Tafsir Al-Razi — البقرة 2:133 – البقرة 2:159
المحتويات
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:135
- البقرة 2:136
- البقرة 2:137
- البقرة 2:138
- البقرة 2:139
- البقرة 2:140
- البقرة 2:141
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:145
- البقرة 2:146
- البقرة 2:147
- البقرة 2:148
- البقرة 2:149
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:152
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:156
- البقرة 2:157
- البقرة 2:158
- البقرة 2:159
البقرة 2:133
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ بالَغَ في وصِيَّةِ بَنِيهِ في الدِّينِ والإسْلامِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّ يَعْقُوبَ وصّى بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، ومُبالَغَةً في البَيانِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ ”أمْ“ مَعْناها حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ، أوْ حَرْفُ العَطْفِ، وهي تُشْبِهُ مِن حُرُوفِ العَطْفِ ”أوْ“ وهي تَأْتِي عَلى وجْهَيْنِ: مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها ومُنْقَطِعَةً مِنهُ، أمّا المُتَّصِلَةُ فاعْلَمْ أنَّكَ إذا قُلْتَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ فَأنْتَ لا تَعْلَمُ كَوْنَ أحَدِهِما عِنْدَهُ فَتَسْألُ: هَلْ أحَدُ هَذَيْنِ عِنْدَكَ فَلا جَرَمَ كانَ جَوابُهُ لا أوْ نَعَمْ، أمّا إذا عَلِمْتَ كَوْنَ أحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ عِنْدَهُ لَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ أنَّ الكائِنَ عِنْدَهُ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو فَسَألْتَهُ عَنِ التَّعْيِينِ قُلْتَ: أزْيَدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ أيِ اعْلَمْ أنَّ أحَدَهُما عِنْدَكَ لَكِنْ أهُوَ هَذا أوْ ذاكَ ؟ وأمّا المُنْقَطِعَةُ فَقالُوا: إنَّها بِمَعْنى ”بَلْ“ مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، مِثالُهُ: إذا قالَ إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ، فَكَأنَّ قائِلَ هَذا الكَلامِ سَبَقَ بَصَرُهُ إلى الأشْخاصِ فَقَدَّرَ أنَّها إبِلٌ فَأخْبَرَ عَلى مُقْتَضى ظَنِّهِ أنَّها الإبِلُ، ثُمَّ جاءَهُ الشَّكُّ وأرادَ أنْ يُضْرِبَ عَنْ ذَلِكَ الخَبَرِ وأنْ يَسْتَفْهِمَ أنَّها هَلْ هي شاءٌ أمْ لا، فالإضْرابُ عَنِ الأوَّلِ هو مَعْنى ”بَلْ“ والِاسْتِفْهامُ عَنْ أنَّها شاءٌ هو المُرادُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقَوْلُكَ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ جارٍ مَجْرى قَوْلِكَ: إنَّها لَإبِلٌ أهِيَ شاءٌ فَقَوْلُكَ: أهِيَ شاءٌ، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: إنَّها لَإبِلٌ، وكَيْفَ وذَلِكَ قَدْ وقَعَ الإضْرابُ عَنْهُ بِخِلافِ المُتَّصِلَةِ فَإنَّ قَوْلَكَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ بِمَعْنى أيُّهُما عِنْدَكَ ولَمْ يَكُنْ ”ما“ بَعْدَ ”أمْ“ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ بِدَلِيلِ أنَّ عَمْرًا قَرِينُ زَيْدٍ وكَفى دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ أنَّكَ تُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ باسِمٍ مُفْرَدٍ فَتَقُولُ: أيُّهُما عِنْدَكَ؟ وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ
صفحة ٦٨
تَعالى مِنَ النَّوْعَيْنِ كَثِيرٌ، أمّا المُتَّصِلَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ [النّازِعاتِ: ٢٨] أيْ أيُّكُما أشَدُّ، وأمّا المُنْقَطِعَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السَّجْدَةِ: ١-٣] واللَّهُ أعْلَمُ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، فَدَلَّ عَلى الإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ والِاسْتِفْهامِ عَمّا بَعْدَهُ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ مَعْنًى، أيْ كَما كانَ في قَوْلِكَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ ومَن لا يُحَقِّقُ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ إنَّ ”أمْ“ هَهُنا بِمَنزِلَةِ الهَمْزَةِ وذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِما ذَكَرْنا أنَّ ”أمْ“ هَذِهِ المُنْقَطِعَةَ: تَتَضَمَّنُ مَعْنى بَلْ، إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: ”أمْ“ في هَذِهِ الآيَةِ مُنْفَصِلَةٌ أمْ مُتَّصِلَةٌ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ أيْ: بَلْ ما كُنْتُمْ شُهَداءَ، ”والشُّهَداءُ“ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ أيْ ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ عِنْدَما حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ، والخِطابَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهم فِيما كانُوا يَزْعُمُونَ مِن أنَّ الدِّينَ الَّذِي هم عَلَيْهِ دِينُ الرُّسُلِ: كَيْفَ تَقُولُونَ ذَلِكَ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ وصايا الأنْبِياءِ بِالدِّينِ ولَوْ شَهِدْتُمْ ذَلِكَ لَتَرَكْتُمْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ ولَرَغِبْتُمْ في دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي هو نَفْسُ ما كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَعْقُوبُ وسائِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَهُ.
فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى كَلامٍ باطِلٍ، والمَحْكِيُّ عَنْ يَعْقُوبَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ كَلامًا باطِلًا بَلْ حَقًّا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ صَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ إلَيْهِ ؟ قُلْنا: الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ مُتَعَلِّقٌ بِمُجَرَّدِ ادِّعائِهِمُ الحُضُورَ عِنْدَ وفاتِهِ هَذا هو الَّذِي أنْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى.
فَأمّا ذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ فَهو كَلامٌ مُفَصَّلٌ بَلْ كَأنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ حُضُورَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الوَصِيَّةِ.
القَوْلُ الثّانِي: في أنَّ ”أمْ“ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَّصِلَةٌ، وطَرِيقُ ذَلِكَ أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أتَدَّعُونَ عَلى الأنْبِياءِ اليَهُودِيَّةَ، أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ؛ يَعْنِي إنَّ أوائِلَكم مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُشاهِدِينَ لَهُ إذْ دَعا بَنِيهِ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَما لَكم تَدَّعُونَ عَلى الأنْبِياءِ ما هم مِنهُ بُرَآءُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ﴾ أنَّ ”إذِ“ الأُولى وقْتَ الشَّهادَةِ، والثّانِيَةَ وقْتَ الحُضُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ شَفَقَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أوْلادِهِمْ كانَتْ في بابِ الدِّينِ وهِمَّتَهم مَصْرُوفَةٌ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ ”ما“ لِغَيْرِ العُقَلاءِ فَكَيْفَ أطْلَقَهُ في المَعْبُودِ الحَقِّ؟
وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ”ما“ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ كَقَوْلِكَ عِنْدَ طَلَبِ الحَدِّ والرَّسْمِ: ما الإنْسانُ ؟ .
صفحة ٦٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِي﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَمَسَّكَ بِها فَرِيقانِ مِن أهْلِ الجَهْلِ:
الأوَّلُ: المُقَلِّدَةُ قالُوا: إنَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ اكْتَفَوْا بِالتَّقْلِيدِ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ كافٍ.
الثّانِي: التَّعْلِيمِيَّةُ. قالُوا: لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ إلّا بِتَعْلِيمِ الرَّسُولِ والإمامِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّهم لَمْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ الإلَهَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ، بَلْ قالُوا: نَعْبُدُ الإلَهَ الَّذِي أنْتَ تَعْبُدُهُ وآباؤُكَ يَعْبُدُونَهُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ طَرِيقَ المَعْرِفَةِ هو التَّعَلُّمُ.
والجَوابُ: كَما أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم عَرَفُوا الإلَهَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، فَلَيْسَ فِيها أيْضًا دَلالَةً عَلى أنَّهم ما أقَرُّوا بِالإلَهِ إلّا عَلى طَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ والتَّعْلِيمِ، ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ والتَّعْلِيمِ لَمّا بَطَلَ بِالدَّلِيلِ عَلِمْنا أنَّ إيمانَ القَوْمِ ما كانَ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بَلْ كانَ حاصِلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: فَلِمَ لَمْ يَذْكُرُوا طَرِيقَةَ الِاسْتِدْلالِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ ذَلِكَ أخْصَرُ في القَوْلِ مِن شَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِتَوْحِيدِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وعَدْلِهِ.
وثانِيها: أنَّهُ أقْرَبُ إلى سُكُونِ نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَأنَّهم قالُوا: لَسْنا نَجْرِي إلّا عَلى مِثْلِ طَرِيقَتِكَ فَلا خِلافَ مِنّا عَلَيْكَ فِيما نَعْبُدُهُ ونُخْلِصُ العِبادَةَ لَهُ.
وثالِثُها: لَعَلَّ هَذا إشارَةٌ إلى ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وهَهُنا مُرادُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ﴾ أيْ: نَعْبُدُ الإلَهَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ وُجُودُكَ ووُجُودُ آبائِكَ وعَلى هَذا الطَّرِيقِ يَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى الِاسْتِدْلالِ لا إلى التَّقْلِيدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ مِصْرَ رَأى أهْلَها يَعْبُدُونَ النِّيرانَ والأوْثانَ فَخافَ عَلى بَنِيهِ بَعْدَ وفاتِهِ، فَقالَ لَهم هَذا القَوْلَ تَحْرِيضًا لَهم عَلى التَّمَسُّكِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى.
وحَكى القاضِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمَعَهم إلَيْهِ عِنْدَ الوَفاةِ، وهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ والنِّيرانَ، فَقالَ: يا بَنِيَّ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي؟ قالُوا: نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ ثُمَّ قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم بادَرُوا إلى الِاعْتِرافِ بِالتَّوْحِيدِ مُبادَرَةَ مَن تَقَدَّمَ مِنهُ العِلْمُ واليَقِينُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الكِتابِ حالَ الأسْباطِ مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ وأنَّهم كانُوا قَوْمًا صالِحِينَ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِآبائِكَ. قالَهُ القَفّالُ: وقِيلَ أنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ إسْماعِيلَ عَلى إسْحاقَ لِأنَّ إسْماعِيلَ كانَ أسَنَّ مِن إسْحاقَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الإخْوَةُ والأخَواتُ لِلْأبِ والأُمِّ أوْ لِلْأبِ لا يَسْقُطُونَ بِالجَدِّ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وزَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنَّهم يَسْقُطُونَ بِالجَدِّ وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، ومِنَ التّابِعِينَ قَوْلُ الحَسَنِ وطاوُسٍ وعَطاءٍ، أمّا الأوَّلُونَ وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهم لا يَسْقُطُونَ بِالجَدِّ فَلَهم قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الجَدَّ خُيِّرَ الأمْرَيْنِ: إمّا المُقاسَمَةَ مَعَهم أوْ ثُلُثَ جَمِيعِ المالِ، ثُمَّ الباقِي بَيْنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ
صفحة ٧٠
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وهَذا مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وقَوْلُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّهُ بِمَنزِلَةِ أحَدِ الإخْوَةِ ما لَمْ تَنْقُصْهُ المُقاسَمَةُ مِنَ السُّدُسِ فَإنْ نَقَصَتْهُ المُقاسَمَةُ مِنَ السُّدُسِ أُعْطِيَ السُّدُسَ ولَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْءٌ واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ الجَدَّ أبٌ والأبَ يَحْجُبُ الأخَواتِ والإخْوَةَ فَيَلْزَمُ أنْ يَحْجُبَهُمُ الجَدُّ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الجَدَّ أبٌ لِلْآيَةِ والأثَرِ.
أمّا الآيَةُ فاثْنانِ هَذِهِ الآيَةُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ فَأطْلَقَ لَفْظَ الأبِ عَلى الجَدِّ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ أطْلَقَهُ في العَمِّ وهو إسْماعِيلُ مَعَ أنَّهُ بِالِاتِّفاقِ لَيْسَ بِأبٍ.
قُلْنا: الِاسْتِعْمالُ دَلِيلُ الحَقِيقَةِ ظاهِرًا، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ العَمِّ لِدَلِيلٍ قامَ فِيهِ فَيَبْقى في الباقِي حُجَّةُ الآيَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [يُوسُفَ: ٣٨] .
وأمّا الأثَرُ فَما رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ عِنْدَ الحَجَرِ الأسْوَدِ، إنَّ الجَدَّ أبٌ، وقالَ أيْضًا: ألا لا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا ولا يَجْعَلُ أبَ الأبِ أبًا، وإذا ثَبَتَ أنَّ الجَدَّ أبٌ وجَبَ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النِّساءِ: ١١] في اسْتِحْقاقِ الجَدِّ الثُّلُثَيْنِ دُونَ الإخْوَةِ كَما اسْتَحَقَّهُ الأبُ دُونَهم إذا كانَ باقِيًا، قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الجَدَّ أبٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّكم كَما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّ الجَدَّ أبٌ، فَنَحْنُ نَسْتَدِلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأبٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٢] فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ما أدْخَلَ يَعْقُوبَ في بَنِيهِ لِأنَّهُ مَيَّزَهُ عَنْهم، فَلَوْ كانَ الصّاعِدُ في الأُبُوَّةِ أبًا لَكانَ النّازِلُ في البُنُوَّةِ ابْنًا في الحَقِيقَةِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ الجَدَّ لَيْسَ بِأبٍ.
وثانِيها: لَوْ كانَ الجَدُّ أبًا عَلى الحَقِيقَةِ لَما صَحَّ لِمَن ماتَ أبُوهُ وجَدُّهُ حَيٌّ أنْ يُنْفى أنَّ لَهُ أبًا، كَما لا يَصِحُّ في الأبِ القَرِيبِ ولَمّا صَحَّ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ بِأبٍ في الحَقِيقَةِ.
فَإنْ قِيلَ: اسْمُ الأُبُوَّةِ وإنْ حَصَلَ في الكُلِّ إلّا أنَّ رُتْبَةَ الأدْنى أقْرَبُ مِن رُتْبَةِ الأبْعَدِ فَلِذَلِكَ صَحَّ فِيهِ النَّفْيُ.
قُلْنا: لَوْ كانَ الِاسْمُ حَقِيقَةً فِيهِما جَمِيعًا لَمْ يَكُنِ التَّرْتِيبُ في الوُجُودِ سَبَبًا لِنَفْيِ اسْمِ الأبِ عَنْهُ.
وثالِثُها: لَوْ كانَ الجَدُّ أبًا عَلى الحَقِيقَةِ لَصَحَّ القَوْلُ بِأنَّهُ ماتَ وخَلَّفَ أُمًّا وآباءً كَثِيرِينَ وذَلِكَ مِمّا لَمْ يُطْلِقْهُ أحَدٌ مِنَ الفُقَهاءِ وأرْبابِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ.
ورابِعُها: لَوْ كانَ الجَدُّ أبًا ولا شَكَّ أنَّ الصَّحابَةَ عارِفُونَ بِاللُّغَةِ لَما كانُوا يَخْتَلِفُونَ في مِيراثِ الجَدِّ، ولَوْ كانَ الجَدُّ أبًا لَكانَتِ الجَدَّةُ أُمًّا، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما وقَعَتِ الشُّبْهَةُ في مِيراثِ الجَدَّةِ حَتّى يَحْتاجَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى السُّؤالِ عَنْهُ، فَهَذِهِ الدَّلائِلُ دَلَّتْ عَلى أنَّ الجَدَّ لَيْسَ بِأبٍ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النِّساءِ: ١١] فَلَوْ كانَ الجَدُّ أبًا لَكانَ ابْنُ الِابْنِ ابْنًا لا مَحالَةَ فَكانَ يَلْزَمُ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ حُصُولُ المِيراثِ لِابْنِ الِابْنِ مَعَ قِيامِ الِابْنِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الجَدَّ لَيْسَ بِأبٍ، فَأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِها في بَيانِ أنَّ الجَدَّ أبٌ فالجَوابُ عَنْ وجْهِ التَّمَسُّكِ بِها مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّهُ قَرَأ أُبَيٌّ: (وإلَهَ إبْراهِيمَ) بِطَرْحِ آبائِكَ إلّا أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ في الغَرَضِ لِأنَّ القِراءَةَ الشّاذَّةَ لا تَدْفَعُ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ، بَلِ الجَوابُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أطْلَقَ لَفْظَ الأبِ عَلى الجَدِّ وعَلى العَمِّ؛ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في العَبّاسِ: ”هَذا بَقِيَّةُ آبائِي“ وقالَ: ”رُدُّوا عَلَيَّ أبِي“ فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ
صفحة ٧١
المَجازِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا أنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُ اسْمِ الأبِ عَنِ الجَدِّ، ولَوْ كانَ حَقِيقَةً لَما كانَ كَذَلِكَ، وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّما أطْلَقَ الِاسْمَ عَلَيْهِ نَظَرًا إلى الحُكْمِ لا إلى الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ لِأنَّ اللُّغاتِ لا يَقَعُ الخِلافُ فِيها بَيْنَ أرْبابِ اللِّسانِ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهًا واحِدًا﴾ فَهو بَدَلُ ﴿وإلَهَ آبائِكَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ [العَلَقِ: ١٦، ١٥] أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ تُرِيدُ بِإلَهِ آبائِكَ إلَهًا واحِدًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ نَعْبُدُ أوْ مِن مَفْعُولِهِ لِرُجُوعِ الهاءِ إلَيْهِ في ”لَهُ“ .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى نَعْبُدُ.
وثالِثُها: أنْ تَكُونَ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً مُؤَكِّدَةً، أيْ ومِن حالِنا أنّا لَهُ مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ لِلتَّوْحِيدِ أوْ مُذْعِنُونَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى مَن ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهم إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ وبَنُوهُ المُوَحِّدُونَ. و”الأُمَّةُ“ الصِّنْفُ. ”خَلَتْ“ سَلَفَتْ ومَضَتْ وانْقَرَضَتْ، والمَعْنى أنِّي اقْتَصَصْتُ عَلَيْكم أخْبارَهم وما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ فَلَيْسَ لَكم نَفْعٌ في سِيرَتِهِمْ دُونَ أنْ تَفْعَلُوا ما فَعَلُوهُ، فَإنْ أنْتُمْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ انْتَفَعْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ لَمْ تَنْتَفِعُوا بِأفْعالِهِمْ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَسْبَ كُلِّ أحَدٍ يَخْتَصُّ بِهِ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ التَّقْلِيدُ جائِزًا لَكانَ كَسْبُ المَتْبُوعِ نافِعًا لِلتّابِعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي ما ذَكَرْتُ حِكايَةَ أحْوالِهِمْ طَلَبًا مِنكم أنْ تُقَلِّدُوهم، ولَكِنْ لِتُنَبَّهُوا عَلى ما يَلْزَمُكم فَتَسْتَدِلُّوا وتَعْلَمُوا أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المِلَّةِ هو الحَقُّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى تَرْغِيبِهِمْ في الإيمانِ، واتِّباعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَحْذِيرِهِمْ مِن مُخالَفَتِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأبْناءَ لا يُثابُونَ عَلى طاعَةِ الآباءِ بِخِلافِ قَوْلِ اليَهُودِ مِن أنَّ صَلاحَ آبائِهِمْ يَنْفَعُهم، وتَحْقِيقُهُ ما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، ائْتُونِي يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِكم لا بِأنْسابِكم فَإنِّي لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» “ . وقالَ: ”«ومَن أبْطَأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» “ . وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠١] وقالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النِّساءِ: ١٢٣] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ [الأنْعامِ: ١٦٤]، ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنْعامِ: ١٦٤] وقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ [النُّورِ: ٥٤] .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الأبْناءُ يُعَذَّبُونَ بِكُفْرِ آبائِهِمْ، وكانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: إنَّهم يُعَذَّبُونَ في النّارِ لِكُفْرِ آبائِهِمْ بِاتِّخاذِ العِجْلِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٨٠] وهي أيّامُ عِبادَةِ العِجْلِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ ذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَبْدَ مُكْتَسِبٌ وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةُ في تَفْسِيرِ الكَسْبِ، أمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مَعْنى كَوْنِ العَبْدِ مُكْتَسِبًا دُخُولَ شَيْءٍ مِنَ الأعْراضِ بِقُدْرَتِهِ
صفحة ٧٢
مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ثُمَّ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى هَذا الأصْلِ ذَكَرُوا لِهَذا الكَسْبِ ثَلاثَ تَفْسِيراتٍ.
أحَدُها: وهو قَوْلُ الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ القُدْرَةَ صِفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَقْدُورِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرِ القُدْرَةِ في المَقْدُورِ، بَلِ القُدْرَةُ والمَقْدُورُ حَصَلا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، كَما أنَّ العِلْمَ والمَعْلُومَ حَصَلا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وهو مُتَعَلِّقُ القُدْرَةِ الحادِثَةِ هو الكَسْبُ.
وثانِيها: أنَّ ذاتَ الفِعْلِ تُوجَدُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَحْصُلُ لِذَلِكَ الفِعْلِ وصْفُ كَوْنِهِ طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً وهَذِهِ الصِّفَةُ حاصِلَةٌ بِالقُدْرَةِ الحادِثَةِ؛ وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ.
وثالِثُها: أنَّ القُدْرَةَ الحادِثَةَ والقُدْرَةَ القَدِيمَةَ، إذا تَعَلَّقَتا بِمَقْدُورٍ واحِدٍ وقَعَ المَقْدُورُ بِهِما، وكَأنَّ فِعْلَ العَبْدِ وقَعَ بِإعانَةِ اللَّهِ، فَهَذا هو الكَسْبُ وهَذا يُعْزى إلى أبِي إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيِّ لِأنَّهُ يُرْوى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الكَسْبُ والفِعْلُ الواقِعُ بِالمُعِينِ.
أمّا القائِلُونَ بِأنَّ القُدْرَةَ الحادِثَةَ مُؤَثِّرَةٌ، فَهم فَرِيقانِ:
الأوَّلُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأنَّ القُدْرَةَ مَعَ الدّاعِي تُوجِبُ الفِعْلَ، فاللَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِلْكُلِّ بِمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي وضَعَ الأسْبابَ المُؤَدِّيَةَ إلى دُخُولِ هَذِهِ الأفْعالِ في الوُجُودِ والعَبْدُ هو المُكْتَسِبُ بِمَعْنى أنَّ المُؤَثِّرَ في وُقُوعِ فِعْلِهِ هو القُدْرَةُ، والدّاعِيَةُ القائِمَتانِ بِهِ، وهَذا مَذْهَبُ إمامِ الحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى اخْتارَهُ في الكِتابِ الَّذِي سَمّاهُ بِالنِّظامِيَّةِ ويَقْرُبُ قَوْلُ أبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ مِنهُ وإنْ كانَ لا يُصَرِّحُ بِهِ.
الفَرِيقُ الثّانِي مِنَ المُعْتَزِلَةِ: وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: القُدْرَةُ مَعَ الدّاعِي لا تُوجِبُ الفِعْلَ، بَلِ العَبْدُ قادِرٌ عَلى الفِعْلِ والتَّرْكِ مُتَمَكِّنٌ مِنهُما، إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ تَرَكَ، وهَذا الفِعْلُ والكَسْبُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لِلْأشْعَرِيِّ: إذا كانَ مَقْدُورُ العَبْدِ واقِعًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا خَلَقَهُ فِيهِ: اسْتَحالَ مِنَ العَبْدِ أنْ لا يَتَّصِفَ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِذَلِكَ الفِعْلِ، وإذا لَمْ يَخْلُقْهُ فِيهِ: اسْتَحالَ مِنهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ.
وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ البَتَّةَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، ولا مَعْنى لِلْقادِرِ إلّا ذَلِكَ، فالعَبْدُ البَتَّةَ غَيْرُ قادِرٍ، وأيْضًا فَهَذا الَّذِي هو مُكْتَسَبُ العَبْدِ. إمّا أنْ يَكُونَ واقِعًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ لَمْ يَقَعِ البَتَّةَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ وقَعَ بِالقُدْرَتَيْنِ مَعًا، فَإنْ وقَعَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنِ العَبْدُ فِيهِ مُؤَثِّرًا فَكَيْفَ يَكُونُ مُكْتَسِبًا لَهُ ؟ وإنْ وقَعَ بِقُدْرَةِ العَبْدِ فَهَذا هو المَطْلُوبُ.
وإنْ وقَعَ بِالقُدْرَتَيْنِ مَعًا فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِلَّةٌ بِالإيقاعِ، فَعِنْدَ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِ، فَكَيْفَ يَبْقى لِقُدْرَةِ العَبْدِ فِيهِ أثَرٌ، وأمّا قَوْلُ الباقِلّانِيِّ فَضَعِيفٌ، لِأنَّ المُحَرَّمَ مِنَ الجُلُوسِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ لَيْسَ إلّا شَغْلَ تِلْكَ الأحْيازِ، فَهَذا الشَّغْلُ إنْ حَصَلَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَنَفْسُ المَنهِيِّ عَنْهُ قَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وهَذا هو عَيْنُ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وإنْ حَصَلَ بِقُدْرَةِ العَبْدِ فَهو المَطْلُوبُ.
وأمّا قَوْلُ الإسْفَرايِينِيِّ فَضَعِيفٌ لِما بَيَّنّا أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِلَّةٌ بِالتَّأْثِيرِ، فَلا يَبْقى لِقُدْرَةِ العَبْدِ مَعَها أثَرٌ البَتَّةَ. قالَ أهْلُ السُّنَّةِ: كَوْنُ العَبْدِ مُسْتَقِلًّا بِالإيجادِ والخَلْقِ مُحالٌ لِوُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ العَبْدَ لَوْ كانَ مُوجِدًا لِأفْعالِهِ، لَكانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِ فِعْلِهِ، وهو غَيْرُ عالِمٍ بِتِلْكَ التَّفاصِيلِ، فَهو غَيْرُ مُوجِدٍ لَها.
وثانِيها: لَوْ كانَ العَبْدُ مُوجِدًا لِفِعْلِ نَفْسِهِ؛ لَما وقَعَ إلّا ما أرادَهُ العَبْدُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّ الكافِرَ يَقْصِدُ تَحْصِيلَ العِلْمِ فَلا يُحَصِّلُ إلّا الجَهْلَ.
وثالِثُها: لَوْ كانَ العَبْدُ مُوجِدًا لِفِعْلِ نَفْسِهِ لَكانَ كَوْنُهُ مُوجِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ زائِدًا عَلى ذاتِ ذَلِكَ الفِعْلِ
صفحة ٧٣
وذاتِ القُدْرَةِ لِأنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نَعْقِلَ ذاتَ الفِعْلِ وذاتَ القُدْرَةِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ كَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لَهُ، والمَعْقُولُ غَيْرُ المَغْفُولِ عَنْهُ، ثُمَّ تِلْكَ المُوجِدِيَّةُ حادِثَةٌ، فَإنْ كانَ حُدُوثُها بِالعَبْدِ لَزِمَ افْتِقارُها إلى مُوجِدِيَّةٍ أُخْرى، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى والأثَرُ واجِبَ الحُصُولِ عِنْدَ حُصُولِ المُوجِدِيَّةِ فَيَلْزَمُ اسْتِنادُ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْزَمُنا ذَلِكَ في مُوجِدِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ قَدِيمٌ، فَكانَتْ مُوجِدِيَّتُهُ قَدِيمَةً، فَلا يَلْزَمُ افْتِقارُ تِلْكَ المَوْجُودِيَّةِ إلى مَوْجُودِيَّةٍ أُخْرى.
هَذا مُلَخَّصُ الكَلامِ مِنَ الجانِبَيْنِ والمُنازَعاتُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في الألْفاظِ والمَعانِي كَثِيرَةٌ واللَّهُ الهادِي.
البقرة 2:134
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ بالَغَ في وصِيَّةِ بَنِيهِ في الدِّينِ والإسْلامِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّ يَعْقُوبَ وصّى بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، ومُبالَغَةً في البَيانِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ ”أمْ“ مَعْناها حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ، أوْ حَرْفُ العَطْفِ، وهي تُشْبِهُ مِن حُرُوفِ العَطْفِ ”أوْ“ وهي تَأْتِي عَلى وجْهَيْنِ: مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها ومُنْقَطِعَةً مِنهُ، أمّا المُتَّصِلَةُ فاعْلَمْ أنَّكَ إذا قُلْتَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ فَأنْتَ لا تَعْلَمُ كَوْنَ أحَدِهِما عِنْدَهُ فَتَسْألُ: هَلْ أحَدُ هَذَيْنِ عِنْدَكَ فَلا جَرَمَ كانَ جَوابُهُ لا أوْ نَعَمْ، أمّا إذا عَلِمْتَ كَوْنَ أحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ عِنْدَهُ لَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ أنَّ الكائِنَ عِنْدَهُ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو فَسَألْتَهُ عَنِ التَّعْيِينِ قُلْتَ: أزْيَدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ أيِ اعْلَمْ أنَّ أحَدَهُما عِنْدَكَ لَكِنْ أهُوَ هَذا أوْ ذاكَ ؟ وأمّا المُنْقَطِعَةُ فَقالُوا: إنَّها بِمَعْنى ”بَلْ“ مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، مِثالُهُ: إذا قالَ إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ، فَكَأنَّ قائِلَ هَذا الكَلامِ سَبَقَ بَصَرُهُ إلى الأشْخاصِ فَقَدَّرَ أنَّها إبِلٌ فَأخْبَرَ عَلى مُقْتَضى ظَنِّهِ أنَّها الإبِلُ، ثُمَّ جاءَهُ الشَّكُّ وأرادَ أنْ يُضْرِبَ عَنْ ذَلِكَ الخَبَرِ وأنْ يَسْتَفْهِمَ أنَّها هَلْ هي شاءٌ أمْ لا، فالإضْرابُ عَنِ الأوَّلِ هو مَعْنى ”بَلْ“ والِاسْتِفْهامُ عَنْ أنَّها شاءٌ هو المُرادُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقَوْلُكَ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ جارٍ مَجْرى قَوْلِكَ: إنَّها لَإبِلٌ أهِيَ شاءٌ فَقَوْلُكَ: أهِيَ شاءٌ، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: إنَّها لَإبِلٌ، وكَيْفَ وذَلِكَ قَدْ وقَعَ الإضْرابُ عَنْهُ بِخِلافِ المُتَّصِلَةِ فَإنَّ قَوْلَكَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ بِمَعْنى أيُّهُما عِنْدَكَ ولَمْ يَكُنْ ”ما“ بَعْدَ ”أمْ“ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ بِدَلِيلِ أنَّ عَمْرًا قَرِينُ زَيْدٍ وكَفى دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ أنَّكَ تُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ باسِمٍ مُفْرَدٍ فَتَقُولُ: أيُّهُما عِنْدَكَ؟ وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ
صفحة ٦٨
تَعالى مِنَ النَّوْعَيْنِ كَثِيرٌ، أمّا المُتَّصِلَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ [النّازِعاتِ: ٢٨] أيْ أيُّكُما أشَدُّ، وأمّا المُنْقَطِعَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السَّجْدَةِ: ١-٣] واللَّهُ أعْلَمُ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، فَدَلَّ عَلى الإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ والِاسْتِفْهامِ عَمّا بَعْدَهُ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ مَعْنًى، أيْ كَما كانَ في قَوْلِكَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ ومَن لا يُحَقِّقُ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ إنَّ ”أمْ“ هَهُنا بِمَنزِلَةِ الهَمْزَةِ وذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِما ذَكَرْنا أنَّ ”أمْ“ هَذِهِ المُنْقَطِعَةَ: تَتَضَمَّنُ مَعْنى بَلْ، إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: ”أمْ“ في هَذِهِ الآيَةِ مُنْفَصِلَةٌ أمْ مُتَّصِلَةٌ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ أيْ: بَلْ ما كُنْتُمْ شُهَداءَ، ”والشُّهَداءُ“ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ أيْ ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ عِنْدَما حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ، والخِطابَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهم فِيما كانُوا يَزْعُمُونَ مِن أنَّ الدِّينَ الَّذِي هم عَلَيْهِ دِينُ الرُّسُلِ: كَيْفَ تَقُولُونَ ذَلِكَ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ وصايا الأنْبِياءِ بِالدِّينِ ولَوْ شَهِدْتُمْ ذَلِكَ لَتَرَكْتُمْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ ولَرَغِبْتُمْ في دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي هو نَفْسُ ما كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَعْقُوبُ وسائِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَهُ.
فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى كَلامٍ باطِلٍ، والمَحْكِيُّ عَنْ يَعْقُوبَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ كَلامًا باطِلًا بَلْ حَقًّا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ صَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ إلَيْهِ ؟ قُلْنا: الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ مُتَعَلِّقٌ بِمُجَرَّدِ ادِّعائِهِمُ الحُضُورَ عِنْدَ وفاتِهِ هَذا هو الَّذِي أنْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى.
فَأمّا ذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ فَهو كَلامٌ مُفَصَّلٌ بَلْ كَأنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ حُضُورَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الوَصِيَّةِ.
القَوْلُ الثّانِي: في أنَّ ”أمْ“ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَّصِلَةٌ، وطَرِيقُ ذَلِكَ أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أتَدَّعُونَ عَلى الأنْبِياءِ اليَهُودِيَّةَ، أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ؛ يَعْنِي إنَّ أوائِلَكم مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُشاهِدِينَ لَهُ إذْ دَعا بَنِيهِ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَما لَكم تَدَّعُونَ عَلى الأنْبِياءِ ما هم مِنهُ بُرَآءُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ﴾ أنَّ ”إذِ“ الأُولى وقْتَ الشَّهادَةِ، والثّانِيَةَ وقْتَ الحُضُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ شَفَقَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أوْلادِهِمْ كانَتْ في بابِ الدِّينِ وهِمَّتَهم مَصْرُوفَةٌ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ ”ما“ لِغَيْرِ العُقَلاءِ فَكَيْفَ أطْلَقَهُ في المَعْبُودِ الحَقِّ؟
وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ”ما“ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ كَقَوْلِكَ عِنْدَ طَلَبِ الحَدِّ والرَّسْمِ: ما الإنْسانُ ؟ .
صفحة ٦٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِي﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَمَسَّكَ بِها فَرِيقانِ مِن أهْلِ الجَهْلِ:
الأوَّلُ: المُقَلِّدَةُ قالُوا: إنَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ اكْتَفَوْا بِالتَّقْلِيدِ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ كافٍ.
الثّانِي: التَّعْلِيمِيَّةُ. قالُوا: لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ إلّا بِتَعْلِيمِ الرَّسُولِ والإمامِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّهم لَمْ يَقُولُوا: نَعْبُدُ الإلَهَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ، بَلْ قالُوا: نَعْبُدُ الإلَهَ الَّذِي أنْتَ تَعْبُدُهُ وآباؤُكَ يَعْبُدُونَهُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ طَرِيقَ المَعْرِفَةِ هو التَّعَلُّمُ.
والجَوابُ: كَما أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم عَرَفُوا الإلَهَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، فَلَيْسَ فِيها أيْضًا دَلالَةً عَلى أنَّهم ما أقَرُّوا بِالإلَهِ إلّا عَلى طَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ والتَّعْلِيمِ، ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ والتَّعْلِيمِ لَمّا بَطَلَ بِالدَّلِيلِ عَلِمْنا أنَّ إيمانَ القَوْمِ ما كانَ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بَلْ كانَ حاصِلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: فَلِمَ لَمْ يَذْكُرُوا طَرِيقَةَ الِاسْتِدْلالِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ ذَلِكَ أخْصَرُ في القَوْلِ مِن شَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِتَوْحِيدِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وعَدْلِهِ.
وثانِيها: أنَّهُ أقْرَبُ إلى سُكُونِ نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَأنَّهم قالُوا: لَسْنا نَجْرِي إلّا عَلى مِثْلِ طَرِيقَتِكَ فَلا خِلافَ مِنّا عَلَيْكَ فِيما نَعْبُدُهُ ونُخْلِصُ العِبادَةَ لَهُ.
وثالِثُها: لَعَلَّ هَذا إشارَةٌ إلى ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وهَهُنا مُرادُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ﴾ أيْ: نَعْبُدُ الإلَهَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ وُجُودُكَ ووُجُودُ آبائِكَ وعَلى هَذا الطَّرِيقِ يَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى الِاسْتِدْلالِ لا إلى التَّقْلِيدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ مِصْرَ رَأى أهْلَها يَعْبُدُونَ النِّيرانَ والأوْثانَ فَخافَ عَلى بَنِيهِ بَعْدَ وفاتِهِ، فَقالَ لَهم هَذا القَوْلَ تَحْرِيضًا لَهم عَلى التَّمَسُّكِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى.
وحَكى القاضِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمَعَهم إلَيْهِ عِنْدَ الوَفاةِ، وهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ والنِّيرانَ، فَقالَ: يا بَنِيَّ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي؟ قالُوا: نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ ثُمَّ قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم بادَرُوا إلى الِاعْتِرافِ بِالتَّوْحِيدِ مُبادَرَةَ مَن تَقَدَّمَ مِنهُ العِلْمُ واليَقِينُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الكِتابِ حالَ الأسْباطِ مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ وأنَّهم كانُوا قَوْمًا صالِحِينَ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِآبائِكَ. قالَهُ القَفّالُ: وقِيلَ أنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ إسْماعِيلَ عَلى إسْحاقَ لِأنَّ إسْماعِيلَ كانَ أسَنَّ مِن إسْحاقَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الإخْوَةُ والأخَواتُ لِلْأبِ والأُمِّ أوْ لِلْأبِ لا يَسْقُطُونَ بِالجَدِّ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وزَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنَّهم يَسْقُطُونَ بِالجَدِّ وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، ومِنَ التّابِعِينَ قَوْلُ الحَسَنِ وطاوُسٍ وعَطاءٍ، أمّا الأوَّلُونَ وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهم لا يَسْقُطُونَ بِالجَدِّ فَلَهم قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الجَدَّ خُيِّرَ الأمْرَيْنِ: إمّا المُقاسَمَةَ مَعَهم أوْ ثُلُثَ جَمِيعِ المالِ، ثُمَّ الباقِي بَيْنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ
صفحة ٧٠
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وهَذا مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وقَوْلُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّهُ بِمَنزِلَةِ أحَدِ الإخْوَةِ ما لَمْ تَنْقُصْهُ المُقاسَمَةُ مِنَ السُّدُسِ فَإنْ نَقَصَتْهُ المُقاسَمَةُ مِنَ السُّدُسِ أُعْطِيَ السُّدُسَ ولَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْءٌ واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ الجَدَّ أبٌ والأبَ يَحْجُبُ الأخَواتِ والإخْوَةَ فَيَلْزَمُ أنْ يَحْجُبَهُمُ الجَدُّ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الجَدَّ أبٌ لِلْآيَةِ والأثَرِ.
أمّا الآيَةُ فاثْنانِ هَذِهِ الآيَةُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ فَأطْلَقَ لَفْظَ الأبِ عَلى الجَدِّ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ أطْلَقَهُ في العَمِّ وهو إسْماعِيلُ مَعَ أنَّهُ بِالِاتِّفاقِ لَيْسَ بِأبٍ.
قُلْنا: الِاسْتِعْمالُ دَلِيلُ الحَقِيقَةِ ظاهِرًا، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ العَمِّ لِدَلِيلٍ قامَ فِيهِ فَيَبْقى في الباقِي حُجَّةُ الآيَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [يُوسُفَ: ٣٨] .
وأمّا الأثَرُ فَما رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ عِنْدَ الحَجَرِ الأسْوَدِ، إنَّ الجَدَّ أبٌ، وقالَ أيْضًا: ألا لا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا ولا يَجْعَلُ أبَ الأبِ أبًا، وإذا ثَبَتَ أنَّ الجَدَّ أبٌ وجَبَ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النِّساءِ: ١١] في اسْتِحْقاقِ الجَدِّ الثُّلُثَيْنِ دُونَ الإخْوَةِ كَما اسْتَحَقَّهُ الأبُ دُونَهم إذا كانَ باقِيًا، قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الجَدَّ أبٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّكم كَما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّ الجَدَّ أبٌ، فَنَحْنُ نَسْتَدِلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأبٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٢] فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ما أدْخَلَ يَعْقُوبَ في بَنِيهِ لِأنَّهُ مَيَّزَهُ عَنْهم، فَلَوْ كانَ الصّاعِدُ في الأُبُوَّةِ أبًا لَكانَ النّازِلُ في البُنُوَّةِ ابْنًا في الحَقِيقَةِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ الجَدَّ لَيْسَ بِأبٍ.
وثانِيها: لَوْ كانَ الجَدُّ أبًا عَلى الحَقِيقَةِ لَما صَحَّ لِمَن ماتَ أبُوهُ وجَدُّهُ حَيٌّ أنْ يُنْفى أنَّ لَهُ أبًا، كَما لا يَصِحُّ في الأبِ القَرِيبِ ولَمّا صَحَّ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ بِأبٍ في الحَقِيقَةِ.
فَإنْ قِيلَ: اسْمُ الأُبُوَّةِ وإنْ حَصَلَ في الكُلِّ إلّا أنَّ رُتْبَةَ الأدْنى أقْرَبُ مِن رُتْبَةِ الأبْعَدِ فَلِذَلِكَ صَحَّ فِيهِ النَّفْيُ.
قُلْنا: لَوْ كانَ الِاسْمُ حَقِيقَةً فِيهِما جَمِيعًا لَمْ يَكُنِ التَّرْتِيبُ في الوُجُودِ سَبَبًا لِنَفْيِ اسْمِ الأبِ عَنْهُ.
وثالِثُها: لَوْ كانَ الجَدُّ أبًا عَلى الحَقِيقَةِ لَصَحَّ القَوْلُ بِأنَّهُ ماتَ وخَلَّفَ أُمًّا وآباءً كَثِيرِينَ وذَلِكَ مِمّا لَمْ يُطْلِقْهُ أحَدٌ مِنَ الفُقَهاءِ وأرْبابِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ.
ورابِعُها: لَوْ كانَ الجَدُّ أبًا ولا شَكَّ أنَّ الصَّحابَةَ عارِفُونَ بِاللُّغَةِ لَما كانُوا يَخْتَلِفُونَ في مِيراثِ الجَدِّ، ولَوْ كانَ الجَدُّ أبًا لَكانَتِ الجَدَّةُ أُمًّا، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما وقَعَتِ الشُّبْهَةُ في مِيراثِ الجَدَّةِ حَتّى يَحْتاجَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى السُّؤالِ عَنْهُ، فَهَذِهِ الدَّلائِلُ دَلَّتْ عَلى أنَّ الجَدَّ لَيْسَ بِأبٍ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النِّساءِ: ١١] فَلَوْ كانَ الجَدُّ أبًا لَكانَ ابْنُ الِابْنِ ابْنًا لا مَحالَةَ فَكانَ يَلْزَمُ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ حُصُولُ المِيراثِ لِابْنِ الِابْنِ مَعَ قِيامِ الِابْنِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الجَدَّ لَيْسَ بِأبٍ، فَأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِها في بَيانِ أنَّ الجَدَّ أبٌ فالجَوابُ عَنْ وجْهِ التَّمَسُّكِ بِها مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّهُ قَرَأ أُبَيٌّ: (وإلَهَ إبْراهِيمَ) بِطَرْحِ آبائِكَ إلّا أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ في الغَرَضِ لِأنَّ القِراءَةَ الشّاذَّةَ لا تَدْفَعُ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ، بَلِ الجَوابُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أطْلَقَ لَفْظَ الأبِ عَلى الجَدِّ وعَلى العَمِّ؛ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في العَبّاسِ: ”هَذا بَقِيَّةُ آبائِي“ وقالَ: ”رُدُّوا عَلَيَّ أبِي“ فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ
صفحة ٧١
المَجازِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا أنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُ اسْمِ الأبِ عَنِ الجَدِّ، ولَوْ كانَ حَقِيقَةً لَما كانَ كَذَلِكَ، وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّما أطْلَقَ الِاسْمَ عَلَيْهِ نَظَرًا إلى الحُكْمِ لا إلى الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ لِأنَّ اللُّغاتِ لا يَقَعُ الخِلافُ فِيها بَيْنَ أرْبابِ اللِّسانِ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهًا واحِدًا﴾ فَهو بَدَلُ ﴿وإلَهَ آبائِكَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ [العَلَقِ: ١٦، ١٥] أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ تُرِيدُ بِإلَهِ آبائِكَ إلَهًا واحِدًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ نَعْبُدُ أوْ مِن مَفْعُولِهِ لِرُجُوعِ الهاءِ إلَيْهِ في ”لَهُ“ .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى نَعْبُدُ.
وثالِثُها: أنْ تَكُونَ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً مُؤَكِّدَةً، أيْ ومِن حالِنا أنّا لَهُ مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ لِلتَّوْحِيدِ أوْ مُذْعِنُونَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى مَن ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهم إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ وبَنُوهُ المُوَحِّدُونَ. و”الأُمَّةُ“ الصِّنْفُ. ”خَلَتْ“ سَلَفَتْ ومَضَتْ وانْقَرَضَتْ، والمَعْنى أنِّي اقْتَصَصْتُ عَلَيْكم أخْبارَهم وما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ فَلَيْسَ لَكم نَفْعٌ في سِيرَتِهِمْ دُونَ أنْ تَفْعَلُوا ما فَعَلُوهُ، فَإنْ أنْتُمْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ انْتَفَعْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ لَمْ تَنْتَفِعُوا بِأفْعالِهِمْ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَسْبَ كُلِّ أحَدٍ يَخْتَصُّ بِهِ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ التَّقْلِيدُ جائِزًا لَكانَ كَسْبُ المَتْبُوعِ نافِعًا لِلتّابِعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي ما ذَكَرْتُ حِكايَةَ أحْوالِهِمْ طَلَبًا مِنكم أنْ تُقَلِّدُوهم، ولَكِنْ لِتُنَبَّهُوا عَلى ما يَلْزَمُكم فَتَسْتَدِلُّوا وتَعْلَمُوا أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المِلَّةِ هو الحَقُّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى تَرْغِيبِهِمْ في الإيمانِ، واتِّباعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَحْذِيرِهِمْ مِن مُخالَفَتِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأبْناءَ لا يُثابُونَ عَلى طاعَةِ الآباءِ بِخِلافِ قَوْلِ اليَهُودِ مِن أنَّ صَلاحَ آبائِهِمْ يَنْفَعُهم، وتَحْقِيقُهُ ما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، ائْتُونِي يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِكم لا بِأنْسابِكم فَإنِّي لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» “ . وقالَ: ”«ومَن أبْطَأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» “ . وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠١] وقالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النِّساءِ: ١٢٣] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ [الأنْعامِ: ١٦٤]، ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنْعامِ: ١٦٤] وقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ [النُّورِ: ٥٤] .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الأبْناءُ يُعَذَّبُونَ بِكُفْرِ آبائِهِمْ، وكانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: إنَّهم يُعَذَّبُونَ في النّارِ لِكُفْرِ آبائِهِمْ بِاتِّخاذِ العِجْلِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٨٠] وهي أيّامُ عِبادَةِ العِجْلِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ ذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَبْدَ مُكْتَسِبٌ وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةُ في تَفْسِيرِ الكَسْبِ، أمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مَعْنى كَوْنِ العَبْدِ مُكْتَسِبًا دُخُولَ شَيْءٍ مِنَ الأعْراضِ بِقُدْرَتِهِ
صفحة ٧٢
مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ثُمَّ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى هَذا الأصْلِ ذَكَرُوا لِهَذا الكَسْبِ ثَلاثَ تَفْسِيراتٍ.
أحَدُها: وهو قَوْلُ الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ القُدْرَةَ صِفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَقْدُورِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرِ القُدْرَةِ في المَقْدُورِ، بَلِ القُدْرَةُ والمَقْدُورُ حَصَلا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، كَما أنَّ العِلْمَ والمَعْلُومَ حَصَلا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وهو مُتَعَلِّقُ القُدْرَةِ الحادِثَةِ هو الكَسْبُ.
وثانِيها: أنَّ ذاتَ الفِعْلِ تُوجَدُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَحْصُلُ لِذَلِكَ الفِعْلِ وصْفُ كَوْنِهِ طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً وهَذِهِ الصِّفَةُ حاصِلَةٌ بِالقُدْرَةِ الحادِثَةِ؛ وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ.
وثالِثُها: أنَّ القُدْرَةَ الحادِثَةَ والقُدْرَةَ القَدِيمَةَ، إذا تَعَلَّقَتا بِمَقْدُورٍ واحِدٍ وقَعَ المَقْدُورُ بِهِما، وكَأنَّ فِعْلَ العَبْدِ وقَعَ بِإعانَةِ اللَّهِ، فَهَذا هو الكَسْبُ وهَذا يُعْزى إلى أبِي إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيِّ لِأنَّهُ يُرْوى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الكَسْبُ والفِعْلُ الواقِعُ بِالمُعِينِ.
أمّا القائِلُونَ بِأنَّ القُدْرَةَ الحادِثَةَ مُؤَثِّرَةٌ، فَهم فَرِيقانِ:
الأوَّلُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأنَّ القُدْرَةَ مَعَ الدّاعِي تُوجِبُ الفِعْلَ، فاللَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِلْكُلِّ بِمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي وضَعَ الأسْبابَ المُؤَدِّيَةَ إلى دُخُولِ هَذِهِ الأفْعالِ في الوُجُودِ والعَبْدُ هو المُكْتَسِبُ بِمَعْنى أنَّ المُؤَثِّرَ في وُقُوعِ فِعْلِهِ هو القُدْرَةُ، والدّاعِيَةُ القائِمَتانِ بِهِ، وهَذا مَذْهَبُ إمامِ الحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى اخْتارَهُ في الكِتابِ الَّذِي سَمّاهُ بِالنِّظامِيَّةِ ويَقْرُبُ قَوْلُ أبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ مِنهُ وإنْ كانَ لا يُصَرِّحُ بِهِ.
الفَرِيقُ الثّانِي مِنَ المُعْتَزِلَةِ: وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: القُدْرَةُ مَعَ الدّاعِي لا تُوجِبُ الفِعْلَ، بَلِ العَبْدُ قادِرٌ عَلى الفِعْلِ والتَّرْكِ مُتَمَكِّنٌ مِنهُما، إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ تَرَكَ، وهَذا الفِعْلُ والكَسْبُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لِلْأشْعَرِيِّ: إذا كانَ مَقْدُورُ العَبْدِ واقِعًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا خَلَقَهُ فِيهِ: اسْتَحالَ مِنَ العَبْدِ أنْ لا يَتَّصِفَ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِذَلِكَ الفِعْلِ، وإذا لَمْ يَخْلُقْهُ فِيهِ: اسْتَحالَ مِنهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ.
وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ البَتَّةَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، ولا مَعْنى لِلْقادِرِ إلّا ذَلِكَ، فالعَبْدُ البَتَّةَ غَيْرُ قادِرٍ، وأيْضًا فَهَذا الَّذِي هو مُكْتَسَبُ العَبْدِ. إمّا أنْ يَكُونَ واقِعًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ لَمْ يَقَعِ البَتَّةَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ وقَعَ بِالقُدْرَتَيْنِ مَعًا، فَإنْ وقَعَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنِ العَبْدُ فِيهِ مُؤَثِّرًا فَكَيْفَ يَكُونُ مُكْتَسِبًا لَهُ ؟ وإنْ وقَعَ بِقُدْرَةِ العَبْدِ فَهَذا هو المَطْلُوبُ.
وإنْ وقَعَ بِالقُدْرَتَيْنِ مَعًا فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِلَّةٌ بِالإيقاعِ، فَعِنْدَ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِ، فَكَيْفَ يَبْقى لِقُدْرَةِ العَبْدِ فِيهِ أثَرٌ، وأمّا قَوْلُ الباقِلّانِيِّ فَضَعِيفٌ، لِأنَّ المُحَرَّمَ مِنَ الجُلُوسِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ لَيْسَ إلّا شَغْلَ تِلْكَ الأحْيازِ، فَهَذا الشَّغْلُ إنْ حَصَلَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَنَفْسُ المَنهِيِّ عَنْهُ قَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وهَذا هو عَيْنُ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وإنْ حَصَلَ بِقُدْرَةِ العَبْدِ فَهو المَطْلُوبُ.
وأمّا قَوْلُ الإسْفَرايِينِيِّ فَضَعِيفٌ لِما بَيَّنّا أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِلَّةٌ بِالتَّأْثِيرِ، فَلا يَبْقى لِقُدْرَةِ العَبْدِ مَعَها أثَرٌ البَتَّةَ. قالَ أهْلُ السُّنَّةِ: كَوْنُ العَبْدِ مُسْتَقِلًّا بِالإيجادِ والخَلْقِ مُحالٌ لِوُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ العَبْدَ لَوْ كانَ مُوجِدًا لِأفْعالِهِ، لَكانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِ فِعْلِهِ، وهو غَيْرُ عالِمٍ بِتِلْكَ التَّفاصِيلِ، فَهو غَيْرُ مُوجِدٍ لَها.
وثانِيها: لَوْ كانَ العَبْدُ مُوجِدًا لِفِعْلِ نَفْسِهِ؛ لَما وقَعَ إلّا ما أرادَهُ العَبْدُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّ الكافِرَ يَقْصِدُ تَحْصِيلَ العِلْمِ فَلا يُحَصِّلُ إلّا الجَهْلَ.
وثالِثُها: لَوْ كانَ العَبْدُ مُوجِدًا لِفِعْلِ نَفْسِهِ لَكانَ كَوْنُهُ مُوجِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ زائِدًا عَلى ذاتِ ذَلِكَ الفِعْلِ
صفحة ٧٣
وذاتِ القُدْرَةِ لِأنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نَعْقِلَ ذاتَ الفِعْلِ وذاتَ القُدْرَةِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ كَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لَهُ، والمَعْقُولُ غَيْرُ المَغْفُولِ عَنْهُ، ثُمَّ تِلْكَ المُوجِدِيَّةُ حادِثَةٌ، فَإنْ كانَ حُدُوثُها بِالعَبْدِ لَزِمَ افْتِقارُها إلى مُوجِدِيَّةٍ أُخْرى، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى والأثَرُ واجِبَ الحُصُولِ عِنْدَ حُصُولِ المُوجِدِيَّةِ فَيَلْزَمُ اسْتِنادُ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْزَمُنا ذَلِكَ في مُوجِدِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ قَدِيمٌ، فَكانَتْ مُوجِدِيَّتُهُ قَدِيمَةً، فَلا يَلْزَمُ افْتِقارُ تِلْكَ المَوْجُودِيَّةِ إلى مَوْجُودِيَّةٍ أُخْرى.
هَذا مُلَخَّصُ الكَلامِ مِنَ الجانِبَيْنِ والمُنازَعاتُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في الألْفاظِ والمَعانِي كَثِيرَةٌ واللَّهُ الهادِي.
البقرة 2:135
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ صِحَّةَ دِينِ الإسْلامِ حَكى بَعْدَها أنْواعًا مِن شُبَهِ المُخالِفِينَ الطّاعِنِينَ في الإسْلامِ.
الشُّبْهَةُ الأُولى: حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا في تَقْرِيرِ ذَلِكَ شُبْهَةً، بَلْ أصَرُّوا عَلى التَّقْلِيدِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ذَكَرَ جَوابًا إلْزامِيًّا وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّهُ إنْ كانَ طَرِيقُ الدِّينِ التَّقْلِيدَ فالأوْلى في ذَلِكَ اتِّباعُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، لِأنَّ هَؤُلاءِ المُخْتَلِفِينَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلى صِحَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ والأخْذُ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ إنْ كانَ المُعَوَّلُ في الدِّينِ عَلى التَّقْلِيدِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنْ كانَ المُعَوَّلُ في الدِّينِ عَلى الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ، فَقَدْ قَدَّمْنا الدَّلائِلَ، وإنْ كانَ المُعَوَّلُ عَلى التَّقْلِيدِ فالرُّجُوعُ إلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَرْكُ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ أوْلى.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى يَدَّعِي أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قُلْنا: لَمّا ثَبَتَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قائِلًا بِالتَّوْحِيدِ، وثَبَتَ أنَّ النَّصارى يَقُولُونَ بِالتَّثْلِيثِ، واليَهُودَ يَقُولُونَ بِالتَّشْبِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا إلى التَّوْحِيدِ، كانَ هو عَلى دِينِ إبْراهِيمَ.
ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ التَّخْيِيرَ، إذِ المَعْلُومُ مِن حالِ اليَهُودِ أنَّها لا تُجَوِّزُ اخْتِيارَ النَّصْرانِيَّةِ عَلى اليَهُودِيَّةِ، بَلْ تَزْعُمُ أنَّهُ كُفْرٌ. والمَعْلُومُ مِن حالِ النَّصارى أيْضًا ذَلِكَ بَلِ المُرادُ أنَّ اليَهُودَ تَدْعُو إلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصارى إلى النَّصْرانِيَّةِ، فَكُلُّ فَرِيقٍ يَدْعُو إلى دِينِهِ، ويَزْعُمُ أنَّهُ الهُدى فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَهْتَدُوا﴾ أيْ أنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اهْتَدَيْتُمْ وصِرْتُمْ عَلى سَنَنِ الِاسْتِقامَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ فَفي انْتِصابِ ”مِلَّةَ“ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: لِأنَّهُ عُطِفَ في المَعْنى عَلى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ وتَقْدِيرُهُ قالُوا: اتَّبِعُوا اليَهُودِيَّةَ قُلْ بَلِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ.
الثّانِي: عَلى الحَذْفِ تَقْدِيرُهُ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ.
الثّالِثُ: تَقْدِيرُهُ: بَلْ نَكُونُ أهْلَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ أهْلَها.
الرّابِعُ: التَّقْدِيرُ: بَلِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ، وقَرَأ
صفحة ٧٤
الأعْرَجُ: ”مِلَّةُ إبْراهِيمَ“ بِالرَّفْعِ أيْ مِلَّتُهُ مِلَّتُنا، أوْ دِينُنا مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وبِالجُمْلَةِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في أنْ تَجْعَلَهُ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرًا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِأهْلِ اللُّغَةِ في الحَنِيفِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَنِيفَ هو المُسْتَقِيمُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأعْرَجِ: أحْنَفُ، تَفاؤُلًا بِالسَّلامَةِ، كَما قالُوا لِلَّدِيغِ: سَلِيمٌ، ولِلْمَهْلَكَةِ: مَفازَةٌ، قالُوا: فَكُلُّ مَن أسْلَمَ لِلَّهِ ولَمْ يَنْحَرِفْ عَنْهُ في شَيْءٍ فَهو حَنِيفٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.
الثّانِي: أنَّ الحَنِيفَ المائِلُ، لِأنَّ الأحْنَفَ هو الَّذِي يَمِيلُ كُلُّ واحِدٍ مِن قَدَمَيْهِ إلى الأُخْرى بِأصابِعِها، وتَحَنَّفَ إذا مالَ، فالمَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَنَفَ إلى دِينِ اللَّهِ، أيْ مالَ إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أيْ مُخالِفًا لِلْيَهُودِ والنَّصارى مُنْحَرِفًا عَنْهُما، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَذَكَرُوا عِباراتٍ:
أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ: أنَّ الحَنِيفِيَّةَ حَجُّ البَيْتِ.
وثانِيها: أنَّها اتِّباعُ الحَقِّ، عَنْ مُجاهِدٍ.
وثالِثُها: اتِّباعُ إبْراهِيمَ في شَرائِعِهِ الَّتِي هي شَرائِعُ الإسْلامِ.
ورابِعُها: إخْلاصُ العَمَلِ وتَقْدِيرُهُ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ الَّتِي هي التَّوْحِيدُ عَنِ الأصَمِّ قالَ القَفّالُ: وبِالجُمْلَةِ فالحَنِيفُ لَقَبٌ لِمَن دانَ بِالإسْلامِ كَسائِرِ ألْقابِ الدِّياناتِ، وأصْلُهُ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في نَصْبِ حَنِيفًا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: قَوْلُ الزَّجّاجِ أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً.
الثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى القَطْعِ أرادَ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ الحَنِيفَ فَلَمّا سَقَطَتِ الألِفُ واللّامُ لَمْ تَتْبَعِ النَّكِرَةُ المَعْرِفَةَ فانْقَطَعَ مِنهُ فانْتَصَبَ، قالَهُ نُحاةُ الكُوفَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ في مَذْهَبِ اليَهُودِ والنَّصارى شُرَكاءَ عَلى ما بَيَّنّاهُ، لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ بَعْضِ اليَهُودِ قَوْلَهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وذَلِكَ شِرْكٌ.
وثانِيها: أنَّ الحَنِيفَ اسْمٌ لِمَن دانَ بِدِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِشَرائِعَ مَخْصُوصَةٍ، مِن حَجِّ البَيْتِ والخِتانِ وغَيْرِهِما، فَمَن دانَ بِذَلِكَ فَهو حَنِيفٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَدِينُ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ كانَتْ تُشْرِكُ، فَقِيلَ مِن أجْلِ هَذا: ﴿حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحَجِّ: ٣١]، وقَوْلُهُ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٦] قالَ القاضِي: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْواحِدِ مِنّا أنْ يَحْتَجَّ عَلى غَيْرِهِ بِما يَجْرِي مَجْرى المُناقَضَةِ لِقَوْلِهِ: إفْحامًا لَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُجَّةً في نَفْسِهِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَحْتَجُّ عَلى نُبُوَّتِهِ بِأمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ بَلْ كانَ يَحْتَجُّ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ قَدْ أقامَ الحُجَّةَ بِها وأزاحَ العِلَّةَ ثُمَّ وجَدَهم مُعانِدِينَ مُسْتَمِرِّينَ عَلى باطِلِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أوْرَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَّةِ ما يُجانِسُ ما كانُوا عَلَيْهِ فَقالَ: إنْ كانَ الدِّينُ بِالِاتِّباعِ فالمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وهو مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْلى بِالِاتِّباعِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: اليَهُودُ والنَّصارى إنْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِ إبْراهِيمَ، ومُقِرِّينَ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ مِنَ القائِلِينَ بِالتَّشْبِيهِ والتَّثْلِيثِ، امْتَنَعَ أنْ يَقُولُوا بِذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا قائِلِينَ بِالتَّنْزِيهِ والتَّوْحِيدِ، ومَتى كانُوا قائِلِينَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في دَعْوَتِهِمْ إلَيْهِ فائِدَةٌ، وإنْ كانُوا مُنْكِرِينَ فَضْلَ إبْراهِيمَ أوْ كانُوا مُقِرِّينَ بِهِ، لَكِنَّهم أنْكَرُوا كَوْنَهُ مُنْكِرًا لِلتَّجْسِيمِ والتَّثْلِيثِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ إلْزامُ القَوْلِ بِأنَّ هَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَكانَ الأخْذُ بِهِ أوْلى.
والجَوابُ: أنَّهُ كانَ مَعْلُومًا بِالتَّواتُرِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أثْبَتَ الوَلَدَ لِلَّهِ تَعالى فَلَمّا صَحَّ عَنِ اليَهُودِ
صفحة ٧٥
والنَّصارى أنَّهم قالُوا بِذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ طَرِيقَتَهم مُخالِفَةٌ لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
البقرة 2:136
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ بِالجَوابِ الجَدَلِيِّ أوَّلًا، ذَكَرَ بَعْدَهُ جَوابًا بُرْهانِيًّا في هَذِهِ الآيَةِ وهو: أنَّ الطَّرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِمْ، ولَمّا ظَهَرَ المُعْجِزُ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ والإيمانُ بِرِسالَتِهِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ البَعْضِ بِالقَبُولِ وتَخْصِيصَ البَعْضِ بِالرَّدِّ يُوجِبُ المُناقَضَةَ في الدَّلِيلِ وأنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وهَذا هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ الإيمانُ بِإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى مَعَ القَوْلِ بِأنَّ شَرائِعَهم مَنسُوخَةٌ ؟ قُلْنا: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الشَّرائِعِ كانَ حَقًّا في زَمانِهِ فَلا يَلْزَمُ مِنّا المُناقَضَةُ، أمّا اليَهُودُ والنَّصارى لَمّا اعْتَرَفُوا بِنُبُوَّةِ بَعْضِ مَن ظَهَرَ المُعْجِزُ عَلَيْهِ، وأنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ قِيامِ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُمُ المُناقَضَةُ فَظَهَرَ الفَرْقُ، ثُمَّ نَقُولُ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ ذَكَرُوا في مُقابَلَتِهِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ ثُمَّ قالَ لِأُمَّتِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقالَ القاضِي قَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ، أعْنِي النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمَّتَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُولُوا﴾ خِطابٌ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ ﷺ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ هو داخِلًا فِيهِ، واحْتَجَّ الحَسَنُ عَلى قَوْلِهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ .
الثّانِي: أنَّهُ في نِهايَةِ الشَّرَفِ، والظّاهِرُ إفْرادُهُ بِالخِطابِ.
والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ القَرائِنَ وإنْ كانَتْ مُحْتَمَلَةً إلّا أنَّها لا تَبْلُغُ في القُوَّةِ إلى حَيْثُ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ فَإنَّما قَدَّمَهُ لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ أصْلُ الإيمانِ بِالشَّرائِعِ، فَمَن لا يَعْرِفُ اللَّهَ اسْتَحالَ أنْ يَعْرِفَ نَبِيًّا أوْ كِتابًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ التَّعْلِيمِيَّةِ والمُقَلِّدَةِ القائِلِينَ بِأنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى: الكِتابُ والسُّنَّةُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والأسْباطِ﴾ قالَ الخَلِيلُ: السِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبِيلَةِ في العَرَبِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ السِّبْطُ: الحافِدُ، وكانَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ سِبْطَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والأسْباطُ: الحَفَدَةُ وهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَرارِيُّ أبْنائِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ.
* * *
صفحة ٧٦
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنّا لا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، فَإنّا لَوْ فَعَلْنا كانَتِ المُناقَضَةُ لازِمَةً عَلى الدَّلِيلِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.
الثّانِي: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم، أيْ لا نَقُولُ: إنَّهم مُتَفَرِّقُونَ في أُصُولِ الدِّياناتِ، بَلْ هم مُجْتَمِعُونَ عَلى الأُصُولِ الَّتِي هي الإسْلامُ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورى: ١٣] . الوَجْهُ الأوَّلُ: ألْيَقُ بِسِياقِ الآيَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ إسْلامَنا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لا لِأجْلِ الهَوى، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو يَقْتَضِي أنَّهُ مَتى ظَهَرَ المُعْجِزُ وجَبَ الإيمانُ بِهِ. فَأمّا تَخْصِيصُ بَعْضِ أصْحابِ المُعْجِزاتِ بِالقَبُولِ، والبَعْضِ بِالرَّدِّ، فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ الإيمانِ لَيْسَ طاعَةَ اللَّهِ والِانْقِيادَ لَهُ، بَلِ اتِّباعُ الهَوى والمَيْلُ.
البقرة 2:137
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الطَّرِيقَ الواضِحَ في الدِّينِ، وهو أنْ يَعْتَرِفَ الإنْسانُ بِنُبُوَّةِ مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأنْ يَحْتَرِزَ في ذَلِكَ عَنِ المُناقَضَةِ: رَغَّبَهم في مِثْلِ هَذا الإيمانِ فَقالَ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ .
مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّثْبِيتُ والمَعْنى: إنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم ومُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، لَمّا اسْتَحالَ أنْ يُوجَدَ دِينٌ آخَرُ يُساوِي هَذا الدِّينَ في السَّدادِ اسْتَحالَ الِاهْتِداءُ بِغَيْرِهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ الَّذِي تُشِيرُ عَلَيْهِ: هَذا هو الرَّأْيُ والصَّوابُ فَإنْ كانَ عِنْدَكَ رَأْيٌ أصْوَبَ مِنهُ فاعْمَلْ بِهِ وقَدْ عَلِمْتَ أنْ لا أصْوَبَ مِن رَأْيِكَ ولَكِنَّكَ تُرِيدُ تَثْبِيتَ صاحِبِكَ وتَوْقِيفَهُ عَلى أنَّ ما رَأيْتَ لا رَأْيَ وراءَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يُوجَدَ دِينٌ آخَرُ يُساوِي هَذا الدِّينَ في السَّدادِ لِأنَّ هَذا الدِّينَ مَبْناهُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن ظَهَرَ عَلَيْهِ المُعْجِزُ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ، وكُلُّ ما غايَرَ هَذا الدِّينَ لا بُدَّ وأنْ يَشْتَمِلَ عَلى المُناقَضَةِ، والمُتَناقِضُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِغَيْرِ المُتَناقِضِ في السَّدادِ والصِّحَّةِ.
وثانِيها: أنَّ المِثْلَ صِلَةٌ في الكَلامِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] أيْ لَيْسَ كَهو شَيْءٌ، وقالَ الشّاعِرُ:
وِصالِيّاتٌ كَكَما يُؤْثَفِينَ
وكانَتْ أُمُّ الأحْنَفِ تُرَقِّصُهُ وتَقُولُ:
واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ
ودِقَّةٌ في ساقِهِ مِن هَزْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ مِنكم أحَدٌ كَمِثْلِهِ
صفحة ٧٧
وثالِثُها: أنَّكم آمَنتُمْ بِالفُرْقانِ مِن غَيْرِ تَصْحِيفٍ وتَحْرِيفٍ، فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ وهو التَّوْراةُ مِن غَيْرِ تَصْحِيفٍ وتَحْرِيفٍ فَقَدِ اهْتَدَوْا لِأنَّهم يَتَّصِلُونَ بِهِ إلى مَعْرِفَةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ أيْ فَإنْ صارُوا مُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ما بِهِ صِرْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَقَدِ اهْتَدَوْا، فالتَّمْثِيلُ في الآيَةِ بَيْنَ الإيمانَيْنِ والتَّصْدِيقَيْنِ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ مِثْلٌ ولَكِنْ قُولُوا فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، قالَ القاضِي: لا وجْهَ لِتَرْكِ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ مِن حَيْثُ يُشْكِلُ المَعْنى ويُلَبِّسُ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ جَعَلَهُ المَرْءُ مَذْهَبًا لَزِمَهُ أنْ يُغَيِّرَ تِلاوَةَ كُلِّ الآياتِ المُتَشابِهاتِ وذَلِكَ مَحْظُورٌ والوَجْهُ الأوَّلُ في الجَوابِ هو المُعْتَمَدُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ فالمُرادُ فَقَدْ عَمِلُوا بِما هُدُوا إلَيْهِ وقَبِلُوهُ، ومَن هَذا حالُهُ يَكُونُ ولِيًّا لِلَّهِ داخِلًا في أهْلِ رِضْوانِهِ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ هَذا الِاهْتِداءِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ لا يُمْكِنُ حَمْلُها إلّا عَلى الدَّلائِلِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى وكَشَفَ عَنْها وبَيَّنَ وُجُوهَ دَلالَتِها.
* * *
ثُمَّ بَيَّنَ عَلى وجْهِ الزَّجْرِ ما يَلْحَقُهم إنْ تَوَلَّوْا فَقالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ وفي الشِّقاقِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الشِّقاقُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ، كَأنَّهُ صارَ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ صاحِبِهِ بِسَبَبِ العَداوَةِ وقَدْ شَقَّ عَصا المُسْلِمِينَ إذا فَرَّقَ جَماعَتَهم وفارَقَها، ونَظِيرُهُ: المُحادَّةُ وهي أنْ يَكُونَ هَذا في حَدٍّ وذاكَ في حَدٍّ آخَرَ، والتَّعادِي مِثْلُهُ لِأنَّ هَذا يَكُونُ في عُدْوَةٍ وذاكَ في عُدْوَةٍ، والمُجانَبَةُ أنْ يَكُونَ هَذا في جانِبٍ وذاكَ في جانِبٍ آخَرَ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مِنَ المَشَقَّةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَحْرِصُ عَلى ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ ويُؤْذِيهِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ [النِّساءِ: ٣٥] أيْ فِراقَ بَيْنِهِما في الِاخْتِلافِ حَتّى يَشُقَّ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ.
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ إنْ تَرَكُوا مِثْلَ هَذا الإيمانِ فَقَدِ التَزَمُوا المُناقَضَةَ والعاقِلُ لا يَلْتَزِمُ المُناقَضَةَ البَتَّةَ فَحَيْثُ التَزَمُوها عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهم طَلَبَ الدِّينِ والِانْقِيادَ وإنَّما غَرَضُهُمُ المُنازَعَةُ وإظْهارُ العَداوَةِ.
ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ:
أوَّلُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ في خِلافٍ مُذْ فارَقُوا الحَقَّ وتَمَسَّكُوا بِالباطِلِ فَصارُوا مُخالِفِينَ لِلَّهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ ومُقاتِلٌ في شِقاقٍ: أيْ في ضَلالٍ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ في مُنازَعَةٍ ومُحارَبَةٍ.
ورابِعُها: قالَ الحَسَنُ في عَداوَةٍ قالَ القاضِي: ولا يَكادُ يُقالُ في المُعاداةِ عَلى وجْهِ الحَقِّ أوِ المُخالَفَةِ الَّتِي لا تَكُونُ مَعْصِيَةً إنَّهُ شِقاقٌ وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في مُخالَفَةٍ عَظِيمَةٍ تُوقِعُ صاحِبَها في عَداوَةِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ولَعْنِهِ وفي اسْتِحْقاقِ النّارِ فَصارَ هَذا القَوْلُ وعِيدًا مِنهُ تَعالى لَهم وصارَ وصْفُهم بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ القَوْمَ مُعادُونَ لِلرَّسُولِ مُضْمِرُونَ لَهُ السُّوءَ مُتَرَصِّدُونَ لِإيقاعِهِ في المِحَنِ، فَعِنْدَ هَذا آمَنَهُ اللَّهُ تَعالى مِن كَيْدِهِمْ وآمَنَ المُؤْمِنِينَ مِن شَرِّهِمْ ومَكْرِهِمْ فَقالَ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ تَقْوِيَةٌ لِقَلْبِهِ وقَلْبِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ تَعالى إذا تَكَفَّلَ بِالكِفايَةِ في أمْرٍ حَصَلَتِ الثِّقَةُ بِهِ قالَ المُتَكَلِّمُونَ: هَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى صِدْقِهِ وإنَّما قُلْنا إنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ وذَلِكَ لِأنّا وجَدْنا مُخْبِرَ هَذا القَوْلِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ لِأنَّهُ تَعالى كَفاهُ شَرَّ اليَهُودِ والنَّصارى ونَصَرَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى غَلَبَهُمُ المُسْلِمُونَ وأخَذُوا دِيارَهم وأمْوالَهم فَصارُوا أذِلّاءَ في أيْدِيهِمْ يُؤَدُّونَ إلَيْهِمُ الخَراجَ والجِزْيَةَ أوْ لا يَقْدِرُونَ البَتَّةَ
صفحة ٧٨
عَلى التَّخَلُّصِ مِن أيْدِيهِمْ وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ مُعْجِزٌ لِأنَّهُ المُتَخَرِّصُ لا يُصِيبُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى التَّفْصِيلِ، قالَ المُلْحِدُونَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا مُعْجِزٌ وذَلِكَ لِأنَّ المُعْجِزَ هو الَّذِي يَكُونُ ناقِضًا لِلْعادَةِ، وقَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ كُلَّ مَن كانَ مُبْتَلًى بِإيذاءِ غَيْرِهِ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: اصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ يَكْفِيكَ شَرَّهُ، ثُمَّ قَدْ يَقَعُ ذَلِكَ تارَةً ولا يَقَعُ أُخْرى، وإذا كانَ هَذا مُعْتادًا فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهُ مُعْجِزٌ وأيْضًا لَعَلَّهُ تَوَصَّلَ إلى ذَلِكَ بِرُؤْيا رَآها، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، فَإنَّ المُنَجِّمِينَ يَقُولُونَ: مَن كانَ سَهْمُ الغَيْبِ في طالِعِهِ فَإنَّهُ يَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الأخْبارِ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.
والجَوابُ: أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُنا مِن قَوْلِنا أنَّهُ مُعْجِزٌ أنَّ هَذا الإخْبارَ وحْدَهُ مُعْجِزٌ، بَلْ غَرَضُنا أنَّ القُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلى كَثِيرٍ مِن هَذا النَّوْعِ، والإخْبارُ عَنِ الأشْياءِ الكَثِيرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مِمّا لا يَتَأتّى مِنَ المُتَخَرِّصِ الكاذِبِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ مِن هَذا الأمْرِ لا يَخْفى عَلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ وعِيدٌ لَهم والمَعْنى أنَّهُ يُدْرِكُ ما يُضْمِرُونَ ويَقُولُونَ وهو عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَجُوزُ لَهم أنْ يَقَعَ مِنهم أمْرٌ إلّا وهو قادِرٌ عَلى كِفايَتِهِ إيّاهم فِيهِ.
الثّانِي: أنَّهُ وعْدٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْنِي: يَسْمَعُ دُعاءَكَ ويَعْلَمُ نِيَّتَكَ وهو يَسْتَجِيبُ لَكَ ويُوصِلُكَ إلى مُرادِكَ، واحْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ عَلى أنَّ سَمْعَهُ تَعالى زائِدٌ عَلى عِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ لِأنَّ قَوْلَهُ: (عَلِيمٌ) بِناءُ مُبالَغَةٍ فَيَتَناوَلُ كَوْنَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَلَوْ كانَ كَوْنُهُ سَمِيعًا عِبارَةً عَنْ عِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ لَزِمَ التَّكْرارُ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صِفَةُ كَوْنِهِ تَعالى سَمِيعًا أمْرًا زائِدًا عَلى وصْفِهِ بِكَوْنِهِ عَلِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ الَّذِي آمَنَ بِهِ المُؤْمِنُونَ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ، وجَوابُهُ:
البقرة 2:138
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الجَوابَ الثّانِيَ وهو أنْ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الدِّينِ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ دَلائِلَ هَذا الدِّينِ واضِحَةٌ جَلِيَّةٌ فَقالَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الصَّبْغُ ما يُلَوَّنُ بِهِ الثِّيابُ ويُقالُ: صَبَغَ الثَّوْبَ يَصْبُغُهُ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِها وضَمِّها ثَلاثُ لُغاتٍ صَبْغًا بِفَتْحِ الصّادِ وكَسْرِها لُغَتانِ.
والصِّبْغَةُ: فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِصِبْغَةِ اللَّهِ عَلى أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ وذَكَرُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ دِينَ اللَّهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ بَعْضَ النَّصارى كانُوا يَغْمِسُونَ أوْلادَهم في ماءٍ أصْفَرَ يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَقُولُونَ: هو تَطْهِيرٌ لَهم. وإذا فَعَلَ الواحِدُ بِوَلَدِهِ ذَلِكَ قالَ: الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: اطْلُبُوا صِبْغَةَ اللَّهِ وهي الدِّينُ، والإسْلامُ لا صِبْغَتَهم، والسَّبَبُ في إطْلاقِ لَفْظِ الصِّبْغَةِ عَلى الدِّينِ طَرِيقَةُ المُشاكَلَةِ كَما تَقُولُ لِمَن يَغْرِسُ الأشْجارَ وأنْتَ تُرِيدُ أنْ تَأْمُرَهُ بِالكَرَمِ: اغْرِسْ كَما يَغْرِسُ فُلانٌ تُرِيدُ رَجُلًا مُواظِبًا عَلى الكَرَمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥، ١٤]، ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النِّساءِ:
صفحة ٧٩
١٤٢ ]، ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٤]، ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠]، ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ [هُودٍ: ٣٨] .
وثانِيها: اليَهُودُ تَصْبُغُ أوْلادَها يَهُودًا والنَّصارى تَصْبُغُ أوْلادَها نَصارى بِمَعْنى يُلْقُونَهم فَيَصْبُغُونَهم بِذَلِكَ لِما يُشْرِبُونَ في قُلُوبِهِمْ، عَنْ قَتادَةَ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ: فُلانٌ يَصْبُغُ فُلانًا في الشَّيْءِ، أيْ يُدْخِلُهُ فِيهِ ويُلْزِمُهُ إيّاهُ كَما يُجْعَلُ الصَّبْغُ لازِمًا لِلثَّوْبِ وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
دَعِ الشَّرَّ وانْزِلْ بِالنَّجاةِ تَحَرُّزًا إذا أنْتَ لَمْ يَصْبُغْكَ في الشَّرِّ صابِغُ
وثالِثُها: سُمِّيَ الدِّينُ صِبْغَةً لِأنَّ هَيْئَتَهُ تَظْهَرُ بِالمُشاهَدَةِ مِن أثَرِ الطَّهارَةِ والصَّلاةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] .
ورابِعُها: قالَ القاضِي قَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فَوَصَفَ هَذا الإيمانَ مِنهم بِأنَّهُ صِبْغَةُ اللَّهِ تَعالى لِيُبَيِّنَ أنَّ المُبايَنَةَ بَيْنَ هَذا الدِّينِ الَّذِي اخْتارَهُ اللَّهُ، وبَيْنَ الدِّينِ الَّذِي اخْتارَهُ المُبْطِلُ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، كَما تَظْهَرُ المُبايَنَةُ بَيْنَ الألْوانِ والأصْباغِ لِذِي الحِسِّ السَّلِيمِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ فِطْرَتُهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ: ٣٠] ومَعْنى هَذا الوَجْهِ أنَّ الإنْسانَ مَوْسُومٌ في تَرْكِيبِهِ وبِنْيَتِهِ بِالعَجْزِ والفاقَةِ، والآثارُ الشّاهِدَةُ عَلَيْهِ بِالحُدُوثِ والِافْتِقارِ إلى الخالِقِ فَهَذِهِ الآثارُ كالصِّبْغَةِ لَهُ وكالسِّمَةِ اللّازِمَةِ.
قالَ القاضِي: مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ عَلى الفِطْرَةِ فَهو مُقارِبٌ في المَعْنى، لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: هو دِينُ اللَّهِ لِأنَّ الفِطْرَةَ الَّتِي أُمِرُوا بِها هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأدِلَّةُ مِن عَقْلٍ وشَرْعٍ، وهو الدِّينُ أيْضًا، لَكِنَّ الدِّينَ أظْهَرُ لِأنَّ المُرادَ عَلى ما بَيَّنّا هو الَّذِي وصَفُوا أنْفُسَهم بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ في ذَلِكَ: إنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي ألْزَمَكُمُ التَّمَسُّكَ بِهِ فالنَّفْعُ بِهِ سَيَظْهَرُ دِينًا ودُنْيا كَظُهُورِ حُسْنِ الصِّبْغَةِ، وإذا حُمِلَ الكَلامُ عَلى ما ذَكَرْناهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّما قالَ ذَلِكَ لِعادَةٍ جارِيَةٍ لِلْيَهُودِ والنَّصارى في صَبْغٍ يَسْتَعْمِلُونَهُ في أوْلادِهِمْ مَعْنًى، لِأنَّ الكَلامَ إذا اسْتَقامَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ بِدُونِهِ فَلا فائِدَةَ فِيهِ ولْنَذْكُرِ الآنَ بَقِيَّةَ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ:
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ هي الخِتانُ، الَّذِي هو تَطْهِيرٌ، أيْ كَما أنَّ المَخْصُوصَ الَّذِي لِلنَّصارى تَطْهِيرٌ لَهم فَكَذَلِكَ الخِتانُ تَطْهِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ أبِي العالِيَةِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: إنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ، عَنِ الأصَمِّ، وقِيلَ: إنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، والقَوْلُ الجَيِّدُ هو الأوَّلُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في نَصْبِ ”صِبْغَةَ“ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ بَدَلٌ مِن ”مِلَّةَ“ وتَفْسِيرٌ لَها.
الثّانِي: اتَّبِعُوا صِبْغَةَ اللَّهِ.
الثّالِثُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ فَيَنْتَصِبُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ وعْدُ اللَّهِ عَمّا تَقَدَّمَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ فالمُرادُ أنَّهُ يَصْبُغُ عِبادَهُ بِالإيمانِ ويُطَهِّرُهم بِهِ مِن أوْساخِ الكُفْرِ، فَلا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى: ”آمَنّا بِاللَّهِ“ وهَذا يَرُدُّ قَوْلَ مَن يَزْعُمُ أنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ أوْ نُصِبَ عَلى الإغْراءِ بِمَعْنى عَلَيْكم صِبْغَةَ اللَّهِ لِما فِيهِ مِن فَكِّ النَّظْمِ وانْتِصابُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ هو الَّذِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، والقَوْلُ ما قالَتْ حِذامُ
البقرة 2:139
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ المُحاجَّةِ وذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ كانَ قَوْلَهم إنَّهم أوْلى بِالحَقِّ والنُّبُوَّةِ لِتَقَدُّمِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ والمَعْنى: أتُجادِلُونَنا في أنَّ اللَّهَ اصْطَفى رَسُولًا مِنَ العَرَبِ لا مِنكم وتَقُولُونَ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى أحَدٍ لَأنْزَلَ عَلَيْكم، وتَرَوْنَكم أحَقَّ بِالنُّبُوَّةِ مِنّا.
وثانِيها: قَوْلُهم: نَحْنُ أحَقُّ بِالإيمانِ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ عَبَدُوا الأوْثانَ.
وثالِثُها: قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائِدَةِ: ١٨] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البَقَرَةِ: ١١١] وقَوْلُهم: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: ﴿أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ أيْ: أتُحاجُّونَنا في دِينِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ المُحاجَّةُ كانَتْ مَعَ مَن ؟ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى.
وثانِيها: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُشْرِكِي العَرَبِ حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] والعَرَبُ كانُوا مُقِرِّينَ بِالخالِقِ.
وثالِثُها: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الكُلِّ، والقَوْلُ الأوَّلُ ألْيَقُ بِنَظْمِ الآيَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ أعْلَمُ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ وبِمَن يَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ وبِمَن لا يَصْلُحُ لَها، فَلا تَعْتَرِضُوا عَلى رَبِّكم، فَإنَّ العَبْدَ لَيْسَ لَهُ أنْ يَعْتَرِضَ عَلى رَبِّهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَفْوِيضُ الأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ لَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ لا نِسْبَةَ لَكم إلى اللَّهِ تَعالى إلّا بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذِهِ النِّسْبَةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَنا وبَيْنَكم، فَلِمَ تُرَجِّحُونَ أنْفُسَكم عَلَيْنا، بَلِ التَّرْجِيحُ مِن جانِبِنا لِأنّا مُخْلِصُونَ لَهُ في العُبُودِيَّةِ، ولَسْتُمْ كَذَلِكَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ وهَذا التَّأْوِيلُ أقْرَبُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ فالمُرادُ مِنهُ النَّصِيحَةُ في الدِّينِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ لَهم هَذا القَوْلَ عَلى وجْهِ الشَّفَقَةِ والنَّصِيحَةِ، أيْ لا يَرْجِعُ إلَيَّ مِن أفْعالِكُمُ القَبِيحَةِ ضَرَرٌ حَتّى يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذا القَوْلِ دَفْعَ ذَلِكَ الضَّرَرِ وإنَّما المُرادُ نُصْحُكم وإرْشادُكم إلى الأصْلَحِ، وبِالجُمْلَةِ فالإنْسانُ إنَّما يَكُونُ مَقْبُولَ القَوْلِ إذا كانَ خالِيًا عَنِ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإذا كانَ لِشَيْءٍ مِنَ الأغْراضِ لَمْ يَنْجَعْ قَوْلُهُ في القَلْبِ البَتَّةَ فَهَذا هو المُرادُ فَيَكُونُ فِيهِ مِنَ الرَّدْعِ والزَّجْرِ ما يَبْعَثُ عَلى النَّظَرِ وتَحَرُّكِ الطِّباعِ عَلى الِاسْتِدْلالِ وقَبُولِ الحَقِّ، وأمّا مَعْنى الإخْلاصِ فَقَدْ تَقَدَّمَ.
البقرة 2:140
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
صفحة ٨١
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسْألَتَيْنِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ بِالتّاءِ عَلى المُخاطَبَةِ كَأنَّهُ قالَ: أتُحاجُّونَنا أمْ تَقُولُونَ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ اليَهُودِ والنَّصارى فَعَلى الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”أمْ“ مُتَّصِلَةً وتَقْدِيرُهُ: بِأيِّ الحُجَّتَيْنِ تَتَعَلَّقُونَ في أمْرِنا، أبِالتَّوْحِيدِ فَنَحْنُ مُوَحِّدُونَ، أمْ بِاتِّباعِ دِينِ الأنْبِياءِ فَنَحْنُ مُتَّبِعُونَ ؟ وأنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى: بَلْ أتَقُولُونَ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ أيْضًا، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مُنْقَطِعَةً لِانْقِطاعِ مَعْناهُ بِمَعْنى الِانْقِطاعِ إلى حِجاجٍ آخَرَ غَيْرِ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أتَقُولُونَ إنَّ الأنْبِياءَ كانُوا قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ هُودًا أوْ نَصارى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أنْكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ القَوْلَ عَلَيْهِمْ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ بِسائِرِ المُعْجِزاتِ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ فَثَبَتَ لا مَحالَةَ كَذِبُهم فِيهِ.
وثانِيها: شَهادَةُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا عَلى التَّوْحِيدِ والحَنِيفِيَّةِ.
وثالِثُها: أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ أُنْزِلا بَعْدَهم.
ورابِعُها: أنَّهُمُ ادَّعَوْا ذَلِكَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى الكَلامِ في مَعْرِضِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والغَرَضُ مِنهُ الزَّجْرُ والتَّوْبِيخُ وأنْ يُقَرِّرَ اللَّهُ في نُفُوسِهِمْ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما يَقُولُونَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ وخَبَرَهُ أصْدَقُ وقَدْ أخْبَرَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وفي القُرْآنِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ مُبَرَّئِينَ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما يُقالُ هَذا فِيمَن لا يَعْلَمُ وهم عَلِمُوهُ وكَتَمُوهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ الكَلامُ ؟ قُلْنا: مَن قالَ: إنَّهم كانُوا عَلى ظَنٍّ وتَوَهُّمٍ فالكَلامُ ظاهِرٌ ومَن قالَ: عَلِمُوا وجَحَدُوا فَمَعْناهُ أنَّ مَنزِلَتَكم مَنزِلَةُ المُعْتَرِضِينَ عَلى ما يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِهِ فَلا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ مَعَ إقْرارِهِ بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا والتَّقْدِيرُ: ومَن أظْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً حَصَلَتْ عِنْدَهُ كَقَوْلِكَ: ومَن أظْلَمُ مِن زَيْدٍ مِن جُمْلَةِ الكاتِمِينَ لِلشَّهادَةِ والمَعْنى: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ وبَنُوهُ هُودًا أوْ نَصارى، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ كَتَمَ هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ يَكْتُمُ شَهادَةً أظْلَمَ مِنهُ لَكِنْ لَمّا اسْتَحالَ ذَلِكَ مَعَ عَدْلِهِ وتَنَزُّهِهِ عَنِ الكَذِبِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
وثانِيها: ومَن أظْلَمُ مِنكم مَعاشِرَ اليَهُودِ والنَّصارى إنْ كَتَمْتُمْ هَذِهِ الشَّهادَةَ مِنَ اللَّهِ فَمِن في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ تَتَعَلَّقُ بِالكاتِمِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وبِالمَكْتُومِ مِنهُ عَلى القَوْلِ الثّانِي كَأنَّهُ قالَ: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ عِنْدَهُ شَهادَةٌ فَلَمْ يُقِمْها عِنْدَ اللَّهِ بَلْ كَتَمَها وأخْفاها.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صِلَةَ الشَّهادَةِ والمَعْنى: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً جاءَتْهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَجَحَدَها كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ: عِنْدِي شَهادَةٌ مِنكَ، أيْ شَهادَةٌ سَمِعْتُها مِنكَ وشَهادَةٌ جاءَتْنِي مِن جِهَتِكَ ومِن عِنْدِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَهو الكَلامُ الجامِعُ لِكُلِّ وعِيدٍ، ومَن تَصَوَّرَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِسِرِّهِ وإعْلانِهِ ولا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ أنَّهُ مِن وراءِ مُجازاتِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ لا يَمْضِي عَلَيْهِ طَرْفَةُ عَيْنٍ إلّا وهو حَذِرٌ خائِفٌ ألا تَرى أنَّ أحَدَنا لَوْ كانَ عَلَيْهِ رَقِيبٌ مِن جِهَةِ سُلْطانٍ يَعُدُّ عَلَيْهِ الأنْفاسَ لَكانَ دائِمَ الحَذَرِ والوَجَلِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الرَّقِيبَ لا يَعْرِفُ إلّا الظّاهِرَ فَكَيْفَ بِالرَّبِّ الرَّقِيبِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى إذا هَدَّدَ وأوْعَدَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ.
البقرة 2:141
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
صفحة ٨١
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسْألَتَيْنِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ بِالتّاءِ عَلى المُخاطَبَةِ كَأنَّهُ قالَ: أتُحاجُّونَنا أمْ تَقُولُونَ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ اليَهُودِ والنَّصارى فَعَلى الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”أمْ“ مُتَّصِلَةً وتَقْدِيرُهُ: بِأيِّ الحُجَّتَيْنِ تَتَعَلَّقُونَ في أمْرِنا، أبِالتَّوْحِيدِ فَنَحْنُ مُوَحِّدُونَ، أمْ بِاتِّباعِ دِينِ الأنْبِياءِ فَنَحْنُ مُتَّبِعُونَ ؟ وأنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى: بَلْ أتَقُولُونَ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ أيْضًا، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مُنْقَطِعَةً لِانْقِطاعِ مَعْناهُ بِمَعْنى الِانْقِطاعِ إلى حِجاجٍ آخَرَ غَيْرِ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أتَقُولُونَ إنَّ الأنْبِياءَ كانُوا قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ هُودًا أوْ نَصارى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أنْكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ القَوْلَ عَلَيْهِمْ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ بِسائِرِ المُعْجِزاتِ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ فَثَبَتَ لا مَحالَةَ كَذِبُهم فِيهِ.
وثانِيها: شَهادَةُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا عَلى التَّوْحِيدِ والحَنِيفِيَّةِ.
وثالِثُها: أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ أُنْزِلا بَعْدَهم.
ورابِعُها: أنَّهُمُ ادَّعَوْا ذَلِكَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى الكَلامِ في مَعْرِضِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والغَرَضُ مِنهُ الزَّجْرُ والتَّوْبِيخُ وأنْ يُقَرِّرَ اللَّهُ في نُفُوسِهِمْ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما يَقُولُونَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ وخَبَرَهُ أصْدَقُ وقَدْ أخْبَرَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وفي القُرْآنِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ مُبَرَّئِينَ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما يُقالُ هَذا فِيمَن لا يَعْلَمُ وهم عَلِمُوهُ وكَتَمُوهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ الكَلامُ ؟ قُلْنا: مَن قالَ: إنَّهم كانُوا عَلى ظَنٍّ وتَوَهُّمٍ فالكَلامُ ظاهِرٌ ومَن قالَ: عَلِمُوا وجَحَدُوا فَمَعْناهُ أنَّ مَنزِلَتَكم مَنزِلَةُ المُعْتَرِضِينَ عَلى ما يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِهِ فَلا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ مَعَ إقْرارِهِ بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا والتَّقْدِيرُ: ومَن أظْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً حَصَلَتْ عِنْدَهُ كَقَوْلِكَ: ومَن أظْلَمُ مِن زَيْدٍ مِن جُمْلَةِ الكاتِمِينَ لِلشَّهادَةِ والمَعْنى: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ وبَنُوهُ هُودًا أوْ نَصارى، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ كَتَمَ هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ يَكْتُمُ شَهادَةً أظْلَمَ مِنهُ لَكِنْ لَمّا اسْتَحالَ ذَلِكَ مَعَ عَدْلِهِ وتَنَزُّهِهِ عَنِ الكَذِبِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
وثانِيها: ومَن أظْلَمُ مِنكم مَعاشِرَ اليَهُودِ والنَّصارى إنْ كَتَمْتُمْ هَذِهِ الشَّهادَةَ مِنَ اللَّهِ فَمِن في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ تَتَعَلَّقُ بِالكاتِمِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وبِالمَكْتُومِ مِنهُ عَلى القَوْلِ الثّانِي كَأنَّهُ قالَ: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ عِنْدَهُ شَهادَةٌ فَلَمْ يُقِمْها عِنْدَ اللَّهِ بَلْ كَتَمَها وأخْفاها.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صِلَةَ الشَّهادَةِ والمَعْنى: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً جاءَتْهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَجَحَدَها كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ: عِنْدِي شَهادَةٌ مِنكَ، أيْ شَهادَةٌ سَمِعْتُها مِنكَ وشَهادَةٌ جاءَتْنِي مِن جِهَتِكَ ومِن عِنْدِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَهو الكَلامُ الجامِعُ لِكُلِّ وعِيدٍ، ومَن تَصَوَّرَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِسِرِّهِ وإعْلانِهِ ولا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ أنَّهُ مِن وراءِ مُجازاتِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ لا يَمْضِي عَلَيْهِ طَرْفَةُ عَيْنٍ إلّا وهو حَذِرٌ خائِفٌ ألا تَرى أنَّ أحَدَنا لَوْ كانَ عَلَيْهِ رَقِيبٌ مِن جِهَةِ سُلْطانٍ يَعُدُّ عَلَيْهِ الأنْفاسَ لَكانَ دائِمَ الحَذَرِ والوَجَلِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الرَّقِيبَ لا يَعْرِفُ إلّا الظّاهِرَ فَكَيْفَ بِالرَّبِّ الرَّقِيبِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى إذا هَدَّدَ وأوْعَدَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ.
البقرة 2:142
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حاجَّ اليَهُودَ في هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَقَّبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِيَكُونَ وعْظًا لَهم وزَجْرًا حَتّى لا يَتَكَلَّمُوا عَلى فَضْلِ الآباءِ فَكُلُّ واحِدٍ يُؤْخَذُ بِعَمَلِهِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ مَتى لا يَسْتَنْكِرُ أنْ يَكُونَ فَرْضُكم عَيْنَ فَرْضِهِمْ لِاخْتِلافِ المَصالِحِ لَمْ يَسْتَنْكِرْ أنْ تَخْتَلِفَ المَصالِحُ فَيَنْقُلُكم مُحَمَّدٌ ﷺ مِن مِلَّةٍ إلى مِلَّةٍ أُخْرى.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُسْنَ طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ ذَكَرَهم في هَذِهِ الآياتِ بَيَّنَ أنَّ الدَّلِيلَ لا يَتِمُّ بِذَلِكَ بَلْ كُلُّ إنْسانٍ مَسْئُولٌ عَنْ عَمَلِهِ، ولا عُذْرَ لَهُ في تَرْكِ الحَقِّ بِأنْ تَوَهَّمَ أنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِطَرِيقَةِ مَن تَقَدَّمَ، لِأنَّهم أصابُوا أمْ أخْطَئُوا لا يَنْفَعُ هَؤُلاءِ ولا يَضُرُّهم لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ طَرِيقَةَ الدِّينِ التَّقْلِيدُ، فَإنْ قِيلَ لِمَ كُرِّرَتِ الآيَةُ ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ الأُولى إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، والثّانِيَةِ أسْلافَ اليَهُودِ.
قالَ الجُبّائِيُّ قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ لِأنَّ أسْلافَ اليَهُودِ والنَّصارى لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ مُصَرَّحٌ ومَوْضِعُ الشُّبْهَةِ في هَذا القَوْلِ أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا في إبْراهِيمَ وبَنِيهِ إنَّهم كانُوا هُودًا فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهم كانُوا عَلى مِثْلِ طَرِيقَةِ أسْلافِنا مِنَ اليَهُودِ فَصارَ سَلَفُهم في حُكْمِ المَذْكُورِينَ فَجازَ أنْ يَقُولَ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ويُعَيِّنُهم ولَكِنَّ ذَلِكَ كالتَّعَسُّفِ بَلِ المَذْكُورُ السّابِقُ هو إبْراهِيمُ وبَنُوهُ فَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلَيْهِمْ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَتى اخْتَلَفَتِ الأوْقاتُ والأحْوالُ والمَواطِنُ لَمْ يَكُنِ التَّكْرارُ عَبَثًا فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما هَذا إلّا بَشَرٌ فَوَصْفُ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ لا يُسَوِّغُ التَّقْلِيدَ في هَذا الجِنْسِ فَعَلَيْكم بِتَرْكِ الكَلامِ في تِلْكَ الأُمَّةِ فَلَها ما كَسَبَتْ وانْظُرُوا فِيما دَعاكم إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ لَكم وأعْوَدُ عَلَيْكم ولا تُسْألُونَ إلّا عَنْ عَمَلِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي ذَكَرَها اليَهُودُ والنَّصارى طَعْنًا في الإسْلامِ فَقالُوا: النَّسْخُ يَقْتَضِي إمّا الجَهْلَ أوِ التَّجْهِيلَ، وكِلاهُما لا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ إمّا أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ القَيْدِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِلا دَوامٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِقَيْدِ الدَّوامِ، فَإنْ كانَ خالِيًا عَنِ القَيْدِ لَمْ يَقْتَضِ الفِعْلَ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، فَلا يَكُونُ وُرُودُ الأمْرِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى خِلافِهِ ناسِخًا وإنْ كانَ مُقَيَّدًا بِقَيْدِ اللّادَوامَ فَهَهُنا ظاهِرٌ أنَّ الوارِدَ بَعْدَهُ عَلى خِلافِهِ لا يَكُونُ ناسِخًا لَهُ، وإنْ كانَ مُقَيَّدًا بِقَيْدِ الدَّوامِ فَإنْ كانَ الأمْرُ يُعْتَقَدُ فِيهِ أنَّهُ يَبْقى دائِمًا مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ لَفْظًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَبْقى دائِمًا ثُمَّ إنَّهُ رَفَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَهُنا كانَ جاهِلًا ثُمَّ بَدا لَهُ ذَلِكَ، وإنْ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ لا يَبْقى دائِمًا مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ لَفْظًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَبْقى دائِمًا كانَ ذَلِكَ تَجْهِيلًا فَثَبَتَ أنَّ النَّسْخَ يَقْتَضِي إمّا الجَهْلَ أوِ التَّجْهِيلَ وهُما مُحالانِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ النَّسْخُ مِنهُ مُحالًا، فالآتِي بِالنَّسْخِ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ أنْ
صفحة ٨٣
يَكُونَ مُبْطِلًا فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَوَصَّلُوا بِالقَدْحِ في نَسْخِ القِبْلَةِ إلى الطَّعْنِ في الإسْلامِ، ثُمَّ إنَّهم خَصَّصُوا هَذِهِ الصُّورَةَ بِمَزِيدِ شُبْهَةٍ فَقالُوا: إنّا إذا جَوَّزْنا النَّسْخَ إنَّما نُجَوِّزُهُ عِنْدَ اخْتِلافِ المَصالِحِ وهَهُنا الجِهاتُ مُتَساوِيَةٌ في أنَّها لِلَّهِ تَعالى ومَخْلُوقَةٌ لَهُ فَتَغْيِيرُ القِبْلَةِ مِن جانِبِ فِعْلٍ خالٍ عَنِ المَصْلَحَةِ فَيَكُونُ عَبَثًا والعَبَثُ لا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذا التَّغْيِيرَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَتَوَصَّلُوا بِهَذا الوَجْهِ إلى الطَّعْنِ في الإسْلامِ.
ولْنَتَكَلَّمِ الآنَ في تَفْسِيرِ الألْفاظِ ثُمَّ لِنَذْكُرِ الجَوابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ الكَرِيمِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ القَفّالِ أنَّ هَذا اللَّفْظَ وإنْ كانَ لِلْمُسْتَقْبَلِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الماضِي أيْضًا، كالرَّجُلِ يَعْمَلُ عَمَلًا فَيَطْعَنُ فِيهِ بَعْضُ أعْدائِهِ فَيَقُولُ: أنا أعْلَمُ أنَّهم سَيَطْعَنُونَ عَلَيَّ فِيما فَعَلْتُ، ومَجازُ هَذا أنْ يَكُونَ القَوْلُ فِيما يُكَرَّرُ ويُعادُ، فَإذا ذَكَرُوهُ مَرَّةً فَسَيَذْكُرُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرى، فَصَحَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يُقالَ: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ذَلِكَ، وقَدْ ورَدَتِ الأخْبارُ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ نَزَلَتِ الآيَةُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم قَبْلَ أنْ يَذْكُرُوا هَذا الكَلامَ أنَّهم سَيَذْكُرُونَهُ وفِيهِ فَوائِدُ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا أخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، كانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى إذا أخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ أوَّلًا ثُمَّ سَمِعَهُ مِنهم، فَإنَّهُ يَكُونُ تَأذِّيهِ مِن هَذا الكَلامِ أقَلَّ مِمّا إذا سَمِعَهُ مِنهم أوَّلًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أسْمَعَهُ ذَلِكَ أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ جَوابَهُ مَعَهُ فَحِينَ يَسْمَعُهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم يَكُونُ الجَوابُ حاضِرًا، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى مِمّا إذا سَمِعَهُ ولا يَكُونُ الجَوابُ حاضِرًا، وأمّا السَّفَهُ في أصْلِ اللُّغَةِ فَقَدْ شَرَحْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣] وبِالجُمْلَةِ فَإنَّ مَن لا يُمَيِّزُ بَيْنَ ما لَهُ وعَلَيْهِ، ويَعْدِلُ عَنْ طَرِيقِ مَنافِعِهِ إلى ما يَضُرُّهُ، يُوصَفُ بِالخِفَّةِ والسَّفَهِ، ولا شَكَّ أنَّ الخَطَأ في بابِ الدِّينِ أعْظَمُ مَضَرَّةً مِنهُ في بابِ الدُّنْيا فَإذا كانَ العادِلُ عَنِ الرَّأْيِ الواضِحِ في أمْرِ دُنْياهُ يُعَدُّ سَفِيهًا، فَمَن يَكُونُ كَذَلِكَ في أمْرِ دِينِهِ كانَ أوْلى بِهَذا الِاسْمِ فَلا كافِرَ إلّا وهو سَفِيهٌ فَهَذا اللَّفْظُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى اليَهُودِ، وعَلى المُشْرِكِينَ وعَلى المُنافِقِينَ، وعَلى جُمْلَتِهِمْ، ولَقَدْ ذَهَبَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ:
فَأوَّلُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هُمُ اليَهُودُ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَأْنَسُونَ بِمُوافَقَةِ الرَّسُولِ لَهم في القِبْلَةِ، كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ مُوافَقَتَهُ لَهم في القِبْلَةِ رُبَّما تَدْعُوهُ إلى أنْ يَصِيرَ مُوافِقًا لَهم بِالكُلِّيَّةِ، فَلَمّا تَحَوَّلَ عَنْ تِلْكَ القِبْلَةِ اسْتَوْحَشُوا مِن ذَلِكَ واغْتَمُّوا وقالُوا: قَدْ عادَ إلى طَرِيقَةِ آبائِهِ، واشْتاقَ إلى دِينِهِمْ، ولَوْ ثَبَتَ عَلى قِبْلَتِنا لَعَلِمْنا أنَّهُ الرَّسُولُ المُنْتَظَرُ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ، فَقالُوا: ما حَكى اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ.
ثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ والحَسَنُ والأصَمُّ، إنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُتَوَجِّهًا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ حِينَ كانَ بِمَكَّةَ، والمُشْرِكُونَ كانُوا يَتَأذَّوْنَ مِنهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلَمّا جاءَ إلى المَدِينَةِ وتَحَوَّلَ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: أبى إلّا الرُّجُوعَ إلى مُوافَقَتِنا، ولَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ لَكانَ أوْلى بِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وهَؤُلاءِ إنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِن حَيْثُ لا يَتَمَيَّزُ بَعْضُ
صفحة ٨٤
الجِهاتِ عَنْ بَعْضٍ بِخاصِّيَّةٍ مَعْقُولَةٍ تَقْتَضِي تَحْوِيلَ القِبْلَةِ إلَيْها، فَكانَ هَذا التَّحْوِيلُ مُجَرَّدَ العَبَثِ والعَمَلِ بِالرَّأْيِ والشَّهْوَةِ، وإنَّما حَمَلْنا لَفْظَ السُّفَهاءِ عَلى المُنافِقِينَ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣] .
ورابِعُها: أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الكُلُّ لِأنَّ لَفْظَ السُّفَهاءِ لَفْظُ عُمُومٍ دَخَلَ فِيهِ الألِفُ واللّامُ، وقَدْ بَيَّنّا صَلاحِيَتَهُ لِكُلِّ الكُفّارِ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ والنَّصُّ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٠] فَوَجَبَ أنْ يَتَناوَلَ الكُلَّ. قالَ القاضِي: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ وُقُوعِ هَذا الكَلامِ مِنهم في الجُمْلَةِ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ ادِّعاءُ العُمُومِ فِيهِ بَعِيدًا قُلْنا: هَذا القَدْرُ لا يُنافِي العُمُومَ ولا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بَلِ الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ قَدْ قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الأعْداءَ مَجْبُولُونَ عَلى القَدْحِ والطَّعْنِ فَإذا وجَدُوا مَجالًا لَمْ يَتْرُكُوا مَقالًا البَتَّةَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ولّاهُ عَنْهُ صَرَفَهُ عَنْهُ ووَلّى إلَيْهِ بِخِلافِ ولّى عَنْهُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنْفالِ: ١٦] وقَوْلُهُ: ﴿ما ولّاهُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّعَجُّبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّوَلِّي وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ المُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ عابَ الكُفّارُ المُسْلِمِينَ فَقالُوا: ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ما ولّاهُمْ﴾ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، والقِبْلَةُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها هي بَيْتُ المَقْدِسِ، واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَتى حَوَّلَ القِبْلَةَ بَعْدَ ذَهابِهِ إلى المَدِينَةِ فَعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ أوْ عَشَرَةِ أشْهُرٍ، وعَنْ مُعاذٍ بَعْدَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا وعَنْ قَتادَةَ بَعْدَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ بَعْدَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وهَذا القَوْلُ أثْبَتُ عِنْدَنا مِن سائِرِ الأقْوالِ وعَنْ بَعْضِهِمْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِن مَقْدَمِهِ، قالَ الواقِدِيُّ: صُرِفَتِ القِبْلَةُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ النِّصْفِ مِن رَجَبٍ عَلى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ سَنَتانِ.
الوَجْهُ الثّانِي: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ وهو أنَّهُ لَمّا صَحَّ الخَبَرُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَوَّلَهُ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ وجَبَ القَوْلُ بِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لاحْتَمَلَ لَفْظُ الآيَةِ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ كانُوا عَلَيْها، أيِ السُّفَهاءُ كانُوا عَلَيْها فَإنَّهم كانُوا لا يَعْرِفُونَ إلّا قِبْلَةَ اليَهُودِ وقِبْلَةَ النَّصارى، فالأُولى إلى المَغْرِبِ والثّانِيَةُ إلى المَشْرِقِ، وما جَرَتْ عادَتُهم بِالصَّلاةِ حَتّى يَتَوَجَّهُوا إلى شَيْءٍ مِنَ الجِهاتِ فَلَمّا رَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الكَعْبَةِ كانَ ذَلِكَ عِنْدَهم مُسْتَنْكَرًا، فَقالُوا: كَيْفَ يَتَوَجَّهُ أحَدٌ إلى هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ المَعْرُوفَتَيْنِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى رادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ واعْلَمْ أنَّ أبا مُسْلِمٍ صَدَقَ فَإنَّهُ لَوْلا الرِّواياتُ الظّاهِرَةُ لَكانَ هَذا القَوْلُ مُحْتَمَلًا واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القَفّالُ: القِبْلَةُ هي الجِهَةُ الَّتِي يَسْتَقْبِلُها الإنْسانُ، وهي مِنَ المُقابَلَةِ، وإنَّما سُمِّيَتِ القِبْلَةُ قِبْلَةً لِأنَّ المُصَلِّيَ يُقابِلُها وتُقابِلُهُ، وقالَ قُطْرُبٌ: يَقُولُونَ في كَلامِهِمْ لَيْسَ لِفُلانٍ قِبْلَةٌ، أيْ لَيْسَ لَهُ جِهَةٌ يَأْوِي إلَيْها، وهو أيْضًا مَأْخُوذٌ مِنَ الِاسْتِقْبالِ، وقالَ غَيْرُهُ: إذا تَقابَلَ الرَّجُلانِ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما قِبْلَةٌ لِلْآخَرِ، وقالَ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ:
صفحة ٨٥
جَعَلْتُ مَأْواكَ لِي قَرارًا وقِبْلَةً حَيْثُما لَجَأْتُ
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الأوَّلُ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الجِهاتِ كُلَّها لِلَّهِ مِلْكًا ومُلْكًا، فَلا يَسْتَحِقُّ شَيْءٌ مِنها لِذاتِهِ أنْ يَكُونَ قِبْلَةً، بَلْ إنَّما تَصِيرُ قِبْلَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها قِبْلَةً، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا اعْتِرافَ عَلَيْهِ بِالتَّحْوِيلِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ أُخْرى، فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ أوَّلًا في تَعْيِينِ القِبْلَةِ ؟ ثُمَّ ما الحِكْمَةُ في تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ ؟ قُلْنا: أمّا المَسْألَةُ الأُولى فَفِيها الخِلافُ الشَّدِيدُ بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ، أمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجِبُ تَعْلِيلُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى البَتَّةَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ كُلَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ وُجُودُ ذَلِكَ الغَرَضِ أوْلى لَهُ مِن لا وُجُودِهِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، بَلِ الوُجُودُ والعَدَمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سِيّانِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ، كانَ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمَلًا بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وإنْ كانَ الثّانِي اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ غَرَضًا ومَقْصُودًا ومُرَجَّحًا فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ وإنْ كانَ وُجُودُهُ وعَدَمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّوِيَّةِ إلّا أنَّ وُجُودَهُ لَمّا كانَ أنْفَعَ لِلْغَيْرِ مِن عَدَمِهِ، فالحَكِيمُ يَفْعَلُهُ لِيَعُودَ النَّفْعُ إلى الغَيْرِ قُلْنا: عَوْدُ النَّفْعِ إلى الغَيْرِ ولا عَوْدُهُ إلَيْهِ، هَلْ هُما بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى السَّواءِ، أوْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّقْسِيمُ.
ثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ مِن دُونِ تِلْكَ الواسِطَةِ، أوْ لا يَكُونَ قادِرًا عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ تَوَسُّطُ تِلْكَ الواسِطَةِ عَبَثًا، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ عَجْزًا وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى إنْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَذَلِكَ الغَرَضُ وإنْ كانَ قَدِيمًا لَزِمَ مِن قِدَمِهِ قِدَمُ الفِعْلِ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ مُحْدَثًا تَوَقَّفَ إحْداثُهُ عَلى غَرَضٍ آخَرَ، ولَزِمَ الدَّوْرُ أوِ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ.
ورابِعُها: أنَّ تَخْصِيصَ إحْداثِ العالَمِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ إنْ كانَ لِحِكْمَةٍ اخْتَصَّ بِها ذَلِكَ الوَقْتُ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ كانَ طَلَبُ العِلَّةِ في أنَّهُ لِمَ حَصَلَتْ تِلْكَ الحِكْمَةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ دُونَ سائِرِ الأوْقاتِ كَطَلَبِ العِلَّةِ في أنَّهُ لِمَ حَصَلَ العالَمُ في ذَلِكَ الوَقْتِ دُونَ سائِرِ الأوْقاتِ. فَإنِ اسْتَغْنى أحَدُهُما عَنِ المُرَجِّحِ فَكَذا الآخَرُ، وإنِ افْتَقَرَ فَكَذا الآخَرُ وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ ذَلِكَ عَلى الحِكْمَةِ فَقَدْ بَطَلَ تَوْقِيفُ فاعِلِيَّةِ اللَّهِ عَلى الحِكْمَةِ والغَرَضِ.
وخامِسُها: ما سَبَقَ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، والكُفْرِ والإيمانِ، والطّاعَةِ والعِصْيانِ واقِعٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالغَرَضِ، لِأنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ غَرَضٌ يَرْجِعُ إلى العَبْدِ في خَلْقِ الكُفْرِ فِيهِ وتَعْذِيبِهِ عَلَيْهِ أبَدَ الآبادِ.
وسادِسُها: أنَّ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتَهُ بِإيجادِ الفِعْلِ المُعَيَّنِ في الأزَلِ، إمّا أنْ يَكُونَ جائِزًا أوْ واجِبًا، فَإنْ كانَ جائِزًا افْتَقَرَ إلى مُؤَثِّرٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، ولِأنَّهُ يَلْزَمُ صِحَّةُ العَدَمِ عَلى القَدِيمِ، وإنْ كانَ واجِبًا فالواجِبُ لا يُعَلَّلُ فَثَبَتَ عِنْدَنا بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ وأحْكامِهِ بِالدَّواعِي والأغْراضِ مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ فاعِلِيَّتُهُ بِمَحْضِ الإلَهِيَّةِ والقُدْرَةِ والنَّفاذِ والِاسْتِيلاءِ، وهَذا هو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ قَوْلِهِ
صفحة ٨٦
تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ فَإنَّهُ عَلَّلَ جَوازَ النَّسْخِ بِكَوْنِهِ مالِكًا لِلْمَشْرِقِ والمَغْرِبِ، والمُلْكُ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى القُدْرَةِ، ولَمْ يُعَلِّلْ ذَلِكَ بِالحِكْمَةِ عَلى ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ بَصَرِيحِها عَلى قَوْلِنا ومَذْهَبِنا، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ قالُوا: لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، والحَكِيمُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أفْعالُهُ خالِيَةً عَنِ الأغْراضِ، عَلِمْنا أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ أفْعالِهِ وأحْكامِهِ حِكَمًا وأغْراضًا، ثُمَّ إنَّها تارَةً تَكُونُ ظاهِرَةً جَلِيَّةً لَنا، وتارَةً مَسْتُورَةً خَفِيَّةً عَنّا، وتَحْوِيلُ القِبْلَةِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ أُخْرى يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِمَصالِحَ خَفِيَّةٍ وأسْرارٍ مَطْوِيَّةٍ عَنّا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ: اسْتَحالَ الطَّعْنُ بِهَذا التَّحْوِيلِ في دِينِ الإسْلامِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الكَلامِ في تِلْكَ الحِكَمِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، واعْلَمْ أنَّ أمْثالَ هَذِهِ المَباحِثِ لا تَكُونُ قَطْعِيَّةً، بَلْ غايَتُها أنْ تَكُونَ أُمُورًا احْتِمالِيَّةً أمّا تَعْيِينُ القِبْلَةِ في الصَّلاةِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ حِكَمًا:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في الإنْسانِ قُوَّةً عَقْلِيَّةً مُدْرِكَةً لِلْمُجَرَّداتِ والمَعْقُولاتِ، وقُوَّةً خَيالِيَّةً مُتَصَرِّفَةً في عالَمِ الأجْسادِ، وقَلَّما تَنْفَكُّ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ عَنْ مُقارَنَةِ القُوَّةِ الخَيالِيَّةِ ومُصاحَبَتِها، فَإذا أرادَ الإنْسانُ اسْتِحْضارَ أمْرٍ عَقْلِيٍّ مُجَرَّدٍ وجَبَ أنْ يَضَعَ لَهُ صُورَةً خَيالِيَّةً يَحْسِبُها حَتّى تَكُونَ تِلْكَ الصُّورَةُ الخَيالِيَّةُ مُعِينَةً عَلى إدْراكِ تِلْكَ المَعانِي العَقْلِيَّةِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ المُهَنْدِسَ إذا أرادَ إدْراكَ حُكْمٍ مِن أحْكامِ المَقادِيرِ، وضَعَ لَهُ صُورَةً مُعَيَّنَةً وشَكْلًا مُعَيَّنًا لِيَصِيرَ الحِسُّ والخَيالُ مُعِينَيْنِ لِلْعَقْلِ عَلى إدْراكِ ذَلِكَ الحُكْمِ الكُلِّيِّ، ولَمّا كانَ العَبْدُ الضَّعِيفُ إذا وصَلَ إلى مَجْلِسِ المَلِكِ العَظِيمِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِوَجْهِهِ، وأنْ لا يَكُونَ مُعْرِضًا عَنْهُ، وأنْ يُبالِغَ في الثَّناءِ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ، ويُبالِغَ في الخِدْمَةِ والتَّضَرُّعِ لَهُ، فاسْتِقْبالُ القِبْلَةِ في الصَّلاةِ يَجْرِي مَجْرى كَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا لِلْمَلِكِ لا مُعْرِضًا عَنْهُ، والقِراءَةُ والتَّسْبِيحاتُ تَجْرِي مَجْرى الثَّناءِ عَلَيْهِ والرُّكُوعُ والسُّجُودُ يَجْرِي مَجْرى الخِدْمَةِ.
وثانِيها: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الصَّلاةِ حُضُورُ القَلْبِ وهَذا الحُضُورُ لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ السُّكُونِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ والحَرَكَةِ، وهَذا لا يَتَأتّى إلّا إذا بَقِيَ في جَمِيعِ صَلاتِهِ مُسْتَقْبِلًا لِجِهَةٍ واحِدَةٍ عَلى التَّعْيِينِ، فَإذا اخْتَصَّ بَعْضُ الجِهاتِ بِمَزِيدِ شَرَفٍ في الأوْهامِ، كانَ اسْتِقْبالُ تِلْكَ الجِهَةِ أوْلى.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ المُوافَقَةَ والأُلْفَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ ذَكَرَ المِنَّةَ بِها عَلَيْهِمْ، حَيْثُ قالَ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إخْوانًا﴾ ولَوْ تَوَجَّهَ كُلُّ واحِدٍ في صَلاتِهِ إلى ناحِيَةٍ أُخْرى، لَكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ اخْتِلافًا ظاهِرًا، فَعَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهم جِهَةً مَعْلُومَةً، وأمَرَهم جَمِيعًا بِالتَّوَجُّهِ نَحْوَها، لِيَحْصُلَ لَهُمُ المُوافَقَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ المُوافَقَةَ بَيْنَ عِبادِهِ في أعْمالِ الخَيْرِ.
ورابِعُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ الكَعْبَةَ بِإضافَتِها إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿بَيْتِيَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٥] وخَصَّ المُؤْمِنِينَ بِإضافَتِهِمْ بِصِفَةِ العُبُودِيَّةِ إلَيْهِ، وكِلْتا الإضافَتَيْنِ لِلتَّخْصِيصِ والتَّكْرِيمِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُؤْمِنُ أنْتَ عَبْدِي، والكَعْبَةُ بَيْتِي، والصَّلاةُ خِدْمَتِي، فَأقْبِلْ بِوَجْهِكَ في خِدْمَتِي إلى بَيْتِي، وبِقَلْبِكَ إلَيَّ.
وخامِسُها: قالَ بَعْضُ المَشايِخِ: إنَّ اليَهُودَ اسْتَقْبَلُوا القِبْلَةَ لِأنَّ النِّداءَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ مِنهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القَصَصِ: ٤٤] الآيَةَ، والنَّصارى اسْتَقْبَلُوا المَغْرِبَ، لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَهَبَ إلى مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مِن جانِبِ المَشْرِقِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٦] والمُؤْمِنُونَ اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ لِأنَّها قِبْلَةُ خَلِيلِ اللَّهِ، ومَوْلِدُ حَبِيبِ
صفحة ٨٧
اللَّهِ، وهي مَوْضِعُ حَرَمِ اللَّهِ، وكانَ بَعْضُهم يَقُولُ: اسْتَقْبَلَتِ النَّصارى مَطْلَعَ الأنْوارِ، وقَدِ اسْتَقْبَلْنا مَطْلَعَ سَيِّدِ الأنْوارِ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَمِن نُورِهِ خُلِقَتِ الأنْوارُ جَمِيعًا.
وسادِسُها: قالُوا: الكَعْبَةُ سُرَّةُ الأرْضِ ووَسَطُها، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ خَلْقِهِ بِالتَّوَجُّهِ إلى وسَطِ الأرْضِ في صَلاتِهِمْ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ العَدْلُ في كُلِّ شَيْءٍ، ولِأجْلِهِ جَعَلَ وسَطَ الأرْضِ قِبْلَةً لِلْخَلْقِ.
وسابِعُها: أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ حُبَّهُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِواسِطَةِ أمْرِهِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتَمَنّى ذَلِكَ مُدَّةً لِأجْلِ مُخالَفَةِ اليَهُودِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٤] الآيَةَ، وفي الشّاهِدِ إذا وُصِفَ واحِدٌ مِنَ النّاسِ بِمَحَبَّةِ آخَرَ قالُوا: فُلانٌ يُحَوِّلُ القِبْلَةَ لِأجْلِ فُلانٍ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ، فاللَّهُ تَعالى قَدْ حَوَّلَ القِبْلَةَ لِأجْلِ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى جِهَةِ التَّحْقِيقِ، وقالَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٤] ولَمْ يَقُلْ قِبْلَةً أرْضاها، والإشارَةُ فِيهِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ كُلُّ أحَدٍ يَطْلُبُ رِضايَ وأنا أطْلُبُ رِضاكَ في الدّارَيْنِ، أمّا في الدُّنْيا فَهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ وأمّا في الآخِرَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضُّحى: ٥] وفِيهِ إشارَةٌ أيْضًا إلى شَرَفِ الفُقَراءِ: ﴿فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٢] وقالَ في الإعْراضِ عَنِ القِبْلَةِ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: الكَعْبَةُ قِبْلَةُ وجْهِكَ، والفُقَراءُ قِبْلَةُ رَحْمَتِي، فَإعْراضُكَ عَنْ قِبْلَةِ وجْهِكَ، يُوجِبُ كَوْنَكَ ظالِمًا، فالإعْراضُ عَنْ قِبْلَةِ رَحْمَتِي كَيْفَ يَكُونُ.
وثامِنُها: العَرْشُ قِبْلَةُ الحَمَلَةِ، والكُرْسِيُّ قِبْلَةُ البَرَرَةِ، والبَيْتُ المَعْمُورُ قِبْلَةُ السَّفَرَةِ، والكَعْبَةُ قِبْلَةُ المُؤْمِنِينَ، والحَقُّ قِبْلَةُ المُتَحَيِّرِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١١٥] وثَبَتَ أنَّ العَرْشَ مَخْلُوقٌ مِنَ النُّورِ، والكُرْسِيَّ مِنَ الدُّرِّ، والبَيْتَ المَعْمُورَ مِنَ الياقُوتِ، والكَعْبَةَ مِن جِبالٍ خَمْسَةٍ: مِن طُورِ سَيْنا، وطُورِ زَيْتا، والجُودِيِّ، ولُبْنانَ، وحِراءٍ، والإشارَةُ فِيهِ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إنْ كانَتْ عَلَيْكَ ذُنُوبٌ بِمِثْقالِ هَذِهِ الجِبالِ فَأتَيْتَ الكَعْبَةَ حاجًّا أوْ تَوَجَّهْتَ نَحْوَها مُصَلِّيًا كَفَّرْتُها عَنْكَ وغَفَرْتُها لَكَ فَهَذا جُمْلَةُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في هَذا البابِ، والتَّحْقِيقُ هو الأوَّلُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في حِكْمَةِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، قَدْ ذَكَرْنا شُبْهَةَ القَوْمِ في إنْكارِ هَذا التَّحْوِيلِ، وهي أنَّ الجِهاتِ لَمّا كانَتْ مُتَساوِيَةً في جَمِيعِ الصِّفاتِ كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ مُجَرَّدَ العَبَثِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الحَكِيمِ.
والجَوابُ عَنْهُ: أمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ: إنَّهُ لا يَجِبُ تَعْلِيلُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى بِالحِكَمِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَلَهم طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ اخْتِلافُ المَصالِحِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الجِهاتِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا تَرَسَّخَ في أوْهامِ بَعْضِ النّاسِ أنَّ هَذِهِ الجِهاتِ أشْرَفُ مِن غَيْرِها بِسَبَبِ أنَّ هَذا البَيْتَ بَناهُ الخَلِيلُ وعَظَّمَهُ، كانَ هَذا الإنْسانُ عِنْدَ اسْتِقْبالِهِ أشَدَّ تَعْظِيمًا وخُشُوعًا، وذَلِكَ مَصْلَحَةٌ مَطْلُوبَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ لَمّا كانَ بِناءُ هَذا البَيْتِ سَبَبًا لِظُهُورِ دَوْلَةِ العَرَبِ كانَتْ رَغْبَتُهم في تَعْظِيمِهِ أشَدَّ.
وثالِثُها: أنَّ اليَهُودَ لَمّا كانُوا يُعَيِّرُونَ المُسْلِمِينَ عِنْدَ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ بِأنَّهُ لَوْلا أنّا أرْشَدْناكم إلى القِبْلَةِ لَما كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ القِبْلَةَ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَشْوِيشِ الخَواطِرِ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِالخُضُوعِ والخُشُوعِ، فَهَذا يُناسِبُ
صفحة ٨٨
الصَّرْفَ عَنْ تِلْكَ القِبْلَةِ.
ورابِعُها: أنَّ الكَعْبَةَ مَنشَأُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَتَعْظِيمُ الكَعْبَةِ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ أمْرٌ مَطْلُوبٌ لِأنَّهُ مَتى رَسَخَ في قَلْبِهِمْ تَعْظِيمُهُ، كانَ قَبُولُهم لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ أسْرَعَ وأسْهَلَ، والمُفْضِي إلى المَطْلُوبِ مَطْلُوبٌ، فَكانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ مُناسِبًا.
وخامِسُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى حِينَ كانُوا بِمَكَّةَ أنْ يَتَّجِهُوا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِيَتَمَيَّزُوا عَنِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ وبِها اليَهُودُ، أُمِرُوا بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ لِيَتَمَيَّزُوا عَنِ اليَهُودِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فالهِدايَةُ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّما هي الدَّلالَةُ المُوَصِّلَةُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَدُلُّ عَلى ما هو لِلْعِبادَةِ أصْلَحُ، والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الَّذِي يُؤَدِّيهِمْ إذا تَمَسَّكُوا بِهِ إلى الجَنَّةِ، قالَ أصْحابُنا: هَذِهِ الهِدايَةُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الدَّعْوَةَ أوِ الدَّلالَةَ أوْ تَحْصِيلَ العِلْمِ فِيهِ، والأوَّلانِ باطِلانِ، لِأنَّهُما عامّانِ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ وذَلِكَ يَقْتَضِي بِأنَّ الهِدايَةَ والإضْلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:143
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾
اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: الكافُ في ”كَذَلِكَ“ كافُ التَّشْبِيهِ، والمُشَبَّهُ بِهِ أيُّ شَيْءٍ هو ؟ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى مَعْنى يَهْدِي، أيْ كَما أنْعَمْنا عَلَيْكم بِالهِدايَةِ، كَذَلِكَ أنْعَمْنا عَلَيْكم بِأنْ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا.
وثانِيها: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ تَقْرِيرُهُ كَما هَدَيْناكم إلى قِبْلَةٍ هي أوْسَطُ القِبَلِ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا.
وثالِثُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٠] أيْ فَكَما اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا فَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا.
ورابِعُها: يَحْتَمِلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ فَهَذِهِ الجِهاتُ بَعْدَ اسْتِوائِها في كَوْنِها مُلْكًا لِلَّهِ ومِلْكًا لَهُ، خَصَّ بَعْضَها بِمَزِيدِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ بِأنْ جَعَلَهُ قِبْلَةً فَضْلًا مِنهُ وإحْسانًا فَكَذَلِكَ العِبادُ كُلُّهم مُشْتَرِكُونَ في العُبُودِيَّةِ إلّا أنَّهُ خَصَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِمَزِيدِ الفَضْلِ والعِبادَةِ مِنهُ وإحْسانًا لا وُجُوبًا.
وخامِسُها: أنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ ضَمِيرُ الشَّيْءِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُضْمَرُ مَذْكُورًا إذا كانَ المُضْمَرُ مَشْهُورًا مَعْرُوفًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١] ثُمَّ مِنَ المَشْهُورِ المَعْرُوفِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو القادِرُ عَلى إعْزازِ مَن شاءَ وإذْلالِ مَن شاءَ فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ العَجِيبِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِواهُ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ الوَسَطُ اسْمًا حَرَّكْتَ الوَسَطَ كَقَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ والظَّرْفُ مُخَفَّفٌ تَقُولُ: جَلَسْتُ وسْطَ القَوْمِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الوَسَطِ وذَكَرُوا أُمُورًا.
أحَدُها: أنَّ الوَسَطَ هو العَدْلُ
صفحة ٨٩
والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ والشِّعْرُ والنَّقْلُ والمَعْنى، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ [القَلَمِ: ٢٨] أيْ أعْدَلُهم، وأمّا الخَبَرُ فَما رَوى القَفّالُ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«أُمَّةً وسَطًا، قالَ: عَدْلًا» “ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«خَيْرُ الأُمُورِ أوْسَطُها» “ أيْ أعْدَلُها، وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ أوْسَطَ قُرَيْشٍ نَسَبًا. وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَلَيْكم بِالنَّمَطِ الأوْسَطِ» “ وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ زُهَيْرٍ:
هم وسَطٌ يَرْضى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي العَظائِمُ
وأمّا النَّقْلُ فَقالَ الجَوْهَرِيُّ في ”الصِّحاحِ“: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ أيْ عَدْلًا وهو الَّذِي قالَهُ الأخْفَشُ والخَلِيلُ وقُطْرُبٌ، وأمّا المَعْنى فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الوَسَطَ حَقِيقَةٌ في البُعْدِ عَنِ الطَّرَفَيْنِ ولا شَكَّ أنَّ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ رَدِيئانِ فالمُتَوَسِّطُ في الأخْلاقِ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ الطَّرَفَيْنِ فَكانَ مُعْتَدِلًا فاضِلًا.
وثانِيها: إنَّما سُمِّيَ العَدْلُ وسَطًا لِأنَّهُ لا يَمِيلُ إلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ، والعَدْلُ هو المُعْتَدِلُ الَّذِي لا يَمِيلُ إلى أحَدِ الطَّرَفَيْنِ.
وثالِثُها: لا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ طَرِيقَةُ المَدْحِ لَهم لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَذْكُرَ اللَّهُ تَعالى وصْفًا ويَجْعَلَهُ كالعِلَّةِ في أنْ جَعَلَهم شُهُودًا لَهُ ثُمَّ يَعْطِفُ عَلى ذَلِكَ شَهادَةَ الرَّسُولِ إلّا وذَلِكَ مَدْحٌ فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَطًا﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَدْحِ في بابِ الدِّينِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَمْدَحَ اللَّهُ الشُّهُودَ حالَ حُكْمِهِ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ شُهُودًا إلّا بِكَوْنِهِمْ عُدُولًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ في الوَسَطِ العَدالَةَ.
ورابِعُها: أنَّ أعْدَلَ بِقاعِ الشَّيْءِ وسَطُهُ، لِأنَّ حُكْمَهُ مَعَ سائِرِ أطْرافِهِ عَلى سَواءٍ وعَلى اعْتِدالٍ، والأطْرافُ يَتَسارَعُ إلَيْها الخَلَلُ والفَسادُ والأواسِطُ مَحْمِيَّةٌ مَحُوطَةٌ فَلَمّا صَحَّ ذَلِكَ في الوَسَطِ صارَ كَأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المُعْتَدِلِ الَّذِي لا يَمِيلُ إلى جِهَةٍ دُونَ جِهَةٍ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الوَسَطَ مِن كُلِّ شَيْءٍ خِيارُهُ قالُوا: وهَذا التَّفْسِيرُ أوْلى مِنَ الأوَّلِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الوَسَطِ يُسْتَعْمَلُ في الجَماداتِ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اكْتَرَيْتُ جَمَلًا مِن أعْرابِيٍّ بِمَكَّةَ لِلْحَجِّ فَقالَ: أعْطِنِي مِن سَطا تَهْنَةٍ أرادَ مِن خِيارِ الدَّنانِيرِ ووَصْفُ العَدالَةِ لا يُوجَدُ في الجَماداتِ فَكانَ هَذا التَّفْسِيرُ أوْلى.
الثّانِي: أنَّهُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٠] .
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ: فُلانٌ أوْسَطُنا نَسَبًا فالمَعْنى أنَّهُ أكْثَرُ فَضْلًا وهَذا وسَطٌ فِيهِمْ كَواسِطَةِ القِلادَةِ، وأصْلُ هَذا أنَّ الأتْباعَ يَحُوشُونَ الرَّئِيسَ فَهو في وسَطِهِمْ وهم حَوْلَهُ فَقِيلَ وسَطٌ لِهَذا المَعْنى.
القَوْلُ الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا وسَطًا عَلى مَعْنى أنَّهم مُتَوَسِّطُونَ في الدِّينِ بَيْنَ المُفَرِّطِ والمُفْرِطِ والغالِي والمُقَصِّرِ في الأشْياءِ لِأنَّهم لَمْ يَغْلُوا كَما غَلَتِ النَّصارى فَجَعَلُوا ابْنًا وإلَهًا ولا قَصَّرُوا كَتَقْصِيرِ اليَهُودِ في قَتْلِ الأنْبِياءِ وتَبْدِيلِ الكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَصَّرُوا فِيهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ مُتَقارِبَةٌ غَيْرُ مُتَنافِيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ عَدالَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ وخَيْرِيَّتَهم بِجَعْلِ اللَّهِ وخَلْقِهِ وهَذا صَرِيحٌ في المَذْهَبِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ مِن هَذا الجَعْلِ فِعْلُ الألْطافِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ مَتى فَعَلَها لِهَذِهِ الأُمَّةِ اخْتارُوا عِنْدَها الصَّوابَ في القَوْلِ والعَمَلِ، أجابَ الأصْحابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ وذَلِكَ مِمّا لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ
صفحة ٩٠
عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها، لَكِنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ الباهِرَةَ لَيْسَتْ إلّا مَعَنا، أقْصى ما لِلْمُعْتَزِلَةِ في هَذا البابِ التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ المَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ، وقَدْ بَيَّنّا مِرارًا كَثِيرَةً أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مُنْتَقَضَةٌ عَلى أُصُولِهِمْ بِمَسْألَةِ العِلْمِ ومَسْألَةِ الدّاعِي، والكَلامُ المَنقُوضُ لا التِفاتَ إلَيْهِ البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقَدْ بَيَّنّا دَلالَةَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِنا في أنَّهُ تَعالى يَخُصُّ البَعْضَ بِالهِدايَةِ دُونَ البَعْضِ، فَهَذِهِ الآيَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَحْمُولَةً عَلى ذَلِكَ لِتَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُؤَكِّدَةً لِمَضْمُونِ الأُخْرى.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ ما في مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ في حَقِّ الكُلِّ فَقَدْ فَعَلَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِهَذا المَعْنى فائِدَةٌ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ وفِعْلُ اللُّطْفِ واجِبٌ والواجِبُ لا يَجُوزُ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ الأصْحابِ وجُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ فَقالُوا: أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ عَدالَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ وعَنْ خَيْرِيَّتِهِمْ فَلَوْ أقامُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ المَحْظُوراتِ لَما اتَّصَفُوا بِالخَيْرِيَّةِ وإذا ثَبَتَ أنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَحْظُوراتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم حُجَّةً، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ، لِأنَّ وصْفَ الأُمَّةِ بِالعَدالَةِ يَقْتَضِي اتِّصافَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِها وخِلافُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِها عَلى البَعْضِ فَنَحْنُ نَحْمِلُها عَلى الأئِمَّةِ المَعْصُومِينَ، سَلَّمْنا أنَّها لَيْسَتْ مَتْرُوكَةَ الظّاهِرِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الوَسَطَ مِن كُلِّ شَيْءٍ خِيارُهُ والوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها مُعارَضَةٌ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ عَدالَةَ الرَّجُلِ عِبارَةٌ عَنْ أداءِ الواجِباتِ واجْتِنابِ المُحَرَّماتِ وهَذا مِن فِعْلِ العَبْدِ وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ جَعَلَهم وسَطًا فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ كَوْنَهم وسَطًا مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهم وسَطًا غَيْرَ كَوْنِهِمْ عُدُولًا وإلّا لَزِمَ وُقُوعُ مَقْدُورٍ واحِدٍ بِقادِرَيْنِ وهو مُحالٌ.
الثّانِي: أنَّ الوَسَطَ اسْمٌ لِما يَكُونُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَجَعْلُهُ حَقِيقَةً في العَدالَةِ والخَيْرِيَّةِ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ وهو خِلافُ الأصْلِ، سَلَّمْنا اتِّصافَهم بِالخَيْرِيَّةِ ولَكِنْ لِمَ لا يَكْفِي في حُصُولِ هَذا الوَصْفِ الِاجْتِنابُ عَنِ الكَبائِرِ فَقَطْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ احْتَمَلَ أنَّ الَّذِي أجْمَعُوا عَلَيْهِ وإنْ كانَ خَطَأً لَكِنَّهُ مِنَ الصَّغائِرِ فَلا يَقْدَحُ ذَلِكَ في خَيْرِيَّتِهِمْ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِكَوْنِهِمْ عُدُولًا لِيَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وفِعْلُ الصَّغائِرِ لا يَمْنَعُ الشَّهادَةَ، سَلَّمْنا اجْتِنابَهم عَنِ الصَّغائِرِ والكَبائِرِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ اتِّصافَهم بِذَلِكَ إنَّما كانَ لِكَوْنِهِمْ شُهَداءَ عَلى النّاسِ، مَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الشَّهادَةَ إنَّما تَتَحَقَّقُ في الآخِرَةِ فَيَلْزَمُ وُجُوبُ تَحَقُّقِ عَدالَتِهِمْ هُناكَ لِأنَّ عَدالَةَ الشُّهُودِ إنَّما تُعْتَبَرُ حالَةَ الأداءِ لا حالَةَ التَّحَمُّلِ، وذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ، لِأنَّ الأُمَّةَ تَصِيرُ مَعْصُومَةً في الآخِرَةِ فَلِمَ قُلْتَ إنَّهم في الدُّنْيا كَذَلِكَ ؟ سَلَّمْنا وُجُوبَ كَوْنِهِمْ عُدُولًا في الدُّنْيا لَكِنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذا الخِطابِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ الخِطابَ مَعَ مَن لَمْ يُوجَدْ مُحالٌ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي عَدالَةَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا تَقْتَضِي عَدالَةَ غَيْرِهِمْ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إجْماعَ أُولَئِكَ حَقٌّ فَيَجِبُ أنْ لا نَتَمَسَّكَ بِالإجْماعِ إلّا إذا عَلِمْنا حُصُولَ قَوْلِ كُلِّ أُولَئِكَ فِيهِ لَكِنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا إذا عَلِمْنا كُلَّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأعْيانِهِمْ وعَلِمْنا بَقاءَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم إلى ما بَعْدَ وفاةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلِمْنا حُصُولَ أقْوالِهِمْ بِأسْرِهِمْ في ذَلِكَ الإجْماعِ ولَمّا كانَ ذَلِكَ كالمُتَعَذَّرِ امْتَنَعَ التَّمَسُّكُ بِالإجْماعِ.
صفحة ٩١
والجَوابُ عَنْ قَوْلِهِ: الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم عِنْدَ اجْتِماعِهِ مَعَ غَيْرِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وعِنْدَنا أنَّهم في كُلِّ أمْرٍ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَكُونُ عَدْلًا في ذَلِكَ الأمْرِ، بَلْ إذا اخْتَلَفُوا فَعِنْدَ ذَلِكَ قَدْ يَفْعَلُونَ القَبِيحَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا خِطابٌ مَعَهم حالَ الِاجْتِماعِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿جَعَلْناكُمْ﴾ خِطابٌ لِمَجْمُوعِهِمْ لا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم وحْدَهُ، عَلى أنّا وإنْ سَلَّمْنا أنَّ هَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَدْلًا، لَكِنّا نَقُولُ: تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ البَعْضِ لِدَلِيلٍ قامَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ الباقِي وهَذا مَعْنى ما قالَ العُلَماءُ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ كُلَّهم كَذَلِكَ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُوجَدَ فِيما بَيْنَهم مَن يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإذا كُنّا لا نَعْلَمُ بِأعْيانِهِمُ افْتَقَرْنا إلى اجْتِماعِ جَماعَتِهِمْ عَلى القَوْلِ والفِعْلِ، لِكَيْ يَدْخُلَ المُعْتَبَرُونَ في جُمْلَتِهِمْ، مِثالُهُ: أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إذا قالَ: إنَّ واحِدًا مِن أوْلادِ فُلانٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُصِيبًا في الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ، فَإذا لَمْ نَعْلَمْهُ بِعَيْنِهِ ووَجَدْنا أوْلادَهُ مُجْتَمِعِينَ عَلى رَأْيٍ عَلِمْناهُ حَقًّا؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُوجَدَ فِيهِمْ ذَلِكَ المُحِقُّ، فَأمّا إذا اجْتَمَعُوا سِوى الواحِدِ عَلى رَأْيٍ لَمْ نَحْكم بِكَوْنِهِ حَقًّا؛ لِتَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ الصَّوابُ مَعَ ذَلِكَ الواحِدِ الَّذِي خالَفَ، ولِهَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنّا لَوْ مَيَّزَنا في الأُمَّةِ مَن كانَ مُصِيبًا عَمَّنْ كانَ مُخْطِئًا كانَتِ الحُجَّةُ قائِمَةً في قَوْلِ المُصِيبِ ولَمْ نَعْتَبِرِ البَتَّةَ بِقَوْلِ المُخْطِئِ.
قَوْلُهُ: لَوْ كانَ المُرادُ مِن كَوْنِهِمْ وسَطًا هو المُرادُ مِن عَدالَتِهِمْ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى، قُلْنا: هَذا مَذْهَبُنا عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
قَوْلُهُ: لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى عَنْ عَدالَتِهِمْ وخَيْرِيَّتِهِمْ يَقْتَضِي اجْتِنابَهم عَنِ الصَّغائِرِ ؟ قُلْنا: خَبَرُ اللَّهِ تَعالى صِدْقٌ، والخَبَرُ الصِّدْقُ يَقْتَضِي حُصُولَ المُخْبَرِ عَنْهُ، وفِعْلُ الصَّغِيرَةِ لَيْسَ بِخَيْرٍ، فالجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَناقِضٌ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإخْبارُ عَنِ الشَّخْصِ بِأنَّهُ خَيْرٌ أعَمُّ مِنَ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ خَيْرٌ في جَمِيعِ الأُمُورِ، أوْ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُهُ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ فَيُقالُ: الخَيْرُ إمّا أنْ يَكُونَ خَيْرًا في بَعْضِ الأُمُورِ دُونَ البَعْضِ أوْ في كُلِّ الأُمُورِ، ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فَمَن كانَ خَيْرًا مِن بَعْضِ الوُجُوهِ دُونَ البَعْضِ، يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ خَيْرٌ، فَإذَنْ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ خَيْرِيَّةِ الأُمَّةِ لا يَقْتَضِي إخْبارَهُ تَعالى عَنْ خَيْرِيَّتِهِمْ في كُلِّ الأُمُورِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا لا يُنافِي إقْدامَهم عَلى الكَبائِرِ فَضْلًا عَنِ الصَّغائِرِ، وكُنّا قَدْ نَصَرْنا هَذِهِ الدَّلالَةَ في أُصُولِ الفِقْهِ، إلّا أنَّ هَذا السُّؤالَ وارِدٌ عَلَيْها، أمّا السُّؤالُ الآخَرُ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ أوَّلِها وآخِرِها، مَن كانَ مِنهم مَوْجُودًا وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ومَن جاءَ بَعْدَهم إلى قِيامِ السّاعَةِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] يَتَناوَلُ الكُلَّ، ولا يَخْتَصُّ بِالمَوْجُودِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وكَذَلِكَ سائِرُ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وأوامِرِهِ وزَواجِرِهِ خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ هَذا خِطابًا لِجَمِيعِ مَن يُوجَدُ إلى قِيامِ السّاعَةِ، فَإنَّما حُكِمَ لِجَماعَتِهِمْ بِالعَدالَةِ فَمِن أيْنَ حَكَمْتَ لِأهْلِ كُلِّ عَصْرٍ بِالعَدالَةِ حَتّى جَعَلْتَهم حُجَّةً عَلى مَن بَعْدَهم ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَهم شُهَداءَ عَلى النّاسِ، فَلَوِ اعْتَبَرْنا أوَّلَ الأُمَّةِ وآخِرَها بِمَجْمُوعِها في كَوْنِها حُجَّةً عَلى غَيْرِها لَزالَتِ الفائِدَةُ إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ انْقِضائِها مَن تَكُونُ الأُمَّةُ حُجَّةً عَلَيْهِ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ بِهِ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ، ويَجُوزُ تَسْمِيَةُ أهْلِ العَصْرِ الواحِدِ بِالأُمَّةِ، فَإنَّ الأُمَّةَ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ الَّتِي تَؤُمُّ جِهَةً واحِدَةً، ولا شَكَّ أنَّ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ كَذَلِكَ ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ فَعَبَّرَ عَنْهم بِلَفْظِ النَّكِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا يَتَناوَلُ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ الشَّهادَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾
صفحة ٩٢
تَحْصُلُ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا.
فالقَوْلُ الأوَّلُ: إنَّها تَقَعُ في الآخِرَةِ، والذّاهِبُونَ إلى هَذا القَوْلِ لَهم وجْهانِ. الأوَّلُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ: أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تَشْهَدُ لِلْأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمُ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَهم، رُوِيَ أنَّ الأُمَمَ يَجْحَدُونَ تَبْلِيغَ الأنْبِياءِ، فَيُطالِبُ اللَّهُ تَعالى الأنْبِياءَ بِالبَيِّنَةِ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا وهو أعْلَمُ، فَيُؤْتى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَشْهَدُونَ، فَتَقُولُ الأُمَمُ: مِن أيْنَ عَرَفْتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: عَلِمْنا ذَلِكَ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى في كِتابِهِ النّاطِقِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ الصّادِقِ، فَيُؤْتى بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَيُسْألُ عَنْ حالِ أُمَّتِهِ فَيُزَكِّيهِمْ ويَشْهَدُ بِعَدالَتِهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وقَدْ طَعَنَ القاضِي في هَذِهِ الرِّوايَةِ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُهُا: أنَّ مَدارَ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَنْ أنَّ الأُمَمَ يُكَذِّبُونَ أنْبِياءَهم وهَذا بِناءً عَلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ قَدْ يَكْذِبُونَ، وهَذا باطِلٌ عِنْدَ القاضِي، إلّا أنّا سَنَتَكَلَّمُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٣- ٢٤] .
وثانِيها: أنَّ شَهادَةَ الأُمَّةِ وشَهادَةَ الرَّسُولِ مُسْتَنِدَةٌ في الآخِرَةِ إلى شَهادَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلِمَ لَمْ يَشْهَدِ اللَّهُ تَعالى لَهم بِذَلِكَ ابْتِداءً ؟
وجَوابُهُ: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ تَمْيِيزُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في الفَضْلِ عَنْ سائِرِ الأُمَمِ بِالمُبادَرَةِ إلى تَصْدِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَصْدِيقِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، والإيمانِ بِهِمْ جَمِيعًا، فَهم بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الأُمَمِ كالعَدْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفاسِقِ، فَلِذَلِكَ يَقْبَلُ اللَّهُ شَهادَتَهم عَلى سائِرِ الأُمَمِ، ولا يَقْبَلُ شَهادَةَ الأُمَمِ عَلَيْهِمْ، إظْهارًا لِعَدالَتِهِمْ وكَشْفًا عَنْ فَضِيلَتِهِمْ ومَنقَبَتِهِمْ.
وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأخْبارِ لا تُسَمّى شَهادَةً وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» “ والشَّيْءُ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَهو مَعْلُومٌ مِثْلُ الشَّمْسِ فَوَجَبَ جَوازُ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا مَعْنى الآيَةِ: لِتَشْهَدُوا عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي خالَفُوا الحَقَّ فِيها، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأشْهادُ أرْبَعَةٌ:
أوَّلُها: المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِإثْباتِ أعْمالِ العِبادِ. قالَ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] وقالَ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠- ١٢] .
وثانِيها: شَهادَةُ الأنْبِياءِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ حاكِيًا عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وقالَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾، وقالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . وثالِثُها: شَهادَةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ خاصَّةً، قالَ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ [الزمر: ٦٩] وقالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] . ورابِعُها: شَهادَةُ الجَوارِحِ وهي بِمَنزِلَةِ الإقْرارِ بَلْ أعْجَبُ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] الآيَةَ، وقالَ: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] الآيَةَ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ أداءَ هَذِهِ الشَّهادَةِ إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الشَّهادَةَ والمُشاهَدَةَ والشُّهُودَ هو
صفحة ٩٣
الرُّؤْيَةُ، يُقالُ: شاهَدْتُ كَذا إذا رَأيْتَهُ وأبْصَرْتَهُ، ولَمّا كانَ بَيْنَ الإبْصارِ بِالعَيْنِ وبَيْنَ المَعْرِفَةِ بِالقَلْبِ مُناسِبَةٌ شَدِيدَةٌ لا جَرَمَ قَدْ تُسَمّى المَعْرِفَةُ الَّتِي في القَلْبِ: مُشاهَدَةً وشُهُودًا، والعارِفُ بِالشَّيْءِ: شاهِدًا ومُشاهِدًا، ثُمَّ سُمِّيَتِ الدَّلالَةُ عَلى الشَّيْءِ: شاهِدًا عَلى الشَّيْءِ لِأنَّها هي الَّتِي بِها صارَ الشّاهِدُ شاهِدًا، ولَمّا كانَ المُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ والمُبَيِّنُ لِحالِهِ جارِيًا مَجْرى الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ المُخْبِرُ أيْضًا شاهِدًا، ثُمَّ اخْتَصَّ هَذا اللَّفْظُ في عُرْفِ الشَّرْعِ بِمَن يُخْبِرُ عَنْ حُقُوقِ النّاسِ بِألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى جِهاتٍ مَخْصُوصَةٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ مَن عَرَفَ حالَ شَيْءٍ وكَشَفَ عَنْهُ كانَ شاهِدًا عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالشَّهادَةِ، فَهَذِهِ الشَّهادَةُ إمّا أنْ تَكُونَ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا لا جائِزٌ أنْ تَكُونَ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهم عُدُولًا في الدُّنْيا لِأجْلِ أنْ يَكُونُوا شُهَداءَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا شُهَداءَ في الدُّنْيا، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى جَعَلَهم عُدُولًا في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً﴾ وهَذا إخْبارٌ عَنِ الماضِي فَلا أقَلَّ مِن حُصُولِهِ في الحالِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي صَيْرُورَتَهم شُهُودًا في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ رَتَّبَ كَوْنَهم شُهَداءَ عَلى صَيْرُورَتِهِمْ وسَطًا تَرْتِيبَ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ، فَإذا حَصَلَ وصْفُ كَوْنِهِمْ وسَطًا في الدُّنْيا وجَبَ أنْ يَحْصُلَ وصْفُ كَوْنِهِمْ شُهَداءَ في الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ: تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ لا يَحْصُلُ إلّا في الدُّنْيا، ومُتَحَمِّلُ الشَّهادَةِ قَدْ يُسَمّى شاهِدًا وإنْ كانَ الأداءُ لا يَحْصُلُ إلّا في القِيامَةِ. قُلْنا: الشَّهادَةُ المُعْتَبَرَةُ في الآيَةِ لا التَّحَمُّلُ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ العَدالَةَ في هَذِهِ الشَّهادَةِ، والشَّهادَةُ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيها العَدالَةُ هي الأداءُ لا التَّحَمُّلُ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الأُمَّةِ مُؤَدِّينَ لِلشَّهادَةِ في دارِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ الأُمَّةِ إذا أخْبَرُوا عَنْ شَيْءٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم حُجَّةً ولا مَعْنًى لِقَوْلِنا: الإجْماعُ حُجَّةٌ إلّا هَذا، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا، واعْلَمْ أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ لا يُبْطِلُ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِأنّا بَيَّنّا بِهَذِهِ الدَّلالَةِ أنَّ الأُمَّةَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا شُهُودًا في الدُّنْيا، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَهم شُهُودًا في القِيامَةِ أيْضًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي ورَدَتِ الأخْبارُ بِهِ، فالحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهم عِنْدَ الإجْماعِ حُجَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّ قَوْلَهم: عِنْدَ الإجْماعِ يُبَيَّنُ لِلنّاسِ الحَقُّ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ يَعْنِي مُؤَدِّيًا ومُبَيِّنًا، ثُمَّ لا يَمْتَنِعُ أنْ تَحْصُلَ مَعَ ذَلِكَ لَهُمُ الشَّهادَةُ في الآخِرَةِ فَيَجْرِي الواقِعُ مِنهم في الدُّنْيا مَجْرى التَّحَمُّلِ؛ لِأنَّهم إذا أثْبَتُوا الحَقَّ عَرَفُوا عِنْدَهُ مَنِ القابِلُ ومَنِ الرّادُّ، ثُمَّ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ كَما أنَّ الشّاهِدَ عَلى العُقُودِ يَعْرِفُ ما الَّذِي تَمَّ وما الَّذِي لَمْ يَتِمَّ، ثُمَّ يَشْهَدُ بِذَلِكَ عِنْدَ الحاكِمِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن ظَهَرَ كُفْرُهُ وفِسْقُهُ نَحْوَ المُشَبِّهَةِ، والخَوارِجِ، والرَّوافِضِ، فَإنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ في الإجْماعِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ الشُّهَداءَ مَن وصَفَهم بِالعَدالَةِ والخَيْرِيَّةِ، ولا يَخْتَلِفُ في ذَلِكَ الحُكْمِ مَن فَسَقَ أوْ كَفَرَ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومَن كَفَرَ بِرَدِّ النَّصِّ أوْ كَفَرَ بِالتَّأْوِيلِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: إنَّما قالَ: ﴿شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: شُهَداءَ لِلنّاسِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم يَقْتَضِي التَّكْلِيفَ إمّا بِقَوْلٍ وإمّا بِفِعْلٍ، وذَلِكَ عَلَيْهِ لا لَهُ في الحالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أُخِّرَتْ صِلَةُ الشَّهادَةِ أوَّلًا وقُدِّمَتْ آخِرًا ؟ قُلْنا؛ لِأنَّ الغَرَضَ في الأوَّلِ إثْباتُ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ، وفي الآخَرِ الِاخْتِصاصُ بِكَوْنِ الرَّسُولِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما جَعَلْنا﴾ مَعْناهُ ما شَرَعْنا وما حَكَمْنا كَقَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] أيْ: ما شَرَعَها ولا جَعَلَها دِينًا، وقَوْلُهُ: ﴿كُنْتَ عَلَيْها﴾ أيْ: كُنْتَ مُعْتَقِدًا لِاسْتِقْبالِها، كَقَوْلِ القائِلِ: كانَ لِفُلانٍ عَلى فُلانٍ دَيْنٌ، وقَوْلُهُ: ﴿كُنْتَ عَلَيْها﴾ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْقِبْلَةِ، إنَّما هو ثانِي مَفْعُولَيْ جَعَلَ، يُرِيدُ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ﴾ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها.
ثُمَّ هاهُنا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ بَيانًا لِلْحِكْمَةِ في جَعْلِ القِبْلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إلى الكَعْبَةِ ثُمَّ أُمِرَ بِالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الهِجْرَةِ تَأْلِيفًا لِلْيَهُودِ، ثُمَّ حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ، فَنَقُولُ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ﴾ الجِهَةَ: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أوَّلًا، يَعْنِي: وما رَدَدْناكَ إلَيْها إلّا امْتِحانًا لِلنّاسِ وابْتِلاءً.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ لِسانًا لِلْحِكْمَةِ في جَعْلِ بَيْتِ المَقْدِسِ قِبْلَةً، يَعْنِي أنَّ أصْلَ أمْرِكَ أنْ تَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ وأنَّ اسْتِقْبالَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ كانَ أمْرًا عارِضًا لِغَرَضٍ، وإنَّما جَعَلْنا القِبْلَةَ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها قَبْلَ وقْتِكَ هَذا، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ؛ لِنَمْتَحِنَ النّاسَ ونَنْظُرَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ومَن لا يَتَّبِعُهُ ويَنْفِرُ عَنْهُ.
وهاهُنا وجْهٌ ثالِثٌ ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَقالَ: لَوْلا الرِّواياتُ لَمْ تَدُلَّ الآيَةُ عَلى قِبْلَةٍ مِن قِبَلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْها؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: كُنْتَ بِمَعْنى صِرْتَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقَدْ يُقالُ: كانَ في مَعْنى لَمْ يَزَلْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أيِ: الَّتِي لَمْ تَزَلْ عَلَيْها وهي الكَعْبَةُ إلّا كَذا وكَذا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ لامُ الغَرَضِ، والكَلامُ في أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ الغَرَضُ عَلى اللَّهِ أوْ لا يَصِحُّ ؟ وبِتَقْدِيرِ أنْ لا يَصِحَّ فَكَيْفَ تَأْوِيلُ هَذا الكَلامِ فَقَدْ تَقَدَّمَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وما جَعَلْنا كَذا وكَذا إلّا لِنَعْلَمَ، كَذا يُوهِمُ أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا، فَهو فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ لِيَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ العِلْمُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَعْلَمْ تِلْكَ الأشْياءَ قَبْلَ وُقُوعِها، ونَظِيرُهُ في الإشْكالِ قَوْلُهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] وقَوْلُهُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ﴾ [سبأ: ٢١] والكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَرَّ مُسْتَقْصًى في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى﴾ والمُفَسِّرُونَ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
صفحة ٩٥
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ مَعْناهُ: إلّا لِيَعْلَمَ حِزْبُنا مِنَ النَّبِيِّينَ والمُؤْمِنِينَ كَما يَقُولُ المَلِكُ: فَتَحْنا البَلْدَةَ الفُلانِيَّةَ بِمَعْنى: فَتَحَها أوْلِياؤُنا، ومِنهُ يُقالُ: فَتَحَ عُمَرُ السَّوادَ، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ: ”«اسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي، وشَتَمَنِي ولَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَشْتُمَنِي يَقُولُ: وادَهْراهُ وأنا الدَّهْرُ» “ وفي الحَدِيثِ: ”«مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ أهانَنِي» “ .
وثانِيها: مَعْناهُ: لِيَحْصُلَ المَعْدُومُ فَيَصِيرَ مَوْجُودًا، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ مَعْناهُ: إلّا لِنَعْلَمَهُ مَوْجُودًا، فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يَقْتَضِي حُدُوثَ العِلْمِ، قُلْنا: اخْتَلَفُوا في أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الشَّيْءَ سَيُوجَدُ هَلْ هو عُلِمَ بِوُجُودِهِ إذا وُجِدَ، الخِلافُ فِيهِ مَشْهُورٌ.
وثالِثُها: إلّا لِنُمَيِّزَ هَؤُلاءِ مِن هَؤُلاءِ بِانْكِشافِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الإخْلاصِ والنِّفاقِ، فَيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ مَن يُوالُونَ مِنهم ومَن يُعادُونَ، فَسَمّى التَّمْيِيزَ عِلْمًا؛ لِأنَّهُ أحَدُ فَوائِدِ العِلْمِ وثَمَراتِهِ.
ورابِعُها: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ مَعْناهُ: إلّا لِنَرى، ومَجازُ هَذا أنَّ العَرَبَ تَضَعُ العِلْمَ مَكانَ الرُّؤْيَةِ، والرُّؤْيَةَ مَكانَ العِلْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ ورَأيْتُ، وعَلِمْتُ، وشَهِدْتُ، ألْفاظٌ مُتَعاقِبَةٌ.
وخامِسُها: ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ: وهو أنَّ حُدُوثَ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ راجِعٌ إلى المُخاطَبِينَ، ومِثالُهُ أنَّ جاهِلًا وعاقِلًا اجْتَمَعا، فَيَقُولُ الجاهِلُ: الحَطَبُ يَحْرِقُ النّارَ، ويَقُولُ العاقِلُ: بَلِ النّارُ تَحْرِقُ الحَطَبَ، وسَنَجْمَعُ بَيْنَهُما لِنَعْلَمَ أيُّهُما يَحْرِقُ صاحِبَهُ مَعْناهُ: لِنَعْلَمَ أيُّنا الجاهِلُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ إلّا لِتَعْلَمُوا والغَرَضُ مِن هَذا الجِنْسِ مِنَ الكَلامِ: الِاسْتِمالَةُ والرِّفْقُ في الخِطابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى﴾ [سبأ: ٢٤] فَأضافَ الكَلامَ المُوهِمَ لِلشَّكِّ إلى نَفْسِكَ تَرْقِيقًا لِلْخِطابِ ورِفْقًا بِالمُخاطَبِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ .
وسادِسُها: نُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ الَّذِي كَأنَّهُ لا يَعْلَمُ، إذِ العَدْلُ يُوجِبُ ذَلِكَ.
وسابِعُها: أنَّ العِلْمَ صِلَةٌ زائِدَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ مَعْناهُ: إلّا لِيَحْصُلَ اتِّباعُ المُتَّبِعِينَ، وانْقِلابُ المُنْقَلِبِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ في الشَّيْءِ الَّذِي تَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِكَ: ما عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِنِّي، أيْ ما كانَ هَذا مِنِّي، والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ لَعَلِمَهُ اللَّهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ المِحْنَةَ حَصَلَتْ بِسَبَبِ تَعْيِينِ القِبْلَةِ أوْ بِسَبَبِ تَحْوِيلِها، فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ تَعْيِينِ القِبْلَةِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ، فَلَمّا جاءَ المَدِينَةَ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى العَرَبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهم، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا حَوَّلَهُ مَرَّةً أُخْرى إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهم، وأمّا الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ التَّحْقِيقِ قالُوا: هَذِهِ المِحْنَةُ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ التَّحْوِيلِ فَإنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَوْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِهِ لَما تَغَيَّرَ رَأْيُهُ، رَوى القَفّالُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ رَجَعَ ناسٌ مِمَّنْ أسْلَمَ، وقالُوا: مَرَّةً هاهُنا ومَرَّةً هاهُنا، وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَحْوَ المَسْجِدِ الحَرامِ اخْتَلَفَ النّاسُ؛ فَقالَ المُنافِقُونَ: ما بالُهم كانُوا عَلى قِبْلَةٍ ثُمَّ تَرَكُوها، وقالَ المُسْلِمُونَ: لَسْنا نَعْلَمُ حالَ إخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ آخَرُونَ: اشْتاقَ إلى بَلَدِ أبِيهِ ومَوْلِدِهِ، وقالَ المُشْرِكُونَ: تَحَيَّرَ في دِينِهِ،
صفحة ٩٦
واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ أوْلى؛ لِأنَّ الشُّبْهَةَ في أمْرِ النَّسْخِ أعْظَمُ مِنَ الشُّبْهَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ تَعْيِينِ القِبْلَةِ، وقَدْ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِالكَبِيرَةِ، فَقالَ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ فَكانَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ أوْلى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ اسْتِعارَةٌ، ومَعْناهُ: مَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ووَجْهُ الِاسْتِعارَةِ: أنَّ المُنْقَلِبَ عَلى عَقِبَيْهِ قَدْ تَرَكَ ما بَيْنَ يَدَيْهِ وأدْبَرَ عَنْهُ، فَلَمّا تَرَكُوا الإيمانَ والدَّلائِلَ صارُوا بِمَنزِلَةِ المُدْبِرِ عَمّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَوُصِفُوا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] وكَما قالَ: ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] وكُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَتْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (إنْ) المَكْسُورَةُ الخَفِيفَةُ، مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: جَزاءٌ، ومُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وجَحْدٌ، وزائِدَةٌ، أمّا الجَزاءُ فَهي تُفِيدُ رَبْطَ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ بِالأُخْرى، فالمُسْتَلْزَمُ هو الشَّرْطُ، واللّازِمُ هو الجَزاءُ، كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ، وأمّا الثّانِيَةُ: وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَهي تُفِيدُ تَوْكِيدَ المَعْنى في الجُمْلَةِ بِمَعْنى (إنَّ) المُشَدَّدَةِ كَقَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] وقالَ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ومِثْلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، والغَرَضُ في تَخْفِيفِها إيلاؤُها ما لَمْ يَجُزْ أنْ يَلِيَها مِنَ الفِعْلِ، وإنَّما لَزِمَتِ اللّامُ هَذِهِ المُخَفَّفَةَ لِلْعِوَضِ عَمّا حُذِفَ مِنها، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي لِلْجَحْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] إذْ كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما يَلِيها الِاسْمُ والفِعْلُ جَمِيعًا كَما وصَفْنا، وأمّا الثّالِثَةُ: وهي الَّتِي لِلْجَحْدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقالَ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقالَ: ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ [فاطر: ٤١] أيْ: ما يُمْسِكُهُما، وأمّا الرّابِعَةُ وهي الزّائِدَةُ فَكَقَوْلِكَ: ما إنْ رَأيْتَ زَيْدًا.
إذا عَرَفَتْ هَذا فَنَقُولُ: (إنْ) في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ هي المُخَفَّفَةُ الَّتِي تَلْزَمُها اللّامُ، والغَرَضُ مِنها تَوْكِيدُ المَعْنى في الجُمْلَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى القِبْلَةِ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن مَذْكُورٍ سابِقٍ وما ذاكَ إلّا القِبْلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ .
الثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ وهي مُفارَقَةُ القِبْلَةِ، والتَّأْنِيثُ لِلتَّوْلِيَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ ثُمَّ قالَ عَطْفًا عَلى هَذا: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أيْ: وإنْ كانَتِ التَّوْلِيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما ولّاهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْلِيَةِ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتْ هَذِهِ الفِعْلَةُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ فَبِها ونِعْمَتْ، واعْلَمْ أنَّ هَذا البَحْثَ مُتَفَرِّعٌ عَلى المَسْألَةِ الَّتِي قَدَّمْناها، وهي أنَّ الِامْتِحانَ والِابْتِلاءَ حَصَلَ بِنَفْسِ القِبْلَةِ، أوْ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الثّانِيَ أوْلى؛ لِأنَّ الإشْكالَ الحاصِلَ بِسَبَبِ النَّسْخِ أقْوى مِنَ الإشْكالِ الحاصِلِ بِسَبَبِ تِلْكَ الجِهاتِ، ولِهَذا وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالكَبِيرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكَبِيرَةً﴾ فالمَعْنى: لَثَقِيلَةً شاقَّةً مُسْتَنْكَرَةً كَقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾
صفحة ٩٧
(الكَهْفِ: ٥) أيْ: عَظُمَتِ الفِرْيَةُ بِذَلِكَ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وقالَ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ثُمَّ إنّا إنْ قُلْنا: الِامْتِحانُ وقَعَ بِنَفْسِ القِبْلَةِ، قُلْنا: إنَّ تَرْكَها ثَقِيلٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْكَ الإلْفِ والعادَةِ، والإعْراضَ عَنْ طَرِيقَةِ الآباءِ والأسْلافِ، وإنْ قُلْنا: الِامْتِحانُ وقَعَ بِتَحْرِيفِ القِبْلَةِ، قُلْنا: إنَّها لَثَقِيلَةٌ مِن حَيْثُ إنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْرِفَ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ إلّا بَعْدَ أنْ عَرَفَ مَسْألَةَ النَّسْخِ وتَخَلَّصَ عَمّا فِيها مِنَ السُّؤالاتِ، وذَلِكَ أمْرٌ ثَقِيلٌ صَعْبٌ إلّا عَلى مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى عَرَفَ أنَّهُ لا يَسْتَنْكِرُ نَقْلَ القِبْلَةِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، كَما لا يَسْتَنْكِرُ نَقْلَهُ إيّاهم مِن حالٍ إلى حالٍ في الصِّحَّةِ والسَّقَمِ والغِنى والفَقْرِ، فَمَنِ اهْتَدى لِهَذا النَّظَرِ ازْدادَ بَصَرُهُ، ومَن سَفِهَ واتَّبَعَ الهَوى وظَواهِرَ الأُمُورِ ثَقُلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ المَسْألَةُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ فاحْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ، فَقالُوا: المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ إمّا الدَّعْوَةُ أوْ وضْعُ الدَّلالَةِ أوْ خَلْقُ المَعْرِفَةِ، والوَجْهانِ الأوَّلانِ هاهُنا باطِلانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِكَوْنِها ثَقِيلَةً عَلى الكُلِّ إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِي هَداهُ اللَّهُ لا يَثْقُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، والهِدايَةُ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ، ووَضْعُ الدَّلائِلِ عامَّةٌ في حَقِّ الكُلِّ، فَوَجَبَ أنْ لا يَثْقُلَ ذَلِكَ عَلى أحَدٍ مِنَ الكُفّارِ، فَلَمّا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الهِدايَةِ هاهُنا خَلْقُ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ وهو المَطْلُوبُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَهم عَلى طَرِيقِ المَدْحِ فَخَصَّهم بِذَلِكَ.
وثانِيها: أرادَ بِهِ الِاهْتِداءَ.
وثالِثُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهُدى اللَّهِ فَغَيْرُهم كَأنَّهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِمْ.
والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: أنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، فَيَكُونُ عَلى خِلافِ الأصْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: «أنَّ رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَأبِي أُمامَةَ، وسَعْدِ بْنِ زُرارَةَ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ، والبَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وغَيْرِهِمْ ماتُوا عَلى القِبْلَةِ الأُولى، فَقالَ عَشائِرُهم: يا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ إخْوانُنا عَلى القِبْلَةِ الأُولى، فَكَيْفَ حالُهم ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن هَذا السَّبَبِ، وإلّا لَمْ يَتَّصِلْ بَعْضُ الكَلامِ بِبَعْضٍ، ووَجْهُ تَقْرِيرِ الإشْكالِ أنَّ الَّذِينَ لَمْ يُجَوِّزُوا النَّسْخَ إلّا مَعَ البَداءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَمّا تَغَيَّرَ الحُكْمُ وجَبَ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ مَفْسَدَةً وباطِلًا، فَوَقَعَ في قَلْبِهِمْ بِناءً عَلى هَذا السُّؤالِ أنَّ تِلْكَ الصَّلَواتِ الَّتِي أتَوْا بِها مُتَوَجِّهِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ كانَتْ ضائِعَةً، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الإشْكالِ وبَيَّنَ أنَّ النَّسْخَ نَقْلٌ مِن مَصْلَحَةٍ إلى مَصْلَحَةٍ، ومِن تَكْلِيفٍ إلى تَكْلِيفٍ، والأوَّلُ كالثّانِي في أنَّ القائِمَ بِهِ مُتَمَسِّكٌ بِالدِّينِ، وأنَّ مَن هَذا حالُهُ فَإنَّهُ لا يَضِيعُ أجْرُهُ، ونَظِيرُهُ: ما سَألُوا بَعْدَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ عَمَّنْ ماتَ وكانَ يَشْرَبُها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ [المائدة: ٩٣] فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا جُناحَ عَلَيْهِمْ فِيما مَضى لَمّا كانَ ذَلِكَ بِإباحَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الشَّكُّ إنَّما تَوَلَّدَ مِن تَجْوِيزِ البَداءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالصَّحابَةِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ الشَّكَّ وقَعَ لِمُنافِقٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِيَذْكُرَهُ المُسْلِمُونَ جَوابًا لِسُؤالِ ذَلِكَ المُنافِقِ.
وثانِيها: لَعَلَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الصَّلاةَ إلى الكَعْبَةِ أفْضَلُ فَقالُوا: لَيْتَ إخْوانَنا مِمَّنْ ماتَ أدْرَكَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ اللَّهُ
صفحة ٩٨
تَعالى هَذا الكَلامَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ.
وثالِثُها: لَعَلَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَكُونَ دَفْعًا لِذَلِكَ السُّؤالِ لَوْ خَطَرَ بِبالِهِمْ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في نَقْلِكم مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ فَلَوْ أقَرَّكم عَلى الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ كانَ ذَلِكَ إضاعَةً عَنْهُ لِصَلاتِكم لِأنَّها تَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ خالِيَةً عَنِ المَصالِحِ، فَتَكُونُ ضائِعَةً، واللَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ ذَلِكَ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما عَلَيْهِمْ مِنَ المَشَقَّةِ في هَذا التَّحْوِيلِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما لَهم عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ، وأنَّهُ لا يُضِيعُ ما عَمِلُوهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وفَّقْتُكم لِقَبُولِ هَذا التَّكْلِيفِ لِئَلّا يَضِيعَ إيمانُكم، فَإنَّهم لَوْ رَدُّوا هَذا التَّكْلِيفَ لَكَفَرُوا، ولَوْ كَفَرُوا لَضاعَ إيمانُهم فَقالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ فَلا جَرَمَ وفَّقَكم لِقَبُولِ هَذا التَّكْلِيفِ وأعانَكم عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ القَفّالُ عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهًا أرْبَعَةً:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ خاطَبَ بِهِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ جَوابٌ عَمّا سَألُوهُ مِن قَبْلُ.
الثّانِي: أنَّهم سَألُوا عَمَّنْ ماتَ قَبْلَ نَسْخِ القِبْلَةِ فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أيْ: وإذا كانَ إيمانُكُمُ الماضِي قَبْلَ النَّسْخِ لا يُضِيعُهُ اللَّهُ، فَكَذَلِكَ إيمانُ مَن ماتَ قَبْلَ النَّسْخِ.
الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأحْياءُ قَدْ تَوَهَّمُوا أنَّ ذَلِكَ لَمّا نُسِخَ بَطَلَ، وكانَ ما يُؤْتى بِهِ بَعْدَ النَّسْخِ مِنَ الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ كَفّارَةً لِما سَلَفَ، واسْتَغْنَوْا عَنِ السُّؤالِ عَنْ أمْرِ أنْفُسِهِمْ لِهَذا الضَّرْبِ مِنَ التَّأْوِيلِ فَسَألُوا عَنْ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يَأْتُوا بِما يُكَفِّرُ ما سَلَفَ، فَقِيلَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ والمُرادُ أهْلُ مِلَّتِكم، كَقَوْلِهِ لِلْيَهُودِ الحاضِرِينَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] .
الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ واقِعًا عَنِ الأحْياءِ والأمْواتِ مَعًا، فَإنَّهم أشْفَقُوا عَلى ما كانَ مِن صَلاتِهِمْ أنْ يُبْطِلَ ثَوابَهم، وكانَ الإشْفاقُ واقِعًا في الفَرِيقَيْنِ، فَقِيلَ: إيمانُكم لِلْأحْياءِ والأمْواتِ، إذْ مِن شَأْنِ العَرَبِ إذا أخْبَرُوا عَنْ حاضِرٍ وغائِبٍ أنْ يُغَلِّبُوا الخِطابَ فَيَقُولُوا: كُنْتَ أنْتَ وفُلانٌ الغائِبُ فَعَلْتُما، واللَّهُ أعْلَمُ.
القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وهو أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِأهْلِ الكِتابِ، والمُرادُ بِالإيمانِ صَلاتُهم وطاعَتُهم قَبْلَ البَعْثَةِ ثُمَّ نُسِخَ، وإنَّما اخْتارَ أبُو مُسْلِمٍ هَذا القَوْلَ لِئَلّا يَلْزَمَهُ وُقُوعُ النَّسْخِ في شَرْعِنا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ عَلى أنَّ الإيمانَ اسْمٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، فَإنَّهُ تَعالى أرادَ بِالإيمانِ هاهُنا الصَّلاةَ (والجَوابُ) لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ مِنَ الإيمانِ هاهُنا الصَّلاةُ، بَلِ المُرادُ مِنهُ التَّصْدِيقُ والإقْرارُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنَّهُ لا يُضِيعُ تَصْدِيقَكم بِوُجُوبِ تِلْكَ الصَّلاةِ، سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الإيمانِ هاهُنا الصَّلاةُ، ولَكِنَّ الصَّلاةَ أعْظَمُ الإيمانِ وأشْرَفُ نَتائِجِهِ وفَوائِدِهِ، فَجازَ إطْلاقُ اسْمِ الإيمانِ عَلى الصَّلاةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أيْ: لا يُضِيعُ ثَوابَ إيمانِكم لِأنَّ الإيمانَ قَدِ
صفحة ٩٩
انْقَضى وفَنِيَ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ حِفْظُهُ وإضاعَتُهُ، إلّا أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ قائِمٌ بَعْدَ انْقِضائِهِ فَصَحَّ حِفْظُهُ وإضاعَتُهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الفَرْقُ بَيْنَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ أنَّ الرَّأْفَةَ مُبالَغَةٌ في رَحْمَةٍ خاصَّةٍ وهي دَفْعُ المَكْرُوهِ وإزالَةُ الضَّرَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أيْ: لا تَرْأفُوا بِهِما فَتَرْفَعُوا الجَلْدَ عَنْهُما، وأمّا الرَّحْمَةُ فَإنَّها اسْمٌ جامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ المَعْنى، ويَدْخُلُ فِيهِ الإفْضالُ والإنْعامُ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى المَطَرَ رَحْمَةً فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، لِأنَّهُ إفْضالٌ مِنَ اللَّهِ وإنْعامٌ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الرَّأْفَةَ أوَّلًا بِمَعْنى أنَّهُ لا يُضِيعُ أعْمالَهم ويُخَفِّفُ المِحَنَ عَنْهم، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّحْمَةَ لِتَكُونَ أعَمَّ وأشْمَلَ، ولا تَخْتَصُّ رَحْمَتُهُ بِذَلِكَ النَّوْعِ بَلْ هو رَحِيمٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ دافِعٌ لِلْمَضارِّ الَّتِي هي الرَّأْفَةُ وجالِبٌ لِلْمَنافِعِ مَعًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في وجْهِ تَعَلُّقِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ بِما قَبْلَهُما وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لا يُضِيعُ إيمانَهم، قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والرَّءُوفُ الرَّحِيمُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُ هَذِهِ الإضاعَةُ ؟
وثانِيها: أنَّهُ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ فَلِذَلِكَ يَنْقُلُكم مِن شَرْعٍ إلى شَرْعٍ آخَرَ، وهو أصْلَحُ لَكم وأنْفَعُ في الدِّينِ والدُّنْيا.
وثالِثُها: قالَ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وإنَّما هَداهُمُ اللَّهُ لِأنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عَمْرٌو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (رَؤُفٌ رَحِيمٌ) مَهْمُوزًا غَيْرَ مُشْبَعٍ عَلى وزْنِ رَعُفٍ، والباقُونَ (رَءُوفٌ) مُثَقَّلًا مَهْمُوزًا مُشْبَعًا عَلى وزْنِ رَعُوفٍ، وفِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ رَئِفٍ أيْضًا كَحَزِرٍ، ورَأْفٌ عَلى وزْنِ فَعْلٍ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الكُفْرَ ولا الفَسادَ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، والكُفّارُ مِنَ النّاسِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَءُوفًا رَحِيمًا بِهِمْ، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَخْلُقْ فِيهِمُ الكُفْرَ الَّذِي يَجُرُّهم إلى العِقابِ الدّائِمِ والعَذابِ السَّرْمَدِيِّ، ولَوْ لَمْ يُكَلِّفْهم ما لا يُطِيقُونَ فَإنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ مَعَ مِثْلِ هَذا الإضْرارِ رَءُوفًا رَحِيمًا، فَعَلى أيِّ طَرِيقٍ يُتَصَوَّرُ أنْ لا يَكُونَ رَءُوفًا رَحِيمًا، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:144
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾
صفحة ١٠٠
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، أنَّ ذَلِكَ كانَ لِانْتِظارِ تَحْوِيلِهِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ويُحِبُّ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، إلّا أنَّهُ ما كانَ يَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ، فَكانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في السَّماءِ لِهَذا المَعْنى، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «”يا جِبْرِيلُ، ودِدْتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إلى غَيْرِها فَقَدْ كَرِهْتُها“ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ”أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ فاسْألْ رَبَّكَ ذَلِكَ“ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدِيمُ النَّظَرَ إلى السَّماءِ رَجاءَ مَجِيءِجِبْرِيلَ بِما سَألَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وهَؤُلاءِ ذَكَرُوا في سَبَبِ هَذِهِ المِحْنَةِ أُمُورًا.
الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ يُخالِفُنا ثُمَّ إنَّهُ يَتَّبِعُ قِبْلَتَنا، ولَوْلا نَحْنُ لَمْ يَدْرِ أيْنَ يَسْتَقْبِلُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كَرِهَ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى قِبْلَتِهِمْ.
الثّانِي: أنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَقْدِرُ أنْ يُصَيِّرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاسْتِمالَةِ العَرَبِ ولِدُخُولِهِمْ في الإسْلامِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحَبَّ أنْ يَحْصُلَ هَذا الشَّرَفُ لِلْمَسْجِدِ الَّذِي في بَلْدَتِهِ ومَنشَئِهِ لا في مَسْجِدٍ آخَرَ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا الوَجْهِ وقالَ: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَكْرَهَ قِبْلَةً أُمِرَ أنْ يُصَلِّيَ إلَيْها، وأنْ يُحِبَّ أنْ يُحَوِّلَهُ رَبُّهُ عَنْها إلى قِبْلَةٍ يَهْواها بِطَبْعِهِ، ويَمِيلُ إلَيْها بِحَسَبِ شَهْوَتِهِ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلِمَ وعَلَّمَ أنَّ الصَّلاحَ في خِلافِ الطَّبْعِ والمَيْلِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ قَلِيلُ التَّحْصِيلِ؛ لِأنَّ المُسْتَنْكَرَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يُعْرِضَ عَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ويَشْتَغِلَ بِما يَدْعُوهُ طَبْعُهُ إلَيْهِ، فَأمّا أنْ يَمِيلَ قَلْبُهُ إلى شَيْءٍ فَيَتَمَنّى في قَلْبِهِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ، فَذَلِكَ مِمّا لا إنْكارَ عَلَيْهِ، لا سِيَّما إذا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، أيْ بَعْدُ في أنْ يَمِيلَ طَبْعُ الرَّسُولِ إلى شَيْءٍ فَيَتَمَنّى في قَلْبِهِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ، وهَذا مِمّا لا اسْتِبْعادَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدِ اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَهُ في هَذا الدُّعاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ اللَّهَ تَعالى شَيْئًا إلّا بِإذْنٍ مِنهُ لِئَلّا يَسْألُوا ما لا صَلاحَ فِيهِ، فَلا يُجابُوا إلَيْهِ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى تَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ، فَلَمّا أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في الإجابَةِ عَلِمَ أنَّهُ يُسْتَجابُ إلَيْهِ، فَكانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في السَّماءِ يَنْتَظِرُ مَجِيءَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالوَحْيِ في الإجابَةِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُحَوِّلُ القِبْلَةَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى قِبْلَةٍ أُخْرى، ولَمْ يُبَيِّنْ لَهُ إلى أيِّ مَوْضِعٍ يُحَوِّلُها، ولَمْ تَكُنْ قِبْلَةٌ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الكَعْبَةِ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في السَّماءِ يَنْتَظِرُ الوَحْيَ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتْرُكُهُ بِغَيْرِ صَلاةٍ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأمَرَهُ أنْ يُصَلِّيَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، والقائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنِعَ مِنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ ولَمْ يُعَيَّنْ لَهُ القِبْلَةُ، فَكانَ يَخافُ أنْ يَرِدَ وقْتُ الصَّلاةِ ولَمْ تَظْهَرِ القِبْلَةُ فَتَتَأخَّرَ صَلاتُهُ؛ فَلِذَلِكَ كانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ، عَنِ الأصَمِّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ وُعِدَ بِذَلِكَ وقِبْلَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ باقِيَةٌ بِحَيْثُ تَجُوزُ الصَّلاةُ إلَيْها، لَكِنْ لِأجْلِ الوَعْدِ كانَ يَتَوَقَّعُ ذَلِكَ، ولِأنَّهُ كانَ يَرْجُو عِنْدَ التَّحْوِيلِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ وُجُوهًا كَثِيرَةً مِنَ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ، نَحْوَ: رَغْبَةِ العَرَبِ في الإسْلامِ، والمُبايَنَةِ عَنِ اليَهُودِ، وتَمْيِيزِ المُوافِقِ مِنَ المُنافِقِ، فَلِهَذا كانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ، وهَذا الوَجْهُ أوْلى، وإلّا لَما كانَتِ القِبْلَةُ الثّانِيَةُ ناسِخَةً لِلْأُولى، بَلْ كانَتْ مُبْتَدَأةً، والمُفَسِّرُونَ أجْمَعُوا عَلى أنَّها ناسِخَةٌ لِلْأُولى، ولِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ
صفحة ١٠١
يُؤْمَرَ بِالصَّلاةِ إلّا مَعَ بَيانِ مَوْضِعِ التَّوَجُّهِ. الرّابِعُ: أنَّ تَقَلُّبَ وجْهِهِ في السَّماءِ هو الدُّعاءُ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، قالُوا: لَوْلا الأخْبارُ الَّتِي دَلَّتْ عَلى هَذا القَوْلِ وإلّا فَلَفْظُ الآيَةِ يَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في أوَّلِ مَقْدَمِهِ المَدِينَةِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ إذا صَلّى بِمَكَّةَ جَعَلَ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذِهِ صَلاةٌ إلى الكَعْبَةِ فَلَمّا هاجَرَ لَمْ يَعْلَمْ أيْنَ يَتَوَجَّهُ، فانْتَظَرَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في صَلاتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ فَلَمّا صارَ إلى المَدِينَةِ أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ كانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، إلّا أنَّهُ يَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَها: وقالَ قَوْمٌ: بَلْ كانَ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَقَطْ وبِالمَدِينَةِ أوَّلًا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ لِما فِيهِ مِنَ الصَّلاحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تَوَجُّهِ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ هَلْ كانَ فَرْضًا لا يَجُوزُ غَيْرُهُ، أوْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ مُخَيَّرًا في تَوَجُّهِهِ إلَيْهِ وإلى غَيْرِهِ، فَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: قَدْ كانَ مُخَيَّرًا في ذَلِكَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ فَرْضًا مُحَقَّقًا بِلا تَخْيِيرٍ.
واعْلَمْ أنَّهُ عَلى أيِّ الوَجْهَيْنِ كانَ فَقَدْ صارَ مَنسُوخًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِالقُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُخَيَّرًا في التَّوَجُّهِ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ، وأمّا الخَبَرُ فَما رَوى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في كِتابِ أحْكامِ القُرْآنِ، «أنَّ نَفَرًا قَصَدُوا الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ لِلْبَيْعَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وكانَ فِيهِمُ البَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ، فَتَوَجَّهَ بِصَلاتِهِ إلى الكَعْبَةِ في طَرِيقِهِ، وأبى الآخَرُونَ وقالُوا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَوَجَّهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمّا قَدِمُوا مَكَّةَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ لَهُ: قَدْ كُنْتَ عَلى قِبْلَةٍ - يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ - لَوْ ثَبَتَّ عَلَيْها أجْزَأكَ، ولَمْ يَأْمُرْهُ بِاسْتِئْنافِ الصَّلاةِ»، فَدَلَّ عَلى أنَّهم قَدْ كانُوا مُخَيَّرِينَ، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَرْتَضِي القِبْلَةَ الأُولى، فَلَوْ كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَها وبَيْنَ الكَعْبَةِ ما كانَ يَتَوَجَّهُ إلَيْها فَحَيْثُ تَوَجَّهَ إلَيْها مَعَ أنَّهُ كانَ ما يَرْتَضِيها عَلِمْنا أنَّهُ ما كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَها وبَيْنَ الكَعْبَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَشْهُورُ أنَّ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ إنَّما صارَ مَنسُوخًا بِالأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: التَّوَجُّهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ والأثَرِ، أمّا القُرْآنُ فَهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ يَقْتَضِي صِحَّةَ المَذْهَبِ الَّذِي قُلْناهُ بِأنَّ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ والدَّرَجَةِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ في التَّرْتِيبِ عَلى خِلافِ الأصْلِ، فَثَبَتَ ما قُلْناهُ، وأمّا الأثَرُ فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أمْرَ القِبْلَةِ أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ، والأمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في القُرْآنِ، إنَّما المَذْكُورُ في القُرْآنِ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾
صفحة ١٠٢
فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ ناسِخًا لِذَلِكَ، لا لِلْأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فَلَنُعْطِيَنَّكَ ولَنُمَكِّنَنَّكَ مِنِ اسْتِقْبالِها، مِن قَوْلِكَ ولَّيْتُهُ كَذا، إذا جَعَلْتَهُ والِيًا، أوْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ تَلِي سَمْتَها دُونَ سَمْتِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تَرْضاها﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: تَرْضاها تُحِبُّها وتَمِيلُ إلَيْها؛ لِأنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ مِن غَيْرِها بِحَسَبِ مَيْلِ الطَّبْعِ، قالَ القاضِي: هَذا لا يَجُوزُ فَإنَّهُ مِنَ المُحالِ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً يَمِيلُ طَبْعُكَ إلَيْها؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ في حِكْمَتِهِ تَعالى فِيما يُكَلِّفُ، ويَقْدَحُ في حالِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما يُرِيدُهُ في حالِ التَّكْلِيفِ، وهَذا الِاعْتِراضُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الطَّعْنَ إنَّما يَتَوَجَّهُ لَوْ قالَ اللَّهُ تَعالى: إنّا حَوَّلْناكَ إلى القِبْلَةِ الَّتِي مالَ طَبْعُكَ إلَيْها بِمُجَرَّدِ مَيْلِ طَبْعِكَ، فَأمّا لَوْ قالَ: إنّا حَوَّلْناكَ إلى القِبْلَةِ الَّتِي مالَ طَبْعُكَ إلَيْها لِأجْلِ أنَّ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ وافَقَتْ مَيْلَ طَبْعِكَ فَأيُّ ضَرَرٍ يَلْزَمُ مِنهُ! وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» “ فَكانَ طَبْعُهُ يَمِيلُ إلى الصَّلاةِ مَعَ أنَّ المَصْلَحَةَ كانَتْ مُوافِقَةً لِذَلِكَ.
وثانِيها: ﴿قِبْلَةً تَرْضاها﴾ أيْ: تُحِبُّها بِسَبَبِ اشْتِمالِها عَلى المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ. وثالِثُها: قالَ الأصَمُّ: أيْ كُلَّ جِهَةٍ وجَّهَكَ اللَّهُ إلَيْها فَهي لَكَ رِضًا لا يَجُوزُ أنْ تَسْخَطَ، كَما فَعَلَ مَنِ انْقَلَبَ عَلى عَقِبَيْهِ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، فَلَمّا تَحَوَّلَتِ القِبْلَةُ ارْتَدُّوا. ورابِعُها: ﴿تَرْضاها﴾ أيْ: تَرْضى عاقِبَتَها لِأنَّكَ تَعْرِفُ بِها مَن يَتَّبِعُكَ لِلْإسْلامِ، فَمَن يَتَّبِعُكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِن دُنْيا يُصِيبُها أوْ مالٍ يَكْتَسِبُهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الوَجْهِ هاهُنا جُمْلَةُ بَدَنِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ الواجِبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِجُمْلَتِهِ لا بِوَجْهِهِ فَقَطْ، والوَجْهُ يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ نَفْسُ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ الأعْضاءِ، ولِأنَّ بِالوَجْهِ تُمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْ كُلِّ الذّاتِ بِالوَجْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الشَّطْرُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: النِّصْفُ يُقالُ: شَطَرْتُ الشَّيْءَ أيْ جَعَلْتُهُ نِصْفَيْنِ، ويُقالُ في المَثَلِ أجْلِبُ جَلْبًا لَكَ شَطْرُهُ أيْ نِصْفُهُ.
والثّانِي: نَحْوَهُ وتِلْقاءَهُ وِجْهَتَهُ، واسْتَشْهَدَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في كِتابِ ”الرِّسالَةِ“ عَلى هَذا بِأبْياتٍ أرْبَعَةٍ: قالَ خُفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
ألا مَن مُبْلِغٌ عَمْرًا رَسُولًا وما تُغْنِي الرِّسالَةُ شَطْرَ عَمْرِو
وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ:
أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعٍ: أقِيمِي ∗∗∗ صُدُورَ العِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ
وقالَ لَقِيطٌ الإيادِيُّ:
وقَدْ أظَلَّكُمُ مِن شَطْرِ شِعْرِكُمُ ∗∗∗ هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ يَغْشاكُمُ قِطَعا
وقالَ آخَرُ:
صفحة ١٠٣
إنَّ العَسِيرَ بِها داءٌ مُخامِرُها ∗∗∗ فَشَطْرُها بَصَرُ العَيْنَيْنِ مَسْحُورُ
قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُرِيدُ تِلْقاءَها بَصَرُ العَيْنَيْنِ مَسْحُورٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ والمُتَأخِّرِينَ، واخْتِيارُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في كِتابِ الرِّسالَةِ: أنَّ المُرادَ: جِهَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ وتِلْقاءَهُ وجانِبَهُ، قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ”تِلْقاءَ المَسْجِدِ الحَرامِ“ .
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُبّائِيِّ واخْتِيارُ القاضِي أنَّ المُرادَ مِنَ الشَّطْرِ هاهُنا: وسَطُ المَسْجِدِ ومُنْتَصَفُهُ؛ لِأنَّ الشَّطْرَ هو النِّصْفُ، والكَعْبَةُ واقِعَةٌ مِنَ المَسْجِدِ في النِّصْفِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، فَلَمّا كانَ الواجِبُ هو التَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ، وكانَتِ الكَعْبَةُ واقِعَةً في نِصْفِ المَسْجِدِ حَسُنَ مِنهُ تَعالى أنْ يَقُولَ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يَعْنِي النِّصْفَ مِن كُلِّ جِهَةٍ، وكَأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ بُقْعَةِ الكَعْبَةِ، قالَ القاضِي: ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّ المُصَلِّيَ خارِجَ المَسْجِدِ لَوْ وقَفَ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى المَسْجِدِ، ولَكِنْ لا يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى مُنْتَصَفِ المَسْجِدِ الَّذِي هو مَوْضِعُ الكَعْبَةِ لا تَصِحُّ صَلاتُهُ.
الثّانِي: أنّا لَوْ فَسَّرْنا الشَّطْرَ بِالجانِبِ لَمْ يَبْقَ لِذِكْرِ الشَّطْرِ مَزِيدُ فائِدَةٍ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَقَدْ حَصَلَتِ الفائِدَةُ المَطْلُوبَةُ، أمّا لَوْ فَسَّرْنا الشَّطْرَ بِما ذَكَرْناهُ كانَ لِذِكْرِهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: فَوَلِّ وجْهَكَ المَسْجِدَ الحَرامَ لا يُفْهَمُ مِنهُ وُجُوبُ التَّوَجُّهِ إلى مُنْتَصَفِهِ الَّذِي هو مَوْضِعُ الكَعْبَةِ، فَلَمّا قِيلَ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ حَصَلَتْ هَذِهِ الفائِدَةُ الزّائِدَةُ، فَكانَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا المَحْمَلِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: لَوْ حَمَلْنا الشَّطْرَ عَلى الجانِبِ يَبْقى لِذِكْرِ الشَّطْرِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، وهي أنَّهُ لَوْ قالَ: فَوَلِّ وجْهَكَ المَسْجِدَ الحَرامَ، لَزِمَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّ مَن في أقْصى المَشْرِقِ أوِ المَغْرِبِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُوَلِّيَ وجْهَهُ المَسْجِدَ، أمّا إذا قالَ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أيْ جانِبَ المَسْجِدِ، دَخَلَ فِيهِ الحاضِرُونَ والغائِبُونَ، قُلْنا: هَذِهِ الفائِدَةُ مُسْتَفادَةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ: شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ زِيادَةُ فائِدَةٍ، هَذا تَقْرِيرُ هَذا الوَجْهِ، وفِيهِ إشْكالٌ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: فَوَلِّ وجْهَكَ نِصْفَ المَسْجِدِ وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالنِّصْفِ، وفَرْقٌ بَيْنَ النِّصْفِ وبَيْنَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ يُقْبَلُ التَّنْصِيفُ، والكَلامُ إنَّما يَسْتَقِيمُ لَوْ حُمِلَ عَلى الثّانِي، إلّا أنَّ اللَّفْظَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ أيُّ شَيْءٍ هو ؟ يُحْكى في كِتابِ ”شَرْحِ السُّنَّةِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: البَيْتُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَسْجِدِ، والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الحَرَمِ، والحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ. وقالَ آخَرُونَ: القِبْلَةُ هي الكَعْبَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما أُخْرِجَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَنِي أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قالَ: «لَمّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ دَعا في نَواحِيهِ كُلِّها ولَمْ يُصَلِّ حَتّى خَرَجَ مِنهُ، فَلَمّا خَرَجَ صَلّى رَكْعَتَيْنِ في قِبَلِ الكَعْبَةِ وقالَ: هَذِهِ القِبْلَةُ»، قالَ القَفّالُ: وقَدْ ورَدَتِ الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في صَرْفِ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ، وفي خَبَرِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ: «ثُمَّ صُرِفَ إلى الكَعْبَةِ وكانَ يُحِبُّ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى الكَعْبَةِ»، وفي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ «فِي صَلاةِ أهْلِ قُباءَ: فَأتاهم آتٍ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ»، وفي رِوايَةِ ثُمامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أنَسٍ: «جاءَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ فَنادى: إنَّ القِبْلَةَ حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ»، وهَكَذا عامَّةُ الرِّواياتِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ كُلُّهُ، قالُوا: لِأنَّ الكَلامَ
صفحة ١٠٤
يَجِبُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِ لَفْظِهِ إلّا إذا مَنَعَ مِنهُ مانِعٌ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمُ كُلُّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الإسراء: ١] وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنَّما أُسْرِيَ بِهِ خارِجَ المَسْجِدِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مُسَمًّى بِالمَسْجِدِ الحَرامِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ التَّهْذِيبِ: الجَماعَةُ إذا صَلَّوْا في المَسْجِدِ الحَرامِ يُسْتَحِبُّ أنْ يَقِفَ الإمامُ خَلْفَ المَقامِ، والقَوْمُ يَقِفُونَ مُسْتَدِيرِينَ بِالبَيْتِ، فَإنْ كانَ بَعْضُهم أقْرَبَ إلى البَيْتِ مِنَ الإمامِ جازَ، فَلَوِ امْتَدَّ الصَّفُّ في المَسْجِدِ فَإنَّهُ لا تَصِحُّ صَلاةُ مَن خَرَجَ عَنْ مُحاذاةِ الكَعْبَةِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ تَصِحُّ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ الجِهَةَ كافِيَةٌ، وهَذا اخْتِيارُ الشَّيْخِ الغَزالِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِ الإحْياءِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: القُرْآنُ، والخَبَرُ، والقِياسُ، أمّا القُرْآنُ فَهو ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وذَلِكَ لِأنّا دَلَّلْنا عَلى أنَّ المُرادَ مِن شَطْرِ المَسْجِدِ الحَرامِ جانِبُهُ، وجانِبُ الشَّيْءِ هو الَّذِي يَكُونُ مُحاذِيًا لَهُ وواقِعًا في سَمْتِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ إنَّما يُقالُ: إنَّ زَيْدًا ولّى وجْهَهُ إلى جانِبِ عَمْرٍو، ولَوْ قابَلَ بِوَجْهِهِ وجْهَهُ، وجَعَلَهُ مُحاذِيًا لَهُ، حَتّى أنَّهُ لَوْ كانَ وجْهُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى جانِبِ المَشْرِقِ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ وجْهُ أحَدِهِما مُحاذِيًا لِوَجْهِ الآخَرِ، لا يُقالُ: إنَّهُ ولّى وجْهَهُ إلى جانِبِ عَمْرٍو، فَثَبَتَ دَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ الكَعْبَةِ واجِبٌ.
وأمّا الخَبَرُ فَما رَوَيْنا «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مِنَ الكَعْبَةِ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ في قِبْلَةِ الكَعْبَةِ وقالَ: ”هَذِهِ القِبْلَةُ“»، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ فَثَبَتَ أنَّهُ لا قِبْلَةَ إلّا عَيْنُ الكَعْبَةِ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأخْبارِ الَّتِي رَوَيْناها في أنَّ القِبْلَةَ هي الكَعْبَةُ، وأمّا القِياسُ فَهو أنَّ مُبالَغَةَ الرَّسُولِ ﷺ في تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ أمْرٌ بَلَغَ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، والصَّلاةُ مِن أعْظَمِ شَعائِرِ الدِّينِ، وتَوْقِيفُ صِحَّتِها عَلى اسْتِقْبالِ عَيْنِ الكَعْبَةِ بِما يُوجِبُ حُصُولَ مَزِيدِ شَرَفِ الكَعْبَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا، ولِأنَّ كَوْنَ الكَعْبَةِ قِبْلَةً أمْرٌ مَعْلُومٌ، وكَوْنَ غَيْرِها قِبْلَةً أمْرٌ مَشْكُوكٌ، والأوْلى رِعايَةُ الِاحْتِياطِ في الصَّلاةِ، فَوَجَبَ تَوْقِيفُ صِحَّةِ الصَّلاةِ عَلى اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِأُمُورٍ.
الأوَّلُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يُوَلِّيَ وجْهَهُ إلى جانِبِهِ، فَمَن ولّى وجْهَهُ إلى الجانِبِ الَّذِي حَصَلَتِ الكَعْبَةُ فِيهِ فَقَدْ أتى بِما أُمِرَ بِهِ سَواءٌ كانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْكَعْبَةِ أمْ لا، فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ، وأمّا الخَبَرُ فَما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» “، قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الحَدِيثِ أنَّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ بَيْنَ مَشْرِقٍ ومَغْرِبٍ فَهو قِبْلَةٌ؛ لِأنَّ جانِبَ القُطْبِ الشَّمالِيِّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وهو بِالِاتِّفاقِ لَيْسَ بِقِبْلَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي هو بَيْنَ مَشْرِقٍ مُعَيَّنٍ ومَغْرِبٍ مُعَيَّنٍ قِبْلَةٌ، ونَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ المَشْرِقِ الشِّتْوِيِّ وبَيْنَ المَغْرِبِ الصَّيْفِيِّ فَإنَّ ذَلِكَ قِبْلَةٌ وذَلِكَ لِأنَّ المَشْرِقَ الشِّتْوِيَّ جَنُوبِيٌّ مُتَباعِدٌ عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ بِمِقْدارِ المَيْلِ، والمَغْرِبَ الصَّيْفِيَّ شَمالِيٌّ مُتَباعِدٌ عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ بِمِقْدارِ المَيْلِ، والَّذِي بَيْنَهُما هو سَمْتُ مَكَّةَ، قالُوا: فَهَذا الحَدِيثُ بِأنْ يَدُلَّ عَلى مَذْهَبِنا أوْلى مِنهُ بِالدَّلالَةِ عَلى مَذْهَبِكم، أمّا فِعْلُ الصَّحابَةِ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ مَسْجِدِ قُباءَ كانُوا في صَلاةِ الصُّبْحِ بِالمَدِينَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لِبَيْتِ المَقْدِسِ، مُسْتَدْبِرِينَ لِلْكَعْبَةِ؛ لِأنَّ المَدِينَةَ بَيْنَهُما، فَقِيلَ لَهم: ألا إنَّ القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ، فاسْتَدارُوا في أثْناءِ الصَّلاةِ مِن غَيْرِ طَلَبِ دَلالَةٍ، ولَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ، وسُمِّيَ مَسْجِدُهم بِذِي القِبْلَتَيْنِ، ومُقابَلَةُ العَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ لا تُعْرَفُ إلّا بِأدِلَّةٍ هَنْدَسِيَّةٍ يَطُولُ النَّظَرُ فِيها، فَكَيْفَ أدْرَكُوها عَلى البَدِيهَةِ في أثْناءِ الصَّلاةِ وفي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ.
الثّانِي: أنَّ النّاسَ مِن عَهْدِ
صفحة ١٠٥
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَنَوُا المَساجِدَ في جَمِيعِ بِلادِ الإسْلامِ، ولَمْ يُحْضِرُوا قَطُّ مُهَنْدِسًا عِنْدَ تَسْوِيَةِ المِحْرابِ، ومُقابَلَةُ العَيْنِ لا تُدْرَكُ إلّا بِدَقِيقِ نَظَرِ الهَنْدَسَةِ.
وأمّا القِياسُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: لَوْ كانَ اسْتِقْبالُ عَيْنِ الكَعْبَةِ واجِبًا إمّا عِلْمًا أوْ ظَنًّا، وجَبَ أنْ لا تَصِحَّ صَلاةُ أحَدٍ قَطُّ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مُحاذاةُ الكَعْبَةِ مِقْدارَ نَيْفٍ وعِشْرِينَ ذِراعًا فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ أهْلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقِفُوا في مُحاذاةِ هَذا المِقْدارِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّ الَّذِي يَقَعُ مِنهم في مُحاذاةِ هَذا القَدْرِ القَلِيلِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَثِيرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ العِبْرَةَ في أحْكامِ الشَّرْعِ بِالغالِبِ، والنّادِرُ مُلْحَقٌ بِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَصِحَّ صَلاةُ أحَدٍ مِنهم لا سِيَّما وذَلِكَ الَّذِي وقَعَ في مُحاذاةِ الكَعْبَةِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ وقَعَ في مُحاذاتِها، وحَيْثُ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى صِحَّةِ صَلاةِ الكُلِّ عَلِمْنا أنَّ المُحاذاةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، فَإنْ قِيلَ: الدّائِرَةُ وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً إلّا أنَّ جَمِيعَ النُّقَطِ المَفْرُوضَةِ عَلَيْها تَكُونُ مُحاذِيَةً لِمَرْكَزِ الدّائِرَةِ، فالصُّفُوفُ الواقِعَةُ في العالَمِ بِأسْرِها كَأنَّها دائِرَةٌ بِالكَعْبَةِ، والكَعْبَةُ كَأنَّها نُقْطَةٌ لِتِلْكَ الدّائِرَةِ إلّا أنَّ الدّائِرَةَ إذا صَغُرَتْ صَغُرَ التَّقَوُّسُ والِانْحِناءُ في جَمِيعِها، وإنِ اتَّسَعَتْ وعَظُمَتْ لَمْ يَظْهَرِ التَّقَوُّسُ والِانْحِناءُ في كُلِّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْها، بَلْ نَرى كُلَّ قِطْعَةٍ مِنها شَبِيهًا بِالخَطِّ المُسْتَقِيمِ، فَلا جَرَمَ صَحَّتِ الجَماعَةُ بِصَفٍّ طَوِيلٍ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَزِيدُ طُولُها عَلى أضْعافِ البَيْتِ، والكُلُّ يُسَمَّوْنَ مُتَوَجِّهِينَ إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ، قُلْنا: هَبْ أنَّ الأمْرَ عَلى ما ذَكَرْتُمُوهُ ولَكِنَّ القِطْعَةَ مِنَ الدّائِرَةِ العَظِيمَةِ وإنْ كانَتْ شَبِيهَةً بِالخَطِّ المُسْتَقِيمِ في الحِسِّ، إلّا أنَّها لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُنْحَنِيَةً في نَفْسِها؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ في نَفْسِها مُسْتَقِيمَةً، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ قِطَعِ تِلْكَ الدّائِرَةِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الدّائِرَةُ مُرَكَّبَةً مِن خُطُوطٍ مُسْتَقِيمَةٍ يَتَّصِلُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ إمّا مُضَلَّعَةً أوْ خَطًّا مُسْتَقِيمًا وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنَ الدّائِرَةِ الكَبِيرَةِ فَهي في نَفْسِها مُنْحَنِيَةٌ، فالصُّفُوفُ المُتَّصِلَةُ في أطْرافِ العالَمِ إنَّما يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَقْبِلًا لِعَيْنِ الكَعْبَةِ لَوْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الصُّفُوفُ واقِعَةً عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ، بَلْ إذا حَصَلَ فِيها ذَلِكَ الِانْحِناءُ القَلِيلُ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِانْحِناءَ القَلِيلَ الَّذِي لا يَفِي بِإدْراكِهِ الحِسُّ البَتَّةَ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ التَّكْلِيفِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الصُّفُوفِ جاهِلًا بِأنَّهُ هَلْ هو مُسْتَقْبِلٌ لِعَيْنِ الكَعْبَةِ أمْ لا، فَلَوْ كانَ اسْتِقْبالُ عَيْنِ الكَعْبَةِ شَرْطًا لَكانَ حُصُولُ هَذا الشَّرْطِ مَجْهُولًا لَكَ، والشَّكُّ في حُصُولِ الشَّرْطِ يَقْتَضِي الشَّكَّ في حُصُولِ المَشْرُوطِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى كُلُّ واحِدٍ مِن أهْلِ هَذِهِ الصُّفُوفِ شاكًّا في صِحَّةِ صَلاتِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ البَتَّةَ، وحَيْثُ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ اسْتِقْبالَ العَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لا عِلْمًا ولا ظَنًّا، وهَذا كَلامٌ بَيِّنٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ اسْتِقْبالُ عَيْنِ الكَعْبَةِ واجِبًا ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالدَّلالَةِ الهَنْدَسِيَّةِ، وما لا يَتَأدّى الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ تَعَلُّمُ الدَّلالَةِ الهَنْدَسِيَّةِ واجِبًا عَلى كُلِّ أحَدٍ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ الكَعْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ، فَإنْ قِيلَ: عِنْدَنا اسْتِقْبالُ عَيْنِ الجِهَةِ واجِبٌ ظَنًّا لا يَقِينًا، والمُفْتَقِرُ إلى الدَّلائِلِ الهَنْدَسِيَّةِ هو الِاسْتِقْبالُ يَقِينًا لا ظَنًّا، قُلْنا: لَوْ كانَ اسْتِقْبالُ عَيْنِ الكَعْبَةِ واجِبًا لَكانَ القادِرُ عَلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ لا يَجُوزُ لَهُ الِاكْتِفاءُ بِالظَّنِّ، والرَّجُلُ قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ بِواسِطَةِ تَعَلُّمِ الدَّلائِلِ الهَنْدَسِيَّةِ فَكانَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ تِلْكَ الدَّلائِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ الكَعْبَةِ واجِبٌ.
صفحة ١٠٦
الثّالِثُ: لَوْ كانَ اسْتِقْبالُ العَيْنِ واجِبًا إمّا عِلْمًا أوْ ظَنًّا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ الظَّنِّ إلّا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الأماراتِ، وما لا يَتَأدّى الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ تَعَلُّمُ تِلْكَ الأماراتِ فَرْضَ عَيْنٍ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ اسْتِقْبالَ العَيْنِ غَيْرُ واجِبٍ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في دَلائِلِ القِبْلَةِ: اعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ إمّا أرْضِيَّةٌ وهي الِاسْتِدْلالُ بِالجِبالِ، والقُرى، والأنْهارِ، أوْ هَوائِيَّةٌ وهي الِاسْتِدْلالُ بِالرِّياحِ، أوْ سَماوِيَّةٌ وهي النُّجُومُ.
أمّا الأرْضِيَّةُ والهَوائِيَّةُ فَغَيْرُ مَضْبُوطَةٍ ضَبْطًا كُلِّيًّا، فَرُبَّ طَرِيقٍ فِيهِ جَبَلٌ مُرْتَفِعٌ لا يُعْلَمُ أنَّهُ عَلى يَمِينِ المُسْتَقْبِلِ أوْ شِمالِهِ أوْ قُدّامَهُ أوْ خَلْفَهُ، فَكَذَلِكَ الرِّياحُ قَدْ تَدُلُّ في بَعْضِ البِلادِ ولَسْنا نَقْدِرُ عَلى اسْتِقْصاءِ ذَلِكَ، إذْ كُلُّ بَلَدٍ بِحُكْمٍ آخَرَ في ذَلِكَ.
أمّا السَّماوِيَّةُ فَأدِلَّتُها مِنها تَقْرِيبِيَّةٌ ومِنها تَحْقِيقِيَّةٌ، أمّا التَّقْرِيبِيَّةُ فَقَدْ قالُوا: هَذِهِ الأدِلَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ نَهارِيَّةً أوْ لَيْلِيَّةً، أمّا النَّهارِيَّةُ فالشَّمْسُ فَلا بُدَّ وأنْ يُراعى قَبْلَ الخُرُوجِ مِنَ البَلَدِ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ الزَّوالِ أهِيَ بَيْنَ الحاجِبَيْنِ، أمْ هي عَلى العَيْنِ اليُمْنى أمِ اليُسْرى، أوْ تَمِيلُ إلى الجَبِينِ مَيْلًا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ ؟ فَإنَّ الشَّمْسَ لا تَعْدُو في البِلادِ الشَّمالِيَّةِ هَذِهِ المَواقِعَ، وكَذَلِكَ يُراعى مَوْقِعُ الشَّمْسِ وقْتَ العَصْرِ، وأمّا وقْتُ المَغْرِبِ فَإنَّما يُعْرَفُ ذَلِكَ بِمَوْضِعِ الغُرُوبِ، وهو أنْ يُعْرَفَ بِأنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ عَنْ يَمِينِ المُسْتَقْبِلِ، أوْ هي مائِلَةٌ إلى وجْهِهِ أوْ قَفاهُ، وكَذَلِكَ يُعْرَفُ وقْتُ العِشاءِ الآخِرَةِ بِمَوْضِعِ الشَّفَقِ، ويُعْرَفُ وقْتُ الصُّبْحِ بِمَشْرِقِ الشَّمْسِ، فَكانَتِ الشَّمْسُ تَدُلُّ عَلى القِبْلَةِ في الصَّلَواتِ الخَمْسِ، ولَكِنْ يَخْتَلِفُ حُكْمُ ذَلِكَ بِالشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَإنَّ المَشارِقَ والمَغارِبَ كَثِيرَةٌ، وكَذَلِكَ يَخْتَلِفُ الحُكْمُ في هَذا البابِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ البِلادِ، وأمّا اللَّيْلِيَّةُ فَهو أنْ يَسْتَدِلَّ عَلى القِبْلَةِ بِالكَوْكَبِ الَّذِي يُقالُ لَهُ الجَدْيُ، فَإنَّهُ كَوْكَبٌ كالثّابِتِ لا تَظْهَرُ حَرَكَتُهُ مِن مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى قَفا المُسْتَقْبِلِ أوْ مَنكِبِهِ الأيْمَنِ مِن ظَهْرِهِ، أوْ مَنكِبِهِ الأيْسَرِ في البِلادِ الشَّمالِيَّةِ مِن مَكَّةَ، وفي البِلادِ الجَنُوبِيَّةِ مِنها، كاليَمَنِ وما وراءَها يَقَعُ في مُقابَلَةِ المُسْتَقْبِلِ، فَلْيَعْلَمْ ذَلِكَ وما عَرَفَهُ بِبَلَدِهِ فَلْيُعَوِّلْ عَلَيْهِ في الطَّرِيقِ كُلِّهِ، إلّا إذا طالَ السَّفَرُ فَإنَّ المَسافَةَ إذا بَعُدَتِ اخْتَلَفَ مَوْقِعُ الشَّمْسِ، ومَوْقِعُ القُطْرِ، ومَوْقِعُ المَشارِقِ والمَغارِبِ إلى أنْ يَنْتَهِيَ في أثْناءِ سَفَرِهِ إلى بَلَدٍ، فَيَنْبَغِي أنْ يَسْألَ أهْلَ البَصِيرَةِ أوْ يُراقِبَ هَذِهِ الكَواكِبَ وهو مُسْتَقْبَلَ مِحْرابِ جامِعِ البَلَدِ حَتّى يَتَّضِحَ لَهُ ذَلِكَ، فَمَهْما تَعَلَّمَ هَذِهِ الأدِلَّةَ فَلَهُ أنْ يُعَوِّلَ عَلَيْها.
وأمّا الطَّرِيقَةُ اليَقِينِيَّةُ وهي الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في كُتُبِ الهَيْئَةِ قالُوا: سَمْتُ القِبْلَةِ نُقْطَةُ التَّقاطُعِ بَيْنَ دائِرَةِ الأُفُقِ، وبَيْنَ دائِرَةٍ عَظِيمَةٍ تَمُرُّ بِسَمْتِ رُءُوسِنا ورُءُوسِ أهْلِ مَكَّةَ، وانْحِرافُ القِبْلَةِ قَوْسٌ مِن دائِرَةِ الأُفُقِ ما بَيْنَ سَمْتِ القِبْلَةِ دائِرَةُ نِصْفِ النَّهارِ في بَلَدِنا، وما بَيْنَ سَمْتِ القِبْلَةِ ومَغْرِبِ الِاعْتِدالِ تَمامُ الِانْحِرافِ، قالُوا: ويَحْتاجُ في مَعْرِفَةِ سَمْتِ القِبْلَةِ إلى مَعْرِفَةِ طُولِ مَكَّةَ وعَرْضِها، فَإنْ كانَ طُولُ البَلَدِ مُساوِيًا لِطُولِ مَكَّةَ، وعَرْضُها مُخالِفٌ لِعَرْضِ مَكَّةَ، كانَ سَمْتُ قِبْلَتِها عَلى خَطِّ نِصْفِ النَّهارِ، فَإنْ كانَ البَلَدُ شَمالِيًّا فَإلى الجَنُوبِ وإنْ كانَ جَنُوبِيًّا فَإلى الشَّمالِيِّ، وأمّا إذا كانَ عَرْضُ البَلَدِ مُساوِيًا لِعَرْضِ مَكَّةَ وطُولُهُ مُخالِفًا لِطُولِها فَقَدْ يُظَنُّ أنَّ سَمْتَ قِبْلَةِ ذَلِكَ البَلَدِ عَلى خَطِّ الِاعْتِدالِ وهو ظَنٌّ خَطَأٌ، وقَدْ يُمْكِنُ أيْضًا في البِلادِ الَّتِي أطْوالُها وعُرُوضُها مُخالِفَةٌ لِطُولِ مَكَّةَ وعَرْضِها، أنْ يَكُونَ سَمْتُ قِبْلَتِها مَطْلِعَ الِاعْتِدالِ ومَغْرِبَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنِ اسْتِخْراجِ قَدْرِ الِانْحِرافِ، ولِذَلِكَ طُرُقٌ أسْهَلُها أنْ يُعْرَفَ الجُزْءُ الَّذِي يُسامِتُ رُءُوسَ أهْلِ مَكَّةَ مِن فَلَكِ البُرُوجِ وهو (زَيْحٌ) مِنَ الجَوْزاءِ (وكَجٌّ ح) مِن
صفحة ١٠٧
السَّرَطانِ فَيَضَعُ ذَلِكَ الجُزْءَ عَلى خَطٍّ وسَطَ السَّماءِ في الِاسْطِرْلابِ المَعْمُولِ لِعَرْضِ البَلَدِ، ويُعَلِّمُ عَلى المَرْئِيِّ عَلامَةً، ثُمَّ يُدِيرُ العَنْكَبُوتَ إلى ناحِيَةِ المَغْرِبِ إنْ كانَ البَلَدُ شَرْقِيًّا عَنْ مَكَّةَ كَما في بِلادِ خُراسانَ والعِراقِ بِقَدْرِ ما بَيْنَ الطُّولَيْنِ مِن أجْزاءِ الخَجَرَةِ ثُمَّ يَنْظُرُ أيْنَ وقَعَ ذَلِكَ الجُزْءُ مِن مُقَنْطَراتِ الِارْتِفاعِ، فَما كانَ فَهو الِارْتِفاعُ الَّذِي عِنْدَهُ يُسامِتُ ذَلِكَ الجُزْءُ رُءُوسَ أهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ يَرْصُدُ مُسامَتَةَ الشَّمْسِ ذَلِكَ الجُزْءُ، فَإذا انْتَهى ارْتِفاعُ الشَّمْسِ إلى ذَلِكَ الِارْتِفاعِ فَقَدْ سامَتَتِ الشَّمْسُ رُءُوسَ أهْلِ مَكَّةَ فَيَنْصِبُ مِقْياسًا ويَخُطُّ عَلى ظِلِّ المِقْياسِ خَطًّا مِن مَرْكَزِ العَمُودِ إلى طَرَفِ الظِّلِّ، فَذَلِكَ الخَطُّ خَطُّ الظِّلِّ فَيَبْنِي عَلَيْهِ المِحْرابَ، فَهَذا هو الكَلامُ في دَلائِلَ القِبْلَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: مَعْرِفَةُ دَلائِلِ القِبْلَةِ فَرْضٌ عَلى العَيْنِ أمْ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ ؟ فَفِيهِ وجْهانِ أصَحُّهُما فَرْضٌ عَلى العَيْنِ؛ لِأنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ فَهو مَأْمُورٌ بِالِاسْتِقْبالِ ولا يُمْكِنُهُ الِاسْتِقْبالُ إلّا بِواسِطَةِ مَعْرِفَةِ دَلائِلِ القِبْلَةِ، وما لا يَتَأدّى الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٤٤ و ١٥٠ ] عامٌّ في الأشْخاصِ والأحْوالِ، إلّا أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ الِاسْتِقْبالَ خارِجَ الصَّلاةِ غَيْرُ واجِبٍ، بَلْ إنَّهُ طاعَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«خَيْرُ المَجالِسِ ما اسْتُقْبِلَ بِهِ القِبْلَةُ» “ فَبَقِيَ أنَّ وُجُوبَ الِاسْتِقْبالِ مِن خَواصِّ الصَّلاةِ، ثُمَّ نَقُولُ: الرَّجُلُ إمّا أنْ يَكُونَ مُعايِنًا لِلْقِبْلَةِ أوْ غائِبًا عَنْها، أمّا المُعايِنُ فَقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبالُ، وأمّا الغائِبُ فَإمّا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ أوْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِ الظَّنِّ، أوْ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ ولا عَلى تَحْصِيلِ الظَّنِّ فَهَذِهِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ:
القِسْمُ الأوَّلُ: القادِرُ عَلى تَحْصِيلِ العِلْمِ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الغائِبَ عَنِ القِبْلَةِ لا سَبِيلَ لَهُ إلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ بِجِهَةِ القِبْلَةِ إلّا بِالدَّلائِلِ الهَنْدَسِيَّةِ، وما لا سَبِيلَ إلى أداءِ الواجِبِ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، فَيَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ تَعَلُّمُ الدَّلائِلِ الهَنْدَسِيَّةِ فَرْضَ عَيْنٍ عَلى كُلِّ أحَدٍ إلّا أنَّ الفُقَهاءَ قالُوا: إنَّ تَعَلُّمَها غَيْرُ واجِبٍ بَلْ رُبَّما قالُوا: إنَّ تَعَلُّمَها مَكْرُوهٌ أوْ مُحَرَّمٌ ولا أدْرِي ما عُذْرُهم في هَذا ؟
البَحْثُ الثّانِي: المُصَلِّي إذا كانَ بِأرْضِ مَكَّةَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَةِ حائِلٌ، واشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَهَلْ لَهُ أنْ يَجْتَهِدَ ؟ قالَ صاحِبُ ”التَّهْذِيبِ“ نُظِرَ إنْ كانَ الحائِلُ أصْلِيًّا كالجِبالِ فَلَهُ الِاجْتِهادُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أصْلِيًّا كالأبْنِيَةِ فَعَلى وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: لَهُ الِاجْتِهادُ لِأنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَها حائِلًا يَمْنَعُ المُشاهَدَةَ كَما في الحائِلِ الأصْلِيِّ.
والثّانِي: لَيْسَ لَهُ الِاجْتِهادُ لِأنَّ فَرْضَهُ الرُّجُوعُ إلى اليَقِينِ، وهو قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ فَوَجَبَ أنْ لا يَكْتَفِيَ فِيهِ بِالظَّنِّ، وهَذا الوَجْهُ هو اللّائِقُ بِمَساقِ الآيَةِ؛ لِأنَّها لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، والمُكَلَّفُ إذا كانَ قادِرًا عَلى تَحْصِيلِ العِلْمِ لا يَجُوزُ لَهُ الِاكْتِفاءُ بِالظَّنِّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ طَلَبُ اليَقِينِ.
القِسْمُ الثّانِي: القادِرُ عَلى تَحْصِيلِ الظَّنِّ دُونَ اليَقِينِ. واعْلَمْ أنَّ لِتَحْصِيلِ هَذا الظَّنِّ طُرُقًا:
الطَّرِيقُ الأوَّلُ: الِاجْتِهادُ، وظاهِرُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقْتَضِي أنَّ الِاجْتِهادَ يُقَدَّمُ عَلى الرُّجُوعِ إلى قَوْلِ الغَيْرِ وهو الحَقُّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]
صفحة ١٠٨
أمْرٌ بِالِاعْتِبارِ، والرَّجُلُ قادِرٌ عَلى الِاعْتِبارِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَتَناوَلَهُ الأمْرُ.
وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ إنَّما وصَلَ إلى جِهَةِ القِبْلَةِ بِالِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَرَفَ القِبْلَةَ بِالتَّقْلِيدِ أيْضًا لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ أوِ الدَّوْرُ وهُما باطِلانِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ آخِرَ الأمْرِ إلى الِاجْتِهادِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُ الكَلامِ إلى أنَّ الِاجْتِهادَ أوْلى أمْ تَقْلِيدَ صاحِبِ الِاجْتِهادِ ؟
ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّهُ إذا أتى بِالِاجْتِهادِ فَلا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمالُ الخَطَأِ إلّا مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا قَلَّدَ صاحِبُ الِاجْتِهادِ فَقَدْ تَطَرَّقَ إلى عَمَلِهِ احْتِمالُ الخَطَأِ مِن وجْهَيْنِ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَتى وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ طَرِيقَيْنِ فَأقَلُّهُما خَطَأً أوْلى بِالرِّعايَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«إذا أمَرْتُكم بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» “ فَهاهُنا أُمِرَ بِالِاسْتِقْبالِ وهو قادِرٌ عَلى الِاجْتِهادِ في الطَّلَبِ فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ صاحِبَ ”التَّهْذِيبِ“ ذَكَرَ أنَّهُ إذا كانَ في قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ فِيها مَحارِيبُ مَنصُوبَةٌ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ أوْ وجَدَ مِحْرابًا أوْ عَلامَةً لِلْقِبْلَةِ في طَرِيقٍ، هي جادَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَوَجَّهَ إلَيْها، ولا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهادُ في الجِهَةِ، قالَ: لِأنَّ هَذِهِ العَلاماتِ كاليَقِينِ، أمّا في الِانْحِرافِ يَمْنَةٌ أوْ يَسْرَةٌ فَيَجُوزُ أنْ يَجْتَهِدَ مَعَ هَذِهِ العَلاماتِ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ يَقُولُ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الحَجِّ: تَياسَرُوا يا أهْلَ مَرْوَ وكَذَلِكَ لَوْ أخْبَرَهُ مُسْلِمٌ بِأنْ قالَ: رَأيْتُ غالِبَ المُسْلِمِينَ أوْ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلى هَذِهِ الجِهَةِ فَعَلَيْهِ قَبُولُهُ ولَيْسَ هَذا بِتَقْلِيدٍ، بَلْ هو قَبُولُ الخَبَرِ مِن أهْلِهِ كَما في الوَقْتِ، وهو ما إذا أخْبَرَهُ عَدْلٌ: إنِّي رَأيْتُ الفَجْرَ قَدْ طَلَعَ أوِ الشَّمْسَ قَدْ زالَتْ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ، هَذا كُلُّهُ لَفْظُ صاحِبِ ”التَّهْذِيبِ“، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مُشْكِلٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لا مَعْنى لِلتَّقْلِيدِ إلّا قَبُولُ قَوْلِ الغَيْرِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ ولا شُبْهَةٍ، فَإذا قَبِلْنا قَوْلَ الغَيْرِ أوْ فِعْلَهُ في تَعْيِينِ القِبْلَةِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ ولا شُبْهَةٍ كانَ هَذا تَقْلِيدًا، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنا الدَّلِيلَ عَلى أنَّ القادِرَ عَلى الِاجْتِهادِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالِاجْتِهادِ.
وثانِيها: أنَّهُ جَوَّزَ المُخالَفَةَ في اليَمِينِ واليَسارِ بِناءً عَلى الِاجْتِهادِ فَنَقُولُ: هو قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِ الظَّنِّ بِناءً عَلى الِاجْتِهادِ الَّذِي يَتَوَلّاهُ بِنَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَجُوزَ لَهُ المُخالَفَةُ كَما في اليَمِينِ واليَسارِ.
وثالِثُها: إمّا أنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنَ الِاجْتِهادِ، أوْ مِنَ العَمَلِ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ مُعاذًا لَمّا قالَ: أجْتَهِدُ بِرَأْيِي مَدَحَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا عَلِمَ أوْ ظَنَّ أنَّ القِبْلَةَ لَيْسَتْ في الجِهَةِ الَّتِي فِيها المَحارِيبُ فَلَوْ وجَبَ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ إلى ذَلِكَ المِحْرابِ لَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلتَّقْلِيدِ عَلى الِاسْتِدْلالِ وأنَّهُ خَطَأٌ.
ورابِعُها: أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدُ المُجْتَهِدِ، فالقادِرُ عَلى تَحْصِيلِ جِهَةِ القِبْلَةِ بِالأماراتِ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مَحارِيبِ البِلادِ ؟ واحْتَجَّ القائِلُونَ بِتَرْجِيحِ مَحارِيبِ الأمْصارِ عَلى البِلادِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّها كالتَّواتُرِ مَعَ الِاجْتِهادِ، فَوَجَبَ رُجْحانُهُ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ إذا رَأى المُؤَذِّنَ فَرَغَ مِنَ الأذانِ والإقامَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الإمامُ، فَهاهُنا لا يَحْتاجُ إلى تَعَرُّفِ الوَقْتِ فَكَذا هاهُنا.
الثّالِثُ: أنَّ أهْلَ البَلَدِ رَضُوا بِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَوْ كانَ خَطَأً لَتَنَبَّهُوا لَهُ، ولَوْ تَنَبَّهُوا لَهُ لَما رَضُوا بِهِ، فَهَذا ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الجانِبَيْنِ.
الطَّرِيقُ الثّانِي: الرُّجُوعُ إلى قَوْلِ الغَيْرِ، مِثْلُ ما إذا أخْبَرَهُ عَدْلٌ عَنْ كَوْنِ القِبْلَةِ في هَذِهِ الجِهَةِ فَهَذا يُفِيدُ ظَنَّ أنَّ القِبْلَةَ هُناكَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن شَرْطَيْنِ: الإسْلامُ والعَقْلُ، فَلا عِبْرَةَ في هَذا البابِ بِقَوْلِ الكافِرِ والمَجْنُونِ ولا بِعِلْمِهِما، واخْتَلَفُوا في شَرائِطَ ثَلاثَةٍ.
أوَّلُها: البُلُوغُ. حَكى الخُيْضَرِيُّ نَصًّا عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ لا يُقْبَلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ، وحَكى أبُو زَيْدٍ أيْضًا عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يُقْبَلُ.
وثانِيها: العَدالَةُ قالُوا: لا يُقْبَلُ خَبَرُ الفاسِقِ
صفحة ١٠٩
لِأنَّهُ كالشَّهادَةِ، وقِيلَ: يُقْبَلُ.
وثالِثُها: العَدَدُ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَهُ كَما في الشَّهادَةِ لا سِيَّما الَّذِينَ اعْتَبَرُوا العَدَدَ في الرِّوايَةِ أيْضًا، ومِنهم مَن لَمْ يَعْتَبِرِ العَدَدَ. ويَتَفَرَّعُ عَلى ما قُلْناهُ أحْكامٌ:
أوَّلُها: أنَّ كُلَّ مَن كانَ الأخْذُ بِقَوْلِهِ يُفِيدُ ظَنًّا أقْوى كانَ الأخْذُ بِقَوْلِهِ مُقَدَّمًا عَلى الأخْذِ بِقَوْلِ مَن يُفِيدُ ظَنّا أضْعَفَ، مِثالُهُ أنَّ تَقْلِيدَ المُتَيَقِّنِ راجِحٌ عَلى تَقْلِيدِ الظّانِّ بِالِاجْتِهادِ، وتَقْلِيدَ المُجْتَهِدِ الظّانِّ أوْلى مِن تَقْلِيدِ مَن قَلَّدَ غَيْرَهُ وهَلُمَّ جَرّا.
وثانِيها: أنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ الِاجْتِهادَ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ انْقِضاءِ الوَقْتِ، فالأوْلى لَهُ تَحْصِيلُ الِاجْتِهادِ حَتّى تَصِيرَ الصَّلاةُ قَضاءً أوْ تَقْلِيدُ الغَيْرِ حَتّى تَبْقى الصَّلاةُ أداءً، فِيهِ تَرَدُّدٌ. وثالِثُها: أنَّ مَن لا يَعْرِفُ دَلائِلَ القِبْلَةِ فَلَهُ الرُّجُوعُ إلى قَوْلِ الغَيْرِ حِينَ الصَّلاةِ بَلْ يَجِبُ.
الطَّرِيقُ الثّالِثُ: إنْ شاهَدَ في دارِ الإسْلامِ مِحْرابًا مَنصُوبًا جازَ لَهُ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ، أمّا إذا رَأى القِبْلَةَ مَنصُوبَةً في طَرِيقٍ يَقِلُّ فِيهِ مُرُورُ النّاسِ أوْ في طَرِيقٍ يَمُرُّ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ولا يَدْرِي مَن نَصَبَها أوْ رَأى مِحْرابًا في قَرْيَةٍ ولا يَدْرِي بَناهُ المُسْلِمُونَ أوِ المُشْرِكُونَ أوْ كانَتْ قَرْيَةٌ صَغِيرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لا يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ كَوْنُ أهْلِها مُطَّلِعِينَ عَلى دَلائِلِ القِبْلَةِ وجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهادُ.
الطَّرِيقُ الرّابِعُ: ما يَتَرَكَّبُ مِنَ الِاجْتِهادِ وقَوْلِ الغَيْرِ، وهو أنْ يُخْبِرَهُ إنْسانٌ بِمَواقِعِ الكَواكِبِ وكانَ هو عالِمًا بِالِاسْتِدْلالِ بِها عَلى القِبْلَةِ، فَهاهُنا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِدْلالُ بِما يَسْمَعُ إذا كانَ عاجِزًا عَنْ رُؤْيَتِها بِنَفْسِهِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: الَّذِي عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِ العِلْمِ والظَّنِّ، وهو الكائِنُ في الظُّلْمَةِ الَّتِي خَفِيَتِ الأماراتُ بِأسْرِها عَلَيْهِ، أوِ الأعْمى الَّذِي لا يَجِدُ مَن يُخْبِرُهُ، أوْ تَعارَضَتِ الأماراتُ لَدَيْهِ وعَجَزَ عَنِ التَّرْجِيحِ، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا الشَّخْصَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالِاجْتِهادِ؛ لِأنَّ الِاجْتِهادَ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ ولا أمارَةٍ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ وهو مَنفِيٌّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أحَدُ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: إمّا أنْ يُقالَ التَّكْلِيفُ بِالصَّلاةِ مَشْرُوطٌ بِالِاسْتِقْبالِ، وتَعَذُّرُ الشَّرْطِ يُوجِبُ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ بِالمَشْرُوطِ، فَهاهُنا لا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ، أوْ يُقالُ: شَرْطُ الِاسْتِقْبالِ قَدْ سَقَطَ عَنِ المُكَلَّفِ بِعُذْرٍ أقَلَّ مِن هَذا، وهو حالُ المُسابَقَةِ فَيَسْقُطُ هاهُنا أيْضًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَأْتِيَ بِالصَّلاةِ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ، ويَسْقُطُ عَنْهُ شَرْطُ الِاسْتِقْبالِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ يَأْتِي بِتِلْكَ الصَّلاةِ إلى جَمِيعِ الجِهاتِ لِيَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ بِيَقِينٍ، فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ المُمْكِنَةُ، أمّا سُقُوطُ الصَّلاةِ عَنْهُ فَذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، وأيْضًا فَلِأنّا رَأيْنا في الشَّرْعِ في الجُمْلَةِ أنَّ الصَّلاةَ صَحَّتْ بِدُونِ الِاسْتِقْبالِ كَما في حالِ المُسايَفَةِ وفي النّافِلَةِ، وأمّا إيجابُ الصَّلاةِ إلى جَمِيعِ الجِهاتِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِقِيامِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ صَلاةٌ واحِدَةٌ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ألَيْسَ أنَّ مَن نَسِيَ صَلاةً مِن صَلَواتِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ولا يَدْرِي عَيْنَها فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضاءُ تِلْكَ الصَّلَواتِ بِأسْرِها لِيَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ بِاليَقِينِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هاهُنا كَذَلِكَ ؟ قالُوا: ولَمّا بَطَلَ القِسْمانِ تَعَيَّنَ الثّالِثُ وهو التَّخْيِيرُ في جَمِيعِ الجِهاتِ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ إذا مالَ قَلْبُهُ إلى أنَّ هَذِهِ الجِهَةَ أوْلى بِأنْ تَكُونَ قِبْلَةً مِن سائِرِ الجِهاتِ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّرْجِيحُ مَبْنِيًّا عَلى اسْتِدْلالٍ، بَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي ومَيْلِ القَلْبِ إلَيْهِ فَهَلْ يُعَدُّ هَذا اجْتِهادًا، وهَلِ المُكَلَّفُ مُكَلَّفٌ بِأنْ يُعَوِّلَ عَلَيْهِ أمْ لا ؟ الأوْلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«المُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» “ ولِأنَّ سائِرَ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ لَمّا انْسَدَّتْ وجَبَ الِاكْتِفاءُ بِهَذا القَدْرِ.
صفحة ١١٠
البَحْثُ الثّالِثُ: إذا أدّى هَذِهِ الصَّلاةَ فالظّاهِرُ يَقْتَضِي أنْ لا يَجِبَ القَضاءُ؛ لِأنَّهُ أدّى وظِيفَةَ الوَقْتِ وقَدْ صَحَّتْ مِنهُ، فَوَجَبَ أنْ لا تَجِبَ عَلَيْهِ الإعادَةُ، وظاهِرُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ تَجِبُ الإعادَةُ سَواءٌ بانَ صَوابُهُ أوْ خَطَؤُهُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: تَجُوزُ الصَّلاةُ في جَوْفِ الكَعْبَةِ عِنْدَ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، ويَتَوَجَّهُ إلى أيِّ جانِبٍ شاءَ، وقالَ مالِكٌ: يُكْرَهُ أنْ يُصَلِّيَ في الكَعْبَةِ المَكْتُوبَةَ؛ لِأنَّ مَن كانَ داخِلَ الكَعْبَةِ لا يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى كُلِّ الكَعْبَةِ، بَلْ يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى بَعْضِ أجْزائِها، ومُسْتَدْبِرًا عَنْ بَعْضِ أجْزائِها، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقْبِلًا لِكُلِّ الكَعْبَةِ فَوَجَبَ أنْ لا تَصِحَّ صَلاتُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِاسْتِقْبالِ البَيْتِ، قالَ: وأمّا النّافِلَةُ فَجائِزَةٌ؛ لِأنَّ اسْتِقْبالَ القِبْلَةِ فِيها غَيْرُ واجِبٍ، حُجَّةُ الجُمْهُورِ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في الصَّحِيحَيْنِ، ورَواهُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيْضًا عَنْ مالِكٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَخَلَ الكَعْبَةَ هو وأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، وبِلالٌ فَأغْلَقَها عَلَيْهِ ومَكَثَ فِيها، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَسَألْتُ بِلالًا حِينَ خَرَجَ: ماذا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسارِهِ، وعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وثَلاثَةَ أعْمِدَةٍ وراءَهُ، وكانَ البَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلى سِتَّةِ أعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلّى»، واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا الخَبَرِ ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ خَبَرَ الواحِدِ لا يُعارِضُ ظاهِرَ القُرْآنِ.
وثانِيها: لَعَلَّ تِلْكَ الصَّلاةَ كانَتْ نافِلَةً، وذَلِكَ عِنْدَ مالِكٍ جائِزٌ. وثالِثُها: أنَّ مالِكًا خالَفَ هَذا الخَبَرَ، ومُخالَفَةُ الرّاوِي وإنْ كانَتْ لا تُوجِبُ الطَّعْنَ في الخَبَرِ إلّا أنَّها تُفِيدُ نَوْعَ مَرْجُوحِيَّةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى خَبَرٍ واحِدٍ خَلا عَنْ هَذا الطَّعْنِ، فَكَيْفَ بِالنِّسْبَةِ إلى القُرْآنِ. ورابِعُها: أنَّ الشَّيْخَيْنِ أوْرَدا في الصَّحِيحَيْنِ عَنِابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ دَعا في نَواحِيهِ كُلِّها ولَمْ يُصَلِّ حَتّى خَرَجَ مِنهُ، فَلَمّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ في قِبَلِ الكَعْبَةِ وقالَ: ”هَذِهِ القِبْلَةُ“» والتَّعارُضُ حاصِلٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ يَتَعارَضانِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: ”هَذِهِ القِبْلَةُ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَوَجُّهِ ذَلِكَ المَوْضِعِ ومَن جَوَّزَ الصَّلاةَ داخِلَ البَيْتِ لا يُوجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبالَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بَلْ جَوَّزَ اسْتِدْبارَهُ.
والجَوابُ عَنِ اسْتِدْلالِ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ صِيغَةَ عُمُومٍ أوْ لا يَكُونَ فَإنْ كانَ صِيغَةَ عُمُومٍ فَقَدْ تَناوَلَ الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ في البَيْتِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَ مَن كانَ في البَيْتِ أنْ يَتَوَجَّهَ إلَيْهِ، فالآتِي بِهِ يَكُونُ خارِجًا عَنِ العُهْدَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ صِيغَةَ عُمُومٍ لَمْ تَكُنِ الآيَةُ مُتَناوِلَةً لِهَذِهِ المَسْألَةِ البَتَّةَ، فَلا تَدُلُّ عَلى حُكْمِها لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ، ثُمَّ المُعْتَمَدُ في المَسْألَةِ أنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى كُلِّ البَيْتِ، بَلْ إنَّما يُمْكِنُهُ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى جُزْءٍ مِن أجْزاءِ البَيْتِ، والَّذِي في البَيْتِ يَتَوَجَّهُ إلى جُزْءٍ مِن أجْزاءِ البَيْتِ فَقَدْ كانَ آتِيًا بِما أُمِرَ بِهِ فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّ الكَعْبَةَ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ مَخْصُوصَةٍ هي السَّقْفُ والحِيطانُ والبِناءُ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأجْسامَ حاصِلَةٌ في أحْيازٍ مَخْصُوصَةٍ، فالقِبْلَةُ إمّا أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأحْيازَ فَقَطْ، أوْ تِلْكَ الأجْسامَ فَقَطْ، أوْ تِلْكَ الأجْسامَ بِشَرْطِ حُصُولِها في تِلْكَ الأحْيازِ لا جائِزَ أنْ يُقالَ أنَّها تِلْكَ الأجْسامُ فَقَطْ؛ لِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَوْ نُقِلَ تُرابُ الكَعْبَةِ وما في بِنائِها مِنَ الأحْجارِ والخَشَبِ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ وبُنِيَ بِهِ بِناءٌ وتَوَجَّهَ إلَيْهِ أحَدٌ في الصَّلاةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، ولا جائِزَ أنْ يُقالَ:إنَّها لِتِلْكَ الأجْسامِ بِشَرْطِ كَوْنِها في تِلْكَ الأحْيازِ؛ لِأنَّ الكَعْبَةَ لَوِ انْهَدَمَتْ والعِياذُ بِاللَّهِ، وأُزِيلَ عَنْ تِلْكَ الأحْيازِ تِلْكَ الأحْجارُ والخَشَبُ، وبَقِيَتِ العَرْصَةُ خالِيَةً، فَإنَّ أهْلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ إذا
صفحة ١١١
تَوَجَّهُوا إلى ذَلِكَ الجانِبِ صَحَّتْ صَلاتُهم وكانُوا مُسْتَقْبِلِينَ لِلْقِبْلَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: القِبْلَةُ هو ذَلِكَ الخَلاءُ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ تِلْكَ الأجْسامُ، وهَذا المَعْنى كَما ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَهو أيْضًا مُطابِقٌ لِلْآيَةِ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ اسْمٌ لِذَلِكَ البِناءِ المُرَكَّبِ مِنَ السَّقْفِ والحِيطانِ، والمِقْدارُ وجِهَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ هو الأحْيازُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها تِلْكَ الأجْسامُ، فَإذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالتَّوَجُّهِ إلى جِهَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، كانَتِ القِبْلَةُ هو ذَلِكَ القَدْرُ مِنَ الخَلاءِ والفَضاءِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ أصْحابُنا: لَوِ انْهَدَمَتِ الكَعْبَةُ والعِياذُ بِاللَّهِ، فالواقِفُ في عَرْصَتِها لا تَصِحُّ صَلاتُهُ؛ لِأنَّهُ لا يُعَدُّ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ، وذَكَرَ ابْنُ سُرَيْجٍ أنَّهُ يَصِحُّ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، والِاخْتِيارُ عِنْدِي، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما بَيَّنّا أنَّ القِبْلَةَ هي ذَلِكَ القَدْرُ المُعَيَّنُ مِنَ الخَلاءِ، والواقِفُ في العَرْصَةِ مُسْتَقْبِلٌ لِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ الخَلاءِ فَيَكُونُ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَصِحَّ صَلاتُهُ، وقالُوا أيْضًا: الواقِفُ عَلى سَطْحِ الكَعْبَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ في قُبالَتِهِ جِدارٌ لا تَصِحُّ صَلاتُهُ إلّا عَلى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ وهو الِاخْتِيارُ عِنْدِي؛ لِأنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِذَلِكَ الخَلاءِ والفَضاءِ الَّذِي هو القِبْلَةُ فَوَجَبَ أنْ تَصِحَّ صَلاتُهُ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: لَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الِاسْتِقْبالِ، وثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الِاسْتِقْبالِ إلى الجِهاتِ إلّا بِالِاجْتِهادِ، وثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، لَزِمَ القَطْعُ بِوُجُوبِ الِاجْتِهادِ، والِاجْتِهادُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الظَّنِّ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى التَّكْلِيفِ بِالظَّنِّ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ التَّكْلِيفَ بِالظَّنِّ واقِعٌ في الجُمْلَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِذَلِكَ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ في الشَّرْعِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلْقِياسِ بِالقِياسِ، وذَلِكَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَجِبُ نِيَّةُ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ الِاسْتِقْبالِ، والآتِي بِهِ آتٍ بِما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ عَلَيْهِ نِيَّةٌ أُخْرى، كَما في سَتْرِ العَوْرَةِ وطَهارَةِ المَكانِ والثَّوْبِ.
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ ساقِطٌ عِنْدَ قِيامِ العُذْرِ كَما في حالِ المُسايَفَةِ، ويَلْحَقُ بِهِ الخَوْفُ عَلى النَّفْسِ مِنَ العَدُوِّ، أوْ مِنَ السَّبُعِ، أوْ مِنَ الجَمَلِ الصّائِلِ، أوْ عِنْدَ الخَطَأِ في القِبْلَةِ بِسَبَبِ التَّيامُنِ والتَّياسُرِ، أوْ في أداءِ النَّوافِلِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ العاجِزَ عَنْ تَحْصِيلِ العِلْمِ والظَّنِّ إذا أدّى الصَّلاةَ أنْ يَسْقُطَ عَنْهُ القَضاءُ، وكَذا المُجْتَهِدُ إذا بانَ لَهُ تَعَيُّنُ الخَطَأِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: إذا تَوَجَّهَ إلى جِهَةٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهادُهُ وهو في الصَّلاةِ فَعَلَيْهِ أنْ يَنْحَرِفَ ويَتَحَوَّلَ ويَبْنِيَ، لِأنَّ عارِضَ الِاجْتِهادِ لا يُبْطِلُ السّابِقَ، فَكَذَلِكَ فِيمَن صَدَّقَ مُخْبِرًا، ثُمَّ جاءَ آخَرُ - نَفْسُهُ إلَيْهِ أسْكَنُ - فَأخْبَرَهُ بِخِلافِهِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِالمَسائِلِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ في حُكْمِ الِاسْتِقْبالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا لَيْسَ بِتَكْرارٍ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ خِطابٌ مَعَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا مَعَ الأُمَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ خِطابٌ مَعَ الكُلِّ. وثانِيهِما: أنَّ المُرادَ بِالأُولى مُخاطَبَتُهم وهم بِالمَدِينَةِ خاصَّةً، وقَدْ كانَ مِنَ الجائِزِ لَوْ وقَعَ الِاخْتِصارُ عَلَيْهِ أنْ يُظَنَّ أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ لِأهْلِ المَدِينَةِ خاصَّةً، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم أيْنَما حَصَلُوا مِن بِقاعِ الأرْضِ يَجِبُ أنْ يَسْتَقْبِلُوا نَحْوَ هَذِهِ القِبْلَةِ.
صفحة ١١٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ يَعْنِي: وأيْنَما كُنْتُمْ، ومَوْضِعُ ﴿كُنْتُمْ﴾ مِنَ الإعْرابِ جَزْمٌ بِالشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَيْثُما تَكُونُوا، والفاءُ جَوابٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ اليَهُودُ خاصَّةً، والكِتابُ هو التَّوْراةُ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ أحْبارُ اليَهُودِ وعُلَماءُ النَّصارى وهو الصَّحِيحُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، والكِتابُ المُتَقَدِّمُ هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونُوا عَدَدًا قَلِيلًا؛ لِأنَّ الكَثِيرَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّواطُؤُ عَلى الكِتْمانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّهُ الحَقُّ﴾ راجِعٌ إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِبْلَةِ، فَجازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْمَ يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّسُولَ مَعَ شَرْعِهِ ونُبُوَّتِهِ حَقٌّ فَيَشْتَمِلُ ذَلِكَ عَلى أمْرِ القِبْلَةِ وغَيْرِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى هَذا التَّكْلِيفِ الخاصِّ بِالقِبْلَةِ، وأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ، وهَذا الِاحْتِمالُ الأخِيرُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِالكَلامِ إذِ المَقْصُودُ بِالآيَةِ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّهم كَيْفَ عَرَفُوا ذَلِكَ ؟ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ قَوْمًا مِن عُلَماءِ اليَهُودِ كانُوا عَرَفُوا في كُتُبِ أنْبِيائِهِمْ خَبَرَ الرَّسُولِ وخَبَرَ القِبْلَةِ وأنَّهُ يُصَلِّي إلى القِبْلَتَيْنِ.
وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الكَعْبَةَ هي البَيْتُ العَتِيقُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى قِبْلَةً لِإبْراهِيمَ، وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، ومَتى عَلِمُوا نُبُوَّتَهُ فَقَدْ عَلِمُوا لا مَحالَةَ أنَّ كُلَّ ما أتى بِهِ فَهو حَقٌّ، فَكانَ هَذا التَّحْوِيلُ حَقًّا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ”تَعْمَلُونَ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلْمُسْلِمِينَ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ راجِعٌ إلى اليَهُودِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنّا إنْ جَعَلْناهُ خِطابًا لِلْمُسْلِمِينَ فَهو وعْدٌ لَهم وبِشارَةٌ، أيْ لا يَخْفى عَلَيَّ جِدُّكم واجْتِهادُكم في قَبُولِ الدِّينِ، فَلا أُخِلُّ بِثَوابِكم، وإنْ جَعَلْناهُ كَلامًا مَعَ اليَهُودِ فَهو وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ لَهم، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ لَيْسَ بِغافِلٍ عَنْ مُكافَأتِهِمْ ومُجازاتِهِمْ وإنْ لَمْ يُعَجِّلْها لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] .
البقرة 2:145
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ حَقٌّ، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ صِفَتَهم لا تَتَغَيَّرُ في الِاسْتِمْرارِ عَلى المُعانَدَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١١٣
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فَقالَ الأصَمُّ: المُرادُ عُلَماؤُهُمُ الَّذِينَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ فَوَصَفَهم بِأنَّهم يَتَّبِعُونَ الهَوى، ومَنِ اعْتَقَدَ في الباطِلِ أنَّهُ حَقٌّ فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوى النَّفْسِ، بَلْ يَكُونُ في ظَنِّهِ أنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلْهُدى، فَأمّا الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِقُلُوبِهِمْ، ثُمَّ يُنْكِرُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، فَهُمُ المُتَّبِعُونَ لِلْهَوى.
وثانِيها: أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ لا يَتَناوَلُ عَوامَّهم بَلْ هو مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ، وما بَعْدَها وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ أيْضًا، إذْ لَوْ كانَ عامًّا في الكُلِّ امْتَنَعَ الكِتْمانُ؛ لِأنَّ الجَمْعَ العَظِيمَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكِتْمانُ، وإذا كانَ ما قَبْلَها وما بَعْدَها خاصًّا فَكَذا هَذِهِ الآيَةُ المُتَوَسِّطَةُ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى قَوْلِهِمْ، ومُسْتَمِرُّونَ عَلى باطِلِهِمْ، وأنَّهم لا يَرْجِعُونَ عَنْ ذَلِكَ المَذْهَبِ بِسَبَبِ شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ والآياتِ، وهَذا شَأْنُ المُعانِدِ اللَّجُوجِ، لا شَأْنَ المُعانِدِ المُتَحَيِّرِ.
ورابِعُها: أنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى العُمُومِ لَصارَتِ الآيَةُ كَذِبًا؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وتَبِعَ قَبِلْتَهُ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ، ثُمَّ أجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الأُولى أنَّ صاحِبَ الشُّبْهَةِ صاحِبُ هَوًى في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ ما تَمَّمَ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ فَإنَّهُ لَوْ أتى بِتَمامِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَوَصَلَ إلى الحَقِّ، فَحَيْثُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ تَرَكَ النَّظَرَ التّامَّ بِمُجَرَّدِ الهَوى، وأجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الثّانِيَةِ بِأنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يُرادَ في الآيَةِ الأُولى بَعْضُهم، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ كُلُّهم، وأجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الثّالِثَةِ أنَّ العُلَماءَ لَمّا كانُوا مُصِرِّينَ عَلى الشُّبُهاتِ، والعَوامَّ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى اتِّباعِ أُولَئِكَ العُلَماءِ كانَ الإصْرارُ حاصِلًا في الكُلِّ، وأجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الرّابِعَةِ بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم بِكُلِّيَّتِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ، وقَوْلُنا: كُلُّ اليَهُودِ لا يُؤْمِنُونَ مُغايِرٌ لِقَوْلِنا إنَّ أحَدًا مِنهم لا يُؤْمِنُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ أنْ لا يَكُونَ في المَقْدُورِ لُطْفٌ لِبَعْضِهِمْ، قالَ: لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ في المَقْدُورِ لِهَؤُلاءِ لُطْفٌ، لَكانَ في جُمْلَةِ الآياتِ ما لَوْ أتاهم بِهِ لَكانُوا يُؤْمِنُونَ، فَكانَ لا يَصِحُّ هَذا الخَبَرُ عَلى وجْهِ القَطْعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أبُو مُسْلِمٍ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى في عِبادِهِ وما يَفْعَلُونَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَهم فِيما يَرْتَكِبُونَ، فَإنَّهم مُسْتَطِيعُونَ لِأنْ يَفْعَلُوا الخَيْرَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ويَتْرُكُوا ضِدَّهُ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهِ عَلى القَوْلِ بِتَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وهو أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَهُ، فَلَوِ اتَّبَعُوا قِبْلَتَهُ لَزِمَ انْقِلابُ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا وعِلْمِهِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ ذَلِكَ مُحالًا، وقَدْ أُمِرُوا بِهِ فَقَدْ أُمِرُوا بِالمُحالِ، وتَمامُ القَوْلِ فِيهِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ عَنْ أباطِيلِهِمْ بِسَبَبِ البُرْهانِ، وذَلِكَ لِأنَّ إعْراضَهم عَنْ قَبُولِ هَذا الدِّينِ لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ يُزِيلُها بِإيرادِ الحُجَّةِ، بَلْ هو مَحْضُ المُكابَرَةِ والعِنادِ والحَسَدِ، وذَلِكَ لا يَزُولُ بِإيرادِ الدَّلائِلِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ قالَ الحَسَنُ، والجُبّائِيُّ: أرادَ جَمِيعَهم، كَأنَّهُ قالَ: لا يَجْتَمِعُونَ عَلى اتِّباعِ قِبْلَتِكَ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥] وقالَ
صفحة ١١٤
الأصَمُّ وغَيْرُهُ: بَلِ المُرادُ أنَّ أحَدًا مِنهم لا يُؤْمِنُ، قالَ القاضِي: إنْ أُرِيدَ بِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمُ العُلَماءُ مِنهم والعَوامُّ فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ الحَسَنِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ العُلَماءُ نَظَرْنا فَإنْ كانَ في عُلَمائِهِمُ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قَدْ آمَنَ وجَبَ أيْضًا ذَلِكَ التَّأْوِيلُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن قَدْ آمَنَ صَحَّ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ في رُجُوعِ النَّفْيِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ ألْيَقُ بِالظّاهِرِ، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ما تَبِعَ أحَدٌ مِنهم قِبْلَتَكَ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: (لَئِنْ) بِمَعْنى (لَوْ) وأُجِيبَ بِجَوابِ ”لَوْ“ ولِلْعُلَماءِ فِيهِ خِلافٌ، فَقِيلَ: إنَّهُما لَمّا تَقارَبا اسْتُعْمِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، وأُجِيبَ بِجَوابِهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ [الروم: ٥١] ثُمَّ قالَ: (لَظَلُّوا) عَلى جَوابِ: (لَوْ) وقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [البقرة: ١٠٣] ثُمَّ قالَ: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ عَلى جَوابِ: (لَئِنْ) وذَلِكَ أنَّ أصْلَ (لَوْ) لِلْماضِي (ولَئِنْ) لِلْمُسْتَقْبَلِ، هَذا قَوْلُ الأخْفَشِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما عَلى مَوْضِعِها، وإنَّما الحَقُّ في الجَوابِ هَذا التَّداخُلُ لِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْنى القَسَمِ، فَجاءَ الجَوابُ كَجَوابِ القَسَمِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الآيَةُ: وزْنُها فَعْلَةٌ أصْلُها: أيَّةٌ، فاسْتَثْقَلُوا التَّشْدِيدَ في الآيَةِ، فَأبْدَلُوا مِنَ الياءِ الأُولى ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، والآيَةُ الحُجَّةُ والعَلامَةُ، وآيَةُ الرَّجُلِ: شَخْصُهُ، وخَرَجَ القَوْمُ بِآيَتِهِمْ جَماعَتِهِمْ، وسُمِّيَتْ آيَةُ القُرْآنِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها جَماعَةُ حُرُوفٍ. وقِيلَ: لِأنَّها عَلامَةٌ لِانْقِطاعِ الكَلامِ الَّذِي بَعْدَها. وقِيلَ: لِأنَّها دالَّةٌ عَلى انْقِطاعِها عَنِ المَخْلُوقِينَ، وأنَّها لَيْسَتْ إلّا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: رُوِيَ أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ: ائْتِنا بِآيَةٍ كَما أتى الأنْبِياءُ قَبْلَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والأقْرَبُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ما نَزَلَتْ في واقِعَةٍ مُبْتَدَأةٍ بَلْ هي مِن بَقِيَّةِ أحْكامِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ دَفْعٌ لِتَجْوِيزِ النَّسْخِ، وبَيانٌ أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ لا تَصِيرُ مَنسُوخَةً.
والثّانِي: حَسْمًا لِأطْماعِ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم قالُوا: لَوْ ثَبَتَ عَلى قِبْلَتِنا لَكُنّا نَرْجُو أنْ يَكُونَ صاحِبَنا الَّذِي نَنْتَظِرُهُ، وطَمِعُوا في رُجُوعِهِ إلى قِبْلَتِهِمْ.
الثّالِثُ: المُقابَلَةُ يَعْنِي ما هم بِتارِكِي باطِلِهِمْ وما أنْتَ بِتارِكِ حَقِّكَ.
الرّابِعُ: أرادَ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْكَ اسْتِصْلاحُهم بِاتِّباعِ قِبْلَتِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ.
الخامِسُ: وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَةَ جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّ قِبْلَةَ اليَهُودِ مُخالِفَةٌ لِقِبْلَةِ النَّصارى، فَلِلْيَهُودِ بَيْتُ المَقْدِسِ ولِلنَّصارى المَشْرِقُ، فالزَمْ قِبْلَتَكَ ودَعْ أقْوالَهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ قالَ القَفّالُ: هَذا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الحالِ وعَلى الِاسْتِقْبالِ، أمّا عَلى الحالِ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَيْسُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ حَتّى يُمْكِنَ إرْضاؤُهم بِاتِّباعِها.
الثّانِي: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى تَكْذِيبِكَ مُتَبايِنُونَ في القِبْلَةِ فَكَيْفَ يَدْعُونَكَ إلى تَرْكِ قِبْلَتِكَ مَعَ أنَّهم فِيما بَيْنَهم مُخْتَلِفُونَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ إنَّهُ لا يَجُوزُ مُخالَفَةُ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهُ إذا جازَ أنْ تَخْتَلِفَ قِبْلَتاهُما لِلْمَصْلَحَةِ جازَ أنْ تَكُونَ المَصْلَحَةُ في ثالِثٍ، وأمّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى الِاسْتِقْبالِ فَفِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يَنْفِي أنْ يَكُونَ أحَدٌ مِنهم قَدِ اتَّبَعَ قِبْلَةَ الآخَرِ لَكِنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ فَيُفْضِي إلى الخُلْفِ، وجَوابُهُ أنّا إنْ حَمَلْنا أهْلَ الكِتابِ عَلى عُلَمائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ فَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنا أنَّ
صفحة ١١٥
أحَدًا مِنهم يَتَّبِعُ قِبْلَةَ الآخَرِ فالخُلْفُ غَيْرُ لازِمٍ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الكُلِّ قُلْنا إنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الهَوى المَقْصُورُ هو ما يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ، والهَواءُ المَمْدُودُ مَعْرُوفٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهَذا الخِطابِ، قالَ بَعْضُهم: الرَّسُولُ، وقالَ بَعْضُهم: الرَّسُولُ وغَيْرُهُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَرَفَ أنَّ الرَّسُولَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَخُصَّهُ بِهَذا الخِطابِ، وهَذا القَوْلُ الثّالِثُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ما لَوْ وقَعَ مِنَ الرَّسُولِ لَقَبُحَ، والإلْجاءُ عَنْهُ مُرْتَفِعٌ، فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ، وإنْ كانَ المَعْلُومُ مِنهُ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ ما عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ وجَبَ أنْ لا يَنْهاهُ عَنْهُ، لَكانَ ما عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ وجَبَ أنْ لا يَأْمُرَهُ بِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ النَّبِيُّ مَأْمُورًا بِشَيْءٍ ولا مَنهِيًّا عَنْ شَيْءٍ وأنَّهُ بِالِاتِّفاقِ باطِلٌ.
وثانِيها: لَوْلا تَقَدُّمُ النَّهْيِ والتَّحْذِيرِ لَما احْتَرَزَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ الِاحْتِرازُ مَشْرُوطًا بِذَلِكَ النَّهْيِ والتَّحْذِيرِ فَكَيْفَ يَجْعَلُ ذَلِكَ الِاحْتِرازَ مُنافِيًا لِلنَّهْيِ والتَّحْذِيرِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِنَ النَّهْيِ والوَعِيدِ أنْ يَتَأكَّدَ قُبْحُ ذَلِكَ في العَقْلِ، فَيَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ التَّأْكِيدُ، ولَمّا حَسُنَ مِنَ اللَّهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنْواعِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ بَعْدَما قَرَّرَها في العُقُولِ، والغَرَضُ مِنهُ تَأْكِيدُ العَقْلِ بِالنَّقْلِ، فَأيُّ بُعْدٍ في مِثْلِ هَذا الغَرَضِ هاهُنا.
ورابِعًا: قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] مَعَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ عِصْمَتِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وقالَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما أشْرَكَ وما مالَ إلَيْهِ، وقالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وقالَ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] وقالَ: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَنهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، وأنَّ غَيْرَهُ أيْضًا مَنهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ لَيْسَ مِن خَواصِّ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَلِمَ خَصَّهُ بِالنَّهْيِ دُونَ غَيْرِهِ ؟ فَنَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ كُلَّ مَن كانَ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أكْثَرُ، كانَ صُدُورُ الذَّنْبِ مِنهُ أقْبَحَ، ولا شَكَّ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أكْثَرُ فَكانَ حُصُولُ الذَّنْبِ مِنهُ أقْبَحَ فَكانَ أوْلى بِالتَّخْصِيصِ.
وثانِيها: أنَّ مَزِيدَ الحُبِّ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِمَزِيدِ التَّحْذِيرِ.
وثالِثُها: أنَّ الرَّجُلَ الحازِمَ إذا أقْبَلَ عَلى أكْبَرِ أوْلادِهِ وأصْلَحِهِمْ فَزَجَرَهُ عَنْ أمْرٍ بِحَضْرَةِ جَماعَةِ أوْلادِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ ذَلِكَ الفِعْلِ إنِ اخْتارُوهُ وارْتَكَبُوهُ، وفي عادَةِ النّاسِ أنْ يُوَجِّهُوا أمْرَهم ونَهْيَهم إلى مَن هو أعْظَمُ دَرَجَةً تَنْبِيهًا لِلْغَيْرِ أوْ تَوْكِيدًا، فَهَذِهِ قاعِدَةٌ مُقَرَّرَةٌ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ اتَّبَعَ أهْواءَهم في كُلِّ الأُمُورِ، فَلَعَلَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ في بَعْضِ الأُمُورِ يَتَّبِعُ أهْواءَهم، مِثْلُ تَرْكِ المُخاشَنَةِ في القَوْلِ والغِلْظَةِ في الكَلامِ،
صفحة ١١٦
طَمَعًا مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في اسْتِمالَتِهِمْ، فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ القَدْرِ أيْضًا، وآيَسَهُ مِنهم بِالكُلِّيَّةِ عَلى ما قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] .
القَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ ظاهِرَ الخِطابِ وإنْ كانَ مَعَ الرَّسُولِ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ غَيْرُهُ، وهَذا كَما أنَّكَ إذا عاتَبْتَ إنْسانًا أساءَ عَبْدُهُ إلى عَبْدِكَ فَتَقُولُ لَهُ: لَوْ فَعَلْتَ مَرَّةً أُخْرى مِثْلَ هَذا الفِعْلِ لَعاقَبْتُكَ عَلَيْهِ عِقابًا شَدِيدًا، فَكانَ الغَرَضُ مِنهُ لا يَمِيلُ إلى مُخاطَبَتِهِمْ ومُتابَعَتِهِمْ أحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أنَّهُ نَفْسُ العِلْمِ جاءَكَ، بَلِ المُرادُ الدَّلائِلُ والآياتُ والمُعْجِزاتُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن طُرُقِ العِلْمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ، واعْلَمْ أنَّ الغَرَضَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ هو المُبالَغَةُ والتَّعْظِيمُ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَظَّمَ أمْرَ النُّبُوّاتِ والمُعْجِزاتِ بِأنْ سَمّاها بِاسْمِ العِلْمِ، وذَلِكَ يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ العِلْمَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ شَرَفًا ومَرْتَبَةً.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَوَجُّهَ الوَعِيدِ عَلى العُلَماءِ أشَدُّ مِن تَوَجُّهِهِ عَلى غَيْرِهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ فالمُرادُ إنَّكَ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَكُنْتَ بِمَنزِلَةِ القَوْمِ في كُفْرِهِمْ وظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، والغَرَضُ مِنهُ التَّهْدِيدُ والزَّجْرُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:146
قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وإنْ كانَ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ مِنهم، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، والجَمْعُ العَظِيمُ الَّذِي عَلِمُوا شَيْئًا اسْتَحالَ عَلَيْهِمُ الِاتِّفاقُ عَلى كِتْمانِهِ في العادَةِ، ألا تَرى أنَّ واحِدًا لَوْ دَخَلَ البَلَدَ وسَألَ عَنِ الجامِعِ لَمْ يَجُزْ أنْ لا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا بِالكَذِبِ والكِتْمانِ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى الجَمْعِ القَلِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ وأبْناءُ غَيْرِهِمْ. عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي، قالَ: ولِمَ ؟ قالَ: لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ في مُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ وأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ. فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ، وجازَ
صفحة ١١٧
الإضْمارُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ مَعْلُومٌ بِغَيْرِ إعْلامٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ أسْئِلَةٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ مِن أمْرِ القِبْلَةِ.
الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمّا حَذَّرَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنِ اتِّباعِ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِحالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: اعْلَمُوا يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ أنَّ عُلَماءَ أهْلِ الكِتابِ يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا وما جاءَ بِهِ وصِدْقَهُ ودَعْوَتَهُ وقِبْلَتَهُ، لا يَشُكُّونَ فِيهِ كَما لا يَشُكُّونَ في أبْنائِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] إلّا أنّا نَقُولُ: مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَعْرِفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وذَلِكَ لِأنَّ وصْفَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أتى مُشْتَمِلًا عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِتَعْيِينِ الزَّمانِ والمَكانِ والصِّفَةِ والخِلْقَةِ والنَّسَبِ والقَبِيلَةِ، أوْ هَذا الوَصْفُ ما أتى مَعَ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّفْصِيلِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَقْدَمِهِ في الوَقْتِ المُعَيَّنِ مِنَ البَلَدِ المُعَيَّنِ مِنَ القِبْلَةِ المُعَيَّنَةِ عَلى الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ مَعْلُومًا لِأهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كانا مَشْهُورَيْنِ فِيما بَيْنَ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما تَمَكَّنَ أحَدٌ مِنَ النَّصارى واليَهُودِ مِن إنْكارِ ذَلِكَ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَإنَّهُ لا يُفِيدُ القَطْعَ بِصِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنّا نَقُولُ: هَبْ أنَّ التَّوْراةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ سَيَكُونُ نَبِيًّا إلّا أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُنْتَهِيًا في التَّفْصِيلِ إلى حَدِّ اليَقِينِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الِاعْتِرافِ بِهِ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
والجَوابُ عَنْ هَذا الإشْكالِ إنَّما يَتَوَجَّهُ لَوْ قُلْنا: بِأنَّ العِلْمَ بِنُبُوَّتِهِ إنَّما حَصَلَ مِنِ اشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى وصْفِهِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ، بَلْ نَقُولُ أنَّهُ ادَّعى النُّبُوَّةَ وظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدِهِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ نَبِيًّا صادِقًا، فَهَذا بُرْهانٌ والبُرْهانُ يُفِيدُ اليَقِينَ، فَلا جَرَمَ كانَ العِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أقْوى وأظْهَرَ مِنَ العِلْمِ بِبُنُوَّةِ الأبْناءِ وأُبُوَّةِ الآباءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْتُمُوهُ كانَ العِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمًا بُرْهانِيًّا غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلْغَلَطِ، أمّا العِلْمُ بِأنَّ هَذا ابْنِي فَذَلِكَ لَيْسَ عِلْمًا يَقِينِيًّا، بَلْ ظَنٌّ ومُحْتَمِلٌ لِلْغَلَطِ، فَلِمَ شُبِّهَ اليَقِينُ بِالظَّنِّ ؟
والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّ العِلْمَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُشْبِهُ العِلْمَ بِبُنُوَّةِ الأبْناءِ، بَلِ المُرادُ بِهِ تَشْبِيهُ العِلْمِ بِأشْخاصِ الأبْناءِ وذَواتِهِمْ، فَكَما أنَّ الأبَ يَعْرِفُ شَخْصَ ابْنِهِ مَعْرِفَةً لا يُشْتَبَهُ هو عِنْدَهُ بِغَيْرِهِ، فَكَذا هاهُنا، وعِنْدَ هَذا يَسْتَقِيمُ التَّشْبِيهُ؛ لِأنَّ هَذا العِلْمَ ضَرُورِيٌّ وذَلِكَ نَظَرِيٌّ، وتَشْبِيهُ النَّظَرِيِّ بِالضَّرُورِيِّ يُفِيدُ المُبالَغَةَ وحُسْنَ الِاسْتِعارَةِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ خَصَّ الأبْناءَ الذُّكُورَ ؟
الجَوابُ: لِأنَّ الذُّكُورَ أعْرَفُ وأشْهَرُ، وهم بِصُحْبَةِ الآباءِ ألْزَمُ وبِقُلُوبِهِمْ ألْصَقُ.
القَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ راجِعٌ إلى أمْرِ القِبْلَةِ: أيْ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ يَعْرِفُونَ أمْرَ
صفحة ١١٨
القِبْلَةِ الَّتِي نُقِلْتَ إلَيْها كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الضَّمِيرَ إنَّما يَرْجِعُ إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ العِلْمُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ والمُرادُ مِن ذَلِكَ العِلْمِ: النُّبُوَّةُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهم يَعْرِفُونَ ذَلِكَ العِلْمَ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وأمّا أمْرُ القِبْلَةِ فَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ البَتَّةَ.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أخْبَرَ في القُرْآنِ أنَّ أمْرَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وأخْبَرَ فِيهِ أنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَذْكُورَةٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَكانَ صَرْفُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ إلى أمْرِ النُّبُوَّةِ أوْلى.
وثالِثُها: أنَّ المُعْجِزاتِ لا تَدُلُّ أوَّلَ دَلالَتِها إلّا عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَأمّا أمْرُ القِبْلَةِ فَذَلِكَ إنَّما يَثْبُتُ لِأنَّهُ أحَدُ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَكانَ صَرْفُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ إلى أمْرِ النُّبُوَّةِ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وعَرَفُوا الرَّسُولَ فَمِنهم مَن آمَنُ بِهِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأتْباعِهِ، ومِنهم مَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ، ومَن آمَنَ لا يُوصَفُ بِكِتْمانِ الحَقِّ، وإنَّما يُوصَفُ بِذَلِكَ مَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ، لا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ فَوَصَفَ البَعْضُ بِذَلِكَ، ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ، عَلى أنَّ كِتْمانَ الحَقِّ في الدِّينِ مَحْظُورٌ إذا أمْكَنَ إظْهارُهُ، واخْتَلَفُوا في المَكْتُومِ فَقِيلَ: أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: أمْرُ القِبْلَةِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا [ البَحْثَ ] في هَذِهِ المَسْألَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الحَقُّ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الحَقُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِغَيْرِ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (الحَقَّ مِن رَبِّكَ) عَلى الإبْدالِ مِنَ الأوَّلِ، أيْ يَكْتُمُونَ الحَقَّ مِن رَبِّكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ، والإشارَةُ إلى الحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ إلى الحَقِّ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي يَكْتُمُونَهُ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ، وأنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ عَلى مَعْنى: (الحَقُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن غَيْرِهِ) يَعْنِي إنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ، وما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ فَهو الباطِلُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في ماذا ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى أقْوالٍ:
أحَدُها: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ في أنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ، وأنَّ بَعْضَهم عانَدَ وكَتَمَ، قالَهُ الحَسَنُ.
وثانِيها: بَلْ يَرْجِعُ إلى أمْرِ القِبْلَةِ.
وثالِثُها: إلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وشَرْعِهِ، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ أقْرَبَ المَذْكُوراتِ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَإذا كانَ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي النُّبُوَّةَ وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن قُرْآنٍ ووَحْيٍ وشَرِيعَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وإنْ نَهاهُ عَنِ الِامْتِراءِ فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ شاكًّا فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في بَيانِ هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
صفحة ١١٩
) ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿ولِكُلٍّ﴾ ولَمْ يَقُلْ لِكُلِّ قَوْمٍ أوْ أُمَّةٍ؛ لِأنَّهُ مَعْرُوفُ المَعْنى عِنْدَهم، فَلَمْ يَضُرَّ حَذْفُ المُضافِ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِيهِ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الفِرَقِ، أعْنِي المُسْلِمِينَ، واليَهُودَ، والنَّصارى، والمُشْرِكِينَ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ، قالَ: لِأنَّ في المُشْرِكِينَ مَن كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ ويَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
وثانِيها: وهو قَوْلُ أكْثَرِ عُلَماءِ التّابِعِينَ، أنَّ المُرادَ أهْلُ الكِتابِ وهُمُ: المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى، والمُشْرِكُونَ غَيْرُ داخِلِينَ فِيهِ.
وثالِثُها: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وِجْهَةٌ أيْ جِهَةٌ مِنَ الكَعْبَةِ يُصَلِّي إلَيْها: جَنُوبِيَّةٌ أوْ شَمالِيَّةٌ، أوْ شَرْقِيَّةٌ، أوْ غَرْبِيَّةٌ، واحْتَجُّوا عَلى هَذا القَوْلِ بِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ يَعْنِي: اللَّهُ مُوَلِّيها، وتَوْلِيَةُ اللَّهِ لَمْ تَحْصُلْ إلّا في الكَعْبَةِ؛ لِأنَّ ما عَداها تَوْلِيَةُ الشَّيْطانِ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الخَيْراتِ ما لِكُلِّ أحَدٍ مِن جِهَةٍ، والجِهاتُ المَوْصُوفَةُ بِالخَيْرِيَّةِ لَيْسَتْ إلّا جِهاتُ الكَعْبَةِ.
ورابِعُها: قالَ آخَرُونَ: ”﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾“ أيْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ وأصْحابِ الشَّرائِعِ جِهَةُ قِبْلَةٍ، فَقِبْلَةُ المُقَرَّبِينَ: العَرْشُ، وقِبْلَةُ الرُّوحانِيِّينَ: الكُرْسِيُّ، وقِبْلَةُ الكَرُوبِيِّينَ: البَيْتُ المَعْمُورُ، وقِبْلَةُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قَبْلَكَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِبْلَتُكَ الكَعْبَةُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وِجْهَةٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”ولِكُلِّ وِجْهَةٍ“ عَلى الإضافَةِ، والمَعْنى: وكُلُّ وُجْهَةٍ هو مُوَلِّيها فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ، كَقَوْلِكَ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتَ، ولِزَيْدٍ أبُوهُ ضارِبٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: وِجْهَةٌ، وجِهَةٌ، ووَجْهٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ، فَقالَ الحَسَنُ: المُرادُ المِنهاجُ والشَّرْعُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ [الحج: ٦٧]، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] والمُرادُ مِنهُ أنَّ لِلشَّرائِعِ مَصالِحَ، فَلا جَرَمَ اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأشْخاصِ، وكَما اخْتَلَفَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأشْخاصِ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا اخْتِلافُها بِحَسَبِ اخْتِلافِ الزَّمانِ بِالنِّسْبَةِ إلى شَخْصٍ واحِدٍ، فَلِهَذا صَحَّ القَوْلُ بِالنَّسْخِ والتَّغْيِيرِ، وقالَ الباقُونَ: المُرادُ مِنهُ أمْرُ القِبْلَةِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَهَذِهِ الوِجْهَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَحْمُولَةً عَلى ذَلِكَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الكُلِّ، أيْ ولِكُلِّ أحَدٍ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّي وجْهَهُ
صفحة ١٢٠
إلَيْها.
الثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: اللَّهُ تَعالى يُوَلِّيها إيّاهُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ نَقُولَ: إنَّ لِكُلٍّ مِنكم وِجْهَةً أيْ جِهَةً مِنَ القِبْلَةِ هو مُوَلِّيها، أيْ هو مُسْتَقْبِلُها. ومُتَوَجِّهٌ إلَيْها لِصَلاتِهِ الَّتِي هو مُتَقَرِّبٌ بِها إلى رَبِّهِ، وكُلٌّ يَفْرَحُ بِما هو عَلَيْهِ ولا يُفارِقُهُ، فَلا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِكم عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ، مَعَ لُزُومِ الأدْيانِ المُخْتَلِفَةِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ: فالزَمُوا مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ قِبْلَتَكم فَإنَّكم عَلى خَيْراتٍ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِشَرَفِكم بِقِبْلَةِ إبْراهِيمَ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِلثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي تَأْخُذُونَهُ عَلى انْقِيادِكم لِأوامِرِهِ فَإنَّ إلى اللَّهِ مَرْجِعَكم، وأيْنَما تَكُونُوا مِن جِهاتِ الأرْضِ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا في صَعِيدِ القِيامَةِ، فَيُفْصَلُ بَيْنَ المُحِقِّ مِنكم والمُبْطِلِ، حَتّى يَتَبَيَّنَ مَنِ المُطِيعُ مِنكم ومَنِ العاصِي، ومَنِ المُصِيبُ مِنكم ومَنِ المُخْطِئُ، إنَّهُ عَلى ذَلِكَ قادِرٌ، ومَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ قالَ: المُرادُ أنَّ لِكُلٍّ مِن أهْلِ المِلَلِ وجِهَةً قَدِ اخْتارَها، إمّا بِشَرِيعَةٍ وإمّا بِهَوًى، فَلَسْتُمْ تُؤْخَذُونَ بِفِعْلِ غَيْرِكم، فَإنَّما لَهم أعْمالُهم ولَكم أعْمالُكم، وأمّا تَقْرِيرُ الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أعْنِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى فَهاهُنا وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ عَرَّفَنا أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ القِبْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما بَيْتُ المَقْدِسِ والكَعْبَةُ جِهَةٌ يُوَلِّيها اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ، إذا شاءَ يَفْعَلُهُ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُهُ صَلاحًا، فالجِهَتانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو الَّذِي ولّى وُجُوهَ عِبادِهِ إلَيْهِما، فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ بِالِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ في الحالَتَيْنِ، فَإنَّ انْقِيادَكم خَيْراتٌ لَكم، ولا تَلْتَفِتُوا إلى مَطاعِنِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ فَإنَّ اللَّهَ يَجْمَعُكم وهَؤُلاءِ السُّفَهاءَ جَمِيعًا في عَرْصَةِ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَكم.
الثّانِي: أنّا إذا فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ بِجِهاتِ الكَعْبَةِ ونَواحِيها، كانَ المَعْنى: ولِكُلِّ قَوْمٍ مِنكم مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ وِجْهَةٌ، أيْ ناحِيَةٌ مِنَ الكَعْبَةِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها مِن جَمِيعِ النَّواحِي، فَإنَّها وإنِ اخْتَلَفَتْ بَعْدَ أنْ تُؤَدّى إلى الكَعْبَةِ فَهي كَجِهَةٍ واحِدَةٍ، ولا يَخْفى عَلى اللَّهِ نِيّاتُهم فَهو يَحْشُرُهم جَمِيعًا ويُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ أيْ: هو مُوَلِّيها وجْهَهُ فاسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ الوَجْهِ، قالَ الفَرّاءُ: أيْ مُسْتَقْبِلُها، وقالَ أبُو مُعاذٍ: مُوَلِّيها عَلى مَعْنى مُتَوَلِّيها، يُقالُ: قَدْ تَوَلّاها ورَضِيَها وأتْبَعَها، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ النَّخَعِيِّ: (هو مَوْلاها) وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (مُوَلِّيها) ولِقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ مَعْنَيانِ. أحَدُهُما: أنَّ ما ولَيْتَهُ فَقَدْ ولاكَ؛ لِأنَّ مَعْنى ولَيْتَهُ أيْ جَعَلْتَهُ بِحَيْثُ تَلِيهِ، وإذا صارَ هَذا بِحَيْثُ يَلِي ذَلِكَ فَذاكَ أيْضًا يَلِي هَذا، فَإذَنْ قَدْ ولِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] و﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] والظّالِمُونَ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ أيْ: وقَدْ زُيِّنَتْ لَهُ تِلْكَ الجِهَةُ وحُبِّبَتْ إلَيْهِ، أيْ صارَتْ بِحَيْثُ يُحِبُّها ويَرْضاها.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ فَمَعْناهُ الأمْرُ بِالبَدارِ إلى الطّاعَةِ في وقْتِها، واعْلَمْ أنَّ أداءَ الصَّلاةِ في أوَّلِ الوَقْتِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفْضَلُ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِوُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ الصَّلاةَ خَيْرٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: «”الصَّلاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ“» وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُهُ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَإذا لَمْ يَتَحَقَّقْ فَلا أقَلَّ مِنَ النَّدْبِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] ومَعْناهُ إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، والصَّلاةُ مِمّا يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ المُسابَقَةُ إلَيْها مَندُوبَةً.
صفحة ١٢١
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠،١١] ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ السّابِقُونَ في الطّاعاتِ، ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ الطّاعاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَمَعْناهُ أنَّهُ لا يُقَرَّبُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا السّابِقُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَمالَ الفَضْلِ مَنُوطٌ بِالمُسابَقَةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والمَعْنى: وسارِعُوا إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ كَذَلِكَ، فَكانَتِ المُسارَعَةُ بِها مَأْمُورَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ مَدَحَ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ الخَيْراتِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”خَيْرُ أعْمالِكُمُ الصَّلاةُ“» .
وسادِسُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ إبْلِيسَ في تَرْكِ المُسارَعَةِ، فَقالَ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ المُسارَعَةِ مُوجِبٌ لِلذَّمِّ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والمُحافَظَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالتَّعْجِيلِ، لِيَأْمَنَ الفَوْتَ بِالنِّسْيانِ وسائِرِ الأشْغالِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِعْجالَ أوْلى.
وتاسِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] فَبَيَّنَ أنَّ المُسابَقَةَ سَبَبٌ لِمَزِيدِ الفَضِيلَةِ فَكَذا في هَذِهِ الصُّورَةِ.
وعاشِرُها: ما رَوى عُمَرُ، وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأنَسٌ، وأبُو مَحْذُورَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”الصَّلاةُ في أوَّلِ الوَقْتِ رِضْوانُ اللَّهِ، وفي آخِرِهِ عَفْوُ اللَّهِ“ قالَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رِضْوانُ اللَّهِ أحَبُّ إلَيْنا مِن عَفْوِهِ» .
قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رِضْوانُ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ لِلْمُحْسِنِينَ والعَفْوُ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ عَنِ المُقَصِّرِينَ، فَإنْ قِيلَ هَذا احْتِجاجٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَأْثَمَ بِالتَّأْخِيرِ، وأجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَأْثَمُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ الفِعْلَ في آخِرِ الوَقْتِ يُوجِبُ العَفْوَ عَنِ السَّيِّئاتِ السّابِقَةِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَلا شَكَّ أنَّهُ يُوجِبُ رِضْوانَ اللَّهِ، فَكانَ التَّأْخِيرُ مُوجِبًا لِلْعَفْوِ والرِّضْوانِ، والتَّقْدِيمُ مُوجِبًا لِلرِّضْوانِ دُونَ العَفْوِ، فَكانَ التَّأْخِيرُ أوْلى، قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَأْخِيرُ المَغْرِبِ أفْضَلَ، وذَلِكَ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ.
الثّانِي: أنَّ عَدَمَ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ يُشْبِهُ عَدَمَ الِالتِفاتِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي العِقابَ، إلّا أنَّهُ لَمّا أتى بِالفِعْلِ بَعْدَ ذَلِكَ سَقَطَ ذَلِكَ الِاقْتِضاءُ.
الثّالِثُ: أنَّ تَفْسِيرَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُبْطِلُ هَذا التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ.
الحادِي عَشَرَ: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”يا عَلِيُّ، ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْها: الصَّلاةُ إذا أتَتْ، والجِنازَةُ إذا حَضَرَتْ، والأيِّمُ إذا وجَدْتَ لَها كُفُؤًا“» .
الثّانِي عَشَرَ: «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ فَقالَ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ: الصَّلاةُ لِمِيقاتِها الأوَّلِ» .
الثّالِثَ عَشَرَ: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ وقَدْ فاتَهُ مِن أوَّلِ الوَقْتِ
صفحة ١٢٢
ما هو خَيْرٌ لَهُ مِن أهْلِهِ ومالِهِ“» .
الرّابِعَ عَشَرَ: قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ“» فَمَن كانَ أسْبَقَ في الطّاعَةِ كانَ هو الَّذِي سَنَّ عَمَلَ الطّاعَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهُ أكْثَرَ مِن ثَوابِ المُتَأخِّرِ.
الخامِسَ عَشَرَ: إنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ أحَدَ أسْبابِ الفَضِيلَةِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ المُسابَقَةُ إلى الإسْلامِ، حَتّى وقَعَ الخِلافُ الشَّدِيدُ بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ وغَيْرِهِمْ أنَّ أبا بَكْرٍ أسْبَقُ إسْلامًا أمْ عَلِيًّا، وما ذاكَ إلّا اتِّفاقُهم عَلى أنَّ المُسابَقَةَ في الطّاعَةِ تُوجِبُ مَزِيدَ الفَضْلِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا.
السّادِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في خُطْبَةٍ لَهُ: «”وبادِرُوا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ قَبْلَ أنْ تَشْتَغِلُوا“» ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
السّابِعَ عَشَرَ: أنَّ تَعْجِيلَ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في أداءِ اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ، والجامِعُ بَيْنَهُما رِعايَةُ مَعْنى التَّعْظِيمِ.
الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّ المُبادَرَةَ والمُسارَعَةَ إلى الصَّلاةِ إظْهارٌ لِلْحِرْصِ عَلى الطّاعَةِ، والوَلُوعِ بِها، والرَّغْبَةِ فِيها، وفي التَّأْخِيرِ كَسَلٌ عَنْها، فَيَكُونُ الأوَّلُ أوْلى.
التّاسِعَ عَشَرَ: أنَّ الِاحْتِياطَ في تَعْجِيلِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ إذا أدّاها في أوَّلِ الوَقْتِ تَفَرَّغَتْ ذِمَّتُهُ، فَإذا أخَّرَ فَرُبَّما عَرَضَ لَهُ شُغْلٌ فَمَنَعَهُ عَنْ أدائِها فَيَبْقى الواجِبُ في ذِمَّتِهِ، فالوَجْهُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الِاحْتِياطُ لا شَكَّ أنَّهُ أوْلى.
العِشْرُونَ: أجْمَعْنا في صَوْمِ رَمَضانَ أنَّ تَعْجِيلَهُ أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَرِيضَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُفْطِرَ ويُؤَخِّرَ الصَّوْمَ، ويَجُوزُ لَهُ أنْ يُعَجِّلَ ويَصُومَ في الحالِ، ثُمَّ أجْمَعْنا عَلى أنَّ التَّعْجِيلَ في الصَّوْمِ أفْضَلُ عَلى ما قالَ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَوَجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّعْجِيلُ في الصَّلاةِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: تَنْتَقِضُ هَذِهِ الدَّلائِلُ القِياسِيَّةُ بِالظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ بِما إذا حَصَلَ لَهُ رَجاءُ إدْراكِ الجَماعَةِ، أوْ وُجُودُ الماءِ، قُلْنا: التَّأْخِيرُ ثَبَتَ في هَذِهِ المَواضِعِ لِأُمُورٍ عارِضَةٍ، وكَلامُنا في مُقْتَضى الأصْلِ.
الحادِي والعِشْرُونَ: المُسارَعَةُ إلى الِامْتِثالِ أحْسَنُ في العُرْفِ مِن تَرْكِ المُسارَعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في الشَّرْعِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ“» .
الثّانِي والعِشْرُونَ: صَلاةٌ كَمُلَتْ شَرائِطُها فَوَجَبَ أداؤُها في أوَّلِ الوَقْتِ، كالمَغْرِبِ فَفِيهِ احْتِرازٌ عَنِ الظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ إذا أرادَ أنْ يُصَلِّيَها في المَسْجِدِ لِأجْلِ أنَّ المَشْيَ إلى المَسْجِدِ في شِدَّةِ الحَرِّ كالمانِعِ، أمّا إذا صَلّاها في دارِهِ فالتَّعْجِيلُ أفْضَلُ، وفِيهِ احْتِرازٌ عَمَّنْ يُدافِعُ الأخْبَثَيْنِ أوْ حَضَرَهُ الطَّعامُ وبِهِ جُوعٌ لِهَذا المَعْنى أيْضًا، وكَذَلِكَ المُتَيَمِّمُ إذا كانَ عَلى ثِقَةٍ مِن وُجُودِ الماءِ، وكَذَلِكَ إذا تَوَقَّعَ حُضُورَ الجَماعَةِ فَإنَّ الكَمالَ لَمْ يَحْصُلْ في هَذِهِ الصُّورَةِ، فَهَذِهِ هي الأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المُسارَعَةَ أفْضَلُ، ولْنَذْكُرْ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الصَّلَواتِ:
أمّا صَلاةُ الفَجْرِ فَقالَ مُحَمَّدٌ: المُسْتَحَبُّ أنْ يَدْخُلَ فِيها بِالتَّغْلِيسِ، ويَخْرُجَ مِنها بِالإسْفارِ، فَإنْ أرادَ الِاقْتِصارَ عَلى أحَدِ الوَقْتَيْنِ فالإسْفارُ أفْضَلُ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: التَّغْلِيسُ أفْضَلُ، وهو مَذْهَبُ أبِي
صفحة ١٢٣
بَكْرٍ وعُمَرَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ الدَّلائِلِ السّالِفَةِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: ما أُخْرِجَ في الصَّحِيحَيْنِ بِرِوايَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: «”كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ والنِّساءُ مُتَلَفِّعاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ما يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ“» قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ في كِتابِ ”شَرْحِ السُّنَّةِ“: مُتَلَفِّعاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ أيْ مُتَجَلِّلاتٍ بِأكْسِيَتِهِنَّ، والتَّلَفُّعُ بِالثَّوْبِ الِاشْتِمالُ، والمُرُوطُ: الأرْدِيَةُ الواسِعَةُ، واحِدُها مِرْطٌ، والغَلَسُ: ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ، فَإنْ قِيلَ: كانَ هَذا في ابْتِداءِ الإسْلامِ حِينَ كانَ النِّساءُ يَحْضُرْنَ الجَماعاتِ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالغَلَسِ كَيْلا يُعْرَفْنَ، وهَكَذا كانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُصَلِّي بِالغَلَسِ، ثُمَّ لَمّا نُهِينَ عَنِ الحُضُورِ في الجَماعاتِ تَرَكَ ذَلِكَ. قُلْنا: الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في إثْباتِ جَمِيعِ الأحْكامِ عَدَمُ النَّسْخِ، ولَوْلا هَذا الأصْلُ لَما جازَ الِاسْتِدْلالُ بِشَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ الشَّرْعِيَّةِ.
وثانِيها: ما أُخْرِجَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، قالَ «تَسَحَّرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قُمْنا إلى الصَّلاةِ، قالَ قُلْتُ: كَمْ كانَ قَدْرُ ذَلِكَ، قالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً»، وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى التَّغْلِيسِ.
وثالِثُها: ما رُوِيَ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَلَّسَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ أسْفَرَ مَرَّةً، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إلى الإسْفارِ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعالى» .
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى مَدَحَ المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ فَقالَ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] ومَدَحَ التّارِكِينَ لِلنَّوْمِ فَقالَ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ تَرْكُ النَّوْمِ بِأداءِ الفَرائِضِ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِكايَةً عَنِ اللَّهِ: «”لَنْ يَتَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ“» وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّغْلِيسُ أفْضَلَ.
وخامِسُها: أنَّ النَّوْمَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أطْيَبُ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ أشَقَّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهُ أكْثَرَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”أفْضَلُ العِباداتِ أحْمَزُها“» أيْ أشَقُّها، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”أسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإنَّهُ أعْظَمُ لِلْأجْرِ“» .
وثانِيها: «رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ صَلّى الفَجْرَ بِالمُزْدَلِفَةِ فَغَلَّسَ، ثُمَّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلَواتٍ إلّا لِمِيقاتِها إلّا صَلاةَ الفَجْرِ، فَإنَّهُ صَلّاها يَوْمَئِذٍ لِغَيْرِ مِيقاتِها» .
وثالِثُها: «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأيْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حافَظُوا عَلى شَيْءٍ ما حافَظُوا عَلى التَّنْوِيرِ بِالفَجْرِ» .
ورابِعُها: عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ صَلّى الفَجْرَ فَقَرَأ آلَ عِمْرانَ، فَقالُوا: كادَتِ الشَّمْسُ أنَّ تَطْلُعَ، فَقالَ لَوْ طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنا غافِلِينَ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ البَقَرَةَ فاسْتَشْرَقُوا الشَّمْسَ، فَقالَ: لَوْ طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنا غافِلِينَ.
وخامِسُها: أنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاةِ يَشْتَمِلُ عَلى فَضِيلَةِ الِانْتِظارِ، وقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”المُنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ كَمَن هو في الصَّلاةِ“» فَمَن أخَّرَ الصَّلاةَ عَنْ أوَّلِ وقْتِها فَقَدِ انْتَظَرَ الصَّلاةَ أوَّلًا ثُمَّ بِها ثانِيًا، ومَن صَلّاها في أوَّلِ الوَقْتِ فَقَدْ فاتَهُ فَضْلُ الِانْتِظارِ.
وسادِسُها: أنَّ التَّأْخِيرَ يُفْضِي إلى كَثْرَةِ الجَماعَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أوْلى تَحْصِيلًا لِفَضْلِ الجَماعَةِ.
وسابِعُها: أنَّ التَّغْلِيسَ يُضَيِّقُ عَلى النّاسِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الصَّلاةُ في وقْتِ التَّغْلِيسِ احْتاجَ الإنْسانُ إلى أنْ يَتَوَضَّأ بِاللَّيْلِ حَتّى يَتَفَرَّغَ لِلصَّلاةِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، والحَرَجُ مَنفِيٌّ شَرْعًا.
وثامِنُها: أنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلاةُ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ، فَإذا صَلّى وقْتَ الإسْفارِ فَإنَّهُ يَقِلُّ وقْتُ الكَراهَةِ، وإذا صَلّى بِالتَّغْلِيسِ فَإنَّهُ يَكْثُرُ وقْتُ الكَراهَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الفَجْرَ اسْمٌ لِلنُّورِ الَّذِي يُنْفى بِهِ ظَلامُ المَشْرِقِ، فالفَجْرُ إنَّما يَكُونُ فَجْرًا لَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ باقِيَةً في الهَواءِ، فَأمّا إذا زالَتِ الظُّلْمَةُ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَنارَ الهَواءُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَجْرًا، وأمّا الإسْفارُ فَهو
صفحة ١٢٤
عِبارَةٌ عَنِ الظُّهُورِ، يُقالُ: أسْفَرَتِ المَرْأةُ عَنْ وجْهِها إذا كَشَفَتْ عَنْهُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظُهُورُ الفَجْرِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ بَقاءِ الظَّلامِ في الهَواءِ، فَإنَّ الظَّلامَ كُلَّما كانَ أشَدَّ كانَ النُّورُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ الظَّلامِ أشَدَّ، فَقَوْلُهُ: «”أسْفِرُوا بِالفَجْرِ“» يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى التَّغْلِيسِ، أيْ كُلَّما وقَعَتْ صَلاتُكم حِينَ كانَ الفَجْرُ أظْهَرَ وأبْهَرَ كانَ أكْثَرَ ثَوابًا، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أوَّلِ الفَجْرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الإسْفارَ المَذْكُورَ في الحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلى تَيَقُّنِ طُلُوعِ الفَجْرِ وزَوالِ الشَّكِّ عَنْهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما قُلْنا أنَّ أداءَ الصَّلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أشَقُّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا، وأمّا تَأْخِيرُ الصَّلاةِ إلى وقْتِ التَّنْوِيرِ فَهو عادَةُ أهْلِ الكَسَلِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ الشّارِعُ: إنَّ الكَسَلَ أفْضَلُ مِنَ الجِدِّ في الطّاعَةِ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: حافِظُوا عَلى التَّنْوِيرِ بِالفَجْرِ، فَجَوابُهُ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ لِأنَّ التَّنْوِيرَ بِالفَجْرِ إنَّما يَحْصُلُ في أوَّلِ الوَقْتِ، فَأمّا عِنْدَ امْتِلاءِ العالَمِ مِنَ النُّورِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى ذَلِكَ فَجْرًا، وأمّا سائِرُ الوُجُوهِ فَهي مُعارَضَةٌ بِبَعْضِ ما قَدَّمْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ فَهو وعْدٌ لِأهْلِ الطّاعَةِ، ووَعِيدٌ لِأهْلِ المَعْصِيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اسْتَبِقُوا أيُّها المُحَقِّقُونَ والعارِفُونَ بِالنُّبُوَّةِ والشَّرِيعَةِ الخَيْراتِ وتَحَمَّلُوا فِيها المَشاقَّ لِتَصِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إلى ما لَكم عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ والزُّلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَقَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإعادَةَ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ وهو قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ، وأمّا المَسائِلُ المُسْتَنْبَطَةُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ ذَكَرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] .
البقرة 2:147
قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وإنْ كانَ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ مِنهم، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، والجَمْعُ العَظِيمُ الَّذِي عَلِمُوا شَيْئًا اسْتَحالَ عَلَيْهِمُ الِاتِّفاقُ عَلى كِتْمانِهِ في العادَةِ، ألا تَرى أنَّ واحِدًا لَوْ دَخَلَ البَلَدَ وسَألَ عَنِ الجامِعِ لَمْ يَجُزْ أنْ لا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا بِالكَذِبِ والكِتْمانِ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى الجَمْعِ القَلِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ وأبْناءُ غَيْرِهِمْ. عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي، قالَ: ولِمَ ؟ قالَ: لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ في مُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ وأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ. فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ، وجازَ
صفحة ١١٧
الإضْمارُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ مَعْلُومٌ بِغَيْرِ إعْلامٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ أسْئِلَةٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ مِن أمْرِ القِبْلَةِ.
الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمّا حَذَّرَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنِ اتِّباعِ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِحالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: اعْلَمُوا يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ أنَّ عُلَماءَ أهْلِ الكِتابِ يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا وما جاءَ بِهِ وصِدْقَهُ ودَعْوَتَهُ وقِبْلَتَهُ، لا يَشُكُّونَ فِيهِ كَما لا يَشُكُّونَ في أبْنائِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] إلّا أنّا نَقُولُ: مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَعْرِفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وذَلِكَ لِأنَّ وصْفَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أتى مُشْتَمِلًا عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِتَعْيِينِ الزَّمانِ والمَكانِ والصِّفَةِ والخِلْقَةِ والنَّسَبِ والقَبِيلَةِ، أوْ هَذا الوَصْفُ ما أتى مَعَ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّفْصِيلِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَقْدَمِهِ في الوَقْتِ المُعَيَّنِ مِنَ البَلَدِ المُعَيَّنِ مِنَ القِبْلَةِ المُعَيَّنَةِ عَلى الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ مَعْلُومًا لِأهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كانا مَشْهُورَيْنِ فِيما بَيْنَ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما تَمَكَّنَ أحَدٌ مِنَ النَّصارى واليَهُودِ مِن إنْكارِ ذَلِكَ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَإنَّهُ لا يُفِيدُ القَطْعَ بِصِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنّا نَقُولُ: هَبْ أنَّ التَّوْراةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ سَيَكُونُ نَبِيًّا إلّا أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُنْتَهِيًا في التَّفْصِيلِ إلى حَدِّ اليَقِينِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الِاعْتِرافِ بِهِ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
والجَوابُ عَنْ هَذا الإشْكالِ إنَّما يَتَوَجَّهُ لَوْ قُلْنا: بِأنَّ العِلْمَ بِنُبُوَّتِهِ إنَّما حَصَلَ مِنِ اشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى وصْفِهِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ، بَلْ نَقُولُ أنَّهُ ادَّعى النُّبُوَّةَ وظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدِهِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ نَبِيًّا صادِقًا، فَهَذا بُرْهانٌ والبُرْهانُ يُفِيدُ اليَقِينَ، فَلا جَرَمَ كانَ العِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أقْوى وأظْهَرَ مِنَ العِلْمِ بِبُنُوَّةِ الأبْناءِ وأُبُوَّةِ الآباءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْتُمُوهُ كانَ العِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمًا بُرْهانِيًّا غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلْغَلَطِ، أمّا العِلْمُ بِأنَّ هَذا ابْنِي فَذَلِكَ لَيْسَ عِلْمًا يَقِينِيًّا، بَلْ ظَنٌّ ومُحْتَمِلٌ لِلْغَلَطِ، فَلِمَ شُبِّهَ اليَقِينُ بِالظَّنِّ ؟
والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّ العِلْمَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُشْبِهُ العِلْمَ بِبُنُوَّةِ الأبْناءِ، بَلِ المُرادُ بِهِ تَشْبِيهُ العِلْمِ بِأشْخاصِ الأبْناءِ وذَواتِهِمْ، فَكَما أنَّ الأبَ يَعْرِفُ شَخْصَ ابْنِهِ مَعْرِفَةً لا يُشْتَبَهُ هو عِنْدَهُ بِغَيْرِهِ، فَكَذا هاهُنا، وعِنْدَ هَذا يَسْتَقِيمُ التَّشْبِيهُ؛ لِأنَّ هَذا العِلْمَ ضَرُورِيٌّ وذَلِكَ نَظَرِيٌّ، وتَشْبِيهُ النَّظَرِيِّ بِالضَّرُورِيِّ يُفِيدُ المُبالَغَةَ وحُسْنَ الِاسْتِعارَةِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ خَصَّ الأبْناءَ الذُّكُورَ ؟
الجَوابُ: لِأنَّ الذُّكُورَ أعْرَفُ وأشْهَرُ، وهم بِصُحْبَةِ الآباءِ ألْزَمُ وبِقُلُوبِهِمْ ألْصَقُ.
القَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ راجِعٌ إلى أمْرِ القِبْلَةِ: أيْ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ يَعْرِفُونَ أمْرَ
صفحة ١١٨
القِبْلَةِ الَّتِي نُقِلْتَ إلَيْها كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الضَّمِيرَ إنَّما يَرْجِعُ إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ العِلْمُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ والمُرادُ مِن ذَلِكَ العِلْمِ: النُّبُوَّةُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهم يَعْرِفُونَ ذَلِكَ العِلْمَ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وأمّا أمْرُ القِبْلَةِ فَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ البَتَّةَ.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أخْبَرَ في القُرْآنِ أنَّ أمْرَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وأخْبَرَ فِيهِ أنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَذْكُورَةٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَكانَ صَرْفُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ إلى أمْرِ النُّبُوَّةِ أوْلى.
وثالِثُها: أنَّ المُعْجِزاتِ لا تَدُلُّ أوَّلَ دَلالَتِها إلّا عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَأمّا أمْرُ القِبْلَةِ فَذَلِكَ إنَّما يَثْبُتُ لِأنَّهُ أحَدُ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَكانَ صَرْفُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ إلى أمْرِ النُّبُوَّةِ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وعَرَفُوا الرَّسُولَ فَمِنهم مَن آمَنُ بِهِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأتْباعِهِ، ومِنهم مَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ، ومَن آمَنَ لا يُوصَفُ بِكِتْمانِ الحَقِّ، وإنَّما يُوصَفُ بِذَلِكَ مَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ، لا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ فَوَصَفَ البَعْضُ بِذَلِكَ، ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ، عَلى أنَّ كِتْمانَ الحَقِّ في الدِّينِ مَحْظُورٌ إذا أمْكَنَ إظْهارُهُ، واخْتَلَفُوا في المَكْتُومِ فَقِيلَ: أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: أمْرُ القِبْلَةِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا [ البَحْثَ ] في هَذِهِ المَسْألَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الحَقُّ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الحَقُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِغَيْرِ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (الحَقَّ مِن رَبِّكَ) عَلى الإبْدالِ مِنَ الأوَّلِ، أيْ يَكْتُمُونَ الحَقَّ مِن رَبِّكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ، والإشارَةُ إلى الحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ إلى الحَقِّ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي يَكْتُمُونَهُ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ، وأنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ عَلى مَعْنى: (الحَقُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن غَيْرِهِ) يَعْنِي إنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ، وما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ فَهو الباطِلُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في ماذا ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى أقْوالٍ:
أحَدُها: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ في أنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ، وأنَّ بَعْضَهم عانَدَ وكَتَمَ، قالَهُ الحَسَنُ.
وثانِيها: بَلْ يَرْجِعُ إلى أمْرِ القِبْلَةِ.
وثالِثُها: إلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وشَرْعِهِ، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ أقْرَبَ المَذْكُوراتِ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَإذا كانَ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي النُّبُوَّةَ وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن قُرْآنٍ ووَحْيٍ وشَرِيعَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وإنْ نَهاهُ عَنِ الِامْتِراءِ فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ شاكًّا فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في بَيانِ هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
صفحة ١١٩
) ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿ولِكُلٍّ﴾ ولَمْ يَقُلْ لِكُلِّ قَوْمٍ أوْ أُمَّةٍ؛ لِأنَّهُ مَعْرُوفُ المَعْنى عِنْدَهم، فَلَمْ يَضُرَّ حَذْفُ المُضافِ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِيهِ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الفِرَقِ، أعْنِي المُسْلِمِينَ، واليَهُودَ، والنَّصارى، والمُشْرِكِينَ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ، قالَ: لِأنَّ في المُشْرِكِينَ مَن كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ ويَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
وثانِيها: وهو قَوْلُ أكْثَرِ عُلَماءِ التّابِعِينَ، أنَّ المُرادَ أهْلُ الكِتابِ وهُمُ: المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى، والمُشْرِكُونَ غَيْرُ داخِلِينَ فِيهِ.
وثالِثُها: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وِجْهَةٌ أيْ جِهَةٌ مِنَ الكَعْبَةِ يُصَلِّي إلَيْها: جَنُوبِيَّةٌ أوْ شَمالِيَّةٌ، أوْ شَرْقِيَّةٌ، أوْ غَرْبِيَّةٌ، واحْتَجُّوا عَلى هَذا القَوْلِ بِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ يَعْنِي: اللَّهُ مُوَلِّيها، وتَوْلِيَةُ اللَّهِ لَمْ تَحْصُلْ إلّا في الكَعْبَةِ؛ لِأنَّ ما عَداها تَوْلِيَةُ الشَّيْطانِ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الخَيْراتِ ما لِكُلِّ أحَدٍ مِن جِهَةٍ، والجِهاتُ المَوْصُوفَةُ بِالخَيْرِيَّةِ لَيْسَتْ إلّا جِهاتُ الكَعْبَةِ.
ورابِعُها: قالَ آخَرُونَ: ”﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾“ أيْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ وأصْحابِ الشَّرائِعِ جِهَةُ قِبْلَةٍ، فَقِبْلَةُ المُقَرَّبِينَ: العَرْشُ، وقِبْلَةُ الرُّوحانِيِّينَ: الكُرْسِيُّ، وقِبْلَةُ الكَرُوبِيِّينَ: البَيْتُ المَعْمُورُ، وقِبْلَةُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قَبْلَكَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِبْلَتُكَ الكَعْبَةُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وِجْهَةٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”ولِكُلِّ وِجْهَةٍ“ عَلى الإضافَةِ، والمَعْنى: وكُلُّ وُجْهَةٍ هو مُوَلِّيها فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ، كَقَوْلِكَ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتَ، ولِزَيْدٍ أبُوهُ ضارِبٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: وِجْهَةٌ، وجِهَةٌ، ووَجْهٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ، فَقالَ الحَسَنُ: المُرادُ المِنهاجُ والشَّرْعُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ [الحج: ٦٧]، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] والمُرادُ مِنهُ أنَّ لِلشَّرائِعِ مَصالِحَ، فَلا جَرَمَ اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأشْخاصِ، وكَما اخْتَلَفَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأشْخاصِ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا اخْتِلافُها بِحَسَبِ اخْتِلافِ الزَّمانِ بِالنِّسْبَةِ إلى شَخْصٍ واحِدٍ، فَلِهَذا صَحَّ القَوْلُ بِالنَّسْخِ والتَّغْيِيرِ، وقالَ الباقُونَ: المُرادُ مِنهُ أمْرُ القِبْلَةِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَهَذِهِ الوِجْهَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَحْمُولَةً عَلى ذَلِكَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الكُلِّ، أيْ ولِكُلِّ أحَدٍ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّي وجْهَهُ
صفحة ١٢٠
إلَيْها.
الثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: اللَّهُ تَعالى يُوَلِّيها إيّاهُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ نَقُولَ: إنَّ لِكُلٍّ مِنكم وِجْهَةً أيْ جِهَةً مِنَ القِبْلَةِ هو مُوَلِّيها، أيْ هو مُسْتَقْبِلُها. ومُتَوَجِّهٌ إلَيْها لِصَلاتِهِ الَّتِي هو مُتَقَرِّبٌ بِها إلى رَبِّهِ، وكُلٌّ يَفْرَحُ بِما هو عَلَيْهِ ولا يُفارِقُهُ، فَلا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِكم عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ، مَعَ لُزُومِ الأدْيانِ المُخْتَلِفَةِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ: فالزَمُوا مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ قِبْلَتَكم فَإنَّكم عَلى خَيْراتٍ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِشَرَفِكم بِقِبْلَةِ إبْراهِيمَ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِلثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي تَأْخُذُونَهُ عَلى انْقِيادِكم لِأوامِرِهِ فَإنَّ إلى اللَّهِ مَرْجِعَكم، وأيْنَما تَكُونُوا مِن جِهاتِ الأرْضِ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا في صَعِيدِ القِيامَةِ، فَيُفْصَلُ بَيْنَ المُحِقِّ مِنكم والمُبْطِلِ، حَتّى يَتَبَيَّنَ مَنِ المُطِيعُ مِنكم ومَنِ العاصِي، ومَنِ المُصِيبُ مِنكم ومَنِ المُخْطِئُ، إنَّهُ عَلى ذَلِكَ قادِرٌ، ومَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ قالَ: المُرادُ أنَّ لِكُلٍّ مِن أهْلِ المِلَلِ وجِهَةً قَدِ اخْتارَها، إمّا بِشَرِيعَةٍ وإمّا بِهَوًى، فَلَسْتُمْ تُؤْخَذُونَ بِفِعْلِ غَيْرِكم، فَإنَّما لَهم أعْمالُهم ولَكم أعْمالُكم، وأمّا تَقْرِيرُ الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أعْنِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى فَهاهُنا وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ عَرَّفَنا أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ القِبْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما بَيْتُ المَقْدِسِ والكَعْبَةُ جِهَةٌ يُوَلِّيها اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ، إذا شاءَ يَفْعَلُهُ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُهُ صَلاحًا، فالجِهَتانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو الَّذِي ولّى وُجُوهَ عِبادِهِ إلَيْهِما، فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ بِالِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ في الحالَتَيْنِ، فَإنَّ انْقِيادَكم خَيْراتٌ لَكم، ولا تَلْتَفِتُوا إلى مَطاعِنِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ فَإنَّ اللَّهَ يَجْمَعُكم وهَؤُلاءِ السُّفَهاءَ جَمِيعًا في عَرْصَةِ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَكم.
الثّانِي: أنّا إذا فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ بِجِهاتِ الكَعْبَةِ ونَواحِيها، كانَ المَعْنى: ولِكُلِّ قَوْمٍ مِنكم مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ وِجْهَةٌ، أيْ ناحِيَةٌ مِنَ الكَعْبَةِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها مِن جَمِيعِ النَّواحِي، فَإنَّها وإنِ اخْتَلَفَتْ بَعْدَ أنْ تُؤَدّى إلى الكَعْبَةِ فَهي كَجِهَةٍ واحِدَةٍ، ولا يَخْفى عَلى اللَّهِ نِيّاتُهم فَهو يَحْشُرُهم جَمِيعًا ويُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ أيْ: هو مُوَلِّيها وجْهَهُ فاسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ الوَجْهِ، قالَ الفَرّاءُ: أيْ مُسْتَقْبِلُها، وقالَ أبُو مُعاذٍ: مُوَلِّيها عَلى مَعْنى مُتَوَلِّيها، يُقالُ: قَدْ تَوَلّاها ورَضِيَها وأتْبَعَها، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ النَّخَعِيِّ: (هو مَوْلاها) وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (مُوَلِّيها) ولِقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ مَعْنَيانِ. أحَدُهُما: أنَّ ما ولَيْتَهُ فَقَدْ ولاكَ؛ لِأنَّ مَعْنى ولَيْتَهُ أيْ جَعَلْتَهُ بِحَيْثُ تَلِيهِ، وإذا صارَ هَذا بِحَيْثُ يَلِي ذَلِكَ فَذاكَ أيْضًا يَلِي هَذا، فَإذَنْ قَدْ ولِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] و﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] والظّالِمُونَ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ أيْ: وقَدْ زُيِّنَتْ لَهُ تِلْكَ الجِهَةُ وحُبِّبَتْ إلَيْهِ، أيْ صارَتْ بِحَيْثُ يُحِبُّها ويَرْضاها.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ فَمَعْناهُ الأمْرُ بِالبَدارِ إلى الطّاعَةِ في وقْتِها، واعْلَمْ أنَّ أداءَ الصَّلاةِ في أوَّلِ الوَقْتِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفْضَلُ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِوُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ الصَّلاةَ خَيْرٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: «”الصَّلاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ“» وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُهُ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَإذا لَمْ يَتَحَقَّقْ فَلا أقَلَّ مِنَ النَّدْبِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] ومَعْناهُ إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، والصَّلاةُ مِمّا يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ المُسابَقَةُ إلَيْها مَندُوبَةً.
صفحة ١٢١
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠،١١] ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ السّابِقُونَ في الطّاعاتِ، ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ الطّاعاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَمَعْناهُ أنَّهُ لا يُقَرَّبُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا السّابِقُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَمالَ الفَضْلِ مَنُوطٌ بِالمُسابَقَةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والمَعْنى: وسارِعُوا إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ كَذَلِكَ، فَكانَتِ المُسارَعَةُ بِها مَأْمُورَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ مَدَحَ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ الخَيْراتِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”خَيْرُ أعْمالِكُمُ الصَّلاةُ“» .
وسادِسُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ إبْلِيسَ في تَرْكِ المُسارَعَةِ، فَقالَ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ المُسارَعَةِ مُوجِبٌ لِلذَّمِّ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والمُحافَظَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالتَّعْجِيلِ، لِيَأْمَنَ الفَوْتَ بِالنِّسْيانِ وسائِرِ الأشْغالِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِعْجالَ أوْلى.
وتاسِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] فَبَيَّنَ أنَّ المُسابَقَةَ سَبَبٌ لِمَزِيدِ الفَضِيلَةِ فَكَذا في هَذِهِ الصُّورَةِ.
وعاشِرُها: ما رَوى عُمَرُ، وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأنَسٌ، وأبُو مَحْذُورَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”الصَّلاةُ في أوَّلِ الوَقْتِ رِضْوانُ اللَّهِ، وفي آخِرِهِ عَفْوُ اللَّهِ“ قالَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رِضْوانُ اللَّهِ أحَبُّ إلَيْنا مِن عَفْوِهِ» .
قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رِضْوانُ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ لِلْمُحْسِنِينَ والعَفْوُ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ عَنِ المُقَصِّرِينَ، فَإنْ قِيلَ هَذا احْتِجاجٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَأْثَمَ بِالتَّأْخِيرِ، وأجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَأْثَمُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ الفِعْلَ في آخِرِ الوَقْتِ يُوجِبُ العَفْوَ عَنِ السَّيِّئاتِ السّابِقَةِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَلا شَكَّ أنَّهُ يُوجِبُ رِضْوانَ اللَّهِ، فَكانَ التَّأْخِيرُ مُوجِبًا لِلْعَفْوِ والرِّضْوانِ، والتَّقْدِيمُ مُوجِبًا لِلرِّضْوانِ دُونَ العَفْوِ، فَكانَ التَّأْخِيرُ أوْلى، قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَأْخِيرُ المَغْرِبِ أفْضَلَ، وذَلِكَ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ.
الثّانِي: أنَّ عَدَمَ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ يُشْبِهُ عَدَمَ الِالتِفاتِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي العِقابَ، إلّا أنَّهُ لَمّا أتى بِالفِعْلِ بَعْدَ ذَلِكَ سَقَطَ ذَلِكَ الِاقْتِضاءُ.
الثّالِثُ: أنَّ تَفْسِيرَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُبْطِلُ هَذا التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ.
الحادِي عَشَرَ: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”يا عَلِيُّ، ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْها: الصَّلاةُ إذا أتَتْ، والجِنازَةُ إذا حَضَرَتْ، والأيِّمُ إذا وجَدْتَ لَها كُفُؤًا“» .
الثّانِي عَشَرَ: «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ فَقالَ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ: الصَّلاةُ لِمِيقاتِها الأوَّلِ» .
الثّالِثَ عَشَرَ: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ وقَدْ فاتَهُ مِن أوَّلِ الوَقْتِ
صفحة ١٢٢
ما هو خَيْرٌ لَهُ مِن أهْلِهِ ومالِهِ“» .
الرّابِعَ عَشَرَ: قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ“» فَمَن كانَ أسْبَقَ في الطّاعَةِ كانَ هو الَّذِي سَنَّ عَمَلَ الطّاعَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهُ أكْثَرَ مِن ثَوابِ المُتَأخِّرِ.
الخامِسَ عَشَرَ: إنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ أحَدَ أسْبابِ الفَضِيلَةِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ المُسابَقَةُ إلى الإسْلامِ، حَتّى وقَعَ الخِلافُ الشَّدِيدُ بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ وغَيْرِهِمْ أنَّ أبا بَكْرٍ أسْبَقُ إسْلامًا أمْ عَلِيًّا، وما ذاكَ إلّا اتِّفاقُهم عَلى أنَّ المُسابَقَةَ في الطّاعَةِ تُوجِبُ مَزِيدَ الفَضْلِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا.
السّادِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في خُطْبَةٍ لَهُ: «”وبادِرُوا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ قَبْلَ أنْ تَشْتَغِلُوا“» ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
السّابِعَ عَشَرَ: أنَّ تَعْجِيلَ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في أداءِ اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ، والجامِعُ بَيْنَهُما رِعايَةُ مَعْنى التَّعْظِيمِ.
الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّ المُبادَرَةَ والمُسارَعَةَ إلى الصَّلاةِ إظْهارٌ لِلْحِرْصِ عَلى الطّاعَةِ، والوَلُوعِ بِها، والرَّغْبَةِ فِيها، وفي التَّأْخِيرِ كَسَلٌ عَنْها، فَيَكُونُ الأوَّلُ أوْلى.
التّاسِعَ عَشَرَ: أنَّ الِاحْتِياطَ في تَعْجِيلِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ إذا أدّاها في أوَّلِ الوَقْتِ تَفَرَّغَتْ ذِمَّتُهُ، فَإذا أخَّرَ فَرُبَّما عَرَضَ لَهُ شُغْلٌ فَمَنَعَهُ عَنْ أدائِها فَيَبْقى الواجِبُ في ذِمَّتِهِ، فالوَجْهُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الِاحْتِياطُ لا شَكَّ أنَّهُ أوْلى.
العِشْرُونَ: أجْمَعْنا في صَوْمِ رَمَضانَ أنَّ تَعْجِيلَهُ أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَرِيضَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُفْطِرَ ويُؤَخِّرَ الصَّوْمَ، ويَجُوزُ لَهُ أنْ يُعَجِّلَ ويَصُومَ في الحالِ، ثُمَّ أجْمَعْنا عَلى أنَّ التَّعْجِيلَ في الصَّوْمِ أفْضَلُ عَلى ما قالَ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَوَجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّعْجِيلُ في الصَّلاةِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: تَنْتَقِضُ هَذِهِ الدَّلائِلُ القِياسِيَّةُ بِالظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ بِما إذا حَصَلَ لَهُ رَجاءُ إدْراكِ الجَماعَةِ، أوْ وُجُودُ الماءِ، قُلْنا: التَّأْخِيرُ ثَبَتَ في هَذِهِ المَواضِعِ لِأُمُورٍ عارِضَةٍ، وكَلامُنا في مُقْتَضى الأصْلِ.
الحادِي والعِشْرُونَ: المُسارَعَةُ إلى الِامْتِثالِ أحْسَنُ في العُرْفِ مِن تَرْكِ المُسارَعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في الشَّرْعِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ“» .
الثّانِي والعِشْرُونَ: صَلاةٌ كَمُلَتْ شَرائِطُها فَوَجَبَ أداؤُها في أوَّلِ الوَقْتِ، كالمَغْرِبِ فَفِيهِ احْتِرازٌ عَنِ الظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ إذا أرادَ أنْ يُصَلِّيَها في المَسْجِدِ لِأجْلِ أنَّ المَشْيَ إلى المَسْجِدِ في شِدَّةِ الحَرِّ كالمانِعِ، أمّا إذا صَلّاها في دارِهِ فالتَّعْجِيلُ أفْضَلُ، وفِيهِ احْتِرازٌ عَمَّنْ يُدافِعُ الأخْبَثَيْنِ أوْ حَضَرَهُ الطَّعامُ وبِهِ جُوعٌ لِهَذا المَعْنى أيْضًا، وكَذَلِكَ المُتَيَمِّمُ إذا كانَ عَلى ثِقَةٍ مِن وُجُودِ الماءِ، وكَذَلِكَ إذا تَوَقَّعَ حُضُورَ الجَماعَةِ فَإنَّ الكَمالَ لَمْ يَحْصُلْ في هَذِهِ الصُّورَةِ، فَهَذِهِ هي الأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المُسارَعَةَ أفْضَلُ، ولْنَذْكُرْ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الصَّلَواتِ:
أمّا صَلاةُ الفَجْرِ فَقالَ مُحَمَّدٌ: المُسْتَحَبُّ أنْ يَدْخُلَ فِيها بِالتَّغْلِيسِ، ويَخْرُجَ مِنها بِالإسْفارِ، فَإنْ أرادَ الِاقْتِصارَ عَلى أحَدِ الوَقْتَيْنِ فالإسْفارُ أفْضَلُ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: التَّغْلِيسُ أفْضَلُ، وهو مَذْهَبُ أبِي
صفحة ١٢٣
بَكْرٍ وعُمَرَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ الدَّلائِلِ السّالِفَةِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: ما أُخْرِجَ في الصَّحِيحَيْنِ بِرِوايَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: «”كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ والنِّساءُ مُتَلَفِّعاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ما يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ“» قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ في كِتابِ ”شَرْحِ السُّنَّةِ“: مُتَلَفِّعاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ أيْ مُتَجَلِّلاتٍ بِأكْسِيَتِهِنَّ، والتَّلَفُّعُ بِالثَّوْبِ الِاشْتِمالُ، والمُرُوطُ: الأرْدِيَةُ الواسِعَةُ، واحِدُها مِرْطٌ، والغَلَسُ: ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ، فَإنْ قِيلَ: كانَ هَذا في ابْتِداءِ الإسْلامِ حِينَ كانَ النِّساءُ يَحْضُرْنَ الجَماعاتِ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالغَلَسِ كَيْلا يُعْرَفْنَ، وهَكَذا كانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُصَلِّي بِالغَلَسِ، ثُمَّ لَمّا نُهِينَ عَنِ الحُضُورِ في الجَماعاتِ تَرَكَ ذَلِكَ. قُلْنا: الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في إثْباتِ جَمِيعِ الأحْكامِ عَدَمُ النَّسْخِ، ولَوْلا هَذا الأصْلُ لَما جازَ الِاسْتِدْلالُ بِشَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ الشَّرْعِيَّةِ.
وثانِيها: ما أُخْرِجَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، قالَ «تَسَحَّرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قُمْنا إلى الصَّلاةِ، قالَ قُلْتُ: كَمْ كانَ قَدْرُ ذَلِكَ، قالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً»، وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى التَّغْلِيسِ.
وثالِثُها: ما رُوِيَ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَلَّسَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ أسْفَرَ مَرَّةً، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إلى الإسْفارِ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعالى» .
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى مَدَحَ المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ فَقالَ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] ومَدَحَ التّارِكِينَ لِلنَّوْمِ فَقالَ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ تَرْكُ النَّوْمِ بِأداءِ الفَرائِضِ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِكايَةً عَنِ اللَّهِ: «”لَنْ يَتَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ“» وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّغْلِيسُ أفْضَلَ.
وخامِسُها: أنَّ النَّوْمَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أطْيَبُ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ أشَقَّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهُ أكْثَرَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”أفْضَلُ العِباداتِ أحْمَزُها“» أيْ أشَقُّها، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”أسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإنَّهُ أعْظَمُ لِلْأجْرِ“» .
وثانِيها: «رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ صَلّى الفَجْرَ بِالمُزْدَلِفَةِ فَغَلَّسَ، ثُمَّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلَواتٍ إلّا لِمِيقاتِها إلّا صَلاةَ الفَجْرِ، فَإنَّهُ صَلّاها يَوْمَئِذٍ لِغَيْرِ مِيقاتِها» .
وثالِثُها: «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأيْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حافَظُوا عَلى شَيْءٍ ما حافَظُوا عَلى التَّنْوِيرِ بِالفَجْرِ» .
ورابِعُها: عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ صَلّى الفَجْرَ فَقَرَأ آلَ عِمْرانَ، فَقالُوا: كادَتِ الشَّمْسُ أنَّ تَطْلُعَ، فَقالَ لَوْ طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنا غافِلِينَ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ البَقَرَةَ فاسْتَشْرَقُوا الشَّمْسَ، فَقالَ: لَوْ طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنا غافِلِينَ.
وخامِسُها: أنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاةِ يَشْتَمِلُ عَلى فَضِيلَةِ الِانْتِظارِ، وقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”المُنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ كَمَن هو في الصَّلاةِ“» فَمَن أخَّرَ الصَّلاةَ عَنْ أوَّلِ وقْتِها فَقَدِ انْتَظَرَ الصَّلاةَ أوَّلًا ثُمَّ بِها ثانِيًا، ومَن صَلّاها في أوَّلِ الوَقْتِ فَقَدْ فاتَهُ فَضْلُ الِانْتِظارِ.
وسادِسُها: أنَّ التَّأْخِيرَ يُفْضِي إلى كَثْرَةِ الجَماعَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أوْلى تَحْصِيلًا لِفَضْلِ الجَماعَةِ.
وسابِعُها: أنَّ التَّغْلِيسَ يُضَيِّقُ عَلى النّاسِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الصَّلاةُ في وقْتِ التَّغْلِيسِ احْتاجَ الإنْسانُ إلى أنْ يَتَوَضَّأ بِاللَّيْلِ حَتّى يَتَفَرَّغَ لِلصَّلاةِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، والحَرَجُ مَنفِيٌّ شَرْعًا.
وثامِنُها: أنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلاةُ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ، فَإذا صَلّى وقْتَ الإسْفارِ فَإنَّهُ يَقِلُّ وقْتُ الكَراهَةِ، وإذا صَلّى بِالتَّغْلِيسِ فَإنَّهُ يَكْثُرُ وقْتُ الكَراهَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الفَجْرَ اسْمٌ لِلنُّورِ الَّذِي يُنْفى بِهِ ظَلامُ المَشْرِقِ، فالفَجْرُ إنَّما يَكُونُ فَجْرًا لَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ باقِيَةً في الهَواءِ، فَأمّا إذا زالَتِ الظُّلْمَةُ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَنارَ الهَواءُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَجْرًا، وأمّا الإسْفارُ فَهو
صفحة ١٢٤
عِبارَةٌ عَنِ الظُّهُورِ، يُقالُ: أسْفَرَتِ المَرْأةُ عَنْ وجْهِها إذا كَشَفَتْ عَنْهُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظُهُورُ الفَجْرِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ بَقاءِ الظَّلامِ في الهَواءِ، فَإنَّ الظَّلامَ كُلَّما كانَ أشَدَّ كانَ النُّورُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ الظَّلامِ أشَدَّ، فَقَوْلُهُ: «”أسْفِرُوا بِالفَجْرِ“» يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى التَّغْلِيسِ، أيْ كُلَّما وقَعَتْ صَلاتُكم حِينَ كانَ الفَجْرُ أظْهَرَ وأبْهَرَ كانَ أكْثَرَ ثَوابًا، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أوَّلِ الفَجْرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الإسْفارَ المَذْكُورَ في الحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلى تَيَقُّنِ طُلُوعِ الفَجْرِ وزَوالِ الشَّكِّ عَنْهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما قُلْنا أنَّ أداءَ الصَّلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أشَقُّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا، وأمّا تَأْخِيرُ الصَّلاةِ إلى وقْتِ التَّنْوِيرِ فَهو عادَةُ أهْلِ الكَسَلِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ الشّارِعُ: إنَّ الكَسَلَ أفْضَلُ مِنَ الجِدِّ في الطّاعَةِ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: حافِظُوا عَلى التَّنْوِيرِ بِالفَجْرِ، فَجَوابُهُ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ لِأنَّ التَّنْوِيرَ بِالفَجْرِ إنَّما يَحْصُلُ في أوَّلِ الوَقْتِ، فَأمّا عِنْدَ امْتِلاءِ العالَمِ مِنَ النُّورِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى ذَلِكَ فَجْرًا، وأمّا سائِرُ الوُجُوهِ فَهي مُعارَضَةٌ بِبَعْضِ ما قَدَّمْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ فَهو وعْدٌ لِأهْلِ الطّاعَةِ، ووَعِيدٌ لِأهْلِ المَعْصِيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اسْتَبِقُوا أيُّها المُحَقِّقُونَ والعارِفُونَ بِالنُّبُوَّةِ والشَّرِيعَةِ الخَيْراتِ وتَحَمَّلُوا فِيها المَشاقَّ لِتَصِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إلى ما لَكم عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ والزُّلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَقَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإعادَةَ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ وهو قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ، وأمّا المَسائِلُ المُسْتَنْبَطَةُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ ذَكَرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] .
البقرة 2:148
قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وإنْ كانَ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ مِنهم، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، والجَمْعُ العَظِيمُ الَّذِي عَلِمُوا شَيْئًا اسْتَحالَ عَلَيْهِمُ الِاتِّفاقُ عَلى كِتْمانِهِ في العادَةِ، ألا تَرى أنَّ واحِدًا لَوْ دَخَلَ البَلَدَ وسَألَ عَنِ الجامِعِ لَمْ يَجُزْ أنْ لا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا بِالكَذِبِ والكِتْمانِ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى الجَمْعِ القَلِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ وأبْناءُ غَيْرِهِمْ. عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي، قالَ: ولِمَ ؟ قالَ: لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ في مُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ وأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ. فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ، وجازَ
صفحة ١١٧
الإضْمارُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ مَعْلُومٌ بِغَيْرِ إعْلامٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ أسْئِلَةٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ مِن أمْرِ القِبْلَةِ.
الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمّا حَذَّرَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنِ اتِّباعِ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِحالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: اعْلَمُوا يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ أنَّ عُلَماءَ أهْلِ الكِتابِ يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا وما جاءَ بِهِ وصِدْقَهُ ودَعْوَتَهُ وقِبْلَتَهُ، لا يَشُكُّونَ فِيهِ كَما لا يَشُكُّونَ في أبْنائِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] إلّا أنّا نَقُولُ: مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَعْرِفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وذَلِكَ لِأنَّ وصْفَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أتى مُشْتَمِلًا عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِتَعْيِينِ الزَّمانِ والمَكانِ والصِّفَةِ والخِلْقَةِ والنَّسَبِ والقَبِيلَةِ، أوْ هَذا الوَصْفُ ما أتى مَعَ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّفْصِيلِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَقْدَمِهِ في الوَقْتِ المُعَيَّنِ مِنَ البَلَدِ المُعَيَّنِ مِنَ القِبْلَةِ المُعَيَّنَةِ عَلى الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ مَعْلُومًا لِأهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كانا مَشْهُورَيْنِ فِيما بَيْنَ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما تَمَكَّنَ أحَدٌ مِنَ النَّصارى واليَهُودِ مِن إنْكارِ ذَلِكَ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَإنَّهُ لا يُفِيدُ القَطْعَ بِصِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنّا نَقُولُ: هَبْ أنَّ التَّوْراةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ سَيَكُونُ نَبِيًّا إلّا أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُنْتَهِيًا في التَّفْصِيلِ إلى حَدِّ اليَقِينِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الِاعْتِرافِ بِهِ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
والجَوابُ عَنْ هَذا الإشْكالِ إنَّما يَتَوَجَّهُ لَوْ قُلْنا: بِأنَّ العِلْمَ بِنُبُوَّتِهِ إنَّما حَصَلَ مِنِ اشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى وصْفِهِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ، بَلْ نَقُولُ أنَّهُ ادَّعى النُّبُوَّةَ وظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدِهِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ نَبِيًّا صادِقًا، فَهَذا بُرْهانٌ والبُرْهانُ يُفِيدُ اليَقِينَ، فَلا جَرَمَ كانَ العِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أقْوى وأظْهَرَ مِنَ العِلْمِ بِبُنُوَّةِ الأبْناءِ وأُبُوَّةِ الآباءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْتُمُوهُ كانَ العِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمًا بُرْهانِيًّا غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلْغَلَطِ، أمّا العِلْمُ بِأنَّ هَذا ابْنِي فَذَلِكَ لَيْسَ عِلْمًا يَقِينِيًّا، بَلْ ظَنٌّ ومُحْتَمِلٌ لِلْغَلَطِ، فَلِمَ شُبِّهَ اليَقِينُ بِالظَّنِّ ؟
والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّ العِلْمَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُشْبِهُ العِلْمَ بِبُنُوَّةِ الأبْناءِ، بَلِ المُرادُ بِهِ تَشْبِيهُ العِلْمِ بِأشْخاصِ الأبْناءِ وذَواتِهِمْ، فَكَما أنَّ الأبَ يَعْرِفُ شَخْصَ ابْنِهِ مَعْرِفَةً لا يُشْتَبَهُ هو عِنْدَهُ بِغَيْرِهِ، فَكَذا هاهُنا، وعِنْدَ هَذا يَسْتَقِيمُ التَّشْبِيهُ؛ لِأنَّ هَذا العِلْمَ ضَرُورِيٌّ وذَلِكَ نَظَرِيٌّ، وتَشْبِيهُ النَّظَرِيِّ بِالضَّرُورِيِّ يُفِيدُ المُبالَغَةَ وحُسْنَ الِاسْتِعارَةِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ خَصَّ الأبْناءَ الذُّكُورَ ؟
الجَوابُ: لِأنَّ الذُّكُورَ أعْرَفُ وأشْهَرُ، وهم بِصُحْبَةِ الآباءِ ألْزَمُ وبِقُلُوبِهِمْ ألْصَقُ.
القَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ راجِعٌ إلى أمْرِ القِبْلَةِ: أيْ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ يَعْرِفُونَ أمْرَ
صفحة ١١٨
القِبْلَةِ الَّتِي نُقِلْتَ إلَيْها كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الضَّمِيرَ إنَّما يَرْجِعُ إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ العِلْمُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ والمُرادُ مِن ذَلِكَ العِلْمِ: النُّبُوَّةُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهم يَعْرِفُونَ ذَلِكَ العِلْمَ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وأمّا أمْرُ القِبْلَةِ فَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ البَتَّةَ.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أخْبَرَ في القُرْآنِ أنَّ أمْرَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وأخْبَرَ فِيهِ أنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَذْكُورَةٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَكانَ صَرْفُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ إلى أمْرِ النُّبُوَّةِ أوْلى.
وثالِثُها: أنَّ المُعْجِزاتِ لا تَدُلُّ أوَّلَ دَلالَتِها إلّا عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَأمّا أمْرُ القِبْلَةِ فَذَلِكَ إنَّما يَثْبُتُ لِأنَّهُ أحَدُ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَكانَ صَرْفُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ إلى أمْرِ النُّبُوَّةِ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وعَرَفُوا الرَّسُولَ فَمِنهم مَن آمَنُ بِهِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأتْباعِهِ، ومِنهم مَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ، ومَن آمَنَ لا يُوصَفُ بِكِتْمانِ الحَقِّ، وإنَّما يُوصَفُ بِذَلِكَ مَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ، لا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ فَوَصَفَ البَعْضُ بِذَلِكَ، ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ، عَلى أنَّ كِتْمانَ الحَقِّ في الدِّينِ مَحْظُورٌ إذا أمْكَنَ إظْهارُهُ، واخْتَلَفُوا في المَكْتُومِ فَقِيلَ: أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: أمْرُ القِبْلَةِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا [ البَحْثَ ] في هَذِهِ المَسْألَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الحَقُّ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الحَقُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِغَيْرِ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (الحَقَّ مِن رَبِّكَ) عَلى الإبْدالِ مِنَ الأوَّلِ، أيْ يَكْتُمُونَ الحَقَّ مِن رَبِّكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ، والإشارَةُ إلى الحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ إلى الحَقِّ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي يَكْتُمُونَهُ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ، وأنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ عَلى مَعْنى: (الحَقُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن غَيْرِهِ) يَعْنِي إنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ، وما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ فَهو الباطِلُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في ماذا ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى أقْوالٍ:
أحَدُها: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ في أنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ، وأنَّ بَعْضَهم عانَدَ وكَتَمَ، قالَهُ الحَسَنُ.
وثانِيها: بَلْ يَرْجِعُ إلى أمْرِ القِبْلَةِ.
وثالِثُها: إلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وشَرْعِهِ، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ أقْرَبَ المَذْكُوراتِ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَإذا كانَ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي النُّبُوَّةَ وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن قُرْآنٍ ووَحْيٍ وشَرِيعَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وإنْ نَهاهُ عَنِ الِامْتِراءِ فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ شاكًّا فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في بَيانِ هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
صفحة ١١٩
) ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿ولِكُلٍّ﴾ ولَمْ يَقُلْ لِكُلِّ قَوْمٍ أوْ أُمَّةٍ؛ لِأنَّهُ مَعْرُوفُ المَعْنى عِنْدَهم، فَلَمْ يَضُرَّ حَذْفُ المُضافِ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِيهِ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الفِرَقِ، أعْنِي المُسْلِمِينَ، واليَهُودَ، والنَّصارى، والمُشْرِكِينَ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ، قالَ: لِأنَّ في المُشْرِكِينَ مَن كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ ويَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
وثانِيها: وهو قَوْلُ أكْثَرِ عُلَماءِ التّابِعِينَ، أنَّ المُرادَ أهْلُ الكِتابِ وهُمُ: المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى، والمُشْرِكُونَ غَيْرُ داخِلِينَ فِيهِ.
وثالِثُها: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وِجْهَةٌ أيْ جِهَةٌ مِنَ الكَعْبَةِ يُصَلِّي إلَيْها: جَنُوبِيَّةٌ أوْ شَمالِيَّةٌ، أوْ شَرْقِيَّةٌ، أوْ غَرْبِيَّةٌ، واحْتَجُّوا عَلى هَذا القَوْلِ بِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ يَعْنِي: اللَّهُ مُوَلِّيها، وتَوْلِيَةُ اللَّهِ لَمْ تَحْصُلْ إلّا في الكَعْبَةِ؛ لِأنَّ ما عَداها تَوْلِيَةُ الشَّيْطانِ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الخَيْراتِ ما لِكُلِّ أحَدٍ مِن جِهَةٍ، والجِهاتُ المَوْصُوفَةُ بِالخَيْرِيَّةِ لَيْسَتْ إلّا جِهاتُ الكَعْبَةِ.
ورابِعُها: قالَ آخَرُونَ: ”﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾“ أيْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ وأصْحابِ الشَّرائِعِ جِهَةُ قِبْلَةٍ، فَقِبْلَةُ المُقَرَّبِينَ: العَرْشُ، وقِبْلَةُ الرُّوحانِيِّينَ: الكُرْسِيُّ، وقِبْلَةُ الكَرُوبِيِّينَ: البَيْتُ المَعْمُورُ، وقِبْلَةُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قَبْلَكَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِبْلَتُكَ الكَعْبَةُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وِجْهَةٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”ولِكُلِّ وِجْهَةٍ“ عَلى الإضافَةِ، والمَعْنى: وكُلُّ وُجْهَةٍ هو مُوَلِّيها فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ، كَقَوْلِكَ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتَ، ولِزَيْدٍ أبُوهُ ضارِبٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: وِجْهَةٌ، وجِهَةٌ، ووَجْهٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ، فَقالَ الحَسَنُ: المُرادُ المِنهاجُ والشَّرْعُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ [الحج: ٦٧]، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] والمُرادُ مِنهُ أنَّ لِلشَّرائِعِ مَصالِحَ، فَلا جَرَمَ اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأشْخاصِ، وكَما اخْتَلَفَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأشْخاصِ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا اخْتِلافُها بِحَسَبِ اخْتِلافِ الزَّمانِ بِالنِّسْبَةِ إلى شَخْصٍ واحِدٍ، فَلِهَذا صَحَّ القَوْلُ بِالنَّسْخِ والتَّغْيِيرِ، وقالَ الباقُونَ: المُرادُ مِنهُ أمْرُ القِبْلَةِ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَهَذِهِ الوِجْهَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَحْمُولَةً عَلى ذَلِكَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الكُلِّ، أيْ ولِكُلِّ أحَدٍ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّي وجْهَهُ
صفحة ١٢٠
إلَيْها.
الثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: اللَّهُ تَعالى يُوَلِّيها إيّاهُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ نَقُولَ: إنَّ لِكُلٍّ مِنكم وِجْهَةً أيْ جِهَةً مِنَ القِبْلَةِ هو مُوَلِّيها، أيْ هو مُسْتَقْبِلُها. ومُتَوَجِّهٌ إلَيْها لِصَلاتِهِ الَّتِي هو مُتَقَرِّبٌ بِها إلى رَبِّهِ، وكُلٌّ يَفْرَحُ بِما هو عَلَيْهِ ولا يُفارِقُهُ، فَلا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِكم عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ، مَعَ لُزُومِ الأدْيانِ المُخْتَلِفَةِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ: فالزَمُوا مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ قِبْلَتَكم فَإنَّكم عَلى خَيْراتٍ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِشَرَفِكم بِقِبْلَةِ إبْراهِيمَ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِلثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي تَأْخُذُونَهُ عَلى انْقِيادِكم لِأوامِرِهِ فَإنَّ إلى اللَّهِ مَرْجِعَكم، وأيْنَما تَكُونُوا مِن جِهاتِ الأرْضِ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا في صَعِيدِ القِيامَةِ، فَيُفْصَلُ بَيْنَ المُحِقِّ مِنكم والمُبْطِلِ، حَتّى يَتَبَيَّنَ مَنِ المُطِيعُ مِنكم ومَنِ العاصِي، ومَنِ المُصِيبُ مِنكم ومَنِ المُخْطِئُ، إنَّهُ عَلى ذَلِكَ قادِرٌ، ومَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ قالَ: المُرادُ أنَّ لِكُلٍّ مِن أهْلِ المِلَلِ وجِهَةً قَدِ اخْتارَها، إمّا بِشَرِيعَةٍ وإمّا بِهَوًى، فَلَسْتُمْ تُؤْخَذُونَ بِفِعْلِ غَيْرِكم، فَإنَّما لَهم أعْمالُهم ولَكم أعْمالُكم، وأمّا تَقْرِيرُ الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أعْنِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى فَهاهُنا وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ عَرَّفَنا أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ القِبْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما بَيْتُ المَقْدِسِ والكَعْبَةُ جِهَةٌ يُوَلِّيها اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ، إذا شاءَ يَفْعَلُهُ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُهُ صَلاحًا، فالجِهَتانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو الَّذِي ولّى وُجُوهَ عِبادِهِ إلَيْهِما، فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ بِالِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ في الحالَتَيْنِ، فَإنَّ انْقِيادَكم خَيْراتٌ لَكم، ولا تَلْتَفِتُوا إلى مَطاعِنِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ فَإنَّ اللَّهَ يَجْمَعُكم وهَؤُلاءِ السُّفَهاءَ جَمِيعًا في عَرْصَةِ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَكم.
الثّانِي: أنّا إذا فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ بِجِهاتِ الكَعْبَةِ ونَواحِيها، كانَ المَعْنى: ولِكُلِّ قَوْمٍ مِنكم مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ وِجْهَةٌ، أيْ ناحِيَةٌ مِنَ الكَعْبَةِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها مِن جَمِيعِ النَّواحِي، فَإنَّها وإنِ اخْتَلَفَتْ بَعْدَ أنْ تُؤَدّى إلى الكَعْبَةِ فَهي كَجِهَةٍ واحِدَةٍ، ولا يَخْفى عَلى اللَّهِ نِيّاتُهم فَهو يَحْشُرُهم جَمِيعًا ويُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ أيْ: هو مُوَلِّيها وجْهَهُ فاسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ الوَجْهِ، قالَ الفَرّاءُ: أيْ مُسْتَقْبِلُها، وقالَ أبُو مُعاذٍ: مُوَلِّيها عَلى مَعْنى مُتَوَلِّيها، يُقالُ: قَدْ تَوَلّاها ورَضِيَها وأتْبَعَها، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ النَّخَعِيِّ: (هو مَوْلاها) وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (مُوَلِّيها) ولِقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ مَعْنَيانِ. أحَدُهُما: أنَّ ما ولَيْتَهُ فَقَدْ ولاكَ؛ لِأنَّ مَعْنى ولَيْتَهُ أيْ جَعَلْتَهُ بِحَيْثُ تَلِيهِ، وإذا صارَ هَذا بِحَيْثُ يَلِي ذَلِكَ فَذاكَ أيْضًا يَلِي هَذا، فَإذَنْ قَدْ ولِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] و﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] والظّالِمُونَ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ أيْ: وقَدْ زُيِّنَتْ لَهُ تِلْكَ الجِهَةُ وحُبِّبَتْ إلَيْهِ، أيْ صارَتْ بِحَيْثُ يُحِبُّها ويَرْضاها.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ فَمَعْناهُ الأمْرُ بِالبَدارِ إلى الطّاعَةِ في وقْتِها، واعْلَمْ أنَّ أداءَ الصَّلاةِ في أوَّلِ الوَقْتِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفْضَلُ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِوُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ الصَّلاةَ خَيْرٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: «”الصَّلاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ“» وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُهُ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَإذا لَمْ يَتَحَقَّقْ فَلا أقَلَّ مِنَ النَّدْبِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] ومَعْناهُ إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، والصَّلاةُ مِمّا يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ المُسابَقَةُ إلَيْها مَندُوبَةً.
صفحة ١٢١
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠،١١] ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ السّابِقُونَ في الطّاعاتِ، ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ الطّاعاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَمَعْناهُ أنَّهُ لا يُقَرَّبُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا السّابِقُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَمالَ الفَضْلِ مَنُوطٌ بِالمُسابَقَةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والمَعْنى: وسارِعُوا إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ كَذَلِكَ، فَكانَتِ المُسارَعَةُ بِها مَأْمُورَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ مَدَحَ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ الخَيْراتِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”خَيْرُ أعْمالِكُمُ الصَّلاةُ“» .
وسادِسُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ إبْلِيسَ في تَرْكِ المُسارَعَةِ، فَقالَ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ المُسارَعَةِ مُوجِبٌ لِلذَّمِّ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والمُحافَظَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالتَّعْجِيلِ، لِيَأْمَنَ الفَوْتَ بِالنِّسْيانِ وسائِرِ الأشْغالِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِعْجالَ أوْلى.
وتاسِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] فَبَيَّنَ أنَّ المُسابَقَةَ سَبَبٌ لِمَزِيدِ الفَضِيلَةِ فَكَذا في هَذِهِ الصُّورَةِ.
وعاشِرُها: ما رَوى عُمَرُ، وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأنَسٌ، وأبُو مَحْذُورَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”الصَّلاةُ في أوَّلِ الوَقْتِ رِضْوانُ اللَّهِ، وفي آخِرِهِ عَفْوُ اللَّهِ“ قالَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رِضْوانُ اللَّهِ أحَبُّ إلَيْنا مِن عَفْوِهِ» .
قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رِضْوانُ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ لِلْمُحْسِنِينَ والعَفْوُ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ عَنِ المُقَصِّرِينَ، فَإنْ قِيلَ هَذا احْتِجاجٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَأْثَمَ بِالتَّأْخِيرِ، وأجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَأْثَمُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ الفِعْلَ في آخِرِ الوَقْتِ يُوجِبُ العَفْوَ عَنِ السَّيِّئاتِ السّابِقَةِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَلا شَكَّ أنَّهُ يُوجِبُ رِضْوانَ اللَّهِ، فَكانَ التَّأْخِيرُ مُوجِبًا لِلْعَفْوِ والرِّضْوانِ، والتَّقْدِيمُ مُوجِبًا لِلرِّضْوانِ دُونَ العَفْوِ، فَكانَ التَّأْخِيرُ أوْلى، قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَأْخِيرُ المَغْرِبِ أفْضَلَ، وذَلِكَ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ.
الثّانِي: أنَّ عَدَمَ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ يُشْبِهُ عَدَمَ الِالتِفاتِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي العِقابَ، إلّا أنَّهُ لَمّا أتى بِالفِعْلِ بَعْدَ ذَلِكَ سَقَطَ ذَلِكَ الِاقْتِضاءُ.
الثّالِثُ: أنَّ تَفْسِيرَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُبْطِلُ هَذا التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ.
الحادِي عَشَرَ: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”يا عَلِيُّ، ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْها: الصَّلاةُ إذا أتَتْ، والجِنازَةُ إذا حَضَرَتْ، والأيِّمُ إذا وجَدْتَ لَها كُفُؤًا“» .
الثّانِي عَشَرَ: «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ فَقالَ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ: الصَّلاةُ لِمِيقاتِها الأوَّلِ» .
الثّالِثَ عَشَرَ: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ وقَدْ فاتَهُ مِن أوَّلِ الوَقْتِ
صفحة ١٢٢
ما هو خَيْرٌ لَهُ مِن أهْلِهِ ومالِهِ“» .
الرّابِعَ عَشَرَ: قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ“» فَمَن كانَ أسْبَقَ في الطّاعَةِ كانَ هو الَّذِي سَنَّ عَمَلَ الطّاعَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهُ أكْثَرَ مِن ثَوابِ المُتَأخِّرِ.
الخامِسَ عَشَرَ: إنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ أحَدَ أسْبابِ الفَضِيلَةِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ المُسابَقَةُ إلى الإسْلامِ، حَتّى وقَعَ الخِلافُ الشَّدِيدُ بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ وغَيْرِهِمْ أنَّ أبا بَكْرٍ أسْبَقُ إسْلامًا أمْ عَلِيًّا، وما ذاكَ إلّا اتِّفاقُهم عَلى أنَّ المُسابَقَةَ في الطّاعَةِ تُوجِبُ مَزِيدَ الفَضْلِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا.
السّادِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في خُطْبَةٍ لَهُ: «”وبادِرُوا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ قَبْلَ أنْ تَشْتَغِلُوا“» ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
السّابِعَ عَشَرَ: أنَّ تَعْجِيلَ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في أداءِ اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ، والجامِعُ بَيْنَهُما رِعايَةُ مَعْنى التَّعْظِيمِ.
الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّ المُبادَرَةَ والمُسارَعَةَ إلى الصَّلاةِ إظْهارٌ لِلْحِرْصِ عَلى الطّاعَةِ، والوَلُوعِ بِها، والرَّغْبَةِ فِيها، وفي التَّأْخِيرِ كَسَلٌ عَنْها، فَيَكُونُ الأوَّلُ أوْلى.
التّاسِعَ عَشَرَ: أنَّ الِاحْتِياطَ في تَعْجِيلِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ إذا أدّاها في أوَّلِ الوَقْتِ تَفَرَّغَتْ ذِمَّتُهُ، فَإذا أخَّرَ فَرُبَّما عَرَضَ لَهُ شُغْلٌ فَمَنَعَهُ عَنْ أدائِها فَيَبْقى الواجِبُ في ذِمَّتِهِ، فالوَجْهُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الِاحْتِياطُ لا شَكَّ أنَّهُ أوْلى.
العِشْرُونَ: أجْمَعْنا في صَوْمِ رَمَضانَ أنَّ تَعْجِيلَهُ أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَرِيضَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُفْطِرَ ويُؤَخِّرَ الصَّوْمَ، ويَجُوزُ لَهُ أنْ يُعَجِّلَ ويَصُومَ في الحالِ، ثُمَّ أجْمَعْنا عَلى أنَّ التَّعْجِيلَ في الصَّوْمِ أفْضَلُ عَلى ما قالَ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَوَجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّعْجِيلُ في الصَّلاةِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: تَنْتَقِضُ هَذِهِ الدَّلائِلُ القِياسِيَّةُ بِالظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ، أوْ بِما إذا حَصَلَ لَهُ رَجاءُ إدْراكِ الجَماعَةِ، أوْ وُجُودُ الماءِ، قُلْنا: التَّأْخِيرُ ثَبَتَ في هَذِهِ المَواضِعِ لِأُمُورٍ عارِضَةٍ، وكَلامُنا في مُقْتَضى الأصْلِ.
الحادِي والعِشْرُونَ: المُسارَعَةُ إلى الِامْتِثالِ أحْسَنُ في العُرْفِ مِن تَرْكِ المُسارَعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في الشَّرْعِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ“» .
الثّانِي والعِشْرُونَ: صَلاةٌ كَمُلَتْ شَرائِطُها فَوَجَبَ أداؤُها في أوَّلِ الوَقْتِ، كالمَغْرِبِ فَفِيهِ احْتِرازٌ عَنِ الظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ إذا أرادَ أنْ يُصَلِّيَها في المَسْجِدِ لِأجْلِ أنَّ المَشْيَ إلى المَسْجِدِ في شِدَّةِ الحَرِّ كالمانِعِ، أمّا إذا صَلّاها في دارِهِ فالتَّعْجِيلُ أفْضَلُ، وفِيهِ احْتِرازٌ عَمَّنْ يُدافِعُ الأخْبَثَيْنِ أوْ حَضَرَهُ الطَّعامُ وبِهِ جُوعٌ لِهَذا المَعْنى أيْضًا، وكَذَلِكَ المُتَيَمِّمُ إذا كانَ عَلى ثِقَةٍ مِن وُجُودِ الماءِ، وكَذَلِكَ إذا تَوَقَّعَ حُضُورَ الجَماعَةِ فَإنَّ الكَمالَ لَمْ يَحْصُلْ في هَذِهِ الصُّورَةِ، فَهَذِهِ هي الأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المُسارَعَةَ أفْضَلُ، ولْنَذْكُرْ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الصَّلَواتِ:
أمّا صَلاةُ الفَجْرِ فَقالَ مُحَمَّدٌ: المُسْتَحَبُّ أنْ يَدْخُلَ فِيها بِالتَّغْلِيسِ، ويَخْرُجَ مِنها بِالإسْفارِ، فَإنْ أرادَ الِاقْتِصارَ عَلى أحَدِ الوَقْتَيْنِ فالإسْفارُ أفْضَلُ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: التَّغْلِيسُ أفْضَلُ، وهو مَذْهَبُ أبِي
صفحة ١٢٣
بَكْرٍ وعُمَرَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ الدَّلائِلِ السّالِفَةِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: ما أُخْرِجَ في الصَّحِيحَيْنِ بِرِوايَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: «”كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ والنِّساءُ مُتَلَفِّعاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ما يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ“» قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ في كِتابِ ”شَرْحِ السُّنَّةِ“: مُتَلَفِّعاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ أيْ مُتَجَلِّلاتٍ بِأكْسِيَتِهِنَّ، والتَّلَفُّعُ بِالثَّوْبِ الِاشْتِمالُ، والمُرُوطُ: الأرْدِيَةُ الواسِعَةُ، واحِدُها مِرْطٌ، والغَلَسُ: ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ، فَإنْ قِيلَ: كانَ هَذا في ابْتِداءِ الإسْلامِ حِينَ كانَ النِّساءُ يَحْضُرْنَ الجَماعاتِ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالغَلَسِ كَيْلا يُعْرَفْنَ، وهَكَذا كانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُصَلِّي بِالغَلَسِ، ثُمَّ لَمّا نُهِينَ عَنِ الحُضُورِ في الجَماعاتِ تَرَكَ ذَلِكَ. قُلْنا: الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في إثْباتِ جَمِيعِ الأحْكامِ عَدَمُ النَّسْخِ، ولَوْلا هَذا الأصْلُ لَما جازَ الِاسْتِدْلالُ بِشَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ الشَّرْعِيَّةِ.
وثانِيها: ما أُخْرِجَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، قالَ «تَسَحَّرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قُمْنا إلى الصَّلاةِ، قالَ قُلْتُ: كَمْ كانَ قَدْرُ ذَلِكَ، قالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً»، وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى التَّغْلِيسِ.
وثالِثُها: ما رُوِيَ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَلَّسَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ أسْفَرَ مَرَّةً، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إلى الإسْفارِ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعالى» .
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى مَدَحَ المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ فَقالَ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] ومَدَحَ التّارِكِينَ لِلنَّوْمِ فَقالَ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ تَرْكُ النَّوْمِ بِأداءِ الفَرائِضِ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِكايَةً عَنِ اللَّهِ: «”لَنْ يَتَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ“» وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّغْلِيسُ أفْضَلَ.
وخامِسُها: أنَّ النَّوْمَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أطْيَبُ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ أشَقَّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهُ أكْثَرَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”أفْضَلُ العِباداتِ أحْمَزُها“» أيْ أشَقُّها، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”أسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإنَّهُ أعْظَمُ لِلْأجْرِ“» .
وثانِيها: «رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ صَلّى الفَجْرَ بِالمُزْدَلِفَةِ فَغَلَّسَ، ثُمَّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلَواتٍ إلّا لِمِيقاتِها إلّا صَلاةَ الفَجْرِ، فَإنَّهُ صَلّاها يَوْمَئِذٍ لِغَيْرِ مِيقاتِها» .
وثالِثُها: «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأيْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حافَظُوا عَلى شَيْءٍ ما حافَظُوا عَلى التَّنْوِيرِ بِالفَجْرِ» .
ورابِعُها: عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ صَلّى الفَجْرَ فَقَرَأ آلَ عِمْرانَ، فَقالُوا: كادَتِ الشَّمْسُ أنَّ تَطْلُعَ، فَقالَ لَوْ طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنا غافِلِينَ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ البَقَرَةَ فاسْتَشْرَقُوا الشَّمْسَ، فَقالَ: لَوْ طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنا غافِلِينَ.
وخامِسُها: أنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاةِ يَشْتَمِلُ عَلى فَضِيلَةِ الِانْتِظارِ، وقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”المُنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ كَمَن هو في الصَّلاةِ“» فَمَن أخَّرَ الصَّلاةَ عَنْ أوَّلِ وقْتِها فَقَدِ انْتَظَرَ الصَّلاةَ أوَّلًا ثُمَّ بِها ثانِيًا، ومَن صَلّاها في أوَّلِ الوَقْتِ فَقَدْ فاتَهُ فَضْلُ الِانْتِظارِ.
وسادِسُها: أنَّ التَّأْخِيرَ يُفْضِي إلى كَثْرَةِ الجَماعَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أوْلى تَحْصِيلًا لِفَضْلِ الجَماعَةِ.
وسابِعُها: أنَّ التَّغْلِيسَ يُضَيِّقُ عَلى النّاسِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الصَّلاةُ في وقْتِ التَّغْلِيسِ احْتاجَ الإنْسانُ إلى أنْ يَتَوَضَّأ بِاللَّيْلِ حَتّى يَتَفَرَّغَ لِلصَّلاةِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، والحَرَجُ مَنفِيٌّ شَرْعًا.
وثامِنُها: أنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلاةُ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ، فَإذا صَلّى وقْتَ الإسْفارِ فَإنَّهُ يَقِلُّ وقْتُ الكَراهَةِ، وإذا صَلّى بِالتَّغْلِيسِ فَإنَّهُ يَكْثُرُ وقْتُ الكَراهَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الفَجْرَ اسْمٌ لِلنُّورِ الَّذِي يُنْفى بِهِ ظَلامُ المَشْرِقِ، فالفَجْرُ إنَّما يَكُونُ فَجْرًا لَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ باقِيَةً في الهَواءِ، فَأمّا إذا زالَتِ الظُّلْمَةُ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَنارَ الهَواءُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَجْرًا، وأمّا الإسْفارُ فَهو
صفحة ١٢٤
عِبارَةٌ عَنِ الظُّهُورِ، يُقالُ: أسْفَرَتِ المَرْأةُ عَنْ وجْهِها إذا كَشَفَتْ عَنْهُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظُهُورُ الفَجْرِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ بَقاءِ الظَّلامِ في الهَواءِ، فَإنَّ الظَّلامَ كُلَّما كانَ أشَدَّ كانَ النُّورُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ الظَّلامِ أشَدَّ، فَقَوْلُهُ: «”أسْفِرُوا بِالفَجْرِ“» يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى التَّغْلِيسِ، أيْ كُلَّما وقَعَتْ صَلاتُكم حِينَ كانَ الفَجْرُ أظْهَرَ وأبْهَرَ كانَ أكْثَرَ ثَوابًا، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أوَّلِ الفَجْرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الإسْفارَ المَذْكُورَ في الحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلى تَيَقُّنِ طُلُوعِ الفَجْرِ وزَوالِ الشَّكِّ عَنْهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما قُلْنا أنَّ أداءَ الصَّلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أشَقُّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا، وأمّا تَأْخِيرُ الصَّلاةِ إلى وقْتِ التَّنْوِيرِ فَهو عادَةُ أهْلِ الكَسَلِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ الشّارِعُ: إنَّ الكَسَلَ أفْضَلُ مِنَ الجِدِّ في الطّاعَةِ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: حافِظُوا عَلى التَّنْوِيرِ بِالفَجْرِ، فَجَوابُهُ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ لِأنَّ التَّنْوِيرَ بِالفَجْرِ إنَّما يَحْصُلُ في أوَّلِ الوَقْتِ، فَأمّا عِنْدَ امْتِلاءِ العالَمِ مِنَ النُّورِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى ذَلِكَ فَجْرًا، وأمّا سائِرُ الوُجُوهِ فَهي مُعارَضَةٌ بِبَعْضِ ما قَدَّمْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ فَهو وعْدٌ لِأهْلِ الطّاعَةِ، ووَعِيدٌ لِأهْلِ المَعْصِيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اسْتَبِقُوا أيُّها المُحَقِّقُونَ والعارِفُونَ بِالنُّبُوَّةِ والشَّرِيعَةِ الخَيْراتِ وتَحَمَّلُوا فِيها المَشاقَّ لِتَصِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إلى ما لَكم عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ والزُّلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَقَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإعادَةَ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ وهو قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ، وأمّا المَسائِلُ المُسْتَنْبَطَةُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ ذَكَرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] .
البقرة 2:149
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ أوَّلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ البَحْثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ وذَكَرَ هاهُنا ثانِيًا قَوْلَهُ تَعالى:
صفحة ١٢٥
﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا قَوْلَهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ فَهَلْ في هَذا التَّكْرارِ فائِدَةٌ أمْ لا ؟ ولِلْعُلَماءِ فِيهِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّ الأحْوالَ ثَلاثَةٌ.
أوَّلُها: أنْ يَكُونَ الإنْسانُ في المَسْجِدِ الحَرامِ.
وثانِيها: أنْ يَخْرُجَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ويَكُونُ في البَلَدِ.
وثالِثُها: أنْ يَخْرُجَ عَنِ البَلَدِ إلى أقْطارِ الأرْضِ، فالآيَةُ الأُولى مَحْمُولَةٌ عَلى الحالَةِ الأُولى، والثّانِيَةُ عَلى الثّانِيَةِ، والثّالِثَةُ عَلى الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ يُتَوَهَّمُ أنَّ لِلْقُرْبِ حُرْمَةً لا تَثْبُتُ فِيها لِلْعَبْدِ، فَلِأجْلِ إزالَةِ هَذا الوَهْمِ كَرَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعادَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ لِأنَّهُ عَلَّقَ بِها كُلَّ مَرَّةٍ فائِدَةً زائِدَةً، أمّا في المَرَّةِ الأُولى فَبَيَّنَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّ أمْرَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأمْرَ هَذِهِ القِبْلَةِ حَقٌّ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وأمّا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى يَشْهَدُ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، وشَهادَةُ اللَّهِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مُغايِرَةٌ لِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا، وأمّا في المَرَّةِ الثّالِثَةِ فَبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ، فَلَمّا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفَوائِدُ حَسُنَتْ إعادَتُها لِأجْلِ أنْ يَتَرَتَّبَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ المَرّاتِ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ الفَوائِدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] .
والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَكانَ رُبَّما يَخْطُرُ بِبالِ جاهِلٍ أنَّهُ تَعالى إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ طَلَبًا لِرِضا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ الفاسِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَحْنُ ما حَوَّلْناكَ إلى هَذِهِ القِبْلَةِ بِمُجَرَّدِ رِضاكَ، بَلْ لِأجْلِ أنَّ هَذا التَّحْوِيلَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، فاسْتِقْبالُها لَيْسَ لِأجْلِ الهَوى والمَيْلِ كَقِبْلَةِ اليَهُودِ المَنسُوخَةِ الَّتِي إنَّما يُقِيمُونَ عَلَيْها بِمُجَرَّدِ الهَوى والمَيْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ ثالِثًا: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ والمُرادُ دُومُوا عَلى هَذِهِ القِبْلَةِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأوْقاتِ، ولا تَوَلَّوْا فَيَصِيرَ ذَلِكَ التَّوَلِّي سَبَبًا لِلطَّعْنِ في دِينِكم، والحاصِلُ أنَّ الآيَةَ السّالِفَةَ أمْرٌ بِالدَّوامِ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ، والثّانِيَةَ أمْرٌ بِالدَّوامِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ، والثّالِثَةَ أمْرٌ بِالدَّوامِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ وإشْعارٌ بِأنَّ هَذا لا يَصِيرُ مَنسُوخًا البَتَّةَ.
والجَوابُ الرّابِعُ: أنَّ الأمْرَ الأوَّلَ مَقْرُونٌ بِإكْرامِهِ إيّاهم بِالقِبْلَةِ الَّتِي كانُوا يُحِبُّونَها وهي قِبْلَةُ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والثّانِي مَقْرُونٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ أيْ: لِكُلِّ صاحِبِ دَعْوَةٍ ومِلَّةٍ قِبْلَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْها فَتَوَجَّهُوا أنْتُمْ إلى أشْرَفِ الجِهاتِ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى أنَّها حَقٌّ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ . والثّالِثُ مَقْرُونٌ بِقَطْعِ اللَّهِ تَعالى حُجَّةَ مَن خاصَمَهُ مِنَ اليَهُودِ في أمْرِ القِبْلَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ عِلَلًا ثَلاثًا قُرِنَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها أمْرٌ بِالتِزامِ القِبْلَةِ، نَظِيرُهُ أنْ يُقالَ: الزَمْ هَذِهِ القِبْلَةَ فَإنَّها القِبْلَةُ الَّتِي كُنْتَ تَهْواها، ثُمَّ يُقالُ: الزَمْ هَذِهِ القِبْلَةَ فَإنَّها الحَقُّ لا قِبْلَةَ الهَوى، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ ثُمَّ يُقالُ: الزَمْ هَذِهِ القِبْلَةَ فَإنَّ في لُزُومِكَ إيّاها انْقِطاعَ حُجَجِ اليَهُودِ عَنْكَ، وهَذا التَّكْرارُ في هَذا
صفحة ١٢٦
المَوْضِعِ كالتَّكْرارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] وكَذَلِكَ ما كُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] .
والجَوابُ الخامِسُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ أوَّلُ الوَقائِعِ الَّتِي ظَهَرَ النَّسْخُ فِيها في شَرْعِنا، فَدَعَتِ الحاجَةُ إلى التَّكْرارِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ وإيضاحِ البَيِّناتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي ما يَعْمَلُهُ هَؤُلاءِ المُعانِدُونَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْرِفُونَهُ ويُدْخِلُونَ الشُّبْهَةَ عَلى العامَّةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] وبِأنَّهُ قَدِ اشْتاقَ إلى مَوْلِدِهِ ودِينِ آبائِهِ، فَإنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِهَذا، فَأنْزَلَ ما أبْطَلَهُ وكَشَفَ عَنْ وهْنِهِ وضَعْفِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُوهِمُ حِجاجًا وكَلامًا تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ في بابِ القِبْلَةِ عَنِ القَوْمِ فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ أنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ تَزُولُ الآنَ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، وفي كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الحُجَّةِ رِواياتٌ.
أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: تُخالِفُنا في دِينِنا وتَتَّبِعُ قِبْلَتَنا.
وثانِيها: قالُوا: ألَمْ يَدْرِ مُحَمَّدٌ أيْنَ يَتَوَجَّهُ في صَلاتِهِ حَتّى هَدَيْناهُ.
وثالِثُها: أنَّ العَرَبَ قالُوا: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: أنا عَلى دِينِ إبْراهِيمَ والآنَ تَرَكَ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، ومَن تَرَكَ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ فَقَدْ تَرَكَ دِينَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَصارَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ وسائِلَ لَهم إلى الطَّعْنِ في شَرْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في ذَلِكَ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ في الدِّينِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم لا يُؤَثِّرُ في المَصالِحِ، وقَدْ بَيَّنّا مِن قَبْلُ تِلْكَ المَصْلَحَةَ، وهي تَمْيِزُ مَنِ اتَّبَعَهُ بِمَكَّةَ مِمَّنْ أقامَ عَلى تَكْذِيبِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ الِامْتِيازَ ما كانَ يَظْهَرُ إلّا بِهَذا الجِنْسِ ولَمّا انْتَقَلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى المَدِينَةِ تَغَيَّرَتِ المَصْلَحَةُ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ، فَلِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ يَعْنِي تِلْكَ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرُوها تَزُولُ بِسَبَبِ هَذا التَّحْوِيلِ، ولَمّا كانَ فِيهِمْ مِنَ المَعْلُومِ مَن حالُهُ أنَّهُ يَتَعَلَّقُ عِنْدَ هَذا التَّحْوِيلِ بِشُبْهَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُ بَعْضِ العَرَبِ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عادَ إلى دِينِنا في الكَعْبَةِ وسَيَعُودُ إلى دِينِنا بِالكُلِّيَّةِ، وكانَ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها سَبَبًا لِلْبَقاءِ عَلى الجَهْلِ والكُفْرِ، وذَلِكَ ظُلْمٌ عَلى النَّفْسِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فَلا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ: (لِيَلّا) يَتْرُكُ الهَمْزَةَ، وكُلُّ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ قَبْلَها كَسْرَةٌ فَإنَّهُ يَقْلِبُها ياءً، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وهو الأصْلُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿لِئَلّا﴾ مَوْضِعُهُ نَصْبٌ، والعامِلُ فِيهِ (ولُّوا) أيْ ولُّوا لِئَلّا، وقالَ الزَّجّاجُ التَّقْدِيرُ: عَرَّفْتُكم ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: النّاسُ هم أهْلُ الكِتابِ عَنْ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ وقِيلَ: هو عَلى العُمُومِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هاهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ شُبْهَةَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ اسْتِثْناؤُها عَنِ الحُجَّةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ عَلى أقْوالٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ يُمْكِنُ دَفْعُ السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ:
صفحة ١٢٧
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الحُجَّةَ كَما أنَّها قَدْ تَكُونُ صَحِيحَةً، قَدْ تَكُونُ أيْضًا باطِلَةً، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] والمُحاجَّةُ هي أنْ يُورِدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى صاحِبِهِ حُجَّةً، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الَّذِي يُورِدُ المُبْطِلَ يُسَمّى بِالحُجَّةِ؛ ولِأنَّ الحُجَّةَ اشْتِقاقُها مِن حَجَّهُ إذا عَلا عَلَيْهِ، فَكُلُّ كَلامٍ يُقْصَدُ بِهِ غَلَبَةُ الغَيْرِ فَهو حُجَّةٌ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ، فَكُلُّ كَلامٍ يَتَّخِذُهُ الإنْسانُ مَسْلَكًا لِنَفْسِهِ في إثْباتٍ أوْ إبْطالٍ فَهو حُجَّةٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الشُّبْهَةَ قَدْ تُسَمّى حُجَّةً كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا.
الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ أهْلُ الكِتابِ فَإنَّهم وجَدُوهُ في كِتابِهِمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُحَوِّلُ القِبْلَةَ فَلَمّا حُوِّلَتْ، بَطَلَتْ حُجَّتُهم إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِسَبَبِ أنَّهم كَتَمُوا ما عَرَفُوا؛ عَنْ أبِي رَوْقٍ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا أوْرَدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ عَلى اعْتِقادِ أنَّها حُجَّةٌ سَمّاها اللَّهُ ﴿حُجَّةٌ﴾ بِناءً عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، أوْ لَعَلَّهُ تَعالى سَمّاها ﴿حُجَّةٌ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أرادَ بِالحُجَّةِ المُحاجَّةَ والمُجادَلَةَ فَقالَ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ فَإنَّهم يُحاجُّونَكم بِالباطِلِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، ومَعْناهُ: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم يَتَعَلَّقُونَ بِالشُّبْهَةِ ويَضَعُونَها مَوْضِعَ الحُجَّةِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] وقالَ النّابِغَةُ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ومَعْناهُ: لَكِنْ بِسُيُوفِهِمْ فُلُولٌ ولَيْسَ بِعَيْبٍ، ويُقالُ ما لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ إلّا التَّعَدِّي، يَعْنِي: لَكِنَّهُ يَتَعَدّى ويَظْلِمُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠ - ١١] وقالَ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ عادَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْعَرَبِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: زَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ (إلّا) بِمَعْنى الواوِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ ولِلَّذِينِ ظَلَمُوا، وأنْشَدَ:
وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
يَعْنِي: والفَرْقَدانِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ قُطْرُبٌ: مَوْضِعُ (الَّذِينَ) خَفْضٌ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ في عَلَيْكم كَأنَّهُ قِيلَ: لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَإنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وهُمُ الكُفّارُ، قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هَذانِ الوَجْهانِ بَعِيدانِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ فالمَعْنى لا تَخْشَوْا مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ يَتَعَنَّتُ ويُجادِلُ ويُحاجُّ، ولا تَخافُوا مَطاعِنَهم في قِبْلَتِكم فَإنَّهم لا يَضُرُّونَكم واخْشَوْنِي، يَعْنِي احْذَرُوا عِقابِي إنْ أنْتُمْ عَدَلْتُمْ عَمّا ألْزَمْتُكم وفَرَضْتُ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى المَرْءِ في كُلِّ أفْعالِهِ وتُرُوكِهِ أنْ يَنْصِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ خَشْيَةَ عِقابِ اللَّهِ، وأنْ يَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ الخَلْقِ شَيْءٌ البَتَّةَ، وأنْ لا يَكُونَ مُشْتَغِلَ القَلْبِ بِهِمْ،
صفحة ١٢٨
ولا مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلَيْهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في مُتَعَلَّقِ اللّامِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَوَّلَهم إلى هَذِهِ الكَعْبَةِ لِهاتَيْنِ الحِكْمَتَيْنِ. إحْداهُما: لِانْقِطاعِ حُجَّتِهِمْ عَنْهُ. والثّانِيَةُ: لِتَمامِ النِّعْمَةِ، وقَدْ بَيَّنَ أبُو مُسْلِمِ بْنُ بَحْرٍ الأصْفَهانِيُّ ما في ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ، وهو أنَّ القَوْمَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِاتِّباعِ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، فَلَمّا حُوِّلَ ﷺ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لَحِقَهم ضَعْفُ قَلْبٍ، ولِذَلِكَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّحَوُّلَ إلى الكَعْبَةِ لِما فِيهِ مِن شَرَفِ البُقْعَةِ، فَهَذا مَوْضِعُ النِّعْمَةِ.
وثانِيها: أنَّ مُتَعَلَّقَ اللّامِ مَحْذُوفٌ، مَعْناهُ: ولِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم وإرادَتِي اهْتِداءَكم أمَرْتُكم بِذَلِكَ.
وثالِثُها: أنْ يُعْطَفَ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: واخْشَوْنِي لِأُوَفِّقَكم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عِنْدَ قُرْبِ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فَبَيَّنَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَكَيْفَ قالَ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ قُلْنا: تَمامُ النِّعْمَةِ اللّائِقَةِ في كُلِّ وقْتٍ هو الَّذِي خَصَّهُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: «”تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ“» وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَمامُ النِّعْمَةِ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ التَّشَكُّكِ في صَلاةِ الرَّسُولِ وصَلاةِ أُمَّتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَإنْ كانَ مُرادُهُ أنَّ ألْفاظَ القُرْآنِ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ أصابَ؛ لِأنَّ شَيْئًا مِن ألْفاظِ القُرْآنِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ عَلى ما بَيَّناهُ، وإنْ أرادَ بِهِ إنْكارَهُ أصْلًا، فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الأخْبارَ في ذَلِكَ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَواتِرِ، ولِأبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنْ يُمْنَعَ التَّواتُرُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: لا يَصِحُّ التَّعْوِيلُ في القَطْعِ بِوُقُوعِ النَّسْخِ في شَرْعِنا عَلى خَبَرِ الواحِدِ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:150
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ أوَّلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ البَحْثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ وذَكَرَ هاهُنا ثانِيًا قَوْلَهُ تَعالى:
صفحة ١٢٥
﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا قَوْلَهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ فَهَلْ في هَذا التَّكْرارِ فائِدَةٌ أمْ لا ؟ ولِلْعُلَماءِ فِيهِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّ الأحْوالَ ثَلاثَةٌ.
أوَّلُها: أنْ يَكُونَ الإنْسانُ في المَسْجِدِ الحَرامِ.
وثانِيها: أنْ يَخْرُجَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ويَكُونُ في البَلَدِ.
وثالِثُها: أنْ يَخْرُجَ عَنِ البَلَدِ إلى أقْطارِ الأرْضِ، فالآيَةُ الأُولى مَحْمُولَةٌ عَلى الحالَةِ الأُولى، والثّانِيَةُ عَلى الثّانِيَةِ، والثّالِثَةُ عَلى الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ يُتَوَهَّمُ أنَّ لِلْقُرْبِ حُرْمَةً لا تَثْبُتُ فِيها لِلْعَبْدِ، فَلِأجْلِ إزالَةِ هَذا الوَهْمِ كَرَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعادَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ لِأنَّهُ عَلَّقَ بِها كُلَّ مَرَّةٍ فائِدَةً زائِدَةً، أمّا في المَرَّةِ الأُولى فَبَيَّنَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّ أمْرَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأمْرَ هَذِهِ القِبْلَةِ حَقٌّ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وأمّا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى يَشْهَدُ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، وشَهادَةُ اللَّهِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مُغايِرَةٌ لِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا، وأمّا في المَرَّةِ الثّالِثَةِ فَبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ، فَلَمّا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفَوائِدُ حَسُنَتْ إعادَتُها لِأجْلِ أنْ يَتَرَتَّبَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ المَرّاتِ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ الفَوائِدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] .
والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَكانَ رُبَّما يَخْطُرُ بِبالِ جاهِلٍ أنَّهُ تَعالى إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ طَلَبًا لِرِضا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ الفاسِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَحْنُ ما حَوَّلْناكَ إلى هَذِهِ القِبْلَةِ بِمُجَرَّدِ رِضاكَ، بَلْ لِأجْلِ أنَّ هَذا التَّحْوِيلَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، فاسْتِقْبالُها لَيْسَ لِأجْلِ الهَوى والمَيْلِ كَقِبْلَةِ اليَهُودِ المَنسُوخَةِ الَّتِي إنَّما يُقِيمُونَ عَلَيْها بِمُجَرَّدِ الهَوى والمَيْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ ثالِثًا: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ والمُرادُ دُومُوا عَلى هَذِهِ القِبْلَةِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأوْقاتِ، ولا تَوَلَّوْا فَيَصِيرَ ذَلِكَ التَّوَلِّي سَبَبًا لِلطَّعْنِ في دِينِكم، والحاصِلُ أنَّ الآيَةَ السّالِفَةَ أمْرٌ بِالدَّوامِ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ، والثّانِيَةَ أمْرٌ بِالدَّوامِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ، والثّالِثَةَ أمْرٌ بِالدَّوامِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ وإشْعارٌ بِأنَّ هَذا لا يَصِيرُ مَنسُوخًا البَتَّةَ.
والجَوابُ الرّابِعُ: أنَّ الأمْرَ الأوَّلَ مَقْرُونٌ بِإكْرامِهِ إيّاهم بِالقِبْلَةِ الَّتِي كانُوا يُحِبُّونَها وهي قِبْلَةُ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والثّانِي مَقْرُونٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ أيْ: لِكُلِّ صاحِبِ دَعْوَةٍ ومِلَّةٍ قِبْلَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْها فَتَوَجَّهُوا أنْتُمْ إلى أشْرَفِ الجِهاتِ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى أنَّها حَقٌّ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ . والثّالِثُ مَقْرُونٌ بِقَطْعِ اللَّهِ تَعالى حُجَّةَ مَن خاصَمَهُ مِنَ اليَهُودِ في أمْرِ القِبْلَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ عِلَلًا ثَلاثًا قُرِنَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها أمْرٌ بِالتِزامِ القِبْلَةِ، نَظِيرُهُ أنْ يُقالَ: الزَمْ هَذِهِ القِبْلَةَ فَإنَّها القِبْلَةُ الَّتِي كُنْتَ تَهْواها، ثُمَّ يُقالُ: الزَمْ هَذِهِ القِبْلَةَ فَإنَّها الحَقُّ لا قِبْلَةَ الهَوى، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ ثُمَّ يُقالُ: الزَمْ هَذِهِ القِبْلَةَ فَإنَّ في لُزُومِكَ إيّاها انْقِطاعَ حُجَجِ اليَهُودِ عَنْكَ، وهَذا التَّكْرارُ في هَذا
صفحة ١٢٦
المَوْضِعِ كالتَّكْرارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] وكَذَلِكَ ما كُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] .
والجَوابُ الخامِسُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ أوَّلُ الوَقائِعِ الَّتِي ظَهَرَ النَّسْخُ فِيها في شَرْعِنا، فَدَعَتِ الحاجَةُ إلى التَّكْرارِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ وإيضاحِ البَيِّناتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي ما يَعْمَلُهُ هَؤُلاءِ المُعانِدُونَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْرِفُونَهُ ويُدْخِلُونَ الشُّبْهَةَ عَلى العامَّةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] وبِأنَّهُ قَدِ اشْتاقَ إلى مَوْلِدِهِ ودِينِ آبائِهِ، فَإنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِهَذا، فَأنْزَلَ ما أبْطَلَهُ وكَشَفَ عَنْ وهْنِهِ وضَعْفِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُوهِمُ حِجاجًا وكَلامًا تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ في بابِ القِبْلَةِ عَنِ القَوْمِ فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ أنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ تَزُولُ الآنَ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، وفي كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الحُجَّةِ رِواياتٌ.
أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: تُخالِفُنا في دِينِنا وتَتَّبِعُ قِبْلَتَنا.
وثانِيها: قالُوا: ألَمْ يَدْرِ مُحَمَّدٌ أيْنَ يَتَوَجَّهُ في صَلاتِهِ حَتّى هَدَيْناهُ.
وثالِثُها: أنَّ العَرَبَ قالُوا: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: أنا عَلى دِينِ إبْراهِيمَ والآنَ تَرَكَ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، ومَن تَرَكَ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ فَقَدْ تَرَكَ دِينَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَصارَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ وسائِلَ لَهم إلى الطَّعْنِ في شَرْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في ذَلِكَ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ في الدِّينِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم لا يُؤَثِّرُ في المَصالِحِ، وقَدْ بَيَّنّا مِن قَبْلُ تِلْكَ المَصْلَحَةَ، وهي تَمْيِزُ مَنِ اتَّبَعَهُ بِمَكَّةَ مِمَّنْ أقامَ عَلى تَكْذِيبِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ الِامْتِيازَ ما كانَ يَظْهَرُ إلّا بِهَذا الجِنْسِ ولَمّا انْتَقَلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى المَدِينَةِ تَغَيَّرَتِ المَصْلَحَةُ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ، فَلِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ يَعْنِي تِلْكَ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرُوها تَزُولُ بِسَبَبِ هَذا التَّحْوِيلِ، ولَمّا كانَ فِيهِمْ مِنَ المَعْلُومِ مَن حالُهُ أنَّهُ يَتَعَلَّقُ عِنْدَ هَذا التَّحْوِيلِ بِشُبْهَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُ بَعْضِ العَرَبِ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عادَ إلى دِينِنا في الكَعْبَةِ وسَيَعُودُ إلى دِينِنا بِالكُلِّيَّةِ، وكانَ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها سَبَبًا لِلْبَقاءِ عَلى الجَهْلِ والكُفْرِ، وذَلِكَ ظُلْمٌ عَلى النَّفْسِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فَلا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ: (لِيَلّا) يَتْرُكُ الهَمْزَةَ، وكُلُّ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ قَبْلَها كَسْرَةٌ فَإنَّهُ يَقْلِبُها ياءً، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وهو الأصْلُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿لِئَلّا﴾ مَوْضِعُهُ نَصْبٌ، والعامِلُ فِيهِ (ولُّوا) أيْ ولُّوا لِئَلّا، وقالَ الزَّجّاجُ التَّقْدِيرُ: عَرَّفْتُكم ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: النّاسُ هم أهْلُ الكِتابِ عَنْ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ وقِيلَ: هو عَلى العُمُومِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هاهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ شُبْهَةَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ اسْتِثْناؤُها عَنِ الحُجَّةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ عَلى أقْوالٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ يُمْكِنُ دَفْعُ السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ:
صفحة ١٢٧
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الحُجَّةَ كَما أنَّها قَدْ تَكُونُ صَحِيحَةً، قَدْ تَكُونُ أيْضًا باطِلَةً، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] والمُحاجَّةُ هي أنْ يُورِدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى صاحِبِهِ حُجَّةً، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الَّذِي يُورِدُ المُبْطِلَ يُسَمّى بِالحُجَّةِ؛ ولِأنَّ الحُجَّةَ اشْتِقاقُها مِن حَجَّهُ إذا عَلا عَلَيْهِ، فَكُلُّ كَلامٍ يُقْصَدُ بِهِ غَلَبَةُ الغَيْرِ فَهو حُجَّةٌ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ، فَكُلُّ كَلامٍ يَتَّخِذُهُ الإنْسانُ مَسْلَكًا لِنَفْسِهِ في إثْباتٍ أوْ إبْطالٍ فَهو حُجَّةٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الشُّبْهَةَ قَدْ تُسَمّى حُجَّةً كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا.
الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ أهْلُ الكِتابِ فَإنَّهم وجَدُوهُ في كِتابِهِمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُحَوِّلُ القِبْلَةَ فَلَمّا حُوِّلَتْ، بَطَلَتْ حُجَّتُهم إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِسَبَبِ أنَّهم كَتَمُوا ما عَرَفُوا؛ عَنْ أبِي رَوْقٍ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا أوْرَدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ عَلى اعْتِقادِ أنَّها حُجَّةٌ سَمّاها اللَّهُ ﴿حُجَّةٌ﴾ بِناءً عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، أوْ لَعَلَّهُ تَعالى سَمّاها ﴿حُجَّةٌ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أرادَ بِالحُجَّةِ المُحاجَّةَ والمُجادَلَةَ فَقالَ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ فَإنَّهم يُحاجُّونَكم بِالباطِلِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، ومَعْناهُ: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم يَتَعَلَّقُونَ بِالشُّبْهَةِ ويَضَعُونَها مَوْضِعَ الحُجَّةِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] وقالَ النّابِغَةُ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ومَعْناهُ: لَكِنْ بِسُيُوفِهِمْ فُلُولٌ ولَيْسَ بِعَيْبٍ، ويُقالُ ما لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ إلّا التَّعَدِّي، يَعْنِي: لَكِنَّهُ يَتَعَدّى ويَظْلِمُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠ - ١١] وقالَ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ عادَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْعَرَبِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: زَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ (إلّا) بِمَعْنى الواوِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ ولِلَّذِينِ ظَلَمُوا، وأنْشَدَ:
وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
يَعْنِي: والفَرْقَدانِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ قُطْرُبٌ: مَوْضِعُ (الَّذِينَ) خَفْضٌ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ في عَلَيْكم كَأنَّهُ قِيلَ: لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَإنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وهُمُ الكُفّارُ، قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هَذانِ الوَجْهانِ بَعِيدانِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ فالمَعْنى لا تَخْشَوْا مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ يَتَعَنَّتُ ويُجادِلُ ويُحاجُّ، ولا تَخافُوا مَطاعِنَهم في قِبْلَتِكم فَإنَّهم لا يَضُرُّونَكم واخْشَوْنِي، يَعْنِي احْذَرُوا عِقابِي إنْ أنْتُمْ عَدَلْتُمْ عَمّا ألْزَمْتُكم وفَرَضْتُ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى المَرْءِ في كُلِّ أفْعالِهِ وتُرُوكِهِ أنْ يَنْصِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ خَشْيَةَ عِقابِ اللَّهِ، وأنْ يَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ الخَلْقِ شَيْءٌ البَتَّةَ، وأنْ لا يَكُونَ مُشْتَغِلَ القَلْبِ بِهِمْ،
صفحة ١٢٨
ولا مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلَيْهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في مُتَعَلَّقِ اللّامِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَوَّلَهم إلى هَذِهِ الكَعْبَةِ لِهاتَيْنِ الحِكْمَتَيْنِ. إحْداهُما: لِانْقِطاعِ حُجَّتِهِمْ عَنْهُ. والثّانِيَةُ: لِتَمامِ النِّعْمَةِ، وقَدْ بَيَّنَ أبُو مُسْلِمِ بْنُ بَحْرٍ الأصْفَهانِيُّ ما في ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ، وهو أنَّ القَوْمَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِاتِّباعِ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، فَلَمّا حُوِّلَ ﷺ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لَحِقَهم ضَعْفُ قَلْبٍ، ولِذَلِكَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّحَوُّلَ إلى الكَعْبَةِ لِما فِيهِ مِن شَرَفِ البُقْعَةِ، فَهَذا مَوْضِعُ النِّعْمَةِ.
وثانِيها: أنَّ مُتَعَلَّقَ اللّامِ مَحْذُوفٌ، مَعْناهُ: ولِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم وإرادَتِي اهْتِداءَكم أمَرْتُكم بِذَلِكَ.
وثالِثُها: أنْ يُعْطَفَ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: واخْشَوْنِي لِأُوَفِّقَكم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عِنْدَ قُرْبِ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فَبَيَّنَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَكَيْفَ قالَ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ قُلْنا: تَمامُ النِّعْمَةِ اللّائِقَةِ في كُلِّ وقْتٍ هو الَّذِي خَصَّهُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: «”تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ“» وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَمامُ النِّعْمَةِ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ التَّشَكُّكِ في صَلاةِ الرَّسُولِ وصَلاةِ أُمَّتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَإنْ كانَ مُرادُهُ أنَّ ألْفاظَ القُرْآنِ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ أصابَ؛ لِأنَّ شَيْئًا مِن ألْفاظِ القُرْآنِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ عَلى ما بَيَّناهُ، وإنْ أرادَ بِهِ إنْكارَهُ أصْلًا، فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الأخْبارَ في ذَلِكَ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَواتِرِ، ولِأبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنْ يُمْنَعَ التَّواتُرُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: لا يَصِحُّ التَّعْوِيلُ في القَطْعِ بِوُقُوعِ النَّسْخِ في شَرْعِنا عَلى خَبَرِ الواحِدِ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:151
قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَدَلَّ عَلى صِحَّةِ دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِوُجُوهٍ: بَعْضُها إلْزامِيَّةٌ، وهو أنَّ هَذا الدِّينَ دِينُ إبْراهِيمَ فَوَجَبَ قَبُولُهُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وبَعْضُها بُرْهانِيَّةٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَقَّبَ هَذا الِاسْتِدْلالَ بِحِكايَةِ شُبْهَتَيْنِ لَهم. إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] . والثّانِيَةُ: اسْتِدْلالُهم بِإنْكارِ النَّسْخِ عَلى القَدْحِ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] وأطْنَبَ اللَّهُ
صفحة ١٢٩
تَعالى في الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ وبِالحَقِّ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ أعْظَمَ شُبْهَةٍ لِلْيَهُودِ في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنْكارُ النَّسْخِ، فَلا جَرَمَ أطْنَبَ اللَّهُ تَعالى في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وخَتَمَ ذَلِكَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فَصارَ هَذا الكَلامُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أشَدُّ اسْتِمالَةً لِحُصُولِ العِزِّ والشَّرَفِ في الدُّنْيا، والتَّخَلُّصُ مِنَ الذُّلِّ والمَهانَةِ يَكُونُ مَرْغُوبًا فِيهِ، وعِنْدَ اجْتِماعِ الأمْرَيْنِ فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في هَذا البابِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكافُ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ أوْ بِما بَعْدَهُ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أيْ ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في الدُّنْيا بِإرْسالِ الرَّسُولِ.
الثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقالَ أيْضًا: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا﴾ [البقرة: ١٢٨] فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم بِبَيانِ الشَّرائِعِ، وأهْدِيكم إلى الدِّينِ إجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ.
الثّالِثُ: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، وهو أنَّ التَّقْدِيرَ: وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا، أيْ كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِن شَأْنِهِ وصِفَتِهِ كَذا وكَذا، فَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، فالتَّقْدِيرُ: كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يُعَلِّمُكُمُ الدِّينَ والشَّرْعَ، فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم وهو اخْتِيارُ الأصَمِّ، وتَقْرِيرُهُ: إنَّكم كُنْتُمْ عَلى صُورَةٍ لا تَتْلُونَ كِتابًا، ولا تَعْلَمُونَ رَسُولًا، ومُحَمَّدٌ ﷺ رَجُلٌ مِنكم لَيْسَ بِصاحِبِ كِتابٍ، ثُمَّ أتاكم بِأعْجَبِ الآياتِ يَتْلُوهُ عَلَيْكم بِلِسانِكم وفِيهِ ما في كُتُبِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ الخَبَرُ عَنْ أحْوالِهِمْ، وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى الأخْلاقِ الشَّرِيفَةِ، والنَّهْيُ عَنْ أخْلاقِ السُّفَهاءِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ البُرْهانِ عَلى صِدْقِهِ، فَقالَ: كَما أوْلَيْتُكم هَذِهِ النِّعْمَةَ وجَعَلْتُها لَكم دَلِيلًا، فاذْكُرُونِي بِالشُّكْرِ عَلَيْها، أذْكُرْكم بِرَحْمَتِي وثَوابِي، والَّذِي يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] فَلَمّا ذَكَّرَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ والمِنَّةَ، أمَرَهم في مُقابَلَتِها بِالذِّكْرِ والشُّكْرِ، فَإنْ قِيلَ: (كَما) هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا ؟ قُلْنا: جَوَّزَهُ الفَرّاءُ وجَعَلَ لِـ (اذْكُرُونِي) جَوابَيْنِ. أحَدُهُما: (كَما) .
والثّانِي: ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الذِّكْرَ لِيَذْكُرَهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، ولِما سَلَفَ مِن نِعْمَتِهِ، قالَ القاضِي: والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ قَبْلَ الكَلامِ إذا وُجِدَ ما يَتِمُّ بِهِ الكَلامُ مِن غَيْرِ فَصْلٍ فَتَعَلُّقُهُ بِهِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في وجْهِ التَّشْبِيهِ قَوْلانِ: إنْ قُلْنا: الكافُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي﴾ كانَ المَعْنى أنَّ النِّعْمَةَ في أمْرِ القِبْلَةِ كالنِّعْمَةِ بِالرِّسالَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ الأصْلَحَ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ بِالذِّكْرِ جارِيَةٌ مَجْرى النِّعْمَةِ بِالرِّسالَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (ما) في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: كَإرْسالِنا فِيكم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كافَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيكُمْ﴾ فالمُرادُ بِهِ العَرَبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنكُمْ﴾ وفي إرْسالِهِ فِيهِمْ ومِنهم، نِعَمٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ لِما لَهم فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ، ولِأنَّ المَشْهُورَ مِن حالِ العَرَبِ الأنَفَةُ الشَّدِيدَةُ مِنَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى مِن واسِطَتِهِمْ؛ لِيَكُونُوا إلى القَبُولِ أقْرَبَ.
صفحة ١٣٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ، ولِأنَّهُ يُتْلى فَيَتَأدّى بِهِ العِباداتُ، ولِأنَّهُ يُتْلى فَيُسْتَفادُ مِنهُ جَمِيعُ العُلُومِ، ولِأنَّهُ يُتْلى فَيُسْتَفادُ مِنهُ مَجامِعُ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، فَكَأنَّهُ يَحْصُلُ مِن تِلاوَتِهِ كُلُّ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيكُمْ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُعَلِّمُهم ما إذا تَمَسَّكُوا بِهِ صارُوا أزْكِياءَ؛ عَنِ الحَسَنِ.
وثانِيها: يُزَكِّيهِمْ بِالثَّناءِ والمَدْحِ، أيْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن مَحاسِنِ الأخْلاقِ فَيَصِفُكم بِهِ، كَما يُقالُ: إنَّ المُزَكِّيَ زَكّى الشّاهِدَ، أيْ وصَفَهُ بِالزَّكاءِ.
وثالِثُها: أنَّ التَّزْكِيَةَ عِبارَةٌ عَنِ التَّنْمِيَةِ، كَأنَّهُ قالَ يُكَثِّرُكم، كَما قالَ: ﴿إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] وذَلِكَ بِأنْ يَجْمَعَهم عَلى الحَقِّ فَيَتَواصَلُوا ويَكْثُرُوا، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذِهِ الوُجُوهُ غَيْرُ مُتَنافِيَةٍ، فَلَعَلَّهُ تَعالى يَفْعَلُ بِالمُطِيعِ كُلَّ ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ﴾ فَلَيْسَ بِتَكْرارٍ؛ لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ تَعْلِيمِهِ إيّاهم، وأمّا ”الحِكْمَةُ“ فَهي العِلْمُ بِسائِرِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلى تَفْصِيلِها، ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -”الحِكْمَةُ“ هي سُنَّةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فَهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرْسَلَهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وجَهالَةٍ مِنَ الأُمَمِ، فالخَلْقُ كانُوا مُتَحَيِّرِينَ ضالِّينَ في أمْرِ أدْيانِهِمْ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا بِالحَقِّ حَتّى عَلَّمَهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ في دِينِهِمْ وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ النِّعَمِ.
البقرة 2:152
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّفَنا في هَذِهِ الآيَةِ بِأمْرَيْنِ: الذِّكْرِ، والشُّكْرِ، أمّا الذِّكْرُ فَقَدْ يَكُونُ بِاللِّسانِ، وقَدْ يَكُونُ بِالقَلْبِ، وقَدْ يَكُونُ بِالجَوارِحِ، فَذِكْرُهم إيّاهُ بِاللِّسانِ أنْ يَحْمَدُوهُ ويُسَبِّحُوهُ ويُمَجِّدُوهُ ويَقْرَءُوا كِتابَهُ، وذِكْرُهم إيّاهُ بِقُلُوبِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ:
أحَدُها: أنْ يَتَفَكَّرُوا في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، ويَتَفَكَّرُوا في الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ القادِحَةِ في تِلْكَ الدَّلائِلِ.
وثانِيها: أنْ يَتَفَكَّرُوا في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَيْفِيَّةِ تَكالِيفِهِ وأحْكامِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، فَإذا عَرَفُوا كَيْفِيَّةَ التَّكْلِيفِ وعَرَفُوا ما في الفِعْلِ مِنَ الوَعْدِ، وفي التَّرْكِ مِنَ الوَعِيدِ سَهُلَ فِعْلُهُ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: أنْ يَتَفَكَّرُوا في أسْرارِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَصِيرَ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ المَخْلُوقاتِ كالمِرْآةِ المَجْلُوَّةِ المُحاذِيَةِ لِعالَمِ القُدُسِ، فَإذا نَظَرَ العَبْدُ إلَيْها انْعَكَسَ شُعاعُ بَصَرِهِ مِنها إلى عالَمِ الجَلالِ، وهَذا المَقامُ مَقامٌ لا نِهايَةَ لَهُ، أمّا ذِكْرُهم إيّاهُ تَعالى بِجَوارِحِهِمْ، فَهو أنْ تَكُونَ جَوارِحُهم مُسْتَغْرِقَةً في الأعْمالِ الَّتِي أُمِرُوا بِها، وخالِيَةً عَنِ الأعْمالِ الَّتِي نُهُوا عَنْها، وعَلى هَذا الوَجْهِ سَمّى اللَّهُ تَعالى الصَّلاةَ ذِكْرًا بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فَصارَ الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُونِي﴾ مُتَضَمِّنًا جَمِيعَ الطّاعاتِ، فَلِهَذا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: اذْكُرُونِي بِطاعَتِي، فَأجْمَلَهُ حَتّى يَدْخُلَ الكُلُّ فِيهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِالمَوْضِعِ، والَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ الثَّوابِ والمَدْحِ، وإظْهارِ الرِّضا والإكْرامِ، وإيجابِ
صفحة ١٣١
المَنزِلَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ ثُمَّ لِلنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ عِباراتٌ:
الأُولى: اذْكُرُونِي بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِرَحْمَتِي.
الثّانِيَةُ: اذْكُرُونِي بِالدُّعاءِ أذْكُرْكم بِالإجابَةِ والإحْسانِ وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، قالَ: أمَرَ الخَلْقَ بِأنْ يَذْكُرُوهُ راغِبِينَ راهِبِينَ، وراجِينَ خائِفِينَ، ويُخْلِصُوا الذِّكْرَ لَهُ عَنِ الشُّرَكاءِ، فَإذا هم ذَكَرُوهُ بِالإخْلاصِ في عِبادَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ ذَكَرَهم بِالإحْسانِ والرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ في العاجِلَةِ والآجِلَةِ.
الثّالِثَةُ: اذْكُرُونِي بِالثَّناءِ والطّاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَّناءِ والنِّعْمَةِ.
الرّابِعَةُ: اذْكُرُونِي في الدُّنْيا أذْكُرْكم في الآخِرَةِ.
الخامِسَةُ: اذْكُرُونِي في الخَلَواتِ أذْكُرْكم في الفَلَواتِ.
السّادِسَةُ: اذْكُرُونِي في الرَّخاءِ أذْكُرْكم في البَلاءِ.
السّابِعَةُ: اذْكُرُونِي بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِمَعُونَتِي.
الثّامِنَةُ: اذْكُرُونِي بِمُجاهَدَتِي أذْكُرْكم بِهِدايَتِي.
التّاسِعَةُ: اذْكُرُونِي بِالصِّدْقِ والإخْلاصِ أذْكُرْكم بِالخَلاصِ ومَزِيدِ الِاخْتِصاصِ. العاشِرَةُ: اذْكُرُونِي بِالرُّبُوبِيَّةِ في الفاتِحَةِ أذْكُرْكم بِالرَّحْمَةِ والعُبُودِيَّةِ في الخاتِمَةِ.
البقرة 2:153
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُونِي﴾ جَمِيعَ العِباداتِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ ما يَتَّصِلُ بِالشُّكْرِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما يُعِينُ عَلَيْهِما فَقالَ: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ وإنَّما خَصَّهُما بِذَلِكَ لِما فِيهِما مِنَ المَعُونَةِ عَلى العِباداتِ، أمّا الصَّبْرُ فَهو قَهْرُ النَّفْسِ عَلى احْتِمالِ المَكارِهِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وتَوْطِينِها عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ وتَجَنُّبِ الجَزَعِ، ومَن حَمَلَ نَفْسَهُ وقَلْبَهُ عَلى هَذا التَّذْلِيلِ سَهُلَ عَلَيْهِ فِعْلُ الطّاعاتِ وتَحَمُّلُ مَشاقِّ العِباداتِ، وتَجَنُّبُ المَحْظُوراتِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الصَّبْرَ عَلى الصَّوْمِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الجِهادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٤] وأيْضًا فَلِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالتَّثَبُّتِ في الجِهادِ فَقالَ: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] وبِالتَّثَبُّتِ في الصَّلاةِ أيْ في الدُّعاءِ فَقالَ: ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]، إلّا أنَّ القَوْلَ الَّذِي اخْتَرْناهُ أوْلى لِعُمُومِ اللَّفْظِ وعَدَمِ تَقْيِيدِهِ، والِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّها يَجِبُ أنْ تُفْعَلَ عَلى طَرِيقِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ والإخْلاصِ لَهُ، ويَجِبُ أنْ يُوَفِّرَ هَمَّهُ وقَلْبَهُ عَلَيْها وعَلى ما يَأْتِي فِيها مِن قِراءَةٍ فَيَتَدَبَّرُ الوَعْدَ والوَعِيدَ والتَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولِذَلِكَ نَرى أهْلَ الخَيْرِ عِنْدَ النَّوائِبِ مُتَّفِقِينَ عَلى الفَزَعِ إلى الصَّلاةِ، ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزَعَ إلى الصَّلاةِ» .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ يَعْنِي في النَّصْرِ لَهم كَما قالَ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] فَكَأنَّهُ تَعالى ضَمِنَ لَهم إذا هُمُ اسْتَعانُوا عَلى طاعاتِهِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ أنْ يَزِيدَهم تَوْفِيقًا وتَسْدِيدًا وألْطافًا كَما قالَ: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] .
البقرة 2:154
صفحة ١٣٢
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَظِيرُ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ووَجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ في إقامَةِ دِينِي، فَإنِ احْتَجْتُمْ في تِلْكَ الإقامَةِ إلى مُجاهَدَةِ عَدُوِّي بِأمْوالِكم وأبْدانِكم فَفَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَتَلِفَتْ نُفُوسُكم فَلا تَحْسَبُوا أنَّكم ضَيَّعْتُمْ أنْفُسَكم، بَلِ اعْلَمُوا أنَّ قَتْلاكم أحْياءٌ عِنْدِي وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَتْلى بَدْرٍ، وقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وثَمانِيَةٌ مِنَ الأنْصارِ، فَمِنَ المُهاجِرِينَ: عُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعُمَرُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وذُو الشَّمالَيْنِ، وعَمْرُو بْنُ نُفَيْلَةَ، وعامِرُ بْنُ بَكْرٍ، ومِهْجَعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ومِنَ الأنْصارِ: سَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، وقَيْسُ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وزَيْدُ بْنُ الحارِثِ، وتَمِيمُ بْنُ الهُمامِ، ورافِعُ بْنُ المُعَلّى، وحارِثَةُ بْنُ سُراقَةَ، ومُعَوِّذُ بْنُ عَفْراءَ، وعَوْفُ بْنُ عَفْراءَ، وكانُوا يَقُولُونَ: ماتَ فُلانٌ وماتَ فُلانٌ فَنَهى اللَّهُ تَعالى أنْ يُقالَ فِيهِمْ إنَّهم ماتُوا. وعَنْ آخَرِينَ أنَّ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ قالُوا: إنَّ النّاسَ يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم طَلَبًا لِمَرْضاةِ مُحَمَّدٍ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أمْواتٌ) رُفِعَ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لا تَقُولُوا هم أمْواتٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهم في الوَقْتِ أحْياءٌ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهم لِإيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُطِيعِينَ يَصِلُ ثَوابُهم إلَيْهِمْ وهم في القُبُورِ، فَإنْ قِيلَ: نَحْنُ نُشاهِدُ أجْسادَهم مَيْتَةً في القُبُورِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ ؟ قُلْنا: أمّا عِنْدَنا فالبِنْيَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، ولا امْتِناعَ في أنْ يُعِيدَ اللَّهُ الحَياةَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ والأجْزاءِ الصَّغِيرَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُعِيدَ اللَّهُ الحَياةَ إلى الأجْزاءِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها في ماهِيَّةِ الحَيِّ ولا يُعْتَبَرُ بِالأطْرافِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُحْيِيَهم إذا لَمْ يُشاهَدُوا.
القَوْلُ الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: يَعْنِي لا تُسَمُّوهم بِالمَوْتى، وقُولُوا لَهُمُ الشُّهَداءَ الأحْياءَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: هم أمْواتٌ في الدِّينِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] فَقالَ: ولا تَقُولُوا لِلشُّهَداءِ ما قالَهُ المُشْرِكُونَ، ولَكِنْ قُولُوا: هم أحْياءٌ في الدِّينِ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ، يَعْنِي المُشْرِكُونَ لا يَعْلَمُونَ أنَّ مَن قُتِلَ عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَيٌّ في الدِّينِ، وعَلى هُدًى مِن رَبِّهِ ونُورٍ، كَما رُوِيَ في بَعْضِ الحِكاياتِ أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَجُلٍ: ما ماتَ رَجُلٌ خَلَفَ مِثْلَكَ، وحُكِيَ عَنْ بُقْراطَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ لِتَلامِذَتِهِ: مُوتُوا بِالإرادَةِ تَحْيَوْا بِالطَّبِيعَةِ أيْ بِالرُّوحِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم ويَخْسَرُونَ حَياتَهم فَيَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيا بِلا فائِدَةٍ، ويُضَيِّعُونَ أعْمارَهم إلى غَيْرِ شَيْءٍ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا
صفحة ١٣٣
دَهْرِيَّةً يُنْكِرُونَ المَعادَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِالمَعادِ، إلّا أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَلِذَلِكَ قالُوا هَذا الكَلامَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ولا تَقُولُوا كَما قالَ المُشْرِكُونَ إنَّهم أمْواتٌ لا يُنْشَرُونَ ولا يَنْتَفِعُونَ بِما تَحَمَّلُوا مِنَ الشَّدائِدِ في الدُّنْيا، ولَكِنِ اعْلَمُوا أنَّهم أحْياءٌ، أيْ سَيَحْيَوْنَ فَيُثابُونَ ويُنَعَّمُونَ في الجَنَّةِ، وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿أحْياءٌ﴾ بِأنَّهم سَيَحْيَوْنَ غَيْرُ بَعِيدٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ -١٤]، وقالَ: ﴿أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ [الكهف: ٢٩]، وقالَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وقالَ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الحج: ٥٦] عَلى مَعْنى أنَّهم سَيَصِيرُونَ كَذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الكَعْبِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ عَلى تَرْجِيحِ القَوْلِ الأوَّلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى عَذابِ القَبْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] والمَوْتَتانِ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الحَياةِ في القَبْرِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وقالَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] وإذا ثَبَتَ عَذابُ القَبْرِ وجَبَ القَوْلُ بِثَوابِ القَبْرِ أيْضًا؛ لِأنَّ العَذابَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى عَلى العَبْدِ، والثَّوابَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإسْقاطُ العِقابِ أحْسَنُ مِن إسْقاطِ الثَّوابِ فَحَيْثُما أسْقَطَ العِقابَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بَلْ حَقَّقَهُ في القَبْرِ، كانَ ذَلِكَ في الثَّوابِ أوْلى.
وثانِيها: أنَّ المَعْنى لَوْ كانَ عَلى ما قِيلَ في القَوْلِ الثّانِي والثّالِثِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ مَعْنًى؛ لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدْ كانُوا لا يَعْلَمُونَ أنَّهم سَيَحْيَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّهم ماتُوا عَلى هُدًى ونُورٍ، فَعُلِمَ أنَّ الأمْرَ عَلى ما قُلْنا مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهم في قُبُورِهِمْ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠] دَلِيلٌ عَلى حُصُولِ الحَياةِ في البَرْزَخِ قَبْلَ البَعْثِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «”القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النِّيرانِ“» والأخْبارُ في ثَوابِ القَبْرِ وعَذابِهِ كالمُتَواتِرَةِ، «وكانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَقُولُ في آخِرِ صَلاتِهِ: ”وأعُوذُ بِكَ مِن عَذابِ القَبْرِ“» .
وخامِسُها: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: أنَّهم أحْياءٌ أنَّهم سَيَحْيَوْنَ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِتَخْصِيصِهِمْ بِهَذا فائِدَةٌ، أجابَ عَنْهُ أبُو مُسْلِمٍ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ دَرَجَتَهم في الجَنَّةِ أرْفَعُ ومَنزِلَتَهم أعْلى وأشْرَفُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] فَأرادَهم بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مَنزِلَةَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ أعْظَمُ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما خَصَّهم بِالذِّكْرِ.
وسادِسُها: أنَّ النّاسَ يَزُورُونَ قُبُورَ الشُّهَداءِ ويُعَظِّمُونَها، وذَلِكَ يَدُلُّ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ عَلى ما ذَكَرْناهُ، واحْتَجَّ أبُو مُسْلِمٍ عَلى تَرْجِيحِ قَوْلِهِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في آلِ عِمْرانَ، فَقالَ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ بِالمَكانِ، بَلْ بِالكَوْنِ في الجَنَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ أهْلَ الثَّوابِ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلّا بَعْدَ القِيامَةِ.
صفحة ١٣٤
والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ العِنْدِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا بِالكَوْنِ في الجَنَّةِ بَلْ بِإعْلاءِ الدَّرَجاتِ وإيصالِ البِشاراتِ إلَيْهِ وهو في القَبْرِ أوْ في مَوْضِعٍ آخَرَ، واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ قَوْلًا آخَرَ وهو: أنَّ ثَوابَ القَبْرِ وعَذابَهُ لِلرُّوحِ لا لِلْقالَبِ، وهَذا القَوْلُ بِناءً عَلى مَعْرِفَةِ الرُّوحِ، ولْنُشِرْ إلى خُلاصَةِ حاصِلِ قَوْلِ هَؤُلاءِ فَنَقُولُ: إنَّهم قالُوا إنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ هَذا الهَيْكَلِ المَحْسُوسِ، أمّا إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ هَذا الهَيْكَلِ فَلِوَجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أجْزاءَ هَذا الهَيْكَلِ أبَدًا في النُّمُوِّ والذُّبُولِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والِاسْتِكْمالِ والذَّوَبانِ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ مِن حَيْثُ هو هو أمْرٌ باقٍ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ، والباقِي غَيْرُ ما هو غَيْرُ باقٍ، والمُشارُ إلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: (أنا) وجَبَ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِهَذا الهَيْكَلِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنِّي أكُونُ عالِمًا بِأنِّي أنا حالَ ما أكُونُ غافِلًا عَنْ جَمِيعِ أجَزائِي وأبْعاضِي، والمَعْلُومُ غَيْرُ ما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ، فالَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِي (أنا) مُغايِرٌ لِهَذِهِ الأعْضاءِ والأبْعاضِ، وأمّا أنَّ الإنْسانَ غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَلِأنَّ المَحْسُوسَ إنَّما هو السَّطْحُ واللَّوْنُ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ هو مُجَرَّدُ اللَّوْنِ والسَّطْحِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا عِنْدَ ذَلِكَ في أنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ (أنا) أيُّ شَيْءٍ هو ؟ والأقْوالُ فِيهِ كَثِيرَةٌ إلّا أنَّ أشَدَّها تَلْخِيصًا وتَحْصِيلًا وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّ أجْزاءَ جِسْمانِيَّةً سارِيَةٌ في هَذا الهَيْكَلِ سَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، والدُّهْنِ في السِّمْسِمِ، وماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ فَرِيقانِ. أحَدُهُما: الَّذِينَ اعْتَقَدُوا تَماثُلَ الأجْسامِ فَقالُوا: إنَّ تِلْكَ الأجْسامَ مُماثِلَةٌ لِسائِرِ الأجْزاءِ الَّتِي مِنها يَتَألَّفُ هَذا الهَيْكَلُ إلّا أنَّ القادِرَ المُخْتارَ سُبْحانَهُ يُبْقِي بَعْضَ الأجْزاءِ مِن أوَّلِ العُمُرِ إلى آخِرِهِ فَتِلْكَ الأجْزاءُ هي الَّتِي يُشِيرُ إلَيْها كُلُّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ (أنا) ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ حَيَّةٌ بِحَياةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى فِيها، فَإذا زالَتِ الحَياةُ ماتَتْ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ. وثانِيهِما: الَّذِينَ اعْتَقَدُوا اخْتِلافَ الأجْسامِ وزَعَمُوا أنَّ الأجْسامَ الَّتِي هي باقِيَةٌ مِن أوَّلِ العُمُرِ إلى آخِرِ العُمُرِ أجْسامٌ مُخالِفَةٌ بِالماهِيَّةِ والحَقِيقَةِ لِلْأجْسامِ الَّتِي يَتَألَّفُ مِنها هَذا الهَيْكَلُ وتِلْكَ الأجْسامُ حَيَّةٌ لِذاتِها مُدْرِكَةٌ لِذاتِها، فَإذا خالَطَتْ هَذا البَدَنَ وصارَتْ سارِيَةً في هَذا الهَيْكَلِ، سَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ صارَ هَذا الهَيْكَلُ مُسْتَطِيرًا بِنُورِ ذَلِكَ الرُّوحِ مُتَحَرِّكًا بِتَحَرُّكِهِ، ثُمَّ إنَّ هَذا الهَيْكَلَ أبَدًا في الذَّوَبانِ والتَّحَلُّلِ والتَّبَدُّلِ، إلّا أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ باقِيَةٌ بِحالِها، وإنَّما لا يَعْرِضُ لَها التَّحَلُّلُ؛ لِأنَّها مُخالِفَةٌ بِالماهِيَّةِ لِهَذِهِ الأجْسامِ البالِيَةِ، فَإذا فَسَدَ هَذا القالَبُ انْفَصَلَتْ تِلْكَ الأجْسامُ اللَّطِيفَةُ النُّورانِيَّةُ إلى عالَمِ السَّماواتِ والقُدُسِ والطَّهارَةِ إنْ كانَتْ مِن جُمْلَةِ السُّعَداءِ، وإلى الجَحِيمِ وعالَمِ الآفاتِ إنْ كانَتْ مِن جُمْلَةِ الأشْقِياءِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: (أنا مَوْجُودٌ) لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا قائِمٌ بِالمُتَحَيِّزِ، وأنَّهُ لَيْسَ داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَ العالَمِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ كَذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في السُّلُوكِ لا يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في الماهِيَّةِ، واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّ في المَعْلُوماتِ ما هو فَرْدٌ حَقًّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِهِ فَرْدًا حَقًّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بِذَلِكَ العِلْمِ فَرْدًا حَقًّا، وكُلُّ جِسْمٍ وكُلُّ حالٍ في الجِسْمِ فَلَيْسَ بِفَرْدٍ حَقًّا، فَذَلِكَ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ مِنّا أنَّهُ يَعْلَمُ هَذِهِ المُفْرَداتِ، وجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا ولا جِسْمانِيًّا. أمّا أنَّ في المَعْلُوماتِ ما هو فَرْدٌ حَقًّا فَلِأنَّهُ لا شَكَّ في وُجُودِ شَيْءٍ، فَهَذا المَوْجُودُ إنْ كانَ فَرْدًا حَقًّا فَهو المَطْلُوبُ، وإنْ كانَ مُرَكَّبًا فالمُرَكَّبُ مُرَكَّبٌ عَلى الفَرْدِ، فَلا بُدَّ مِنَ الفَرْدِ عَلى كُلِّ الأحْوالِ، وأمّا أنَّهُ إذا كانَ في المَعْلُوماتِ ما هو فَرْدٌ كانَ في المَعْلُومِ ما هو فَرْدٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِذَلِكَ الفَرْدِ إنْ كانَ مُنْقَسِمًا فَكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ أوْ بَعْضِ
صفحة ١٣٥
أجْزائِهِ إمّا أنْ يَكُونَ عِلْمًا بِذَلِكَ المَعْلُومِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الجُزْءُ مُساوِيًا لِلْكُلِّ وهو مُحالٌ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِن أجْزائِهِ عِلْمًا بِذَلِكَ المَعْلُومِ، فَعِنْدَ اجْتِماعِ تِلْكَ الأجْزاءِ، إمّا أنْ يَحْدُثَ زائِدٌ هو العِلْمُ بِذَلِكَ المَعْلُومِ الفَرْدِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ العِلْمُ بِذَلِكَ المَعْلُومِ هو هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ الحادِثَةُ لا تِلْكَ الأشْياءُ الَّتِي فَرَضْناها قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ إنْ كانَتْ مُنْقَسِمَةً عادَ الحَدِيثُ فِيهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُنْقَسِمَةً فَهو المَطْلُوبُ، وأمّا أنَّهُ إذا كانَ في المَعْلُومِ عِلْمٌ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ كانَ المَوْصُوفُ بِهِ أيْضًا كَذَلِكَ، فَلِأنَّ المَوْصُوفَ بِهِ لَوْ كانَ قَبِلَ القِسْمَةَ لَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ أوْ شَيْءٌ مِنها إنْ كانَ مَوْصُوفًا بِهِ بِتَمامِهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ العَرَضُ الواحِدُ حالًّا في أشْياءَ كَثِيرَةٍ وهو مُحالٌ، أوْ يَتَوَزَّعُ أجْزاءُ الحالِّ عَلى أجْزاءِ المَحَلِّ، فَيُقَسَّمُ الحالُّ وقَدْ فَرَضْنا أنَّهُ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ أوْ لا يَتَّصِفُ شَيْءٌ مِن أجْزاءِ المَحَلِّ إلّا بِتَمامِ الحالِّ ولا شَيْءَ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ الحالِّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ المَحَلُّ خالِيًا عَنْ ذَلِكَ الحالِّ وقَدْ فَرَضْناهُ مَوْصُوفًا بِهِ هَذا خُلْفٌ، وأمّا أنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ يَنْقَسِمُ فَبِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في نَفْيِ الجَوْهَرِ الفَرْدِ، قالُوا: فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: (أنا مَوْجُودٌ) لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا قائِمٌ بِالمُتَحَيِّزِ. ثُمَّ نَقُولُ: هَذا المَوْجُودُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُدْرِكًا لِلْجُزْئِيّاتِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُنِي أنْ أحْكُمَ عَلى هَذا الشَّخْصِ المُشارِ إلَيْهِ بِأنَّهُ إنْسانٌ ولَيْسَ بِفَرَسٍ، والحاكِمُ بِشَيْءٍ عَلى شَيْءٍ لا بُدَّ وأنْ يُحْضِرَ المَقْضِيَّ عَلَيْهِما فَهَذا الشَّيْءُ مُدْرِكٌ لِهَذا الجُزْئِيِّ ولِلْإنْسانِ الكُلِّيِّ حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يَحْكُمَ بِهَذا الكُلِّيِّ عَلى هَذا الجُزْئِيِّ والمُدْرِكِ لِلْكُلِّيّاتِ هو النَّفْسُ، والمُدْرِكُ لِلْجُزْئِيّاتِ أيْضًا هو النَّفْسُ، فَكُلُّ مَن كانَ مُدْرِكًا لِلْجُزْئِيّاتِ فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَلْتَذَّ ويَتَألَّمَ، قالُوا: إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ الأرْواحُ بَعْدَ المُفارَقَةِ تَتَألَّمُ وتَلْتَذُّ إلى أنْ يَرُدَّها اللَّهُ تَعالى إلى الأبْدانِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَهُناكَ يَحْصُلُ الِالتِذاذُ والتَّألُّمُ لِلْأبْدانِ، فَهَذا قَوْلٌ قالَ بِهِ عالَمٌ مِنَ النّاسِ، قالُوا: وهَبْ أنَّهُ لَمْ يَقُمْ بُرْهانٌ قاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِهِ ولَكِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى فَسادِهِ، فَإنَّهُ مِمّا يُؤَيِّدُ الشَّرْعُ ويَنْصُرُ ظاهِرَ القُرْآنِ ويُزِيلُ الشُّكُوكَ والشُّبُهاتِ عَمّا ورَدَ في كِتابِ اللَّهِ مِن ثَوابِ القَبْرِ وعَذابِهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، فَهَذا هو الإشارَةُ المُخْتَصَرَةُ في تَوْجِيهِ هَذا القَوْلِ، واللَّهُ هو العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
قالُوا: ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ هو أنَّ ثَوابَ القَبْرِ وعَذابَهُ إمّا أنْ يَصِلَ إلى هَذِهِ البِنْيَةِ أوْ إلى جُزْءٍ مِن أجْزائِها، والأوَّلُ مُكابَرَةٌ لِأنّا نَجِدُ هَذِهِ البِنْيَةَ مُتَفَرِّقَةً مُتَمَزِّقَةً، فَكَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِوُصُولِ الثَّوابِ والعِقابِ إلَيْها ؟ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي بَعْضَ تِلْكَ الأجْزاءِ الصَّغِيرَةِ ويُوصِلُ الثَّوابَ والعِقابَ إلَيْها، وإذا جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الإنْسانُ هو الرُّوحُ فَإنَّهُ لا يَعْرِضُ لَهُ التَّفَرُّقُ والتَّمَزُّقُ، فَلا جَرَمَ يَصِلُ إلَيْهِ الألَمُ واللَّذَّةُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَرُدُّ الرُّوحَ إلى البَدَنِ يَوْمَ القِيامَةِ الكُبْرى، حَتّى تَنْضَمَّ الأحْوالُ الجِسْمانِيَّةُ إلى الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ.
البقرة 2:155
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾
صفحة ١٣٦
اعْلَمْ أنَّ القَفّالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قالَ: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أيِ: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ فَإنّا نَبْلُوكم بِالخَوْفِ وبِكَذا وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ والشُّكْرُ يُوجِبُ المَزِيدَ عَلى ما قالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فَكَيْفَ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ إكْمالَ الشَّرائِعِ إتْمامُ النِّعْمَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلشُّكْرِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ القِيامَ بِتِلْكَ الشَّرائِعِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَحَمُّلِ المِحَنِ، فَلا جَرَمَ أمَرَ فِيها بِالصَّبْرِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ أوَّلًا فَأمَرَ بِالشُّكْرِ، ثُمَّ ابْتَلى وأمَرَ بِالصَّبْرِ، لِيَنالَ الرَّجُلُ دَرَجَةَ الشّاكِرِينَ والصّابِرِينَ مَعًا، فَيَكْمُلُ إيمانُهُ عَلى ما قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «”الإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفُ صَبْرٍ ونِصْفُ شُكْرٍ“» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المُخاطَبَةِ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الهِجْرَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمّا أنَّ الِابْتِلاءَ كَيْفَ يَصِحُّ عَلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى فَقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] وأمّا الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ تَعْرِيفِ هَذا الِابْتِلاءِ فَفِيها وُجُوهٌ:
أحَدُها: لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الصَّبْرِ عَلَيْها إذا ورَدَتْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْعَدَ لَهم عَنِ الجَزَعِ، وأسْهَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الوُرُودِ.
وثانِيها: أنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ سَتَصِلُ إلَيْهِمْ تِلْكَ المِحَنُ، اشْتَدَّ خَوْفُهم، فَيَصِيرُ ذَلِكَ الخَوْفُ تَعْجِيلًا لِلِابْتِلاءِ، فَيَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَزِيدَ الثَّوابِ.
وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ إذا شاهَدُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مُقِيمِينَ عَلى دِينِهِمْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ مَعَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن نِهايَةِ الضُّرِّ والمِحْنَةِ والجُوعِ، يَعْلَمُونَ أنَّ القَوْمَ إنَّما اخْتارُوا هَذا الدِّينَ لِقَطْعِهِمْ بِصِحَّتِهِ، فَيَدْعُوهم ذَلِكَ إلى مَزِيدِ التَّأمُّلِ في دَلائِلِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ الظّاهِرِ أنَّ التَّبَعَ إذا عَرَفُوا أنَّ المَتْبُوعَ في أعْظَمِ المِحَنِ بِسَبَبِ المَذْهَبِ الَّذِي يَنْصُرُهُ، ثُمَّ رَأوْهُ مَعَ ذَلِكَ مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ المَذْهَبِ كانَ ذَلِكَ أدْعى لَهم إلى اتِّباعِهِ مِمّا إذا رَأوْهُ مُرَفَّهَ الحالِ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ المَذْهَبِ.
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الِابْتِلاءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَوُجِدَ مُخْبِرُ ذَلِكَ الخَبَرِ عَلى ما أخْبَرَ عَنْهُ، فَكانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَكانَ مُعْجِزًا.
وخامِسُها: أنَّ مِنَ المُنافِقِينَ مَن أظْهَرَ مُتابَعَةَ الرَّسُولِ طَمَعًا مِنهُ في المالِ وسَعَةِ الرِّزْقِ، فَإذا اخْتَبَرَهُ تَعالى بِنُزُولِ هَذِهِ المِحَنِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَمَيَّزُ المُنافِقُ عَنِ المُوافِقِ؛ لِأنَّ المُنافِقَ إذا سَمِعَ ذَلِكَ نَفَرَ مِنهُ وتَرَكَ دِينَهُ فَكانَ في هَذا الِاخْتِبارِ هَذِهِ الفائِدَةُ.
وسادِسُها: أنَّ إخْلاصَ الإنْسانِ حالَةَ البَلاءِ ورُجُوعَهُ إلى بابِ اللَّهِ تَعالى أكْثَرُ مِن إخْلاصِهِ حالَ إقْبالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ، فَكانَتِ الحِكْمَةُ في هَذا الِابْتِلاءِ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قالَ بِشَيْءٍ عَلى الوُحْدانِ، ولَمْ يَقُلْ بِأشْياءَ عَلى الجَمْعِ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: لِئَلّا يُوهِمَ بِأشْياءَ مِن كُلِّ واحِدٍ، فَيَدُلُّ عَلى ضُرُوبِ الخَوْفِ، والتَّقْدِيرُ: بِشَيْءٍ مِن كَذا وشَيْءٍ مِن كَذا.
الثّانِي: مَعْناهُ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ ما يُلاقِيكَ مِن مَكْرُوهٍ ومَحْبُوبٍ، فَيَنْقَسِمُ إلى مَوْجُودٍ في الحالِ وإلى ما كانَ مَوْجُودًا في الماضِي وإلى ما سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ، فَإذا خَطَرَ بِبالِكَ مَوْجُودٌ فِيما مَضى سُمِّيَ ذِكْرًا وتَذَكُّرًا وإنْ كانَ مَوْجُودًا في الحالِ: يُسَمّى ذَوْقًا ووَجْدًا، وإنَّما سُمِّيَ وجْدًا لِأنَّها حالَةٌ تَجِدُها مِن نَفْسِكَ وإنْ كانَ قَدْ خَطَرَ بِبالِكَ وُجُودُ شَيْءٍ في الِاسْتِقْبالِ وغَلَبَ ذَلِكَ عَلى قَلْبِكَ، سُمِّيَ انْتِظارًا وتَوَقُّعًا، فَإنْ كانَ المُنْتَظَرُ مَكْرُوهًا
صفحة ١٣٧
حَصَلَ مِنهُ ألَمٌ في القَلْبِ يُسَمّى خَوْفًا وإشْفاقًا، وإنْ كانَ مَحْبُوبًا سُمِّيَ ذَلِكَ ارْتِياحًا، والِارْتِياحُ رَجاءٌ، فالخَوْفُ هو تَأمُّلُ القَلْبِ لِانْتِظارِ ما هو مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ، والرَّجاءُ هو ارْتِياحُ القَلْبِ لِانْتِظارِ ما هو مَحْبُوبٌ عِنْدَهُ، وأمّا الجُوعُ فالمُرادُ مِنهُ القَحْطُ وتَعَذُّرُ تَحْصِيلِ القُوتِ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أمّا الخَوْفُ الشَّدِيدُ فَقَدْ حَصَلَ لَهم عِنْدَ مُكاشَفَتِهِمُ العَرَبَ بِسَبَبِ الدِّينِ، فَكانُوا لا يَأْمَنُونَ قَصْدَهم إيّاهم واجْتِماعَهم عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانَ مِنَ الخَوْفِ في وقْعَةِ الأحْزابِ ما كانَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] وأمّا الجُوعُ فَقَدْ أصابَهم في أوَّلِ مُهاجَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلى المَدِينَةِ لِقِلَّةِ أمْوالِهِمْ، حَتّى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَشُدُّ الحَجَرَ عَلى بَطْنِهِ، ورَوى أبُو الهَيْثَمِ بْنُ التَيِّهانِ «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ التَقى مَعَ أبِي بَكْرٍ قالَ: ما أخْرَجَكَ ؟ قالَ: الجُوعُ، قالَ: أخْرَجَنِي ما أخْرَجَكَ»: وأمّا النَّقْصُ في الأمْوالِ والأنْفُسِ فَقَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ عِنْدَ مُحارَبَةِ العَدُوِّ بِأنْ يُنْفِقَ الإنْسانُ مالَهُ في الِاسْتِعْدادِ لِلْجِهادِ وقَدْ يُقْتَلُ، فَهُناكَ يَحْصُلُ النَّقْصُ في المالِ والنَّفْسِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١] وقَدْ يَحْصُلُ الجُوعُ في سَفَرِ الجِهادِ عِنْدَ فَناءِ الزّادِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] وقَدْ يَكُونُ النَّقْصُ في النَّفْسِ بِمَوْتِ بَعْضِ الإخْوانِ والأقارِبِ عَلى ما هو التَّأْوِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وأمّا نَقْصُ الثَّمَراتِ فَقَدْ يَكُونُ بِالجَدْبِ وقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ عِمارَةِ الضِّياعِ لِلِاشْتِغالِ بِجِهادِ الأعْداءِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالإنْفاقِ عَلى مَن كانَ يَرِدُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوُفُودِ، هَذا آخِرُ كَلامِ القَفّالِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الخَوْفُ: خَوْفُ اللَّهِ، والجُوعُ: صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ، والنَّقْصُ مِنَ الأمْوالِ: الزَّكَواتُ والصَّدَقاتُ، ومِنَ الأنْفُسِ: الأمْراضُ، ومِنَ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ.
* * *
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ بَيَّنَ جُمْلَةَ الصّابِرِينَ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الصَّبْرَ واجِبٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ إذا كانَ مِن قِبَلِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَدْلٌ وحِكْمَةٌ، فَأمّا مَن لَمْ يَكُنْ مُحَقَّقًا في الإيمانِ كانَ كَمَن قالَ فِيهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] فَأمّا ما يَكُونُ مِن جانِبِ الظُّلْمَةِ فَلا يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، مِثالُهُ: أنَّ المُراهِقَ يَلْزَمُهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَفْعَلُهُ بِهِ أبُوهُ مِنَ التَّأْدِيبِ، ولَوْ فَعَلَهُ بِهِ غَيْرُهُ لَكانَ لَهُ أنْ يُمانِعَ بَلْ يُحارِبَ، وكَذا في العَبْدِ مَعَ مَوْلاهُ فَما يُدَبِّرُ تَعالى عِبادَهُ عَلَيْهِ، لَيْسَ ذَلِكَ إلّا حِكْمَةً وصَوابًا بِخِلافِ ما يَفْعَلُ العِبادُ مِنَ الظُّلْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخِطابُ في (وبَشِّرِ) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اعْلَمْ أنَّ الصَّبْرَ مِن خَواصِّ الإنْسانِ ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في البَهائِمِ والمَلائِكَةِ، أمّا في البَهائِمِ فَلِنُقْصانِها، وأمّا في المَلائِكَةِ فَلِكَمالِها، بَيانُهُ أنَّ البَهائِمَ سُلِّطَتْ عَلَيْها الشَّهَواتُ، ولَيْسَ لِشَهَواتِها عَقْلٌ يُعارِضُها، حَتّى يُسَمّى ثَباتُ تِلْكَ القُوَّةِ في مُقابَلَةِ مُقْتَضى الشَّهْوَةِ صَبْرًا، وأمّا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جُرِّدُوا لِلشَّوْقِ إلى حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، والِابْتِهاجِ بِدَرَجَةِ القُرْبِ مِنها، ولَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ شَهْوَةٌ صارِفَةٌ عَنْها، حَتّى تَحْتاجَ إلى مُصادَمَةِ ما يَصْرِفُها عَنْ حَضْرَةِ الجَلالِ بِجُنْدٍ آخَرَ، وأمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ خُلِقَ في ابْتِداءِ الصِّبا ناقِصًا مِثْلَ البَهِيمَةِ، ولَمْ يُخْلَقْ فِيهِ إلّا شَهْوَةُ الغِذاءِ الَّذِي هو مُحْتاجٌ إلَيْهِ، ثُمَّ يَظْهَرُ فِيهِ شَهْوَةُ اللَّعِبِ، ثُمَّ شَهْوَةُ النِّكاحِ، ولَيْسَ لَهُ قُوَّةُ الصَّبْرِ البَتَّةَ، إذِ الصَّبْرُ عِبارَةٌ عَنْ ثَباتِ جُنْدٍ في مُقابَلَةِ جُنْدٍ آخَرَ، قامَ
صفحة ١٣٨
القِتالُ بَيْنَهُما لِتَضادِّ مَطالِبِهِما، أمّا البالِغُ فَإنَّ فِيهِ شَهْوَةً تَدْعُوهُ إلى طَلَبِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ، والإعْراضِ عَنِ الدّارِ الآخِرَةِ، وعَقْلًا يَدْعُوهُ إلى الإعْراضِ عَنْها، وطَلَبُ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ الباقِيَةِ، فَإذا عَرَفَ العَقْلُ أنَّ الِاشْتِغالَ بِطَلَبِ هَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ [ مانِعَةٌ لَهُ ] عَنِ الوُصُولِ إلى تِلْكَ اللَّذّاتِ الباقِيَةِ، صارَتْ داعِيَةُ العَقْلِ صادَّةً ومانِعَةً لِداعِيَةِ الشَّهْوَةِ مِنَ العَمَلِ، فَيُسَمّى ذَلِكَ الصَّدُّ والمَنعُ صَبْرًا، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الصَّبْرَ ضَرْبانِ. أحَدُهُما: بَدَنِيٌّ، كَتَحَمُّلِ المَشاقِّ بِالبَدَنِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، وهو إمّا بِالفِعْلِ كَتَعاطِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ أوْ بِالِاحْتِمالِ كالصَّبْرِ عَلى الضَّرْبِ الشَّدِيدِ والألَمِ العَظِيمِ.
والثّانِي: هو الصَّبْرُ النَّفْسانِيُّ وهو مَنعُ النَّفْسِ عَنْ مُقْتَضَياتِ الشَّهْوَةِ ومُشْتَهِياتِ الطَّبْعِ، ثُمَّ هَذا الضَّرْبُ إنْ كانَ صَبْرًا عَنْ شَهْوَةِ البَطْنِ والفَرْجِ سُمِّيَ عِفَّةً، وإنْ كانَ عَلى احْتِمالٍ مَكْرُوهٍ اخْتَلَفَتْ أسامِيهِ عِنْدَ النّاسِ بِاخْتِلافِ المَكْرُوهِ الَّذِي عَلَيْهِ الصَّبْرُ، فَإنْ كانَ في مُصِيبَةٍ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ بِاسْمِ الصَّبْرِ ويُضادُّهُ حالَةٌ تُسَمّى الجَزَعَ والهَلَعَ، وهو إطْلاقُ داعِي الهَوى في رَفْعِ الصَّوْتِ وضَرْبِ الخَدِّ وشَقِّ الجَيْبِ وغَيْرِها، وإنْ كانَ في حالِ الغِنى يُسَمّى ضَبْطَ النَّفْسِ ويُضادُّهُ حالَةٌ تُسَمّى: البَطَرَ. وإنْ كانَ في حَرْبٍ ومُقاتِلَةٍ يُسَمّى: شَجاعَةً، ويُضادُّهُ الجُبْنُ، وإنْ كانَ في كَظْمِ الغَيْظِ والغَضَبِ يُسَمّى: حِلْمًا، ويُضادُّهُ النَّزَقُ، وإنْ كانَ في نائِبَةٍ مِن نَوائِبِ الزَّمانِ مُضْجِرَةٍ سُمِّيَ: سِعَةَ الصَّدْرِ، ويُضادُّهُ الضَّجَرُ والنَّدَمُ وضِيقُ الصَّدْرِ، وإنْ كانَ في إخْفاءِ كَلامٍ يُسَمّى: كِتْمانَ النَّفْسِ ويُسَمّى صاحِبُهُ: كَتُومًا، وإنْ كانَ عَنْ فُضُولِ العَيْشِ سُمِّيَ زُهْدًا، ويُضادُّهُ الحِرْصُ، وإنْ كانَ عَلى قَدْرٍ يَسِيرٍ مِنَ المالِ سُمِّيَ بِالقَناعَةِ ويُضادُّهُ الشَّرَهُ، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى أقْسامَ ذَلِكَ وسَمّى الكُلَّ صَبْرًا فَقالَ: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيِ: المُصِيبَةِ. ﴿والضَّرّاءِ﴾ أيِ: الفَقْرِ: ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيِ: المُحارِبَةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَيْسَ الصَّبْرُ أنْ لا يَجِدَ الإنْسانُ ألَمَ المَكْرُوهِ، ولا أنْ لا يَكْرَهَ ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، إنَّما الصَّبْرُ هو حَمْلُ النَّفْسِ عَلى تَرْكِ إظْهارِ الجَزَعِ، فَإذا كَظَمَ الحُزْنَ وكَفَّ النَّفْسَ عَنْ إبْرازِ آثارِهِ كانَ صاحِبُهُ صابِرًا، وإنْ ظَهَرَ دَمْعُ عَيْنٍ أوْ تَغَيُّرُ لَوْنٍ، قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى“» وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن ظَهَرَ مِنهُ في الِابْتِداءِ ما لا يُعَدُّ مَعَهُ مِنَ الصّابِرِينَ ثُمَّ صَبَرَ، فَذَلِكَ يُسَمّى سَلْوًا وهو مِمّا لا بُدَّ مِنهُ، قالَ الحَسَنُ: لَوْ كُلِّفَ النّاسُ إدامَةَ الجَزَعِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في فَضِيلَةِ الصَّبْرِ قَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى الصّابِرِينَ بِأوْصافٍ وذَكَرَ الصَّبْرَ في القُرْآنِ في نَيِّفٍ وسَبْعِينَ مَوْضِعًا، وأضافَ أكْثَرَ الخَيْراتِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]، وقالَ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] وقالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فَما مِن طاعَةٍ إلّا وأجْرُها مُقَدَّرًا إلّا الصَّبْرَ، ولِأجْلِ كَوْنِ الصَّوْمِ مِنَ الصَّبْرِ قالَ تَعالى: (الصَّوْمُ لِي) فَأضافَهُ إلى نَفْسِهِ، ووَعَدَ الصّابِرِينَ بِأنَّهُ مَعَهم فَقالَ: ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] وعَلَّقَ النُّصْرَةَ عَلى الصَّبْرِ فَقالَ: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥] وجَمَعَ لِلصّابِرِينَ أُمُورًا لَمْ يَجْمَعْها لِغَيْرِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] . وأمّا الأخْبارُ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «”الصَّبْرُ نِصْفُ الإيمانِ“» وتَقْرِيرُهُ أنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ تَرْكِ ما لا يَنْبَغِي مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ والعَقائِدِ، وبِحُصُولِ ما يَنْبَغِي، فالِاسْتِمْرارُ عَلى تَرْكِ ما لا يَنْبَغِي هو الصَّبْرُ وهو النِّصْفُ
صفحة ١٣٩
الآخَرُ، فَعَلى مُقْتَضى هَذا الكَلامِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ كُلُّهُ صَبْرًا إلّا أنَّ تَرَكَ ما لا يَنْبَغِي وفِعْلَ ما يَنْبَغِي قَدْ يَكُونُ مُطابِقًا لِلشَّهْوَةِ، فَلا يَحْتاجُ فِيهِ إلى الصَّبْرِ، وقَدْ يَكُونُ مُخالِفًا لِلشَّهْوَةِ فَيَحْتاجُ فِيهِ إلى الصَّبْرِ، فَلا جَرَمَ جَعَلَ الصَّبْرَ نِصْفَ الإيمانِ، وقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”مِن أفْضَلِ ما أُوتِيتُمُ اليَقِينُ وعَزِيمَةُ الصَّبْرِ، ومَن أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنهُما لَمْ يُبالِ ما فاتَهُ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وصِيامِ النَّهارِ“» وقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”الإيمانُ هو الصَّبْرُ“» وهَذا شَبَهُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”الحَجُّ عَرَفَةُ“» .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَيانِ أنَّ الصَّبْرَ أفْضَلُ أمِ الشُّكْرَ ؟ قالَ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: دَلالَةُ الأخْبارِ عَلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ أشَدُّ، قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”مِن أفْضَلِ ما أُوتِيتُمُ اليَقِينُ وعَزِيمَةُ الصَّبْرِ“» وقالَ: «”يُؤْتى بِأشْكَرِ أهْلِ الأرْضِ فَيَجْزِيهِ اللَّهُ جَزاءَ الشّاكِرِينَ، ويُؤْتى بِأصْبَرِ أهْلِ الأرْضِ فَيُقالُ لَهُ: أتَرْضى أنْ نَجْزِيَكَ كَما جَزَيْنا هَذا الشّاكِرَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: لَقَدْ أنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَشَكَرْتَ، وابْتَلَيْتُكَ فَصَبَرْتَ، لَأُضَعِّفَنَّ لَكَ الأجْرَ فَيُعْطى أضْعافَ جَزاءِ الشّاكِرِينَ“» وأمّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”الطّاعِمُ الشّاكِرُ بِمَنزِلَةِ الصّائِمِ الصّابِرِ“» فَهو دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ الصَّبْرِ؛ لِأنَّ هَذا إنَّما يُذْكَرُ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ، وهي لا تَحْصُلُ إلّا إذا كانَ المُشَبَّهُ بِهِ أعْظَمَ دَرَجَةً مِنَ المُشَبَّهِ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ“»، وأيْضًا رُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدْخُلُ الجَنَّةَ بَعْدَ الأنْبِياءِ بِأرْبَعِينَ خَرِيفًا لِمَكانِ مُلْكِهِ، وآخِرُ الصَّحابَةِ دُخُولًا الجَنَّةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِمَكانِ غِناهُ، وفي الخَبَرِ: أبْوابُ الجَنَّةِ كُلُّها مِصْراعانِ إلّا بابَ الصَّبْرِ فَإنَّهُ مِصْراعٌ واحِدٌ وأوَّلُ مَن يَدْخُلُهُ أهْلُ البَلاءِ وأمامُهم أيُّوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ المِحَنَ لا يَجِبُ أنْ تَكُونَ عُقُوباتٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى وعَدَ بِها المُؤْمِنِينَ مِنَ الرَّسُولِ وأصْحابِهِ.
وثانِيها: أنَّ هَذِهِ المِحَنَ إذا قارَنَها الصَّبْرُ أفادَتْ دَرَجَةً عالِيَةً في الدِّينِ.
وثالِثُها: أنَّ كُلَّ هَذِهِ المِحَنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِلافَ قَوْلِ الثَّنَوِيَّةِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ الأمْراضَ وغَيْرَها إلى شَيْءٍ آخَرَ، وخِلافَ قَوْلِ المُنَجِّمِينَ الَّذِينَ يَنْسُبُونَها إلى سَعادَةِ الكَواكِبِ ونُحُوسَتِها.
ورابِعُها: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الغِذاءَ لا يُفِيدُ الشِّبَعَ، وشُرْبُ الماءِ لا يُفِيدُ الرِّيَّ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِما أجْرى اللَّهُ العادَةَ بِهِ عِنْدَ هَذِهِ الأسْبابِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ صَرِيحٌ في إضافَةِ هَذِهِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ أسْبابَها صَحَّ مِنهُ هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ مَجازٌ، والعُدُولُ إلى المَجازِ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ تَعَذُّرِ الحَقِيقَةِ.
البقرة 2:156
قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لِما قالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ كَيْفَ يَكُونُ صابِرًا، وأنَّ تِلْكَ البِشارَةَ كَيْفَ هي ؟ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٤٠
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَصائِبَ قَدْ تَكُونُ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ تَكُونُ مِن فِعْلِ العَبْدِ، أمّا الخَوْفُ الَّذِي يَكُونُ مِنَ اللَّهِ فَمِثْلُ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ والحَرْقِ والصّاعِقَةِ وغَيْرِها، والَّذِي مِن فِعْلِ العَبْدِ، فَهو أنَّ العَرَبَ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وأمّا الجُوعُ فَلِأجْلِ الفَقْرِ، وقَدْ يَكُونُ الفَقْرُ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يُتْلِفَ أمْوالَهم، وقَدْ يَكُونُ مِنَ العَبْدِ بِأنْ يُغْلَبُوا عَلَيْهِ فَيُتْلِفُوهُ، ونَقْصُ الأمْوالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنَّما يَكُونُ بِالجَوائِحِ الَّتِي تُصِيبُ الأمْوالَ والثَّمَراتِ، ومِنَ العَدُوِّ إنَّما يَكُونُ لِأنَّ القَوْمَ لِاشْتِغالِهِمْ لا يَتَفَرَّغُونَ لِعِمارَةِ الأراضِي، ونَقْصُ الأنْفُسِ مِنَ اللَّهِ بِالإماتَةِ ومِنَ العِبادِ بِالقَتْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُضِفْ هَذِهِ المُصِيبَةَ إلى نَفْسِهِ بَلْ عَمَّمَ، وقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَها كُلُّ مَضَرَّةٍ يَنالُها مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ويَنالُها مِن قِبَلِ العِبادِ؛ لِأنَّ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَلَيْهِ تَكْلِيفًا، وإنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى خِلافِهِ كانَ تارِكًا لِلتَّمَسُّكِ بِأدائِهِ، فالَّذِي يَنالُهُ مِن قِبَلِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أنَّهُ حِكْمَةٌ وصَوابٌ وعَدْلٌ وخَيْرٌ وصَلاحٌ، وأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ الرِّضا بِهِ وتَرْكُ الجَزَعِ، وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ لِأنَّ في إقْرارِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضَ الأُمُورِ إلَيْهِ والرِّضا بِقَضائِهِ فِيما يَبْتَلِيهِمْ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أمّا إذا نَزَلَتْ بِهِ المُصِيبَةُ مِن غَيْرِهِ فَتَكْلِيفُهُ أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى في الِانْتِصافِ مِنهُ، وأنْ يَكْظِمَ غَيْظَهُ وغَضَبَهُ فَلا يَتَعَدّى إلى ما لا يَحِلُّ لَهُ مِن شُفَعاءَ غَيْظُهُ، ويَدْخُلُ أيْضًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ الَّذِي ألْزَمَهُ سُلُوكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ حَتّى لا يُجاوِزَ أمْرَهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ في الأوَّلِ: إنّا لِلَّهِ يُدَبِّرُ فِينا كَيْفَ يَشاءُ، وفي الثّانِي يَقُولُ: إنّا لِلَّهِ يَنْتَصِفُ لَنا كَيْفَ يَشاءُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمالَ الكِسائِيُّ في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن (إنّا) ولامِ (لِلَّهِ) والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وإنَّما جازَتِ الإمالَةُ في هَذِهِ الألِفِ لِلْكَسْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: لا يَجُوزُ إمالَةُ (إنّا) مَعَ غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وجَبَ ذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ في الحُرُوفِ وما جَرى مَجْراها امْتِناعُ الإمالَةِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ إمالَةُ (حَتّى) و(لَكِنَّ) .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ إقْرارٌ مِنّا لَهُ بِالمُلْكِ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إقْرارٌ عَلى أنْفُسِنا بِالهَلاكِ، واعْلَمْ أنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الِانْتِقالِ إلى مَكانٍ أوْ جِهَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ يَصِيرُ إلى حَيْثُ لا يَمْلِكُ الحُكْمَ فِيهِ سِواهُ، وذَلِكَ هو الدّارُ الآخِرَةُ؛ لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ لا يَمْلِكُ لَهم أحَدٌ نَفْعًا ولا ضَرًّا، وما دامُوا في الدُّنْيا قَدْ يَمْلِكُ غَيْرُ اللَّهِ نَفْعَهم وضَرَّهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى هَذا رُجُوعًا إلَيْهِ تَعالى، كَما يُقالُ: إنَّ المُلْكَ والدَّوْلَةَ يَرْجِعُ إلَيْهِ لا بِمَعْنى الِانْتِقالِ بَلْ بِمَعْنى القُدْرَةِ وتَرْكِ المُنازَعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ إقْرارٌ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، والِاعْتِرافِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُجازِي الصّابِرِينَ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ، ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ أجْرُ المُحْسِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ راضِيًا بِكُلِّ ما نَزَلَ بِهِ في الحالِ مِن أنْواعِ البَلاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في الحالِ راضِيًا بِكُلِّ ما سَيَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، مِن إثابَتِهِ عَلى ما كانَ
صفحة ١٤١
مِنهُ، ومِن تَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ عَلى ما نَزَلَ بِهِ، ومِنَ الِانْتِصافِ مِمَّنْ ظَلَمَهُ، فَيَكُونُ مُذَلِّلًا نَفْسَهُ، راضِيًا بِما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الأجْرِ في الآخِرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ.
أحَدُها: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ: جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» “ .
وثانِيها: «رُوِيَ أنَّهُ طُفِئَ سِراجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ“ فَقِيلَ أمُصِيبَةٌ هي ؟ قالَ: نَعَمْ كُلُّ شَيْءٍ يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو لَهُ مُصِيبَةٌ» .
وثالِثُها: قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: حَدَّثَنِي أبُو سَلَمَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«ما مِن مُسْلِمٍ يُصابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَفْزَعُ إلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ اللَّهُمَّ عِنْدَكَ احْتَسَبْتُ مُصِيبَتِي فَأْجُرْنِي فِيها وعَوِّضْنِي خَيْرًا مِنها، إلّا آجَرَهُ اللَّهُ عَلَيْها وعَوَّضَهُ خَيْرًا مِنها» “ قالَتْ: فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ ذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ وقُلْتُ هَذا القَوْلَ: فَعَوَّضَنِي اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . ورابِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْبَرَ اللَّهُ أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ورَجَعَ واسْتَرْجَعَ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ثَلاثَ خِصالٍ: الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ، والرَّحْمَةُ وتَحْقِيقُ سَبِيلِ الهُدى.
وخامِسُها: عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: نِعْمَ العَدْلانِ وهُما: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ ونِعْمَتِ العِلاوَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَأنْ أخِرَّ مِنَ السَّماءِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقُولَ لِشَيْءٍ قَضاهُ اللَّهُ تَعالى: لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ اللَّهِ هي: الثَّناءُ والمَدْحُ والتَّعْظِيمُ، وأمّا رَحْمَتُهُ فَهي: النِّعَمُ الَّتِي أنْزَلَها بِهِ عاجِلًا ثُمَّ آجِلًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُمُ المُهْتَدُونَ لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُوصِّلَةِ بِصاحِبِها إلى كُلِّ خَيْرٍ.
وثانِيها: المُهْتَدُونَ إلى الجَنَّةِ، الفائِزُونَ بِالثَّوابِ.
وثالِثُها: المُهْتَدُونَ لِسائِرِ ما لَزِمَهم، والأقْرَبُ فِيهِ ما يَصِيرُ داخِلًا في الوَعْدِ حَتّى يَكُونَ عَطْفُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ مِنَ الصَّلَواتِ والرَّحْمَةِ صَحِيحًا، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا والمُرادُ بِهِ أنَّهُمُ الفائِزُونَ بِالثَّوابِ والجَنَّةِ والطَّرِيقِ إلَيْها؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ داخِلٌ في الِاهْتِداءِ، وإنْ كانَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ أنَّهُمُ المُتَأدِّبُونَ بِآدابِهِ، المُتَمَسِّكُونَ بِما ألْزَمَ وأمَرَ، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى حُكْمَيْنِ: فَرْضٍ ونَفْلٍ، أمّا الفَرْضُ فَهو التَّسْلِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والرِّضا بِقَضائِهِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ فَرائِضِهِ لا يَصْرِفُ عَنْها مَصائِبَ الدُّنْيا، وأمّا النَّفْلُ فَإظْهارًا لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فَإنَّ في إظْهارِهِ فَوائِدَ جَزِيلَةً مِنها أنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ إذا سَمِعَهُ، ومِنها غَيْظُ الكُفّارِ وعِلْمُهم بِجِدِّهِ واجْتِهادِهِ في دِينِ اللَّهِ والثَّباتِ عَلَيْهِ وعَلى طاعَتِهِ، وحُكِيَ عَنْ داوُدَ الطّائِيِّ قالَ: الزُّهْدُ في الدُّنْيا أنْ لا يُحَبَّ البَقاءُ فِيها، وأفْضَلُ الأعْمالِ الرِّضا عَنِ اللَّهِ ولا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أنْ يَحْزُنَ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ ثَوابًا.
ولْنَخْتِمْ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِبَيانِ الرِّضا بِالقَضاءِ فَنَقُولُ: العَبْدُ إنَّما يَصْبِرُ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقَيْنِ: إمّا بِطَرِيقِ التَّصَرُّفِ، أوْ بِطَرِيقِ الجَذْبِ، أمّا طَرِيقُ التَّصَرُّفِ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مَتى مالَ قَلْبُهُ إلى شَيْءٍ والتَفَتَ خاطِرُهُ إلى شَيْءٍ جَعَلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مَنشَأً لِلْآفاتِ، فَحِينَئِذٍ يَنْصَرِفُ وجْهُ القَلْبِ عَنْ عالَمِ الحُدُوثِ إلى جانِبِ القُدُسِ، فَإنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالجَنَّةِ جَعَلَها مِحْنَةً عَلَيْهِ حَتّى زالَتِ الجَنَّةُ، فَبَقِيَ آدَمُ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ، ولَمّا اسْتَأْنَسَ يَعْقُوبُ بِيُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ أوْقَعَ الفِراقَ بَيْنَهُما حَتّى بَقِيَ يَعْقُوبُ مَعَ ذِكْرِ الحَقِّ، ولَمّا طَمِعَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أهْلِ مَكَّةَ في النُّصْرَةِ والإعانَةِ صارُوا مِن أشَدِّ النّاسِ عَلَيْهِ حَتّى
صفحة ١٤٢
قالَ: ”«ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتُ» “ .
وثانِيها: أنْ لا يَجْعَلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بَلاءً ولَكِنْ يَرْفَعُهُ مِنَ البَيْنِ حَتّى لا يَبْقى لا البَلاءُ ولا الرَّحْمَةُ، فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ العَبْدُ إلى اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّ العَبْدَ مَتى تَوَقَّعَ مِن جانِبٍ شَيْئًا أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى بِلا واسِطَةٍ خَيْرًا مِن مُتَوَقَّعِهِ فَيَسْتَحِي العَبْدُ فَيَرْجِعُ إلى بابِ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وأمّا طَرِيقُ الجَذْبِ فَهو كَما قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«جَذْبَةٌ مِن جَذَباتِ الحَقِّ تُوازِي عَمَلَ الثَّقَلَيْنِ» “ . ومَن جَذَبَهُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ صارَ مَغْلُوبًا؛ لِأنَّ الحَقَّ غالِبٌ لا مَغْلُوبٌ، وصِفَةُ الرَّبِّ الرُّبُوبِيَّةُ، وصِفَةُ العَبْدِ العُبُودِيَّةُ، والرُّبُوبِيَّةُ غالِبَةٌ عَلى العُبُودِيَّةِ لا بِالضِّدِّ، وصِفَةُ الحَقِّ حَقِيقَةٌ، وصِفَةُ العَبْدِ مَجازٌ، والحَقِيقَةُ غالِبَةٌ عَلى المَجازِ لا بِالضِّدِّ، والغالِبُ يَقْلِبُ المَغْلُوبَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ تَلِيقُ بِهِ، والعَبْدُ إذا دَخَلَ عَلى السُّلْطانِ المَهِيبِ نَسِيَ نَفْسَهُ وصارَ بِكُلِّ قَلْبِهِ وفِكْرِهِ وحِسِّهِ مُقْبِلًا عَلَيْهِ ومُشْتَغِلًا بِهِ وغافِلًا عَنْ غَيْرِهِ، فَكَيْفَ بِمَن لَحِظَ بَصَرُهُ حَضْرَةَ السُّلْطانِ الَّذِي كانَ مَن عَداهُ حَقِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَيَصِيرُ العَبْدُ هُنالِكَ كالفانِي عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ فَيَصِيرُ هُنالِكَ راضِيًا بِأقْضِيَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى وأحْكامِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَبْقى في طاعَتِهِ شُبْهَةُ المُنازَعَةِ.
البقرة 2:157
قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لِما قالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ كَيْفَ يَكُونُ صابِرًا، وأنَّ تِلْكَ البِشارَةَ كَيْفَ هي ؟ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٤٠
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَصائِبَ قَدْ تَكُونُ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ تَكُونُ مِن فِعْلِ العَبْدِ، أمّا الخَوْفُ الَّذِي يَكُونُ مِنَ اللَّهِ فَمِثْلُ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ والحَرْقِ والصّاعِقَةِ وغَيْرِها، والَّذِي مِن فِعْلِ العَبْدِ، فَهو أنَّ العَرَبَ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وأمّا الجُوعُ فَلِأجْلِ الفَقْرِ، وقَدْ يَكُونُ الفَقْرُ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يُتْلِفَ أمْوالَهم، وقَدْ يَكُونُ مِنَ العَبْدِ بِأنْ يُغْلَبُوا عَلَيْهِ فَيُتْلِفُوهُ، ونَقْصُ الأمْوالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنَّما يَكُونُ بِالجَوائِحِ الَّتِي تُصِيبُ الأمْوالَ والثَّمَراتِ، ومِنَ العَدُوِّ إنَّما يَكُونُ لِأنَّ القَوْمَ لِاشْتِغالِهِمْ لا يَتَفَرَّغُونَ لِعِمارَةِ الأراضِي، ونَقْصُ الأنْفُسِ مِنَ اللَّهِ بِالإماتَةِ ومِنَ العِبادِ بِالقَتْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُضِفْ هَذِهِ المُصِيبَةَ إلى نَفْسِهِ بَلْ عَمَّمَ، وقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَها كُلُّ مَضَرَّةٍ يَنالُها مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ويَنالُها مِن قِبَلِ العِبادِ؛ لِأنَّ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَلَيْهِ تَكْلِيفًا، وإنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى خِلافِهِ كانَ تارِكًا لِلتَّمَسُّكِ بِأدائِهِ، فالَّذِي يَنالُهُ مِن قِبَلِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أنَّهُ حِكْمَةٌ وصَوابٌ وعَدْلٌ وخَيْرٌ وصَلاحٌ، وأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ الرِّضا بِهِ وتَرْكُ الجَزَعِ، وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ لِأنَّ في إقْرارِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضَ الأُمُورِ إلَيْهِ والرِّضا بِقَضائِهِ فِيما يَبْتَلِيهِمْ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أمّا إذا نَزَلَتْ بِهِ المُصِيبَةُ مِن غَيْرِهِ فَتَكْلِيفُهُ أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى في الِانْتِصافِ مِنهُ، وأنْ يَكْظِمَ غَيْظَهُ وغَضَبَهُ فَلا يَتَعَدّى إلى ما لا يَحِلُّ لَهُ مِن شُفَعاءَ غَيْظُهُ، ويَدْخُلُ أيْضًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ الَّذِي ألْزَمَهُ سُلُوكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ حَتّى لا يُجاوِزَ أمْرَهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ في الأوَّلِ: إنّا لِلَّهِ يُدَبِّرُ فِينا كَيْفَ يَشاءُ، وفي الثّانِي يَقُولُ: إنّا لِلَّهِ يَنْتَصِفُ لَنا كَيْفَ يَشاءُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمالَ الكِسائِيُّ في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن (إنّا) ولامِ (لِلَّهِ) والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وإنَّما جازَتِ الإمالَةُ في هَذِهِ الألِفِ لِلْكَسْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: لا يَجُوزُ إمالَةُ (إنّا) مَعَ غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وجَبَ ذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ في الحُرُوفِ وما جَرى مَجْراها امْتِناعُ الإمالَةِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ إمالَةُ (حَتّى) و(لَكِنَّ) .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ إقْرارٌ مِنّا لَهُ بِالمُلْكِ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إقْرارٌ عَلى أنْفُسِنا بِالهَلاكِ، واعْلَمْ أنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الِانْتِقالِ إلى مَكانٍ أوْ جِهَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ يَصِيرُ إلى حَيْثُ لا يَمْلِكُ الحُكْمَ فِيهِ سِواهُ، وذَلِكَ هو الدّارُ الآخِرَةُ؛ لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ لا يَمْلِكُ لَهم أحَدٌ نَفْعًا ولا ضَرًّا، وما دامُوا في الدُّنْيا قَدْ يَمْلِكُ غَيْرُ اللَّهِ نَفْعَهم وضَرَّهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى هَذا رُجُوعًا إلَيْهِ تَعالى، كَما يُقالُ: إنَّ المُلْكَ والدَّوْلَةَ يَرْجِعُ إلَيْهِ لا بِمَعْنى الِانْتِقالِ بَلْ بِمَعْنى القُدْرَةِ وتَرْكِ المُنازَعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ إقْرارٌ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، والِاعْتِرافِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُجازِي الصّابِرِينَ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ، ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ أجْرُ المُحْسِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ راضِيًا بِكُلِّ ما نَزَلَ بِهِ في الحالِ مِن أنْواعِ البَلاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في الحالِ راضِيًا بِكُلِّ ما سَيَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، مِن إثابَتِهِ عَلى ما كانَ
صفحة ١٤١
مِنهُ، ومِن تَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ عَلى ما نَزَلَ بِهِ، ومِنَ الِانْتِصافِ مِمَّنْ ظَلَمَهُ، فَيَكُونُ مُذَلِّلًا نَفْسَهُ، راضِيًا بِما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الأجْرِ في الآخِرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ.
أحَدُها: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ: جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» “ .
وثانِيها: «رُوِيَ أنَّهُ طُفِئَ سِراجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ“ فَقِيلَ أمُصِيبَةٌ هي ؟ قالَ: نَعَمْ كُلُّ شَيْءٍ يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو لَهُ مُصِيبَةٌ» .
وثالِثُها: قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: حَدَّثَنِي أبُو سَلَمَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«ما مِن مُسْلِمٍ يُصابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَفْزَعُ إلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ اللَّهُمَّ عِنْدَكَ احْتَسَبْتُ مُصِيبَتِي فَأْجُرْنِي فِيها وعَوِّضْنِي خَيْرًا مِنها، إلّا آجَرَهُ اللَّهُ عَلَيْها وعَوَّضَهُ خَيْرًا مِنها» “ قالَتْ: فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ ذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ وقُلْتُ هَذا القَوْلَ: فَعَوَّضَنِي اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . ورابِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْبَرَ اللَّهُ أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ورَجَعَ واسْتَرْجَعَ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ثَلاثَ خِصالٍ: الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ، والرَّحْمَةُ وتَحْقِيقُ سَبِيلِ الهُدى.
وخامِسُها: عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: نِعْمَ العَدْلانِ وهُما: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ ونِعْمَتِ العِلاوَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَأنْ أخِرَّ مِنَ السَّماءِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقُولَ لِشَيْءٍ قَضاهُ اللَّهُ تَعالى: لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ اللَّهِ هي: الثَّناءُ والمَدْحُ والتَّعْظِيمُ، وأمّا رَحْمَتُهُ فَهي: النِّعَمُ الَّتِي أنْزَلَها بِهِ عاجِلًا ثُمَّ آجِلًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُمُ المُهْتَدُونَ لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُوصِّلَةِ بِصاحِبِها إلى كُلِّ خَيْرٍ.
وثانِيها: المُهْتَدُونَ إلى الجَنَّةِ، الفائِزُونَ بِالثَّوابِ.
وثالِثُها: المُهْتَدُونَ لِسائِرِ ما لَزِمَهم، والأقْرَبُ فِيهِ ما يَصِيرُ داخِلًا في الوَعْدِ حَتّى يَكُونَ عَطْفُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ مِنَ الصَّلَواتِ والرَّحْمَةِ صَحِيحًا، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا والمُرادُ بِهِ أنَّهُمُ الفائِزُونَ بِالثَّوابِ والجَنَّةِ والطَّرِيقِ إلَيْها؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ داخِلٌ في الِاهْتِداءِ، وإنْ كانَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ أنَّهُمُ المُتَأدِّبُونَ بِآدابِهِ، المُتَمَسِّكُونَ بِما ألْزَمَ وأمَرَ، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى حُكْمَيْنِ: فَرْضٍ ونَفْلٍ، أمّا الفَرْضُ فَهو التَّسْلِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والرِّضا بِقَضائِهِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ فَرائِضِهِ لا يَصْرِفُ عَنْها مَصائِبَ الدُّنْيا، وأمّا النَّفْلُ فَإظْهارًا لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فَإنَّ في إظْهارِهِ فَوائِدَ جَزِيلَةً مِنها أنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ إذا سَمِعَهُ، ومِنها غَيْظُ الكُفّارِ وعِلْمُهم بِجِدِّهِ واجْتِهادِهِ في دِينِ اللَّهِ والثَّباتِ عَلَيْهِ وعَلى طاعَتِهِ، وحُكِيَ عَنْ داوُدَ الطّائِيِّ قالَ: الزُّهْدُ في الدُّنْيا أنْ لا يُحَبَّ البَقاءُ فِيها، وأفْضَلُ الأعْمالِ الرِّضا عَنِ اللَّهِ ولا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أنْ يَحْزُنَ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ ثَوابًا.
ولْنَخْتِمْ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِبَيانِ الرِّضا بِالقَضاءِ فَنَقُولُ: العَبْدُ إنَّما يَصْبِرُ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقَيْنِ: إمّا بِطَرِيقِ التَّصَرُّفِ، أوْ بِطَرِيقِ الجَذْبِ، أمّا طَرِيقُ التَّصَرُّفِ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مَتى مالَ قَلْبُهُ إلى شَيْءٍ والتَفَتَ خاطِرُهُ إلى شَيْءٍ جَعَلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مَنشَأً لِلْآفاتِ، فَحِينَئِذٍ يَنْصَرِفُ وجْهُ القَلْبِ عَنْ عالَمِ الحُدُوثِ إلى جانِبِ القُدُسِ، فَإنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالجَنَّةِ جَعَلَها مِحْنَةً عَلَيْهِ حَتّى زالَتِ الجَنَّةُ، فَبَقِيَ آدَمُ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ، ولَمّا اسْتَأْنَسَ يَعْقُوبُ بِيُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ أوْقَعَ الفِراقَ بَيْنَهُما حَتّى بَقِيَ يَعْقُوبُ مَعَ ذِكْرِ الحَقِّ، ولَمّا طَمِعَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أهْلِ مَكَّةَ في النُّصْرَةِ والإعانَةِ صارُوا مِن أشَدِّ النّاسِ عَلَيْهِ حَتّى
صفحة ١٤٢
قالَ: ”«ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتُ» “ .
وثانِيها: أنْ لا يَجْعَلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بَلاءً ولَكِنْ يَرْفَعُهُ مِنَ البَيْنِ حَتّى لا يَبْقى لا البَلاءُ ولا الرَّحْمَةُ، فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ العَبْدُ إلى اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّ العَبْدَ مَتى تَوَقَّعَ مِن جانِبٍ شَيْئًا أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى بِلا واسِطَةٍ خَيْرًا مِن مُتَوَقَّعِهِ فَيَسْتَحِي العَبْدُ فَيَرْجِعُ إلى بابِ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وأمّا طَرِيقُ الجَذْبِ فَهو كَما قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«جَذْبَةٌ مِن جَذَباتِ الحَقِّ تُوازِي عَمَلَ الثَّقَلَيْنِ» “ . ومَن جَذَبَهُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ صارَ مَغْلُوبًا؛ لِأنَّ الحَقَّ غالِبٌ لا مَغْلُوبٌ، وصِفَةُ الرَّبِّ الرُّبُوبِيَّةُ، وصِفَةُ العَبْدِ العُبُودِيَّةُ، والرُّبُوبِيَّةُ غالِبَةٌ عَلى العُبُودِيَّةِ لا بِالضِّدِّ، وصِفَةُ الحَقِّ حَقِيقَةٌ، وصِفَةُ العَبْدِ مَجازٌ، والحَقِيقَةُ غالِبَةٌ عَلى المَجازِ لا بِالضِّدِّ، والغالِبُ يَقْلِبُ المَغْلُوبَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ تَلِيقُ بِهِ، والعَبْدُ إذا دَخَلَ عَلى السُّلْطانِ المَهِيبِ نَسِيَ نَفْسَهُ وصارَ بِكُلِّ قَلْبِهِ وفِكْرِهِ وحِسِّهِ مُقْبِلًا عَلَيْهِ ومُشْتَغِلًا بِهِ وغافِلًا عَنْ غَيْرِهِ، فَكَيْفَ بِمَن لَحِظَ بَصَرُهُ حَضْرَةَ السُّلْطانِ الَّذِي كانَ مَن عَداهُ حَقِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَيَصِيرُ العَبْدُ هُنالِكَ كالفانِي عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ فَيَصِيرُ هُنالِكَ راضِيًا بِأقْضِيَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى وأحْكامِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَبْقى في طاعَتِهِ شُبْهَةُ المُنازَعَةِ.
البقرة 2:158
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما حَوَّلَ القِبْلَةَ إلى الكَعْبَةِ لِيُتِمَّ إنْعامَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ بِإحْياءِ شَرائِعِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ عَلى ما قالَ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ وكانَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ مِن شَعائِرِ إبْراهِيمَ عَلى ما ذَكَرَ في قِصَّةِ بِناءِ الكَعْبَةِ وسَعْيِ هاجَرَ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الحُكْمَ عَقِيبَ تِلْكَ الآيَةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ قالَ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ وإنَّما جَعَلَهُما كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما مِن آثارِ هاجَرَ وإسْماعِيلَ مِمّا جَرى عَلَيْهِما مِنَ البَلْوى، واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ مَن صَبَرَ عَلى البَلْوى لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلى أعْظَمِ الدَّرَجاتِ وأعْلى المَقاماتِ.
وثالِثُها: أنَّ أقْسامَ تَكْلِيفِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةٌ:
أحَدُها: ما يَحْكُمُ العَقْلُ بِحُسْنِهِ في أوَّلِ الأمْرِ فَذَكَرَ هَذا القِسْمَ أوَّلًا وهو قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] فَإنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ ذِكْرَ المُنْعِمِ بِالمَدْحِ والثَّناءِ والمُواظَبَةِ عَلى شُكْرِهِ أمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ.
وثانِيها: ما يَحْكُمُ العَقْلُ بِقُبْحِهِ في أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ بِسَبَبِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ يُسَلِّمُ حُسْنَهُ، وذَلِكَ مِثْلُ إنْزالِ الآلامِ والفَقْرِ والمِحَنِ، فَإنَّ ذَلِكَ كالمُسْتَقْبَحِ في العُقُولِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْتَفِعُ بِهِ ويَتَألَّمُ العَبْدُ مِنهُ، فَكانَ ذَلِكَ كالمُسْتَقْبَحِ إلّا أنَّ الشَّرْعَ لَمّا ورَدَ بِهِ وبَيَّنَ الحِكْمَةَ فِيهِ، وهي الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ فَحِينَئِذٍ يَعْتَقِدُ المُسْلِمُ حُسْنَهُ وكَوْنَهُ حِكْمَةً وصَوابًا.
وثالِثُها: الأمْرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لا إلى حُسْنِهِ ولا إلى قُبْحِهِ، بَلْ يَراهُ كالعَبَثِ الخالِي عَنِ
صفحة ١٤٣
المَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ وهو مِثْلُ أفْعالِ الحَجِّ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا القِسْمَ عَقِيبَ القِسْمَيْنِ الأوَّلِينَ لِيَكُونَ قَدْ نَبَّهَ عَلى جَمِيعِ أقْسامِ تَكالِيفِهِ وذاكِرًا لِكُلِّها عَلى سَبِيلِ الِاسْتِيفاءِ والِاسْتِقْصاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ عَلَمانِ لِلْجَبَلَيْنِ المَخْصُوصَيْنِ إلّا أنَّ النّاسَ تَكَلَّمُوا في أصْلِ اشْتِقاقِهِما، قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قِيلَ إنَّ الصَّفا واحِدٌ ويُجْمَعُ عَلى صِفِيِّ وأصْفاءٍ كَما يُقالُ عَصا وعِصِيٌّ، ورَحا وأرْحاءٌ قالَ الرّاجِزُ:
كَأنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ مَواقِعُ الطَّيْرِ مِنَ الصِّفِيِّ
وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى جَمْعٍ واحِدَتُهُ صَفاةٌ، قالَ جَرِيرٌ:
إنّا إذا قَرَعَ العَدُوُّ صَفاتَنا ∗∗∗ لاقَوْا لَنا حَجَرًا أصَمَّ صَلُودا
وفِي كِتابِ الخَلِيلِ: الصَّفا الحَجَرُ الضَّخْمُ الصُّلْبُ الأمْلَسُ، وإذا نَعَتُوا الصَّخْرَةَ قالُوا: صَفاةٌ صَفْواءُ، وإذا ذَكَّرُوا قالُوا: صَفا صَفْوانُ. فَجَعَلَ الصَّفا والصَّفاةَ كَأنَّهُما في مَعْنًى واحِدٍ، وقالَ المُبَرِّدُ: الصَّفا كُلُّ حَجَرٍ لا يُخالِطُهُ غَيْرُهُ مِن طِينٍ أوْ تُرابٍ مُتَّصِلٍ بِهِ، واشْتِقاقُهُ مِن صَفا يَصْفُو إذا خَلُصَ، وأمّا المَرْوَةُ فَقالَ الخَلِيلُ: مِنَ الحِجارَةِ ما كانَ أبْيَضَ أمْلَسَ صُلْبًا شَدِيدَ الصَّلابَةِ، وقالَهُ غَيْرُهُ: هو الحِجارَةُ الصَّغِيرَةُ، جَمْعٌ في القَلِيلِ مَرَواتٌ وفي الكَثِيرِ مَرْوٌ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
حَتّى كَأنِّي لِلْحَوادِثِ مَرْوَةٌ ∗∗∗ بِصَفا المَشاعِرِ كُلَّ يَوْمٍ يَقْرَعُ
وأمّا ﴿شَعائِرِ اللَّهِ﴾ فَهي أعْلامُ طاعَتِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ عَلَمًا مِن أعْلامِ طاعَةِ اللَّهِ فَهو مِن شَعائِرِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] أيْ عَلامَةً لِلْقُرْبَةِ، وقالَ: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] وشَعائِرُ الحَجِّ: مَعالِمُ نُسُكِهِ ومِنهُ المَشْعَرُ الحَرامُ، ومِنهُ إشْعارُ السَّنامِ: وهو أنْ يُعَلَّمَ بِالمُدْيَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَمًا عَلى إحْرامِ صاحِبِها، وعَلى أنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ هَدْيًا لِبَيْتِ اللَّهِ، ومِنهُ الشَّعائِرُ في الحَرْبِ، وهو العَلامَةُ الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِها إحْدى الفِئَتَيْنِ مِنَ الأُخْرى، والشَّعائِرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الإشْعارِ الَّذِي هو الإعْلامُ، ومِنهُ قَوْلُكَ: شَعَرْتُ بِكَذا، أيْ عَلِمْتُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشَّعائِرُ إمّا أنْ نَحْمِلَها عَلى العِباداتِ أوْ عَلى النُّسُكِ، أوْ نَحْمِلَها عَلى مَواضِعِ العِباداتِ والنُّسُكِ، فَإنْ قُلْنا بِالأوَّلِ حَصَلَ في الكَلامِ حَذْفٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ الجَبَلَيْنِ لا يَصِحُّ وصْفُهُما بِأنَّهُما دِينٌ ونُسُكٌ، فالمُرادُ بِهِ أنَّ الطَّوافَ بَيْنَهُما والسَّعْيَ مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ قُلْنا بِالثّانِي اسْتَقامَ ظاهِرُ الكَلامِ؛ لِأنَّ هَذَيْنِ الجَبَلَيْنِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونا مَوْضِعَيْنِ لِلْعِباداتِ والمَناسِكِ، وكَيْفَ كانَ فالسَّعْيُ بَيْنَ هَذَيْنِ الجَبَلَيْنِ مِن شَعائِرِ اللَّهِ، ومِن أعْلامِ دِينِهِ، وقَدْ شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ ذَلِكَ، وهو مِنَ المَناسِكِ الَّذِي حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ واعْلَمْ أنَّ السَّعْيَ لَيْسَ عِبادَةً تامَّةً في نَفْسِهِ بَلْ إنَّما يَصِيرُ عِبادَةً إذا صارَ بَعْضًا مِن أبْعاضِ الحَجِّ، فَلِهَذا السِّرِّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ يَصِيرُ السَّعْيُ عِبادَةً فَقالَ: ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الحِكْمَةُ في شَرْعِ هَذا السَّعْيِ الحِكايَةُ المَشْهُورَةُ وهي أنَّ هاجَرَ أُمَّ إسْماعِيلَ حِينَ
صفحة ١٤٤
ضاقَ بِها الأمْرُ في عَطَشِها وعَطَشِ ابْنِها إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أغاثَها اللَّهُ تَعالى بِالماءِ الَّذِي أنْبَعَهُ لَها ولِابْنِها مِن زَمْزَمَ حَتّى يَعْلَمَ الخَلْقُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ لا يُخَلِّي أوْلِياءَهُ في دارِ الدُّنْيا مِن أنْواعِ المِحَنِ إلّا أنَّ فَرَجَهُ قَرِيبٌ مِمَّنْ دَعاهُ، فَإنَّهُ غِياثُ المُسْتَغِيثِينَ، فانْظُرْ إلى حالِ هاجَرَ وإسْماعِيلَ كَيْفَ أغاثَهُما وأجابَ دُعاءَهُما، ثُمَّ جَعَلَ أفْعالَهُما طاعَةً لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وآثارَهُما قُدْوَةً لِلْخَلائِقِ أجْمَعِينَ لِيُعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِما أخْبَرَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن أنَّهُ يَبْتَلِي عِبادَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ إلّا أنَّ مَن صَبَرَ عَلى ذَلِكَ نالَ السَّعادَةَ في الدّارَيْنِ، وفازَ بِالمَقْصِدِ الأقْصى في المَنزِلَيْنِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرَ القَفّالُ في لَفْظِ الحَجِّ أقْوالًا:
الأوَّلُ: الحَجُّ في اللُّغَةِ كَثْرَةُ الِاخْتِلافِ إلى شَيْءٍ والتَّرَدُّدِ إلَيْهِ، فَمَن زارَ البَيْتَ لِلْحَجِّ فَإنَّهُ يَأْتِيهِ أوَّلًا لِيَعْرِفَهُ ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهِ لِلطَّوافِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلى مِنًى ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهِ لِطَوافِ الزِّيارَةِ ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهِ لِطَوافِ الصَّدْرِ.
الثّانِي: قالَ قُطْرُبٌ: الحَجُّ الحَلْقُ يُقالُ: احْجُجْ شَجَّتَكَ، وذَلِكَ أنْ يَقْطَعَ الشَّعْرَ مِن نَواحِي الشَّجَّةِ لِيَدْخُلَ الحُجّاجُ في الشَّجَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: حَجَّ فُلانٌ أيْ حَلَقَ، قالَ القَفّالُ وهَذا مُحْتَمَلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أيْ حُجّاجًا وعُمّارًا، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالحَلَقِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الحَجُّ مُسَمًّى بِهَذا الِاسْمِ لِمَعْنى الحَلْقِ. الثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ الحَجُّ القَصْدُ، يُقالُ: رَجُلٌ مَحْجُوجٌ، ومَكانٌ مَحْجُوجٌ إذا كانَ مَقْصُودًا، ومِن ذَلِكَ مَحَجَّةُ الطَّرِيقِ، فَكانَ البَيْتُ لَمّا كانَ مَقْصُودًا بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِبادَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ الفِعْلُ حَجًّا، قالَ القَفّالُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ بِالصَّوابِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم: رَجُلٌ مَحْجُوجٌ إنَّما هو فِيمَن يُخْتَلَفُ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وكَذَلِكَ مَحَجَّةُ الطَّرِيقِ هو الَّذِي كَثُرَ السَّيْرُ إلَيْهِ.
وأمّا العُمْرَةُ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الِاعْتِمارُ هو القَصْدُ والزِّيارَةُ، قالَ الأعْشى:
وجاشَتِ النَّفْسُ لَمّا جاءَ جَمْعُهُمُ وراكِبٌ جاءَ مِن تَثْلِيثِ مُعْتَمِرِ
وقالَ قُطْرُبٌ: العُمْرَةُ في كَلامِ عَبْدِ القَيْسِ: المَسْجِدُ، والبَيْعَةُ، والكَنِيسَةُ، قالَ القَفّالُ: ولا شُبْهَةَ في العُمْرَةِ إذا أُضِيفَتْ إلى البَيْتِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الزِّيارَةِ؛ لِأنَّ المُعْتَمِرَ يَطُوفُ بِالبَيْتِ وبِالصَّفا والمَرْوَةِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ كالزّائِرِ، وأمّا الجَناحُ فَهو مِن قَوْلِهِمْ: جَنَحَ إلى كَذا أيْ مالَ إلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنفال: ٦١] وجَنَحَتِ السَّفِينَةُ إذا لَزِمَتِ الماءَ فَلَمْ تَمْضِ، وجَنَحَ الرَّجُلُ في الشَّيْءِ يُعَلِّمُهُ بِيَدِهِ إذا مالَ إلَيْهِ بِصَدْرِهِ وقِيلَ لِلْأضْلاعِ: جَوانِحُ لِاعْوِجاجِها، وجَناحُ الطّائِرِ مِن هَذا؛ لِأنَّهُ يَمِيلُ في أحَدِ شِقَّيْهِ ولا يَطِيرُ عَلى مُسْتَوى خِلْقَتِهِ فَثَبَتَ أنَّ أصْلَهُ مِنَ المَيْلِ، ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ بَقِيَ في عُرْفِ القُرْآنِ كَذَلِكَ أيْضًا فَمَعْنى: (لا جُناحَ عَلَيْهِ) أيْنَما ذُكِرَ في القُرْآنِ: لا مَيْلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ بِمُطالَبَةِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ هو مُخْتَصٌّ بِالمَيْلِ إلى الباطِلِ وإلى ما يَأْثَمُ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ أيْ: يَتَطَوَّفَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ كَما قالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] أيْ: المُتَدَثِّرُ والمُتَزَمِّلُ، ويُقالُ: طافَ وأطافَ بِمَعْنًى واحِدٍ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾ أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ، والَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا إثْمَ
صفحة ١٤٥
فِي فِعْلِهِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الواجِبُ والمَندُوبُ والمُباحُ، ثُمَّ يَمْتازُ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَنِ الآخَرِ بِقَيْدٍ زائِدٍ، فَإذًا ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ واجِبٌ، أوْ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الأقْسامِ لا دَلالَةَ فِيهِ البَتَّةَ عَلى خُصُوصِيَّةٍ مِنَ الرُّجُوعِ إلى دَلِيلٍ آخَرَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ هَذا السَّعْيَ رُكْنٌ، ولا يَقُومُ الدَّمُ مَقامَهُ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، ويَقُومُ الدَّمُ مَقامَهُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، أنَّ مَن تَرَكَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فاسْعَوْا» “، فَإنْ قِيلَ: هَذا الحَدِيثُ مَتْرُوكُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ السَّعْيِ وهو العَدْوُ، ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ السَّعْيَ عِبارَةٌ عَنِ العَدْوِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] والعَدْوُ فِيهِ غَيْرُ واجِبٍ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ العَدْوَ، بَلِ الجِدَّ والِاجْتِهادَ في القَصْدِ والنِّيَّةِ، سَلَّمْنا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى العَدْوِ، ولَكِنَّ العَدْوَ مُشْتَمِلٌ عَلى صِفَةِ تَرْكِ العَمَلِ بِهِ في حَقِّ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَبْقى أصْلُ المَشْيِ واجِبًا.
وثانِيها: ما ثَبَتَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَعى لَمّا دَنا مِنَ الصَّفا في حَجَّتِهِ، وقالَ: ”«إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» “ فَبَدَأ بِالصَّفا فَرَقى عَلَيْهِ حَتّى رَأى البَيْتَ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَعى وجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْنا السَّعْيُ لِلْقُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» “ والأمْرُ لِلْوُجُوبِ. وثالِثُها: أنَّهُ أشْواطٌ شُرِعَتْ في بُقْعَةٍ مِن بِقاعِ الحَرَمِ، أوْ يُؤْتى بِهِ في إحْرامٍ كامِلٍ فَكانَ جِنْسُها رُكْنًا كَطَوافِ الزِّيارَةِ، ولا يَلْزَمُ طَوافُ الصَّدْرِ؛ لِأنَّ الكَلامَ لِلْجِنْسِ لِوُجُوبِهِ مَرَّةً، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: هَذِهِ الآيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ وهَذا لا يُقالُ في الواجِباتِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ تَطَوُّعٌ ولَيْسَ بِواجِبٍ.
وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ”«الحَجُّ عَرَفَةُ» “ ومَن أدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وهَذا يَقْتَضِي التَّمامَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في بَعْضِ الأشْياءِ، فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في السَّعْيِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ لا إثْمَ عَلى فاعِلِهِ، وهَذا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الواجِبِ وغَيْرِهِ، فَلا يَكُونُ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى نَفْيِ الوُجُوبِ، والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] والقَصْرُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ واجِبٌ، مَعَ أنَّهُ قالَ فِيهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾ فَكَذا هاهُنا.
الثّانِي: أنَّهُ رَفَعَ الجُناحَ عَنِ الطَّوافِ بِهِما لا عَنِ الطَّوافِ بَيْنَهُما، وعِنْدَنا الأوَّلُ غَيْرُ واجِبٍ، وإنَّما الثّانِي هو الواجِبُ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عَلى الصَّفا صَنَمٌ وعَلى المَرْوَةِ صَنَمٌ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بِهِما ويَتَمَسَّحُونَ بِهِما فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَرِهَ المُسْلِمُونَ الطَّوافَ بَيْنَهُما لِأجْلِ الصَّنَمَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ انْصَرَفَتِ الإباحَةُ إلى وُجُودِ الصَّنَمَيْنِ حالَ الطَّوافِ لا إلى نَفْسِ الطَّوافِ كَما لَوْ كانَ في الثَّوْبِ نَجاسَةٌ يَسِيرَةٌ عِنْدَكم، أوْ دَمُ البَراغِيثِ عِنْدَنا، فَقِيلَ: لا جُناحَ عَلَيْكَ أنْ تُصَلِّيَ فِيهِ، فَإنَّ رَفْعَ الجُناحِ يَنْصَرِفُ إلى مَكانِ النَّجاسَةِ لا إلى نَفْسِ الصَّلاةِ.
الرّابِعُ: رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ: إنِّي أرى أنْ لا حَرَجَ عَلَيَّ في أنْ لا أطُوفَ بِهِما، فَقالَتْ: بِئْسَ ما قُلْتَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقالَ: أنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما، ثُمَّ حَكى ما تَقَدَّمَ مِنَ الصَّنَمَيْنِ، وتَفْسِيرُ عائِشَةَ راجِحٌ عَلى تَفْسِيرِ التّابِعِينَ، فَإنْ قالُوا: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (فَلا جُناحَ
صفحة ١٤٦
عَلَيْهِ أنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما) واللَّفْظُ أيْضًا مُحْتَمِلٌ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ أنْ لا تَضِلُّوا، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الأعراف: ١٧٢] مَعْناهُ: أنْ لا تَقُولُوا، قُلْنا: القِراءَةُ الشّاذَّةُ لا يُمْكِنُ اعْتِبارُها في القُرْآنِ؛ لِأنَّ تَصْحِيحَها يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مُتَواتِرًا.
الخامِسُ: كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾ لا يُطْلَقُ عَلى الواجِبِ، فَكَذَلِكَ لا يُطْلَقُ عَلى المَندُوبِ، ولا شَكَّ في أنَّ السَّعْيَ مَندُوبٌ، فَقَدْ صارَتِ الآيَةُ مَتْرُوكَةَ العَمَلِ بِظاهِرِها.
وأمّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذا لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا التَّطَوُّعِ هو الطَّوافُ المَذْكُورُ أوَّلًا، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ شَيْئًا آخَرَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ فَأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الطَّعامَ، ثُمَّ نَدَبَهم إلى التَّطَوُّعِ بِالخَيْرِ فَكانَ المَعْنى: فَمَن تَطَوَّعَ وزادَ عَلى طَعامِ مِسْكِينٍ كانَ خَيْرًا، فَكَذا هاهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّطَوُّعُ مَصْرُوفًا إلى شَيْءٍ آخَرَ وهو مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَزِيدُ في الطَّوافِ فَيَطُوفُ أكْثَرَ مِنَ الطَّوافِ الواجِبِ مِثْلَ أنْ يَطُوفَ ثَمانِيَةً أوْ أكْثَرَ.
الثّانِي: أنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ حَجِّ الفَرْضِ وعُمْرَتِهِ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ مَرَّةً أُخْرى حَتّى طافَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ تَطَوُّعًا، وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ فَنَقُولُ: ذَلِكَ الحَدِيثُ عامٌّ وحَدِيثُنا خاصٌّ والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِراءَةُ حَمْزَةَ، وعاصِمٍ، والكِسائِيِّ (يَطَّوَّعْ) بِالياءِ وجَزْمِ العَيْنِ، وتَقْدِيرُهُ: يَتَطَوَّعُ، إلّا أنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الطّاءِ لِتَقارُبِهِما، وهَذا أحْسَنُ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، والشَّرْطُ والجَزاءُ الأحْسَنُ فِيهِما الِاسْتِقْبالُ، وإنْ كانَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ مَن أتانِي أكْرَمْتُهُ فَيُوقِعُ الماضِي مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ في الجَزاءِ، إلّا أنَّ اللَّفْظَ إذا كانَ يُوافِقُ المَعْنى كانَ أحْسَنَ، وأمّا الباقُونَ مِنَ القُرّاءِ فَقَرَءُوا (تَطَوَّعَ) عَلى وزْنِ تَفَعَّلَ ماضِيًا، وهَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ (تَطَوَّعَ) جَزْمًا.
الثّانِي: أنْ لا يُجْعَلَ (مِن) لِلْجَزاءِ، ولَكِنْ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ (الَّذِي) ويَكُونُ مُبْتَدَأً، والفاءُ مَعَ ما بَعْدَها في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِكَوْنِها خَبَرَ المُبْتَدَأِ المَوْصُولِ، والمَعْنى فِيهِ مَعْنى مُبْتَدَأِ الخَبَرِ، إلّا أنَّ هَذِهِ الفاءَ إذا دَخَلَتْ في خَبَرِ المَوْصُولِ أوِ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ، أفادَتْ أنَّ الثّانِيَ إنَّما وجَبَ لِوُجُوبِ الأوَّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] فَما مُبْتَدَأٌ مَوْصُولٌ، والفاءُ مَعَ ما بَعْدَها خَبَرٌ لَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ونَذْكُرُ هَذِهِ المَسْألَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: (تَطَوَّعَ) تَفَعَّلَ مِنَ الطّاعَةِ، وسَواءٌ قَوْلُ القائِلِ: طاعَ وتَطَوَّعَ، كَما يُقالُ: حالَ وتَحَوَّلَ وقالَ وتَقَوَّلَ وطافَ وتَطَوَّفَ وتَفَعَّلَ بِمَعْنى فَعَلَ كَثِيرًا، والطَّوْعُ هو الِانْقِيادُ، والطَّوْعُ ما تَرْغَبُ بِهِ مِن ذاتِ نَفْسِكَ مِمّا لا يَجِبُ عَلَيْكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ قالُوا: السَّعْيُ واجِبٌ، فَسَّرُوا هَذا التَّطَوُّعَ بِالسَّعْيِ الزّائِدِ عَلى قَدْرِ الواجِبِ
صفحة ١٤٧
ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالسَّعْيِ في الحَجَّةِ الثّانِيَةِ الَّتِي هي غَيْرُ واجِبَةٍ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ مِنهُ جَمِيعُ الطّاعاتِ وهَذا أوْلى؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الشّاكِرَ في اللُّغَةِ هو المُظْهِرُ لِلْإنْعامِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فالشّاكِرُ في حَقِّهِ تَعالى مَجازٌ، ومَعْناهُ المُجازِي عَلى الطّاعَةِ: وإنَّما سَمّى المُجازاةَ عَلى الطّاعَةِ شُكْرًا لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّلَطُّفِ لِلْعِبادِ مُبالَغَةً في الإحْسانِ إلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] وهو تَعالى لا يَسْتَقْرِضُ مِن عِوَضٍ، ولَكِنَّهُ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن ذا الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ المُقْرِضِ بِأنْ يُقَدِّمَ فَيَأْخُذَ أضْعافَ ما قَدَّمَ.
الثّانِي: أنَّ الشُّكْرَ لَمّا كانَ مُقابِلًا لِلْإنْعامِ أوِ الجَزاءِ عَلَيْهِ سُمِّيَ كُلُّ ما كانَ جَزاءً شُكْرًا عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
الثّالِثُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: أنا وإنْ كُنْتُ غَنِيًّا عَنْ طاعَتِكَ إلّا أنِّي أجْعَلُ لَها مِنَ المَوْقِعِ بِحَيْثُ لَوْ صَحَّ عَلى أنْ أنْتَفِعَ بِها لَما ازْدادَ وقْعُهُ عَلى ما حَصَلَ، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ طاعَةَ العَبْدِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وواقِعَةٌ مَوْقِعَ القَبُولِ في أقْصى الدَّرَجاتِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلِيمٌ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ قَدْرَ الجَزاءِ فَلا يَبْخَسُ المُسْتَحِقَّ حَقَّهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِقَدْرِهِ، وعالِمٌ بِما يَزِيدُ عَلَيْهِ مِنَ التَّفَضُّلِ، وهو ألْيَقُ بِالكَلامِ لِيَكُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِيمٌ﴾ تَعَلُّقٌ بِـ (شاكِرٌ) ويُحْتَمَلُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ عَلِيمٌ بِما يَأْتِي العَبْدُ فَيَقُومُ بِحَقِّهِ مِنَ العِبادَةِ والإخْلاصِ وما يَفْعَلُهُ لا عَلى هَذا الحَدِّ، وذَلِكَ تَرْغِيبٌ في أداءِ ما يَجِبُ عَلى شُرُوطِهِ، وتَحْذِيرٌ مِن خِلافِ ذَلِكَ.
البقرة 2:159
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ يَجْرِي عَلى ظاهِرِهِ في العُمُومِ ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن زَعَمَ أنَّهُ في اليَهُودِ خاصَّةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ سَألُوا نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ عَمّا في التَّوْراةِ مِن صِفاتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ومِنَ الأحْكامِ، فَكَتَمُوا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والسُّدِّيِّ، والأصَمِّ. والأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والعارِضُ المَوْجُودُ وهو نُزُولُهُ عِنْدَ سَبَبٍ مُعَيَّنٍ يَقْتَضِي الخُصُوصَ عَلى ما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ أيْضًا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ لا سِيَّما إذا كانَ الوَصْفُ مُناسِبًا لِلْحُكْمِ، ولا شَكَّ أنَّ
صفحة ١٤٨
كِتْمانَ الدِّينِ يُناسِبُهُ اسْتِحْقاقُ اللَّعْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ هَذا الوَصْفُ عِلَّةً لِهَذا الحُكْمِ وجَبَ عُمُومُ هَذا الحُكْمِ عِنْدَ عُمُومِ الوَصْفِ. وثالِثُها: أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ حَمَلُوا هَذا اللَّفْظَ عَلى العُمُومِ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ فَحُمِلَتِ الآيَةُ عَلى العُمُومِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: لَوْلا آيَتانِ مِن كِتابِ اللَّهِ ما حَدَّثْتُ حَدِيثًا بَعْدَ أنْ قالَ النّاسُ: أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ. وتَلا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ واحْتَجَّ مَن خَصَّ الآيَةَ بِأهْلِ الكِتابِ، أنَّ الكِتْمانَ لا يَصِحُّ إلّا مِنهم في شَرْعِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَأمّا القُرْآنُ فَإنَّهُ مُتَواتِرٌ، فَلا يَصِحُّ كِتْمانُهُ، قُلْنا: القُرْآنُ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ مُتَواتِرًا يَصِحُّ كِتْمانُهُ، والمُجْمَلُ مِنَ القُرْآنِ إذا كانَ بَيانُهُ عِنْدَ الواحِدِ صَحَّ كِتْمانُهُ، وكَذا القَوْلُ فِيما يَحْتاجُ المُكَلَّفُ إلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: الكِتْمانُ تَرْكُ إظْهارِ الشَّيْءِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وحُصُولُ الدّاعِي إلى إظْهارِهِ؛ لِأنَّهُ مَتى لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لا يُعَدُّ كِتْمانًا، فَلَمّا كانَ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن أشَدِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ، وصَفَ مَن عَلِمَهُ ولَمْ يُظْهِرْهُ بِالكِتْمانِ، كَما يُوصَفُ أحَدُنا في أُمُورِ الدُّنْيا بِالكِتْمانِ، إذا كانَتْ مِمّا تَقْوى الدَّواعِي عَلى إظْهارِها، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُمْدَحُ مَن يَقْدِرُ عَلى كِتْمانِ السِّرِّ؛ لِأنَّ الكِتْمانَ مِمّا يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ ويَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَمَ، ومَن كَتَمَهُ فَقَدْ عَظُمَتْ خَطِيئَتُهُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقَرِيبٌ مِنهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤] فَهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها مُوجِبَةٌ لِإظْهارِ عُلُومِ الدِّينِ تَنْبِيهًا لِلنّاسِ، وزاجِرَةٌ عَنْ كِتْمانِها، ونَظِيرُها في بَيانِ العِلْمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها ذِكْرُ الوَعِيدِ لِكاتِمِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] ورَوى حَجّاجٌ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«مَن كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُلْجَمًا بِلِجامٍ مِن نارٍ» “ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ فالمُرادُ كُلُّ ما أنْزَلَهُ عَلى الأنْبِياءِ كِتابًا ووَحْيًا دُونَ أدِلَّةِ العُقُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والهُدى﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ والنَّقْلِيَّةُ؛ لِأنّا بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٣] أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلائِلِ فَيَعُمُّ الكُلَّ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ: ﴿والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾ فَعادَ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ قُلْنا: الأوَّلُ هو التَّنْزِيلُ، والثّانِي ما يَقْتَضِيهِ التَّنْزِيلُ مِنَ الفَوائِدِ.
واعْلَمْ أنَّ الكِتابَ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّ خَبَرَ الواحِدِ والإجْماعَ والقِياسَ حُجَّةٌ، فَكُلُّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ أحَدُ هَذِهِ الأُمُورِ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ، فَكانَ كِتْمانُهُ داخِلًا تَحْتَ الآيَةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَ عَلى كِتْمانِ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ وجَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في الوَعِيدِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أمْكَنَهُ بَيانُ أُصُولِ الدِّينِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لِمَن كانَ مُحْتاجًا إلَيْها، ثُمَّ تَرَكَها أوْ كَتَمَ شَيْئًا مِن أحْكامِ الشَّرْعِ مَعَ شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ فَقَدْ لَحِقَهُ الوَعِيدُ العَظِيمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا الإظْهارُ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ لا عَلى التَّعْيِينِ، وهَذا لِأنَّهُ إذا أظْهَرَ البَعْضُ صارَ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ أحَدٍ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ مَكْتُومًا، وإذا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الكِتْمانِ لَمْ يَجِبْ عَلى الباقِينَ إظْهارُهُ مَرَّةً أُخْرى.
صفحة ١٤٩
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: مِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآياتِ في قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ فَقالَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ إظْهارَ هَذِهِ الأحْكامِ واجِبٌ، ولَوْ لَمْ يَجِبِ العَمَلُ بِها لَمْ يَكُنْ إظْهارُها واجِبًا، وتَمامُ التَّقْرِيرِ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] فَحَكَمَ بِوُقُوعِ البَيانِ بِخَبَرِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مَنهِيًّا عَنِ الكِتْمانِ، ومَأْمُورًا بِالبَيانِ؛ لِيَكْثُرَ المُخْبِرُونَ فَيَتَواتَرَ الخَبَرُ ؟
قُلْنا: هَذا غَلَطٌ لِأنَّهم ما نُهُوا عَنِ الكِتْمانِ إلّا وهم مِمَّنْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكِتْمانُ، ومَن جازَ مِنهُمُ التَّواطُؤُ عَلى الكِتْمانِ جازَ مِنهُمُ التَّواطُؤُ عَلى الوَضْعِ والِافْتِراءِ، فَلا يَكُونُ خَبَرُهم مُوجِبًا لِلْعِلْمِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى التَّعْلِيمِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ كانَ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ أخْذًا لِلْأُجْرَةِ عَلى أداءِ الواجِبِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤] وظاهِرُ ذَلِكَ يَمْنَعُ أخْذَ الأُجْرَةِ عَلى الإظْهارِ وعَلى الكِتْمانِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ مانِعٌ أخَذَ البَدَلِ عَلَيْهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾ قَبْلُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومِنَ الأحْكامِ، وقِيلَ: أرادَ بِالمَنزِلِ الأوَّلِ ما في كُتُبِ المُتَقَدِّمِينَ، والثّانِي: ما في القُرْآنِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ فاللَّعْنَةُ في أصْلِ اللُّغَةِ هي الإبْعادُ، وفي عُرْفِ الشَّرْعِ الإبْعادُ مِنَ الثَّوابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَن لِلَعْنَتِهِ تَأْثِيرٌ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصّالِحِينَ كَذَلِكَ فَهم داخِلُونَ تَحْتَ هَذا العُمُومِ لا مَحالَةَ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] والنّاسُ ذَكَرُوا وُجُوهًا أُخَرَ: أحَدُها: أنَّ اللّاعِنِينَ هم دَوابُّ الأرْضِ وهَوامُّها، فَإنَّها تَقُولُ: مُنِعْنا القَطَرَ بِمَعاصِي بَنِي آدَمَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وإنَّما قالَ: ﴿اللّاعِنُونَ﴾ ولَمْ يَقُلِ اللّاعِناتُ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَها بِصِفَةِ مَن يَعْقِلُ، فَجَمَعَها جَمْعَ مَن يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] و﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١]، ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
وثانِيها: كُلُّ شَيْءٍ سِوى الثَّقَلَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ اللَّعْنُ مِنَ البَهائِمِ والجَماداتِ ؟ قُلْنا: عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهو أنَّها لَوْ كانَتْ عاقِلَةً لَكانَتْ تَلْعَنُهم.
الثّانِي: أنَّها في الآخِرَةِ إذا أُعِيدَتْ وجُعِلَتْ مِنَ العُقَلاءِ فَإنَّها تَلْعَنُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ في الدُّنْيا وماتَ عَلَيْهِ.
وثالِثُها: أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُونَهم أيْضًا حَيْثُ كَتَمُوهُمُ الدِّينَ، فَهو عَلى العُمُومِ.
ورابِعُها: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا تَلاعَنَ المُتَلاعِنانِ وقَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلى المُسْتَحِقِّ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقٌّ رَجَعَتْ عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وخامِسُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ لَهم لَعْنَتَيْنِ: لَعْنَةَ اللَّهِ، ولَعْنَةَ الخَلائِقِ. قالَ: وذَلِكَ إذا وُضِعَ الرَّجُلُ في قَبْرِهِ فَيُسْألُ: ما دِينُكَ ؟ ومَن نَبِيُّكَ ؟ ومَن رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ: ما أدْرِي فَيُضْرَبُ ضَرْبَةً يَسْمَعُها كُلُّ شَيْءٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ الإنْسَ والجِنَّ، فَلا يَسْمَعُ شَيْءٌ صَوْتَهُ إلّا لَعَنَهُ، ويَقُولُ لَهُ المَلَكُ: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، كَذَلِكَ كُنْتَ في الدُّنْيا.
وسادِسُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: (اللّاعِنُونَ) هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، ومَعْنى اللَّعْنِ مِنهم: مُباعَدَةُ
صفحة ١٥٠
المَلْعُونِ ومُشاقَّتُهُ ومُخالَفَتُهُ مَعَ السُّخْطِ عَلَيْهِ والبَراءَةِ مِنهُ. قالَ القاضِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذا الكِتْمانَ مِنَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ فِيهِ اللَّعْنَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يَكْتُمْ ما حُمِّلَ مِنَ الرِّسالَةِ وإلّا كانَ داخِلًا في الآيَةِ.