Lafzullah

Tafsir Al-Razi — البقرة 2:160 – البقرة 2:183

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. البقرة 2:160
  2. البقرة 2:161
  3. البقرة 2:162
  4. البقرة 2:163
  5. البقرة 2:164
  6. البقرة 2:165
  7. البقرة 2:166
  8. البقرة 2:167
  9. البقرة 2:168
  10. البقرة 2:169
  11. البقرة 2:170
  12. البقرة 2:171
  13. البقرة 2:172
  14. البقرة 2:173
  15. البقرة 2:174
  16. البقرة 2:175
  17. البقرة 2:176
  18. البقرة 2:177
  19. البقرة 2:178
  20. البقرة 2:179
  21. البقرة 2:180
  22. البقرة 2:181
  23. البقرة 2:182
  24. البقرة 2:183

البقرة 2:160

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَظِيمَ الوَعِيدِ في الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ الوَعِيدَ يَلْحَقُهم عَلى كُلِّ حالٍ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم إذا تابُوا تَغَيَّرَ حُكْمُهم، ودَخَلُوا في أهْلِ الوَعِيدِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّوْبَةَ عِبارَةٌ عَنِ النَّدَمِ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ لا لِغَرَضٍ سِواهُ؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ رَدَّ الوَدِيعَةِ ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهِ لِأنَّ النّاسَ ذَمُّوهُ، أوْ لِأنَّ الحاكِمَ رَدَّ شَهادَتَهُ لَمْ يَكُنْ تائِبًا، وكَذَلِكَ لَوْ عَزَمَ عَلى رَدِّ كُلِّ ودِيعَةٍ، والقِيامِ بِكُلِّ واجِبٍ، لِكَيْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُ، أوْ يُمْدَحَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ تائِبًا، وهَذا مَعْنى الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن إصْلاحِ ما أفْسَدَهُ، مَثَلًا لَوْ أفْسَدَ عَلى غَيْرِهِ دِينَهُ بِإيرادِ شُبْهَةٍ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ إزالَةُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ ثالِثًا أنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ ضِدِّ الكِتْمانِ، وهو البَيانُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبَيَّنُوا﴾ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي وبِفِعْلِ كُلِّ ما يَنْبَغِي، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ عَنْ بَعْضِ المَعاصِي مَعَ الإصْرارِ عَلى البَعْضِ لا تَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأصْلَحُوا﴾ عامٌّ في الكُلِّ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ اللَّفْظَ المُطْلَقَ يَكْفِي في صِدْقِهِ حُصُولُ فَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِهِ. قالَ أصْحابُنا: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ المَدْحِ والثَّناءِ عَلى نَفْسِهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ واجِبًا لَما حَسُنَ هَذا المَدْحُ، ومَعْنى: ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أقْبَلُ تَوْبَتَهم، وقَبُولُ التَّوْبَةِ يَتَضَمَّنُ إزالَةَ عِقابِ ما تابَ مِنها، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قُلْتُمْ أنَّ مَعْنى ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ هو قَبُولُ التَّوْبَةِ بِمَعْنى المُجازاةِ والثَّوابِ كَما تَقُولُونَ في قَبُولِ الطّاعَةِ ؟ قُلْنا: الطّاعَةُ إنَّما أفادَ قَبُولُها اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْتَحَقُّ بِها سِواهُ، وهو الغَرَضُ بِفِعْلِها، ولَيْسَ كَذَلِكَ التَّوْبَةُ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِإسْقاطِ العِقابِ، وهو الغَرَضُ بِفِعْلِها، وإنْ كانَ لا بُدَّ مِن أنْ يَسْتَحِقَّ بِها الثَّوابَ إذا لَمْ يَكُنْ مُخْطِئًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنا التَّوّابُ﴾ القابِلُ لِتَوْبَةِ كُلِّ ذِي تَوْبَةٍ، فَهو مُبالَغَةٌ في هَذا البابِ، ومَعْنى الرَّحِيمِ عَقِيبَ ذَلِكَ: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لِرَحْمَتِهِ بِالمُكَلَّفِينَ مِن عِبادِهِ، يَقْبَلُ تَوْبَتَهم بَعْدَ التَّفْرِيطِ العَظِيمِ مِنهم.

البقرة 2:161

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: صفحة ١٥١ المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ مَن كانَ كَذَلِكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الآياتِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ التّائِبِينَ مِنهم، ذَكَرَ أيْضًا حالَ مَن يَمُوتُ مِنهم مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أُولَئِكَ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ حالَ الحَياةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم مَلْعُونُونَ أيْضًا بَعْدَ المَماتِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ هَذا إنَّما يَصِحُّ مَتى كانَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ لا يَكُونُونَ داخِلِينَ تَحْتَ الآيَةِ الأُولى، فَأمّا إذا دَخَلُوا تَحْتَ الأُولى: اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَيَجِبُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى أمْرٍ مُسْتَأْنَفٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ؛ لَمّا ذُكِرَ في الكَلامِ أنَّهُ إذا ماتَ عَلى كُفْرِهِ صارَ الوَعِيدُ لازِمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ، ولَمّا كانَ المُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ؛ عَلِمْنا أنَّ الكافِرَ إذا تابَ قَبْلَ المَوْتِ لَمْ يَكُنْ حالُهُ كَذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ، وأهْلُ دِينِهِ لا يَلْعَنُونَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ أهْلَ دِينِهِ يَلْعَنُونَهُ في الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] . وثانِيها: قالَ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ: أرادَ بِالنّاسِ أجْمَعِينَ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِغَيْرِهِمْ، وحَكَمَ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ النّاسُ لا غَيْرَ. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَلْعَنُ الجاهِلَ والظّالِمَ؛ لِأنَّ قُبْحَ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في العُقُولِ، فَإذا كانَ هو في نَفْسِهِ جاهِلًا أوْ ظالِمًا وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ هو مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ كَذَلِكَ، كانَتْ لَعْنَتُهُ عَلى الجاهِلِ والظّالِمِ تَتَناوَلُ نَفْسَهُ؛ عَنِ السُّدِّيِّ. ورابِعُها: أنْ يُحْمَلَ وُقُوعُ اللَّعْنِ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّعْنِ، وحِينَئِذٍ يَعُمُّ ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عَلى المُسْلِمِينَ لَعْنَ مَن ماتَ كافِرًا، وأنَّ زَوالَ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالمَوْتِ لا يُسْقِطُ عَنّا لَعْنَهُ والبَراءَةَ مِنهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قَدِ اقْتَضى أمْرَنا بِلَعْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ لَوْ جُنَّ لَمْ يَكُنْ زَوالُ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالجُنُونِ مُسْقِطًا لِلَعْنِهِ والبَراءَةِ مِنهُ، وكَذَلِكَ السَّبِيلُ فِيما يُوجِبُ المَدْحَ والمُوالاةَ مِنَ الإيمانِ والصَّلاحِ، فَإنَّ مَوْتَ مَن كانَ كَذَلِكَ أوْ جُنُونَهُ، لا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُدُوثِ الحالِ بِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القائِلُونَ بِالمُوافاةِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: عَلَّقَ تَعالى وُجُوبَ لَعْنَتِهِ بِأنْ يَمُوتَ عَلى كُفْرِهِ، فَلَوِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ قَبْلَ المَوْتِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ الكُفْرَ إنَّما يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ اللَّعْنِ لَوْ ماتَ صاحِبُهُ عَلَيْهِ، وكَذا الإيمانُ إنَّما يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ المَدْحِ إذا ماتَ صاحِبُهُ عَلَيْهِ. (الجَوابُ) الحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ مَجْمُوعُ أُمُورٍ: مِنها اللَّعْنُ لَوْ ماتَ، ومِنها الخُلُودُ في النّارِ، وعِنْدَنا أنَّ هَذا المَجْمُوعَ وهو اللَّعْنُ وحْدَهُ، لِمَ قُلْتُمْ: أنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا فِيهِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ الكُفْرَ مِنَ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ، وما بَقِيَ عَلى الوَضْعِ الأصْلِيِّ وهُمُ المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ واللَّهُ تَعالى وصَفَهم حالَ مَوْتِهِمْ بِأنَّهم كُفّارٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ الكُفْرَ بِمَعْنى السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ، لا يَبْقى فِيهِمْ حالَ المَوْتِ؛ لِأنَّ التَّغْطِيَةَ لا تَحْصُلُ إلّا في حَقِّ الحَيِّ الفاهِمِ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّخْصِيصِ مَعَ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ مَعَ أنَّهُ مَخْصُوصٌ عَلى مَذْهَبِ مَن قالَ: المُرادُ بِالنّاسِ بَعْضُهم. * * * صفحة ١٥٢ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الخُلُودُ: اللُّزُومُ الطَّوِيلُ، ومِنهُ يُقالُ: أخْلَدَ إلى كَذا أيْ لَزِمَهُ ورَكَنَ إلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في (خالِدِينَ) الظَّرْفُ مِن قَوْلِهِ (عَلَيْهِمْ) لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ لِلَّعْنَةِ فَهو حالٌ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في ”عَلَيْهِمْ“ كَقَوْلِكَ: عَلَيْهِمُ المالُ صاغِرِينَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: في اللَّعْنَةِ، وقِيلَ في النّارِ إلّا أنَّها أُضْمِرَتْ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] والأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ إذا وُجِدَ لَهُ مَذْكُورٌ مُتَقَدِّمٌ فَرَدُّهُ إلَيْهِ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما لَمْ يُذْكَرْ. الثّانِي: أنَّ حَمْلَ هَذا الضَّمِيرِ عَلى اللَّعْنَةِ أكْثَرُ فائِدَةً مِن حَمْلِهِ عَلى النّارِ؛ لِأنَّ اللَّعْنَ هو الإبْعادُ مِنَ الثَّوابِ بِفِعْلِ العِقابِ في الآخِرَةِ وإيجادِهِ في الدُّنْيا، فَكانَ اللَّعْنُ يَدْخُلُ فِيهِ النّارُ وزِيادَةٌ، فَكانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ أوْلى. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إخْبارٌ عَنِ الحالِ، وفي حَمْلِ الضَّمِيرِ عَلى اللَّعْنِ يَكُونُ ذَلِكَ حاصِلًا في الحالِ، وفي حَمْلِهِ عَلى النّارِ لا يَكُونُ حاصِلًا في الحالِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ؛ فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا العَذابَ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ. أحَدُها: الخُلُودُ وهو المُكْثُ الطَّوِيلُ عِنْدَنا، والمُكْثُ الدّائِمُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، عَلى ما تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] . وثانِيها: عَدَمُ التَّخْفِيفِ، ومَعْناهُ أنَّ الَّذِي يَنالُهم مِن عَذابِ اللَّهِ فَهو مُتَشابِهٌ في الأوْقاتِ كُلِّها، لا يَصِيرُ بَعْضُ الأوْقاتِ أقَلَّ مِن بَعْضٍ، فَإنْ قِيلَ: هَذا التَّشابُهُ مُمْتَنِعٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ إذا تَصَوَّرَ حالَ غَيْرِهِ في شِدَّةٍ كالعِقابِ، كانَ ذَلِكَ كالتَّخْفِيفِ مِنهُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ما فاتَ وقْتُهُ مِنَ العَذابِ ثُمَّ تَنْقَطِعُ تِلْكَ الزِّيادَةُ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْفِيفًا. الثّالِثُ: أنَّهم حَيْثُما يُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ لا شَكَّ أنَّهُ يَزْدادُ غَمُّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ. أجابُوا عَنْهُ: بِأنَّ التَّفاوُتَ في هَذِهِ الأُمُورِ القَلِيلَةِ، فالمُسْتَغْرِقُ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ لا يَنْتَبِهُ لِهَذا القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ التَّفاوُتِ؛ قالُوا: ولَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذا العِقابَ مُتَشابِهٌ، وجَبَ أنْ يَكُونَ دائِمًا؛ لِأنَّهم لَوْ جَوَّزُوا انْقِطاعَ ذَلِكَ مِمّا يُخَفِّفُ عَنْهم إذا تَصَوَّرُوهُ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ الواقِعَ في مِحْنَةٍ عَظِيمَةٍ في الدُّنْيا إذا بُشِّرَ بِالخَلاصِ بَعْدَ أيّامٍ فَإنَّهُ يَفْرَحُ ويُسَرُّ ويَسْهُلُ عَلَيْهِ مَوْقِعُ مِحْنَتِهِ وكُلَّما كانَتْ مِحْنَتُهُ أعْظُمَ، كانَ ما يَلْحَقُهُ مِنَ الرَّوْحِ والتَّخْفِيفِ بِتَصَوُّرِ الِانْقِطاعِ أكْثَرَ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ ذَلِكَ العِقابِ: قَوْلُهُ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ والإنْظارُ هو التَّأْجِيلُ والتَّأْخِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] والمَعْنى: أنَّ عَذابَهم لا يُؤَجَّلُ، بَلْ يَكُونُ حاضِرًا مُتَّصِلًا بِعَذابٍ مِثْلِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أعْلَمَنا أنَّ حُكْمَ دارِ العَذابِ والثَّوابِ بِخِلافِ حُكْمِ الدُّنْيا، فَإنَّهم يُمْهَلُونَ فِيها إلى آجالٍ قَدَّرَها اللَّهُ تَعالى، وفي الآخِرَةِ لا مُهْلَةَ البَتَّةَ، فَإذا اسْتَمْهَلُوا لا يُمْهَلُونَ، وإذا اسْتَغاثُوا لا يُغاثُونَ وإذا اسْتَعْتَبُوا لا يُعْتَبُونَ، وقِيلَ لَهُمُ؛ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ، والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِلْعِقابِ في هَذِهِ الآيَةِ دَلَّتْ عَلى يَأْسِ الكافِرِ مِنَ الِانْقِطاعِ والتَّخْفِيفِ والتَّأْخِيرِ.

البقرة 2:162

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: صفحة ١٥١ المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ مَن كانَ كَذَلِكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الآياتِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ التّائِبِينَ مِنهم، ذَكَرَ أيْضًا حالَ مَن يَمُوتُ مِنهم مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أُولَئِكَ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ حالَ الحَياةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم مَلْعُونُونَ أيْضًا بَعْدَ المَماتِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ هَذا إنَّما يَصِحُّ مَتى كانَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ لا يَكُونُونَ داخِلِينَ تَحْتَ الآيَةِ الأُولى، فَأمّا إذا دَخَلُوا تَحْتَ الأُولى: اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَيَجِبُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى أمْرٍ مُسْتَأْنَفٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ؛ لَمّا ذُكِرَ في الكَلامِ أنَّهُ إذا ماتَ عَلى كُفْرِهِ صارَ الوَعِيدُ لازِمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ، ولَمّا كانَ المُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ؛ عَلِمْنا أنَّ الكافِرَ إذا تابَ قَبْلَ المَوْتِ لَمْ يَكُنْ حالُهُ كَذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ، وأهْلُ دِينِهِ لا يَلْعَنُونَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ أهْلَ دِينِهِ يَلْعَنُونَهُ في الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] . وثانِيها: قالَ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ: أرادَ بِالنّاسِ أجْمَعِينَ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِغَيْرِهِمْ، وحَكَمَ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ النّاسُ لا غَيْرَ. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَلْعَنُ الجاهِلَ والظّالِمَ؛ لِأنَّ قُبْحَ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في العُقُولِ، فَإذا كانَ هو في نَفْسِهِ جاهِلًا أوْ ظالِمًا وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ هو مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ كَذَلِكَ، كانَتْ لَعْنَتُهُ عَلى الجاهِلِ والظّالِمِ تَتَناوَلُ نَفْسَهُ؛ عَنِ السُّدِّيِّ. ورابِعُها: أنْ يُحْمَلَ وُقُوعُ اللَّعْنِ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّعْنِ، وحِينَئِذٍ يَعُمُّ ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عَلى المُسْلِمِينَ لَعْنَ مَن ماتَ كافِرًا، وأنَّ زَوالَ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالمَوْتِ لا يُسْقِطُ عَنّا لَعْنَهُ والبَراءَةَ مِنهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قَدِ اقْتَضى أمْرَنا بِلَعْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ لَوْ جُنَّ لَمْ يَكُنْ زَوالُ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالجُنُونِ مُسْقِطًا لِلَعْنِهِ والبَراءَةِ مِنهُ، وكَذَلِكَ السَّبِيلُ فِيما يُوجِبُ المَدْحَ والمُوالاةَ مِنَ الإيمانِ والصَّلاحِ، فَإنَّ مَوْتَ مَن كانَ كَذَلِكَ أوْ جُنُونَهُ، لا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُدُوثِ الحالِ بِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القائِلُونَ بِالمُوافاةِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: عَلَّقَ تَعالى وُجُوبَ لَعْنَتِهِ بِأنْ يَمُوتَ عَلى كُفْرِهِ، فَلَوِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ قَبْلَ المَوْتِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ الكُفْرَ إنَّما يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ اللَّعْنِ لَوْ ماتَ صاحِبُهُ عَلَيْهِ، وكَذا الإيمانُ إنَّما يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ المَدْحِ إذا ماتَ صاحِبُهُ عَلَيْهِ. (الجَوابُ) الحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ مَجْمُوعُ أُمُورٍ: مِنها اللَّعْنُ لَوْ ماتَ، ومِنها الخُلُودُ في النّارِ، وعِنْدَنا أنَّ هَذا المَجْمُوعَ وهو اللَّعْنُ وحْدَهُ، لِمَ قُلْتُمْ: أنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا فِيهِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ الكُفْرَ مِنَ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ، وما بَقِيَ عَلى الوَضْعِ الأصْلِيِّ وهُمُ المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ واللَّهُ تَعالى وصَفَهم حالَ مَوْتِهِمْ بِأنَّهم كُفّارٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ الكُفْرَ بِمَعْنى السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ، لا يَبْقى فِيهِمْ حالَ المَوْتِ؛ لِأنَّ التَّغْطِيَةَ لا تَحْصُلُ إلّا في حَقِّ الحَيِّ الفاهِمِ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّخْصِيصِ مَعَ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ مَعَ أنَّهُ مَخْصُوصٌ عَلى مَذْهَبِ مَن قالَ: المُرادُ بِالنّاسِ بَعْضُهم. * * * صفحة ١٥٢ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الخُلُودُ: اللُّزُومُ الطَّوِيلُ، ومِنهُ يُقالُ: أخْلَدَ إلى كَذا أيْ لَزِمَهُ ورَكَنَ إلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في (خالِدِينَ) الظَّرْفُ مِن قَوْلِهِ (عَلَيْهِمْ) لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ لِلَّعْنَةِ فَهو حالٌ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في ”عَلَيْهِمْ“ كَقَوْلِكَ: عَلَيْهِمُ المالُ صاغِرِينَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: في اللَّعْنَةِ، وقِيلَ في النّارِ إلّا أنَّها أُضْمِرَتْ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] والأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ إذا وُجِدَ لَهُ مَذْكُورٌ مُتَقَدِّمٌ فَرَدُّهُ إلَيْهِ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما لَمْ يُذْكَرْ. الثّانِي: أنَّ حَمْلَ هَذا الضَّمِيرِ عَلى اللَّعْنَةِ أكْثَرُ فائِدَةً مِن حَمْلِهِ عَلى النّارِ؛ لِأنَّ اللَّعْنَ هو الإبْعادُ مِنَ الثَّوابِ بِفِعْلِ العِقابِ في الآخِرَةِ وإيجادِهِ في الدُّنْيا، فَكانَ اللَّعْنُ يَدْخُلُ فِيهِ النّارُ وزِيادَةٌ، فَكانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ أوْلى. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إخْبارٌ عَنِ الحالِ، وفي حَمْلِ الضَّمِيرِ عَلى اللَّعْنِ يَكُونُ ذَلِكَ حاصِلًا في الحالِ، وفي حَمْلِهِ عَلى النّارِ لا يَكُونُ حاصِلًا في الحالِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ؛ فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا العَذابَ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ. أحَدُها: الخُلُودُ وهو المُكْثُ الطَّوِيلُ عِنْدَنا، والمُكْثُ الدّائِمُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، عَلى ما تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] . وثانِيها: عَدَمُ التَّخْفِيفِ، ومَعْناهُ أنَّ الَّذِي يَنالُهم مِن عَذابِ اللَّهِ فَهو مُتَشابِهٌ في الأوْقاتِ كُلِّها، لا يَصِيرُ بَعْضُ الأوْقاتِ أقَلَّ مِن بَعْضٍ، فَإنْ قِيلَ: هَذا التَّشابُهُ مُمْتَنِعٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ إذا تَصَوَّرَ حالَ غَيْرِهِ في شِدَّةٍ كالعِقابِ، كانَ ذَلِكَ كالتَّخْفِيفِ مِنهُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ما فاتَ وقْتُهُ مِنَ العَذابِ ثُمَّ تَنْقَطِعُ تِلْكَ الزِّيادَةُ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْفِيفًا. الثّالِثُ: أنَّهم حَيْثُما يُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ لا شَكَّ أنَّهُ يَزْدادُ غَمُّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ. أجابُوا عَنْهُ: بِأنَّ التَّفاوُتَ في هَذِهِ الأُمُورِ القَلِيلَةِ، فالمُسْتَغْرِقُ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ لا يَنْتَبِهُ لِهَذا القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ التَّفاوُتِ؛ قالُوا: ولَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذا العِقابَ مُتَشابِهٌ، وجَبَ أنْ يَكُونَ دائِمًا؛ لِأنَّهم لَوْ جَوَّزُوا انْقِطاعَ ذَلِكَ مِمّا يُخَفِّفُ عَنْهم إذا تَصَوَّرُوهُ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ الواقِعَ في مِحْنَةٍ عَظِيمَةٍ في الدُّنْيا إذا بُشِّرَ بِالخَلاصِ بَعْدَ أيّامٍ فَإنَّهُ يَفْرَحُ ويُسَرُّ ويَسْهُلُ عَلَيْهِ مَوْقِعُ مِحْنَتِهِ وكُلَّما كانَتْ مِحْنَتُهُ أعْظُمَ، كانَ ما يَلْحَقُهُ مِنَ الرَّوْحِ والتَّخْفِيفِ بِتَصَوُّرِ الِانْقِطاعِ أكْثَرَ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ ذَلِكَ العِقابِ: قَوْلُهُ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ والإنْظارُ هو التَّأْجِيلُ والتَّأْخِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] والمَعْنى: أنَّ عَذابَهم لا يُؤَجَّلُ، بَلْ يَكُونُ حاضِرًا مُتَّصِلًا بِعَذابٍ مِثْلِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أعْلَمَنا أنَّ حُكْمَ دارِ العَذابِ والثَّوابِ بِخِلافِ حُكْمِ الدُّنْيا، فَإنَّهم يُمْهَلُونَ فِيها إلى آجالٍ قَدَّرَها اللَّهُ تَعالى، وفي الآخِرَةِ لا مُهْلَةَ البَتَّةَ، فَإذا اسْتَمْهَلُوا لا يُمْهَلُونَ، وإذا اسْتَغاثُوا لا يُغاثُونَ وإذا اسْتَعْتَبُوا لا يُعْتَبُونَ، وقِيلَ لَهُمُ؛ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ، والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِلْعِقابِ في هَذِهِ الآيَةِ دَلَّتْ عَلى يَأْسِ الكافِرِ مِنَ الِانْقِطاعِ والتَّخْفِيفِ والتَّأْخِيرِ.

البقرة 2:163

صفحة ١٥٣ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تَفْسِيرِ لَفْظِ الإلَهِ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] أمّا الواحِدُ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُهم واحِدٌ اسْمٌ جَرى عَلى وجْهَيْنِ في كَلامِهِمْ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ اسْمًا، والآخَرُ أنْ يَكُونَ وصْفًا، فالِاسْمُ الَّذِي لَيْسَ بِصِفَةٍ قَوْلُهم: واحِدٌ المُسْتَعْمَلُ في العَدَدِ نَحْوُ: واحِدٌ اثْنانِ ثَلاثَةٌ، فَهَذا اسْمٌ لَيْسَ بِوَصْفٍ كَما أنَّ سائِرَ أسْماءِ العَدَدِ كَذَلِكَ، وأمّا كَوْنُهُ صِفَةً فَنَحْوُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ واحِدٍ وهَذا شَيْءٌ واحِدٌ فَإذا أُجْرِيَ هَذا الِاسْمُ عَلى الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، جازَ أنْ يَكُونَ الَّذِي هو الوَصْفُ كالعالِمِ والقادِرِ، وجازَ أنْ يَكُونَ الَّذِي هو الِاسْمُ كَقَوْلِنا شَيْءٌ، ويُقَوِّي الأوَّلَ قَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وأقُولُ: تَحْقِيقُ هَذا الكَلامِ في العَقْلِ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها واحِدٌ مُشْتَرِكَةٌ في مَفْهُومِ الوَحْدانِيَّةِ، ومُخْتَلِفَةٌ في خُصُوصِيّاتِ ماهِيّاتِها، أعْنِي كَوْنَها جَوْهَرًا، أوْ عَرَضًا، أوْ جِسْمًا، أوْ مُجَرَّدًا، ويَصِحُّ أيْضًا فِعْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أعْنِي ماهِيَّتَهُ وكَوْنَهُ واحِدًا مَعَ الذُّهُولِ عَنِ الآخَرِ، فَإذَنْ كَوْنُ الجَوْهَرِ جَوْهَرًا مَثَلًا غَيْرٌ، وكَوْنُهُ واحِدًا غَيْرٌ، والمُرَكَّبُ مِنهُما غَيْرٌ، فَلَفْظُ الواحِدِ تارَةً يُفِيدُ مُجَرَّدَ مَعْنى أنَّهُ واحِدٌ، وهَذا هو الِاسْمُ، وتارَةً يُفِيدُ مَعْنى أنَّهُ واحِدٌ حِينَ ما يَحْصُلُ نَعْتًا لِشَيْءٍ آخَرَ، وهَذا مَعْنى كَوْنِهِ نَعْتًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواحِدِيَّةُ هَلْ هي صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى الذّاتِ أمْ لا ؟ اخْتَلَفُوا فِيها فَقالَ قَوْمٌ: إنَّها صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى الذّاتِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنّا إذا قُلْنا؛ هَذا الجَوْهَرُ واحِدٌ، فالمَفْهُومُ مِن كَوْنِهِ جَوْهَرًا غَيْرُ المَفْهُومِ مِن كَوْنِهِ واحِدًا، بِدَلِيلِ أنَّ الجَوْهَرَ يُشارِكُهُ العَرَضُ في كَوْنِهِ واحِدًا، ولا يُشارِكُهُ في كَوْنِهِ جَوْهَرًا، ولِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُعْقَلَ كَوْنُهُ جَوْهَرًا حالَ الذُّهُولِ عَنْ كَوْنِهِ واحِدًا، والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِغَيْرِ المَعْلُومِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ كَوْنُهُ واحِدًا نَفْسَ كَوْنِهِ جَوْهَرًا، لَكانَ قَوْلُنا الجَوْهَرُ واحِدٌ جارِيًا مَجْرى قَوْلِنا: الجَوْهَرُ جَوْهَرٌ، ولِأنَّ مُقابِلَ الجَوْهَرِ هو العَرَضُ، ومُقابِلَ الواحِدِ هو الكَثِيرُ، فَثَبَتَ أنَّ المَفْهُومَ مِن كَوْنِهِ واحِدًا، إمّا أنْ يَكُونَ سَلْبِيًّا أوْ ثُبُوتِيًّا لا جائِزَ أنْ يَكُونَ سَلْبِيًّا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ سَلْبِيًّا لَكانَ سَلْبًا لِلْكَثْرَةِ، والكَثْرَةُ إمّا أنْ تَكُونَ سَلْبِيَّةً أوْ ثُبُوتِيَّةً، فَإنْ كانَتِ الكَثْرَةُ سَلْبِيَّةً، والوَحْدَةُ سَلْبُ الكَثْرَةِ، كانَتِ الوَحْدَةُ سَلْبًا لِلسَّلْبِ وسَلْبُ السَّلْبِ ثُبُوتٌ، فالوَحْدَةُ ثُبُوتِيَّةٌ وهو المَطْلُوبُ، وإنْ كانَتِ الكَثْرَةُ ثُبُوتِيَّةً ولا مَعْنًى لِلْكَثْرَةِ إلّا مَجْمُوعَ الوَحَداتِ، فَلَوْ كانَتِ الوَحْدَةُ سَلْبِيَّةً مَعَ الكَثْرَةِ كانَ مَجْمُوعُ المَعْدُوماتِ أمْرًا مَوْجُودًا وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ الوَحْدَةَ صِفَةٌ زائِدَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ، ثُمَّ هَذِهِ الصِّفَةُ الزّائِدَةُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ لا تَحَقُّقَ لَها إلّا في الذِّهْنِ، أوْ لَها تَحَقُّقٌ خارِجَ الذِّهْنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَمْ يَكُنِ الذِّهْنِيُّ مُطابِقًا لِما في الخارِجِ، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ الشَّيْءُ الواحِدُ في نَفْسِهِ واحِدًا وهو مُحالٌ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الشَّيْءَ المَحْكُومَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ واحِدٌ قَدْ كانَ واحِدًا في نَفْسِهِ قَبْلَ أنْ يُوجَدَ ذِهْنِيًّا وفَرَضِيًّا واعْتِبارِيًّا، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ واحِدًا صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى ذاتِهِ قائِمَةٌ بِتِلْكَ الذّاتِ، واحْتَجَّ مَن أبى كَوْنَ الوَحْدَةِ صِفَةً ثُبُوتِيَّةً بِأنْ قالَ: لَوْ كانَتِ الوَحْدَةُ صِفَةً زائِدَةً عَلى الذّاتِ، كانَتِ الوَحَداتُ مُتَساوِيَةً في ماهِيَّةِ كَوْنِها واحِدَةً ومُتَبايِنَةً بِتَعَيُّناتِها، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلْوَحْدَةِ وحْدَةٌ أُخْرى، ويَنْجَرُّ ذَلِكَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ وهو مُحالٌ. صفحة ١٥٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الواحِدُ هو الشَّيْءُ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ مِن جِهَةِ ما قِيلَ لَهُ إنَّهُ واحِدٌ، فالإنْسانُ الواحِدُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَنْقَسِمَ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ إلى إنْسانَيْنِ بَلْ قَدْ يَنْقَسِمُ إلى الأبْعاضِ والأجْزاءِ مِنَ المَوْجُوداتِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الوَحْدَةِ حَتّى العَدَدُ فَإنَّ العَشَرَةَ الواحِدَةَ مِن حَيْثُ إنَّها عَشَرَةٌ واحِدَةٌ قَدْ عَرَضَتِ الوَحْدَةُ لَها، فَإنْ قُلْتَ: عَشَرَتانِ فالعَشَرَتانِ مَرَّةً واحِدَةً قَدْ عَرَضَتِ الوَحْدَةُ لَها مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فَلا شَيْءَ مِنَ المَوْجُوداتِ يَنْفَكُّ عَنِ الوَحْدَةِ ولِأجْلِ هَذا اشْتَبَهَ عَلى بَعْضِهِمُ الوَحْدَةُ بِالمَوْجُودِ، فَظَنَّ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لَمّا صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ واحِدٌ كانَ وُجُودُهُ نَفْسَ وحْدَتِهِ، والحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الوُجُودَ يَنْقَسِمُ إلى الواحِدِ والكَثِيرِ، والمُنْقَسِمُ إلى شَيْءٍ مُغايِرٌ لِما بِهِ الِانْقِسامُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿واحِدٌ﴾ بِاعْتِبارَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَتْ ذاتُهُ مُرَكَّبَةً مِنِ اجْتِماعِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ ما يُشارِكُهُ في كَوْنِهِ واجِبَ الوُجُودِ وفي كَوْنِهِ مَبْدَأً لِوُجُودِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فالجَوْهَرُ الفَرْدُ عِنْدَ مَن يُثْبِتُهُ واحِدٌ بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ، ولَيْسَ واحِدٌ بِالتَّفْسِيرِ الثّانِي. والبُرْهانُ عَلى ثُبُوتِ الوَحْدَةِ بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُرَكَّبًا لافْتَقَرَ تَحَقُّقُهُ إلى تَحَقُّقِ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ واجِبٌ لِغَيْرِهِ، فَهو مُرَكَّبٌ مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَما لا يَكُونُ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَإذَنْ حَقِيقَتُهُ سُبْحانَهُ حَقِيقَةٌ أحَدِيَّةٌ فَرْدِيَّةٌ لا كَثْرَةَ فِيها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لا كَثْرَةً مِقْدارِيَّةً، كَما تَكُونُ لِلْأجْسامِ، ولا كَثْرَةً مَعْنَوِيَّةً كَما تَكُونُ لِلنَّوْعِ المُتَرَكِّبِ مِنَ الفَصْلِ والجِنْسِ أوِ الشَّخْصِ المُتَرَكِّبِ مِنَ الماهِيَّةِ والتَّشَخُّصِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَعُبَ ذَلِكَ عَلى أقْوامٍ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ قادِرٌ حَيٌّ مُرِيدٌ، فالمَفْهُومُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ إمّا هو نَفْسُ المَفْهُومِ مِن ذاتِهِ، أوْ لَيْسَ كَذَلِكَ والأوَّلُ باطِلٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نَتَعَقَّلَ ذاتَهُ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، وإنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فَلا شَكَّ أنَّهُ يُمْكِنُنا تَعَقُّلُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ أنْ نَتَعَقَّلَ ذاتَهُ المَخْصُوصَةَ، بَلْ هَذا هو الواجِبُ عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ ذاتَهُ المَخْصُوصَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وصِفاتُهُ مَعْلُومَةٌ والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ، فَإذَنْ هَذِهِ الصِّفاتُ أُمُورٌ زائِدَةٌ عَلى الذّاتِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ لَوْ كانَتْ هي نَفْسَ الذّاتِ لَكانَ قَوْلُنا في الذّاتِ: إنَّها عالِمَةٌ أوْ لَيْسَتْ عالِمَةً جارِيًا مَجْرى قَوْلِنا: الذّاتُ ذاتٌ أوْ لا ذاتٌ، ولاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في البَحْثِ يُحْتَمَلُ أنْ يُقامَ البُرْهانُ عَلى نَفْيِهِ وإثْباتِهِ، فَإنَّ مَن قالَ: الذّاتُ ذاتٌ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ بِالضَّرُورَةِ صِدْقَهُ، ومَن قالَ: الذّاتُ لَيْسَتْ بِذاتٍ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ بِالضَّرُورَةِ كَذِبَهُ، ولَمّا كانَ قَوْلُنا: الذّاتُ عالِمَةٌ أوْ لَيْسَتْ عالِمَةً لَيْسَ بِمَثابَةِ قَوْلِنا لِذاتٍ: ذاتُ الذّاتِ لَيْسَتْ بِذاتٍ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ أُمُورٌ زائِدَةٌ عَلى الذّاتِ. وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ كانَ المَرْجِعُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ إلى ذاتِهِ فَقَطْ، وذاتُهُ لَيْسَتْ إلّا شَيْئًا واحِدًا، لَكانَ المَرْجِعُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ إقامَةُ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا تُغْنِي عَنْ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا، وعَلى كَوْنِهِ حَيًّا، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلِ افْتَقَرْنا في كُلِّ صِفَةٍ إلى دَلِيلٍ خاصٍّ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المَرْجِعُ بِها إلى الذّاتِ، إذا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ أُمُورٌ زائِدَةٌ عَلى الذّاتِ، فَنَقُولُ: هَذِهِ الصِّفاتُ إمّا أنْ تَكُونَ سَلْبِيَّةً أوْ ثُبُوتِيَّةً، لا جائِزَ أنْ تَكُونَ سَلْبِيَّةً؛ لِأنَّ السَّلْبَ نَفْيٌ مَحْضٌ، والنَّفْيُ المَحْضُ لا تَخَصُّصَ فِيهِ، ولِأنّا جَعَلْنا كَوْنَهُ عالِمًا قادِرًا عِبارَةً عَنْ نَفْيِ الجَهْلِ والعَجْزِ، فالجَهْلُ والعَجْزُ إمّا أنْ يَكُونَ المَرْجِعُ بِهِما إلى العَدَمِ وأنَّهُ لَيْسَ بِعالِمٍ ولا قادِرٍ، أوْ يَكُونَ المَرْجِعُ إلى أمْرٍ ثُبُوتِيٍّ: وهو أنَّ الجَهْلَ عِبارَةٌ عَنِ اعْتِقادٍ غَيْرِ مُطابِقٍ، والعَجْزَ عِبارَةٌ عَنْ إخْلالِ حالِ القُدْرَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ العِلْمُ والقُدْرَةُ عِبارَةً عَنْ سَلْبِ السَّلْبِ، فَيَكُونُ صفحة ١٥٥ ثُبُوتِيًّا، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَلْزَمْ مِنِ انْتِفاءِ الجَهْلِ والعَجْزِ بِهَذا المَعْنى تَحَقُّقُ العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَإنَّ الجَمادَ قَدِ انْتَفى عَنْهُ الجَهْلُ والعَجْزُ بِهَذا المَعْنى مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى أُمُورٌ زائِدَةٌ عَلى ذاتِهِ قائِمَةٌ بِذاتِهِ، والإلَهُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الذّاتِ والصِّفاتِ، فَقَدْ عادَ القَوْلُ إلى أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِ تَعالى مُرَكَّبَةٌ مِن أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ ؟ وإشْكالٌ آخَرُ: وهو أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الوَحْدَةَ صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى الذّاتِ قائِمَةٌ بِالذّاتِ، فَإذا كانَتْ حَقِيقَةُ الحَقِّ واحِدَةً، فَهُناكَ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: تِلْكَ الحَقِيقَةُ، وتِلْكَ الواحِدِيَّةُ، ومَوْصُوفِيَّةُ تِلْكَ الحَقِيقَةِ بِتِلْكَ الواحِدِيَّةِ، فَذَلِكَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَأيْنَ التَّوْحِيدُ ؟ وإشْكالٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ تِلْكَ الحَقِيقَةَ هَلْ هي مَوْجُودَةٌ وواجِبَةُ الوُجُودِ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً فَهي بِوُجُودِها تُشارِكُ سائِرَ المَوْجُوداتِ، وبِماهِيّاتِها تَمْتازُ عَنْ سائِرِ المَوْجُوداتِ، فَهُناكَ كَثْرَةٌ حاصِلَةٌ بِسَبَبِ الوُجُودِ والماهِيَّةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فَهَذا إشارَةٌ إلى العَدَمِ، وكَذا القَوْلُ في الوُجُوبِ؛ فَإنَّها إنْ كانَتْ واجِبَةَ الوُجُودِ لِذاتِها، فَوُجُوبُ وُجُودِها يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ عَيْنَ الذّاتِ؛ لِأنَّ الوُجُوبَ صِفَةٌ لِانْتِسابِ المَوْضُوعِ إلى المَحْمُولِ بِالمَوْصُوفِيَّةِ، والِانْتِسابُ مُغايِرٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، مُغايِرٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن حَيْثُ هو، فَلَأنْ تَكُونَ صِفَةُ ذَلِكَ الِانْتِسابِ مُغايِرَةً لَهُما أوْلى، وأيْضًا فالذّاتُ قائِمَةٌ بِنَفْسِها ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُسَمّى الواجِبِ أمْرًا قائِمًا بِالنَّفْسِ، ولِأنّا نَصِفُ الذّاتَ بِالوُجُوبِ، ووَصْفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ وجَبَ مَوْجُودٌ واجِبُ الوُجُودِ لَكانَ وُجُوبُ وُجُودِهِ زائِدًا عَلى ذاتِهِ، فَهُناكَ أمْرانِ؛ تِلْكَ الذّاتُ مَعَ ذَلِكَ الوُجُوبِ ومَعَ المَوْصُوفِيَّةِ بِذَلِكَ الوُجُوبِ فَقَدْ عادَ التَّثْلِيثُ. وإشْكالٌ رابِعٌ: وهو أنَّ هَذِهِ الحَقِيقَةَ البَسِيطَةَ هَلْ يُمْكِنُ الإخْبارُ عَنْها، وهَلْ يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْها أمْ لا ؟ والأوَّلُ مُحالٌ؛ لِأنَّ الإخْبارَ إنَّما يَكُونُ بِشَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ، فالمُخْبَرُ عَنْهُ غَيْرُ المُخْبَرِ بِهِ، فَهُما أمْرانِ لا واحِدٌ، وإنْ لَمْ يَكُنِ التَّعْبِيرُ عَنْهُ فَهو مَعْلُومٌ البَتَّةَ لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ، فَهو مَغْفُولٌ عَنْهُ، فَهَذا جُمْلَةُ ما في هَذا المَقامِ مِنَ السُّؤالاتِ: والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ ذاتٌ مَوْصُوفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ولا شَكَّ أنَّ المَجْمُوعَ مُفْتَقِرٌ في تَحَقُّقِهِ إلى تَحَقُّقِ أجْزائِهِ، إلّا أنَّ الذّاتَ قائِمَةٌ بِنَفْسِها واجِبَةٌ لِذاتِها، ثُمَّ إنَّها بَعْدَ وُجُوبِها بَعْدِيَّةٌ بِالرُّتْبَةِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِتِلْكَ النُّعُوتِ والصِّفاتِ، فَهَذا مِمّا لا مانِعَ فِيهِ عِنْدَ العَقْلِ. وأمّا الإشْكالُ الثّانِي: وهو أنَّ الوَحْدَةَ صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى الذّاتِ، فَإذا نَظَرْتَ إلَيْها مِن حَيْثُ إنَّها واحِدَةٌ فَهُناكَ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ لا أمْرٌ واحِدٌ، فالجَوابُ أنَّ الَّذِي ذَكَرْتُهُ حَقٌّ، ولَكِنْ فُرِّقَ بَيْنَ النَّظَرِ إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو وبَيْنَ النَّظَرِ إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ واحِدٌ، فَإذا نَظَرْتَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو مَعَ تَرْكِ الِالتِفاتِ إلى أنَّهُ واحِدٌ، فَهُناكَ تَتَحَقَّقُ الوَحْدَةُ، وهَهُنا حالَةٌ عَجِيبَةٌ، فَإنَّ العَقْلَ ما دامَ يَلْتَفِتُ إلى الوَحْدَةِ فَهو بَعْدُ لَمْ يَصِلْ إلى عالَمِ الوَحْدَةِ، فَإذا تَرَكَ الوَحْدَةَ فَقَدْ وصَلَ إلى الوَحْدَةِ، فاعْتَبِرْ هَذِهِ الحالَةَ بِذِهْنِكَ اللَّطِيفِ لَعَلَّكَ تَصِلُ إلى سِرِّهِ، وهَذا أيْضًا هو الجَوابُ عَنْ إشْكالِ الوُجُودِ وإشْكالِ الوُجُوبِ. أمّا الإشْكالُ الرّابِعُ: وهو أنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ ؟ فالحَقُّ أنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ؛ لِأنَّكَ مَتى عَبَّرْتَ عَنْهُ فَقَدْ أخْبَرْتَ عَنْهُ بِأمْرٍ آخَرَ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مُغايِرٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ لا مَحالَةَ، فَلَيْسَ هُناكَ تَوْحِيدٌ، ولَوْ أخْبَرْتَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا صفحة ١٥٦ يُمْكِنُ الإخْبارُ عَنْهُ، فَهُناكَ ذاتٌ مَعَ سَلْبٍ خاصٍّ، فَلا يَكُونُ هُناكَ تَوْحِيدٌ، فَأمّا إذا نَظَرْتَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو مِن غَيْرِ أنْ تُخْبِرَ عَنْهُ لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ، فَهُناكَ تَحَقَّقَ الوُصُولُ إلى مَبادِئِ عالَمِ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ الِالتِفاتُ المَذْكُورُ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ فَلِذَلِكَ عَظُمَ وقْعُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عِنْدَ الخائِضِينَ في بِحارِ التَّوْحِيدِ، وسَنَذْكُرُ شَمَّةً مِن حَقائِقِها في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى، أمّا الوَحْدَةُ بِالمَعْنى الثّانِي، وهي أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ يُشارِكُهُ في وُجُوبِ الوُجُودِ، فَإنَّ هَذِهِ الوَحْدَةَ هي الوَحْدَةُ الخاصَّةُ بِذاتِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وبَراهِينُ ذَلِكَ مَذْكُورَةٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢] أمّا الوَحْدَةُ بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ، فَلَيْسَتْ مِن خَواصِّ ذاتِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ لِأنَّهُ لا شَكَّ في وُجُودِ مَوْجُوداتٍ، وهَذِهِ المَوْجُوداتُ إمّا مُفْرَداتٌ أوْ مُرَكَّباتٌ، فالمُرَكَّبُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ المُفْرَداتِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن إثْباتِ المُفْرَداتِ في عامِّ المُمْكِناتِ، فالواحِدِيَّةُ بِالمَعْنى الأوَّلِ لَيْسَتْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَوَحَّدَ الحَقُّ سُبْحانَهُ بِها، أمّا الواحِدِيَّةُ بِالمَعْنى الثّانِي فالحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَوَحِّدٌ بِها ومُتَفَرِّدٌ بِها، ولا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ النَّعْتِ شَيْءٌ سِواهُ، فَهَذِهِ تَلْخِيصُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِعَقْلِ البَشَرِ وفِكْرِهِ القاصِرِ، مَعَ الِاعْتِرافِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ تَصَرُّفاتِ الأفْكارِ والأوْهامِ، وعَلائِقِ العُقُولِ والأفْهامِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ؛ قالَ الجُبّائِيُّ: يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ واحِدٌ مِن وُجُوهٍ أرْبَعَةٍ: لِأنَّهُ لَيْسَ بِذِي أبْعاضٍ، ولا بِذِي أجْزاءٍ، ولِأنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالقِدَمِ، ولِأنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ، ولِأنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِصِفاتِ ذاتِهِ، نَحْوَ كَوْنِهِ عالِمًا بِنَفْسِهِ، وقادِرًا بِنَفْسِهِ، وأبُو هاشِمٍ يَقْتَصِرُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: فَجَعَلَ تَفَرُّدَهُ بِالقِدَمِ وبِصِفاتِ الذّاتِ وجْهًا واحِدًا، قالَ القاضِي: وفي هَذِهِ الآيَةِ المُرادُ تَفَرُّدُهُ بِالإلَهِيَّةِ فَقَطْ؛ لِأنَّهُ أضافَ التَّوْحِيدَ إلى ذَلِكَ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ . وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واحِدٌ في ذاتِهِ لا قَسِيمَ لَهُ، وواحِدٌ في صِفاتِهِ لا شَبِيهَ لَهُ، وواحِدٌ في أفْعالِهِ لا شَرِيكَ لَهُ، أمّا أنَّهُ واحِدٌ في ذاتِهِ فَلِأنَّ تِلْكَ الذّاتَ المَخْصُوصَةَ الَّتِي هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِنا: هو الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى إمّا أنْ تَكُونَ حاصِلَةً في شَخْصٍ آخَرَ سِواهُ، أوْ لا تَكُونَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ امْتِيازُ ذاتِهِ المُعَيَّنَةِ عَنِ المَعْنى الآخَرِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَيْدٍ زائِدٍ، فَيَكُونُ هو في نَفْسِهِ مُرَكَّبًا بِما بِهِ الِاشْتِراكُ وما بِهِ الِامْتِيازُ، فَيَكُونُ مُمْكِنًا مَعْلُولًا مُفْتَقِرًا وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ واحِدٌ في ذاتِهِ لا قَسِيمَ لَهُ، وأمّا أنَّهُ واحِدٌ في صِفاتِهِ فَلِأنَّ مَوْصُوفِيَّتَهُ سُبْحانَهُ بِصِفاتٍ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ مَوْصُوفِيَّةِ غَيْرِهِ بِصِفاتٍ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ كُلَّ ما عَداهُ فانٍ؛ لِأنَّ حُصُولَ صِفاتِهِ لَهُ لا تَكُونُ مِن نَفْسِهِ، بَلْ مِن غَيْرِهِ، وهو سُبْحانَهُ يَسْتَحِقُّ حُصُولَ صِفاتِهِ لِنَفْسِهِ لا لِغَيْرِهِ. وثانِيها: أنَّ صِفاتِ غَيْرِهِ مُخْتَصَّةٌ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ؛ لِأنَّها حادِثَةٌ، وصِفاتُ الحَقِّ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّ صِفاتِ الحَقِّ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ بِحَسَبِ المُتَعَلِّقاتِ، فَإنَّ عِلْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وقُدْرَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ المَقْدُوراتِ، بَلْ لَهُ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْلُوماتِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ مَعْلُوماتٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ في ذَلِكَ الجَوْهَرِ الفَرْدِ أنَّهُ كَيْفَ كانَ، ويَكُونُ حالُهُ بِحَسَبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأحْيازِ المُتَناهِيَةِ، وبِحَسَبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الصِّفاتِ المُتَناهِيَةِ، فَهو سُبْحانَهُ واحِدٌ في صِفاتِهِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَتْ مَوْصُوفِيَّةُ ذاتِهِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ بِمَعْنى كَوْنِها حالَّةً في ذاتِهِ وكَوْنِ ذاتِهِ مَحَلًّا لَها، ولا أيْضًا بِحَسَبِ كَوْنِ ذاتِهِ مُسْتَكْمَلَةً بِها؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الذّاتَ كالمَبْدَأِ لِتِلْكَ الصِّفاتِ، فَلَوْ كانَتِ الذّاتُ مُسْتَكْمَلَةً بِالصِّفاتِ لَكانَ المَبْدَأُ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمَلًا بِالمُمْكِنِ لِذاتِهِ، وهو مُحالٌ، بَلْ ذاتُهُ مُسْتَكْمِلَةٌ لِذاتِهِ، ومِن لَوازِمِ ذَلِكَ الِاسْتِكْمالِ الذّاتِيِّ تَحَقُّقُ صِفاتِ الكَمالِ مَعَهُ، إلّا أنَّ التَّقْسِيمَ يَعُودُ في نَفْسِ الِاسْتِكْمالِ فَيَنْتَهِي إلى حَيْثُ تَقْصُرُ العِبارَةُ عَنِ الوَفاءِ بِهِ. صفحة ١٥٧ خامِسُها: أنَّهُ لا خَبَرَ عِنْدَ العُقُولِ مِن كُنْهِ صِفاتِهِ، كَما لا خَبَرَ عِنْدَها مِن كُنْهِ ذاتِهِ؛ وذَلِكَ لِأنّا لا نَعْرِفُ مِن عِلْمِهِ إلّا أنَّهُ الأمْرُ الَّذِي لِأجْلِهِ ظَهَرَ الإحْكامُ والإتْقانُ في عالَمِ المَخْلُوقاتِ، فالمَعْلُومُ مِن عِلْمِهِ أنَّهُ أمْرٌ ما، لا نَدْرِي أنَّهُ ما هو، ولَكِنْ نَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ يَلْزَمُهُ هَذا الأثَرُ المَحْسُوسُ، وكَذا القَوْلُ في كَوْنِهِ قادِرًا وحَيًّا، فَسُبْحانَ مَن رَدَعَ بِنُورِ عِزَّتِهِ أنْوارَ العُقُولِ والأفْهامِ، وأمّا إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واحِدٌ في أفْعالِهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، فالواجِبُ هو هو، والمُمْكِنُ ما عَداهُ، وكُلُّ ما كانَ مُمْكِنًا فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يُوجَدَ ما لَمْ يَتَّصِلْ بِالواجِبِ، ولا يَخْتَلِفُ هَذا الحُكْمُ بِاخْتِلافِ أقْسامِ المُمْكِناتِ، سَواءٌ كانَ مُلْكًا أوْ مِلْكًا أوْ كانَ فِعْلًا لِلْعِبادِ، أوْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَداهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ واسْتِيلائِهِ، وعِنْدَ هَذا تُدْرِكُ شَمَّةً مِن رَوائِحِ أسْرارِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ، ويَلُوحُ لَكَ شَيْءٌ مِن حَقائِقِ قَوْلِهِ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٩] وتَعْرِفُ أنَّ المَوْجُودَ لَيْسَ البَتَّةَ إلّا ما هو هو، وما هو لَهُ، وإذا وقَعَتْ سَفِينَةُ الفِكْرَةِ في هَذِهِ اللُّجَّةِ، فَلَوْ سارَتْ إلى الأبَدِ لَمْ تَقِفْ؛ لِأنَّ السَّيْرَ إنَّما يَكُونُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، فالشَّيْءُ الأوَّلُ مَتْرُوكٌ، والشَّيْءُ الثّانِي مَطْلُوبٌ، وهُما مُتَغايِرانِ، فَأنْتَ بَعْدُ خارِجٌ عَنْ عالَمِ الفَرْدانِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ، فَأمّا إذا وصَلْتَ إلى بَرْزَخِ عالَمِ الحُدُوثِ والقِدَمِ، فَهُناكَ تَنْقَطِعُ الحَرَكاتُ، وتَضْمَحِلُّ العَلاماتُ والأماراتُ، ولَمْ يَبْقَ في العُقُولِ والألْبابِ إلّا مُجَرَّدُ أنَّهُ هو، فَيا هو ويا مَن لا هو إلّا هو أحْسِنْ إلى عَبْدِكَ الضَّعِيفِ؛ فَإنَّ عَبْدَكَ بِفِنائِكَ ومِسْكِينَكَ بِبابِكَ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى إضافَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكُمْ﴾ وهَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الإضافَةُ في كُلِّ الخَلْقِ أوْ لا تَصِحُّ إلّا في المُكَلَّفِ ؟ قُلْنا: لَمّا كانَ الإلَهُ هو يَسْتَحِقُّ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا والَّذِي يَلِيقُ بِهِ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا بِهَذا الوَصْفِ، إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ هَذِهِ الإضافَةَ صَحِيحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ المُكَلَّفِينَ، وإلى جَمِيعِ مَن تَصِحُّ صَيْرُورَتُهُ مُكَلَّفًا تَقْدِيرًا. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى الإلَهِ ما يَصِحُّ أنْ تَدْخُلَهُ الإضافَةُ، فَلَوْ كانَ مَعْنى الإلَهِ القادِرَ لَصارَ المَعْنى وقادِرُكم قادِرٌ واحِدٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ رَكِيكٌ فَدَلَّ عَلى أنَّ الإلَهَ هو المَعْبُودُ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ واحِدٌ في الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّ وُرُودَ لَفْظِ الواحِدِ بَعْدَ لَفْظِ الإلَهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الوَحْدَةَ مُعْتَبَرَةٌ في الإلَهِيَّةِ لا في غَيْرِها، فَهو بِمَنزِلَةِ وصْفِ الرَّجُلِ بِأنَّهُ سَيِّدٌ واحِدٌ، وبِأنَّهُ عالِمٌ واحِدٌ، ولَمّا قالَ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أمْكَنَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ أحَدٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ إلَهَنا واحِدٌ، فَلَعَلَّ إلَهَ غَيْرِنا مُغايِرٌ لِإلَهِنا، فَلا جَرَمَ أزالَ هَذا الوَهْمَ بِبَيانِ التَّوْحِيدِ المُطْلَقِ، فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَنا: لا رَجُلَ، يَقْتَضِي نَفْيَ هَذِهِ الماهِيَّةِ، ومَتى انْتَفَتْ هَذِهِ الماهِيَّةُ انْتَفى جَمِيعُ أفْرادِها؛ إذْ لَوْ حَصَلَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ تِلْكَ الماهِيَّةِ فَمَتى حَصَلَ ذَلِكَ الفَرْدُ، فَقَدْ حَصَلَتِ الماهِيَّةُ، وذَلِكَ يُناقِضُ ما دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ مِنِ انْتِفاءِ الماهِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَنا: لا رَجُلَ يَقْتَضِي النَّفْيَ العامَّ الشّامِلَ، فَإذا قِيلَ بَعْدُ: إلّا زَيْدًا، أفادَ التَّوْحِيدَ التّامَّ المُحَقَّقَ، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أبْحاثٌ: أحَدُها: أنَّ جَماعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قالُوا: الكَلامُ فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: لا إلَهَ لَنا، أوْ لا إلَهَ في الوُجُودِ إلّا اللَّهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلتَّوْحِيدِ الحَقِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: التَّقْدِيرُ أنَّهُ لا إلَهَ لَنا إلّا اللَّهُ، لَكانَ هَذا تَوْحِيدًا لِإلَهِنا لا تَوْحِيدًا لِلْإلَهِ المُطْلَقِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ فَرْقٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَكْرارًا مَحْضًا، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وأمّا لَوْ قُلْنا: التَّقْدِيرُ لا إلَهَ في الوُجُودِ، فَذَلِكَ الإشْكالُ زائِلٌ، إلّا أنَّهُ يَعُودُ الإشْكالُ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ وذَلِكَ صفحة ١٥٨ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا إلَهَ في الوُجُودِ لا إلَهَ إلّا هو؛ كانَ هَذا نَفْيًا لِوُجُودِ الإلَهِ الثّانِي، أمّا لَوْ لَمْ يُضْمَرْ هَذا الإضْمارُ كانَ قَوْلُكَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ نَفْيًا لِماهِيَّةِ الإلَهِ الثّانِي، ومَعْلُومٌ أنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ أقْوى في التَّوْحِيدِ الصِّرْفِ مِن نَفْيِ الوُجُودِ، فَكانَ إجْراءُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، والإعْراضُ عَنْ هَذا الإضْمارِ أوْلى. فَإنْ قِيلَ: نَفْيُ الماهِيَّةِ كَيْفَ يُعْقَلُ ؟ فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: السَّوادُ لَيْسَ بِسَوادٍ، كانَ ذَلِكَ حُكْمًا بِأنَّ السَّوادَ لَيْسَ بِسَوادٍ، وهو غَيْرُ مَعْقُولٍ، أمّا إذا قُلْتَ: السَّوادُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، فَهَذا مَعْقُولٌ مُنْتَظِمٌ مُسْتَقِيمٌ، قُلْنا: بِنَفْيِ الماهِيَّةِ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: السَّوادُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، فَقَدْ نَفَيْتَ الوُجُودَ، والوُجُودُ مِن حَيْثُ هو وُجُودُ ماهِيَّةٍ، فَإذا نَفَيْتَهُ فَقَدْ نَفَيْتَ هَذِهِ الماهِيَّةَ المُسَمّاةَ بِالوُجُودِ، فَإذا عُقِلَ نَفْيُ هَذِهِ الماهِيَّةِ مِن حَيْثُ هي هي، فَلِمَ لا يُعْقَلُ نَفْيُ تِلْكَ الماهِيَّةِ أيْضًا، فَإذا عُقِلَ ذَلِكَ صَحَّ إجْراءُ قَوْلِنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الإضْمارِ، فَإنْ قُلْتَ: إنّا إذا قُلْنا: السَّوادُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، فَما نَفَيْتَ الماهِيَّةَ وما نَفَيْتَ الوُجُودَ، ولَكِنْ نَفَيْتَ مَوْصُوفِيَّةَ الماهِيَّةِ بِالوُجُودِ، قُلْتُ: فَمَوْصُوفِيَّةُ الماهِيَّةِ بِالوُجُودِ، هَلْ هي أمْرٌ مُنْفَصِلٌ عَنِ الماهِيَّةِ وعَنِ الوُجُودِ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُما كانَ نَفْيُها نَفْيًا لِتِلْكَ الماهِيَّةِ، فالماهِيَّةُ مِن حَيْثُ هي هي أمْكَنَ نَفْيُها، وحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّقْرِيبُ المَذْكُورُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ المَوْصُوفِيَّةُ أمْرًا مُنْفَصِلًا عَنْها اسْتَحالَ تَوْجِيهُ النَّفْيِ إلَيْها إلّا بِتَوْجِيهِ النَّفْيِ إمّا إلى الماهِيَّةِ وإمّا إلى الوُجُودِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّقْرِيبُ المَذْكُورُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَنا: لا إلَهَ إلّا هو حَقٌّ وصِدْقٌ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الإضْمارِ البَتَّةَ. البَحْثُ الثّانِي: فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ: أنَّ تَصَوُّرَ النَّفْيِ مُتَأخِّرٌ عَنْ تَصَوُّرِ الإثْباتِ، فَإنَّكَ ما لَمْ تَتَصَوَّرِ الوُجُودَ أوَّلًا، اسْتَحالَ أنْ تَتَصَوَّرَ العَدَمَ، فَأنْتَ لا تَتَصَوَّرُ مِنَ العَدَمِ إلّا ارْتِفاعَ الوُجُودِ، فَتَصَوُّرُ الوُجُودِ غَنِيٌّ عَنْ تَصَوُّرِ العَدَمِ، وتَصَوُّرُ العَدَمِ مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّرِ الوُجُودِ، فَإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما السَّبَبُ في قَلْبِ هَذِهِ القَضِيَّةِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ حَتّى قَدَّمْنا النَّفْيَ وأخَّرْنا الإثْباتَ. والجَوابُ: أنَّ الأمْرَ في العَقْلِ عَلى ما ذَكَرْتُ، إلّا أنَّ تَقْدِيمَ النَّفْيِ عَلى الإثْباتِ كانَ لِغَرَضِ إثْباتِ التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ. البَحْثُ الثّالِثُ: في كَلِمَةِ (هو)، اعْلَمْ أنَّ المَباحِثَ اللَّفْظِيَّةَ المُتَعَلِّقَةَ بِهو قَدْ تَقَدَّمَتْ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أمّا الأسْرارُ المَعْنَوِيَّةُ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أنَّ الألْفاظَ عَلى نَوْعَيْنِ: مُظْهَرَةٌ ومُضْمَرَةٌ؛ أمّا المُظْهَرَةُ فَهي الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى الماهِيّاتِ المَخْصُوصَةِ مِن حَيْثُ هي هي، كالسَّوادِ، والبَياضِ، والحَجَرِ، والإنْسانِ، وأمّا المُضْمَراتُ فَهي الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى شَيْءٍ ما هو كالمُتَكَلِّمِ، والمُخاطَبِ، والغائِبِ، مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى ماهِيَّةِ ذَلِكَ المُعَيَّنِ، وهي ثَلاثَةٌ: أنا، وأنْتَ، وهو، وأعْرَفُها أنا، ثُمَّ أنْتَ، ثُمَّ هو، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ تَصَوُّرِي لِنَفْسِي مِن حَيْثُ أنِّي أنا مِمّا لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاشْتِباهُ، فَإنَّهُ مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ أصِيرَ مُشْتَبَهًا بِغَيْرِي، أوْ يَشْتَبِهَ بِي غَيْرِي، بِخِلافِ أنْتَ، فَإنَّكَ قَدْ تَشْتَبِهُ بِغَيْرِكَ، وغَيْرُكُ يَشْتَبِهُ بِكَ في عَقْلِي وظَنِّي، وأيْضًا فَأنْتَ أعْرَفُ مِن هو، فالحاصِلُ أنَّ أشَدَّ المُضْمَراتِ عِرْفانًا (أنا) وأشَدَّها بُعْدًا عَنِ العِرْفانِ (هو)، وأمّا (أنْتَ) فَكالمُتَوَسِّطِ بَيْنَهُما، والتَّأمُّلُ التّامُّ يَكْشِفُ عَنْ صِدْقِ هَذِهِ القَضِيَّةِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ أعْرَفَ الضَّمائِرِ قَوْلًا قَوْلِي: (أنا) أنَّ المُتَكَلِّمَ حَصَلَ لَهُ عِنْدَ الِانْفِرادِ لَفْظٌ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ مِن غَيْرِ فَصْلٍ؛ لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الخَوْفِ مِنَ الِالتِباسِ، وهَهُنا لا يُمْكِنُ الِالتِباسُ، فَلا حاجَةَ إلى الفَصْلِ، وأمّا عِنْدَ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ فاللَّفْظُ صفحة ١٥٩ واحِدٌ، أمّا في المُتَّصِلِ فَكَقَوْلِكَ: شَرِبْنا، وأمّا المُنْفَصِلُ فَقَوْلِكَ: نَحْنُ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِلْأمْنِ مِنَ اللَّبْسِ، وأمّا المُخاطَبُ فَإنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ لَفْظِ مُؤَنَّثِهِ ومُذَكَّرِهِ، ويُثَنّى ويُجْمَعُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِحَضْرَةِ المُتَكَلِّمِ مُؤَنَّثٌ ومُذَكَّرٌ وهو مُقْبِلٌ عَلَيْهِما، فَيُخاطِبُ أحَدَهُما فَلا يَعْرِفُ حَتّى يُبَيِّنَهُ بِعَلامَةٍ، وتَثْنِيَةُ المُخاطَبِ وجَمْعُهُ إنَّما حَسُنَ لِهَذِهِ العِلَّةِ، وأمّا أنَّ الحاضِرَ أعْرَفُ مِنَ الغائِبِ فَهَذا أمْرٌ كالضَّرُورِيِّ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ظَهَرَ أنَّ عِرْفانَ كُلِّ شَيْءٍ بِذاتِهِ أتَمُّ مِن عِرْفانِهِ بِغَيْرِهِ، سَواءٌ كانَ حاضِرًا أوْ غائِبًا؛ فالعِرْفانُ التّامُّ بِاللَّهِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَقُولُ لِنَفْسِهِ: (أنا)، ولَفْظُ (أنا) أعْرَفُ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ أنْ يَسِيرَ إلى تِلْكَ الحَقِيقَةِ بِالضَّمِيرِ الَّذِي هو أعْرَفُ الضَّمائِرِ وهو قَوْلُ (أنا) إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، عَلِمْنا أنَّ العِرْفانَ التّامَّ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَيْسَ إلّا لَهُ. بَقِيَ أنَّ هُناكَ قَوْمًا يُجَوِّزُونَ الِاتِّحادَ: الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ إذا اسْتَنارَتْ بِأنْوارِ مَعْرِفَةِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ اتَّحَدَ العاقِلُ بِالمَعْقُولِ، وعِنْدَ الِاتِّحادِ يَصِحُّ لِذَلِكَ العارِفِ أنْ يَقُولَ: أنا اللَّهُ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالِاتِّحادِ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأنَّ حالَ الِاتِّحادِ إنْ فَنِيا أوْ أحَدُهُما، فَذاكَ لَيْسَ بِاتِّحادٍ، وإنْ بَقِيا فَهُما اثْنانِ لا واحِدٌ، ولَمّا انْسَدَّ هَذا الطَّرِيقُ الَّذِي هو أكْمَلُ الطُّرُقِ في الإشارَةِ بَقِيَ الطَّرِيقانِ الآخَرانِ، وهو (أنْتَ) و(هو)، أمّا (أنْتَ) فَهو لِلْحاضِرِينَ في مَقاماتِ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ لِمَن فَنِيَ عَنْ جَمِيعِ الحُظُوظِ البَشَرِيَّةِ عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ بَعْدَ أنْ فَنِيَ عَنْ ظُلُماتِ عالَمِ الحُدُوثِ وعَنْ آثارِ الحُدُوثِ وصَلَ إلى مَقامِ الشُّهُودِ فَقالَ: ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨٧] وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الوُصُولِ إلى مَقامِ المُشاهَدَةِ والمُخاطَبَةِ إلّا بِالغَيْبَةِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: «لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» وأمّا (هو) فَلِلْغائِبِينَ، ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ وهو: أنَّ (هو) في حَقِّهِ أشْرَفُ الأسْماءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الِاسْمَ إمّا كُلِّيٌّ أوْ جُزْئِيٌّ، وأعْنِي بِكُلِّيٍّ أنْ يَكُونَ مَفْهُومُهُ بِحَيْثُ لا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِن وُقُوعِ الشَّرِكَةِ، وأعْنِي بِالجُزْئِيِّ أنْ يَكُونَ نَفْسُ تَصَوُّرِهِ مانِعًا مِنَ الشَّرِكَةِ، وهو اللَّفْظُ الدّالُّ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ ذَلِكَ المُعَيَّنُ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فالمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ لَيْسَ هو الحَقَّ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَفْهُومُ مِن ذَلِكَ الِاسْمِ أمْرًا لا يَمْنَعُ الشَّرِكَةَ، وذاتُهُ المُعَيَّنَةُ سُبْحانَهُ وتَعالى مانِعَةٌ مِنَ الشَّرِكَةِ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ لَيْسَ هو الحَقَّ سُبْحانَهُ، فَإذَنْ جَمِيعُ الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ: كالرَّحْمَنِ، والرَّحِيمِ، والحَكِيمِ، والعَلِيمِ، والقادِرِ، لا يَتَناوَلُ ذاتَهُ المَخْصُوصَةَ، ولا يَدُلُّ عَلَيْها بِوَجْهٍ البَتَّةَ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو المُسَمّى بِاسْمِ العِلْمِ، والعِلْمُ قائِمٌ مَقامَ الإشارَةِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ: يا زَيْدُ وبَيْنَ قَوْلِكَ: يا أنْتَ ويا هو. وإذا كانَ العِلْمُ قائِمًا مَقامَ الإشارَةِ فالعِلْمُ فَرْعٌ واسْمُ الإشارَةِ أصْلٌ، والأصْلُ أشْرَفُ مِنَ الفَرْعِ، فَقَوْلُنا: يا أنْتَ، يا هو أشْرَفُ مِن سائِرِ الأسْماءِ بِالكُلِّيَّةِ، إلّا أنَّ الفَرْقَ أنَّ (أنْتَ) لَفْظٌ يَتَناوَلُ الحاضِرَ و(هو) يَتَناوَلُ الغائِبَ، وفِيهِ سِرٌّ آخَرُ وهو أنَّ (هو) إنَّما يَصِحُّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ إذا حَصَلَ في العَقْلِ صُورَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وقَوْلُكَ: (هو) يَتَناوَلُ تِلْكَ الصُّورَةَ وهي حاضِرَةٌ، فَقَدْ عادَ القَوْلُ إلى أنَّ (هو) أيْضًا لا يَتَناوَلُ إلّا الحاضِرَ. وثانِيها: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الحَقِّ مُنَزَّهَةٌ عَنْ جَمِيعِ أنْحاءِ التَّراكِيبِ، والفَرْدُ المُطْلَقُ لا يُمْكِنُ نَعْتُهُ؛ لِأنَّ النَّعْتَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ، وعِنْدَ حُصُولِ الغَيْرِيَّةِ لا تَبْقى الفَرْدانِيَّةُ، وأيْضًا لا يُمْكِنُ الإخْبارُ عَنْهُ؛ لِأنَّ الإخْبارَ يَقْتَضِي مُخْبَرًا عَنْهُ ومُخْبِرًا بِهِ، وذَلِكَ يُنافِي الفَرْدانِيَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ قاصِرَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلى كُنْهِ حَقِيقَةِ الحَقِّ، وأمّا لَفْظُ (هو) فَإنَّهُ يَصِلُ إلى كُنْهِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ المُفْرَدَةِ المُبَرَّأةِ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ الكَثْرَةِ، فَهَذِهِ اللَّفْظَةُ لِوُصُولِها إلى كُنْهِ الحَقِيقَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ أشْرَفَ مِن سائِرِ الألْفاظِ صفحة ١٦٠ الَّتِي يَمْتَنِعُ وُصُولُها إلى كُنْهِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ. وثالِثُها: أنَّ الألْفاظَ المُشْتَقَّةَ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ صِفَةٍ لِلذّاتِ، ثُمَّ ماهِيّاتُ صِفَةِ الحَقِّ أيْضًا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ إلّا بِآثارِها الظّاهِرَةِ في عالَمِ الحُدُوثِ، فَلا يُعْرَفُ مِن عِلْمِهِ إلّا أنَّهُ الأمْرُ الَّذِي بِاعْتِبارِهِ صَحَّ مِنهُ الإحْكامُ والإتْقانُ، ومِن قُدْرَتِهِ إلّا أنَّها الأمْرُ الَّذِي بِاعْتِبارِهِ صَحَّ مِنهُ صُدُورُ الفِعْلِ والتَّرْكِ، فَإذَنْ هَذِهِ الصِّفاتُ لا يُمْكِنُنا تَعَقُّلُها إلّا عِنْدَ الِالتِفاتِ إلى الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ في عالَمِ الحُدُوثِ، فالألْفاظُ المُشْتَقَّةُ لا تُشِيرُ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ وحْدَهُ، بَلْ تُشِيرُ إلَيْهِ وإلى عالَمِ الحُدُوثِ مَعًا، والنّاظِرُ إلى شَيْئَيْنِ لا يَكُونُ مُسْتَكْمِلًا في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، بَلْ يَكُونُ ناقِصًا قاصِرًا، فَإذَنْ جَمِيعُ الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ لا تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ في مَقامِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ حِجابًا بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الرَّبِّ، وأمّا (هو) فَإنَّهُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ هو هو، لا مِن حَيْثُ عَرَضَتْ لَهُ إضافَةٌ أوْ نِسْبَةٌ بِالقِياسِ إلى عالَمِ الحُدُوثِ، فَكانَ لَفْظُ (هو) يُوَصِّلُكَ إلى الحَقِّ ويَقْطَعُكَ عَمّا سِواهُ، وما عَداهُ مِنَ الأسْماءِ فَإنَّهُ لا يَقْطَعُكَ عَمّا سِواهُ، فَكانَ بِلَفْظِ (هو) أشْرَفَ. ورابِعُها: أنَّ البَراهِينَ السّالِفَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَنبَعَ الجَلالِ والعِزَّةِ هو الذّاتُ، وأنَّ ذاتَهُ ما كَمُلَتْ بِالصِّفاتِ، بَلْ ذاتُهُ لِكَمالِها اسْتَلْزَمَتْ صِفاتِ الكَمالِ، ولَفْظُ (هو) يُوَصِّلُكَ إلى يَنْبُوعِ الرَّحْمَةِ والعِزَّةِ والعُلُوِّ، وهو الذّاتُ، وسائِرُ الألْفاظِ لا تُوَقِّفُكَ إلّا في مَقاماتِ النُّعُوتِ والصِّفاتِ، فَكانَ لَفْظُ (هو) أشْرَفَ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في الكَشْفِ عَنْ أسْرارِ لَفْظِ (هو)، وإلَيْهِ الرَّغْبَةُ سُبْحانَهُ في أنْ يُنَوِّرَ بِدُرَّةٍ مِن لَمَعاتِ أنْوارِها صُدُورَنا وأسْرارَنا، ويُرَوِّحَ بِها عُقُولَنا وأرْواحَنا حَتّى نَتَخَلَّصَ مِن ضِيقِ عالَمِ الحُدُوثِ إلى فُسْحَةِ مَعارِجِ القِدَمِ، ونَرْقى مِن حَضِيضِ ظُلْمَةِ البَشَرِيَّةِ إلى سَماواتِ الأنْوارِ وما ذَلِكَ عَلَيْهِ بِعَزِيزٍ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ ارْتَفَعَ (هو)؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ (لا) مَعَ الِاسْمِ، ولْنَتَكَلَّمْ في قَوْلِهِ: ما جاءَنِي رَجُلٌ إلّا زِيدٌ، فَقَوْلُهُ: إلّا زِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى البَدَلِيَّةِ؛ لِأنَّ البَدَلِيَّةَ هي الإعْراضُ عَنِ الأوَّلِ والأخْذُ بِالثّانِي، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: ما جاءَنِي إلّا زَيْدٌ، وهَذا مَعْقُولٌ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ نَفْيَ المَجِيءِ عَنِ الكُلِّ إلّا عَنْ زَيْدٍ، أمّا قَوْلُهُ: جاءَنِي إلّا زَيْدًا فَهَهُنا البَدَلِيَّةُ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ في التَّقْدِيرِ: جاءَنِي خَلْقٌ إلّا زَيْدًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ جاءَ كُلُّ أحَدٍ إلّا زَيْدًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِهِما وبَيَّنّا أنَّ الرَّحْمَةَ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ هي النِّعْمَةُ وفاعِلُها هو الرّاحِمُ، فَإذا أرَدْنا إفادَةَ الكَثْرَةِ قُلْنا: (رَحِيمٌ)، وإذا أرَدْنا المُبالَغَةَ التّامَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ قُلْنا: (الرَّحْمَنُ) . واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الإلَهِيَّةِ الفَرْدانِيَّةِ يُفِيدُ القَهْرَ والعُلُوَّ، فَعَقَّبَهُما بِذِكْرِ هَذِهِ المُبالَغَةِ في الرَّحْمَةِ تَرْوِيحًا لِلْقُلُوبِ عَنْ هَيْبَةِ الإلَهِيَّةِ، وعِزَّةِ الفَرْدانِيَّةِ، وإشْعارًا بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وأنَّهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِلرَّحْمَةِ والإحْسانِ.

البقرة 2:164

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكَمَ بِالفَرْدانِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ ذَكَرَ ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ أوَّلًا وعَلى تَوْحِيدِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ. ثانِيًا: وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكُمُ الدَّلائِلِ لا بُدَّ مِن بَيانِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: وهي أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ الخَلْقَ هَلْ هو المَخْلُوقُ أوْ غَيْرُهُ ؟ فَقالَ عالَمٌ مِنَ النّاسِ: الخَلْقُ هو المَخْلُوقُ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالآيَةِ والمَعْقُولِ، أمّا الآيَةُ فَهي هَذِهِ الآيَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ إلى قَوْلِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ الآياتِ لَيْسَتْ إلّا في المَخْلُوقِ؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الخَلْقَ هو المَخْلُوقُ، وأمّا المَعْقُولُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَهَذا الإخْراجُ لَوْ كانَ أمْرًا مُغايِرًا لِلْقُدْرَةِ والأثَرِ فَهو إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حادِثًا، فَإنْ كانَ قَدِيمًا فَقَدْ حَصَلَ في الأزَلِ مُسَمّى الإخْراجِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، والإخْراجُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ مَسْبُوقٌ بِالعَدَمِ، والأزَلُ هو نَفْيُ المَسْبُوقِيَّةِ، فَلَوْ حَصَلَ الإخْراجُ في الأزَلِ لَزِمَ اجْتِماعُ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ مُحْدَثًا فَلا بُدَّ لَهُ أيْضًا مِن مُخْرِجٍ يُخْرِجُهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن إخْراجٍ آخَرَ، والكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجًا لِلْأشْياءِ مِن عَدَمِها إلى وُجُودِها، ثُمَّ في الأزَلِ هَلْ أحْدَثَ أمْرًا أوْ لَمْ يُحْدِثْ ؟ فَإنْ أحْدَثَ أمْرًا فَذَلِكَ الأمْرُ الحادِثُ هو المَخْلُوقُ، وإنْ لَمْ يُحْدِثْ أمْرًا فاللَّهُ تَعالى قَطُّ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا. وثالِثُها: أنَّ المُؤَثِّرِيَّةَ نِسْبَةٌ بَيْنَ ذاتِ المُؤَثِّرِ وذاتِ الأثَرِ، والنِّسْبَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ يَسْتَحِيلُ تَقْرِيرُها بِدُونِ المُنْتَسِبِ، فَهَذِهِ المُؤَثِّرِيَّةُ إنْ كانَتْ حادِثَةً لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وإنْ كانَتْ قَدِيمَةً كانَتْ مِن لَوازِمِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، وحُصُولُ الأثَرِ إمّا في الحالِ أوْ في الِاسْتِقْبالِ مِن لَوازِمِ هَذِهِ الصِّفَةِ القَدِيمَةِ العَظِيمَةِ، ولازِمُ اللّازِمِ لازِمٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الأثَرُ مِن لَوازِمِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، فَلا يَكُونُ اللَّهُ تَعالى قادِرًا مُخْتارًا، بَلْ مُلْجِأً مُضْطَرًّا إلى ذَلِكَ التَّأْثِيرِ، فَيَكُونُ عِلَّةً مُوجِبَةً، وذَلِكَ كُفْرٌ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الخَلْقَ غَيْرُ المَخْلُوقِ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنْ قالُوا: لا نِزاعَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ خالِقٌ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأشْياءَ، والخالِقُ هو المَوْصُوفُ بِالخَلْقِ، فَلَوْ كانَ الخَلْقُ هو المَخْلُوقُ لَزِمَ كَوْنُهُ تَعالى صفحة ١٦٢ مَوْصُوفًا بِالمَخْلُوقاتِ الَّتِي مِنها الشَّياطِينُ والأبالِسَةُ والقاذُوراتُ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. وثانِيها: أنّا إذا رَأيْنا حادِثًا حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، قُلْنا: لَوْ وُجِدَ هَذا الشَّيْءُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَإذا قِيلَ لَنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ وأوْجَدَهُ قَبِلْنا ذَلِكَ وقُلْنا: إنَّهُ حَقٌّ وصَوابٌ، ولَوْ قِيلَ: إنَّهُ إنَّما وُجِدَ بِنَفْسِهِ لَقُلْنا: إنَّهُ خَطَأٌ وكُفْرٌ ومُتَناقِضٌ، فَلَمّا صَحَّ تَعْلِيلُ حُدُوثِهِ بَعْدَما لَمْ يَكُنْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ ولَمْ يَصِحَّ تَعْلِيلُ حُدُوثِهِ بِحُدُوثِهِ بِنَفْسِهِ، عَلِمْنا أنَّ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مُغايِرٌ لِوُجُودِهِ في نَفْسِهِ، فالخَلْقُ غَيْرُ المَخْلُوقِ. وثالِثُها: أنَّنا نَعْرِفُ أفْعالَ العِبادِ ونَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى وقُدْرَتَهُ مَعَ أنّا لا نَعْرِفُ أنَّ المُؤَثِّرَ في أفْعالِ العِبادِ أهُوَ قُدْرَةُ اللَّهِ أمْ هو قُدْرَةُ العَبْدِ، والمَعْلُومُ غَيْرُ ما هو مَعْلُومٌ، فَمُؤَثِّرِيَّةُ قُدْرَةِ القادِرِ في وُقُوعِ المَقْدُورِ مُغايِرَةٌ لِنَفْسِ تِلْكَ القُدْرَةِ ولِنَفْسِ ذَلِكَ المَقْدُورِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ المُغايَرَةَ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ سَلْبِيَّةً؛ لِأنَّهُ نَقِيضُ المُؤَثِّرِيَّةِ الَّتِي هي عَدَمِيَّةٌ، فَهَذِهِ المُؤَثِّرِيَّةُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى ذاتِ المُؤَثِّرِ وذاتِ الأثَرِ وهو المَطْلُوبُ. ورابِعُها: أنَّ النُّحاةَ قالُوا: إذْ قُلْنا: خَلَقَ اللَّهُ العالَمَ فالعالَمُ لَيْسَ هو المَصْدَرَ، بَلْ هو المَفْعُولُ بِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ العالَمِ غَيْرُ العالِمِ. وخامِسُها: أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: خَلْقُ السَّوادِ وخَلْقُ البَياضِ، وخَلْقُ الجَوْهَرِ وخَلْقُ العَرَضِ، فَمَفْهُومُ الخَلْقِ أمْرٌ واحِدٌ في الكُلِّ مُغايِرٌ لِهَذِهِ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُ الخالِقِيَّةِ إلى خالِقِيَّةِ الجَوْهَرِ وخالِقِيَّةِ العَرَضِ، ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأقْسامِ، فَثَبَتَ أنَّ الخَلْقَ غَيْرُ المَخْلُوقِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما في هَذِهِ المَسْألَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أصْلُ الخَلْقِ في كَلامِ العَرَبِ التَّقْدِيرُ، وصارَ ذَلِكَ اسْمًا لِأفْعالِ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَ جَمِيعُها صَوابًا، قالَ تَعالى: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢] ويَقُولُ النّاسُ في كُلِّ أمْرٍ مُحْكَمٍ: هو مَعْمُولٌ عَلى تَقْدِيرٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، وأنَّ التَّقْلِيدَ لَيْسَ طَرِيقًا إلى تَحْصِيلِ هَذا الغَرَضِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ: عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٣] فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: كَيْفَ يَسَعُ النّاسَ إلَهٌ واحِدٌ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . وعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألَتْ قُرَيْشٌ اليَهُودَ فَقالُوا: حَدِّثُونا عَمّا جاءَكم بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ. فَحَدَّثُوهم بِالعَصا وبِاليَدِ البَيْضاءِ، وسَألُوا النَّصارى عَنْ ذَلِكَ فَحَدَّثُوهم بِإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى، فَقالَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا فَنَزْدادَ يَقِينًا وقُوَّةً عَلى عَدُوِّنا. فَسَألَ رَبَّهُ ذَلِكَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يُعْطِيَهم ولَكِنْ إنْ كَذَّبُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهم عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ذَرْنِي وقَوْمِي أدْعُوهم يَوْمًا فَيَوْمًا» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ مُبَيِّنًا لَهم أنَّهم إنْ كانُوا يُرِيدُونَ أنْ أجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا لِيَزْدادُوا يَقِينًا فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وسائِرِ ما ذَكَرَ أعْظَمُ. * * * واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الأنْواعِ الثَّمانِيَةِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى أقْسامٍ: فالقِسْمُ الأوَّلُ: في تَفْصِيلِ القَوْلِ في كُلِّ واحِدٍ مِنها، فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الدَّلائِلِ: الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ السَّماواتِ، وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢] ولْنَذْكُرْ هَهُنا نَمَطًا آخَرَ مِنَ الكَلامِ: صفحة ١٦٣ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الحُسامِ كانَ يَقْرَأُ كِتابَ المِجِسْطِيِّ عَلى عُمَرَ الأبْهَرِيِّ، فَقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ يَوْمًا: ما الَّذِي تَقْرَءُونَهُ ؟ فَقالَ: أُفَسِّرُ آيَةً مِنَ القُرْآنِ. وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ [ق: ٦] فَأنا أُفَسِّرُ كَيْفِيَّةَ بُنْيانِها، ولَقَدْ صَدَقَ الأبْهَرِيُّ فِيما قالَ؛ فَإنَّ كُلَّ مَن كانَ أكْثَرَ تَوَغُّلًا في بِحارِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى كانَ أكْثَرَ عِلْمًا بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ. فَنَقُولُ: الكَلامُ في أحْوالِ السَّماواتِ عَلى الوَجْهِ المُخْتَصَرِ الَّذِي يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ مُرَتَّبٌ في فُصُولٍ: * * * الفَصْلُ الأوَّلُ فِي تَرْتِيبِ الأفْلاكِ قالُوا: أقْرَبُها إلَيْنا كُرَةُ القَمَرِ، وفَوْقَها كُرَةُ عُطارِدٍ، ثُمَّ الزُّهَرَةِ، ثُمَّ كُرَةُ الشَّمْسِ، ثُمَّ كُرَةُ المِرِّيخِ، ثُمَّ كُرَةُ المُشْتَرِي، ثُمَّ كُرَةُ زُحَلَ، ثُمَّ كُرَةُ الثَّوابِتِ، ثُمَّ الفَلَكُ الأعْظَمُ. واعْلَمْ أنَّ في هَذا المَوْضُوعِ أبْحاثًا: البَحْثُ الأوَّلُ: ذَكَرُوا في طَرِيقِ مَعْرِفَةِ هَذا التَّرْتِيبِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: السَّيْرُ، وذَلِكَ أنَّ الكَوْكَبَ الأسْفَلَ إذا مَرَّ بَيْنَ أبْصارِنا وبَيْنَ الكَوْكَبِ الأعْلى فَإنَّهُما يُبْصَرانِ كَكَوْكَبٍ واحِدٍ، ويَتَمَيَّزُ السّائِرُ عَنِ المَسْتُورِ بِلَوْنِهِ الغالِبِ، كَصُفْرَةِ عُطارِدٍ، وبَياضِ الزُّهَرَةِ، وحُمْرَةِ المِرِّيخِ، ودُرِّيَّةِ المُشْتَرِي، وكَمَوَدَّةِ زُحَلَ، ثُمَّ إنَّ القُدَماءَ وجَدُوا القَمَرَ يَكْسِفُ الكَواكِبَ السِّتَّةَ، وكَثِيرًا مِنَ الثَّوابِتِ في طَرِيقِهِ في مَمَرِّ البُرُوجِ، وكَوْكَبُ عُطارِدٍ يَكْسِفُ الزُّهَرَةَ، والزُّهَرَةُ تَكْسِفُ المِرِّيخَ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ فَهَذا الطَّرِيقُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ القَمَرِ تَحْتَ الشَّمْسِ لِانْكِسافِها بِهِ، لَكِنْ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ سائِرِ الكَواكِبِ أوْ تَحْتَها؛ لِأنَّ الشَّمْسَ لا تَنْكَسِفُ بِشَيْءٍ مِنها لِاضْمِحْلالِ أضْوائِها في ضَوْءِ الشَّمْسِ، فَسَقَطَ هَذا الطَّرِيقُ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ. الثّانِي: اخْتِلافُ المَنظَرِ فَإنَّهُ مَحْسُوسٌ لِلْقَمَرِ وعُطارِدٍ والزُّهَرَةِ، وغَيْرُ مَحْسُوسٍ لِلْمِرِّيخِ والمُشْتَرِي وزُحَلَ، وأمّا في حَقِّ الشَّمْسِ فَقَلِيلٌ جِدًّا، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الشَّمْسُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ القِسْمَيْنِ، وهَذا الطَّرِيقُ بَيِّنٌ جِدًّا لِمَنِ اعْتَبَرَ اخْتِلافَ مَنظَرِ الكَواكِبِ، وشاهَدَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي حَكَيْناهُ، فَأمّا مَن لَمْ يُمارِسْهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ مُقَلِّدًا فِيهِ، لا سِيَّما وأنَّ أبا الرَّيْحانِ وهو أُسْتاذُ هَذِهِ الصِّناعَةِ ذَكَرَ في تَلْخِيصِهِ لِفُصُولِ الفَرْغانِيِّ أنَّ اخْتِلافَ المَنظَرِ لا يُحَسُّ بِهِ إلّا في القَمَرِ. الثّالِثُ: قالَ بَطْلَيْمُوسُ: إنَّ زُحَلَ والمُشْتَرِيَ والمِرِّيخَ تَبْعُدُ عَنِ الشَّمْسِ في جَمِيعِ الأبْعادِ، وأمّا عُطارِدُ والزُّهَرَةُ فَإنَّهُما لا يَبْعُدانِ عَنِ الشَّمْسِ بَعْدَ التَّسْدِيسِ، فَضْلًا عَنْ سائِرِ الأبْعادِ، فَوَجَبَ كَوْنُ الشَّمْسِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ القِسْمَيْنِ، وهَذا الدَّلِيلُ ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ مَنقُوضٌ بِالقَمَرِ، فَإنَّهُ يَبْعُدُ عَنِ الشَّمْسِ كُلَّ الأبْعادِ، مَعَ أنَّهُ تَحْتَ الكُلِّ. * * * البَحْثُ الثّانِي: في أعْدادِ الأفْلاكِ، قالُوا: إنَّها تِسْعَةٌ فَقَطْ، والحَقُّ أنَّ الرَّصْدَ لَمّا دَلَّ عَلى هَذِهِ التِّسْعَةِ أثْبَتْناها، فَأمّا ما عَداها، فَلَمّا لَمْ يَدُلَّ الرَّصْدُ عَلَيْهِ، لا جَرَمَ ما جَزَمْنا بِثُبُوتِها ولا بِانْتِفائِها، وذَكَرَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: إنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي إلى الآنِ أنَّ كُرَةَ الثَّوابِتِ كُرَةٌ واحِدَةٌ، أوْ كُراتٌ مُنْطَبِقٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ. وأقُولُ: هَذا الِاحْتِمالُ واقِعٌ؛ لِأنَّ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى وحْدَةِ كُرَةِ الثَّوابِتِ لَيْسَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ حَرَكاتِها مُتَساوِيَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ كَوْنُها مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ واحِدَةٍ، والمُقَدِّمَتانِ ضَعِيفَتانِ. صفحة ١٦٤ أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى: فَلِأنَّ حَرَكاتِها وإنْ كانَتْ في حَواسِّنا مُتَشابِهَةً، لَكِنَّها في الحَقِيقَةِ لَعَلَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ الواحِدَ مِنها يُتِمُّ الدَّوْرَ في سِتَّةٍ وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والآخَرُ يُتِمُّ هَذا الدَّوْرَ في مِثْلِ هَذا الزَّمانِ لَكِنْ يَنْقُصانِ عاشِرَةً، إذا وزَّعْنا تِلْكَ العاشِرَةَ عَلى أيّامِ سِتَّةٍ وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ، لا شَكَّ أنَّ حِصَّةَ كُلِّ يَوْمٍ، بَلْ كُلِّ سَنَةٍ، بَلْ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِمّا لا يَصِيرُ مَحْسُوسًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ سَقَطَ القَطْعُ بِتَشابُهِ حَرَكاتِ الثَّوابِتِ. وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنَّها لَمّا تَشابَهَتْ في حَرَكاتِها وجَبَ كَوْنُها مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ واحِدَةٍ، وهي أيْضًا لَيْسَتْ يَقِينِيَّةً؛ فَإنَّ الأشْياءَ المُخْتَلِفَةَ لا يُسْتَبْعَدُ اشْتِراكُها في لازِمٍ واحِدٍ، بَلْ أقُولُ: هَذا الِاحْتِمالُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ سِينا في كُرَةِ الثَّوابِتِ قائِمٌ في جَمِيعِ الكُراتِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ إلى وحْدَةِ كُلِّ كُرَةٍ لَيْسَ إلّا ما ذَكَرْناهُ وزَيَّفْناهُ، فَإذَنْ لا يُمْكِنُ الجَزْمُ بِوَحْدَةِ الكُرَةِ المُتَحَرِّكَةِ اليَوْمِيَّةِ، فَلَعَلَّها كُراتٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ في مَقادِيرِ حَرَكاتِها بِمِقْدارٍ قَلِيلٍ جِدًّا، لا تَفِي بِضَبْطِ ذَلِكَ التَّفاوُتِ أعْمارُنا، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جَمِيعِ المُمَثَّلاتِ والحَوامِلِ. ومِنَ النّاسِ مَن أثْبَتَ كُرَةً فَوْقَ كُرَةِ الثَّوابِتِ، وتَحْتَ الفَلَكِ الأعْظَمِ، واحْتَجُّوا مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الرّاصِدِينَ لِلْمَيْلِ الأعْظَمِ وجَدُوهُ مُخْتَلِفَ المِقْدارِ، وكُلُّ مَن كانَ رَصْدُهُ أقْدَمَ كانَ وِجْدانُ المَيْلِ الأعْظَمِ أعْظَمَ؛ فَإنَّ بَطْلَيْمُوسَ وجَدَهُ (كج نا) ثُمَّ وُجِدَ في زَمانِ المَأْمُونِ (كج له) ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ المَأْمُونِ وقَدْ تَناقَصَ بِدَقِيقَةٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ مِن شَأْنِ القُطْبَيْنِ أنْ يَقِلَّ مَيْلُهُما تارَةً ويَكْثُرَ أُخْرى، وهَذا إنَّما يُمْكِنُ إذا كانَ بَيْنَ كُرَةِ الكُلِّ وكُرَةِ الثَّوابِتِ كُرَةٌ أُخْرى يَدُورُ قُطْباها حَوْلَ قُطْبَيْ كُرَةِ الكُلِّ، ويَكُونُ كُرَةُ الثَّوابِتِ يَدُورُ أيْضًا قُطْباها حَوْلَ قُطْبَيْ تِلْكَ الكُرَةِ فَيَعْرِضُ لِقُطْبِها تارَةً أنْ يَصِيرَ إلى جانِبِ الشَّمالِ مُنْخَفِضًا، وتارَةً إلى جانِبِ الجَنُوبِ مُرْتَفِعًا، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَنْطَبِقَ مُعَدَّلُ النَّهارِ عَلى مِنطَقَةِ البُرُوجِ، وأنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ تارَةً أُخْرى إلى الجَنُوبِ. وثانِيها: أنَّ أصْحابَ الأرْصادِ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا شَدِيدًا في مِقْدارِ مَسِيرِ الشَّمْسِ عَلى ما هو مَشْرُوحٌ في المُطَوَّلاتِ، حَتّى إنَّ بَطْلَيْمُوسَ حَكى عَنْ أبْرِخْسَ أنَّهُ كانَ شاكًّا في أنَّ هَذا السَّيْرَ يَكُونُ في أزْمِنَةٍ مُتَساوِيَةٍ أوْ مُخْتَلِفَةٍ. ثُمَّ إنَّ النّاسَ ذَكَرُوا في سَبَبِ اخْتِلافِهِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما قَوْلُ مَن يَجْعَلُ أوْجَ الشَّمْسِ مُتَحَرِّكًا فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ الِاخْتِلافَ الَّذِي يَلْحَقُ حَرَكَةَ الشَّمْسِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ يَخْتَلِفُ عِنْدَ نُقْطَتَيِ الِاعْتِدالَيْنِ لِاخْتِلافِ بُعْدِهِما مِنَ الأوْجِ، فَيَخْتَلِفُ زَمانُ سَيْرِ الشَّمْسِ مِن أجْلِهِ. وثانِيهُما: قَوْلُ أهْلِ الهِنْدِ والصِّينِ وبابِلَ، وأكْثَرِ قُدَماءِ عُلَماءِ الرُّومِ ومِصْرَ والشّامِ: أنَّ السَّبَبَ فِيهِ انْتِقالُ فَلَكُ البُرُوجِ، وارْتِفاعُ قُطْبَيْهِ وانْحِطاطُهُ، وحُكِيَ عَنْ أبْرِخْسَ أنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ هَذا الرَّأْيَ، وذَكَرَ بارْبا الإسْكَنْدَرانِيُّ أنَّ أصْحابَ الطَّلْسَماتِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ أيْضًا، وأنَّ قُطْبَ فَلَكِ البُرُوجِ يَتَقَدَّمُ عَنْ مَوْضِعِهِ ويَتَأخَّرُ ثَمانِ دَرَجاتٍ، وقالُوا: إنَّ ابْتِداءَ الحَرَكَةِ مِن (كب) دَرَجَةً مِنَ الحُوتِ إلى أوَّلِ الحَمَلِ. وثالِثُها: أنَّ بَطْلَيْمُوسَ رَصَدَ الثَّوابِتَ فَوَجَدَها تَقْطَعُ في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ دَرَجَةً واحِدَةً، والمُتَأخِّرُونَ رَصَدُوها فَوَجَدُوها تَقْطَعُ في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ دَرَجَةً ونِصْفًا، وهَذا تَفاوُتٌ عَظِيمٌ يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى التَّفاوُتِ في الآلاتِ الَّتِي تَتَّخِذُها المَهَرَةُ في الصِّناعَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى ازْدِيادِ المَيْلِ ونُقْصانِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَوْلَ بِثُبُوتِ الفَلَكِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. * * * البَحْثُ الثّالِثُ: احْتَجُّوا عَلى أنَّ الكَواكِبَ الثّابِتَةَ مَرْكُوزَةٌ في فَلَكٍ فَوْقَ أفْلاكِ هَذِهِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ، صفحة ١٦٥ فَقالُوا: شاهَدْنا لِهَذِهِ الأفْلاكِ السَّبْعَةِ حَرَكاتٍ أسْرَعَ مِن حَرَكاتِ هَذِهِ الثَّوابِتِ، وثَبَتَ أنَّ الكَواكِبَ لا تَتَحَرَّكُ إلّا بِحَرَكَةِ الفَلَكِ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ هَذِهِ الثَّوابِتِ مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ سِوى هَذِهِ السَّبْعَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً في الفَلَكِ الأعْظَمِ؛ لِأنَّهُ سَرِيعُ الحَرَكَةِ، يَدُورُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ دَوْرَةً واحِدَةً بِالتَّقْرِيبِ، ثُمَّ قالُوا: إنَّها مَرْكُوزَةٌ في كُرَةٍ فَوْقَ كُراتِ هَذِهِ السَّبْعَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ السَّبْعَةَ قَدْ تَكْسِفُ تِلْكَ الثَّوابِتَ، والكاسِفُ تَحْتَ المَكْسُوفِ، فَكُراتُ هَذِهِ السَّبْعَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ دُونَ كُراتِ الثَّوابِتِ. وهَذا الطَّرِيقُ أيْضًا ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الكَوْكَبَ لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِحَرَكَةٍ فَلَكِيَّةٍ، وهم إنَّما بَنَوْا عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ عَلى الأفْلاكِ، ونَحْنُ قَدْ بَيَّنّا ضَعْفَ دَلائِلِهِمْ عَلى ذَلِكَ. وثانِيها: سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذِهِ الثَّوابِتِ مِن كُراتٍ أُخْرى إلّا أنَّ مَذْهَبَكم أنَّ كُلَّ كُرَةٍ مِن هَذِهِ الكُراتِ السَّبْعَةِ تَنْقَسِمُ إلى أقْسامٍ كَثِيرَةٍ، ومَجْمُوعُها هو الفَلَكُ المُمَثَّلُ، وأنَّ هَذِهِ المُمَثَّلَةَ بَطِيئَةُ الحَرَكَةِ عَلى وِفْقِ حَرَكَةِ كُرَةِ الثَّوابِتِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثَّوابِتُ مَرْكُوزَةٌ في هَذِهِ المُمَثَّلاتِ البَطِيئَةِ الحَرَكَةِ، فَأمّا السَّيّاراتُ فَإنَّها مَرْكُوزَةٌ في الحَوامِلِ الَّتِي هي أفْلاكٌ خارِجَةُ المَرْكَزِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا حاجَةَ إلى إثْباتِ كُرَةِ الثَّوابِتِ. وثالِثُها: هَبْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن كُرَةٍ أُخْرى فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ كُرَتانِ إحْداهُما فَوْقَ كُرَةِ زُحَلَ، والأُخْرى دُونَ كُرَةِ القَمَرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ السَّيّاراتِ لا تَمُرُّ إلّا بِالثَّوابِتِ الواقِعَةِ في مَمَرِّ تِلْكَ السَّيّاراتِ، فَأمّا الثَّوابِتُ المُقارِبَةُ لِلْقُطْبَيْنِ فَإنَّ السَّيّاراتِ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنها ولا تُكْسِفُها، فالثَّوابِتُ الَّتِي تَنْكَسِفُ بِهَذِهِ السَّيّاراتِ هَبْ أنّا حَكَمْنا بِكَوْنِها مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ فَوْقَ كُرَةِ زُحَلَ، أمّا الَّتِي لا تَنْكَسِفُ بِهَذِهِ السَّيّاراتِ فَكَيْفَ نَعْلَمُ أنَّها لَيْسَتْ دُونَ السَّيّاراتِ، فَثَبْتَ أنَّ الَّذِي قالُوهُ غَيْرُ بُرْهانِيٍّ، بَلِ احْتِمالِيٌّ. * * * البَحْثُ الرّابِعُ: زَعَمُوا أنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ حَرَكَتُهُ أسْرَعُ الحَرَكاتِ؛ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ قَرِيبًا مِن دَوْرَةٍ تامَّةٍ، وأنَّهُ يَتَحَرَّكُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ. وأمّا الفَلَكُ الثّامِنُ الَّذِي تَحْتَهُ فَإنَّهُ في نِهايَةِ البُطْءِ، حَتّى إنَّهُ يَتَحَرَّكُ في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ دَرَجَةً عِنْدَ بَطْلَيْمُوسَ، وعِنْدَ المُتَأخِّرِينَ في كُلِّ سِتَّةٍ وسِتِّينَ سَنَةً دَرَجَةً، وأنَّهُ يَتَحَرَّكُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ عَلى عَكْسِ الحَرَكَةِ الأُولى، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنّا لَمّا رَصَدْنا هَذِهِ الثَّوابِتَ وجَدْنا لَها حَرَكَةً عَلى خِلافِ الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ يَتَحَرَّكُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ دَوْرَةً تامَّةً، والفَلَكَ الثّامِنَ أيْضًا يَتَحَرَّكُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ دَوْرَةً إلّا بِمِقْدارٍ نَحْوَ عُشْرِ ثانِيَةٍ، فَلا جَرَمَ نَرى حَرَكَةَ الكَواكِبِ في الحِسِّ مُخْتَلِفَةً عَنِ الحَرَكَةِ الأُولى بِذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ في خِلافِ جِهَةِ الحَرَكَةِ الأُولى، فَإذا اجْتَمَعَتْ تِلْكَ المَقادِيرُ أحَسَّ كَأنَّ الكَوْكَبَ الثّابِتَ يَرْجِعُ بِحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ إلى خِلافِ جِهَةِ الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ واقِعٌ، وهم ما أقامُوا الدَّلالَةَ عَلى إبْطالِهِ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو الحَقُّ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو بُرْهانِيٌّ، أنَّ حَرَكَةَ الفَلَكِ الثّامِنِ لَوْ كانَتْ إلى خِلافِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ لَكانَ حِينَما يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ إلى جِهَةٍ إمّا أنْ يَتَحَرَّكَ بِحَرَكَةِ نَفْسِهِ إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ أوْ لا يَتَحَرَّكُ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِمُقْتَضى حَرَكَةِ نَفْسِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ الواحِدِ دُفْعَةً واحِدَةً مُتَحَرِّكًا إلى جِهَتَيْنِ، والحَرَكَةُ إلى صفحة ١٦٦ جِهَتَيْنِ تَقْتَضِي الحُصُولَ في الجِهَتَيْنِ دُفْعَةً وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ كانَ القِسْمَ الثّانِيَ لَزِمَ انْقِطاعُ الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ، وهم لا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ. الثّانِي: أنَّ نِهايَةَ الحَرَكَةِ حاصِلَةٌ لِلْفَلَكِ الأعْظَمِ، ونِهايَةَ السُّكُونِ حاصِلَةٌ لِلْأرْضِ، والأقْرَبُ إلى العُقُولِ أنْ يُقالَ: ما كانَ أقْرَبَ مِنَ الفَلَكِ الأعْظَمِ كانَ أسْرَعَ حَرَكَةً، وكُلُّ ما كانَ أبْعَدَ كانَ أبْطَأ حَرَكَةً، فَفَلَكُ الثَّوابِتِ أقْرَبُ الأفْلاكِ إلَيْهِ، فَلا جَرَمَ لا تَفاوُتَ بَيْنَ الحَرَكَتَيْنِ إلّا بِقَدْرٍ قَلِيلٍ، وهو الَّذِي يَحْصُلُ مِنِ اجْتِماعِ مَقادِيرِ التَّفاوُتِ في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ دَرَجَةٌ واحِدَةٌ، ويَلِيهِ فَلَكُ زُحَلَ فَإنَّهُ أبْطَأُ مِن فَلَكِ الثَّوابِتِ، فَلا جَرَمَ كانَ تَخَلُّفُهُ عَنِ الفَلَكِ الأعْظَمِ أكْثَرَ، حَتّى إنَّ مَقادِيرَ التَّفاوُتِ إذا اجْتَمَعَتْ بَلَغَتْ في كُلِّ ثَلاثِينَ سَنَةً إلى تَمامِ الدَّوْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ كُلُّ ما كانَ أبْعَدَ عَنِ الفَلَكِ الأعْظَمِ كانَ أبْطَأ حَرَكَةً، فَكانَ تَفاوُتُهُ أكْثَرَ حَتّى يَبْلُغَ إلى فَلَكِ القَمَرِ الَّذِي هو أبْطَأُ الأفْلاكِ حَرَكَةً، فَهو في كُلِّ يَوْمٍ يَتَخَلَّفُ عَنِ الفَلَكِ الأعْظَمِ ثَلاثَ عَشْرَةَ دَرَجَةً، فَلا جَرَمَ يُتَمِّمُ دَوْرَهُ في كُلِّ شَهْرٍ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الأرْضِ الَّتِي هي أبْعَدُ الأشْياءِ عَنِ الفَلَكِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ في نِهايَةِ السُّكُونِ، فَثَبَتَ أنَّ كَلامَهم في هَذِهِ الأُصُولِ مُخْتَلٌّ ضَعِيفٌ، والعَقْلُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الوُصُولِ إلَيْها. * * * الفَصْلُ الثّانِي فِي مَعْرِفَةِ الأفْلاكِ القَوْمُ وضَعُوا لِأنْفُسِهِمْ مُقْدِّمَتَيْنِ ظَنِّيَّتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّ حَرَكاتِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ مُتَساوِيَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وأنَّها لا تُبْطِئُ مَرَّةً وتُسْرِعُ أُخْرى، ولَيْسَ لَها رُجُوعٌ عَنْ مُتَوَجِّهاتِها. والثّانِيَةُ: أنَّ الكَواكِبَ لا تَتَحَرَّكُ بِذاتِها، بَلْ بِتَحَرُّكِ الفَلَكِ، ثُمَّ إنَّهم بَنَوْا عَلى هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ مُقَدِّمَةً أُخْرى فَقالُوا: الفَلَكُ الَّذِي يَحْمِلُ الكَواكِبَ إمّا أنْ يَكُونَ مَرْكَزُهُ مَرْكَزَ الأرْضِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ مَرْكَزُهُ الأرْضَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ مَرْكُوزًا في ثِخَنِهِ، أوْ مَرْكُوزًا في جِرْمٍ مَرْكُوزٍ في ثِخَنِ ذَلِكَ الفَلَكِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ اسْتَحالَ أنْ يَخْتَلِفَ قُرْبُ الكَوْكَبِ وبُعْدُهُ مِنَ الأرْضِ، وأنْ يَخْتَلِفَ قَطْعُهُ لِلْقِسِيِّ مِن ذَلِكَ الفَلَكِ، والأعْراضُ الِاخْتِلافُ في حَرَكَةِ الفَلَكِ، أوْ حَرَكَةِ الكَوْكَبِ، وقَدْ فَرَضْنا أنَّهُما لا يُوجَدانِ البَتَّةَ، فَبَقِيَ القِسْمانِ الآخَرانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ مَرْكُوزًا في جِرْمٍ كُرَوِيٍّ مُسْتَدِيرِ الحَرَكَةِ، مَغْرُوزٍ في ثِخَنِ الفَلَكِ المُحِيطِ بِالأرْضِ، وذَلِكَ الجِرْمُ نُسَمِّيهِ بِالفَلَكِ المُسْتَدِيرِ، فَحِينَئِذٍ يَعْرِضُ بِسَبَبِ حَرَكَتِهِ اخْتِلافُ حالِ الكَوْكَبِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ تارَةً بِالقُرْبِ والبُعْدِ وتارَةً بِالرُّجُوعِ والِاسْتِقامَةِ، وتارَةً بِالصِّغَرِ والكِبَرِ في المَنظَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ المُحِيطُ بِالأرْضِ لَيْسَ مَرْكَزُهُ مُوافِقًا لِمَرْكَزِ الأرْضِ، فَهو الفَلَكُ الخارِجُ المَرْكَزِ، ويَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الحامِلُ في أحَدِ نِصْفَيْ فَلَكِ البُرُوجُ مِن ذَلِكَ الفَلَكِ أعْظَمَ مِنَ النِّصْفِ، وفي نِصْفِهِ الآخَرِ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ، فَلا جَرَمَ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ القُرْبُ والبُعْدُ مِنَ الأرْضِ، وأنْ يَقْطَعَ أحَدَ نِصْفَيِ البُرُوجِ في زَمانٍ أكْثَرَ مِن قَطْعِهِ النِّصْفَ الآخَرَ، فَظَهَرَ أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الكَواكِبِ في صِغَرِها وكِبَرِها وسُرْعَتِها وبُطْئِها، وقُرْبِها وبُعْدِها مِنَ الأرْضِ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ إلّا بِأحَدِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ، أعْنِي التَّدْوِيرَ والفَلَكَ الخارِجَ المَرْكَزِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَلْنَرْجِعْ إلى التَّفْصِيلِ: قَوْلُهم في الأفْلاكِ، فَقالُوا: هَذِهِ الأفْلاكُ التِّسْعَةُ، مِنها ما هو كُرَةٌ صفحة ١٦٧ واحِدَةٌ، وهو الفَلَكُ الأعْظَمُ، وفَلَكُ الثَّوابِتِ، ومِنها ما يَنْقَسِمُ إلى كُرَتَيْنِ، وهو فَلَكُ الشَّمْسِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَنْفَصِلُ مِنهُ فَلَكٌ آخَرُ مَرْكَزُهُ غَيْرُ مَرْكَزِ العالَمِ، بِحَيْثُ يَتَماسُّ سَطْحاهُما المُحَدَّبانِ عَلى نُقْطَةٍ تُسَمّى الأوْجَ، وهو البُعْدُ الأبْعَدُ مِنَ الفَلَكِ المُنْفَصِلِ، ويَتَماسُّ سَطْحاهُما المُقَعَّرانِ عَلى نُقْطَةٍ تُسَمّى الحَضِيضَ، وهو البُعْدُ الأقْرَبُ مِنهُ، وهُما في الحَقِيقَةِ فَلَكٌ واحِدٌ، مُنْفَصِلٌ عَنْهُ فَلَكٌ آخَرُ، إلّا أنَّهُ يُقالُ: فَلَكانِ تَوَسُّعًا، ويُسَمّى المُنْفَصِلُ عَنْهُ الفَلَكَ المُمَثّلَ، والمُنْفَصِلُ الخارِجُ المَرْكَزِ فَلَكَ الأوْجِ، وجِرْمُ الشَّمْسِ مُغْرَقٌ فِيهِ بِحَيْثُ يَماسُّ سَطْحُهُ سَطْحَيْهِ، ومِنها ما يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثِ أُكَرَ، وهي أفْلاكُ الكَواكِبِ العُلْوِيَّةِ والزُّهَرَةِ، فَإنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَلَكَيْنِ مِثْلَ فَلَكِ الشَّمْسِ، وفَلَكًا آخَرَ مَوْقِعُهُ مِن خارِجِ المَرْكَزِ مِثْلُ مَوْقِعِ جِرْمِ الشَّمْسِ مِن فَلَكِهِ ويُسَمّى: فَلَكَ التَّدْوِيرِ، والكَوْكَبُ مُغْرَقٌ فِيهِ بِحَيْثُ يَماسُّ سَطْحَهُ، ويُسَمّى الخارِجُ المَرْكَزِ الفَلَكَ الحامِلَ، ومِنها ما يَنْقَسِمُ إلى أرْبَعِ أُكَرَ، وهو فَلَكُ عُطارِدٍ والقَمَرِ، أمّا عُطارِدٌ فَإنَّ لَهُ فَلَكَيْنِ مِثْلَ فَلَكَيِ الشَّمْسِ، ويَنْفَصِلُ مِنَ الثّانِي فَلَكٌ آخَرُ انْفِصالَ الخارِجِ المَرْكَزِ عَنِ المُمَثَّلِ بِحَيْثُ يَقَعُ مَرْكَزُهُ خارِجًا عَنِ المَرْكَزَيْنِ، وبُعْدُهُ عَنْ مَرْكَزِ الخارِجِ المَرْكَزِ مِثْلُ نِصْفِ بُعْدِ ما بَيْنَ مَرْكَزَيِ الخارِجِ المَرْكَزِ والمُمَثَّلِ ويُسَمّى المُنْفَصِلُ عَنْهُ الفَلَكَ المُدِيرَ، والمُنْفَصِلُ الفَلَكَ الحامِلَ، ومِنهُ فَلَكُ التَّدْوِيرِ وعُطارِدٌ فِيهِ كَما سَبَقَ في الكُراتِ الأرْبَعَةِ، وأمّا القَمَرُ فَإنَّ فَلَكَهُ يَنْقَسِمُ إلى كُرَتَيْنِ مُتَوازِيَتَيْنِ، والعُظْمى الفَلَكُ المِثْلُ، والصُّغْرى الفَلَكُ المائِلُ، ويَنْقَسِمُ المائِلُ إلى ثَلاثِ أُكَرَ كَما في الكَواكِبِ الأرْبَعَةِ، وكُلُّ فَلَكٍ يَنْفَصِلُ عَنْهُ فَلَكٌ آخَرُ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي عَرَفْتَها في فَلَكِ الشَّمْسِ، فَإنَّهُ يَبْقى مِنَ المُنْفَصِلِ عَنْهُ كُرَتانِ مُخْتَلِفَتا الثِّخَنِ يُسَمَّيانِ مُتَمِّمَيْنِ لِذَلِكَ الفَلَكِ المُنْفَصِلِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأفْلاكِ يَتَحَرَّكُ عَلى مَرْكَزِهِ حَرَكَةً دائِمَةً مُتَّصِلَةً إلى أنْ يَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، والنّاسُ إنَّما وصَلُوا إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الكُراتِ بِناءً عَلى المُقَدِّمَةِ الَّتِي قَرَّرْناها، ولا شَكَّ أنَّها لَوْ صَحَّتْ لَصَحَّ القَوْلُ بِهَذِهِ الأشْياءِ إنَّما الشَّأْنُ فِيها. * * * الفَصْلُ الثّالِثُ فِي مَقادِيرِ الحَرَكاتِ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ جَمِيعَ الأفْلاكِ تَتَحَرَّكُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ سِوى الفَلَكِ الأعْظَمِ، والمُدِيرِ لِعُطارِدٍ والفَلَكِ المُمَثَّلِ والمائِلِ والمُدِيرِ لِلْقَمَرِ، فالحَرَكَةُ الشَّرْقِيَّةُ تُسَمّى الحَرَكَةَ إلى التَّوالِي، والغَرْبِيَّةُ إلى خِلافِ التَّوالِي، والفَلَكُ الأعْظَمُ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً سَرِيعَةً في كُلِّ يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ دَوْرَةً واحِدَةً عَلى قُطْبَيْنِ يُسَمَّيانِ قُطْبَيِ العالَمِ، ويُحَرِّكُ جَمِيعَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وبِهَذِهِ الحَرَكَةِ يَقَعُ لِلْكَواكِبِ الطُّلُوعُ والغُرُوبُ وتُسَمّى الحَرَكَةَ الأُولى، وفَلَكُ الثَّوابِتِ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً بَطِيئَةً في كُلِّ سِتٍّ وسِتِّينَ سَنَةً عِنْدَ المُتَأخِّرِينَ دَرَجَةً واحِدَةً عَلى قُطْبَيْنِ يُسَمَّيانِ قُطْبَيْ فَلَكِ البُرُوجِ، وهُما يَدُورانِ حَوْلَ قُطْبَيِ العالَمِ بِالحَرَكَةِ الأُولى، وتَتَحَرَّكُ عَلى وِفْقِ هَذِهِ الحَرَكَةِ جَمِيعُ الأفْلاكِ المُتَحَرِّكَةِ، وبِهَذِهِ الحَرَكَةِ تَنْتَقِلُ الأوْجاتُ عَنْ مَوْضِعِها مِن فَلَكِ البُرُوجِ وتُسَمّى الحَرَكَةَ الثّانِيَةَ وحَرَكَةَ الأوْجِ وهي حَرَكَةُ الثَّوابِتِ، والثَّوابِتُ إنَّما سُمِّيَتْ ثَوابِتَ لِأسْبابٍ: أحَدُها: كَوْنُها بَطِيئَةً؛ لِأنَّها بِإزاءِ السَّيّارَةِ تُشْبِهُ السّاكِنَةَ. صفحة ١٦٨ وثانِيها: السَّيّارَةُ تَتَحَرَّكُ إلَيْها وهي لا تَتَحَرَّكُ إلى السَّيّارَةِ فَكَأنَّ الثَّوابِتَ ثابِتَةٌ لِانْتِظارِها. وثالِثُها: عُرُوضُها ثابِتَةٌ عَلى مِقْدارٍ واحِدٍ لا يَتَغَيَّرُ. ورابِعُها: أبْعادُ ما بَيْنَها ثابِتَةٌ عَلى حالٍ واحِدٍ لا تَتَغَيَّرُ الصُّورَةُ المُتَوَهَّمَةُ عَلَيْها مِنَ الصُّوَرِ الثَّمانِي والأرْبَعِينَ. وخامِسُها: الأزْمِنَةُ عِنْدَ أكْثَرِ عَوامِّ الأُمَمِ بِطُلُوعِها وأُفُولِها بِحَيْثُ لا يَتَفاوَتُ إلّا في القُرُونِ والأحْقابِ. وأمّا الأفْلاكُ الخارِجَةُ المَرْكَزِ فَإنَّها تَتَحَرَّكُ في كُلِّ يَوْمٍ هَكَذا: زُحَلُ (ب) المُشْتَرِي (دنط) المِرِّيخُ بِدَلالَةِ الشَّمْسِ (لا كر) الزُّهَرَةُ (نط ج) عُطارِدٌ (نط ح) والقَمَرُ (يج يج مو) وتُسَمّى حَرَكَةَ المَرْكَزِ، وحَرَكَةَ الوَسَطِ، وهي حَرَكاتُ مَراكِزِ أفْلاكِ التَّداوِيرِ ومَرْكَزِ الشَّمْسِ، والأفْلاكُ التَّداوِيرُ تَتَحَرَّكُ بِهَذا المِقْدارِ زُحَلُ (نرح) المُشْتَرِي (ند ط) المِرِّيخُ (كرمب) الزُّهَرَةُ (لونط) عُطارِدٌ (ج وكد) القَمَرُ (يج ج ند) وتُسَمّى الحَرَكَةَ الخاصَّةَ، وحَرَكَةَ الِاخْتِلافِ، وهي حَرَكاتُ مَراكِزِ الكَواكِبِ. واعْلَمْ أنَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الحَرَكاتِ المُخْتَلِفَةِ يَعْرِضُ لِهَذِهِ الكَواكِبِ أحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ: أحَدُها: أنَّهُ يَحْصُلُ لِلْقَمَرِ مَثَلًا أبْعادٌ مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا العالَمِ، والأنْواعُ المَضْبُوطَةُ مِنها أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ القَمَرُ عَلى البُعْدِ الأقْرَبِ مِن فَلَكِ التَّدْوِيرِ، ومَرْكَزُ التَّدْوِيرِ عَلى البُعْدِ الأقْرَبِ مِنَ الفَلَكِ الخارِجِ المَرْكَزِ ويُقالُ لَهُ: البُعْدُ الأقْرَبُ، وهو الثَّلاثُ وثَلاثُونَ مَرَّةً مِثْلَ نِصْفِ قُطْرِ الأرْضِ بِالتَّقْرِيبِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ القَمَرُ عَلى البُعْدِ الأبْعَدِ مِن فَلَكِ التَّدْوِيرِ، ومَرْكَزُ فَلَكِ التَّدْوِيرِ عَلى البُعْدِ الأقْرَبِ مِنَ الفَلَكِ الخارِجِ المَرْكَزِ، وهو البُعْدُ الأقْرَبُ لِلْأبْعَدِ وهو ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ مَرَّةً مِثْلَ نِصْفِ قُطْرِ الأرْضِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ القَمَرُ عَلى البُعْدِ الأقْرَبِ مِن فَلَكِ التَّدْوِيرِ، ومَرْكَزُ فَلَكِ التَّدْوِيرِ عَلى البُعْدِ الأبْعَدِ مِنَ الفَلَكِ الخارِجِ المَرْكَزِ وهو البُعْدُ الأبْعَدُ لِلْأقْرَبِ، وهو أرْبَعَةٌ وخَمْسُونَ مَرَّةً مِثْلَ نِصْفِ قُطْرِ الأرْضِ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ القَمَرُ عَلى البُعْدِ الأبْعَدِ مِن فَلَكِ التَّدْوِيرِ، ومَرْكَزُ التَّدْوِيرِ عَلى البُعْدِ الأبْعَدِ مِنَ الفَلَكِ الخارِجِ المَرْكَزِ وهو البُعْدُ الأبْعَدُ وهو أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ مَرَّةً مِثْلَ نِصْفِ قُطْرِ الأرْضِ، ثُمَّ إنَّ ما بَيْنَ هَذِهِ النُّقَطِ الأرْبَعَةِ الأحْوالُ مُخْتَلِفَةٌ عَلى ما أتى عَلى شَرْحِها أبُو الرَّيْحانِ. وثانِيها: أنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ مُرْتَبِطَةٌ بِالشَّمْسِ ارْتِباطًا ما، فَأمّا العُلْوِيَّةُ فَإنَّ بُعْدَ مَراكِزِها عَنْ ذُرى أفْلاكِ تَداوِيرِها أبَدًا تَكُونُ بِمِقْدارِ بُعْدِ مَرْكَزِ الشَّمْسِ عَنْ مَراكِزِ تَداوِيرِها، وحِينَئِذٍ تَكُونُ مُحْتَرِقَةً، ومَتى كانَتْ في الحَضِيضِ كانَتْ في مُقابَلَتِها، وحِينَئِذٍ تَكُونُ مُقابِلَةً لِلشَّمْسِ، وذَلِكَ يُقارِنُ الشَّمْسَ في مُنْتَصَفِ الِاسْتِقامَةِ ويُقابِلُها في مُنْتَصَفِ الرُّجُوعِ. وقِيلَ: إنَّ نِصْفَ قُطْرِ فَلَكِ تَدْوِيرِ المِرِّيخِ أعْظَمُ مِن نِصْفِ قُطْرِ فَلَكِ مُمَثَّلِ الشَّمْسِ فَيَلْزَمُ أنَّهُ إذا كانَ مُقارِنًا لِلشَّمْسِ يَكُونُ بُعْدُ مَرْكَزِهِ عَنْ مَرْكَزِ الشَّمْسِ أعْظَمَ مِنهُ إذا كانَ مُقابِلًا لَها، وأمّا السُّفْلِيّاتُ فَإنَّ مَراكِزَ أفْلاكِ تَدْوِيرِها أبَدًا يَكُونُ مُقارِنًا لِلشَّمْسِ، فَيَلْزَمُ أنْ تُقارِنَ الشَّمْسُ الذُّرْوَةَ والحَضِيضَ في مُنْتَصَفَيِ الِاسْتِقامَةِ، والرُّجُوعُ غايَةُ بُعْدِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الشَّمْسِ بِمِقْدارِ نِصْفِ قُطْرِ فَلَكِ تَدْوِيرِهِما، وهو لِلزُّهَرَةِ (مه) ولِعُطارِدٍ (كه) بِالتَّقْرِيبِ، وأمّا القَمَرُ فَإنَّ مَرْكَزَ الشَّمْسِ أبَدًا يَكُونُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ بُعْدِهِ الأبْعَدِ وبَيْنَ مَرْكَزِ تَدْوِيرِهِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِبُعْدِ مَرْكَزِ تَدْوِيرِهِ عَنِ البُعْدِ الأبْعَدِ البُعْدُ المُضاعَفُ؛ لِأنَّهُ ضِعْفُ بُعْدِ مَرْكَزِ تَدْوِيرِهِ مِنَ الشَّمْسِ، فَلَزِمَ أنَّهُ مَتى كانَ مَرْكَزُ تَدْوِيرِهِ في البُعْدِ الأبْعَدِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُقابِلًا لِلشَّمْسِ أوْ مُقارِنًا لَها، ومَتى كانَ في البُعْدِ الأقْرَبِ تَكُونُ الشَّمْسُ في تَرْبِيعِهِ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ اجْتِماعُهُ واسْتِقْبالُهُ في البُعْدِ الأبْعَدِ وتَرْبِيعُهُ مَعَ الشَّمْسِ في الأقْرَبِ. * * * صفحة ١٦٩ الفَصْلُ الرّابِعُ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأحْوالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وهِيَ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: النَّظَرُ إلى مَقادِيرِ هَذِهِ الأفْلاكِ، فَإنَّها مَعَ اشْتِراكِها في الطَّبِيعَةِ الفَلَكِيَّةِ، اخْتَصَّ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِمِقْدارٍ خاصٍّ، مَعَ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ وُقُوعُها عَلى أزْيَدَ مِن ذَلِكَ المِقْدارِ أوْ أنْقَصَ مِنهُ بِذَرَّةٍ، فَلَمّا قَضى صَرِيحُ العَقْلِ بِأنَّ المَقادِيرَ بِأسْرِها عَلى السَّوِيَّةِ، قَضى بِافْتِقارِها في مَقادِيرِها إلى مُخَصِّصٍ مُدَبِّرٍ. وثانِيها: النَّظَرُ إلى أحْيازِها، فَإنَّ كُلَّ فَلَكٍ مُماسٍّ بِمُحَدَّبِهِ فَلَكًا آخَرَ فَوْقَهُ وبِمُقَعَّرِهِ فَلَكًا آخَرَ تَحْتَهُ، ثُمَّ ذَلِكَ الفَلَكُ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَشابِهَ الأجْزاءِ أوْ يَنْتَهِيَ بِالآخِرَةِ إلى جِسْمٍ مُتَشابِهِ الأجْزاءِ، وذَلِكَ الجِسْمُ المُتَشابِهُ الأجْزاءِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ طَبِيعَةُ كُلِّ واحِدٍ مِن طَرَفَيْهِ مُساوِيَةً لِطَبِيعَةِ طَرَفِهِ الآخَرِ، فَكَما صَحَّ عَلى مُحَدَّبِهِ أنْ يَلْقى جِسْمًا وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى مُقَعَّرِهِ أنْ يَلْقى ذَلِكَ الجِسْمَ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ صَحَّ أنَّ العالِيَ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ سافِلًا، والسّافِلُ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عالِيًا، ومَتى كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِحَيِّزِهِ المُعَيَّنِ أمْرًا جائِزًا يَقْضِي العَقْلُ بِافْتِقارِهِ إلى المُقْتَضى. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ كَوْكَبٍ حَصَلَ في مُقَعَّرِهِ اخْتَصَّ بِهِ أحَدُ جَوانِبِ ذَلِكَ الفَلَكِ دُونَ سائِرِ الجَوانِبِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ المُنْتَفِيَ مِن ذَلِكَ الفَلَكِ مُساوٍ لِسائِرِ جَوانِبِهِ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عِنْدَهُ جِسْمٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ، فاخْتِصاصُ ذَلِكَ المُقَعَّرِ بِذَلِكَ الكَوْكَبِ دُونَ سائِرِ الجَوانِبِ يَكُونُ أمْرًا مُمْكِنًا جائِزًا فَيَقْضِي العَقْلُ بِافْتِقارِهِ إلى المُخَصِّصِ. ورابِعُها: أنَّ كُلَّ كُرَةٍ فَإنَّها تَدُورُ عَلى قُطْبَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، وإذا كانَ الفَلَكُ مُتَشابِهَ الأجْزاءِ كانَ جَمِيعُ النُّقَطِ المُفْتَرَضَةِ عَلَيْهِ مُتَساوِيَةً، وجَمِيعُ الدَّوائِرِ المُفْتَرَضَةِ عَلَيْهِ أيْضًا مُتَساوِيَةً، فاخْتِصاصُ نُقْطَتَيْنِ مُعَيَّنَتَيْنِ بِالقُطْبِيَّةِ دُونَ سائِرِ النُّقَطِ مَعَ اسْتِوائِها في الطَّبِيعَةِ يَكُونُ أمْرًا جائِزًا، فَيَقْضِي العَقْلُ بِافْتِقارِهِ إلى المُقْتَضِي، وهَكَذا القَوْلُ في تَعَيُّنِ كُلِّ دائِرَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن دَوائِرِها بِأنْ تَكُونَ مِنطَقَةً. وخامِسُها: أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ مَعَ تَشابُهِها في الطَّبِيعَةِ الفَلَكِيَّةِ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُخْتَصٌّ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الحَرَكَةِ في البُطْءِ والسُّرْعَةِ، فانْظُرْ إلى الفَلَكِ الأعْظَمِ مَعَ نِهايَةِ اتِّساعِهِ وعِظَمِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَدُورُ دَوْرَةً تامَّةً في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والفَلَكُ الثّامِنُ الَّذِي هو أصْغَرُ مِنهُ لا يَدُورُ الدَّوْرَةَ التّامَّةَ إلّا في سِتَّةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً عَلى ما هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ثُمَّ إنَّ الفَلَكَ السّابِعَ الَّذِي تَحْتَهُ يَدُورُ في ثَلاثِينَ سَنَةً، فاخْتِصاصُ الأعْظَمِ بِمَزِيدِ السُّرْعَةِ، والأصْغَرُ بِمَزِيدِ البُطْءِ، مَعَ أنَّهُ خِلافُ حُكْمِ العَقْلِ فَإنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأوْسَعُ أبْطَأ حَرَكَةً لِعِظَمِ مَدارِهِ، والأصْغَرُ أسْرَعَ اسْتِدارَةً لِصِغَرِ مَدارِهِ لَيْسَ إلّا لِمُخَصِّصٍ، والعَقْلُ يَقْضِي بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها إنَّما اخْتَصَّ بِما هو عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ. وسادِسُها: أنَّ الفَلَكَ المُمَثَّلَ إذا انْفَصَلَ عَنْهُ الفَلَكُ الخارِجُ المَرْكَزِ بَقِيَ مُتَمِّمانِ: أحَدُهُما مِنَ الخارِجِ، والآخَرُ: مِنَ الدّاخِلِ، وأنَّهُ جِرْمٌ مُتَشابِهُ الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ اخْتَصَّ أحَدُ جَوانِبِهِما بِغايَةِ الثِّخَنِ، والآخَرُ بِغايَةِ الرِّقَّةِ بِالنِّسْبَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ نِسْبَةُ ذَلِكَ الثِّخَنِ والرِّقَّةِ إلى طَبِيعَتِهِ عَلى السَّوِيَّةِ، فاخْتِصاصُ أحَدِ جانِبَيْهِ بِالرِّقَّةِ والآخَرِ بِالثِّخَنِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ المُخَصِّصِ المُخْتارِ. صفحة ١٧٠ وسابِعُها: أنَّها مُخْتَلِفَةٌ في جِهاتِ الحَرَكاتِ، فَبَعْضُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وبَعْضُها مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، وبَعْضُها شَمالِيَّةٌ، وبَعْضُها جَنُوبِيَّةٌ، مَعَ أنَّ جَمِيعَ الجِهاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها عَلى السَّوِيَّةِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِافْتِقارِ إلى المُدَبِّرِ. وثامِنُها: أنّا نَراها الآنَ مُتَحَرِّكَةً، ومُحالٌ أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ أزَلًا مُتَحَرِّكَةٌ، أوْ ما كانَتْ مُتَحَرِّكَةً، ثُمَّ ابْتَدَأتْ بِالحَرَكَةِ، ومُحالٌ أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ أزَلًا مُتَحَرِّكَةً؛ لِأنَّ ماهِيَّةَ الحَرَكَةِ تَقْتَضِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ انْتِقالٌ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ والأزَلُ يُنافِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، فالجَمْعُ بَيْنَ الحَرَكَةِ والأزَلِيَّةِ مُحالٌ، وإنْ قُلْنا: إنَّها ما كانَتْ مُتَحَرِّكَةً أزَلًا، سَواءٌ قُلْنا: إنَّها كانَتْ قَبْلَ تِلْكَ الحَرَكَةِ مَوْجُودَةً أوْ كانَتْ ساكِنَةً، أوْ قُلْنا: إنَّها كانَتْ قَبْلَ تِلْكَ الحَرَكَةِ مَعْدُومَةً أصْلًا، فالِابْتِداءُ بِالحَرَكَةِ بَعْدَ عَدَمِ الحَرَكَةِ يَقْتَضِي الِافْتِقارَ إلى مُدَبِّرٍ قَدِيمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى لِيُحَرِّكَها بَعْدَ أنْ كانَتْ مَعْدُومَةً، أوْ بَعْدَ أنْ كانَتْ ساكِنَةً، وهَذا المَأْخَذُ أحْسَنُ المَآخِذِ وأقْواها. وتاسِعُها: أنْ يُقالَ: إنَّ حَرَكاتِها إمّا أنْ تَكُونَ مِن لَوازِمِ جُسْمانِيَّتِها المُعَيَّنَةِ، لَكِنّا نَرى جُسْمانِيّاتِها المُعَيَّنَةَ مُنْفَكَّةً عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ الحَرَكَةِ، فَإذَنْ كُلُّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ حَرَكَتِهِ لَيْسَ مِن لَوازِمِهِ، فافْتَقَرَتِ الأفْلاكُ في حَرَكاتِها إلى مُحَرِّكٍ مِن خارِجٍ، وذَلِكَ هو مُحَرِّكُ المُتَحَرِّكاتِ، ومُدَبِّرُ الثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ، وهو الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى. وعاشِرُها: أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ العَجِيبَ في تَرْكِيبِ هَذِهِ الأفْلاكِ وائْتِلافِ حَرَكاتِها أتُرى أنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى حِكْمَةٍ، أمْ هي واقِعَةٌ بِالجُزافِ والعَبَثِ ؟ أمّا القِسْمُ الثّانِي فَباطِلٌ وبَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ، فَإنْ جَوَّزَ [مُجَوِّزٌ] في بِناءٍ رَفِيعٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ أنَّ التُّرابَ والماءَ انْضَمَّ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، ثُمَّ تَوَلَّدَ مِنهُما لَبِناتٍ، ثُمَّ تُرَكَّبُها قَصْرًا مَشِيدًا وبِناءً عالِيًا، فَإنَّهُ يُقْضى عَلَيْهِ بِالجُنُونِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ تَرْكِيبَ هَذِهِ الأفْلاكِ وما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، وما لَها مِنَ الحَرَكاتِ لَيْسَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ البِناءِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ فِيها مِن رِعايَةِ حِكْمَةٍ، ثُمَّ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها أحْياءٌ ناطِقَةٌ فَهي تَتَحَرَّكُ بِأنْفُسِها، أوْ يُقالُ: إنَّهُ يُحَرِّكُها مُدَبِّرٌ قاهِرٌ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ حَرَكَتَها إمّا أنْ تَكُونَ لِطَلَبِ اسْتِكْمالِها أوْ لا لِهَذا الغَرَضِ، فَإنْ كانَتْ طالِبَةً بِحَرَكَتِها لِتَحْصِيلِ كَمالٍ فَهي ناقِصَةٌ في ذَواتِها، طالِبَةٌ لِلِاسْتِكْمالِ أوْ لا لِهَذا الغَرَضِ، والنّاقِصُ بِذاتِهِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُكَمِّلٍ، فَهي مُفْتَقِرَةٌ مُحْتاجَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ طالِبَةً بِحَرَكَتِها لِلِاسْتِكْمالِ، فَهي عابِثَةٌ في أفْعالِها، فَيَعُودُ الأمْرُ إلى أنَّهُ يَبْعُدُ في العُقُولِ أنْ يَكُونَ مَدارُ هَذِهِ الأجْرامِ المُسْتَعْظَمَةِ، والحَرَكاتِ الدّائِمَةِ، عَلى العَبَثِ والسَّفَهِ، فَلَمْ يَبْقَ في العُقُولِ قِسْمٌ هو الألْيَقُ بِالذَّهابِ إلَيْهِ إلّا أنَّ مُدَبِّرًا قاهِرًا غالِبًا عَلى الدَّهْرِ والزَّمانِ يُحَرِّكُها لِأسْرارٍ مَخْفِيَّةٍ، ولِحِكَمٍ لَطِيفَةٍ هو المُسْتَأْثِرُ بِها، والمُطَّلِعُ عَلَيْها، ولَيْسَ عِنْدَنا إلّا الإيمانُ بِها عَلى الإجْمالِ عَلى ما قالَ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] . والحادِيَ عَشَرَ: أنّا نَراها مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ، مِثْلَ صُفْرَةِ عُطارِدٍ، وبَياضِ الزُّهَرَةِ وضَوْءِ الشَّمْسِ وحُمْرَةِ المِرِّيخِ ودُرِّيَّةِ المُشْتَرِي، وكُمُودَةِ زُحَلَ، واخْتِلافِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ بِعِظَمٍ خاصٍّ ولَوْنٍ خاصٍّ وتَرْكِيبٍ خاصٍّ، ونَراها أيْضًا مُخْتَلِفَةً بِالسَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ، ونَرى أعْلى الكَواكِبِ السَّيّارَةِ أنْحَسَها ونَرى ما دُونَها أسْعَدَها، ونَرى سُلْطانَ الكَواكِبِ سَعِيدًا في بَعْضِ الِاتِّصالاتِ نَحْسًا في بَعْضٍ، ونَراها مُخْتَلِفَةً في الوُجُوهِ والخُدُودِ واللِّثاتِ والذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، وكَوْنِ بَعْضِها نَهارِيًّا ولَيْلِيًّا وسائِرًا وراجِعًا ومُسْتَقِيمًا وصاعِدًا وهابِطًا مَعَ صفحة ١٧١ اشْتِراكِها بِأسْرِها في الشَّفافِيَّةِ والصَّفاءِ والنَّقاءِ في الجَوْهَرِ، فَيَقْضِي العَقْلُ بِأنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِما اخْتُصَّ بِهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ. والثّانِيَ عَشَرَ: وهو أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ وكانَ لَها تَأْثِيرٌ في هَذا العالَمِ فَهي إمّا أنْ تَكُونَ مُتَدافِعَةً أوْ مُتَعاوِنَةً، أوْ لا مُتَدافِعَةً ولا مُتَعاوِنَةً، فَإنْ كانَتْ مُتَدافِعَةً فَإمّا أنْ يَكُونَ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ أوْ تَكُونَ مُتَساوِيَةً في القُوَّةِ، وإنْ كانَ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ كانَ القَوِيُّ غالِبًا أبَدًا والضَّعِيفُ مَغْلُوبًا أبَدًا، فَوَجَبَ أنْ تَسْتَمِرَّ أحْوالُ العالَمِ عَلى طَبِيعَةِ ذَلِكَ الكَوْكَبِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ كانَتْ مُتَساوِيَةً في القُوَّةِ وهي مُتَدافِعَةٌ وجَبَ تَعَذُّرُ الفِعْلِ عَلَيْها بِأسْرِها، فَتَكُونُ الأفْعالُ الظّاهِرَةُ في العالَمِ صادِرَةً عَنْ غَيْرِها، فَلا يَكُونُ مُدَبِّرُ العالَمِ هو هَذِهِ الكَواكِبُ، بَلْ غَيْرُها، وإنْ كانَتْ مُتَعاوِنَةً لَزِمَ بَقاءُ العالَمِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ أصْلًا، وإنْ كانَتْ تارَةً مُتَعاوِنَةً وتارَةً مُتَدافِعَةً كانَ انْتِقالُها مِنَ المَحَبَّةِ إلى البِغْضَةِ وبِالعَكْسِ تَغَيُّرًا لَها في صِفاتِها، فَتَكُونُ هي مُفْتَقِرَةً في تِلْكَ التَّغَيُّراتِ إلى الصّانِعِ المُسْتَوْلِي عَلَيْها بِالقَهْرِ والتَّسْخِيرِ. والثّالِثَ عَشَرَ: أنَّها أجْسامٌ، وكُلُّ جِسْمٍ مُرَكَّبٌ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُفْتَقِرٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ غَيْرُهُ، فَكُلُّ جِسْمٍ هو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، وكُلُّ ما لَهُ مُؤَثِّرٌ فافْتِقارُهُ إلى مُؤْثِرِهِ إمّا أنْ يَكُونَ حالَ بَقائِهِ، أوْ حالَ حُدُوثِهِ أوْ حالَ عَدَمِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي إيجادَ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ، فَبَقِيَ القِسْمانِ الآخَرانِ وهُما يَقْتَضِيانِ الحُدُوثَ الدّالَّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ. والرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُ الجِسْمِ إلى الفَلَكِيِّ والعُنْصُرِيِّ والكَثِيفِ واللَّطِيفِ، والحارِّ والبارِدِ، والرَّطْبِ واليابِسِ، ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ كُلِّ الأجْسامِ؛ فالجِسْمِيَّةُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ، والأُمُورُ المُتَساوِيَةُ في الماهِيَّةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَساوِيَةً في قابِلِيَّةِ الصِّفاتِ، فَإذَنْ كُلُّ ما صَحَّ عَلى جِسْمٍ صَحَّ عَلى غَيْرِهِ، فَإذَنِ اخْتِصاصُ كُلِّ جِسْمٍ بِما اخْتَصَّ بِهِ مِنَ المِقْدارِ، والوَضْعِ، والشَّكْلِ، والطَّبْعِ، والصِّفَةِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ الجائِزاتِ، وذَلِكَ يُفْضِي بِالِافْتِقارِ إلى الصّانِعِ القَدِيمِ جَلَّ جَلالُهُ، وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ ولا إلَهَ غَيْرُهُ. فَهَذا هو الإشارَةُ إلى مَعاقِدِ الدَّلائِلِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن أجْسامِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لُقْمانَ: ٢٧] . * * * النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ: أحْوالُ الأرْضِ، وفِيهِ فَصْلانِ: الفَصْلُ الأوَّلُ فِي بَيانِ أحْوالِ الأرْضِ اعْلَمْ أنَّ لِاخْتِلافِ أحْوالِ الأرْضِ أسْبابًا: السَّبَبُ الأوَّلُ: اخْتِلافُ أحْوالِها بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ، وهي أقْسامٌ: القِسْمُ الأوَّلُ: المَواضِعُ العَدِيمَةُ العَرْضِ، وهي الَّتِي عَلى خَطِّ الِاسْتِواءِ بِمُوافَقَتِها قُطْبَيِ العالَمِ، تُقاطِعُ مُعَدَّلَ النَّهارِ عَلى زَوايا قائِمَةٍ، وتَقْطَعُ جَمِيعَ المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ بِنِصْفَيْنِ، وتَكُونُ حَرَكَةُ الفَلَكِ دُولابِيَّةً، ولَمْ صفحة ١٧٢ يَخْتَلِفْ هُناكَ لَيْلُ كَوْكَبٍ مَعَ نَهارِهِ، ولَمْ يُتَصَوَّرْ كَوْكَبٌ أبَدِيُّ الظُّهُورِ، ولا أبَدِيُّ الخَفاءِ، بَلْ يَكُونُ لِكُلِّ نُقْطَةٍ سِوى القُطْبَيْنِ طُلُوعٌ وغُرُوبٌ، ويَمُرُّ فَلَكُ البُرُوجُ بِسَمْتِ الرَّأْسِ في الدَّوْرَةِ مَرَّتَيْنِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِ دائِرَةِ الأُفُقِ، وتَمُرُّ الشَّمْسُ بِسَمْتِ الرَّأْسِ مَرَّتَيْنِ في السَّنَةِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِها نُقْطَتَيِ الِاعْتِدالَيْنِ. القِسْمُ الثّانِي: المَواضِعُ الَّتِي لَها عَرْضٌ، فَإنَّ قُطْبَ الشَّمالِ يَرْتَفِعُ فِيها مِنَ الأُفُقِ، وقُطْبَ الجَنُوبِ يَنْحَطُّ عَنْهُ ويَقْطَعُ الأُفُقَ مُعَدَّلَ النَّهارِ فَقَطْ عَلى نِصْفَيْنِ، فَأمّا سائِرُ المَداراتِ فَيَقْطَعُها بِقِسْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، الظّاهِرُ مِنهُما في الشَّمالِيَّةِ أعْظَمُ مِنَ الخافِي وفي الجَنُوبِيَّةِ بِخِلافِ ذَلِكَ، ولِهَذا يَكُونُ النَّهارُ في الشَّمالِيَّةِ أطْوَلَ مِنَ اللَّيْلِ، وفي الجَنُوبِيَّةِ بِالخِلافِ، وتَصِيرُ الحَرَكَةُ هَهُنا حَمائِلِيَّةً، ولَمْ يَتَّفِقْ لَيْلُ كَوْكَبٍ مَعَ نَهارِهِ، إلّا ما كانَ في مُعَدَّلِ النَّهارِ، وتَصِيرُ الكَواكِبُ الَّتِي بِالقُرْبِ مِن قُطْبِ الشَّمالِ أبَدِيَّةَ الظُّهُورِ، والَّتِي بِالقُرْبِ مِن قُطْبِ الجَنُوبِ أبَدِيَّةَ الخَفاءِ، وتَمُرُّ الشَّمْسُ بِسَمْتِ الرَّأْسِ في نُقْطَتَيْنِ، بُعْدُهُما عَنْ مُعَدَّلِ النَّهارِ إلى الشَّمالِ مِثْلُ عَرْضِ المَوْضِعِ. القِسْمُ الثّالِثُ: وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَصِيرُ ارْتِفاعُ القُطْبِ فِيهِ مِثْلَ المَيْلِ الأعْظَمِ، وهَهُنا يَبْطُلُ طُلُوعُ قُطْبَيْ فَلَكِ البُرُوجِ وغُرُوبُهُما إلّا أنَّهُما يُماسّانِ الأُفُقَ، وحِينَئِذٍ يَمُرُّ فَلَكُ البُرُوجِ بِسَمْتِ الرَّأْسِ، ولَمْ تَمُرَّ الشَّمْسُ بِسَمْتِ الرَّأْسِ إلّا في الِانْقِلابِ الصَّيْفِيِّ. القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنْ يَزْدادَ العَرْضُ عَلى ذَلِكَ، وهَهُنا يَبْطُلُ مُرُورُ فَلَكِ البُرُوجِ والشَّمْسِ بِسَمْتِ الرَّأْسِ، ويَصِيرُ القُطْبُ الشَّمالِيُّ مِن فَلَكِ البُرُوجِ أبَدِيَّ الظُّهُورِ، والآخَرُ أبَدِيَّ الخَفاءِ. القِسْمُ الخامِسُ: أنْ يَصِيرَ العَرْضُ مِثْلَ تَمامِ المَيْلِ، وهَهُنا يَنْعَدِمُ غُرُوبُ المُنْقَلَبِ الصَّيْفِيِّ وطُلُوعُ الشَّتْوِيِّ، لَكِنَّهُما يَماسّانِ الأُفُقَ، وعِنْدَ بُلُوغِ الِاعْتِدالِ الرَّبِيعِيِّ أُفُقَ المَشْرِقِ، والخَرِيفِيِّ أُفُقَ المَغْرِبِ يَكُونُ المُنْقَلَبُ الصَّيْفِيُّ في جِهَةِ الشَّمالِ والشَّتْوِيُّ في جِهَةِ الجَنُوبِ، وحِينَئِذٍ يَنْطَبِقُ فَلَكُ البُرُوجِ عَلى الأُفُقِ، ثُمَّ يَطْلَعُ مِن أوَّلِ الجَدْيِ إلى أوَّلِ السَّرَطانِ دُفْعَةً، ويَغْرُبُ مُقابِلُهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَأْخُذُ البُرُوجُ الطّالِعَةُ في الغُرُوبِ، والغارِبَةُ في الطُّلُوعِ، إلى أنْ تَعُودَ الحالَةُ المُتَقَدِّمَةُ، ويَنْعَدِمُ اللَّيْلُ هُناكَ في الِانْقِلابِ الصَّيْفِيِّ، والنَّهارِ الشَّتْوِيِّ. القِسْمُ السّادِسُ: أنْ يَزْدادَ العَرْضُ عَلى ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ قَوْسٌ مِن فَلَكِ البُرُوجِ أبَدِيَّ الظُّهُورِ مِمّا يَلِي المُنْقَلَبَ الصَّيْفِيَّ، بِحَيْثُ يَكُونُ المُنْقَلَبُ في وسَطِها، ومُدَّةُ قَطْعُ الشَّمْسِ إيّاها يَكُونُ نَهارًا، ويَصِيرُ مِثْلُها مِمّا يَلِي المُنْقَلَبَ الشَّتْوِيَّ أبَدِيَّ الخَفاءِ، ومُدَّةُ قَطْعِ الشَّمْسِ إيّاها يَكُونُ لَيْلًا، ويَعْرِضُ هُناكَ لِبَعْضِ البُرُوجِ نُكُوسٌ، فَإذا وافى الجَدْيُ نِصْفَ النَّهارِ مِن ناحِيَةِ الجَنُوبِ، كانَ أوَّلُ السَّرَطانِ عَلَيْهِ مِن ناحِيَةِ الشَّمالِ، ونُقْطَةُ الِاعْتِدالِ الرَّبِيعِيِّ عَلى أُفُقِ المَشْرِقِ، فَإذَنْ قَدْ طَلَعَ السَّرَطانُ قَبْلَ الجَوْزاءِ، والجَوْزاءُ قَبْلَ الثَّوْرِ، والثَّوْرُ قَبْلَ الحَمَلِ، ثُمَّ إذا تَحَرَّكَ الفَلَكُ يَطْلَعُ بِالضَّرُورَةِ آخِرُ الحُوتِ وأوَّلُهُ تَحْتَ الأرْضِ، وكُلُّ جُزْءٍ يَطْلُعُ فَإنَّهُ يَغِيبُ نَظِيرُهُ، فالبُرُوجُ الَّتِي تَطْلَعُ مَنكُوسَةً يَغِيبُ نَظِيرُها كَذَلِكَ. القِسْمُ السّابِعُ: أنْ يَصِيرَ ارْتِفاعُ القُطْبِ تِسْعِينَ دَرَجَةً، فَيَكُونُ هُناكَ مُعَدَّلُ النَّهارِ مُنْطَبِقًا عَلى الأُفُقِ، وتَصِيرُ الحَرَكَةُ رَحَوِيَّةً، ويَبْطُلُ الطُّلُوعُ والغُرُوبُ أصْلًا، ويَكُونُ النِّصْفُ الشَّمالِيُّ في فَلَكِ البُرُوجِ أبَدِيَّ الظُّهُورِ، والنِّصْفُ الجَنُوبِيُّ أبَدِيَّ الخَفاءِ، ويَصِيرُ نِصْفُ السَّنَةِ لَيْلًا ونَصِفُها نَهارًا. السَّبَبُ الثّانِي لِاخْتِلافِ أحْوالِ الأرْضِ اخْتِلافُ أحْوالِها بِسَبَبِ العِمارَةِ: اعْلَمْ أنَّ خَطَّ الِاسْتِواءِ يَقْطَعُ صفحة ١٧٣ الأرْضَ نِصْفَيْنِ: شَمالِيٍّ وجَنُوبِيٍّ، فَإذا فَرَضْتَ دائِرَةً أُخْرى عَظِيمَةً مُقاطِعَةً لَها عَلى زَوايا قائِمَةٍ، انْقَسَمَتْ كُرَةُ الأرْضِ بِهِما أرْباعًا، والَّذِي وُجِدَ مَعْمُورًا مِنَ الأرْضِ أحَدُ الرُّبْعَيْنِ الشَّمالِيَّيْنِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجِبالِ والبِحارِ والمَفاوِزِ، ويُقالُ واللَّهُ أعْلَمُ: إنَّ ثَلاثَةَ الأرْباعِ ماءٌ، فالمَوْضِعُ الَّذِي طُولُهُ تِسْعُونَ دَرَجَةً عَلى خَطِّ الِاسْتِواءِ يُسَمّى: قُبَّةَ الأرْضِ، ويُحْكى عَنِ الهِنْدِ أنَّ هُناكَ قَلْعَةً شامِخَةً في جَزِيرَةٍ هي مُسْتَقَرُّ الشَّياطِينِ، فَتُسَمّى لِأجْلِها قُبَّةً، ثُمَّ وُجِدَ طُولُ العِمارَةِ قَرِيبًا مِن نِصْفِ الدَّوْرِ، وهو كالمُجْمَعِ عَلَيْهِ، واتَّفَقُوا عَلى أنْ جَعَلُوا ابْتِداءَها مِنَ المَغْرِبِ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في التَّعْيِينِ، فَبَعْضُهم يَأْخُذُهُ مِن ساحِلِ البَحْرِ المُحِيطِ وهو بَحْرُ أُوقْيانُوسَ، وبَعْضُهم يَأْخُذُهُ مِن جَزائِرَ وغِلَةٍ فِيهِ تُسَمّى جَزائِرَ الخالِداتِ، زَعَمَ الأوائِلُ أنَّها كانَتْ عامِرَةً في قَدِيمِ الدَّهْرِ، وبُعْدُها عَنِ السّاحِلِ عَشَرَةُ أجْزاءٍ، فَيَلْزَمُ مِن هَذا وُقُوعُ الِاخْتِلافِ في الِانْتِهاءِ أيْضًا، ولَمْ يُوجَدْ عَرْضُ العِمارَةِ إلّا إلى بُعْدِ سِتٍّ وسِتِّينَ دَرَجَةً مِن خَطِّ الِاسْتِواءِ، إلّا أنَّ بَطْلَيْمُوسَ زَعَمَ أنَّ وراءَ خَطِّ الِاسْتِواءِ عِمارَةً إلى بُعْدِ سِتَّ عَشْرَةَ دَرَجَةً، فَيَكُونُ عَرْضُ العِمارَةِ قَرِيبًا مِنِ اثْنَتَيْنِ وثَمانِينَ دَرَجَةً، ثُمَّ قَسَّمُوا هَذا القَدْرَ المَعْمُورَ سَبْعَ قِطَعٍ مُسْتَطِيلَةٍ عَلى مُوازاةِ خَطِّ الِاسْتِواءِ، وهي الَّتِي تُسَمّى الأقالِيمَ، وابْتِداؤُهُ مِن خَطِّ الِاسْتِواءِ، وبَعْضُهم يَأْخُذُ أوَّلَ الأقالِيمِ مِن عِنْدَ قَرِيبٍ مِن ثَلاثَ عَشْرَةَ دَرَجَةً مِن خَطِّ الِاسْتِواءِ، وآخِرَ الإقْلِيمِ السّابِعِ إلى بُعْدِ خَمْسِينَ دَرَجَةً ولا يَعُدُّ ما وراءَها مِنَ الأقالِيمِ؛ لِقِلَّةِ ما وجَدُوا فِيهِ مِنَ العِمارَةِ. السَّبَبُ الثّالِثُ: لِاخْتِلافِ أحْوالِ الأرْضِ، كَوْنُ بَعْضِها بَرِّيًّا وبَحْرِيًّا، وسَهْلِيًّا وجَبَلِيًّا، وصَخْرِيًّا ورَمْلِيًّا وفي غَوْرٍ وعَلى نَجْدٍ، ويَتَرَكَّبُ بَعْضُ هَذِهِ الأقْسامِ بِبَعْضٍ فَتَخْتَلِفُ أحْوالُها اخْتِلافًا شَدِيدًا، وما يَتَعَلَّقُ بِهَذا النَّوْعِ فَقَدِ اسْتَقْصَيْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢] ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الأرْضِ أنَّها كُرَةٌ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ امْتِدادَ الأرْضِ فِيما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يُسَمّى طُولًا، وامْتِدادَها بَيْنَ الشَّمالِ والجَنُوبِ يُسَمّى عَرْضًا، فَنَقُولُ: طُولُ الأرْضِ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَقِيمًا أوْ مُقَعَّرًا أوْ مُحَدَّبًا، والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَصارَ جَمِيعُ وجْهِ الأرْضِ مُضِيئًا دُفْعَةً واحِدَةً عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ولَصارَ جَمِيعُهُ مُظْلِمًا دُفْعَةً واحِدَةً عِنْدَ غَيْبَتِها، لَكِنْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنّا لَمّا اعْتَبَرْنا مِنَ القَمَرِ خُسُوفًا واحِدًا بِعَيْنِهِ، واعْتَبَرْنا مَعَهُ حالًا مَضْبُوطًا مِن أحْوالِهِ الأرْبَعَةِ الَّتِي هي أوَّلُ الكُسُوفِ وتَمامُهُ، وأوَّلُ انْجِلائِهِ وتَمامُهُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ في البِلادِ المُخْتَلِفَةِ الطُّولِ في وقْتٍ واحِدٍ، ووُجِدَ الماضِي مِنَ اللَّيْلِ في البَلَدِ الشَّرْقِيِّ مِنها أكْثَرَ مِمّا في البَلَدِ الغَرْبِيِّ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ وإلّا لَوُجِدَ الماضِي مِنَ اللَّيْلِ في البَلَدِ الغَرْبِيِّ أكْثَرَ مِنهُ في البَلَدِ الشَّرْقِيِّ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَحْصُلُ في غَرْبِ المُقَعَّرِ أوَّلًا ثُمَّ في شَرْقِهِ ثانِيًا، ولَمّا بَطَلَ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّ طُولَ الأرْضِ مُحَدَّبٌ، ثُمَّ هَذا المُحَدَّبُ إمّا أنْ يَكُونَ كُرِيًّا أوْ عَدَسِيًّا، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنّا نَجِدُ التَّفاوُتَ بَيْنَ أزْمِنَةِ الخُسُوفِ الواحِدِ بِحَسَبِ التَّفاوُتِ في أجْزاءِ الدّائِرَةِ، حَتّى إنَّ الخُسُوفَ الَّذِي يَتَّفِقُ في أقْصى عِمارَةِ المَشْرِقِ في أوَّلِ اللَّيْلِ يُوجَدُ في أقْصى عِمارَةِ المَغْرِبِ في أوَّلِ النَّهارِ، فَثَبَتَ أنَّها كُرَةٌ في الطُّولِ، فَأمّا عَرْضُ الأرْضِ فَإمّا أنْ يَكُونَ مُسَطَّحًا أوْ مُقَعَّرًا أوْ مُحَدَّبًا، والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَكانَ السّالِكُ مِنَ الجَنُوبِ عَلى سَمْتِ القُطْبِ لا يَزْدادُ ارْتِفاعُ القُطْبِ عَلَيْهِ، ولا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الكَواكِبِ الأبَدِيَّةِ الظُّهُورِ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَكِنّا بَيَّنّا أنَّ أحْوالَها مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ اخْتِلافِ عُرُوضِها، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ وإلّا لَصارَتِ الأبَدِيَّةُ الظُّهُورِ خَفِيَّةً عَنْهُ عَلى دَوامِ تَوَغُّلِهِ في ذَلِكَ القَعْرِ، ولانْتَقَصَ ارْتِفاعُ القُطْبِ، والتَّوالِي كاذِبَةٌ عَلى ما قَدَّمْنا في بَيانِ المَراتِبِ السَّبْعَةِ الحاصِلَةِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ عُرُوضِ البُلْدانِ، وهَذِهِ الحُجَّةُ عَلى حُسْنِ تَقْرِيرِها إقْناعِيَّةٌ. صفحة ١٧٤ الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: ظِلُّ الأرْضِ مُسْتَدِيرٌ فَوَجَبَ كَوْنُ الأرْضِ مُسْتَدِيرَةً. بَيانُ الأوَّلِ: أنَّ انْخِسافَ القَمَرِ نَفْسُ ظِلِّ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِانْخِسافِهِ إلّا زَوالُ النُّورِ عَنْ جَوْهَرِهِ عِنْدَ تَوَسُّطِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ، ثُمَّ نَقُولُ: وانْخِسافُ القَمَرِ مُسْتَدِيرٌ؛ لِأنّا نُحِسُّ بِالمِقْدارِ المُنْخَسِفِ مِنهُ مُسْتَدِيرًا، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ الأرْضُ مُسْتَدِيرَةً؛ لِأنَّ امْتِدادَ الظِّلِّ يَكُونُ عَلى شَكْلِ الفَصْلِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ القِطْعَةِ المُسْتَضِيئَةِ بِإشْراقِ الشَّمْسِ عَلَيْها، وبَيْنَ القِطْعَةِ المُظْلِمَةِ مِنها، فَإذا كانَ الظِّلُّ مُسْتَدِيرًا وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفَصْلُ المُشْتَرَكُ الَّذِي شَكَّلَ كُلَّ الظِّلِّ مِثْلَ شَكْلِهِ مُسْتَدِيرًا، فَثَبَتَ أنَّ الأرْضَ مُسْتَدِيرَةٌ، ثُمَّ إنَّ الكَلامَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِجانِبٍ واحِدٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ؛ لِأنَّ المَناظِرَ المُوجِبَةَ لِلْكُسُوفِ تَتَّفِقُ في جَمِيعِ أجْزاءِ فَلَكِ البُرُوجِ، مَعَ أنَّ شَكْلَ الخُسُوفِ أبَدًا عَلى الِاسْتِدارَةِ، فَإنَّ الأرْضَ مُسْتَدِيرَةُ الشَّكْلِ مِن كُلِّ الجَوانِبِ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الأرْضَ طالِبَةٌ لِلْبُعْدِ مِنَ الفَلَكِ، ومَتى كانَ حالُ جَمِيعِ أجْزائِها كَذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ الأرْضُ مُسْتَدِيرَةً؛ لِأنَّ امْتِدادَ الظِّلِّ كُرَةٌ، واحْتَجَّ مَن قَدَحَ في كُرِيَّةِ الأرْضِ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الأرْضَ لَوْ كانَتْ كُرَةً لَكانَ مَرْكَزُها مُنْطَبِقًا عَلى مَرْكَزِ العالَمِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الماءُ مُحِيطًا بِها مِن كُلِّ الجَوانِبِ؛ لِأنَّ طَبِيعَةَ الماءِ تَقْتَضِي طَلَبَ المَرْكَزِ فَيَلْزَمُ كَوْنُ الماءِ مُحِيطًا بِكُلِّ الأرْضِ. الثّانِي: ما نُشاهِدُ في الأرْضِ مِنَ التِّلالِ والجِبالِ العَظِيمَةِ والأغْوارِ المُقَعَّرَةِ جِدًّا. أجابُوا عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ العِنايَةَ الإلَهِيَّةَ اقْتَضَتْ إخْراجَ جانِبٍ مِنَ الأرْضِ عَنِ الماءِ بِمَنزِلَةِ جَزِيرَةٍ في البَحْرِ لِتَكُونَ مُسْتَقَرًّا لِلْحَيَواناتِ، وأيْضًا لا يَبْعُدُ سَيَلانُ الماءِ مِن بَعْضِ جَوانِبِ الأرْضِ إلى المَواضِعِ الغائِرَةِ مِنها، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ بَعْضُ جَوانِبِ الأرْضِ مِنَ الماءِ. وعَنِ الثّانِي أنَّ هَذِهِ التَّضارِيسَ لا تُخْرِجُ الأرْضَ عَنْ كَوْنِها كُرَةً، قالُوا: لَوِ اتَّخَذْنا كُرَةً مِن خَشَبٍ، قُطْرُها ذِراعٌ مَثَلًا، ثُمَّ أثْبَتْنا فِيها أشْياءَ بِمَنزِلَةِ جارُوساتٍ أوْ شُعَيْراتٍ، وقَوَّرْنا فِيها كَأمْثالِها فَإنَّها لا تُخْرِجُها عَنِ الكُرَيَّةِ، ونِسْبَةُ الجِبالِ والغَيَرانِ إلى الأرْضِ دُونَ نِسْبَةِ تِلْكَ الثّابِتاتِ إلى الكُرَةِ الصَّغِيرَةِ. * * * الفَصْلُ الثّانِي فِي بَيانِ الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ اعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِأحْوالِ الأرْضِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ أسْهَلُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ السَّماواتِ عَلى ذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَصْمَ يَدَّعِي أنَّ اتِّصافَ السَّماواتِ بِمَقادِيرِها وأحْيازِها وأوْضاعِها أمْرٌ واجِبٌ لِذاتِهِ، مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، فَيَسْتَغْنِي عَنِ المُؤَثِّرِ، فَيَحْتاجُ في إبْطالِ ذَلِكَ إلى إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ الأرْضِيَّةِ، فَإنّا نُشاهِدُ تَغَيُّرَها في جَمِيعِ صِفاتِها، أعْنِي حُصُولَها في أحْيازِها وألْوانِها وطُعُومِها وطِباعِها، ونُشاهِدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ الجِبالِ والصُّخُورِ الصُّمِّ يُمْكِنُ كَسْرُها وإزالَتُها عَنْ مَواضِعِها، وجَعْلُ العالِي سافِلًا والسّافِلِ عالِيًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ بِما هو عَلَيْهِ مِنَ المَكانِ والحَيِّزِ والمُماسَّةِ والقُرْبِ مِن بَعْضِ الأجْسامِ والبُعْدِ مِن بَعْضِها مُمْكِنُ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ اتِّصافَ تِلْكَ الأجْرامِ بِصِفاتِها صفحة ١٧٥ أمْرٌ جائِزٌ وجَبَ افْتِقارُها في ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ إلى مُدَبِّرٍ قَدِيمٍ عَلِيمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ قَوْلِ الظّالِمِينَ. وإذا عَرَفْتَ مَأْخَذَ الكَلامِ سَهُلَ عَلَيْكَ التَّفْرِيعُ. * * * النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الدَّلائِلِ: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا لِلِاخْتِلافِ تَفْسِيرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ افْتِعالٌ مِن قَوْلِهِمْ: خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ إذا ذَهَبَ الأوَّلُ وجاءَ الثّانِي، فاخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَعاقُبُهُما في الذَّهابِ والمَجِيءِ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ يَخْتَلِفُ إلى فُلانٍ إذا كانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ ويَجِيءُ مِن عِنْدِهِ، فَذَهابُهُ يَخْلُفُ مَجِيئَهُ، ومَجِيئُهُ يَخْلُفُ ذَهابَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ يَجِيءُ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ فَهو خَلَفُهُ، وبِهَذا فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] . والثّانِي: أرادَ اخْتِلافَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في الطُّولِ والقِصَرِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْئَيْنِ اخْتَلَفا: هُما خِلْفانِ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ كَما يَخْتَلِفانِ بِالطُّولِ والقِصَرِ في الأزْمِنَةِ، فَهُما يَخْتَلِفانِ بِالأمْكِنَةِ، فَإنَّ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الأرْضُ كُرَةٌ فَكُلُّ ساعَةٍ عَيَّنْتَها فَتِلْكَ السّاعَةُ في مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ صُبْحٌ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ظُهْرٌ، وفي مَوْضِعٍ ثالِثٍ عَصْرٌ، وفي رابِعٍ مَغْرِبٌ، وفي خامِسٍ عِشاءٌ، وهَلُمَّ جَرًّا، هَذا إذا اعْتَبَرْنا البِلادَ المُخالِفَةَ في الأطْوالِ، أمّا البِلادُ المُخْتَلِفَةُ بِالعَرْضِ، فَكُلُّ بَلَدٍ يَكُونُ عَرْضُهُ الشَّمالِيُّ أكْثَرَ كانَتْ أيّامُهُ الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلَ، ولَيالِيهِ الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرَ، وأيّامُهُ الشَّتَوِيَّةُ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ في الأيّامِ واللَّيالِي بِحَسَبِ اخْتِلافِ أطْوالِ البُلْدانِ وعَرْضِها أمْرٌ مُخْتَلِفٌ عَجِيبٌ، ولَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أمْرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في كِتابِهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ فَقالَ في بَيانِ كَوْنِهِ مالِكَ المُلْكِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣] وقالَ في القَصَصِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١] وفي الرُّومِ: ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٨] وفي لُقْمانَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] وفي المَلائِكَةِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر: ١٣] وفي يس: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] وفي الزُّمَرِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٥] وفي حم غافِرٍ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر: ٦١] وفي عم: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبأ: ١٠] والآياتُ مِن هَذا الجِنْسِ كَثِيرَةٌ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مُرْتَبِطٌ بِحَرَكاتِ الشَّمْسِ، وهي مِنَ الآياتِ العِظامِ. الثّانِي: ما يَحْصُلُ بِسَبَبِ طُولِ الأيّامِ تارَةً، وطُولِ اللَّيالِي أُخْرى مِنِ اخْتِلافِ الفُصُولِ، وهو الرَّبِيعُ والصَّيْفُ والخَرِيفُ والشِّتاءُ، وهو مِنَ الآياتِ العِظامِ. الثّالِثُ: أنَّ انْتِظامَ أحْوالِ العِبادِ بِسَبَبِ طَلَبِ الكَسْبِ والمَعِيشَةِ في الأيّامِ وطَلَبِ النَّوْمِ والرّاحَةِ في اللَّيالِي مِنَ الآياتِ العِظامِ. الرّابِعُ: أنَّ كَوْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مُتَعاوِنَيْنِ عَلى تَحْصِيلِ صفحة ١٧٦ مَصالِحِ الخَلْقِ مَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّضادِّ والتَّنافِي مِنَ الآياتِ العِظامِ، فَإنَّ مُقْتَضى التَّضادِّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أنْ يَتَفاسَدا لا أنْ يَتَعاوَنا عَلى تَحْصِيلِ المَصالِحِ. الخامِسُ: أنَّ إقْبالَ الخَلْقِ في أوَّلِ اللَّيْلِ عَلى النَّوْمِ يُشْبِهُ مَوْتَ الخَلائِقِ أوَّلًا عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى في الصُّورِ، ويَقَظَتَهم عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ شَبِيهَةٌ بِعَوْدِ الحَياةِ إلَيْهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وهَذا أيْضًا مِنَ الآياتِ العِظامِ المُنَبِّهَةِ عَلى الآياتِ العِظامِ. السّادِسُ: أنَّ انْشِقاقَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ بِظُهُورِ الصُّبْحِ المُسْتَطِيلِ فِيهِ مِنَ الآياتِ العِظامِ كَأنَّهُ جَدْوَلُ ماءٍ صافٍ يَسِيلُ في بَحْرٍ كَدِرٍ بِحَيْثُ لا يَتَكَدَّرُ الصّافِي بِالكَدِرِ ولا الكَدِرُ بِالصّافِي، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] . السّابِعُ: أنَّ تَقْدِيرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ بِالمِقْدارِ المُعْتَدِلِ المُوافِقِ لِلْمَصالِحِ مِنَ الآياتِ العِظامِ، كَما بَيَّنّا أنَّ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ القُطْبُ عَلى سَمْتِ الرَّأْسِ تَكُونُ السَّنَةُ سِتَّةَ أشْهُرٍ فِيها نَهارًا وسِتَّةَ أشْهُرٍ لَيْلًا، وهُناكَ لا يَتِمُّ النُّضْجُ ولا يَصْلُحُ المَسْكَنُ لِحَيَوانٍ ولا يَتَهَيَّأُ فِيهِ شَيْءٌ مِن أسْبابِ المَعِيشَةِ. الثّامِنُ: أنَّ ظُهُورَ الضَّوْءِ في الهَواءِ لَوْ قُلْنا: إنَّهُ حَصَلَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى أجْرى عادَتَهُ بِخَلْقِ ضَوْءٍ في الهَواءِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلا كَلامَ، وإنْ قُلْنا: الشَّمْسُ تُوجِبُ حُصُولَ الضَّوْءِ في الجِرْمِ المُقابِلِ لَهُ كانَ اخْتِصاصُ الشَّمْسِ بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ دُونَ سائِرِ الأجْسامِ مَعَ كَوْنِ الأجْسامِ بِأسْرِها مُتَماثِلَةً، يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وتَعالى. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُحَرِّكُ لِأجْرامِ السَّماواتِ مَلِكٌ عَظِيمُ الجُثَّةِ والقُوَّةِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ الصّانِعُ ؟ قُلْنا: أمّا عَلى قَوْلِنا فَلَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ غَيْرُ صالِحَةٍ لِلْإيجادِ، فَقَدْ زالَ السُّؤالُ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَقَدْ نَفى أبُو هاشِمٍ هَذا الِاحْتِمالَ بِالسَّمْعِ. * * * النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الدَّلائِلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: الفَلَكُ أصْلُهُ مِنَ الدَّوَرانِ وكُلُّ مُسْتَدِيرٍ فَلَكٌ، وفَلَكُ السَّماءِ اسْمٌ لِأطْواقٍ سَبْعَةٍ تَجْرِي فِيها النُّجُومُ، وفَلَكَتِ الجارِيَةُ إذا اسْتَدارَ ثَدْيُها، وفَلْكَةُ المِغْزَلِ مِن هَذا، والسَّفِينَةُ سُمِّيَتْ فُلْكًا؛ لِأنَّها تَدُورُ بِالماءِ أسْهَلَ دَوَرانٍ. قالَ: والفُلْكُ واحِدٌ وجَمْعٌ، فَإذا أرادَ بِها الواحِدَ ذُكِّرَ، وإذا أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ أُنِّثَ، ومِثالُهُ قَوْلُهم: ناقَةٌ هِجانٌ ونُوقٌ هِجانٌ، ودِرْعٌ دِلاصٌ ودُرُوعٌ دِلاصٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: الفُلْكُ إذا أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ فَضَمَّةُ الفاءِ فِيهِ بِمَنزِلَةِ ضَمَّةِ باءِ بُرْدٍ وخاءِ خُرْجٍ، وإذا أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ فَضَمَّةُ الفاءِ فِيهِ بِمَنزِلَةِ الحاءِ مِن حُمْرٍ والصّادِ مِن صُفْرٍ، فالضَّمَّتانِ وإنِ اتَّفَقَتا في اللَّفْظِ فَهُما مُخْتَلِفَتانِ في المَعْنى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: سُمِّيَ البَحْرُ بَحْرًا لِاسْتِبْحارِهِ، وهو سَعَتُهُ وانْبِساطُهُ ويُقالُ: اسْتَبْحَرَ فُلانٌ في العِلْمِ إذا اتَّسَعَ فِيهِ، وتَبَحَّرَ فُلانٌ في المالِ، وقالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ البَحْرُ بَحْرًا؛ لِأنَّهُ شَقٌّ في الأرْضِ، والبَحْرُ الشَّقُّ ومِنهُ البُحَيْرَةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ بِمَواضِعِ البُحُورِ أنَّ البُحُورَ المَعْرُوفَةَ خَمْسَةٌ: أحَدُها: بَحْرُ الهِنْدِ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ أيْضًا: بَحْرُ الصِّينِ. والثّانِي: بَحْرُ المَغْرِبِ. والثّالِثُ: بَحْرُ الشّامِ والرُّومِ ومِصْرَ. والرّابِعُ: بَحْرُ نِيطَشَ. والخامِسُ: بَحْرُ جُرْجانَ. فَأمّا بَحْرُ الهِنْدِ فَإنَّهُ يَمْتَدُّ طُولُهُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، مِن أقْصى أرْضِ الحَبَشَةِ إلى أقْصى صفحة ١٧٧ أرْضِ الهِنْدِ والصِّينِ، يَكُونُ مِقْدارُ ذَلِكَ ثَمانِمِائَةِ ألْفِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ ألْفانِ وسَبْعُمِائَةِ مِيلٍ، ويُجاوِزُ خَطَّ الِاسْتِواءِ ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مِيلٍ، وخُلْجانُ هَذا البَحْرِ: الأوَّلُ: خَلِيجٌ عِنْدَ أرْضِ الحَبَشَةِ، ويَمْتَدُّ إلى ناحِيَةِ البَرْبَرِ، ويُسَمّى الخَلِيجَ البَرْبَرِيَّ، طُولُهُ مِقْدارُ خَمْسُمِائَةِ مِيلٍ وعَرْضُهُ مِائَةُ مِيلٍ. والثّانِي: خَلِيجُ بَحْرِ أيْلَةَ وهو بَحْرُ القُلْزُمِ، طُولُهُ ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ سَبْعُمِائَةِ مِيلٍ، ومُنْتَهاهُ إلى البَحْرِ الَّذِي يُسَمّى البَحْرَ الأخْضَرَ، وعَلى طَرَفِهِ القُلْزُمُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِهِ، وعَلى شَرْقِيِّهِ أرْضُ اليَمَنِ وعَدَنٍ، وعَلى غَرْبِيِّهِ أرْضُ الحَبَشَةِ. الثّالِثُ: خَلِيجُ بَحْرِ أرْضِ فارِسَ، ويُسَمّى الخَلِيجَ الفارِسِيَّ، وهو بَحْرُ البَصْرَةِ وفارِسَ، الَّذِي عَلى شَرْقِيِّهِ تِيزُ ومَكْرانُ، وعَلى غَرْبِيِّهِ عُمانُ طُولُهُ ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ خَمْسُمِائَةِ مَيْلٍ، وبَيْنَ هَذَيْنِ الخَلِيجَيْنِ - أعْنِي خَلِيجَ أيْلَةَ وخَلِيجَ فارِسَ - أرْضُ الحِجازِ واليَمَنِ وسائِرُ بِلادِ العَرَبِ، فِيما بَيْنَ مَسافَةِ ألْفٍ وخَمْسِمِائَةِ مَيْلٍ. الرّابِعُ: يَخْرُجُ مِنهُ خَلِيجٌ آخَرُ إلى أقْصى بِلادِ الهِنْدِ ويُسَمّى الخَلِيجَ الأخْضَرَ، طُولُهُ ألْفٌ وخَمْسُمِائَةِ مِيلٍ، قالُوا: وفي جَزِيرَةِ بَحْرِ الهِنْدِ مِنَ الجَزائِرِ العامِرَةِ وغَيْرِ العامِرَةِ ألْفٌ وثَلاثُمِائَةٍ وسَبْعُونَ جَزِيرَةً، مِنها جَزِيرَةٌ ضَخْمَةٌ في أقْصى البَحْرِ مُقابِلَ أرْضِ الهِنْدِ في ناحِيَةِ المَشْرِقِ عِنْدَ بِلادِ الصِّينِ وهي سَرَنْدِيبُ، يُحِيطُ بِها ثَلاثَةُ آلافِ مِيلٍ فِيها جِبالٌ عَظِيمَةٌ وأنْهارٌ كَثِيرَةٌ، ومِنها يَخْرُجُ الياقُوتُ الأحْمَرُ، وحَوْلَ هَذِهِ الجَزِيرَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ جَزِيرَةً عامِرَةً، فِيها مَدائِنُ عامِرَةٌ وقُرًى كَثِيرَةٌ، ومِن جَزائِرِ هَذا البَحْرِ جَزِيرَةُ كِلَّةَ الَّتِي يُجْلَبُ مِنها الرَّصاصُ القَلْعِيُّ، وجَزِيرَةُ سَرِيرَةَ الَّتِي يُجْلَبُ مِنها الكافُورُ. وأمّا بَحْرُ المَغْرِبِ: فَهو الَّذِي يُسَمّى بِالمُحِيطِ، وتُسَمِّيهِ اليُونانِيُّونَ: أُوقْيانُوسَ، ويَتَّصِلُ بِهِ بَحْرُ الهِنْدِ، ولا يُعْرَفُ طَرَفُهُ إلّا في ناحِيَةِ المَغْرِبِ والشَّمالِ، عِنْدَ مُحاذاةِ أرْضِ الرُّوسِ والصَّقالِبَةِ، فَيَأْخُذُ مِن أقْصى المُنْتَهى في الجَنُوبِ، مُحاذِيًا لِأرْضِ السُّودانِ، مارًّا عَلى حُدُودِ السُّوسِ الأقْصى وطَنْجَةَ، وتاهَرْتَ، ثُمَّ الأنْدَلُسِ، والجَلالِقَةِ والصَّقالِبَةِ، ثُمَّ يَمْتَدُّ مِن هُناكَ وراءَ الجِبالِ غَيْرِ المَسْلُوكَةِ والأراضِي غَيْرِ المَسْكُونَةِ نَحْوَ بَحْرِ المَشْرِقِ، وهَذا البَحْرُ لا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ وإنَّما تَسْلُكُ بِالقُرْبِ مِن سَواحِلِهِ، وفِيهِ سِتُّ جَزائِرَ مُقابِلَ أرْضِ الحَبَشَةِ تُسَمّى: جَزائِرَ الخالِداتِ، ويَخْرُجُ مِن هَذا البَحْرِ خَلِيجٌ عَظِيمٌ في شَمالِ الصَّقالِبَةِ، ويَمْتَدُّ هَذا الخَلِيجُ إلى أرْضِ بُلْغارِ المُسْلِمِينَ، طُولُهُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ ثَلاثُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ مِائَةُ مِيلٍ. وأمّا بَحْرُ الرُّومِ وإفْرِيقِيَّةَ ومِصْرَ والشّامِ: فَطُولُهُ مِقْدارُ خَمْسَةِ آلافِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ سِتُّمِائَةِ مِيلٍ، ويَخْرُجُ مِنهُ خَلِيجٌ إلى ناحِيَةِ الشَّمالِ قَرِيبٌ مِنَ الرُّومِيَّةِ، طُولُهُ خَمْسُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ سِتُّمِائَةٍ، ويَخْرُجُ مِنهُ خَلِيجٌ آخَرُ إلى أرْضِ سِرَّيْنِ، طُولُهُ مِائَتا مِيلٍ، وفي هَذا البَحْرِ مِائَةٌ واثْنَتانِ وسِتُّونَ جَزِيرَةً عامِرَةً، مِنها خَمْسُونَ جَزِيرَةً عِظامٌ. وأمّا بَحْرُ نِيطَشَ فَإنَّهُ يَمْتَدُّ مِنَ اللّاذِقِيَّةِ إلى خَلْفِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، في أرْضِ الرُّوسِ والصَّقالِبَةِ، طُولُهُ ألْفٌ وثَلاثُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ ثَلاثُمائَةِ مِيلٍ. وأمّا بَحْرُ جُرْجانَ فَطُولُهُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ ثَلاثُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ سِتُّمائَةِ مِيلٍ، وفِيهِ جَزِيرَتانِ كانَتا عامِرَتَيْنِ فِيمَن مَضى مِنَ الزَّمانِ، ويُعْرَفُ هَذا البَحْرُ بِبَحْرِ آبُسْكُونَ؛ لِأنَّها عَلى فَرْضَتِهِ، ثُمَّ يَمْتَدُّ إلى طَبَرِسْتانَ، والدَّيْلَمِ، والنَّهْرَوانِ، وبابِ الأبْوابِ، وناحِيَةِ أرانَ، ولَيْسَ يَتَّصِلُ بِبَحْرٍ آخَرَ، فَهَذِهِ هي البُحُورُ العِظامُ، وأمّا غَيْرُها فَبُحَيْراتٌ وبَطائِحُ، كَبُحَيْرَةِ خَوارِزْمَ، وبُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. صفحة ١٧٨ وحُكِيَ عَنْ أرِسْطاطالِيسَ: أنَّ بَحْرَ أُوقْيانُوسَ مُحِيطٌ بِالأرْضِ بِمَنزِلَةِ المِنطَقَةِ لَها، فَهَذا هو الكَلامُ المُخْتَصَرُ في أمْرِ البُحُورِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ بِجَرَيانِ الفُلْكِ في البَحْرِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ تَعالى وتَقَدَّسَ، وهي مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ السُّفُنَ وإنْ كانَتْ مِن تَرْكِيبِ النّاسِ إلّا أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الآلاتَ الَّتِي بِها يُمْكِنُ تَرْكِيبُ هَذِهِ السُّفُنِ، فَلَوْلا خَلْقُهُ لَها لَما أمْكَنَ ذَلِكَ. وثانِيها: لَوْلا الرِّياحُ المُعِينَةُ عَلى تَحْرِيكِها لَما تَكامَلَ النَّفْعُ بِها. وثالِثُها: لَوْلا هَذِهِ الرِّياحُ وعَدَمُ عَصْفِها لَما بَقِيَتْ ولَما سَلِمَتْ. ورابِعُها: لَوْلا تَقْوِيَةُ قُلُوبِ مَن يَرْكَبُ هَذِهِ السُّفُنَ لَما تَمَّ الغَرَضُ، فَصَيَّرَها اللَّهُ تَعالى مِن هَذِهِ الوُجُوهِ مَصْلَحَةً لِلْعِبادِ، وطَرِيقًا لِمَنافِعِهِمْ وتِجاراتِهِمْ. وخامِسُها: أنَّهُ خَصَّ كُلَّ طَرَفٍ مِن أطْرافِ العالَمِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وأحْوَجَ الكُلَّ إلى الكُلِّ، فَصارَ ذَلِكَ داعِيًا يَدْعُوهم إلى اقْتِحامِهِمْ هَذِهِ الأخْطارَ في هَذِهِ الأسْفارِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ طَرَفٍ بِشَيْءٍ وأحْوَجَ الكُلَّ إلَيْهِ لَما ارْتَكَبُوا هَذِهِ السُّفُنَ، فالحامِلُ يَنْتَفِعُ بِهِ لِأنَّهُ يَرْبَحُ، والمَحْمُولُ إلَيْهِ يَنْتَفِعُ بِما حُمِلَ إلَيْهِ. وسادِسُها: تَسْخِيرُ اللَّهِ البَحْرَ لِحَمْلِ الفُلْكِ مَعَ قُوَّةِ سُلْطانِ البَحْرِ إذا هاجَ، وعِظَمِ الهَوْلِ فِيهِ إذا أرْسَلَ اللَّهُ الرِّياحَ فاضْطَرَبَتْ أمْواجُهُ وتَقَلَّبَتْ مِياهُهُ. وسابِعُها: أنَّ الأوْدِيَةَ العِظامَ، مِثْلَ: جَيْحُونَ وسَيْحُونَ، تَنْصَبُّ أبَدًا إلى بُحَيْرَةِ خَوارِزْمَ عَلى صِغَرِها، ثُمَّ إنَّ بُحَيْرَةَ خَوارِزْمَ لا تَزْدادُ البَتَّةَ ولا تَمْتَدُّ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى هو العالِمُ بِكَيْفِيَّةِ حالِ هَذِهِ المِياهِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَنْصَبُّ فِيها. وثامِنُها: ما في البِحارِ مِنَ الحَيَواناتِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُخَلِّصُ السُّفُنَ عَنْها، ويُوَصِّلُها إلى سَواحِلِ السَّلامَةِ. وتاسِعُها: ما في البِحارِ مِن هَذا الأمْرِ العَجِيبِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] وقالَ: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ يَحْفَظُ البَعْضَ عَنِ الِاخْتِلاطِ بِالبَعْضِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُرْشِدُ العُقُولَ والألْبابَ إلى افْتِقارِها إلى مُدَبِّرٍ يُدَبِّرُها ومُقَدِّرٍ يَحْفَظُها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ في صِفَةِ الفُلْكِ: ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] عَلى إباحَةِ رُكُوبِها، وعَلى إباحَةِ الِاكْتِسابِ والتِّجارَةِ وعَلى الِانْتِفاعِ بِاللَّذّاتِ. * * * النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [البقرة: ١٦٤] . واعْلَمْ أنَّ دَلالَتَهُ عَلى الصّانِعِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ تِلْكَ الأجْسامَ وما قامَ بِها مِن صِفاتِ الرِّقَّةِ، والرُّطُوبَةِ، والعُذُوبَةِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى خَلْقِها إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] . وثانِيها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ سَبَبًا لِحَياةِ الإنْسانِ، ولِأكْثَرِ مَنافِعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨] وقالَ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] . وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى كَما جَعَلَهُ سَبَبًا لِحَياةِ الإنْسانِ جَعَلَهُ سَبَبًا لِرِزْقِهِ قالَ تَعالى: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] . ورابِعُها: أنَّ السَّحابَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المِياهِ العَظِيمَةِ، الَّتِي تَسِيلُ مِنها الأوْدِيَةُ العِظامُ تَبْقى مُعَلَّقَةً في جَوِّ السَّماءِ وذَلِكَ مِنَ الآياتِ العِظامِ. وخامِسُها: أنَّ نُزُولَها عِنْدَ التَّضَرُّعِ واحْتِياجِ الخَلْقِ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ بِمِقْدارِ النَّفْعِ مِنَ الآياتِ العِظامِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ نُوحٍ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [ نُوحٍ: صفحة ١٧٩ ١١ ] . وسادِسُها: ما قالَ: ﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩] وقالَ: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] فَإنْ قِيلَ: أفَتَقُولُونَ: إنَّ الماءَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْ مِنَ السَّحابِ أوْ تُجَوِّزُونَ ما قالَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ الشَّمْسَ تُؤَثِّرُ في الأرْضِ فَيَخْرُجُ مِنها أبْخِرَةٌ مُتَصاعِدَةٌ، فَإذا وصَلَتْ إلى الجَوِّ البارِدِ بَرَدَتْ فَثَقُلَتْ فَنَزَلَتْ مِن فَضاءِ المُحِيطِ إلى ضِيقِ المَرْكَزِ، فاتَّصَلَتْ فَتَوَلَّدَتْ مِنِ اتِّصالِ بَعْضِ تِلْكَ الذَّرّاتِ بِالبَعْضِ قَطَراتٌ هي قَطَراتُ المَطَرِ. قُلْنا: بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو الصّادِقُ في خَبَرِهِ، وإذا كانَ قادِرًا عَلى إمْساكِ الماءِ في السَّحابِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يُمْسِكَهُ في السَّماءِ، فَأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ مِن بِحارِ الأرْضِ فَهَذا مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، لَكِنَّ القَطْعَ بِهِ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ القَوْلِ بِنَفْيِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وقِدَمِ العالَمِ، وذَلِكَ كُفْرٌ؛ لِأنّا مَتى جَوَّزْنا الفاعِلَ المُخْتارَ القادِرَ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنا مَعَ إمْكانِ هَذا القِسْمِ أنْ نَقْطَعَ بِما قالُوهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الجاثية: ٥] فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحَياةَ مِن جِهاتٍ: أحَدُها: ظُهُورُ النَّباتِ الَّذِي هو الكَلَأُ والعُشْبُ وما شاكَلَهُما مِمّا لَوْلاهُ لَما عاشَتْ دَوابُّ الأرْضِ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْلاهُ لَما حَصَلَتِ الأقْواتُ لِلْعِبادِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يُنْبِتُ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدْرِ الحاجَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ضَمِنَ أرْزاقَ الحَيَواناتِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] . ورابِعُها: أنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ مِنَ الألْوانِ والطُّعُومِ والرَّوائِحِ وما يَصْلُحُ لِلْمَلابِسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ. وخامِسُها: يَحْصُلُ لِلْأرْضِ بِسَبَبِ النَّباتِ حُسْنٌ ونَضْرَةٌ ورِواءٌ ورَوْنَقٌ فَذَلِكَ هو الحَياةُ. واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ تَعالى ذَلِكَ بِالإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ مَجازٌ؛ لِأنَّ الحَياةَ لا تَصِحُّ إلّا عَلى مَن يُدْرِكُ ويَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ، وكَذَلِكَ المَوْتُ، إلّا أنَّ الجِسْمَ إذا صارَ حَيًّا حَصَلَ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الحَسَنِ والنَّضْرَةِ والبَهاءِ والنُّشُورِ والنَّماءِ، فَأطْلَقَ لَفْظَ الحَياةِ عَلى حُصُولِ هَذِهِ الأشْياءِ، وهَذا مِن فَصِيحِ الكَلامِ الَّذِي عَلى اخْتِصارِهِ يَجْمَعُ المَعانِيَ الكَثِيرَةَ. واعْلَمْ أنَّ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: نَفْسُ الزَّرْعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في مَقْدُورِ أحَدٍ عَلى الحَدِّ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَيْهِ. وثانِيها: اخْتِلافُ ألْوانِها عَلى وجْهٍ لا يَكادُ يُحَدُّ ويُحْصى. وثالِثُها: اخْتِلافُ طُعُومِ ما يَظْهَرُ عَلى الزَّرْعِ والشَّجَرِ. ورابِعُها: اسْتِمْرارُ العاداتِ بِظُهُورِ ذَلِكَ في أوْقاتِها المَخْصُوصَةِ. * * * النَّوْعُ السّادِسُ مِنَ الآياتِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ ونَظِيرُهُ جَمِيعُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى خِلْقَةِ الإنْسانِ، وسائِرِ الحَيَواناتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [ النِّساءِ: ١ ) . واعْلَمْ أنَّ حُدُوثَ الحَيَواناتِ قَدْ يَكُونُ بِالتَّوْلِيدِ، وقَدْ يَكُونُ بِالتَّوالُدِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلا بُدَّ فِيهِما مِنَ الصّانِعِ الحَكِيمِ فَلْنُبَيِّنْ ذَلِكَ في النّاسِ ثُمَّ في سائِرِ الحَيَواناتِ. أمّا الإنْسانُ فالَّذِي يَدُلُّ عَلى افْتِقارِهِ في حُدُوثِهِ إلى الصّانِعِ وُجُوهٌ: أحَدُها: يُرْوى أنَّ واحِدًا قالَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنِّي أتَعَجَّبُ مِن أمْرِ الشِّطْرَنْجِ، فَإنَّ رُقْعَتَهُ ذِراعٌ في ذِراعٍ، ولَوْ صفحة ١٨٠ لَعِبَ الإنْسانُ ألْفَ ألْفِ مَرَّةٍ، فَإنَّهُ لا يَتَّفِقُ مَرَّتانِ عَلى وجْهٍ واحِدٍ. فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَهُنا ما هو أعْجَبُ مِنهُ، وهو أنَّ مِقْدارَ الوَجْهِ شِبْرٌ في شِبْرٍ، ثُمَّ إنَّ مَوْضِعَ الأعْضاءِ الَّتِي فِيها كالحاجِبَيْنِ والعَيْنَيْنِ والأنْفِ والفَمِ، لا يَتَغَيَّرُ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّكَ لا تَرى شَخْصَيْنِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ يَشْتَبِهانِ، فَما أعْظَمَ تِلْكَ القُدْرَةَ والحِكْمَةَ الَّتِي أظْهَرَتْ في هَذِهِ الرُّقْعَةِ الصَّغِيرَةِ هَذِهِ الِاخْتِلافاتِ الَّتِي لا حَدَّ لَها. وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ مُتَوَلِّدٌ مِنَ النُّطْفَةِ، فالمُؤَثِّرُ في تَصْوِيرِ النُّطْفَةِ وتَشْكِيلِها قُوَّةٌ مَوْجُودَةٌ في النُّطْفَةِ أوْ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيها، فَإنْ كانَتِ القُوَّةُ المُصَوَّرَةُ فِيها فَتِلْكَ القُوَّةُ إمّا أنْ يَكُونَ لَها شُعُورٌ وإدْراكٌ وعِلْمٌ وحِكْمَةٌ حَتّى تَمَكَّنَتْ مِن هَذا التَّصْوِيرِ العَجِيبِ، وأمّا أنْ لا تَكُونَ تِلْكَ القُوَّةُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ تَأْثِيرُها بِمُجَرَّدِ الطَّبْعِ والعِلِيَّةِ، والأوَّلُ ظاهِرُ الفَسادِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ حالَ اسْتِكْمالِهِ أكْثَرُ عِلْمًا وقُدْرَةً، ثُمَّ إنَّهُ حالَ كَمالِهِ لَوْ أرادَ أنْ يُغِيِّرَ شَعْرَةً عَنْ كَيْفِيَّتِها لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، فَحالُ ما كانَ في نِهايَةِ الضَّعْفِ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ! وأمّا إنْ كانَتْ تِلْكَ القُوَّةُ مُؤَثِّرَةً بِالطَّبْعِ، فَهَذا المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا مُتَشابِهَ الأجْزاءِ في نَفْسِهِ، أوْ يَكُونَ مُخْتَلِفَ الأجْزاءِ، فَإنْ كانَ مُتَشابِهَ الأجْزاءِ فالقُوَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ إذا عَمِلَتْ في المادَّةِ البَسِيطَةِ، لا بُدَّ وأنْ يَصْدُرَ مِنهُ فِعْلٌ مُتَشابِهٌ، وهَذا هو الكُرَةُ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الإنْسانُ عَلى صُورَةِ كُرَةٍ، وتَكُونُ جَمِيعُ الأجْزاءِ المُفْتَرَضَةِ في تِلْكَ الكُرَةِ مُتَشابِهَةً في الطَّبْعِ، وهَذا هو الَّذِي يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى أنَّ البَسائِطَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ كُراتٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلنُّطْفَةِ في انْقِلابِها لَحْمًا ودَمًا وإنْسانًا مِن مُدَبِّرٍ ومُقَدِّرٍ لِأعْضائِها وقُواها وتَراكِيبِها، وما ذاكَ إلّا الصّانِعُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وثالِثُها: الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ تَشْرِيحِ أبْدانِ الحَيَواناتِ والعَجائِبِ الواقِعَةِ في تَرْكِيبِها وتَأْلِيفِها، وإيرادُ ذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ كالمُتَعَذِّرِ لِكَثْرَتِها، واسْتِقْصاءِ النّاسِ في شَرْحِها في الكُتُبِ المَعْمُولَةِ في هَذا الفَنِّ. ورابِعُها: ما رُوِيَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: سُبْحانَ مَن بَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأسْمَعَ بِعَظْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ. ومِن عَجائِبِ الأمْرِ في هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ أهْلَ الطَّبائِعِ قالُوا: أعْلى العَناصِرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو النّارَ؛ لِأنَّها حارَّةٌ يابِسَةٌ، وأدْوَنُ مِنها في اللَّطافَةِ الهَواءُ ثُمَّ الماءُ، والأرْضُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ تَحْتَ الكُلِّ لِثِقَلِها وكَثافَتِها ويُبْسِها، ثُمَّ إنَّهم قَلَبُوا هَذِهِ القَضِيَّةَ في تَرْكِيبِ بَدَنِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ أعْلى الأعْضاءِ مِنهُ عَظْمُ القِحْفِ، والعَظْمُ بارِدٌ يابِسٌ عَلى طَبِيعَةِ الأرْضِ، وتَحْتَهُ الدِّماغُ وهو بارِدٌ رَطْبٌ عَلى طَبْعِ الماءِ، وتَحْتَهُ النَّفَسُ وهو حارٌّ رَطْبٌ عَلى طَبْعِ الهَواءِ، وتَحْتَ الكُلِّ: القَلْبُ، وهو حارٌّ يابِسٌ عَلى طَبْعِ النّارِ، فَسُبْحانَ مَن بِيَدِهِ قَلْبُ الطَّبائِعِ يُرَتِّبُها كَيْفَ يَشاءُ، ويُرَكِّبُها كَيْفَ أرادَ. ومِمّا ذَكَرْنا في هَذا البابِ أنَّ كُلَّ صانِعٍ يَأْتِي بِنَقْشٍ لَطِيفٍ فَإنَّهُ يَصُونُهُ عَنِ التُّرابِ؛ كَيْ لا يُكَدِّرَهُ، وعَنِ الماءِ كَيْ لا يَمْحُوَهُ، وعَنِ الهَواءِ كَيْ لا يُزِيلَ طَراوَتَهُ ولَطافَتَهُ، وعَنِ النّارِ كَيْلا تَحْرِقَهُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وضَعَ نَقْشَ خِلْقَتِهِ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ، فَقالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وقالَ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقالَ في الهَواءِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] وقالَ أيْضًا: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها﴾ [المائدة: ١١٠] وقالَ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وقالَ في النّارِ: ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [ الرَّحْمَنِ: ١٥ ) وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ صُنْعَهُ بِخِلافِ صُنْعِ كُلِّ أحَدٍ. وخامِسُها: انْظُرْ إلى الطِّفْلِ بَعْدَ انْفِصالِهِ مِنَ الأُمِّ، فَإنَّكَ لَوْ وضَعْتَ عَلى فَمِهِ وأنْفِهِ ثَوْبًا يَقْطَعُ نَفَسَهُ لَماتَ في الحالِ، ثُمَّ إنَّهُ بَقِيَ في الرَّحِمِ الضَّيِّقِ مُدَّةً مَدِيدَةً، مَعَ تَعَذُّرِ النَّفَسِ هُناكَ ولَمْ يَمُتْ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ الِانْفِصالِ يَكُونُ مِن أضْعَفِ الأشْياءِ وأبْعَدِها عَنِ الفَهْمِ، بِحَيْثُ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الماءِ والنّارِ، صفحة ١٨١ وبَيْنَ المُؤْذِي والمُلِذِّ، وبَيْنَ الأُمِّ وبَيْنَ غَيْرِها، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ في أوَّلِ أمْرِهِ مِن أبْعَدِ الأشْياءِ عَنِ الفَهْمِ، فَإنَّهُ بَعْدَ اسْتِكْمالِهِ أكْمَلُ الحَيَواناتِ في الفَهْمِ والعَقْلِ والإدْراكِ، لِيَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عَطِيَّةِ القادِرِ الحَكِيمِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ بِالطَّبْعِ لَكانَ كُلُّ مَن كانَ أذْكى في أوَّلِ الخِلْقَةِ كانَ أكْثَرَ فَهْمًا وقْتَ الِاسْتِكْمالِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ كانَ عَلى الضِّدِّ مِنهُ، عَلِمْنا أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن عَطِيَّةِ اللَّهِ الخالِقِ الحَكِيمِ. وسادِسُها: اخْتِلافُ الألْسِنَةِ واخْتِلافُ طَبائِعِهِمْ، واخْتِلافُ أمْزِجَتِهِمْ مِن أقْوى الدَّلائِلِ، ونَرى الحَيَواناتِ البَرِّيَّةَ والجَبَلِيَّةَ شَدِيدَةَ المُشابَهَةِ بَعْضَها بِالبَعْضِ، ونَرى النّاسَ مُخْتَلِفِينَ جِدًّا في الصُّورَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لاخْتَلَّتِ المَعِيشَةُ، ولاشْتَبَهَ كُلُّ أحَدٍ بِأحَدٍ، فَما كانَ يَتَمَيَّزُ البَعْضُ عَنِ البَعْضِ، وفِيهِ فَسادُ المَعِيشَةِ. واسْتِقْصاءُ الكَلامِ في هَذا النَّوْعِ لا مَطْمَعَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:165

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قَرَّرَ التَّوْحِيدَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ القاطِعَةِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِتَقْبِيحِ ما يُضادُّ التَّوْحِيدَ؛ لِأنَّ تَقْبِيحَ ضِدِّ الشَّيْءِ مِمّا يُؤَكِّدُ حُسْنَ الشَّيْءِ، ولِذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ: وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ وقالُوا أيْضًا: النِّعْمَةُ مَجْهُولَةٌ، فَإذا فُقِدَتْ عُرِفَتْ، والنّاسُ لا يَعْرِفُونَ قَدْرَ الصِّحَّةِ، فَإذا مَرِضُوا ثُمَّ عادَتِ الصِّحَّةُ إلَيْهِمْ عَرَفُوا قَدْرَها، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ النِّعَمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أرْدَفَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ الدّالَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمّا النِّدُّ فَهو المِثْلُ المُنازِعُ، وقَدْ بَيَّنّا تَحْقِيقَهُ في قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالأنْدادِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها هي الأوْثانُ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةً لِتُقَرِّبَهَمْ إلى اللَّهِ زُلْفى، ورَجَوْا مِن عِنْدِها النَّفْعَ والضُّرَّ، وقَصَدُوها بِالمَسائِلِ، ونَذَرُوا لَها النُّذُورَ، وقَرَّبُوا لَها القَرابِينَ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا الأصْنامُ أنْدادٌ بَعْضُها لِبَعْضٍ، أيْ أمْثالٌ لَيْسَ إنَّها أنْدادًا لِلَّهِ، أوِ المَعْنى: إنَّها أنْدادٌ لِلَّهِ تَعالى بِحَسَبِ ظُنُونِهِمُ الفاسِدَةِ. وثانِيها: أنَّهُمُ السّادَةُ الَّذِينَ كانُوا يُطِيعُونَهم فَيُحِلُّونَ لِمَكانِ طاعَتِهِمْ ما حَرَّمَ اللَّهُ، ويُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ، عَنِ السُّدِّيِّ. والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ رَجَّحُوا هَذا القَوْلَ عَلى الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الهاءُ والمِيمُ فِيهِ ضَمِيرُ العُقَلاءِ. الثّانِي: أنَّهُ يَبْعُدُ أنَّهم كانُوا يُحِبُّونَ الأصْنامَ كَمَحَبَّتِهِمُ اللَّهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَنِ اتَّخَذَ الرِّجالَ أنْدادًا وأمْثالًا لِلَّهِ تَعالى، يَلْتَزِمُونَ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِانْقِيادِ لَهم ما يَلْتَزِمُهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى. القَوْلُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ الأنْدادِ: قَوْلُ الصُّوفِيَّةِ والعارِفِينَ، وهو أنَّ كُلَّ شَيْءٍ شَغَلْتَ قَلْبَكَ بِهِ سِوى اللَّهِ تَعالى، فَقَدْ جَعَلْتَهُ في قَلْبِكَ نِدًّا لِلَّهِ تَعالى، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٣] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مَحَبَّةَ ذاتِهِمْ، فَلا بُدَّ مِن مَحْذُوفٍ، والمُرادُ يُحِبُّونَ عادَتَهم أوِ التَّقَرُّبَ إلَيْهِمْ والِانْقِيادَ لَهم، أوْ جَمِيعَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: قِيلَ فِيهِ: كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ، وقِيلَ فِيهِ: كالحُبِّ اللّازِمِ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ، وقِيلَ فِيهِ: كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا هَذا الِاخْتِلافَ مِن حَيْثُ إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّهم هَلْ كانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ: كانُوا يَعْرِفُونَهُ مَعَ اتِّخاذِهِمُ الأنْدادَ تَأوَّلَ عَلى أنَّ المُرادَ كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ، ومَن قالَ: إنَّهم ما كانُوا عارِفِينَ بِرَبِّهِمْ حَمَلَ الآيَةَ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ صفحة ١٨٥ الباقِيَيْنِ إمّا كالحُبِّ اللّازِمِ لَهم أوْ كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ راجِعٌ إلى النّاسِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ يَقْتَضِي حُبًّا لِلَّهِ ثابِتًا فِيهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ السّالِفَةِ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، ونَبَّهَ عَلى دَلائِلِهِ، ثُمَّ حَكى قَوْلَ مَن يُشْرِكُ مَعَهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهم مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: العاقِلُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ حُبُّهُ لِلْأوْثانِ كَحُبِّهِ لِلَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِضَرُورَةِ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الأوْثانَ أحْجارٌ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ولا تَسْمَعُ، ولا تُبْصِرُ ولا تَعْقِلُ، وكانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ لِهَذا العالَمِ صانِعًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ومَعَ هَذا الِاعْتِقادِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ حُبُّهم لِتِلْكَ الأوْثانِ كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ تَعالى، وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] وإذا كانَ كَذَلِكَ، كانَ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يُعْقَلُ الِاسْتِواءُ في الحُبِّ مَعَ هَذا القَوْلِ ؟ قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أيْ في الطّاعَةِ لَها والتَّعْظِيمِ لَها، فالِاسْتِواءُ عَلى هَذا القَوْلِ في المَحَبَّةِ لا يُنافِي ما ذَكَرْتُمُوهُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في البَحْثِ عَنْ ماهِيَّةِ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى: اعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ بَيْنَ الأُمَّةِ في إطْلاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وهي أنَّ العَبْدَ قَدْ يُحِبُّ اللَّهَ تَعالى، والقُرْآنُ ناطِقٌ بِهِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وكَذا الأخْبارُ، رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِمَلَكِ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ جاءَهُ لِقَبْضِ رُوحِهِ: هَلْ رَأيْتَ خَلِيلًا يُمِيتُ خَلِيلَهُ ؟ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: هَلْ رَأيْتَ خَلِيلًا يَكْرَهُ لِقاءَ خَلِيلِهِ ؟ فَقالَ: يا مَلَكَ المَوْتِ الآنَ فاقْبِضْ. «وجاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى السّاعَةُ ؟ فَقالَ: ما أعْدَدْتَ لَها ؟ فَقالَ: ما أعْدَدْتُ كَثِيرَ صَلاةٍ ولا صِيامٍ، إلّا أنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ» . فَقالَ أنَسٌ: فَما رَأيْتُ المُسْلِمِينَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ بَعْدَ الإسْلامِ فَرَحَهم بِذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِثَلاثَةِ نَفَرٍ، وقَدْ نَحَلَتْ أبْدانُهم، وتَغَيَّرَتْ ألْوانُهم، فَقالَ لَهم: ما الَّذِي بَلَغَ بِكم إلى ما أرى ؟ فَقالُوا: الخَوْفُ مِنَ النّارِ، فَقالَ: حَقٌّ عَلى اللَّهِ أنْ يُؤَمِّنَ الخائِفَ. ثُمَّ تَرَكَهم إلى ثَلاثَةٍ آخَرِينَ، فَإذا هم أشَدُّ نُحُولًا وتَغَيُّرًا، فَقالَ لَهم: ما الَّذِي بَلَغَ بِكم إلى هَذا المَقامِ ؟ قالُوا: الشَّوْقُ إلى الجَنَّةِ. فَقالَ: حَقٌّ عَلى اللَّهِ أنْ يُعْطِيَكم ما تَرْجُونَ. ثُمَّ تَرَكَهم إلى ثَلاثَةٍ آخَرِينَ فَإذا هم أشَدُّ نُحُولًا وتَغَيُّرًا، كَأنَّ وُجُوهَهُمُ المَرايا مِنَ النُّورِ، فَقالَ: كَيْفَ بَلَغْتُمْ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ ؟ قالُوا: بِحُبِّ اللَّهِ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أنْتُمُ المُقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وعِنْدَ السُّدِّيِّ قالَ: تُدْعى الأُمَمُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْبِيائِها، فَيُقالُ: يا أُمَّةَ مُوسى، ويا أُمَّةَ عِيسى، ويا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، غَيْرَ المُحِبِّينَ مِنهم، فَإنَّهم يُنادَوْنَ: يا أوْلِياءَ اللَّهِ، وفي بَعْضِ الكُتُبِ: عَبْدِي أنا - وحَقِّكَ - لَكَ مُحِبٌّ، فَبِحَقِّي عَلَيْكَ كُنْ لِي مُحِبًّا. واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ وإنِ اتَّفَقُوا في إطْلاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مَعْناها، فَقالَ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ المَحَبَّةَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الإرادَةِ، والإرادَةُ لا تَعَلُّقَ لَها إلّا بِالجائِزاتِ، فَيَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُ المَحَبَّةِ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، فَإذا قُلْنا: نُحِبُّ اللَّهَ، فَمَعْناهُ نُحِبُّ طاعَةَ اللَّهِ وخِدْمَتَهُ، أوْ نُحِبُّ ثَوابَهُ وإحْسانَهُ، وأمّا العارِفُونَ فَقَدْ قالُوا: العَبْدُ قَدْ يُحِبُّ اللَّهَ تَعالى لِذاتِهِ، وأمّا حُبُّ خِدْمَتِهِ أوْ حُبُّ ثَوابِهِ فَدَرَجَةٌ نازِلَةٌ، واحْتَجُّوا صفحة ١٨٦ بِأنْ قالُوا: إنّا وجَدْنا أنَّ اللَّذَّةَ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، والكَمالَ أيْضًا مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، أمّا اللَّذَّةُ فَإنَّهُ إذا قِيلَ لَنا: لِمَ تَكْتَسِبُونَ ؟ قُلْنا: لِنَجِدَ المالَ، فَإنْ قِيلَ: ولِمَ تَطْلُبُونَ المالَ ؟ قُلْنا: لِنَجِدَ بِهِ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، فَإنْ قالُوا: لِمَ تَطْلُبُونَ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ ؟ قُلْنا: لِتَحْصُلَ اللَّذَّةُ ويَنْدَفِعَ الألَمُ، فَإنْ قِيلَ لَنا: ولِمَ تَطْلُبُونَ اللَّذَّةَ وتَكْرَهُونَ الألَمَ ؟ قُلْنا: هَذا غَيْرُ مُعَلَّلٍ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ شَيْءٍ إنَّما كانَ مَطْلُوبًا لِأجْلِ شَيْءٍ آخَرَ، لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ، وإمّا الدَّوْرُ، وهُما مُحالانِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ما يَكُونُ مَطْلُوبًا لِذاتِهِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ اللَّذَّةَ مَطْلُوبَةُ الحُصُولِ لِذاتِها، والألَمَ مَطْلُوبُ الدَّفْعِ لِذاتِهِ، لا لِسَبَبٍ آخَرَ، وأمّا الكَمالُ فَلِأنّا نُحِبُّ الأنْبِياءَ والأوْلِياءَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِصِفاتِ الكَمالِ، وإذا سَمِعْنا حِكايَةَ بَعْضِ الشُّجْعانِ مِثْلَ رُسْتُمَ، وإسْفِنْدِيارَ، واطَّلَعْنا عَلى كَيْفِيَّةِ شَجاعَتِهِمْ مالَتْ قُلُوبُنا إلَيْهِمْ، حَتّى إنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ ذَلِكَ المَيْلُ إلى إنْفاقِ المالِ العَظِيمِ في تَقْرِيرِ تَعْظِيمِهِ، وقَدْ يَنْتَهِي ذَلِكَ إلى المُخاطَرَةِ بِالرُّوحِ، وكَوْنُ اللَّذَّةِ مَحْبُوبَةً لِذاتِها لا يُنافِي كَوْنَ الكَمالِ مَحْبُوبًا لِذاتِهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَمَلُوا مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى عَلى مَحَبَّةِ طاعَتِهِ، أوْ عَلى مَحَبَّةِ ثَوابِهِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا أنَّ اللَّذَّةَ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، ولَمْ يَعْرِفُوا أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، أمّا العارِفُونَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى مَحْبُوبٌ في ذاتِهِ ولِذاتِهِ، فَهُمُ الَّذِينَ انْكَشَفَ لَهم أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أكْمَلَ الكامِلِينَ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ لِوُجُوبِ وُجُودِهِ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ، وكَمالُ كُلِّ شَيْءٍ فَهو مُسْتَفادٌ مِنهُ، وإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أكْمَلُ الكامِلِينَ في العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَإذا كُنّا نُحِبُّ الرَّجُلَ العالِمَ لِكَمالِهِ في عِلْمِهِ، والرَّجُلَ الشُّجاعَ لِكَمالِهِ في شَجاعَتِهِ، والرَّجُلَ الزّاهِدَ لِبَراءَتِهِ عَمّا لا يَنْبَغِي مِنَ الأفْعالِ، فَكَيْفَ لا نُحِبُّ اللَّهَ وجَمِيعُ العُلُومِ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ كالعَدَمِ، وجَمِيعُ القُدَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ كالعَدَمِ، وجَمِيعُ ما لِلْخَلْقِ مِنَ البَراءَةِ عَنِ النَّقائِصِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ كالعَدَمِ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ المَحْبُوبَ الحَقَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّهُ مَحْبُوبٌ في ذاتِهِ ولِذاتِهِ، سَواءٌ أحَبَّهُ غَيْرُهُ أوْ ما أحَبَّهُ غَيْرُهُ، واعْلَمْ أنَّكَ لَمّا وقَفْتَ عَلى النُّكْتَةِ في هَذا البابِ، فَنَقُولُ: العَبْدُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاطِّلاعِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ابْتِداءً، بَلْ ما لَمْ يَنْظُرْ في مَمْلُوكاتِهِ لا يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلى ذَلِكَ المَقامِ، فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن كانَ اطِّلاعُهُ عَلى دَقائِقِ حِكْمَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ في المَخْلُوقاتِ أتَمَّ، كانَ عِلْمُهُ بِكَمالِهِ أتَمَّ، فَكانَ لَهُ حُبُّهُ أتَمَّ، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِمَراتِبِ وُقُوفِ العَبْدِ عَلى دَقائِقِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ لا نِهايَةَ لِمَراتِبِ مَحَبَّةِ العِبادِ لِجَلالِ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ تَحْدُثُ هُناكَ حالَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ العَبْدَ إذا كَثُرَتْ مُطالَعَتُهُ لِدَقائِقِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، كَثُرَ تَرَقِّيهِ في مَقامِ مَحَبَّةِ اللَّهِ، فَإذا كَثُرَ ذَلِكَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاسْتِيلاءِ حُبِّ اللَّهِ تَعالى عَلى قَلْبِ العَبْدِ، وغَوْصِهِ فِيهِ عَلى مِثالِ القَطَراتِ النّازِلَةِ مِنَ الماءِ عَلى الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ فَإنَّها مَعَ لَطافَتِها تَثْقُبُ الحِجارَةَ الصَّلْدَةَ، فَإذا غاصَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ في القَلْبِ تَكَيَّفَ القَلْبُ بِكَيْفِيَّتِها، واشْتَدَّ أُلْفُهُ بِها، وكُلَّما كانَ ذَلِكَ الأُلْفُ أشَدَّ كانَتِ النَّفْرَةُ عَمّا سِواهُ أشَدَّ؛ لِأنَّ الِالتِفاتَ إلى ما عَداهُ يَشْغَلُهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، والمانِعُ عَنْ حُضُورِ المَحْبُوبِ مَكْرُوهٌ، فَلا تَزالُ تَتَعاقَبُ مَحَبَّةُ اللَّهِ ونَفْرَتُهُ عَمّا سِواهُ عَلى القَلْبِ، ويَشْتَدُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، إلى أنْ يَصِيرَ القَلْبُ نُفُورًا عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، والنَّفْرَةُ تُوجِبُ الإعْراضَ عَمّا سِوى اللَّهِ، والإعْراضُ يُوجِبُ الفَناءَ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، فَيَصِيرُ ذَلِكَ القَلْبُ مُسْتَنِيرًا بِأنْوارِ القُدْسِ، مُسْتَضِيئًا بِأضْواءِ عالَمِ العِصْمَةِ فانِيًا عَنِ الحُظُوظِ المُتَعَلِّقَةِ بِعالَمِ الحُدُوثِ، وهَذا المَقامُ أعْلى الدَّرَجاتِ، ولَيْسَ لَهُ في هَذا العالَمِ مِثالٌ إلّا العِشْقَ الشَّدِيدَ عَلى أيِّ شَيْءٍ كانَ، فَإنَّكَ تَرى مِنَ التُّجّارِ المَشْغُوفِينَ بِتَحْصِيلِ المالِ مَن نَسِيَ جُوعَهُ وطَعامَهُ وشَرابَهُ عِنْدَ اسْتِغْراقِهِ في حِفْظِ المالِ، فَإذا عُقِلَ ذَلِكَ في ذَلِكَ المَقامِ الخَسِيسِ صفحة ١٨٧ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ عِنْدَ مُطالَعَةِ جَلالِ الحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مُعِينِ الشَّوْقِ إلى اللَّهِ تَعالى: اعْلَمْ أنَّ الشَّوْقَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا إلى شَيْءٍ أُدْرِكَ مِن وجْهٍ ولَمْ يُدْرَكْ مِن وجْهٍ، فَأمّا الَّذِي لَمْ يُدْرَكْ أصْلًا فَلا يُشْتاقُ إلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَرَ شَخْصًا ولَمْ يَسْمَعْ وصْفَهُ، لَمْ يَتَصَوَّرْ أنْ يَشْتاقَ إلَيْهِ، ولَوْ أدْرَكَ كَمالَهُ لا يَشْتاقُ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ الشَّوْقَ إلى المَعْشُوقِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا رَآهُ ثُمَّ غابَ عَنْهُ اشْتاقَ إلى اسْتِكْمالِ خَيالِهِ بِالرُّؤْيَةِ. والثّانِي: أنْ يَرى وجْهَ مَحْبُوبِهِ ولا يَرى شَعْرَهُ، ولا سائِرَ مَحاسِنِهِ، فَيَشْتاقُ إلى أنْ يَنْكَشِفَ لَهُ ما لَمْ يَرَهُ قَطُّ، والوَجْهانِ جَمِيعًا مُتَصَوَّرانِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، بَلْ هُما لازِمانِ بِالضَّرُورَةِ لِكُلِّ العارِفِينَ، فَإنَّ الَّذِي اتَّضَحَ لِلْعارِفِينَ مِنَ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ وإنْ كانَ في غايَةِ الوُضُوحِ مَشُوبٌ بِشَوائِبِ الخَيالاتِ، فَإنَّ الخَيالاتِ لا تَفْتُرُ في هَذا العالَمِ عَنِ المُحاكاةِ والتَّمْثِيلاتِ، وهي مُدْرَكاتٌ لِلْمَعارِفِ الرُّوحانِيَّةِ، ولا يَحْصُلُ تَمامُ التَّجَلِّي إلّا في الآخِرَةِ، وهَذا يَقْتَضِي حُصُولَ الشَّوْقِ لا مَحالَةَ في الدُّنْيا فَهَذا أحَدُ نَوْعَيِ الشَّوْقِ فِيما اتَّضَحَ اتِّضاحًا. والثّانِي: أنَّ الأُمُورَ الإلَهِيَّةَ لا نِهايَةَ لَها، وإنَّما يَنْكَشِفُ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنَ العِبادِ بَعْضُها، وتَبْقى أُمُورٌ لا نِهايَةَ لَها غامِضَةً، فَإذا عَلِمَ العارِفُ أنَّ ما غابَ عَنْ عَقْلِهِ أكْثَرُ مِمّا حَضَرَ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَكُونُ مُشْتاقًا إلى مَعْرِفَتِها، والشَّوْقُ بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ يَنْتَهِي في دارِ الآخِرَةِ بِالمَعْنى الَّذِي يُسَمّى رُؤْيَةً ولِقاءً ومُشاهَدَةً، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا، وأمّا الشَّوْقُ بِالتَّفْسِيرِ الثّانِي فَيُشْبِهُ أنْ لا يَكُونَ لَهُ نِهايَةٌ؛ إذْ نِهايَتُهُ أنْ يَنْكَشِفَ لِلْعَبْدِ في الآخِرَةِ جَلالُ اللَّهِ وصِفاتُهُ، وحِكْمَتُهُ في أفْعالِهِ، وهي غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والِاطِّلاعُ عَلى غَيْرِ المُتَناهِي عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مُحالٌ، وقَدْ عَرَفْتَ حَقِيقَةَ الشَّوْقِ إلى اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الشَّوْقَ لَذِيذٌ؛ لِأنَّ العَبْدَ إذا كانَ في التَّرَقِّي حَصَّلَ بِسَبَبِ تَعاقُبِ الوِجْدانِ، والحِرْمانِ، والوُصُولِ، والصَّدِّ آلامًا مَخْلُوطَةً بِلَذّاتٍ، واللَّذّاتُ مَحْفُوفَةٌ بِالحِرْمانِ والفِقْدانِ، كانَتْ أقْوى، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّوْعُ مِنَ اللَّذّاتِ مِمّا لا يَحْصُلُ إلّا لِلْبَشَرِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ كَمالاتُهم حاضِرَةٌ بِالفِعْلِ، والبَهائِمُ لا تَسْتَعِدُّ لَها، أمّا البَشَرُ فَهُمُ المُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ جِهَتَيِ السَّفالَةِ والعُلُوِّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا هم أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، أمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقالُوا: إنَّ حُبَّهم لِلَّهِ يَكُونُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ التَّعْظِيمِ، والمَدْحِ والثَّناءِ، والعِبادَةِ خالِصَةٌ عَنِ الشِّرْكِ وعَمّا لا يَنْبَغِي مِنَ الِاعْتِقادِ، ومَحَبَّةُ غَيْرِهِمْ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ حُبَّهم لِلَّهِ اقْتَرَنَ بِهِ الرَّجاءُ والثَّوابُ والرَّغْبَةُ في عَظِيمِ مَنزِلَتِهِ والخَوْفُ مِنَ العِقابِ والأخْذُ في طَرِيقِ التَّخَلُّصِ مِنهُ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ ويُعَظِّمُهُ عَلى هَذا الحَدِّ تَكُونُ مَحَبَّتُهُ لِلَّهِ أشَدَّ، وأمّا العارِفُونَ فَقالُوا: المُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا اللَّهَ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الحُبَّ مِن لَوازِمِ العِرْفانِ، فَكُلَّما كانَ عِرْفانُهم أتَمَّ وجَبَ أنْ تَكُونَ مَحَبَّتُهم أشَدَّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مَحَبَّةُ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ تَعالى أشَدُّ مَعَ أنّا نَرى الهُنُودَ يَأْتُونَ بِطاعاتٍ شاقَّةٍ لا يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنها أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولا يَأْتُونَ بِها إلّا لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم حُبًّا لِلَّهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لا يَتَضَرَّعُونَ إلّا إلى اللَّهِ، بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم يَعْدِلُونَ إلى اللَّهِ عِنْدَ الحاجَةِ، وعِنْدَ زَوالِ الحاجَةِ يَرْجِعُونَ إلى الأنْدادِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦] إلى آخِرِهِ، والمُؤْمِنُ لا يُعْرِضُ عَنِ اللَّهِ في الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ والشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والكافِرُ قَدْ يُعْرِضُ عَنْ رَبِّهِ، فَكانَ حُبُّ المُؤْمِنِ أقْوى. وثانِيها: أنَّ مَن أحَبَّ غَيْرَهُ رَضِيَ صفحة ١٨٨ بِقَضائِهِ، فَلا يَتَصَرَّفُ في مِلْكِهِ، فَأُولَئِكَ الجُهّالُ قَتَلُوا أنْفُسَهم بِغَيْرِ إذْنِهِ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَقَدْ يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم بِإذْنِهِ، وذَلِكَ في الجِهادِ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ إذا ابْتُلِيَ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ لا يُمْكِنُهُ الِاشْتِغالُ بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ، فالَّذِي فَعَلُوهُ باطِلٌ. ورابِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ صَنَمًا، فَإذا رَأوْا شَيْئًا أحْسَنَ مِنهُ تَرَكُوا ذَلِكَ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَةِ الأحْسَنِ. وخامِسُها: أنَّ المُؤْمِنِينَ يُوَحِّدُونَ رَبَّهَمْ، والكُفّارَ يَعْبُدُونَ مَعَ الصَّنَمِ أصْنامًا فَتَنْقُصُ مَحَبَّةُ الواحِدِ، أمّا الإلَهُ الواحِدُ فَتَنْضَمُّ مَحَبَّةُ الجَمِيعِ إلَيْهِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قِراءَةِ هَذِهِ الآيَةِ أبْحاثًا: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ: (ولَوْ تَرى) بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ خِطابًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قالَ: لَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، والباقُونَ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ عَلى الإخْبارِ عَمَّنْ جَرى ذِكْرُهم، كَأنَّهُ قالَ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِاتِّخاذِ الأنْدادِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ القِراءَةُ أوْلى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ والمُسْلِمِينَ قَدْ عَلِمُوا قَدْرَ ما يُشاهِدُهُ الكُفّارُ، ويُعايِنُونَ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، أمّا المُتَوَعَّدُونَ في هَذِهِ الآيَةِ فَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ، فَوَجَبَ إسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِمْ. البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في (يَرَوْنَ) فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (يُرَوْنَ) بِضَمِّ الياءِ عَلى التَّعْدِيَةِ، وحُجَّتُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٧] والباقُونَ (يَرَوْنَ) بِالفَتْحِ عَلى إضافَةِ الرُّؤْيَةِ إلَيْهِمْ. البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في (أنَّ) فَقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ (إنَّ) بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأمّا القُرّاءُ السَّبْعُ فَعَلى فَتْحِ الألِفِ فِيها. البَحْثُ الرّابِعُ: لَمّا عَرَفْتَ أنَّ ﴿يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قُرِئَ تارَةً بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ وأُخْرى بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ القُوَّةَ﴾ قُرِئَ تارَةً بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن (أنَّ) وأُخْرى بِكَسْرِها حَصَلَ هَهُنا أرْبَعُ احْتِمالاتٍ: الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنْ يُقْرَأ ﴿ولَوْ يَرى﴾ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ مَعَ فَتْحِ الهَمْزَةِ مِن (أنَّ) والوَجْهُ فِيهِ أنَّهم أعْمَلُوا يَرَوْنَ في القُوَّةِ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يَرَوْنَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، ومَعْناهُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا شِدَّةَ عَذابِ اللَّهِ وقُوَّتَهُ لَما اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أنْدادًا، فَعَلى هَذا جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ، وهو كَثِيرٌ في التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] ويَقُولُونَ: لَوْ رَأيْتَ فُلانا والسِّياطُ تَأْخُذُ مِنهُ، قالُوا: وهَذا الحَذْفُ أفْخَمُ وأعْظَمُ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَذْهَبُ خاطِرُ المُخاطَبِ إلى كُلِّ ضَرْبٍ مِنَ الوَعِيدِ فَيَكُونُ الخَوْفُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِمّا إذا كانَ عُيِّنَ لَهُ ذَلِكَ الوَعِيدُ. الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يُقْرَأ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ مَعَ كَسْرِ الهَمْزَةِ مِن (إنَّ) والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا عَجْزَهم حالَ مُشاهَدَتِهِمْ عَذابَ اللَّهِ لَقالُوا: إنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ. الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنْ تُقْرَأ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ، مَعَ فَتْحِ الهَمْزَةِ مِن (أنَّ) وهي قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ صفحة ١٨٩ عامِرٍ، قالَ الفَرّاءُ: الوَجْهُ فِيهِ تَكْرِيرُ الرُّؤْيَةِ، والتَّقْدِيرُ فِيهِ: ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذَ يَرَوْنَ العَذابَ تَرى أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. الِاحْتِمالُ الرّابِعُ: أنْ يُقْرَأ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ، مَعَ كَسْرِ الهَمْزَةِ، وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ لَقُلْتَ: إنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وهَذا أيْضًا تَأْوِيلٌ ظاهِرٌ جَيِّدٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهو مُسْتَقْبَلٌ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ و(إذْ) لِلْماضِي ؟ قُلْنا: إنَّما جاءَ عَلى لَفْظِ المُضِيِّ؛ لِأنَّ وُقُوعَ السّاعَةِ قَرِيبٌ، قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] وقالَ: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] وكُلُّ ما كانَ قَرِيبَ الوُقُوعِ فَإنَّهُ يَجْرِي مَجْرى ما وقَعَ وحَصَلَ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] وقَوْلُ المُقِيمِ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، يَقُولُ ذَلِكَ قَبْلَ إيقاعِهِ التَّحْرِيمَ لِلصَّلاةِ لِقُرْبِ ذَلِكَ، وقَدْ جاءَ كَثِيرٌ في التَّنْزِيلِ مِن هَذا البابِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى﴾ [الأنفال: ٥٠] .

البقرة 2:166

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ عَلى طَرِيقِ التَّهْدِيدِ زادَ في هَذا الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ أفْنَوْا عُمْرَهم عَلى عِبادَتِهِمْ واعْتَقَدُوا أنَّهم أوْكَدُ أسْبابِ نَجاتِهِمْ فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِنهم عِنْدَ احْتِياجِهِمْ إلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقالَ أيْضًا: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقالَ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] وحَكى عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ . الثّانِي: أنَّ عامِلَ الإعْرابِ في (إذْ) مَعْنى (شَدِيدُ)، كَأنَّهُ قالَ: هو شَدِيدُ العَذابِ إذْ تَبَرَّأ يَعْنِي في وقْتِ التَّبَرُّؤِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ المَتْبُوعِينَ يَتَبَرَّءُونَ مِنَ الأتْباعِ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَبَيَّنَ تَعالى ما لِأجْلِهِ يَتَبَرَّءُونَ مِنهم، وهو عَجْزُهم عَنْ تَخْلِيصِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي رَأوْهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ يَدْخُلُ في مَعْناهُ صفحة ١٩٠ أنَّهم لَمْ يَجِدُوا إلى تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ وأتْباعِهِمْ سَبَبًا، والآيِسُ مِن كُلِّ وجْهٍ يَرْجُو بِهِ الخَلاصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ وبِأوْلِيائِهِ مِنَ البَلاءِ يُوصَفُ بِأنَّهُ تَقَطَّعَتْ بِهِ الأسْبابُ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَؤُلاءِ المَتْبُوعِينَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ السّادَةُ والرُّؤَساءُ مِن مُشْرِكِي الإنْسِ؛ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وعَطاءٍ. وثانِيها: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ الَّذِينَ صارُوا مَتْبُوعِينَ لِلْكُفّارِ بِالوَسْوَسَةِ؛ عَنِ السُّدِّيِّ. وثالِثُها: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ. ورابِعُها: الأوْثانُ الَّذِينَ كانُوا يُسَمُّونَها بِالآلِهَةِ. والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الأقْرَبَ في الَّذِينَ اتَّبَعُوا أنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ مِنهُمُ الأمْرُ والنَّهْيُ حَتّى يُمْكِنَ أنْ يُتَّبَعُوا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالأصْنامِ، ويَجِبُ أيْضًا حَمْلُهم عَلى السّادَةِ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ وصْفُهم مِن عِظَمِهِمْ بِأنَّهم يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ دُونَ الشَّياطِينِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وقَرَأ مُجاهِدٌ الأوَّلَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والثّانِي عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ التَّبَرُّؤِ وُجُوهًا: أحَدَها: أنْ يَقَعَ مِنهم ذَلِكَ بِالقَوْلِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ نُزُولُ العَذابِ بِهِمْ وعَجْزُهم عَنْ دَفْعِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ عَنْ غَيْرِهِمْ فَتَبَرَّءُوا. وثالِثُها: أنَّهُ ظَهَرَ فِيهِمُ النَّدَمُ عَلى ما كانَ مِنهم مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ النَّدَمُ تَبَرُّؤًا والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ في اللَّفْظِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أيْ يَتَبَرَّءُونَ في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، وهَذا أوْلى مِن سائِرِ الأقْوالِ؛ لِأنَّ في تِلْكَ الحالَةِ يَزْدادُ الهَوْلُ والخَوْفُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ عُطِفَ عَلى (تَبَرَّأ) وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الأسْبابِ سَبْعَةَ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها المُواصَلاتُ الَّتِي كانُوا يَتَواصَلُونَ عَلَيْها؛ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ. الثّانِي: الأرْحامُ الَّتِي كانُوا يَتَعاطَفُونَ بِها؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ. الثّالِثُ: الأعْمالُ الَّتِي كانُوا يَلْزَمُونَها؛ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ. والرّابِعُ: العُهُودُ والحِلْفُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم يَتَوادُّونَ عَلَيْها؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الخامِسُ: ما كانُوا يَتَواصَلُونَ بِهِ مِنَ الكُفْرِ وكانَ بِها انْقِطاعُهم، عَنِ الأصَمِّ. السّادِسُ: المَنازِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا؛ عَنِ الضَّحّاكِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. السّابِعُ: أسْبابُ النَّجاةِ تَقَطَّعَتْ عَنْهم. والأظْهَرُ دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كالنَّفْيِ، فَيَعُمُّ الكُلَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: وزالَ عَنْهم كُلُّ سَبَبٍ يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ، وأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِالأسْبابِ عَلى اخْتِلافِها مِن مَنزِلَةٍ وسَبَبٍ ونَسَبٍ وحِلْفٍ وعَقْدٍ وعَهْدٍ، وذَلِكَ نِهايَةُ ما يَكُونُ مِنَ اليَأْسِ، فَحَصَلَ فِيهِ التَّوْكِيدُ العَظِيمُ في الزَّجْرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِهِمُ الأسْبابُ﴾ بِمَعْنى (عَنْ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥٩ ] أيْ عَنْهُ، قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ أيْ عَنِ النِّساءِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أصْلُ السَّبَبِ في اللُّغَةِ الحَبْلُ، قالُوا: ولا يُدْعى الحَبْلُ سَبَبًا حَتّى يَنْزِلَ ويَصْعَدَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ [الحج: ١٥] ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ شَيْءٍ وصَلْتَ بِهِ إلى مَوْضِعٍ أوْ حاجَةٍ صفحة ١٩١ تُرِيدُها: سَبَبٌ. يُقالُ: ما بَيْنِي وبَيْنَكَ سَبَبٌ أيْ: رَحِمٌ ومَوَدَّةٌ، وقِيلَ لِلطَّرِيقِ: سَبَبٌ؛ لِأنَّكَ بِسُلُوكِهِ تَصِلُ المَوْضِعَ الَّذِي تُرِيدُهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] أيْ طَرِيقًا، وأسْبابُ السَّماواتِ: أبْوابُها؛ لِأنَّ الوُصُولَ إلى السَّماءِ يَكُونُ بِدُخُولِها، قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْفِرْعَوْنَ: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٧] قالَ زُهَيْرٌ: ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا تَنالُهُ ∗∗∗ ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ والمَوَدَّةُ بَيْنَ القَوْمِ تُسَمّى سَبَبًا؛ لِأنَّهم بِها يَتَواصَلُونَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ فَذَلِكَ تَمَنٍّ مِنهم؛ لِأنْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا وإلى حالِ التَّكْلِيفِ، فَيَكُونُ الِاخْتِيارُ إلَيْهِمْ حَتّى يَتَبَرَّءُوا مِنهم في الدُّنْيا كَما تَبَرَّءُوا مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ، ومَفْهُومُ الكَلامِ أنَّهم تَمَنَّوْا لَهم في الدُّنْيا ما يُقارِبُ العَذابَ، فَيَتَبَرَّءُونَ مِنهم ولا يُخَلِّصُونَهم ولا يَنْصُرُونَهم كَما فَعَلُوا بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم وقَدْ دَهَمَهم مِثْلُ هَذا الخَطْبِ كَما تَبَرَّءُوا مِنّا والحالَةُ هَذِهِ؛ لِأنَّهم إنْ تَمَنَّوُا التَّبَرُّؤَ مِنهم مَعَ سَلامَةٍ فَلَيْسَ فِيهِ فائِدَةٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: كَتَبَرُّؤِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ، وذَلِكَ لِانْقِطاعِ الرَّجاءِ مِن كُلِّ أحَدٍ. الثّانِي: كَما أراهُمُ العَذابَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ؛ لِأنَّهم أيْقَنُوا بِالهَلاكِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِالأعْمالِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: الطّاعاتُ، يَتَحَسَّرُونَ لِمَ ضَيَّعُوها، عَنِ السُّدِّيِّ. الثّانِي: المَعاصِي وأعْمالُهُمُ الخَبِيثَةُ؛ عَنِ الرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ يَتَحَسَّرُونَ لِمَ عَمِلُوها. الثّالِثُ: ثَوابُ طاعاتِهِمُ الَّتِي أتَوْا بِها فَأحْبَطُوهُ بِالكُفْرِ عَنِ الأصَمِّ. الرّابِعُ: أعْمالُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها إلى رُؤَسائِهِمْ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأعْمالُ الَّتِي اتَّبَعُوا فِيها السّادَةَ، وهو كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ، وإنَّما تَكُونُ حَسْرَةً بِأنْ رَأوْها في صَحِيفَتِهِمْ، وأيْقَنُوا بِالجَزاءِ عَلَيْها، وكانَ يُمْكِنُهم تَرْكُها والعُدُولُ إلى الطّاعاتِ، وفي هَذا الوَجْهِ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةٌ؛ لِأنَّهم عَمِلُوها، وفي الثّانِي مَجازٌ بِمَعْنى لَزِمَهم فَلَمْ يَقُومُوا بِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: حَسَراتٌ ثالِثُ مَفاعِيلِ رَأى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدامَةِ حَتّى يَبْقى النّادِمُ كالحَسِيرِ مِنَ الدَّوابِّ، وهو الَّذِي لا مَنفَعَةَ فِيهِ، يُقالُ: حَسِرَ فُلانٌ يَحْسِرُ حَسْرَةً وحَسْرًا إذا اشْتَدَّ نَدَمُهُ عَلى أمْرٍ فاتَهُ، وأصْلُ الحَسْرِ الكَشْفُ، يُقالُ: حَسَرَ عَنْ ذِراعَيْهِ أيْ كَشَفَ، والحَسْرَةُ انْكِشافٌ عَنْ حالِ النَّدامَةِ، والحُسُورُ: الإعْياءُ؛ لِأنَّهُ انْكِشافُ الحالِ عَمّا أوْجَبَهُ طُولُ السَّفَرِ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] والمِحْسَرَةُ المِكْنَسَةُ؛ لِأنَّها تَكْشِفُ عَنِ الأرْضِ، والطَّيْرُ تَنْحَسِرُ؛ لِأنَّها تَنْكَشِفُ بِذَهابِ الرِّيشِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الأصْحابُ عَلى أنَّ أصْحابَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ صفحة ١٩٢ القِبْلَةِ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿وما هُمْ﴾ تَخْصِيصٌ لَهم بِعَدَمِ الخُرُوجِ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عَدَمُ الخُرُوجِ مَخْصُوصًا بِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ تَكْشِفُ عَنِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٤] وثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالفُجّارِ هَهُنا الكُفّارُ لِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ.

البقرة 2:167

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ عَلى طَرِيقِ التَّهْدِيدِ زادَ في هَذا الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ أفْنَوْا عُمْرَهم عَلى عِبادَتِهِمْ واعْتَقَدُوا أنَّهم أوْكَدُ أسْبابِ نَجاتِهِمْ فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِنهم عِنْدَ احْتِياجِهِمْ إلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقالَ أيْضًا: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقالَ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] وحَكى عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ . الثّانِي: أنَّ عامِلَ الإعْرابِ في (إذْ) مَعْنى (شَدِيدُ)، كَأنَّهُ قالَ: هو شَدِيدُ العَذابِ إذْ تَبَرَّأ يَعْنِي في وقْتِ التَّبَرُّؤِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ المَتْبُوعِينَ يَتَبَرَّءُونَ مِنَ الأتْباعِ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَبَيَّنَ تَعالى ما لِأجْلِهِ يَتَبَرَّءُونَ مِنهم، وهو عَجْزُهم عَنْ تَخْلِيصِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي رَأوْهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ يَدْخُلُ في مَعْناهُ صفحة ١٩٠ أنَّهم لَمْ يَجِدُوا إلى تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ وأتْباعِهِمْ سَبَبًا، والآيِسُ مِن كُلِّ وجْهٍ يَرْجُو بِهِ الخَلاصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ وبِأوْلِيائِهِ مِنَ البَلاءِ يُوصَفُ بِأنَّهُ تَقَطَّعَتْ بِهِ الأسْبابُ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَؤُلاءِ المَتْبُوعِينَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ السّادَةُ والرُّؤَساءُ مِن مُشْرِكِي الإنْسِ؛ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وعَطاءٍ. وثانِيها: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ الَّذِينَ صارُوا مَتْبُوعِينَ لِلْكُفّارِ بِالوَسْوَسَةِ؛ عَنِ السُّدِّيِّ. وثالِثُها: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ. ورابِعُها: الأوْثانُ الَّذِينَ كانُوا يُسَمُّونَها بِالآلِهَةِ. والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الأقْرَبَ في الَّذِينَ اتَّبَعُوا أنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ مِنهُمُ الأمْرُ والنَّهْيُ حَتّى يُمْكِنَ أنْ يُتَّبَعُوا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالأصْنامِ، ويَجِبُ أيْضًا حَمْلُهم عَلى السّادَةِ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ وصْفُهم مِن عِظَمِهِمْ بِأنَّهم يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ دُونَ الشَّياطِينِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وقَرَأ مُجاهِدٌ الأوَّلَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والثّانِي عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ التَّبَرُّؤِ وُجُوهًا: أحَدَها: أنْ يَقَعَ مِنهم ذَلِكَ بِالقَوْلِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ نُزُولُ العَذابِ بِهِمْ وعَجْزُهم عَنْ دَفْعِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ عَنْ غَيْرِهِمْ فَتَبَرَّءُوا. وثالِثُها: أنَّهُ ظَهَرَ فِيهِمُ النَّدَمُ عَلى ما كانَ مِنهم مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ النَّدَمُ تَبَرُّؤًا والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ في اللَّفْظِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أيْ يَتَبَرَّءُونَ في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، وهَذا أوْلى مِن سائِرِ الأقْوالِ؛ لِأنَّ في تِلْكَ الحالَةِ يَزْدادُ الهَوْلُ والخَوْفُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ عُطِفَ عَلى (تَبَرَّأ) وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الأسْبابِ سَبْعَةَ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها المُواصَلاتُ الَّتِي كانُوا يَتَواصَلُونَ عَلَيْها؛ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ. الثّانِي: الأرْحامُ الَّتِي كانُوا يَتَعاطَفُونَ بِها؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ. الثّالِثُ: الأعْمالُ الَّتِي كانُوا يَلْزَمُونَها؛ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ. والرّابِعُ: العُهُودُ والحِلْفُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم يَتَوادُّونَ عَلَيْها؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الخامِسُ: ما كانُوا يَتَواصَلُونَ بِهِ مِنَ الكُفْرِ وكانَ بِها انْقِطاعُهم، عَنِ الأصَمِّ. السّادِسُ: المَنازِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا؛ عَنِ الضَّحّاكِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. السّابِعُ: أسْبابُ النَّجاةِ تَقَطَّعَتْ عَنْهم. والأظْهَرُ دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كالنَّفْيِ، فَيَعُمُّ الكُلَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: وزالَ عَنْهم كُلُّ سَبَبٍ يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ، وأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِالأسْبابِ عَلى اخْتِلافِها مِن مَنزِلَةٍ وسَبَبٍ ونَسَبٍ وحِلْفٍ وعَقْدٍ وعَهْدٍ، وذَلِكَ نِهايَةُ ما يَكُونُ مِنَ اليَأْسِ، فَحَصَلَ فِيهِ التَّوْكِيدُ العَظِيمُ في الزَّجْرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِهِمُ الأسْبابُ﴾ بِمَعْنى (عَنْ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥٩ ] أيْ عَنْهُ، قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ أيْ عَنِ النِّساءِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أصْلُ السَّبَبِ في اللُّغَةِ الحَبْلُ، قالُوا: ولا يُدْعى الحَبْلُ سَبَبًا حَتّى يَنْزِلَ ويَصْعَدَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ [الحج: ١٥] ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ شَيْءٍ وصَلْتَ بِهِ إلى مَوْضِعٍ أوْ حاجَةٍ صفحة ١٩١ تُرِيدُها: سَبَبٌ. يُقالُ: ما بَيْنِي وبَيْنَكَ سَبَبٌ أيْ: رَحِمٌ ومَوَدَّةٌ، وقِيلَ لِلطَّرِيقِ: سَبَبٌ؛ لِأنَّكَ بِسُلُوكِهِ تَصِلُ المَوْضِعَ الَّذِي تُرِيدُهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] أيْ طَرِيقًا، وأسْبابُ السَّماواتِ: أبْوابُها؛ لِأنَّ الوُصُولَ إلى السَّماءِ يَكُونُ بِدُخُولِها، قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْفِرْعَوْنَ: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٧] قالَ زُهَيْرٌ: ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا تَنالُهُ ∗∗∗ ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ والمَوَدَّةُ بَيْنَ القَوْمِ تُسَمّى سَبَبًا؛ لِأنَّهم بِها يَتَواصَلُونَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ فَذَلِكَ تَمَنٍّ مِنهم؛ لِأنْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا وإلى حالِ التَّكْلِيفِ، فَيَكُونُ الِاخْتِيارُ إلَيْهِمْ حَتّى يَتَبَرَّءُوا مِنهم في الدُّنْيا كَما تَبَرَّءُوا مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ، ومَفْهُومُ الكَلامِ أنَّهم تَمَنَّوْا لَهم في الدُّنْيا ما يُقارِبُ العَذابَ، فَيَتَبَرَّءُونَ مِنهم ولا يُخَلِّصُونَهم ولا يَنْصُرُونَهم كَما فَعَلُوا بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم وقَدْ دَهَمَهم مِثْلُ هَذا الخَطْبِ كَما تَبَرَّءُوا مِنّا والحالَةُ هَذِهِ؛ لِأنَّهم إنْ تَمَنَّوُا التَّبَرُّؤَ مِنهم مَعَ سَلامَةٍ فَلَيْسَ فِيهِ فائِدَةٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: كَتَبَرُّؤِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ، وذَلِكَ لِانْقِطاعِ الرَّجاءِ مِن كُلِّ أحَدٍ. الثّانِي: كَما أراهُمُ العَذابَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ؛ لِأنَّهم أيْقَنُوا بِالهَلاكِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِالأعْمالِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: الطّاعاتُ، يَتَحَسَّرُونَ لِمَ ضَيَّعُوها، عَنِ السُّدِّيِّ. الثّانِي: المَعاصِي وأعْمالُهُمُ الخَبِيثَةُ؛ عَنِ الرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ يَتَحَسَّرُونَ لِمَ عَمِلُوها. الثّالِثُ: ثَوابُ طاعاتِهِمُ الَّتِي أتَوْا بِها فَأحْبَطُوهُ بِالكُفْرِ عَنِ الأصَمِّ. الرّابِعُ: أعْمالُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها إلى رُؤَسائِهِمْ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأعْمالُ الَّتِي اتَّبَعُوا فِيها السّادَةَ، وهو كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ، وإنَّما تَكُونُ حَسْرَةً بِأنْ رَأوْها في صَحِيفَتِهِمْ، وأيْقَنُوا بِالجَزاءِ عَلَيْها، وكانَ يُمْكِنُهم تَرْكُها والعُدُولُ إلى الطّاعاتِ، وفي هَذا الوَجْهِ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةٌ؛ لِأنَّهم عَمِلُوها، وفي الثّانِي مَجازٌ بِمَعْنى لَزِمَهم فَلَمْ يَقُومُوا بِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: حَسَراتٌ ثالِثُ مَفاعِيلِ رَأى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدامَةِ حَتّى يَبْقى النّادِمُ كالحَسِيرِ مِنَ الدَّوابِّ، وهو الَّذِي لا مَنفَعَةَ فِيهِ، يُقالُ: حَسِرَ فُلانٌ يَحْسِرُ حَسْرَةً وحَسْرًا إذا اشْتَدَّ نَدَمُهُ عَلى أمْرٍ فاتَهُ، وأصْلُ الحَسْرِ الكَشْفُ، يُقالُ: حَسَرَ عَنْ ذِراعَيْهِ أيْ كَشَفَ، والحَسْرَةُ انْكِشافٌ عَنْ حالِ النَّدامَةِ، والحُسُورُ: الإعْياءُ؛ لِأنَّهُ انْكِشافُ الحالِ عَمّا أوْجَبَهُ طُولُ السَّفَرِ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] والمِحْسَرَةُ المِكْنَسَةُ؛ لِأنَّها تَكْشِفُ عَنِ الأرْضِ، والطَّيْرُ تَنْحَسِرُ؛ لِأنَّها تَنْكَشِفُ بِذَهابِ الرِّيشِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الأصْحابُ عَلى أنَّ أصْحابَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ صفحة ١٩٢ القِبْلَةِ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿وما هُمْ﴾ تَخْصِيصٌ لَهم بِعَدَمِ الخُرُوجِ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عَدَمُ الخُرُوجِ مَخْصُوصًا بِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ تَكْشِفُ عَنِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٤] وثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالفُجّارِ هَهُنا الكُفّارُ لِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ.

البقرة 2:168

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ ودَلائِلَهُ، وما لِلْمُوَحِّدِينَ مِنَ الثَّوابِ وأتْبَعَهُ بِذِكْرِ الشِّرْكِ ومَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، ويَتَّبِعُ رُؤَساءَ الكُفْرِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلى الفَرِيقَيْنِ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ وأنَّ مَعْصِيَةَ مَن عَصاهُ وكُفْرَ مَن كَفَرَ بِهِ لَمْ تُؤَثِّرْ في قَطْعِ إحْسانِهِ ونِعَمِهِ عَنْهم، فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ السَّوائِبَ والوَصائِلَ والبَحائِرَ، وهم قَوْمٌ مِن ثَقِيفٍ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَلالُ المُباحُ الَّذِي انْحَلَّتْ عُقْدَةُ الحَظْرِ عَنْهُ، وأصْلُهُ مِنَ الحَلِّ الَّذِي هو نَقِيضُ العَقْدِ، ومِنهُ: حَلَّ بِالمَكانِ إذا نَزَلَ بِهِ؛ لِأنَّهُ حَلُّ شَدِّ الِارْتِحالِ لِلنُّزُولِ، وحَلَّ الدَّيْنُ إذا وجَبَ لِانْحِلالِ العُقْدَةِ بِانْقِضاءِ المُدَّةِ، وحَلَّ مِن إحْرامِهِ؛ لِأنَّهُ حَلَّ عُقْدَةَ الإحْرامِ، وحَلَّتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ أيْ وجَبَتْ؛ لِانْحِلالِ العُقْدَةِ بِالمانِعَةِ مِنَ العَذابِ، والحُلَّةُ الإزارُ والرِّداءُ؛ لِأنَّهُ يُحَلُّ عَنِ الطَّيِّ لِلُّبْسِ، ومِن هَذا تَحِلَّةُ اليَمِينِ؛ لِأنَّهُ عُقْدَةُ اليَمِينِ تَنْحَلُّ بِهِ، واعْلَمْ أنَّ الحَرامَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا لِخُبْثِهِ كالمَيْتَةِ والدَّمِ والخَمْرِ، وقَدْ يَكُونُ حَرامًا لا لِخُبْثِهِ، كَمِلْكِ الغَيْرِ إذا لَمْ يَأْذَنْ في أكْلِهِ، فالحَلالُ هو الخالِي عَنِ القَيْدَيْنِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾ إنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى الحالِ مِمّا في الأرْضِ وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الطَّيِّبُ في اللُّغَةِ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الطّاهِرِ والحَلالُ يُوصَفُ بِأنَّهُ طَيِّبٌ؛ لِأنَّ الحَرامَ يُوصَفُ بِأنَّهُ خَبِيثٌ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] والطَّيِّبُ في الأصْلِ هو ما يُسْتَلَذُّ بِهِ ويُسْتَطابُ، ووُصِفَ بِهِ الطّاهِرُ والحَلالُ عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ النَّجِسَ تَكْرَهُهُ النَّفْسُ فَلا تَسْتَلِذُّهُ صفحة ٤ والحَرامُ غَيْرُ مُسْتَلَذٍّ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ يَزْجُرُ عَنْهُ، وفي المُرادِ بِالطَّيِّبِ في الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ المُسْتَلَذُّ؛ لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَلالِ لَزِمَ التَّكْرارُ فَعَلى هَذا إنَّما يَكُونُ طَيِّبًا إذا كانَ مِن جِنْسِ ما يُشْتَهى؛ لِأنَّهُ إنْ تَناوَلَ ما لا شَهْوَةَ لَهُ فِيهِ عادَ حَرامًا وإنْ كانَ يَبْعُدُ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنَ العاقِلِ إلّا عِنْدَ شُبْهَةٍ. والثّانِي: المُرادُ مِنهُ المُباحُ، وقَوْلُهُ يَلْزَمُ التَّكْرارُ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَلالًا﴾ المُرادُ مِنهُ ما يَكُونُ جِنْسُهُ حَلالًا، وقَوْلُهُ ﴿طَيِّبًا﴾ المُرادُ مِنهُ لا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِهِ حَقُّ الغَيْرِ، فَإنَّ أكْلَ الحَرامِ وإنَّ اسْتِطابَةَ الآكِلِ فَمِن حَيْثُ يُفْضِي إلى العِقابِ يَصِيرُ مَضَرَّةً ولا يَكُونُ مُسْتَطابًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ، وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ (خُطُواتِ) بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ، والباقُونَ بِسُكُونِ الطّاءِ، أمّا مَن ضَمَّ العَيْنَ فَلِأنَّ الواحِدَةَ خُطْوَةٌ فَإذا جَمَعْتَ حَرَّكْتَ العَيْنَ لِلْجَمْعِ، كَما فُعِلَ بِالأسْماءِ الَّتِي عَلى هَذا الوَزْنِ نَحْوَ غُرْفَةٍ وغُرُفاتٍ، وتَحْرِيكُ العَيْنِ لِلْجَمْعِ كَما فُعِلَ في نَحْوِ هَذا الجَمْعِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ، وذَلِكَ أنَّ ما كانَ اسْمًا جَمَعْتَهُ بِتَحْرِيكِ العَيْنِ نَحْوَ تَمْرَةٍ وتَمَراتٍ وغُرْفَةٍ وغُرُفاتٍ وشَهْوَةٍ وشَهَواتٍ، وما كانَ نَعْتًا جُمِعَ بِسُكُونِ العَيْنِ نَحْوَ ضَخْمَةٍ وضَخْماتٍ وعَبْلَةٍ وعَبْلاتٍ، والخُطْوَةُ مِنَ الأسْماءِ لا مِنَ الصِّفاتِ فَيُجْمَعُ بِتَحْرِيكِ العَيْنِ، وأمّا مَن خَفَّفَ العَيْنَ فَبَقّاهُ عَلى الأصْلِ وطَلَبَ الخِفَّةَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِيما رَواهُ عَنْهُ الجُبّائِيُّ الخَطْوَةُ والخُطْوَةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ: خَطَوْتُ خَطْوَةً والخُطْوَةُ ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ كَما يُقالُ: حَثَوْتُ حَثْوَةً، والحُثْوَةُ اسْمٌ لِما تَحَثَّيْتَ، وكَذَلِكَ غَرَفْتُ غَرْفَةً والغُرْفَةُ اسْمٌ لِما اغْتَرَفْتَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالخُطْوَةُ المَكانُ المُتَخَطّى كَما أنَّ الغُرْفَةَ هي الشَّيْءُ المُغْتَرَفُ بِالكَفِّ فَيَكُونُ المَعْنى: لا تَتَّبِعُوا سَبِيلَهُ ولا تَسْلُكُوا طَرِيقَهُ؛ لِأنَّ الخُطْوَةَ اسْمُ مَكانٍ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ فَإنَّهُما قالا: خُطُواتُ الشَّيْطانِ طُرُقُهُ، وإنْ جَعَلْتَ الخَطْوَةَ بِمَعْنى الخُطْوَةِ كَما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ فالتَّقْدِيرُ: لا تَأْتَمُّوا بِهِ ولا تَقْفُوا أثَرَهُ، والمَعْنَيانِ مُقارِبانِ وإنِ اخْتَلَفَ التَّقْدِيرانِ. هَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ، وأمّا المَعْنى فَلَيْسَ مُرادُ اللَّهِ هَهُنا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ لِمَن أُبِيحَ لَهُ الأكْلُ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ احْذَرْ أنْ تَتَعَدّاهُ إلى ما يَدْعُوكَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ، وزَجْرُ المُكَلَّفِ بِهَذا الكَلامِ عَنْ تَخَطِّي الحَلالِ إلى الشُّبَهِ كَما زَجَرَهُ عَنْ تَخَطِّيهِ إلى الحَرامِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يُلْقِي إلى المَرْءِ ما يَجْرِي مَجْرى الشُّبْهَةِ فَيُزَيِّنُ بِذَلِكَ ما لا يَحِلُّ لَهُ، فَزَجَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ في هَذا التَّحْذِيرِ، وهو كَوْنُهُ عَدُوًّا مُبِينًا أيْ مُتَظاهِرٌ بِالعَداوَةِ. وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ التَزَمَ أُمُورًا سَبْعَةً في العَداوَةِ؛ أرْبَعَةٌ مِنها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] وثَلاثَةٌ مِنها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧] فَلَمّا التَزَمَ الشَّيْطانُ هَذِهِ الأُمُورَ كانَ عَدُوًّا مُتَظاهِرًا بِالعَداوَةِ، فَلِهَذا وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَهَذا كالتَّفْصِيلِ لِجُمْلَةِ عَداوَتِهِ، وهو مُشْتَمِلٌ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: السُّوءُ، وهو مُتَناوِلٌ جَمِيعَ المَعاصِي سَواءٌ كانَتْ تِلْكَ صفحة ٥ المَعاصِي مِن أفْعالِ الجَوارِحِ أوْ مِن أفْعالِ القُلُوبِ. وثانِيها: الفَحْشاءُ وهي نَوْعٌ مِنَ السُّوءِ؛ لِأنَّها أقْبَحُ أنْواعِهِ، وهو الَّذِي يُسْتَعْظَمُ ويُسْتَفْحَشُ مِنَ المَعاصِي. وثالِثُها: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وكَأنَّهُ أقْبَحُ أنْواعِ الفَحْشاءِ؛ لِأنَّهُ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِما لا يَنْبَغِي مِن أعْظَمِ أنْواعِ الكَبائِرِ، فَصارَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ فَيَدْخُلُ في الآيَةِ أنَّ الشَّيْطانَ يَدْعُو إلى الصَّغائِرِ والكَبائِرِ والكُفْرِ والجَهْلِ بِاللَّهِ. وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أمْرَ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ هَذِهِ الخَواطِرِ الَّتِي نَجِدُها مِن أنْفُسِنا، وقَدِ اخْتَلَفَتِ النّاسُ في هَذِهِ الخَواطِرِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: اخْتَلَفُوا في ماهِيّاتِها فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها حُرُوفٌ وأصْواتٌ خَفِيَّةٌ، وقالَ الفَلاسِفَةُ: إنَّها تَصَوُّراتُ الحُرُوفِ والأصْواتِ وتَخَيُّلاتُها عَلى مِثالِ الصُّوَرِ المُنْطَبِعَةِ في المَرايا، فَإنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ تُشْبِهُ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُشابِهَةً لَها في كُلِّ الوُجُوهِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: صُوَرُ هَذِهِ الحُرُوفِ وتَخَيُّلاتُها هَلْ تُشْبِهُ هَذِهِ الحُرُوفَ في كَوْنِها حُرُوفًا أوْ لا تُشْبِهُها ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَصُوَرُ الحُرُوفِ حُرُوفٌ، فَعادَ القَوْلُ إلى أنَّ هَذِهِ الخَواطِرَ أصْواتٌ وحُرُوفٌ خَفِيَّةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ تَكُنْ تَصَوُّراتُ هَذِهِ الحُرُوفِ حُرُوفًا، لَكِنِّي أجِدُ مِن نَفْسِي هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ مُتَرَتِّبَةً مُنْتَظِمَةً عَلى حَسَبِ انْتِظامِها في الخارِجِ، والعَرَبِيُّ لا يَتَكَلَّمُ في قَلْبِهِ إلّا بِالعَرَبِيَّةِ، وكَذا العَجَمِيُّ، وتَصَوُّراتُ هَذِهِ الحُرُوفِ وتَعاقُبُها وتَوالِيها لا يَكُونُ إلّا عَلى مُطابَقَةِ تَعاقُبِها وتَوالِيها في الخارِجِ، فَثَبَتَ أنَّها في أنْفُسِها حُرُوفٌ وأصْواتٌ خَفِيَّةٌ. وثانِيها: أنَّ فاعِلَ هَذِهِ الخَواطِرِ مَن هو ؟ أمّا عَلى أصْلِنا وهو أنَّ خالِقَ الحَوادِثِ بِأسْرِها هو اللَّهُ تَعالى، فالأمْرُ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى أصْلِ المُعْتَزِلَةِ فَهم لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، وأيْضًا فَلِأنَّ المُتَكَلِّمَ عِنْدَهم مَن فَعَلَ الكَلامَ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ هَذِهِ الخَواطِرِ هو اللَّهُ تَعالى، وفِيها ما يَكُونُ كَذِبًا وسُخْفًا، لَزِمَ كَوْنُ اللَّهِ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ، تَعالى اللَّهُ عَنْهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ فاعِلَها هو العَبْدُ؛ لِأنَّ العَبْدَ قَدْ يَكْرَهُ حُصُولَ تِلْكَ الخَواطِرَ، ويَحْتالُ في دَفْعِها عَنْ نَفْسِهِ مَعَ أنَّها البَتَّةَ لا تَنْدَفِعُ، بَلْ يَنْجَرُّ البَعْضُ إلى البَعْضِ عَلى سَبِيلِ الِاتِّصالِ، فَإذَنْ لا بُدَّ هَهُنا مِن شَيْءٍ آخَرَ، وهو إمّا المَلِكُ وإمّا الشَّيْطانُ، فَلَعَلَّهُما يَتَكَلَّمانِ بِهَذا الكَلامِ في أقْصى الدِّماغِ، وفي أقْصى القَلْبِ، حَتّى إنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ في غايَةِ الصَّمَمِ، فَإنَّهُ يَسْمَعُ هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، ثُمَّ إنْ قُلْنا بِأنَّ الشَّيْطانَ والمَلِكَ ذَواتٌ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها، غَيْرُ مُتَحَيِّزَةٍ البَتَّةَ، لَمْ يَبْعُدْ كَوْنُها قادِرَةً عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأفْعالِ، وإنْ قُلْنا بِأنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّها وإنْ كانَتْ لا تَتَوَلَّجُ بَواطِنَ البَشَرِ إلّا أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى إيصالِ هَذا الكَلامِ إلى بَواطِنِ البَشَرِ، ولا بَعُدَ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّها لِغايَةِ لَطافَتِها تَقْدِرُ عَلى النُّفُوذِ في مَضايِقِ باطِنِ البَشَرِ ومَخارِقِ جِسْمِهِ وتُوصِلُ الكَلامَ إلى أقْصى قَلْبِهِ ودِماغِهِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ لَطافَتِها تَكُونُ مُسْتَحْكِمَةَ التَّرْكِيبِ، بِحَيْثُ يَكُونُ اتِّصالُ بَعْضِ أجْزائِهِ بِالبَعْضِ اتِّصالًا لا يَنْفَصِلُ، فَلا جَرَمَ لا يَقْتَضِي نُفُوذُها في هَذِهِ المَضايِقِ والمَخارِقِ انْفِصالَها وتَفَرُّقَ أجْزائِها. وكُلُّ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ مِمّا لا دَلِيلَ عَلى فَسادِها، والأمْرُ في مَعْرِفَةِ حَقائِقِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ومِمّا يَدُلُّ عَلى إثْباتِ إلْهامِ المَلائِكَةِ بِالخَيْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] أيْ ألْهِمُوهُمُ الثَّباتَ وشَجِّعُوهم عَلى أعْدائِهِمْ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ ولِلْمَلَكِ لَمَّةً» “ وفي الحَدِيثِ أيْضًا ”«إذا وُلِدَ المَوْلُودُ لِبَنِي آدَمَ قَرَنَ إبْلِيسُ بِهِ شَيْطانًا وقَرَنَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا، فالشَّيْطانُ جاثِمٌ عَلى أُذُنِ قَلْبِهِ الأيْسَرِ، والمَلَكُ جاثِمٌ عَلى أُذُنِ قَلْبِهِ الأيْمَنِ فَهُما يَدْعُوانِهِ» “ ومِن صُوفِيَّةِ الفَلاسِفَةِ مَن فَسَّرَ المَلَكَ الدّاعِيَ إلى الخَيْرِ بِالقُوَّةِ العَقْلِيَّةِ، وفَسَّرَ صفحة ٦ الشَّيْطانَ الدّاعِيَ إلى الشَّرِّ بِالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ لا يَأْمُرُ إلّا بِالقَبائِحِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ ﴿إنَّما﴾ وهي لِلْحَصْرِ. وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَدْعُو إلى الخَيْرِ لَكِنْ لِغَرَضِ أنْ يَجُرَّهُ مِنهُ إلى الشَّرِّ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنْواعٍ: إمّا أنْ يَجُرَّهُ مِنَ الأفْضَلِ إلى الفاضِلِ لِيَتَمَكَّنَ مِن أنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الفاضِلِ إلى الشَّرِّ، وإمّا أنْ يَجُرَّهُ مِنَ الفاضِلِ الأسْهَلِ إلى الأفْضَلِ الأشَقِّ لِيَصِيرَ ازْدِيادُ المَشَقَّةِ سَبَبًا لِحُصُولِ النُّفْرَةِ عَنِ الطّاعَةِ بِالكُلِّيَّةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ، بَلْ يَتَناوَلُ مُقَلِّدَ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ مُقَلِّدًا لِلْحَقِّ لَكِنَّهُ قالَ ما لا يَعْلَمُهُ فَصارَ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ لِانْدِراجِهِ تَحْتَ الذَّمِّ في هَذِهِ الآيَةِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَمَسَّكَ نُفاةُ القِياسِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ مَتى قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ بِالقِياسِ واجِبٌ كانَ العَمَلُ بِالقِياسِ قَوْلًا عَلى اللَّهِ بِما يَعْلَمُ لا بِما لا يَعْلَمُ.

البقرة 2:169

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ ودَلائِلَهُ، وما لِلْمُوَحِّدِينَ مِنَ الثَّوابِ وأتْبَعَهُ بِذِكْرِ الشِّرْكِ ومَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، ويَتَّبِعُ رُؤَساءَ الكُفْرِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلى الفَرِيقَيْنِ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ وأنَّ مَعْصِيَةَ مَن عَصاهُ وكُفْرَ مَن كَفَرَ بِهِ لَمْ تُؤَثِّرْ في قَطْعِ إحْسانِهِ ونِعَمِهِ عَنْهم، فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ السَّوائِبَ والوَصائِلَ والبَحائِرَ، وهم قَوْمٌ مِن ثَقِيفٍ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَلالُ المُباحُ الَّذِي انْحَلَّتْ عُقْدَةُ الحَظْرِ عَنْهُ، وأصْلُهُ مِنَ الحَلِّ الَّذِي هو نَقِيضُ العَقْدِ، ومِنهُ: حَلَّ بِالمَكانِ إذا نَزَلَ بِهِ؛ لِأنَّهُ حَلُّ شَدِّ الِارْتِحالِ لِلنُّزُولِ، وحَلَّ الدَّيْنُ إذا وجَبَ لِانْحِلالِ العُقْدَةِ بِانْقِضاءِ المُدَّةِ، وحَلَّ مِن إحْرامِهِ؛ لِأنَّهُ حَلَّ عُقْدَةَ الإحْرامِ، وحَلَّتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ أيْ وجَبَتْ؛ لِانْحِلالِ العُقْدَةِ بِالمانِعَةِ مِنَ العَذابِ، والحُلَّةُ الإزارُ والرِّداءُ؛ لِأنَّهُ يُحَلُّ عَنِ الطَّيِّ لِلُّبْسِ، ومِن هَذا تَحِلَّةُ اليَمِينِ؛ لِأنَّهُ عُقْدَةُ اليَمِينِ تَنْحَلُّ بِهِ، واعْلَمْ أنَّ الحَرامَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا لِخُبْثِهِ كالمَيْتَةِ والدَّمِ والخَمْرِ، وقَدْ يَكُونُ حَرامًا لا لِخُبْثِهِ، كَمِلْكِ الغَيْرِ إذا لَمْ يَأْذَنْ في أكْلِهِ، فالحَلالُ هو الخالِي عَنِ القَيْدَيْنِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾ إنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى الحالِ مِمّا في الأرْضِ وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الطَّيِّبُ في اللُّغَةِ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الطّاهِرِ والحَلالُ يُوصَفُ بِأنَّهُ طَيِّبٌ؛ لِأنَّ الحَرامَ يُوصَفُ بِأنَّهُ خَبِيثٌ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] والطَّيِّبُ في الأصْلِ هو ما يُسْتَلَذُّ بِهِ ويُسْتَطابُ، ووُصِفَ بِهِ الطّاهِرُ والحَلالُ عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ النَّجِسَ تَكْرَهُهُ النَّفْسُ فَلا تَسْتَلِذُّهُ صفحة ٤ والحَرامُ غَيْرُ مُسْتَلَذٍّ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ يَزْجُرُ عَنْهُ، وفي المُرادِ بِالطَّيِّبِ في الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ المُسْتَلَذُّ؛ لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَلالِ لَزِمَ التَّكْرارُ فَعَلى هَذا إنَّما يَكُونُ طَيِّبًا إذا كانَ مِن جِنْسِ ما يُشْتَهى؛ لِأنَّهُ إنْ تَناوَلَ ما لا شَهْوَةَ لَهُ فِيهِ عادَ حَرامًا وإنْ كانَ يَبْعُدُ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنَ العاقِلِ إلّا عِنْدَ شُبْهَةٍ. والثّانِي: المُرادُ مِنهُ المُباحُ، وقَوْلُهُ يَلْزَمُ التَّكْرارُ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَلالًا﴾ المُرادُ مِنهُ ما يَكُونُ جِنْسُهُ حَلالًا، وقَوْلُهُ ﴿طَيِّبًا﴾ المُرادُ مِنهُ لا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِهِ حَقُّ الغَيْرِ، فَإنَّ أكْلَ الحَرامِ وإنَّ اسْتِطابَةَ الآكِلِ فَمِن حَيْثُ يُفْضِي إلى العِقابِ يَصِيرُ مَضَرَّةً ولا يَكُونُ مُسْتَطابًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ، وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ (خُطُواتِ) بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ، والباقُونَ بِسُكُونِ الطّاءِ، أمّا مَن ضَمَّ العَيْنَ فَلِأنَّ الواحِدَةَ خُطْوَةٌ فَإذا جَمَعْتَ حَرَّكْتَ العَيْنَ لِلْجَمْعِ، كَما فُعِلَ بِالأسْماءِ الَّتِي عَلى هَذا الوَزْنِ نَحْوَ غُرْفَةٍ وغُرُفاتٍ، وتَحْرِيكُ العَيْنِ لِلْجَمْعِ كَما فُعِلَ في نَحْوِ هَذا الجَمْعِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ، وذَلِكَ أنَّ ما كانَ اسْمًا جَمَعْتَهُ بِتَحْرِيكِ العَيْنِ نَحْوَ تَمْرَةٍ وتَمَراتٍ وغُرْفَةٍ وغُرُفاتٍ وشَهْوَةٍ وشَهَواتٍ، وما كانَ نَعْتًا جُمِعَ بِسُكُونِ العَيْنِ نَحْوَ ضَخْمَةٍ وضَخْماتٍ وعَبْلَةٍ وعَبْلاتٍ، والخُطْوَةُ مِنَ الأسْماءِ لا مِنَ الصِّفاتِ فَيُجْمَعُ بِتَحْرِيكِ العَيْنِ، وأمّا مَن خَفَّفَ العَيْنَ فَبَقّاهُ عَلى الأصْلِ وطَلَبَ الخِفَّةَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِيما رَواهُ عَنْهُ الجُبّائِيُّ الخَطْوَةُ والخُطْوَةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ: خَطَوْتُ خَطْوَةً والخُطْوَةُ ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ كَما يُقالُ: حَثَوْتُ حَثْوَةً، والحُثْوَةُ اسْمٌ لِما تَحَثَّيْتَ، وكَذَلِكَ غَرَفْتُ غَرْفَةً والغُرْفَةُ اسْمٌ لِما اغْتَرَفْتَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالخُطْوَةُ المَكانُ المُتَخَطّى كَما أنَّ الغُرْفَةَ هي الشَّيْءُ المُغْتَرَفُ بِالكَفِّ فَيَكُونُ المَعْنى: لا تَتَّبِعُوا سَبِيلَهُ ولا تَسْلُكُوا طَرِيقَهُ؛ لِأنَّ الخُطْوَةَ اسْمُ مَكانٍ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ فَإنَّهُما قالا: خُطُواتُ الشَّيْطانِ طُرُقُهُ، وإنْ جَعَلْتَ الخَطْوَةَ بِمَعْنى الخُطْوَةِ كَما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ فالتَّقْدِيرُ: لا تَأْتَمُّوا بِهِ ولا تَقْفُوا أثَرَهُ، والمَعْنَيانِ مُقارِبانِ وإنِ اخْتَلَفَ التَّقْدِيرانِ. هَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ، وأمّا المَعْنى فَلَيْسَ مُرادُ اللَّهِ هَهُنا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ لِمَن أُبِيحَ لَهُ الأكْلُ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ احْذَرْ أنْ تَتَعَدّاهُ إلى ما يَدْعُوكَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ، وزَجْرُ المُكَلَّفِ بِهَذا الكَلامِ عَنْ تَخَطِّي الحَلالِ إلى الشُّبَهِ كَما زَجَرَهُ عَنْ تَخَطِّيهِ إلى الحَرامِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يُلْقِي إلى المَرْءِ ما يَجْرِي مَجْرى الشُّبْهَةِ فَيُزَيِّنُ بِذَلِكَ ما لا يَحِلُّ لَهُ، فَزَجَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ في هَذا التَّحْذِيرِ، وهو كَوْنُهُ عَدُوًّا مُبِينًا أيْ مُتَظاهِرٌ بِالعَداوَةِ. وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ التَزَمَ أُمُورًا سَبْعَةً في العَداوَةِ؛ أرْبَعَةٌ مِنها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] وثَلاثَةٌ مِنها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧] فَلَمّا التَزَمَ الشَّيْطانُ هَذِهِ الأُمُورَ كانَ عَدُوًّا مُتَظاهِرًا بِالعَداوَةِ، فَلِهَذا وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَهَذا كالتَّفْصِيلِ لِجُمْلَةِ عَداوَتِهِ، وهو مُشْتَمِلٌ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: السُّوءُ، وهو مُتَناوِلٌ جَمِيعَ المَعاصِي سَواءٌ كانَتْ تِلْكَ صفحة ٥ المَعاصِي مِن أفْعالِ الجَوارِحِ أوْ مِن أفْعالِ القُلُوبِ. وثانِيها: الفَحْشاءُ وهي نَوْعٌ مِنَ السُّوءِ؛ لِأنَّها أقْبَحُ أنْواعِهِ، وهو الَّذِي يُسْتَعْظَمُ ويُسْتَفْحَشُ مِنَ المَعاصِي. وثالِثُها: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وكَأنَّهُ أقْبَحُ أنْواعِ الفَحْشاءِ؛ لِأنَّهُ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِما لا يَنْبَغِي مِن أعْظَمِ أنْواعِ الكَبائِرِ، فَصارَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ فَيَدْخُلُ في الآيَةِ أنَّ الشَّيْطانَ يَدْعُو إلى الصَّغائِرِ والكَبائِرِ والكُفْرِ والجَهْلِ بِاللَّهِ. وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أمْرَ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ عِبارَةٌ عَنْ هَذِهِ الخَواطِرِ الَّتِي نَجِدُها مِن أنْفُسِنا، وقَدِ اخْتَلَفَتِ النّاسُ في هَذِهِ الخَواطِرِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: اخْتَلَفُوا في ماهِيّاتِها فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها حُرُوفٌ وأصْواتٌ خَفِيَّةٌ، وقالَ الفَلاسِفَةُ: إنَّها تَصَوُّراتُ الحُرُوفِ والأصْواتِ وتَخَيُّلاتُها عَلى مِثالِ الصُّوَرِ المُنْطَبِعَةِ في المَرايا، فَإنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ تُشْبِهُ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُشابِهَةً لَها في كُلِّ الوُجُوهِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: صُوَرُ هَذِهِ الحُرُوفِ وتَخَيُّلاتُها هَلْ تُشْبِهُ هَذِهِ الحُرُوفَ في كَوْنِها حُرُوفًا أوْ لا تُشْبِهُها ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَصُوَرُ الحُرُوفِ حُرُوفٌ، فَعادَ القَوْلُ إلى أنَّ هَذِهِ الخَواطِرَ أصْواتٌ وحُرُوفٌ خَفِيَّةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ تَكُنْ تَصَوُّراتُ هَذِهِ الحُرُوفِ حُرُوفًا، لَكِنِّي أجِدُ مِن نَفْسِي هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ مُتَرَتِّبَةً مُنْتَظِمَةً عَلى حَسَبِ انْتِظامِها في الخارِجِ، والعَرَبِيُّ لا يَتَكَلَّمُ في قَلْبِهِ إلّا بِالعَرَبِيَّةِ، وكَذا العَجَمِيُّ، وتَصَوُّراتُ هَذِهِ الحُرُوفِ وتَعاقُبُها وتَوالِيها لا يَكُونُ إلّا عَلى مُطابَقَةِ تَعاقُبِها وتَوالِيها في الخارِجِ، فَثَبَتَ أنَّها في أنْفُسِها حُرُوفٌ وأصْواتٌ خَفِيَّةٌ. وثانِيها: أنَّ فاعِلَ هَذِهِ الخَواطِرِ مَن هو ؟ أمّا عَلى أصْلِنا وهو أنَّ خالِقَ الحَوادِثِ بِأسْرِها هو اللَّهُ تَعالى، فالأمْرُ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى أصْلِ المُعْتَزِلَةِ فَهم لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، وأيْضًا فَلِأنَّ المُتَكَلِّمَ عِنْدَهم مَن فَعَلَ الكَلامَ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ هَذِهِ الخَواطِرِ هو اللَّهُ تَعالى، وفِيها ما يَكُونُ كَذِبًا وسُخْفًا، لَزِمَ كَوْنُ اللَّهِ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ، تَعالى اللَّهُ عَنْهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ فاعِلَها هو العَبْدُ؛ لِأنَّ العَبْدَ قَدْ يَكْرَهُ حُصُولَ تِلْكَ الخَواطِرَ، ويَحْتالُ في دَفْعِها عَنْ نَفْسِهِ مَعَ أنَّها البَتَّةَ لا تَنْدَفِعُ، بَلْ يَنْجَرُّ البَعْضُ إلى البَعْضِ عَلى سَبِيلِ الِاتِّصالِ، فَإذَنْ لا بُدَّ هَهُنا مِن شَيْءٍ آخَرَ، وهو إمّا المَلِكُ وإمّا الشَّيْطانُ، فَلَعَلَّهُما يَتَكَلَّمانِ بِهَذا الكَلامِ في أقْصى الدِّماغِ، وفي أقْصى القَلْبِ، حَتّى إنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ في غايَةِ الصَّمَمِ، فَإنَّهُ يَسْمَعُ هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، ثُمَّ إنْ قُلْنا بِأنَّ الشَّيْطانَ والمَلِكَ ذَواتٌ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها، غَيْرُ مُتَحَيِّزَةٍ البَتَّةَ، لَمْ يَبْعُدْ كَوْنُها قادِرَةً عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأفْعالِ، وإنْ قُلْنا بِأنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّها وإنْ كانَتْ لا تَتَوَلَّجُ بَواطِنَ البَشَرِ إلّا أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى إيصالِ هَذا الكَلامِ إلى بَواطِنِ البَشَرِ، ولا بَعُدَ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّها لِغايَةِ لَطافَتِها تَقْدِرُ عَلى النُّفُوذِ في مَضايِقِ باطِنِ البَشَرِ ومَخارِقِ جِسْمِهِ وتُوصِلُ الكَلامَ إلى أقْصى قَلْبِهِ ودِماغِهِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ لَطافَتِها تَكُونُ مُسْتَحْكِمَةَ التَّرْكِيبِ، بِحَيْثُ يَكُونُ اتِّصالُ بَعْضِ أجْزائِهِ بِالبَعْضِ اتِّصالًا لا يَنْفَصِلُ، فَلا جَرَمَ لا يَقْتَضِي نُفُوذُها في هَذِهِ المَضايِقِ والمَخارِقِ انْفِصالَها وتَفَرُّقَ أجْزائِها. وكُلُّ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ مِمّا لا دَلِيلَ عَلى فَسادِها، والأمْرُ في مَعْرِفَةِ حَقائِقِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ومِمّا يَدُلُّ عَلى إثْباتِ إلْهامِ المَلائِكَةِ بِالخَيْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] أيْ ألْهِمُوهُمُ الثَّباتَ وشَجِّعُوهم عَلى أعْدائِهِمْ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ ولِلْمَلَكِ لَمَّةً» “ وفي الحَدِيثِ أيْضًا ”«إذا وُلِدَ المَوْلُودُ لِبَنِي آدَمَ قَرَنَ إبْلِيسُ بِهِ شَيْطانًا وقَرَنَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا، فالشَّيْطانُ جاثِمٌ عَلى أُذُنِ قَلْبِهِ الأيْسَرِ، والمَلَكُ جاثِمٌ عَلى أُذُنِ قَلْبِهِ الأيْمَنِ فَهُما يَدْعُوانِهِ» “ ومِن صُوفِيَّةِ الفَلاسِفَةِ مَن فَسَّرَ المَلَكَ الدّاعِيَ إلى الخَيْرِ بِالقُوَّةِ العَقْلِيَّةِ، وفَسَّرَ صفحة ٦ الشَّيْطانَ الدّاعِيَ إلى الشَّرِّ بِالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ لا يَأْمُرُ إلّا بِالقَبائِحِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ ﴿إنَّما﴾ وهي لِلْحَصْرِ. وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَدْعُو إلى الخَيْرِ لَكِنْ لِغَرَضِ أنْ يَجُرَّهُ مِنهُ إلى الشَّرِّ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنْواعٍ: إمّا أنْ يَجُرَّهُ مِنَ الأفْضَلِ إلى الفاضِلِ لِيَتَمَكَّنَ مِن أنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الفاضِلِ إلى الشَّرِّ، وإمّا أنْ يَجُرَّهُ مِنَ الفاضِلِ الأسْهَلِ إلى الأفْضَلِ الأشَقِّ لِيَصِيرَ ازْدِيادُ المَشَقَّةِ سَبَبًا لِحُصُولِ النُّفْرَةِ عَنِ الطّاعَةِ بِالكُلِّيَّةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ، بَلْ يَتَناوَلُ مُقَلِّدَ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ مُقَلِّدًا لِلْحَقِّ لَكِنَّهُ قالَ ما لا يَعْلَمُهُ فَصارَ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ لِانْدِراجِهِ تَحْتَ الذَّمِّ في هَذِهِ الآيَةِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَمَسَّكَ نُفاةُ القِياسِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ مَتى قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ بِالقِياسِ واجِبٌ كانَ العَمَلُ بِالقِياسِ قَوْلًا عَلى اللَّهِ بِما يَعْلَمُ لا بِما لا يَعْلَمُ.

البقرة 2:170

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: (لَهُمُ) عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عائِدٌ عَلى (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] وهم مُشْرِكُو العَرَبِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهم. وثانِيها: يَعُودُ عَلى (النّاسُ) في قَوْلِهِ: ﴿أيُّها النّاسُ﴾ فَعَدَلَ عَنِ المُخاطَبَةِ إلى المُغايَبَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مُبالَغَةً في بَيانِ ضَلالِهِمْ، كَأنَّهُ يَقُولُ لِلْعُقَلاءِ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ الحَمْقى ماذا يَقُولُونَ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وذَلِكَ حِينَ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، فَهم كانُوا خَيْرًا مِنّا، وأعْلَمَ مِنّا، فَعَلى هَذا الآيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، والكِنايَةُ في (لَهُمُ) تَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، إلّا أنَّ الضَّمِيرَ قَدْ يَعُودُ عَلى المَعْلُومِ، كَما يَعُودُ عَلى المَذْكُورِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الكِسائِيُّ يُدْغِمُ لامَ ”هَلْ“ و”بَلْ“ في ثَمانِيَةِ أحْرُفٍ: التّاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ [الأعلى: ١٦] والنُّونُ ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾ والثّاءُ ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ [المطففين: ٣٦] والسِّينُ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ [يوسف: ١٨] والزّايُ ﴿بَلْ زُيِّنَ﴾ [الرعد: ٣٣] والضّادُ ﴿بَلْ ضَلُّوا﴾ [الأحقاف: ٢٨] والظّاءُ ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ والطّاءُ ﴿بَلْ طَبَعَ﴾ [النساء: ١٥٥] وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الإظْهارِ، ومِنهم مَن يُوافِقُهُ في البَعْضِ، والإظْهارُ هو الأصْلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿ألْفَيْنا﴾ بِمَعْنى وجَدْنا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [لقمان: ٢١] ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ [يوسف: ٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا﴾ صفحة ٧ ﴿آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِأنْ يَتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ فَهم قالُوا: لا نَتَّبِعُ ذَلِكَ، وإنَّما نَتَّبِعُ آباءَنا وأسْلافَنا، فَكَأنَّهم عارَضُوا الدَّلالَةَ بِالتَّقْلِيدِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في ”أوَلَوْ“ واوُ العَطْفِ، دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ المَنقُولَةُ إلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وإنَّما جُعِلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِلتَّوْبِيخِ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي الإقْرارَ بِشَيْءٍ يَكُونُ الإقْرارُ بِهِ فَضِيحَةً، كَما يَقْتَضِي الِاسْتِفْهامُ الإخْبارَ عَنِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يُقالَ لِلْمُقَلِّدِ: هَلْ تَعْتَرِفُ بِأنَّ شَرْطَ جَوازِ تَقْلِيدِ الإنْسانِ أنْ يَعْلَمَ كَوْنَهُ مُحِقًّا أمْ لا ؟ فَإنِ اعْتَرَفْتَ بِذَلِكَ لَمْ نَعْلَمْ جَوازَ تَقْلِيدِهِ إلّا بَعْدَ أنْ تَعْرِفَ كَوْنَهُ مُحِقًّا، فَكَيْفَ عَرَفْتَ أنَّهُ مُحِقٌّ ؟ وإنْ عَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدِ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ عَرَفْتَهُ بِالعَقْلِ فَذاكَ كافٍ، فَلا حاجَةَ إلى التَّقْلِيدِ، وإنْ قُلْتَ: لَيْسَ مِن شَرْطِ جَوازِ تَقْلِيدِهِ أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ مُحِقًّا، فَإذَنْ قَدْ جَوَّزْتَ تَقْلِيدَهُ، وإنْ كانَ مُبْطِلًا فَإذَنْ أنْتَ عَلى تَقْلِيدِكَ لا تَعْلَمُ أنَّكَ مُحِقٌّ أوْ مُبْطِلٌ. وثانِيها: هَبْ أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ كانَ عالِمًا بِهَذا الشَّيْءِ إلّا أنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ ما كانَ عالِمًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ قَطُّ وما اخْتارَ فِيهِ البَتَّةَ مَذْهَبًا، فَأنْتَ ماذا كُنْتَ تَعْمَلُ ؟ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يُوجَدَ ذَلِكَ المُتَقَدِّمُ ولا مَذْهَبُهُ كانَ لا بُدَّ مِنَ العُدُولِ إلى النَّظَرِ فَكَذا هَهُنا. وثالِثُها: أنَّكَ إذا قَلَّدْتَ مَن قَبْلَكَ، فَذَلِكَ المُتَقَدِّمُ كَيْفَ عَرَفْتَهُ ؟ أعَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ أمْ لا بِتَقْلِيدٍ ؟ فَإنْ عَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ لَزِمَ إمّا الدَّوْرُ وإمّا التَّسَلْسُلُ، وإنْ عَرَفْتَهُ لا بِتَقْلِيدٍ بَلْ بِدَلِيلٍ، فَإذا أوْجَبْتَ تَقْلِيدَ ذَلِكَ المُتَقَدِّمِ وجَبَ أنْ تَطْلُبَ العِلْمَ بِالدَّلِيلِ لا بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّكَ لَوْ طَلَبْتَ بِالتَّقْلِيدِ لا بِالدَّلِيلِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ طَلَبَهُ بِالدَّلِيلِ لا بِالتَّقْلِيدِ كُنْتَ مُخالِفًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ يُفْضِي ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ فَيَكُونُ باطِلًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ الزَّجْرِ عَنِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ مُتابَعَةِ وساوِسِ الشَّيْطانِ، وبَيْنَ مُتابِعِ التَّقْلِيدِ، وفِيهِ أقْوى دَلِيلٍ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وتَرْكِ التَّعْوِيلِ عَلى ما يَقَعُ في الخاطِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، أوْ عَلى ما يَقُولُهُ الغَيْرُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ لَفْظٌ عامٌّ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْقِلُونَ كَثِيرًا مِن أُمُورِ الدُّنْيا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ ذِكْرِ العامِّ مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِ الخاصُّ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ المُرادُ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾ المُرادُ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ إلى كَيْفِيَّةِ اكْتِسابِهِ.

البقرة 2:171

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ . صفحة ٨ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ إلى اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَرَكُوا النَّظَرَ والتَّدَبُّرَ، وأخْلَدُوا إلى التَّقْلِيدِ، وقالُوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ ضَرَبَ لَهم هَذا المَثَلَ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ لَهم أنَّهم إنَّما وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ بِسَبَبِ تَرْكِ الإصْغاءِ، وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِالدِّينِ، فَصَيَّرَهم مِن هَذا الوَجْهِ بِمَنزِلِ الأنْعامِ، ومِثْلُ هَذا المَثَلِ يَزِيدُ السّامِعَ مَعْرِفَةً بِأحْوالِ الكُفّارِ، ويُحَقِّرُ إلى الكافِرِ نَفْسَهُ إذا سَمِعَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كَسْرًا لِقَلْبِهِ، وتَضْيِيقًا لِصَدْرِهِ، حَيْثُ صَيَّرَهُ كالبَهِيمَةِ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ نِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِمَن يَسْمَعُهُ عَنْ أنْ يَسْلُكَ مِثْلَ طَرِيقِهِ في التَّقْلِيدِ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: نَعَقَ الرّاعِي بِالغَنَمِ إذا صاحَ بِها، وأمّا نَغَقَ الغُرابُ فَبِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلْعُلَماءِ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقانِ: أحَدُهُما: تَصْحِيحُ المَعْنى بِالإضْمارِ في الآيَةِ. والثّانِي: إجْراءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ إضْمارٍ. أمّا الَّذِينَ أضْمَرُوا فَذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ، كَأنَّهُ قالَ: ومَثَلُ مَن يَدْعُو الَّذِينَ كَفَرُوا إلى الحَقِّ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ، فَصارَ النّاعِقُ الَّذِي هو الرّاعِي بِمَنزِلَةِ الدّاعِي إلى الحَقِّ، وهو الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وسائِرُ الدُّعاةِ إلى الحَقِّ، وصارَ الكُفّارُ بِمَنزِلَةِ الغَنَمِ المَنعُوقِ بِها، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ البَهِيمَةَ تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ المُرادَ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ كانُوا يَسْمَعُونَ صَوْتَ الرَّسُولِ وألْفاظَهُ، وما كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِها وبِمَعانِيها، لا جَرَمَ حَصَلَ وجْهُ التَّشْبِيهِ. الثّانِي: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهم مِنَ الأوْثانِ كَمَثَلِ النّاعِقِ في دُعائِهِ ما لا يَسْمَعُ كالغَنَمِ، وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الكَلامِ، والبَهائِمُ لا تَفْهَمُ: فَشَبَّهُ الأصْنامَ في أنَّها لا تَفْهَمُ بِهَذِهِ البَهائِمِ، فَإذا كانَ لا شَكَّ أنَّ هَهُنا المَحْذُوفَ هو المَدْعُوُّ، وفي القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ المَحْذُوفُ هو الدّاعِي، وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ شَيْئًا. الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهم كَمَثَلِ النّاعِقِ في دُعائِهِ عِنْدَ الجَبَلِ، فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ إلّا صَدى صَوْتِهِ فَإذا قالَ: يا زَيْدُ يَسْمَعُ مِنَ الصَّدى: يا زَيْدُ. فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ إذا دَعَوْا هَذِهِ الأوْثانَ لا يَسْمَعُونَ إلّا ما تَلَفَّظُوا بِهِ مِنَ الدُّعاءِ والنِّداءِ. الطَّرِيقُ الثّانِي: في الآيَةِ وهو إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ إضْمارٍ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قِلَّةِ عَقْلِهِمْ في عِبادَتِهِمْ لِهَذِهِ الأوْثانِ، كَمَثَلِ الرّاعِي إذا تَكَلَّمَ مَعَ البَهائِمِ فَكَما أنَّهُ يُقْضى عَلى ذَلِكَ الرّاعِي بِقِلَّةِ العَقْلِ، فَكَذا هَهُنا. الثّانِي: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في اتِّباعِهِمْ آباءَهم وتَقْلِيدِهِمْ لَهم، كَمَثَلِ الرّاعِي إذا تَكَلَّمَ مَعَ البَهائِمِ، فَكَما أنَّ الكَلامَ مَعَ البَهائِمِ عَبَثٌ عَدِيمُ الفائِدَةِ، فَكَذا التَّقْلِيدُ عَبَثٌ عَدِيمُ الفائِدَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَهم بِالبَهائِمِ زادَ في تَبْكِيتِهِمْ، فَقالَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ لِأنَّهم صارُوا بِمَنزِلَةِ الصُّمِّ في أنَّ الَّذِي سَمِعُوهُ كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوهُ، وبِمَنزِلَةِ البُكْمِ في أنْ لا يَسْتَجِيبُوا لِما دُعُوا إلَيْهِ، وبِمَنزِلَةِ العُمْيِ مِن حَيْثُ إنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الدَّلائِلِ فَصارُوا كَأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوها، قالَ النَّحْوِيُّونَ ﴿صُمٌّ﴾ أيْ هم صُمٌّ وهو رَفْعٌ عَلى الذَّمِّ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ فالمُرادُ العَقْلُ الِاكْتِسابِيُّ؛ لِأنَّ العَقْلَ المَطْبُوعَ كانَ حاصِلًا لَهم، قالَ: العَقْلُ عَقْلانِ مَطْبُوعٌ ومَسْمُوعٌ. ولَمّا كانَ طَرِيقُ اكْتِسابِ العَقْلِ المُكْتَسَبِ هو الِاسْتِعانَةُ بِهَذِهِ القُوى الثَّلاثَةِ فَلَمّا أعْرَضُوا عَنْها فَقَدُوا العَقْلَ المُكْتَسَبَ، ولِهَذا قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدَ عِلْمًا.

البقرة 2:172

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَبِيهَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَهُنا في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ واسْتَقْصى في الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، ومِن هُنا شَرَعَ في بَيانِ الأحْكامِ، اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الأكْلَ قَدْ يَكُونُ واجِبًا، وذَلِكَ عِنْدَ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ، وقَدْ يَكُونُ مَندُوبًا، وذَلِكَ أنَّ الضَّيْفَ قَدْ يَمْتَنِعُ مِنَ الأكْلِ إذا انْفَرَدَ ويَنْبَسِطُ في ذَلِكَ إذا سُوعِدَ، فَهَذا الأكْلُ مَندُوبٌ، وقَدْ يَكُونُ مُباحًا إذا خَلا عَنْ هَذِهِ العَوارِضِ، والأصْلُ في الشَّيْءِ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَوارِضِ، فَلا جَرَمَ كانَ مُسَمّى الأكْلِ مُباحًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ﴿كُلُوا﴾ في هَذا المَوْضِعِ لا يُفِيدُ الإيجابَ والنَّدْبَ بَلِ الإباحَةَ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ فَإنَّ الطَّيِّبَ هو الحَلالُ، فَلَوْ كانَ كُلُّ رِزْقٍ حَلالًا لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ مَعْناهُ مِن مُحَلَّلاتِ ما أحْلَلْنا لَكم، فَيَكُونُ تَكْرارًا وهو خِلافُ الأصْلِ، أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ الطَّيِّبَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ المُسْتَلَذِّ المُسْتَطابِ، ولَعَلَّ أقْوامًا ظَنُّوا أنَّ التَّوَسُّعَ في المَطاعِمِ والِاسْتِكْثارَ مِن طَيِّباتِها مَمْنُوعٌ مِنهُ. فَأباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: كُلُوا مِن لَذائِذِ ما أحْلَلْناهُ لَكم، فَكانَ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ أمْرٌ: ولَيْسَ بِإباحَةٍ، فَإنْ قِيلَ: الشُّكْرُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالقَلْبِ أوْ بِاللِّسانِ أوْ بِالجَوارِحِ، أمّا بِالقَلْبِ فَهو إمّا العِلْمُ بِصُدُورِ النِّعْمَةِ عَنْ ذَلِكَ المُنْعِمِ، أوِ العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ وبِالجَوارِحِ، أمّا ذَلِكَ العِلْمُ فَهو مِن لَوازِمِ كَمالِ العَقْلِ، فَإنَّ العاقِلَ لا يَنْسى ذَلِكَ، فَإذا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ ضَرُورِيًّا فَكَيْفَ يُمْكِنُ إيجابُهُ ؟ وأمّا العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ والجَوارِحِ فَذَلِكَ العَزْمُ القَلْبِيُّ مَعَ الإقْرارِ بِاللِّسانِ والعَمَلِ بِالجَوارِحِ، فَإذا بَيَّنّا أنَّهُما لا يُجِيبانِ كانَ العَزْمُ بِأنْ لا يَجِبَ أوْلى. وأمّا الشُّكْرُ بِاللِّسانِ فَهو إمّا أنْ يُقِرَّ بِالِاعْتِرافِ لَهُ بِكَوْنِهِ مُنْعِمًا أوْ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ فَهَذا غَيْرُ واجِبٍ بِالِاتِّفاقِ بَلْ هو مِن بابِ المَندُوباتِ. وأمّا الشُّكْرُ بِالجَوارِحِ والأعْضاءِ فَهو أنْ يَأْتِيَ بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى تَعْظِيمِهِ، وذَلِكَ أيْضًا غَيْرُ واجِبٍ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظَهَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ القَوْلُ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ قُلْنا: الَّذِي تَلَخَّصَ في هَذا البابِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقادُ كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ وإظْهارُ ذَلِكَ بِاللِّسانِ أوْ بِسائِرِ الأفْعالِ إنْ وُجِدَتْ هُناكَ تُهْمَةٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ إنْ كُنْتُمْ عارِفِينَ بِاللَّهِ وبِنِعَمِهِ، فَعَبَّرَ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِعِبادَتِهِ، إطْلاقًا لِاسْمِ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ. وثانِيها: مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ فاشْكُرُوهُ، فَإنَّ الشُّكْرَ رَأْسُ العِباداتِ. وثالِثُها: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الَّذِي رَزَقَكم هَذِهِ النِّعَمَ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ إنْ صَحَّ أنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ وتُقِرُّونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ المُنْعِمُ لا غَيْرُهُ، عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ صفحة ١٠ النَّبِيِّ ﷺ: ”يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «إنِّي والجِنَّ والإنْسَ في نَبَأٍ عَظِيمٍ أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي» “ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ المُعَلَّقَ بِلَفْظِ: (إنْ)، لا يَكُونُ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ تَعالى عَلَّقَ الأمْرَ بِالشُّكْرِ بِكَلِمَةِ (إنْ) عَلى فِعْلِ العِبادِ، مَعَ أنَّ مَن لا يَفْعَلُ هَذِهِ العِباداتِ يَجِبُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ أيْضًا.

البقرة 2:173

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَنا في الآيَةِ السّالِفَةِ بِتَناوُلِ الحَلالِ فَصَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ الحَرامِ. والكَلامُ فِيها عَلى نَوْعَيْنِ: النَّوْعُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ. والنَّوْعُ الثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ الَّتِي اسْتَنْبَطَها العُلَماءُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. فالنَّوْعُ الأوَّلُ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ﴿إنَّما﴾ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ حَرْفًا واحِدًا، كَقَوْلِكَ: إنَّما دارِي دارُكَ، وإنَّما مالِي مالُكَ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ (ما) مُنْفَصِلَةً مِن: ”إنَّ“ وتَكُونُ (ما) بِمَعْنى الَّذِي، كَقَوْلِكَ: إنَّ ما أخَذْتَ مالُكَ، وإنَّ ما رَكِبْتَ دابَّتُكَ، وجاءَ في التَّنْزِيلِ عَلى الوَجْهَيْنِ؛ أمّا عَلى الأوَّلِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] و﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] . وأمّا عَلى الثّانِي فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] ولَوْ نَصَبْتَ ”كَيْدَ ساحِرٍ“ عَلى أنْ تَجْعَلَ ”إنَّما“ حَرْفًا واحِدًا كانَ صَوابًا، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥] تَنْصِبُ المَوَدَّةَ وتَرْفَعُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، واخْتَلَفُوا في حُكْمِها عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فَمِنهم مَن قالَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ والشِّعْرِ والقِياسِ؛ أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] أيْ ما هو إلّا إلَهٌ واحِدٌ، وقالَ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] أيْ لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، وقالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] أيْ ما أنا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم، وكَذا هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَصارَتِ الآيَتانِ واحِدَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا كَذا في تِلْكَ الآيَةِ، وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ الأعْشى: ولَسْتُ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ: أنا الذّائِدُ الحامِي الذِّمارَ وإنَّما ∗∗∗ يُدافِعُ عَنْ أحْسابِهِ أنا أوْ مِثْلِي وأمّا القِياسُ، فَهو أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ لِلْإثْباتِ وكَلِمَةَ (ما) لِلنَّفْيِ، فَإذا اجْتَمَعا فَلا بُدَّ وأنْ يَبْقَيا عَلى أصْلَيْهِما؛ فَإمّا أنْ يُفِيدا ثُبُوتَ غَيْرِ المَذْكُورِ ونَفْيَ المَذْكُورِ - وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ - أوْ ثُبُوتَ المَذْكُورِ ونَفْيَ غَيْرِ صفحة ١١ المَذْكُورِ وهو المَطْلُوبُ. واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ لا يُفِيدُ الحَصْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ولَقَدْ كانَ غَيْرُهُ نَذِيرًا، وجَوابُهُ؛ مَعْناهُ: ما أنْتَ إلّا نَذِيرٌ فَهو يُفِيدُ الحَصْرَ، ولا يَنْفِي وُجُودَ نَذِيرٍ آخَرَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ (حَرَّمَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و(حُرِّمَ) لِلْبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و(حَرُمَ) بِوَزْنِ كَرُمَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: المَيْتَةُ ما فارَقَتْهُ الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ مِمّا يُذْبَحُ، وأمّا الدَّمُ فَكانَتِ العَرَبُ تَجْعَلُ الدَّمَ في المَباعِرِ وتَشْوِيها ثُمَّ تَأْكُلُها، فَحَرَّمَ اللَّهُ الدَّمَ، وقَوْلُهُ: (لَحْمَ الخِنْزِيرِ) أرادَ الخِنْزِيرَ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ، لَكِنَّهُ خَصَّ اللَّحْمَ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالأكْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: الإهْلالُ أصْلُهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، فَكُلُّ رافِعٍ صَوْتَهُ فَهو مُهِلٌّ، وقالَ ابْنُ أحْمَرَ: يُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبانُها كَما يُهِلُّ الرّاكِبُ المُعْتَمِرْ هَذا مَعْنى الإهْلالِ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلْمُحْرِمِ مُهِلٌّ لِرَفْعِهِ الصَّوْتَ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الإحْرامِ، هَذا مَعْنى الإهْلالِ، يُقالُ: أهَلَّ فُلانٌ بِحَجَّةٍ أوْ عُمْرَةٍ أيْ أحْرَمَ بِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَرْفَعُ الصَّوْتَ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الإحْرامِ، والذّابِحُ مُهِلٌّ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُسَمُّونَ الأوْثانَ عِنْدَ الذَّبْحِ، ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم بِذِكْرِها، ومِنهُ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما ذُبِحَ لِلْأصْنامِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي ما ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أشَدُّ مُطابَقَةً لِلَّفْظِ، قالَ العُلَماءُ: لَوْ أنَّ مُسْلِمًا ذَبَحَ ذَبِيحَةً، وقَصَدَ بِذَبْحِها التَّقَرُّبَ إلى غَيْرِ اللَّهِ صارَ مُرْتَدًّا، وذَبِيحَتُهُ ذَبِيحَةُ مُرْتَدٍّ، وهَذا الحُكْمُ في غَيْرِ ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ، أمّا ذَبائِحُ أهْلِ الكِتابِ، فَتَحِلُّ لَنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”فَمَنُ اضْطُرَّ“ بِضَمِّ النُّونِ والباقُونَ بِالكَسْرِ، فالضَّمُّ لِلْإتْباعِ، والكَسْرُ عَلى أصْلِ الحَرَكَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اضْطُرَّ: أُحْوِجَ وأُلْجِئَ، وهو افْتُعِلَ مِنَ الضَّرُورَةِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّرَرِ، وهو الضِّيقُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الأشْياءَ، اسْتَثْنى عَنْها حالَ الضَّرُورَةِ، وهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَها سَبَبانِ: أحَدُهُما: الجُوعُ الشَّدِيدُ، وأنْ لا يَجِدَ مَأْكُولًا حَلالًا يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُضْطَرًّا. الثّانِي: إذا أكْرَهَهُ عَلى تَناوُلِهِ مُكْرِهٌ، فَيَحِلُّ لَهُ تَناوُلُهُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ الِاضْطِرارَ لَيْسَ مِن أفْعالِ المُكَلَّفِ، حَتّى يُقالَ: إنَّهُ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإذَنْ لا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ وهو الأكْلُ والتَّقْدِيرُ: فَمَنِ اضْطُرَّ فَأكَلَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، والحَذْفُ هَهُنا كالحَذْفِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أيْ فَأفْطَرَ فَحَذَفَ فَأفْطَرَ وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومَعْناهُ فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ، وإنَّما جازَ الحَذْفُ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِالحَذْفِ، ولِدَلالَةِ الخِطابِ عَلَيْهِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٢ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ (غَيْرَ) هَهُنا لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ (غَيْرَ) هَهُنا بِمَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْها ”لا“ لِأنَّها في مَعْنى: لا، وهي هَهُنا حالٌ لِلْمُضْطَرِّ، كَأنَّكَ قُلْتَ: فَمَنِ اضْطُرَّ لا باغِيًا، ولا عادِيًا فَهو لَهُ حَلالٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ البَغْيِ في اللُّغَةِ الفَسادُ وتَجاوُزُ الحَدِّ، قالَ اللَّيْثُ: البَغْيُ في عَدْوِ الفَرَسِ اخْتِيالٌ ومُرُوحٌ، وأنَّهُ يَبْغِي في عَدْوِهِ ولا يُقالُ: فَرَسٌ باغٍ. والبَغْيُ الظُّلْمُ والخُرُوجُ عَنِ الإنْصافِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] وقالَ الأصْمَعِيُّ: بَغى الجُرْحُ يَبْغِي بَغْيًا، إذا بَدَأ بِالفَسادِ، وبَغَتِ السَّماءُ، إذا كَثُرَ مَطَرُها حَتّى تَجاوَزَ الحَدَّ، وبَغى الجُرْحُ والبَحْرُ والسَّحابُ إذا طَغى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا عادٍ﴾ فالعَدْوُ هو التَّعَدِّي في الأُمُورِ، وتَجاوُزُ ما يَنْبَغِي أنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ، يُقالُ عَدا عَلَيْهِ عَدْوًا، وعُدْوانًا، واعْتِداءً وتَعَدِّيًا، إذا ظَلَمَهُ ظُلْمًا مُجاوِزًا لِلْحَدِّ، وعَدا طَوْرَهُ: جاوَزَ قَدْرَهُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِأهْلِ التَّأْوِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ مُخْتَصًّا بِالأكْلِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ عامًّا في الأكْلِ وغَيْرِهِ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ وذَلِكَ بِأنْ يَجِدَ حَلالًا تَكْرَهُهُ النَّفْسُ، فَعَدَلَ إلى أكْلِ الحَرامِ اللَّذِيذِ ﴿ولا عادٍ﴾ أيْ مُتَجاوِزٍ قَدْرَ الرُّخْصَةِ. الثّانِي: غَيْرَ باغٍ لِلَذَّةِ أيْ طالِبٍ لَها، ولا عادٍ مُتَجاوِزِ سَدِّ الجَوْعَةِ، عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. الثّالِثُ: غَيْرُ باغٍ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِ، ولا عادٍ في سَدِّ الجَوْعَةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى غَيْرَ باغٍ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ، مِنَ البَغْيِ، ولا عادٍ بِالمَعْصِيَةِ أيْ مُجاوِزٍ طَرِيقَةَ المُحِقِّينَ، والكَلامُ في تَرْجِيحِ أحَدِ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عَلى الآخَرِ سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأكْلَ في تِلْكَ الحالَةِ واجِبٌ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ يُفِيدُ الإباحَةَ. الثّانِي: أنَّ المُضْطَرَّ كالمُلْجَأِ إلى الفِعْلِ والمُلْجَأُ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ، قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ [البقرة: ١٥٨] أنَّ نَفْيَ الإثْمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الواجِبِ والمَندُوبِ والمُباحِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ مَعْناهُ رَفْعُ الحَرَجِ والضِّيقِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الجائِعَ إنْ حَصَلَتْ فِيهِ شَهْوَةُ المَيْتَةِ، ولَمْ يَحْصُلْ فِيهِ النُّفْرَةُ الشَّدِيدَةُ فَإنَّهُ يَصِيرُ مُلْجَأً إلى تَناوُلِ ما يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ كَما يَصِيرُ مُلْجَأً إلى الهَرَبِ مِنَ السَّبُعِ إذا أمْكَنَهُ ذَلِكَ، أمّا إذا حَصَلَتِ النُّفْرَةُ الشَّدِيدَةُ فَإنَّهُ بِسَبَبِ تِلْكَ النُّفْرَةِ يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ مُلْجَأً ولَزِمَهُ تَناوُلُ المَيْتَةِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ النِّفارِ، وهَهُنا يَتَحَقَّقُ مَعْنى الوُجُوبِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يَقُولَ بَعْدَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإنَّ الغُفْرانَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ حُصُولِ الإثْمِ. والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: أحَدُهُما: أنَّ المُقْتَضِيَ لِلْحُرْمَةِ قائِمٌ في المَيْتَةِ والدَّمِ، إلّا أنَّهُ زالَتِ الحُرْمَةُ لِقِيامِ المُعارِضِ، فَلَمّا كانَ تَناوُلُهُ تَناوُلًا لِما حَصَلَ فِيهِ المُقْتَضِي لِلْحُرْمَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالمَغْفِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ رَحِيمٌ، يَعْنِي لِأجْلِ الرَّحْمَةِ عَلَيْكم أبَحْتُ لَكم ذَلِكَ. وثانِيها: لَعَلَّ المُضْطَرَّ يَزِيدُ عَلى تَناوُلِ الحاجَةِ، فَهو صفحة ١٣ سُبْحانَهُ غَفُورٌ بِأنْ يَغْفِرَ ذَنْبَهُ في تَناوُلِ الزِّيادَةِ، رَحِيمٌ حَيْثُ أباحَ في تَناوُلِ قَدْرِ الحاجَةِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْكامَ عَقَّبَها بِكَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا؛ لِأنَّهُ غَفُورٌ لِلْعُصاةِ إذا تابُوا، رَحِيمٌ بِالمُطِيعِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى نَهْجِ حُكْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. * * * النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ المَسائِلُ الفِقْهِيَّةُ الَّتِي اسْتَنْبَطَها العُلَماءُ مِنها وهي مُرَتَّبَةٌ عَلى فُصُولٍ: الفَصْلُ الأوَّلُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَيْتَةِ والكَلامُ فِيهِ مُرَتَّبٌ عَلى مُقَدِّمَةٍ ومَقاصِدَ: أمّا المُقَدِّمَةُ: فَفِيها ثَلاثُ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ التَّحْرِيمَ المُضافَ إلى الأعْيانِ، هَلْ يَقْتَضِي الإجْمالَ ؟ فَقالَ الكَرْخِيُّ: إنَّهُ يَقْتَضِي الإجْمالَ؛ لِأنَّ الأعْيانَ لا يُمْكِنُ وصْفُها بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِما إلى فِعْلٍ مِن أفْعالِنا فِيها، ولَيْسَتْ جَمِيعُ أفْعالِنا فِيها مُحَرَّمَةً؛ لِأنَّ تَبْعِيدَها عَنِ النَّفْسِ وعَمّا يُجاوِزُ المَكانَ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ فِيها، وهو غَيْرُ مُحَرَّمٍ، فَإذَنْ لا بُدَّ مِن صَرْفِ هَذا التَّحْرِيمِ إلى فِعْلٍ خاصٍّ، ولَيْسَ بَعْضُ الأفْعالِ أوْلى مِن بَعْضٍ فَوَجَبَ صَيْرُورَةُ الآيَةِ مُجْمَلَةً، وأمّا أكْثَرُ العُلَماءِ فَإنَّهم أصَرُّوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُجْمَلاتِ، بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ تُفِيدُ في العُرْفِ حُرْمَةَ التَّصَرُّفِ في هَذِهِ الأجْسامِ، كَما أنَّ الذَّواتِ لا تُمَلَّكُ وإنَّما يُمْلَكُ التَّصَرُّفاتُ فِيها، فَإذا قِيلَ: فُلانٌ يَمْلِكُ جارِيَةً فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيها فَكَذا هُنا، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ فِيهِ مِن كِتابِ المَحْصُولِ في عِلْمِ الأُصُولِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا ثَبَتَ الأصْلُ الَّذِي قَدَّمْناهُ وجَبَ أنْ تَدُلَّ الآيَةُ عَلى حُرْمَةِ جَمِيعِ التَّصَرُّفاتِ إلّا ما أخْرَجَهُ الدَّلِيلُ المُخَصِّصُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ هَذا التَّحْرِيمِ بِالأكْلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ المُتَعارَفَ مِن تَحْرِيمِ المَيْتَةِ تَحْرِيمُ أكْلِها. وثانِيها: أنَّهُ ورَدَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ . وثالِثُها: ما رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ في خَبَرِ شاةِ مَيْمُونَةَ، إنَّما حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَعارَفَ مِن تَحْرِيمِ المَيْتَةِ تَحْرِيمُ أكْلِها. وعَنِ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها فَلا يَجِبُ قَصْرُها عَلى ما تَقَدَّمَ، بَلْ يَجِبُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها. وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ مُقَدَّمٌ عَلى خَبَرِ الواحِدِ، لَكِنَّ هَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا لَمْ يُجَوَّزْ تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما رَجَعُوا في مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الحُرْمَةِ إلى هَذِهِ الآيَةِ، فَدَلَّ انْعِقادُ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِبَيانِ حُرْمَةِ الأكْلِ، ولِلسّائِلِ أنَّ يَمْنَعَ هَذا الإجْماعَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَيْتَةُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ هو الَّذِي خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ حَيًّا مِن دُونِ نَقْضٍ بِنِيَّةٍ، ولِذَلِكَ فَرَّقُوا بَيْنَ المَقْتُولِ والمَيِّتِ، وأمّا مِن جِهَةِ الشَّرْعِ فَهو غَيْرُ المُذَكّى، إمّا لِأنَّهُ لَمْ يُذْبَحْ أوْ أنَّهُ ذُبِحَ ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَبْحُهُ ذَكاةً. وسَنَذْكُرُ حَدَّ الذَّكاةِ في مَوْضِعِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] ثُمَّ ذَكَرَ مِن بَعْدِهِ المُنْخَنِقَةَ والمَوْقُوذَةَ والمُتَرَدِّيَةَ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ غَيْرَ صفحة ١٤ المُذَكّى مِنهُ ما هو مَيْتَةٌ ومِنهُ ما لَيْسَ كَذَلِكَ، قُلْنا: لَعَلَّ الأمْرَ كانَ في ابْتِداءِ الشَّرْعِ عَلى أصْلِ اللُّغَةِ، وأمّا بَعْدَ اسْتِقْرارِ الشَّرْعِ فالمَيْتَةُ ما ذَكَرْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا المَقاصِدُ؛ فاعْلَمْ أنَّ الخَطَأ في المَسائِلِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما أخْرَجُوهُ عَنِ الآيَةِ وهو داخِلٌ فِيها. والثّانِي: ما أدْخَلُوهُ فِيها وهو خارِجٌ عَنْها. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أظْهَرِ أقْوالِهِ إلى أنَّهُ يَحْرُمُ الِانْتِفاعُ بِصُوفِ المَيْتَةِ وشَعْرِها وعَظْمِها. وقالَ مالِكٌ: يَحْرُمُ الِانْتِفاعُ بِعَظْمِها خاصَّةً. وجُلُّ الفُقَهاءِ اتَّفَقُوا عَلى تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِشَعْرِ الخِنْزِيرِ، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَيْتَةٌ فَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ الِانْتِفاعُ بِها، إنَّما قُلْنا: إنَّها مَيْتَةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما أُبِينَ مِن حَيٍّ فَهو مَيِّتٌ» “ وهَذا الخَبَرُ يَعُمُّ الشَّعْرَ والعَظْمَ والكُلَّ، وأمّا الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ العَظْمَ مَيْتَةٌ خاصَّةً فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فَثَبَتَ أنَّها كانَتْ حَيَّةً فَعِنْدَ المَوْتِ تَصِيرُ مَيْتَةً، وإذا ثَبَتَ أنَّها مَيْتَةٌ وجَبَ أنْ يَحْرُمَ الِانْتِفاعُ بِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ . اعْتَرَضَ المُخالِفُ عَلَيْهِ بِأنَّ الشَّعْرَ والصُّوفَ لا حَياةَ فِيهِ؛ لِأنَّ حُكْمَ الحَياةِ الإدْراكُ والشُّعُورُ وذَلِكَ مَفْقُودٌ في الشَّعْرِ، ولِأجْلِ هَذا الكَلامِ ذَهَبَ مالِكٌ إلى تَنْجِيسِ العِظامِ دُونَ الشُّعُورِ. والجَوابُ: أنَّ الحَياةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ المَعْنى المُقْتَضِي لِلْإدْراكِ والشُّعُورِ بِدَلِيلِ الآيَةِ والخَبَرِ؛ أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن أحْيا أرْضًا مَيْتَةً فَهي لَهُ» “ والأصْلُ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، فَعَلِمْنا أنَّ الحَياةَ في أصْلِ اللُّغَةِ لَيْسَتْ عِبارَةً عَمّا ذَكَرْتُمُوهُ، بَلْ عَنْ كَوْنِ الحَيَوانِ أوِ النَّباتِ صَحِيحًا في مِزاجِهِ مُعْتَدِلًا في حالِهِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِلْفَسادِ والتَّعَفُّنِ والتَّفَرُّقِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ انْدِراجُهُ تَحْتَ الآيَةِ. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِالقُرْآنِ والخَبَرِ والإجْماعِ والقِياسِ: أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٣٠] حَيْثُ ذَكَرَها في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والِامْتِنانُ لا يَقَعُ بِالنَّجَسِ الَّذِي لا يَحِلُّ الِانْتِفاعُ بِهِ. وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في شاةِ مَيْمُونَةَ ”«إنَّما حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها» “ وأمّا الإجْماعُ، فَهو أنَّهم كانُوا يَلْبَسُونَ جُلُودَ الثَّعالِبِ، ويَجْعَلُونَ مِنها القَلانِسَ، وعَنِ النَّخَعِيِّ: كانُوا لا يَرَوْنَ بِجُلُودِ السِّباعِ وجُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَتْ بَأْسًا، وما خَصُّوا حالَ الشَّعْرِ وعَدَمَهُ، وقَوْلُ الشّافِعِيِّ: ”كانُوا“ إشارَةٌ إلى الصَّحابَةِ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: الثَّعْلَبُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَلالٌ، فَلِهَذا يَقُولُ بِإباحَتِهِ؛ لِأنَّ الذَّكاةَ شَرْطٌ بِالِاتِّفاقِ وهو غَيْرُ حاصِلٍ في هَذِهِ الثَّعالِبِ. وأمّا القِياسُ فَلِأنَّ هَذِهِ الشُّعُورَ والعِظامَ أجْسامٌ مُنْتَفَعٌ بِها غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِلتَّعَفُّنِ والفَسادِ، فَوَجَبَ أنْ يُقْضى بِطَهارَتِها كالجُلُودِ المَدْبُوغَةِ، وأمّا النَّفْعُ بِشَعْرِ الخِنْزِيرِ: فَفي الفُقَهاءِ مَن مَنَعَ نَجاسَتَهُ وهو الأسْلَمُ، ثُمَّ قالُوا: هَبْ أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ يَقْتَضِي حُرْمَةَ الِانْتِفاعِ بِالصُّوفِ والعَظْمِ وغَيْرِهِما إلّا أنَّ هَذِهِ الدَّلائِلَ تُنْتِجُ الِانْتِفاعَ بِها، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ فَكانَ هَذا الجانِبُ أوْلى بِالرِّعايَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا ماتَ في الماءِ دابَّةٌ لَيْسَ لَها نَفْسٌ سائِلَةٌ لَمْ يُفْسِدِ الماءَ قَلَّ أوْ كَثُرَ. ولِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلانِ في الماءِ القَلِيلِ، واحْتَجُّوا لِلشّافِعِيِّ بِأنَّها حَيَواناتٌ، فَإذا ماتَتْ صارَتْ مَيْتَةً فَيَحْرُمُ اسْتِعْمالُها بِمُقْتَضى الآيَةِ، وإذا حَرُمَ اسْتِعْمالُها بِمُقْتَضى الآيَةِ وجَبَ الحُكْمُ بِنَجاسَتِها، وإذا ثَبَتَ الحُكْمُ بِنَجاسَتِها، وجَبَ الحُكْمُ بِنَجاسَةِ الماءِ القَلِيلِ الَّذِي وقَعَتْ هي فِيهِ، وأجابُوا صفحة ١٥ عَنْهُ بِأنَّهُ مَيْتَةٌ، ويَحْرُمُ الِانْتِفاعُ بِها ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّها مَتى كانَتْ كَذَلِكَ كانَتْ نَجِسَةً، ثُمَّ لَمْ يَلْزَمْ مِن نَجاسَتِها تَنَجُّسُ الماءِ بِها، واحْتَجُّوا عَلى القَوْلِ الثّانِي لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا وقَعَ الذُّبابُ في إناءِ أحَدِكم فامْقُلُوهُ ثُمَّ انْقُلُوهُ، فَإنَّ في أحَدِ جَناحَيْهِ داءً وفي الآخَرِ دَواءً» “ وأمَرَ بِالمَقْلِ فَرُبَّما كانَ الطَّعامُ حارًّا فَيَمُوتُ الذُّبابُ فِيهِ فَلَوْ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّنْجِيسِ لَما أمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِلْفُقَهاءِ مَذاهِبُ سَبْعَةٌ في أمْرِ الدِّباغِ، فَأوْسَعُ النّاسِ فِيهِ قَوْلًا الزُّهْرِيُّ، فَإنَّهُ يُجَوِّزُ اسْتِعْمالَ الجُلُودِ بِأسْرِها قَبْلَ الدِّباغِ، ويَلِيهِ داوُدُ فَإنَّهُ قالَ: تَطْهُرُ كُلُّها بِالدِّباغِ، ويَلِيهِ مالِكٌ فَإنَّهُ قالَ: يَطْهُرُ ظاهِرُها دُونَ باطِنِها، ويَلِيهِ أبُو حَنِيفَةَ فَإنَّهُ قالَ: يَطْهُرُ كُلُّها إلّا جِلْدَ الخِنْزِيرِ، ويَلِيهِ الشّافِعِيُّ فَإنَّهُ قالَ: يَطْهُرُ الكُلُّ إلّا جِلْدَ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ، ويَلِيهِ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ فَإنَّهُما يَقُولانِ: يَطْهُرُ جِلْدُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَقَطْ، ويَلِيهِ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَإنَّهُ قالَ: لا يَطْهُرُ مِنها شَيْءٌ بِالدِّباغِ، واحْتَجَّ أحْمَدُ بِالآيَةِ والخَبَرِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أطْلَقَ التَّحْرِيمَ وما قَيَّدَهُ بِحالٍ دُونَ حالٍ. وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ: أتانا كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وفاتِهِ أنْ لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإهابٍ ولا عَصَبٍ، أجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ، بِأنَّ تَخْصِيصَ العُمُومِ بِخَبَرِ الواحِدِ وبِالقِياسِ جائِزٌ، وقَدْ وجَدا هَهُنا خَبَرَ الواحِدِ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» “ . وأمّا القِياسُ: فَهو أنَّ الدِّباغَ يُعِيدُ الجِلْدَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ حالَ الحَياةِ، وكَما كانَ حالُ الحَياةِ طاهِرًا كَذَلِكَ بَعْدَ الدِّباغِ، وهَذا القِياسُ والخَبَرُ هُما مُعْتَمَدُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِالمَيْتَةِ، بِإطْعامِ البازِي والبَهِيمَةِ، فَمِنهم مَن مَنَعَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ إذا أطْعَمَ البازِي ذَلِكَ فَقَدِ انْتَفَعَ بِتِلْكَ المَيْتَةِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِالمَيْتَةِ، فَأمّا إذا أقْدَمَ البازِي مِن عِنْدِ نَفْسِهِ عَلى أكْلِ المَيْتَةِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْنا مَنعُهُ أمْ لا فِيهِ احْتِمالانِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في دُهْنِ المَيْتَةِ ووَدَكِها هَلْ يَجُوزُ الِاسْتِصْباحُ بِهِ أمْ لا، وهَذا يُنْظَرُ فِيهِ فَإنْ كانَ ذَلِكَ مِمّا حَلَّتْهُ الحَياةُ، أوْ في جُمْلَتِهِ ما هو هَذا حالُهُ، فالظّاهِرُ يَقْتَضِي المَنعَ مِنهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو خارِجٌ مِن جُمْلَةِ المَيْتَةِ، وإنَّما يُحَرِّمُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ سِوى الظّاهِرِ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ جابِرٍ قالَ لَمّا قَدِمَ الرَّسُولُ ﷺ مَكَّةَ أتاهُ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ الأوْداكَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نَجْمَعُ الأوْداكَ وهي مِنَ المَيْتَةِ وغَيْرِها وإنَّما هي لِلْأدِيمِ والسُّفُنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَباعُوها وأكَلُوا أثْمانَها» “ فَنَهاهم عَنْ ذَلِكَ وأخْبَرَهم بِأنَّ تَحْرِيمَهُ إيّاها عَلى الإطْلاقِ أوْجَبَ تَحْرِيمَ بَيْعِها كَما أوْجَبَ تَحْرِيمَ أكْلِها. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الظّاهِرُ يَقْتَضِي حُرْمَةَ السَّمَكِ والجَرادِ إلّا أنَّهُما خُصّا بِالخَبَرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، أمّا المَيْتَتانِ فالجَرادُ والنُّونُ وأمّا الدَّمانِ فالطِّحالُ والكَبِدُ» “ وعَنْ جابِرٍ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ: أنَّ البَحْرَ ألْقى إلَيْهِمْ حُوتًا فَأكَلُوا مِنهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَلَمّا رَجَعُوا أخْبَرُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ فَقالَ: ”«هَلْ عِنْدَكم مِنهُ شَيْءٍ تُطْعِمُونِي» ؟“ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في صِفَةِ البَحْرِ: ”«هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» “ وأيْضًا فَإنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: حِلُّ السَّمَكِ، واخْتَلَفُوا في السَّمَكِ الطّافِي وهو الَّذِي يَمُوتُ في الماءِ حَتْفَ أنْفِهِ، فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا بَأْسَ بِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ واخْتَلَفَ الصَّحابَةُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما طَفا مِن صَيْدِ البَحْرِ فَلا نَأْكُلُهُ، وهَذا أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، صفحة ١٦ ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأبِي أيُّوبَ إباحَتُهُ، ورَوى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«ما ألْقى البَحْرُ أوْ جَرَزَ عَنْهُ فَكُلُوهُ، وما ماتَ فِيهِ وطَفا فَلا تَأْكُلُوهُ» “ . وأمّا الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدِ احْتَجَّ بِالآيَةِ والخَبَرِ والمَعْقُولِ: أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وهَذا السَّمَكُ الطّافِي مِن طَعامِ البَحْرِ فَوَجَبَ حِلُّهُ. وأمّا الخَبَرُ؛ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ» “ وهَذا مُطْلَقٌ، وقَوْلُهُ في البَحْرِ: ”«هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» “ وهَذا عامٌّ، ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«كُلُّ ما طَفا عَلى البَحْرِ» “ . * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا بَأْسَ بِأكْلِ الجَرادِ كُلِّهِ ما أخَذْتَهُ وما وجَدْتَهُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ ما وُجِدَ مَيِّتًا لا يَحِلُّ، وأمّا ما أُخِذَ حَيًّا ثُمَّ قُطِعَ رَأْسُهُ وشُوِيَ أُكِلَ، وما أُخِذَ حَيًّا فَغُفِلَ عَنْهُ حَتّى يَمُوتَ لَمْ يُؤْكَلْ. حُجَّةُ مالِكٍ ظاهِرُ الآيَةِ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ» “ فَوَجَبَ حَمْلُهُما عَلى الإطْلاقِ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ قَطْعَ رَأْسِهِ إنْ جُعِلَ لَهُ ذَكاةً فَهو كالشّاةِ المُذَكّاةِ في أنَّهُ لا يَكُونُ مَيْتَةً، فَلا يَكُونُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ» “ فائِدَةٌ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ نَأْكُلُ الجَرادَ ولا نَأْكُلُ غَيْرَهُ، فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَيْتَةٍ وبَيْنَ مَقْتُولَةٍ» . * * * المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اخْتَلَفُوا في الجَنِينِ إذا خَرَجَ مَيِّتًا بَعْدَ ذَبْحِ الأُمِّ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُؤْكَلُ إلّا أنْ يَخْرُجَ حَيًّا فَيُذْبَحَ، وهو قَوْلُ حَمّادٍ، وقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: إنَّهُ يُؤْكَلُ. وهَذا هو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ. وقالَ مالِكٌ: إنْ تَمَّ خَلْقُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ أُكِلَ، وإلّا لَمْ يُؤْكَلْ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهُ مَيْتَةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ. قالَ الشّافِعِيُّ، أُخَصِّصُ هَذا العُمُومَ بِالخَبَرِ والقِياسِ، أمّا الخَبَرُ فَهو أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ المُذَكّى مُباحٌ وهَذا مُذَكًّى، لِما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو أُمامَةَ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو أيُّوبَ، وأبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ» “ وتَقْرِيرُهُ أنَّ كَوْنَ الذَّكاةِ سَبَبًا لِلْإباحَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَجازَ أنْ تَكُونَ ذَكاةُ الجَنِينِ حاصِلَةً شَرْعًا بِتَحْصِيلِ ذَكاةِ أُمِّهِ. أجابَ الحَنَفِيُّونَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ» “ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أنَّ ذَكاةَ أُمِّهِ ذَكاةٌ لَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إيجابَ تَذْكِيَتِهِ كَما تُذَكّى أُمُّهُ، وأنَّهُ لا يُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ومَعْناهُ كَعَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ، وكَقَوْلِ القائِلِ: قَوْلِي قَوْلُكَ، ومَذْهَبِي مَذْهَبُكَ، وإنَّما المَعْنى: قَوْلِي كَقَوْلِكَ، ومَذْهَبِي كَمَذْهَبِكَ، وقالَ الشّاعِرُ: فَعَيْناكِ عَيْناها وجِيدُكِ جِيدُها وإذا ثَبَتَ ما ذَكَرْنا كانَ أحَدُ الِاحْتِمالَيْنِ إيجابَ تَذْكِيَتِهِ وأنَّهُ لا يُؤْكَلُ غَيْرُ مُذَكًّى في نَفْسِهِ، والآخَرُ أنَّ ذَكاةَ أُمِّهِ تُبِيحُ أكْلَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُ الأمْرِ بَلْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المَعْنى المُوافِقِ لِلْآيَةِ. أجابَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ عَلى الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ وهو أنَّ ذَكاةَ الجَنِينِ كَذَكاةِ أُمِّهِ، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وثانِيها: أنَّهُ لا يُسَمّى جَنِينًا إلّا حالَ كَوْنِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ، ومَتى وُلِدَ لا يُسَمّى جَنِينًا، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أثْبَتَ لَهُ الذَّكاةَ حالَ كَوْنِهِ جَنِينًا، فَوَجَبَ أنْ صفحة ١٧ يَكُونَ في تِلْكَ الحالَةِ مُذَكًّى بِذَكاتِها. وثالِثُها: أنَّ حَمْلَ الخَبَرِ عَلى ما ذَكَرْتَ مِن إيجابِ ذَكاتِهِ إذا خَرَجَ حَيًّا تَسْقُطُ فائِدَتُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ قَبْلَ وُرُودِهِ. ورابِعُها: ما رُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَنِ الجَنِينِ يَخْرُجُ مَيِّتًا، قالَ: إنْ شِئْتُمْ فَكُلُوهُ، فَإنَّ ذَكاتَهُ ذَكاةُ أُمِّهِ. وأمّا القِياسُ فَمِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ مَن ضُرِبَ بَطْنُ امْرَأتِهِ فَماتَتْ وألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، لَمْ يَنْفَرِدِ الجَنِينُ بِحُكْمِ نَفْسِهِ، ولَوْ خَرَجَ الوَلَدُ حَيًّا ثُمَّ ماتَ انْفَرَدَ بِحُكْمِ نَفْسِهِ دُونَ أُمِّهِ في إيجابِ الغِرَّةِ، فَكَذَلِكَ جَنَيْنُ الحَيَوانِ إذا ماتَ عَنْ ذَبْحِ أمِّهِ وخَرَجَ مَيِّتًا، كانَ تَبَعًا لِلْأُمِّ في الذَّكاةِ، وإذا خَرَجَ حَيًّا لَمْ يُؤْكَلْ حَتّى يُذَكّى. وثانِيها: أنَّ الجَنِينَ حالَ اتِّصالِهِ بِالأُمِّ في حُكْمِ عُضْوٍ مِن أعْضائِها فَوَجَبَ أنْ يَحِلَّ بِذَكاتِها كَسائِرِ الأعْضاءِ. وثالِثُها: الواجِبُ في الوَلَدِ أنْ يَتْبَعَ الأُمَّ في الذَّكاةِ، كَما يَتْبَعُ الوَلَدُ الأُمَّ في العَتاقِ والِاسْتِيلادِ والكِتابَةِ ونَحْوِها. * * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: ما قُطِعَ مِنَ الحَيِّ مِنَ الأبْعاضِ فَهو مُحَرَّمٌ؛ لِأنَّهُ مَيْتَةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَرامًا، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ مَيْتَةٌ؛ لِلنَّصِّ والمَعْقُولِ، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما أُبِينَ مِن حَيٍّ فَهو مَيِّتٌ» “، وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ ذَلِكَ البَعْضَ كانَ حَيًّا؛ لِأنَّهُ يُدْرِكُ الألَمَ واللَّذَّةَ، وبِالقَطْعِ زالَ ذَلِكَ الوَصْفُ فَصارَ مَيِّتًا، فَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . * * * المَسْألَةُ العاشِرَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَبْحَ ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ هَلْ يَسْتَعْقِبُ طَهارَةَ الجِلْدِ ؟ فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يَسْتَعْقِبُهُ؛ لِأنَّ هَذا الذَّبْحَ لا يَسْتَعْقِبُ حِلَّ الأكْلِ فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَعْقِبَ الطَّهارَةَ كَذَبْحِ المَجُوسِيِّ. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَسْتَعْقِبُهُ. * * * القِسْمُ الثّانِي: مِمّا دَخَلَ في الآيَةِ ولَيْسَ مِنها، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ لا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ ما ماتَ فِيهِ مِنَ المائِعاتِ، وإنَّما يَقْتَضِي تَحْرِيمَ عَيْنِ المَيْتَةِ، وما جاوَرَ المَيْتَةَ فَلا يُسَمّى مَيْتَةً، فَلا يَتَناوَلُهُ لَفْظُ التَّحْرِيمِ، كالسَّمْنِ إذا وقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ وماتَتْ فَإنَّهُ لا يَتَناوَلُها، هَذا الظّاهِرُ، وجُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ تَدُورُ عَلى فَصْلَيْنِ: أحَدُهُما: أمّا الَّذِي يَنْجُسُ بِمُجاوَرَتِهِ المَيْتَةَ فَيَحْرُمُ، وأمّا الَّذِي لا يَنْجُسُ فَلا يَحْرُمُ. والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَنْجُسُ كَيْفَ الطَّرِيقُ إلى تَطْهِيرِهِ ؟ * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: سَألَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ أبا حَنِيفَةَ عَنْ طائِرٍ وقَعَ في قِدْرٍ مَطْبُوخٍ فَماتَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ لِأصْحابِهِ: ما تَرَوْنَ فِيها ؟ فَذَكَرُوا لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ اللَّحْمَ يُؤْكَلُ بَعْدَما يُغْسَلُ ويُراقُ المَرَقُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: بِهَذا نَقُولُ عَلى شَرِيطَةِ إنْ كانَ وقَعَ فِيها في حالِ سُكُونِها كَما في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وإنْ كانَ وقَعَ في حالِ غَلَيانِها: لَمْ يُؤْكَلِ اللَّحْمُ ولا المَرَقُ، قالَ ابْنُ المُبارَكِ: ولِمَ ذاكَ ؟ قالَ: لِأنَّهُ إذا سَقَطَ فِيها في غَلَيانِها فَماتَ فَقَدْ داخَلَتِ المَيْتَةُ اللَّحْمَ، وإذا وقَعَ فِيها حالَ سُكُونِها فَماتَ فَإنَّما رَشَّحَتِ المَيْتَةُ اللَّحْمَ، قالَ ابْنُ المُبارَكِ وعَقَدَ بِيَدِهِ ثَلاثِينَ: هَذا زرين، بِالفارِسِيَّةِ يَعْنِي المَذْهَبَ، ورَوى ابْنُ المُبارَكِ مِثْلَ هَذا عَنِ الحَسَنِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ: لَبَنُ الشّاةِ المَيْتَةِ وأنْفِحَتُها طاهِرَتانِ، وقالَ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ: لا يَحِلُّ هَذا اللَّبَنُ والأنْفِحَةُ، وقالَ اللَّيْثُ: لا تُؤْكَلُ البَيْضَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِن دَجاجَةٍ مَيْتَةٍ، واعْلَمْ أنَّ الشّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يَتَمَسَّكُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ لِأنَّ اللَّبَنَ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَيْتَةٌ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ نَفْيًا وإثْباتًا إلى دَلِيلٍ آخَرَ، ومُعْتَمَدُ الشّافِعِيِّ أنَّ اللَّبَنَ لَوْ كانَ مَجْمُوعًا في إناءٍ فَسَقَطَ فِيهِ صفحة ١٨ شَيْءٌ مِنَ المَيْتَةِ يَنْجُسُ فَكَذَلِكَ إذا ماتَتْ وهو في ضَرْعِها، وهَكَذا الخِلافُ في الأنْفِحَةِ، أمّا البَيْضُ إذا أُخْرِجَ مِن جَوْفِ الدَّجاجِ فَهو طاهِرٌ إذا غُسِلَ، ويَحِلُّ أكْلُهُ؛ لِأنَّ القِشْرَةَ إذا صَلُبَتْ حَجَزَتْ بَيْنَ المَأْكُولِ وبَيْنَ المَيْتَةِ فَتَحِلُّ، ولِذَلِكَ لَوْ كانَتِ البَيْضَةُ غَيْرَ مُنْعَقِدَةٍ لَحَرُمَتْ. * * * ولْنَخْتِمْ هَذا الفَصْلَ بِمَسائِلَ مُشْتَرِكَةٍ بَيْنَ القِسْمَيْنِ. المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ المُتَكَلِّمُونَ في أنَّ المَيْتَةَ هَلْ تَكُونُ مَيْتَةً بِمَعْنى المَوْتِ، فَمِنهم مَن أثْبَتَ المَوْتَ بِمَعْنًى مُضادٍّ لِلْحَياةِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ عَدَمُ الحَياةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْبَلَ الحَياةَ، وهَذا أقْرَبُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ حُرْمَةَ المَيْتَةِ هَلْ تَقْتَضِي نَجاسَتَها، والحَقُّ أنَّ حُرْمَةَ الِانْتِفاعِ لا تَقْتَضِي النَّجاسَةَ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ أنْ يَحْرُمَ الِانْتِفاعُ بِها، ويَحِلُّ الِانْتِفاعُ بِما جاوَرَها، إلّا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالإجْماعِ أنَّ المَيْتَةَ نَجِسَةٌ. * * * الفَصْلُ الثّانِي فِي تَحْرِيمِ الدَّمِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ المَسْألَةُ الأُولى: الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَرَّمَ جَمِيعَ الدِّماءِ سَواءٌ كانَ مَسْفُوحًا أوْ غَيْرَ مَسْفُوحٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: دَمُ السَّمَكِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ. أمّا الشّافِعِيُّ فَإنَّهُ تَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ وهَذا دَمٌ فَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ، وأبُو حَنِيفَةَ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَصَرَّحَ بِأنَّهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنَ المُحَرَّماتِ إلّا هَذِهِ الأُمُورَ، فالدَّمُ الَّذِي لا يَكُونُ مَسْفُوحًا وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُحَرَّمًا بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ. فَإذَنْ هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ عامٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، أجابَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَحْلِيلِ غَيْرِ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ عَلى أنَّهُ تَعالى ما بَيَّنَ لَهُ إلّا تَحْرِيمَ هَذِهِ الأشْياءِ، وهَذا لا يُنافِي أنْ يُبَيِّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْرِيمَ ما عَداها، فَلَعَلَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ بَيانًا لِتَحْرِيمِ الدَّمِ سَواءٌ كانَ مَسْفُوحًا أوْ غَيْرَ مَسْفُوحٍ، إذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ الحُكْمُ بِحُرْمَةِ جَمِيعِ الدِّماءِ ونَجاسَتِها فَتَجِبُ إزالَةُ الدَّمِ عَنِ اللَّحْمِ ما أمْكَنَ، وكَذا في السَّمَكِ، وأيُّ دَمٍ وقَعَ في الماءِ والثَّوْبِ فَإنَّهُ يُنَجِّسُ ذَلِكَ المَوْرُودَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ الطِّحالُ والكَبِدُ» “ هَلْ يُطْلَقُ اسْمُ الدَّمِ عَلَيْهِما فَيَكُونُ اسْتِثْناءً صَحِيحًا أمْ لا ؟ فَمِنهم مَن مَنَعَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الكَبِدَ يَجْرِي مَجْرى اللَّحْمِ، وكَذا الطِّحالُ، وإنَّما يُوصَفانِ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا. ومِنهم مَن يَقُولُ: هو كالدَّمِ الجامِدِ، ويُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالحَدِيثِ. * * * الفَصْلُ الثّالِثُ فِي الخِنْزِيرِ وفِيهِ مَسائِلُ المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الخِنْزِيرَ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ مُحَرَّمٌ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَحْمَهُ لِأنَّ صفحة ١٩ مُعْظَمَ الِانْتِفاعِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فَخُصَّ البَيْعُ بِالنَّهْيِ لَمّا كانَ هو أعْظَمَ المُهِمّاتِ عِنْدَهم، أمّا شَعْرُ الخِنْزِيرِ فَغَيْرُ داخِلٍ في الظّاهِرِ وإنْ أجْمَعُوا عَلى تَحْرِيمِهِ وتَنْجِيسِهِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِهِ لِلْخَرَزِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ: يَجُوزُ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: أكْرَهُ الخَرْزَ بِهِ، ورُوِيَ عَنْهُ الإباحَةُ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ أنّا نَرى المُسْلِمِينَ يُقِرُّونَ الأساكِفَةَ عَلى اسْتِعْمالِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ ظَهَرَ مِنهم، ولِأنَّ الحاجَةَ ماسَّةٌ إلَيْهِ، وإذا قالَ الشّافِعِيُّ في دَمِ البَراغِيثِ: إنَّهُ لا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرازِ فَهَلّا جازَ مِثْلُهُ في شَعْرِ الخِنْزِيرِ إذا خُرِزَ بِهِ ؟ * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في خِنْزِيرِ الماءِ، قالَ ابْنُ أبِي لَيْلى ومالِكٌ والشّافِعِيُّ والأوْزاعِيُّ: لا بَأْسَ بِأكْلِ شَيْءٍ يَكُونُ في البَحْرِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا يُؤْكَلُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ هَذا خِنْزِيرٌ فَيَحْرُمُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وقالَ الشّافِعِيُّ: الخِنْزِيرُ إذا أُطْلِقَ فَإنَّهُ يَتَبادَرُ إلى الفَهْمِ خِنْزِيرُ البَرِّ لا خِنْزِيرُ البَحْرِ، كَما أنَّ اللَّحْمَ إذا أُطْلِقَ يَتَبادَرُ إلى الفَهْمِ لَحْمُ غَيْرِ السَّمَكِ لا لَحْمُ السَّمَكِ بِالِاتِّفاقِ، ولِأنَّ خِنْزِيرَ الماءِ لا يُسَمّى خِنْزِيرًا عَلى الإطْلاقِ بَلْ يُسَمّى خِنْزِيرَ الماءِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلانِ في أنَّهُ هَلْ يُغْسَلُ الإناءُ مِن ولْغِ الخِنْزِيرِ سَبْعًا ؟ أحَدُها: نَعَمْ تَشْبِيهًا لَهُ بِالكَلْبِ. والثّانِي: لا؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّشْدِيدَ إنَّما كانَ فَطْمًا لَهم عَنْ مُخالَطَةِ الكِلابِ وهم ما كانُوا يُخالِطُونَ الخِنْزِيرَ فَظَهَرَ الفَرْقُ. * * * الفَصْلُ الرّابِعُ فِي تَحْرِيمِ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ ذَبائِحُ عَبَدَةِ الأوْثانِ الَّذِينَ كانُوا يَذْبَحُونَ لِأوْثانِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] وأجازُوا ذَبِيحَةَ النَّصْرانِيِّ إذا سَمّى عَلَيْها بِاسْمِ المَسِيحِ، وهو مَذْهَبُ عَطاءٍ ومَكْحُولٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا يَحِلُّ ذَلِكَ. والحُجَّةُ فِيهِ أنَّهم إذا ذَبَحُوا عَلى اسْمِ المَسِيحِ فَقَدْ أهَلُّوا بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إذا سَمِعْتُمُ اليَهُودَ والنَّصارى يُهِلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلا تَأْكُلُوا وإذا لَمْ تَسْمَعُوهم فَكُلُوا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّ ذَبائِحَهم، وهو يَعْلَمُ ما يَقُولُونَ. واحْتَجَّ المُخالِفُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهَذا عامٌّ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ . الثّالِثُ: أنَّ النَّصْرانِيَّ إذا سَمّى اللَّهَ تَعالى وإنَّما يُرِيدُ بِهِ المَسِيحَ، فَإذا كانَتْ إرادَتُهُ لِذَلِكَ لَمْ تَمْنَعْ حِلَّ ذَبِيحَتِهِ مَعَ أنَّهُ يُهِلُّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ إذا أظْهَرَ ما يُضْمِرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ وإرادَتِهِ المَسِيحَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ عامٌّ وقَوْلَهُ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ خاصٌّ والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُما آيَتانِ مُتَبايِنَتانِ ولا مُساواةَ بَيْنَهُما (وعَنِ الثّالِثِ): أنّا إنَّما كَلَّفَنا بِالظّاهِرِ لا بِالباطِنِ، فَإذا ذَبَحَهُ عَلى اسْمِ اللَّهِ وجَبَ أنْ يَحِلَّ، ولا سَبِيلَ لَنا إلى الباطِنِ. * * * صفحة ٢٠ الفَصْلُ الخامِسُ القائِلُونَ بِأنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ لا يُحَرِّمُ سِوى هَذِهِ الأشْياءِ، لَكِنّا نَعْلَمُ أنَّ في الشَّرْعِ أشْياءَ أُخَرَ سِواها مِنَ المُحَرَّماتِ فَتَصِيرُ كَلِمَةُ ”إنَّما“ مَتْرُوكَةَ الظّاهِرِ في العَمَلِ ومَن قالَ إنَّها لا تُفِيدُ الحَصْرَ فالإشْكالُ زائِلٌ. * * * الفَصْلُ السّادِسُ فِي المُضْطَرِّ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ مَعْناهُ أنَّ مَن كانَ مُضْطَرًّا ولا يَكُونُ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ البَغْيِ، ولا بِصِفَةِ العُدْوانِ البَتَّةَ فَأكَلَ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: مَعْناهُ فَمَنِ اضْطُرَّ فَأكَلَ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ في الأكْلِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، فَخَصَّصَ صِفَةَ البَغْيِ والعُدْوانِ بِالأكْلِ. ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ العاصِيَ بِسَفَرِهِ هَلْ يَتَرَخَّصُ أمْ لا ؟ فَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَتَرَخَّصُ؛ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالعُدْوانِ فَلا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الآيَةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: بَلْ يَتَرَخَّصُ؛ لِأنَّهُ مُضْطَرٌّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ في الأكْلِ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ الآيَةِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ عَلى قَوْلِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِالمَعْقُولِ. أمّا الآيَةُ فَهي أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَرَّمَ هَذِهِ الأشْياءَ عَلى الكُلِّ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] ثُمَّ أباحَها لِلْمُضْطَرِّ الَّذِي يَكُونُ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ غَيْرُ باغٍ ولا عادٍ، والعاصِي بِسَفَرِهِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: فُلانٌ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ نَقِيضٌ لِقَوْلِنا: فُلانٌ مُتَعَدٍّ، ويَكْفِي في صِدْقِهِ كَوْنُهُ مُتَعَدِّيًا في أمْرٍ ما مِنَ الأُمُورِ سَواءٌ كانَ في السَّفَرِ، أوْ في الأكْلِ، أوْ في غَيْرِهِما، وإذا كانَ اسْمُ المُتَعَدِّي يَصْدُقُ بِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا في أمْرٍ ما أيَّ أمْرٍ كانَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُنا: فُلانٌ غَيْرُ مُعْتَدٍ لا يَصْدُقُ إلّا إذا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ البَتَّةَ، فَإذَنْ قَوْلُنا: غَيْرُ باغٍ ولا عادٍ لا يَصْدُقُ إلّا إذا انْتَفى عَنْهُ صِفَةُ التَّعَدِّي مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. والعاصِي بِسَفَرِهِ مُتَعَدٍّ بِسَفَرِهِ، فَلا يَصْدُقُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ غَيْرَ عادٍ، وإذا لَمْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وجَبَ بَقاؤُهُ تَحْتَ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: هَذا يُشْكِلُ بِالعاصِي في سَفَرِهِ، فَإنَّهُ يَتَرَخَّصُ مَعَ أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالعُدْوانِ، لَكِنّا نَقُولُ: إنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ في هَذِهِ الصُّورَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّ الرُّخْصَةَ إعانَةٌ عَلى السَّفَرِ، فَإذا كانَ السَّفَرُ مَعْصِيَةً كانَتِ الرُّخْصَةُ إعانَةً عَلى المَعْصِيَةِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنِ السَّفَرُ في نَفْسِهِ مَعْصِيَةً لَمْ تَكُنِ الإعانَةُ عَلَيْهِ إعانَةً عَلى المَعْصِيَةِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واعْلَمْ أنَّ القاضِيَ وأبا بَكْرٍ الرّازِيَّ نَقَلا عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ أيْ باغٍ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ، ولا عادٍ بِأنْ لا يَكُونُ سَفَرُهُ في مَعْصِيَةٍ، ثُمَّ قالا: تَفْسِيرُ الآيَةِ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ في الأكْلِ أوْلى مِمّا ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ شَرْطٌ، والشَّرْطُ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِثْناءِ في أنَّهُ لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَلا بُدَّ مِن تَعَلُّقِهِ بِمَذْكُورٍ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لا مَذْكُورَ إلّا الأكْلُ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَمَنِ اضْطُرَّ فَأكَلَ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالأكْلِ الَّذِي هو في حُكْمِ المَذْكُورِ دُونَ السَّفَرِ الَّذِي هو البَتَّةَ غَيْرُ مَذْكُورٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ لا يَصْدُقُ إلّا إذا انْتَفى عَنْهُ البَغْيُ والعُدْوانُ في كُلِّ الأُمُورِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ نَفْيُ العُدْوانِ بِالسَّفَرِ ضِمْنًا. ولا نَقُولُ: اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ، وأمّا تَخْصِيصُهُ بِالأكْلِ فَهو تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَكانَ عَلى خِلافِ الأصْلِ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا صفحة ٢١ يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الأكْلِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ حالٌ مِنَ الِاضْطِرارِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ وصْفُ الِاضْطِرارِ باقِيًا مَعَ بَقاءِ كَوْنِهِ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ كَوْنَهُ كَذَلِكَ في الأكْلِ لاسْتَحالَ أنْ يَبْقى وصْفُ الِاضْطِرارَ مَعَهُ؛ لِأنَّ حالَ الأكْلِ لا يُبْقِي وصْفَ الِاضْطِرارِ. وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ يَنْفِرُ بِطَبْعِهِ عَنْ تَناوُلِ المَيْتَةِ والدَّمِ، وما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هُناكَ حاجَةٌ إلى النَّهْيِ عَنْهُ، فَصَرْفُ هَذا الشَّرْطِ إلى التَّعَدِّي في الأكْلِ يُخْرِجُ الكَلامِ عَنِ الفائِدَةِ. وثالِثُها: أنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ يُفِيدُ نَفْيَ ماهِيَّةِ البَغْيِ ونَفْيَ ماهِيَّةِ العُدْوانِ، وهَذِهِ الماهِيَّةُ إنَّما تَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفاءِ جَمِيعِ أفْرادِها، والعُدْوانُ في الأكْلِ أحَدُ أفْرادِ هَذِهِ الماهِيَّةِ، وكَذا العُدْوانُ في السَّفَرِ فَرْدٌ آخَرُ مِن أفْرادِها، فَإذَنْ نَفْيُ العُدْوانِ يَقْتَضِي نَفْيَ العُدْوانِ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الجِهاتِ، فَكانَ تَخْصِيصُهُ بِالأكْلِ غَيْرَ جائِزٍ. وأمّا الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يُخَصِّصُهُ بِنَفْيِ العُدْوانِ في السَّفَرِ بَلْ يَحْمِلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وهو نَفْيُ العُدْوانِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، ويَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العُدْوانِ في السَّفَرِ، وحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ مَقْصُودُهُ. ورابِعُها: أنَّ الِاحْتِمالَ الَّذِي ذَكَرْناهُ مُتَأيِّدٌ بِآيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] وهو الَّذِي قُلْناهُ مِن أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالبَغْيِ والعُدْوانِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وهَذا الشَّخْصُ مُضْطَرٌّ فَوَجَبَ أنْ يَتَرَخَّصَ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] وقالَ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] والِامْتِناعُ مِنَ الأكْلِ سَعْيٌ في قَتْلِ النَّفْسِ وإلْقاءِ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُحَرَّمَ. وثالِثُها: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَخَّصَ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا ولَيْلَةً، ولِلْمُسافِرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيها ولَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ العاصِي والمُطِيعِ. ورابِعُها: أنَّ العاصِيَ بِسَفَرِهِ إذا كانَ نائِمًا فَأشْرَفَ عَلى غَرَقٍ أوْ حَرْقٍ يَجِبُ عَلى الحاضِرِ الَّذِي يَكُونُ في الصَّلاةِ أنَّ يَقْطَعَ صَلاتَهُ لِإنْجائِهِ مِنَ الغَرَقِ أوِ الحَرْقِ، فَلَأنْ يَجِبَ عَلَيْهِ في هَذِهِ الصُّورَةِ أنْ يَسْعى في إنْقاذِ المُهْجَةِ أوْلى. وخامِسُها: أنْ يَدْفَعَ أسْبابَ الهَلاكِ، كالفِيلِ، والجَمَلِ الصَّئُولِ، والحَيَّةِ، والعَقْرَبِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا. وسادِسُها: أنَّ العاصِيَ بِسَفَرِهِ إذا اضْطُرَّ فَلَوْ أباحَ لَهُ رَجُلٌ شَيْئًا مِن مالِهِ فَإنَّهُ يُحِلُّ لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا، والجامِعُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ. وسابِعُها: أنَّ المُؤْنَةَ في دَفْعِ ضَرَرِ النّاسِ أعْظَمُ في الوُجُوبِ مِن كُلِّ ما يَدْفَعُ المَرْءَ مِنَ المَضارِّ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ يَدْفَعُ ضَرَرَ الهَلاكِ عَنْ نَفْسِهِ بِهَذا الأكْلِ وإنْ كانَ عاصِيًا. وثامِنُها: أنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ تَناوُلَ طَعامِ الغَيْرِ مِن دُونِ الرِّضا بَلْ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ، وهَذا التَّناوُلُ مُحَرَّمٌ لَوْلا الِاضْطِرارُ، فَكَذا هَهُنا. أجابَ الشّافِعِيُّ عَنِ التَّمَسُّكِ بِالعُمُوماتِ بِأنَّ دَلِيلَنا النّافِيَ لِلتَّرَخُّصِ أخَصُّ مِن دَلائِلِهِمُ المُرَخِّصَةِ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، وعَنِ الوُجُوهِ القِياسِيَّةِ بِأنَّهُ يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلى اسْتِباحَةِ هَذِهِ الرُّخَصِ بِالتَّوْبَةِ، وإذا لَمْ يَتُبْ فَهو الجانِي عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ عارَضَ هَذِهِ الوُجُوهَ بِوَجْهٍ قَوِيٍّ وهو أنَّ الرُّخْصَةَ إعانَةٌ عَلى السَّفَرِ، فَإذا كانَ السَّفَرُ مَعْصِيَةً كانَتِ الرُّخْصَةُ إعانَةً عَلى المَعْصِيَةِ وذَلِكَ مُحالٌ، لِأنَّ المَعْصِيَةَ مَمْنُوعٌ مِنها، والإعانَةُ سَعْيٌ في تَحْصِيلِها، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَناقِضٌ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا يَأْكُلُ المُضْطَرُّ مِنَ المَيْتَةِ إلّا قَدْرَ ما يُمْسِكُ رَمَقَهُ صفحة ٢٢ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ: يَأْكُلُ مِنها ما يَسُدُّ جُوعَهُ، وعَنْ مالِكٍ: يَأْكُلُ مِنها حَتّى يَشْبَعَ ويَتَزَوَّدَ، فَإنْ وجَدَ غِنًى عَنْها طَرَحَها، والأقْرَبُ في دَلالَةِ الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا؛ لِأنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ إذا كانَ الإلْجاءَ فَمَتى ارْتَفَعَ الإلْجاءُ ارْتَفَعَتِ الرُّخْصَةُ، كَما لَوْ وجَدَ الحَلالَ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَناوُلُ المَيْتَةِ لِارْتِفاعِ الإلْجاءِ إلى أكْلِها لِوُجُودِ الحَلالِ، فَكَذَلِكَ إذا زالَ الِاضْطِرارُ بِأكْلِ قَدْرٍ مِنهُ فالزّائِدُ مُحَرَّمٌ، ولا اعْتِبارَ في ذَلِكَ بِسَدِّ الجَوْعَةِ عَلى ما قالَهُ العَنْبَرِيُّ؛ لِأنَّ الجَوْعَةَ في الِابْتِداءِ لا تُبِيحُ أكْلَ المَيْتَةِ إذا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِتَرْكِهِ فَكَذا هَهُنا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ لَوْ كانَ مَعَهُ مِنَ الطَّعامِ مِقْدارُ ما إذا أكَلَهُ أمْسَكَ رَمَقَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَناوَلَ المَيْتَةَ، فَإذا أكَلَ ذَلِكَ الطَّعامَ وزالَ خَوْفُ التَّلَفِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَأْكُلَ المَيْتَةَ، فَكَذا إذا أكَلَ مِنَ المَيْتَةِ ما زالَ مَعَهُ خَوْفُ الضَّرَرِ وجَبَ أنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ الأكْلُ بَعْدَ ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في المُضْطَرِّ إذا وجَدَ كُلَّ ما يُعَدُّ مِنَ المُحَرَّماتِ، فالأكْثَرُونَ مِنَ العُلَماءِ خَيَّرُوهُ بَيْنَ الكُلِّ؛ لِأنَّ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ سَواءٌ في التَّحْرِيمِ والِاضْطِرارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا في الكُلِّ، وهَذا هو الألْيَقُ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ وهو أوْلى مِن قَوْلِ مَن أوْجَبَ أنَّ تَناوُلَ المَيْتَةَ دُونَ لَحْمِ الخِنْزِيرِ أعْظَمُ شَأْنًا في التَّحْرِيمِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُضْطَرِّ إلى الشُّرْبِ إذا وجَدَ خَمْرًا، أوْ مَن غُصَّ بِلُقْمَةٍ فَلَمْ يَجِدْ ماءً يُسِيغُهُ ووَجَدَ الخَمْرَ، فَمِنهم مَن أباحَهُ بِالقِياسِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أباحَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ إبْقاءً لِلنَّفْسِ ودَفْعًا لِلْهَلاكِ عَنْها، فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الصُّورَةِ، وهَذا هو الأقْرَبُ إلى الظّاهِرِ، والقِياسُ وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأبِي حَنِيفَةَ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَشْرَبُ؛ لِأنَّهُ يَزِيدُهُ عَطَشًا وجُوعًا ويُذْهِبُ عَقْلَهُ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: لا يَزِيدُهُ إلّا عَطَشًا وجُوعًا مُكابَرَةٌ، وقَوْلُهُ: يُزِيلُ العَقْلَ فَكَلامُنا في القَلِيلِ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا إذا كانَتِ المَيْتَةُ يُحْتاجُ إلى تَناوُلِها لِلْعِلاجِ إمّا بِانْفِرادِها أوْ بِوُقُوعِها في بَعْضِ الأدْوِيَةِ المُرَكَّبَةِ، فَأباحَهُ بَعْضُهم لِلنَّصِّ والمَعْنى؛ أمّا النَّصُّ فَهو أنَّهُ أباحَ لِلْعُرَنِيِّينَ شُرْبَ أبْوالِ الإبِلِ وألْبانِها لِلتَّداوِي، وأمّا المَعْنى فَمِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ التِّرْياقَ الَّذِي جَعَلَ فِيهِ لُحُومَ الأفاعِي مُسْتَطابٌ فَوَجَبَ أنْ يَحِلَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٤] غايَةُ ما في البابِ أنَّ هَذا العُمُومَ مَخْصُوصٌ ولَكِنْ لا يُقْدَحُ في كَوْنِهِ حُجَّةً. الثّانِي: أنَّ أبا حَنِيفَةَ لَمّا عَفا عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنَ النَّجاسَةِ لِأجْلِ الحاجَةِ، والشّافِعِيُّ عَفا عَنْ دَمِ البَراغِيثِ لِلْحاجَةِ، فَلِمَ لا يَحْكُمانِ بِالعَفْوِ في هَذِهِ الصُّورَةِ لِلْحاجَةِ ؟ . الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أباحَ أكْلَ المَيْتَةِ لِمَصْلَحَةِ النَّفْسِ فَكَذا هَهُنا، ومِنَ النّاسِ مَن حَرَّمَهُ واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ شِفاءَ أُمَّتِي فِيما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ» “ وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذا الخَبَرِ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَناوُلُهُ، والنِّزاعُ لَيْسَ إلّا فِيهِ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في التَّداوِي بِالخَمْرِ، واعْلَمْ أنَّ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّداوِي إنِ انْتَهَتْ إلى حَدِّ الضَّرُورَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ في المَسْألَةِ الرّابِعَةِ، فَإنْ لَمْ تَنْتَهِ إلى حَدِّ الضَّرُورَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ في المَسْألَةِ الخامِسَةِ.

البقرة 2:174

صفحة ٢٣ الحُكْمُ الثّانِي ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رُؤَساءِ اليَهُودِ؛ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وأبِي ياسِرِ بْنِ أخْطَبَ، كانُوا يَأْخُذُونَ مِن أتْباعِهِمُ الهَدايا، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ خافُوا انْقِطاعَ تِلْكَ المَنافِعِ، فَكَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأمْرَ شَرائِعِهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهم أيَّ شَيْءٍ كانُوا يَكْتُمُونَ ؟ فَقِيلَ: كانُوا يَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ونَعْتَهُ والبِشارَةَ بِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والأصَمِّ وأبِي مُسْلِمٍ، وقالَ الحَسَنُ: كَتَمُوا الأحْكامَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الكِتْمانِ، فالمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم كانُوا مُحَرِّفِينَ يُحَرِّفُونَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. وعِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ هَذا مُمْتَنِعٌ؛ لِأنَّهُما كانا كِتابَيْنِ بَلَغا في الشُّهْرَةِ والتَّواتُرِ إلى حَيْثُ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِيهِما، بَلْ كانُوا يَكْتُمُونَ التَّأْوِيلَ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْرِفُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا يَذْكُرُونَ لَها تَأْوِيلاتٍ باطِلَةً، ويَصْرِفُونَها عَنْ مَحامِلِها الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الكِتْمانِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَعانِيَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الكِنايَةُ في ”بِهِ“ يَجُوزُ أنْ تَعُودَ إلى الكِتْمانِ والفِعْلُ يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى المَكْتُومِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] وقَدْ مَرَّ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ فَكانَ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ الكِتْمانِ: أخْذَ الأمْوالِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَهَذا هو المُرادُ مِنِ اشْتِرائِهِمْ بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما سَمّاهُ قَلِيلًا إمّا لِأنَّهُ في نَفْسِهِ قَلِيلٌ، وإمّا؛ لِأنَّهُ بِالإضافَةِ إلى ما فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ العَظِيمِ قَلِيلٌ. صفحة ٢٤ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: كانَ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ الكِتْمانِ أخْذَ الأمْوالِ مِن عَوامِّهِمْ وأتْباعِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ أخْذَهُمُ الأمْوالَ مِن كُبَرائِهِمْ وأغْنِيائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا ناصِرِينَ لِذَلِكَ المَذْهَبِ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ أكْثَرُ مِنِ اشْتِرائِهِمْ بِذَلِكَ الكِتْمانِ الثَّمَنَ القَلِيلَ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ مَن طَمِعُوا فِيهِ وأخَذُوا مِنهُ، فالكَلامُ مُجْمَلٌ وإنَّما يَتَوَجَّهُ الطَّمَعُ في ذَلِكَ إلى مَن يَجْتَمِعُ إلَيْهِ الجَهْلُ وقِلَّةُ المَعْرِفَةِ المُتَمَكِّنُ مِنَ المالِ والشُّحُّ عَلى المَأْلُوفِ في الدِّينِ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِ ما يَلْتَمِسُ مِنهُ، فَهَذا هو مَعْلُومٌ بِالعادَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الحِكايَةَ عَنْهم ذَكَرَ الوَعِيدَ عَلى ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: ذِكْرُ البَطْنِ هَهُنا زِيادَةُ بَيانٍ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: أكَلَ فُلانٌ المالَ إذا بَدَرَهُ وأفْسَدَهُ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ فِيهِ فائِدَةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ أيْ مِلْءَ بُطُونِهِمْ يُقالُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: إنَّ أكْلَهم في الدُّنْيا وإنْ كانَ طَيِّبًا في الحالِ فَعاقِبَتُهُ النّارُ، فَوُصِفَ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] عَنِ الحَسَنِ والرَّبِيعِ وجَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أكَلَ ما يُوجِبُ النّارَ فَكَأنَّهُ أكَلَ النّارَ، كَما رُوِيَ في حَدِيثٍ آخَرَ ”«الشّارِبُ مِن آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ» “ وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] أيْ عِنَبًا فَسَمّاهُ بِاسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهم في الآخِرَةِ يَأْكُلُونَ النّارَ لِأكْلِهِمْ في الدُّنْيا الحَرامَ عَنِ الأصَمِّ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ فَظاهِرُهُ: أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم أصْلًا، لَكِنَّهُ لَمّا أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الوَعِيدِ فُهِمَ مِنهُ ما يَجْرِي مَجْرى العُقُوبَةِ لَهم، وذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُكَلِّمُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [ الحِجْرِ: ٩٢: ٩٣ ] وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] فَعَرَفْنا أنَّهُ يَسْألُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ، والسُّؤالُ لا يَكُونُ إلّا بِكَلامٍ، فَقالُوا: وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّمُهم بِتَحِيَّةٍ وسَلامٍ وإنَّما يُكَلِّمُهم بِما يَعْظَمُ عِنْدَهُ مِنَ الغَمِّ والحَسْرَةِ مِنَ المُناقَشَةِ والمُساءَلَةِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] . الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّمُهم، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] فالسُّؤالُ إنَّما يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ بِأمْرِهِ تَعالى، وإنَّما كانَ عَدَمُ تَكْلِيمِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مَذْكُورًا في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ هو اليَوْمُ الَّذِي يُكَلِّمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ كُلَّ الخَلائِقِ بِلا واسِطَةٍ فَيَظْهَرُ عِنْدَ كَلامِهِ السُّرُورُ في أوْلِيائِهِ، وضِدُّهُ في أعْدائِهِ، ويَتَمَيَّزُ أهْلُ الجَنَّةِ بِذَلِكَ مِن أهْلِ النّارِ، فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الوَعِيدِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ﴾ اسْتِعارَةٌ عَنِ الغَضَبِ؛ لِأنَّ عادَةَ المُلُوكِ أنَّهم عِنْدَ الغَضَبِ يُعْرِضُونَ عَنِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ ولا يُكَلِّمُونَهُ، كَما أنَّهم عِنْدَ الرِّضا يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ بِالوَجْهِ والحَدِيثِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: لا يَنْسُبُهم إلى التَّزْكِيَةِ ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ. الثّانِي: لا يَقْبَلُ أعْمالَهم كَما يَقْبَلُ أعْمالَ الأزْكِياءِ. الثّالِثُ: لا يُنْزِلُهم مَنازِلَ الأزْكِياءِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ الفَعِيلَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الفاعِلِ كالسَّمِيعِ بِمَعْنى السّامِعِ والعَلِيمَ بِمَعْنى العالِمِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالجَرِيحِ والقَتِيلِ بِمَعْنى المَجْرُوحِ والمَقْتُولِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المُفْعِلِ كالبَصِيرِ بِمَعْنى المُبْصِرِ والألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مَسائِلَ: صفحة ٢٥ المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ قالُوا: العِقابُ هو المَضَرَّةُ الخالِصَةُ المَقْرُونَةُ بِالإهانَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى الإهانَةِ والِاسْتِخْفافِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى المَضَرَّةِ، وقَدَّمَ الإهانَةَ عَلى المَضَرَّةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإهانَةَ أشَقُّ وأصْعَبُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ الكِتْمانِ لِكُلِّ عِلْمٍ في بابِ الدِّينِ يَجِبُ إظْهارُهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فالآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في اليَهُودِ لَكِنَّها عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ مَن كَتَمَ شَيْئًا مِن بابِ الدِّينِ يَجِبُ إظْهارُهُ، فَتَصْلُحُ لِأنْ يَتَمَسَّكُ بِها القاطِعُونَ بِوَعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:175

قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عُلَماءَ اليَهُودِ بِكِتْمانِ الحَقِّ وعَظَّمَ في الوَعِيدِ عَلَيْهِ، وصَفَ ذَلِكَ الجُرْمِ لِيُعْلِمَ أنَّ ذَلِكَ العِقابَ إنَّما عَظُمَ لِهَذا الجُرْمِ العَظِيمِ. واعْلَمْ أنَّ الفِعْلَ إمّا أنْ يُعْتَبَرَ حالُهُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَأحْسَنُ الأشْياءِ الِاهْتِداءُ والعِلْمُ وأقْبَحُ الأشْياءِ الضَّلالُ والجَهْلُ، فَلَمّا تَرَكُوا الهُدى والعِلْمَ في الدُّنْيا، ورَضُوا بِالضَّلالِ والجَهْلِ، فَلا شَكَّ أنَّهم في نِهايَةِ الخَسارَةِ في الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَأحْسَنُ الأشْياءِ المَغْفِرَةُ، وأخْسَرُها العَذابُ، فَلَمّا تَرَكُوا المَغْفِرَةَ ورَضُوا بِالعَذابِ، فَلا شَكَّ أنَّهم في نِهايَةِ الخَسارَةِ في الآخِرَةِ. وإذا كانَتْ صِفَتُهم عَلى ما ذَكَرْناهُ، كانُوا لا مَحالَةَ أعْظَمَ النّاسِ خَسارًا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وإنَّما حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ اشْتَرَوُا العَذابَ بِالمَغْفِرَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا عالِمِينَ بِما هو الحَقُّ، وكانُوا عالِمِينَ بِأنَّ في إظْهارِهِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ عَنْهُ أعْظَمَ الثَّوابِ، وفي إخْفائِهِ وإلْقاءِ الشُّبْهَةِ فِيهِ أعْظَمَ العِقابِ، فَلَمّا أقْدَمُوا عَلى إخْفاءِ ذَلِكَ الحَقِّ كانُوا بائِعِينَ لِلْمَغْفِرَةِ بِالعَذابِ لا مَحالَةَ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ (ما) في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِفْهامُ التَّوْبِيخِ مَعْناهُ: ما الَّذِي أصْبَرَهم وأيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهَمْ عَلى النّارِ حَتّى تَرَكُوا الحَقَّ واتَّبَعُوا الباطِلَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ أصْبَرَ بِمَعْنى صَبَّرَ وكَثِيرًا ما يَكُونُ أفْعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ نَحْوُ أكْرَمَ وكَرَّمَ، وأخْبَرَ وخَبَّرَ. الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الرّاضِيَ بِمُوجِبِ الشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ راضِيًا بِمَعْلُولِهِ ولازِمِهِ إذا عَلِمَ ذَلِكَ اللُّزُومَ، فَلَمّا أقْدَمُوا عَلى ما يُوجِبُ النّارَ ويَقْتَضِي عَذابَ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ صارُوا كالرّاضِينَ بِعَذابِ اللَّهِ تَعالى، والصّابِرِينَ عَلَيْهِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ وهو كَما تَقُولُ لِمَن يَتَعَرَّضُ لِما يُوجِبُ غَضَبَ السُّلْطانِ: ما أصْبَرَكَ عَلى القَيْدِ والسِّجْنِ. إذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ عَلى حالِهِمْ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لَهم في حالِ التَّكْلِيفِ، وفي حالِ اشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى. وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فَهم يَسْكُتُونَ صفحة ٢٦ ويَصْبِرُونَ عَلى النّارِ لِلْيَأْسِ مِنَ الخَلاصِ. وهَذا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِذَلِكَ في الحالِ فَصَرَفَهُ إلى أنَّهم سَيَصِيرُونَ كَذَلِكَ خِلافَ الظّاهِرِ. وثانِيها: أنَّ أهْلَ النّارِ قَدْ يَقَعُ مِنهُمُ الجَزَعُ والِاسْتِغاثَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في حَقِيقَةِ التَّعَجُّبِ وفي الألْفاظِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ في اللُّغَةِ. وهَهُنا بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: في التَّعَجُّبِ: وهو اسْتِعْظامُ الشَّيْءِ مَعَ خَفاءِ سَبَبِ حُصُولِ عِظَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَما لَمْ يُوجَدِ المَعْنَيانِ لا يَحْصُلُ التَّعَجُّبُ هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لَفْظَةُ التَّعَجُّبِ عِنْدَ مُجَرَّدِ الِاسْتِعْظامِ مِن غَيْرِ خَفاءِ السَّبَبِ أوْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْعَظَمَةِ سَبَبُ حُصُولٍ، ولِهَذا أنْكَرَ شُرَيْحٌ قِراءَةَ مَن قَرَأ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بِضَمِّ التّاءِ مِن ”عَجِبْتُ“، فَإنَّهُ رَأى أنَّ خَفاءَ شَيْءٍ ما عَلى اللَّهِ مُحالٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: مَعْنى التَّعَجُّبِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُجَرَّدُ الِاسْتِعْظامِ، وإنْ كانَ في حَقِّ العِبادِ لا بُدَّ مَعَ الِاسْتِعْظامِ مِن خَفاءِ السَّبَبِ كَما أنَّهُ يَجُوزُ إضافَةُ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ والمَكْرِ إلى اللَّهِ تَعالى، لا بِالمَعْنى الَّذِي يُضافُ إلى العِبادِ. البَحْثُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّ لِلتَّعَجُّبِ صِيغَتَيْنِ: أحَدُهُما: ما أفْعَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ . والثّانِي: أفْعِلْ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] . أمّا العِبارَةُ الأُولى: وهي قَوْلُهم؛ ما أصْبَرَهُ؛ فَفِيها مَذاهِبُ. القَوْلُ الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ البَصْرِيِّينَ أنَّ (ما) اسْمٌ مُبْهَمٌ يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ، وأحْسَنَ فِعْلٌ وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ وزَيْدًا مَفْعُولٌ وتَقْدِيرُهُ: شَيْءٌ حَسَّنَ زَيْدًا أيْ صَيَّرَهُ حَسَنًا. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ فاسِدٌ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: ما أكْرَمَ اللَّهَ، وما أعْظَمَهُ وما أعْلَمَهُ، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ صِفاتِهِ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يُقالَ: شَيْءٌ جَعَلَ اللَّهَ كَرِيمًا وعَظِيمًا وعالِمًا؛ لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى واجِبَةٌ لِذاتِهِ. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ إذا أُطْلِقَتْ فِيما يَجُوزُ عَلَيْهِ الحُدُوثُ كانَ المُرادُ مِنهُ الِاسْتِعْظامُ مَعَ خَفاءِ سَبَبِهِ وإذا أُطْلِقَتْ عَلى اللَّهِ تَعالى كانَ المُرادُ مِنهُ أحَدَ شَطْرَيْهِ وهو الِاسْتِعْظامُ فَحَسْبُ. قُلْنا: إذا قُلْنا ما أعْظَمَ اللَّهَ فَكَلِمَةُ (ما) هَهُنا لَيْسَتْ بِمَعْنى شَيْءٍ فَلا تَكُونُ مُبْتَدَأً، ولا يَكُونُ أعْظَمَ خَبَرًا عَنْهُ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِ إلى وجْهٍ آخَرَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذِهِ الأشْياءِ في مَقامِ التَّعَجُّبِ غَيْرُ صَحِيحٍ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مَعْنى قَوْلِنا: ما أحْسَنَ زَيْدًا؛ شَيْءٌ حَسَّنَ زَيْدًا، لَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْنى التَّعَجُّبِ إذا صَرَّحْنا بِهَذا الكَلامِ، ومَعْلُومٌ أنّا إذا قُلْنا: شَيْءٌ حَسَّنَ زَيْدًا فَإنَّهُ لا يَبْقى فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ البَتَّةَ، بَلْ كانَ ذَلِكَ كالهَذَيانِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ قَوْلِنا: ما أحْسَنَ زَيْدًا بِقَوْلِنا: شَيْءٌ حَسَّنَ زَيْدًا. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الَّذِي حَسَّنَ زَيْدًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والعالَمَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِـ ”ما“، وإنْ جازَ ذَلِكَ لَكانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِـ ”مَن“ أوْلى، فَكانَ يَنْبَغِي أنّا لَوْ قُلْنا: مَن أحْسَنَ زَيْدًا أنْ يَبْقى مَعْنى التَّعَجُّبِ، ولَمّا لَمْ يَبْقَ عَلِمْنا فَسادَ ما قالُوهُ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ عَلى التَّفْسِيرِ الَّذِي قالُوا لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ما أحْسَنَ زَيْدًا وبَيْنَ قَوْلِهِ: زَيْدًا ضَرَبَ عَمْرًا فَكَما أنَّ هَذا لَيْسَ بِتَعَجُّبٍ وجَبَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ كَذَلِكَ. صفحة ٢٧ الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ كُلَّ صِفَةٍ ثَبَتَتْ لِلشَّيْءِ فَثُبُوتُها لَهُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ مِن نَفْسِهِ أوْ مَن غَيْرِهِ، فَإذا كانَ المُؤَثِّرُ في تِلْكَ الصِّفَةِ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَشَيْءٌ صَيَّرَهُ حَسَنًا، إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ هو نَفْسُهُ أوْ غَيْرُهُ، فَإذَنِ العِلْمُ بِأنَّ شَيْئًا صَيَّرَهُ حَسَنًا عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ، والعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُتَعَجَّبًا مِنهُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ، فَإذَنْ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ قَوْلِنا: ما أحْسَنَ زَيْدًا بِقَوْلِنا شَيْءٌ حَسَّنَ زَيْدًا. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهم قالُوا: المُبْتَدَأُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَكِرَةً فَكَيْفَ جَعَلُوا هَهُنا أشَدَّ الأشْياءِ تَنْكِيرًا مُبْتَدَأً ؟ وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَجُلٌ كاتِبٌ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ في الدُّنْيا رَجُلًا كاتِبًا فَلا يَكُونُ هَذا الكَلامُ مُفِيدًا: وكَذا كُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ شَيْئًا ما هو الَّذِي حَسَّنَ زَيْدًا فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذا الإخْبارِ ؟ الحُجَّةُ السّابِعَةُ: دُخُولُ التَّصْغِيرِ الَّذِي هو مِن خاصِّيَّةِ الأسْماءِ في قَوْلِكَ: ما أحْسَنَ زَيْدًا، فَإنْ قِيلَ: جَوازُ دُخُولِ التَّصْغِيرِ إنَّما كانَ؛ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ قَدْ لَزِمَ طَرِيقَةً واحِدَةً، فَصارَ مُشابِهًا لِلِاسْمِ فَأخَذَ خاصِّيَّتَهُ وهو التَّصْغِيرُ قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ لِلْفِعْلِ ماهِيَّةً ولِلتَّصْغِيرِ ماهِيَّةً فَهاتانِ الماهِيَّتانِ: إمّا أنْ يَكُونا مُتَنافِيَتَيْنِ، أوْ لا يَكُونا مُتَنافِيَتَيْنِ، فَإنْ كانَتا مُتَنافِيَتَيْنِ اسْتَحالَ اجْتِماعُهُما في كُلِّ المَواضِعِ، فَحَيْثُ اجْتِماعُهُما هَهُنا عَلِمْنا أنَّ هَذا لَيْسَ بِفِعْلٍ، وإنْ لَمْ يَكُونا مُتَنافِيَتَيْنِ وجَبَ صِحَّةُ تَطَرُّقِ التَّصْغِيرِ إلى كُلِّ الأفْعالِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَ هَذا القِسْمِ. الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: تَصْحِيحُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وإبْطالُ إعْلالِهِ فَإنَّكَ تَقُولُ في التَّعَجُّبِ: ما أقْوَمَ زَيْدًا بِتَصْحِيحِ الواوِ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أقْوَمُ مِن عَمْرٍو، ولَوْ كانَتْ فِعْلًا لَكانَتْ واوُهُ ألِفًا لِفَتْحَةِ ما قَبْلَها، ألا تَراهم يَقُولُونَ: أقامَ يُقِيمُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمّا لَزِمَتْ طَرِيقَةً واحِدَةً صارَتْ بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ أنَّ الإعْلالَ في الأفْعالِ ما كانَ لِعِلَّةِ كَوْنِها فِعْلًا ولا التَّصْحِيحَ في الأسْماءِ لِعِلَّةِ الِاسْمِيَّةِ، بَلْ كانَ الإعْلالُ في الأفْعالِ لِطَلَبِ الخِفَّةِ عِنْدَ وُجُوبِ كَثْرَةِ التَّصَرُّفِ، وعَدَمُ الإعْلالِ في الأسْماءِ لِعَدَمِ التَّصَرُّفِ، وهَذا الفِعْلُ بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ في عِلَّةِ التَّصْحِيحِ والِامْتِناعِ مِنَ الإعْلالِ قُلْنا: لَمّا كانَ الإعْلالُ في الأفْعالِ لِطَلَبِ الخِفَّةِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ خَفِيفًا ثُمَّ يُتْرُكَ عَلى خِفَّتِهِ، فَإنَّ هَذا أقْرَبُ إلى العَقْلِ. الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: أنَّ قَوْلَكَ: ”أحْسَنَ“ لَوْ كانَ فِعْلًا، وقَوْلَكَ: ”زَيْدًا“ مَفْعُولًا لَجازَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالظَّرْفِ، فَيُقالُ: ما أحْسَنَ عِنْدَكَ زَيْدًا، وما أجْمَلَ اليَوْمَ عَبْدَ اللَّهِ، والرِّوايَةُ الظّاهِرَةُ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَبَطَلَ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ. الحُجَّةُ العاشِرَةُ: أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ عَلى ما ذَكَرْتُمْ لَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ التَّعَجُّبُ بِكُلِّ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ مُجَرَّدًا كانَ أوْ مَزِيدًا، ثُلاثِيًّا كانَ أوْ رُباعِيًّا، وحَيْثُ لَمْ يَجُزْ إلّا مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ دَلَّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ. واحْتَجَّ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّ أحْسَنَ في قَوْلِنا، ما أحْسَنَ زَيْدًا فِعْلٌ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: بِأنَّ أحْسَنَ فِعْلٌ بِالِاتِّفاقِ فَنَحْنُ عَلى فِعْلِيَّتِهِ إلى قِيامِ الدَّلِيلِ الصّارِفِ عَنْهُ. وثانِيها: أنَّ أحْسَنَ مَفْتُوحُ الآخِرِ، ولَوْ كانَ اسْمًا لَوَجَبَ أنْ يَرْتَفِعَ إذا كانَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ. وثالِثُها: الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ فِعْلًا اتِّصالُ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِهِ، وهو قَوْلُكَ: ما أحْسَنَهُ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ أحْسَنَ كَما أنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِعْلًا، فَهو أيْضًا قَدْ يَكُونُ اسْمًا، حِينَ ما يَكُونُ كَلِمَةَ تَفْضِيلٍ، وأيْضًا فَقَدْ دَلَّلْنا بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا وأنْتُمْ ما طَلَبْتُمُونا إلّا بِالدَّلالَةِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنّا سَنَذْكُرُ العِلَّةَ في لُزُومِ الفَتْحَةِ لِآخِرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. صفحة ٢٨ والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِقَوْلِكَ: لَعَلِّي ولَيْتَنِي، والعَجَبُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالتَّصْغِيرِ عَلى الِاسْمِيَّةِ أقْوى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذا الضَّمِيرِ عَلى الفِعْلِيَّةِ، فَإذا تَرَكْتُمْ ذَلِكَ الدَّلِيلَ القَوِيَّ، فَبِأنْ تَتْرُكُوا هَذا الضَّعِيفَ أوْلى، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا القَوْلِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الأخْفَشِ قالَ: القِياسُ أنْ يُجْعَلَ المَذْكُورُ بَعْدَ كَلِمَةِ (ما) وهو قَوْلُكَ: ”أحْسَنَ“ صِلَةً لِما، ويَكُونُ خَبَرُ (ما) مُضْمَرًا. وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأكْثَرِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ مِنها أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: الَّذِي أحْسَنَ زَيْدًا لَيْسَ هو بِكَلامٍ مُنْتَظِمٍ، وقَوْلُكَ: ما أحْسَنَ زَيْدًا كَلامٌ مُنْتَظِمٌ وكَذا القَوْلُ في بَقِيَّةِ الوُجُوهِ. القَوْلُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ كَلِمَةَ (ما) لِلِاسْتِفْهامِ وأفْعَلَ اسْمٌ، وهو لِلتَّفْضِيلِ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ أحْسَنُ مِن عَمْرٍو، ومَعْناهُ أيُّ شَيْءٍ أحْسَنُ مِن زَيْدٍ فَهو اسْتِفْهامٌ تَحْتَهُ إنْكارٌ أنَّهُ وُجِدَ شَيْءٌ أحْسَنُ مِنهُ، كَما يَقُولُ مَن أخْبَرَ عَنْ عِلْمِ إنْسانٍ فَأنْكَرَهُ غَيْرُهُ فَيَقُولُ هَذا المُخْبِرُ: ومَن أعْلَمُ مِن فُلانٍ ؟ إظْهارًا مِنهُ ما يَدَّعِيهِ مُنازِعُهُ عَلى خِلافِ الحَقِّ، وأنْ لا يُمْكِنُهُ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ويَظْهَرُ عَجْزُهُ في ذَلِكَ عِنْدَ مُطالَبَتِي إيّاهُ بِالدَّلِيلِ، ثُمَّ قَوْلُكَ: أحْسَنُ وإنْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِكَ: ما أحْسَنُ زَيْدٍ إذا اسْتَفْهَمْتَ عَنْ أحْسَنِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، إلّا أنَّهُ نُصِبَ لِيَقَعَ الفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ وبَيْنَ هَذا، فَإنَّ هُناكَ مَعْنى قَوْلِكَ: ما أحْسَنُ زَيْدٍ، أيُّ عُضْوٍ مِن زَيْدٍ أحْسَنُ، وفي هَذا مَعْناهُ أيُّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ في العالَمِ أحْسَنُ مِن زَيْدٍ، وبَيْنَهُما فَرْقٌ كَما تَرى، واخْتِلافُ الحَرَكاتِ مَوْضُوعٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي، والنَّصْبُ قَوْلُنا زَيْدًا أيْضًا لِلْفَرْقِ؛ لِأنَّهُ هُناكَ خَفْضٌ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ أحْسَنُ إلَيْهِ، ونُصِبَ هُنا لِلْفَرْقِ، وأيْضًا فَفي كُلِّ تَفْضِيلٍ مَعْنى الفِعْلِ، وفي كُلِّ ما فُضِّلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مَعْنى المَفْعُولِ، فَإنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: زَيْدٌ أعْلَمُ مِن عَمْرٍو، أنَّ زَيْدًا جاوَزَ عَمْرًا في العِلْمِ، فَجُعِلَ هَذا المَعْنى مُعْتَبَرًا عِنْدَ الحاجَةِ إلى الفَرْقِ. القَوْلُ الرّابِعُ: وهو أيْضًا قَوْلُ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ قالَ: إنَّ (ما) لِلِاسْتِفْهامِ وأحْسَنُ فِعْلٌ كَما يَقُولُهُ البَصْرِيُّونَ، مَعْناهُ: أيُّ شَيْءٍ حَسَّنَ زَيْدًا، كَأنَّكَ تَسْتَدِلُّ بِكَمالِ هَذا الحُسْنِ عَلى كَمالِ فاعِلِ هَذا الحُسْنِ، ثُمَّ تَقُولُ: إنَّ عَقْلِي لا يُحِيطُ بِكُنْهِ كَمالِهِ، فَتَسْألُ غَيْرَكَ أنَّ يَشْرَحَ لَكَ كَمالَهُ، فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ. وأمّا تَحْقِيقُ الكَلامِ في أفْعِلْ بِهِ فَسَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] .

البقرة 2:176

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ فَذَكَرُوا وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى الَّذِينَ يَكْتُمُونَ البَيِّناتِ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الوَعِيدَ عَلى ذَلِكَ الكِتْمانِ إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ والنَّصارى لِأجْلِ مُشاقَّةِ الرَّسُولِ يُخْفُونَهُ ويُوقِعُونَ الشُّبْهَةَ فِيهِ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ قَدْ تَقَدَّمَ في وعِيدِهِمْ أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّهُمُ اشْتَرَوُا العَذابَ بِالمَغْفِرَةِ. وثانِيها: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ صفحة ٢٩ بِالهُدى. وثالِثُها: أنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. ورابِعُها: أنَّ اللَّهَ لا يُزَكِّيهِمْ. وخامِسُها: أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُهم. فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، وأنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَجْمُوعِها. الثّانِي: أنَّ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَفْعَلُونَهُ مِن جَراءَتِهِمْ عَلى اللَّهِ في مُخالَفَتِهِمْ أمْرَ اللَّهِ، وكِتْمانِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو مِن أجْلِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ، وقَدْ نَزَلَ فِيهِ أنَّ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءَ مِن أهْلِ الكِتابِ لا يُؤْمِنُونَ ولا يَنْقادُونَ، ولا يَكُونُ مِنهم إلّا الإصْرارُ عَلى الكُفْرِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ، أمّا في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ولا مَحالَةَ لَهُ خَبَرٌ، وذَلِكَ الخَبَرُ وجْهانِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ؛ ذَلِكَ الوَعِيدُ مَعْلُومٌ لَهم بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ، فَبَيَّنَ فِيهِ وعِيدَ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ فَكانَ هَذا الوَعِيدُ مَعْلُومًا لَهم لا مَحالَةَ. الثّانِي: التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ وكَفَرُوا بِهِ، فَيَكُونُ الباءُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالخَبَرِيَّةِ، وأمّا في مَحَلِّ النَّصْبِ فَلِأنَّ التَّقْدِيرَ: فَعَلْنا ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وهم قَدْ حَرَّفُوهُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِنَ الكِتابِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هو التَّوْراةَ والإنْجِيلَ المُشْتَمِلَيْنِ عَلى بَعْثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هو القُرْآنَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ المَعْنى: وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ وتَحْرِيفِهِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ المَعْنى: وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في كَوْنِهِ حَقًّا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالصِّدْقِ، وقِيلَ بِبَيانِ الحَقِّ. * * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا قِيلَ: هُمُ الكُفّارُ أجْمَعُ اخْتَلَفُوا في القُرْآنِ، والأقْرَبُ حَمْلُهُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ اللَّذَيْنِ ذُكِرَتِ البِشارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيهِما؛ لِأنَّ القَوْمَ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ وكَتَمُوهُ وحَرَّفُوا تَأْوِيلَهُ، فَإذا أوْرَدَ تَعالى ما يَجْرِي مَجْرى العِلَّةِ في إنْزالِ العُقُوبَةِ بِهِمْ فالأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كِتابَهُمُ الَّذِي هو الأصْلُ عِنْدَهم دُونَ القُرْآنِ الَّذِي إذا عَرَفُوهُ فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ لِصِحَّةِ كِتابِهِمْ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَقِيلَ: بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: بِبَيانِ الحَقِّ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ فاعْلَمْ أنّا وإنْ قُلْنا: المُرادُ مِنَ الكِتابِ هو القُرْآنُ، كانَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّهُ كَهانَةٌ، وآخَرُونَ قالُوا: إنَّهُ سِحْرٌ، وثالِثٌ قالَ: رِجْزٌ، ورابِعٌ قالَ: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ وخامِسٌ قالَ: إنَّهُ كَلامٌ مَنقُولٌ مُخْتَلَقٌ. وإنْ قُلْنا: المُرادُ مِنَ الكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ فالمُرادُ بِاخْتِلافِهِمْ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهم مُخْتَلِفُونَ في دَلالَةِ التَّوْراةِ عَلى نُبُوَّةِ المَسِيحِ، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّها دالَّةٌ عَلى القَدْحِ في عِيسى والنَّصارى قالُوا: إنَّها دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ. وثانِيها: أنَّ القَوْمَ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَهُ تَأْوِيلًا آخَرَ فاسِدًا؛ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا لَمْ يَكُنْ حَقًّا واجِبَ القَبُولِ بَلْ كانَ مُتَكَلَّفًا كانَ كُلُّ أحَدٍ يَذْكُرُ شَيْئًا آخَرَ عَلى خِلافِ قَوْلِ صاحِبِهِ، فَكانَ هَذا هو الِاخْتِلافَ صفحة ٣٠ وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿اخْتَلَفُوا﴾ مِن بابِ افْتَعَلَ الَّذِي يَكُونُ مَكانَ فَعَلَ، كَما يُقالُ: كَسَبَ واكْتَسَبَ، وعَمِلَ واعْتَمَلَ، وكَتَبَ واكْتَتَبَ، وفَعَلَ وافْتَعَلَ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ الَّذِينَ خَلَفُوا فِيهِ أيْ تَوارَثُوهُ وصارُوا خُلَفاءَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] أيْ كُلُّ واحِدٍ يَأْتِي خَلْفَ الآخَرِ، وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢] أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَخْلُفُ الآخَرَ. وفِي الآيَةِ تَأْوِيلٌ ثالِثٌ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ جِنْسَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، والمُرادُ بِالَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ الَّذِينَ اخْتَلَفَ قَوْلُهم في الكِتابِ، فَقَبِلُوا بَعْضَ كُتُبِ اللَّهِ ورَدُّوا البَعْضَ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى حَيْثُ قَبِلُوا بَعْضَ كُتُبِ اللَّهِ وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ورَدُّوا الباقِيَ وهو القُرْآنُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ في كَيْفِيَّةِ تَحْرِيفِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِأجْلِ عَداوَتِكَ هم فِيما بَيْنَهم في شِقاقٍ بَعِيدٍ ومُنازَعَةٍ شَدِيدَةٍ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَلْتَفِتَ إلى اتِّفاقِهِمْ عَلى العَداوَةِ فَإنَّهُ لَيْسَ فِيما بَيْنَهم مُؤالَفَةٌ ومُوافَقَةٌ. وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِمُحَمَّدٍ هَؤُلاءِ وإنِ اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم فَإنَّهم كالمُتَّفِقِينَ عَلى عَداوَتِكَ وغايَةِ المُشاقَّةِ لَكَ فَلِهَذا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ الوَعِيدِ. وثالِثُها: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلى أصْلِ التَّحْرِيفِ واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ التَّحْرِيفِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يُكَذِّبُ صاحِبَهُ ويُشاقُّهُ ويُنازِعُهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدِ اعْتَرَفُوا بِكَذِبِهِمْ بِقَوْلِهِمْ فَلا يَكُونُ قَدْحُهم فِيكَ قادِحًا فِيكَ البَتَّةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:177

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ هَذا الخِطابَ عامٌّ أوْ خاصٌّ فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ أهْلَ الكِتابِ لَمّا شَدَّدُوا في الثَّباتِ عَلى التَّوَجُّهِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَقالَ تَعالى: لَيْسَ البِرُّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ. وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ مُخاطَبَةُ المُؤْمِنِينَ لَمّا ظَنُّوا أنَّهم قَدْ نالُوا البُغْيَةَ بِالتَّوَجُّهِ إلى صفحة ٣١ الكَعْبَةِ مِن حَيْثُ كانُوا يُحِبُّونَ ذَلِكَ فَخُوطِبُوا بِهَذا الكَلامِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ هو خِطابٌ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّ عِنْدَ نَسْخِ القِبْلَةِ وتَحْوِيلِها حَصَلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الِاغْتِباطُ بِهَذِهِ القِبْلَةِ وحَصَلَ مِنهُمُ التَّشَدُّدُ في تِلْكَ القِبْلَةِ حَتّى ظَنُّوا أنَّهُ الغَرَضُ الأكْبَرُ في الدِّينِ فَبَعَثَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الخِطابِ عَلى اسْتِيفاءِ جَمِيعِ العِباداتِ والطّاعاتِ، وبَيَّنَ أنَّ البِرَّ لَيْسَ بِأنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم شَرْقًا وغَرْبًا، وإنَّما البِرُّ كَيْتَ وكَيْتَ، وهَذا أشْبَهُ بِالظّاهِرِ؛ إذْ لا تَخْصِيصَ فِيهِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ؛ لَيْسَ البِرُّ المَطْلُوبُ هو أمْرَ القِبْلَةِ، بَلِ البِرُّ المَطْلُوبُ هَذِهِ الخِصالُ الَّتِي عَدَّها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ (لَيْسَ) فِعْلٌ ومِنهم مَن أنْكَرَهُ وزَعَمَ أنَّهُ حُرِّفَ. حُجَّةُ مَن قالَ إنَّها فِعْلٌ اتِّصالُ الضَّمائِرِ بِها الَّتِي لا تَتَّصِلُ إلّا بِالأفْعالِ كَقَوْلِكَ: لَسْتُ ولَسْنا ولَسْتُمْ والقَوْمُ لَيْسُوا قائِمِينَ. وهَذِهِ الحُجَّةُ مَنقُوضَةٌ بِقَوْلِهِ: إنَّنِي ولَيْتَنِي ولَعَلَّ. وحُجَّةُ المُنْكِرِينَ: أوَّلُها: أنَّها لَوْ كانَتْ فِعْلًا لَكانَتْ ماضِيًا ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا، فَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِعْلًا. بَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ كُلَّ مَن قالَ إنَّهُ فِعْلٌ قالَ إنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وبَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا اتِّفاقُ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ لِنَفْيِ الحالِ، ولَوْ كانَ ماضِيًا لَكانَ لِنَفْيِ الماضِي لا لِنَفْيِ الحالِ. وثانِيها: أنَّهُ يَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ، فَنَقُولُ: لَيْسَ يَخْرُجُ زَيْدٌ، والفِعْلُ لا يَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ عَقْلًا ونَقْلًا، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ (لَيْسَ) داخِلٌ عَلى ضَمِيرِ القِصَّةِ والشَّأْنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ؛ ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ جازَ مِثْلُهُ في (ما) . وثالِثُها: أنَّ الحَرْفَ (ما) يَظْهَرُ مَعْناهُ في غَيْرِهِ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ كَذَلِكَ، فَإنَّكَ لَوْ قُلْتَ: لَيْسَ زَيْدٌ لَمْ يَتِمَّ الكَلامُ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ تَقُولَ لَيْسَ زَيْدٌ قائِمًا. ورابِعُها: أنَّ (لَيْسَ) لَوْ كانَ فِعْلًا لَكانَ (ما) فِعْلًا وهَذا باطِلٌ، فَذاكَ باطِلٌ، بَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ (لَيْسَ) لَوْ كانَ فِعْلًا لَكانَ ذَلِكَ لِدَلالَتِهِ عَلى حُصُولِ مَعْنى السَّلْبِ مَقْرُونًا بِزَمانٍ مَخْصُوصٍ وهو الحالُ، وهَذا المَعْنى قائِمٌ في (ما) فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ (ما) فِعْلًا، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا فِعْلًا فَكَذا القَوْلُ ذَلِكَ، أوْ نَذْكُرُ هَذا المَعْنى بِعِبارَةٍ أُخْرى فَنَقُولُ: (لَيْسَ) كَلِمَةٌ جامِدَةٌ وُضِعَتْ لِنَفْيِ الحالِ فَأشْبَهَتْ (ما) في نَفْيِ الفِعْلِيَّةِ. وخامِسُها: أنَّكَ تَصِلُ (ما) بِالأفْعالِ الماضِيَةِ فَتَقُولُ: ما أحْسَنَ زَيْدًا، ولا يَجُوزُ أنْ تَصِلَ (ما) بِلَيْسَ فَلا تَقُولُ ما لَيْسَ زَيْدٌ يَذْكُرُكَ. سادِسُها: أنَّهُ عَلى غَيْرِ أوْزانِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ فَعْلَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في أبْنِيَةِ الفِعْلِ، فَكانَ في القَوْلِ بِأنَّهُ فِعْلٌ إثْباتُ ما لَيْسَ مِن أوْزانِ الفِعْلِ. فَإنْ قِيلَ: أصْلُهُ لَيْسَ مِثْلَ صَيْدِ البَعِيرِ إلّا أنَّهم خَفَّفُوهُ وألْزَمُوهُ التَّخْفِيفَ؛ لِأنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ لِلُزُومِهِ حالَةً واحِدَةً، وإنَّما تَخْتَلِفُ أبْنِيَةُ الأفْعالِ لِاخْتِلافِ الأوْقاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْها، وجَعَلُوا البِناءَ الَّذِي خَصُّوهُ بِهِ ماضِيًا؛ لِأنَّهُ أخَفُّ الأبْنِيَةِ. قُلْنا: هَذا كُلُّهُ خِلافُ الأصْلِ، فالأصْلُ عَدَمُهُ، ولِأنَّ الأصْلَ في الفِعْلِ التَّصَرُّفُ، فَلَمّا مَنَعُوهُ التَّصَرُّفَ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُبْقُوهُ عَلى بِنائِهِ الأصْلِيِّ لِئَلّا يَتَوالى عَلَيْهِ النُّقْصاناتُ، فَأمّا أنْ يُجْعَلَ مَنعُ التَّصَرُّفِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ عِلَّةً لِتَغَيُّرِ البِناءِ الَّذِي هو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ، فَذاكَ فاسِدٌ جِدًّا. وسابِعُها: ذَكَرَ القُتَيْبِيُّ أنَّها كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الحُرُوفِ: النّافِي الَّذِي هو لا، و: أيْسَ، أيْ مَوْجُودٌ، قالَ: ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: أخْرَجَهُ مِنَ اللَّيْسِيَّةِ إلى الأيْسِيَّةِ أيْ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وأيَسْتُهُ أيْ وجَدْتُهُ، وهَذا نَصٌّ في البابِ، قالَ: وذَكَرَ الخَلِيلُ أنَّ (لَيْسَ) كَلِمَةُ جَحُودٍ مَعْناها: لا أيْسَ، فَطُرِحَتِ الهَمْزَةُ اسْتِخْفافًا لِكَثْرَةِ ما يَجْرِي في الكَلامِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ العَرَبِ: ائْتِنِي بِهِ مِن حَيْثُ أيْسَ ولَيْسَ، ومَعْناهُ: مِن حَيْثُ هو ولا هو. وثامِنُها: الِاسْتِقْراءُ دَلَّ عَلى أنَّ الفِعْلَ إنَّما يُوضَعُ لِإثْباتِ المَصْدَرِ، وهَذا إنَّما يُفِيدُ السَّلْبَ أوَّلًا فَلا يَكُونُ فِعْلًا، فَإنْ قِيلَ: يَنْتَقِضُ قَوْلُكم بِقَوْلِهِ: نَفى زَيْدًا صفحة ٣٢ وأعْدَمَهُ، قُلْنا: قَوْلُكَ: نَفى زَيْدًا مُشْتَقٌّ مِنَ النَّفْيِ فَقَوْلُكَ: نَفى دَلَّ عَلى حُصُولِ مَعْنى النَّفْيِ فَكانَتِ الصِّيغَةُ الفِعْلِيَّةُ دالَّةً تُحَقِّقُ مَصْدَرَها، فَلَمْ يَكُنِ السُّؤالُ وارِدًا. وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ (لَيْسَ) فِعْلٌ فَقَدْ تَكَلَّفُوا في الجَوابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ بِأنَّ (لَيْسَ) قَدْ يَجِيءُ لِنَفْيِ الماضِي كَقَوْلِهِمْ: جاءَنِي القَوْمُ لَيْسَ زَيْدًا. وعَنِ الثّانِي أنَّهُ مَنقُوضٌ بِقَوْلِهِمْ: أخَذَ يَفْعَلُ كَذا. وعَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ مَنقُوضٌ بِسائِرِ الأفْعالِ النّاقِصَةِ. وعَنِ الرّابِعِ: أنَّ المُشابَهَةَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ لا تَقْتَضِي المُماثَلَةَ. وعَنِ الخامِسِ: أنَّ ذَلِكَ إنَّما امْتَنَعَ مِن قِبَلِ أنَّ: ”ما“، لِلْحالِ و(لَيْسَ) لِلْماضِي، فَلا يَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَهُما. وعَنِ السّادِسِ: أنَّ تَغَيُّرَ البِناءِ وإنْ كانَ عَلى خِلافِ الأصْلِ لَكِنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ ضَرُورَةَ العَمَلِ مِمّا ذَكَرْنا مِنَ الدَّلِيلِ. وعَنِ السّابِعِ: أنِ اللَّيْسِيَّةَ اسْمٌ فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ لَيْسَ اسْمٌ، وأمّا قَوْلُهُ: مِن حَيْثُ أيْسَ ولَيْسَ فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ المُضافَ إلَيْهِ يَجِبُ كَوْنُهُ اسْمًا، وأمّا الكِتابُ فَمَمْنُوعٌ مِنهُ بِالدَّلِيلِ. وعَنِ الثّامِنِ: أنَّ ”لَيْسَ“ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّيْسِيَّةِ فَهي دالَّةٌ عَلى تَقْرِيرِ مَعْنى اللَّيْسِيَّةِ. فَهَذا ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذِهِ المَسْألَةِ وإنْ كانَتْ هَذِهِ الجَواباتُ مُخْتَلِفَةً. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”لَيْسَ البِرَّ“ بِنَصْبِ الرّاءِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ الواحِدِيُّ: وكِلا القِراءَتَيْنِ حَسَنٌ؛ لِأنَّ اسْمَ (لَيْسَ) وخَبَرَها اجْتَمَعا في التَّعْرِيفِ فاسْتَوَيا في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما اسْمًا، والآخَرِ خَبَرًا. وحُجَّةُ مَن رَفَعَ (البِرُّ) أنَّ اسْمَ (لَيْسَ) مُشَبَّهٌ بِالفاعِلِ، وخَبَرَها بِالمَفْعُولِ، والفاعِلُ بِأنْ يَلِيَ الفِعْلَ أوْلى مِنَ المَفْعُولِ، ومَن نَصَبَ ”البِرَّ“ ذَهَبَ إلى أنَّ بَعْضَ النَّحْوِيِّينَ قالَ: ”أنَّ“ مَعَ صِلَتِها أوْلى أنْ تَكُونَ اسْمَ ”لَيْسَ“ لِشَبَهِها بِالمُضْمَرِ في أنَّها لا تُوصَفُ كَما لا يُوصَفُ المُضْمَرُ، فَكانَ هَهُنا اجْتَمَعَ مُضْمَرٌ ومُظْهَرٌ، والأوْلى إذا اجْتَمَعا أنْ يَكُونَ المُضْمَرُ الِاسْمَ مِن حَيْثُ كانَ أذْهَبَ في الِاخْتِصاصِ مِنَ المُظْهَرِ، وعَلى هَذا قُرِئَ في التَّنْزِيلِ قَوْلُهُ: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ﴾ [الحشر: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا﴾ [الأعراف: ٨٢] ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥] والِاخْتِيارُ رَفْعُ البِرِّ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: (لَيْسَ البِرُّ بِأنْ) والباءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ لَيْسَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: البِرُّ اسْمٌ جامِعٌ لِلطّاعاتِ، وأعْمالِ الخَيْرِ المُقَرِّبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومِن هَذا بِرُّ الوالِدَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] فَجَعَلَ البِرَّ ضِدَّ الفُجُورِ وقالَ: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٢] فَجَعَلَ البِرَّ ضِدَّ الإثْمِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما يُؤْجَرُ عَلَيْهِ الإنْسانُ، وأصْلُهُ مِنَ الِاتِّساعِ، ومِنهُ البَرُّ الَّذِي هو خِلافُ البَحْرِ لِاتِّساعِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القَفّالُ: قَدْ قِيلَ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ، والَّذِي عِنْدَنا أنَّهُ أشارَ إلى السُّفَهاءِ الَّذِينَ طَعَنُوا في المُسْلِمِينَ وقالُوا: ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، مَعَ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ المَغْرِبَ، والنَّصارى كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ المَشْرِقَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّ صِفَةَ البِرِّ لا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ اسْتِقْبالِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، بَلِ البِرُّ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ مَجْمُوعِ أُمُورٍ: أحَدُها: الإيمانُ بِاللَّهِ، وأهْلُ الكِتابِ أخَلُّوا بِذَلِكَ، أمّا اليَهُودُ فَلِقَوْلِهِمْ بِالتَّجْسِيمِ ولِقَوْلِهِمْ بِأنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، وأمّا النَّصارى، فَقَوْلُهم: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولِأنَّ اليَهُودَ وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِالبُخْلِ، عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] . صفحة ٣٣ وثانِيها: الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ، واليَهُودُ أخَلُّوا بِهَذا الإيمانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ والنَّصارى أنْكَرُوا المَعادَ الجُسْمانِيَّ، وكُلُّ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ بِاليَوْمِ الآخِرِ. وثالِثُها: الإيمانُ بِالمَلائِكَةِ، واليَهُودُ أخَلُّوا ذَلِكَ حَيْثُ أظْهَرُوا عَداوَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ورابِعُها: الإيمانُ بِكُتُبِ اللَّهِ، واليَهُودُ والنَّصارى قَدْ أخَلُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ رَدُّوهُ ولَمْ يَقْبَلُوهُ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] . وخامِسُها: الإيمانُ بِالنَّبِيِّينَ، واليَهُودُ أخَلُّوا بِذَلِكَ حَيْثُ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] وحَيْثُ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وسادِسُها: بَذْلُ الأمْوالِ عَلى وفْقِ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، واليَهُودُ أخَلُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يُلْقُونَ الشُّبُهاتِ لِطَلَبِ المالِ القَلِيلِ كَما قالَ: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . وسابِعُها: إقامَةُ الصَّلَواتِ والزَّكَواتُ واليَهُودُ كانُوا يَمْنَعُونَ النّاسَ مِنها. وثامِنُها: الوَفاءُ بِالعَهْدِ، واليَهُودُ نَقَضُوا العَهْدَ حَيْثُ قالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وهَهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَكُونَ التَّوَجُّهُ إلى القِبْلَةِ بِرًّا ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّ البِرَّ مَجْمُوعُ أُمُورٍ: أحَدُها: الصَّلاةُ، ولا بُدَّ فِيها مِنِ اسْتِقْبالٍ فَيَلْزَمُ التَّناقُضُ، ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ نَفْيٌ لِكَمالِ البِرِّ ولَيْسَ نَفْيًا لِأصْلِهِ كَأنَّهُ قالَ لَيْسَ البِرَّ كُلَّهُ هو هَذا، البِرُّ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الخِصالِ الحَمِيدَةِ، واسْتِقْبالُ القِبْلَةِ واحِدٌ مِنها، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ تَمامَ البِرِّ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا نَفْيًا لِأصْلِ كَوْنِهِ بِرًّا؛ لِأنَّ اسْتِقْبالَهم لِلْمَشْرِقِ والمَغْرِبِ كانَ خَطَأً في وقْتِ النَّفْيِ حِينَ ما نَسَخَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، بَلْ كانَ ذَلِكَ إثْمًا وفُجُورًا؛ لِأنَّهُ عَمَلٌ بِمَنسُوخٍ قَدْ نَهى اللَّهُ عَنْهُ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُعَدُّ في البِرِّ. الثّالِثُ: أنَّ اسْتِقْبالَ القِبْلَةِ لا يَكُونُ بِرًّا إذا لَمْ يُقارِنْهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وإنَّما يَكُونُ بِرًّا إذا أُتِيَ بِهِ مَعَ الإيمانِ وسائِرِ الشَّرائِطِ، كَما أنَّ السَّجْدَةَ لا تَكُونُ مِن أفْعالِ البِرِّ، إلّا إذا أُتِيَ بِها مَعَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَأمّا إذا أُتِيَ بِها بِدُونِ هَذا الشَّرْطِ، فَإنَّها لا تَكُونُ مِن أفْعالِ البِرِّ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ كَثُرَ الخَوْضُ في نَسْخِها وصارَ كَأنَّهُ لا يُراعى بِطاعَةِ اللَّهِ إلّا الِاسْتِقْبالُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ ما هَذا الخَوْضُ الشَّدِيدُ في أمْرِ القِبْلَةِ مَعَ الإعْراضِ عَنْ كُلِّ أرْكانِ الدِّينِ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فِيهِ حَذْفٌ، وفي كَيْفِيَّتِهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ، فَحُذِفَ المُضافُ وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أيْ حُبَّ العِجْلِ، ويَقُولُونَ: الجُودُ حاتِمٌ، والشِّعْرُ زُهَيْرٌ، والشَّجاعَةُ عَنْتَرَةُ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، وقُطْرُبٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ [التوبة: ١٩] ثُمَّ قالَ ﴿كَمَن آمَنَ﴾ [التوبة: ١٩] وتَقْدِيرُهُ، أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ كَمَن آمَنَ، أوْ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ كَإيمانِ مَن آمَنَ لِيَقَعَ التَّمْثِيلُ بَيْنَ مَصْدَرَيْنِ أوْ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، إذْ لا يَقَعُ التَّمْثِيلُ بَيْنَ مَصْدَرٍ وفاعِلٍ. وثانِيها: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البِرُّ هَهُنا بِمَعْنى الباءِ كَقَوْلِهِ: ﴿والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢] أيْ لِلْمُتَّقِينَ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ صفحة ٣٤ [الملك: ٣٠] أيْ غائِرًا، وقالَتِ الخَنْساءُ: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ أيْ مُقْبِلَةٌ ومُدْبِرَةٌ مَعًا. وثالِثُها: أنَّ مَعْناهُ: ولَكِنَّ ذا البِرِّ فَحُذِفَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ ذَوُو دَرَجاتٍ عَنِ الزَّجّاجِ. ورابِعُها: التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّ البِرَّ يَحْصُلُ بِالإيمانِ وكَذا وكَذا عَنِ المُفَصَّلِ. واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ أقْرَبُ إلى مَقْصُودِ الكَلامِ فَيَكُونُ مَعْناهُ: ولَكِنَّ البِرَّ الَّذِي هو كُلُّ البِرِّ الَّذِي يُؤَدِّي إلى الثَّوابِ العَظِيمِ بِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ. وعَنِ المُبَرِّدِ: لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ القُرْآنَ بِقِراءَتِهِ لَقَرَأْتُ ”ولَكِنَّ البَرَّ“ بِفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (ولَكِنِ) مُخَفَّفَةً ”البِرُّ“ بِالرَّفْعِ، والباقُونَ ”لَكِنَّ“ مُشَدَّدَةً ﴿البِرَّ﴾ بِالنَّصْبِ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى اعْتَبَرَ في تَحَقُّقِ ماهِيَّةِ البِرِّ أُمُورًا: الأوَّلُ: الإيمانُ بِأُمُورٍ خَمْسَةٍ: أوَّلُها: الإيمانُ بِاللَّهِ، ولَنْ يَحْصُلَ العِلْمُ بِاللَّهِ إلّا عِنْدَ العِلْمِ بِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، والعِلْمِ بِما يَجِبُ ويَجُوزُ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، ولَنْ يَحْصُلَ العِلْمُ بِهَذِهِ الأُمُورِ إلّا عِنْدَ العِلْمِ بِالدَّلالَةِ الدّالَّةِ عَلَيْها، فَيَدْخُلُ فِيهِ العِلْمُ بِحُدُوثِ العالَمِ، والعِلْمُ بِالأُصُولِ الَّتِي عَلَيْها يَتَفَرَّعُ حُدُوثُ العالَمِ، ويَدْخُلُ في العِلْمِ بِما يَجِبُ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ العِلْمُ بِوُجُودِهِ وقِدَمِهِ وبَقائِهِ، وكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ حَيًّا مُرِيدًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا، ويَدْخُلُ في العِلْمِ بِما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الحالِيَّةِ والمَحَلِّيَّةِ والتَّحَيُّزِ والعَرَضِيَّةِ، ويَدْخُلُ في العِلْمِ بِما يَجُوزُ عَلَيْهِ اقْتِدارُهُ عَلى الخَلْقِ والإيجادِ وبَعْثَةِ الرُّسُلِ. وثانِيها: الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا الإيمانُ مُفَرَّعٌ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنّا ما لَمْ نَعْلِمْ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ ولَمْ نَعْلَمْ قُدْرَتَهُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا يُمْكِنُنا أنْ نَعْلَمَ صِحَّةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ. وثالِثُها: الإيمانُ بِالمَلائِكَةِ. ورابِعُها: الإيمانُ بِالكُتُبِ. وخامِسُها: الإيمانُ بِالرُّسُلِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّهُ لا طَرِيقَ لَنا إلى العِلْمِ بِوُجُودِ المَلائِكَةِ ولا إلى العِلْمِ بِصِدْقِ الكُتُبِ إلّا بِواسِطَةِ صِدْقِ الرُّسُلِ، فَإذا كانَ قَوْلُ الرُّسُلِ كالأصْلِ في مَعْرِفَةِ المَلائِكَةِ والكُتُبِ فَلِمَ قَدَّمَ المَلائِكَةَ والكُتُبَ في الذِّكْرِ عَلى الرُّسُلِ ؟ . الجَوابُ: أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ كَما ذَكَرْتُمُوهُ في عُقُولِنا وأفْكارِنا، إلّا أنَّ تَرْتِيبَ الوُجُودِ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلَكَ يُوجَدُ أوَّلًا، ثُمَّ يَحْصُلُ بِواسِطَةِ تَبْلِيغِهِ نُزُولُ الكُتُبِ، ثُمَّ يَصِلُ ذَلِكَ الكِتابُ إلى الرَّسُولِ، فالمُراعى في هَذِهِ الآيَةِ تَرْتِيبُ الوُجُودِ الخارِجِيِّ، لا تَرْتِيبُ الِاعْتِبارِ الذِّهْنِيِّ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خُصَّ الإيمانُ بِهَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّهُ دَخَلَ تَحْتَها كُلُّ ما يَلْزَمُ أنْ نُصَدِّقَ بِهِ، فَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ الإيمانِ بِاللَّهِ: مَعْرِفَتُهُ بِتَوْحِيدِهِ وعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، ودَخَلَ تَحْتَ اليَوْمِ الآخِرِ: المَعْرِفَةُ بِما يَلْزَمُ مِن أحْكامِ الثَّوابِ والعِقابِ والمَعادِ، إلى سائِرِ ما يَتَّصِلُ بِذَلِكَ، ودَخَلَ تَحْتَ المَلائِكَةِ ما يَتَّصِلُ بِأدائِهِمُ الرِّسالَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِيُؤَدِّيَها إلَيْنا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ مِن أحْوالِ المَلائِكَةِ، ودَخَلَ تَحْتَ الكِتابِ القُرْآنُ، وجَمِيعُ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ، ودَخَلَ تَحْتَ النَّبِيِّينَ الإيمانُ بِنُبُوَّتِهِمْ، وصِحَّةِ شَرائِعِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ إلّا دَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ. وتَقْرِيرٌ آخَرُ: وهو أنَّ لِلْمُكَلَّفِ مَبْدَأً ووَسَطًا ونِهايَةً، ومَعْرِفَةُ المَبْدَأِ والمُنْتَهى هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، صفحة ٣٥ وهُوَ المُرادُ بِالإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وأمّا مَعْرِفَةُ مَصالِحِ الوَسَطِ فَلا تَتِمُّ إلّا بِالرِّسالَةِ وهي لا تَتِمُّ إلّا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: المَلائِكَةِ الآتِينَ بِالوَحْيِ، ونَفْسِ ذَلِكَ الوَحْيِ وهو الكِتابُ، والمُوحى إلَيْهِ وهو الرَّسُولُ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قُدِّمَ هَذا الإيمانُ عَلى أفْعالِ الجَوارِحِ، وهو إيتاءُ المالِ، والصَّلاةُ، والزَّكاةُ. الجَوابُ: لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أعْمالَ القُلُوبِ أشْرَفُ عِنْدَ اللَّهِ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ. * * * الأمْرُ الثّانِي مِنَ الأُمُورِ المُعْتَبَرَةِ في تَحَقُّقِ مُسَمّى البِرِّ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ راجِعٌ إلى المالِ، والتَّقْدِيرُ: وآتى المالَ عَلى حُبِّ المالِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: وهو أنْ تُؤْتِيَهُ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمَلُ الغِنى، وتَخْشى الفَقْرَ، ولا تُمْهِلْ حَتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذا ولِفُلانٍ كَذا، وهَذا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ حالَ الصِّحَّةِ أفْضَلُ مِنها عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ عِنْدَ الصِّحَّةِ يَحْصُلُ ظَنُّ الحاجَةِ إلى المالِ وعِنْدَ ظَنِّ قُرْبِ المَوْتِ يَحْصُلُ ظَنُّ الِاسْتِغْناءِ عَنِ المالِ، وبَذْلُ الشَّيْءِ عِنْدَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ أدَلُّ عَلى الطّاعَةِ مِن بَذْلِهِ عِنْدَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ عَلى ما قالَ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . وثانِيها: أنَّ إعْطاءَهُ حالَ الصِّحَّةِ أدَلُّ عَلى كَوْنِهِ مُتَيَقِّنًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ مِن إعْطائِهِ حالَ المَرَضِ والمَوْتِ. وثالِثُها: أنَّ إعْطاءَهُ حالَ الصِّحَّةِ أشَقُّ، فَيَكُونُ أكْثَرَ ثَوابًا قِياسًا عَلى ما يَبْذُلُهُ الفَقِيرُ مِن جُهْدِ المُقِلِّ فَإنَّهُ يَزِيدُ ثَوابُهُ عَلى ما يَبْذُلُهُ الغَنِيُّ. ورابِعُها: أنَّ مَن كانَ مالُهُ عَلى شَرَفِ الزَّوالِ فَوَهَبَهُ مِن أحَدٍ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَهَبْهُ لَضاعَ فَإنَّ هَذِهِ الهِبَةَ لا تَكُونُ مُساوِيَةً لِما إذا لَمْ يَكُنْ خائِفًا مِن ضَياعِ المالِ ثُمَّ إنَّهُ وهَبَهُ مِنهُ طائِعًا وراغِبًا، فَكَذا هَهُنا. وخامِسُها: أنَّهُ مُتَأيِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] أيْ عَلى حُبِّ الطَّعامِ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«مَثَلُ الَّذِي تَصَدَّقَ عِنْدَ المَوْتِ مَثَلُ الَّذِي يُهْدِي بَعْدَما شَبِعَ» “ . القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الإيتاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: يُعْطِي ويُحِبُّ الإعْطاءَ رَغْبَةً في ثَوابِ اللَّهِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، يَعْنِي يُعْطُونَ المالَ عَلى حُبِّ اللَّهِ أيْ عَلى طَلَبِ مَرْضاتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن هَذا الإيتاءِ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّها الزَّكاةُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ الزَّكاةَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ ومِن حَقِّ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أنْ يَتَغايَرا، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُ الزَّكاةِ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ التَّطَوُّعاتِ أوْ مِنَ الواجِباتِ، لا جائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّطَوُّعاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وقَفَ التَّقْوى عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ نَدْبًا لَما وقَفَ التَّقْوى عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الإيتاءَ، وإنْ كانَ غَيْرَ الزَّكاةِ إلّا أنَّهُ مِنَ الواجِباتِ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الحاجاتِ الضَّرُورِيَّةِ مِثْلُ إطْعامِ المُضْطَرِّ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ هَذا الوُجُوبِ النَّصُّ والمَعْقُولُ: أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ مَن باتَ شَبْعانًا وجارُهُ طاوٍ إلى جَنْبِهِ» “ ورُوِيَ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أنَّ في المالِ حَقًّا سِوى الزَّكاةِ، ثُمَّ تَلَتْ ﴿وآتى المالَ عَلى﴾ صفحة ٣٦ ﴿حُبِّهِ﴾ وحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ لَهُ مالٌ فَأدّى زَكاتَهُ فَهَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ سِواهُ ؟ فَقالَ: نَعَمْ يَصِلُ القَرابَةَ، ويُعْطِي السّائِلَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. وأمّا العَقْلُ فَإنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ إذا انْتَهَتِ الحاجَةُ إلى الضَّرُورَةِ، وجَبَ عَلى النّاسِ أنْ يُعْطُوهُ مِقْدارَ دَفْعِ الضَّرُورَةِ وإنْ لَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ واجِبَةً عَلَيْهِمْ، ولَوِ امْتَنَعُوا مِنَ الإعْطاءِ جازَ الأخْذُ مِنهم قَهْرًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإيتاءَ واجِبٌ. واحْتَجَّ مَن طَعَنَ في هَذا القَوْلِ بِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الزَّكاةَ نَسَخَتْ كُلَّ حَقٍّ. والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«فِي المالِ حُقُوقٌ سِوى الزَّكاةِ» “ وقَوْلُ الرَّسُولِ أوْلى مِن قَوْلِ عَلِيٍّ. الثّانِي: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ إذا حَضَرَ المُضْطَرُّ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ ما يَدْفَعُ الضَّرَرَ، وإنْ كانَ قَدْ أدّى الزَّكاةَ بِالكَمالِ. الثّالِثُ: المُرادُ أنَّ الزَّكاةَ نَسَخَتِ الحُقُوقَ المُقَدَّرَةَ، أمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُقَدَّرًا فَإنَّهُ غَيْرُ مَنسُوخٍ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَلْزَمُ التَّصَدُّقُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ويَلْزَمُ النَّفَقَةُ عَلى الأقارِبِ، وعَلى المَمْلُوكِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ صَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ لَكِنْ ما الحِكْمَةُ في هَذا التَّرْتِيبِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الأوْلى فالأوْلى؛ لِأنَّ الفَقِيرَ إذا كانَ قَرِيبًا فَهو أوْلى بِالصَّدَقَةِ مِن غَيْرِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ جامِعًا بَيْنَ الصِّلَةِ والصَّدَقَةِ، ولِأنَّ القَرابَةَ مِن أوْكَدِ الوُجُوهِ في صَرْفِ المالِ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَسْتَحِقُّ بِهِ الإرْثَ ويَحْجُرُ بِسَبَبِهِ عَلى المالِكِ في الوَصِيَّةِ، حَتّى لا يَتَمَكَّنَ مِنَ الوَصِيَّةِ إلّا في الثُّلْثِ، ولِذَلِكَ كانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْأقارِبِ مِنَ الواجِباتِ عَلى ما قالَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآيَةَ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ الوَصِيَّةُ قَدْ صارَتْ مَنسُوخَةً إلّا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، فَلِهَذِهِ الوُجُوهِ قَدَّمَ ذا القُرْبى، ثُمَّ أتْبَعَهُ تَعالى بِاليَتامى؛ لِأنَّ الصَّغِيرَ الفَقِيرَ الَّذِي لا والِدَ لَهُ ولا كاسِبَ فَهو مُنْقَطِعُ الحِيلَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ثُمَّ أتْبَعَهم تَعالى بِذِكْرِ المَساكِينِ؛ لِأنَّ الحاجَةَ قَدْ تَشْتَدُّ بِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنَ السَّبِيلِ إذْ قَدْ تَشْتَدُّ حاجَتُهُ عِنْدَ اشْتِدادِ رَغْبَتِهِ إلى أهْلِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السّائِلِينَ وفي الرِّقابِ؛ لِأنَّ حاجَتَهُما دُونَ حاجَةِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وثانِيها: أنَّ مَعْرِفَةَ المَرْءِ بِشِدَّةِ حاجَةِ هَذِهِ الفِرَقِ تَقْوى وتَضْعُفُ، فَرَتَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذِهِ الفِرَقِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ بِشِدَّةِ حاجَةِ مَن يَقْرُبُ إلَيْهِ أقْرَبُ، ثُمَّ بِحاجَةِ الأيْتامِ، ثُمَّ بِحاجَةِ المَساكِينِ، ثُمَّ عَلى هَذا النَّسَقِ. وثالِثُها: أنَّ ذا القُرْبى مِسْكِينٌ، ولَهُ صِفَةٌ زائِدَةٌ تَخُصُّهُ؛ لِأنَّ شِدَّةَ الحاجَةِ فِيهِ تَغُمُّهُ وتُؤْذِي قَلْبَهُ، ودَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الغَيْرِ، فَلِذَلِكَ بَدَأ اللَّهُ تَعالى بِذِي القُرْبى، ثُمَّ بِاليَتامى، وأخَّرَ المَساكِينَ؛ لِأنَّ الغَمَّ الحاصِلَ بِسَبَبِ عَجْزِ الصِّغارِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ أشَدُّ مِنَ الغَمِّ الحاصِلِ بِسَبَبِ عَجْزِ الكِبارِ عَنْ تَحْصِيلِهِما، فَأمّا ابْنُ السَّبِيلِ فَقَدْ يَكُونُ غَنِيًّا، وقَدْ تَشْتَدُّ حاجَتُهُ في الوَقْتِ، والسّائِلُ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا ويُظْهِرُ شِدَّةَ الحاجَةِ، وأخَّرَ المُكاتِبَ؛ لِأنَّ إزالَةَ الرِّقِّ لَيْسَتْ في مَحَلِّ الحاجَةِ الشَّدِيدَةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِإيتاءِ المالِ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ ذِكْرِهِ لِلْإبِلِ قالَ: ”«إنَّ فِيها حَقًّا» “ هو إطْراقُ فَحْلِها وإعارَةُ ذَلُولِها، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى إطْراقِ الفَحْلِ أمْرٌ لا يَخْتَصُّ بِهِ ابْنُ السَّبِيلِ والسّائِلُ والمُكاتِبُ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ إيتاءَ المالِ إلى هَؤُلاءِ كانَ واجِبًا، ثُمَّ إنَّهُ صارَ مَنسُوخًا بِالزَّكاةِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ هَذا الإيتاءِ وبَيْنَ الزَّكاةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا ذَوُو القُرْبى فَمِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى المَذْكُورِ في آيَةِ النَّفْلِ والغَنِيمَةِ، صفحة ٣٧ والأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَوِي القُرْبى لِلْمُعْطِينَ، وهو الصَّحِيحُ لِأنَّهم بِهِ أخَصُّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى﴾ [النور: ٢٢] . واعْلَمْ أنَّ ذَوِي القُرْبى هُمُ الَّذِينَ يَقْرُبُونَ مِنهُ بِوِلادَةِ الأبَوَيْنِ أوْ بِوِلادَةِ الجَدَّيْنِ، فَلا وجْهَ لِقَصْرِ ذَلِكَ عَلى ذَوِي الرَّحِمِ المُحَرَّمِ عَلى ما حُكِيَ عَنْ قَوْمٍ؛ لِأنَّ المُحَرَّمِيَّةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، أمّا القَرابَةُ فَهي لَفْظَةٌ لُغَوِيَّةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْقَرابَةِ في النَّسَبِ وإنْ كانَ مَن يَخْتَصُّ بِذَلِكَ يَتَفاضَلُ ويَتَفاوَتُ في القُرْبِ والبُعْدِ، أمّا اليَتامى فَفي النّاسِ مَن حَمَلَهُ عَلى ذَوِي اليَتامى، قالَ: لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ مِنَ المُتَصَدِّقِ أنْ يَدْفَعَ المالَ إلى اليَتِيمِ الَّذِي لا يُمَيِّزُ ولا يَعْرِفُ وُجُوهَ مَنافِعِهِ، فَإنَّهُ مَتى فَعَلَ ذَلِكَ يَكُونُ مُخْطِئًا، بَلْ إذا كانَ اليَتِيمُ مُراهِقًا عارِفًا بِمَواقِعِ حَظِّهِ، وتَكُونُ الصَّدَقَةُ مِن بابِ ما يُؤَكَلُ ويُلْبَسُ ولا يَخْفى عَلى اليَتِيمِ وجْهُ الِانْتِفاعِ بِهِ جازَ دَفْعُها إلَيْهِ، هَذا كُلُّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: اليَتِيمُ هو الَّذِي لا أبَ لَهُ مَعَ الصِّغَرِ، وعِنْدَ أصْحابِنا هَذا الِاسْمُ قَدْ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرِ وعَلى البالِغِ، والحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] ومَعْلُومٌ أنَّهم لا يُؤْتَوْنَ المالَ إلّا إذا بَلَغُوا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمّى: يَتِيمَ أبِي طالِبٍ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَعَلى هَذا إنْ كانَ اليَتِيمُ بالِغًا دُفِعَ المالُ إلَيْهِ، وإلّا فَيُدْفَعُ إلى ولِيِّهِ. وأمّا المَساكِينُ فَفِيهِ خِلافٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ. والَّذِي نَقُولُهُ هُنا: إنَّ المَساكِينَ أهْلُ الحاجَةِ، ثُمَّ هم ضَرْبانِ؛ مِنهم مَن يَكُفُّ عَنِ السُّؤالِ وهو المُرادُ هَهُنا، ومِنهم مَن يَسْألُ ويَنْبَسِطُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والسّائِلِينَ﴾ وإنَّما فَرَّقَ تَعالى بَيْنَهُما مِن حَيْثُ يَظْهَرُ عَلى المِسْكِينِ المَسْكَنَةُ مِمّا يَظْهَرُ مِن حالِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ السّائِلُ؛ لِأنَّهُ بِمَسْألَتِهِ يَعْرِفُ فَقْرَهُ وحاجَتَهُ، وأمّا ابْنُ السَّبِيلِ فَرُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ المُسافِرُ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ الضَّيْفُ؛ لِأنَّهُ إنَّما وصَلَ إلَيْكَ مِنَ السَّبِيلِ، والأوَّلُ أشْبَهُ؛ لِأنَّ السَّبِيلَ اسْمٌ لِلطَّرِيقِ وجُعِلَ المُسافِرُ ابْنًا لَهُ لِلُزُومِهِ إيّاهُ، كَما يُقالُ لِطَيْرِ الماءِ: ابْنُ الماءِ ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي أتَتْ عَلَيْهِ السُّنُونَ: ابْنُ الأيّامِ. ولِلشُّجْعانِ: بَنُو الحَرْبِ. ولِلنّاسِ: بَنُو الزَّمانِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ورَدْتُ عِشاءً والثُّرَيّا كَأنَّها عَلى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ ماءٍ مُحَلِّقُ * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والسّائِلِينَ﴾ فَعَنى بِهِ الطّالِبِينَ، ومَن جَعَلَ الآيَةَ في غَيْرِ الزَّكاةِ أدْخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ المُسْلِمَ والكافِرَ، رَوى الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لِلسّائِلِ حَتّى ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ» “ وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] . * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:المَسْألَةُ الأُولى: ﴿الرِّقابِ﴾ جَمْعُ الرَّقَبَةِ وهي مُؤَخَّرُ أصْلِ العُنُقِ، واشْتِقاقُها مِنَ المُراقَبَةِ، وذَلِكَ أنَّ مَكانَها مِنَ البَدَنِ مَكانُ الرَّقِيبِ المُشْرِفِ عَلى القَوْمِ، ولِهَذا المَعْنى يُقالُ: أعْتَقَ اللَّهُ رَقَبَتَهُ، ولا يُقالُ: أعْتَقَ اللَّهُ عُنُقَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا سُمِّيَتْ رَقَبَةً كَأنَّها تُراقِبُ العَذابَ، ومِن هَذا يُقالُ لِلَّتِي لا يَعِيشُ ولَدُها: رَقُوبٌ، لِأجْلِ مُراعاتِها مَوْتَ ولَدِها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ: ويُؤْتِي المالَ في عِتْقِ الرِّقابِ، قالَ القَفّالُ: واخْتَلَفَ النّاسُ في الرِّقابِ المَذْكُورِينَ في آيَةِ الصَّدَقاتِ، فَقالَ قائِلُونَ: إنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَن يَشْتَرِيهِ فَيُعْتِقُهُ، ومَن يَكُونُ مُكاتِبُها فَيُعِينُهُ عَلى أداءِ كِتابَتِهِ، فَهَؤُلاءِ أجازُوا شِراءَ الرِّقابِ مِنَ الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وقالَ قائِلُونَ: لا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ إلّا في إعانَةِ المُكاتِبِينَ، فَمَن تَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ فَحِينَئِذٍ يَبْقى فِيهِ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ، ومَن حَمَلَ هَذِهِ صفحة ٣٨ الآيَةَ عَلى غَيْرِ الزَّكاةِ أجازَ الأمْرَيْنِ فِيها قَطْعًا، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى وجْهٍ ثالِثٍ وهو فِداءُ الأُسارى. واعْلَمْ أنَّ تَمامَ الكَلامِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأصْنافِ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ في تَفْسِيرِ الصَّدَقاتِ. * * * الأمْرُ الثّالِثُ: مِنَ الأُمُورِ المُعْتَبَرَةِ في تَحَقُّقِ ماهِيَّةِ البِرِّ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا﴾ وذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. الأمْرُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في رَفْعِ ”والمُوفُونَ“ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿مَن آمَنَ﴾ تَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ البِرَّ المُؤْمِنُونَ والمُوفُونَ، عَنِ الفَرّاءِ والأخْفَشِ. الثّانِي: رَفْعٌ عَلى المَدْحِ عَلى أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وهُمُ المُوفُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِهَذا العَهْدِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أخَذَهُ اللَّهُ مِنَ العُهُودِ عَلى عِبادِهِ بِقَوْلِهِمْ، وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ بِالقِيامِ بِحُدُودِهِ، والعَمَلِ بِطاعَتِهِ، فَقَبِلَ العِبادُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ آمَنُوا بِالأنْبِياءِ والكُتُبِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم نَقَضُوا العُهُودَ والمَواثِيقَ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِها فَقالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فَكانَ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ البِرَّ هو ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ مَعَ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، لا كَما نَقَضَ أهْلُ الكِتابِ مِيثاقَ اللَّهِ وما وفَّوْا بِعُهُودِهِ فَجَحَدُوا أنْبِياءَهُ وقَتَلُوهم وكَذَّبُوا بِكِتابِهِ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا القَوْلِ وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ صَرِيحٌ في إضافَةِ هَذا العَهْدِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا عاهَدُوا﴾ فَلا وجْهَ لِحَمْلِهِ عَلى ما سَيَكُونُ لُزُومُهُ ابْتِداءً مِن قِبَلِهِ تَعالى. الجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ تَعالى وإنْ ألْزَمَهم هَذِهِ الأشْياءَ لَكِنَّهم مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ قَبِلُوا ذَلِكَ الإلْزامَ والتَزَمُوهُ، فَصَحَّ مِن هَذا الوَجْهِ إضافَةُ العَهْدِ إلَيْهِمْ. القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الأُمُورِ الَّتِي يَلْتَزِمُها المُكَلَّفُ ابْتِداءً مِن عِنْدِ نَفْسِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا العَهْدَ إمّا أنْ يَكُونَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ النّاسِ، أمّا الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ فَهو ما يَلْزَمُهُ بِالنُّذُورِ والأيْمانِ، وأمّا الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَهو الَّذِي عاهَدَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ عِنْدَ البَيْعَةِ مِنَ القِيامِ بِالنُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ والمُجاهَدَةِ ومُوالاةِ مَن والاهُ ومُعاداةِ مَن عاداهُ، وأمّا الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ النّاسِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ مِثْلُ ما يَلْزَمُهُ في عُقُودِ المُعاوَضاتِ مِنَ التَّسْلِيمِ والتَّسَلُّمِ، وكَذا الشَّرائِطُ الَّتِي يَلْتَزِمُها في السَّلَمِ والرَّهْنِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ المَندُوباتِ مِثْلُ الوَفاءِ بِالمَواعِيدِ في بَذْلِ المالِ والإخْلاصِ في المُناصَرَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ فَلا مَعْنى لِقَصْرِ الآيَةِ عَلى بَعْضِ هَذِهِ الأقْسامِ دُونَ البَعْضِ، وهَذا الَّذِي قُلْناهُ هو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ المُفَسِّرُونَ فَقالُوا: هُمُ الَّذِينَ إذا واعَدُوا أنْجَزُوا وإذا حَلَفُوا ونَذَرُوا وفَّوْا، وإذا قالُوا صَدَقُوا، وإذا اؤْتُمِنُوا أدَّوْا، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيَةَ. * * * الأمْرُ الخامِسُ مِنَ الأُمُورِ المُعْتَبَرَةِ في تَحَقُّقِ ماهِيَّةِ البِرِّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ صفحة ٣٩ ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في نَصْبِ ”الصّابِرِينَ“ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ذَوِي القُرْبى﴾ كَأنَّهُ قالَ: وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى والصّابِرِينَ. قالَ النَّحْوِيُّونَ: إنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ يَصِيرُ هَكَذا: ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى والصّابِرِينَ، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿والصّابِرِينَ﴾ ”مِن“ صِلَةِ مَن. قَوْلُهُ: ﴿والمُوفُونَ﴾ مُتَقَدِّمٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿والصّابِرِينَ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى (مَن) فَحِينَئِذٍ قَدْ عَطَفْتَ عَلى المَوْصُولِ قَبْلَ صِلَتِهِ شَيْئًا، وهَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ مَعَ الصِّلَةِ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، ومُحالٌ أنْ يُوصَفَ الِاسْمُ أوْ يُؤَكَّدَ أوْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ تَمامِهِ وانْقِضائِهِ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ، أمّا إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ: ﴿والمُوفُونَ﴾ رَفْعًا عَلى المَدْحِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ هَذا الفَصْلَ غَيْرُ جائِزٍ، بَلْ هَذا أشْنَعُ؛ لِأنَّ المَدْحَ جُمْلَةٌ، فَإذا لَمْ يَجُزِ الفَصْلُ بِالمُفْرَدِ فَلِأنْ لا يَجُوزَ بِالجُمْلَةِ كانَ ذَلِكَ أوْلى. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ جازَ الفَصْلُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِالجُمْلَةِ كَقَوْلِ القائِلِ: إنَّ زَيْدًا فافْهَمْ ما أقُولُ رَجُلٌ عالِمٌ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] ثُمَّ قالَ: (أُولَئِكَ) فَفَصَلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ . قُلْنا: المَوْصُولُ مَعَ الصِّلَةِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، فالتَّعَلُّقُ الَّذِي بَيْنَهُما أشَدُّ مِنَ التَّعَلُّقِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، فَلا يَلْزَمُ مِن جَوازِ الفَصْلِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ جَوازُهُ بَيْنَ المَوْصُولِ والصِّلَةِ. القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ الفَرّاءِ: إنَّهُ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وإنْ كانَ مِن صِفَةِ مَن، وإنَّما رَفَعَ ”المُوفُونَ“ ونَصَبَ ”الصّابِرِينَ“ لِطُولِ الكَلامِ بِالمَدْحِ، والعَرَبُ تَنْصِبُ عَلى المَدْحِ وعَلى الذَّمِّ إذا طالَ الكَلامُ بِالنَّسَقِ في صِفَةِ الشَّيْءِ الواحِدِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثَ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمْ وقالُوا فِيمَن قَرَأ: ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٣] وقالُوا فِيمَن قَرَأ: بِنَصْبِ ﴿حَمّالَةَ﴾ أنَّهُ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا ذُكِرَتِ الصِّفاتُ الكَثِيرَةُ في مَعْرِضِ المَدْحِ أوِ الذَّمِّ فالأحْسَنُ أنْ تُخالَفَ بِإعْرابِها ولا تُجْعَلَ كُلُّها جارِيَةً عَلى مَوْصُوفِها؛ لِأنَّ هَذا المَوْضِعَ مِن مَواضِعِ الإطْنابِ في الوَصْفِ والإبْلاغِ في القَوْلِ، فَإذا خُولِفَ بِإعْرابِ الأوْصافِ كانَ المَقْصُودُ أكْمَلَ؛ لِأنَّ الكَلامَ عِنْدَ اخْتِلافِ الإعْرابِ يَصِيرُ كَأنَّهُ أنْواعٌ مِنَ الكَلامِ وضُرُوبٌ مِنَ البَيانِ، وعِنْدَ الِاتِّحادِ في الإعْرابِ يَكُونُ وجْهًا واحِدًا وجُمْلَةً واحِدَةً. ثُمَّ اخْتَلَفَ الكُوفِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ في أنَّ المَدْحَ والذَّمَّ لِما صارا عِلَّتَيْنِ لِاخْتِلافِ الحَرَكَةِ ؟ فَقالَ الفَرّاءُ: أصْلُ المَدْحِ والذَّمِّ مِن كَلامِ السّامِعِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ إذا أخْبَرَ غَيْرَهُ فَقالَ لَهُ: قامَ زَيْدٌ فَرُبَّما أثْنى السّامِعُ عَلى زَيْدٍ، وقالَ: ذَكَرْتَ واللَّهِ الظَّرِيفَ، ذَكَرْتَ العاقِلَ، أيْ هو واللَّهِ الظَّرِيفُ هو العاقِلُ، فَأرادَ المُتَكَلِّمُ أنْ يَمْدَحَ بِمِثْلِ ما مَدَحَهُ بِهِ السّامِعُ، فَجَرى الإعْرابُ عَلى ذَلِكَ، وقالَ الخَلِيلُ: المَدْحُ والذَّمُّ يَنْصِبانِ عَلى مَعْنى: أعْنِي الظَّرِيفَ، وأنْكَرَ الفَرّاءُ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ”أعْنِي“ إنَّما يَقَعُ تَفْسِيرًا لِلِاسْمِ المَجْهُولِ، والمَدْحُ يَأْتِي بَعْدَ المَعْرُوفِ. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ صَحَّ ما قالَهُ الخَلِيلُ لَصَحَّ أنْ يَقُولَ: قامَ زَيْدٌ أخاكَ، عَلى مَعْنى: أعْنِي أخاكَ، وهَذا مِمّا لَمْ تَقُلْهُ العَرَبُ أصْلًا. واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قَرَأ (والمُوفِينَ) (والصّابِرِينَ) ومِنهم مَن قَرَأ (والمُوفُونَ) و(الصّابِرُونَ) . صفحة ٤٠ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي البَأْساءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الفَقْرَ، وهو اسْمٌ مِنَ البُؤْسِ ﴿والضَّرّاءِ﴾ قالَ: يُرِيدُ بِهِ المَرَضَ، وهُما اسْمانِ عَلى فَعْلاءَ ولا أفْعَلَ لَهُما؛ لِأنَّهُما لَيْسا بِنَعْتَيْنِ ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ القِتالَ في سَبِيلِ اللَّهِ والجِهادَ، ومَعْنى البَأْسِ في اللُّغَةِ الشِّدَّةُ، يُقالُ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ في هَذا، أيْ لا شِدَّةَ ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] شَدِيدٍ ثُمَّ تُسَمّى الحَرْبُ بَأْسًا لِما فِيها مِنَ الشِّدَّةِ، والعَذابُ يُسَمّى بَأْسًا لِشِدَّتِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٤]، ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ [الأنبياء: ١٢]، ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ أهْلُ هَذِهِ الأوْصافِ هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانِهِمْ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةً وهي أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الواواتُ في الأوْصافِ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْجَمْعِ، فَمِن شَرائِطِ البِرِّ وتَمامِ شَرْطِ البارِّ أنَّ تَجْتَمِعَ فِيهِ هَذِهِ الأوْصافُ، ومَن قامَ بِهِ واحِدٌ مِنها لَمْ يَسْتَحِقَّ الوَصْفَ بِالبِرِّ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَظُنَّ الإنْسانُ أنَّ المُوفِيَ بِعَهْدِهِ مِن جُمْلَةِ مَن قامَ بِالبِرِّ، وكَذا الصّابِرُ في البَأْساءِ بَلْ لا يَكُونُ قائِمًا بِالبِرِّ إلّا عِنْدَ اسْتِجْماعِ هَذِهِ الخِصالِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الصِّفَةُ خاصَّةٌ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّ غَيْرَهم لا تَجْتَمِعُ فِيهِ هَذِهِ الأوْصافُ كُلُّها، وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ عامَّةٌ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ. وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ. ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

البقرة 2:178

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . قَبْلَ الشُّرُوعِ في التَّفْسِيرِ لا بُدَّ مِن ذِكْرِ سَبَبِ النُّزُولِ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ سَبَبَ نُزُولِهِ إزالَةُ الأحْكامِ الَّتِي كانَتْ ثابِتَةً قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا يُوجِبُونَ القَتْلَ فَقَطْ، والنَّصارى كانُوا يُوجِبُونَ العَفْوَ فَقَطْ، وأمّا العَرَبُ فَتارَةً كانُوا يُوجِبُونَ القَتْلَ، وأُخْرى يُوجِبُونَ الدِّيَةَ، لَكِنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ التَّعَدِّيَ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ، أمّا في القَتْلِ فَلِأنَّهُ إذا وقَعَ القَتْلُ بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ إحْداهُما أشْرَفُ مِنَ الأُخْرى، فالأشْرافُ كانُوا يَقُولُونَ: لَنَقْتُلَنَّ بِالعَبْدِ مِنّا الحُرَّ مِنهم، وبِالمَرْأةِ مِنّا الرَّجُلَ مِنهم، وبِالرَّجُلِ مِنّا الرَّجُلَيْنِ مِنهم، وكانُوا يَجْعَلُونَ جِراحاتِهِمْ ضِعْفَ جِراحاتِ خُصُومِهِمْ، ورُبَّما زادُوا عَلى ذَلِكَ، عَلى ما يُرْوى أنَّ واحِدًا قَتَلَ إنْسانًا مِنَ الأشْرافِ، فاجْتَمَعَ أقارِبُ القاتِلِ عِنْدَ والِدِ المَقْتُولِ، وقالُوا: ماذا تُرِيدُ ؟ فَقالَ إحْدى ثَلاثٍ قالُوا: وما هي ؟ قالَ: إمّا تُحْيُونَ ولَدِي، أوْ تَمْلَئُونَ دارِي مِن نُجُومِ السَّماءِ، أوْ تَدْفَعُوا إلَيَّ جُمْلَةَ قَوْمِكم حَتّى أقْتُلَهم، ثُمَّ لا أرى أنِّي أخَذْتُ عِوَضًا. صفحة ٤١ وأمّا الظُّلْمُ في أمْرِ الدِّيَةِ فَهو أنَّهم رُبَّما جَعَلُوا دِيَةَ الشَّرِيفِ أضْعافَ دِيَةِ الرَّجُلِ الخَسِيسِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أوْجَبَ رِعايَةَ العَدْلِ وسَوّى بَيْنِ عِبادِهِ في حُكْمِ القِصاصِ وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ في هَذا المَعْنى وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ كانُوا مَعَ تَدَيُّنِهِمْ بِالكِتابِ سَلَكُوا طَرِيقَةَ العَرَبِ في التَّعَدِّي. والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّها نَزَلَتْ في واقِعَةِ قَتْلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: ما نَقَلَها مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ النّاسِ، ورَواها عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ بَيْنَ الحُرَّيْنِ والعَبْدَيْنِ والذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ يَقَعُ القِصاصُ ويَكْفِي ذَلِكَ فَقَطْ، فَأمّا إذا كانَ القاتِلُ لِلْعَبْدِ حُرًّا، أوْ لِلْحُرِّ عَبْدًا فَإنَّهُ يَجِبُ مَعَ القِصاصِ التَّراجُعُ، وأمّا حُرٌّ قَتَلَ عَبْدًا فَهو قَوَدُهُ، فَإنْ شاءَ مَوالِي العَبْدِ أنْ يَقْتُلُوا الحُرَّ قَتَلُوهُ بِشَرْطِ أنْ يُسْقِطُوا ثَمَنَ العَبْدِ مِن دِيَةِ الحُرِّ، ويَرُدُّوا إلى أوْلِياءِ الحُرِّ بَقِيَّةَ دِيَتِهِ، وإنْ قَتَلَ عَبْدٌ حُرًّا فَهو بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الحُرِّ قَتَلُوا العَبْدَ وأسْقَطُوا قِيمَةَ العَبْدِ مِن دِيَةِ الحُرِّ، وأدَّوْا بَعْدَ ذَلِكَ إلى أوْلِياءِ الحُرِّ بَقِيَّةَ دِيَتِهِ، وإنْ شاءُوا أخَذُوا كُلَّ الدِّيَةِ وتَرَكُوا قَتْلَ العَبْدِ، وإنْ قَتَلَ رَجُلٌ امْرَأةً فَهو بِها قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ المَرْأةِ قَتَلُوهُ وأدَّوْا نِصْفَ الدِّيَةِ، وإنْ قَتَلَتِ المَرْأةُ رَجُلًا فَهي بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الرَّجُلِ قَتَلُوها وأخَذُوا نِصْفَ الدِّيَةِ، وإنْ شاءُوا أُعْطُوا كُلَّ الدِّيَةِ وتَرَكُوها، قالُوا فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ لِبَيانِ أنَّ الِاكْتِفاءَ بِالقِصاصِ مَشْرُوعٌ بَيْنَ الحُرَّيْنِ والعَبْدَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ والذَّكَرَيْنِ، فَأمّا عِنْدَ اخْتِلافِ الجِنْسِ فالِاكْتِفاءُ بِالقِصاصِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِيهِ. * * * إذا عَرَفْنا سَبَبَ النُّزُولِ فَلْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ فَمَعْناهُ: فُرِضَ عَلَيْكم، فَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَقْتَضِي الوُجُوبَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ﴾ يُفِيدُ الوُجُوبَ في عُرْفِ الشَّرْعِ، قالَ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَدْ كانَتِ الوَصِيَّةُ واجِبَةً. ومِنهُ الصَّلَواتُ المَكْتُوباتُ أيِ المُفْرَداتُ. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ثَلاثٌ كُتِبْنَ عَلَيَّ ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكم» “ . والثّانِي: لَفْظَةُ (عَلَيْكم) مُشْعِرَةٌ بِالوُجُوبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وأمّا القِصاصُ فَهو أنْ يَفْعَلَ بِالإنْسانِ مِثْلَ ما فَعَلَ، مِن قَوْلِكَ: اقْتَصَّ فُلانٌ أثَرَ فُلانٍ إذا فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، قالَ تَعالى ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] وقالَ تَعالى: ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أيِ اتْبِعِي أثَرَهُ، وسُمِّيَتِ القِصَّةُ قِصَّةً؛ لِأنَّ بِالحِكايَةِ تُساوِي المَحْكِيَّ، وسُمِّيَ القِصاصُ قِصاصًا؛ لِأنَّهُ يَذْكُرُ مِثْلَ أخْبارِ النّاسِ، ويُسَمّى المِقَصُّ مِقَصًّا لِتَعادُلِ جانِبَيْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي القَتْلى﴾ أيْ بِسَبَبِ قَتْلِ القَتْلى؛ لِأنَّ كَلِمَةَ (في) قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ» “ إذا عَرَفْتَ هَذا فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا وجَبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ بِسَبَبِ قَتْلِ القَتْلى، فَدَلَّ ظاهِرُ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ القِصاصِ عَلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ قَتْلِ جَمِيعِ القَتْلى، إلّا أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ غَيْرَ القاتِلِ خارِجٌ مِن هَذا العُمُومِ، وأمّا القاتِلُ فَقَدْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ أيْضًا في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، وهي إذا قَتَلَ الوالِدُ ولَدَهُ، والسَّيِّدُ عَبْدَهُ، وفِيما إذا قَتَلَ المُسْلِمُ حَرْبِيًّا أوْ مُعاهَدًا، وفِيما إذا قَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا خَطَأً إلّا أنَّ العامَّ الَّذِي دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ يَبْقى حُجَّةً فِيما عَداهُ. صفحة ٤٢ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكم: هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي وُجُوبَ القِصاصِ فِيهِ إشْكالانِ: الأوَّلُ: أنَّ القِصاصَ لَوْ وجَبَ لَوَجَبَ إمّا عَلى القاتِلِ، أوْ عَلى ولِيِّ الدَّمِ، أوْ عَلى ثالِثٍ، والأقْسامُ الثَّلاثَةُ باطِلَةٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى القاتِلِ؛ لِأنَّ القاتِلَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ عَلى ولِيِّ الدَّمِ؛ لِأنَّ ولِيَّ الدَّمِ مُخَيَّرٌ في الفِعْلِ والتَّرْكِ، بَلْ هو مَندُوبٌ إلى التَّرْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أجْنَبِيًّا عَنْ ذَلِكَ القَتْلِ والأجْنَبِيُّ عَنِ الشَّيْءِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ. السُّؤالُ الثّانِي: إذا بَيَّنّا أنَّ القِصاصَ عِبارَةٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ فَكانَ مَفْهُومُ الآيَةِ إيجابَ التَّسْوِيَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى إيجابِ القَتْلِ البَتَّةَ، بَلْ أقْصى ما في البابِ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ رِعايَةِ التَّسْوِيَةِ في القَتْلِ الَّذِي يَكُونُ مَشْرُوعًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَسْقُطُ دَلالَةُ الآيَةِ عَلى كَوْنِ القَتْلِ مَشْرُوعًا بِسَبَبِ القَتْلِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ إيجابُ إقامَةِ القِصاصِ عَلى الإمامِ أوْ مَن يَجْرِي مَجْراهُ؛ لِأنَّهُ مَتى حَصَلَتْ شَرائِطُ وُجُوبِ القَوَدِ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لِلْإمامِ أنْ يَتْرُكَ القَوَدَ؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ، والتَّقْدِيرُ: يا أيُّها الأئِمَّةُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اسْتِيفاءُ القِصاصِ إنْ أرادَ ولِيُّ الدَّمِ اسْتِيفاءَهُ. والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ القاتِلِ والتَّقْدِيرُ: يا أيُّها القاتِلُونَ كُتِبَ عَلَيْكم تَسْلِيمُ النَّفْسِ عِنْدَ مُطالَبَةِ الوَلِيِّ بِالقِصاصِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ القاتِلَ لَيْسَ لَهُ أنْ يَمْتَنِعَ هَهُنا ولَيْسَ لَهُ أنْ يُنْكِرَ، بَلْ لِلزّانِي والسّارِقِ الهَرَبُ مِنَ الحَدِّ، ولَهُما أيْضًا أنْ يَسْتَتِرا بِسِتْرِ اللَّهِ ولا يُقِرّا، والفَرْقُ أنَّ ذَلِكَ حَقُّ الآدَمِيِّ. وأمّا الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: فَهو أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي إيجابَ التَّسْوِيَةِ في القَتْلِ، والتَّسْوِيَةُ في القَتْلِ صِفَةُ القَتْلِ، وإيجابُ الصِّفَةِ يَقْتَضِي إيجابَ الذّاتِ، فَكانَتِ الآيَةُ مُفِيدَةً لِإيجابِ القَتْلِ مِن هَذا الوَجْهِ، ويَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى مُوجِبِ العَمْدِ هو القِصاصُ، وذَهَبُ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ إلى أنَّ مُوجِبَ العَمْدِ إمّا القِصاصُ وإمّا الدِّيَةُ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها في غايَةِ الضَّعْفِ؛ لِأنَّهُ سَواءٌ كانَ المُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ هو الإمامَ أوْ ولِيَّ الدَّمِ فَهو بِالِاتِّفاقِ مَشْرُوطٌ بِما إذا كانَ ولِيُّ الدَّمِ يُرِيدُ القَتْلَ عَلى التَّعْيِينِ، وعِنْدَنا أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ القِصاصُ مُتَعَيِّنًا، إنَّما النِّزاعُ في أنَّ ولِيَّ الدَّمِ هَلْ يَتَمَكَّنُ مِنَ العُدُولِ إلى الدِّيَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ إذا أرادَ الدِّيَةَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ المُماثَلَةِ الَّتِي دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى إيجابِها فَقالَ الشّافِعِيُّ: يُراعى جِهَةُ القَتْلِ الأوَّلِ فَإنْ كانَ الأوَّلُ قَتَلَهُ بِقَطْعِ اليَدِ قُطِعَتْ يَدُ القاتِلِ فَإنْ ماتَ مِنهُ في تِلْكَ المَرَّةِ وإلّا حُزَّتْ رَقَبَتُهُ، وكَذَلِكَ لَوْ أُحْرِقَ الأوَّلُ بِالنّارِ أُحْرِقَ الثّانِي، فَإنْ ماتَ في تِلْكَ المَرَّةِ وإلّا حُزَّتْ رَقَبَتُهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُرادُ بِالمَثَلِ تَناوُلُ النَّفْسِ بِأرْجى ما يُمْكِنُ، فَعَلى هَذا لا اقْتِصاصَ إلّا بِالسَّيْفِ بِحَزِّ الرَّقَبَةِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ التَّسْوِيَةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كُتِبَتِ التَّسْوِيَةُ في القَتْلى إلّا في كَيْفِيَّةِ القَتْلِ، والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَدَخَلَ هَذا عَلى أنَّ كَيْفِيَّةَ القَتْلِ داخِلَةٌ تَحْتَ النَّصِّ. وثانِيها: أنّا لَوْ لَمْ نَحْكم بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّسْوِيَةِ في كُلِّ الأُمُورِ لَصارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، ولَوْ حَكَمْنا فِيها بِالعُمُومِ كانَتِ صفحة ٤٣ الآيَةُ مُفِيدَةً، لَكِنَّها بِما صارَتْ مَخْصُوصَةً في بَعْضِ الصُّوَرِ، والتَّخْصِيصُ أهْوَنُ مِنَ الإجْمالِ. وثالِثُها: أنَّ الآيَةَ لَوْ لَمْ تُفِدْ إلّا الإيجابَ لِلتَّسْوِيَةِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ فَلا شَيْئَيْنِ إلّا وهُما مُتَساوِيانِ في بَعْضِ الأُمُورِ، فَحِينَئِذٍ لا يُسْتَفادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ البَتَّةَ، وهَذا الوَجْهُ قَرِيبٌ مِنَ الثّانِي، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُفِيدُ وُجُودَ التَّسْوِيَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِسائِرِ النُّصُوصِ المُقْتَضِيَةِ لِوُجُوبِ المُماثَلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافر: ٤٠] ثُمَّ تَأكَّدَتْ هَذِهِ النُّصُوصُ المُتَواتِرَةُ بِالخَبَرِ المَشْهُورِ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُهُ: ”مَن حَرَّقَ حَرَّقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ“ ومِمّا يُرْوى أنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ صَبِيَّةٍ بِالحِجارَةِ فَقَتَلَها، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ تُرْضَخَ رَأْسُ اليَهُودِيِّ بِالحِجارَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا بَلَغَتْ دَلالَةُ الآيَةِ مَعَ سائِرِ الآياتِ، ومَعَ هَذِهِ الأحادِيثِ عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ مَبْلَغًا قَوِيًّا. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا قَوَدَ إلّا بِالسَّيْفِ» “ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يُعَذِّبُ بِالنّارِ إلّا رَبُّها» “ . والجَوابُ أنَّ الأحادِيثَ لَمّا تَعارَضَتْ بَقِيَتْ دَلالَةُ الآياتِ خالِيَةً عَنِ المُعارَضاتِ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا القاتِلَ إذا لَمْ يَتُبْ وأصَرَّ عَلى تَرْكِ التَّوْبَةِ؛ فَإنَّ القِصاصَ مَشْرُوعٌ في حَقِّهِ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا إذا كانَ تائِبًا فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلائِلَ دَلَّتْ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] وإذا صارَتِ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً امْتَنَعَ أنْ يَبْقى التّائِبُ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«التَّوْبَةُ تَمْحُو الحَوْبَةَ» “ فَثَبَتَ أنَّ شَرْعَ القِصاصِ في حَقِّ التّائِبِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً، ثُمَّ عِنْدَ هَذا اخْتَلَفُوا فَقالَ أصْحابُنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّما شُرِعَ لِيَكُونَ لُطْفًا بِهِ، ثُمَّ سَألُوا أنْفُسَهم فَقالُوا: إنَّهُ لا تَكَلُّفَ بَعْدَ القَتْلِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا القَتْلُ لُطْفًا بِهِ ؟ وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ هَذا القَتْلَ فِيهِ مَنفَعَةٌ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ مِن حَيْثُ التَّشَفِّي ومَنفَعَةٌ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ مِن حَيْثُ يَزْجُرُ سائِرَ النّاسِ عَنِ القَتْلِ، ومَنفَعَةٌ لِلْقاتِلِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَتّى عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُقْتَلَ صارَ ذَلِكَ داعِيًا لَهُ إلى الخَيْرِ وتَرْكِ الإصْرارِ والتَّمَرُّدِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ القِصاصُ مَشْرُوعًا إلّا بَيْنَ الحُرَّيْنِ وبَيْنَ العَبْدَيْنِ وبَيْنَ الأُنْثَيَيْنِ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿الحُرُّ﴾ تُفِيدُ العُمُومَ فَقَوْلُهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ يُفِيدُ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ حُرٍّ بِالحُرِّ، فَلَوْ كانَ قَتْلُ حُرٍّ بِعَبْدٍ مَشْرُوعًا لَكانَ ذَلِكَ الحُرُّ مَقْتُولًا لا بِالحُرِّ وذَلِكَ يُنافِي إيجابَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حُرٍّ مَقْتُولًا بِالحُرِّ. الثّانِي: أنَّ الباءَ مِن حُرُوفِ الجَرِّ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا لا مَحالَةَ بِفِعْلٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: الحُرُّ يُقْتَلُ بِالحُرِّ، والمُبْتَدَأُ لا يَكُونُ أعَمَّ مِنَ الخَبَرِ، بَلْ إمّا أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لَهُ أوْ أخَصَّ مِنهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ حُرٍّ مَقْتُولًا بِالحُرِّ وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَ حُرٍّ مَقْتُولًا بِالعَبْدِ. الثّالِثُ: وهو أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ في أوَّلِ الآيَةِ رِعايَةَ المُماثَلَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ فَلَمّا ذَكَرَ عَقِيبَهُ قَوْلَهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ رِعايَةَ التَّسْوِيَةِ في الحُرِّيَّةِ والعَبْدِيَّةِ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ وإيجابُ القِصاصِ عَلى الحُرِّ صفحة ٤٤ بِقَتْلِ العَبْدِ إهْمالٌ لِرِعايَةِ التَّسْوِيَةِ في هَذا المَعْنى، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا، فَإنِ احْتَجَّ الخَصْمُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فَجَوابُنا أنَّ التَّرْجِيحَ مَعَنا لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ شَرْعٌ لِمَن قَبْلَنا، والآيَةُ الَّتِي تَمَسَّكْنا بِها شَرْعٌ لَنا، ولا شَكَّ أنَّ شَرْعَنا أقْوى في الدَّلالَةِ مِن شَرْعِ مَن قَبْلَنا. وثانِيهِما: أنَّ الآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْنا بِها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أحْكامِ النُّفُوسِ عَلى التَّفْصِيلِ والتَّخْصِيصِ، ولا شَكَّ أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. ثُمَّ قالَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ: مُقْتَضى ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُقْتَلَ العَبْدُ إلّا بِالعَبْدِ، وأنْ لا تُقْتَلَ الأُنْثى إلّا بِالأُنْثى، إلّا أنّا خالَفْنا هَذا الظّاهِرَ لِدَلالَةِ الِاجْتِماعِ، ولِلْمَعْنى المُسْتَنْبَطِ مِن نَسَقِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ المَعْنى غَيْرُ مَوْجُودٍ في قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى هَهُنا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ. أمّا الإجْماعُ فَظاهِرٌ، وأمّا المَعْنى المُسْتَنْبَطُ فَهو أنَّهُ لَمّا قُتِلَ العَبْدُ بِالعَبْدِ فَلَأنْ يَقْتُلَ بِالحُرِّ وهو فَوْقَهُ كانَ أوْلى، بِخِلافِ الحُرِّ فَإنَّهُ لَمّا قُتِلَ بِالحُرِّ لا يَلْزَمُ أنْ يُقْتَلَ بِالعَبْدِ الَّذِي هو دُونَهُ، وكَذا القَوْلُ في قَتْلِ الأُنْثى بِالذَّكَرِ، فَأمّا قَتْلُ الذَّكَرِ بِالأُنْثى فَلَيْسَ فِيهِ إلّا الإجْماعُ واللَّهُ أعْلَمُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ لا يُفِيدُ الحَصْرَ البَتَّةَ، بَلْ يُفِيدُ شَرْعَ القِصاصِ بَيْنَ المَذْكُورِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى سائِرِ الأقْسامِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ يَقْتَضِي قِصاصَ المَرْأةِ الحُرَّةِ بِالمَرْأةِ الرَّقِيقَةِ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ مانِعًا مِن ذَلِكَ لَوَقَعَ التَّناقُضُ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ جُمْلَةٌ تامَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، وقَوْلَهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ جُزْئِيّاتِ تِلْكَ الجُمْلَةِ بِالذِّكْرِ، وإذا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجُمْلَةِ المُسْتَقِلَّةِ كانَ تَخْصِيصُ بَعْضِ الجُزْئِيّاتِ بِالذِّكْرِ لا يَمْتَنِعُ مِن ثُبُوتِ الحُكْمِ في سائِرِ الجُزْئِيّاتِ، بَلْ ذَلِكَ التَّخْصِيصُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِفَوائِدَ سِوى نَفْيِ الحُكْمِ عَنْ سائِرِ الصُّوَرِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تِلْكَ الفائِدَةِ فَذَكَرُوا فِيها وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ تِلْكَ الفائِدَةَ بَيانُ إبْطالِ ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ عَلى ما رُوِّينا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ أنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ بِالعَبْدِ مِنهُمُ الحُرَّ مِن قَبِيلَةِ القاتِلِ، فَفائِدَةُ التَّخْصِيصِ زَجْرُهم عَنْ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ لِلْقائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أنْ يَقُولُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ هَذا يَمْنَعُ مِن جَوازِ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ؛ لِأنَّ القِصاصَ عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ، وقَتْلُ الحُرِّ بِالعَبْدِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ رِعايَةُ المُساواةِ؛ لِأنَّهُ زائِدٌ عَلَيْهِ في الشَّرَفِ وفي أهْلِيَّةِ القَضاءِ والإمامَةِ والشَّهادَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا. أقْصى ما في البابِ أنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهَذا النَّصِّ في قَتْلِ العالِمِ بِالجاهِلِ والشَّرِيفِ بِالخَسِيسِ، إلّا أنَّهُ يَبْقى في غَيْرِ مَحَلِّ الإجْماعِ عَلى الأصْلِ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ يُوجِبُ قَتْلَ الحُرِّ بِالعَبْدِ، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ يَمْنَعُ مِن جَوازِ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ؛ هَذا خاصٌّ وما قَبْلَهُ عامٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ لا سِيَّما إذا كانَ الخاصُّ مُتَّصِلًا بِالعامِّ في اللَّفْظِ فَإنَّهُ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى الِاسْتِثْناءِ، ولا شَكَّ في وُجُوبِ تَقْدِيمِهِ عَلى العامِّ. الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ فائِدَةِ التَّخْصِيصِ: ما نَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ، أنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ هي الَّتِي يُكْتَفى فِيها بِالقِصاصِ، أمّا في سائِرِ الصُّوَرِ وهي ما إذا كانَ القِصاصُ واقِعًا بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ، وبَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، فَهُناكَ لا يُكْتَفى بِالقِصاصِ، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّراجُعِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا القَوْلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُحَقِّقِينَ زَعَمُوا أنَّ هَذا النَّقْلَ لَمْ يَصِحَّ عَنْ صفحة ٤٥ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ الجَماعَةَ تُقْتَلُ بِالواحِدِ ولا تَراجُعَ، فَكَذَلِكَ يُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالأُنْثى ولا تَراجُعَ، ولِأنَّ القَوَدَ نِهايَةُ ما يَجِبُ في القَتْلِ فَلا يَجُوزُ وُجُوبُ غَيْرِهِ مَعَهُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: مُوجِبُ العَمْدِ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ إمّا القِصاصُ وإمّا الدِّيَةُ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ في هَذِهِ القِصَّةِ عافِيًا ومَعْفُوًّا عَنْهُ، ولَيْسَ هَهُنا إلّا ولِيُّ الدَّمِ والقاتِلُ، فَيَكُونُ العافِي أحَدَهُما ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو القاتِلَ؛ لِأنَّ ظاهِرَ العَفْوِ هو إسْقاطُ الحَقِّ وذَلِكَ إنَّما يَتَأتّى مِنَ الوَلِيِّ الَّذِي لَهُ الحَقُّ عَلى القَتْلِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا عَفا ولِيُّ الدَّمِ عَنْ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِالقاتِلِ فَلْيُتْبِعِ القاتِلُ ذَلِكَ العَفْوَ بِمَعْرُوفٍ، وقَوْلُهُ: ﴿شَيْءٌ﴾ مُبْهَمٌ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى المَذْكُورِ السّابِقِ وهو وُجُوبُ القِصاصِ إزالَةً لِلْإبْهامِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إذا حَصَلَ العَفْوُ لِلْقاتِلِ عَنْ وُجُوبِ القِصاصِ، فَلْيُتْبِعِ القاتِلُ العافِيَ بِالمَعْرُوفِ، ولْيُؤَدِّ إلَيْهِ مالًا بِإحْسانٍ. وبِالإجْماعِ لا يَجِبُ أداءُ غَيْرِ الدِّيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الواجِبُ هو الدِّيَةَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوجِبَ العَمْدِ هو القَوَدُ أوِ المالُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَما كانَ المالُ واجِبًا عِنْدَ العَفْوِ عَنِ القَوَدِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ أيْ أثْبَتَ الخِيارَ لَكم في أخْذِ الدِّيَةِ، وفي القِصاصِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكم؛ لِأنَّ الحُكْمَ في اليَهُودِ حَتْمُ القِصاصِ والحُكْمَ في النَّصارى حَتْمُ العَفْوِ، فَخَفَّفَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وشَرَعَ لَهُمُ التَّخْيِيرَ بَيْنَ القِصاصِ والدِّيَةِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ في حَقِّ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ ولِيَّ الدَّمِ قَدْ تَكُونُ الدِّيَةُ آثَرَ عِنْدَهُ مِنَ القَوَدِ إذا كانَ مُحْتاجًا إلى المالِ، وقَدْ يَكُونُ القَوَدُ آثَرَ إذا كانَ راغِبًا في التَّشَفِّي ودَفْعِ شَرِّ القاتِلِ عَنْ نَفْسِهِ، فَجَعَلَ الخِيَرَةَ لَهُ فِيما أحَبَّهُ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ في حَقِّهِ. فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ العافِيَ هو ولِيُّ الدَّمِ وقَوْلُهُ العَفْوُ إسْقاطُ الحَقِّ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِوَلِيِّ الدَّمِ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ العَفْوَ هو إسْقاطُ الحَقِّ، بَلِ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ أيْ فَمَن سَهُلَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ، يُقالُ: أتانِي هَذا المالُ عَفْوًا صَفْوًا، أيْ سَهْلًا، ويُقالُ: خُذْ ما عَفا، أيْ ما سَهُلَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَمَن كانَ مِن أوْلِياءِ الدَّمِ وسَهُلَ لَهُ مِن أخِيهِ الَّذِي هو القاتِلُ شَيْءٌ مِنَ المالِ فَلْيَتْبَعْ ولِيُّ الدَّمِ ذَلِكَ القاتِلَ في مُطالَبَةِ ذَلِكَ المالِ ولْيُؤَدِّ القاتِلُ إلى ولِيِّ الدَّمِ ذَلِكَ المالَ بِالإحْسانِ مِن غَيْرِ مَطْلٍ ولا مُدافَعَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَثَّ الأوْلِياءَ إذا دَعَوْا إلى الصُّلْحِ مِنَ الدَّمِ عَلى الدِّيَةِ كُلِّها أوْ بَعْضِها أنْ يَرْضَوْا بِهِ ويَعْفُوا عَنِ القَوَدِ. سَلَّمْنا أنَّ العافِيَ هو ولِيُّ الدَّمِ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ هو أنْ يَكُونَ القِصاصُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَيَعْفُو أحَدُهُما، فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ نَصِيبُ الآخَرِ مالًا، فاللَّهُ تَعالى أمَرَ الشَّرِيكَ السّاكِتَ بِاتِّباعِ القاتِلِ بِالمَعْرُوفِ، وأمَرَ القاتِلَ بِالأداءِ إلَيْهِ بِإحْسانٍ. سَلَّمْنا أنَّ العافِيَ هو ولِيُّ الدَّمِ سَواءٌ كانَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا مَشْرُوطٌ بِرِضا القاتِلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ رِضا القاتِلِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ ثابِتًا لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن كُلِّ عامِلٍ أنَّهُ يَبْذُلُ كُلَّ الدُّنْيا لِغَرَضِ دَفْعِ القَتْلِ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ إذا قُتِلَ لا يَبْقى لَهُ لا النَّفْسُ ولا المالُ، أمّا بَذْلُ المالِ فَفِيهِ إحْياءُ النَّفْسِ، فَلَمّا كانَ هَذا الرِّضا حاصِلًا في الأعَمِّ الأغْلَبِ لا جَرَمَ تَرَكَ ذِكْرَهُ وإنْ كانَ مُعْتَبَرًا في نَفْسِ الأمْرِ. والجَوابُ: حَمْلُ لَفْظِ العَفْوِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى إسْقاطِ حَقِّ القِصاصِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى أنْ يَبْعَثَ صفحة ٤٦ القاتِلُ المالَ إلى ولِيِّ الدَّمِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ حَقِيقَةَ العَفْوِ إسْقاطُ الحَقِّ، فَيَجِبُ أنْ لا يَكُونَ حَقِيقَةً في غَيْرِهِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى إسْقاطِ الحَقِّ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى ما ذَكَرْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ كانَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ عَلى إسْقاطِ حَقِّ القِصاصِ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَيْءٌ﴾ لَفْظٌ مُبْهَمٌ، وحَمْلُ هَذا المُبْهَمِ عَلى ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي هو المَذْكُورُ السّابِقُ أوْلى. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالعَفْوِ ما ذَكَرْتُمْ، لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ عَبَثًا؛ لِأنَّ بَعْدَ وُصُولِ المالِ إلَيْهِ بِالسُّهُولَةِ واليُسْرِ لا حاجَةَ بِهِ إلى اتِّباعِهِ، ولا حاجَةَ بِذَلِكَ المُعْطِي إلى أنْ يُؤْمَرَ بِأداءِ ذَلِكَ المالِ بِالإحْسانِ. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي فَمَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ إنَّما يَتَمَشّى بِفَرْضِ صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وهي ما إذا كانَ حَقُّ القِصاصِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ شَخْصَيْنِ ثُمَّ عَفا أحَدُهُما وسَكَتَ الآخَرُ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى شَرْعِيَّةِ هَذا الحُكْمِ عَلى الإطْلاقِ، فَحَمْلُ اللَّفْظِ المُطْلَقِ عَلى الصُّورَةِ الخاصَّةِ المُفِيدَةِ خِلافُ الظّاهِرِ. والثّانِي: أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ، والمَذْكُورُ السّابِقُ هو العافِي، فَوَجَبَ أداءُ هَذا المالِ إلى العافِي، وعَلى قَوْلِكم: يَجِبُ أداؤُهُ إلى غَيْرِ العافِي فَكانَ قَوْلُكم باطِلًا. وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ شَرْطَ الرِّضا إمّا أنْ يَكُونَ مُمْتَنِعَ الزَّوالِ، أوْ كانَ مُمْكِنَ الزَّوالِ، فَإنْ كانَ مُمْتَنِعَ الزَّوالِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَكِنَةُ أخْذِ الدِّيَةِ ثابِتَةً لِوَلِيِّ الدَّمِ عَلى الإطْلاقِ، وإنْ كانَ مُمْكِنَ الزَّوالِ كانَ تَقْيِيدُ اللَّفْظِ بِهَذا الشَّرْطِ الَّذِي ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِهِ مُخالَفَةً لِلظّاهِرِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. * * * ولَمّا تَلَخَّصَ هَذا البَحْثُ فَنَقُولُ: الآيَةُ بَقِيَتْ فِيها أبْحاثٌ لَفْظِيَّةٌ نَذْكُرُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ. البَحْثُ الأوَّلُ: كَيْفَ تَرْكِيبُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ ؟ الجَوابُ: تَقْدِيرُهُ: فَمَن لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ، وهو كَقَوْلِهِ: سِيرَ بِزَيْدٍ بَعْضُ السَّيْرِ، وطائِفَةٌ مِنَ السَّيْرِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ (عُفِيَ) يَتَعَدّى بِعَنْ لا بِاللّامِ فَما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ ] . الجَوابُ: أنَّهُ يَتَعَدّى بِعَنْ إلى الجانِي وإلى الذَّنْبِ، فَيُقالُ: عَفَوْتُ عَنْ فُلانٍ وعَنْ ذَنْبِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] فَإذا تَعَدّى إلى الذَّنْبِ قِيلَ: عَفَوْتُ عَنْ فُلانٍ عَمّا جَنى، كَما تَقُولُ: عَفَوْتُ لَهُ عَنْ ذَنْبِهِ، وتَجاوَزْتُ لَهُ عَنْهُ، وعَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن جِنايَتِهِ، فاسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ الجِنايَةِ. * * * البَحْثُ الثّالِثُ: لِمَ قِيلَ (شَيْءٌ) مِنَ العَفْوِ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا إنَّما يُشْكِلُ إذا كانَ الحَقُّ لَيْسَ إلّا القَوَدَ فَقَطْ، فَحِينَئِذٍ يُقالُ: القَوَدُ لا يَتَبَعَّضُ فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ: ﴿شَيْءٌ﴾ فائِدَةٌ، أمّا إذا كانَ مَجْمُوعُ حَقِّهِ إمّا القَوَدُ وإمّا المالُ كانَ مَجْمُوعُ حَقِّهِ مُتَبَعِّضًا؛ لِأنَّ لَهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ القَوَدِ دُونَ المالِ، ولَهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الكُلِّ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَقُولَ ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ . والجَوابُ الثّانِي: أنَّ تَنْكِيرَ الشَّيْءِ يُفِيدُ فائِدَةً عَظِيمَةً؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ العَفْوَ لا يُؤَثِّرُ في سُقُوطِ القَوَدِ، إلّا أنْ يَكُونَ عَفْوًا عَنْ جَمِيعِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ العَفْوَ عَنْ جُزْئِهِ كالعَفْوِ عَنْ كُلِّهِ في سُقُوطِ القَوَدِ، وعَفْوُ صفحة ٤٧ بَعْضِ الأوْلِياءِ عَنْ حَقِّهِ، كَعَفْوِ جَمِيعِهِمْ عَنْ خَلْقِهِمْ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ كانَ لا يُفْهَمُ مِنهُ ذَلِكَ، فَلَمّا نَكَّرَهُ صارَ هَذا المَعْنى مَفْهُومًا مِنهُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ . * * * البَحْثُ الرّابِعُ: بِأيِّ مَعْنًى أثْبَتَ اللَّهُ وصْفَ الأُخُوَّةِ. والجَوابُ: قِيلَ: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ كَوْنِ الفاسِقِ مُؤْمِنًا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ مُؤْمِنًا حالَ ما وجَبَ القِصاصُ عَلَيْهِ، وإنَّما وجَبَ القِصاصُ عَلَيْهِ إذا صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ العَمْدُ العُدْوانُ، وهو بِالإجْماعِ مِنَ الكَبائِرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الأُخُوَّةَ بَيْنَ القاتِلِ وبَيْنَ ولِيِّ الدَّمِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأُخُوَّةَ تَكُونُ بِسَبَبِ الدِّينِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فَلَوْلا أنَّ الإيمانَ باقٍ مَعَ الفِسْقِ وإلّا لَما بَقِيَتِ الأُخُوَّةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ الإيمانِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى نَدَبَ إلى العَفْوِ عَنِ القاتِلِ، والنَّدْبُ إلى العَفْوِ إنَّما يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِ، أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنِ الوَجْهِ الأوَّلِ فَقالُوا: إنْ قُلْنا المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ هُمُ الأئِمَّةُ فالسُّؤالُ زائِلٌ، وإنْ قُلْنا: إنَّهم هُمُ القاتِلُونَ فَجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ القاتِلَ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ كانَ مُؤْمِنًا، فَسَمّاهُ اللَّهُ تَعالى مُؤْمِنًا بِهَذا التَّأْوِيلِ. والثّانِي: أنَّ القاتِلَ قَدْ يَتُوبُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُؤْمِنًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أدْخَلَ فِيهِ غَيْرَ التّائِبِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو ذِكْرُ الأُخُوَّةِ، فَأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ قَبْلَ أنْ يَقْتُلَ أحَدٌ أحَدًا، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ إخْوَةٌ قَبْلَ الإقْدامِ عَلى القَتْلِ. والثّانِي: الظّاهِرُ أنَّ الفاسِقَ يَتُوبُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ولِيُّ المَقْتُولِ أخًا لَهُ. والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعْلُهُ أخًا لَهُ في النَّسَبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] . والرّابِعُ: أنَّهُ حَصَلَ بَيْنَ ولِيِّ الدَّمِ وبَيْنَ القاتِلِ تَعَلُّقٌ واخْتِصاصٌ، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في إطْلاقِ اسْمِ الأُخُوَّةِ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: قُلْ لِصاحِبِكَ كَذا إذا كانَ بَيْنَهُما أدْنى تَعَلُّقٍ. والخامِسُ: ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأُخُوَّةِ لِيَعْطِفَ أحَدَهُما عَلى صاحِبِهِ بِذِكْرِ ما هو ثابِتٌ بَيْنَهُما مِنَ الجِنْسِيَّةِ في الإقْرارِ والِاعْتِقادِ. والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ بِأسْرِها تَقْتَضِي تَقْيِيدَ الأُخُوَّةِ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ، وبِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، واللَّهُ تَعالى أثْبَتَ الأُخُوَّةَ عَلى الإطْلاقِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ رَفْعٌ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ: فَحُكْمُهُ اتِّباعٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ اتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ. البَحْثُ الثّانِي: قِيلَ: عَلى العافِي الِاتِّباعُ بِالمَعْرُوفِ، وعَلى المَعْفُوِّ عَنْهُ أداءٌ بِإحْسانٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: هُما عَلى المَعْفُوِّ عَنْهُ فَإنَّهُ يُتْبِعُ عَفْوَ العافِي بِمَعْرُوفٍ، ويُؤَدِّي ذَلِكَ المَعْرُوفَ إلَيْهِ بِإحْسانٍ. البَحْثُ الثّالِثُ: الِاتِّباعُ بِالمَعْرُوفِ أنْ لا يُشَدِّدَ بِالمُطالَبَةِ، بَلْ يَجْرِي فِيها عَلى العادَةِ المَأْلُوفَةِ، فَإنْ كانَ مُعْسِرًا فالنَّظِرَةُ، وإنْ كانَ واجِدًا لَعِينِ المالِ فَإنَّهُ لا يُطالِبُهُ بِالزِّيادَةِ عَلى قَدْرِ الحَقِّ، وإنْ كانَ واجِدًا لِغَيْرِ المالِ الواجِبِ، فالإمْهالُ إلى أنْ يَبْتاعَ ويَسْتَبْدِلَ، وأنْ لا يَمْنَعَهُ بِسَبَبِ الِاتِّباعِ عَنْ تَقْدِيمِ الأهَمِّ مِنَ الواجِباتِ، فَأمّا صفحة ٤٨ الأداءُ بِإحْسانٍ فالمُرادُ بِهِ أنْ لا يَدَّعِيَ الإعْدامَ في حالِ الإمْكانِ ولا يُؤَخِّرَهُ مَعَ الوُجُودِ، ولا يُقَدِّمَ ما لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ، وأنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ المالَ عَلى بِشْرٍ وطَلاقَةٍ وقَوْلٍ جَمِيلٍ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الحُكْمُ بِشَرْعِ القِصاصِ والدِّيَةِ، تَخْفِيفٌ في حَقِّكم؛ لِأنَّ العَفْوَ وأخْذَ الدِّيَةَ مُحَرَّمانِ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ والقِصاصُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمُ البَتَّةَ، والقِصاصُ والدِّيَةُ مُحَرَّمانِ عَلى أهْلِ الإنْجِيلِ والعَفْوُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ الأُمَّةُ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ القِصاصِ والدِّيَةِ والعَفْوِ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ وتَيْسِيرًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ التَّخْفِيفُ يَعْنِي جاوَزَ الحَدَّ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: المُرادُ أنْ لا يَقْتُلَ بَعْدَ العَفْوِ والدِّيَةِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ إذا عَفَوْا وأخَذُوا الدِّيَةَ، ثُمَّ ظَفِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالقاتِلِ قَتَلُوهُ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ المُرادُ: أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، أوْ أكْثَرَ مِن قاتَلِهِ، أوْ طَلَبَ أكْثَرَ مِمّا وجَبَ لَهُ مِنَ الدِّيَةِ، أوْ جاوَزَ الحَدَّ بَعْدَما بَيَّنَ لَهُ كَيْفِيَّةَ القِصاصِ. ويَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الجَمِيعِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو المَشْهُورُ أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ شَدِيدُ الألَمِ في الآخِرَةِ. والثّانِي: رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو أنْ يُقْتَلَ لا مَحالَةَ ولا يُعْفى عَنْهُ ولا يُقْبَلَ الدِّيَةُ مِنهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا أُعافِي أحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أنْ أخَذَ الدِّيَةَ» “ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المَفْهُومَ مِنَ العَذابِ الألِيمِ عِنْدَ الإطْلاقِ هو عَذابُ الآخِرَةِ. وثانِيها: أنّا بَيَّنّا أنَّ القَوَدَ تارَةً يَكُونُ عَذابًا وتارَةً يَكُونُ امْتِحانًا، كَما في حَقِّ التّائِبِ، فَلا يَصِحُّ إطْلاقُ اسْمِ العَذابِ عَلَيْهِ إلّا في وجْهٍ دُونَ وجْهٍ. وثالِثُها: أنَّ القاتِلَ لِمَن عُفِيَ عَنْهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْتَصَّ بِأنْ لا يُمَكَّنَ ولِيُّ الدَّمِ مِنَ العَفْوِ عَنْهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ ولِيِّ الدَّمِ فَلَهُ إسْقاطُهُ قِياسًا عَلى تَمَكُّنِهِ مِن إسْقاطِ سائِرِ الحُقُوقِ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:179

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ القِصاصَ وكانَ القِصاصُ مِن بابِ الإيلامِ تَوَجَّهَ فِيهِ سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَمالِ رَحْمَتِهِ إيلامُ العَبْدِ الضَّعِيفِ ؟ فَلِأجْلِ دَفْعِ هَذا السُّؤالِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ حِكْمَةَ شَرْعِ القِصاصِ فَقالَ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ: وُجُوهٌ الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ نَفْسَ القِصاصِ حَياةٌ؛ لِأنَّ القِصاصَ إزالَةٌ لِلْحَياةِ، وإزالَةُ الشَّيْءِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ نَفْسَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، بَلِ المُرادُ أنَّ شَرْعَ القِصاصِ يُفْضِي إلى الحَياةِ في حَقِّ مَن يُرِيدُ أنْ يَكُونَ قاتِلًا، وفي حَقِّ مَن يُرادُ جَعْلُهُ مَقْتُولًا وفي حَقِّ غَيْرِهِما أيْضًا، أمّا في حَقِّ مَن يُرِيدُ أنْ يَكُونَ قاتِلًا فَلِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ لَوْ قَتَلَ قُتِلَ تَرَكَ القَتْلَ فَلا يَقْتُلُ فَيَبْقى حَيًّا، وأمّا في حَقِّ مَن يُرادُ جَعْلُهُ مَقْتُولًا فَلِأنَّ مَن أرادَ قَتْلَهُ إذا خافَ مِنَ القِصاصِ تَرَكَ قَتْلَهُ فَيَبْقى غَيْرَ مَقْتُولٍ، وأمّا في حَقِّ غَيْرِهِما فَلِأنَّ في شَرْعِ القِصاصِ بَقاءَ مَن هَمَّ بِالقَتْلِ، أوْ مَن يَهُمُّ بِهِ، وفي بَقائِهِما بَقاءُ مَن يَتَعَصَّبُ لَهُما؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ تَعْظُمُ بِسَبَبِ القَتْلِ فَتُؤَدِّي إلى المُحارَبَةِ الَّتِي تَنْتَهِي إلى قَتْلِ عالَمٍ مِنَ النّاسِ، وفي تَصَوُّرِ كَوْنِ القِصاصِ مَشْرُوعًا صفحة ٤٩ زَوالُ كُلِّ ذَلِكَ وفي زَوالِهِ حَياةُ الكُلِّ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِنها أنَّ نَفْسَ القِصاصِ سَبَبُ الحَياةِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ سافِكَ الدَّمِ إذا أُقِيدَ مِنهُ ارْتَدَعَ مَن كانَ يَهُمُّ بِالقَتْلِ فَلَمْ يَقْتُلْ، فَكانَ القِصاصُ نَفْسُهُ سَبَبًا لِلْحَياةِ مِن هَذا الوَجْهِ، واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الَّذِي ذَكَرْناهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقِصاصِ الَّذِي هو القَتْلُ، يَدْخَلُ فِيهِ القِصاصُ في الجَوارِحِ والشِّجاجِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ إنْ جَرَحَ عَدُوَّهُ اقْتُصَّ مِنهُ زَجَرَهُ ذَلِكَ عَنِ الإقْدامِ، فَيَصِيرُ سَبَبًا لِبَقائِهِما؛ لِأنَّ المَجْرُوحَ لا يُؤْمَنُ فِيهِ المَوْتُ، وكَذَلِكَ الجارِحُ إذا اقْتُصَّ مِنهُ، وأيْضًا فالشَّجَّةُ والجِراحَةُ الَّتِي لا قَوَدَ فِيها داخِلَةٌ تَحْتَ الآيَةِ؛ لِأنَّ الجارِحَ لا يَأْمَنُ أنْ تُؤَدِّيَ جِراحَتُهُ إلى زُهُوقِ النَّفْسِ فَيَلْزَمُ القَوَدُ، فَخَوْفُ القِصاصِ حاصِلٌ في النَّفْسِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِنَ القِصاصِ إيجابُ التَّسْوِيَةِ فَيَكُونُ المُرادُ أنَّ في إيجابِ التَّسْوِيَةِ حَياةٌ لِغَيْرِ القاتِلِ؛ لِأنَّهُ لا يُقْتَلُ غَيْرُ القاتِلِ بِخِلافِ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. والوَجْهُ الرّابِعُ: قَرَأ أبُو الجَوْزاءِ ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ أيْ فِيما قَصَّ عَلَيْكم مِن حُكْمِ القَتْلِ والقِصاصِ وقِيلَ: (القِصاصُ) القُرْآنُ، أيْ لَكم في القُرْآنِ حَياةٌ لِلْقُلُوبِ كَقَوْلِهِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] و﴿ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] . واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ عُلَماءُ البَيانِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الإيجازِ مَعَ جَمْعِ المَعانِي بِاللُّغَةِ بالِغَةٌ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ العَرَبَ عَبَّرُوا عَنْ هَذا المَعْنى بِألْفاظٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِمْ: قَتْلُ البَعْضِ إحْياءٌ لِلْجَمِيعِ، وقَوْلُ آخَرِينَ: أكْثِرُوا القَتْلَ لِيَقِلَّ القَتْلُ، وأجْوَدُ الألْفاظِ المَنقُولَةِ عَنْهم في هَذا البابِ قَوْلُهم: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ، ثُمَّ إنَّ لَفْظَ القُرْآنِ أفْصَحُ مِن هَذا، وبَيانُ التَّفاوُتِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ أخْصَرُ مِنَ الكُلِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (ولَكم) لا يَدْخُلُ في هَذا البابِ، إذْ لا بُدَّ في الجَمِيعِ مِن تَقْدِيرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: قَتْلُ البَعْضِ إحْياءٌ لِلْجَمِيعِ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَقْدِيرٍ مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ، فَإذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ أشَدُّ اخْتِصارًا مِن قَوْلِهِمْ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ. وثانِيها: أنَّ قَوْلَهم: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الشَّيْءِ سَبَبًا لِانْتِفاءِ نَفْسِهِ وهو مُحالٌ، وقَوْلَهُ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ هو نَوْعٌ مِنَ القَتْلِ وهو القِصاصُ، ثُمَّ ما جَعَلَهُ سَبَبًا لِمُطْلَقِ الحَياةِ لِأنَّهُ ذَكَرَ الحَياةَ مُنَكَّرَةً، بَلْ جَعَلَهُ سَبَبًا لِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الحَياةِ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهم: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ، فِيهِ تَكْرارٌ لِلَفْظِ القَتْلِ، ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ كَذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّ قَوْلَ القائِلِ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ، لا يُفِيدُ إلّا الرَّدْعَ عَنِ القَتْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ يُفِيدُ الرَّدْعَ عَنِ القَتْلِ وعَنِ الجَرْحِ وغَيْرِهِما فَهو أجْمَعُ لِلْفَوائِدِ. وخامِسُها: أنَّ نَفْيَ القَتْلِ مَطْلُوبٌ تَبَعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ حُصُولَ الحَياةِ، وأمّا الآيَةُ فَإنَّها دالَّةٌ عَلى حُصُولِ الحَياةِ وهو مَقْصُودٌ أصْلِيٌّ، فَكانَ هَذا أوْلى. وسادِسُها: أنَّ القَتْلَ ظُلْمًا قَتْلٌ، مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ نافِيًا لِلْقَتْلِ بَلْ هو سَبَبٌ لِزِيادَةِ القَتْلِ، إنَّما النّافِي لِوُقُوعِ القَتْلِ هو القَتْلُ المَخْصُوصُ وهو القِصاصُ، فَظاهِرُ قَوْلِهِمْ باطِلٌ، أمّا الآيَةُ فَهي صَحِيحَةٌ ظاهِرًا وتَقْدِيرًا، فَظَهَرَ التَّفاوُتُ بَيْنَ الآيَةِ وبَيْنَ كَلامِ العَرَبِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ المَقْتُولَ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَوَجَبَ أنْ يَمُوتَ. فَقالُوا: إذا كانَ الَّذِي يُقْتَلُ يَجِبُ أنْ يَمُوتَ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ، فَهَبْ أنَّ شَرْعَ القِصاصِ يَزْجُرُ مَن يُرِيدُ أنْ يَكُونَ قاتِلًا عَنِ الإقْدامِ عَلى القَتْلِ، لَكِنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ يَمُوتُ سَواءٌ قَتَلَهُ هَذا القاتِلُ أوْ لَمْ يَقْتُلْهُ، صفحة ٥٠ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ شَرْعُ القِصاصِ مُفْضِيًا إلى حُصُولِ الحَياةِ. فَإنْ قِيلَ: إنّا إنَّما نَقُولُ فِيمَن قُتِلَ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ كانَ يَمُوتُ لا فِيمَن أُرِيدَ قَتْلُهُ ولَمْ يُقْتَلْ فَلا يَلْزَمُ ما قُلْتُمْ، قُلْنا ألَيْسَ إنَّما يُقالُ فِيمَن قُتِلَ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ ؟ فَإذا قُلْتُمْ: كانَ يَمُوتُ فَقَدْ حَكَمْتُمْ في أنَّ مِن حَقِّ كُلِّ وقْتٍ صَحَّ وُقُوعُ قَتْلِهِ أنْ يَكُونَ مَوْتُهُ كَقَتْلِهِ، وذَلِكَ يُصَحِّحُ ما ألْزَمْناكم؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ عَلى قَوْلِكُمُ المَعْلُومِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ؛ إمّا لِأنَّهُ مَنَعَهُ مانِعٌ عَنِ القَتْلِ، أوْ بِأنْ خافَ قَتْلَهُ أنَّهُ كانَ يَمُوتُ وفي ذَلِكَ صِحَّةُ ما ألْزَمْناكم، هَذا كُلُّهُ ألْفاظُ القاضِي. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأُولِي الألْبابِ﴾ فالمُرادُ بِهِ العُقَلاءُ الَّذِينَ يَعَرِفُونَ العَواقِبَ ويَعْلَمُونَ جِهاتِ الخَوْفِ، فَإذا أرادُوا الإقْدامَ عَلى قَتْلِ أعْدائِهِمْ، وعَلِمُوا أنَّهم يُطالِبُونَ بِالقَوَدِ صارَ ذَلِكَ رادِعًا لَهم؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ إتْلافَ غَيْرِهِ بِإتْلافِ نَفْسِهِ فَإذا خافَ ذَلِكَ كانَ خَوْفُهُ سَبَبًا لِلْكَفِّ والِامْتِناعِ، إلّا أنَّ هَذا الخَوْفَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الفِكْرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ يَهْدِيهِ إلى هَذا الفِكْرِ، فَمَن لا عَقْلَ لَهُ يَهْدِيهِ إلى هَذا الفِكْرِ لا يَحْصُلُ لَهُ هَذا الخَوْفُ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الخِطابِ أُولِي الألْبابِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ مَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وجَوابُهُ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] . * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ التَّقْوى، سَواءٌ كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يَتَّقُونَ أوْ لا يَتَّقُونَ بِخِلافِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ، وقَدْ سَبَقَ جَوابُهُ أيْضًا في تِلْكَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ أنَّ المُرادَ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ نَفْسَ القَتْلِ بِخَوْفِ القِصاصِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ هو التَّقْوى مِن كُلِّ الوُجُوهِ ولَيْسَ في الآيَةِ تَخْصِيصٌ لِلتَّقْوى، فَحَمْلُهُ عَلى الكُلِّ أوْلى. ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما كَتَبَ عَلى العِبادِ الأُمُورَ الشّاقَّةَ مِنَ القِصاصِ وغَيْرِهِ لِأجْلِ أنْ يَتَّقُوا النّارَ بِاجْتِنابِ المَعاصِي ويَكُفُّوا عَنْها، فَإذا كانَ هَذا هو المَقْصُودَ الأصْلِيَّ وجَبَ حَمْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ. الحُكْمُ الخامِسُ

البقرة 2:180

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ يَقْتَضِي الوُجُوبَ عَلى ما بَيَّنّاهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ مُعايَنَةَ المَوْتِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ عاجِزًا عَنِ الإيصاءِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ صفحة ٥١ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ الأكْثَرِينَ أنَّ المُرادَ حُضُورُ أمارَةِ المَوْتِ، وهو المَرَضُ المَخُوفُ، وذَلِكَ ظاهِرٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ فِيمَن يُخافُ عَلَيْهِ المَوْتُ: إنَّهُ قَدْ حَضَرَهُ المَوْتُ كَما يُقالُ لِمَن قارَبَ البَلَدَ: إنَّهُ قَدْ وصَلَ. والثّانِي: قَوْلُ الأصَمِّ: إنَّ المُرادَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةَ في حالَةِ الصِّحَّةِ بِأنْ تَقُولُوا: إذا حَضَرَنا المَوْتُ فافْعَلُوا كَذا. قالَ القاضِي: والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُوصِيَ وإنْ لَمْ يَذْكُرْ في وصِيَّتِهِ المَوْتَ جازَ. والثّانِي: أنَّ ما ذَكَرْناهُ هو الظّاهِرُ، وإذا أمْكَنَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ حَمْلُ الكَلامِ عَلى غَيْرِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ فَلا خِلافَ أنَّهُ المالُ هَهُنا والخَيْرُ يُرادُ بِهِ المالُ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ [العاديات: ٨] ﴿مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، فالوَصِيَّةُ واجِبَةٌ في الكُلِّ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الوَصِيَّةَ فِيما إذا تَرَكَ خَيْرًا، والمالُ القَلِيلُ خَيْرٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الخَيْرَ ما يُنْتَفَعُ بِهِ، والمالُ القَلِيلُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ خَيْرًا. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اعْتَبَرَ أحْكامَ المَوارِيثِ فِيما يَبْقى مِنَ المالِ قَلَّ أمْ كَثُرَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الوَصِيَّةِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ لَفْظَ الخَيْرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالمالِ الكَثِيرِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ مَن تَرَكَ دِرْهَمًا لا يُقالُ: إنَّهُ تَرَكَ خَيْرًا، كَما يُقالُ: فُلانٌ ذُو مالٍ، فَإنَّما يُرادُ تَعْظِيمُ مالِهِ ومُجاوَزَتُهُ حَدَّ أهْلِ الحاجَةِ، وإنْ كانَ اسْمُ المالِ قَدْ يَقَعُ في الحَقِيقَةِ عَلى كُلِّ ما يَتَمَوَّلُهُ الإنْسانُ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وكَذَلِكَ إذا قِيلَ: فُلانٌ في نِعْمَةٍ، وفي رَفاهِيَةٍ مِنَ العَيْشِ. فَإنَّما يُرادُ بِهِ تَكْثِيرُ النِّعْمَةِ، وإنْ كانَ أحَدٌ لا يَنْفَكُّ عَنْ نِعْمَةِ اللَّهِ، وهَذا بابٌ مِنَ المَجازِ مَشْهُورٌ وهو نَفْيُ الِاسْمِ عَنِ الشَّيْءِ لِنَقْصِهِ، كَما قَدْ رُوِيَ مِن قَوْلِهِ: ”«لا صَلاةَ لِجارِ المَسْجِدِ إلّا في المَسْجِدِ» “ وقَوْلِهِ: ”«لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَن باتَ شَبْعانًا وجارُهُ جائِعٌ» “ ونَحْوِ هَذا. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: لَوْ كانَتِ الوَصِيَّةُ واجِبَةً في كُلِّ ما تَرَكَ، سَواءٌ كانَ قَلِيلًا، أوْ كَثِيرًا، لَما كانَ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ كَلامًا مُفِيدًا؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لا بُدَّ وأنْ يَتْرُكَ شَيْئًا ما، قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، أمّا الَّذِي يَمُوتُ عُرْيانًا ولا يَبْقى مَعَهُ كِسْرَةُ خُبْزٍ، ولا قَدْرٌ مِنَ الكِرْباسِ الَّذِي يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ، فَذاكَ في غايَةِ النُّدْرَةِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ هَهُنا مِنَ الخَيْرِ المالُ الكَثِيرُ، فَذاكَ المالُ هَلْ هو مُقَدَّرٌ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مَحْدُودٍ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ دَخَلَ عَلى مَوْلًى لَهم في المَوْتِ، ولَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقالَ أوَلا أُوصِي ؟ قالَ: لا إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ولَيْسَ لَكَ كَثِيرُ مالٍ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَجُلًا قالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أُوصِيَ، قالَتْ: كَمْ مالُكَ ؟ قالَ ثَلاثَةُ آلافٍ، قالَتْ: كَمْ عِيالُكَ ؟ قالَ أرْبَعَةٌ قالَتْ: قالَ اللَّهُ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنَّ هَذا لَشَيْءٌ يَسِيرٌ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ فَهو أفْضَلُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إذا تَرَكَ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلا يُوصِي فَإنْ بَلَغَ ثَمانِمِائَةِ دِرْهَمٍ أوْصى. وعَنْ قَتادَةَ: ألْفُ دِرْهَمٍ، وعَنِ النَّخَعِيِّ: مِن ألْفٍ وخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ. صفحة ٥٢ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ. بَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ حالِ الرِّجالِ؛ لِأنَّ بِمِقْدارٍ مِنَ المالِ يُوصَفُ المَرْءُ بِأنَّهُ غَنِيٌّ، وبِذَلِكَ القَدْرِ لا يُوصَفُ غَيْرُهُ بِالغِنى لِأجْلِ كَثْرَةِ العِيالِ وكَثْرَةِ النَّفَقَةِ، ولا يَمْتَنِعُ في الإيجابِ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمِقْدارٍ مُقَدَّرٍ بِحَسَبِ الِاجْتِهادِ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَجْعَلَ فَقْدَ البَيانِ في مِقْدارِ المالِ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذِهِ الوَصِيَّةَ لَمْ تَجِبْ فِيها قَطُّ بِأنْ يَقُولَ: لَوْ وجَبَتْ لَوَجَبَ أنْ يُقَدَّرَ المالُ الواجِبُ فِيها. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿الوَصِيَّةُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿كُتِبَ﴾ لِأنَّهُ أرادَ بِالوَصِيَّةِ الإيصاءَ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] وأيْضًا إنَّما ذُكِرَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ والوَصِيَّةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ لَمّا طالَ كانَ الفاصِلُ بَيْنَ المُؤَنَّثِ والفِعْلِ، كالعِوَضِ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ، والعَرَبُ تَقُولُ: حَضَرَ القاضِيَ امْرَأةٌ، فَيُذَكِّرُونَ؛ لِأنَّ القاضِيَ بَيْنَ الفِعْلِ وبَيْنَ المَرْأةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَفْعُ الوَصِيَّةِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والثّانِي: عَلى أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ولِلْوالِدَيْنِ الخَبَرُ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِكُتِبَ، كَما تَقُولُ: قِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ، فَقَوْلُكَ عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ جُمْلَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِقِيلَ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الوَصِيَّةَ واجِبَةٌ، بَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ أنَّها واجِبَةٌ لِمَن فَقالَ: (لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ)، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: إنَّهم كانُوا يُوصُونَ لِلْأبْعَدِينَ طَلَبًا لِلْفَخْرِ والشَّرَفِ، ويَتْرُكُونَ الأقارِبَ في الفَقْرِ والمَسْكَنَةِ، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ الإسْلامِ الوَصِيَّةَ لِهَؤُلاءِ مَنعًا لِلْقَوْمِ عَمّا كانُوا اعْتادُوهُ وهَذا بَيِّنٌ. الثّانِي: قالَ آخَرُونَ: إنَّ إيجابَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ لَمّا كانَ قَبْلَ آيَةِ المَوارِيثِ، جَعَلَ اللَّهُ الخِيارَ إلى المُوصِي في مالِهِ وألْزَمَهُ أنْ لا يَتَعَدّى في إخْراجِهِ مالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَنِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ فَيَكُونُ واصِلًا إلَيْهِمْ بِتَمْلِيكِهِ واخْتِيارِهِ، ولِذَلِكَ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» “ فَبَيَّنَ أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ واصِلًا إلَيْهِمْ بِعَطِيَّةِ المُوصِي، فَأمّا الآنَ فاللَّهُ تَعالى قَدَّرَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وأنَّ عَطِيَّةَ اللَّهِ أوْلى مِن عَطِيَّةِ المُوصِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ البَتَّةَ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ كانَتِ الوَصِيَّةُ مِن قَبْلُ واجِبَةً لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿والأقْرَبِينَ﴾ مَن هم ؟ فَقالَ قائِلُونَ: هُمُ الأوْلادُ، فَعَلى هَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ والأوْلادِ وهو قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أبِيهِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ مِنَ الأقْرَبِينَ مَن عَدا الوالِدَيْنِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ القَراباتِ؛ مَن يَرِثُ مِنهم ومَن لا يَرِثُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مَن أوْجَبَ الوَصِيَّةَ لِلْقَرابَةِ، ثُمَّ رَآها مَنسُوخَةً. والقَوْلُ الرّابِعُ: هم مَن لا يَرِثُونَ مِنَ الرَّجُلِ مِن أقارِبِهِ، فَأمّا الوارِثُونَ فَهم خارِجُونَ عَنِ اللَّفْظِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ قَدْرَ ما يُوصِي بِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ تَمْيِيزَ مَن يُوصى لَهُ مِنَ الأقْرَبِينَ مِمَّنْ لا يُوصى؛ لِأنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ يَدْخُلُ في المَعْرُوفِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهُ في الوَصِيَّةِ أنْ يَسْلُكَ صفحة ٥٣ الطَّرِيقَ الجَمِيلَةَ، فَإذا فاضَلَ بَيْنَهم، فَبِالمَعْرُوفِ، وإذا سَوّى فَكَمِثْلٍ، وإذا حَرَمَ البَعْضَ فَكَمِثْلٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَرَمَ الفَقِيرَ وأوْصى لِلْغَنِيِّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْرُوفًا، ولَوْ سَوّى بَيْنَ الوالِدَيْنِ مَعَ عِظَمِ حَقِّهِما وبَيْنَ بَنِي العَمِّ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا، ولَوْ أوْصى لِأوْلادِ الجَدِّ البَعِيدِ مَعَ حُضُورِ الإخْوَةِ لَمْ يَكُنْ ما يَأْتِيهِ مَعْرُوفًا، فاللَّهُ تَعالى كَلَفَّهُ الوَصِيَّةَ عَلى طَرِيقَةٍ جَمِيلَةٍ خالِيَةٍ عَنْ شَوائِبِ الإيحاشِ وذَلِكَ مِن بابِ ما يُعْلَمُ بِالعادَةِ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَتِ الوَصِيَّةُ واجِبَةً لَمْ يَشْتَرِطْ تَعالى فِيهِ هَذا الشَّرْطَ، الَّذِي لا يُمْكِنُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ لِما بَيَّنّا. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ فَزِيادَةٌ في تَوْكِيدِ وُجُوبِهِ، فَقَوْلُهُ: (حَقًّا) مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا التَّكْلِيفِ بِالمُتَّقِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ. فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ أنَّهُ لازِمٌ لِمَن آثَرَ التَّقْوى، وتَحَرّاهُ وجَعَلَهُ طَرِيقَةً لَهُ ومَذْهَبًا فَيَدْخُلُ الكُلُّ فِيهِ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ هَذا المَعْنى عَلى المُتَّقِينَ، والإجْماعُ دَلَّ عَلى أنَّ الواجِباتِ والتَّكالِيفَ عامَّةٌ في حَقِّ المُتَّقِينَ، وغَيْرِهِمْ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَدْخُلُ الكُلُّ تَحْتَ هَذا التَّكْلِيفِ؛ فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في هَذِهِ الوَصِيَّةِ، مِنهم مَن قالَ: كانَتْ واجِبَةً، ومِنهم مَن قالَ: كانَتْ نَدْبًا، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِقَوْلِهِ: (كُتِبَ) وبِقَوْلِهِ: (عَلَيْكم) وكِلا اللَّفْظَيْنِ يُنْبِئُ عَنِ الوُجُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ الإيجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا؛ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ صارَتْ مَنسُوخَةً، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها ما صارَتْ مَنسُوخَةً، وهَذا اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، وتَقْرِيرُ قَوْلِهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ما هي مُخالِفَةً لِآيَةِ المَوارِيثِ ومَعْناها: كُتِبَ عَلَيْكم ما أوْصى بِهِ اللَّهُ تَعالى مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أوْ كُتِبَ عَلى المُحْتَضَرِ أنْ يُوصِيَ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ لَهم عَلَيْهِمْ وأنْ لا يَنْقُصَ مِن أنْصِبائِهِمْ. وثانِيها: أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ ثُبُوتِ المِيراثِ لِلْأقْرِباءِ مَعَ ثُبُوتِ الوَصِيَّةِ بِالمِيراثِ عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، والوَصِيَّةُ عَطِيَّةٌ مِمَّنْ حَضَرَهُ المَوْتُ، فالوارِثُ جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الوَصِيَّةِ والمِيراثِ بِحُكْمِ الآيَتَيْنِ. وثالِثُها: لَوْ قَدَّرْنا حُصُولَ المُنافاةِ لَكانَ يُمْكِنُ جَعْلُ آيَةِ المِيراثِ مُخَصِّصَةً لِهَذِهِ الآيَةِ وذَلِكَ؛ لَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُوجِبُ الوَصِيَّةَ لِلْأقْرَبِينَ، ثُمَّ آيَةُ المِيراثِ تُخْرِجُ القَرِيبَ الوارِثَ ويَبْقى القَرِيبُ الَّذِي لا يَكُونُ وارِثًا داخِلًا تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ الوالِدَيْنِ مَن يَرِثُ، ومِنهم مَن لا يَرِثُ، وذَلِكَ بِسَبَبِ اخْتِلافِ الدِّينِ والرِّقِّ والقَتْلِ، ومِنَ الأقارِبِ الَّذِينَ لا يَسْقُطُونَ في فَرِيضَةِ مَن لا يَرِثُ بِهَذِهِ الأسْبابِ الحاجِبَةِ، ومِنهم مَن يَسْقُطُ في حالٍ ويَثْبُتُ في حالٍ، إذا كانَ في الواقِعَةِ مَن هو أوْلى بِالمِيراثِ مِنهم، ومِنهم مَن يَسْقُطُ في كُلِّ حالٍ إذا كانُوا ذَوِي رَحِمٍ، فَكُلُّ مَن كانَ مِن هَؤُلاءِ وارِثًا لَمْ يَجُزِ الوَصِيَّةُ لَهُ، ومَن لَمْ يَكُنْ وارِثًا جازَتِ الوَصِيَّةُ لَهُ لِأجْلِ صِلَةِ الرَّحِمِ، فَقَدْ أكَّدَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١] وبِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ [النحل: ٩٠] فَهَذا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ أبِي مُسْلِمٍ في هَذا البابِ. * * * أمّا القائِلُونَ بِأنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ فَيَتَوَجَّهُ تَفْرِيعًا عَلى هَذا المَذْهَبِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في أنَّها بِأيِّ دَلِيلٍ صارَتْ مَنسُوخَةً ؟ وذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً بِإعْطاءِ اللَّهِ تَعالى أهْلَ المَوارِيثِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَقَطْ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ مَعَ قَدْرٍ مِنَ الحَقِّ بِالمِيراثِ وُجُوبُ قَدْرٍ آخَرَ بِالوَصِيَّةِ، وأكْثَرُ ما يُوجِبُهُ ذَلِكَ التَّخْصِيصُ لا النَّسْخُ بِأنْ يَقُولَ قائِلٌ: إنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَنسُوخَةً صفحة ٥٤ فِيمَن لَمْ يَخْلُفْ إلّا الوالِدَيْنِ مِن حَيْثُ يَصِيرُ كُلُّ المالُ حَقًّا لَهُما بِسَبَبِ الإرْثِ فَلا يَبْقى لِلْوَصِيَّةِ شَيْءٌ إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لا نَسْخٌ. وثانِيها: أنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ألا لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» “ وهَذا أقْرَبُ، إلّا أنَّ الإشْكالَ فِيهِ أنَّ هَذا خَبَرٌ واحِدٌ فَلا يَجُوزُ نَسْخُ القُرْآنِ بِهِ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِأنَّ هَذا الخَبَرَ وإنْ كانَ خَبَرَ واحِدٍ إلّا أنَّ الأئِمَّةَ تَلَقَّتْهُ بِالقَبُولِ فالتَحَقَ بِالمُتَواتِرِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: يُدَّعى أنَّ الأئِمَّةَ تَلَقَّتْهُ بِالقَبُولِ عَلى وجْهِ الظَّنِّ أوْ عَلى وجْهِ القَطْعِ، والأوَّلُ مُسَلَّمٌ إلّا أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ إجْماعًا مِنهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ، فَلا يَجُوزُ نَسْخُ القُرْآنِ بِهِ، والثّانِي مَمْنُوعٌ؛ لِأنَّهم لَوْ قَطَعُوا بِصِحَّتِهِ مَعَ أنَّهُ مِن بابِ الآحادِ لَكانُوا قَدْ أجْمَعُوا عَلى الخَطَأِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. وثالِثُها أنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً بِالإجْماعِ، والإجْماعُ لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَخَ بِهِ القُرْآنُ؛ لِأنَّ الإجْماعَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ الدَّلِيلُ النّاسِخُ مَوْجُودًا إلّا أنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِالإجْماعِ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ في الأُمَّةِ مَن أنْكَرَ وُقُوعَ هَذا النَّسْخِ فَكَيْفَ يُدَّعى انْعِقادُ الإجْماعِ عَلى حُصُولِ النَّسْخِ ؟ ورابِعُها: أنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً بِدَلِيلٍ قِياسِيٍّ وهو أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الوَصِيَّةُ لَوْ كانَتْ واجِبَةً لَكانَ عِنْدَما لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الوَصِيَّةُ وجَبَ أنْ لا يَسْقُطَ حَقُّ هَؤُلاءِ الأقْرَبِينَ قِياسًا عَلى الدُّيُونِ الَّتِي لا تُوجَدُ الوَصِيَّةُ بِها، لَكِنْ عِنْدَما لَمْ تُوجَدِ الوَصِيَّةُ لِهَؤُلاءِ الأقْرَبِينَ لا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ المَوارِيثِ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ إذا لَمْ تَكُنْ وصِيَّةٌ ولا دَيْنٌ، فالمالُ أجْمَعُ مَصْرُوفٌ إلى أهْلِ المِيراثِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نَسْخُ القُرْآنِ بِالقِياسِ غَيْرُ جائِزٍ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * البَحْثُ الثّانِي: القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ صارَتْ مَنسُوخَةً اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ؛ مِنهم مَن قالَ: إنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً في حَقِّ مَن يَرِثُ وفي حَقِّ مَن لا يَرِثُ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ والمُعْتَبَرِينَ مِنَ الفُقَهاءِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ فِيمَن يَرِثُ ثابِتَةٌ فِيمَن لا يَرِثُ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنُ البَصْرِيُّ ومَسْرُوقٌ وطاوُسٌ والضَّحّاكُ ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ والعَلاءُ بْنُ زِيادٍ حَتّى قالَ الضَّحّاكُ: مَن ماتَ مِن غَيْرِ أنْ يُوصِيَ لِأقْرِبائِهِ فَقَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةٍ، وقالَ طاوُسٌ: إنْ أوْصى لِلْأجانِبِ وتَرَكَ الأقارِبَ نُزِعَ مِنهم ورُدَّ إلى الأقارِبِ، فَعِنْدَ هَؤُلاءِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَقِيَتْ دالَّةً عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ لِلْقَرِيبِ الَّذِي لا يَكُونُ وارِثًا، وحُجَّةُ هَؤُلاءِ مِن وجْهَيْنِ: الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ لِلْقَرِيبِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ الوارِثِ القَرِيبِ، إمّا بِآيَةِ المَوارِيثِ وإمّا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ألا لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» “ أوْ بِالإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا وصِيَّةَ لِلْوارِثِ، وهَهُنا الإجْماعُ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَ ظُهُورِ الخِلافِ فِيهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، فَوَجَبَ أنْ تَبْقى الآيَةُ دالَّةً عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ لِلْقَرِيبِ الَّذِي لا يَكُونُ وارِثًا. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مالٌ أنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إلّا ووَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» “ وأجْمَعْنا عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ لِغَيْرِ الأقارِبِ غَيْرُ واجِبَةٍ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الوَصِيَّةُ الواجِبَةُ مُخْتَصَّةً بِالأقارِبِ، وصارَتِ السُّنَّةُ مُؤَكِّدَةً لِلْقُرْآنِ في وُجُوبِ هَذِهِ الوَصِيَّةِ. وأمّا الجُمْهُورُ القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ صارَتْ مَنسُوخَةً في حَقِّ القَرِيبِ الَّذِي لا يَكُونُ وارِثًا، فَأجْوَدُ ما لَهُمُ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا تَقْرِيرَهُ فِيما قَبْلُ. * * * البَحْثُ الثّالِثُ: القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ما صارَتْ مَنسُوخَةً في حَقِّ القَرِيبِ الَّذِي لا يَكُونُ وارِثًا، صفحة ٥٥ اخْتَلَفُوا في مَوْضِعَيْنِ: الأوَّلُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الوَصِيَّةَ لِلْأفْقَرِ فالأفْقَرِ مِنَ الأقْرِباءِ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: هم والأغْنِياءُ سَواءٌ. الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وخالِدِ بْنِ زَيْدٍ وعَبْدِ المَلِكِ بْنِ يَعْلى أنَّهم قالُوا فِيمَن يُوصِي لِغَيْرِ قَرابَتِهِ ولَهُ قُرابَةٌ لا تَرِثُهُ: يَجْعَلُ ثُلُثَيِ الثُّلُثِ لِذَوِي القَرابَةِ وثُلُثَ الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ. وعَنْ طاوُسٍ: أنَّ الأقارِبَ إنْ كانُوا مُحْتاجِينَ انْتُزِعَتِ الوَصِيَّةُ مِنَ الأجانِبِ ورُدَّتْ إلى الأقارِبِ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:181

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أمْرَ الوَصِيَّةِ ووُجُوبَها، وعِظَمَ أمْرِها، أتْبَعَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى الوَعِيدِ في تَغْيِيرِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا المُبَدِّلُ مَن هو ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو المَشْهُورُ أنَّهُ هو الوَصِيُّ أوِ الشّاهِدُ أوْ سائِرُ النّاسِ، أمّا الوَصِيُّ فَبِأنْ يُغَيِّرَ الوَصِيُّ الوَصِيَّةَ إمّا في الكِتابَةِ وإمّا في قِسْمَةِ الحُقُوقِ، وأمّا الشّاهِدُ فَبِأنْ يُغَيِّرَ شَهادَةً أوْ يَكْتُمَها، وأمّا غَيْرُ الوَصِيِّ والشّاهِدُ فَبِأنْ يَمْنَعُوا مِن وصْلِ ذَلِكَ المالِ إلى مُسْتَحِقِّهِ، فَهَؤُلاءِ كُلُّهم داخِلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَنهِيَّ عَنِ التَّغْيِيرِ هو المُوصِي نَهى عَنْ تَغْيِيرِ الوَصِيَّةِ عَنِ المَواضِعِ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِالوَصِيَّةِ إلَيْها وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوصُونَ لِلْأجانِبِ ويَتْرُكُونَ الأقارِبَ في الجُوعِ والضُّرِّ، فاللَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ، ثُمَّ زَجَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ مَن أعْرَضَ عَنْ هَذا التَّكْلِيفِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ عائِدٌ إلى الوَصِيَّةِ، مَعَ أنَّ الكِنايَةَ المَذْكُورَةَ مُذَكَّرَةٌ والوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةٌ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ الوَصِيَّةَ بِمَعْنى الإيصاءِ ودالَّةٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أيْ وعْظٌ، والتَّقْدِيرُ: فَمَن بَدَّلَ ما قالَهُ المَيِّتُ، أوْ ما أوْصى بِهِ أوْ سَمِعَهُ عَنْهُ. وثانِيها: قِيلَ الهاءُ راجِعَةٌ إلى الحُكْمِ والفَرْضِ والتَّقْدِيرُ: فَمَن بَدَّلَ الأمْرَ المُقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وثالِثُها: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما أوْصى بِهِ المَيِّتَ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ، وإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةً. ورابِعُها: أنَّ الكِنايَةَ تَعُودُ إلى مَعْنى الوَصِيَّةِ وهو قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ. وخامِسُها: أنَّ تَأْنِيثَ الوَصِيَّةِ لَيْسَ بِالحَقِيقِيِّ فَيَجُوزُ أنْ يُكَنّى عَنْها بِكِنايَةِ المُذَكَّرِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الإثْمَ إنَّما يَثْبُتُ أوْ يَعْظُمُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ المُبَدِّلُ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلسَّماعِ لَوْ لَمْ يَقَعِ العِلْمُ بِهِ، فَصارَ إثْباتُ سَماعِهِ كَإثْباتِ عِلْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (إثْمُهُ) عائِدٌ إلى التَّبْدِيلِ، والمَعْنى: أنَّ إثْمَ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ لا يَعُودُ إلّا إلى المُبَدِّلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أنَّ المُبَدِّلَ مَن هو. واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أحْكامٍ: أحَدُها: أنَّ الطِّفْلَ لا يُعَذَّبُ عَلى كُفْرِ أبِيهِ. وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ إذا أمَرَ الوارِثَ بِقَضاءِ دَيْنِهِ، ثُمَّ إنَّ الوارِثَ قَصَّرَ فِيهِ بِأنْ لا يَقْضِيَ دَيْنَهُ فَإنَّ الإنْسانَ المَيِّتَ لا يُعَذَّبُ صفحة ٥٦ بِسَبَبِ تَقْصِيرِ ذَلِكَ الوارِثِ خِلافًا لِبَعْضِ الجُهّالِ. وثالِثُها: أنَّ المَيِّتَ لا يُعَذَّبُ بِبُكاءِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ إثْمَ التَّبْدِيلِ لا يَعُودُ إلّا إلى المُبَدِّلِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُؤاخِذُ أحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، وتَتَأكَّدُ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا أوْصى لِلْأجانِبِ، وفي الأقارِبِ مَن تَشْتَدُّ حاجَتُهُ هَلْ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ تَغْيِيرُ الوَصِيَّةِ ؟ أمّا مَن يَقُولُ بِوُجُوبِ الوَصِيَّةِ لِمَن لا يَرِثُ مِنَ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: كانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْأقارِبِ واجِبَةً عَلَيْهِ، فَإذا لَمْ يَفْعَلْ وصَرَفَ الوَصِيَّةَ إلى الأجانِبِ كانَ ذَلِكَ الأجْنَبِيُّ أحَقَّ بِهِ، ومِنهم مَن قالَ: يُنْقَضُ ذَلِكَ ويُرَدُّ إلى الأقْرَبِينَ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْصِيلَ قَوْلِ هَؤُلاءِ. أمّا مَن لا يُوجِبُ الوَصِيَّةَ لِلْقَرِيبِ الَّذِي لا يَرِثُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالثُّلُثِ أوْ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، فَإنْ كانَ بِالثُّلُثِ فَهو جائِزٌ ولا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُسْتَحَبِّ، فَكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: المُسْتَحَبُّ هو النُّقْصانُ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ» “ فَنَدَبَ إلى النُّقْصانِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ الثُّلُثُ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأنَّهُ حَقُّهُ والثَّوابُ فِيهِ أكْثَرُ، ومِنهم مَن يَعْتَبِرُ حالَ المَيِّتِ وحالَ الوَرَثَةِ وقَدْرَ التَّرِكَةِ، وهَذا هو الأوْلى، فَأمّا إنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلْثِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرِ الوَرَثَةِ، والتِماسِ الرِّضا مِنهم، وقالَ آخَرُونَ: لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِ الوَرَثَةِ إلّا بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إذا أوْصى بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: يَجُوزُ إنْ أجازَهُ الوارِثُ ويَكُونُ عَطِيَّةً مِنَ المَيِّتِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بَلْ يَكُونُ كابْتِداءِ عَطِيَّةٍ مِنَ الوارِثِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ لِلْوَصِيَّةِ عَلى حَدِّها، ويَعْلَمُها عَلى صِفَتِها، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِنَ التَّغْيِيرِ الواقِعِ فِيها، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:182

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَوَعَّدَ مَن يُبَدِّلُ الوَصِيَّةَ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ التَّبْدِيلِ أنْ يُبَدِّلَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، أمّا إذا غَيَّرَهُ عَنْ باطِلٍ إلى حَقٍّ عَلى طَرِيقِ الإصْلاحِ فَقَدْ أحْسَنَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾؛ لِأنَّ الإصْلاحَ يَقْتَضِي ضَرْبًا مِنَ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ فَذَكَرَ تَعالى الفَرْقَ بَيْنَ هَذا التَّبْدِيلِ وبَيْنَ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ الأوَّلِ بِأنْ أوْجَبَ الإثْمَ في الأوَّلِ وأزالَهُ عَنِ الثّانِي بَعْدَ اشْتِراكِهِما في كَوْنِهِما تَبْدِيلَيْنِ وتَغْيِيرَيْنِ، لِئَلّا يُقَدَّرَ أنَّ حُكْمَهُما واحِدٌ في هَذا البابِ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (مُوَصٍّ) بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وهُما لُغَتانِ: وصّى وأوْصى بِمَعْنًى واحِدٍ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَنَفُ: المَيْلُ في الأُمُورِ، وأصْلُهُ العُدُولُ عَنِ الِاسْتِواءِ، يُقالُ: جَنِفَ يَجْنَفُ بِكَسْرِ النُّونِ في الماضِي، وفَتْحِها في المُسْتَقْبَلِ، جَنَفًا، وكَذَلِكَ: تَجانَفَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ صفحة ٥٧ [المائدة: ٣] والفَرْقُ بَيْنَ الجَنَفِ والإثْمِ أنَّ الجَنَفَ هو الخَطَأُ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ بِهِ والإثْمُ هو العَمْدُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ هو الخَوْفُ والخَشْيَةُ. فَإنْ قِيلَ: الخَوْفُ إنَّما يَصِحُّ في أمْرٍ مُنْتَظَرٍ، والوَصِيَّةُ وقَعَتْ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَعَلُّقُها بِالخَوْفِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا المُصْلِحَ إذا شاهَدَ المُوصِيَ يُوصِي فَظَهَرَتْ مِنهُ أماراتُ الجَنَفِ الَّذِي هو المَيْلُ عَنْ طَرِيقَةِ الحَقِّ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ الجَهالَةِ، أوْ مَعَ التَّأْوِيلِ أوْ شاهَدَ مِنهُ تَعَمُّدًا بِأنْ يَزِيدَ غَيْرَ المُسْتَحِقِّ، أوْ يَنْقُصَ المُسْتَحِقَّ حَقَّهُ، أوْ يَعْدِلَ عَنِ المُسْتَحِقِّ، فَعِنْدَ ظُهُورِ أماراتِ ذَلِكَ وقَبْلَ تَحْقِيقِ الوَصِيَّةِ يَأْخُذُ في الإصْلاحِ؛ لِأنَّ إصْلاحَ الأمْرِ عِنْدَ ظُهُورِ أماراتِ فَسادِهِ وقَبْلَ تَقْرِيرِ فَسادِهِ يَكُونُ أسْهَلَ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَ تَعالى بِالخَوْفِ مِن دُونِ العِلْمِ، فَكَأنَّ المُوصِيَ يَقُولُ وقَدْ حَضَرَ الوَصِيُّ والشّاهِدُ عَلى وجْهِ المَشُورَةِ: أُرِيدُ أنْ أُوصِيَ لِلْأباعِدِ دُونَ الأقارِبِ وأنْ أزِيدَ فُلانًا مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلزِّيادَةِ، أوْ أنْقُصَ فُلانًا مَعَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلزِّيادَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ السّامِعُ خائِفًا مِن حِنْثٍ وإثْمٍ لا قاطِعًا عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ فَعَلَّقَهُ بِالخَوْفِ الَّذِي هو الظَّنُّ ولَمْ يُعَلِّقْهُ بِالعِلْمِ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهُ إذا أوْصى عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَسْتَمِرَّ المُوصِي عَلى تِلْكَ الوَصِيَّةِ بَلْ يَفْسَخُها ويَجُوزُ أنْ يَسْتَمِرَّ؛ لِأنَّ المُوصِيَ ما لَمْ يَمُتْ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الوَصِيَّةِ وتَغْيِيرُها بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِرِ الجَنَفُ والإثْمُ مَعْلُومَيْنِ؛ لِأنَّ تَجْوِيزَ فَسْخِهِ يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالخَوْفِ. الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَسْتَقِرَّ الوَصِيَّةُ وماتَ المُوصِي، فَمِن ذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ والمُوصِي لَهم مُصالَحَةٌ عَلى وجْهِ تَرْكِ المَيْلِ والخَطَأِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مُنْتَظَرًا لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الجَنَفِ والإثْمِ ماضِيًا مُسْتَقِرًّا، فَصَحَّ أنْ يُعَلِّقَهُ تَعالى بِالخَوْفِ وزَوالِ اليَقِينِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ يُمْكِنُ أنْ تُذْكَرَ في مَعْنى الخَوْفِ وإنْ كانَ الوَجْهُ الأوَّلُ هو الأقْوى. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ﴾ أيْ فَمَن عَلِمَ. والخَوْفُ والخَشْيَةُ يُسْتَعْمَلانِ بِمَعْنى العِلْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الخَوْفَ عِبارَةٌ عَنْ حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِن ظَنٍّ مَخْصُوصٍ، وبَيْنَ العِلْمِ وبَيْنَ الظَّنِّ مُشابَهَةٌ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، فَلِهَذا صَحَّ إطْلاقُ اسْمِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى الآخَرِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ أنَّ المَيِّتَ إذا أخْطَأ في وصِيَّتِهِ أوْ جارَ فِيها مُتَعَمِّدًا فَلا حَرَجَ عَلى مَن عَلِمَ ذَلِكَ أنْ يُغَيِّرَهُ ويَرُدَّهُ إلى الصَّلاحِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الجَنَفَ هو الخَطَأُ والإثْمَ هو العَمْدُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الخَطَأ في حَقِّ الغَيْرِ في أنَّهُ يَجِبُ إبْطالُهُ بِمَنزِلَةِ العَمْدِ فَلا فَصْلَ بَيْنَ الخَطَأِ والعَمْدِ في ذَلِكَ، فَمِن هَذا الوَجْهِ سَوّى عَزَّ وجَلَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا المُصْلِحُ مَن هو ؟ الظّاهِرُ أنَّهُ هو الوَصِيُّ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ في الوَصِيَّةِ، وقَدْ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الشّاهِدُ، وقَدْ يَكُونُ المُرادُ مِنهُ مَن يَتَوَلّى ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِن والٍ أوْ ولِيٍّ أوْ وصِيٍّ، أوْ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ. فَكُلُّ هَؤُلاءِ يَدْخُلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾ إذا ظَهَرَتْ لَهم أماراتُ الجَنَفِ والإثْمِ في الوَصِيَّةِ، أوْ عَلِمُوا ذَلِكَ، فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ في هَذا البابِ، بَلِ الوَصِيُّ والشّاهِدُ أوْلى بِالدُّخُولِ تَحْتَ هَذا صفحة ٥٨ التَّكْلِيفِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ بِهِمْ تَثْبُتَ الوَصِيَّةُ، فَكانَ تَعَلُّقُهم بِها أشَدَّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ فَما ذَلِكَ المَذْكُورُ السّابِقُ ؟ وجَوابُهُ: أنْ لا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ بَيْنَ أهْلِ الوَصايا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن مُوصٍ﴾ دَلَّ عَلى مَن لَهُ الوَصِيَّةُ فَصارَ كَأنَّهم ذَكَرُوا فَصَلَحَ أنْ يَقُولَ تَعالى: (فَأصْلَحَ بَيْنَهم) كَأنَّهُ قالَ: فَأصْلَحَ بَيْنَ أهْلِ الوَصِيَّةِ، وقالَ القائِلُونَ: المُرادُ فَأصْلَحَ بَيْنَ أهْلِ الوَصِيَّةِ والمِيراثِ، وذَلِكَ هو أنْ يَزِيدَ المُوصِي في الوَصِيَّةِ عَلى قَدْرِ الثُّلُثِ، فالمُصْلِحُ يُصْلِحُ بَيْنَ أهْلِ الوَصايا والوَرَثَةِ في ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ لَفْظَ المُوصِي إنَّما يَدُلُّ عَلى أهْلِ الوَصِيَّةِ لا عَلى الوَرَثَةِ. وثانِيها: أنَّ الجَنَفَ والإثْمَ لا يَدْخُلُ في أنْ يُوصِيَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمّا لَمْ يَجُزْ إلّا بِالرِّضا صارَ ذِكْرُهُ كَلا ذِكْرٍ، ولا يَحْتاجُ في إبْطالِهِ إلى إصْلاحٍ؛ لِأنَّهُ ظاهِرُ البُطْلانِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ كَيْفِيَّةِ هَذا الإصْلاحِ، وهَهُنا بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: في بَيانِ كَيْفِيَّةِ هَذا الإصْلاحِ قَبْلَ أنْ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً، فَنَقُولُ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ الجَنَفَ والإثْمَ كانَ إمّا بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ أوْ بِعُدُولٍ، فَإصْلاحُها إنَّما يَكُونُ بِإزالَةِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ ورَدِّ كُلِّ حَقٍّ إلى مُسْتَحِقِّهِ. البَحْثُ الثّانِي: في كَيْفِيَّةِ هَذا الإصْلاحِ بَعْدَ أنْ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَنسُوخَةُ فَنَقُولُ: الجَنَفُ والإثْمُ هَهُنا يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها أنْ يَظْهَرَ مِنَ المَرِيضِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُحاوِلُ مَنعَ وُصُولِ المالِ إلى الوارِثِ، إمّا بِذِكْرِ إقْرارٍ، أوْ بِالتِزامِ عَقْدٍ، فَهَهُنا يُمْنَعُ مِنهُ. ومِنها أنْ يُوصِيَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ. ومِنها أنْ يُوصِيَ لِلْأباعِدِ وفي الأقارِبِ شِدَّةُ حاجَةٍ. ومِنها أنْ يُوصِيَ مَعَ قِلَّةِ المالِ وكَثْرَةِ العِيالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوُجُوهِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا المُصْلِحُ قَدْ أتى بِطاعَةٍ عَظِيمَةٍ في هَذا الإصْلاحِ وهو يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يُقالَ: فَلا إثْمَ عَلَيْهِ. وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إثْمَ المُبَدِّلِ في أوَّلِ الآيَةِ، وهَذا أيْضًا مِنَ التَّبْدِيلِ بَيَّنَ مُخالَفَتَهُ لِلْأوَّلِ، وأنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ رَدَّ الوَصِيَّةَ إلى العَدْلِ. والثّانِي: لَمّا كانَ المُصْلِحُ يَنْقُصُ الوَصايا وذَلِكَ يَصْعُبُ عَلى المُوصى لَهُ ويُوهِمُ فِيهِ إثْمًا أزالَ الشُّبْهَةَ وقالَ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ . والثّالِثُ: بَيَّنَ أنَّ بِالوَصِيَّةِ والإشْهادِ لا يَتَحَتَّمُ ذَلِكَ، وأنَّهُ مَتى غَيَّرَ إلى الحَقِّ وإنْ كانَ خالَفَ الوَصِيَّةَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وإنْ حَصَلَ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِوَصِيَّةِ المُوصِي وصَرْفٌ لِمالِهِ عَمَّنْ أحَبَّ إلى مَن كَرِهَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوهِمُ القُبْحَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ . والرّابِعُ: أنَّ الإصْلاحَ بَيْنَ الجَماعَةِ يَحْتاجُ فِيهِ إلى الإكْثارِ مِنَ القَوْلِ، ويَخافُ فِيهِ أنْ يَتَخَلَّلَهُ بَعْضُ ما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا إثْمَ عَلى المُصْلِحِ في هَذا الجِنْسِ إذا كانَ قَصْدُهُ في الإصْلاحِ جَمِيلًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ الصُّلْحِ بَيْنَ المُتَنازِعِينَ إذا خافَ مَن يُرِيدُ الصُّلْحَ إفْضاءَ تِلْكَ المُنازَعَةِ إلى أمْرٍ مَحْذُورٍ في الشَّرْعِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَفِيهِ أيْضًا سُؤالٌ: وهو أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَلِيقُ بِمَن فَعَلَ فِعْلًا لا يَجُوزُ، أمّا هَذا الإصْلاحُ فَهو مِن جُمْلَةِ الطّاعاتِ فَكَيْفَ بِهِ هَذا الكَلامُ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا مِن بابِ صفحة ٥٩ تَنْبِيهِ الأدْنى عَلى الأعْلى كَأنَّهُ قالَ: أنا الَّذِي أغْفِرُ الذُّنُوبَ ثُمَّ أرْحَمُ المُذْنِبَ، فَبِأنْ أُوصِلَ رَحْمَتِي وثَوابِي إلَيْكَ مَعَ أنَّكَ تَحَمَّلْتَ المِحَنَ الكَثِيرَةَ في إصْلاحِ هَذا المُهِمِّ كانَ أوْلى. وثانِيها: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ المُوصِيَ الَّذِي أقْدَمَ عَلى الجَنَفِ والإثْمِ مَتى أُصْلِحَتْ وصِيَّتُهُ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ بِفَضْلِهِ. وثالِثُها: أنَّ المُصْلِحَ رُبَّما احْتاجَ في إيتاءِ الإصْلاحِ إلى أقْوالٍ وأفْعالٍ كانَ الأوْلى تَرْكَها، فَإذا عَلِمَ تَعالى مِنهُ أنَّ غَرَضَهُ لَيْسَ إلّا الإصْلاحَ فَإنَّهُ لا يُؤاخِذُهُ بِها؛ لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

البقرة 2:183

الحُكْمُ السّادِسُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الصِّيامَ مَصْدَرُ صامَ كالقِيامِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الإمْساكُ عَنِ الشَّيْءِ والتَّرْكُ لَهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلصَّمْتِ: صَوْمٌ لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الكَلامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] وصَوْمُ النَّهارِ إذا اعْتَدَلَ وقامَ قائِمُ الظَّهِيرَةِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَدَعْها وسَلِّ الهَمَّ عَنْها بِجَسْرَةٍ ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا وقالَ آخَرُ: حَتّى إذا صامَ النَّهارُ واعْتَدَلْ وصامَتِ الرِّيحُ إذا رَكَدَتْ، وصامَ الفَرَسُ إذا قامَ عَلى غَيْرِ اعْتِلافٍ وقالَ النّابِغَةُ: خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُما ويُقالُ: بَكَرَةٌ صائِمَةٌ إذا قامَتْ فَلَمْ تَدُرْ، قالَ الرّاجِزُ: والبَكَراتُ شَرُّهُنَّ الصّائِمَهْ ومَصامُ الشَّمْسِ حَيْثُ تَسْتَوِي في مُنْتَصَفِ النَّهارِ، وكَذَلِكَ مَصامُ النَّجْمِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: كَأنَّ الثُّرَيّا عُلِّقَتْ في مَصامِها ∗∗∗ بِأمْراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ هَذا هو مَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ، وفي الشَّرِيعَةِ هو الإمْساكُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَنِ المُفْطِراتِ حالَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ صائِمًا مَعَ اقْتِرانِ النِّيَّةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا التَّشْبِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى أصْلِ إيجابِ الصَّوْمِ، يَعْنِي هَذِهِ العِبادَةَ كانَتْ مَكْتُوبَةً واجِبَةً عَلى الأنْبِياءِ والأُمَمِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى عَهْدِكم، ما أخْلى اللَّهُ أُمَّةً مِن إيجابِها عَلَيْهِمْ لا يَفْرِضُها عَلَيْكم وحْدَكم، وفائِدَةُ هَذا الكَلامِ أنَّ الصَّوْمَ عِبادَةٌ شاقَّةٌ، والشَّيْءُ الشّاقُّ إذا عَمَّ سَهُلَ تَحَمُّلُهُ. صفحة ٦٠ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّشْبِيهَ يَعُودُ إلى وقْتِ الصَّوْمِ وإلى قَدْرِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي اسْتِواءَهُما في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِواءَ في كُلِّ الأُمُورِ فَلا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ صِيامَ رَمَضانَ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَإنَّها تَرَكَتْ هَذا الشَّهْرَ وصامَتْ يَوْمًا مِنَ السَّنَةِ، زَعَمُوا أنَّهُ يَوْمٌ غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وكَذَبُوا في ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمُ عاشُوراءَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمّا النَّصارى فَإنَّهم صامُوا رَمَضانَ فَصادَفُوا فِيهِ الحَرَّ الشَّدِيدَ فَحَوَّلُوهُ إلى وقْتٍ لا يَتَغَيَّرُ، ثُمَّ قالُوا عِنْدَ التَّحْوِيلِ: نَزِيدُ فِيهِ فَزادُوا عَشْرًا، ثُمَّ بَعْدَ زَمانٍ اشْتَكى مَلِكُهم فَنَذَرَ سَبْعًا فَزادُوهُ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مَلِكٌ آخَرُ فَقالَ: ما بالُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَأتَمَّهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا﴾ [التوبة: ٣١] وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ. وثانِيها: أنَّهم أخَذُوا بِالوَثِيقَةِ زَمانًا فَصامُوا قَبْلَ الثَّلاثِينَ يَوْمًا وبَعْدَها يَوْمًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الأخِيرُ يَسْتَسِنُّ بِسُنَّةِ القَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتّى صارُوا إلى خَمْسِينَ يَوْمًا، ولِهَذا كُرِهَ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وثالِثُها: أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ أنَّهُ يَحْرُمُ الطَّعامُ والشَّرابُ والجِماعُ بَعْدَ النَّوْمِ كَما كانَ ذَلِكَ حَرامًا عَلى سائِرِ الأُمَمِ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِأنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] يُفِيدُ نَسْخَ هَذا الحُكْمِ، فَهَذا الحُكْمُ لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلّا هَذا التَّشْبِيهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّشْبِيهُ دَلِيلًا عَلى ثُبُوتِ هَذا المَعْنى، قالَ أصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِشَيْءٍ لا يَدُلُّ عَلى مُشابَهَتِهِما مِن كُلِّ الوُجُوهِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِن تَشْبِيهِ صَوْمِنا بِصَوْمِهِمْ أنْ يَكُونَ صَوْمُهم مُخْتَصًّا بِرَمَضانَ، وأنْ يَكُونَ صَوْمُهم مُقَدَّرًا بِثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ مِمّا يُنَفِّرُ مِن قَبُولِ الإسْلامِ إذا عَلِمَ اليَهُودُ والنَّصارى كَوْنَهُ كَذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَوْضِعِ (كَما) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”كَما“ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ المَعْنى: فُرِضَ عَلَيْكم فَرْضًا كالَّذِي فُرِضَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الصِّيامِ يُرادُ بِها: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ مُشَبَّهًا ومُمَثَّلًا بِما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. الثّالِثُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كِتابَةً كَما كُتِبَ عَلَيْهِمْ، فَحُذِفَ المَصْدَرُ وأُقِيمَ نَعْتُهُ مَقامَهُ قالَ: ومِثْلُهُ في الِاتِّساعِ والحَذْفِ قَوْلُهم في صَرِيحِ الطَّلاقِ: أنْتِ واحِدَةٌ، ويُرِيدُونَ أنْتِ ذاتُ تَطْلِيقَةٍ واحِدَةٍ، فَحُذِفَ المُضافُ والمُضافُ إلَيْهِ وأُقِيمَ صِفَةُ المُضافِ مَقامَ الِاسْمِ المُضافِ إلَيْهِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ ”لَعَلَّ“ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَقَدَّمَ، وأمّا أنَّ هَذا الكَلامَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِهَذا الكَلامِ أنَّ الصَّوْمَ يُورِثُ التَّقْوى لِما فِيهِ مِنَ انْكِسارِ الشَّهْوَةِ وانْقِماعِ الهَوى، فَإنَّهُ يَرْدَعُ عَنِ الأشَرِ والبَطَرِ والفَواحِشِ، ويُهَوِّنُ لَذّاتِ الدُّنْيا ورِياسَتَها، وذَلِكَ؛ لِأنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ شَهْوَةَ البَطْنِ والفَرْجِ، وإنَّما يَسْعى النّاسُ لِهَذَيْنِ، كَما قِيلَ في المَثَلِ السّائِرِ: المَرْءُ يَسْعى لِغارَيْهِ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ؛ فَمَن أكْثَرَ الصَّوْمَ هانَ عَلَيْهِ أمْرُ هَذَيْنِ وخَفَّتْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُما، فَكانَ ذَلِكَ رادِعًا لَهُ عَنِ ارْتِكابِ المَحارِمِ والفَواحِشِ، ومُهَوِّنًا عَلَيْهِ أمْرَ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا، وذَلِكَ جامِعٌ لِأسْبابِ التَّقْوى فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ فَرَضْتُ عَلَيْكُمُ الصِّيامَ لِتَكُونُوا بِهِ مِنَ المُتَّقِينَ الَّذِينَ أثْنَيْتُ عَلَيْهِمْ في كِتابِي، وأعْلَمْتُ أنَّ هَذا الكِتابَ هَدًى لَهم ولَمّا اخْتُصَّ الصَّوْمُ بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ حَسُنَ مِنهُ تَعالى أنْ يَقُولَ عِنْدَ إيجابِها: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ مِنها بِذَلِكَ عَلى وجْهِ صفحة ٦١ وُجُوبِهِ؛ لِأنَّ ما يَمْنَعُ النَّفْسَ عَنِ المَعاصِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واجِبًا. وثانِيها: المَعْنى يَنْبَغِي لَكم بِالصَّوْمِ أنْ يَقْوى وِجاؤُكم في التَّقْوى وهَذا مَعْنى ”لَعَلَّ“ . وثالِثُها: المَعْنى: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ اللَّهَ بِصَوْمِكم وتَرْكِكم لِلشَّهَواتِ، فَإنَّ الشَّيْءَ كُلَّما كانَتِ الرَّغْبَةُ فِيهِ أكْثَرَ كانَ الِاتِّقاءُ عَنْهُ أشَقَّ، والرَّغْبَةُ في المَطْعُومِ والمَنكُوحِ أشَدُّ مِنَ الرَّغْبَةِ في سائِرِ الأشْياءِ، فَإذا سَهُلَ عَلَيْكُمُ اتِّقاءُ اللَّهِ بِتَرْكِ المَطْعُومِ والمَنكُوحِ، كانَ اتِّقاءُ اللَّهِ بِتَرْكِ سائِرِ الأشْياءِ أسْهَلَ وأخَفَّ. ورابِعُها: المُرادُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ إهْمالُها وتَرْكُ المُحافَظَةِ عَلَيْها بِسَبَبِ عِظَمِ دَرَجاتِها وأصالَتِها. وخامِسُها: لَعَلَّكم تَنْتَظِمُونَ بِسَبَبِ هَذِهِ العِبادَةِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ الصَّوْمَ شِعارُهم واللَّهُ أعْلَمُ.