Lafzullah

Tafsir Al-Razi — البقرة 2:184 – البقرة 2:200

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. البقرة 2:184
  2. البقرة 2:185
  3. البقرة 2:186
  4. البقرة 2:187
  5. البقرة 2:188
  6. البقرة 2:189
  7. البقرة 2:190
  8. البقرة 2:191
  9. البقرة 2:192
  10. البقرة 2:193
  11. البقرة 2:194
  12. البقرة 2:195
  13. البقرة 2:196
  14. البقرة 2:197
  15. البقرة 2:198
  16. البقرة 2:199
  17. البقرة 2:200

البقرة 2:184

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: في انْتِصابِ ”أيّامًا“ أقْوالٌ؛ الأوَّلُ: نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ في أيّامٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: نَوَيْتُ الخُرُوجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّهُ خَبْرُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَقَوْلِهِمْ: أُعْطِيَ زَيْدٌ مالًا. والثّالِثُ: عَلى التَّفْسِيرِ. والرّابِعُ: بِإضْمارٍ أيْ فَصُومُوا أيّامًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ الأيّامِ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها غَيْرُ رَمَضانَ، وهو قَوْلُ مُعاذٍ وقَتادَةَ وعَطاءٍ، ورَواهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ فَقِيلَ: ثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، عَنْ عَطاءٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وصَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ، عَنْ قَتادَةَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ كانَ تَطَوُّعًا ثُمَّ فُرِضَ، وقِيلَ: بَلْ كانَ واجِبًا، واتَّفَقَ هَؤُلاءِ عَلى أنَّهُ مَنسُوخٌ بِصَوْمِ رَمَضانَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأيّامِ غَيْرُ صَوْمِ رَمَضانَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: ما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ»، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ قَبْلَ وُجُوبِ رَمَضانَ كانَ صَوْمًا آخَرَ واجِبًا. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ المَرِيضِ والمُسافِرِ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَهُما أيْضًا في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى صَوْمِ رَمَضانَ، فَلَوْ كانَ هَذا الصَّوْمُ هو صَوْمَ رَمَضانَ، لَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا مَحْضًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ واجِبٌ عَلى التَّخْيِيرِ، يَعْنِي: إنْ شاءَ صامَ، وإنْ شاءَ أعْطى الفِدْيَةَ، وأمّا صَوْمُ رَمَضانَ فَإنَّهُ واجِبٌ عَلى التَّعْيِينِ، فَوَجَبَ أنَّ يَكُونَ صَوْمُ هَذِهِ الأيّامِ غَيْرَ صَوْمِ رَمَضانَ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُحَقِّقِينَ، كابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وأبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأيّامِ المَعْدُوداتِ: شَهْرُ رَمَضانَ قالُوا، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وهَذا مُحْتَمِلٌ لِيَوْمٍ ويَوْمَيْنِ وأيّامٍ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فَزالَ بَعْضُ الِاحْتِمالِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ﴾ صفحة ٦٢ (القُرْآنُ) [البقرة: ١٨٥] فَعَلى هَذا التَّرْتِيبِ يُمْكِنُ جَعْلُ الأيّامِ المَعْدُوداتِ بِعَيْنِها شَهْرَ رَمَضانَ، وإذا أمْكَنَ ذَلِكَ فَلا وجْهَ لِحَمْلِهِ عَلى غَيْرِهِ وإثْباتِ النَّسْخِ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ زِيادَةٌ لا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْها فَلا يَجُوزُ القَوْلُ بِهِ. أمّا تَمَسُّكُهم أوَّلًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ صَوْمَ رَمَضانَ نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ» “ . فالجَوابُ: أنَّهُ لَيْسَ في الخَبَرِ أنَّهُ نَسَخَ عَنْهُ وعَنْ أُمَّتِهِ كُلَّ صَوْمٍ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ واجِبٍ في الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّهُ كَما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَعْضُ شَرْعِهِ ناسِخًا لِلْبَعْضِ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ شَرْعُهُ ناسِخًا لِشَرْعِ غَيْرِهِ. سَلَّمْنا أنَّ هَذا الخَبَرَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ صَوْمُ رَمَضانَ نَسَخَ صَوْمًا ثَبَتَ في شَرْعِهِ، ولَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ناسِخًا لِصِيامٍ وجَبَ بِغَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ فَمِن أيْنَ لَنا أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ شَهْرِ رَمَضانَ. وأمّا حُجَّتُهُمُ الثّانِيَةُ: وهي أنَّ هَذِهِ الأيّامَ لَوْ كانَتْ هي شَهْرَ رَمَضانَ، لَكانَ حُكْمُ المَرِيضِ والمُسافِرِ مُكَرَّرًا. فالجَوابُ: أنَّ في الِابْتِداءِ كانَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ لَيْسَ بِواجِبٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ كانَ التَّخْيِيرُ ثابِتًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِدْيَةِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ ورُخِّصَ لِلْمُسافِرِ الفِطْرُ كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُظَنَّ أنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ الفِدْيَةُ دُونَ القَضاءِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنَّهُ لا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ولا قَضاءَ لِمَكانِ المَشَقَّةِ الَّتِي يُفارِقُ بِها المُقِيمَ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعِيدًا بَيَّنَ تَعالى أنَّ إفْطارَ المُسافِرِ والمَرِيضِ في الحُكْمِ خِلافُ التَّخْيِيرِ في حُكْمِ المُقِيمِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِما القَضاءُ في عِدَّةٍ مِن أيّامٍ أُخَرَ، فَلَمّا نَسَخَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنِ المُقِيمِ الصَّحِيحِ وألْزَمَهُ بِالصَّوْمِ حَتْمًا، كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُظَنَّ أنَّ حُكْمَ الصَّوْمِ لَمّا انْتَقَلَ عَنِ التَّخْيِيرِ إلى التَّضْيِيقِ حُكْمٌ يَعُمُّ الكُلَّ حَتّى يَكُونَ المَرِيضُ والمُسافِرُ فِيهِ بِمَنزِلَةِ المُقِيمِ الصَّحِيحِ مِن حَيْثُ تَغَيُّرُ حُكْمِ اللَّهِ في الصَّوْمِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ المَرِيضِ والمُسافِرِ ثابِتٌ في رُخْصَةِ الإفْطارِ ووُجُوبِ القَضاءِ كَحالِها أوَّلًا، فَهَذا هو الفائِدَةُ في إعادَةِ ذِكْرِ حُكْمِ المُسافِرِ والمَرِيضِ، لا لِأنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ سِوى شَهْرِ رَمَضانَ. وأمّا حُجَّتُهُمُ الثّالِثَةُ: وهي قَوْلُهم صَوْمُ هَذِهِ الأيّامِ واجِبٌ مُخَيَّرٌ، وصَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ واجِبٌ مُعَيَّنٌ. فَجَوابُهُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضانَ كانَ واجِبًا مُخَيَّرًا، ثُمَّ صارَ مُعَيَّنًا، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ. واعْلَمْ أنَّ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ لا بُدَّ مِن تَطَرُّقِ النَّسْخِ إلى هَذِهِ الآيَةِ، أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فَلِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ صَوْمُ رَمَضانَ واجِبًا مُخَيَّرًا والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها تَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ، فَكانَتِ الآيَةُ الثّانِيَةُ ناسِخَةً لِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ناسِخًا لِلتَّخْيِيرِ مَعَ اتِّصالِهِ بِالمَنسُوخِ وذَلِكَ لا يَصِحُّ. وجَوابُهُ: أنَّ الِاتِّصالَ في التِّلاوَةِ لا يُوجِبُ الِاتِّصالَ في النُّزُولِ وهَذا كَما قالَهُ الفُقَهاءُ في عِدَّةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها أنَّ المُقَدَّمَ في التِّلاوَةِ وهو النّاسِخُ والمَنسُوخُ مُتَأخِّرٌ، وهَذا ضِدُّ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حالُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ فَقالُوا: إنَّ ذَلِكَ في التِّلاوَةِ أمّا في الإنْزالِ فَكانَ الِاعْتِدادُ بِالحَوْلِ هو المُتَقَدِّمَ، والآيَةُ الدّالَّةُ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ هي المُتَأخِّرَةُ فَصَحَّ كَوْنُها ناسِخَةً، وكَذَلِكَ نَجِدُ في القُرْآنِ آيَةً مَكِّيَّةً مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ عَنِ الآيَةِ المَدَنِيَّةِ وذَلِكَ كَثِيرٌ. صفحة ٦٣ * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: (مَعْدُوداتٍ) وجْهانِ: أحَدُهُما: مُقَدَّراتٍ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ. وثانِيهِما: قَلائِلَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وأصْلُهُ أنَّ المالَ القَلِيلَ يُقَدَّرُ بِالعَدَدِ ويُحْتاطُ في مَعْرِفَةِ تَقْدِيرِهِ، وأمّا الكَثِيرُ فَإنَّهُ يُصَبُّ صَبًّا ويُحْثى حَثْيًا والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: إنِّي رَحِمْتُكم وخَفَّفْتُ عَنْكم حِينَ لَمْ أفْرِضْ عَلَيْكم صِيامَ الدَّهْرِ كُلِّهِ، ولا صِيامَ أكْثَرِهِ، ولَوْ شِئْتُ لَفَعَلْتُ ذَلِكَ ولَكِنِّي رَحِمْتُكم وما أوْجَبْتُ الصَّوْمَ عَلَيْكم إلّا في أيّامٍ قَلِيلَةٍ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وتَكُونُ المُماثَلَةُ واقِعَةً بَيْنَ الفَرْضَيْنِ مِن هَذا الوَجْهِ، وهو تَعْلِيقُ الصَّوْمِ بِمُدَّةٍ غَيْرِ مُتَطاوِلَةٍ وإنِ اخْتَلَفَتِ المُدَّتانِ في الطُّولِ والقِصَرِ، ويَكُونُ المُرادُ ما ذَكَرْناهُ مِن تَعْرِيفِهِ سُبْحانَهُ أيّامًا أنَّ فَرْضَ الصَّوْمِ عَلَيْنا وعَلى مَن قَبْلَنا ما كانَ إلّا مُدَّةً قَلِيلَةً لا تَشْتَدُّ مَشَقَّتُها، فَكانَ هَذا بَيانًا لِكَوْنِهِ تَعالى رَحِيمًا بِجَمِيعِ الأُمَمِ، ومُسَهِّلًا أمْرَ التَّكالِيفِ عَلى كُلِّ الأُمَمِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّ فَرْضَ الصَّوْمِ في الأيّامِ المَعْدُوداتِ إنَّما يَلْزَمُ الأصِحّاءَ المُقِيمِينَ فَأمّا مَن كانَ مَرِيضًا أوْ مُسافِرًا فَلَهُ تَأْخِيرُ الصَّوْمِ عَنْ هَذِهِ الأيّامِ إلى أيّامٍ أُخَرَ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: انْظُرُوا إلى عَجِيبِ ما نَبَّهَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن سَعَةِ فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ في هَذا التَّكْلِيفِ، وأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في أوَّلِ الآيَةِ أنَّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ في هَذا التَّكْلِيفِ أُسْوَةً بِالأُمَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، والغَرَضُ مِنهُ ما ذَكَرْنا أنَّ الأُمُورَ الشّاقَّةَ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ. ثُمَّ ثانِيًا: بَيَّنَ وجْهَ الحِكْمَةِ في إيجابِ الصَّوْمِ، وهو أنَّهُ سَبَبٌ لِحُصُولِ التَّقْوى، فَلَوْ لَمْ يَفْرِضِ الصَّوْمَ لَفاتَ هَذا المَقْصُودُ الشَّرِيفُ. ثُمَّ ثالِثًا: بَيَّنَ أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأيّامٍ مَعْدُودَةٍ، فَإنَّهُ لَوْ جَعَلَهُ أبَدًا أوْ في أكْثَرِ الأوْقاتِ لَحَصَلَتِ المَشَقَّةُ العَظِيمَةُ. ثُمَّ بَيَّنَ رابِعًا: أنَّهُ خَصَّهُ مِنَ الأوْقاتِ بِالشَّهْرِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ الشُّهُورِ بِسَبَبِ هَذِهِ الفَضِيلَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ خامِسًا: إزالَةَ المَشَقَّةِ في إلْزامِهِ فَأباحَ تَأْخِيرَهُ لِمَن شَقَّ عَلَيْهِ مِنَ المُسافِرِينَ والمَرْضى إلى أنْ يَصِيرُوا إلى الرَّفاهِيَةِ والسُّكُونِ، فَهو سُبْحانَهُ راعى في إيجابِ الصَّوْمِ هَذِهِ الوُجُوهَ مِنَ الرَّحْمَةِ فَلَهُ الحَمْدُ عَلى نِعَمِهِ كَثِيرًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ إلى قَوْلِهِ: (أُخَرَ) فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ أيْ مَن يَكُنْ مِنكم مَرِيضًا أوْ مُسافِرًا فَأفْطَرَ فَلْيَقْضِ، وإذا قَدَّرْتَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ ”كانَ“ الِاسْتِقْبالَ لا الماضِيَ، كَما تَقُولُ: مَن أتانِي أتَيْتُهُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَرَضُ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ اخْتِصاصِ جَمِيعِ أعْضاءِ الحَيِّ بِالحالَةِ المُقْتَضِيَةِ لِصُدُورِ أفْعالِهِ سَلِيمَةً سَلامَةً تَلِيقُ بِهِ، واخْتَلَفُوا في المَرَضِ المُبِيحِ لِلْفِطْرِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ أيَّ مَرِيضٍ كانَ، وأيَّ مُسافِرٍ كانَ، فَلَهُ أنْ يَتَرَخَّصَ تَنْزِيلًا لِلَفْظِهِ المُطْلَقِ عَلى أقَلِّ أحْوالِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ، يُرْوى أنَّهم دَخَلُوا عَلى ابْنِ سِيرِينَ في رَمَضانَ وهو يَأْكُلُ، فاعْتَلَّ بِوَجَعِ أُصْبُعِهِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالمَرِيضِ الَّذِي لَوْ صامَ لَوَقَعَ في مَشَقَّةٍ وجُهْدٍ، وبِالمُسافِرِ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ، وحاصِلُهُ تَنْزِيلُ اللَّفْظِ المُطْلَقِ عَلى أكْمَلِ الأحْوالِ. وثالِثُها: وهو قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ: أنَّ المَرَضَ المُبِيحَ لِلْفِطْرِ هو الَّذِي يُؤَدِّي إلى ضَرَرِ النَّفْسِ أوْ زِيادَةٍ في العِلَّةِ، إذْ لا فَرْقَ في الفِعْلِ بَيْنَ ما يُخافُ مِنهُ وبَيْنَ ما يُؤَدِّي إلى ما يُخافُ مِنهُ كالمَحْمُومِ إذا خافَ أنَّهُ لَوْ صامَ تَشْتَدُّ حُمّاهُ، وصاحِبُ وجَعِ العَيْنِ يَخافُ إنْ صامَ أنْ يَشْتَدَّ وجَعُ عَيْنِهِ، قالُوا: وكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: كُلُّ مَرَضٍ مُرَخِّصٍ مَعَ عِلْمِنا أنَّ في الأمْراضِ ما يَنْقُصُهُ الصَّوْمُ، صفحة ٦٤ فالمُرادُ إذَنْ مِنهُ ما يُؤَثِّرُ الصَّوْمُ في تَقْوِيَتِهِ، ثُمَّ تَأْثِيرُهُ في الأمْرِ اليَسِيرِ لا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يَحْصُلُ فِيمَن لَيْسَ بِمَرِيضٍ أيْضًا، فَإذَنْ يَجِبُ في تَأْثِيرِهِ ما ذَكَرْناهُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أصْلُ السَّفَرِ مِنَ الكَشْفِ وذَلِكَ أنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ أحْوالِ الرِّجالِ وأخْلاقِهِمْ، والمِسْفَرَةُ المِكْنَسَةُ؛ لِأنَّها تُسْفِرُ التُّرابَ عَنِ الأرْضِ، والسَّفِيرُ الدّاخِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِلصُّلْحِ؛ لِأنَّهُ يَكْشِفُ المَكْرُوهَ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِما، والمُسْفِرُ المُضِيءُ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْكَشَفَ وظَهَرَ، ومِنهُ أسْفَرَ الصُّبْحُ، والسِّفْرُ الكِتابُ؛ لِأنَّهُ يَكْشِفُ عَنِ المَعانِي بِبَيانِهِ، وأسْفَرَتِ المَرْأةُ عَنْ وجْهِها إذا كَشَفَتِ النِّقابَ، قالَ الأزْهَرِيُّ: وسُمِّيَ المُسافِرُ مُسافِرًا لِكَشْفِ قِناعِ الكِنِّ عَنْ وجْهِهِ وبُرُوزِهِ لِلْأرْضِ الفَضاءِ، وسُمِّيَ السَّفَرُ سَفَرًا؛ لِأنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ وُجُوهِ المُسافِرِينَ وأخْلاقِهِمْ، ويُظْهِرُ ما كانَ خافِيًا مِنهم، واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في قَدْرِ السَّفَرِ المُبِيحِ لِلرُّخَصِ، فَقالَ داوُدُ: الرُّخَصُ حاصِلَةٌ في كُلِّ سَفَرٍ ولَوْ كانَ السَّفَرُ فَرْسَخًا، وتَمَسَّكَ فِيهِ بِأنَّ الحُكْمَ لَمّا كانَ مُعَلَّقًا عَلى كَوْنِهِ مُسافِرًا، فَحَيْثُ تَحَقَّقَ هَذا المَعْنى حَصَلَ هَذا الحُكْمُ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ يُرْوى خَبَرٌ واحِدٌ في تَخْصِيصِ هَذا العُمُومِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ غَيْرُ جائِزٍ، وقالَ الأوْزاعِيُّ: السَّفَرُ المُبِيحُ مَسافَةُ يَوْمٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أقَلَّ مِن هَذا القَدْرِ قَدْ يَتَّفِقُ لِلْمُقِيمِ، وأمّا الأكْثَرُ فَلَيْسَ عَدَدٌ أوْلى مِن عَدَدٍ، فَوَجَبَ الِاقْتِصارُ عَلى الواحِدِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِسِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، ولا يُحْسَبُ مِنهُ مَسافَةُ الإيابِ، كُلُّ فَرْسَخٍ ثَلاثَةُ أمْيالٍ بِأمْيالِ هاشِمٍ جَدِّ الرَّسُولِ ﷺ، وهو الَّذِي قَدَّرَ أمْيالَ البادِيَةِ، كُلُّ مِيلٍ اثْنا عَشَرَ ألْفَ قَدَمٍ وهي أرْبَعَةُ آلافِ خُطْوَةٍ، فَإنَّ كُلَّ ثَلاثِ أقْدامٍ خَطْوَةٌ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ وأحْمَدَ وإسْحاقَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: رُخَصُ السَّفَرِ لا تَحْصُلُ إلّا في ثَلاثِ مَراحِلَ أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ فَرْسَخًا، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ وجْهانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ مُقْتَضاهُ أنْ يَتَرَخَّصَ المُسافِرُ مُطْلَقًا تَرَكَ العَمَلَ بِهِ فِيما إذا كانَ السَّفَرُ مَرْحَلَةً واحِدَةً؛ لِأنَّ تَعَبَ اليَوْمِ الواحِدِ يَسْهُلُ تَحَمُّلُهُ، أمّا إذا تَكَرَّرَ التَّعَبُ في اليَوْمَيْنِ فَإنَّهُ يَشُقُّ تَحَمُّلُهُ فَيُناسِبُ الرُّخْصَةَ تَحْصِيلًا لِهَذا التَّخْفِيفِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: مِنَ الخَبَرِ وهو ما رَواهُ الشّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يا أهْلَ مَكَّةَ» لا تَقْصُرُوا في أدْنى مِن أرْبَعَةِ بُرُدٍ مِن مَكَّةَ إلى عُسْفانَ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وكُلُّ بَرِيدٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ فَيَكُونُ مَجْمُوعُهُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أيْضًا أنَّ عَطاءً قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: أقْصُرُ إلى عَرَفَةَ ؟ فَقالَ: لا. فَقالَ: إلى مَرِّ الظَّهْرانِ ؟ فَقالَ: لا. ولَكِنِ اقْصُرْ إلى جُدَّةَ وعُسْفانَ والطّائِفِ، قالَ مالِكٌ: بَيْنَ مَكَّةَ وجُدَّةَ وعُسْفانَ أرْبَعَةُ بُرُدٍ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أيْضًا مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّوْمِ عَدَلْنا عَنْهُ في ثَلاثَةِ أيّامٍ بِسَبَبِ الإجْماعِ عَلى أنَّ هَذا القَدْرَ مُرَخِّصٌ، والأقَلُّ مِنهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى وُجُوبُ الصَّوْمِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: مِنَ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَمْسَحُ المُقِيمُ يَوْمًا ولَيْلَةً والمُسافِرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ» “ دَلَّ الخَبَرُ عَلى أنَّ لِكُلِّ مُسافِرٍ أنْ يَمْسَحَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ حَتّى تَتَقَدَّرَ مُدَّةُ السَّفَرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَعَلَ السَّفَرَ عِلَّةَ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ وجَعَلَ هَذا المَسْحَ مَعْلُولًا والمَعْلُولُ لا يَزِيدُ عَلى العِلَّةِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِما ذَكَرْناهُ مِنَ الآيَةِ فَإنْ رَجَّحُوا جانِبَهم بِأنَّ الِاحْتِياطَ في العِباداتِ صفحة ٦٥ أوْلى، رَجَّحْنا جانِبَنا بِأنَّ التَّخْفِيفَ في رُخَصِ السَّفَرِ مَطْلُوبُ الشَّرْعِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا مِنهُ صَدَقَتَهُ» “ والتَّرْجِيحُ لِهَذا الجانِبِ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى أنَّ رُخَصَ السَّفَرِ مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ أخَصُّ مِنَ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى وُجُوبِ رِعايَةِ الِاحْتِياطِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«يَمْسَحُ المُقِيمُ يَوْمًا ولَيْلَةً» “، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَحْصُلُ الإقامَةُ في أقَلَّ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، لِأنَّهُ لَوْ نَوى الإقامَةَ في مَوْضِعِ الإقامَةِ ساعَةً صارَ مُقِيمًا، فَكَذا قَوْلُهُ: ”«والمُسافِرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ» “ لا يُوجِبُ أنْ لا يَحْصُلَ السَّفَرُ في أقَلَّ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: رِعايَةُ اللَّفْظِ تَقْتَضِي أنْ يُقالَ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ مُسافِرًا، ولَمْ يَقُلْ هَكَذا، بَلْ قالَ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ . وجَوابُهُ: إنَّ الفَرْقَ هو أنَّ المَرَضَ صِفَةٌ قائِمَةٌ بِالذّاتِ: فَإنْ حَصَلَتْ حَصَلَتْ وإلّا فَلا، وأمّا السَّفَرُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا نَزَلَ في مَنزِلٍ فَإنْ عَدِمَ الإقامَةَ كانَ سُكُونُهُ هُناكَ إقامَةً لا سَفَرًا، وإنْ عَدِمَ السَّفَرَ كانَ هو في ذَلِكَ السُّكُونِ مُسافِرًا؛ فَإذَنْ كَوْنُهُ مُسافِرًا أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِقَصْدِهِ واخْتِيارِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَلى سَفَرٍ﴾، مَعْناهُ كَوْنُهُ عَلى قَصْدِ السَّفَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ”العِدَّةُ“ فِعْلَةٌ مِنَ العَدِّ، وهو بِمَعْنى المَعْدُودِ، كالطَّحْنِ بِمَعْنى المَطْحُونِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْجَماعَةِ المَعْدُودَةِ مِنَ النّاسِ عِدَّةٌ؛ وعِدَّةُ المَرْأةِ مِن هَذا. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: (فَعِدَّةٌ) عَلى التَّنْكِيرِ ولَمْ يَقُلْ فَعِدَّتُها، أيْ فَعِدَّةُ الأيّامِ المَعْدُوداتِ. قُلْنا: لِأنّا بَيَّنّا أنَّ العِدَّةَ بِمَعْنى المَعْدُودِ، فَأمَرَ بِأنْ يَصُومَ أيّامًا مَعْدُودَةً مَكانَها، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَأْتِي إلّا بِمِثْلِ ذَلِكَ العَدَدِ فَأغْنى ذَلِكَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ”عِدَّةٌ“ قُرِئَتْ مَرْفُوعَةً ومَنصُوبَةً، أمّا الرَّفْعُ فَعَلى مَعْنى فَعَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةٍ فَيَكُونُ هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، وأمّا إضْمارُ ”عَلَيْهِ“ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَرْفُ الفاءِ، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى مَعْنى: فَلْيَصُمْ عِدَّةً. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ مِن عُلَماءِ الصَّحابَةِ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المَرِيضِ والمُسافِرِ أنْ يُفْطِرا ويَصُوما عِدَّةً مِن أيّامٍ أُخَرَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، ونَقَلَ الخَطّابِيُّ في إعْلامِ التَّنْزِيلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: لَوْ صامَ في السَّفَرِ قَضى في الحَضَرِ، وهَذا اخْتِيارُ داوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الأصْفَهانِيِّ، وذَهَبَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ إلى أنَّ الإفْطارَ رُخْصَةٌ فَإنْ شاءَ أفْطَرَ وإنْ شاءَ صامَ. حُجَّةُ الأوَّلِينَ مِنَ القُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا إنْ قَرَأْنا ”عِدَّةً“ بِالنَّصْبِ كانَ التَّقْدِيرُ: فَلْيَصُمْ عِدَّةً مِن أيّامٍ أُخَرَ وهَذا لِلْإيجابِ، ولَوْ أنّا قَرَأْنا بِالرَّفْعِ كانَ التَّقْدِيرُ: فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِن أيّامٍ، وكَلِمَةُ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَقْتَضِي إيجابَ صَوْمِ أيّامٍ أُخَرَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فِطْرُ هَذِهِ الأيّامِ واجِبًا ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالجَمْعِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ عَقِيبَها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾، [البقرة: ١٨٥] ولا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هَذا اليُسْرُ والعُسْرُ شَيْئًا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، ولَيْسَ هُناكَ يُسْرٌ إلّا أنَّهُ أُذِنَ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ في الفِطْرِ، ولَيْسَ هُناكَ عُسْرٌ إلّا كَوْنَهُما صائِمَيْنِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ مَعْناهُ يُرِيدُ مِنكُمُ الإفْطارَ ولا يُرِيدُ مِنكُمُ الصَّوْمَ فَذَلِكَ تَقْرِيرُ قَوْلِنا، وأمّا الخَبَرُ فاثْنانِ: صفحة ٦٦ الأوَّلُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ» “، لا يُقالُ: هَذا الخَبَرُ وارِدٌ عَنْ سَبَبٍ خاصٍّ، وهو ما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَرَّ عَلى رَجُلٍ جالِسٍ تَحْتَ مِظَلَّةٍ، فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ: هَذا صائِمٌ أجْهَدَهُ العَطَشُ، فَقالَ: ”لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ» “ لِأنّا نَقُولُ: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. والثّانِي: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الصّائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ» “ . أمّا حُجَّةُ الجُمْهُورِ: فَهي أنَّ في الآيَةِ إضْمارًا؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وتَمامُ تَقْرِيرِ هَذا الكَلامِ أنَّ الإضْمارَ في كَلامِ اللَّهِ جائِزٌ في الجُمْلَةِ، وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِهِ هَهُنا، أمّا بَيانُ الجَوازِ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ﴾، [البقرة: ٦٠]، والتَّقْدِيرُ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾، [البقرة: ٩٦]، أيْ فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ فَثَبَتَ أنَّ الإضْمارَ جائِزٌ، أمّا إنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلى وُقُوعِهِ فَفي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الصَّوْمِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هَذا ضَعِيفٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا إذا أجْرَيْنا ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ عَلى العُمُومِ لَزِمَنا الإضْمارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقَدْ بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ مَتى وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وبَيْنَ الإضْمارِ كانَ تَحَمُّلُ التَّخْصِيصِ أوْلى. والثّانِي وهو أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: (فَلْيَصُمْهُ) يَقْتَضِي الوُجُوبَ عَيْنًا، ثُمَّ إنَّ هَذا الوُجُوبَ مُنْتَفٍ في حَقِّ المَرِيضِ والمُسافِرِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ في حَقِّهِما عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ، سَواءٌ أجْرَيْنا قَوْلَهَ تَعالى فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ عَلى ظاهِرِهِ أوْ لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ إجْراءُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ إضْمارٍ. الوَجْهُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ، فَقالَ: القَضاءُ إنَّما يَجِبُ بِالإفْطارِ لا بِالمَرَضِ والسَّفَرِ، فَلَمّا أوْجَبَ اللَّهُ القَضاءَ، والقَضاءُ مَسْبُوقٌ بِالفِطْرِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إضْمارِ الإفْطارِ، وهَذا في غايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: فَعَلَيْهِ قَضاءُ ما مَضى، بَلْ قالَ: فَعَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةٍ مِن أيّامٍ أُخَرَ، وإيجابُ الصَّوْمِ عَلَيْهِ في أيّامٍ أُخَرَ لا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالإفْطارِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: ما رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ حَمْزَةَ الأسْلَمِيَّ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أصُومُ عَلى السَّفَرِ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”صُمْ إنْ شِئْتَ وأفْطِرْ إنْ شِئْتَ» “، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا يَقْتَضِي نَسْخَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَقْتَضِي وُجُوبَ صَوْمِ سائِرِ الأيّامِ، فَرَفْعُ هَذا الخَبَرُ غَيْرُ جائِزٍ إذا ثَبَتَ ضَعْفُ هَذِهِ الوُجُوهِ، فالِاعْتِمادُ في إثْباتِ المَذْهَبِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وسَيَأْتِي بَيانُ وجْهِ الِاسْتِدْلالِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. * * * المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: لِمَذْهَبِ القائِلِينَ بِأنَّ الصَّوْمَ جائِزٌ فَرْعانِ: الفَرْعُ الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الصَّوْمَ أفْضَلُ أمِ الفِطْرَ ؟ فَقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وعُثْمانُ بْنُ أبِي أوْفى: الصَّوْمُ أفْضَلُ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ والثَّوْرِيِّ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ، وقالَتْ طائِفَةٌ أفْضَلُ الأمْرَيْنِ الفِطْرُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ المُسَيَّبِ والشَّعْبِيُّ والأوْزاعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ ثالِثَةٌ: أفْضَلُ الأمْرَيْنِ أيْسَرُهُما عَلى المَرْءِ. صفحة ٦٧ حُجَّةُ الأوَّلِينَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ . حُجَّةُ الفِرْقَةِ الثّانِيَةِ: أنَّ القَصْرَ في الصَّلاةِ أفْضَلُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإفْطارُ أفْضَلَ. والجَوابُ: أنَّ مِن أصْحابِنا مَن قالَ: الإتْمامُ أفْضَلُ؛ إلّا أنَّهُ ضَعِيفٌ، والفَرْقُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الذِّمَّةَ تَبْقى مَشْغُولَةً بِقَضاءِ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلاةِ إذا قَصَرَها. والثّانِي: أنَّ فَضِيلَةَ الوَقْتِ تَفُوتُ بِالفِطْرِ ولا تَفُوتُ بِالقَصْرِ. حُجَّةُ الفِرْقَةِ الثّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ إنْ كانَ الصَّوْمُ أيْسَرَ عَلَيْهِ صامَ، وإنْ كانَ الفِطْرُ أيْسَرَ أفْطَرَ. الفَرْعُ الثّانِي: أنَّهُ إذا أفْطَرَ كَيْفَ يَقْضِي ؟ فَمَذْهَبُ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ والشَّعْبِيِّ أنَّهُ يَقْضِيهِ مُتَتابِعًا، وقالَ الباقُونَ: التَّتابُعُ مُسْتَحَبٌّ وإنْ فَرَّقَ جازَ. حُجَّةُ الأوَّلِينَ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ قِراءَةَ أُبَيٍّ: ”فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ“ . والثّانِي: أنَّ القَضاءَ نَظِيرُ الأداءِ فَلَمّا كانَ الأداءُ مُتَتابِعًا، فَكَذا القَضاءُ. حُجَّةُ الفِرْقَةِ الثّانِيَةِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا بِصَوْمِ أيّامٍ عَلى عَدَدِ تِلْكَ الأيّامِ مُطْلَقًا، فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِالتَّتابُعِ مُخالِفًا لِهَذا التَّعْمِيمِ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُرَخِّصْ لَكم في فِطْرِهِ وهو يُرِيدُ أنْ يَشُقَّ عَلَيْكم في قَضائِهِ، إنْ شِئْتَ فَواتِرْ وإنْ شِئْتَ فَفَرِّقْ، واللَّهُ أعْلَمُ. ورُوِيَ أنَّ «رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَيَّ أيّامٌ مِن رَمَضانَ أفَيَجْزِينِي أنْ أقْضِيَها مُتَفَرِّقًا فَقالَ لَهُ: ”أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلَيْكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ الدِّرْهَمَ والدِّرْهَمَيْنِ أما كانَ يَجْزِيكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَ: فاللَّهُ أحَقُّ أنْ يَعْفُوَ ويَصْفَحَ» “ . * * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: (أُخَرَ) لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ حَصَلَ فِيهِ سَبَبانِ الجَمْعُ والعَدْلُ، أمّا الجَمْعُ فَلِأنَّها جَمْعُ أُخْرى، وأمّا العَدْلُ فَلِأنَّها جَمْعُ أُخْرى، وأُخْرى تَأْنِيثُ آخَرَ، وآخَرُ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وما كانَ عَلى وزْنِ أفْعَلَ فَإنَّهُ إمّا أنْ يُسْتَعْمَلَ مَعَ ”مِن“ أوْ مَعَ الألِفِ واللّامِ، يُقالُ: زِيدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو وزَيْدٌ الأفْضَلُ، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: رَجُلٌ آخَرُ مِن زَيْدٍ كَما تَقُولُ: أقْدَمُ مِن عَمْرٍو، إلّا أنَّهم حَذَفُوا لَفْظَ ”مِن“ لِأنَّ لَفْظَهُ اقْتَضى مَعْنى ”مِن“ فَأسْقَطُوا ”مِن“ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، والألِفُ واللّامُ مُنافِيانِ ”مِن“ فَلَمّا جازَ اسْتِعْمالُهُ بِغَيْرِ الألِفِ واللّامِ صارَ أُخَرُ وآخَرُ وأُخْرى مَعْدُولَةً عَنْ حُكْمِ نَظائِرِها؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ اسْتُعْمِلَتا فِيها ثُمَّ حَذَفَ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ المُتَواتِرَةُ ”يُطِيقُونَهُ“، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ وعَطاءٌ ”يَطِيقُونَهُ“، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذِهِ القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ جِنِّي: أمّا عَيْنُ الطّاقَةِ فَواوٌ كَقَوْلِهِمْ: لا طاقَةَ لِي بِهِ ولا طَوْقَ لِي بِهِ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ (يُطَوَّقُونَهُ) أيْ يَفْعَلُونَهُ، فَهو كَقَوْلِكَ: يُجَشَّمُونَهُ، أيْ يُكَلَّفُونَهُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا راجَعٌ إلى المُسافِرِ والمَرِيضِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسافِرَ والمَرِيضَ قَدْ يَكُونُ مِنهُما مَن لا يُطِيقُ الصَّوْمَ ومِنهُما مَن يُطِيقُ الصَّوْمَ. صفحة ٦٨ وأمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ حُكْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ . وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو المُسافِرُ والمَرِيضُ اللَّذانِ يُطِيقانِ الصَّوْمَ، فَإلَيْهِما الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، فَكَأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لِلْمَرِيضِ ولِلْمُسافِرِ حالَتَيْنِ في إحْداهُما يَلْزَمُهُ أنْ يُفْطِرَ وعَلَيْهِ القَضاءُ وهي حالُ الجُهْدِ الشَّدِيدِ لَوْ صامَ. والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ مُطِيقًا لِلصَّوْمِ لا يَثْقُلُ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أنْ يَصُومَ وبَيْنَ أنْ يُفْطِرَ مَعَ الفِدْيَةِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ المُقِيمُ الصَّحِيحُ؛ فَخَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا بَيْنَ هَذَيْنِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ وأوْجَبَ الصَّوْمَ عَلَيْهِ مُضَيِّقًا مُعَيِّنًا. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّ الشَّيْخِ الهَرَمِ، قالُوا: وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّ الوُسْعَ فَوْقَ الطّاقَةِ. فالوُسْعُ اسْمٌ لِمَن كانَ قادِرًا عَلى الشَّيْءِ عَلى وجْهِ السُّهُولَةِ، أمّا الطّاقَةُ فَهو اسْمٌ لِمَن كانَ قادِرًا عَلى الشَّيْءِ مَعَ الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أيْ وعَلى الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى الصَّوْمِ مَعَ الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ القِراءَةُ الشّاذَّةُ ”وعَلى الَّذِينَ يَطِيقُونَهُ“ فَإنَّ مَعْناهُ وعَلى الَّذِينَ يُجَشَّمُونَهُ ويُكَلَّفُونَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَصِحُّ إلّا في حَقِّ مَن قَدَرَ عَلى الشَّيْءِ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ المَشَقَّةِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: أنَّهُ هو الشَّيْخُ الهَرَمُ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الآيَةُ مَنسُوخَةً، يُرْوى أنَّ أنَسًا كانَ قَبْلَ مَوْتِهِ يُفْطِرُ ولا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ ويُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها تَتَناوَلُ الشَّيْخَ الهَرَمَ والحامِلَ والمُرْضِعَ. سُئِلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَنِ الحامِلِ والمُرْضِعِ إذا خافَتا عَلى نَفْسَيْهِما وعَلى ولَدَيْهِما، فَقالَ: فَأيُّ مَرَضٍ أشَدُّ مِنَ الحَمْلِ تُفْطِرُ وتَقْضِي. واعْلَمْ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ الشَّيْخَ الهَرَمَ إذا أفْطَرَ فَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ، أمّا الحامِلُ والمُرْضِعُ إذا أفْطَرَتا، فَهَلْ عَلَيْهِما الفِدْيَةُ ؟ فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَلَيْهِما الفِدْيَةُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تَجِبُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ قَوْلَهَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ يَتَناوَلُ الحامِلَ والمُرْضِعَ، وأيْضًا الفِدْيَةُ واجِبَةٌ عَلى الشَّيْخِ الهَرَمِ فَتَكُونُ واجِبَةً أيْضًا عَلَيْهِما، وأبُو حَنِيفَةَ فَرَّقَ فَقالَ: الشَّيْخُ الهَرَمُ لا يُمْكِنُ إيجابُ القَضاءِ عَلَيْهِ فَلا جَرَمَ وجَبَتِ الفِدْيَةُ، أمّا الحامِلُ والمُرْضِعُ فالقَضاءُ واجِبٌ عَلَيْهِما، فَلَوْ أوْجَبْنا الفِدْيَةَ عَلَيْهِما أيْضًا كانَ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ البَدَلَيْنِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ القَضاءَ بَدَلٌ والفِدْيَةُ بَدَلٌ، فَهَذا تَفْصِيلُ هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ . أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ الأصَمِّ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّتِهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المَرَضَ المَذْكُورَ في الآيَةِ إمّا أنْ يَكُونَ هو المَرَضُ الَّذِي يَكُونُ في الآيَةِ، وهو الَّذِي لا يُمْكِنُ تَحَمُّلُهُ، أوِ المُرادُ كُلُّ ما يُسَمّى مَرَضًا، أوِ المُرادُ مِنهُ ما يَكُونُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ هاتَيْنِ الدَّرَجَتَيْنِ، والقِسْمُ الثّانِي باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، والقِسْمُ الثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ المُتَوَسِّطاتِ لَها مَراتِبٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ، وكُلُّ مَرْتَبَةٍ مِنها فَإنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى ما فَوْقَها ضَعِيفَةٌ وبِالنِّسْبَةِ إلى ما تَحْتَها قَوِيَّةٌ، فَإذا لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى تَعْيِينِ تِلْكَ المَرْتَبَةِ مَعَ أنَّ مُرادَ اللَّهِ هو تِلْكَ المَرْتَبَةُ صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً وهو خِلافُ الأصْلِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ هو القِسْمُ الأوَّلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَضْبُوطٌ، فَحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى لِأنَّهُ لا يُفْضِي إلى صَيْرُورَةِ الآيَةِ مُجْمَلَةً. صفحة ٦٩ إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: أوَّلُ الآيَةِ دَلَّ عَلى إيجابِ الصَّوْمِ، وهو قَوْلُهُ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أيّامًا مَعْدُوداتٍ ثُمَّ بَيَّنَ أحْوالَ المَعْذُورِينَ، ولَمّا كانَ المَعْذُورُونَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهم مَن لا يُطِيقُ الصَّوْمَ أصْلًا، ومِنهم مَن يُطِيقُهُ مَعَ المَشَقَّةِ والشِّدَّةِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ القِسْمِ الأوَّلِ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِحُكْمِ القِسْمِ الثّانِي. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ: إنَّهُ لا يُقالُ في العُرْفِ لِلْقادِرِ القَوِيِّ إنَّهُ يُطِيقُ هَذا الفِعْلَ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في حَقِّ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ المَشَقَّةِ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ عَلى أقْوالِكم لا بُدَّ مِن إيقاعِ النَّسْخِ في هَذِهِ الآيَةِ وعَلى قَوْلِنا لا يَجِبُ، ومَعْلُومٌ أنَّ النَّسْخَ كُلَّما كانَ أقَلَّ كانَ أوْلى، فَكانَ المَصِيرُ إلى إثْباتِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ غَيْرَ جائِزٍ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ناسِخَها آيَةُ شُهُودِ الشَّهْرِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ تِلْكَ الآيَةِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولَوْ كانَتِ الآيَةُ ناسِخَةً لِهَذا لَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ لائِقًا بِهَذا المَوْضِعِ، لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ أوْجَبَ الصَّوْمَ عَلى سَبِيلِ التَّضْيِيقِ، ورَفَعَ وجُوبَهُ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، فَكانَ ذَلِكَ رَفْعًا لِلْيُسْرِ وإثْباتًا لِلْعُسْرِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَقُولَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ . واحْتَجَّ القاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ في فَسادِ قَوْلِ الأصَمِّ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُسافِرِ والمَرِيضِ، ومِن حَقِّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَبَطَلَ قَوْلُ الأصَمِّ. والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنَ المُسافِرِ والمَرِيضِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ هُما اللَّذانِ لا يُمْكِنُهُما الصَّوْمُ البَتَّةَ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ المُسافِرُ والمَرِيضُ اللَّذانِ يُمْكِنُهُما الصَّوْمَ، فَكانَتِ المُغايَرَةُ حاصِلَةً فَثَبَتَ بِما بَيَّنّا أنَّ القَوْلَ الَّذِي اخْتارَهُ الأصَمُّ لَيْسَ بِضَعِيفٍ، أمّا إذا وافَقْنا الجُمْهُورَ وسَلَّمْنا فَسادَهُ بَقِيَ القَوْلانِ الآخَرانِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ عَلى القَوْلِ الثّانِي، واخْتارَهُ الشّافِعِيُّ واحْتَجَّ عَلى فَسادِ القَوْلِ الثّالِثِ، وهو قَوْلُ مَن حَمَلَهُ عَلى الشَّيْخِ الهَرَمِ والحامِلِ والمُرْضِعِ بِأنْ قالَ: لَوْ كانَ المُرادُ هو الشَّيْخُ الهَرَمُ لَما قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لِأنَّهُ لا يُطِيقُهُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى الشَّيْخِ الهَرَمِ الَّذِي يُطِيقُ الصَّوْمَ ولَكِنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يُمْتَنَعُ أنْ يُقالَ لَهُ: لَوْ تَحَمَّلْتَ هَذِهِ المَشَقَّةَ لَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَكَ، فَإنَّ العِبادَةَ كُلَّما كانَتْ أشَقَّ كانَتْ أكْثَرَ ثَوابًا. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”فِدْيَةُ“ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ”طَعامِ“ بِالكَسْرِ مُضافًا إلَيْهِ ”مَساكِينَ“ جَمْعًا، والباقُونَ ”فِدْيَةٌ“ مُنَوَّنَةٌ ”طَعامُ“ بِالرَّفْعِ ”مِسْكِينٍ“ مَخْفُوضٌ، أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها بَحْثانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ما مَعْنى إضافَةُ فِدْيَةٍ إلى طَعامٍ ؟ فَنَقُولُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِدْيَةَ لَها ذاتٌ وصِفَتُها أنَّها طَعامٌ، فَهَذا مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ وبَقْلَةُ الحَمْقاءِ. والثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: الفِدْيَةُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ الواجِبِ، والطَّعامُ اسْمٌ يَعُمُّ الفِدْيَةَ وغَيْرَها، فَهَذِهِ الإضافَةُ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي تَكُونُ بِمَعْنى ”مِن“ كَقَوْلِكَ: ثَوْبُ خَزٍّ، وخاتَمُ حَدِيدٍ، والمَعْنى: ثَوْبٌ مِن خَزٍّ، وخاتَمٌ مِن حَدِيدٍ، فَكَذا هَهُنا التَّقْدِيرُ: فِدْيَةٌ مِن طَعامٍ فَأُضِيفَتِ الفِدْيَةُ إلى الطَّعامِ مَعَ أنَّكَ تُطْلِقُ عَلى الفِدْيَةِ اسْمَ الطَّعامِ. صفحة ٧٠ البَحْثُ الثّانِي: أنَّ في هَذِهِ القِراءَةِ جَمَعُوا المَساكِينَ لِأنَّ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ جَماعَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَلْزَمُهُ مِسْكِينٌ، وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ وهي ”فِدْيَةٌ“ بِالتَّنْوِينِ، فَجَعَلُوا ما بَعْدَهُ مُفَسِّرًا لَهُ ووَحَّدُوا المِسْكِينَ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى كُلِّ واحِدٍ لِكُلِّ يَوْمٍ طَعامُ مِسْكِينٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفِدْيَةُ في مَعْنى الجَزاءِ وهو عِبارَةٌ عَنِ البَدَلِ القائِمِ عَلى الشَّيْءِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعٌ مِن غَيْرِهِ، وهو مُدّانِ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ مُدٌّ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، فَقالَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ عائِدٌ إلى الصَّوْمِ فَأثْبَتَ القُدْرَةَ عَلى الصَّوْمِ حالَ عَدَمِ الصَّوْمِ؛ لِأنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِ الفِدْيَةَ، وإنَّما يَجِبُ عَلَيْهِ الفِدْيَةُ إذا لَمْ يَصُمْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ القُدْرَةَ عَلى الصَّوْمِ حاصِلَةٌ قَبْلَ حُصُولِ الصَّوْمِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الفِدْيَةِ ؟ قُلْنا لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِدْيَةَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ مِن قَبْلُ فَكَيْفَ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ مُذَكَّرٌ والفِدْيَةَ مُؤَنَّثَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاسْتِدْلالُ بِها ؟ قُلْنا: كانَتْ قَبْلَ أنْ صارَتْ مَنسُوخَةً دالَّةً عَلى أنَّ القُدْرَةَ حاصِلَةٌ قَبْلَ الفِعْلِ، والحَقائِقُ لا تَتَغَيَّرُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يُطْعِمَ مِسْكِينًا أوْ أكْثَرَ. والثّانِي: أنْ يُطْعِمَ المِسْكِينَ الواحِدَ أكْثَرَ مِنَ القَدْرِ الواجِبِ. والثّالِثُ: قالَ الزُّهْرِيُّ: مَن صامَ مَعَ الفِدْيَةِ فَهو خَيْرٌ لَهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا مَعَ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فَقَطْ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وأنْ تَصُومُوا أيُّها المُطِيقُونَ أوِ المُطَوَّقُونَ وتَحَمَّلْتُمُ المَشَقَّةَ فَهو خَيْرٌ لَكم مِنَ الفِدْيَةِ. والثّانِي: أنَّ هَذا خِطابٌ مَعَ كُلِّ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، أعْنِي المَرِيضَ والمُسافِرَ والَّذِينَ يُطِيقُونَهُ، وهَذا أوْلى لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌ، ولا يَلْزَمُ مِنِ اتِّصالِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مُخْتَصًّا بِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ ولا مُنافاةَ في رُجُوعِهِ إلى الكُلِّ، فَوَجَبَ الحُكْمُ بِذَلِكَ وعِنْدَ هَذا يَتَبَيَّنُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾، وأنَّ التَّقْدِيرَ: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ عَطْفًا عَلَيْهِ عَلى أوَّلِ الآيَةِ، فالتَّقْدِيرُ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّ الصَّوْمَ عَلَيْكم فاعْلَمُوا صِدْقَ قَوْلِنا وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم. الثّانِي: أنَّ آخِرَ الآيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِأوَّلِها، والتَّقْدِيرُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، أيْ أنَّكم إذا تَدَبَّرْتُمْ عَلِمْتُمْ ما في الصَّوْمِ مِنَ المَعانِي المُوَرِّثَةِ لِلتَّقْوى وغَيْرِها مِمّا ذَكَرْناهُ في صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ. الثّالِثُ: أنَّ العالِمَ بِاللَّهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ خَشْيَةُ اللَّهِ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَذَكَرَ العِلْمَ والمُرادُ الخَشْيَةُ، وصاحِبُ الخَشْيَةِ يُراعِي الِاحْتِياطَ، والِاحْتِياطُ في فِعْلِ الصَّوْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ اللَّهَ حَتّى تَخْشَوْنَهُ كانَ الصَّوْمُ خَيْرًا لَكم.

البقرة 2:185

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الشَّهْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشُّهْرَةِ يُقالُ، شَهَرَ الشَّيْءُ يَشْهَرُ شُهْرَةً وشَهْرًا إذا ظَهَرَ، وسُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا لِشُهْرَةِ أمْرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ حاجاتِ النّاسِ ماسَّةٌ إلى مَعْرِفَتِهِ بِسَبَبِ أوْقاتِ دُيُونِهِمْ، وقَضاءِ نُسُكِهِمْ في صَوْمِهِمْ وحَجِّهِمْ، والشُّهْرَةُ ظُهُورُ الشَّيْءِ وسُمِيَ الهِلالُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ وبَيانِهِ. قالَ بَعْضُهم سُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا بِاسْمِ الهِلالِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في رَمَضانَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى قَوْلِ القائِلِ: شَهْرُ رَمَضانَ أيْ شَهْرُ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا تَقُولُوا جاءَ رَمَضانُ وذَهَبَ رَمَضانُ ولَكِنْ قُولُوا: جاءَ شَهْرُ رَمَضانَ وذَهَبَ شَهْرُ رَمَضانَ فَإنَّ رَمَضانَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى» “ . القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِلشَّهْرِ كَشَهْرِ رَجَبٍ وشَعْبانَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِهِ عَلى وُجُوهٍ، الأوَّلُ: ما نُقِلَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ مِنَ الرَّمْضاءِ بِسُكُونِ المِيمِ، وهو مَطَرٌ يَأْتِي قَبْلَ الخَرِيفِ يُطَهِّرُ وجْهَ الأرْضِ عَنِ الغُبارِ، والمَعْنى فِيهِ أنَّهُ كَما يَغْسِلُ ذَلِكَ المَطَرُ وجْهَ الأرْضِ ويُطَهِّرُها فَكَذَلِكَ شَهْرُ رَمَضانَ يَغْسِلُ أبْدانَ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الذُّنُوبِ ويُطَهِّرُ قُلُوبَهم. الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّمَضِ وهو حَرُّ الحِجارَةِ مِن شِدَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ، والِاسْمُ الرَّمْضاءُ، فَسُمِّيَ هَذا الشَّهْرُ بِهَذا الِاسْمِ إمّا لِارْتِماضِهِمْ في هَذا الشَّهْرِ مِن حَرِّ الجُوعِ أوْ مُقاساةِ شِدَّتِهِ، كَما سَمُّوهُ تابِعًا لِأنَّهُ كانَ يَتْبَعُهم، أيْ يُزْعِجُهم لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: لَمّا نَقَلُوا أسْماءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ سَمَّوْها بِالأزْمِنَةِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها فَوافَقَ هَذا الشَّهْرُ أيّامَ رَمَضِ الحَرِّ، وقِيلَ: سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهُ يَرْمِضُ الذُّنُوبَ أيْ يَحْرِقُها، وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّما سُمِّيَ رَمَضانَ لِأنَّهُ يَرْمِضُ ذُنُوبَ عِبادِ اللَّهِ» “ . الثّالِثُ: أنَّ هَذا الِاسْمَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: رَمَضْتُ النَّصْلَ أرْمِضُهُ رَمْضًا إذا دَفَعْتَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ لِيَرِقَّ، ونَصْلٌ رَمِيضٌ ومَرْمُوضٌ، فَسُمِّيَ هَذا الشَّهْرُ رَمَضانَ، لِأنَّهم كانُوا يَرْمِضُونَ فِيهِ أسْلِحَتَهم لِيَقْضُوا مِنها أوْطارَهم، وهَذا القَوْلُ يُحْكى عَنِ الأزْهَرِيِّ. الرّابِعُ: لَوْ صَحَّ قَوْلُهم: إنَّ رَمَضانَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الشَّهْرُ أيْضًا سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ، فالمَعْنى أنَّ الذُّنُوبَ تَتَلاشى في جَنْبِ رَحْمَةِ اللَّهِ حَتّى كَأنَّها احْتَرَقَتْ، وهَذا الشَّهْرُ أيْضًا رَمَضانُ بِمَعْنى أنَّ الذُّنُوبَ تَحْتَرِقُ في جَنْبِ بَرَكَتِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ (شَهْرُ) بِالرَّفْعِ وبِالنَّصْبِ، أمّا الرَّفْعُ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ أنَّهُ ارْتَفَعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الصِّيامِ، والمَعْنى: كُتِبَ عَلَيْكم شَهْرُ رَمَضانَ. والثّانِي: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والأخْفَشِ أنَّهُ صفحة ٧٢ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (أيّامًا) كَأنَّهُ قِيلَ: هي شَهْرُ رَمَضانَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْأيّامِ المَعْدُوداتِ وتَبْيِينٌ لَها. الثّالِثُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ، كَأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ قِيلَ: فِيما كُتِبَ عَلَيْكم مِنَ الصِّيامِ شَهْرُ رَمَضانَ، أيْ صِيامُهُ. الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرَهُ (الَّذِي) مَعَ صِلَتِهِ، كَقَوْلِهِ زَيْدٌ الَّذِي في الدّارِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: والأشْبَهُ أنْ يَكُونَ (الَّذِي) وصْفًا لِيَكُونَ لَفْظُ القُرْآنِ نَصًّا في الأمْرِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ، لِأنَّكَ إنْ جَعَلْتَهُ خَبَرًا لَمْ يَكُنْ شَهْرُ رَمَضانَ مَنصُوصًا عَلى صَوْمِهِ بِهَذا اللَّفْظِ، إنَّما يَكُونُ مُخْبَرًا عَنْهُ بِإنْزالِ القُرْآنِ فِيهِ، وأيْضًا إذا جَعَلْتَ (الَّذِي) وصْفًا كانَ حَقُّ النَّظْمِ أنْ يُكَنّى عَنِ الشَّهْرِ لا أنْ يَظْهَرَ، كَقَوْلِكَ: شَهْرُ رَمَضانَ المُبارَكُ مَن شَهِدَهُ فَلْيَصُمْهُ. وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَفِيها وُجُوهٌ: أحَدُها: التَّقْدِيرُ: صُومُوا شَهْرَ رَمَضانَ. وثانِيها: عَلى الإبْدالِ مِن أيّامٍ مَعْدُوداتٍ. وثالِثُها: أنَّهُ مَفْعُولُ ﴿وأنْ تَصُومُوا﴾، وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ واعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ النَّظْمُ: وأنْ تَصُومُوا رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ خَيْرٌ لَكم، وهَذا يَقْتَضِي وُقُوعَ الفَصْلِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِهَذا الكَلامِ الكَثِيرِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ المُبْتَدَأ والخَبَرَ جارِيانِ مَجْرى الشَّيْءِ الواحِدِ وإيقاعُ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّيْءِ وبَيْنَ نَفْسِهِ غَيْرُ جائِزٍ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَصَّ هَذا الشَّهْرَ بِهَذِهِ العِبادَةِ بَيَّنَ العِلَّةَ لِهَذا التَّخْصِيصِ، وذَلِكَ هو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَصَّهُ بِأعْظَمِ آياتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وهو أنَّهُ أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ، فَلا يَبْعُدُ أيْضًا تَخْصِيصُهُ بِنَوْعٍ عَظِيمٍ مِن آياتِ العُبُودِيَّةِ وهو الصَّوْمُ، مِمّا يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّ الأنْوارَ الصَّمَدِيَّةَ مُتَجَلِّيَةٌ أبَدًا يَمْتَنِعُ عَلَيْها الإخْفاءُ والِاحْتِجابُ إلّا أنَّ العَلائِقَ البَشَرِيَّةَ مانِعَةٌ مِن ظُهُورِها في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، والصَّوْمُ أقْوى الأسْبابِ في إزالَةِ العَلائِقِ البَشَرِيَّةِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ أرْبابَ المُكاشَفاتِ لا سَبِيلَ لَهم إلى التَّوَصُّلِ إلَيْها إلّا بِالصَّوْمِ، ولِهَذا قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يَحُومُونَ عَلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ» “، فَثَبَتَ أنَّ بَيْنَ الصَّوْمِ وبَيْنَ نُزُولِ القُرْآنِ مُناسِبَةٌ عَظِيمَةٌ فَلَمّا كانَ هَذا الشَّهْرُ مُخْتَصًّا بِنُزُولِ القُرْآنِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالصَّوْمِ، وفي هَذا المَوْضِعِ أسْرارٌ كَثِيرَةٌ والقَدْرُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ كافٍ هَهُنا، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ في تَفْسِيرِهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ الجُمْهُورِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ في رَمَضانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشَرَ والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ» “ وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ ما نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دُفْعَةً، وإنَّما نَزَلَ عَلَيْهِ في مُدَّةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مُنَجَّمًا مُبَعَّضًا، وكَما نَزَلَ بَعْضُهُ في رَمَضانَ نَزَلَ بَعْضُهُ في سائِرِ الشُّهُورِ، فَما مَعْنى تَخْصِيصُ إنْزالِهِ بِرَمَضانَ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ في لَيْلَةِ القَدْرِ جُمْلَةً إلى سَماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ إلى الأرْضِ نُجُومًا، وإنَّما جَرَتِ الحالُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِما عَلِمَهُ تَعالى مِنَ المَصْلَحَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم سُكّانُ سَماءِ الدُّنْيا مَصْلَحَةٌ في إنْزالِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ أوْ كانَ في المَعْلُومِ أنَّ في ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في تَوَقُّعِ الوَحْيِ مِن أقْرَبِ الجِهاتِ، أوْ كانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ هو المَأْمُورُ بِإنْزالِهِ وتَأْدِيَتِهِ، أمّا الحِكْمَةُ في إنْزالِ القُرْآنِ عَلى الرَّسُولِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا فَقَدْ شَرَحْناها في صفحة ٧٣ سُورَةِ الفُرْقانِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] . الجَوابُ الثّانِي عَنْ هَذا السُّؤالِ: أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ ابْتُدِئَ إنْزالُهُ لَيْلَةَ القَدْرِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَبادِئَ المِلَلِ والدُّوَلِ هي الَّتِي يُؤَرَّخُ بِها لِكَوْنِها أشْرَفَ الأوْقاتِ، ولِأنَّها أيْضًا أوْقاتٌ مَضْبُوطَةٌ مَعْلُومَةٌ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الأوَّلَ لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى تَحَمُّلِ شَيْءٍ مِنَ المَجازِ، وهَهُنا يُحْتاجُ فَإنَّهُ لا بُدَّ عَلى هَذا الجَوابِ مِن حَمْلِ القُرْآنِ عَلى بَعْضِ أجْزائِهِ وأقْسامِهِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] . والجَوابُ: رُوِيَ أنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في رَمَضانَ، وذَلِكَ لِأنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إذا كانَتْ في رَمَضانَ كانَ إنْزالُهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ إنْزالًا في رَمَضانَ، وهَذا كَمَن يَقُولُ: لَقِيتُ فُلانًا في هَذا الشَّهْرِ فَيُقالُ لَهُ: في أيِّ يَوْمٍ مِنهُ فَيَقُولُ يَوْمَ كَذا فَيَكُونُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلْكَلامِ الأوَّلِ فَكَذا هَهُنا. السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ القُرْآنَ عَلى هَذا القَوْلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ كُلَّ القُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا في لَيْلَةِ القَدْرِ ثُمَّ أنْزَلَهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مُنَجَّمًا إلى آخِرِ عُمْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ يُنْزِلُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا مِنَ القُرْآنِ ما يَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأُمَّتَهُ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في تِلْكَ السَّنَةِ ثُمَّ يُنْزِلُهُ عَلى الرَّسُولِ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ ثُمَّ كَذَلِكَ أبَدًا ما دامَ فَأيُّهُما أقْرَبُ إلى الصَّوابِ ؟ الجَوابُ: كِلاهُما مُحْتَمَلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الشَّخْصَ، وهو رَمَضانُ مُعَيَّنٌ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ النَّوْعَ، وإذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُحْتَمَلًا صالِحًا وجَبَ التَّوَقُّفُ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ مَعْناهُ أُنْزِلَ في فَضْلِهِ القُرْآنُ، وهَذا اخْتِيارُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ قالَ: ومِثْلُهُ أنْ يُقالَ: أُنْزِلَ في الصِّدِّيقِ كَذا آيَةً؛ يُرِيدُونَ في فَضْلِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أُنْزِلَ في إيجابِ صَوْمِهِ عَلى الخَلْقِ القُرْآنُ، كَما يَقُولُ: أنْزَلَ اللَّهُ في الزَّكاةِ كَذا وكَذا يُرِيدُ في إيجابِها وأنْزَلَ في الخَمْرِ كَذا يُرِيدُ في تَحْرِيمِها. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرْآنُ اسْمٌ لِما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ مِن كَلامِ اللَّهِ، واخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِهِ، فَرَوى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَكَمِ أنَّ الشّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ يَقُولُ: إنَّ القُرْآنَ اسْمٌ ولَيْسَ بِمَهْمُوزٍ ولَمْ يُؤْخَذْ مِن قَرَأْتُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ لِكِتابِ اللَّهِ مِثْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالَ: ويُهْمَزُ قِراءَةً ولا يُهْمَزُ القُرْآنُ كَما يَقُولُ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ [الإسراء: ٤٥]، قالَ الواحِدِيُّ: وقَوْلُ الشّافِعِيِّ إنَّهُ اسْمٌ لِكِتابِ اللَّهِ يُشْبِهُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُشْتَقٍّ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ، واعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ مِنهم مَن لا يَهْمِزُهُ ومِنهم مَن يَهْمِزُهُ، صفحة ٧٤ أمّا الأوَّلُونَ فَلَهم فِيهِ اشْتِقاقانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا ضَمَمْتَ أحَدَهُما إلى الآخَرِ، فَهو مُشْتَقٌّ مِن قَرَنَ والِاسْمُ قُرانٌ غَيْرُ مَهْمُوزٍ، فَسُمِّيَ القُرانُ قُرانًا، إمّا لِأنَّ ما فِيهِ مِنَ السُّورِ والآياتِ والحُرُوفِ يَقْتَرِنُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، أوْ لِأنَّ ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والشَّرائِعِ مُقْتَرِنٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ، أوْ لِأنَّ ما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُقْتَرِنٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ، أعْنِي اشْتِمالَهُ عَلى جِهاتِ الفَصاحَةِ وعَلى الأُسْلُوبِ الغَرِيبِ، وعَلى الإخْبارِ عَنِ المُغَيَّباتِ، وعَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ هو مُشْتَقٌّ مِن قَرَنَ والِاسْمُ قُرانٌ غَيْرُ مَهْمُوزٍ. وثانِيهُما: قالَ الفَرّاءُ: أظُنُّ أنَّ القُرْآنَ سُمِّيَ مِنَ القَرائِنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآياتِ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فَهي قَرائِنُ، وأمّا الَّذِينَ هَمَزُوا فَلَهم وُجُوهٌ: أحُدُها: أنَّهُ مَصْدَرُ القِراءَةِ، يُقالُ: قَرَأْتُ القُرْآنَ فَأنا أقْرَؤُهُ قَرْءًا وقِراءَةً وقُرْآنًا، فَهو مَصْدَرٌ، ومِثْلُ القُرْآنِ مِنَ المَصادِرِ: الرُّجْحانُ والنُّقْصانُ والخُسْرانُ والغُفْرانُ، قالَ الشّاعِرُ: ضَحُّوا بِأشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِهِ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنًا أيْ قِراءَةً، وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ إنَّ المَقْرُوءَ يُسَمّى قُرْآنًا، لِأنَّ المَفْعُولَ يُسَمّى بِالمَصْدَرِ، كَما قالُوا لِلْمَشْرَبِ: شَرابٌ ولِلْمَكْتُوبِ كِتابٌ، واشْتُهِرَ هَذا الِاسْمُ في العُرْفِ حَتّى جَعَلُوهُ اسْمًا لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى. وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ القُرْءِ وهو الجَمْعُ، قالَ عَمْرٌو: هِجانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا . أيْ لَمْ تَجْمَعْ في رَحِمِها ولَدًا، ومِن هَذا الأصْلِ: قُرْءُ المَرْأةِ وهو أيّامُ اجْتِماعِ الدَّمِ في رَحِمِها، فَسُمِّيَ القُرْآنُ قُرْآنًا، لِأنَّهُ يَجْمَعُ السُّوَرَ ويَضُمُّها. وثالِثُها: قَوْلُ قُطْرُبٍ وهو أنَّهُ سُمِّيَ قُرْآنًا، لِأنَّ القارِئَ يَكْتُبُهُ، وعِنْدَ القِراءَةِ كَأنَّهُ يُلْقِيهِ مِن فِيهِ أخْذًا مِن قَوْلِ العَرَبِ: ما قَرَأتِ النّاقَةُ سَلًى قَطُّ، أيْ ما رَمَتْ بِوَلَدٍ وما أسْقَطَتْ ولَدًا قَطُّ وما طَرَحَتْ، وسُمِّيَ الحَيْضُ قُرْءًا لِهَذا التَّأْوِيلِ، فالقُرْآنُ يَلْفِظُهُ القارِئُ مِن فِيهِ ويُلْقِيهِ فَسُمِّيَ قُرْآنًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣]، أنَّ التَّنْزِيلَ مُخْتَصٌّ بِالنُّزُولِ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ، والإنْزالُ مُخْتَصٌّ بِما يَكُونُ النُّزُولُ فِيهِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا كانَ المُرادُ هَهُنا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ أُنْزِلَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، لا جَرَمَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الإنْزالِ دُونَ التَّنْزِيلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ راجِحٌ عَلى سائِرِ الأقْوالِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنّا تَفْسِيرَ الهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] . والسُّؤالُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ القُرْآنَ في تِلْكَ الآيَةِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ، وهَهُنا جَعَلَهُ ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ فَكَيْفَ وجْهُ الجَمْعِ ؟ وجَوابُهُ ما ذَكَرْناهُ هُناكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ أُنْزِلَ وهو هِدايَةٌ لِلنّاسِ إلى الحَقِّ وهو صفحة ٧٥ آياتٌ واضِحاتٌ مَكْشُوفاتٌ مِمّا يَهْدِي إلى الحَقِّ ويُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ وهو أنْ يُقالَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: (هُدًى) . وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ هُدًى، ثُمَّ الهُدى عَلى قِسْمَيْنِ: تارَةً يَكُونُ كَوْنُهُ هُدًى لِلنّاسِ بَيِّنًا جَلِيًّا، وتارَةً لا يَكُونُ كَذَلِكَ، والقِسْمُ الأوَّلُ لا شَكَّ أنَّهُ أفْضَلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هو هُدًى لِأنَّهُ هو البَيِّنُ مِنَ الهُدى، والفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَهَذا مِن بابِ ما يُذْكَرُ الجِنْسُ ويُعْطَفُ نَوْعُهُ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ أشْرَفَ أنْواعِهِ، والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا هُدًى، وهَذا بَيِّنٌ مَنِ الهُدى، وهَذا بَيِّناتٌ مِنَ الهُدى، ولا شَكَّ أنَّ هَذا غايَةُ المُبالَغاتِ. الثّانِي: أنْ يُقالَ: القُرْآنُ هَدًى في نَفْسِهِ، ومَعَ كَوْنِهِ كَذَلِكَ فَهو أيْضًا بَيِّناتٌ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ، والمُرادُ بِالهُدى والفُرْقانِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٣] وقالَ: ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] وقالَ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] فَبَيَّنَ تَعالى وتَقَدَّسَ أنَّ القُرْآنَ مَعَ كَوْنِهِ هُدًى في نَفْسِهِ فَفِيهِ أيْضًا هُدًى مِنَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي هُدًى وفُرْقانٌ. الثّالِثُ: أنْ يُحْمَلَ الأوَّلُ عَلى أُصُولِ الدِّينِ، والهُدى الثّانِي عَلى فُرُوعِ الدِّينِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ التَّكْرارُ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: نَقْلَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”البَسِيطِ“ عَنِ الأخْفَشِ والمازِنِيِّ أنَّهُما قالا: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ زائِدَةٌ، قالا: وذَلِكَ لِأنَّ الفاءَ قَدْ تَدْخُلُ لِلْعَطْفِ أوْ لِلْجَزاءِ أوْ تَكُونُ زائِدَةً، ولَيْسَ لِلْعَطْفِ. والجَزاءُ هَهُنا وجْهٌ، ومِن زِيادَةِ الفاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ [الجمعة: ٨] . وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ الفاءُ هَهُنا لِلْجَزاءِ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَ رَمَضانَ مُخْتَصًّا بِالفَضِيلَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ سائِرُ الشُّهُورِ فِيها، فَبَيَّنَ أنَّ اخْتِصاصَهُ بِتِلْكَ الفَضِيلَةِ يُناسِبُ اخْتِصاصَهُ بِهَذِهِ العِبادَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ لِتَقْدِيمِ بَيانِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ هَهُنا وجْهٌ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا عُلِمَ اخْتِصاصُ هَذا الشَّهْرِ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ فَأنْتُمْ أيْضًا خُصُّوهُ بِهَذِهِ العِبادَةِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]، الفاءُ فِيهِ غَيْرُ زائِدَةٍ وأيْضًا بَلْ هَذا مِن بابِ مُقابَلَةِ الضِّدِّ بِالضِّدِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا فَرُّوا مِنَ المَوْتِ فَجَزاؤُهم أنْ يَقْرُبَ المَوْتُ مِنهم لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يُغْنِي الحَذَرُ عَنِ القَدَرِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (شَهِدَ) أيْ حَضَرَ والشُّهُودُ الحُضُورُ، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَفْعُولَ شَهِدَ مَحْذُوفٌ لِأنَّ المَعْنى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ البَلَدَ أوْ بَيْتَهُ بِمَعْنى لَمْ يَكُنْ مُسافِرًا، وقَوْلُهُ: (الشَّهْرَ) انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، وكَذَلِكَ الهاءُ في قَوْلِهِ: (فَلْيَصُمْهُ) . والقَوْلُ الثّانِي: مَفْعُولُ (شَهِدَ) هو (الشَّهْرَ)، والتَّقْدِيرُ: مَن شاهَدَ الشَّهْرَ بِعَقْلِهِ ومَعْرِفَتِهِ فَلْيَصُمْهُ وهو كَما يُقالُ: شَهِدْتُ عَصْرَ فُلانٍ، وأدْرَكْتُ زَمانَ فُلانٍ، واعْلَمْ أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ لا يَتِمُّ إلّا بِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ، أمّا القَوْلُ صفحة ٧٦ الأوَّلُ فَإنَّما يَتِمُّ بِإضْمارِ أمْرٍ زائِدٍ، وأمّا القَوْلُ الثّانِي فَيُوجِبُ دُخُولَ التَّخْصِيصِ في الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ شُهُودَ الشَّهْرِ حاصِلٌ في حَقِّ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ والمَرِيضِ والمُسافِرِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلى واحِدٍ مِنهُمُ الصَّوْمُ إلّا أنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ مَتى وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ والإضْمارِ فالتَّخْصِيصُ أوْلى، وأيْضًا فَلِأنّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لَمّا التَزَمْنا الإضْمارَ لا بُدَّ أيْضًا مِنِ التِزامِ التَّخْصِيصِ؛ لِأنَّ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ والمَرِيضَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَهِدَ الشَّهْرَ مَعَ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ، بَلِ المُسافِرُ لا يَدْخُلُ فَلا يُحْتاجُ إلى تَخْصِيصِ هَذِهِ الصُّورَةِ فِيهِ، فالقَوْلُ الأوَّلُ لا يَتَمَشّى إلّا مَعَ التِزامِ الإضْمارِ والتَّخْصِيصِ، والقَوْلُ الثّانِي يَتَمَشّى بِمُجَرَّدِ التِزامِ التَّخْصِيصِ فَكانَ القَوْلُ الثّانِي أوْلى، هَذا ما عِنْدِي فِيهِ مَعَ أنَّ أكْثَرَ المُحَقِّقِينَ كالواحِدِيِّ وصاحِبِ ”الكَشّافِ“ ذَهَبُوا إلى الأوَّلِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ وهو شَهْرُ رَمَضانَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ﴾ [النور: ١٣] أيْ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ الأرْبَعَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ إشْكالًا وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ جُمْلَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ، فالشَّرْطُ هو شُهُودُ الشَّهْرِ والجَزاءُ هو الأمْرُ بِالصَّوْمِ، وما لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ بِتَمامِهِ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، والشَّهْرُ اسْمٌ لِلزَّمانِ المَخْصُوصِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، فَشُهُودُ الشَّهْرِ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ الجَزاءِ الأخِيرِ مِنَ الشَّهْرِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ عِنْدَ شُهُودِ الجُزْءِ الأخِيرِ مِنَ الشَّهْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ كُلِّ الشَّهْرِ وهَذا مُحالٌ، لِأنَّهُ يُفْضِي إلى إيقاعِ الفِعْلِ في الزَّمانِ المُنْقَضِي وهو مُمْتَنِعٌ، فَلِهَذا الدَّلِيلِ عَلِمْنا أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراءُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها، وأنَّهُ لا بُدَّ مِن صَرْفِها إلى التَّأْوِيلِ، وطَرِيقُهُ أنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الشَّهْرِ عَلى جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الشَّهْرِ في جانِبِ الشَّرْطِ، فَيَصِيرُ تَقْرِيرُهُ: مَن شَهِدَ جُزْءًا مِن أجْزاءِ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْ كُلَّ الشَّهْرِ، فَعَلى هَذا: مَن شَهِدَ هِلالَ رَمَضانَ فَقَدْ شَهِدَ جُزْءًا مِن أجْزاءِ الشَّهْرِ، وقَدْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، وهو الأمْرُ بِصَوْمِ كُلِّ الشَّهْرِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَسْتَقِيمُ مَعْنى الآيَةِ ولَيْسَ فِيهِ إلّا حَمْلُ لَفْظِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ. واعْلَمْ أنَّ المَنقُولَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ، فَمَن شَهِدَ مِنكم أوَّلَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْ جَمِيعَهُ، وقَدْ عَرَفْتَ بِما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلِيلِ أنَّهُ لا يَصِحُّ البَتَّةَ إلّا هَذا القَوْلُ، ثُمَّ يَتَفَرَّعُ عَلى هَذا الأصْلِ فَرْعانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا شَهِدَ أوَّلَ الشَّهْرِ هَلْ يَلْزَمُهُ صَوْمُ كُلِّ الشَّهْرِ. والثّانِي: أنَّهُ إذا شَهِدَ آخِرَ الشَّهْرِ هَلْ يَلْزَمُهُ صَوْمُ كُلِّ الشَّهْرِ. أمّا الأوَّلُ: فَهو أنَّهُ نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ مَن دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّهْرُ وهو مُقِيمٌ ثُمَّ سافَرَ، أنَّ الواجِبَ أنْ يَصُومَ الكُلَّ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن شَهِدَ أوَّلَ الشَّهْرِ وجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ كُلِّ الشَّهْرِ، وأمّا سائِرُ المُجْتَهِدِينَ فَيَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وإنْ كانَ مَعْناهُ: أنَّ مَن شَهِدَ أوَّلَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ كُلَّهُ إلّا أنَّهُ عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الحاضِرُ والمُسافِرُ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ خاصٌّ والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، فَثَبَتَ أنَّهُ وإنْ سافَرَ بَعْدَ شُهُودِ الشَّهْرِ فَإنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الإفْطارُ. وأمّا الثّانِي: وهو أنَّ أبا حَنِيفَةَ زَعَمَ أنَّ المَجْنُونَ إذا أفاقَ في أثْناءِ الشَّهْرِ يَلْزَمُهُ قَضاءَ ما مَضى، قالَ: لِأنّا صفحة ٧٧ قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ المَفْهُومَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن أدْرَكَ جُزْءًا مِن رَمَضانَ لَزِمَهُ صَوْمُ كُلِّ رَمَضانَ، والمَجْنُونُ إذا أفاقَ في أثْناءِ الشَّهْرِ فَقَدْ شَهِدَ جُزْءًا مِن رَمَضانَ فَوَجَبَ أنْ يَلْزَمَهُ صَوْمُ كُلِّ رَمَضانَ، فَإذا لَمْ يُمْكِنْ صِيامُ ما تَقَدَّمَ فالقَضاءُ واجِبٌ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ يَسْتَدْعِي بَحْثَيْنِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ شُهُودَ الشَّهْرِ بِماذا يَحْصُلُ ؟ فَنَقُولُ: إمّا بِالرُّؤْيَةِ وإمّا بِالسَّماعِ، أمّا الرُّؤْيَةُ فَنَقُولُ: إذا رَأى إنْسانٌ هِلالَ رَمَضانَ فَإمّا أنْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ مُنْفَرِدًا بِها، فَإمّا أنْ يَرُدَّ الإمامُ شَهادَتَهُ أوْ لا يَرُدَّها، فَإنْ تَفَرَّدَ بِالرُّؤْيَةِ ورَدَّ الإمامُ شَهادَتَهُ، لَزِمَهُ أنْ يَصُومَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ شُهُودَ الشَّهْرِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ، وقَدْ حَصَلَ شُهُودُ الشَّهْرِ في حَقِّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، وأمّا إنِ انْفَرَدَ بِالرُّؤْيَةِ وقَبِلَ الإمامُ شَهادَتَهُ أوْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِالرُّؤْيَةِ فَلا كَلامَ في وُجُوبِ الصَّوْمِ. وأمّا السَّماعُ فَنَقُولُ إذا شَهِدَ عَدْلانِ عَلى رُؤْيَةِ الهِلالِ حُكِمَ بِهِ في الصَّوْمِ والفِطْرِ جَمِيعًا، وإذا شَهِدَ عَدْلٌ واحِدٌ عَلى رُؤْيَةِ هِلالِ شَوّالٍ لا يُحْكَمُ بِهِ وإذا شَهِدَ عَلى هِلالِ رَمَضانَ يُحْكَمُ بِهِ احْتِياطًا لِأمْرِ الصَّوْمِ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ هِلالِ شَوّالٍ أنَّ هِلالَ رَمَضانَ لِلدُّخُولِ في العِبادَةِ وهِلالَ شَوّالٍ لِلْخُرُوجِ مِنَ العِبادَةِ، وقَوْلُ الواحِدِ في إثْباتِ العِبادَةِ يُقْبَلُ، أمّا في الخُرُوجِ مِنَ العِبادَةِ لا يُقْبَلُ إلّا عَلى قَوْلِ الِاثْنَيْنِ، وعَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما في الحَقِيقَةِ، لِأنّا إنَّما قَبِلْنا قَوْلَ الواحِدِ في هِلالِ رَمَضانَ لِكَيْ يَصُومُوا ولا يُفْطِرُوا احْتِياطًا، فَكَذَلِكَ لا يُقْبَلُ قَوْلُ الواحِدِ في هِلالِ شَوّالٍ لِكَيْ يَصُومُوا ولا يُفْطِرُوا احْتِياطًا. البَحْثُ الثّانِي في الصَّوْمِ: فَنَقُولُ: إنَّ الصَّوْمَ هو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ صائِمًا مِن أوَّلِ طُلُوعِ الفَجْرِ الصّادِقِ إلى حِينِ غُرُوبِ الشَّمْسِ مَعَ النِّيَّةِ، وفي الحَدِّ قُيُودٌ: القَيْدُ الأوَّلُ: الإمْساكُ وهو احْتِرازٌ عَنْ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: لَوْ طارَتْ ذُبابَةٌ إلى حَلْقِهِ، أوْ وصَلَ غُبارُ الطَّرِيقِ إلى بَطْنِهِ لا يَبْطُلُ صَوْمُهُ؛ لِأنَّ الِاحْتِرازَ عَنْهُ شاقٌّ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ في آيَةِ الصَّوْمِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ . والثّانِي: لَوْ صُبَّ الطَّعامُ أوِ الشَّرابُ في حَلْقِهِ كَرْهًا أوْ حالَ نَوْمٍ لا يَبْطُلُ صَوْمُهُ، لِأنَّ المُعْتَبَرَ هو الإمْساكُ والِامْتِناعُ والإكْراهُ لا يُنافِي ذَلِكَ. القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُنا عَنِ المُفْطِراتِ وهي ثَلاثَةٌ: دُخُولُ داخِلٍ، وخُرُوجُ خارِجٍ، والجِماعُ، وحَدُّ الدُّخُولِ كُلُّ عَيْنٍ وصَلَ مِنَ الظّاهِرِ إلى الباطِنِ مِن مَنفَذٍ مَفْتُوحٍ إلى الباطِنِ إمّا الدِّماغِ أوِ البَطْنِ وما فِيهِ مِنَ الأمْعاءِ والمَثانَةِ، أمّا الدِّماغُ فَيَحْصُلُ الفِطْرُ بِالسَّعُوطِ، وأمّا البَطْنُ فَيَحْصُلُ الفِطْرُ بِالحُقْنَةِ، وأمّا الخُرُوجُ فالقَيْءُ بِالِاخْتِيارِ والِاسْتِمْناءُ يُبْطِلانِ الصَّوْمَ، وأمّا الجِماعُ فالإيلاجُ يُبْطِلُ الصَّوْمَ. القَيْدُ الثّالِثُ: قَوْلُنا مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ صائِمًا فَلَوْ أكَلَ أوْ شَرِبَ ناسِيًا لِلصَّوْمِ لا يَبْطُلُ صَوْمُهُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، وعِنْدَ مالِكٍ يَبْطُلُ. القَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُنا مِن أوَّلِ طُلُوعِ الفَجْرِ الصّادِقِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكَلِمَةُ (حَتّى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وكانَ الأعْمَشُ يَقُولُ: أوَّلُ وقْتِهِ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وكانَ يُبِيحُ الأكْلَ والشُّرْبَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ويَحْتَجُّ بِأنَّ صفحة ٧٨ انْتِهاءَ اليَوْمِ مِن وقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَذا ابْتِداؤُهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ طُلُوعِها، وهَذا باطِلٌ بِالنَّصِّ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وحُكِيَ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ أبُو حَنِيفَةَ يَعُودُهُ، فَقالَ لَهُ الأعْمَشُ: إنَّكَ لَثَقِيلٌ عَلى قَلْبِي وأنْتَ في بَيْتِكَ، فَكَيْفَ إذا زُرْتَنِي ! فَسَكَتَ عَنْهُ أبُو حَنِيفَةَ، فَلَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ قِيلَ لَهُ: لِمَ سَكَتَّ عَنْهُ ؟ فَقالَ: وماذا أقُولُ في رَجُلٍ ما صامَ وما صَلّى في دَهْرِهِ ؟ عُنِيَ بِهِ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ بَعْدَ الفَجْرِ الثّانِي قَبْلَ الشَّمْسِ فَلا صَوْمَ لَهُ وكانَ لا يَغْتَسِلُ مِنَ الإنْزالِ فَلا صَلاةَ لَهُ. القَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُنا إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِن هَهُنا وأدْبَرَ النَّهارُ مِن هَهُنا فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ» “ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ وقْتُ الإفْطارِ عِنْدَ غُرُوبِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قاسَ هَذا الطَّرَفَ عَلى الطَّرَفِ الأوَّلِ مِنَ النَّهارِ. القَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُنا مَعَ النِّيَّةِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: لا حاجَةَ لِصَوْمِ رَمَضانَ إلى النِّيَّةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالصَّوْمِ في قَوْلِهِ: (فَلْيَصُمْهُ)، والصَّوْمُ هو الإمْساكُ، وقَدْ وُجِدَ فَيَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ لَكُنّا نَقُولُ: لا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ لِأنَّ الصَّوْمَ عَمَلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أفْضَلُ الأعْمالِ الصَّوْمُ» “ والعَمَلُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ النِّيَّةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» “ . المَسْألَةُ السّادِسَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُقِيمَ الصَّحِيحَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَصُومَ وبَيْنَ أنْ يُفْطِرَ مَعَ الفِدْيَةِ، قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لَها وأبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ والأصَمُّ يُنْكِرانِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ المَسْألَةِ. ثُمَّ بِتَقْدِيرِ صِحَّةِ القَوْلِ بِهَذا النَّسْخِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ نَسْخَ الأخَفِّ بِالأثْقَلِ جائِزٌ، لِأنَّ إيجابَ الصَّوْمِ عَلى التَّعْيِينِ أثْقَلُ مِن إيجابِهِ عَلى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِدْيَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ السَّبَبِ في التَّكْرِيرِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ هَهُنا بِشَرْطِ دُخُولِ ما قَبْلُهُ فِيهِ والأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الصَّوْمَ عَلى سَبِيلِ السُّهُولَةِ واليُسْرِ، فَإنَّهُ ما أوْجَبَهُ إلّا في مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ السَّنَةِ ثُمَّ ذَلِكَ القَلِيلُ ما أوْجَبَهُ عَلى المَرِيضِ ولا عَلى المُسافِرِ وكُلُّ ذَلِكَ رِعايَةً لِمَعْنى اليُسْرِ والسُّهُولَةِ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اليُسْرُ في اللُّغَةِ مَعْناهُ السُّهُولَةُ ومِنهُ يُقالُ لِلْغِنى والسَّعَةِ اليَسارُ؛ لِأنَّهُ يَسْهُلُ بِهِ الأُمُورُ واليَدُ اليُسْرى قِيلَ تَلِي الفِعالَ بِاليُسْرِ، وقِيلَ إنَّهُ يَتَسَهَّلُ الأمْرُ بِمَعُونَتِها اليُمْنى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ غَيْرُ واقِعٍ، قالُوا لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يُرِيدُ بِهِمْ ما تَيَسَّرَ دُونَ ما تَعَسَّرَ فَكَيْفَ يُكَلِّفُهم ما لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، وجَوابُهُ أنَّ اليُسْرَ والعُسْرَ لا يُفِيدانِ العُمُومَ لِما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ اللَّفْظَ المُفْرَدَ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ لا يُفِيدُ العُمُومَ، وأيْضًا فَلَوْ سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّهُ قَدْ يَنْصَرِفُ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ فَنَصْرِفُهُ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ في هَذا المَوْضِعِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنَ العَبْدِ ما لا يُرِيدُهُ اللَّهُ وذَلِكَ لِأنَّ المَرِيضَ لَوْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلى الصَّوْمِ حَتّى أجْهَدَهُ، لَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَ ما لا يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنهُ إذْ كانَ لا صفحة ٧٩ يُرِيدُ العُسْرَ. الجَوابُ: يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَهُ بِما فِيهِ عُسْرٌ، وإنْ كانَ قَدْ يُرِيدُ مِنهُ العُسْرَ وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَنا الأمْرَ قَدْ يَثْبُتُ بِدُونِ الإرادَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ، فَلَوْ أرادَ بِهِمْ أنْ يَكْفُرُوا فَيَصِيرُوا إلى النّارِ، وخَلَقَ فِيهِمْ ذَلِكَ الكُفْرَ لَمْ يَكُنْ لائِقًا بِهِ أنْ يَقُولَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾، والجَوابُ أنَّهُ مُعارَضٌ بِالعِلْمِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾“ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ: أكْمَلْتُ وكَمَّلْتُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ عَلى ماذا عَلَّقَ ؟ جَوابُنا: أجْمَعُوا عَلى أنَّ الفِعْلَ المُعَلِّلَ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما قالَهُ الفَرّاءُ وهو أنَّ التَّقْدِيرَ: ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، فِعْلُ جُمْلَةِ ما ذُكِرَ وهو الأمْرُ بِصَوْمِ العِدَّةِ، وتَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ القَضاءِ، والرُّخْصَةُ في إباحَةِ الفِطْرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ ذَكَرَ عَقِيبَها ألْفاظًا ثَلاثَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِمُراعاةِ العِدَّةِ ﴿ولِتُكَبِّرُوا﴾ عِلَّةُ ما عَلِمْتُمْ مِن كَيْفِيَّةِ القَضاءِ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عِلَّةُ التَّرَخُّصِ والتَّسْهِيلِ، ونَظِيرُ ما ذَكَرْنا مِن حَذْفِ الفِعْلِ المُنَبِّهِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] أيْ أرَيْناهُ. الوَجْهُ الثّانِي: ما قالَهُ الزَّجّاجُ، وهو أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْلِيفِ عَلى المُقِيمِ صَحِيحٌ، والرُّخْصَةُ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ إنَّما هو إكْمالُ العِدَّةِ؛ لِأنَّهُ مَعَ الطّاقَةِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ إكْمالُ العِدَّةِ، ومَعَ الرُّخْصَةِ في المَرَضِ والسَّفَرِ يَسْهُلُ إكْمالُ العِدَّةِ بِالقَضاءِ فَلا يَكُونُ عُسْرًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَلَّفَ الكُلَّ عَلى وجْهٍ لا يَكُونُ إكْمالُ العِدَّةِ عَسِيرًا، بَلْ يَكُونُ سَهْلًا يَسِيرًا، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ في الأوَّلِ إضْمارًا وقْعَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾، وفي الثّانِي قَبْلَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولِتُكْمِلُوا الشَّهْرَ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ دَخَلَ تَحْتَهُ عِدَّةُ أيّامِ الشَّهْرِ وأيّامِ القَضاءِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِما جَمِيعًا؛ ولِذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَدَدُ القَضاءِ مَثَلًا لِعَدَدِ المَقْضِيِّ، ولَوْ قالَ تَعالى: ولِتُكْمِلُوا الشَّهْرَ لَدَلَّ ذَلِكَ عَلى حُكْمِ الأداءِ فَقَطْ ولَمْ يَدْخُلْ حُكْمُ القَضاءِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّكْبِيرُ لَيْلَةَ الفِطْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَقٌّ عَلى المُسْلِمِينَ إذا رَأوْا هِلالَ شَوّالٍ أنْ يُكَبِّرُوا، وقالَ الشّافِعِيُّ: وأُحِبُّ إظْهارَ التَّكْبِيرِ في العِيدَيْنِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ ذَلِكَ غَداةَ الفِطْرِ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾، وقالَ: مَعْناهُ ولِتُكْمِلُوا عِدَّةَ شَهْرِ رَمَضانَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عِنْدَ انْقِضائِهِ عَلى ما هَداكم إلى هَذِهِ الطّاعَةِ، ثُمَّ يَتَفَرَّعُ عَلى هَذا ثَلاثُ مَسائِلَ: إحْداها: اخْتَلَفَ قَوْلُهُ في أنَّ أيَّ العِيدَيْنِ أوْكَدُ في التَّكْبِيرِ ؟ فَقالَ في القَدِيمِ: لَيْلَةُ النَّحْرِ أوْكَدُ لِإجْماعِ السَّلَفِ عَلَيْها، وقالَ في الجَدِيدِ: لَيْلَةُ الفِطْرِ أوْكَدُ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيها. وثانِيها: أنَّ وقْتَ التَّكْبِيرِ بَعْدَ غُرُوبِ صفحة ٨٠ الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ الفِطْرِ، وقالَ مالِكٌ: لا يُكَبَّرُ في لَيْلَةِ الفِطْرِ ولَكِنَّهُ يُكَبَّرُ في يَوْمِهِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ أحْمَدَ، وقالَ إسْحاقُ: إذا غَدا إلى المُصَلّى. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ بِهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ وقَعَ مُعَلَّلًا بِحُصُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ، لَكِنْ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ تَحْصُلُ هَذِهِ الهِدايَةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ. وثالِثُها: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّ وقْتَ هَذا التَّكْبِيرِ مُمْتَدٌّ إلى أنْ يُحْرِمَ الإمامُ بِالصَّلاةِ، وقِيلَ فِيهِ قَوْلانِ آخَرانِ: أحَدُهُما: إلى خُرُوجِ الإمامِ. والثّانِي: إلى انْصِرافِ الإمامِ، والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا بَلَغَ إلى أدْنى المُصَلّى تَرَكَ التَّكْبِيرَ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّعْظِيمُ لِلَّهِ شُكْرًا عَلى ما وُفِّقَ عَلى هَذِهِ الطّاعَةِ، واعْلَمْ أنَّ تَمامَ هَذا التَّكْبِيرِ إنَّما يَكُونُ بِالقَوْلِ والِاعْتِقادِ والعَمَلِ، أمّا القَوْلُ: فالإقْرارُ بِصِفاتِهِ العُلْيا، وأسْمائِهِ الحُسْنى، وتَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مِن نِدٍّ وصاحِبَةٍ ووَلَدٍ وشَبَهٍ بِالخَلْقِ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ صِحَّةِ الِاعْتِقادِ بِالقَلْبِ، وأمّا العَمَلُ: فالتَّعَبُّدُ بِالطّاعاتِ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ والحَجِّ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْرَبُ، وذَلِكَ لِأنَّ تَكْبِيرَ اللَّهِ تَعالى بِهَذا التَّفْسِيرِ واجِبٌ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، ومَعَ كُلِّ الطّاعاتِ فَتَخْصِيصُ هَذِهِ الطّاعَةِ بِهَذا التَّكْبِيرِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّكْبِيرُ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى التَّكْبِيرِ الواجِبِ في كُلِّ الأوْقاتِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ الإنْعامَ العَظِيمَ في الدُّنْيا بِالأدِلَّةِ والتَّعْرِيفَ والتَّوْفِيقَ والعِصْمَةَ، وعِنْدَ أصْحابِنا بِخَلْقِ الطّاعَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: أحَدُهُما: أنَّ كَلِمَةَ ”لَعَلَّ“ لِلتَّرَجِّي، والتَّرَجِّي لا يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ. والثّانِي: البَحْثُ عَنْ حَقِيقَةِ الشُّكْرِ، وهَذانَ بَحْثانِ قَدْ مَرَّ تَقْرِيرُهُما. بَقِيَ هَهُنا بَحْثٌ ثالِثٌ، وهو أنَّهُ ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا اللَّفْظِ في هَذا المَوْضِعِ، فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّكْبِيرِ وهو لا يَتِمُّ إلّا بِأنْ يَعْلَمَ العَبْدُ جَلالَ اللَّهِ وكِبْرِياءَهُ وعِزَّتَهُ وعَظَمَتَهُ، وكَوْنَهُ أكْبَرَ مِن أنْ تَصِلَ إلَيْهِ عُقُولُ العُقَلاءِ، وأوْصافُ الواصِفِينَ، وذِكْرُ الذّاكِرِينَ، ثُمَّ يَعْلَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ جَلالِهِ وعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، فَضْلًا عَنْ هَذا المِسْكِينِ، خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الهِدايَةِ العَظِيمَةِ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْعَبْدِ إلى الِاشْتِغالِ بِشُكْرِهِ، والمُواظَبَةِ عَلى الثَّناءِ عَلَيْهِ بِمِقْدارِ قُدْرَتِهِ وطاقَتِهِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .

البقرة 2:186

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ إيجابِ فَرْضِ الصَّوْمِ وبَيانِ أحْكامِهِ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَأمَرَ العَبْدَ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي هو الذِّكْرُ وبِالشُّكْرِ، بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ قَرِيبٌ مِنَ العَبْدِ مُطَّلِعٌ عَلى ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ فَيَسْمَعُ نِداءَهُ، ويُجِيبُ دُعاءَهُ، ولا يُخَيِّبُ رَجاءَهُ. والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِالتَّكْبِيرِ أوَّلًا ثُمَّ رَغَّبَهُ في الدُّعاءِ ثانِيًا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدُّعاءَ لا بُدَّ صفحة ٨١ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالثَّناءِ الجَمِيلِ، ألا تَرى أنَّ الخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أرادَ الدُّعاءَ قَدَّمَ عَلَيْهِ الثَّناءَ، فَقالَ أوَّلًا: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وكُلُّ هَذا ثَناءٌ مِنهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ثُمَّ شَرَعَ بَعْدَهُ في الدُّعاءِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] فَكَذا هَهُنا أمَرَ بِالتَّكْبِيرِ أوَّلًا ثُمَّ شَرَعَ بَعْدَهُ في الدُّعاءِ ثانِيًا. الثّالِثُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا فَرَضَ عَلَيْهِمُ الصِّيامَ كَما فَرَضَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ عَلى أنَّهم إذا نامُوا حَرُمَ عَلَيْهِمْ ما يَحْرُمُ عَلى الصّائِمِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ حَتّى عَصَوُا اللَّهَ في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، ثُمَّ نَدِمُوا وسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ تَوْبَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ مُخْبِرًا لَهم بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، ونَسَخَ ذَلِكَ التَّشْدِيدَ بِسَبَبِ دُعائِهِمْ وتَضَرُّعِهِمْ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ أقَرِيبٌ أنْتَ فَأُناجِيكَ، أمْ بَعِيدٌ فَأُنادِيكَ ؟ فَقالَ: يا مُوسى أنا جَلِيسُ مَن ذَكَرَنِي، قالَ: يا رَبِّ فَإنّا نَكُونُ عَلى حالَةِ نَجِلُّكَ أنْ نَذْكُرَكَ عَلَيْها مِن جَنابَةٍ وغائِطٍ، قالَ: يا مُوسى اذْكُرْنِي عَلى كُلِّ حالٍ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ رَغَّبَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ في ذِكْرِهِ وفي الرُّجُوعِ إلَيْهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وثانِيها: «أنَّ أعْرابِيًّا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» . وثالِثُها: «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في غَزْوَةٍ وقَدْ رَفَعَ أصْحابُهُ أصْواتَهم بِالتَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والدُّعاءِ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا إنَّما تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا“» . ورابِعُها: ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ أنَّ سَبَبَهُ «أنَّ الصَّحابَةَ قالُوا: كَيْفَ نَدْعُو رَبَّنا يا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ» . وخامِسُها: «قالَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ: إنَّهم سَألُوهُ في أيِّ ساعَةٍ نَدْعُو اللَّهَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» . وسادِسُها: ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو «أنَّ يَهُودَ أهْلِ المَدِينَةِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَسْمَعُ رَبُّكَ دُعاءَنا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وسابِعُها: قالَ الحَسَنُ: «سَألَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: أيْنَ رَبُّنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . وثامِنُها: ما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ لَمّا اقْتَضى تَحْرِيمَ الأكْلِ بَعْدَ النَّوْمِ، ثُمَّ إنَّهم أكَلُوا ثُمَّ نَدِمُوا وتابُوا وسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنَّهُ تَعالى هَلْ يَقْبَلُ تَوْبَتَنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَذَلِكَ السُّؤالُ إمّا أنَّهُ كانَ سُؤالًا عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَنْ صِفاتِهِ، أوْ عَنْ أفْعالِهِ، أمّا السُّؤالُ عَنِ الذّاتِ فَهو أنْ يَكُونَ السّائِلُ مِمَّنْ يُجَوِّزُ التَّشْبِيهَ، فَيَسْألَ عَنِ القُرْبِ والبُعْدِ بِحَسَبِ الذّاتِ، وأمّا السُّؤالُ عَنِ الصِّفاتِ فَهو أنْ يَكُونَ السّائِلُ سَألَ عَنْ أنَّهُ تَعالى هَلْ يَسْمَعُ دُعاءَنا فَيَكُونُ السُّؤالُ واقِعًا عَلى كَوْنِهِ تَعالى سَمِيعًا، أوْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ أنَّهُ تَعالى كَيْفَ أذِنَ في الدُّعاءِ، وهَلْ أذِنَ في الدُّعاءِ، وهَلْ أذِنَ في أنْ يَدْعُوَهُ بِجَمِيعِ الأسْماءِ، أوْ ما أذِنَ إلّا بِأنْ نَدْعُوَهُ بِأسْماءٍ مُعَيَّنَةٍ، وهَلْ أذِنَ لَنا أنْ نَدْعُوَهُ كَيْفَ شِئْنا، أوْ ما أذِنَ بِأنْ نَدْعُوَهُ عَلى وجْهٍ مُعَيَّنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ [الإسراء: ١١٠] . وأمّا السُّؤالُ عَنِ الأفْعالِ فَهو أنْ يَكُونَ السّائِلُ سَألَ اللَّهَ تَعالى أنَّهُ إذا سَمِعَ دُعاءَنا فَهَلْ يُجِيبُنا إلى مَطْلُوبِنا، وهَلْ يَفْعَلُ ما نَسْألُهُ عَنْهُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾ يَحْتَمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ، إلّا أنَّ حَمْلَهُ عَلى السُّؤالِ عَنِ الذّاتِ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿عَنِّي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّؤالَ وقَعَ عَنْ ذاتِهِ لا عَنْ فِعْلِهِ. والثّانِي أنَّ السُّؤالَ مَتى كانَ مُبْهَمًا والجَوابَ مُفَصَّلًا، دَلَّ الجَوابُ عَلى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ المُبْهَمِ هو ذَلِكَ المُعَيَّنُ، فَلَمّا قالَ في الجَوابِ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ عَلِمْنا أنَّ السُّؤالَ كانَ عَنِ القُرْبِ والبُعْدِ بِحَسَبِ الذّاتِ، ولِقائِلٍ أيْضًا أنْ صفحة ٨٢ يَقُولَ بَلِ السُّؤالُ كانَ عَلى الفِعْلِ، وهو أنَّهُ تَعالى هَلْ يُجِيبُ دُعاءَهم، وهَلْ يَحْصُلُ مَقْصُودُهم، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ قالَ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ فَهَذا هو شَرْحُ هَذا المَقامِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا القُرْبَ بِالجِهَةِ والمَكانِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ القُرْبُ بِالعِلْمِ والحِفْظِ، فَيُحْتاجُ هَهُنا إلى بَيانِ مَطْلُوبَيْنِ: المَطْلُوبُ الأوَّلُ: في بَيانِ أنَّ هَذا القُرْبَ لَيْسَ قُرْبًا بِحَسَبِ المَكانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ في المَكانِ مُشارًا إلَيْهِ بِالحِسِّ لَكانَ مُنْقَسِمًا، إذْ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في الصِّغَرِ والحَقارَةِ مِثْلَ الجَوْهَرِ الفَرْدِ. ولَوْ كانَ مُنْقَسِمًا لَكانَتْ ماهِيَّتُهُ مُفْتَقِرَةً في تَحَقُّقِها إلى تَحَقُّقِ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِها المَفْرُوضَةِ، وجُزْءُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ، فَلَوْ كانَ في مَكانٍ لَكانَ مُفْتَقِرًا إلى غَيْرِهِ، والمُفْتَقِرُ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ ومُحْدَثٌ ومُفْتَقِرٌ إلى الخالِقِ، وذَلِكَ في حَقِّ الخالِقِ القَدِيمِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في المَكانِ فَلا يَكُونُ قُرْبُهُ بِالمَكانِ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ في المَكانِ لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَناهٍ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ، أوْ غَيْرَ مُتَناهٍ عَنْ جِهَةٍ دُونِ جِهَةٍ، أوْ كانَ مُتَناهِيًا مِن كُلِّ الجَوانِبِ؛ والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ البَراهِينَ القاطِعَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ فَرْضَ بُعْدٍ غَيْرِ مُتَناهٍ مُحالٌ. والثّانِي مُحالٌ أيْضًا لِهَذا الوَجْهِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ أحَدُ الجانِبَيْنِ مُتَناهِيًا والآخَرُ غَيْرُ مُتَناهٍ لَكانَتْ حَقِيقَةُ هَذا الجانِبِ المُتَناهِي مُخالِفَةً في الماهِيَّةِ لِحَقِيقَةِ ذَلِكَ الجانِبِ الَّذِي هو غَيْرُ مُتَناهٍ، فَيَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُهُ تَعالى مُرَكَّبًا مِن أجْزاءٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبائِعِ، والخَصْمُ لا يَقُولُ بِذَلِكَ. وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا مِن كُلِّ الجَوانِبِ، فَذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ بَيْنَنا وبَيْنَ خُصُومِنا، فَبَطَلَ القَوْلُ بِأنَّهُ تَعالى في الجِهَةِ. الثّالِثُ: وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ القُرْبَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ قُرْبًا بِالجِهَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ في المَكانِ لَما كانَ قَرِيبًا مِنَ الكُلِّ، بَلْ كانَ يَكُونُ قَرِيبًا مِن حَمَلَةِ العَرْشِ وبَعِيدًا مِن غَيْرِهِمْ، ولَكانَ إذا كانَ قَرِيبًا مِن زَيْدٍ الَّذِي هو بِالمَشْرِقِ كانَ بَعِيدًا مِن عَمْرٍو الَّذِي هو بِالمَغْرِبِ، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قَرِيبًا مِنَ الكُلِّ عَلِمْنا أنَّ القُرْبَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ قُرْبًا بِحَسْبِ الجِهَةِ، ولَمّا بَطَلَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ القُرْبَ بِالجِهَةِ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ القُرْبُ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ دُعاءَهم ويَرى تَضَرُّعَهم، أوِ المُرادُ مِن هَذا القُرْبِ: العِلْمُ والحِفْظُ وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقالَ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] والمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ إنَّهُ تَعالى بِكُلِّ مَكانٍ ويُرِيدُونَ بِهِ التَّدْبِيرَ والحِفْظَ والحِراسَةَ إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، فَنَقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّهُ كانَ في بَعْضِ أُولَئِكَ الحاضِرِينَ مَن كانَ قائِلًا بِالتَّشْبِيهِ، فَقَدْ كانَ في مُشْرِكِي العَرَبِ وفي اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ مَن هَذِهِ طَرِيقَتُهُ، فَإذا سَألُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالُوا: أيْنَ رَبُّنا ؟ صَحَّ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: فَإنِّي قَرِيبٌ، وكَذَلِكَ إنْ سَألُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالُوا: هَلْ يَسْمَعُ رَبُّنا دُعاءَنا ؟ صَحَّ أنْ يَقُولَ في جَوابِهِ: فَإنِّي قَرِيبٌ فَإنَّ القَرِيبَ مِنَ المُتَكَلِّمِ يَسْمَعُ كَلامَهُ، وإنْ سَألُوهُ كَيْفَ نَدْعُوهُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ أوْ بِإخْفائِهِ ؟ صَحَّ أنْ يُجِيبَ بِقَوْلِهِ: فَإنِّي قَرِيبٌ، وإنْ سَألُوهُ هَلْ يُعْطِينا مَطْلُوبَنا بِالدُّعاءِ ؟ صَلَحَ هَذا الجَوابُ أيْضًا، وإنْ سَألُوهُ إنّا إذا أذْنَبْنا ثُمَّ تُبْنا فَهَلْ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ؟ صَلَحَ أنْ يُجِيبَ بِقَوْلِهِ: فَإنِّي قَرِيبٌ، أيْ: فَأنا القَرِيبُ بِالنَّظَرِ لَهم والتَّجاوُزِ عَنْهم وقَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهم، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ مُطابِقٌ صفحة ٨٣ لِلسُّؤالِ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما يَعْرِفُ بِحُدُوثِ تِلْكَ الأشْياءِ عَلى وفْقِ غَرَضِ الدّاعِي، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَوْلا مُدَبِّرٌ لِهَذا العالَمِ يَسْمَعُ دُعاءَهُ ولَمْ يُخَيِّبْ رَجاءَهُ، وإلّا لَما حَصَلَ ذَلِكَ المَقْصُودُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ فِيهِ سِرٌّ عَقْلِيٌّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اتِّصافَ ماهِيّاتِ المُمْكِناتِ بِوُجُوداتِها إنَّما كانَ بِإيجادِ الصّانِعِ، فَكانَ إيجادُ الصّانِعِ كالمُتَوَسِّطِ بَيْنَ ماهِيّاتِ المُمْكِناتِ وبَيْنَ وُجُوداتِها، فَكانَ الصّانِعُ أقْرَبَ إلى ماهِيَّةِ كُلِّ مُمْكِنٍ مِن وُجُودِ تِلْكَ الماهِيَّةِ إلَيْها، بَلْ هَهُنا كَلامٌ أعْلى مِن ذَلِكَ وهو أنَّ الصّانِعَ هو الَّذِي لِأجْلِهِ صارَتْ ماهِيّاتُ المُمَكَّناتِ مَوْجُودَةً، فَهو أيْضًا لِأجْلِهِ كانَ الجَوْهَرُ جَوْهَرًا والسَّوادُ سَوادًا والعَقْلُ عَقْلًا والنَّفْسُ نَفْسًا، فَكَما أنَّ بِتَأْثِيرِهِ وتَكْوِينِهِ صارَتِ الماهِيّاتُ مَوْجُودَةً؛ فَكَذَلِكَ بِتَأْثِيرِهِ وتَكْوِينِهِ صارَتْ كُلُّ ماهِيَّةٍ تِلْكَ الماهِيَّةَ، فَعَلى قِياسِ ما سَبَقَ كانَ الصّانِعُ أقْرَبَ إلى كُلِّ ماهِيَّةٍ مِن تِلْكَ الماهِيَّةِ إلى نَفْسِها، فَإنْ قِيلَ: تَكْوِينُ الماهِيَّةِ مُمْتَنِعٌ لِأنَّهُ لا يُعْقَلُ جَعْلُ السَّوادِ سَوادًا؛ فَنَقُولُ: فَكَذَلِكَ أيْضًا لا يُمْكِنُ جَعْلُ الوُجُودِ وُجُودًا لِأنَّهُ ماهِيَّةٌ، ولا يُمْكِنُ جَعْلُ المَوْصُوفِيَّةِ دالَّةً لِلْماهِيَّةِ فَإذَنِ الماهِيَّةُ لَيْسَتْ بِالفاعِلِ، والوُجُودُ ماهِيَّةٌ أيْضًا فَلا يَكُونُ بِالفاعِلِ، ومَوْصُوفِيَّةُ الماهِيَّةِ بِالوُجُودِ هو أيْضًا ماهِيَّةٌ فَلا تَكُونُ بِالفاعِلِ، فَإذَنْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ البَتَّةَ بِالفاعِلِ، وذَلِكَ باطِلٌ ظاهِرُ البُطْلانِ، فَإذَنْ وجَبَ الحُكْمُ بِأنَّ الكُلَّ بِالفاعِلِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ الكَلامُ الَّذِي قَرَّرْناهُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ عَنْ نافِعٍ ”الدّاعِي إذا دَعانِي“ بِإثْباتِ الياءِ فِيهِما في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها، فالأُولى عَلى الوَصْلِ والثّانِيَةُ عَلى التَّخْفِيفِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: الدُّعاءُ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: دَعَوْتُ الشَّيْءَ أدْعُوهُ دُعاءً، ثُمَّ أقامُوا المَصْدَرَ مَقامَ الِاسْمِ، تَقُولُ: سَمِعْتُ دُعاءً كَما تَقُولُ سَمِعْتُ صَوْتًا، وقَدْ يُوضَعُ المَصْدَرُ مَوْضِعَ الِاسْمِ كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ عَدْلٌ. وحَقِيقَةُ الدُّعاءِ اسْتِدْعاءُ العَبْدِ رَبَّهُ جَلَّ جَلالُهُ العِنايَةَ واسْتِمْدادُهُ إيّاهُ المَعُونَةَ. وأقُولُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الدُّعاءِ، فَقالَ بَعْضُ الجُهّالِ: الدُّعاءُ شَيْءٌ عَدِيمُ الفائِدَةِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كانَ واجِبَ الوُقُوعِ، فَلا حاجَةَ إلى الدُّعاءِ، وإنْ كانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الوُقُوعِ كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، فَلا حاجَةَ أيْضًا إلى الدُّعاءِ. وثانِيها: أنَّ حُدُوثَ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ لا بُدَّ مِنِ انْتِهائِها بِالآخِرَةِ إلى المُؤَثِّرِ القَدِيمِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وإلّا لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ، وإمّا الدَّوْرُ وإمّا وُقُوعُ الحادِثِ مِن غَيْرِ مُؤَثِّرٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ انْتِهائِها بِالآخِرَةِ إلى المُؤَثِّرِ القَدِيمِ، فَكُلُّ ما اقْتَضى ذَلِكَ المُؤَثِّرُ القَدِيمُ وُجُودَهُ اقْتِضاءً قَدِيمًا أزَلِيًّا كانَ واجِبَ الوُقُوعِ، وكُلُّ ما لَمْ يَقْتَضِ المُؤَثِّرُ القَدِيمُ وُجُودَهُ اقْتِضاءً قَدِيمًا أزَلِيًّا كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، ولَمّا ثَبَتَتْ هَذِهِ الأُمُورُ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ لِلدُّعاءِ البَتَّةَ أثَرٌ، ورُبَّما عَبَّرُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِأنْ قالُوا: الأقْدارُ سابِقَةٌ والأقْضِيَةُ مُتَقَدِّمَةٌ، والدُّعاءُ لا يَزِيدُ فِيها وتَرْكُهُ لا يُنْقِصُ شَيْئًا مِنها، فَأيُّ فائِدَةٍ في الدُّعاءِ، وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «قَدَّرَ اللَّهُ المَقادِيرَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِكَذا وكَذا عامًا» . ورُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ”«جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ» “، وعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ”«أرْبَعٌ قَدْ فُرِغَ مِنها: العُمْرُ والرِّزْقُ والخَلْقُ والخُلُقُ» “ . وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلّامُ الغُيُوبِ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] فَأيُّ حاجَةٍ بِالدّاعِي إلى الدُّعاءِ ؟ ولِهَذا السَّبَبِ قالُوا إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلَغَ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ إلى أعْلى صفحة ٨٤ دَرَجاتِ الإخْلاصِ والعُبُودِيَّةِ ولَوْلا أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ أفْضَلُ لَما كانَ كَذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إنْ كانَ مِن مَصالِحِ العَبْدِ فالجَوادُ المُطْلَقُ لا يُهْمِلُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن مَصالِحِهِ لَمْ يَجُزْ طَلَبُهُ. وخامِسُها: ثَبَتَ بِشَواهِدِ العَقْلِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ أجَلَّ مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ وأعْلاها الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، والدُّعاءُ يُنافِي ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ اشْتِغالٌ بِالِالتِماسِ وتَرْجِيحٌ لِمُرادِ النَّفْسِ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبُهُ لِحِصَّةِ البَشَرِ. وسادِسُها: أنَّ الدُّعاءَ يُشْبِهُ الأمْرَ والنَّهْيَ وذَلِكَ مِنَ العَبْدِ في حَقِّ المَوْلى الكَرِيمِ الرَّحِيمِ سُوءُ أدَبٍ. وسابِعُها: رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ رِوايَةً عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “، قالُوا فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الأوْلى تَرَكُ الدُّعاءِ. وقالَ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ العُقَلاءِ: إنَّ الدُّعاءَ أهَمُّ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ مِنَ النَّقْلِ والعَقْلِ، أمّا الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَكَثِيرَةٌ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ السُّؤالَ والجَوابُ في كِتابِهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنها أُصُولِيَّةٌ ومِنها فُرُوعِيَّةٌ، أمّا الأُصُولِيَّةُ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ [طه: ١٠٥] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ [النازعات: ٤٢]، وأمّا الفُرُوعِيَّةُ فَمِنها في البَقَرَةِ عَلى التَّوالِي ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقالَ أيْضًا: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس: ٥٣] ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] . إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: هَذِهِ الأسْئِلَةُ جاءَتْ أجْوِبَتُها عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ، فالأغْلَبُ فِيها أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى السُّؤالَ قالَ لِمُحَمَّدٍ: قُلْ؛ وفي صُورَةٍ واحِدَةٍ جاءَ الجَوابُ بِقَوْلِهِ: فَقُلْ مَعَ فاءِ التَّعْقِيبَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ [طه: ١٠٥]، سُؤالٌ عَنْ قِدَمِها وحُدُوثِها، وهَذِهِ مَسْألَةٌ أُصُولِيَّةٌ فَلا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] كَأنَّهُ قالَ يا مُحَمَّدُ أجِبْ عَنْ هَذا السُّؤالِ في الحالِ ولا تُؤَخِّرِ الجَوابَ، فَإنَّ الشَّكَّ فِيهِ كُفْرٌ ثُمَّ تَقْدِيرُ الجَوابِ أنَّ النَّسْفَ مُمْكِنٌ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الجَبَلِ فَيَكُونُ مُمْكِنًا في الكُلِّ وجَوازُ عَدَمِهِ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ قِدَمِهِ، أمّا سائِرُ المَسائِلِ فَهي فُرُوعِيَّةٌ فَلا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ فِيها فاءَ التَّعْقِيبِ، أمّا الصُّورَةُ الثّالِثَةُ وهي في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ فَقُلْ إنِّي قَرِيبٌ فَتَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ الدُّعاءِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ عَبْدِي أنْتَ إنَّما تَحْتاجُ إلى الواسِطَةِ في غَيْرِ وقْتِ الدُّعاءِ، أمّا في مَقامِ الدُّعاءِ فَلا واسِطَةَ بَيْنِي وبَيْنَكَ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لَهُ، وقَوْلَهُ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّبَّ لِلْعَبْدِ. وثالِثُها: لَمْ يَقُلْ: فالعَبْدُ مِنِّي قَرِيبٌ، بَلْ قالَ: أنا مِنهُ قَرِيبٌ، وفِيهِ سِرٌّ نَفِيسٌ فَإنَّ العَبْدَ مُمْكِنُ الوُجُودِ فَهو مِن حَيْثُ هو هو في مَرْكَزِ العَدَمِ وحَضِيضِ الفَناءِ، فَلا يُمْكِنُهُ القُرْبَ مِنَ الرَّبِّ أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَهو القادِرُ مِن أنْ يَقْرُبَ بِفَضْلِهِ وبِرَحْمَتِهِ مِنَ العَبْدِ، والقُرْبُ مِنَ الحَقِّ إلى العَبْدِ لا مِنَ العَبْدِ إلى الحَقِّ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ . والرّابِعُ: أنَّ الدّاعِيَ ما دامَ يَبْقى خاطِرُهُ مَشْغُولًا بِغَيْرِ اللَّهِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ داعِيًا لَهُ، فَإذا فَنِيَ عَنِ الكُلِّ صارَ مُسْتَغْرِقًا في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الحَقِّ، فامْتَنَعَ مِن أنْ يَبْقى في هَذا المَقامِ مُلاحِظًا لِحَقِّهِ وطالِبًا لِنَصِيبِهِ، فَلَمّا ارْتَفَعَتِ الوَسائِطُ بِالكُلِّيَّةِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ القُرْبُ فَإنَّهُ ما دامَ يَبْقى العَبْدُ مُلْتَفِتًا إلى غَرَضِ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ ذَلِكَ الغَرَضَ يَحْجُبُهُ عَنِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الدُّعاءَ يُفِيدُ القُرْبَ مِنَ اللَّهِ، فَكانَ الدُّعاءُ أفْضَلَ العِباداتِ. صفحة ٨٥ الحُجَّةُ الثّانِيَةُ في فَضْلِ الدُّعاءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقْتَصِرْ في بَيانِ فَضْلِ الدُّعاءِ عَلى الأمْرِ بِهِ بَلْ بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ إذا لَمْ يُسْألْ يَغْضَبْ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ أحَدُكم: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ ولَكِنْ يَجْزِمُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» “، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الدُّعاءُ مُخُّ العِبادَةِ» “، وعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«الدُّعاءُ هو العِبادَةُ» “، وقَرَأ ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فَقَوْلُهُ: ”«الدُّعاءُ هو العِبادَةُ» “ مَعْناهُ أنَّهُ مُعْظَمُ العِبادَةِ وأفْضَلُ العِبادَةِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«الحَجُّ عَرَفَةُ» “، أيِ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ هو الرَّكْنُ الأعْظَمُ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقالَ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] والآياتُ كَثِيرَةٌ في هَذا البابِ فَمَن أبْطَلَ الدُّعاءَ فَقَدْ أنْكَرَ القُرْآنَ. والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى: أنَّها مُتَناقِضَةٌ، لِأنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى الدُّعاءِ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فَلا فائِدَةَ في اشْتِغالِكم بِإبْطالِ الدُّعاءِ، وإنْ كانَ مَعْلُومَ العَدَمِ لَمْ يَكُنْ إلى إنْكارِكِمْ حاجَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ: كَيْفِيَّةُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وكَيْفِيَّةُ قَضائِهِ وقَدَرِهُ غائِبَةٌ عَنِ العُقُولِ، والحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ العَبْدُ مُعَلَّقًا بَيْنَ الرَّجاءِ وبَيْنَ الخَوْفِ اللَّذَيْنِ بِهِما تَتِمُّ العُبُودِيَّةُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ صَحَّحْنا القَوْلَ بِالتَّكالِيفِ مَعَ الِاعْتِرافِ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِالكُلِّ وجَرَيانِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ في الكُلِّ، ولِهَذا الإشْكالِ «سَألَتِ الصَّحابَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أرَأيْتَ أعْمالَنا هَذِهِ أشَيْءٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ أمْ أمْرٌ يَسْتَأْنِفُهُ ؟ فَقالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ. فَقالُوا: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ ؟ قالَ: ”اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ“» . فانْظُرْ إلى لَطائِفَ هَذا الحَدِيثِ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَّقَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَرَهَّبَهم سابِقَ القَدَرِ المَفْرُوغِ مِنهُ ثُمَّ ألْزَمَهُمُ العَمَلَ الَّذِي هو مُدْرَجَةُ التَّعَبُّدِ، فَلَمْ يُعَطِّلْ ظاهِرَ العَمَلِ بِما يُفِيدُ مِنَ القَضاءِ والقَدَرِ، ولَمْ يَتْرُكْ أحَدَ الأمْرَيْنِ لِلْآخَرِ، وأخْبَرَ أنَّ فائِدَةَ العَمَلِ هو المُقَدَّرُ المَفْرُوغُ مِنهُ فَقالَ: ”«كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “، يُرِيدُ أنَّهُ مُيَسَّرٌ في أيّامِ حَياتِهِ لِلْعَمَلِ الَّذِي سَبَقَ لَهُ القَدَرُ قَبْلَ وُجُودِهِ، إلّا أنَّكَ تُحِبُّ أنْ تَعْلَمَ هَهُنا فَرْقَ ما بَيْنَ المُيَسَّرِ والمُسَخَّرِ فَتَأهَّبْ لِمَعْرِفَتِهِ فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ، وكَذا القَوْلُ في بابِ الكَسْبِ والرِّزْقِ فَإنَّهُ مَفْرُوغٌ مِنهُ في الأصْلِ لا يَزِيدُهُ الطَّلَبُ ولا يَنْقُصُهُ التَّرْكُ. والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ: إنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودَ مِنَ الدُّعاءِ الإعْلامُ، بَلْ إظْهارُ العُبُودِيَّةِ والذِّلَّةِ والِانْكِسارِ والرُّجُوعِ إلى اللَّهِ بِالكُلِّيَّةِ. وعَنِ الثّالِثَةِ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَصِيرَ ما لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ مَصْلَحَةً بِحَسَبِ سَبْقِ الدُّعاءِ. وعَنِ الرّابِعَةِ: أنَّهُ إذا كانَ مَقْصُودُهُ مِنَ الدُّعاءِ إظْهارَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ثُمَّ بَعْدُ رَضِيَ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ وقَضاهُ، فَذَلِكَ أعْظَمُ المَقاماتِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ بَقِيَّةِ الشُّبَهِ في هَذا البابِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ مُشْكِلٌ مَشْهُورٌ، وهو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾، وكَذَلِكَ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النمل: ٦٢] ثُمَّ إنّا نَرى الدّاعِيَ يُبالِغُ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ فَلا يُجابُ. والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وإنْ كانَتْ مُطْلَقَةً إلّا أنَّهُ قَدْ ورَدَتْ آيَةٌ أُخْرى مُقَيَّدَةٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ [الأنعام: ٤١] ولا شَكَّ أنَّ المُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلى المُقَيَّدِ، ثُمَّ تَقْرِيرُ صفحة ٨٦ المَعْنى فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الدّاعِيَ لا بُدَّ وأنْ يَجِدَ مِن دُعائِهِ عِوَضًا، إمّا إسْعافًا بِطَلَبَتِهِ الَّتِي لِأجْلِها دَعا وذَلِكَ إذا وافَقَ القَضاءَ، فَإذا لَمْ يُساعِدْهُ القَضاءُ فَإنَّهُ يُعْطى سَكِينَةً في نَفْسِهِ، وانْشِراحًا في صَدْرِهِ، وصَبْرًا يَسْهُلُ مَعَهُ احْتِمالُ البَلاءِ الحاضِرِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَلا يَعْدَمُ فائِدَةً، وهو نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِجابَةِ. وثانِيها: ما رَوى القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«دَعْوَةُ المُسْلِمِ لا تُرَدُّ إلّا لِإحْدى ثَلاثٍ، ما لَمْ يَدْعُ بِإثْمٍ أوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ: إمّا أنْ يُعَجَّلَ لَهُ في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يُدَّخَرَ لَهُ في الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يُصْرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ بِقَدْرِ ما دَعا» “ . وهَذا الخَبَرُ تَمامُ البَيانِ في الكَشْفِ عَنْ هَذا السُّؤالِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافِرٍ: ٦٠] ولَمْ يَقُلْ: أسْتَجِبْ لَكم في الحالِ، فَإذا اسْتَجابَ لَهُ ولَوْ في الآخِرَةِ كانَ الوَعْدُ صِدْقًا. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الدّاعِي عارِفًا بِرَبِّهِ وإلّا لَمْ يَكُنْ داعِيًا لَهُ، بَلْ لِشَيْءٍ مُتَخَيَّلٍ لا وُجُودَ لَهُ البَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ شَرْطَ الدّاعِي أنْ يَكُونَ عارِفًا بِرَبِّهِ، ومِن صِفاتِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ أنْ لا يَفْعَلَ إلّا ما وافَقَ قَضاءَهُ وقَدَرَهُ وعِلْمَهُ وحِكْمَتَهُ، فَإذا عَلِمَ أنَّ صِفَةَ الرَّبِّ هَكَذا اسْتَحالَ مِنهُ أنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ وبِعَقْلِهِ: يا رَبِّ أفْعَلُ الفِعْلَ الفُلانِيَّ لا مَحالَةَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ: أفْعَلُ هَذا الفِعْلَ إنْ كانَ مُوافِقًا لِقَضائِكَ وقَدَرِكَ وحِكْمَتِكَ، وعِنْدَ هَذا يَصِيرُ الدُّعاءُ الَّذِي دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَرْتِيبِ الإجابَةِ عَلَيْهِ مَشْرُوطًا بِهَذِهِ الشَّرائِطِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ زالَ السُّؤالُ الرّابِعُ أنَّ لَفْظَ الدُّعاءِ والإجابَةِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً: أحَدُها: أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ عِبارَةً عَنِ التَّوْحِيدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ كَقَوْلِ العَبْدِ: يا اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ، وهَذا إنَّما سُمِّيَ دُعاءً لِأنَّكَ عَرَفْتَ اللَّهَ تَعالى ثُمَّ وحَّدْتَهُ وأثْنَيْتَ عَلَيْهِ، فَهَذا يُسَمّى دُعاءً بِهَذا التَّأْوِيلِ، ولَمّا سُمِّيَ هَذا المَعْنى دُعاءً سُمِّي قَبُولُهُ إجابَةً لِتَجانُسِ اللَّفْظِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿أُجِيبُ﴾ هَهُنا بِمَعْنى أسْمَعُ لِأنَّ بَيْنَ السَّماعِ وبَيْنَ الإجابَةِ نَوْعُ مُلازَمَةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقامُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ، فَقَوْلُنا سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أيْ أجابَ اللَّهُ، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ أيْ أسْمَعُ تِلْكَ الدَّعْوَةَ، فَإذا حَمَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] عَلى هَذا الوَجْهِ زالَ الإشْكالُ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدُّعاءِ التَّوْبَةَ عَنِ الذُّنُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّ التّائِبَ يَدْعُو اللَّهَ تَعالى عِنْدَ التَّوْبَةِ، وإجابَةُ الدُّعاءِ بِهَذا التَّفْسِيرِ عِبارَةٌ عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا لا إشْكالَ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدُّعاءِ العِبادَةَ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّعاءُ هو العِبادَةُ» “، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] فَظَهَرَ أنَّ الدُّعاءَ هَهُنا هو العِبادَةُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَإجابَةُ اللَّهِ تَعالى لِلدُّعاءِ بِهَذا التَّفْسِيرِ عِبارَةٌ عَنِ الوَفاءِ بِما ضَمِنَ لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الثَّوابِ، كَما قالَ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦]، وعَلى هَذا الوَجْهِ الإشْكالُ زائِلٌ. ورابِعُها: أنَّ يُفَسَّرَ الدُّعاءُ بِطَلَبِ العَبْدِ مِن رَبِّهِ حَوائِجَهُ فالسُّؤالُ المَذْكُورُ إنْ كانَ مُتَوَجِّهًا عَلى هَذا التَّفْسِيرِ لَمْ يَكُنْ مُتَوَجِّهًا عَلى التَّفْسِيراتِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الإشْكالَ زائِلٌ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ وصْفَنا الإنْسانَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أجابَ دَعْوَتَهُ، صِفَةُ مَدْحٍ وتَعْظِيمٍ، ألا تَرى أنّا إذا أرَدْنا المُبالَغَةَ في تَعْظِيمِ حالِ إنْسانٍ في الدِّينِ قُلْنا إنَّهُ مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ، وإذا كانَ هَذا مِن أعْظَمِ المَناصِبِ في الدِّينِ، والفاسِقُ واجِبُ الإهانَةِ في الدِّينِ، ثَبَتَ أنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَثْبُتُ إلّا لِمَن لا يَتَلَوَّثُ إيمانُهُ بِالفِسْقِ، بَلِ الفاسِقُ قَدْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَطْلُبُهُ إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى إجابَةَ الدَّعْوَةِ. * * * صفحة ٨٧ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النّاظِمِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: أنا أُجِيبُ دُعاءَكَ مَعَ أنِّي غَنِيٌّ عَنْكَ مُطْلَقًا، فَكُنْ أنْتَ أيْضًا مُجِيبًا لِدُعائِي مَعَ أنَّكَ مُحْتاجٌ إلَيَّ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَما أعْظَمَ هَذا الكَرَمَ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ لِلْعَبْدِ: أجِبْ دُعائِيَ حَتّى أُجِيبَ دُعاءَكَ، لِأنَّهُ لَوْ قالَ ذَلِكَ لَصارَ لِدُعائِي، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إجابَةَ اللَّهِ عَبْدَهُ فَضْلٌ مِنهُ ابْتِداءً، وأنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِطاعَةِ العَبْدِ، وأنَّ إجابَةَ الرَّبِّ في هَذا البابِ إلى العَبْدِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى اشْتِغالِ العَبْدِ بِطاعَةِ الرَّبِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ ما نَقَلْناهُ عَنِ المُعْتَزِلَةِ في المَسْألَةِ الرّابِعَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ قالَ كَعْبُ الغَنَوِيُّ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وقالَ أهْلُ المَعْنى: الإجابَةُ مِنَ العَبْدِ لِلَّهِ الطّاعَةُ، وإجابَةُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ إعْطاؤُهُ إيّاهُ مَطْلُوبَهُ، لِأنَّ إجابَةَ كُلِّ شَيْءٍ عَلى وفْقِ ما يَلِيقُ بِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إجابَةُ العَبْدِ لِلَّهِ إنْ كانَتْ إجابَةً بِالقَلْبِ واللِّسانِ، فَذاكَ هو الإيمانُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي﴾ تَكْرارًا مَحْضًا، وإنْ كانَتْ إجابَةُ العَبْدِ لِلَّهِ عِبارَةً عَنِ الطّاعاتِ كانَ الإيمانُ مُقَدَّمًا عَلى الطّاعاتِ، وكانَ حَقُّ النَّظْمِ أنْ يَقُولَ: فَلْيُؤْمِنُوا بِي ولْيَسْتَجِيبُوا لِي، فَلِمَ جاءَ عَلى العَكْسِ مِنهُ ؟ وجَوابُهُ: أنَّ الِاسْتِجابَةَ عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ والِاسْتِسْلامِ، والإيمانُ عِبارَةٌ عَنْ صِفَةِ القَلْبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَصِلُ إلى نُورِ الإيمانِ وقُوَّتِهِ إلّا بِتَقَدُّمِ الطّاعاتِ والعِباداتِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”يَرْشَدُونَ“ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم إذا اسْتَجابُوا لِي وآمَنُوا بِي اهْتَدَوْا لِمَصالِحِ دِينِهِمْ ودُنْياهم، لِأنَّ الرَّشِيدَ هو مَن كانَ كَذَلِكَ، يُقالُ: فُلانٌ رَشِيدٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] وقالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] .

البقرة 2:187

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى﴾ صفحة ٨٨ ﴿يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ في أوَّلِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ الصّائِمُ إذا أفْطَرَ حَلَّ لَهُ الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ بِشَرْطِ أنْ لا يَنامَ وأنْ لا يُصَلِّيَ العِشاءَ الأخِيرَةَ، فَإذا فَعَلَ أحَدَهُما حَرُمَ عَلَيْهِ هَذِهِ الأشْياءُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ هَذِهِ الحُرْمَةُ ما كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِنا البَتَّةَ، بَلْ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِ النَّصارى، واللَّهُ تَعالى نَسَخَ بِهَذِهِ الآيَةِ ما كانَ ثابِتًا في شَرْعِهِمْ، وجَرى فِيهِ عَلى مَذْهَبِهِ مِن أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في شَرْعِنا نَسْخٌ البَتَّةَ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] يَقْتَضِي تَشْبِيهَ صَوْمِنا بِصَوْمِهِمْ، وقَدْ كانَتْ هَذِهِ الحُرْمَةُ ثابِتَةً في صَوْمِهِمْ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذا التَّشْبِيهِ أنْ تَكُونَ ثابِتَةً أيْضًا في صَوْمِنا، وإذا ثَبَتَ أنَّ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِنا، وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِهَذِهِ الحُرْمَةِ لَزِمَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةً لِحُكْمٍ كانَ ثابِتًا في شَرْعِنا. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ ولَوْ كانَ هَذا الحِلُّ ثابِتًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ فائِدَةٌ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾، ولَوْ كانَ ذَلِكَ حَلالًا لَهم لَما كانَ بِهِمْ حاجَةٌ إلى أنْ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾، ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ وأنَّهم أقْدَمُوا عَلى المَعْصِيَةِ بِسَبَبِ الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، لَما صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾ . الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾، ولَوْ كانَ الحِلُّ ثابِتًا قَبْلَ ذَلِكَ كَما هو الآنَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ فائِدَةً. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: هي أنَّ الرِّواياتِ المَنقُولَةَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِنا، هَذا مَجْمُوعُ دَلائِلِ القائِلِينَ بِالنَّسْخِ. أجابَ أبُو مُسْلِمٍ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ فَقالَ: أمّا الحُجَّةُ الأُولى: فَضَعِيفَةٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ تَشْبِيهَ الصَّوْمِ بِالصَّوْمِ يَكْفِي في صِدْقِهِ مُشابَهَتُهُما في أصْلِ الوُجُوبِ. وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ فَضَعِيفَةٌ أيْضًا لِأنّا نُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِ مَن قَبْلَنا، فَقَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ أنَّ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلى غَيْرِكم فَقَدْ أُحِلُّ لَكم. وأمّا الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْنا الصَّوْمَ، ولَمْ يُبَيِّنْ في ذَلِكَ الإيجازِ زَوالَ تِلْكَ الحُرْمَةِ فَكانَ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ تِلْكَ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في الشَّرْعِ المُتَقَدِّمِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَرْعِنا ما دَلَّ عَلى زَوالِها فَوَجَبَ القَوْلُ بِبَقائِها، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا الوَهْمُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، فَإنَّ مُقْتَضى التَّشْبِيهِ حُصُولُ صفحة ٨٩ المُشابِهَةِ في كُلِّ الأُمُورِ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الحُرْمَةُ ثابِتَةً في الشَّرْعِ المُتَقَدِّمِ وجَبَ أنْ تَكُونَ ثابِتَةً في هَذا الشَّرْعِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً قَوِيَّةً إلّا أنَّها لا أقَلَّ مِن أنْ تَكُونَ شُبْهَةً مُوهِمَةً؛ فَلِأجْلِ هَذِهِ الأسْبابِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ بَقاءَ تِلْكَ الحُرْمَةِ في شَرْعِنا، فَلا جَرَمَ شَدَّدُوا وأمْسَكُوا عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ وأرادَ بِهِ تَعالى النَّظَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّخْفِيفِ لَهم بِما لَوْ لَمْ تَتَبَيَّنِ الرُّخْصَةُ فِيهِ لَشَدَّدُوا وأمْسَكُوا عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ ونَقَصُوا أنْفُسَهم مِنَ الشَّهْوَةِ، ومَنَعُوها مِنَ المُرادِ، وأصْلُ الخِيانَةِ النَّقْصُ، وخانَ واخْتانَ وتَخَوَّنُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَقَوْلِهِمْ: كَسَبَ واكْتَسَبَ وتَكَسَّبُ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكم إحْلالُ الأكْلِ والشُّرْبِ والمُباشَرَةِ طُولَ اللَّيْلِ أنَّكم كُنْتُمْ تَنْقُصُونَ أنْفُسَكم شَهَواتِها وتَمْنَعُونَها لَذّاتِها ومَصْلَحَتِها بِالإمْساكِ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ النَّوْمِ كَسُنَّةِ النَّصارى. وأمّا الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: فَضَعِيفَةٌ لِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ العِبادِ الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، ومِنَ اللَّهِ الرُّجُوعُ إلى العَبْدِ بِالرَّحْمَةِ والإحْسانِ، وأمّا العَفْوُ فَهو التَّجاوُزُ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى إنْعامَهُ عَلَيْنا بِتَخْفِيفِ ما جَعَلَهُ ثَقِيلًا عَلى مَن قَبْلَنا، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وأمّا الحُجَّةُ الخامِسَةُ: فَضَعِيفَةٌ لِأنَّهم كانُوا بِسَبَبِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ مُمْتَنِعِينَ عَنِ المُباشَرَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وأزالَ الشُّبْهَةَ فِيهِ لا جَرَمَ قالَ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ . وأمّا الحُجَّةُ السّادِسَةُ: فَضَعِيفَةٌ لِأنَّ قَوْلَنا: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِحُكْمٍ كانَ مَشْرُوعًا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِبابِ العَمَلِ ولا يَكُونُ خَبَرُ الواحِدِ حُجَّةً فِيهِ، وأيْضًا فَفي الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ هَذِهِ الرِّواياتِ لِأنَّ المَذْكُورَ في تِلْكَ الرِّواياتِ أنَّ القَوْمَ اعْتَرَفُوا بِما فَعَلُوا عِنْدَ الرَّسُولِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ لِأنَّ ظاهِرَهُ هو المُباشَرَةُ، لِأنَّهُ افْتِعالٌ مِنَ الخِيانَةِ، فَهَذا حاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِنا، ثُمَّ إنَّها نُسِخَتْ ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الشَّرِيعَةِ يُحَلُّ الأكْلُ والشُّرْبُ والجِماعُ، ما لَمْ يَرْقُدِ الرَّجُلُ أوْ يُصَلِّ العِشاءَ الآخِرَةَ، فَإذا فَعَلَ أحَدُهُما حَرُمَ عَلَيْهِ هَذِهِ الأشْياءُ إلى اللَّيْلَةِ الآتِيَةِ، «فَجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ عَشِيَّةً وقَدْ أجْهَدَهُ الصَّوْمُ، واخْتَلَفُوا في اسْمِهِ، فَقالَ مُعاذٌ: اسْمُهُ أبُو صِرْمَةَ، وقالَ البَراءُ: قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أبُو قَيْسِ بْنُ صِرْمَةَ، وقِيلَ: صِرْمَةُ بْنُ أنَسٍ، فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَبَبِ ضَعْفِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ عَمِلْتُ في النَّخْلِ نَهارِي أجْمَعَ حَتّى أمْسَيْتُ فَأتَيْتُ أهْلِي لِتُطْعِمَنِي شَيْئًا فَأبْطَأتْ فَنِمْتُ فَأيْقَظُونِي، وقَدْ حَرُمَ الأكْلُ؛ فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِن مِثْلِهِ؛ رَجَعْتُ إلى أهْلِي بَعْدَما صَلَّيْتُ العِشاءَ الآخِرَةَ، فَأتَيْتُ امْرَأتِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَمْ تَكُنْ جَدِيرًا بِذَلِكَ يا عُمَرُ ثُمَّ قامَ رِجالٌ فاعْتَرَفُوا بِالَّذِي صَنَعُوا فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ»﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”أحَلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثَ“ أيْ أحَلَّ اللَّهُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”الرُّفُوثُ“ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: لَيْلَةَ الصِّيامِ أرادَ لَيالِيَ الصِّيامِ فَوَقَعَ الواحِدُ مَوْقِعَ الجَماعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ صفحة ٩٠ وأقُولُ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن ”لَيْلَةِ الصِّيامِ“ لَيْلَةً واحِدَةً، بَلِ المُرادُ الإشارَةُ إلى اللَّيْلَةِ المُضافَةِ إلى هَذِهِ الحَقِيقَةِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ اللَّيْثُ: الرَّفَثُ أصْلُهُ قَوْلُ الفُحْشِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ: ورُبَّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ يُقالُ: رَفَثَ في كَلامِهِ يَرْفُثُ وأرْفَثَ إذا تَكَلَّمَ بِالقَبِيحِ قالَ تَعالى: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أنْشَدَ وهو مُحْرِمٌ: وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسًا ∗∗∗ إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسًا فَقِيلَ لَهُ: أتَرْفُثُ ؟ فَقالَ: إنَّما الرَّفَثُ ما كانَ عِنْدَ النِّساءِ، فَثَبَتَ أنَّ الأصْلَ في الرَّفَثِ هو قَوْلُ الفُحْشِ ثُمَّ جُعِلَ ذَلِكَ اسْمًا لِما يُتَكَلَّمُ بِهِ عِنْدَ النِّساءِ مِن مَعانِيَ الإفْضاءِ، ثُمَّ جُعِلَ كِنايَةً عَنِ الجِماعِ وعَنْ كُلِّ ما يَتْبَعُهُ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ كَنّى هَهُنا عَنِ الجِماعِ بِلَفْظِ الرَّفَثِ الدّالِّ عَلى مَعْنى القُبْحِ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . جَوابُهُ: السَّبَبُ فِيهِ اسْتِهْجانُ ما وُجِدَ مِنهم قَبْلَ الإجابَةِ كَما سَمّاهُ اخْتِيانًا لِأنْفُسِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الأخْفَشُ: إنَّما عَدّى الرَّفَثَ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] . * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ الحِلِّ في جَمِيعِ اللَّيْلِ لِأنَّ ”لَيْلَةَ“ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، وإنَّما يَكُونُ اللَّيْلُ ظَرْفًا لِلرَّفَثِ لَوْ كانَ اللَّيْلُ كُلُّهُ مَشْغُولًا بِالرَّفَثِ، وإلّا لَكانَ ظَرْفُ ذَلِكَ الرَّفَثِ بَعْضَ اللَّيْلِ لا كُلَّهُ، فَعَلى هَذا النَّسْخُ حَصَلَ بِهَذا اللَّفْظِ، وأمّا الَّذِي بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ فَذاكَ يَكُونُ كالتَّأْكِيدِ لِهَذا النَّسْخِ، وأمّا الَّذِي يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ﴾ يُفِيدُ حِلَّ الرَّفَثِ في اللَّيْلِ، فَهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي حُصُولَ النَّسْخِ بِهِ فَيَكُونُ النّاسِخُ هو قَوْلُهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في تَشْبِيهِ الزَّوْجَيْنِ بِاللِّباسِ وُجُوهًا: أحُدُها: أنَّهُ لَمّا كانَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ يَعْتَنِقانِ، فَيَضُمُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جِسْمَهُ إلى جِسْمِ صاحِبِهِ حَتّى يَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ كالثَّوْبِ الَّذِي يَلْبَسُهُ، سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِباسًا. قالَ الرَّبِيعُ: هُنَّ فِراشٌ لَكم وأنْتُمْ لِحافٌ لَهُنَّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾، يُرِيدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسْتُرُ صاحِبَهُ عِنْدَ الجِماعِ عَنْ أبْصارِ النّاسِ. وثانِيها: إنَّما سُمِّيَ الزَّوْجانِ لِباسًا لِيَسْتُرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ عَمّا لا يَحِلُّ، كَما جاءَ في الخَبَرِ ”«مَن تَزَوَّجَ فَقَدْ أحْرَزَ ثُلُثَيْ دِينِهِ» “ . وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَها لِباسًا لِلرَّجُلِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ يَخُصُّها بِنَفْسِهِ، كَما يَخُصُّ لِباسَهُ بِنَفْسِهِ، ويَراها أهْلًا لِأنْ يُلاقِيَ كُلُّ بَدَنِهِ كُلَّ بَدَنِها كَما يَعْمَلُهُ في اللِّباسِ. ورابِعُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ سَتْرُهُ بِها عَنْ صفحة ٩١ جَمِيعِ المَفاسِدِ الَّتِي تَقَعُ في البَيْتِ، لَوْ لَمْ تَكُنِ المَرْأةُ حاضِرَةً، كَما يَسْتَتِرُ الإنْسانُ بِلِباسِهِ عَنِ الحَرِّ والبَرْدِ وكَثِيرٍ مِنَ المَضارِّ. وخامِسُها: ذَكَرَ الأصَمُّ أنَّ المُرادَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ كاللِّباسِ السّاتِرِ لِلْآخَرِ في ذَلِكَ المَحْظُورِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى أوْرَدَ هَذا الوَصْفَ عَلى طَرِيقِ الإنْعامِ عَلَيْنا، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلى التَّسَتُّرِ بِهِنَّ في المَحْظُورِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّما وحَّدَ اللِّباسَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ”هُنَّ“ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى المَصْدَرِ، وفِعالٌ مِن مَصادِرِ فاعَلَ، وتَأْوِيلُهُ: هُنَّ مُلابِساتٌ لَكم. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾، فَنَقُولُ: هو اسْتِئْنافٌ كالبَيانِ لِسَبَبِ الإحْلالِ، وهو أنَّهُ إذا حَصَلَتْ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ مِثْلُ هَذِهِ المُخالَطَةِ والمُلابَسَةِ قَلَّ صَبْرُكم عَنْهُنَّ، وضَعُفَ عَلَيْكُمُ اجْتِنابُهُنَّ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَكم في مُباشَرَتِهِنَّ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: خانَهُ يَخُونُهُ خَوْنًا وخِيانَةً إذا لَمْ يَفِ لَهُ، والسَّيْفُ إذا نَبا عَنِ الضَّرْبَةِ فَقَدْ خانَكَ، وخانَهُ الدَّهْرُ إذا تَغَيَّرَ حالُهُ إلى الشَّرِّ، وخانَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ إذا لَمْ يُؤَدِّ الأمانَةَ، وناقِضُ العَهْدِ خائِنٌ، لِأنَّهُ كانَ يُنْتَظَرُ مِنهُ الوَفاءُ فَغَدَرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ المَدِينِ: إنَّهُ خائِنٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَفِ بِما يَلِيقُ بِدِينِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقالَ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأنفال: ٧١]، فَفي هَذِهِ الآيَةِ سَمّى اللَّهُ المَعْصِيَةَ بِالخِيانَةِ، وإذا عَلِمْتَ مَعْنى الخِيانَةِ، فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الِاخْتِيانُ مِنَ الخِيانَةِ، كالِاكْتِسابِ مِنَ الكَسْبِ فِيهِ زِيادَةٌ وشِدَّةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا أنَّهم كانُوا يَخْتانُونَ أنْفُسَهم، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أنَّ تِلْكَ الخِيانَةَ كانَتْ في ماذا ؟ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ هَذِهِ الخِيانَةِ عَلى شَيْءٍ يَكُونُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، والَّذِي تَقَدَّمَ هو ذِكْرُ الجِماعِ، والَّذِي تَأخَّرَ قَوْلُهُ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الخِيانَةِ الجِماعَ، ثُمَّ هَهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تُسِرُّونَ بِالمَعْصِيَةِ في الجِماعِ بَعْدَ العَتَمَةِ والأكْلِ بَعْدَ النَّوْمِ وتَرْكَبُونَ المُحَرَّمَ مِن ذَلِكَ، وكُلُّ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ خانَ نَفْسَهُ وقَدْ خانَ اللَّهَ، لِأنَّهُ جَلَبَ إلَيْها العِقابَ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يُقْطَعَ عَلى أنَّهُ وقَعَ ذَلِكَ مِن بَعْضِهِمْ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى وُقُوعِهِ مِن جَمِيعِهِمْ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ وجَبَ في جَمِيعِهِمْ أنْ يَكُونُوا مُخْتانِينَ لِأنْفُسِهِمْ، لَكَنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ بِهِ التَّبْعِيضُ لِلْعادَةِ والإخْبارُ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَيَجِبُ أنَّ يُقْطَعَ عَلى وُقُوعِ هَذا الجِماعِ المَحْظُورِ مِن بَعْضِهِمْ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمٍ سابِقٍ وعَلى وُقُوعِ ذَلِكَ مِن بَعْضِهِمْ، ولِأبِي مُسْلِمٍ أنْ يَقُولَ قَدْ بَيَّنّا أنَّ الخِيانَةَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الوَفاءِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ، فَأنْتُمْ حَمَلْتُمُوهُ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِطاعَةِ اللَّهِ، ونَحْنُ حَمَلْناهُ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِما هو خَيْرٌ لِلنَّفْسِ وهَذا أوْلى، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ اللَّهَ، كَما قالَ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٢٧] بَلْ قالَ: ﴿كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾، فَكانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما ذَكَرْناهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أوْلى فَلا أقَلَّ مِنَ التَّساوِي وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا يَثْبُتُ النَّسْخُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ لَوْ دامَتْ تِلْكَ الحُرْمَةُ ومَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ صفحة ٩٢ يَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ دامَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ الشّاقُّ لَوَقَعُوا في الخِيانَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ ما وقَعَتِ الخِيانَةُ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: التَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى إضْمارِ الشَّرْطِ وأنْ يُقالَ: بَلِ الثّانِي أوْلى، لِأنَّ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ يَصِيرُ إقْدامُهم عَلى المَعْصِيَةِ سَبَبًا لِنَسْخِ التَّكْلِيفِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي: عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لَوْ دامَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ لَحَصَلَتِ الخِيانَةُ فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لَنَسْخِ التَّكْلِيفِ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ حَتّى لا يَقَعُوا في الخِيانَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ فَمَعْناهُ عَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ فَرَجَعَ عَلَيْكم بِالإذْنِ في هَذا الفِعْلِ والتَّوْسِعَةِ عَلَيْكم، وعَلى قَوْلِ مُثْبِتِي النَّسَخِ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ تَقْدِيرُهُ: تُبْتُمْ فَتابَ عَلَيْكم فِيهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَفا عَنْكُمْ﴾ فَعَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ مَعْناهُ وسَّعَ عَلَيْكم أنْ أباحَ لَكُمُ الأكْلَ والشُّرْبَ والمُعاشَرَةَ في كُلِّ اللَّيْلِ، ولَفْظُ العَفْوِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في التَّوْسِعَةِ والتَّخْفِيفِ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» “، وقالَ: ”«أوَّلُ الوَقْتِ رِضْوانُ اللَّهِ وآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ» “، والمُرادُ مِنهُ التَّخْفِيفُ بِتَأْخِيرِ الصَّلاةِ إلى آخِرِ الوَقْتِ، ويُقالُ: أتانِي هَذا المالُ عَفْوًا، أيْ سَهْلًا فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ العَفْوِ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِسَبْقِ التَّحْرِيمِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مُثْبِتِي النَّسْخِ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَفا عَنْكُمْ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: عَفا عَنْ ذُنُوبِكم، وهَذا مِمّا يُقَوِّي أيْضًا قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ لِأنَّ تَفْسِيرَهُ لا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ، وتَفْسِيرَ مُثْبِتِي النَّسْخِ يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا أمْرٌ وارِدٌ عَقِيبَ الحَظْرِ، فالَّذِينَ قالُوا: الأمْرُ الوارِدُ عَقِيبَ الحَظْرِ لَيْسَ إلّا لِلْإباحَةِ، كَلامُهم ظاهِرٌ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: مُطْلَقُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ قالُوا إنَّما تَرَكْنا الظّاهِرَ وعَرَفْنا كَوْنَ هَذا الأمْرِ لِلْإباحَةِ بِالإجْماعِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُباشَرَةُ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّها الجِماعُ، سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِتَلاصُقِ البَشَرَتَيْنِ وانْضِمامِهِما، ومِنها ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «نَهى أنْ يُباشِرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، والمَرْأةُ المَرْأةَ» . الثّانِي: وهو قَوْلُ الأصَمِّ: إنَّهُ الجِماعُ فَما دُونَهُ وعَلى هَذا الوَجْهِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾، فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى كُلِّ المُباشَراتِ ولَمْ يَقْصُرْهُ عَلى الجِماعِ، والأقْرَبُ أنَّ لَفْظَ المُباشَرَةِ لَمّا كانَ مُشْتَقًّا مِن تَلاصُقِ البَشَرَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِالجِماعِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الجِماعُ فِيما دُونَ الفَرْجِ، وكَذا المُعانَقَةُ والمُلامَسَةُ إلّا أنَّهم إنَّما اتَّفَقُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ هو الجِماعُ؛ لِأنَّ السَّبَبَ في هَذِهِ الرُّخْصَةِ كانَ وُقُوعُ الجِماعِ مِنَ القَوْمِ، ولِأنَّ الرَّفَثَ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ لا يُرادُ بِهِ إلّا الجِماعُ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ إباحَةُ الجِماعِ تَتَضَمَّنُ إباحَةَ ما دُونَهُ صارَتْ إباحَتُهُ دالَّةً عَلى إباحَةِ ما عَداهُ، فَصَحَّ هَهُنا حَمْلُ الكَلامِ عَلى الجِماعِ فَقَطْ، ولَمّا كانَ في الِاعْتِكافِ المَنعُ مِنَ الجِماعِ لا يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِمّا دُونَهُ صَلَحَ اخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ، فَهَذا هو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ، عَلى ما لَخَّصَهُ القاضِي. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الآيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم مِنَ الوَلَدِ بِالمُباشَرَةِ، أيْ: لا تُباشِرُوا لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ وحْدَها، ولَكِنْ لِابْتِغاءِ ما وضَعَ اللَّهُ لَهُ النِّكاحَ مِنَ التَّناسُلِ. قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«تَناكَحُوا تَناسَلُوا تَكْثُرُوا» “ . وثانِيها: أنَّهُ نَهى عَنِ العَزْلِ، وقَدْ رُوِيَتِ الأخْبارُ في كَراهِيَةِ ذَلِكَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَعْزِلُ صفحة ٩٣ الرَّجُلُ عَنِ الحُرَّةِ إلّا بِإذْنِها ولا بَأْسَ أنْ يَعْزِلَ عَنِ الأمَةِ، ورَوى عاصِمٌ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ العَزْلَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى أنْ يَعْزِلَ عَنِ الحُرَّةِ إلّا بِإذْنِها» . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ابْتَغُوا المَحِلَّ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم وحَلَّلَهُ دُونَ ما لَمْ يَكْتُبْ لَكم مِنَ المَحِلِّ المُحَرَّمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . ورابِعُها: أنَّ هَذا التَّأْكِيدَ تَقْدِيرُهُ: فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا هَذِهِ المُباشَرَةَ الَّتِي كَتَبَها لَكم بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْكم. وخامِسُها: وهو عَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، يَعْنِي هَذِهِ المُباشَرَةَ الَّتِي كانَ اللَّهُ تَعالى كَتَبَها لَكم وإنْ كُنْتُمْ تَظُنُّونَها مُحَرَّمَةً عَلَيْكم. وسادِسُها: أنَّ مُباشَرَةَ الزَّوْجَةِ قَدْ تَحْرُمُ في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ الحَيْضِ والنِّفاسِ والعِدَّةِ والرِّدَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يَعْنِي لا تُباشِرُوهُنَّ إلّا في الأحْوالِ والأوْقاتِ الَّتِي أُذِنَ لَكم في مُباشَرَتِهِنَّ. وسابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ إذْنٌ في المُباشَرَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يَعْنِي لا تَبْتَغُوا هَذِهِ المُباشَرَةَ إلّا مِنَ الزَّوْجَةِ والمَمْلُوكَةِ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المعارج: ٣٠] . وثامِنُها: قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ: يَعْنِي اطْلُبُوا لَيْلَةَ القَدْرِ وما كَتَبَ اللَّهُ لَكم مِنَ الثَّوابِ فِيها إنْ وجَدْتُمُوها، وجُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ اسْتَبْعَدُوا هَذا الوَجْهَ، وعِنْدِي أنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ، وذَلِكَ هو أنَّ الإنْسانَ ما دامَ قَلْبُهُ مُشْتَغِلًا بِطَلَبِ الشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، لا يُمْكِنُهُ حِينَئِذٍ أنْ يَتَفَرَّغَ لِلطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ والحُضُورِ، أمّا إذا قَضى وطَرَهُ وصارَ فارِغًا مِن طَلَبِ الشَّهْوَةِ يُمْكِنُهُ حِينَئِذٍ أنْ يَتَفَرَّغَ لِلْعُبُودِيَّةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: فالآنَ باشِرُوهُنَّ حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِن تِلْكَ الخَواطِرِ المانِعَةِ عَنِ الإخْلاصِ في العُبُودِيَّةِ، وإذا تَخَلَّصْتُمْ مِنها فابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ مِنَ الإخْلاصِ في العُبُودِيَّةِ في الصَّلاةِ والذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ وطَلَبِ لَيْلَةِ القَدْرِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدَةٍ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”كَتَبَ“ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ ”كَتَبَ“ في هَذا المَوْضُوعِ بِمَعْنى جَعَلَ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ [ المُجادَلَةِ: ٢٢] أيْ جَعَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٥٣]، ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٦] أيْ: أجْعَلُها. وثانِيها: مَعْناهُ قَضى اللَّهُ لَكم، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ [ التَّوْبَةِ: ٥١] أيْ قَضاهُ، وقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقَوْلِهِ: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أيْ قَضى. وثالِثُها: أصْلُهُ هو ما كَتَبَ اللَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِمّا هو كائِنٌ، وكُلُّ حُكْمٍ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ فَقَدْ أثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. ورابِعُها: هو ما كَتَبَ اللَّهُ في القُرْآنِ مِن إباحَةِ هَذِهِ الأفْعالِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ”وابْتَغُوا“ وقَرَأ الأعْمَشُ ”وابْغُوا“ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾، فالفائِدَةُ في ذِكْرِهِما أنَّ تَحْرِيمَهُما وتَحْرِيمَ الجِماعِ بِاللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ، لَمّا تَقَدَّمَ احْتِيجَ في إباحَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنها إلى دَلِيلٍ خاصٍّ يَزُولُ بِهِ التَّحْرِيمُ، فَلَوِ اقْتَصَرَ تَعالى عَلى قَوْلِهِ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ لَمْ يُعْلَمْ بِذَلِكَ زَوالُ تَحْرِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ، فَقَرَنَ إلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ لِتَتِمَّ الدَّلالَةُ عَلى الإباحَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: أخَذْتُ عِقالَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ صفحة ٩٤ فَجَعَلْتُهُما تَحْتَ وِسادَتِي، وكُنْتُ أقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَأنْظُرُ إلَيْهِما، فَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِيَ الأبْيَضُ مِنَ الأسْوَدِ، فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ فَضَحِكَ، وقالَ إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا، إنَّما ذَلِكَ بَياضُ النَّهارِ وسَوادُ اللَّيْلِ»، وإنَّما قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا» لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى بَلاهَةِ الرَّجُلِ، ونَقُولُ: يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ تَعالى كَنّى بِذَلِكَ عَنْ بَياضِ أوَّلِ النَّهارِ وسَوادِ آخِرِ اللَّيْلِ، وفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ بَياضَ الصُّبْحِ المُشَبَّهَ بِالخَيْطِ الأسْوَدِ هو بَياضُ الصُّبْحِ الكاذِبُ، لِأنَّهُ بَياضٌ مُسْتَطِيلٌ يُشْبِهُ الخَيْطَ، فَأمّا بَياضُ الصُّبْحِ الصّادِقُ فَهو بَياضٌ مُسْتَدِيرٌ في الأُفُقِ فَكانَ يَلْزَمُ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ أوَّلُ النَّهارِ مِن طُلُوعِ الصُّبْحِ الكاذِبِ وبِالإجْماعِ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. وجَوابُهُ: أنَّهُ لَوْلا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ لَكانَ السُّؤالُ لازِمًا، وذَلِكَ لِأنَّ الفَجْرَ إنَّما يُسَمّى فَجْرًا لِأنَّهُ يَنْفَجِرُ مِنهُ النُّورُ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ في الصُّبْحِ الثّانِي لا في الصُّبْحِ الأوَّلِ، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الخَيْطَ الأبْيَضَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفَجْرِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الصُّبْحَ الكاذِبَ بَلِ الصُّبْحَ الصّادِقَ، فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُشَبَّهُ الصُّبْحُ الصّادِقُ بِالخَيْطِ، مَعَ أنَّ الصُّبْحَ الصّادِقَ لَيْسَ بِمُسْتَطِيلٍ والخَيْطَ مُسْتَطِيلٌ ؟ وجَوابُهُ: أنَّ القَدْرَ مِنَ البَياضِ الَّذِي يَحْرُمُ هو أوَّلُ الصُّبْحِ الصّادِقِ، وأوَّلُ الصُّبْحِ الصّادِقِ لا يَكُونُ مُنْتَشِرًا بَلْ يَكُونُ صَغِيرًا دَقِيقًا، بَلِ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصُّبْحِ الكاذِبِ أنَّ الصُّبْحَ الكاذِبَ يَطْلُعُ دَقِيقًا، والصّادِقُ يَبْدُو دَقِيقًا، ويَرْتَفِعُ مُسْتَطِيلًا فَزالَ السُّؤالُ، فَأمّا ما حُكِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ فَبَعِيدٌ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَخْفى عَلى مِثْلِهِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ كَلِمَةَ“ حَتّى ”لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ حِلَّ المُباشَرَةِ والأكْلِ والشُّرْبِ يَنْتَهِي عِنْدَ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وزَعَمَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنْ لا شَيْءَ مِنَ المُفْطِراتِ إلّا أحَدُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَأمّا الأُمُورُ الَّتِي تَذْكُرُها الفُقَهاءُ مِن تَكَلُّفِ القَيْءِ والحُقْنَةِ والسُّعُوطِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنها بِمُفْطِرٍ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ كانَتْ مُباحَةً ثُمَّ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُرْمَةِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَلى الصّائِمِ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَبَقِيَ ما عَداها عَلى الحِلِّ الأصْلِيِّ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها مُفْطِرًا، والفُقَهاءُ قالُوا إنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إلَيْها، وأمّا القَيْءُ والحُقْنَةُ فالنَّفْسُ تَكْرَهُهُما، والسُّعُوطُ نادِرٌ فَلِهَذا لَمْ يَذْكُرْها. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَذْهَبُ أبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ بْنِ صالِحِ بْنِ حَيٍّ أنَّ الجُنُبَ إذا أصْبَحَ قَبْلَ الِاغْتِسالِ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَوْمٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ لِأنَّ المُباشَرَةَ إذا كانَتْ مُباحَةً إلى انْفِجارِ الصُّبْحِ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاغْتِسالُ إلّا بَعْدَ انْفِجارِ الصُّبْحِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: زَعَمَ الأعْمَشُ أنَّهُ يَحِلُّ الأكْلُ والشُّرْبُ والجِماعُ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قِياسًا لِأوَّلِ النَّهارِ عَلى آخِرِهِ، فَكَما أنَّ آخِرَهُ بِغُرُوبِ القُرْصِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أوَّلُهُ بِطُلُوعِ القُرْصِ، وقالَ في الآيَةِ إنَّ المُرادَ بِالخَيْطِ الأبْيَضِ والخَيْطِ الأسْوَدِ النَّهارُ واللَّيْلُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ لَيْسَ إلّا في البَياضِ والسَّوادِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ في الشَّكْلِ مُرادًا فَهَذا غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ ظُلْمَةَ الأُفُقِ حالَ طُلُوعِ الصُّبْحِ لا يُمْكِنُ تَشْبِيهُها بِالخَيْطِ الأسْوَدِ في الشَّكْلِ البَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالخَيْطِ الأبْيَضِ والخَيْطِ الأسْوَدِ هو النَّهارُ واللَّيْلُ ثُمَّ لَمّا بَحَثْنا عَنْ حَقِيقَةِ اللَّيْلِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ وجَدْناها عِبارَةً عَنْ زَمانِ غَيْبَةِ الشَّمْسِ بِدَلِيلِ أنَّ صفحة ٩٥ اللَّهَ تَعالى سَمّى ما بَعْدَ المَغْرِبِ لَيْلًا مَعَ بَقاءِ الضَّوْءِ فِيهِ فَثَبَتَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في الطَّرَفِ الأوَّلِ مِنَ النَّهارِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَيْلًا، وأنْ لا يُوجَدَ النَّهارُ إلّا عِنْدَ طُلُوعِ القُرْصِ، فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ الأعْمَشِ، ومِنَ النّاسِ مَن سَلَّمَ أنَّ أوَّلَ النَّهارِ إنَّما يَكُونُ مِن طُلُوعِ الصُّبْحِ فَقاسَ عَلَيْهِ آخِرَ النَّهارِ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَجُوزُ الإفْطارُ إلّا بَعْدَ غُرُوبِ الحُمْرَةِ، ومِنهم مَن زادَ عَلَيْهِ وقالَ: بَلْ لا يَجُوزُ الإفْطارُ إلّا عِنْدَ طُلُوعِ الكَواكِبِ، وهَذِهِ المَذاهِبُ قَدِ انْقَرَضَتْ، والفُقَهاءُ أجْمَعُوا عَلى بُطْلانِها فَلا فائِدَةَ في اسْتِقْصاءِ الكَلامِ فِيها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ:“ الفَجْرُ ”مَصْدَرُ قَوْلِكَ: فَجَرْتُ الماءَ أفْجُرُهُ فَجْرًا، وفَجَّرْتُهُ تَفْجِيرًا، قالَ الأزْهَرِيُّ: الفَجْرُ أصْلُهُ الشَّقُّ، فَعَلى هَذا: الفَجْرُ في آخِرِ اللَّيْلِ هو انْشِقاقُ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ بِنُورِ الصُّبْحِ، * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَقِيلَ لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ المُعْتَبَرَ بَعْضُ الفَجْرِ لا كُلُّهُ، وقِيلَ لِلتَّبْيِينِ كَأنَّهُ قِيلَ: الخَيْطُ الأبْيَضُ الَّذِي هو الفَجْرُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أحَلَّ الجِماعَ والأكْلَ والشُّرْبَ إلى غايَةِ تَبَيُّنِ الصُّبْحِ، وجَبَ أنْ يُعْرَفَ أنَّ تَبَيُّنَ الصُّبْحِ ما هو ؟ فَنَقُولُ: الطَّرِيقُ إلى مَعْرِفَةِ تَبَيُّنِ الصُّبْحِ إمّا أنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا أوْ ظَنِّيًّا، أمّا القَطْعِيُّ فَبِأنْ يُرى طُلُوعُ الصُّبْحِ أوْ يُتَيَقَّنَ أنَّهُ مَضى مِنَ الزَّمانِ ما يَجِبُ طُلُوعُ الصُّبْحِ عِنْدَهُ، وأمّا الظَّنِّيُّ فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَحْصُلَ ظَنٌّ أنَّ الصُّبْحَ طَلَعَ فَيَحْرُمُ الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ، فَإنْ حَصَلَ ظَنٌّ أنَّهُ ما طَلَعَ كانَ الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ مُباحًا، فَإنْ أكَلَ ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ الظَّنَّ خَطَأٌ وأنَّ الصُّبْحَ كانَ قَدْ طَلَعَ عِنْدَ ذَلِكَ الأكْلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا، وكَذَلِكَ إنْ ظَنَّ أنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَأفْطَرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّها ما كانَتْ غارِبَةً، فَقالَ الحَسَنُ: لا قَضاءَ في الصُّورَتَيْنِ قِياسًا عَلى ما لَوْ أكَلَ ناسِيًا، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ في رِوايَةِ المُزَنِيُّ عَنْهُ: يَجِبُ القَضاءُ لِأنَّهُ أُمِرَ بِالصَّوْمِ مِنَ الصُّبْحِ إلى الغُرُوبِ ولَمْ يَأْتِ بِهِ، وأمّا النّاسِي فَعِنْدَ مالِكٍ يَجِبُ عَلَيْهِ القَضاءُ، وأمّا الباقُونَ الَّذِينَ سَلَّمُوا أنَّهُ لا قَضاءَ قالُوا: مُقْتَضى الدَّلِيلِ وُجُوبُ القَضاءِ عَلَيْهِ أيْضًا، إلّا أنّا أسْقَطْناهُ عَنْهُ لِلنَّصِّ، وهو ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ رَجُلًا قالَ: أكَلْتُ وشَرِبْتُ وأنا صائِمٌ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أطْعَمَكَ اللَّهُ وسَقاكَ فَأنْتَ ضَيْفُ اللَّهِ فَتَمِّمْ صَوْمَكَ» . والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ إذا أخْطَأ في طُلُوعِ الصُّبْحِ لا يَجِبُ القَضاءُ، وإذا أخْطَأ في غُرُوبِ الشَّمْسِ يَجِبُ القَضاءُ، والفَرْقُ أنَّ الأصْلَ في كُلِّ ثابِتٍ بَقاؤُهُ عَلى ما كانَ، والثّابِتُ في اللَّيْلِ حِلُّ الأكْلِ، وفي النَّهارِ حُرْمَتُهُ، أمّا إذا لَمْ يَغْلِبْ عَلى ظَنِّهِ لا بَقاءُ اللَّيْلِ ولا طُلُوعُ الصُّبْحِ، بَلْ بَقِيَ مُتَوَقِّفًا في الأمْرَيْنِ، فَهَهُنا يُكْرَهُ لَهُ الأكْلُ والشُّرْبُ والجِماعُ، فَإنْ فَعَلَ جازَ، لِأنَّ الأصْلَ بَقاءُ اللَّيْلِ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ كَلِمَةَ ﴿إلى﴾ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الصَّوْمَ يَنْتَهِي عِنْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ غايَةَ الشَّيْءِ مَقْطَعُهُ ومُنْتَهاهُ، وإنَّما يَكُونُ مَقْطَعًا ومُنْتَهًى إذا لَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الكَلِمَةُ لا لِلِانْتِهاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦] إلّا أنَّ ذَلِكَ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مِن جِنْسِ النَّهارِ، فَيَكُونُ اللَّيْلُ خارِجًا عَنْ حُكْمِ النَّهارِ، والمَرافِقُ مِن جِنْسِ اليَدِ فَيَكُونُ داخِلًا فِيهِ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: سَبِيلٌ إلى الدُّخُولِ والخُرُوجِ، وكِلا الأمْرَيْنِ جائِزٌ، تَقُولُ: أكَلْتُ السَّمَكَةَ إلى رَأْسِها، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الرَّأْسُ داخِلًا في الأكْلِ وخارِجًا مِنهُ، إلّا أنَّهُ لا يَشُكُّ ذُو عَقْلٍ أنَّ اللَّيْلَ صفحة ٩٦ خارِجٌ عَنِ الصَّوْمِ، إذْ لَوْ كانَ داخِلًا فِيهِ لَعَظُمَتِ المَشَقَّةُ ودَخَلَتِ المَرافِقُ في الغَسْلِ أخْذًا بِالأوْثَقِ، ثُمَّ سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ مُجْمَلٌ أوْ غَيْرُ مُجْمَلٍ، فَقَدْ ورَدَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ، وهو ما رَوى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ «إذا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِن هَهُنا، وأدْبَرَ النَّهارُ مِن هَهُنا، وقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ» ”، فَهَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ يَنْتَهِي في هَذا الوَقْتِ، فَأمّا أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَتَناوَلَ عِنْدَ هَذا الوَقْتِ شَيْئًا، فالدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رَوى الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِإسْنادِهِ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ الوِصالِ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ تُواصِلُ، أيْ كَيْفَ تَنْهانا عَنْ أمْرٍ أنْتَ تَفْعَلُهُ ؟ فَقالَ: إنِّي لَسْتُ مِثْلَكم إنِّي أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي»، وقِيلَ فِيهِ مَعانٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يُطْعَمُ ويُسْقى مِن طَعامِ الجَنَّةِ. والثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: إنِّي عَلى ثِقَةٍ مِن أنِّي لَوِ احْتَجْتُ إلى الطَّعامِ أطْعَمَنِي مُواصِلًا. وحَكىمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أنَّهُ كانَ يُواصِلُ سَبْعَةَ أيّامٍ، فَلَمّا كَبِرَ جَعَلَها خَمْسًا، فَلَمّا كَبِرَ جِدًّا جَعَلَها ثَلاثًا، فَظاهِرُ كَلامِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا النَّهْيَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، وقِيلَ: هو نَهْيُ تَنْزِيهٍ، لِأنَّهُ تَرْكٌ لِلْمُباحِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ صَحَّ فِعْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: إذا تَناوَلَ شَيْئًا قَلِيلًا ولَوْ قَطْرَةً مِنَ الماءِ، فَعَلى ذَلِكَ هو بِالخِيارِ في الِاسْتِيفاءِ إلّا أنْ يَخافَ المَرْءُ مِنَ التَّقْصِيرِ في صَوْمِ المُسْتَأْنَفِ، أوْ في سائِرِ العِباداتِ، فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَتَناوَلَ مِنَ الطَّعامِ قَدْرًا يَزُولُ بِهِ هَذا الخَوْفُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ اللَّيْلَ ما هو ؟ فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: آخِرُ النَّهارِ عَلى أوَّلِهِ، فاعْتَبَرُوا في حُصُولِ اللَّيْلِ زَوالَ آثارِ الشَّمْسِ، كَما حَصَلَ اعْتِبارُ زَوالِ اللَّيْلِ عِنْدَ ظُهُورِ آثارِ الشَّمْسِ ثُمَّ هَؤُلاءِ مِنهم مَنِ اكْتَفى بِزَوالِ الحُمْرَةِ، ومِنهم مَنِ اعْتَبَرَ ظُهُورَ الظَّلامِ التّامِّ وظُهُورَ الكَواكِبِ، إلّا أنَّ الحَدِيثَ الَّذِي رَواهُ عُمَرُ يُبْطِلُ ذَلِكَ وعَلَيْهِ عَمَلُ الفُقَهاءِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحَنَفِيَّةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ التَّبْيِيتَ والتَّعْيِينَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في صِحَّةِ الصَّوْمِ، قالُوا: الصَّوْمُ في اللُّغَةِ هو الإمْساكُ، وقَدْ وُجِدَ هَهُنا فَيَكُونُ صائِمًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ إتْمامُهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ فَوَجَبَ القَوْلُ بِصِحَّتِهِ، لِأنَّ الإمْساكَ حَرَجٌ ومَشَقَّةٌ وعُسْرٌ، وهو مَنفِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقَوْلِهِ: ﴿ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الصَّوْمِ الصَّحِيحِ فَيَبْقى غَيْرُ الصَّحِيحِ عَلى الأصْلِ، ثُمَّ نَقُولُ: مُقْتَضى هَذا الدَّلِيلِ، أنْ يَصِحَّ صَوْمُ الفَرْضِ بِنِيَّةٍ بَعْدَ الزَّوالِ إلّا أنّا قُلْنا: الأقَلُّ يَلْحَقُ بِالأغْلَبِ فَلا جَرَمَ أبْطَلْنا الصَّوْمَ بِنِيَّةٍ بَعْدَ الزَّوالِ وصَحَّحْنا نِيَّتَهُ قَبْلَ الزَّوالِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الحَنَفِيَّةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ صَوْمَ النَّفْلِ يَجِبُ إتْمامُهُ قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ أمْرٌ وهو لِلْوُجُوبِ، وهو يَتَناوَلُ كُلَّ الصِّياماتِ، والشّافِعِيَّةُ قالُوا: هَذا إنَّما ورَدَ لِبَيانِ أحْكامِ صَوْمِ الفَرْضِ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ صَوْمَ الفَرْضِ. الحُكْمُ السّابِعُ * * * مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ الِاعْتِكافُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الصَّوْمَ، وبَيَّنَ أنَّ مِن حُكْمِهِ تَحْرِيمَ المُباشَرَةِ، كانَ يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ في صفحة ٩٧ الِاعْتِكافِ أنَّ حالَهُ كَحالِ الصَّوْمِ في أنَّ الجِماعَ يَحْرُمُ فِيهِ نَهارًا لا لَيْلًا، فَبَيَّنَّ تَعالى تَحْرِيمَ المُباشَرَةِ فِيهِ نَهارًا ولَيْلًا، فَقالَ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الِاعْتِكافُ اللُّغَوِيُّ مُلازَمَةُ المَرْءِ لِلشَّيْءِ وحَبْسُ نَفْسِهِ عَلَيْهِ، بِرًّا كانَ أوْ إثْمًا، قالَ تَعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، والِاعْتِكافُ الشَّرْعِيُّ: المُكْثُ في بَيْتِ اللَّهِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، وحاصِلُهُ راجِعٌ إلى تَقْيِيدِ اسْمِ الجِنْسِ بِالنَّوْعِ بِسَبَبِ العُرْفِ، وهو مِنَ الشَّرائِعِ القَدِيمَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقالَ تَعالى: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ لَمَسَ الرَّجُلُ المَرْأةَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ جازَ، «لَأنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانَتْ تُرَجِّلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو مُعْتَكِفٌ»، أمّا إذا لَمَسَها بِشَهْوَةٍ، أوْ قَبَّلَها، أوْ باشَرَها فِيما دُونَ الفَرْجِ، فَهو حَرامٌ عَلى المُعْتَكِفِ، وهَلْ يَبْطُلُ بِها اعْتِكافُهُ ؟ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ قَوْلانِ: الأصَحُّ أنَّهُ يَبْطُلُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَفْسُدُ الِاعْتِكافُ إذا لَمْ يُنْزِلْ. احْتَجَّ مَن قالَ بِالإفْسادِ أنَّ الأصْلَ في لَفْظِ المُباشَرَةِ مُلاقاةُ البَشَرَتَيْنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ﴾ مَنَعَ مِن هَذِهِ الحَقِيقَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الجِماعُ وسائِرُ هَذِهِ الأُمُورِ، لِأنَّ مُسَمّى المُباشَرَةِ حاصِلٌ في كُلِّها. فَإنْ قِيلَ: لِمَ حَمَلْتُمُ المُباشَرَةَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى الجِماعِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو الجِماعُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ﴾، وسَبَبُ نُزُولِ تِلْكَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو الجِماعُ، ثُمَّ لَمّا أذِنَ في الجِماعِ كانَ ذَلِكَ إذْنًا فِيما دُونَ الجِماعِ بِطَرِيقِ الأوْلى، أمّا هَهُنا فَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن هَذِهِ القَرائِنِ، فَوَجَبَ إبْقاءُ لَفْظِ المُباشَرَةِ عَلى مَوْضِعِهِ الأصْلِيِّ، وحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّها لا تُبْطِلُ الِاعْتِكافَ، أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذِهِ المُباشَرَةَ لا تُفْسِدُ الصَّوْمَ والحَجَّ، فَوَجَبَ أنْ لا تُفْسِدَ الِاعْتِكافَ؛ لِأنَّ الِاعْتِكافَ لَيْسَ أعْلى دَرَجَةً مِنهُما، والجَوابُ: أنَّ النَّصَّ مُقَدَّمٌ عَلى القِياسِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ شَرْطَ الِاعْتِكافِ لَيْسَ الجُلُوسُ في المَسْجِدِ وذَلِكَ لِأنَّ المَسْجِدَ مُمَيَّزٌ عَنْ سائِرِ البِقاعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ بُنِيَ لِإقامَةِ الطّاعاتِ فِيهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في المَسْجِدِ الحَرامِ، والحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] فَعَيَّنَ ذَلِكَ البَيْتَ لِجَمِيعِ العاكِفِينَ، ولَوْ جازَ الِاعْتِكافُ في غَيْرِهِ لَما صَحَّ ذَلِكَ العُمُومُ، وقالَ عَطاءٌ: لا يَجُوزُ إلّا في المَسْجِدِ الحَرامِ ومَسْجِدِ المَدِينَةِ، لِما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:“ «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا أفْضَلُ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ مِنَ المَساجِدِ إلّا المَسْجِدَ الحَرامِ، وصَلاةٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ أفْضَلُ مِن مِائَةِ صَلاةٍ في مَسْجِدِي» ”. وقالَ حُذَيْفَةُ: يَجُوزُ في هَذَيْنِ المَسْجِدَيْنِ وفي مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ، والمَسْجِدِ الأقْصى، ومَسْجِدِي هَذا» ”. وقالَ الزُّهْرِيُّ: لا يَصِحُّ إلّا في الجامِعِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَصِحُّ إلّا في مَسْجِدٍ لَهُ إمامٌ راتِبٌ ومُؤَذِّنٌ راتِبٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَجُوزُ في جَمِيعِ المَساجِدِ، إلّا أنَّ المَسْجِدَ الجامِعَ أفْضَلُ حَتّى لا يُحْتاجَ إلى الخُرُوجِ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ كُلَّ المَساجِدِ. * * * صفحة ٩٨ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يَجُوزُ الِاعْتِكافُ بِغَيْرِ صَوْمٍ والأفْضَلُ أنْ يَصُومَ مَعَهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ لا يَجُوزُ إلّا بِالصَّوْمِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذِهِ الآيَةُ، لِأنَّهُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ عاكِفٌ واللَّهُ تَعالى مَنَعَ العاكِفَ مِن مُباشَرَةِ المَرْأةِ ولَوْ كانَ اعْتِكافُهُ باطِلًا لَما كانَ مَمْنُوعًا تَرْكُ العَمَلِ بِظاهِرِ اللَّفْظِ إذا تَرَكَ النِّيَّةَ، فَيَبْقى فِيما عَداهُ عَلى الأصْلِ، واحْتَجَّ المُزَنِيُّ بِصِحَّةِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: الأوَّلُ: لَوْ كانَ الِاعْتِكافُ يُوجِبُ الصَّوْمَ لَما صَحَّ في رَمَضانَ، لَأنَّ الصَّوْمَ الَّذِي هو مُوجِبُهُ إمّا صَوْمُ رَمَضانَ، وهو باطِلٌ لِأنَّهُ واجِبٌ بِسَبَبِ الشَّهْرِ لا بِسَبَبِ الِاعْتِكافِ، أوْ صَوْمٌ آخَرُ سِوى صَوْمِ رَمَضانَ، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، وحَيْثُ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَصِحُّ في رَمَضانَ، عَلِمْنا أنَّ الصَّوْمَ لا يُوجِبُهُ الِاعْتِكافُ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ الِاعْتِكافُ لا يَجُوزُ إلّا مُقارَنًا بِالصَّوْمِ لَخَرَجَ الصّائِمُ بِاللَّيْلِ عَنِ الِاعْتِكافِ لِخُرُوجِهِ فِيهِ عَنِ الصَّوْمِ، ولَمّا كانَ الأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّ الِاعْتِكافَ يَجُوزُ مُفْرَدًا أبَدًا بِدُونِ الصَّوْمِ. والثّالِثُ: ما «رَوى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لِلَّهِ لَيْلَةً، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ» . ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ الصَّوْمُ في اللَّيْلِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا تَقْدِيرَ لِزَمانِ الِاعْتِكافِ، فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكافَ ساعَةٍ يَنْعَقِدُ، ولَوْ نَذَرَ أنْ يَعْتَكِفَ مُطْلَقًا يَخْرُجُ عَنْ نَذْرِهِ بِاعْتِكافِهِ ساعَةً، كَما لَوْ نَذَرَ أنْ يَتَصَدَّقَ مُطْلَقًا تَصَدَّقَ بِما شاءَ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، ثُمَّ قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وأُحِبُّ أنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِلْخُرُوجِ عَنِ الخِلافِ، فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا يُجَوِّزُ اعْتِكافَ أقَلَّ مِن يَوْمٍ بِشَرْطِ أنْ يَدْخُلَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ويَخْرُجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ لَيْسَ تَقْدِيرُ الِاعْتِكافِ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الزَّمانِ أوْلى مِن بَعْضٍ، فَوَجَبَ تَرْكُ التَّقْدِيرِ والرُّجُوعُ إلى أقَلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ الِاعْتِكافَ هو حَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ في اللَّحْظَةِ الواحِدَةِ، ولِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَتَمَيَّزُ المُعْتَكِفُ عَمَّنْ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ﴾ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى حُكْمِ الِاعْتِكافِ لِأنَّ الحُدُودَ جَمْعٌ ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى في الِاعْتِكافِ إلّا حَدًّا واحِدًا، وهو تَحْرِيمُ المُباشَرَةِ بَلْ هو إشارَةٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ في أوَّلِ آيَةِ الصَّوْمِ إلى هَهُنا عَلى ما سَبَقَ شَرْحُ مَسائِلِها عَلى التَّفْصِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: حَدُّ الشَّيْءِ مَقْطَعُهُ ومُنْتَهاهُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: ومِنهُ يُقالُ لِلْمَحْرُومِ مَحْدُودٌ لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنِ الرِّزْقِ، ويُقالُ لِلْبَوّابِ: حَدّادٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ، وحَدُّ الدّارِ ما يَمْنَعُ غَيْرَها مِنَ الدُّخُولِ فِيها، وحُدُودُ اللَّهِ ما يَمْنَعُ مِن مُخالَفَتِها، والمُتَكَلِّمُونَ يُسَمُّونَ الكَلامَ الجامِعَ المانِعَ حَدًّا، وسُمِّيَ الحَدِيدُ حَدِيدًا لِما فِيهِ مِنَ المَنعِ، وكَذَلِكَ إحْدادُ المَرْأةِ لِأنَّها تُمْنَعُ مِنَ الزِّينَةِ. إذا عَرَفْتَ الِاشْتِقاقَ فَنَقُولُ: المُرادُ مِن حُدُودِ اللَّهِ مَحْدُوداتُهُ أيْ مَقْدُوراتُهُ الَّتِي قَدَّرَها بِمَقادِيرَ مَخْصُوصَةٍ وصِفاتٍ مَضْبُوطَةٍ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ فَفِيهِ إشْكالانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ، والأُمُورُ المُتَقَدِّمَةُ بَعْضُها إباحَةٌ وبَعْضُها حَظْرٌ، فَكَيْفَ قالَ في الكُلِّ ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ . والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقالَ في آيَةِ المَوارِيثِ: صفحة ٩٩ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء: ١٤] وقالَ هَهُنا: ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ والجَوابُ عَنِ السُّؤالَيْنِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو الأحْسَنُ والأقْوى أنَّ مَن كانَ في طاعَةِ اللَّهِ والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ فَهو مُتَصَرِّفٌ في حَيِّزِ الحَقِّ، فَنُهِيَ أنْ يَتَعَدّاهُ لِأنَّ مَن تَعَدّاهُ وقَعَ في حَيِّزِ الضَّلالِ، ثُمَّ بُولِغَ في ذَلِكَ فَنُهِيَ أنْ يَقْرَبَ الحَدَّ الَّذِي هو الحاجِزُ بَيْنَ حَيِّزِ الحَقِّ والباطِلِ، لِئَلّا يُدانِيَ الباطِلَ وأنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنِ الطَّرَفِ فَضْلًا أنْ يَتَخَطّاهُ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «إنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وحِمى اللَّهِ مَحارِمُهُ فَمَن رَتَعَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ» " . الثّانِي: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لا تَقْرَبُوها أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِالتَّغْيِيرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] . الثّالِثُ: أنَّ الأحْكامَ المَذْكُورَةَ فِيما قَبْلُ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً إلّا أنَّ أقْرَبَها إلى هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾، وقَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ يُوجِبُ حُرْمَةَ الأكْلِ والشُّرْبِ في النَّهارِ، وقَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وهو يَقْتَضِي تَحْرِيمَ مُواقَعَةِ غَيْرِ الزَّوْجَةِ والمَمْلُوكَةِ وتَحْرِيمَ مُواقَعَتِهِما في غَيْرِ المَأْتى وتَحْرِيمَ مُواقَعَتِهِما في الحَيْضِ والنِّفاسِ والعِدَّةِ والرِّدَّةِ، ولَيْسَ فِيهِ إلّا إباحَةُ الشُّرْبِ والأكْلِ والوِقاعِ في اللَّيْلِ، فَلَمّا كانَتِ الأحْكامُ المُتَقَدِّمَةُ أكْثَرَها تَحْرِيماتٍ، لا جَرَمَ غَلَبَ جانِبُ التَّحْرِيمِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ أيْ تِلْكَ الأشْياءُ الَّتِي مُنِعْتُمْ عَنْها إنَّما مُنِعْتُمْ عَنْها بِمَنعِ اللَّهِ ونَهْيِهِ عَنْها فَلا تَقْرَبُوها. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُرادُ أنَّهُ كَما بَيَّنَ ما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ في هَذا المَوْضِعِ، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ سائِرَ أدِلَّتِهِ عَلى دِينِهِ وشَرْعِهِ. وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالآياتِ الفَرائِضُ الَّتِي بَيَّنَها كَما قالَ: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [النور: ١] ثُمَّ فَسَّرَ الآياتِ بِقَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ [النور: ٢] إلى سائِرِ ما بَيَّنَهُ مِن أحْكامِ الزِّنا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ ما شَرَعَهُ لَهم لِيَتَّقُوهُ بِأنْ يَعْمَلُوا بِما لَزِمَ. وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أحْكامَ الصَّوْمِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في هَذِهِ الآيَةِ بِالألْفاظِ القَلِيلَةِ بَيانًا شافِيًا وافِيًا، قالَ بَعْدَهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا البَيانِ الوافِي الواضِحِ الكامِلِ هو الَّذِي يُذْكَرُ لِلنّاسِ، والغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمُ حالِ البَيانِ، وتَعْظِيمُ رَحْمَتِهِ عَلى الخَلْقِ في ذِكْرِهِ مِثْلَ هَذا البَيانِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ فَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. الحُكْمُ الثّامِنُ

البقرة 2:188

مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ: حُكْمُ الأمْوالِ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ صفحة ١٠٠ اعْلَمْ أنَّهم مَثَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وهَذا مُخالِفٌ لَها، لِأنَّ أكْلَهُ لِمالِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ يَصِحُّ كَما يَصِحُّ أكْلُهُ مالَ غَيْرِهِ، قالَ الشَّيْخُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في كِتابِ الإحْياءِ: المالُ إنَّما يَحْرُمُ لِمَعْنًى في عَيْنِهِ أوْ لِحالٍ في جِهَةِ اكْتِسابِهِ. والقِسْمُ الأوَّلُ: الحَرامُ لِصِفَةٍ في عَيْنِهِ. واعْلَمْ أنَّ الأمْوالَ إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ المَعادِنِ أوْ مِنَ النَّباتِ، أوْ مِنَ الحَيَواناتِ، أمّا المَعادِنُ وهي أجْزاءُ الأرْضِ فَلا يَحْرُمُ شَيْءٌ مِنهُ إلّا مِن حَيْثُ يَضُرُّ بِالأكْلِ، وهو ما يَجْرِي مَجْرى السُّمِّ، وأمّا النَّباتُ فَلا يَحْرُمُ مِنهُ إلّا ما يُزِيلُ الحَياةَ والصِّحَّةَ أوِ العَقْلَ، فَمُزِيلُ الحَياةِ السُّمُومُ، ومُزِيلُ الصِّحَّةِ الأدْوِيَةُ في غَيْرِ وقْتِها، ومُزِيلُ العَقْلِ الخَمْرُ والبِنْجُ وسائِرُ المُسْكِراتِ. وأمّا الحَيَواناتُ فَتَنْقَسِمُ إلى ما يُؤْكَلُ وإلى ما لا يُؤْكَلُ، وما يَحِلُّ إنَّما يَحِلُّ إذا ذُبِحَ ذَبْحًا شَرْعِيًّا ثُمَّ إذا ذُبِحَتْ فَلا تَحِلُّ بِجَمِيعِ أجْزائِها، بَلْ يَحْرُمُ مِنها الفَرْثُ والدَّمُ، وكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. القِسْمُ الثّانِي: ما يَحْرُمُ لِخَلَلٍ مِن جِهَةِ إثْباتِ اليَدِ عَلَيْهِ، فَنَقُولُ: أخْذُ المالِ إمّا أنْ يَكُونَ بِاخْتِيارِ المُتَمَلِّكِ، أوْ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ كالإرْثِ، والَّذِي بِاخْتِيارِهِ إمّا أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ غَيْرِ المالِكِ كَأخْذِ المَعادِنِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِن مالِكٍ، وذَلِكَ إمّا أنْ يُؤْخَذَ قَهْرًا أوْ بِالتَّراضِي، والمَأْخُوذُ قَهْرًا إمّا أنْ يُؤْخَذَ لِسُقُوطِ عِصْمَةِ المِلْكِ كالغَنائِمِ، أوْ لِاسْتِحْقاقِ الأخْذِ كَزَكَواتِ المُمْتَنِعِينَ والنَّفَقاتِ الواجِبَةِ عَلَيْهِمْ، والمَأْخُوذُ تَراضِيًا إمّا أنْ يُؤْخَذَ بِعِوَضٍ كالبَيْعِ والصَّداقِ والأُجْرَةِ، وإمّا أنَّ يُؤْخَذَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كالهِبَةِ والوَصِيَّةِ فَيَحْصُلُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ أقْسامٌ سِتَّةٌ: الأوَّلُ: ما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِ مالِكٍ كَنَيْلِ المَعادِنِ، وإحْياءِ المَوْتِ، والِاصْطِيادِ، والِاحْتِطابِ، والِاسْتِقاءِ مِنَ الأنْهارِ، والِاحْتِشاشِ، فَهَذا حَلالٌ بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ المَأْخُوذُ مُخْتَصًّا بِذِي حُرْمَةٍ مِنَ الآدَمِيِّينَ. الثّانِي: المَأْخُوذُ قَهْرًا مِمَّنْ لا حُرْمَةَ لَهُ، وهو الفَيْءُ، والغَنِيمَةُ، وسائِرُ أمْوالِ الكُفّارِ المُحارِبِينَ، وذَلِكَ حَلالٌ لِلْمُسْلِمِينَ إذا أخْرَجُوا مِنهُ الخُمْسَ، وقَسَّمُوهُ بَيْنَ المُسْتَحِقِّينَ بِالعَدْلِ، ولَمْ يَأْخُذُوهُ مِن كافِرٍ لَهُ حُرْمَةٌ وأمانٌ وعَهْدٌ. والثّالِثُ: ما يُؤْخَذُ قَهْرًا بِاسْتِحِقاقٍ عِنْدَ امْتِناعِ مَن عَلَيْهِ فَيُؤْخَذُ دُونَ رِضاهُ، وذَلِكَ حَلالٌ إذا تَمَّ سَبَبُ الِاسْتِحْقاقِ، وتَمَّ وصْفُ المُسْتَحَقِّ واقْتَصَرَ عَلى القَدْرِ المُسْتَحَقِّ. الرّابِعُ: ما يُؤْخَذُ تَراضِيًا بِمُعاوَضَةٍ وذَلِكَ حَلالٌ إذا رُوعِيَ شَرْطُ العِوَضَيْنِ وشَرْطُ العاقِدَيْنَ وشَرْطُ اللَّفْظَيْنِ؛ أعْنِي الإيجابَ والقَبُولَ مِمّا يَعْتَدُّ الشَّرْعُ بِهِ مِنِ اجْتِنابِ الشَّرْطِ المُفْسِدِ. الخامِسُ: ما يُؤْخَذُ بِالرِّضا مِن غَيْرِ عِوَضٍ كَما في الهِبَةِ والوَصِيَّةِ والصَّدَقَةِ إذا رُوعِيَ شَرْطُ المَعْقُودِ عَلَيْهِ، وشَرْطُ العاقِدَيْنِ، وشَرْطُ العَقْدِ، ولَمْ يُؤَدِّ إلى ضَرَرٍ بِوارِثٍ أوْ غَيْرِهِ. السّادِسُ: ما يَحْصُلُ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ كالمِيراثِ، وهو حَلالٌ إذا كانَ المَوْرُوثُ قَدِ اكْتَسَبَ المالَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ الخَمْسِ عَلى وجْهٍ حَلالٍ، ثُمَّ كانَ ذَلِكَ بَعْدَ قَضاءِ الدَّيْنِ، وتَنْفِيذِ الوَصايا، وتَعْدِيلِ القِسْمَةِ بَيْنَ الوَرَثَةِ، وإخْراجِ الزَّكاةِ والحَجِّ والكَفّارَةِ إنْ كانَتْ واجِبَةً، فَهَذا مَجامِعُ مَداخِلِ الحَلالِ، وكُتُبُ الفِقْهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى تَفاصِيلِها فَكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ مالًا حَلالًا، وكُلُّ ما كانَ بِخِلافِهِ كانَ حَرامًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المالُ إمّا أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ أوْ لَهُ، فَإنْ كانَ لِغَيْرِهِ كانَتْ حُرْمَتُهُ لِأجْلِ الوُجُوهِ السِّتَّةِ المَذْكُورَةِ، وإنْ كانَ لَهُ فَأكْلُهُ بِالحَرامِ أنْ يُصْرَفَ إلى شُرْبِ الخَمْرِ والزِّنا واللِّواطِ والقِمارِ أوْ إلى السَّرَفِ المُحَرَّمِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ داخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَرَّرَ هَذا النَّهْيَ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ صفحة ١٠١ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ [النساء: ٢٩] وقالَ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] جَعَلَ آكِلَ الرِّبا في أوَّلِ الأمْرِ مُؤْذِنًا بِمُحارَبَةِ اللَّهِ، وفي آخِرِهِ مُتَعَرِّضًا لِلنّارِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَأْكُلُوا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الأكْلَ خاصَّةً، لِأنَّ غَيْرَ الأكْلِ مِنَ التَّصَرُّفاتِ كالأكْلِ في هَذا البابِ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ المالِ إنَّما هو الأكْلُ وقَعَ التَّعارُفُ فِيمَن يُنْفِقُ مالَهُ أنْ يُقالَ إنَّهُ أكَلَهُ فَلِهَذا السَّبَبِ عَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالأكْلِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”الباطِلُ“ في اللُّغَةِ الزّائِلُ الذّاهِبُ، يُقالُ: بَطَلَ الشَّيْءُ بُطُولًا فَهو باطِلٌ، وجَمْعُ الباطِلِ بَواطِلُ، وأباطِيلُ جَمْعُ أُبْطُولَةٍ، ويُقالُ: بَطَلَ الأجِيرُ يَبْطُلُ بَطالَةً إذا تَعَطَّلَ واتَّبَعَ اللَّهْوَ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الإدْلاءُ مَأْخُوذٌ مِن إدْلاءِ الدَّلْوِ، وهو إرْسالُكَ إيّاها في البِئْرِ لِلِاسْتِقاءِ يُقالُ: أدْلَيْتُ دَلْوِي أُدْلِيها إدْلاءً فَإذا اسْتَخْرَجْتَها، قُلْتَ: دَلَوْتُها قالَ تَعالى: ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩]، ثُمَّ جَعَلَ كُلَّ إلْقاءِ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ إدْلاءً، ومِنهُ يُقالُ لِلْمُحْتَجِّ: أدْلى بِحُجَّتِهِ، كَأنَّهُ يُرْسِلُها لِيَصِيرَ إلى مُرادِهِ كَإدْلاءِ المُسْتَقِي الوَلَدَ لِيَصِلَ إلى مَطْلُوبِهِ مِنَ الماءِ، وفُلانٌ يُدْلِي إلى المَيِّتِ بِقَرابَةٍ أوْ رَحِمٍ، إذا كانَ مُنْتَسِبًا إلَيْهِ فَيَطْلُبُ المِيراثَ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ طَلَبَ المُسْتَحِقِّ بِالدَّلْوِ الماءَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ النَّهْيِ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ، ولا تُدْلُوا إلى الحُكّامِ، أيْ لا تُرْشُوها إلَيْهِمْ لِتَأْكُلُوا طائِفَةً مِن أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، وفي تَشْبِيهِ الرِّشْوَةِ بِالإدْلاءِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرِّشْوَةَ رِشاءُ الحاجَةِ، فَكَما أنَّ الدَّلْوَ المَمْلُوءَ مِنَ الماءِ يَصِلُ مِنَ البَعِيدِ إلى القَرِيبِ بِواسِطَةِ الرِّشاءِ، فالمَقْصُودُ: البَعِيدُ يَصِيرُ قَرِيبًا بِسَبَبِ الرِّشْوَةِ. والثّانِي: أنَّ الحاكِمَ بِسَبَبِ أخْذِ الرِّشْوَةِ يَمْضِي في ذَلِكَ الحُكْمِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ كَمُضِيِّ الدَّلْوِ في الإرْسالِ، ثُمَّ المُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: المُرادُ مِنهُ الوَدائِعُ وما لا يَقُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ هو مالُ اليَتِيمِ في يَدِ الأوْصِياءِ يَدْفَعُونَ بَعْضَهُ إلى الحاكِمِ لِيَبْقى عَلَيْهِمْ بَعْضُهُ. وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الحاكِمِ شَهادَةُ الزُّورِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ. ورابِعُها: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ هو أنْ يَحْلِفَ لِيُذْهِبَ حَقَّهُ. وخامِسُها: هو أنْ يَدْفَعَ إلى الحاكِمِ رِشْوَةً، وهَذا أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ، لِأنَّها بِأسْرِها أكْلٌ بِالباطِلِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فالمَعْنى وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّكم مُبْطِلُونَ، ولا شَكَّ أنَّ الإقْدامَ عَلى القَبِيحِ مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِهِ أقْبَحُ، وصاحِبُهُ بِالتَّوْبِيخِ أحَقُّ، رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «اخْتَصَمَ رَجُلانِ إلى النَّبِيِّ ﷺ: عالِمٌ بِالخُصُومَةِ وجاهِلٌ بِها، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعالِمِ، فَقالَ مَن قُضِيَ عَلَيْهِ: يا رَسُولُ اللَّهِ والَّذِي لا إلَهَ إلّا هو إنِّي مُحِقٌّ، فَقالَ: إنْ شِئْتَ أُعاوِدُهُ، فَعاوَدَهُ فَقَضى لِلْعالِمِ، فَقالَ المَقْضِيُّ عَلَيْهِ مِثْلَ ما قالَ أوَّلًا ثُمَّ عاوَدَهُ ثالِثًا، ثُمَّ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِخُصُومَتِهِ فَإنَّما اقْتَطَعَ قِطْعَةً مِنَ النّارِ“ فَقالَ العالِمُ المَقْضِيُّ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الحَقَّ حَقُّهُ، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مَنِ اقْتَطَعَ صفحة ١٠٢ بِخُصُومَتِهِ وجَدَلِهِ حَقَّ غَيْرِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» “ .

البقرة 2:189

الحُكْمُ التّاسِعُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ما كانَ قَوْمٌ أقَلَّ سُؤالًا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ سَألُوا عَنْ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا فَأُجِيبُوا. وأقُولُ: ثَمانِيَةٌ مِنها في سُورَةِ البَقَرَةِ: أوَّلُها: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] . وثانِيها: هَذِهِ الآيَةُ ثُمَّ السِّتَّةُ الباقِيَةُ بَعْدُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فالمَجْمُوعُ ثَمانِيَةٌ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. والتّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٤] . والعاشِرُ: في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] . والحادِيَ عَشَرَ: في بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] . والثّانِي عَشَرَ: في الكَهْفِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] . والثّالِثَ عَشَرَ: في طه ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ [طه: ١٠٥] . والرّابِعَ عَشَرَ: في النّازِعاتِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ [النازعات: ٤٢] . ولِهَذِهِ الأسْئِلَةِ تَرْتِيبٌ عَجِيبٌ: اثْنانِ مِنها في الأوَّلِ في شَرْحِ المَبْدَأِ: فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾ [البقرة: ١٨٦] وهَذا سُؤالٌ عَنِ الذّاتِ. والثّانِي: قَوْلُهُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾، وهَذا سُؤالٌ عَنْ صِفَةِ الخَلاقِيَّةِ والحِكْمَةِ في جَعْلِ الهِلالِ عَلى هَذا الوَجْهِ، واثْنانِ مِنها في الآخِرَةِ في شَرْحِ المَعادِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ [طه: ١٠٥] . والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [النازعات: ٤٢]، ونَظِيرُ هَذا أنَّهُ ورَدَ في القُرْآنِ سُورَتانِ: أُولاهُما: (يا أيُّها النّاسُ) أحَدُهُما في النِّصْفِ الأوَّلِ، وهي السُّورَةُ الرّابِعَةُ مِن سُورَةِ النِّصْفِ الأوَّلِ، فَإنَّ أُولاها الفاتِحَةُ وثانِيَتُها البَقَرَةُ وثالِثَتُها آلُ عِمْرانَ ورابِعَتُها النِّساءُ، وثانِيَتُهُما في النِّصْفِ الثّانِي مِنَ القُرْآنِ وهي أيْضًا السُّورَةُ الرّابِعَةُ مِن سُوَرِ النِّصْفِ الثّانِي أُولاها مَرْيَمُ، وثانِيَتُها طه، وثالِثَتُها الأنْبِياءُ، ورابِعَتُها الحَجُّ، ثُمَّ (يا أيُّها النّاسُ) الَّتِي في النِّصْفِ الأوَّلِ تَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ المَبْدَأِ، فَقالَ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]، و(يا أيُّها النّاسُ) الَّتِي في النِّصْفِ الثّانِي تَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ المَعادِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] فَسُبْحانَ مَن لَهُ في هَذا القُرْآنِ أسْرارٌ خَفِيَّةٌ، وحِكَمٌ مَطْوِيَّةٌ لا يَعْرِفُها إلّا الخَواصُّ مِن عَبِيدِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: «رُوِيَ أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنَ غَنْمٍ وكُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ مِنَ الأنْصارِ قالا يا رَسُولَ صفحة ١٠٣ اللَّهِ: ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَمْتَلِئَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ حَتّى يَعُودَ كَما بَدَأ، لا يَكُونُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ كالشَّمْسِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» ويُرْوى أيْضًا عَنْ مُعاذٍ أنَّ اليَهُودَ سَألَتْ عَنِ الأهِلَّةِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهم عَنْ أيِّ شَيْءٍ سَألُوا، لَكِنَّ الجَوابَ كالدّالِّ عَلى مَوْضِعِ السُّؤالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى وجْهِ الفائِدَةِ والحِكْمَةِ في تَغَيُّرِ حالِ الأهِلَّةِ في النُّقْصانِ والزِّيادَةِ، فَصارَ القُرْآنُ والخَبَرُ مُتَطابِقَيْنِ في أنَّ السُّؤالَ كانَ عَنْ هَذا المَعْنى. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأهِلَّةُ جَمْعُ هِلالٍ وهو أوَّلُ حالِ القَمَرِ حِينَ يَراهُ النّاسُ، يُقالُ لَهُ: هِلالُ لَيْلَتَيْنِ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ يَكُونُ قَمَرًا بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُسَمّى القَمَرُ لَيْلَتَيْنِ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ هِلالًا، وكَذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ مِن آخِرِ الشَّهْرِ، ثُمَّ يُسَمّى ما بَيْنَ ذَلِكَ قَمَرًا، قالالزَّجّاجُ: فِعالٌ يُجْمَعُ في أقَلِّ العَدَدِ عَلى أفْعِلَةٍ، نَحْوُ مِثالٍ وأمْثِلَةٍ، وحِمارٍ وأحْمِرَةٍ، وفي أكْثَرِ العَدَدِ يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ مِثْلُ حُمُرٍ لِأنَّهم كَرِهُوا في التَّضْعِيفِ فُعَلَ، نَحْوَ هُلَلٍ وخُلَلٍ، فاقْتَصَرُوا عَلى جَمْعِ أدْنى العَدَدِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: المَواقِيتُ جَمْعُ المِيقاتِ بِمَعْنى الوَقْتِ كالمِيعادِ بِمَعْنى الوَعْدِ، وقالَ بَعْضُهُمُ المِيقاتُ مُنْتَهى الوَقْتِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ١٤٢] والهِلالُ مِيقاتُ الشَّهْرِ، ومَواضِعُ الإحْرامِ مَواقِيتُ الحَجِّ؛ لِأنَّها مَواضِعُ يُنْتَهى إلَيْها، ولا تُصْرَفُ مَواقِيتُ لِأنَّها غايَةُ الجُمُوعِ، فَصارَ كَأنَّ الجَمْعَ يُكَرَّرُ فِيها فَإنْ قِيلَ: لَمْ صُرِفَتْ قَوارِيرُ ؟ قِيلَ: لِأنَّها فاصِلَةٌ وقَعَتْ في رَأْسِ آيَةٍ، فَنُوِّنَ لِيَجْرِي عَلى طَرِيقَةِ الآياتِ، كَما تُنَوَّنُ القَوافِي، مِثْلَ قَوْلِهِ: أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابَنْ * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ الزَّمانَ مُقَدَّرًا مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: السَّنَةِ والشَّهْرِ واليَوْمِ والسّاعَةِ، أمّا السَّنَةُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الزَّمانِ الحاصِلِ مِن حَرَكَةِ الشَّمْسِ مِن نُقْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الفَلَكِ بِحَرَكَتِها الحاصِلَةِ عَنْ خِلافِ حَرَكَةِ الفَلَكِ إلى أنْ تَعُودَ إلى تِلْكَ النُّقْطَةِ بِعَيْنِها، إلّا أنَّ القَوْمَ اصْطَلَحُوا عَلى أنَّ تِلْكَ النُّقْطَةَ نُقْطَةُ الِاعْتِدالِ الرَّبِيعِيِّ وهو أوَّلُ الحَمْلِ، وأمّا الشَّهْرُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ حَرَكَةِ القَمَرِ مِن نُقْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن فَلَكِهِ الخاصِّ بِهِ إلى أنْ يَعُودَ إلى تِلْكَ النُّقْطَةِ، ولَمّا كانَ أشْهَرُ أحْوالِ القَمَرِ وضْعَهُ مَعَ الشَّمْسِ، وأشْهَرُ أوْضاعِهِ مِنَ الشَّمْسِ هو الهِلالُ العَرَبِيُّ، مَعَ أنَّ القَمَرَ في هَذا الوَقْتِ يُشْبِهُ المَوْجُودَ بَعْدَ العَدَمِ والمَوْلُودَ الخارِجَ مِنَ الظُّلَمِ لا جَرَمَ جَعَلُوا هَذا الوَقْتَ مُنْتَهًى لِلشَّهْرِ، وأمّا اليَوْمُ بِلَيْلَتِهِ فَهو عِبارَةٌ عَنْ مُفارَقَةِ نُقْطَةٍ مِن دائِرَةِ مُعَدَّلِ النَّهارِ نُقْطَةً مِن دائِرَةِ الأُفُقِ، أوْ نُقْطَةً مِن دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ وعَوْدِها إلَيْها، فالزَّمانُ المُقَدَّرُ عِبارَةٌ عَنِ اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ، ثُمَّ إنَّ المُنَجِّمِينَ اصْطَلَحُوا عَلى تَعْيِينِ دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ مُبْتَدَأ اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ، أمّا أكْثَرُ الأُمَمِ فَإنَّهم جَعَلُوا مَبادِئَ الأيّامِ بِلَيالِيها مِن مُفارَقَةِ الشَّمْسِ أُفُقَ المَشْرِقِ وعَوْدِها إلَيْهِ مِنَ الغَداةِ، واحْتَجَّ مَن نَصَرَ مَذْهَبَهم بِأنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِها كالمَوْجُودِ بَعْدَ العَدَمِ فَجَعَلَهُ أوَّلًا أوْلى، فَزَمانُ النَّهارِ عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةِ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأرْضِ، وزَمانُ اللَّيْلِ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِها تَحْتَ الأرْضِ، وفي شَرِيعَةِ الإسْلامِ يَفْتَتِحُونَ النَّهارَ مِن أوَّلِ وقْتِ صفحة ١٠٤ طُلُوعِ الفَجْرِ في وُجُوبِ الصَّلاةِ والصَّوْمِ وغَيْرِهِما مِنَ الأحْكامِ، وعِنْدَ المُنَجِّمِينَ مُدَّةُ الصَّوْمِ في الشَّرْعِ هي زَمانُ النَّهارِ كُلِّهِ مَعَ زِيادَةٍ مِن زَمانِ اللَّيْلِ مَعْلُومَةِ المِقْدارِ مَحْدُودَةِ المَبْدَأِ، وأمّا السّاعَةُ فَهي عَلى قِسْمَيْنِ: مُسْتَوِيَةٌ جُزْءٌ مِن أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَهَذا كَلامٌ مُخْتَصَرٌ في تَعْرِيفِ السَّنَةِ والشَّهْرِ واليَوْمِ والسّاعَةِ.فَنَقُولُ: أمّا السَّنَةُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ دَوْرَةِ الشَّمْسِ فَتَحْدُثُ بِسَبَبِها الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّمْسَ إذا حَصَلَتْ في الحَمَلِ فَإذا تَرَكَتْ مِن هَذا المَوْضِعِ إلى جانِبِ الشَّمالِ، أخَذَ الهَواءُ في جانِبِ الشَّمالِ شَيْئًا مِنَ السُّخُونَةِ لِقُرْبِها مِن مُسامَتَةِ الرُّؤُوسِ، ويَتَواتَرُ الإسْخانُ إلى أنْ تَصِلَ أوَّلَ السَّرَطانِ، وتَشْتَدُّ الحَرارَةُ ويَزْدادُ الحَرُّ ما دامَتْ في السَّرَطانِ والأسَدِ لِقُرْبِها مِن سَمْتِ الرُّؤُوسِ، ويَتَواتَرُ الإسْخانُ، ثُمَّ يَنْعَكِسُ إلى أنْ يَصِلَ المِيزانَ؛ وحِينَئِذٍ يَطِيبُ الهَواءُ ويَعْتَدِلُ، ثُمَّ يَأْخُذُ الحَرُّ في النُّقْصانِ والبَرْدُ في الزِّيادَةِ، ولا يَزالُ يَزْدادُ البَرْدُ إلى أنْ تَصِلَ الشَّمْسُ إلى أوَّلِ الجَدْيِ، ويَشْتَدُّ البَرْدُ حِينَئِذٍ لِبُعْدِها عَنْ سَمْتِ الرُّؤُوسِ، ويَتَواتَرُ البَرْدُ، ثُمَّ إنَّ الشَّمْسَ تَأْخُذُ في الصُّعُودِ إلى ناحِيَةِ الشَّمالِ، وما دامَتْ في الجَدْيِ والدَّلْوِ، فالبَرْدُ أشَدُّ ما يَكُونُ إلى أنْ تَنْتَهِيَ إلى الحَمَلِ، فَحِينَئِذٍ يَطِيبُ الهَواءُ ويَعْتَدِلُ، وعادَتِ الشَّمْسُ إلى مَبْدَأِ حَرَكَتِها وانْتَهى زَمانُ السَّنَةِ نِهايَتَهُ، وحَصَلَتِ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ الَّتِي هي الرَّبِيعُ والصَّيْفُ والخَرِيفُ والشِّتاءُ، ومَنافِعُ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ وتَعاقُبِها ظاهِرَةٌ مَشْهُورَةٌ في الكُتُبِ. وأمّا الشَّهْرُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ دَوْرَةِ القَمَرِ في فَلَكِهِ الخاصِّ، وزَعَمُوا أنَّ نُورَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الشَّمْسِ وأبَدًا يَكُونُ أحَدُ نِصْفَيْهِ مُضِيئًا بِالتَّمامِ إلّا أنَّهُ عِنْدَ الِاجْتِماعِ يَكُونُ النِّصْفُ المُضِيءُ هو النِّصْفُ الفَوْقانِيُّ فَلا جَرَمَ نَحْنُ لا نَرى مِن نُورِهِ شَيْئًا وعِنْدَ الِاسْتِقْبالِ يَكُونُ نِصْفُهُ المُضِيءُ مُواجِهًا لَنا فَلا جَرَمَ نَراهُ مُسْتَنِيرًا بِالتَّمامِ، وكُلَّما كانَ القَمَرُ أقْرَبَ إلى الشَّمْسِ، كانَ المَرْئِيُّ مِن نَصْفِهِ المُضِيءِ أقَلَّ وكُلَّما كانَ أبْعَدَ كانَ المَرْئِيُّ مِن نَصْفِهِ المُضِيءِ أكْثَرَ، ثُمَّ إنَّهُ مِن وقْتِ الِاجْتِماعِ إلى وقْتِ الِانْفِصالِ يَكُونُ كُلَّ لَيْلَةٍ أبْعَدَ مِنَ الشَّمْسِ، ويُرى كُلَّ لَيْلَةٍ ضَوْءُهُ أكْثَرَ مِن وقْتِ الِاسْتِقْبالِ إلى وقْتِ الِاجْتِماعِ، ويَكُونُ كُلَّ لَيْلَةٍ أقْرَبَ إلى الشَّمْسِ، فَلا جَرَمَ يُرى كُلَّ لَيْلَةٍ ضَوْؤُهُ أقَلَّ، ولا يَزالُ يَقِلُّ ويَقِلُّ: ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] فَهَذا ما قالَهُ أصْحابُ الطَّبائِعِ والنُّجُومِ. وأمّا الَّذِي يَقُولُهُ الأُصُولِيُّونَ فَهو أنَّ القَمَرَ جِسْمٌ، والأجْسامُ كُلُّها مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ، والأشْياءُ المُتَساوِيَةُ في تَمامِ الماهِيَّةِ يَمْتَنِعُ اخْتِلافُها في اللَّوازِمِ، وهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ يَقِينِيَّةٌ، فَإذَنْ حُصُولُ الضَّوْءِ في جِرْمِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أمْرٌ جائِزٌ أنْ يَحْصُلَ، وما كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ رُجْحانُ وجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ إلّا بِسَبَبِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وكُلُّ ما كانَ فِعْلًا لِفاعِلٍ مُخْتارٍ، فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ قادِرًا عَلى إيجادِهِ وعَلى إعْدامِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ إلى إسْنادِ هَذِهِ الِاخْتِلافاتِ الحاصِلَةِ في نُورِ القَمَرِ إلى قُرْبِها وبُعْدِها مِنَ الشَّمْسِ، بَلْ عِنْدَنا أنَّ حُصُولَ النُّورِ في جِرْمِ الشَّمْسِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ إيجادِ القادِرِ المُخْتارِ، وكَذا الَّذِي في جِرْمِ القَمَرِ. * * * بَقِيَ هَهُنا أنْ يُقالَ الفاعِلُ المُخْتارُ لِمَ خَصَّصَ القَمَرَ دُونَ الشَّمْسِ بِهَذِهِ الِاخْتِلافاتِ ؟ فَنَقُولُ لِعُلَماءِ الإسْلامِ في هَذا المَقامِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّ فاعِلِيَّةَ اللَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ تَعْلِيلُها بِغَرَضٍ ومَصْلَحَةٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: إنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَإنْ قَدَرَ عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ بِدُونِ تِلْكَ الواسِطَةِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِعْلُ تِلْكَ الواسِطَةِ عَبَثًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَهو عاجِزٌ. وثانِيها: إنَّ كُلَّ مَن فَعَلَ صفحة ١٠٥ فِعْلًا لِغَرَضٍ، فَإنْ كانَ وُجُودُ ذَلِكَ الغَرَضِ أوْلى لَهُ مِن لا وُجُودِهِ فَهو ناقِصٌ بِذاتِهِ، مُسْتَكْمَلٌ بِغَيْرِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أوْلى لَهُ لَمْ يَكُنْ غَرَضًا. وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ كانَ فِعْلًا مُعَلَّلًا بِغَرَضٍ فَذَلِكَ الغَرَضُ إنْ كانَ مُحْدَثًا افْتَقَرَ إحْداثُهُ إلى غَرَضٍ آخَرَ، وإنْ كانَ قَدِيمًا لَزِمَ مِن قِدَمِهِ قِدَمُ الفِعْلِ وهو مُحالٌ، فَلا جَرَمَ قالُوا: كُلُّ شَيْءٍ صُنْعُهُ ولا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ، ولا يَجُوزُ تَعْلِيلُ أفْعالِهِ وأحْكامِهِ البَتَّةَ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] . والجَوابُ الثّانِي: قَوْلُ مَن قالَ: لا بُدَّ في أفْعالِ اللَّهِ وأحْكامِهِ مِن رِعايَةِ المَصالِحِ والحِكَمِ، والقائِلُونَ بِهَذا المَذْهَبِ سَلَّمُوا أنَّ العُقُولَ البَشَرِيَّةَ قاصِرَةٌ في أكْثَرِ المَواضِعِ عَنِ الوُصُولِ إلى أسْرارِ حِكَمِ اللَّهِ تَعالى في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ القَوْمَ إنَّما سَألُوا عَنِ الحِكْمَةِ في اخْتِلافِ أحْوالِ القَمَرِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ وُجُوهَ الحِكْمَةِ فِيهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ وذَكَرَ هَذا المَعْنى في آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥]، وقالَ في آيَةٍ ثالِثَةٍ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [الإسراء: ١٢]، وتَفْصِيلُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ تَقْدِيرَ الزَّمانِ بِالشُّهُورِ فِيهِ مَنافِعُ بَعْضُها مُتَّصِلٌ بِالدِّينِ وبَعْضُها بِالدُّنْيا، أمّا ما يَتَّصِلُ مِنها بِالدِّينِ فَكَثِيرَةٌ مِنها الصَّوْمُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وثانِيها: الحَجُّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وثالِثُها: عِدَّةُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . ورابِعُها: النُّذُورُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالأوْقاتِ، ولِفَضائِلِ الصَّوْمِ في أيّامٍ لا تُعْلَمُ إلّا بِالأهِلَّةِ. وأمّا ما يَتَّصِلُ مِنها بِالدُّنْيا فَهو كالمُدايَناتِ والإجاراتِ والمَواعِيدِ ولِمُدَّةِ الحَمْلِ والرَّضاعِ كَما قالَ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وغَيْرِها، فَكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يَسْهُلُ ضَبْطُ أوْقاتِها إلّا عِنْدَ وُقُوعِ الِاخْتِلافِ في شَكْلِ القَمَرِ. فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنّا نَحْتاجُ في تَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ إلى حُصُولِ الشَّهْرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُمْكِنُ تَقْدِيرُها بِالسَّنَةِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ دَوْرَةِ الشَّمْسِ وبِإجْرائِها مِثْلُ أنْ يُقالَ: كَلَّفَتْكم بِالطّاعَةِ الفُلانِيَّةِ في أوَّلِ السَّنَةِ، أوْ في سُدُسِها، أوْ نِصْفِها، وهَكَذا سائِرُ الأجْزاءِ، ويُمْكِنُ تَقْدِيرُها بِالأيّامِ مِثْلُ أنْ يُقالَ: كُلِّفْتُمْ بِالطّاعَةِ الفُلانِيَّةِ في اليَوْمِ الأوَّلِ مِنَ السَّنَةِ وبَعْدَ خَمْسِينَ يَوْمًا مِن أوَّلِ السَّنَةِ، وأيْضًا بِتَقْدِيرِ أنْ يُساعِدَ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مَعَ تَقْدِيرِ الزَّمانِ بِالسَّنَةِ وبِاليَوْمِ تَقْدِيرُهُ بِالقَمَرِ لَكِنَّ الشَّهْرَ عِبارَةٌ عَنْ دَوْرَةٍ مِنِ اجْتِماعِهِ مَعَ الشَّمْسِ إلى أنْ يَجْتَمِعَ مَعَها مَرَّةً أُخْرى هَذا التَّقْدِيرُ حاصِلٌ سَواءٌ حَصَلَ الِاخْتِلافُ في أشْكالِ نُورِهِ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، ألا تَرى أنَّ تَقْدِيرَ السَّنَةِ بِحَرَكَةِ الشَّمْسِ وإنْ لَمْ تَحْصُلْ في نُورِ الشَّمْسِ اخْتِلافًا، فَكَذا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الشَّمْسِ بِحَرَكَةِ القَمَرِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ في نُورِ القَمَرِ اخْتِلافٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ لِنُورِ القَمَرِ مُخالَفَةٌ بِحالٍ ولا أثَرٌ في هَذا البابِ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيرُهُ بِهِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: إنَّ ما ذَكَرْتُمْ وإنْ كانَ مُمْكِنًا إلّا أنَّ إحْصاءَ الأهِلَّةِ أيْسَرُ مِن إحْصاءِ الأيّامِ؛ لِأنَّ الأهِلَّةَ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، والأيّامَ كَثِيرَةٌ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ تَقْسِيمَ جُمْلَةِ الزَّمانِ إلى السِّنِينَ، ثُمَّ تَقْسِيمَ كُلِّ سَنَةٍ إلى الشُّهُورِ، ثُمَّ تَقْسِيمَ الشُّهُورِ إلى الأيّامِ، ثُمَّ تَقْسِيمَ كُلِّ يَوْمٍ إلى السّاعاتِ، ثُمَّ تَقْسِيمَ كُلِّ ساعَةٍ إلى الأنْفاسِ أقْرَبُ إلى الضَّبْطِ وأبْعَدُ عَنِ الخَبْطِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ﴾ صفحة ١٠٦ ﴿شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] وهَذا كَما أنَّ المُصَنِّفَ الَّذِي يُراعِي حُسْنَ التَّرْتِيبِ يُقَسِّمُ تَصْنِيفَهُ إلى الكُتُبِ، ثُمَّ كُلَّ كِتابٍ إلى الأبْوابِ، ثُمَّ كُلَّ بابٍ إلى الفُصُولِ ثُمَّ كُلَّ فَصْلٍ إلى المَسائِلِ فَكَذا هَهُنا الجَوابُ عَنْهُ. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَجَوابُهُ ما ذَكَرْتُمْ، إلّا أنَّهُ مَتى كانَ القَمَرُ مُخْتَلِفَ الشَّكْلِ، كانَ مَعْرِفَةُ أوائِلِ الشُّهُورِ وأنْصافِها وأواخِرِها أسْهَلَ مِمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وأخْبَرَ جَلَّ جَلالُهُ أنَّهُ دَبَّرَ الأهِلَّةَ هَذا التَّدْبِيرَ العَجِيبَ لِمَنافِعِ عِبادِهِ في قِوامِ دُنْياهم مَعَ ما يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وكَمالِ قُدْرَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]، وأيْضًا لَوْ لَمْ يَقَعْ في جِرْمِ القَمَرِ هَذا الِاخْتِلافُ لَتَأكَّدَتْ شُبَهُ الفَلاسِفَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ لا يُمْكِنُ تَطَرُّقُ التَّغْيِيرِ إلى أحْوالِها، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى بِحِكْمَتِهِ القاهِرَةِ أبْقى الشَّمْسَ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، وأظْهَرَ الِاخْتِلافَ في أحْوالِ القَمَرِ لِيَظْهَرَ لِلْعاقِلِ أنَّ بَقاءَ الشَّمْسِ عَلى أحْوالِها لَيْسَ إلّا بِإبْقاءِ اللَّهِ، وتَغَيُّرَ القَمَرِ في أشْكالِهِ لَيْسَ إلّا بِتَغْيِيرِ اللَّهِ فَيَصِيرُ الكُلُّ بِهَذا الطَّرِيقِ شاهِدًا عَلى افْتِقارِها إلى مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ قادِرٍ قاهِرٍ، كَما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] . إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الجُمْلَةَ فَنَقُولُ: إنَّهُ لَمّا ظَهَرَ أنَّ الِاخْتِلافَ في أحْوالِ القَمَرِ مَعُونَةٌ عَظِيمَةٌ في تَعْيِينِ الأوْقاتِ مِنَ الجِهاتِ الَّتِي ذَكَرْناها نَبَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَنافِعِ، لِأنَّ تَعْدِيدَ جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْضِي إلى الإطْنابِ، والِاقْتِصارَ عَلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ تَرْجِيحٌ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ فَلَمْ يَبْقَ إلّا الِاقْتِصارُ عَلى كَوْنِهِ مِيقاتًا فَكانَ هَذا الِاقْتِصارُ دَلِيلًا عَلى الفَصاحَةِ العَظِيمَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والحَجِّ﴾ فَفِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ ولِلْحَجِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أيْ لِأوْلادِكم، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الأهِلَّةَ مَواقِيتُ لِكَثِيرٍ مِنَ العِباداتِ فَإفْرادُ الحَجِّ بِالذِّكْرِ لا بُدَّ فِيهِ مِن فائِدَةٍ ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ تِلْكَ الفائِدَةُ هي أنَّ مَواقِيتَ الحَجِّ لا تُعْرَفُ إلّا بِالأهِلَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وذَلِكَ لِأنَّ وقْتَ الصَّوْمِ لا يُعْرَفُ إلّا بِالأهِلَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» “ وأحْسَنُ الوُجُوهِ فِيهِ ما ذَكَرَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وهو أنَّ إفْرادَ الحَجِّ بِالذِّكْرِ إنَّما كانَ لِبَيانِ أنَّ الحَجَّ مَقْصُورٌ عَلى الأشْهُرِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى لِفَرْضِهِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ نَقْلُ الحَجِّ مِن تِلْكَ الأشْهُرِ إلى أشْهُرٍ كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ في النَّسِيءِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الحَسَنُ والأصَمُّ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا هَمَّ بِشَيْءٍ فَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ مَطْلُوبُهُ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ مِن بابِهِ بَلْ يَأْتِيهِ مِن خَلْفِهِ ويَبْقى عَلى هَذِهِ الحالَةِ حَوْلًا كامِلًا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَهُ تَطَيُّرًا، وعَلى هَذا تَأْوِيلُ الآيَةِ لَيْسَ البِرُّ أنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها عَلى وجْهِ التَّطَيُّرِ، لَكِنَّ البِرَّ مَن يَتَّقِي اللَّهَ ولَمْ يَتَّقِ غَيْرَهُ ولَمْ يَخَفْ شَيْئًا كانَ يَتَطَيَّرُ بِهِ، بَلْ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى واتَّقاهُ وحْدَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ لِتَفُوزُوا بِالخَيْرِ في الدِّينِ والدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن﴾ صفحة ١٠٧ ﴿أمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] وتَمامُ التَّحْقِيقِ في الآيَةِ أنَّ مَن رَجَعَ خائِبًا يُقالُ: ما أفْلَحَ وما أنْجَحَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَلاحُ المَذْكُورُ في الآيَةِ هو أنَّ الواجِبَ عَلَيْكم أنْ تَتَّقُوا اللَّهَ حَتّى تَصِيرُوا مُفْلِحِينَ مُنْجِحِينَ، وقَدْ ورَدَتِ الأخْبارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّطَيُّرِ، وقالَ: ”«لا عَدْوى ولا طِيرَةَ» “، وقالَ: ”«مَن رَدَّهُ عَنْ سَفَرِهِ تَطِيرٌ فَقَدْ أشْرَكَ» “ أوْ كَما قالَ، وأنَّهُ كانَ يَكْرَهُ الطِّيَرَةَ ويُحِبُّ الفَأْلَ الحَسَنَ، وقَدْ عابَ اللَّهُ تَعالى قَوْمًا تَطَيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧] . الوَجْهُ الثّانِي في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: رُوِيَ أنَّهُ في أوَّلِ الإسْلامِ كانَ إذا أحْرَمَ الرَّجُلُ مِنهم فَإنْ كانَ مِن أهْلِ المُدُنِ نَقَبَ في ظَهْرِ بَيْتِهِ مِنهُ يَدْخُلُ ويَخْرُجُ، أوْ يَتَّخِذُ سُلَّمًا يَصْعَدُ مِنهُ سَطْحَ دارِهِ ثُمَّ يَنْحَدِرُ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ الوَبَرِ خَرَجَ مِن خَلْفِ الخِباءِ، فَقِيلَ لَهم: لَيْسَ البِرُّ بِتَحَرُّجِكم عَنْ دُخُولِ البابِ، ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى. الوَجْهُ الثّالِثُ: إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ إذا أحْرَمَ أحَدُهم نَقَبَ خَلْفَ بَيْتِهِ أوْ خَيْمَتِهِ نَقْبًا مِنهُ يَدْخُلُ ويَخْرُجُ إلّا الحُمْسُ، وهم قُرَيْشٌ وكِنانَةُ وخُزاعَةُ وثَقِيفٌ وخَيْثَمُ وبَنُو عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وبَنُو نَصْرِ بْنِ مُعاوِيَةَ، وهَؤُلاءِ سُمُّوا حُمْسًا لِتَشَدُّدِهِمْ في دِينِهِمْ، الحَماسَةُ: الشِّدَّةُ، وهَؤُلاءِ مَتى أحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمُ البَتَّةَ ولا يَسْتَظِلُّونَ الوَبَرَ ولا يَأْكُلُونَ السَّمْنَ والأقِطَ، ثُمَّ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ مُحْرِمًا ورَجُلٌ آخَرُ كانَ مُحْرِمًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حالَ كَوْنِهِ مُحْرِمًا مِن بابِ بُسْتانٍ قَدْ خَرِبَ فَأبْصَرَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي كانَ مُحْرِمًا فاتَّبَعَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: تَنَحَّ عَنِّي، قالَ: ولِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: دَخَلْتَ البابَ وأنْتَ مُحْرِمٌ فَوَقَفَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقالَ: إنِّي رَضِيتُ بِسُنَّتِكَ وهَدْيِكَ وقَدْ رَأيْتُكَ دَخَلْتَ فَدَخَلْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» وأعْلَمَهم أنَّ تَشْدِيدَهم في أمْرِ الإحْرامِ لَيْسَ بِبِرٍّ ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى مُخالَفَةَ اللَّهِ وأمَرَهم بِتَرْكِ سُنَّةِ الجاهِلِيَّةِ فَقالَ: ﴿وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ فَهَذا ما قِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ الَّتِي رَوَيْناها في سَبَبِ النُّزُولِ، إلّا أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ صَعُبَ الكَلامُ في نَظْمِ الآيَةِ، فَإنَّ القَوْمَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحِكْمَةِ في تَغْيِيرِ نُورِ القَمَرِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ في ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾، فَأيُّ تَعَلُّقٍ بَيْنَ بَيانِ الحِكْمَةِ في اخْتِلافِ نُورِ القَمَرِ، وبَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ ؟ ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ أجابُوا عَنْ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ الحِكْمَةَ في اخْتِلافِ أحْوالِ الأهِلَّةِ جَعْلُها مَواقِيتَ لِلنّاسِ والحَجِّ، وكانَ هَذا الأمْرُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي اعْتَبَرَها في الحَجِّ لا جَرَمَ تَكَلَّمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى إنَّما وصَلَ قَوْلَهُ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ لِأنَّهُ إنَّما اتَّفَقَ وُقُوعُ القِصَّتَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ ووَصَلَ أحَدَ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ. وثالِثُها: كَأنَّهم سَألُوا عَنِ الحِكْمَةِ في اخْتِلافِ حالِ الأهِلَّةِ فَقِيلَ لَهم: اتْرُكُوا السُّؤالَ عَنْ هَذا الأمْرِ الَّذِي لا يَعْنِيكم وارْجِعُوا إلى ما البَحْثُ عَنْهُ أهَمُّ لَكم فَإنَّكم تَظُنُّونَ أنَّ إتْيانَ البُيُوتِ مِن ظُهُورِها بِرٌّ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم، ولَيْسَ المُرادُ ظاهِرَهُ، وتَفْسِيرُهُ أنَّ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ المَعْلُومَ هو أنْ يَسْتَدِلَّ بِالمَعْلُومِ عَلى صفحة ١٠٨ المَظْنُونِ، فَأمّا أنْ يَسْتَدِلَّ بِالمَظْنُونِ عَلى المَعْلُومِ فَذاكَ عَكْسُ الواجِبِ وضِدُّ الحَقِّ وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّ لِلْعالِمِ صانِعًا مُخْتارًا حَكِيمًا، وثَبَتَ أنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ البَرِيءَ عَنِ العَبَثِ والسَّفَهِ، ومَتى عَرَفْنا ذَلِكَ، وعَرَفْنا أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ القَمَرِ في النُّورِ مِن فِعْلِهِ عَلِمْنا أنَّ فِيهِ حِكْمَةً ومَصْلَحَةً، وذَلِكَ لِأنَّ عِلْمَنا بِهَذا الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا الحِكْمَةَ يُفِيدُنا القَطْعَ بِأنَّ فِيهِ حِكْمَةً، لِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِالمَعْلُومِ عَلى المَجْهُولِ، فَأمّا أنْ يَسْتَدِلَّ بِعَدَمِ عِلْمِنا بِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ لَيْسَ بِالحَكِيمِ، فَهَذا الِاسْتِدْلالُ باطِلٌ، لِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِالمَجْهُولِ عَلى القَدْحِ في المَعْلُومِ إذا عَرَفْتَ هَذا، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ يَعْنِي أنَّكم لَمّا لَمْ تَعْلَمُوا حِكْمَتَهُ في اخْتِلافِ نُورِ القَمَرِ صِرْتُمْ شاكِّينَ في حِكْمَةِ الخالِقِ، فَقَدْ أتَيْتُمُ الشَّيْءَ لا مِنَ البِرِّ ولا مِن كَمالِ العَقْلِ إنَّما البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها فَتَسْتَدِلُّوا بِالمَعْلُومِ المُتَيَقِّنِ وهو حِكْمَةُ خالِقِها عَلى هَذا المَجْهُولِ فَتَقْطَعُوا بِأنَّ فِيهِ حِكْمَةً بالِغَةً، وإنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَها، فَجَعَلَ إتْيانَ البُيُوتِ مِن ظُهُورِها كِنايَةً عَنِ العُدُولِ عَنِ الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ، وإتْيانَها مِن أبْوابِها كِنايَةً عَنِ التَّمَسُّكِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، وهَذا طَرِيقٌ مَشْهُورٌ في الكِنايَةِ فَإنَّ مَن أرْشَدَ غَيْرَهُ إلى الوَجْهِ الصَّوابِ يَقُولُ لَهُ: يَنْبَغِي أنْ تَأْتِيَ الأمْرَ مِن بابِهِ، وفي ضِدِّهِ يُقالُ: إنَّهُ ذَهَبَ إلى الشَّيْءِ مِن غَيْرِ بابِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وقالَ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكُمْ﴾ [هود: ٩٢] فَلَمّا كانَ هَذا طَرِيقًا مَشْهُورًا مُعْتادًا في الكِناياتِ، ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا، وهَذا تَأْوِيلُ المُتَكَلِّمِينَ ولا يَصِحُّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ تَفْسِيرَها بِالوَجْهِ الأوَّلِ يَطْرُقُ إلى الآيَةِ سُوءَ التَّرْتِيبِ وكَلامُ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنْهُ. القَوْلُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ، أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما كانُوا يَعْلَمُونَهُ مِنَ النَّسِيءِ، فَإنَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ الحَجَّ عَنْ وقْتِهِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُ فَيُحَرِّمُونَ الحَلالَ ويُحِلُّونَ الحَرامَ، فَذِكْرُ إتْيانِ البُيُوتِ مِن ظُهُورِها مَثَلٌ لِمُخالَفَةِ الواجِبِ في الحَجِّ وشُهُورِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقى فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وقالُونُ عَنْ نافِعٍ ”البِيُوتَ“ بِكَسْرِ الباءِ لِأنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الخُرُوجَ مِن ضَمَّةِ باءٍ إلى ياءٍ، والباقُونَ بِالضَّمِّ عَلى الأصْلِ ولِلْقُرّاءِ فِيها وفي نَظائِرِها نَحْوِ بُيُوتٍ، وعُيُونٍ، وجُيُوبٍ، مَذاهِبُ واخْتِلافاتٌ يَطُولُ تَفْصِيلُها. أمّا قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا دُخُولَ كُلِّ واجِبٍ واجْتِنابَ كُلِّ مُحَرَّمٍ تَحْتَهُ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لِكَيْ تُفْلِحُوا، والفَلاحُ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى إرادَتِهِ تَعالى الفَلاحَ مِن جَمِيعِهِمْ، لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ في الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:190

الحُكْمُ العاشِرُ ما يَتَعَلَّقُ بِالقِتالِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ صفحة ١٠٩ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالِاسْتِقامَةِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالتَّقْوى في طَرِيقِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ [البقرة: ١٨٩] وأمَرَ بِالتَّقْوى في طَرِيقِ طاعَةِ اللَّهِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ المَحْظُوراتِ وفِعْلِ الواجِباتِ فالِاسْتِقامَةُ عِلْمٌ، والتَّقْوى عَمَلٌ، ولَيْسَ التَّكْلِيفُ إلّا في هَذَيْنِ، ثُمَّ لَمّا أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأشَدِّ أقْسامِ التَّقْوى وأشَقِّها عَلى النَّفْسِ، وهو قَتْلُ أعْداءِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ النُّزُولِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ، فَلَمّا نَزَلَتْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتَلَ، ويَكُفُّ عَنْ قِتالِ مَن تَرَكَهُ، وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ إلى أنَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - خَرَجَ بِأصْحابِهِ لِإرادَةِ الحَجِّ ونَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ وهو مَوْضِعٌ كَثِيرُ الشَّجَرِ والماءِ، فَصَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنْ دُخُولِ البَيْتِ فَأقامَ شَهْرًا لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ صالَحُوهُ عَلى أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ العامَ ويَعُودَ إلَيْهِمْ في العامِ القابِلِ، ويَتْرُكُونَ لَهُ مَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ حَتّى يَطُوفَ ويَنْحَرَ الهَدْيَ ويَفْعَلَ ما شاءَ، فَرَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وصالَحَهم عَلَيْهِ، ثُمَّ عادَ إلى المَدِينَةِ وتَجَهَّزَ في السَّنَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ خافَ أصْحابُهُ مِن قُرَيْشٍ أنْ لا يَفُوا بِالوَعْدِ ويَصُدُّوهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وأنْ يُقاتِلُوهم، وكانُوا كارِهِينَ لِمُقاتَلَتِهِمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ وفي الحَرَمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ، وبَيَّنَ لَهم كَيْفِيَّةَ المُقاتَلَةِ إنِ احْتاجُوا إلَيْها، فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في طاعَتِهِ وطَلَبِ رِضْوانِهِ، رَوى أبُو مُوسى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَمَّنْ يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَقالَ: هو مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، ولا يُقاتِلُ رِياءً ولا سُمْعَةً» . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، المُرادُ مِنهُ: قاتِلُوا الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم إمّا عَلى وجْهِ الدَّفْعِ عَنِ الحَجِّ، أوْ عَلى وجْهِ المُقاتَلَةِ ابْتِداءً، وهَذا الوَجْهُ مُوافِقٌ لِما رَوَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: قاتِلُوا كُلَّ مَن لَهُ قُدْرَةٌ وأهْلِيَّةٌ عَلى القِتالِ. وثالِثُها: قاتَلُوا كُلَّ مَن لَهُ قُدْرَةٌ عَلى القِتالِ وأهْلِيَّةٌ كَذَلِكَ سِوى مَن جَنَحَ لِلسَّلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنفال: ٦١] واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم فاعِلِينَ لِلْقِتالِ، فَأمّا المُسْتَعِدُّ لِلْقِتالِ والمُتَأهِّلُ لَهُ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُقاتِلًا إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ قِتالَ المُقاتِلِينَ، ونَهى عَنْ قِتالِ غَيْرِ المُقاتِلِينَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ ثُمَّ بَعْدَهُ: ولا تَعْتَدُوا هَذا القَدْرَ، ولا تُقاتِلُوا مَن لا يُقاتِلُكم، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مانِعَةٌ مِن قِتالِ غَيْرِ المُقاتِلِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فاقْتَضى هَذا حُصُولَ الأوَّلِ صفحة ١١٠ فِي قِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الأمْرِ بِقِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلْنا، لَكِنَّ هَذا الحُكْمَ ما صارَ مَنسُوخًا. أمّا قَوْلُهُ: إنَّها دالَّةٌ عَلى المَنعِ مِن قِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلْنا، فَهَذا غَيْرُ مُسَلَّمٌ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ فَهَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخَرَ سِوى ما ذَكَرْتُمْ، مِنها أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تَبْدَؤُوا في الحَرَمِ بِقِتالٍ، ومِنها أنْ يَكُونَ المُرادُ: ولا تَعْتَدُوا بِقِتالِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قِتالِهِ مِنَ الَّذِينَ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ، أوْ بِالحِيلَةِ أوْ بِالمُفاجَأةِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ دَعْوَةٍ، أوْ بِقَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيانِ والشَّيْخِ الفانِي، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ لا تَكُونُ الآيَةُ مَنسُوخَةً. فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ لا نَسْخَ في الآيَةِ، ولَكِنْ ما السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ أوَّلًا بِقِتالِ مَن يُقاتِلُ، ثُمَّ في آخِرِ الأمْرِ أذِنَ في قِتالِهِمْ سَواءً قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا. قُلْنا: لِأنَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ المُسْلِمُونَ قَلِيلِينَ، فَكانَ الصَّلاحُ اسْتِعْمالَ الرِّفْقِ واللِّينِ والمُجامَلَةِ، فَلَمّا قَوِيَ الإسْلامُ وكَثُرَ الجَمْعُ، وأقامَ مَن أقامَ مِنهم عَلى الشِّرْكِ، بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ وتَكَرُّرِها عَلَيْهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ، حَصَلَ اليَأْسُ مِن إسْلامِهِمْ، فَلا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقِتالِهِمْ عَلى الإطْلاقِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ قالُوا: لَوْ كانَ الِاعْتِداءُ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى وبِتَخْلِيقِهِ لَما صَحَّ هَذا الكَلامُ، وجَوابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:191

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الثَّقْفُ وُجُودُهُ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ ومِنهُ رَجُلٌ ثَقِيفٌ سَرِيعُ الأخْذِ لِأقْرانِهِ، قالَ: فَإمّا تَثْقَفُونِي فاقْتُلُونِي فَمَن أُثْقَفَ فَلَيْسَ إلى خُلُودٍ ثُمَّ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ الخِطابُ فِيهِ واقِعٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ومَن هاجَرَ مَعَهُ وإنْ كانَ الغَرَضُ بِهِ لازِمًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أمَرَ بِقَتْلِهِمْ في الآيَةِ الأُولى وهُمُ الكُفّارُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ كانُوا في الحِلِّ والحَرَمِ، وفي الشَّهْرِ الحَرامِ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالجِهادِ في الآيَةِ الأُولى بِشَرْطِ إقْدامِ الكُفّارِ عَلى المُقاتَلَةِ، وفي هَذِهِ زادَ في التَّكْلِيفِ فَأمَرَ بِالجِهادِ مَعَهم سَواءٌ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا، واسْتَثْنى مِنهُ المُقاتَلَةَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا فِي﴾ صفحة ١١١ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، ثُمَّ تِلْكَ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وهَذا الكَلامُ ضَعِيفٌ. أمّا قَوْلُهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ إبْطالُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، فَهَذا مِن بابِ التَّخْصِيصِ لا مِن بابِ النَّسْخِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَهو خَطَأٌ أيْضًا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِالقِتالِ في الحَرَمِ، وهَذا الحُكْمُ ما نُسِخَ بَلْ هو باقٍ؛ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ ضَعِيفٌ ولِأنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ آياتٍ مُتَوالِيَةٍ تَكُونُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها ناسِخَةً لِلْأُخْرى. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإخْراجَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم كَلَّفُوهُمُ الخُرُوجَ قَهْرًا. والثّانِي: أنَّهم بالَغُوا في تَخْوِيفِهِمْ وتَشْدِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، حَتّى صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الخُرُوجِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ صِيغَةَ ”حَيْثُ“ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أخْرِجُوهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي أخْرَجُوكم وهو مَكَّةُ. والثّانِي: أخْرِجُوهم مِن مَنازِلِكم. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يُخْرِجُوا أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن مَكَّةَ إنْ أقامُوا عَلى شِرْكِهِمْ إنْ تَمَكَّنُوا مِنهُ، لَكِنَّهُ كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يَتَمَكَّنُونَ مِنهُ فِيما بَعْدُ، ولِهَذا السَّبَبِ أجْلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ مُشْرِكٍ مِنَ الحَرَمِ، ثُمَّ أجْلاهم أيْضًا مِنَ المَدِينَةِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَجْتَمِعُ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ» “ . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ الفِتْنَةِ الكُفْرُ بِاللَّهِ تَعالى، وإنَّما سُمِّيَ الكُفْرُ بِالفِتْنَةِ لِأنَّهُ فَسادٌ في الأرْضِ يُؤَدِّي إلى الظُّلْمِ والهَرْجِ، وفِيهِ الفِتْنَةُ، وإنَّما جَعَلَ الكُفْرَ أعْظَمَ مِنَ القَتْلِ، لِأنَّ الكُفْرَ ذَنْبٌ يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ بِهِ العِقابَ الدّائِمَ، والقَتْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ، والكُفْرُ يَخْرُجُ صاحِبُهُ بِهِ عَنِ الأُمَّةِ، والقَتْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَكانَ الكُفْرُ أعْظَمَ مِنَ القَتْلِ، ورُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ كانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ الكُفّارِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فالمُؤْمِنُونَ عابُوهُ عَلى ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَكانَ المَعْنى لَيْسَ لَكم أنْ تَسْتَعْظِمُوا الإقْدامَ عَلى القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَإنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ في الشَّهْرِ الحَرامِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. وثانِيها: أنَّ الفِتْنَةَ أصْلُها عَرْضُ الذَّهَبِ عَلى النّارِ لِاسْتِخْلاصِهِ مِنَ الغِشِّ، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِكُلِّ ما كانَ سَبَبًا لِلِامْتِحانِ تَشْبِيهًا بِهَذا الأصْلِ، والمَعْنى: أنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ وعَلى تَخْوِيفِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى تَشْدِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ صارُوا مُلْجَئِينَ إلى تَرْكِ الأهْلِ والوَطَنِ هَرَبًا مِن إضْلالِهِمْ في الدِّينِ، وتَخْلِيصًا لِلنَّفْسِ مِمّا يَخافُونَ ويَحْذَرُونَ، فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ بَلْ هي أشَدُّ مِنَ القَتْلِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّخْلِيصَ مِن غُمُومِ الدُّنْيا وآفاتِها، وقالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: ما أشَدُّ مِن هَذا القَتْلِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكم جَزاءً غَيْرَ تِلْكَ الفِتْنَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي يَلْزَمُهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اقْتُلُوهم مِن حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم، واعْلَمْ أنَّ وراءَ ذَلِكَ مِن عَذابِ اللَّهِ ما هو أشَدُّ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ [التوبة: ٥٢] وإطْلاقُ اسْمِ الفِتْنَةِ عَلى العَذابِ جائِزٌ، وذَلِكَ مِن بابِ إطْلاقِ صفحة ١١٢ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] أيْ عَذابَكم، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] أيْ عَذَّبُوهم، وقالَ: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] أيْ عَذابَهم كَعَذابِهِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ فِتْنَتَهم إيّاكم بِصَدِّكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، أشَدَّ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ، لِأنَّهم يَسْعَوْنَ في المَنعِ مِنَ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ الَّتِي ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لَها. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ ارْتِدادَ المُؤْمِنِ أشَدُّ عَلَيْهِ مِن أنْ يُقْتَلَ مُحِقًّا، والمَعْنى: وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم ولَوْ أتى ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكم فَإنَّكم إنْ قُتِلْتُمْ وأنْتُمْ عَلى الحَقِّ كانَ ذَلِكَ أوْلى بِكم وأسْهَلَ عَلَيْكم مِن أنْ تَرْتَدُّوا عَنْ دِينِكم أوْ تَتَكاسَلُوا في طاعَةِ رَبِّكم. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا بَيانٌ لِبَقاءِ هَذا الشَّرْطِ في قِتالِهِمْ في هَذِهِ البُقْعَةِ خاصَّةً، وقَدْ كانَ مِن قَبْلُ شَرْطًا في كُلِّ القِتالِ وفي الأشْهُرِ الحُرُمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولا تَقْتُلُوهم حَتّى يَقْتُلُوكم فَإنْ قَتَلُوكم) كُلَّهُ بِغَيْرِ ألْفٍ، والباقُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِالألْفِ، وهو في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وإنَّما كُتِبَتْ كَذَلِكَ لِلْإيجازِ، كَما كُتِبَ: الرَّحْمَنُ بِغَيْرِ ألْفٍ، وكَذَلِكَ: صَلِحُ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِن حُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ، قالَ القاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ: القِراءَتانِ المَشْهُورَتانِ إذا لَمْ يَتَنافَ العَمَلُ وجَبَ العَمَلُ بِهِما، كَما يُعْمَلُ بِالآيَتَيْنِ إذا لَمْ يَتَنافَ العَمَلُ بِهِما، وما يَقْتَضِيهِ هاتانِ القِراءَتانِ المَشْهُورَتانِ لا تَنافِيَ فِيهِ، فَيَجِبُ العَمَلُ بِهِما ما لَمْ يَقَعِ النَّسْخُ فِيهِ. يُرْوى أنَّ الأعْمَشَ قالَ لِحَمْزَةَ: أرَأيْتَ قِراءَتَكَ إذا صارَ الرَّجُلُ مَقْتُولًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ يَصِيرُ قاتِلًا لِغَيْرِهِ ؟ فَقالَ حَمْزَةُ: إنَّ العَرَبَ إذا قُتِلَ رَجُلٌ مِنهم قالُوا قُتِلْنا، وإذا ضُرِبَ رَجُلٌ مِنهم قالُوا ضُرِبْنا. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحَنَفِيَّةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ المُلْتَجِئِ إلى الحَرَمِ، وقالُوا: لَمّا لَمْ يَجُزِ القَتْلُ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ بِسَبَبِ جِنايَةِ الكُفْرِ، فَلِأنْ لا يَجُوزَ القَتْلُ في المَسْجِدِ الحَرامِ بِسَبَبِ الذَّنْبِ الَّذِي هو دُونَ الكُفْرِ كانَ أوْلى، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ في كُتُبِ الخِلافِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وكانَ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ أنَّ ذَلِكَ القِتالَ لا يَزالُ وإنِ انْتَهَوْا وتابُوا كَما ثَبَتَ في كَثِيرٍ مِنَ الحُدُودِ أنَّ التَّوْبَةَ لا تُزِيلُهُ، فَقالَ تَعالى بَعْدَما أوْجَبَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بَيَّنَ بِهَذا أنَّهم مَتى انْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ سَقَطَ وُجُوبُ القَتْلِ عَنْهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . * * * وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ القِتالِ، وقالَ الحَسَنُ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الشِّرْكِ. حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإذْنِ في القِتالِ مَنعُ الكُفّارِ عَنِ المُقاتَلَةِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ مَحْمُولًا عَلى تَرْكِ المُقاتَلَةِ. حُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ الكافِرَ لا يَنالُ غُفْرانَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِتَرْكِ القِتالِ، بَلْ بِتَرْكِ الكُفْرِ. صفحة ١١٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِانْتِهاءُ عَنِ الكُفْرِ لا يَحْصُلُ في الحَقِيقَةِ إلّا بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: التَّوْبَةُ، والآخَرُ التَّمَسُّكُ بِالإسْلامِ، وإنْ كانَ قَدْ يُقالُ في الظّاهِرِ لِمَن أظْهَرَ الشَّهادَتَيْنِ: إنَّهُ انْتَهى عَنِ الكُفْرِ إلّا أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُؤَثِّرُ في حَقْنِ الدَّمِ فَقَطْ. أمّا الَّذِي يُؤَثِّرُ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ والغُفْرانِ والحُرْمَةِ فَلَيْسَ إلّا ما ذَكَرْنا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِن كُلِّ ذَنْبٍ مَقْبُولَةٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: التَّوْبَةُ عَنِ القَتْلِ العَمْدِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ خَطَأٌ، لِأنَّ الشِّرْكَ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ، فَإذا قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَةَ الكافِرِ فَقَبُولُ تَوْبَةِ القاتِلِ أوْلى، وأيْضًا فالكافِرُ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ جَمَعَ مَعَ كَوْنِهِ كافِرًا كَوْنَهُ قاتِلًا، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ كُلِّ كافِرٍ دَلَّ عَلى أنَّ تَوْبَتَهُ إذا كانَ قاتِلا مَقْبُولَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:192

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الثَّقْفُ وُجُودُهُ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ ومِنهُ رَجُلٌ ثَقِيفٌ سَرِيعُ الأخْذِ لِأقْرانِهِ، قالَ: فَإمّا تَثْقَفُونِي فاقْتُلُونِي فَمَن أُثْقَفَ فَلَيْسَ إلى خُلُودٍ ثُمَّ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ الخِطابُ فِيهِ واقِعٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ومَن هاجَرَ مَعَهُ وإنْ كانَ الغَرَضُ بِهِ لازِمًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أمَرَ بِقَتْلِهِمْ في الآيَةِ الأُولى وهُمُ الكُفّارُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ كانُوا في الحِلِّ والحَرَمِ، وفي الشَّهْرِ الحَرامِ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالجِهادِ في الآيَةِ الأُولى بِشَرْطِ إقْدامِ الكُفّارِ عَلى المُقاتَلَةِ، وفي هَذِهِ زادَ في التَّكْلِيفِ فَأمَرَ بِالجِهادِ مَعَهم سَواءٌ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا، واسْتَثْنى مِنهُ المُقاتَلَةَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا فِي﴾ صفحة ١١١ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، ثُمَّ تِلْكَ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وهَذا الكَلامُ ضَعِيفٌ. أمّا قَوْلُهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ إبْطالُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، فَهَذا مِن بابِ التَّخْصِيصِ لا مِن بابِ النَّسْخِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَهو خَطَأٌ أيْضًا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِالقِتالِ في الحَرَمِ، وهَذا الحُكْمُ ما نُسِخَ بَلْ هو باقٍ؛ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ ضَعِيفٌ ولِأنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ آياتٍ مُتَوالِيَةٍ تَكُونُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها ناسِخَةً لِلْأُخْرى. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإخْراجَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم كَلَّفُوهُمُ الخُرُوجَ قَهْرًا. والثّانِي: أنَّهم بالَغُوا في تَخْوِيفِهِمْ وتَشْدِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، حَتّى صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الخُرُوجِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ صِيغَةَ ”حَيْثُ“ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أخْرِجُوهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي أخْرَجُوكم وهو مَكَّةُ. والثّانِي: أخْرِجُوهم مِن مَنازِلِكم. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يُخْرِجُوا أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن مَكَّةَ إنْ أقامُوا عَلى شِرْكِهِمْ إنْ تَمَكَّنُوا مِنهُ، لَكِنَّهُ كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يَتَمَكَّنُونَ مِنهُ فِيما بَعْدُ، ولِهَذا السَّبَبِ أجْلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ مُشْرِكٍ مِنَ الحَرَمِ، ثُمَّ أجْلاهم أيْضًا مِنَ المَدِينَةِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَجْتَمِعُ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ» “ . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ الفِتْنَةِ الكُفْرُ بِاللَّهِ تَعالى، وإنَّما سُمِّيَ الكُفْرُ بِالفِتْنَةِ لِأنَّهُ فَسادٌ في الأرْضِ يُؤَدِّي إلى الظُّلْمِ والهَرْجِ، وفِيهِ الفِتْنَةُ، وإنَّما جَعَلَ الكُفْرَ أعْظَمَ مِنَ القَتْلِ، لِأنَّ الكُفْرَ ذَنْبٌ يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ بِهِ العِقابَ الدّائِمَ، والقَتْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ، والكُفْرُ يَخْرُجُ صاحِبُهُ بِهِ عَنِ الأُمَّةِ، والقَتْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَكانَ الكُفْرُ أعْظَمَ مِنَ القَتْلِ، ورُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ كانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ الكُفّارِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فالمُؤْمِنُونَ عابُوهُ عَلى ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَكانَ المَعْنى لَيْسَ لَكم أنْ تَسْتَعْظِمُوا الإقْدامَ عَلى القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَإنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ في الشَّهْرِ الحَرامِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. وثانِيها: أنَّ الفِتْنَةَ أصْلُها عَرْضُ الذَّهَبِ عَلى النّارِ لِاسْتِخْلاصِهِ مِنَ الغِشِّ، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِكُلِّ ما كانَ سَبَبًا لِلِامْتِحانِ تَشْبِيهًا بِهَذا الأصْلِ، والمَعْنى: أنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ وعَلى تَخْوِيفِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى تَشْدِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ صارُوا مُلْجَئِينَ إلى تَرْكِ الأهْلِ والوَطَنِ هَرَبًا مِن إضْلالِهِمْ في الدِّينِ، وتَخْلِيصًا لِلنَّفْسِ مِمّا يَخافُونَ ويَحْذَرُونَ، فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ بَلْ هي أشَدُّ مِنَ القَتْلِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّخْلِيصَ مِن غُمُومِ الدُّنْيا وآفاتِها، وقالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: ما أشَدُّ مِن هَذا القَتْلِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكم جَزاءً غَيْرَ تِلْكَ الفِتْنَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي يَلْزَمُهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اقْتُلُوهم مِن حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم، واعْلَمْ أنَّ وراءَ ذَلِكَ مِن عَذابِ اللَّهِ ما هو أشَدُّ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ [التوبة: ٥٢] وإطْلاقُ اسْمِ الفِتْنَةِ عَلى العَذابِ جائِزٌ، وذَلِكَ مِن بابِ إطْلاقِ صفحة ١١٢ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] أيْ عَذابَكم، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] أيْ عَذَّبُوهم، وقالَ: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] أيْ عَذابَهم كَعَذابِهِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ فِتْنَتَهم إيّاكم بِصَدِّكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، أشَدَّ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ، لِأنَّهم يَسْعَوْنَ في المَنعِ مِنَ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ الَّتِي ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لَها. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ ارْتِدادَ المُؤْمِنِ أشَدُّ عَلَيْهِ مِن أنْ يُقْتَلَ مُحِقًّا، والمَعْنى: وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم ولَوْ أتى ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكم فَإنَّكم إنْ قُتِلْتُمْ وأنْتُمْ عَلى الحَقِّ كانَ ذَلِكَ أوْلى بِكم وأسْهَلَ عَلَيْكم مِن أنْ تَرْتَدُّوا عَنْ دِينِكم أوْ تَتَكاسَلُوا في طاعَةِ رَبِّكم. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا بَيانٌ لِبَقاءِ هَذا الشَّرْطِ في قِتالِهِمْ في هَذِهِ البُقْعَةِ خاصَّةً، وقَدْ كانَ مِن قَبْلُ شَرْطًا في كُلِّ القِتالِ وفي الأشْهُرِ الحُرُمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولا تَقْتُلُوهم حَتّى يَقْتُلُوكم فَإنْ قَتَلُوكم) كُلَّهُ بِغَيْرِ ألْفٍ، والباقُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِالألْفِ، وهو في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وإنَّما كُتِبَتْ كَذَلِكَ لِلْإيجازِ، كَما كُتِبَ: الرَّحْمَنُ بِغَيْرِ ألْفٍ، وكَذَلِكَ: صَلِحُ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِن حُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ، قالَ القاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ: القِراءَتانِ المَشْهُورَتانِ إذا لَمْ يَتَنافَ العَمَلُ وجَبَ العَمَلُ بِهِما، كَما يُعْمَلُ بِالآيَتَيْنِ إذا لَمْ يَتَنافَ العَمَلُ بِهِما، وما يَقْتَضِيهِ هاتانِ القِراءَتانِ المَشْهُورَتانِ لا تَنافِيَ فِيهِ، فَيَجِبُ العَمَلُ بِهِما ما لَمْ يَقَعِ النَّسْخُ فِيهِ. يُرْوى أنَّ الأعْمَشَ قالَ لِحَمْزَةَ: أرَأيْتَ قِراءَتَكَ إذا صارَ الرَّجُلُ مَقْتُولًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ يَصِيرُ قاتِلًا لِغَيْرِهِ ؟ فَقالَ حَمْزَةُ: إنَّ العَرَبَ إذا قُتِلَ رَجُلٌ مِنهم قالُوا قُتِلْنا، وإذا ضُرِبَ رَجُلٌ مِنهم قالُوا ضُرِبْنا. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحَنَفِيَّةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ المُلْتَجِئِ إلى الحَرَمِ، وقالُوا: لَمّا لَمْ يَجُزِ القَتْلُ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ بِسَبَبِ جِنايَةِ الكُفْرِ، فَلِأنْ لا يَجُوزَ القَتْلُ في المَسْجِدِ الحَرامِ بِسَبَبِ الذَّنْبِ الَّذِي هو دُونَ الكُفْرِ كانَ أوْلى، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ في كُتُبِ الخِلافِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وكانَ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ أنَّ ذَلِكَ القِتالَ لا يَزالُ وإنِ انْتَهَوْا وتابُوا كَما ثَبَتَ في كَثِيرٍ مِنَ الحُدُودِ أنَّ التَّوْبَةَ لا تُزِيلُهُ، فَقالَ تَعالى بَعْدَما أوْجَبَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بَيَّنَ بِهَذا أنَّهم مَتى انْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ سَقَطَ وُجُوبُ القَتْلِ عَنْهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . * * * وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ القِتالِ، وقالَ الحَسَنُ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الشِّرْكِ. حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإذْنِ في القِتالِ مَنعُ الكُفّارِ عَنِ المُقاتَلَةِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ مَحْمُولًا عَلى تَرْكِ المُقاتَلَةِ. حُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ الكافِرَ لا يَنالُ غُفْرانَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِتَرْكِ القِتالِ، بَلْ بِتَرْكِ الكُفْرِ. صفحة ١١٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِانْتِهاءُ عَنِ الكُفْرِ لا يَحْصُلُ في الحَقِيقَةِ إلّا بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: التَّوْبَةُ، والآخَرُ التَّمَسُّكُ بِالإسْلامِ، وإنْ كانَ قَدْ يُقالُ في الظّاهِرِ لِمَن أظْهَرَ الشَّهادَتَيْنِ: إنَّهُ انْتَهى عَنِ الكُفْرِ إلّا أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُؤَثِّرُ في حَقْنِ الدَّمِ فَقَطْ. أمّا الَّذِي يُؤَثِّرُ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ والغُفْرانِ والحُرْمَةِ فَلَيْسَ إلّا ما ذَكَرْنا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِن كُلِّ ذَنْبٍ مَقْبُولَةٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: التَّوْبَةُ عَنِ القَتْلِ العَمْدِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ خَطَأٌ، لِأنَّ الشِّرْكَ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ، فَإذا قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَةَ الكافِرِ فَقَبُولُ تَوْبَةِ القاتِلِ أوْلى، وأيْضًا فالكافِرُ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ جَمَعَ مَعَ كَوْنِهِ كافِرًا كَوْنَهُ قاتِلًا، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ كُلِّ كافِرٍ دَلَّ عَلى أنَّ تَوْبَتَهُ إذا كانَ قاتِلا مَقْبُولَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:193

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَوْمُ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] والصَّحِيحُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ البِدايَةَ بِالمُقاتَلَةِ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ نَفَتْ حُرْمَتَهُ أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ عامَّةٌ، ولَكِنْ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو الصَّحِيحُ أنَّ العامَّ سَواءٌ كانَ مُقَدَّمًا عَلى المُخَصَّصِ أوْ مُتَأخِّرًا عَنْهُ فَإنَّهُ يَصِيرُ مَخْصُوصًا بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِالفِتْنَةِ هَهُنا وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّها الشِّرْكُ والكُفْرُ، قالُوا: كانَتْ فِتْنَتُهم أنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ ويُؤْذُونَ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ حَتّى ذَهَبُوا إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ واظَبُوا عَلى ذَلِكَ الإيذاءِ حَتّى ذَهَبُوا إلى المَدِينَةِ وكانَ غَرَضُهم مِن إثارَةِ تِلْكَ الفِتْنَةِ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم ويَرْجِعُوا كُفّارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَعْنى: قاتِلُوهم حَتّى تَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ فَلا يَفْتِنُوكم عَنْ دِينِكم فَلا تَقَعُوا في الشِّرْكِ. وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى الفِتْنَةِ هَهُنا الجُرْمُ، قالَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِقِتالِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ مِنهُمُ القِتالُ الَّذِي إذا بَدَأُوا بِهِ كانَ فِتْنَةً عَلى المُؤْمِنِينَ لِما يَخافُونَ عِنْدَهُ مِن أنْواعِ المَضارِّ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقالُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ قِتالَهم لا يُزِيلُ الكُفْرَ ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن هَذا أنَّ خَبَرَ اللَّهِ لا يَكُونُ حَقًّا ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى الأغْلَبِ لِأنَّ الأغْلَبَ عِنْدَ قِتالِهِمْ زَوالُ الكُفْرِ والشِّرْكِ، لِأنَّ مَن قُتِلَ فَقَدْ زالَ كُفْرُهُ، ومَن لا يُقْتَلُ يُخافُ مِنهُ الثَّباتُ عَلى الكُفْرِ، فَإذا كانَ هَذا هو الأغْلَبُ جازَ أنْ يُقالَ ذَلِكَ. الجَوابُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ قاتِلُوهم قَصْدًا مِنكم إلى زَوالِ الكُفْرِ، لِأنَّ الواجِبَ عَلى المُقاتِلِ لِلْكُفّارِ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ هَذا، ولِذَلِكَ مَتى ظَنَّ أنَّ مَن يُقاتِلُهُ يُقْلِعُ عَنِ الكُفْرِ بِغَيْرِ القِتالِ وجَبَ عَلَيْهِ العُدُولُ عَنْهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى حَمْلِ الفِتْنَةِ عَلى الشِّرْكِ، لِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الشِّرْكِ وبَيْنَ أنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ واسِطَةٌ، والمُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ تَعالى هو المَعْبُودَ المُطاعَ دُونَ سائِرِ ما يُعْبَدُ ويُطاعُ غَيْرُهُ، فَصارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وقاتِلُوهم حَتّى يَزُولَ الكُفْرُ ويَثْبُتَ الإسْلامُ، وحَتّى يَزُولَ ما يُؤَدِّي إلى العِقابِ صفحة ١١٤ ويَحْصُلَ ما يُؤَدِّي إلى الثَّوابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وفي ذَلِكَ بَيانُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِالقِتالِ لِهَذا المَقْصُودِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ فالمُرادُ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الأمْرِ الَّذِي لِأجْلِهُ وجَبَ قِتالُهم، وهو إمّا كُفْرُهم أوْ قِتالُهم، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَجُوزُ قِتالُهم، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ، أيْ فَلا قَتْلَ إلّا عَلى الَّذِينَ لا يَنْتَهُونَ عَلى الكُفْرِ فَإنَّهم بِإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . فَإنْ قِيلَ: لَمْ سُمِّيَ ذَلِكَ القَتْلُ عُدْوانًا مَعَ أنَّهُ في نَفْسِهِ حَقٌّ وصَوابٌ ؟ قُلْنا: لِأنَّ ذَلِكَ القَتْلَ جَزاءُ العُدْوانِ فَصَحَّ إطْلاقُ اسْمِ العُدْوانِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾، ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، والثّانِي: إنْ تَعَرَّضْتُمْ لَهم بَعْدَ انْتِهائِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ والقِتالِ كُنْتُمْ أنْتُمْ ظالِمِينَ فَنُسَلِّطَ عَلَيْكم مَن يَعْتَدِي عَلَيْكم.

البقرة 2:194

قُوَلُهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أباحَ القِتالَ وكانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا فِيما بَيْنَهم، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُزِيلُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ لِلْعُمْرَةِ وكانَ ذَلِكَ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، فَصَدَّهُ أهْلُ مَكَّةَ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ صالَحُوهُ عَنْ أنْ يَنْصَرِفَ ويَعُودَ في العامِ القابِلِ حَتّى يَتْرُكُوا لَهُ مَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في العامِ القابِلِ وهو في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ ودَخَلَ مَكَّةَ واعْتَمَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» يَعْنِي: أنَّكَ دَخَلْتَ الحَرَمَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، والقَوْمُ كانُوا صَدُّوكَ في السَّنَةِ الماضِيَةِ في هَذا الشَّهْرِ فَهَذا الشَّهْرُ بِذاكَ الشَّهْرِ. وثانِيها: ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الكُفّارَ سَمِعُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى الرَّسُولَ ﷺ عَنْ أنْ يُقاتِلَهم في الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَأرادُوا مُقاتَلَتَهُ وظَنُّوا أنَّهُ لا يُقاتِلُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِبَيانِ الحُكْمِ في هَذِهِ الواقِعَةِ، فَقالَ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ أيْ مَنِ اسْتَحَلَّ دَمَكم مِنَ المُشْرِكِينَ في الشَّهْرِ الحَرامِ فاسْتَحِلُّوهُ فِيهِ. وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ قَوْمٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ وهو أنَّ الشَّهْرَ الحَرامَ لَمّا لَمْ يَمْنَعْكم عَنِ الكُفْرِ بِاللَّهِ، فَكَيْفَ يَمْنَعُنا عَنْ مُقاتَلَتِكم، فالشَّهْرُ الحَرامُ مِن جانِبِنا، مُقابَلٌ بِالشَّهْرِ الحَرامِ مِن جانِبِكم، والحاصِلُ في صفحة ١١٥ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ أنَّ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الحَرامِ لَمّا لَمْ تَمْنَعْهم عَنِ الكُفْرِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ، فَكَيْفَ جَعَلُوهُ سَبَبًا في أنْ يَمْنَعَ لِلْقِتالِ مِن شَرِّهِمْ وفَسادِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحُرُماتُ جَمْعُ حُرْمَةٍ والحُرْمَةُ ما مُنِعَ مِنِ انْتِهاكِهِ والقِصاصُ المُساواةُ وإذا عَرَفْتَ هَذا فَفي هَذِهِ الآيَةِ تَعُودُ تِلْكَ الوُجُوهُ. أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: فَهو أنَّ المُرادَ بِالحُرُماتِ: الشَّهْرُ الحَرامُ، والبَلَدُ الحَرامُ، وحُرْمَةُ الإحْرامِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ مَعْناهُ أنَّهم لَمّا أضاعُوا هَذِهِ الحُرُماتِ في سَنَةِ سِتٍّ فَقَدْ وُفِّقْتُمْ حَتّى قَضَيْتُمُوهُ عَلى زَعْمِكم في سَنَةِ سَبْعٍ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَهو أنَّ المُرادَ: إنْ أقْدَمُوا عَلى مُقاتَلَتِكم فَقاتِلُوهم أنْتُمْ أيْضًا، قالَ الزَّجّاجُ: وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَهِكُوا هَذِهِ الحُرُماتِ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ القِصاصِ، وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] وبِما بَعْدَها وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ . أمّا عَلى القَوْلِ الثّالِثِ: فَقَوْلُهُ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ يَعْنِي حُرْمَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّهْرَيْنِ كَحُرْمَةِ الآخَرِ فَهُما مِثْلانِ، والقِصاصُ هو المِثْلُ فَلَمّا لَمْ يَمْنَعْكم حُرْمَةُ الشَّهْرِ مِنَ الكُفْرِ والفِتْنَةِ والقِتالِ فَكَيْفَ يَمْنَعُنا عَنِ القِتالِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾، فالمُرادُ مِنهُ: الأمْرُ بِما يُقابِلُ الِاعْتِداءَ مِنَ الجَزاءِ؛ والتَّقْدِيرُ: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فَقابِلُوهُ، والسَّبَبُ في تَسْمِيَتِهِ اعْتِداءً قَدْ تَقَدَّمَ ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَّقْوى، ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ بِالمَعُونَةِ والنُّصْرَةِ والحِفْظِ والعِلْمِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا في مَكانٍ إذْ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ، فَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَعَ أحَدٍ مِنهم ولَمْ يَكُنْ مَعَ الآخَرِ أوْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ وبَعْضٌ مِن أبْعاضِهِ تَعالى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا.

البقرة 2:195

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ، والِاشْتِغالُ بِالقِتالِ لا يَتَيَسَّرُ إلّا بِالآلاتِ وأدَواتٍ يُحْتاجُ فِيها إلى المالِ، ورُبَّما كانَ ذُو المالِ عاجِزًا عَنِ القِتالِ وكانَ الشُّجاعُ القادِرُ عَلى القِتالِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ، فَلِهَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى الأغْنِياءَ بِأنْ يُنْفِقُوا عَلى الفُقَراءِ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى القِتالِ. والثّانِي: يُرْوى أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾، قالَ رَجُلٌ مِنَ الحاضِرِينَ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَنا زادٌ ولَيْسَ أحَدٌ يُطْعِمُنا فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وأنْ يَتَصَدَّقُوا وأنْ لا يَكُفُّوا أيْدِيَهم عَنِ الصَّدَقَةِ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ تُحْمَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَهْلِكُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» عَلى وفْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . صفحة ١١٦ واعْلَمْ أنَّ الإنْفاقَ هو صَرْفُ المالِ إلى وُجُوهِ المَصالِحِ، فَلِذَلِكَ لا يُقالُ في المُضَيِّعِ: إنَّهُ مُنْفِقٌ فَإذا قَيَّدَ الإنْفاقَ بِذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، فالمُرادُ بِهِ في طَرِيقِ الدِّينِ، لا السَّبِيلُ هو الطَّرِيقُ، وسَبِيلُ اللَّهِ هو دِينُهُ، فَكُلُّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في دِينِهِ مِنَ الإنْفاقِ فَهو داخِلٌ في الآيَةِ سَواءٌ كانَ إنْفاقًا في حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ كانَ جِهادًا بِالنَّفْسِ، أوْ تَجْهِيزًا لِلْغَيْرِ، أوْ كانَ إنْفاقًا في صِلَةِ الرَّحِمِ، أوْ في الصَّدَقاتِ أوْ عَلى العِيالِ، أوْ في الزَّكَواتِ والكَفّاراتِ، أوْ عِمارَةِ السَّبِيلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، إلّا أنَّ الأقْرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجِهادِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ الإنْفاقُ في الجِهادِ، بَلْ قالَ: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى العِلَّةِ في وُجُوبِ هَذا الإنْفاقِ، وذَلِكَ لِأنَّ المالَ مالُ اللَّهِ فَيَجِبُ إنْفاقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ إذا سَمِعَ ذِكْرَ اللَّهِ اهْتَزَّ ونَشِطَ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ إنْفاقُ المالِ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ وقْتَ ذَهابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى مَكَّةَ لِقَضاءِ العُمْرَةِ، وكانَتْ تِلْكَ العُمْرَةُ لا بُدَّ مِن أنْ تُفْضِيَ إلى القِتالِ إنْ مَنَعَهُمُ المُشْرِكُونَ، فَكانَتْ عُمْرَةً وجِهادًا، واجْتَمَعَ فِيهِ المَعْنَيانِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وأنْفِقُوا في الجِهادِ والعُمْرَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ ”التَّهْلُكَةُ“ الهَلاكُ يُقالُ: هَلَكَ يَهْلِكُ هَلاكًا وهَلَكًا وتَهْلُكَةً. قالَ الخارْزَنْجِيُّ: لا أعْلَمُ في كَلامِ العَرَبِ مَصْدَرًا عَلى تَفْعُلَةٍ بِضَمِّ العَيْنِ إلّا هَذا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: التَّنْصُرَةَ والتَّسْتُرَةَ، وقَدْ جاءَ هَذا المِثالُ اسْمًا غَيْرَ مَصْدَرٍ، قالَ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ أصْلُهُ التَّهْلِكَةُ، كالتَّجْرِبَةِ والتَّبْصِرَةِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ هَكَذا فَأُبْدِلَتِ الضَّمَّةُ بِالكَسْرَةِ، كَما جاءَ الجُوارُ في الجِوارِ. وأقُولُ: إنِّي لَأتَعَجَّبُ كَثِيرًا مِن تَكَلُّفاتِ هَؤُلاءِ النَّحْوِيِّينَ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ، وذَلِكَ أنَّهم لَوْ وجَدُوا شِعْرًا مَجْهُولًا يَشْهَدُ لَما أرادُوهُ فَرِحُوا بِهِ، واتَّخَذُوهُ حُجَّةً قَوِيَّةً، فَوُرُودُ هَذا اللَّفْظِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى المَشْهُودِ لَهُ مِنَ المُوافِقِ والمُخالِفِ بِالفَصاحَةِ، أوْلى بِأنْ يَدُلَّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ واسْتِقامَتِها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ﴿بِأيْدِيكُمْ﴾ تَقْتَضِي إمّا زِيادَةً أوْ نُقْصانًا، فَقالَ قَوْمٌ: الباءُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تُلْقُوا أيْدِيَكم إلى التَّهْلُكَةِ. وهو كَقَوْلِهِ: جَذَبْتُ الثَّوْبَ بِالثَّوْبِ، وأخَذْتُ القَلَمَ بِالقَلَمِ فَهُما لُغَتانِ مُسْتَعْمَلَتانِ مَشْهُورَتانِ، أوِ المُرادُ بِالأيْدِي الأنْفُسُ كَقَوْلِهِ: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] أوْ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، فالتَّقْدِيرُ: ولا تُلْقُوا بِأنْفُسِكم إلى التَّهْلُكَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَهُنا حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تُلْقُوا أنْفُسَكم بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى نَفْسِ النَّفَقَةِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى غَيْرِها، أمّا الأوَّلُونَ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنْ لا يُنْفِقُوا في مُهِمّاتِ الجِهادِ أمْوالَهم، فَيَسْتَوْلِيَ العَدُوُّ عَلَيْهِمْ ويُهْلِكَهم، وكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتَ مِن رِجالِ الدِّينِ أنْفِقْ مالَكَ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي طَلَبِ مَرْضاتِهِ، وإنْ كُنْتَ مِن رِجالِ الدُّنْيا فَأنْفِقْ مالَكَ في دَفْعِ الهَلاكِ والضَّرَرِ عَنْ نَفْسِكَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالإنْفاقِ نَهاهُ عَنْ أنْ يُنْفِقَ كُلَّ مالِهِ، فَإنَّ إنْفاقَ كُلِّ المالِ يُفْضِي إلى التَّهْلُكَةِ عِنْدَ الحاجَةِ الشَّدِيدَةِ إلى المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَلْبُوسِ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: صفحة ١١٧ ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] وأمّا الَّذِينَ قالُوا: المُرادُ مِنهُ غَيْرُ النَّفَقَةِ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يُخِلُّوا بِالجِهادِ فَيَتَعَرَّضُوا لِلْهَلاكِ الَّذِي هو عَذابُ النّارِ؛ فَحَثَّهم بِذَلِكَ عَلى التَّمَسُّكِ بِالجِهادِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] . وثانِيها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾، أيْ لا تَقْتَحِمُوا في الحَرْبِ بِحَيْثُ لا تَرْجُونَ النَّفْعَ، ولا يَكُونُ لَكم فِيهِ إلّا قَتْلُ أنْفُسِكم فَإنَّ ذَلِكَ لا يَحِلُّ، وإنَّما يَجِبُ أنْ يَقْتَحِمَ إذا طَمِعَ في النِّكايَةِ وإنْ خافَ القَتْلَ، فَأمّا إذا كانَ آيِسًا مِنَ النِّكايَةِ وكانَ الأغْلَبُ أنَّهُ مَقْتُولٌ، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ، وهَذا الوَجْهُ مَنقُولٌ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، ونُقِلَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الرَّجُلُ يَسْتَقِلُّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في هَذا التَّأْوِيلِ، وقالَ: هَذا القَتْلُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ حَمَلَ عَلى صَفِّ العَدُوِّ فَصاحَ بِهِ النّاسُ فَألْقى بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ؛ فَقالَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْنُ أعْلَمُ بِهَذِهِ الآيَةِ وإنَّما نَزَلَتْ فِينا: صَحِبْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ونَصَرْناهُ وشَهِدْنا مَعَهُ المَشاهِدَ فَلَمّا قَوِيَ الإسْلامُ وكَثُرَ أهْلُهُ رَجَعْنا إلى أهالِينا وأمْوالِنا ومَصالِحِنا، فَكانَتِ التَّهْلُكَةُ الإقامَةَ في الأهْلِ والمالِ وتَرْكَ الجِهادِ. والثّانِي: رَوى الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الجَنَّةَ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: أرَأيْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ صابِرًا مُحْتَسِبًا ؟ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَكَ الجَنَّةُ، فانْغَمَسَ في جَماعَةِ العَدُوِّ فَقَتَلُوهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ»، وأنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ ألْقى دِرْعًا كانَتْ عَلَيْهِ حِينَ ذَكَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الجَنَّةَ ثُمَّ انْغَمَسَ في العَدُوِّ فَقَتَلُوهُ. والثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ تَخَلَّفَ عَنْ بَنِي مُعاوِيَةَ فَرَأى الطَّيْرَ عُكُوفًا عَلى مَن قُتِلَ مِن أصْحابِهِ، فَقالَ لِبَعْضِ مَن مَعَهُ سَأتَقَدَّمُ إلى العَدُوِّ فَيَقْتُلُونَنِي ولا أتَخَلَّفُ عَنْ مَشْهَدٍ قُتِلَ فِيهِ أصْحابِي، فَفَعَلَ ذَلِكَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ فِيهِ قَوْلًا حَسَنًا. الرّابِعُ: رُوِيَ أنَّ قَوْمًا حاصَرُوا حِصْنًا، فَقاتَلَ رَجُلٌ حَتّى قُتِلَ فَقِيلَ ألْقى بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ، فَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ فَقالَ: كَذَبُوا ألَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] ولِمَن نَصَرَ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ فَيَقُولَ: إنّا إنَّما حَرَّمْنا إلْقاءَ النَّفْسِ في صَفِّ العَدُوِّ إذا لَمْ يُتَوَقَّعْ إيقاعُ نِكايَةٍ مِنهم، فَأمّا إذا تُوُقِّعَ فَنَحْنُ نُجَوِّزُ ذَلِكَ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ يُوجَدُ هَذا المَعْنى في هَذِهِ الوَقائِعِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ هَذا مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] أيْ فَإنْ قاتَلُوكم في الشَّهْرِ الحَرامِ فَقاتِلُوهم فِيهِ فَإنَّ الحُرُماتِ قِصاصٌ، فَجازُوا اعْتِداءَهم عَلَيْكم ولا تَحْمِلَنَّكم حُرْمَةُ الشَّهْرِ عَلى أنْ تَسْتَسْلِمُوا لِمَن قاتَلَكم فَتَهْلِكُوا بِتَرْكِكُمُ القِتالَ فَإنَّكم بِذَلِكَ تَكُونُونَ مُلْقِينَ بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ في التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تَقُولُوا إنّا نَخافُ الفَقْرَ إنْ أنْفَقْنا فَنَهْلِكُ ولا يَبْقى مَعَنا شَيْءٌ، فَنُهُوا أنْ يَجْعَلُوا أنْفُسَهم هالِكِينَ بِالإنْفاقِ، والمُرادُ مِن هَذا الجَعْلِ والإلْقاءِ الحُكْمُ بِذَلِكَ كَما يُقالُ جَعَلَ فُلانٌ فُلانًا هالِكًا وألْقاهُ في الهَلاكِ إذا حَكَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. الوَجْهُ الخامِسُ: ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ هو الرَّجُلُ يُصِيبُ الذَّنْبَ الَّذِي يَرى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ مَعَهُ عَمَلٌ فَذاكَ هو إلْقاءُ النَّفْسِ إلى التَّهْلُكَةِ، فالحاصِلُ أنَّ مَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ لِأنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى تَرْكِ العُبُودِيَّةِ والإصْرارِ عَلى الذَّنْبِ. الوَجْهُ السّادِسُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا ذَلِكَ الإنْفاقَ في التَّهْلُكَةِ والإحْباطِ، وذَلِكَ بِأنْ تَفْعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ الإنْفاقِ فِعْلًا يُحْبِطُ ثَوابَهُ إمّا بِتَذْكِيرِ المِنَّةِ أوْ بِذِكْرِ وُجُوهِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ١١٨ ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُحْسِنَ مُشْتَقٌّ مِن ماذا وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن فِعْلِ الحُسْنِ وأنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيمَن يَنْفَعُ غَيْرَهُ بِنَفْعٍ حَسَنٍ مِن حَيْثُ إنَّ الإحْسانَ حَسَنٌ في نَفْسِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالضَّرْبُ والقَتْلُ إذا حَسُنا كانَ فاعِلُهُما مُحْسِنًا. الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الإحْسانِ، فَفاعِلُ الحُسْنِ لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُحْسِنًا إلّا إذا كانَ فِعْلُهُ حَسَنًا وإحْسانًا مَعًا، فالِاشْتِقاقُ إنَّما يَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأحْسِنُوا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ الأصَمُّ: أحْسِنُوا في فَرائِضِ اللَّهِ. وثانِيها: وأحْسِنُوا في الإنْفاقِ عَلى مَن تَلْزَمُكم مُؤْنَتُهُ ونَفَقَتُهُ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإنْفاقُ وسَطًا فَلا تُسْرِفُوا ولا تُقَتِّرُوا، وهَذا هو الأقْرَبُ لِاتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ ويُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فَهو ظاهِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ مِرارًا.

البقرة 2:196

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”الحَجُّ“ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ القَصْدِ وإنَّما يُقالُ: حَجَّ فُلانٌ الشَّيْءَ إذا قَصَدَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وأدامَ الِاخْتِلافَ إلَيْهِ ”والحِجَّةُ“ بِكَسْرِ الحاءِ السَّنَةُ، وإنَّما قِيلَ لَها حِجَّةٌ لِأنَّ النّاسَ يَحُجُّونَ في كُلِّ سَنَةٍ، وأمّا في الشَّرْعِ فَهو اسْمٌ لِأفْعالٍ مَخْصُوصَةٍ مِنها أرْكانٌ ومِنها أبْعاضٌ ومِنها هَيْئاتٌ، فالأرْكانُ ما لا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ حَتّى يَأْتِيَ بِهِ والأبْعاضُ هي الواجِباتُ الَّتِي إذا تُرِكَ شَيْءٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ، والهَيْئاتُ ما لا يَجِبُ الدَّمُ عَلى تَرْكِها، والأرْكانُ عِنْدَنا خَمْسَةٌ: الإحْرامُ والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ والطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وفي حَلْقِ الرَّأْسِ أوْ تَقْصِيرِهِ قَوْلانِ: أصَحُّهُما أنَّهُ نُسُكٌ لا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ إلّا بِهِ، وأمّا الأبْعاضُ فَهي الإحْرامُ مِنَ المِيقاتِ والمُقامُ بِعَرَفَةَ إلى الغُرُوبِ في قَوْلٍ والبَيْتُوتَةُ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ في قَوْلٍ ورَمْيُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ والبَيْتُوتَةُ بِمِنى لَيالِيَ التَّشْرِيقِ في قَوْلٍ ورَمِيُ أيّامِها. وأمّا سائِرُ أعْمالِ الحَجِّ فَهي سُنَّةٌ. وأمّا أرْكانُ العُمْرَةِ فَهي أرْبَعَةٌ: الإحْرامُ، والطَّوافُ، والسَّعْيُ، وفي الحَلْقِ قَوْلانِ، ثُمَّ المُعْتَمِرُ بَعْدَما فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ فَإنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ ذَبَحَهُ ثُمَّ حَلَقَ أوْ قَصَّرَ، ولا يَتَوَقَّفُ التَّحَلُّلُ عَلى ذَبْحِ الهَدْيِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا﴾ أمْرٌ بِالإتْمامِ، وهَلْ هَذا الأمْرُ مُطْلَقٌ أوْ مَشْرُوطٌ بِالدُّخُولِ فِيهِ ؟ ذَهَبَ أصْحابُنا إلى أنَّهُ مُطْلَقٌ، والمَعْنى: افْعَلُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ عَلى نَعْتِ الكَمالِ والتَّمامِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ هَذا الأمْرَ مَشْرُوطٌ، والمَعْنى أنَّ مَن شَرَعَ فِيهِ فَلْيُتِمَّهُ، قالُوا: ومِنَ صفحة ١١٩ الجائِزِ أنْ لا يَكُونَ الدُّخُولُ في الشَّيْءِ واجِبًا إلّا أنَّ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يَكُونُ إتْمامُهُ واجِبًا، وفائِدَةُ هَذا الخِلافِ أنَّ العُمْرَةَ واجِبَةٌ عِنْدَ أصْحابِنا، وغَيْرُ واجِبَةٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. حُجَّةُ أصْحابِنا مِن وُجُوهٍ: الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ الإتْمامَ قَدْ يُرادُ بِهِ فِعْلُ الشَّيْءِ كامِلًا تامًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إذا شَرَعْتُمْ في الفِعْلِ فَأتِمُّوهُ، وإذا ثَبَتَ الِاحْتِمالُ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا اللَّفْظِ هو ذاكَ، أمّا بَيانُ الِاحْتِمالِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ فَعَلَهُنَّ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أيْ فافْعَلُوا الصِّيامَ تامًّا إلى اللَّيْلِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا أوْلى مِن قَوْلِ مَن قالَ: المُرادُ فاشْرَعُوا في الصِّيامِ ثُمَّ أتِمُّوهُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُحْتاجُ إلى الإضْمارِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الإتْيانَ بِهِ عَلى نَعْتِ الكَمالِ والتَّمامِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّكم إذا شَرَعْتُمْ فِيهِ فَأتِمُّوهُ، إلّا أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الأمْرُ مَشْرُوطًا، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: أتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ إنْ شَرَعْتُمْ فِيهِما، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي نَصَرْناهُ لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ هَذا الشَّرْطِ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى. والثّانِي: أنَّ أهْلَ التَّفْسِيرِ ذَكَرُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الحَجِّ فَحَمْلُها عَلى إيجابِ الحَجِّ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى الإتْمامِ بِشَرْطِ الشُّرُوعِ فِيهِ. الثّالِثُ: قَرَأ بَعْضُهم (وأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ) وهَذا وإنْ كانَ قِراءَةً شاذَّةً جارِيَةً مَجْرى خَبَرِ الواحِدِ لَكِنَّهُ بِالِاتِّفاقِ صالِحٌ لِتَرْجِيحِ تَأْوِيلٍ عَلى تَأْوِيلٍ. الرّابِعُ: أنَّ الوَجْهَ الَّذِي نَصَرْناهُ يُفِيدُ وُجُوبَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، ويُفِيدُ وُجُوبَ إتْمامِهِما بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِما، والتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ لا يُفِيدُ إلّا أصْلَ الوُجُوبِ، فَكانَ الَّذِي نَصَرْناهُ أكْبَرَ فائِدَةً، فَكانَ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَيْهِ أوْلى. الخامِسُ: أنَّ البابَ بابُ العِبادَةِ فَكانَ الِاحْتِياطُ فِيهِ أوْلى، والقَوْلُ بِإيجابِ الحَجِّ والعُمْرَةِ مَعًا أقْرَبُ إلى الِاحْتِياطِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. السّادِسُ: هَبْ أنّا نَحْمِلُ اللَّفْظَ عَلى وُجُوبِ الإتْمامِ، لَكِنّا نَقُولُ: اللَّفْظُ دَلَّ عَلى وُجُوبِ الإتْمامِ جَزْمًا، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَكانَ الإتْمامُ واجِبًا جَزْمًا والإتْمامُ مَسْبُوقٌ بِالشُّرُوعِ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ وكانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ فَهو واجِبٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشُّرُوعُ واجِبًا في الحَجِّ وفي العُمْرَةِ. السّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَقَرِينَتُها في كِتابِ اللَّهِ، أيْ أنَّ العُمْرَةَ لَقَرِينَةُ الحَجِّ في الأمْرِ في كِتابِ اللَّهِ يَعْنِي في هَذِهِ الآيَةِ فَكانَ كَقَوْلِهِ: ﴿أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ [الحج: ٤١] فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذِهِ الحُجَّةِ. فَإنْ قِيلَ: قَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ ”والعُمْرَةُ لِلَّهِ“ بِالرَّفْعِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَصَدُوا إخْراجَ العُمْرَةِ عَنْ حُكْمِ الحَجِّ في الوُجُوبِ. قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ فَلا تُعارِضُ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ. الثّانِي: أنَّ فِيها ضَعْفًا في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّها تَقْتَضِي عَطْفَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ مَعْناهُ أنَّ العُمْرَةَ عِبادَةُ اللَّهِ، ومُجَرَّدُ كَوْنِها عِبادَةَ اللَّهِ لا يُنافِي وُجُوبَها، وإلّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ مَدْلُولِ القِراءَتَيْنِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ مَعْناهُ: والعُمْرَةُ عِبادَةُ اللَّهِ، وجَبَ صفحة ١٢٠ أنْ يَكُونَ العُمْرَةُ مَأْمُورًا بِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ في وُجُوبِ العُمْرَةِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حَجٍّ أصْغَرَ عَلى ما عَلَيْهِ حَقِيقَةُ أفْعَلَ، وما ذاكَ إلّا العُمْرَةُ بِالِاتِّفاقِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ العُمْرَةَ حَجٌّ، وجَبَ أنْ تَكُونَ واجِبَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ﴾، ولِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: في المَسْألَةِ أحادِيثُ مِنها ما أوْرَدَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في المُتَّفَقِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإسْلامِ، فَقالَ: أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّمُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وأنْ تُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ، وتَصُومَ رَمَضانَ، وتَحُجَّ وتَعْتَمِرَ» . ورَوى النُّعْمانُ بْنُ سالِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أوْسٍ، «عَنْ أبِي رَزِينٍ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: إنَّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ أدْرَكَ الإسْلامَ، ولا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ والعُمْرَةَ ولا الظَّعْنَ، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: حُجَّ عَنْ أبِيكَ واعْتَمِرْ»، فَأمَرَ بِهِما، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، ومِنها ما رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«الحَجُّ والعُمْرَةُ فَرْضانِ لا يَضُرُّكَ بِأيِّهِما بَدَأْتَ» “، ومِنها ما رَوَتْ عائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «عَنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلى النِّساءِ جِهادٌ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَلَيْهِنَّ جِهادٌ لا قِتالَ فِيهِ: الحَجُّ والعُمْرَةُ» . الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: في وُجُوبِ العُمْرَةِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ الحَجِّ، ولَوْ لَمْ تَكُنِ العُمْرَةُ واجِبَةً لَكانَ الأشْبَهُ أنْ يُبادِرَ إلى الحَجِّ الَّذِي هو واجِبٌ، وحُجَّةُ مَن قالَ العُمْرَةُ لَيْسَتْ واجِبَةً وُجُوهٌ: الحُجَّةُ الأُولى: «قَصَدَ الأعْرابِيُّ الَّذِي سَألَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنْ أرْكانِ الإسْلامِ فَعَلَّمَهُ الصَّلاةَ، والزَّكاةَ، والحَجَّ، والصَّوْمَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُ هَذا ؟ قالَ: لا إلّا أنْ تَطَوَّعْ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: لا أزِيدُ عَلى هَذا ولا أنْقُصُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أفْلَحَ الأعْرابِيُّ إنْ صَدَقَ» . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ: شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصَوْمِ رَمَضانَ، وحَجِّ البَيْتِ» “ . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«صَلُّوا خَمْسَكم وزَكُّوا أمْوالَكم وحُجُّوا بَيْتَكم تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكم» “، فَهَذِهِ أخْبارٌ مَشْهُورَةٌ كالمُتَواتِرَةِ فَلا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلَيْها ولا رَدُّها، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ العُمْرَةِ أواجِبَةٌ هي أمْ لا ؟ فَقالَ: لا وإنْ تَعْتَمِرْ خَيْرٌ لَكَ»، وعَنْ مُعاوِيَةَ الضَّرِيرِ عَنْ أبِي صالِحٍ الحَنَفِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«الحَجُّ جِهادٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» “ . والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ ما ذَكَرْتُمْ أخْبارٌ آحادٌ فَلا تُعارِضُ القُرْآنَ. وثانِيها: لَعَلَّ العُمْرَةَ ما كانَتْ واجِبَةً عِنْدَما ذَكَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تِلْكَ الأحادِيثَ، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَها قَوْلُهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهَذا هو الأقْرَبُ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في السَّنَةِ السّابِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ. وثالِثُها: أنَّ قِصَّةَ الأعْرابِيِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ الحَجِّ ولَيْسَ فِيها بَيانُ تَفْصِيلِ الحَجِّ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ العُمْرَةَ حَجٌّ لِأنَّها هي الحَجُّ الأصْغَرُ، فَلا تَكُونُ هي مُنافِيَةً لِوُجُوبِ العُمْرَةِ، وأمّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، فَقالُوا: رِوايَةُ حَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ وهو ضَعِيفٌ. * * * صفحة ١٢١ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الحَجَّ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: الإفْرادُ، والقِرانُ، والتَّمَتُّعُ، فالإفْرادُ أنْ يَحُجَّ ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنهُ يَعْتَمِرُ مِن أدْنى الحِلِّ، أوْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ أشْهُرٍ، ثُمَّ يَحُجُّ في تِلْكَ السَّنَةِ، والقِرانُ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ مَعًا في أشْهُرِ الحَجِّ بِأنْ يَنْوِيَهُما بِقَلْبِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ قَبْلَ الطَّوافِ أدْخَلَ عَلَيْها الحَجَّ يَصِيرُ قِرانًا، والتَّمَتُّعُ هو أنَّ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ ويَأْتِي بِأعْمالِها ثُمَّ يَحُجُّ في هَذِهِ السَّنَةِ، وإنَّما سُمِّيَ تَمَتُّعًا لِأنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِمَحْظُوراتِ الإحْرامِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ عَنِ العُمْرَةِ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الأفْضَلِ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفْضَلُها الإفْرادُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ القِرانُ، وقالَ في اخْتِلافِ الحَدِيثِ: التَّمَتُّعُ أفْضَلُ مِنَ الإفْرادِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: القِرانُ أفْضَلُ، ثُمَّ الإفْرادُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ، وهو قَوْلُ المُزَنِيِّ وأبِي إسْحاقَ والمَرْوَزِيِّ مِن أصْحابِنا، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: القِرانُ أفْضَلُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الإفْرادُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنَّ الإفْرادَ أفْضَلُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ اقْتَضَتْ عَطْفَ العُمْرَةِ عَلى الحَجِّ، والعَطْفُ يَسْتَدْعِي المُغايَرَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والمُغايِرَةُ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الإفْرادِ، فَأمّا عِنْدَ القِرانِ فالمَوْجُودُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو حَجٌّ وعُمْرَةٌ، وذَلِكَ مانِعٌ مِن صِحَّةِ العَطْفِ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ يَقْتَضِي الإفْرادَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ والقارِنُ يَلْزَمُهُ هَدْيانِ عِنْدَ الحَصْرِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى الخَلْقِ عِنْدَ الأداءِ فِدْيَةً واحِدَةً، والقارِنُ يَلْزَمُهُ فِدْيَتانِ عِنْدَ الحَصْرِ. الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الإتْمامِ، والإتْمامُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الإفْرادِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ السَّفَرَ مَقْصُودٌ في الحَجِّ، بِدَلِيلِ أنَّ مَن أوْصى بِأنْ يُحَجُّ عَنْهُ فَإنَّهُ يُحَجُّ مِن وطَنِهِ، ولَوْلا أنَّ السَّفَرَ مَقْصُودٌ في الحَجِّ لَكانَ يُحَجُّ عَنْهُ مِن أدْنى المَواقِيتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهم قالُوا لَوْ نَذَرَ أنْ يَحُجَّ ماشِيًا وحَجَّ راكِبًا يَلْزَمُهُ دَمٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّفَرَ مَقْصُودٌ والقِرانُ يَقْتَضِي تَقْلِيلَ السَّفَرِ، لِأنَّ بِسَبَبِهِ يَصِيرُ السَّفَرانِ سَفَرًا واحِدًا، فَثَبَتَ أنَّ الإتْمامَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإفْرادِ. الثّانِي: أنَّ الحَجَّ لا مَعْنى لَهُ إلّا زِيارَةُ بِقاعٍ مُكَرَّمَةٍ، ومَشاهِدٍ مُشَرَّفَةٍ، والحاجُّ زائِرُ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى مَزُورُهُ، ولا شَكَّ أنَّهُ كُلَّما كانَتِ الزِّيارَةُ والخِدْمَةُ أكْثَرَ كانَ مَوْقِعُها عِنْدَ المَخْدُومِ أعْظَمَ، وعِنْدَ القِرانِ تَنْقَلِبُ الزِّيارَتانِ زِيارَةً واحِدَةً، بَلِ الحَقُّ أنَّ جُمْلَةَ أنْواعِ الطّاعاتِ في الحَجِّ وفي العُمْرَةِ تُكَرَّرُ عِنْدَ الإفْرادِ، وتَصِيرُ واحِدَةً عِنْدَ القِرانِ، فَثَبَتَ أنَّ الإفْرادَ أقْرَبُ إلى التَّمامِ، فَكانَ الإفْرادُ إنْ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلَيْكم بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ فَلا أقَلَّ مِن كَوْنِهِ أفْضَلَ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ أنَّ الإفْرادَ أفْضَلُ: أنَّ الإفْرادَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ آتِيًا بِالحَجِّ مَرَّةً، ثُمَّ بِالعُمْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَتَكُونُ الأعْمالُ الشّاقَّةُ في الإفْرادِ أكْثَرَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أفْضَلُ الأعْمالِ أحْمَزُها» “ أيْ أشَقُّها. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مُفْرِدًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإفْرادُ أفْضَلَ، أمّا قَوْلُنا: إنَّهُ كانَ مُفْرِدًا فاعْلَمْ أنَّ الصَّحابَةَ اخْتَلَفَتْ رِواياتُهم في هَذا المَعْنى، فَرَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفْرَدَ بِالحَجِّ، ورَوى جابِرٌ وابْنُ عُمَرَ أنَّهُ أفْرَدَ، «وأمّا أنَسٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ واقِفًا عِنْدَ صفحة ١٢٢ جِرانِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ لُعابُها يَسِيلُ عَلى كَتِفِي، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ”لَبَّيْكَ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ مَعًا“»، ثُمَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجَّحَ رِوايَةَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وجابِرٍ وابْنِ عُمَرَ عَلى رِوايَةِ أنَسٍ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: بِحالِ الرُّواةِ، أمّا عائِشَةُ فَلِأنَّها كانَتْ عالِمَةً، ومَعَ عِلْمِها كانَتْ أشَدَّ النّاسِ التِصاقًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأشَدَّ النّاسِ وُقُوفًا عَلى أحْوالِهِ، وأمّا جابِرٌ فَإنَّهُ كانَ أقْدَمَ صُحْبَةً لِلرَّسُولِ ﷺ مِن أنَسٍ، وإنَّ أنَسًا كانَ صَغِيرًا في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبْلَ العِلْمِ، وأمّا ابْنُ عُمَرَ فَإنَّهُ كانَ مَعَ فِقْهِهِ أقْرَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن غَيْرِهِ، لِأنَّ أُخْتَهُ حَفْصَةَ كانَتْ زَوْجَةَ النَّبِيِّ ﷺ . والثّانِي: أنَّ عَدَمَ القِرانِ مُتَأكِّدٌ بِالِاسْتِصْحابِ. والثّالِثُ: أنَّ الإفْرادَ يَقْتَضِي تَكْثِيرَ العِبادَةِ، والقِرانَ يَقْتَضِي تَقْلِيلَها، فَكانَ إلْحاقُ الإفْرادِ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْلى، وإذا ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مُفْرِدًا وجَبَ أنْ يَكُونَ الإفْرادُ أفْضَلَ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يَخْتارُ الأفْضَلَ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ قالَ: ”«خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» “ أيْ تَعَلَّمُوا مِنِّي. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ الإفْرادَ يَقْتَضِي تَكْثِيرَ العِبادَةِ، والقِرانَ يَقْتَضِي تَقْلِيلَها، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن خَلْقِ الجِنِّ والإنْسِ هو العِبادَةُ، وكُلُّ ما كانَ أفْضى إلى تَكْثِيرِ العِبادَةِ كانَ أفْضَلَ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن وُجُوهٍ: الحُجَّةُ الأُولى: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وهَذا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إيجابَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أوْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ إيجابَ الجَمْعِ بَيْنَهُما عَلى سَبِيلِ التَّمامِ، فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ لا يُفِيدُ الثّانِي، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى الثّانِي أفادَ الأوَّلَ، فَكانَ الثّانِي أكْثَرَ فائِدَةً، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، لِأنَّ الأوْلى حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلى ما يَكُونُ أكْثَرَ فائِدَةً. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القِرانَ جَمْعٌ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الإتْيانِ بِنُسُكٍ واحِدٍ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ في القِرانِ مُسارَعَةً إلى النُّسُكَيْنِ، وفي الإفْرادِ تَرْكَ مُسارَعَةٍ إلى أحَدِ النُّسُكَيْنِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القِرانُ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ: ﴿وسارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣] . والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ دَلالَةَ ما هو أكْثَرُ فائِدَةً عَلى الإفْرادِ، وأمّا ما ذَكَرْتُمُوهُ فَمُجَرَّدُ حُسْنِ ظَنٍّ؛ حَيْثُ قُلْتُمْ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما هو أكْثَرُ فائِدَةً أوْلى وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ التَّرْجِيحُ لِقَوْلِنا. والجَوابُ عَنِ الثّانِي والثّالِثِ: أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ القارِنُ يَفْعَلُهُ المُفْرِدُ أيْضًا، إلّا أنَّ القِرانَ كانَ حِيلَةً في إسْقاطِ الطّاعَةِ فَيَنْتَهِي الأمْرُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مُرَخَّصًا فِيهِ، فَأمّا أنْ يَكُونَ أفْضَلَ فَلا، وبِالجُمْلَةِ فالشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا يَقُولُ إنَّ الحَجَّةَ المُفْرَدَةَ بِلا عُمْرَةٍ أفْضَلُ مِنَ الحَجَّةِ المَقْرُونَةِ، لَكِنَّهُ يَقُولُ: مَن أتى بِالحَجِّ في وقْتِهِ ثُمَّ بِالعُمْرَةِ في وقْتِها فَمَجْمُوعُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أفْضَلُ مِنَ الإتْيانِ بِالحَجَّةِ المَقْرُونَةِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَفْسِيرِ الإتْمامِ في قَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ إتْمامَهُما أنْ يُحْرِمَ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِهِ. وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّ مَن نَوى الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ وجَبَ عَلَيْهِ الإتْمامُ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ مَنَعَ الكُفّارُ النَّبِيَّ ﷺ في السَّنَةِ الماضِيَةِ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فاللَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يَرْجِعَ صفحة ١٢٣ حَتّى يُتِمَّ هَذا الفَرْضَ، ويَحْصُلُ مِن هَذا التَّأْوِيلِ فائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ، وهي أنَّ تَطَوُّعَ الحَجِّ والعُمْرَةِ كَفَرْضَيْهِما في وُجُوبِ الإتْمامِ. وثالِثُها: قالَ الأصَمُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ الحَجَّ والعُمْرَةَ ثُمَّ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُتِمُّوا الآدابَ المُعْتَبَرَةَ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الإمامُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِ الإحْياءِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا البابِ، فَقالَ: الأُمُورُ المُعْتَبَرَةُ قَبْلَ الخُرُوجِ إلى الإحْرامِ ثَمانِيَةٌ: الأوَّلُ: في المالِ فَيَنْبَغِي أنْ يَبْدَأ بِالتَّوْبَةِ، ورَدِّ المَظالِمِ، وقَضاءِ الدُّيُونِ، وإعْدادِ النَّفَقَةِ لِكُلِّ مَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إلى وقْتِ الرُّجُوعِ، ويَرُدَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الوَدائِعِ، ويَسْتَصْحِبَ مِنَ المالِ الطَّيِّبِ الحَلالِ ما يَكْفِيهِ لِذَهابِهِ وإيابِهِ مِن غَيْرِ تَقْتِيرٍ، بَلْ عَلى وجْهٍ يُمَكِّنُهُ مِنَ التَّوَسُّعِ في الزّادِ والرِّفْقِ بِالفُقَراءِ، ويَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ قَبْلَ خُرُوجِهِ، ويَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ دابَّةً قَوِيَّةً عَلى الحَمْلِ أوْ يَكْتَرِيَها، فَإنِ اكْتَراها فَلْيُظْهِرْ لِلْمُكارِي كُلَّ ما يَحْصُلُ رِضاهُ فِيهِ. الثّانِي: في الرَّفِيقِ فَيَنْبَغِي أنْ يَلْتَمِسَ رَفِيقًا صالِحًا مُحِبًّا لِلْخَيْرِ، مُعِينًا عَلَيْهِ إنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وإنْ ذَكَرَ ساعَدَهُ، وإنْ جَبُنَ شَجَّعَهُ، وإنْ عَجَزَ قَوّاهُ وإنْ ضاقَ صَدْرُهُ صَبَّرَهُ، وأمّا الإخْوانُ والرُّفَقاءُ المُقِيمُونَ فَيُوَدِّعُهم، ويَلْتَمِسُ أدْعِيَتَهم، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ في دُعائِهِمْ خَيْرًا، والسُّنَّةُ في الوَداعِ أنْ يَقُولَ: أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وأمانَتَكَ وخَواتِيمَ عَمَلِكَ. الثّالِثُ: في الخُرُوجِ مِنَ الدّارِ، فَإذا هَمَّ بِالخُرُوجِ صَلّى رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ في الأُولى بَعْدَ الفاتِحَةِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثّانِيَةِ ”الإخْلاصَ“ وبَعْدَ الفَراغِ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ بِالإخْلاصِ. الرّابِعُ: إذا حَصَلَ عَلى بابِ الدّارِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، وكُلَّما كانَتِ الدَّعْواتُ أزْيَدَ كانَتْ أوْلى. الخامِسُ: في الرُّكُوبِ، فَإذا رَكِبَ الرّاحِلَةَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ وبِاللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ، تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، سُبْحانَ اللَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ. السّادِسُ: في النُّزُولِ، والسُّنَّةُ أنْ يَكُونَ أكْثَرُ سَيْرِهِ بِاللَّيْلِ، ولا يَنْزِلُ حَتّى يَحْمى النَّهارُ، وإذا نَزَلَ صَلّى رَكْعَتَيْنِ ودَعا اللَّهَ كَثِيرًا. السّابِعُ: إنْ قَصَدَهُ عَدُوٌّ أوْ سَبُعٌ في لَيْلٍ أوْ نَهارٍ، فَلْيَقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، وشَهِدَ اللَّهُ، والإخْلاصَ، والمُعَوِّذَتَيْنِ، ويَقُولُ: تَحَصَّنْتُ بِاللَّهِ العَظِيمِ، واسْتَعَنْتُ بِالحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ. الثّامِنُ: مَهْما عَلا شَرَفًا مِنَ الأرْضِ في الطَّرِيقِ، فَيُسْتَحَبُّ أنْ يُكَبِّرَ ثَلاثًا. التّاسِعُ: أنْ لا يَكُونُ هَذا السَّفَرُ مَشُوبًا بِشَيْءٍ مِن أثَرِ الأغْراضِ العاجِلَةِ كالتِّجارَةِ وغَيْرِها. العاشِرُ: أنْ يَصُونَ الإنْسانُ لِسانَهُ عَنِ الرَّفَثِ والفُسُوقِ والجِدالِ، ثُمَّ بَعَدَ الإتْيانِ بِهَذِهِ المُقَدِّماتِ، يَأْتِي بِجَمِيعِ أرْكانِ الحَجِّ عَلى الوَجْهِ الأصَحِّ الأقْرَبِ إلى مُوافَقَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ويَكُونُ غَرَضُهُ في كُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ﴾ كَلِمَةٌ شامِلَةٌ جامِعَةٌ لِهَذِهِ المَعانِي، فَإذا أتى العَبْدُ بِالحَجِّ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ مُتَّبِعًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ؛ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] . الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أنَّ المُرادَ: أفْرِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِسَفَرٍ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن قالَ بِالإفْرادِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ بِالدَّلِيلِ، وهَذا التَّأْوِيلُ يُرْوى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ يُرْوى مَرْفُوعًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وكانَ عُمَرُ يَتْرُكُ القِرانَ والتَّمَتُّعَ، ويَذْكُرُ أنَّ ذَلِكَ أتَمُّ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ وأنْ يَعْتَمِرَ في غَيْرِ شُهُورِ الحَجِّ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] ورَوى نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: فَرِّقُوا بَيْنَ حَجِّكِمْ وعُمْرَتِكم. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”الحَجُّ“ بِفَتْحِ الحاءِ في كُلِّ القُرْآنِ وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في آلِ عِمْرانَ، قالَ صفحة ١٢٤ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَرَطْلٍ ورِطْلٍ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: أصْلُ الحَصْرِ والإحْصارِ: الحَبْسُ، ومِنهُ يُقالُ لِلَّذِي لا يَبُوحُ بِسِرِّهِ: حَصَرَ؛ لِأنَّهُ حَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ البَوْحِ، والحَصْرُ احْتِباسُ الغائِطِ، والحَصِيرُ المَلِكُ؛ لِأنَّهُ كالمَحْبُوسِ بَيْنَ الحُجّابِ، وفي شِعْرِ لَبِيَدٍ: جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ والحَصِيرُ مَعْرُوفٌ سُمِّيَ بِهِ لِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزائِهِ إلى بَعْضٍ تَشْبِيهًا بِاحْتِباسِ الشَّيْءِ مَعَ غَيْرِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ لَفْظَ الحَصْرِ مَخْصُوصٌ بِمَنعِ العَدُوِّ إذا مَنَعَهُ عَنْ مُرادِهِ وضَيَّقَ عَلَيْهِ، أمّا لَفْظُ الإحْصارِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ السِّكِّيتِ والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ وأكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمَرَضِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ أحْصَرَهُ المَرَضُ إذا مَنَعَهُ مِنَ السَّفَرِ، وقالَ ثَعْلَبٌ في فَصِيحِ الكَلامِ: ”أُحْصِرَ“ بِالمَرَضِ ”وحُصِرَ“ بِالعَدُوِّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الإحْصارِ يُفِيدُ الحَبْسَ والمَنعَ، سَواءٌ كانَ بِسَبَبِ العَدُوِّ أوْ بِسَبَبِ المَرَضِ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمَنعِ الحاصِلِ مِن جِهَةِ العَدُوِّ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، فَإنَّهُما قالا: لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العَدُوِّ، وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ يَرُدُّونَ هَذا القَوْلَ عَلى الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفائِدَةُ هَذا البَحْثِ تَظْهَرُ في مَسْألَةٍ فِقْهِيَّةٍ، وهي أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ حُكْمَ الإحْصارِ عِنْدَ حَبْسِ العَدُوِّ ثابِتٌ، وهَلْ يَثْبُتُ بِسَبَبِ المَرَضِ وسائِرِ المَوانِعِ ؟ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَثْبُتُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَثْبُتُ. وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ ظاهِرَةٌ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ اللُّغَةِ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ رَجُلانِ: أحَدُهُما: الَّذِينَ قالُوا: الإحْصارُ مُخْتَصٌّ بِالحَبْسِ الحاصِلِ بِسَبَبِ المَرَضِ فَقَطْ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ نَصًّا صَرِيحًا في أنَّ إحْصارَ المَرَضِ يُفِيدُ هَذا الحُكْمَ. والثّانِي: الَّذِينَ قالُوا: الإحْصارُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الحَبْسِ سَواءٌ كانَ حاصِلًا بِسَبَبِ المَرَضِ أوْ بِسَبَبِ العَدُوِّ، وعَلى هَذا القَوْلِ حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ تَكُونُ ظاهِرَةً أيْضًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ الحُكْمَ عَلى مُسَمّى الإحْصارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ ثابِتًا عِنْدَ حُصُولِ الإحْصارِ سَواءٌ حَصَلَ بِالعَدُوِّ أوْ بِالمَرَضِ، وأمّا عَلى القَوْلِ الثّالِثِ: وهو أنَّ الإحْصارَ اسْمٌ لِلْمَنعِ الحاصِلِ بِالعَدُوِّ، فَهَذا القَوْلُ باطِلٌ بِاتِّفاقِ أهْلِ اللُّغَةِ، وبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَنَحْنُ نَقِيسُ المَرَضَ عَلى العَدُوِّ بِجامِعِ دَفْعِ الحَرَجِ، وهَذا قِياسٌ جَلِيٌّ ظاهِرٌ، فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو ظاهِرٌ قَوِيٌّ، وأمّا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهو أنّا نَدَّعِي أنَّ المُرادَ بِالإحْصارِ في هَذِهِ الآيَةِ مَنعُ العَدُوِّ فَقَطْ، والرِّواياتُ المَنقُولَةُ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ مُعارَضَةٌ بِالرِّواياتِ المَنقُولَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُما أوْلى لِتَقَدُّمِهِما عَلى هَؤُلاءِ الأدْنى في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وفي مَعْرِفَةِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، ثُمَّ إنّا بَعْدَ ذَلِكَ نُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ بِوُجُوهٍ مِنَ الدَّلائِلِ. الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ الإحْصارَ إفْعالٌ مِنَ الحَصْرِ، والإفْعالُ تارَةً يَجِيءُ بِمَعْنى التَّعْدِيَةِ، نَحْوَ: ذَهَبَ زَيْدٌ وأذْهَبْتُهُ أنا، ويَجِيءُ بِمَعْنى صارَ ذا كَذا، نَحْوَ: أغَدَّ البَعِيرُ إذا صارَ ذا غُدَّةٍ، وأجْرَبَ الرَّجُلُ إذا صارَ ذا إبِلٍ جَرْبى، ويَجِيءُ بِمَعْنى وجَدْتُهُ بِصِفَةِ كَذا، نَحْوَ: أحَمَدْتُ الرَّجُلَ أيْ وجَدْتُهُ مَحْمُودًا، والإحْصارُ لا يُمْكِنُ أنْ صفحة ١٢٥ يَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَوَجَبَ إمّا حَمْلُهُ عَلى الصَّيْرُورَةِ أوْ عَلى الوِجْدانِ والمَعْنى: أنَّهم صارُوا مَحْصُورِينَ أوْ وُجِدُوا مَحْصُورِينَ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَحْصُورَ هو المَمْنُوعُ بِالعَدُوِّ لا بِالمَرَضِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الإحْصارِ هو أنَّهم صارُوا مَمْنُوعِينَ بِالعَدُوِّ، أوْ وُجِدُوا مَمْنُوعِينَ بِالعَدُوِّ، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ مَذْهَبَنا. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الحَصْرَ عِبارَةٌ عَنِ المَنعِ وإنَّما يُقالُ لِلْإنْسانِ: إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن فِعْلِهِ ومَحْبُوسٌ عَنْ مُرادِهِ، إذا كانَ قادِرًا عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، ثُمَّ إنَّهُ مَنَعَهُ مانِعٌ عَنْهُ، والقُدْرَةُ عِبارَةٌ عَنِ الكَيْفِيَّةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ اعْتِدالِ المِزاجِ وسَلامَةِ الأعْضاءِ، وذَلِكَ مَفْقُودٌ في حَقِّ المَرِيضِ فَهو غَيْرُ قادِرٍ البَتَّةَ عَلى الفِعْلِ، فَيَسْتَحِيلُ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأنَّ إحالَةَ الحُكْمِ عَلى المانِعِ تَسْتَدْعِي حُصُولَ المُقْتَضِي، أمّا إذا كانَ مَمْنُوعًا بِالعَدُوِّ فَهَهُنا القُدْرَةُ عَلى الفِعْلِ حاصِلَةٌ، إلّا أنَّهُ تَعَذَّرَ الفِعْلُ لِأجْلِ مُدافَعَةِ العَدُوِّ، فَصَحَّ هَهُنا أنْ يُقالَ إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الفِعْلِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَةَ الإحْصارِ حَقِيقَةٌ في العَدُوِّ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً في المَرَضِ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ أيْ حُبِسْتُمْ ومُنِعْتُمْ والحَبْسُ لا بُدَّ لَهُ مِن حابِسٍ، والمَنعُ لا بُدَّ لَهُ مِن مانِعٍ، ويُمْتَنَعُ وصْفُ المَرَضِ بِكَوْنِهِ حابِسًا ومانِعًا، لِأنَّ الحَبْسَ والمَنعَ فِعْلٌ، وإضافَةُ الفِعْلِ إلى المَرَضِ مُحالٌ عَقْلًا، لِأنَّ المَرَضَ عَرَضٌ لا يَبْقى زَمانَيْنِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا وحابِسًا ومانِعًا، أمّا وصْفُ العَدُوِّ بِأنَّهُ حابِسٌ ومانِعٌ، فَوَصْفٌ حَقِيقِيٌّ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى مَجازِهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ الإحْصارَ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَصْرِ ولَفْظُ الحَصْرِ لا إشْعارَ فِيهِ بِالمَرَضِ، فَلَفْظُ الإحْصارِ وجَبَ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ الإشْعارِ بِالمَرَضِ قِياسًا عَلى جَمِيعِ الألْفاظِ المُشْتَقَّةِ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ فَعَطَفَ عَلَيْهِ المَرِيضَ، فَلَوْ كانَ المُحْصَرُ هو المَرِيضُ أوْ مَن يَكُونُ المَرَضُ داخِلًا فِيهِ، لَكانَ هَذا عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ خَصَّ هَذا المَرَضَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ لَهُ حُكْمًا خاصًّا، وهو حَلْقُ الرَّأْسِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ إنْ مُنِعْتُمْ بِمَرَضٍ تَحَلَّلْتُمْ بِدَمٍ، وإنْ تَأذّى رَأْسُكم بِمَرَضٍ حَلَقْتُمْ وكَفَّرْتُمْ. قُلْنا: هَذا وإنْ كانَ حَسَنًا لِهَذا الغَرَضِ، إلّا أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنِ المُحْصَرُ مُفَسَّرًا بِالمَرِيضِ، لَمْ يَلْزَمْ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، فَكانَ حَمْلُ المُحْصَرِ عَلى غَيْرِ المَرِيضِ يُوجِبُ خُلُوَّ الكَلامِ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولَفْظُ الأمْنِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَوْفِ مِنَ العَدُوِّ لا في المَرَضِ، فَإنَّهُ يُقالُ في المَرَضِ: شُفِيَ وعُفِيَ ولا يُقالُ أمِنَ. فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ لَفْظَ الأمْنِ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الخَوْفِ، فَإنَّهُ يُقالُ: أمِنَ المَرِيضُ مِنَ الهَلاكِ وأيْضًا خُصُوصُ آخِرِ الآيَةِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ أوَّلِها. قُلْنا: لَفْظُ الأمْنِ إذا كانَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الأمْنَ مِنَ العَدُوِّ. وقَوْلُهُ: خُصُوصُ آخَرِ الآيَةِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِ أوَّلِها. قُلْنا: بَلْ يُوجِبُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ حَصَلَ الأمْنُ مِمّاذا، فَلا بُدَّ صفحة ١٢٦ وأنْ يَكُونَ المُرادُ حُصُولَ الأمْنِ مِن شَيْءٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الإحْصارُ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: فَإذا أمِنتُمْ مِن ذَلِكَ الإحْصارِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الأمْنِ لا يُطْلَقُ إلّا في حَقِّ العَدُوِّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الإحْصارِ مَنعَ العَدُوِّ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّ الإحْصارَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو مَنعُ العَدُوِّ فَقَطْ، أمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ مَنعُ المَرَضِ صاحَبَهُ خاصَّةً فَهو باطِلٌ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ. وفِيهِ دَلِيلٌ آخَرُ: وهو أنَّ المُفَسِّرِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ أحْصَرُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ، والنّاسُ وإنِ اخْتَلَفُوا في أنَّ الآيَةَ النّازِلَةَ في سَبَبٍ هَلْ تَتَناوَلُ غَيْرَ ذَلِكَ السَّبَبِ ؟ إلّا أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّبَبُ خارِجًا عَنْهُ، فَلَوْ كانَ الإحْصارُ اسْمًا لِمَنعِ المَرَضِ، لَكانَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ خارِجًا عَنْها، وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الإحْصارَ في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ العَدُوِّ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يُمْكِنُ قِياسُ مَنعِ المَرَضِ عَلَيْهِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنْ“ شَرْطٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وحُكْمُ الشَّرْطِ انْتِفاءُ المَشْرُوطِ عَنِ انْتِفائِهِ ظاهِرًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَثْبُتَ الحُكْمُ إلّا في الإحْصارِ الَّذِي دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أثْبَتْنا هَذا الحُكْمَ في غَيْرِهِ قِياسًا كانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلنَّصِّ بِالقِياسِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الإحْرامَ شَرْعٌ لازِمٌ لا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ قَصْدًا، ألا تَرى أنَّهُ إذا جامَعَ امْرَأتَهُ حَتّى فَسَدَ حَجُّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِن إحْرامِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ فاتَهُ الحَجُّ حَتّى لَزِمَهُ القَضاءُ والمَرَضُ لَيْسَ كالعَدُوِّ، ولِأنَّ المَرِيضَ لا يَسْتَفِيدُ بِتَحَلُّلِهِ ورُجُوعِهِ أمْنًا مِن مَرَضِهِ، أمّا المُحْصَرُ بِالعَدُوِّ فَإنَّهُ خائِفٌ مِنَ القَتْلِ إنْ أقامَ، فَإذا رَجَعَ فَقَدْ تَخَلَّصَ مِن خَوْفِ القَتْلِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى ما يَلِيقُ بِالتَّفْسِيرِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: في الآيَةِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَحَلَلْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٤٨] أيْ فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ، وفِيها إضْمارٌ آخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ كَلامٌ غَيْرُ تامٍّ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، ثُمَّ فِيهِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: مَحَلُّ ”ما“ رَفْعٌ، والتَّقْدِيرُ: فَواجِبٌ عَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: لَوْ نَصَبْتَ عَلى مَعْنى: اهْدُوا ما تَيَسَّرَ كانَ صَوابًا، وأكْثَرُ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن أشْباهِهِ مَرْفُوعٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اسْتَيْسَرَ“ بِمَعْنى تَيَسَّرَ، ومِثْلُهُ: اسْتَعْظَمَ، أيْ: تَعَظَّمَ، واسْتَكْبَرَ: أيْ تَكَبَّرَ، واسْتَصْعَبَ: أيْ تَصَعَّبَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الهَدْيُ: جَمْعُ هَدْيَةٍ، كَما تَقُولُ: تَمْرٌ وتَمْرَةٌ، قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: أهْلُ الحِجازِ يُخَفِّفُونَ ”الهَدْيَ“ وتَمِيمٌ تُثَقِّلُهُ، فَيَقُولُونَ: هَدِيَّةٌ، وهَدِيٌّ، ومَطِيَّةٌ، ومَطِيٌّ، قالَ الشّاعِرُ: حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ والمُصَلّى وأعْناقِ الهَدِيِّ مُقَلَّداتِ ومَعْنى ”الهَدْيِ“: ما يُهْدى إلى بَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، بِمَنزِلَةِ الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: الهَدْيُ أعْلاهُ بَدَنَةٌ، وأوْسَطُهُ بَقَرَةٌ، وأخَسُّهُ شاةٌ، فَعَلَيْهِ ما تَيَسَّرَ مِن هَذِهِ الأجْناسِ. * * * صفحة ١٢٧ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُحْصَرُ إذا كانَ عالِمًا بِالهَدْيِ، هَلْ لَهُ بَدَلٌ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ ؟ لِلشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا بَدَلَ لَهُ ويَكُونُ الهَدْيُ في ذِمَّتِهِ أبَدًا، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والحُجَّةُ في أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى المُحْصَرِ الهَدْيَ عَلى التَّعْيِينِ، وما أثْبَتَ لَهُ بَدَلًا. والثّانِي: أنَّ لَهُ بَدَلًا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ، فَإذا قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ: هَلْ لَهُ أنْ يَتَحَلَّلَ في الحالِ أوْ يُقِيمَ عَلى إحْرامِهِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُقِيمُ عَلى إحْرامِهِ حَتّى يَجِدَهُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ. والثّانِي: أنْ يَتَحَلَّلَ في الحالِ لِلْمَشَقَّةِ، وهو الأصَحُّ، فَإذا قُلْنا بِالقَوْلِ الثّانِي فَفِيهِ اخْتِلافاتٌ كَثِيرَةٌ وأقْرَبُها أنْ يُقالَ: يَقُومُ الهَدْيُ بِالدَّراهِمِ ويُشْتَرى بِها طَعامٌ ويُؤَدّى، وإنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الهَدْيِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُحْصَرُ إذا أرادَ التَّحَلُّلَ وذَبَحَ، وجَبَ أنْ يَنْوِيَ التَّحَلُّلَ عِنْدَ الذَّبْحِ، ولا يَتَحَلَّلَ البَتَّةَ قَبْلَ الذَّبْحِ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في العُمْرَةِ فَأكْثَرُ الفُقَهاءِ قالُوا: حُكْمُها في الإحْصارِ كَحُكْمِ الحَجِّ وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ لا إحْصارَ فِيهِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، وهَذا باطِلٌ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ مَذْكُورٌ عَقِيبَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَكانَ عائِدًا إلَيْهِما. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يَتَحَلَّلُ بِبُلُوغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ، بَلْ لا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ إلّا بِالنَّحْرِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ويُنْحَرَ فَإذا نُحِرَ فاحْلِقُوا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يَجُوزُ إراقَةُ دَمِ الإحْصارِ لا في الحَرَمِ، بَلْ حَيْثُ حُبِسَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في الحَرَمِ، ومَنشَأُ الخِلافِ البَحْثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: المَحِلُّ في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ لِلزَّمانِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ التَّحَلُّلُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ اسْمٌ لِلْمَكانِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أُحْصِرَ بِالحُدَيْبِيَةِ ونَحَرَ بِها، والحُدَيْبِيَةُ لَيْسَتْ مِنَ الحَرَمِ، قالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ إنَّهُ إنَّما أُحْصِرَ في طَرَفِ الحُدَيْبِيَةِ الَّذِي هو أسْفَلُ مَكَّةَ، وهو مِنَ الحَرَمِ. قالَ الواقِدِيُّ: الحُدَيْبِيَةُ عَلى طَرَفِ الحَرَمِ عَلى تِسْعَةِ أمْيالٍ مِن مَكَّةَ، أجابَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ هَذا السُّؤالِ، فَقالَ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ نَحْرَ ذَلِكَ الهَدْيِ ما وقَعَ في الحَرَمِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ مَنَعُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ إبْلاغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ الَّذِي كانَ يُرِيدُهُ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهم نَحَرُوا ذَلِكَ الهَدْيَ في غَيْرِ الحَرَمِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المُحْصَرَ سَواءٌ كانَ في الحِلِّ أوْ في الحَرَمِ فَهو مَأْمُورٌ بِنَحْرِ الهَدْيِ فَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ في الحِلِّ والحَرَمِ مِن نَحْرِ الهَدْيِ. بَيانُ المَقامِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ مُحْصَرًا، سَواءٌ كانَ في الحِلِّ أوْ في الحَرَمِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ مَعْناهُ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ نَحْوُهُ واجِبٌ، أوْ مَعْناهُ صفحة ١٢٨ فانْحَرُوا ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ نَحْرَ الهَدْيِ واجِبٌ عَلى المُحْصَرِ سَواءٌ كانَ مُحْصَرًا في الحِلِّ أوْ في الحَرَمِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ لَهُ الذَّبْحُ في الحِلِّ والحَرَمِ، لِأنَّ المُكَلَّفَ بِالشَّيْءِ أوَّلُ دَرَجاتِهِ أنْ يَجُوزَ لَهُ فِعْلُ المَأْمُورِ بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُحْصَرُ قادِرًا عَلى إراقَةِ الدَّمِ حَيْثُ أُحْصِرَ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما مَكَّنَ المُحْصَرَ مِنَ التَّحَلُّلِ بِالذَّبْحِ لِيَتَمَكَّنَ مِن تَخْلِيصِ النَّفْسِ عَنْ خَوْفِ العَدُوِّ في الحالِ، فَلَوْ لَمْ يَجُزِ النَّحْرُ إلّا في الحَرَمِ وما لَمْ يَحْصُلِ النَّحْرُ لا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِدَلالَةِ الآيَةِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ التَّحَلُّلُ في الحالِ، وذَلِكَ يُناقِضُ ما هو المَقْصُودُ مِن شَرْعِ هَذا الحُكْمِ، ولِأنَّ المُوصِلَ لِلنَّحْرِ إلى الحَرَمِ إنْ كانَ هو فَقَدْ نُفِيَ الخَوْفُ، وكَيْفَ يُؤْمَنُ بِهَذا الفِعْلِ مِن قِيامِ الخَوْفِ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَقَدْ لا يَجِدُ ذَلِكَ الغَيْرَ فَماذا يَفْعَلُ ؟ . حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المَحِلَّ بِكَسْرِ عَيْنِ الفِعْلِ عِبارَةٌ عَنِ المَكانِ، كالمَسْجِدِ والمَجْلِسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ بالِغٍ في الحالِ إلى مَكانِ الحِلِّ، وهو عِنْدَكم بالِغٌ مَحِلَّهُ في الحالِ. جَوابُهُ: المَحِلُّ عِبارَةٌ عَنِ الزَّمانِ وأنَّ مِنَ المَشْهُورِ أنَّ مَحِلَّ الدَّيْنِ هو وقْتُ وُجُوبِهِ. الثّانِي: هَبْ أنَّ لَفْظَ المَحِلِّ يَحْتَمِلُ المَكانَ والزَّمانَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وفي قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ الحَرَمُ، فَإنَّ البَيْتَ عَيْنَهُ لا يُراقُ فِيهِ الدِّماءُ. جَوابُهُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُلُّ ما وجَبَ عَلى المُحْرِمِ في مالِهِ مِن بَدَنَةٍ وجَزاءِ هَدْيٍ فَلا يُجْزِي إلّا في الحَرَمِ لِمَساكِينِ أهْلِهِ إلّا في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما: مَن ساقَ هَدْيًا فَعَطَفَ في طَرِيقِهِ ذَبَحَهُ وخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ المَساكِينِ. والثّانِي: دَمُ المُحْصَرِ بِالعَدُوِّ فَإنَّهُ يَنْحَرُ حَيْثُ حُبِسَ، فالآياتُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها في سائِرِ الدِّماءِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّها تَتَناوَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ. الثّالِثُ: قالُوا: الهَدْيُ سُمِّيَ هَدْيًا لِأنَّهُ جارٍ مَجْرى الهَدِيَّةِ الَّتِي يَبْعَثُها العَبْدُ إلى رَبِّهِ، والهَدِيَّةُ لا تَكُونُ هَدِيَّةً إلّا إذا بَعَثَها المُهْدِي إلى دارِ المُهْدى إلَيْهِ، وهَذا المَعْنى لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِجَعْلِ مَوْضِعِ الهَدْيِ هو الحَرَمُ. جَوابُهُ: هَذا التَّمَسُّكُ بِالِاسْمِ، ثُمَّ هو مَحْمُولٌ عَلى الأفْضَلِ عِنْدَ القُدْرَةِ. الرّابِعُ: أنَّ سائِرَ دِماءِ الحَجِّ كُلِّها قُرْبَةً كانَتْ أوْ كَفّارَةً لا تَصِحُّ إلّا في الحَرَمِ، فَكَذا هَذا. جَوابُهُ: أنَّ هَذا الدَّمَ إنَّما وجَبَ لِإزالَةِ الخَوْفِ، وزَوالُ الخَوْفِ إنَّما يَحْصُلُ إذا قَدَرَ عَلَيْهِ حَيْثُ أُحْصِرَ، أمّا لَوْ وجَبَ إرْسالُهُ إلى الحَرَمِ لا يَحْصُلُ هَذا المَقْصُودُ، وهَذا المَعْنى غَيْرُ مَوْجُودٍ في سائِرِ الدِّماءِ فَظَهَرَ الفَرْقُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَحِلُّوا فَيَحْلِقُوا رُؤُوسَهم إلّا بَعْدَ تَقْدِيمِ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ كَما أنَّهُ أمَرَهم أنْ لا يُناجُوا الرَّسُولَ إلّا بَعْدَ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، «قالَ كَعْبٌ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ في شَعْرِ رَأْسِي كَثِيرٌ مِنَ القَمْلِ والصِّئْبانِ وهو يَتَناثَرُ عَلى وجْهِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تُؤْذِيكَ هَوامُّ رَأْسِكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: احْلِقْ رَأْسَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، والمَقْصُودُ مِنها أنَّ المُحْرِمَ إذا تَأذّى بِالمَرَضِ أوْ بِهَوامِّ رَأْسِهِ أُبِيحَ لَهُ المُداواةُ والحَلْقُ بِشَرْطِ الفِدْيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ رُفِعَ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، وأيْضًا فَفِيهِ إضْمارٌ آخَرُ، والتَّقْدِيرُ: فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمُحْصَرِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَبْلَ بُلُوغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ رُبَّما لَحِقَهُ مَرَضٌ أوْ أذًى في رَأْسِهِ، إنْ صَبَرَ فاللَّهُ أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ بِشَرْطِ بَذْلِ الفِدْيَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ لِكُلِّ مُحْرِمٍ لَحِقَهُ المَرَضُ في بَدَنِهِ فاحْتاجَ إلى عِلاجٍ، أوْ لَحِقَهُ أذًى في رَأْسِهِ فاحْتاجَ إلى الحَلْقِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ لَهُ ذَلِكَ، وبَيَّنَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الفِدْيَةِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَرَضُ قَدْ يُحْوِجُ إلى اللِّباسِ، فَتَكُونُ الرُّخْصَةُ في اللِّباسِ كالرُّخْصَةِ في الحَلْقِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِغَيْرِ المَرَضِ مِن شِدَّةِ البَرْدِ وما شاكَلَهُ؛ فَأُبِيحَ لَهُ بِشَرْطِ الفِدْيَةِ، وقَدْ يَحْتاجُ أيْضًا إلى اسْتِعْمالِ الطِّيبِ في كَثِيرٍ مِنَ الأمْراضِ؛ فَيَكُونُ الحُكْمُ فِيهِ ذاكَ، وأمّا مَن يَكُونُ بِهِ أذًى مَن رَأْسِهِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ القَمْلِ والصِّئْبانِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الصُّداعِ، وقَدْ يَكُونُ عِنْدَ الخَوْفِ مِن حُدُوثِ مَرَضٍ أوْ ألَمٍ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الحُكْمُ عامٌّ في جَمِيعِ مَحْظُوراتِ الحَجِّ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُقَدِّمُ الفِدْيَةَ ثُمَّ يَتَرَخَّصُ، أوْ يُؤَخِّرُ الفِدْيَةَ عَنِ التَّرَخُّصِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ أنَّهُ يُؤَخِّرُ الفِدْيَةَ عَنِ التَّرَخُّصِ؛ لِأنَّ الإقْدامَ عَلى التَّرَخُّصِ كالعِلَّةِ في وُجُوبِ الفِدْيَةِ، فَكانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، وأيْضًا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، ولا يَنْتَظِمُ الكَلامُ إلّا عَلى هَذا الحَدِّ، فَإذَنْ يَجِبُ تَأْخِيرُ الفِدْيَةِ. صفحة ١٣٠ * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ فالمُرادُ أنَّ تِلْكَ الفِدْيَةَ أحَدُ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ النُّسُكِ العِبادَةُ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: النُّسُكُ سَبائِكُ الفِضَّةِ، كُلُّ سَبِيكَةٍ مِنها نَسِيكَةٌ، ثُمَّ قِيلَ لِلْمُتَعَبِّدِ: ناسِكٌ؛ لِأنَّهُ خَلَّصَ نَفْسَهُ مِن دَنَسِ الآثامِ وصَفّاها، كالسَّبِيكَةِ المُخَلَّصَةِ مِنَ الخَبَثِ، هَذا أصْلُ مَعْنى النُّسُكِ، ثُمَّ قِيلَ لِلذَّبِيحَةِ: نُسُكٌ؛ لِأنَّها مِن أشْرَفِ العِباداتِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقُوا في النُّسُكِ عَلى أنَّ أقَلَّهُ شاةٌ؛ لِأنَّ النُّسُكَ لا يَتَأدّى إلّا بِأحَدِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ: الجَمَلُ، والبَقَرَةُ، والشّاةُ، ولَمّا كانَ أقَلُّها الشّاةَ لا جَرَمَ كانَ أقَلُّ الواجِبِ في النُّسُكِ هو الشّاةَ، أمّا الصِّيامُ والإطْعامُ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كِمِّيَّتِهِما وكَيْفِيَّتِهِما، وبِماذا يَحْصُلُ بَيانُهُ؛ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَصَلَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وهو ما رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا مَرَّ بِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ورَأى كَثْرَةَ الهَوامِّ في رَأْسِهِ، قالَ لَهُ: احْلِقْ، ثُمَّ اذْبَحْ شاةً نُسُكًا، أوْ صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ، أوْ أطْعِمْ ثَلاثَةَ آصُعٍ مِن تَمْرٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ» . والقَوْلُ الثّانِي: ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّهُما قالا: الصِّيامُ لِلْمُتَمَتِّعِ عَشْرَةُ أيّامٍ، والإطْعامُ مِثْلُ ذَلِكَ في العِدَّةِ، وحُجَّتُهُما أنَّ الصِّيامَ والإطْعامَ لَمّا كانا مُجْمَلَيْنِ في هَذا المَوْضِعِ وجَبَ حَمْلُهُما عَلى المُفَسَّرِ فِيما جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو الَّذِي يَلْزَمُ المُتَمَتِّعَ إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، والقَوْلُ الأوَّلُ عَلَيْهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى حُكْمِ مَن أقْدَمَ عَلى شَيْءٍ مِن مَحْظُوراتِ الحَجِّ بِعُذْرٍ، أمّا مَن حَلَقَ رَأْسَهُ عامِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأبِي حَنِيفَةَ الواجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ، وقالَ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بِعُذْرٍ، والآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ﴾ يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ هَذا الحُكْمِ بِهَذِهِ الأعْذارِ، والمَشْرُوطُ بِالشَّيْءِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَهُ: فَإذا أمِنتُمْ مِنَ الإحْصارِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى التَّمَتُّعِ التَّلَذُّذُ، يُقالُ: تَمَتَّعَ بِالشَّيْءِ أيْ تَلَذَّذَ بِهِ، والمَتاعُ: كُلُّ شَيْءٍ يُتَمَتَّعُ بِهِ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ ماتِعٌ؛ أيْ طَوِيلٌ، وكُلُّ مَن طالَتْ صُحْبَتُهُ مَعَ الشَّيْءِ فَهو مُتَمَتِّعٌ بِهِ، والمُتَمَتِّعُ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ هو أنْ يَقْدُمَ مَكَّةَ فَيَعْتَمِرَ في أشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ يُقِيمَ بِمَكَّةَ حَلالًا يُنْشِئُ مِنها الحَجَّ، فَيَحُجُّ مِن عامِهِ ذَلِكَ، وإنَّما سُمِّيَ مُتَمَتِّعًا لِأنَّهُ يَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِمَحْظُوراتِ الإحْرامِ فِيما بَيْنَ تَحَلُّلِهِ مِنَ العُمْرَةِ إلى إحْرامِهِ بِالحَجِّ، والتَّمَتُّعُ عَلى هَذا الوَجْهِ صَحِيحٌ لا كَراهَةَ فِيهِ، وهَهُنا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّمَتُّعِ مَكْرُوهٌ، وهو الَّذِي حَذَّرَ «عَنْهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقالَ: مُتْعَتانِ كانَتا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنا أنْهى عَنْهُما وأُعاقِبُ عَلَيْهِما: مُتْعَةُ النِّساءِ، ومُتْعَةُ الحَجِّ» . والمُرادُ مِن هَذِهِ المُتْعَةِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الإحْرامَيْنِ، ثُمَّ يَفْسَخَ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ ويَتَمَتَّعَ بِها إلى الحَجِّ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أذِنَ لِأصْحابِهِ في ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ. رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: ما كانَتْ مُتْعَةُ الحَجِّ إلّا لِي خاصَّةً، فَكانَ السَّبَبُ فِيهِ أنَّهم كانُوا لا يَرَوْنَ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ ويَعُدُّونَها مِن أفْجَرِ الفُجُورِ، فَلَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إبْطالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ عَلَيْهِمْ بالَغَ فِيهِ بِأنْ نَقَلَهم في أشْهُرِ الحَجِّ مِنَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ، وهَذا سَبَبٌ لا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهم، فَلِهَذا المَعْنى كانَ فَسْخُ الحَجِّ خاصًّا بِهِمْ. صفحة ١٣١ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ﴾ أيْ: فَمَن يَتَمَتَّعُ بِسَبَبِ العُمْرَةِ فَكَأنَّهُ لا يَتَمَتَّعُ بِالعُمْرَةِ، ولَكِنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِمَحْظُوراتِ الإحْرامِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِالعُمْرَةِ، وهَذا هو مَعْنى التَّمَتُّعِ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾؛ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أصْحابُنا: لِوُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ خَمْسُ شَرائِطَ: أحَدُها: أنْ يُقَدِّمَ العُمْرَةَ عَلى الحَجِّ. والثّانِي: أنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ، فَإنْ أحْرَمَ بِها قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ وأتى بِشَيْءٍ مِنَ الطَّوافِ وإنْ كانَ شَوْطًا واحِدًا ثُمَّ أكْمَلَ باقِيَهُ في أشْهُرِ الحَجِّ، وحَجَّ في هَذِهِ السَّنَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ في أشْهُرِ الحَجِّ، وإنْ أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ، وأتى بِأعْمالِها في أشْهُرِ الحَجِّ، فِيهِ قَوْلانِ: قالَ في ”الأُمِّ“ وهو الأصَحُّ: لا يَلْزَمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ؛ لِأنَّهُ أتى بِرُكْنٍ مِن أرْكانِ العُمْرَةِ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ، كَما لَوْ طافَ قَبْلَهُ، وقالَ في ”القَدِيمِ والإمْلاءِ“: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، ويَجْعَلُ اسْتِدامَةَ الإحْرامِ في أشْهُرِ الحَجِّ كابْتِدائِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا أتى بِبَعْضِ الطَّوافِ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ فَهو مُتَمَتِّعٌ إذا لَمْ يَأْتِ بِأكْثَرِهِ. الشَّرْطُ الثّالِثُ: أنْ يَحُجَّ في هَذِهِ السَّنَةِ، فَإنْ حَجَّ في سَنَةٍ أُخْرى لا يَلْزَمُهُ الدَّمُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مُزاحَمَةُ الحَجِّ والعُمْرَةِ في عامٍ واحِدٍ. الشَّرْطُ الرّابِعُ: أنْ لا يَكُونَ مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، وحاضِرُ المَسْجِدِ الحَرامِ مَن كانَ أهْلُهُ عَلى مَسافَةٍ أقَلَّ مِن مَسافَةِ القَصْرِ، فَإنْ كانَ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ فَلَيْسَ مِنَ الحاضِرِينَ، وهَذِهِ المَسافَةُ تُعْتَبَرُ مِن مَكَّةَ أوْ مِنَ الحَرَمِ، وفِيهِ وجْهانِ. الشَّرْطُ الخامِسُ: أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ مِن جَوْفِ مَكَّةَ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ العُمْرَةِ، فَإنْ عادَ إلى المِيقاتِ، فَأحْرَمَ بِالحَجِّ لا يَلْزَمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ؛ لِأنَّ لُزُومَ الدَّمِ لِتَرْكِ الإحْرامِ مِنَ المِيقاتِ، ولَمْ يُوجَدْ، فَهَذِهِ هي الشُّرُوطُ المُعْتَبَرَةُ في لُزُومِ دَمِ التَّمَتُّعِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَمُ التَّمَتُّعِ دَمُ جُبْرانِ الإساءَةِ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِنهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّهُ دَمُ نُسُكٍ، ويَأْكُلُ مِنهُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ مِن وُجُوهٍ: الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ التَّمَتُّعَ حَصَلَ فِيهِ خَلَلٌ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الدَّمُ دَمَ جُبْرانٍ. بَيانُ حُصُولِ الخَلَلِ فِيهِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ: الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّ عُثْمانَ كانَ يَنْهى عَنِ المُتْعَةِ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عَمَدْتَ إلى رُخْصَةٍ بِسَبَبِ الحاجَةِ والغُرْبَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ نَقْصٍ فِيها. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ تَمَتُّعًا، والتَّمَتُّعُ عِبارَةٌ عَنِ التَّلَذُّذِ والِارْتِفاعِ، ومَبْنى العِبادَةِ عَلى المَشَقَّةِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ في كَوْنِهِ عِبادَةً نَوْعُ خَلَلٍ. الثّالِثُ: وهو بَيانُ الخَلَلِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ: أنَّ في التَّمَتُّعِ صارَ السَّفَرُ لِلْعُمْرَةِ، وكانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ لِلْحَجِّ، فَإنَّ الحَجَّ الأكْبَرَ هو الحَجُّ، وأيْضًا حَصَلَ التَّرَفُّهُ وقْتَ الإحْلالِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ خَلَلٌ، وأيْضًا كانَ مِن حَقِّهِ جَعْلُ المِيقاتِ لِلْحَجِّ فَإنَّهُ أعْظَمُ، فَلَمّا جَعَلَ المِيقاتَ لِلْعُمْرَةِ كانَ ذَلِكَ نَوْعَ خَلَلٍ، وإذا ثَبَتَ كَوْنُ الخَلَلِ في هَذا الحَجِّ، وجَبَ جَعْلُ الدَّمِ دَمَ جُبْرانٍ لا دَمَ نُسُكٍ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الدَّمَ لَيْسَ بِنُسُكٍ أصْلِيٍّ مِن مَناسِكِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ كَما لَوْ أفْرَدَ بِهِما، وكَما في حَقِّ المَكِّيِّ، والجَمْعُ بَيْنَ العِبادَتَيْنِ لا يُوجِبُ الدَّمَ أيْضًا، بِدَلِيلِ أنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ والِاعْتِكافِ لا يَلْزَمُهُ الدَّمُ؛ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ هَذا الدَّمَ لَيْسَ دَمَ نُسُكٍ؛ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دَمَ جُبْرانٍ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الهَدْيَ عَلى التَّمَتُّعِ بِلا تَوْقِيتٍ، وكَوْنُهُ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ دَمُ صفحة ١٣٢ جُبْرانٍ؛ لِأنَّ المَناسِكَ كُلَّها مُؤَقَّتَةٌ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ لِلصَّوْمِ فِيهِ مَدْخَلًا، ودَمُ النُّسُكِ لا يُبْدَلُ بِالصَّوْمِ، وإذا عَرَفْتَ صِحَّةَ ما ذَكَرْنا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ألْزَمَ المُكَلَّفَ إتْمامَ الحَجِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّ حَجَّ التَّمَتُّعِ غَيْرُ تامٍّ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، وذَلِكَ لِأنَّ تَمَتُّعَكم يُوقِعُ نَقْصًا في حَجَّتِكم، فاجْبُرُوهُ بِالهَدْيِ لِتَكْمُلَ بِهِ حَجَّتُكم، فَهَذا مَعْنًى حَسَنٌ مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الآيَةِ، وهو لا يَتَقَرَّرُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الدَّمُ الواجِبُ بِالتَّمَتُّعِ: دَمُ شاةٍ جَذَعَةٍ مِنَ الضَّأْنِ، أوْ ثَنِيَّةٍ مِنَ المَعْزِ، ولَوْ تَشارَكَ سِتَّةٌ في بَقَرَةٍ أوْ بَدَنَةٍ جازَ، ووَقْتُ وُجُوبِهِ بَعْدَما أحْرَمَ بِالحَجِّ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ وجَبَ عَقِيبَ التَّمَتُّعِ، ويُسْتَحَبُّ أنْ يَذْبَحَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَوْ ذَبَحَ بَعْدَما أحْرَمَ بِالحَجِّ جازَ؛ لِأنَّ التَّمَتُّعَ قَدْ تَحَقَّقَ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يَجُوزُ، وأصْلُ هَذا أنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ عِنْدَنا دَمُ جُبْرانٍ كَسائِرِ دِماءِ الجُبْراناتِ، وعِنْدَهُ دَمُ نُسُكٍ كَدَمِ الأُضْحِيَّةِ، فَيَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ فالمَعْنى أنَّ المُتَمَتِّعَ إنْ وجَدَ الهَدْيَ فَلا كَلامَ، وإنْ لَمْ يَجِدْ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بَدَلَهُ مِنَ الصِّيامِ، فَهَذا الهَدْيُ أفْضَلُ أمِ الصِّيامُ ؟ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ المُبْدَلُ الَّذِي هو الأصْلُ أفْضَلَ، لَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذا البَدَلِ أنَّهُ في الكَمالِ والثَّوابِ كالهَدْيِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾؛ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ نَصٌّ فِيما إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، والفُقَهاءُ قاسُوا عَلَيْهِ ما إذا وجَدَ الهَدْيَ ولَمْ يَجِدْ ثَمَنَهُ، أوْ كانَ مالُهُ غائِبًا، أوْ يُباعُ بِثَمَنٍ غالٍ، فَهُنا أيْضًا يَعْدِلُ إلى الصَّوْمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ ثَلاثَةُ أيّامٍ وقْتَ اشْتِغالِهِ بِالحَجِّ، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ فِقْهِيَّةٌ؛ وهي أنَّ المُتَمَتِّعَ إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ لا يَصِحُّ صَوْمُهُ بَعْدَ إحْرامِ العُمْرَةِ قَبْلَ إحْرامِ الحَجِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَصِحُّ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ صامَ قَبْلَ وقْتِهِ؛ فَلا يَجُوزُ كَمَن صامَ رَمَضانَ قَبْلَهُ، وكَما إذا صامَ السَّبْعَةَ أيّامٍ قَبْلَ الرُّجُوعِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ صامَ قَبْلَ وقْتِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ وأرادَ بِهِ إحْرامَ الحَجِّ؛ لِأنَّ سائِرَ أفْعالِ الحَجِّ لا تَصْلُحُ طَرَفًا لِلصَّوْمِ، والإحْرامُ يَصْلُحُ؛ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ ما قَبْلَ الإحْرامِ بِالحَجِّ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْهَدْيِ الَّذِي هو أفْضَلُ، فَكَذا لا يَكُونُ وقْتًا لِلصَّوْمِ الَّذِي هو بَدَلُهُ اعْتِبارًا بِسائِرِ الأُصُولِ والإبْدالِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ البَدَلَ حالَ عَدَمِ الأصْلِ يَقُومُ مَقامَهُ؛ فَيَصِيرُ في الحُكْمِ كَأنَّهُ الأصْلُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ في وقْتٍ، لَوْ وجَدَ الأصْلَ لَمْ يَجُزْ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ بَعْدَ الشُّرُوعِ في الحَجِّ إلى يَوْمِ النَّحْرِ، والأصَحُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ يَوْمَ النَّحْرِ ولا أيّامَ التَّشْرِيقِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ولا تَصُومُوا في هَذِهِ الأيّامِ»، والمُسْتَحَبُّ أنْ يَصُومَ في أيّامِ الحَجِّ حَيْثُ يَكُونُ يَوْمَ عَرَفَةَ مُفْطِرًا. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنَ الرُّجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رَجَعْتُمْ﴾ فَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في ”الجَدِيدِ“: هو الرُّجُوعُ إلى الأهْلِ والوَطَنِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: المُرادُ مِنَ الرُّجُوعِ الفَراغُ مِن صفحة ١٣٣ أعْمالِ الحَجِّ والأخْذُ في الرُّجُوعِ، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا صامَ الأيّامَ السَّبْعَةَ بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الحَجِّ، وقَبْلَ الوَصِيَّةِ إلى بَيْتِهِ، لا يُجْزِيهِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويُجْزِيهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ حُجَّةُ الشّافِعِيِّ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا رَجَعْتُمْ﴾ مَعْناهُ إلى الوَطَنِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الرُّجُوعَ إلى الوَطَنِ شَرْطًا، وما لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ لَمْ يُوجَدِ المَشْرُوطُ، والرُّجُوعُ إلى الوَطَنِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى الوَطَنِ، فَقَبْلَهُ لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ؛ فَوَجَبَ أنْ لا يُوجَدَ المَشْرُوطُ، ويَتَأكَّدُ ما قُلْنا بِأنَّهُ لَوْ ماتَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الوَطَنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ. الثّانِي: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قَدِمْنا مَكَّةَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اجْعَلُوا إهَلالَكم بِالحَجِّ عُمْرَةً إلّا مَن قَلَّدَ الهَدْيَ، فَطُفْنا بِالبَيْتِ وبِالصَّفا والمَرْوَةِ، وأتَيْنا النِّساءَ، ولَبِسْنا الثِّيابَ، ثُمَّ أمَرَنا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَلَمّا فَرَغْنا قالَ: عَلَيْكُمُ الهَدْيَ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَصِيامُ ثَلاثَةٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ إلى أمْصارِكم» . الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أسْقَطَ الصَّوْمَ عَنِ المُسافِرِ في رَمَضانَ. فَصَوْمُ التَّمَتُّعِ أخَفُّ شَأْنًا مِنهُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”سَبْعَةً“ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ثَلاثَةِ أيّامٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ [البَلَدِ: ١٤] . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ فَقَدْ طَعَنَ المُلْحِدُونَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الثَّلاثَةَ والسَّبْعَةَ عَشَرَةٌ، فَذِكْرُهُ يَكُونُ إيضاحًا لِلْواضِحِ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كامِلَةٌ﴾ يُوهِمُ وُجُودَ عَشَرَةٍ غَيْرِ كامِلَةٍ في كَوْنِها عَشَرَةً، وذَلِكَ مُحالٌ، والعُلَماءُ ذَكَرُوا أنْواعًا مِنَ الفَوائِدِ في هَذا الكَلامِ: الأوَّلُ: أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ لَيْسَ نَصًّا قاطِعًا في الجَمْعِ، بَلْ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى أوْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النِّساءِ: ٣] وكَما في قَوْلِهِمْ: جالِسِ الحَسَنَ وابْنَ سِيرِينَ أيْ جالِسْ هَذا أوْ هَذا، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ إزالَةً لِهَذا الوَهْمِ. النَّوْعُ الثّانِي: أنَّ المُعْتادَ أنْ يَكُونَ البَدَلُ أضْعَفَ حالًا مِنَ المُبْدَلِ كَما في التَّيَمُّمِ مَعَ الماءِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا البَدَلَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو كامِلٌ في كَوْنِهِ قائِمًا مَقامَ المُبْدَلِ؛ لِيَكُونَ الفاقِدُ لِلْهَدْيِ المُتَحَمِّلُ لِكُلْفَةِ الصَّوْمِ ساكِنَ النَّفْسِ إلى ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الأجْرِ الكامِلِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذِكْرُ العَشَرَةِ إنَّما هو لِصِحَّةِ التَّوَصُّلِ بِهِ إلى قَوْلِهِ: (كامِلَةٌ) كَأنَّهُ لَوْ قالَ: تِلْكَ كامِلَةٌ، جَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الثَّلاثَةُ المُفْرَدَةُ عَنِ السَّبْعَةِ، أوِ السَّبْعَةُ المُفْرَدَةُ عَنِ الثَّلاثَةِ، فَلا بُدَّ في هَذا مِن ذِكْرِ العَشَرَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (كامِلَةٌ) يَحْتَمِلُ بَيانَ الكَمالِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها كامِلَةٌ في البَدَلِ عَنِ الهَدْيِ قائِمَةٌ مَقامَهُ. وثانِيها: أنَّها كامِلَةٌ في أنَّ ثَوابَ صاحِبِهِ كامِلٌ مِثْلُ ثَوابِ مَن يَأْتِي بِالهَدْيِ مِنَ القادِرِينَ عَلَيْهِ. وثالِثُها: أنَّها كامِلَةٌ في أنَّ حَجَّ المُتَمَتِّعِ إذا أتى بِهَذا الصِّيامِ يَكُونُ كامِلًا مِثْلَ حَجِّ مَن لَمْ يَأْتِ بِهَذا التَّمَتُّعِ. النَّوْعُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قالَ: أوْجَبْتُ عَلَيْكُمُ الصِّيامَ عَشَرَةَ أيّامٍ، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ هُناكَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي خُرُوجَ بَعْضِ هَذِهِ الأيّامِ عَنْ هَذا اللَّفْظِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ العامِّ كَثِيرٌ في الشَّرْعِ والعُرْفِ، فَلَوْ قالَ: ثَلاثَةُ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٌ إذا رَجَعْتُمْ، بَقِيَ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِحَسَبِ بَعْضِ الدَّلائِلِ المُخَصَّصَةِ، فَإذا قالَ بَعْدَهُ: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، فَهَذا يَكُونُ تَنْصِيصًا عَلى أنَّ هَذا المُخَصَّصَ لَمْ يُوجَدْ ألْبَتَّةَ، فَتَكُونَ دَلالَتُهُ أقْوى واحْتِمالُهُ لِلتَّخْصِيصِ والنَّسْخِ أبْعَدَ. النَّوْعُ الرّابِعُ: أنَّ مَراتِبَ الأعْدادِ أرْبَعَةٌ: آحادٌ، وعَشَراتٌ، ومِئِينَ، وأُلُوفٌ، وما وراءَ ذَلِكَ فَإمّا أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا أوْ مَكْسُورًا، وكَوْنُ العَشَرَةُ عَدَدًا مَوْصُوفًا بِالكَمالِ بِهَذا التَّفْسِيرِ أمْرٌ يَحْتاجُ إلى التَّعْرِيفِ، فَصارَ صفحة ١٣٤ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنَّما أوْجَبْتُ هَذا العَدَدَ لِكَوْنِهِ عَدَدًا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الكَمالِ، خالِيًا عَنِ الكَسْرِ والتَّرْكِيبِ. النَّوْعُ الخامِسُ: أنَّ التَّوْكِيدَ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحَجِّ: ٤٦] وقالَ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنْعامِ: ٣٨ ] . والفائِدَةُ فِيهِ أنَّ الكَلامَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعِباراتِ الكَثِيرَةِ، ويُعْرَفُ بِالصِّفاتِ الكَثِيرَةِ، أبْعَدُ عَنِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعِبارَةِ الواحِدَةِ، فالتَّعْبِيرُ بِالعِباراتِ الكَثِيرَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مُشْتَمِلًا عَلى مَصالِحَ كَثِيرَةٍ، ولا يَجُوزُ الإخْلالُ بِها، أمّا ما عُبِّرَ عَنْهُ بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ فَإنَّهُ لا يُعْلَمُ مِنهُ كَوْنُهُ مَصْلَحَةً مُهِمَّةً لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِها، وإذا كانَ التَّوْكِيدُ مُشْتَمِلًا عَلى هَذِهِ الحِكْمَةِ كانَ ذِكْرُهُ في هَذا المَوْضِعِ دَلالَةً عَلى أنَّ رِعايَةَ العَدَدِ في هَذا الصَّوْمِ مِنَ المُهِمّاتِ الَّتِي لا يَجُوزُ إهْمالُها ألْبَتَّةَ. النَّوْعُ السّادِسُ: في بَيانِ فائِدَةِ هَذا الكَلامِ أنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ العَرَبِ، ولَمْ يَكُونُوا أهْلَ حِسابٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بَيانًا قاطِعًا لِلشَّكِّ والرَّيْبِ، وهَذا كَما رُوِيَ أنَّهُ قالَ في الشَّهْرِ: هَكَذا وهَكَذا، وأشارَ بِيَدَيْهِ ثَلاثًا، وأشارَ مَرَّةً أُخْرى وأمْسَكَ إبْهامَهُ في الثّالِثَةِ مُنَبِّهًا بِالإشارَةِ الأُولى عَلى ثَلاثِينَ، وبِالثّانِيَةِ عَلى تِسْعَةٍ وعِشْرِينَ. النَّوْعُ السّابِعُ: أنَّ هَذا الكَلامَ يُزِيلُ الإبْهامَ المُتَوَلِّدَ مِن تَصْحِيفِ الخَطِّ، وذَلِكَ لِأنَّ سَبْعَةً وتِسْعَةً مُتَشابِهَتانِ في الخَطِّ، فَإذا قالَ بَعْدَهُ: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ زالَ هَذا الِاشْتِباهُ. النَّوْعُ الثّامِنُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الواجِبُ بَعْدَ الرُّجُوعِ أنْ يُكْمِلَ سَبْعَةَ أيّامٍ، عَلى أنَّهُ يَحْسُبُ مِن هَذِهِ السَّبْعَةِ تِلْكَ الثَّلاثَةَ المُتَقَدِّمَةَ، حَتّى يَكُونَ الباقِي عَلَيْهِ بَعْدُ مِنَ الحَجِّ أرْبَعَةً سِوى تِلْكَ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الواجِبُ بَعْدَ الرُّجُوعِ سَبْعَةً سِوى تِلْكَ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَهَذا الكَلامُ مُحْتَمِلٌ لِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَإذا قالَ بَعْدَهُ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ زالَ هَذا الإشْكالُ، وبَيَّنَ أنَّ الواجِبَ بَعْدَ الرُّجُوعِ سَبْعَةٌ سِوى الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ. النَّوْعُ التّاسِعُ: أنَّ اللَّفْظَ وإنْ كانَ خَبَرًا لَكِنَّ المَعْنى أمْرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلْتَكُنْ تِلْكَ الصِّياماتُ صِياماتٍ كامِلَةً؛ لِأنَّ الحَجَّ المَأْمُورَ بِهِ حَجٌّ تامٌّ عَلى ما قالَ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهَذِهِ الصِّياماتُ جُبْراناتٌ لِلْخَلَلِ الواقِعِ في ذَلِكَ الحَجِّ، فَلْتَكُنْ هَذِهِ الصِّياماتُ صِياماتٍ كامِلَةً حَتّى يَكُونَ جابِرًا لِلْخَلَلِ الواقِعِ في ذَلِكَ الحَجِّ، الَّذِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ تامًّا كامِلًا، والمُرادُ بِكَوْنِ هَذِهِ الصِّياماتِ كامِلَةً ما ذَكَرْنا في بَيانِ كَوْنِ الحَجِّ تامًّا، وإنَّما عُدِلَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِالشَّيْءِ إذا كانَ مُتَأكَّدًا جِدًّا فالظّاهِرُ دُخُولُ المُكَلَّفِ بِهِ في الوُجُودِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جازَ أنْ يُجْعَلَ الإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ بِالوُقُوعِ كِنايَةً عَنْ تَأكُّدِ الأمْرِ بِهِ، ومُبالَغَةِ الشَّرْعِ في إيجابِهِ. النَّوْعُ العاشِرُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَ بِصِيامِ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنَ الحَجِّ، فَلَيْسَ في هَذا القَدْرِ بَيانُ أنَّهُ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ كامِلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الطّاعَةَ في غايَةِ الكَمالِ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّوْمَ مُضافٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِلامِ الِاخْتِصاصِ عَلى ما قالَ تَعالى: ”الصَّوْمُ لِي“ والحَجُّ أيْضًا مُضافٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِلامِ الِاخْتِصاصِ، عَلى ما قالَ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وكَما دَلَّ النَّصُّ عَلى مَزِيدِ اخْتِصاصٍ لِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فالعَقْلُ دَلَّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ، أمّا في حَقِّ الصَّوْمِ فَلِأنَّهُ عِبادَةٌ لا يَطَّلِعُ العَقْلُ ألْبَتَّةَ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ فِيها، وهو مَعَ ذَلِكَ شاقٌّ عَلى النَّفْسِ جِدًّا، فَلا جَرَمَ لا يُؤْتى بِهِ إلّا لِمَحْضِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، والحَجُّ أيْضًا عِبادَةٌ لا يَطَّلِعُ العَقْلُ ألْبَتَّةَ عَلى صفحة ١٣٥ وجْهِ الحِكْمَةِ فِيها، وهو مَعَ ذَلِكَ شاقٌّ جِدًّا؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ مُفارَقَةَ الأهْلِ والوَطَنِ، ويُوجِبُ التَّباعُدَ عَنْ أكْثَرِ اللَّذّاتِ، فَلا جَرَمَ لا يُؤْتى بِهِ إلّا لِمَحْضِ مَرْضاتِهِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأيّامَ العَشَرَةَ بَعْضُهُ واقِعٌ في زَمانِ الحَجِّ فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ شاقَّيْنِ جِدًّا، وبَعْضُهُ واقِعٌ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحَجِّ، وهو انْتِقالٌ مَن شاقٍّ إلى شاقٍّ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الثَّوابِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ؛ فَلا جَرَمَ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى صِيامَ هَذِهِ الأيّامِ العَشَرَةِ، وشَهِدَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهُ عِبادَةٌ في غايَةِ الكَمالِ والعُلُوِّ، فَقالَ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ فَإنَّ التَّنْكِيرَ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ الحالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: عَشَرَةٌ وأيَّةُ عَشَرَةٍ، عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ العَشَرَةِ اشْتِمالُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ النَّفِيسَةِ، وسَقَطَ بِهَذا البَيانِ طَعْنُ المُلْحِدِينَ في هَذِهِ الآيَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ، وأقْرَبُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ ذِكْرُ ما يَلْزَمُ المُتَمَتِّعُ مِنَ الهَدْيِ وبَدَلِهِ، وأبْعَدُ مِنهم ذِكْرُ تَمَتُّعِهِمْ. فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّهُ راجِعٌ إلى الأقْرَبِ، وهو لُزُومُ الهَدْيِ وبَدَلِهِ عَلى المُتَمَتِّعِ، أيْ إنَّما يَكُونُ إذا لَمْ يَكُنِ المُتَمَتِّعُ مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأمّا إذا كانَ مِن أهْلِ الحَرَمِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُهُ الهَدْيُ ولا بَدَلُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذا الهَدْيَ إنَّما لَزِمَ الآفاقِيَّ؛ لِأنَّهُ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يُحْرِمَ عَنِ الحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، فَلَمّا أحْرَمَ مِنَ المِيقاتِ عَنِ العُمْرَةِ، ثُمَّ أحْرَمَ عَنِ الحَجِّ لا مِنَ المِيقاتِ، فَقَدْ حَصَلَ هُناكَ الخَلَلُ، فَجُعِلَ مَجْبُورًا بِهَذا الدَّمِ، والمَكِّيُّ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُحْرِمَ مِنَ المِيقاتِ، فَإقْدامُهُ عَلى التَّمَتُّعِ لا يُوقِعُ خَلَلًا في حَجِّهِ، فَلا جَرَمَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الهَدْيُ ولا بَدَلٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأبْعَدِ، وهو ذِكْرُ التَّمَتُّعِ، وعِنْدَهُ لا مُتْعَةَ ولا قِرانَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَن تَمَتَّعَ أوْ قَرَنَ كانَ عَلَيْهِ دَمٌ هو دَمُ جِنايَةٍ لا يَأْكُلُ مِنهُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الحَرَمِيُّ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ كِنايَةٌ، فَوَجَبَ عَوْدُها إلى المَذْكُورِ الأقْرَبِ، وهو وُجُوبُ الهَدْيِ، وإذا خَصَّ إيجادَ الهَدْيِ بِالمُتَمَتِّعِ الَّذِي يَكُونُ آفاقِيًّا لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ غَيْرَ الآفاقِيِّ قَدْ يَكُونُ أيْضًا مُتَمَتِّعًا. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَعَ القِرانَ والمُتْعَةَ إبانَةً لِنَسْخِ ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ في تَحْرِيمِهِمُ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ، والنَّسْخُ يَثْبُتُ في حَقِّ النّاسِ كافَّةً. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ الإفْرادِ كانَ مِن أهْلِ المُتْعَةِ قِياسًا عَلى المَدَنِيِّ، إلّا أنَّ المُتَمَتِّعَ المَكِّيَّ لا دَمَ عَلَيْهِ لِما ذَكَرْناهُ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ كِنايَةٌ، فَوَجَبَ عَوْدُها إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ البَعْضُ أوْلى مِنَ البَعْضِ. وجَوابُهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ عَوْدُهُ إلى الأقْرَبِ أوْلى ؟ لِأنَّ القُرْبَ سَبَبٌ لِلرُّجْحانِ، ألَيْسَ أنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المَذْكُورَ عَقِيبَ الجُمَلِ مُخْتَصٌّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وإنَّما تَمَيَّزَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ عَنْ سائِرِ الجُمَلِ بِسَبَبِ القُرْبِ، فَكَذا هَهُنا. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقالَ مالِكٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ ذِي صفحة ١٣٦ طُوًى قالَ: فَلَوْ أنَّ أهْلَ مِنًى أحْرَمُوا بِالعُمْرَةِ مِن حَيْثُ يَجُوزُ لَهم، ثُمَّ أقامُوا بِمَكَّةَ حَتّى حَجُّوا كانُوا مُتَمَتِّعِينَ، وسُئِلَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أهْلِ الحَرَمِ أيَجِبُ عَلَيْهِمْ ما يَجِبُ عَلى المُتَمَتِّعِ ؟ قالَ: نَعَمْ، ولَيْسَ هم مِثْلَ أهْلِ مَكَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: فَأهْلُ مِنًى ؟ فَقالَ: لا أرى ذَلِكَ إلّا لِأهْلِ مَكَّةَ خاصَّةً، وقالَ طاوُسُ: حاضِرُو المَسْجِدِ الحَرامِ هم أهْلُ الحَرَمِ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ عَلى أقَلَّ مِن مَسافَةِ القَصْرِ مِن مَكَّةَ، فَإنْ كانُوا عَلى مَسافَةِ القَصْرِ، فَلَيْسُوا مِنَ الحاضِرِينَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حاضِرُو المَسْجِدِ الحَرامِ أهْلُ المَواقِيتِ، وهي ذُو الحُلَيْفَةِ والجُحْفَةُ وقَرْنٌ ويَلَمْلَمُ وذاتُ العِرْقِ، فَكُلُّ مَن كانَ مِن أهْلِ مَوْضِعٍ مِن هَذِهِ المَواضِعِ، أوْ مِن أهْلِ ما وراءَها إلى مَكَّةَ فَهو مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، هَذا هو تَفْصِيلُ مَذاهِبِ النّاسِ. ولَفْظُ الآيَةِ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ هُمُ الَّذِينَ يُشاهِدُونَ المَسْجِدَ الحَرامِ ويَحْضُرُونَهُ، فَلَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلَيْهِمْ، إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ قالَ: كَثِيرًا ما ذَكَرَ اللَّهُ المَسْجِدَ الحَرامَ، والمُرادُ مِنهُ الحَرَمُ، قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الإسْراءِ: ١] ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّما أُسَرِيَ بِهِ مِنَ الحَرَمِ لا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحَجِّ: ٣٣] والمُرادُ الحَرَمُ؛ لِأنَّ الدِّماءَ لا تُراقُ في البَيْتِ والمَسْجِدِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ هَهُنا ما ذَكَرْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: الحاضِرُ ضِدُّ المُسافِرِ، وكُلُّ مَن لَمْ يَكُنْ مُسافِرًا كانَ حاضِرًا، ولَمّا كانَ حُكْمُ السَّفَرِ إنَّما ثَبَتَ في مَسافَةِ القَصْرِ، فَكُلُّ مَن كانَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ لَمْ يَكُنْ مُسافِرًا وكانَ حاضِرًا. الثّانِي: أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي أهْلَ القُرى حاضِرَةً وحاضِرِينَ، وأهْلَ البَرِّ: بادِيَةً وبادِينَ، ومَشْهُورُ كَلامِ النّاسِ: أهِلُ البَدْوِ والحَضَرِ يُرادُ بِهِما أهْلُ الوَبَرِ والمَدَرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الفَرّاءُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن﴾ بِمَعْنى عَلى، أيْ ذَلِكَ الفَرْضُ الَّذِي هو الدَّمُ، أوِ الصَّوْمُ لازِمٌ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«واشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ» “ أيْ عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُضُورَ الأهْلِ، والمُرادُ حُضُورُ المُحْرِمِ لا حُضُورُ الأهْلِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى الرَّجُلِ أنَّهُ يَسْكُنُ حَيْثُ أهْلُهُ ساكِنُونَ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المَسْجِدُ الحَرامُ إنَّما وُصِفَ بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّ أصْلَ الحَرامِ والمَحْرُومِ المَمْنُوعُ عَنِ المَكاسِبِ، والشَّيْءُ المَنهِيُّ عَنْهُ حَرامٌ؛ لِأنَّهُ مُنِعَ مِن إتْيانِهِ، والمَسْجِدُ الحَرامُ المَمْنُوعُ مِن أنْ يُفْعَلَ فِيهِ ما مُنِعَ عَنْ فِعْلِهِ، قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ حَرامٌ وحَرَمٌ مِثْلُ زَمانٌ وزَمَنٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فِيما فُرِضَ عَلَيْكم: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَن تَهاوَنَ بِحُدُودِهِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: العِقابُ والمُعاقَبَةُ سِيّانِ، وهو مُجازاةُ المُسِيءِ عَلى إساءَتِهِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ العاقِبَةِ؛ كَأنَّهُ يُرادُ عاقِبَةُ فِعْلِ المُسِيءِ، كَقَوْلِ القائِلِ: لَتَذُوقَنَّ عاقِبَةَ فِعْلِكَ.

البقرة 2:197

صفحة ١٣٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى واتَّقُونِ ياأُولِي الألْبابِ﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الحَجَّ لَيْسَ نَفْسَ الأشْهُرِ فَلا بُدَّ هَهُنا مِن تَأْوِيلٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: التَّقْدِيرُ: أشْهُرُ الحَجِّ أشْهَرٌ مَعْلُوماتٌ، فَحَذَفَ المُضافَ وهو كَقَوْلِهِمْ: البَرْدُ شَهْرانِ، أيْ وقْتُ البَرْدِ شَهْرانِ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ الحَجُّ أشْهَرٌ مَعْلُوماتٌ، أيْ لا حَجَّ إلّا في هَذِهِ الأشْهُرِ، ولا يَجُوزُ في غَيْرِها كَما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْتَجِيزُونَها في غَيْرِها مِنَ الأشْهُرِ، فَحَذَفَ المَصْدَرَ المُضافَ إلى الأشْهُرِ. الثّالِثُ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الآيَةِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ، وهو أنَّهُ جَعَلَ الأشْهُرَ نَفْسَ الحَجِّ لَمّا كانَ الحَجُّ فِيها كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ قائِمٌ، ونَهارٌ صائِمٌ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ شَوّالًا وذا القِعْدَةِ مِن أشْهُرِ الحَجِّ، واخْتَلَفُوا في ذِي الحِجَّةِ، فَقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: إنَّها بِكُلِّيَّتِها مِن أشْهُرِ الحَجِّ وهو قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: العَشْرُ الأُوَلُ مِن ذِي الحِجَّةِ مِن أشْهُرِ الحَجِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ والنَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: التِّسْعَةُ الأُولى مِن ذِي الحِجَّةِ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ مِن أشْهُرِ الحَجِّ. حُجَّةُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ الأشْهُرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ أيّامَ النَّحْرِ يُفْعَلُ فِيها بَعْضُ ما يَتَّصِلُ بِالحَجِّ، وهو رَمْيُ الجِمارِ، والمَرْأةُ إذا حاضَتْ فَقَدْ تُؤَخِّرُ الطَّوافَ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ إلى انْقِضاءِ أيّامٍ بَعْدَ العَشْرِ، ومَذْهَبُ عُرْوَةَ جَوازُ تَأْخِيرِ طَوافِ الزِّيارَةِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَ الجَمْعِ يَشْتَرِكُ فِيهِ ما وراءَ الواحِدِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] . والثّانِي: أنَّهُ نَزَّلَ بَعْضَ الشَّهْرِ مَنزِلَةَ كُلِّهِ، كَما يُقالُ: رَأيْتُكَ سَنَةَ كَذا؛ إنَّما رَآهُ في ساعَةٍ مِنها. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ رَمْيَ الجِمارِ يَفْعَلُهُ الإنْسانُ وقَدْ حَجَّ بِالحَلْقِ والطَّوافِ والنَّحْرِ مِن إحْرامِهِ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ مِن أعْمالِ الحَجِّ، والحائِضُ إذا طافَتْ بَعْدَهُ فَكَأنَّهُ في حُكْمِ القَضاءِ لا في حُكْمِ الأداءِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ عَشَرَةَ أيّامٍ مِن أوَّلِ ذِي الحِجَّةِ هي مِن أشْهُرِ الحَجِّ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا فِيهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن زَعَمَ أنَّ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، والثّانِي: أنَّ يَوْمَ النَّحْرِ وقْتٌ لِرُكْنٍ مِن أرْكانِ الحَجِّ، وهو طَوافُ الزِّيارَةِ، وأمّا الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ احْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ الحَجَّ يَفُوتُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، والعِبادَةُ لا تَكُونُ فائِتَةً مَعَ بَقاءِ وقْتِها، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذِهِ المَذاهِبِ. بَقِيَ هَهُنا إشْكالانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ مِن قَبْلُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ فَجَعَلَ كُلَّ الأهِلَّةِ مَواقِيتَ لِلْحَجِّ. الثّانِي: أنَّهُ اشْتَهَرَ عَنْ أكابِرِ الصَّحابَةِ أنَّهم قالُوا: مِن إتْمامِ الحَجِّ أنْ يُحْرِمَ المَرْءُ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِهِ، ومَن بَعُدَ دارُهُ البُعْدَ الشَّدِيدَ لا يَجُوزُ أنْ يُحْرِمَ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِهِ بِالحَجِّ إلّا قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أشْهُرَ الحَجِّ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِزَمانٍ مَخْصُوصٍ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ تِلْكَ الآيَةَ عامَّةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ خاصَّةٌ والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ النَّصَّ لا يُعارِضُهُ الأثَرُ المَرْوِيُّ عَنِ الصَّحابَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعْلُوماتٌ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الحَجَّ إنَّما يَكُونُ في السَّنَةِ مَرَّةً واحِدَةً صفحة ١٣٨ فِي أشْهُرٍ مَعْلُوماتٍ مِن شُهُورِها، لَيْسَ كالعُمْرَةِ الَّتِي يُؤْتى بِها في السَّنَةِ مِرارًا، وأحالَهم في مَعْرِفَةِ تِلْكَ الأشْهُرِ عَلى ما كانُوا عَلِمُوهُ قَبْلَ نُزُولِ هَذا الشَّرْعِ وعَلى هَذا القَوْلِ، فالشَّرْعُ لَمْ يَأْتِ عَلى خِلافِ ما عَرَفُوا وإنَّما جاءَ مُقَرِّرًا لَهُ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها مَعْلُوماتٌ بِبَيانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. الثّالِثُ: المُرادُ بِها أنَّها مُؤَقَّتَةٌ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُها ولا تَأْخِيرُها، لا كَما يَفْعَلُهُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٧] . * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ، وقالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: لا يَجُوزُ في جَمِيعِ السَّنَةِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ وأشْهَرٌ جَمْعُ تَقْلِيلٍ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، فَلا يَتَناوَلُ الكُلَّ، وإنَّما أكْثَرُهُ إلى عَشَرَةٍ، وأدْناهُ ثَلاثَةٌ وعِنْدَ التَّنْكِيرِ يَنْصَرِفُ إلى الأدْنى، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّ أشْهُرَ الحَجِّ ثَلاثَةٌ، والمُفَسِّرُونَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ تِلْكَ الثَّلاثَةَ: شَوّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وبَعْضٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الإحْرامُ بِالحَجِّ قَبْلَ الوَقْتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الإحْرامَ بِالعِبادَةِ قَبْلَ وقْتِ الأداءِ لا يَصِحُّ قِياسًا عَلى الصَّلاةِ. الثّانِي: أنَّ الخُطْبَةَ في صَلاةِ الجُمُعَةِ لا تَجُوزُ قَبْلَ الوَقْتِ؛ لِأنَّها أُقِيمَتْ مَقامَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظَّهْرِ حُكْمًا، فَلَأنْ لا يَصِحَّ الإحْرامُ وهو شُرُوعٌ في العِبادَةِ أوْلى. الثّالِثُ: أنَّ الإحْرامَ لا يَبْقى صَحِيحًا لِأداءِ الحَجِّ إذا ذَهَبَ وقْتُ الحَجِّ قَبْلَ الأداءِ فَلَأنْ لا يَنْعَقِدَ صَحِيحًا لِأداءِ الحَجِّ قَبْلَ الوَقْتِ أوْلى؛ لِأنَّ البَقاءَ أسْهَلُ مِنَ الِابْتِداءِ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وجْهانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ فَجَعَلَ الأهِلَّةَ كُلَّها مَواقِيتَ لِلْحَجِّ، وهي لَيْسَتْ بِمَواقِيتَ لِلْحَجِّ، فَثَبَتَ إذَنْ أنَّها مَواقِيتُ لِصِحَّةِ الإحْرامِ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى الإحْرامُ حَجًّا مَجازًا كَما سُمِّيَ الوَقْتُ حَجًّا في قَوْلِهِ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ بَلْ هَذا أوْلى؛ لِأنَّ الإحْرامَ إلى الحَجِّ أقْرَبُ مِنَ الوَقْتِ. والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الإحْرامَ التِزامٌ لِلْحَجِّ، فَجازَ تَقْدِيمُهُ عَلى الوَقْتِ كالنُّذُرِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الآيَةَ الَّتِي ذَكَرْناها أخَصُّ مِنَ الآيَةِ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِها. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ النُّذُرِ وبَيْنَ الإحْرامِ أنَّ الوَقْتَ مُعْتَبَرٌ لِلْأداءِ والِاتِّصالِ لِلنُّذُرِ بِالأداءِ بِدَلِيلِ أنَّ الأداءَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِعَقْدٍ مُبْتَدَأٍ، وأمّا الإحْرامُ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ التِزامًا فَهو أيْضًا شُرُوعٌ في الأداءِ وعَقْدٌ عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ افْتَقَرَ إلى الوَقْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾؛ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى ”فَرَضَ“ في اللُّغَةِ ألَزَمَ وأوْجَبَ، يُقالُ: فَرَضْتُ عَلَيْكَ كَذا أيْ أوْجَبْتُهُ، وأصْلُ مَعْنى الفَرْضِ في اللُّغَةِ الحَزُّ والقَطْعُ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الفَرْضُ الحَزُّ في القَدَحِ وفي الوَتِدِ وفي غَيْرِهِ، وفُرْضَةُ القَوْسِ: الحَزُّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الوَتَرُ، وفُرْضَةُ الوَتِدِ: الحَزُّ الَّذِي فِيهِ، ومِنهُ فَرْضُ الصَّلاةِ وغَيْرِها؛ لِأنَّها لازِمَةٌ لِلْعَبْدِ، كَلُزُومِ الحَزِّ لِلْقَدَحِ، فَفَرَضَ هَهُنا بِمَعْنى أوْجَبَ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ: فَرَضَ بِمَعْنى أبانَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها﴾ [النُّورِ: ١] بِالتَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٢] وهَذا أيْضًا راجِعٌ إلى مَعْنى القَطْعِ؛ لِأنَّ مَن قَطَعَ شَيْئًا فَقَدْ أبانَهُ مَن غَيْرِهِ، واللَّهُ تَعالى إذا فَرَضَ شَيْئًا أبانَهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَفَرَضَ بِمَعْنى أوْجَبَ، وفَرَضَ بِمَعْنى أبانَ، كِلاهُما يَرْجِعُ إلى أصْلٍ واحِدٍ. صفحة ١٣٩ * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ حَذْفًا، والتَّقْدِيرُ: فَمَن ألْزَمَ نَفْسَهُ فِيهِنَّ الحَجَّ، والمُرادُ بِهَذا الفَرْضِ ما بِهِ يَصِيرُ المُحْرِمُ مُحْرِمًا، إذْ لا خِلافَ أنَّهُ لا يَصِيرُ حاجًّا إلّا بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ، فَيَخْرُجَ عَنْ أنْ يَكُونَ حَلالًا، ويَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّيْدُ واللُّبْسُ والطِّيبُ والنِّساءُ والتَّغْطِيَةُ لِلرَّأْسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِأجْلِ تَحْرِيمِ هَذِهِ الأُمُورِ عَلَيْهِ سُمِّيَ مُحْرِمًا؛ لِأنَّهُ فَعَلَ ما حَرَّمَ بِهِ هَذِهِ الأشْياءَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا السَّبَبِ أيْضًا سُمِّيَتِ البُقْعَةُ حَرَمًا؛ لِأنَّهُ يُحَرِّمُ ما يَكُونُ فِيها مِمّا لَوْلاهُ كانَ لا يَحْرُمُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُحْرِمِ مِن فِعْلٍ يَفْعَلُهُ لِأجْلِهِ يَصِيرُ حاجًّا ومُحْرِمًا، ثُمَّ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ ما هو ؟ قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّهُ يَنْعَقِدُ الإحْرامُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّلْبِيَةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَصِحُّ الشُّرُوعُ في الإحْرامِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ حَتّى يَنْضَمَّ إلَيْها التَّلْبِيَةُ أوْ سَوْقُ الهَدْيِ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”تَفْسِيرِهِ“: يُرْوى عَنْ جَماعَةٍ أنَّ مَن أشْعَرَ هَدْيَهُ أوْ قَلَّدَهُ فَقَدْ أحْرَمَ، ورَوى نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: إذا قَلَّدَ أوْ أشْعَرَ فَقَدْ أحْرَمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إذا قَلَّدَ الهَدْيَ وصاحَبَهُ يُرِيدُ العُمْرَةَ والحَجَّ فَقَدْ أحْرَمَ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وُجُوهٌ: الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ وفَرْضُ الحَجِّ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ التَّلْبِيَةِ أوْ سَوْقِ الهَدْيِ فَإنَّهُ لا إشْعارَ ألْبَتَّةَ في التَّلْبِيَةِ بِكَوْنِهِ مُحْرِمًا لا بِحَقِيقَةٍ ولا بِمَجازٍ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ فَرْضُ الحَجِّ عِبارَةً عَنِ النِّيَّةِ، وفَرْضُ الحَجِّ مُوجِبٌ لِانْعِقادِ الحَجِّ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ النِّيَّةُ كافِيَةً في انْعِقادِ الحَجِّ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: القِياسُ؛ وهو أنَّ ابْتِداءَ الحَجِّ كَفٌّ عَنِ المَحْظُوراتِ، فَيَصِحُّ الشُّرُوعُ فِيهِ بِالنِّيَّةِ كالصَّوْمِ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وجْهانِ: الأوَّلُ: ما رَوى أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: «لا يُحْرِمُ إلّا مَن أهَلَّ أوْ لَبّى» . الثّانِي: أنَّ الحَجَّ عِبادَةٌ لَها تَحْلِيلٌ وتَحْرِيمٌ فَلا يَشْرَعُ فِيهِ إلّا بِنَفْسِ النِّيَّةِ كالصَّلاةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”فَلا رَفَثٌ ولا فُسُوقٌ“ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ ”ولا جِدالَ“ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ قَرَءُوا الكُلَّ بِالنَّصْبِ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في الفَرْقِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ في المَعْنى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِمُقَدِّمَتَيْنِ، الأُولى: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ اسْمٌ، فَجَوْهَرُ الِاسْمِ دَلِيلٌ عَلى جَوْهَرِ المُسَمّى، وحَرَكاتُ الِاسْمِ وسائِرِ أحْوالِهِ دَلِيلٌ عَلى أحْوالِ المُسَمّى، فَقَوْلُكَ: ”رَجُلٌ“ يُفِيدُ الماهِيَّةَ المَخْصُوصَةَ، وحَرَكاتُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، أعْنِي كَوْنَها مَنصُوبَةً ومَرْفُوعَةً ومَجْرُورَةً، دالٌّ عَلى أحْوالِ تِلْكَ الماهِيَّةِ وهي المَفْعُولِيَّةُ والفاعِلِيَّةُ والمُضافِيَّةُ، وهَذا هو التَّرْتِيبُ العَقْلِيُّ حَتّى يَكُونَ الأصْلُ بِإزاءِ الأصْلِ، والصِّفَةُ بِإزاءِ الصِّفَةِ، فَعَلى هَذا الأسْماءُ الدّالَّةُ عَلى الماهِيّاتِ يَنْبَغِي أنْ يُتَلَفَّظَ بِها ساكِنَةَ الأواخِرِ فَيُقالُ: رَجُلْ جِدارْ حَجَرْ، وذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ الحَرَكاتِ لَمّا وُضِعَتْ لِتَعْرِيفِ أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ في ذاتِ المُسَمّى فَحَيْثُ أُرِيدَ تَعْرِيفُ المُسَمّى مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى تَعْرِيفِ شَيْءٍ مِن أحْوالِهِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ خالِيًا عَنِ الحَرَكاتِ، فَإنْ أُرِيدَ في بَعْضِ الأوْقاتِ تَحْرِيكُهُ وجَبَ أنْ يُقالَ بِالنَّصْبِ، لِأنَّهُ أخَفُّ الحَرَكاتِ وأقْرَبُها إلى السُّكُونِ. صفحة ١٤٠ المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: إذا قُلْتَ: ”لا رَجُلَ“ بِالنَّصْبِ، فَقَدْ نَفَيْتَ الماهِيَّةَ، وانْتِفاءُ الماهِيَّةِ يُوجِبُ انْتِفاءَ جَمِيعِ أفْرادِها قَطْعًا، أمّا إذا قُلْتَ: ”لا رَجُلٌ“ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، فَقَدْ نَفَيْتَ رَجُلًا مُنْكَرًا مُبْهَمًا، وهَذا بِوَصْفِهِ لا يُوجِبُ انْتِفاءَ جَمِيعِ أفْرادِ هَذِهِ الماهِيَّةِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَكَ: ”لا رَجُلَ“ بِالنَّصْبِ أدَلُّ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ مِن قَوْلِكَ: ”لا رَجُلٌ“ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ. إذا عَرَفْتَ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ، فَلْنَرْجِعْ إلى الفَرْقِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَنَقُولُ: أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا ”ثَلاثَةً“ بِالنَّصْبِ فَلا إشْكالَ، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا الأوَّلَيْنِ بِالرَّفْعِ مَعَ التَّنْوِينِ، والثّالِثَ بِالنَّصْبِ؛ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاهْتِمامَ بِنَفْيِ الجِدالِ أشَدُّ مِنَ الِاهْتِمامِ بِنَفْيِ الرَّفَثِ والفُسُوقِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّفَثَ عِبارَةٌ عَنْ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، والجِدالُ مُشْتَمِلٌ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُجادِلَ يَشْتَهِي تَمْشِيَةَ قَوْلِهِ، والفُسُوقُ عِبارَةٌ عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ، والمُجادِلُ لا يَنْقادُ لِلْحَقِّ، وكَثِيرًا ما يُقْدِمُ عَلى الإيذاءِ والإيحاشِ المُؤَدِّي إلى العَداوَةِ والبَغْضاءِ. فَلَمّا كانَ الجِدالُ مُشْتَمِلًا عَلى جَمِيعِ أنْواعِ القُبْحِ لا جَرَمَ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَزِيدِ الزَّجْرِ والمُبالَغَةِ في النَّفْيِ، أمّا المُفَسِّرُونَ فَإنَّهم قالُوا: مَن قَرَأ الأوَّلَيْنِ بِالرَّفْعِ والثّالِثَ بِالنَّصْبِ فَقَدْ حَمَلَ الأوَّلَيْنِ عَلى مَعْنى النَّهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا يَكُونُ رَفَثٌ ولا فُسُوقٌ، وحَمَلَ الثّالِثَ عَلى الإخْبارِ بِانْتِفاءِ الجِدالِ، هَذا ما قالُوهُ إلّا أنَّهُ لَيْسَ بَيانٌ أنَّهُ لِمَ خُصَّ الأوَّلانِ بِالنَّهْيِ وخُصَّ الثّالِثُ بِالنَّفْيِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا الرَّفَثُ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٧] والمُرادُ: الجِماعُ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِالجِماعِ، فالرَّفَثُ بِاللِّسانِ ذِكْرُ المُجامَعَةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها، والرَّفَثُ بِاليَدِ اللَّمْسُ والغَمْزُ، والرَّفَثُ بِالفَرَجِ الجِماعُ، وهَؤُلاءِ قالُوا: التَّلَفُّظُ بِهِ في غَيْبَةِ النِّساءِ لا يَكُونُ رَفَثًا، واحْتَجُّوا بِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَحْدُو بَعِيرَهُ وهو مُحْرِمٌ ويَقُولُ: وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسا إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسا فَقالَ لَهُ أبُو العالِيَةِ: أتَرْفُثُ وأنْتَ مُحْرِمٌ ؟ قالَ: إنَّما الرَّفَثُ ما قِيلَ عِنْدَ النِّساءِ، وقالَ آخَرُونَ: الرَّفَثُ هو قَوْلُ الخَنا والفُحْشِ، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِالخَبَرِ واللُّغَةِ؛ أمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكم فَلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ، فَإنِ امْرُؤٌ شاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صائِمٌ» ومَعْلُومٌ أنَّ الرَّفَثَ هَهُنا لا يَحْتَمِلُ إلّا قَوْلَ الخَنا والفُحْشِ، وأمّا اللُّغَةُ فَهو أنَّهُ رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ أنَّهُ قالَ: الرَّفَثُ الإفْحاشُ في المَنطِقِ، يُقالُ: أرْفَثَ الرَّجُلُ إرْفاثًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّفَثُ اللَّغْوُ مِنَ الكَلامِ. أمّا الفُسُوقُ فاعْلَمْ أنَّ الفِسْقَ والفُسُوقَ واحِدٌ وهُما مَصْدَرانِ لِفَسَقَ يَفْسُقُ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما قَبْلُ أنَّ الفُسُوقَ هو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَكَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ حَمَلُوهُ عَلى كُلِّ المَعاصِي، قالُوا: لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِلْكُلِّ ومُتَناوِلٌ لَهُ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يُوجِبُ الِانْتِهاءَ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِهِ، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى بَعْضِ أنْواعِ الفُسُوقِ تَحَكُّمٌ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وهَذا مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] وبِقَوْلِهِ: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ [الحُجُراتِ: ٧] . وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ مِنهُ بَعْضُ الأنْواعِ ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ السِّبابُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحُجُراتِ: ١١] وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «سِبابُ المُسْلِمِ صفحة ١٤١ فُسُوقٌ وقِتالُهُ كُفْرٌ» والثّانِي: المُرادُ مِنهُ الإيذاءُ والإفْحاشُ، قالَ تَعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢] . والثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الذَّبْحُ لِلْأصْنامِ فَإنَّهم كانُوا في حَجِّهِمْ يَذْبَحُونَ لِأجْلِ الحَجِّ، ولِأجْلِ الأصْنامِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١]؛ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنْعامِ: ١٤٥] . والرّابِعُ: قالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّهُ العاصِي في قَتْلِ الصَّيْدِ وغَيْرِهِ مِمّا يَمْنَعُ الإحْرامُ مِنهُ. والخامِسُ: أنَّ الرَّفَثَ هو الجِماعُ ومُقَدِّماتُهُ مَعَ الحَلِيلَةِ، والفُسُوقُ هو الجِماعُ ومُقَدِّماتُهُ عَلى سَبِيلِ الزِّنا. والسّادِسُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّبَرِيِّ: الفُسُوقُ هو العَزْمُ عَلى الحَجِّ إذا لَمْ يَعْزِمْ عَلى تَرْكِ مَحْظُوراتِهِ. وأمّا الجِدالُ فَهو فِعالٌ مِنَ المُجادَلَةِ، وأصْلُهُ مِنَ الجَدَلِ الَّذِي مِنَ القَتْلِ، يُقالُ: زِمامٌ مَجْدُولٌ وجَدِيلٌ، أيْ مَفْتُولٌ، والجَدِيلُ اسْمُ الزِّمامِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مَفْتُولًا، وسُمِّيَتِ المُخاصَمَةُ مُجادَلَةً لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يَرُومُ أنْ يَفْتِلَ صاحِبُهُ عَنْ رَأْيِهِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وُجُوهًا في هَذا الجِدالِ. فالأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: هو الجِدالُ الَّذِي يُخافُ مِنهُ الخُرُوجُ إلى السِّبابِ والتَّكْذِيبِ والتَّجْهِيلِ. والثّانِي: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: إنَّ قُرَيْشًا كانُوا إذا اجْتَمَعُوا بِمِنًى، قالَ بَعْضُهم: حَجُّنا أتَمُّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ حَجُّنا أتَمُّ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ. والثّالِثُ: قالَ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ الجِدالُ في الحَجِّ أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ في المُزْدَلِفَةِ بِقُزَحَ، وكانَ غَيْرُهم يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ وكانُوا يَتَجادَلُونَ يَقُولُ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أصْوَبُ، ويَقُولُ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أصْوَبُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الحَجِّ: ٦٧] قالَ مالِكٌ: هَذا هو الجِدالُ فِيما يُرْوى واللَّهُ أعْلَمُ. والرّابِعُ: قالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: الجِدالُ في الحَجِّ أنْ يَقُولَ بَعْضُهم: الحَجُّ اليَوْمَ، وآخَرُونَ يَقُولُونَ: بَلْ غَدًا، وذَلِكَ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا حِسابَ الشُّهُورِ عَلى رُؤْيَةِ الأهِلَّةِ، وآخَرُونَ كانُوا يَجْعَلُونَهُ عَلى العَدَدِ فَبِهَذا السَّبَبِ كانُوا يَخْتَلِفُونَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هَذا اليَوْمُ يَوْمُ العِيدِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: بَلْ غَدًا، فاللَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: قَدْ بَيَّنّا لَكم أنَّ الأهِلَّةَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ، فاسْتَقِيمُوا عَلى ذَلِكَ ولا تُجادِلُوا فِيهِ مِن غَيْرِ هَذِهِ الجِهَةِ. الخامِسُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: يَدْخُلُ في هَذا النَّهْيِ ما جادَلُوا فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «حِينَ أمَرَهم بِفَسْخِ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ؛ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وقالُوا: نَرُوحُ إلى مِنًى ومَذاكِيرُنا تَقْطُرُ مَنِيًّا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ ما سُقْتُ الهَدْيَ، ولَجَعَلْتُها عُمْرَةً» وتَرَكُوا الجِدالَ حِينَئِذٍ. السّادِسُ: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: جِدالُهم في الحَجِّ بِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في أيِّهِمُ المُصِيبُ في الحَجِّ لِوَقْتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. السّابِعُ: أنَّهم كانُوا مُخْتَلِفِينَ في السِّنِينَ، فَقِيلَ لَهم: لا جِدالَ في الحَجِّ، فَإنَّ الزَّمانَ اسْتَدارَ وعادَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ الحَجُّ في وقْتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَجَّةِ الوَداعِ: «ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ» فَهَذا مَجْمُوعُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في هَذا البابِ. صفحة ١٤٢ وذَكَرَ القاضِي كَلامًا حَسَنًا في هَذا المَوْضِعِ، فَقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وأنْ يَكُونَ نَهْيًا كَقَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩] أيْ لا تَرْتابُوا فِيهِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ لِلْخَبَرِ، فَإذا حَمَلْناهُ عَلى الخَبَرِ كانَ مَعْناهُ أنَّ الحَجَّ لا يَثْبُتُ مَعَ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الخِلالِ، بَلْ يَفْسُدُ؛ لِأنَّهُ كالضِّدِّ لَها، وهي مانِعَةٌ مِن صِحَّتِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَسْتَقِيمُ المَعْنى، إلّا أنْ يُرادَ بِالرَّفَثِ الجِماعُ المُفْسِدُ لِلْحَجِّ، ويُحْمَلَ الفُسُوقُ عَلى الزِّنا؛ لِأنَّهُ يُفْسِدُ الحَجَّ، ويُحْمَلُ الجِدالُ عَلى الشَّكِّ في الحَجِّ ووُجُوبِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كُفْرًا فَلا يَصِحُّ مَعَهُ الحَجُّ، وإنَّما حَمَلْنا هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ عَلى هَذِهِ المَعانِي حَتّى يَصِحَّ خَبَرُ اللَّهِ بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا تُوجَدُ مَعَ الحَجِّ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مَعَ هَذِهِ الأشْياءِ يَصِيرُ الحَجُّ فاسِدًا، ويَجِبُ عَلى صاحِبِهِ المُضِيُّ فِيهِ، وإذا كانَ الحَجُّ باقِيًا مَعَها لَمْ يَصْدُقِ الخَبَرُ بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا تُوجَدُ مَعَ الحَجِّ، قُلْنا: المُرادُ مِنَ الآيَةِ حُصُولُ المُضادَّةِ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ وبَيْنَ الحَجَّةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِها ابْتِداءً، وتِلْكَ الحَجَّةُ الصَّحِيحَةُ لا تَبْقى مَعَ هَذِهِ الأشْياءِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَجِبُ قَضاؤُها، والحَجَّةُ الفاسِدَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِ المُضِيُّ فِيها شَيْءٌ آخَرُ سِوى تِلْكَ الحَجَّةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِها ابْتِداءً، وأمّا الجِدالُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الشَّكِّ في وُجُوبِ الحَجِّ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يَبْقى مَعَهُ عَمَلُ الحَجِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، وعَمَلُ الحَجِّ مَشْرُوطٌ بِالإسْلامِ، فَثَبَتَ أنّا إذا حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى الخَبَرِ وجَبَ حَمْلُ الرَّفَثِ والفُسُوقِ والجِدالِ عَلى ما ذَكَرْناهُ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى النَّهْيِ وهو في الحَقِيقَةِ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ، فَقَدْ يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالرَّفَثِ الجِماعُ ومُقَدِّماتُهُ وقَوْلُ الفُحْشِ، وأنْ يُرادَ بِالفُسُوقِ جَمِيعُ أنْواعِهِ، وبِالجِدالِ جَمِيعُ أنْواعِهِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ ومُتَناوِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْها نَهْيًا عَنْ جَمِيعِ أقْسامِها، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ كالحَثِّ عَلى الأخْلاقِ الجَمِيلَةِ، والتَّمَسُّكِ بِالآدابِ الحَسَنَةِ، والِاحْتِرازِ عَمّا يُحْبِطُ ثَوابَ الطّاعاتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحِكْمَةُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ لا أزْيَدَ ولا أنْقَصَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ هي أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ الإنْسانَ فِيهِ قُوًى أرْبَعَةٌ: قُوَّةٌ شَهْوانِيَّةٌ بَهِيمِيَّةٌ، وقُوَّةٌ غَضَبِيَّةٌ سَبُعِيَّةٌ، وقُوَّةٌ وهْمِيَّةٌ شَيْطانِيَّةٌ، وقُوَّةٌ عَقْلِيَّةٌ مَلَكِيَّةٌ، والمَقْصُودُ مِن جَمِيعِ العِباداتِ قَهْرُ القُوى الثَّلاثَةِ، أعْنِي الشَّهْوانِيَّةَ، والغَضَبِيَّةَ، والوَهْمِيَّةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ إشارَةٌ إلى قَهْرِ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا فُسُوقَ﴾ إشارَةٌ إلى قَهْرِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ الَّتِي تُوجِبُ التَّمَرُّدَ والغَضَبَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا جِدالَ﴾ إشارَةٌ إلى القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ الَّتِي تَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى الجِدالِ في ذاتِ اللَّهِ، وصِفاتِهِ، وأفْعالِهِ، وأحْكامِهِ، وأسْمائِهِ، وهي الباعِثَةُ لِلْإنْسانِ عَلى مُنازَعَةِ النّاسِ ومُماراتِهِمْ، والمُخاصِمَةِ مَعَهم في كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمّا كانَ مَنشَأُ الشَّرِّ مَحْصُورًا في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ لا جَرَمَ قالَ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ أيْ فَمَن قَصَدَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ ومَحَبَّتَهُ والِاطِّلاعَ عَلى نُورِ جَلالِهِ، والِانْخِراطَ في سِلْكِ الخَواصِّ مِن عِبادِهِ، فَلا يَكُونُ فِيهِ هَذِهِ الأُمُورُ، وهَذِهِ أسْرارٌ نَفِيسَةٌ هي المَقْصِدُ الأقْصى مِن هَذِهِ الآياتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ العاقِلُ غافِلًا عَنْها، ومِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقُ في كُلِّ الأُمُورِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنَ النّاسِ مَن عابَ الِاسْتِدْلالَ والبَحْثَ والنَّظَرَ والجِدالَ واحْتَجَّ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ وهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ جَمِيعِ أنْواعِ الجِدالِ، ولَوْ كانَ الجِدالُ في الدِّينِ طاعَةً وسَبِيلًا إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى لَما نَهى عَنْهُ في الحَجِّ، بَلْ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ كانَ الِاشْتِغالُ بِالجِدالِ في الحَجِّ صفحة ١٤٣ ضَمَّ طاعَةٍ إلى طاعَةٍ، فَكانَ أوْلى بِالتَّرْغِيبِ فِيهِ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٨] عابَهم بِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الجَدَلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَدَلَ مَذْمُومٌ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٤٦] نَهْيٌ عَنِ المُنازَعَةِ. وأمّا جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ فَإنَّهم قالُوا: الجِدالُ في الدِّينِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] وبِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قالُوا يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢] ومَعْلُومٌ أنَّهُ ما كانَ ذَلِكَ الجِدالُ إلّا لِتَقْرِيرِ أُصُولِ الدِّينِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا بُدَّ مِنَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ النُّصُوصِ، فَنَحْمِلُ الجَدَلَ المَذْمُومَ عَلى الجَدَلِ في تَقْرِيرِ الباطِلِ، وطَلَبِ المالِ والجاهِ، والجَدَلَ المَمْدُوحَ عَلى الجَدَلِ في تَقْرِيرِ الحَقِّ ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، والذَّبِّ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أمَرَ بِفِعْلِ ما هو خَيْرٌ وطاعَةٌ، فَقالَ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقالَ: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ ونَهى عَمّا هو شَرٌّ ومَعْصِيَةٌ فَقالَ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ ثُمَّ عَقَّبَ الكُلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ وقَدْ كانَ الأوْلى في الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وما تَفْعَلُوا مِن شَيْءٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ، حَتّى يَتَناوَلَ كُلَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّ الخَيْرَ بِأنَّهُ يَعْلَمُهُ اللَّهُ لِفَوائِدَ ولَطائِفَ: أحَدُها: إذا عَلِمْتُ مِنكَ الخَيْرَ ذَكَرْتُهُ وشَهَّرْتُهُ، وإذا عَلِمْتُ مِنكَ الشَّرَّ سَتَرْتُهُ وأخْفَيْتُهُ؛ لِتَعْلَمَ أنَّهُ إذا كانَتْ رَحْمَتِي بِكَ في الدُّنْيا هَكَذا، فَكَيْفَ في العُقْبى. وثانِيها: أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] مَعْناهُ: لَوْ أمْكَنَنِي أنْ أُخْفِيَها عَنْ نَفْسِي لَفَعَلْتُ فَكَذا هَذِهِ الآيَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ لِلْعَبْدِ: ما تَفْعَلُهُ مِن خَيْرٍ عَلِمْتُهُ، وأمّا الَّذِي تَفْعَلُهُ مِنَ الشَّرِّ فَلَوْ أمْكَنَ أنْ أُخْفِيَهُ عَنْ نَفْسِي لَفَعَلْتُ ذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّ السُّلْطانَ العَظِيمَ إذا قالَ لِعَبْدِهِ المُطِيعِ: كُلُّ ما تَتَحَمَّلُهُ مِن أنْواعِ المَشَقَّةِ والخِدْمَةِ في حَقِّي فَأنا عالِمٌ بِهِ، ومُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، كانَ هَذا وعْدًا لَهُ بِالثَّوابِ العَظِيمِ، ولَوْ قالَ ذَلِكَ لِعَبْدِهِ المُذْنِبِ المُتَمَرِّدِ كانَ تَوَعُّدًا بِالعِقابِ الشَّدِيدِ، ولَمّا كانَ الحَقُّ سُبْحانَهُ أكْرَمَ الأكْرَمِينَ لا جَرَمَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى الوَعْدِ بِالثَّوابِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ بِالعِقابِ. ورابِعُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ما الإحْسانُ ؟ فَقالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» فَهَهُنا بَيَّنَ لِلْعَبْدِ أنَّهُ يَراهُ، ويَعْلَمُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ مِنَ الخَيْراتِ؛ لِتَكُونَ طاعَةُ العَبْدِ لِلرَّبِّ مِنَ الإحْسانِ الَّذِي هو أعْلى دَرَجاتِ العِبادَةِ، فَإنَّ الخادِمَ مَتّى عَلِمَ أنَّ مَخْدُومَهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ لَيْسَ بِغافِلٍ عَنْ أحْوالِهِ، كانَ أحْرَصَ عَلى العَمَلِ، وأكْثَرَ التِذاذًا بِهِ، وأقَلَّ نُفْرَةً عَنْهُ. وخامِسُها: أنَّ الخادِمَ إذا عَلِمَ اطِّلاعَ المَخْدُومِ عَلى جَمِيعِ أحْوالِهِ وما يَفْعَلُهُ كانَ جِدُّهُ واجْتِهادُهُ في أداءِ الطّاعاتِ وفي الِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ أشَدَّ مِمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَلِهَذِهِ الوُجُوهِ أتْبَعَ تَعالى الأمْرَ بِالحَجِّ والنَّهْيَ عَنِ الرَّفَثِ والفُسُوقِ والجِدالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ: وتَزَوَّدُوا مِنَ التَّقْوى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ لَهُ سَفَرانِ: صفحة ١٤٤ سَفَرٌ في الدُّنْيا، وسَفَرٌ مِنَ الدُّنْيا، فالسَّفَرُ في الدُّنْيا لا بُدَّ لَهُ مِن زادٍ، وهو الطَّعامُ والشَّرابُ والمَرْكَبُ والمالُ، والسَّفَرُ مِنَ الدُّنْيا لا بُدَّ فِيهِ أيْضًا مِن زادٍ، وهو مَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَحَبَّتُهُ والإعْراضُ عَمّا سِواهُ، وهَذا الزّادُ خَيْرٌ مِنَ الزّادِ الأوَّلِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ زادَ الدُّنْيا يُخَلِّصُكَ مِن عَذابٍ مَوْهُومٍ، وزادَ الآخِرَةِ يُخَلِّصُكَ مِن عَذابٍ مُتَيَقَّنٍ. وثانِيها: أنَّ زادَ الدُّنْيا يُخَلِّصُكَ مِن عَذابٍ مُنْقَطِعٍ، وزادَ الآخِرَةِ يُخَلِّصُكَ مِن عَذابٍ دائِمٍ. وثالِثُها: أنَّ زادَ الدُّنْيا يُوصِلُكَ إلى لَذَّةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالآلامِ والأسْقامِ والبَلِيّاتِ، وزادَ الآخِرَةِ يُوصِلُكَ إلى لَذّاتٍ باقِيَةٍ خالِصَةٍ عَنْ شَوائِبِ المَضَرَّةِ، آمِنَةٍ مِنَ الِانْقِطاعِ والزَّوالِ. ورابِعُها: أنَّ زادَ الدُّنْيا وهي كُلُّ ساعَةٍ في الإدْبارِ والِانْقِضاءِ، وزادَ الآخِرَةِ يُوصِلُكَ إلى الآخِرَةِ، وهي كُلُّ ساعَةٍ في الإقْبالِ والقُرْبِ والوُصُولِ. وخامِسُها: أنَّ زادَ الدُّنْيا يُوصِلُكَ إلى مَنَصَّةِ الشَّهْوَةِ والنَّفْسِ، وزادَ الآخِرَةِ يُوصِلُكَ إلى عَتَبَةِ الجَلالِ والقُدْسِ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَلْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الآيَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى فاشْتَغِلُوا بِتَقْوايَ يا أُولِي الألْبابِ، يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ مِن أرْبابِ الألْبابِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ حَقائِقَ الأُمُورِ وجَبَ عَلَيْكم بِحُكْمِ عَقْلِكم ولُبِّكم أنْ تَشْتَغِلُوا بِتَحْصِيلِ هَذا الزّادِ لِما فِيهِ مِن كَثْرَةِ المَنافِعِ، وقالَ الأعْشى في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى: إذا أنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزادٍ مِنَ التُّقى ولاقَيْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَن قَدْ تَزَوَّدا نَدِمْتَ عَلى أنْ لا تَكُونَ كَمِثْلِهِ ∗∗∗ وأنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ كَما كانَ أرْصَدا والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن أهْلِ اليَمَنِ كانُوا يَحُجُّونَ بِغَيْرِ زادٍ ويَقُولُونَ: إنّا مُتَوَكِّلُونَ، ثُمَّ كانُوا يَسْألُونَ النّاسَ ورُبَّما ظَلَمُوا النّاسَ وغَصَبُوهم، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَزَوَّدُوا فَقالَ: وتَزَوَّدُوا ما تَبْلُغُونَ بِهِ؛ فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ ما تَكُفُّونَ بِهِ وُجُوهَكم عَنِ السُّؤالِ وأنْفُسَكم عَنِ الظُّلْمِ؛ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: أنَّ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ كانُوا يُحَرِّمُونَ الزّادَ في الحَجِّ والعُمْرَةِ فَنَزَلَتْ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانُوا إذا أحْرَمُوا ومَعَهم أزْوِدَةٌ رَمَوْا بِها فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ القاضِي: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وتَزَوَّدُوا﴾ فَكانَ تَقْدِيرُهُ: وتَزَوَّدُوا مِنَ التَّقْوى، والتَّقْوى في عُرْفِ الشَّرْعِ والقُرْآنِ عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ الواجِباتِ وتَرْكِ المَحْظُوراتِ، قالَ: فَإنْ أرَدْنا تَصْحِيحَ هَذا القَوْلِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ القادِرَ عَلى أنْ يَسْتَصْحِبَ الزّادَ في السَّفَرِ إذا لَمْ يَسْتَصْحِبْهُ عَصى اللَّهَ في ذَلِكَ، فَعَلى هَذا الطَّرِيقِ صَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ الآيَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ ويَكُونَ المُرادُ: وتَزَوَّدُوا لِعاجِلِ سَفَرِكم ولِلْآجِلِ، فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُونِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿واتَّقُونِ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ عَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ: أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أثْبَتَ أبُو عَمْرٍو الياءَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُونِ﴾ عَلى الأصْلِ، وحَذَفَها الآخَرُونَ لِلتَّخْفِيفِ ودَلالَةِ الكَسْرِ عَلَيْهِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُونِ ياأُولِي الألْبابِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ لُبابَ الشَّيْءِ ولُبَّهُ هو الخالِصُ مِنهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، صفحة ١٤٥ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ اسْمٌ لِلْعَقْلِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ، والَّذِي تَمَيَّزَ بِهِ الإنْسانُ عَنِ البَهائِمِ وقَرُبَ مِن دَرَجَةِ المَلائِكَةِ، واسْتَعَدَّ بِهِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ خَيْرِ الخَيْرَيْنِ، وشَرِّ الشَّرَّيْنِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ في الأصْلِ اسْمٌ لِلْقَلْبِ الَّذِي هو مَحَلُّ العَقْلِ، والقَلْبُ قَدْ يُجْعَلُ كِنايَةً عَنِ العَقْلِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] فَكَذا هَهُنا جُعِلَ اللُّبُّ كِنايَةً عَنِ العَقْلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُونِ ياأُولِي الألْبابِ﴾ مَعْناهُ: يا أُولِي العُقُولِ، وإطْلاقُ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، فَإنَّهُ يُقالُ لِمَن لَهُ غَيْرَةٌ وحَمِيَّةٌ: فُلانٌ لَهُ نَفْسٌ، ولِمَن لَيْسَ لَهُ حَمِيَّةٌ: فُلانٌ لا نَفْسَ لَهُ، فَكَذا هَهُنا. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ لا يَصِحُّ إلّا خِطابُ العُقَلاءِ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُونِ ياأُولِي الألْبابِ﴾ . قُلْنا: مَعْناهُ إنَّكم لَمّا كُنْتُمْ مِن أُولِي الألْبابِ كُنْتُمْ مُتَمَكِّنِينَ مِن مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأشْياءِ والعَمَلِ بِها، فَكانَ وُجُوبُها عَلَيْكم أثْبَتَ، وإعْراضُكم عَنْها أقْبَحَ، ولِهَذا قالَ الشّاعِرُ: ولَمْ أرَ في عُيُوبِ النّاسِ شَيْئًا كَنَقْصِ القادِرِينَ عَلى التَّمامِ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعْرافِ: ١٧٩] يَعْنِي الأنْعامُ مَعْذُورَةٌ بِسَبَبِ العَجْزِ، أمّا هَؤُلاءِ القادِرُونَ فَكانَ إعْراضُهم أفْحَشَ، فَلا جَرَمَ كانُوا أضَلَّ.

البقرة 2:198

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكم وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ: لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الشُّبْهَةَ كانَتْ حاصِلَةً في حُرْمَةِ التِّجارَةِ في الحَجِّ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى مَنَعَ عَنِ الجِدالِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والتِّجارَةُ كَثِيرَةُ الإفْضاءِ إلى المُنازَعَةِ بِسَبَبِ المُنازَعَةِ في قِلَّةِ القِيمَةِ وكَثْرَتِها، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ مُحَرَّمَةً وقْتَ الحَجِّ. وثانِيها: أنَّ التِّجارَةَ كانَتْ مُحَرَّمَةً وقْتَ الحَجِّ في دِينِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَظاهِرُ ذَلِكَ شَيْءٌ مُسْتَحْسَنٌ؛ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالحَجِّ مُشْتَغِلٌ بِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَلَطَّخَ هَذا العَمَلُ مِنهُ بِالأطْماعِ الدُّنْيَوِيَّةِ. وثالِثُها: أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ صارَ كَثِيرٌ مِنَ المُباحاتِ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ في وقْتِ الحَجِّ، كاللُّبْسِ والطِّيبِ والِاصْطِيادِ والمُباشَرَةِ مَعَ الأهْلِ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّ الحَجَّ لَمّا صارَ سَبَبًا لِحُرْمَةِ اللُّبْسِ مَعَ مَساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ فَبِأنْ يَصِيرَ سَبَبًا لِحُرْمَةِ التِّجارَةِ مَعَ قِلَّةِ الحاجَةِ إلَيْها كانَ أوْلى. ورابِعُها: عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِالصَّلاةِ يَحْرُمُ الِاشْتِغالُ بِسائِرِ الطّاعاتِ فَضْلًا عَنِ المُباحاتِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الحَجِّ؛ فَهَذِهِ الوُجُوهُ تَصْلُحُ أنْ تَصِيرَ شُبْهَةً في تَحْرِيمِ الِاشْتِغالِ بِالتِّجارَةِ عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِالحَجِّ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَهُنا أنَّ التِّجارَةَ جائِزَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، فَإذا عَرَفْتَ صفحة ١٤٦ هَذا فَنَقُولُ: المُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو التِّجارَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المُزَّمِلِ: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القَصَصِ: ٧٣] ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّفْسِيرِ وجْهانِ: الأوَّلُ: ما رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُما قَرَآ: ”أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم في مَواسِمِ الحَجِّ“ . والثّانِي: الرِّواياتُ المَذْكُورَةُ في سَبَبِ النُّزُولِ. فالرِّوايَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَحْتَرِزُونَ مِنَ التِّجارَةِ في أيّامِ الحَجِّ وإذا دَخَلَ العَشْرُ بالَغُوا في تَرْكِ البَيْعِ والشِّراءِ بِالكُلِّيَّةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ التّاجِرَ في الحَجِّ الدّاجَّ؛ ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ الدّاجُّ، ولَيْسُوا بِالحاجِّ، ومَعْنى الدّاجِّ: المُكْتَسِبُ المُلْتَقِطُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّجاجَةِ، وبالَغُوا في الِاحْتِرازِ عَنِ الأعْمالِ، إلى أنِ امْتَنَعُوا عَنْ إغاثَةِ المَلْهُوفِ، وإغاثَةِ الضَّعِيفِ وإطْعامِ الجائِعِ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا جُناحَ في التِّجارَةِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ في أحْكامِ الحَجِّ، وما بَعْدَها أيْضًا في الحَجِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ واقِعٌ في زَمانِ الحَجِّ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِهِ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: ما رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنّا قَوْمٌ نُكْرِي، وإنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ لا حَجَّ لَنا، فَقالَ: سَألَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمّا سَألْتَ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ فَدَعاهُ وقالَ: أنْتُمْ حُجّاجٌ» . وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ رَدًّا عَلى مَن يَقُولُ: لا حَجَّ لِلتُّجّارِ والأُجَراءِ والجَمّالِينَ. والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ عُكاظَ ومَجَنَّةَ وذا المَجازِ كانُوا يَتِّجِرُونَ في أيّامِ المَوْسِمِ فِيها، وكانَتْ مَعايِشُهم مِنها، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَرِهُوا أنْ يَتَّجِرُوا في الحَجِّ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: قالَ مُجاهِدٌ: إنَّهم كانُوا لا يَتَبايَعُونَ في الجاهِلِيَّةِ بِعَرَفَةَ ولا مِنًى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. إذا ثَبَتَ صِحَّةُ هَذا القَوْلِ فَنَقُولُ: أكْثَرُ الذّاهِبِينَ إلى هَذا القَوْلِ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى التِّجارَةِ في أيّامِ الحَجِّ، وأمّا أبُو مُسْلِمٍ فَإنَّهُ حَمَلَ الآيَةَ عَلى ما بَعْدَ الحَجِّ، قالَ: والتَّقْدِيرُ: فاتَّقُونِ في كُلِّ أفْعالِ الحَجِّ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَةِ: ١٠] . واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الإفاضَةَ حَصَلَتْ بَعْدَ ابْتِغاءِ الفَضْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ التِّجارَةِ في زَمانِ الحَجِّ. وثانِيها: أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى مَوْضِعِ الشُّبْهَةِ أوْلى مِن حَمْلِها لا عَلى مَوْضِعِ الشُّبْهَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَحَلَّ الشُّبْهَةِ هو التِّجارَةُ في زَمَنِ الحَجِّ، فَأمّا بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحَجِّ فَكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ حِلَّ التِّجارَةِ. أمّا ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ مِن قِياسِ الحَجِّ عَلى الصَّلاةِ فَجَوابُهُ: أنَّ الصَّلاةَ أعْمالُها مُتَّصِلَةٌ فَلا يَصِحُّ في أثْنائِها التَّشاغُلُ بِغَيْرِها، وأمّا أعْمالُ الحَجِّ فَهي مُتَفَرِّقَةٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، فَفي خِلالِها يَبْقى المَرْءُ عَلى الحُكْمِ الأوَّلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حاجًّا. لا يُقالُ: بَلْ حُكْمُ الحَجِّ باقٍ في كُلِّ تِلْكَ الأوْقاتِ، بِدَلِيلِ أنَّ حُرْمَةَ التَّطَيُّبِ واللُّبْسِ وأمْثالِهِما باقِيَةٌ، لِأنّا نَقُولُ: هَذا قِياسٌ في مُقابَلَةِ النَّصِّ فَيَكُونُ ساقِطًا. صفحة ١٤٧ القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ هو أنْ يَبْتَغِيَ الإنْسانُ حالَ كَوْنِهِ حاجًّا أعْمالًا أُخْرى تَكُونُ مُوجِبَةً لِاسْتِحْقاقِ فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ مِثْلَ إعانَةِ الضَّعِيفِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ، وإطْعامِ الجائِعِ، وهَذا القَوْلُ مَنسُوبٌ إلى أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا واجِبٌ أوْ مَندُوبٌ، ولا يُقالُ في مِثْلِهِ: لا جُناحَ عَلَيْكم فِيهِ، وإنَّما يُذْكَرُ هَذا اللَّفْظُ في المُباحاتِ. والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا اللَّفْظَ لا يُذْكَرُ إلّا في المُباحاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ والقَصْرُ بِالِاتِّفاقِ مِنَ المَندُوباتِ، وأيْضًا فَأهْلُ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ ضَمَّ سائِرِ الطّاعاتِ إلى الحَجِّ يُوقِعُ خَلَلًا في الحَجِّ ونَقْصًا فِيهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٦] . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التِّجارَةَ إذا أوْقَعَتْ نُقْصانًا في الطّاعَةِ لَمْ تَكُنْ مُباحَةً، أمّا إنْ لَمْ تُوقِعْ نُقْصانًا ألْبَتَّةَ فِيها فَهي مِنَ المُباحاتِ الَّتِي الأوْلى تَرْكُها، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيِّنَةِ: ٥] والإخْلاصُ أنْ لا يَكُونَ لَهُ حامِلٌ عَلى الفِعْلِ سِوى كَوْنِهِ عِبادَةً، «وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”أنا أغْنى الأغْنِياءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ“» والحاصِلُ أنَّ الإذْنَ في هَذِهِ التِّجارَةِ جارٍ مَجْرى الرُّخَصِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الإفاضَةُ الِانْدِفاعُ في السَّيْرِ بِكَثْرَةٍ، ومِنهُ يُقالُ: أفاضَ البَعِيرُ بِجَرَّتِهِ، إذا وقَعَ بِها فَألْقاها مُنْبَثَّةً، وكَذَلِكَ أفاضَ الأقْداحَ في المَيْسِرِ، مَعْناهُ جَمَعَها ثُمَّ ألْقاها مُتَفَرِّقَةً، وإفاضَةُ الماءِ مِن هَذا؛ لِأنَّهُ إذا صُبَّ تَفَرَّقَ، والإفاضَةُ في الحَدِيثِ إنَّما هي الِانْدِفاعُ فِيهِ بِإكْثارٍ وتَصَرُّفٍ في وُجُوهِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يُونُسَ: ٦١] ومِنهُ يُقالُ لِلنّاسِ: فَوْضٌ، وأيْضًا جَمْعُهم فَوْضى، ويُقالُ: أفاضَتِ العَيْنُ دَمْعَها، فَأصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ الدَّفْعُ لِلشَّيْءِ حَتّى يَتَفَرَّقَ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَضْتُمْ﴾ أيْ دَفَعْتُمْ بِكَثْرَةٍ، وأصْلُهُ أفَضْتُمْ أنْفُسَكم، فَتَرَكَ ذِكْرَ المَفْعُولِ، كَما تَرَكَ في قَوْلِهِمْ: دَفَعُوا مِن مَوْضِعِ كَذا وصَبُّوا، وفي حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ونَزَلَ في وادِي قَيْرَوانَ وهو يَخْدِشُ بَعِيرَهُ بِمِحْجَنِهِ» . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿عَرَفاتٍ﴾ جُمَعُ عَرَفَةَ، سُمِّيَتْ بِها بُقْعَةٌ واحِدَةٌ، كَقَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ أخْلاقٌ، وبُرْمَةٌ أعْشارٌ، وأرْضٌ سَباسِبٌ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِن تِلْكَ الأرْضِ عَرَفَةُ فَسُمِّيَ مَجْمُوعُ تِلْكَ القِطَعِ بِعَرَفاتٍ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا مُنِعَتْ مِنَ الصَّرْفِ؛ وفِيها السَّبَبانِ: التَّعْرِيفُ والتَّأْنِيثُ! قُلْنا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ في الأصْلِ اسْمٌ لِقِطَعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الأرْضِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنها مُسَمّاةٌ بِعَرَفَةَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَكُنْ عَلَمًا، ثُمَّ جُعِلَتْ عَلَمًا لِمَجْمُوعِ تِلْكَ القِطَعِ فَتَرَكُوها بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أصْلِها في عَدَمِ الصَّرْفِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ اليَوْمَ الثّامِنَ مِن ذِي الحِجَّةِ يُسَمّى بِيَوْمِ التَّرْوِيَةِ، واليَوْمَ التّاسِعَ مِنهُ يُسَمّى بِيَوْمِ عَرَفَةَ، وذَلِكَ المَوْضِعُ المَخْصُوصُ سُمِّيَ بِعَرَفاتٍ، وذَكَرُوا في تَعْلِيلِ هَذِهِ الأسْماءِ وُجُوهًا؛ أمّا يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن رَوى يَرْوِي تَرْوِيَةً، إذا تَفَكَّرَ وأعْمَلَ فِكْرَهُ ورَوِيَّتَهُ. والثّانِي: مِن رَواهُ مِنَ الماءِ يَرْوِيهِ إذا سَقاهُ مِن عَطَشٍ. أمّا الأوَّلُ: فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: صفحة ١٤٨ أحَدُها: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ بِبِناءِ البَيْتِ، فَلَمّا بَناهُ تَفَكَّرَ فَقالَ: رَبِّ إنَّ لِكُلِّ عامِلٍ أجْرًا، فَما أجْرِي عَلى هَذا العَمَلِ ؟ قالَ: إذا طُفْتَ بِهِ غَفَرْتُ لَكَ ذُنُوبَكَ بِأوَّلِ شَوْطٍ مِن طَوافِكَ، قالَ: يا رَبِّ زِدْنِي قالَ: أغْفِرُ لِأوْلادِكَ إذا طافُوا بِهِ، قالَ: زِدْنِي قالَ: أغْفِرُ لِكُلِّ مَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الطّائِفُونَ مِن مُوَحِّدِي أوْلادِكَ، قالَ: حَسْبِي يا رَبِّ حَسْبِي. وثانِيها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في مَنامِهِ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ كَأنَّهُ يَذْبَحُ ابْنَهُ فَأصْبَحَ مُفَكِّرًا هَلْ هَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ الشَّيْطانِ ؟ فَلَمّا رَآهُ لَيْلَةَ عَرَفَةَ يُؤْمَرُ بِهِ أصْبَحَ فَقالَ: عَرَفْتُ يا رَبِّ أنَّهُ مِن عِنْدِكَ. وثالِثُها: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ يَخْرُجُونَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلى مِنًى فَيَرْوُونَ في الأدْعِيَةِ الَّتِي يُرِيدُونَ أنْ يَذْكُرُوها في غَدِهِمْ بِعَرَفاتٍ. أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو اشْتِقاقُهُ مِن تَرْوِيَةِ الماءِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا يُخْفُونَ الماءَ لِلْحَجِيجِ الَّذِينَ يَقْصِدُونَهم مِنَ الآفاقِ، وكانَ الحاجُّ يَسْتَرِيحُونَ في هَذا اليَوْمِ مِن مَشاقِّ السَّفَرِ، ويَتَّسِعُونَ في الماءِ، ويَرْوُونَ بَهائِمَهم بَعْدَ مُقاساتِهِمْ قِلَّةَ الماءِ في طَرِيقِهِمْ. والثّانِي: أنَّهم يَتَزَوَّدُونَ الماءَ إلى عَرَفَةَ. والثّالِثُ: أنَّ المُذْنِبِينَ كالعِطاشِ ورَدُوا بِحارَ رَحْمَةِ اللَّهِ فَشَرِبُوا مِنها حَتّى رُوُوا، وأمّا فَضْلُ هَذا اليَوْمِ فَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفَجْرِ: ٣] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِأنَّ الشَّفْعَ التَّرْوِيَةُ وعَرَفَةُ، والوَتْرَ يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنْ عُبادَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «صِيامُ عَشْرِ الأضْحى، كُلُّ يَوْمٍ مِنها كالشَّهْرِ، ولِمَن يَصُومُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ سَنَةٌ، ولِمَن يَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ سَنَتانِ» ورَوى أنَسٌ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَن صامَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أعْطاهُ اللَّهُ مِثْلَ ثَوابِ أيُّوبَ عَلى بَلائِهِ، ومَن صامَ يَوْمَ عَرَفَةَ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ثَوابِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ» . وأمّا يَوْمُ عَرَفَةَ فَلَهُ عَشَرَةُ أسْماءٍ، خَمْسَةٌ مِنها مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وخَمْسَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ. أمّا الخَمْسَةُ الأُولى: فَأحَدُها: عَرَفَةُ، وفي اشْتِقاقِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَعْرِفَةِ، وفِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ التَقَيا بِعَرَفَةَ فَعَرَفَ أحَدُهُما صاحِبَهُ فَسُمِّيَ اليَوْمُ عَرَفَةَ، والمَوْضِعُ عَرَفاتٍ، وذَلِكَ أنَّهُما لَمّا أُهْبِطا مِنَ الجَنَّةِ وقَعَ آدَمُ بِسَرَنْدِيبَ، وحَوّاءُ بِجُدَّةَ، وإبْلِيسُ بِنِيسانَ، والحَيَّةُ بِأصْفَهانَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ بِالحَجِّ لَقِيَ حَوّاءَ بِعَرَفاتٍ فَتَعارَفا. وثانِيها: أنَّ آدَمَ عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ مَناسِكَ الحَجِّ، فَلَمّا وقَفَ بِعَرَفاتٍ قالَ لَهُ: أعَرَفْتَ ؟ قالَ نَعَمْ، فَسُمِّيَ عَرَفاتٍ. وثالِثُها: قَوْلُ عَلِيٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ والسُّدِّيِّ: سُمِّيَ المَوْضِعُ عَرَفاتٍ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَفَها حِينَ رَآها بِما تَقَدَّمَ مِنَ النَّعْتِ والصِّفَةِ. ورابِعُها: أنَّ جِبْرِيلَ كانَ عَلَّمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المَناسِكَ، وأوْصَلَهُ إلى عَرَفاتٍ، وقالَ لَهُ: أعَرَفْتَ كَيْفَ تَطُوفُ وفي أيِّ مَوْضِعٍ تَقِفُ ؟ قالَ: نَعَمْ. وخامِسُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وضَعَ ابْنَهُ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ هاجَرَ بِمَكَّةَ، ورَجَعَ إلى الشّامِ ولَمْ يَلْتَقِيا سِنِينَ، ثُمَّ التَقَيا يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفاتٍ. وسادِسُها: ما ذَكَرْناهُ مِن أمْرِ مَنامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وسابِعُها: أنَّ الحاجَّ يَتَعارَفُونَ فِيهِ بِعَرَفاتٍ إذا وقَفُوا. وثامِنُها: أنَّهُ تَعالى يَتَعَرَّفُ فِيهِ إلى الحاجِّ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. القَوْلُ الثّانِي: في اشْتِقاقِ عَرَفَةَ أنَّهُ مِنَ الِاعْتِرافِ؛ لِأنَّ الحُجّاجَ إذا وقَفُوا في عَرَفَةَ اعْتَرَفُوا لِلْحَقِّ بِالرُّبُوبِيَّةِ والجَلالِ والصَّمَدِيَّةِ والِاسْتِغْناءِ، ولِأنْفُسِهِمْ بِالفَقْرِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والحاجَةِ. ويُقالُ: إنَّ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ لَمّا وقَفا بِعَرَفاتٍ قالا: رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا، فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الآنَ عَرَفْتُما أنْفُسَكُما. صفحة ١٤٩ والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؛ قالَ تَعالى: ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٦] أيْ طَيَّبَها لَهم، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ المُذْنِبِينَ لَمّا تابُوا في عَرَفاتٍ فَقَدْ تَخَلَّصُوا عَنْ نَجاساتِ الذُّنُوبِ، ويَكْتَسِبُونَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى رائِحَةً طَيِّبَةً، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أطْيَبُ مِن رِيحِ المِسْكِ» . الثّانِي: يَوْمُ إياسِ الكُفّارِ مِن دِينِ الإسْلامِ. الثّالِثُ: يَوْمُ إكْمالِ الدِّينِ. الرّابِعُ: يَوْمُ إتْمامِ النِّعْمَةِ. الخامِسُ: يَوْمُ الرِّضْوانِ. وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في أرْبَعِ آياتٍ، في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٣] الآيَةَ، قالَ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وكانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِعَرَفَةَ في مَوْقِفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ، وقَدِ اضْمَحَلَّ الكُفْرُ، وهُدِّمَ بُنْيانُ الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ ما لَهم في هَذِهِ الآيَةِ لَقَرَّتْ أعْيُنُهم» فَقالَ يَهُودِيٌّ لِعُمَرَ: لَوْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلَيْنا لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا فَقالَ عُمَرُ: أمّا نَحْنُ فَجَعَلْناهُ عِيدَيْنِ، كانَ يَوْمَ عَرَفَةَ ويَوْمَ الجُمُعَةِ. فَأمّا مَعْنى: إياسِ المُشْرِكِينَ: فَهو أنَّهم يَئِسُوا مِن قَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَرْتَدُّوا راجِعِينَ إلى دِينِهِمْ، فَأمّا مَعْنى إكْمالِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ تَعالى ما أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ، وأمّا إتْمامُ النِّعْمَةِ فَأعْظَمُ النِّعَمِ نِعْمَةُ الدِّينِ؛ لِأنَّ بِها يَسْتَحِقُّ الفَوْزَ بِالجَنَّةِ والخَلاصَ مِنَ النّارِ، وقَدْ تَمَّتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ وكَذَلِكَ قالَ في آيَةِ الوُضُوءِ ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٦] ولَمّا جاءَ البَشِيرُ وقَدِمَ عَلى يَعْقُوبَ، قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى دِينِ الإسْلامِ قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، وأمّا مَعْنى الرِّضْوانِ فَهو أنَّهُ تَعالى رَضِيَ بِدِينِهِمُ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ وهو الإسْلامُ، فَهي بِشارَةٌ بَشَّرَهم بِها في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلا يَوْمَ أكْمَلُ مِنَ اليَوْمِ الَّذِي بَشَّرَهم فِيهِ بِإكْمالِ الدِّينِ، وقِيلَ: هَذا اليَوْمُ يَوْمُ صِلَةِ الواصِلِينَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائِدَةِ: ٣] ويَوْمُ قَطِيعَةِ القاطِعِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣] ويَوْمُ إقالَةِ عَثْرِ النّادِمِينَ، وقَبُولِ تَوْبَةِ التّائِبِينَ ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] فَكَما تابَ بِرَحْمَتِهِ عَلى آدَمَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ يَتُوبُ عَلى أوْلادِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشُّورى: ٢٥] وهو أيْضًا يَوْمُ وفْدِ الوافِدِينَ ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ [الحَجِّ: ٢٧] وفي الخَبَرِ: ”«الحاجُّ وفْدُ اللَّهِ، والحاجُّ زُوّارُ اللَّهِ، وحَقٌّ عَلى المَزُورِ الكَرِيمِ أنْ يُكْرِمَ زائِرَهُ» “ . وأمّا الأسْماءُ الخَمْسَةُ الأُخْرى لِيَوْمِ عَرَفَةَ: فَأحَدُها: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣] وهَذا الِاسْمُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَرَفَةَ والنَّحْرِ، واخْتَلَفَ الصَّدْرُ الأوَّلُ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فِيهِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ عَرَفَةُ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ الوُقُوفُ بِعَرَفاتٍ والحَجُّ عَرَفَةُ إذا لَوْ أدْرَكَهُ وفاتَهُ سائِرُ مَناسِكِ الحَجِّ أجْزَأ عَنْها الدَّمُ، فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَ بِالحَجِّ الأكْبَرِ. قالَ الحَسَنُ: سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ الكُفّارُ والمُسْلِمُونَ، ونُودِيَ فِيهِ أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَهُ مُشْرِكٌ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: إنَّما سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ أعْيادُ أهْلِ المِلَلِ كُلِّها مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وحَجَّ المُسْلِمُونَ ولَمْ يَجْتَمِعْ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ لِأنَّهُ يَقَعُ فِيهِ أكْثَرُ مَناسِكِ الحَجِّ، فَأمّا الوُقُوفُ فَلا يَجِبُ في اليَوْمِ بَلْ يُجْزِئُ في اللَّيْلِ، ورُوِيَ القَوْلانِ جَمِيعًا عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وثانِيها: الشَّفْعُ. وثالِثُها: الوَتْرُ. ورابِعُها: الشّاهِدُ. وخامِسُها: المَشْهُودُ في قَوْلِهِ: ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البُرُوجِ: ٣] وهَذِهِ الأسْماءُ فَسَّرْناها في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خَصَّ يَوْمَ عَرَفَةَ مِن بَيْنِ سائِرِ أيّامِ الحَجِّ بِفَضائِلَ، مِنها أنَّهُ تَعالى خَصَّ صَوْمَهُ بِكَثْرَةِ صفحة ١٥٠ الثَّوابِ؛ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَفّارَةُ سَنَةٍ وصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفّارَةُ سَنَتَيْنِ» وعَنْ أنَسٍ كانَ يُقالُ في أيّامِ العَشْرِ: كُلُّ يَوْمٍ بِألْفٍ ويَوْمُ عَرَفَةَ بِعَشَرَةِ آلافٍ بَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْحاجِّ الواقِفِ بِعَرَفاتٍ أنْ يُفْطِرَ حَتّى يَكُونَ وقْتَ الدُّعاءِ قَوِيَّ القَلْبِ حاضِرَ النَّفْسِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ نُشِيرَ إشارَةً حَقِيقِيَّةً إلى تَرْتِيبِ أعْمالِ الحَجِّ حَتّى يَسْهُلَ الوُقُوفُ عَلى مَعْنى الآيَةِ، فَمَن دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا في ذِي الحِجَّةِ أوْ قَبْلَهُ، فَإنْ كانَ مُفْرِدًا أوْ قارِنًا طافَ طَوافَ القُدُومِ، وأقامَ عَلى إحْرامِهِ حَتّى يَخْرُجَ إلى عَرَفاتٍ، وإنْ كانَ مُتَمَتِّعًا طافَ وسَعى وحَلَقَ وتَحَلَّلَ مِن عُمْرَتِهِ وأقامَ إلى وقْتِ خُرُوجِهِ إلى عَرَفاتٍ، وحِينَئِذٍ يُحْرِمُ مِن جَوْفِ مَكَّةَ بِالحَجِّ ويَخْرُجُ، وكَذَلِكَ مَن أرادَ الحَجَّ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والسُّنَّةُ لِلْإمامِ أنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ يَوْمَ السّابِعِ مِن ذِي الحِجَّةِ، بَعْدَما يُصَلِّي الظُّهْرَ خُطْبَةً واحِدَةً يَأْمُرُ النّاسَ فِيها بِالذَّهابِ غَدًا بَعْدَما يُصَلُّونَ الصُّبْحَ إلى مِنًى، ويُعَلِّمُهم تِلْكَ الأعْمالَ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ يَذْهَبُونَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلى مِنًى بِحَيْثُ يُوافُونَ الظُّهْرَ بِها، ويُصَلُّونَ بِها مَعَ الإمامِ الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ والصُّبْحَ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ، ثُمَّ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلى ثَبِيرٍ يَتَوَجَّهُونَ إلى عَرَفاتٍ، فَإذا دَنَوْا مِنها فالسُّنَّةُ أنْ لا يَدْخُلُوها، بَلْ يَضْرِبُ فِيهِ الإمامُ بِنَمِرَةَ وهي قَرِيبَةٌ مِن عَرَفَةَ، فَيَنْزِلُونَ هُناكَ حَتّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَيَخْطُبُ الإمامُ خُطْبَتَيْنِ يُبَيِّنُ لَهم مَناسِكَ الحَجِّ ويُحَرِّضُهم عَلى إكْثارِ الدُّعاءِ والتَّهْلِيلِ بِالمَوْقِفِ، فَإذا فَرَغَ مِنَ الخُطْبَةِ الأُولى جَلَسَ، ثُمَّ قامَ وافْتَتَحَ الخُطْبَةَ الثّانِيَةَ والمُؤَذِّنُونَ يَأْخُذُونَ في الأذانِ مَعَهُ ويُخَفِّفُ بِحَيْثُ يَكُونُ فَراغُهُ مِنها مَعَ فَراغِ المُؤَذِّنِينَ مِنَ الأذانِ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُقِيمُ المُؤَذِّنُونَ فَيُصَلِّي بِهِمُ الظُّهْرَ، ثُمَّ يُقِيمُونَ في الحالِ ويُصَلِّي بِهِمُ العَصْرَ، وهَذا الجَمْعُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الصَّلاةِ يَتَوَجَّهُونَ إلى عَرَفاتٍ فَيَقِفُونَ عِنْدَ الصَّخَراتِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقَفَ هُناكَ، وإذا وقَفُوا اسْتَقْبَلُوا القِبْلَةَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى ويَدْعُونَهُ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. واعْلَمْ أنَّ الوُقُوفَ رُكْنٌ لا يُدْرَكُ الحَجُّ إلّا بِهِ، فَمَن فاتَهُ الوُقُوفُ في وقْتِهِ ومَوْضُوعِهِ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ، ووَقْتُ الوُقُوفِ يَدْخُلُ بِزَوالِ الشَّمْسِ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ، ويَمْتَدُّ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ، وذَلِكَ نِصْفُ يَوْمٍ ولَيْلَةٌ كامِلَةٌ، وإذا حَضَرَ الحاجُّ هُناكَ في هَذا الوَقْتِ لَحْظَةً واحِدَةً مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ فَقَدْ كَفى، وقالَ أحْمَدُ: وقْتُ الوُقُوفِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، ويَمْتَدُّ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ الإمامُ مِن عَرَفاتٍ وأخَّرَ صَلاةَ المَغْرِبِ حَتّى يَجْمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ العِشاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ. وفِي تَسْمِيَةِ المُزْدَلِفَةِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهم يَقْرُبُونَ فِيها مِن مِنًى، والِازْدِلافُ القُرْبُ. والثّانِي: أنَّ النّاسَ يَجْتَمِعُونَ فِيها، والِاجْتِماعُ الِازْدِلافُ. والثّالِثُ: أنَّهم يَزْدَلِفُونَ إلى اللَّهِ تَعالى أيْ يَتَقَرَّبُونَ بِالوُقُوفِ، ويُقالُ لِلْمُزْدَلِفَةِ: جَمْعٌ لِأنَّهُ يُجْمَعُ فِيها بَيْنَ صَلاةِ العِشاءِ والمَغْرِبِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقِيلَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اجْتَمَعَ فِيها مَعَ حَوّاءَ، وازْدَلَفَ إلَيْها أيْ دَنا مِنها، ثُمَّ إذا أتى الإمامُ المُزْدَلِفَةَ جَمَعَ المَغْرِبَ والعِشاءَ بِإقامَتَيْنِ، ثُمَّ يَبِيتُونَ بِها، فَإنْ لَمْ يَبِتْ بِها فَعَلَيْهِ دَمُ شاةٍ، فَإذا طَلَعَ الفَجْرُ صَلَّوْا صَلاةَ الصُّبْحِ بِغَلَسٍ، والتَّغْلِيسُ بِالفَجْرِ هَهُنا أشَدُّ اسْتِحْبابًا مِنهُ في غَيْرِها، وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإذا صَلَّوُا الصُّبْحَ أخَذُوا مِنها الحَصى لِلرَّمْيِ، يَأْخُذُ كُلُّ إنْسانٍ مِنها سَبْعِينَ حَصاةً، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إلى المَشْعَرِ الحَرامِ، وهو جَبَلٌ يُقالُ لَهُ قُزَحُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ وهَذا الجَبَلُ أقْصى المُزْدَلِفَةِ مِمّا يَلِي مِنًى، فَيَرْقى فَوْقَهُ إنْ أمْكَنَهُ، أوْ وقَفَ بِالقُرْبِ مِنهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، ويَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى يُهَلِّلُهُ ويُكَبِّرُهُ، ولا صفحة ١٥١ يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يُسْفِرَ جِدًّا، ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ويَكْفِي المُرُورُ كَما في عَرَفَةَ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ مِنهُ إلى وادِي مُحَسِّرٍ، فَإذا بَلَغُوا بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَيُسْتَحَبُّ لِمَن كانَ راكِبًا أنْ يُحَرِّكَ دابَّتَهُ، ومَن كانَ ماشِيًا أنْ يَسْعى سَعْيًا شَدِيدًا قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ، فَإذا أتَوْا مِنًى رَمَوْا جَمْرَةَ العَقَبَةِ مِن بَطْنِ الوادِي بِسَبْعِ حَصَياتٍ، ويَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذا ابْتَدَأ الرَّمْيَ، فَإذا رَمى جَمْرَةَ العَقَبَةِ ذَبَحَ الهَدْيَ إنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ وذَلِكَ سُنَّةٌ لَوْ تَرَكَهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما لا يَكُونُ مَعَهُ هَدْيٌ، ثُمَّ بَعْدَما ذَبَحَ الهَدْيَ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أوْ يُقَصِّرُ والتَّقْصِيرُ أنْ يَقْطَعَ أطْرافَ شُعُورِهِ، ثُمَّ بَعْدَ الحَلْقِ يَأْتِي مَكَّةَ ويَطُوفُ بِالبَيْتِ طَوافَ الإفاضَةِ، ويُصَلِّي رَكْعَتَيِ الطَّوافِ، ويَسْعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَعُودُونَ إلى مِنًى في بَقِيَّةِ يَوْمِ النَّحْرِ وعَلَيْهِمُ البَيْتُوتَةُ بِمِنًى لَيالِيَ التَّشْرِيقِ لِأجْلِ الرَّمْيِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ الرَّمْيُ والحَلْقُ والطَّوافُ فَقَدْ حَصَلَ التَّحَلُّلُ، والمُرادُ مِنَ التَّحَلُّلِ حِلُّ اللُّبْسِ والتَّقْلِيمِ والجِماعِ، فَهَذا هو الكَلامُ في أعْمالِ الحَجِّ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا قَدْ غَيَّرُوا مَناسِكَ الحَجِّ عَنْ سُنَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا وقَوْمًا آخَرِينَ سَمَّوْا أنْفُسَهم بِالحُمْسِ، وهم أهْلُ الشِّدَّةِ في دِينِهِمْ، والحَماسَةُ الشِّدَّةُ يُقالُ: رَجُلٌ أحْمُسُ وقَوْمٌ حُمْسٌ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ كانُوا لا يَقِفُونَ في عَرَفاتٍ، ويَقُولُونَ: لا نَخْرُجُ مِنَ الحَرَمِ ولا نَتْرُكُهُ في وقْتِ الطّاعَةِ وكانَ غَيْرُهم يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ والَّذِينَ كانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ يُفِيضُونَ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، والَّذِينَ يَقِفُونَ بِمُزْدَلِفَةَ يُفِيضُونَ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ويَقُولُونَ: أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ، ومَعْناهُ: أشْرِقْ يا ثَبِيرُ بِالشَّمْسِ كَيْما نَنْدَفِعُ مِن مُزْدَلِفَةَ فَيَدْخُلُونَ في غَوْرٍ مِنَ الأرْضِ، وهو المُنْخَفَضُ مِنها، وذَلِكَ أنَّهم جاوَزُوا المُزْدَلِفَةَ وصارُوا في غَوْرٍ مِنَ الأرْضِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُخالَفَةِ القَوْمِ في الدَّفْعَتَيْنِ، وأمَرَهُ بِأنْ يُفِيضَ مِن عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وبِأنْ يُفِيضَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، والآيَةُ لا دَلالَةَ فِيها عَلى ذَلِكَ، بَلِ السُّنَّةُ دَلَّتْ عَلى هَذِهِ الأحْكامِ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الصَّحِيحُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحُصُولَ بِعَرَفَةَ واجِبٌ في الحَجِّ، وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ عِنْدَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ، والإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ مَشْرُوطَةٌ بِالحُصُولِ في عَرَفاتٍ وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ وكانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ فَهو واجِبٌ فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الحُصُولَ في عَرَفاتٍ واجِبٌ في الحَجِّ، فَإذا لَمْ يَأْتِ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالحَجِّ المَأْمُورِ بِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ شَرْطًا. أقْصى ما في البابِ أنَّ الحَجَّ يَحْصُلُ عِنْدَ تَرْكِ بَعْضِ المَأْمُوراتِ إلّا أنَّ الأصْلَ ما ذَكَرْناهُ، وإنَّما يَعْدِلُ عَنْهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى أنَّ الوُقُوفَ شَرْطٌ، ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ واجِبٌ، إلّا أنَّهُ إنْ فاتَهُ ذَلِكَ قامَ الوُقُوفُ بِجَمِيعِ الحَرَمِ مَقامَهُ، وسائِرُ الفُقَهاءِ أنْكَرُوا ذَلِكَ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الحَجَّ لا يَحْصُلُ إلّا بِالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ يَدُلُّ أنَّ الحُصُولَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واجِبٌ ويَكْفِي فِيهِ المُرُورُ بِهِ كَما في عَرَفَةَ، فَأمّا الوُقُوفُ هُناكَ فَمَسْنُونٌ، ورُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ والنَّخَعِيِّ أنَّهُما قالا: الوُقُوفُ بِالمُزْدَلِفَةِ رُكْنٌ بِمَنزِلَةِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وحُجَّتُهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لا ذِكْرَ لَهُ صَرِيحًا في الكِتابِ، وإنَّما وجَبَ بِإشارَةِ الآيَةِ أوْ بِالسُّنَّةِ، والمَشْعَرُ الحَرامُ فِيهِ أمْرُ جَزْمٍ، وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: إنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: صفحة ١٥٢ «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَن وقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» وبِقَوْلِهِ: «مَن أدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، ومَن فاتَهُ عَرَفَةُ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ» قالُوا: وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى ما قُلْنا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ أمَرَ بِالذِّكْرِ لا بِالوُقُوفِ، فَعَلِمَ أنَّ الوُقُوفَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ تَبَعٌ لِلذِّكْرِ، ولَيْسَ بِأصْلٍ، وأمّا الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَهو أصْلٌ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ الذِّكْرِ بِعَرَفاتٍ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ﴿المَشْعَرِ﴾ المَعْلَمُ؛ وأصْلُهُ مِن قَوْلِكَ: شَعَرْتُ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمْتَهُ، ولَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ فُلانٌ، أيْ لَيْسَ عِلْمِي بَلَغَهُ وأحاطَ بِهِ، وشِعارُ الشَّيْءِ أعْلامُهُ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ المَوْضِعَ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ؛ لِأنَّهُ مَعْلَمٌ مِن مَعالِمِ الحَجِّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ قائِلُونَ: المَشْعَرُ الحَرامُ هو المُزْدَلِفَةُ، وسَمّاها اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ والمَقامَ والمَبِيتَ بِهِ والدُّعاءَ عِنْدَهُ، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأصَحُّ أنَّهُ قُزَحُ، وهو آخِرُ حَدِّ المُزْدَلِفَةِ. والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّكْرَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ يَحْصُلُ عَقِيبَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ، وما ذاكَ إلّا بِالبَيْتُوتَةِ بِالمُزْدَلِفَةِ. * * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اخْتَلَفُوا في الذِّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنهُ الجَمْعُ بَيْنَ صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ هُناكَ، والصَّلاةُ تُسَمّى ذِكْرًا؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ أمْرٌ وهو لِلْوُجُوبِ، ولا ذِكْرَ هُناكَ يَجِبُ إلّا هَذا، وأمّا الجُمْهُورُ فَقالُوا: المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ اللَّهِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّهْلِيلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ نَظَرَ إلى النّاسِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقالَ: كانَ النّاسُ إذا أدْرَكُوا هَذِهِ اللَّيْلَةَ لا يَنامُونَ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَمّا قالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ فَلِمَ قالَ مَرَّةً أُخْرى ﴿واذْكُرُوهُ﴾، وما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ لا قِياسِيَّةٌ، فَقَوْلُهُ أوَّلًا: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أمْرٌ بِالذِّكْرِ، وقَوْلُهُ ثانِيًا: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أمْرٌ لَنا بِأنْ نَذْكُرَهُ سُبْحانَهُ بِالأسْماءِ والصِّفاتِ الَّتِي بَيَّنَها لَنا وأمَرَنا أنْ نَذْكُرَهُ بِها، لا بِالأسْماءِ الَّتِي نَذْكُرُها بِحَسَبِ الرَّأْيِ والقِياسِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذِّكْرِ أوَّلًا، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أيْ وافْعَلُوا ما أمَرْناكم بِهِ مِنَ الذِّكْرِ كَما هَداكُمُ اللَّهُ لِدِينِ الإسْلامِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّما أمَرْتُكم بِهَذا الذِّكْرِ لِتَكُونُوا شاكِرِينَ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، ونَظِيرُهُ ما أمَرَهم بِهِ مِنَ التَّكْبِيرِ إذا أكْمَلُوا شَهْرَ رَمَضانَ، فَقالَ: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] وقالَ في الأضاحِيِّ: ﴿سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ . وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ أوَّلًا: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ أمَرَ بِالذِّكْرِ بِاللِّسانِ، وقَوْلَهُ ثانِيًا: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أمَرَ بِالذِّكْرِ بِالقَلْبِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الذِّكْرَ في كَلامِ العَرَبِ ضَرْبانِ: أحَدُهُما: ذِكْرٌ هو ضِدُّ النِّسْيانِ، والثّانِي: الذِّكْرُ بِالقَوْلِ، فَما هو خِلافُ النِّسْيانِ قَوْلُهُ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ [الكَهْفِ: ٦٣] وأمّا الذِّكْرُ الَّذِي هو القَوْلُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٠]، ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٣] فَثَبَتَ أنَّ الذِّكْرَ وارِدٌ بِالمَعْنَيَيْنِ. فالأوَّلُ: مَحْمُولٌ عَلى الذِّكْرِ بِاللِّسانِ. والثّانِي: عَلى الذِّكْرِ بِالقَلْبِ، فَإنَّ بِهِما يَحْصُلُ تَمامُ صفحة ١٥٣ العُبُودِيَّةِ. ورابِعُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ يَعْنِي اذْكُرُوهُ بِتَوْحِيدِهِ كَما ذَكَرَكم بِهِدايَتِهِ. وخامِسُها: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الذِّكْرِ مُواصَلَةَ الذِّكْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: اذْكُرُوا اللَّهَ واذْكُرُوهُ أيِ اذْكُرُوهُ ذِكْرًا بَعْدَ ذِكْرٍ، كَما هَداكم هِدايَةً بَعْدَ هِدايَةٍ، ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤١] . وسادِسُها: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى القِيامِ بِوَظائِفِ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ تَوْقِيفَ الذِّكْرِ عَلى المَشْعَرِ الحَرامِ فِيهِ إقامَةٌ لِوَظائِفِ الشَّرِيعَةِ، فَإذا عَرَفْتَ هَذا قَرُبْتَ إلى مَراتِبِ الحَقِيقَةِ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ قَلْبُكَ عَنِ المَشْعَرِ الحَرامِ، بَلْ عَنْ مَن سِواهُ؛ فَيَصِيرَ مُسْتَغْرِقًا في نُورِ جَلالِهِ وصَمَدِيَّتِهِ، ويَذْكُرَهُ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ لِهَذا الذِّكْرِ، ولِأنَّ هَذا الذِّكْرَ يُعْطِيكَ نِسْبَةً شَرِيفَةً إلَيْهِ بِكَوْنِكَ في هَذِهِ الحالَةِ تَكُونُ في مَقامِ العُرُوجِ ذاكِرًا لَهُ ومُشْتَغِلًا بِالثَّناءِ عَلَيْهِ، وإنَّما بَدَأ بِالأوَّلِ وثَنّى بِالثّانِي لِأنَّ العَبْدَ في هَذِهِ الحالَةِ يَكُونُ في مَقامِ العُرُوجِ، فَيَصْعَدُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، وهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ لا يَشْرَحُهُ المَقالُ ولا يُعَبِّرُ عَنْهُ الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ، فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ. وسابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأوَّلِ هو ذِكْرَ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ الحُسْنى، والمُرادُ بِالذِّكْرِ الثّانِي الِاشْتِغالُ بِشُكْرِ نَعْمائِهِ، والشُّكْرُ مُشْتَمِلٌ أيْضًا عَلى الذِّكْرِ، فَصَحَّ أنْ يُسَمِّيَ الشُّكْرَ ذِكْرًا، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الذِّكْرَ الثّانِيَ هو الشُّكْرُ أنَّهُ عَلَّقَهُ بِالهِدايَةِ، فَقالَ: ﴿كَما هَداكُمْ﴾ والذِّكْرُ المُرَتَّبُ عَلى النِّعْمَةِ لَيْسَ إلّا الشُّكْرَ. وثامِنُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ جازَ أنْ يُظَنَّ أنَّ الذِّكْرَ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ البُقْعَةِ وبِهَذِهِ العِبادَةِ، يَعْنِي الحَجَّ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشُّبْهَةَ فَقالَ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ يَعْنِي اذْكُرُوهُ عَلى كُلِّ حالٍ، وفي كُلِّ مَكانٍ، لِأنَّ هَذا الذِّكْرَ إنَّما وجَبَ شُكْرًا عَلى هِدايَتِهِ، فَلَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الهِدايَةِ مُتَواصِلَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، فَكَذَلِكَ الشُّكْرُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَمِرًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ. وتاسِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ المُرادُ مِنهُ الجَمْعُ بَيْنَ صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ هُناكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّهْلِيلُ والتَّسْبِيحُ. السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما هَداكُمْ﴾ ؟ الجَوابُ: مِنهم مَن قالَ: إنَّها خاصَّةٌ، والمُرادُ مِنهُ كَما هَداكم بِأنْ رَدَّكم في مَناسِكِ حَجِّكم إلى سُنَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهم مَن قالَ: لا بَلْ هي عامَّةٌ مُتَناوِلَةٌ لِكُلِّ أنْواعِ الهِدايَةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْرِفَةِ مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وشَرائِعِهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ الجَوابُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى ”الهُدى“ والتَّقْدِيرُ: وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِ أنْ هَداكم مِنَ الضّالِّينَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرُوهُ كَما هَداكم بِكِتابِهِ الَّذِي بَيَّنَ لَكم مَعالِمَ دِينِهِ، وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِ إنْزالِهِ عَلَيْكم مِنَ الضّالِّينَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ فَقالَ القَفّالُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: فِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: وما كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ إلّا الضّالِّينَ، والثّانِي: قَدْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ مِنَ الضّالِّينَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطّارِقِ: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٨٦] .

البقرة 2:199

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ بِهِ الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا فالأكْثَرُونَ مِنهم ذَهَبُوا إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أمْرٌ لِقُرَيْشٍ وحُلَفائِها وهُمُ الحُمْسُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لا يَتَجاوَزُونَ المُزْدَلِفَةَ ويَحْتَجُّونَ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَرَمَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الوُقُوفُ بِهِ أوْلى. وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَتَرَفَّعُونَ عَلى النّاسِ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ اللَّهِ فَلا نُحِلُّ حَرَمَ اللَّهِ. وثالِثُها: أنَّهم كانُوا لَوْ سَلَّمُوا أنَّ المَوْقِفَ هو عَرَفاتٌ لا الحَرَمُ، لَكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ نَقْصًا في الحَرَمِ، ثُمَّ ذَلِكَ النَّقْصُ كانَ يَعُودُ إلَيْهِمْ، ولِهَذا كانَ الحُمْسُ لا يَقِفُونَ إلّا في المُزْدَلِفَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ أمْرًا لَهم بِأنْ يَقِفُوا في عَرَفاتٍ، وأنْ يُفِيضُوا مِنها كَما تَفْعَلُهُ سائِرُ النّاسِ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا جَعَلَ أبا بَكْرٍ أمِيرًا في الحَجِّ أمَرَهُ بِإخْراجِ النّاسِ إلى عَرَفاتٍ، فَلَمّا ذَهَبَ مَرَّ عَلى الحُمْسِ وتَرَكَهم، فَقالُوا لَهُ: إلى أيْنَ وهَذا مَقامُ آبائِكَ وقَوْمِكَ فَلا تَذْهَبْ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ومَضى بِأمْرِ اللَّهِ إلى عَرَفاتٍ ووَقَفَ بِها، وأمَرَ سائِرَ النّاسِ بِالوُقُوفِ بِها»، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ يَعْنِي لِتَكُنْ إفاضَتُكم مِن حَيْثُ أفاضَ سائِرُ النّاسِ الَّذِينَ هم واقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ مَن يَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ أمْرٌ عامٌّ لِكُلِّ النّاسِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ المُرادُ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ سُنَّتَهُما كانَتِ الإفاضَةَ مِن عَرَفاتٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقِفُ في الجاهِلِيَّةِ بِعَرَفَةَ كَسائِرِ النّاسِ، ويُخالِفُ الحُمْسَ»، وإيقاعُ اسْمِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ جائِزٌ إذا كانَ رَئِيسًا يُقْتَدى بِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] يَعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] يَعْنِي أبا سُفْيانَ، وإيقاعُ اسْمِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ المُعَظَّمِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١] وفي الآيَةِ وجْهٌ ثالِثٌ ذَكَرَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ عِبارَةً عَنْ تَقادُمِ الإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ، وأنَّهُ هو الأمْرُ القَدِيمُ، وما سِواهُ فَهو مُبْتَدَعٌ مُحْدَثٌ كَما يُقالُ: هَذا مِمّا فَعَلَهُ النّاسُ قَدِيمًا، فَهَذا جُمْلَةُ الوُجُوهِ في تَقْرِيرِ مَذْهَبِ مَن قالَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الضَّحّاكِ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الإفاضَةُ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلرَّمْيِ والنَّحْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ﴾ المُرادُ بِالنّاسِ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ وأتْباعُهُما، وذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ طَرِيقَتُهُمُ الإفاضَةَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والعَرَبُ الَّذِينَ كانُوا واقِفِينَ بِالمُزْدَلِفَةِ كانُوا يُفِيضُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فاللَّهُ تَعالى أمَرَهم بِأنْ تَكُونَ إفاضَتُهم مِنَ المُزْدَلِفَةِ في الوَقْتِ الَّذِي كانَ يَحْصُلُ فِيهِ إفاضَةُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، واعْلَمْ أنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ إشْكالًا: أمّا الإشْكالُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فَهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ هَذِهِ الإفاضَةَ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ لِمَكانِ ﴿ثُمَّ﴾ فَإنَّها تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الإفاضَةَ مِن عَرَفاتٍ، مَعَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ صفحة ١٥٥ كانَ هَذا عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، ولِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ، ثُمَّ أفِيضُوا مِن عَرَفاتٍ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فاتَّقَوْنِ يا أُولِي الألْبابِ، ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم، فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ يَصِحُّ في هَذِهِ الإفاضَةِ أنْ تَكُونَ تِلْكَ بِعَيْنِها. قُلْنا: هَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا إلّا أنَّ الأصْلَ عَدَمُهُ، وإذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى القَوْلِ الثّانِي مِن غَيْرِ التِزامٍ إلى ما ذَكَرْتُمْ فَأيُّ حاجَةٍ بِنا إلى التِزامِهِ ؟ وأمّا الإشْكالُ عَلى القَوْلِ الثّانِي: فَهو أنَّ القَوْلَ لا يَتَمَشّى إلّا إذا حَمَلْنا لَفْظَ ﴿مِن حَيْثُ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ عَلى الزَّمانِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَإنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمَكانِ لا بِالزَّمانِ. أجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ بِأنَّ ﴿ثُمَّ﴾ هَهُنا عَلى مِثالِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البَلَدِ: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البَلَدِ: ١٧] أيْ كانَ مَعَ هَذا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ويَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: قَدْ أعْطَيْتُكَ اليَوْمَ كَذا وكَذا، ثُمَّ أعْطَيْتُكَ أمْسِ كَذا فَإنَّ فائِدَةَ كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ هَهُنا تَأخُّرُ أحَدِ الخَبَرَيْنِ عَنِ الآخَرِ، لا تَأخُّرُ هَذا المُخْبَرِ عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ المُخْبَرِ عَنْهُ. وأجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي: بِأنَّ التَّوْقِيتَ بِالزَّمانِ والمَكانِ يَتَشابَهانِ جِدًّا فَلا يَبْعُدُ جَعْلُ اللَّفْظِ المُسْتَعْمَلِ في أحَدِهِما مُسْتَعْمَلًا في الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ مِنَ ”النّاسِ“ إمّا الواقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، وإمّا إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ وأتْباعُهُما، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: إنَّ المُرادَ بِالنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بِقِراءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ”ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ“ وقالَ: هو آدَمُ نَسِيَ ما عُهِدَ إلَيْهِ، ويُرْوى أنَّهُ قَرَأ ”النّاسِ“ بِكَسْرِ السِّينِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ، والمَعْنى: أنَّ الإفاضَةَ مِنعَرَفاتٍ شَرْعٌ قَدِيمٌ فَلا تَتْرُكُوهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ مَعَ التَّوْبَةِ بِالقَلْبِ، وهو أنْ يَنْدَمَ عَلى كُلِّ تَقْصِيرٍ مِنهُ في طاعَةِ اللَّهِ، ويَعْزِمَ عَلى أنْ لا يُقَصِّرَ فِيما بَعْدُ، ويَكُونَ غَرَضُهُ في ذَلِكَ تَحْصِيلَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى لا لِمَنافِعِهِ العاجِلَةِ، كَما أنَّ ذِكْرَ الشَّهادَتَيْنِ لا يَنْفَعُ إلّا والقَلْبُ حاضِرٌ مُسْتَقِرٌّ عَلى مَعْناهُما، وأمّا الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ حُصُولِ التَّوْبَةِ بِالقَلْبِ فَهو إلى الضَّرَرِ أقْرَبُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَ بِالِاسْتِغْفارِ مُطْلَقًا، ورُبَّما كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ يُذْنِبْ فَحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِغْفارِ. والجَوابُ: أنَّهُ إنْ كانَ مُذْنِبًا فالِاسْتِغْفارُ واجِبٌ، وإنْ لَمْ يُذْنِبْ إلّا أنَّهُ يَجُوزُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ قَدْ صَدَرَ عَنْهُ تَقْصِيرٌ في أداءِ الواجِباتِ، والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ، وجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِغْفارُ أيْضًا تَدارُكًا لِذَلِكَ الخَلَلِ المُجَوَّزِ، وإنْ قَطَعَ بِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ألْبَتَّةَ خَلَلٌ في شَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ، فَهَذا كالمُمْتَنِعِ في حَقِّ البَشَرِ، فَمِن أيْنَ يُمْكِنُهُ هَذا القَطْعُ في عَمَلٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ في أعْمالِ كُلِّ العُمُرِ، إلّا أنَّ بِتَقْدِيرِ إمْكانِهِ فالِاسْتِغْفارُ أيْضًا صفحة ١٥٦ واجِبٌ، وذَلِكَ لِأنَّ طاعَةَ المَخْلُوقِ لا تَلِيقُ بِحَضْرَةِ الخالِقِ، ولِهَذا قالَتِ المَلائِكَةُ: سُبْحانَكَ ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ، فَكانَ الِاسْتِغْفارُ لازِمًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي، وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً» “ . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ غَفُورًا يُفِيدُ المُبالَغَةَ، وكَذا الرَّحِيمُ، ثُمَّ في الآيَةِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنَ التّائِبِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُذْنِبَ بِالِاسْتِغْفارِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَثِيرُ الغُفْرانِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ فَهَذا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لِذَلِكَ المُسْتَغْفِرِ، ويَرْحَمُ ذَلِكَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِحَبْلِ رَحْمَتِهِ وكَرَمِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المَغْفِرَةِ المَوْعُودَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ قائِلُونَ: إنَّها عِنْدَ الدَّفْعِ مِنعَرَفاتٍ إلى الجَمْعِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها عِنْدَ الدَّفْعِ مِنَ الجَمْعِ إلى مِنًى، وهَذا الِاخْتِلافُ مُفَرَّعٌ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ عَلى أيِّ الأمْرَيْنِ يُحْمَلُ ؟ قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويَتَأكَّدُ القَوْلُ الثّانِي بِما رَوى نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَطَّلِعُ عَلَيْكم في مَقامِكم هَذا، فَقَبِلَ مِن مُحْسِنِكم، ووَهَبَ مُسِيئَكم لِمُحْسِنِكم، والتَّبِعاتُ عِوَضُها مِن عِنْدِهِ؛ أفِيضُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ“ فَقالَ أصْحابُهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَضْتَ بِنا بِالأمْسِ كَئِيبًا حَزِينًا وأفَضْتَ بِنا اليَوْمَ فَرِحًا مَسْرُورًا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنِّي سَألْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ بِالأمْسِ شَيْئًا لَمْ يَجُدْ لِي بِهِ: سَألْتُهُ التَّبِعاتِ فَأبى عَلَيَّ بِهِ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ لَكَ: التَّبِعاتُ ضَمَنتُ عِوَضَها مِن عِنْدِي» “ اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أهْلِهِ بِفَضْلِكَ يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ.

البقرة 2:200

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ العَرَبَ كانُوا عِنْدَ الفَراغِ مِن حَجَّتِهِمْ بَعْدَ أيّامِ التَّشْرِيقِ يَقِفُونَ بَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى وبَيْنَ الجَبَلِ، ويَذْكُرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَضائِلَ آبائِهِ في السَّماحَةِ والحَماسَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، ويَتَناشَدُونَ فِيها الأشْعارَ، ويَتَكَلَّمُونَ بِالمَنثُورِ مِنَ الكَلامِ، ويُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن ذَلِكَ الفِعْلِ حُصُولَ الشُّهْرَةِ والتَّرَفُّعَ بِمَآثِرِ سَلَفِهِ، فَلَمّا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ أمَرَهم أنْ يَكُونَ ذِكْرُهم لِرَبِّهِمْ كَذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ، ورَوى القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «طافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى راحِلَتِهِ القُصْوى يَوْمَ الفَتْحِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ”أمّا بَعْدُ، أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أذْهَبَ عَنْكم حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وتَفَكُّكَها، يا أيُّها النّاسُ إنَّما النّاسُ رَجُلانِ؛ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، أوْ فاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ تَلا ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحُجُراتِ: ١٣]، أقُولُ قَوْلِي هَذا وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكم» “ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ العَرَبَ بِمِنًى بَعْدَ فَراغِهِمْ مِنَ الحَجِّ كانَ أحَدُهم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، عَظِيمَ القَدْرِ، كَثِيرَ المالِ، فَأعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. * * * صفحة ١٥٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَضاءَ إذا عُلِّقَ بِفِعْلِ النَّفْسِ، فالمُرادُ بِهِ الإتْمامُ والفَراغُ، وإذا عُلِّقَ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ فالمُرادُ بِهِ الإلْزامُ، نَظِيرُ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فُصِّلَتَ: ١٢]، ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وما فاتَكم فاقْضُوا» “ ويُقالُ في الحاكِمِ عِنْدَ فَصْلِ الخُصُومَةِ قَضى بَيْنَهُما. ونَظِيرُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسْراءِ: ٢٣] وإذا اسْتُعْمِلَ في الإعْلامِ، فالمُرادُ أيْضًا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسْراءِ: ٤] يَعْنِي أعْلَمْناهم. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ لا يَحْتَمِلُ إلّا الفَراغَ مِن جَمِيعِهِ خُصُوصًا، وذِكْرُ كَثِيرٍ مِنهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهم: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَناسِكِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن هَذا الذِّكْرِ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الدُّعاءِ بِعَرَفاتٍ والمَشْعَرِ الحَرامِ، والطَّوافِ، والسَّعْيِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَطُفْ وقِفْ بِعَرَفَةَ، ولا يَعْنِي بِهِ الفَراغَ مِنَ الحَجِّ بَلِ الدُّخُولَ فِيهِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ مُشْعِرٌ بِالفَراغِ والإتْمامِ مِنَ الكُلِّ، وهَذا مُفارِقٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَقِفْ بِعَرَفاتٍ، لِأنَّ مُرادَهُ هُناكَ الدُّخُولُ في الحَجِّ لا الفَراغُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها إلّا الفَراغَ مِنَ الحَجِّ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”المَناسِكُ“ جَمْعُ مَنسَكٍ، الَّذِي هو المَصْدَرُ بِمَنزِلَةِ النُّسُكِ، أيْ إذا قَضَيْتُمْ عِباداتِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها في الحَجِّ، وإنْ جَعَلْتَها جَمْعَ مَنسَكٍ الَّذِي هو مَوْضِعُ العِبادَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ: فَإذا قَضَيْتُمْ أعْمالَ مَناسِكِكم، فَيَكُونُ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنَ المَناسِكِ هَهُنا ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ النّاسَ في الحَجِّ مِنَ العِباداتِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَضاءَ المَناسِكِ هو إراقَةُ الدِّماءِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَراغَ مِنَ المَناسِكِ يُوجِبُ هَذا الذِّكْرَ، فَلِهَذا اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذِّكْرَ أيُّ ذِكْرٍ هو ؟ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الذِّكْرِ عَلى الذَّبِيحَةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو التَّكْبِيراتُ بَعْدَ الصَّلاةِ في يَوْمِ النَّحْرِ وأيّامِ التَّشْرِيقِ، عَلى حَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في وقْتِهِ أوَّلًا وآخِرًا؛ لِأنَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحَجِّ لا ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ إلّا هَذِهِ التَّكْبِيراتُ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ تَحْوِيلُ القَوْمِ عَمّا اعْتادُوهُ بَعْدَ الحَجِّ مِن ذِكْرِ التَّفاخُرِ بِأحْوالِ الآباءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ بِإنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُونُوا لِيَعْدِلُوا عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الذَّمِيمَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَإذا قَضَيْتُمْ وفَرَغْتُمْ مِن واجِباتِ الحَجِّ وحَلَلْتُمْ، فَتَوَفَّرُوا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ دُونَ ذِكْرِ الآباءِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّ الفَراغَ مِنَ الحَجِّ يُوجِبُ الإقْبالَ عَلى الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِن تَحَمَّلَ مُفارَقَةَ الأهْلِ والوَطَنِ وإنْفاقَ الأمْوالِ، والتِزامَ المَشاقِّ في سَفَرِ الحَجِّ فَحَقِيقٌ بِهِ بَعْدَ الفَراغِ مِنهُ أنْ يُقْبِلَ عَلى الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ وكَثْرَةِ الِاسْتِغْفارِ والِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا جَرَتِ السُّنَّةُ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الصَّلاةِ بِالدَّعَواتِ الكَثِيرَةِ. وفِيهِ وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهَذِهِ العِبادَةِ: قَهْرُ النَّفْسِ ومَحْوُ آثارِ النَّفْسِ والطَّبِيعَةِ، ثُمَّ هَذا العَزْمُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ أنْ تَزُولَ النُّقُوشُ الباطِلَةُ عَنْ لَوْحِ الرُّوحِ حَتّى يَتَجَلّى فِيهِ نُورُ جَلالِ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم وأزَلْتُمْ آثارَ البَشَرِيَّةِ، وأمَطْتُمُ الأذى عَنْ طَرِيقِ السُّلُوكِ فاشْتَغِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِتَنْوِيرِ القَلْبِ بِذِكْرِ اللَّهِ، فالأوَّلُ نَفْيٌ، والثّانِي إثْباتٌ، والأوَّلُ إزالَةُ ما دُونَ الحَقِّ مِن سُنَنِ الآثارِ، والثّانِي اسْتِنارَةُ القَلْبِ بِذِكْرِ المَلِكِ الجَبّارِ. * * * صفحة ١٥٨ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنّا ذَكَرْنا أنَّ القَوْمَ كانُوا بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحَجِّ يُبالِغُونَ في الثَّناءِ عَلى آبائِهِمْ في ذِكْرِ مَناقِبِهِمْ وفَضائِلِهِمْ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ يَعْنِي تَوَفَّرُوا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ كَما كُنْتُمْ تَتَوَفَّرُونَ عَلى ذِكْرِ الآباءِ، وابْذُلُوا جُهْدَكم في الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وشَرْحِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ كَما بَذَلْتُمْ جُهْدَكم في الثَّناءِ عَلى آبائِكم؛ لِأنَّ هَذا أوْلى وأقْرَبُ إلى العَقْلِ مِنَ الثَّناءِ عَلى الآباءِ، فَإنَّ ذِكْرَ مَفاخِرِ الآباءِ إنْ كانَ كَذِبًا فَذَلِكَ يُوجِبُ الدَّناءَةَ في الدُّنْيا والعُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وإنْ كانَ صِدْقًا فَذَلِكَ يُوجِبُ العُجْبَ والكِبْرَ وكَثْرَةَ الغُرُورِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أُمَّهاتِ المُهْلِكاتِ، فَثَبَتَ أنَّ اشْتِغالَكم بِذِكْرِ اللَّهِ أوْلى مِنِ اشْتِغالِكم بِمَفاخِرِ آبائِكم، فَإنْ لَمْ تَحْصُلِ الأوْلَوِيَّةُ فَلا أقَلَّ مِنَ التَّساوِي. وثانِيها: قالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ: اذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم وأُمَّهاتَكم، واكْتَفى بِذِكْرِ الآباءِ عَنِ الأُمَّهاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ: ٨١] قالُوا: وهو قَوْلُ الصَّبِيِّ أوَّلَ ما يُفْصِحُ الكَلامَ أبَهْ أبَهْ، أمَّهْ أمَّهْ، أيْ كُونُوا مُواظِبِينَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ كَما يَكُونُ الصَّبِيُّ في صِغَرِهِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ أبِيهِ وأُمِّهِ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: جَرى ذِكْرُ الآباءِ مَثَلًا لِدَوامِ الذِّكْرِ، والمَعْنى أنَّ الرَّجُلَ كَما لا يَنْسى ذِكْرَ أبِيهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ لا يَغْفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. ورابِعُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ العَرَبَ كانَ أكْثَرُ أقْسامِها في الجاهِلِيَّةِ بِالآباءِ، كَقَوْلِهِ: وأبِي، وأبِيكم، وجَدِّي، وجَدِّكم، فَقالَ تَعالى: عَظِّمُوا اللَّهَ كَتَعْظِيمِكم آباءَكم. وخامِسُها: قالَ بَعْضُ المَذْكُورِينَ: المَعْنى اذْكُرُوا اللَّهَ بِالوَحْدانِيَّةِ كَذِكْرِكم آباءَكم بِالوَحْدانِيَّةِ، فَإنَّ الواحِدَ مِنهم لَوْ نُسِبَ إلى والِدَيْنِ لَتَأذّى واسْتَنْكَفَ مِنهُ، ثُمَّ كانَ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ آلِهَةً، فَقِيلَ لَهم: اذْكُرُوا اللَّهَ بِالوَحْدانِيَّةِ كَذِكْرِكم آباءَكم بِالوَحْدانِيَّةِ، بَلِ المُبالَغَةُ في التَّوْحِيدِ هَهُنا أوْلى مِن هُناكَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ . وسادِسُها: أنَّ الطِّفْلَ كَما يَرْجِعُ إلى أبِيهِ في طَلَبِ جَمِيعِ المُهِمّاتِ ويَكُونُ ذاكِرًا لَهُ بِالتَّعْظِيمِ، فَكُونُوا أنْتُمْ في ذِكْرِ اللَّهِ كَذَلِكَ. وسابِعُها: يَحْتَمِلُ أنَّهم كانُوا يَذْكُرُونَ آباءَهم لِيَتَوَسَّلُوا بِذِكْرِهِمْ إلى إجابَةِ الدُّعاءِ عِنْدَ اللَّهِ، فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ آباءَهم لَيْسُوا في هَذِهِ الدَّرَجَةِ، إذْ أفْعالُهُمُ الحَسَنَةُ صارَتْ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ، وأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ تَعْدِيدَ آلاءِ اللَّهِ ونَعْمائِهِ، وتَكْثِيرَ الثَّناءِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى تَواتُرِ النِّعَمِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أنْ يَحْلِفُوا بِآبائِهِمْ فَقالَ: ”«مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أوْ لِيَصْمُتْ» “ إذا كانَ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّما هو لِلَّهِ وبِاللَّهِ، فالأوْلى تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعالى ولا إلَهَ غَيْرَهُ. وثامِنُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: هو أنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إذا عُصِيَ أشَدَّ مِن غَضَبِكَ لِوالِدِكَ إذا ذُكِرَ بِسُوءٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ وإنْ كانَتْ مُحْتَمَلَةً إلّا أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ هو المُتَعَيَّنُ وجَمِيعُ الوُجُوهِ مُشْتَرِكَةٌ في شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ يَجِبُ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ دائِمَ الذِّكْرِ لِرَبِّهِ دائِمَ التَّعْظِيمِ لَهُ دائِمَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ في طَلَبِ مُهِمّاتِهِ دائِمَ الِانْقِطاعِ عَمَّنْ سِواهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا بِهَذِهِ الصِّفَةِ يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: عامِلُ الإعْرابِ في ﴿أشَدَّ﴾ قِيلَ: الكافُ، فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ جَرًّا، وقِيلَ: ”اذْكُرُوا“ فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ نَصْبًا، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا اللَّهَ مِثْلَ ذِكْرِكم آباءَكم، واذْكُرُوهُ ”أشَدَّ ذِكْرًا“ مِن آبائِكم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ مَعْناهُ: بَلْ أشَدُّ ذِكْرًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَفاخِرَ آبائِهِمْ كانَتْ قَلِيلَةً، أمّا صِفاتُ الكَمالِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَهي غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ اشْتِغالُهم بِذِكْرِ صِفاتِ الكَمالِ في حَقِّ اللَّهِ صفحة ١٥٩ تَعالى أشَدَّ مِنِ اشْتِغالِهِمْ بِذِكْرِ مَفاخِرِ آبائِهِمْ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومَجازُ اللُّغَةِ في مِثْلِ هَذا مَعْرُوفٌ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ هَذا إلى شَهْرٍ أوْ أسْرَعَ مِنهُ، لا يُرِيدُ بِهِ التَّشْكِيكَ، إنَّما يُرِيدُ بِهِ النَّقْلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أقْرَبُ مِنهُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أوَّلًا تَفْصِيلَ مَناسِكِ الحَجِّ، ثُمَّ أمَرَ بَعْدَها بِالذِّكْرِ، فَقالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأوْلى أنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ غَيْرِهِ، وأنْ يُقْتَصُرَ عَلى ذِكْرِهِ، فَقالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ الذِّكْرِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ فَقالَ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، فَإنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ العِبادَةِ لِكَسْرِ النَّفْسِ وإزالَةِ ظُلُماتِها، ثُمَّ بَعْدَ العِبادَةِ لا بُدَّ مِنَ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لِتَنْوِيرِ القَلْبِ، وتَجَلِّي نُورِ جَلالِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَشْتَغِلُ الرَّجُلُ بِالدُّعاءِ فَإنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَكْمُلُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِالذِّكْرِ كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قَدَّمَ الذِّكْرَ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨] ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] فَقَدَّمَ الذِّكْرَ عَلى الدُّعاءِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ اللَّهَ فَرِيقانِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ دُعاؤُهم مَقْصُورًا عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، والثّانِي: الَّذِينَ يَجْمَعُونَ في الدُّعاءِ بَيْنَ طَلَبِ الدُّنْيا وطَلَبِ الآخِرَةِ، وقَدْ كانَ في التَّقْسِيمِ قِسْمٌ ثالِثٌ، وهو مَن يَكُونُ دُعاؤُهُ مَقْصُورًا عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القِسْمَ هَلْ هو مَشْرُوعٌ أوْ لا ؟ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مُحْتاجًا ضَعِيفًا لا طاقَةَ لَهُ بِآلامِ الدُّنْيا ولا بِمَشاقِّ الآخِرَةِ، فالأوْلى لَهُ أنْ يَسْتَعِيذَ بِرَبِّهِ مِن كُلِّ شُرُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، رَوى القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «دَخَلَ عَلى رَجُلٍ يَعُودُهُ وقَدْ أنْهَكَهُ المَرَضُ، فَقالَ: ما كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِهِ قَبْلَ هَذا قالَ: كُنْتُ أقُولُ: اللَّهُمَّ ما كُنْتَ تُعاقِبُنِي بِهِ في الآخِرَةِ فَعَجِّلْ بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”سُبْحانَ اللَّهِ إنَّكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ؛ ألا قَلْتَ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾“ قالَ فَدَعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَشُفِيَ» . واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ سَلَّطَ الألَمَ عَلى عِرْقٍ واحِدٍ في البَدَنِ، أوْ عَلى مَنبَتِ شَعْرَةٍ واحِدَةٍ، لَشَوَّشَ الأمْرَ صفحة ١٦٠ عَلى الإنْسانِ وصارَ بِسَبَبِهِ مَحْرُومًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِهِ، فَمَن ذا الَّذِي يَسْتَغْنِي عَنْ إمْدادِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى في أُولاهُ وعُقْباهُ، فَثَبَتَ أنَّ الِاقْتِصارَ في الدُّعاءِ عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ غَيْرُ جائِزٍ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ ذَكَرَ القِسْمَيْنِ، وأهْمَلَ هَذا القِسْمَ الثّالِثَ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم يَقْتَصِرُونَ في الدُّعاءِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا مَن هم ؟ فَقالَ قَوْمٌ: هُمُ الكُفّارُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إذا وقَفُوا: اللَّهُمَّ ارْزُقْنا إبِلًا وبَقَرًا وغَنَمًا وعَبِيدًا وإماءً، وما كانُوا يَطْلُبُونَ التَّوْبَةَ والمَغْفِرَةَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والمَعادِ، وعَنْ أنَسٍ كانُوا يَقُولُونَ: اسْقِنا المَطَرَ وأعْطِنا عَلى عَدُوِّنا الظَّفَرَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن كانَ مِن هَذا الفَرِيقِ فَلا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ، أيْ لا نَصِيبَ لَهُ فِيها مِن كَرامَةٍ ونَعِيمٍ وثَوابٍ، نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ أبِي عَلِيٍّ الدَّقّاقِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: أهْلُ النّارِ يَسْتَغِيثُونَ ثُمَّ يَقُولُونَ: أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ، أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا، طَلَبًا لِلْمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، فَلَمّا غَلَبَتْهم شَهَواتُهُمُ افْتُضِحُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هَؤُلاءِ قَدْ يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّهم يَسْألُونَ اللَّهَ لِدُنْياهم، لا لَأُخْراهم ويَكُونُ سُؤالُهم هَذا مِن جُمْلَةِ الذُّنُوبِ حَيْثُ سَألُوا اللَّهَ تَعالى في أعْظَمِ المَواقِفِ، وأشْرَفِ المَشاهِدِ حُطامَ الدُّنْيا وعَرَضَها الفانِيَ، مُعْرِضِينَ عَنْ سُؤالِ النَّعِيمِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وقَدْ يُقالُ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ إنَّهُ لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُسْلِمًا، كَما رُوِيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٧] أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أخَذَ مالًا بِيَمِينٍ فاجِرَةٍ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ”«إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذا الدِّينَ بِأقْوامٍ لا خَلاقَ لَهم» “ ثُمَّ مَعْنى ذَلِكَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ إلّا أنْ يَتُوبَ. والثّانِي: لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّالِثُ: لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ كَخَلاقِ مَن سَألَ اللَّهَ لِآخِرَتِهِ، وكَذَلِكَ لا خَلاقَ لِمَن أخَذَ مالًا بِيَمِينٍ فاجِرَةٍ كَخَلاقِ مَن تَوَرَّعَ عَنْ ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ حُذِفَ مَفْعُولُ ”آتِنا“ مِنَ الكَلامِ لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ، واعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ ثَلاثٌ: رُوحانِيَّةٌ، وبَدَنِيَّةٌ، وخارِجِيَّةٌ. أمّا الرُّوحانِيَّةُ فاثْنانِ: تَكْمِيلُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالعِلْمِ، وتَكْمِيلُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ، وأمّا البَدَنِيَّةُ فاثْنانِ: الصِّحَّةُ والجَمالُ، وأمّا الخارِجِيَّةُ فاثْنانِ: المالُ، والجاهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿آتِنا في الدُّنْيا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ فَإنَّ العِلْمَ إذا كانَ يُرادُ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ في الدُّنْيا والتَّرَفُّعِ بِهِ عَلى الأقْرانِ كانَ مِنَ الدُّنْيا، والأخْلاقُ الفاضِلَةُ إذا كانَتْ تُرادُ لِلرِّياسَةِ في الدُّنْيا وضَبْطِ مَصالِحِها كانَتْ مِنَ الدُّنْيا، وكُلُّ مَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ والمَعادِ فَإنَّهُ لا يَطْلُبُ فَضِيلَةً لا رُوحانِيَّةً ولا جُسْمانِيَّةً إلّا لِأجْلِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ تَعالى في حَقِّ هَذا الفَرِيقِ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ أيْ لَيْسَ لَهُ نَصِيبٌ في نَعِيمِ الآخِرَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشُّورى: ٢٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي طَلَبَهُ في الدُّنْيا هَلْ أُجِيبُ لَهُ أمْ لا ؟ قالَ بَعْضُهم: إنَّ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ لَيْسَ بِأهْلٍ لِلْإجابَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الإنْسانِ مُجابَ الدَّعْوَةِ صِفَةُ مَدْحٍ، فَلا تَثْبُتُ إلّا لِمَن كانَ ولِيًّا لِلَّهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْكَرامَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِبْ فَإنَّهُ ما دامَ مُكَلَّفًا حَيًّا فاللَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ رِزْقَهُ عَلى ما قالَ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هُودٍ: ٦] وقالَ آخَرُونَ: إنَّ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ قَدْ يَكُونُ مُجابًا، لَكِنَّ تِلْكَ الإجابَةَ قَدْ تَكُونُ مَكْرًا واسْتِدْراجًا. * * * صفحة ١٦١ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فالمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا عِبارَةٌ عَنِ الصِّحَّةِ، والأمْنِ، والكِفايَةِ والوَلَدِ الصّالِحِ، والزَّوْجَةِ الصّالِحَةِ، والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى الخِصْبَ والسَّعَةَ في الرِّزْقِ، وما أشْبَهَهُ ”حَسَنَةً“ فَقالَ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٠] وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٢] أنَّهُما الظَّفَرُ والنُّصْرَةُ والشَّهادَةُ، وأمّا الحَسَنَةُ في الآخِرَةِ فَهي الفَوْزُ بِالثَّوابِ، والخَلاصُ مِنَ العِقابِ، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ مَطالِبِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثابِتٍ أنَّهم قالُوا لِأنَسٍ: ادْعُ لَنا، فَقالَ: ”اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ“ قالُوا: زِدْنا فَأعادَها قالُوا: زِدْنا قالَ: ما تُرِيدُونَ ؟ قَدْ سَألْتُ لَكم خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ولَقَدْ صَدَقَ أنَسٌ فَإنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ دارٌ سِوى الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإذا سَألَ حَسَنَةَ الدُّنْيا وحَسَنَةَ الآخِرَةِ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ سِواهُ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ في الدُّنْيا العَمَلُ النّافِعُ وهو الإيمانُ والطّاعَةُ، والحَسَنَةُ في الآخِرَةِ اللَّذَّةُ الدّائِمَةُ والتَّعْظِيمُ والتَّنَعُّمُ بِذِكْرِ اللَّهِ وبِالأُنْسِ بِهِ وبِمَحَبَّتِهِ وبِرُؤْيَتِهِ، ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا دَعا رَبَّهُ فَقالَ في دُعائِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ما أعْلَمُ أنَّ هَذا الرَّجُلَ سَألَ اللَّهَ شَيْئًا مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قالَ:“رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً”فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إنَّهُ يَقُولُ: آتِنا في الدُّنْيا عَمَلًا صالِحًا»، وهَذا مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ [الفُرْقانِ: ٧٤] وتِلْكَ القُرَّةُ هي أنْ يُشاهِدُوا أوْلادَهم وأزْواجَهم مُطِيعِينَ مُؤْمِنِينَ مُواظِبِينَ عَلى العُبُودِيَّةِ. وثالِثُها: قالَ قَتادَةُ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ طَلَبُ العافِيَةِ في الدّارَيْنِ، وعَنِ الحَسَنِ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا فَهْمُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، واعْلَمْ أنَّ مَنشَأ البَحْثِ في الآيَةِ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: آتِنا في الدُّنْيا الحَسَنَةَ وفي الآخِرَةِ الحَسَنَةَ لَكانَ ذَلِكَ مُتَناوِلًا لِكُلِّ الحَسَناتِ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ وهَذا نَكِرَةٌ في مَحَلِّ الإثْباتِ فَلا يَتَناوَلُ إلّا حَسَنَةً واحِدَةً، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ المُتَقَدِّمُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم حَمَلَ اللَّفْظَ عَلى ما رَآهُ أحْسَنَ أنْواعِ الحَسَنَةِ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: آتِنا الحَسَنَةَ في الدُّنْيا والحَسَنَةَ في الآخِرَةِ لَكانَ ذَلِكَ مُتَناوِلًا لِكُلِّ الأقْسامِ، فَلِمَ تُرِكَ ذَلِكَ وذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ ؟ قُلْتُ: الَّذِي أظُنُّهُ في هَذا المَوْضِعِ - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - أنّا بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ لِلدّاعِي أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي كَذا وكَذا بَلْ يَجِبُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ كَذا وكَذا مَصْلَحَةً لِي ومُوافِقًا لِقَضائِكَ وقَدَرِكَ فَأعْطِنِي ذَلِكَ، فَلَوْ قالَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي الحَسَنَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَكانَ ذَلِكَ جَزْمًا، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، أمّا لَمّا ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ فَقالَ أعْطِنِي في الدُّنْيا حَسَنَةً كانَ المُرادُ مِنهُ حَسَنَةً واحِدَةً وهي الحَسَنَةُ الَّتِي تَكُونُ مُوافِقَةً لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ورِضاهُ وحُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ فَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى رِعايَةِ الأدَبِ والمُحافَظَةِ عَلى أُصُولِ اليَقِينِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّهُ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي فَقَطِ الَّذِينَ صفحة ١٦٢ سَألُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ الفَرِيقِ الأوَّلِ حَيْثُ قالَ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى الفَرِيقَيْنِ أيْ لِكُلٍّ مِن هَؤُلاءِ نَصِيبٌ مِن عَمَلِهِ عَلى قَدْرِ ما نَواهُ، فَمَن أنْكَرَ البَعْثَ وحَجَّ التِماسًا لِثَوابِ الدُّنْيا فَذَلِكَ مِنهُ كُفْرٌ وشِرْكٌ واللَّهُ مُجازِيهِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ مَن عَمِلَ لِلدُّنْيا أُعْطِيَ نَصِيبٌ مِثْلُهُ في دُنْياهُ كَما قالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشُّورى: ٢٠] . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ يَجْرِي مَجْرى التَّحْقِيرِ والتَّقْلِيلِ فَما المُرادُ مِنهُ ؟ الجَوابُ: المُرادُ: لَهم نَصِيبٌ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وعَمَلِهِمْ فَقَوْلُهُ:“مِن”في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ لا لِلتَّبْعِيضِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ عَلى العَمَلِ ؟ الجَوابُ: نَعَمْ. ولَكِنْ بِحَسَبِ الوَعْدِ لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ الذّاتِيِّ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الكَسْبُ ؟ الجَوابُ: الكَسْبُ يُطْلَقُ عَلى ما يَنالُهُ المَرْءُ بِعَمَلِهِ فَيَكُونُ كَسْبَهُ ومُكْتَسَبَهُ، بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرَّ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ في الأرْباحِ: إنَّها كَسْبُ فُلانٍ، وإنَّهُ كَثِيرُ الكَسْبِ أوْ قَلِيلُ الكَسْبِ، لِأنَّهُ لا يُرادُ إلّا الرِّبْحُ، فَأمّا الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا مِن أنَّ الكَسْبَ واسِطَةٌ بَيْنَ الجَبْرِ والخَلْقِ فَهو مَذْكُورٌ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ في الكَلامِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: ﴿سَرِيعُ﴾ فاعِلٌ مِنَ السُّرْعَةِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: سَرُعَ يَسْرُعُ سَرْعًا وسُرْعَةً فَهو سَرِيعٌ“والحِسابُ”مَصْدَرٌ كالمُحاسَبَةِ، ومَعْنى الحِسابِ في اللُّغَةِ العَدُّ يُقالُ: حَسَبَ يَحْسُبُ حِسابًا وحِسْبَةً وحَسَبًا إذا عَدَّ، ذَكَرَهُ اللَّيْثُ وابْنُ السِّكِّيتِ، والحَسْبُ ما عُدَّ، ومِنهُ حَسَبَ الرَّجُلُ وهو ما يُعَدُّ مِن مَآثِرِهِ ومَفاخِرِهِ، والِاحْتِسابُ الِاعْتِدادُ بِالشَّيْءِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الحِسابُ في اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: حَسْبُكَ كَذا أيْ كَفاكَ فَسُمِّيَ الحِسابُ في المُعامَلاتِ حِسابًا؛ لِأنَّهُ يُعْلَمُ بِهِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، ولَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ عَلى المِقْدارِ ولا نُقْصانٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في مَعْنى كَوْنِ اللَّهِ تَعالى مُحاسِبًا لِخَلْقِهِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى الحِسابِ أنَّهُ تَعالى يُعْلِمُهم ما لَهم وعَلَيْهِمْ، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ في قُلُوبِهِمْ بِمَقادِيرِ أعْمالِهِمْ وكِمِّيّاتِها وكَيْفِيّاتِها، وبِمَقادِيرِ ما لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، قالُوا: ووَجْهُ هَذا المَجازِ أنَّ الحِسابَ سَبَبٌ لِحُصُولِ عِلْمِ الإنْسانِ بِما لَهُ وعَلَيْهِ، فَإطْلاقُ اسْمِ الحِسابِ عَلى هَذا الإعْلامِ يَكُونُ إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، وهَذا مَجازٌ مَشْهُورٌ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ لا حِسابَ عَلى الخَلْقِ بَلْ يَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى ويُعْطُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، فِيها سَيِّئاتُهم، فَيُقالُ لَهم: هَذِهِ سَيِّئاتُكم قَدْ تَجاوَزْتُ عَنْها، ثُمَّ يُعْطَوْنَ حَسَناتِهِمْ ويُقالُ: هَذِهِ حَسَناتُكم قَدْ ضَعَّفْتُها لَكم. صفحة ١٦٣ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُحاسَبَةَ عِبارَةٌ عَنِ المُجازاةِ قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ [الطَّلاقِ: ٨] ووَجْهُ المَجازِ فِيهِ أنَّ الحِسابَ سَبَبٌ لِلْأخْذِ والإعْطاءِ وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ جائِزٌ، فَحَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ الحِسابِ عَنِ المُجازاةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى يُكَلِّمُ العِبادَ في أحْوالِ أعْمالِهِمْ وكَيْفِيَّةِ ما لَها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَمَن قالَ: إنَّ كَلامَهُ لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا بِصَوْتٍ قالَ: إنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ في أُذُنِ المُكَلَّفِ سَمْعًا يَسْمَعُ بِهِ كَلامَهُ القَدِيمَ كَما أنَّهُ يَخْلُقُ في عَيْنِهِ رُؤْيَةً يَرى بِها ذاتَهُ القَدِيمَةَ، ومَن قالَ: إنَّهُ صَوْتٌ قالَ: إنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ كَلامًا يَسْمَعُهُ كُلُّ مُكَلَّفٍ إمّا بِأنْ يَخْلُقَ ذَلِكَ الكَلامَ في أُذُنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أوْ في جِسْمٍ يَقْرُبُ مِن أُذُنِهِ بِحَيْثُ لا تَبْلُغُ قُوَّةُ ذَلِكَ الصَّوْتِ أنْ تَمَنعَ الغَيْرَ مِن فَهْمِ ما كُلِّفَ بِهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مُحاسِبًا لِخَلْقِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى سَرِيعَ الحِسابِ وجُوهًا: أحَدُها: أنَّ مُحاسَبَتَهُ تَرْجِعُ إمّا إلى أنَّهُ يَخْلُقُ عُلُومًا ضَرُورِيَّةً في قَلْبِ كُلِّ مُكَلَّفٍ بِمَقادِيرِ أعْمالِهِ ومَقادِيرِ ثَوابِهِ وعِقابِهِ، أوْ إلى أنَّهُ يُوصِلُ إلى كُلِّ مُكَلَّفٍ ما هو حَقُّهُ مِنَ الثَّوابِ أوْ إلى أنَّهُ يَخْلُقُ سَمْعًا في أُذُنِ كُلِّ مُكَلَّفٍ يَسْمَعُ بِهِ الكَلامَ القَدِيمَ، أوْ إلى أنَّهُ يَخْلُقُ في أُذُنِ كُلِّ مُكَلَّفٍ صَوْتًا دالًّا عَلى مَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ وعَلى الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ فَيَرْجِعُ حاصِلُ كَوْنِهِ تَعالى مُحاسِبًا إلى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمّا كانَتْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةً بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ، ولا يَتَوَقَّفُ تَخْلِيقُهُ وإحْداثُهُ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا مُدَّةٍ ولا آلَةٍ ولا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ لا جَرَمَ كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ جَمِيعَ الخَلْقِ في أقَلَّ مِن لَمْحَةِ البَصَرِ وهَذا كَلامٌ ظاهِرٌ، ولِذَلِكَ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحاسِبُ الخَلْقَ في قَدَرِ حَلْبِ ناقَةٍ. وثانِيها: أنَّ مَعْنى كَوْنِهُ تَعالى:“سَرِيعَ الحِسابِ ”أنَّهُ سَرِيعُ القَبُولِ لِدُعاءِ عِبادِهِ والإجابَةِ لَهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى في الوَقْتِ الواحِدِ يَسْألُهُ السّائِلُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أشْياءَ مُخْتَلِفَةً مِن أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَيُعْطِي كُلَّ واحِدٍ مَطْلُوبَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولَوْ كانَ الأمْرُ مَعَ واحِدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَطالَ العَدُّ واتَّصَلَ الحِسابُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِجُمْلَةِ سُؤالاتِ السّائِلِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَحْتاجُ إلى عَقْدِ يَدٍ، ولا إلى فِكْرَةٍ ورَوِيَّةٍ، وهَذا مَعْنى الدُّعاءِ المَأْثُورِ“يا مَن لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ" وحاصِلُ الكَلامِ في هَذا القَوْلِ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى سَرِيعَ الحِسابِ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ الخَلْقِ وأعْمالِهِمْ، ووَجْهُ المَجازِ فِيهِ أنَّ المُحاسَبَ إنَّما يُحاسَبُ لِيَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، فالحِسابُ سَبَبٌ لِحُصُولِ العِلْمِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ. وثالِثُها: أنَّ مُحاسَبَةَ اللَّهِ سَرِيعَةٌ بِمَعْنى آتِيَةٌ لا مَحالَةَ.