Lafzullah

Tafsir Al-Razi — البقرة 2:201 – البقرة 2:223

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. البقرة 2:201
  2. البقرة 2:202
  3. البقرة 2:203
  4. البقرة 2:204
  5. البقرة 2:205
  6. البقرة 2:206
  7. البقرة 2:207
  8. البقرة 2:208
  9. البقرة 2:209
  10. البقرة 2:210
  11. البقرة 2:211
  12. البقرة 2:212
  13. البقرة 2:213
  14. البقرة 2:214
  15. البقرة 2:215
  16. البقرة 2:216
  17. البقرة 2:217
  18. البقرة 2:218
  19. البقرة 2:219
  20. البقرة 2:220
  21. البقرة 2:221
  22. البقرة 2:222
  23. البقرة 2:223

البقرة 2:201

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ العَرَبَ كانُوا عِنْدَ الفَراغِ مِن حَجَّتِهِمْ بَعْدَ أيّامِ التَّشْرِيقِ يَقِفُونَ بَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى وبَيْنَ الجَبَلِ، ويَذْكُرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَضائِلَ آبائِهِ في السَّماحَةِ والحَماسَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، ويَتَناشَدُونَ فِيها الأشْعارَ، ويَتَكَلَّمُونَ بِالمَنثُورِ مِنَ الكَلامِ، ويُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن ذَلِكَ الفِعْلِ حُصُولَ الشُّهْرَةِ والتَّرَفُّعَ بِمَآثِرِ سَلَفِهِ، فَلَمّا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ أمَرَهم أنْ يَكُونَ ذِكْرُهم لِرَبِّهِمْ كَذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ، ورَوى القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «طافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى راحِلَتِهِ القُصْوى يَوْمَ الفَتْحِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ”أمّا بَعْدُ، أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أذْهَبَ عَنْكم حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وتَفَكُّكَها، يا أيُّها النّاسُ إنَّما النّاسُ رَجُلانِ؛ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، أوْ فاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ تَلا ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحُجُراتِ: ١٣]، أقُولُ قَوْلِي هَذا وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكم» “ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ العَرَبَ بِمِنًى بَعْدَ فَراغِهِمْ مِنَ الحَجِّ كانَ أحَدُهم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، عَظِيمَ القَدْرِ، كَثِيرَ المالِ، فَأعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. * * * صفحة ١٥٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَضاءَ إذا عُلِّقَ بِفِعْلِ النَّفْسِ، فالمُرادُ بِهِ الإتْمامُ والفَراغُ، وإذا عُلِّقَ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ فالمُرادُ بِهِ الإلْزامُ، نَظِيرُ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فُصِّلَتَ: ١٢]، ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وما فاتَكم فاقْضُوا» “ ويُقالُ في الحاكِمِ عِنْدَ فَصْلِ الخُصُومَةِ قَضى بَيْنَهُما. ونَظِيرُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسْراءِ: ٢٣] وإذا اسْتُعْمِلَ في الإعْلامِ، فالمُرادُ أيْضًا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسْراءِ: ٤] يَعْنِي أعْلَمْناهم. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ لا يَحْتَمِلُ إلّا الفَراغَ مِن جَمِيعِهِ خُصُوصًا، وذِكْرُ كَثِيرٍ مِنهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهم: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَناسِكِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن هَذا الذِّكْرِ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الدُّعاءِ بِعَرَفاتٍ والمَشْعَرِ الحَرامِ، والطَّوافِ، والسَّعْيِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَطُفْ وقِفْ بِعَرَفَةَ، ولا يَعْنِي بِهِ الفَراغَ مِنَ الحَجِّ بَلِ الدُّخُولَ فِيهِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ مُشْعِرٌ بِالفَراغِ والإتْمامِ مِنَ الكُلِّ، وهَذا مُفارِقٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَقِفْ بِعَرَفاتٍ، لِأنَّ مُرادَهُ هُناكَ الدُّخُولُ في الحَجِّ لا الفَراغُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها إلّا الفَراغَ مِنَ الحَجِّ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”المَناسِكُ“ جَمْعُ مَنسَكٍ، الَّذِي هو المَصْدَرُ بِمَنزِلَةِ النُّسُكِ، أيْ إذا قَضَيْتُمْ عِباداتِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها في الحَجِّ، وإنْ جَعَلْتَها جَمْعَ مَنسَكٍ الَّذِي هو مَوْضِعُ العِبادَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ: فَإذا قَضَيْتُمْ أعْمالَ مَناسِكِكم، فَيَكُونُ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنَ المَناسِكِ هَهُنا ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ النّاسَ في الحَجِّ مِنَ العِباداتِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَضاءَ المَناسِكِ هو إراقَةُ الدِّماءِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَراغَ مِنَ المَناسِكِ يُوجِبُ هَذا الذِّكْرَ، فَلِهَذا اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذِّكْرَ أيُّ ذِكْرٍ هو ؟ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الذِّكْرِ عَلى الذَّبِيحَةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو التَّكْبِيراتُ بَعْدَ الصَّلاةِ في يَوْمِ النَّحْرِ وأيّامِ التَّشْرِيقِ، عَلى حَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في وقْتِهِ أوَّلًا وآخِرًا؛ لِأنَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحَجِّ لا ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ إلّا هَذِهِ التَّكْبِيراتُ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ تَحْوِيلُ القَوْمِ عَمّا اعْتادُوهُ بَعْدَ الحَجِّ مِن ذِكْرِ التَّفاخُرِ بِأحْوالِ الآباءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ بِإنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُونُوا لِيَعْدِلُوا عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الذَّمِيمَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَإذا قَضَيْتُمْ وفَرَغْتُمْ مِن واجِباتِ الحَجِّ وحَلَلْتُمْ، فَتَوَفَّرُوا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ دُونَ ذِكْرِ الآباءِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّ الفَراغَ مِنَ الحَجِّ يُوجِبُ الإقْبالَ عَلى الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِن تَحَمَّلَ مُفارَقَةَ الأهْلِ والوَطَنِ وإنْفاقَ الأمْوالِ، والتِزامَ المَشاقِّ في سَفَرِ الحَجِّ فَحَقِيقٌ بِهِ بَعْدَ الفَراغِ مِنهُ أنْ يُقْبِلَ عَلى الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ وكَثْرَةِ الِاسْتِغْفارِ والِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا جَرَتِ السُّنَّةُ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الصَّلاةِ بِالدَّعَواتِ الكَثِيرَةِ. وفِيهِ وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهَذِهِ العِبادَةِ: قَهْرُ النَّفْسِ ومَحْوُ آثارِ النَّفْسِ والطَّبِيعَةِ، ثُمَّ هَذا العَزْمُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ أنْ تَزُولَ النُّقُوشُ الباطِلَةُ عَنْ لَوْحِ الرُّوحِ حَتّى يَتَجَلّى فِيهِ نُورُ جَلالِ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم وأزَلْتُمْ آثارَ البَشَرِيَّةِ، وأمَطْتُمُ الأذى عَنْ طَرِيقِ السُّلُوكِ فاشْتَغِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِتَنْوِيرِ القَلْبِ بِذِكْرِ اللَّهِ، فالأوَّلُ نَفْيٌ، والثّانِي إثْباتٌ، والأوَّلُ إزالَةُ ما دُونَ الحَقِّ مِن سُنَنِ الآثارِ، والثّانِي اسْتِنارَةُ القَلْبِ بِذِكْرِ المَلِكِ الجَبّارِ. * * * صفحة ١٥٨ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنّا ذَكَرْنا أنَّ القَوْمَ كانُوا بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحَجِّ يُبالِغُونَ في الثَّناءِ عَلى آبائِهِمْ في ذِكْرِ مَناقِبِهِمْ وفَضائِلِهِمْ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ يَعْنِي تَوَفَّرُوا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ كَما كُنْتُمْ تَتَوَفَّرُونَ عَلى ذِكْرِ الآباءِ، وابْذُلُوا جُهْدَكم في الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وشَرْحِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ كَما بَذَلْتُمْ جُهْدَكم في الثَّناءِ عَلى آبائِكم؛ لِأنَّ هَذا أوْلى وأقْرَبُ إلى العَقْلِ مِنَ الثَّناءِ عَلى الآباءِ، فَإنَّ ذِكْرَ مَفاخِرِ الآباءِ إنْ كانَ كَذِبًا فَذَلِكَ يُوجِبُ الدَّناءَةَ في الدُّنْيا والعُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وإنْ كانَ صِدْقًا فَذَلِكَ يُوجِبُ العُجْبَ والكِبْرَ وكَثْرَةَ الغُرُورِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أُمَّهاتِ المُهْلِكاتِ، فَثَبَتَ أنَّ اشْتِغالَكم بِذِكْرِ اللَّهِ أوْلى مِنِ اشْتِغالِكم بِمَفاخِرِ آبائِكم، فَإنْ لَمْ تَحْصُلِ الأوْلَوِيَّةُ فَلا أقَلَّ مِنَ التَّساوِي. وثانِيها: قالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ: اذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم وأُمَّهاتَكم، واكْتَفى بِذِكْرِ الآباءِ عَنِ الأُمَّهاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ: ٨١] قالُوا: وهو قَوْلُ الصَّبِيِّ أوَّلَ ما يُفْصِحُ الكَلامَ أبَهْ أبَهْ، أمَّهْ أمَّهْ، أيْ كُونُوا مُواظِبِينَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ كَما يَكُونُ الصَّبِيُّ في صِغَرِهِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ أبِيهِ وأُمِّهِ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: جَرى ذِكْرُ الآباءِ مَثَلًا لِدَوامِ الذِّكْرِ، والمَعْنى أنَّ الرَّجُلَ كَما لا يَنْسى ذِكْرَ أبِيهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ لا يَغْفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. ورابِعُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ العَرَبَ كانَ أكْثَرُ أقْسامِها في الجاهِلِيَّةِ بِالآباءِ، كَقَوْلِهِ: وأبِي، وأبِيكم، وجَدِّي، وجَدِّكم، فَقالَ تَعالى: عَظِّمُوا اللَّهَ كَتَعْظِيمِكم آباءَكم. وخامِسُها: قالَ بَعْضُ المَذْكُورِينَ: المَعْنى اذْكُرُوا اللَّهَ بِالوَحْدانِيَّةِ كَذِكْرِكم آباءَكم بِالوَحْدانِيَّةِ، فَإنَّ الواحِدَ مِنهم لَوْ نُسِبَ إلى والِدَيْنِ لَتَأذّى واسْتَنْكَفَ مِنهُ، ثُمَّ كانَ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ آلِهَةً، فَقِيلَ لَهم: اذْكُرُوا اللَّهَ بِالوَحْدانِيَّةِ كَذِكْرِكم آباءَكم بِالوَحْدانِيَّةِ، بَلِ المُبالَغَةُ في التَّوْحِيدِ هَهُنا أوْلى مِن هُناكَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ . وسادِسُها: أنَّ الطِّفْلَ كَما يَرْجِعُ إلى أبِيهِ في طَلَبِ جَمِيعِ المُهِمّاتِ ويَكُونُ ذاكِرًا لَهُ بِالتَّعْظِيمِ، فَكُونُوا أنْتُمْ في ذِكْرِ اللَّهِ كَذَلِكَ. وسابِعُها: يَحْتَمِلُ أنَّهم كانُوا يَذْكُرُونَ آباءَهم لِيَتَوَسَّلُوا بِذِكْرِهِمْ إلى إجابَةِ الدُّعاءِ عِنْدَ اللَّهِ، فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ آباءَهم لَيْسُوا في هَذِهِ الدَّرَجَةِ، إذْ أفْعالُهُمُ الحَسَنَةُ صارَتْ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ، وأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ تَعْدِيدَ آلاءِ اللَّهِ ونَعْمائِهِ، وتَكْثِيرَ الثَّناءِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى تَواتُرِ النِّعَمِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أنْ يَحْلِفُوا بِآبائِهِمْ فَقالَ: ”«مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أوْ لِيَصْمُتْ» “ إذا كانَ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّما هو لِلَّهِ وبِاللَّهِ، فالأوْلى تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعالى ولا إلَهَ غَيْرَهُ. وثامِنُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: هو أنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إذا عُصِيَ أشَدَّ مِن غَضَبِكَ لِوالِدِكَ إذا ذُكِرَ بِسُوءٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ وإنْ كانَتْ مُحْتَمَلَةً إلّا أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ هو المُتَعَيَّنُ وجَمِيعُ الوُجُوهِ مُشْتَرِكَةٌ في شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ يَجِبُ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ دائِمَ الذِّكْرِ لِرَبِّهِ دائِمَ التَّعْظِيمِ لَهُ دائِمَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ في طَلَبِ مُهِمّاتِهِ دائِمَ الِانْقِطاعِ عَمَّنْ سِواهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا بِهَذِهِ الصِّفَةِ يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: عامِلُ الإعْرابِ في ﴿أشَدَّ﴾ قِيلَ: الكافُ، فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ جَرًّا، وقِيلَ: ”اذْكُرُوا“ فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ نَصْبًا، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا اللَّهَ مِثْلَ ذِكْرِكم آباءَكم، واذْكُرُوهُ ”أشَدَّ ذِكْرًا“ مِن آبائِكم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ مَعْناهُ: بَلْ أشَدُّ ذِكْرًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَفاخِرَ آبائِهِمْ كانَتْ قَلِيلَةً، أمّا صِفاتُ الكَمالِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَهي غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ اشْتِغالُهم بِذِكْرِ صِفاتِ الكَمالِ في حَقِّ اللَّهِ صفحة ١٥٩ تَعالى أشَدَّ مِنِ اشْتِغالِهِمْ بِذِكْرِ مَفاخِرِ آبائِهِمْ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومَجازُ اللُّغَةِ في مِثْلِ هَذا مَعْرُوفٌ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ هَذا إلى شَهْرٍ أوْ أسْرَعَ مِنهُ، لا يُرِيدُ بِهِ التَّشْكِيكَ، إنَّما يُرِيدُ بِهِ النَّقْلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أقْرَبُ مِنهُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أوَّلًا تَفْصِيلَ مَناسِكِ الحَجِّ، ثُمَّ أمَرَ بَعْدَها بِالذِّكْرِ، فَقالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأوْلى أنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ غَيْرِهِ، وأنْ يُقْتَصُرَ عَلى ذِكْرِهِ، فَقالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ الذِّكْرِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ فَقالَ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، فَإنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ العِبادَةِ لِكَسْرِ النَّفْسِ وإزالَةِ ظُلُماتِها، ثُمَّ بَعْدَ العِبادَةِ لا بُدَّ مِنَ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لِتَنْوِيرِ القَلْبِ، وتَجَلِّي نُورِ جَلالِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَشْتَغِلُ الرَّجُلُ بِالدُّعاءِ فَإنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَكْمُلُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِالذِّكْرِ كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قَدَّمَ الذِّكْرَ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨] ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] فَقَدَّمَ الذِّكْرَ عَلى الدُّعاءِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ اللَّهَ فَرِيقانِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ دُعاؤُهم مَقْصُورًا عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، والثّانِي: الَّذِينَ يَجْمَعُونَ في الدُّعاءِ بَيْنَ طَلَبِ الدُّنْيا وطَلَبِ الآخِرَةِ، وقَدْ كانَ في التَّقْسِيمِ قِسْمٌ ثالِثٌ، وهو مَن يَكُونُ دُعاؤُهُ مَقْصُورًا عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القِسْمَ هَلْ هو مَشْرُوعٌ أوْ لا ؟ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مُحْتاجًا ضَعِيفًا لا طاقَةَ لَهُ بِآلامِ الدُّنْيا ولا بِمَشاقِّ الآخِرَةِ، فالأوْلى لَهُ أنْ يَسْتَعِيذَ بِرَبِّهِ مِن كُلِّ شُرُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، رَوى القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «دَخَلَ عَلى رَجُلٍ يَعُودُهُ وقَدْ أنْهَكَهُ المَرَضُ، فَقالَ: ما كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِهِ قَبْلَ هَذا قالَ: كُنْتُ أقُولُ: اللَّهُمَّ ما كُنْتَ تُعاقِبُنِي بِهِ في الآخِرَةِ فَعَجِّلْ بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”سُبْحانَ اللَّهِ إنَّكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ؛ ألا قَلْتَ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾“ قالَ فَدَعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَشُفِيَ» . واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ سَلَّطَ الألَمَ عَلى عِرْقٍ واحِدٍ في البَدَنِ، أوْ عَلى مَنبَتِ شَعْرَةٍ واحِدَةٍ، لَشَوَّشَ الأمْرَ صفحة ١٦٠ عَلى الإنْسانِ وصارَ بِسَبَبِهِ مَحْرُومًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِهِ، فَمَن ذا الَّذِي يَسْتَغْنِي عَنْ إمْدادِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى في أُولاهُ وعُقْباهُ، فَثَبَتَ أنَّ الِاقْتِصارَ في الدُّعاءِ عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ غَيْرُ جائِزٍ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ ذَكَرَ القِسْمَيْنِ، وأهْمَلَ هَذا القِسْمَ الثّالِثَ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم يَقْتَصِرُونَ في الدُّعاءِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا مَن هم ؟ فَقالَ قَوْمٌ: هُمُ الكُفّارُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إذا وقَفُوا: اللَّهُمَّ ارْزُقْنا إبِلًا وبَقَرًا وغَنَمًا وعَبِيدًا وإماءً، وما كانُوا يَطْلُبُونَ التَّوْبَةَ والمَغْفِرَةَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والمَعادِ، وعَنْ أنَسٍ كانُوا يَقُولُونَ: اسْقِنا المَطَرَ وأعْطِنا عَلى عَدُوِّنا الظَّفَرَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن كانَ مِن هَذا الفَرِيقِ فَلا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ، أيْ لا نَصِيبَ لَهُ فِيها مِن كَرامَةٍ ونَعِيمٍ وثَوابٍ، نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ أبِي عَلِيٍّ الدَّقّاقِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: أهْلُ النّارِ يَسْتَغِيثُونَ ثُمَّ يَقُولُونَ: أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ، أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا، طَلَبًا لِلْمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، فَلَمّا غَلَبَتْهم شَهَواتُهُمُ افْتُضِحُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هَؤُلاءِ قَدْ يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّهم يَسْألُونَ اللَّهَ لِدُنْياهم، لا لَأُخْراهم ويَكُونُ سُؤالُهم هَذا مِن جُمْلَةِ الذُّنُوبِ حَيْثُ سَألُوا اللَّهَ تَعالى في أعْظَمِ المَواقِفِ، وأشْرَفِ المَشاهِدِ حُطامَ الدُّنْيا وعَرَضَها الفانِيَ، مُعْرِضِينَ عَنْ سُؤالِ النَّعِيمِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وقَدْ يُقالُ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ إنَّهُ لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُسْلِمًا، كَما رُوِيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٧] أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أخَذَ مالًا بِيَمِينٍ فاجِرَةٍ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ”«إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذا الدِّينَ بِأقْوامٍ لا خَلاقَ لَهم» “ ثُمَّ مَعْنى ذَلِكَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ إلّا أنْ يَتُوبَ. والثّانِي: لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّالِثُ: لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ كَخَلاقِ مَن سَألَ اللَّهَ لِآخِرَتِهِ، وكَذَلِكَ لا خَلاقَ لِمَن أخَذَ مالًا بِيَمِينٍ فاجِرَةٍ كَخَلاقِ مَن تَوَرَّعَ عَنْ ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ حُذِفَ مَفْعُولُ ”آتِنا“ مِنَ الكَلامِ لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ، واعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ ثَلاثٌ: رُوحانِيَّةٌ، وبَدَنِيَّةٌ، وخارِجِيَّةٌ. أمّا الرُّوحانِيَّةُ فاثْنانِ: تَكْمِيلُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالعِلْمِ، وتَكْمِيلُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ، وأمّا البَدَنِيَّةُ فاثْنانِ: الصِّحَّةُ والجَمالُ، وأمّا الخارِجِيَّةُ فاثْنانِ: المالُ، والجاهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿آتِنا في الدُّنْيا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ فَإنَّ العِلْمَ إذا كانَ يُرادُ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ في الدُّنْيا والتَّرَفُّعِ بِهِ عَلى الأقْرانِ كانَ مِنَ الدُّنْيا، والأخْلاقُ الفاضِلَةُ إذا كانَتْ تُرادُ لِلرِّياسَةِ في الدُّنْيا وضَبْطِ مَصالِحِها كانَتْ مِنَ الدُّنْيا، وكُلُّ مَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ والمَعادِ فَإنَّهُ لا يَطْلُبُ فَضِيلَةً لا رُوحانِيَّةً ولا جُسْمانِيَّةً إلّا لِأجْلِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ تَعالى في حَقِّ هَذا الفَرِيقِ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ أيْ لَيْسَ لَهُ نَصِيبٌ في نَعِيمِ الآخِرَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشُّورى: ٢٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي طَلَبَهُ في الدُّنْيا هَلْ أُجِيبُ لَهُ أمْ لا ؟ قالَ بَعْضُهم: إنَّ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ لَيْسَ بِأهْلٍ لِلْإجابَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الإنْسانِ مُجابَ الدَّعْوَةِ صِفَةُ مَدْحٍ، فَلا تَثْبُتُ إلّا لِمَن كانَ ولِيًّا لِلَّهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْكَرامَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِبْ فَإنَّهُ ما دامَ مُكَلَّفًا حَيًّا فاللَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ رِزْقَهُ عَلى ما قالَ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هُودٍ: ٦] وقالَ آخَرُونَ: إنَّ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ قَدْ يَكُونُ مُجابًا، لَكِنَّ تِلْكَ الإجابَةَ قَدْ تَكُونُ مَكْرًا واسْتِدْراجًا. * * * صفحة ١٦١ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فالمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا عِبارَةٌ عَنِ الصِّحَّةِ، والأمْنِ، والكِفايَةِ والوَلَدِ الصّالِحِ، والزَّوْجَةِ الصّالِحَةِ، والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى الخِصْبَ والسَّعَةَ في الرِّزْقِ، وما أشْبَهَهُ ”حَسَنَةً“ فَقالَ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٠] وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٢] أنَّهُما الظَّفَرُ والنُّصْرَةُ والشَّهادَةُ، وأمّا الحَسَنَةُ في الآخِرَةِ فَهي الفَوْزُ بِالثَّوابِ، والخَلاصُ مِنَ العِقابِ، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ مَطالِبِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثابِتٍ أنَّهم قالُوا لِأنَسٍ: ادْعُ لَنا، فَقالَ: ”اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ“ قالُوا: زِدْنا فَأعادَها قالُوا: زِدْنا قالَ: ما تُرِيدُونَ ؟ قَدْ سَألْتُ لَكم خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ولَقَدْ صَدَقَ أنَسٌ فَإنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ دارٌ سِوى الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإذا سَألَ حَسَنَةَ الدُّنْيا وحَسَنَةَ الآخِرَةِ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ سِواهُ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ في الدُّنْيا العَمَلُ النّافِعُ وهو الإيمانُ والطّاعَةُ، والحَسَنَةُ في الآخِرَةِ اللَّذَّةُ الدّائِمَةُ والتَّعْظِيمُ والتَّنَعُّمُ بِذِكْرِ اللَّهِ وبِالأُنْسِ بِهِ وبِمَحَبَّتِهِ وبِرُؤْيَتِهِ، ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا دَعا رَبَّهُ فَقالَ في دُعائِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ما أعْلَمُ أنَّ هَذا الرَّجُلَ سَألَ اللَّهَ شَيْئًا مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قالَ:“رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً”فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إنَّهُ يَقُولُ: آتِنا في الدُّنْيا عَمَلًا صالِحًا»، وهَذا مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ [الفُرْقانِ: ٧٤] وتِلْكَ القُرَّةُ هي أنْ يُشاهِدُوا أوْلادَهم وأزْواجَهم مُطِيعِينَ مُؤْمِنِينَ مُواظِبِينَ عَلى العُبُودِيَّةِ. وثالِثُها: قالَ قَتادَةُ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ طَلَبُ العافِيَةِ في الدّارَيْنِ، وعَنِ الحَسَنِ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا فَهْمُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، واعْلَمْ أنَّ مَنشَأ البَحْثِ في الآيَةِ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: آتِنا في الدُّنْيا الحَسَنَةَ وفي الآخِرَةِ الحَسَنَةَ لَكانَ ذَلِكَ مُتَناوِلًا لِكُلِّ الحَسَناتِ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ وهَذا نَكِرَةٌ في مَحَلِّ الإثْباتِ فَلا يَتَناوَلُ إلّا حَسَنَةً واحِدَةً، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ المُتَقَدِّمُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم حَمَلَ اللَّفْظَ عَلى ما رَآهُ أحْسَنَ أنْواعِ الحَسَنَةِ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: آتِنا الحَسَنَةَ في الدُّنْيا والحَسَنَةَ في الآخِرَةِ لَكانَ ذَلِكَ مُتَناوِلًا لِكُلِّ الأقْسامِ، فَلِمَ تُرِكَ ذَلِكَ وذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ ؟ قُلْتُ: الَّذِي أظُنُّهُ في هَذا المَوْضِعِ - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - أنّا بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ لِلدّاعِي أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي كَذا وكَذا بَلْ يَجِبُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ كَذا وكَذا مَصْلَحَةً لِي ومُوافِقًا لِقَضائِكَ وقَدَرِكَ فَأعْطِنِي ذَلِكَ، فَلَوْ قالَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي الحَسَنَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَكانَ ذَلِكَ جَزْمًا، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، أمّا لَمّا ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ فَقالَ أعْطِنِي في الدُّنْيا حَسَنَةً كانَ المُرادُ مِنهُ حَسَنَةً واحِدَةً وهي الحَسَنَةُ الَّتِي تَكُونُ مُوافِقَةً لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ورِضاهُ وحُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ فَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى رِعايَةِ الأدَبِ والمُحافَظَةِ عَلى أُصُولِ اليَقِينِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّهُ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي فَقَطِ الَّذِينَ صفحة ١٦٢ سَألُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ الفَرِيقِ الأوَّلِ حَيْثُ قالَ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى الفَرِيقَيْنِ أيْ لِكُلٍّ مِن هَؤُلاءِ نَصِيبٌ مِن عَمَلِهِ عَلى قَدْرِ ما نَواهُ، فَمَن أنْكَرَ البَعْثَ وحَجَّ التِماسًا لِثَوابِ الدُّنْيا فَذَلِكَ مِنهُ كُفْرٌ وشِرْكٌ واللَّهُ مُجازِيهِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ مَن عَمِلَ لِلدُّنْيا أُعْطِيَ نَصِيبٌ مِثْلُهُ في دُنْياهُ كَما قالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشُّورى: ٢٠] . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ يَجْرِي مَجْرى التَّحْقِيرِ والتَّقْلِيلِ فَما المُرادُ مِنهُ ؟ الجَوابُ: المُرادُ: لَهم نَصِيبٌ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وعَمَلِهِمْ فَقَوْلُهُ:“مِن”في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ لا لِلتَّبْعِيضِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ عَلى العَمَلِ ؟ الجَوابُ: نَعَمْ. ولَكِنْ بِحَسَبِ الوَعْدِ لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ الذّاتِيِّ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الكَسْبُ ؟ الجَوابُ: الكَسْبُ يُطْلَقُ عَلى ما يَنالُهُ المَرْءُ بِعَمَلِهِ فَيَكُونُ كَسْبَهُ ومُكْتَسَبَهُ، بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرَّ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ في الأرْباحِ: إنَّها كَسْبُ فُلانٍ، وإنَّهُ كَثِيرُ الكَسْبِ أوْ قَلِيلُ الكَسْبِ، لِأنَّهُ لا يُرادُ إلّا الرِّبْحُ، فَأمّا الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا مِن أنَّ الكَسْبَ واسِطَةٌ بَيْنَ الجَبْرِ والخَلْقِ فَهو مَذْكُورٌ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ في الكَلامِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: ﴿سَرِيعُ﴾ فاعِلٌ مِنَ السُّرْعَةِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: سَرُعَ يَسْرُعُ سَرْعًا وسُرْعَةً فَهو سَرِيعٌ“والحِسابُ”مَصْدَرٌ كالمُحاسَبَةِ، ومَعْنى الحِسابِ في اللُّغَةِ العَدُّ يُقالُ: حَسَبَ يَحْسُبُ حِسابًا وحِسْبَةً وحَسَبًا إذا عَدَّ، ذَكَرَهُ اللَّيْثُ وابْنُ السِّكِّيتِ، والحَسْبُ ما عُدَّ، ومِنهُ حَسَبَ الرَّجُلُ وهو ما يُعَدُّ مِن مَآثِرِهِ ومَفاخِرِهِ، والِاحْتِسابُ الِاعْتِدادُ بِالشَّيْءِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الحِسابُ في اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: حَسْبُكَ كَذا أيْ كَفاكَ فَسُمِّيَ الحِسابُ في المُعامَلاتِ حِسابًا؛ لِأنَّهُ يُعْلَمُ بِهِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، ولَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ عَلى المِقْدارِ ولا نُقْصانٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في مَعْنى كَوْنِ اللَّهِ تَعالى مُحاسِبًا لِخَلْقِهِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى الحِسابِ أنَّهُ تَعالى يُعْلِمُهم ما لَهم وعَلَيْهِمْ، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ في قُلُوبِهِمْ بِمَقادِيرِ أعْمالِهِمْ وكِمِّيّاتِها وكَيْفِيّاتِها، وبِمَقادِيرِ ما لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، قالُوا: ووَجْهُ هَذا المَجازِ أنَّ الحِسابَ سَبَبٌ لِحُصُولِ عِلْمِ الإنْسانِ بِما لَهُ وعَلَيْهِ، فَإطْلاقُ اسْمِ الحِسابِ عَلى هَذا الإعْلامِ يَكُونُ إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، وهَذا مَجازٌ مَشْهُورٌ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ لا حِسابَ عَلى الخَلْقِ بَلْ يَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى ويُعْطُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، فِيها سَيِّئاتُهم، فَيُقالُ لَهم: هَذِهِ سَيِّئاتُكم قَدْ تَجاوَزْتُ عَنْها، ثُمَّ يُعْطَوْنَ حَسَناتِهِمْ ويُقالُ: هَذِهِ حَسَناتُكم قَدْ ضَعَّفْتُها لَكم. صفحة ١٦٣ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُحاسَبَةَ عِبارَةٌ عَنِ المُجازاةِ قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ [الطَّلاقِ: ٨] ووَجْهُ المَجازِ فِيهِ أنَّ الحِسابَ سَبَبٌ لِلْأخْذِ والإعْطاءِ وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ جائِزٌ، فَحَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ الحِسابِ عَنِ المُجازاةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى يُكَلِّمُ العِبادَ في أحْوالِ أعْمالِهِمْ وكَيْفِيَّةِ ما لَها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَمَن قالَ: إنَّ كَلامَهُ لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا بِصَوْتٍ قالَ: إنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ في أُذُنِ المُكَلَّفِ سَمْعًا يَسْمَعُ بِهِ كَلامَهُ القَدِيمَ كَما أنَّهُ يَخْلُقُ في عَيْنِهِ رُؤْيَةً يَرى بِها ذاتَهُ القَدِيمَةَ، ومَن قالَ: إنَّهُ صَوْتٌ قالَ: إنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ كَلامًا يَسْمَعُهُ كُلُّ مُكَلَّفٍ إمّا بِأنْ يَخْلُقَ ذَلِكَ الكَلامَ في أُذُنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أوْ في جِسْمٍ يَقْرُبُ مِن أُذُنِهِ بِحَيْثُ لا تَبْلُغُ قُوَّةُ ذَلِكَ الصَّوْتِ أنْ تَمَنعَ الغَيْرَ مِن فَهْمِ ما كُلِّفَ بِهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مُحاسِبًا لِخَلْقِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى سَرِيعَ الحِسابِ وجُوهًا: أحَدُها: أنَّ مُحاسَبَتَهُ تَرْجِعُ إمّا إلى أنَّهُ يَخْلُقُ عُلُومًا ضَرُورِيَّةً في قَلْبِ كُلِّ مُكَلَّفٍ بِمَقادِيرِ أعْمالِهِ ومَقادِيرِ ثَوابِهِ وعِقابِهِ، أوْ إلى أنَّهُ يُوصِلُ إلى كُلِّ مُكَلَّفٍ ما هو حَقُّهُ مِنَ الثَّوابِ أوْ إلى أنَّهُ يَخْلُقُ سَمْعًا في أُذُنِ كُلِّ مُكَلَّفٍ يَسْمَعُ بِهِ الكَلامَ القَدِيمَ، أوْ إلى أنَّهُ يَخْلُقُ في أُذُنِ كُلِّ مُكَلَّفٍ صَوْتًا دالًّا عَلى مَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ وعَلى الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ فَيَرْجِعُ حاصِلُ كَوْنِهِ تَعالى مُحاسِبًا إلى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمّا كانَتْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةً بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ، ولا يَتَوَقَّفُ تَخْلِيقُهُ وإحْداثُهُ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا مُدَّةٍ ولا آلَةٍ ولا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ لا جَرَمَ كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ جَمِيعَ الخَلْقِ في أقَلَّ مِن لَمْحَةِ البَصَرِ وهَذا كَلامٌ ظاهِرٌ، ولِذَلِكَ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحاسِبُ الخَلْقَ في قَدَرِ حَلْبِ ناقَةٍ. وثانِيها: أنَّ مَعْنى كَوْنِهُ تَعالى:“سَرِيعَ الحِسابِ ”أنَّهُ سَرِيعُ القَبُولِ لِدُعاءِ عِبادِهِ والإجابَةِ لَهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى في الوَقْتِ الواحِدِ يَسْألُهُ السّائِلُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أشْياءَ مُخْتَلِفَةً مِن أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَيُعْطِي كُلَّ واحِدٍ مَطْلُوبَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولَوْ كانَ الأمْرُ مَعَ واحِدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَطالَ العَدُّ واتَّصَلَ الحِسابُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِجُمْلَةِ سُؤالاتِ السّائِلِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَحْتاجُ إلى عَقْدِ يَدٍ، ولا إلى فِكْرَةٍ ورَوِيَّةٍ، وهَذا مَعْنى الدُّعاءِ المَأْثُورِ“يا مَن لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ" وحاصِلُ الكَلامِ في هَذا القَوْلِ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى سَرِيعَ الحِسابِ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ الخَلْقِ وأعْمالِهِمْ، ووَجْهُ المَجازِ فِيهِ أنَّ المُحاسَبَ إنَّما يُحاسَبُ لِيَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، فالحِسابُ سَبَبٌ لِحُصُولِ العِلْمِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ. وثالِثُها: أنَّ مُحاسَبَةَ اللَّهِ سَرِيعَةٌ بِمَعْنى آتِيَةٌ لا مَحالَةَ.

البقرة 2:202

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ العَرَبَ كانُوا عِنْدَ الفَراغِ مِن حَجَّتِهِمْ بَعْدَ أيّامِ التَّشْرِيقِ يَقِفُونَ بَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى وبَيْنَ الجَبَلِ، ويَذْكُرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَضائِلَ آبائِهِ في السَّماحَةِ والحَماسَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، ويَتَناشَدُونَ فِيها الأشْعارَ، ويَتَكَلَّمُونَ بِالمَنثُورِ مِنَ الكَلامِ، ويُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن ذَلِكَ الفِعْلِ حُصُولَ الشُّهْرَةِ والتَّرَفُّعَ بِمَآثِرِ سَلَفِهِ، فَلَمّا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ أمَرَهم أنْ يَكُونَ ذِكْرُهم لِرَبِّهِمْ كَذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ، ورَوى القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «طافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى راحِلَتِهِ القُصْوى يَوْمَ الفَتْحِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ”أمّا بَعْدُ، أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أذْهَبَ عَنْكم حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وتَفَكُّكَها، يا أيُّها النّاسُ إنَّما النّاسُ رَجُلانِ؛ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، أوْ فاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ تَلا ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحُجُراتِ: ١٣]، أقُولُ قَوْلِي هَذا وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكم» “ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ العَرَبَ بِمِنًى بَعْدَ فَراغِهِمْ مِنَ الحَجِّ كانَ أحَدُهم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، عَظِيمَ القَدْرِ، كَثِيرَ المالِ، فَأعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. * * * صفحة ١٥٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَضاءَ إذا عُلِّقَ بِفِعْلِ النَّفْسِ، فالمُرادُ بِهِ الإتْمامُ والفَراغُ، وإذا عُلِّقَ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ فالمُرادُ بِهِ الإلْزامُ، نَظِيرُ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فُصِّلَتَ: ١٢]، ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وما فاتَكم فاقْضُوا» “ ويُقالُ في الحاكِمِ عِنْدَ فَصْلِ الخُصُومَةِ قَضى بَيْنَهُما. ونَظِيرُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسْراءِ: ٢٣] وإذا اسْتُعْمِلَ في الإعْلامِ، فالمُرادُ أيْضًا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسْراءِ: ٤] يَعْنِي أعْلَمْناهم. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ لا يَحْتَمِلُ إلّا الفَراغَ مِن جَمِيعِهِ خُصُوصًا، وذِكْرُ كَثِيرٍ مِنهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهم: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَناسِكِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن هَذا الذِّكْرِ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الدُّعاءِ بِعَرَفاتٍ والمَشْعَرِ الحَرامِ، والطَّوافِ، والسَّعْيِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَطُفْ وقِفْ بِعَرَفَةَ، ولا يَعْنِي بِهِ الفَراغَ مِنَ الحَجِّ بَلِ الدُّخُولَ فِيهِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ مُشْعِرٌ بِالفَراغِ والإتْمامِ مِنَ الكُلِّ، وهَذا مُفارِقٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَقِفْ بِعَرَفاتٍ، لِأنَّ مُرادَهُ هُناكَ الدُّخُولُ في الحَجِّ لا الفَراغُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها إلّا الفَراغَ مِنَ الحَجِّ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”المَناسِكُ“ جَمْعُ مَنسَكٍ، الَّذِي هو المَصْدَرُ بِمَنزِلَةِ النُّسُكِ، أيْ إذا قَضَيْتُمْ عِباداتِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها في الحَجِّ، وإنْ جَعَلْتَها جَمْعَ مَنسَكٍ الَّذِي هو مَوْضِعُ العِبادَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ: فَإذا قَضَيْتُمْ أعْمالَ مَناسِكِكم، فَيَكُونُ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنَ المَناسِكِ هَهُنا ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ النّاسَ في الحَجِّ مِنَ العِباداتِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَضاءَ المَناسِكِ هو إراقَةُ الدِّماءِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَراغَ مِنَ المَناسِكِ يُوجِبُ هَذا الذِّكْرَ، فَلِهَذا اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذِّكْرَ أيُّ ذِكْرٍ هو ؟ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الذِّكْرِ عَلى الذَّبِيحَةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو التَّكْبِيراتُ بَعْدَ الصَّلاةِ في يَوْمِ النَّحْرِ وأيّامِ التَّشْرِيقِ، عَلى حَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في وقْتِهِ أوَّلًا وآخِرًا؛ لِأنَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحَجِّ لا ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ إلّا هَذِهِ التَّكْبِيراتُ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ تَحْوِيلُ القَوْمِ عَمّا اعْتادُوهُ بَعْدَ الحَجِّ مِن ذِكْرِ التَّفاخُرِ بِأحْوالِ الآباءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ بِإنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُونُوا لِيَعْدِلُوا عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الذَّمِيمَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَإذا قَضَيْتُمْ وفَرَغْتُمْ مِن واجِباتِ الحَجِّ وحَلَلْتُمْ، فَتَوَفَّرُوا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ دُونَ ذِكْرِ الآباءِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّ الفَراغَ مِنَ الحَجِّ يُوجِبُ الإقْبالَ عَلى الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِن تَحَمَّلَ مُفارَقَةَ الأهْلِ والوَطَنِ وإنْفاقَ الأمْوالِ، والتِزامَ المَشاقِّ في سَفَرِ الحَجِّ فَحَقِيقٌ بِهِ بَعْدَ الفَراغِ مِنهُ أنْ يُقْبِلَ عَلى الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ وكَثْرَةِ الِاسْتِغْفارِ والِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا جَرَتِ السُّنَّةُ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الصَّلاةِ بِالدَّعَواتِ الكَثِيرَةِ. وفِيهِ وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهَذِهِ العِبادَةِ: قَهْرُ النَّفْسِ ومَحْوُ آثارِ النَّفْسِ والطَّبِيعَةِ، ثُمَّ هَذا العَزْمُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ أنْ تَزُولَ النُّقُوشُ الباطِلَةُ عَنْ لَوْحِ الرُّوحِ حَتّى يَتَجَلّى فِيهِ نُورُ جَلالِ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم وأزَلْتُمْ آثارَ البَشَرِيَّةِ، وأمَطْتُمُ الأذى عَنْ طَرِيقِ السُّلُوكِ فاشْتَغِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِتَنْوِيرِ القَلْبِ بِذِكْرِ اللَّهِ، فالأوَّلُ نَفْيٌ، والثّانِي إثْباتٌ، والأوَّلُ إزالَةُ ما دُونَ الحَقِّ مِن سُنَنِ الآثارِ، والثّانِي اسْتِنارَةُ القَلْبِ بِذِكْرِ المَلِكِ الجَبّارِ. * * * صفحة ١٥٨ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنّا ذَكَرْنا أنَّ القَوْمَ كانُوا بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحَجِّ يُبالِغُونَ في الثَّناءِ عَلى آبائِهِمْ في ذِكْرِ مَناقِبِهِمْ وفَضائِلِهِمْ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ يَعْنِي تَوَفَّرُوا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ كَما كُنْتُمْ تَتَوَفَّرُونَ عَلى ذِكْرِ الآباءِ، وابْذُلُوا جُهْدَكم في الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وشَرْحِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ كَما بَذَلْتُمْ جُهْدَكم في الثَّناءِ عَلى آبائِكم؛ لِأنَّ هَذا أوْلى وأقْرَبُ إلى العَقْلِ مِنَ الثَّناءِ عَلى الآباءِ، فَإنَّ ذِكْرَ مَفاخِرِ الآباءِ إنْ كانَ كَذِبًا فَذَلِكَ يُوجِبُ الدَّناءَةَ في الدُّنْيا والعُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وإنْ كانَ صِدْقًا فَذَلِكَ يُوجِبُ العُجْبَ والكِبْرَ وكَثْرَةَ الغُرُورِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أُمَّهاتِ المُهْلِكاتِ، فَثَبَتَ أنَّ اشْتِغالَكم بِذِكْرِ اللَّهِ أوْلى مِنِ اشْتِغالِكم بِمَفاخِرِ آبائِكم، فَإنْ لَمْ تَحْصُلِ الأوْلَوِيَّةُ فَلا أقَلَّ مِنَ التَّساوِي. وثانِيها: قالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ: اذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم وأُمَّهاتَكم، واكْتَفى بِذِكْرِ الآباءِ عَنِ الأُمَّهاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ: ٨١] قالُوا: وهو قَوْلُ الصَّبِيِّ أوَّلَ ما يُفْصِحُ الكَلامَ أبَهْ أبَهْ، أمَّهْ أمَّهْ، أيْ كُونُوا مُواظِبِينَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ كَما يَكُونُ الصَّبِيُّ في صِغَرِهِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ أبِيهِ وأُمِّهِ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: جَرى ذِكْرُ الآباءِ مَثَلًا لِدَوامِ الذِّكْرِ، والمَعْنى أنَّ الرَّجُلَ كَما لا يَنْسى ذِكْرَ أبِيهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ لا يَغْفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. ورابِعُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ العَرَبَ كانَ أكْثَرُ أقْسامِها في الجاهِلِيَّةِ بِالآباءِ، كَقَوْلِهِ: وأبِي، وأبِيكم، وجَدِّي، وجَدِّكم، فَقالَ تَعالى: عَظِّمُوا اللَّهَ كَتَعْظِيمِكم آباءَكم. وخامِسُها: قالَ بَعْضُ المَذْكُورِينَ: المَعْنى اذْكُرُوا اللَّهَ بِالوَحْدانِيَّةِ كَذِكْرِكم آباءَكم بِالوَحْدانِيَّةِ، فَإنَّ الواحِدَ مِنهم لَوْ نُسِبَ إلى والِدَيْنِ لَتَأذّى واسْتَنْكَفَ مِنهُ، ثُمَّ كانَ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ آلِهَةً، فَقِيلَ لَهم: اذْكُرُوا اللَّهَ بِالوَحْدانِيَّةِ كَذِكْرِكم آباءَكم بِالوَحْدانِيَّةِ، بَلِ المُبالَغَةُ في التَّوْحِيدِ هَهُنا أوْلى مِن هُناكَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ . وسادِسُها: أنَّ الطِّفْلَ كَما يَرْجِعُ إلى أبِيهِ في طَلَبِ جَمِيعِ المُهِمّاتِ ويَكُونُ ذاكِرًا لَهُ بِالتَّعْظِيمِ، فَكُونُوا أنْتُمْ في ذِكْرِ اللَّهِ كَذَلِكَ. وسابِعُها: يَحْتَمِلُ أنَّهم كانُوا يَذْكُرُونَ آباءَهم لِيَتَوَسَّلُوا بِذِكْرِهِمْ إلى إجابَةِ الدُّعاءِ عِنْدَ اللَّهِ، فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ آباءَهم لَيْسُوا في هَذِهِ الدَّرَجَةِ، إذْ أفْعالُهُمُ الحَسَنَةُ صارَتْ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ، وأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ تَعْدِيدَ آلاءِ اللَّهِ ونَعْمائِهِ، وتَكْثِيرَ الثَّناءِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى تَواتُرِ النِّعَمِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أنْ يَحْلِفُوا بِآبائِهِمْ فَقالَ: ”«مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أوْ لِيَصْمُتْ» “ إذا كانَ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّما هو لِلَّهِ وبِاللَّهِ، فالأوْلى تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعالى ولا إلَهَ غَيْرَهُ. وثامِنُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: هو أنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إذا عُصِيَ أشَدَّ مِن غَضَبِكَ لِوالِدِكَ إذا ذُكِرَ بِسُوءٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ وإنْ كانَتْ مُحْتَمَلَةً إلّا أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ هو المُتَعَيَّنُ وجَمِيعُ الوُجُوهِ مُشْتَرِكَةٌ في شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ يَجِبُ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ دائِمَ الذِّكْرِ لِرَبِّهِ دائِمَ التَّعْظِيمِ لَهُ دائِمَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ في طَلَبِ مُهِمّاتِهِ دائِمَ الِانْقِطاعِ عَمَّنْ سِواهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا بِهَذِهِ الصِّفَةِ يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: عامِلُ الإعْرابِ في ﴿أشَدَّ﴾ قِيلَ: الكافُ، فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ جَرًّا، وقِيلَ: ”اذْكُرُوا“ فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ نَصْبًا، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا اللَّهَ مِثْلَ ذِكْرِكم آباءَكم، واذْكُرُوهُ ”أشَدَّ ذِكْرًا“ مِن آبائِكم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ مَعْناهُ: بَلْ أشَدُّ ذِكْرًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَفاخِرَ آبائِهِمْ كانَتْ قَلِيلَةً، أمّا صِفاتُ الكَمالِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَهي غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ اشْتِغالُهم بِذِكْرِ صِفاتِ الكَمالِ في حَقِّ اللَّهِ صفحة ١٥٩ تَعالى أشَدَّ مِنِ اشْتِغالِهِمْ بِذِكْرِ مَفاخِرِ آبائِهِمْ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومَجازُ اللُّغَةِ في مِثْلِ هَذا مَعْرُوفٌ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ هَذا إلى شَهْرٍ أوْ أسْرَعَ مِنهُ، لا يُرِيدُ بِهِ التَّشْكِيكَ، إنَّما يُرِيدُ بِهِ النَّقْلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أقْرَبُ مِنهُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أوَّلًا تَفْصِيلَ مَناسِكِ الحَجِّ، ثُمَّ أمَرَ بَعْدَها بِالذِّكْرِ، فَقالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأوْلى أنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ غَيْرِهِ، وأنْ يُقْتَصُرَ عَلى ذِكْرِهِ، فَقالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ الذِّكْرِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ فَقالَ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، فَإنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ العِبادَةِ لِكَسْرِ النَّفْسِ وإزالَةِ ظُلُماتِها، ثُمَّ بَعْدَ العِبادَةِ لا بُدَّ مِنَ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لِتَنْوِيرِ القَلْبِ، وتَجَلِّي نُورِ جَلالِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَشْتَغِلُ الرَّجُلُ بِالدُّعاءِ فَإنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَكْمُلُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِالذِّكْرِ كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قَدَّمَ الذِّكْرَ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨] ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] فَقَدَّمَ الذِّكْرَ عَلى الدُّعاءِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ اللَّهَ فَرِيقانِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ دُعاؤُهم مَقْصُورًا عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، والثّانِي: الَّذِينَ يَجْمَعُونَ في الدُّعاءِ بَيْنَ طَلَبِ الدُّنْيا وطَلَبِ الآخِرَةِ، وقَدْ كانَ في التَّقْسِيمِ قِسْمٌ ثالِثٌ، وهو مَن يَكُونُ دُعاؤُهُ مَقْصُورًا عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القِسْمَ هَلْ هو مَشْرُوعٌ أوْ لا ؟ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مُحْتاجًا ضَعِيفًا لا طاقَةَ لَهُ بِآلامِ الدُّنْيا ولا بِمَشاقِّ الآخِرَةِ، فالأوْلى لَهُ أنْ يَسْتَعِيذَ بِرَبِّهِ مِن كُلِّ شُرُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، رَوى القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «دَخَلَ عَلى رَجُلٍ يَعُودُهُ وقَدْ أنْهَكَهُ المَرَضُ، فَقالَ: ما كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِهِ قَبْلَ هَذا قالَ: كُنْتُ أقُولُ: اللَّهُمَّ ما كُنْتَ تُعاقِبُنِي بِهِ في الآخِرَةِ فَعَجِّلْ بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”سُبْحانَ اللَّهِ إنَّكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ؛ ألا قَلْتَ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾“ قالَ فَدَعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَشُفِيَ» . واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ سَلَّطَ الألَمَ عَلى عِرْقٍ واحِدٍ في البَدَنِ، أوْ عَلى مَنبَتِ شَعْرَةٍ واحِدَةٍ، لَشَوَّشَ الأمْرَ صفحة ١٦٠ عَلى الإنْسانِ وصارَ بِسَبَبِهِ مَحْرُومًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِهِ، فَمَن ذا الَّذِي يَسْتَغْنِي عَنْ إمْدادِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى في أُولاهُ وعُقْباهُ، فَثَبَتَ أنَّ الِاقْتِصارَ في الدُّعاءِ عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ غَيْرُ جائِزٍ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ ذَكَرَ القِسْمَيْنِ، وأهْمَلَ هَذا القِسْمَ الثّالِثَ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم يَقْتَصِرُونَ في الدُّعاءِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا مَن هم ؟ فَقالَ قَوْمٌ: هُمُ الكُفّارُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إذا وقَفُوا: اللَّهُمَّ ارْزُقْنا إبِلًا وبَقَرًا وغَنَمًا وعَبِيدًا وإماءً، وما كانُوا يَطْلُبُونَ التَّوْبَةَ والمَغْفِرَةَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والمَعادِ، وعَنْ أنَسٍ كانُوا يَقُولُونَ: اسْقِنا المَطَرَ وأعْطِنا عَلى عَدُوِّنا الظَّفَرَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن كانَ مِن هَذا الفَرِيقِ فَلا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ، أيْ لا نَصِيبَ لَهُ فِيها مِن كَرامَةٍ ونَعِيمٍ وثَوابٍ، نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ أبِي عَلِيٍّ الدَّقّاقِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: أهْلُ النّارِ يَسْتَغِيثُونَ ثُمَّ يَقُولُونَ: أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ، أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا، طَلَبًا لِلْمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، فَلَمّا غَلَبَتْهم شَهَواتُهُمُ افْتُضِحُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هَؤُلاءِ قَدْ يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّهم يَسْألُونَ اللَّهَ لِدُنْياهم، لا لَأُخْراهم ويَكُونُ سُؤالُهم هَذا مِن جُمْلَةِ الذُّنُوبِ حَيْثُ سَألُوا اللَّهَ تَعالى في أعْظَمِ المَواقِفِ، وأشْرَفِ المَشاهِدِ حُطامَ الدُّنْيا وعَرَضَها الفانِيَ، مُعْرِضِينَ عَنْ سُؤالِ النَّعِيمِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وقَدْ يُقالُ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ إنَّهُ لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُسْلِمًا، كَما رُوِيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٧] أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أخَذَ مالًا بِيَمِينٍ فاجِرَةٍ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ”«إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذا الدِّينَ بِأقْوامٍ لا خَلاقَ لَهم» “ ثُمَّ مَعْنى ذَلِكَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ إلّا أنْ يَتُوبَ. والثّانِي: لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّالِثُ: لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ كَخَلاقِ مَن سَألَ اللَّهَ لِآخِرَتِهِ، وكَذَلِكَ لا خَلاقَ لِمَن أخَذَ مالًا بِيَمِينٍ فاجِرَةٍ كَخَلاقِ مَن تَوَرَّعَ عَنْ ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ حُذِفَ مَفْعُولُ ”آتِنا“ مِنَ الكَلامِ لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ، واعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ ثَلاثٌ: رُوحانِيَّةٌ، وبَدَنِيَّةٌ، وخارِجِيَّةٌ. أمّا الرُّوحانِيَّةُ فاثْنانِ: تَكْمِيلُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالعِلْمِ، وتَكْمِيلُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ، وأمّا البَدَنِيَّةُ فاثْنانِ: الصِّحَّةُ والجَمالُ، وأمّا الخارِجِيَّةُ فاثْنانِ: المالُ، والجاهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿آتِنا في الدُّنْيا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ فَإنَّ العِلْمَ إذا كانَ يُرادُ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ في الدُّنْيا والتَّرَفُّعِ بِهِ عَلى الأقْرانِ كانَ مِنَ الدُّنْيا، والأخْلاقُ الفاضِلَةُ إذا كانَتْ تُرادُ لِلرِّياسَةِ في الدُّنْيا وضَبْطِ مَصالِحِها كانَتْ مِنَ الدُّنْيا، وكُلُّ مَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ والمَعادِ فَإنَّهُ لا يَطْلُبُ فَضِيلَةً لا رُوحانِيَّةً ولا جُسْمانِيَّةً إلّا لِأجْلِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ تَعالى في حَقِّ هَذا الفَرِيقِ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ أيْ لَيْسَ لَهُ نَصِيبٌ في نَعِيمِ الآخِرَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشُّورى: ٢٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي طَلَبَهُ في الدُّنْيا هَلْ أُجِيبُ لَهُ أمْ لا ؟ قالَ بَعْضُهم: إنَّ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ لَيْسَ بِأهْلٍ لِلْإجابَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الإنْسانِ مُجابَ الدَّعْوَةِ صِفَةُ مَدْحٍ، فَلا تَثْبُتُ إلّا لِمَن كانَ ولِيًّا لِلَّهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْكَرامَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِبْ فَإنَّهُ ما دامَ مُكَلَّفًا حَيًّا فاللَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ رِزْقَهُ عَلى ما قالَ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هُودٍ: ٦] وقالَ آخَرُونَ: إنَّ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ قَدْ يَكُونُ مُجابًا، لَكِنَّ تِلْكَ الإجابَةَ قَدْ تَكُونُ مَكْرًا واسْتِدْراجًا. * * * صفحة ١٦١ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فالمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا عِبارَةٌ عَنِ الصِّحَّةِ، والأمْنِ، والكِفايَةِ والوَلَدِ الصّالِحِ، والزَّوْجَةِ الصّالِحَةِ، والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى الخِصْبَ والسَّعَةَ في الرِّزْقِ، وما أشْبَهَهُ ”حَسَنَةً“ فَقالَ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٠] وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٢] أنَّهُما الظَّفَرُ والنُّصْرَةُ والشَّهادَةُ، وأمّا الحَسَنَةُ في الآخِرَةِ فَهي الفَوْزُ بِالثَّوابِ، والخَلاصُ مِنَ العِقابِ، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ مَطالِبِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثابِتٍ أنَّهم قالُوا لِأنَسٍ: ادْعُ لَنا، فَقالَ: ”اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ“ قالُوا: زِدْنا فَأعادَها قالُوا: زِدْنا قالَ: ما تُرِيدُونَ ؟ قَدْ سَألْتُ لَكم خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ولَقَدْ صَدَقَ أنَسٌ فَإنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ دارٌ سِوى الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإذا سَألَ حَسَنَةَ الدُّنْيا وحَسَنَةَ الآخِرَةِ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ سِواهُ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ في الدُّنْيا العَمَلُ النّافِعُ وهو الإيمانُ والطّاعَةُ، والحَسَنَةُ في الآخِرَةِ اللَّذَّةُ الدّائِمَةُ والتَّعْظِيمُ والتَّنَعُّمُ بِذِكْرِ اللَّهِ وبِالأُنْسِ بِهِ وبِمَحَبَّتِهِ وبِرُؤْيَتِهِ، ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا دَعا رَبَّهُ فَقالَ في دُعائِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ما أعْلَمُ أنَّ هَذا الرَّجُلَ سَألَ اللَّهَ شَيْئًا مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قالَ:“رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً”فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إنَّهُ يَقُولُ: آتِنا في الدُّنْيا عَمَلًا صالِحًا»، وهَذا مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ [الفُرْقانِ: ٧٤] وتِلْكَ القُرَّةُ هي أنْ يُشاهِدُوا أوْلادَهم وأزْواجَهم مُطِيعِينَ مُؤْمِنِينَ مُواظِبِينَ عَلى العُبُودِيَّةِ. وثالِثُها: قالَ قَتادَةُ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ طَلَبُ العافِيَةِ في الدّارَيْنِ، وعَنِ الحَسَنِ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا فَهْمُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، واعْلَمْ أنَّ مَنشَأ البَحْثِ في الآيَةِ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: آتِنا في الدُّنْيا الحَسَنَةَ وفي الآخِرَةِ الحَسَنَةَ لَكانَ ذَلِكَ مُتَناوِلًا لِكُلِّ الحَسَناتِ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ وهَذا نَكِرَةٌ في مَحَلِّ الإثْباتِ فَلا يَتَناوَلُ إلّا حَسَنَةً واحِدَةً، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ المُتَقَدِّمُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم حَمَلَ اللَّفْظَ عَلى ما رَآهُ أحْسَنَ أنْواعِ الحَسَنَةِ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: آتِنا الحَسَنَةَ في الدُّنْيا والحَسَنَةَ في الآخِرَةِ لَكانَ ذَلِكَ مُتَناوِلًا لِكُلِّ الأقْسامِ، فَلِمَ تُرِكَ ذَلِكَ وذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ ؟ قُلْتُ: الَّذِي أظُنُّهُ في هَذا المَوْضِعِ - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - أنّا بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ لِلدّاعِي أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي كَذا وكَذا بَلْ يَجِبُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ كَذا وكَذا مَصْلَحَةً لِي ومُوافِقًا لِقَضائِكَ وقَدَرِكَ فَأعْطِنِي ذَلِكَ، فَلَوْ قالَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي الحَسَنَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَكانَ ذَلِكَ جَزْمًا، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، أمّا لَمّا ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ فَقالَ أعْطِنِي في الدُّنْيا حَسَنَةً كانَ المُرادُ مِنهُ حَسَنَةً واحِدَةً وهي الحَسَنَةُ الَّتِي تَكُونُ مُوافِقَةً لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ورِضاهُ وحُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ فَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى رِعايَةِ الأدَبِ والمُحافَظَةِ عَلى أُصُولِ اليَقِينِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّهُ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي فَقَطِ الَّذِينَ صفحة ١٦٢ سَألُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ الفَرِيقِ الأوَّلِ حَيْثُ قالَ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى الفَرِيقَيْنِ أيْ لِكُلٍّ مِن هَؤُلاءِ نَصِيبٌ مِن عَمَلِهِ عَلى قَدْرِ ما نَواهُ، فَمَن أنْكَرَ البَعْثَ وحَجَّ التِماسًا لِثَوابِ الدُّنْيا فَذَلِكَ مِنهُ كُفْرٌ وشِرْكٌ واللَّهُ مُجازِيهِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ مَن عَمِلَ لِلدُّنْيا أُعْطِيَ نَصِيبٌ مِثْلُهُ في دُنْياهُ كَما قالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشُّورى: ٢٠] . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ يَجْرِي مَجْرى التَّحْقِيرِ والتَّقْلِيلِ فَما المُرادُ مِنهُ ؟ الجَوابُ: المُرادُ: لَهم نَصِيبٌ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وعَمَلِهِمْ فَقَوْلُهُ:“مِن”في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ لا لِلتَّبْعِيضِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ عَلى العَمَلِ ؟ الجَوابُ: نَعَمْ. ولَكِنْ بِحَسَبِ الوَعْدِ لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ الذّاتِيِّ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الكَسْبُ ؟ الجَوابُ: الكَسْبُ يُطْلَقُ عَلى ما يَنالُهُ المَرْءُ بِعَمَلِهِ فَيَكُونُ كَسْبَهُ ومُكْتَسَبَهُ، بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرَّ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ في الأرْباحِ: إنَّها كَسْبُ فُلانٍ، وإنَّهُ كَثِيرُ الكَسْبِ أوْ قَلِيلُ الكَسْبِ، لِأنَّهُ لا يُرادُ إلّا الرِّبْحُ، فَأمّا الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا مِن أنَّ الكَسْبَ واسِطَةٌ بَيْنَ الجَبْرِ والخَلْقِ فَهو مَذْكُورٌ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ في الكَلامِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: ﴿سَرِيعُ﴾ فاعِلٌ مِنَ السُّرْعَةِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: سَرُعَ يَسْرُعُ سَرْعًا وسُرْعَةً فَهو سَرِيعٌ“والحِسابُ”مَصْدَرٌ كالمُحاسَبَةِ، ومَعْنى الحِسابِ في اللُّغَةِ العَدُّ يُقالُ: حَسَبَ يَحْسُبُ حِسابًا وحِسْبَةً وحَسَبًا إذا عَدَّ، ذَكَرَهُ اللَّيْثُ وابْنُ السِّكِّيتِ، والحَسْبُ ما عُدَّ، ومِنهُ حَسَبَ الرَّجُلُ وهو ما يُعَدُّ مِن مَآثِرِهِ ومَفاخِرِهِ، والِاحْتِسابُ الِاعْتِدادُ بِالشَّيْءِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الحِسابُ في اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: حَسْبُكَ كَذا أيْ كَفاكَ فَسُمِّيَ الحِسابُ في المُعامَلاتِ حِسابًا؛ لِأنَّهُ يُعْلَمُ بِهِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، ولَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ عَلى المِقْدارِ ولا نُقْصانٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في مَعْنى كَوْنِ اللَّهِ تَعالى مُحاسِبًا لِخَلْقِهِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى الحِسابِ أنَّهُ تَعالى يُعْلِمُهم ما لَهم وعَلَيْهِمْ، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ في قُلُوبِهِمْ بِمَقادِيرِ أعْمالِهِمْ وكِمِّيّاتِها وكَيْفِيّاتِها، وبِمَقادِيرِ ما لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، قالُوا: ووَجْهُ هَذا المَجازِ أنَّ الحِسابَ سَبَبٌ لِحُصُولِ عِلْمِ الإنْسانِ بِما لَهُ وعَلَيْهِ، فَإطْلاقُ اسْمِ الحِسابِ عَلى هَذا الإعْلامِ يَكُونُ إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، وهَذا مَجازٌ مَشْهُورٌ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ لا حِسابَ عَلى الخَلْقِ بَلْ يَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى ويُعْطُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، فِيها سَيِّئاتُهم، فَيُقالُ لَهم: هَذِهِ سَيِّئاتُكم قَدْ تَجاوَزْتُ عَنْها، ثُمَّ يُعْطَوْنَ حَسَناتِهِمْ ويُقالُ: هَذِهِ حَسَناتُكم قَدْ ضَعَّفْتُها لَكم. صفحة ١٦٣ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُحاسَبَةَ عِبارَةٌ عَنِ المُجازاةِ قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ [الطَّلاقِ: ٨] ووَجْهُ المَجازِ فِيهِ أنَّ الحِسابَ سَبَبٌ لِلْأخْذِ والإعْطاءِ وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ جائِزٌ، فَحَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ الحِسابِ عَنِ المُجازاةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى يُكَلِّمُ العِبادَ في أحْوالِ أعْمالِهِمْ وكَيْفِيَّةِ ما لَها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَمَن قالَ: إنَّ كَلامَهُ لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا بِصَوْتٍ قالَ: إنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ في أُذُنِ المُكَلَّفِ سَمْعًا يَسْمَعُ بِهِ كَلامَهُ القَدِيمَ كَما أنَّهُ يَخْلُقُ في عَيْنِهِ رُؤْيَةً يَرى بِها ذاتَهُ القَدِيمَةَ، ومَن قالَ: إنَّهُ صَوْتٌ قالَ: إنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ كَلامًا يَسْمَعُهُ كُلُّ مُكَلَّفٍ إمّا بِأنْ يَخْلُقَ ذَلِكَ الكَلامَ في أُذُنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أوْ في جِسْمٍ يَقْرُبُ مِن أُذُنِهِ بِحَيْثُ لا تَبْلُغُ قُوَّةُ ذَلِكَ الصَّوْتِ أنْ تَمَنعَ الغَيْرَ مِن فَهْمِ ما كُلِّفَ بِهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مُحاسِبًا لِخَلْقِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى سَرِيعَ الحِسابِ وجُوهًا: أحَدُها: أنَّ مُحاسَبَتَهُ تَرْجِعُ إمّا إلى أنَّهُ يَخْلُقُ عُلُومًا ضَرُورِيَّةً في قَلْبِ كُلِّ مُكَلَّفٍ بِمَقادِيرِ أعْمالِهِ ومَقادِيرِ ثَوابِهِ وعِقابِهِ، أوْ إلى أنَّهُ يُوصِلُ إلى كُلِّ مُكَلَّفٍ ما هو حَقُّهُ مِنَ الثَّوابِ أوْ إلى أنَّهُ يَخْلُقُ سَمْعًا في أُذُنِ كُلِّ مُكَلَّفٍ يَسْمَعُ بِهِ الكَلامَ القَدِيمَ، أوْ إلى أنَّهُ يَخْلُقُ في أُذُنِ كُلِّ مُكَلَّفٍ صَوْتًا دالًّا عَلى مَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ وعَلى الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ فَيَرْجِعُ حاصِلُ كَوْنِهِ تَعالى مُحاسِبًا إلى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمّا كانَتْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةً بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ، ولا يَتَوَقَّفُ تَخْلِيقُهُ وإحْداثُهُ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا مُدَّةٍ ولا آلَةٍ ولا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ لا جَرَمَ كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ جَمِيعَ الخَلْقِ في أقَلَّ مِن لَمْحَةِ البَصَرِ وهَذا كَلامٌ ظاهِرٌ، ولِذَلِكَ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحاسِبُ الخَلْقَ في قَدَرِ حَلْبِ ناقَةٍ. وثانِيها: أنَّ مَعْنى كَوْنِهُ تَعالى:“سَرِيعَ الحِسابِ ”أنَّهُ سَرِيعُ القَبُولِ لِدُعاءِ عِبادِهِ والإجابَةِ لَهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى في الوَقْتِ الواحِدِ يَسْألُهُ السّائِلُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أشْياءَ مُخْتَلِفَةً مِن أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَيُعْطِي كُلَّ واحِدٍ مَطْلُوبَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولَوْ كانَ الأمْرُ مَعَ واحِدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَطالَ العَدُّ واتَّصَلَ الحِسابُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِجُمْلَةِ سُؤالاتِ السّائِلِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَحْتاجُ إلى عَقْدِ يَدٍ، ولا إلى فِكْرَةٍ ورَوِيَّةٍ، وهَذا مَعْنى الدُّعاءِ المَأْثُورِ“يا مَن لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ" وحاصِلُ الكَلامِ في هَذا القَوْلِ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى سَرِيعَ الحِسابِ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ الخَلْقِ وأعْمالِهِمْ، ووَجْهُ المَجازِ فِيهِ أنَّ المُحاسَبَ إنَّما يُحاسَبُ لِيَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، فالحِسابُ سَبَبٌ لِحُصُولِ العِلْمِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ. وثالِثُها: أنَّ مُحاسَبَةَ اللَّهِ سَرِيعَةٌ بِمَعْنى آتِيَةٌ لا مَحالَةَ.

البقرة 2:203

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ لَمْ يَذْكُرِ الرَّمْيَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ كانَ أمْرًا مَشْهُورًا فِيما بَيْنَهم وما كانُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ لِأنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَهُ. والثّانِي: لَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَذْكُرِ الرَّمْيَ لِأنَّ في الأمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ في هَذِهِ الأيّامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، إذْ كانَ مِن سُنَنِهِ التَّكْبِيرُ عَلى كُلِّ حَصاةٍ صفحة ١٦٤ مِنها ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في مَناسِكِ الحَجِّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ والأيّامَ المَعْلُوماتِ فَقالَ هُنا: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ وقالَ في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ [الحَجِّ: ٢٨] فَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ المَعْلُوماتِ هي العَشْرُ الأُوَلُ مِن ذِي الحِجَّةِ آخِرُها يَوْمُ النَّحْرِ، وأمّا المَعْدُوداتُ فَثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، واحْتَجَّ عَلى أنَّ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأيّامَ المَعْدُوداتِ، والأيّامُ لَفْظُ جَمْعٍ فَيَكُونُ أقَلُّها ثَلاثَةً، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ مِن هَذِهِ الأيّامِ المَعْدُوداتِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ إنَّما ثَبَتَ في أيّامِ مِنًى، وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، فَعَلِمْنا أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ، والقَفّالُ أكَدَّ هَذا بِما رَوى في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعْمانَ الدَّيْلَمِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى: ”«الحَجُّ عَرَفَةُ، مَن جاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، وأيّامُ مِنًى ثَلاثَةُ أيّامٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ» “ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ، قالَ الواحِدِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أيّامُ التَّشْرِيقِ هي ثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ أوَّلُها: يَوْمُ النَّفْرِ، وهو اليَوْمُ الحادِي عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ يَنْفُرُ النّاسُ فِيهِ بِمِنًى، والثّانِي: يَوْمُ النَّفْرِ الأوَّلُ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ يَنْفُرُونَ في هَذا اليَوْمِ مِن مِنًى، والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْرِ الثّانِي، وهَذِهِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ مَعَ يَوْمِ النَّحْرِ كُلُّها أيّامُ النَّحْرِ، وأيّامُ رَمْيِ الجِمارِ في هَذِهِ الأيّامِ الأرْبَعَةِ مَعَ يَوْمِ عَرَفَةَ أيّامُ التَّكْبِيرِ أدْبارَ الصَّلَواتِ عَلى ما سَنَشْرَحُ مَذاهِبَ النّاسِ فِيهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ الأيّامِ: الذِّكْرُ عِنْدَ الجَمَراتِ، فَإنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ، والذِّكْرُ أدْبارَ الصَّلَواتِ، والنّاسُ أجْمَعُوا عَلى ذَلِكَ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مَواضِعَ: المَوْضِعُ الأوَّلُ: أجْمَعُتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ التَّكْبِيراتِ المُقَيَّدَةَ بِأدْبارِ الصَّلَواتِ مُخْتَصَّةٌ بِعِيدِ الأضْحى، ثُمَّ في ابْتِدائِها وانْتِهائِها خِلافٌ. القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها تُبْتَدَأُ مِنَ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى ما بَعْدَ الصُّبْحِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ فَتَكُونُ التَّكْبِيراتُ عَلى هَذا القَوْلِ في خَمْسَ عَشْرَةَ صَلاةً، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في أحَدِ أقْوالِهِ، والحُجَّةُ فِيهِ أنَّ الأمْرَ بِهَذِهِ التَّكْبِيراتِ إنَّما ورَدَ في حَقِّ الحاجِّ، قالَ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وهَذا إنَّما يَحْصُلُ في حَقِّ الحاجِّ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الأمْرَ بِهَذِهِ التَّكْبِيراتِ إنَّما ورَدَ في حَقِّ الحاجِّ، وسائِرُ النّاسِ تَبَعٌ لَهم في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ صَلاةَ الظُّهْرِ هي أوَّلُ صَلاةٍ يُكَبِّرُ الحاجُّ فِيها بِمِنًى، فَإنَّهم يُلَبُّونَ قَبْلَ ذَلِكَ، وآخِرُ صَلاةٍ يُصَلُّونَها بِمِنًى هي صَلاةُ الصُّبْحِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّكْبِيراتُ في حَقِّ غَيْرِ الحاجِّ مُقَيَّدَةً بِهَذا الزَّمانِ. القَوْلُ الثّانِي: لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ يُبْتَدَأُ بِهِ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، إلى صَلاةِ الصُّبْحِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ التَّكْبِيراتُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ صَلاةً. والقَوْلُ الثّالِثُ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ يُبْتَدَأُ بِها مِن صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، ويَنْقَطِعُ بَعْدَ صَلاةِ صفحة ١٦٥ العَصْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ فَتَكُونُ التَّكْبِيراتُ بَعْدَ ثَمانِ صَلَواتٍ وهو قَوْلُ عَلْقَمَةَ والأسْوَدِ والنَّخَعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ يُبْتَدَأُ بِها مِن صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، ويَنْقَطِعُ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، فَتَكُونُ التَّكْبِيراتُ بَعْدَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ صَلاةً، وهو قَوْلُ أكابِرِ الصَّحابَةِ، كَعَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ومِنَ الفُقَهاءِ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وأحْمَدَ وإسْحاقَ والمُزَنِيِّ وابْنِ شُرَيْحٍ، وعَلَيْهِ عَمَلُ النّاسِ بِالبُلْدانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ما رَوى جابِرٌ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ صَلّى الصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنا فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، ومَدَّ التَّكْبِيرَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ» . والثّانِي: أنَّ الَّذِي قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ أخَذَ بِالأقَلِّ، وهَذا القَوْلُ أخَذَ بِالأكْثَرِ، والتَّكْثِيرُ في التَّكْبِيرِ أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤١] . الثّالِثُ: أنَّ هَذا هو الأحْوَطُ؛ لِأنَّهُ لَوْ زادَ في التَّكْبِيراتِ فَهو خَيْرٌ مِن أنْ يَنْقُصَ مِنها. والرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ التَّكْبِيراتِ تُنْسَبُ إلى أيّامِ التَّشْرِيقِ، فَوَجَبَ أنْ يُؤْتى بِها إلى آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ التَّكْبِيراتُ مُضافَةٌ إلى الأيّامِ المَعْدُوداتِ وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَشْرُوعَةً يَوْمَ عَرَفَةَ. قُلْنا: فَهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يُكَبِّرَ يَوْمَ النَّحْرِ، وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، وأيْضًا لَمّا كانَ الأغْلَبُ في هَذِهِ المُدَّةِ أيّامَ التَّشْرِيقِ؛ صَحَّ أنْ يُضافَ التَّكْبِيرُ إلَيْها. المَوْضِعُ الثّانِي: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: المُسْتَحَبُّ في التَّكْبِيراتِ أنْ تَكُونَ ثَلاثًا نَسَقًا، أيْ مُتَتابِعًا، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ: يُكَبِّرُ مَرَّتَيْنِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ ما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قالَ: رَأيْتُ الأئِمَّةَ يُكَبِّرُونَ في أيّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الصَّلاةِ ثَلاثًا، ولِأنَّهُ زِيادَةٌ في التَّكْبِيرِ، فَكانَ أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ثُمَّ قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ويَقُولُ بَعْدَ الثَّلاثِ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ“ ثُمَّ قالَ: وما زادَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ فَهو حَسَنٌ، وقالَ في التَّلْبِيَةِ: وأُحِبُّ أنْ لا يَزِيدَ عَلى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والفَرْقُ أنَّ مِن سُنَّةِ التَّلْبِيَةِ التَّكْرارَ فَتَكْرارُها أوْلى مِن ضَمِّ الزِّيادَةِ إلَيْها، وهَهُنا يُكَبِّرُ مَرَّةً واحِدَةً فَتَكُونُ الزِّيادَةُ أوْلى مِنَ السُّكُوتِ، وأمّا التَّكْبِيرُ عَلى الجِمارِ فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ»، فَيَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ فَمَن تَعَجَّلَ ولَمْ يَقُلْ فَمَن عَجَّلَ ؟ الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَعَجَّلَ واسْتَعْجَلَ يَجِيئانِ مُطاوِعَيْنِ بِمَعْنى عَجَّلَ، يُقالُ: تَعَجَّلَ في الأمْرِ واسْتَعْجَلَ، ومُتَعَدِّيَيْنِ يُقالُ: تَعَجَّلَ الذَّهابَ واسْتَعْجَلَهُ. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ فِيهِ إشْكالٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا كانَ قَدِ اسْتَوْفى كُلَّ ما يَلْزَمُهُ في تَمامِ الحَجِّ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ فَإنَّ هَذا اللَّفْظَ إنَّما يُقالُ في حَقِّ المُقَصِّرِ ولا يُقالُ في حَقِّ مَن أتى بِتَمامِ العَمَلِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أذِنَ في التَّعَجُّلِ عَلى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ احْتَمَلَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ قَوْمٍ أنَّ مَن لَمْ يَجْرِ عَلى مُوجَبِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ فَإنَّهُ يَأْثَمُ، ألا تَرى أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: القَصْرُ صفحة ١٦٦ عَزِيمَةٌ، والإتْمامُ غَيْرُ جائِزٍ، فَلَمّا كانَ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا، لا جَرَمَ أزالَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشُّبْهَةَ وبَيَّنَ أنَّهُ لا إثْمَ في الأمْرَيْنِ، فَإنْ شاءَ اسْتَعْجَلَ وجَرى عَلى مُوجَبِ الرُّخْصَةِ، وإنْ شاءَ لَمْ يَسْتَعْجِلْ ولَمْ يَجْرِ عَلى مُوجَبِ الرُّخْصَةِ، ولا إثْمَ عَلَيْهِ في الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. وثانِيها: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مِنهم مَن كانَ يَتَعَجَّلُ، ومِنهم مَن كانَ يَتَأخَّرُ، ثُمَّ كَلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَعِيبُ عَلى الآخَرِ فِعْلَهُ، كانَ المُتَأخِّرُ يَرى أنَّ التَّعَجُّلَ مُخالَفَةٌ لِسُّنَّةِ الحَجِّ، وكانَ المُتَعَجِّلُ يَرى أنَّ التَّأخُّرَ مُخالَفَةٌ لِسُّنَّةِ الحَجِّ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا عَيْبَ في واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ ولا إثْمَ، فَإنْ شاءَ تَعَجَّلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَتَعَجَّلْ. وثالِثُها: أنَّ المَعْنى في إزالَةِ الإثْمِ عَنِ المُتَأخِّرِ إنَّما هو لِمَن زادَ عَلى مَقامِ الثَّلاثِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أيّامَ مِنًى الَّتِي يَنْبَغِي المُقامُ بِها هي ثَلاثٌ، فَمَن نَقَصَ عَنْها فَتَعَجَّلَ في اليَوْمِ الثّانِي مِنها فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ومَن زادَ عَلَيْها فَتَأخَّرَ عَنِ الثّالِثِ إلى الرّابِعِ فَلَمْ يَنْفُرْ مَعَ عامَّةِ النّاسِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. ورابِعُها: أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما ذُكِرَ مُبالَغَةً في بَيانِ أنَّ الحَجَّ سَبَبٌ لِزَوالِ الذُّنُوبِ وتَكْفِيرِ الآثامِ وهَذا مِثْلُ أنَّ الإنْسانَ إذا تَناوَلَ التِّرْياقَ، فالطَّبِيبُ يَقُولُ لَهُ: الآنَ إنْ تَناوَلْتَ السُّمَّ فَلا ضَرَرَ، وإنْ لَمْ تَتَناوَلْ فَلا ضَرَرَ، مَقْصُودُهُ مِن هَذا بَيانُ أنَّ التِّرْياقَ دَواءٌ كامِلٌ في دَفْعِ المَضارِّ، لا بَيانَ أنَّ تَناوُلَ السُّمِّ وعَدَمَ تَناوُلِهِ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا، فَكَذا هَهُنا المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ المُبالَغَةِ في كَوْنِ الحَجِّ مُكَفِّرًا لِكُلِّ الذُّنُوبِ، لا بَيانُ أنَّ التَّعَجُّلَ وتَرْكَهُ سِيّانِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الحَجِّ سَبَبًا قَوِيًّا في تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» “ . وخامِسُها: أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ قالُوا: الجِوارُ مَكْرُوهٌ، لِأنَّهُ إذا جاوَرَ الحَرَمَ والبَيْتَ سَقَطَ وقْعُهُ عَنْ عَيْنِهِ، وإذا كانَ غائِبًا ازْدادَ شَوْقُهُ إلَيْهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ احْتَمَلَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ أحَدِنا عَلى هَذا المَعْنى أنَّ مَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَحالُهُ أفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ، فَقَدِ اخْتارَ المَقامَ بِمِنًى وتَرَكَ الِاسْتِعْجالَ في الطَّوافِ فَلِهَذا السَّبَبِ يَبْقى في الخاطِرِ تَرَدُّدٌ في أنَّ المُتَعَجِّلَ أفْضَلُ أمِ المُتَأخِّرَ ؟ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا إثْمَ ولا حَرَجَ في واحِدٍ مِنهُما. وسادِسُها: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّما قالَ: ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ لِتَكُونَ اللَّفْظَةُ الأُولى مُوافِقَةً لِلثّانِيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ والعُدْوانِ لَيْسَ بِسَيِّئَةٍ ولا بِعُدْوانٍ، فَإذا حَمَلَ عَلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ ما لا يَصِحُّ في المَعْنى، فَلِأنْ يَحْمِلَ عَلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ ما يَصِحُّ في المَعْنى أوْلى؛ لِأنَّ المَبْرُورَ المَأْجُورَ يَصِحُّ في المَعْنى نَفْيُ الإثْمِ عَنْهُ. السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ الإقامَةِ بِمِنًى بَعْدَ الإفاضَةِ مِنَ المُزْدَلِفَةِ ؟ . الجَوابُ: نَعَمْ، كَما كانَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٨] دَلِيلٌ عَلى وُقُوفِهِمْ بِها. واعْلَمْ أنَّ الفُقَهاءَ قالُوا: إنَّما يَجُوزُ التَّعَجُّلُ في اليَوْمَيْنِ لِمَن تَعَجَّلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ اليَوْمَيْنِ فَأمّا إذا غابَتِ الشَّمْسُ مِنَ اليَوْمِ الثّانِي قَبْلَ النَّفْرِ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَنْفُرَ إلّا في اليَوْمِ الثّالِثِ لِأنَّ الشَّمْسَ إذا غابَتْ فَقَدْ ذَهَبَ اليَوْمُ، وإنَّما جُعِلَ لَهُ التَّعَجُّلُ في اليَوْمَيْنِ لا في الثّالِثِ، هَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وقَوْلُ كَثِيرٍ مِن فُقَهاءِ التّابِعِينَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْفُرَ ما لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وقْتَ الرَّمْيِ بَعْدُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الحاجَّ يَرْجِعُ مَغْفُورًا لَهُ بِشَرْطِ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِيما بَقِيَ مِن عُمُرِهِ ولَمْ يَرْتَكِبْ ما يَسْتَوْجِبُ بِهِ العَذابَ، ومَعْناهُ التَّحْذِيرُ مِنَ الِاتِّكالِ عَلى ما سَلَفَ مِن أعْمالِ الحَجِّ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِمْ مَعَ ذَلِكَ مُلازَمَةَ التَّقْوى ومُجانَبَةَ الِاغْتِرارِ بِالحَجِّ السّابِقِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ إنَّما صفحة ١٦٧ تَحْصُلُ لِمَن كانَ مُتَّقِيًا قَبْلَ حَجِّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٢٧] وحَقِيقَتُهُ أنَّ المُصِرَّ عَلى الذَّنْبِ لا يَنْفَعُهُ حَجُّهُ وإنْ كانَ قَدْ أدّى الفَرْضَ في الظّاهِرِ. وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مُتَّقِيًا عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ حالَ اشْتِغالِهِ بِالحَجِّ، كَما رُوِيَ في الخَبَرِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ» “ واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها إشارَةٌ إلى اعْتِبارِهِ في الحالِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الكُلِّ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ ما يَلْزَمُهُ التَّوَقِّي في الحَجِّ عَنْهُ مَن قَتْلِ الصَّيْدِ وغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَجْتَنِبْ ذَلِكَ صارَ مَأْثُومًا، ورُبَّما صارَ عَمَلُهُ مُحْبَطًا، وهَذا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلَّفْظِ المُطْلَقِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. الثّانِي: أنَّ هَذا لا يَصِحَّ إلّا إذا حُمِلَ عَلى ما قَبْلَ هَذِهِ الأيّامِ، لِأنَّهُ في يَوْمِ النَّحْرِ إذا رَمى وطافَ وحَلَقَ، فَقَدْ تَحَلَّلَ قَبْلَ رَمْيِ الجِمارِ فَلا يَلْزَمُهُ اتِّقاءُ الصَّيْدِ إلّا في الحَرَمِ، لَكِنَّ ذاكَ لَيْسَ لِلْإحْرامِ، لَكِنَّ اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا الِاتِّقاءَ مُعْتَبَرٌ في هَذِهِ الأيّامِ، فَسَقَطَ هَذا الوَجْهُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَهو أمْرٌ في المُسْتَقْبَلِ، وهو مُخالِفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الماضِي فَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَكْرارٍ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ التَّقْوى عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ الواجِباتِ وتَرْكِ المُحْرَّماتِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فَهو تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى، وبَعْثٌ عَلى التَّشْدِيدِ فِيهِ؛ لِأنَّ مَن تَصَوَّرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن حَشْرٍ ومُحاسَبَةٍ ومُساءَلَةٍ، وأنَّ بَعْدَ المَوْتِ لا دارَ إلّا الجَنَّةُ أوِ النّارُ، صارَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّواعِي لَهُ إلى التَّقْوى، وأمّا الحَشْرُ فَهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى ابْتِداءِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأجْداثِ إلى انْتِهاءِ المَوْقِفِ، لِأنَّهُ لا يَتِمُّ كَوْنُهم هُناكَ إلّا بِجَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ﴾ أنَّهُ حَيْثُ لا مالِكَ سِواهُ ولا مَلْجَأ إلّا إيّاهُ، ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٩] .

البقرة 2:204

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ مَشاعِرَ الحَجِّ فَرِيقانِ: كافِرٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ ومُسْلِمٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠١] بَقِيَ المُنافِقُ فَذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وشَرَحَ صِفاتِهِ وأفْعالَهُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِنَظْمِ الآيَةِ، والغَرَضُ بِكُلِّ ذَلِكَ أنْ يَبْعَثَ العِبادَ عَلى الطَّرِيقَةِ الحَسَنَةِ فِيما يَتَّصِلُ بِأفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ المَعْبُودَ لا يُمْكِنُ إخْفاءُ الأُمُورِ عَنْهُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ صفحة ١٦٨ المُفَسِّرُونَ عَلى قَوْلَيْنِ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِأقْوامٍ مُعَيَّنِينَ ومِنهم مَن قالَ: إنَّها عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ: فالرِّوايَةُ الأُولى: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وهو حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأظْهَرَ الإسْلامَ، وزَعَمَ أنَّهُ يُحِبُّهُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلى ذَلِكَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ غَيْرَ أنَّهُ كانَ مُنافِقًا حَسَنَ العَلانِيَةِ خَبِيثَ الباطِنِ، ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ هو أنَّ الأخْنَسَ أشارَ عَلى بَنِي زُهْرَةَ بِالرُّجُوعِ يَوْمَ بَدْرٍ وقالَ لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا ابْنُ أُخْتِكم، فَإنْ يَكُ كاذِبًا كَفاكُمُوهُ سائِرُ النّاسِ، وإنْ يَكُ صادِقًا كُنْتُمْ أسْعَدَ النّاسِ بِهِ قالُوا: نِعْمَ الرَّأْيُ ما رَأيْتَ، قالَ: فَإذا نُودِيَ في النّاسِ بِالرَّحِيلِ فَإنِّي أتَخَنَّسُ بِكم فاتَّبِعُونِي ثُمَّ خَنَسَ بِثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسُمِّيَ لِهَذا السَّبَبِ أخْنَسَ، وكانَ اسْمُهُ أُبَيَّ بْنَ شَرِيقٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْجَبَهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِهَذا الفِعْلِ لا يَسْتَوْجِبُ الذَّمَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ هو الأصَحُّ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ أنَّ كَفّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ أنّا قَدْ أسْلَمْنا فابْعَثْ إلَيْنا نَفَرًا مِن عُلَماءِ أصْحابِكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ جَماعَةً فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ، ووَصَلَ الخَبَرُ إلى الكُفّارِ، فَرَكِبَ مِنهم سَبْعُونَ راكِبًا وأحاطُوا بِهِمْ وقَتَلُوهم وصَلَبُوهم، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولِذَلِكَ عَقَبَهُ مِن بَعْدُ بِذِكْرِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى حالِ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ. القَوْلُ الثّانِي: في الآيَةِ وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، ونُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّهُ جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّها وإنْ نَزَلَتْ فِيمَن ذَكَرَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ تَنْزِلَ الآيَةُ في الرَّجُلِ ثُمَّ تَكُونَ عامَّةً في كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفاتِ، والتَّحْقِيقُ في المَسْألَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ إشارَةٌ إلى بَعْضِهِمْ، فَيَحْتَمِلُ الواحِدَ ويَحْتَمِلُ الجَمْعَ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ واحِدٌ مِنَ النّاسِ لِجَوازِ أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى وهو جَمْعٌ، وأمّا نُزُولُهُ عَلى المُسَبِّبِ الَّذِي حَكَيْناهُ فَلا يَمْتَنِعُ مِنَ العُمُومِ، بَلْ نَقُولُ: فِيها ما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ، وهو مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، فَلَمّا ذَمَّ اللَّهُ تَعالى قَوْمًا ووَصَفَهم بِصِفاتٍ تُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ، عَلِمْنا أنَّ المُوجِبَ لِتِلْكَ المَذَمَّةِ هو تِلْكَ الصِّفاتُ، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفاتِ أنْ يَكُونَ مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ. وثانِيها: أنَّ الحَمْلَ عَلى العُمُومِ أكْثَرُ فائِدَةً، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَكُونُ زَجْرًا لِكُلِّ المُكَلَّفِينَ عَنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ المَذْمُومَةِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى الِاحْتِياطِ؛ لِأنّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأمّا إذا خَصَصْناهُ بِذَلِكَ الشَّخْصِ لَمْ يَثْبُتِ الحُكْمُ في غَيْرِهِ؛ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى العُمُومِ أوْلى، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الآيَةَ هَلْ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مُنافِقٌ أمْ لا، والصَّحِيحُ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَذا المَذْكُورَ بِصِفاتٍ خَمْسَةٍ، وشَيْءٌ مِنها لا يَدُلُّ عَلى النِّفاقِ؛ فَأوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهَذا لا صفحة ١٦٩ دَلالَةَ فِيهِ عَلى صِفَةٍ مَذْمُومَةٍ إلّا مِن جِهَةِ الإيماءِ الحاصِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لِأنَّ الإنْسانَ إذا قِيلَ: إنَّهُ حُلْوُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا أوْهَمَ نَوْعًا مِنَ المَذَمَّةِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى حالَةٍ مُنْكَرَةٍ، فَإنْ أضْمَرْنا فِيهِ أنْ يُشْهِدَ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، فالكَلامُ مَعَ هَذا الإضْمارِ لا يَدُلُّ عَلى النِّفاقِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ الَّذِي يُظْهِرُهُ لِلرَّسُولِ مِن أمْرِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، فَإنَّهُ يُضْمِرُ خِلافَهُ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ مُنافِقًا، بَلْ لَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ يُضْمِرُ الفَسادَ ويُظْهِرُ ضِدَّهُ حَتّى يَكُونَ مُرائِيًا. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ وهَذا أيْضًا لا يُوجِبُ النِّفاقَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ والمُسْلِمُ الَّذِي يَكُونُ مُفْسِدًا قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ فَهَذا أيْضًا لا يَقْتَضِي النِّفاقَ، فَعَلِمْنا أنَّ كُلَّ هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ كَما يُمْكِنُ ثُبُوتُها في المُنافِقِ يُمْكِنُ ثُبُوتُها في المُرائِي، فَإذَنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَذا المَذْكُورَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُنافِقًا إلّا أنَّ المُنافِقَ داخِلٌ في الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مُنافِقٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ بَلْ قَدْ يَكُونُ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ غَيْرَ مُنافِقٍ فَثَبَتَ أنّا مَتى حَمَلْنا الآيَةَ عَلى المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ دَخَلَ فِيها المُنافِقُ والمُرائِي، وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الجُمْلَةَ فَنَقُولُ: اللَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا المَذْكُورَ بِصِفاتٍ خَمْسَةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ والمَعْنى: يَرُوقُكَ ويَعْظُمُ في قَلْبِكَ ومِنهُ الشَّيْءُ العَجِيبُ الَّذِي يَعْظُمُ في النَّفْسِ. أمّا في قَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِ القائِلِ: يُعْجِبُنِي كَلامُ فُلانٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ والمَعْنى: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وكَلامُهُ عِنْدَما يَتَكَلَّمُ لِطَلَبِ مَصالِحِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وكَلامُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا وإنْ كانَ لا يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وكَلامُهُ في الآخِرَةِ لِأنَّهُ ما دامَ في الدُّنْيا يَكُونُ جَرِيءَ اللِّسانِ حُلْوَ الكَلامِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّهُ تَعْتَرِيهِ اللُّكْنَةُ والِاحْتِباسُ خَوْفًا مِن هَيْبَةِ اللَّهِ وقَهْرِ كِبْرِيائِهِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يُقَرِّرُ صِدْقَهُ في كَلامِهِ ودَعْواهُ بِالِاسْتِشْهادِ بِاللَّهِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْتِشْهادُ بِالحَلِفِ واليَمِينِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِأنْ يَقُولَ: اللَّهُ يَشْهَدُ بِأنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُ، فَهَذا يَكُونُ اسْتِشْهادًا بِاللَّهِ ولا يَكُونُ يَمِينًا، وعامَّةُ القُرّاءِ يَقْرَءُونَ ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ﴾ بِضَمِّ الياءِ، أيْ هَذا القائِلُ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في ضَمِيرِهِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ”يَشْهَدُ اللَّهُ عَلى ما في قَلْبِهِ“ بِفَتْحِ الياءِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَن قَلْبُهُ خِلافُ ما أظْهَرُهُ. فالقِراءَةُ الأُولى: تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُرائِيًا وعَلى أنَّهُ يُشْهِدُ اللَّهَ باطِلًا عَلى نِفاقِهِ ورِيائِهِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ: فَلا تَدُلُّ إلّا عَلى كَوْنِهِ كاذِبًا، فَأمّا عَلى كَوْنِهِ مُسْتَشْهِدًا بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ فَلا، فَعَلى هَذا القِراءَةُ الأُولى أدَلُّ عَلى الذَّمِّ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الألَدُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، يُقالُ: رَجُلٌ ألَدُّ، وقَوْمٌ لُدٌّ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٧] وهو كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٨] يُقالُ: مِنهُ لَدَّ يَلَدُّ، بِفَتْحِ اللّامِ في يَفْعَلُ مِنهُ، فَهو ألَدُّ، إذا كانَ خَصِمًا، ولَدَدْتُ الرَّجُلَ ألُدُّهُ بِضَمِّ اللّامِ، إذا غَلَبْتَهُ بِالخُصُومَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِن لَدِيدَتَيِ العُنُقِ، وهُما صَفْحَتاهُ، ولَدِيدَيِ الوادِي، وهُما جانِباهُ، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ في أيِّ وجْهٍ أخْذَهُ خَصْمُهُ مِن يَمِينٍ صفحة ١٧٠ وشِمالٍ في أبْوابِ الخُصُومَةِ غَلَبَ مَن خاصَمَهُ. وأمّا الخِصامُ فَفِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: وهُوَ قَوْلُ الخَلِيلُ أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُخاصَمَةِ، كالقِتالِ والطِّعانِ بِمَعْنى المُقاتَلَةِ والمُطاعَنَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وهو شَدِيدُ المُخاصَمَةِ، ثُمَّ في هَذِهِ الإضافَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى ”فِي“ والتَّقْدِيرُ: ألَدُّ في الخِصامِ. والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الخِصامَ ألَدَّ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخِصامَ جَمْعُ خَصْمٍ، كَصِعابٍ وصَعْبٍ، وضِخامٍ وضَخْمٍ، والمَعْنى: وهو أشَدُّ الخُصُومِ خُصُومَةً، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ عَلى ما شَرَحْناهُ: وفِيهِ نَزَلَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهُمَزَةِ: ١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ١١] ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، قالَ مُجاهِدٌ ﴿ألَدُّ الخِصامِ﴾ مَعْناهُ: طالِبٌ لا يَسْتَقِيمُ، وقالَ السُّدِّيُّ: أعْوَجُ الخِصامِ، وقالَ قَتادَةُ: ألَدُّ الخِصامِ مَعْناهُ أنَّهُ جَدِلٌ بِالباطِلِ، شَدِيدُ القَسْوَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، عالِمُ اللِّسانِ جاهِلُ العَمَلِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ المُنْكِرُونَ لِلنَّظَرِ والجَدَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا إنَّهُ تَعالى ذَمَّ ذَلِكَ الإنْسانَ بِكَوْنِهِ شَدِيدًا في الجَدَلِ، ولَوْلا أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن صِفاتِ الذَّمِّ، وإلّا لَما جازَ ذَلِكَ؛ وجَوابُهُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٧] . الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن حالِ ذَلِكَ الإنْسانِ أنَّهُ حُلْوُ الكَلامِ، وأنَّهُ يُقَرِّرُ صِدْقَ قَوْلِهِ بِالِاسْتِشْهادِ بِاللَّهِ وأنَّهُ ألَدُّ الخِصامِ، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَهُ بِاللِّسانِ فَقَلْبُهُ مُنْطَوٍ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وإذا انْصَرَفَ مِن عِنْدِكَ سَعى في الأرْضِ بِالفَسادِ، ثُمَّ هَذا الفَسادُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما كانَ مِن إتْلافِ الأمْوالِ بِالتَّخْرِيبِ والتَّحْرِيقِ والنَّهْبِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ ذَكَرُوا رِواياتٍ، مِنها ما قَدَّمْنا أنَّ الأخْنَسَ لَمّا أظْهَرَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يُحِبُّهُ وأنَّهُ عَلى عَزْمٍ أنْ يُؤْمِنَ، فَلَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ مَرَّ بِزَرْعٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ، ومِنها أنَّهُ لَمّا انْصَرَفَ مِن بَدْرٍ مَرَّ بِبَنِي زُهْرَةَ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ثَقِيفٍ خُصُومَةٌ، فَبَيَّتَهم لَيْلًا وأهْلَكَ مَواشِيَهم وأحْرَقَ زَرْعَهم. والوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الفَسادِ: أنَّهُ كانَ بَعْدَ الِانْصِرافِ مِن حَضْرَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَشْتَغِلُ بِإدْخالِ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، وبِاسْتِخْراجِ الحِيَلِ في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ، وهَذا المَعْنى يُسَمّى فَسادًا، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ قالُوا لَهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٧] أيْ يَرُدُّوا قَوْمَكَ عَنْ دِينِهِمْ، ويُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ شَرِيعَتَهم، وقالَ أيْضًا: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافِرٍ: ٢٦] وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ١١] ما يَقْرُبُ مِن هَذا الوَجْهِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا المَعْنى فَسادًا في الأرْضِ لِأنَّهُ يُوقِعُ الِاخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ ويُفَرِّقُ كَلِمَتَهم ويُؤَدِّي إلى أنْ يَتَبَرَّأ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَتَنْقَطِعَ الأرْحامُ ويَنْسِفُكَ الدِّماءُ، قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٢] فَأخْبَرَ أنَّهم إنْ تَوَلَّوْا عَنْ دِينِهِ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى الفَسادِ في صفحة ١٧١ الأرْضِ، وقَطْعِ الأرْحامِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ قُلْنا وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ الفَسادِ عَلى هَذا أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى التَّخْرِيبِ والنَّهْبِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى﴾ وإذا صارَ والِيًا فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ بِإهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ، وقِيلَ: يُظْهِرُ الظُّلْمَ حَتّى يَمْنَعَ اللَّهُ بِشُؤْمِ ظُلْمِهِ القَطْرَ، فَيَهْلَكَ الحَرْثُ والنَّسْلُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى نَظْمِ الآيَةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ نِفاقِهِ، وهو أنَّهُ عِنْدَ الحُضُورِ يَقُولُ الكَلامَ الحَسَنَ ويُظْهِرُ المَحَبَّةَ، وعِنْدَ الغَيْبَةِ يَسْعى في إيقاعِ الفِتْنَةِ والفَسادِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سَعى في الأرْضِ﴾ أيِ اجْتَهَدَ في إيقاعِ القِتالِ، وأصْلُ السَّعْيِ هو المَشْيُ بِسُرْعَةٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعارٌ لِإيقاعِ الفِتْنَةِ والتَّخْرِيبِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ يَسْعى بِالنَّمِيمَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٧] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَن فَسَّرَ الفَسادَ بِالتَّخْرِيبِ قالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ثُمَّ ذَكَرَهُ ثانِيًا عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ ومَن فَسَّرَ الإفْسادَ بِإلْقاءِ الشُّبْهَةِ قالَ: كَما أنَّ الدِّينَ الحَقَّ أمْرانِ؛ أوَّلُهُما العِلْمُ، وثانِيهِما العَمَلُ، فَكَذا الدِّينُ الباطِلُ أمْرانِ أوَّلُهُما الشُّبُهاتُ، وثانِيهِما فِعْلُ المُنْكَراتِ، فَهَهُنا ذَكَرَ تَعالى أوَّلًا مِن ذَلِكَ الإنْسانِ اشْتِغالَهُ بِالشُّبُهاتِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا إقْدامَهُ عَلى المُنْكَراتِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ ولا شَكَّ في أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْلى ثُمَّ مَن قالَ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ الأخْنَسَ مَرَّ بِزَرْعٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ قالَ: المُرادُ بِالحَرْثِ الزَّرْعُ، وبِالنَّسْلِ تِلْكَ الحُمُرُ، والحَرْثُ هو ما يَكُونُ مِنهُ الزَّرْعُ، قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقِعَةِ: ٦٣] وهو يَقَعُ عَلى كُلِّ ما يُحْرَثُ ويُرْزَعُ مِن أصْنافِ النَّباتِ، وقِيلَ: إنَّ الحَرْثَ هو شَقُّ الأرْضِ، ويُقالُ لِما يُشَقُّ بِهِ: مِحْرَثٌ، وأمّا النَّسْلُ فَهو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ نَسْلُ الدَّوابِّ، والنَّسْلُ في اللُّغَةِ: الوَلَدُ، واشْتِقاقُهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: نَسَلَ يَنْسِلُهُ إذا خَرَجَ فَسَقَطَ، ومِنهُ نَسَلَ رِيشُ الطّائِرِ، ووَبَرَ البَعِيرُ، وشَعَرَ الحِمارُ، إذا خَرَجَ فَسَقَطَ، والقِطْعَةُ مِنها إذا سَقَطَتْ نُسالَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] أيْ يُسْرِعُونَ، لِأنَّهُ أسْرَعَ الخُرُوجَ بِحِدَّةٍ، والنَّسْلُ الوَلَدُ لِخُرُوجِهِ مِن ظَهْرِ الأبِ وبَطْنِ الأُمِّ وسُقُوطِهِ، والنّاسُ نَسْلُ آدَمَ، وأصْلُ الحَرْفِ مِنَ النُّسُولِ وهو الخُرُوجُ، وأمّا مَن قالَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ: أنَّ الأخْنَسَ بَيَّتَ عَلى قَوْمِ ثَقِيفٍ وقَتَلَ مِنهم جَمْعًا، فالمُرادُ بِالحَرْثِ: إمّا النِّسْوانُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٣] أوِ الرِّجالُ وهو قَوْلُ قَوْمٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الحَرْثَ بِشَقِّ الأرْضِ، إذِ الرِّجالُ هُمُ الَّذِينَ يَشُقُّونَ أرْضَ التَّوْلِيدِ، وأمّا النَّسْلُ فالمُرادُ مِنهُ الصِّبْيانُ. واعْلَمْ أنَّهُ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فالمُرادُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الفَسادَ فَسادٌ عَظِيمٌ لا أعْظَمَ مِنهُ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنها عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ إهْلاكُ النَّباتِ والحَيَوانِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي إهْلاكُ الحَيَوانِ بِأصْلِهِ وفَرْعِهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَلا فَسادَ أعْظَمُ مِنهُ، فَإذَنْ قَوْلُهُ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ مِنَ الألْفاظِ الفَصِيحَةِ جِدًّا الدّالَّةِ مَعَ اخْتِصارِها عَلى المُبالَغَةِ الكَثِيرَةِ ونَظِيرُهُ في الِاخْتِصارِ ما قالَهُ في صِفَةِ الجَنَّةِ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧١] وقالَ: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ [النّازِعاتِ: ٣١] . صفحة ١٧٢ فَإنْ قِيلَ: أفَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ، أوْ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ ذَلِكَ ؟ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ دَلَّ عَلى أنَّ غَرَضَهُ أنْ يَسْعى في ذَلِكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ إنْ عَطَفْناهُ عَلى الأوَّلِ لَمْ تَدُلَّ الآيَةُ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ، فَإنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ هَكَذا: سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها، وسَعى لِيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، وإنْ جَعَلْناهُ كَلامًا مُبْتَدَأً مُنْقَطِعًا عَنِ الأوَّلِ، دَلَّ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى، وإنْ كانَتِ الأخْبارُ المَذْكُورَةُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ قَدْ وقَعَتْ ودَخَلَتْ في الوُجُودِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ بَعْضُهم ”ويَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ“ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْحَرْثِ والنَّسْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن يَهْلَكُ وهِي لُغَةٌ نَحْوُ: أبى يَأْبى، ورُوِي عَنْهُ ”ويُهْلَكُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرِيدُ القَبائِحَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ قالُوا: والمَحَبَّةُ عِبارَةٌ عَنِ الإرادَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ [النُّورِ: ١٩] والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّهم يُرِيدُونَ، وأيْضًا نُقِلَ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ أحَبَّ لَكم ثَلاثًا، وكَرِهَ لَكم ثَلاثًا، أحَبَّ لَكم أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَناصَحُوا مِن وُلاةِ أمْرِكم، وكَرِهَ لَكُمُ القِيلَ والقالَ، وإضاعَةَ المالِ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ» “ فَجَعَلَ الكَراهَةَ ضِدَّ المَحَبَّةِ، ولَوْلا أنَّ المَحَبَّةَ عِبارَةٌ عَنِ الإرادَةِ وإلّا لَكانَتِ الكَراهَةُ ضِدًّا لِلْإرادَةِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ المَحَبَّةُ غَيْرَ الإرادَةِ لَصَحَّ أنْ يُحِبَّ الفِعْلَ وإنْ كَرِهَهُ؛ لِأنَّ الكَراهَةَ عَلى هَذا القَوْلِ إنَّما تُضادُّ الإرادَةَ دُونَ المَحَبَّةِ، قالُوا: وإذا ثَبَتَ أنَّ المَحَبَّةَ نَفْسُ الإرادَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِ واللَّهُ لا يُرِيدُ الفَسادَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافِرٍ: ٣١] بَلْ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ أقْوى لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما وقَعَ مِنَ الفَسادِ مِن هَذا المُنافِقِ ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ إشارَةً إلَيْهِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الواقِعَ وقَعَ لا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الفَسادَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لَهُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ لا يُمْكِنُ إلّا مَعَ الإرادَةِ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى مَسْألَةِ الإرادَةِ ومَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ. والأصْحابُ أجابُوا عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المَحَبَّةَ غَيْرُ الإرادَةِ بَلِ المَحَبَّةُ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الشَّيْءِ وذِكْرِ تَعْظِيمِهِ. والثّانِي: إنْ سَلَّمْنا أنَّ المَحَبَّةَ نَفْسُ الإرادَةِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ لا يُفِيدُ العُمُومَ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ الدّاخِلَيْنِ في اللَّفْظِ لا يُفِيدانِ العُمُومَ ثُمَّ الَّذِي يَهْدِمُ قُوَّةَ هَذا الكَلامِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ وداعِيَتَهُ صالِحَةٌ لِلصَّلاحِ والفَسادِ؛ فَتَرَجَّحَ الفَسادُ عَلى الصَّلاحِ، إنْ وقَعَ لا لِعِلَّةٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنْ وقَعَ لِمُرَجِّحٍ فَذَلِكَ المُرَجِّحُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المُرَجِّحُ لِجانِبِ الفَسادِ عَلى جانِبِ الصَّلاحِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُرِيدُهُ. والثّانِي: أنَّهُ عالِمٌ بِوُقُوعِ الفَسادِ، فَإنْ أرادَ أنْ لا يَقَعَ الفَسادُ لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ أنْ يَقْلِبَ عِلْمَ نَفْسِهِ جَهْلًا وذَلِكَ مُحالٌ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ﴾ مَعْناهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَعاهُ إلى تَرْكِ هَذِهِ الأفْعالِ فَدَعاهُ الكِبَرُ والأنَفَةُ إلى الظُّلْمِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ﴾ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ إلّا عَلى أنَّهُ مَتى قِيلَ لَهُ هَذا القَوْلُ أخَذَتْهُ العِزَّةُ، فَإمّا أنَّ هَذا القَوْلَ قِيلَ أوْ ما قِيلَ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ صفحة ١٧٣ بِرِوايَةٍ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وإنْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدْعُو الكُلَّ إلى التَّقْوى مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُنافِقِ جُمْلَةً مِنَ الأفْعالِ المَذْمُومَةِ: أوَّلُها: اشْتِغالُهُ بِالكَلامِ الحَسَنِ في طَلَبِ الدُّنْيا. وثانِيها: اسْتِشْهادُهُ بِاللَّهِ كَذِبًا وبُهْتانًا. وثالِثُها: لَجاجُهُ في إبْطالِ الحَقِّ وإثْباتِ الباطِلِ. ورابِعُها: سَعْيُهُ في الفَسادِ. وخامِسُها: سَعْيُهُ في إهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ. وكُلُّ ذَلِكَ فِعْلٌ مُنْكَرٌ قَبِيحٌ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ فَلَيْسَ بِأنْ يَنْصَرِفَ إلى بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ أوْلى مِن بَعْضٍ، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُلِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّقِ اللَّهَ في إهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ وفي السَّعْيِ بِالفَسادِ، وفي اللَّجاجِ الباطِلِ، وفي الِاسْتِشْهادِ بِاللَّهِ كَذَلِكَ، وفي الحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا فَإنَّهُ لَيْسَ رُجُوعُ النَّهْيِ إلى البَعْضِ أوْلى مِن بَعْضٍ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ أخَذَتْ فُلانًا بِأنْ يَعْمَلَ كَذا، أيْ ألْزَمَتْهُ ذَلِكَ وحَكَمَتْ بِهِ عَلَيْهِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِأنْ يَعْمَلَ الإثْمَ، وذَلِكَ الإثْمُ هو تَرْكُ الِالتِفاتِ إلى هَذا الواعِظِ وعَدَمُ الإصْغاءِ إلَيْهِ. وثانِيها: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ﴾ أيْ لَزِمَتْهُ يُقالُ: أخَذَتْهُ الحُمّى أيْ لَزِمَتْهُ، وأخَذَهُ الكِبَرُ، أيِ اعْتَراهُ ذَلِكَ، فَمَعْنى الآيَةِ إذا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ لَزِمَتْهُ العِزَّةُ الحاصِلَةُ بِالإثْمِ الَّذِي في قَلْبِهِ، فَإنَّ تِلْكَ العِزَّةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ ما في قَلْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والجَهْلِ وعَدَمِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] والباءُ هَهُنا في مَعْنى اللّامِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: فَعَلْتُ هَذا بِسَبَبِكَ ولِسَبَبِكَ، وعاقَبْتُهُ بِجِنايَتِهِ ولِجِنايَتِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كافِيهِ جَهَنَّمُ جَزاءً لَهُ وعَذابًا يُقالُ: حَسْبُكَ دِرْهَمٌ أيْ كَفاكَ وحَسْبُنا اللَّهُ، أيْ كافِينا اللَّهُ، وأمّا جَهَنَّمُ فَقالَ يُونُسُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ: هي اسْمٌ لِلنّارِ الَّتِي يُعَذِّبُ اللَّهُ بِها في الآخِرَةِ وهي أعْجَمِيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ: جَهَنَّمُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ سُمِّيتْ نارُ الآخِرَةِ بِها لِبُعْدِ قَعْرِها، حُكِيَ عَنْ رُؤْبَةَ أنَّهُ قالَ: رَكِيَّةُ جِهْنامٍ بَعِيدَةُ القَعْرِ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المِهادَ والتَّمْهِيدَ: التَّوْطِئَةُ، وأصْلُهُ مِنَ المَهْدِ، قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٨] أيِ المُوَطِّئُونَ المُمَكِّنُونَ، أيْ جَعَلْناها ساكِنَةً مُسْتَقِرَّةً لا تَمِيدُ بِأهْلِها ولا تَنْبُو عَنْهم وقالَ تَعالى: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الرُّومِ: ٤٤] أيْ يَفْرِشُونَ ويُمَكِّنُونَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ لَبِئْسَ المُسْتَقَرُّ كَقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٩] وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المِهادُ الفِراشُ لِلنَّوْمِ، فَلَمّا كانَ المُعَذَّبُ في النّارِ يُلْقى عَلى نارِ جَهَنَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ مِهادًا لَهُ وفِراشًا.

البقرة 2:205

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ مَشاعِرَ الحَجِّ فَرِيقانِ: كافِرٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ ومُسْلِمٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠١] بَقِيَ المُنافِقُ فَذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وشَرَحَ صِفاتِهِ وأفْعالَهُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِنَظْمِ الآيَةِ، والغَرَضُ بِكُلِّ ذَلِكَ أنْ يَبْعَثَ العِبادَ عَلى الطَّرِيقَةِ الحَسَنَةِ فِيما يَتَّصِلُ بِأفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ المَعْبُودَ لا يُمْكِنُ إخْفاءُ الأُمُورِ عَنْهُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ صفحة ١٦٨ المُفَسِّرُونَ عَلى قَوْلَيْنِ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِأقْوامٍ مُعَيَّنِينَ ومِنهم مَن قالَ: إنَّها عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ: فالرِّوايَةُ الأُولى: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وهو حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأظْهَرَ الإسْلامَ، وزَعَمَ أنَّهُ يُحِبُّهُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلى ذَلِكَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ غَيْرَ أنَّهُ كانَ مُنافِقًا حَسَنَ العَلانِيَةِ خَبِيثَ الباطِنِ، ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ هو أنَّ الأخْنَسَ أشارَ عَلى بَنِي زُهْرَةَ بِالرُّجُوعِ يَوْمَ بَدْرٍ وقالَ لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا ابْنُ أُخْتِكم، فَإنْ يَكُ كاذِبًا كَفاكُمُوهُ سائِرُ النّاسِ، وإنْ يَكُ صادِقًا كُنْتُمْ أسْعَدَ النّاسِ بِهِ قالُوا: نِعْمَ الرَّأْيُ ما رَأيْتَ، قالَ: فَإذا نُودِيَ في النّاسِ بِالرَّحِيلِ فَإنِّي أتَخَنَّسُ بِكم فاتَّبِعُونِي ثُمَّ خَنَسَ بِثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسُمِّيَ لِهَذا السَّبَبِ أخْنَسَ، وكانَ اسْمُهُ أُبَيَّ بْنَ شَرِيقٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْجَبَهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِهَذا الفِعْلِ لا يَسْتَوْجِبُ الذَّمَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ هو الأصَحُّ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ أنَّ كَفّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ أنّا قَدْ أسْلَمْنا فابْعَثْ إلَيْنا نَفَرًا مِن عُلَماءِ أصْحابِكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ جَماعَةً فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ، ووَصَلَ الخَبَرُ إلى الكُفّارِ، فَرَكِبَ مِنهم سَبْعُونَ راكِبًا وأحاطُوا بِهِمْ وقَتَلُوهم وصَلَبُوهم، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولِذَلِكَ عَقَبَهُ مِن بَعْدُ بِذِكْرِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى حالِ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ. القَوْلُ الثّانِي: في الآيَةِ وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، ونُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّهُ جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّها وإنْ نَزَلَتْ فِيمَن ذَكَرَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ تَنْزِلَ الآيَةُ في الرَّجُلِ ثُمَّ تَكُونَ عامَّةً في كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفاتِ، والتَّحْقِيقُ في المَسْألَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ إشارَةٌ إلى بَعْضِهِمْ، فَيَحْتَمِلُ الواحِدَ ويَحْتَمِلُ الجَمْعَ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ واحِدٌ مِنَ النّاسِ لِجَوازِ أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى وهو جَمْعٌ، وأمّا نُزُولُهُ عَلى المُسَبِّبِ الَّذِي حَكَيْناهُ فَلا يَمْتَنِعُ مِنَ العُمُومِ، بَلْ نَقُولُ: فِيها ما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ، وهو مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، فَلَمّا ذَمَّ اللَّهُ تَعالى قَوْمًا ووَصَفَهم بِصِفاتٍ تُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ، عَلِمْنا أنَّ المُوجِبَ لِتِلْكَ المَذَمَّةِ هو تِلْكَ الصِّفاتُ، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفاتِ أنْ يَكُونَ مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ. وثانِيها: أنَّ الحَمْلَ عَلى العُمُومِ أكْثَرُ فائِدَةً، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَكُونُ زَجْرًا لِكُلِّ المُكَلَّفِينَ عَنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ المَذْمُومَةِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى الِاحْتِياطِ؛ لِأنّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأمّا إذا خَصَصْناهُ بِذَلِكَ الشَّخْصِ لَمْ يَثْبُتِ الحُكْمُ في غَيْرِهِ؛ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى العُمُومِ أوْلى، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الآيَةَ هَلْ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مُنافِقٌ أمْ لا، والصَّحِيحُ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَذا المَذْكُورَ بِصِفاتٍ خَمْسَةٍ، وشَيْءٌ مِنها لا يَدُلُّ عَلى النِّفاقِ؛ فَأوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهَذا لا صفحة ١٦٩ دَلالَةَ فِيهِ عَلى صِفَةٍ مَذْمُومَةٍ إلّا مِن جِهَةِ الإيماءِ الحاصِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لِأنَّ الإنْسانَ إذا قِيلَ: إنَّهُ حُلْوُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا أوْهَمَ نَوْعًا مِنَ المَذَمَّةِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى حالَةٍ مُنْكَرَةٍ، فَإنْ أضْمَرْنا فِيهِ أنْ يُشْهِدَ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، فالكَلامُ مَعَ هَذا الإضْمارِ لا يَدُلُّ عَلى النِّفاقِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ الَّذِي يُظْهِرُهُ لِلرَّسُولِ مِن أمْرِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، فَإنَّهُ يُضْمِرُ خِلافَهُ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ مُنافِقًا، بَلْ لَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ يُضْمِرُ الفَسادَ ويُظْهِرُ ضِدَّهُ حَتّى يَكُونَ مُرائِيًا. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ وهَذا أيْضًا لا يُوجِبُ النِّفاقَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ والمُسْلِمُ الَّذِي يَكُونُ مُفْسِدًا قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ فَهَذا أيْضًا لا يَقْتَضِي النِّفاقَ، فَعَلِمْنا أنَّ كُلَّ هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ كَما يُمْكِنُ ثُبُوتُها في المُنافِقِ يُمْكِنُ ثُبُوتُها في المُرائِي، فَإذَنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَذا المَذْكُورَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُنافِقًا إلّا أنَّ المُنافِقَ داخِلٌ في الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مُنافِقٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ بَلْ قَدْ يَكُونُ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ غَيْرَ مُنافِقٍ فَثَبَتَ أنّا مَتى حَمَلْنا الآيَةَ عَلى المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ دَخَلَ فِيها المُنافِقُ والمُرائِي، وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الجُمْلَةَ فَنَقُولُ: اللَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا المَذْكُورَ بِصِفاتٍ خَمْسَةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ والمَعْنى: يَرُوقُكَ ويَعْظُمُ في قَلْبِكَ ومِنهُ الشَّيْءُ العَجِيبُ الَّذِي يَعْظُمُ في النَّفْسِ. أمّا في قَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِ القائِلِ: يُعْجِبُنِي كَلامُ فُلانٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ والمَعْنى: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وكَلامُهُ عِنْدَما يَتَكَلَّمُ لِطَلَبِ مَصالِحِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وكَلامُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا وإنْ كانَ لا يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وكَلامُهُ في الآخِرَةِ لِأنَّهُ ما دامَ في الدُّنْيا يَكُونُ جَرِيءَ اللِّسانِ حُلْوَ الكَلامِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّهُ تَعْتَرِيهِ اللُّكْنَةُ والِاحْتِباسُ خَوْفًا مِن هَيْبَةِ اللَّهِ وقَهْرِ كِبْرِيائِهِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يُقَرِّرُ صِدْقَهُ في كَلامِهِ ودَعْواهُ بِالِاسْتِشْهادِ بِاللَّهِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْتِشْهادُ بِالحَلِفِ واليَمِينِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِأنْ يَقُولَ: اللَّهُ يَشْهَدُ بِأنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُ، فَهَذا يَكُونُ اسْتِشْهادًا بِاللَّهِ ولا يَكُونُ يَمِينًا، وعامَّةُ القُرّاءِ يَقْرَءُونَ ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ﴾ بِضَمِّ الياءِ، أيْ هَذا القائِلُ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في ضَمِيرِهِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ”يَشْهَدُ اللَّهُ عَلى ما في قَلْبِهِ“ بِفَتْحِ الياءِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَن قَلْبُهُ خِلافُ ما أظْهَرُهُ. فالقِراءَةُ الأُولى: تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُرائِيًا وعَلى أنَّهُ يُشْهِدُ اللَّهَ باطِلًا عَلى نِفاقِهِ ورِيائِهِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ: فَلا تَدُلُّ إلّا عَلى كَوْنِهِ كاذِبًا، فَأمّا عَلى كَوْنِهِ مُسْتَشْهِدًا بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ فَلا، فَعَلى هَذا القِراءَةُ الأُولى أدَلُّ عَلى الذَّمِّ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الألَدُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، يُقالُ: رَجُلٌ ألَدُّ، وقَوْمٌ لُدٌّ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٧] وهو كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٨] يُقالُ: مِنهُ لَدَّ يَلَدُّ، بِفَتْحِ اللّامِ في يَفْعَلُ مِنهُ، فَهو ألَدُّ، إذا كانَ خَصِمًا، ولَدَدْتُ الرَّجُلَ ألُدُّهُ بِضَمِّ اللّامِ، إذا غَلَبْتَهُ بِالخُصُومَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِن لَدِيدَتَيِ العُنُقِ، وهُما صَفْحَتاهُ، ولَدِيدَيِ الوادِي، وهُما جانِباهُ، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ في أيِّ وجْهٍ أخْذَهُ خَصْمُهُ مِن يَمِينٍ صفحة ١٧٠ وشِمالٍ في أبْوابِ الخُصُومَةِ غَلَبَ مَن خاصَمَهُ. وأمّا الخِصامُ فَفِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: وهُوَ قَوْلُ الخَلِيلُ أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُخاصَمَةِ، كالقِتالِ والطِّعانِ بِمَعْنى المُقاتَلَةِ والمُطاعَنَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وهو شَدِيدُ المُخاصَمَةِ، ثُمَّ في هَذِهِ الإضافَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى ”فِي“ والتَّقْدِيرُ: ألَدُّ في الخِصامِ. والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الخِصامَ ألَدَّ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخِصامَ جَمْعُ خَصْمٍ، كَصِعابٍ وصَعْبٍ، وضِخامٍ وضَخْمٍ، والمَعْنى: وهو أشَدُّ الخُصُومِ خُصُومَةً، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ عَلى ما شَرَحْناهُ: وفِيهِ نَزَلَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهُمَزَةِ: ١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ١١] ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، قالَ مُجاهِدٌ ﴿ألَدُّ الخِصامِ﴾ مَعْناهُ: طالِبٌ لا يَسْتَقِيمُ، وقالَ السُّدِّيُّ: أعْوَجُ الخِصامِ، وقالَ قَتادَةُ: ألَدُّ الخِصامِ مَعْناهُ أنَّهُ جَدِلٌ بِالباطِلِ، شَدِيدُ القَسْوَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، عالِمُ اللِّسانِ جاهِلُ العَمَلِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ المُنْكِرُونَ لِلنَّظَرِ والجَدَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا إنَّهُ تَعالى ذَمَّ ذَلِكَ الإنْسانَ بِكَوْنِهِ شَدِيدًا في الجَدَلِ، ولَوْلا أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن صِفاتِ الذَّمِّ، وإلّا لَما جازَ ذَلِكَ؛ وجَوابُهُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٧] . الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن حالِ ذَلِكَ الإنْسانِ أنَّهُ حُلْوُ الكَلامِ، وأنَّهُ يُقَرِّرُ صِدْقَ قَوْلِهِ بِالِاسْتِشْهادِ بِاللَّهِ وأنَّهُ ألَدُّ الخِصامِ، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَهُ بِاللِّسانِ فَقَلْبُهُ مُنْطَوٍ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وإذا انْصَرَفَ مِن عِنْدِكَ سَعى في الأرْضِ بِالفَسادِ، ثُمَّ هَذا الفَسادُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما كانَ مِن إتْلافِ الأمْوالِ بِالتَّخْرِيبِ والتَّحْرِيقِ والنَّهْبِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ ذَكَرُوا رِواياتٍ، مِنها ما قَدَّمْنا أنَّ الأخْنَسَ لَمّا أظْهَرَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يُحِبُّهُ وأنَّهُ عَلى عَزْمٍ أنْ يُؤْمِنَ، فَلَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ مَرَّ بِزَرْعٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ، ومِنها أنَّهُ لَمّا انْصَرَفَ مِن بَدْرٍ مَرَّ بِبَنِي زُهْرَةَ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ثَقِيفٍ خُصُومَةٌ، فَبَيَّتَهم لَيْلًا وأهْلَكَ مَواشِيَهم وأحْرَقَ زَرْعَهم. والوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الفَسادِ: أنَّهُ كانَ بَعْدَ الِانْصِرافِ مِن حَضْرَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَشْتَغِلُ بِإدْخالِ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، وبِاسْتِخْراجِ الحِيَلِ في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ، وهَذا المَعْنى يُسَمّى فَسادًا، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ قالُوا لَهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٧] أيْ يَرُدُّوا قَوْمَكَ عَنْ دِينِهِمْ، ويُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ شَرِيعَتَهم، وقالَ أيْضًا: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافِرٍ: ٢٦] وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ١١] ما يَقْرُبُ مِن هَذا الوَجْهِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا المَعْنى فَسادًا في الأرْضِ لِأنَّهُ يُوقِعُ الِاخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ ويُفَرِّقُ كَلِمَتَهم ويُؤَدِّي إلى أنْ يَتَبَرَّأ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَتَنْقَطِعَ الأرْحامُ ويَنْسِفُكَ الدِّماءُ، قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٢] فَأخْبَرَ أنَّهم إنْ تَوَلَّوْا عَنْ دِينِهِ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى الفَسادِ في صفحة ١٧١ الأرْضِ، وقَطْعِ الأرْحامِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ قُلْنا وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ الفَسادِ عَلى هَذا أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى التَّخْرِيبِ والنَّهْبِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى﴾ وإذا صارَ والِيًا فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ بِإهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ، وقِيلَ: يُظْهِرُ الظُّلْمَ حَتّى يَمْنَعَ اللَّهُ بِشُؤْمِ ظُلْمِهِ القَطْرَ، فَيَهْلَكَ الحَرْثُ والنَّسْلُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى نَظْمِ الآيَةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ نِفاقِهِ، وهو أنَّهُ عِنْدَ الحُضُورِ يَقُولُ الكَلامَ الحَسَنَ ويُظْهِرُ المَحَبَّةَ، وعِنْدَ الغَيْبَةِ يَسْعى في إيقاعِ الفِتْنَةِ والفَسادِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سَعى في الأرْضِ﴾ أيِ اجْتَهَدَ في إيقاعِ القِتالِ، وأصْلُ السَّعْيِ هو المَشْيُ بِسُرْعَةٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعارٌ لِإيقاعِ الفِتْنَةِ والتَّخْرِيبِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ يَسْعى بِالنَّمِيمَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٧] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَن فَسَّرَ الفَسادَ بِالتَّخْرِيبِ قالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ثُمَّ ذَكَرَهُ ثانِيًا عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ ومَن فَسَّرَ الإفْسادَ بِإلْقاءِ الشُّبْهَةِ قالَ: كَما أنَّ الدِّينَ الحَقَّ أمْرانِ؛ أوَّلُهُما العِلْمُ، وثانِيهِما العَمَلُ، فَكَذا الدِّينُ الباطِلُ أمْرانِ أوَّلُهُما الشُّبُهاتُ، وثانِيهِما فِعْلُ المُنْكَراتِ، فَهَهُنا ذَكَرَ تَعالى أوَّلًا مِن ذَلِكَ الإنْسانِ اشْتِغالَهُ بِالشُّبُهاتِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا إقْدامَهُ عَلى المُنْكَراتِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ ولا شَكَّ في أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْلى ثُمَّ مَن قالَ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ الأخْنَسَ مَرَّ بِزَرْعٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ قالَ: المُرادُ بِالحَرْثِ الزَّرْعُ، وبِالنَّسْلِ تِلْكَ الحُمُرُ، والحَرْثُ هو ما يَكُونُ مِنهُ الزَّرْعُ، قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقِعَةِ: ٦٣] وهو يَقَعُ عَلى كُلِّ ما يُحْرَثُ ويُرْزَعُ مِن أصْنافِ النَّباتِ، وقِيلَ: إنَّ الحَرْثَ هو شَقُّ الأرْضِ، ويُقالُ لِما يُشَقُّ بِهِ: مِحْرَثٌ، وأمّا النَّسْلُ فَهو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ نَسْلُ الدَّوابِّ، والنَّسْلُ في اللُّغَةِ: الوَلَدُ، واشْتِقاقُهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: نَسَلَ يَنْسِلُهُ إذا خَرَجَ فَسَقَطَ، ومِنهُ نَسَلَ رِيشُ الطّائِرِ، ووَبَرَ البَعِيرُ، وشَعَرَ الحِمارُ، إذا خَرَجَ فَسَقَطَ، والقِطْعَةُ مِنها إذا سَقَطَتْ نُسالَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] أيْ يُسْرِعُونَ، لِأنَّهُ أسْرَعَ الخُرُوجَ بِحِدَّةٍ، والنَّسْلُ الوَلَدُ لِخُرُوجِهِ مِن ظَهْرِ الأبِ وبَطْنِ الأُمِّ وسُقُوطِهِ، والنّاسُ نَسْلُ آدَمَ، وأصْلُ الحَرْفِ مِنَ النُّسُولِ وهو الخُرُوجُ، وأمّا مَن قالَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ: أنَّ الأخْنَسَ بَيَّتَ عَلى قَوْمِ ثَقِيفٍ وقَتَلَ مِنهم جَمْعًا، فالمُرادُ بِالحَرْثِ: إمّا النِّسْوانُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٣] أوِ الرِّجالُ وهو قَوْلُ قَوْمٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الحَرْثَ بِشَقِّ الأرْضِ، إذِ الرِّجالُ هُمُ الَّذِينَ يَشُقُّونَ أرْضَ التَّوْلِيدِ، وأمّا النَّسْلُ فالمُرادُ مِنهُ الصِّبْيانُ. واعْلَمْ أنَّهُ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فالمُرادُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الفَسادَ فَسادٌ عَظِيمٌ لا أعْظَمَ مِنهُ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنها عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ إهْلاكُ النَّباتِ والحَيَوانِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي إهْلاكُ الحَيَوانِ بِأصْلِهِ وفَرْعِهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَلا فَسادَ أعْظَمُ مِنهُ، فَإذَنْ قَوْلُهُ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ مِنَ الألْفاظِ الفَصِيحَةِ جِدًّا الدّالَّةِ مَعَ اخْتِصارِها عَلى المُبالَغَةِ الكَثِيرَةِ ونَظِيرُهُ في الِاخْتِصارِ ما قالَهُ في صِفَةِ الجَنَّةِ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧١] وقالَ: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ [النّازِعاتِ: ٣١] . صفحة ١٧٢ فَإنْ قِيلَ: أفَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ، أوْ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ ذَلِكَ ؟ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ دَلَّ عَلى أنَّ غَرَضَهُ أنْ يَسْعى في ذَلِكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ إنْ عَطَفْناهُ عَلى الأوَّلِ لَمْ تَدُلَّ الآيَةُ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ، فَإنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ هَكَذا: سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها، وسَعى لِيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، وإنْ جَعَلْناهُ كَلامًا مُبْتَدَأً مُنْقَطِعًا عَنِ الأوَّلِ، دَلَّ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى، وإنْ كانَتِ الأخْبارُ المَذْكُورَةُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ قَدْ وقَعَتْ ودَخَلَتْ في الوُجُودِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ بَعْضُهم ”ويَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ“ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْحَرْثِ والنَّسْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن يَهْلَكُ وهِي لُغَةٌ نَحْوُ: أبى يَأْبى، ورُوِي عَنْهُ ”ويُهْلَكُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرِيدُ القَبائِحَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ قالُوا: والمَحَبَّةُ عِبارَةٌ عَنِ الإرادَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ [النُّورِ: ١٩] والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّهم يُرِيدُونَ، وأيْضًا نُقِلَ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ أحَبَّ لَكم ثَلاثًا، وكَرِهَ لَكم ثَلاثًا، أحَبَّ لَكم أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَناصَحُوا مِن وُلاةِ أمْرِكم، وكَرِهَ لَكُمُ القِيلَ والقالَ، وإضاعَةَ المالِ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ» “ فَجَعَلَ الكَراهَةَ ضِدَّ المَحَبَّةِ، ولَوْلا أنَّ المَحَبَّةَ عِبارَةٌ عَنِ الإرادَةِ وإلّا لَكانَتِ الكَراهَةُ ضِدًّا لِلْإرادَةِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ المَحَبَّةُ غَيْرَ الإرادَةِ لَصَحَّ أنْ يُحِبَّ الفِعْلَ وإنْ كَرِهَهُ؛ لِأنَّ الكَراهَةَ عَلى هَذا القَوْلِ إنَّما تُضادُّ الإرادَةَ دُونَ المَحَبَّةِ، قالُوا: وإذا ثَبَتَ أنَّ المَحَبَّةَ نَفْسُ الإرادَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِ واللَّهُ لا يُرِيدُ الفَسادَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافِرٍ: ٣١] بَلْ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ أقْوى لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما وقَعَ مِنَ الفَسادِ مِن هَذا المُنافِقِ ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ إشارَةً إلَيْهِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الواقِعَ وقَعَ لا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الفَسادَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لَهُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ لا يُمْكِنُ إلّا مَعَ الإرادَةِ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى مَسْألَةِ الإرادَةِ ومَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ. والأصْحابُ أجابُوا عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المَحَبَّةَ غَيْرُ الإرادَةِ بَلِ المَحَبَّةُ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الشَّيْءِ وذِكْرِ تَعْظِيمِهِ. والثّانِي: إنْ سَلَّمْنا أنَّ المَحَبَّةَ نَفْسُ الإرادَةِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ لا يُفِيدُ العُمُومَ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ الدّاخِلَيْنِ في اللَّفْظِ لا يُفِيدانِ العُمُومَ ثُمَّ الَّذِي يَهْدِمُ قُوَّةَ هَذا الكَلامِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ وداعِيَتَهُ صالِحَةٌ لِلصَّلاحِ والفَسادِ؛ فَتَرَجَّحَ الفَسادُ عَلى الصَّلاحِ، إنْ وقَعَ لا لِعِلَّةٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنْ وقَعَ لِمُرَجِّحٍ فَذَلِكَ المُرَجِّحُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المُرَجِّحُ لِجانِبِ الفَسادِ عَلى جانِبِ الصَّلاحِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُرِيدُهُ. والثّانِي: أنَّهُ عالِمٌ بِوُقُوعِ الفَسادِ، فَإنْ أرادَ أنْ لا يَقَعَ الفَسادُ لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ أنْ يَقْلِبَ عِلْمَ نَفْسِهِ جَهْلًا وذَلِكَ مُحالٌ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ﴾ مَعْناهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَعاهُ إلى تَرْكِ هَذِهِ الأفْعالِ فَدَعاهُ الكِبَرُ والأنَفَةُ إلى الظُّلْمِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ﴾ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ إلّا عَلى أنَّهُ مَتى قِيلَ لَهُ هَذا القَوْلُ أخَذَتْهُ العِزَّةُ، فَإمّا أنَّ هَذا القَوْلَ قِيلَ أوْ ما قِيلَ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ صفحة ١٧٣ بِرِوايَةٍ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وإنْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدْعُو الكُلَّ إلى التَّقْوى مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُنافِقِ جُمْلَةً مِنَ الأفْعالِ المَذْمُومَةِ: أوَّلُها: اشْتِغالُهُ بِالكَلامِ الحَسَنِ في طَلَبِ الدُّنْيا. وثانِيها: اسْتِشْهادُهُ بِاللَّهِ كَذِبًا وبُهْتانًا. وثالِثُها: لَجاجُهُ في إبْطالِ الحَقِّ وإثْباتِ الباطِلِ. ورابِعُها: سَعْيُهُ في الفَسادِ. وخامِسُها: سَعْيُهُ في إهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ. وكُلُّ ذَلِكَ فِعْلٌ مُنْكَرٌ قَبِيحٌ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ فَلَيْسَ بِأنْ يَنْصَرِفَ إلى بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ أوْلى مِن بَعْضٍ، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُلِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّقِ اللَّهَ في إهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ وفي السَّعْيِ بِالفَسادِ، وفي اللَّجاجِ الباطِلِ، وفي الِاسْتِشْهادِ بِاللَّهِ كَذَلِكَ، وفي الحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا فَإنَّهُ لَيْسَ رُجُوعُ النَّهْيِ إلى البَعْضِ أوْلى مِن بَعْضٍ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ أخَذَتْ فُلانًا بِأنْ يَعْمَلَ كَذا، أيْ ألْزَمَتْهُ ذَلِكَ وحَكَمَتْ بِهِ عَلَيْهِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِأنْ يَعْمَلَ الإثْمَ، وذَلِكَ الإثْمُ هو تَرْكُ الِالتِفاتِ إلى هَذا الواعِظِ وعَدَمُ الإصْغاءِ إلَيْهِ. وثانِيها: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ﴾ أيْ لَزِمَتْهُ يُقالُ: أخَذَتْهُ الحُمّى أيْ لَزِمَتْهُ، وأخَذَهُ الكِبَرُ، أيِ اعْتَراهُ ذَلِكَ، فَمَعْنى الآيَةِ إذا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ لَزِمَتْهُ العِزَّةُ الحاصِلَةُ بِالإثْمِ الَّذِي في قَلْبِهِ، فَإنَّ تِلْكَ العِزَّةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ ما في قَلْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والجَهْلِ وعَدَمِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] والباءُ هَهُنا في مَعْنى اللّامِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: فَعَلْتُ هَذا بِسَبَبِكَ ولِسَبَبِكَ، وعاقَبْتُهُ بِجِنايَتِهِ ولِجِنايَتِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كافِيهِ جَهَنَّمُ جَزاءً لَهُ وعَذابًا يُقالُ: حَسْبُكَ دِرْهَمٌ أيْ كَفاكَ وحَسْبُنا اللَّهُ، أيْ كافِينا اللَّهُ، وأمّا جَهَنَّمُ فَقالَ يُونُسُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ: هي اسْمٌ لِلنّارِ الَّتِي يُعَذِّبُ اللَّهُ بِها في الآخِرَةِ وهي أعْجَمِيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ: جَهَنَّمُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ سُمِّيتْ نارُ الآخِرَةِ بِها لِبُعْدِ قَعْرِها، حُكِيَ عَنْ رُؤْبَةَ أنَّهُ قالَ: رَكِيَّةُ جِهْنامٍ بَعِيدَةُ القَعْرِ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المِهادَ والتَّمْهِيدَ: التَّوْطِئَةُ، وأصْلُهُ مِنَ المَهْدِ، قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٨] أيِ المُوَطِّئُونَ المُمَكِّنُونَ، أيْ جَعَلْناها ساكِنَةً مُسْتَقِرَّةً لا تَمِيدُ بِأهْلِها ولا تَنْبُو عَنْهم وقالَ تَعالى: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الرُّومِ: ٤٤] أيْ يَفْرِشُونَ ويُمَكِّنُونَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ لَبِئْسَ المُسْتَقَرُّ كَقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٩] وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المِهادُ الفِراشُ لِلنَّوْمِ، فَلَمّا كانَ المُعَذَّبُ في النّارِ يُلْقى عَلى نارِ جَهَنَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ مِهادًا لَهُ وفِراشًا.

البقرة 2:206

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ مَشاعِرَ الحَجِّ فَرِيقانِ: كافِرٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ ومُسْلِمٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠١] بَقِيَ المُنافِقُ فَذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وشَرَحَ صِفاتِهِ وأفْعالَهُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِنَظْمِ الآيَةِ، والغَرَضُ بِكُلِّ ذَلِكَ أنْ يَبْعَثَ العِبادَ عَلى الطَّرِيقَةِ الحَسَنَةِ فِيما يَتَّصِلُ بِأفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ المَعْبُودَ لا يُمْكِنُ إخْفاءُ الأُمُورِ عَنْهُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ صفحة ١٦٨ المُفَسِّرُونَ عَلى قَوْلَيْنِ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِأقْوامٍ مُعَيَّنِينَ ومِنهم مَن قالَ: إنَّها عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ: فالرِّوايَةُ الأُولى: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وهو حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأظْهَرَ الإسْلامَ، وزَعَمَ أنَّهُ يُحِبُّهُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلى ذَلِكَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ غَيْرَ أنَّهُ كانَ مُنافِقًا حَسَنَ العَلانِيَةِ خَبِيثَ الباطِنِ، ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ هو أنَّ الأخْنَسَ أشارَ عَلى بَنِي زُهْرَةَ بِالرُّجُوعِ يَوْمَ بَدْرٍ وقالَ لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا ابْنُ أُخْتِكم، فَإنْ يَكُ كاذِبًا كَفاكُمُوهُ سائِرُ النّاسِ، وإنْ يَكُ صادِقًا كُنْتُمْ أسْعَدَ النّاسِ بِهِ قالُوا: نِعْمَ الرَّأْيُ ما رَأيْتَ، قالَ: فَإذا نُودِيَ في النّاسِ بِالرَّحِيلِ فَإنِّي أتَخَنَّسُ بِكم فاتَّبِعُونِي ثُمَّ خَنَسَ بِثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسُمِّيَ لِهَذا السَّبَبِ أخْنَسَ، وكانَ اسْمُهُ أُبَيَّ بْنَ شَرِيقٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْجَبَهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِهَذا الفِعْلِ لا يَسْتَوْجِبُ الذَّمَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ هو الأصَحُّ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ أنَّ كَفّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ أنّا قَدْ أسْلَمْنا فابْعَثْ إلَيْنا نَفَرًا مِن عُلَماءِ أصْحابِكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ جَماعَةً فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ، ووَصَلَ الخَبَرُ إلى الكُفّارِ، فَرَكِبَ مِنهم سَبْعُونَ راكِبًا وأحاطُوا بِهِمْ وقَتَلُوهم وصَلَبُوهم، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولِذَلِكَ عَقَبَهُ مِن بَعْدُ بِذِكْرِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى حالِ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ. القَوْلُ الثّانِي: في الآيَةِ وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، ونُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّهُ جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّها وإنْ نَزَلَتْ فِيمَن ذَكَرَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ تَنْزِلَ الآيَةُ في الرَّجُلِ ثُمَّ تَكُونَ عامَّةً في كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفاتِ، والتَّحْقِيقُ في المَسْألَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ إشارَةٌ إلى بَعْضِهِمْ، فَيَحْتَمِلُ الواحِدَ ويَحْتَمِلُ الجَمْعَ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ واحِدٌ مِنَ النّاسِ لِجَوازِ أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى وهو جَمْعٌ، وأمّا نُزُولُهُ عَلى المُسَبِّبِ الَّذِي حَكَيْناهُ فَلا يَمْتَنِعُ مِنَ العُمُومِ، بَلْ نَقُولُ: فِيها ما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ، وهو مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، فَلَمّا ذَمَّ اللَّهُ تَعالى قَوْمًا ووَصَفَهم بِصِفاتٍ تُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ، عَلِمْنا أنَّ المُوجِبَ لِتِلْكَ المَذَمَّةِ هو تِلْكَ الصِّفاتُ، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفاتِ أنْ يَكُونَ مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ. وثانِيها: أنَّ الحَمْلَ عَلى العُمُومِ أكْثَرُ فائِدَةً، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَكُونُ زَجْرًا لِكُلِّ المُكَلَّفِينَ عَنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ المَذْمُومَةِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى الِاحْتِياطِ؛ لِأنّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأمّا إذا خَصَصْناهُ بِذَلِكَ الشَّخْصِ لَمْ يَثْبُتِ الحُكْمُ في غَيْرِهِ؛ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى العُمُومِ أوْلى، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الآيَةَ هَلْ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مُنافِقٌ أمْ لا، والصَّحِيحُ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَذا المَذْكُورَ بِصِفاتٍ خَمْسَةٍ، وشَيْءٌ مِنها لا يَدُلُّ عَلى النِّفاقِ؛ فَأوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهَذا لا صفحة ١٦٩ دَلالَةَ فِيهِ عَلى صِفَةٍ مَذْمُومَةٍ إلّا مِن جِهَةِ الإيماءِ الحاصِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لِأنَّ الإنْسانَ إذا قِيلَ: إنَّهُ حُلْوُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا أوْهَمَ نَوْعًا مِنَ المَذَمَّةِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى حالَةٍ مُنْكَرَةٍ، فَإنْ أضْمَرْنا فِيهِ أنْ يُشْهِدَ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، فالكَلامُ مَعَ هَذا الإضْمارِ لا يَدُلُّ عَلى النِّفاقِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ الَّذِي يُظْهِرُهُ لِلرَّسُولِ مِن أمْرِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، فَإنَّهُ يُضْمِرُ خِلافَهُ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ مُنافِقًا، بَلْ لَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ يُضْمِرُ الفَسادَ ويُظْهِرُ ضِدَّهُ حَتّى يَكُونَ مُرائِيًا. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ وهَذا أيْضًا لا يُوجِبُ النِّفاقَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ والمُسْلِمُ الَّذِي يَكُونُ مُفْسِدًا قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ فَهَذا أيْضًا لا يَقْتَضِي النِّفاقَ، فَعَلِمْنا أنَّ كُلَّ هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ كَما يُمْكِنُ ثُبُوتُها في المُنافِقِ يُمْكِنُ ثُبُوتُها في المُرائِي، فَإذَنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَذا المَذْكُورَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُنافِقًا إلّا أنَّ المُنافِقَ داخِلٌ في الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مُنافِقٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ بَلْ قَدْ يَكُونُ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ غَيْرَ مُنافِقٍ فَثَبَتَ أنّا مَتى حَمَلْنا الآيَةَ عَلى المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ دَخَلَ فِيها المُنافِقُ والمُرائِي، وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الجُمْلَةَ فَنَقُولُ: اللَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا المَذْكُورَ بِصِفاتٍ خَمْسَةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ والمَعْنى: يَرُوقُكَ ويَعْظُمُ في قَلْبِكَ ومِنهُ الشَّيْءُ العَجِيبُ الَّذِي يَعْظُمُ في النَّفْسِ. أمّا في قَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِ القائِلِ: يُعْجِبُنِي كَلامُ فُلانٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ والمَعْنى: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وكَلامُهُ عِنْدَما يَتَكَلَّمُ لِطَلَبِ مَصالِحِ الدُّنْيا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وكَلامُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا وإنْ كانَ لا يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وكَلامُهُ في الآخِرَةِ لِأنَّهُ ما دامَ في الدُّنْيا يَكُونُ جَرِيءَ اللِّسانِ حُلْوَ الكَلامِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّهُ تَعْتَرِيهِ اللُّكْنَةُ والِاحْتِباسُ خَوْفًا مِن هَيْبَةِ اللَّهِ وقَهْرِ كِبْرِيائِهِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يُقَرِّرُ صِدْقَهُ في كَلامِهِ ودَعْواهُ بِالِاسْتِشْهادِ بِاللَّهِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْتِشْهادُ بِالحَلِفِ واليَمِينِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِأنْ يَقُولَ: اللَّهُ يَشْهَدُ بِأنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُ، فَهَذا يَكُونُ اسْتِشْهادًا بِاللَّهِ ولا يَكُونُ يَمِينًا، وعامَّةُ القُرّاءِ يَقْرَءُونَ ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ﴾ بِضَمِّ الياءِ، أيْ هَذا القائِلُ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في ضَمِيرِهِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ”يَشْهَدُ اللَّهُ عَلى ما في قَلْبِهِ“ بِفَتْحِ الياءِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَن قَلْبُهُ خِلافُ ما أظْهَرُهُ. فالقِراءَةُ الأُولى: تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُرائِيًا وعَلى أنَّهُ يُشْهِدُ اللَّهَ باطِلًا عَلى نِفاقِهِ ورِيائِهِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ: فَلا تَدُلُّ إلّا عَلى كَوْنِهِ كاذِبًا، فَأمّا عَلى كَوْنِهِ مُسْتَشْهِدًا بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ فَلا، فَعَلى هَذا القِراءَةُ الأُولى أدَلُّ عَلى الذَّمِّ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الألَدُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، يُقالُ: رَجُلٌ ألَدُّ، وقَوْمٌ لُدٌّ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٧] وهو كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٨] يُقالُ: مِنهُ لَدَّ يَلَدُّ، بِفَتْحِ اللّامِ في يَفْعَلُ مِنهُ، فَهو ألَدُّ، إذا كانَ خَصِمًا، ولَدَدْتُ الرَّجُلَ ألُدُّهُ بِضَمِّ اللّامِ، إذا غَلَبْتَهُ بِالخُصُومَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِن لَدِيدَتَيِ العُنُقِ، وهُما صَفْحَتاهُ، ولَدِيدَيِ الوادِي، وهُما جانِباهُ، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ في أيِّ وجْهٍ أخْذَهُ خَصْمُهُ مِن يَمِينٍ صفحة ١٧٠ وشِمالٍ في أبْوابِ الخُصُومَةِ غَلَبَ مَن خاصَمَهُ. وأمّا الخِصامُ فَفِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: وهُوَ قَوْلُ الخَلِيلُ أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُخاصَمَةِ، كالقِتالِ والطِّعانِ بِمَعْنى المُقاتَلَةِ والمُطاعَنَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وهو شَدِيدُ المُخاصَمَةِ، ثُمَّ في هَذِهِ الإضافَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى ”فِي“ والتَّقْدِيرُ: ألَدُّ في الخِصامِ. والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الخِصامَ ألَدَّ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخِصامَ جَمْعُ خَصْمٍ، كَصِعابٍ وصَعْبٍ، وضِخامٍ وضَخْمٍ، والمَعْنى: وهو أشَدُّ الخُصُومِ خُصُومَةً، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ عَلى ما شَرَحْناهُ: وفِيهِ نَزَلَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهُمَزَةِ: ١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ١١] ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، قالَ مُجاهِدٌ ﴿ألَدُّ الخِصامِ﴾ مَعْناهُ: طالِبٌ لا يَسْتَقِيمُ، وقالَ السُّدِّيُّ: أعْوَجُ الخِصامِ، وقالَ قَتادَةُ: ألَدُّ الخِصامِ مَعْناهُ أنَّهُ جَدِلٌ بِالباطِلِ، شَدِيدُ القَسْوَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، عالِمُ اللِّسانِ جاهِلُ العَمَلِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ المُنْكِرُونَ لِلنَّظَرِ والجَدَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا إنَّهُ تَعالى ذَمَّ ذَلِكَ الإنْسانَ بِكَوْنِهِ شَدِيدًا في الجَدَلِ، ولَوْلا أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن صِفاتِ الذَّمِّ، وإلّا لَما جازَ ذَلِكَ؛ وجَوابُهُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٧] . الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن حالِ ذَلِكَ الإنْسانِ أنَّهُ حُلْوُ الكَلامِ، وأنَّهُ يُقَرِّرُ صِدْقَ قَوْلِهِ بِالِاسْتِشْهادِ بِاللَّهِ وأنَّهُ ألَدُّ الخِصامِ، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَهُ بِاللِّسانِ فَقَلْبُهُ مُنْطَوٍ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وإذا انْصَرَفَ مِن عِنْدِكَ سَعى في الأرْضِ بِالفَسادِ، ثُمَّ هَذا الفَسادُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما كانَ مِن إتْلافِ الأمْوالِ بِالتَّخْرِيبِ والتَّحْرِيقِ والنَّهْبِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ ذَكَرُوا رِواياتٍ، مِنها ما قَدَّمْنا أنَّ الأخْنَسَ لَمّا أظْهَرَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يُحِبُّهُ وأنَّهُ عَلى عَزْمٍ أنْ يُؤْمِنَ، فَلَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ مَرَّ بِزَرْعٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ، ومِنها أنَّهُ لَمّا انْصَرَفَ مِن بَدْرٍ مَرَّ بِبَنِي زُهْرَةَ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ثَقِيفٍ خُصُومَةٌ، فَبَيَّتَهم لَيْلًا وأهْلَكَ مَواشِيَهم وأحْرَقَ زَرْعَهم. والوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الفَسادِ: أنَّهُ كانَ بَعْدَ الِانْصِرافِ مِن حَضْرَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَشْتَغِلُ بِإدْخالِ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، وبِاسْتِخْراجِ الحِيَلِ في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ، وهَذا المَعْنى يُسَمّى فَسادًا، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ قالُوا لَهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٧] أيْ يَرُدُّوا قَوْمَكَ عَنْ دِينِهِمْ، ويُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ شَرِيعَتَهم، وقالَ أيْضًا: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافِرٍ: ٢٦] وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ١١] ما يَقْرُبُ مِن هَذا الوَجْهِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا المَعْنى فَسادًا في الأرْضِ لِأنَّهُ يُوقِعُ الِاخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ ويُفَرِّقُ كَلِمَتَهم ويُؤَدِّي إلى أنْ يَتَبَرَّأ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَتَنْقَطِعَ الأرْحامُ ويَنْسِفُكَ الدِّماءُ، قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٢] فَأخْبَرَ أنَّهم إنْ تَوَلَّوْا عَنْ دِينِهِ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى الفَسادِ في صفحة ١٧١ الأرْضِ، وقَطْعِ الأرْحامِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ قُلْنا وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ الفَسادِ عَلى هَذا أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى التَّخْرِيبِ والنَّهْبِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى﴾ وإذا صارَ والِيًا فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ بِإهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ، وقِيلَ: يُظْهِرُ الظُّلْمَ حَتّى يَمْنَعَ اللَّهُ بِشُؤْمِ ظُلْمِهِ القَطْرَ، فَيَهْلَكَ الحَرْثُ والنَّسْلُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى نَظْمِ الآيَةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ نِفاقِهِ، وهو أنَّهُ عِنْدَ الحُضُورِ يَقُولُ الكَلامَ الحَسَنَ ويُظْهِرُ المَحَبَّةَ، وعِنْدَ الغَيْبَةِ يَسْعى في إيقاعِ الفِتْنَةِ والفَسادِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سَعى في الأرْضِ﴾ أيِ اجْتَهَدَ في إيقاعِ القِتالِ، وأصْلُ السَّعْيِ هو المَشْيُ بِسُرْعَةٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعارٌ لِإيقاعِ الفِتْنَةِ والتَّخْرِيبِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ يَسْعى بِالنَّمِيمَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٧] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَن فَسَّرَ الفَسادَ بِالتَّخْرِيبِ قالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ثُمَّ ذَكَرَهُ ثانِيًا عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ ومَن فَسَّرَ الإفْسادَ بِإلْقاءِ الشُّبْهَةِ قالَ: كَما أنَّ الدِّينَ الحَقَّ أمْرانِ؛ أوَّلُهُما العِلْمُ، وثانِيهِما العَمَلُ، فَكَذا الدِّينُ الباطِلُ أمْرانِ أوَّلُهُما الشُّبُهاتُ، وثانِيهِما فِعْلُ المُنْكَراتِ، فَهَهُنا ذَكَرَ تَعالى أوَّلًا مِن ذَلِكَ الإنْسانِ اشْتِغالَهُ بِالشُّبُهاتِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا إقْدامَهُ عَلى المُنْكَراتِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ ولا شَكَّ في أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْلى ثُمَّ مَن قالَ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ الأخْنَسَ مَرَّ بِزَرْعٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ قالَ: المُرادُ بِالحَرْثِ الزَّرْعُ، وبِالنَّسْلِ تِلْكَ الحُمُرُ، والحَرْثُ هو ما يَكُونُ مِنهُ الزَّرْعُ، قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقِعَةِ: ٦٣] وهو يَقَعُ عَلى كُلِّ ما يُحْرَثُ ويُرْزَعُ مِن أصْنافِ النَّباتِ، وقِيلَ: إنَّ الحَرْثَ هو شَقُّ الأرْضِ، ويُقالُ لِما يُشَقُّ بِهِ: مِحْرَثٌ، وأمّا النَّسْلُ فَهو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ نَسْلُ الدَّوابِّ، والنَّسْلُ في اللُّغَةِ: الوَلَدُ، واشْتِقاقُهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: نَسَلَ يَنْسِلُهُ إذا خَرَجَ فَسَقَطَ، ومِنهُ نَسَلَ رِيشُ الطّائِرِ، ووَبَرَ البَعِيرُ، وشَعَرَ الحِمارُ، إذا خَرَجَ فَسَقَطَ، والقِطْعَةُ مِنها إذا سَقَطَتْ نُسالَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] أيْ يُسْرِعُونَ، لِأنَّهُ أسْرَعَ الخُرُوجَ بِحِدَّةٍ، والنَّسْلُ الوَلَدُ لِخُرُوجِهِ مِن ظَهْرِ الأبِ وبَطْنِ الأُمِّ وسُقُوطِهِ، والنّاسُ نَسْلُ آدَمَ، وأصْلُ الحَرْفِ مِنَ النُّسُولِ وهو الخُرُوجُ، وأمّا مَن قالَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ: أنَّ الأخْنَسَ بَيَّتَ عَلى قَوْمِ ثَقِيفٍ وقَتَلَ مِنهم جَمْعًا، فالمُرادُ بِالحَرْثِ: إمّا النِّسْوانُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٣] أوِ الرِّجالُ وهو قَوْلُ قَوْمٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الحَرْثَ بِشَقِّ الأرْضِ، إذِ الرِّجالُ هُمُ الَّذِينَ يَشُقُّونَ أرْضَ التَّوْلِيدِ، وأمّا النَّسْلُ فالمُرادُ مِنهُ الصِّبْيانُ. واعْلَمْ أنَّهُ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فالمُرادُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الفَسادَ فَسادٌ عَظِيمٌ لا أعْظَمَ مِنهُ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنها عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ إهْلاكُ النَّباتِ والحَيَوانِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي إهْلاكُ الحَيَوانِ بِأصْلِهِ وفَرْعِهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَلا فَسادَ أعْظَمُ مِنهُ، فَإذَنْ قَوْلُهُ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ مِنَ الألْفاظِ الفَصِيحَةِ جِدًّا الدّالَّةِ مَعَ اخْتِصارِها عَلى المُبالَغَةِ الكَثِيرَةِ ونَظِيرُهُ في الِاخْتِصارِ ما قالَهُ في صِفَةِ الجَنَّةِ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧١] وقالَ: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ [النّازِعاتِ: ٣١] . صفحة ١٧٢ فَإنْ قِيلَ: أفَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ، أوْ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ ذَلِكَ ؟ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ دَلَّ عَلى أنَّ غَرَضَهُ أنْ يَسْعى في ذَلِكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ إنْ عَطَفْناهُ عَلى الأوَّلِ لَمْ تَدُلَّ الآيَةُ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ، فَإنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ هَكَذا: سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها، وسَعى لِيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، وإنْ جَعَلْناهُ كَلامًا مُبْتَدَأً مُنْقَطِعًا عَنِ الأوَّلِ، دَلَّ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى، وإنْ كانَتِ الأخْبارُ المَذْكُورَةُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ قَدْ وقَعَتْ ودَخَلَتْ في الوُجُودِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ بَعْضُهم ”ويَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ“ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْحَرْثِ والنَّسْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن يَهْلَكُ وهِي لُغَةٌ نَحْوُ: أبى يَأْبى، ورُوِي عَنْهُ ”ويُهْلَكُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرِيدُ القَبائِحَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ قالُوا: والمَحَبَّةُ عِبارَةٌ عَنِ الإرادَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ [النُّورِ: ١٩] والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّهم يُرِيدُونَ، وأيْضًا نُقِلَ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ أحَبَّ لَكم ثَلاثًا، وكَرِهَ لَكم ثَلاثًا، أحَبَّ لَكم أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَناصَحُوا مِن وُلاةِ أمْرِكم، وكَرِهَ لَكُمُ القِيلَ والقالَ، وإضاعَةَ المالِ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ» “ فَجَعَلَ الكَراهَةَ ضِدَّ المَحَبَّةِ، ولَوْلا أنَّ المَحَبَّةَ عِبارَةٌ عَنِ الإرادَةِ وإلّا لَكانَتِ الكَراهَةُ ضِدًّا لِلْإرادَةِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ المَحَبَّةُ غَيْرَ الإرادَةِ لَصَحَّ أنْ يُحِبَّ الفِعْلَ وإنْ كَرِهَهُ؛ لِأنَّ الكَراهَةَ عَلى هَذا القَوْلِ إنَّما تُضادُّ الإرادَةَ دُونَ المَحَبَّةِ، قالُوا: وإذا ثَبَتَ أنَّ المَحَبَّةَ نَفْسُ الإرادَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِ واللَّهُ لا يُرِيدُ الفَسادَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافِرٍ: ٣١] بَلْ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ أقْوى لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما وقَعَ مِنَ الفَسادِ مِن هَذا المُنافِقِ ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ إشارَةً إلَيْهِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الواقِعَ وقَعَ لا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الفَسادَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لَهُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ لا يُمْكِنُ إلّا مَعَ الإرادَةِ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى مَسْألَةِ الإرادَةِ ومَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ. والأصْحابُ أجابُوا عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المَحَبَّةَ غَيْرُ الإرادَةِ بَلِ المَحَبَّةُ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الشَّيْءِ وذِكْرِ تَعْظِيمِهِ. والثّانِي: إنْ سَلَّمْنا أنَّ المَحَبَّةَ نَفْسُ الإرادَةِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ لا يُفِيدُ العُمُومَ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ الدّاخِلَيْنِ في اللَّفْظِ لا يُفِيدانِ العُمُومَ ثُمَّ الَّذِي يَهْدِمُ قُوَّةَ هَذا الكَلامِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ وداعِيَتَهُ صالِحَةٌ لِلصَّلاحِ والفَسادِ؛ فَتَرَجَّحَ الفَسادُ عَلى الصَّلاحِ، إنْ وقَعَ لا لِعِلَّةٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنْ وقَعَ لِمُرَجِّحٍ فَذَلِكَ المُرَجِّحُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المُرَجِّحُ لِجانِبِ الفَسادِ عَلى جانِبِ الصَّلاحِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُرِيدُهُ. والثّانِي: أنَّهُ عالِمٌ بِوُقُوعِ الفَسادِ، فَإنْ أرادَ أنْ لا يَقَعَ الفَسادُ لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ أنْ يَقْلِبَ عِلْمَ نَفْسِهِ جَهْلًا وذَلِكَ مُحالٌ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ﴾ مَعْناهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَعاهُ إلى تَرْكِ هَذِهِ الأفْعالِ فَدَعاهُ الكِبَرُ والأنَفَةُ إلى الظُّلْمِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ﴾ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ إلّا عَلى أنَّهُ مَتى قِيلَ لَهُ هَذا القَوْلُ أخَذَتْهُ العِزَّةُ، فَإمّا أنَّ هَذا القَوْلَ قِيلَ أوْ ما قِيلَ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ صفحة ١٧٣ بِرِوايَةٍ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وإنْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدْعُو الكُلَّ إلى التَّقْوى مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُنافِقِ جُمْلَةً مِنَ الأفْعالِ المَذْمُومَةِ: أوَّلُها: اشْتِغالُهُ بِالكَلامِ الحَسَنِ في طَلَبِ الدُّنْيا. وثانِيها: اسْتِشْهادُهُ بِاللَّهِ كَذِبًا وبُهْتانًا. وثالِثُها: لَجاجُهُ في إبْطالِ الحَقِّ وإثْباتِ الباطِلِ. ورابِعُها: سَعْيُهُ في الفَسادِ. وخامِسُها: سَعْيُهُ في إهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ. وكُلُّ ذَلِكَ فِعْلٌ مُنْكَرٌ قَبِيحٌ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ فَلَيْسَ بِأنْ يَنْصَرِفَ إلى بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ أوْلى مِن بَعْضٍ، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُلِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّقِ اللَّهَ في إهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ وفي السَّعْيِ بِالفَسادِ، وفي اللَّجاجِ الباطِلِ، وفي الِاسْتِشْهادِ بِاللَّهِ كَذَلِكَ، وفي الحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا فَإنَّهُ لَيْسَ رُجُوعُ النَّهْيِ إلى البَعْضِ أوْلى مِن بَعْضٍ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ أخَذَتْ فُلانًا بِأنْ يَعْمَلَ كَذا، أيْ ألْزَمَتْهُ ذَلِكَ وحَكَمَتْ بِهِ عَلَيْهِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِأنْ يَعْمَلَ الإثْمَ، وذَلِكَ الإثْمُ هو تَرْكُ الِالتِفاتِ إلى هَذا الواعِظِ وعَدَمُ الإصْغاءِ إلَيْهِ. وثانِيها: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ﴾ أيْ لَزِمَتْهُ يُقالُ: أخَذَتْهُ الحُمّى أيْ لَزِمَتْهُ، وأخَذَهُ الكِبَرُ، أيِ اعْتَراهُ ذَلِكَ، فَمَعْنى الآيَةِ إذا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ لَزِمَتْهُ العِزَّةُ الحاصِلَةُ بِالإثْمِ الَّذِي في قَلْبِهِ، فَإنَّ تِلْكَ العِزَّةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ ما في قَلْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والجَهْلِ وعَدَمِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] والباءُ هَهُنا في مَعْنى اللّامِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: فَعَلْتُ هَذا بِسَبَبِكَ ولِسَبَبِكَ، وعاقَبْتُهُ بِجِنايَتِهِ ولِجِنايَتِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كافِيهِ جَهَنَّمُ جَزاءً لَهُ وعَذابًا يُقالُ: حَسْبُكَ دِرْهَمٌ أيْ كَفاكَ وحَسْبُنا اللَّهُ، أيْ كافِينا اللَّهُ، وأمّا جَهَنَّمُ فَقالَ يُونُسُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ: هي اسْمٌ لِلنّارِ الَّتِي يُعَذِّبُ اللَّهُ بِها في الآخِرَةِ وهي أعْجَمِيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ: جَهَنَّمُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ سُمِّيتْ نارُ الآخِرَةِ بِها لِبُعْدِ قَعْرِها، حُكِيَ عَنْ رُؤْبَةَ أنَّهُ قالَ: رَكِيَّةُ جِهْنامٍ بَعِيدَةُ القَعْرِ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المِهادَ والتَّمْهِيدَ: التَّوْطِئَةُ، وأصْلُهُ مِنَ المَهْدِ، قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٨] أيِ المُوَطِّئُونَ المُمَكِّنُونَ، أيْ جَعَلْناها ساكِنَةً مُسْتَقِرَّةً لا تَمِيدُ بِأهْلِها ولا تَنْبُو عَنْهم وقالَ تَعالى: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الرُّومِ: ٤٤] أيْ يَفْرِشُونَ ويُمَكِّنُونَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ لَبِئْسَ المُسْتَقَرُّ كَقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٩] وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المِهادُ الفِراشُ لِلنَّوْمِ، فَلَمّا كانَ المُعَذَّبُ في النّارِ يُلْقى عَلى نارِ جَهَنَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ مِهادًا لَهُ وفِراشًا.

البقرة 2:207

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ مَن يَبْذُلُ دِينَهُ لِطَلَبِ الدُّنْيا ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حالَ مَن يَبْذُلُ دُنْياهُ ونَفْسَهُ ومالَهُ لِطَلَبِ الدِّينِ، فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ رِواياتٌ: أحَدُها: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعانَ، وفي عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وفي سُمَيَّةَ أُمِّهِ، وفي ياسِرٍ أبِيهِ، وفي بِلالٍ مَوْلى أبِي صفحة ١٧٤ بَكْرٍ، وفي خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وفي عابِسٍ مَوْلى حُوَيْطِبٍ أخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَعَذَّبُوهم، فَأمّا صُهَيْبٌ فَقالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: إنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، ولِي مالٌ ومَتاعٌ، ولا يَضُرُّكم كُنْتُ مِنكم أوْ مِن عَدْوِّكم تَكَلَّمْتُ بِكَلامٍ، وأنا أكْرَهُ أنْ أنْزِلَ عَنْهُ وأنا أُعْطِيكم مالِي ومَتاعِي وأشْتَرِي مِنكم دِينِي، فَرَضُوا مِنهُ بِذَلِكَ وخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فانْصَرَفَ راجِعًا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وعِنْدَ دُخُولِ صُهَيْبٍ المَدِينَةَ لَقِيَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ لَهُ: رَبِحَ بَيْعُكَ، فَقالَ لَهُ صُهَيْبٌ: وبَيْعُكَ فَلا يَخْسَرُ ما ذاكَ ؟ فَقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذا، وقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ، وأمّا خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ وأبُو ذَرٍّ فَقَدْ فَرّا وأتَيا المَدِينَةَ، وأمّا سُمَيَّةُ فَرُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ ثُمَّ قُتِلَتْ وقُتِلَ ياسِرٌ، وأمّا الباقُونَ فَأعْطَوْا بِسَبَبِ العَذابِ بَعْضَ ما أرادَ المُشْرِكُونَ فَتُرِكُوا، وفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [النَّحْلِ: ٤١] بِتَعْذِيبِ أهْلِ مَكَّةَ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [النَّحْلِ: ٤١] بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، وفِيهِمْ نَزَلَ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ . والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنْ مُنْكَرٍ، عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ باتَ عَلى فِراشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ خُرُوجِهِ إلى الغارِ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا نامَ عَلى فِراشِهِ قامَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَأْسِهِ، ومِيكائِيلُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وجِبْرِيلُ يُنادِي: بَخٍ بَخٍ مَن مِثْلُكَ يا ابْنَ أبِي طالِبٍ يُباهِي اللَّهُ بِكَ المَلائِكَةَ ونَزَلَتِ الآيَةُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الشِّراءِ: البَيْعُ، قالَ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يُوسُفَ: ٢٠] أيْ باعُوهُ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المُكَلَّفَ باعَ نَفْسَهُ بِثَوابِ الآخِرَةِ وهَذا البَيْعُ هو أنَّهُ بَذَلَها في طاعَةِ اللَّهِ، مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ والحَجِّ والجِهادِ، ثُمَّ تَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى وِجْدانِ ثَوابِ اللَّهِ، كانَ ما يَبْذُلُهُ مِن نَفْسِهِ كالسِّلْعَةِ، وصارَ الباذِلُ كالبائِعِ، واللَّهُ كالمُشْتَرِي، كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١] وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تِجارَةً، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصَّفِ: ١٠] وعِنْدِي أنَّهُ يُمْكِنُ إجْراءُ لَفْظَةِ الشِّراءِ عَلى ظاهِرِها وذَلِكَ أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ والتَّوَسُّعِ في مَلاذِ الدُّنْيا والإعْراضِ عَنِ الآخِرَةِ وقَعَ في العَذابِ الدّائِمِ فَصارَ في التَّقْدِيرِ كَأنَّ نَفْسَهُ كانَتْ لَهُ، فَبِسَبَبِ الكُفْرِ والفِسْقِ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ وصارَتْ حَقًّا لِلنّارِ والعَذابِ، فَإذا تَرَكَ الكُفْرَ والفِسْقَ وأقَدَمَ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ صارَ كَأنَّهُ اشْتَرى نَفْسَهُ مِنَ العَذابِ والنّارِ فَصارَ حالُ المُؤْمِنِ كالمُكاتَبِ يَبْذُلُ دارَهِمَ مَعْدُودَةً ويَشْتَرِي بِها نَفْسَهُ فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ يَبْذُلُ أنْفاسًا مَعْدُودَةً ويَشْتَرِي بِها نَفْسَهُ أبَدًا لَكِنَّ المَكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دارَهِمُ، فَكَذا المُكَلَّفُ لا يَنْجُو عَنْ رِقِّ العُبُودِيَّةِ ما دامَ لَهُ نَفْسٌ واحِدٌ في الدُّنْيا، ولِهَذا قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣١] وقالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحِجْرِ: ٩٩] . فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ نَفْسَهُ مُشْتَرِيًا حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١] وهَذا يَمْنَعُ كَوْنَ المُؤْمِنِ مُشْتَرِيًا. قُلْنا: لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَهو كَمَنِ اشْتَرى ثَوْبًا بِعَبْدٍ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما بائِعٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشْتَرٍ، صفحة ١٧٥ فَكَذا هَهُنا وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَلا يُحْتاجُ إلى تَرْكِ الظّاهِرِ وإلى حَمْلِ لَفْظِ الشِّراءِ عَلى البَيْعِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: يَدْخُلُ تَحْتَ هَذا كُلُّ مَشَقَّةٍ يَتَحَمَّلُها الإنْسانُ في طَلَبِ الدِّينِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُجاهِدُ، ويَدْخُلُ فِيهِ الباذِلُ مُهْجَتَهُ الصّابِرُ عَلى القَتْلِ، كَما فَعَلَهُ أبُو عَمّارٍ وأُمُّهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ الآبِقُ مِنَ الكُفّارِ إلى المُسْلِمِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ المُشْتَرِي نَفْسَهُ مِنَ الكُفّارِ بِمالِهِ كَما فَعَلَ صُهَيْبٌ، ويَدْخُلُ فِيهِ مَن يُظْهِرُ الدِّينَ والحَقَّ عِنْدَ السُّلْطانِ الجائِرِ. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَعَثَ جَيْشًا فَحاصَرُوا قَصْرًا فَتَقَدَّمَ مِنهم واحِدٌ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: ألْقى بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ، فَقالَ عُمَرُ: كَذَبْتُمْ رَحِمَ اللَّهُ أبا فُلانٍ، وقَرَأ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ المَشَقَّةَ الَّتِي يَتَحَمَّلُها الإنْسانُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ عَلى وفْقِ الشَّرْعِ حَتّى يَدْخُلَ بِسَبَبِهِ تَحْتَ الآيَةِ، فَأمّا لَوْ كانَ عَلى خِلافِ الشَّرْعِ فَهو غَيْرُ داخِلٍ فِيهِ بَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ مِن بابِ إلْقاءِ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ نَحْوَ ما إذا خافَ التَّلَفَ عِنْدَ الِاغْتِسالِ مِنَ الجَنابَةِ فَفَعَلَ، قالَ قَتادَةُ: أما واللَّهِ ما هم بِأهْلِ حَرُوراءَ المُرّاقِ مِنَ الدِّينِ ولَكِنَّهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لَمّا رَأوُا المُشْرِكِينَ يَدَّعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ قاتَلُوا عَلى دِينِ اللَّهِ وشَرَوْا أنْفُسَهم غَضَبًا لِلَّهِ وجِهادًا في سَبِيلِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ أيْ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ، و”يَشْرِي“ بِمَعْنى يَشْتَرِي. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ فَمِن رَأْفَتِهِ أنَّهُ جَعَلَ النَّعِيمَ الدّائِمَ جَزاءً عَلى العَمَلِ القَلِيلِ المُنْقَطِعِ، ومِن رَأْفَتِهِ جَوَّزَ لَهم كَلِمَةَ الكُفْرِ إبْقاءً عَلى النَّفْسِ، ومِن رَأْفَتِهِ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ومِن رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ أنَّ المُصِرَّ عَلى الكُفْرِ مِائَةَ سَنَةٍ إذا تابَ ولَوْ في لَحْظَةٍ أسْقَطَ كُلَّ ذَلِكَ العِقابِ. وأعْطاهُ الثَّوابَ الدّائِمَ، ومِن رَأْفَتِهِ أنَّ النَّفْسَ لَهُ والمالَ، ثُمَّ إنَّهُ يَشْتَرِي مُلْكَهُ بِمُلْكِهِ فَضْلًا مِنهُ ورَحْمَةً وإحْسانًا.

البقرة 2:208

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِ أنَّهُ يَسْعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، أمَرَ المُسْلِمِينَ بِما يُضادُّ ذَلِكَ، وهو المُوافَقَةُ في الإسْلامِ وفي شَرائِعِهِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ ”السَّلْمِ“ بِفَتْحِ السِّينِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنْفالِ: ٦١] وقَوْلِهِ: ﴿وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ ”السِّلامِ“ بِكَسْرِ السِّينِ في الكُلِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ في هَذِهِ، والَّتِي في البَقَرَةِ، والَّتِي في سُورَةِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ”وتَدْعُوا إلى السِّلْمِ“ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ السِّينِ في هَذِهِ الَّتِي في البَقَرَةِ وحْدَها وبِفَتْحِ السِّينِ في الأنْفالِ، وفي سُورَةِ مُحَمَّدٍ، فَذَهَبَ ذاهِبُونَ إلى أنَّهُما لُغَتانِ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، مِثْلَ: رَطْلٍ ورِطْلٍ، وجَسْرٍ وجِسْرٍ، صفحة ١٧٦ وقَرَأ الأعْمَشُ بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الِانْقِيادِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣١] والإسْلامُ إنَّما سُمِّيَ إسْلامًا لِهَذا المَعْنى، وغَلُبَ اسْمُ السِّلْمِ عَلى الصُّلْحِ وتَرْكِ الحَرْبِ، وهَذا أيْضًا راجِعٌ إلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ عِنْدَ الصُّلْحِ يَنْقادُ كُلُّ واحِدٍ لِصاحِبِهِ ولا يُنازِعُهُ فِيهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وفِيهِ لُغاتٌ ثَلاثٌ: السِّلْمُ، والسَّلْمُ، والسَّلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا السِّلْمَ عَلى الإسْلامِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في الإسْلامِ، والإيمانُ هو الإسْلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وُجُوهًا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ المُنافِقُونَ، والتَّقْدِيرُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمُ ادْخُلُوا بِكُلِّيَّتِكم في الإسْلامِ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، أيْ آثارَ تَزْيِينِهِ وغُرُورِهِ في الإقامَةِ عَلى النِّفاقِ، ومَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ احْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما ورَدَتْ عَقِيبَ ما مَضى مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ الآيَةَ. فَلَمّا وصَفَ المُنافِقَ بِما ذَكَرَ دَعا في هَذِهِ الآيَةِ إلى الإيمانِ بِالقَلْبِ وتَرْكِ النِّفاقِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ وذَلِكَ لِأنَّهم حِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامُوا بَعْدَهُ عَلى تَعْظِيمِ شَرائِعِ مُوسى، فَعَظَّمُوا السَّبْتَ، وكَرِهُوا لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، وكانُوا يَقُولُونَ: تَرْكُ هَذِهِ الأشْياءِ مُباحٌ في الإسْلامِ، وواجِبٌ في التَّوْراةِ، فَنَحْنُ نَتْرُكُها احْتِياطًا، فَكَرِهَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهم وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً، أيْ في شَرائِعِ الإسْلامِ كافَّةً، ولا يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ اعْتِقادًا لَهُ وعَمَلًا بِهِ؛ لِأنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ في التَّمَسُّكِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ بَعْدَ أنْ عَرَفْتُمْ أنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ جَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿كافَّةً﴾ مِن وصْفِ السِّلْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ادْخُلُوا في جَمِيعِ شَرائِعِ الإسْلامِ اعْتِقادًا وعَمَلًا. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ هَذا الخِطابُ واقِعًا عَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِالكِتابِ المُتَقَدِّمِ ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ أيْ أكْمِلُوا طاعَتَكم في الإيمانِ وذَلِكَ أنْ تُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ أنْبِيائِهِ وكُتُبِهِ فادْخُلُوا بِإيمانِكم بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِكِتابِهِ في السِّلْمِ عَلى التَّمامِ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ في تَحْسِينِهِ عِنْدَ الِاقْتِصارِ عَلى دِينِ التَّوْراةِ بِسَبَبِ أنَّهُ دِينٌ اتَّفَقُوا كُلُّهم عَلى أنَّهُ حَقٌّ بِسَبَبِ أنَّهُ جاءَ في التَّوْراةِ: تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ الشُّبُهاتُ الَّتِي يَتَمَسَّكُونَ بِها في بَقاءِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ. ورابِعُها: هَذا الخِطابُ واقِعٌ عَلى المُسْلِمِينَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالألْسِنَةِ ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ أيْ دُومُوا عَلى الإسْلامِ فِيما تَسْتَأْنِفُونَهُ مِنَ العُمُرِ، ولا تَخْرُجُوا عَنْهُ ولا عَنْ شَيْءٍ مِن شَرائِعِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ ولا تَلْتَفِتُوا إلى الشُّبُهاتِ الَّتِي تُلْقِيها إلَيْكم أصْحابُ الضَّلالَةِ والغَوايَةِ ومَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ قالَ: هَذا الوَجْهُ مُتَأكَّدٌ بِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وبِما بَعْدَها، أمّا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فَهو ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في صفحة ١٧٧ صِفَةِ ذَلِكَ المُنافِقِ في قَوْلِهِ: ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ وما ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ المُرادَ مِنهُ إلْقاءُ الشُّبُهاتِ إلى المُسْلِمِينَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: دُومُوا عَلى إسْلامِكم ولا تَتَّبِعُوا تِلْكَ الشُّبُهاتِ الَّتِي يَذْكُرُها المُنافِقُونَ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠] يَعْنِي هَؤُلاءِ الكُفّارُ مُعانِدُونَ مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ قَدْ أُزِيحَتْ عِلَلُهم وهم لا يُوقِفُونَ قَوْلَهم بِهَذا الدِّينِ الحَقِّ إلّا عَلى أُمُورٍ باطِلَةٍ مِثْلَ أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةِ. فَإنْ قِيلَ: المَوْقُوفُ بِالشَّيْءِ يُقالُ لَهُ: دُمْ عَلَيْهِ، ولَكِنْ لا يُقالُ لَهُ: ادْخُلْ فِيهِ، والمَذْكُورُ في الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا﴾ . قُلْنا: إنَّ الكائِنَ في الدّارِ إذا عَلِمَ أنَّ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ خُرُوجًا عَنْها فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يُؤْمَرَ بِدُخُولِها في المُسْتَقْبَلِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وإنْ كانَ كائِنًا فِيها في الحالِ، لِأنَّ حالَ كَوْنِهِ فِيها غَيْرُ الحالَةِ الَّتِي أُمِرَ أنْ يَدْخُلَها، فَإذا كانَ في الوَقْتِ الثّانِي قَدْ يَخْرُجُ عَنْها صَحَّ أنْ يُؤْمَرَ بِدُخُولِها، ومَعْلُومٌ أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ يَخْرُجُونَ عَنْ خِصالِ الإيمانِ بِالنَّوْمِ والسَّهْوِ وغَيْرِهِما مِنَ الأحْوالِ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالدُّخُولِ في المُسْتَقْبَلِ في الإسْلامِ. وخامِسُها: أنْ يَكُونَ السِّلْمُ المَذْكُورُ في الآيَةِ مَعْناهُ الصُّلْحُ وتَرْكُ المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ، والتَّقْدِيرُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً أيْ كُونُوا مُوافِقِينَ ومُجْتَمِعِينَ في نُصْرَةِ الدِّينِ واحْتِمالِ البَلْوى فِيهِ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ بِأنْ يَحْمِلَكم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والمُنازَعَةِ مَعَ النّاسِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٣] وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٠٠] وقالَ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٣] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«المُؤْمِنُ يَرْضى لِأخِيهِ ما يَرْضى لِنَفْسِهِ» “ وهَذِهِ الوُجُوهُ في التَّأْوِيلِ ذَكَرَها جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وعِنْدِي فِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إشارَةٌ إلى المَعْرِفَةِ والتَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ، وقَوْلَهُ: ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ إشارَةٌ إلى تَرْكِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْصِيَةَ مُخالَفَةٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، فَيَصِحُّ أنْ يُسَمّى تَرْكُها بِالسِّلْمِ، أوْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كُونُوا مُنْقادِينَ لِلَّهِ في الإتْيانِ بِالطّاعاتِ، وتَرْكِ المَحْظُوراتِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الإيمانَ باقٍ مَعَ الِاشْتِغالِ بِالمَعاصِي، وهَذا تَأْوِيلٌ ظاهِرٌ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ السِّلْمِ كَوْنَ العَبْدِ راضِيًا ولَمْ يَضْطَرِبْ قَلْبُهُ عَلى ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: ”«الرِّضا بِالقَضاءِ بابُ اللَّهِ الأعْظَمُ» “ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَرْكَ الِانْتِقامِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٩] فَهَذا هو الكَلامُ في وُجُوهِ تَأْوِيلاتِ هَذِهِ الآيَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القَفّالُ ”كافَّةً“ يَصِحُّ أنْ يَرْجِعَ إلى المَأْمُورِينَ بِالدُّخُولِ أيِ ادْخُلُوا بِأجْمَعِكم في السِّلْمِ، ولا تَفَرَّقُوا ولا تَخْتَلِفُوا، قالَ قُطْرُبٌ: تَقُولُ العَرَبُ: رَأيْتُ القَوْمَ كافَّةً وكافِّينَ ورَأيْتُ النِّسْوَةَ كافّاتٍ ويَصْلُحُ أنْ يَرْجِعَ إلى الإسْلامِ أيِ ادْخُلُوا في الإسْلامِ كُلِّهِ أيْ في كُلِّ شَرائِعِهِ، قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذا ألْيَقُ بِظاهِرِ التَّفْسِيرِ لِأنَّهم أُمِرُوا بِالقِيامِ بِها كُلِّها، ومَعْنى الكافَّةِ في اللُّغَةِ الحاجِزَةُ المانِعَةُ، يُقالُ: كَفَفْتُ فَلانًا عَنِ السُّوءِ أيْ مَنَعْتُهُ، ويُقالُ: كَفَّ القَمِيصَ لِأنَّهُ مَنَعَ الثَّوابَ عَنِ الِانْتِشارِ، وقِيلَ لِطَرَفِ اليَدِ: كَفٌّ لِأنَّهُ يُكَفُّ بِها عَنْ سائِرِ البَدَنِ، ورَجُلٌ مَكْفُوفٌ أيْ كُفَّ بَصَرُهُ مِن أنْ يُبْصِرَ، فالكافَّةُ مَعْناها المانِعَةُ، ثُمَّ صارَتِ اسْمًا لِلْجُمْلَةِ الجامِعَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاجْتِماعَ يَمْنَعُ مِنَ التَّفَرُّقِ والشُّذُوذِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ أيِ ادْخُلُوا في شَرائِعِ صفحة ١٧٨ الإسْلامِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي شَرائِعُ الإسْلامِ فَتَكُفُّوا مِن أنْ تَتْرُكُوا شَيْئًا مِن شَرائِعِهِ، أوْ يَكُونَ المَعْنى ادْخُلُوا كُلُّكم حَتّى تَمْنَعُوا واحِدًا مِن أنْ لا يَدْخُلَ فِيهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ فالمَعْنى: ولا تُطِيعُوهُ، ومَعْرُوفٌ في الكَلامِ أنْ يُقالَ فِيمَنِ اتَّبَعَ سُنَّةَ إنْسانٍ اقْتَفى أثَرَهُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ قَوْلِهِ: اتَّبَعْتُ خُطُواتِهِ. وخُطُواتٌ جَمْعُ خُطْوَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّ ”مُبِينٌ“ مِن صِفاتِ البَلِيغِ الَّذِي يُعْرِبُ عَنْ ضَمِيرِهِ، وأقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدُّخانِ: ٢] ولا يَعْنِي بِقَوْلِهِ مُبِينًا إلّا ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُ الشَّيْطانِ بِأنَّهُ مُبِينٌ مَعَ أنّا لا نَرى ذاتَهُ ولا نَسْمَعُ كَلامَهُ. قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَداوَتَهُ لِآدَمَ ونَسْلِهِ فَلِذَلِكَ الأمْرِ صَحَّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ عَدُوٌّ مُبِينٌ وإنْ لَمْ يُشاهَدْ، ومِثالُهُ: مَن يُظْهِرُ عَداوَتَهُ لِرَجُلٍ في بَلَدٍ بَعِيدٍ فَقَدْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ فَلانًا عَدُوٌّ مُبِينٌ لَكَ وإنْ لَمْ يُشاهِدْهُ في الحالِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّ الأصْلَ في الإبانَةِ القَطْعُ، والبَيانُ إنَّما سُمِّيَ بَيانًا لِهَذا المَعْنى، فَإنَّهُ يَقْطَعُ بَعْضَ الِاحْتِمالاتِ عَنْ بَعْضٍ، فَوَصْفُ الشَّيْطانِ بِأنَّهُ مُبِينٌ مَعْناهُ أنَّهُ يَقْطَعُ المُكَلَّفَ بِوَسْوَسَتِهِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وثَوابِهِ ورِضْوانِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ الشَّيْطانِ عَدُوًّا لَنا إمّا أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ أنْ يُقْصَدَ إيصالُ الآلامِ والمَكارِهِ إلَيْنا في الحالِ، أوْ بِسَبَبِ أنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ يَمْنَعُنا عَنِ الدِّينِ والثَّوابِ، والأوَّلُ باطِلٌ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأوْقَعَنا في الأمْراضِ والآلامِ والشَّدائِدِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ الثّانِي فَهو أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ مَن قَبِلَ مِنهُ تِلْكَ الوَسْوَسَةَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] إذا ثَبَتَ هَذا فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهُ عَدُوٌّ مُبِينُ العَداوَةِ، والحالُ ما ذَكَرْناهُ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ عَدُوٌّ مِنَ الوَجْهَيْنِ مَعًا؛ أمّا مِن حَيْثُ إنَّهُ يُحاوِلُ إيصالَ الضَّرَرِ إلَيْنا فَهو كَذَلِكَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ مُرِيدًا لِإيصالِ الضَّرَرِ إلَيْنا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلَيْها، وأمّا مِن حَيْثُ إنَّهُ يُقْدِمُ عَلى الوَسْوَسَةِ فَمَعْلُومٌ أنَّ تَزْيِينَ المَعاصِي وإلْقاءَ الشُّبُهاتِ كُلُّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الإنْسانِ في الباطِلِ وبِهِ يَصِيرُ مَحْرُومًا عَنِ الثَّوابِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ جِهاتِ العَداوَةِ.

البقرة 2:209

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو السَّمّالِ ”زَلِلْتُمْ“ بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى، وهُما لُغَتانِ كَضَلَلْتُ وضَلِلْتُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: زَلَّ يَزِلُّ زُلُولًا وزِلْزالًا إذا دَحَضَتْ قَدَمُهُ وزَلَّ في الطِّينِ، ويُقالُ لِمَن زَلَّ في حالٍ كانَ عَلَيْها: زَلَّتْ بِهِ الحالُ، ويُسَمّى الذَّنْبُ زَلَّةً، يُرِيدُونَ بِهِ الزَّلَّةَ لِلزَّوالِ عَنِ الواجِبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ أيْ صفحة ١٧٩ أخْطَأْتُمُ الحَقَّ وتَعَدَّيْتُمُوهُ، وأمّا سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في السِّلْمِ كافَّةً، فَمَن قالَ في الأوَّلِ: إنَّهُ في المُنافِقِينَ، فَكَذا الثّانِي، ومَن قالَ: إنَّهُ في أهْلِ الكِتابِ فَكَذا الثّانِي، وقِسِ الباقِيَ عَلَيْهِ. يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ في تَحْرِيمِ السَّبْتِ ولَحْمِ الإبِلِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ وشَرائِعُهُ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ بِالنِّقْمَةِ ﴿حَكِيمٌ﴾ في كُلِّ أفْعالِهِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: لَئِنْ شِئْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ لَنَتْرُكَنَّ كُلَّ كِتابٍ غَيْرَ كِتابِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النِّساءِ: ١٣٦] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ فِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّ الحُكْمَ المَشْرُوطَ إنَّما يَحْسُنُ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ عارِفًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، وأجابَ قَتادَةُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: قَدْ عَلِمَ أنَّهم سَيَزِلُّونَ، ولَكِنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذَلِكَ وأوْعَدَ فِيهِ لِكَيْ يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ عَلى خَلْقِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ يَعْنِي إنِ انْحَرَفْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَدْخُلُ في هَذا الكَبائِرُ والصَّغائِرُ، فَإنَّ الِانْحِرافَ كَما يَحْصُلُ بِالكَثِيرِ يَحْصُلُ بِالقَلِيلِ. فَتَوَعَّدَ تَعالى عَلى كُلِّ ذَلِكَ زَجْرًا لَهم عَنِ الزَّوالِ عَنِ المِنهاجِ لِكَيْ يَتَحَرَّزَ المُؤْمِنُ عَنْ قَلِيلِ ذَلِكَ وكَثِيرِهِ لِأنَّ ما كانَ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ فَلا شَكَّ في وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْهُ، وما لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ مِنَ الكَبائِرِ فَإنَّهُ لا يُؤْمَنُ كَوْنُ العِقابِ مُسْتَحِقًّا بِهِ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ؛ أمّا الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ فَهي الدَّلائِلُ عَلى الأُمُورِ الَّتِي تُثْبِتُ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِها؛ نَحْوَ العِلْمِ بِحُدُوثِ العالَمِ وافْتِقارِهِ إلى صانِعٍ يَكُونُ عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ كُلِّها، غَنِيًّا عَنِ الحاجاتِ كُلِّها، ومِثْلَ العِلْمِ بِالفَرْقِ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والسِّحْرِ، والعِلْمِ بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ البَيِّناتِ العَقْلِيَّةِ، وأمّا البَيِّناتُ السَّمْعِيَّةُ فَهي البَيانُ الحاصِلُ بِالقُرْآنِ، والبَيانُ الحاصِلُ بِالسُّنَّةِ، فَكُلُّ هَذِهِ البَيِّناتِ داخِلَةٌ في الآيَةِ مِن حَيْثُ إنَّ عُذْرَ المُكَلَّفِ لا يَزُولُ عِنْدَ حُصُولِ كُلِّ هَذِهِ البَيِّناتِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُؤاخَذَةَ بِالذَّنْبِ لا تَحْصُلُ إلّا بَعْدَ البَيانِ وإزاحَةِ العِلَّةِ، فَإذا عَلَّقَ الوَعِيدَ بِشَرْطِ مَجِيءِ البَيِّناتِ وحُصُولِها، فَبِأنْ لا يَجُوزَ أنْ يَحْصُلَ الوَعِيدُ لِمَن لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الفِعْلِ أصْلًا أوْلى، ولِأنَّ الدَّلالَةَ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا أُولُو القُدْرَةِ، وقَدْ يَنْتَفِعُ بِالقُدْرَةِ مَعَ فَقْدِ الدَّلالَةِ، وقالَ أيْضًا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ حُصُولُ البَيِّناتِ لا حُصُولُ اليَقِينِ مِنَ المُكَلَّفِ فَمِن هَذا الوَجْهِ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُتَمَكِّنَ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ يَلْحَقُهُ الوَعِيدُ كالعارِفِ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنْ لا حُجَّةَ لِلَّهِ عَلى مَن يَعْلَمُ ويَعْرِفُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ إشارَةٌ إلى ذَنْبِهِمْ وجُرْمِهِمْ، فَكَيْفَ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عَلى الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ. الجَوابُ: أنَّ العَزِيزَ مَن لا يُمْنَعُ عَنْ مُرادِهِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِكَمالِ القُدْرَةِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ صفحة ١٨٠ وتَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَكانَ عَزِيزًا عَلى الإطْلاقِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ، فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُقْتَدِرٌ عَلَيْكم لا يَمْنَعُهُ مانِعٌ عَنْكم، فَلا يَفُوتُهُ ما يُرِيدُهُ مِنكم وهَذا نِهايَةٌ في الوَعِيدِ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ مِن ضُرُوبِ الخَوْفِ ما لا يَجْمَعُهُ الوَعِيدُ بِذِكْرِ العِقابِ، ورُبَّما قالَ الوالِدُ لِوَلَدِهِ: إنْ عَصَيْتَنِي فَأنْتَ عارِفٌ بِي، وأنْتَ تَعْلَمُ قُدْرَتِي عَلَيْكَ وشِدَّةَ سَطْوَتِي، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ في الزَّجْرِ أبْلَغَ مِن ذِكْرِ الضَّرْبِ وغَيْرِهِ، فَإنْ قِيلَ: أفَهَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعْدِ كَما أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعِيدِ ؟ قُلْنا: نَعَمْ مِن حَيْثُ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَكِيمٌ﴾ فَإنَّ اللّائِقَ بِالحِكْمَةِ أنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ فَكَما يَحْسُنُ مِنَ الحَكِيمِ إيصالُ العَذابِ إلى المُسِيءِ فَكَذَلِكَ يَحْسُنُ مِنهُ إيصالُ الثَّوابِ إلى المُحْسِنِ، بَلْ هَذا ألْيَقُ بِالحِكْمَةِ وأقْرَبُ لِلرَّحْمَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّهُ لا وُجُوبَ لِشَيْءٍ قَبْلَ الشَّرْعِ بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ بِشَرْطِ مَجِيءِ البَيِّناتِ، ولَفْظُ ”البَيِّناتِ“ لَفْظُ جَمْعٍ يَتَناوَلُ الكُلَّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَعِيدَ مَشْرُوطٌ بِمَجِيءِ كُلِّ البَيِّناتِ وقَبْلَ الشَّرْعِ لَمْ تَحْصُلْ كُلُّ البَيِّناتِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الوَعِيدُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَقَرَّرَ الوُجُوبُ قَبْلَ الشَّرْعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ المُجْبِرَةُ مِن أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنَ السُّفَهاءِ والكُفّارِ السَّفاهَةَ والكُفْرَ لَما جازَ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ حَكِيمٌ، لِأنَّ مَن فَعَلَ السَّفَهَ وأرادَهُ كانَ سَفِيهًا، والسَّفِيهُ لا يَكُونُ حَكِيمًا. أجابَ الأصْحابُ بِأنَّ الحَكِيمَ هو العالِمُ بِعَواقِبِ الأُمُورِ؛ فَيَرْجِعُ مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى حَكِيمًا إلى أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ خالِقًا لِكُلِّ الأشْياءِ ومُرِيدًا لَها، بَلْ يُوجِبُ ذَلِكَ لِما بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ أرادَ ما عُلِمَ عَدَمُهُ لَكانَ قَدْ أرادَ تَجْهِيلَ نَفْسِهِ فَقالُوا: لَوْ لَزِمَ ذَلِكَ لَكانَ إذا أمَرَ بِما عُلِمَ عَدَمُهُ فَقَدْ أمَرَ بِتَجْهِيلِ نَفْسِهِ. قُلْنا: هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ الأمْرُ بِالشَّيْءِ أمْرًا بِما لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وهَذا عِنْدَنا مَمْنُوعٌ فَإنْ قالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، قُلْنا: هَذا عِنْدَنا جائِزٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُحْكى أنَّ قارِئًا قَرَأ ”غَفُورٌ رَحِيمٌ“ فَسَمِعَهُ أعْرابِيٌّ فَأنْكَرَهُ، وقالَ: إنْ كانَ هَذا كَلامُ اللَّهِ فَلا يَقُولُ كَذا، الحَكِيمُ لا يَذْكُرُ الغُفْرانَ عِنْدَ الزَّلَلِ؛ لِأنَّهُ إغْراءٌ عَلَيْهِ.

البقرة 2:210

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: الكَلامُ المُسْتَقْصى في لَفْظِ النَّظَرِ مَذْكُورٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القِيامَةِ: ٢٢] وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَجِيءُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٣٥] فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ هو الِانْتِظارُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ المُعْتَبِرُونَ مِنَ العُقَلاءِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَجِيءِ والذَّهابِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: ما ثَبَتَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ كُلَّ ما يَصِحُّ عَلَيْهِ المَجِيءُ والذَّهابُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الحَرَكَةِ صفحة ١٨١ والسُّكُونِ، وهُما مُحْدَثانِ، وما لا يَنْفَكُّ عَنِ المُحْدَثِ فَهو مُحْدَثٌ، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ ما يَصِحُّ عَلَيْهِ المَجِيءُ والذَّهابُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا، والإلَهُ القَدِيمُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ ما يَصِحُّ عَلَيْهِ الِانْتِقالُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ في الصِّغَرِ والحَقارَةِ كالجُزْءِ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ، وذَلِكَ باطِلٌ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ شَيْئًا كَبِيرًا، فَيَكُونُ أحَدُ جانِبَيْهِ مُغايِرًا لِلْآخَرِ فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، وكُلُّ ما كانَ مُرَكَّبًا، فَإنَّ ذَلِكَ المُرَكَّبَ يَكُونُ مُفْتَقِرًا في تَحَقُّقِهِ إلى تَحَقُّقِ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ هو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَهو مُحْتاجٌ في وُجُودِهِ إلى المُرَجِّحِ والمُوجِدِ، فَكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مَسْبُوقٌ بِالعَدَمِ، والإلَهُ القَدِيمُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ما يَصِحُّ عَلَيْهِ الِانْتِقالُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ فَهو مَحْدُودٌ ومُتَناهٍ، فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَجُوزُ في العَقْلِ وُقُوعُهُ عَلى مِقْدارٍ أزْيَدَ مِنهُ أوْ أنْقَصَ فاخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ القَدْرِ المُعَيَّنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِتَرْجِيحِ مُرَجِّحٍ، وتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ فِعْلًا لِفاعِلٍ مُخْتارٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، فالإلَهُ القَدِيمُ الأزَلِيُّ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. ورابِعُها: أنّا مَتى جَوَّزْنا في الشَّيْءِ الَّذِي يَصِحُّ عَلَيْهِ المَجِيءُ والذَّهابُ أنْ يَكُونَ إلَهًا قَدِيمًا أزَلِيًّا فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُنا أنْ نَحْكُمَ بِنَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ بَعْضُ الأذْكِياءِ مِن أصْحابِنا يَقُولُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ لا عَيْبَ فِيهِما يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِإلَهِيَّتِهِما سِوى أنَّهُما جِسْمٌ يَجُوزُ عَلَيْهِ الغَيْبَةُ والحُضُورُ، فَمَن جَوَّزَ المَجِيءَ والذَّهابَ عَلى اللَّهِ تَعالى فَلِمَ لا يَحْكُمُ بِإلَهِيَّةِ الشَّمْسِ، وما الَّذِي أوْجَبَ عَلَيْهِ الحُكْمَ بِإثْباتِ مَوْجُودٍ آخَرَ يَزْعُمُ أنَّهُ إلَهٌ. وخامِسُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] ولا مَعْنى لِلْأُفُولِ إلّا الغَيْبَةُ والحُضُورُ فَمَن جَوَّزَ الغَيْبَةَ والحُضُورَ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقَدْ طَعَنَ في دَلِيلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذَّبَ اللَّهَ في تَصْدِيقِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ. سادِسُها: أنَّ فِرْعَوْنَ لَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لَمّا سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٣] وطَلَبَ مِنهُ الماهِيَّةَ والجِنْسَ والجَوْهَرَ، فَلَوْ كانَ تَعالى جِسْمًا مَوْصُوفًا بِالأشْكالِ والمَقادِيرِ لَكانَ الجَوابُ عَنْ هَذا السُّؤالِ لَيْسَ إلّا بِذِكْرِ الصُّورَةِ والشَّكْلِ والقَدْرِ: فَكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٤] ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدُّخانِ: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٨] خَطَأً وباطِلًا، وهَذا يَقْتَضِي تَخْطِئَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما ذَكَرَ مِنَ الجَوابِ، وتَصْوِيبَ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٧] ولَمّا كانَ كُلُّ ذَلِكَ باطِلًا، عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ جِسْمًا، وأنْ يَكُونَ في مَكانٍ، ومُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَصِحَّ عَلَيْهِ المَجِيءُ والذَّهابُ. وسابِعُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ: ١] والأحَدُ هو الكامِلُ في الوَحْدانِيَّةِ، وكُلُّ جِسْمٍ فَهو مُنْقَسِمٌ بِحَسَبِ الغَرَضِ والإشارَةِ إلى جُزْأيْنِ، فَلَمّا كانَ تَعالى أحَدًا امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ جِسْمًا أوْ مُتَحَيِّزًا، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ جِسْمًا ولا مُتَحَيِّزًا امْتَنَعَ عَلَيْهِ المَجِيءُ والذَّهابُ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٥] أيْ شَبِيهًا ولَوْ كانَ جِسْمًا مُتَحَيِّزًا لَكانَ مُشابِهًا لِلْأجْسامِ في الجِسْمِيَّةِ، إنَّما الِاخْتِلافُ يَحْصُلُ فِيما وراءَ الجِسْمِيَّةِ، وذَلِكَ إمّا بِالعِظَمِ أوْ بِالصِّفاتِ والكَيْفِيّاتِ، وذَلِكَ لا يَقْدَحُ في حُصُولِ المُشابَهَةِ في الذّاتِ، وأيْضًا قالَ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] ولَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ مَثَلًا لِلْأجْسامِ. صفحة ١٨٢ وثامِنُها: لَوْ كانَ جِسْمًا مُتَحَيِّزًا لَكانَ مُشارِكًا لِسائِرِ الأجْسامِ في عُمُومِ الجِسْمِيَّةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ مُخالِفًا في خُصُوصِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وإمّا لا يَكُونُ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ، فَعُمُومُ كَوْنِهِ جِسْمًا مُغايِرٌ لِخُصُوصِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وهَذا مُحالٌ لِأنّا إذا وصَفْنا تِلْكَ الذّاتِ المَخْصُوصَةَ بِالمَفْهُومِ مِن كَوْنِهِ جِسْمًا كُنّا قَدْ جَعَلْنا الجِسْمَ صِفَةً، وهَذا مُحالٌ لِأنَّ الجِسْمَ ذاتُ الصِّفَةِ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ تِلْكَ الذّاتَ المَخْصُوصَةَ الَّتِي هي مُغايِرَةٌ لِلْمَفْهُومِ مِن كَوْنِهِ جِسْمًا وغَيْرَ مَوْصُوفٍ بِكَوْنِهِ جِسْمًا، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ ذاتُ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا مُغايِرًا لِلْمَفْهُومِ مِنَ الجِسْمِ وغَيْرَ مَوْصُوفٍ بِهِ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَهُ تَعالى جِسْمًا، وأمّا إنْ قِيلَ: إنَّ ذاتَهُ تَعالى بَعْدَ أنْ كانَتْ جِسْمًا لا يُخالِفُ سائِرَ الأجْسامِ في خُصُوصِيَّةٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَثَلًا لَها مُطْلَقًا، وكُلُّ ما صَحَّ عَلَيْها فَقَدْ صَحَّ عَلَيْهِ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ الأجْسامُ مُحْدَثَةً وجَبَ في ذاتِهِ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ، ولا بِمُتَحَيِّزٍ، وأنَّهُ لا يَصِحُّ المَجِيءُ والذَّهابُ عَلَيْهِ. * * * إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ أهْلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ السَّلَفِ الصّالِحِ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ أنَّ المَجِيءَ والذَّهابَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، عَلِمْنا قَطْعًا أنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الآيَةِ هو المَجِيءَ والذَّهابَ، وأنَّ مُرادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ، فَإنْ عَيَّنّا ذَلِكَ المُرادَ لَمْ نَأْمَنِ الخَطَأ، فالأوْلى السُّكُوتُ عَنِ التَّأْوِيلِ، وتَفْوِيضُ مَعْنى الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو المُرادُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: وجْهٌ لا يَعْرِفُهُ أحَدٌ لِجَهالَتِهِ، ووَجْهٌ يَعْرِفُهُ العُلَماءُ ويُفَسِّرُونَهُ، ووَجْهٌ نَعْرِفُهُ مِن قِبَلِ العَرَبِيَّةِ فَقَطْ، ووَجْهٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وهَذا القَوْلُ قَدِ اسْتَقْصَيْنا القَوْلَ فِيهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ . الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: المُرادُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ آياتُ اللَّهِ، فَجَعَلَ مَجِيءَ الآياتِ مَجِيئًا لَهُ عَلى التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ الآياتِ، كَما يُقالُ: جاءَ المَلِكُ إذا جاءَ جَيْشٌ عَظِيمٌ مِن جِهَتِهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فَذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ التَّقْدِيرَ أنْ يَصِحَّ المَجِيءُ عَلى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ حُضُورِهِ سَبَبًا لِلتَّهْدِيدِ والزَّجْرِ، لِأنَّهُ عِنْدَ الحُضُورِ كَما يَزْجُرُ الكُفّارُ ويُعاقِبُهم، فَهو يُثِيبُ المُؤْمِنِينَ ويَخُصُّهم بِالتَّقْرِيبِ، فَثَبَتَ أنَّ مُجَرَّدَ الحُضُورِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ إنَّما هو الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ، وجَبَ أنْ يُضْمَرَ في الآيَةِ مَجِيءُ الهَيْبَةِ والقَهْرِ والتَّهْدِيدِ، ومَتى أضْمَرْنا ذَلِكَ زالَتِ الشُّبْهَةُ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِنَظْمِ الآيَةِ. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أمْرُ اللَّهِ، ومَدارُ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّهُ تَعالى إذا ذَكَرَ فِعْلًا وأضافَهُ إلى شَيْءٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ مُحالًا فالواجِبُ صَرْفُهُ إلى التَّأْوِيلِ، كَما قالَهُ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ﴾ [المائِدَةِ: ٣٣] والمُرادُ يُحارِبُونَ أوْلِياءَهُ، وقالَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] والمُرادُ: واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ المُرادُ بِهِ يَأْتِيهِمْ أمْرُ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفَجْرِ: ٢٢] المُرادُ: جاءَ أمْرُ رَبِّكَ، ولَيْسَ فِيهِ إلّا حَذْفُ المُضافِ، وإقامَةُ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ، وهو صفحة ١٨٣ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: ضَرَبَ الأمِيرُ فُلانًا، وصَلَبَهُ، وأعْطاهُ، والمُرادُ أنَّهُ أمَرَ بِذَلِكَ، لا أنَّهُ تَوَلّى ذَلِكَ العَمَلَ بِنَفَسِهِ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ القَوْلَ بِصِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ هَهُنا: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ إخْبارٌ عَنْ حالِ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الواقِعَةَ بِعَيْنِها في سُورَةِ النَّحْلِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٣] فَصارَ هَذا الحُكْمُ مُفَسِّرًا لِذَلِكَ المُتَشابِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ هَذِهِ الآياتِ لَمّا ورَدَتْ في واقِعَةٍ واحِدَةٍ لَمْ يَبْعُدْ حَمْلُ بَعْضِها عَلى البَعْضِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ جَرى ذِكْرُ أمْرٍ قَبْلَ ذَلِكَ حَتّى تَكُونَ الألِفُ واللّامُ إشارَةً إلَيْهِ، وما ذاكَ إلّا الَّذِي أضْمَرْناهُ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ يَأْتِيهِمْ أمْرُ اللَّهِ. فَإنْ قِيلَ: أمْرُ اللَّهِ عِنْدَكم صِفَةٌ قَدِيمَةٌ، فالإتْيانُ عَلَيْها مُحالٌ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ أصْواتٌ فَتَكُونُ أعْراضًا، فالإتْيانُ عَلَيْها أيْضًا مُحالٌ. قُلْنا: الأمْرُ في اللُّغَةِ لَهُ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما الفِعْلُ والشَّأْنُ والطَّرِيقُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القَمَرِ: ٥٠] ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هُودٍ: ٩٧] وفي المَثَلِ: لِأمْرٍ ما جَدَعَ قَصِيرٌ أنْفَهُ، لِأمْرٍ ما يَسُودُ مَن يَسُودُ، فَيُحْمَلُ الأمْرُ هَهُنا عَلى الفِعْلِ، وهو ما يَلِيقُ بِتِلْكَ المَواقِفِ مِنَ الأهْوالِ وإظْهارِ الآياتِ المُبَيِّنَةِ، وهَذا هو التَّأْوِيلُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وأمّا حَمْلُنا الأمْرَ عَلى الأمْرِ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهْيِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّ مُنادِيًا يُنادِي يَوْمَ القِيامَةِ: ألا إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم بِكَذا وكَذا، فَذاكَ هو إتْيانُ الأمْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ أيْ مَعَ ظُلَلٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ سَماعَ ذَلِكَ النِّداءِ ووُصُولَ تِلْكَ الظُّلَلِ يَكُونُ في زَمانٍ واحِدٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن إتْيانِ أمْرِ اللَّهِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ حُصُولَ أصْواتٍ مُقَطَّعَةٍ مَخْصُوصَةٍ في تِلْكَ الغَماماتِ تَدُلُّ عَلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ أحَدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، أوْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ نُقُوشًا مَنظُومَةً في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ لِشِدَّةِ بَياضِها، وسَوادُ تِلْكَ الكِتابَةِ يُعْرَفُ بِها حالُ أهْلِ المَوْقِفِ في الوَعْدِ والوَعِيدِ وغَيْرِهِما وتَكُونُ فائِدَةُ الظُّلَلِ مِنَ الغَمامِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ أمارَةً لِما يُرِيدُ إنْزالَهُ بِالقَوْمِ، فَعِنْدَهُ يَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ قَدْ حَضَرَ وقَرُبَ. الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ أنَّ المَعْنى: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِما وعَدَ مِنَ العَذابِ والحِسابِ، فَحَذَفَ ما يَأْتِي بِهِ تَهْوِيلًا عَلَيْهِمْ، إذْ لَوْ ذَكَرَ ما يَأْتِي بِهِ كانَ أسْهَلَ عَلَيْهِمْ في بابِ الوَعِيدِ وإذا لَمْ يَذْكُرْ كانَ أبْلَغَ لِانْقِسامِ خَواطِرِهِمْ، وذَهابِ فِكْرِهِمْ في كُلِّ وجْهٍ، ومِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الحَشْرِ: ٢] والمَعْنى أتاهُمُ اللَّهُ بِخِذْلانِهِ إيّاهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] فَقَوْلُهُ: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] ويُقالُ في العُرْفِ الظّاهِرِ إذا سُمِعَ بِوِلايَةِ جائِرٍ: قَدْ جاءَنا فُلانٌ بِجَوْرِهِ وظُلْمِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مَجازٌ مَشْهُورٌ. الوَجْهُ الرّابِعُ في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ ”فِي“ بِمَعْنى الباءِ، وحُرُوفُ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ البَعْضِ، وتَقْدِيرُهُ هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ، والمُرادُ العَذابُ الَّذِي يَأْتِيهِمْ في الغَمامِ مَعَ المَلائِكَةِ. صفحة ١٨٤ الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ تَصْوِيرُ عَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ وهَوْلِها وشِدَّتِها، وذَلِكَ لِأنَّ جَمِيعَ المُذْنِبِينَ إذا حَضَرُوا لِلْقَضاءِ والخُصُومَةِ، وكانَ القاضِي في تِلْكَ الخُصُومَةِ أعْظَمَ السَّلاطِينِ قَهْرًا وأكْبَرَهم هَيْبَةً، فَهَؤُلاءِ المُذْنِبُونَ لا وقْتَ عَلَيْهِمْ أشَدُّ مَن وقْتِ حُضُورِهِ لِفَصْلِ تِلْكَ الخُصُومَةِ، فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ إتْيانِ اللَّهِ تَصْوِيرَ غايَةِ الهَيْبَةِ ونِهايَةِ الفَزَعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٧] مِن غَيْرِ تَصْوِيرِ قَبْضَةٍ وطَيٍّ ويَمِينٍ، وإنَّما هو تَصْوِيرٌ لِعَظَمَةِ شَأْنِهِ لِتَمْثِيلِ الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ السّادِسُ: وهو أوْضَحُ عِنْدِي مِن كُلِّ ما سَلَفَ: أنّا ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ إنَّما نَزَلَتْ في حَقِّ اليَهُودِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يَكُونُ خِطابًا مَعَ اليَهُودِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ حِكايَةً عَنِ اليَهُودِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْبَلُونَ دِينَكَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ، ألا تَرى أنَّهم فَعَلُوا مَعَ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٥٥] وإذا كانَ هَذا حِكايَةً عَنْ حالِ اليَهُودِ ولَمْ يَمْنَعْ إجْراءَ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا عَلى مَذْهَبِ التَّشْبِيهِ، وكانُوا يُجَوِّزُونَ عَلى اللَّهِ المَجِيءَ والذَّهابَ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى تَجَلّى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الطَّوْرِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وطَلَبُوا مِثْلَ ذَلِكَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ هَذا الكَلامُ حِكايَةً عَنْ مُعْتَقَدِ اليَهُودِ القائِلِينَ بِالتَّشْبِيهِ، فَلا يُحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى التَّأْوِيلِ، ولا إلى حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى المَجازِ، وبِالجُمْلَةِ فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَنْتَظِرُونَ أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُحِقُّونَ في ذَلِكَ الِانْتِظارِ أوْ مُبْطِلُونَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ الإشْكالُ. فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ . قُلْنا: الوَجْهُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عِنادَهم وتَوَقُّفَهم في قَبُولِ الدِّينِ عَلى هَذا الشَّرْطِ الفاسِدِ، فَذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَجْرِي مَجْرى التَّهْدِيدِ فَقالَ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ عِنْدِي مِن كُلِّ ما سَبَقَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ كَلامِهِ. الوَجْهُ السّابِعُ في التَّأْوِيلِ: ما حَكاهُ القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ أبِي العالِيَةِ، وهو أنَّ الإتْيانَ في الظُّلَلِ مُضافٌ إلى المَلائِكَةِ؛ فَأمّا المُضافُ إلى اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ فَهو الإتْيانُ فَقَطْ، فَكانَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ويَسْتَشْهِدُ في صِحَّتِهِ بِقِراءَةِ مَن قَرَأ ”هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ“ قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذا التَّأْوِيلُ مُسْتَنْكَرٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ ”الظُّلَلَ“ جَمْعُ ظُلَّةٍ، وهي ما أظَلَّكَ اللَّهُ بِهِ، ”والغَمامُ“ لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ مُجْتَمِعًا مُتَراكِمًا، فالظُّلَلُ مِنَ الغَمامِ عِبارَةٌ عَنْ قِطَعٍ مُتَفَرِّقَةٍ، كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها تَكُونُ في غايَةِ الكَثافَةِ والعِظَمِ، فَكُلُّ قِطْعَةٍ ظُلَّةٌ، والجَمْعُ ظُلَلٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ [لُقْمانَ: ٣٢] وقَرَأ بَعْضُهم: ”إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظِلالٍ مِنَ الغَمامِ“ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الظِّلالُ جَمْعَ ظُلَّةٍ، كَقِلالٍ وقُلَّةٍ، وأنْ يَكُونَ جَمْعَ ظِلٍّ. صفحة ١٨٥ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَعْنى ما يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهم قَهْرُ اللَّهِ وعَذابُهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ. فَإنْ قِيلَ: ولِمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ في الغَمامِ ؟ قُلْنا: لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الغَمامَ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ، فَإذا نَزَلَ مِنهُ العَذابُ كانَ الأمْرُ أفْظَعَ، لِأنَّ الشَّرَّ إذا جاءَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ كانَ أهْوَلَ وأفْظَعَ، كَما أنَّ الخَيْرَ إذا جاءَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ كانَ أكْثَرَ تَأْثِيرًا في السُّرُورِ، فَكَيْفَ إذا جاءَ الشَّرُّ مِن حَيْثُ يَحْتَسِبُ الخَيْرَ، ومِن هَذا اشْتَدَّ عَلى المُتَفَكِّرِينَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٧] . وثانِيها: أنَّ نُزُولَ الغَمامِ عَلامَةٌ لِظُهُورِ ما يَكُونُ أشَدَّ الأهْوالِ في القِيامَةِ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٥، ٢٦] . وثالِثُها: أنَّ الغَمامَ تَنْزِلُ عَنْهُ قَطَراتٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ ولا مَحْدُودَةٍ، فَكَذا هَذا الغَمامُ يَنْزِلُ عَنْهُ قَطَراتُ العَذابِ نُزُولًا غَيْرَ مَحْصُورٍ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ، والتَّقْدِيرُ: وتَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ، وإتْيانُ المَلائِكَةِ يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْها فَصارَ المَعْنى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ وآياتُهُ والمَلائِكَةُ مَعَ ذَلِكَ يَأْتُونَ لِيَقُومُوا بِما أُمِرُوا بِهِ مِن إهانَةٍ أوْ تَعْذِيبٍ أوْ غَيْرِهِما مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّهُ فَرَغَ ما كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ لا تُقالُ لَهم عَثْرَةٌ لَهم ولا تُصْرَفُ عَنْهم عُقُوبَةٌ ولا يَنْفَعُ في دَفْعِ ما نَزَلِ بِهِمْ حِيلَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ مَعْناهُ: ويَقْضِي الأمْرَ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ويَقْضِيَ الأمْرَ، فَوَضَعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وخُصُوصًا في أُمُورِ الآخِرَةِ فَإنَّ الإخْبارَ عَنْها يَقَعُ كَثِيرًا بِالماضِي، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] والسَّبَبُ في اخْتِيارِ هَذا المَجازِ أمْرانِ: أحَدُهُما: التَّنْبِيهُ عَلى قُرْبِ أمْرِ الآخِرَةِ فَكَأنَّ السّاعَةَ قَدْ أتَتْ ووَقَعَ ما يُرِيدُ اللَّهُ إيقاعَهُ. والثّانِي: المُبالَغَةُ في تَأْكِيدِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، فَصارَ بِحُصُولِ القَطْعِ والجَزْمِ بِوُقُوعِهِ كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ وحَصَلَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأمْرُ المَذْكُورُ هَهُنا هو فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ، وأخْذُ الحُقُوقِ لِأرْبابِها وإنْزالُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ مَنزِلَتَهُ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ، قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ القِيامَةِ تُوجَدُ دُفْعَةً مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ، فَإنَّهُ تَعالى لَيْسَ لِقَضائِهِ دافِعٌ، ولا لِحُكْمِهِ مانِعٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ”وقَضاءُ الأمْرِ“ عَلى المَصْدَرِ المَرْفُوعِ عَطْفًا عَلى المَلائِكَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنَ المُجَسِّمَةِ مَن قالَ: كَلِمَةُ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى في مَكانٍ يُنْتَهى إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، أجابَ أهْلُ التَّوْحِيدِ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى مَلَّكَ عِبادَهُ في الدُّنْيا كَثِيرًا صفحة ١٨٦ مِن أُمُورِ خَلْقِهِ فَإذا صارُوا إلى الآخِرَةِ فَلا مالِكَ لِلْحُكْمِ في العِبادِ سِواهُ كَما قالَ: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٩] وهَذا كَقَوْلِهِمْ: رَجَعَ أمْرُنا إلى الأمِيرِ إذا كانَ هو يَخْتَصُّ بِالنَّظَرِ فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [النُّورِ: ٤٢] مَعَ أنَّ الخَلْقَ السّاعَةَ في مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ. الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ تَعالى قَدْ مَلَّكَ كُلَّ أحَدٍ في دارِ الِاخْتِبارِ والبَلْوى أُمُورًا امْتِحانًا فَإذا انْقَضى أمْرُ هَذِهِ الدّارِ ووَصَلْنا إلى دارِ الثَّوابِ والعِقابِ كانَ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ وحْدَهُ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُطاعَ، ويَدْخُلَ في السِّلْمِ كَما أمَرَ، ويَحْتَرِزَ عَنْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ كَما نَهى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ”تُرْجَعُ“ بِضَمِّ التّاءِ عَلى مَعْنى تَرِدُ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أيْ رَدَدْتُهُ، قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٠] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي﴾ [الكَهْفِ: ٣٦] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [الأنْعامِ: ٦٢] وقالَ تَعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩٩] أيْ رُدَّنِي، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَرْجِعُ“ بِفَتْحِ التّاءِ أيْ تَصِيرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشُّورى: ٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشِيَةِ: ٢٥] ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٤٨] . قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبٌ، لِأنَّها تَرْجِعُ إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ، وهو جَلَّ جَلالُهُ يُرْجِعُها إلى نَفْسِهِ بِإفْناءِ الدُّنْيا وإقامَةِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ بِضَمِّ التّاءِ ثَلاثُ مَعانٍ: أحَدُها: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهو أنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ يُرْجِعُها كَما قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ وهو قاضِيها. والثّانِي: أنَّهُ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ، ويَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: إلى أيْنَ يَذْهَبُ بِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَذْهَبُ بِهِ. والثّالِثُ: أنَّ ذَواتِ الخُلُقِ وصِفاتِهِمْ لَمّا كانَتْ شاهِدَةً عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ مُحْدَثُونَ مُحاسَبُونَ، وكانُوا رادِّينَ أمْرَهم إلى خالِقِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ يَرُدُّها العِبادُ إلَيْهِ وإلى حُكْمِهِ بِشَهادَةِ أنْفُسِهِمْ، وهو كَما قالَ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الجُمُعَةِ: ١] فَإنَّ هَذا التَّسْبِيحَ بِحَسَبِ شَهادَةِ الحالِ، لا بِحَسَبِ النُّطْقِ بِاللِّسانِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرَّعْدِ: ١٥] قِيلَ: إنَّ المَعْنى يَسْجُدُ لَهُ المُؤْمِنُونَ طَوْعًا، ويَسْجُدُ لَهُ الكُفّارُ كَرْهًا بِشَهادَةِ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم عَبِيدُ اللَّهِ، فَكَذا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العِبادَ يَرُدُّونَ أُمُورَهم إلى اللَّهِ، ويَعْتَرِفُونَ بِرُجُوعِها إلَيْهِ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِالمَقالِ، وأمّا الكُفّارُ فَبِشَهادَةِ الحالِ.

البقرة 2:211

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿سَلْ﴾ كانَ في الأصْلِ اسْألْ فَتُرِكَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ لِكَثْرَةِ الدَّوْرِ في الكَلامِ تَخْفِيفًا، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى السّاكِنِ الَّذِي قَبْلَها، وعِنْدَ هَذا التَّصْرِيفِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ألِفِ الوَصْلِ، وقالَ قُطْرُبٌ: يُقالُ: سَألَ يَسْألُ مِثْلُ زَأرَ الأسَدُ يَزْأرُ، وسالَ يَسالُ، مِثْلُ خافَ يَخافُ، والأمْرُ فِيهِ: سَلْ مِثْلُ خَفْ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (سالَ سائِلٌ) عَلى وزْنِ قالَ، وكالَ، وقَوْلُهُ: ﴿كَمْ﴾ هو اسْمٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكُونِ مَوْضُوعٌ لِلْعَدَدِ، يُقالُ: إنَّهُ مِن تَأْلِيفِ كافِ التَّشْبِيهِ مَعَ ﴿ما﴾ ثُمَّ قُصِرَتْ (ما) وسُكِّنَتِ المِيمُ، وبُنِيَتْ عَلى السُّكُونِ؛ لِتَضَمُّنِها حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ، وهي تارَةً تُسْتَعْمَلُ في الخَبَرِ وتارَةً في الِاسْتِفْهامِ، وأكْثَرُ لُغَةِ العَرَبِ الجَرُّ بِهِ عِنْدَ الخَبَرِ، والنَّصْبُ عِنْدَ الِاسْتِفْهامِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَنْصِبُ بِهِ في الخَبَرِ، ويَجُرُّ بِهِ في الِاسْتِفْهامِ، وهي هَهُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، وأنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ لِيُخْبِرُوكَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ فَتَعْلَمَها؛ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عالِمًا بِتِلْكَ الأحْوالِ بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنِ الإعْراضِ عَنْ دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى، وبَيانُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٨] فَأمَرَ بِالإسْلامِ ونَهى عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٩] أيْ فَإنْ أعْرَضْتُمْ عَنْ هَذا التَّكْلِيفِ صِرْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِلتَّهْدِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٩] ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠] ثُمَّ ثَلَّثَ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يَعْنِي سَلْ هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ أنّا لَمّا آتَيْنا أسْلافَهم آياتٍ بَيِّناتٍ فَأنْكَرُوها، لا جَرَمَ اسْتَوْجَبُوا العِقابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِهَؤُلاءِ الحاضِرِينَ عَلى أنَّهم لَوْ زَلُّوا عَنْ آياتِ اللَّهِ لَوَقَعُوا في العَذابِ كَما وقَعَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمُونَ صفحة ٤ فِيهِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الحِكايَةِ أنْ يَعْتَبِرُوا بِغَيْرِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحَشْرِ: ٢] وقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يُوسَفَ: ١١١] فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَرَّقَ أبُو عَمْرٍو في ﴿سَلْ﴾ بَيْنَ الِاتِّصالِ بِواوٍ وفاءٍ وبَيْنَ الِاسْتِئْنافِ، فَقَرَأ (سَلْهم) و﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِغَيْرِ هَمْزٍ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسَفَ: ٨٢] ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ﴾ [يُونُسَ: ٩٤] ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النِّساءِ: ٣٢] بِالهَمْزِ، وسَوّى الكِسائِيُّ بَيْنَ الكُلِّ، وقَرَأ الكُلَّ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وجْهُ الفَرْقِ أنَّ التَّخْفِيفَ في الِاسْتِئْنافِ وصْلَةٌ إلى إسْقاطِ الهَمْزَةِ المُبْتَدَأةِ وهي مُسْتَقِلَّةٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ في الِاتِّصالِ، والكِسائِيُّ اتَّبَعَ المُصْحَفَ؛ لِأنَّ الألِفَ ساقِطَةٌ فِيها أجْمَعُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُها: المُرادُ بِهِ مُعْجِزاتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، نَحْوُ فَلْقِ البَحْرِ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، ونَتْقِ الجَبَلِ، وتَكْلِيمِ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّحابِ، وإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ، وتَبْيِينِ الهُدى مِنَ الكُفْرِ لَهم، فَكُلُّ ذَلِكَ آياتٌ بَيِّناتٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: كَمْ آتَيْناهم مِن حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، يُعْلَمُ بِها صِدْقُهُ وصِحَّةُ شَرِيعَتِهِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (ومَن يُبْدِلْ) بِالتَّخْفِيفِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ وكَفَرُوا بِها؛ لَكِنْ لا يَدُلُّ عَلى هَذا الإضْمارِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في (نِعْمَةَ اللَّهِ) هَهُنا قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ آياتُهُ ودَلائِلُهُ، وهي مِن أجَلِّ أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ؛ لِأنَّها أسْبابُ الهُدى والنَّجاةِ مِنَ الضَّلالَةِ، ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ في تَبْدِيلِهِمْ إيّاها وجْهانِ، فَمَن قالَ: المُرادُ بِالآيَةِ البَيِّنَةِ مُعْجِزاتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: المُرادُ بِتَبْدِيلِها أنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَها لِتَكُونَ أسْبابَ هُداهم فَجَعَلُوها أسْبابَ ضَلالَتِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٥] ومَن قالَ: المُرادُ بِالآيَةِ البَيِّنَةِ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن دَلائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: المُرادُ مِن تَبْدِيلِها تَحْرِيفُها وإدْخالُ الشُّبْهَةِ فِيها. والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الصِّحَّةِ والأمْنِ والكِفايَةِ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أبْدَلَ النِّعْمَةَ بِالنِّقْمَةِ لَمّا كَفَرُوا، ولَكِنْ أضافَ التَّبْدِيلَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ مِن جِهَتِهِمْ وهو تَرْكُ القِيامِ بِما وجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَمَلِ بِتِلْكَ الآياتِ البَيِّناتِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ فَإنْ فَسَّرْنا النِّعْمَةَ بِإيتاءِ الآياتِ والدَّلائِلِ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما تَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها، أوْ مِن بَعْدِ ما عَرَفَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٧٥]؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن مَعْرِفَتِها أوْ لَمْ يَعْرِفْها، فَكَأنَّها غائِبَةٌ عَنْهُ، وإنْ فَسَّرْنا النِّعْمَةَ بِما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ والكِفايَةِ، فَلا شَكَّ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الأسْبابِ يَكُونُ الشُّكْرُ أوْجَبَ فَكانَ الكُفْرُ أقْبَحَ، فَلِهَذا قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: وفِيهِ صفحة ٥ إضْمارٌ، والمَعْنى شَدِيدُ العِقابِ لَهُ، وأقُولُ: بَيَّنَ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ في كِتابِ ”دَلائِلِ الإعْجازِ“ أنَّ تَرْكَ هَذا الإضْمارِ أوْلى؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ التَّخْوِيفُ بِكَوْنِهِ في ذاتِهِ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ، مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى كَوْنِهِ شَدِيدَ العِقابِ لِهَذا أوْ لِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والعِقابُ عَذابٌ يَعْقُبُ الجُرْمَ.

البقرة 2:212

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ حالَ مَن يُبَدِّلُ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ، وهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالدَّلالَةِ والأنْبِياءِ وعَدَلُوا عَنْها، أتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَتْ هَذِهِ طَرِيقَتُهم فَقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ ومَحْصُولُ هَذا الكَلامِ تَعْرِيفُ المُؤْمِنِينَ ضَعْفَ عُقُولِ الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ في تَرْجِيحِ الفانِي مِن زِينَةِ الدُّنْيا عَلى الباقِي مِن دَرَجاتِ الآخِرَةِ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما لَمْ يَقُلْ: (زُيِّنَتْ) لِوُجُوهٍ: أحَدُها وهو قَوْلُ الفَرّاءِ: أنَّ الحَياةَ والإحْياءَ واحِدٌ، فَإنْ أُنِّثَ فَعَلى اللَّفْظِ، وإنْ ذُكِّرَ فَعَلى المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٥]، ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هُودٍ: ٦٧] . وثانِيها: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ أنَّ تَأْنِيثَ الحَياةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ حَيَوانًا بِإزائِهِ ذَكَرٌ، مِثْلُ امْرَأةٍ ورَجُلٍ، وناقَةٍ وجَمَلٍ، بَلْ مَعْنى الحَياةِ والعَيْشِ والبَقاءِ واحِدٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: زُيِّنَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا والبَقاءُ. وثالِثُها وهو قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: زُيِّنَتْ؛ لِأنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ زُيِّنَ وبَيْنَ الحَياةِ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإذا فُصِلَ بَيْنَ فِعْلِ المُؤَنَّثِ وبَيْنَ الِاسْمِ بِفاصِلٍ، حَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ الفاصِلَ يُغْنِي عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا: فالرِّوايَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ ورُؤَساءِ قُرَيْشٍ، كانُوا يَسْخَرُونَ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَمّارٍ، وخَبّابٍ، وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وعامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ بِسَبَبِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الفَقْرِ والضَّرَرِ والصَّبْرِ عَلى أنْواعِ البَلاءِ، مَعَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا في التَّنَعُّمِ والرّاحَةِ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعٍ، سَخِرُوا مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ المُهاجِرِينَ، حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ. والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، كانُوا يَسْخَرُونَ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ وفُقَراءِ المُهاجِرِينَ، واعْلَمْ أنَّهُ لا مانِعَ مِن نُزُولِها في جَمِيعِهِمْ. صفحة ٦ * * * والمَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّزْيِينِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُزَيِّنُ هو غُواةُ الجِنِّ والإنْسِ، زَيَّنُوا لِلْكُفّارِ الحِرْصَ عَلى الدُّنْيا، وقَبَّحُوا أمْرَ الآخِرَةِ في أعْيُنِهِمْ، وأوْهَمُوا أنْ لا صِحَّةَ لِما يُقالُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، فَلا تُنَغِّصُوا عِيشَتَكم في الدُّنْيا. قالَ: وأمّا الَّذِي يَقُولُهُ المُجَبِّرَةُ مِن أنَّهُ تَعالى زَيَّنَ ذَلِكَ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ المُزَيِّنَ لِلشَّيْءِ هو المُخْبِرُ عَنْ حُسْنِهِ، فَإنْ كانَ المُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإمّا أنْ يَكُونَ صادِقًا في ذَلِكَ التَّزْيِينِ، وإمّا أنْ يَكُونَ كاذِبًا، فَإنْ كانَ صادِقًا وجَبَ أنْ يَكُونَ ما زَيَّنَهُ حَسَنًا، فَيَكُونُ فاعِلُهُ المُسْتَحْسِنُ لَهُ مُصِيبًا، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ الكافِرَ مُصِيبٌ في كُفْرِهِ ومَعْصِيَتِهِ، وهَذا القَوْلُ كُفْرٌ، وإنْ كانَ كاذِبًا في ذَلِكَ التَّزْيِينِ أدّى ذَلِكَ إلى أنْ لا يُوثَقَ مِنهُ تَعالى بَقَوْلٍ ولا خَبَرٍ، وهَذا أيْضًا كُفْرٌ، قالَ: فَصَحَّ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّ المُزَيِّنَ هو الشَّيْطانُ. هَذا تَمامُ كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ في ”تَفْسِيرِهِ“ . وأقُولُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الكُفّارِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ مُزَيِّنٌ، والمُزَيِّنُ لِجَمِيعِ الكُفّارِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُغايِرًا لَهم، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ يُزَيِّنُ لِلْآخَرِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ دَوْرًا، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي يُزَيِّنُ الكُفْرَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُغايِرًا لَهم، فَبَطَلَ قَوْلُهُ: إنَّ المُزَيِّنَ هم غُواةُ الجِنِّ والإنْسِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَؤُلاءِ الغُواةَ داخِلُونَ في الكُفّارِ أيْضًا، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُزَيِّنَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ غَيْرَهم، فَثَبَتَ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ ضَعِيفٌ، وأمّا قَوْلُهُ: المُزَيِّنُ لِلشَّيْءِ هو المُخْبِرُ عَنْ حُسْنِهِ فَهَذا مَمْنُوعٌ، بَلِ المُزَيِّنُ مَن يَجْعَلُ الشَّيْءَ مَوْصُوفًا بِالزِّينَةِ، وهي صِفاتٌ قائِمَةٌ بِالشَّيْءِ بِاعْتِبارِها يَكُونُ الشَّيْءُ مُزَيَّنًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ سَقَطَ كَلامُهُ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا أنَّ المُزَيِّنَ لِلشَّيْءِ هو المُخْبِرُ عَنْ حُسْنِهِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: اللَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ حُسْنِهِ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَمّا فِيها مِنَ اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ والرّاحاتِ، والإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِكَذِبٍ، والتَّصْدِيقُ بِها لَيْسَ بِكُفْرٍ، فَسَقَطَ كَلامُ أبِي عَلِيٍّ في هَذا البابِ بِالكُلِّيَّةِ. التَّأْوِيلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: يُحْتَمَلُ في ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنَّهم زَيَّنُوا لِأنْفُسِهِمْ، والعَرَبُ يَقُولُونَ لِمَن يَبْعُدُ مِنهم: أيْنَ يَذْهَبُ بِكَ؟ لا يُرِيدُونَ أنَّ ذاهِبًا ذَهَبَ بِهِ وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى في الآيِ الكَثِيرَةِ: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٧٥]، ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافِرٍ: ٦٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المُنافِقُونَ: ٩] فَأضافَ ذَلِكَ إلَيْهِما لَمّا كانا كالسَّبَبِ، ولَمّا كانَ الشَّيْطانُ لا يَمْلِكُ أنْ يَحْمِلَ الإنْسانَ عَلى الفِعْلِ قَهْرًا، فالإنْسانُ في الحَقِيقَةِ هو الَّذِي زَيَّنَ لِنَفْسِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿زُيِّنَ﴾ يَقْتَضِي أنْ مُزَيِّنًا زَيَّنَهُ، والعُدُولُ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ غَيْرُ مُمْكِنٍ. التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا المُزَيِّنَ هو اللَّهُ تَعالى، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قِراءَةُ مَن قَرَأ (زَيَّنَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا الحَياةَ الدُّنْيا) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكَهْفِ: ٧] . ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا التَّأْوِيلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تَعالى هو المُزَيِّنُ بِما أظْهَرَهُ في الدُّنْيا مِنَ الزَّهْرَةِ والنَّضارَةِ والطِّيبِ واللَّذَّةِ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ ابْتِلاءً لِعِبادِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥] وقالَ أيْضًا: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وقالُوا: فَهَذِهِ الآياتُ مُتَوافِقَةٌ، والمَعْنى في الكُلِّ صفحة ٧ أنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلالُهُ جَعَلَ الدُّنْيا دارَ ابْتِلاءٍ وامْتِحانٍ، فَرَكَّبَ في الطِّباعِ المَيْلَ إلى اللَّذّاتِ وحُبِّ الشَّهَواتِ لا عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ الَّذِي لا يُمْكِنُ تَرْكُهُ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّحْبِيبِ الَّذِي تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ مَعَ إمْكانِ رَدِّها عَنْهُ لِيَتِمَّ بِذَلِكَ الِامْتِحانُ، ولِيُجاهِدَ المُؤْمِنُ هَواهُ فَيُقْصِرَ نَفْسَهُ عَلى المُباحِ ويَكُفَّها عَنِ الحَرامِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ التَّزْيِينِ أنَّهُ تَعالى أمْهَلَهم في الدُّنْيا، ولَمْ يَمْنَعْهم عَنِ الإقْبالِ عَلَيْها، والحِرْصِ الشَّدِيدِ في طَلَبِها، فَهَذا الإمْهالُ هو المُسَمّى بِالتَّزْيِينِ. واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي نَقَلْناها عَنِ المُعْتَزِلَةِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْها سُؤالٌ واحِدٌ، وهو أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الزِّينَةِ في قُلُوبِ الكُفّارِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ وإلّا فَقَدَ وقَعَ المُحْدَثُ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ، وهَذا مُحالٌ، ثُمَّ هَذا التَّزْيِينُ الحاصِلُ في قُلُوبِ الكُفّارِ هَلْ رَجَّحَ جانِبَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ عَلى جانِبِ الإيمانِ والطّاعَةِ، أوْ ما رَجَّحَ، فَإنْ لَمْ يُرَجِّحِ ألْبَتَّةَ بَلِ الإنْسانُ مَعَ حُصُولِ هَذِهِ الزِّينَةِ في قَلْبِهِ كَهو لا مَعَ حُصُولِها في قَلْبِهِ، فَهَذا يَمْنَعُ كَوْنَهُ تَزْيِينًا في قَلْبِهِ، والنَّصُّ دَلَّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ هَذا التَّزْيِينُ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ حُصُولَ هَذا التَّزْيِينِ في قَلْبِهِ يُرَجِّحُ جانِبَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ عَلى جانِبِ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَقَدْ زالَ الِاخْتِيارُ؛ لِأنَّ حالَ الِاسْتِواءِ لَمّا امْتَنَعَ حُصُولُ الرُّجْحانِ، فَحالُ صَيْرُورَةِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ مَرْجُوحًا كانَ أوْلى بِامْتِناعِ الوُقُوعِ، وإذا صارَ المُرَجِّحُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ صارَ الرّاجِحُ واجِبَ الوُقُوعِ، ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خُرُوجَ عَنِ النَّقِيضَيْنِ، فَهَذا هو تَوْجِيهُ السُّؤالِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَنْدَفِعُ بِالوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ المُرادَ: أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ما كانَ مِنَ المُباحاتِ دُونَ المَحْظُوراتِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ سَقَطَ الإشْكالُ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ بِهَذا التَّزْيِينِ الكُفّارَ، وتَزْيِينُ المُباحاتِ لا يَخْتَصُّ بِهِ الكُفّارُ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا التَّزْيِينِ تَزْيِينَ المُباحاتِ، وأيْضًا فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا تَمَتَّعَ بِالمُباحاتِ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا يَكُونُ تَمَتُّعُهُ بِها مَعَ الخَوْفِ والوَجَلِ مِنَ الحِسابِ في الآخِرَةِ فَهو وإنْ كَثُرَ مالُهُ وجاهُهُ فَعَيْشُهُ مُكَدَّرٌ مُنَغَّصٌ، وأكْثَرُ غَرَضِهِ أجْرُ الآخِرَةِ وإنَّما يَعُدُّ الدُّنْيا كالوَسِيلَةِ إلَيْها، ولَيْسَ كَذَلِكَ الكافِرُ، فَإنَّهُ وإنْ قَلَّتْ ذاتُ يَدِهِ فَسُرُورُهُ بِها يَكُونُ غالِبًا عَلى ظَنِّهِ؛ لِاعْتِقادِهِ أنَّها كَمالُ المَقْصُودِ دُونَ غَيْرِها، وإذا كانَ هَذا حالُهُ صَحَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ تَزْيِينَ المُباحاتِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى أتْبَعَ تِلْكَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّهم كانُوا يَسْخَرُونَ مِنهم في تَرْكِهِمُ اللَّذّاتِ المَحْظُورَةَ، وتَحَمُّلِهِمُ المَشاقَّ الواجِبَةَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّزْيِينَ ما وقَعَ في المُباحاتِ بَلْ وقَعَ في المَحْظُوراتِ. وأمّا أصْحابُنا فَإنَّهم حَمَلُوا التَّزْيِينَ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ في قَلْبِهِ إرادَةَ الأشْياءِ والقُدْرَةَ عَلى تِلْكَ الأشْياءِ، بَلْ خَلَقَ تِلْكَ الأفْعالَ والأحْوالَ، وهَذا بِناءٌ عَلى أنَّ الخالِقَ لِأفْعالِ العِبادِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ ظَهَرَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَقَدْ رُوِّينا في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ السُّخْرِيَةِ وُجُوهًا مِنَ الرِّواياتِ، قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى (زُيِّنَ)، ولا يَبْعُدُ اسْتِئْنافُ المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ الماضِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم بِـ (زُيِّنَ) وهو ماضٍ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِفِعْلٍ يُدِيمُونَهُ فَقالَ: ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومَعْنى هَذِهِ السُّخْرِيَةِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ المَساكِينُ تَرَكُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها وشَهَواتِها صفحة ٨ ويَتَحَمَّلُونَ المَشاقَّ والمَتاعِبَ لِطَلَبِ الآخِرَةِ مَعَ أنَّ القَوْلَ بِالآخِرَةِ قَوْلٌ باطِلٌ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَوْ بَطَلَ القَوْلُ بِالمَعادِ لَكانَتْ هَذِهِ السُّخْرِيَةُ لازِمَةً، أمّا لَوْ ثَبَتَ القَوْلُ بِصِحَّةِ المَعادِ كانَتِ السُّخْرِيَةُ مُنْقَلِبَةً عَلَيْهِمْ؛ لَأنَّ مَن أعْرَضَ عَنِ المُلْكِ الأبَدِيِّ بِسَبَبِ لَذّاتٍ حَقِيرَةٍ في أنْفاسٍ مَعْدُودَةٍ لَمْ يُوجَدْ في الخَلْقِ أحَدٌ أوْلى بِالسُّخْرِيَةِ مِنهُ، بَلْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا، والإقْبالُ عَلى الآخِرَةِ هو الحَزْمُ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ؛ فَإنَّهُ إنْ بَطَلَ القَوْلُ بِالآخِرَةِ لَمْ يَكُنِ الفائِتُ إلّا لَذّاتٍ حَقِيرَةً وأنْفاسًا مَعْدُودَةً، وإنْ صَحَّ القَوْلُ بِالآخِرَةِ كانَ الإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالُ عَلى الآخِرَةِ أمْرًا مُتَعَيَّنًا، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ السُّخْرِيَةَ كانَتْ باطِلَةً وأنَّ عَوْدَ السُّخْرِيَةِ عَلَيْهِمْ أوْلى. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ؟ . الجَوابُ: لِيُظْهِرَ بِهِ أنَّ السَّعادَةَ الكُبْرى لا تَحْصُلُ إلّا لِلْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ، ولِيَكُونَ باعِثًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّقْوى. السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ بِهَذِهِ الفَوْقِيَّةِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفَوْقِيَّةِ الفَوْقِيَّةَ بِالمَكانِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَكُونُونَ في عِلِّيِّينَ مِنَ السَّماءِ، والكافِرِينَ يَكُونُونَ في سِجِّينٍ مِنَ الأرْضِ. وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفَوْقِيَّةِ في الكَرامَةِ والدَّرَجَةِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما يُقالُ: فُلانٌ فَوْقَ فُلانٍ في الكَرامَةِ، إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في الكَرامَةِ ثُمَّ يَكُونُ أحَدُهُما أزْيَدَ حالًا مِنَ الآخَرِ في تِلْكَ الكَرامَةِ، والكافِرُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الكَرامَةِ فَكَيْفَ يُقالُ: المُؤْمِنُ فَوْقَهُ في الكَرامَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهم كانُوا فَوْقَهم في سَعاداتِ الدُّنْيا ثُمَّ في الآخِرَةِ يَنْقَلِبُ الأمْرُ، فاللَّهُ تَعالى يُعْطِي المُؤْمِنَ مِن سَعاداتِ الآخِرَةِ ما يَكُونُ فَوْقَ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً لِلْكافِرِينَ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّهم فَوْقَهم في الحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ شُبَهاتِ الكُفّارِ رُبَّما كانَتْ تَقَعُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا يَرُدُّونَها عَنْ قُلُوبِهِمْ بِمَدَدِ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا يَوْمُ القِيامَةِ فَلا يَبْقى شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، بَلْ تَزُولُ الشُّبَهاتُ، ولا تُؤَثِّرُ وساوِسُ الشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٢٩] الآيَةِ. ورابِعُها: أنَّ سُخْرِيَةَ المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ فَوْقَ سُخْرِيَةِ الكافِرِينَ بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ سُخْرِيَةَ الكافِرِ بِالمُؤْمِنِ باطِلَةٌ، وهي مَعَ بُطْلانِها مُنْقَضِيَةٌ، وسُخْرِيَةُ المُؤْمِنِ بِالكافِرِ في الآخِرَةِ حَقَّةٌ، ومَعَ حَقِّيَّتِها هي دائِمَةٌ باقِيَةٌ. السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفَسادِ ؟ فَإنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى خَصَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِهَذِهِ الفَوْقِيَّةِ، فالَّذِينَ لا يَكُونُونَ مَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى وجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ لَهم هَذِهِ الفَوْقِيَّةُ، وإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الفَوْقِيَّةُ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ. الجَوابُ: هَذا تَمَسَّكٌ بِالمَفْهُومِ، فَلا يَكُونُ أقْوى في الدَّلالَةِ مِنَ العُمُوماتِ الَّتِي بَيَّنّا أنَّها مَخْصُوصَةٌ بِدَلائِلِ العَفْوِ. صفحة ٩ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما يُعْطِي اللَّهُ المُتَّقِينَ في الآخِرَةِ مِنَ الثَّوابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يُعْطِي في الدُّنْيا أصْنافَ عَبِيدِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَإذا حَمَلْناهُ عَلى رِزْقِ الآخِرَةِ احْتَمَلَ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ في الآخِرَةِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ رِزْقًا واسِعًا رَغْدًا لا فَناءَ لَهُ، ولا انْقِطاعَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافِرٍ: ٤٠] فَإنَّ كُلَّ ما دَخَلَ تَحْتَ الحِسابِ والحَصْرِ والتَّقْدِيرِ فَهو مُتَناهٍ، فَما لا يَكُونُ مُتَناهِيًا كانَ لا مَحالَةَ خارِجًا عَنِ الحِسابِ. وثانِيها: أنَّ المَنافِعَ الواصِلَةَ إلَيْهِمْ في الجَنَّةِ بَعْضُها ثَوابٌ وبَعْضُها تَفَضُّلٌ كَما قالَ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النِّساءِ: ١٧٣] فالفَضْلُ مِنهُ بِلا حِسابٍ. وثالِثُها: أنَّهُ لا يَخافُ نَفادَها عِنْدَهُ، فَيَحْتاجُ إلى حِسابِ ما يَخْرُجُ مِنهُ؛ لِأنَّ المُعْطِيَ إنَّما يُحاسِبُ لِيَعْلَمَ لِمِقْدارِ ما يُعْطِي وما يَبْقى، فَلا يَتَجاوَزُ في عَطاياهُ إلى ما يُجْحِفُ بِهِ، واللَّهُ لا يَحْتاجُ إلى الحِسابِ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ غَنِيٌّ لا نِهايَةَ لِمَقْدُوراتِهِ. ورابِعُها: أنَّهُ أرادَ بِهَذا رِزْقَ أهْلِ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الحِسابَ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ إذا كانَ بِحَيْثُ إذا أعْطى شَيْئًا انْتَقَصَ قَدْرَ الواجِبِ عَمّا كانَ، والثَّوابُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ بَعْدَ انْقِضاءِ الأدْوارِ والأعْصارِ يَكُونُ الثَّوابُ المُسْتَحَقُّ بِحُكْمِ الوَعْدِ والفَضْلِ باقِيًا، فَعَلى هَذا لا يَتَطَرَّقُ الحِسابُ ألْبَتَّةَ إلى الثَّوابِ. وخامِسُها: أرادَ أنَّ الَّذِي يُعْطى لا نِسْبَةَ لَهُ إلى ما في الخِزانَةِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُعْطى في كُلِّ وقْتٍ يَكُونُ مُتَناهِيًا لا مَحالَةَ، والَّذِي في خِزانَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ غَيْرُ مُتَناهٍ، والمُتَناهِي لا نِسْبَةَ لَهُ إلى غَيْرِ المُتَناهِي، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، وهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا نِهايَةَ لِمَقْدُوراتِ اللَّهِ تَعالى. وسادِسُها: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، يُقالُ: لِفُلانٍ عَلى فُلانٍ حِسابٌ، إذا كانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أحَدٌ شَيْئًا، ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ حِسابٌ، بَلْ كُلُّ ما أعْطاهُ فَقَدْ أعْطاهُ بِمُجَرَّدِ الفَضْلِ والإحْسانِ، لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ. وسابِعُها: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ يَزِيدُ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ، يُقالُ: فُلانٌ يُنْفِقُ بِالحِسابِ إذا كانَ لا يَزِيدُ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ، فَأمّا إذا زادَ عَلَيْهِ فَإنَّهُ يُقالُ: يُنْفِقُ بِغَيْرِ حِسابٍ. وثامِنُها: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ يُعْطِي كَثِيرًا؛ لِأنَّ ما دَخَلَهُ الحِسابُ فَهو قَلِيلٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ كُلَّها مُحْتَمَلَةٌ وعَطايا اللَّهِ لَها مُنْتَظِمَةٌ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّها، واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما يُعْطِي في الدُّنْيا أصْنافَ عِبادِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو ألْيَقُ بِنَظْمِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ إنَّما كانُوا يَسْخَرُونَ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِحُصُولِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى أنَّهم عَلى الحَقِّ ويَحْرِمُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ مِن تِلْكَ السَّعاداتِ عَلى أنَّهم عَلى الباطِلِ، فاللَّهُ تَعالى أبْطَلَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يُعْطِي في الدُّنْيا مَن يَشاءُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنْبِئًا عَنْ كَوْنِ المُعْطى مُحِقًّا أوْ مُبْطِلًا أوْ مُحْسِنًا أوْ مُسِيئًا، وذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْضِ المَشِيئَةِ، فَقَدْ وسَّعَ الدُّنْيا عَلى قارُونَ، وضَيَّقَها عَلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا يَجُوزُ لَكم أيُّها الكُفّارُ أنْ تَسْتَدِلُّوا بِحُصُولِ مَتاعِ الدُّنْيا لَكم وعَدَمِ حُصُولِها لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ عَلى كَوْنِكم مُحِقِّينَ وكَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، بَلِ الكافِرُ قَدْ يُوَسَّعُ عَلَيْهِ زِيادَةً في الِاسْتِدْراجِ، والمُؤْمِنُ قَدْ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ زِيادَةً في الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] . وثانِيها: أنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ في الدُّنْيا مِن كافِرٍ ومُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حِسابٍ يَكُونُ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، صفحة ١٠ ولا مُطالَبَةٍ، ولا تَبِعَةٍ، ولا سُؤالِ سائِلٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يَقُولَ الكافِرُ: لَوْ كانَ المُؤْمِنُ عَلى الحَقِّ فَلِمَ لَمْ يُوَسَّعْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا ؟ وأنْ لا يَقُولَ المُؤْمِنُ: إنْ كانَ الكافِرُ مُبْطِلًا فَلِمَ يُوَسَّعُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا ؟ بَلِ الِاعْتِراضُ ساقِطٌ، والأمْرُ أمْرُهُ، والحُكْمُ حُكْمُهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣] وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ إذا جاءَهُ ما لَمْ يَكُنْ في تَقْدِيرِهِ: لَمْ يَكُنْ هَذا في حِسابِي، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ وإنْ كانُوا يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لِفَقْرِهِمْ، فاللَّهُ تَعالى قَدْ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، ولَعَلَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالمُؤْمِنِينَ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ فَأغْناهم بِما أفاءَ عَلَيْهِمْ مِن أمْوالِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ ورُؤَساءِ اليَهُودِ، وبِما فَتَحَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ بَعْدَ وفاتِهِ عَلى أيْدِي أصْحابِهِ حَتّى مَلَكُوا كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ المُتَّقِينَ وما يَصِلُ إلَيْهِمْ ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٦] ألَيْسَ ذَلِكَ كالمُناقِضِ لِما في هَذِهِ الآيَةِ. قُلْنا: أمّا مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ عَلى التَّفَضُّلِ، وحَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ عَلى المُسْتَحِقِّ بِحَسَبِ الوَعْدِ عَلى ما هو قَوْلُنا، أوْ بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ عَلى ما هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، فالسُّؤالُ ساقِطٌ، وأمّا مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ عَلى سائِرِ الوُجُوهِ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ ذَلِكَ العَطاءَ إذا كانَ يَتَشابَهُ في الأوْقاتِ ويَتَماثَلُ، صَحَّ مِن هَذا الوَجْهِ أنْ يُوصَفَ بِكَوْنِهِ عَطاءً حِسابًا، ولا يَنْقُضُهُ ما ذَكَرْناهُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهم فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ سَبَبَ إصْرارِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ هو حُبُّ الدُّنْيا، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذا الزَّمانِ، بَلْ كانَ حاصِلًا في الأزْمِنَةِ المُتَقادِمَةِ؛ لِأنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً قائِمَةً عَلى الحَقِّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا وما كانَ اخْتِلافُهم إلّا بِسَبَبِ البَغْيِ والتَّحاسُدِ والتَّنازُعِ في طَلَبِ الدُّنْيا، فَهَذا هو الكَلامُ في تَرْتِيبِ النَّظْمِ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١١ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ: الأُمَّةُ القَوْمُ المُجْتَمِعُونَ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ يَقْتَدِي بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الِائْتِمامِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً، ولَكِنَّها ما دَلَّتْ عَلى أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الحَقِّ أمْ في الباطِلِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا عَلى دِينٍ واحِدٍ وهو الإيمانُ والحَقُّ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُحَقِّقِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إنَّما بُعِثُوا حِينَ الِاخْتِلافِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يُونُسَ: ١٩] ويَتَأكَّدُ أيْضًا بِما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَعْثُهم بَعْدَ الِاخْتِلافِ ولَوْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ أُمَّةً واحِدَةً في الكُفْرِ، لَكانَتْ بَعْثَةُ الرُّسُلِ قَبْلَ هَذا الِاخْتِلافِ أوْلى؛ لِأنَّهم لَمّا بُعِثُوا عِنْدَما كانَ بَعْضُهم مُحِقًّا وبَعْضُهم مُبْطِلًا، فَلَأنْ يُبْعَثُوا حِينَما كانُوا كُلُّهم مُبْطِلِينَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ كانَ أوْلى، وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ حَسَنٌ في هَذا المَوْضُوعِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، ثُمَّ أدْرَجَنا فِيهِ فاخْتَلَفُوا بِحَسَبِ دَلالَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وبِحَسَبِ قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذا الِاخْتِلافِ هو الِاخْتِلافُ الحاصِلُ بَعْدَ ذَلِكَ الِاتِّفاقِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، ثُمَّ حَكَمَ عَلى هَذا الِاخْتِلافِ بِأنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ البَغْيِ، وهَذا الوَصْفُ لا يَلِيقُ إلّا بِالمَذاهِبِ الباطِلَةِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَذاهِبَ الباطِلَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ البَغْيِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاتِّفاقَ الَّذِي كانَ حاصِلًا قَبْلَ حُصُولِ هَذا الِاخْتِلافِ إنَّما كانَ في الحَقِّ لا في الباطِلِ، فَثَبَتَ أنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الدِّينِ الحَقِّ، لا في الدِّينِ الباطِلِ. وثالِثُها: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا إلى أوْلادِهِ، فالكُلُّ كانُوا مُسْلِمِينَ مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعالى، ولَمْ يَحْدُثْ فِيما بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في الدِّينِ، إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ بِسَبَبِ الحَسَدِ والبَغْيِ، وهَذا المَعْنى ثابِتٌ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، والآيَةُ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ النّاسَ وهم آدَمُ وأوْلادُهُ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، كانُوا أُمَّةً واحِدَةً عَلى الحَقِّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بِسَبَبِ البَغْيِ والحَسَدِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ ابْنَيْ آدَمَ ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [المائِدَةِ: ٢٧] فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ القَتْلُ والكُفْرُ بِاللَّهِ إلّا بِسَبَبِ البَغْيِ والحَسَدِ، وهَذا المَعْنى ثابِتٌ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، والآيَةُ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ. ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا غَرَقَتِ الأرْضُ بِالطُّوفانِ لَمْ يَبْقِ إلّا أهْلُ السَّفِينَةِ، وكُلُّهم كانُوا عَلى الحَقِّ والدِّينِ الصَّحِيحِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذِهِ القِصَّةُ مِمّا عُرِفَ ثُبُوتُها بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ والنَّقْلِ المُتَواتِرِ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً عَلى الحَقِّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ولَمْ يَثْبُتِ ألْبَتَّةَ بِشَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ أنَّهم كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى الباطِلِ والكُفْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ وأنْ لا يُحْمَلَ عَلى ما لَمْ يَثْبُتْ بِشَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ. وخامِسُها: وهو أنَّ الدِّينَ الحَقَّ لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالنَّظَرِ، والنَّظَرُ لا مَعْنى لَهُ إلّا تَرْتِيبَ المُقَدِّماتِ لِيُتَوَصَّلَ صفحة ١٢ بِها إلى النَّتائِجِ، وتِلْكَ المُقَدِّماتُ إنْ كانَتْ نَظَرِيَّةً افْتَقَرَتْ إلى مُقَدِّماتٍ أُخَرَ، ولَزِمَ الدَّوْرُ أوِ التَّسَلْسُلُ وهُما باطِلانِ، فَوَجَبَ انْتِهاءُ النَّظَرِيّاتِ بِالآخِرَةِ إلى الضَّرُورِيّاتِ، وكَما أنَّ المُقَدِّماتِ يَجِبُ انْتِهاؤُها إلى الضَّرُورِيّاتِ فَتَرْتِيبُ المُقَدِّماتِ يَجِبُ انْتِهاؤُهُ أيْضًا إلى تَرْتِيبٍ تُعْلَمُ صِحَّتُهُ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، وإذا كانَتِ النَّظَرِيّاتُ مُسْتَنِدَةً إلى مُقَدِّماتٍ تُعْلَمُ صِحَّتُها بِضَرُورَةِ العَقْلِ، وإلى تَرْتِيباتٍ تُعْلَمُ صِحَّتُها بِضَرُورَةِ العَقْلِ، وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ لا يَغْلَطُ لَوْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ سَبَبٌ مِن خارِجٍ، فَأمّا إذا عَرَضَ لَهُ سَبَبٌ خارِجِيٌّ، فَهُناكَ يَحْصُلُ الغَلَطُ فَثَبَتَ أنَّ ما بِالذّاتِ هو الصَّوابُ وما بِالعَرَضِ هو الخَطَأُ، وما بِالذّاتِ أقْدَمُ مِمّا بِالعَرَضِ بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ وبِحَسَبِ الزَّمانِ أيْضًا، هَذا هو الأظْهَرُ فَثَبَتَ أنَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في الدِّينِ الحَقِّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ لِأسْبابٍ خارِجِيَّةٍ وهي البَغْيُّ والحَسَدُ، فَهَذا دَلِيلٌ مَعْقُولٌ، ولَفْظُ القُرْآنِ مُطابِقٌ لَهُ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: فَما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١١٨] . قُلْنا: المَعْنى ولِأجْلِ أنْ يَرْحَمَهم خَلَقَهم. وسادِسُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ» “ دَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ المَوْلُودَ لَوْ تُرِكَ مَعَ فِطْرَتِهِ الأصْلِيَّةِ لَما كانَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأدْيانِ الباطِلَةِ، وأنَّهُ إنَّما يُقْدِمُ عَلى الدِّينِ الباطِلِ لِأسْبابٍ خارِجِيَّةٍ، وهي سَعْيُ الأبَوَيْنِ في ذَلِكَ وحُصُولُ الأغْراضِ الفاسِدَةِ مِنَ البَغْيِ والحَسَدِ. وسابِعُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعْرافِ: ١٧٢] فَذَلِكَ اليَوْمَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً عَلى الدِّينِ الحَقٍّ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ لِلْمُتَكَلِّمِينَ في هَذِهِ القِصَّةِ أبْحاثًا كَثِيرَةً، ولا حاجَةَ بِنا في نُصْرَةِ هَذا القَوْلِ بَعْدَ تِلْكَ الوُجُوهِ السِّتَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها إلى هَذا الوَجْهِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ. أمّا الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الدِّينِ الباطِلِ، فَهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ كالحَسَنِ وعَطاءٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واحْتَجُّوا بِالآيَةِ والخَبَرِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ وهو لا يَلِيقُ إلّا بِذَلِكَ، وأمّا الخَبَرُ فَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ تَعالى نَظَرَ إلى أهْلِ الأرْضِ عَرَبِهِمْ وعَجَمِهِمْ فَمَقَتَهم إلّا بَقايا مِن أهْلِ الكِتابِ» “ . وجَوابُهُ: ما بَيَّنّا أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِضِدِّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الِاخْتِلافِ لَما وجَبَتِ البَعْثَةُ. فَلَوْ كانَ الِاتِّفاقُ السّابِقُ اتِّفاقًا عَلى الكُفْرِ لَكانَتِ البَعْثَةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْلى، وحَيْثُ لَمْ تَحْصُلِ البَعْثَةُ هُناكَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الِاتِّفاقَ كانَ اتِّفاقًا عَلى الحَقِّ، لا عَلى الباطِلِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ أنَّهُ مَتى كانَ النّاسُ مُتَّفِقِينَ عَلى الكُفْرِ فَقِيلَ مِن وفاةِ آدَمَ إلى زَمانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا كُفّارًا، ثُمَّ سَألُوا أنْفُسَهم سُؤالًا وقالُوا: ألَيْسَ فِيهِمْ مَن كانَ مُسْلِمًا نَحْوُ هابِيلَ وشِيثٍ وإدْرِيسَ ؟ وأجابُوا بِأنَّ الغالِبَ كانَ هو الكُفْرَ والحُكْمُ لِلْغالِبِ، ولا يُعْتَدُّ بِالقَلِيلِ في الكَثِيرِ كَما لا يُعْتَدُّ بِالشَّعِيرِ القَلِيلِ في البُرِّ الكَثِيرِ، وقَدْ يُقالُ: دارُ الإسْلامِ وإنْ كانَ فِيها غَيْرُ المُسْلِمِينَ ودارُ الحَرْبِ وإنْ كانَ فِيها مُسْلِمُونَ. القَوْلُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ والقاضِي: أنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في التَّمَسُّكِ بِالشَّرائِعِ العَقْلِيَّةِ، وهي الِاعْتِرافُ بِوُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ، والِاشْتِغالُ بِخِدْمَتِهِ وشُكْرِ نِعْمَتِهِ، والِاجْتِنابُ عَنِ القَبائِحِ العَقْلِيَّةِ، صفحة ١٣ كالظُّلْمِ، والكَذِبِ، والجَهْلِ، والعَبَثِ وأمْثالِها. واحْتَجَّ القاضِي عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِأنَّ لَفْظَ النَّبِيِّينَ يُفِيدُ العُمُومَ والِاسْتِغْراقَ، وحَرْفُ الفاءِ يُفِيدُ التَّراخِي، فَقَوْلُهُ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ يُفِيدُ أنَّ بَعْثَةَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ كانَتْ مُتَأخِّرَةً عَنْ كَوْنِ النّاسِ أُمَّةً واحِدَةً، فَتِلْكَ الوَحْدَةُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى بَعْثَةِ جَمِيعِ الشَّرائِعِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ وحْدَةً في شَرْعِهِ غَيْرَ مُسْتَفادَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ في شَرِيعَةٍ مُسْتَفادَةٍ مِنَ العَقْلِ، وذَلِكَ ما بَيَّنّاهُ، وأيْضًا فالعِلْمُ بِحُسْنِ شُكْرِ المُنْعِمِ، وطاعَةُ الخالِقِ والإحْسانُ إلى الخَلْقِ والعَدْلُ، مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ الكُلِّ، والعِلْمُ بِقُبْحِ الكَذِبِ والظُّلْمِ والجَهْلِ والعَبَثِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ الكُلِّ، فالأظْهَرُ أنَّ النّاسَ كانُوا في أوَّلِ الأمْرِ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ لِأسْبابٍ مُنْفَصِلَةٍ، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: ألَيْسَ أوَّلَ النّاسِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ كانَ نَبِيًّا، فَكَيْفَ يَصِحُّ إثْباتُ النّاسِ مُكَلَّفِينَ قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أوْلادِهِ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى التَّمَسُّكِ بِالشَّرائِعِ العَقْلِيَّةِ أوَّلًا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بَعَثَهُ إلى أوْلادِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ بَعْدَ ذَلِكَ صارَ شَرْعُهُ مُنْدَرِسًا، فالنّاسُ رَجَعُوا إلى التَّمَسُّكِ بِالشَّرائِعِ العَقْلِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصِحُّ إلّا مَعَ إثْباتِ تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ، والكَلامُ فِيهِ مَشْهُورٌ في الأُصُولِ. القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً، ولَيْسَ فِيها أنَّهم كانُوا عَلى الإيمانِ أوْ عَلى الكُفْرِ، فَهو مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ. القَوْلُ الخامِسُ: أنَّ المُرادَ مِنَ النّاسِ هَهُنا أهْلُ الكِتابِ مِمَّنْ آمَنَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٨] وذَكَرْنا أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أنَّ تِلْكَ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ كانَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى أُمَّةً واحِدَةً، عَلى دِينٍ واحِدٍ، ومَذْهَبٍ واحِدٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بِسَبَبِ البَغْيِ والحَسَدِ، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ، وهُمُ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ، كَما بَعَثَ الزَّبُورَ إلى داوُدَ، والتَّوْراةَ إلى مُوسى، والإنْجِيلَ إلى عِيسى، والفُرْقانَ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَكُونَ تِلْكَ الكُتُبُ حاكِمَةً عَلَيْهِمْ في تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيها، وهَذا القَوْلُ مُطابِقٌ لِنَظْمِ الآيَةِ ومُوافِقٌ لِما قَبْلَها ولِما بَعْدَها، ولَيْسَ فِيها إشْكالٌ إلّا أنَّ تَخْصِيصَ لَفْظِ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ النّاسُ﴾ بِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ خِلافُ الظّاهِرِ، إلّا أنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ الألِفَ واللّامَ كَما تَكُونُ لِلِاسْتِغْراقِ فَقَدْ تَكُونُ أيْضًا لِلْعَهْدِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ فاعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ لا بُدَّ هَهُنا مِنَ الإضْمارِ، والتَّقْدِيرُ: كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ النَّبِيِّينَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُبَشِّرِينَ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهم مُنْذِرِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [النِّساءِ: ١٦٥] وإنَّما قَدَّمَ البِشارَةَ عَلى الإنْذارِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ تَجْرِي مَجْرى حِفْظِ الصِّحَّةِ، والإنْذارَ يَجْرِي مَجْرى إزالَةِ المَرَضِ، ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ هو الأوَّلُ دُونَ الثّانِي، فَلا جَرَمَ وجَبَ تَقْدِيمُهُ في الذِّكْرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنْزالُ الكِتابِ يَكُونُ قَبْلَ وُصُولِ الأمْرِ صفحة ١٤ والنَّهْيِ إلى المُكَلَّفِينَ، ووُصُولُ الأمْرِ والنَّهْيِ إلَيْهِمْ يَكُونُ قَبْلَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ، فَلِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ عَلى إنْزالِ الكُتُبِ ؟ أجابَ القاضِي عَنْهُ فَقالَ: لِأنَّ الوَعْدَ والوَعِيدَ مِنهم قَبْلَ بَيانِ الشَّرْعِ مُمْكِنٌ فِيما يَتَّصِلُ بِالعَقْلِيّاتِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وتَرْكِ الظُّلْمِ وغَيْرِهِما، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُكَلَّفَ إنَّما يَتَحَمَّلُ النَّظَرَ في دَلالَةِ المُعْجِزِ عَلى الصِّدْقِ، وفي الفَرْقِ بَيْنَ المُعْجِزِ إذا خافَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْظُرْ فَرُبَّما تَرَكَ الحَقَّ فَيَصِيرُ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ، والخَوْفُ إنَّما يَقْوى ويَكْمُلُ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ، فَلا جَرَمَ وجَبَ تَقْدِيمُ البِشارَةِ والنِّذارَةِ عَلى إنْزالِ الكِتابِ في الذِّكْرِ. ثُمَّ قالَ القاضِي: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا نَبِيَّ إلّا مَعَهُ كِتابٌ مُنَزَّلٌ فِيهِ بَيانُ الحَقِّ طالَ ذَلِكَ الكِتابُ أمْ قَصُرَ، ودُوِّنَ ذَلِكَ الكِتابُ أوْ لَمْ يُدَوِّنْ، وكانَ ذَلِكَ الكِتابُ مُعْجِزًا أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كَوْنَ الكِتابِ مُنَزَّلًا مَعَهم لا يَقْتَضِي شَيْئًا مِن ذَلِكَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ فِعْلٌ، فَلا بُدَّ مِنَ اسْتِنادِهِ إلى شَيْءٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ، فَأقْرَبُها إلى هَذا اللَّفْظِ: الكِتابُ، ثُمَّ النَّبِيُّونَ، ثُمَّ اللَّهُ، فَلا جَرَمَ كانَ إضْمارُ كُلِّ واحِدٍ مِنها صَحِيحًا، فَيَكُونُ المَعْنى: لِيَحْكُمَ اللَّهُ، أوِ النَّبِيُّ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ، أوِ الكِتابُ، ثُمَّ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ يَخْتَصُّ بِوَجْهِ تَرْجِيحٍ، أمّا الكِتابُ فَلِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُوراتِ، وأمّا اللَّهُ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الحاكِمُ في الحَقِيقَةِ لا الكِتابُ، وأمّا النَّبِيُّ فَلِأنَّهُ هو المُظْهِرُ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: حَمْلُهُ عَلى الكِتابِ أوْلى، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: الحاكِمُ هو اللَّهُ، فَإسْنادُ الحُكْمِ إلى الكِتابِ مَجازٌ، إلّا أنْ نَقُولَ: هَذا المَجازُ يَحْسُنُ تَحَمُّلُهُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: حَكَمَ الكِتابُ بِكَذا، وقَضى كِتابُ اللَّهِ بِكَذا، ورَضِيَنا بِكِتابِ اللَّهِ، وإذا جازَ أنْ يَكُونَ هُدًى وشِفاءً، جازَ أنْ يَكُونَ حاكِمًا، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الإسْراءِ: ٩] والثّانِي: أنَّهُ يُفِيدُ تَفْخِيمَ شَأْنِ القُرْآنِ وتَعْظِيمَ حالِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ راجِعًا، إمّا إلى الكِتابِ، وإمّا إلى الحَقِّ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُما جَمِيعًا قَدْ تَقَدَّمَ، لَكِنَّ رُجُوعَهُ إلى الحَقِّ أوْلى؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ الكِتابَ لِيَكُونَ حاكِمًا فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالكِتابُ حاكِمٌ، والمُخْتَلَفُ فِيهِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، والحاكِمُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ فالهاءُ الأُولى راجِعَةٌ إلى الحَقِّ، والثّانِيَةُ إلى الكِتابِ، والتَّقْدِيرُ: وما اخْتَلَفَ في الحَقِّ إلّا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ. ثُمَّ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهَؤُلاءِ: اليَهُودُ والنَّصارى، واللَّهُ تَعالى كَثِيرًا ما يَذْكُرُهم في القُرْآنِ بِهَذا اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٥] ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦٤] ثُمَّ المُرادُ بِاخْتِلافِهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو تَكْفِيرَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ [البَقَرَةِ: ١١٣]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُهم تَحْرِيفَهم وتَبْدِيلَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيْ: وما اخْتَلَفَ في الحَقِّ إلّا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مَعَ أنَّهُ كانَ المَقْصُودُ مِن إنْزالِ الكِتابِ أنْ لا يَخْتَلِفُوا وأنْ يَرْفَعُوا المُنازَعَةَ في الدِّينِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِلافَ في الحَقِّ لَمْ يُوجَدْ إلّا بَعْدَ بَعْثَةِ الأنْبِياءِ وإنْزالِ الكُتُبِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ قَبْلَ بَعْثِهِمْ ما كانَ الِاخْتِلافُ في الحَقِّ حاصِلًا، بَلْ كانَ الِاتِّفاقُ في الحَقِّ حاصِلًا، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مَعْناهُ أُمَّةٌ واحِدَةٌ في دِينِ الحَقِّ. صفحة ١٥

البقرة 2:213

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ فَهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ إيتاءُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ الكِتابَ كانَ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ البَيِّناتُ مُغايِرَةً لا مَحالَةَ لِإيتاءِ الكِتابِ، وهَذِهِ البَيِّناتُ لا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى شَيْءٍ سِوى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى إثْباتِ الأُصُولِ الَّتِي لا يُمْكِنُ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَلِّمِينَ يَقُولُونَ: كُلُّ ما لا يَصِحُّ إثْباتُ النُّبُوَّةِ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ، فَذَلِكَ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ وإلّا وقَعَ الدَّوْرُ، بَلْ لا بُدَّ مِن إثْباتِها بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَهَذِهِ الدَّلائِلُ هي البَيِّناتُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى إيتاءِ اللَّهِ الكُتُبَ إيّاهم. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّ الدَّلائِلَ إمّا سَمْعِيَّةٌ وإمّا عَقْلِيَّةٌ، أمّا السَّمْعِيَّةُ فَقَدْ حَصَلَتْ بِإيتاءِ الكِتابِ، وأمّا العَقْلِيَّةُ فَقَدْ حَصَلَتْ بِالبَيِّناتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى إيتاءِ الكِتابِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَدْ تَمَّتِ البَيِّناتُ ولَمْ يَبْقَ في العُدُولِ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَلَوْ حَصَلَ الإعْراضُ والعُدُولُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا بِسَبَبِ الحَسَدِ والبَغْيِ والحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٤] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ أهْلِ الكِتابِ وأنَّهم بَعْدَ كَمالِ البَيِّناتِ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجَهْلِ بِسَبَبِ البَغْيِ والحَسَدِ بَيَّنَ أنَّ حالَ هَذِهِ الأُمَّةِ بِخِلافِ حالِ أُولَئِكَ؛ فَإنَّ اللَّهَ عَصَمَهم عَنِ الزَّلَلِ وهَداهم إلى الحَقِّ في الأشْياءِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيها أهْلُ الكِتابِ، يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَحْنُ أوَّلُ النّاسِ دُخُولًا الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهم، فَهَدانا اللَّهُ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ، فَهَذا اليَوْمُ الَّذِي هَدانا لَهُ، والنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ وغَدًا لِلْيَهُودِ، وبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصارى» “ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اخْتَلَفُوا في القِبْلَةِ فَصَلَّتِ اليَهُودُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، والنَّصارى إلى المَشْرِقِ، فَهَدانا اللَّهُ لِلْكَعْبَةِ، واخْتَلَفُوا في الصِّيامِ، فَهَدانا اللَّهُ لِشَهْرِ رَمَضانَ، واخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ، فَقالَتِ اليَهُودُ: كانَ يَهُودِيًّا وقالَتِ النَّصارى: كانَ نَصْرانِيًّا، فَقُلْنا: إنَّهُ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، واخْتَلَفُوا في عِيسى، فاليَهُودُ فَرَّطُوا، والنَّصارى أفْرَطُوا، وقُلْنا القَوْلَ العَدْلَ. * * * وبَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنَ الأصْحابِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالَ: لِأنَّ الهِدايَةَ هي العِلْمُ والمَعْرِفَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَهَدى اللَّهُ﴾ نَصٌّ في أنَّ الهِدايَةَ حَصَلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ ضَعِيفٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الهِدايَةَ غَيْرٌ، والِاهْتِداءَ غَيْرٌ، والَّذِي يَدُلُّ هَهُنا عَلى أنَّ الهِدايَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنِ الإيمانِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الهِدايَةَ إلى الإيمانِ غَيْرُ الإيمانِ كَما أنَّ التَّوْفِيقَ لِلْإيمانِ غَيْرُ الإيمانِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ ولا يُمْكِنُ صَرْفُ هَذا الإذْنِ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَدى اللَّهُ﴾؛ إذْ لا جائِزَ أنْ يَأْذَنَ لِنَفْسِهِ، فَلا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ لِيَصْرِفَ هَذا الإذْنَ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ فاهْتَدَوْا بِإذْنِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الهِدايَةُ مُغايِرَةً لِلِاهْتِداءِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَخُصُّ المُؤْمِنَ بِهِداياتٍ لا يَفْعَلُها في حَقِّ الكافِرِ، والمُعْتَزِلَةُ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اخْتُصُّوا بِالِاهْتِداءِ، فَجَعَلَ هِدايَةً لَهم خاصَّةً صفحة ١٦ كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] ثُمَّ قالَ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] . وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِهِ: الهِدايَةُ إلى الثَّوابِ وطَرِيقِ الجَنَّةِ. وثالِثُها: هَداهم إلى الحَقِّ بِالألْطافِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ إلى ما اخْتَلَفُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المُجادَلَةِ: ٣] أيْ إلى ما قالُوا، ويُقالُ: هَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ ولِلطَّرِيقِ وإلى الطَّرِيقِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: فَهَداهم لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ، ولَمْ يَقُلْ: هَداهم لِلْحَقِّ فِيما اخْتَلَفُوا، وقَدَّمَ الِاخْتِلافَ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَتِ العِنايَةُ بِذِكْرِ الِاخْتِلافِ لَهم بَدَأ بِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِمَن هَداهُ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، أيْ: فَهَداهم لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ الزَّجّاجُ: بِعِلْمِهِ. الثّانِي: هَداهم بِأمْرِهِ أيْ حَصَلَتِ الهِدايَةُ بِسَبَبِ الأمْرِ كَما يُقالُ: قَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا عَنِ الباطِلِ وبِالأمْرِ حَصَلَ التَّمْيِيزُ فَجُعِلَتِ الهِدايَةُ بِسَبَبِ إذْنِهِ. الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: هَداهم فاهْتَدَوْا بِإذْنِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فاسْتِدْلالُ الأصْحابِ بِهِ مَعْلُومٌ، والمُعْتَزِلَةُ أجابُوا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُرادُ بِالهِدايَةِ البَيانُ، فاللَّهُ تَعالى خَصَّ المُكَلَّفِينَ بِذَلِكَ. والثّانِي: المُرادُ بِالهِدايَةِ الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ. الثّالِثُ: المُرادُ بِهِ اللُّطْفُ فَيَكُونُ خاصًّا لِمَن يُعْلَمُ أنَّهُ يَصْلُحُ لَهُ وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الرّازِيِّ.

البقرة 2:214

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ فِي النَّظْمِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ السّالِفَةِ: ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمُرادُ أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الحَقِّ وطَلَبِ الجَنَّةِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ الطَّلَبَ لا يَتِمُّ ولا يَكْمُلُ إلّا بِاحْتِمالِ الشَّدائِدِ في التَّكْلِيفِ فَقالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآيَةِ. الثّانِي: أنَّهُ في الآيَةِ السّالِفَةِ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ هَداهم لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ تِلْكَ الهِدايَةِ احْتَمَلُوا الشَّدائِدَ في إقامَةِ الحَقِّ وصَبَرُوا عَلى البَلْوى، فَكَذا أنْتُمْ يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ لا تَسْتَحِقُّونَ الفَضِيلَةَ في الدِّينِ إلّا بِتَحَمُّلِ هَذِهِ المِحَنِ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في لَفْظِ (أمْ) في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ١٧ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٣] والَّذِي نُرِيدُهُ هَهُنا أنْ نَقُولَ: (أمْ) اسْتِفْهامٌ مُتَوَسِّطٌ كَما أنَّ (هَلْ) اسْتِفْهامٌ سابِقٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَقُولَ: هَلْ عِنْدَكَ رَجُلٌ، أعِنْدَكَ رَجُلٌ ؟ ابْتِداءً، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أمْ عِنْدَكَ رَجُلٌ، فَأمّا إذا كانَ مُتَوَسِّطًا جازَ سَواءٌ كانَ مَسْبُوقًا بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ أوْ لا يَكُونُ، أمّا إذا كانَ مَسْبُوقًا بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ فَهو كَقَوْلِكَ: أنْتَ رَجُلٌ لا تُنْصِفُ، أفَعَنْ جَهْلٍ تَفْعَلُ هَذا أمْ لَكَ سُلْطانٌ ؟ وأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مَسْبُوقًا بِالِاسْتِفْهامِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السَّجْدَةِ: ٣] وهَذا القِسْمُ يَكُونُ في تَقْدِيرِ القِسْمِ الأوَّلِ، والتَّقْدِيرُ: أفَيُؤْمِنُونَ بِهَذا أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ فَكَذا تَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ، فَصَبَرُوا عَلى اسْتِهْزاءِ قَوْمِهِمْ بِهِمْ، أفَتَسْلُكُونَ سَبِيلَهم، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ ؟ هَذا ما لَخَّصَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: ولَمْ يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا، وذَكَرَ الكُوفِيُّونَ مِن أهْلِ النَّحْوِ أنَّ (لَمّا) إنَّما هي (لَمْ) و(ما) زائِدَةٌ، وقالَسِيبَوَيْهِ: (ما) لَيْسَتْ زائِدَةً؛ لِأنَّ (لَمّا) تَقَعُ في مَواضِعَ لا تَقَعُ فِيها (لَمْ) يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أقَدِمَ فُلانٌ ؟ فَيَقُولُ: (لَمّا) ولا يَقُولُ: (لَمْ) مُفْرَدَةً، قالَ المُبَرِّدُ: إذا قالَ القائِلُ: لَمْ يَأْتِنِي زَيْدٌ، فَهو نَفْيٌ لِقَوْلِكَ: أتاكَ زَيْدٌ. وإذا قالَ: لَمّا يَأْتِنِي فَمَعْناهُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِنِي بَعْدُ وأنا أتَوَقَّعُهُ. قالَ النّابِغَةُ: أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ إتْيانَ ذَلِكَ مُتَوَقَّعٌ مُنْتَظَرٌ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، اشْتَدَّ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم خَرَجُوا بِلا مالٍ، وتَرَكُوا دِيارَهم وأمْوالَهم في أيْدِي المُشْرِكِينَ، وأظْهَرَتِ اليَهُودُ العَداوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ حِينَ أصابَ المُسْلِمِينَ ما أصابَهم مِنَ الجَهْدِ والحَزَنِ، وكانَ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحْزابِ: ١٠] وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَرْبِ أُحُدٍ لَمّا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ: إلى مَتى تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتَرْجُونَ الباطِلَ، ولَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَما سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الأسْرَ والقَتْلَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: أمْ حَسِبْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ بِي وتَصْدِيقِ رَسُولِي، دُونَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ بِكُلِّ ما تَعَبَّدَكم بِهِ، وابْتَلاكم بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، وأنْ يَنالُكم مِن أذى الكُفّارِ، ومِنَ احْتِمالِ الفَقْرِ والفاقَةِ، ومُكابَدَةِ الضُّرِّ والبُؤْسِ في المَعِيشَةِ، ومُقاساةِ الأهْوالِ في مُجاهَدَةِ العَدُوِّ، كَما كانَ كَذَلِكَ مَن قَبْلَكم مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ والمَثَلُ هو المِثْلُ وهو الشَّبَهُ، وهُما لُغَتانِ: مَثَلٌ ومِثْلٌ وشَبَهٌ وشِبْهٌ، إلّا أنَّ المَثَلَ مُسْتَعارٌ لِحالَةٍ غَرِيبَةٍ أوْ قِصَّةٍ عَجِيبَةٍ لَها شَأْنٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النَّحْلِ: ٦٠] أيِ الصِّفَةُ الَّتِي لَها شَأْنٌ عَظِيمٌ. واعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ مِحْنَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، وقَوْلُهُ: ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ بَيانٌ لِلْمَثَلِ، وهو اسْتِئْنافٌ كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَكَيْفَ كانَ ذَلِكَ المَثَلُ ؟ فَقالَ: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا﴾ . أمّا ﴿البَأْساءُ﴾ فَهو اسْمٌ مِنَ البُؤْسِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ وهو الفَقْرُ والمَسْكَنَةُ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ في بُؤْسٍ وشِدَّةٍ. صفحة ١٨ وأمّا ﴿الضَّرّاءُ﴾ فالأقْرَبُ فِيهِ أنَّهُ وُرُودُ المَضارِّ عَلَيْهِ مِنَ الآلامِ والأوْجاعِ وضُرُوبِ الخَوْفِ، وعِنْدِي أنَّ البَأْساءَ عِبارَةٌ عَنْ تَضْيِيقِ جِهاتِ الخَيْرِ والمَنفَعَةِ عَلَيْهِ، والضَّرّاءُ عِبارَةٌ عَنِ انْفِتاحِ جِهاتِ الشَّرِّ والآفَةِ والألَمِ عَلَيْهِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وزُلْزِلُوا﴾ أيْ حُرِّكُوا بِأنْواعِ البَلايا والرَّزايا، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الزَّلْزَلَةِ في اللُّغَةِ مِن أزالَ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ، فَإذا قُلْتَ: زَلْزَلْتُهُ فَتَأْوِيلُهُ أنَّكَ كَرَّرْتَ تِلْكَ الإزالَةَ فَضُوعِفَ لَفْظُهُ بِمُضاعَفَةِ مَعْناهُ، وكُلُّ ما كانَ فِيهِ تَكْرِيرٌ كُرِّرَتْ فِيهِ فاءُ الفِعْلِ، نَحْوُ صَرَّ وصَرْصَرَ، وصَلَّ وصَلْصَلَ، وكَفَّ وكَفْكَفَ، وأقَلَّ الشَّيْءَ، أيْ رَفَعَهُ مِن مَوْضِعِهِ، فَإذا كُرِّرَ قِيلَ: قَلْقَلَ، وفَسَّرَ بَعْضُهم ﴿وزُلْزِلُوا﴾ هَهُنا بِخُوِّفُوا، وحَقِيقَتُهُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخائِفَ لا يَسْتَقِرُّ بَلْ يَضْطَرِبُ قَلْبُهُ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ ذَلِكَ إلّا في الخَوْفِ المُقِيمِ المُقْعِدِ؛ لِأنَّهُ يُذْهِبُ السُّكُونَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ زُلْزِلُوا هَهُنا مَجازًا، والمُرادُ: خُوِّفُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا مُضْطَرِبِينَ لا يَسْتَقِرُّونَ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ والخَوْفِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ ذَكَرَ شَيْئًا آخَرَ وهو النِّهايَةُ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الضُّرِّ والبُؤْسِ والمِحْنَةِ، فَقالَ: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَكُونُونَ في غايَةِ الثَّباتِ والصَّبْرِ وضَبْطِ النَّفْسِ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ، فَإذا لَمْ يَبْقَ لَهم صَبْرٌ حَتّى ضَجُّوا، كانَ ذَلِكَ هو الغايَةَ القُصْوى في الشِّدَّةِ، فَلَمّا بَلَغَتْ بِهِمُ الشِّدَّةُ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العَظِيمَةِ قِيلَ لَهم: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إجابَةً لَهم إلى طَلَبِهِمْ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: هَكَذا كانَتْ حالُهم إلى أنْ أتاهم نَصْرُ اللَّهِ ولَمْ يُغَيِّرْهم طُولُ البَلاءِ عَنْ دِينِهِمْ، وأنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ كُونُوا عَلى ذَلِكَ وتَحَمَّلُوا الأذى والمَشَقَّةَ في طَلَبِ الحَقِّ، فَإنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ؛ لِأنَّهُ آتٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢] وقالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٢] والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْنا أنَّ أصْحابَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَنالُهُمُ الأمْرُ العَظِيمُ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ واليَهُودِ، ولَمّا أُذِنَ لَهم في القِتالِ نالَهم مِنَ الجِراحِ وذَهابِ الأمْوالِ والنُّفُوسِ ما لا يَخْفى، فَعَزّاهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ وبَيَّنَ أنَّ حالَ مَن قَبْلَهم في طَلَبِ الدِّينِ كانَ كَذَلِكَ، والمُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، وذَكَرَ اللَّهُ مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإلْقائِهِ في النّارِ، ومِن أمْرِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما ابْتَلاهُ اللَّهُ بِهِ، ومِن أمْرِ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مُصابَرَتِهِمْ عَلى أنْواعِ البَلاءِ ما صارَ ذَلِكَ في سَلْوَةِ المُؤْمِنِينَ. رَوى قَيْسُ بْنُ أبِي حازِمٍ «عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، قالَ: شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما نَلْقى مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ”إنَّ مَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ كانُوا يُعَذَّبُونَ بِأنْواعِ البَلاءِ فَلَمْ يَصْرِفْهم ذَلِكَ عَنْ دِينِهِمْ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ يُوضَعُ عَلى رَأْسِهِ المِنشارُ فَيُشُقُّ فِلْقَتَيْنِ، ويُمَشَّطُ الرَّجُلُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ فِيما دُونَ العَظْمِ مِن لَحْمٍ وعَصَبٍ وما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وايْمُ اللَّهِ لَيُتِمَنَّ اللَّهُ هَذا الأمْرَ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ ما بَيْنَ صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخْشى إلّا اللَّهَ والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ ولَكِنَّكم تَعْجَلُونَ“» . * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ نافِعٌ: (حَتّى يَقُولُ) بِرَفْعِ اللّامِ والباقُونَ بِالنَّصْبِ، ووَجْهُهُ أنَّ (حَتّى) إذا نَصَبَتِ المُضارِعَ تَكُونُ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: إلى، وفي هَذا الضَّرْبِ يَكُونُ الفِعْلُ الَّذِي حَصَلَ قَبْلَ (حَتّى) والَّذِي حَصَلَ بَعْدَها قَدْ وُجِدا ومَضَيا، تَقُولُ: سِرْتُ حَتّى أدْخُلَها، أيْ: إلى أنْ أدْخُلَها، صفحة ١٩ فالسَّيْرُ والدُّخُولُ قَدْ وُجِدا ومَضَيا، وعَلَيْهِ النَّصْبُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وزُلْزِلُوا إلى أنْ يَقُولَ الرَّسُولُ، والزَّلْزَلَةُ والقَوْلُ قَدْ وُجِدا. والثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: كَيْ، كَقَوْلِهِ: أطَعْتُ اللَّهَ حَتّى أدْخُلَ الجَنَّةَ، أيْ: كَيْ أدْخُلَ الجَنَّةَ، والطّاعَةُ قَدْ وُجِدَتْ والدُّخُولُ لَمْ يُوجَدْ، ونَصْبُ الآيَةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى هَذا الوَجْهِ. وأمّا الرَّفْعُ فاعْلَمْ أنَّ الفِعْلَ الواقِعَ بَعْدَ (حَتّى) لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الحالِ المَحْكِيَّةِ الَّتِي وُجِدَتْ، كَما حُكِيَتِ الحالُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ [القَصَصِ: ١٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ [الكَهْفِ: ١٨] لِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ إلّا عَلى سَبِيلِ أنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ يُقالُ هَذا الكَلامُ، ويُقالُ: شَرِبَتِ الإبِلُ حَتّى يَجِيءَ البَعِيرُ يَجُرُّ بَطْنَهُ، والمَعْنى: شَرِبَتْ حَتّى إنَّ مَن حَضَرَ هُناكَ يُقالُ: يَجِيءُ البَعِيرُ يَجُرُّ بَطْنَهُ، ثُمَّ هَذا قَدْ يَصْدُقُ عِنْدَ انْقِضاءِ السَّبَبِ وحْدَهُ دُونَ المُسَبِّبِ، كَقَوْلِكَ: سِرْتُ حَتّى أدْخُلَ البَلَدَ. فَيُحْتَمَلُ أنَّ السَّيْرَ والدُّخُولَ قَدْ وُجِدا وحَصَلا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَ السَّيْرُ، والدُّخُولُ بَعْدُ لَمْ يُوجَدْ. فَهَذا هو الكَلامُ في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّصْبِ ووَجْهِ الرَّفْعِ، واعْلَمْ أنَّ الأكْثَرِينَ اخْتارُوا النَّصْبَ؛ لِأنَّ قِراءَةَ الرَّفْعِ لا تَصِحُّ إلّا إذا جَعَلْنا الكَلامَ حِكايَةً عَمَّنْ يُخْبِرُ عَنْها حالَ وُقُوعِها، وقِراءَةُ النَّصْبِ لا تَحْتاجُ إلى هَذا الفَرْضِ فَلا جَرَمَ كانَتْ قِراءَةُ النَّصْبِ أوْلى. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ القاطِعِ بِصِحَّةِ وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ أنْ يَقُولَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ كَوْنَهُ رَسُولًا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَتَأذّى مِن كَيْدِ الأعْداءِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٩٧] وقالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ﴾ [يُوسَفَ: ١١٠] وعَلى هَذا فَإذا ضاقَ قَلْبُهُ وقَلَّتْ حِيلَتُهُ، وكانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُهُ إلّا أنَّهُ ما عَيَّنَ لَهُ الوَقْتَ في ذَلِكَ، قالَ عِنْدَ ضِيقِ قَلْبِهِ: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ حَتّى إنَّهُ إنْ عَلِمَ قُرْبَ الوَقْتِ زالَ هَمُّهُ وغَمُّهُ وطابَ قَلْبُهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ في الجَوابِ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ فَلَمّا كانَ الجَوابُ بِذِكْرِ القُرْبِ دَلَّ عَلى أنَّ السُّؤالَ كانَ واقِعًا عَنِ القُرْبِ، ولَوْ كانَ السُّؤالُ وقَعَ عَنْ أنَّهُ هَلْ يُوجَدُ النَّصْرُ أمْ لا ؟ لَما كانَ هَذا الجَوابُ مُطابِقًا لِذَلِكَ السُّؤالِ، وهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ. والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ الرَّسُولِ والَّذِينَ آمَنُوا أنَّهم قالُوا قَوْلًا، ثُمَّ ذَكَرَ كَلامَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ . والثّانِي: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ فَوَجَبَ إسْنادُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ إلى واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ المَذْكُورِينَ. فالَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ والرَّسُولُ ﷺ قالَ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ . قالُوا: ولِهَذا نَظِيرٌ مِنَ القُرْآنِ والشِّعْرِ: أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القَصَصِ: ٧٣] والمَعْنى: لِتَسْكُنُوا في اللَّيْلِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في النَّهارِ، وأمّا مِنَ الشِّعْرِ فَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي فالتَّشْبِيهُ بِالعُنّابِ لِلرَّطْبِ وبِالحَشَفِ البالِي لِلْيابِسِ، فَهَذا جَوابٌ ذَكَرَهُ قَوْمٌ وهو مُتَكَلَّفٌ جِدًّا. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم، إذْ قالُوا: ﴿مَتى﴾ صفحة ٢٠ ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَيَكُونُ كَلامُهم قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا لِقَوْمٍ مِنهم، كَأنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ رَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ لا يُعْلِي عَدُوَّهم عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ فَنَحْنُ قَدْ صَبَرْنا يا رَبَّنا ثِقَةً بِوَعْدِكَ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ يُوجِبُ في حَقِّ كُلِّ مَن لَحِقَهُ شِدَّةٌ أنْ يَعْلَمَ أنْ سَيَظْفَرَ بِزَوالِها، وذَلِكَ غَيْرُ ثابِتٍ. قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن خَواصِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عامًّا في حَقِّ الكُلِّ؛ إذْ كُلُّ مَن كانَ في بَلاءٍ فَإنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مَن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَتَخَلَّصَ عَنْهُ، وإمّا أنْ يَمُوتَ، وإذا ماتَ فَقَدْ وصَلَ إلى مَن لا يُهْمِلُ أمْرَهُ ولا يُضَيِّعُ حَقَّهُ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النَّصْرِ، وإنَّما جَعَلَهُ قَرِيبًا لِأنَّ المَوْتَ قَرِيبٌ.

البقرة 2:215

قوله تعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بالَغَ في بَيانِ أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَكُونَ مُعْرِضًا عَنْ طَلَبِ العاجِلِ، وأنْ يَكُونَ مُشْتَغِلًا بِطَلَبِ الآجِلِ، وأنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَبْذُلُ النَّفْسَ والمالَ في ذَلِكَ شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في بَيانِ الأحْكامِ، وهو مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٣] لِأنَّ مِن عادَةِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ بَيانُ التَّوْحِيدِ وبَيانُ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ وبَيانُ الأحْكامِ مُخْتَلِطًا بَعْضُها بِالبَعْضِ؛ لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُقَوِّيًا لِلْآخَرِ ومُؤَكِّدًا لَهُ. الحُكْمُ الأوَّلُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالنَّفَقَةِ هو هَذِهِ الآيَةُ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في «رَجُلٍ أتى النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: إنَّ لِي دِينارًا. فَقالَ: أنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ. قالَ: إنَّ لِي دِينارَيْنِ. قالَ: أنْفِقْهُما عَلى أهْلِكَ. قالَ: إنَّ لِي ثَلاثَةً. قالَ: أنْفِقْها عَلى خادِمِكَ. قالَ: إنَّ لِي أرْبَعَةً. قالَ: أنْفِقْها عَلى والِدَيْكَ. قالَ: إنَّ لِي خَمْسَةً. قالَ: أنْفِقْها عَلى قَرابَتِكَ. قالَ: إنَّ لِي سِتَّةً. قالَ: أنْفِقْها في سَبِيلِ اللَّهِ وهو أحْسَنُها» . ورَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا هَرِمًا، وهو الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وعِنْدَهُ مالٌ عَظِيمٌ، فَقالَ: ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا وأيْنَ نَضَعُها ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلنَّحْوِيِّينَ في (ماذا) قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَجْعَلَ (ما) مَعَ (ذا) بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ ويَكُونُ المَوْضِعُ نَصْبًا بـِ ”﴿يُنْفِقُونَ﴾“، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ: عَمّاذا تَسْألُ ؟ بِإثْباتِ الألِفِ في (ما)، فَلَوْلا صفحة ٢١ أنَّ (ما) مَعَ (ذا) بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ لَقالُوا: عَمَّذا تَسْألُ ؟ بِحَذْفِ الألِفِ كَما حَذَفُوها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النَّبَأِ: ١] وقَوْلُهُ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٣] فَلَمّا لَمْ يَحْذِفُوا الألِفَ مِن آخِرِ (ما) عَلِمْتَ أنَّهُ مَعَ (ذا) بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ ولَمْ يَحْذِفُوا الألِفَ مِنهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ آخِرَ الِاسْمِ، والحَذْفُ يَلْحَقُها إذا كانَ آخِرًا إلّا أنْ يَكُونَ في شِعْرٍ؛ كَقَوْلِهِ: عَلا ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَجْعَلَ (ذا) بِمَعْنى الَّذِي ويَكُونُ (ما) رَفْعًا بِالِابْتِداءِ خَبَرُها (ذا) . والعَرَبُ قَدْ يَسْتَعْمِلُونَ (ذا) بِمَعْنى الَّذِي، فَيَقُولُونَ: مَن ذا يَقُولُ ذاكَ ؟ أيْ مَن ذا الَّذِي يَقُولُ ذاكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: يَسْألُونَكَ ما الَّذِي يُنْفِقُونَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ القَوْمَ سَألُوا عَمّا يُنْفِقُونَ لا عَمَّنْ تُصْرَفُ النَّفَقَةُ إلَيْهِمْ، فَكَيْفَ أجابَهم بِهَذا ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ حَصَلَ في الآيَةِ ما يَكُونُ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ، وضَمَّ إلَيْهِ زِيادَةً بِها يَكْمُلُ ذَلِكَ المَقْصُودُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ جَوابٌ عَنِ السُّؤالِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْفاقَ لا يَكْمُلُ إلّا إذا كانَ مَصْرُوفًا إلى جِهَةِ الِاسْتِحْقاقِ، فَلِهَذا لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الجَوابَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ المَصْرِفِ تَكْمِيلًا لِلْبَيانِ. وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّهُ وإنْ كانَ السُّؤالُ وارِدًا بِلَفْظِ (ما) إلّا أنَّ المَقْصُودَ: السُّؤالُ عَنِ الكَيْفِيَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ أنَّ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ إنْفاقُ مالٍ يَخْرُجُ قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ هَذا مَعْلُومًا لَمْ يَنْصَرِفِ الوَهْمُ إلى أنَّ ذَلِكَ المالَ أيُّ شَيْءٍ هو ؟ وإذا خَرَجَ هَذا عَنْ أنْ يَكُونَ مُرادًا تَعَيَّنَ أنَّ المَطْلُوبَ بِالسُّؤالِ أنَّ مَصْرِفَهُ أيُّ شَيْءٍ هو ؟ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٧٠] وإنَّما كانَ هَذا الجَوابُ مُوافِقًا لِذَلِكَ السُّؤالِ؛ لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ البَقَرَةَ هي البَهِيمَةُ الَّتِي شَأْنُها وصِفَتُها كَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿ما هِيَ﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى طَلَبِ الماهِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ طَلَبَ الصِّفَةِ الَّتِي بِها تَتَمَيَّزُ تِلْكَ البَقَرَةُ عَنْ غَيْرِها، فَبِهَذا الطَّرِيقِ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ الجَوابَ مُطابِقٌ لِذَلِكَ السُّؤالِ، فَكَذا هَهُنا لَمّا عَلِمْنا أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ الَّذِي أُمِرُوا بِإنْفاقِهِ ما هو، وجَبَ أنْ يُقْطَعَ بِأنَّ مُرادَهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ماذا يُنْفِقُونَ﴾ لَيْسَ هو طَلَبَ الماهِيَّةِ، بَلْ طَلَبُ المَصْرِفِ، فَلِهَذا حَسُنَ الجَوابُ. وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم سَألُوا هَذا السُّؤالَ فَكَأنَّهم قِيلَ لَهم: هَذا سُؤالٌ فاسِدٌ أنْفِقْ أيَّ شَيْءٍ كانَ ولَكِنْ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مالًا حَلالًا، وبِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا إلى المَصْرِفِ، وهَذا مِثْلُ ما إذا كانَ الإنْسانُ صَحِيحَ المِزاجِ لا يَضُرُّهُ أكْلُ أيِّ طَعامٍ كانَ، فَقالَ لِلطَّبِيبِ: ماذا آكُلُ ؟ فَيَقُولُ الطَّبِيبُ: كُلْ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ، كانَ المَعْنى: كُلْ ما شِئْتَ لَكِنْ بِهَذا الشَّرْطِ كَذا هَهُنا المَعْنى: أنْفِقْ أيَّ شَيْءٍ أرَدْتَ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ المَصْرِفُ ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى راعى التَّرْتِيبَ في الإنْفاقِ، فَقَدَّمَ الوالِدَيْنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُما كالمُخْرِجِ لَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ في عالَمِ الأسْبابِ، ثُمَّ رَبَّياهُ في الحالِ الَّذِي كانَ في غايَةِ الضَّعْفِ، فَكانَ إنْعامُهُما عَلى الِابْنِ أعْظَمَ مِن إنْعامِ غَيْرِهِما عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ﴾ [الإسْراءِ: ٢٣] وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ رِعايَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ أوْجَبُ مِن رِعايَةِ حَقِّ الوالِدَيْنِ؛ لِأنَّ صفحة ٢٢ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ الإنْسانَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ في الحَقِيقَةِ، والوالِدانِ هُما اللَّذانِ أخْرَجاهُ إلى عالَمِ الوُجُودِ في عالَمِ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ حَقَّهُما أعْظَمُ مِن حَقِّ غَيْرِهِما؛ فَلِهَذا أوْجَبَ تَقْدِيمَهُما عَلى غَيْرِهِما في رِعايَةِ الحُقُوقِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ الوالِدَيْنِ الأقْرَبِينَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُومَ بِمَصالِحِ جَمِيعِ الفُقَراءِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يُرَجِّحَ البَعْضَ عَلى البَعْضِ، والتَّرْجِيحُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، والقُرابَةُ تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلتَّرْجِيحِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ القَرابَةَ مَظِنَّةُ المُخالَطَةِ، والمُخالَطَةُ سَبَبٌ لِاطِّلاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى حالِ الآخَرِ، فَإذا كانَ أحَدُهُما غَنِيًّا والآخَرُ فَقِيرًا كانَ اطِّلاعُ الفَقِيرِ عَلى الغَنِيِّ أتَمَّ، واطِّلاعُ الغَنِيِّ عَلى الفَقِيرِ أتَمَّ، وذَلِكَ مِن أقْوى الحَوامِلِ عَلى الإنْفاقِ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْ لَمْ يُراعِ جانِبَ الفَقِيرِ، احْتاجَ الفَقِيرُ لِلرُّجُوعِ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ عارٌ وسَيِّئَةٌ في حَقِّهِ، فالأوْلى أنْ يَتَكَفَّلَ بِمَصالِحِهِمْ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ. وثالِثُها: أنَّ قَرِيبَ الإنْسانِ جارٍ مَجْرى الجُزْءِ مِنهُ، والإنْفاقُ عَلى النَّفْسِ أوْلى مِنَ الإنْفاقِ عَلى الغَيْرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ الإنْفاقُ عَلى القَرِيبِ أوْلى مِنَ الإنْفاقِ عَلى البَعِيدِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ الأقْرَبِينَ اليَتامى؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لِصِغَرِهِمْ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاكْتِسابِ ولِكَوْنِهِمْ يَتامى لَيْسَ لَهم أحَدٌ يَكْتَسِبُ لَهم، فالطِّفْلُ الَّذِي ماتَ أبُوهُ قَدْ عَدِمَ الكَسْبَ والكاسِبَ، وأشْرَفَ عَلى الضَّياعِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَهُمُ المَساكِينَ، وحاجَةُ هَؤُلاءِ أقَلُّ مِن حاجَةِ اليَتامى؛ لِأنَّ قُدْرَتَهم عَلى التَّحْصِيلِ أكْثَرُ مِن قُدْرَةِ اليَتامى. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَهُمُ ابْنَ السَّبِيلِ فَإنَّهُ بِسَبَبِ انْقِطاعِهِ عَنْ بَلَدِهِ، قَدْ يَقَعُ في الِاحْتِياجِ والفَقْرِ، فَهَذا هو التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَتَّبَهُ اللَّهُ تَعالى في كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ، ثُمَّ لَمّا فَصَّلَ هَذا التَّفْصِيلَ الحَسَنَ الكامِلَ أرْدَفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالإجْمالِ فَقالَ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ: وكُلُّ ما فَعَلْتُمُوهُ مِن خَيْرٍ إمّا مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وإمّا مَعَ غَيْرِهِمْ حِسْبَةً لِلَّهِ وطَلَبًا لِجَزِيلِ ثَوابِهِ وهَرَبًا مِن ألِيمِ عِقابِهِ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ، والعَلِيمُ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ عالِمًا، يَعْنِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ فَيُجازِيكم أحْسَنَ الجَزاءِ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٥] وقالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧] . * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُرادُ مِنَ الخَيْرِ هو المالُ؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العادِياتِ: ٨] وقالَ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٠] فالمَعْنى وما تَفْعَلُوا مِن إنْفاقِ شَيْءٍ مِنَ المالِ قَلَّ أوْ كَثُرَ، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ يَتَناوَلُ هَذا الإنْفاقَ وسائِرَ وُجُوهِ البِرِّ والطّاعَةِ، وهَذا أوْلى. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوهٍ لا يَتَطَرَّقُ النَّسْخُ إلَيْها: أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الإنْفاقُ عَلى الوالِدَيْنِ واجِبٌ عِنْدَ قُصُورِهِما عَنِ الكَسْبِ والمِلْكِ، والمُرادُ بِالأقْرَبِينَ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ وقَدْ تَلْزَمُ نَفَقَتُهم عِنْدَ فَقْدِ المِلْكِ، وإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، لا وجْهَ لَهُ؛ لِأنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ تَلْزَمُ في حالِ الحَياةِ، والمِيراثُ يَصِلُ بَعْدَ المَوْتِ، وأيْضًا فَما يَصِلُ بَعْدَ المَوْتِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ نَفَقَةٌ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن أحَبَّ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تَعالى في بابِ النَّفَقَةِ فالأوْلى لَهُ أنْ يُنْفِقَهُ في هَذِهِ الجِهاتِ فَيُقَدِّمُ الأوْلى فالأوْلى صفحة ٢٣ فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّطَوُّعَ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ الوُجُوبَ فِيما يَتَّصِلُ بِالوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ مِن حَيْثُ الكِفايَةُ وفِيما يَتَّصِلُ بِاليَتامى والمَساكِينَ مِمّا يَكُونُ زَكاةً. ورابِعُها: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالإنْفاقِ عَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ما يَكُونُ بَعْثًا عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ وفِيما يَصْرِفُهُ لِلْيَتامى والمَساكِينَ ما يَخْلُصُ لِلصَّدَقَةِ، فَظاهِرُ الآيَةِ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ مِن غَيْرِ نَسْخٍ.

البقرة 2:216

الحُكْمُ الثّانِي فِيما يَتَعَلَّقُ بِالقِتالِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ في القِتالِ مُدَّةَ إقامَتِهِ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ أُذِنَ لَهُ في قِتالِ مَن يُقاتِلُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ في قِتالِ المُشْرِكِينَ عامَّةً، ثُمَّ فَرَضَ اللَّهُ الجِهادَ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّها تَقْتَضِي وُجُوبَ القِتالِ عَلى الكُلِّ. وعَنْ مَكْحُولٍ أنَّهُ كانَ يَحْلِفُ عِنْدَ البَيْتِ بِاللَّهِ أنَّ الغَزْوَ واجِبٌ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وعَطاءٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ القِتالِ عَلى أصْحابِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقَطْ. حُجَّةُ الأوَّلِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ﴾ يَقْتَضِي الوُجُوبَ وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ يَقْتَضِيهِ أيْضًا، والخِطابُ بِالكافِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ لا يَمْنَعُ مِنَ الوُجُوبِ عَلى المَوْجُودِينَ وعَلى مَن سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٣] . فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ هَلْ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ واجِبًا عَلى الأعْيانِ أوْ عَلى الكِفايَةِ. قُلْنا: بَلْ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ واجِبًا عَلى الأعْيانِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ أيْ: عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِكم كَما في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ حُجَّةُ عَطاءٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ﴾ يَقْتَضِي الإيجابَ، ويَكْفِي في العَمَلِ بِهِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا الخِطابِ بِالمَوْجُودِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، إلّا أنّا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٣] حالُ المَوْجُودِينَ فِيهِ كَحالِ مَن سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ، بِدَلالَةٍ مُنْفَصِلَةٍ، وهي الإجْماعُ، وتِلْكَ الدَّلالَةُ مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى الوَضْعِ الأصْلِيِّ، قالُوا: ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحَدِيدِ: ١٠] ولَوْ كانَ القاعِدُ مُضَيِّعًا فَرْضًا لَما كانَ مَوْعُودًا بِالحُسْنى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: الفَرْضُ كانَ ثابِتًا ثُمَّ نُسِخَ، إلّا أنَّ التِزامَ القَوْمِ بِالنَّسْخِ مِن غَيْرِ أنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] والقَوْلُ بِالنَّسْخِ غَيْرُ جائِزٍ عَلى ما بَيَّنّاهُ، والإجْماعُ اليَوْمَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّهُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، إلّا أنْ يَدْخُلَ المُشْرِكُونَ دِيارَ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُ يَتَعَيَّنُ الجِهادُ حِينَئِذٍ عَلى الكُلِّ، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٤ * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ الظّاهِرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يُؤْمَرُ بِقِتالِ الكافِرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ فَإنَّ هَذا يُشْعِرُ بِكَوْنِ المُؤْمِنِ كارِهًا لِحُكْمِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَكُونُ ساخِطًا لِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ، بَلْ يَرْضى بِذَلِكَ ويُحِبُّهُ ويَتَمَسَّكُ بِهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ صَلاحُهُ، وفي تَرْكِهِ فَسادُهُ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الكُرْهِ، كَوْنَهُ شاقًّا عَلى النَّفْسِ، والمُكَلَّفُ وإنْ عَلِمَ أنَّ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَهو صَلاحُهُ، لَكِنْ لا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ ثَقِيلًا شاقًّا عَلى النَّفْسِ؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ عِبارَةٌ عَنْ إلْزامِ ما في فِعْلِهِ كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ، ومِنَ المَعْلُومِ أنْ أعْظَمَ ما يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ الحَياةُ، فَلِذَلِكَ أشَقُّ الأشْياءِ عَلى النَّفْسِ القِتالُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ كَراهَتَهم لِلْقِتالِ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ لِما فِيهِ مِنَ الخَوْفِ ولِكَثْرَةِ الأعْداءِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ مِنَ القِتالِ خَيْرٌ لَكم مِن تَرْكِهِ؛ لِئَلّا تَكْرَهُونَهُ بَعْدَ أنْ فُرِضَ عَلَيْكم. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ هو الكَراهَةُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى وضْعَ المَصْدَرِ مَوْضِعَ الوَصْفِ مُبالَغَةً كَقَوْلِ الخَنْساءِ: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ كَأنَّهُ في نَفْسِهِ كَراهَةٌ لِفَرْطِ كَراهَتِهِمْ لَهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ فِعْلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالخَبَرِ بِمَعْنى المَخْبُورِ أيْ وهو مَكْرُوهٌ لَكم. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ كالضَّعْفِ والضَّعَفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإكْراهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَأنَّهم أُكْرِهُوا عَلَيْهِ؛ لِشِدَّةِ كَراهَتِهِمْ لَهُ، ومَشَقَّتِهِ عَلَيْهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحْقافِ: ١٥] واللَّهُ أعْلَمُ. وقالَ بَعْضُهم: الكُرْهُ، بِالضَّمِّ ما كَرِهْتَهُ مِمّا لَمْ تُكْرَهْ عَلَيْهِ، وإذا كانَ بِالإكْراهِ فَبِالفَتْحِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿عَسى﴾ فِعْلٌ دَرَجَ مُضارِعُهُ وبَقِيَ ماضِيهِ فَيُقالُ مِنهُ: عَسَيْتُما وعَسَيْتُمْ قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٢] ويَرْتَفِعُ الِاسْمُ بَعْدَهُ كَما يَرْتَفِعُ بَعْدَ الفِعْلِ فَتَقُولُ: عَسى زَيْدٌ، كَما تَقُولُ: قامَ زَيْدٌ، ومَعْناهُ: قَرُبَ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ٧٢] أيْ قَرُبَ، فَقَوْلُكَ: عَسى زَيْدٌ أنْ يَقُومَ، تَقْدِيرُهُ عَسى قِيامُ زَيْدٍ أيْ قَرُبَ قِيامُ زَيْدٍ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ رُبَّما كانَ الشَّيْءُ شاقًّا عَلَيْكم في الحالِ، وهو سَبَبٌ لِلْمَنافِعِ الجَلِيلَةِ في المُسْتَقْبَلِ وبِالضِّدِّ، ولِأجْلِهِ حَسُنَ شُرْبُ الدَّواءِ المُرِّ في الحالِ؛ لِتَوَقُّعِ حُصُولِ الصِّحَّةِ في المُسْتَقْبَلِ، وحَسُنَ تَحَمُّلُ الأخْطارِ في الأسْفارِ لِتَوَقُّعِ حُصُولِ الرِّبْحِ في المُسْتَقْبَلِ، وحَسُنَ تَحَمُّلُ المَشاقِّ في طَلَبِ العِلْمِ لِلْفَوْزِ بِالسَّعادَةِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا وفي العُقْبى، وهَهُنا كَذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ تَرْكَ الجِهادِ وإنْ كانَ يُفِيدُ في الحالِ صَوْنَ النَّفْسِ عَنْ خَطَرِ القَتْلِ، وصَوْنَ المالِ عَنِ الإنْفاقِ، ولَكِنْ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ المَضارِّ، مِنها: أنَّ العَدُوَّ إذا عَلِمَ مَيْلَكم إلى الدَّعَةِ والسُّكُونِ قَصَدَ بِلادَكم وحاوَلَ قَتْلَكم؛ فَإمّا أنْ يَأْخُذَكم ويَسْتَبِيحَ دِماءَكم وأمْوالَكم، وإمّا أنْ تَحْتاجُوا إلى قِتالِهِمْ مِن غَيْرِ إعْدادِ آلَةٍ وسِلاحٍ، وهَذا يَكُونُ كَتَرْكِ مُداواةِ المَرَضِ في أوَّلِ ظُهُورِهِ بِسَبَبِ نُفْرَةِ النَّفْسِ عَنْ تَحَمُّلِ مَرارَةِ الدَّواءِ، ثُمَّ في آخِرِ الأمْرِ يَصِيرُ المَرْءُ مُضْطَرًّا إلى تَحَمُّلِ أضْعافِ تِلْكَ النُّفْرَةِ صفحة ٢٥ والمَشَقَّةِ، والحاصِلُ أنَّ القِتالَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الأمْنِ، وذَلِكَ خَيْرٌ مِنَ الِانْتِفاعِ بِسَلامَةِ الوَقْتِ، ومِنها وِجْدانُ الغَنِيمَةِ، ومِنها السُّرُورُ العَظِيمُ بِالِاسْتِيلاءِ عَلى الأعْداءِ. أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ فَكَثِيرَةٌ، مِنها ما يَحْصُلُ لِلْمُجاهِدِ مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ إذا فَعَلَ الجِهادَ تَقَرُّبًا وعِبادَةً وسَلَكَ طَرِيقَةَ الِاسْتِقامَةِ فَلَمْ يُفْسِدْ ما فَعَلَهُ، ومِنها أنَّهُ يَخْشى عَدُوُّكم أنْ يَسْتَغْنِمَكم فَلا تَصْبِرُونَ عَلى المِحْنَةِ فَتَرْتَدُّونَ عَنِ الدِّينِ، ومِنها أنَّ عَدُوَّكم إذا رَأى جَدَّكم في دِينِكم وبَذْلَكم أنْفُسَكم وأمْوالَكم في طَلَبِهِ مالَ بِسَبَبِ ذَلِكَ إلى دِينِكم فَإذا أسْلَمَ عَلى يَدِكم صِرْتُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُسْتَحِقِّينَ لِلْأجْرِ العَظِيمِ عِنْدَ اللَّهِ، ومِنها أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى القِتالِ طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى كانَ قَدْ تَحَمَّلَ ألَمَ القَتْلِ بِسَبَبِ طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ، وما لَمْ يَصِرِ الرَّجُلُ مُتَيَقِّنًا بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ، وبِأنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا أُمُورٌ باطِلَةٌ لا يَرْضى بِالقَتْلِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ فارَقَ الإنْسانُ الدُّنْيا عَلى حُبِّ اللَّهِ وبُغْضِ الدُّنْيا، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ سَعاداتِ الإنْسانِ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الطَّبْعَ ولَوْ كانَ يَكْرَهُ القِتالَ مِن أعْداءِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ كَثِيرٌ وبِالضِّدِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأمْرَيْنِ مَتى تَعارَضا فالأكْثَرُ مَنفَعَةً هو الرّاجِحُ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشَّرُّ: السُّوءُ، وأصْلُهُ مِن شَرَرْتُ الشَّيْءَ إذا بَسَطْتُهُ، يُقالُ: شَرَرْتُ اللَّحْمَ والثَّوْبَ إذا بَسَطْتُهُ لِيَجِفَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وحَتّى أُشِرَّتْ بِالأكُفِّ المَصاحِفُ والشَّرَرُ: اللَّهَبُ؛ لِانْبِساطِهِ، فَعَلى هَذا: الشَّرُّ انْبِساطُ الأشْياءِ الضّارَّةِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (عَسى) تُوهِمُ الشَّكَّ مِثْلُ (لَعَلَّ)، وهي مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقِينٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها كَلِمَةٌ مُطَمِّعَةٌ، فَهي لا تَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّكِّ لِلْقائِلِ، إلّا أنَّها تَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّكِّ لِلْمُسْتَمِعِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يُحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ، أمّا إنْ قُلْنا بِأنَّها بِمَعْنى (لَعَلَّ) فالتَّأْوِيلُ فِيهِ هو الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] قالَ الخَلِيلُ: (عَسى) مِنَ اللَّهِ واجِبٌ في القُرْآنِ، قالَ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ [المائِدَةِ: ٥٢] وقَدْ وُجِدَ، و﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يُوسَفَ: ٨٣] وقَدْ حَصَلَ. واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، فالمَقْصُودُ مِنهُ التَّرْغِيبُ العَظِيمُ في الجِهادِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا اعْتَقَدَ قُصُورَ عِلْمِ نَفْسِهِ، وكَمالَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ عَلِمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَأْمُرُ العَبْدَ إلّا بِما فِيهِ خَيْرَتُهُ ومَصْلَحَتُهُ، عَلِمَ قَطْعًا أنَّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وجَبَ عَلَيْهِ امْتِثالُهُ، سَواءٌ كانَ مَكْرُوهًا لِلطَّبْعِ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا أيُّها العَبْدُ اعْلَمْ أنَّ عِلْمِي أكْمَلُ مِن عِلْمِكَ، فَكُنْ مُشْتَغِلًا بِطاعَتِي ولا تَلْتَفِتْ إلى مُقْتَضى طَبْعِكَ، فَهَذِهِ الآيَةُ في هَذا المَقامِ تَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى في جَوابِ المَلائِكَةِ ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ .

البقرة 2:217

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا السّائِلَ أكانَ مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ مِنَ الكافِرِينَ ؟ والقائِلُونَ بِأنَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَرِيقانِ: الفَرِيقُ الأوَّلُ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى لَمّا كَتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ وقَدْ كانَ عِنْدَ القَوْمِ لِلشَّهْرِ الحَرامِ والمَسْجِدِ الحَرامِ أعْظَمُ الحُرْمَةِ في المَنعِ مِنَ القِتالِ لَمْ يَبْعُدْ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالقِتالِ مُقَيَّدًا بِأنْ يَكُونَ في غَيْرِ هَذا الزَّمانِ، وفي غَيْرِ هَذا المَكانِ، فَدَعاهم ذَلِكَ إلى أنْ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: أيَحِلُّ لَنا قِتالُهم في هَذا الشَّهْرِ وفي هَذا المَوْضِعِ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا السُّؤالَ كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ. الفَرِيقُ الثّانِي: وهم أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: رَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ الأسَدِيَّ وهو ابْنُ عَمَّتِهِ قَبْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ، وبَعْدَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِن مَقْدِمِهِ المَدِينَةَ في ثَمانِيَةِ رَهْطٍ، وكَتَبَ لَهُ كِتابًا وعَهْدًا ودَفَعَهُ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يَفْتَحَهُ بَعْدَ مَنزِلَتَيْنِ، ويَقْرَأهُ عَلى أصْحابِهِ، ويَعْمَلَ بِما فِيهِ، فَإذا فِيهِ: أمّا بَعْدُ، فَسِرْ عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى بِمَنِ اتَّبَعَكَ حَتّى تَنْزِلَ بَطْنَ نَخْلٍ، فَتَرَصَّدَ بِها عِيرَ قُرَيْشٍ لَعَلَّكَ أنْ تَأْتِيَنا مِنهُ بِخَيْرٍ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمْعًا وطاعَةً لِأمْرِهِ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: مَن أحَبَّ مِنكُمُ الشَّهادَةَ فَلْيَنْطَلِقْ مَعِي فَإنِّي ماضٍ لِأمْرِهِ، ومَن أحَبَّ التَّخَلُّفَ فَلْيَتَخَلَّفْ، فَمَضى حَتّى بَلَغَ بَطْنَ نَخْلٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ وثَلاثَةٌ مَعَهُ، فَلَمّا رَأوْا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَلَقُوا رَأْسَ واحِدٍ مِنهم وأوْهَمُوا بِذَلِكَ أنَّهم قَوْمٌ عُمّارٌ، ثُمَّ أتى واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَنْظَلِيُّ وهو أحَدُ مِن كانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ ورَمى عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَقَتَلَهُ، وأسَرُّوا اثْنَيْنِ وساقُوا العِيرَ بِما فِيهِ حَتّى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَضَجَّتْ قُرَيْشٌ وقالُوا: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ، شَهْرٌ يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ فَيَسْفِكُ فِيهِ الدِّماءَ، والمُسْلِمُونَ أيْضًا قَدِ اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنِّي ما أمَرْتُكم بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا قَتَلْنا ابْنَ الحَضْرَمِيِّ، ثُمَّ أمْسَيْنا فَنَظَرْنا إلى هِلالِ رَجَبٍ فَلا نَدْرِي أفِي رَجَبٍ أصَبْناهُ أمْ في جُمادى. فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ والأُسارى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الغَنِيمَةَ»، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالأظْهَرُ أنَّ هَذا السُّؤالَ إنَّما صَدَرَ عَنِ المُسْلِمِينَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ أكْثَرَ الحاضِرِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا مُسْلِمِينَ. وثانِيها: أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها خِطابٌ صفحة ٢٧ مَعَ المُسْلِمِينَ، أمّا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٤] وهو خِطابٌ مَعَ المُسْلِمِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٩]، ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٠] . وثالِثُها: رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ما رَأيْتُ قَوْمًا كانُوا خَيْرًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما سَألُوهُ إلّا عَنْ ثَلاثَ عَشْرَةَ مَسْألَةً حَتّى قُبِضَ، كُلُّهُنَّ في القُرْآنِ مِنها ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا السُّؤالَ كانَ مِنَ الكُفّارِ، قالُوا: سَألُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ حَتّى لَوْ أخْبَرَهم بِأنَّهُ حَلالٌ فَتَكُوا بِهِ، واسْتَحَلُّوا قِتالَهُ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ أيْ: يَسْألُونَكَ عَنْ قِتالٍ في الشَّهْرِ الحَرامِ ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ولَكِنَّ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وعَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والكُفْرَ بِهِ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ القِتالِ ﴿ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ غَرَضَهم مِن هَذا السُّؤالِ أنْ يُقاتِلُوا المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهُ قَوْلَهُ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] فَصَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ القِتالَ عَلى سَبِيلِ الدَّفْعِ جائِزٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ خُفِصَ عَلى البَدَلِ مِنَ الشَّهْرِ الحَرامِ، وهَذا يُسَمّى بَدَلَ الِاشْتِمالَ، كَقَوْلِكَ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ عِلْمُهُ ونَفَعَنِي زَيْدٌ كَلامُهُ وسُرِقَ زَيْدٌ مالُهُ، وسُلِبَ زَيْدٌ ثَوابُهُ، قالَ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البُرُوجِ: ٤، ٥] وقالَ بَعْضُهم: الخَفْضُ في ﴿قِتالٍ﴾ عَلى تَكْرِيرِ العامِلِ، والتَّقْدِيرُ: يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ عَنْ قِتالٍ فِيهِ، وهَكَذا هو في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ والرَّبِيعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعْرافِ: ٧٥] وقَرَأ عِكْرِمَةُ (قَتْلٍ فِيهِ) . * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿كَبِيرٌ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿قِتالٍ﴾ وإنْ كانَ نَكِرَةً إلّا أنَّهُ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ﴾، فَحَسُنَ جَعْلُهُ مُبْتَدَأً، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَبِيرٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ مُسْتَنْكَرٌ كَما يُسَمّى الذَّنْبُ العَظِيمُ كَبِيرَةً، قالَ تَعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [الكَهْفِ: ٥] . فَإنْ قِيلَ: لِمَ نَكَّرَ القِتالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ ومِن حَقِّ النَّكِرَةِ إذا تَكَرَّرَتْ أنْ تَجِيءَ بِاللّامِ حَتّى يَكُونَ المَذْكُورُ الثّانِي هو الأوَّلَ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ المَذْكُورُ الثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرْحِ: ٦] . قُلْنا: نَعَمْ ما ذَكَرْتُمْ أنَّ اللَّفْظَ إذا تَكَرَّرَ وكانا نَكِرَتَيْنِ كانَ المُرادُ بِالثّانِي إذَنْ غَيْرَ الأوَّلِ، والقَوْمُ أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ ذَلِكَ القِتالَ المُعَيَّنَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القِتالَ الَّذِي يَكُونُ كَبِيرًا لَيْسَ هو هَذا القِتالَ الَّذِي سَألْتُمْ عَنْهُ، بَلْ هو قِتالٌ آخَرُ؛ لِأنَّ هَذا القِتالَ كانَ الغَرَضُ بِهِ نُصْرَةَ الإسْلامِ وإذْلالَ الكُفْرِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا مِنَ الكَبائِرِ، إنَّما القِتالُ الكَبِيرُ هو الَّذِي يَكُونُ الغَرَضُ فِيهِ هَدْمَ الإسْلامِ وتَقْوِيَةَ الكُفْرِ، فَكانَ اخْتِيارُ التَّنْكِيرِ في اللَّفْظَيْنِ لِأجْلِ هَذِهِ الدَّقِيقَةِ، إلّا أنَّهُ تَعالى ما صَرَّحَ بِهَذا الكَلامِ؛ لِئَلّا تَضِيقَ قُلُوبُهم، بَلْ أبْهَمَ الكَلامَ بِحَيْثُ يَكُونُ ظاهِرُهُ كالمُوهِمِ لِما أرادُوهُ، وباطِنُهُ يَكُونُ مُوافِقًا لِلْحَقِّ، وهَذا إنَّما حَصَلَ بِأنْ ذَكَرَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، ولَوْ أنَّهُ وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهُما أوْ عَنْ أحَدِهِما بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ لَبَطَلَتْ هَذِهِ الفائِدَةُ الجَلِيلَةُ، فَسُبْحانَ مَن لَهُ تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِن صفحة ٢٨ كَلِماتِ هَذا الكِتابِ سِرٌّ لَطِيفٌ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ إلّا أُولُو الألْبابِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ حُرْمَةُ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ هَلْ بَقِيَ أمْ نُسِخَ فَنُقِلَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أنَّهُ قالَ: حَلَفَ لِي عَطاءٌ بِاللَّهِ أنَّهُ لا يَحِلُّ لِلنّاسِ الغَزْوُ في الحَرَمِ، ولا في الأشْهُرِ الحُرُمِ، إلّا عَلى سَبِيلِ الدَّفْعِ، رَوى جابِرٌ قالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو في الشَّهْرِ الحَرامِ إلّا أنْ يُغْزى» . وسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هَلْ يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يُقاتِلُوا الكُفّارَ في الشَّهْرِ الحَرامِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والنّاسُ بِالثُّغُورِ اليَوْمَ جَمِيعًا عَلى هَذا القَوْلِ يَرَوْنَ الغَزْوَ مُباحًا في الشُّهُورِ كُلِّها، ولَمْ أرَ أحَدًا مِن عُلَماءِ الشّامِ والعِراقِ يُنْكِرُهُ عَلَيْهِمْ كَذَلِكَ حَسَبُ قَوْلِ أهْلِ الحِجازِ. والحُجَّةُ في إباحَتِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِتَحْرِيمِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ هَذا نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ، فَيَتَناوَلُ فَرْدًا واحِدًا، ولا يَتَناوَلُ كُلَّ الأفْرادِ، فَهَذِهِ الآيَةُ لا دَلالَةَ فِيها عَلى تَحْرِيمِ القِتالِ مُطْلَقًا في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ النَّسْخِ فِيهِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: لِلنَّحْوِيِّينَ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾ كُلُّها مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ القِتالَ الَّذِي سَألْتُمْ عَنْهُ، وإنْ كانَ كَبِيرًا، إلّا أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أكْبَرُ مِنهُ، فَإذا لَمْ تَمْتَنِعُوا عَنْها في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَكَيْفَ تَعِيبُونَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ عَلى ذَلِكَ القِتالِ، مَعَ أنَّ لَهُ فِيهِ عُذْرًا ظاهِرًا، فَإنَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَتْلُ واقِعًا في جُمادى الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِبَنِي إسْرائِيلَ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٤]، ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: ٢] وهَذا وجْهٌ ظاهِرٌ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الجَرِّ في قَوْلِهِ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾، وذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى الهاءِ في بِهِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالُوا: وهو مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الحَجِّ: ٢٥] . واعْتَرَضُوا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ لا يُقالُ: مَرَرْتُ بِهِ وعَمْرٍو، وعَلى الثّانِي بِأنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وعَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقَوْلُهُ: عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ صِلَةٌ لِلصَّدِّ، والصِّلَةُ والمَوْصُولُ في حُكْمِ الشَّيْءِ الواحِدِ، فَإيقاعُ الأجْنَبِيِّ بَيْنَهُما لا يَكُونُ جائِزًا. أُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ: لِمَ لا يَجُوزُ إضْمارُ حَرْفِ الجَرِّ فِيهِ حَتّى يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وكُفْرٌ بِهِ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ، والإضْمارُ في كَلامِ اللَّهِ لَيْسَ بِغَرِيبٍ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ هَذا بِقِراءَةِ حَمْزَةَ (تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامِ) عَلى سَبِيلِ الخَفْضِ، ولَوْ أنَّ حَمْزَةَ رَوى هَذِهِ اللُّغَةَ لَكانَ مَقْبُولًا بِالِاتِّفاقِ، فَإذا قَرَأ بِهِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كانَ أوْلى أنْ يَكُونَ مَقْبُولًا، وأمّا الأكْثَرُونَ الَّذِينَ اخْتارُوا القَوْلَ الثّانِيَ قالُوا: لا شَكَّ أنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الأجْنَبِيِّ بَيْنَ الصِّلَةِ والمَوْصُولِ، والأصْلُ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا أنّا تَحَمَّلْناهُ هَهُنا لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والكُفْرَ بِهِ كالشَّيْءِ الواحِدِ في المَعْنى، فَكَأنَّهُ لا فَصْلَ. الثّانِي: أنَّ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ إلّا أنَّهُ قُدِّمَ صفحة ٢٩ عَلَيْهِ لِفَرْطِ العِنايَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ كانَ مِن حَقِّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ كُفُؤًا، إلّا أنَّ فَرْطَ العِنايَةِ أوْجَبَ تَقْدِيمَهُ فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ الثّانِي في هَذِهِ الآيَةِ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفٌ بِالواوِ عَلى الشَّهْرِ الحَرامِ، والتَّقْدِيرُ: يَسْألُونَكَ عَنْ قِتالٍ في الشَّهْرِ الحَرامِ والمَسْجِدِ الحَرامِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذا طَرِيقانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ قِتالًا فِيهِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ كَبِيرٌ وبِأنَّهُ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبِأنَّهُ كُفْرٌ بِاللَّهِ. والطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ جُمْلَةَ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَهو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَبِيرٌ وكُفْرٌ بِهِ كَبِيرٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وعَمْرٌو، تَقْدِيرُهُ: وعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، طَعَنَ البَصْرِيُّونَ في هَذا الجَوابِ فَقالُوا: أمّا قَوْلُكم: تَقْدِيرُ الآيَةِ: يَسْألُونَكَ عَنْ قِتالٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ السُّؤالَ كانَ واقِعًا عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، لا عَنِ القِتالِ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وطَعَنُوا في الوَجْهِ الأوَّلِ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ كُفْرًا بِاللَّهِ، وهو خَطَأٌ بِالإجْماعِ، وطَعَنُوا في الوَجْهِ الثّانِي بِأنَّهُ لَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ﴾ أيْ أكْبَرُ مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ إخْراجُ أهْلِ المَسْجِدِ مِنَ المَسْجِدِ أكْبَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الكُفْرِ، وهو خَطَأٌ بِالإجْماعِ. وأقُولُ: لِلْفَرّاءِ أنْ يُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ مَنِ الَّذِي أخْبَرَكم بِأنَّهُ ما وقَعَ السُّؤالُ عَنِ القِتالِ في المَسْجِدِ الحَرامِ ؟ بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُسْتَعْظِمِينَ لِلْقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ وفي البَلَدِ الحَرامِ، وكانَ أحَدُهُما كالآخَرِ في القُبْحِ عِنْدَ القَوْمِ، فالظّاهِرُ أنَّهم جَمَعُوهُما في السُّؤالِ، وقَوْلُهم عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ كُفْرًا. قُلْنا: يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قِتالٌ في الشَّهْرِ الحَرامِ كُفْرًا، ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ في الإثْباتِ لا تُفِيدُ العُمُومَ، وعِنْدَنا أنَّ قِتالًا واحِدًا في المَسْجِدِ الحَرامِ كُفْرٌ، ولا يَلْزَمُ أنَّ كُلَّ قِتالٍ كَذَلِكَ، وقَوْلُهم عَلى الوَجْهِ الثّانِي يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ إخْراجُ أهْلِ المَسْجِدِ مِنهُ أكْبَرَ مِنَ الكُفْرِ، قُلْنا: المُرادُ مِن أهْلِ المَسْجِدِ هُمُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ والصَّحابَةُ، وإخْراجُ الرَّسُولِ مِنَ المَسْجِدِ عَلى سَبِيلِ الإذْلالِ لا شَكَّ أنَّهُ كُفْرٌ وهو مَعَ كَوْنِهِ كُفْرًا فَهو ظُلْمٌ؛ لِأنَّهُ إيذاءٌ لِلْإنْسانِ مِن غَيْرِ جُرْمٍ سابِقٍ وعَرَضٍ لاحِقٍ، ولا شَكَّ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَكُونُ ظُلْمًا وكُفْرًا، أكْبَرُ وأقْبَحُ عِنْدَ اللَّهِ مِمّا يَكُونُ كُفْرًا وحْدَهُ، فَهَذا جُمْلَةُ القَوْلِ في تَقْرِيرِ قَوْلِ الفَرّاءِ. القَوْلُ الثّالِثُ: في الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ﴾ وجْهُهُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ قِتالًا فِيهِ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وأمّا الخَفْضُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَهو واوُ القَسَمِ إلّا أنَّ الجُمْهُورَ ما أقامُوا لِهَذا القَوْلِ وزْنًا. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ صَدٌّ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وثانِيها: صَدٌّ لِلْمُسْلِمِينَ مِن أنْ يُهاجِرُوا إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وثالِثُها: صَدٌّ المُسْلِمِينَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ عَنْ عُمْرَةِ البَيْتِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الرِّوايَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وقِصَّةُ الحُدَيْبِيَةِ كانَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ ما كانَ في صفحة ٣٠ مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى كانَ كالواقِعِ، وأمّا الكُفْرُ بِاللَّهِ فَهو الكُفْرُ بِكَوْنِهِ مُرْسِلًا لِلرُّسُلِ، مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، قادِرًا عَلى البَعْثِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَإنْ عَطَفْناهُ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿بِهِ﴾ كانَ المَعْنى: وكُفْرٌ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ، ومَعْنى الكُفْرِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ هو مَنعُ النّاسِ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ والطَّوافِ بِهِ، فَقَدْ كَفَرُوا بِما هو السَّبَبُ في فَضِيلَتِهِ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ عَنْ سائِرِ البِقاعِ، ومَن قالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ كانَ المَعْنى: وصَدٌّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم صَدُّوا عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ الطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعَ السُّجُودَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾ فالمُرادُ أنَّهم أخْرَجُوا المُسْلِمِينَ مِنَ المَسْجِدِ، بَلْ مِن مَكَّةَ، وإنَّما جَعَلَهم أهْلًا لَهُ؛ إذْ كانُوا هُمُ القائِمِينَ بِحُقُوقِ البَيْتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها﴾ [الفَتْحِ: ٢٦] وقالَ تَعالى: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ [الأنْفالِ: ٣٤] فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ المُشْرِكِينَ خَرَجُوا بِشِرْكِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونُوا أوْلِياءَ المَسْجِدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ حَكَمَ عَلَيْها بِأنَّها أكْبَرُ، أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنها أكْبَرُ مِن قِتالٍ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وهَذا تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ أكْبَرُ مِن قِتالٍ في الشَّهْرِ الحَرامِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ كُفْرٌ، والكُفْرُ أعْظَمُ مِنَ القِتالِ. والثّانِي: أنّا نَدَّعِي أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ أكْبَرُ مِن قِتالٍ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وهو القِتالُ الَّذِي صَدَرَ عَنْعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وهو ما كانَ قاطِعًا بِوُقُوعِ ذَلِكَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ قاطِعُونَ بِوُقُوعِ هَذِهِ الأشْياءِ مِنهم في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ وُقُوعُ هَذِهِ الأشْياءِ أكْبَرَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ فَقَدْ ذَكَرُوا في الفِتْنَةِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي الكُفْرُ، وهَذا القَوْلُ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ ﴿أكْبَرُ﴾ فَحَمْلُ الفِتْنَةِ عَلى الكُفْرِ يَكُونُ تَكْرارًا، بَلْ هَذا التَّأْوِيلُ يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الفِتْنَةَ هي ما كانُوا يَفْتِنُونَ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ، تارَةً بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ في قُلُوبِهِمْ، وتارَةً بِالتَّعْذِيبِ، كَفِعْلِهِمْ بِبِلالٍ وصُهَيْبٍ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الفِتْنَةَ عِبارَةٌ عَنِ الِامْتِحانِ، يُقالُ: فَتَنْتَ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أدْخَلْتَهُ فِيها لِتُزِيلَ الغِشَّ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التَّغابُنِ: ١٥] أيِ امْتِحانٌ لَكم؛ لِأنَّهُ إذا لَزِمَهُ إنْفاقُ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَفَكَّرَ في ولَدِهِ، فَصارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإنْفاقِ، وقالَ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١، ٢] أيْ: لا يُمْتَحَنُونَ في دِينِهِمْ بِأنْواعِ البَلاءِ، وقالَ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طَهَ: ٤٠] وإنَّما هو الِامْتِحانُ بِالبَلْوى، وقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١٠] والمُرادُ بِهِ المِحْنَةُ الَّتِي تُصِيبُهُ مِن جِهَةِ الدِّينِ مِنَ الكُفّارِ وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البُرُوجِ: ١٠] والمُرادُ أنَّهم آذُوهم وعَرَضُوهم عَلى العَذابِ لِيَمْتَحِنُوا ثَباتَهم عَلى دِينِهِمْ، وقالَ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النِّساءِ: ١٠١] وقالَ: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٢] وقالَ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] أيِ المِحْنَةِ في الدِّينِ، وقالَ: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [المائِدَةِ: ٤٩] وقالَ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] وقالَ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [يُونُسَ: ٨٥] والمَعْنى أنْ يُفْتَنُوا صفحة ٣١ بِها عَنْ دِينِهِمْ فَيَتَزَيَّنَ في أعْيُنِهِمْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والظُّلْمِ وقالَ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القَلَمِ: ٦٥] قِيلَ: المَفْتُونُ المَجْنُونُ، والجُنُونُ فِتْنَةٌ؛ إذْ هو مِحْنَةٌ وعُدُولٌ عَنْ سَبِيلِ أهْلِ السَّلامَةِ في العُقُولِ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّ الفِتْنَةَ هي الِامْتِحانُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الفِتْنَةَ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ عَنِ الدِّينِ تُفْضِي إلى القَتْلِ الكَثِيرِ في الدُّنْيا، وإلى اسْتِحْقاقِ العَذابِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، فَصَحَّ أنَّ الفِتْنَةَ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ القَتْلِ الَّذِي وقَعَ السُّؤالُ عَنْهُ وهو قَتْلُ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ صاحِبُ هَذِهِ السَّرِيَّةِ إلى مُؤْمِنِي مَكَّةَ: إذا عَيَّرَكُمُ المُشْرِكُونَ بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ فَعَيِّرُوهم أنْتُمْ بِالكُفْرِ وإخْراجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ، ومَنعِ المُؤْمِنِينَ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، قالَ: ﴿ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٠] . * * * وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما زالَ يَفْعَلُ كَذا، ولا يَزالُ يَفْعَلُ كَذا، قالَ الواحِدِيُّ: هَذا فِعْلٌ لا مَصْدَرَ لَهُ، ولا يُقالُ مِنهُ: فاعِلٌ ولا مَفْعُولٌ، ومِثالُهُ في الأفْعالِ كَثِيرٌ نَحْوُ (عَسى) لَيْسَ لَهُ مَصْدَرٌ ولا مُضارِعٌ، وكَذَلِكَ: ذُو، وما فَتِئَ، وهَلُمَّ، وهاكَ، وهاتِ، وتَعالَ، ومَعْنى: ﴿ولا يَزالُونَ﴾ أيْ يَدُومُونَ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ الزَّوالَ يُفِيدُ النَّفْيَ، فَإذا أدْخَلْتَ عَلَيْهِ: ما، كانَ ذَلِكَ نَفْيًا لِلنَّفْيِ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى الثُّبُوتِ الدّائِمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾ أيْ إلى أنْ يَرُدُّوكم، وقِيلَ: المَعْنى: لِيَرُدُّوكم. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾ اسْتِبْعادٌ لِاسْتِطاعَتِهِمْ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِعَدُوِّهِ: إنْ ظَفِرْتَ بِي فَلا تُبْقِ عَلَيَّ، وهو واثِقٌ بِأنَّهُ لا يَظْفَرُ بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ﴾ أظْهَرَ التَّضْعِيفَ مَعَ الجَزْمِ لِسُكُونِ الحَرْفِ الثّانِي، وهو أكْثَرُ في اللُّغَةِ مِنَ الإدْغامِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَيَمُتْ﴾ هو جَزْمٌ بِالعَطْفِ عَلى ﴿يَرْتَدِدْ﴾ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ غَرَضَهم مِن تِلْكَ المُقاتَلَةِ هو أنْ يَرْتَدَّ المُسْلِمُونَ عَنْ دِينِهِمْ، ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدًا شَدِيدًا عَلى الرِّدَّةِ، فَقالَ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ واسْتَوْجَبَ العَذابَ الدّائِمَ في النّارِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الِارْتِدادَ إنَّما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ إذا ماتَ المُرْتَدُّ عَلى الكُفْرِ، أمّا إذا أسْلَمَ بَعْدَ الرِّدَّةِ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْكامِ، وقَدْ تَفَرَّعَ عَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ بَحْثٌ أُصُولِيٌّ وبَحْثٌ فُرُوعِيٌّ، أمّا البَحْثُ الأُصُولِيُّ فَهو أنَّ جَماعَةً مِنَ المُتَكَلِّمِينَ زَعَمُوا أنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الإيمانِ والكُفْرِ حُصُولُ المُوافاةِ، فالإيمانُ لا يَكُونُ إيمانًا إلّا إذا ماتَ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ والكُفْرُ لا يَكُونُ كُفْرًا إلّا إذا ماتَ الكافِرُ عَلَيْهِ، قالُوا: لِأنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ ارْتَدَّ والعِياذُ بِاللَّهِ فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الإيمانُ الظّاهِرُ إيمانًا في الحَقِيقَةِ لَكانَ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الثَّوابَ الأبَدِيَّ، ثُمَّ بَعْدَ كُفْرِهِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ الأبَدِيَّ، فَإمّا أنْ يَبْقى الِاسْتِحْقاقانِ وهو مُحالٌ، وإمّا صفحة ٣٢ أنْ يُقالَ: إنَّ الطّارِئَ يُزِيلُ السّابِقَ، وهَذا مُحالٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُنافاةَ حاصِلَةٌ بَيْنَ السّابِقِ والطّارِئِ، فَلَيْسَ كَوْنُ الطّارِئِ مُزِيلًا لِلسّابِقِ أوْلى مِن كَوْنِ السّابِقِ دافِعًا لِلطّارِئِ، بَلِ الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ الدَّفْعَ أسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ. وثانِيها: أنَّ المُنافاةَ إذا كانَتْ حاصِلَةً مِنَ الجانِبَيْنِ، كانَ شَرْطُ طَرَيانِ الطّارِئِ زَوالَ السّابِقِ، فَلَوْ عَلَّلْنا زَوالَ السّابِقِ بِطَرَيانِ الطّارِئِ لَزِمَ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ ثَوابَ الإيمانِ السّابِقِ وعِقابَ الكُفْرِ الطّارِئِ، إمّا أنْ يَكُونا مُتَساوِيَيْنِ أوْ يَكُونُ أحَدُهُما أزْيَدَ مِنَ الآخَرِ، فَإنْ تَساوَيا وجَبَ أنْ يَتَحابَطَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، فَحِينَئِذٍ يَبْقى المُكَلَّفُ لا مِن أهْلِ الثَّوابِ، ولا مِن أهْلِ العِقابِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، وإنِ ازْدادَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، فَلْنَفْرِضْ أنَّ السّابِقَ أزْيَدُ، فَعِنْدَ طَرَيانِ الطّارِئِ لا يَزُولُ إلّا ما يُساوِيهِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ بَعْضُ الِاسْتِحْقاقاتِ دُونَ البَعْضِ مَعَ كَوْنِها مُتَساوِيَةً في الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْجِيحًا مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، لِنَفْرِضْ أنَّ السّابِقَ أقَلُّ فَحِينَئِذٍ إمّا أنْ يَكُونَ الطّارِئُ الزّائِدَ، يَكُونُ جُمْلَةُ أجْزائِهِ مُؤَثِّرَةً في إزالَةِ السّابِقِ فَحِينَئِذٍ يَجْتَمِعُ عَلى الأثَرِ الواحِدِ مُؤَثِّراتٌ مُسْتَقِلَّةٌ وهو مُحالٌ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ في إزالَةِ السّابِقِ بَعْضَ أجْزاءِ الطّارِئِ دُونَ البَعْضِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ اخْتِصاصُ ذَلِكَ البَعْضِ بِالمُؤَثِّرِيَّةِ تَرْجِيحًا لِلْمِثْلِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ إذا كانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ كَفَرَ، فَذَلِكَ الإيمانُ السّابِقُ، وإنْ كُنّا نَظُنُّهُ إيمانًا إلّا أنَّهُ ما كانَ عِنْدَ اللَّهِ إيمانًا، فَظَهَرَ أنَّ المُوافاةَ شَرْطٌ لِكَوْنِ الإيمانِ إيمانًا، والكُفْرِ كُفْرًا، وهَذا هو الَّذِي دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فَإنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّ شَرْطَ كَوْنِ الرِّدَّةِ مُوجِبَةً لِتِلْكَ الأحْكامِ أنْ يَمُوتَ المُرْتَدُّ عَلى تِلْكَ الرِّدَّةِ. * * * أمّا البَحْثُ الفُرُوعِيُّ: فَهو أنَّ المُسْلِمَ إذا صَلّى ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ في الوَقْتِ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا إعادَةَ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَزِمَهُ قَضاءُ ما أدّى وكَذَلِكَ الحَجُّ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ شَرْطٌ في حُبُوطِ العَمَلِ أنْ يَمُوتَ وهو كافِرٌ، وهَذا الشَّخْصُ لَمْ يُوجَدْ في حَقِّهِ هَذا الشَّرْطُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِيرَ عَمَلُهُ مُحْبَطًا، فَإنْ قِيلَ: هَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٨] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائِدَةِ: ٥] لا يُقالُ: حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ واجِبٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: لَيْسَ هَذا مِن بابِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ، فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ مَن عَلَّقَ حُكْمًا بِشَرْطَيْنِ، وعَلَّقَهُ بِشَرْطِ أنَّ الحُكْمَ يَنْزِلُ عِنْدَ أيِّهِما وُجِّهَ، كَمَن قالَ لِعَبْدِهِ: أنْتَ حُرٌّ إذا جاءَ يَوْمُ الخَمِيسِ، أنْتَ حُرٌّ إذا جاءَ يَوْمُ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ: لا يَبْطُلُ واحِدٌ مِنهُما، بَلْ إذا جاءَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَتَقَ، ولَوْ كانَ باعَهُ فَجاءَ يَوْمُ الخَمِيسِ ولَمْ يَكُنْ في مِلْكِهِ، ثُمَّ اشْتَراهُ ثُمَّ جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وهو في مِلْكِهِ عَتَقَ بِالتَّعْلِيقِ الأوَّلِ. والسُّؤالُ الثّانِي عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المَوْتَ عَلى الرِّدَّةِ شَرْطٌ لِمَجْمُوعِ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ، فَإنَّ مِن جُمْلَةِ هَذِهِ الأحْكامِ: الخُلُودَ في النّارِ وذَلِكَ لا يَثْبُتُ إلّا مَعَ هَذا الشَّرْطِ، وإنَّما الخِلافُ في حَبْطِ الأعْمالِ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَوْتَ عَلى الرِّدَّةِ شَرْطٌ فِيهِ. والجَوابُ: أنَّ هَذا مِن بابِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ لا مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِشَرْطٍ واحِدٍ وبِشَرْطَيْنِ؛ لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ وبِشَرْطَيْنِ إنَّما يَصِحُّ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقُهُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مانِعًا مِن تَعْلِيقِهِ بِالآخَرِ، وفي مَسْألَتِنا لَوْ جَعَلْنا مُجَرَّدَ الرِّدَّةِ مُؤَثِّرًا في الحُبُوطِ لَمْ يَبْقَ لِلْمَوْتِ عَلى الرِّدَّةِ أثَرٌ في الحُبُوطِ أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، فَعَلِمْنا أنَّ صفحة ٣٣ هَذا لَيْسَ مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِشَرْطٍ وبِشَرْطَيْنِ، بَلْ مِن بابِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَجَوابُهُ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الرِّدَّةَ إنَّما تُوجِبُ الحُبُوطَ بِشَرْطِ المَوْتِ عَلى الرِّدَّةِ، وإنَّما تُوجِبُ الخُلُودَ في النّارِ بِشَرْطِ المَوْتِ عَلى الرِّدَّةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَذَلِكَ السُّؤالُ ساقِطٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ الحَبَطِ أنْ تَأْكُلَ الإبِلُ شَيْئًا يَضُرُّها فَتَعْظُمَ بُطُونُها فَتَهْلِكَ، وفي الحَدِيثِ: ”«وإنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أوْ يُلِمُّ» “ فَسَمّى بُطْلانَ الأعْمالِ بِهَذا؛ لِأنَّهُ كَفَسادِ الشَّيْءِ بِسَبَبِ وُرُودِ المُفْسِدِ عَلَيْهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن إحْباطِ العَمَلِ لَيْسَ هو إبْطالَ نَفْسِ العَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ شَيْءٌ كُلَّما وُجِدَ فَنِيَ وزالَ، وإعْدامُ المَعْدُومِ مُحالٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَكَلِّمُونَ فِيهِ، فَقالَ المُثْبِتُونَ لِلْإحْباطِ والتَّكْفِيرِ: المُرادُ مِنهُ أنَّ عِقابَ الرِّدَّةِ الحادِثَةِ يُزِيلُ ثَوابَ الإيمانِ السّابِقِ، إمّا بِشَرْطِ المُوازَنَةِ عَلى ما هو مَذْهَبُ أبِي هاشِمٍ وجُمْهُورِ المُتَأخِّرِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ أوْ لا بِشَرْطِ المُوازَنَةِ عَلى ما هو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ، وقالَ المُنْكِرُونَ لِلْإحْباطِ بِهَذا المَعْنى: المُرادُ مِنَ الإحْباطِ الوارِدِ في كِتابِ اللَّهِ هو أنَّ المُرْتَدَّ إذا أتى بِالرِّدَّةِ فَتِلْكَ الرِّدَّةُ عَمَلٌ مُحْبِطٌ؛ لِأنَّ الآتِيَ بِالرِّدَّةِ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بَدَلَها بِعَمَلٍ يَسْتَحِقُّ بِهِ ثَوابًا، فَإذا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ العَمَلِ الجَيِّدِ وأتى بَدَلَهُ بِهَذا العَمَلِ الرَّدِيءِ الَّذِي لا يَسْتَفِيدُ مِنهُ نَفْعًا، بَلْ يَسْتَفِيدُ مِنهُ أعْظَمَ المَضارِّ، يُقالُ: إنَّهُ أحْبَطَ عَمَلَهُ أيْ أتى بِعَمَلٍ باطِلٍ لَيْسَ فِيهِ فائِدَةٌ، بَلْ فِيهِ مَضَرَّةٌ، ثُمَّ قالَ المُنْكِرُونَ لِلْإحْباطِ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ الإحْباطِ، إمّا أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً في لَفْظِ الإحْباطِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ حَقِيقَةً فِيهِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وإنْ كانَ مَجازًا وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ؛ لِأنّا ذَكَرْنا الدَّلائِلَ القاطِعَةَ في مَسْألَةِ أنَّ المُوافاةَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ، عَلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ أثَرَ الفِعْلِ الحادِثِ يُزِيلُ أثَرَ الفِعْلِ السّابِقِ مُحالٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمّا حُبُوطُ الأعْمالِ في الدُّنْيا، فَهو أنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِ ويُقاتَلُ إلى أنْ يُظْفَرَ بِهِ، ولا يَسْتَحِقُّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُوالاةً ولا نَصْرًا ولا ثَناءً حَسَنًا، وتَبِينُ زَوْجَتُهُ مِنهُ ولا يَسْتَحِقُّ المِيراثَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ أنَّ ما يُرِيدُونَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مِنَ الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ ومُكايَدَتِهِمْ بِالِانْتِقالِ عَنْ دِينِهِمْ يَبْطُلُ كُلُّهُ، فَلا يَحْصُلُونَ مِنهُ عَلى شَيْءٍ لِإعْزازِ اللَّهِ الإسْلامَ بِأنْصارِهِ، فَتَكُونُ الأعْمالُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ما يَعْمَلُونَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وأمّا حُبُوطُ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ فَعِنْدَ القائِلِينَ بِالإحْباطِ مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ اسْتِحْقاقَهم لِلثَّوابِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِأعْمالِهِمُ السّالِفَةِ، وعِنْدَ المُنْكِرِينَ لِذَلِكَ مَعْناهُ: أنَّهم لا يَسْتَفِيدُونَ مِن تِلْكَ الرِّدَّةِ ثَوابًا ونَفْعًا في الآخِرَةِ، بَلْ يَسْتَفِيدُونَ مِنها أعْظَمَ المَضارِّ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ المَضَرَّةِ فَقالَ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

البقرة 2:218

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . صفحة ٣٤ فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ: الأوَّلُ: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَبْ أنَّهُ لا عِقابَ فِيما فَعَلْنا، فَهَلْ نَطْمَعُ مِنهُ أجْرًا وثَوابًا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»؛ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ كانَ مُؤْمِنًا، وكانَ مُهاجِرًا، وكانَ بِسَبَبِ هَذِهِ المُقاتَلَةِ مُجاهِدًا. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الجِهادَ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٦] وبَيَّنَ أنَّ تَرْكَهُ سَبَبٌ لِلْوَعِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن يَقُومُ بِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولا يَكادُ يُوجَدُ وعِيدٌ إلّا ويَعْقُبُهُ وعْدٌ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هاجَرُوا﴾ أيْ فارَقُوا أوْطانَهم وعَشائِرَهم، وأصْلُهُ مِنَ الهَجْرِ الَّذِي هو ضِدُّ الوَصْلِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَلامِ القَبِيحِ: هُجْرٌ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُهْجَرَ، والهاجِرَةُ وقْتٌ يُهْجَرُ فِيهِ العَمَلُ، والمُهاجَرَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الهِجْرَةِ، وجازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ الأحْبابَ والأقارِبَ هَجَرُوهُ بِسَبَبِ هَذا الدِّينِ، وهو أيْضًا هَجَرَهم بِهَذا السَّبَبِ، فَكانَ ذَلِكَ مُهاجَرَةً، وأمّا المُجاهَدَةُ فَأصْلُها مِنَ الجَهْدِ الَّذِي هو المَشَقَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى المُجاهَدَةِ أنْ يَضُمَّ جُهْدَهُ إلى جُهْدٍ آخَرَ في نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ، كَما أنَّ المُساعَدَةَ عِبارَةٌ عَنْ ضَمِّ الرَّجُلِ ساعِدَهُ إلى ساعِدٍ آخَرَ لِيَحْصُلَ التَّأْيِيدُ والقُوَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجاهَدَةِ بَذْلَ الجُهْدِ في قِتالِ العَدُوِّ، وعِنْدَ فِعْلِ العَدُوِّ مِثْلَ ذَلِكَ فَتَصِيرُ مُفاعَلَةً. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الرَّجاءُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ظَنِّ المَنافِعِ الَّتِي يَتَوَقَّعُها، وأرادَ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ أنَّهم يَطْمَعُونَ في ثَوابِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ ما كانَ قاطِعًا بِالفَوْزِ والثَّوابِ في عَمَلِهِ، بَلْ كانَ يَتَوَقَّعُهُ ويَرْجُوهُ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ جُعِلَ الوَعْدُ مُطْلَقًا بِالرَّجاءِ، ولَمْ يَقَعْ بِهِ كَما في سائِرِ الآياتِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الثَّوابَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا، بَلْ بِحُكْمِ الوَعْدِ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالرَّجاءِ. وثانِيها: هَبْ أنَّهُ واجِبٌ عَقْلًا بِحُكْمِ الوَعْدِ، ولَكِنَّهُ تَعَلَّقَ بِأنْ لا يَكْفُرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا الشَّرْطُ مَشْكُوكٌ فِيهِ لا مُتَيَقَّنٌ، فَلا جَرَمَ كانَ الحاصِلُ هو الرَّجاءَ لا القَطْعَ. وثالِثُها: أنَّ المَذْكُورَ هَهُنا هو الإيمانُ، والهِجْرَةُ، والجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولا بُدَّ لِلْإنْسانِ مَعَ ذَلِكَ مِن سائِرِ الأعْمالِ، وهو أنْ يَرْجُوَ أنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ لَها، كَما وفَّقَهُ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا جَرَمَ عَلَّقَهُ عَلى الرَّجاءِ. ورابِعُها: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ شَكَّكَ العَبْدَ في هَذِهِ المَغْفِرَةِ، بَلِ المُرادُ وصْفُهم بِأنَّهم يُفارِقُونَ الدُّنْيا مَعَ الهِجْرَةِ والجِهادِ، مُسْتَقْصِرِينَ أنْفُسَهم في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، يَرَوْنَ أنَّهم لَمْ يَعْبُدُوهُ حَقَّ عِبادَتِهِ، ولَمْ يَقْضُوا ما يَلْزَمُهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، فَيُقْدِمُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] . القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الرَّجاءِ: القَطْعُ واليَقِينُ في أصْلِ الثَّوابِ، والظَّنُّ إنَّما دَخَلَ في كَمِّيَّتِهِ وفي وقْتِهِ، وفِيهِ وُجُوهٌ قَرَّرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٦] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحَقِّقُ لَهم رَجاءَهم إذا ماتُوا عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، غَفَرَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وأصْحابِهِ ما لَمْ يَعْلَمُوا ورَحِمَهم. صفحة ٣٥

البقرة 2:219

الحُكْمُ الثّالِثُ فِي الخَمْرِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهم عَنْ أيِّ شَيْءٍ سَألُوا؛ فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهم سَألُوا عَنْ حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم سَألُوا عَنْ حِلِّ الِانْتِفاعِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم سَألُوا عَنْ حِلِّ شُرْبِهِ وحُرْمَتِهِ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ بِذِكْرِ الحُرْمَةِ دَلَّ تَخْصِيصُ الجَوابِ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ واقِعًا عَنِ الحِلِّ والحُرْمَةِ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالُوا: نَزَلَتْ في الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ، نَزَلَ بِمَكَّةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النَّحْلِ: ٦٧] وكانَ المُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَها وهي حَلالٌ لَهم، ثُمَّ «إنَّ عُمَرَ ومُعاذًا ونَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفْتِنا في الخَمْرِ، فَإنَّها مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ، مُسْلِبَةٌ لِلْمالِ. فَنَزَلَ فِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ فَشَرِبَها قَوْمٌ وتَرَكَها آخَرُونَ، ثُمَّ دَعا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ناسًا مِنهم، فَشَرِبُوا وسَكِرُوا، فَقامَ بَعْضُهم يُصَلِّي فَقَرَأ: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النِّساءِ: ٤٣] فَقَلَّ مَن شَرِبَها، ثُمَّ اجْتَمَعَ قَوْمٌ مِنَ الأنْصارِ وفِيهِمْ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، فَلَمّا سَكِرُوا افْتَخَرُوا وتَناشَدُوا الأشْعارَ حَتّى أنْشَدَ سَعْدٌ شِعْرًا فِيهِ هِجاءٌ لِلْأنْصارِ، فَضَرَبَهُ أنْصارِيٌّ بَلَحْيِ بَعِيرٍ فَشَجَّهُ شَجَّةً مُوضِحَةً، فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائِدَةِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٩١] فَقالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ» . قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: والحِكْمَةُ في وُقُوعِ التَّحْرِيمِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنَّ القَوْمَ قَدْ كانُوا ألِفُوا شُرْبَ الخَمْرِ، وكانَ انْتِفاعُهم بِذَلِكَ كَثِيرًا، فَعَلِمَ أنَّهُ لَوْ مَنَعَهم دَفْعَةً واحِدَةً لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَلا جَرَمَ اسْتَعْمَلَ في التَّحْرِيمِ هَذا التَّدْرِيجَ، وهَذا الرِّفْقَ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النِّساءِ: ٤٣] فاقْتَضى ذَلِكَ تَحْرِيمَ شُرْبِ الخَمْرِ وقْتَ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ شارِبَ الخَمْرِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُصَلِّيَ إلّا مَعَ السُّكْرِ، فَكانَ المَنعُ مِن ذَلِكَ مَنعًا مِنَ الشُّرْبِ ضِمْنًا، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ فَكانَتْ في غايَةِ القُوَّةِ في التَّحْرِيمِ، وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ عِنْدَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، فَنَفْتَقِرُ إلى بَيانِ أنَّ الخَمْرَ ما هو ؟ ثُمَّ إلى بَيانِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى تَحْرِيمِ شُرْبِ الخَمْرِ. صفحة ٣٦ أمّا المَقامُ الأوَّلُ: في بَيانِ أنَّ الخَمْرَ ما هو ؟ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ شُرْبٍ مُسْكِرٍ فَهو خَمْرٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الخَمْرُ عِبارَةٌ عَنْ عَصِيرِ العِنَبِ الشَّدِيدِ الَّذِي قَذَفَ بِالزَّبَدِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ عَلى قَوْلِهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: ما رَوى أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“: عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وهي مِن خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ، والتَّمْرِ، والحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والذُّرَةِ، والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أخْبَرَ أنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ يَوْمَ حُرِّمَتْ وهي تُتَّخَذُ مِنَ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، كَما أنَّها كانَتْ تُتَّخَذُ مِنَ العِنَبِ والتَّمْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَها كُلَّها خَمْرًا. وثانِيها: أنَّهُ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ، وهي تُتَّخَذُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الخَمْرُ، وهَذا كالتَّصْرِيحِ بِأنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ يَتَناوَلُ تَحْرِيمَ هَذِهِ الأنْواعِ الخَمْسَةِ. وثالِثُها: أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ألْحَقَ بِها كُلَّ ما خامَرَ العَقْلَ مِن شَرابٍ، ولا شَكَّ أنَّ عُمَرَ كانَ عالِمًا بِاللُّغَةِ، ورِوايَتُهُ أنَّ الخَمْرَ اسْمٌ لِكُلِّ ما خامَرَ العَقْلَ فَغَيَّرَهُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: رَوى أبُو داوُدَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إنَّ مِنَ العِنَبِ خَمْرًا، وإنَّ مِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، وإنَّ مِنَ العَسَلِ خَمْرًا، وإنَّ مِنَ البُرِّ خَمْرًا، وإنَّ مِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا» “ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ داخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الخَمْرِ، فَتَكُونُ داخِلَةً تَحْتَ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودُ الشّارِعِ تَعْلِيمَ اللُّغاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ مِن ذَلِكَ بَيانَ أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في الخَمْرِ ثابِتٌ فِيها، أوِ الحُكْمَ المَشْهُورَ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الخَمْرَ هو حُرْمَةُ الشُّرْبِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ثابِتًا في هَذِهِ الأشْرِبَةِ، قالَ الخَطّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وتَخْصِيصُ الخَمْرِ بِهَذِهِ الأشْياءِ الخَمْسَةِ لَيْسَ لِأجْلِ أنَّ الخَمْرَ لا يَكُونُ إلّا مِن هَذِهِ الخَمْسَةِ بِأعْيانِها، وإنَّما جَرى ذِكْرُها خُصُوصًا؛ لِكَوْنِها مَعْهُودَةً في ذَلِكَ الزَّمانِ، فَكُلُّ ما كانَ في مَعْناها مِن ذُرَةٍ أوْ سُلْتٍ أوْ عُصارَةِ شَجَرَةٍ، فَحُكْمُها حُكْمُ هَذِهِ الخَمْسَةِ، كَما أنَّ تَخْصِيصَ الأشْياءِ السِّتَّةِ بِالذِّكْرِ في خَبَرِ الرِّبا لا يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ حُكْمِ الرِّبا في غَيْرِها. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: رَوى أبُو داوُدَ أيْضًا عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ» “ قالَ الخَطّابِيُّ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» “ دَلَّ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الخَمْرَ اسْمٌ لِكُلِّ ما وُجِدَ مِنهُ السُّكْرُ مِنَ الأشْرِبَةِ كُلِّها، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّ الآيَةَ لَمّا دَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وكانَ مُسَمّى الخَمْرِ مَجْهُولًا لِلْقَوْمِ حَسُنَ مِنَ الشّارِعِ أنْ يُقالَ: مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ هَذا إمّا عَلى سَبِيلِ أنَّ هَذا هو مُسَمّاهُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، أوْ عَلى سَبِيلِ أنْ يَضَعَ اسْمًا شَرْعِيًّا عَلى سَبِيلِ الإحْداثِ كَما في الصَّلاةِ والصَّوْمِ وغَيْرِهِما. والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ كالخَمْرِ في الحُرْمَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ هَذا خَمْرٌ، فَحَقِيقَةُ هَذا اللَّفْظِ يُفِيدُ كَوْنَهُ في نَفْسِهِ خَمْرًا، فَإنْ قامَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وجَبَ حَمْلُهُ مَجازًا عَلى المُشابَهَةِ في الحُكْمِ، الَّذِي هو خاصِّيَّةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: رَوى أبُو داوُدَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِتْعِ، فَقالَ: ”كُلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فَهو حَرامٌ“» قالَ الخَطّابِيُّ: البِتْعُ شَرابٌ يُتَّخَذُ مِنَ العَسَلِ، وفِيهِ إبْطالُ كُلِّ تَأْوِيلٍ يَذْكُرُهُ أصْحابُ تَحْلِيلِ الأنْبِذَةِ، وإفْسادٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ القَلِيلَ مِنَ المُسْكِرِ مُباحٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ عَنْ نَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأنْبِذَةِ فَأجابَ عَنْهُ بِتَحْرِيمِ الجِنْسِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ القَلِيلُ والكَثِيرُ مِنها، ولَوْ كانَ هُناكَ تَفْصِيلٌ في شَيْءٍ صفحة ٣٧ مِن أنْواعِهِ ومَقادِيرِهِ لَذَكَرَهُ ولَمْ يُهْمِلْهُ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: رَوى أبُو داوُدَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ» “ . الحُجَّةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أيْضًا عَنِ القاسِمِ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ وما أسْكَرَ مِنهُ الفَرَقُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنهُ حَرامٌ» “ قالَ الخَطّابِيُّ: ”الفَرَقُ“ مِكْيالٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، وفِيهِ أبْيَنُ البَيانِ أنَّ الحُرْمَةَ شامِلَةٌ لِجَمِيعِ أجْزاءِ الشَّرابِ. الحُجَّةُ السّابِعَةُ: رَوى أبُو داوُدَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قالَتْ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ومُفَتِّرٍ»، قالَ الخَطّابِيُّ: المُفَتِّرُ كُلُّ شَرابٍ يُورِثُ الفُتُورَ والخَدَرَ في الأعْضاءِ، وهَذا لا شَكَّ أنَّهُ مُتَناوِلٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ الأشْرِبَةِ، فَهَذِهِ الأحادِيثُ كُلُّها دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ فَهو خَمْرٌ، وهو حَرامٌ. * * * النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ: التَّمَسُّكُ بِالِاشْتِقاقاتِ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ هَذا الحَرْفِ التَّغْطِيَةُ، سُمِّيَ الخِمارُ خِمارًا؛ لِأنَّهُ يُغَطِّي رَأْسَ المَرْأةِ، والخَمْرُ ما واراكَ مِن شَجَرٍ وغَيْرِهِ، مِن وهْدَةٍ وأكَمَةٍ، وخَمَّرْتُ رَأْسَ الإناءِ أيْ غَطَّيْتُهُ، والخامِرُ هو الَّذِي يَكْتُمُ شَهادَتَهُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَتْ خَمْرًا؛ لِأنَّها تُخامِرُ العَقْلَ، أيْ تُخالِطُهُ، يُقالُ: خامَرَهُ الدّاءُ إذا خالَطَهُ، وأنْشَدَ لِكُثَيِّرٍ: هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ داءٍ مُخامِرٍ ويُقالُ: خامَرَ السِّقامُ كَبِدَهُ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ راجِعٌ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا خالَطَ الشَّيْءَ صارَ بِمَنزِلَةِ السّاتِرِ لَهُ، فَهَذِهِ الِاشْتِقاقاتُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الخَمْرَ ما يَكُونُ ساتِرًا لِلْعَقْلِ، كَما سُمِّيَتْ مُسْكِرًا لِأنَّها تُسْكِرُ العَقْلَ أيْ تَحْجِزُهُ، وكَأنَّها سُمِّيَتْ بِالمَصْدَرِ مِن خَمَّرَهُ خَمْرًا إذا سَتَرَهُ لِلْمُبالَغَةِ، ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّ الخَمْرَ هو السُّكْرُ؛ لِأنَّ السُّكْرَ يُغَطِّي العَقْلَ، ويَمْنَعُ مِن وُصُولِ نُورِهِ إلى الأعْضاءِ، فَهَذِهِ الِاشْتِقاقاتُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ مُسَمّى الخَمْرِ هو المُسْكِرُ، فَكَيْفَ إذا انْضافَتِ الأحادِيثُ الكَثِيرَةُ إلَيْهِ لا يُقالُ: هَذا إثْباتٌ لِلُّغَةٍ بِالقِياسِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنّا نَقُولُ: لَيْسَ هَذا إثْباتًا لِلُّغَةٍ بِالقِياسِ، بَلْ هو تَعْيِينُ المُسَمّى بِواسِطَةِ هَذِهِ الِاشْتِقاقاتِ، كَما أنَّ أصْحابَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ يَقُولُونَ: إنَّ مُسَمّى النِّكاحِ هو الوَطْءُ ويُثْبِتُونَهُ بِالِاشْتِقاقاتِ، ومُسَمّى الصَّوْمِ هو الإمْساكُ، ويُثْبِتُونَهُ بِالِاشْتِقاقاتِ. * * * النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الخَمْرَ هو المُسْكِرُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الآياتِ الوارِدَةَ في الخَمْرِ ثَلاثَةٌ، واثْنانِ مِنها ورَدا بِلَفْظِ الخَمْرِ؛ أحَدُهُما هَذِهِ الآيَةُ، والثّانِيَةُ آيَةُ المائِدَةِ، والثّالِثَةُ ورَدَتْ في السُّكْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النِّساءِ: ٤٣] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الخَمْرِ هو المُسْكِرُ. * * * النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الحُجَّةِ: أنَّ سَبَبَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ هو «أنَّ عُمَرَ ومُعاذًا قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الخَمْرَ مُسْلِبَةٌ لِلْعَقْلِ، مُذْهِبَةٌ لِلْمالِ، فَبَيِّنْ لَنا فِيهِ» . فَهُما إنَّما طَلَبا الفَتْوى مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِسَبَبِ كَوْنِ الخَمْرِ مُذْهِبَةً لِلْعَقْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما كانَ مُساوِيًا لِلْخَمْرِ في هَذا المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ خَمْرًا وإمّا أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْخَمْرِ في هَذا الحُكْمِ. * * * صفحة ٣٨ النَّوْعُ الخامِسُ مِنَ الحُجَّةِ: أنَّ اللَّهَ عَلَّلَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائِدَةِ: ٩١] ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ مُعَلَّلَةٌ بِالسُّكْرِ، وهَذا التَّعْلِيلُ يَقِينِيٌّ، فَعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ نَصًّا في أنَّ حُرْمَةَ الخَمْرِ مُعَلَّلَةٌ بِكَوْنِها مُسْكِرَةً، فَأمّا أنْ يَجِبَ القَطْعُ بِأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن ثُبُوتِ هَذا الحُكْمِ في كُلِّ مُسْكِرٍ، وكُلُّ مَن أنْصَفَ وتَرَكَ العِنادَ، عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النَّحْلِ: ٦٧] مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا بِاتِّخاذِ السَّكَرِ والرِّزْقِ الحَسَنِ، وما نَحْنُ فِيهِ سُكْرٌ ورِزْقٌ حَسَنٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُباحًا؛ لِأنَّ المِنَّةَ لا تَكُونُ إلّا بِالمُباحِ. والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى السِّقايَةَ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ فاسْتَنَدَ إلَيْها وقالَ: اسْقُونِي، فَقالَ العَبّاسُ: ألا أسْقِيكَ مِمّا نَنْبِذُهُ في بُيُوتِنا ؟ فَقالَ: ما تَسْقِي النّاسَ ؟ فَجاءَهُ بِقَدَحٍ مِن نَبِيذٍ فَشَمَّهُ، فَقَطَّبَ وجْهَهُ ورَدَّهُ، فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفْسَدْتَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ شَرابَهم. فَقالَ: رُدُّوا عَلَيَّ القَدَحَ، فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ، فَدَعا بِماءٍ مِن زَمْزَمَ وصَبَّ عَلَيْهِ وشَرِبَ، وقالَ: إذا اغْتَلَمَتْ عَلَيْكم هَذِهِ الأشْرِبَةُ فاقْطَعُوا نَتَنَها بِالماءِ» . وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ التَّقْطِيبَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الشَّدِيدِ؛ ولِأنَّ المَزْجَ بِالماءِ كانَ لِقَطْعِ الشِّدَّةِ بِالنَّصِّ، ولِأنَّ اغْتِلامَ الشَّرابِ شِدَّتُهُ، كاغْتِلامِ البَعِيرِ سُكْرُهُ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: التَّمَسُّكُ بِآثارِ الصَّحابَةِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النَّحْلِ: ٦٧] نَكِرَةٌ في الإثْباتِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ السَّكَرَ والرِّزْقَ الحَسَنَ هو هَذا النَّبِيذُ ؟ ثُمَّ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ تِلْكَ الآيَةَ كانَتْ نازِلَةً قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ الدّالَّةِ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، فَكانَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ إمّا ناسِخَةً، أوْ مُخَصِّصَةً لَها. وأمّا الحَدِيثُ فَلَعَلَّ ذَلِكَ النَّبِيذَ كانَ ماءً نُبِذَتْ تَمَراتٍ فِيهِ لِتَذْهَبَ المُلُوحَةُ فَتَغَيَّرَ طَعْمُ الماءِ قَلِيلًا إلى الحُمُوضَةِ، وطَبْعُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في غايَةِ اللَّطافَةِ، فَلَمْ يَحْتَمِلْ طَبْعُهُ الكَرِيمُ ذَلِكَ الطَّعْمَ، فَلِذَلِكَ قَطَّبَ وجْهَهُ، وأيْضًا كانَ المُرادُ بِصَبِّ الماءِ فِيهِ إزالَةَ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الحُمُوضَةِ أوِ الرّائِحَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ الإعْراضَ عَنْ تِلْكَ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْناها بِهَذا القَدْرِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ الضَّعِيفِ غَيْرُ جائِزٍ. وأمّا آثارُ الصَّحابَةِ فَهي مُتَدافِعَةٌ مُتَعارِضَةٌ، فَوَجَبَ تَرْكُها والرُّجُوعُ إلى ظاهِرِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهَذا هو الكَلامُ في حَقِيقَةِ الخَمْرِ. المَقامُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الخَمْرَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الإثْمِ، والإثْمُ حَرامٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ﴾ [الأعْرافِ: ٣٣] فَكانَ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ دَلِيلًا عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ. الثّانِي: أنَّ الإثْمَ قَدْ يُرادُ بِهِ العِقابُ، وقَدْ يُرادُ بِهِ ما يُسْتَحَقُّ بِهِ العِقابُ مِنَ الذُّنُوبِ، وأيُّهُما كانَ فَلا يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ بِهِ إلّا المُحَرَّمُ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ صَرَّحَ بِرُجْحانِ الإثْمِ والعِقابِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ. صفحة ٣٩ فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ شُرْبَ الخَمْرِ إثْمٌ، بَلْ تَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِ إثْمًا، فَهَبْ أنَّ ذَلِكَ الإثْمَ حَرامٌ فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ شُرْبَ الخَمْرِ لَمّا حَصَلَ فِيهِ ذَلِكَ الإثْمُ وجَبَ أنْ يَكُونَ حَرامًا ؟ قُلْنا: لِأنَّ السُّؤالَ كانَ واقِعًا عَنْ مُطْلَقِ الخَمْرِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ فِيهِ إثْمًا، كانَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الإثْمَ لازِمٌ لَهُ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ، فَكانَ شُرْبُ الخَمْرِ مُسْتَلْزِمًا لِهَذِهِ المُلازَمَةِ المُحَرَّمَةِ، ومُسْتَلْزِمُ المُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الشُّرْبُ مُحَرَّمًا، ومِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ الخَمْرِ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ فِيها مَنافِعَ لِلنّاسِ، والمُحَرَّمُ لا يَكُونُ فِيهِ مَنفَعَةٌ. والثّانِي: لَوْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُرْمَتِها فَلِمَ لَمْ يَقْنَعُوا بِها حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ وآيَةُ تَحْرِيمِ الصَّلاةِ ؟ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ فِيهِما إثْمًا كَبِيرًا فَمُقْتَضاهُ أنَّ ذَلِكَ الإثْمَ الكَبِيرَ يَكُونُ حاصِلًا ما داما مَوْجُودَيْنِ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الإثْمُ الكَبِيرُ سَبَبًا لِحُرْمَتِها لَوَجَبَ القَوْلُ بِثُبُوتِ حُرْمَتِها في سائِرِ الشَّرائِعِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ حُصُولَ النَّفْعِ العاجِلِ فِيهِ في الدُّنْيا لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مُحَرَّمًا، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ النَّفْعِ فِيهِما مانِعًا مِن حُرْمَتِهِما؛ لِأنَّ صِدْقَ الخاصِّ يُوجِبُ صِدْقَ العامِّ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنّا رُوِّينا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ، والتَّوَقُّفُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ غَيْرَ مَرْوِيٍّ عَنْهم، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَطْلُبَ الكِبارُ مِنَ الصَّحابَةِ نُزُولَ ما هو آكَدُ مِن هَذِهِ الآيَةِ في التَّحْرِيمِ، كَما التَمَسَ إبْراهِيمُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مُشاهَدَةَ إحْياءِ المَوْتى لِيَزْدادَ سُكُونًا وطُمَأْنِينَةً. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ إخْبارٌ عَنِ الحالِ لا عَنِ الماضِي، وعِنْدَنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنَّ شُرْبَ الخَمْرِ مَفْسَدَةٌ لَهم في ذَلِكَ الزَّمانِ، وعَلِمَ أنَّهُ ما كانَ مَفْسَدَةً لِلَّذِينِ كانُوا قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ. فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في حَقِيقَةِ المَيْسِرِ فَنَقُولُ: المَيْسِرُ القِمارُ، مَصْدَرٌ مِن يَسَرَ كالمَوْعِدِ والمَرْجِعِ مِن فِعْلِهِما، يُقالُ: يَسَرْتُهُ إذا قَمَرْتُهُ، واخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِهِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: اشْتِقاقُهُ مِنَ اليُسْرِ؛ لِأنَّهُ أخْذٌ لِمالِ الرَّجُلِ بِيُسْرٍ وسُهُولَةٍ مِن غَيْرِ كَدٍّ ولا تَعَبٍ، كانُوا يَقُولُونَ: يَسِّرُوا لَنا ثَمَنَ الجَزُورِ، أوْ مِنَ اليَسارِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ يَسارِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُخاطِرُ عَلى أهْلِهِ ومالِهِ. وثانِيها: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَيْسِرُ مِنَ التَّجْزِئَةِ والِاقْتِسامِ، يُقالُ: يَسَرُوا الشَّيْءَ، أيِ: اقْتَسَمُوهُ، فالجَزُورُ نَفْسُهُ يُسَمّى مُيَسَّرًا؛ لِأنَّهُ يُجَزَّأُ أجْزاءً، فَكَأنَّهُ مَوْضِعُ التَّجْزِئَةِ، والياسِرُ الجازِرُ؛ لِأنَّهُ يُجَزِّئُ لَحْمَ الجَزُورِ، ثُمَّ يُقالُ لِلضّارِبِينَ بِالقِداحِ والمُتَقامِرِينَ عَلى الجَزُورِ: إنَّهم ياسِرُونَ؛ لِأنَّهم بِسَبَبِ ذَلِكَ الفِعْلِ يُجَزِّءُونَ لَحْمَ الجَزُورِ. وثالِثُها: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: يَسَّرَ لِي هَذا الشَّيْءَ يُيَسِّرُ يُسْرًا ومَيْسِرًا إذا وجَبَ، والياسِرُ الواجِبُ بِسَبَبِ القِداحِ، هَذا هو الكَلامُ في اشْتِقاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ. وأمّا صِفَةُ المَيْسِرِ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَتْ لَهم عَشْرَةُ قِداحٍ، وهي الأزْلامُ والأقْلامُ: الفَذُّ، والتَّوْءَمُ، والرَّقِيبُ، والحَلِسُ، بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ اللّامِ، وقِيلَ: بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ اللّامِ، والمُسْبِلُ، والمُعَلّى، والنّافِسُ، والمَنِيحُ، والسَّفِيحُ، والوَغْدُ، لِكُلِّ واحِدٍ مِنها نَصِيبٌ مَعْلُومٌ مِن جَزُورٍ يَنْحَرُونَها ويُجَزِّءُونَها عَشْرَةَ أجْزاءٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ جُزْءًا إلّا ثَلاثَةً، وهي: المَنِيحُ والسَّفِيحُ، والوَغْدُ، ولِبَعْضِهِمْ في هَذا المَعْنى شِعْرٌ: صفحة ٤٠ لِي في الدُّنْيا سِهامٌ لَيْسَ فِيهِنَّ رَبِيحُ وأسامِيهِنَّ وغْدٌ ∗∗∗ وسَفِيحٌ ومَنِيحُ فَلِلْفَذِّ سَهْمٌ، ولِلتَّوْءَمِ سَهْمانِ، ولِلرَّقِيبِ ثَلاثَةٌ، ولِلْحَلِسِ أرْبَعَةٌ، ولِلنّافِسِ خَمْسَةٌ، ولِلْمُسْبِلِ سِتَّةٌ، ولِلْمُعَلّى سَبْعَةٌ، يَجْعَلُونَها في الرَّبابَةِ، وهي الخَرِيطَةُ ويَضَعُونَها عَلى يَدِ عَدْلٍ، ثُمَّ يُجَلْجِلُها ويُدْخِلُ يَدَهُ فَيُخْرِجُ بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ قَدَحًا مِنها فَمَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَّصِيبَ المَوْسُومَ بِهِ ذَلِكَ القَدَحُ، ومَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ لا نَصِيبَ لَهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، وغَرِمَ ثَمَنَ الجَزُورِ كُلِّهِ، وكانُوا يَدْفَعُونَ تِلْكَ الأنْصِباءَ إلى الفُقَراءِ، ولا يَأْكُلُونَ مِنها، ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ ويَذُمُّونَ مَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ويُسَمُّونَهُ البَرَمَ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَيْسِرَ هَلْ هو اسْمٌ لِذَلِكَ القِمارِ المُعَيَّنِ، أوْ هو اسْمٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ القِمارِ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«إيّاكم وهاتَيْنِ الكَعْبَتَيْنِ فَإنَّهُما مِن مَيْسِرِ العَجَمِ» “ وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ خَطَرٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ، حَتّى لَعِبِ الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ، وأمّا الشِّطْرَنْجُ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ مِنَ المَيْسِرِ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا خَلا الشِّطْرَنْجُ عَنِ الرِّهانِ، واللِّسانُ عَنِ الطُّغْيانِ والصَّلاةُ عَنِ النِّسْيانِ، لَمْ يَكُنْ حَرامًا، وهو خارِجٌ عَنِ المَيْسِرِ؛ لِأنَّ المَيْسِرَ ما يُوجِبُ دَفْعَ المالِ، أوْ أخْذَ مالٍ، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلا يَكُونُ قِمارًا ولا مَيْسِرًا، واللَّهُ أعْلَمُ، أمّا السَّبَقُ في الخُفِّ والحافِرِ فَبِالِاتِّفاقِ لَيْسَ مِنَ المَيْسِرِ، وشَرْحُهُ مَذْكُورٌ في كِتابِ السَّبَقِ والرَّمْيِ مِن كُتُبِ الفِقْهِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الإثْمُ الكَبِيرُ، فِيهِ أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّ عَقْلَ الإنْسانِ أشْرَفُ صِفاتِهِ، والخَمْرُ عَدُوُّ العَقْلِ، وكُلُّ ما كانَ عَدُوَّ الأشْرَفِ فَهو أخَسُّ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ شُرْبُ الخَمْرِ أخَسَّ الأُمُورِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ العَقْلَ إنَّما سُمِّيَ عَقْلًا؛ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى عِقالِ النّاقَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا دَعاهُ طَبْعُهُ إلى فِعْلٍ قَبِيحٍ، كانَ عَقْلُهُ مانِعًا لَهُ مِنَ الإقْدامِ عَلَيْهِ، فَإذا شَرِبَ الخَمْرَ بَقِيَ الطَّبْعُ الدّاعِي إلى فِعْلِ القَبائِحِ خالِيًا عَنِ العَقْلِ المانِعِ مِنها، والتَّقْرِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْلُومٌ، ذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا أنَّهُ مَرَّ عَلى سَكْرانَ وهو يَبُولُ في يَدِهِ ويَمْسَحُ بِهِ وجْهَهُ كَهَيْئَةِ المُتَوَضِّئِ، ويَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الإسْلامَ نُورًا والماءَ طَهُورًا، وعَنِ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ في الجاهِلِيَّةِ: لِمَ لا تَشْرَبُ الخَمْرَ فَإنَّها تَزِيدُ في جَراءَتِكَ ؟ فَقالَ: ما أنا بِآخِذٍ جَهْلِي بِيَدِي فَأُدْخِلُهُ جَوْفِي، ولا أرْضى أنْ أُصْبِحَ سَيِّدَ قَوْمٍ وأُمْسِيَ سَفِيهَهم. وثانِيها: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن إيقاعِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ والصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ. وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ المَعْصِيَةَ مِن خَواصِّها أنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ اشْتِغالُهُ بِها أكْثَرَ، ومُواظَبَتُهُ عَلَيْها أتَمَّ كانَ المَيْلُ إلَيْها أكْثَرَ وقُوَّةُ النَّفْسِ عَلَيْها أقْوى، بِخِلافِ سائِرِ المَعاصِي، مِثْلُ الزّانِي إذا فَعَلَ مَرَّةً واحِدَةً فَتَرَتْ رَغْبَتُهُ في ذَلِكَ العَمَلِ، وكُلَّما كانَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ العَمَلِ أكْثَرَ كانَ فُتُورُهُ أكْثَرَ ونُفْرَتُهُ أتَمَّ، بِخِلافِ الشُّرْبِ، فَإنَّهُ كُلَّما كانَ إقْدامُهُ عَلَيْهِ أكْثَرَ، كانَ نَشاطُهُ أكْثَرَ، ورَغْبَتُهُ فِيهِ أتَمَّ، فَإذا واظَبَ الإنْسانُ عَلَيْهِ صارَ الإنْسانُ غَرِقًا في اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، مُعْرِضًا عَنْ تَذَكُّرِ الآخِرَةِ والمَعادِ، حَتّى يَصِيرَ مِنَ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم، وبِالجُمْلَةِ فالخَمْرُ يُزِيلُ العَقْلَ، وإذا زالَ العَقْلُ حَصَلَتِ القَبائِحُ بِأسْرِها، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الخَمْرُ أُمُّ الخَبائِثِ» “، وأمّا المَيْسِرُ فالإثْمُ فِيهِ أنَّهُ يُفْضِي إلى العَداوَةِ، وأيْضًا لِما يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ الشَّتْمِ والمُنازَعَةِ وأنَّهُ أكْلُ مالٍ بِالباطِلِ وذَلِكَ أيْضًا يُورِثُ العَداوَةَ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ إذا أخَذَ مالَهُ مَجّانًا أبْغَضَهُ جِدًّا، وهو أيْضًا يَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، وأمّا المَنافِعُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ فَمَنافِعُ الخَمْرِ أنَّهم صفحة ٤١ كانُوا يَتَغالَوْنَ بِها إذا جَلَبُوها مِنَ النَّواحِي، وكانَ المُشْتَرِي إذا تَرَكَ المُماكَسَةَ في الثَّمَنِ كانُوا يَعُدُّونَ ذَلِكَ فَضِيلَةً ومَكْرُمَةً، فَكانَ تَكْثُرُ أرْباحُهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، ومِنها أنَّهُ يُقَوِّي الضَّعِيفَ ويَهْضِمُ الطَّعامَ ويُعِينُ عَلى الباهِ، ويُسَلِّي المَحْزُونَ، ويُشَجِّعُ الجَبانَ، ويُسَخِّي البَخِيلَ ويُصَفِّي اللَّوْنَ، ويُنْعِشُ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ ويَزِيدُ في الهِمَّةِ والِاسْتِعْلاءِ، ومِن مَنافِعِ المَيْسِرِ: التَّوْسِعَةُ عَلى ذَوِي الحاجَةِ؛ لِأنَّ مَن قَمَرَ لَمْ يَأْكُلْ مِنَ الجَزُورِ، وإنَّما كانَ يُفَرِّقُهُ في المُحْتاجِينَ، وذَكَرَ الواقِدِيُّ أنَّ الواحِدَ مِنهم كانَ رُبَّما قَمَرَ في المَجْلِسِ الواحِدِ مِائَةَ بَعِيرٍ، فَيَحْصُلُ لَهُ مالٌ مِن غَيْرِ كَدٍّ وتَعَبٍ، ثُمَّ يَصْرِفُهُ إلى المُحْتاجِينَ، فَيَكْتَسِبُ مِنهُ المَدْحَ والثَّناءَ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كَثِيرٌ) بِالثّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ، والباقُونَ بِالباءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ، حُجَّةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ أنَّ اللَّهَ وصَفَ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الإثْمِ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [المائِدَةِ: ٩١] فَذَكَرَ أعْدادًا مِنَ الذُّنُوبِ فِيهِما؛ ولِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ عَشْرَةً بِسَبَبِ الخَمْرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الإثْمِ فِيهِما؛ ولِأنَّ الإثْمَ في هَذِهِ الآيَةِ كالمُضادِّ لِلْمَنافِعِ؛ لِأنَّهُ قالَ: فِيهِما إثْمٌ ومَنافِعُ، وكَما أنَّ المَنافِعَ أعْدادٌ كَثِيرَةٌ فَكَذا الإثْمُ فَصارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: فِيهِما مَضارٌّ كَثِيرَةٌ ومَنافِعُ كَثِيرَةٌ. حُجَّةُ الباقِينَ أنَّ المُبالَغَةَ في تَعْظِيمِ الذَّنْبِ إنَّما تَكُونُ بِالكِبَرِ لا بِكَوْنِهِ كَثِيرًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾ [الشُّورى: ٣٧]، ﴿كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النِّساءِ: ٣١]، ﴿إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النِّساءِ: ٢] وأيْضًا القُرّاءُ اتَّفَقُوا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ﴾ بِالباءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ، وذَلِكَ يُرَجِّحُ ما قُلْناهُ. * * * الحُكْمُ الرّابِعُ فِي الإنْفاقِ ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ صفحة ٤٢ اعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأُجِيبُ عَنْهُ بِذِكْرِ المَصْرِفِ وأُعِيدُ هَهُنا فَأُجِيبُ عَنْهُ بِذِكْرِ الكَمِّيَّةِ، قالَ القَفّالُ: قَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِآخَرَ يَسْألُهُ عَنْ مَذْهَبِ رَجُلٍ وخُلُقِهِ: ما فُلانٌ هَذا ؟ فَيَقُولُ: هو رَجُلٌ مِن مَذْهَبِهِ كَذا، ومِن خُلُقِهِ كَذا. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كانَ النّاسُ لَمّا رَأوُا اللَّهَ ورَسُولَهُ يَحُضّانِ عَلى الإنْفاقِ ويَدُلّانِ عَلى عَظِيمِ ثَوابِهِ، سَألُوا عَنْ مِقْدارِ ما كُلِّفُوا بِهِ، هَلْ هو كُلُّ المالِ أوْ بَعْضُهُ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ العَفْوَ مَقْبُولٌ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أصْلُ العَفْوِ في اللُّغَةِ الزِّيادَةُ، قالَ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٩] أيِ الزِّيادَةَ، وقالَ أيْضًا: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ [الأعْرافِ: ٩٥] أيْ زادُوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ، قالَ القَفّالُ: العَفْوُ ما سَهُلَ وتَيَسَّرَ مِمّا يَكُونُ فاضِلًا عَنِ الكِفايَةِ، يُقالُ: خُذْ ما عَفا لَكَ، أيْ ما تَيَسَّرَ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ راجِعًا إلى التَّيَسُّرِ والتَّسْهِيلِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ فَهاتُوا رُبْعَ عُشْرِ أمْوالِكم» “ مَعْناهُ التَّخْفِيفُ بِإسْقاطِ زَكاةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ، ويُقالُ: أعْفى فُلانٌ فُلانًا بِحَقِّهِ إذا أوْصَلَهُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ إلْحاحٍ في المُطالَبَةِ، وهو راجِعٌ إلى التَّخْفِيفِ، ويُقالُ: أعْطاهُ كَذا عَفْوًا صَفْوًا، إذا لَمْ يُكَدِّرْ عَلَيْهِ بِالأذى، ويُقالُ: خُذْ مِنَ النّاسِ ما عَفا لَكَ أيْ ما تَيَسَّرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ أيْ ما سَهُلَ لَكَ مِنَ النّاسِ، ويُقالُ لِلْأرْضِ السَّهْلَةِ: العَفْوُ. وإذا كانَ العَفْوُ هو التَّيْسِيرُ فالغالِبُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ فِيما يَفْضُلُ عَنْ حاجَةِ الإنْسانِ في نَفْسِهِ وعِيالِهِ ومَن تَلْزَمُهُ مَؤُنَتُهم فَقَوْلُ مَن قالَ: العَفْوُ هو الزِّيادَةُ راجِعٌ إلى التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وجُمْلَةُ التَّأْوِيلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أدَّبِ النّاسَ في الإنْفاقِ فَقالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسْراءِ: ٢٦، ٢٧] وقالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسْراءِ: ٢٩] وقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٧] وقالَ ﷺ: ”«إذا كانَ عِنْدَ أحَدِكم شَيْءٌ فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِمَن يَعُولُ وهَكَذا وهَكَذا» “ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما أبْقَتْ غِنًى ولا يُلامُ عَلى كَفافٍ» “ وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذْ جاءَهُ رَجُلٌ بِمِثْلِ البَيْضَةِ مِن ذَهَبٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خُذْها صَدَقَةً فَواللَّهِ لا أمْلِكُ غَيْرَها. فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أتاهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقالَ: هاتِها مُغْضَبًا فَأخَذَها مِنهُ، ثُمَّ حَذَفَهُ بِها حَيْثُ لَوْ أصابَتْهُ لَأوْجَعَتْهُ، ثُمَّ قالَ: يَأْتِينِي أحَدُكم بِمالِهِ لا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، ثُمَّ يَجْلِسُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ إنَّما الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى خُذْها فَلا حاجَةَ لَنا فِيها» " . «وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَحْبِسُ لِأهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ»، وقالَ الحُكَماءُ: الفَضِيلَةُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، فالإنْفاقُ الكَثِيرُ هو التَّبْذِيرُ، والتَّقْلِيلُ جِدًّا هو التَّقْتِيرُ، والعَدْلُ هو الفَضِيلَةُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾ ومَدارُ شَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى رِعايَةِ هَذِهِ الدَّقِيقَةِ فَشَرْعُ اليَهُودِ مَبْناهُ عَلى الخُشُونَةِ التّامَّةِ، وشَرْعُ النَّصارى عَلى المُسامَحَةِ التّامَّةِ، وشَرْعُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُتَوَسِّطٌ في كُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ كانَ أكْمَلَ مِنَ الكُلِّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو (العَفْوُ) بِضَمِّ الواوِ والباقُونَ بِالنَّصْبِ، فَمَن رَفَعَ جَعَلَ (ذا) بِمَعْنى (الَّذِي) ويُنْفِقُونَ صِلَتَهُ، كَأنَّهُ قالَ: ما الَّذِي يُنْفِقُونَ ؟ فَقالَ: هو العَفْوُ، ومَن نَصَبَ كانَ التَّقْدِيرُ: ما يُنْفِقُونَ ؟ وجَوابُهُ: يُنْفِقُونَ العَفْوَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ بِهَذا الإنْفاقِ هو الإنْفاقُ الواجِبُ أوِ التَّطَوُّعُ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ هو صفحة ٤٣ الإنْفاقُ الواجِبُ، فَلَهم قَوْلانِ: الأوَّلُ: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَفْوُ هو الزَّكاةُ فَجاءَ ذِكْرُها هَهُنا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأمّا تَفاصِيلُها فَمَذْكُورَةٌ في السُّنَّةِ. الثّانِي: أنَّ هَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الصَّدَقاتِ فالنّاسُ كانُوا مَأْمُورِينَ بِأنْ يَأْخُذُوا مِن مَكاسِبِهِمْ ما يَكْفِيهِمْ في عامِهِمْ، ثُمَّ يُنْفِقُوا الباقِي، ثُمَّ صارَ هَذا مَنسُوخًا بِآيَةِ الزَّكاةِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الآيَةُ مَنسُوخَةً. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الإنْفاقِ هو الإنْفاقُ عَلى سَبِيلِ التَّطَوُّعِ، وهو الصَّدَقَةُ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مَفْرُوضًا لَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِقْدارَهُ، فَلَمّا لَمْ يُبَيِّنْ بَلْ فَوَّضَهُ إلى رَأْيِ المُخاطَبِ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ. وأُجِيبُ عَنْهُ: بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُوجِبَ اللَّهُ شَيْئًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ثُمَّ يَذْكُرُ تَفْصِيلَهُ وبَيانَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي بَيَّنْتُ لَكُمُ الأمْرَ فِيما سَألْتُمْ عَنْهُ مِن وُجُوهِ الإنْفاقِ ومَصارِفِهِ فَهَكَذا أُبَيِّنُ لَكم في مُسْتَأْنَفِ أيّامِكم جَمِيعَ ما تَحْتاجُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ. والثّانِي: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ فَيُعَرِّفُكم أنَّ الخَمْرَ والمَيْسِرَ فِيهِما مَنافِعُ في الدُّنْيا ومَضارٌّ في الآخِرَةِ، فَإذا تَفَكَّرْتُمْ في أحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلِمْتُمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَرْجِيحِ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا. الثّالِثُ: يُعَرِّفُكم أنَّ إنْفاقَ المالِ في وُجُوهِ الخَيْرِ لِأجْلِ الآخِرَةِ وإمْساكَهُ لِأجْلِ الدُّنْيا فَتَتَفَكَّرُونَ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وتَعْلَمُونَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَرْجِيحِ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أمْكَنَ إجْراءُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ كَما قَرَّرْناهُ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فَفَرْضُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ -عَلى ما قالَهُ الحَسَنُ - يَكُونُ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ لا لِدَلِيلٍ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.

البقرة 2:220

الحُكْمُ الخامِسُ فِي اليَتامى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكم إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكم إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا قَدِ اعْتادُوا الِانْتِفاعَ بِأمْوالِ اليَتامى، ورُبَّما تَزَوَّجُوا بِاليَتِيمَةِ طَمَعًا في مالِها أوْ يُزَوِّجُها مِنِ ابْنٍ لَهُ؛ لِئَلّا يَخْرُجَ مالُها مِن يَدِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النِّساءِ: ١٠] وأنْزَلَ في الآياتِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النِّساءِ: ٣] وقَوْلَهُ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ صفحة ٤٤ ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النِّساءِ: ١٢٧] وقَوْلَهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٢] فَعِنْدَ ذَلِكَ تَرَكَ القَوْمُ مُخالَطَةَ اليَتامى، والمُقارَبَةَ مِن أمْوالِهِمْ، والقِيامَ بِأُمُورِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اخْتَلَّتْ مَصالِحُ اليَتامى وساءَتْ مَعِيشَتُهم، فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، وبَقَوْا مُتَحَيِّرِينَ إنْ خالَطُوهم وتَوَلَّوْا أمْرَ أمْوالِهِمْ، اسْتَعَدُّوا لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وإنْ تَرَكُوا وأعْرَضُوا عَنْهم، اخْتَلَّتْ مَعِيشَةُ اليَتامى، فَتَحَيَّرَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ هَهُنا يُحْتَمَلُ أنَّهم سَألُوا الرَّسُولَ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ السُّؤالَ كانَ في قَلْبِهِمْ، وأنَّهم تَمَنَّوْا أنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ لَهم كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا البابِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ تِلْكَ الآياتُ اعْتَزَلُوا أمْوالَ اليَتامى، واجْتَنَبُوا مُخالَطَتَهم في كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى كانَ يُوضَعُ لِلْيَتِيمِ طَعامٌ فَيَفْضُلُ مِنهُ شَيْءٌ فَيَتْرُكُونَهُ ولا يَأْكُلُونَهُ حَتّى يَفْسَدَ، وكانَ صاحِبُ اليَتِيمِ يُفْرِدُ لَهُ مَنزِلًا وطَعامًا وشَرابًا فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما لِكُلِّنا مَنازِلُ تَسْكُنُها الأيْتامُ ولا كُلُّنا يَجِدُ طَعامًا وشَرابًا يُفْرِدُهُما لِلْيَتِيمِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ القاضِي: هَذا الكَلامُ يَجْمَعُ النَّظَرَ في صَلاحِ مَصالِحِ اليَتِيمِ بِالتَّقْوِيمِ والتَّأْدِيبِ وغَيْرِهِما، لِكَيْ يَنْشَأ عَلى عِلْمٍ وأدَبٍ وفَضْلٍ؛ لِأنَّ هَذا الصُّنْعَ أعْظَمُ تَأْثِيرًا فِيهِ مِن إصْلاحِ حالِهِ بِالتِّجارَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا إصْلاحُ مالِهِ كَيْ لا تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ مِن جِهَةِ التِّجارَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النِّساءِ: ٢] ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ﴾ يَتَناوَلُ حالَ المُتَكَفِّلِ، أيْ هَذا العَمَلُ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَكُونَ مُقَصِّرًا في حَقِّ اليَتِيمِ، ويَتَناوَلُ حالَ اليَتِيمِ أيْضًا، أيْ هَذا العَمَلُ خَيْرٌ لِلْيَتِيمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ صَلاحَ نَفْسِهِ، وصَلاحَ مالِهِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ مَصالِحِ اليَتِيمِ والوَلِيِّ. فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ لا يَتَناوَلُ إلّا تَدْبِيرَ أنْفُسِهِمْ دُونَ مالِهِمْ. قُلْنا: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ما يُؤَدِّي إلى إصْلاحِ مالِهِ بِالتَّنْمِيَةِ والزِّيادَةِ يَكُونُ إصْلاحًا لَهُ، فَلا يَمْتَنِعُ دُخُولُهُ تَحْتَ الظّاهِرِ، وهَذا القَوْلُ أحْسَنُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَوْضِعِ. وثانِيها: قَوْلُ مَن قالَ: الخَبَرُ عائِدٌ إلى الوَلِيِّ، يَعْنِي: أنَّ إصْلاحَ أمْوالِهِمْ مِن غَيْرِ عِوَضٍ ولا أُجْرَةٍ خَيْرٌ لِلْوَلِيِّ وأعْظَمُ أجْرًا لَهُ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عائِدًا إلى اليَتِيمِ، والمَعْنى أنَّ مُخالَطَتَهم بِالإصْلاحِ خَيْرٌ لَهم مِنَ التَّفَرُّدِ عَنْهم والإعْراضِ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَتَخْصِيصُهُ بِبَعْضِ الجِهاتِ دُونَ البَعْضِ، تَرْجِيحٌ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الخَيْراتِ العائِدَةِ إلى الوَلِيِّ، وإلى اليَتِيمِ في إصْلاحِ النَّفْسِ، وإصْلاحِ المالِ، وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ جِهاتِ المَصالِحِ مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَيْنُ المُتَكَفِّلِ لِمَصالِحِ اليَتِيمِ عَلى تَحْصِيلِ الخَيْرِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِنَفْسِهِ، واليَتِيمِ في مالِهِ وفي نَفْسِهِ، فَهَذِهِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِهَذِهِ الجِهاتِ بِالكُلِّيَّةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المُخالَطَةُ جَمْعٌ يَتَعَذَّرُ فِيهِ التَّمْيِيزُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْجِماعِ: الخِلاطُ ويُقالُ: خُولِطَ الرَّجُلُ صفحة ٤٥ إذا جُنَّ، والخِلاطُ الجُنُونُ لِاخْتِلاطِ الأُمُورِ عَلى صاحِبِهِ بِزَوالِ عَقْلِهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُرادُ: وإنْ تُخالِطُوهم في الطَّعامِ والشَّرابِ والمَسْكَنِ والخَدَمِ فَإخْوانُكم، والمَعْنى: أنَّ القَوْمَ مَيَّزُوا طَعامَهُ عَنْ طَعامِ أنْفُسِهم، وشَرابَهُ عَنْ شَرابِ أنْفُسِهم، ومَسْكَنَهُ عَنْ مَسْكَنِ أنْفُسِهم، فاللَّهُ تَعالى أباحَ لَهم خَلْطَ الطَّعامَيْنِ والشَّرابَيْنِ، والِاجْتِماعَ في المَسْكَنِ الواحِدِ، كَما يَفْعَلُهُ المَرْءُ بِمالِ ولَدِهِ، فَإنَّ هَذا أدْخَلُ في حُسْنِ العِشْرَةِ والمُؤالَفَةِ، والمَعْنى: وإنْ تُخالِطُوهم بِما لا يَتَضَمَّنُ إفْسادَ أمْوالِهِمْ فَذَلِكَ جائِزٌ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ المُخالَطَةِ أنْ يَنْتَفِعُوا بِأمْوالِهِمْ بِقَدْرِ ما يَكُونُ أجْرُهُ مِثْلَ ذَلِكَ العَمَلِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ مِنهم مَن جَوَّزَ ذَلِكَ سَواءٌ كانَ القَيِّمُ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا، ومِنهم مَن قالَ: إذا كانَ القَيِّمُ غَنِيًّا لَمْ يَأْكُلْ مِن مالِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِ وطَلَبُ الأُجْرَةِ عَلى العَمَلِ الواجِبِ لا يَجُوزُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النِّساءِ: ٦] وأمّا إنْ كانَ القَيِّمُ فَقِيرًا فَقالُوا: إنَّهُ يَأْكُلُ بِقَدْرِ الحاجَةِ ويَرُدُّهُ إذا أيْسَرَ، فَإنْ لَمْ يُوسِرْ تَحَلَّلَهُ مِنَ اليَتِيمِ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أنْزَلْتُ نَفْسِي مِن مالِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ ولِيِّ اليَتِيمِ: إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وإنِ افْتَقَرْتُ أكَلْتُ قَرْضًا بِالمَعْرُوفِ ثُمَّ قَضَيْتُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ إذا كانَ فَقِيرًا وأكَلَ بِالمَعْرُوفِ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ أنْ يَخْلِطُوا أمْوالَ اليَتامى بِأمْوالِ أنْفُسِهِمْ عَلى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ بِشَرْطِ رِعايَةِ جِهاتِ المَصْلَحَةِ والغِبْطَةِ لِلصَّبِيِّ. والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ المُرادَ بِالخَلْطِ المُصاهَرَةُ في النِّكاحِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا﴾ [النِّساءِ: ٣] وقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ [النِّساءِ: ١٢٧] قالَ: وهَذا القَوْلُ راجِحٌ عَلى غَيْرِهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا القَوْلَ خَلْطٌ لِلْيَتِيمِ نَفْسِهِ، والشَّرِكَةُ خَلْطٌ لِمالِهِ. وثانِيها: أنَّ الشَّرِكَةَ داخِلَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ والخَلْطُ مِن جِهَةِ النِّكاحِ، وتَزْوِيجُ البَناتِ مِنهم لَمْ يَدْخُلْ في ذَلِكَ، فَحَمْلُ الكَلامِ في هَذا الخَلْطِ أقْرَبُ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالخَلْطِ هو هَذا النَّوْعُ مِنَ الخَلْطِ؛ لِأنَّ اليَتِيمَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِن أوْلادِ المُسْلِمِينَ لَوَجَبَ أنْ يَتَحَرّى صَلاحَ أمْوالِهِ كَما يَتَحَرّاهُ إذا كانَ مُسْلِمًا، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ إلى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ المُخالَطَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١] فَكانَ المَعْنى أنَّ المُخالَطَةَ المَندُوبَ إلَيْها إنَّما هي في اليَتامى الَّذِينَ هم لَكم إخْوانٌ بِالإسْلامِ فَهُمُ الَّذِينَ يَنْبَغِي أنْ تُناكِحُوهم لِتَأْكِيدِ الأُلْفَةِ، فَإنْ كانَ اليَتِيمُ مِنَ المُشْرِكاتِ فَلا تَفْعَلُوا ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ أيْ فَهم إخْوانُكم. قالَ الفَرّاءُ: ولَوْ نَصَبْتَهُ كانَ صَوابًا، والمَعْنى فَإخْوانُكم تُخالِطُونَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ فَقِيلَ: المُفْسِدُ لِأمْوالِهِمْ مِنَ المُصْلِحِ لَها، وقِيلَ: يَعْلَمُ ضَمائِرَ مَن أرادَ الإفْسادَ والطَّمَعَ في مالِهِمْ بِالنِّكاحِ مِنَ المُصْلِحِ، يَعْنِي: أنَّكم إذا أظْهَرْتُمْ مِن أنْفُسِكم إرادَةَ الإصْلاحِ فَإذا لَمْ تُرِيدُوا ذَلِكَ في قُلُوبِكم، بَلْ كانَ مُرادُكم مِنهُ غَرَضًا آخَرَ، فاللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ضَمائِرِكم عالِمٌ بِما في قُلُوبِكم، وهَذا تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ، والسَّبَبُ أنَّ اليَتِيمَ لا يُمْكِنُهُ رِعايَةَ الغِبْطَةِ لِنَفْسِهِ، ولَيْسَ لَها أحَدٌ يُراعِيها صفحة ٤٦ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ يَتَكَفَّلُ بِمَصالِحِهِ فَأنا ذَلِكَ المُتَكَفِّلُ، وأنا المُطالِبُ لِوَلِيِّهِ، وقِيلَ: واللَّهُ يَعْلَمُ المُصْلِحَ الَّذِي يَلِي مِن أمْرِ اليَتِيمِ ما يَجُوزُ لَهُ بِسَبَبِهِ الِانْتِفاعُ بِمالِهِ، ويَعْلَمُ المُفْسِدَ الَّذِي لا يَلِي مِن إصْلاحِ أمْرِ اليَتِيمِ ما يَجُوزُ لَهُ بِسَبَبِهِ الِانْتِفاعُ بِمالِهِ، فاتَّقُوا أنْ تَتَناوَلُوا مِن مالِ اليَتِيمِ شَيْئًا مِن غَيْرِ إصْلاحٍ مِنكم لِمالِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”الإعْناتُ“ الحَمْلُ عَلى مَشَقَّةٍ لا تُطاقُ، يُقالُ: أعْنَتَ فُلانٌ فُلانًا إذا أوْقَعَهُ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ، وتَعَنَّتَهُ تَعَنُّتًا إذا لَبَّسَ عَلَيْهِ في سُؤالِهِ، وعَنَتَ العَظْمُ المَجْبُورُ إذا انْكَسَرَ بَعْدَ الجَبْرِ، وأصْلُ (العَنَتِ) مِنَ المَشَقَّةِ، وأكَمَةٌ عَنُوتٌ إذا كانَتْ شاقَّةً كَدُودًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] أيْ شَدِيدٌ عَلَيْهِ ما شَقَّ عَلَيْكم، ويُقالُ: أعْنَتَنِي في السُّؤالِ أيْ شَدَّدَ عَلَيَّ وطَلَبَ عَنَتِي وهو الإضْرارُ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ ما أصَبْتُمْ مِن أمْوالِ اليَتامى مُوبَقًا. وقالَ عَطاءٌ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأدْخَلَ عَلَيْكُمُ المَشَقَّةَ كَما أدْخَلْتُمْ عَلى أنْفُسِكم، ولَضَيَّقَ الأمْرَ عَلَيْكم في مُخالَطَتِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَكَلَّفَكم ما يَشْتَدُّ عَلَيْكم. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُكَلِّفِ العَبْدَ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَفْعَلِ الإعْناتَ والضِّيقَ في التَّكْلِيفِ، ولَوْ كانَ مُكَلِّفًا بِما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ لَكانَ قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الإعْناتِ وحَدَّ الضِّيقِ. واعْلَمْ أنَّ وجْهَ هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّ كَلِمَةَ (لَوْ) تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، ثُمَّ سَألُوا أنْفُسَهم بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في حَقِّ اليَتِيمِ، وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وأيْضًا فَوَلِيُّ هَذا اليَتِيمِ قَدْ لا يَفْعَلُ تَعالى فِيهِ قُدْرَةَ الإصْلاحِ؛ لِأنَّ هَذا هو قَوْلُهم فِيمَن يَخْتارُ خِلافَ الإصْلاحِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ تَعالى فِيهِ خاصَّةً: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ مَعَ أنَّهُ كَلَّفَهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولا سَبِيلَ لَهُ إلى فِعْلِهِ، وأيْضًا فالإعْناتُ لا يَصِحُّ إلّا فِيمَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الشَّيْءِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ ويَضِيقُ، فَأمّا مَن لا يَتَمَكَّنُ ألْبَتَّةَ فَذَلِكَ لا يَصِحُّ فِيهِ، وعِنْدَ الخَصْمِ الوَلِيُّ إذا اخْتارَ الصَّلاحَ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ فِعْلُ الفَسادِ، وإذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الفَسادِ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ . والجَوابُ عَنْهُ: المُعارَضَةُ بِمَسْألَةِ العِلْمِ والدّاعِي، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خِلافِ العَدْلِ؛ لِأنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ وصْفُهُ بِالقُدْرَةِ عَلى الإعْناتِ ما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ ولِلنَّظّامِ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ هَذا مُعَلَّقٌ عَلى مَشِيئَةِ الإعْناتِ، فَلِمَ قُلْتُمْ بِأنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ مُمْكِنَةُ الثُّبُوتِ في حَقِّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:221

الحُكْمُ السّادِسُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالنِّكاحِ صفحة ٤٧ ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكم ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكم أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكم ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكم أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [المُمْتَحِنَةِ: ١٠] وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ، أيْ لا تُزَوِّجُوهُنَّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يُزَوِّجُونَهُنَّ. واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ابْتِداءُ حُكْمٍ وشَرْعٍ، أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ ابْتِداءُ شَرْعٍ في بَيانِ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِقِصَّةِ اليَتامى، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ وأرادَ مُخالَطَةَ النِّكاحِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَبْعَثُ عَلى الرَّغْبَةِ في اليَتامى، وأنَّ ذَلِكَ أوْلى مِمّا كانُوا يَتَعاطَوْنَ مِنَ الرَّغْبَةِ في المُشْرِكاتِ، وبَيَّنَ أنَّ أمَةً مُؤْمِنَةً خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وإنْ بَلَغَتِ النِّهايَةَ فِيما يَقْتَضِي الرَّغْبَةَ فِيها، لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى ما يَبْعَثُ عَلى التَّزَوُّجِ بِاليَتامى، وعَلى تَزْوِيجِ الأيْتامِ عِنْدَ البُلُوغِ لِيَكُونَ ذَلِكَ داعِيَةً لِما أمَرَ بِهِ مِنَ النَّظَرِ في صَلاحِهِمْ وصَلاحِ أمْوالِهِمْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَحُكْمُ الآيَةِ لا يَخْتَلِفُ، ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ مَرْثَدَ بْنَ أبِي مَرْثَدٍ حَلِيفًا لِبَنِي هاشِمٍ إلى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ أُناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِها سِرًّا، فَعِنْدَ قُدُومِهِ جاءَتْهُ امْرَأتُهُ يُقالُ لَها: عَناقُ خَلِيلَةٌ لَهُ في الجاهِلِيَّةِ، أعْرَضَتْ عَنْهُ عِنْدَ الإسْلامِ، فالتَمَسَتِ الخَلْوَةَ، فَعَرَّفَها أنَّ الإسْلامَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ وعَدَها أنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّسُولَ ﷺ ثُمَّ يَتَزَوَّجُ بِها، فَلَمّا انْصَرَفَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَّفَهُ ما جَرى في أمْرِ عَناقَ، وسَألَهُ هَلْ يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» . * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في لَفْظِ النِّكاحِ، فَقالَ أكْثَرُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ في العَقْدِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ وشُهُودٍ» “ وقَفَ النِّكاحَ عَلى الوَلِيِّ والشُّهُودِ، والمُتَوَقِّفُ عَلى الوَلِيِّ والشُّهُودِ هو العَقْدُ لا الوَطْءُ. والثّانِي: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وُلِدْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أُولَدْ مِن سِفاحٍ» “ دَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ النِّكاحَ كالمُقابِلِ لِلسِّفاحِ، ومَعْلُومٌ أنَّ السِّفاحَ مُشْتَمِلٌ عَلى الوَطْءِ، فَلَوْ كانَ النِّكاحُ اسْمًا لِلْوَطْءِ لامْتَنَعَ كَوْنُ النِّكاحِ مُقابِلًا لِلسِّفاحِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٣٢] ولا شَكَّ أنَّ لَفْظَ (أنْكِحُوا) لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ إلّا عَلى العَقْدِ. ورابِعُها: قَوْلُ الأعْشى، أنْشَدَهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“: فَلا تَقْرَبَنْ مِن جارَةٍ إنَّ سِرَّها عَلَيْكَ حَرامٌ فانْكِحَنْ أوْ تَأيَّما وقَوْلُهُ: (فانْكِحَنْ) لا يَحْتَمِلُ إلّا الأمْرَ بِالعَقْدِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ”لا تَقْرَبَنْ جارَةً“ يَعْنِي مُقارَبَتَها عَلى الطَّرِيقِ الَّذِي يَحْرُمُ فاعْقِدْ وتَزَوَّجْ وإلّا فَتَأيَّمْ وتَجَنَّبِ النِّساءَ، وقالَ الجُمْهُورُ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ في الوَطْءِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٠] نَفْيُ الحِلِّ مُمْتَدٌّ إلى غايَةِ النِّكاحِ، والنِّكاحُ الَّذِي تَنْتَهِي بِهِ هَذِهِ الحُرْمَةُ لَيْسَ هو العَقْدُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ صفحة ٤٨ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا، حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» “، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ هو الوَطْءَ. وثانِيها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ناكِحُ اليَدِ مَلْعُونٌ وناكِحُ البَهِيمَةِ مَلْعُونٌ» “ أثْبَتَ النِّكاحَ مَعَ عَدَمِ العَقْدِ. وثالِثُها: أنَّ النِّكاحَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الضَّمِّ والوَطْءِ، يُقالُ: نَكَحَ المَطَرُ الأرْضَ إذا وصَلَ إلَيْها، ونَكَحَ النُّعاسُ عَيْنَهُ، وفي المَثَلِ: أنْكَحْنا الفَرا فَسَنَرى، وقالَ الشّاعِرُ: التّارِكِينَ عَلى طُهْرٍ نِساءَهُمُ ∗∗∗ والنّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ البَقَرا وقالَ المُتَنَبِّي: أنْكَحْتُ صُمَّ حَصاها خُفَّ يَعْمَلَةٍ ∗∗∗ تَعَثَّرَتْ بِي إلَيْكَ السَّهْلَ والجَبَلا ومَعْلُومٌ أنَّ مَعْنى الضَّمِّ والوَطْءِ في المُباشَرَةِ أتَمُّ مِنهُ في العَقْدِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: النِّكاحُ عِبارَةٌ عَنِ الضَّمِّ، ومَعْنى الضَّمِّ حاصِلٌ في العَقْدِ وفي الوَطْءِ، فَيَحْسُنُ اسْتِعْمالُ هَذا اللَّفْظِ فِيهِما جَمِيعًا، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: سَألْتُ أبا عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِمْ: نَكَحَ المَرْأةَ، فَقالَ: فَرَّقَتِ العَرَبُ في الِاسْتِعْمالِ فَرْقًا لَطِيفًا حَتّى لا يَحْصُلَ الِالتِباسُ، فَإذا قالُوا: نَكَحَ فُلانٌ فُلانَةً: أرادُوا أنَّهُ تَزَوَّجَها وعَقَدَ عَلَيْها، وإذا قالُوا: نَكَحَ امْرَأتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ، لَمْ يُرِيدُوا غَيْرَ المُجامَعَةِ؛ لِأنَّهُ إذا ذَكَرَ أنَّهُ نَكَحَ امْرَأتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ فَقَدِ اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ العَقْدِ، فَلَمْ تَحْتَمِلِ الكَلِمَةُ غَيْرَ المُجامَعَةِ، فَهَذا تَمامُ ما في هَذا اللَّفْظِ مِنَ البَحْثِ، وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا﴾ في هَذِهِ الآيَةِ أيْ لا تَعْقِدُوا عَلَيْهِنَّ عَقْدَ النِّكاحِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ لَفْظَ (المُشْرِكِ) هَلْ يَتَناوَلُ الكُفّارَ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَأنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ، والأكْثَرُونَ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّ لَفْظَ (المُشْرِكِ) يَنْدَرِجُ فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ، وهو المُخْتارُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٠] ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣١] وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ مُشْرِكانِ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ما سِوى الشِّرْكِ قَدْ يَغْفِرُهُ اللَّهُ تَعالى في الجُمْلَةِ، فَلَوْ كانَ كُفْرُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ لَيْسَ بِشِرْكٍ لَوَجَبَ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعالى في الجُمْلَةِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ كُفْرَهُما شِرْكٌ وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائِدَةِ: ٧٣] فَهَذا التَّثْلِيثُ إمّا أنْ يَكُونَ لِاعْتِقادِهِمْ وُجُودَ صِفاتٍ ثَلاثَةٍ، أوْ لِاعْتِقادِهِمْ وُجُودَ ذَواتٍ ثَلاثَةٍ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ مِن كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا غَيْرُ المَفْهُومِ مِن كَوْنِهِ قادِرًا ومِن كَوْنِهِ حَيًّا، وإذا كانَتْ هَذِهِ المَفْهُوماتُ الثَّلاثَةُ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِها، كانَ القَوْلُ بِإثْباتِ صِفاتٍ ثَلاثَةٍ مِن ضَرُوراتِ دِينِ الإسْلامِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَكْفِيرُ النَّصارى بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى إنَّما كَفَّرَهم؛ لِأنَّهم أثْبَتُوا ذَواتًا ثَلاثَةً قَدِيمَةً مُسْتَقِلَّةً، ولِذَلِكَ فَإنَّهم جَوَّزُوا في أُقْنُومِ الكَلِمَةِ أنْ يَحِلَّ في عِيسى، وجَوَّزُوا في أُقْنُومِ الحَياةِ أنْ يَحِلَّ في مَرْيَمَ، ولَوْلا أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المُسَمّاةَ عِنْدَهم بِالأقانِيمِ ذَواتٌ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها، لَمّا جَوَّزُوا عَلَيْها الِانْتِقالَ مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ، فَثَبَتَ أنَّهم قائِلُونَ بِإثْباتِ ذَواتٍ قائِمَةٍ بِالنَّفْسِ قَدِيمَةٍ أزَلِيَّةٍ، وهَذا شِرْكٌ، وقَوْلٌ بِإثْباتِ الآلِهَةِ، فَكانُوا مُشْرِكِينَ، وإذا ثَبَتَ دُخُولُهم تَحْتَ اسْمِ المُشْرِكِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ اليَهُودِيُّ كَذَلِكَ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. ورابِعُها: ما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَّرَ أمِيرًا وقالَ: إذا لَقِيتَ عَدَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهم إلى الإسْلامِ، فَإنْ أجابُوكَ فاقْبَلْ مِنهم، وإنْ أبَوْا فادْعُهم إلى الجِزْيَةِ وعَقْدِ الذِّمَّةِ، فَإنْ أجابُوكَ فاقْبَلْ مِنهم وكُفَّ عَنْهم»، سَمّى صفحة ٤٩ مَن يُقْبَلُ مِنهُ الجِزْيَةُ وعَقْدُ الذِّمَّةِ بِالمُشْرِكِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ يُسَمّى بِالمُشْرِكِ. وخامِسُها: ما احْتَجَّ بِهِ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ فَقالَ: كُلُّ مَن جَحَدَ رِسالَتَهُ فَهو مُشْرِكٌ، مِن حَيْثُ إنَّ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ كانَتْ خارِجَةً عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ، وكانُوا مُنْكِرِينَ صُدُورَها عَنِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ كانُوا يُضِيفُونَها إلى الجِنِّ والشَّياطِينِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ فِيها: إنَّها سِحْرٌ وحَصَلَتْ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، فالقَوْمُ قَدْ أثْبَتُوا شَرِيكًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ في خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْإلَهِ إلّا مَن كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ. واعْتَرَضَ القاضِي فَقالَ: إنَّما يَلْزَمُ هَذا إذا سَلَّمَ اليَهُودِيُّ أنَّ ما ظَهَرَ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الأُمُورِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ إذا أضافَهُ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كانَ مُشْرِكًا، أمّا إذا أنْكَرَ ذَلِكَ وزَعَمَ أنَّ ما ظَهَرَ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن جِنْسِ ما يَقْدِرُ العِبادُ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ مُشْرِكًا بِسَبَبِ [نِسْبَتِهِ] ذَلِكَ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: أنَّهُ لا اعْتِبارَ بِإقْرارِهِ أنَّ تِلْكَ المُعْجِزاتِ خارِجَةٌ عَنْ مَقْدُورِ البَشَرِ أمْ لا، إنَّما الِاعْتِبارُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُعْجِزَ خارِجٌ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ، فَمَن نَسَبَ ذَلِكَ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كانَ مُشْرِكًا، كَما أنَّ إنْسانًا لَوْ قالَ: إنَّ خَلْقَ الجِسْمِ والحَياةِ مِن جِنْسِ مَقْدُورِ البَشَرِ، ثُمَّ أسْنَدَ خَلْقَ الحَيَوانِ والنَّباتِ إلى الأفْلاكِ والكَواكِبِ كانَ مُشْرِكًا فَكَذا هَهُنا، فَهَذا مَجْمُوعُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ يَدْخُلانِ تَحْتَ اسْمِ المُشْرِكِ. واحْتَجَّ مَن أباهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَصَلَ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ في الذِّكْرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ لا يَدْخُلُونَ تَحْتَ اسْمِ المُشْرِكِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى فَصَلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [الحَجِّ: ١٧] وقالَ أيْضًا: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٥] وقالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البَيِّنَةِ: ١] فَفي هَذِهِ الآياتِ فَصَلَ بَيْنَ القِسْمَيْنِ وعَطَفَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّغايُرَ. والجَوابُ: أنَّ هَذا مُشْكِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحْزابِ: ٧] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] فَإنْ قالُوا: إنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ الدَّرَجَةِ في ذَلِكَ الوَصْفِ المَذْكُورِ، قُلْنا: فَهَهُنا أيْضًا إنَّما خَصَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ في هَذِهِ الآياتِ بِهَذا الِاسْمِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ دَرَجَتِهِمْ في هَذا الكُفْرِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما في هَذِهِ المَسْألَةِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يَنْدَرِجُونَ تَحْتَ اسْمِ المُشْرِكِ اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ: فَقالَ قَوْمٌ: وُقُوعُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ لِما بَيَّنّا أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قائِلُونَ بِالشِّرْكِ. وقالَ الجُبّائِيُّ والقاضِي: هَذا الِاسْمُ مِن جُمْلَةِ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ. واحْتَجّا عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ قَدْ تَواتَرَ النَّقْلُ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ كانَ يُسَمِّي كُلَّ مَن كانَ كافِرًا بِالمُشْرِكِ، ومَن كانَ في الكُفّارِ مَن لا يُثْبِتُ إلَهًا أصْلًا أوْ كانَ شاكًّا في وُجُودِهِ، أوْ كانَ شاكًّا في وُجُودِ الشَّرِيكِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن كانَ عِنْدَ البَعْثَةِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ مُنْكِرًا لِلْبَعْثَةِ والتَّكْلِيفِ، وما كانَ يَعْبُدُ شَيْئًا مِنَ الأوْثانِ، والَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ فِيهِمْ مَن كانُوا يَقُولُونَ: إنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ في الخَلْقِ وتَدْبِيرِ العالَمِ، بَلْ كانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الأكْثَرِينَ مِنهم كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ إلَهَ العالَمِ واحِدٌ وأنَّهُ لَيْسَ لَهُ في الإلَهِيَّةِ مُعِينٌ في خَلْقِ العالَمِ وتَدْبِيرِهِ وشَرِيكٌ ونَظِيرٌ، إذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ وُقُوعَ اسْمِ المُشْرِكِ عَلى الكافِرِ لَيْسَ مِنَ الأسْماءِ اللُّغَوِيَّةِ، بَلْ مِنَ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ، كالصَّلاةِ والزَّكاةِ وغَيْرِهِما، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ انْدِراجُ كُلِّ كافِرٍ تَحْتَ هَذا الِاسْمِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * * صفحة ٥٠ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اسْمَ المُشْرِكِ لا يَتَناوَلُ إلّا عَبَدَةَ الأوْثانِ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ نَهْيٌ عَنْ نِكاحِ الوَثَنِيَّةِ، أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اسْمَ المُشْرِكِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الكُفّارِ قالُوا: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُ الكافِرَةِ أصْلًا، سَواءٌ كانَتْ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ لا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا فالأكْثَرُونَ مِنَ الأئِمَّةِ قالُوا: إنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالكِتابِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ومُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ والهادِي وهو أحَدُ الأئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ، حُجَّةُ الجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائِدَةِ: ٥] وسُورَةُ المائِدَةِ كُلُّها ثابِتَةٌ لَمْ يُنْسَخْ مِنها شَيْءٌ قَطُّ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: مَن آمَنُ بَعْدَ أنْ كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ ؟ قُلْنا: هَذا لا يَصِحُّ مِن قِبَلِ أنَّهُ تَعالى أوَّلًا أحَلَّ المُحْصَناتِ مِنَ المُؤْمِناتِ، وهَذا يَدْخُلُ فِيهِ مَن آمَنَ مِنهُنَّ بَعْدَ الكُفْرِ، ومَن كُنَّ عَلى الإيمانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائِدَةِ: ٥] يُفِيدُ حُصُولَ هَذا الوَصْفِ في حالَةِ الإباحَةِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا يَتَزَوَّجُونَ بِالكِتابِيّاتِ، وما ظَهَرَ مِن أحَدٍ مِنهم إنْكارٌ عَلى ذَلِكَ، فَكانَ هَذا إجْماعًا عَلى الجَوازِ. نُقِلَ أنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ بِيَهُودِيَّةٍ أوْ نَصْرانِيَّةٍ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أنْ خَلِّ سَبِيلَها، فَكَتَبَ إلَيْهِ: أتَزْعُمُ أنَّها حَرامٌ ؟ فَقالَ: لا ولَكِنَّنِي أخافُ. وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «”نَتَزَوَّجُ نِساءَ أهْلِ الكِتابِ ولا يَتَزَوَّجُونَ نِساءَنا» “ . ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا الخَبَرُ المَشْهُورُ، وهو ما رَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ في المَجُوسِ: ”سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ، غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ ولا آكِلِي ذَبائِحِهِمْ» “، ولَوْ لَمْ يَكُنْ نِكاحُ نِسائِهِمْ جائِزًا لَكانَ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَبَثًا. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِأُمُورٍ: أوَّلُها: أنَّ لَفْظَ المُشْرِكِ يَتَناوَلُ الكِتابِيَّةَ عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ صَرِيحٌ في تَحْرِيمِ نِكاحِ الكِتابِيَّةِ، والتَّخْصِيصُ والنَّسْخُ خِلافُ الظّاهِرِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، ثُمَّ قالُوا: وفي الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ ما ذَكَرْناهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ والوَصْفُ إذا ذُكِرَ عُقَيْبَ الحُكْمِ، وكانَ الوَصْفُ مُناسِبًا لِلْحُكْمِ، فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: حَرَّمْتُ عَلَيْكم نِكاحَ المُشْرِكاتِ؛ لِأنَّهُنَّ يَدْعُونَ إلى النّارِ، وهَذِهِ العِلَّةُ قائِمَةٌ في الكِتابِيَّةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِها مُحَرَّمَةً. والحُجَّةُ الثّانِيَةُ لَهم: أنَّ ابْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ فَتَلا آيَةَ التَّحْرِيمِ وآيَةَ التَّحْلِيلِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ الأصْلَ في الأبْضاعِ الحُرْمَةُ، فَلَمّا تَعارَضَ دَلِيلُ الحُرْمَةِ تَساقَطا، فَوَجَبَ بَقاءُ حُكْمِ الأصْلِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ لَمّا سُئِلَ عُثْمانُ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في مِلْكِ اليَمِينِ، فَقالَ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ، فَحَكَمْتُمْ عِنْدَ ذَلِكَ بِالتَّحْرِيمِ لِلسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَكَذا هَهُنا. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ لَهم: حَكى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَحْرِيمَ أصْنافِ النِّساءِ إلّا المُؤْمِناتِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائِدَةِ: ٥]، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ كالمُرْتَدَّةِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ إيرادُ العَقْدِ عَلَيْها. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: التَّمَسُّكُ بِأثَرِ عُمَرَ: حُكِيَ أنَّ طَلْحَةَ نَكَحَ يَهُودِيَّةً، وحُذَيْفَةُ نَصْرانِيَّةً، فَغَضِبَ عُمَرُ صفحة ٥١ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِما غَضَبًا شَدِيدًا، فَقالا: نَحْنُ نُطَلِّقُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَلا تَغْضَبْ. فَقالَ: إنْ حَلَّ طَلاقُهُنَّ فَقَدْ حَلَّ نِكاحُهُنَّ، ولَكِنْ أنْتَزِعُهُنَّ مِنكم. أجابَ الأوَّلُونَ عَنِ الحُجَّةِ الأُولى بِأنَّ مَن قالَ: اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ لا يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ المُشْرِكِ فالإشْكالُ عَنْهُ ساقِطٌ، ومَن سَلَّمَ ذَلِكَ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائِدَةِ: ٥] أخَصُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ أنَّ هَذِهِ الحُرْمَةَ ثَبَتَتْ ثُمَّ زالَتْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: (والمُحْصَناتُ) ناسِخًا، وإنْ لَمْ تَثْبُتْ جَعَلْناهُ مُخَصَّصًا، أقْصى ما في البابِ أنَّ النَّسْخَ والتَّخْصِيصَ خِلافُ الأصْلِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ لا سَبِيلَ إلى التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. أمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّ تَحْرِيمَ نِكاحِ الوَثَنِيَّةِ إنَّما كانَ لِأنَّها تَدْعُو إلى النّارِ، وهَذا المَعْنى قائِمٌ في الكِتابِيَّةِ، قُلْنا: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُشْرِكَةَ مُتَظاهِرَةٌ بِالمُخالَفَةِ والمُناصَبَةِ، فَلَعَلَّ الزَّوْجَ يُحِبُّها، ثُمَّ إنَّها تَحْمِلُهُ عَلى المُقاتَلَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ، وهَذا المَعْنى غَيْرُ مَوْجُودٍ في الذِّمِّيَّةِ؛ لِأنَّها مَقْهُورَةٌ راضِيَةٌ بِالذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَلا يُفْضِي حُصُولُ ذَلِكَ النِّكاحِ إلى المُقاتَلَةِ. أمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّ آيَةَ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ قَدْ تَعارَضَتا، فَنَقُولُ: لَكِنَّ آيَةَ التَّحْلِيلِ خاصَّةٌ ومُتَأخِّرَةٌ بِالإجْماعِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى آيَةِ التَّحْرِيمِ، وهَذا بِخِلافِ الآيَتَيْنِ في الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في مِلْكِ اليَمِينِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تَيْنِكَ الآيَتَيْنِ أخَصُّ مِنَ الأُخْرى مِن وجْهٍ وأعَمُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَلَمْ يَحْصُلْ سَبَبُ التَّرْجِيحِ فِيهِ. أمّا قَوْلُهُ هَهُنا: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائِدَةِ: ٥] أخَصُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ مُطْلَقًا، فَوَجَبَ حُصُولُ التَّرْجِيحِ. وأمّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائِدَةِ: ٥] . فَجَوابُهُ: أنّا لَمّا فَرَّقْنا بَيْنَ الكِتابِيَّةِ وبَيْنَ المُرْتَدَّةِ في أحْكامٍ كَثِيرَةٍ، فَلِمَ لا يَجُوزُ الفَرْقُ بَيْنَهُما أيْضًا في هَذا الحُكْمِ ؟ وأمّا التَّمَسُّكُ بِأثَرِ عُمَرَ فَقَدْ نَقَلْنا عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِحَرامٍ، وإذا حَصَلَ التَّعارُضُ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اتَّفَقَ الكُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ الإقْرارُ بِالشَّهادَةِ والتِزامُ أحْكامِ الإسْلامِ، وعِنْدَ هَذا احْتَجَّتِ الكَرّامِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنْ مُجَرَّدِ الإقْرارِ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الإيمانَ هَهُنا غايَةَ التَّحْرِيمِ، والَّذِي هو غايَةُ التَّحْرِيمِ هَهُنا الإقْرارُ، فَثَبَتَ أنَّ الإيمانَ في عُرْفِ الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنّا بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البَقَرَةِ: ٣] أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٨] ولَوْ كانَ الإيمانُ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ الإقْرارِ لَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ كَذِبًا. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحُجُراتِ: ١٤] ولَوْ كانَ الإيمانُ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ الإقْرارِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ كَذِبًا. ثُمَّ أجابُوا عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ التَّصْدِيقَ الَّذِي في القَلْبِ لا يُمْكِنُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ فَأُقِيمَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ مَقامَ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ. صفحة ٥٢ * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَزْوِيجِ المُشْرِكاتِ، قالَ القاضِي: كَوْنُهم قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مُقْدِمِينَ عَلى نِكاحِ المُشْرِكاتِ إنْ كانَ عَلى سَبِيلِ العادَةِ لا مِن قِبَلِ الشَّرْعِ امْتَنَعَ وصْفُ هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّها ناسِخَةٌ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ النّاسِخَ والمَنسُوخَ يَجِبُ أنْ يَكُونا حُكْمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ، أمّا إنْ كانَ جَوازُ نِكاحِ المُشْرِكَةِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ثابِتًا مِن قِبَلِ الشَّرْعِ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةً. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: اللّامُ في قَوْلِهِ: (ولَأمَةٌ) في إفادَةِ التَّوْكِيدِ تُشْبِهُ لامَ القَسَمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخَيْرُ هو النَّفْعُ الحَسَنُ، والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكَةَ لَوْ كانَتْ ثابِتَةً في المالِ والجِمالِ والنَّسَبِ، فالأمَةُ المُؤْمِنَةُ خَيْرٌ مِنها؛ لَأنَّ الإيمانَ مُتَعَلِّقٌ بِالدِّينِ، والمالُ والجَمالُ والنَّسَبُ مُتَعَلِّقٌ بِالدُّنْيا، والدِّينُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا، ولِأنَّ الدِّينَ أشْرَفُ الأشْياءِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، فَعِنْدَ التَّوافُقِ في الدِّينِ تَكْمُلُ المَحَبَّةُ فَتَكْمُلُ مَنافِعُ الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ والطّاعَةِ وحِفْظِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وعِنْدَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ لا تَحْصُلُ المَحَبَّةُ، فَلا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا مِن تِلْكَ المَرْأةِ، وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ: ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ. واعْلَمْ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى صِفَةِ الحُرِّيَّةِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ولَوْ أعْجَبَتْكم بِحُسْنِها أوْ مالِها أوْ حُرِّيَّتِها أوْ نَسَبِها، فَكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ القادِرَ عَلى طَوْلِ الحُرَّةِ يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالأمَةِ، عَلى ما هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الواجِدَ لِطَوْلِ الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ يَجُوزُ لَهُ التَّزْوِيجُ بِالأمَةِ لَكِنَّ الواجِدَ لِطَوْلِ الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ يَكُونُ لا مَحالَةَ واجِدًا لِطَوْلِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ؛ لِأنَّ سَبَبَ التَّفاوُتِ في الكُفْرِ والإيمانِ لا يَتَفاوَتُ بِقَدْرِ المالِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في أُهْبَةِ النِّكاحِ، فَيَلْزَمُ قَطْعًا أنْ يَكُونَ الواجِدُ لِطَوْلِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ لِطَيْفٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ يَقْتَضِي حُرْمَةَ نِكاحِ المُشْرِكَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ يَقْتَضِي جَوازَ التَّزَوُّجِ بِالمُشْرِكَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ أفْعَلَ تَقْتَضِي المُشارَكَةَ في الصِّفَةِ ولِأحَدِهِما مَزِيَّةٌ. قُلْنا: نِكاحُ المُشْرِكَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، ونِكاحُ المُؤْمِنَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى مَنافِعِ الآخِرَةِ، والنَّفْعانِ يَشْتَرِكانِ في أصْلِ كَوْنِهِما نَفْعًا، إلّا أنَّ نَفْعَ الآخِرَةِ لَهُ المَزِيَّةُ العُظْمى، فانْدَفَعَ السُّؤالُ. واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ فَلا خِلافَ هَهُنا أنَّ المُرادَ بِهِ الكُلُّ، وأنَّ المُؤْمِنَةَ لا يَحِلُّ تَزْوِيجُها مِنَ الكافِرِ ألْبَتَّةَ، عَلى اخْتِلافِ أنْواعِ الكَفَرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ فالكَلامُ فِيهِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافِرٍ: ٤١] . صفحة ٥٣ فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَدْعُونَ إلى النّارِ ورُبَّما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالنّارِ أصْلًا، فَكَيْفَ يَدْعُونَ إلَيْها ؟ وجَوابُهُ: أنَّهم ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهم يَدْعُونَ إلى ما يُؤَدِّي إلى النّارِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ المُوافَقَةَ في المَطالِبِ والأغْراضِ، ورُبَّما يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى انْتِقالِ المُسْلِمِ عَنِ الإسْلامِ بِسَبَبِ مُوافَقَةِ حَبِيبِهِ. فَإنْ قِيلَ: احْتِمالُ المَحَبَّةِ حاصِلٌ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَكَما يُحْتَمَلُ أنْ يَصِيرَ المُسْلِمُ كافِرًا بِسَبَبِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، يُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَصِيرَ الكافِرُ مُسْلِمًا بِسَبَبِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، وإذا تَعارَضَ الِاحْتِمالانِ وجَبَ أنْ يَتَساقَطا، فَيَبْقى أصْلُ الجَوازِ. قُلْنا: إنَّ الرُّجْحانَ لِهَذا الجانِبِ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَنْتَقِلَ الكافِرُ عَنْ كُفْرِهِ يَسْتَوْجِبُ المُسْلِمُ بِهِ مَزِيدَ ثَوابٍ ودَرَجَةٍ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَنْتَقِلَ المُسْلِمُ عَنْ إسْلامِهِ يَسْتَوْجِبُ العُقُوبَةَ العَظِيمَةَ، والإقْدامُ عَلى هَذا العَمَلِ دائِرٌ بَيْنَ أنْ يَلْحَقَهُ مَزِيدُ نَفْعٍ وبَيْنَ أنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، وفي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنِ الضَّرَرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ رَجَّحَ اللَّهُ تَعالى جانِبَ المَنعِ عَلى جانِبِ الإطْلاقِ. التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ في النّاسِ مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أنَّهم يَدْعُونَ إلى تَرْكِ المُحارَبَةِ والقِتالِ، وفي تَرْكِهِما وُجُوبُ اسْتِحْقاقِ النّارِ والعَذابِ، وغَرَضُ هَذا القائِلِ مِن هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَجْعَلَ هَذا فَرْقًا بَيْنَ الذِّمِّيَّةِ وبَيْنَ غَيْرِها؛ فَإنَّ الذِّمِّيَّةَ لا تَحْمِلُ زَوْجَها عَلى المُقاتَلَةِ فَظَهَرَ الفَرْقُ. التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ الوَلَدَ الَّذِي يَحْدِثُ رُبَّما دَعاهُ الكافِرُ إلى الكُفْرِ فَيَصِيرُ الوَلَدُ مِن أهْلِ النّارِ، فَهَذا هو الدَّعْوَةُ إلى النّارِ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ﴾ حَيْثُ أمَرَنا بِتَزْوِيجِ المُسْلِمَةِ حَتّى يَكُونَ الوَلَدُ مُسْلِمًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: وأوْلِياءُ اللَّهِ يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أعْداءُ اللَّهِ يَدْعُونَ إلى النّارِ، وأوْلِياءُ اللَّهِ يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ، فَلا جَرَمَ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَدُورَ حَوْلَ المُشْرِكاتِ اللّاتِي هُنَّ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى، وأنْ يَنْكِحَ المُؤْمِناتُ فَإنَّهُنَّ يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ. والثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْكامَ وأباحَ بَعْضَها وحَرَّمَ بَعْضَها، قالَ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ﴾ لِأنَّ مَن تَمَسَّكَ بِها اسْتَحَقَّ الجَنَّةَ والمَغْفِرَةَ. أمّا قَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ) فالمَعْنى بِتَيْسِيرِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ لِلْعَمَلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الجَنَّةَ والمَغْفِرَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [يُونُسَ: ١٠٠] وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢]، وقَرَأ الحَسَنُ ”والمَغْفِرَةُ بِإذْنِهِ“ بِالرَّفْعِ؛ أيْ: والمَغْفِرَةُ حاصِلَةٌ بِتَيْسِيرِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ.

البقرة 2:222

صفحة ٥٤ الحُكْمُ السّابِعُ فِي المَحِيضِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَمَعَ في هَذا المَوْضِعِ سِتَّةً مِنَ الأسْئِلَةِ، فَذَكَرَ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ بِغَيْرِ الواوِ، وذَكَرَ الثَّلاثَةَ الأخِيرَةَ بِالواوِ، والسَّبَبُ أنَّ سُؤالَهم عَنْ تِلْكَ الحَوادِثِ الأُوَلِ وقَعَ في أحْوالٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَلَمْ يُؤْتَ فِيها بِحَرْفِ العَطْفِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ السُّؤالاتِ سُؤالٌ مُبْتَدَأٌ، وسَألُوا عَنِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ في وقْتٍ واحِدٍ، فَجِيءَ بِحَرْفِ الجَمْعِ لِذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَجْمَعُونَ لَكَ بَيْنَ السُّؤالِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، والسُّؤالِ عَنْ كَذا، والسُّؤالِ عَنْ كَذا. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: «رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ والمَجُوسَ كانُوا يُبالِغُونَ في التَّباعُدِ عَنِ المَرْأةِ حالَ حَيْضِها، والنَّصارى كانُوا يُجامِعُونَهُنَّ، ولا يُبالُونَ بِالحَيْضِ، وأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا حاضَتِ المَرْأةُ لَمْ يُؤاكِلُوها، ولَمْ يُشارِبُوها، ولَمْ يُجالِسُوها عَلى فُرُشٍ ولَمْ يُساكِنُوها في بَيْتٍ كَفِعْلِ اليَهُودِ والمَجُوسِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أخَذَ المُسْلِمُونَ بِظاهِرِ الآيَةِ فَأخْرَجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ، فَقالَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، البَرْدُ شَدِيدٌ، والثِّيابُ قَلِيلَةٌ، فَإنْ آثَرْناهُنَّ بِالثِّيابِ هَلَكَ سائِرُ أهْلِ البَيْتِ، وإنِ اسْتَأْثَرْناها هَلَكَتِ الحُيَّضُ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّما أمَرْتُكم أنْ تَعْتَزِلُوا مُجامَعَتَهُنَّ إذا حِضْنَ، ولَمْ آمُرْكم بِإخْراجِهِنَّ مِنَ البُيُوتِ كَفِعْلِ الأعاجِمِ. فَلَمّا سَمِعَ اليَهُودُ ذَلِكَ قالُوا: هَذا الرَّجُلُ يُرِيدُ أنْ لا يَدَعَ شَيْئًا مِن أمْرِنا إلّا خالَفَنا فِيهِ. ثُمَّ جاءَ عَبّادُ بْنُ بَشِيرٍ، وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَراهُ بِذَلِكَ وقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا نَنْكِحُهُنَّ في المَحِيضِ ؟ فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِما، فَقاما، فَجاءَتْهُ هَدِيَّةٌ مِن لَبَنٍ، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِما فَسَقاهُما فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِما» . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أصْلُ الحَيْضِ في اللُّغَةِ السَّيْلُ، يُقالُ: حاضَ السَّيْلُ وفاضَ، قالَ الأزْهَرِيُّ: ومِنهُ قِيلَ لِلْحَوْضِ: حَوْضٌ؛ لِأنَّ الماءَ يَحِيضُ إلَيْهِ أيْ يَسِيلُ إلَيْهِ، والعَرَبُ تُدْخِلُ الواوَ عَلى الياءِ والياءَ عَلى الواوِ؛ لِأنَّهُما مِن جِنْسٍ واحِدٍ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ هَذا البِناءَ قَدْ يَجِيءُ لِلْمَوْضِعِ، كالمَبِيتِ، والمَقِيلِ، والمَغِيبِ، وقَدْ يَجِيءُ أيْضًا بِمَعْنى المَصْدَرِ، يُقالُ: حاضَتْ مَحِيضًا، وجاءَ مَجِيئًا، وباتَ مَبِيتًا، وحَكى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: إذا كانَ الفِعْلُ مِن ذَواتِ الثَّلاثَةِ، نَحْوَ: كالَ يَكِيلُ، وحاضَ يَحِيضُ، وأشْباهُهُ فَإنَّ الِاسْمَ مِنهُ مَكْسُورٌ، والمَصْدَرَ مَفْتُوحٌ، مِن ذَلِكَ مالَ مُمالًا، وهَذا مُمِيلُهُ يَذْهَبُ بِالكَسْرِ إلى الِاسْمِ، وبِالفَتْحِ إلى المَصْدَرِ، صفحة ٥٥ ولَوْ فَتَحَهُما جَمِيعًا أوْ كَسَرَهُما في المَصْدَرِ والِاسْمِ لَجازَ، تَقُولُ العَرَبُ: المَعاشُ والمَعِيشُ، والمَغابُ والمَغِيبُ، والمَسارُ والمَسِيرُ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ المَحِيضِ حَقِيقَةٌ في مَوْضِعِ الحَيْضِ، وهو أيْضًا اسْمٌ لِنَفْسِ الحَيْضِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ مِنَ الأُدَباءِ زَعَمُوا أنَّ المُرادَ بِالمَحِيضِ هَهُنا الحَيْضُ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ لَوْ كانَ المُرادُ بِالمَحِيضِ هَهُنا الحَيْضَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ مَعْناهُ: فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في الحَيْضِ، ويَكُونُ المُرادُ فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في زَمانِ الحَيْضِ، فَيَكُونُ ظاهِرُهُ مانِعًا مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها فِيما فَوْقَ السُّرَّةِ ودُونَ الرُّكْبَةِ، ولَمّا كانَ هَذا المَنعُ غَيْرَ ثابِتٍ لَزِمَ القَوْلُ بِتَطَرُّقِ النَّسْخِ أوِ التَّخْصِيصِ إلى الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الأصْلِ، أمّا إذا حَمَلْنا المَحِيضَ عَلى مَوْضِعِ الحَيْضِ كانَ مَعْنى الآيَةِ: فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في مَوْضِعِ الحَيْضِ، ويَكُونُ المَعْنى: فاعْتَزِلُوا مَوْضِعَ الحَيْضِ مِنَ النِّساءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَتَطَرَّقُ إلى الآيَةِ نَسْخٌ ولا تَخْصِيصٌ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ اللَّفْظَ إذا كانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ، وكانَ حَمْلُهُ عَلى أحَدِهِما يُوجِبُ مَحْذُورًا وعَلى الآخَرِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ المَحْذُورَ، فَإنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى المَعْنى الَّذِي لا يُوجِبُ المَحْذُورَ أوْلى، هَذا إذا سَلَّمْنا أنَّ لَفْظَ المَحِيضِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَوْضِعِ وبَيْنَ المَصْدَرِ، مَعَ أنّا نَعْلَمُ أنَّ اسْتِعْمالَ هَذا اللَّفْظِ في المَوْضِعِ أكْثَرُ وأشْهَرُ مِنهُ في المَصْدَرِ. فَإنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المَحِيضِ الحَيْضُ أنَّهُ قالَ: (هو أذًى) أيِ المَحِيضُ أذًى، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَحِيضِ المَوْضِعَ لَما صَحَّ هَذا الوَصْفُ. قُلْنا: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَحِيضُ عِبارَةً عَنِ الحَيْضِ، فالحَيْضُ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِأذًى؛ لِأنَّ الحَيْضَ عِبارَةٌ عَنِ الدَّمِ المَخْصُوصِ، والأذى كَيْفِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهو عَرَضٌ، والجِسْمُ لا يَكُونُ نَفْسَ العَرَضِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولُوا: المُرادُ مِنهُ أنَّ الحَيْضَ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ أذًى، وإذا جازَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لَنا أيْضًا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ ذُو أذًى، وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَحِيضِ الأوَّلِ هو الحَيْضَ، ومِنَ المَحِيضِ الثّانِي مَوْضِعَ الحَيْضِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ الإشْكالِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ فَقالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: أيْ قَذَرٌ، واعْلَمْ أنَّ الأذى في اللُّغَةِ ما يُكْرَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ الِاعْتِزالُ التَّنَحِّي عَنِ الشَّيْءِ، قَدَّمَ ذِكْرَ العِلَّةِ وهو الأذى، ثُمَّ رَتَّبَ الحُكْمَ عَلَيْهِ، وهو وُجُوبُ الِاعْتِزالِ. فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ الأذى إلّا الدَّمَ وهو حاصِلٌ وقْتَ الِاسْتِحاضَةِ، مَعَ أنَّ اعْتِزالَ المَرْأةِ في الِاسْتِحاضَةِ غَيْرُ واجِبٍ، فَقَدِ انْتَقَضَتْ هَذِهِ العِلَّةُ. قُلْنا: العِلَّةُ غَيْرُ مَنقُوضَةٍ؛ لِأنَّ دَمَ الحَيْضِ دَمٌ فاسِدٌ يَتَوَلَّدُ مِن فَضْلَةٍ تَدْفَعُها طَبِيعَةُ المَرْأةِ مِن طَرِيقِ الرَّحِمِ، ولَوِ احْتَبَسَتْ تِلْكَ الفَضْلَةُ لَمَرِضَتِ المَرْأةُ، فَذَلِكَ الدَّمُ جارٍ مَجْرى البَوْلِ والغائِطِ، فَكانَ أذًى وقَذَرًا، أمّا دَمُ الِاسْتِحاضَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو دَمٌ صالِحٌ يَسِيلُ مِن عُرُوقٍ تَنْفَجِرُ في عُمْقِ الرَّحِمِ، فَلا يَكُونُ أذًى، هَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، وهو قاعِدَةٌ طِبِّيَّةٌ، وبِتَقْرِيرِها يَتَخَلَّصُ ظاهِرُ القُرْآنِ مِنَ الطَّعْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ دَمَ الحَيْضِ مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ حَقِيقِيَّةٍ ويَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أحْكامٌ شَرْعِيَّةٌ، أمّا الصِّفاتُ الحَقِيقِيَّةُ فَأمْرانِ: أحَدُهُما: المَنبَعُ، ودَمُ الحَيْضِ دَمٌ يَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ، قالَ تَعالى: (ولا) صفحة ٥٦ ﴿يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٨] قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: المُرادُ مِنهُ الحَيْضُ والحَمْلُ، وأمّا دَمُ الِاسْتِحاضَةِ، فَإنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ، لَكِنْ مِن عُرُوقٍ تَنْقَطِعُ في فَمِ الرَّحِمِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صِفَةِ دَمِ الِاسْتِحاضَةِ: ”«إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ» “، وهَذا الكَلامُ يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا في دَفْعِ النَّقْضِ عَنْ تَعْلِيلِ القُرْآنِ. والنَّوْعُ الثّانِي: مِن صِفاتِ دَمِ الحَيْضِ: الصِّفاتُ الَّتِي وصَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَ الحَيْضِ بِها: أحَدُها: أنَّهُ أسْوَدُ. والثّانِي: أنَّهُ ثَخِينٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ مُحْتَدِمٌ، وهو المُحْتَرِقُ مِن شِدَّةِ حَرارَتِهِ. والرّابِعَةُ: أنَّهُ يَخْرُجُ بِرِفْقٍ ولا يَسِيلُ سَيَلانًا. والخامِسَةُ: أنَّ لَهُ رائِحَةً كَرِيهَةً بِخِلافِ سائِرِ الدِّماءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي تَدْفَعُها الطَّبِيعَةُ. السّادِسَةُ: أنَّهُ بَحْرانِيٌّ، وهو شَدِيدُ الحُمْرَةِ، وقِيلَ: ما تَحْصُلُ فِيهِ كُدُورَةٌ تَشْبِيهًا لَهُ بِماءِ البَحْرِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ هي الصِّفاتُ الحَقِيقِيَّةُ. ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: دَمُ الحَيْضِ يَتَمَيَّزُ عَنْ دَمِ الِاسْتِحاضَةِ، فَكُلُّ دَمٍ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَهو دَمُ الحَيْضِ، وما لا يَكُونُ كَذَلِكَ لا يَكُونُ دَمَ حَيْضٍ، وما اشْتَبَهَ الأمْرُ فِيهِ فالأصْلُ بَقاءُ التَّكالِيفِ، وزَوالُها إنَّما يَكُونُ لِعارِضِ الحَيْضِ، فَإذا كانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الوُجُودِ بَقِيَتِ التَّكالِيفُ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً عَلى ما كانَ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذِهِ الصِّفاتُ قَدْ تَشْتَبِهُ عَلى المُكَلَّفِ، فَإيجابُ التَّأمُّلِ في تِلْكَ الدِّماءِ وفي تِلْكَ الصِّفاتِ يَقْتَضِي عُسْرًا ومَشَقَّةً، فالشّارِعُ قَدَّرَ وقْتًا مَضْبُوطًا مَتى حَصَلَتِ الدِّماءُ فِيهِ كانَ حُكْمُها حُكْمَ الحَيْضِ كَيْفَ كانَتْ تِلْكَ الدِّماءُ، ومَتى حَصَلَتْ خارِجَ ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَكُنْ حُكْمُها حُكْمَ الحَيْضِ كَيْفَ كانَتْ صِفَةُ تِلْكَ الدِّماءِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا إسْقاطُ العُسْرِ والمَشَقَّةِ عَنِ المُكَلَّفِ، ثُمَّ إنَّ الأحْكامَ الشَّرْعِيَّةَ لِلْحَيْضِ هي المَنعُ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ، واجْتِنابُ دُخُولِ المَسْجِدِ ومَسِّ المُصْحَفِ وقِراءَةِ القُرْآنِ، وتَصِيرُ المَرْأةُ بِهِ بالِغَةً، والحُكْمُ الثّابِتُ لِلْحَيْضِ بِنَصِّ القُرْآنِ إنَّما هو حَظْرُ الجِماعِ عَلى ما بَيَّنّا كَيْفِيَّةَ دَلالَةِ الآيَةِ عَلَيْهِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في مُدَّةِ الحَيْضِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: أقَلُّها يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، وأكْثَرُها خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وهَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ والأوْزاعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: أقَلُّهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ، فَإنْ نَقَصَ عَنْهُ فَهو دَمٌ فاسِدٌ، وأكْثَرُهُ عَشْرَةُ أيّامٍ، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ: وقَدْ كانَ أبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِقَوْلِ عَطاءٍ: إنَّ أقَلَّ الحَيْضِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، وأكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَرَكَهُ. وقالَ مالِكٌ: لا تَقْدِيرَ لِذَلِكَ في القِلَّةِ والكَثْرَةِ، فَإنْ وُجِدَ ساعَةً فَهو حَيْضٌ، وإنْ وُجِدَ أيّامًا فَكَذَلِكَ، واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ عَلى فَسادِ قَوْلِ مالِكٍ فَقالَ: لَوْ كانَ المِقْدارُ ساقِطًا في القَلِيلِ والكَثِيرِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحَيْضُ هو الدَّمُ المَوْجُودُ مِنَ المَرْأةِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ لا يُوجَدَ في الدُّنْيا مُسْتَحاضَةٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ الدَّمِ يَكُونُ حَيْضًا عَلى هَذا المَذْهَبِ، وذَلِكَ باطِلٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ؛ ولِأنَّهُ رُوِيَ «أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ أبِي حُبَيْشٍ قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنِّي أُسْتَحاضُ فَلا أطْهُرُ»، وأيْضًا رُوِيَ أنَّ حَمْنَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ ولَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ لَهُما: إنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ حَيْضٌ، بَلْ أخْبَرَهُما أنَّ مِنهُ ما هو حَيْضٌ ومِنهُ ما هو اسْتِحاضَةٌ، فَبَطَلَ هَذا القَوْلُ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّما يُمَيَّزُ دَمُ الحَيْضِ عَنْ دَمِ الِاسْتِحاضَةِ بِالصِّفاتِ الَّتِي ذَكَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدَمِ الحَيْضِ، فَإذا عَلِمْنا ثُبُوتَها حَكَمْنا بِالحَيْضِ، وإذا عَلِمْنا عَدَمَها حَكَمْنا بِعَدَمِ الحَيْضِ، وإذا تَرَدَّدْنا في الأمْرَيْنِ كانَ طَرَيانُ الحَيْضِ مَجْهُولًا، وبَقاءُ التَّكْلِيفِ الَّذِي هو الأصْلُ مَعْلُومٌ صفحة ٥٧ والمَشْكُوكُ لا يُعارِضُ المَعْلُومَ، فَلا جَرَمَ حُكِمَ بِبَقاءِ التَّكالِيفِ الأصْلِيَّةِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يُمَيَّزُ الحَيْضُ عَنِ الِاسْتِحاضَةِ، وإنْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْحَيْضِ زَمانٌ مُعَيَّنٌ، وحُجَّةُ مالِكٍ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ عَلامَةَ دَمِ الحَيْضِ وصِفَتَهُ بِقَوْلِهِ: ”«دَمُ الحَيْضِ هو الأسْوَدُ المُحْتَدِمُ» “، فَمَتى كانَ الدَّمُ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ كانَ الحَيْضُ حاصِلًا، فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ وتَحْتَ «قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِفاطِمَةَ بِنْتِ أبِي حُبَيْشٍ: ”إذا أقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ» “ . الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في دَمِ الحَيْضِ: ﴿هُوَ أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ ذَكَرَ وصْفَ كَوْنِهِ أذًى في مَعْرِضِ بَيانِ العِلَّةِ لِوُجُوبِ الِاعْتِزالِ، وإنَّما كانَ أذًى لِلرّائِحَةِ المُنْكَرَةِ الَّتِي فِيهِ، واللَّوْنِ الفاسِدِ ولِلْحِدَّةِ القَوِيَّةِ الَّتِي فِيهِ، وإذا كانَ وُجُوبُ الِاعْتِزالِ مُعَلَّلًا بِهَذِهِ المَعانِي فَعِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ المَعانِي وجَبَ الِاحْتِرازُ عَمَلًا بِالعِلَّةِ المَذْكُورَةِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ، وعِنْدِي أنَّ قَوْلَ مالِكٍ قَوِيٌّ جِدًّا، أمّا الشّافِعِيُّ فاحْتَجَّ عَلى أبِي حَنِيفَةَ بِوَجْهَيْنِ: الحُجَّةُ الأُولى: أنَّهُ وُجِدَ دَمُ الحَيْضِ في اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ وفي الزّائِدِ عَلى العَشَرَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَفَ دَمَ الحَيْضِ بِأنَّهُ أسْوَدُ مُحْتَدِمٌ، فَإذا وُجِدَ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ الحَيْضُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ تَرْكُنا العَمَلَ بِهَذا الدَّلِيلِ في الأقَلِّ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وفي الأكْثَرِ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِالِاتِّفاقِ بَيْنِي وبَيْنَ أبِي حَنِيفَةَ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في هَذِهِ المُدَّةِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: لِلشّافِعِيِّ في جانِبِ الزِّيادَةِ ما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا وصَفَ النِّسْوانَ بِنُقْصانِ الدِّينِ، فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنْ قالَ: «تَمْكُثُ إحْداهُنَّ شَطْرَ عُمْرِها لا تُصَلِّي»، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَيْضَ قَدْ يَكُونُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الطُّهْرُ أيْضًا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ الحَيْضُ نِصْفَ عُمْرِها، ولَوْ كانَ الحَيْضُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ لَما وُجِدَتِ امْرَأةٌ لا تُصَلِّي نِصْفَ عُمْرِها، أجابَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الشَّطْرَ لَيْسَ هو النِّصْفَ، بَلْ هو البَعْضُ. والثّانِي: أنَّهُ لا يُوجَدُ في الدُّنْيا امْرَأةٌ تَكُونُ حائِضًا نِصْفَ عُمْرِها؛ لِأنَّ ما مَضى مِن عُمْرِها قَبْلَ البُلُوغِ هو مِن عُمْرِها. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الشَّطْرَ هو النِّصْفُ، يُقالُ: شَطَرْتُ الشَّيْءَ أيْ جَعَلْتُهُ نِصْفَيْنِ، ويُقالُ في المَثَلِ: أجْلِبُ حَلْبًا لَكَ شَطْرُهُ، أيْ: نِصْفُهُ. وعَنِ الثّانِي أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«تَمْكُثُ إحْداهُنَّ شَطْرَ عُمْرِها لا تُصَلِّي» “ إنَّما يَتَناوَلُ زَمانًا هي تُصَلِّي فِيهِ، وذَلِكَ لا يَتَناوَلُ إلّا زَمانَ البُلُوغِ، واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ مِن وُجُوهٍ: الحُجَّةُ الأُولى: ما رُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أقَلُّ الحَيْضِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، وأكْثَرُهُ عَشْرَةُ أيّامٍ» “ قالَ أبُو بَكْرٍ: فَإنْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ فَلا مَعْدِلَ عَنْهُ لِأحَدٍ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: ما رُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ الثَّقَفِيِّ أنَّهُما قالا: الحَيْضُ ثَلاثَةُ أيّامٍ وأرْبَعَةُ أيّامٍ إلى عَشْرَةِ أيّامٍ، وما زادَ فَهو اسْتِحاضَةٌ. والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ القَوْلَ إذا ظَهَرَ عَنِ الصَّحابِيِّ ولَمْ يُخالِفْهُ أحَدٌ كانَ إجْماعًا. والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ مِمّا لا سَبِيلَ إلى العَقْلِ إلَيْهِ مَتى رُوِيَ عَنِ الصَّحابِيِّ فالظّاهِرُ أنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ: ”«تَحِيضِي في عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أوْ سَبْعًا كَما تَحِيضُ صفحة ٥٨ النِّساءُ في كُلِّ شَهْرٍ» “ مُقْتَضاهُ أنْ يَكُونَ حَيْضُ جَمِيعِ النِّساءِ في كُلِّ شَهْرٍ هَذا القَدْرَ، خالَفْنا هَذا الظّاهِرَ في الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ فَيَبْقى ما عَداهُ عَلى الأصْلِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّ النِّساءِ: ”«ما رَأيْتُ مِن ناقِصاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أغْلَبَ لِعُقُولِ ذَوِي الألْبابِ مِنهُنَّ، فَقِيلَ: ما نُقْصانُ دِينِهِنَّ ؟ قالَ: تَمْكُثُ إحْداهُنَّ الأيّامَ واللَّيالِي لا تُصَلِّي» “ . وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ الحَيْضِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الأيّامِ واللَّيالِي، وأقَلُّها ثَلاثَةٌ، وأكْثَرُها عَشَرَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ في الواحِدِ والِاثْنَيْنِ لَفْظُ الأيّامِ، ولا يُقالُ في الزّائِدِ عَلى العَشَرَةِ أيّامٌ، بَلْ يُقالُ: أحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، أمّا الثَّلاثَةُ إلى العَشَرَةِ فَيُقالُ فِيها: أيّامٌ، وأيْضًا قالَ ﷺ لِفاطِمَةَ بِنْتِ أبِي حُبَيْشٍ: «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» . ولَفْظُ الأيّامِ مُخْتَصٌّ بِالثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وفي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ في المَرْأةِ الَّتِي سَألَتْهُ أنَّها تُهْرِقُ الدَّمَ، فَقالَ: «لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيالِي والأيّامِ الَّتِي كانَتْ تَحِيضُ مِنَ الشَّهْرِ فَلْتَتْرُكِ الصَّلاةَ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ الشَّهْرِ، ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ ولْتُصَلِّ» . فَإنْ قِيلَ: لَعَلَّ حَيْضَ تِلْكَ المَرْأةِ كانَ مُقَدَّرًا بِذَلِكَ المِقْدارِ. قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما سَألَها عَنْ قَدْرِ حَيْضِها، بَلْ حَكَمَ عَلَيْها بِهَذا الحُكْمِ مُطْلَقًا، فَدَلَّ عَلى أنَّ الحَيْضَ مُطْلَقًا مُقَدَّرٌ بِما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الأيّامِ، وأيْضًا قالَ في حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ: «المُسْتَحاضَةُ تَدَعُ الصَّلاةَ أيّامَ حَيْضِها»، وذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ النِّساءِ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: وهي حُجَّةٌ ذَكَرَها الجُبّائِيُّ مِن شُيُوخِ المُعْتَزِلَةِ في ”تَفْسِيرِهِ“ فَقالَ: إنَّ فَرْضَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ لازِمٌ يَتَعَيَّنُ لِلْعُمُوماتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِهِما تُرِكَ العَمَلُ بِها في الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، فَوَجَبَ بَقاؤُها عَلى الأصْلِ فِيما دُونَ الثَّلاثَةِ وفَوْقَ العَشَرَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ فِيما دُونَ الثَّلاثَةِ حَصَلَ اخْتِلافٌ لِلْعُلَماءِ، فَأوْرَثَ شُبْهَةً، فَلَمْ نَجْعَلْهُ حَيْضًا، وما زادَ عَلى العَشَرَةِ فَفِيهِ أيْضًا اخْتِلافُ العُلَماءِ، فَأوْرَثَ شُبْهَةً فَلَمْ نَجْعَلْهُ حَيْضًا، فَأمّا مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ فَهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَجَعَلْناهُ حَيْضًا، فَهَذا خُلاصَةُ كَلامِ الفُقَهاءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى حُرْمَةِ الجِماعِ في زَمَنِ الحَيْضِ، واتَّفَقُوا عَلى حَلِّ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ بِما فَوْقَ السُّرَّةِ ودُونَ الرُّكْبَةِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الِاسْتِمْتاعُ بِما دُونَ السُّرَّةِ وفَوْقَ الرُّكْبَةِ، فَنَقُولُ: إنْ فَسَّرْنا المَحِيضَ بِمَوْضِعِ الحَيْضِ عَلى ما اخْتَرْناهُ كانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى تَحْرِيمِ الجِماعِ فَقَطْ، فَلا يَكُونُ فِيها دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ ما وراءَهُ، بَلْ مَن يَقُولُ: إنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ فِيما عَداهُ بِخِلافِهِ، يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى حِلِّ ما سِوى الجِماعِ، أمّا مَن يُفَسِّرُ المَحِيضَ بِالحَيْضِ، كانَ تَقْدِيرُ الآيَةِ عِنْدَهُ: فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في زَمانِ الحَيْضِ، ثُمَّ يَقُولُ: تُرِكَ العَمَلُ بِهَذِهِ الآيَةِ فِيما فَوْقَ السُّرَّةِ ودُونَ الرُّكْبَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى الباقِي عَلى الحُرْمَةِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ أيْ ولا تُجامِعُوهُنَّ، يُقالُ: قَرَبَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إذا جامَعَها، وهَذا كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ ويُمْكِنُ أيْضًا حَمْلُها عَلى فائِدَةٍ جَلِيلَةٍ جَدِيدَةٍ وهي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ نَهْيًا عَنِ المُباشَرَةِ في مَوْضِعِ الدَّمِ، وقَوْلُهُ: (ولا تَقْرَبُوهُنَّ) يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الِالتِذاذِ بِما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ. صفحة ٥٩ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ خَفِيفَةً مِنَ الطَّهارَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَطَّهَّرْنَ) بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، فَمَن خَفَّفَ فَهو زَوالُ الدَّمِ؛ لِأنَّ ”يَطْهُرْنَ“ مِن طَهُرَتِ المَرْأةُ مِن حَيْضِها، وذَلِكَ إذا انْقَطَعَ الحَيْضُ، فالمَعْنى: لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَزُولَ عَنْهُنَّ الدَّمُ، ومَن قَرَأ: (يَطَّهَّرْنَ) بِالتَّشْدِيدِ فَهو عَلى مَعْنى يَتَطَهَّرْنَ، فَأدْغَمَ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المُزَّمِّلِ: ١]، و﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المُدَّثِّرِ: ١] أيِ المُتَزَمِّلُ والمُتَدَثِّرُ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّ المَرْأةَ إذا انْقَطَعَ حَيْضُها لا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ مُجامَعَتُها إلّا بَعْدَ أنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الحَيْضِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ والأوْزاعِيِّ والشّافِعِيِّ والثَّوْرِيِّ، والمَشْهُورُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّها إنْ رَأتِ الطُّهْرَ دُونَ عَشْرَةِ أيّامٍ لَمْ يَقْرَبْها زَوْجُها، وإنْ رَأتْهُ لِعَشْرَةِ أيّامٍ جازَ أنْ يَقْرَبَها قَبْلَ الِاغْتِسالِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ مِن وجْهَيْنِ: الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ حُجَّةٌ بِالإجْماعِ، فَإذا حَصَلَتْ قِراءَتانِ مُتَواتِرَتانِ وأمْكَنَ الجَمْعُ بَيْنَهُما، وجَبَ الجَمْعُ بَيْنَهُما. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قُرِئَ ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وبِالتَّثْقِيلِ و(يَطْهُرْنَ) بِالتَّخْفِيفِ عِبارَةٌ عَنِ انْقِطاعِ الدَّمِ، وبِالتَّثْقِيلِ عِبارَةٌ عَنِ التَّطَهُّرِ بِالماءِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مُمْكِنٌ، وجَبَ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الأمْرَيْنِ، وإذا كانَ وجَبَ أنْ لا تَنْتَهِيَ هَذِهِ الحُرْمَةُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الأمْرَيْنِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ عَلَّقَ الإتْيانَ عَلى التَّطَهُّرِ بِكَلِمَةِ (إذا)، وكَلِمَةُ (إذا) لِلشَّرْطِ في اللُّغَةِ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الإتْيانُ عِنْدَ عَدَمِ التَّطَهُّرِ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ نَهى عَنْ قُرْبانِهِنَّ وجَعَلَ غايَةَ ذَلِكَ النَّهْيِ أنْ يَطْهُرْنَ بِمَعْنى يَنْقَطِعُ حَيْضُهُنَّ، وإذا كانَ انْقِطاعُ الحَيْضِ غايَةً لِهَذا النَّهْيِ وجَبَ أنْ لا يَبْقى هَذا النَّهْيُ عِنْدَ انْقِطاعِ الحَيْضِ. أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ لَكانَ ما ذَكَرْتُمْ لازِمًا، أمّا لَمّا ضُمَّ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ صارَ المَجْمُوعُ هو الغايَةُ، وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لا تُكَلِّمْ فُلانًا حَتّى يَدْخُلَ الدّارَ، فَإذا طابَتْ نَفْسُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَكَلِّمْهُ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ إباحَةُ كَلامِهِ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ انْقِطاعِ الحَيْضِ مِنَ التَّطَهُّرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ التَّطَهُّرِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ وأكْثَرُ الفُقَهاءِ: هو الِاغْتِسالُ. وقالَ بَعْضُهم: وهو غَسْلُ المَوْضِعِ، وقالَ عَطاءٌ وطاوُسٌ: هو أنْ تَغْسِلَ المَوْضِعَ وتَتَوَضَّأ، والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ؛ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ حُكْمٌ عائِدٌ إلى ذاتِ المَرْأةِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ هَذا التَّطَهُّرُ في كُلِّ بَدَنِها لا في بَعْضٍ مِن أبْعاضِ بَدَنِها. والثّانِي: أنَّ حَمْلَهُ عَلى التَّطَهُّرِ الَّذِي يَخْتَصُّ الحَيْضُ بِوُجُوبِهِ أوْلى مِنَ التَّطَهُّرِ الَّذِي يَثْبُتُ في الِاسْتِحاضَةِ كَثُبُوتِهِ في الحَيْضِ، فَهَذا يُوجِبُ أنَّ المُرادَ بِهِ الِاغْتِسالُ، وإذا أمْكَنَ بِوُجُودِ الماءِ، وإنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ أجْمَعَ القائِلُونَ بِوُجُوبِ الِاغْتِسالِ، عَلى أنَّ التَّيَمُّمَ يَقُومُ مَقامَهُ، وإنَّما أثْبَتْنا التَّيَمُّمَ مَقامَ الِاغْتِسالِ بِدَلالَةِ الإجْماعِ، وإلّا فالظّاهِرُ يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ قُرْبانُها إلّا عِنْدَ الِاغْتِسالِ بِالماءِ. صفحة ٦٠ * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وإبْراهِيمَ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ: فَأْتُوهُنَّ في المَأْتى فَإنَّهُ هو الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا تُؤْتُوهُنَّ في غَيْرِ المَأْتى، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: في حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجُمُعَةِ: ٩] أيْ: في يَوْمِ الجُمُعَةِ. الثّانِي: قالَ الأصَمُّ والزَّجّاجُ: أيْ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ يَحِلُّ لَكم غِشْيانُهُنَّ، وذَلِكَ بِأنْ لا يَكُنَّ صائِماتٍ، ولا مُعْتَكِفاتٍ، ولا مُحْرِماتٍ. الثّالِثُ: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ: فَأْتُوهُنَّ مِن قِبَلِ الحَلالِ دُونَ الفُجُورِ. والأقْرَبُ هو القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ (حَيْثُ) حَقِيقَةٌ في المَكانِ، مَجازٌ في غَيْرِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ فالكَلامُ في تَفْسِيرِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى، وفي تَفْسِيرِ التَّوْبَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فَلا نُعِيدُهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: التَّوّابُ هو المُكْثِرُ مِن فِعْلِ ما يُسَمّى تَوْبَةً، وقَدْ يُقالُ: هَذا مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ يُكْثِرُ في قَبُولِ التَّوْبَةِ. فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُحِبُّ تَكْثِيرَ التَّوْبَةِ مُطْلَقًا، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ لا تَلِيقُ إلّا بِالمُذْنِبِ، فَمَن لَمْ يَكُنْ مُذْنِبًا وجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ مِنهُ التَّوْبَةُ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُكَلَّفَ لا يَأْمَنُ ألْبَتَّةَ مِنَ التَّقْصِيرِ، فَتَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ دَفْعًا لِذَلِكَ التَّقْصِيرِ المُجَوَّزِ. الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: (التَّوْبَةُ) في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الرُّجُوعِ، ورُجُوعُ العَبْدِ إلى اللَّهِ تَعالى في كُلِّ الأحْوالِ مَحْمُودٌ. اعْتَرَضَ القاضِي عَلَيْهِ بِأنَّ التَّوْبَةَ وإنْ كانَتْ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةً عَنِ الرُّجُوعِ، إلّا أنَّها في عُرْفِ الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَنِ النَّدَمِ عَلى ما فَعَلَ في الماضِي، والتَّرْكِ في الحاضِرِ، والعَزْمِ عَلى أنْ لا يَفْعَلَ مِثْلَهُ في المُسْتَقْبَلِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى هَذا المَعْنى الشَّرْعِيِّ دُونَ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، ولِأبِي مُسْلِمٍ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ فَيَقُولُ: مُرادِي مِن هَذا الجَوابِ أنَّهُ إنْ أمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى التَّوْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَقَدْ صَحَّ اللَّفْظُ وسَلِمَ عَنِ السُّؤالِ، وإنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ حَمَلْتُهُ عَلى التَّوْبَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الأصْلِيَّةِ؛ لِئَلّا يَتَوَجَّهَ الطَّعْنُ والسُّؤالُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: المُرادُ مِنهُ التَّنْزِيهُ عَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ التّائِبَ هو الَّذِي فَعَلَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ، والمُتَطَهِّرُ هو الَّذِي ما فَعَلَهُ تَنَزُّهًا عَنْهُ، ولا ثالِثَ لِهَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ نَجاسَةٌ رُوحانِيَّةٌ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] فَتَرْكُهُ يَكُونُ طَهارَةً رُوحانِيَّةً، وبِهَذا المَعْنى يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ طاهِرٌ مُطَهَّرٌ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ العُيُوبِ والقَبائِحِ، ويُقالُ: فُلانٌ طاهِرُ الذَّيْلِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ: لا يَأْتِيها في زَمانِ الحَيْضِ، وأنْ لا يَأْتِيَها في غَيْرِ المَأْتى عَلى ما قالَ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ومَن قالَ بِهَذا القَوْلِ قالَ: هَذا أوْلى؛ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِما قَبْلَ الآيَةِ؛ ولِأنَّهُ تَعالى قالَ حِكايَةً عَنْ قَوْمِ لُوطٍ: ﴿أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٨٢] فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ تَرْكَ الإتْيانِ في الأدْبارِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَنا بِالتَّطَهُّرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ فَلا جَرَمَ مَدَحَ المُتَطَهِّرَ فَقالَ: ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾، والمُرادُ مِنهُ التَّطَهُّرُ بِالماءِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٨] فَقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهم كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

البقرة 2:223

صفحة ٦١ الحُكْمُ الثّامِنُ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا: أحَدُها: «رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: مَن جامَعَ امْرَأتَهُ في قُبُلِها مِن دُبُرِها كانَ ولَدُها أحْوَلَ مُخَبَّلًا، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ في التَّوْراةِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: كَذَبَتِ اليَهُودُ. ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وثانِيها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عُمَرَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ»، وحَكى وُقُوعَ ذَلِكَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وثالِثُها: كانَتِ الأنْصارُ تُنْكِرُ أنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ المَرْأةَ مِن دُبُرِها في قُبُلِها، وكانُوا أخَذُوا ذَلِكَ مِنَ اليَهُودِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَأنْكَرَتِ الأنْصارُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أيْ مَزْرَعٌ ومَنبَتٌ لِلْوَلَدِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، فَفَرْجُ المَرْأةِ كالأرْضِ، والنُّطْفَةُ كالبَذْرِ، والوَلَدُ كالنَّباتِ الخارِجِ، والحَرْثُ مَصْدَرٌ، ولِهَذا وحَّدَ الحَرْثَ فَكانَ المَعْنى نِساؤُكم ذَواتُ حَرْثٍ لَكم فِيهِنَّ تَحْرُثُونَ لِلْوَلَدِ، فَحَذَفَ المُضافَ، وأيْضًا قَدْ يُسَمّى مَوْضِعُ الشَّيْءِ بِاسْمِ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ ويُقالُ: هَذا أمْرُ اللَّهِ، أيْ مَأْمُورُهُ، وهَذا شَهْوَةُ فُلانٍ، أيْ مُشْتَهاهُ، فَكَذَلِكَ حَرْثُ الرَّجُلِ مَحْرَثُهُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ أكْثَرُ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الرَّجُلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَأْتِيَها مِن قُبُلِها في قُبُلِها، وبَيْنَ أنْ يَأْتِيَها مِن دُبُرِها في قُبُلِها، فَقَوْلُهُ: (أنّى شِئْتُمْ) مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ، ونَقَلَ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ تَجْوِيزُ إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، وسائِرُ النّاسِ كَذَّبُوا نافِعًا في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، واخْتِيارُ السَّيِّدِ المُرْتَضى مِنَ الشِّيعَةِ، والمُرْتَضى رَواهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إتْيانُ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ مِن وُجُوهٍ: الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في آيَةِ المَحِيضِ: ﴿قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ جَعَلَ قِيامَ الأذى عِلَّةً لِحُرْمَةِ إتْيانِ مَوْضِعِ الأذى، ولا مَعْنى لِلْأذى إلّا ما يَتَأذّى الإنْسانُ مِنهُ، وهَهُنا يَتَأذّى الإنْسانُ بِنَتَنِ رَوائِحِ ذَلِكَ الدَّمِ. وحُصُولُ هَذِهِ العِلَّةِ في مَحَلِّ النِّزاعِ أظْهَرُ، فَإذا كانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ قائِمَةً هَهُنا وجَبَ حُصُولُ الحُرْمَةِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَ إتْيانِهِنَّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ مَن أتى المَرْأةَ وجَبَ أنْ صفحة ٦٢ يَأْتِيَها في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ثُمَّ هَذا غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلى الدُّبُرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ بِالإجْماعِ غَيْرُ واجِبٍ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى القُبُلِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: رَوى خُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: حَلالٌ، فَلَمّا ولّى الرَّجُلُ دَعاهُ فَقالَ: كَيْفَ قُلْتَ في أيِّ الخَرِبَتَيْنِ، أوْ في أيِّ الخَرَزَتَيْنِ، أوْ في أيِّ الخَصْفَتَيْنِ، أمِن قُبُلِها في قُبُلِها فَنَعَمْ، أمِن دُبُرِها في قُبُلِها فَنَعَمْ، أمِن دُبُرِها في دُبُرِها فَلا، إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِ مِنَ الحَقِّ: ”لا تَأْتُوا النِّساءَ في أدْبارِهِنَّ» “ وأرادَ بِخَرِبَتِها مَسْلَكَها، وأصْلُ الخَرِبَةِ عُرْوَةُ المَزادَةِ شَبَّهَ الثُّقْبَ بِها، والخَرَزَةُ هي الَّتِي يَثْقُبُها الخَرّازُ، كَنى بِهِ عَنِ المَأْتى، وكَذَلِكَ الخَصْفَةُ مِن قَوْلِهِمْ: خَصَفْتُ الجِلْدَ إذا خَرَزْتُهُ. حُجَّةُ مَن قالَ بِالجَوازِ وُجُوهٌ: الحُجَّةُ الأُولى: التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الحَرْثَ اسْمًا لِلْمَرْأةِ فَقالَ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرْثَ اسْمٌ لِلْمَرْأةِ لا لِلْمَوْضِعِ المُعَيَّنِ، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ كانَ المُرادُ فَأْتُوا نِساءَكم أنّى شِئْتُمْ، فَيَكُونُ هَذا إطْلاقًا في إتْيانِهِنَّ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ النِّزاعِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ (أنّى) مَعْناها أيْنَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٧] والتَّقْدِيرُ: مِن أيْنَ لَكِ هَذا، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَأْتُوا حَرْثَكم أيْنَ شِئْتُمْ، وكَلِمَةُ: أيْنَ شِئْتُمْ تَدُلُّ عَلى تَعَدُّدِ الأمْكِنَةِ، [كَقَوْلِكَ: ] اجْلِسْ أيْنَ شِئْتَ، ويَكُونُ هَذا تَخْيِيرًا بَيْنَ الأمْكِنَةِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظَهَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الإتْيانِ مِن قُبُلِها في قُبُلِها، أوْ مِن دُبُرِها في قُبُلِها؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَكانَ واحِدٌ، والتَّعْدادُ إنَّما وقَعَ في طَرِيقِ الإتْيانِ، واللَّفْظُ اللّائِقُ بِهِ أنْ يُقالَ: اذْهَبُوا إلَيْهِ كَيْفَ شِئْتُمْ، فَلَمّا لَمْ يَكُنِ المَذْكُورُ هَهُنا لَفْظَةَ: كَيْفَ، بَلْ لَفْظَةُ (أنّى) ويَثْبُتُ أنَّ لَفْظَةَ (أنّى) مُشْعِرَةٌ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الأمْكِنَةِ، ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ما ذَكَرْتُمْ بَلْ ما ذَكَرْناهُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ لَهم: التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦] تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ الذُّكُورِ لِدَلالَةِ الإجْماعِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ النِّسْوانِ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: تَوافَقْنا عَلى أنَّهُ لَوْ قالَ لِلْمَرْأةِ: دُبُرُكِ عَلَيَّ حَرامٌ ونَوى الطَّلاقَ أنَّهُ يَكُونُ طَلاقًا، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ دُبُرِها حَلالًا لَهُ، هَذا مَجْمُوعُ كَلامِ القَوْمِ في هَذا البابِ. أجابَ الأوَّلُونَ فَقالُوا: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إتْيانَ النِّساءِ في غَيْرِ المَأْتى وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الحَرْثَ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الحِراثَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ بِجَمِيعِ أجْزائِها لَيْسَتْ مَوْضِعًا لِلْحِراثَةِ، فامْتَنَعَ إطْلاقُ اسْمِ الحَرْثِ عَلى ذاتِ المَرْأةِ، ويَقْتَضِي هَذا الدَّلِيلُ أنْ يُطْلَقَ لَفْظُ الحَرْثِ عَلى ذاتِ المَرْأةِ، إلّا أنّا تَرَكْنا العَمَلَ بِهَذا الدَّلِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ هَهُنا بِإطْلاقِ لَفْظِ الحَرْثِ عَلى ذاتِ المَرْأةِ، فَحَمَلْنا ذَلِكَ عَلى المَجازِ المَشْهُورِ مِن تَسْمِيَةِ كُلِّ الشَّيْءِ بِاسْمِ جُزْئِهِ، وهَذِهِ الصُّورَةُ مَفْقُودَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُ الحَرْثِ هَهُنا عَلى مَوْضِعِ الحِراثَةِ عَلى التَّعْيِينِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها إلّا عَلى إتْيانِ النِّساءِ في المَأْتى. صفحة ٦٣ الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى ما ذَكَرُوهُ؛ لَمّا بَيَّنّا أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِمّا ذَكَرُوهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ . والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فَلَوْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى التَّجْوِيزِ لَكانَ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى التَّحْلِيلِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، والأصْلُ أنَّهُ لا يَجُوزُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: الرِّواياتُ المَشْهُورَةُ في أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ اخْتِلافُهم في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ إتْيانُها مِن دُبُرِها في قُبُلِها، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ لا يَكُونُ خارِجًا عَنِ الآيَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُ الآيَةِ مُتَناوِلَةً لِهَذِهِ الصُّورَةِ، ومَتى حَمَلْناها عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَكُنْ بِنا حاجَةٌ إلى حَمْلِها عَلى الصُّورَةِ الأُخْرى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ لَيْسَ ما ذَكَرُوهُ، وعِنْدَ هَذا نَبْحَثُ عَنِ الوُجُوهِ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها عَلى التَّفْصِيلِ: أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ مَعْناهُ: فَأْتُوا مَوْضِعَ الحَرْثِ. وأمّا الثّانِي: فَإنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِالحَرْثِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ذَلِكَ المَوْضِعَ المُعَيَّنَ لَمْ يَكُنْ حَمْلُ (أنّى شِئْتُمْ) عَلى التَّخْيِيرِ في مَكانٍ، وعِنْدَ هَذا يُضْمِرُ فِيهِ زِيادَةً، وهي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن (أنّى شِئْتُمْ) فَيُضْمِرُ لَفْظَةَ: ”مَن“، لا يُقالُ: لَيْسَ حَمْلُ لَفْظِ الحَرْثِ عَلى حَقِيقَتِهِ، والتِزامُ هَذا الإضْمارِ أوْلى مِن حَمْلِ لَفْظِ الحَرْثِ عَلى المَرْأةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، حَتّى لا يُلْزِمَنا هَذا الإضْمارُ لِأنْ نَقُولَ: بَلْ هَذا أوْلى؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأبْضاعِ الحُرْمَةُ. وأمّا الثّالِثُ فَجَوابُهُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦] عامٌّ، ودَلائِلُنا خاصَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. وأمّا الرّابِعُ: فَجَوابُهُ: أنَّ قَوْلَهُ: دُبُرُكِ عَلَيَّ حَرامٌ، إنَّما صَلُحَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الطَّلاقِ؛ لِأنَّهُ مَحِلٌّ لِحِلِّ المُلابَسَةِ والمُضاجَعَةِ، فَصارَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: يَدُكِ طالِقٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (أنّى شِئْتُمْ) والمَشْهُورُ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أنْ يَأْتِيَها مِن قُبُلِها في قُبُلِها، ومِن دُبُرِها في قُبُلِها. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أيَّ وقْتٍ شِئْتُمْ مِن أوْقاتِ الحِلَّ: يَعْنِي إذا لَمْ تَكُنْ أجْنَبِيَّةً، أوْ مُحَرَّمَةً، أوْ صائِمَةً، أوْ حائِضًا. والثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَنْكِحَها قائِمَةً أوْ بارِكَةً، أوْ مُضْطَجِعَةً، بَعْدَ أنْ يَكُونَ في الفَرْجِ. الرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى إنْ شاءَ عَزَلَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَعْزِلْ، وهو مَنقُولٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. الخامِسُ: مَتى شِئْتُمْ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ. فَإنْ قِيلَ: فَما المُخْتارُ مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ ؟ قُلْنا: قَدْ ظَهَرَ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: مَن أتى المَرْأةَ مِن دُبُرِها في قُبُلِها جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذا لِتَكْذِيبِ قَوْلِهِمْ، فَكانَ الأوْلى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وأمّا الأوْقاتُ فَلا مَدْخَلَ لَها في هَذا البابِ؛ لِأنَّ (أنّى) يَكُونُ بِمَعْنى (مَتّى) ويَكُونُ بِمَعْنى (كَيْفَ)، وأمّا العَزْلُ وخِلافُهُ فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ (أنّى)؛ لِأنَّ حالَ الجِماعِ لا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، فَلا وجْهَ لِحَمْلِ الكَلامِ إلّا عَلى ما قُلْنا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكُمْ﴾ فَمَعْناهُ: افْعَلُوا ما تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الجَنَّةَ والكَرامَةَ، ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: قَدِّمْ لِنَفْسِكَ عَمَلًا صالِحًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٧] ونَظِيرُ لَفْظِ صفحة ٦٤ التَّقْدِيمِ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ فَرِيقٍ مِن أهْلِ النّارِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ [ص: ٦٠] . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَعَلَّقَ هَذا الكَلامُ بِما قَبْلَهُ ؟ قُلْنا: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الجِماعِ، وهو في غايَةِ البُعْدِ، والَّذِي عِنْدِي فِيهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ جارٍ مَجْرى التَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِ إباحَةِ الوَطْءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ النِّسْوانُ إنَّما حَكَمَ الشَّرْعُ بِإباحَةِ وطْئِهِنَّ لَكم لِأجْلِ أنَّهُنَّ حَرْثٌ لَكم؛ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ يَتَوَلَّدُ الوَلَدُ مِنها، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ: لَمّا كانَ السَّبَبُ في إباحَةِ وطْئِها لَكم حُصُولَ الحَرْثِ، فَأْتُوا حَرْثَكم، ولا تَأْتُوا غَيْرَ مَوْضِعِ الحَرْثِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ دَلِيلًا عَلى الإذْنِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، والمَنعِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَلَمّا اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى الإذْنِ في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ، والمَنعِ عَنِ المَوْضِعِ الآخَرِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: لا تَكُونُوا في قَيْدِ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، بَلْ كُونُوا في قَيْدِ تَقْدِيمِ الطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (واتَّقُوا اللَّهَ) ثُمَّ أكَّدَهُ ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾، وهَذِهِ التَّهْدِيداتُ الثَّلاثَةُ المُتَوالِيَةُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها إلّا إذا كانَتْ مَسْبُوقَةً بِالنَّهْيِ عَنْ شَيْءٍ لَذِيذٍ مُشْتَهًى، فَثَبَتَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ دالٌّ عَلى تَحْرِيمِ هَذا العَمَلِ، وما بَعْدَها أيْضًا دالٌّ عَلى تَحْرِيمِهِ، فَظَهَرَ أنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُجْتَهِدِينَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في التَّقْوى قَدْ تَقَدَّمَ، والكَلامَ في تَفْسِيرِ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٦] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ: أوَّلُها: ﴿وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكُمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ فِعْلُ الطّاعاتِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: (واتَّقُوا اللَّهَ) والمُرادُ مِنهُ تَرْكُ المَحْظُوراتِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنِّي إنَّما كَلَّفْتُكم بِتَحَمُّلِ المَشَقَّةِ في فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَحْظُوراتِ لِأجْلِ يَوْمِ البَعْثِ والنُّشُورِ والحِسابِ، فَلَوْلا ذَلِكَ اليَوْمُ لَكانَ تَحَمُّلُ المَشَقَّةِ في فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَحْظُوراتِ عَبَثًا، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ رِعايَةُ التَّرْتِيبِ المُعْتَبَرِ في القُرْآنِ، وهو أنْ يَجْعَلَ مَعَ كُلِّ وعِيدٍ وعْدًا، والمَعْنى: وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً بِالثَّوابِ والكَرامَةِ، فَحَذَفَ ذِكْرَهُما لِما أنَّهُما كالمَعْلُومِ، فَصارَ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٧] .