Tafsir Al-Razi — البقرة 2:224 – البقرة 2:253
المحتويات
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:227
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
البقرة 2:224
الحُكْمُ التّاسِعُ
فِي الأيْمانِ
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
والمُفَسِّرُونَ أكْثَرُوا مِنَ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ، وأجْوَدُ ما ذَكَرُوهُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ
صفحة ٦٥
الأصْفَهانِيُّ، وهو الأحْسَنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ نَهى عَنِ الجَراءَةِ عَلى اللَّهِ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ؛ لِأنَّ مَن أكْثَرَ ذِكْرَ شَيْءٍ في مَعْنًى مِنَ المَعانِي فَقَدْ جَعَلَهُ عُرْضَةً لَهُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ جَعَلْتَنِي عُرْضَةً لِلَوْمِكَ، وقالَ الشّاعِرُ:
ولا تَجْعَلْنِي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ
وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعالى مَن أكْثَرَ الحَلِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القَلَمِ: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٨٩] والعَرَبُ كانُوا يَمْدَحُونَ الإنْسانَ بِالإقْلالِ مِنَ الحَلِفِ، كَما قالَ كُثَيِّرٌ:
قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ
والحِكْمَةُ في الأمْرِ بِتَقْلِيلِ الأيْمانِ أنَّ مَن حَلَفَ في كُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ بِاللَّهِ انْطَلَقَ لِسانُهُ بِذَلِكَ ولا يَبْقى لِلْيَمِينِ في قَلْبِهِ وقْعٌ، فَلا يُؤْمَنُ إقْدامُهُ عَلى اليَمِينِ الكاذِبَةِ، فَيَخْتَلُّ ما هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ في اليَمِينِ، وأيْضًا كُلَّما كانَ الإنْسانُ أكْثَرَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى كانَ أكْمَلَ في العُبُودِيَّةِ، ومِن كَمالِ التَّعْظِيمِ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى أجَلَّ وأعْلى عِنْدَهُ مِن أنْ يَسْتَشْهِدَ بِهِ في غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: (أنْ تَبَرُّوا) فَهو عِلَّةٌ لِهَذا النَّهْيِ، فَقَوْلُهُ: (أنْ تَبَرُّوا) أيْ إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا، والمَعْنى: إنَّما نَهَيْتُكم عَنْ هَذا لِما أنَّ تَوَقِّيَ ذَلِكَ مِنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ، فَتَكُونُونَ يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ بَرَرَةً أتْقِياءَ مُصْلِحِينَ في الأرْضِ غَيْرَ مُفْسِدِينَ.
فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الحَلِفِ حُصُولُ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ؟
قُلْنا: لِأنَّ مَن تَرَكَ الحَلِفَ لِاعْتِقادِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجَلُّ وأعْظَمُ أنْ يُسْتَشْهَدَ بِاسْمِهِ العَظِيمِ في مَطالِبِ الدُّنْيا وخَسائِسِ مَطالِبِ الحَلِفِ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْظَمِ أبْوابِ البِرِّ، وأمّا مَعْنى التَّقْوى فَظاهِرٌ أنَّهُ اتَّقى أنْ يَصْدُرَ مِنهُ ما يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ، وأمّا الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ فَمَتى اعْتَقَدُوا في صِدْقِ لَهْجَتِهِ وبُعْدِهِ عَنِ الأغْراضِ الفاسِدَةِ فَيَقْبَلُونَ قَوْلَهُ، فَيَحْصُلُ الصُّلْحُ بِتَوَسُّطِهِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: قالُوا: العُرْضَةُ عِبارَةٌ عَنِ المانِعِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ اللُّغَةِ أنَّهُ يُقالُ: أرَدْتُ أفْعَلُ كَذا فَعَرَضَ لِي أمْرُ كَذا واعْتَرَضَ، أيْ تَحامى ذَلِكَ فَمَنَعَنِي مِنهُ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُوضَعُ في عُرْضِ الطَّرِيقِ فَيَصِيرُ مانِعًا لِلنّاسِ مِنَ السُّلُوكِ والمُرُورِ، ويُقالُ: اعْتَرَضَ فُلانٌ عَلى كَلامِ فُلانٍ، وجَعَلَ كَلامَهُ مُعارِضًا لِكَلامٍ آخَرَ، أيْ ذَكَرَ ما يَمْنَعُهُ مِن تَثْبِيتِ كَلامِهِ. إذا عَرَفْتَ أصْلَ الِاشْتِقاقِ فالعُرْضَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، كالقُبْضَةِ، والغُرْفَةِ، فَيَكُونُ اسْمًا لِما يُجْعَلُ مُعْرَضًا دُونَ الشَّيْءِ، ومانِعًا مِنهُ، فَثَبَتَ أنَّ العُرْضَةَ عِبارَةٌ عَنِ المانِعِ. وأمّا اللّامُ في قَوْلِهِ: (لِأيْمانِكم) فَهو لِلتَّعْلِيلِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولا تَجْعَلُوا ذِكْرَ اللَّهِ مانِعًا بِسَبَبِ أيْمانِكم مِن أنْ تَبَرُّوا أوْ في أنْ تَبَرُّوا، فَأُسْقِطَ حَرْفُ الجَرِّ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ بِسَبَبِ ظُهُورِهِ.
قالُوا: وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَحْلِفُ عَلى تَرْكِ الخَيْراتِ مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، أوْ إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، أوْ إحْسانٍ إلى أحَدِ أدْعِيائِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أخافُ اللَّهَ أنْ أحْنَثَ في يَمِينِي. فَيَتْرُكُ البِرَّ إرادَةَ البِرِّ في يَمِينِهِ، فَقِيلَ: لا تَجْعَلُوا ذِكْرَ اللَّهِ مانِعًا بِسَبَبِ هَذِهِ الأيْمانِ عَنْ فِعْلِ البِرِّ والتَّقْوى. هَذا أجْوَدُ ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، وقَدْ طَوَّلُوا في كَلِماتٍ أُخَرَ، ولَكِنْ لا فائِدَةَ فِيها فَتَرَكْناها.
ثُمَّ قالَ في
صفحة ٦٦
آخِرِ الآيَةِ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: إنْ حَلَفْتُمْ يَسْمَعُ، وإنْ تَرَكْتُمُ الحَلِفَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ وإجْلالًا لَهُ مِن أنْ يُسْتَشْهَدَ بِاسْمِهِ الكَرِيمِ في الأعْراضِ العاجِلَةِ، فَهو عَلِيمٌ عالِمٌ بِما في قُلُوبِكم ونِيَّتِكم.
البقرة 2:225
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: (اللَّغْوُ): السّاقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ، سَواءٌ كانَ كَلامًا أوْ غَيْرَهُ، أمّا وُرُودُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في الكَلامِ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ والرِّوايَةُ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القَصَصِ: ٥٥]، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦]، وقَوْلُهُ: ﴿عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١]، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وإذا مَرُّوا بِالكَلامِ الَّذِي يَكُونُ لَغْوًا، وأنْ يَكُونَ المُرادُ: وإذا مَرُّوا بِالفِعْلِ الَّذِي يَكُونُ لَغْوًا.
وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﷺ: ”«مَن قالَ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِصاحِبِهِ: صَهْ، والإمامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغا» “.
وأمّا الرِّوايَةُ فَيُقالُ: لَغا الطّائِرُ يَلْغُو لَغْوًا: إذا صَوَّتَ، ولَغْوُ الطّائِرِ: تَصْوِيتُهُ، وأمّا وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ في غَيْرِ الكَلامِ، فَهو أنَّهُ يُقالُ لِما لا يُعْتَدُّ بِهِ مِن أوْلادِ الإبِلِ: لَغْوٌ، قالَ جَرِيرٌ:
يَعُدُّ النّاسِبُونَ بَنِي تَمِيمٍ بُيُوتَ المَجْدِ أرْبَعَةً كِبارا
وتُخْرِجُ مِنهُمُ المَرْئِيَّ لَغْوًا ∗∗∗ كَما ألْغَيْتَ في الدِّيَةِ الحُوارا
وقالَ العَجّاجُ:
ورُبَّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ∗∗∗ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ
قالَ الفَرّاءُ: اللَّغا، مَصْدَرٌ لِلَغَيْتُ، و(اللَّغْوُ) مَصْدَرٌ لِلَغَوْتُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ.
أمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّهُ قَوْلُ العَرَبِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، مِمّا يُؤَكِّدُونَ بِهِ كَلامَهم ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمُ الحَلِفُ، ولَوْ قِيلَ لِواحِدٍ مِنهم: سَمِعْتُكَ اليَوْمَ تَحْلِفُ في المَسْجِدِ الحَرامِ ألْفَ مَرَّةٍ، لَأنْكَرَ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ قالَ: لا واللَّهِ، ألْفَ مَرَّةٍ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ اللَّغْوَ هو أنْ يَحْلِفَ عَلى شَيْءٍ يَعْتَقِدُ أنَّهُ كانَ ثُمَّ بانَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ، فَهَذا هو اللَّغْوُ، وفائِدَةُ هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ الشّافِعِيَّ لا يُوجِبُ الكَفّارَةَ في قَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، ويُوجِبُها فِيما إذا حَلَفَ عَلى شَيْءٍ يَعْتَقِدُ أنَّهُ كانَ ثُمَّ بانَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ. وأبُو حَنِيفَةَ يَحْكُمُ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ هو قَوْلُ عائِشَةَ والشَّعْبِيِّ وعِكْرِمَةَ. وقَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ ومَكْحُولٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى قَوْلِهِ وُجُوُهٌ، الأوَّلُ: ما رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَغْوُ اليَمِينِ قَوْلُ الرَّجُلِ في كَلامِهِ: كَلّا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، ولا واللَّهِ» “ ورُوِيَ «أنَّهُ ﷺ مَرَّ
صفحة ٦٧
بِقَوْمٍ يَنْتَضِلُونَ ومَعَهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ، فَرَمى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ: أصَبْتَ واللَّهِ. ثُمَّ أخْطَأ، ثُمَّ قالَ الَّذِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: حَنِثَ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ ﷺ: ”كُلُّ أيْمانِ الرُّماةِ لَغْوٌ، لا كَفّارَةَ فِيها ولا عُقُوبَةَ» “ . وعَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: أيْمانُ اللَّغْوِ ما كانَ في الهَزْلِ والمِراءِ والخُصُومَةِ الَّتِي لا يُعْقَدُ عَلَيْها القَلْبُ. وأثَرُ الصَّحابِيِّ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ حُجَّةٌ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ كالمُقابِلِ المُضادِّ لِما يَحْصُلُ بِسَبَبِ كَسْبِ القَلْبِ، ولَكِنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ هو الَّذِي يَقْصِدُهُ الإنْسانُ عَلى الجِدِّ ويَرْبُطُ قَلْبَهُ بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّغْوُ الَّذِي هو كالمُقابِلِ لَهُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ما لا يَقْصِدُهُ الإنْسانُ بِالجِدِّ، ولا يَرْبُطُ قَلْبَهُ بِهِ، وذَلِكَ هو قَوْلُ النّاسِ عَلى سَبِيلِ التَّعَوُّدِ في الكَلامِ: لا واللَّهِ، بَلى واللَّهِ، فَأمّا إذا حَلَفَ عَلى شَيْءٍ بِالجِدِّ أنَّهُ كانَ حاصِلًا ثُمَّ ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ، فَقَدْ قَصَدَ الإنْسانُ بِذَلِكَ اليَمِينِ تَصْدِيقَ قَوْلِ نَفْسِهِ ورَبْطَ قَلْبِهِ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَغْوًا البَتَّةَ، بَلْ كانَ حاصِلًا بِكَسْبِ القَلْبِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَعْناهُ النَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ الحَلِفِ واليَمِينِ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِيادِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، لا شَكَّ أنَّهم يُكْثِرُونَ الحَلِفَ، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ حالَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الحَلِفَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِيادِ في الكَلامِ، لا عَلى سَبِيلِ القَصْدِ إلى الحَلِفِ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِمْ ولا كَفّارَةَ؛ لِأنَّ إيجابَ المُؤاخَذَةِ والكَفّارَةِ عَلَيْهِمْ يُفْضِي إمّا إلى أنْ يَمْتَنِعُوا عَنِ الكَلامِ، أوْ يَلْزَمَهم في كُلِّ لَحْظَةٍ كَفّارَةٌ، وكِلاهُما حَرَجٌ في الدِّينِ، فَظَهَرَ أنَّ تَفْسِيرَ اللَّغْوِ بِما ذَكَرْناهُ هو المُناسِبُ لِما قَبْلَ الآيَةِ، فَأمّا الَّذِي قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يُناسِبُ ما قَبْلَ الآيَةِ، فَكانَ تَأْوِيلُ الشّافِعِيِّ أوْلى.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﷺ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» “ الحَدِيثُ دَلَّ عَلى وُجُوبِ الكَفّارَةِ عَلى الحانِثِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ المُجِدِّ والهازِلِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ اليَمِينَ مَعْنًى لا يَلْحَقُهُ الفَسْخُ، فَلا يُعْتَبَرُ فِيهِ القَصْدُ كالطَّلاقِ والعَتاقِ، فَهاتانِ الحُجَّتانِ يُوجِبانِ الكَفّارَةَ في قَوْلِ النّاسِ: لا واللَّهِ، بَلى واللَّهِ، إذا حَصَلَ الحِنْثُ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّغْوَ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِما قالَ الشّافِعِيُّ، ويَجِبُ تَفْسِيرُهُ بِما قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ أنَّ اليَمِينَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ القُوَّةِ، قالَ الشّاعِرُ:
إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ
أيْ بِالقُوَّةِ.
والمَقْصُودُ مِنَ اليَمِينِ تَقْوِيَةُ جانِبِ البِرِّ عَلى جانِبِ الحِنْثِ بِسَبَبِ اليَمِينِ، وهَذا إنَّما يُفْعَلُ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ قابِلًا لِلتَّقْوِيَةِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا وقَعَ اليَمِينُ عَلى فِعْلٍ في المُسْتَقْبَلِ، فَأمّا إذا وقَعَ اليَمِينُ عَلى الماضِي فَذَلِكَ لا يَقْبَلُ التَّقْوِيَةَ البَتَّةَ، فَعَلى هَذا اليَمِينُ عَلى الماضِي تَكُونُ خالِيَةً عَنِ الفائِدَةِ المَطْلُوبَةِ مِنها، والخالِي عَنِ المَطْلُوبِ يَكُونُ لَغْوًا، فَثَبَتَ أنَّ اللَّغْوَ هو اليَمِينُ عَلى الماضِي، وأمّا اليَمِينُ عَلى المُسْتَقْبَلِ فَهو قابِلٌ لِلتَّقْوِيَةِ، فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ اليَمِينُ خالِيَةً عَنِ الغَرَضِ المَطْلُوبِ مِنها، فَلا تَكُونُ لَغْوًا.
صفحة ٦٨
القَوْلُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ يَمِينِ اللَّغْوِ: هو أنَّهُ إذا حَلَفَ عَلى تَرْكِ طاعَةٍ أوْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، فَهَذا هو يَمِينُ اللَّغْوِ، وهو المَعْصِيَةُ. قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القَصَصِ: ٥٥] فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ بِتَرْكِ هَذِهِ الأيْمانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيْ بِإقامَتِكم عَلى ذَلِكَ الَّذِي حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ الطّاعَةِ وفِعْلِ المَعْصِيَةِ، قالُوا: وهَذا التَّأْوِيلُ مُنافٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ» “، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: هو أنَّ المُؤاخَذَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ صارَتْ مُفَسَّرَةً في آيَةِ المائِدَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ﴾ [المائِدَةِ: ٨٩]، ولَمّا كانَ المُرادُ بِالمُؤاخَذَةِ إيجابَ الكَفّارَةِ، وهاهُنا الكَفّارَةُ واجِبَةٌ، عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ لَيْسَ هو هَذِهِ الصُّورَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُقابِلَ لِلَّغْوِ هو كَسْبَ القَلْبِ، ولا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِما ذَكَرَهُ مِنَ الإصْرارِ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي حَلَفُوا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ كَسْبَ القَلْبِ مُشْعِرٌ بِالشُّرُوعِ في فِعْلٍ جَدِيدٍ، فَأمّا الِاسْتِمْرارُ عَلى ما كانَ فَذَلِكَ لا يُسَمّى كَسْبَ القَلْبِ.
القَوْلُ الرّابِعُ في تَفْسِيرِ يَمِينِ اللَّغْوِ: أنَّها اليَمِينُ المُكَفَّرَةُ، سُمِّيَتْ لَغْوًا لِأنَّ الكَفّارَةَ أسْقَطَتِ الإثْمَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ إذا كَفَّرْتُمْ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
القَوْلُ الخامِسُ، وهو قَوْلُ القاضِي: أنَّ المُرادَ بِهِ ما يَقَعُ سَهْوًا غَيْرَ مَقْصُودٍ إلَيْهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيْ يُؤاخِذُكم إذا تَعَمَّدْتُمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُقابِلَ لِلْعَمْدِ هو السَّهْوُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الكَفّارَةِ في اليَمِينِ الغَمُوسِ، قالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وقالَ في آيَةِ المائِدَةِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائِدَةِ: ٨٩] وعَقْدُ اليَمِينِ مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَقْدَ القَلْبِ بِهِ، ولِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَقْدَ الَّذِي يُضادُّ الحَلَّ، فَلَمّا ذَكَرَ هاهُنا قَوْلَهُ: ﴿بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ العَقْدِ هو عَقْدُ القَلْبِ، وأيْضًا ذَكَرَ المُؤاخَذَةَ هاهُنا، ولَمْ يُبَيِّن أنَّ تِلْكَ المُؤاخَذَةَ ما هِيَ، وبَيَّنَها في آيَةِ المائِدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ﴾ [المائِدَةِ: ٨٩] فَبَيَّنَ أنَّ المُؤاخَذَةَ هي الكَفّارَةُ، فَكُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مُجْمَلَةٌ مِن وجْهٍ، مُبَيَّنَةً مِن وجْهٍ آخَرَ، فَصارَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُفَسِّرَةً لِلْأُخْرى مِن وجْهٍ، وحَصَلَ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما أنَّ كُلَّ يَمِينٍ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ ورَبْطِ القَلْبِ، فالكَفّارَةُ واجِبَةٌ فِيها، واليَمِينُ الغَمُوسُ كَذَلِكَ، فَكانَتِ الكَفّارَةُ واجِبَةً فِيها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الغَفُورَ مُبالَغَةٌ في سَتْرِ الذُّنُوبِ، وفي إسْقاطِ عُقُوبَتِها، وأمّا الحَلِيمُ فاعْلَمْ أنَّ الحِلْمَ في كَلامِ العَرَبِ الأناةُ والسُّكُونُ، يُقالُ: ضَعِ الهَوْدَجَ عَلى أحْلَمِ الجِمالِ، أيْ: عَلى أشَدِّها تُؤَدَةً في السَّيْرِ، ومِنهُ الحُلْمُ؛ لِأنَّهُ يُرى في حالِ السُّكُونِ، وحَلَمَةُ الثَّدْيِ، ومَعْنى الحَلِيمِ في صِفَةِ اللَّهِ: الَّذِي لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ، بَلْ يُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ الكُفّارِ والفُجّارِ.
البقرة 2:226
صفحة ٦٩
”الحُكْمُ العاشِرُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالإيلاءِ والطَّلاقِ“ ١
﴿لِلَّذِينِ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: آلى يُؤالِي إيلاءً، وتَألّى يَتَألّى تَألِّيًا، وائْتَلى يَأْتَلِي ائْتِلاءً، والِاسْمُ مِنهُ ألِيَّةٌ وألُوَّةٌ، كِلاهُما بِالتَّشْدِيدِ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ ألْوَةً وأُلْوَةً وإلْوَةً، ثَلاثَ لُغاتٍ، وبِالجُمْلَةِ فالألِيَّةُ والقَسَمُ واليَمِينُ والحَلِفُ كُلُّها عِباراتٌ عَنْ مَعْنًى واحِدٍ، وفي الحَدِيثِ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«آلَيْتُ أفْعَلُ خِلافَ المُقَدِّرِينَ» “ . وقالَ كُثَيِّرٌ:
قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ فَإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بُرَّتِ
هَذا هو مَعْنى اللَّفْظِ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ، أمّا في عُرْفِ الشَّرْعِ فَهو اليَمِينُ عَلى تَرْكِ الوَطْءِ، كَما إذا قالَ: واللَّهِ لا أُجامِعُكِ، ولا أُباضِعُكِ، ولا أقْرَبُكِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: في الآيَةِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ أنْ يَعْتَزِلُوا مِن نِسائِهِمْ، إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ، وأنا أقُولُ: هَذا الإضْمارُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا حَمَلْنا لَفْظَ الإيلاءِ عَلى المَعْهُودِ اللُّغَوِيِّ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى المُتَعارَفِ في الشَّرْعِ اسْتَغْنَيْنا عَنْ هَذا الإضْمارِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ الإيلاءَ في الجاهِلِيَّةِ كانَ طَلاقًا، قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ الرَّجُلُ لا يُرِيدُ المَرْأةَ ولا يُحِبُّ أنْ يَتَزَوَّجَها غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ أنْ لا يَقْرَبَها، فَكانَ يَتْرُكُها بِذَلِكَ لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، والغَرَضُ مِنهُ مُضارَّةُ المَرْأةِ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ الإسْلامِ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ أيْضًا، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وأمْهَلَ لِلزَّوْجِ مُدَّةً حَتّى يَتَرَوّى ويَتَأمَّلَ، فَإنْ رَأى المَصْلَحَةَ في تَرْكِ هَذِهِ المُضارَّةِ فَعَلَها، وإنْ رَأى المَصْلَحَةَ في المُفارَقَةِ عَنِ المَرْأةِ فارَقَها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”آلَوْا مِن نِسائِهِمْ“ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”يُقْسِمُونَ مِن نِسائِهِمْ“.
أمّا قَوْلُهُ: (مِن نِسائِهِمْ) فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ يُقالُ: المُتَعارَفُ أنْ يُقالَ: حَلَفَ فُلانٌ عَلى كَذا أوْ آلى عَلى كَذا، فَلِمَ أُبْدِلَتْ لَفْظَةُ (عَلى) هاهُنا بِلَفْظَةِ (مِن) ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُرادَ: لَهم مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، كَما يُقالُ: لِي مِنكَ كَذا.
والثّانِي: أنَّهُ ضَمَّنَ في هَذا القَسَمِ مَعْنى البُعْدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَبْعُدُونَ مِن نِسائِهِمْ مُوَلِّينَ أوْ مُقْسِمِينَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّرَبُّصَ التَّلَبُّثُ والِانْتِظارُ، يُقالُ: تَرَبَّصْتُ الشَّيْءَ
صفحة ٧٠
تَرَبُّصًا، ويُقالُ: ما لِي عَلى هَذا الأمْرِ رُبْصَةٌ، أيْ تَلَبُّثٌ، وإضافَةُ التَّرَبُّصِ إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ، كَقَوْلِهِ: بَيْنَهُما مَسِيرَةُ يَوْمٍ، أيْ مَسِيرَةٌ في يَوْمٍ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.
أمّا قَوْلُهُ: (فَإنْ فاءُوا) فَمَعْناهُ: فَإنْ رَجَعُوا، والفَيْءُ في اللُّغَةِ هو رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، ولِهَذا قِيلَ لِما تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ مِنَ الظِّلِّ ثُمَّ يَعُودُ: فَيْءٌ، وفَرَّقَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ بَيْنَ الفَيْءِ والظِّلِّ، فَقالُوا: الفَيْءُ ما كانَ بِالعَشِيِّ؛ لِأنَّهُ الَّذِي نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما كانَ بِالغَداةِ لِأنَّهُ لَمْ تَنْسَخْهُ الشَّمْسُ. وفي الجَنَّةِ ظِلٌّ ولَيْسَ فِيها فَيْءٌ؛ لِأنَّهُ لا شَمْسَ فِيها، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٣٠] وأنْشَدُوا:
فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى يَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ يَذُوقُ
وقِيلَ: فُلانٌ سَرِيعُ الفَيْءِ والفَيْئَةِ، حَكاهُما الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ، أيْ سَرِيعُ الرُّجُوعِ عَنِ الغَضَبِ إلى الحالَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقِيلَ لِما رَدَّهُ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن مالِ المُشْرِكِينَ: فَيْءٌ، كَأنَّهُ كانَ لَهم فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: (فَإنْ فاءُوا) مَعْناهُ: فَإنْ رَجَعُوا عَمّا حَلَفُوا عَلَيْهِ مِن تَرْكِ جِماعِها ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِلزَّوْجِ إذا تابَ مِن إضْرارِهِ بِامْرَأتِهِ، كَما أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِكُلِّ التّائِبِينَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَزْمَ عَقْدُ القَلْبِ عَلى الشَّيْءِ، يُقالُ: عَزَمَ عَلى الشَّيْءِ يَعْزِمُ عَزْمًا وعَزِيمَةً، وعَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَفْعَلَنَّ، أيْ أقْسَمْتُ، والطَّلاقُ مَصْدَرُ طَلَّقْتُ المَرْأةَ أُطَلِّقُ طَلاقًا، وقالَ اللَّيْثُ: طَلُقَتْ بِضَمِّ اللّامِ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: طَلُقَتْ بِضَمِّ اللّامِ مِنَ الطَّلاقِ أجْوَدُ، ومَعْنى الطَّلاقِ هو حَلُّ عَقْدِ النِّكاحِ بِما يَكُونُ حَلالًا في الشَّرْعِ، وأصْلُهُ مِن الِانْطِلاقِ، وهو الذَّهابُ، فالطَّلاقُ عِبارَةٌ عَنِ انْطِلاقِ المَرْأةِ. فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ لَفْظِ الآيَةِ.
* * *
أمّا الأحْكامُ فَكَثِيرَةٌ، ونَذْكُرُ هاهُنا بَعْضَ ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: كُلُّ زَوْجٍ يُتَصَوَّرُ مِنهُ الوِقاعُ، وكانَ تَصَرُّفُهُ مُعْتَبَرًا في الشَّرْعِ، فَإنَّهُ يَصِحُّ مِنهُ الإيلاءُ، وهَذا القَيْدُ مُعْتَبَرٌ طَرْدًا وعَكْسًا. أمّا الطَّرْدُ فَهو أنَّ كُلَّ مَن كانَ كَذَلِكَ صَحَّ إيلاؤُهُ، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أحْكامٌ: الأوَّلُ: يَصِحُّ إيلاءُ الذِّمِّيِّ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: لا يَصِحُّ إيلاؤُهُ بِاللَّهِ تَعالى ويَصِحُّ بِالطَّلاقِ والعَتاقِ. لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ وهَذا العُمُومُ يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُسْلِمَ.
الحُكْمُ الثّانِي: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مُدَّةُ الإيلاءِ لا تَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فَهي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ سَواءٌ كانَ الزَّوْجانِ حُرَّيْنِ أوْ رَقِيقَيْنِ، أوْ أحَدُهُما كانَ حُرًّا والآخَرُ رَقِيقًا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما تَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ، إلّا أنَّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ تَتَنَصَّفُ بِرِقِّ المَرْأةِ، وعِنْدَ مالِكٍ بِرِقِّ الرَّجُلِ، كَما قالا في الطَّلاقِ. لَنا أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ، والتَّخْصِيصُ خِلافُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ هَذِهِ المُدَّةِ إنَّما كانَ لِأجْلِ مَعْنًى يَرْجِعُ إلى الجِبِلَّةِ والطَّبْعِ، وهو قِلَّةُ الصَّبْرِ عَلى مُفارَقَةِ الزَّوْجِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الحُرُّ والرَّقِيقُ، كالحَيْضِ، ومُدَّةِ الرَّضاعِ ومُدَّةِ العُنَّةِ.
الحُكْمُ الثّالِثُ: يَصِحُّ الإيلاءُ في حالِ الرِّضا والغَضَبِ، وقالَ مالِكٌ: لا يَصِحُّ إلّا في حالِ الغَضَبِ. لَنا ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ.
صفحة ٧١
الحُكْمُ الرّابِعُ: يَصِحُّ الإيلاءُ مِنَ المَرْأةِ سَواءٌ كانَتْ في صُلْبِ النِّكاحِ، أوْ كانَتْ مُطَلَّقَةً طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، بِدَلِيلِ أنَّ الرَّجْعِيَّةَ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها مِن نِسائِهِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ قالَ: نِسائِي طَوالِقُ، وقَعَ الطَّلاقُ عَلَيْها، وإذا ثَبَتَ أنَّها مِن نِسائِهِ دَخَلَتْ تَحْتَ الآيَةِ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ .
أمّا عَكْسُ هَذِهِ القَضِيَّةِ، وهو أنَّ مَن لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ الوِقاعُ لا يَصِحُّ إيلاؤُهُ، فَفِيهِ حُكْمانِ:
الحُكْمُ الأوَّلُ: إيلاءُ الخَصِيِّ صَحِيحٌ؛ لِأنَّهُ يُجامِعُ كَما يُجامِعُ الفَحْلُ، إنَّما المَفْقُودُ في حَقِّهِ الإنْزالُ، وذَلِكَ لا أثَرَ لَهُ، ولِأنَّهُ داخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ الآيَةِ.
الحُكْمُ الثّانِي: المَجْبُوبُ إنْ بَقِيَ مِنهُ ما يُمْكِنُهُ أنْ يُجامِعَ بِهِ صَحَّ إيلاؤُهُ، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَصِحُّ إيلاؤُهُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ يَصِحُّ لِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَصْدَ المُضارَّةِ بِاليَمِينِ قَدْ حَصَلَ مِنهُ.
القَيْدُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ زَوْجًا، فَلَوْ قالَ لِأجْنَبِيَّةٍ: واللَّهِ لا أُجامِعُكِ. ثُمَّ نَكَحَها، لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ يُفِيدُ أنَّ هَذا الحُكْمَ لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافِرُونَ: ٦] أيْ لَكم لا لِغَيْرِكم.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَحْلُوفُ بِهِ والحَلِفُ إمّا أنْ يَكُونَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ، فَإنْ كانَ بِاللَّهِ كانَ مُولِيًا، ثُمَّ إنْ جامَعَها في مُدَّةِ الإيلاءِ خَرَجَ عَنِ الإيلاءِ، وهَلْ تَجِبُ كَفّارَةُ اليَمِينِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ، الجَدِيدُ وهو الأصَحُّ، وقَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ تَجِبُ كَفّارَةُ اليَمِينِ، والقَدِيمُ أنَّهُ إذا فاءَ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ أوْ في خِلالِ المُدَّةِ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ. (حُجَّةُ القَوْلِ: واللَّهِ لا أقْرَبُكِ ثُمَّ يَقْرَبُها، وبَيْنَ أنْ يَقُولَ: واللَّهِ لا أُكَلِّمُكِ ثُمَّ يُكَلِّمُها)، وحُجَّةُ القَوْلِ القَدِيمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكَفّارَةَ لَوْ كانَتْ واجِبَةً لَذَكَرَها اللَّهُ هاهُنا؛ لِأنَّ الحاجَةَ هاهُنا داعِيَةٌ إلى مَعْرِفَتِها، وتَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ لا يَجُوزُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى كَما لَمْ يَذْكُرْ وُجُوبَ الكَفّارَةِ نَبَّهَ عَلى سُقُوطِها بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والغُفْرانُ يُوجِبُ تَرْكَ المُؤاخَذَةِ. ولِلْأوَّلَيْنِ أنْ يُجِيبُوا فَيَقُولُوا: إنَّما تَرَكَ الكَفّارَةَ هاهُنا لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَها في القُرْآنِ وعَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سائِرِ المَواضِعِ.
أمّا قَوْلُهُ: (غَفُورٌ رَحِيمٌ) فَهو يَدُلُّ عَلى عَدَمِ العِقابِ، لَكِنْ عَدَمُ العِقابِ لا يُنافِي وُجُوبَ الفِعْلِ، كَما أنَّ التّائِبَ عَنِ الزِّنا والقَتْلِ لا عِقابَ عَلَيْهِ، ومَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ والقِصاصُ، وأمّا إنْ كانَ الحَلِفُ في الإيلاءِ بِغَيْرِ اللَّهِ كَما إذا قالَ: إنْ وطِئْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ، أوْ أنْتِ طالِقٌ، أوْ ضَرَّتُكِ طالِقٌ، أوْ ألْزَمَ أمْرًا في الذِّمَّةِ، فَقالَ: إنْ وطِئْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أوْ صَدَقَةٌ، أوْ صَوْمٌ، أوْ حَجٌّ، أوْ صَلاةٌ، فَهَلْ يَكُونُ مُولِيًا ؟ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ في القَدِيمِ: لا يَكُونُ مُولِيًا، وبِهِ قالَ أحْمَدُ في ظاهِرِ الرِّوايَةِ. دَلِيلُهُ أنَّ الإيلاءَ مَعْهُودٌ في الجاهِلِيَّةِ، ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ أنَّ مَعْهُودُ الجاهِلِيَّةِ في هَذا البابِ هو الحَلِفُ بِاللَّهِ، وأيْضًا رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «مَن حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ»، فَمُطْلَقُ الحَلِفِ يُفْهَمُ مِنهُ الحَلِفُ بِاللَّهِ، وقالَ في الجَدِيدِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ وجَماعَةِ العُلَماءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: إنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأنَّ لَفْظَ الإيلاءِ يَتَناوَلُ الكُلَّ، وعَلَّقَ القَوْلَيْنِ، فَيَمِينُهُ مُنْعَقِدَةٌ، فَإنْ كانَ قَدْ عَلَّقَ بِهِ عِتْقًا أوْ طَلاقًا، فَإذا وطِئَها يَقَعُ ذَلِكَ المُتَعَلِّقُ، وإنْ كانَ المُعَلَّقُ بِهِ التِزامَ قُرْبَةٍ في الذِّمَّةِ فَعَلَيْهِ ما في نَذْرِ اللَّجاجِ. وفِيهِ أقْوالٌ:
أصَحُّها: أنَّ عَلَيْهِ كَفّارَةَ اليَمِينِ.
والثّانِي: عَلَيْهِ الوَفاءُ بِما سَمّى.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ
صفحة ٧٢
كَفّارَةِ اليَمِينِ وبَيْنَ الوَفاءِ بِما سَمّى، وفائِدَةُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أنّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا فَبَعْدَ مُضِيِّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ يَضِيقُ الأمْرُ عَلَيْهِ حَتّى يَفِيءَ أوْ يُطَلِّقَ، وإنْ قُلْنا: لا يَكُونُ مُولِيًا لا يَضِيقُ عَلَيْهِ الأمْرُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ مُدَّةِ الإيلاءِ عَلى أقْوالٍ:
فالأوَّلُ: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا يَكُونُ مُولِيًا حَتّى يَحْلِفَ عَلى أنْ لا يَطَأها أبَدًا.
والثّانِي: قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وإسْحاقَ: إنَّ أيَّ مُدَّةٍ حَلِفَ عَلَيْها كانَ مُولِيًا وإنْ كانَتْ يَوْمًا، وهَذانَ المَذْهَبانِ في غايَةِ التَّباعُدِ.
والثّالِثُ: قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والثَّوْرِيِّ أنَّهُ لا يَكُونُ مُولِيًا حَتّى يَحْلِفَ عَلى أنْ لا يَطَأها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ أوْ فِيما زادَ.
والرّابِعُ: قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ ومالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: إنَّهُ لا يَكُونُ مُوِلِيًا حَتّى تَزِيدَ المُدَّةُ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ.
وفائِدَةُ الخِلافِ بَيْنَ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ إذا آلى مِنها أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ أُجِّلَ أرْبَعَةً، وهَذِهِ المُدَّةُ تَكُونُ حَقًّا لِلزَّوْجِ، فَإذا مَضَتْ تُطالِبُ المَرْأةُ الزَّوْجَ بِالفَيْئَةِ أوْ بِالطَّلاقِ، فَإنِ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنهُما طَلَّقَها الحاكِمُ عَلَيْهِ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: إذا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ يَقَعُ الطَّلاقُ بِنَفْسِهِ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ مِن وُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تَقْتَضِي كَوْنَ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ مَشْرُوعَيْنِ مُتَراخِيًا عَنِ انْقِضاءِ الأرْبَعَةِ أشْهُرٍ.
فَإنْ قِيلَ: ما ذَكَرْتُمُوهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ والتَّفْصِيلُ يَعْقُبُ المُفَصَّلَ، كَما تَقُولُ: أنا أنْزِلُ عِنْدَكم هَذا الشَّهْرَ فَإنْ أكْرَمْتُمُونِي بَقِيتُ مَعَكم وإلّا تَرَحَّلْتُ عَنْكم.
قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ﴾ هَذِهِ المُدَّةَ، يَدُلُّ عَلى الأمْرَيْنِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ ورَدَ عَقِيبَ ذِكْرِهِما، فَيَكُونُ هَذا الحُكْمُ مَشْرُوعًا عَقِيبَ الإيلاءِ، وعَقِيبَ حُصُولِ التَّرَبُّصِ في هَذِهِ المُدَّةِ، بِخِلافِ المِثالِ الَّذِي ذَكَرَهُ وهو قَوْلُهُ: أنا أنْزِلُ عِنْدَكم فَإنْ أكْرَمْتُمُونِي بَقِيتُ وإلّا تَرَحَّلْتُ؛ لِأنَّ هُناكَ الفاءَ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ ذَلِكَ النُّزُولِ، أمّا هاهُنا فالفاءُ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ ذِكْرِ الإيلاءِ وذِكْرِ التَّرَبُّصِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ما دَخَلَ الفاءُ عَلَيْهِ واقِعًا عَقِيبَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهَذا كَلامٌ ظاهِرٌ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ وُقُوعَ الطَّلاقِ إنَّما يَكُونُ بِإيقاعِ الزَّوْجِ، وعَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقَعُ الطَّلاقُ بِمُضِيِّ المُدَّةِ، لا بِإيقاعِ الزَّوْجِ.
فَإنْ قِيلَ: الإيلاءُ: الطَّلاقُ في نَفْسِهِ. فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ الإيلاءُ المُتَقَدِّمُ.
قُلْنا: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وإنْ عَزَمَ الَّذِينَ يُؤْلُونَ الطَّلاقَ، فَجَعَلَ المُؤْلِي عازِمًا، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإيلاءُ والعَزْمُ قَدِ اجْتَمَعا، وأمّا الطَّلاقُ فَهو مُتَعَلِّقُ العَزْمِ، ومُتَعَلِّقُ العَزْمِ مُتَأخِّرٌ عَنِ العَزْمِ، فَإذًا الطَّلاقُ مُتَأخِّرٌ عَنِ العَزْمِ لا مَحالَةَ، والإيلاءُ إمّا أنْ يَكُونَ مُقارِنًا لِلْعَزْمِ أوْ مُتَقَدِّمًا، وهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّ الطَّلاقَ في هَذِهِ الآيَةِ مُغايِرٌ لِذَلِكَ الإيلاءِ، وهَذا كَلامٌ ظاهِرٌ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَصْدُرَ مِنَ الزَّوْجِ شَيْءٌ يَكُونُ مَسْمُوعًا، وما ذاكَ إلّا أنْ نَقُولَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ وطَلَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِكَلامِهِمْ، عَلِيمٌ بِما في قُلُوبِهِمْ.
صفحة ٧٣
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِذَلِكَ الإيلاءِ؟
قُلْنا: هَذا يَبْعُدُ؛ لِأنَّ هَذا التَّهْدِيدَ لَمْ يَحْصُلْ عَلى نَفْسِ الإيلاءِ، بَلْ إنَّما حَصَلَ عَلى شَيْءٍ حَصَلَ بَعْدَ الإيلاءِ، وهو كَلامٌ غَيْرُهُ، حَتّى يَكُونَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تَهْدِيدًا عَلَيْهِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا﴾ ظاهِرُهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وقْتُ ثُبُوتِهِما واحِدًا، وعَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ الإيلاءَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِطَلاقٍ، بَلْ هو حَلِفٌ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الجِماعِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً، إلّا أنَّ الشَّرْعَ ضَرَبَ مِقْدارًا مَعْلُومًا مِنَ الزَّمانِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَتْرُكُ جِماعَ المَرْأةِ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ لا بِسَبَبِ المُضارَّةِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا كانَ الزَّمانُ قَصِيرًا، فَأمّا تَرْكُ الجِماعِ زَمانًا طَوِيلًا فَلا يَكُونُ إلّا عِنْدَ قَصْدِ المُضارَّةِ، ولَمّا كانَ الطُّولُ والقِصَرُ في هَذا البابِ أمْرًا غَيْرَ مَضْبُوطٍ، بَيَّنَ تَعالى حَدًّا فاصِلًا بَيْنَ القَصِيرِ والطَّوِيلِ، فَعِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ تَبَيَّنَ قَصْدُ المُضارَّةِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ البَتَّةَ وُقُوعَ الطَّلاقِ، بَلِ اللّائِقُ بِحِكْمَةِ الشَّرْعِ عِنْدَ ظُهُورِ قَصْدِ المُضارَّةِ أنَّهُ يُؤْمَرُ إمّا بِتَرْكِ المُضارَّةِ أوْ بِتَخْلِيصِها مِن قَيْدِ الإيلاءِ، وهَذا المَعْنى مُعْتَبَرٌ في الشَّرْعِ كَما قُلْنا في ضَرْبِ الأجَلِ في مُدَّةِ العِنِّينِ وغَيْرِهِ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: ”فَإنْ فاءُوا فِيهِنَّ“.
والجَوابُ الصَّحِيحُ: أنَّ القِراءَةَ الشّاذَّةَ مَرْدُودَةٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ قُرْآنًا وجَبَ أنْ يَثْبُتَ بِالتَّواتُرِ، فَحَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ بِالتَّواتُرِ قَطَعْنا أنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وأوْلى النّاسِ بِهَذا أبُو حَنِيفَةَ، فَإنَّهُ بِهَذا الحَرْفِ تَمَسَّكَ في أنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ، وأيْضًا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذِهِ الفَيْئَةَ لا تَكُونُ في المُدَّةِ، فالقِراءَةُ الشّاذَّةُ لَمّا كانَتْ مُخالِفَةً لَها وجَبَ القَطْعُ بِفَسادِها.
البقرة 2:227
صفحة ٦٩
”الحُكْمُ العاشِرُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالإيلاءِ والطَّلاقِ“ ١
﴿لِلَّذِينِ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: آلى يُؤالِي إيلاءً، وتَألّى يَتَألّى تَألِّيًا، وائْتَلى يَأْتَلِي ائْتِلاءً، والِاسْمُ مِنهُ ألِيَّةٌ وألُوَّةٌ، كِلاهُما بِالتَّشْدِيدِ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ ألْوَةً وأُلْوَةً وإلْوَةً، ثَلاثَ لُغاتٍ، وبِالجُمْلَةِ فالألِيَّةُ والقَسَمُ واليَمِينُ والحَلِفُ كُلُّها عِباراتٌ عَنْ مَعْنًى واحِدٍ، وفي الحَدِيثِ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«آلَيْتُ أفْعَلُ خِلافَ المُقَدِّرِينَ» “ . وقالَ كُثَيِّرٌ:
قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ فَإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بُرَّتِ
هَذا هو مَعْنى اللَّفْظِ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ، أمّا في عُرْفِ الشَّرْعِ فَهو اليَمِينُ عَلى تَرْكِ الوَطْءِ، كَما إذا قالَ: واللَّهِ لا أُجامِعُكِ، ولا أُباضِعُكِ، ولا أقْرَبُكِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: في الآيَةِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ أنْ يَعْتَزِلُوا مِن نِسائِهِمْ، إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ، وأنا أقُولُ: هَذا الإضْمارُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا حَمَلْنا لَفْظَ الإيلاءِ عَلى المَعْهُودِ اللُّغَوِيِّ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى المُتَعارَفِ في الشَّرْعِ اسْتَغْنَيْنا عَنْ هَذا الإضْمارِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ الإيلاءَ في الجاهِلِيَّةِ كانَ طَلاقًا، قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ الرَّجُلُ لا يُرِيدُ المَرْأةَ ولا يُحِبُّ أنْ يَتَزَوَّجَها غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ أنْ لا يَقْرَبَها، فَكانَ يَتْرُكُها بِذَلِكَ لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، والغَرَضُ مِنهُ مُضارَّةُ المَرْأةِ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ الإسْلامِ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ أيْضًا، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وأمْهَلَ لِلزَّوْجِ مُدَّةً حَتّى يَتَرَوّى ويَتَأمَّلَ، فَإنْ رَأى المَصْلَحَةَ في تَرْكِ هَذِهِ المُضارَّةِ فَعَلَها، وإنْ رَأى المَصْلَحَةَ في المُفارَقَةِ عَنِ المَرْأةِ فارَقَها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”آلَوْا مِن نِسائِهِمْ“ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”يُقْسِمُونَ مِن نِسائِهِمْ“.
أمّا قَوْلُهُ: (مِن نِسائِهِمْ) فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ يُقالُ: المُتَعارَفُ أنْ يُقالَ: حَلَفَ فُلانٌ عَلى كَذا أوْ آلى عَلى كَذا، فَلِمَ أُبْدِلَتْ لَفْظَةُ (عَلى) هاهُنا بِلَفْظَةِ (مِن) ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُرادَ: لَهم مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، كَما يُقالُ: لِي مِنكَ كَذا.
والثّانِي: أنَّهُ ضَمَّنَ في هَذا القَسَمِ مَعْنى البُعْدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَبْعُدُونَ مِن نِسائِهِمْ مُوَلِّينَ أوْ مُقْسِمِينَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّرَبُّصَ التَّلَبُّثُ والِانْتِظارُ، يُقالُ: تَرَبَّصْتُ الشَّيْءَ
صفحة ٧٠
تَرَبُّصًا، ويُقالُ: ما لِي عَلى هَذا الأمْرِ رُبْصَةٌ، أيْ تَلَبُّثٌ، وإضافَةُ التَّرَبُّصِ إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ، كَقَوْلِهِ: بَيْنَهُما مَسِيرَةُ يَوْمٍ، أيْ مَسِيرَةٌ في يَوْمٍ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.
أمّا قَوْلُهُ: (فَإنْ فاءُوا) فَمَعْناهُ: فَإنْ رَجَعُوا، والفَيْءُ في اللُّغَةِ هو رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، ولِهَذا قِيلَ لِما تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ مِنَ الظِّلِّ ثُمَّ يَعُودُ: فَيْءٌ، وفَرَّقَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ بَيْنَ الفَيْءِ والظِّلِّ، فَقالُوا: الفَيْءُ ما كانَ بِالعَشِيِّ؛ لِأنَّهُ الَّذِي نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما كانَ بِالغَداةِ لِأنَّهُ لَمْ تَنْسَخْهُ الشَّمْسُ. وفي الجَنَّةِ ظِلٌّ ولَيْسَ فِيها فَيْءٌ؛ لِأنَّهُ لا شَمْسَ فِيها، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٣٠] وأنْشَدُوا:
فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى يَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ يَذُوقُ
وقِيلَ: فُلانٌ سَرِيعُ الفَيْءِ والفَيْئَةِ، حَكاهُما الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ، أيْ سَرِيعُ الرُّجُوعِ عَنِ الغَضَبِ إلى الحالَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقِيلَ لِما رَدَّهُ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن مالِ المُشْرِكِينَ: فَيْءٌ، كَأنَّهُ كانَ لَهم فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: (فَإنْ فاءُوا) مَعْناهُ: فَإنْ رَجَعُوا عَمّا حَلَفُوا عَلَيْهِ مِن تَرْكِ جِماعِها ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِلزَّوْجِ إذا تابَ مِن إضْرارِهِ بِامْرَأتِهِ، كَما أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِكُلِّ التّائِبِينَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَزْمَ عَقْدُ القَلْبِ عَلى الشَّيْءِ، يُقالُ: عَزَمَ عَلى الشَّيْءِ يَعْزِمُ عَزْمًا وعَزِيمَةً، وعَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَفْعَلَنَّ، أيْ أقْسَمْتُ، والطَّلاقُ مَصْدَرُ طَلَّقْتُ المَرْأةَ أُطَلِّقُ طَلاقًا، وقالَ اللَّيْثُ: طَلُقَتْ بِضَمِّ اللّامِ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: طَلُقَتْ بِضَمِّ اللّامِ مِنَ الطَّلاقِ أجْوَدُ، ومَعْنى الطَّلاقِ هو حَلُّ عَقْدِ النِّكاحِ بِما يَكُونُ حَلالًا في الشَّرْعِ، وأصْلُهُ مِن الِانْطِلاقِ، وهو الذَّهابُ، فالطَّلاقُ عِبارَةٌ عَنِ انْطِلاقِ المَرْأةِ. فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ لَفْظِ الآيَةِ.
* * *
أمّا الأحْكامُ فَكَثِيرَةٌ، ونَذْكُرُ هاهُنا بَعْضَ ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: كُلُّ زَوْجٍ يُتَصَوَّرُ مِنهُ الوِقاعُ، وكانَ تَصَرُّفُهُ مُعْتَبَرًا في الشَّرْعِ، فَإنَّهُ يَصِحُّ مِنهُ الإيلاءُ، وهَذا القَيْدُ مُعْتَبَرٌ طَرْدًا وعَكْسًا. أمّا الطَّرْدُ فَهو أنَّ كُلَّ مَن كانَ كَذَلِكَ صَحَّ إيلاؤُهُ، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أحْكامٌ: الأوَّلُ: يَصِحُّ إيلاءُ الذِّمِّيِّ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: لا يَصِحُّ إيلاؤُهُ بِاللَّهِ تَعالى ويَصِحُّ بِالطَّلاقِ والعَتاقِ. لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ وهَذا العُمُومُ يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُسْلِمَ.
الحُكْمُ الثّانِي: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مُدَّةُ الإيلاءِ لا تَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فَهي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ سَواءٌ كانَ الزَّوْجانِ حُرَّيْنِ أوْ رَقِيقَيْنِ، أوْ أحَدُهُما كانَ حُرًّا والآخَرُ رَقِيقًا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما تَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ، إلّا أنَّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ تَتَنَصَّفُ بِرِقِّ المَرْأةِ، وعِنْدَ مالِكٍ بِرِقِّ الرَّجُلِ، كَما قالا في الطَّلاقِ. لَنا أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ، والتَّخْصِيصُ خِلافُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ هَذِهِ المُدَّةِ إنَّما كانَ لِأجْلِ مَعْنًى يَرْجِعُ إلى الجِبِلَّةِ والطَّبْعِ، وهو قِلَّةُ الصَّبْرِ عَلى مُفارَقَةِ الزَّوْجِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الحُرُّ والرَّقِيقُ، كالحَيْضِ، ومُدَّةِ الرَّضاعِ ومُدَّةِ العُنَّةِ.
الحُكْمُ الثّالِثُ: يَصِحُّ الإيلاءُ في حالِ الرِّضا والغَضَبِ، وقالَ مالِكٌ: لا يَصِحُّ إلّا في حالِ الغَضَبِ. لَنا ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ.
صفحة ٧١
الحُكْمُ الرّابِعُ: يَصِحُّ الإيلاءُ مِنَ المَرْأةِ سَواءٌ كانَتْ في صُلْبِ النِّكاحِ، أوْ كانَتْ مُطَلَّقَةً طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، بِدَلِيلِ أنَّ الرَّجْعِيَّةَ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها مِن نِسائِهِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ قالَ: نِسائِي طَوالِقُ، وقَعَ الطَّلاقُ عَلَيْها، وإذا ثَبَتَ أنَّها مِن نِسائِهِ دَخَلَتْ تَحْتَ الآيَةِ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ .
أمّا عَكْسُ هَذِهِ القَضِيَّةِ، وهو أنَّ مَن لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ الوِقاعُ لا يَصِحُّ إيلاؤُهُ، فَفِيهِ حُكْمانِ:
الحُكْمُ الأوَّلُ: إيلاءُ الخَصِيِّ صَحِيحٌ؛ لِأنَّهُ يُجامِعُ كَما يُجامِعُ الفَحْلُ، إنَّما المَفْقُودُ في حَقِّهِ الإنْزالُ، وذَلِكَ لا أثَرَ لَهُ، ولِأنَّهُ داخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ الآيَةِ.
الحُكْمُ الثّانِي: المَجْبُوبُ إنْ بَقِيَ مِنهُ ما يُمْكِنُهُ أنْ يُجامِعَ بِهِ صَحَّ إيلاؤُهُ، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَصِحُّ إيلاؤُهُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنَّهُ يَصِحُّ لِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَصْدَ المُضارَّةِ بِاليَمِينِ قَدْ حَصَلَ مِنهُ.
القَيْدُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ زَوْجًا، فَلَوْ قالَ لِأجْنَبِيَّةٍ: واللَّهِ لا أُجامِعُكِ. ثُمَّ نَكَحَها، لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ يُفِيدُ أنَّ هَذا الحُكْمَ لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافِرُونَ: ٦] أيْ لَكم لا لِغَيْرِكم.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَحْلُوفُ بِهِ والحَلِفُ إمّا أنْ يَكُونَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ، فَإنْ كانَ بِاللَّهِ كانَ مُولِيًا، ثُمَّ إنْ جامَعَها في مُدَّةِ الإيلاءِ خَرَجَ عَنِ الإيلاءِ، وهَلْ تَجِبُ كَفّارَةُ اليَمِينِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ، الجَدِيدُ وهو الأصَحُّ، وقَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ تَجِبُ كَفّارَةُ اليَمِينِ، والقَدِيمُ أنَّهُ إذا فاءَ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ أوْ في خِلالِ المُدَّةِ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ. (حُجَّةُ القَوْلِ: واللَّهِ لا أقْرَبُكِ ثُمَّ يَقْرَبُها، وبَيْنَ أنْ يَقُولَ: واللَّهِ لا أُكَلِّمُكِ ثُمَّ يُكَلِّمُها)، وحُجَّةُ القَوْلِ القَدِيمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكَفّارَةَ لَوْ كانَتْ واجِبَةً لَذَكَرَها اللَّهُ هاهُنا؛ لِأنَّ الحاجَةَ هاهُنا داعِيَةٌ إلى مَعْرِفَتِها، وتَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ لا يَجُوزُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى كَما لَمْ يَذْكُرْ وُجُوبَ الكَفّارَةِ نَبَّهَ عَلى سُقُوطِها بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والغُفْرانُ يُوجِبُ تَرْكَ المُؤاخَذَةِ. ولِلْأوَّلَيْنِ أنْ يُجِيبُوا فَيَقُولُوا: إنَّما تَرَكَ الكَفّارَةَ هاهُنا لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَها في القُرْآنِ وعَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سائِرِ المَواضِعِ.
أمّا قَوْلُهُ: (غَفُورٌ رَحِيمٌ) فَهو يَدُلُّ عَلى عَدَمِ العِقابِ، لَكِنْ عَدَمُ العِقابِ لا يُنافِي وُجُوبَ الفِعْلِ، كَما أنَّ التّائِبَ عَنِ الزِّنا والقَتْلِ لا عِقابَ عَلَيْهِ، ومَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ والقِصاصُ، وأمّا إنْ كانَ الحَلِفُ في الإيلاءِ بِغَيْرِ اللَّهِ كَما إذا قالَ: إنْ وطِئْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ، أوْ أنْتِ طالِقٌ، أوْ ضَرَّتُكِ طالِقٌ، أوْ ألْزَمَ أمْرًا في الذِّمَّةِ، فَقالَ: إنْ وطِئْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أوْ صَدَقَةٌ، أوْ صَوْمٌ، أوْ حَجٌّ، أوْ صَلاةٌ، فَهَلْ يَكُونُ مُولِيًا ؟ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ في القَدِيمِ: لا يَكُونُ مُولِيًا، وبِهِ قالَ أحْمَدُ في ظاهِرِ الرِّوايَةِ. دَلِيلُهُ أنَّ الإيلاءَ مَعْهُودٌ في الجاهِلِيَّةِ، ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ أنَّ مَعْهُودُ الجاهِلِيَّةِ في هَذا البابِ هو الحَلِفُ بِاللَّهِ، وأيْضًا رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «مَن حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ»، فَمُطْلَقُ الحَلِفِ يُفْهَمُ مِنهُ الحَلِفُ بِاللَّهِ، وقالَ في الجَدِيدِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ وجَماعَةِ العُلَماءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: إنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأنَّ لَفْظَ الإيلاءِ يَتَناوَلُ الكُلَّ، وعَلَّقَ القَوْلَيْنِ، فَيَمِينُهُ مُنْعَقِدَةٌ، فَإنْ كانَ قَدْ عَلَّقَ بِهِ عِتْقًا أوْ طَلاقًا، فَإذا وطِئَها يَقَعُ ذَلِكَ المُتَعَلِّقُ، وإنْ كانَ المُعَلَّقُ بِهِ التِزامَ قُرْبَةٍ في الذِّمَّةِ فَعَلَيْهِ ما في نَذْرِ اللَّجاجِ. وفِيهِ أقْوالٌ:
أصَحُّها: أنَّ عَلَيْهِ كَفّارَةَ اليَمِينِ.
والثّانِي: عَلَيْهِ الوَفاءُ بِما سَمّى.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ
صفحة ٧٢
كَفّارَةِ اليَمِينِ وبَيْنَ الوَفاءِ بِما سَمّى، وفائِدَةُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أنّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا فَبَعْدَ مُضِيِّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ يَضِيقُ الأمْرُ عَلَيْهِ حَتّى يَفِيءَ أوْ يُطَلِّقَ، وإنْ قُلْنا: لا يَكُونُ مُولِيًا لا يَضِيقُ عَلَيْهِ الأمْرُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ مُدَّةِ الإيلاءِ عَلى أقْوالٍ:
فالأوَّلُ: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا يَكُونُ مُولِيًا حَتّى يَحْلِفَ عَلى أنْ لا يَطَأها أبَدًا.
والثّانِي: قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وإسْحاقَ: إنَّ أيَّ مُدَّةٍ حَلِفَ عَلَيْها كانَ مُولِيًا وإنْ كانَتْ يَوْمًا، وهَذانَ المَذْهَبانِ في غايَةِ التَّباعُدِ.
والثّالِثُ: قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والثَّوْرِيِّ أنَّهُ لا يَكُونُ مُولِيًا حَتّى يَحْلِفَ عَلى أنْ لا يَطَأها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ أوْ فِيما زادَ.
والرّابِعُ: قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ ومالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: إنَّهُ لا يَكُونُ مُوِلِيًا حَتّى تَزِيدَ المُدَّةُ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ.
وفائِدَةُ الخِلافِ بَيْنَ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ إذا آلى مِنها أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ أُجِّلَ أرْبَعَةً، وهَذِهِ المُدَّةُ تَكُونُ حَقًّا لِلزَّوْجِ، فَإذا مَضَتْ تُطالِبُ المَرْأةُ الزَّوْجَ بِالفَيْئَةِ أوْ بِالطَّلاقِ، فَإنِ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنهُما طَلَّقَها الحاكِمُ عَلَيْهِ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: إذا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ يَقَعُ الطَّلاقُ بِنَفْسِهِ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ مِن وُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تَقْتَضِي كَوْنَ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ مَشْرُوعَيْنِ مُتَراخِيًا عَنِ انْقِضاءِ الأرْبَعَةِ أشْهُرٍ.
فَإنْ قِيلَ: ما ذَكَرْتُمُوهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ والتَّفْصِيلُ يَعْقُبُ المُفَصَّلَ، كَما تَقُولُ: أنا أنْزِلُ عِنْدَكم هَذا الشَّهْرَ فَإنْ أكْرَمْتُمُونِي بَقِيتُ مَعَكم وإلّا تَرَحَّلْتُ عَنْكم.
قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ﴾ هَذِهِ المُدَّةَ، يَدُلُّ عَلى الأمْرَيْنِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ ورَدَ عَقِيبَ ذِكْرِهِما، فَيَكُونُ هَذا الحُكْمُ مَشْرُوعًا عَقِيبَ الإيلاءِ، وعَقِيبَ حُصُولِ التَّرَبُّصِ في هَذِهِ المُدَّةِ، بِخِلافِ المِثالِ الَّذِي ذَكَرَهُ وهو قَوْلُهُ: أنا أنْزِلُ عِنْدَكم فَإنْ أكْرَمْتُمُونِي بَقِيتُ وإلّا تَرَحَّلْتُ؛ لِأنَّ هُناكَ الفاءَ مُتَأخِّرَةٌ عَنْ ذَلِكَ النُّزُولِ، أمّا هاهُنا فالفاءُ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ ذِكْرِ الإيلاءِ وذِكْرِ التَّرَبُّصِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ما دَخَلَ الفاءُ عَلَيْهِ واقِعًا عَقِيبَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهَذا كَلامٌ ظاهِرٌ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ وُقُوعَ الطَّلاقِ إنَّما يَكُونُ بِإيقاعِ الزَّوْجِ، وعَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقَعُ الطَّلاقُ بِمُضِيِّ المُدَّةِ، لا بِإيقاعِ الزَّوْجِ.
فَإنْ قِيلَ: الإيلاءُ: الطَّلاقُ في نَفْسِهِ. فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ الإيلاءُ المُتَقَدِّمُ.
قُلْنا: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وإنْ عَزَمَ الَّذِينَ يُؤْلُونَ الطَّلاقَ، فَجَعَلَ المُؤْلِي عازِمًا، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإيلاءُ والعَزْمُ قَدِ اجْتَمَعا، وأمّا الطَّلاقُ فَهو مُتَعَلِّقُ العَزْمِ، ومُتَعَلِّقُ العَزْمِ مُتَأخِّرٌ عَنِ العَزْمِ، فَإذًا الطَّلاقُ مُتَأخِّرٌ عَنِ العَزْمِ لا مَحالَةَ، والإيلاءُ إمّا أنْ يَكُونَ مُقارِنًا لِلْعَزْمِ أوْ مُتَقَدِّمًا، وهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّ الطَّلاقَ في هَذِهِ الآيَةِ مُغايِرٌ لِذَلِكَ الإيلاءِ، وهَذا كَلامٌ ظاهِرٌ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَصْدُرَ مِنَ الزَّوْجِ شَيْءٌ يَكُونُ مَسْمُوعًا، وما ذاكَ إلّا أنْ نَقُولَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ وطَلَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِكَلامِهِمْ، عَلِيمٌ بِما في قُلُوبِهِمْ.
صفحة ٧٣
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِذَلِكَ الإيلاءِ؟
قُلْنا: هَذا يَبْعُدُ؛ لِأنَّ هَذا التَّهْدِيدَ لَمْ يَحْصُلْ عَلى نَفْسِ الإيلاءِ، بَلْ إنَّما حَصَلَ عَلى شَيْءٍ حَصَلَ بَعْدَ الإيلاءِ، وهو كَلامٌ غَيْرُهُ، حَتّى يَكُونَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تَهْدِيدًا عَلَيْهِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا﴾ ظاهِرُهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وقْتُ ثُبُوتِهِما واحِدًا، وعَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ الإيلاءَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِطَلاقٍ، بَلْ هو حَلِفٌ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الجِماعِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً، إلّا أنَّ الشَّرْعَ ضَرَبَ مِقْدارًا مَعْلُومًا مِنَ الزَّمانِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَتْرُكُ جِماعَ المَرْأةِ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ لا بِسَبَبِ المُضارَّةِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا كانَ الزَّمانُ قَصِيرًا، فَأمّا تَرْكُ الجِماعِ زَمانًا طَوِيلًا فَلا يَكُونُ إلّا عِنْدَ قَصْدِ المُضارَّةِ، ولَمّا كانَ الطُّولُ والقِصَرُ في هَذا البابِ أمْرًا غَيْرَ مَضْبُوطٍ، بَيَّنَ تَعالى حَدًّا فاصِلًا بَيْنَ القَصِيرِ والطَّوِيلِ، فَعِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ تَبَيَّنَ قَصْدُ المُضارَّةِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ البَتَّةَ وُقُوعَ الطَّلاقِ، بَلِ اللّائِقُ بِحِكْمَةِ الشَّرْعِ عِنْدَ ظُهُورِ قَصْدِ المُضارَّةِ أنَّهُ يُؤْمَرُ إمّا بِتَرْكِ المُضارَّةِ أوْ بِتَخْلِيصِها مِن قَيْدِ الإيلاءِ، وهَذا المَعْنى مُعْتَبَرٌ في الشَّرْعِ كَما قُلْنا في ضَرْبِ الأجَلِ في مُدَّةِ العِنِّينِ وغَيْرِهِ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: ”فَإنْ فاءُوا فِيهِنَّ“.
والجَوابُ الصَّحِيحُ: أنَّ القِراءَةَ الشّاذَّةَ مَرْدُودَةٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ قُرْآنًا وجَبَ أنْ يَثْبُتَ بِالتَّواتُرِ، فَحَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ بِالتَّواتُرِ قَطَعْنا أنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وأوْلى النّاسِ بِهَذا أبُو حَنِيفَةَ، فَإنَّهُ بِهَذا الحَرْفِ تَمَسَّكَ في أنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ، وأيْضًا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذِهِ الفَيْئَةَ لا تَكُونُ في المُدَّةِ، فالقِراءَةُ الشّاذَّةُ لَمّا كانَتْ مُخالِفَةً لَها وجَبَ القَطْعُ بِفَسادِها.
البقرة 2:228
الحُكْمُ الحادِي عَشَرَ
فِي الطَّلاقِ
﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذا المَوْضِعِ أحْكامًا كَثِيرَةً لِلطَّلاقِ:
فالحُكْمُ الأوَّلُ لِلطَّلاقِ وُجُوبُ العِدَّةِ: اعْلَمْ أنَّ المُطَّلَقَةَ هي المَرْأةُ الَّتِي أُوقِعَ الطَّلاقُ عَلَيْها، وهي إمّا أنْ تَكُونَ أجْنَبِيَّةً أوْ مَنكُوحَةً، فَإنْ كانَتْ أجْنَبِيَّةً فَإذا أُوقِعَ الطَّلاقُ عَلَيْها فَهي مُطَلَّقَةٌ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، لَكِنَّها غَيْرُ مُطَلَّقَةٍ بِحَسَبِ عُرْفِ الشَّرْعِ، والعِدَّةُ غَيْرُ واجِبَةٍ عَلَيْها بِالإجْماعِ، وأمّا المَنكُوحَةُ فَهي إمّا أنْ تَكُونَ مَدْخُولًا بِها أوْ لا تَكُونَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِها لَمْ تَجِبِ العِدَّةُ عَلَيْها، قالَ اللَّهُ تَعالى:
صفحة ٧٤
﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحْزابِ: ٤٩] وأمّا إنْ كانَتْ مَدْخُولًا بِها فَهي إمّا أنْ تَكُونَ حائِلًا أوْ حامِلًا، فَإنْ كانَتْ حامِلًا فَعِدَّتُها بِوَضْعِ الحَمْلِ لا بِالأقْراءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطَّلاقِ: ٤] وأمّا إنْ كانَتْ حائِلًا فَإمّا أنْ يَكُونَ الحَيْضُ مُمْكِنًا في حَقِّها أوْ لا يَكُونُ، فَإنِ امْتَنَعَ الحَيْضُ في حَقِّها إمّا لِلصِّغَرِ المُفْرِطِ أوْ لِلْكِبَرِ المُفْرِطِ كانَتْ عِدَّتُها بِالأشْهُرِ لا بِالأقْراءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ [الطَّلاقِ ٤] وأمّا إذا كانَ الحَيْضُ في حَقِّها مُمْكِنًا فَإمّا أنْ تَكُونَ رَقِيقَةً، وإمّا أنْ تَكُونَ حُرَّةً، فَإنْ كانَتْ رَقِيقَةً كانَتْ عِدَّتُها بِقُرْأيْنِ لا بِثَلاثَةٍ، أمّا إذا كانَتِ المَرْأةُ مَنكُوحَةً، وكانَتْ مُطَلَّقَةً بَعْدَ الدُّخُولِ، وكانَتْ حائِلًا، وكانَتْ مِن ذَواتِ الحَيْضِ وكانَتْ حُرَّةً، فَعِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الصِّفاتِ كانَتْ عِدَّتُها بِالأقْراءِ الثَّلاثَةِ عَلى ما بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَها في هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
وفِي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: العامُّ إنَّما يَحْسُنُ تَخْصِيصُهُ إذا كانَ الباقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ أكْثَرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ جَرَتِ العادَةُ بِإطْلاقِ لَفْظِ الكُلِّ عَلى الغالِبِ، يُقالُ في الثَّوْبِ: إنَّهُ أسْوَدُ: إذا كانَ الغالِبُ عَلَيْهِ السَّوادُ، أوْ حَصَلَ فِيهِ بَياضٌ قَلِيلٌ، فَأمّا إذا كانَ الغالِبُ عَلَيْهِ البَياضُ، وكانَ السَّوادُ قَلِيلًا، كانَ انْطِلاقُ لَفْظِ الأسْوَدِ عَلَيْهِ كَذِبًا، فَثَبَتَ أنَّ الشَّرْطَ في كَوْنِ العامِّ مَخْصُوصًا أنْ يَكُونَ الباقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ أكْثَرَ، وهَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَإنَّكم أخْرَجْتُمْ مِن عُمُومِها خَمْسَةَ أقْسامٍ وتَرَكْتُمْ قِسْمًا واحِدًا، فَإطْلاقُ لَفْظِ العامِّ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى.
والجَوابُ: أمّا الأجْنَبِيَّةُ فَخارِجَةٌ عَنِ اللَّفْظِ؛ فَإنَّ الأجْنَبِيَّةَ لا يُقالُ فِيها: إنَّها مُطَلَّقَةٌ، وأمّا غَيْرُ المَدْخُولِ بِها فالقَرِينَةُ تُخْرِجُها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِدَّةِ بَراءَةُ الرَّحِمِ، والحاجَةُ إلى البَراءَةِ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ سَبْقِ الشَّغْلِ، وأمّا الحامِلُ والآيِسَةُ فَهُما خارِجَتانِ عَنِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ إيجابَ الِاعْتِدادِ بِالأقْراءِ إنَّما يَكُونُ حَيْثُ تَحْصُلُ الأقْراءُ، وهَذانِ القِسْمانِ لَمْ تَحْصُلِ الأقْراءُ في حَقِّهِما، وأمّا الرَّقِيقَةُ فَتَزْوِيجُها كالنّادِرِ، فَثَبَتَ أنَّ الأعَمَّ الأغْلَبَ باقٍ تَحْتَ هَذا العُمُومِ.
* * *
السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ لا شَكَّ أنَّهُ خَبَرٌ، والمُرادُ مِنهُ الأمْرُ، فَما الفائِدَةُ في التَّعْبِيرِ عَنِ الأمْرِ بِلَفْظِ الخَبَرِ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ لَكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ أنَّهُ لا يَحْصُلُ المَقْصُودُ إلّا إذا شَرَعْتَ فِيها بِالقَصْدِ والِاخْتِيارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَوْ ماتَ الزَّوْجُ ولَمْ تَعْلَمِ المَرْأةُ ذَلِكَ حَتّى انْقَضَتِ العِدَّةُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ كافِيًا في المَقْصُودِ؛ لِأنَّها لَمّا كانَتْ مَأْمُورَةً بِذَلِكَ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ العُهْدَةِ إلّا إذا قَصَدَتْ أداءَ التَّكْلِيفِ، أمّا لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا التَّكْلِيفَ بِلَفْظِ الخَبَرِ زالَ ذَلِكَ الوَهْمُ، وعُرِفَ أنَّهُ مَهْما انْقَضَتْ هَذِهِ العِدَّةُ حَصَلَ المَقْصُودُ، سَواءٌ عَلِمَتْ ذَلِكَ أوْ لَمْ تَعْلَمْ، وسَواءٌ شَرَعَتْ في العِدَّةِ بِالرِّضا أوْ بِالغَضَبِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: التَّعْبِيرُ عَنِ الأمْرِ بِصِيغَةِ الخَبَرِ يُفِيدُ تَأْكِيدَ الأمْرِ إشْعارًا بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُسارَعَةِ إلى امْتِثالِهِ، فَكَأنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ الأمْرَ بِالتَّرَبُّصِ، فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ مَوْجُودًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: ”رَحِمَكَ اللَّهُ“ أُخْرِجَ في صُورَةِ الخَبَرِ ثِقَةً بِالإجابَةِ، كَأنَّها وُجِدَتِ الرَّحْمَةُ فَهو يُخْبِرُ عَنْها.
* * *
السُّؤالُ الثّالِثُ: لَوْ قالَ: يَتَرَبَّصُ المُطَّلَقاتُ، لَكانَ ذَلِكَ جُمْلَةً مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ، فَما الحِكْمَةُ في تَرْكِ
صفحة ٧٥
ذَلِكَ، وجَعْلِ المُطَلَّقاتِ مُبْتَدَأً، ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، ثُمَّ جَعْلِ هَذِهِ الجُمْلَةَ خَبَرًا عَنْ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ.
الجَوابُ: قالَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ في كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ: إنَّكَ إذا قَدَّمْتَ الِاسْمَ فَقُلْتَ: زَيْدٌ فَعَلَ، فَهَذا يُفِيدُ مِنَ التَّأْكِيدِ والقُوَّةِ ما لا يُفِيدُهُ قَوْلُكَ: فَعَلَ زَيْدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ فَعَلَ، يُسْتَعْمَلُ في أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ ذَلِكَ الفاعِلِ بِذَلِكَ الفِعْلِ، كَقَوْلِكَ: أنا أكْتُبُ في المُهِمِّ الفُلانِيِّ إلى السُّلْطانِ، والمُرادُ دَعْوى الإنْسانِ الِانْفِرادَ.
الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ المَقْصُودُ ذَلِكَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ المُحَدَّثِ عَنْهُ بِحَدِيثِ كَذا لِإثْباتِ ذَلِكَ الفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ: هو يُعْطِي الجَزِيلَ، لا يُرِيدُ الحَصْرَ، بَلْ أنْ يُحَقِّقَ عِنْدَ السّامِعِ أنَّ إعْطاءَ الجَزِيلِ دَأْبُهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٢٠] لَيْسَ المُرادُ تَخْصِيصَ المَخْلُوقِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائِدَةِ: ٦١]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
هُما يَلْبَسانِ المَجْدَ أحْسَنَ لُبْسَةٍ شَجِيعانِ ما اسْطاعا عَلَيْهِ كِلاهُما
والسَّبَبُ في حُصُولِ هَذا المَعْنى عِنْدَ تَقْدِيمِ ذِكْرِ المُبْتَدَأِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: عَبْدُ اللَّهِ، فَقَدْ أشْعَرْتَ بِأنَّكَ تُرِيدُ الإخْبارَ عَنْهُ، فَيَحْصُلُ في العَقْلِ شَوْقٌ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، فَإذا ذَكَرْتَ ذَلِكَ الخَبَرَ قَبِلَهُ العَقْلُ قَبُولَ العاشِقِ لِمَعْشُوقِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في التَّحْقِيقِ ونَفْيِ الشُّبْهَةِ.
* * *
السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلّا قِيلَ: يَتَرَبَّصْنَ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، كَما قِيلَ: ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٦] وما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الأنْفُسِ.
الجَوابُ: في ذِكْرِ الأنْفُسِ تَهْيِيجٌ لَهُنَّ عَلى التَّرَبُّصِ وزِيادَةُ بَعْثٍ؛ لِأنَّ فِيهِ ما يَسْتَنْكِفْنَ مِنهُ فَيَحْمِلُهُنَّ عَلى أنْ يَتَرَبَّصْنَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أنْفُسَ النِّساءِ طَوامِحُ إلى الرِّجالِ، فَأرادَ أنْ يَقْمَعْنَ أنْفُسَهُنَّ ويَغْلِبْنَها عَلى الطُّمُوحِ ويُجْبِرْنَها عَلى التَّرَبُّصِ.
* * *
السُّؤالُ الخامِسُ: لَفْظُ ”أنْفُسٍ“ جَمْعُ قِلَّةٍ، مَعَ أنَّهُنَّ نُفُوسٌ كَثِيرَةٌ، والقُرُوءُ جَمْعُ كَثْرَةٍ، فَلِمَ ذَكَرَ جَمْعَ الكَثْرَةِ مَعَ أنَّ المُرادَ هَذِهِ القُرُوءُ الثَّلاثَةُ وهي قَلِيلَةٌ.
والجَوابُ: أنَّهم يَتَّسِعُونَ في ذَلِكَ فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الجَمْعَيْنِ مَكانَ الآخَرِ لِاشْتِراكِهِما في مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، أوْ لَعَلَّ القُرُوءَ كانَتْ أكْثَرَ اسْتِعْمالًا في جَمْعِ قُرْءٍ مِنَ الأقْراءِ.
* * *
السُّؤالُ السّادِسُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: ثَلاثَ قُرُوءٍ، كَما يُقالُ: ثَلاثَةُ حِيَضٍ.
الجَوابُ: لِأنَّهُ اتَّبَعَ تَذْكِيرَ اللَّفْظِ، ولَفْظُ القُرْءِ مُذَكَّرٌ. فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِالسُّؤالاتِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَ مِنَ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةٌ واحِدَةٌ في حَقِيقَةِ القُرُوءِ، فَنَقُولُ: القُرُوءُ جَمْعُ قَرْءٍ وقُرْءٍ، ولا خِلافَ أنَّ اسْمَ القُرْءِ يَقَعُ عَلى الحَيْضِ والطُّهْرِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأقْراءُ مِنَ الأضْدادِ في كَلامِ العَرَبِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِما كالشَّفَقِ اسْمٌ لِلْحُمْرَةِ والبَياضِ جَمِيعًا، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ في الحَيْضِ، مَجازٌ في الطُّهْرِ، ومِنهم مَن عَكَسَ الأمْرَ، وقالَ قائِلُونَ: إنَّهُ مَوْضُوعٌ بِحَيْثِيَّةِ مَعْنًى واحِدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الحَيْضِ والطُّهْرِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
فالأوَّلُ: أنَّ القُرْءَ هو الِاجْتِماعُ، ثُمَّ في وقْتِ الحَيْضِ يَجْتَمِعُ الدَّمُ في الرَّحِمِ، وفي
صفحة ٧٦
وقْتَ الطُّهْرِ يَجْتَمِعُ الدَّمُ في البَدَنِ، وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ والأخْفَشِ والفَرّاءِ والكِسائِيِّ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدٍ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ الِانْتِقالِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: أنَّ القُرْءَ هو الوَقْتُ، يُقالُ: أقْرَأتِ النُّجُومُ: إذا طَلَعَتْ، وأقْرَأتْ: إذا أفَلَتْ، ويُقالُ: هَذا قارِئُ الرِّياحِ، لِوَقْتِ هُبُوبِها، وأنْشَدُوا لِلْهُذَلِيِّ:
إذا هَبَّتْ لِقارِئِها الرِّياحُ
وإذا ثَبَتَ أنَّ القُرْءَ هو الوَقْتُ دَخَلَ فِيهِ الحَيْضُ والطُّهْرُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما وقْتًا مُعَيَّنًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ المُطَلَّقَةَ أنْ تَعْتَدَّ بِثَلاثَةِ قُرُوءٍ، والظّاهِرُ يَقْتَضِي أنَّها إذا اعْتَدَّتْ بِثَلاثَةِ أشْياءَ تُسَمّى ثَلاثَةَ أقْراءٍ إنْ تَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ، إلّا أنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي ذَلِكَ، بَلْ عَلَيْها أنْ تَعْتَدَّ بِثَلاثَةِ أقْراءٍ مِن أحَدِ الجِنْسَيْنِ، واخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّها الأطْهارُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وزَيْدٍ وعائِشَةَ، والفُقَهاءِ السَّبْعَةِ ومالِكٍ ورَبِيعَةَ وأحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في رِوايَةٍ، وقالَ عَلِيٌّ وعُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ: هي الحِيَضُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى، وابْنِ شُبْرُمَةَ، وإسْحاقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وفائِدَةُ الخِلافِ أنَّ مُدَّةَ العِدَّةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ أقْصَرُ، وعِنْدَهم أطْوَلُ، حَتّى لَوْ طَلَّقَها في حالِ الطُّهْرِ يُحْسَبُ بَقِيَّةُ الطُّهْرِ قُرْءًا، وإنْ حاضَتْ عَقِيبَهُ في الحالِ، فَإذا شَرَعَتْ في الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ انْقَضَتْ عِدَّتُها، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما لَمْ تَطْهُرْ مِنَ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ إنْ كانَ الطَّلاقُ في حالِ الطُّهْرِ، ومِنَ الحَيْضَةِ الرّابِعَةِ إنْ كانَ في حالِ الحَيْضِ لا يُحْكَمُ بِانْقِضاءِ عَدَّتِها، ثُمَّ قالَ: إذا طَهُرَتْ لِأكْثَرِ الحَيْضِ تَنْقَضِي عِدَّتُها قَبْلَ الغُسْلِ، وإنْ طَهُرَتْ لِأقَلِّ الحَيْضِ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُها حَتّى تَغْتَسِلَ أوْ تَتَيَمَّمَ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، أوْ يَمْضِيَ عَلَيْها وقْتُ صَلاةٍ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ مِن وُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطَّلاقِ: ١] ومَعْناهُ في وقْتِ عِدَّتِهِنَّ، لَكِنَّ الطَّلاقَ في زَمانِ الحَيْضِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ زَمانُ العِدَّةِ غَيْرَ زَمانِ الحَيْضِ، أجابَ صاحِبُ الكَشّافِ عَنْهُ فَقالَ: بِمَعْنى مُسْتَقْبِلاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ، كَما يَقُولُ: لِثَلاثٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، يُرِيدُ مُسْتَقْبِلًا لِثَلاثٍ، وأقُولُ: هَذا الكَلامُ يُقَوِّي اسْتِدْلالَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: لِثَلاثٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، مَعْناهُ لِزَمانٍ يَقَعُ الشُّرُوعُ في الثَّلاثِ عَقِيبَهُ، فَكَذا هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ مَعْناهُ: طَلِّقُوهُنَّ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الشُّرُوعُ في العِدَّةِ عَقِيبَهُ، ولَمّا كانَ الأمْرُ حاصِلًا بِالتَّطْلِيقِ في جَمِيعِ زَمانِ الطُّهْرِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الطُّهْرُ الحاصِلُ عَقِيبَ زَمانِ التَّطْلِيقِ مِنَ العِدَّةِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: هَلْ تَدْرُونَ ما الأقْراءُ؟ الأقْراءُ: الأطْهارُ. ثُمَّ قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: والنِّساءُ بِهَذا أعْلَمُ؛ لِأنَّ هَذا إنَّما يُبْتَلى بِهِ النِّساءُ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: ”القُرْءُ“ عِبارَةٌ عَنِ الجَمْعِ، يُقالُ: ما قَرَأتِ النّاقَةُ نَسْلًا قَطُّ، أيْ ما جَمَعَتْ في رَحِمِها ولَدًا قَطُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
هِجانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا
وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: ما قَرَأتْ حَيْضَةً، أيْ: ما ضَمَّتْ رَحِمَها عَلى حَيْضَةٍ، وسُمِّيَ الحَوْضُ مَقْرَأةً لِأنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، وأقْرَأتِ النُّجُومُ: إذا اجْتَمَعَتْ لِلْغُرُوبِ، وسُمِّيَ القُرْآنُ قُرْآنًا لِاجْتِماعِ حُرُوفِهِ وكَلِماتِهِ ولِاجْتِماعِ العُلُومِ الكَثِيرَةِ فِيهِ. وقَرَأ القارِئُ؛ أيْ جَمَعَ الحُرُوفَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ.
صفحة ٧٧
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وقْتُ اجْتِماعِ الدَّمِ إنَّما هو زَمانُ الطُّهْرِ؛ لِأنَّ الدَّمَ يَجْتَمِعُ في ذَلِكَ الزَّمانِ في البَدَنِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: بَلْ زَمانُ الحَيْضِ أوْلى بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ الدَّمَ يَجْتَمِعُ في هَذا الزَّمانِ في الرَّحِمِ.
قُلْنا: الدِّماءُ لا تَجْتَمِعُ في الرَّحِمِ البَتَّةَ، بَلْ تَنْفَصِلُ قَطْرَةً قَطْرَةً، أمّا وقْتُ الطُّهْرِ فالكُلُّ مُجْتَمِعٌ في البَدَنِ، فَكانَ مَعْنى الِاجْتِماعِ في وقْتِ الطُّهْرِ أتَمَّ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ فِيهِ أنَّ اسْمَ القُرْءِ لَمّا دَلَّ عَلى الِاجْتِماعِ فَأكْثَرُ أحْوالِ الرَّحِمِ اجْتِماعًا واشْتِمالًا في الدَّمِ آخِرُ الطُّهْرِ؛ إذْ لَوْ لَمْ تَمْتَلِئْ بِذَلِكَ الفائِضِ لَما سالَتْ إلى الخارِجِ، فَمِن أوَّلِ الطُّهْرِ يَأْخُذُ في الِاجْتِماعِ والِازْدِيادِ إلى آخِرِهِ، والآخَرُ هو حالُ كَمالِ الِاجْتِماعِ، فَكانَ آخِرُ الطُّهْرِ هو القُرْءَ في الحَقِيقَةِ، وهَذا كَلامٌ بَيِّنٌ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الأصْلَ أنْ لا يَكُونَ لِأحَدٍ عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ المُكَلَّفِينَ حَقُّ الحَبْسِ والمَنعِ مِنَ التَّصَرُّفاتِ، تَرَكْنا العَمَلَ بِهِ عِنْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وهو أقَلُّ ما يُسَمّى بِالأقْراءِ الثَّلاثَةِ، وهي الأطْهارُ؛ لِأنَّ الِاعْتِدادَ بِالأطْهارِ أقَلُّ زَمانًا مِن الِاعْتِدادِ بِالحِيَضِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ أثْبَتْنا الأقَلَّ - ضَرُورَةَ العَمَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ - وطَرَحْنا الأكْثَرَ وفاءً بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الأصْلَ أنْ لا يَكُونَ لِأحَدٍ عَلى غَيْرِهِ قُدْرَةُ الحَبْسِ والمَنعِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّها إذا اعْتَدَّتْ بِثَلاثَةِ أشْياءَ تُسَمّى أقْراءً أنْ تَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الطُّهْرِ ومِنَ الحَيْضِ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، فَوَجَبَ أنْ تَخْرُجَ المَرْأةُ عَنِ العُهْدَةِ بِأيِّهِما كانَ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ مُدَّةَ العِدَّةِ بِالأطْهارِ أقَلُّ مِن مُدَّةِ العِدَّةِ بِالحِيَضِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ المَرْأةُ مُخَيَّرَةً بَيْنَ أنْ تَعْتَدَّ بِالمُدَّةِ النّاقِصَةِ أوْ بِالمُدَّةِ الزّائِدَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ مُتَمَكِّنَةً مِن أنْ تَتْرُكَ القَدْرَ الزّائِدَ، لا إلى بَدَلٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ واجِبًا، فَإذَنْ الِاعْتِدادُ بِالقَدْرِ الزّائِدِ عَلى مُدَّةِ الأطْهارِ غَيْرُ واجِبٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ الِاعْتِدادُ بِمُدَّةِ الحَيْضِ واجِبًا، وهو المَطْلُوبُ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الأقْراءَ في اللُّغَةِ وإنْ كانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الأطْهارِ والحِيَضِ إلّا أنَّ في الشَّرْعِ غَلَبَ اسْتِعْمالُها في الحَيْضِ؛ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» “، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ صَرْفُ الأقْراءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ إلى الحَيْضِ أوْلى.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الأقْراءَ حِيَضٌ يُمْكِنُ مَعَهُ اسْتِيفاءُ ثَلاثَةِ أقْراءٍ بِكَمالِها؛ لِأنَّ هَذا القائِلَ يَقُولُ: إنَّ المُطَلَّقَةَ يَلْزَمُها تَرَبُّصُ ثَلاثِ حِيَضٍ، وإنَّما تَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ بِزَوالِ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ، ومَن قالَ: إنَّهُ طُهْرٌ، يَجْعَلُها خارِجَةً مِنَ العِدَّةِ بِقُرْأيْنِ وبَعْضِ الثّالِثِ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ إذا طَلَّقَها في آخِرِ الطُّهْرِ تَعْتَدُّ بِذَلِكَ قُرْءًا، فَإذا كانَ في أحَدِ القَوْلَيْنِ تُكْمِلُ الأقْراءَ الثَّلاثَةَ دُونَ القَوْلِ الآخَرِ كانَ القَوْلُ الأوَّلُ ألْيَقَ بِالظّاهِرِ، أجابَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٧] والأشْهُرُ جَمْعٌ وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، ثُمَّ إنّا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى شَهْرَيْنِ وبَعْضِ الثّالِثِ، وذَلِكَ هو شَوّالٌ، وذُو القِعْدَةِ، وبَعْضُ ذُو الحِجَّةِ، فَكَذا هاهُنا جازَ أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الثَّلاثَةُ عَلى طُهْرَيْنِ وبَعْضِ طُهْرٍ، أجابَ الجُبّائِيُّ مِن شُيُوخِ المُعْتَزِلَةِ عَنْ هَذا الجَوابِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنّا تَرَكْنا الظّاهِرَ في تِلْكَ الآيَةِ لِدَلِيلٍ، فَلَمْ يَلْزَمْنا أنْ نَتْرُكَ الظّاهِرَ هاهُنا مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
والثّانِي: أنْ في
صفحة ٧٨
العِدَّةِ تَرَبُّصًا مُتَّصِلًا، فَلا بُدَّ مِنَ اسْتِيفاءِ الثَّلاثَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ أشْهُرُ الحَجِّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها فِعْلٌ مُتَّصِلٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ الأشْهُرُ وقْتُ الحَجِّ، لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْراقِ، وأجابَ المُتَأخِّرُونَ مِن أصْحابِنا عَنْ هَذِهِ الحُجَّةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَما أنَّ حَمْلَ الأقْراءِ عَلى الأطْهارِ يُوجِبُ النُّقْصانَ عَنِ الثَّلاثَةِ، فَحَمْلُهُ عَلى الحِيَضِ يُوجِبُ الزِّيادَةَ؛ لِأنَّهُ إذا طَلَّقَها في أثْناءِ الطُّهْرِ كانَ ما بَقِيَ مِنَ الطُّهْرِ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنَ العِدَّةِ فَتَحْصُلُ الزِّيادَةُ، وعُذْرُهم عَنْهُ أنَّ هَذِهِ لا بُدَّ مِن تَحَمُّلِها لِأجْلِ الضَّرُورَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ جازَ الطَّلاقُ في الحَيْضِ لَأمَرْناهُ بِالطَّلاقِ في آخِرِ الحَيْضِ حَتّى تَعْتَدَّ بِأطْهارٍ كامِلَةٍ، وإذا اخْتَصَّ الطَّلاقُ بِالطّاهِرِ صارَتْ تِلْكَ الزِّيادَةُ مُتَحَمَّلَةً لِلضَّرُورَةِ، فَنَحْنُ أيْضًا نَقُولُ: لَمّا صارَتِ الأقْراءُ مُفَسَّرَةً بِالأطْهارِ، واللَّهُ تَعالى أمَرَنا بِالطَّلاقِ في الطُّهْرِ، صارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ أطْهارٍ، طُهْرُ الطَّلاقِ فِيهِ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنّا بَيَّنّا أنَّ القُرْءَ اسْمٌ لِلِاجْتِماعِ وكَمالُ الِاجْتِماعِ إنَّما يَحْصُلُ في آخِرِ الطُّهْرِ قُرْءًا تامًّا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ دُخُولُ النُّقْصانِ في شَيْءٍ مِنَ القُرْءِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ لَهم: أنَّهُ تَعالى نَقَلَ إلى الشُّهُورِ عِنْدَ عَدَمِ الحَيْضِ فَقالَ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطَّلاقِ: ٤] فَأقامَ الأشْهُرَ مُقامَ الحَيْضِ دُونَ الأطْهارِ، وأيْضًا لَمّا كانَتِ الأشْهُرُ شُرِعَتْ بَدَلًا عَنِ الأقْراءِ والبَدَلُ يُعْتَبَرُ بِتَمامِها، فَإنَّ الأشْهُرَ لا بُدَّ مِن إتْمامِها، وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الكَمالُ مُعْتَبَرًا في المُبْدَلِ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الأقْراءُ الكامِلَةُ هي الحِيَضَ، أمّا الأطْهارُ فالواجِبُ فِيها قُرْءانِ وبَعْضٌ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ لَهم: قَوْلُهُ ﷺ: ”«طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ، وعِدَّتُها حَيْضَتانِ» “ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ عِدَّةُ الحُرَّةِ هي الحَيْضَ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ الِاسْتِبْراءَ في شِراءِ الجَوارِي يَكُونُ بِالحَيْضَةِ، فَكَذا العِدَّةُ تَكُونُ بِالحَيْضَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن الِاسْتِبْراءِ والعِدَّةِ شَيْءٌ واحِدٌ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ لَهم: أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ في العِدَّةِ اسْتِبْراءُ الرَّحِمِ، والحَيْضُ هو الَّذِي تُسْتَبْرَأُ بِهِ الأرْحامُ دُونَ الطُّهْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ هو الحَيْضَ دُونَ الطُّهْرِ.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ لَهم: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ القُرُوءَ هي الحِيَضُ احْتِياطٌ وتَغْلِيبٌ لِجانِبِ الحُرْمَةِ؛ لِأنَّ المُطَّلَقَةَ إذا مَرَّ عَلَيْها بَقِيَّةُ الطُّهْرِ وطَعَنَتْ في الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ، فَإنْ جَعْلَنا القُرْءَ هو الحَيْضَ، فَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ لِلْغَيْرِ التَّزَوُّجُ بِها، وإنْ جَعَلْنا القُرْءَ طُهْرًا، فَحِينَئِذٍ يَحِلُّ لِلْغَيْرِ التَّزَوُّجُ بِها، وجانِبُ التَّحْرِيمِ أوْلى بِالرِّعايَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: ”«ما اجْتَمَعَ الحَرامُ والحَلالُ إلّا وغَلَبَ الحَرامُ الحَلالَ» “ ولِأنَّ الأصْلَ في الأبْضاعِ الحُرْمَةُ، ولِأنَّ هَذا أقْرَبُ إلى الِاحْتِياطِ، فَكانَ أوْلى؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: ”«دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» “ فَهَذا جُمْلَةُ الوُجُوهِ في هَذا البابِ.
واعْلَمْ أنَّ عِنْدَ تَعارُضِ هَذِهِ الوُجُوهِ تَضْعُفُ التَّرْجِيحاتُ، ويَكُونُ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّ الكُلِّ ما أدّى اجْتِهادُهُ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ فاعْلَمْ أنَّ انْقِضاءَ العِدَّةِ لَمّا كانَ مَبْنِيًّا عَلى انْقِضاءِ القُرْءِ في حَقِّ ذَواتِ الأقْراءِ، ووَضْعِ الحَمْلِ في حَقِّ الحامِلِ، وكانَ الوُصُولُ إلى عِلْمِ ذَلِكَ
صفحة ٧٩
لِلرِّجالِ مُتَعَذِّرًا - جُعِلَتِ المَرْأةُ أمِينَةً في العِدَّةِ، وجُعِلَ القَوْلُ قَوْلَها إذا ادَّعَتِ انْقِضاءَ قُرْئِها في مُدَّةٍ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيها، وهو عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اثْنانِ وثَلاثُونَ يَوْمًا وساعَةٌ؛ لِأنَّ أمْرَها يُحْمَلُ عَلى أنَّها طُلِّقَتْ طاهِرَةً فَحاضَتْ بَعْدَ ساعَةٍ، ثُمَّ حاضَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً، وهو أقَلُّ الحَيْضِ، ثُمَّ طَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وهو أقَلُّ الطُّهْرِ، مَرَّةً أُخْرى يَوْمًا ولَيْلَةً، ثُمَّ طَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ رَأتِ الدَّمَ، فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُها بِحُصُولِ ثَلاثَةِ أطْهارٍ، فَمَتى ادَّعَتْ هَذا أوْ أكْثَرَ مِن هَذا قُبِلَ قَوْلُها، وكَذَلِكَ إذا كانَتْ حامِلًا فادَّعَتْ أنَّها أسْقَطَتْ كانَ القَوْلُ قَوْلَها؛ لِأنَّها عَلى أصْلِ أمانَتِها.
* * *
واعْلَمْ أنَّ لِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الحَبَلُ والحَيْضُ مَعًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَرْأةَ لَها أغْراضٌ كَثِيرَةٌ في كِتْمانِهِما، أمّا كِتْمانُ الحَبَلِ فَإنَّ غَرَضَها فِيهِ أنَّ انْقِضاءَ عِدَّتِها بِالقُرُوءِ أقَلُّ زَمانًا مِنِ انْقِضاءِ عِدَّتِها بِوَضْعِ الحَمْلِ، فَإذا كَتَمَتِ الحَبَلَ قَصُرَتْ مُدَّةُ عِدَّتِها فَتُزَوَّجُ بِسُرْعَةٍ، ورُبَّما كَرِهَتْ مُراجَعَةَ الزَّوْجِ الأوَّلِ، ورُبَّما أحَبَّتِ التَّزَوُّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ أوْ أحَبَّتْ أنْ يَلْتَحِقَ ولَدُها بِالزَّوْجِ الثّانِي، فَلِهَذِهِ الأغْراضِ تَكْتُمُ الحَبَلَ، وأمّا كِتْمانُ الحَيْضِ فَغَرَضُها فِيهِ أنَّ المَرْأةَ إذا طَلَّقَها الزَّوْجُ وهي مِن ذَواتِ الأقْراءِ فَقَدْ تُحِبُّ تَطْوِيلَ عِدَّتِها لِكَيْ يُراجِعَها الزَّوْجُ الأوَّلُ، وقَدْ تُحِبُّ تَقْصِيرَ عِدَّتِها لِتَبْطِيلِ رَجْعَتِهِ، ولا يَتِمُّ لَها ذَلِكَ إلّا بِكِتْمانِ بَعْضِ الحَيْضِ في بَعْضِ الأوْقاتِ؛ لِأنَّها إذا حاضَتْ أوَّلًا فَكَتَمَتْهُ، ثُمَّ أظْهَرَتْ عِنْدَ الحَيْضَةِ الثّانِيَةِ أنَّ ذَلِكَ أوَّلُ حَيْضِها فَقَدْ طَوَّلَتِ العِدَّةَ، وإذا كَتَمَتْ أنَّ الحَيْضَةَ الثّالِثَةَ وُجِدَتْ فَكَمِثْلِهِ، وإذا كَتَمَتْ أنَّ حَيْضَها باقٍ فَقَدْ قَطَعَتِ الرَّجْعَةَ عَلى زَوْجِها، فَثَبَتَ أنَّهُ كَما أنَّ لَها غَرَضًا في كِتْمانِ الحَبَلِ، فَكَذَلِكَ في كِتْمانِ الحَيْضِ، فَوَجَبَ حَمْلُ النَّهْيِ عَلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هو النَّهْيُ عَنْ كِتْمانِ الحَمْلِ فَقَطْ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦] .
وثانِيها: أنَّ الحَيْضَ خارِجٌ عَنِ الرَّحِمِ لا أنَّهُ مَخْلُوقٌ في الرَّحِمِ.
وثالِثُها: أنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ عَلى الوَلَدِ الَّذِي هو جَوْهَرٌ شَرِيفٌ، أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الحَيْضِ الَّذِي هو شَيْءٌ في غايَةِ الخَساسَةِ والقَذَرِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مَنعَها عَنْ إخْفاءِ هَذِهِ الأحْوالِ الَّتِي لا اطِّلاعَ لِغَيْرِها عَلَيْها، وبِسَبَبِها تَخْتَلِفُ أحْوالُ الحُرْمَةِ والحِلِّ في النِّكاحِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ هو النَّهْيُ عَنْ كِتْمانِ الحَيْضِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ عَقِيبَ ذِكْرِ الأقْراءِ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الحَمْلِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُضافَ إلى ما تَقَدَّمَ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ ما يُخْلَقُ في الرَّحِمِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِها مُؤْمِنَةً، بَلْ هَذا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَظْلِمُ: إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَلا تَظْلِمْ، تُرِيدُ إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَيَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَكَ إيمانُكَ عَنْ ظُلْمِي، ولا شَكَّ أنَّ هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ عَلى النِّساءِ، وهو كَما قالَ في الشَّهادَةِ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٣] وقالَ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٣] والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن جُعِلَ أمِينًا في شَيْءٍ فَخانَ فِيهِ فَأمْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ شَدِيدٌ.
* * *
صفحة ٨٠
﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحُكْمُ الثّانِي لِلطَّلاقِ، وهو الرَّجْعِيَّةُ، وفي البُعُولَةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ بَعْلٍ، كالفُحُولَةِ والذُّكُورَةِ والجُدُودَةِ والعُمُومَةِ، وهَذِهِ الهاءُ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، ولا يَجُوزُ إدْخالُها في كُلِّ جَمْعٍ، بَلْ فِيما رَواهُ أهْلُ اللُّغَةِ عَنِ العَرَبِ، فَلا يُقالُ في كَعْبٍ: كُعُوبَةٌ، ولا في كَلْبٍ: كِلابَةٌ، واعْلَمْ أنَّ اسْمَ البَعْلِ مِمّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الزَّوْجانِ، فَيُقالُ لِلْمَرْأةِ: بَعْلَةٌ، كَما يُقالُ لَها: زَوْجَةٌ، في كَثِيرٍ مِنَ اللُّغاتِ، وزَوْجٌ، في أفْصَحِ اللُّغاتِ، فَهُما بَعْلانِ، كَما أنَّهُما زَوْجانِ، وأصْلُ البَعْلِ السَّيِّدُ المالِكُ فِيما قِيلَ، يُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ النّاقَةِ؟ كَما يُقالُ: مَن رَبُّها، وبَعْلٌ اسْمُ صَنَمٍ كانُوا يَتَّخِذُونَهُ رَبًّا، وقَدْ كانَ النِّساءُ يَدْعُونَ أزْواجَهُنَّ بِالسُّؤْدَدِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ البُعُولَةَ مَصْدَرٌ، يُقالُ: بَعَلَ الرَّجُلُ يَبْعَلُ بُعُولَةً: إذا صارَ بَعْلًا، وباعَلَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ: إذا جامَعَها، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في أيّامِ التَّشْرِيقِ: ”«إنَّها أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وبِعالٍ» “ . وامْرَأةٌ حَسَنَةُ البَعْلِ: إذا كانَتْ تُحْسِنُ عِشْرَةَ زَوْجِها، ومِنهُ الحَدِيثُ: ”«إذا أحْسَنْتُنَّ بِبَعْلِ أزْواجِكُنَّ» “، وعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ مَعْنى الآيَةِ: وأهْلُ بُعُولَتِهِنَّ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ فالمَعْنى: أحَقُّ بِرَجْعَتِهِنَّ في مُدَّةِ ذَلِكَ التَّرَبُّصِ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿أحَقُّ﴾ مَعَ أنَّهُ لا حَقَّ لِغَيْرِ الزَّوْجِ في ذَلِكَ؟
الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ كَأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: فَإنَّهُنَّ إنْ كَتَمْنَ لِأجْلِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِهِنَّ زَوْجٌ آخَرُ، فَإذا فَعَلْنَ ذَلِكَ كانَ الزَّوْجُ الأوَّلُ أحَقَّ بِرَدِّهِنَّ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ لِلزَّوْجِ الثّانِي حَقٌّ في الظّاهِرِ، فَبَيَّنَ أنَّ الزَّوْجَ الأوَّلَ أحَقُّ مِنهُ، وكَذا إذا ادَّعَتِ انْقِضاءَ أقْرائِها ثُمَّ عُلِمَ خِلافُهُ فالزَّوْجُ الأوَّلُ أحَقُّ مِنَ الزَّوْجِ الآخَرِ في العِدَّةِ. الثّانِي: إذا كانَتْ مُعْتَدَّةً فَلَها في مُضِيِّ العِدَّةِ حَقُّ انْقِطاعِ النِّكاحِ، فَلَمّا كانَ لَهُنَّ هَذا الحَقُّ الَّذِي يَتَضَمَّنُ إبْطالَ حَقِّ الزَّوْجِ جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ﴾ مِن حَيْثُ إنَّ لَهم أنْ يُبْطِلُوا بِسَبَبِ الرَّجْعَةِ ما هُنَّ عَلَيْهِ مِنَ العِدَّةِ.
* * *
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى الرَّدِّ؟
الجَوابُ: يُقالُ: رَدَدْتُهُ أيْ رَجَعْتُهُ، قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي﴾ [الكَهْفِ: ٣٦] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٥].
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى الرَّدِّ في المُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ؟ وهي ما دامَتْ في العِدَّةِ فَهي زَوْجَتُهُ كَما كانَتْ.
الجَوابُ: أنَّ الرَّدَّ والرَّجْعَةَ يَتَضَمَّنُ إبْطالَ التَّرَبُّصِ والتَّحَرِّي في العِدَّةِ، فَهي ما دامَتْ في العِدَّةِ كَأنَّها كانَتْ جارِيَةً في إبْطالِ حَقِّ الزَّوْجِ، وبِالرَّجْعَةِ يَبْطُلُ ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ سُمِّيَتِ الرَّجْعَةُ رَدًّا، لا سِيَّما ومَذْهَبُ
صفحة ٨١
الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ يَحْرُمُ الِاسْتِمْتاعُ بِها إلّا بَعْدَ الرَّجْعَةِ، فَفي الرَّدِّ عَلى مَذْهَبِهِ شَيْئانِ، أحَدُهُما: رَدُّها مِنَ التَّرَبُّصِ إلى خِلافِهِ. الثّانِي: رَدُّها مِنَ الحُرْمَةِ إلى الحِلِّ.
* * *
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ .
الجَوابُ: أنَّ حَقَّ الرَّدِّ إنَّما يَثْبُتُ في الوَقْتِ الَّذِي هو وقْتُ التَّرَبُّصِ، فَإذا انْقَضى ذَلِكَ الوَقْتُ فَقَدْ بَطَلَ حَقُّ الرَّدَّةِ والرَّجْعَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ فالمَعْنى أنَّ الزَّوْجَ أحَقُّ بِهَذِهِ المُراجَعَةِ إنْ أرادُوا الإصْلاحَ وما أرادُوا المُضارَّةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١] والسَّبَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ في الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَرْجِعُونَ المُطَلَّقاتِ، ويُرِيدُونَ بِذَلِكَ الإضْرارَ بِهِنَّ لِيُطَلِّقُوهُنَّ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، حَتّى تَحْتاجَ المَرْأةُ إلى أنْ تَعْتَدَّ عِدَّةً حادِثَةً، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وجَعَلَ الشَّرْطَ في حِلِّ المُراجَعَةِ إرادَةَ الإصْلاحِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ .
فَإنْ قِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ ”إنْ“ لِلشَّرْطِ، والشَّرْطُ يَقْتَضِي انْتِفاءَ الحُكْمِ عِنْدَ انْتِفائِهِ، فَيَلْزَمُ إذا لَمْ تُوجَدْ إرادَةُ الإصْلاحِ أنْ لا يَثْبُتَ حَقُّ الرَّجْعَةِ.
والجَوابُ: أنَّ الإرادَةَ صِفَةٌ باطِنَةٌ لا اطِّلاعَ لَنا عَلَيْها، فالشَّرْعُ لَمْ يُوقِفْ صِحَّةَ المُراجَعَةِ عَلَيْها، بَلْ جَوازُها فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مَوْقُوفٌ عَلى هَذِهِ الإرادَةِ، حَتّى إنَّهُ لَوْ راجَعَها لِقَصْدِ المُضارَّةِ اسْتَحَقَّ الإثْمَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ المُراجَعَةِ إصْلاحَ حالِها، لا إيصالَ الضَّرَرِ إلَيْها، بَيَّنَ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ حَقًّا عَلى الآخَرِ.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُراعِيًا حَقَّ الآخَرِ، وتِلْكَ الحُقُوقُ المُشْتَرَكَةُ كَثِيرَةٌ، ونَحْنُ نُشِيرُ إلى بَعْضِها.
فَأحَدُها: أنَّ الزَّوْجَ كالأمِيرِ والرّاعِي، والزَّوْجَةَ كالمَأْمُورِ والرَّعِيَّةِ، فَيَجِبُ عَلى الزَّوْجِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ أمِيرًا وراعِيًا أنْ يَقُومَ بِحَقِّها ومَصالِحِها، ويَجِبُ عَلَيْها في مُقابَلَةِ ذَلِكَ إظْهارُ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ لِلزَّوْجِ.
وثانِيها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ”إنِّي لَأتَزَيَّنُ لِامْرَأتِي كَما تَتَزَيَّنُ لِي“ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ .
وثالِثُها: ولَهُنَّ عَلى الزَّوْجِ مِن إرادَةِ الإصْلاحِ عِنْدَ المُراجَعَةِ، مِثْلُ ما عَلَيْهِنَّ مِن تَرْكِ الكِتْمانِ فِيما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ، وهَذا أوْفَقُ لِمُقَدِّمَةِ الآيَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: رَجُلٌ بَيِّنُ الرَّجْلَةِ، أيِ القُوَّةِ، وهو أرْجَلُ الرَّجُلَيْنِ؛ أيْ أقْواهُما، وفَرَسٌ رَجِيلٌ: قَوِيٌّ عَلى المَشْيِ، والرَّجُلُ مَعْرُوفٌ لِقُوَّتِهِ عَلى المَشْيِ، وارْتَجَلَ الكَلامَ؛ أيْ قَوِيَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ فِيهِ إلى فِكْرَةٍ ورَوِيَّةٍ، وتَرَجَّلَ النَّهارُ: قَوِيَ ضِياؤُهُ، وأمّا الدَّرَجَةُ فَهي المَنزِلَةُ، وأصْلُها مِن دَرَجْتُ الشَّيْءَ أدْرُجُهُ دَرْجًا، وأدْرَجْتُهُ إدْراجًا: إذا طَوَيْتَهُ، ودَرَجَ القَوْمُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ؛ أيْ فَنُوا، ومَعْناهُ أنَّهم طَوَوْا عُمُرَهم شَيْئًا فَشَيْئًا، والمَدْرَجَةُ: قارِعَةُ الطَّرِيقِ؛ لِأنَّها تَطْوِي مَنزِلًا بَعْدَ مَنزِلٍ، والدَّرَجَةُ: المَنزِلَةُ مِن مَنازِلِ الطَّرِيقِ، ومِنهُ الدَّرَجَةُ الَّتِي يُرْتَقى فِيها.
* * *
صفحة ٨٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ فَضْلَ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ أمْرٌ مَعْلُومٌ، إلّا أنَّ ذِكْرَهُ هاهُنا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّجُلَ أزْيَدُ في الفَضِيلَةِ مِنَ النِّساءِ في أُمُورٍ:
أحَدُها: العَقْلُ.
والثّانِي: في الدِّيَةِ.
والثّالِثُ: في المَوارِيثِ.
والرّابِعُ: في صَلاحِيَةِ الإمامَةِ والقَضاءِ والشَّهادَةِ.
والخامِسُ: لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها، وأنْ يَتَسَرّى عَلَيْها، ولَيْسَ لَها أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ الزَّوْجِ.
والسّادِسُ: أنَّ نَصِيبَ الزَّوْجِ في المِيراثِ مِنها أكْثَرُ مِن نَصِيبِها في المِيراثِ مِنهُ.
والسّابِعُ: أنَّ الزَّوْجَ قادِرٌ عَلى تَطْلِيقِها، وإذا طَلَّقَها فَهو قادِرٌ عَلى مُراجَعَتِها، شاءَتِ المَرْأةُ أمْ أبَتْ، أمّا المَرْأةُ فَلا تَقْدِرُ عَلى تَطْلِيقِ الزَّوْجِ، وبَعْدَ الطَّلاقِ لا تَقْدِرُ عَلى مُراجَعَةِ الزَّوْجِ ولا تَقْدِرُ أيْضًا عَلى أنْ تَمْنَعَ الزَّوْجَ مِنَ المُراجَعَةِ.
والثّامِنُ: أنَّ نَصِيبَ الرَّجُلِ في سَهْمِ الغَنِيمَةِ أكْثَرُ مِن نَصِيبِ المَرْأةِ.
وإذا ثَبَتَ فَضْلُ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ في هَذِهِ الأُمُورِ، ظَهَرَ أنَّ المَرْأةَ كالأسِيرِ العاجِزِ في يَدِ الرَّجُلِ، ولِهَذا قالَ ﷺ: ”«اسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا؛ فَإنَّهُنَّ عِنْدَكم عَوانٌ» “ وفي خَبَرٍ آخَرَ: «اتَّقُوا اللَّهَ في الضَّعِيفَيْنِ: اليَتِيمِ والمَرْأةِ»، وكانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لِأجْلِ ما جَعَلَ اللَّهُ لِلرِّجالِ مِنَ الدَّرَجَةِ عَلَيْهِنَّ في الِاقْتِدارِ كانُوا مَندُوبِينَ إلى أنْ يُوَفُّوا مِن حُقُوقِهِنَّ أكْثَرَ، فَكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ كالتَّهْدِيدِ لِلرِّجالِ في الإقْدامِ عَلى مُضارَّتِهِنَّ وإيذائِهِنَّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أكْثَرَ، كانَ صُدُورُ الذَّنْبِ عَنْهُ أقْبَحَ، واسْتِحْقاقُهُ لِلزَّجْرِ أشَدَّ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: حُصُولُ المَنافِعِ واللَّذَّةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الجانِبَيْنِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ السَّكَنُ والأُلْفَةُ والمَوَدَّةُ، واشْتِباكُ الأنْسابِ واسْتِكْثارُ الأعْوانِ والأحْبابِ وحُصُولُ اللَّذَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الجانِبَيْنِ، بَلْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ نَصِيبَ المَرْأةِ فِيها أوْفَرُ، ثُمَّ إنَّ الزَّوْجَ اخْتُصَّ بِأنْواعٍ مِن حُقُوقِ الزَّوْجَةِ، وهي التِزامُ المَهْرِ والنَّفَقَةِ، والذَّبُّ عَنْها، والقِيامُ بِمَصالِحِها، ومَنعُها عَنْ مَواقِعِ الآفاتِ، فَكانَ قِيامُ المَرْأةِ بِخِدْمَةِ الرَّجُلِ آكَدَ وُجُوبًا؛ رِعايَةً لِهَذِهِ الحُقُوقِ الزّائِدَةِ، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [النِّساءِ: ٣٤] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«لَوْ أمَرْتُ أحَدًا بِالسُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأمَرْتُ المَرْأةَ بِالسُّجُودِ لِزَوْجِها» “.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ غالِبٌ لا يُمْنَعُ، مُصِيبٌ في أحْكامِهِ وأفْعالِهِ، لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِما احْتِمالُ العَبَثِ والسَّفَهِ والغَلَطِ والباطِلِ.
البقرة 2:229
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحُكْمُ الثّالِثُ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ، وهو الطَّلاقُ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ.
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ ثُمَّ يُراجِعُها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ولَوْ طَلَّقَها ألْفَ مَرَّةٍ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى المُراجَعَةِ ثابِتَةً لَهُ، «فَجاءَتِ امْرَأةٌ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَشَكَتْ أنَّ زَوْجَها يُطَلِّقُها ويُراجِعُها يُضارُّها بِذَلِكَ، فَذَكَرَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ»﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ هَذا الكَلامَ حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ، أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، قالَ قَوْمٌ: إنَّهُ حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ، ومَعْناهُ أنَّ التَّطْلِيقَ الشَّرْعِيَّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ تَطْلِيقَةً بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَّفْرِيقِ دُونَ الجَمْعِ والإرْسالِ
صفحة ٨٣
دُفْعَةً واحِدَةً، وهَذا التَّفْسِيرُ هو قَوْلُ مَن قالَ: الجَمْعُ بَيْنَ الثَّلاثِ حَرامٌ، وزَعَمَ أبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في الأسْرارِ: أنَّ هَذا هو قَوْلُ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وعِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وأبِي الدَّرْداءِ وحُذَيْفَةَ.
والقَوْلُ الأوَّلُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ هَذا لَيْسَ ابْتِداءَ كَلامٍ، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى أنَّ الطَّلاقَ الرَّجْعِيَّ مَرَّتانِ، ولا رَجْعَةَ بَعْدَ الثَّلاثِ، وهَذا التَّفْسِيرُ هو قَوْلُ مَن جَوَّزَ الجَمْعَ بَيْنَ الثَّلاثِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
حُجَّةُ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ لَفْظَ الطَّلاقِ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ إذا لَمْ يَكُونا لِلْمَعْهُودِ أفادا الِاسْتِغْراقَ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كُلُّ الطَّلاقِ مَرَّتانِ، ومَرَّةٌ ثالِثَةٌ، ولَوْ قالَ هَكَذا لَأفادَ أنَّ الطَّلاقَ المَشْرُوعَ مُتَفَرِّقٌ؛ لِأنَّ المَرّاتِ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ تَفَرُّقٍ بِالإجْماعِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ لِبَيانِ الطَّلاقِ المَسْنُونِ، وعِنْدِي الجَمْعُ مُباحٌ لا مَسْنُونٌ.
قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ صِفَةِ السُّنَّةِ، بَلْ كانَ تَفْسِيرُ الأصْلِ الطَّلاقَ، ثُمَّ قالَ: هَذا الكَلامُ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الخَبَرِ، إلّا أنَّ مَعْناهُ هو الأمْرُ، أيْ طَلِّقُوا مَرَّتَيْنِ، يَعْنِي دَفْعَتَيْنِ، وإنَّما وقَعَ العُدُولُ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الأمْرِ بِلَفْظِ الخَبَرِ يُفِيدُ تَأْكِيدَ مَعْنى الأمْرِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الأمْرِ بِتَفْرِيقِ الطَّلَقاتِ، وعَلى التَّشْدِيدِ في ذَلِكَ الأمْرِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ الدِّينِ، أنَّهُ لَوْ طَلَّقَها اثْنَيْنِ أوْ ثَلاثًا لا يَقَعُ إلّا الواحِدَةُ، وهَذا القَوْلُ هو الأقْيَسُ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِ المَنهِيِّ عَنْهُ عَلى مَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ، والقَوْلُ بِالوُقُوعِ سَعْيٌ في إدْخالِ تِلْكَ المَفْسَدَةِ في الوُجُودِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ أنْ يُحْكَمَ بِعَدَمِ الوُقُوعِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ وإنْ كانَ مُحَرَّمًا إلّا أنَّهُ يَقَعُ، وهَذا مِنهُ بِناءً عَلى أنَّ النَّهْيَ لا يَدُلُّ عَلى الفَسادِ.
القَوْلُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ نَقُولَ: إنَّها لَيْسَتْ كَلامًا مُبْتَدَأً، بَلْ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ حَقَّ المُراجَعَةِ ثابِتٌ لِلزَّوْجِ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ الحَقَّ ثابِتٌ دائِمًا أوْ إلى غايَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَكانَ ذَلِكَ كالمُجْمَلِ المُفْتَقِرِ إلى المُبَيِّنِ، أوْ كالعامِّ المُفْتَقِرِ إلى المُخَصِّصِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ الطَّلاقَ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ لِلزَّوْجِ حَقُّ الرَّجْعَةِ، هو أنْ يُوجَدَ طَلْقَتانِ فَقَطْ، وأمّا بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ فَلا يَثْبُتُ البَتَّةَ حَقُّ الرَّجْعَةِ بِالألِفِ واللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ﴾ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، يَعْنِي: ذَلِكَ الطَّلاقُ الَّذِي حَكَمْنا فِيهِ بِثُبُوتِ الرَّجْعَةِ هو أنْ يُوجَدَ مَرَّتَيْنِ، فَهَذا تَفْسِيرٌ حَسَنٌ مُطابِقٌ لِنَظْمِ الآيَةِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْلى وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٨] إنْ كانَ لِكُلِّ الأحْوالِ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى المُخَصِّصِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عامًّا فَهو مُجْمَلٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ الشَّرْطِ الَّذِي عِنْدَهُ يَثْبُتُ حَقُّ الرَّجْعَةِ، فَيَكُونُ مُفْتَقِرًا إلى البَيانِ، فَإذا جَعَلْنا الآيَةَ الثّانِيَةَ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها كانَ المُخَصِّصُ حاصِلًا مَعَ العامِّ المَخْصُوصِ، أوْ كانَ البَيانُ حاصِلًا مَعَ المُجْمَلِ، وذَلِكَ أوْلى مِن أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ وإنْ كانَ جائِزًا إلّا أنَّ الأرْجَحَ أنْ لا يَتَأخَّرَ.
صفحة ٨٤
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: إذا جَعَلْنا هَذا الكَلامَ مُبْتَدَأً، كانَ قَوْلُهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ يَقْتَضِي حَصْرَ كُلِّ الطَّلاقِ في المَرَّتَيْنِ، وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، لا يُقالُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ومَرَّةٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ لا بِقَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾، ولِأنَّ لَفْظَ التَّسْرِيحِ بِالإحْسانِ لا إشْعارَ فِيهِ بِالطَّلاقِ، ولِأنّا لَوْ جَعَلْنا التَّسْرِيحَ هو الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ، لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ طَلْقَةً رابِعَةً، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: ما رُوِّينا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّها إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ امْرَأةٍ شَكَتْ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ زَوْجَها يُطَلِّقُها ويُراجِعُها كَثِيرًا بِسَبَبِ المُضارَّةِ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْ عُمُومِ الآيَةِ، فَكانَ تَنْزِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى مِن تَنْزِيلِها عَلى حُكْمٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ عَنْهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإمْساكُ خِلافُ الإطْلاقِ، والمِساكُ والمُسْكَةُ اسْمانِ مِنهُ، يُقالُ: إنَّهُ لَذُو مُسْكَةٍ ومِساكَةٍ: إذا كانَ بَخِيلًا، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَساكِ غِلْمانِهِ، وفِيهِ مِساكَةٌ مِن جَبْرٍ، أيْ قُوَّةٌ. وأمّا التَّسْرِيحُ فَهو الإرْسالُ، وتَسْرِيحُ الشَّعْرِ تَخْلِيصُكَ بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ، وسَرَّحَ الماشِيَةَ: إذا أرْسَلَها تَرْعى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ذَلِكَ الطَّلاقُ الَّذِي حَكَمْنا فِيهِ بِثُبُوتِ الرَّجْعَةِ لِلزَّوْجِ، هو أنْ يُوجَدَ مَرَّتانِ، ثُمَّ الواجِبُ بَعْدَ هاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ إمّا إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ، ومَعْنى الإمْساكِ بِالمَعْرُوفِ هو أنْ يُراجِعَها لا عَلى قَصْدِ المُضارَّةِ، بَلْ عَلى قَصْدِ الإصْلاحِ والإنْفاعِ.
وفِي مَعْنى الآيَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ تُوقَعَ عَلَيْها الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ، رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ قِيلَ لَهُ ﷺ: فَأيْنَ الثّالِثَةُ؟ فَقالَ ﷺ: هو قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ»﴾ والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ أنْ يَتْرُكَ المُراجَعَةَ حَتّى تَبِينَ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ هو الأقْرَبُ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ تَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلْقَةِ مُتَأخِّرَةً عَنْ ذَلِكَ التَّسْرِيحِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِالتَّسْرِيحِ هو الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ، لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ طَلْقَةً رابِعَةً، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
وثانِيها: أنّا لَوْ حَمَلْنا التَّسْرِيحَ عَلى تَرْكِ المُراجَعَةِ كانَتِ الآيَةُ مُتَناوِلَةً لِجَمِيعِ الأحْوالِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ، إمّا أنْ يُراجِعَها، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أوْ لا يُراجِعَها، بَلْ يَتْرُكَها حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ وتَحْصُلَ البَيْنُونَةُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أوْ يُطَلِّقَها، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ فَكانَتِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى بَيانِ كُلِّ الأقْسامِ، أمّا لَوْ جَعَلْنا التَّسْرِيحَ بِالإحْسانِ طَلاقًا آخَرَ لَزِمَ تَرْكُ أحَدِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، ولَزِمَ التَّكْرِيرُ في ذِكْرِ الطَّلاقِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
وثالِثُها: أنَّ ظاهِرَ التَّسْرِيحِ هو الإرْسالُ والإهْمالُ، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى تَرْكِ المُراجَعَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى التَّطْلِيقِ.
ورابِعُها: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذِكْرِ التَّسْرِيحِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ والمُرادُ بِهِ الخُلْعُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَصِحُّ الخُلْعُ بَعْدَ أنْ طَلَّقَها الثّالِثَةَ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ ظاهِرَةٌ لَوْ لَمْ يَثْبُتِ الخَبَرُ الَّذِي رُوِّيناهُ في صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ الخَبَرُ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
صفحة ٨٥
واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الإحْسانِ هو أنَّهُ إذا تَرَكَها أدّى إلَيْها حُقُوقَها المالِيَّةَ، ولا يَذْكُرُها بَعْدَ المُفارَقَةِ بِسُوءٍ ولا يُنَفِّرُ النّاسَ عَنْها.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحِكْمَةُ في إثْباتِ حَقِّ الرَّجْعَةِ أنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَكُونُ مَعَ صاحِبِهِ لا يَدْرِي أنَّهُ هَلْ تَشُقُّ عَلَيْهِ مُفارَقَتُهُ أوْ لا، فَإذا فارَقَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ الطَّلْقَةَ الواحِدَةَ مانِعَةً مِنَ الرُّجُوعِ لَعَظُمَتِ المَشَقَّةُ عَلى الإنْسانِ بِتَقْدِيرِ أنْ تَظْهَرَ المَحَبَّةُ بَعْدَ المُفارَقَةِ، ثُمَّ لَمّا كانَ كَمالُ التَّجْرِبَةِ لا يَحْصُلُ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ، فَلا جَرَمَ أثْبَتَ تَعالى حَقَّ المُراجَعَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ مَرَّتَيْنِ، وعِنْدَ ذَلِكَ قَدْ جَرَّبَ الإنْسانُ نَفْسَهُ في تِلْكَ المُفارَقَةِ وعَرَفَ حالَ قَلْبِهِ في ذَلِكَ البابِ، فَإنْ كانَ الأصْلَحُ إمْساكَها راجَعَها وأمْسَكَها بِالمَعْرُوفِ، وإنْ كانَ الأصْلَحُ لَهُ تَسْرِيحَها سَرَّحَها عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وهَذا التَّدْرِيجُ والتَّرْتِيبُ يَدُلُّ عَلى كَمالِ رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ بِعَبْدِهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحُكْمُ الرّابِعُ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ، وهو بَيانُ الخُلْعِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ أنْ يَكُونَ التَّسْرِيحُ مَقْرُونًا بِالإحْسانِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِن جُمْلَةِ الإحْسانِ أنَّهُ إذا طَلَّقَها لا يَأْخُذُ مِنها شَيْئًا مِنَ الَّذِي أعْطاها مِنَ المَهْرِ والثِّيابِ وسائِرِ ما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْها؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَلَكَ بُضْعَها، واسْتَمْتَعَ بِها في مُقابَلَةِ ما أعْطاها، فَلا يَجُوزُ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا، ويَدْخُلُ في هَذا النَّهْيِ أنْ يُضَيِّقَ عَلَيْها لِيُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ، كَما قالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النِّساءِ: ١٩] . وقَوْلُهُ هاهُنا: ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ هو كَقَوْلِهِ هُناكَ: ﴿إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النِّساءِ: ١٩] فَثَبَتَ أنَّ الإتْيانَ بِالفاحِشَةِ المُبَيِّنَةِ قَدْ يَكُونُ بِالبَذاءِ وسُوءِ الخُلُقِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطَّلاقِ: ١] فَقِيلَ: المُرادُ مِنَ الفاحِشَةِ المُبَيِّنَةِ البَذاءُ عَلى أحْمائِها، وقالَ أيْضًا: ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النِّساءِ: ٢٠] فَعَظَّمَ في أخْذِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بَعْدَ الإفْضاءِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَنِ الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾، فَإنْ كانَ لِلْأزْواجِ لَمْ يُطابِقْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ وإنْ قُلْتَ: لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ، فَهَؤُلاءِ لا يَأْخُذُونَ مِنهُنَّ شَيْئًا.
قُلْنا: الأمْرانِ جائِزانِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ الآيَةِ خِطابًا لِلْأزْواجِ وآخِرُها خِطابًا لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ، وذَلِكَ غَيْرُ غَرِيبٍ في القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ كُلُّهُ لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالأخْذِ
صفحة ٨٦
والإيتاءِ عِنْدَ التَّرافُعِ إلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم هُمُ الآخِذُونَ والمُؤْتُونَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ الرَّجُلَ أنَّ يَأْخُذَ مِنِ امْرَأتِهِ عِنْدَ الطَّلاقِ شَيْئًا اسْتَثْنى هَذِهِ الصُّورَةَ، وهي مَسْألَةُ الخُلْعِ.
* * *
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في جَمِيلَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وفي زَوْجِها ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وكانَتْ تُبْغِضُهُ أشَدَّ البُغْضِ، وكانَ يُحِبُّها أشَدَّ الحُبِّ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالَتْ: فَرِّقْ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَإنِّي أُبْغِضُهُ، ولَقَدْ رَفَعْتُ طَرَفَ الخِباءِ فَرَأيْتُهُ يَجِيءُ في أقْوامٍ فَكانَ أقْصَرَهم قامَةً، وأقْبَحَهم وجْهًا، وأشَدَّهم سَوادًا، وإنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ بَعْدَ الإسْلامِ. فَقالَ ثابِتٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْها فَلْتَرُدَّ عَلَيَّ الحَدِيقَةَ الَّتِي أعْطَيْتُها. فَقالَ لَها: ما تَقُولِينَ؟ قالَتْ: نَعَمْ وأزِيدُهُ. فَقالَ ﷺ: لا، حَدِيقَتُهُ فَقَطْ. ثُمَّ قالَ لِثابِتٍ: خُذْ مِنها ما أعْطَيْتَها وخَلِّ سَبِيلَها. فَفَعَلَ، فَكانَ ذَلِكَ أوَّلَ خُلْعٍ في الإسْلامِ» . وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ أنَّ المَرْأةَ كانَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ سَهْلٍ الأنْصارِيَّةَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَخافا﴾ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ أوْ مُنْقَطِعٌ، وفائِدَةُ هَذا الخِلافِ تَظْهَرُ في مَسْألَةٍ فِقْهِيَّةٍ، وهي أنَّ أكْثَرَ المُجْتَهِدِينَ قالُوا: يَجُوزُ الخُلْعُ في غَيْرِ حالَةِ الخَوْفِ والغَضَبِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ والنَّخَعِيُّ وداوُدُ: لا يُباحُ الخُلْعُ إلّا عِنْدَ الغَضَبِ والخَوْفِ مِن أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، فَإنْ وقَعَ الخُلْعُ في غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ فالخُلْعُ فاسِدٌ، وحُجَّتُهم أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أنْ يَأْخُذَ مِنَ المَرْأةِ عِنْدَ طَلاقِها شَيْئًا، ثُمَّ اسْتَثْنى اللَّهُ حالَةً مَخْصُوصَةً فَقالَ: ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ فَكانَتِ الآيَةُ صَرِيحَةً في أنَّهُ لا يَجُوزُ الأخْذُ في غَيْرِ حالَةِ الخَوْفِ، وأمّا جُمْهُورُ المُجْتَهِدِينَ فَقالُوا: الخُلْعُ جائِزٌ في حالَةِ الخَوْفِ وفي غَيْرِ حالَةِ الخَوْفِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النِّساءِ: ٤] فَإذا جازَ لَها أنْ تَهَبَ مَهْرَها مِن غَيْرِ أنْ تُحَصِّلَ لِنَفْسِها شَيْئًا بِإزاءِ ما بُذِلَ كانَ ذَلِكَ في الخُلْعِ الَّذِي تَصِيرُ بِسَبَبِهِ مالِكَةً لِنَفْسِها أوْلى، وأمّا كَلِمَةُ ”إلّا“ فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النِّساءِ: ٩٢] أيْ لَكِنْ إنْ كانَ خَطَأً ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ [النِّساءِ: ٩٢].
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخَوْفُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الخَوْفِ المَعْرُوفِ، وهو الإشْفاقُ مِمّا يُكْرَهُ وُقُوعُهُ، ويُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الظَّنِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَوْفَ حالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ، وسَبَبُ حُصُولِها ظَنُّ أنَّهُ سَيَحْدُثُ مَكْرُوهٌ في المُسْتَقْبَلِ، وإطْلاقُ اسْمِ المَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، فَلا جَرَمَ أطْلَقَ عَلى هَذا الظَّنِّ اسْمَ الخَوْفِ، وهَذا مَجازٌ مَشْهُورٌ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: قَدْ خَرَجَ غُلامُكَ بِغَيْرِ إذْنِكَ، فَتَقُولُ: قَدْ خِفْتُ ذَلِكَ، عَلى مَعْنى ظَنَنْتُهُ وتَوَهَّمْتُهُ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
إذا مُتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ تُرَوِّي عِظامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُها
ولا تَدْفِنِّي في الفَلاةِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أخافُ إذا ما مُتُّ أنْ لا أذُوقُها
ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى فِيما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ .
* * *
صفحة ٨٧
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّرْطَ هو حُصُولُ الخَوْفِ لِلرَّجُلِ ولِلْمَرْأةِ، ولا بُدَّ هاهُنا مِن مَزِيدِ بَحْثٍ، فَنَقُولُ: الأقْسامُ المُمْكِنَةُ في هَذا البابِ أرْبَعَةٌ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ هَذا الخَوْفُ حاصِلًا مِن قِبَلِ المَرْأةِ فَقَطْ، أوْ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ فَقَطْ، أوْ لا يَحْصُلَ الخَوْفُ مِن قِبَلِ واحِدٍ مِنهُما، أوْ يَكُونَ الخَوْفُ حاصِلًا مَن قِبَلِهِما مَعًا.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو أنْ يَكُونَ هَذا الخَوْفُ حاصِلًا مِن قِبَلِ المَرْأةِ، وذَلِكَ بِأنْ تَكُونَ المَرْأةُ ناشِزَةً مُبْغِضَةً لِلزَّوْجِ، فَهاهُنا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ أخْذُ المالِ مِنها؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِّيناهُ مِن حَدِيثِ جَمِيلَةَ مَعَ ثابِتٍ؛ لِأنَّها أظْهَرَتِ البُغْضَ، فَجَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَها الخُلْعَ ولِثابِتٍ الأخْذَ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ شَرَطَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ خَوْفَهُما مَعًا، فَكَيْفَ قُلْتُمْ: إنَّهُ يَكْفِي حُصُولُ الخَوْفِ مِنها فَقَطْ.
قُلْنا: سَبَبُ هَذا الخَوْفِ وإنْ كانَ أوَّلُهُ مِن جِهَةِ المَرْأةِ إلّا أنَّهُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخَوْفُ الحاصِلُ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ تَخافُ عَلى نَفْسِها مِن عِصْيانِ اللَّهِ في أمْرِ الزَّوْجِ، وهو يَخافُ أنَّها إذا لَمْ تُطِعْهُ فَإنَّهُ يَضْرِبُها ويَشْتُمُها، ورُبَّما زادَ عَلى قَدْرِ الواجِبِ، فَكانَ الخَوْفُ حاصِلًا لَهُما جَمِيعًا، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ السَّبَبُ مِنها لِأمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجِ، ويَجُوزُ أنْ تَكْرَهَ المَرْأةُ مُصاحَبَةَ ذَلِكَ الزَّوْجِ لِفَقْرِهِ أوْ لِقُبْحِ وجْهِهِ، أوْ لِمَرَضٍ مُنَفِّرٍ مِنهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ المَرْأةُ خائِفَةً مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ في أنْ لا تُطِيعَ الزَّوْجَ، ويَكُونُ الزَّوْجُ خائِفًا مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى مِن أنْ يَقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في بَعْضِ حُقُوقِها.
القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الخَوْفُ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ فَقَطْ، بِأنْ يَضْرِبَها ويُؤْذِيَها حَتّى تَلْتَزِمَ الفِدْيَةَ، فَهَذا المالُ حَرامٌ، بِدَلِيلِ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِدَلِيلِ سائِرِ الآياتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا﴾ [النِّساءِ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النِّساءِ: ٢٠] وهَذا مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في تَحْرِيمِ أخْذِ ذَلِكَ المالِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ لا يَكُونَ هَذا الخَوْفُ حاصِلًا مِن قِبَلِ الزَّوْجِ، ولا مِن قِبَلِ الزَّوْجَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَ أكْثَرِ المُجْتَهِدِينَ: إنَّ هَذا الخُلْعَ جائِزٌ والمالَ المَأْخُوذَ حَلالٌ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ حَرامٌ.
القِسْمُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الخَوْفُ حاصِلًا مِن قِبَلِهِما مَعًا، فَهَذا المالُ حَرامٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الآياتِ الَّتِي تَلَوْناها تَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ أخْذِ ذَلِكَ المالِ إذا كانَ السَّبَبُ حاصِلًا مِن قِبَلِ الزَّوْجِ، ولَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدٌ بِقَيْدِ أنْ يَكُونَ مِن جانِبِ المَرْأةِ سَبَبٌ لِذَلِكَ أمْ لا، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى أفْرَدَ لِهَذا القِسْمِ آيَةً أُخْرى، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ [النِّساءِ: ٣٥] الآيَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَعالى حِلَّ أخْذِ المالِ، فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي قُلْناهُ مِن هَذِهِ الأقْسامِ إنَّما هو فِيما بَيْنَ المُكَلَّفِينَ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، فَأمّا في الظّاهِرِ فَهو جائِزٌ، هَذا هو قَوْلُ الفُقَهاءِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ”إلّا أنْ يُخافا“ بِضَمِّ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وجْهُ قِراءَةِ حَمْزَةَ إبْدالُ أنْ لا يُقِيما مِن ألِفِ الضَّمِيرِ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، كَقَوْلِكَ: خِيفَ زَيْدٌ تَرْكُهُ إقامَةَ حُدُودِ اللَّهِ، وهَذا المَعْنى مُتَأكَّدٌ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ”إلّا أنْ يَخافُوا“ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: خافا، فَجَعَلَ الخَوْفَ لِغَيْرِهِما. وجْهُ قِراءَةِ العامَّةِ إضافَةُ الخَوْفِ إلَيْهِما عَلى ما بَيَّنّا أنَّ المَرْأةَ تَخافُ الفِتْنَةَ عَلى نَفْسِها، والزَّوْجَ يَخافُ أنَّها إنْ لَمْ تُطِعْهُ يَعْتَدِي عَلَيْها.
صفحة ٨٨
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في قَدْرِ ما يَجُوزُ وُقُوعُ الخُلْعُ بِهِ، فَقالَ الشَّعْبِيُّ والزُّهْرِيُّ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وعَطاءٌ وطاوُسٌ: لا يَجُوزُ أنْ يَأْخُذَ أكْثَرَ مِمّا أعْطاها، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: بَلْ ما دُونُ ما أعْطاها حَتّى يَكُونَ الفَضْلُ لَهُ، وأمّا سائِرُ الفُقَهاءِ فَإنَّهم جَوَّزُوا المُخالَعَةَ بِالأزْيَدِ والأقَلِّ والمُساوِي، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِالقُرْآنِ والخَبَرِ والقِياسِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾، فَوَجَبَ أنَّ يَكُونَ هَذا راجِعًا إلى ما آتاها، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ في إباحَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا قَدْرُ ما آتاها مِنَ المَهْرِ، وأمّا الخَبَرُ، رُوِّينا أنَّ ثابِتًا لَمّا طَلَبَ مِن جَمِيلَةَ أنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ، فَقالَتْ جَمِيلَةُ: وأزِيدُهُ. فَقالَ ﷺ: «لا، حَدِيقَتُهُ فَقَطْ» . ولَوْ كانَ الخُلْعُ بِالزّائِدِ جائِزًا لَما جازَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَمْنَعَها مِنهُ، وأمّا القِياسُ فَهو أنَّهُ اسْتَباحَ بَعْضَها، فَلَوْ أخَذَ مِنها أزْيَدَ مِمّا دَفَعَ إلَيْها لَكانَ ذَلِكَ إجْحافًا بِجانِبِ المَرْأةِ وإلْحاقًا لِلضَّرَرِ بِها، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وأمّا سائِرُ الفُقَهاءِ فَإنَّهم قالُوا: الخُلْعُ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يُتَقَيَّدَ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، فَكَما أنَّ لِلْمَرْأةِ أنْ لا تَرْضى عِنْدَ النِّكاحِ إلّا بِالصَّداقِ الكَثِيرِ، فَكَذا لِلزَّوْجِ أنْ لا يَرْضى عِنْدَ المُخالَعَةِ إلّا بِالبَدَلِ الكَثِيرِ، لا سِيَّما وقَدْ أظْهَرَتْ الِاسْتِخْفافَ بِالزَّوْجِ، حَيْثُ أظْهَرَتْ بُغْضَهُ وكَراهَتَهُ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَفَعَتْ إلَيْهِ امْرَأةٌ ناشِزَةٌ أمْرَها، فَأخَذَها عُمَرُ وحَبَسَها في بَيْتِ الزِّبْلِ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ قالَ لَها: كَيْفَ حالُكِ؟ فَقالَتْ: ما بِتُّ أطْيَبَ مِن هاتَيْنِ اللَّيْلَتَيْنِ. فَقالَ عُمَرُ: اخْلَعْها ولَوْ بِقُرْطِها. والمُرادُ اخْلَعْها حَتّى بِقُرْطِها. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ جاءَتْهُ امْرَأةٌ قَدِ اخْتَلَعَتْ مِن زَوْجِها بِكُلِّ شَيْءٍ وبِكُلِّ ثَوْبٍ عَلَيْها إلّا دِرْعَها، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْها.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بائِنَةٌ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وعُثْمانَ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ وعَطاءٍ وابْنِ المُسَيَّبِ وشُرَيْحٍ ومُجاهِدٍ ومَكْحُولٍ والزُّهْرِيِّ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وسُفْيانَ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وطاوُسٌ وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: إنَّهُ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، وهو القَوْلُ الثّانِي لِلشّافِعِيِّ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ.
حُجَّةُ مَن قالَ: إنَّهُ طَلاقٌ، أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّهُ فَسْخٌ أوْ طَلاقٌ، فَإذا بَطَلَ كَوْنُهُ فَسْخًا ثَبَتَ أنَّهُ طَلاقٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ بِفَسْخٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فَسْخًا لَما صَحَّ بِالزِّيادَةِ عَلى المَهْرِ المُسَمّى، كالإقالَةِ في البَيْعِ، وأيْضًا لَوْ كانَ الخُلْعُ فَسْخًا فَإذا خالَعَها ولَمْ يَذْكُرِ المَهْرَ وجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْها المَهْرُ، كالإقالَةِ، فَإنَّ الثَّمَنَ يَجِبُ رَدُّهُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ الخُلْعَ لَيْسَ بِفَسْخٍ، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ طَلاقٌ.
حُجَّةُ مَن قالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِطَلاقٍ وُجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الطَّلاقَ فَقالَ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فَلَوْ كانَ الخُلْعُ طَلاقًا لَكانَ الطَّلاقُ أرْبَعًا، وهَذا الِاسْتِدْلالُ نَقَلَهُ الخَطّابِيُّ في كِتابِ مَعالِمِ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أذِنَ لِثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ في مُخالَعَةِ امْرَأتِهِ، مَعَ أنَّ الطَّلاقَ في زَمانِ الحَيْضِ أوْ في طُهْرٍ حَصَلَ الجِماعُ فِيهِ حَرامٌ، فَلَوْ كانَ الخُلْعُ طَلاقًا لَكانَ يَجِبُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَسْتَكْشِفَ الحالَ في ذَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَسْتَكْشِفْ بَلْ أمَرَهُ بِالخُلْعِ مُطْلَقًا دَلَّ عَلى أنَّ الخُلْعَ لَيْسَ بِطَلاقٍ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ امْرَأةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ لَمّا اخْتَلَعَتْ
صفحة ٨٩
مِنهُ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِدَّتَها حَيْضَةً»، قالَ الخَطّابِيُّ: وهَذا أدَلُّ شَيْءٍ عَلى أنَّ الخُلْعَ فَسْخٌ ولَيْسَ بِطَلاقٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ مُطَلَّقَةً لَمْ يَقْتَصِرْ لَها عَلى قُرْءٍ واحِدٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ فالمَعْنى أنَّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ والخُلْعِ ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾ أيْ: فَلا تَتَجاوَزُوا عَنْها، ثُمَّ بَعْدَ هَذا النَّهْيِ المُؤَكَّدِ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ في سائِرِ الآياتِ ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هُودٍ: ١٨] فَذَكَرَ الظُّلْمَ هاهُنا تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ اللَّعْنِ.
وثانِيها: أنَّ الظّالِمَ اسْمُ ذَمٍّ وتَحْقِيرٍ، فَوُقُوعُ هَذا الِاسْمِ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى الوَعِيدِ.
وثالِثُها: أنَّهُ أطْلَقَ لَفْظَ الظُّلْمِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ظُلْمٌ مِنَ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ، حَيْثُ أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ، وظُلْمٌ أيْضًا لِلْغَيْرِ بِتَقْدِيرِ أنْ لا تُتِمَّ المَرْأةُ عِدَّتَها، أوْ كَتَمَتْ شَيْئًا مِمّا خُلِقَ في رَحِمِها، أوِ الرَّجُلُ تَرَكَ الإمْساكَ بِالمَعْرُوفِ والتَّسْرِيحَ بِالإحْسانِ، أوْ أخَذَ مِن جُمْلَةِ ما آتاها شَيْئًا لا بِسَبَبِ نُشُوزٍ مِن جِهَةِ المَرْأةِ، فَفي كُلِّ هَذِهِ المَواضِعِ يَكُونُ ظالِمًا لِلْغَيْرِ، فَلَوْ أطْلَقَ لَفْظَ الظّالِمِ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ ظالِمًا لِنَفْسِهِ، وظالِمًا لِغَيْرِهِ، وفِيهِ أعْظَمُ التَّهْدِيداتِ.
البقرة 2:230
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحُكْمُ الخامِسُ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ، وهو بَيانُ أنَّ الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ قاطِعَةٌ لِحَقِّ الرَّجْعَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ إشارَةٌ إلى الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ الأوْلى أنْ لا يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ لِلزَّوْجِ مَعَ المَرْأةِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ أحْوالًا ثَلاثَةً، أحَدُها: أنْ يُراجِعَها، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ والثّانِي: أنْ لا يُراجِعَها، بَلْ يَتْرُكَها حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ وتَحْصُلَ البَيْنُونَةُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ والثّالِثُ: أنْ يُطَلِّقَها طَلْقَةً ثالِثَةً، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ فَإذا كانَتِ الأقْسامُ ثَلاثَةً، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ألْفاظًا ثَلاثَةً وجَبَ تَنْزِيلُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ عَلى مَعْنًى مِنَ المَعانِي الثَّلاثَةِ، فَأمّا إنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ عِبارَةً عَنِ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ كُنّا قَدْ صَرَفْنا لَفْظَيْنِ إلى مَعْنًى واحِدٍ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ، وأهْمَلْنا القِسْمَ الثّالِثَ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأوَّلَ أوْلى.
واعْلَمْ أنَّ وُقُوعَ آيَةِ الخُلْعِ فِيما بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ كالشَّيْءِ الأجْنَبِيِّ، ونَظْمُ الآيَةِ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ النَّظْمُ الصَّحِيحُ هو هَذا فَما السَّبَبُ في إيقاعِ آيَةِ الخُلْعِ فِيما بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ؟
صفحة ٩٠
قُلْنا: السَّبَبُ أنَّ الرَّجْعَةَ والخُلْعَ لا يَصِحّانِ إلّا قَبْلَ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، أمّا بَعْدَها فَلا يَبْقى شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ حُكْمَ الرَّجْعَةِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِحُكْمِ الخُلْعِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ الكُلِّ حُكْمَ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ؛ لِأنَّها كالخاتِمَةِ لِجَمِيعِ الأحْكامِ المُعْتَبَرَةِ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ المُجْتَهِدِينَ أنَّ المُطَلَّقَةَ بِالثَّلاثِ لا تَحِلُّ لِذَلِكَ الزَّوْجِ إلّا بِخَمْسِ شَرائِطَ: تَعْتَدُّ مِنهُ، وتَعْقِدُ لِلثّانِي، ويَطَؤُها، ثُمَّ يُطَلِّقُها، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ شَرْطَ الوَطْءِ بِالسُّنَّةِ أوْ بِالكِتابِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: الأمْرانِ مَعْلُومانِ بِالكِتابِ. وهَذا هو المُخْتارُ.
وقَبْلَ الخَوْضِ في الدَّلِيلِ لا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى مُقَدِّمَةٍ، قالَ عُثْمانُ بْنُ جِنِّي: سَألْتُ أبا عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِمْ: نَكَحَ المَرْأةَ، فَقالَ: فَرَّقَتِ العَرَبُ بِالِاسْتِعْمالِ، فَإذا قالُوا: نَكَحَ فُلانٌ فُلانَةَ، أرادُوا أنَّهُ عَقَدَ عَلَيْها، وإذا قالُوا: نَكَحَ امْرَأتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ، أرادُوا بِهِ المُجامَعَةَ. وأقُولُ: هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو عَلِيٍّ كَلامٌ مُحَقَّقٌ بِحَسَبَ القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مُغايِرَةٌ لِذاتِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُضافَيْنِ، فَإذا قِيلَ: نَكَحَ فُلانٌ زَوْجَتَهُ، فَهَذا النِّكاحُ أمْرٌ حاصِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ، فَهَذا النِّكاحُ مُغايِرٌ لَهُ ولِزَوْجَتِهِ، ثُمَّ الزَّوْجَةُ لَيْسَتِ اسْمًا لِتِلْكَ المَرْأةِ بِحَسَبَ ذاتِها، بَلِ اسْمًا لِتِلْكَ الذّاتِ بِشَرْطِ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِالزَّوْجِيَّةِ، فالزَّوْجَةُ ماهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الذّاتِ ومِنَ الزَّوْجِيَّةِ، والمُفْرَدُ مُقَدَّمٌ لا مَحالَةَ عَلى المُرَكَّبِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قُلْنا: نَكَحَ فُلانٌ زَوْجَتَهُ، فالنِّكاحُ مُتَأخِّرٌ عَنِ المَفْهُومِ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، والزَّوْجِيَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الزَّوْجَةِ مِن حَيْثُ إنَّها زَوْجَةٌ، تَقَدُّمَ المُفْرَدِ عَلى المُرَكَّبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ ذَلِكَ النِّكاحَ غَيْرُ الزَّوْجِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ النِّكاحُ غَيْرَ الزَّوْجِيَّةِ، فَكُلُّ مَن قالَ بِذَلِكَ قالَ: إنَّهُ الوَطْءُ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الوَطْءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَنْكِحَ﴾ يَدُلُّ عَلى الوَطْءِ، وقَوْلُهُ: ﴿زَوْجًا﴾ يَدُلُّ عَلى العَقْدِ، وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الآيَةَ غَيْرُ دالَّةٍ عَلى الوَطْءِ وإنَّما ثَبَتَ الوَطْءُ بِالسُّنَّةِ، فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي نَفْيَ الحِلِّ مَمْدُودًا إلى غايَةٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ﴾ وما كانَ غايَةً لِلشَّيْءِ يَجِبُ انْتِهاءُ الحُكْمِ عِنْدَ ثُبُوتِهِ، فَيَلْزَمُ انْتِهاءُ الحُرْمَةِ عِنْدَ حُصُولِ النِّكاحِ، فَلَوْ كانَ النِّكاحُ عِبارَةً عَنِ العَقْدِ لَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى وُجُوبِ انْتِهاءِ الحُرْمَةِ عِنْدَ حُصُولِ العَقْدِ، فَكانَ رَفْعُها بِالخَبَرِ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. أمّا إذا حَمَلْنا النِّكاحَ عَلى الوَطْءِ، وحَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿زَوْجًا﴾ عَلى العَقْدِ، لَمْ يَلْزَمْ هَذا الإشْكالُ، وأمّا الخَبَرُ المَشْهُورُ في السُّنَّةِ فَما رُوِيَ «أنَّ تَمِيمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَظِيِّ، كانَتْ تَحْتَ رِفاعَةَ بْنِ وهْبِ بْنِ عَتِيكٍ القُرَظِيِّ ابْنِ عَمِّها، فَطَلَّقَها ثَلاثًا، فَتَزَوَّجَتْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ القُرَظِيِّ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وقالَتْ: كُنْتُ تَحْتَ رِفاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وإنَّ ما مَعَهُ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، وإنَّهُ طَلَّقَنِي قَبْلَ أنْ يَمَسَّنِي، أفَأرْجِعُ إلى ابْنِ عَمِّي؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ ؟ لا حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ“، والمُرادُ بِالعُسَيْلَةِ الجِماعُ، شَبَّهَ اللَّذَّةَ فِيهِ بِالعَسَلِ. فَلَبِثَتْ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ عادَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَتْ: إنْ زَوْجِي مَسَّنِي. فَكَذَّبَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: كَذَبْتِ في الأوَّلِ فَلَنْ أُصَدِّقَكِ في الآخَرِ. فَلَبِثَتْ حَتّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأتَتْ أبا بَكْرٍ فاسْتَأْذَنَتْ، فَقالَ: لا تَرْجِعِي إلَيْهِ. فَلَبِثَتْ حَتّى مَضى لِسَبِيلِهِ، فَأتَتْ عُمَرَ فاسْتَأْذَنَتْ، فَقالَ: لَئِنْ رَجَعْتِ إلَيْهِ لَأرْجُمَنَّكِ. وفي قِصَّةِ
صفحة ٩١
رِفاعَةَ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ»﴾ .
أمّا القِياسُ فَلِأنَّ المَقْصُودَ مِن تَوْقِيفِ حُصُولِ الحَلِّ عَلى هَذا الشَّرْطِ زَجْرُ الزَّوْجِ عَنِ الطَّلاقِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ الزَّوْجَ يَسْتَنْكِرُ أنْ يَفْتَرِشَ زَوْجَتَهُ رَجُلٌ آخَرُ، ولِهَذا المَعْنى قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلى نِساءِ النَّبِيِّ أنْ يَنْكِحْنَ غَيْرَهُ لِما فِيهِ مِنَ الغَضاضَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الزَّجْرَ إنَّما يَحْصُلُ بِتَوْقِيفِ الحِلِّ عَلى الدُّخُولِ، فَأمّا مُجَرَّدُ العَقْدِ فَلَيْسَ فِيهِ زِيادَةُ نَفْرَةٍ، فَلا يَصِحُّ جَعْلُهُ مانِعًا وزاجِرًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ: إذا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ واحِدَةً أوِ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ نَكَحَتْ زَوْجًا آخَرَ وأصابَها، ثُمَّ عادَتْ إلى الأوَّلِ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْها إلّا طَلْقَةٌ واحِدَةٌ، وهي الَّتِي بَقِيَتْ لَهُ مِنَ الطَّلَقاتِ الأُولى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: بَلْ يَمْلِكُ عَلَيْها ثَلاثًا كَما لَوْ نَكَحَتْ زَوْجًا بَعْدَ الثَّلاثِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ هَذِهِ طَلْقَةٌ ثالِثَةٌ، فَوَجَبَ أنْ تَحْصُلَ الحُرْمَةُ الغَلِيظَةُ، إنَّما قُلْنا: إنَّها طَلْقَةٌ ثالِثَةٌ لِأنَّها طَلْقَةٌ وُجِدَتْ بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ، والطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ مُوجِبَةٌ لِلْحُرْمَةِ الغَلِيظَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ أعَمُّ مِن أنْ يُطَلِّقَها الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ مَسْبُوقًا بِنِكاحِ غَيْرِهِ، أوْ غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِنِكاحِ غَيْرِهِ، فَكانَ الكُلُّ داخِلًا فِيهِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا تَزَوَّجَ بِالمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا لِلْغَيْرِ عَلى أنَّهُ إذا أحَلَّها لِلْأوَّلِ بِأنْ أصابَها فَلا نِكاحَ بَيْنَهُما، فَهَذا نِكاحُ مُتْعَةٍ بِأجَلٍ مَجْهُولٍ، وهو باطِلٌ، ولَوْ تَزَوَّجَها بِشَرْطِ أنْ لا يُطَلِّقَها إذا أحَلَّها لِلْأوَّلِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَصِحُّ. والثّانِي: يَصِحُّ ويَبْطُلُ الشَّرْطُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.
ولَوْ تَزَوَّجَها مُطْلَقًا مُعْتَقِدًا بِأنَّهُ إذا أحَلَّها طَلَّقَها فالنِّكاحُ صَحِيحٌ، ويُكْرَهُ ذَلِكَ، ويَأْثَمُ بِهِ، وقالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ: هَذا النِّكاحُ باطِلٌ، دَلِيلُنا أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحُرْمَةَ تَنْتَهِي بِوَطْءٍ مَسْبُوقٍ بِعَقْدٍ، وقَدْ وُجِدَتْ فَوَجَبَ القَوْلُ بِانْتِهاءِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ حَكَمْنا بِفَسادِ النِّكاحِ فَوَطِئَها، هَلْ يَقَعُ بِهِ التَّحْلِيلُ ؟ قَوْلانِ، والأصَحُّ أنَّهُ لا يَقَعُ بِهِ التَّحْلِيلُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ فالمَعْنى: إنْ طَلَّقَها الزَّوْجُ الثّانِي الَّذِي تَزَوَّجَها بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أيْ عَلى المَرْأةِ المُطَلَّقَةِ والزَّوْجِ الأوَّلِ أنْ يَتَراجَعا بِنِكاحٍ جَدِيدٍ، فَذَكَرَ لَفْظَ النِّكاحِ بِلَفْظِ التَّراجُعِ؛ لِأنَّ الزَّوْجِيَّةَ كانَتْ حاصِلَةً بَيْنَهُما قَبْلَ ذَلِكَ، فَإذا تَناكَحا فَقَدْ تَراجَعا إلى ما كانا عَلَيْهِ مِنَ النِّكاحِ، فَهَذا تَراجُعٌ لُغَوِيٌّ.
* * *
بَقِيَ في الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ عِنْدَما يُطَلِّقُها الزَّوْجُ الثّانِي تَحِلُّ المُراجَعَةُ لِلزَّوْجِ الأوَّلِ، إلّا أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِدَّةِ اسْتِبْراءُ الرَّحِمِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ هاهُنا، وهَذا هو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ في أنَّ التَّحْلِيلَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ؛ لِأنَّ الوَطْءَ لَوْ كانَ مُعْتَبَرًا لَكانَتِ العِدَّةُ واجِبَةً، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِدَّةِ؛ لَأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ حِلَّ المُراجَعَةِ حاصِلٌ عَقِيبَ طَلاقِ الزَّوْجِ الثّانِي، إلّا أنَّ الجَوابَ ما قَدَّمْنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الخَلِيلُ والكِسائِيُّ: مَوْضِعُ ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾ خَفْضٌ بِإضْمارِ الخافِضِ، تَقْدِيرُهُ: في أنْ يَتَراجَعا، وقالَ الفَرّاءُ: مَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ.
* * *
صفحة ٩٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ﴿إنْ ظَنّا﴾ أيْ إنْ عَلِما وأيْقَنا أنَّهُما يُقِيمانِ حُدُودَ اللَّهِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّكَ لا تَقُولُ: عَلِمْتُ أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، ولَكِنْ عَلِمْتُ أنَّهُ يَقُومُ زَيْدٌ.
والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ لا يَعْلَمُ ما في القَدَرِ، وإنَّما يَظُنُّهُ. والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾؛ فَإنَّ المُعْتَبَرَ هُناكَ الظَّنُّ، فَكَذا هاهُنا، وإذا بَطَلَ هَذا القَوْلُ فالمُرادُ مِنهُ نَفْسُ الظَّنِّ، أيْ مَتى حَصَلَ هَذا الظَّنُّ، وحَصَلَ لَهُما العَزْمُ عَلى إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ، حَسُنَتْ هَذِهِ المُراجَعَةُ، ومَتى لَمْ يَحْصُلْ هَذا الظَّنُّ وخافا عِنْدَ المُراجَعَةِ مِن نُشُوزٍ مِنها أوْ إضْرارٍ مِنهُ، فالمُراجَعَةُ تَحْرُمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَلِمَةُ ”إنْ“ في اللُّغَةِ لِلشَّرْطِ، والمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عُدِمَ عِنْدَ عُدْمِ الشَّرْطِ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ مَتى لَمْ يَحْصُلْ هَذا الظَّنُّ لَمْ يَحْصُلْ جَوازُ المُراجَعَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ جَوازَ المُراجَعَةِ ثابِتٌ، سَواءٌ حَصَلَ هَذا الظَّنُّ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّ هَذا شَرْطٌ لِصِحَّةِ المُراجَعَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَلْزَمُهم عِنْدَ المُراجَعَةِ بِالنِّكاحِ الجَدِيدِ رِعايَةُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، وقَصْدُ الإقامَةِ لِحُدُودِ اللَّهِ وأوامِرِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَيَّنَهُ مِنَ التَّكالِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُها﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِقْبالِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَناقِضٌ، وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ أكْثَرُها عامَّةٌ يَتَطَرَّقُ إلَيْها تَخْصِيصاتٌ كَثِيرَةٌ، وأكْثَرُ تِلْكَ المُخَصِّصاتِ إنَّما عُرِفَتْ بِالسُّنَّةِ، فَكانَ المُرادُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ هي حُدُودُ اللَّهِ، وسَيُبَيِّنُها اللَّهُ تَعالى كَمالَ البَيانِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٤].
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبانٍ: ”نُبَيِّنُها“ بِالنُّونِ، وهي نُونُ التَّعْظِيمِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ يَرْجِعُ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى.
والمَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما خُصَّ العُلَماءُ بِهَذا البَيانِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالآياتِ، فَغَيْرُهم بِمَنزِلَةِ مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] .
والثّانِي: أنَّهُ خَصَّهم بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] .
والثّالِثُ: يَعْنِي بِهِ العَرَبَ لِعِلْمِهِمْ بِاللِّسانِ.
والرّابِعُ: يُرِيدُ مَن لَهُ عَقْلٌ وعِلْمٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] والمَقْصُودُ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ إلّا عاقِلًا عالِمًا بِما يُكَلِّفُهُ؛ لِأنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أُزِيحَ عُذْرُ المُكَلَّفِ.
والخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأحْكامِ يُبَيِّنُها اللَّهُ لِمَن يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الكِتابَ وبَعَثَ الرَّسُولَ لِيَعْمَلُوا بِأمْرِهِ ويَنْتَهُوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ.
البقرة 2:231
صفحة ٩٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: أوَّلُ ما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: (﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فَتَكُونُ إعادَةُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الآيَةِ تَكْرِيرًا لِكَلامٍ واحِدٍ في مَوْضِعٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
والجَوابُ: أمّا أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ فَهُمُ الَّذِينَ حَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ عَلى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الطَّلَقاتِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وإنَّما المَشْرُوعُ هو التَّفْرِيقُ، فَهَذا السُّؤالُ ساقِطٌ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ الجَمْعِ والتَّفْرِيقِ، وهَذِهِ الآيَةُ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ الرَّجْعَةِ، وأمّا أصْحابُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وهُمُ الَّذِينَ حَمَلُوا تِلْكَ الآيَةَ عَلى كَيْفِيَّةِ الرَّجْعَةِ، فَهَذا السُّؤالُ وارِدٌ عَلَيْهِمْ، ولَهم أنْ يَقُولُوا: إنَّ مَن ذَكَرَ حُكْمًا يَتَناوَلُ صُوَرًا كَثِيرَةً، وكانَ إثْباتُ ذَلِكَ الحُكْمِ في بَعْضِ تِلْكَ الصُّوَرِ أهَمَّ، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُعِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ الحُكْمِ العامِّ تِلْكَ الصُّورَةَ الخاصَّةَ مَرَّةً أُخْرى؛ لِيَدُلَّ ذَلِكَ التَّكْرِيرُ عَلى أنَّ في تِلْكَ الصُّورَةِ مِن الِاهْتِمامِ ما لَيْسَ في غَيْرِها، وهاهُنا كَذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ لا بُدَّ في مُدَّةِ العِدَّةِ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَفِيهِ بَيانُ أنَّ عِنْدَ مُشارَفَةِ العِدَّةِ عَلى الزَّوالِ لا بُدَّ مِن رِعايَةِ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ رِعايَةَ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عِنْدَ مُشارَفَةِ زَوالِ العِدَّةِ أوْلى بِالوُجُوبِ مِن سائِرِ الأوْقاتِ الَّتِي قَبْلَ هَذا الوَقْتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أعْظَمَ أنْواعِ الإيذاءِ أنْ يُطَلِّقَها، ثُمَّ يُراجِعَها مَرَّتَيْنِ عِنْدَ آخِرِ الأجَلِ حَتّى تَبْقى في العِدَّةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ، فَلَمّا كانَ هَذا أعْظَمَ أنْواعِ المُضارَّةِ لَمْ يَقْبُحْ أنَّ يُعِيدَ اللَّهُ حُكْمَ هَذِهِ الصُّورَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أعْظَمُ الصُّوَرِ اشْتِمالًا عَلى المُضارَّةِ وأوْلاها بِأنْ يَحْتَرِزَ المُكَلَّفُ عَنْها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إشارَةٌ إلى المُراجَعَةِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ المُراجَعَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمّا لَمْ يَكُنْ نِكاحٌ ولا طَلاقٌ إلّا بِكَلامٍ، لَمْ تَكُنِ الرَّجْعَةُ إلّا بِكَلامٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِالوَطْءِ. وقالَ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنْ نَوى الرَّجْعَةَ بِالوَطْءِ كانَتْ رَجْعَةً وإلّا فَلا.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما رُوِيَ «أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وهي حائِضٌ فَسَألَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لْيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ“»، أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالمُراجَعَةِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: [ مِن ] دَرَجاتِ الأمْرِ الجَوازُ، فَنَقُولُ: إنَّهُ كانَ مَأْذُونًا بِالمُراجَعَةِ في زَمانِ الحَيْضِ، وما كانَ مَأْذُونًا بِالوَطْءِ في زَمانِ الحَيْضِ، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ الوَطْءُ رَجْعَةً. وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أمَرَ بِمُجَرَّدِ الإمْساكِ، وإذا وطِئَها فَقَدْ أمْسَكَها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كافِيًا، أمّا الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الكَلامِ، فَظاهِرُ مَذْهَبِهِ أنَّ الإشْهادَ عَلى الرَّجْعَةِ مُسْتَحَبٌّ ولا يَجِبُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ في (الإمْلاءِ): هو واجِبٌ، وهو اخْتِيارُ
صفحة ٩٤
مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، والحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ولا يَكُونُ مَعْرُوفًا إلّا إذا عَرَفَهُ الغَيْرُ، وأجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عِرْفانُ غَيْرِ الشّاهِدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عِرْفانُ الشّاهِدِ واجِبًا. وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّ المُرادَ بِالمَعْرُوفِ هو المُراعاةُ وإيصالُ الخَيْرِ، لا ما ذَكَرْتُمْ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ عِنْدَ بُلُوغِ الأجَلِ حَقَّ المُراجَعَةِ، وبُلُوغُ الأجَلِ عِبارَةٌ عَنِ انْقِضاءِ العِدَّةِ، وعِنْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ لا يَثْبُتُ حَقُّ المُراجَعَةِ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: المُرادُ بِبُلُوغِ الأجَلِ مُشارَفَةُ البُلُوغِ، لا نَفْسُ البُلُوغِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا مِن بابِ المَجازِ الَّذِي يُطْلَقُ فِيهِ اسْمُ الكُلِّ عَلى الأكْثَرِ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ إذا قارَبَ البَلَدَ: قَدْ بَلَغْنا.
الثّانِي: أنَّ الأجَلَ اسْمٌ لِلزَّمانِ، فَنَحْمِلُهُ عَلى الزَّمانِ الَّذِي هو آخِرُ زَمانٍ يُمْكِنُ إيقاعُ الرَّجْعَةِ إلَيْهِ، بِحَيْثُ إذا فاتَ لا يَبْقى بَعْدَهُ مُكْنَةُ الرَّجْعَةِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَلا حاجَةَ بِنا إلى المَجازِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَقُولَ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ لِأنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، فَما الفائِدَةُ في التَّكْرارِ؟
والجَوابُ: الأمْرُ لا يُفِيدُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، فَلا يَتَناوَلُ كُلَّ الأوْقاتِ، أمّا النَّهْيُ فَإنَّهُ يَتَناوَلُ كُلَّ الأوْقاتِ، فَلَعَلَّهُ يُمْسِكُها بِمَعْرُوفٍ في الحالِ، ولَكِنْ في قَلْبِهِ أنْ يُضارَّها في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ انْدَفَعَتِ الشُّبُهاتُ وزالَتْ الِاحْتِمالاتُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: الضِّرارُ هو المُضارَّةُ، قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٧] أيِ اتَّخَذُوا المَسْجِدَ ضِرارًا لِيُضارُّوا المُؤْمِنِينَ، ومَعْناهُ رَجَعَ إلى إثارَةِ العَداوَةِ وإزالَةِ الأُلْفَةِ وإيقاعِ الوَحْشَةِ، ومُوجِباتِ النَّفْرَةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذا الضِّرارِ وُجُوهًا:
أحَدُها: ما رُوِيَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُطَّلِقُ المَرْأةَ ثُمَّ يَدَعُها، فَإذا قارَبَ انْقِضاءُ القُرْءِ الثّالِثِ راجَعَها، وهَكَذا يَفْعَلُ بِها حَتّى تَبْقى في العِدَّةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ أوْ أكْثَرَ.
والثّانِي في تَفْسِيرِ الضِّرارِ: سُوءُ العِشْرَةِ.
والثّالِثُ: تَضْيِيقُ النَّفَقَةِ، واعْلَمْ أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ أكْثَرَ هَذِهِ الأعْمالِ رَجاءَ أنْ تَخْتَلِعَ المَرْأةُ مِنهُ بِمالِها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ لا تُضارُّوهُنَّ فَتَكُونُوا مُعْتَدِينَ، يَعْنِي فَتَكُونُ عاقِبَةُ أمْرِكم ذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصِ: ٨] أيْ فَكانَ لَهم، وهي لامُ العاقِبَةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تُضارُّوهُنَّ عَلى قَصْدِ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِنَّ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُونَ عُصاةً لِلَّهِ، وتَكُونُونَ مُتَعَمِّدِينَ قاصِدِينَ لِتِلْكَ المَعْصِيَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا أعْظَمُ أنْواعِ المَعاصِي.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ظَلَمَ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ.
وثانِيها: ظَلَمَ نَفْسَهُ بِأنْ فَوَّتَ عَلَيْها مَنافِعَ الدُّنْيا والدِّينِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَإنَّهُ إذا اشْتَهَرَ فِيما بَيْنَ النّاسِ بِهَذِهِ المُعامَلَةِ القَبِيحَةِ لا يَرْغَبُ في التَّزَوُّجِ بِهِ ولا مُعامَلَتِهِ أحَدٌ، وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فالثَّوابُ الحاصِلُ عَلى حُسْنِ العِشْرَةِ مَعَ الأهْلِ والثَّوابُ الحاصِلُ عَلى الِانْقِيادِ لِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ مَن نَسِيَ فَلَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدَ أنْ نَصَبَ
صفحة ٩٥
نَفْسَهُ مَنصِبَ مَن يُطِيعُ ذَلِكَ الأمْرَ، يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ اسْتَهْزَأ بِهَذا الأمْرِ ويَلْعَبُ بِهِ، فَعَلى هَذا كُلُّ مَن أُمِرَ بِأنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ طاعَةُ اللَّهِ وطاعَةُ رَسُولِهِ، ثُمَّ وصَلَتْ إلَيْهِ هَذِهِ التَّكالِيفُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في العِدَّةِ والرَّجْعَةِ والخُلْعِ وتَرْكِ المُضارَّةِ فَلا يَتَشَمَّرُ لِأدائِها، كانَ كالمُسْتَهْزِئِ بِها، وهَذا تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُصاةِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ.
وثانِيها: المُرادُ: ولا تَتَسامَحُوا في تَكالِيفِ اللَّهِ كَما يُتَسامَحُ فِيما يَكُونُ مِن بابِ الهَزْلِ والعَبَثِ.
والثّالِثُ: «قالَ أبُو الدَّرْداءِ: كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ في الجاهِلِيَّةِ، ويَقُولُ: طَلَّقْتُ وأنا لاعِبٌ، ويُعْتِقُ ويَنْكِحُ، ويَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقالَ: ”مَن طَلَّقَ أوْ حَرَّرَ أوْ نَكَحَ، فَزَعَمَ أنَّهُ لاعِبٌ فَهو جَدٌّ“» .
والرّابِعُ: قالَ عَطاءٌ: المَعْنى أنَّ المُسْتَغْفِرَ مِنَ الذَّنْبِ إذا كانَ مُصِرًّا عَلَيْهِ أوْ عَلى مِثْلِهِ، كانَ كالمُسْتَهْزِئِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، والأقْرَبُ هو الوَجْهُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ تَهْدِيدٌ، والتَّهْدِيدُ إذا ذُكِرَ بَعْدَ ذِكْرِ التَّكالِيفِ كانَ ذَلِكَ التَّهْدِيدُ تَهْدِيدًا عَلى تَرْكِها، لا عَلى شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِها، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَهم في أداءِ التَّكالِيفِ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، رَغَّبَهم أيْضًا في أدائِها بِأنَّ ذَكَّرَهم أنْواعَ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، فَبَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِها عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، وهَذا يَتَناوَلُ كُلَّ نِعَمِ اللَّهِ عَلى العَبْدِ في الدُّنْيا وفي الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذا نِعَمَ الدِّينِ، وإنَّما خَصَّها بِالذِّكْرِ لِأنَّها أجَلُّ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾، والمَعْنى أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ الكِتابَ والحِكْمَةَ لِيَعِظَكم بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ في أوامِرِهِ كُلِّها، ولا تُخالِفُوهُ في نَواهِيهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
البقرة 2:232
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكم أزْكى لَكم وأطْهَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحُكْمُ السّادِسُ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ، وهو حُكْمُ المَرْأةِ المُطَلَّقَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: رُوِيَ «أنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسارٍ زَوَّجَ أُخْتَهُ جَمِيلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عاصِمٍ، فَطَلَّقَها ثُمَّ تَرَكَها حَتّى انْقَضَتْ عِدَّتُها، ثُمَّ نَدِمَ، فَجاءَ يَخْطِبُها لِنَفْسِهِ، ورَضِيَتِ المَرْأةُ بِذَلِكَ، فَقالَ لَها مَعْقِلٌ: إنَّهُ طَلَّقَكِ ثُمَّ تُرِيدِينَ مُراجَعَتَهُ ؟ وجْهِي مِن وجْهِكِ حَرامٌ إنْ راجَعْتِيهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعْقِلَ بْنَ يَسارٍ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ مَعْقِلٌ: رَغِمَ أنْفِي لِأمْرِ رَبِّي، اللَّهُمَّ رَضِيتُ وسَلَّمْتُ لِأمْرِكَ. وأنْكَحَ أُخْتَهُ زَوْجَها» .
والثّانِي: رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ، أنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كانَتْ لَهُ بِنْتُ عَمٍّ فَطَلَّقَها زَوْجُها، وأرادَ رَجَعَتْها بَعْدَ العِدَّةِ، فَأبى جابِرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ جابِرٌ يَقُولُ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
* * *
صفحة ٩٦
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العَضْلُ المَنعُ، يُقالُ: عَضَلَ فُلانٌ ابْنَتَهُ، إذا مَنَعَها مِنَ التَّزَوُّجِ، فَهو يَعْضُلُها ويَعْضِلُها، بِضَمِّ الضّادِ وبِكَسْرِها، وأنْشَدَ الأخْفَش:
وإنَّ قَصائِدِي لَكَ فاصْطَنِعْنِي كَرائِمَ قَدْ عُضِلْنَ عَنِ النِّكاحِ
وأصْلُ العَضْلِ في اللُّغَةِ الضِّيقُ، يُقالُ: عَضَّلَتِ المَرْأةُ: إذا نَشِبَ الوَلَدُ في بَطْنِها، وكَذَلِكَ عَضَّلَتِ الشّاةُ، وعَضَّلَتِ الأرْضُ بِالجَيْشِ: إذا ضاقَتْ بِهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
تَرى الأرْضَ مِنّا بِالفَضاءِ مَرِيضَةً ∗∗∗ مُعَضِّلَةً مِنّا بِجَيْشِ عَرَمْرَمِ
وأعْضَلَ المَرِيضُ الأطِبّاءَ؛ أيْ أعْياهُمْ، وسُمِّيَتِ العَضَلَةُ عَضَلَةً لِأنَّ القُوى المُحَرِّكَةَ مَنشَؤُها مِنها، ويُقالُ: داءٌ عُضالٌ، لِلْأمْرِ إذا اشْتَدَّ، ومِنهُ قَوْلُ أوْسٍ:
ولَيْسَ أخُوكَ الدّائِمُ العَهْدِ بِالَّذِي ∗∗∗ يَذُمُّكَ إنْ ولّى ويُرْضِيكَ مُقْبِلا
ولَكِنَّهُ النّائِي إذا كُنْتَ آمِنًا ∗∗∗ وصاحِبُكَ الأدْنى إذا الأمْرُ أعْضَلا
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خِطابٌ لِمَن؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ، وهَذا هو المُخْتارُ، الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ، فالشَّرْطُ قَوْلُهُ: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ والجَزاءُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ ولا شَكَّ أنَّ الشَّرْطَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ خِطابٌ مَعَ الأزْواجِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خِطابًا مَعَهم أيْضًا؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ أيُّها الأزْواجُ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أيُّها الأوْلِياءُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ بَيْنَ الشَّرْطِ وبَيْنَ الجَزاءِ مُناسَبَةٌ أصْلًا، وذَلِكَ يُوجِبُ تَفَكُّكَ نَظْمَ الكَلامِ، وتَنْزِيهُ كَلامِ اللَّهِ عَنْ مِثْلِهِ واجِبٌ، فَهَذا كَلامٌ قَوِيٌّ مَتِينٌ في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَأكَّدُ بِوَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:الأوَّلُ: أنَّ مِن أوَّلِ آيَةٍ في الطَّلاقِ إلى هَذا المَوْضِعِ كانَ الخِطابُ كُلُّهُ مَعَ الأزْواجِ، والبَتَّةَ ما جَرى لِلْأوْلِياءِ ذِكْرٌ، فَكانَ صَرْفُ هَذا الخِطابِ إلى الأوْلِياءِ عَلى خِلافِ النَّظْمِ.
والثّانِي: ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ خِطابٌ مَعَ الأزْواجِ في كَيْفِيَّةِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ النِّساءِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، فَإذا جَعَلْنا هَذِهِ الآيَةَ خِطابًا لَهم في كَيْفِيَّةِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ النِّساءِ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ كانَ الكَلامُ مُنْتَظِمًا، والتَّرْتِيبُ مُسْتَقِيمًا، أمّا إذا جَعَلْناهُ خِطابًا لِلْأوْلِياءِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مِثْلُ هَذا التَّرْتِيبِ الحَسَنِ اللَّطِيفِ، فَكانَ صَرْفُ الخِطابِ إلى الأزْواجِ أوْلى.
حُجَّةُ مَن قالَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وهو عُمْدَتُهُمُ الكُبْرى: أنَّ الرِّواياتِ المَشْهُورَةَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ مَعَ الأوْلِياءِ، لا مَعَ الأزْواجِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الحُجَّةِ وبَيْنَ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها كانَتِ الحُجَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها أوْلى بِالرِّعايَةِ؛ لِأنَّ المُحافَظَةَ عَلى نَظْمِ الكَلامِ أوْلى مِنَ المُحافَظَةِ عَلى خَبَرِ الواحِدِ، وأيْضًا فَلِأنَّ الرِّواياتِ مُتَعارِضَةٌ، فَرُوِيَ عَنْ مَعْقِلٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَوْ كانَتْ خِطابًا مَعَ الأزْواجِ لَكانَتْ إمّا أنْ تَكُونَ خِطابًا قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ أوْ مَعَ انْقِضائِها، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الآيَةِ، فَلَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ المَعْنى كانَ تَكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ﴾ فَنَهى
صفحة ٩٧
عَنِ العَضْلِ حالَ حُصُولِ التَّراضِي، ولا يَحْصُلُ التَّراضِي بِالنِّكاحِ إلّا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِالخُطْبَةِ، ولا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ بِالخِطْبَةِ إلّا بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٥] .
والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ لَيْسَ لِلزَّوْجِ قُدْرَةٌ عَلى عَضْلِ المَرْأةِ، فَكَيْفَ يُصْرَفُ هَذا النَّهْيُ إلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَشْتَدُّ نَدَمُهُ عَلى مُفارَقَةِ المَرْأةِ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، وتَلْحَقُهُ الغَيْرَةُ إذا رَأى مَن يَخْطُبُها، وحِينَئِذٍ يَعْضُلُها عَنْ أنْ يَنْكِحَها غَيْرُهُ، إمّا بِأنْ يَجْحَدَ الطَّلاقَ أوْ يَدَّعِيَ أنَّهُ كانَ راجَعَها في العِدَّةِ، أوْ يَدُسَّ إلى مَن يَخْطُبُها بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أوْ يُسِيءَ القَوْلَ فِيها، وذَلِكَ بِأنْ يَنْسُبَها إلى أُمُورٍ تُنَفِّرُ الرَّجُلَ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيها، فاللَّهُ تَعالى نَهى الأزْواجَ عَنْ هَذِهِ الأفْعالِ وعَرَّفَهم أنَّ تَرْكَ هَذِهِ الأفْعالِ أزْكى لَهم وأطْهَرُ مِن دَنَسِ الآثامِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ لَهم: قالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ مَعْناهُ: ولا تَمْنَعُوهُنَّ مِن أنْ يَنْكِحْنَ الَّذِينَ كانُوا أزْواجًا لَهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وهَذا الكَلامُ لا يَنْتَظِمُ إلّا إذا جَعَلْنا الآيَةَ خِطابًا لِلْأوْلِياءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُنَّ مِنَ العَوْدِ إلى الَّذِينَ كانُوا أزْواجًا لَهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأمّا إذا جَعَلْنا الآيَةَ خِطابًا لِلْأزْواجِ، فَهَذا الكَلامُ لا يَصِحُّ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَتَزَوَّجُوهُنَّ فَيَكُونُونَ أزْواجًا، والعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَمَسَّكَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ النِّكاحَ بِغَيْرٍ ولِيٍّ لا يَجُوزُ، وبَنى ذَلِكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى أنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الأوْلِياءِ. قالَ: وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّزْوِيجُ إلى الأوْلِياءِ لا إلى النِّساءِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِلْمَرْأةِ أنْ تَتَزَوَّجَ بِنَفْسِها أوْ تُوَكِّلَ مَن يُزَوِّجُها لَما كانَ الوَلِيُّ قادِرًا عَلى عَضْلِها مِنَ النِّكاحِ، ولَوْ لَمْ يَقْدِرِ الوَلِيُّ عَلى هَذا العَضَلِ لَما نَهاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنِ العَضْلِ، وحَيْثُ نَهاهُ عَنِ العَضْلِ كانَ قادِرًا عَلى العَضْلِ، وإذا كانَ الوَلِيُّ قادِرًا عَلى العَضْلِ وجَبَ أنْ لا تَكُونَ المَرْأةُ مُتَمَكِّنَةً مِنَ النِّكاحِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ بِناءً عَلى أنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ الأوْلِياءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ المَباحِثِ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا هَذِهِ المُقَدِّمَةَ لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أنْ يُخَلِّيَها ورَأْيَها في ذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الغالِبَ في النِّساءِ الأيامى أنْ يَرْكَنَّ إلى رَأْيِ الأوْلِياءِ في بابِ النِّكاحِ، وإنْ كانَ الِاسْتِئْذانُ الشَّرْعِيُّ لَهُنَّ، وإنْ يَكُنَّ تَحْتَ تَدْبِيرِهِمْ ورَأْيِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَكُونُونَ مُتَمَكِّنِينَ مِن مَنعِهِنَّ لِتَمَكُّنِهِمْ مِن تَزْوِيجِهِنَّ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مَحْمُولًا عَلى هَذا الوَجْهِ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وأيْضًا فَثُبُوتُ العَضْلِ في حَقِّ الوَلِيِّ مُمْتَنِعٌ؛ لِأنَّهُ مَهْما عَضَلَ لا يَبْقى لِعَضْلِهِ أثَرٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَصُدُورُ العَضْلِ عَنْهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وتَمَسَّكَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ عَلى أنَّ النِّكاحَ بِغَيْرِ ولِيٍّ جائِزٌ، وقالَ: إنَّهُ تَعالى أضافَ النِّكاحَ إلَيْها إضافَةَ الفِعْلِ إلى فاعِلِهِ، والتَّصَرُّفِ إلى مُباشِرِهِ، ونَهى الوَلِيَّ عَنْ مَنعِها مِن ذَلِكَ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ فاسِدًا لَما نَهى الوَلِيَّ عَنْ مَنعِها مِنهُ، قالُوا: وهَذا النَّصُّ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ وتَزْوِيجُها نَفْسَها مِنَ الكُفْءِ فِعْلٌ بِالمَعْرُوفِ، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ، وحَقِيقَةُ هَذِهِ الإضافَةِ عَلى المُباشِرِ دُونَ الخاطِبِ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ [الأحْزابِ: ٢٥٠] دَلِيلٌ واضِحٌ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ هُناكَ ولِيٌّ البَتَّةَ، وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ الفِعْلَ كَما يُضافُ إلى المُباشِرِ قَدْ يُضافُ أيْضًا إلى المُتَسَبِّبِ،
صفحة ٩٨
يُقالُ: بَنى الأمِيرُ دارًا، وضَرَبَ دِينارًا. وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ لِدَلالَةِ الأحادِيثِ عَلى بُطْلانِ هَذا النِّكاحِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ مَحْمُولٌ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى انْقِضاءِ العِدَّةِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَلَّ سِياقُ الكَلامَيْنِ عَلى افْتِراقِ البُلُوغَيْنِ، ومَعْنى هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ السّابِقَةِ: ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ولَوْ كانَتْ عِدَّتُها قَدِ انْقَضَتْ لَما قالَ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ لِأنَّ إمْساكَها بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ لا يَجُوزُ، ولَمّا قالَ: ﴿أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لِأنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ تَكُونُ مُسَرَّحَةً، فَلا حاجَةَ إلى تَسْرِيحِها، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها فاللَّهُ تَعالى نَهى عَنْ عَضْلِهِنَّ عَنِ التَّزَوُّجِ بِالأزْواجِ، وهَذا النَّهْيُ إنَّما يَحْسُنُ في الوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُها أنْ تَتَزَوَّجَ فِيهِ بِالأزْواجِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، دَلَّ سِياقُ الكَلامَيْنِ عَلى افْتِراقِ البُلُوغَيْنِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّراضِي وجْهانِ:
أحَدُهُما: ما وافَقَ الشَّرْعَ مِن عَقْدٍ حَلالٍ ومَهْرٍ جائِزٍ وشُهُودٍ عُدُولٍ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما يُضادُّ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ أنَّ يَرْضى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ما لَزِمَهُ في هَذا العَقْدِ لِصاحِبِهِ، حَتّى تَحْصُلَ الصُّحْبَةُ الجَمِيلَةُ، وتَدُومَ الأُلْفَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: التَّراضِي بِالمَعْرُوفِ هو مَهْرُ المِثْلِ، وفَرَّعُوا عَلَيْهِ مَسْألَةً فِقْهِيَّةً، وهي أنَّها إذا زَوَّجَتْ نَفْسَها ونَقَصَتْ عَنْ مَهْرِ مِثْلِها نُقْصانًا فاحِشًا، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، ولِلْوَلِيِّ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْها بِسَبَبِ النُّقْصانِ عَنِ المَهْرِ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ ذَلِكَ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ﴾ وأيْضًا أنَّها بِهَذا النُّقْصانِ أرادَتْ إلْحاقَ الشَّيْنِ بِالأوْلِياءِ؛ لِأنَّ الأوْلِياءَ يَتَضَرَّرُونَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يُعَيَّرُونَ بِقِلَّةِ المُهُورِ، ويَتَفاخَرُونَ بِكَثْرَتِها، ولِهَذا يَكْتُمُونَ المَهْرَ القَلِيلَ حَياءً ويُظْهِرُونَ المَهْرَ الكَثِيرَ رِياءً، وأيْضًا فَإنَّ نِساءَ العَشِيرَةِ يَتَضَرَّرْنَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ رُبَّما وقَعَتِ الحاجَةُ إلى إيجابِ مَهْرِ المِثْلِ لِبَعْضِهِنَّ، فَيَعْتَبِرُونَ ذَلِكَ بِهَذا المَهْرِ القَلِيلِ، فَلا جَرَمَ لِلْأوْلِياءِ أنْ يَمْنَعُوها عَنْ ذَلِكَ ويَنُوبُوا عَنْ نِساءِ العَشِيرَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حِكْمَةَ التَّكْلِيفِ قَرَنَهُ بِالتَّهْدِيدِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مِن حَقِّ الوَعْظِ أنْ يَتَضَمَّنَ التَّحْذِيرَ مِنَ المُخالَفَةِ كَما يَتَضَمَّنُ التَّرْغِيبَ في المُوافَقَةِ، فَكانَتِ الآيَةُ تَهْدِيدًا مِن هَذا الوَجْهِ.
وفِي الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ وحَّدَ الكافَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ مَعَ أنَّهُ يُخاطِبُ جَماعَةً؟
والجَوابُ: هَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ، والتَّثْنِيَةُ أيْضًا جائِزَةٌ، والقُرْآنُ نَزَلَ بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يُوسُفَ: ٣٧] وقالَ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يُوسُفَ: ٣٢]، وقالَ: ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾ وقالَ: ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ [الأعْرافِ: ٢٢].
صفحة ٩٩
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّصَ هَذا الوَعْظَ بِالمُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ؟
الجَوابُ: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لَمّا كانَ المُؤْمِنُ هو المُنْتَفِعَ بِهِ حَسُنَ تَخْصِيصُهُ بِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ:٢] وهو هُدًى لِلْكُلِّ، كَما قالَ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البَقَرَةِ:١٨٥]، وقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٥]، ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] مَعَ أنَّهُ كانَ مُنْذِرًا لِلْكُلِّ كَما قالَ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ١] .
وثانِيها: احْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ لَيْسُوا مُخاطَبِينَ بِفُرُوعِ الدِّينِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن بَيانِ الأحْكامِ، فَلَمّا خَصَّصَ ذَلِكَ بِالمُؤْمِنِينَ دَلَّ عَلى أنَّ التَّكْلِيفَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ غَيْرُ حاصِلٍ إلّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ عامٌّ، قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧].
وثالِثُها: أنَّ بَيانَ الأحْكامِ وإنْ كانَ عامًّا في حَقِّ المُكَلَّفِينَ، إلّا أنَّ كَوْنَ ذَلِكَ البَيانِ وعْظًا مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ هَذِهِ التَّكالِيفَ إنَّما تُوجَبُ عَلى الكُفّارِ عَلى سَبِيلِ إثْباتِها بِالدَّلِيلِ القاهِرِ المُلْزِمِ المُعْجِزِ، أمّا المُؤْمِنُ الَّذِي يُقِرُّ بِحَقِيقَتِها، فَإنَّها إنَّما تُذْكَرُ لَهُ وتُشْرَحُ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ والتَّحْذِيرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم أزْكى لَكم وأطْهَرُ﴾ يُقالُ: زَكا الزَّرْعُ: إذا نَما، فَقَوْلُهُ: ﴿أزْكى لَكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ الدّائِمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأطْهَرُ﴾ إشارَةٌ إلى إزالَةِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي الَّتِي يَكُونُ حُصُولُها سَبَبًا لِحُصُولِ العِقابِ، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ المُكَلَّفَ وإنْ كانَ يَعْلَمُ وجْهَ الصَّلاحِ في هَذِهِ التَّكالِيفِ عَلى الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ التَّفْصِيلَ في هَذِهِ الأُمُورِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ في كُلِّ ما أمَرَ ونَهى بِالكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ بِحَسَبِ الواقِعِ وبِحَسَبِ التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ المَعْلُوماتِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ صَحَّ أنْ يَقُولَ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ واللَّهُ يَعْلَمُ مَن يَعْمَلُ عَلى وفْقِ هَذِهِ التَّكالِيفِ ومَن لا يَعْمَلُ بِها، وعَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآياتِ تَقْرِيرُ طَرِيقَةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
البقرة 2:233
الحُكْمُ الثّانِي عَشَرَ
فِي الرَّضاعِ
﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإنْ أرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإنْ أرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوالِداتُ﴾ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما أشْعَرَ ظاهِرُ اللَّفْظِ وهو جَمِيعُ الوالِداتِ، سَواءٌ كُنَّ مُزَوَّجاتٍ أوْ مُطَلَّقاتٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ وما قامَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ عَلى عُمُومِهِ.
صفحة ١٠٠
والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِنهُ: الوالِداتُ المُطَلَّقاتُ، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ وجْهانِ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ آيَةِ الطَّلاقِ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَتِمَّةَ تِلْكَ الآياتِ ظاهِرًا، وسَبَبُ التَّعْلِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الفُرْقَةُ حَصَلَ التَّباغُضُ والتَّعادِي، وذَلِكَ يَحْمِلُ المَرْأةَ عَلى إيذاءِ الوَلَدِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ إيذاءَ الوَلَدِ يَتَضَمَّنُ إيذاءَ الزَّوْجِ المُطَلِّقِ.
والثّانِي: أنَّها رُبَّما رَغِبَتْ في التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي إقْدامَها عَلى إهْمالِ أمْرِ الطِّفْلِ، فَلَمّا كانَ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا لا جَرَمَ نَدَبَ اللَّهُ الوالِداتِ المُطَّلَقاتِ إلى رِعايَةِ جانِبِ الأطْفالِ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، فَقالَ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ والمُرادُ المُطَلَّقاتُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ لَهم: ما ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، قالَ: المُرادُ بِالوالِداتِ المُطَّلَقاتُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ ولَوْ كانَتِ الزَّوْجِيَّةُ باقِيَةً لَوَجَبَ عَلى الزَّوْجِ ذَلِكَ بِسَبَبِ الزَّوْجِيَّةِ، لا لِأجْلِ الرَّضاعِ، واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ الجَوابُ عَنِ الحُجَّةِ الأُولى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُكْمٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَجِبْ تَعَلُّقُها بِما قَبْلَها، وعَنِ الحُجَّةِ الثّانِيَةِ لا يَبْعُدُ أنْ تَسْتَحِقَّ المَرْأةُ قَدْرًا مِنَ المالِ لِمَكانِ الزَّوْجِيَّةِ وقَدْرًا آخَرَ لِمَكانِ الرَّضاعِ، فَإنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“: الأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى الزَّوْجاتِ في حالِ بَقاءِ النِّكاحِ؛ لِأنَّ المُطَلَّقَةَ لا تَسْتَحِقُّ الكِسْوَةَ وإنَّما تَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتِ الزَّوْجِيَّةُ باقِيَةً فَهي مُسْتَحِقَّةُ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ بِسَبَبِ النِّكاحِ، سَواءٌ أرْضَعَتِ الوَلَدَ أوْ لَمْ تُرْضِعْ، فَما وجْهُ تَعْلِيقِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ بِالإرْضاعِ.
قُلْنا: النَّفَقَةُ والكُسْوَةُ يَجِبانِ في مُقابَلَةِ التَّمْكِينِ، فَإذا أُشْغِلَتْ بِالحَضانَةِ والإرْضاعِ لَمْ تَتَفَرَّغْ لِخِدْمَةِ الزَّوْجِ، فَرُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ نَفَقَتَها وكِسْوَتَها تَسْقُطُ بِالخَلَلِ الواقِعِ في خِدْمَةِ الزَّوْجِ، فَقَطَعَ اللَّهُ ذَلِكَ الوَهْمَ بِإيجابِ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ، وإنِ اشْتَغَلَتِ المَرْأةُ بِالإرْضاعِ. هَذا كُلُّهُ كَلامُ الواحِدِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ وإنْ كانَ في اللَّفْظِ خَبَرًا، إلّا أنَّهُ في المَعْنى أمْرٌ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ في حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي أوْجَبَهُ، إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿يُرْضِعْنَ﴾: لِيُرْضِعْنَ، إلّا أنَّهُ حُذِفَ ذَلِكَ لِلتَّصَرُّفِ في الكَلامِ مَعَ زَوالِ الإيهامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا الأمْرُ لَيْسَ أمْرَ إيجابٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطَّلاقِ: ٦] ولَوْ وجَبَ عَلَيْها الرَّضاعُ لَما اسْتَحَقَّتِ الأُجْرَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ [الطَّلاقِ: ٦] وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ، ومِنهم مَن تَمَسَّكَ في نَفْيِ الوُجُوبِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ والوالِدَةُ قَدْ تَكُونُ مُطَلَّقَةً، فَلَمْ يَكُنْ وُجُوبُ رِزْقِها عَلى الوالِدِ إلّا بِسَبَبِ الإرْضاعِ، فَلَوْ كانَ الإرْضاعُ واجِبًا عَلَيْها لَما وجَبَ ذَلِكَ، وفِيهِ البَحْثُ الَّذِي قَدَّمْناهُ، إذا ثَبَتَ أنَّ الإرْضاعَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى الأُمِّ فَهَذا الأمْرُ مَحْمُولٌ عَلى النَّدْبِ مِن حَيْثُ إنَّ تَرْبِيَةَ الطِّفْلِ بِلَبَنِ الأُمِّ أصْلَحُ لَهُ مِن سائِرِ الألْبانِ، ومِن حَيْثُ إنَّ شَفَقَةَ الأُمِّ عَلَيْهِ أتَمُّ مِن شَفَقَةِ غَيْرِها، هَذا إذا لَمْ يَبْلُغِ الحالُ
صفحة ١٠١
فِي الوَلَدِ إلى حَدِّ الِاضْطِرارِ بِأنْ لا يُوجَدَ غَيْرُ الأُمِّ، أوْ لا يَرْضَعَ الطِّفْلُ إلّا مِنها، فَواجِبٌ عَلَيْها عِنْدَ ذَلِكَ أنْ تُرْضِعَهُ كَما يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ مُواساةُ المُضْطَرِّ في الطَّعامِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ الحَوْلِ مِن حالَ الشَّيْءُ يَحُولُ: إذا انْقَلَبَ، فالحَوْلُ مُنْقَلِبٌ مِنَ الوَقْتِ الأوَّلِ إلى الثّانِي، وإنَّما ذُكِرَ الكَمالُ لِرَفْعِ التَّوَهُّمِ مِن أنَّهُ عَلى مِثْلِ قَوْلِهِمْ: أقامَ فُلانٌ بِمَكانِ كَذا حَوْلَيْنِ أوْ شَهْرَيْنِ، وإنَّما أقامَ حَوْلًا وبَعْضَ الآخَرِ، ويَقُولُونَ: اليَوْمُ يَوْمانِ مُذْ لَمْ أرَهُ، وإنَّما يَعْنُونَ يَوْمًا وبَعْضَ اليَوْمِ الآخَرِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ التَّحْدِيدُ بِالحَوْلَيْنِ تَحْدِيدَ إيجابٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ فَلَمّا عَلَّقَ هَذا الإتْمامَ بِإرادَتِنا ثَبَتَ أنَّ هَذا الإتْمامَ غَيْرُ واجِبٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنْ أرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا التَّحْدِيدِ إيجابَ هَذا المِقْدارِ، بَلْ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ، وهو الأصَحُّ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ قَطْعُ التَّنازُعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذا تَنازَعا في مُدَّةِ الرَّضاعِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ بِالحَوْلَيْنِ حَتّى يَرْجِعا إلَيْهِ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنازُعِ بَيْنَهُما، فَإنْ أرادَ الأبُ أنْ يَفْطِمَهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ ولَمْ تَرْضَ الأُمُّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ لَوْ كانَ عَلى عَكْسِ هَذا، فَأمّا إذا اجْتَمَعا عَلى أنْ يَفْطِما الوَلَدَ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلَيْنِ فَلَهُما ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّانِي: في المَقْصُودِ مِن هَذا التَّحْدِيدِ هو أنَّ لِلرِّضاعِ حُكْمًا خاصًّا في الشَّرِيعَةِ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: ”«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» “، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا التَّحْدِيدِ بَيانُ أنَّ الِارْتِضاعَ ما لَمْ يَقَعْ في هَذا الزَّمانِ، لا يُفِيدُ هَذا الحُكْمَ، هَذا هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهو قَوْلُ عَلَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وعَلْقَمَةَ والشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مُدَّةُ الرَّضاعِ ثَلاثُونَ شَهْرًا.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ هو التَّمامُ بِحَسَبِ حاجَةِ الصَّبِيِّ إلى ذَلِكَ؛ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الصَّبِيَّ كَما يَسْتَغْنِي عَنِ اللَّبَنِ عِنْدَ تَمامِ الحَوْلَيْنِ، فَقَدْ يَحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ لِضَعْفٍ في تَرْكِيبِهِ؛ لِأنَّ الأطْفالَ يَتَفاوَتُونَ في ذَلِكَ، وإذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالتَّمامِ هَذا المَعْنى، وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الحُكْمَ المَخْصُوصَ المُتَعَلِّقَ بِالرَّضاعِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَصِيرُ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ حُكْمَ الرَّضاعِ لا يَثْبُتُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الإرْضاعِ في هَذِهِ المُدَّةِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«لا رَضاعَ بَعْدَ فِصالٍ» “ وقالَ تَعالى: ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ [لُقْمانَ: ١٤].
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«لا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ إلّا ما كانَ في الحَوْلَيْنِ» “.
والوَجْهُ الثّالِثُ: في المَقْصُودِ مِن هَذا التَّحْدِيدِ، ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لِلَّتِي تَضَعُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ: إنَّها تُرْضِعُ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، فَإنْ وضَعَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ أرْضَعَتْ ثَلاثَةً وعِشْرِينَ شَهْرًا، وقالَ آخَرُونَ: الحَوْلانِ هَذا
صفحة ١٠٢
الحَدُّ في رَضاعِ كُلِّ مَوْلُودٍ، وحُجَّةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحْقافِ: ١٥] دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ زَمانَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ هو هَذا القَدْرُ مِنَ الزَّمانِ، فَكَما ازْدادَ في مُدَّةِ إحْدى الحالَتَيْنِ انْتَقَصَ مِن مُدَّةِ الحالَةِ الأُخْرى.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: تَزَوَّجْتُ جارِيَةً بِكْرًا وما رَأيْتُ بِها رِيبَةً، ثُمَّ ولَدَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قالَ اللَّهُ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحْقافِ: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ فالحَمْلُ سِتَّةُ أشْهُرٍ، الوَلَدُ ولَدُكَ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ جِيءَ بِامْرَأةٍ وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، فَشاوَرَ في رَجْمِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ خاصَمْتُكم بِكِتابِ اللَّهِ خَصَمْتُكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ واسْتَخْرَجَ مِنهُما أنَّ أقَلَّ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”أنْ يُكْمِلَ الرَّضاعَةَ“ وقُرِئَ: ”الرِّضاعَةَ“ بِكَسْرِ الرّاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: هَذا الحُكْمُ لِمَن أرادَ إتْمامَ الرَّضاعَةِ، وعَنْ قَتادَةَ: أنْزَلَ اللَّهُ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، ثُمَّ أنْزَلَ اليُسْرَ والتَّخْفِيفَ فَقالَ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَوَّزَ النُّقْصانَ بِذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: أنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ كَما تَقُولُ: أرْضَعَتْ فُلانَةُ لِفُلانٍ ولَدَهُ، أيْ يُرْضِعْنَ حَوْلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الإرْضاعَ مِنَ الآباءِ؛ لِأنَّ الأبَ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْضاعُ الوَلَدِ دُونَ الأُمِّ لِما بَيَّنّاهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿المَوْلُودِ لَهُ﴾ هو الوالِدُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا الِاسْمِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّ السَّبَبَ فِيهِ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الوالِداتِ إنَّما ولَدْنَ الأوْلادَ لِلْآباءِ، ولِذَلِكَ يُنْسَبُونَ إلَيْهِمْ، لا إلى الأُمَّهاتِ، وأنْشَدَ لِلْمَأْمُونِ ابْنِ الرَّشِيدِ:
وإنَّما أُمَّهاتُ النّاسِ أوْعِيَةٌ مُسْتَوْدَعاتٌ ولِلْآباءِ أبْناءُ
الثّانِي: أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَلَدَ إنَّما يَلْتَحِقُ بِالوالِدِ لِكَوْنِهِ مَوْلُودًا عَلى فِراشِهِ عَلى ما قالَ ﷺ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ولَدَتِ المَرْأةُ الوَلَدَ لِلرَّجُلِ وعَلى فِراشِهِ، وجَبَ عَلَيْهِ رِعايَةُ مَصالِحِهِ، فَهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ سَبَبَ النَّسَبِ واللَّحاقِ مُجَرَّدُ هَذا القَدْرِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ [طه: ٩٤] أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ الأُمَّ مُشْفِقَةٌ عَلى الوَلَدِ، فَكانَ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ الأُمِّ تَذْكِيرُ الشَّفَقَةِ، فَكَذا هاهُنا ذَكَرَ الوالِدَ بِلَفْظِ المَوْلُودِ لَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا الوَلَدَ إنَّما وُلِدَ لِأجْلِ الأبِ، فَكانَ نَقْصُهُ عائِدًا إلَيْهِ، ورِعايَةُ مَصالِحِهِ لازِمَةً لَهُ، كَما قِيلَ: كَلِمَةٌ لَكَ، وكَلِمَةٌ عَلَيْكَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى كَما وصّى الأُمَّ بِرِعايَةِ جانِبِ الطِّفْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ وصّى الأبَ بِرِعايَةِ جانِبِ الأُمِّ حَتّى تَكُونَ قادِرَةً عَلى رِعايَةِ مَصْلَحَةِ الطِّفْلِ، فَأمَرَهُ بِرِزْقِها وكِسْوَتِها بِالمَعْرُوفِ، والمَعْرُوفُ في هَذا البابِ قَدْ يَكُونُ مَحْدُودًا بِشَرْطٍ وعَقْدٍ، وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَحْدُودٍ إلّا مِن جِهَةِ العُرْفِ؛ لِأنَّهُ إذا قامَ بِما يَكْفِيها في طَعامِها وكِسْوَتِها، فَقَدِ اسْتَغْنى عَنْ تَقْدِيرِ الأُجْرَةِ، فَإنَّهُ إنْ
صفحة ١٠٣
كانَ ذَلِكَ أقَلَّ مِن قَدْرِ الكِفايَةِ لَحِقَها مِنَ الجُوعِ والعُرْيِ، فَضَرَرُها يَتَعَدّى إلى الوَلَدِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصّى الأُمَّ بِرِعايَةِ الطِّفْلِ أوَّلًا، ثُمَّ وصّى الأبَ بِرِعايَتِهِ ثانِيًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ احْتِياجَ الطِّفْلِ إلى رِعايَةِ الأُمِّ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِهِ إلى رِعايَةِ الأبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الطِّفْلِ وبَيْنَ رِعايَةِ الأُمِّ واسِطَةٌ البَتَّةَ، أمّا رِعايَةُ الأبِ فَإنَّما تَصِلُ إلى الطِّفْلِ بِواسِطَةٍ، فَإنَّهُ يَسْتَأْجِرُ المَرْأةَ عَلى إرْضاعِهِ وحَضانَتِهِ بِالنَّفَقَةِ والكِسْوَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَقَّ الأُمِّ أكْثَرُ مِن حَقِّ الأبِ، والأخْبارُ المُطابِقَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّكْلِيفُ: الإلْزامُ، يُقالُ: كَلَّفَهُ الأمْرَ فَتَكَلَّفَ وكُلِّفَ، وقِيلَ: إنَّ أصْلَهُ مِنَ الكَلْفِ، وهو الأثَرُ عَلى الوَجْهِ مِنَ السَّوادِ، فَمَعْنى تَكَلَّفَ الأمْرَ: اجْتَهَدَ أنْ يُبَيِّنَ فِيهِ أثَرَهُ، وكَلَّفَهُ: ألْزَمَهُ ما يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُهُ، والوُسْعُ ما يَسَعُ الإنْسانَ فَيُطِيقُ أخْذَهُ، مِن سِعَةِ المُلْكِ أيِ العَرَضِ، ولَوْ ضاقَ لَعَجَزَ عَنْهُ، والسِّعَةِ بِمَنزِلَةِ القُدْرَةِ، فَلِهَذا قِيلَ: الوُسْعُ فَوْقَ الطّاقَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ أبَ هَذا الصَّبِيِّ لا يُكَلَّفُ الإنْفاقَ عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ إلّا ما تَتَّسِعُ لَهُ قُدْرَتُهُ؛ لِأنَّ الوُسْعَ في اللُّغَةِ ما تَتَّسِعُ لَهُ القُدْرَةُ، ولا يَبْلُغُ اسْتِغْراقَها، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ الأبَ إلّا ذَلِكَ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ الطَّلاقِ: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ [الطلاق: ٦] ثُمَّ بَيَّنَ في النَّفَقَةِ أنَّها عَلى قَدْرِ إمْكانِ الرَّجُلِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ [الطَّلاقِ: ٧ ] .
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُكَلِّفُ العِبادَ إلّا ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ أحَدًا إلّا ما تَتَّسِعُ لَهُ قُدْرَتُهُ، والوُسْعُ فَوْقَ الطّاقَةِ، فَإذا لَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ تَعالى ما لا تَتَّسِعُ لَهُ قُدْرَتُهُ، فَبِأنْ لا يُكَلِّفَهُ ما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ أوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وقُتَيْبَةُ عَنِ الكِسائِيِّ: ”لا تُضارُّ“ بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، أمّا الرَّفْعُ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ نَسَقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا تُكَلَّفُ﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النَّسَقَ بِـ (لا) إنَّما هو إخْراجُ الثّانِي مِمّا دَخَلَ فِيهِ الأوَّلُ، نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا لا عَمْرًا، فَأمّا أنْ يُقالَ: يَقُومُ زَيْدٌ لا يَقْعُدُ عَمْرٌو، فَهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى النَّسَقِ، بَلِ الصَّوابُ أنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ في النَّهْيِ، كَما يُقالُ: لا يَضْرِبُ زَيْدٌ لا تَقْتُلْ عُمْرًا، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى النَّهْيِ، والأصْلُ لا تُضارَرُ، فَأُدْغِمَتِ الرّاءُ الأُولى في الثّانِيَةِ، وفُتِحَتِ الثّانِيَةُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، يُقالُ: يُضارِرُ رَجُلٌ زَيْدًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ التَّضْعِيفُ، فَأُدْغِمَتْ إحْدى الرّاءَيْنِ في الأُخْرى، فَصارَ لا تُضارَّ، كَما تَقُولُ: لا تَرْدُدْ ثُمَّ تُدْغِمُ فَتَقُولُ: لا تَرُدَّ بِالفَتْحِ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤] وقَرَأ الحَسَنُ: ”لا تُضارِّ“ بِالكَسْرِ، وهو جائِزٌ في اللُّغَةِ، وقَرَأ أبانٌ عَنْ عاصِمٍ: ”لا تُضارِرْ“ مُظْهَرَةَ الرّاءِ مَكْسُورَةً عَلى أنَّ الفِعْلَ لَها.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تُضارَّ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ كِلاهُما جائِزٌ في اللُّغَةِ، وإنَّما احْتَمَلَ الوَجْهَيْنِ نَظَرًا لِحالِ الإدْغامِ الواقِعِ في (تُضارَّ) .
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ أصْلُهُ لا تُضارِرْ بِكَسْرِ الرّاءِ الأُولى، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ المَرْأةُ هي الفاعِلَةَ لِلضِّرارِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أصْلُهُ لا تُضارَرْ بِفَتْحِ الرّاءِ الأُولى، فَتَكُونُ المَرْأةُ هي المَفْعُولَةَ
صفحة ١٠٤
بِها الضِّرارُ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لا تَفْعَلُ الأُمُّ الضِّرارَ بِالأبِ بِسَبَبِ إيصالِ الضِّرارِ إلى الوَلَدِ، وذَلِكَ بِأنْ تَمْتَنِعَ المَرْأةُ مِن إرْضاعِهِ، مَعَ أنَّ الأبَ ما امْتَنَعَ عَلَيْها في النَّفَقَةِ مِنَ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ، فَتُلْقِي الوَلَدَ عَلَيْهِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مَعْناهُ: لا تُضارَرْ، أيْ لا يَفْعَلُ الأبُ الضِّرارَ بِالأُمِّ فَيَنْزِعَ الوَلَدَ مِنها مَعَ رَغْبَتِها في إمْساكِهِ وشِدَّةِ مَحَبَّتِها لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أيْ: ولا تَفْعَلُ الأُمُّ الضِّرارَ بِالأبِ بِأنْ تُلْقِيَ الوَلَدَ عَلَيْهِ، والمَعْنَيانِ يَرْجِعانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنْ يَغِيظَ أحَدُهُما صاحِبَهُ بِسَبَبِ الوَلَدِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ”تُضارَّ“ والفِعْلُ لِواحِدٍ؟
قُلْنا: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ المُبالَغَةُ؛ فَإنَّ إيذاءَ مَن يُؤْذِيكَ أقْوى مِن إيذاءِ مَن لا يُؤْذِيكَ.
والثّانِي: لا يُضارُّ الأُمُّ والأبُ بِأنْ لا تُرْضِعَ الأُمُّ أوْ يَمْنَعَها الأبُ ويَنْزِعَهُ مِنها.
والثّالِثُ: أنَّ المَقْصُودَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِإضْرارِ الوَلَدِ إضْرارُ الآخَرِ، فَكانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مُضارَّةً.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ وإنْ كانَ خَبَرًا في الظّاهِرِ، لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ النَّهْيُ، وهو يَتَناوَلُ إساءَتَها إلى الوَلَدِ بِتَرْكِ الرَّضاعِ، وتَرْكِ التَّعَهُّدِ والحِفْظِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ المَضارِّ، وذَلِكَ بِأنْ يَمْنَعَ الوالِدَةَ أنْ تُرْضِعَهُ وهي بِهِ أرْأفُ، وقَدْ يَكُونُ بِأنْ يُضَيِّقَ عَلَيْها النَّفَقَةَ والكِسْوَةَ أوْ بِأنْ يُسِيءَ العِشْرَةَ فَيَحْمِلَها ذَلِكَ عَلى إضْرارِها بِالوَلَدِ، فَكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في هَذا النَّهْيِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الوَلَدِ وذِكْرُ الوالِدِ وذِكْرُ الوالِداتِ احْتَمَلَ في الوارِثِ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ، والعُلَماءُ لَمْ يَدَعُوا وجْهًا يُمْكِنُ القَوْلُ بِهِ إلّا وقالَ بِهِ بَعْضُهم.
فالقَوْلُ الأوَّلُ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ المُرادَ وارِثُ الأبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِبَيانِ المَعْرُوفِ، والمَعْنى أنَّ المَوْلُودَ لَهُ إنْ ماتَ فَعَلى وارِثِهِ مِثْلُ ما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ، يَعْنِي إنْ ماتَ المَوْلُودُ لَهُ لَزِمَ وارِثَهُ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ في أنْ يَرْزُقَها ويَكْسُوَها بِالشَّرْطِ المَذْكُورِ، وهو رِعايَةُ المَعْرُوفِ وتَجَنُّبُ الضِّرارِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا إذا حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى وارِثِ الوَلَدِ والوَلَدُ أيْضًا وارِثُهُ، أدّى إلى وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، حالَ ما لَهُ مالٌ يُنْفِقُ مِنهُ، وإنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبِيَّ إذا ورِثَ مِن أبِيهِ مالًا فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى مَن يَقُومُ بِتَعَهُّدِهِ ويُنْفِقُ ذَلِكَ المالَ عَلَيْهِ بِالمَعْرُوفِ، ويَدْفَعُ الضِّرارَ عَنْهُ، وهَذِهِ الأشْياءُ يُمْكِنُ إيجابُها عَلى وارِثِ الأبِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ وارِثُ الأبِ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِ الأبِ كُلُّ ما كانَ واجِبًا عَلى الأبِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وأبِي مُسْلِمٍ والقاضِي، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ أيُّ وارِثٍ هُوَ؟ فَقِيلَ: هو العَصَباتُ دُونَ الأُمِّ والإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ، وهو قَوْلُ عُمَرَ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ وسُفْيانَ وإبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو وارِثُ الصَّبِيِّ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ عَلى قَدْرِ النَّصِيبِ مِنَ المِيراثِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ أبِي لَيْلى، قالُوا: النَّفَقَةُ عَلى قَدْرِ المِيراثِ، وقِيلَ: الوارِثُ مِمَّنْ كانَ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ ابْنِ العَمِّ والمَوْلى، وهو قَوْلُ
صفحة ١٠٥
أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ يَقْتَضِي أنْ لا فَضْلَ بَيْنَ وارِثٍ ووارِثٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى أطْلَقَ اللَّفْظَ، فَغَيْرُ ذِي الرَّحِمِ بِمَنزِلَةِ ذِي الرَّحِمِ، كَما أنَّ البَعِيدَ كالقَرِيبِ، والنِّساءَ كالرِّجالِ، ولَوْلا أنَّ الأُمَّ خَرَجَتْ مِن ذَلِكَ مِن حَيْثُ مَرَّ ذِكْرُها بِإيجابِ الحَقِّ لَها، لَصَحَّ أيْضًا دُخُولُها تَحْتَ الكَلامِ؛ لِأنَّها قَدْ تَكُونُ وارِثَةً كَغَيْرِها.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ مِنَ الوارِثِ الباقِي مِنَ الأبَوَيْنِ، وجاءَ في الدُّعاءِ المَشْهُورِ: واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا، أيِ الباقِيَ، وهو قَوْلُ سُفْيانَ وجَماعَةٍ.
القَوْلُ الرّابِعُ: أرادَ بِالوارِثِ الصَّبِيَّ نَفْسَهُ الَّذِي هو وارِثُ أبِيهِ المُتَوَفّى، فَإنَّهُ إنْ كانَ لَهُ مالٌ وجَبَ أجْرُ الرَّضاعَةِ في مالِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ أُجْبِرَتْ أُمُّهُ عَلى إرْضاعِهِ، ولا يُجْبَرُ عَلى نَفَقَةِ الصَّبِيِّ إلّا الوالِدانِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فَقِيلَ: مِنَ النَّفَقَةِ والكِسْوَةِ عَنْ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: مِن تَرْكِ الإضْرارِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ والضَّحّاكِ، وقِيلَ: مِنهُما، عَنْ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الفِصالِ قَوْلانِ، الأوَّلُ: أنَّهُ الفِطامُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحْقافِ: ١٥] وإنَّما سُمِّيَ الفِطامُ بِالفِصالِ لِأنَّ الوَلَدَ يَنْفَصِلُ عَنْ الِاغْتِذاءِ بِلَبَنِ أُمِّهِ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْواتِ. قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: فُصِلَ الوَلَدُ عَنِ الأُمِّ فَصْلًا وفِصالًا، وقُرِئَ بِهِما في قَوْلِهِ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ﴾، والفِصالُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ إذا انْفَصَلَ مِن أُمِّهِ فَقَدِ انْفَصَلَتْ مِنهُ، فَبَيْنَهُما فِصالٌ، نَحْوُ القِتالِ والضِّرابِ، وسُمِّيَ الفَصِيلُ فَصِيلًا لِأنَّهُ مَفْصُولٌ عَنْ أُمِّهِ، ويُقالُ: فَصَلَ مِنَ البَلَدِ: إذا خَرَجَ عَنْهُ وفارَقَهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٩]، واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ الفِصالِ هاهُنا عَلى الفِطامِ هو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَوْلَيْنِ الكامِلَيْنِ هو تَمامُ مُدَّةِ الرَّضاعِ، وجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ حَتّى لا يَلْزَمَ التَّكْرارُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الفِطامَ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ جائِزٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الفِطامَ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ جائِزٌ، وبَعْدَهُ أيْضًا جائِزٌ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ لَمّا دَلَّ عَلى جَوازِ الفِطامِ عِنْدَ تَمامِ الحَوْلَيْنِ كانَ أيْضًا دَلِيلًا عَلى جَوازِ الزِّيادَةِ عَلى الحَوْلَيْنِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ بَقِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى جَوازِ الفِطامِ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلَيْنِ فَقَطْ.
وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي أنَّ الوَلَدَ قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَحْتاجُ إلى الرَّضاعِ، ويَضُرُّ بِهِ فَطْمُهُ كَما يَضُرُّ ذَلِكَ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ، وأجابَ الأوَّلُونَ أنَّ حُصُولَ المَضَرَّةِ في الفِطامِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ نادِرٌ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى المَعْهُودِ واجِبٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الفِصالِ، هو أنَّ أبا مُسْلِمٍ لَمّا ذَكَرَ القَوْلَ الأوَّلَ قالَ: ويَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِصالِ إيقاعُ المُفاصَلَةِ بَيْنَ الأُمِّ والوَلَدِ إذا حَصَلَ التَّراضِي والتَّشاوُرُ في ذَلِكَ ولَمْ يَرْجِعْ بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ إلى الوَلَدِ.
* * *
صفحة ١٠٦
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّشاوُرُ في اللُّغَةِ: اسْتِجْماعُ الرَّأْيِ، وكَذَلِكَ المَشُورَةُ، والمَشُورَةُ مَفُعْلَةٌ مِنهُ كالمَعُونَةِ، وشُرْتُ العَسَلَ: اسْتَخْرَجْتُهُ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: شُرْتُ الدّابَّةَ وأشَرْتُها؛ أيْ أجْرَيْتُها لِاسْتِخْراجِ جَرْيِها، والشَّوارُ: مَتاعُ البَيْتِ؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِ، وقالُوا: شَوَّرْتُهُ فَتَشَوَّرَ؛ أيْ خَجَّلْتُهُ، والشّارَةُ هَيْئَةُ الرَّجُلِ؛ لِأنَّهُ ما يَظْهَرُ مِن زِيِّهِ ويَبْدُو مِن زِينَتِهِ، والإشارَةُ إخْراجُ ما في نَفْسِكَ وإظْهارُهُ لِلْمُخاطَبِ بِالنُّطْقِ وبِغَيْرِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِطامَ في أقَلَّ مِن حَوْلَيْنِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ رِضا الوالِدَيْنِ وعِنْدَ المُشاوَرَةِ مَعَ أرْبابِ التَّجارِبِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأُمَّ قَدْ تَمَلُّ مِنَ الرَّضاعِ فَتُحاوِلُ الفِطامَ، والأبُ أيْضًا قَدْ يَمَلُّ مِن إعْطاءِ الأُجْرَةِ عَلى الإرْضاعِ، فَقَدْ يُحاوِلُ الفِطامَ دَفْعًا لِذَلِكَ، لَكِنَّهُما قَلَّما يَتَوافَقانِ عَلى الإضْرارِ بِالوَلَدِ لِغَرَضِ النَّفْسِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ تَوافُقِهِما اعْتُبِرَ المُشاوَرَةُ مَعَ غَيْرِهِما، وعِنْدَ ذَلِكَ يَبْعُدُ أنْ تَحْصُلَ مُوافَقَةُ الكُلِّ عَلى ما يَكُونُ فِيهِ إضْرارٌ بِالوَلَدِ، فَعِنْدَ اتِّفاقِ الكُلِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِطامَ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ لا يَضُرُّهُ البَتَّةَ، فانْظُرْ إلى إحْسانِ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الطِّفْلِ الصَّغِيرِ كَمْ شَرَطَ في جَوازِ إفْطامِهِ مِنَ الشَّرائِطِ دَفْعًا لِلْمَضارِّ عَنْهُ، ثُمَّ عِنْدَ اجْتِماعِ كُلِّ هَذِهِ الشَّرائِطِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالإذْنِ، بَلْ قالَ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ أكْثَرَ ضَعْفًا كانَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ مَعَهُ أكْثَرَ وعِنايَتُهُ بِهِ أشَدَّ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم فَلا جُناحَ عَلَيْكم إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حُكْمَ الأُمِّ وأنَّها أحَقُّ بِالرَّضاعِ، بَيَّنَ أنَّهُ يَجُوزُ العُدُولُ في هَذا البابِ عَنِ الأُمِّ إلى غَيْرِها.
* * *
ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (اسْتَرْضَعَ) مَنقُولٌ مِن أرْضَعَ، يُقالُ: أرْضَعَتِ المَرْأةُ الصَّبِيَّ واسْتَرْضَعَها الصَّبِيُّ، فَتُعَدِّيهِ إلى مَفْعُولَيْنِ، كَما تَقُولُ: أنْجَحَ الحاجَةَ واسْتَنْجَحَتْهُ الحاجَةُ، والمَعْنى أنْ تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ أوْلادَكُمْ، فَحُذِفَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ، كَما تَقُولُ: اسْتَنْجَحْتُ الحاجَةَ، ولا تَذْكُرُ مَنِ اسْتَنْجَحْتَهُ، وكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مَفْعُولَيْنِ لَمْ يَكُنْ آخِرُهُما عِبارَةً عَنِ الأوَّلِ، وقالَ الواحِدِيُّ: ﴿أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ أيْ لِأوْلادِكم، وحَذَفَ اللّامَ اجْتِزاءً بِدَلالَةِ الِاسْتِرْضاعِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا لِلْأوْلادِ، ولا يَجُوزُ: دَعَوْتُ زَيْدًا، وأنْتَ تُرِيدُ: لِزَيْدٍ؛ لِأنَّهُ تَلْبِيسٌ هاهُنا، بِخِلافِ ما قُلْنا في الِاسْتِرْضاعِ. ونَظِيرُ حَذْفِ اللّامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٣] أيْ كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الأُمَّ أحَقُّ بِالإرْضاعِ، فَأمّا إذا حَصَلَ مانِعٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ يَجُوزُ العُدُولُ عَنْها إلى غَيْرِها، مِنها ما إذا تَزَوَّجَتْ آخَرَ، فَقِيامُها بِحَقِّ ذَلِكَ الزَّوْجِ يَمْنَعُها عَنِ الرَّضاعِ، ومِنها أنَّهُ إذا طَلَّقَها الزَّوْجُ الأوَّلُ فَقَدْ تَكْرَهُ الرَّضاعَ حَتّى يَتَزَوَّجَ بِها زَوْجٌ آخَرُ، ومِنها أنْ تَأْبى المَرْأةُ قَبُولَ الوَلَدِ إيذاءً لِلزَّوْجِ المُطَلِّقِ وإيحاشًا لَهُ، ومِنها أنْ تَمْرَضَ أوْ يَنْقَطِعَ لَبَنُها، فَعِنْدَ أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ إذا وجَدْنا مُرْضِعَةً أُخْرى
صفحة ١٠٧
وقَبِلَ الطِّفْلُ لَبَنَها جازَ العُدُولُ عَنِ الأُمِّ إلى غَيْرِها، فَأمّا إذا لَمْ نَجِدْ مُرْضِعَةً أُخْرى، أوْ وجَدْناها ولَكِنَّ الطِّفْلَ لا يَقْبَلُ لَبَنَها فَهاهُنا الإرْضاعُ واجِبٌ عَلى الأُمِّ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: ”ما أتَيْتُمْ“ مَقْصُورَةَ الألِفِ، والباقُونَ ﴿ما آتَيْتُمْ﴾ مَمْدُودَةَ الألِفِ، أمّا المَدُّ فَتَقْدِيرُهُ: ما آتَيْتُمُوهُ المَرْأةَ؛ أيْ أرَدْتُمْ إيتاءَهُ، وأمّا القَصْرُ فَتَقْدِيرُهُ: ما أتَيْتُمْ بِهِ، فَحَذَفَ المَفْعُولَيْنِ في الأوَّلِ وحَذَفَ لَفْظَةَ (بِهِ) في الثّانِي لِحُصُولِ العِلْمِ بِذَلِكَ، ورَوى شَيْبانُ عَنْ عاصِمٍ (ما أُوتِيتُمْ) أيْ ما آتاكُمُ اللَّهُ وأقْدَرَكم عَلَيْهِ مِنَ الأُجْرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحَدِيدِ: ٧].
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَيْسَ التَّسْلِيمُ شَرْطًا لِلْجَوازِ والصِّحَّةِ، وإنَّما هو نَدْبٌ إلى الأوْلى، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّ تَسْلِيمَ الأُجْرَةِ إلى المُرْضِعَةِ يَدًا بِيَدٍ حَتّى تَكُونَ طَيِّبَةَ النَّفْسِ راضِيَةً، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِصَلاحِ حالِ الصَّبِيِّ، والِاحْتِياطِ في مَصالِحِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِالتَّحْذِيرِ، فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
البقرة 2:234
الحُكْمُ الثّالِثَ عَشَرَ
عِدَّةُ الوَفاةِ
﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُتَوَفَّوْنَ مَعْناهُ يَمُوتُونَ ويُقْبَضُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] وأصْلُ التَّوَفِّي أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا كامِلًا، فَمَن ماتَ فَقَدْ وجَدَ عُمُرَهُ وافِيًا كامِلًا، ويُقالُ: تُوُفِّيَ فُلانٌ وتَوَفّى: إذا ماتَ، فَمَن قالَ: تُوُفِّيَ، كانَ مَعْناهُ قُبِضَ وأُخِذَ، ومَن قالَ: تَوَفّى، كانَ مَعْناهُ تَوَفّى أجَلَهُ واسْتَوْفى أجَلَهُ وعُمُرَهُ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ عَلَيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: (يَتَوَفَّوْنَ) بِفَتْحِ الياءِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرُونَ﴾ مَعْناهُ: يَتْرُكُونَ، ولا يُسْتَعْمَلُ مِنهُ الماضِي ولا المَصْدَرُ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِتَرَكَ تَرْكًا، ومِثْلُهُ يَدَعُ في رَفْضِ مَصْدَرِهِ وماضِيهِ، فَهَذانَ الفِعْلانِ العابِرُ والأمْرُ مِنهُما مَوْجُودانِ، يُقالُ: فُلانٌ يَدَعُ كَذا ويَذَرُ، ويُقالُ: دَعْهُ وذَرْهُ، أمّا الماضِي والمَصْدَرُ فَغَيْرُ مَوْجُودَيْنِ مِنهُما. والأزْواجُ هاهُنا النِّساءُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ زَوْجًا وامْرَأتَهُ زَوْجًا لَهُ، ورُبَّما ألْحَقُوا بِها الهاءَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأٌ ولا بُدَّ لَهُ مِن خَبَرٍ، واخْتَلَفُوا في خَبَرِهِ عَلى أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُضافَ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: وأزْواجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم يَتَرَبَّصْنَ.
والثّانِي، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، التَّقْدِيرُ: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهم، إلّا أنَّهُ أُسْقِطَ لِظُهُورِهِ؛ كَقَوْلِهِ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، وقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ١٠٨
﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشُّورى: ٤٣] .
والثّالِثُ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ: والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذْرُوَن أزْواجًا، أزْواجُهم يَتَرَبَّصْنَ. قالَ: وإضْمارُ المُبْتَدَأِ لَيْسَ بِغَرِيبٍ؛ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ﴾ [الحَجِّ: ٧٢] يَعْنِي هو النّارُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يُوسُفَ: ١٨].
فَإنْ قِيلَ: أنْتُمْ أضْمَرْتُمْ هاهُنا مُبْتَدَأً مُضافًا، ولَيْسَ ذَلِكَ شَيْئًا واحِدًا بَلْ شَيْئانِ، والأمْثِلَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُ المُضْمَرُ فِيها شَيْءٌ واحِدٌ.
قُلْنا: كَما ورَدَ إضْمارُ المُبْتَدَأِ المُفْرَدِ، فَقَدْ ورَدَ أيْضًا إضْمارُ المُبْتَدَأِ المُضافِ، قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٧] والمَعْنى: تَقَلُّبُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ.
الرّابِعُ: وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ، أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ، إلّا أنَّ الغَرَضَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ هاهُنا بِبَيانِ حُكْمٍ عائِدٍ إلَيْهِمْ، بَلْ بِبَيانِ حُكْمٍ عائِدٍ إلى أزْواجِهِمْ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ خَبَرًا، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَجِيءَ المُبْتَدَأِ بِدُونِ الخَبَرِ مُحالٌ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ مَعْنى التَّرَبُّصِ، وبَيَّنّا الفائِدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِأنْفُسِهِنَّ﴾، وبَيَّنّا أنَّ هَذا وإنْ كانَ خَبَرًا إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ هو الأمْرُ، وبَيِّنّا الفائِدَةَ في العُدُولِ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَشْرًا﴾ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ مَعَ أنَّ المُرادَ عَشَرَةُ أيّامٍ، وذَكَرُوا في العُذْرِ عَنْهُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: تَغْلِيبُ اللَّيالِي عَلى الأيّامِ؛ وذَلِكَ أنَّ ابْتِداءَ الشَّهْرِ يَكُونُ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمّا كانَتِ اللَّيالِي هي الأوائِلَ غُلِّبَتْ؛ لِأنَّ الأوائِلَ أقْوى مِنَ الثَّوانِي، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يَقُولُونَ: صُمْنا خَمْسًا مِنَ الشَّهْرِ، فَيُغَلِّبُونَ اللَّيالِيَ عَلى الأيّامِ، إذْ لَمْ يَذْكُرُوا الأيّامَ، فَإذا أظْهَرُوا الأيّامَ قالُوا: صُمْنا خَمْسَةَ أيّامٍ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الأيّامَ أيّامُ الحُزْنِ والمَكْرُوهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الأيّامِ تُسَمّى بِاللَّيالِي عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، كَقَوْلِهِمْ: خَرَجْنا لَيالِيَ الفِتْنَةِ، وجِئْنا لَيالِيَ إمارَةِ الحَجّاجِ.
والثّالِثُ ذَكَرَهُ المُبَرِّدُ: وهو أنَّهُ إنَّما أنَّثَ العَشْرَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ المُدَّةُ، مَعْناهُ: وعَشْرُ مُدَدٍ، وتِلْكَ المُدَّةُ كُلُّ مُدَّةٍ مِنها يَوْمٌ ولَيْلَةٍ.
الرّابِعُ: ذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ إلى ظاهِرِ الآيَةِ، فَقالَ: إذا انْقَضى لَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرُ لَيالٍ حَلَّتْ لِلْأزْواجِ، فَيَتَأوَّلُ العَشَرَةَ بِاللَّيالِي، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأوْزاعِيُّ وأبُو بَكْرٍ الأصَمُّ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما حَدَّ العِدَّةَ بِهَذا القَدْرِ لِأنَّ الوَلَدَ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ في العَشْرِ بَعْدَ الأرْبَعَةِ، وهو أيْضًا مَنقُولٌ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ العِدَّةَ واجِبَةٌ في كُلِّ امْرَأةٍ ماتَ عَنْها زَوْجُها إلّا في صُورَتَيْنِ:
إحْداهُما: أنْ تَكُونَ أمَةً فَإنَّها تَعْتَدُّ عِنْدَ أكْثَرِ الفُقَهاءِ نِصْفَ عِدَّةِ الحُرَّةِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: عِدَّتُها عِدَّةُ الحَرائِرِ، وتَمَسَّكَ بِظاهِرِ الآيَةِ، وأيْضًا اللَّهُ تَعالى جَعَلَ وضْعَ الحَمْلِ في حَقِّ الحامِلِ بَدَلًا عَنْ هَذِهِ المُدَّةِ، ثُمَّ وضْعُ الحَمْلِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ الحُرَّةِ والرَّقِيقَةِ، فَكَذا الِاعْتِدادُ بِهَذِهِ المُدَّةِ يَجِبُ أنْ يَشْتَرِكا فِيهِ، وسائِرُ الفُقَهاءِ قالُوا: التَّنْصِيفُ في هَذِهِ المُدَّةِ مُمْكِنٌ، وفي وضْعِ الحَمْلِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
الصُّورَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنْ كانَتْ حامِلًا فَإنَّ عِدَّتَها تَنْقَضِي بِوَضْعِ الحَمْلِ، فَإذا وضَعَتِ الحَمْلَ حَلَّتْ، وإنْ كانَ بَعْدَ وفاةِ الزَّوْجِ بِساعَةٍ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: تَتَرَبَّصُ أبْعَدَ الأجَلَيْنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ والسُّنَّةُ.
صفحة ١٠٩
أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطَّلاقِ: ٤] ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ والشّافِعِيُّ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أعَمُّ مِنَ الأُخْرى مِن وجْهٍ، وأخَصُّ مِنها مِن وجْهٍ؛ لِأنَّ الحامِلَ قَدْ يُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها وقَدْ لا يُتَوَفّى، كَما أنَّ الَّتِي تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها قَدْ تَكُونُ حامِلًا وقَدْ لا تَكُونُ، ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ جَعْلُ إحْدى الآيَتَيْنِ مُخَصِّصَةً لِلْأُخْرى.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطَّلاقِ: ٤] إنَّما ورَدَ عَقِيبَ ذِكْرِ المُطَلَّقاتِ، فَرُبَّما يَقُولُ قائِلٌ: هي في المُطَلَّقَةِ، لا في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها. فَلِهَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ لَمْ يُعَوِّلِ الشّافِعِيُّ في البابِ عَلى القُرْآنِ، وإنَّما عَوَّلَ عَلى السُّنَّةِ، وهي ما رَوى أبُو داوُدَ بِإسْنادِهِ «أنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةَ كانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، فَتُوُفِّيَ عَنْها في حَجَّةِ الوَداعِ وهي حامِلٌ، فَوَلَدَتْ بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِنِصْفِ شَهْرٍ، فَلَمّا طَهُرَتْ مِن دَمِها تَجَمَّلَتْ لِلْخُطّابِ، فَقالَ لَها بَعْضُ النّاسِ: ما أنْتِ بِناكِحٍ حَتّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، قالَتْ سُبَيْعَةُ: فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأفْتانِي بِأنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وضَعْتُ حَمْلِي، فَأمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إنْ بَدا لِي» .
إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَهاهُنا تَفارِيعُ:
الأوَّلُ: لا فَرْقَ في عِدَّةِ الوَفاةِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا عِدَّةَ عَلَيْها قَبْلَ الدُّخُولِ. وهَذا قَوْلٌ مَتْرُوكٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في حَقِّ الكُلِّ.
الحُكْمُ الثّانِي: إذا تَمَّتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ انْقَضَتْ عِدَّتُها، وإنْ لَمْ تَرَ عادَتَها مِنَ الحَيْضِ فِيها. وقالَ مالِكٌ: لا تَنْقَضِي عِدَّتُها حَتّى تَرى عادَتَها مِنَ الحَيْضِ في تِلْكَ الأيّامِ، مَثَلًا إنْ كانَتْ عادَتُها أنْ تَحِيضَ في كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَعَلَيْها في عِدَّةِ الوَفاةِ أرْبَعُ حِيَضٍ، وإنْ كانَتْ عادَتُها أنْ تَحِيضَ في كُلِّ شَهْرَيْنِ مَرَّةً فَعَلَيْها حَيْضَتانِ، وإنْ كانَتْ عادَتُها أنْ تَحِيضَ في كُلِّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مَرَّةً فَعَلَيْها حَيْضَةٌ واحِدَةٌ، وإنْ كانَتْ عادَتُها أنْ تَحِيضَ في كُلِّ خَمْسَةِ أشْهُرٍ مَرَّةً فَهاهُنا تَكْفِيها الشُّهُورُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها بِهَذِهِ المُدَّةِ ولَمْ يَزِدْ عَلى هَذا القَدْرِ، فَوَجَبَ أنَّ يَكُونَ هَذا القَدْرُ كافِيًا، ثُمَّ قالَ الشّافِعِيُّ: إنَّها إنِ ارْتابَتِ اسْتَبْرَأتْ نَفْسَها مِنَ الرِّيبَةِ، كَما أنَّ ذاتَ الأقْراءِ لَوِ ارْتابَتْ وجَبَ عَلَيْها أنْ تَحْتاطَ.
الحُكْمُ الثّالِثُ: إذا ماتَ الزَّوْجُ فَإنْ كانَ بَقِيَ مِن شَهْرِ الوَفاةِ أكْثَرُ مِن عَشَرَةِ أيّامٍ فالشَّهْرُ الثّانِي والثّالِثُ والرّابِعُ يُؤْخَذُ بِالأهِلَّةِ، سَواءٌ خَرَجَتْ كامِلَةً أوْ ناقِصَةً، ثُمَّ تُكْمِلُ الشَّهْرَ الأوَّلَ بِالخامِسِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَضُمُّ إلَيْها عَشَرَةَ أيّامٍ، وإنْ ماتَ وقَدْ بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ أقَلُّ مِن عَشَرَةِ أيّامٍ اعْتُبِرَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِالأهِلَّةِ وكُمِّلَ العَشْرُ مِنَ الشَّهْرِ السّادِسِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: أجْمَعَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِما بَعْدَها مِن الِاعْتِدادِ بِالحَوْلِ، وإنْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً في التِّلاوَةِ غَيْرَ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ فَإنَّهُ أبى نَسْخَها، وسَنَذْكُرُ كَلامَهُ مِن بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
والتَّقَدُّمُ في التِّلاوَةِ لا يَمْنَعُ التَّأخُّرَ في النُّزُولِ؛ إذْ لَيْسَ تَرْتِيبُ المُصْحَفِ عَلى تَرْتِيبِ النُّزُولِ، وإنَّما تَرْتِيبُ التِّلاوَةِ في المَصاحِفِ هو تَرْتِيبُ جِبْرِيلَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ العِدَّةَ سَبَبُها الوَفاةُ أوِ العِلْمُ بِالوَفاةِ، فَقالَ بَعْضُهم: ما لَمْ تَعْلَمْ بِوَفاةِ زَوْجِها لا تَعْتَدُّ بِانْقِضاءِ الأيّامِ في العِدَّةِ، واحْتَجُّوا بِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ ولا يَحْصُلُ إلّا إذا قَصَدَتْ هَذا التَّرَبُّصَ، والقَصْدُ إلى التَّرَبُّصِ لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ العِلْمِ بِذَلِكَ، والأكْثَرُونَ قالُوا: السَّبَبُ هو
صفحة ١١٠
المَوْتُ، فَلَوِ انْقَضَتِ المُدَّةُ أوْ أكْثَرُها ثُمَّ بَلَغَها خَبَرُ وفاةِ الزَّوْجِ وجَبَ أنْ تَعْتَدَّ بِما انْقَضى، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لا عِلْمَ لَها يَكْفِي في انْقِضاءِ عِدَّتِها انْقِضاءُ هَذِهِ المُدَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: المُرادُ مِن تَرَبُّصِها بِنَفْسِها الِامْتِناعُ عَنِ النِّكاحِ، والِامْتِناعُ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ المَنزِلِ الَّذِي تُوُفِّيَ زَوْجُها فِيهِ، والِامْتِناعُ عَنِ التَّزَيُّنِ. وهَذا اللَّفْظُ كالمُجْمَلِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّها تَتَرَبَّصُ في أيِّ شَيْءٍ، إلّا أنّا نَقُولُ: الِامْتِناعُ عَنِ النِّكاحِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وأمّا الِامْتِناعُ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ المَنزِلِ فَواجِبٌ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ والحاجَةِ، وأمّا تَرْكُ التَّزَيُّنِ فَهو واجِبٌ؛ لِما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ، إلّا عَلى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا» “ وقالَ الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ: هو غَيْرُ واجِبٍ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ يَقْتَضِي حِلَّ الإحْدادِ لا وُجُوبَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واحْتَجُّوا بِما رُوِيَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«وتَلَبَّثِي ثَلاثًا ثُمَّ اصْنَعِي ما شِئْتِ» “.
* * *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ الكُفّارَ لَيْسُوا مُخاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مِنكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الخِطابَ بِهَذِهِ الفُرُوعِ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ فَقَطْ.
وجَوابُهُ: أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا كانُوا هُمُ العامِلِينَ بِذَلِكَ خَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٥] مَعَ أنَّهُ كانَ مُنْذِرًا لِلْكُلِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ١].
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ فالمَعْنى إذا انْقَضَتْ هَذِهِ المُدَّةُ الَّتِي هي أجَلُ العِدَّةِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ قِيلَ: الخِطابُ مَعَ الأوْلِياءِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ العَقْدَ، وقِيلَ: الخِطابُ مَعَ الحُكّامِ وصُلَحاءِ المُسْلِمِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُنَّ إنْ تَزَوَّجْنَ في مُدَّةِ العِدَّةِ وجَبَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مَنعُهُنَّ عَنْ ذَلِكَ إنْ قَدَرَ عَلى المَنعِ، فَإنْ عَجَزَ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَعِينَ بِالسُّلْطانِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ العِدَّةِ أنَّهُ لا يُؤْمَنُ اشْتِمالُ فَرْجِها عَلى ماءِ زَوْجِها الأوَّلِ. وفي الآيَةِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنَّهُ ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: لا جُناحَ عَلى النِّساءِ وعَلَيْكُمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ ما يَحْسُنُ عَقْلًا وشَرْعًا؛ لِأنَّهُ ضِدُّ المُنْكَرِ الَّذِي لا يَحْسُنُ، وذَلِكَ هو الحَلالُ مِنَ التَّزَوُّجِ إذا كانَ مُسْتَجْمِعًا لِشَرائِطِ الصِّحَّةِ، ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِالتَّهْدِيدِ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
* * *
بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَمَسَّكَ بَعْضُهم في وُجُوبِ الإحْدادِ عَلى المَرْأةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾؛ فَإنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما تَنْفَرِدُ المَرْأةُ بِفِعْلِهِ، والنِّكاحُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ الغَيْرِ، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى ما يَتِمُّ بِالمَرْأةِ وحْدَها مِنَ التَّزَيُّنِ والتَّطَيُّبِ وغَيْرِهِما.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في جَوازِ النِّكاحِ بِغَيْرِ ولِيٍّ، قالُوا: إنَّها إذا زَوَّجَتْ نَفْسَها وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جائِزًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ . وإضافَةُ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ مَحْمُولٌ عَلى المُباشَرَةِ؛ لِأنَّ هَذا هو الحَقِيقَةُ في اللَّفْظَةِ، وتَمَسَّكَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى
صفحة ١١١
عَنْهُ في أنَّ هَذا النِّكاحَ لا يَصِحُّ إلّا مِنَ الوَلِيِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ الأوْلِياءِ، ولَوْلا أنَّ هَذا العَقْدَ لا يَصِحُّ إلّا مِنَ الوَلِيِّ وإلّا لَما صارَ مُخاطَبًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
البقرة 2:235
الحُكْمُ الرّابِعَ عَشَرَ
فِي خِطْبَةِ النِّساءِ
﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكم عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكم عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّعْرِيضُ في اللُّغَةِ ضِدُّ التَّصْرِيحِ، ومَعْناهُ أنْ يُضَمِّنَ كَلامَهُ ما يَصْلُحُ لِلدَّلالَةِ عَلى مَقْصُودِهِ ويَصْلُحُ لِلدَّلالَةِ عَلى غَيْرِ مَقْصُودِهِ، إلّا أنَّ إشْعارَهُ بِجانِبِ المَقْصُودِ أتَمُّ وأرْجَحُ، وأصْلُهُ مِن عَرْضِ الشَّيْءِ وهو جانِبُهُ، كَأنَّهُ يَحُومُ حَوْلَهُ ولا يُظْهِرُهُ، ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ المُحْتاجُ لِلْمُحْتاجِ إلَيْهِ: جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ ولِأنْظُرَ إلى وجْهِكَ الكَرِيمِ، ولِذَلِكَ قالُوا:
وحَسْبُكَ بِالتَّسْلِيمِ مِنِّي تَقاضِيا
والتَّعْرِيضُ قَدْ يُسَمّى تَلْوِيحًا؛ لِأنَّهُ يَلُوحُ مِنهُ ما يُرِيدُ، والفَرْقُ بَيْنَ الكِنايَةِ والتَّعْرِيضِ أنَّ الكِنايَةَ أنْ تَذْكُرَ الشَّيْءَ بِذِكْرِ لَوازِمِهِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ طَوِيلُ النِّجادِ، كَثِيرُ الرَّمادِ، والتَّعْرِيضُ أنْ تَذْكُرَ كَلامًا يَحْتَمِلُ مَقْصُودَكَ ويَحْتَمِلُ غَيْرَ مَقْصُودِكَ، إلّا أنَّ قَرائِنَ أحْوالِكَ تُؤَكِّدُ حَمْلَهُ عَلى مَقْصُودِكَ.
وأمّا الخِطْبَةُ فَقالَ الفَرّاءُ: الخِطْبَةُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الخَطْبِ، وهو مِثْلُ قَوْلِكَ: إنَّهُ الحَسَنُ القَعْدَةِ والجِلْسَةِ، تُرِيدُ القُعُودَ والجُلُوسَ. وفي اشْتِقاقِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الخَطْبَ هو الأمْرُ والشَّأْنُ، يُقالُ: ما خَطْبُكَ؟ أيْ: ما شَأْنُكَ، فَقَوْلُهم: خَطَبَ فُلانٌ فُلانَةَ، أيْ: سَألَها أمْرًا وشَأْنًا في نَفْسِها.
الثّانِي: أصْلُ الخِطْبَةِ مِنَ الخِطابِ الَّذِي هو الكَلامُ، يُقالُ: خَطَبَ المَرْأةَ خِطْبَةً؛ لِأنَّهُ خاطِبٌ في عَقْدِ النِّكاحِ، وخَطَبَ خُطْبَةً؛ أيْ خاطَبَ بِالزَّجْرِ والوَعْظِ، والخَطْبُ: الأمْرُ العَظِيمُ؛ لِأنَّهُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى خِطابٍ كَثِيرٍ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: النِّساءُ في حُكْمِ الخِطْبَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
أحَدُها: الَّتِي تَجُوزُ خِطْبَتُها تَعْرِيضًا وتَصْرِيحًا، وهي الَّتِي تَكُونُ خالِيَةً عَنِ الأزْواجِ والعِدَدِ؛ لِأنَّهُ لَمّا جازَ نِكاحُها في هَذِهِ الحالَةِ فَكَيْفَ لا تَجُوزُ خِطْبَتُها، بَلْ يُسْتَثْنى عَنْهُ صُورَةٌ واحِدَةٌ، وهي ما رَوى الشّافِعِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا يَخْطُبَنَّ أحَدُكم عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ» “، ثُمَّ هَذا الحَدِيثُ وإنْ ورَدَ مُطْلَقًا لَكِنْ فِيهِ ثَلاثَةُ أحْوالٍ:
الحالَةُ الأُولى: إذا خَطَبَ امْرَأةً فَأُجِيبَ إلَيْهِ صَرِيحًا، هاهُنا لا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أنْ يَخْطِبَها لِهَذا الحَدِيثِ.
الحالَةُ الثّانِيَةُ: إذا وجَدَ صَرِيحَ الإباءِ عَنِ الإجابَةِ، فَهاهُنا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أنْ يَخْطِبَها.
الحالَةُ الثّالِثَةُ: إذا لَمْ يُوجَدْ صَرِيحُ الإجابَةِ ولا صَرِيحُ الرَّدِّ، لِلشّافِعِيِّ هاهُنا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَجُوزُ
صفحة ١١٢
لِلْغَيْرِ خِطْبَتُها؛ لِأنَّ السُّكُوتَ لا يَدُلُّ عَلى الرِّضا.
والثّانِي: وهو القَدِيمُ وقَوْلُ مالِكٍ: أنَّ السُّكُوتَ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى الرِّضا لَكِنَّهُ لا يَدُلُّ أيْضًا عَلى الكَراهَةِ، فَرُبَّما كانَتِ الرَّغْبَةُ حاصِلَةً مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَتَصِيرُ هَذِهِ الخِطْبَةُ الثّانِيَةُ مُزِيلَةً لِذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الرَّغْبَةِ.
القِسْمُ الثّانِي: الَّتِي لا تَجُوزُ خِطْبَتُها لا تَصْرِيحًا ولا تَعْرِيضًا، وهي ما إذا كانَتْ مَنكُوحَةً لِلْغَيْرِ؛ لِأنَّ خِطْبَتَهُ إيّاها رُبَّما صارَتْ سَبَبًا لِتَشْوِيشِ الأمْرِ عَلى زَوْجِها مِن حَيْثُ إنَّها إذا عَلِمَتْ رَغْبَةَ الخاطِبِ فَرُبَّما حَمَلَها ذَلِكَ عَلى الِامْتِناعِ مِن تَأْدِيَةِ حُقُوقِ الزَّوْجِ، والتَّسَبُّبُ إلى هَذا حَرامٌ، وكَذا الرَّجْعِيَّةُ فَإنَّها في حُكْمِ المَنكُوحَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ طَلاقُها وظِهارُها ولِعانُها، وتَعْتَدُّ مِنهُ عِدَّةَ الوَفاةِ ويَتَوارَثانِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يُفَصَّلَ في حَقِّها بَيْنَ التَّعْرِيضِ والتَّصْرِيحِ، وهي المُعْتَدَّةُ غَيْرُ الرَّجْعِيَّةِ، وهي أيْضًا عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
القِسْمُ الأوَّلُ: الَّتِي تَكُونُ في عِدَّةِ الوَفاةِ، فَتَجُوزُ خِطْبَتُها تَعْرِيضًا لا تَصْرِيحًا، أمّا جَوازُ التَّعْرِيضِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ وظاهِرُهُ أنَّهُ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ تِلْكَ الآيَةِ، أمّا أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ فَقالَ الشّافِعِيُّ: لَمّا خَصَّصَ التَّعْرِيضَ بِعَدَمِ الجُناحِ وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّصْرِيحُ بِخِلافِهِ، ثُمَّ المَعْنى يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، وهو أنَّ التَّصْرِيحَ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ النِّكاحِ، فَلا يُؤْمَنُ أنْ يَحْمِلَها الحِرْصُ عَلى النِّكاحِ عَلى الإخْبارِ عَنِ انْقِضاءِ العِدَّةِ قَبْلَ أوانِها، بِخِلافِ التَّعْرِيضِ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَدْعُوها ذَلِكَ إلى الكَذِبِ.
القِسْمُ الثّانِي: المُعْتَدَّةُ عَنِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”الأُمِّ“: ولا أُحِبُّ التَّعْرِيضَ لِخِطْبَتِها، وقالَ في ”القَدِيمِ“ و”الإمْلاءِ“: يَجُوزُ لِأنَّها لَيْسَتْ في النِّكاحِ، فَأشْبَهَتِ المُعْتَدَّةَ عَنِ الوَفاةِ. وجْهُ المَنعِ هو أنَّ المُعْتَدَّةَ عَنِ الوَفاةِ يُؤْمَنُ عَلَيْها بِسَبَبِ الخِطْبَةِ الخِيانَةُ في أمْرِ العِدَّةِ، فَإنَّ عِدَّتَها تَنْقَضِي بِالأشْهُرِ، أمّا هاهُنا تَنْقَضِي عِدَّتُها بِالأقْراءِ، فَلا يُؤْمَنُ عَلَيْها الخِيانَةُ بِسَبَبِ رَغْبَتِها في هَذا الخاطِبِ، وكَيْفِيَّةُ الخِيانَةِ هي أنْ تُخْبِرَ بِانْقِضاءِ عِدَّتِها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ.
القِسْمُ الثّالِثُ: البائِنُ الَّتِي يَحِلُّ لِزَوْجِها نِكاحُها في عِدَّتِها، وهي المُخْتَلِعَةُ والَّتِي انْفَسَخَ نِكاحُها بِعَيْبٍ أوْ عُنَّةٍ أوْ إعْسارِ نَفَقَتِهِ، فَهاهُنا لِزَوْجِها التَّعْرِيضُ والتَّصْرِيحُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ لَهُ نِكاحُها في العِدَّةِ فالتَّصْرِيحُ أوْلى، وأمّا غَيْرُ الزَّوْجِ فَلا شَكَّ في أنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ التَّصْرِيحُ، وفي التَّعْرِيضِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: يَحِلُّ كالمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها والمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا.
والثّانِي، وهو الأصَحُّ: أنَّهُ لا يَحِلُّ لِأنَّها مُعْتَدَّةٌ تَحِلُّ لِلزَّوْجِ أنْ يَنْكِحَها في عِدَّتِها، فَلَمْ يَحِلَّ التَّعْرِيضُ لَها كالرَّجْعِيَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ: والتَّعْرِيضُ كَثِيرٌ، وهو كَقَوْلِهِ: رُبَّ راغِبٍ فِيكِ، أوْ: مَن يَجِدُ مِثْلَكِ؟ أوْ: لَسْتِ بِأيِّمٍ، و: إذا حَلَلْتِ فَأدْرِينِي. وذَكَرَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ مِن ألْفاظِ التَّعْرِيضِ: إنَّكِ لَجَمِيلَةٌ وإنَّكِ لَصالِحَةٌ، وإنَّكِ لَنافِعَةٌ، وإنَّ مِن عَزْمِي أنْ أتَزَوَّجَ، وإنِّي فِيكِ لَراغِبٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإكْنانَ: الإخْفاءُ والسَّتْرُ، قالَ الفَرّاءُ: لِلْعَرَبِ في أكْنَنْتُ الشَّيْءَ؛ أيْ سَتَرْتُهُ، لُغَتانِ: كَنَنْتُهُ وأكْنَنْتُهُ في الكِنِّ وفي النَّفْسِ بِمَعْنًى، ومِنهُ: ﴿ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾
صفحة ١١٣
[القَصَصِ: ٦٩] و﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصّافّاتِ: ٤٩] وفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُما، فَقالُوا: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: إذا صُنْتَهُ حَتّى لا تُصِيبَهُ آفَةٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَسْتُورًا، يُقالُ: دُرٌّ مَكْنُونٌ، وجارِيَةٌ مَكْنُونَةٌ، وبَيْضٌ مَكْنُونٌ: مَصُونٌ عَنِ التَّدَحْرُجِ، وأمّا أكْنَنْتُ فَمَعْناهُ أضْمَرْتُ، ويُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في الشَّيْءِ الَّذِي يُخْفِيهِ الإنْسانُ ويَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وهو ضِدُّ أعْلَنْتُ وأظْهَرْتُ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا حَرَجَ في التَّعْرِيضِ لِلْمَرْأةِ في عِدَّةِ الوَفاةِ ولا فِيما يُضْمِرُهُ الرَّجُلُ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيها.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ التَّعْرِيضَ بِالخِطْبَةِ أعْظَمُ حالًا مِن أنْ يَمِيلَ قَلْبُهُ إلَيْها ولا يَذْكُرُ شَيْئًا، فَلَمّا قَدَّمَ جَوازَ التَّعْرِيضِ بِالخِطْبَةِ كانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾ جارِيًا مَجْرى إيضاحِ الواضِحاتِ.
قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ ما ذَكَرْتُمْ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ أباحَ التَّعْرِيضَ وحَرَّمَ التَّصْرِيحَ في الحالِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّهُ يَعْقِدُ قَلْبَهُ عَلى أنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، فالآيَةُ الأُولى إباحَةٌ لِلتَّعْرِيضِ في الحالِ، وتَحْرِيمٌ لِلتَّصْرِيحِ في الحالِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ إباحَةٌ لِأنْ يَعْقِدَ قَلْبَهُ عَلى أنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ بَعْدَ انْقِضاءِ زَمانِ العِدَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ أباحَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ لِأنَّ شَهْوَةَ النَّفْسِ إذا حَصَلَتْ في بابِ النِّكاحِ لا يَكادُ يَخْلُو ذَلِكَ المُشْتَهِي مِنَ العَزْمِ والتَّمَنِّي، فَلَمّا كانَ دَفْعُ هَذا الخاطِرِ كالشَّيْءِ الشّاقِّ أسْقَطَ تَعالى عَنْهُ هَذا الحَرَجَ وأباحَ لَهُ ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أيْنَ المُسْتَدْرَكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ ؟
الجَوابُ: هو مَحْذُوفٌ لِدَلالَةٍ ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ فاذْكُرُوهُنَّ ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى السِّرِّ؟
والجَوابُ: أنَّ السِّرَّ ضِدُّ الجَهْرِ والإعْلانِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ السِّرُّ هاهُنا صِفَةَ المُواعَدَةِ عَلى شَيْءٍ، ولا تُواعِدُوهُنَّ مُواعَدَةً سِرِّيَّةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَوْعُودِ بِهِ عَلى مَعْنى: ولا تُواعِدُوهُنَّ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَكُونُ مَوْصُوفًا بِوَصْفِ كَوْنِهِ سِرًّا، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ - وهو أظْهَرُ التَّقْدِيرَيْنِ - فالمُواقَعَةُ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ المَرْأةِ عَلى وجْهِ السِّرِّ لا تَنْفَكُّ ظاهِرًا عَنْ أنْ تَكُونَ مُواعَدَةً بِشَيْءٍ مِنَ المُنْكَراتِ، وهاهُنا احْتِمالاتٌ:
الأوَّلُ: أنْ يُواعِدَها في السِّرِّ بِالنِّكاحِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ أوَّلَ الآيَةِ إذْنٌ في التَّعْرِيضِ بِالخِطْبَةِ، وآخِرَ الآيَةِ مَنعٌ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالخِطْبَةِ.
الثّانِي: أنْ يُواعِدَها بِذِكْرِ الجِماعِ والرَّفَثِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ بَيْنَ الأجْنَبِيِّ والأجْنَبِيَّةِ غَيْرُ جائِزٍ، قالَ تَعالى لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٢] أيْ: لا تَقُلْنَ مِن أمْرِ الرَّفَثِ شَيْئًا ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحْزابِ: ٣٢] .
الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ بِالزِّنا، طَعَنَ القاضِي في هَذا الوَجْهِ وقالَ: إنَّ المُواعَدَةَ مُحَرَّمَةٌ بِالإطْلاقِ، فَحَمْلُ الكَلامِ عَلى ما يُخَصُّ بِهِ الخاطِبُ حالَ العِدَّةِ أوْلى.
والجَوابُ: رَوى الحَسَنُ أنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ عَلى المَرْأةِ وهو يُعَرِّضُ بِالنِّكاحِ فَيَقُولُ لَها: دَعِينِي أُجامِعْكِ، فَإذا أتْمَمْتِ عِدَّتَكِ أظْهَرْتُ نِكاحَكِ. فاللَّهُ تَعالى نَهى عَنْ ذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَهْيًا عَنْ أنْ يُسارَّ الرَّجُلُ المَرْأةَ الأجْنَبِيَّةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُورِثُ نَوْعَ رِيبَةٍ فِيها.
الخامِسُ: أنْ يُعاهِدَها بِأنْ لا يَتَزَوَّجَ أحَدًا سِواها.
أمّا إذا حَمَلْنا السِّرَّ عَلى المَوْعُودِ بِهِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: السِّرُّ: الجِماعُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
صفحة ١١٤
وأنْ لا يَشْهَدَ السِّرَّ أمْثالِي
وقالَ الفَرَزْدَقُ:
مَوانِعُ لِلْأسْرارِ إلّا مِن أهْلِها ∗∗∗ ويُخْلِفْنَ ما ظَنَّ الغَيُورُ المُشْغَفُ
أيِ الَّذِي شَغَفَهُ بِهِنَّ، يَعْنِي أنَّهُنَّ عَفائِفُ يَمْنَعْنَ الجِماعَ إلّا مِن أزْواجِهِنَّ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ لا يَصِفُ نَفْسَهُ لَها فَيَقُولُ: آتِيكِ الأرْبَعَةَ والخَمْسَةَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ السِّرِّ النِّكاحُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الوَطْءَ يُسَمّى سِرًّا والنِّكاحُ سَبَبُهُ، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ جائِزٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى بِأيِّ شَيْءٍ عَلَّقَ هَذا الِاسْتِثْناءَ.
وجَوابُهُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أذِنَ في أوَّلِ الآيَةِ بِالتَّعْرِيضِ، ثُمَّ نَهى عَنِ المُسارَّةِ مَعَها دَفْعًا لِلرِّيبَةِ والغَيْبَةِ، اسْتَثْنى مِنهُ أنْ يُسارِرَها بِالقَوْلِ المَعْرُوفِ، وذَلِكَ أنْ يَعِدَها في السِّرِّ بِالإحْسانِ إلَيْها والِاهْتِمامِ بِشَأْنِها والتَّكَفُّلِ بِمَصالِحِها، حَتّى يَصِيرَ ذِكْرُ هَذِهِ الأشْياءِ الجَمِيلَةِ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ التَّعْرِيضِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ في لَفْظِ العَزْمِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ عَقْدِ القَلْبِ عَلى فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] واعْلَمْ أنَّ العَزْمَ إنَّما يَكُونُ عَزْمًا عَلى الفِعْلِ، فَلا بُدَّ في الآيَةِ مِن إضْمارِ فِعْلٍ، وهَذا اللَّفْظُ إنَّما يُعَدّى إلى الفِعْلِ بِحَرْفِ ”عَلى“، فَيُقالُ: فُلانٌ عَزَمَ عَلى كَذا. إذا ثَبَتَ هَذا كانَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولا تَعْزِمُوا عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: والحَذْفُ في هَذِهِ الأشْياءِ لا يُقاسُ، فَعَلى هَذا تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أنْ تُقَدِّرُوها حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنِ النِّكاحِ في زَمانِ العِدَّةِ؛ فَإنَّ العَزْمَ مُتَقَدِّمٌ عَلى المَعْزُومِ عَلَيْهِ، فَإذا ورَدَ النَّهْيُ عَنِ العَزْمِ فَلَأنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُتَأكَّدًا عَنِ الإقْدامِ عَلى المَعْزُومِ عَلَيْهِ أوْلى.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ العَزْمُ عِبارَةً عَنِ الإيجابِ، يُقالُ: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ، أيْ: أوْجَبْتُ عَلَيْكم، ويُقالُ: هَذا مِن بابِ العَزائِمِ، لا مِن بابِ الرُّخَصِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَزْمَةٌ مِن عَزَماتِ رَبِّنا» “، وقالَ: ”«إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أنْ تُؤْتى رُخَصُهُ كَما يُحِبُّ أنْ تُؤْتى عَزائِمُهُ» “، ولِذَلِكَ فَإنَّ العَزْمَ بِهَذا المَعْنى جائِزٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وبِالوَجْهِ الأوَّلِ لا يَجُوزُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الإيجابُ سَبَبُ الوُجُودِ ظاهِرًا، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُسْتَفادَ لَفْظُ العَزْمِ في الوُجُودِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ أيْ: لا تُحَقِّقُوا ذَلِكَ ولا تُنْشِئُوهُ، ولا تَفْرَغُوا مِنهُ فِعْلًا ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ وهَذا القَوْلُ هو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُحَقِّقِينَ.
صفحة ١١٥
القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: ولا تَعْزِمُوا عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا تَعْزِمُوا عَلَيْهِنَّ عُقْدَةَ النِّكاحِ، أيْ: لا تَعْزِمُوا عَلَيْهِنَّ أنْ يَعْقِدْنَ النِّكاحَ، كَما تَقُولُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْلَ العَقْدِ الشَّدُّ، والعُهُودُ والأنْكِحَةُ تُسَمّى عُقُودًا؛ لِأنَّها تُعْقَدُ كَما يُعْقَدُ الحَبْلُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ فَفي الكِتابِ وجْهانِ:
الأوَّل: المُرادُ مِنهُ: المَكْتُوبُ، والمَعْنى: تَبْلُغُ العِدَّةُ المَفْرُوضَةُ آخِرَها، وصارَتْ مُنْقَضِيَةً.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ الكِتابُ نَفْسُهُ في مَعْنى الفَرْضِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٣] فَيَكُونُ المَعْنى: حَتّى يَبْلُغَ هَذا التَّكْلِيفُ آخِرَهُ ونِهايَتَه، وإنَّما حَسُنَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ مَعْنى: فَرَضَ، بِلَفْظِ ”كَتَبَ“ لِأنَّ ما يُكْتَبُ يَقَعُ في النُّفُوسِ أنَّهُ أثْبَتُ وآكَدُ، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى﴾ هو غايَةٌ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يُفِيدَ ارْتِفاعَ الحَظْرِ المُتَقَدِّمِ؛ لِأنَّ مِن حَقِّ الغايَةِ الَّتِي ضُرِبَتْ لِلْحَظْرِ أنْ تَقْتَضِيَ زَوالَهُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِالتَّهْدِيدِ فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ عالِمًا بِالسِّرِّ والعَلانِيَةِ، وجَبَ الحَذَرُ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ الإنْسانُ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ الوَعِيدِ الوَعْدَ، فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ .
البقرة 2:236
الحُكْمُ الخامِسَ عَشَرَ
حُكْمُ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ
﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ أقْسامَ المُطَلَّقاتِ أرْبَعَةٌ:
أحَدُها: المُطَلَّقَةُ الَّتِي تَكُونُ مَفْرُوضًا لَها ومَدْخُولًا بِها، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ أحْكامَ هَذا القِسْمِ، وهو أنَّهُ لا يُؤْخَذُ مِنهُنَّ عَلى الفِراقِ شَيْءٌ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ لَهُنَّ كَمالَ المَهْرِ، وأنَّ عِدَّتَهُنَّ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ.
والقِسْمُ الثّانِي مِنَ المُطَلَّقاتِ: ما لا يَكُونُ مَفْرُوضًا ولا مَدْخُولًا بِها، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، وذَكَرَ أنَّهُ لَيْسَ لَها مَهْرٌ، وأنَّ لَها المُتْعَةَ بِالمَعْرُوفِ.
والقِسْمُ الثّالِثُ مِنَ المُطَلَّقاتِ: الَّتِي يَكُونُ مَفْرُوضًا لَها، ولَكِنْ لا يَكُونُ مَدْخُولًا بِها، وهي المَذْكُورَةُ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حُكْمَ عِدَّةِ غَيْرِ المَدْخُولِ بِها وذَكَرَ في سُورَةِ الأحْزابِ أنَّهُ لا عِدَّةَ عَلَيْها البَتَّةَ، فَقالَ: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحْزابِ: ٤٩].
صفحة ١١٦
القِسْمُ الرّابِعُ مِنَ المُطَلَّقاتِ: الَّتِي تَكُونُ مَدْخُولًا بِها، ولَكِنْ لا يَكُونُ مَفْرُوضًا لَها، وحُكْمُ هَذا القِسْمِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النِّساءِ: ٢٤] أيْضًا القِياسُ الجَلِيُّ دالٌّ عَلَيْهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ المَوْطُوءَةَ بِالشُّبْهَةِ لَها مَهْرُ المِثْلِ، فالمَوْطُوءَةُ بِنِكاحٍ صَحِيحٍ أوْلى بِهَذا الحُكْمِ، فَهَذا التَّقْسِيمُ تَنْبِيهٌ عَلى المَقْصُودِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ هَذا التَّقْسِيمِ بِعِبارَةٍ أُخْرى، فَيُقالُ: إنَّ عَقْدَ النِّكاحِ يُوجِبُ بَدَلًا عَلى كُلِّ حالٍ، ثُمَّ ذَلِكَ البَدَلُ إمّا أنْ يَكُونَ مَذْكُورًا أوْ غَيْرَ مَذْكُورٍ، فَإنْ كانَ البَدَلُ مَذْكُورًا، فَإنْ حَصَلَ الدُّخُولُ اسْتَقَرَّ كُلُّهُ، وهَذا هو حُكْمُ المُطَلَّقاتِ الَّتِي ذَكَرَهُنَّ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلِ الدُّخُولُ سَقَطَ نِصْفُ المَذْكُورِ بِالطَّلاقِ، وهَذا هو حُكْمُ المُطَلَّقاتِ الَّتِي ذَكَرَهُنَّ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الَّتِي تَجِيءُ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ.
فَإنْ لَمْ يَكُنِ البَدَلُ مَذْكُورًا فَإنْ لَمْ يَحْصُلِ الدُّخُولُ فَهو هَذِهِ المُطَلَّقَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَها في هَذِهِ الآيَةِ، وحُكْمُها أنَّهُ لا مَهْرَ لَها، ولا عِدَّةَ عَلَيْها، ويَجِبُ عَلَيْهِ لَها المُتْعَةُ، وإنْ حَصَلَ الدُّخُولُ فَحُكْمُها غَيْرُ مَذْكُورٍ في هَذِهِ الآياتِ، إلّا أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الواجِبَ فِيها مَهْرُ المِثْلِ، ولَمّا نَبَّهْنا عَلى هَذا التَّقْسِيمِ، فَلْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ فَهَذا نَصٌّ في أنَّ الطَّلاقَ جائِزٌ، واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِن أصْحابِنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الثَّلاثِ لَيْسَ بِحَرامٍ، قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ التَّطْلِيقاتِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الثَّلاثِ مِنها، فَيُقالُ: لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ إلّا إذا طَلَّقْتُمُوهُنَّ ثَلاثَ طَلَقاتٍ، فَإنَّ هُناكَ يَثْبُتُ الجُناحُ، قالُوا: وحُكْمُ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ التَّطْلِيقاتِ، أعْنِي حالَ الإفْرادِ وحالَ الجَمْعِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الإذْنِ في تَحْصِيلِ هَذِهِ الماهِيَّةِ في الوُجُودِ، ويَكْفِي في العَمَلِ بِهِ إدْخالُهُ في الوُجُودِ مَرَّةً واحِدَةً، ولِهَذا قُلْنا: إنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ، ولِهَذا قُلْنا: إنَّهُ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ انْعَقَدَتِ اليَمِينُ عَلى المَرَّةِ الواحِدَةِ فَقَطْ؛ فَثَبَتَ أنَّ هَذا اللَّفْظَ لا يَتَناوَلُ حالَةَ الجَمْعِ، وأمّا الِاسْتِثْناءُ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَنَقُولُ: يُشْكِلُ هَذا بِالأمْرِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ بِالِاتِّفاقِ مِنَ المُحَقِّقِينَ، مَعَ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: صَلِّ إلّا في الوَقْتِ الفُلانِيِّ، وصُمْ إلّا في اليَوْمِ الفُلانِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تُماسُّوهُنَّ“ بِالألْفِ عَلى المُفاعَلَةِ، وكَذَلِكَ في الأحْزابِ، والباقُونَ ”تَمَسُّوهُنَّ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، حُجَّةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ أنَّ بَدَنَ كُلِّ واحِدٍ يَمَسُّ بَدَنَ صاحِبِهِ ويَتَماسّانِ جَمِيعًا، وأيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المُجادَلَةِ: ٣] وهو إجْماعٌ، وحُجَّةُ الباقِينَ إجْماعُهم عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٧]، ولِأنَّ أكْثَرَ الألْفاظِ في هَذا المَعْنى جاءَ عَلى المَعْنى بِفِعْلٍ دُونَ فاعِلٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٥٦]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ [النِّساءِ: ٢٥]، وأيْضًا المُرادُ مِن هَذا المَسِّ: الغِشْيانُ، وذَلِكَ فِعْلُ الرَّجُلِ، ويَدُلُّ في الآيَةِ الثّانِيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذا المَسِّ الغِشْيانُ، وأمّا ما جاءَ في الظِّهارِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، فالمُرادُ بِهِ المُماسَّةُ الَّتِي هي غَيْرُ الجِماعِ، وهي حَرامٌ في الظِّهارِ، وبَعْضُ مَن قَرَأ: ”تُماسُّوهُنَّ“ قالَ: إنَّهُ بِمَعْنى ”تَمَسُّوهُنَّ“؛ لِأنَّهُ فاعَلَ قَدْ يُرادُ بِهِ فَعَلَ؛ كَقَوْلِهِ: طارَقْتُ النَّعْلَ، وعاقَبْتُ اللِّصَّ، وهو كَثِيرٌ.
* * *
صفحة ١١٧
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ظاهِرُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِأنَّ نَفْيَ الجَناحِ عَنِ المُطَلِّقِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ المَسِيسِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإنَّهُ لا جُناحَ عَلَيْهِ أيْضًا بَعْدَ المَسِيسِ.
وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى إباحَةِ الطَّلاقِ قَبْلَ المَسِيسِ مُطْلَقًا، وهَذا الإطْلاقُ غَيْرُ ثابِتٍ بَعْدَ المَسِيسِ؛ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ الطَّلاقُ بَعْدَ المَسِيسِ في زَمانِ الحَيْضِ، ولا في الطُّهْرِ الَّذِي جامَعَها فِيهِ، فَلَمّا كانَ المَذْكُورُ في الآيَةِ حِلَّ الطَّلاقِ عَلى الإطْلاقِ، وحِلُّ الطَّلاقِ عَلى الإطْلاقِ لا يَثْبُتُ إلّا بِشَرْطِ عَدَمِ المَسِيسِ، صَحَّ ظاهِرُ اللَّفْظِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قالَ بَعْضُهم: إنَّ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ بِمَعْنى (الَّذِي) والتَّقْدِيرُ: لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ اللّاتِي لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، إلّا أنَّ (ما) اسْمٌ جامِدٌ لا يَنْصَرِفُ، ولا يَبِينُ فِيهِ الإعْرابُ ولا العَدَدُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ لَفْظُ (ما) شَرْطًا، فَزالَ السُّؤالُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ ما يَدُورُ حَوْلَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى ما أقُولُهُ، وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الجُناحِ في هَذِهِ الآيَةِ لُزُومُ المَهْرِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: لا مَهْرَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، بِمَعْنى: لا يَجِبُ المَهْرُ إلّا بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَإذا فُقِدا جَمِيعًا لَمْ يَجِبِ المَهْرُ، وهَذا كَلامٌ ظاهِرٌ، إلّا أنّا نَحْتاجُ إلى بَيانِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا جُناحَ﴾ مَعْناهُ لا مَهْرَ، فَنَقُولُ: إطْلاقُ لَفْظِ الجُناحِ عَلى المَهْرِ مُحْتَمَلٌ، والدَّلِيلُ دَلَّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وأمّا بَيانُ الِاحْتِمالِ فَهو أنَّ أصْلَ الجَناحِ في اللُّغَةِ هو الثِّقَلُ، يُقالُ: أجْنَحَتِ السَّفِينَةُ إذا مالَتْ لِثِقَلِها، والذَّنْبُ يُسَمّى جَناحًا لِما فِيهِ مِنَ الثِّقَلِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١٣] إذا ثَبَتَ أنَّ الجُناحَ هو الثِّقَلُ، ولُزُومُ أداءِ المالِ ثِقَلٌ فَكانَ جُناحًا، فَثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلى أنَّهُ هو المُرادُ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ نَفى الجُناحَ مَحْدُودًا إلى غايَةٍ وهي إمّا المَسِيسُ أوِ الفَرْضُ، والتَّقْدِيرُ: فَوَجَبَ أنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ الجُناحُ عِنْدَ حُصُولِ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، ثُمَّ إنَّ الجُناحَ الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ هو لُزُومُ المَهْرِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ الجُناحَ المَنفِيَّ في أوَّلِ الآيَةِ هو لُزُومُ المَهْرِ.
الثّانِي: أنَّ تَطْلِيقَ النِّساءِ قَبْلَ المَسِيسِ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: الَّذِي يَكُونُ قَبْلَ المَسِيسِ وقَبْلَ تَقْدِيرِ المَهْرِ، وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: الَّذِي يَكُونُ قَبْلَ المَسِيسِ وبَعْدَ تَقْدِيرِ المَهْرِ، وهو المَذْكُورُ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] ثُمَّ إنَّهُ في هَذا القِسْمِ أوْجَبَ نِصْفَ المَفْرُوضِ، وهَذا القِسْمُ كالمُقابِلِ لِذَلِكَ القِسْمِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الجُناحُ المَنفِيُّ هُناكَ هو المُثْبَتَ هاهُنا، فَلَمّا كانَ المُثْبَتُ هاهُنا هو لُزُومَ المَهْرِ وجَبَ أنْ يُقالَ: الجُناحُ المَنفِيُّ هُناكَ هو لُزُومُ المَهْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أقْسامَ المُطَلَّقاتِ أرْبَعَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَكُونُ مُشْتَمِلَةً عَلى بَيانِ حُكْمِ ثَلاثَةِ أقْسامٍ مِنها؛ لِأنَّهُ لَمّا صارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا مَهْرَ إلّا عِنْدَ المَسِيسِ أوْ عِنْدَ التَّقْدِيرِ، عُرِفَ مِنهُ أنَّ الَّتِي لا تَكُونُ مَمْسُوسَةً ولا مَفْرُوضًا لَها لا يَجِبُ لَها المَهْرُ، وعُرِفَ أنَّ الَّتِي تَكُونُ مَمْسُوسَةً ولا تَكُونُ مَفْرُوضًا لَها، والَّتِي تَكُونُ مَفْرُوضًا لَها ولا تَكُونُ مَمْسُوسَةً يَجِبُ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما المَهْرُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى بَيانِ حُكْمِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ.
صفحة ١١٨
وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ، وهي الَّتِي تَكُونُ مَمْسُوسَةً ومَفْرُوضًا لَها، فَبَيانُ حُكْمِهِ مَذْكُورٌ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآياتُ مُشْتَمِلَةً عَلى بَيانِ حُكْمِ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ بِالتَّمامِ، وهَذا مِن لَطائِفِ الكَلِماتِ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ والزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ عَقْدَ النِّكاحِ بِغَيْرِ المَهْرِ جائِزٌ، وقالَ القاضِي: إنَّها لا تَدُلُّ عَلى الجَوازِ لَكِنَّها تَدُلُّ عَلى الصِّحَّةِ، أمّا بَيانُ دَلالَتِها عَلى الصِّحَّةِ، فَلِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ مَشْرُوعًا، ولَمْ تَكُنِ المُتْعَةُ لازِمَةً، وأمّا أنَّها لا تَدُلُّ عَلى الجَوازِ، فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الصِّحَّةِ الجَوازُ، بِدَلِيلِ أنَّ الطَّلاقَ في زَمانِ الحَيْضِ حَرامٌ، ومَعَ ذَلِكَ واقِعٌ وصَحِيحٌ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المَسِيسِ في هَذِهِ الآيَةِ الدُّخُولُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وإنَّما كَنّى تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ عَنِ المُجامَعَةِ تَأْدِيبًا لِلْعِبادِ في اخْتِيارِ أحْسَنِ الألْفاظِ فِيما يَتَخاطَبُونَ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ فالمَعْنى يُقَدِّرُ لَها مِقْدارًا مِنَ المَهْرِ يُوجِبُهُ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الفَرْضَ في اللُّغَةِ هو التَّقْدِيرُ، وذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ ”أوْ“ هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، ويُرِيدُ: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ولَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٤٧] وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ فِيما لَخَّصْناهُ عَلِمْتَ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ مُتَكَلَّفٌ، بَلْ خَطَأٌ قَطْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا مَهْرَ عِنْدَ عَدَمِ المَسِيسِ والتَّقْدِيرِ، بَيَّنَ أنَّ المُتْعَةَ لَها واجِبَةٌ، وتَفْسِيرُ لَفْظِ المُتْعَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٦].
* * *
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُطَلَّقاتُ قِسْمانِ: مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ، ومُطَلَّقَةٌ بَعْدَ الدُّخُولِ، أمّا المُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ لَها مَهْرٌ فَلَها المُتْعَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها، وإنْ كانَ قَدْ فُرِضَ لَها فَلا مُتْعَةَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ في حَقِّها نِصْفَ المَهْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ المُتْعَةَ، ولَوْ كانَتْ واجِبَةً لَذَكَرَها.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إلّا الَّتِي فُرِضَ لَها ولَمْ يُدْخَلْ بِها، فَحَسْبُها نِصْفُ المَهْرِ، وأمّا المُطَلَّقَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ سَواءٌ فُرِضَ لَها أوْ لَمْ يُفْرَضْ، فَهَلْ تَسْتَحِقُّ المُتْعَةَ، فِيهِ قَوْلانِ: قالَ في ”القَدِيمِ“ وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا مُتْعَةَ لَها؛ لِأنَّها تَسْتَحِقُّ المَهْرَ كالمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الفَرْضِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وقالَ في ”الجَدِيدِ“: بَلْ لَها المُتْعَةُ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وابْنِ عُمَرَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤١]، وقالَ تَعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحْزابِ: ٢٨] وكانَ ذَلِكَ في نِساءٍ دَخَلَ بِهِنَّ النَّبِيُّ ﷺ، ولَيْسَ كالمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الفَرْضِ قَبْلَ المَسِيسِ؛ لِأنَّها اسْتَحَقَّتِ الصَّداقَ لا بِمُقابَلَةِ اسْتِباحَةِ عِوَضٍ فَلَمْ تَسْتَحِقَّ المُتْعَةَ، والمُطَلَّقَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ اسْتَحَقَّتِ الصَّداقَ بِمُقابَلَةِ اسْتِباحَةِ البُضْعِ، فَتَجِبُ لَها المُتْعَةُ لِلْإيحاشِ بِالفِراقِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ أنَّ المُتْعَةَ واجِبَةٌ، وهو قَوْلُ شُرَيْحٍ والشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ، ورُوِيَ عَنِ الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ أنَّهم كانُوا لا يَرَوْنَها واجِبَةً، وهو قَوْلُ مالِكٍ. لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ وظاهِرُ الأمْرِ لِلْإيجابِ، وقالَ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤١] فَجَعَلَ مِلْكًا لَهُنَّ أوْ في مَعْنى المِلْكِ، وحُجَّةُ مالِكٍ أنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾، فَجَعَلَ هَذا مِن بابِ الإحْسانِ، وإنَّما يُقالُ: هَذا الفِعْلُ إحْسانٌ إذا لَمْ يَكُنْ واجِبًا، فَإنْ وجَبَ عَلَيْهِ أداءُ دَيْنٍ فَأدّاهُ لا يُقالُ: إنَّهُ أحْسَنُ، وأيْضًا قالَ تَعالى:
صفحة ١١٩
﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ. والجَوابُ عَنْهُ أنَّ الآيَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها تَدَلُّ عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ فَذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ ”عَلى“ وهي لِلْوُجُوبِ، ولِأنَّهُ إذا قِيلَ: هَذا حَقٌّ عَلى فُلانٍ، لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ النَّدْبُ بَلِ الوُجُوبُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أصْلُ المُتْعَةِ والمَتاعِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا غَيْرَ باقٍ، بَلْ مُنْقَضِيًا عَنْ قَرِيبٍ، ولِهَذا يُقالُ: الدُّنْيا مَتاعٌ، ويُسَمّى التَّلَذُّذُ تَمَتُّعًا لِانْقِطاعِهِ بِسُرْعَةٍ وقِلَّةِ لَبْثٍ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (المُوسِعُ): الغَنِيُّ الَّذِي يَكُونُ في سَعَةٍ مِن غِناهُ، يُقالُ: أوْسَعَ الرَّجُلُ: إذا كَثُرَ مالُهُ واتَّسَعَتْ حالُهُ، ويُقالُ: أوْسَعَهُ كَذا؛ أيْ وسَّعَهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٧] وقَوْلُهُ: ﴿قَدَرُهُ﴾ أيْ قَدْرُ إمْكانِهِ وطاقَتِهِ، فَحَذَفَ المُضافَ، والمُقْتِرُ الَّذِي في ضِيقٍ مِن فَقْرِهِ، وهو المُقِلُّ الفَقِيرُ، وأقْتَرَ: إذا افْتَقَرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (قَدْرُهُ) بِسُكُونِ الدّالِ، والباقُونَ: ﴿قَدَرُهُ﴾ بِفَتْحِ الدّالِ، وهُما لُغَتانِ في جَمِيعِ مَعانِي القَدْرِ، يُقالُ: قَدَّرَ القَوْمُ أمْرَهم يُقَدِّرُونَهُ قَدْرًا، وهَذا قَدْرُ هَذا، واحْمِلْ عَلى رَأْسِكَ قَدْرَ ما تُطِيقُ، وقَدَّرَ اللَّهُ الرِّزْقَ يُقَدِّرُهُ ويَقْدُرُهُ قَدْرًا، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ أُقَدِّرُهُ قَدْرًا، وقَدَرْتُ عَلى الأمْرِ أقْدِرُ عَلَيْهِ قُدْرَةً، كُلُّ هَذا يَجُوزُ فِيهِ التَّحْرِيكُ والتَّسْكِينُ، يُقالُ: هم يَخْتَصِمُونَ في القَدْرِ والقَدَرِ، وخَدَمْتُهُ بِقَدْرِ كَذا وبِقَدَرِ كَذا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرَّعْدِ: ١٧] وقالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٩١] ولَوْ حُرِّكَ لَكانَ جائِزًا، وكَذَلِكَ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٩] ولَوْ خُفِّفَ جازَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْدِيرَ المُتْعَةِ مُفَوَّضٌ إلى الِاجْتِهادِ، ولِأنَّها كالنَّفَقَةِ الَّتِي أوْجَبَها اللَّهُ تَعالى لِلزَّوْجاتِ، وبَيَّنَ أنَّ المُوسِعَ يُخالِفُ المُقْتِرَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: المُسْتَحَبُّ عَلى المُوسِعِ خادِمٌ، وعَلى المُتَوَسِّطِ ثَلاثُونَ دِرْهَمًا، وعَلى المُقْتِرِ مِقْنَعَةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: أكْثَرُ المُتْعَةِ خادِمٌ، وأقَلُّها مِقْنَعَةٌ، وأيُّ قَدْرٍ أدّى جازَ في جانِبَيِ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: المُتْعَةُ لا تُزادُ عَلى نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ، قالَ: لِأنَّ حالَ المَرْأةِ الَّتِي يُسَمّى لَها المَهْرُ أحْسَنُ مِن حالِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَها، ثُمَّ لَمّا لَمْ يَجِبْ لَها زِيادَةٌ عَلى نِصْفِ المُسَمّى إذا طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَأنْ لا يَجِبَ زِيادَةٌ عَلى نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ حالِ الزَّوْجِ في الغِنى والفَقْرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن يَعْتَبِرُ حالَهُما، وهو قَوْلُ القاضِي، ومِنهم مَن يَعْتَبِرُ حالَ الزَّوْجِ فَقَطْ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في المُتْعَةِ: يُعْتَبَرُ حالُ الرَّجُلِ، وفي مَهْرِ المِثْلِ حالُها، وكَذَلِكَ في النَّفَقَةِ. واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ واحْتَجَّ القاضِي بِقَوْلِهِ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حالِهِما؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ يُسَوّى بَيْنَ الشَّرِيفَةِ والوَضِيعَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿مَتاعًا﴾ تَأْكِيدٌ لِمَتِّعُوهُنَّ، يَعْنِي: مَتِّعُوهُنَّ تَمْتِيعًا بِالمَعْرُوفِ و﴿حَقًّا﴾ صِفَةٌ لِمَتاعًا، أيْ:
صفحة ١٢٠
مَتاعًا واجِبًا عَلَيْهِمْ، أوْ حُقَّ ذَلِكَ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ﴿قَدَرُهُ﴾ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ، والعامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى القَطْعِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى المُحْسِنِينَ﴾ فَفي سَبَبِ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُحْسِنَ هو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهَذا البَيانِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٥] والثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّ مَن أرادَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ فَهَذا شَأْنُهُ وطَرِيقُهُ، والمُحْسِنُ هو المُؤْمِنُ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ العَمَلَ بِما ذَكَرْتُ هو طَرِيقُ المُؤْمِنِينَ.
الثّالِثُ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ إلى أنْفُسِهِمْ في المُسارَعَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:237
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلّا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكم إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُكْمَ المُطَلَّقَةِ غَيْرِ المَمْسُوسَةِ إذا لَمْ يُفْرَضْ لَها مَهْرٌ، تَكَلَّمَ في المُطَلَّقَةِ غَيْرِ المَمْسُوسَةِ إذا كانَ قَدْ فُرِضَ لَها مَهْرٌ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّ الخَلْوَةَ لا تُقَرِّرُ المَهْرَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ تُقَرِّرُ المَهْرَ، ويَعْنِي بِالخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ: أنْ يَخْلُوَ بِها ولَيْسَ هُناكَ مانِعٌ حِسِّيٌّ ولا شَرْعِيٌّ، فالحِسِّيُّ نَحْوُ: الرَّتْقُ والقَرْنُ والمَرَضُ، أوْ يَكُونُ مَعَهُما ثالِثٌ وإنْ كانَ نائِمًا، والشَّرْعِيُّ نَحْوُ الحَيْضِ والنِّفاسِ وصَوْمِ الفَرْضِ وصَلاةِ الفَرْضِ والإحْرامِ المُطْلَقِ سَواءٌ كانَ فَرْضًا أوْ نَفْلًا.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ المَسِيسِ يُوجِبُ سُقُوطَ نِصْفِ المَهْرِ، وهاهُنا وُجِدَ الطَّلاقُ قَبْلَ المَسِيسِ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِسُقُوطِ نِصْفِ المَهْرِ.
بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ لَيْسَ كَلامًا تامًّا بَلْ لا بُدَّ مِن إضْمارِ آخَرَ لِيَتِمَّ الكَلامُ، فَإمّا أنْ يُضْمَرَ: فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ساقِطٌ، أوْ يُضْمَرَ: فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ثابِتٌ، والأوَّلُ هو المَقْصُودُ، والثّانِي مَرْجُوحٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُعَلَّقَ عَلى الشَّيْءِ بِكَلِمَةِ (إنْ) عُدِمَ ذَلِكَ الشَّيْءُ ظاهِرًا، فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى الوُجُوبِ تَرَكْنا العَمَلَ بِقَضِيَّةِ التَّعْلِيقِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَنفِيٍّ قَبْلَهُ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى السُّقُوطِ، عَمِلْنا بِقَضِيَّةِ التَّعْلِيقِ؛ لِأنَّهُ مَنفِيٌّ قَبْلَهُ.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ كُلِّ المَهْرِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا التَزَمَ لَزِمَهُ الكُلُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ فَلَمْ تَكُنِ الحاجَةُ إلى بَيانِ ثُبُوتِ النِّصْفِ قائِمَةً؛ لِأنَّ المُقْتَضِيَ لِوُجُوبِ الكُلِّ مُقْتَضٍ أيْضًا لِوُجُوبِ النِّصْفِ، إنَّما المُحْتاجُ إلَيْهِ بَيانُ سُقُوطِ النِّصْفِ؛ لِأنَّ عِنْدَ قِيامِ المُقْتَضِي لِوُجُوبِ الكُلِّ كانَ الظّاهِرُ هو وُجُوبَ الكُلِّ، فَكانَ سُقُوطُ البَعْضِ في هَذا المَقامِ هو المُحْتاجَ إلى البَيانِ، فَكانَ
صفحة ١٢١
حَمْلُ الآيَةِ عَلى بَيانِ السُّقُوطِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى بَيانِ الوُجُوبِ.
وثالِثُها: أنَّ الآيَةَ الدّالَّةَ عَلى وُجُوبِ إيتاءِ كُلِّ المَهْرِ قَدْ تَقَدَّمَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٩] فَحَمْلُ الآيَةِ عَلى سُقُوطِ النِّصْفِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى وُجُوبِ النِّصْفِ.
ورابِعُها: وهو أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو الطَّلاقُ قَبْلَ المَسِيسِ، وكَوْنُ الطَّلاقِ واقِعًا قَبْلَ المَسِيسِ يُناسِبُ سُقُوطَ نِصْفِ المَهْرِ، ولا يُناسِبُ وُجُوبَ شَيْءٍ، فَلَمّا كانَ المَذْكُورُ في الآيَةِ ما يُناسِبُ السُّقُوطَ، لا ما يُناسِبُ الوُجُوبَ كانَ إضْمارُ السُّقُوطِ أوْلى، وإنَّما اسْتَقْصَيْنا في هَذِهِ الوُجُوهِ لِأنَّ مِنهم مَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ واجِبٌ، وتَخْصِيصُ النِّصْفِ بِالوُجُوبِ لا يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ النِّصْفِ الآخَرِ، إلّا مِن حَيْثُ دَلِيلُ الخِطابِ، وهو عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَكانَ غَرَضُنا مِن هَذا الِاسْتِقْصاءِ دَفْعَ هَذا السُّؤالِ.
بَيانُ المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ وهي أنَّ هاهُنا وُجِدَ الطَّلاقُ قَبْلَ المَسِيسِ، هو أنَّ المُرادَ بِالمَسِيسِ إمّا حَقِيقَةُ المَسِّ بِاليَدِ، أوْ جُعِلَ كِنايَةً عَنِ الوِقاعِ، وأيَّهُما كانَ فَقَدْ وُجِدَ الطَّلاقُ قَبْلَهُ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النِّساءِ: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ [النِّساءِ: ٢١] وجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: هو أنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ أخْذِ المَهْرِ، ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الطَّلاقِ وعَدَمِ الطَّلاقِ إلّا إنْ تَوافَقْنا عَلى أنَّهُ خَصَّ الطَّلاقَ قَبْلَ الخَلْوَةِ، ومَنِ ادَّعى التَّخْصِيصَ هاهُنا فَعَلَيْهِ البَيانُ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْ أخْذِ المَهْرِ وعَلَّلَ بِعِلَّةِ الإفْضاءِ، وهي الخَلْوَةُ، والإفْضاءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الفَضاءِ، وهو المَكانُ الخالِي، فَعَلِمْنا أنَّ الخَلْوَةَ تُقَرِّرُ المَهْرَ.
وجَوابُنا عَنْ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها عامَّةٌ، والآيَةُ الَّتِي تَمَسَّكْنا بِها خاصَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، والتَّقْدِيرُ: طَلَّقْتُمُوهُنَّ حالَ ما فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما لَمْ تَسْقُطِ النُّونُ مِن ﴿يَعْفُونَ﴾ وإنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”أنْ“ النّاصِبَةُ لِلْأفْعالِ لِأنَّ ﴿يَعْفُونَ﴾ فِعْلُ النِّساءِ، فاسْتَوى فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَزْمُ، والنُّونُ في ﴿يَعْفُونَ﴾ إذا كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى النِّساءِ ضَمِيرُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ، وإذا كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الرِّجالِ فالنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَسْقُطِ النُّونُ الَّتِي هي ضَمِيرُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ، كَما لَمْ تَسْقُطِ الواوُ الَّتِي هي ضَمِيرُ جَمْعِ المُذَكَّرِ، والسّاقِطُ في ﴿يَعْفُونَ﴾ إذا كانَ لِلرِّجالِ الواوُ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ في ﴿يَعْفُونَ﴾ لا الواوُ الَّتِي هي ضَمِيرُ الجَمْعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى: إلّا أنْ يَعْفُونَ المُطَلَّقاتُ عَنْ أزْواجِهِنَّ فَلا يُطالِبْنَهم بِنِصْفِ المَهْرِ، وتَقُولُ المَرْأةُ: ما رَآنِي ولا خَدَمْتُهُ، ولا اسْتَمْتَعَ بِي. فَكَيْفَ آخُذُ مِنهُ شَيْئًا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ، الأوَّلُ: أنَّهُ الزَّوْجُ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وكَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
صفحة ١٢٢
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ الوَلِيُّ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وعَلْقَمَةَ، وهو قَوْلُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ.
حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أنَّ يَهَبَ مَهْرَ مُوَلِّيَتِهِ صَغِيرَةً كانَتْ أوْ كَبِيرَةً، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الوَلِيِّ.
والثّانِي: أنَّ الَّذِي بِيَدِ الوَلِيِّ هو عَقْدُ النِّكاحِ، فَإذا عُقِدَ حَصَلَتِ العُقْدَةُ؛ لِأنَّ بِناءَ الفُعْلَةِ يَدُلُّ عَلى المَفْعُولِ، كالأُكْلَةِ واللُّقْمَةِ، وأمّا المَصْدَرُ فالعَقْدُ كالأكْلِ واللَّقْمِ، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العُقْدَةَ الحاصِلَةَ بَعْدَ العَقْدِ في يَدِ الزَّوْجِ لا في يَدِ الوَلِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ مَعْناهُ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكاحٍ ثابِتٍ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النّازِعاتِ: ٤٠] أيْ: نَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى الثّابِتِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، كانَتِ الجَنَّةُ ثابِتَةً لَهُ، فَتَكُونُ مَأْواهُ.
الرّابِعُ: ما رُوِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مَطْعِمٍ، أنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها فَأكْمَلَ الصَّداقَ، وقالَ: أنا أحَقُّ بِالعَفْوِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّحابَةَ فَهِمُوا مِنَ الآيَةِ العَفْوَ الصّادِرَ مِنَ الزَّوْجِ.
حُجَّةُ مَن قالَ: المُرادُ هو الوَلِيُّ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الصّادِرَ مِنَ الزَّوْجِ هو أنْ يُعْطِيَها كُلَّ المَهْرِ، وذَلِكَ يَكُونُ هِبَةً، والهِبَةُ لا تُسَمّى عَفْوًا، أجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ الغالِبُ عِنْدَهم أنْ يَسُوقَ المَهْرَ إلَيْها عِنْدَ التَّزَوُّجِ، فَإذا طَلَّقَها اسْتَحَقَّ أنْ يُطالِبَها بِنِصْفِ ما ساقَ إلَيْها، فَإذا تَرَكَ المُطالَبَةَ فَقَدْ عَفا عَنْها.
وثانِيها: سَمّاهُ عَفْوًا عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ.
وثالِثُها: أنَّ العَفْوَ قَدْ يُرادُ بِهِ التَّسْهِيلُ، يُقالُ: فُلانٌ وجَدَ المالَ عَفْوًا صَفْوًا، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ هَذا القَوْلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ وعَلى هَذا عَفْوُ الرَّجُلِ أنْ يَبْعَثَ إلَيْها كُلَّ الصَّداقِ عَلى وجْهِ السُّهُولَةِ.
أجابَ القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ هو الوَلِيُّ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ بِأنَّ صُدُورَ العَفْوِ عَنِ الزَّوْجِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ لا يَحْصُلُ إلّا عَلى بَعْضِ التَّقْدِيراتِ، واللَّهُ تَعالى نَدَبَ إلى العَفْوِ مُطْلَقًا، وحَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ خِلافُ الأصْلِ، وأجابُوا عَنِ السُّؤالِ الثّانِي أنَّ العَفْوَ الصّادِرَ عَنِ المَرْأةِ هو الإبْراءُ، وهَذا عَفْوٌ في الحَقِيقَةِ، أمّا الصّادِرُ عَنِ الرَّجُلِ مَحْضُ الهِبَةِ فَكَيْفَ يُسَمّى عَفْوًا؟
وأجابُوا عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ العَفْوُ هو التَّسْهِيلَ لَكانَ كُلُّ مَن سَهَّلَ عَلى إنْسانٍ شَيْئًا يُقالُ: إنَّهُ عَفا عَنْهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ لِلْقائِلِينَ بِأنَّ المُرادَ هو الوَلِيُّ: هو أنَّ ذِكْرَ الزَّوْجِ قَدْ تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ هو الزَّوْجَ، لَقالَ: أوْ تَعْفُوَ، عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ، عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنهُ غَيْرُ الزَّوْجِ.
وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّ سَبَبَ العُدُولِ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ التَّنْبِيهُ عَلى المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ يَرْغَبُ الزَّوْجُ في العَفْوِ، والمَعْنى: إلّا أنْ يَعْفُوَ أوْ يَعْفُوَ الزَّوْجُ الَّذِي حَبَسَها بِأنْ مَلَكَ عُقْدَةَ نِكاحِها عَنِ الأزْواجِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مِنها سَبَبٌ في الفِراقِ، وإنَّما فارَقَها الزَّوْجُ، فَلا جَرَمَ كانَ حَقِيقًا بِأنْ لا يَنْقُصَها مِن مَهْرِها ويُكْمِلَ لَها صَداقَها.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ لِلْقائِلِينَ بِأنَّهُ هو الوَلِيُّ: هو أنَّ الزَّوْجَ لَيْسَ بِيَدِهِ البَتَّةَ عُقْدَةُ النِّكاحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَبْلَ النِّكاحِ كانَ الزَّوْجُ أجْنَبِيًّا عَنِ المَرْأةِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّصَرُّفِ فِيها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَلا يَكُونُ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى إنْكاحِها البَتَّةَ، وأمّا بَعْدَ النِّكاحِ فَقَدْ حَصَلَ النِّكاحُ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى إيجادِ المَوْجُودِ، بَلْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى إزالَةِ النِّكاحِ، واللَّهُ
صفحة ١٢٣
تَعالى أثْبَتَ العَفْوَ لِمَن في يَدِهِ وفي قُدْرَتِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ الزَّوْجَ لَيْسَ لَهُ يَدٌ ولا قُدْرَةٌ عَلى عَقْدِ النِّكاحِ ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ هو الزَّوْجَ، أمّا الوَلِيُّ فَلَهُ قُدْرَةٌ عَلى إنْكاحِها، فَكانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هو الوَلِيَّ لا الزَّوْجُ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ أجابُوا عَنْ دَلائِلَ مَن قالَ: المُرادُ هو الزَّوْجُ.
أمّا الحُجَّةُ الأُولى: فَإنَّ الفِعْلَ قَدْ يُضافُ إلى الفاعِلِ تارَةً عِنْدَ المُباشَرَةِ، وأُخْرى عِنْدَ السَّبَبِ، يُقالُ: بَنى الأمِيرُ دارًا، وضَرَبَ دِينارًا، والظّاهِرُ أنَّ النِّساءَ إنَّما يَرْجِعْنَ في مُهِمّاتِهِنَّ وفي مَعْرِفَةِ مَصالِحِهِنَّ إلى أقْوالِ الأوْلِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ التَّزَوُّجِ فَإنَّ المَرْأةَ لا تَخُوضُ فِيهِ، بَلْ تُفَوِّضُهُ بِالكُلِّيَّةِ إلى رَأْيِ الوَلِيِّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ حُصُولُ العَفْوِ بِاخْتِيارِ الوَلِيِّ وبِسَعْيِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أُضِيفَ العَفْوُ إلى الأوْلِياءِ.
وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُهم: الَّذِي بِيَدِ الوَلِيِّ عَقْدُ النِّكاحِ لا عُقْدَةُ النِّكاحِ، قُلْنا: العُقْدَةُ قَدْ يُرادُ بِها العَقْدُ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ سَلَّمْنا أنَّ العُقْدَةَ هي المَعْقُودَةُ، لَكِنَّ تِلْكَ المَعْقُودَةَ إنَّما حَصَلَتْ وتَكَوَّنَتْ بِواسِطَةِ العَقْدِ، وكانَ عَقْدُ النِّكاحِ في يَدِ الوَلِيِّ ابْتِداءً، فَكانَتْ عُقْدَةُ النِّكاحِ في يَدِ الوَلِيِّ أيْضًا بِواسِطَةِ كَوْنِها مِن نَتائِجِ العَقْدِ ومِن آثارِهِ.
وأمّا الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: وهي قَوْلُهُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ لِنَفْسِهِ، فَجَوابُهُ أنَّ هَذا التَّقْيِيدَ لا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: فُلانٌ في يَدِهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والرَّفْعُ والخَفْضُ، فَلا يُرادُ بِهِ أنَّ الَّذِي في يَدِهِ أمْرُ نَفْسِهِ ونَهْيُ نَفْسِهِ، بَلِ المُرادُ أنَّ في يَدِهِ أمْرَ غَيْرِهِ ونَهْيَ غَيْرِهِ، فَكَذا هاهُنا.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلشّافِعِيِّ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا يَجُوزُ النِّكاحُ إلّا بِالوَلِيِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ إمّا الزَّوْجُ وإمّا الوَلِيُّ، وبَطَلَ حَمْلُهُ عَلى الزَّوْجِ لِما بَيَّنّا أنَّ الزَّوْجَ لا قُدْرَةَ لَهُ البَتَّةَ عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الوَلِيِّ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ هَذا يُفِيدُ الحَصْرَ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: بِيَدِهِ الأمْرُ والنَّهْيُ، مَعْناهُ أنَّهُ بِيَدِهِ لا بِيَدِ غَيْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافِرُونَ: ٦] أيْ: لا لِغَيْرِكُمْ، فَكَذا هاهُنا بِيَدِ الوَلِيِّ عُقْدَةُ النِّكاحِ لا بِيَدِ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ بِيَدِ المَرْأةِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا خِطابٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ جَمِيعًا، إلّا أنَّ الغَلَبَةَ لِلذُّكُورِ إذا اجْتَمَعُوا مَعَ الإناثِ، وسَبَبُ التَّغْلِيبِ أنَّ الذُّكُورَةَ أصْلٌ، والتَّأْنِيثَ فَرْعٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى، أمّا في اللَّفْظِ فَلِأنَّكَ تَقُولُ: قائِمٌ. ثُمَّ تُرِيدُ التَّأْنِيثَ فَتَقُولُ: قائِمَةٌ. فاللَّفْظُ الدّالُّ عَلى المُذَكَّرِ هو الأصْلُ، والدّالُّ عَلى المُؤَنَّثِ فَرْعٌ عَلَيْهِ، وأمّا في المَعْنى فَلِأنَّ الكَمالَ لِلذُّكُورِ والنُّقْصانَ لِلْإناثِ، فَلِهَذا السَّبَبِ مَتى اجْتَمَعَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ كانَ جانِبُ التَّذْكِيرِ مُغَلَّبًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والتَّقْدِيرُ: والعَفْوُ أقْرَبُ لِلتَّقْوى، واللّامُ بِمَعْنى (إلى) .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ: عَفْوُ بَعْضِكم عَنْ بَعْضٍ أقْرَبُ إلى حُصُولِ مَعْنى التَّقْوى، وإنَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَن سَمَحَ بِتَرْكِ حَقِّهِ فَهو مُحْسِنٌ، ومَن كانَ مُحْسِنًا فَقَدِ اسْتَحَقَّ الثَّوابَ، ومَنِ اسْتَحَقَّ الثَّوابَ نَفى بِذَلِكَ الثَّوابِ ما هو دُونَهُ مِنَ العِقابِ وأزالَهُ.
والثّانِي: أنَّ هَذا الصُّنْعَ يَدْعُوهُ إلى تَرْكِ
صفحة ١٢٤
الظُّلْمِ الَّذِي هو التَّقْوى في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ مَن سَمَحَ بِحَقِّهِ وهو لَهُ مُعْرَضٌ تَقَرُّبًا إلى رَبِّهِ كانَ أبْعَدَ مِن أنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ بِأخْذِ ما لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ النَّهْيَ عَنِ النِّسْيانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في الوُسْعِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ التَّرْكُ، فَقالَ تَعالى: ولا تَتْرُكُوا الفَضْلَ والإفْضالَ فِيما بَيْنَكُمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا تَزَوَّجَ بِالمَرْأةِ فَقَدْ تَعَلَّقَ قَلْبُها بِهِ، فَإذا طَلَّقَها قَبْلَ المَسِيسِ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَأذِّيها مِنهُ، وأيْضًا إذا كُلِّفَ الرَّجُلُ أنْ يَبْذُلَ لَها مَهْرًا مِن غَيْرِ أنِ انْتَفَعَ بِها البَتَّةَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَأذِّيهِ مِنها، فَنَدَبَ تَعالى كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إلى فِعْلٍ يُزِيلُ ذَلِكَ التَّأذِّيَ عَنْ قَلْبِ الآخَرِ، فَنَدَبَ الزَّوْجَ إلى أنْ يُطَيِّبَ قَلْبَها بِأنْ يُسَلِّمَ المَهْرَ إلَيْها بِالكُلِّيَّةِ، ونَدَبَ المَرْأةَ إلى تَرْكِ المَهْرِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِما يَجْرِي مَجْرى التَّهْدِيدِ عَلى العادَةِ المَعْلُومَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
البقرة 2:238
الحُكْمُ السّادِسَ عَشَرَ
حُكْمُ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى
﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ لِلْمُكَلَّفِينَ ما بَيَّنَ مِن مَعالِمِ دِينِهِ، وأوْضَحَ لَهم مِن شَرائِعِ شَرْعِهِ، أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ، وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الصَّلاةَ لِما فِيها مِنَ القِراءَةِ والقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ تُفِيدُ انْكِسارَ القَلْبِ مِن هَيْبَةِ اللَّهِ تَعالى، وزَوالَ التَّمَرُّدِ عَنِ الطَّبْعِ، وحُصُولَ الِانْقِيادِ لِأوامِرَ اللَّهِ تَعالى، والِانْتِهاءَ عَنْ مَناهِيهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٥] .
والثّانِي: أنَّ الصَّلاةَ تُذَكِّرُ العَبْدَ جَلالَةَ الرُّبُوبِيَّةِ وذِلَّةَ العُبُودِيَّةِ وأمْرَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الِانْقِيادُ لِلطّاعَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٥] .
والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ ما تَقَدَّمَ مِن بَيانِ النِّكاحِ والطَّلاقِ والعِدَّةِ اشْتِغالٌ بِمَصالِحِ الدُّنْيا، فَأتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الصَّلاةِ الَّتِي هي مَصالِحُ الآخِرَةِ،
* * *
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ خَمْسَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ يَدُلُّ عَلى الثَّلاثَةِ مِن حَيْثُ إنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ أزْيَدَ مِنَ الثَّلاثَةِ، وإلّا لَزِمَ التَّكْرارُ، والأصْلُ عَدَمُهُ، ثُمَّ ذَلِكَ الزّائِدُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أرْبَعَةً، وإلّا فَلَيْسَ لَها وُسْطى، فَلا بُدَّ وأنْ يَنْضَمَّ إلى تِلْكَ الثَّلاثَةِ عَدَدٌ آخَرُ يَحْصُلُ بِهِ لِلْمَجْمُوعِ وسَطٌ، وأقَلُّ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ خَمْسَةً، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الصَّلَواتِ الخَمْسَةِ بِهَذا الطَّرِيقِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ إنَّما يَتِمُّ إذا بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنَ الوُسْطى ما تَكُونُ وُسْطى في العَدَدِ لا ما تَكُونُ وُسْطى بِسَبَبِ الفَضِيلَةِ، ونُبَيِّنُ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وإنْ دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ لَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أوْقاتِها، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى تَفْصِيلِ الأوْقاتِ أرْبَعٌ:
الآيَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٧] وهَذِهِ الآيَةُ أبْيَنُ آياتِ المَواقِيتِ، فَقَوْلُهُ: (فَسُبْحانَ اللَّهِ) أيْ: سَبِّحُوا اللَّهَ، مَعْناهُ صَلُّوا لِلَّهِ حِينَ تُمْسُونَ، أرادَ بِهِ صَلاةَ المَغْرِبِ والعِشاءِ
صفحة ١٢٥
(وحِينَ تُصْبِحُونَ) أرادَ صَلاةَ الصُّبْحِ (وعَشِيًّا) أرادَ بِهِ صَلاةَ العَصْرِ (وحِينَ تُظْهِرُونَ) صَلاةَ الظُّهْرِ.
الآيَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسْراءِ: ٧٨] أرادَ بِالدُّلُوكِ زَوالَها، فَدَخَلَ فِيهِ صَلاةُ الظُّهْرِ، والعَصْرِ، والمَغْرِبِ، والعِشاءِ، ثُمَّ قالَ: (أقِمِ الصَّلاةَ) أرادَ صَلاةَ الصُّبْحِ.
الآيَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ﴾ [طه: ١٣٠] فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ لِأنَّ الزَّمانَ إمّا أنْ يَكُونَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ قَبْلَ غُرُوبِها، فاللَّيْلُ والنَّهارُ داخِلانِ في هاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ.
الآيَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هُودٍ: ١١٤] فالمُرادُ بِطَرَفَيِ النَّهارِ: الصُّبْحُ، والعَصْرُ، وقَوْلُهُ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، وكانَ بَعْضُهم يَتَمَسَّكُ بِهِ في وُجُوبِ الوَتْرِ؛ لِأنَّ لَفْظَ زُلَفًا جَمْعٌ فَأقَلُّهُ الثَّلاثَةُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الأمْرَ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ أمْرٌ بِالمُحافَظَةِ عَلى جَمِيعِ شَرائِطِها، أعْنِي طَهارَةَ البَدَنِ، والثَّوْبِ، والمَكانِ، والمُحافَظَةِ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، والمُحافَظَةِ عَلى جَمِيعِ أرْكانِ الصَّلاةِ، والمُحافَظَةِ عَلى الِاحْتِرازِ عَنْ جَمِيعِ مُبْطِلاتِ الصَّلاةِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ أوْ مِن أعْمالِ اللِّسانِ، أوْ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، وأهَمُّ الأُمُورِ في الصَّلاةِ رِعايَةُ النِّيَّةِ؛ فَإنَّها هي المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ الصَّلاةِ، قالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] فَمَن أدّى الصَّلاةَ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ مُحافِظًا عَلى الصَّلاةِ وإلّا فَلا.
فَإنْ قِيلَ: المُحافَظَةُ لا تَكُونُ إلّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، كالمُخاصَمَةِ، والمُقاتَلَةِ، فَكَيْفَ المَعْنى هاهُنا؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ المُحافَظَةَ تَكُونُ بَيْنَ العَبْدِ والرَّبِّ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: احْفَظِ الصَّلاةَ لِيَحْفَظَكَ الإلَهُ الَّذِي أمَرَكَ بِالصَّلاةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥٢] وفي الحَدِيثِ: ”«احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ» “ .
الثّانِي: أنْ تَكُونَ المُحافَظَةُ بَيْنَ المُصَلِّي والصَّلاةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظِ الصَّلاةَ حَتّى تَحْفَظَكَ الصَّلاةُ، واعْلَمْ أنَّ حِفْظَ الصَّلاةِ لِلْمُصَلِّي عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الصَّلاةَ تَحْفَظُهُ عَنِ المَعاصِي، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٥] فَمَن حَفِظَ الصَّلاةَ حَفِظَتْهُ الصَّلاةُ عَنِ الفَحْشاءِ.
والثّانِي: أنَّ الصَّلاةَ تَحْفَظُهُ مِنَ البَلايا والمِحَنِ، قالَ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥٣] وقالَ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ﴾ [المائِدَةِ: ١٢] ومَعْناهُ: إنِّي مَعَكم بِالنُّصْرَةِ والحِفْظِ إنْ كُنْتُمْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ.
والثّالِثُ: أنَّ الصَّلاةَ تَحْفَظُ صاحِبَها وتَشْفَعُ لِمُصَلِّيها، قالَ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١١٠] ولِأنَّ الصَّلاةَ فِيها القِراءَةُ، والقُرْآنُ يَشْفَعُ لِقارِئِهِ، وهو شافِعٌ مُشَفَّعٌ، وفي الخَبَرِ: ”«إنَّهُ تَجِيءُ البَقَرَةُ وآلُ عِمْرانَ كَأنَّهُما غَمامَتانِ فَيَشْهَدانِ ويَشْفَعانِ» “ وأيْضًا في الخَبَرِ: ”«سُورَةُ المُلْكِ تَصْرِفُ عَنِ المُتَهَجِّدِ بِها عَذابَ القَبْرِ وتُجادِلُ عَنْهُ في الحَشْرِ وتَقِفُ في الصِّراطِ عِنْدَ قَدَمَيْهِ وتَقُولُ لِلنّارِ: لا سَبِيلَ لَكِ عَلَيْهِ» “ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ الوُسْطى عَلى سَبْعَةِ مَذاهِبَ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها أيُّ صَلاةٍ هِيَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ
صفحة ١٢٦
لِأنَّهُ لَوْ بَيَّنَ ذَلِكَ لَكانَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَها بِطَرِيقٍ قَطْعِيٍّ، أوْ بِطَرِيقٍ ظَنِّيٍّ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ إمّا أنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ، أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ قاطِعٍ، أوْ خَبَرٍ مُتَواتِرٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ البَيانُ حاصِلًا في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ عَدَدَ الصَّلَواتِ خَمْسٌ، ولَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرٌ لِأوَّلِها وآخِرِها، وإذا كانَ كَذَلِكَ أمْكَنَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الصَّلَواتِ أنْ يُقالَ: إنَّما هي الوُسْطى، وإمّا أنْ يُقالَ: بَيانٌ حَصَلَ في آيَةٍ أُخْرى أوْ في خَبَرٍ مُتَواتِرٍ، وذَلِكَ مَفْقُودٌ، وأمّا بَيانُهُ بِالطَّرِيقِ الظَّنِّيِّ وهو خَبَرُ الواحِدِ والقِياسُ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ المُفِيدَ لِلظَّنِّ مُعْتَبَرٌ في العَمَلِيّاتِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى ما هي، ثُمَّ قالُوا: والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَصَّها بِمَزِيدِ التَّوْكِيدِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْها جَوَّزَ المَرْءُ في كُلِّ صَلاةٍ يُؤَدِّيها أنَّها هي الوُسْطى، فَيَصِيرُ ذَلِكَ داعِيًا إلى أداءِ الكُلِّ عَلى نَعْتِ الكَمالِ والتَّمامِ، ولِهَذا السَّبَبِ أخْفى اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ في رَمَضانَ، وأخْفى ساعَةَ الإجابَةِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، وأخْفى اسْمَهُ الأعْظَمَ في جَمِيعِ الأسْماءِ، وأخْفى وقْتَ المَوْتِ في الأوْقاتِ لِيَكُونَ المُكَلَّفُ خائِفًا مِنَ المَوْتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، فَيَكُونُ آتِيًا بِالتَّوْبَةِ في كُلِّ الأوْقاتِ، وهَذا القَوْلُ اخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: إنَّ رَجُلًا سَألَ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى فَقالَ: حافِظْ عَلى الصَّلَواتِ كُلِّها تَصِبْها. وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ أنَّهُ سَألَهُ واحِدٌ عَنْها، فَقالَ: يا ابْنَ عَمِّ، الوُسْطى واحِدَةٌ مِنهُنَّ، فَحافِظْ عَلى الكُلِّ تَكُنْ مُحافِظًا عَلى الوُسْطى. ثُمَّ قالَ الرَّبِيعُ: لَوْ عَلِمْتَها بِعَيْنِها لَكُنْتَ مُحافِظًا لَها ومُضَيِّعًا لِسائِرِهِنَّ. قالَ السّائِلُ: لا. قالَ الرَّبِيعُ: فَإنْ حافَظْتَ عَلَيْهِنَّ فَقَدْ حافَظْتَ عَلى الوُسْطى.
القَوْلُ الثّانِي: هي مَجْمُوعُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الخَمْسَةَ هي الوُسْطى مِنَ الطّاعاتِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الإيمانَ بِضْعٌ وسَبْعُونَ دَرَجَةً، أعْلاها شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ، والصَّلَواتُ المَكْتُوباتُ دُونَ الإيمانِ وفَوْقَ إماطَةِ الأذى، فَهي واسِطَةٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها صَلاةُ الصُّبْحِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ الصَّحابَةِ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعُمْرَ وابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وأبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، ومِنَ التّابِعِينَ قَوْلُ طاوُسٍ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ تُصَلّى في الغَلَسِ، فَأوَّلُها يَقَعُ في الظَّلامِ، فَأشْبَهَتْ صَلاةَ اللَّيْلِ، وآخِرُها يَقَعُ في الضَّوْءِ فَأشْبَهَتْ صَلاةَ النَّهارِ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ تُؤَدّى بَعْدَ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وهَذا القَدْرُ مِنَ الزَّمانِ لا تَكُونُ الظُّلْمَةُ فِيهِ تامَّةً، ولا يَكُونُ الضَّوْءُ أيْضًا تامًّا، فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِلَيْلٍ ولا نَهارٍ، فَهو مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُما.
الثّالِثُ: أنَّهُ حَصَلَ في النَّهارِ التّامِّ صَلاتانِ: الظُّهْرُ والعَصْرُ، وفي اللَّيْلِ صَلاتانِ: المَغْرِبُ والعِشاءُ، وصَلاةُ الصُّبْحِ كالمُتَوَسِّطِ بَيْنَ صَلاتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ المَعانِي حاصِلَةٌ في صَلاةِ المَغْرِبِ قُلْنا: إنّا نُرَجِّحُ صَلاةَ الصُّبْحِ عَلى المَغْرِبِ بِكَثْرَةِ فَضائِلِ صَلاةِ الصُّبْحِ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الرّابِعُ: أنَّ الظُّهْرَ والعَصْرَ يُجْمَعانِ بِعَرَفَةَ بِالِاتِّفاقِ، وفي السَّفَرِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وكَذا المَغْرِبُ والعِشاءُ، وأمّا صَلاةُ الفَجْرِ فَهي مُنْفَرِدَةٌ في وقْتٍ واحِدٍ، فَكانَ وقْتُ الظُّهْرِ والعَصْرِ وقْتًا واحِدًا ووَقْتُ المَغْرِبِ والعِشاءِ وقْتًا واحِدًا، ووَقْتُ الفَجْرِ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُما، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وتَحْقِيقُ هَذا الِاحْتِجاجِ يَرْجِعُ إلى أنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: فُلانٌ وسَطٌ، إذا لَمْ يَمِلْ إلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ، فَكانَ مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ عَنْهُما، واللَّهُ أعْلَمُ.
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٨]
صفحة ١٢٧
وقَدْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّ المُرادَ مِنهُ صَلاةُ الفَجْرِ، وإنَّما جَعَلَها مَشْهُودًا لِأنَّها تُؤَدّى بِحَضْرَةِ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ ومَلائِكَةِ النَّهارِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أفْرَدَ صَلاةَ الفَجْرِ بِالذِّكْرِ، فَدَلَّ هَذا عَلى مَزِيدِ فَضْلِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَصَّ الصَّلاةَ الوُسْطى بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ، فَيَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ صَلاةَ الفَجْرِ لَمّا ثَبَتَ أنَّها أفْضَلُ بِتِلْكَ الآيَةِ، وجَبَ أنْ تَكُونَ هي المُرادَ بِالتَّأْكِيدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ تَتَعاقَبُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، فَلا تَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ في وقْتٍ واحِدٍ إلّا صَلاةَ الفَجْرِ، فَثَبَتَ أنَّ صَلاةَ الفَجْرِ قَدْ أخَذَتْ بِطَرَفَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن هَذا الوَجْهِ، فَكانَتْ كالشَّيْءِ المُتَوَسِّطِ.
السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذِكْرِ الصَّلاةِ الوُسْطى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ قَرَنَ هَذِهِ الصَّلاةَ بِذِكْرِ القُنُوتِ، ولَيْسَ في الشَّرْعِ صَلاةٌ ثَبَتَ بِالأخْبارِ الصِّحاحِ القُنُوتُ فِيها إلّا الصُّبْحُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الوُسْطى هي صَلاةُ الصُّبْحِ.
السّابِعُ: لا شَكَّ أنَّهُ تَعالى إنَّما أفْرَدَها بِالذِّكْرِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، ولا شَكَّ أنَّ صَلاةَ الصُّبْحِ أحْوَجُ الصَّلَواتِ إلى التَّأْكِيدِ؛ إذْ لَيْسَ في الصَّلاةِ أشَقُّ مِنها؛ لِأنَّها تَجِبُ عَلى النّاسِ في ألَذِّ أوْقاتِ النَّوْمِ، حَتّى إنَّ العَرَبَ كانُوا يُسَمُّونَ نَوْمَ الفَجْرِ العُسَيْلَةَ لِلَذَّتِها، ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ النَّوْمِ اللَّذِيذِ الطَّيِّبِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والعُدُولَ إلى اسْتِعْمالِ الماءِ البارِدِ، والخُرُوجَ إلى المَسْجِدِ والتَّأهُّبَ لِلصَّلاةِ شاقٌّ صَعْبٌ عَلى النَّفْسِ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هي المُرادَ بِالصَّلاةِ الوُسْطى؛ إذْ هي أشَدُّ الصَّلَواتِ حاجَةً إلى التَّأْكِيدِ.
الثّامِنُ: أنَّ صَلاةَ الصُّبْحِ أفْضَلُ الصَّلَواتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةَ الصُّبْحِ، إنَّما قُلْنا: إنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧] فَجَعَلَ خَتْمَ طاعاتِهِمُ الشَّرِيفَةِ وعِباداتِهِمُ الكامِلَةِ بِذِكْرِ كَوْنِهِمْ مُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ، ثُمَّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أعْظَمُ أنْواعِ الِاسْتِغْفارِ هو أداءَ الفَرْضِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ تَعالى: ”«لَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيَّ المُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ» “ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ أفْضَلَ الطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ هو صَلاةُ الصُّبْحِ.
وثانِيها: ما رُوِيَ فِيها أنَّ التَّكْبِيرَةَ الأُولى مِنها مَعَ الجَماعَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها.
وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ صَلاةَ الصُّبْحِ مَخْصُوصَةٌ بِالأذانِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ومَرَّةً أُخْرى بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ المَرَّةِ الأُولى إيقاظُ النّاسِ حَتّى يَقُومُوا ويَتَشَمَّرُوا لِلْوُضُوءِ.
ورابِعُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاها بِأسْماءٍ، فَقالَ في بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسْراءِ: ٧٨] وقالَ في النُّورِ: ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾ [النُّورِ: ٥٨] وقالَ في الرُّومِ: ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٧] وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطُّورِ: ٤٩] صَلاةُ الفَجْرِ.
وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ فَقالَ: ﴿والفَجْرِ﴾ ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفَجْرِ: ١] ولا يُعارَضُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العَصْرِ: ١] فَإنّا إذا سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنهُ القَسَمُ بِصَلاةِ العَصْرِ لَكِنْ في صَلاةِ الفَجْرِ تَأْكِيدٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هُودٍ: ١١٤] وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا التَّأْكِيدَ لَمْ يُوجَدْ في العَصْرِ.
وسادِسُها: أنَّ التَّثْوِيبَ في أذانِ الصُّبْحِ مُعْتَبَرٌ، وهو أنْ يَقُولَ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحَيْعَلَتَيْنِ: الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ، ومِثْلُ هَذا التَّأْكِيدِ غَيْرُ حاصِلٍ في سائِرِ الصَّلَواتِ.
وسابِعُها: أنَّ الإنْسانَ إذا قامَ مِن مَنامِهِ فَكَأنَّهُ كانَ مَعْدُومًا، ثُمَّ صارَ مَوْجُودًا، أوْ كانَ مَيِّتًا، ثُمَّ صارَ حَيًّا، بَلْ كَأنَّ الخَلْقَ كانُوا في اللَّيْلِ كُلُّهم أمْواتًا، فَصارُوا أحْياءً، فَإذا قامُوا مِن مَنامِهِمْ وشاهَدُوا هَذا الأمْرَ العَظِيمَ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ حَيْثُ أزالَ عَنْهم ظُلْمَةَ اللَّيْلِ، وظُلْمَةَ النَّوْمِ والغَفْلَةِ، وظُلْمَةَ العَجْزِ والحِيرَةِ، وأبْدَلَ الكُلَّ بِالإحْسانِ، فَمَلَأ العالَمَ مِنَ
صفحة ١٢٨
النُّورِ، والأبْدانَ مِن قُوَّةِ الحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ والمَعْرِفَةِ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذا الوَقْتَ ألْيَقُ الأوْقاتِ بِأنْ يَشْتَغِلَ العَبْدُ بِأداءِ العُبُودِيَّةِ وإظْهارِ الخُضُوعِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ البَياناتِ أنَّ صَلاةَ الصُّبْحِ أفْضَلُ الصَّلَواتِ، فَكانَ حَمْلُ الوُسْطى عَلَيْها أوْلى.
التّاسِعُ: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، فَقالَ: كُنّا نَرى أنَّها الفَجْرُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ صَلّى صَلاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ قالَ: هَذِهِ هي الصَّلاةُ الوُسْطى.
العاشِرُ: أنَّ سُنَنَ الصُّبْحِ آكَدُ مِن سائِرِ السُّنَنِ، فَفَرْضُها يَجِبُ أنْ يَكُونَ أقْوى مِن سائِرِ الفُرُوضِ، فَصَرْفُ التَّأْكِيدِ إلَيْها أوْلى، فَهَذا جُمْلَةُ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى هي صَلاةُ الصُّبْحِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها صَلاةُ الظُّهْرِ، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ عُمَرَ وزَيْدٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الظُّهْرَ كانَ شاقًّا عَلَيْهِمْ لِوُقُوعِهِ في وقْتِ القَيْلُولَةِ وشِدَّةِ الحَرِّ، فَصَرْفُ المُبالَغَةِ إلَيْهِ أوْلى، وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِالهاجِرَةِ، وكانَتْ أثْقَلَ الصَّلَواتِ عَلى أصْحابِهِ، ورُبَّما لَمْ يَكُنْ وراءَهُ إلّا الصَّفُّ والصَّفّانِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أُحَرِّقَ عَلى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ بُيُوتَهُمْ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
والثّانِي: صَلاةُ الظُّهْرِ تَقَعُ وسَطَ النَّهارِ، ولَيْسَ في المَكْتُوباتِ صَلاةٌ تَقَعُ في وسَطِ اللَّيْلِ أوِ النَّهارِ غَيْرُها.
والثّالِثُ: أنَّها بَيْنَ صَلاتَيْنِ نَهارِيَّتَيْنِ: الفَجْرِ والعَصْرِ.
الرّابِعُ: أنَّها صَلاةٌ بَيْنَ البَرْدَيْنِ: بَرْدُ الغَداةِ وبَرْدُ العَشِيِّ.
الخامِسُ: قالَ أبُو العالِيَةِ: صَلَّيْتُ مَعَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ، فَلَمّا فَرَغُوا سَألْتُهم عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، فَقالُوا: الَّتِي صَلَّيْتَها.
السّادِسُ: رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها كانَتْ تَقْرَأُ: ”حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ“ . وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّها عَطَفَتْ صَلاةَ العَصْرِ عَلى الصَّلاةِ الوُسْطى، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ قَبْلَ المَعْطُوفِ، والَّتِي قَبْلَ العَصْرِ هي الظَّهْرُ.
السّابِعُ: رُوِيَ أنَّ قَوْمًا كانُوا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، فَأرْسَلُوا إلى أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ وسَألُوهُ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، فَقالَ: هي صَلاةُ الظُّهْرِ كانَتْ تُقامُ في الهاجِرَةِ.
الثّامِنُ: رُوِيَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ «أنَّ أوَّلَ إمامَةِ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كانَتْ في صَلاةِ الظُّهْرِ»، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّها أشْرَفُ الصَّلَواتِ، فَكانَ صَرْفُ التَّأْكِيدِ إلَيْها أوْلى.
التّاسِعُ: أنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ هي أشْرَفُ الصَّلَواتِ، وهي صَلاةُ الظُّهْرِ، فَصَرْفُ المُبالَغَةِ إلَيْها أوْلى.
القَوْلُ الخامِسُ: قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها صَلاةُ العَصْرِ، وهو مِنَ الصَّحابَةِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلَيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، ومِنَ الفُقَهاءِ: النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: ”«شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى مَلَأ اللَّهُ بُيُوتَهم وقُبُورَهم نارًا» “، وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وسائِرُ الأئِمَّةِ، وهو عَظِيمُ الوَقْعِ في المَسْألَةِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ”«شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ» “ ومِنَ الفُقَهاءِ مَن أجابَ عَنْهُ فَقالَ: العَصْرُ وسَطٌ، ولَكِنْ لَيْسَ هي المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ، فَهاهُنا صَلاتانِ وسَطِيّانِ الصُّبْحُ والعَصْرُ، وأحَدُهُما ثَبَتَ بِالقُرْآنِ والآخَرُ بِالسُّنَّةِ، كَما أنَّ الحَرَمَ حَرَمانِ: حَرَمُ مَكَّةَ بِالقُرْآنِ، وحَرَمُ المَدِينَةِ بِالسُّنَّةِ، وهَذا الجَوابُ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا.
الثّانِي: قالُوا: رُوِيَ في صَلاةِ العَصْرِ مِنَ التَّأْكِيدِ ما لَمْ يُرْوَ في غَيْرِها، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن فاتَهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وتَرَ أهْلَهُ ومالَهُ» “ وأيْضًا أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِها فَقالَ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العَصْرِ: ١] فَدَلَّ عَلى أنَّها أحَبُّ السّاعاتِ إلى اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: أنَّ العَصْرَ بِالتَّأْكِيدِ أوْلى مِن حَيْثُ إنَّ ?? ?? ?? ??
صفحة ١٢٩
المُحافَظَةَ عَلى سائِرِ أوْقاتِ الصَّلاةِ أخَفُّ وأسْهَلُ مِنَ المُحافَظَةِ عَلى صَلاةِ العَصْرِ، والسَّبَبُ فِيهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ وقْتَ صَلاةِ العَصْرِ أخْفى الأوْقاتِ، لِأنَّ دُخُولَ صَلاةِ الفَجْرِ بِطُلُوعِ الفَجْرِ المُسْتَطِيرِ ضَوْءُهُ، ودُخُولَ الظُّهْرِ بِظُهُورِ الزَّوالِ، ودُخُولَ المَغْرِبِ بِغُرُوبِ القُرْصِ، ودُخُولَ العِشاءِ بِغُرُوبِ الشَّفَقِ، أمّا صَلاةُ العَصْرِ فَلا يَظْهَرُ دُخُولُ وقْتِها إلّا بِنَظَرٍ دَقِيقٍ وتَأمُّلٍ عَظِيمٍ في حالِ الظِّلِّ، فَلَمّا كانَتْ مَعْرِفَتُهُ أشَقَّ؛ لا جَرَمَ كانَتِ الفَضِيلَةُ فِيها أكْثَرَ.
الثّانِي: أنَّ أكْثَرَ النّاسِ عِنْدَ العَصْرِ يَكُونُونَ مُشْتَغِلِينَ بِالمُهِمّاتِ، فَكانَ الإقْبالُ عَلى الصَّلاةِ أشَقَّ، فَكانَ صَرْفُ التَّأْكِيدِ إلى هَذِهِ الصَّلاةِ أوْلى.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: في أنَّ الوُسْطى هي العَصْرُ أشْبَهُ بِالصَّلاةِ الوُسْطى لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّها مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ صَلاةٍ هي شَفْعٌ، وبَيْنَ صَلاةٍ هي وتْرٌ، أمّا الشَّفْعُ فالظُّهْرُ، وأمّا الوَتْرُ فالمَغْرِبُ، إلّا أنَّ العِشاءَ أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّ قَبْلَها المَغْرِبَ وهي وتْرٌ، وبَعْدَها الصُّبْحُ وهو شَفْعٌ.
وثانِيها: العَصْرُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ صَلاةٍ نَهارِيَّةٍ وهي الظُّهْرُ، ولَيْلِيَّةٍ وهي المَغْرِبُ.
وثالِثُها: أنَّ العَصْرَ بَيْنَ صَلاتَيْنِ بِاللَّيْلِ وصَلاتَيْنِ بِالنَّهارِ.
والقَوْلُ السّادِسُ: أنَّها صَلاةُ المَغْرِبِ، وهو قَوْلُ عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ، وقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، والحُجَّةُ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّها بَيْنَ بَياضِ النَّهارِ وسَوادِ اللَّيْلِ، وهَذا المَعْنى وإنْ كانَ حاصِلًا في الصُّبْحِ إلّا أنَّ المَغْرِبَ يَرْجُحُ بِوَجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ أزْيَدُ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَما في الصُّبْحِ، وأقَلُّ مِنَ الأرْبَعِ كَما في الظُّهْرِ والعَصْرِ والعِشاءِ، فَهي وسَطٌ في الطُّولِ والقِصَرِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ صَلاةَ الظُّهْرِ تُسَمّى بِالصَّلاةِ الأُولى، ولِذَلِكَ ابْتَدَأ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإمامَةِ فِيها، وإذا كانَ الظُّهْرُ أوَّلَ الصَّلَواتِ كانَ الوُسْطى هي المَغْرِبَ لا مَحالَةَ.
القَوْلُ السّابِعُ: أنَّها صَلاةُ العِشاءِ، قالُوا: لِأنَّها مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ صَلاتَيْنِ لا يُقْصَرانِ، المَغْرِبُ والصُّبْحُ، وعَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن صَلّى العِشاءَ الآخِرَةَ في جَماعَةٍ كانَ كَقِيامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ» “ فَهَذا مَجْمُوعُ دَلائِلِ النّاسِ وأقْوالِهِمْ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وقَدْ تَرَكْتُ تَرْجِيحَ بَعْضِها فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي تَطْوِيلًا عَظِيمًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوِتْرَ لَيْسَ بِواجِبٍ، قالَ: الوِتْرُ لَوْ كانَ واجِبًا لَكانَتِ الصَّلَواتُ الواجِبَةُ سِتَّةً، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما حَصَلَ لَها وُسْطى، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الوُسْطى لَها.
فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِدْلالُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ المُرادُ هو الوُسْطى في العَدَدِ وهَذا مَمْنُوعٌ، بَلِ المُرادُ مِنَ الوُسْطى الفَضِيلَةُ قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أيْ: عُدُولًا، وقالَ تَعالى: ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أيْ: أعْدَلُهم، وقَدْ أحْكَمْنا هَذا الِاشْتِقاقَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الوُسْطى في المِقْدارِ كالمَغْرِبِ، فَإنَّهُ ثَلاثُ رَكَعاتٍ وهو مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وبَيْنَ الأرْبَعِ، وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الوُسْطى في الصِّفَةِ وهي صَلاةُ الصُّبْحِ فَإنَّها تَقَعُ في وقْتٍ لَيْسَ بِغايَةٍ في الظُّلْمَةِ ولا غايَةٍ في الضَّوْءِ.
الجَوابُ: أنَّ الخُلُقَ الفاضِلَ إنَّما يُسَمّى وسَطًا لا مِن حَيْثُ إنَّهُ خُلُقٌ فاضِلٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَكُونُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ رَذِيلَتَيْنِ هُما طَرَفا الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، مِثْلُ الشَّجاعَةِ فَإنَّها خُلُقٌ فاضِلٌ وهي مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الجُبْنِ والتَّهَوُّرِ فَيَرْجِعُ حاصِلُ الأمْرِ إلى أنَّ لَفْظَ الوَسَطِ حَقِيقَةٌ فِيما يَكُونُ وسَطًا بِحَسَبَ العَدَدِ ومَجازٌ في الخُلُقِ
صفحة ١٣٠
الحَسَنِ والفِعْلِ الحَسَنِ مِن حَيْثُ إنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَجازِ.
أمّا قَوْلُهُ: نَحْمِلُهُ عَلى ما يَكُونُ وسَطًا في الزَّمانِ وهو الظُّهْرُ.
فَجَوابُهُ: إنَّ الظُّهْرَ لَيْسَتْ بِوَسَطٍ في الحَقِيقَةِ، لِأنَّها تُؤَدّى بَعْدَ الزَّوالِ، وهُنا قَدْ زالَ الوَسَطُ.
وأمّا قَوْلُهُ: نَحْمِلُهُ عَلى الصُّبْحِ لِكَوْنِ وقْتِ وُجُوبِهِ وسَطًا بَيْنَ وقْتِ الظُّلْمَةِ وبَيْنَ وقْتِ النُّورِ، أوْ عَلى المَغْرِبِ لِكَوْنِ عَدَدِها مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الِاثْنَيْنِ والأرْبَعَةِ.
فَجَوابُهُ: أنَّ هَذا مُحْتَمَلٌ، وما ذَكَرْناهُ أيْضًا مُحْتَمَلٌ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ بِحَسَبَ الإمْكانِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القُنُوتَ هو الدُّعاءُ والذِّكْرُ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ أمْرٌ بِما في الصَّلاةِ مِنَ الفِعْلِ، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ القُنُوتُ عَلى كُلِّ ما في الصَّلاةِ مِنَ الذِّكْرِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وقُومُوا لِلَّهِ ذاكِرِينَ داعِينَ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّ المَفْهُومَ مِنَ القُنُوتِ هو الذِّكْرُ والدُّعاءُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩] وهو المَعْنِيُّ بِالقُنُوتِ في صَلاةِ الصُّبْحِ والوِتْرِ، وهو المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِمْ: قَنَتَ عَلَيَّ فُلانٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الدُّعاءُ عَلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: (قانِتِينَ) أيْ: مُطِيعِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وطاوُسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«كُلُّ قُنُوتٍ في القُرْآنِ فَهو الطّاعَةُ» “ .
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى في أزْواجِ الرَّسُولِ ﷺ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ٣٤] وقالَ في كُلِّ النِّساءِ: ﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾ [النساء: ٣٤] فالقُنُوتُ عِبارَةٌ عَنْ إكْمالِ الطّاعَةِ وإتْمامِها، والِاحْتِرازُ عَنْ إيقاعِ الخَلَلِ في أرْكانِها وسُنَنِها وآدابِها، وهو زَجْرٌ لِمَن لَمْ يُبالِ كَيْفَ صَلّى فَخَفَّفَ واقْتَصَرَ عَلى ما يُجْزِئُ، وذَهَبَ إلى أنَّهُ لا حاجَةَ لِلَّهِ إلى صَلاةِ العِبادِ، ولَوْ كانَ كَما قالَ لَوَجَبَ أنْ لا يُصَلِّيَ رَأْسًا، لِأنَّهُ يُقالُ: كَما لا يَحْتاجُ إلى الكَثِيرِ مِن عِبادَتِنا، فَكَذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى القَلِيلِ، وقَدْ صَلّى الرَّسُولُ ﷺ والرُّسُلُ والسَّلَفُ الصّالِحُ، فَأطالُوا وأظْهَرُوا الخُشُوعَ والِاسْتِكانَةَ، وكانُوا أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن هَؤُلاءِ الجُهّالِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: (قانِتِينَ) ساكِتِينَ، وهو «قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ فَيُسَلِّمُ الرَّجُلُ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ، ويَسْألُهم: كَمْ صَلَّيْتُمْ ؟ كَفِعْلِ أهْلِ الكِتابِ، فَنَزَّلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ ونُهِينا عَنِ الكَلامِ» .
القَوْلُ الرّابِعُ: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: القُنُوتُ عِبارَةٌ عَنِ الخُشُوعِ، وخَفْضِ الجَناحِ وسُكُونِ الأطْرافِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ مِن هَيْبَةِ اللَّهِ تَعالى وكانَ أحَدُهم إذا قامَ إلى الصَّلاةِ يَهابُ رَبَّهُ فَلا يَلْتَفِتُ ولا يَقْلِبُ الحَصى، ولا يَعْبَثُ بِشَيْءٍ مِن جَسَدِهِ، ولا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يَنْصَرِفَ.
القَوْلُ الخامِسُ: القُنُوتُ هو القِيامُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحَدِيثِ جابِرٍ قالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«أيُّ الصَّلاةِ أفْضَلُ ؟ قالَ طُولُ القُنُوتِ» “ يُرِيدُ طُولَ القِيامِ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإلّا صارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: وقُومُوا لِلَّهِ قائِمِينَ
صفحة ١٣١
اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: وقُومُوا لِلَّهِ مُدِيمِينَ لِذَلِكَ القِيامِ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ القُنُوتُ مُفَسَّرًا بِالإدامَةِ لا بِالقِيامِ.
القَوْلُ السّادِسُ: وهو اخْتِيارُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى: أنَّ القُنُوتَ عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ عَلى الشَّيْءِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ والمُلازَمَةِ لَهُ، وهو في الشَّرِيعَةِ صارَ مُخْتَصًّا بِالمُداوَمَةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمُواظَبَةِ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وقُومُوا لِلَّهِ مُدِيمِينَ عَلى ذَلِكَ القِيامِ في أوْقاتِ وُجُوبِهِ واسْتِحْبابِهِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
البقرة 2:239
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ المُحافَظَةَ عَلى الصَّلَواتِ، والقِيامَ عَلى أدائِها بِأرْكانِها وشُرُوطِها، بَيَّنَ مِن بَعْدُ أنَّ هَذِهِ المُحافَظَةَ عَلى هَذا الحَدِّ لا تَجِبُ إلّا مَعَ الأمْنِ دُونَ الخَوْفِ، فَقالَ: ﴿قانِتِينَ﴾ ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُرْوى (فَرُجالًا) بِضَمِّ الرّاءِ و(رِجّالًا) بِالتَّشْدِيدِ و(رَجُلًا) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعْنى الآيَةِ فَإنْ خِفْتُمْ عَدُوًّا، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِإحاطَةِ العِلْمِ بِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فَإنْ كانَ بِكم خَوْفٌ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ، وهَذا القَوْلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ ثابِتٌ عِنْدَ حُصُولِ الخَوْفِ، سَواءٌ كانَ الخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ أوْ مِن غَيْرِهِ.
وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ المَعْنى: فَإنْ خِفْتُمْ فَواتَ الوَقْتِ إنْ أخَّرْتُمُ الصَّلاةَ إلى أنْ تَفْرُغُوا مِن حَرْبِكم فَصَلُّوا رِجالًا أوْ رُكْبانًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ فَرْضِ الوَقْتِ حَتّى يُتَرَخَّصَ لِأجْلِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ القِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الرِّجالِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: رِجالًا جَمْعُ راجِلٍ مِثْلَ تِجارٍ وتاجِرٍ وصِحابٍ وصاحِبٍ، والرّاجِلُ هو الكائِنُ عَلى رِجْلِهِ ماشِيًا كانَ أوْ واقِفًا، ويُقالُ في جَمْعِ راجِلٍ: رَجُلٌ ورِجالَةٌ ورِجّالَةٌ ورِجالٌ ورِجّالٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ، وهو أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ الجَمْعِ، لِأنَّ راجِلًا يُجْمَعُ عَلى راجِلٍ، ثُمَّ يُجْمَعُ رَجُلٌ عَلى رِجالٍ، والرُّكَبانُ جَمْعُ راكِبٍ، مِثْلُ فُرْسانٍ وفارِسٍ، قالَ القَفّالُ: ويُقالُ إنَّهُ إنَّما يُقالُ راكِبٌ لِمَن كانَ عَلى جَمَلٍ، فَأمّا مَن كانَ عَلى فَرَسٍ فَإنَّما يُقالُ لَهُ فارِسٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رِجالًا نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَصَلُّوا رِجالًا أوْ رُكْبانًا.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: صَلاةُ الخَوْفِ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ في حالِ القِتالِ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: في غَيْرِ حالِ القِتالِ وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ النِّساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وفي سِياقِ الآيَتَيْنِ بَيانُ اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا التَحَمَ القِتالُ، ولَمْ يُمْكِنْ تَرْكُ القِتالِ لِأحَدٍ، فَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهم
صفحة ١٣٢
يُصَلُّونَ رُكْبانًا عَلى دَوابِّهِمْ، ومُشاةً عَلى أقْدامِهِمْ إلى القِبْلَةِ وإلى غَيْرِ القِبْلَةِ يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجْعَلُونَ السُّجُودَ أخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، ويَحْتَرِزُونَ عَنِ الصَّيْحاتِ؛ لِأنَّهُ لا ضَرُورَةَ إلَيْها، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُصَلِّي الماشِي بَلْ يُؤَخِّرُ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: «قالَ ابْنُ عُمَرَ: ﴿فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ يَعْنِي مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها. قالَ نافِعٌ: لا أرى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إلّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ الخَوْفَ الَّذِي تَجُوزُ مَعَهُ الصَّلاةُ مَعَ التَّرَجُّلِ والمَشْيِ ومَعَ الرُّكُوبِ والرَّكْضِ لا يُمْكِنُ مَعَهُ المُحافَظَةُ عَلى الِاسْتِقْبالِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ يَدُلُّ عَلى التَّرَخُّصِ في تَرْكِ التَّوَجُّهِ، وأيْضًا يَدُلُّ عَلى التَّرَخُّصِ في تَرْكِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ إلى الإيماءِ لِأنَّ مَعَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ مِنَ العَدُوِّ لا يَأْمَنُ الرَّجُلُ عَلى نَفْسِهِ إنْ وقَفَ في مَكانِهِ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فَصَحَّ بِما ذَكَرْنا دَلالَةُ رِجالًا أوْ رُكْبانًا عَلى جَوازِ تَرْكِ الِاسْتِقْبالِ، وعَلى جَوازِ الِاكْتِفاءِ بِالإيماءِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَلْنَتَكَلَّمْ فِيما يَسْقُطُ عَنْهُ وفِيما لا يَسْقُطُ، فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ إنَّما تَتِمُّ بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: فِعْلُ القَلْبِ وهو النِّيَّةُ، وذَلِكَ لا يَسْقُطُ؛ لِأنَّهُ لا يَتَبَدَّلُ حالُ الخَوْفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
والثّانِي: فِعْلُ اللِّسانِ وهي القِراءَةُ، وهي لا تَسْقُطُ عِنْدَ الخَوْفِ، ولا يَجُوزُ لَهُ أيْضًا أنْ يَتَكَلَّمَ حالَ الصَّلاةِ بِكَلامٍ أجْنَبِيٍّ، أوْ يَأْتِيَ بِصَيْحاتٍ لا ضَرُورَةَ إلَيْها.
والثّالِثُ: أعْمالُ الجَوارِحِ، فَنَقُولُ: أمّا القِيامُ والقُعُودُ فَساقِطانِ عَنْهُ لا مَحالَةَ وأمّا الِاسْتِقْبالُ فَساقِطٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ، وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالإيماءُ قائِمٌ مَقامَهُما، فَيَجِبُ أنْ يَجْعَلَ الإيماءَ النّائِبَ عَنِ السُّجُودِ أخْفَضَ مِنَ الإيماءِ النّائِبِ عَنِ الرُّكُوعِ، لِأنَّ هَذا القَدْرَ مُمْكِنٌ، وأمّا تَرْكُ الطَّهارَةِ فَغَيْرُ جائِزٍ لِأجْلِ الخَوْفِ، فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّطْهِيرُ بِالماءِ أوِ التُّرابِ، إنَّما الخِلافُ في أنَّهُ إذا وجَدَ الماءَ وامْتَنَعَ عَلَيْهِ التَّوَضُّؤُ بِهِ؛ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَيَمَّمَ بِالغُبارِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنهُ حالَ رُكُوبِهِ، والأصَحُّ أنَّهُ يَجُوزُ، لِأنَّهُ إذا كانَ خَوْفُ العَطَشِ يُرَخِّصُ التَّيَمُّمَ، فالخَوْفُ عَلى النَّفْسِ أوْلى أنَّ يُرَخِّصَ في ذَلِكَ، فَهَذا تَفْصِيلُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وبِالجُمْلَةِ فاعْتِمادُهُ في هَذا البابِ عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» “ واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَّرَ الصَّلاةَ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَوَجَبَ عَلَيْنا ذَلِكَ أيْضًا.
والجَوابُ: أنَّ يَوْمَ الخَنْدَقِ لَمْ يَبْلُغِ الخَوْفُ هَذا الحَدَّ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ ﷺ أخَّرَ الصَّلاةَ فَعَلِمْنا كَوْنَ هَذِهِ الآيَةِ ناسِخَةً لِذَلِكَ الفِعْلِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في الخَوْفِ الَّذِي يُفِيدُ هَذِهِ الرُّخْصَةَ؛ وطَرِيقُ الضَّبْطِ أنْ نَقُولَ: الخَوْفُ إمّا أنْ يَكُونَ في القِتالِ، أوْ في غَيْرِ القِتالِ، أمّا الخَوْفُ في القِتالِ فَإمّا أنْ يَكُونَ في قِتالٍ واجِبٍ، أوْ مُباحٍ، أوْ مَحْظُورٍ، أمّا القِتالُ الواجِبُ فَهو كالقِتالِ مَعَ الكُفّارِ وهو الأصْلُ في صَلاةِ الخَوْفِ، وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ، ويَلْتَحِقُ بِهِ قِتالُ أهْلِ البَغْيِ، قالَ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وأمّا القِتالُ المُباحُ فَقَدْ قالَ القاضِي أبُو المَحاسِنِ الطَّبَرِيُّ في كِتابِ شَرْحِ المُخْتَصَرِ: إنَّ دَفْعَ الإنْسانِ عَنْ نَفْسِهِ مُباحٌ غَيْرُ واجِبٍ بِخِلافِ ما إذا قَصَدَ الكافِرُ نَفْسَهُ، فَإنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ؛ لِئَلّا يَكُونَ إخْلالًا بِحَقِّ الإسْلامِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا القِتالُ في الدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ وفي الدَّفْعِ عَنْ كُلِّ حَيَوانٍ مُحْتَرَمٍ، فَإنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ صَلاةُ الخَوْفِ، أمّا قَصْدُ أخْذِ مالِهِ، أوْ إتْلافِ حالِهِ، فَهَلْ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ، فِيهِ قَوْلانِ:
الأصَحُّ أنْ يَجُوزَ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهو شَهِيدٌ» “ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الدَّفْعَ عَنِ
صفحة ١٣٣
المالِ كالدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ.
والثّانِي: لا يَجُوزُ لِأنَّ حُرْمَةَ الزَّوْجِ أعْظَمُ، أمّا القِتالُ المَحْظُورُ فَإنَّهُ لا تَجُوزُ فِيهِ صَلاةُ الخَوْفِ، لِأنَّ هَذا رُخْصَةٌ والرُّخْصَةُ إعانَةٌ، والعاصِي لا يَسْتَحِقُّ الإعانَةَ، أمّا الخَوْفُ الحاصِلُ لا في القِتالِ، كالهارِبِ مِنَ الحَرْقِ والغَرَقِ والسَّبُعِ وكَذا المُطالِبِ بِالدِّينِ إذا كانَ مُعْسِرًا خائِفًا مِنَ الحَبْسِ، عاجِزًا عَنْ بَيِّنَةِ الإعْسارِ، فَلَهم أنْ يُصَلُّوا هَذِهِ الصَّلاةَ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الكُلَّ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ حالَ المُقاتَلَةِ.
قُلْنا: هَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ هُناكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وهَذا المَعْنى قائِمٌ هَهُنا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَشْرُوعًا واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: فَرَضَ اللَّهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّكُمُ الصَّلاةَ في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الواجِبَ في الحَضَرِ أرْبَعٌ، وفي السَّفَرِ رَكْعَتانِ، سَواءٌ كانَ في الخَوْفِ أوْ لَمْ يَكُنْ، وأنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ مَتْرُوكٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ فالمَعْنى بِزَوالِ الخَوْفِ الَّذِي هو سَبَبُ الرُّخْصَةِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: فاذْكُرُوا بِمَعْنى فافْعَلُوا الصَّلاةَ كَما عَلَّمَكم بِقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وكَما بَيَّنَهُ بِشُرُوطِهِ وأرْكانِهِ؛ لِأنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ إذا زالَ عادَ الوُجُوبُ فِيهِ كَما كانَ مِن قَبْلُ، والصَّلاةُ قَدْ تُسَمّى ذِكْرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] .
والقَوْلُ الثّانِي: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: فاشْكُرُوهُ لِأجْلِ إنْعامِهِ عَلَيْكم بِالأمْنِ، طَعَنَ القاضِي في هَذا القَوْلِ، وقالَ: إنَّ هَذا الذِّكْرَ لَمّا كانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ مَخْصُوصٍ، وهو حُصُولُ الأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ عَلى ذِكْرٍ يَلْزَمُ مَعَ الخَوْفِ والأمْنِ جَمِيعًا عَلى حَدٍّ واحِدٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَعَ الخَوْفِ يَلْزَمُ الشُّكْرُ، كَما يَلْزَمُ مَعَ الأمْنِ، لِأنَّ في كِلا الحالَيْنِ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى مُتَّصِلَةٌ، والخَوْفُ هَهُنا مِن جِهَةِ الكُفّارِ لا مِن جِهَتِهِ تَعالى، فالواجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ عَلى ذِكْرٍ يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الحالَةِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الصَّلاةُ والشُّكْرُ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الأمْنَ بِسَبَبِ الشُّكْرِ مُحَدَّدٌ يَلْزَمُ فِعْلُهُ مَعَ فِعْلِ الصَّلاةِ في أوْقاتِها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (كَما عَلَّمَكم) فَبَيانُ إنْعامِهِ عَلَيْنا بِالتَّعْلِيمِ والتَّعْرِيفِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن نِعَمِهِ تَعالى، ولَوْلا هِدايَتُهُ لَمْ نَصِلْ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ أصْحابَنا فَسَّرُوا هَذا التَّعْلِيمَ بِخَلْقِ العِلْمِ، والمُعْتَزِلَةُ فَسُّرُوهُ بِوَضْعِ الدَّلائِلِ، وفِعْلِ الألْطافِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن زَمانِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ.
البقرة 2:240
الحُكْمُ السّابِعَ عَشَرَ
الوَفاةُ
﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُوَنَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
صفحة ١٣٤
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وصِيَّةٌ) بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، أمّا الرَّفْعُ فَفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (وصِيَّةٌ) مُبْتَدَأٌ، وقَوْلَهُ: (لِأزْواجِهِمْ) خَبَرٌ، وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ، لِأنَّها مُتَخَصِّصَةٌ بِسَبَبِ تَخْصِيصِ المَوْضِعِ، كَما حَسُنَ قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾، وخَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ) مُبْتَدَأً، ويُضْمَرُ لَهُ خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ فَعَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النساء: ٩٢]، ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] .
والثّالِثُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: الأمْرُ وصِيَّةٌ، أوِ المَفْرُوضُ، أوِ الحُكْمُ وصِيَّةٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ أضْمَرْنا المُبْتَدَأ.
والرّابِعُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: كُتِبَ عَلَيْكم وصِيَّةٌ.
والخامِسُ: تَقْدِيرُهُ: لِيَكُونَ مِنكم وصِيَّةٌ.
والسّادِسُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ووَصِيَّةُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم وصِيَّةٌ إلى الحَوْلِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ جائِزَةٌ حَسَنَةٌ، وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَفِيها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَلْيُوصُوا وصِيَّةً.
والثّانِي: تَقْدِيرُها: تُوصُونَ وصِيَّةً، كَقَوْلِكَ: إنَّما أنْتَ سَيْرَ البَرِيدِ؛ أيْ: تَسِيرُ سَيْرَ البَرِيدِ.
الثّالِثُ: تَقْدِيرُها: ألْزَمَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (مَتاعًا) فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى: مَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَلْيُوصُوا لَهُنَّ وصِيَّةً، ولْيُمَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ ذَلِكَ مَتاعًا؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى هَذا.
الثّالِثُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ.
أمّا قَوْلُهُ: (غَيْرَ إخْراجٍ) فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ بِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الحالِ كَأنَّهُ قالَ: مَتِّعُوهُنَّ مُقِيماتٍ غَيْرَ مُخْرَجاتٍ.
والثّانِي: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، أرادَ مِن غَيْرِ إخْراجٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، أنَّها مَنسُوخَةٌ، قالُوا: كانَ الحُكْمُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ أنَّهُ إذا ماتَ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ لِامْرَأتِهِ مِن مِيراثِهِ شَيْءٌ إلّا النَّفَقَةَ والسُّكْنى سَنَةً، وكانَ الحَوْلُ عَزِيمَةً عَلَيْها في الصَّبْرِ عَنِ التَّزَوُّجِ، ولَكِنَّها كانَتْ مُخَيَّرَةً في أنْ تَعْتَدَّ إنْ شاءَتْ في بَيْتِ الزَّوْجِ، وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ قَبْلَ الحَوْلِ، لَكِنَّها مَتى خَرَجَتْ سَقَطَتْ نَفَقَتُها، هَذا جُمْلَةُ ما في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنّا إنْ قَرَأْنا (وصِيَّةٌ) بِالرَّفْعِ، كانَ المَعْنى: فَعَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، وإنْ قَرَأْناها بِالنَّصْبِ، كانَ المَعْنى: فَلْيُوصُوا وصِيَّةً، وعَلى القِراءَتَيْنِ هَذِهِ الوَصِيَّةُ واجِبَةٌ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الوَصِيَّةَ صارَتْ مُفَسَّرَةً بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: المَتاعُ والنَّفَقَةُ إلى الحَوْلِ.
والثّانِي: السُّكْنى إلى الحَوْلِ، ثُمَّ أنْزَلَ تَعالى أنَّهُنَّ إنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُوجِبُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: وُجُوبُ النَّفَقَةِ والسُّكْنى مِن مالِ الزَّوْجِ سَنَةً.
والثّانِي: وُجُوبُ الِاعْتِدادِ سَنَةً، لِأنَّ وُجُوبَ السُّكْنى والنَّفَقَةِ مِن مالِ المَيِّتِ سَنَةً تُوجِبُ المَنعَ مِنَ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ في هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ، أمّا الوَصِيَّةُ بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى؛ فَلِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى ثُبُوتِ المِيراثِ لَها، والسُّنَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ، فَصارَ مَجْمُوعُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ ناسِخًا لِلْوَصِيَّةِ لِلزَّوْجَةِ بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى في الحَوْلِ، وأمّا وُجُوبُ العِدَّةِ في الحَوْلِ فَهو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
صفحة ١٣٥
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ في عِدَّةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها آيَتَيْنِ:
أحَدُهُما: ما تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ .
والأُخْرى: هَذِهِ الآيَةُ، فَوَجَبَ تَنْزِيلُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى حالَتَيْنِ. فَنَقُولُ: إنَّها إنْ لَمْ تَخْتَرِ السُّكْنى في دارِ زَوْجِها ولَمْ تَأْخُذِ النَّفَقَةَ مِن مالِ زَوْجِها، كانَتْ عِدَّتُها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا عَلى ما في تِلْكَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وأمّا إنِ اخْتارَتِ السُّكْنى في دارِ زَوْجِها، والأخْذَ مِن مالِهِ وتَرِكَتِهِ، فَعِدَّتُها هي الحَوْلُ، وتَنْزِيلُ الآيَتَيْنِ عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أوْلى، حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَعْمُولًا بِهِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: مَن يُتَوَفّى مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا، وقَدْ وصَّوْا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ بِنَفَقَةِ الحَوْلِ وسُكْنى الحَوْلِ فَإنْ خَرَجْنَ قَبْلَ ذَلِكَ وخالَفْنَ وصِيَّةَ الزَّوْجِ بَعْدَ أنْ يُقِمْنَ المُدَّةَ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى لَهُنَّ فَلا حَرَجَ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ؛ أيْ: نِكاحٍ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ إقامَتَهُنَّ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ غَيْرُ لازِمَةٍ، قالَ: والسَّبَبُ أنَّهم كانُوا في زَمانِ الجاهِلِيَّةِ يُوصُونَ بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى حَوْلًا كامِلًا، وكانَ يَجِبُ عَلى المَرْأةِ الِاعْتِدادُ بِالحَوْلِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالنَّسْخُ زائِلٌ، واحْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ النَّسْخَ خِلافُ الأصْلِ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى عَدَمِهِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ النّاسِخُ مُتَأخِّرًا عَنِ المَنسُوخِ في النُّزُولِ، وإذا كانَ مُتَأخِّرًا عَنْهُ في النُّزُولِ كانَ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عَنْهُ في التِّلاوَةِ أيْضًا، لِأنَّ هَذا التَّرْتِيبَ أحْسَنُ، فَأمّا تَقَدُّمُ النّاسِخِ عَلى المَنسُوخِ في التِّلاوَةِ، فَهو وإنْ كانَ جائِزًا في الجُمْلَةِ، إلّا أنَّهُ يُعَدُّ مِن سُوءِ التَّرْتِيبِ، وتَنْزِيهُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ واجِبٌ بِقَدْرِ الإمْكانِ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأخِّرَةً عَنْ تِلْكَ التِّلاوَةِ، كانَ الأوْلى أنْ لا يُحْكَمَ بِكَوْنِها مَنسُوخَةً بِتِلْكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ مَتى وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ النَّسْخِ وبَيْنَ التَّخْصِيصِ، كانَ التَّخْصِيصُ أوْلى، وهَهُنا إنْ خَصَّصْنا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِالحالَتَيْنِ عَلى ما هو قَوْلُ مُجاهِدٍ انْدَفَعَ النَّسْخُ فَكانَ المَصِيرُ إلى قَوْلِ مُجاهِدٍ أوْلى مِنِ التِزامِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وأمّا عَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ فالكَلامُ أظْهَرُ؛ لِأنَّكم تَقُولُونَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَعَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ، أوْ تَقْدِيرُها: فَلْيُوصُوا وصِيَّةً، فَأنْتُمْ تُضِيفُونَ هَذا الحُكْمَ إلى اللَّهِ تَعالى، وأبُو مُسْلِمٍ يَقُولُ: بَلْ تَقْدِيرُ الآيَةِ: والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ولَهم وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ، أوْ تَقْدِيرُها: وقَدْ أوْصَوْا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ، فَهو يُضِيفُ هَذا الكَلامَ إلى الزَّوْجِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ فَلَيْسَ إضْمارُكم أوْلى مِن إضْمارِهِ، ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإضْمارُ ما ذَكَرْتُمْ يَلْزَمُ تَطَرُّقُ النَّسْخِ إلى الآيَةِ، وعِنْدَ هَذا يَشْهَدُ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ بِأنَّ إضْمارَ أبِي مُسْلِمٍ أوْلى مِن إضْمارِكم، وأنَّ التِزامَ هَذا النَّسْخِ التِزامٌ لَهُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، مَعَ ما في القَوْلِ بِهَذا النَّسْخِ مِن سُوءِ التَّرْتِيبِ الَّذِي يَجِبُ تَنْزِيهُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، وهَذا كَلامٌ واضِحٌ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَكُونُ جُمْلَةً واحِدَةً شَرْطِيَّةً، فالشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ فَهَذا كُلُّهُ شَرْطٌ، والجَزاءُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾ فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ، وهو في غايَةِ الصِّحَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُعْتَدَّةُ عَنْ فُرْقَةِ الوَفاةِ لا نَفَقَةَ لَها ولا كُسْوَةَ، حامِلًا كانَتْ أوْ حائِلًا، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّ لَها النَّفَقَةَ إذا كانَتْ حامِلًا، وعَنْ جابِرٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم
صفحة ١٣٦
أنَّهُما قالا: لا نَفَقَةَ لَها، حَسْبُها المِيراثُ، وهَلْ تَسْتَحِقُّ السُّكْنى فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لا تَسْتَحِقُّ السُّكْنى وهو قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ واخْتِيارُ المُزَنِيِّ.
والثّانِي: تَسْتَحِقُّ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعُثْمانَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وبِهِ قالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ، وبِناءُ القَوْلَيْنِ عَلى خَبَرِ «فُرَيْعَةَ بِنْتِ مالِكٍ أُخْتِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قُتِلَ زَوْجُها قالَتْ: فَسَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أرْجِعُ إلى أهْلِي فَإنَّ زَوْجِي ما تَرَكَنِي في مَنزِلٍ يَمْلِكُهُ. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ. فانْصَرَفْتُ حَتّى إذا كُنْتُ في المَسْجِدِ أوْ في الحُجْرَةِ دَعانِي فَقالَ: امْكُثِي في بَيْتِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ»، واخْتَلَفُوا في تَنْزِيلِ هَذا الحَدِيثِ، قِيلَ لَمْ يُوجِبْ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ أوْجَبَ، فَصارَ الأوَّلُ مَنسُوخًا، وقِيلَ: أمَرَها بِالمُكْثِ في بَيْتِها أمْرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْبابِ لا عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، واحْتَجَّ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى أنَّهُ لا سُكْنى لَها، فَقالَ: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا نَفَقَةَ لَها، لِأنَّ المِلْكَ انْقَطَعَ بِالمَوْتِ، فَكَذَلِكَ السُّكْنى، بِدَلِيلِ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ مَن وجَبَ لَهُ نَفَقَةٌ وسُكْنى مِن والِدٍ ووَلَدٍ عَلى رَجُلٍ فَماتَ انْقَطَعَتْ نَفَقَتُهم وسُكْناهم، لِأنَّ مالَهُ صارَ مِيراثًا لِلْوَرَثَةِ، فَكَذا هَهُنا.
أجابَ الأصْحابُ فَقالُوا: لا يُمْكِنُ قِياسُ السُّكْنى عَلى النَّفَقَةِ؛ لِأنَّ المُطَلَّقَةَ الثَّلاثَ تَسْتَحِقُّ السُّكْنى بِكُلِّ حالٍ، ولا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لِنَفْسِها عِنْدَ المُزَنِيِّ، ولِأنَّ النَّفَقَةَ وجَبَتْ في مُقابَلَةِ التَّمْكِينِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ ولا يُمْكِنُ هَهُنا، وأمّا السُّكْنى فَوَجَبَتْ لِتَحْصِينِ النِّساءِ وهو مَوْجُودٌ هَهُنا فافْتَرَقا.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ لا بُدَّ وأنْ يَخْتَلِفَ قَوْلُهم بِسَبَبِ هَذِهِ المَسْألَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُوجِبُ النَّفَقَةَ والسُّكْنى، أمّا وُجُوبُ النَّفَقَةِ فَقَدْ صارَ مَنسُوخًا، وأمّا وُجُوبُ السُّكْنى فَهَلْ صارَ مَنسُوخًا أمْ لا ؟ والكَلامُ فِيهِ ما ذَكَرْناهُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ الوَصِيَّةَ كانَتْ واجِبَةً أوْرَدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ سُؤالًا فَقالُوا: اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ الوَفاةَ، ثُمَّ أمَرَ بِالوَصِيَّةِ، فَكَيْفَ يُوصِي المُتَوَفّى ؟ وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ المَعْنى: والَّذِينَ يُقارِبُونَ الوَفاةَ يَنْبَغِي أنَّ يَفْعَلُوا هَذا، فالوَفاةُ عِبارَةٌ عَنِ الإشْرافِ عَلَيْها، وجَوابٌ آخَرُ وهو أنَّ هَذِهِ الوَصِيَّةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضافَةً إلى اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى أمْرِهِ وتَكْلِيفِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لِأزْواجِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وإنَّما يَحْسُنُ هَذا المَعْنى عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ فالمَعْنى: لا جُناحَ عَلَيْكم يا أوْلِياءَ المَيِّتِ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِنَ التَّزَيُّنِ، ومِنَ الإقْدامِ عَلى النِّكاحِ، وفي رَفْعِ الجُناحِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا جُناحَ في قَطْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُنَّ إذا خَرَجْنَ قَبْلَ انْقِضاءِ الحَوْلِ.
والثّانِي: لا جُناحَ عَلَيْكم في تَرْكِ مَنعِهِنَّ مِنَ الخُرُوجِ، لِأنَّ مُقامَها حَوْلًا في بَيْتِ زَوْجِها لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْها.
البقرة 2:241
الحُكْمُ الثّامِنَ عَشَرَ
فِي المُطَلَّقاتِ
﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
صفحة ١٣٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
يُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ تَعالى: (ومَتِّعُوهُنَّ) إلى قَوْلِهِ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: إنْ أرَدْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ لَمْ أفْعَلْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي عَلى كُلِّ مَن كانَ مُتَّقِيًا عَنِ الكُفْرِ، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ المَتاعِ هَهُنا فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ هو المُتْعَةُ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ هَذِهِ المُتْعَةِ لِكُلِّ المُطَلَّقاتِ، فَمِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ وأوْجَبَ المُتْعَةَ لِجَمِيعِ المُطَلَّقاتِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأبِي العالِيَةِ والزُّهْرِيِّ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلّا المُطَلَّقَةَ الَّتِي فُرِضَ لَها مَهْرٌ ولَمْ يُوجَدْ في حَقِّها المَسِيسُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] .
فَإنْ قِيلَ: لِمَ أُعِيدَ هَهُنا ذِكْرُ المُتْعَةِ مَعَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ .
قُلْنا: هُناكَ ذَكَرَ حُكْمًا خاصًّا، وهَهُنا ذَكَرَ حُكْمًا عامًّا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المُتْعَةِ النَّفَقَةُ، والنَّفَقَةُ قَدْ تُسَمّى مَتاعًا، وإذا حَمَلْنا هَذا المَتاعَ عَلى النَّفَقَةِ انْدَفَعَ التَّكْرارُ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، وهَهُنا آخِرُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الأحْكامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:242
الحُكْمُ الثّامِنَ عَشَرَ
فِي المُطَلَّقاتِ
﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
صفحة ١٣٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
يُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ تَعالى: (ومَتِّعُوهُنَّ) إلى قَوْلِهِ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: إنْ أرَدْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ لَمْ أفْعَلْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي عَلى كُلِّ مَن كانَ مُتَّقِيًا عَنِ الكُفْرِ، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ المَتاعِ هَهُنا فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ هو المُتْعَةُ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ هَذِهِ المُتْعَةِ لِكُلِّ المُطَلَّقاتِ، فَمِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ وأوْجَبَ المُتْعَةَ لِجَمِيعِ المُطَلَّقاتِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأبِي العالِيَةِ والزُّهْرِيِّ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلّا المُطَلَّقَةَ الَّتِي فُرِضَ لَها مَهْرٌ ولَمْ يُوجَدْ في حَقِّها المَسِيسُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] .
فَإنْ قِيلَ: لِمَ أُعِيدَ هَهُنا ذِكْرُ المُتْعَةِ مَعَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ .
قُلْنا: هُناكَ ذَكَرَ حُكْمًا خاصًّا، وهَهُنا ذَكَرَ حُكْمًا عامًّا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المُتْعَةِ النَّفَقَةُ، والنَّفَقَةُ قَدْ تُسَمّى مَتاعًا، وإذا حَمَلْنا هَذا المَتاعَ عَلى النَّفَقَةِ انْدَفَعَ التَّكْرارُ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، وهَهُنا آخِرُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الأحْكامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:243
القِصَّةُ الأُولى مِن قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ عادَتَهُ تَعالى في القُرْآنِ أنْ يَذْكُرَ بَعْدَ بَيانِ الأحْكامِ القِصَصَ لِيُفِيدَ الِاعْتِبارَ لِلسّامِعِ، ويَحْمِلَهُ ذَلِكَ الِاعْتِبارُ عَلى تَرْكِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ، ومَزِيدِ الخُضُوعِ والِانْقِيادِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: (ألَمْ تَرَ) فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى رُؤْيَةِ البَصِيرَةِ والقَلْبِ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى العِلْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ [البقرة: ١٢٨] مَعْناهُ: عَلِّمْنا، وقالَ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أيْ: عَلَّمَكَ، ثُمَّ إنَّ هَذا اللَّفْظَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما تَقَدَّمَ لِلْمُخاطَبِ العِلْمُ بِهِ، وفِيما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ يُرِيدُ تَعْرِيفَهُ ابْتِداءً: ألَمْ تَرَ إلى ما جَرى عَلى فُلانٍ، فَيَكُونُ هَذا ابْتِداءَ تَعْرِيفٍ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَعْرِفْ هَذِهِ القِصَّةَ إلّا بِهَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ نَقُولَ: كانَ العِلْمُ بِها سابِقًا عَلى نُزُولِ هَذِهِ
صفحة ١٣٨
الآيَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى وفْقِ ذَلِكَ العِلْمِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا الكَلامُ ظاهِرُهُ خِطابٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلّا أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو وأُمَّتَهُ، إلّا أنَّهُ وقَعَ الِابْتِداءُ بِالخِطابِ مَعَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دُخُولُ لَفْظَةِ (إلى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ (إلى) عِنْدَهم حَرْفٌ لِلِانْتِهاءِ كَقَوْلِكَ: مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، فَمَن عَلِمَ بِتَعْلِيمِ مُعَلِّمٍ، فَكَأنَّ ذَلِكَ المُعَلِّمَ أوْصَلَ ذَلِكَ المُتَعَلِّمَ إلى ذَلِكَ المَعْلُومِ وأنْهاهُ إلَيْهِ، فَحَسُنَ مِن هَذا الوَجْهِ دُخُولُ حَرْفِ (إلى) فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ فَفِيهِ رِواياتٌ:
أحَدُها: قالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ قَرْيَةٌ وقَعَ فِيها الطّاعُونُ، وهَرَبَ عامَّةُ أهْلِها، والَّذِينَ بَقُوا ماتَ أكْثَرُهم، وبَقِيَ قَوْمٌ مِنهم في المَرَضِ والبَلاءِ، ثُمَّ بَعْدَ ارْتِفاعِ المَرَضِ والطّاعُونِ، رَجَعَ الَّذِينَ هَرَبُوا سالِمِينَ، فَقالَ مَن بَقِيَ مِنَ المَرْضى: هَؤُلاءِ أحْرَصُ مِنّا، لَوْ صَنَعْنا ما صَنَعُوا لَنَجَوْنا مِنَ الأمْراضِ والآفاتِ، ولَئِنْ وقَعَ الطّاعُونُ ثانِيًا خَرَجْنا فَوَقَعَ وهَرَبُوا وهم بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا، فَلَمّا خَرَجُوا مِن ذَلِكَ الوادِي، ناداهم مَلَكٌ مِن أسْفَلِ الوادِي، وآخَرُ مِن أعْلاهُ: أنْ مُوتُوا، فَهَلَكُوا وبَلِيَتْ أجْسامُهم، فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ حِزْقِيلُ، فَلَمّا رَآهم وقَفَ عَلَيْهِمْ وتَفَكَّرَ فِيهِمْ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أتُرِيدُ أنْ أُرِيَكَ كَيْفَ أُحْيِيهِمْ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: نادِ: أيَّتُها العِظامُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَجْتَمِعِي، فَجَعَلَتِ العِظامُ يَطِيرُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، حَتّى تَمَّتِ العِظامُ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: نادِ: يا أيَّتُها العِظامُ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَكْتَسِي لَحْمًا ودَمًا، فَصارَتْ لَحْمًا ودَمًا، ثُمَّ قِيلَ: نادِ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَقُومِي فَقامَتْ، فَلَمّا صارُوا أحْياءً قامُوا، وكانُوا يَقُولُونَ: ”سُبْحانَكَ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ“ ثُمَّ رَجَعُوا إلى قَرْيَتِهِمْ بَعْدَ حَياتِهِمْ، وكانَتْ أماراتُ أنَّهم ماتُوا ظاهِرَةً في وُجُوهِهِمْ ثُمَّ بَقُوا إلى أنْ ماتُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِحَسَبِ آجالِهِمْ.
الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ مَلِكا مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ أمَرَ عَسْكَرَهُ بِالقِتالِ، فَخافُوا القِتالَ وقالُوا لِمَلِكِهِمْ: إنَّ الأرْضَ الَّتِي نَذْهَبُ إلَيْها فِيها الوَباءُ، فَنَحْنُ لا نَذْهَبُ إلَيْها حَتّى يَزُولَ ذَلِكَ الوَباءُ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأسْرِهِمْ، وبَقُوا ثَمانِيَةَ أيّامٍ حَتّى انْتَفَخُوا، وبَلَغَ بَنِي إسْرائِيلَ مَوْتُهم، فَخَرَجُوا لِدَفْنِهِمْ، فَعَجَزُوا مِن كَثْرَتِهِمْ، فَحَظَّرُوا عَلَيْهِمْ حَظائِرَ، فَأحْياهُمُ اللَّهُ بَعْدَ الثَّمانِيَةِ، وبَقِيَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ النَّتَنِ وبَقِيَ ذَلِكَ في أوْلادِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] .
والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ حِزْقِيلَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ نَدَبَ قَوْمَهُ إلى الجِهادِ فَكَرِهُوا وجَبُنُوا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَوْتَ، فَلَمّا كَثُرَ فِيهِمْ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ فِرارًا مِنَ المَوْتِ، فَلَمّا رَأى حِزْقِيلُ ذَلِكَ قالَ: اللَّهُمَّ إلَهَ يَعْقُوبَ وإلَهَ مُوسى، تَرى مَعْصِيَةَ عِبادِكَ فَأرِهِمْ آيَةً في أنْفُسِهِمْ تَدُلُّهم عَلى نَفاذِ قُدْرَتِكَ، وأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قَبْضَتِكَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَوْتَ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضاقَ صَدْرُهُ بِسَبَبِ مَوْتِهِمْ، فَدَعا مَرَّةً أُخْرى فَأحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ العَدَدِ، واخْتَلَفُوا في مَبْلَغِ
صفحة ١٣٩
عَدَدِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَمْ يَكُونُوا دُونَ ثَلاثَةِ آلافٍ، ولا فَوْقَ سَبْعِينَ ألْفًا، والوَجْهُ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ أنْ يَكُونَ عَدَدُهم أزْيَدَ مِن عَشَرَةِ آلافٍ لِأنَّ الأُلُوفَ جَمْعُ الكَثْرَةِ، ولا يُقالُ في عَشَرَةٍ فَما دُونَها: أُلُوفٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأُلُوفَ جَمْعُ آلافٍ كَقُعُودٍ وقاعِدٍ، وجُلُوسٍ وجالِسٍ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا مُؤْتَلِفِي القُلُوبِ، قالَ القاضِي: الوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ وُرُودَ المَوْتِ عَلَيْهِمْ وهم كَثْرَةٌ عَظِيمَةٌ يُفِيدُ مَزِيدَ اعْتِبارٍ بِحالِهِمْ، لِأنَّ مَوْتَ جَمْعٍ عَظِيمٍ دَفْعَةً واحِدَةً لا يَتَّفِقُ وُقُوعُهُ يُفِيدُ اعْتِبارًا عَظِيمًا، فَأمّا وُرُودُ المَوْتِ عَلى قَوْمٍ بَيْنَهُمُ ائْتِلافٌ ومَحَبَّةٌ، كَوُرُودِهِ وبَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في أنَّ وجْهَ الِاعْتِبارِ لا يَتَغَيَّرُ ولا يَخْتَلِفُ.
ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِأنَّ المُرادَ كَونُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم آلِفًا لِحَياتِهِ، مُحِبًّا لِهَذِهِ الدُّنْيا فَيَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى ما قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] ثُمَّ إنَّهم مَعَ غايَةِ حُبِّهِمْ لِلْحَياةِ وأُلْفِهِمْ بِها، أماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَكَهم، لِيَعْلَمَ أنَّ حِرْصَ الإنْسانِ عَلى الحَياةِ لا يَعْصِمُهُ مِنَ المَوْتِ فَهَذا القَوْلُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ في غايَةِ البُعْدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ فَهو مَنصُوبٌ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ لِحَذَرِ المَوْتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَحْذَرُ المَوْتَ، فَلَمّا خَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِالذِّكْرِ، عَلِمَ أنَّ سَبَبَ المَوْتِ كانَ في تِلْكَ الواقِعَةِ أكْثَرَ، إمّا لِأجْلِ غَلَبَةِ الطّاعُونِ أوْ لِأجْلِ الأمْرِ بِالمُقاتَلَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فَفي تَفْسِيرِ (قالَ اللَّهُ) وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ إثْباتَ قَوْلٍ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى مَتى أرادَ ذَلِكَ وقَعَ مِن غَيْرِ مَنعٍ وتَأْخِيرٍ، ومِثْلُ هَذا عُرْفٌ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (ثُمَّ أحْياهم) فَإذا صَحَّ الإحْياءُ بِالقَوْلِ، فَكَذا القَوْلُ في الإماتَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ أنْ يَقُولَ لَهم: مُوتُوا، وأنْ يَقُولَ عِنْدَ الإحْياءِ ما رُوِّيناهُ عَنِ السُّدِّيِّ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا ما رُوِّيناهُ مِن أنَّ المَلَكَ قالَ ذَلِكَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (ثُمَّ أحْياهم) فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أحْياهم بَعْدَ أنْ ماتُوا فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ جائِزٌ، والصّادِقُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِهِ فَوَجَبَ القَطْعُ بِوُقُوعِهِ، أمّا الإمْكانُ؛ فَلِأنَّ تَرَكُّبَ الأجْزاءِ عَلى الشَّكْلِ المَخْصُوصِ مُمْكِنٌ، وإلّا لَما وُجِدَ أوَّلًا، واحْتِمالُ تِلْكَ الأجْزاءِ لِلْحَياةِ مُمْكِنٌ، وإلّا لَما وُجِدَ أوَّلًا، ومَتى ثَبَتَ هَذا فَقَدَ ثَبَتَ الإمْكانُ، وأمّا إنَّ الصّادِقَ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ فَفي هَذِهِ الآيَةِ، ومَتى أخْبَرَ الصّادِقُ عَنْ وُقُوعِ ما ثَبَتَ في العَقْلِ إمْكانُ وُقُوعِهِ وجَبَ القَطْعُ بِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إحْياءُ المَيِّتِ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارُهُ إلّا عِنْدَما يَكُونُ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ، إذْ لَوْ جازَ ظُهُورُهُ لا لِأجْلِ أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ لَبَطَلَتْ دَلالَتُهُ عَلى النُّبُوَّةِ، وأمّا عِنْدَ أصْحابِنا فَإنَّهُ يَجُوزُ إظْهارُ خَوارِقِ العاداتِ لِكَرامَةِ الوَلِيِّ، ولِسائِرِ الأغْراضِ، فَكانَ هَذا الحَصْرُ باطِلًا، ثُمَّ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذا الإحْياءَ إنَّما وقَعَ في زَمانِ حِزْقِيلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَرَكَةِ دُعائِهِ، وهَذا يُحَقِّقُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُوجَدُ إلّا لِيَكُوَنَ مُعْجِزَةً لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ
صفحة ١٤٠
هُوَ ذُو الكِفْلِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَكَفَّلَ بِشَأْنِ سَبْعِينَ نَبِيًّا وأنْجاهم مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِهِمْ وهم مَوْتى، فَجَعَلَ يُفَكِّرُ فِيهِمْ مُتَعَجِّبًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: إنْ أرَدْتَ أحْيَيْتُهم وجَعَلْتُ ذَلِكَ الإحْياءَ آيَةً لَكَ، فَقالَ: نَعَمْ. فَأحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى بِدُعائِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّ مَعارِفَ المُكَلَّفِينَ تَصِيرُ ضَرُورِيَّةً عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، وعِنْدَ مُعايَنَةِ الأهْوالِ والشَّدائِدِ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أماتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياهم، لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم عايَنُوا الأهْوالَ والأحْوالَ الَّتِي مَعَها صارَتْ مَعارِفُهم ضَرُورِيَّةً، وإمّا ما شاهَدُوا شَيْئًا مِن تِلْكَ الأهْوالِ بَلِ اللَّهُ تَعالى أماتَهم بَغْتَةً، كالنَّوْمِ الحادِثِ مِن غَيْرِ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ البَتَّةَ، فَإنْ كانَ الحَقُّ هو الأوَّلَ، فَعِنْدَما أحْياهم يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّهم نَسُوا تِلْكَ الأهْوالَ ونَسُوا ما عَرَفُوا بِهِ رَبَّهم بِضَرُورَةِ العَقْلِ؛ لِأنَّ الأحْوالَ العَظِيمَةَ لا يَجُوزُ نِسْيانُها مَعَ كَمالِ العَقْلِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَبْقى تِلْكَ المَعارِفُ الضَّرُورِيَّةُ مَعَهم بَعْدَ الإحْياءِ، وبَقاءُ تِلْكَ المَعارِفِ الضَّرُورِيَّةِ يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، كَما أنَّهُ لا يَبْقى التَّكْلِيفُ في الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم بَقُوا بَعْدَ الإحْياءِ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِنهُ، أوْ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حِينَ أماتَهم ما أراهم شَيْئًا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَصِيرُ مَعارِفُهم عِنْدَها ضَرُورِيَّةً، وما كانَ ذَلِكَ المَوْتُ كَمَوْتِ سائِرِ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ يُعايِنُونَ الأهْوالَ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ قَتادَةُ: إنَّما أحْياهم لِيَسْتَوْفُوا بَقِيَّةَ آجالِهِمْ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ كَلامٌ كَثِيرٌ وبَحْثٌ طَوِيلٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَفَضَّلَ عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ أماتَهم بِسَبَبِ أنَّهُ أحْياهم، وذَلِكَ لِأنَّهم خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا عَلى المَعْصِيَةِ، فَهو تَعالى أعادَهم إلى الدُّنْيا ومَكَّنَهم مِنَ التَّوْبَةِ والتَّلافِي. وثانِيها: أنَّ العَرَبَ الَّذِينَ كانُوا يُنْكِرُونَ المَعادَ كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِ اليَهُودِ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، فَلَمّا نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى اليَهُودَ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ الَّتِي كانَتْ مَعْلُومَةً لَهم، وهم يَذْكُرُونَها لِلْعَرَبِ المُنْكِرِينَ لِلْمَعادِ، فالظّاهِرُ أنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ يَرْجِعُونَ مِنَ الدِّينِ الباطِلِ الَّذِي هو الإنْكارُ إلى الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي هو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، فَيَخْلُصُونَ مِنَ العِقابِ، ويَسْتَحِقُّونَ الثَّوابَ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وإحْسانًا في حَقِّ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ.
وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحَذَرَ مِنَ المَوْتِ لا يُفِيدُ، فَهَذِهِ القِصَّةُ تُشَجِّعُ الإنْسانَ عَلى الإقْدامِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى كَيْفَ كانَ، وتُزِيلُ عَنْ قَلْبِهِ الخَوْفَ مِنَ المَوْتِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ سَبَبًا لِبُعْدِ العَبْدِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقُرْبِهِ مِنَ الطّاعَةِ الَّتِي بِها يَفُوزُ بِالثَّوابِ العَظِيمِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ فَضْلًا وإحْسانًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] .
البقرة 2:244
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلَّذِينِ أُحْيُوا، قالَ الضَّحّاكُ: أحْياهم ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَذْهَبُوا إلى الجِهادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما أماتَهم بِسَبَبِ أنْ كَرِهُوا الجِهادَ.
صفحة ١٤١
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا بِإضْمارِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقِيلَ لَهم قاتِلُوا.
والقَوْلُ الثّانِي - وهو اخْتِيارُ جُمْهُورِ المُحَقِّقِينَ -: أنَّ هَذا اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْحاضِرِينَ، يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالجِهادِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ قَدَّمَ عَلى الأمْرِ بِالقِتالِ ذِكْرَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ لِئَلّا يُنْكَصَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ بِحُبِّ الحَياةِ بِسَبَبِ خَوْفِ المَوْتِ، ولِيَعْلَمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ بِتَرْكِ القِتالِ لا يَثِقُ بِالسَّلامَةِ مِنَ المَوْتِ، كَما قالَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦] فَشَجَّعَهم عَلى القِتالِ الَّذِي بِهِ وعَدَ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ، إمّا في العاجِلِ الظُّهُورُ عَلى العَدُوِّ، أوْ في الآجِلِ الفَوْزُ بِالخُلُودِ في النَّعِيمِ، والوُصُولُ إلى ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فالسَّبِيلُ هو الطَّرِيقُ، وسُمِّيَتِ العِباداتُ سَبِيلًا إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ إنَّ الإنْسانَ يَسْلُكُها، ويَتَوَصَّلُ إلى اللَّهِ تَعالى بِها، ومَعْلُومٌ أنَّ الجِهادَ تَقْوِيَةٌ لِلدِّينِ، فَكانَ طاعَةً، فَلا جَرَمَ كانَ المُجاهِدُ مُقاتِلًا في سَبِيلِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: هو يَسْمَعُ كَلامَكم في تَرْغِيبِ الغَيْرِ في الجِهادِ، وفي تَنْفِيرِ الغَيْرِ عَنْهُ، وعَلِيمٌ بِما في صُدُورِكم مِنَ البَواعِثِ والأغْراضِ، وأنَّ ذَلِكَ الجِهادَ لِغَرَضِ الدِّينِ أوْ لِعاجِلِ الدُّنْيا.
البقرة 2:245
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، والمُرادُ مِنها القَرْضُ في الجِهادِ خاصَّةً، فَنَدَبَ العاجِزَ عَنِ الجِهادِ أنْ يُنْفِقَ عَلى الفَقِيرِ القادِرِ عَلى الجِهادِ، وأمَرَ القادِرَ عَلى الجِهادِ أنْ يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ في طَرِيقِ الجِهادِ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَن عَلِمَ ذَلِكَ كانَ اعْتِمادُهُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى أكْثَرَ مِنِ اعْتِمادِهِ عَلى مالِهِ وذَلِكَ يَدْعُوهُ إلى إنْفاقِ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والِاحْتِرازِ عَنِ البُخْلِ بِذَلِكَ الإنْفاقِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ مُبْتَدَأٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِن هَذا القَرْضِ إنْفاقُ المالِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ غَيْرُهُ، والقائِلُونَ بِأنَّهُ إنْفاقُ المالِ لَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ ما لَيْسَ بِواجِبٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ بِالقَرْضِ، والقَرْضُ لا يَكُونُ إلّا تَبَرُّعًا.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في أبِي الدَّحْداحِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي حَدِيقَتَيْنِ فَإنْ تَصَدَّقْتُ بِإحْداهُما فَهَلْ لِي مِثْلاها في الجَنَّةِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأُمُّ الدَّحْداحِ مَعِي ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: والصِّبْيَةُ مَعِي ؟ قالَ: نَعَمْ، فَتَصَدَّقَ بِأفْضَلِ حَدِيقَتَيْهِ، وكانَتْ تُسَمّى الجُنَيْنَةَ، قالَ:
صفحة ١٤٢
فَرَجَعَ أبُو الدَّحْداحِ إلى أهْلِهِ وكانُوا في الحَدِيقَةِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِها، فَقامَ عَلى بابِ الحَدِيقَةِ، وذَكَرَ ذَلِكَ لِامْرَأتِهِ فَقالَتْ أُمُّ الدَّحْداحِ: بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما اشْتَرَيْتَ، فَخَرَجُوا مِنها وسَلَّمُوها، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: كَمْ مِن نَخْلَةٍ رَداحٍ، تُدْلِي عُرُوقَها في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ» .
إذا عَرَفْتَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ظَهَرَ أنَّ المُرادَ بِهَذا القَرْضِ ما كانَ تَبَرُّعًا لا واجِبًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا القَرْضِ الإنْفاقُ الواجِبُ في سَبِيلِ اللَّهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وذَلِكَ كالزَّجْرِ، وهو إنَّما يَلِيقُ بِالواجِبِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو الأقْرَبُ أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كِلا القِسْمَيْنِ، كَما أنَّهُ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ﴾ [البقرة: ٢٦١] مَن قالَ: المُرادُ مِن هَذا القَرْضِ شَيْءٌ سِوى إنْفاقِ المالِ، قالُوا: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ“ قالَ القاضِي: وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الإقْراضِ لا يَقَعُ عَلَيْهِ في عُرْفِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قالَ: ولا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا القَوْلِ عَلى الصِّحَّةِ، إلّا أنْ نَقُولَ: الفَقِيرُ الَّذِي لا يَمْلِكُ شَيْئًا إذا كانَ في قَلْبِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ قادِرًا لَأنْفَقَ وأعْطى، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ تِلْكَ النِّيَّةُ قائِمَةً مَقامَ الإنْفاقِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ فَلْيَلْعَنِ اليَهُودَ فَإنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ» “ .
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ القَرْضِ عَلى هَذا الإنْفاقِ حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ، قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ القَرْضَ هو كُلُّ ما يُفْعَلُ لِيُجازى عَلَيْهِ، تَقُولُ العَرَبُ: لَكَ عِنْدِي قَرْضٌ حَسَنٌ وسَيِّئٌ، والمُرادُ مِنهُ الفِعْلُ الَّذِي يُجازى عَلَيْهِ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزى قَرْضَهُ حَسَنًا أوْ سَيِّئًا أوْ مَدِينًا كالَّذِي دانا
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَرْضَ ما ذَكَرْناهُ أنَّ القَرْضَ أصْلُهُ في اللُّغَةِ القَطْعُ، ومِنهُ القِراضُ، وانْقَرَضَ القَوْمُ إذا هَلَكُوا، وذَلِكَ لِانْقِطاعِ أثَرِهِمْ فَإذا أقْرَضَ فالمُرادُ قَطَعَ لَهُ مِن مالِهِ أوْ عَمَلِهِ قِطْعَةً يُجازى عَلَيْها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ القَرْضِ هَهُنا مَجازٌ، وذَلِكَ لِأنَّ القَرْضَ هو أنْ يُعْطِيَ الإنْسانُ شَيْئًا لِيَرْجِعَ إلَيْهِ مِثْلُهُ، وهَهُنا المُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ إنَّما يُنْفِقُ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ بَدَلَهُ إلّا أنَّهُ جَعَلَ الِاخْتِلافَ بَيْنَ هَذا الإنْفاقِ وبَيْنَ القَرْضِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ القَرْضَ إنَّما يَأْخُذُهُ مَن يَحْتاجُ إلَيْهِ لِفَقْرِهِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
وثانِيها: أنَّ البَدَلَ في القَرْضِ المُعْتادِ لا يَكُونُ إلّا المِثْلَ، وفي هَذا الإنْفاقِ هو الضِّعْفُ.
وثالِثُها: أنَّ المالَ الَّذِي يَأْخُذُهُ المُسْتَقْرِضُ لا يَكُونُ مِلْكًا لَهُ، وهَهُنا هَذا المالُ المَأْخُوذُ مِلْكٌ لِلَّهِ، ثُمَّ مَعَ حُصُولِ هَذِهِ الفُرُوقِ سَمّاهُ اللَّهُ قَرْضًا، والحِكْمَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ، فَكَما أنَّ القَرْضَ يَجِبُ أداؤُهُ لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِهِ فَكَذا الثَّوابُ الواجِبُ عَلى هَذا الإنْفاقِ واصِلٌ إلى المُكَلَّفِ لا مَحالَةَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، فَهو يَطْلُبُ مِنّا القَرْضَ، وهَذا الكَلامُ لائِقٌ بِجَهْلِهِمْ وحُمْقِهِمْ، لِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمُ التَّشْبِيهُ، ويَقُولُونَ: إنَّ مَعْبُودَهم شَيْخٌ، قالَ القاضِيَ: مَن يَقُولُ في مَعْبُودِهِ مِثْلَ هَذا القَوْلِ لا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ أنْ يَصِفَهُ بِالفَقْرِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ولِأيِّ فائِدَةٍ جَرى الكَلامُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ ؟
صفحة ١٤٣
قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ في التَّرْغِيبِ في الدُّعاءِ إلى الفِعْلِ أقْرَبُ مِن ظاهِرِ الأمْرِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: القَرْضُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، ولَوْ كانَ مَصْدَرًا لَكانَ ذَلِكَ إقْراضًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُ القَرْضِ حَسَنًا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أرادَ بِهِ حَلالًا خالِصًا لا يَخْتَلِطُ بِهِ الحَرامُ؛ لِأنَّ مَعَ الشُّبْهَةِ يَقَعُ الِاخْتِلاطُ، ومَعَ الِاخْتِلاطِ رُبَّما قَبُحَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنْ لا يُتْبِعَ ذَلِكَ الإنْفاقَ مَنًّا ولا أذًى.
وثالِثُها: أنْ يَفْعَلَهُ عَلى نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ ما يُفْعَلُ رِياءً وسُمْعَةً لا يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوابَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (فَيُضاعِفَهُ لَهُ) فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (فَيُضاعِفَهُ) أرْبَعُ قِراءاتٍ:
أحَدُها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( فَيُضاعِفُهُ) بِالألِفِ والرَّفْعِ.
والثّانِي: قَرَأ عاصِمٌ (فَيُضاعِفَهُ) بِألِفٍ والنَّصْبِ.
والثّالِثُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (فَيُضَعِّفُهُ) بِالتَّشْدِيدِ والرَّفْعِ بِلا ألِفٍ.
والرّابِعُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَيُضَعِّفَهُ) بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ.
فَنَقُولُ: أمّا التَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ فَهُما لُغَتانِ، ووَجْهُ الرَّفْعِ العَطْفُ عَلى يُقْرِضُ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى المَعْنى، لا عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَكُونُ قَرْضًا فَيُضاعِفُهُ، والِاخْتِيارُ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الجَزاءِ، وجَوابُ الجَزاءِ بِالفاءِ لا يَكُونُ إلّا رَفْعًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّضْعِيفُ والإضْعافُ والمُضاعَفَةُ واحِدٌ، وهو الزِّيادَةُ عَلى أصْلِ الشَّيْءِ حَتّى يَبْلُغَ مِثْلَيْنِ أوْ أكْثَرَ، وفي الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَيُضاعِفُ ثَوابَهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فَمِنهم مَن ذَكَرَ فِيهِ قَدْرًا مُعَيَّنًا، وأجْوَدُ ما يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ القَدْرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] فَيُقالُ يُحْمَلُ المُجْمَلُ عَلى المُفَسَّرِ؛ لِأنَّ كِلْتا الآيَتَيْنِ ورَدَتا في الإنْفاقِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقْتَصِرْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّحْدِيدِ، بَلْ قالَ بَعْدَهُ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ واخْتِيارُ السُّدِّيِّ: أنَّ هَذا التَّضْعِيفَ لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما هو وكَمْ هو ؟ وإنَّما أبْهَمَ تَعالى ذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ المُبْهَمِ في بابِ التَّرْغِيبِ أقْوى مِن ذِكْرِ المَحْدُودِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ فَفي بَيانِ أنَّ هَذا كَيْفَ يُناسِبُ ما تَقَدَّمَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ هو القابِضَ الباسِطَ، فَإنْ كانَ تَقْدِيرُ هَذا الَّذِي أُمِرَ بِإنْفاقِ المالِ الفَقْرَ؛ فَلْيُنْفِقِ المالَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ سَواءٌ أنَفَقَ أوْ لَمْ يُنْفِقْ فَلَيْسَ لَهُ إلّا الفَقْرُ، وإنْ كانَ تَقْدِيرُهُ الغِنى؛ فَلْيُنْفِقْ فَإنَّهُ سَواءٌ أنَفَقَ أوْ لَمْ يُنْفِقْ، فَلَيْسَ لَهُ إلّا الغِنى والسَّعَةُ وبَسْطُ اليَدِ، فَعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ إنْفاقُ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْلى.
وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ القَبْضَ والبَسْطَ بِاللَّهِ، انْقَطَعَ نَظَرُهُ عَنْ مالِ الدُّنْيا، وبَقِيَ اعْتِمادُهُ عَلى اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ إنْفاقُ المالِ في سَبِيلِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يُوَسِّعُ عَنْ عِبادِهِ ويَقْتُرُ، فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكم، لِئَلّا يُبَدِّلَ السَّعَةَ الحاصِلَةَ لَكم بِالضِّيقِ.
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالصَّدَقَةِ وحَثَّهم عَلَيْها أخْبَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُهم ذَلِكَ إلّا بِتَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ يَعْنِي يَقْبِضُ القُلُوبَ حَتّى لا
صفحة ١٤٤
تُقْدِمَ عَلى هَذِهِ الطّاعَةِ، ويَبْسُطُ بَعْضَها حَتّى يُقْدِمَ عَلى هَذِهِ الطّاعَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ والمُرادُ بِهِ إلى حَيْثُ لا حاكِمَ ولا مُدَبِّرَ سِواهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:246
القِصَّةُ الثّانِيَةُ
قِصَّةُ طالُوتَ
﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾
المَلَأُ الأشْرافُ مِنَ النّاسِ، وهو اسْمُ الجَماعَةِ، كالقَوْمِ والرَّهْطِ والجَيْشِ، وجَمْعُهُ أمْلاءٌ، قالَ الشّاعِرُ:
وقالَ لَها الأمْلاءُ مِن كُلِّ مَعْشَرٍ وخَيْرُ أقاوِيلِ الرِّجالِ سَدِيدُها
وأصْلُها مِنَ المَلْءِ، وهُمُ الَّذِينَ يَمْلَئُونَ العُيُونَ هَيْبَةً ورِواءً، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَمْلَئُونَ المَكانَ إذا حَضَرُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: المَلَأُ الرُّؤَساءُ، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَمْلَئُونَ القُلُوبَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَلَأ الرَّجُلُ يَمْلَأُ مِلْأةً فَهو مَلِيءٌ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى لَمّا فَرَضَ القِتالَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] ثُمَّ أمَرَنا بِالإنْفاقِ فِيهِ لِما لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ في كَمالِ المُرادِ بِالقِتالِ ذَكَرَ قِصَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهي أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالقِتالِ نَكَثُوا وخالَفُوا فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ونَسَبَهم إلى الظُّلْمِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يُقَدِّمَ المَأْمُورُونَ بِالقِتالِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى المُخالَفَةِ، وأنْ يَكُونُوا مُسْتَمِرِّينَ في القِتالِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرْناهُ حاصِلٌ، سَواءٌ عَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ مَن كانَ مِن أُولَئِكَ، وأنَّ أُولَئِكَ المَلَأ مَن كانُوا أوْ لَمْ نَعْلَمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هو التَّرْغِيبُ في بابِ الجِهادِ وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ، وإنَّما يُعْلَمُ مَن ذَلِكَ النَّبِيُّ ومَن ذَلِكَ المَلَأُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ وهو مَفْقُودٌ، وأمّا خَبَرُ الواحِدِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ كَما يَحْتَمِلُ الِاتِّصالَ يَحْتَمِلُ الحُصُولَ مِن بَعْدِ زَمانٍ، ومِنهم مَن قالَ: كانَ اسْمُ ذَلِكَ النَّبِيِّ أشْمُوِيلَ مِن بَنِي هارُونَ واسْمُهُ بِالعَرَبِيَّةِ: إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقالَ
صفحة ١٤٥
السُّدِّيُّ: هو شَمْعُونُ، سَمَّتْهُ أُمُّهُ بِذَلِكَ، لِأنَّها دَعَتِ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَها ولَدًا فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَها، فَسَمَّتْهُ شَمْعُونَ، يَعْنِي سَمِعَ دُعاءَها فِيهِ، والسِّينُ تَصِيرُ شِينًا بِالعِبْرانِيَّةِ، وهو مِن ولَدِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: إنَّ المَعاصِيَ كَثُرَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ، والخَطايا عَظُمَتْ فِيهِمْ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ لَهم فَسَبى كَثِيرًا مِن ذَرارِيهِمْ، فَسَألُوا نَبِيَّهم مَلِكًا تَنْتَظِمُ بِهِ كَلِمَتُهم ويَجْتَمِعُ بِهِ أمْرُهم، ويَسْتَقِيمُ حالُهم في جِهادِ عَدُوِّهِمْ، وقِيلَ: تَغَلَّبَ جالُوتُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ قِوامُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَلِكٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ يُجاهِدُ الأعْداءَ، ويُجْرِي الأحْكامَ، ونَبِيٍّ يُطِيعُهُ المَلِكُ، ويُقِيمُ أمْرَ دِينِهِمْ، ويَأْتِيهِمْ بِالخَبَرِ مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ (نُقاتِلْ) بِالنُّونِ والجَزْمِ عَلى الجَوابِ، وبِالنُّونِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ، أيِ: ابْعَثْهُ لَنا مُقَدِّرِينَ القِتالَ، أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما تَصْنَعُونَ بِالمَلِكِ، قالُوا: نُقاتِلُ، وقُرِئَ بِالياءِ والجَزْمِ عَلى الجَوابِ، وبِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (مَلِكًا) أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ (عَسِيتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ هَهُنا، وفي سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، واللُّغَةُ المَشْهُورَةُ فَتْحُها ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ ما حَكاهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّهم يَقُولُونَ: هو عَسِيٌّ بِكَذا وهَذا يُقَوِّي (عَسِيتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ، ألا تَرى أنَّ (عَسِيٌّ بِكَذا)، مِثْلُ حَرِيٍّ وشَحِيحٍ ؟ وطَعَنَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَ: لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ (عَسِيٌّ رَبُّكم) أجابَ أصْحابُ نافِعٍ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الياءَ إذا سَكَنَتْ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها حَصَلَ في التَّلَفُّظِ بِها نَوْعُ كُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، ولَيْسَتِ الياءُ مِن (عَسِيٌّ) كَذَلِكَ، لِأنَّها وإنْ كانَتْ في الكِتابَةِ ياءً إلّا أنَّها في اللَّفْظِ مَدَّةٌ، وهي خَفِيفَةٌ فَلا تَحْتاجُ إلى خِفَّةٍ أُخْرى.
والجَوابُ الثّانِي: هَبْ أنَّ القِياسَ يَقْتَضِي جَوازَ (عَسِيٌّ رَبُّكم) إلّا أنّا ذَكَرْنا أنَّهُما لُغَتانِ، فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ بِاللُّغَتَيْنِ فَيَسْتَعْمِلَ إحْداهُما في مَوْضِعٍ والأُخْرى في مَوْضِعٍ آخَرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَبَرُ (هَلْ عَسَيْتُمْ) هو قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُقاتِلُوا﴾ والشَّرْطُ فاصِلٌ بَيْنَهُما، والمَعْنى: هَلْ قارَبْتُمْ أنْ تُقاتِلُوا؛ بِمَعْنى أتَوَقَّعُ جُبْنَكم عَنِ القِتالِ فَأدْخَلَ (هَلْ) مُسْتَفْهِمًا عَمّا هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ ومَظْنُونٌ، وأرادَ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرَ، وثَبَتَ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ لَهُ، وأنَّهُ صائِبٌ في تَوَقُّعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ القَوْمَ قالُوا: ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى ضَمانٍ قَوِيٍّ خُصُوصًا وأتْبَعُوا ذَلِكَ بِعِلَّةٍ قَوِيَّةٍ تُوجِبُ التَّشَدُّدَ في ذَلِكَ، وهو قَوْلُهم: ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ لِأنَّ مَن بَلَغَ مِنهُ العَدُوُّ هَذا المَبْلَغَ فالظّاهِرُ مِن أمْرِهِ الِاجْتِهادُ في قَمْعِ عَدُوِّهِ ومُقاتَلَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: المَشْهُورُ أنَّهُ يُقالُ: ما لَكَ تَفْعَلُ كَذا ؟ ولا يُقالُ: ما لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا ؟ قالَ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣] وقالَ: ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨] .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ: أنَّ (ما) في هَذِهِ الآيَةِ جَحْدٌ لا اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قالَ: ما لَنا نَتْرُكُ القِتالَ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ يَزُولُ السُّؤالُ.
صفحة ١٤٦
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ (ما) هَهُنا بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ: (أنْ) هَهُنا زائِدَةٌ، والمَعْنى: ما لَنا لا نُقاتِلُ وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ القَوْلَ بِثُبُوتِ الزِّيادَةِ في كَلامِ اللَّهِ خِلافُ الأصْلِ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الكَلامُ هَهُنا مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ قَوْلَكَ: ما لَكَ لا تُقاتِلُ ؟ مَعْناهُ: ما يَمْنَعُكَ أنْ تُقاتِلَ ؟ فَلَمّا ذَهَبَ إلى مَعْنى المَنعِ حَسُنَ إدْخالُ (أنْ) فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ: ﴿ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] .
الثّالِثُ: قالَ الكِسائِيُّ: مَعْنى ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾: أيُّ شَيْءٍ لَنا في تَرْكِ القِتالِ ؟ ثُمَّ سَقَطَتْ كَلِمَةُ (في)، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ قَوْلَ الكِسائِيِّ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ: ما يَمْنَعُنا مِن أنْ نُقاتِلَ، إذا كانَ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ عَلى القَوْلَيْنِ، ثُمَّ عَلى قَوْلِ الكِسائِيِّ يَبْقى اللَّفْظُ مَعَ هَذا الإضْمارِ عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى قَوْلِ الفَرّاءِ لا يَبْقى، فَكانَ قَوْلُ الكِسائِيِّ لا مَحالَةَ أوْلى وأقْوى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ فَبَعَثَ لَهم مَلِكًا وكَتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ فَتَوَلَّوْا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ فَهُمُ الَّذِينَ عَبَرُوا مِنهُمُ النَّهَرَ وسَيَأْتِي ذِكْرُهم، وقِيلَ: كانَ عَدَدُ هَذا القَلِيلِ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ عَلى عَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِمَن ظَلَمَ نَفْسَهُ حِينَ خالَفَ رَبَّهُ ولَمْ يَفِ بِما قِيلَ مِن رَبِّهِ، وهَذا هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى أكَّدَ وُجُوبَ ذَلِكَ بِأنْ ذَكَرَ قِصَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ في الجِهادِ وعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ عَلى مِثْلِهِ فَهو ظالِمٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَسْتَحِقُّهُ الظّالِمُ وهَذا بَيِّنٌ في كَوْنِهِ زَجْرًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ وفي كَوْنِهِ بَعْثًا عَلى الجِهادِ، وأنْ يَسْتَمِرَّ كُلُّ مُسْلِمٍ عَلى القِيامِ بِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:247
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ أجابَهم إلى ما سَألُوا، ثُمَّ إنَّهم تَوَلَّوْا فَبَيَّنَ أنَّ أوَّلَ ما تَوَلَّوْا إنْكارُهم إمْرَةَ طالُوتَ، وذَلِكَ لِأنَّهم طَلَبُوا مِن نَبِيِّهِمْ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعَيِّنَ لَهم مَلِكًا فَأجابَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَهم طالُوتَ مَلِكًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: طالُوتُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، كَجالُوتَ وداوُدَ، وإنَّما امْتَنَعَ مِنَ الصَّرْفِ لِتَعْرِيفِهِ وعُجْمَتِهِ، وزَعَمُوا أنَّهُ مِنَ الطُّولِ؛ لِما وُصِفَ بِهِ مِنَ البَسْطَةِ في الجِسْمِ، ووَزْنُهُ إنْ كانَ مِنَ الطُّولِ فَعَلُوتُ، وأصْلُهُ طَوَلُوتُ، إلّا أنَّ امْتِناعَ صَرْفِهِ يَدْفَعُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، إلّا أنْ يُقالَ: هو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ وافَقَ عَرَبِيًّا كَما وافَقَ
صفحة ١٤٧
حِطَّةٌ حِنْطَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ أحَدُ سَبَبَيْهِ العُجْمَةَ لِكَوْنِهِ عِبْرانِيًّا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَيَّنَهُ لِأنْ يَكُونَ مَلِكًا لَهم أظْهَرُوا التَّوَلِّيَ عَنْ طاعَتِهِ، والإعْراضَ عَنْ حُكْمِهِ، وقالُوا: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ واسْتَبْعَدُوا جِدًّا أنْ يَكُونَ هو مَلِكًا عَلَيْهِمْ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وسَبَبُ هَذا الِاسْتِبْعادِ أنَّ النُّبُوَّةَ كانَتْ مَخْصُوصَةً بِسِبْطٍ مُعَيَّنٍ مِن أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو سِبْطُ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، ومِنهُ مُوسى وهارُونُ، وسِبْطُ المَمْلَكَةِ، سِبْطُ يَهُوذا، ومِنهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ، وأنَّ طالُوتَ ما كانَ مِن أحَدِ هَذَيْنِ السِّبْطَيْنِ، بَلْ كانَ مِن ولَدِ بِنْيامِينَ فَلِهَذا السَّبَبِ أنْكَرُوا كَوْنَهُ مَلِكًا لَهم، وزَعَمُوا أنَّهم أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ، ثُمَّ إنَّهم أكَّدُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِشُبْهَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهم: ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ فَقِيرٌ، واخْتَلَفُوا فَقالَ وهْبٌ، كانَ دَبّاغًا، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ مُكارِيًا، وقالَ آخَرُونَ، كانَ سَقّاءً.
فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الواوَيْنِ في قَوْلِهِ: (ونَحْنُ أحَقُّ) وفي قَوْلِهِ: (ولَمْ يُؤْتَ) .
قُلْنا: الأُولى لِلْحالِ، والثّانِيَةُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ حالًا، والمَعْنى: كَيْفَ يَتَمَلَّكُ عَلَيْنا والحالُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ التَّمَلُّكَ لِوُجُودِ مَن هو أحَقُّ بِالمُلْكِ، وأنَّهُ فَقِيرٌ ولا بُدَّ لِلْمَلِكِ مِن مالٍ يَعْتَضِدُ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالمُلْكِ والإمْرَةِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِنُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، كانَ إخْبارُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ طالُوتَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ حُجَّةً قاطِعَةً في ثُبُوتِ المُلْكِ لَهُ؛ لِأنَّ تَجْوِيزَ الكَذِبِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَقْتَضِي رَفْعَ الوُثُوقِ بِقَوْلِهِمْ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في ثُبُوتِ نَبُوَّتِهِمْ ورِسالَتِهِمْ، وإذا ثَبَتَ صِدْقُ المُخْبِرِ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهُ بِالمُلْكِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ كانَ مَلِكًا واجِبَ الطّاعَةِ وكانَتِ الِاعْتِراضاتُ ساقِطَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (اصْطَفاهُ) أيْ أخَذَ المُلْكَ مِن غَيْرِهِ صافِيًا لَهُ، واصْطَفاهُ، واسْتَصْفاهُ بِمَعْنى الِاسْتِخْلاصِ، وهو أنْ يَأْخُذَ الشَّيْءَ خالِصًا لِنَفْسِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّفْوَةِ، والأصْلُ فِيهِ اصْتَفى بِالتّاءِ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً لِيَسْهُلَ النُّطْقُ بِها بَعْدَ الصّادِ، وكَيْفَما كانَ الِاشْتِقاقُ فالمُرادُ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالمُلْكِ والإمْرَةِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِأنَّهُ اصْطَفى الرُّسُلَ ووَصَفَهم بِأنَّهُمُ: المُصْطَفَوْنَ الأخْيارَ، ووَصَفَ الرَّسُولَ بِأنَّهُ المُصْطَفى.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الإمامَةَ مَوْرُوثَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مَلِكُهم مَن لا يَكُونُ مِن بَيْتِ المَمْلَكَةِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا ساقِطٌ، والمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ مَن خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّهم طَعَنُوا في اسْتِحْقاقِهِ لِلْمُلْكِ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ بَيْتِ المُلْكِ.
الثّانِي: أنَّهُ فَقِيرٌ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أهْلٌ لِلْمُلْكِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ حَصَلَ لَهُ وصْفانِ:
أحَدُهُما: العِلْمُ.
والثّانِي: القُدْرَةُ.
وهَذانِ الوَصْفانِ أشَدُّ مُناسَبَةً لِاسْتِحْقاقِهِ المُلْكَ مِنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ العِلْمَ والقُدْرَةَ مِن بابِ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةِ، والمالُ والجاهُ لَيْسا كَذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ العِلْمَ والقُدْرَةَ مِنَ الكِمالاتِ الحاصِلَةِ لِجَوْهَرِ نَفْسِ الإنْسانِ، والمالُ والجاهُ أمْرانِ مُنْفَصِلانِ عَنْ ذاتِ الإنْسانِ.
الثّالِثُ: أنَّ العِلْمَ والقُدْرَةَ لا يُمْكِنُ سَلْبُهُما عَنِ الإنْسانِ، والمالُ والجاهُ يُمْكِنُ سَلْبُهُما عَنِ الإنْسانِ.
والرّابِعُ: أنَّ العِلْمَ بِأمْرِ الحُرُوبِ، والقَوِيَّ
صفحة ١٤٨
الشَّدِيدَ عَلى المُحارَبَةِ يَكُونُ الِانْتِفاعُ بِهِ في حِفْظِ مَصْلَحَةِ البَلَدِ، وفي دَفْعِ شَرِّ الأعْداءِ أتَمَّ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالرَّجُلِ النَّسِيبِ الغَنِيِّ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِضَبْطِ المَصالِحِ، وقُدْرَةٌ عَلى دَفْعِ الأعْداءِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ إسْنادَ المُلْكِ إلى العالِمِ القادِرِ، أوْلى مِن إسْنادِهِ إلى النَّسِيبِ الغَنِيِّ.
* * *
ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُلُومَ الحاصِلَةَ لِلْخَلْقِ، إنَّما حَصَلَتْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وإيجادِهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الإضافَةُ إنَّما كانَتْ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُعْطِي العَقْلَ ونَصَبَ الدَّلائِلَ، وأجابَ الأصْحابُ بِأنَّ الأصْلَ في الإضافَةِ المُباشَرَةُ دُونَ التَّسَبُّبِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالبَسْطَةِ في الجِسْمِ طُولُ القامَةِ، وكانَ يَفُوقُ النّاسَ بِرَأْسِهِ ومَنكِبِهِ، وإنَّما سُمِّيَ طالُوتَ لِطُولِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَسْطَةِ في الجِسْمِ الجَمالُ، وكانَ أجْمَلَ بَنِي إسْرائِيلَ وقِيلَ: المُرادُ القُوَّةُ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أصَحُّ لِأنَّ المُنْتَفَعَ بِهِ في دَفْعِ الأعْداءِ هو القُوَّةُ والشِّدَّةُ، لا الطُّولُ والجَمالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ البَسْطَةَ في العِلْمِ، عَلى البَسْطَةِ في الجِسْمِ، وهَذا مِنهُ تَعالى تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الفَضائِلَ النَّفْسانِيَّةَ أعْلى وأشْرَفُ وأكْمَلُ مِنَ الفَضائِلِ الجِسْمانِيَّةِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنَّ المُلْكَ لِلَّهِ والعَبِيدَ لِلَّهِ فَهو سُبْحانُهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، لِأنَّ المالِكَ إذا تَصَرَّفَ في مُلْكِهِ فَلا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: في الجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى واسِعُ الفَضْلِ والرِّزْقِ والرَّحْمَةِ، وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، والتَّقْدِيرُ: أنْتُمْ طَعَنْتُمْ في طالُوتَ بِكَوْنِهِ فَقِيرًا، واللَّهُ تَعالى واسِعُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، فَإذا فَوَّضَ المُلْكَ إلَيْهِ، فَإنْ عَلِمَ أنَّ المُلْكَ لا يَتَمَشّى إلّا بِالمالِ، فاللَّهُ تَعالى يَفْتَحُ عَلَيْهِ بابَ الرِّزْقِ والسَّعَةِ في المالِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ واسِعٌ، بِمَعْنى مُوَسِّعٌ، أيْ يُوَسِّعُ عَلى مَن يَشاءُ مِن نِعَمِهِ، وتَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ واسِعٌ بِمَعْنى ذُو سَعَةٍ، ويَجِيءُ فاعِلٌ ومَعْناهُ ذُو كَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ: ذاتِ رِضًا، وهَمٌّ ناصِبٌ ذُو نَصَبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: (عَلِيمٌ) أنَّهُ تَعالى مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى إغْناءِ الفَقِيرِ عالِمٌ بِمَقادِيرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في تَدْبِيرِ المُلْكِ، وعالِمٌ بِحالِ ذَلِكَ المُلْكِ في الحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ، فَيَخْتارُ لِعِلْمِهِ بِجَمِيعِ العَواقِبِ ما هو مَصْلَحَتُهُ في قِيامِهِ بِأمْرِ المُلْكِ.
البقرة 2:248
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا مُقِرِّينَ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ الَّذِي كانَ فِيهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ كالظّاهِرِ في أنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِنُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، ومُقِرِّينَ بِأنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ لَمّا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ كانَ هَذا دَلِيلًا قاطِعًا في كَوْنِ طالُوتَ مَلِكًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لِكَمالِ رَحْمَتِهِ بِالخَلْقِ، ضَمَّ إلى ذَلِكَ الدَّلِيلِ دَلِيلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ النَّبِيِّ صادِقًا في ذَلِكَ الكَلامِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ طالُوتَ نَصَّبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُلْكِ، وإكْثارُ الدَّلائِلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى جائِزٌ، ولِذَلِكَ أنَّهُ كَثُرَتْ مُعْجِزاتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ مَجِيءَ ذَلِكَ التّابُوتِ لا بُدَّ وأنْ يَقَعَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ خارِقًا لِلْعادَةِ حَتّى يَصِحَّ أنْ يَكُونَ آيَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ، دالَّةً عَلى صِدْقِ تِلْكَ الدَّعْوى، ثُمَّ قالَ أصْحابُ الأخْبارِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تابُوتًا فِيهِ صُوَرُ الأنْبِياءِ مِن أوْلادِهِ، فَتَوارَثَهُ أوْلادُ آدَمَ إلى أنْ وصَلَ إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ بَقِيَ في أيْدِي بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانُوا إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ تَكَلَّمَ وحَكَمَ بَيْنَهم وإذا حَضَرُوا القِتالَ قَدَّمُوهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى عَدُوِّهِمْ، وكانَتِ المَلائِكَةُ تَحْمِلُهُ فَوْقَ العَسْكَرِ وهم يُقاتِلُونَ العَدُوَّ فَإذا سَمِعُوا مِنَ التّابُوتِ صَيْحَةً اسْتَيْقَنُوا بِالنُّصْرَةِ، فَلَمّا عَصَوْا وفَسَدُوا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَمالِقَةَ فَغَلَبُوهم عَلى التّابُوتِ وسَلَبُوهُ، فَلَمّا سَألُوا نَبِيَّهُمُ البَيِّنَةَ عَلى مُلْكِ طالُوتَ، قالَ ذَلِكَ النَّبِيُّ: إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنَّكم تَجِدُونَ التّابُوتَ في دارِهِ، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ سَلَبُوا ذَلِكَ التّابُوتَ كانُوا قَدْ جَعَلُوهُ في مَوْضِعِ البَوْلِ والغائِطِ، فَدَعا النَّبِيُّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ البَلاءَ حَتّى إنَّ كُلَّ مَن بالَ عِنْدَهُ أوْ تَغَوَّطَ ابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِالبَواسِيرِ، فَعَلِمَ الكُفّارُ أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ اسْتِخْفافِهِمْ بِالتّابُوتِ، فَأخْرَجُوهُ ووَضَعُوهُ عَلى ثَوْرَيْنِ فَأقْبَلَ الثَّوْرانِ يَسِيرانِ ووَكَّلَ اللَّهُ تَعالى بِهِما أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَسُوقُونَهُما، حَتّى أتَوْا مَنزِلَ طالُوتَ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ ذَلِكَ النَّبِيِّ رَأوُا التّابُوتَ عِنْدَ طالُوتَ،
صفحة ١٥٠
فَعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِهِ مَلِكًا لَهم، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ والإتْيانُ عَلى هَذا مَجازٌ؛ لِأنَّهُ أُتِيَ بِهِ ولَمْ يَأْتِ هو فَنُسِبَ إلَيْهِ تَوَسُّعًا، كَما يُقالُ: رَبِحَتِ الدَّراهِمُ، وخَسِرَتِ التِّجارَةُ.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ التّابُوتَ صُنْدُوقٌ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَضَعُ التَّوْراةَ فِيهِ، وكانَ مِن خَشَبٍ، وكانُوا يَعْرِفُونَهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَهُ بَعْدَ ما قَبَضَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِسُخْطِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ قالَ نَبِيُّ ذَلِكَ القَوْمِ: إنَّ آيَةَ مُلْكِ طالُوتَ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ إنَّ التّابُوتَ لَمْ تَحْمِلْهُ المَلائِكَةُ ولا الثَّوْرانِ، بَلْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، والمَلائِكَةُ كانُوا يَحْفَظُونَهُ، والقَوْمُ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى نَزَلَ عِنْدَ طالُوتَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وعَلى هَذا الإتْيانُ حَقِيقَةٌ في التّابُوتِ، وأُضِيفُ الحَمْلُ إلى المَلائِكَةِ في القَوْلَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ مَن حَفِظَ شَيْئًا في الطَّرِيقِ جازَ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ وإنْ لَمْ يَحْمِلْهُ كَما يَقُولُ القائِلُ: حَمَلْتُ الأمْتِعَةَ إلى زَيْدٍ إذا حَفِظَها في الطَّرِيقِ، وإنْ كانَ الحامِلُ غَيْرَهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ إتْيانَ التّابُوتِ مُعْجِزَةً، ثُمَّ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَجِيءُ التّابُوتِ مُعْجِزًا، وذَلِكَ هو الَّذِي قَرَّرْناهُ.
والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ التّابُوتُ مُعْجِزًا، بَلْ يَكُونُ ما فِيهِ هو المُعْجِزَ، وذَلِكَ بِأنْ يُشاهِدُوا التّابُوتَ خالِيًا، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ يَضَعُهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ القَوْمِ في بَيْتٍ ويُغْلِقُوا البَيْتَ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ يَدَّعِي أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى واقِعَتِنا، فَإذا فَتَحُوا بابَ البَيْتِ ونَظَرُوا في التّابُوتِ رَأوْا فِيهِ كِتابًا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَلِكَهم هو طالُوتُ، وعَلى أنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِمْ فَهَذا يَكُونُ مُعْجِزًا قاطِعًا دالًّا عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ولَفْظُ القُرْآنِ يَحْتَمِلُ هَذا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهم يَجِدُونَ في التّابُوتِ هَذا المُعْجِزَ الَّذِي هو سَبَبٌ لِاسْتِقْرارِ قَلْبِهِمْ واطْمِئْنانِ أنْفُسِهِمْ فَهَذا مُحْتَمَلٌ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وزْنُ التّابُوتِ إمّا أنْ يَكُونَ فَعْلُوتًا أوْ فاعُولًا، والثّانِي مَرْجُوحٌ، لِأنَّهُ يَقِلُّ في كَلامِ العَرَبِ لَفْظٌ يَكُونُ فاؤُهُ ولامُهُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، نَحْوُ: سَلَسٌ وقَلَقٌ، فَلا يُقالُ: تابُوتٌ مِن تَبَتَ قِياسًا عَلى ما نُقِلَ، وإذا فَسَدَ هَذا القِسْمُ تَعَيَّنَ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ فَعْلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ، وهو الرُّجُوعُ لِأنَّهُ ظَرْفٌ يُوضَعُ فِيهِ الأشْياءُ، ويُودَعُ فِيهِ فَلا يَزالُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ما يَخْرُجُ مِنهُ وصاحِبُهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن مُودَعاتِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ الكُلُّ: (التّابُوتُ) بِالتّاءِ، وقَرَأ أُبَيٌّ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ (التّابُوهُ) بِالهاءِ وهي لُغَةُ الأنْصارِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ طالُوتَ كانَ نَبِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى أظْهَرَ المُعْجِزَةَ عَلى يَدِهِ وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ نَبِيًّا، ولا يُقالُ: إنَّ هَذا كانَ مِن كَراماتِ الأوْلِياءِ، لِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الكَرامَةِ والمُعْجِزَةِ أنَّ الكَرامَةَ لا تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّحَدِّي، وهَذا كانَ عَلى سَبِيلِ التَّحَدِّي، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِن جِنْسِ الكَراماتِ.
والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمانِ، ومَعَ كَوْنِهِ مُعْجِزَةً لَهُ فَإنَّهُ كانَ آيَةً قاطِعَةً في ثُبُوتِ مُلْكِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (السَّكِينَةُ) فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ، وهو ضِدُّ الحَرَكَةِ وهي مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الِاسْمِ، نَحْوُ:
صفحة ١٥١
القَضِيَّةُ والبَقِيَّةُ والعَزِيمَةُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في السَّكِينَةِ، وضَبْطُ الأقْوالِ فِيها أنْ نَقُولَ: المُرادُ بِالسَّكِينَةِ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ كانَ شَيْئًا حاصِلًا في التّابُوتِ أوْ ما كانَ كَذَلِكَ.
والقِسْمُ الثّانِي: هو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ تَسْكُنُونَ عِنْدَ مَجِيئِهِ وتُقِرُّونَ لَهُ بِالمُلْكِ، وتَزُولُ نَفْرَتُكم عَنْهُ، لِأنَّهُ مَتى جاءَهُمُ التّابُوتُ مِنَ السَّماءِ وشاهَدُوا تِلْكَ الحالَةَ فَلا بُدَّ وأنْ تَسْكُنَ قُلُوبُهم إلَيْهِ وتَزُولَ نَفْرَتُهم بِالكُلِّيَّةِ.
وأمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو أنَّ المُرادَ مِنَ السَّكِينَةِ شَيْءٌ كانَ مَوْضُوعًا في التّابُوتِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ كانَ في التّابُوتِ بِشاراتٌ مِن كُتُبِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ عَلى مُوسى وهارُونَ ومَن بَعْدَهُما مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ طالُوتَ وجُنُودَهُ، ويُزِيلُ خَوْفَ العَدُوِّ عَنْهم.
الثّانِي: وهو قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: كانَ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، وكانَ لَها رِيحٌ هَفّافَةٌ.
والثّالِثُ: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي صُورَةٌ مِن زَبَرْجَدٍ أوْ ياقُوتٍ لَها رَأْسٌ كَرَأْسِ الهِرِّ، وذَنَبٌ كَذَنَبِهِ، فَإذا صاحَتْ كَصِياحِ الهِرِّ ذَهَبَ التّابُوتُ نَحْوَ العَدُوِّ وهم يَمْضُونَ مَعَهُ فَإذا وقَفَ وقَفُوا ونَزَلَ النَّصْرُ.
القَوْلُ الرّابِعُ: وهو قَوْلُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: إنَّ السَّكِينَةَ الَّتِي كانَتْ في التّابُوتِ شَيْءٌ لا يُعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ السَّكِينَةَ عِبارَةٌ عَنِ الثَّباتِ والأمْنِ، وهو كَقَوْلِهِ في قِصَّةِ الغارِ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] فَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ مَعْناهُ الأمْنُ والسُّكُونُ.
واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ حَصَلَ في التّابُوتِ شَيْءٌ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ التّابُوتِ ظَرْفًا لِلسَّكِينَةِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى﴾ فَكَما أنَّ التّابُوتَ كانَ ظَرْفًا لِلْبَقِيَّةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلسَّكِينَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كَلِمَةَ (في) كَما تَكُونُ لِلظَّرْفِيَّةِ فَقَدْ تَكُونُ لِلسَّبَبِيَّةِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ» “ وقالَ: ”«فِي خَمْسٍ مِنَ الإبِلِ شاةٌ» “ أيْ بِسَبَبِهِ فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ تَحْصُلُ السَّكِينَةُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَقِيَّةً مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ مِنَ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ، والمَعْنى أنَّ بِسَبَبِ هَذا التّابُوتِ يَنْتَظِمُ أمْرُ ما بَقِيَ مِن دِينِهِما وشَرِيعَتِهِما.
وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ بِالبَقِيَّةِ شَيْءٌ كانَ مَوْضُوعًا في التّابُوتِ فَقالُوا: البَقِيَّةُ هي رُضاضُ الألْواحِ وعَصا مُوسى وثِيابُهُ وشَيْءٌ مِنَ التَّوْراةِ وقَفِيزٌ مِنَ المَنِّ الَّذِي كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن آلِ مُوسى وآلِ هارُونَ هو مُوسى وهارُونَ أنْفُسَهُما، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: ”«لَقَدْ أُوتِيَ هَذا مِزْمارًا مِن مَزامِيرِ آلِ داوُدَ» “ وأرادَ بِهِ داوُدَ نَفْسَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن آلِ داوُدَ مِنَ الصَّوْتِ الحَسَنِ مِثْلَ ما كانَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّما أُضِيفَ ذَلِكَ إلى آلِ مُوسى وآلِ هارُونَ، لِأنَّ ذَلِكَ التّابُوتَ
صفحة ١٥٢
قَدْ تَداوَلَتْهُ القُرُونُ بَعْدَهُما إلى وقْتِ طالُوتَ، وما في التّابُوتِ أشْياءُ تَوارَثَها العُلَماءُ مِن أتْباعِ مُوسى وهارُونَ، فَيَكُونُ الآلُ هُمُ الأتْباعُ، قالَ تَعالى: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُعْجِزَةٌ باهِرَةٌ إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي.
البقرة 2:249
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ.
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها يَظْهَرُ بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ باقِي الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ لَمّا أتاهم بِآيَةِ التّابُوتِ أذْعَنُوا لَهُ، وأجابُوا إلى المَسِيرِ تَحْتَ رايَتِهِ. فَلَمّا فَصَلَ بِهِمْ أيْ: فارَقَ بِهِمْ حَدَّ بَلَدِهِ وانْقَطَعَ عَنْهُ، ومَعْنى الفَصْلِ القَطْعُ، يُقالُ: قَوْلٌ فَصْلٌ، إذا كانَ يَقْطَعُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وفَصَلْتُ اللَّحْمَ عَنِ العَظْمِ فَصْلًا وفاصَلَ الرَّجُلِ شَرِيكَهُ وامْرَأتَهُ فِصالًا، ويُقالُ لِلْفِطامِ فِصالٌ، لِأنَّهُ يَقْطَعُ عَنِ الرَّضاعِ، وفَصَلَ عَنِ المَكانِ قَطَعَهُ بِالمُجاوَزَةِ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: فَصَلَ عَنْ مَوْضِعِ كَذا أصْلُهُ فَصَلَ نَفْسَهُ، ثُمَّ لِأجْلِ الكَثْرَةِ في الِاسْتِعْمالِ حَذَفُوا المَفْعُولَ حَتّى صارَ في حُكْمِ غَيْرِ المُتَعَدِّي كَما يُقالُ: انْفَصَلَ، والجُنُودُ جَمْعُ جُنْدٍ وكُلُّ صِنْفٍ مِنَ الخَلْقِ جُنْدٌ عَلى حِدَةٍ، يُقالُ لِلْجَرادِ الكَثِيرَةِ: إنَّها جُنُودُ اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ طالُوتَ قالَ لِقَوْمِهِ: لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ مَعِي رَجُلٌ يَبْنِي بِناءً لَمْ يَفْرُغْ مِنهُ، ولا تاجِرٌ مُشْتَغِلٌ بِالتِّجارَةِ، ولا مُتَزَوِّجٌ بِامْرَأةٍ لَمْ يَبْنِ عَلَيْها، ولا أبْغِي إلّا الشّابَّ النَّشِيطَ الفارِغَ فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتارَ ثَمانُونَ ألْفًا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القائِلَ مَن كانَ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ هو طالُوتُ وهَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ، والمَذْكُورُ السّابِقُ هو طالُوتُ، ثُمَّ عَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مِن طالُوتَ لَكِنَّهُ تَحَمَّلَهُ مِن نَبِيِّ الوَقْتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ طالُوتُ نَبِيًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ فَلا بُدَّ مِن وحْيٍ أتاهُ عَنْ رَبِّهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ مَعَ المُلْكِ كانَ نَبِيًّا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو النَّبِيُّ المَذْكُورُ في أوَّلِ الآيَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ لَهم نَبِيُّهم: ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ ونَبِيُّ ذَلِكَ الوَقْتِ هو أشْمُوِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في حِكْمَةِ هَذا الِابْتِلاءِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ القاضِي: كانَ مَشْهُورًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم يُخالِفُونَ الأنْبِياءَ والمُلُوكَ مَعَ ظُهُورِ الآياتِ الباهِرَةِ فَأرادَ اللَّهُ تَعالى إظْهارَ عَلامَةٍ قَبْلَ لِقاءِ العَدُوِّ يَتَمَيَّزُ بِها مَن يَصْبِرُ عَلى الحَرْبِ مِمَّنْ لا يَصْبِرُ؛ لِأنَّ الرُّجُوعَ قَبْلَ لِقاءِ العَدُوِّ لا يُؤَثِّرُ كَتَأْثِيرِهِ حالَ لِقاءِ العَدُوِّ، فَلَمّا كانَ هَذا هو الصَّلاحَ قَبْلَ مُقاتَلَةِ العَدُوِّ لا جَرَمَ قالَ: فَإنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ابْتَلاهم لِيَتَعَوَّدُوا الصَّبْرَ عَلى الشَّدائِدِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في النَّهَرِ أقْوالٌ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ، أنَّهُ نَهَرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِ وفِلَسْطِينَ.
صفحة ١٥٣
والثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ: أنَّهُ نَهَرُ فِلَسْطِينَ، قالَ القاضِي: والتَّوْفِيقُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أنَّ النَّهَرَ المُمْتَدَّ مِن بَلَدٍ قَدْ يُضافُ إلى أحَدِ البَلَدَيْنِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي رَواهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّ الوَقْتَ كانَ قَيْظًا فَسَلَكُوا مَفازَةً فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يُجْرِيَ لَهم نَهَرًا فَقالَ: إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ النَّهَرِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ أيْ مُمْتَحِنُكُمُ امْتِحانَ العَبْدِ كَما قالَ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] ولَمّا كانَ الِابْتِلاءُ بَيْنَ النّاسِ إنَّما يَكُونُ لِظُهُورِ الشَّيْءِ، وثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ عَلى عِلْمِهِ، إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِظُهُورِ الأفْعالِ بَيْنَ النّاسِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّكْلِيفِ؛ لا جَرَمَ سُمِّيَ التَّكْلِيفُ ابْتِلاءً، وفِيهِ لُغَتانِ بَلا يَبْلُو، وابْتَلى يَبْتَلِي، قالَ الشّاعِرُ:
ولَقَدْ بَلَوْتُكَ وابْتَلَيْتُ خَلِيفَتِي ولَقَدْ كَفاكَ مَوَدَّتِي بِتَأدُّبِ
فَجاءَ بِاللُّغَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: نَهْرٌ ونَهَرٌ بِتَسْكِينِ الهاءِ وتَحْرِيكِها لُغَتانِ، وكُلُّ ثُلاثِيٍّ حَشْوُهُ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الحَلْقِ فَإنَّهُ يَجِيءُ عَلى هَذَيْنِ، كَقَوْلِكَ: صَخْرٌ وصَخَرٌ، وشَعْرٌ وشَعَرٌ، وقالُوا: بَحْرٌ وبَحَرٌ، وقالَ الشّاعِرُ:
كَأنَّما خُلِقَتْ كَفّاهُ مِن حَجَرٍ ∗∗∗ فَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ والنَّدى عَمَلُ
يَرى التَّيَمُّمَ في بَرٍّ وفي بَحَرٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يُرى في كَفِّهِ بَلَلُ
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ كالزَّجْرِ، يَعْنِي لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِي وطاعَتِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] ثُمَّ قالَ قَبْلَ هَذا: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧] وأيْضًا نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”«لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا ولَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنا» “ أيْ لَيْسَ عَلى دِينِنا ومَذْهَبِنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ ﴿لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ أيْ لَمْ يَذُقْهُ، وهو مِنَ الطَّعْمِ، وهو يَقَعُ عَلى الطَّعامِ والشَّرابِ هَذا ما قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ، وعِنْدِي إنَّما اخْتِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِوَجْهَيْنِ مِنَ الفائِدَةِ:
أحَدُهُما: أنَّ الإنْسانَ إذا عَطِشَ جِدًّا، ثُمَّ شَرِبَ الماءَ وأرادَ وصْفَ ذَلِكَ الماءِ بِالطِّيبِ واللَّذَّةِ قالَ: إنَّ هَذا الماءَ كَأنَّهُ الجُلّابُ، وكَأنَّهُ عَسَلٌ فَيَصِفُهُ بِالطُّعُومِ اللَّذِيذَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ وإنْ بَلَغَ بِهِ العَطَشُ إلى حَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ الماءُ في فَمِهِ كالمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الطُّعُومِ الطَّيِّبَةِ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنْهُ، وأنْ لا يَشْرَبَهُ.
والثّانِي: أنَّ مَن جَعَلَ الماءَ في فَمِهِ وتَمَضْمَضَ بِهِ ثُمَّ أخْرَجَهُ مِنَ الفَمِ، فَإنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ ذاقَهُ وطَعِمَهُ، ولا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ شَرِبَهُ، فَلَوْ قالَ: ومَن لَمْ يَشْرَبْهُ فَإنَّهُ مِنِّي كانَ المَنعُ مَقْصُورًا عَلى الشُّرْبِ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ كانَ المَنعُ حاصِلًا في الشُّرْبِ وفي المَضْمَضَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ أشَقُّ، وأنَّ المَمْنُوعَ مِن شُرْبِ الماءِ إذا تَمَضْمَضَ بِهِ وجَدَ نَوْعَ خِفَّةٍ وراحَةٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: ومَن لَمْ يَطْعَمْ مِنهُ لِيَكُونَ آخِرُ الآيَةِ مُطابِقًا أوَّلَها، إلّا أنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ اللَّفْظَ،
صفحة ١٥٤
واخْتِيرَ هَذا لِفائِدَةٍ، وهي أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا في أنَّ مَن حَلَفَ لا يَشْرَبُ مِن هَذا النَّهَرِ كَيْفَ يَحْنَثُ ؟ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَحْنَثُ إلّا إذا كَرَعَ مِنَ النَّهْرِ، حَتّى لَوِ اغْتَرَفَ بِالكُوزِ ماءً مِن ذَلِكَ النَّهْرِ وشَرِبَهُ لا يَحْنَثُ، لِأنَّ الشُّرْبَ مِنَ الشَّيْءِ هو أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ شُرْبِهِ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وهَذا لا يَحْصُلُ إلّا بِأنْ يَشْرَبَ مِنَ النَّهْرِ، وقالَ الباقُونَ إذا اغْتَرَفَ الماءَ بِالكُوزِ مِن ذَلِكَ النَّهْرِ وشَرِبَهُ يَحْنَثُ، لِأنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ مَجازٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ظاهِرُهُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ مَقْصُورًا عَلى الشُّرْبِ مِنَ النَّهْرِ، حَتّى لَوْ أخَذَهُ بِالكُوزِ وشَرِبَهُ لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ النَّهْيِ، فَلَمّا كانَ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في اللَّفْظِ الأوَّلِ ذَكَرَ في اللَّفْظِ الثّانِي ما يُزِيلُ هَذا الإبْهامَ، فَقالَ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أضافَ الطَّعْمَ والشُّرْبَ إلى الماءِ لا إلى النَّهْرِ إزالَةً لِذَلِكَ الإبْهامِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو (غَرْفَةً) بِفَتْحِ الغَيْنِ، وكَذَلِكَ يَعْقُوبُ وخَلَفٌ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالضَّمِّ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الغُرْفَةُ بِالضَّمِّ الشَّيْءُ القَلِيلُ الَّذِي يَحْصُلُ في الكَفِّ، والغَرْفَةُ بِالفَتْحِ الفِعْلُ، وهو الِاغْتِرافُ مَرَّةً واحِدَةً، ومِثْلُهُ الأُكْلَةُ والأكْلَةُ، يُقالُ: فُلانٌ يَأْكُلُ في النَّهارِ أكْلَةً واحِدَةً، وما أكَلْتُ عِنْدَهم إلّا أُكْلَةً بِالضَّمِّ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا كاللُّقْمَةِ، ويُقالُ: الحُزَّةُ مِنَ اللَّحْمِ بِالضَّمِّ لِلْقِطْعَةِ اليَسِيرَةِ مِنهُ، وحَزَزْتُ اللَّحْمَ حَزَّةً أيْ: قَطَعْتُهُ مَرَّةً واحِدَةً، ونَحْوُهُ: الخُطْوَةُ والخَطْوَةُ؛ بِالضَّمِّ مِقْدارُ ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ، والخَطْوَةِ أنْ يَخْطُوَ مَرَّةً واحِدَةً، وقالَ المُبَرِّدُ: غَرْفَةٌ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى قَلِيلِ ما في يَدِهِ وكَثِيرِهِ والغُرْفَةُ بِالضَّمِّ اسْمُ مِلْءِ الكَفِّ أوْ ما اغْتُرِفَ بِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ المُتَّصِلَةِ بِالِاسْتِثْناءِ، إلّا أنَّها قُدِّمَتْ في الذِّكْرِ لِلْعِنايَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَتِ الغُرْفَةُ يَشْرَبُ مِنها هو ودَوابُّهُ وخَدَمُهُ، ويَحْمِلُ مِنها.
وأقُولُ: هَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مَأْذُونًا أنْ يَأْخُذَ مِنَ الماءِ ما شاءَهُ مَرَّةً واحِدَةً، بِغُرْفَةٍ واحِدَةٍ، بِحَيْثُ كانَ المَأْخُوذُ في المَرَّةِ الواحِدَةِ يَكْفِيهِ ولِدَوابِّهِ وخَدَمِهِ، ولِأنْ يَحْمِلَهُ مَعَ نَفْسِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَأْخُذُ القَلِيلَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البَرَكَةَ فِيهِ حَتّى يَكْفِيَ لِكُلِّ هَؤُلاءِ، وهَذا كانَ مُعْجِزَةً لِنَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمانِ، كَما أنَّهُ تَعالى كانَ يَرْوِي الخَلْقَ العَظِيمَ مِنَ الماءِ القَلِيلِ في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أُبَيٌّ والأعْمَشُ (إلّا قَلِيلٌ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهَذا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى المَعْنى، وإعْراضِهِمْ عَنِ اللَّفْظِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ في مَعْنى: فَلَمْ يُطِيعُوهُ، لا جَرَمَ حَمَلَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يُطِيعُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الِابْتِلاءِ أنْ يَتَمَيَّزَ الصِّدِّيقُ عَنِ الزِّنْدِيقِ، والمُوافِقُ عَنِ المُخالِفِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِينَ يَكُونُونَ أهْلًا لِهَذا القِتالِ هُمُ الَّذِينَ لا يَشْرَبُونَ مِن هَذا النَّهْرِ، وأنَّ كُلَّ
صفحة ١٥٥
مَن شَرِبَ مِنهُ فَإنَّهُ لا يَكُونُ مَأْذُونًا في هَذا القِتالِ، وكانَ في قَلْبِهِمْ نَفْرَةٌ شَدِيدَةٌ عَنْ ذَلِكَ القِتالِ، لا جَرَمَ أقْدَمُوا عَلى الشُّرْبِ، فَتَمَيَّزَ المُوافِقُ عَنِ المُخالِفِ، والصَّدِيقُ عَنِ العَدُوِّ، ويُرْوى أنَّ أصْحابَ طالُوتَ لَمّا هَجَمُوا عَلى النَّهْرِ بَعْدَ عَطَشٍ شَدِيدٍ، وقَعَ أكْثَرُهم في النَّهْرِ، وأكْثَرُوا الشُّرْبَ، وأطاعَ قَوْمُ قَلِيلٌ مِنهم أمْرَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَزِيدُوا عَلى الِاغْتِرافِ، وأمّا الَّذِينَ شَرِبُوا وخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ فاسْوَدَّتْ شِفاهُهم وغَلَبَهُمُ العَطَشُ ولَمْ يُرْوَوْا، وبَقُوا عَلى شَطِّ النَّهْرِ، وجَبُنُوا عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، وأمّا الَّذِينَ أطاعُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى، فَقَوِيَ قَلْبُهم وصَحَّ إيمانُهم، وعَبَرُوا النَّهْرَ سالِمِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القَلِيلُ الَّذِي لَمْ يَشْرَبْ قِيلَ: إنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، والمَشْهُورُ وهو قَوْلُ الحَسَنِ أنَّهم كانُوا عَلى عَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: «أنْتُمُ اليَوْمَ عَلى عِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ حِينَ عَبَرُوا النَّهَرَ وما جازَ مَعَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: وكُنّا يَوْمَئِذٍ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا» .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا خِلافَ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الَّذِينَ عَصَوُا اللَّهَ وشَرِبُوا مِنَ النَّهْرِ رَجَعُوا إلى بَلَدِهِمْ ولَمْ يَتَوَجَّهْ مَعَهُ إلى لِقاءِ العَدُوِّ إلّا مَن أطاعَ اللَّهَ تَعالى في بابِ الشُّرْبِ مِنَ النَّهْرِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في أنَّ رُجُوعَهم إلى بَلَدِهِمْ كانَ قَبْلَ عُبُورِ النَّهْرِ أوْ بَعْدَهُ، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ما عَبَرَ مَعَهُ إلّا المُطِيعُ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الَّذِينَ وافَقُوهُ في تِلْكَ الطّاعَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ العَسْكَرِ، ثُمَّ خَصَّ المُطِيعِينَ بِأنَّهم عَبَرُوا النَّهْرَ، عَلِمْنا أنَّهُ ما عَبَرَ النَّهْرَ أحَدٌ إلّا المُطِيعِينَ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ وهي قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ طالُوتَ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أيْ لَيْسَ مِن أصْحابِي في سَفَرِي، كالرَّجُلِ الَّذِي يَقُولُ لِغَيْرِهِ: لَسْتَ أنْتَ مِنّا في هَذا الأمْرِ، قالَ: ومَعْنى ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ أيْ: لِيَتَسَبَّبُوا بِهِ إلى الرُّجُوعِ، وذَلِكَ لِفَسادِ دِينِهِمْ وقَلْبِهِمْ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الِابْتِلاءِ أنْ يَتَمَيَّزَ المُطِيعُ عَنِ العاصِي والمُتَمَرِّدِ، حَتّى يَصْرِفَهم عَنْ نَفْسِهِ ويَرُدَّهم قَبْلَ أنْ يَرْتَدُّوا عِنْدَ حُضُورِ العَدُوِّ، وإذا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا الِابْتِلاءِ لَيْسَ إلّا هَذا المَعْنى كانَ الظّاهِرُ أنَّهُ صَرَفَهم عَنْ نَفْسِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وما أذِنَ لَهم في عُبُورِ النَّهْرِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْتَصْحَبَ كُلَّ جُنُودِهِ، وكُلُّهم عَبَرُوا النَّهْرَ واعْتَمَدُوا في إثْباتِ هَذا القَوْلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْمِ طالُوتَ ﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِ المُنْقادِ لِأمْرِ رَبِّهِ، بَلْ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ المُنافِقِ أوِ الفاسِقِ، وهَذِهِ الحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ، وبَيانُ ضَعْفِها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ طالُوتَ لَمّا عَزَمَ عَلى مُجاوَزَةِ النَّهْرِ وتَخَلَّفَ الأكْثَرُونَ ذَكَرَ المُتَخَلِّفُونَ أنَّ عُذْرَنا في هَذا التَّخَلُّفِ أنَّهُ لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ فَنَحْنُ مَعْذُورُونَ في هَذا التَّخَلُّفِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ﴾ إنَّما وقَعَ بَعْدَ المُجاوَزَةِ، إلّا أنّا نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ طالُوتَ والمُؤْمِنِينَ لَمّا جاوَزُوا النَّهْرَ ورَأوُا القَوْمَ تَخَلَّفُوا وما جاوَزُوهُ، سَألَهم عَنْ سَبَبِ التَّخَلُّفِ فَذَكَرُوا ذَلِكَ، وما كانَ النَّهْرُ في العِظَمِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ مِنَ المُكالَمَةِ،
صفحة ١٥٦
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُجاوَزَةِ قُرْبَ حُصُولِ المُجاوَزَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإشْكالُ أيْضًا زائِلٌ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَبَرُوا النَّهْرَ كانُوا فَرِيقَيْنِ: بَعْضُهم مِمَّنْ يُحِبُّ الحَياةَ ويَكْرَهُ المَوْتَ وكانَ الخَوْفُ والجَزَعُ غالِبًا عَلى طَبْعِهِ، ومِنهم مَن كانَ شُجاعًا قَوِيَّ القَلْبِ لا يُبالِي بِالمَوْتِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
فالقِسْمُ الأوَّلُ: هُمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ﴾ .
والقِسْمُ الثّانِي: هُمُ الَّذِينَ أجابُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ .
والجَوابُ الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: القِسْمُ الأوَّلُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمّا شاهَدُوا قِلَّةَ عَسْكَرِهِمْ قالُوا: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ فَلا بُدَّ أنْ نُوَطِّنَ أنْفُسَنا عَلى القَتْلِ، لِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الفِرارِ مِن أمْرِ اللَّهِ.
والقِسْمُ الثّانِي قالُوا: لا نُوَطِّنُ أنْفُسَنا بَلْ نَرْجُو مِنَ اللَّهِ الفَتْحَ والظَّفَرَ، فَكانَ غَرَضُ الأوَّلِينَ التَّرْغِيبَ في الشَّهادَةِ والفَوْزَ بِالجَنَّةِ، وغَرَضُ الفَرِيقِ الثّانِي التَّرْغِيبَ في طَلَبِ الفَتْحِ والنُّصْرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ في واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ ما يَنْقُضُ الآخَرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطّاقَةُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الإطاقَةِ، يُقالُ: أطَقْتُ الشَّيْءَ إطاقَةً وطاقَةً، ومِثْلُها أطاعَ إطاعَةً، والِاسْمُ الطّاعَةُ، وأغارَ يُغِيرُ إغارَةً والِاسْمُ الغارَةُ، وأجابَ يُجِيبُ إجابَةً والِاسْمُ الجابَةُ وفي المَثَلِ: أساءَ سَمْعًا فَأساءَ جابَةً، أيْ جَوابًا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى لِمَ جَعَلَهم ظانِّينَ ولَمْ يَجْعَلْهم حازِمِينَ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ السَّبَبَ فِيهِ أُمُورٌ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ قَتادَةَ: أنَّ المُرادَ مِن لِقاءِ اللَّهِ المَوْتُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» “ وهَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ لَمّا وطَّنُوا أنْفُسَهم عَلى القَتْلِ، وغَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهم لا يَتَخَلَّصُونَ مِنَ المَوْتِ، لا جَرَمَ قِيلَ في صِفَتِهِمْ: إنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ.
الثّانِي: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ أيْ مُلاقُو ثَوابِ اللَّهِ بِسَبَبِ هَذِهِ الطّاعَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحَدًا لا يَعْلَمُ عاقِبَةَ أمْرِهِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ظانًّا راجِيًا وإنْ بَلَغَ في الطّاعَةِ أبْلَغَ الأمْرِ، إلّا مَن أخْبَرَ اللَّهُ بِعاقِبَةِ أمْرِهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وهو حَسَنٌ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو طاعَةِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ قاطِعًا بِأنَّ هَذا العَمَلَ الَّذِي عَمِلَهُ طاعَةٌ، لِأنَّهُ رُبَّما أتى فِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، ولا يَكُونُ بِنِيَّةٍ خالِصَةٍ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الفِعْلُ طاعَةً، إنَّما المُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ أتى بِهِ عَلى نَعْتِ الطّاعَةِ والإخْلاصِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أنَّ المُرادَ بِالسَّكِينَةِ عَلى قَوْلِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ في التّابُوتِ كُتُبٌ إلَهِيَّةٌ نازِلَةٌ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، دالَّةٌ عَلى حُصُولِ النَّصْرِ والظَّفَرِ لِطالُوتَ وجُنُودِهِ، ولَكِنَّهُ ما كانَ في تِلْكَ الكُتُبِ أنَّ النَّصْرَ والظَّفَرَ يَحْصُلُ في المَرَّةِ الأُولى أوْ بَعْدَها، فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو وعْدِ اللَّهِ بِالظَّفَرِ، وإنَّما جَعَلَهُ ظَنًّا لا يَقِينًا لِأنَّ حُصُولَهُ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ قَطْعًا إلّا أنَّ حُصُولَهُ في المَرَّةِ الأُولى ما كانَ إلّا عَلى
صفحة ١٥٧
سَبِيلِ حُسْنِ الظَّنِّ.
الوَجْهُ الخامِسُ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ أنَّهم يَعْلَمُونَ ويُوقِنُونَ، إلّا أنَّهُ أطْلَقَ لَفْظَ الظَّنِّ عَلى اليَقِينِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ لِما بَيْنَ الظَّنِّ واليَقِينِ مِنَ المُشابَهَةِ في تَأكُّدِ الِاعْتِقادِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنهُ تَقْوِيَةُ قُلُوبِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ إنَّما العِبْرَةُ بِالتَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ، والنَّصْرِ السَّماوِيِّ، فَإذا جاءَتِ الدَّوْلَةُ فَلا مَضَرَّةَ في القِلَّةِ والذِّلَّةِ، وإذا جاءَتِ المِحْنَةُ فَلا مَنفَعَةَ في كَثْرَةِ العَدَدِ والعُدَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفِئَةُ: الجَماعَةُ، لِأنَّ بَعْضَهم قَدْ فاءَ إلى بَعْضٍ فَصارُوا جَماعَةً، وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الفِئَةِ مِن قَوْلِهِمْ: فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ، وفَأيْتُ إذا قَطَعْتَ، فالفِئَةُ الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ، كَأنَّها قِطْعَةٌ مِنهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الفَرّاءُ: لَوْ أُلْغِيَتْ ”مِن“ هَهُنا جازَ في ”فِئَةٍ“ الرَّفْعُ والنَّصْبُ والخَفْضُ، أمّا النَّصْبُ فَلِأنَّ (كَمْ) بِمَنزِلَةِ عَدَدٍ، فَنَصْبُ ما بَعْدَهُ نَحْوُ عِشْرِينَ رَجُلًا، وأمّا الخَفْضُ فَبِتَقْدِيرِ دُخُولِ حَرْفِ (مِن) عَلَيْهِ، وأمّا الرَّفْعُ فَعَلى نِيَّةِ تَقْدِيمِ الفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَمْ غَلَبَتْ فِئَةٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فَلا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ المَعُونَةُ والنُّصْرَةُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا قَوْلًا لِلَّذِينِ قالُوا: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ الأوَّلُ أظْهَرَ.
البقرة 2:250
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُبارَزَةُ في الحُرُوبِ، هي أنْ يَبْرُزَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لِصاحِبِهِ وقْتَ القِتالِ، والأصْلُ فِيها أنَّ الأرْضَ الفَضاءَ الَّتِي لا حِجابَ فِيها يُقالُ لَها البَرازُ، فَكانَ البُرُوزُ عِبارَةً عَنْ حُصُولِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في الأرْضِ المُسَمّاةِ بِالبَرازِ، وهو أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِحَيْثُ يَرى صاحِبَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّ العُلَماءَ والأقْوِياءَ مِن عَسْكَرِ طالُوتَ لَمّا قَرَّرُوا مَعَ العَوامِّ والضُّعَفاءِ أنَّهُ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ، وأوْضَحُوا أنَّ الفَتْحَ والنُّصْرَةَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ، لا جَرَمَ لَمّا بَرَزَ عَسْكَرُ طالُوتَ إلى عَسْكَرِ جالُوتَ ورَأوُا القِلَّةَ في جانِبِهِمْ، والكَثْرَةَ في جانِبِ عَدُوِّهِمْ، لا جَرَمَ اشْتَغَلُوا بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، فَقالُوا: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ ونَظِيرُهُ ما حَكى اللَّهُ عَنْ قَوْمٍ آخَرِينَ أنَّهم قالُوا حِينَ الِالتِقاءِ مَعَ المُشْرِكِينَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] وهَكَذا كانَ
صفحة ١٥٨
يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في كُلِّ المَواطِنِ، ورُوِيَ عَنْهُ في قِصَّةِ بَدْرٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي ويَسْتَنْجِزُ مِنَ اللَّهِ وعْدَهُ، وكانَ مَتى لَقِيَ عَدُوًّا قالَ: ”«اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن شُرُورِهِمْ وأجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ» “ وكانَ يَقُولُ: ”«اللَّهُمَّ بِكَ أصُولُ وبِكَ أجُولُ» “ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الإفْراغُ: الصَّبُّ، يُقالُ: أفْرَغْتُ الإناءَ إذا صَبَبْتَ ما فِيهِ، وأصْلُهُ مِنَ الفَراغِ، يُقالُ: فُلانٌ فارِغٌ؛ مَعْناهُ أنَّهُ خالٍ مِمّا يَشْغَلُهُ، والإفْراغُ: إخْلاءُ الإناءِ مِمّا فِيهِ، وإنَّما يَخْلُو بِصَبِّ كُلِّ ما فِيهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في طَلَبِ الصَّبْرِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا صَبَّ الشَّيْءَ في الشَّيْءِ فَقَدْ أثْبَتَ فِيهِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ عَنْهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ.
والثّانِي: أنَّ إفْراغَ الإناءِ هو إخْلاؤُهُ، وذَلِكَ يَكُونُ بِصَبِّ كُلِّ ما فِيهِ، فَمَعْنى: أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا: أيِ اصْبُبْ عَلَيْنا أتَمَّ صَبٍّ وأبْلَغَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الأُمُورَ المَطْلُوبَةَ عِنْدَ المُحارَبَةِ مَجْمُوعُ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
فَأوَّلُها: أنْ يَكُونَ الإنْسانُ صَبُورًا عَلى مُشاهَدَةِ المَخاوِفِ والأُمُورِ الهائِلَةِ، وهَذا هو الرُّكْنُ الأعْلى لِلْمُحارِبِ، فَإنَّهُ إذا كانَ جَبانًا لا يَحْصُلُ مِنهُ مَقْصُودٌ أصْلًا.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ قَدْ وجَدَ مِنَ الآلاتِ والأدَواتِ والِاتِّفاقاتِ الحَسَنَةِ مِمّا يُمَكِّنُهُ أنْ يَقِفَ ويَثْبُتَ ولا يَصِيرَ مُلْجَأً إلى الفِرارِ.
وثالِثُها: أنْ تَزْدادَ قُوَّتُهُ عَلى قُوَّةِ عَدُوِّهِ حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يَقْهَرَ العَدُوَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَرْتَبَةُ الأُولى هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ .
والثّانِيَةُ: هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ .
والثّالِثَةُ: هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلصَّبْرِ إلّا القَصْدُ عَلى الثَّباتِ، ولا مَعْنى لِلثَّباتِ إلّا السُّكُونُ والِاسْتِقْرارُ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَصْدَ المُسَمّى بِالصَّبْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ وعَلى أنَّ الثَّباتَ والسُّكُونَ الحاصِلَ عِنْدَ ذَلِكَ القَصْدِ أيْضًا بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُهُ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الإرادَةَ مِن فِعْلِ العَبْدِ وبِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الصَّبْرِ وتَثْبِيتِ القَدَمِ تَحْصِيلُ أسْبابِ الصَّبْرِ، وأسْبابِ ثَباتِ القَدَمِ، وتِلْكَ الأسْبابُ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنْ يَجْعَلَ في قُلُوبِ أعْدائِهِمُ الرُّعْبَ والجُبْنَ مِنهم فَيَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنهُمُ الِاضْطِرابُ فَيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَراءَةِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، ويَصِيرَ داعِيًا لَهم إلى الصَّبْرِ عَلى القِتالِ وتَرْكِ الِانْهِزامِ.
وثانِيها: أنْ يَلْطُفَ بِبَعْضِ أعْدائِهِمْ في مَعْرِفَةِ بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ فَيَقَعَ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلافُ والتَّفَرُّقُ ويَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَراءَةِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: أنْ يُحْدِثَ تَعالى فِيهِمْ وفي دِيارِهِمْ وأهالِيهِمْ مِنَ البَلاءِ مِثْلَ المَوْتِ والوَباءِ، وما يَكُونُ سَبَبًا لِاشْتِغالِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، ولا يَتَفَرَّغُونَ حِينَئِذٍ لِلْمُحارَبَةِ فَيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَراءَةِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: أنْ يَبْتَلِيَهم بِمَرَضٍ وضَعْفٍ يَعُمُّهم أوْ يَعُمُّ أكْثَرَهم، أوْ يَمُوتَ رَئِيسُهم ومَن يُدَبِّرُ أمْرَهم فَيَعْرِفَ المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ فَيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِقُوَّةِ قُلُوبِهِمْ، ومُوجِبًا لِأنْ يَحْصُلَ لَهُمُ الصَّبْرُ والثَّباتُ، هَذا كَلامُ القاضِي.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ الصَّبْرَ عِبارَةٌ عَنِ القَصْدِ إلى السُّكُوتِ، والثَّباتَ عِبارَةٌ عَنِ السُّكُونِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ إرادَةَ العَبْدِ ومُرادَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَكم وأنْتُمْ تَصْرِفُونَ الكَلامَ عَنْ ظاهِرِهِ وتَحْمِلُونَهُ عَلى أسْبابِ الصَّبْرِ وثَباتِ الأقْدامِ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَرْكَ الظّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ.
صفحة ١٥٩
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّ هَذِهِ الأسْبابَ الَّتِي سَلَّمْتُمْ أنَّها بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى إذا حَصَلَتْ ووُجِدَتْ فَهَلْ لَها أثَرٌ في التَّرْجِيحِ الدّاعِي أوْ لَيْسَ لَها أثَرٌ فِيهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها أثَرٌ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِطَلَبِها مِنَ اللَّهِ فائِدَةٌ، وإنْ كانَ لَها أثَرٌ في التَّرْجِيحِ فَعِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأسْبابِ المُرَجَّحَةِ مِنَ اللَّهِ يَحْصُلُ الرُّجْحانُ، وعِنْدَ حُصُولِ الرُّجْحانِ يَمْتَنِعُ الطَّرَفُ المَرْجُوحُ، فَيَجِبُ حُصُولُ الطَّرَفِ الرّاجِحِ، لِأنَّهُ لا خُرُوجَ عَنْ طَرَفَيِ النَّقِيضِ وهو المَطْلُوبُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:251
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾
المَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَجابَ دُعاءَهم، وأفْرَغَ الصَّبْرَ عَلَيْهِمْ، وثَبَّتَ أقْدامَهم، ونَصَرَهم عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ: جالُوتَ وجُنُودِهِ وحَقَّقَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ ظَنَّ مَن قالَ: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾، ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وأصْلُ الهَزْمِ في اللُّغَةِ الكَسْرُ، يُقالُ سِقاءٌ مُنْهَزِمٌ إذا تَشَقَّقَ مَعَ جَفافٍ، وهَزَمْتُ العَظْمَ أوِ القَصَبَةَ هَزْمًا، والهَزْمَةُ نُقْرَةٌ في الجَبَلِ، أوْ في الصَّخْرَةِ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ في زَمْزَمَ: هي هَزْمَةُ جِبْرِيلَ، يُرِيدُ هَزَمَها بِرِجْلِهِ فَخَرَجَ الماءُ، ويُقالُ: سَمِعْتُ هَزْمَةَ الرَّعْدِ كَأنَّهُ صَوْتٌ فِيهِ تَشَقُّقٌ، ويُقالُ لِلسَّحابِ: هَزِيمٌ، لِأنَّهُ يَتَشَقَّقُ بِالمَطَرِ، وهَزَمَ الضَّرْعَ، وهَزْمُهُ ما يُكْسَرُ مِنهُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الهَزِيمَةَ كانَتْ بِإذْنِ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ، وأنَّهُ لَوْلا إعانَتُهُ وتَيْسِيرُهُ لَما حَصَلَ البَتَّةَ ثُمَّ قالَ: ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ راعِيًا ولَهُ سَبْعَةُ إخْوَةٍ مَعَ طالُوتَ فَلَمّا أبْطَأ خَبَرُ إخْوَتِهِ عَلى أبِيهِمْ إيشا أرْسَلَ ابْنَهُ داوُدَ إلَيْهِمْ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ، فَأتاهم وهم في المَصافِّ وبَدَرَ جالُوتُ الجَبّارُ وكانَ مِن قَوْمِ عادٍ إلى البَرازِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِ أحَدٌ فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَبارَزَنِي بَعْضُكم فَقالَ داوُدُ لِإخْوَتِهِ: أما فِيكم مَن يَخْرُجُ إلى هَذا الأقْلَفِ ؟ فَسَكَتُوا، فَذَهَبَ إلى ناحِيَةٍ مِنَ الصَّفِّ لَيْسَ فِيها إخْوَتُهُ فَمَرَّ بِهِ طالُوتُ وهو يُحَرِّضُ النّاسَ، فَقالَ لَهُ داوُدُ: ما تَصْنَعُونَ بِمَن يَقْتُلُ هَذا الأقْلَفَ ؟ فَقالَ طالُوتُ: أُنْكِحُهُ ابْنَتِي وأُعْطِيهِ نِصْفَ مُلْكِي فَقالَ داوُدُ: فَأنا خارِجٌ إلَيْهِ وكانَ عادَتُهُ أنْ يُقاتِلَ بِالمِقْلاعِ الذِّئْبَ والأسَدَ في الرَّعْيِ، وكانَ طالُوتُ عارِفًا بِجَلادَتِهِ، فَلَمّا هَمَّ داوُدُ بِأنْ يَخْرُجَ رَماهُ فَأصابَهُ في صَدْرِهِ، ونَفَذَ الحَجَرُ فِيهِ، وقَتَلَ بَعْدَهُ ناسًا كَثِيرًا، فَهَزَمَ اللَّهُ جُنُودَ جالُوتَ ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ فَحَسَدَهُ طالُوتُ وأخْرَجَهُ مِن مَمْلَكَتِهِ، ولَمْ يَفِ لَهُ بِوَعْدِهِ، ثُمَّ نَدِمَ فَذَهَبَ يَطْلُبُهُ إلى أنْ قُتِلَ، ومَلَكَ داوُدُ وحَصَلَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ، ولَمْ يَجْتَمِعْ في بَنِي إسْرائِيلَ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ إلّا لَهُ.
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَزِيمَةَ عَسْكَرِ جالُوتَ كانَتْ مِن طالُوتَ وإنْ كانَ قَتْلُ جالُوتَ ما كانَ إلّا مِن داوُدَ، ولا دَلالَةَ في الظّاهِرِ عَلى أنَّ انْهِزامَ العَسْكَرِ كانَ قَبْلَ قَتْلِ جالُوتَ أوْ بَعْدَهُ، لِأنَّ الواوَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ.
* * *
صفحة ١٦٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ جَزاءً عَلى ما فَعَلَ مِنَ الطّاعَةِ العَظِيمَةِ، وبَذْلِ النَّفْسِ في سَبِيلِ اللَّهِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا بِأنَّهُ صالِحٌ لِتَحَمُّلِ أمْرِ النُّبُوَّةِ، والنُّبُوَّةُ لا يَمْتَنِعُ جَعْلُها جَزاءً عَلى الطّاعاتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٢، ٣٣] وقالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ داوُدَ أنَّهُ قَتَلَ جالُوتَ، قالَ بَعْدَهُ: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾ والسُّلْطانُ إذا أنْعَمَ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ الَّذِينَ قامُوا بِخِدْمَةٍ شاقَّةٍ، يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ ذَلِكَ الإنْعامَ لِأجْلِ تِلْكَ الخِدْمَةِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ النُّبُوَّةَ لا يَجُوزُ جَعْلُها جَزاءً عَلى الأعْمالِ، بَلْ ذَلِكَ مَحْضُ التَّفَضُّلِ والإنْعامِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ داوُدَ حِينَ قَتَلَ جالُوتَ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ إيتاءَ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ عَقِيبَ ذِكْرِهِ لِقَتْلِ داوُدَ جالُوتَ، وتَرْتِيبُ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ، وبَيانُ المُناسَبَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَتَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الخَصْمِ العَظِيمِ بِالمِقْلاعِ والحَجَرِ، كانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا، لا سِيَّما وقَدْ تَعَلَّقَتِ الأحْجارُ مَعَهُ، وقالَتْ: خُذْنا فَإنَّكَ تَقْتُلُ جالُوتَ بِنا، فَظُهُورُ المُعْجِزِ يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ، وأمّا المُلْكُ فَلِأنَّ القَوْمَ لَمّا شاهَدُوا مِنهُ قَهْرَ ذَلِكَ العَدُوِّ العَظِيمِ المَهِيبِ بِذَلِكَ العَمَلِ القَلِيلِ، فَلا شَكَّ أنَّ النُّفُوسَ تَمِيلُ إلَيْهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ المُلْكِ لَهُ ظاهِرًا. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ حُصُولَ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ لَهُ تَأخَّرَ عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ بِسَبْعِ سِنِينَ عَلى ما قالَهُ الضَّحّاكُ، قالُوا: والرِّواياتُ ورَدَتْ بِذَلِكَ، قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ عَيَّنَ طالُوتَ لِلْمُلْكِ فَيَبْعُدُ أنْ يَعْزِلَهُ عَنِ المُلْكِ حالَ حَياتِهِ، والمَشْهُورُ في أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ نَبِيُّ ذَلِكَ الزَّمانِ أشْمُويِلَ، ومَلِكُ ذَلِكَ الزَّمانِ طالُوتَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ أشْمُويِلُ أعْطى اللَّهُ تَعالى النُّبُوَّةَ لِداوُدَ، ولَمّا ماتَ طالُوتُ أعْطى اللَّهُ تَعالى المُلْكَ لِداوُدَ، فاجْتَمَعَ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحِكْمَةُ: هي وضْعُ الأُمُورِ مَواضِعَها عَلى الصَّوابِ والصَّلاحِ، وكَمالُ هَذا المَعْنى إنَّما يَحْصُلُ بِالنُّبُوَّةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحِكْمَةِ هَهُنا النُّبُوَّةَ، قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] وقالَ فِيما بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] .
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ، فَلِمَ قَدَّمَ المُلْكَ عَلى الحِكْمَةِ ؟ مَعَ أنَّ المُلْكَ أدْوَنُ حالًا مِنَ النُّبُوَّةِ.
قُلْنا: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفِيَّةَ تَرَقِّي داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى المَراتِبِ العالِيَةِ، وإذا تَكَلَّمَ المُتَكَلِّمُ في كَيْفِيَّةِ التَّرَقِّي، فَكُلُّ ما كانَ أكْثَرَ تَأخُّرًا في الذِّكْرِ كانَ أعْلى حالًا وأعْظَمَ رُتْبَةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهِ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] وقالَ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠، ١١] .
وثانِيها: أنَّ المُرادَ كَلامُ الطَّيْرِ والنَّمْلِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] .
صفحة ١٦١
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِهِ ما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الدُّنْيا وضَبْطِ المُلْكِ، فَإنَّهُ ما ورِثَ المُلْكَ مِن آبائِهِ، لِأنَّهم ما كانُوا مُلُوكًا بَلْ كانُوا رُعاةً.
ورابِعُها: عِلْمُ الدِّينِ، قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ حاكِمًا بَيْنَ النّاسِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ الحُكْمِ والقَضاءِ. وخامِسُها: الألْحانُ الطَّيِّبَةُ، ولا يَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ آتاهُ الحِكْمَةَ، وكانَ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ، فَقَدْ دَخَلَ العِلْمُ في ذَلِكَ، فَلِمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ ؟
قُلْنا: المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ العَبْدَ قَطُّ لا يَنْتَهِي إلى حالَةٍ يَسْتَغْنِي عَنِ التَّعَلُّمِ، سَواءٌ كانَ نَبِيًّا أوْ لَمْ يَكُنْ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الفَسادَ الواقِعَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ زالَ بِما كانَ مِن طالُوتَ وجُنُودِهِ، وبِما كانَ مِن داوُدَ مِن قَتْلِ جالُوتَ بَيَّنَ عَقِيبَ ذَلِكَ جُمْلَةً تَشْتَمِلُ كُلَّ تَفْصِيلٍ في هَذا البابِ، وهو أنَّهُ تَعالى يَدْفَعُ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِكَيْ لا تَفْسُدَ الأرْضُ، فَقالَ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ بِغَيْرِ ألِفٍ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ الحَجِّ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ [الحج: ٤] وقَرَآ جَمِيعًا: (إنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) بِغَيْرِ ألِفٍ ووافَقَهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ اليَحْصَبِيُّ عَلى دَفْعِ اللَّهِ بِغَيْرِ ألِفٍ إلّا أنَّهم قَرَءُوا ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالألِفِ، وقَرَأ نافِعٌ (ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ) و﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ﴾ بِالألِفِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الرِّواياتِ فَنَقُولُ: أمّا مَن قَرَأ: (ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ)، (إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ) فَوَجْهُهُ ظاهِرٌ، وأمّا مَن قَرَأ: (ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ)، ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَوَجْهُ الإشْكالِ فِيهِ أنَّ المُدافَعَةَ مُفاعَلَةٌ، وهي عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُدافِعِينَ دافِعًا لِصاحِبِهِ ومانِعًا لَهُ مِن فِعْلِهِ، وذَلِكَ مِنَ العَبْدِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وجَوابُهُ أنَّ لِأهْلِ اللُّغَةِ في لَفْظِ دِفاعٍ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ لِدَفَعَ، تَقُولُ: دَفَعْتُهُ دَفْعًا ودِفاعًا، كَما تَقُولُ: كَتَبْتُهُ كَتْبًا وكِتابًا، قالُوا: وفِعالٌ كَثِيرًا ما يَجِيءُ مَصْدَرًا لِلثُّلاثِيِّ مِن فَعَلَ وفَعِلَ، تَقُولُ: جَمَحَ جِماحًا، وطَمَحَ طِماحًا، وتَقُولُ: لَقِيتُهُ لِقاءً، وقُمْتُ قِيامًا، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ كانَ قَوْلُهُ: (ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ) مَعْناهُ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن جَعَلَ (دِفاعُ) مِن دافَعَ، فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يَكُفُّ الظَّلَمَةَ والعُصاةَ عَنْ ظُلْمِ المُؤْمِنِينَ عَلى أيْدِي أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ وأئِمَّةِ دِينِهِ وكانَ يَقَعُ بَيْنَ أُولَئِكَ المُحِقِّينَ وأُولَئِكَ المُبْطِلِينَ مُدافَعاتٌ ومُكافَحاتٌ، فَحَسُنَ الإخْبارُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُدافَعَةِ، كَما قالَ: ﴿يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، ﴿شاقُّوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١٣] وكَما قالَ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٠] ونَظائِرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ المَدْفُوعَ والمَدْفُوعَ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى المَدْفُوعِ، وقَوْلُهُ: (بِبَعْضٍ) إشارَةٌ إلى المَدْفُوعِ بِهِ، فَأمّا المَدْفُوعُ عَنْهُ فَغَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَدْفُوعُ عَنْهُ الشُّرُورَ في الدِّينِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَدْفُوعُ عَنْهُ الشُّرُورَ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَهُما.
صفحة ١٦٢
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو أنْ يَكُونَ المَدْفُوعُ عَنْهُ الشُّرُورَ في الدِّينِ، فَتِلْكَ الشُّرُورُ إمّا أنْ يَكُونَ المَرْجِعُ بِها إلى الكُفْرِ، أوْ إلى الفِسْقِ، أوْ إلَيْهِما، فَلْنَذْكُرْ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ.
الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بَعْضَ النّاسِ عَنِ الكُفْرِ بِسَبَبِ البَعْضِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالدّافِعُونَ هُمُ الأنْبِياءُ وأئِمَّةُ الهُدى، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ النّاسَ عَنِ الوُقُوعِ في الكُفْرِ بِإظْهارِ الدَّلائِلِ والبَراهِينِ والبَيِّناتِ قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] .
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بَعْضَ النّاسِ عَنِ المَعاصِي والمُنْكَراتِ بِسَبَبِ البَعْضِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالدّافِعُونَ هُمُ القائِمُونَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ويَدْخُلُ في هَذا البابِ: الأئِمَّةُ المَنصُوبُونَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِأجْلِ إقامَةِ الحُدُودِ وإظْهارِ شَعائِرِ الإسْلامِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢] .
الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بَعْضَ النّاسِ عَنِ الهَرْجِ والمَرْجِ وإثارَةِ الفِتَنِ في الدُّنْيا بِسَبَبِ البَعْضِ، واعْلَمْ أنَّ الدّافِعِينَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ الأئِمَّةُ والمُلُوكُ الذّابُّونَ عَنْ شَرائِعِهِمْ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعِيشَ وحْدَهُ، لِأنَّهُ ما لَمْ يَخْبِزْ هَذا لِذاكَ ولا يَطْحَنُ ذاكَ لِهَذا، ولا يَبْنِي هَذا لِذاكَ، ولا يَنْسِجُ ذاكَ لِهَذا، لا تَتِمُّ مَصْلَحَةُ الإنْسانِ الواحِدِ، ولا تَتِمُّ إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ جَمْعٍ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، فَلِهَذا قِيلَ: الإنْسانُ مَدَّنِيٌّ بِالطَّبْعِ، ثُمَّ إنَّ الِاجْتِماعَ بِسَبَبِ المُنازَعَةِ المُفْضِيَةِ إلى المُخاصَمَةِ أوَّلًا، والمُقاتَلَةِ ثانِيًا، فَلا بُدَّ في الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ مِن وضْعِ شَرِيعَةٍ بَيْنَ الخَلْقِ، لِتَكُونَ الشَّرِيعَةُ قاطِعَةً لِلْخُصُوماتِ والمُنازَعاتِ، فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ أُوتُوا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذِهِ الشَّرائِعِ هُمُ الَّذِينَ دَفَعَ اللَّهُ بِسَبَبِهِمْ وبِسَبَبِ شَرِيعَتِهِمُ الآفاتِ عَنِ الخَلْقِ، فَإنَّ الخَلْقَ ما دامُوا يَبْقَوْنَ مُتَمَسِّكِينَ بِالشَّرائِعِ لا يَقَعُ بَيْنَهم خِصامٌ ولا نِزاعٌ، فالمُلُوكُ والأئِمَّةُ مَتى كانُوا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الشَّرائِعِ كانَتِ الفِتَنُ زائِلَةً، والمَصالِحُ حاصِلَةً فَظَهَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَدْفَعُ عَنِ المُؤْمِنِينَ أنْواعَ شُرُورِ الدُّنْيا بِسَبَبِ بَعْثَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
واعْلَمْ أنَّهُ كَما لا بُدَّ في قَطْعِ الخُصُوماتِ والمُنازَعاتِ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَكَذا لا بُدَّ في تَنْفِيذِ الشَّرِيعَةِ مِنَ المُلْكِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”«الإسْلامُ والسُّلْطانُ أخَوانِ تَوْءَمانِ» “ وقالَ أيْضًا: ”«الإسْلامُ أمِيرٌ، والسُّلْطانُ حارِسٌ، فَما لا أمِيرَ لَهُ فَهو مُنْهَزِمٌ، وما لا حارِسَ لَهُ فَهو ضائِعٌ» “ ولِهَذا يَدْفَعُ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُسْلِمِينَ أنْواعَ شُرُورِ الدُّنْيا بِسَبَبِ وضْعِ الشَّرائِعِ وبِسَبَبِ نَصْبِ المُلُوكِ وتَقْوِيَتِهِمْ، ومَن قالَ بِهَذا القَوْلِ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ أيْ لَغَلَبَ عَلى أهْلِ الأرْضِ القَتْلُ والمَعاصِي، وذَلِكَ يُسَمّى فَسادًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقالَ: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] وقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافر: ٢٦] وقالَ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وقالَ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ [الروم: ٤١] وهَذا التَّأْوِيلُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ﴾ [الحج: ٤٠] .
الِاحْتِمالُ الرّابِعُ: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بِالمُؤْمِنِينَ والأبْرارِ عَنِ الكُفّارِ والفُجّارِ، لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَهَلَكَتْ بِمَن
صفحة ١٦٣
فِيها، وتَصْدِيقُ هَذا ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«يُدْفَعُ بِمَن يُصَلِّي مِن أُمَّتِي عَمَّنْ لا يُصَلِّي، وبِمَن يُزَكِّي عَمَّنْ لا يُزَكِّي، وبِمَن يَصُومُ عَمَّنْ لا يَصُومُ، وبِمَن يَحُجُّ عَمَّنْ لا يَحُجُّ، وبِمَن يُجاهِدُ عَمَّنْ لا يُجاهِدُ، ولَوِ اجْتَمَعُوا عَلى تَرْكِ هَذِهِ الأشْياءِ لَما أنْظَرَهُمُ اللَّهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ“ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ» عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] وقالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ومَن قالَ بِهَذا القَوْلِ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ أيْ لَأهْلَكَ اللَّهُ أهْلَها لِكَثْرَةِ الكُفّارِ والعُصاةِ.
والِاحْتِمالُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَحْمُولًا عَلى الكُلِّ، لِأنَّ بَيْنَ هَذِهِ الأقْسامِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا وهو دَفْعُ المَفْسَدَةِ، فَإذا حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلَيْهِ دَخَلَتِ الأقْسامُ بِأسْرِها فِيهِ.
البقرة 2:252
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ، لِأنَّهُ إذا كانَ الفَسادُ مِن خَلْقِهِ فَكَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَقُولَ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ ويَجِبُ أنْ لا يَكُونَ عَلى قَوْلِهِمْ لِدِفاعِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ تَأْثِيرٌ في زَوالِ الفَسادِ وذَلِكَ لِأنَّ -عَلى قَوْلِهِمُ- الفَسادَ إنَّما لا يَقَعُ بِسَبَبِ أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ تَعالى ولا يَخْلُقُهُ لا لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى النّاسِ.
والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كانَ عالِمًا بِوُقُوعِ الفَسادِ، فَإذا صَحَّ مَعَ ذَلِكَ العِلْمِ أنْ لا يَفْعَلَ الفَسادَ كانَ المَعْنى أنَّهُ يَصِحُّ مِنَ العَبْدِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ عَدَمِ الفَسادِ وبَيْنَ العِلْمِ بِوُجُودِ الفَسادِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ وهو مُحالٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ أنَّ دَفْعَ الفَسادِ بِهَذا الطَّرِيقِ إنْعامٌ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى، لَمْ يَكُنْ دَفْعُ المُحِقِّينَ شَرَّ المُبْطِلِينَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ الدُّنْيا لِأنَّ المُتَوَلِّيَ لِذَلِكَ الدَّفْعِ إذا كانَ هو العَبْدَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ وبِاخْتِيارِهِ ولَمْ يَكُنْ لِلَّهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الدَّفْعِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ الدَّفْعَ الَّذِي هو فِعْلُهم هو مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى ومِن تَقْدِيرِهِ.
فَإنْ قالُوا: يُحْمَلُ هَذا عَلى البَيانِ والإرْشادِ والأمْرِ.
قُلْنا: كُلُّ ذَلِكَ قائِمٌ في حَقِّ الكُفّارِ والفُجّارِ ولَمْ يَحْصُلْ مِنهُ الدَّفْعُ، فَعَلِمْنا أنَّ فَضْلَ اللَّهِ ونِعْمَتَهُ عَلَيْنا إنَّما كانَ بِسَبَبِ نَفْسِ ذَلِكَ الدَّفْعِ وذَلِكَ يُوجِبُ قَوْلَنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (تِلْكَ) إشارَةٌ إلى القِصَصِ الَّتِي ذَكَرَها مِن حَدِيثِ الأُلُوفِ وإماتَتِهِمْ وإحْيائِهِمْ وتَمْلِيكِ طالُوتَ، وإظْهارِ الآيَةِ الَّتِي هي نُزُولُ التّابُوتِ مِنَ السَّماءِ، وغَلَبِ الجَبابِرَةِ عَلى يَدِ داوُدَ وهو صَبِيٌّ فَقِيرٌ، ولا
صفحة ١٦٤
شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ آياتٌ باهِرَةٌ دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: (تِلْكَ) ولَمْ يَقُلْ: (هَذِهِ) مَعَ أنَّ تِلْكَ يُشارُ بِها إلى غائِبٍ لا إلى حاضِرٍ ؟
قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] أنَّ تِلْكَ وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى مَعْنى هَذِهِ وهَذا، وأيْضًا فَهَذِهِ القِصَصُ لَمّا ذُكِرَتْ صارَتْ بَعْدَ ذِكْرِها كالشَّيْءِ الَّذِي انْقَضى ومَضى، فَكانَتْ في حُكْمِ الغائِبِ فَلِهَذا التَّأْوِيلِ قالَ: (تِلْكَ) .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (نَتْلُوها) يَعْنِي يَتْلُوها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْكَ، لَكِنَّهُ تَعالى جَعَلَ تِلاوَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلاوَةً لِنَفْسِهِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] .
أمّا قَوْلُهُ: (بِالحَقِّ) فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَصِ أنْ يَعْتَبِرَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ، وتَعْتَبِرَ بِها أُمَّتُهُ في احْتِمالِ الشَّدائِدِ في الجِهادِ، كَما احْتَمَلَها المُؤْمِنُونَ في الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ.
وثانِيها: (بِالحَقِّ) أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا يَشُكُّ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ، لِأنَّهُ في كُتُبِهِمْ، كَذَلِكَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أصْلًا.
وثالِثُها: إنّا أنْزَلَنا هَذِهِ الآياتِ عَلى وجْهٍ تَكُونُ دالَّةً في نُبُوَّتِكَ بِسَبَبِ ما فِيها مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ.
ورابِعُها: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآياتِ عَلَيْكَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشَّياطِينِ، ولا بِسَبَبِ تَحْرِيفِ الكَهَنَةِ والسَّحَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذا عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّكَ أخْبَرْتَ عَنْ هَذِهِ الأقاصِيصِ مِن غَيْرِ تَعَلُّمٍ ولا دِراسَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما ذَكَرَها وعَرَفَها بِسَبَبِ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ بِهَذِهِ الآياتِ ما جَرى عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ والرَّدِّ لِقَوْلِهِمْ، فَلا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكَ كُفْرُ مَن كَفَرَ بِكَ، وخِلافُ مَن خالَفَ عَلَيْكَ، لِأنَّكَ مِثْلُهم، وإنَّما بَعَثَ الكُلَّ لِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ ولِامْتِثالِ الأمْرِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ والتَّطَوُّعِ، لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ، فَلا عُتْبَ عَلَيْكَ في خِلافِهِمْ وكُفْرِهِمْ، والوَبالُ في ذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ فِيما يَظْهَرُ مِنَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ.
البقرة 2:253
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٥
المَسْألَةُ الأُولى: (تِلْكَ) ابْتِداءٌ، وإنَّما قالَ: (تِلْكَ) ولَمْ يَقُلْ: أُولَئِكَ الرُّسُلُ، لِأنَّهُ ذَهَبَ إلى الجَماعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ الجَماعَةُ الرُّسُلُ بِالرَّفْعِ، لِأنَّهُ صِفَةٌ لِتِلْكَ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ: مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في القُرْآنِ، كَإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ومُوسى وغَيْرِهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في هَذِهِ الآيَةِ كَأشْمُوِيلَ وداوُدَ وطالُوتَ عَلى قَوْلِ مَن يَجْعَلُهُ نَبِيًّا.
والثّالِثُ: وهو قَوْلُ الأصَمِّ: تِلْكَ الرُّسُلُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ لِدَفْعِ الفَسادِ، الَّذِينَ إلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وجْهُ تَعْلِيقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ وهو أنَّهُ تَعالى أنْبَأ مُحَمَّدًا ﷺ مِن أخْبارِ المُتَقَدِّمِينَ مَعَ قَوْمِهِمْ، كَسُؤالِ قَوْمِ مُوسى: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقَوْلِهِمْ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وكَقَوْمِ عِيسى بَعْدَ أنْ شاهَدُوا مِنهُ إحْياءَ المَوْتى وإبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ بِإذْنِ اللَّهِ فَكَذَّبُوهُ ورامُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ أقامَ فَرِيقٌ عَلى الكُفْرِ بِهِ وهُمُ اليَهُودُ، وفَرِيقٌ زَعَمُوا أنَّهم أوْلِياؤُهُ وادَّعَتْ عَلى اليَهُودِ مَن قَتَلَهُ وصَلَبَهُ ما كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ كالمَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ حَسَدُوا طالُوتَ ودَفَعُوا مُلْكَهُ بَعْدَ المَسْألَةِ، وكَذَلِكَ ما جَرى مَن أمْرِ النَّهْرِ، فَعَزّى اللَّهُ رَسُولَهُ عَمّا رَأى مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والحَسَدِ، فَقالَ: هَؤُلاءِ الرُّسُلُ الَّذِينَ كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَهم، ورَفَعَ الباقِينَ دَرَجاتٍ وأيَّدَ عِيسى بِرُوحِ القُدُسِ، قَدْ نالَهم مِن قَوْمِهِمْ ما ذَكَرْناهُ بَعْدَ مُشاهَدَةِ المُعْجِزاتِ، وأنْتَ رَسُولٌ مِثْلُهم فَلا تَحْزَنْ عَلى ما تَرى مِن قَوْمِكَ، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ تَخْتَلِفُوا أنْتُمْ وأُولَئِكَ، ولَكِنْ ما قَضى اللَّهُ فَهو كائِنٌ، وما قَدَّرَهُ فَهو واقِعٌ، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى إيذاءِ قَوْمِهِ لَهُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أجْمَعْتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ بَعْضَ الأنْبِياءِ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، وعَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فَلَمّا كانَ رَحْمَةً لِكُلِّ العالَمِينَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن كُلِّ العالَمِينَ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] فَقِيلَ فِيهِ لِأنَّهُ قَرَنَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ بِذِكْرِهِ في كَلِمَةِ الشَّهادَةِ وفي الأذانِ وفي التَّشَهُّدِ، ولَمْ يَكُنْ ذِكْرُ سائِرِ الأنْبِياءِ كَذَلِكَ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قَرَنَ طاعَتَهُ بِطاعَتِهِ، فَقالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وبَيْعَتَهُ بِبَيْعَتِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] وعِزَّتَهُ بِعِزَّتِهِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨] ورِضاهُ بِرِضاهُ فَقالَ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وإجابَتَهُ بِإجابَتِهِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا بِأنْ يَتَحَدّى بِكُلِّ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وأقْصَرُ السُّوَرِ سُورَةُ الكَوْثَرِ وهي ثَلاثُ آياتٍ، وكانَ اللَّهُ تَحَدّاهم بِكُلِّ ثَلاثِ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ، ولَمّا كانَ كُلُّ القُرْآنِ سِتَّةَ آلافِ آيَةٍ، وكَذا آيَةٍ، لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ مُعْجِزُ القُرْآنِ مُعْجِزًا واحِدًا بَلْ يَكُونُ ألْفَيْ مُعْجِزَةٍ وأزْيَدَ.
صفحة ١٦٦
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ تَشْرِيفَ مُوسى بِتِسْعِ آياتٍ بَيِّناتٍ، فَلِأنْ يَحْصُلَ التَّشْرِيفُ لِمُحَمَّدٍ بِهَذِهِ الآياتِ الكَثِيرَةِ كانَ أوْلى.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ مُعْجِزَةَ رَسُولِنا ﷺ أفْضَلُ مِن مُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُنا أفْضَلَ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ.
بَيانُ الأوَّلِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«القُرْآنُ في الكَلامِ كَآدَمَ في المَوْجُوداتِ» “ .
بَيانُ الثّانِي أنَّ الخِلْعَةَ كُلَّما كانَتْ أشْرَفَ كانَ صاحِبُها أكْرَمَ عِنْدَ المَلِكِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّ مُعْجِزَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هي القُرْآنُ وهي مِن جِنْسِ الحُرُوفِ والأصْواتِ وهي أعْراضٌ غَيْرُ باقِيَةٍ، وسائِرُ مُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ مَن جِنْسِ الأُمُورِ الباقِيَةِ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ مُعْجِزَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ باقِيَةً إلى آخِرِ الدَّهْرِ، ومُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ فانِيَةً مُنْقَضِيَةً.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما حَكى أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَأمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ، فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ في أُصُولِ الدِّينِ وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ تَقْلِيدٌ، أوْ في فُرُوعِ الدِّينِ وهو غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ شَرْعَهُ نَسَخَ سائِرَ الشَّرائِعِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مَحاسِنَ الأخْلاقِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنّا أطْلَعْناكَ عَلى أحْوالِهِمْ وسِيَرِهِمْ، فاخْتَرْ أنْتَ مِنها أجْوَدَها وأحْسَنَها وكُنْ مُقْتَدِيًا بِهِمْ في كُلِّها، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ الخِصالِ المَرْضِيَّةِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهم.
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى كُلِّ الخَلْقِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَشَقَّتُهُ أكْثَرَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ، أمّا إنَّهُ بُعِثَ إلى كُلِّ الخَلْقِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] وأمّا إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَشَقَّتُهُ أكْثَرَ فَلِأنَّهُ كانَ إنْسانًا فَرْدًا مِن غَيْرِ مالٍ ولا أعْوانٍ وأنْصارٍ، فَإذا قالَ لِجَمِيعِ العالَمِينَ: يا أيُّها الكافِرُونَ صارَ الكُلُّ أعْداءً لَهُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ خائِفًا مِنَ الكُلِّ، فَكانَتِ المَشَقَّةُ عَظِيمَةً، وكَذَلِكَ فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بُعِثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَهو ما كانَ يَخافُ أحَدًا إلّا مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فالكُلُّ كانُوا أعْداءً لَهُ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ إنْسانًا لَوْ قِيلَ لَهُ: هَذا البَلَدُ الخالِي عَنِ الصَّدِيقِ والرَّفِيقِ فِيهِ رَجُلٌ واحِدٌ ذُو قُوَّةٍ وسِلاحٍ فاذْهَبْ إلَيْهِ اليَوْمَ وحِيدًا وبَلِّغْ إلَيْهِ خَبَرًا يُوحِشُهُ ويُؤْذِيهِ، فَإنَّهُ قَلَّما سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، مَعَ أنَّهُ إنْسانٌ واحِدٌ، ولَوْ قِيلَ لَهُ: اذْهَبْ إلى بادِيَةٍ بَعِيدَةٍ لَيْسَ فِيها أنِيسٌ ولا صَدِيقٌ، وبَلِّغْ إلى صاحِبِ البادِيَةِ كَذا وكَذا مِنَ الأخْبارِ المُوحِشَةِ لَشَقَّ ذَلِكَ عَلى الإنْسانِ، أمّا النَّبِيُّ ﷺ فَإنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِأنْ يَذْهَبَ طُولَ لَيْلِهِ ونَهارِهِ في كُلِّ عُمُرِهِ إلى الجِنِّ والإنْسِ الَّذِينَ لا عَهْدَ لَهُ بِهِمْ، بَلِ المُعْتادُ مِنهم أنَّهم يُعادُونَهُ ويُؤْذُونَهُ ويَسْتَخِفُّونَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمَلَّ مِن هَذِهِ الحالَةِ ولَمْ يَتَلَكَّأْ، بَلْ سارَعَ إلَيْها سامِعًا مُطِيعًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَحَمَّلَ في إظْهارِ دِينِ اللَّهِ أعْظَمَ المَشاقِّ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ البَلاءَ كانَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، فَإذا عَظُمَ فَضْلُ الصَّحابَةِ بِسَبَبِ تِلْكَ الشِّدَّةِ فَما ظَنُّكَ بِالرَّسُولِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ مَشَقَّتَهُ أعْظَمُ مِن مَشَقَّةِ غَيْرِهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ فَضْلُهُ أكْثَرَ مِن فَضْلِ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أفْضَلُ العِباداتِ أحَمَزُها» “ .
صفحة ١٦٧
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: أنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ الأدْيانِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ ﷺ أفْضَلَ الأنْبِياءِ.
بَيانُ الأوَّلِ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الإسْلامَ ناسِخًا لِسائِرِ الأدْيانِ، والنّاسِخُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَلَمّا كانَ هَذا الدِّينُ أفْضَلَ وأكْثَرَ ثَوابًا، كانَ واضِعُهُ أكْثَرَ ثَوابًا مِن واضِعِي سائِرِ الأدْيانِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ.
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أفْضَلُ الأُمَمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ أفْضَلَ الأنْبِياءِ.
بَيانُ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
بَيانُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ إنَّما نالَتْ هَذِهِ الفَضِيلَةَ لِمُتابَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وفَضِيلَةُ التّابِعِ تُوجِبُ فَضِيلَةَ المَتْبُوعِ، وأيْضًا إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أكْثَرُ ثَوابًا لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى الجِنِّ والإنْسِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهُ أكْثَرَ، لِأنَّ لِكَثْرَةِ المُسْتَجِيبِينَ أثَرًا في عُلُوِّ شَأْنِ المَتْبُوعِ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاتَمُ الرُّسُلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ، لِأنَّ نَسْخَ الفاضِلِ بِالمَفْضُولِ قَبِيحٌ في المَعْقُولِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلى بَعْضٍ يَكُونُ لِأُمُورٍ:
مِنها: كَثْرَةُ المُعْجِزاتِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى صِدْقِهِمْ ومُوجِبَةٌ لِتَشْرِيفِهِمْ، وقَدْ حَصَلَ في حَقِّ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَفْضُلُ عَلى ثَلاثَةِ آلافٍ، وهي بِالجُمْلَةِ عَلى أقْسامٍ، مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِالقُدْرَةِ، كَإشْباعِ الخَلْقِ الكَثِيرِ مِنَ الطَّعامِ القَلِيلِ، وإرْوائِهِمْ مِنَ الماءِ القَلِيلِ، ومِنها ما يَتَعَلَّقُ بِالعُلُومِ كالإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وفَصاحَةِ القُرْآنِ، ومِنها اخْتِصاصُهُ في ذاتِهِ بِالفَضائِلِ، نَحْوُ كَوْنِهِ أشْرَفَ نَسَبًا مِن أشْرافِ العَرَبِ، وأيْضًا كانَ في غايَةِ الشَّجاعَةِ، كَما رُوِيَ أنَّهُ قالَ بَعْدَ مُحارَبَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعَمْرِو بْنِ وُدٍّ: كَيْفَ وجَدْتَ نَفْسَكَ يا عَلِيُّ، قالَ: وجَدْتُها لَوْ كانَ كُلُّ أهْلِ المَدِينَةِ في جانِبٍ وأنا في جانِبٍ لَقَدَرْتُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: تَأهَّبْ فَإنَّهُ يَخْرُجُ مِن هَذا الوادِي فَتًى يُقاتِلُكَ، الحَدِيثَ إلى آخِرِهِ وهو مَشْهُورٌ، ومِنها في خُلُقِهِ وحِلْمِهِ ووَفائِهِ وفَصاحَتِهِ وسَخائِهِ، وكُتُبُ الحَدِيثِ ناطِقَةٌ بِتَفْصِيلِ هَذِهِ الأبْوابِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«آدَمُ ومَن دُونَهُ تَحْتَ لِوائِي يَوْمَ القِيامَةِ» “ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِن آدَمَ ومِن كُلِّ أوْلادِهِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» “ وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ مِنَ النَّبِيِّينَ حَتّى أدْخُلَها أنا، ولا يَدْخُلُها أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ حَتّى تَدْخُلَها أُمَّتِي» “ ورَوى أنَسٌ قالَ: قالَ ﷺ: ”«أنا أوَّلُ النّاسِ خُرُوجًا إذا بُعِثُوا، وأنا خَطِيبُهم إذا وفَدُوا، وأنا مُبَشِّرُهم إذا أيِسُوا، لِواءُ الحَمْدِ بِيَدِي، وأنا أكْرَمُ ولَدِ آدَمَ عَلى رَبِّي ولا فَخْرَ» “ «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جَلَسَ ناسٌ مِنَ الصَّحابَةِ يَتَذاكَرُونَ فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهم فَقالَ بَعْضُهم: عَجَبًا إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وقالَ آخَرُ: ماذا بِأعْجَبَ مِن كَلامِ مُوسى كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، وقالَ آخَرُ: فَعِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وقالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفاهُ اللَّهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: قَدْ سَمِعْتُ كَلامَكم وحُجَّتَكم أنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وهو كَذَلِكَ، ومُوسى نَجِيُّ اللَّهِ وهو كَذَلِكَ، وعِيسى رُوحُ اللَّهِ وهو كَذَلِكَ، وآدَمُ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى وهو كَذَلِكَ، ألا وأنا حَبِيبُ اللَّهِ ولا فَخْرَ، وأنا حامِلُ لِواءِ الحَمْدِ يَوْمَ القِيامَةِ ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ شافِعٍ وأنا أوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ القِيامَةِ ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ مَن يُحَرِّكُ حَلْقَةَ الجَنَّةِ فَيُفْتَحُ لِي فَأدْخُلُها ومَعِي فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ ولا فَخْرَ، وأنا أكْرَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ولا فَخْرَ» .
صفحة ١٦٨
الحُجَّةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: رَوى البَيْهَقِيُّ في ”فَضائِلِ الصَّحابَةِ“ «أنَّهُ ظَهَرَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مِن بَعِيدٍ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا سَيِّدُ العَرَبِ، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَسْتَ أنْتَ سَيِّدُ العَرَبِ ؟ فَقالَ: أنا سَيِّدُ العالَمِينَ وهو سَيِّدُ العَرَبِ»، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
الحُجَّةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي ولا فَخْرَ، بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، وكانَ النَّبِيُّ قَبْلِي يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ أمامِي مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ ولَمْ تَكُنْ لِأحَدٍ قَبْلِي، وأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ فادَّخَرْتُها لِأُمَّتِي، فَهي نائِلَةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِمَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» “ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ فَضَّلَهُ بِهَذِهِ الفَضائِلِ عَلى غَيْرِهِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى: إنَّ كُلَّ أمِيرٍ فَإنَّهُ تَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلى قَدْرِ رَعِيَّتِهِ، فالأمِيرُ الَّذِي تَكُونُ إمارَتُهُ عَلى قَرْيَةٍ تَكُونُ مُؤْنَتُهُ بِقَدْرِ تِلْكَ القَرْيَةِ، ومَن مَلَكَ الشَّرْقَ والغَرْبَ احْتاجَ إلى أمْوالٍ وذَخائِرَ أكْثَرَ مِن أمْوالِ أمِيرِ تِلْكَ القَرْيَةِ فَكَذَلِكَ كُلُّ رَسُولٍ بُعِثَ إلى قَوْمِهِ فَأُعْطِيَ مِن كُنُوزِ التَّوْحِيدِ وجَواهِرِ المَعْرِفَةِ عَلى قَدْرِ ما حَمَلَ مِنَ الرِّسالَةِ، فالمُرْسَلُ إلى قَوْمِهِ في طَرَفٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الأرْضِ إنَّما يُعْطى مِن هَذِهِ الكُنُوزِ الرُّوحانِيَّةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ المَوْضِعِ، والمُرْسَلُ إلى كُلِّ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ إنْسِهِمْ وجِنِّهِمْ لا بُدَّ وأنْ يُعْطى مِنَ المَعْرِفَةِ بِقَدْرِ ما يُمْكِنُهُ أنْ يَقُومَ بِسَعْيِهِ بِأُمُورِ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ نِسْبَةُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى نُبُوَّةِ سائِرِ الأنْبِياءِ كَنِسْبَةِ كُلِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إلى مُلْكِ بَعْضِ البِلادِ المَخْصُوصَةِ، ولَمّا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ أُعْطِيَ مِن كُنُوزِ الحِكْمَةِ والعِلْمِ ما لَمْ يُعْطَ أحَدٌ قَبْلَهُ، فَلا جَرَمَ بَلَغَ في العِلْمِ إلى الحَدِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ قالَ تَعالى في حَقِّهِ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] وفي الفَصاحَةِ إلى أنْ قالَ: ”«أُوتِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ» “ وصارَ كِتابُهُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ وصارَتْ أُمَّتُهُ خَيْرَ الأُمَمِ.
الحُجَّةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: رَوى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِ ”النَّوادِرِ“: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ومُوسى نَجِيًّا، واتَّخَذَنِي حَبِيبًا، ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّي» “ .
الحُجَّةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: في ”الصَّحِيحَيْنِ“ عَنْ هَمّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنى بُيُوتًا فَأحْسَنَها وأجْمَلَها وأكْمَلَها إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ مِن زَواياها، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ ويُعْجِبُهُمُ البُنْيانُ فَيَقُولُونَ: ألا وضَعْتَ هَهُنا لَبِنَةً فَيَتِمَّ بِناؤُكَ ؟ فَقالَمُحَمَّدٌ: كُنْتُ أنا تِلْكَ اللَّبِنَةَ» “ .
الحُجَّةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ اللَّهَ تَعالى كُلَّما نادى نَبِيًّا في القُرْآنِ ناداهُ بِاسْمِهِ ﴿ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤]، ﴿يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١، ١٢] وأمّا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ ناداهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤ ]، ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] وذَلِكَ يُفِيدُ الفَضْلَ.
* * *
واحْتَجَّ المُخالِفُ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ كانَتْ أعْظَمَ مِن مُعْجِزاتِهِ، فَإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، وما كانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ، وأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُلْقِيَ في النِّيرانِ العَظِيمَةِ فانْقَلَبَتْ رَوْحًا ورَيْحانًا عَلَيْهِ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أُوتِيَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةَ، ومُحَمَّدٌ ما كانَ
صفحة ١٦٩
لَهُ مِثْلُها، وداوُدُ لانَ لَهُ الحَدِيدُ في يَدِهِ، وسُلَيْمانُ كانَ الجِنُّ والإنْسُ والطَّيْرُ والوَحْشُ والرِّياحُ مُسَخَّرِينَ لَهُ، وما كانَ ذَلِكَ حاصِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وعِيسى أنْطَقَهُ اللَّهُ في الطُّفُولِيَّةِ وأقْدَرَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وما كانَ ذَلِكَ حاصِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى إبْراهِيمَ في كِتابِهِ خَلِيلًا، فَقالَ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقالَ في مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقالَ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] وشَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَمْ يَقُلْهُ في حَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنَ مَتّى» “ وقالَ ﷺ: ”«لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ» “ .
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنّا في المَسْجِدِ نَتَذاكَرُ فَضْلَ الأنْبِياءِ فَذَكَرْنا نُوحًا بِطُولِ عِبادَتِهِ، وإبْراهِيمَ بِخُلَّتِهِ، ومُوسى بِتَكْلِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، وعِيسى بِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ، وقُلْنا: رَسُولُ اللَّهِ أفْضَلُ مِنهم، بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وغُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وهو خاتَمُ الأنْبِياءِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: فِيمَ أنْتُمْ ؟ فَذَكَرْنا لَهُ فَقالَ: ”لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَكُونَ خَيْرًا مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا“ وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ سَيِّئَةً قَطُّ ولَمْ يَهُمَّ بِها» .
والجَوابُ: أنَّ كَوْنَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: ”«آدَمُ ومَن دُونَهُ تَحْتَ لِوائِي يَوْمَ القِيامَةِ» “ وقالَ: ”«كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ» “ ونُقِلَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِرِكابِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ، وهَذا أعْظَمُ مِنَ السُّجُودِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى صَلّى بِنَفْسِهِ عَلى مُحَمَّدٍ، وأمَرَ المَلائِكَةَ والمُؤْمِنِينَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أفْضَلُ مِن سُجُودِ المَلائِكَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِسُجُودِ آدَمَ تَأْدِيبًا، وأمَرَهم بِالصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَقْرِيبًا.
والثّانِي: أنَّ الصَّلاةَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ دائِمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا سُجُودُ المَلائِكَةِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ إلّا مَرَّةً واحِدَةً.
الثّالِثُ: أنَّ السُّجُودَ لِآدَمَ إنَّما تَوَلّاهُ المَلائِكَةُ، وأمّا الصَّلاةُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّما تَوَلّاها رَبُّ العالَمِينَ، ثُمَّ أمَرَ بِها المَلائِكَةَ والمُؤْمِنِينَ.
والرّابِعُ: أنَّ المَلائِكَةَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ لِأجْلِ أنَّ نُورَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَبْهَةِ آدَمَ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى خَصَّ آدَمَ بِالعِلْمِ، فَقالَ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ في حَقِّهِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] وأيْضًا فَمُعَلِّمُ آدَمَ هو اللَّهُ تَعالى، قالَ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ [البقرة: ٣١] ومُعَلِّمُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] .
والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في عِلْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أدَّبَنِي رَبِّي فَأحْسَنَ تَأْدِيبِي» “، وقالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: («أرِنا الأشْياءَ كَما هي» ) وقالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وأمّا الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] فَذاكَ بِحَسَبِ التَّلْقِينِ، وأمّا التَّعْلِيمُ فَمِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] .
صفحة ١٧٠
فَإنْ قِيلَ: قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٤] وقالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ خُلُقَ نُوحٍ أحْسَنُ.
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [نوح: ١] فَكانَ أوَّلُ أمْرِهِ العَذابَ، وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقِيلَ فِيهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] فَكانَ عاقِبَةُ نُوحٍ أنْ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وعاقِبَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الشَّفاعَةَ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وأمّا سائِرُ المُعْجِزاتِ فَقَدْ ذُكِرَ في كُتُبِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ في مُقابَلَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنها مُعْجِزَةٌ أفْضَلُ مِنها لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا الكِتابُ لا يَحْتَمِلُ أكْثَرَ مِمّا ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنهُ مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، والهاءُ تُحْذَفُ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ (كَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ، والقِراءَةُ الأُولى أدَلُّ عَلى الفَضْلِ، لِأنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ فَإنَّهُ يُكَلِّمُ اللَّهَ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«المُصَلِّي مُناجٍ رَبَّهُ» “ إنَّما الشَّرَفُ في أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَرَأ اليَمانِيُّ: (كالَمَ اللَّهُ) مِنَ المُكالَمَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: كَلِيمُ اللَّهِ بِمَعْنى مُكالِمُهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ فالمَسْمُوعُ هو الكَلامُ القَدِيمُ الأزَلِيُّ، الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ أمْ غَيْرُهُ ؟ فَقالَ الأشْعَرِيُّ وأتْباعُهُ: المَسْمُوعُ هو ذَلِكَ فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَمْتَنِعْ رُؤْيَةُ ما لَيْسَ بِمُكَيَّفٍ، فَكَذا لا يُسْتَبْعَدُ سَماعُ ما لَيْسَ بِمُكَيَّفٍ، وقالَ الماتُرِيدِيُّ: سَماعُ ذَلِكَ الكَلامِ مُحالٌ، وإنَّما المَسْمُوعُ هو الحَرْفُ والصَّوْتُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُرادٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ قالُوا وقَدْ سَمِعَ مِن قَوْمِ مُوسى السَبْعُونَ المُخْتارُونَ وهُمُ الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وهَلْ سَمِعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنهم مَن قالَ: نَعَمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] .
فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ غايَةِ مَنقَبَةِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى، ولِهَذا السَّبَبِ لَمّا بالَغَ في تَعْظِيمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ثُمَّ جاءَ في القُرْآنِ مُكالَمَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ إبْلِيسَ، حَيْثُ قالَ: ﴿فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨] إلى آخِرِ هَذِهِ الآياتِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى مُكالَمَةٍ كَثِيرَةٍ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ إبْلِيسَ فَإنْ كانَ ذَلِكَ يُوجِبُ غايَةَ الشَّرَفِ فَكَيْفَ حَصَلَ لِإبْلِيسَ الذَّمُّ ؟ وإنْ لَمْ يُوجِبْ شَرَفًا فَكَيْفَ ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ التَّشْرِيفِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ؟
والجَوابُ: أنَّ قِصَّةَ إبْلِيسَ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قالَ تِلْكَ الجَواباتِ مَعَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ فَلَعَلَّ
صفحة ١٧١
الواسِطَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ أنَّ مَراتِبَ الرُّسُلِ مُتَفاوِتَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ولَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِثْلَهُ هَذِهِ الفَضِيلَةَ، وجَمَعَ لِداوُدَ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ ولَمْ يَحْصُلْ هَذا لِغَيْرِهِ، وسَخَّرَ لِسُلَيْمانَ الإنْسَ والجِنَّ والطَّيْرَ والرِّيحَ، ولَمْ يَكُنْ هَذا حاصِلًا لِأبِيهِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْصُوصٌ بِأنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى الجِنِّ والإنْسِ وبِأنَّ شَرْعَهُ ناسِخٌ لِكُلِّ الشَّرائِعِ، وهَذا إنْ حَمَلْنا الدَّرَجاتِ عَلى المَناصِبِ والمَراتِبِ، أمّا إذا حَمَلْناها عَلى المُعْجِزاتِ فَفِيهِ أيْضًا وجْهٌ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ أُوتِيَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ المُعْجِزَةِ لائِقًا بِزَمانِهِ، فَمُعْجِزاتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي قَلْبُ العَصا حَيَّةً، واليَدُ البَيْضاءُ، وفَلْقُ البَحْرِ، كانَ كالشَّبِيهِ بِما كانَ أهْلُ ذَلِكَ العَصْرِ مُتَقَدِّمِينَ فِيهِ وهو السِّحْرُ، ومُعْجِزاتُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي إبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وإحْياءُ المَوْتى، كانَتْ كالشَّبِيهِ بِما كانَ أهْلُ ذَلِكَ العَصْرِ مُتَقَدِّمِينَ فِيهِ، وهو الطِّبُّ، ومُعْجِزَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي القُرْآنُ كانَتْ مِن جِنْسِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ والخُطَبِ والأشْعارِ، وبِالجُمْلَةِ فالمُعْجِزاتُ مُتَفاوِتَةٌ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ، وبِالبَقاءِ وعَدَمِ البَقاءِ، وبِالقُوَّةِ وعَدَمِ القُوَّةِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِتَفاوُتِ الدَّرَجاتِ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، وهو كَثْرَةُ الأُمَّةِ والصَّحابَةِ وقُوَّةُ الدَّوْلَةِ، فَإذا تَأمَّلْتَ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ عَلِمْتَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ مُسْتَجْمِعًا لِلْكُلِّ فَمَنصِبُهُ أعْلى ومُعْجِزاتُهُ أبْقى وأقْوى وقَوْمُهُ أكْثَرُ ودَوْلَتُهُ أعْظَمُ وأوْفَرُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ هو المُفَضَّلُ عَلى الكُلِّ، وإنَّما قالَ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ والرَّمْزِ كَمَن فَعَلَ فِعْلًا عَظِيمًا فَيُقالُ لَهُ: مَن فَعَلَ هَذا؟ فَيَقُولُ: أحَدُكم أوْ بَعْضُكم ويُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ أفْخَمَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ، وسُئِلَ الحُطَيْئَةُ عَنْ أشْعَرِ النّاسِ، فَذَكَرَ زُهَيْرًا والنّابِغَةَ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ الثّالِثَ أرادَ نَفْسَهُ، ولَوْ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ نَفْسِي لَمْ يَبْقَ فِيهِ فَخامَةٌ.
فَإنْ قِيلَ: المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ هو المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ فَما الفائِدَةُ في التَّكْرِيرِ ؟ وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ كَلامٌ كُلِّيٌّ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ تِلْكَ الجُمْلَةِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ إعادَةٌ لِذَلِكَ الكُلِّيِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ إعادَةَ الكَلامِ بَعْدَ الشُّرُوعِ في تَفْصِيلِ جُزْئِيّاتِهِ يَكُونُ مُسْتَدْرَكًا.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ تَفْضِيلِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَأمّا أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ حَصَلَ بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ أوْ بِدَرَجاتٍ قَلِيلَةٍ فَلَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ فَلَمْ يَكُنْ تَكْرِيرًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ ثُمَّ عَدَلَ عَنْ هَذا النَّوْعِ مِنَ الكَلامِ إلى المُغايَبَةِ فَقالَ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ ثُمَّ عَدَلَ مِنَ المُغايَبَةِ إلى النَّوْعِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ فَما الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنِ المُخاطَبَةِ إلى المُغايَبَةِ ثُمَّ عَنْها إلى المُخاطَبَةِ مَرَّةً أُخْرى ؟ .
صفحة ١٧٢
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أهْيَبُ وأكْثَرُ وقْعًا مِن أنْ يُقالَ: مِنهم مَن كَلَّمْنا، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فَلِهَذا المَقْصُودِ اخْتارَ لَفْظَةَ الغَيْبَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ فَإنَّما اخْتارَ لَفْظَ المُخاطَبَةِ، لِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (وآتَيْنا) ضَمِيرُ التَّعْظِيمِ، وتَعْظِيمُ المُؤْتى يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ الإيتاءِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ مُوسى وعِيسى مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ بِالذِّكْرِ ؟ وهَلْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما أفْضَلُ مِن غَيْرِهِما ؟
والجَوابُ: سَبَبُ التَّخْصِيصِ أنَّ مُعْجِزاتِهِما أبَرُّ وأقْوى مِن مُعْجِزاتِ غَيْرِهِما وأيْضًا فَأُمَّتُهُما مَوْجُودُونَ حاضِرُونَ في هَذا الزَّمانِ وأُمَمُ سائِرِ الأنْبِياءِ لَيْسُوا مَوْجُودِينَ، فَتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ تَنْبِيهٌ عَلى الطَّعْنِ في أُمَّتِهِما، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذانِ الرَّسُولانِ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِهِما وكَثْرَةِ مُعْجِزاتِهِما لَمْ يَحْصُلِ الِانْقِيادُ مِن أُمَّتِهِما، بَلْ نازَعُوا وخالَفُوا، وعَنِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ في طاعَتِهِما أعْرَضُوا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: تَخْصِيصُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِإيتاءِ البَيِّناتِ، يَدُلُّ أوْ يُوهِمُ أنَّ إيتاءَ البَيِّناتِ ما حَصَلَ في غَيْرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَإنْ قُلْتَ: إنَّما خَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّ تِلْكَ البَيِّناتِ أقْوى ؟ فَنَقُولُ: إنَّ بَيِّناتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ أقْوى مِن بَيِّناتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ أقْوى فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ.
الجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى قُبْحِ أفْعالِ اليَهُودِ، حَيْثُ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ البَيِّناتِ اللّائِحَةِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: البَيِّناتُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهَذا المَقامِ.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: القُدُسُ تُثَقِّلُهُ أهْلُ الحِجازِ وتَخَفِّفُهُ تَمِيمٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: القُدُسُ هو اللَّهُ تَعالى، ورُوحُهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، والمَعْنى أعَنّاهُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في أوَّلِ أمْرِهِ وفي وسَطِهِ وفي آخِرِهِ، أمّا في أوَّلِ الأمْرِ فَلِقَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ وأمّا في وسَطِهِ فَلِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَهُ العُلُومَ، وحَفِظَهُ مِنَ الأعْداءِ، وأمّا في آخِرِ الأمْرِ فَحِينَ أرادَتِ اليَهُودُ قَتْلَهُ أعانَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفَعَهُ إلى السَّماءِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ رُوحَ القُدُسِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] .
والقَوْلُ الثّانِي: وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رُوحَ القُدُسِ هو الِاسْمُ الَّذِي كانَ يُحْيِي بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَوْتى.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ رُوحَ القُدُسِ الَّذِي أُيِّدَ بِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرُّوحَ الطّاهِرَةَ الَّتِي نَفَخَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وأبانَهُ بِها عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ خُلِقَ مِنِ اجْتِماعِ نُطْفَتَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٧٣
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذِهِ بِما قَبْلَها، هو أنَّ الرُّسُلَ بَعْدَما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ، ووَضَحَتْ لَهُمُ الدَّلائِلُ والبَراهِينُ، اخْتَلَفَتْ أقْوامُهم، فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ تَقاتَلُوا وتَحارَبُوا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ كُلَّ الحَوادِثِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَقْتَتِلُوا لَمْ يَقْتَتِلُوا، والمَعْنى أنَّ عَدَمَ الِاقْتِتالِ لازِمٌ لِمَشِيئَةِ عَدَمِ الِاقْتِتالِ، وعَدَمُ اللّازِمِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَلْزُومِ، فَحَيْثُ وُجِدَ الِاقْتِتالُ عَلِمْنا أنَّ مَشِيئَةَ عَدَمِ الِاقْتِتالِ مَفْقُودَةٌ، بَلْ كانَ الحاصِلُ هو مَشِيئَةَ الِاقْتِتالِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الِاقْتِتالَ مَعْصِيَةٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ والطّاعَةَ والعِصْيانَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ، وعَلى أنَّ قَتْلَ الكُفّارِ وقِتالَهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى.
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ أجابُوا عَنِ الِاسْتِدْلالِ، وقالُوا: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الكُفّارَ إذا قَتَلُوا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِغَلَبَةٍ مِنهم لِلَّهِ تَعالى، وهَذا المَقْصُودُ يَحْصُلُ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ لَأهْلَكَهم وأبادَهم أوْ يُقالُ: لَوْ شاءَ لَسَلَبَ القُوى والقُدَرَ مِنهم أوْ يُقالُ: لَوْ شاءَ لَمَنَعَهم مِنَ القِتالِ جَبْرًا وقَسْرًا وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ المُرادُ مِنهُ هَذِهِ الأنْواعُ مِنَ المَشِيئَةِ، وهَذا كَما يُقالُ: لَوْ شاءَ الإمامُ لَمْ يَعْبُدِ المَجُوسُ النّارَ في مَمْلَكَتِهِ، ولَمْ تَشْرَبِ النَّصارى الخَمْرَ، والمُرادُ مِنهُ المَشِيئَةُ الَّتِي ذَكَرْناها، وكَذا هَهُنا، ثُمَّ أكَّدَ القاضِي هَذِهِ الأجْوِبَةَ وقالَ: إذا كانَتِ المَشِيئَةُ تَقَعُ عَلى وُجُوهٍ، وتَنْتَفِي عَلى وُجُوهٍ؛ لَمْ يَكُنْ في الظّاهِرِ دَلالَةٌ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ، لا سِيَّما وهَذِهِ الأنْواعُ مِنَ المَشِيئَةِ مُتَبايِنَةٌ مُتَنافِيَةٌ.
والجَوابُ: أنَّ أنْواعَ المَشِيئَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ وتَبايَنَتْ إلّا أنَّها مُشْتَرِكَةٌ في عُمُومِ كَوْنِها مَشِيئَةً، والمَذْكُورُ في الآيَةِ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ هو المَشِيئَةُ مِن حَيْثُ إنَّها مَشِيئَةٌ، لا مِن حَيْثُ إنَّها مَشِيئَةٌ خاصَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا المُسَمّى حاصِلًا، وتَخْصِيصُ المَشِيئَةِ بِمَشِيئَةٍ خاصَّةٍ، وهي إمّا مَشِيئَةُ الهَلاكِ، أوْ مَشِيئَةُ سَلْبِ القُوى والقُدَرِ، أوْ مَشِيئَةُ القَهْرِ والإجْبارِ، تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ وهو غَيْرُ جائِزٍ، وكَما أنَّ هَذا التَّخْصِيصَ عَلى خِلافِ ظاهِرِ اللَّفْظِ فَهو عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ القاطِعِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا كانَ عالِمًا بِوُقُوعِ الِاقْتِتالِ، والعِلْمُ بِوُقُوعِ الِاقْتِتالِ حالَ عَدَمِ وُقُوعِ الِاقْتِتالِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ، وبَيْنَ السَّلْبِ والإيجابِ، فَحالُ حُصُولِ العِلْمِ بِوُجُودِ الِاقْتِتالِ لَوْ أرادَ عَدَمَ الِاقْتِتالِ لَكانَ قَدْ أرادَ الجَمْعَ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ عَلى ضِدِّ قَوْلِهِمْ، والبُرْهانُ القاطِعُ عَلى ضِدِّ قَوْلِهِمْ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ الآيَةِ أنَّ المَعْنى: ولَوْ شاءَ لَمْ يَخْتَلِفُوا، وإذا لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ يَقْتَتِلُوا، وإذا اخْتَلَفُوا فَلا جَرَمَ اقْتَتَلُوا، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الفِعْلَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الدّاعِي، لِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّ الِاخْتِلافَ يَسْتَلْزِمُ التَّقاتُلَ، والمَعْنى أنَّ اخْتِلافَهم في الدِّينِ يَدْعُوهم إلى المُقاتَلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقاتَلَةَ لا تَقَعُ إلّا لِهَذا الدّاعِي، وعَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ هَذا الدّاعِي وقَعَتِ المُقاتَلَةُ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ عِنْدَ عَدَمِ الدّاعِي، وواجِبٌ عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِي، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، لِأنَّ الدَّواعِيَ تَسْتَنِدُ لا مَحالَةَ إلى داعِيَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ في العَبْدِ دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً أيْضًا مِن هَذا الوَجْهِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في التَّكْرِيرِ ؟
قُلْنا: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّما كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ وتَكْذِيبًا لِمَن زَعَمَ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مِن
صفحة ١٧٤
عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَجْرِ بِهِ قَضاءٌ ولا قَدَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ فَيُوَفِّقُ مَن يَشاءُ ويَخْذُلُ مَن يَشاءُ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ واحْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِإيمانِ المُؤْمِنِينَ، وقالُوا: لِأنَّ الخَصْمَ يُساعِدُ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ المُؤْمِنِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ لِإيمانِ المُؤْمِنِ هو اللَّهَ تَعالى، وأيْضًا لِما دَلَّ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ، فَلَوْ كانَ يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُفّارِ لَفَعَلَ فِيهِمُ الإيمانَ، ولَكانُوا مُؤْمِنِينَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الإيمانَ مِنهم، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ، وعَلى مَسْألَةِ إرادَةِ الكائِناتِ، والمُعْتَزِلَةُ يُقَيِّدُونَ المُطْلَقَ ويَقُولُونَ: المُرادُ: يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ مِن أفْعالِ نَفْسِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى هَذا التَّقْيِيدِ تَصِيرُ الآيَةُ بَيانًا لِلْواضِحاتِ فَإنَّهُ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ.
الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ كَذَلِكَ، فَلا يَكُونُ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.