Tafsir Al-Razi — البقرة 2:254 – البقرة 2:281
المحتويات
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:277
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
البقرة 2:254
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ أصْعَبَ الأشْياءِ عَلى الإنْسانِ بَذْلُ النَّفْسِ في القِتالِ، وبَذْلُ المالِ في الإنْفاقِ، فَلَمّا قَدَّمَ الأمْرَ بِالقِتالِ أعْقَبَهُ بِالأمْرِ بِالإنْفاقِ، وأيْضًا فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالقِتالِ فِيما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] ثُمَّ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] والمَقْصُودُ مِنهُ إنْفاقُ المالِ في الجِهادِ، ثُمَّ إنَّهُ مَرَّةً ثانِيَةً أكَّدَ الأمْرَ بِالقِتالِ وذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَطالُوتَ، ثُمَّ أعْقَبَهُ بِالأمْرِ بِالإنْفاقِ في الجِهادِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا﴾ .
إذا عَرَفْتَ وجْهَ النَّظْمِ فَنَقُولُ: في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا عَلى أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا بِقَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ فَنَقُولُ: اللَّهُ تَعالى أمَرَ بِالإنْفاقِ مِن كُلِّ ما كانَ رِزْقًا بِالإجْماعِ أمّا ما كانَ حَرامًا فَإنَّهُ لا يَجُوزُ إنْفاقُهُ، وهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ حَرامًا، والأصْحابُ قالُوا: ظاهِرُ الآيَةِ وإنْ كانَ يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِإنْفاقِ كُلِّ ما كانَ رِزْقًا إلّا أنّا نُخَصِّصُ هَذا الأمْرَ بِإنْفاقِ كُلِّ ما كانَ رِزْقًا حَلالًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: (أنْفِقُوا) مُخْتَصٌّ بِالإنْفاقِ الواجِبِ كالزَّكاةِ، أمْ هو عامٌّ في كُلِّ الإنْفاقاتِ؛ سَواءٌ كانَتْ واجِبَةً أوْ مَندُوبَةً، فَقالَ الحَسَنُ: هَذا الأمْرُ مُخْتَصٌّ بِالزَّكاةِ، قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ﴾ كالوَعْدِ والوَعِيدِ لا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى الواجِبِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هَذا الأمْرُ يَتَناوَلُ الواجِبَ والمَندُوبَ، ولَيْسَ في الآيَةِ وعِيدٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: حَصِّلُوا مَنافِعَ الآخِرَةِ حِينَ تَكُونُونَ في الدُّنْيا، فَإنَّكم
صفحة ١٧٥
إذا خَرَجْتُمْ مِنَ الدُّنْيا لا يُمْكِنُكم تَحْصِيلُها واكْتِسابُها في الآخِرَةِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الإنْفاقُ في الجِهادِ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَذْكُورٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالجِهادِ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ الإنْفاقَ في الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (لا بَيْعَ ولا خُلَّةَ ولا شَفاعَةَ) بِالنَّصْبِ، وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] وفي الطُّورِ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] والباقُونَ جَمِيعًا بِالرَّفْعِ، والفَرْقُ بَيْنَ النَّصْبِ والرَّفْعِ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ يَجِيءُ وحْدَهُ، ولا يَكُونُ مَعَهُ شَيْءٌ مِمّا حَصَّلَهُ في الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقالَ: ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ البَيْعَ هَهُنا بِمَعْنى الفِدْيَةِ، كَما قالَ: ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥]، وقالَ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] وقالَ: ﴿وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ [الأنعام: ٧٠] فَكَأنَّهُ قالَ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تِجارَةَ فِيهِ فَتَكْتَسِبَ ما تَفْتَدِي بِهِ مِنَ العَذابِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: قَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِنَ المالِ الَّذِي هو في مِلْكِكم قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ اليَوْمُ الَّذِي لا يَكُونُ فِيهِ تِجارَةٌ ولا مُبايَعَةٌ حَتّى يُكْتَسَبَ شَيْءٌ مِنَ المالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا خُلَّةٌ﴾ فالمُرادُ المَوَدَّةُ، ونَظِيرُهُ مِنَ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] وقالَ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]، وقالَ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ الشَّفاعاتِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ عامٌّ في الكُلِّ، إلّا أنَّ سائِرَ الدَّلائِلِ دَلَّتْ عَلى ثُبُوتِ المَوَدَّةِ والمَحَبَّةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وعَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] .
واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ في عَدَمِ الخُلَّةِ والشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَكُونُ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] .
والثّانِي: أنَّ الخَوْفَ الشَّدِيدَ غالِبٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ، عَلى ما قالَ: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] .
والثّالِثُ: أنَّهُ إذا نَزَلَ العَذابُ بِسَبَبِ الكُفْرِ والفِسْقِ صارَ مُبَغِّضًا لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وإذا صارَ مُبَغِّضًا لَهُما صارَ مُبَغِّضًا لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِهِما.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَنُقِلَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ولَمْ يُقِلِ: الظّالِمُونَ هُمُ الكافِرُونَ، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ أوْهَمَ ذَلِكَ نَفْيَ الخُلَّةِ والشَّفاعَةِ مُطْلَقًا، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَهُ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ النَّفْيَ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَصِيرُ الآيَةُ دالَّةً
صفحة ١٧٦
عَلى إثْباتِ الشَّفاعَةِ في حَقِّ الفُسّاقِ، قالَ القاضِي: هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ فَلَمْ يَجِبْ تَعْلِيقُهُ بِما تَقَدَّمَ.
والجَوابُ: أنّا لَوْ جَعَلْنا هَذا الكَلامَ مُبْتَدَأً تَطَرَّقَ الخُلْفُ إلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لَأنَّ غَيْرَ الكافِرِينَ قَدْ يَكُونُ ظالِمًا، أمّا إذا عَلَّقْناهُ بِما تَقَدَّمَ زالَ الإشْكالُ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى تَعْلِيقِهِ بِما قَبْلَهُ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ الكافِرِينَ إذا دَخَلُوا النّارَ عَجَزُوا عَنِ التَّخَلُّصِ عَنْ ذَلِكَ العَذابِ، فاللَّهُ تَعالى لَمْ يَظْلِمْهم بِذَلِكَ العَذابِ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ اخْتارُوا الكُفْرَ والفِسْقَ حَتّى صارُوا مُسْتَحِقِّينَ لِهَذا العَذابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] .
والتَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ الكافِرِينَ هُمُ الظّالِمُونَ حَيْثُ تَرَكُوا تَقْدِيمَ الخَيْراتِ لِيَوْمِ فاقَتِهِمْ وحاجَتِهِمْ، وأنْتُمْ أيُّها الحاضِرُونَ لا تَقْتَدُوا بِهِمْ في هَذا الِاخْتِيارِ الرَّدِيءِ، ولَكِنْ قَدِّمُوا لِأنْفُسِكم ما تَجْعَلُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فِدْيَةً لِأنْفُسِكم مِن عَذابِ اللَّهِ.
والتَّأْوِيلُ الرّابِعُ: الكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِوَضْعِ الأُمُورِ في غَيْرِ مَواضِعِها، لِتَوَقُّعِهِمُ الشَّفاعَةَ مِمَّنْ لا يَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في الأوْثانِ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وقالُوا أيْضًا: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى فَمَن عَبَدَ جَمادًا وتَوَقَّعَ أنْ يَكُونَ شَفِيعًا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ حَيْثُ تَوَقَّعَ الخَيْرَ مِمَّنْ لا يَجُوزُ التَّوَقُّعُ مِنهُ.
والتَّأْوِيلُ الخامِسُ: المُرادُ مِنَ الظُّلْمِ تَرْكُ الإنْفاقِ، قالَ تَعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أيْ: أعْطَتْ ولَمْ تَمْنَعْ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: والكافِرُونَ التّارِكُونَ لِلْإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأمّا المُسْلِمُ فَلا بُدَّ وأنْ يُنْفِقَ مِنهُ شَيْئًا قَلَّ أوْ كَثُرَ.
والتَّأْوِيلُ السّادِسُ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ البالِغُونَ المَبْلَغَ العَظِيمَ فِيهِ كَما يُقالُ: العُلَماءُ هُمُ المُتَكَلِّمُونَ أيْ هُمُ الكامِلُونَ في العِلْمِ، فَكَذا هَهُنا، وأكْثَرُ هَذِهِ الوُجُوهِ قَدْ ذَكَرَها القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:255
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مِن عادَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ أنَّهُ يَخْلِطُ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ بَعْضَها بِالبَعْضِ، أعْنِي عِلْمَ التَّوْحِيدِ، وعِلْمَ الأحْكامِ، وعِلْمَ القَصَصِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ القَصَصِ إمّا تَقْرِيرُ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وإمّا المُبالَغَةُ في إلْزامِ الأحْكامِ والتَّكالِيفِ، وهَذا الطَّرِيقُ هو الطَّرِيقُ الأحْسَنُ لا إبْقاءُ الإنْسانِ في النَّوْعِ الواحِدِ لِأنَّهُ يُوجِبُ المَلالَ، فَأمّا إذا انْتَقَلَ مِن نَوْعٍ مِنَ العُلُومِ إلى نَوْعٍ آخَرَ فَكَأنَّهُ يَشْرَحُ بِهِ الصَّدْرَ ويُفْرِحُ بِهِ القَلْبَ، فَكَأنَّهُ سافَرَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ آخَرَ وانْتَقَلَ مِن بُسْتانٍ إلى بُسْتانٍ آخَرَ، وانْتَقَلَ مِن تَناوُلِ طَعامٍ لَذِيذٍ إلى تَناوُلِ نَوْعٍ آخَرَ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَكُونُ ألَذَّ وأشْهى، ولَمّا ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ مِن عِلْمِ الأحْكامِ ومِن عِلْمِ القَصَصِ ما رَآهُ مَصْلَحَةً ذَكَرَ الآنَ ما يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ التَّوْحِيدِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في فَضائِلِ هَذِهِ الآيَةِ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما قُرِئَتْ هَذِهِ الآيَةُ في دارٍ إلّا اهْتَجَرَتْها الشَّياطِينُ ثَلاثِينَ يَوْمًا ولا يَدْخُلُها ساحِرٌ ولا ساحِرَةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً» “ وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم عَلى أعْوادِ المِنبَرِ وهو يَقُولُ: ”«مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ إلّا المَوْتُ، ولا يُواظِبُ عَلَيْها إلّا صِدِّيقٌ أوْ عابِدٌ، ومَن قَرَأها إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ أمَّنَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ وجارِهِ وجارِ جارِهِ والأبْياتِ الَّتِي حَوْلَهُ» “ «وتَذاكَرَ الصَّحابَةُ أفْضَلَ ما في القُرْآنِ فَقالَ لَهم عَلِيٌّ: أيْنَ أنْتُمْ مِن آيَةِ الكُرْسِيِّ ؟ ثُمَّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا عَلِيُّ، سَيِّدُ البَشَرِ آدَمُ، وسَيِّدُ العَرَبِ مُحَمَّدٌ ولا فَخْرَ، وسَيِّدُ الكَلامِ القُرْآنُ، وسَيِّدُ
صفحة ٤
القُرْآنِ البَقَرَةُ، وسَيِّدُ البَقَرَةِ آيَةُ الكُرْسِيِّ“» . «وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قاتَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْظُرُ ماذا يَصْنَعُ، قالَ: فَجِئْتُ وهو ساجِدٌ يَقُولُ: يا حَيُّ يا قَيُّومُ، لا يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إلى القِتالِ ثُمَّ جِئْتُ وهو يَقُولُ ذَلِكَ، فَلا أزالُ أذْهَبُ وأرْجِعُ وأنْظُرُ إلَيْهِ، وكانَ لا يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ» .
واعْلَمْ أنَّ الذِّكْرَ والعِلْمَ يَتْبَعانِ المَذْكُورَ والمَعْلُومَ، فَكُلَّما كانَ المَذْكُورُ والمَعْلُومُ أشْرَفَ كانَ الذِّكْرُ والعِلْمُ أشْرَفَ، وأشْرَفُ المَذْكُوراتِ والمَعْلُوماتِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، بَلْ هو مُتَعالٍ عَنْ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي نَوْعَ مُجانَسَةٍ ومُشاكَلَةٍ، وهو مُقَدَّسٌ عَنْ مُجانَسَةِ ما سِواهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ كُلُّ كَلامٍ اشْتَمَلَ عَلى نُعُوتِ جَلالِهِ وصِفاتِ كِبْرِيائِهِ، كانَ ذَلِكَ الكَلامُ في نِهايَةِ الجَلالِ والشَّرَفِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ بالِغَةً في الشَّرَفِ إلى أقْصى الغاياتِ وأبْلَغِ النِّهاياتِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ لَفْظَةِ ”اللَّهِ“ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الكِتابِ، وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٣] بَقِيَ هَهُنا أنْ نَتَكَلَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أعْظَمُ أسْماءِ اللَّهِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وما رَوَيْنا أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ ما كانَ يَزِيدُ عَلى ذِكْرِهِ في السُّجُودِ يَوْمَ بَدْرٍ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ هَذا الِاسْمِ، والبَراهِينُ العَقْلِيَّةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّتِهِ. وتَقْرِيرُهُ -ومِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقُ-: أنَّهُ لا شَكَّ في وُجُودِ المَوْجُوداتِ فَهي إمّا أنْ تَكُونَ بِأسْرِها مُمْكِنَةً، وإمّا أنْ تَكُونَ بِأسْرِها واجِبَةً، وإمّا أنْ تَكُونَ بَعْضُها مُمْكِنَةً وبَعْضُها واجِبَةً لا جائِزٌ أنْ تَكُونَ بِأسْرِها مُمْكِنَةً؛ لِأنَّ كُلَّ مَجْمُوعٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ هَذا المَجْمُوعِ مُمْكِنٌ، والمُفْتَقِرُ إلى المُمْكِنِ أوْلى بِالإمْكانِ، فَهَذا المَجْمُوعُ مُمْكِنٌ بِذاتِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ مُمْكِنٌ فَإنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ وجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ إلّا لِمُرَجَّحٍ مُغايِرٍ لَهُ، فَهَذا المَجْمُوعُ مُفْتَقِرٌ بِحَسَبِ كَوْنِهِ مَجْمُوعًا وبِحَسَبِ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ إلى مُرَجَّحٍ مُغايِرٍ لَهُ، وكُلُّ ما كانَ مُغايِرًا لِكُلِّ المُمْكِناتِ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا فَقَدْ وُجِدَ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ، فَبَطَلَ القَوْلُ بِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُمْكِنٌ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي وهو أنْ يُقالَ: المَوْجُوداتُ بِأسْرِها واجِبَةٌ فَهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ وُجُودانِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما واجِبٌ لِذاتِهِ لَكانا مُشْتَرِكَيْنِ في الوُجُوبِ بِالذّاتِ ومُتَغايِرَيْنِ بِالنَّفْيِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ مُغايِرٌ لِما بِهِ المُمايَزَةُ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا في الوُجُوبِ الَّذِي بِهِ المُشارَكَةُ، ومِنَ الغَيْرِ الَّذِي بِهِ المُمايَزَةُ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن جُزْئِهِ وجُزْءِ غَيْرِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَلَوْ كانَ واجِبُ الوُجُودِ أكْثَرَ مِن واحِدٍ لَما كانَ شَيْءٌ مِنها واجِبَ الوُجُودِ، وذَلِكَ مُحالٌ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ في مَجْمُوعِ المَوْجُوداتِ مَوْجُودٌ واحِدٌ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وأنَّ كُلَّ ما عَداهُ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مَوْجُودٌ بِإيجادِ ذَلِكَ المَوْجُودِ الَّذِي هو واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ فالواجِبُ لِذاتِهِ مَوْجُودٌ لِذاتِهِ وبِذاتِهِ، ومُسْتَغْنٍ في وُجُودِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وأمّا كُلُّ ما سِواهُ فَمُفْتَقِرٌ في وُجُودِهِ وماهِيَّتِهِ إلى إيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ قائِمٌ بِذاتِهِ، وسَبَبٌ لِتَقَوُّمِ كُلِّ ما سِواهُ في ماهِيَّتِهِ وفي وجُودِهِ، فَهو القَيُّومُ الحَيُّ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ المَوْجُوداتِ، فالقَيُّومُ هو المُتَقَوِّمُ بِذاتِهِ، المُقَوِّمُ لِكُلِّ ما عَداهُ في ماهِيَّتِهِ ووُجُودِهِ، ولَمّا كانَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ كانَ هو القَيُّومَ الحَقَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كانَ المُؤَثِّرُ في الغَيْرِ إمّا أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ العِلْيَةِ والإيجابِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الفِعْلِ والِاخْتِيارِ، لا جَرَمَ أزالَ وهْمَ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا بِالعِلْيَةِ والإيجابِ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَإنَّ الحَيَّ هو الدَّرّاكُ
صفحة ٥
الفَعّالُ، فَبِقَوْلِهِ: (الحَيُّ) دَلَّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا قادِرًا، وبِقَوْلِهِ: (القَيُّومُ) دَلَّ عَلى كَوْنِهِ قائِمًا بِذاتِهِ ومُقَوِّمًا لِكُلِّ ما عَداهُ، ومِن هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ تَتَشَعَّبُ جَمِيعُ المَسائِلِ المُعْتَبَرَةِ في عِلْمِ التَّوْحِيدِ.
فَأوَّلُها: أنَّ واجِبَ الوُجُودِ واحِدٌ بِمَعْنى أنَّ ماهِيَّتَهُ غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ مِنَ الأجْزاءِ. وبُرْهانُهُ أنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَإنَّهُ مُفْتَقِرٌ في تَحَقُّقِهِ إلى تَحَقُّقِ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وجُزْؤُهُ غَيْرُهُ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُتَقَوِّمٌ بِغَيْرِهِ، والمُتَقَوِّمُ بِغَيْرِهِ لا يَكُونُ مُتَقَوِّمًا بِذاتِهِ، فَلا يَكُونُ قَيُّومًا، وقَدْ بَيَّنّا بِالبُرْهانِ أنَّهُ قَيُّومٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى في ذاتِهِ واحِدٌ، فَهَذا الأصْلُ لَهُ لازِمانِ: أحَدُهُما: أنَّ واجِبَ الوُجُودِ واحِدٌ، بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ شَيْئانِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما واجِبٌ لِذاتِهِ، إذْ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ لاشْتَرَكا في الوُجُوبِ وتَبايَنا في التَّعَيُّنِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في ذاتِهِ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ، وقَدْ بَيَّنّا بَيانَ أنَّهُ مُحالٌ.
اللّازِمُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا امْتَنَعَ في حَقِيقَتِهِ أنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِن جُزْأيْنِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ مُتَحَيِّزًا؛ لِأنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَهو مُنْقَسِمٌ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ التَّرْكِيبَ عَلَيْهِ مُمْتَنِعٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ امْتَنَعَ كَوْنُهُ في الجِهَةِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْمُتَحَيِّزِ إلّا ما يُمْكِنُ أنْ يُشارَ إلَيْهِ إشارَةً حِسِّيَّةً، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولَيْسَ في الجِهَةِ، امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ لَهُ أعْضاءٌ وحَرَكَةٌ وسُكُونٌ.
وثانِيها: أنَّهُ لَمّا كانَ قَيُّومًا كانَ قائِمًا بِذاتِهِ، وكَوْنُهُ قائِمًا بِذاتِهِ يَسْتَلْزِمُ أُمُورًا:
اللّازِمُ الأوَّلُ: أنْ لا يَكُونَ عَرَضًا في مَوْضُوعٍ، ولا صُورَةً في مادَّةٍ، ولا حالًا في مَحَلٍّ أصْلًا؛ لِأنَّ الحالَ مُفْتَقِرٌ إلى المَحَلِّ، والمُفْتَقِرُ إلى الغَيْرِ لا يَكُونُ قَيُّومًا بِذاتِهِ.
واللّازِمُ الثّانِي: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا مَعْنى لِلْعِلْمِ إلّا حُضُورُ حَقِيقَةِ المَعْلُومِ لِلْعالِمِ، فَإذا كانَ قَيُّومًا بِمَعْنى كَوْنِهِ قائِمًا بِنَفْسِهِ لا بِغَيْرِهِ كانَتْ حَقِيقَتُهُ حاضِرَةً عِنْدَ ذاتِهِ، وإذا كانَ لا مَعْنى لِلْعِلْمِ إلّا هَذا الحُضُورُ، وجَبَ أنْ تَكُونَ حَقِيقَتُهُ مَعْلُومَةً لِذاتِهِ فَإذَنْ ذاتُهُ مَعْلُومَةٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما عَداهُ فَإنَّهُ إنَّما يَحْصُلُ بِتَأْثِيرِهِ، ولِأنّا بَيَّنّا أنَّهُ قَيُّومٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ، وذَلِكَ التَّأْثِيرُ إنْ كانَ بِالِاخْتِيارِ فالفاعِلُ المُخْتارُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَهُ شُعُورٌ بِفِعْلِهِ، وإنْ كانَ بِالإيجابِ لَزِمَ أيْضًا كَوْنُهُ عالِمًا بِكُلِّ ما سِواهُ؛ لِأنَّ ذاتَهُ مُوجِبَةٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، وقَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ قائِمًا بِالنَّفْسِ لِذاتِهِ كَوْنُهُ عالِمًا بِذاتِهِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَعَلى التَّقْدِيراتِ كُلِّها يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ قَيُّومًا كَوْنُهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ.
وثالِثُها: لَمّا كانَ قَيُّومًا لِكُلِّ ما سِواهُ كانَ كُلُّ ما سِواهُ مُحْدَثًا؛ لِأنَّ تَأْثِيرَهُ في تَقْوِيمِ ذَلِكَ الغَيْرِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ حالَ بَقاءِ ذَلِكَ الغَيْرِ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، فَهو إمّا حالُ عَدَمِهِ وإمّا حالُ حُدُوثِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُحْدَثًا.
ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا كانَ قَيُّومًا لِكُلِّ المُمْكِناتِ اسْتَنَدَتْ كُلُّ المُمْكِناتِ إلَيْهِ إمّا بِواسِطَةٍ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ كانَ القَوْلُ بِالقَضاءِ والقَدْرِ حَقًّا، وهَذا مِمّا قَدْ فَصَّلْناهُ وأوْضَحْناهُ في هَذا الكِتابِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، فَأنْتَ إنْ ساعَدَكَ التَّوْفِيقُ وتَأمَّلْتَ في هَذِهِ المَعاقِدِ الَّتِي ذَكَرْناها عَلِمْتَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الإحاطَةِ بِشَيْءٍ مِنَ المَسائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعِلْمِ الإلَهِيِّ إلّا بِواسِطَةِ كَوْنِهِ تَعالى حَيًّا قَيُّومًا، فَلا جَرَمَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الأعْظَمُ هو هَذا، وأمّا سائِرُ الآياتِ الإلَهِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٣] وقَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ﴾
صفحة ٦
﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] فَفِيهِ بَيانُ التَّوْحِيدِ بِمَعْنى نَفْيِ الضِّدِّ والنِّدِّ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَفِيهِ بَيانُ التَّوْحِيدِ بِمَعْنى نَفْيِ الضِّدِّ والنِّدِّ، وبِمَعْنى أنَّ حَقِيقَتَهُ غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ مِنَ الأجْزاءِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأعْرافِ: ٥٤] فَفِيهِ بَيانُ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ وحْدَةِ الحَقِيقَةِ، أمّا قَوْلُهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ قَيُّومًا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قائِمًا بِذاتِهِ، وأنْ يَكُونَ مُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ، وكَوْنُهُ قائِمًا بِذاتِهِ يَقْتَضِي الوَحْدَةَ بِمَعْنى نَفْيِ الكَثْرَةِ في حَقِيقَتِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي الوَحْدَةَ بِمَعْنى نَفْيِ الضِّدِّ والنِّدِّ، ويَقْتَضِي نَفْيَ التَّحَيُّزِ، وبِواسِطَتِهِ يَقْتَضِي نَفْيَ الجِهَةِ. وأيْضًا كَوْنُهُ قَيُّومًا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ يَقْتَضِي حُدُوثَ كُلِّ ما سِواهُ جِسْمًا كانَ أوْ رُوحًا عَقْلًا كانَ أوْ نَفْسًا، ويَقْتَضِي اسْتِنادَ الكُلِّ إلَيْهِ وانْتِهاءَ جُمْلَةِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ إلَيْهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَوْلَ بِالقَضاءِ والقَدْرِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ كالمُحِيطَيْنِ بِجَمِيعِ مَباحِثِ العِلْمِ الإلَهِيِّ، فَلا جَرَمَ بَلَغَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الشَّرَفِ إلى المَقْصِدِ الأقْصى، واسْتَوْجَبَ أنْ يَكُونَ هو الِاسْمَ الأعْظَمَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ لا يَغْفُلُ عَنْ تَدْبِيرِ الخَلْقِ، لِأنَّ القَيِّمَ بِأمْرِ الطِّفْلِ لَوْ غَفَلَ عَنْهُ ساعَةً لاخْتَلَّ أمْرُ الطِّفْلِ، فَهو سُبْحانُهُ قَيِّمُ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، وقَيُّومُ المُمْكِناتِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَغْفُلَ عَنْ تَدْبِيرِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِبَيانِ كَوْنِهِ تَعالى قائِمًا، وهو كَما يُقالُ لِمَن ضَيَّعَ وأهْمَلَ: إنَّكَ لَوَسْنانٌ نائِمٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ قَيُّومًا بِمَعْنى كَوْنِهِ قائِمًا بِذاتِهِ، مُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ، رَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا وهو قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لِأنَّهُ لَمّا كانَ كُلُّ ما سِواهُ إنَّما تَقَوَّمَتْ ماهِيَّتُهُ، وإنَّما يَحْصُلُ وُجُودُهُ بِتَقْوِيمِهِ وتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما سِواهُ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ثُمَّ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ هو المَلِكُ والمالِكُ لِكُلِّ ما سِواهُ، ثَبَتَ أنَّ حُكْمَهُ في الكُلِّ جارٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ حُكْمٌ إلّا بِإذْنِهِ وأمْرِهِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ مالِكًا لِلْكُلِّ، أنْ لا يَكُونَ لِغَيْرِهِ في مُلْكِهِ تَصَرُّفٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ عالِمًا بِالكُلِّ وكَوْنِ غَيْرِهِ غَيْرَ عالِمٍ بِالكُلِّ، أنْ لا يَكُونَ لِغَيْرِهِ في مُلْكِهِ تَصَرُّفٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِإذْنِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ عالِمًا بِالكُلِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِ غَيْرِهِ غَيْرَ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا بَيَّنَ كَمالَ مُلْكِهِ وحُكْمِهِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، بَيَّنَ أنَّ مُلْكَهُ فِيما وراءَ السَّماواتِ والأرْضِ أعْظَمُ وأجَلُّ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا تَصِلُ إلَيْهِ أوْهامُ المُتَوَهِّمِينَ ويَنْقَطِعُ دُونَ الِارْتِقاءِ إلى أدْنى دَرَجَةٍ مِن دَرَجاتِها تَخَيُّلاتُ المُتَخَيِّلِينَ، فَقالَ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ نَفاذَ حُكْمِهِ ومُلْكِهِ في الكُلِّ عَلى نَعْتٍ واحِدٍ، وصُورَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ قَيُّومًا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَوِّمًا لِلْمُحْدَثاتِ والمُمْكِناتِ والمَخْلُوقاتِ، بَيَّنَ كَوْنَهُ قَيُّومًا بِمَعْنى قائِمًا بِنَفْسِهِ وذاتِهِ، مُنَزَّهًا عَنِ الِاحْتِياجِ إلى غَيْرِهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، فَتَعالى عَنْ أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا حَتّى يَحْتاجَ إلى مَكانٍ، أوْ مُتَغَيِّرًا حَتّى يَحْتاجَ إلى زَمانٍ، فَقالَ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ فالمُرادُ مِنهُ العُلُوُّ والعَظَمَةُ، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ولا يُنْسَبُ إلى غَيْرِهِ في صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ ولا في نَعْتٍ مِنَ النُّعُوتِ، فَقالَ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ إشارَةً إلى ما بَدَأ بِهِ في الآيَةِ مِن كَوْنِهِ قَيُّومًا بِمَعْنى كَوْنِهِ قائِمًا بِذاتِهِ مُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ. ومَن أحاطَ عَقْلُهُ بِما ذَكَرْنا عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ العُقُولِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ كَلامٌ أكْمَلَ ولا بُرْهانٌ أوْضَحَ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ.
* * *
صفحة ٧
وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الأسْرارَ، فَلْنَرْجِعْ إلى ظاهِرِ التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: (اللَّهُ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: الإلَهُ هو المَعْبُودُ. وهو خَطَأٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كانَ إلَهًا في الأزَلِ، وما كانَ مَعْبُودًا.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ مَعْبُودًا سِواهُ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٨] بَلِ الإلَهُ هو القادِرُ عَلى ما إذا فَعَلَهُ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: (الحَيُّ) فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الحَيُّ أصْلُهُ حَيِيٌ كَقَوْلِهِ: حَذِرٌ وطَمِعٌ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ عِنْدَ اجْتِماعِهِما، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أصْلُهُ الحَيْوُ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ ثُمَّ كانَ السّابِقُ ساكِنًا فَجُعِلَتا ياءً مُشَدَّدَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُتَكَلِّمُونَ: الحَيُّ كُلُّ ذاتٍ يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويَقْدِرَ، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا المَفْهُومَ صِفَةٌ مَوْجُودَةٌ أمْ لا، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ بِحَيْثُ لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ يَعْلَمُ ويَقْدِرُ، وعَدَمُ الِامْتِناعِ لا يَكُونُ صِفَةً مَوْجُودَةً، وقالَ المُحَقِّقُونَ: ولَمّا كانَتِ الحَياةُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الِامْتِناعِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الِامْتِناعَ أمْرٌ عَدَمِيٌّ، إذْ لَوْ كانَ وصْفًا مَوْجُودًا لَكانَ المَوْصُوفُ بِهِ مَوْجُودًا، فَيَكُونُ مُمْتَنِعُ الوُجُودِ مَوْجُودًا وهو مُحالٌ، وثَبَتَ أنَّ الِامْتِناعَ عَدَمٌ، وثَبَتَ أنَّ الحَياةَ عَدَمُ هَذا الِامْتِناعِ، وثَبَتَ أنَّ عَدَمَ العَدَمِ وُجُودٌ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ المَفْهُومُ مِنَ الحَياةِ صِفَةً مَوْجُودَةً وهو المَطْلُوبُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَمّا كانَ مَعْنى الحَيِّ هو أنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويَقْدِرَ، وهَذا القَدْرُ حاصِلٌ لِجَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَمْدَحَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِصِفَةٍ يُشارِكُهُ فِيها أخَسُّ الحَيَواناتِ؟
والَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ الحَيَّ في أصْلِ اللُّغَةِ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الصِّحَّةِ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ كانَ كامِلًا في جِنْسِهِ، فَإنَّهُ يُسَمّى حَيًّا، ألا تَرى أنَّ عِمارَةَ الأرْضِ الخَرِبَةِ تُسَمّى: إحْياءَ المَواتِ، وقالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الرُّومِ: ٥٠] وقالَ: ﴿إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ﴾ [فاطِرٍ: ٩] والصِّفَةُ المُسَمّاةُ في عُرْفِ المُتَكَلِّمِينَ، إنَّما سُمِّيَتْ بِالحَياةِ؛ لِأنَّ كَمالَ حالِ الجِسْمِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلا جَرَمَ سُمِّيَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ حَياةً؛ وكَمالُ حالِ الأشْجارِ أنْ تَكُونَ مُورِقَةً خَضِرَةً، فَلا جَرَمَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الحالَةُ حَياةً، وكَمالُ الأرْضِ أنْ تَكُونَ مَعْمُورَةً فَلا جَرَمَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الحالَةُ حَياةً، فَثَبَتَ أنَّ المَفْهُومَ الأصْلِيَّ مِن لَفْظِ الحَيِّ كَوْنُهُ واقِعًا عَلى أكْمَلِ أحْوالِهِ وصِفاتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَ الإشْكالُ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الحَيِّ هو الكامِلُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِأنَّهُ كامِلٌ في هَذا دُونَ ذاكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ كامِلٌ عَلى الإطْلاقِ، فَقَوْلُهُ: الحَيُّ يُفِيدُ كَوْنَهُ كامِلًا عَلى الإطْلاقِ، والكامِلُ هو أنْ لا يَكُونَ قابِلًا لِلْعَدَمِ لا في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ ولا في صِفاتِهِ النِّسْبِيَّةِ والإضافِيَّةِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا إنْ خَصَّصْنا القَيُّومَ بِكَوْنِهِ سَبَبًا لِتَقْوِيمِ غَيْرِهِ فَقَدْ زالَ الإشْكالُ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ سَبَبًا لِتَقْوِيمِ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُتَقَوِّمًا بِذاتِهِ، وكَوْنِهِ قَيُّومًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ، وإنْ جَعَلْنا القَيُّومَ اسْمًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ يَتَناوَلُ المُتَقَوِّمَ بِذاتِهِ والمُقَوِّمَ لِغَيْرِهِ كانَ لَفْظُ القَيُّومِ مُفِيدًا فائِدَةَ لَفْظِ الحَيِّ مَعَ زِيادَةٍ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٨
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (القَيُّومُ) فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القَيُّومُ في اللُّغَةِ مُبالَغَةٌ في القائِمِ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ ثُمَّ كانَ السّابِقُ ساكِنًا جُعِلَتا ياءً مُشَدَّدَةً، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى فَعُّولٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذا لَكانَ قَوُّومًا، وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: قَيُّومٌ وقَيّامٌ وقَيِّمٌ، ويُرْوى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: الحَيُّ القَيّامُ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ عِبْرِيَّةٌ لا عَرَبِيَّةٌ، لِأنَّهم يَقُولُونَ: حَيًّا قَيُّومًا. ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ لَهُ وجْهًا صَحِيحًا في اللُّغَةِ، ومِثْلُهُ: ما في الدّارِ دَيّارٌ ودَيُّورٌ ودَيِّرٌ، وهو مِنَ الدَّوَرانِ، أيْ: ما بِها خَلْقٌ يَدُورُ، يَعْنِي: يَجِيءُ ويَذْهَبُ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
قَدَّرَها المُهَيْمِنُ القَيُّومُ
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَتْ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ في هَذا البابِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: القَيُّومُ القائِمُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ قائِمٌ بِتَدْبِيرِ أمْرِ الخَلْقِ في إيجادِهِمْ، وفي أرْزاقِهِمْ، ونَظِيرُهُ مِنَ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٣] وقالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] إلى قَوْلِهِ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٤١] وهَذا القَوْلُ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى كَوْنِهِ مُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ، وقالَ الضَّحّاكُ: القَيُّومُ الدّائِمُ الوُجُودِ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ، وأقُولُ: هَذا القَوْلُ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى كَوْنِهِ قائِمًا بِنَفْسِهِ في ذاتِهِ وفي وُجُودِهِ، وقالَ بَعْضُهم: القَيُّومُ الَّذِي لا يَنامُ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ قَوْلَهُ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”السِّنَةُ“ ما يَتَقَدَّمُ مِنَ الفُتُورِ الَّذِي يُسَمّى النُّعاسَ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتِ السِّنَةُ عِبارَةً عَنْ مُقَدِّمَةِ النُّوَّمِ، فَإذا قالَ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَأْخُذُهُ نَوْمٌ بِطْرِيقِ الأوْلى، وكانَ ذِكْرُ النَّوْمِ تَكْرِيرًا.
قُلْنا: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَأْخُذَهُ النَّوْمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ دَلَّ عَلى أنَّ النَّوْمَ والسَّهْوَ والغَفْلَةَ مُحالاتٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ، إمّا أنْ تَكُونَ عِباراتٍ عَنْ عَدَمِ العِلْمِ، أوْ عَنْ أضْدادِ العِلْمِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَجَوازُ طَرَيانِها يَقْتَضِي جَوازَ زَوالِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَتْ ذاتُهُ تَعالى بِحَيْثُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عالِمًا، ويَصِحُّ أنْ لا يَكُونَ عالِمًا، فَحِينَئِذٍ يَفْتَقِرُ حُصُولُ صِفَةِ العِلْمِ لَهُ إلى الفاعِلِ، والكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ، والتَّسَلْسُلُ مُحالٌ فَلا بُدَّ وأنْ يَنْتَهِيَ إلى مَن يَكُونُ عِلْمُهُ صِفَةً واجِبَةَ الثُّبُوتِ مُمْتَنِعَةَ الزَّوالِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ النَّوْمُ والغَفْلَةُ والسَّهْوُ عَلَيْهِ مُحالًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُرْوى «عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ وقَعَ في نَفْسِهِ: هَلْ يَنامُ اللَّهُ تَعالى أمْ لا ؟ فَأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا فَأرَّقَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ أعْطاهُ قارُورَتَيْنِ في كُلِّ يَدٍ واحِدَةٍ، وأمَرَهُ بِالِاحْتِفاظِ بِهِما، وكانَ يَتَحَرَّزُ بِجُهْدِهِ إلى أنْ نامَ في آخِرِ الأمْرِ، فاصْطَفَقَتْ يَداهُ فانْكَسَرَتِ القارُورَتانِ، فَضَرَبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مَثَلًا لَهُ في بَيانِ أنَّهُ لَوْ كانَ يَنامُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى حِفْظِ السَّماواتِ والأرْضِ» .
صفحة ٩
واعْلَمْ أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُمْكِنُ نِسْبَتُهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مَن جَوَّزَ النَّوْمَ عَلى اللَّهِ أوْ كانَ شاكًّا في جَوازِهِ كانَ كافِرًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ نِسْبَةُ هَذا إلى مُوسى، بَلْ إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ، فالواجِبُ نِسْبَةُ هَذا السُّؤالِ إلى جُهّالِ قَوْمِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فالمُرادُ مِن هَذِهِ الإضافَةِ إضافَةُ الخَلْقِ والمُلْكِ، وتَقْدِيرُهُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ لَمّا كانَ واجِبُ الوُجُودِ واحِدًا كانَ ما عَداهُ مُمْكِنَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، وكُلُّ ما لَهُ مُؤَثِّرٌ فَهو مُحْدَثٌ، فَإذَنْ كُلُّ ما سِواهُ فَهو مُحْدَثٌ بِإحْداثِهِ مُبْدَعٌ بِإبْداعِهِ، فَكانَتْ هَذِهِ الإضافَةُ إضافَةَ المُلْكِ والإيجادِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَهُ مَن في السَّماواتِ ؟ .
قُلْنا: لَمّا كانَ المُرادُ إضافَةَ ما سِواهُ إلَيْهِ بِالمَخْلُوقِيَّةِ، وكانَ الغالِبُ عَلَيْهِ ما لا يَعْقِلُ، أجْرى الغالِبَ مَجْرى الكُلِّ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ ”ما“، وأيْضًا فَهَذِهِ الأشْياءُ إنَّما أُسْنِدَتْ إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّها مَخْلُوقَةٌ، وهي مِن حَيْثُ إنَّها مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ عاقِلَةٍ، فَعَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ”ما“ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الإضافَةِ إلَيْهِ الإضافَةُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الأصْحابَ قَدِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وأفْعالُ العِبادِ مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ مُنْتَسِبَةً إلى اللَّهِ تَعالى انْتِسابَ المِلْكِ والخَلْقِ، وكَما أنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى فالعَقْلُ يُؤَكِّدُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَتَرَجَّحُ إلّا بِتَأْثِيرٍ واجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وإلّا لَزِمَ تَرَجُّحُ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ وهو مُحالٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والنَّفْيُ، أيْ لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا بِأمْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزُّمَرِ: ٣] وقَوْلُهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يُونُسَ: ١٨] ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم لا يَجِدُونَ هَذا المَطْلُوبَ، فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يُونُسَ: ١٨] فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا شَفاعَةَ عِنْدَهُ لِأحَدٍ إلّا مَنِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا بِإذْنِهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: إنَّهُ تَعالى لا يَأْذَنُ في الشَّفاعَةِ لِغَيْرِ المُطِيعِينَ، إذْ كانَ لا يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ المَعْصِيَةِ، وطَوَّلَ في تَقْرِيرِهِ.
وأقُولُ: إنَّ هَذا القَفّالَ عَظِيمُ الرَّغْبَةِ في الِاعْتِزالِ حَسَنُ الِاعْتِقادِ في كَلِماتِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كانَ قَلِيلَ الإحاطَةِ بِأُصُولِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ مِن مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ مِنهم أنَّ العَفْوَ عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ حَسَنٌ في العُقُولِ، إلّا أنَّ السَّمْعَ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الِاسْتِدْلالُ العَقْلِيُّ عَلى المَنعِ مِنَ الشَّفاعَةِ في حَقِّ العُصاةِ خَطَأً عَلى قَوْلِهِمْ، بَلْ عَلى مَذْهَبِ الكَعْبِيِّ أنَّ العَفْوَ عَنِ المَعاصِي قَبِيحٌ عَقْلًا، فَإنْ كانَ القَفّالُ عَلى
صفحة ١٠
مَذْهَبِ الكَعْبِيِّ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ هَذا الِاسْتِدْلالُ، إلّا أنَّ الجَوابَ عَنْهُ يَرُدُّ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ العِقابَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى، ولِلْمُسْتَحِقِّ أنْ يُسْقِطَ حَقَّ نَفْسِهِ، بِخِلافِ الثَّوابِ فَإنَّهُ حَقُّ العَبْدِ فَلا يَكُونُ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُسْقِطَهُ، وهَذا الفَرْقُ ذَكَرَهُ البَصْرِيُّونَ في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ الكَعْبِيِّ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: لا يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي إنْ أرادَ بِهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ فَهو جَهْلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ سَوّى بَيْنَهُما في الخَلْقِ والحَياةِ والرِّزْقِ وإطْعامِ الطَّيِّباتِ والتَّمْكِينِ مِنَ المُراداتِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في كُلِّ الأُمُورِ فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ، فَكَيْفَ لا يَقُولُ ذَلِكَ والمُطِيعُ لا يَكُونُ لَهُ جَزَعٌ، ولا يَكُونُ خائِفًا مِنَ العِقابِ، والمُذْنِبُ يَكُونُ في غايَةِ الخَوْفِ، ورُبَّما يَدْخُلُ النّارَ ويَتَألَّمُ مُدَّةً، ثُمَّ يُخَلِّصُهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ العَذابِ بِشَفاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
واعْلَمْ أنَّ القَفّالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كانَ حَسَنَ الكَلامِ في التَّفْسِيرِ دَقِيقَ النَّظَرِ في تَأْوِيلاتِ الألْفاظِ إلّا أنَّهُ كانَ عَظِيمَ المُبالَغَةِ في تَقْرِيرِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ مَعَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الحَظِّ مِن عِلْمِ الكَلامِ قَلِيلَ النَّصِيبِ مِن مَعْرِفَةِ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الضَّمِيرُ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ فِيهِمُ العُقَلاءَ، أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ”مَن ذا“ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ ما كانَ قَبْلَهم مِن أُمُورِ الدُّنْيا ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ ما يَكُونُ بَعْدَهم مَن أمْرِ الآخِرَةِ.
والثّانِي: قالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي الآخِرَةَ لِأنَّهم يُقْدِمُونَ عَلَيْها ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ الدُّنْيا لِأنَّهم يَخْلُفُونَها وراءَ ظُهُورِهِمْ.
والثّالِثُ: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ يُرِيدُ ما في السَّماواتِ.
والرّابِعُ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ بَعْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: ما كانَ مِن قَبْلِ أنْ يَخْلُقَهم.
والخامِسُ: ما فَعَلُوا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وما يَفْعَلُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِأحْوالِ الشّافِعِ والمَشْفُوعِ لَهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِاسْتِحْقاقِ العِقابِ والثَّوابِ، لِأنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والشُّفَعاءُ لا يَعْلَمُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّ لَهم مِنَ الطّاعَةِ ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ هَذِهِ المَنزِلَةَ العَظِيمَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هَلْ أذِنَ لَهم في تِلْكَ الشَّفاعَةِ، وأنَّهم يَسْتَحِقُّونَ المَقْتَ والزَّجْرَ عَلى ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلائِقِ أنْ يُقْدِمَ عَلى الشَّفاعَةِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُمُ المَلائِكَةَ، وسائِرَ مَن يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالعِلْمِ هَهُنا المَعْلُومُ كَما يُقالُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا عِلْمَكَ فِينا، أيْ: مَعْلُومَكَ؛ وإذا ظَهَرَتْ آيَةٌ عَظِيمَةٌ قِيلَ: هَذِهِ قُدْرَةُ اللَّهِ، أيْ: مَقْدُورُهُ، والمَعْنى: أنَّ أحَدًا لا يُحِيطُ بِمَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ١١
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ الأصْحابِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى وهو ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، وهي داخِلَةٌ هَهُنا عَلى العِلْمِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ العِلْمِ نَفْسَ الصِّفَةِ لَزِمَ دُخُولُ التَّبْعِيضِ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى وهو مُحالٌ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿بِما شاءَ﴾ لا يَأْتِي في العِلْمِ إنَّما يَأْتِي في المَعْلُومِ.
والثّالِثُ: أنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ هَهُنا في المَعْلُوماتِ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، والخَلْقُ لا يَعْلَمُونَ كُلَّ المَعْلُوماتِ، بَلْ لا يَعْلَمُونَ مِنها إلّا القَلِيلَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ لِكُلِّ مَن أحْرَزَ شَيْئًا أوْ بَلَغَ عِلْمُهُ أقْصاهُ: قَدْ أحاطَ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا عَلِمَ بِأوَّلِ الشَّيْءِ وآخِرِهِ بِتَمامِهِ صارَ العِلْمُ كالمُحِيطِ بِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا بِما شاءَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن مَعْلُوماتِهِ إلّا ما شاءَ هو أنْ يُعَلِّمَهم كَما حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٢] .
والثّانِي: أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ إلّا عِنْدَ إطْلاعِ اللَّهِ بَعْضَ أنْبِيائِهِ عَلى بَعْضِ الغَيْبِ، كَما قالَ: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجِنِّ: ٢٧] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: وسِعَ فَلانًا الشَّيْءُ يَسَعُهُ سَعَةً إذا احْتَمَلَهُ وأطاقَهُ وأمْكَنَهُ القِيامُ بِهِ، ولا يَسَعُكَ هَذا، أيْ لا تُطِيقُهُ ولا تَحْتَمِلُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» “ أيْ: لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا الكُرْسِيُّ فَأصْلُهُ في اللُّغَةِ مِن تَرَكُّبِ الشَّيْءِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ، والكِرْسُ أبْوالُ الدَّوابِّ وأبْعارُها يَتَلَبَّدُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وأكْرَسَتِ الدّارُ إذا كَثُرَتْ فِيها الأبْعارُ والأبْوالُ وتَلَبَّدَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وتَكارَسَ الشَّيْءُ إذا تَرَكَّبَ، ومِنهُ الكُرّاسَةُ لِتَرَكُّبِ بَعْضِ أوْراقِها عَلى بَعْضٍ ”والكُرْسِيُّ“ هو هَذا الشَّيْءُ المَعْرُوفُ لِتَرَكُّبِ خَشَباتِهِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ جِسْمٌ عَظِيمٌ يَسَعُ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ الحَسَنُ: ”الكُرْسِيُّ“ هو نَفْسُ العَرْشِ، لِأنَّ السَّرِيرَ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ عَرْشٌ، وبِأنَّهُ كُرْسِيٌّ، لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحَيْثُ يَصِحُّ التَّمَكُّنُ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ الكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ دُونَ العَرْشِ وفَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَحْتَ الأرْضِ وهو مَنقُولٌ عَنِ السُّدِّيِّ.
واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الكُرْسِيِّ ورَدَ في الآيَةِ وجاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّهُ جِسْمٌ عَظِيمٌ تَحْتَ العَرْشِ وفَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، ولا امْتِناعَ في القَوْلِ بِهِ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِاتِّباعِهِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، ومِنَ البَعِيدِ أنْ يَقُولَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مَوْضِعُ قَدَمَيِ اللَّهِ تَعالى وتَقَدَّسَ عَنِ الجَوارِحِ والأعْضاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلى نَفْيِ الجِسْمِيَّةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ، فَوَجَبَ رَدُّ هَذِهِ الرِّوايَةِ أوْ حَمْلُها عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ الكُرْسِيَّ مَوْضِعُ قَدَمَيِ الرُّوحِ الأعْظَمِ أوْ مَلَكٍ آخَرَ عَظِيمِ القَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ ”الكُرْسِيِّ“ السُّلْطانُ والقُدْرَةُ والمُلْكُ، ثُمَّ تارَةً يُقالُ: الإلَهِيَّةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالقُدْرَةِ والخَلْقِ والإيجادِ، والعَرَبُ يُسَمُّونَ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ ”الكُرْسِيَّ“ وتارَةً يُسَمّى المُلْكُ بِالكُرْسِيِّ، لِأنَّ المَلِكَ يَجْلِسُ عَلى الكُرْسِيِّ، فَيُسَمّى المَلِكُ باسِمِ مَكانِ المُلْكِ.
صفحة ١٢
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ”الكُرْسِيَّ“ هو العِلْمُ، لِأنَّ العِلْمَ مَوْضِعُ العالِمِ وهو الكُرْسِيُّ، فَسَمِّيَتْ صِفَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَكانِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ العِلْمَ هو الأمْرُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، والكُرْسِيُّ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْعُلَماءِ: كَراسِي، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ كَما يُقالُ لَهم: أوْتادُ الأرْضِ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: ما اخْتارَهُ القَفّالُ، وهو أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ تَصْوِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى خاطَبَ الخَلْقَ في تَعْرِيفِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ بِما اعْتادُوهُ في مُلُوكِهِمْ وعُظَمائِهِمْ، مِن ذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ الكَعْبَةَ بَيْتًا لَهُ يَطُوفُ النّاسُ بِهِ كَما يَطُوفُونَ بِبِيُوتِ مُلُوكِهِمْ، وأمَرَ النّاسَ بِزِيارَتِهِ كَما يَزُورُ النّاسُ بُيُوتَ مُلُوكِهِمْ، وذَكَرَ في الحَجَرِ الأسْوَدِ أنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ في أرْضِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ مَوْضِعًا لِلتَّقْبِيلِ كَما يُقَبِّلُ النّاسُ أيْدِي مُلُوكِهِمْ، وكَذَلِكَ ما ذَكَرَ في مُحاسَبَةِ العِبادِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حُضُورِ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ ووَضْعِ المَوازِينِ، فَعَلى هَذا القِياسِ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ عَرْشًا، فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] ثُمَّ وصَفَ عَرْشَهُ فَقالَ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ [هُودٍ: ٧] ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] وقالَ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٧] وقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ [غافِرٍ: ٧] ثُمَّ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ كُرْسِيًّا فَقالَ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما جاءَ مِنَ الألْفاظِ المُوهِمَةِ لِلتَّشْبِيهِ في العَرْشِ والكُرْسِيِّ، فَقَدْ ورَدَ مِثْلُها بَلْ أقْوى مِنها في الكَعْبَةِ والطَّوافِ وتَقْبِيلِ الحَجَرِ، ولَمّا تَوافَقْنا هَهُنا عَلى أنَّ المَقْصُودَ تَعْرِيفُ عَظَمَةِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الكَعْبَةِ، فَكَذا الكَلامُ في العَرْشِ والكُرْسِيِّ، وهَذا جَوابٌ مُبِينٌ إلّا أنَّ المُعْتَمَدَ هو الأوَّلُ، لِأنَّ تَرْكَ الظّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: آدَهُ يَؤُودُهُ: إذا أثْقَلَهُ وأجْهَدَهُ، وأُدْتُ العُودَ أوْدًا، وذَلِكَ إذا اعْتَمَدْتَ عَلَيْهِ بِالثِّقْلِ حَتّى أمَلْتَهُ، والمَعْنى: لا يَثْقُلُهُ ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ حِفْظُهُما أيْ: حِفْظُ السَّماواتِ والأرْضِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العُلُوَّ بِالجِهَةِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، ونَزِيدُ هَهُنا وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ عُلُوُّهُ بِسَبَبِ المَكانِ، لَكانَ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا في جِهَةِ فَوْقٍ، أوْ غَيْرَ مُتَناهٍ في تِلْكَ الجِهَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ إذا كانَ مُتَناهِيًا في جِهَةِ فَوْقٍ، كانَ الجُزْءُ المَفْرُوضُ فَوْقَهُ أعْلى مِنهُ، فَلا يَكُونُ هو أعْلى مِن كُلِّ ما عَداهُ، بَلْ يَكُونُ غَيْرُهُ أعْلى مِنهُ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ بُعْدٍ لا نِهايَةَ لَهُ باطِلٌ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، وأيْضًا فَإنّا إذا قَدَّرْنا بُعْدًا لا نِهايَةَ لَهُ، لافْتُرِضَ في ذَلِكَ البُعْدِ نُقَطٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَحْصُلَ في تِلْكَ النُّقَطِ نُقْطَةٌ واحِدَةٌ لا يُفْتَرَضُ فَوْقَها نُقْطَةٌ أُخْرى، وإمّا أنْ لا يَحْصُلَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَتِ النُّقْطَةُ طَرَفًا لِذَلِكَ البُعْدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ البُعْدُ مُتَناهِيًا، وقَدْ فَرَضْناهُ غَيْرَ مُتَناهٍ، هَذا خُلْفٌ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ فِيها نُقْطَةٌ إلّا وفَوْقَها نُقْطَةٌ أُخْرى كانَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النُّقَطِ المُفْتَرَضَةِ في ذَلِكَ البُعْدِ سُفْلًا، ولا يَكُونُ فِيها ما يَكُونُ فَوْقًا عَلى الإطْلاقِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِشَيْءٍ مِنَ النُّقَطاتِ المُفْتَرَضَةِ في ذَلِكَ البُعْدِ عُلُوٌّ مُطْلَقٌ البَتَّةَ، وذَلِكَ يَنْفِي صِفَةَ العُلْوِيَّةِ.
صفحة ١٣
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ العالَمَ كُرَةٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكُلُّ جانِبٍ يَفْرِضُ عُلُوًّا بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِ وجْهَيِ الأرْضِ يَكُونُ سُفْلًا بِالنِّسْبَةِ إلى الوَجْهِ الثّانِي، فَيَنْقَلِبُ غايَةُ العُلُوِّ غايَةَ السُّفْلِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ كُلَّ وصْفٍ يَكُونُ ثُبُوتُهُ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ بِذاتِهِ، ولِلْآخَرِ بِتَبَعِيَّةِ الأوَّلِ كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ في الذّاتِيِّ أتَمَّ وأكْمَلَ، وفي العَرَضِيِّ أقَلَّ وأضْعَفَ، فَلَوْ كانَ عُلُوُّ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ المَكانِ لَكانَ عُلُوُّ المَكانِ الَّذِي بِسَبَبِهِ حَصَلَ هَذا العُلُوُّ لِلَّهِ تَعالى صِفَةً ذاتِيَّةً، ولَكانَ حُصُولُ هَذا العُلُوِّ لِلَّهِ تَعالى حُصُولًا بِتَبَعِيَّةِ حُصُولِهِ في المَكانِ، فَكانَ عُلُوُّ المَكانِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن عُلُوِّ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ عُلُوُّ اللَّهِ ناقِصًا وعُلُوُّ غَيْرِهِ كامِلًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ قاطِعَةٌ في أنَّ عُلُوَّ اللَّهِ تَعالى يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بِالجِهَةِ، وما أحْسَنَ ما قالَ أبُو مُسْلِمِ بْنُ بَحْرٍ الأصْفَهانِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ١٢] قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَكانَ والمَكانِيّاتِ بِأسْرِها مِلْكُ اللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الأنْعامِ: ١٣] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّمانَ والزَّمانِيّاتِ بِأسْرِها مِلْكُ اللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتُهُ، فَتَعالى وتَقَدَّسَ عَنْ أنْ يَكُونَ عُلُوُّهُ بِسَبَبِ المَكانِ، وأمّا عَظَمَتُهُ فَهي أيْضًا بِالمَهابَةِ والقَهْرِ والكِبْرِياءِ، ويَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ بِسَبَبِ المِقْدارِ والحَجْمِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ في كُلِّ الجِهاتِ أوْ في بَعْضِ الجِهاتِ فَهو مُحالٌ لِما ثَبَتَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ عَدَمُ إثْباتِ أبْعادٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وإنْ كانَ مُتَناهِيًا مِن كُلِّ الجِهاتِ كانَتِ الأحْيازُ المُحِيطَةُ بِذَلِكَ المُتَناهِي أعْظَمَ مِنهُ، فَلا يَكُونُ مِثْلُ هَذا الشَّيْءِ عَظِيمًا عَلى الإطْلاقِ، فالحَقُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلى وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الجَواهِرِ والأجْسامِ تَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
البقرة 2:256
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في ”الدِّينِ“ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لامُ العَهْدِ، والثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النّازِعاتِ: ٤١] أيْ: مَأْواهُ، والمُرادُ في دِينِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ والقَفّالِ وهو الألْيَقُ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى ما بَنى أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، وإنَّما بَناهُ عَلى التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ، ثُمَّ احْتَجَّ القَفّالُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بَيانًا شافِيًا قاطِعًا لِلْعُذْرِ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ إيضاحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ لِلْكافِرِ عُذْرٌ في الإقامَةِ عَلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَقْسِرَ عَلى الإيمانِ ويُجْبِرَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَجُوزُ في دارِ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الِابْتِلاءِ، إذْ في القَهْرِ والإكْراهِ عَلى الدِّينِ بُطْلانُ مَعْنى الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٩] وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩٩] وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ﴾
صفحة ١٤
﴿لَها خاضِعِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٣] ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ يَعْنِي ظَهَرَتِ الدَّلائِلُ، ووَضَحَتِ البَيِّناتُ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَها إلّا طَرِيقُ القَسْرِ والإلْجاءِ والإكْراهِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ يُنافِي التَّكْلِيفَ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا التَّأْوِيلِ.
القَوْلُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: هو أنَّ الإكْراهَ أنْ يَقُولَ المُسْلِمُ لِلْكافِرِ: إنْ آمَنَتْ وإلّا قَتَلْتُكَ فَقالَ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ أمّا في حَقِّ أهْلِ الكِتابِ وفي حَقِّ المَجُوسِ، فَلِأنَّهم إذا قَبِلُوا الجِزْيَةَ سَقَطَ القَتْلُ عَنْهم، وأمّا سائِرُ الكُفّارِ فَإذا تَهَوَّدُوا أوْ تَنَصَّرُوا فَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يُقَرُّ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ عَنْهُ القَتْلُ إذا قَبِلَ الجِزْيَةَ، وعَلى مَذْهَبِ هَؤُلاءِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ عامًّا في كُلِّ الكُفّارِ، أمّا مَن يَقُولُ مِنَ الفُقَهاءِ بِأنَّ سائِرَ الكُفّارِ إذا تَهَوَّدُوا أوْ تَنَصَّرُوا فَإنَّهم لا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ، فَعَلى قَوْلِهِ يَصِحُّ الإكْراهُ في حَقِّهِمْ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ﴾ مَخْصُوصًا بِأهْلِ الكِتابِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: لا تَقُولُوا لِمَن دَخَلَ في الدِّينِ بَعْدَ الحَرْبِ إنَّهُ دَخَلَ مُكْرَهًا، لِأنَّهُ إذا رَضِيَ بَعْدَ الحَرْبِ وصَحَّ إسْلامُهُ فَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ، ومَعْناهُ لا تَنْسِبُوهم إلى الإكْراهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النِّساءِ: ٩٤] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: بانَ الشَّيْءُ واسْتَبانَ وتَبَيَّنَ إذا ظَهَرَ ووَضَحَ، ومِنهُ المَثَلُ: قَدْ تَبَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ، وعِنْدِي أنَّ الإيضاحَ والتَّعْرِيفَ إنَّما سُمِّيَ بَيانًا لِأنَّهُ يُوقِعُ الفَصْلَ والبَيْنُونَةَ بَيْنَ المَقْصُودِ وغَيْرِهِ، والرُّشْدُ في اللُّغَةِ مَعْناهُ إصابَةُ الخَيْرِ، وفِيهِ لُغَتانِ: رُشْدٌ ورَشَدٌ، والرَّشادُ مَصْدَرٌ أيْضًا كالرُّشْدِ، والغَيُّ نَقِيضُ الرُّشْدِ، يُقالُ: غَوى يَغْوِي غَيًّا وغَوايَةً، إذا سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ الرُّشْدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ أيْ: تَمَيَّزَ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ والإيمانُ مِنَ الكُفْرِ والهُدى مِنَ الضَّلالَةِ بِكَثْرَةِ الحُجَجِ والآياتِ الدّالَّةِ، قالَ القاضِي: ومَعْنى ”قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ“ أيْ: أنَّهُ قَدِ اتَّضَحَ وانْجَلى بِالأدِلَّةِ، لا أنَّ كَلَّ مُكَلَّفٍ تَنَبَّهَ؛ لِأنَّ المَعْلُومَ ذَلِكَ. وأقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى ”تَبَيَّنَ“ انْفَصَلَ وامْتازَ، فَكانَ المُرادُ أنَّهُ حَصَلَتِ البَيْنُونَةُ بَيْنَ الرُّشْدِ والغَيِّ بِسَبَبِ قُوَّةِ الدَّلائِلِ وتَأْكِيدِ البَراهِينِ، وعَلى هَذا كانَ اللَّفْظُ مُجْرى عَلى ظاهِرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ فَقَدْ قالَ النَّحْوِيُّونَ: الطّاغُوتُ وزْنُهُ فَعَلُوتُ، نَحْوُ جَبَرُوتٍ، والتّاءُ زائِدَةٌ وهي مُشْتَقَّةٌ مِن طَغا، وتَقْدِيرُهُ طَغَوُوتُ، إلّا أنَّ لامَ الفِعْلِ قُلِبَتْ إلى مَوْضِعِ العَيْنِ كَعادَتِهِمْ في القَلْبِ، نَحْوَ: الصّاقِعَةُ والصّاعِقَةُ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِوُقُوعِها في مَوْضِعِ حَرَكَةِ وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، قالَ المُبَرِّدُ في الطّاغُوتِ: الأصْوَبُ عِنْدِي أنَّهُ جَمْعٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدَنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ الطّاغُوتَ مَصْدَرٌ كالرَّغَبُوتِ والرَّهَبُوتِ والمَلَكُوتِ، فَكَما أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ آحادٌ، كَذَلِكَ هَذا الِاسْمُ مُفْرَدٌ ولَيْسَ بِجَمْعٍ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُفْرَدٌ قَوْلُهُ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧] فَأُفْرِدَ في مَوْضِعِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ: هم رِضًا، هم عَدْلٌ، قالُوا: وهَذا اللَّفْظُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَمْعِ، أمّا في الواحِدِ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النِّساءِ: ٦٠] وأمّا في الجَمْعِ فَكَما في
صفحة ١٥
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧] وقالُوا: الأصْلُ فِيهِ التَّذْكِيرُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزُّمَرِ: ١٧] فَإنَّما أُنِّثَتْ إرادَةُ الآلِهَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ خَمْسَةَ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قالَ عُمَرُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هو الشَّيْطانُ.
الثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الكاهِنُ.
الثّالِثُ: قالَ أبُو العالِيَةِ: هو السّاحِرُ.
الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: الأصْنامُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَرَدَةُ الجِنِّ والإنْسِ وكُلُّ ما يَطْغى.
والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الطُّغْيانُ عِنْدَ الِاتِّصالِ بِهَذِهِ الأشْياءِ جُعِلَتْ هَذِهِ الأشْياءُ أسْبابًا لِلطُّغْيانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلْكافِرِ مِن أنْ يَتُوبَ أوَّلًا عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ يُؤْمِنَ بَعْدَ ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: اسْتَمْسَكَ بِالشَّيْءِ إذا تَمَسَّكَ بِهِ، والعُرْوَةُ جَمْعُها عُرًا نَحْوَ عُرْوَةِ الدَّلْوِ والكُوزِ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ العُرْوَةَ عِبارَةٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يُتَعَلَّقُ بِهِ، والوُثْقى تَأْنِيثُ الأوْثَقِ، وهَذا مِن بابِ اسْتِعارَةِ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ؛ لِأنَّ مَن أرادَ إمْساكَ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِعُرْوَتِهِ، فَكَذا هَهُنا مَن أرادَ إمْساكَ هَذا الدِّينِ تَعَلَّقَ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَتْ دَلائِلُ الإسْلامِ أقْوى الدَّلائِلِ وأوْضَحَها، لا جَرَمَ وصَفَها بِأنَّها العُرْوَةُ الوُثْقى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفَصْمُ كَسْرُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ إبانَةٍ، والِانْفِصامُ مُطاوِعُ الفَصْمِ، فَصَمْتُهُ فانْفَصَمَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا اللَّفْظِ المُبالَغَةُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لَها انْفِصامٌ، فَأنْ لا يَكُونَ لَها انْقِطاعٌ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: نَظْمُ الآيَةِ: بِالعُرْوَةِ الوُثْقى الَّتِي لا انْفِصامَ لَها، والعَرَبُ تُضْمِرُ ”الَّتِي“ و”الَّذِي“ و”مَن“ وتَكْتَفِي بِصَلاتِها مِنها، قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
والعادِياتُ أسامِي لِلدِّماءِ بِها كَأنَّ أعْناقَها أنْصابُ تَرْحِيبِ
يُرِيدُ: العادِياتُ الَّتِي، قالَ اللَّهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] أيْ: مَن لَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ قَوْلَ مَن يَتَكَلَّمُ بِالشَّهادَتَيْنِ، وقَوْلَ مَن يَتَكَلَّمُ بِالكُفْرِ، ويَعْلَمُ ما في قَلْبِ المُؤْمِنِ مِنَ الِاعْتِقادِ الطّاهِرِ، وما في قَلْبِ الكافِرِ مِنَ الِاعْتِقادِ الخَبِيثِ.
والقَوْلُ الثّانِي: رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّ إسْلامَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ، وكانَ يَسْألُ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ سِرًّا وعَلانِيَةً، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يُرِيدُ لِدُعائِكَ يا مُحَمَّدُ بِحِرْصِكَ عَلَيْهِ واجْتِهادِكَ.
البقرة 2:257
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”الوَلِيُّ“ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن قَوْلِهِمْ: ولِيَ فُلانٌ الشَّيْءَ يَلِيهِ وِلايَةً فَهو والٍ ووَلِيٌّ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلْيِ الَّذِي هو القُرْبُ، قالَ الهُذَلِيُّ:
وعَدَتْ عَوادٍ دُونَ ولْيِكَ تَشْعَبُ
ومِنهُ يُقالُ: دارِي تَلِي دارَها، أيْ: تَقْرُبُ مِنها، ومِنهُ يُقالُ لِلْمُحِبِّ المُعاوِنِ: ولِيٌّ؛ لِأنَّهُ يَقْرُبُ مِنكَ بِالمَحَبَّةِ والنُّصْرَةِ ولا يُفارِقُكَ، ومِنهُ الوالِي، لِأنَّهُ يَلِي القَوْمَ بِالتَّدْبِيرِ والأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنهُ المَوْلى. ومِن ثَمَّ قالُوا في خِلافِ الوِلايَةِ: العَداوَةُ مِن عَدّا الشَّيْءَ إذا جاوَزَهُ، فَلِأجْلِ هَذا كانَتِ الوِلايَةُ خِلافَ العَداوَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ ألْطافَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ المُؤْمِنَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ أكْثَرُ مِن ألْطافِهِ في حَقِّ الكافِرِ، بِأنْ قالُوا: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى التَّعْيِينِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الوَلِيَّ لِلشَّيْءِ هو المُتَوَلِّي لِما يَكُونُ سَبَبًا لِصَلاحِ الإنْسانِ واسْتِقامَةِ أمْرِهِ في الغَرَضِ المَطْلُوبِ، ولِأجْلِهِ قالَ تَعالى: ﴿يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ [الأنْفالِ: ٣٤] فَجَعَلَ القَيِّمَ بِعِمارَةِ المَسْجِدِ ولِيًّا لَهُ، ونَفى في الكُفّارِ أنْ يَكُونُوا أوْلِياءَهُ، فَلَمّا كانَ مَعْنى الوَلِيِّ المُتَكَفِّلَ بِالمَصالِحِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ نَفْسَهُ ولِيًّا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّخْصِيصِ، عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى تَكَفَّلَ بِمَصالِحِهِمْ فَوْقَ ما تَكَفَّلَ بِمَصالِحِ الكُفّارِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ تَعالى سَوّى بَيْنَ الكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ في الهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ والألْطافِ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُبْطِلَةً لِقَوْلِهِمْ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا التَّخْصِيصُ مَحْمُولٌ عَلى أحَدِ وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى زِيادَةِ الألْطافِ، كَما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٧] وتَقْرِيرُهُ مِن حَيْثُ العَقْلُ أنَّ الخَيْرَ والطّاعَةَ يَدْعُو بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَ مَجْلِسًا يَجْرِي فِيهِ الوَعْظُ، فَإنَّهُ يَلْحَقُ قَلْبَهُ خُشُوعٌ وخُضُوعٌ وانْكِسارٌ، ويَكُونُ حالُهُ مُفارِقًا لِحالِ مَن قَسا قَلْبُهُ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَصِحُّ في المُؤْمِنِ مِنَ الألْطافِ ما لا يَصِحُّ في غَيْرِهِ، فَكانَ تَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ تَعالى ولِيُّهم مَحْمُولًا عَلى ذَلِكَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يُثِيبُهم في الآخِرَةِ، ويَخُصُّهم بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ والإكْرامِ العَظِيمِ فَكانَ التَّخْصِيصُ مَحْمُولًا عَلَيْهِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ ولِيًّا لِلْكُلِّ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُتَكَفِّلًا بِمَصالِحِ الكُلِّ عَلى السَّوِيَّةِ، إلّا أنَّ المُنْتَفِعَ بِتِلْكَ الوِلايَةِ هو المُؤْمِنُ، فَصَحَّ تَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] .
صفحة ١٧
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى ولِيُّ المُؤْمِنِينَ، بِمَعْنى: أنَّهُ يُحِبُّهم، والمُرادُ أنَّهُ يُحِبُّ تَعْظِيمَهم.
أجابَ الأصْحابُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ زِيادَةَ الألْطافِ مَتى أُمْكِنَتْ وجَبَتْ عِنْدَكم، ولا يَكُونُ لِلَّهِ تَعالى في حَقِّ المُؤْمِنِ إلّا أداءُ الواجِبِ، وهَذا المَعْنى بِتَمامِهِ حاصِلٌ في حَقِّ الكافِرِ، بَلِ المُؤْمِنُ فَعَلَ ما لِأجْلِهِ اسْتَوْجَبَ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ المَزِيدَ مِنَ اللُّطْفِ.
أمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى يُثِيبُهُ في الآخِرَةِ فَهو أيْضًا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الثَّوابَ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَوَلِيُّ المُؤْمِنِ هو الَّذِي جَعَلَهُ مُسْتَحِقًّا عَلى اللَّهِ ذَلِكَ الثَّوابَ، فَيَكُونُ ولِيُّهُ هو نَفْسَهُ، ولا يَكُونُ اللَّهُ هو ولِيًّا لَهُ.
وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: وهو أنَّ المُنْتَفِعَ بِوِلايَةِ اللَّهِ هو المُؤْمِنُ، فَنَقُولُ: هَذا الأمْرُ الَّذِي امْتازَ بِهِ المُؤْمِنُ عَنِ الكافِرِ في بابِ الوِلايَةِ صَدَرَ مِنَ العَبْدِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ولِيُّ العَبْدِ عَلى هَذا القَوْلِ هو العَبْدَ نَفْسَهُ لا غَيْرَ.
وأمّا السُّؤالُ الرّابِعُ: وهو أنَّ الوِلايَةَ هَهُنا مَعْناها المَحَبَّةُ. (والجَوابُ): أنَّ المَحَبَّةَ مَعْناها إعْطاءُ الثَّوابِ، وذَلِكَ هو السُّؤالُ الثّانِي، وقَدْ أجَبْنا عَنْهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ هَهُنا مِنَ الظُّلُماتِ والنُّورِ: الكُفْرُ والإيمانُ، فَتَكُونُ الآيَةُ صَرِيحَةً في أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ الإنْسانَ مِنَ الكُفْرِ وأدْخَلَهُ في الإيمانِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ بِخَلْقِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ بِخَلْقِ العَبْدِ لَكانَ هو الَّذِي أخْرَجَ نَفْسَهُ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ يُناقِضُ صَرِيحَ الآيَةِ.
أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإخْراجَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ مَحْمُولٌ عَلى نَصْبِ الدَّلائِلِ، وإرْسالِ الأنْبِياءِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِأبْلَغِ الوُجُوهِ، والتَّحْذِيرِ عَنِ الكُفْرِ بِأقْصى الوُجُوهِ، وقالَ القاضِي: قَدْ نَسَبَ اللَّهُ تَعالى الإضْلالَ إلى الصَّنَمِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] لِأجْلِ أنَّ الأصْنامَ سَبَبٌ بِوَجْهٍ ما لِضَلالِهِمْ، فَأنْ يُضافَ الإخْراجُ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ قُوَّةِ الأسْبابِ الَّتِي فَعَلَها بِمَن يُؤْمِنُ كانَ أوْلى.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ الإخْراجُ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْدِلُ بِهِمْ مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ. قالَ القاضِي: هَذا أدْخَلُ في الحَقِيقَةِ، لِأنَّ ما يَقَعُ مِن ذَلِكَ في الآخِرَةِ يَكُونُ مِن فِعْلِهِ تَعالى فَكَأنَّهُ فَعَلَهُ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الإضافَةَ حَقِيقَةٌ في الفِعْلِ، ومَجازٌ في الحَثِّ والتَّرْغِيبِ، والأصْلُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ التَّرْغِيباتِ إنْ كانَتْ مُؤَثِّرَةً في تَرْجِيحِ الدّاعِيَةِ صارَ الرّاجِحُ واجِبًا، والمَرْجُوحُ مُمْتَنِعًا، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها أثَرٌ في التَّرْجِيحِ لَمْ يَصِحَّ تَسْمِيَتُها بِالإخْراجِ.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى العُدُولِ بِهِمْ مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ فَهو أيْضًا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ الواقِدِيُّ: كُلُّ ما كانَ في القُرْآنِ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ فَإنَّهُ أرادَ بِهِ الكُفْرَ والإيمانَ،
صفحة ١٨
غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: ١] فَإنَّهُ يَعْنِي بِهِ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وقالَ: وجَعَلَ الكُفْرَ ظُلْمَةً؛ لِأنَّهُ كالظُّلْمَةِ في المَنعِ مِنَ الإدْراكِ، وجَعَلَ الإيمانَ نُورًا؛ لِأنَّهُ كالسَّبَبِ في حُصُولِ الإدْراكِ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ العُدُولَ بِالمُؤْمِنَ مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ أمْرٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلا يَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا في الكُفْرِ ثُمَّ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يُجْرى اللَّفْظُ عَلى ظاهِرِهِ، وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَن كانَ كافِرًا ثُمَّ أسْلَمَ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ رِواياتٍ:
إحْداها: قالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْمٍ آمَنُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمٍ كَفَرُوا بِهِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ آمَنَ بِهِ مَن كَفَرَ بِعِيسى، وكَفَرَ بِهِ مَن آمَنَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثانِيَتُها: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ آمَنُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقَةِ النَّصارى، ثُمَّ آمَنُوا بَعْدَهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَدْ كانَ إيمانُهم بِعِيسى حِينَ آمَنُوا بِهِ ظُلْمَةً وكُفْرًا، لِأنَّ القَوْلَ بِالِاتِّحادِ كُفْرٌ، واللَّهُ تَعالى أخْرَجَهم مِن تِلْكَ الظُّلُماتِ إلى نُورِ الإسْلامِ.
وثالِثَتُها: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في كُلِّ كافِرٍ أسْلَمَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلى كُلِّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الإيمانُ بَعْدَ الكُفْرِ أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: يُخْرِجُهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في الظُّلُماتِ البَتَّةَ، ويَدُلُّ عَلى جَوازِهِ: القُرْآنُ والخَبَرُ والعُرْفُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٣] ومَعْلُومٌ أنَّهم ما كانُوا قَطُّ في النّارِ، وقالَ: ﴿لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ [يُونُسَ: ٩٨] ولَمْ يَكُنْ نَزَلَ بِهِمْ عَذابٌ البَتَّةَ، وقالَ في قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يُوسُفَ: ٣٧] ولَمْ يَكُنْ فِيها قَطُّ، وقالَ: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [النَّحْلِ: ٧٠] وما كانُوا فِيهِ قَطُّ، وأمّا الخَبَرُ فَرُوِيَ «أنَّهُ ﷺ سَمِعَ إنْسانًا قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: عَلى الفِطْرَةِ، فَلَمّا قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: خَرَجَ مِنَ النّارِ»، ومَعْلُومٌ أنَّهُ ما كانَ فِيها، ورُوِيَ أيْضًا أنَّهُ ﷺ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: «تَتَهافَتُونَ في النّارِ تَهافُتَ الجَرادِ، وها أنا آخُذُ بِحُجَزِكم»، ومَعْلُومٌ أنَّهم ما كانُوا مُتَهافِتِينَ في النّارِ، وأمّا العُرْفُ فَهو أنَّ الأبَ إذا أنْفَقَ كُلَّ مالِهِ فالِابْنُ قَدْ يَقُولُ لَهُ: أخْرَجْتَنِي مِن مالِكَ، أيْ: لَمْ تَجْعَلْ لِي فِيهِ شَيْئًا، لا أنَّهُ كانَ فِيهِ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنهُ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ العَبْدَ لَوْ خَلا عَنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى لَوَقَعَ في الظُّلُماتِ، فَصارَ تَوْفِيقُهُ تَعالى سَبَبًا لِدَفْعِ تِلْكَ الظُّلُماتِ عَنْهُ، وبَيْنَ الدَّفْعِ والرَّفْعِ مُشابَهَةٌ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَجُوزُ اسْتِعْمالُ الإخْراجِ والإبْعادِ في مَعْنى الدَّفْعِ والرَّفْعِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ الحَسَنُ ”أوْلِياؤُهُمُ الطَّواغِيتُ“ واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: (يُخْرِجُونَهم) إلّا أنَّهُ شاذٌّ مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا في اشْتِقاقِ هَذا اللَّفْظِ أنَّهُ مُفْرَدٌ لا جَمْعٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ فَقَدِ اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلى الطّاغُوتِ مَجازًا بِاتِّفاقٍ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الطّاغُوتِ عَلى أظْهَرِ
صفحة ١٩
الأقْوالِ هو الصَّنَمُ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] فَأضافَ الإضْلالَ إلى الصَّنَمِ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الإضافَةُ بِالِاتِّفاقِ بَيْنَنا وبَيْنَكم مَجازًا، خَرَجَتْ عَنْ أنْ تَكُونَ حُجَّةً لَكم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلى الكُفّارِ فَقَطْ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَرْجِعَ إلى الكُفّارِ والطَّواغِيتِ مَعًا، فَيَكُونُ زَجْرًا لِلْكُلِّ ووَعِيدًا؛ لِأنَّ لَفْظَ ”أُولَئِكَ“ إذا كانَ جَمْعًا وصَحَّ رُجُوعُهُ إلى كِلا المَذْكُورَيْنِ، وجَبَ رُجُوعُهُ إلَيْهِما مَعًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
البقرة 2:258
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا قِصَصًا ثَلاثَةً: الأُولى مِنها في بَيانِ إثْباتِ العِلْمِ بِالصّانِعِ، والثّانِيَةُ والثّالِثَةُ في إثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ، والقِصَّةُ الأُولى مُناظَرَةُ إبْراهِيمَ ﷺ مَعَ مَلِكِ زَمانِهِ وهي هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها، فَنَقُولُ:
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ فَهي كَلِمَةٌ يُوقَفُ بِها المُخاطَبُ عَلى تَعَجُّبٍ مِنها، ولَفْظُها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ
صفحة ٢٠
وهِيَ كَما يُقالُ: ألَمْ تَرَ إلى فُلانٍ كَيْفَ يَصْنَعُ، مَعْناهُ: هَلْ رَأيْتَ كَفُلانٍ في صُنْعِهِ كَذا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: هو نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ، وهو أوَّلُ مَن تَجَبَّرَ وادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، واخْتَلَفُوا في وقْتِ هَذِهِ المُحاجَّةِ قِيلَ: إنَّهُ عِنْدَ كَسْرِ الأصْنامِ قَبْلَ الإلْقاءِ في النّارِ عَنْ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: بَعْدَ إلْقائِهِ في النّارِ. والمُحاجَّةُ المُغالَبَةُ، يُقالُ: حاجَجْتُهُ فَحَجَجْتُهُ، أيْ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي رَبِّهِ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ إلى إبْراهِيمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الطّاعِنِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، كَما قالَ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٠] والمَعْنى وحاجَّهُ قَوْمُهُ في رَبِّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الهاءَ في آتاهُ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى آتى إبْراهِيمَ ﷺ المُلْكَ، واحْتَجُّوا عَلى هَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النِّساءِ: ٥٤] أيْ: سُلْطانًا بِالنُّبُوَّةِ، والقِيامِ بِدِينِ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يُؤْتِيَ المُلْكَ الكُفّارَ، ويَدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ.
والثّالِثُ: أنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ واجِبٌ، وإبْراهِيمُ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ إلى هَذا الضَّمِيرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ عائِدًا إلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ذَلِكَ الإنْسانِ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ.
وأجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الأُولى بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ المُلْكِ لِآلِ إبْراهِيمَ، ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى حُصُولِ المُلْكِ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وعَنِ الحُجَّةِ الثّانِيَةِ بِأنَّ المُرادَ مِنَ المُلْكِ هَهُنا التَّمَكُّنُ والقُدْرَةُ والبَسْطَةُ في الدُّنْيا، والحِسُّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُعْطِي الكافِرَ هَذا المَعْنى، وأيْضًا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أعْطاهُ المُلْكَ حالَ ما كانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعالى ؟ .
وعَنِ الحُجَّةِ الثّالِثَةِ بِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ أقْرَبَ المَذْكُورِينَ إلّا أنَّ الرِّواياتِ الكَثِيرَةَ وارِدَةٌ بِأنَّ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ كانَ هو المَلِكَ، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ أوْلى مِن هَذِهِ الجِهَةِ. ثُمَّ احْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى مَذْهَبِهِمْ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلاتٍ ثَلاثَةً، وكُلُّ واحِدٍ مِنها إنَّما يَصِحُّ إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُلْكِ لا إلى إبْراهِيمَ، وأحَدُ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ أنْ يَكُونَ المَعْنى حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ لِأجْلِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ، عَلى مَعْنى أنَّ إيتاءَ المُلْكِ أبْطَرَهُ وأوْرَثَهُ الكِبَرَ والعُتُوَّ فَحاجَّ لِذَلِكَ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا إنَّما يَلِيقُ بِالمَلِكِ العاتِي، والتَّأْوِيلُ الثّانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ جَعَلَ مُحاجَّتَهُ في رَبِّهِ شُكْرًا عَلى أنْ آتاهُ رَبُّهُ المُلْكَ، كَما يُقالُ: عادانِي فُلانٌ لِأنِّي أحْسَنْتُ إلَيْهِ، يُرِيدُ أنَّهُ عَكَسَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ المُوالاةِ لِأجْلِ الإحْسانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٢] وهَذا التَّأْوِيلُ أيْضًا لا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إظْهارُ المُحاجَّةِ قَبْلَ حُصُولِ المُلْكِ وبَعْدَهُ، أمّا المَلِكُ العاتِي فَإنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ إظْهارُ هَذا العُتُوِّ الشَّدِيدِ إلّا بَعْدَ أنْ يَحْصُلَ المُلْكُ العَظِيمُ لَهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ مَعْنًى وتَأْوِيلٌ إلّا إذا حَمَلْناهُ عَلى المَلِكِ العاتِي.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ كَمالِ حالِ إبْراهِيمَ ﷺ في إظْهارِ الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، ومَتى كانَ الكافِرُ سُلْطانًا مَهِيبًا، وإبْراهِيمُ ما كانَ مَلِكًا، كانَ هَذا المَعْنى أتَمَّ مِمّا إذا كانَ إبْراهِيمُ مَلِكًا، ولَمّا كانَ الكافِرُ مَلِكًا، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى ما ذَكَرْنا.
صفحة ٢١
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: ما ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ، وهو أنَّ إبْراهِيمَ ﷺ لَوْ كانَ هو المَلِكَ لَما قَدَرَ الكافِرُ أنْ يَقْتُلَ أحَدَ الرَّجُلَيْنِ ويَسْتَبْقِيَ الآخَرَ، بَلْ كانَ إبْراهِيمُ ﷺ يَمْنَعُهُ مِنهُ أشَدَّ مَنعٍ، بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كالمَلْجَأِ إلى أنْ لا يَفْعَلَ ذَلِكَ، قالَ القاضِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يُقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ ﷺ كانَ مَلِكًا وسُلْطانًا في الدِّينِ والتَّمَكُّنِ مِن إظْهارِ المُعْجِزاتِ، وذَلِكَ الكافِرُ كانَ مَلِكًا مُسَلَّطًا قادِرًا عَلى الظُّلْمِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ أمْكَنَهُ قَتْلُ أحَدِ الرَّجُلَيْنِ، وأيْضًا فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّما قَتَلَ أحَدَ الرَّجُلَيْنِ قَوْدًا، وكانَ الِاخْتِيارُ إلَيْهِ، واسْتَبْقى الآخَرَ، إمّا لِأنَّهُ لا قَتْلَ عَلَيْهِ أوْ بَذَلَ الدِّيَةَ واسْتَبْقاهُ.
وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿أنا أُحْيِي﴾ خَبَرٌ ووَعْدٌ، ولا دَلِيلَ في القُرْآنِ عَلى أنَّهُ فَعَلَهُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الظّاهِرُ أنَّ هَذا جَوابُ سُؤالٍ سابِقٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بُعِثُوا لِلدَّعْوَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى ادَّعى الرِّسالَةَ، فَإنَّ المُنْكِرَ يُطالِبُهُ بِإثْباتِ أنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا، ألا تَرى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٦]، قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٣] فاحْتَجَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إثْباتِ الإلَهِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٤] فَكَذا هَهُنا الظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ ادَّعى الرِّسالَةَ، فَقالَ نَمْرُوذُ: مَن رَبُّكَ ؟ فَقالَ إبْراهِيمُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ، إلّا أنَّ تِلْكَ المُقَدِّمَةَ حُذِفَتْ، لِأنَّ الواقِعَةَ تَدُلُّ عَلَيْها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلِيلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في غايَةِ الصِّحَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِواسِطَةِ أفْعالِهِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ مِنَ القادِرِينَ، والإحْياءُ والإماتَةُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ عاجِزُونَ عَنْهُما، والعِلْمُ بَعْدَ الِاخْتِيارِ ضَرُورِيٌّ، فَلا بُدَّ مِن مُؤَثِّرٍ آخَرَ غَيْرِ هَؤُلاءِ القادِرِينَ الَّذِينَ تَراهم، وذَلِكَ المُؤَثِّرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا أوْ مُخْتارًا، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن دَوامِهِ دَوامُ الأثَرِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَتَبَدَّلَ الإحْياءُ بِالإماتَةِ، وأنْ لا تَتَبَدَّلَ الإماتَةُ بِالإحْياءِ، والثّانِي وهو أنّا نَرى في الحَيَوانِ أعْضاءً مُخْتَلِفَةً في الشَّكْلِ والصِّفَةِ والطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ، وتَأْثِيرُ المُؤَثِّرِ المُوجِبِ بِالذّاتِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ في الإحْياءِ والإماتَةِ مِن وُجُودٍ آخَرَ يُؤَثِّرُ عَلى سَبِيلِ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ في إحْياءِ هَذِهِ الحَيَواناتِ وفي إماتَتِها، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو دَلِيلٌ مَتِينٌ قَوِيٌّ ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في مَواضِعَ في كِتابِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٢] إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التِّينِ: ٤، ٥] وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [المُلْكِ: ٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ المَوْتَ عَلى الحَياةِ في آياتٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [المُلْكِ: ٢] وحُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ أنَّهُ قالَ في ثَنائِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨١] فَلِأيِّ سَبَبٍ قُدِّمَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ الحَياةِ عَلى المَوْتِ، حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٨] ؟ .
والجَوابُ: لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الدَّلِيلِ إذا كانَ هو الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ في
صفحة ٢٢
غايَةِ الوُضُوحِ، ولا شَكَّ أنَّ عَجائِبَ الخِلْقَةِ حالَ الحَياةِ أكْثَرُ، واطِّلاعَ الإنْسانِ عَلَيْها أتَمُّ، فَلا جَرَمَ وجَبَ تَقْدِيمُ الحَياةِ هَهُنا في الذِّكْرِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُرْوى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا احْتَجَّ بِتِلْكَ الحُجَّةِ، دَعا ذَلِكَ المَلِكُ الكافِرُ شَخْصَيْنِ، وقَتَلَ أحَدَهُما، واسْتَبْقى الآخَرَ، وقالَ: أنا أيْضًا أُحْيِي وأُمِيتُ، هَذا هو المَنقُولُ في التَّفْسِيرِ، وعِنْدِي أنَّهُ بَعِيدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ إبْراهِيمَ أنَّهُ شَرَحَ حَقِيقَةَ الإحْياءِ وحَقِيقَةَ الإماتَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْناهُ في الِاسْتِدْلالِ، ومَتى شَرَحَهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ امْتَنَعَ أنْ يَشْتَبِهَ عَلى العاقِلِ الإماتَةُ والإحْياءُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ بِالإماتَةِ، والإحْياءُ بِمَعْنى القَتْلِ وتَرْكِهِ، ويَبْعُدُ في الجَمْعِ العَظِيمِ أنْ يَكُونُوا في الحَماقَةِ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الفَرْقِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ - شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ إبْراهِيمَ ﷺ لَمّا احْتَجَّ بِالإحْياءِ والإماتَةِ مِنَ اللَّهِ قالَ المُنْكِرُ: تَدَّعِي الإحْياءَ والإماتَةَ مِنَ اللَّهِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةِ الأسْبابِ الأرْضِيَّةِ والأسْبابِ السَّماوِيَّةِ، أوْ تَدَّعِي صُدُورَ الإحْياءِ والإماتَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ الأسْبابِ الأرْضِيَّةِ والأسْبابِ السَّماوِيَّةِ، أمّا الأوَّلُ: فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ، وأمّا الثّانِي: فَلا يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ؛ لِأنَّ الواحِدَ مِنّا يَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ بِواسِطَةِ سائِرِ الأسْبابِ، فَإنَّ الجِماعَ قَدْ يُفْضِي إلى الوَلَدِ الحَيِّ بِواسِطَةِ الأسْبابِ الأرْضِيَّةِ والسَّماوِيَّةِ، وتَناوُلُ السُّمِّ قَدْ يُفْضِي إلى المَوْتِ. فَلَمّا ذَكَرَ نَمْرُوذُ هَذا السُّؤالَ عَلى هَذا الوَجْهِ أجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ قالَ: هَبْ أنَّ الإحْياءَ والإماتَةَ حَصَلا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ لِتِلْكَ الِاتِّصالاتِ والحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ مِن فاعِلٍ مُدَبِّرٍ، فَإذا كانَ المُدَبِّرُ لِتِلْكَ الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ هو اللَّهُ تَعالى، كانَ الإحْياءُ والإماتَةُ الحاصِلانِ بِواسِطَةِ تِلْكَ الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الإحْياءُ والإماتَةُ الصّادِرانِ عَلى البَشَرِ بِواسِطَةِ الأسْبابِ الفَلَكِيَّةِ والعُنْصُرِيَّةِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلْبَشَرِ عَلى الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ لَيْسَ دَلِيلًا آخَرَ، بَلْ تَمامُ الدَّلِيلِ الأوَّلِ؛ ومَعْناهُ: أنَّهُ وإنْ كانَ الإحْياءُ والإماتَةُ مِنَ اللَّهِ بِواسِطَةِ حَرَكاتِ الأفْلاكِ، إلّا أنَّ حَرَكاتِ الأفْلاكِ مِنَ اللَّهِ فَكانَ الإحْياءُ والإماتَةُ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا البَشَرُ فَإنَّهُ وإنْ صَدَرَ مِنهُ الإحْياءُ والإماتَةُ بِواسِطَةِ الِاسْتِعانَةِ بِالأسْبابِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ إلّا أنَّ الأسْبابَ لَيْسَتْ واقِعَةً بِقُدْرَتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الإحْياءَ والإماتَةَ الصّادِرَيْنِ عَنِ البَشَرِ لَيْسَتْ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ، وأنَّهُ لا يَصْلُحُ نَقْضًا عَلَيْهِ، فَهَذا هو الَّذِي أعْتَقِدُهُ في كَيْفِيَّةِ جَرَيانِ هَذِهِ المُناظَرَةِ، لا ما هو المَشْهُورُ عِنْدَ الكُلِّ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى إسْقاطِ ألِفِ ”أنا“ في الوَصْلِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ نافِعٍ مِن إثْباتِهِ عِنْدَ اسْتِقْبالِ الهَمْزَةِ، والصَّحِيحُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو ”أنَ“ وهو الهَمْزَةُ والنُّونُ، فَأمّا الألِفُ فَإنَّما تَلْحَقُها في الوَقْفِ كَما تَلْحَقُ الهاءَ في سُكُوتِهِ لِلْوَقْفِ، وكَما أنَّ هَذِهِ الهاءَ تَسْقُطُ عِنْدَ الوَصْلِ، فَكَذا هَذِهِ الألِفُ تَسْقُطُ عِنْدَ الوَصْلِ؛ لِأنَّ ما يَتَّصِلُ بِهِ يَقُومُ مَقامَهُ، ألا تَرى أنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ إذا اتَّصَلَتِ الكَلِمَةُ الَّتِي هي فِيها بِشَيْءٍ سَقَطَتْ ولَمْ تَثْبُتْ؛ لِأنَّ ما يَتَّصِلُ بِهِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى النُّطْقِ بِما بَعْدَ الهَمْزَةِ فَلا تَثْبُتُ الهَمْزَةُ، فَكَذا الألِفُ في ”أنا“ والهاءُ الَّتِي في الوَقْفِ يَجِبُ سُقُوطُها عِنْدَ الوَصْلِ كَما يَجِبُ سُقُوطُ الهَمْزَةِ عِنْدَ الوَصْلِ.
صفحة ٢٣
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ لِلنّاسِ في هَذا المَقامِ طَرِيقَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو طَرِيقَةُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن نَمْرُوذَ أنَّهُ ألْقى تِلْكَ الشُّبْهَةَ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى دَلِيلٍ آخَرَ أوْضَحَ مِنهُ، فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ فَزَعَمَ أنَّ الِانْتِقالَ مِن دَلِيلٍ إلى دَلِيلٍ آخَرَ أوْضَحَ مِنهُ جائِزٌ لِلْمُسْتَدِلِّ.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ نَمْرُوذُ: فَلْيَأْتِ رَبُّكَ بِها مِنَ المَغْرِبِ ؟ .
قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ المُحاجَّةَ كانَتْ مَعَ إبْراهِيمَ بَعْدَ إلْقائِهِ في النّارِ وخُرُوجِهِ مِنها سالِمًا، فَعَلِمَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى حِفْظِ إبْراهِيمَ في تِلْكَ النّارِ العَظِيمَةِ مِنَ الِاحْتِراقِ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِالشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ خَذَلَهُ وأنْساهُ إيرادَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ نُصْرَةً لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والطَّرِيقُ الثّانِي، وهو الَّذِي قالَ بِهِ المُحَقِّقُونَ: أنَّ هَذا ما كانَ انْتِقالًا مِن دَلِيلٍ إلى دَلِيلٍ آخَرَ، بَلِ الدَّلِيلُ واحِدٌ في المَوْضِعَيْنِ وهو أنّا نَرى حُدُوثَ أشْياءَ لا يَقْدِرُ الخَلْقُ عَلى إحْداثِها فَلا بُدَّ مِن قادِرٍ آخَرَ يَتَوَلّى إحْداثَها وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْلَنا: نَرى حُدُوثَ أشْياءَ لا يَقْدِرُ الخَلْقُ عَلى إحْداثِها، لَهُ أمْثِلَةٌ مِنها: الإحْياءُ، والإماتَةُ، ومِنها السَّحابُ، والرَّعْدُ، والبَرْقُ، ومِنها حَرَكاتُ الأفْلاكِ، والكَواكِبِ، والمُسْتَدِلُّ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَقِلَ مِن دَلِيلٍ إلى دَلِيلٍ آخَرَ، لَكِنْ إذا ذَكَرَ لِإيضاحِ كَلامٍ مِثالًا فَلَهُ أنْ يَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ المِثالِ إلى مِثالٍ آخَرَ، فَكانَ ما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ مِن بابِ ما يَكُونُ الدَّلِيلُ واحِدًا إلّا أنَّهُ يَقَعُ الِانْتِقالُ عِنْدَ إيضاحِهِ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ آخَرَ، ولَيْسَ مِن بابِ ما يَقَعُ الِانْتِقالُ مِن دَلِيلٍ إلى دَلِيلٍ آخَرَ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ مِنَ الأوَّلِ وألْيَقُ بِكَلامِ أهْلِ التَّحْقِيقِ مِنهُ، والإشْكالُ عَلَيْهِما مِن وُجُوهٍ:
الإشْكالُ الأوَّلُ: أنَّ صاحِبَ الشُّبْهَةِ إذا ذَكَرَ الشُّبْهَةَ، ووَقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في الأسْماعِ، وجَبَ عَلى المُحِقِّ القادِرِ عَلى الجَوابِ أنْ يَذْكُرَ الجَوابَ في الحالِ إزالَةً لِذَلِكَ التَّلْبِيسِ والجَهْلِ عَنِ العُقُولِ، فَلَمّا طَعَنَ المَلِكُ الكافِرُ في الدَّلِيلِ الأوَّلِ، أوْ في المِثالِ الأوَّلِ بِتِلْكَ الشُّبْهَةِ، كانَ الِاشْتِغالُ بِإزالَةِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ واجِبًا مُضَيِّقًا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمَعْصُومِ أنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ الواجِبَ ؟ .
والإشْكالُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا أوْرَدَ المُبْطِلُ ذَلِكَ السُّؤالَ، فَإذا تَرَكَ المُحِقُّ الكَلامَ الأوَّلَ وانْتَقَلَ إلى كَلامٍ آخَرَ، أوْهَمَ أنَّ كَلامَهُ الأوَّلَ كانَ ضَعِيفًا ساقِطًا، وأنَّهُ ما كانَ عالِمًا بِضَعْفِهِ، وأنَّ ذَلِكَ المُبْطِلَ عَلِمَ وجْهَ ضَعْفِهِ وكَوْنَهُ ساقِطًا، وأنَّهُ كانَ عالِمًا بِضَعْفِهِ فَنَبَّهَ عَلَيْهِ، وهَذا رُبَّما يُوجِبُ سُقُوطَ وقْعِ الرَّسُولِ وحَقارَةَ شَأْنِهِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
والإشْكالُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ وإنْ كانَ يُحْسِنُ الِانْتِقالَ مِن دَلِيلٍ إلى دَلِيلٍ، أوْ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ، لَكِنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُنْتَقِلُ إلَيْهِ أوْضَحَ وأقْرَبَ، وهَهُنا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ جِنْسَ الإحْياءِ لا قُدْرَةَ لِلْخَلْقِ عَلَيْهِ، وأمّا جِنْسُ تَحْرِيكِ الأجْسامِ، فَلِلْخَلْقِ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، ولا يَبْعُدُ في العَقْلِ وُجُودُ مَلِكٍ عَظِيمٍ في الجُثَّةِ أعْظَمُ مِنَ السَّماواتِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَكُونُ مُحَرِّكًا لِلسَّماواتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: الِاسْتِدْلالُ بِالإحْياءِ والإماتَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ أظْهَرُ وأقْوى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ المَعْصُومِ أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الدَّلِيلِ الأوْضَحِ الأظْهَرِ إلى الدَّلِيلِ الخَفِيِّ الَّذِي لا يَكُونُ في نَفْسِ الأمْرِ قَوِيًّا ؟ .
صفحة ٢٤
والإشْكالُ الرّابِعُ: أنَّ دَلالَةَ الإحْياءِ والإماتَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ أقْوى مِن دَلالَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَرى في ذاتِ الإنْسانِ وصِفاتِهِ تَبْدِيلاتٍ واخْتِلافاتٍ، والتَّبَدُّلُ قَوِيُّ الدَّلالَةِ عَلى الحاجَةِ إلى المُؤَثِّرِ القادِرِ، أمّا الشَّمْسُ فَلا نَرى في ذاتِها تَبَدُّلًا، ولا في صِفاتِها تَبَدُّلًا، ولا في مَنهَجِ حَرَكاتِها تَبَدُّلًا البَتَّةَ، فَكانَتْ دَلالَةُ الإحْياءِ والإماتَةِ عَلى الصّانِعِ أقْوى، فَكانَ العُدُولُ مِنهُ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ انْتِقالًا مِنَ الأقْوى الأجْلى إلى الأخْفى الأضْعَفِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
الإشْكالُ الخامِسُ: أنْ نَمْرُوذَ لَمّا لَمْ يَسْتَحِ مِن مُعارَضَةِ الإحْياءِ والإماتَةِ الصّادِرَيْنِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالقَتْلِ والتَّخْلِيَةِ، فَكَيْفَ يُؤْمَنُ مِنهُ عِنْدَ اسْتِدْلالِ إبْراهِيمَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ أنْ يَقُولَ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ مِنِّي، فَإنْ كانَ لَكَ إلَهٌ فَقُلْ لَهُ حَتّى يُطْلِعَها مِنَ المَغْرِبِ، وعِنْدَ ذَلِكَ التَزَمَ المُحَقِّقُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَلِكَ فَقالُوا: إنَّهُ لَوْ أوْرَدَ هَذا السُّؤالَ لَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِإظْهارِ فَسادِ سُؤالِهِ في الإحْياءِ والإماتَةِ أسْهَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ التِزامِ إطْلاعِ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَحْصُلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ، إلّا أنَّهُ يَكُونُ الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ هو طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ، ولا يَكُونُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ دَلِيلُهُ الثّانِي ضائِعًا كَما صارَ دَلِيلَهُ الأوَّلُ ضائِعًا، وأيْضًا فَما الدَّلِيلُ الَّذِي حَمَلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ تَرَكَ الجَوابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ الرَّكِيكِ والتَزَمَ الِانْقِطاعَ، واعْتَرَفَ بِالحاجَةِ إلى الِانْتِقالِ إلى تَمَسُّكٍ بِدَلِيلٍ لا يُمْكِنُهُ تَمْشِيَتُهُ إلّا بِالتِزامِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَأْتِيَ بِإطْلاعِ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ فَإنَّهُ يَضِيعُ دَلِيلُهُ الثّانِي كَما ضاعَ الأوَّلُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ التِزامَ هَذِهِ المَحْذُوراتِ لا يَلِيقُ بِأقَلِّ النّاسِ عِلْمًا فَضْلًا عَنْ أفْضَلِ العُقَلاءِ وأعْلَمِ العُلَماءِ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ الَّذِي أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلَيْهِ ضَعِيفٌ، وأمّا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرْناهُ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الإشْكالاتِ، لِأنّا نَقُولُ: لَمّا احْتَجَّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإحْياءِ والإماتَةِ أوْرَدَ الخَصْمُ عَلَيْهِ سُؤالًا لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، وهو أنَّكَ إذا ادَّعَيْتَ الإحْياءَ والإماتَةَ لا بِواسِطَةٍ، فَذَلِكَ لا تَجِدُ إلى إثْباتِهِ سَبِيلًا، وإنِ ادَّعَيْتَ حُصُولَهُما بِواسِطَةِ حَرَكاتِ الأفْلاكِ فَنَظِيرُهُ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ حاصِلٌ لِلْبَشَرِ، فَأجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ الإحْياءَ والإماتَةَ وإنْ حَصَلا بِواسِطَةِ حَرَكاتِ الأفْلاكِ، لَكِنَّ تِلْكَ الحَرَكاتِ حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لا يَقْدَحُ في كَوْنِ الإحْياءِ والإماتَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، بِخِلافِ الخَلْقِ فَإنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى تَحْرِيكاتِ الأفْلاكِ فَلا جَرَمَ لا يَكُونُ الإحْياءُ والإماتَةُ صادِرَيْنِ مِنهم، ومَتى حَمَلْنا الكَلامَ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ المَحْذُوراتِ المَذْكُورَةِ لازِمًا عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ كَلامِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ فالمَعْنى: فَبَقِيَ مَغْلُوبًا لا يَجِدُ مَقالًا، ولا لِلْمَسْألَةِ جَوابًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ [الأنْبِياءِ: ٤٠] قالَ الواحِدِيُّ: وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: بُهِتَ الرَّجُلُ فَهو مَبْهُوتٌ، وبَهَتَ، وبَهِتَ، قالَ عُرْوَةُ العُذْرِيُّ:
فَما هو إلّا أنْ أُراها فُجاءَةً فَأُبْهَتُ حَتّى ما أكادُ أُجِيبُ
أيْ: أتَحَيَّرُ وأسْكُتُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وتَأْوِيلُهُ عَلى قَوْلِنا ظاهِرٌ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالَ القاضِي: يَحْتَمِلُ
صفحة ٢٥
وُجُوهًا:
مِنها أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ لِظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ لِلْحِجاجِ ولِلْحَقِّ كَما يَهْدِي المُؤْمِنَ، فَإنَّهُ لا بُدَّ في الكافِرِ مِن أنْ يَعْجِزَ ويَنْقَطِعَ.
وأقُولُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ لا يَهْدِيهِمْ لِلْحِجاجِ، إنَّما يَصِحُّ حَيْثُ يَكُونُ الحِجاجُ مَوْجُودًا ولا حِجاجَ عَلى الكُفْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِ إلَيْهِ ؟ قالَ القاضِي: ومِنها أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ لِزِياداتِ الألْطافِ مِن حَيْثُ إنَّهم بِالكُفْرِ والظُّلْمِ سَدُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ طَرِيقَ الِانْتِفاعِ بِهِ.
وأقُولُ: هَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ تِلْكَ الزِّياداتِ إذا كانَتْ في حَقِّهِمْ مُمْتَنِعَةً عَقْلًا لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ، كَما لا يُقالُ: إنَّهُ تَعالى يَجْمَعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فَلا يَجْمَعُ بَيْنَ الوُجُودِ والعَدَمِ. قالَ القاضِي: ومِنها أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ إلى الثَّوابِ في الآخِرَةِ ولا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ.
وأقُولُ: هَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ المَذْكُورَ هَهُنا أمْرُ الِاسْتِدْلالِ وتَحْصِيلُ المَعْرِفَةِ ولَمْ يَجْرِ لِلْجَنَّةِ ذِكْرٌ، فَيَبْعُدُ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى الجَنَّةِ، بَلْ أقُولُ: اللّائِقُ بِسِياقِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدَّلِيلَ كانَ قَدْ بَلَغَ في الظُّهُورِ والحُجَّةِ إلى حَيْثُ صارَ المُبْطِلُ كالمَبْهُوتِ عِنْدَ سَماعِهِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الِاهْتِداءَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ الظّاهِرُ، ونَظِيرُ هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنْعامِ: ١١١] .
* * *
القِصَّةُ الثّانِيَةُ:
والمَقْصُودُ مِنها إثْباتُ المَعادِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في إدْخالِ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كالَّذِي﴾ وذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ في مَعْنى ”ألَمْ تَرَ كالَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ“ وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ، أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، فَيَكُونُ هَذا عَطْفًا عَلى المَعْنى، وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وأكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، قالُوا: ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٨٤ - ٨٥] ثُمَّ قالَ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٨٦، ٨٧] فَهَذا عَطْفٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْناهُ: لِمَنِ السَّماواتُ ؟ فَقِيلَ: لِلَّهِ، قالَ الشّاعِرُ:
مُعاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فَأسْجِحْ فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا
فَحُمِلَ عَلى المَعْنى وتَرْكِ اللَّفْظِ.
والقَوْلُ الثّانِي، وهو اخْتِيارُ الأخْفَشِ: أنَّ الكافَ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ والَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ، وهو اخْتِيارُ المُبَرِّدِ: أنّا نُضْمِرُ في الآيَةِ زِيادَةً، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ، وألَمْ تَرَ إلى مَن كانَ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ.
صفحة ٢٦
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الَّذِي مَرَّ بِالقَرْيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ رَجُلًا كافِرًا شاكًّا في البَعْثِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وقالَ الباقُونَ: إنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والضَّحاكُ والسُّدِّيُّ: هو عُزَيْرٌ، وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو أرْمِياءُ، ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن قالَ: إنَّ أرْمِياءَ هو الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو رَجُلٌ مِن سِبْطِ هارُونَ بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ أرْمِياءَ هو النَّبِيُّ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ عِنْدَما خَرَّبَ بُخْتَنَصَّرُ بَيْتَ المَقْدِسِ وأحْرَقَ التَّوْراةَ.
حُجَّةُ مَن قالَ: إنَّ هَذا المارَّ كانَ كافِرًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ وهَذا كَلامُ مَن يَسْتَبْعِدُ مِنَ اللَّهِ الإحْياءَ بَعْدَ الإماتَةِ وذَلِكَ كُفْرٌ.
فَإنْ قِيلَ: يَجُوزُ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ مِنهُ قَبْلَ البُلُوغِ.
قُلْنا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْجَبَ رَسُولُهُ مِنهُ إذِ الصَّبِيُّ لا يُتَعَجَّبُ مِن شَكِّهِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ لِاحْتِمالِ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ ما كانَ بِسَبَبِ الشَّكِّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ، بَلْ كانَ بِسَبَبِ اطِّرادِ العاداتِ في أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ المَوْضِعِ الخَرابِ قَلَّما يُصَيِّرُهُ اللَّهُ مَعْمُورًا، وهَذا كَما أنَّ الواحِدَ مِنّا يُشِيرُ إلى جَبَلٍ، فَيَقُولُ: مَتى يَقْلِبُهُ اللَّهُ ذَهَبًا، أوْ ياقُوتًا، لا أنَّ مُرادَهُ مِنهُ الشَّكُّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ عَلى أنَّ مُرادَهُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ ولا يَحْصُلُ في مُطَّرِدِ العاداتِ، فَكَذا هَهُنا.
الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّبَيُّنُ حاصِلًا لَهُ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَبَيُّنَ الإحْياءِ عَلى سَبِيلِ المُشاهَدَةِ ما كانَ حاصِلًا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأمّا أنَّ تَبَيُّنَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ ما كانَ حاصِلًا فَهو مَمْنُوعٌ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا العِلْمَ إنَّما حَصَلَ لَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأنَّهُ كانَ خالِيًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ العِلْمِ قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ المُشاهَدَةَ لا شَكَّ أنَّها أفادَتْ نَوْعَ تَوْكِيدٍ وطُمَأْنِينَةٍ ووُثُوقٍ، وذَلِكَ القَدْرُ مِنَ التَّأْكِيدِ إنَّما حَصَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ العِلْمِ ما كانَ حاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الرّابِعُ لَهم: أنَّ هَذا المارَّ كانَ كافِرًا لِانْتِظامِهِ مَعَ نَمْرُوذَ في سِلْكٍ واحِدٍ. وهو ضَعِيفٌ أيْضًا، لِأنَّ قَبْلَهُ وإنْ كانَ قِصَّةَ نَمْرُوذَ، ولَكِنَّ بَعْدَهُ قِصَّةَ سُؤالِ إبْراهِيمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا مِن جِنْسِ إبْراهِيمَ.
وحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا وكانَ نَبِيًّا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِاللَّهِ، وعَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ تَعالى يَصِحُّ مِنهُ الإحْياءُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ هَذا الشَّيْءِ بِاسْتِبْعادِ الإحْياءِ إنَّما يَصِحُّ أنْ لَوْ حَصَلَ الِاعْتِرافُ بِالقُدْرَةِ عَلى الإحْياءِ في الجُمْلَةِ، فَأمّا مَن يَعْتَقِدُ أنَّ القُدْرَةَ عَلى الإحْياءِ مُمْتَنِعَةٌ لَمْ يُبْقِ لِهَذا التَّخْصِيصِ فائِدَةً.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن قائِلٍ، والمَذْكُورُ السّابِقُ هو اللَّهُ تَعالى فَصارَ التَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ فَقالَ ذَلِكَ الإنْسانُ: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ ومِمّا يُؤَكِّدُ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ القادِرَ عَلى جَعْلِهِ آيَةً لِلنّاسِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ قالَ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ ولا شَكَّ أنَّ قائِلَ هَذا
صفحة ٢٧
القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ عَلى أنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِحالِ هَذا الكافِرِ.
فَإنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ تَعالى بَعْثَ إلَيْهِ رَسُولًا أوْ مَلَكًا حَتّى قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
قُلْنا: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قائِلَ هَذِهِ الأقْوالِ مَعَهُ هو اللَّهُ تَعالى، فَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ هَذا الظّاهِرِ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُهُ غَيْرُ جائِزٍ.
والحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ إعادَتَهُ حَيًّا وإبْقاءَ الطَّعامِ والشَّرابِ عَلى حالِهِما، وإعادَةَ الحِمارِ حَيًّا بَعْدَما صارَ رَمِيمًا مَعَ كَوْنِهِ مُشاهِدًا لِإعادَةِ أجْزاءِ الحِمارِ إلى التَّرْكِيبِ وإلى الحَياةِ إكْرامٌ عَظِيمٌ وتَشْرِيفٌ كَرِيمٌ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ الكافِرِ لَهُ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما أدْخَلَها اللَّهُ تَعالى في الوُجُودِ إكْرامًا لِإنْسانٍ آخَرَ كانَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الزَّمانِ ؟ .
قُلْنا: لَمْ يَجْرِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ هَذا النَّبِيِّ، ولَيْسَ في هَذِهِ القِصَّةِ حالَةٌ مُشْعِرَةٌ بِوُجُودِ النَّبِيِّ أصْلًا، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن إظْهارِ هَذِهِ الأشْياءِ إكْرامَ ذَلِكَ النَّبِيِّ وتَأْيِيدَ رِسالَتِهِ بِالمُعْجِزَةِ لَكانَ تَرْكُ ذِكْرِ ذَلِكَ الرَّسُولِ إهْمالًا لِما هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ مِنَ الكَلامِ وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَكانَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ ادَّعى النُّبُوَّةَ مِن قَبْلِ الإماتَةِ والإحْياءِ أوْ بَعْدَهُما، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ إرْسالَ النَّبِيِّ مِن قِبَلِ اللَّهِ يَكُونُ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلى الأُمَّةِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ بَعْدَ الإماتَةِ، وإنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ بَعْدَ الإحْياءِ فالمُعْجِزُ قَدْ تَقَدَّمَ عَلى الدَّعْوى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٌ.
قُلْنا: إظْهارُ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِ مَن يَعْلَمُ اللَّهُ أنَّهُ سَيَصِيرُ رَسُولًا جائِزٌ عِنْدَنا، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ زالَ السُّؤالُ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ هَذا الشَّخْصِ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وهَذا اللَّفْظُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في حَقِّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١] فَكانَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَجْعَلُهُ نَبِيًّا، وأيْضًا فَهَذا الكَلامُ [ إنْ ] لَمْ يَدُلَّ عَلى النُّبُوَّةِ بِصَرِيحِهِ فَلا شَكَّ أنَّهُ يُفِيدُ التَّشْرِيفَ العَظِيمَ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ وعَلى الشَّكِّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن جَعْلِهِ آيَةً أنَّ مَن عَرَفَهُ مِنَ النّاسِ شابًّا كامِلًا إذا شاهَدُوهُ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ عَلى شَبابِهِ وقَدْ شاخُوا أوْ هَرِمُوا، أوْ سَمِعُوا بِالخَبَرِ أنَّهُ كانَ ماتَ مُنْذُ زَمانٍ وقَدْ عادَ شابًّا، صَحَّ أنْ يُقالَ لِأجْلِ ذَلِكَ: إنَّهُ آيَةٌ لِلنّاسِ لِأنَّهم يَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ ويَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى، ونُبُوَّةَ نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمانِ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ إخْبارٌ عَنْ أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُهُ آيَةً، وهَذا الإخْبارُ إنَّما وقَعَ بَعْدَ أنْ أحْياهُ اللَّهُ، وتَكَلَّمَ مَعَهُ، والمَجْعُولُ لا يُجْعَلُ ثانِيًا، فَوَجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ عَلى أمْرٍ زائِدٍ عَنْ هَذا الإحْياءِ، وأنْتُمْ تَحْمِلُونَهُ عَلى نَفْسِ هَذا الإحْياءِ فَكانَ باطِلًا.
والثّانِي: أنَّ وجْهَ التَّمَسُّكِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّشْرِيفِ العَظِيمِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ والشَّكِّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ٢٨
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ قالَ: إنَّ بُخْتَنَصَّرَ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ فَسَبى مِنهُمُ الكَثِيرِينَ، ومِنهم عُزَيْرٌ وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ، فَجاءَ بِهِمْ إلى بابِلَ، فَدَخَلَ عُزَيْرٌ يَوْمًا تِلْكَ القَرْيَةَ ونَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وهو عَلى حِمارٍ، فَرَبَطَ حِمارَهُ وطافَ في القَرْيَةِ فَلَمْ يَرَ فِيها أحَدًا فَعَجِبَ مِن ذَلِكَ وقالَ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ لا عَلى سَبِيلِ الشَّكِّ في القُدْرَةِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ بِحَسَبِ العادَةِ، وكانَتِ الأشْجارُ مُثْمِرَةً، فَتَناوَلَ مِنَ الفاكِهَةِ التِّينَ والعِنَبَ، وشَرِبَ مِن عَصِيرِ العِنَبِ ونامَ، فَأماتَهُ اللَّهُ تَعالى في مَنامِهِ مِائَةَ عامٍ وهو شابٌّ، ثُمَّ أعْمى عَنْ مَوْتِهِ أيْضًا الإنْسَ والسِّباعَ والطَّيْرَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ المِائَةِ ونُودِيَ مِنَ السَّماءِ: يا عُزَيْرُ ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ بَعْدَ المَوْتِ ؟ فَقالَ: (يَوْمًا) فَأبْصَرَ مِنَ الشَّمْسِ بَقِيَّةً فَقالَ: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ مِنَ التِّينِ والعِنَبِ ﴿وشَرابِكَ﴾ مِنَ العَصِيرِ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُما، فَنَظَرَ فَإذا التِّينُ والعِنَبُ كَما شاهَدَهُما ثُمَّ قالَ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ فَنَظَرَ فَإذا هو عِظامٌ بِيضٌ تَلُوحُ وقَدْ تَفَرَّقَتْ أوْصالُهُ وسَمِعَ صَوْتًا: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ إنِّي جاعِلٌ فِيكِ رُوحًا، فانْضَمَّ أجْزاءُ العِظامِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ثُمَّ التَصَقَ كُلُّ عُضْوٍ بِما يَلِيقُ بِهِ الضِّلْعُ إلى الضِّلْعِ والذِّراعُ إلى مَكانِهِ، ثُمَّ جاءَ الرَّأْسُ إلى مَكانِهِ ثُمَّ العَصَبُ والعُرُوقُ ثُمَّ أنْبَتَ طَراءُ اللَّحْمِ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْبَسَطَ الجِلْدُ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَتِ الشُّعُورُ عَنِ الجِلْدِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَإذا هو قائِمٌ يَنْهَقُ فَخَرَّ عُزَيْرٌ ساجِدًا، وقالَ: ﴿أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثُمَّ إنَّهُ دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَقالَ القَوْمُ: حَدَّثَنا آباؤُنا أنَّ عُزَيْرَ بْنَ شَرْخَياءَ ماتَ بِبابِلَ، وقَدْ كانَ بُخْتَنَصَّرُ قَتَلَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ قَرَأ التَّوْراةَ وكانَ فِيهِمْ عُزَيْرٌ، والقَوْمُ ما عَرَفُوا أنَّهُ يَقْرَأُ التَّوْراةَ، فَلَمّا أتاهم بَعْدَ مِائَةِ عامٍ جَدَّدَ لَهُمُ التَّوْراةَ وأمْلاها عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ لَمْ يَخْرِمْ مِنها حَرْفًا، وكانَتِ التَّوْراةُ قَدْ دُفِنَتْ في مَوْضِعٍ فَأُخْرِجَتْ، وعُورِضَ بِما أمْلاهُ فَما اخْتَلَفا في حَرْفٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وهَذِهِ الرِّوايَةُ مَشْهُورَةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المارَّ كانَ نَبِيًّا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ القَرْيَةِ فَقالَ وهْبٌ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والرَّبِيعُ: إيلِياءُ وهي بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي القَرْيَةُ الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ حَذَرَ المَوْتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: خَوى البَيْتُ فَهو يَخْوِي خَواءً مَمْدُودًا إذا ما خَلا مِن أهْلِهِ، والخَوا: خُلُوُّ البَطْنِ مِنَ الطَّعامِ، وفي الحَدِيثِ: ”«كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا سَجَدَ خَوّى» “ أيْ: خَلّى ما بَيْنَ عَضُدَيْهِ وجَنْبَيْهِ، وبَطْنِهِ وفَخْذَيْهِ. وخَوّى الفَرَسُ ما بَيْنَ قَوائِمِهِ. ثُمَّ يُقالُ لِلْبَيْتِ إذا انْهَدَمَ: خَوى لِأنَّهُ بِتَهَدُّمِهِ يَخْلُو مِن أهْلِهِ، وكَذَلِكَ: خَوَتِ النُّجُومُ وأخْوَتْ إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ لِأنَّها خَلَتْ عَنِ المَطَرِ. والعَرْشُ سَقْفُ البَيْتِ، والعُرُوشُ الأبْنِيَةُ، والسُّقُوفُ مِنَ الخَشَبِ يُقالُ: عَرَشَ الرَّجُلُ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ إذا بَنى وسَقَّفَ بِخَشَبٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ: مُنْهَدِمَةٌ ساقِطَةٌ خَرابٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ حِيطانَها كانَتْ قائِمَةً وقَدْ تَهَدَّمَتْ سُقُوفُها، ثُمَّ انْقَعَرَتِ الحِيطانُ مِن قَواعِدِها فَتَساقَطَتْ عَلى السُّقُوفِ المُنْهَدِمَةِ، ومَعْنى الخاوِيَةِ المُنْقَلِعَةِ وهي المُنْقَلِعَةُ مِن أُصُولِها، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٧] ومَوْضِعٌ آخَرُ ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٢٠] وهَذِهِ الصِّفَةُ في خَرابِ المَنازِلِ مِن أحْسَنِ ما يُوصَفُ بِهِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ: خاوِيَةٌ عَنْ عُرُوشِها، جَعَلَ ”عَلى“ بِمَعْنى ”عَنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٢] أيْ: عَنْهم.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ أنَّ القَرْيَةَ خاوِيَةٌ
صفحة ٢٩
مَعَ كَوْنِ أشْجارِها مَعْرُوشَةً، فَكانَ التَّعَجُّبُ مِن ذَلِكَ أكْثَرَ؛ لِأنَّ الغالِبَ مِنَ القَرْيَةِ الخالِيَةِ الخاوِيَةِ أنْ يَبْطُلَ ما فِيها مِن عُرُوشِ الفاكِهَةِ، فَلَمّا خَرِبَتِ القَرْيَةُ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها كانَ التَّعَجُّبُ أكْثَرَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَن قالَ: المارُّ كانَ كافِرًا حَمَلَهُ عَلى الشَّكِّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَن قالَ: كانَ نَبِيًّا حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِبْعادِ بِحَسَبِ مَجارِي العُرْفِ والعادَةِ أوْ كانَ المَقْصُودُ مِنهُ طَلَبَ زِيادَةِ الدَّلائِلِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] وقَوْلُهُ (أنّى) أيْ: مِن أيْنَ كَقَوْلِهِ: ﴿أنّى لَكِ هَذا﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٧]، والمُرادُ بِإحْياءِ هَذِهِ القَرْيَةِ عِمارَتُها، أيْ: مَتى يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ؟ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ، فَأحَبَّ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ في نَفْسِهِ، وفي إحْياءِ القَرْيَةِ آيَةً ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في إماتَةِ اللَّهِ لَهُ مِائَةَ عامٍ، مَعَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالإحْياءِ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ بَعْدَ بَعْضِ يَوْمٍ حاصِلٌ ؟ .
قُلْنا: لِأنَّ الإحْياءَ بَعْدَ تَراخِي المُدَّةِ أبْعَدُ في العُقُولِ مِنَ الإحْياءِ بَعْدَ قُرْبِ المُدَّةِ، وأيْضًا فَلِأنَّ بَعْدَ تَراخِي المُدَّةِ ما يُشاهَدُ مِنهُ، ويُشاهِدُ هو مِن غَيْرِهِ أعْجَبَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ فالمَعْنى: ثُمَّ أحْياهُ، ويَوْمُ القِيامَةِ يُسَمّى يَوْمَ البَعْثِ؛ لِأنَّهم يُبْعَثُونَ مِن قُبُورِهِمْ، وأصْلُهُ مِن بَعَثْتُ النّاقَةَ إذا أقَمْتُها مِن مَكانِها، وإنَّما قالَ: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ثُمَّ أحْياهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عادَ كَما كانَ أوَّلًا حَيًّا عاقِلًا فَهِمًا مُسْتَعِدًّا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، ولَوْ قالَ: ثُمَّ أحْياهُ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الفَوائِدُ.
البقرة 2:259
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ مِنَ القِراءَةِ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالإدْغامِ والباقُونَ بِالإظْهارِ، فَمَن أدْغَمَ فَلِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ ومَن أظْهَرَ فَلِتَبايُنِ المَخْرَجَيْنِ وإنْ كانا قَرِيبَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى وإنَّما عُرِفَ أنَّ هَذا الخِطابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ الخِطابَ كانَ مَقْرُونًا بِالمُعْجِزِ، ولِأنَّهُ بَعْدَ الإحْياءِ شاهَدَ مِن أحْوالِ حِمارِهِ وظُهُورِ البِلى في عِظامِهِ ما عَرَفَ بِهِ أنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ لَمْ تَصْدُرْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ عالِمًا بِأنَّهُ كانَ مَيِّتًا، وكانَ عالِمًا بِأنَّ المَيِّتَ لا يُمْكِنُهُ بَعْدَ أنْ صارَ حَيًّا أنْ يَعْلَمَ أنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِ كانَتْ طَوِيلَةً أمْ قَصِيرَةً، فَمَعَ ذَلِكَ لِأيِّ حِكْمَةٍ سَألَهُ عَنْ مِقْدارِ تِلْكَ المُدَّةِ ؟ .
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا السُّؤالِ التَّنْبِيهُ عَلى حُدُوثِ ما حَدَثَ مِنَ الخَوارِقِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ ذَكَرَ هَذا التَّرْدِيدَ ؟ .
الجَوابُ: أنَّ المَيِّتَ طالَتْ مُدَّةُ مَوْتِهِ أوْ قَصُرَتْ فالحالُ واحِدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَأجابَ بِأقَلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَيِّتًا لِأنَّهُ اليَقِينُ، وفي التَّفْسِيرِ أنَّ إماتَتَهُ كانَتْ في أوَّلِ النَّهارِ، فَقالَ: (يَوْمًا) ثُمَّ لَمّا نَظَرَ إلى ضَوْءِ
صفحة ٣٠
الشَّمْسِ باقِيًا عَلى رُءُوسِ الجُدْرانِ فَقالَ: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ اللُّبْثُ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ألَيْسَ هَذا يَكُونُ كَذِبًا ؟ .
والجَوابُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الظَّنِّ، ولا يَكُونُ مُؤاخَذًا بِهَذا الكَذِبِ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكَهْفِ: ١٩] عَلى ما تَوَهَّمُوهُ ووَقَعَ عِنْدَهم، وأيْضًا قالَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ياأبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ [يُوسُفَ: ٨١] وإنَّما قالُوا ذَلِكَ بِناءً عَلى الأمارَةِ مِن إخْراجِ الصُّواعِ مِن رَحْلِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كانَ بِسَبَبِ المَوْتِ، أوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ بِسَبَبِ المَوْتِ ؟ .
الجَوابُ: الأظْهَرُ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كانَ بِسَبَبِ المَوْتِ، وذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ في إماتَتِهِ ثُمَّ إحْيائِهِ بَعْدَ مِائَةِ عامٍ أنْ يُشاهِدَ الإحْياءَ بَعْدَ الإماتَةِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كانَ بِسَبَبِ المَوْتِ، وهو أيْضًا قَدْ شاهَدَ إمّا في نَفْسِهِ أوْ في حِمارِهِ أحْوالًا دالَّةً عَلى أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كانَ بِسَبَبِ المَوْتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ، وقِيلَ: العامُ أصْلُهُ مِنَ العَوْمِ الَّذِي هو السِّباحَةُ، لِأنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا لا يُمْكِّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في إثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ و(اقْتَدِهْ) [ الأنْعامِ: ٩٠] و(مالِيَهْ) [الحاقة: ٢٨] و(سُلْطانِيَهْ) [الحاقة: ٢٩] و(ما هِيَهْ) [القارِعَةِ: ١٠] بَعْدَ أنِ اتَّفَقُوا عَلى إثْباتِها في الوَقْفِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ هَذِهِ الحُرُوفَ كُلَّها بِإثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ، وكانَ حَمْزَةُ يَحْذِفُهُنَّ في الوَصْلِ وكانَ الكِسائِيُّ يَحْذِفُ الهاءَ في الوَصْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ و(اقْتَدِهْ) [الأنْعامِ: ٩٠] ويُثْبِتُها في الوَصْلِ في الباقِي، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقَّةِ: ٢٥، ٢٦] أنَّها بِالهاءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا الحَذْفُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اشْتِقاقَ قَوْلِهِ (يَتَسَنَّهْ) مِنَ السَّنَةِ، زَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أنَّ أصْلَ السَّنَةِ سَنَوَةٌ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم يَقُولُونَ في الِاشْتِقاقِ مِنها أسَنَّتِ القَوْمَ إذا أصابَتْهُمِ السَّنَةُ، وقالَ الشّاعِرُ:
ورِجالُ مَكَّةَ مِسْنِتُونَ عِجافُ
ويَقُولُونَ في جَمْعِها: سَنَواتٌ، وفي الفِعْلِ مِنها: سانَيْتُ الرَّجُلَ مُساناةً إذا عامَلَهُ سَنَةً سَنَةً، وفي التَّصْغِيرِ: سُنَيَّةٌ. إذا ثَبَتَ هَذا كانَ الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لِلسَّكْتِ لا لِلْأصْلِ.
وثانِيها: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أصْلُ سَنَةٍ سَنَنَةً، لِأنَّهم قالُوا في تَصْغِيرِها: سُنَيْنَةٌ وإنْ كانَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أصْلُهُ لَمْ يَتَسَنَّنْ، ثُمَّ أُسْقِطَتِ النُّونُ الأخِيرَةُ ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْها هاءُ السَّكْتِ عِنْدَ الوَقْفِ عَلَيْهِ، كَما أنَّ أصْلَ لَمْ يَتَقَضَّ البازِيُّ لَمْ يَتَقَضَّضِ البازِيُّ ثُمَّ أُسْقِطَتِ الضّادُ الأخِيرَةُ، ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ هاءُ
صفحة ٣١
السَّكْتِ عِنْدَ الوَقْفِ، فَيُقالُ: لَمْ يَتَقَضَّهْ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحِجْرِ: ٢٦] والسِّنُّ في اللُّغَةِ هو الصَّبُّ، هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، فَقَوْلُهُ: لَمْ يَتَسَنَّنْ، أيِ: الشَّرابُ بَقِيَ بِحالِهِ لَمْ يَنْضُبْ، وقَدْ أتى عَلَيْهِ مِائَةُ عامٍ، ثُمَّ إنَّهُ حُذِفَتِ النُّونُ الأخِيرَةُ وأُبْدِلَتْ بِهاءِ السَّكْتِ عِنْدَ الوَقْفِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في الوَجْهِ الثّانِي، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ لِبَيانِ الحَذْفِ، وأمّا بَيانُ الإثْباتِ فَهو أنَّ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّنَةِ، والسَّنَةُ أصْلُها سَنْهَةٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ في تَصْغِيرِها: سُنَيْهَةٌ، ويُقالُ: سانَهَتِ النَّخْلَةُ بِمَعْنى عاوَمَتْ، وآجَرْتُ الدّارَ مُسانَهَةً، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالهاءُ في ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لامُ الفِعْلِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يُحْذَفِ البَتَّةَ لا عِنْدَ الوَصْلِ ولا عِنْدَ الوَقْفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ وأصْلُ مَعْنى ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أيْ: لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ السُّنُونَ لِأنَّ مَرَّ السِّنِينَ إذا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَكَأنَّها لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ، ونَقَلْنا عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: لَمْ يَتَسَنَّنْ أيْ: لَمْ يَنْضُبِ الشَّرابُ. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَبِثَ مِائَةَ عامٍ، بَلْ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى ما قالَهُ مِن أنَّهُ لَبِثَ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
والجَوابُ: أنَّهُ كُلَّما كانَتِ الشُّبْهَةُ أقْوى مَعَ عِلْمِ الإنْسانِ في الجُمْلَةِ أنَّها شُبْهَةٌ كانَ سَماعُ الدَّلِيلِ المُزِيلِ لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ آكَدَ ووُقُوعُهُ في العَمَلِ أكْمَلَ، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ قالَ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ فَإنَّ هَذا مِمّا يُؤَكِّدُ قَوْلَكَ: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ اشْتِياقُكَ إلى الدَّلِيلِ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ فَرَأى الحِمارَ صارَ رَمِيمًا وعِظامًا نَخِرَةً فَعَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ يُسْرِعُ التَّغَيُّرُ فِيهِما، والحِمارُ رُبَّما بَقِيَ دَهْرًا طَوِيلًا وزَمانًا عَظِيمًا، فَرَأى ما لا يَبْقى باقِيًا، وهو الطَّعامُ والشَّرابُ، وما يَبْقى غَيْرَ باقٍ وهو العِظامُ، فَعَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَمَكُّنُ وُقُوعِ هَذِهِ الحُجَّةِ في عَقْلِهِ وفي قَلْبِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ راجِعٌ إلى الشَّرابِ لا إلى الطَّعامِ.
والجَوابُ: كَما يُوصَفُ الشَّرابُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، كَذَلِكَ يُوصَفُ الطَّعامُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، لا سِيَّما إذا كانَ الطَّعامُ لَطِيفًا يَتَسارَعُ الفَسادُ إلَيْهِ، والمَرْوِيُّ أنَّ طَعامَهُ كانَ التِّينَ والعِنَبَ، وشَرابُهُ كانَ عَصِيرَ العِنَبِ واللَّبَنَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”وانْظُرْ إلى طَعامِكَ وهَذا شَرابُكَ لَمْ يَتَسَنَّنْ“ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ عَرَفَهُ طُولَ مُدَّةَ مَوْتِهِ بِأنْ شاهَدَ عِظامَ حِمارِهِ نَخِرَةً رَمِيمَةً، وهَذا في الحَقِيقَةِ لا يَدُلُّ بِذاتِهِ، لِأنَّهُ لَمّا شاهَدَ انْقِلابَ العِظامِ النَّخِرَةِ حَيًّا في الحالِ عَلِمَ أنَّ القادِرَ عَلى ذَلِكَ قادِرٌ عَلى أنْ يُمِيتَ الحِمارَ في الحالِ ويَجْعَلَ عِظامَهُ رَمِيمَةً نَخِرَةً في الحالِ، وحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِعِظامِ الحِمارِ عَلى طُولِ مُدَّةِ المَوْتِ، بَلِ انْقِلابُ عِظامِ الحِمارِ إلى الحَياةِ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ ما سُمِعَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى قَوْلِهِ أنَّهُ لَمّا أُحْيِيَ بَعْدَ المَوْتِ كانَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، وقالَ غَيْرُهُ: كانَ آيَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهُ شابًّا أسْوَدَ الرَّأْسِ، وبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ بِيضُ اللِّحى والرُّءُوسِ.
صفحة ٣٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّشْرِيفُ والتَّعْظِيمُ والوَعْدُ بِالدَّرَجَةِ العالِيَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِمَن ماتَ عَلى الكُفْرِ والشَّكِّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: (ولِنَجْعَلَكَ) ؟ قُلْنا: قالَ الفَرّاءُ: دَخَلَتِ الواوُ لِأنَّهُ فَعَلَ بَعْدَها مُضْمَرٌ، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: وانْظُرْ إلى حِمارِكَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً، كانَ النَّظَرُ إلى الحِمارِ شَرْطًا، وجَعْلُهُ آيَةً جَزاءً، وهَذا المَعْنى غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِن هَذا الكَلامِ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ كانَ المَعْنى: ولِنَجْعَلَكَ آيَةً فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ الإماتَةِ والإحْياءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنْعامِ: ١٥] والمَعْنى: ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَّفْنا الآياتِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥] أيْ: ونُرِيَهُ المَلَكُوتَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعِظامِ عِظامُ حِمارِهِ، فَإنَّ اللّامَ فِيهِ بَدَلُ الكِنايَةِ، وقالَ آخَرُونَ: أرادُوا بِهِ عِظامَ هَذا الرَّجُلِ نَفْسِهِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أحْيا رَأْسَهُ وعَيْنَيْهِ، وكانَتْ بَقِيَّةُ بَدَنِهِ عِظامًا نَخِرَةً، فَكانَ يَنْظُرُ إلى أجْزاءِ عِظامِ نَفْسِهِ فَرَآها تَجْتَمِعُ ويَنْضَمُّ البَعْضُ إلى البَعْضِ، وكانَ يَرى حِمارَهُ واقِفًا كَما رَبَطَهُ حِينَ كانَ حَيًّا لَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ مِائَةَ عامٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ: وانْظُرْ إلى عِظامِكَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ، وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ إنَّما يَلِيقُ بِمَن لا يَرى أثَرَ التَّغَيُّرِ في نَفْسِهِ فَيَظُنُّ أنَّهُ كانَ نائِمًا في بَعْضِ يَوْمٍ، أمّا مَن شاهَدَ أجْزاءَ بَدَنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وعِظامَ بَدَنَةٍ رَمِيمَةٍ نَخِرَةٍ، فَلا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ القَوْلُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ خاطَبَهُ وأجابَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُجِيبُ هو الَّذِي أماتَهُ اللَّهُ، فَإذا كانَتِ الإماتَةُ راجِعَةً إلى كُلِّهِ، فالمُجِيبُ أيْضًا الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةَ الشَّخْصِ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ أحْياها وبَعَثَها.
أمّا قَوْلُهُ: (كَيْفَ نُنْشِرُها) فالمُرادُ يُحْيِيها، يُقالُ: أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ ونَشَرَهُ، قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عَبَسَ: ٢٢ ] وقَدْ وصَفَ اللَّهُ العِظامَ بِالإحْياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] وقُرِئَ ”نَنْشُرُها“ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الشِّينِ، قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى النَّشْرِ بَعْدَ الطَّيِّ، وذَلِكَ أنَّ بِالحَياةِ يَكُونُ الِانْبِساطُ في التَّصَرُّفِ، فَهو كَأنَّهُ مَطْوِيٌّ ما دامَ مَيِّتًا، فَإذا عادَ صارَ كَأنَّهُ نُشِرَ بَعْدَ الطَّيِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”نُنْشِزُها“ بِالزّايِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ، والمَعْنى نَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، وإنْشازُ الشَّيْءِ رَفْعُهُ، يُقالُ أنَشَزْتُهُ فَنَشَزَ، أيْ: رَفَعْتُهُ فارْتَفَعَ، ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ نَشَزَ، ومِنهُ نُشُوزُ المَرْأةِ، وهو أنْ تَرْتَفِعَ عَنْ حَدِّ رِضا الزَّوْجِ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: كَيْفَ نَرْفَعُها مِنَ الأرْضِ فَنَرُدَّها إلى أماكِنِها مِنَ الجَسَدِ ونُرَكِّبَ بَعْضَها عَلى البَعْضِ، ورُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ”نَنْشُزُها“ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الشِّينِ والزّايِ، ووَجْهُهُ ما قالَ الأخْفَشُ أنَّهُ يُقالُ: نَشَزْتُهُ وأنْشَزْتُهُ أيْ: رَفَعْتُهُ. والمَعْنى مِن جَمِيعِ القِراءاتِ أنَّهُ تَعالى رَكَّبَ العِظامَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ حَتّى اتَّصَلَتْ عَلى نِظامٍ، ثُمَّ بَسَطَ اللَّحْمَ عَلَيْها، ونَشَرَ العُرُوقَ والأعْصابَ واللُّحُومَ والجُلُودَ عَلَيْها، ورَفَعَ بَعْضَهُ إلى جَنْبِ البَعْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ القِراءاتِ داخِلًا في ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ وهَذا راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾
صفحة ٣٣
والمَعْنى: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ وُقُوعُ ما كانَ يَسْتَبْعِدُ وُقُوعَهُ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فاعِلُ ”تَبَيَّنَ لَهُ“ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قالَ: ﴿أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، وهَذا عِنْدِي فِيهِ تَعَسُّفٌ، بَلِ الصَّحِيحُ أنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أمْرُ الإماتَةِ والإحْياءِ عَلى سَبِيلِ المُشاهَدَةِ قالَ: ﴿أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وتَأْوِيلُهُ: أنِّي قَدْ عَلِمْتُ مُشاهَدَةَ ما كُنْتُ أعْلَمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قالَ اعْلَمْ“ عَلى لَفْظِ الأمْرِ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عِنْدَ التَّبَيُّنِ أمَرَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، قالَ الأعْشى:
ودِّعْ أُمامَةَ إنَّ الرَّكْبَ قَدْ رَحَلُوا
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ: (قِيلَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِها: ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ القاضِي: والقِراءَةُ الأُولى أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ إنَّما يَحْسُنُ عِنْدَ عَدَمِ المَأْمُورِ بِهِ، وهَهُنا العِلْمُ حاصِلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ فَكانَ الأمْرُ بِتَحْصِيلِ العِلْمِ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ جائِزٍ، أمّا الإخْبارُ عَنْ أنَّهُ حَصَلَ كانَ جائِزًا.
البقرة 2:260
القِصَّةُ الثّالِثَةُ:
وهِيَ أيْضًا دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ:
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في عامِلِ ”إذْ“ قَوْلانِ، قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ ألَمْ تَرَ إذْ حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ، وألَمْ تَرَ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يُسَمِّ عُزَيْرًا حِينَ قالَ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ وسَمّى هَهُنا إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ البَحْثِ في كِلْتا القِصَّتَيْنِ شَيْءٌ واحِدٌ، والسَّبَبُ أنَّ عُزَيْرًا لَمْ يَحْفَظِ الأدَبَ، بَلْ قالَ: ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ وإبْراهِيمُ حَفِظَ الأدَبَ فَإنَّهُ أثْنى عَلى اللَّهِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: (رَبِّ) ثُمَّ دَعا حَيْثُ قالَ: (أرِنِي) وأيْضًا أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا راعى الأدَبَ جَعَلَ الإحْياءَ والإماتَةَ في الطُّيُورِ، وعُزَيْرًا لَمّا لَمْ يُراعِ الأدَبَ جَعَلَ الإحْياءَ والإماتَةَ في نَفْسِهِ.
صفحة ٣٤
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ سُؤالِ إبْراهِيمَ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ والضِّحاكُ وقَتادَةُ وعَطاءٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّهُ رَأى جِيفَةً مَطْرُوحَةً في شَطِّ البَحْرِ فَإذا مَدَّ البَحْرُ أكَلَ مِنها دَوابُّ البَحْرِ، وإذا جَزَرَ البَحْرُ جاءَتِ السِّباعُ فَأكَلَتْ، وإذا ذَهَبَتِ السِّباعُ جاءَتِ الطُّيُورُ فَأكَلَتْ وطارَتْ، فَقالَ إبْراهِيمُ: رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تَجْمَعُ أجْزاءَ الحَيَوانِ مِن بُطُونِ السِّباعِ والطُّيُورِ ودَوابِّ البَحْرِ، فَقِيلَ: أوَلَمْ تُؤْمِن ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنَّ المَطْلُوبَ مِنَ السُّؤالِ أنْ يَصِيرَ العِلْمُ بِالِاسْتِدْلالِ ضَرُورِيًّا.
الوَجْهُ الثّانِي: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ والقاضِي: سَبَبُ السُّؤالِ أنَّهُ مَعَ مُناظَرَتِهِ مَعَ نَمْرُوذَ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ فَأطْلَقَ مَحْبُوسًا وقَتَلَ رَجُلًا، قالَ إبْراهِيمُ: لَيْسَ هَذا بِإحْياءٍ وإماتَةٍ، وعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ لِتَنْكَشِفَ هَذِهِ المَسْألَةُ عِنْدَ نَمْرُوذَ وأتْباعِهِ، ورُوِيَ عَنْ نَمْرُوذَ أنَّهُ قالَ: قُلْ لِرَبِّكَ حَتّى يُحْيِيَ وإلّا قَتَلْتُكَ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بِنَجاتِي مِنَ القَتْلِ أوْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِقُوَّةِ حُجَّتِي وبُرْهانِي، وأنَّ عُدُولِي مِنها إلى غَيْرِها ما كانَ بِسَبَبِ ضَعْفِ تِلْكَ الحُجَّةِ، بَلْ كانَ بِسَبَبِ جَهْلِ المُسْتَمِعِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ إنِّي مُتَّخِذٌ بَشَرًا خَلِيلًا. فاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ ﷺ وقالَ: إلَهِي ما عَلاماتُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: عَلامَتُهُ أنَّهُ يُحْيِي المَيِّتَ بِدُعائِهِ، فَلَمّا عَظُمَ مَقامُإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَرَجاتِ العُبُودِيَّةِ وأداءِ الرِّسالَةِ، خَطَرَ بِبالِهِ: إنِّي لَعَلِّي أنْ أكُونَ ذَلِكَ الخَلِيلَ، فَسَألَ إحْياءَ المَيِّتِ فَقالَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ عَلى أنَّنِي خَلِيلٌ لَكَ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ ﷺ إنَّما سَألَ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ، وذَلِكَ أنَّ أتْباعَ الأنْبِياءِ كانُوا يُطالِبُونَهم بِأشْياءَ تارَةً باطِلَةً وتارَةً حَقَّةً، كَقَوْلِهِمْ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَسَألَ إبْراهِيمُ ذَلِكَ. والمَقْصُودُ أنْ يُشاهِدَهُ فَيَزُولَ الإنْكارُ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
الوَجْهُ الخامِسُ: ما خَطَرَ بِبالِي فَقُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ الأُمَّةَ كَما يَحْتاجُونَ في العِلْمِ بِأنَّ الرَّسُولَ صادِقٌ في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ إلى مُعْجِزٍ يَظْهَرُ عَلى يَدِهِ، فَكَذَلِكَ الرَّسُولُ عِنْدَ وُصُولِ المَلَكِ إلَيْهِ وإخْبارِهِ إيّاهُ بِأنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ رَسُولًا يَحْتاجُ إلى مُعْجِزٍ يَظْهَرُ عَلى يَدِ ذَلِكَ المَلَكِ لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ أنَّ ذَلِكَ الواصِلَ مَلَكٌ كَرِيمٌ لا شَيْطانٌ رَجِيمٌ، وكَذا إذا سَمِعَ المَلَكُ كَلامَ اللَّهِ احْتاجَ إلى مُعْجِزٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى لا كَلامُ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا جاءَ المَلَكُ إلى إبْراهِيمَ وأخْبَرَهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَكَ رَسُولًا إلى الخَلْقِ طَلَبَ المُعْجِزَ فَقالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ عَلى أنَّ الآتِيَ مَلَكٌ كَرِيمٌ لا شَيْطانٌ رَجِيمٌ.
الوَجْهُ السّادِسُ، وهو عَلى لِسانِ أهْلِ التَّصَوُّفِ: أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْتى القُلُوبُ المَحْجُوبَةُ عَنْ أنْوارِ المُكاشَفاتِ والتَّجَلِّي، والإحْياءُ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ ذَلِكَ التَّجَلِّي والأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ طَلَبٌ لِذَلِكَ التَّجَلِّي والمُكاشَفاتِ فَقالَ: أوَلَمْ تُؤْمِن ؟ قالَ: بَلى أُؤْمِنُ بِهِ إيمانَ الغَيْبِ، ولَكِنْ أطْلُبُ حُصُولَها لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِسَبَبِ حُصُولِ ذَلِكَ التَّجَلِّي. وعَلى قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ: العِلْمُ الِاسْتِدْلالِيُّ مِمّا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ
صفحة ٣٥
الشُّبُهاتُ والشُّكُوكُ، فَطَلَبَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يَسْتَقِرُّ القَلْبُ مَعَهُ اسْتِقْرارًا لا يَتَخالَجُهُ شَيْءٌ مِنَ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ.
الوَجْهُ السّابِعُ: لَعَلَّهُ طالَعَ في الصُّحُفِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أنَّهُ يُشَرِّفُ ولَدَهُ عِيسى بِأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى بِدُعائِهِ فَطَلَبَ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ عَلى أنِّي لَسْتُ أقَلَّ مَنزِلَةً في حَضْرَتِكَ مِن ولَدِي عِيسى.
الوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ إبْراهِيمَ ﷺ أُمِرَ بِذَبْحِ الوَلَدِ فَسارَعَ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أمَرْتَنِي أنْ أجْعَلَ ذا رُوحِ بِلا رُوحٍ فَفَعَلْتُ، وأنا أسْألُكَ أنْ تَجْعَلَ غَيْرَ ذِي رُوحٍ رُوحانِيًّا، فَقالَ: أوَلَمْ تُؤْمِن ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ لِيَطَمْئِنَّ قَلْبِي عَلى أنَّكَ اتَّخَذْتَنِي خَلِيلًا.
الوَجْهُ التّاسِعُ: نَظَرَ إبْراهِيمُ ﷺ في قَلْبِهِ فَرَآهُ مَيِّتًا بِحُبِّ ولَدِهِ فاسْتَحْيى مِنَ اللَّهِ وقالَ: أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى، أيِ: القَلْبَ إذا ماتَ بِسَبَبِ الغَفْلَةِ كَيْفَ يَكُونُ إحْياؤُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.
الوَجْهُ العاشِرُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ يُشاهِدُونَ الحَشْرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَأرِنِي ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَقالَ: أوَلَمْ تُؤْمِن ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي عَلى أنْ خَصَصْتَنِي في الدُّنْيا بِمَزِيدِ هَذا التَّشْرِيفِ.
الوَجْهُ الحادِيَ عَشَرَ: لَمْ يَكُنْ قَصْدُ إبْراهِيمَ إحْياءَ المَوْتى، بَلْ كانَ قَصْدُهُ سَماعَ الكَلامِ بِلا واسِطَةٍ.
الثّانِيَ عَشَرَ: ما قالَهُ قَوْمٌ مِنَ الجُهّالِ، وهو أنَّ إبْراهِيمَ ﷺ كانَ شاكًّا في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ وفي مَعْرِفَةِ المَعادِ، أمّا شَكُّهُ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ فَقَوْلُهُ: (﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنْعامِ: ٧٨] وقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٧] وأمّا شَكُّهُ في المَعادِ فَهو في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا القَوْلُ سَخِيفٌ بَلْ كُفْرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الجاهِلَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى إحْياءِ المَوْتى كافِرٌ، فَمَن نَسَبَ النَّبِيَّ المَعْصُومَ إلى ذَلِكَ فَقَدْ كَفَّرَ النَّبِيَّ المَعْصُومَ، فَكانَ هَذا بِالكُفْرِ أوْلى، ومِمّا يَدُلُّ عَلى فَسادِ ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ولَوْ كانَ شاكًّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وذَلِكَ كَلامُ عارِفٍ طالِبٍ لِمَزِيدِ اليَقِينِ، ومِنها أنَّ الشَّكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يُوجِبُ الشَّكَّ في النُّبُوَّةِ فَكَيْفَ يَعْرِفُ نُبُوَّةَ نَفْسِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ فَفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما:
أنَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، قالَ الشّاعِرُ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالِمِينَ بُطُونَ راحِ
والثّانِي: المَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ أنْ يُجِيبَ بِما أجابَ بِهِ لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُؤْمِنًا بِذَلِكَ عارِفًا بِهِ وأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا السُّؤالِ شَيْءٌ آخَرُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فاعْلَمْ أنَّ اللّامَ في ”لِيَطْمَئِنَّ“ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: سَألْتُ ذَلِكَ إرادَةَ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، قالُوا: والمُرادُ مِنهُ أنْ يَزُولَ عَنْهُ الخَواطِرُ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْمُسْتَدِلِّ وإلّا فاليَقِينُ حاصِلٌ عَلى كِلْتا الحالَتَيْنِ.
وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ وهو أنَّ التَّفْسِيرَ مُفَرَّعٌ عَلى أنَّ العُلُومَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ، وفِيهِ سُؤالٌ صَعْبٌ، وهو أنَّ الإنْسانَ حالَ حُصُولِ العِلْمِ لَهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُجَوِّزًا لِنَقِيضِهِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ، فَإنْ
صفحة ٣٦
جَوَّزَ نَقِيضَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَذاكَ ظَنٌّ قَوِيٌّ لا اعْتِقادٌ جازِمٌ، وإنْ لَمْ يُجَوِّزْ نَقِيضَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّفاوُتِ في العُلُومِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الإشْكالَ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا قُلْنا: المَطْلُوبُ هو حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ في اعْتِقادِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإحْياءِ، أمّا لَوْ قُلْنا: المَقْصُودُ شَيْءٌ آخَرُ فالسُّؤالُ زائِلٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أخَذَ طاوُسًا ونَسْرًا وغُرابًا ودِيكًا، وفي قَوْلِ مُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: حَمامَةٌ بَدَلَ النَّسْرِ، وهَهُنا أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا خَصَّ الطَّيْرَ مِن جُمْلَةِ الحَيَواناتِ بِهَذِهِ الحالَةِ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الطَّيَرانَ في السَّماءِ، والِارْتِفاعَ في الهَواءِ، والخَلِيلُ كانَتْ هِمَّتُهُ العُلُوَّ والوُصُولَ إلى المَلَكُوتِ فَجُعِلَتْ مُعْجِزَتُهُ مُشاكِلَةً لِهِمَّتِهِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَبَحَ الطُّيُورَ وجَعَلَها قِطْعَةً قِطْعَةً، ووَضَعَ عَلى رَأْسِ كُلِّ جَبَلٍ قِطَعًا مُخْتَلِطَةً، ثُمَّ دَعاها طارَ كُلُّ جُزْءٍ إلى مُشاكِلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: كَما طارَ كُلُّ جُزْءٍ إلى مُشاكِلِهِ كَذا يَوْمَ القِيامَةِ يَطِيرُ كُلُّ جُزْءٍ إلى مُشاكِلِهِ حَتّى تَتَألَّفَ الأبْدانُ وتَتَّصِلَ بِهِ الأرْواحُ، ويُقَرِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القَمَرِ: ٧] .
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ كانَ حاصِلًا بِحَيَوانٍ واحِدٍ، فَلِمَ أمَرَ بِأخْذِ أرْبَعِ حَيَواناتٍ ؟ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى فِيهِ أنَّكَ سَألْتَ واحِدًا عَلى قَدْرِ العُبُودِيَّةِ وأنا أُعْطِي أرْبَعًا عَلى قَدْرِ الرُّبُوبِيَّةِ.
والثّانِي: أنَّ الطُّيُورَ الأرْبَعَةَ إشارَةٌ إلى الأرْكانِ الأرْبَعَةِ الَّتِي مِنها تَرْكِيبُ أبْدانِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ، والإشارَةُ فِيهِ أنَّكَ ما لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ هَذِهِ الطُّيُورِ الأرْبَعَةِ لا يَقْدِرُ طَيْرُ الرُّوحِ عَلى الِارْتِفاعِ إلى هَواءِ الرُّبُوبِيَّةِ وصَفاءِ عالَمِ القُدْسِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: إنَّما خَصَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ لِأنَّ الطّاوُسَ إشارَةٌ إلى ما في الإنْسانِ مِن حُبِّ الزِّينَةِ والجاهِ والتَّرَفُّعِ، قالَ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤] والنَّسْرُ إشارَةٌ إلى شَدَّةِ الشَّغَفِ بِالأكْلِ، والدِّيكُ إشارَةٌ إلى شِدَّةِ الشَّغَفِ بِقَضاءِ الشَّهْوَةِ مِنَ الفَرْجِ، والغُرابُ إشارَةٌ إلى شِدَّةِ الحِرْصِ عَلى الجَمْعِ والطَّلَبِ، فَإنَّ مِن حِرْصِ الغُرابِ أنَّهُ يَطِيرُ بِاللَّيْلِ ويَخْرُجُ بِالنَّهارِ في غايَةِ البَرْدِ لِلطَّلَبِ، والإشارَةُ فِيهِ إلى أنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَسْعَ في قَتْلِ شَهْوَةِ النَّفْسِ والفَرْجِ وفي إبْطالِ الحِرْصِ وإبْطالِ التَّزَيُّنِ لِلْخَلْقِ لَمْ يَجِدْ في قَلْبِهِ رَوْحًا وراحَةً مِن نُورِ جَلالِ اللَّهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”فَصِرْهُنَّ إلَيْكَ“ بِكَسْرِ الصّادِ، والباقُونَ بِضَمِّ الصّادِ، أمّا الضَّمُّ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِن صِرْتُ الشَّيْءَ أصُورُهُ إذا أمَلْتَهُ إلَيْهِ، ورَجُلٌ أصْوَرُ أيْ مائِلُ العُنُقِ، ويُقالُ: صارَ فُلانٌ إلى كَذا إذا قالَ بِهِ ومالَ إلَيْهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَحْصُلُ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أمِلْهُنَّ إلَيْكَ وقَطِّعْهُنَّ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا، فَحَذَفَ الجُمْلَةَ الَّتِي هي قَطِّعْهُنَّ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ﴾
صفحة ٣٧
﴿البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٦٣] عَلى مَعْنى: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ يَدُلُّ عَلى التَّقْطِيعِ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أمْرِهِ بِضَمِّها إلى نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ يَأْخُذَها ؟ .
قُلْنا: الفائِدَةُ أنْ يَتَأمَّلَ فِيها ويَعْرِفَ أشْكالَها وهَيْآتِها لِئَلّا تَلْتَبِسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الإحْياءِ، ولا يَتَوَهَّمَ أنَّها غَيْرُ تِلْكَ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ مَعْناهُ قَطِّعْهُنَّ، يُقالُ: صارَ الشَّيْءَ يَصُورُهُ صَوْرًا، إذا قَطَعَهُ، قالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ خَصْمًا ألَدَّ: صِرْناهُ بِالحُكْمِ، أيْ قَطَعْناهُ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ، وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِكَسْرِ الصّادِ، فَقَدْ فَسَّرَ هَذِهِ الكَلِمَةَ أيْضًا تارَةً بِالإمالَةِ، وأُخْرى بِالتَّقْطِيعِ، أمّا الإمالَةُ فَقالَ الفَرّاءُ: هَذِهِ لُغَةُ هُذَيْلٍ وسُلَيْمٍ: صارَهُ يَصِيرُهُ إذا أماتَهُ، وقالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ: ”صِرْهُنَّ“ بِكَسْرِ الصّادِ: قَطِّعْهُنَّ. يُقالُ: صارَهُ يَصِيرُهُ إذا قَطَعَهُ، قالَ الفَرّاءُ: أظُنُّ أنَّ ذَلِكَ مَقْلُوبٌ مِن صَرى يَصْرِي إذا قَطَعَ، فَقُدِّمَتْ ياؤُها، كَما قالُوا: عَثا وعاثَ، قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا لا يَصِحُّ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ أصْلٌ في نَفْسِهِ مُسْتَقِلٌّ بِذاتِهِ، فَلا يَجُوزُ جَعْلُ أحَدِهِما فَرْعًا عَنِ الآخَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ: قَطِّعْهُنَّ، وأنَّ إبْراهِيمَ قَطَعَ أعْضاءَها ولُحُومَها ورِيشَها ودِماءَها، وخَلَطَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، غَيْرَ أبِي مُسْلِمٍ فَإنَّهُ أنْكَرَ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ إحْياءَ المَيِّتِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أراهُ اللَّهُ تَعالى مِثالًا قَرَّبَ بِهِ الأمْرَ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِصُرْهُنَّ إلَيْكَ الإمالَةُ والتَّمْرِينُ عَلى الإجابَةِ، أيْ: فَعَوَّدَ الطُّيُورَ الأرْبَعَةَ أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ إذا دَعَوْتَها أجابَتْكَ وأتَتْكَ، فَإذا صارَتْ كَذَلِكَ، فاجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ واحِدًا حالَ حَياتِهِ، ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا، والغَرَضُ مِنهُ ذِكْرُ مِثالٍ مَحْسُوسٍ في عَوْدِ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ عَلى سَبِيلِ السُّهُولَةِ. وأنْكَرَ القَوْلَ بِأنَّ المُرادَ مِنهُ: فَقَطِّعْهُنَّ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَشْهُورَ في اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أمِلْهُنَّ، وأمّا التَّقْطِيعُ والذَّبْحُ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَكانَ إدْراجُهُ في الآيَةِ إلْحاقًا لِزِيادَةٍ بِالآيَةِ لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْها وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِصُرْهُنَّ قَطِّعْهُنَّ لَمْ يَقُلْ إلَيْكَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَتَعَدّى بِإلى وإنَّما يَتَعَدّى بِهَذا الحَرْفِ إذا كانَ بِمَعْنى الإمالَةِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَخُذْ إلَيْكَ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ ؟ .
قُلْنا: التِزامُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ مُلْجِئٌ إلى التِزامِهِ خِلافُ الظّاهِرِ.
والثّالِثُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ عائِدٌ إلَيْها لا إلى أجْزائِها، وإذا كانَتِ الأجْزاءُ مُتَفَرِّقَةً مُتَفاصِلَةً وكانَ المَوْضُوعُ عَلى كُلِّ جَبَلٍ بَعْضَ تِلْكَ الأجْزاءِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى تِلْكَ الأجْزاءِ لا إلَيْها، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأيْضًا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ عائِدٌ إلَيْها لا إلى أجْزائِها، وعَلى قَوْلِكم إذا سَعى بَعْضُ الأجْزاءِ إلى بَعْضٍ كانَ الضَّمِيرُ في ﴿يَأْتِينَكَ﴾ عائِدًا إلى أجْزائِها لا إلَيْها. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ المَشْهُورِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ أبِي مُسْلِمٍ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ حَصَلَ ذَبْحُ تِلْكَ الطُّيُورِ وتَقْطِيعُ أجْزائِها، فَيَكُونُ إنْكارُ ذَلِكَ إنْكارًا لِلْإجْماعِ.
والثّانِي: أنَّ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِإبْراهِيمَ ﷺ، فَلا يَكُونُ لَهُ فِيهِ مَزِيَّةٌ عَلى الغَيْرِ.
والثّالِثُ: أنَّ إبْراهِيمَ أرادَ أنْ يُرِيَهُ اللَّهُ كَيْفَ يُحْيِي المَوْتى، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُجِيبَ إلى ذَلِكَ، وعَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ لا تَحْصُلُ الإجابَةُ في الحَقِيقَةِ.
والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ يَدُلُّ
صفحة ٣٨
عَلى أنَّ تِلْكَ الطُّيُورَ جُعِلَتْ جُزْءًا جُزْءًا، قالَ أبُو مُسْلِمٍ في الجَوابِ عَنْ هَذا الوَجْهِ: أنَّهُ أضافَ الجُزْءَ إلى الأرْبَعَةِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالجُزْءِ هو الواحِدُ مِن تِلْكَ الأرْبَعَةِ.
والجَوابُ: أنَّ ما ذَكَرْتَهُ وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا إلّا أنَّ حَمْلَ الجُزْءِ عَلى ما ذَكَرْناهُ أظْهَرُ، والتَّقْدِيرُ: فاجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُنَّ جُزْءًا أوْ بَعْضًا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿عَلى كُلِّ جَبَلٍ﴾ جَمِيعُ جِبالِ الدُّنْيا، فَذَهَبَ مُجاهِدٌ والضَّحاكُ إلى العُمُومِ بِحَسَبِ الإمْكانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَرِّقْها عَلى كُلِّ جَبَلٍ يُمْكِنُكَ التَّفْرِقَةُ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ: أرْبَعَةُ جِبالٍ عَلى حَسَبِ الطُّيُورِ الأرْبَعَةِ وعَلى حَسَبِ الجِهاتِ الأرْبَعَةِ أيْضًا، أعْنِي المَشْرِقَ والمَغْرِبَ والشَّمالَ والجَنُوبَ، وقالَ السُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: سَبْعَةٌ مِنَ الجِبالِ؛ لِأنَّ المُرادَ كُلُّ جَبَلٍ يُشاهِدُهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَصِحَّ مِنهُ دُعاءُ الطَّيْرِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالمُشاهَدَةِ، والجِبالُ الَّتِي كانَ يُشاهِدُها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبْعَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّهُ ﷺ أُمِرَ بِذَبْحِها ونَتْفِ رِيشِها وتَقْطِيعِها جُزْءًا جُزْءًا وخَلْطِ دِمائِها ولُحُومِها، وأنْ يُمْسِكَ رُءُوسَها، ثُمَّ أُمِرَ بِأنْ يَجْعَلَ أجْزاءَها عَلى الجِبالِ؛ عَلى كُلِّ جَبَلٍ رُبْعًا مِن كُلِّ طائِرٍ، ثُمَّ يَصِيحُ بِها: تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أخَذَ كُلُّ جُزْءٍ يَطِيرُ إلى الآخَرِ حَتّى تَكامَلَتِ الجُثَثُ، ثُمَّ أقْبَلَتْ كُلُّ جُثَّةٍ إلى رَأْسِها، وانْضَمَّ كُلُّ رَأْسٍ إلى جُثَّتِهِ، وصارَ الكُلُّ أحْياءً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والفَضْلِ ”جُزْءًا“ مُثَقَّلًا مَهْمُوزًا حَيْثُ وقَعَ، والباقُونَ مُهَمَّزًا مُخَفَّفًا وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ فَقِيلَ: عَدْوًا ومَشْيًا عَلى أرْجُلِهِنَّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الحُجَّةِ، وقِيلَ: طَيَرانًا ولَيْسَ يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلطَّيْرِ إذا طارَ: سَعى، ومِنهم مَن أجابَ عَنْهُ بِأنَّ السَّعْيَ هو الِاشْتِدادُ في الحَرَكَةِ، فَإنْ كانَتِ الحَرَكَةُ طَيَرانًا فالسَّعْيُ فِيها هو الِاشْتِدادُ في تِلْكَ الحَرَكَةِ.
وقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في صِحَّةِ الحَياةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ حَيًّا فاهِمًا لِلنِّداءِ، قادِرًا عَلى السَّعْيِ والعَدْوِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في صِحَّةِ الحَياةِ.
قالَ القاضِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البِنْيَةِ مِن حَيْثُ أوْجَبَ التَّقْطِيعُ بُطْلانَ حَياتِها.
والجَوابُ: أنَّهُ ضَعِيفٌ لِأنَّ حُصُولَ المُقارَنَةِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ المُقارَنَةِ، أمّا الِانْفِكاكُ عَنْهُ في بَعْضِ الأحْوالِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقارَنَةَ حَيْثُ حَصَلَتْ ما كانَتْ واجِبَةً، ولَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ فَهْمِ النِّداءِ، والقُدْرَةِ عَلى السَّعْيِ لِتِلْكَ الأجْزاءِ حالَ تَفَرُّقِها، كانَ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ غالِبٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ ”حَكِيمٌ“ أيْ: عَلِيمٌ بِعَواقِبِ الأُمُورِ وغاياتِ الأشْياءِ.
البقرة 2:261
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مِن بَيانِ أُصُولِ العِلْمِ بِالمَبْدَأِ وبِالمَعادِ ومِن دَلائِلِ صِحَّتِهِما ما أرادَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ والتَّكالِيفِ.
فالحُكْمُ الأوَّلُ: في بَيانِ التَّكالِيفِ المُعْتَبَرَةِ في إنْفاقِ الأمْوالِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ القاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّهُ تَعالى لَمّا أجْمَلَ في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٥] فَصَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ الأضْعافَ، وإنَّما ذَكَرَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ الأدِلَّةَ عَلى قُدْرَتِهِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ مِن حَيْثُ لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَحْسُنِ التَّكْلِيفُ بِالإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ لَوْلا وُجُودُ الإلَهِ المُثِيبُ المُعاقِبُ، لَكانَ الإنْفاقُ في سائِرِ الطّاعاتِ عَبَثًا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لِمَن رَغَّبَهُ في الإنْفاقِ: قَدْ عَرَفْتَ أنِّي خَلَقْتُكَ وأكْمَلْتُ نِعْمَتِي عَلَيْكَ بِالإحْياءِ والإقْدارِ، وقَدْ عَلِمْتَ قُدْرَتِي عَلى المُجازاةِ والإثابَةِ، فَلْيَكُنْ عِلْمُكَ بِهَذِهِ الأحْوالِ داعِيًا إلى إنْفاقِ المالِ، فَإنَّهُ يُجازِي القَلِيلَ بِالكَثِيرِ، ثُمَّ ضَرَبَ لِذَلِكَ الكَثِيرِ مَثَلًا، وهو أنَّ مَن بَذَرَ حَبَّةً أخْرَجَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، فَصارَتِ الواحِدَةُ سَبْعَمِائَةٍ.
الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ النَّظْمِ: ما ذَكَرَهُ الأصَمُّ، وهو أنَّهُ تَعالى ضَرَبَ هَذا المَثَلَ بَعْدَ أنِ احْتَجَّ عَلى الكُلِّ بِما يُوجِبُ تَصْدِيقَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَرْغَبُوا في المُجاهَدَةِ بِالنَّفْسِ والمالِ في نُصْرَتِهِ وإعْلاءِ شَرِيعَتِهِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ الكُفّارَ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ، بَيَّنَ مَثَلَ ما يُنْفِقُ المُؤْمِنُ في سَبِيلِ اللَّهِ وما يُنْفِقُ الكافِرُ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: مَثَلُ صَدَقاتِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم كَمَثَلِ حَبَّةٍ. وقِيلَ: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم كَمَثَلِ زارِعِ حَبَّةٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى ﴿يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي في دِينِهِ، قِيلَ: أرادَ النَّفَقَةَ في الجِهادِ خاصَّةً، وقِيلَ: جَمِيعُ أبْوابِ البِرِّ، ويَدْخُلُ فِيهِ الواجِبُ والنَّفْلُ مِنَ الإنْفاقِ في الهِجْرَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومِنَ الإنْفاقِ في الجِهادِ عَلى نَفْسِهِ وعَلى الغَيْرِ، ومِن صَرْفِ المالِ إلى الصَّدَقاتِ، ومِن إنْفاقِها في المَصالِحِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَعْدُودٌ في السَّبِيلِ الَّذِي هو دِينُ اللَّهِ وطَرِيقَتُهُ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ ”إنْفاقٌ في سَبِيلِ اللَّهِ“ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ رَأيْتَ سُنْبُلَةً فِيها مِائَةُ حَبَّةٍ حَتّى يُضْرَبَ المَثَلُ بِها ؟ .
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ عَلِمَ إنْسانٌ يَطْلُبُ الزِّيادَةَ والرِّبْحَ أنَّهُ
صفحة ٤٠
إذا بَذَرَ حَبَّةً واحِدَةً أخْرَجَتْ لَهُ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ ما كانَ يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ ولا التَّقْصِيرُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِمَن طَلَبَ الأجْرَ في الآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ لا يَتْرُكَهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ عَلى الواحِدَةِ عَشْرَةٌ ومِائَةٌ وسَبْعُمِائَةٍ، وإذا كانَ هَذا المَعْنى مَعْقُولًا سَواءٌ وُجِدَ في الدُّنْيا سُنْبُلَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أوْ لَمْ يُوجَدْ كانَ المَعْنى حاصِلًا مُسْتَقِيمًا، وهَذا قَوْلُ القَفّالِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو حَسَنٌ جِدًّا.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ شُوهِدَ ذَلِكَ في سُنْبُلَةِ الجاوَرْسِ، وهَذا الجَوابُ في غايَةِ الرَّكاكَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: كانَ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُدْغِمُونَ التّاءَ في السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ لِأنَّهُما حَرْفانِ مَهْمُوسانِ، والباقُونَ بِالإظْهارِ عَلى الأصْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ كَمِّيَّةِ تِلْكَ المُضاعَفَةِ، ولا بَيانُ مَن يُشَرِّفُهُ اللَّهُ بِهَذِهِ المُضاعَفَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَجُوزَ أنَّهُ تَعالى يُضاعِفُ لِكُلِّ المُتَّقِينَ، ويَجُوزَ أنْ يُضاعِفَ لِبَعْضِهِمْ مِن حَيْثُ يَكُونُ إنْفاقُهُ أدْخَلَ في الإخْلاصِ، أوْ لِأنَّهُ تَعالى بِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ يَجْعَلُ طاعَتَهُ مَقْرُونَةً بِمَزِيدِ القَبُولِ والثَّوابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ أيْ: واسِعُ القُدْرَةِ عَلى المُجازاةِ عَلى الجُودِ والإفْضالِ عَلَيْهِمْ، بِمَقادِيرِ الإنْفاقاتِ، وكَيْفِيَّةِ ما يَسْتَحِقُّ عَلَيْها، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَصِرْ عَمَلُ العامِلِ ضائِعًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
البقرة 2:262
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظُمَ أمْرُ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ تَحْصِيلُها حَتّى يَبْقى ذَلِكَ الثَّوابُ، مِنها تَرْكُ المَنِّ والأذى. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: نَزَلَتِ الآيَةُ في عُثْمانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أمّا عُثْمانُ فَجَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وألْفِ دِينارٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ يَقُولُ: «يا رَبِّ، عُثْمانُ رَضِيتُ عَنْهُ فارْضَ عَنْهُ» . وأمّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَإنَّهُ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ مالِهِ أرْبَعَةَ آلافِ دِينارٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَن أنْفَقَ عَلى نَفْسِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ بِمَن أنْفَقَ عَلى غَيْرِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الإنْفاقَ عَلى الغَيْرِ إنَّما يُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ المَذْكُورَ في الآيَةِ إذا لَمْ يُتْبِعْهُ بِمَنٍّ ولا أذى.
قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الشَّرْطُ مُعْتَبَرًا أيْضًا فِيمَن أنْفَقَ عَلى نَفْسِهِ، وذَلِكَ هو أنْ يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ ويَحْضُرَ الجِهادَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ ابْتِغاءً لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَمُنَّ بِهِ عَلى
صفحة ٤١
النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، ولا يُؤْذِيَ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: لَوْ لَمْ أحْضُرْ لَما تَمَّ هَذا الأمْرُ، ويَقُولَ لِغَيْرِهِ: أنْتَ ضَعِيفٌ بَطّالٌ لا مَنفَعَةَ مِنكَ في الجِهادِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”المَنُّ“ في اللُّغَةِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: بِمَعْنى الإنْعامِ، يُقالُ: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى فُلانٍ، إذا أنْعَمَ، أوْ لِفُلانٍ عَلَيَّ مِنَّةٌ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ:
فَمُنِّي عَلَيْنا بِالسَّلامِ فَإنَّما كَلامُكِ ياقُوتٌ ودُرٌّ مُنَظَّمُ
ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”«ما مِنَ النّاسِ أحَدٌ أمَنُّ عَلَيْنا في صُحْبَتِهِ ولا ذاتِ يَدِهِ مِنِ ابْنِ أبِي قُحافَةَ» “ يُرِيدُ أكْثَرَ إنْعامًا بِمالِهِ، وأيْضًا اللَّهُ تَعالى يُوصَفُ بِأنَّهُ مَنّانٌ أيْ: مُنْعِمٌ.
والوَجْهُ الثّانِي في التَّفْسِيرِ: ”المَنُّ“ النَّقْصُ مِنَ الحَقِّ والبَخْسُ لَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القَلَمِ: ٣] أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ وغَيْرَ مَمْنُوعٍ، ومِنهُ سُمِّيَ المَوْتُ مَنُونًا لِأنَّهُ يُنْقِصُ الأعْمارَ، ويَقْطَعُ الأعْذارَ. ومِن هَذا البابِ المِنَّةُ المَذْمُومَةُ؛ لِأنَّهُ يُنْقِصُ النِّعْمَةَ، ويُكَدِّرُها، والعَرَبُ يَمْتَدِحُونَ بِتَرْكِ المَنِّ بِالنِّعْمَةِ، قالَ قائِلَهم:
زادَ مَعْرُوفَكَ عِنْدِي عِظَمًا ∗∗∗ أنَّهُ عِنْدِيَ مَسْتُورٌ حَقِيرُ
تَتَناساهُ كَأنْ لَمْ تَأْتِهِ ∗∗∗ وهْوَ في العالَمِ مَشْهُورٌ كَثِيرُ
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَنُّ هو إظْهارُ الِاصْطِناعِ إلَيْهِمْ، والأذى شِكايَتُهُ مِنهم بِسَبَبِ ما أعْطاهم، وإنَّما كانَ المَنُّ مَذْمُومًا لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الفَقِيرَ الآخِذَ لِلصَّدَقَةِ مُنْكَسِرُ القَلْبِ لِأجْلِ حاجَتِهِ إلى صَدَقَةٍ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ بِاليَدِ العُلْيا لِلْمُعْطِي، فَإذا أضافَ المُعْطِي إلى ذَلِكَ إظْهارَ ذَلِكَ الإنْعامِ، زادَ ذَلِكَ في انْكِسارِ قَلْبِهِ، فَيَكُونُ في حُكْمِ المَضَرَّةِ بَعْدَ المَنفَعَةِ، وفي حُكْمِ المُسِيءِ إلَيْهِ بَعْدَ أنْ أحْسَنَ إلَيْهِ.
والثّانِي: إظْهارُ المَنِّ يُبْعِدُ أهْلَ الحاجَةِ عَنِ الرَّغْبَةِ في صَدَقَتِهِ إذا اشْتُهِرَ مِن طَرِيقِهِ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنَّ المُعْطِيَ يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وأنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعَمًا عَظِيمَةً حَيْثُ وفَّقَهُ لِهَذا العَمَلِ، وأنْ يَخافَ أنَّهُ هَلْ قَرَنَ بِهَذا الإنْعامِ ما يُخْرِجُهُ عَنْ قَبُولِ اللَّهِ إيّاهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَجْعَلَهُ مِنَّةً عَلى الغَيْرِ.
الرّابِعُ: وهو السِّرُّ الأصْلِيُّ أنَّهُ إنْ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الإعْطاءَ إنَّما تَيَسَّرَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى هَيَّأ لَهُ أسْبابَ الإعْطاءِ وأزالَ أسْبابَ المَنعِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ المُعْطِي هو اللَّهَ في الحَقِيقَةِ لا العَبْدَ، فالعَبْدُ إذا كانَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ كانَ قَلْبُهُ مُسْتَنِيرًا بِنُورِ اللَّهِ تَعالى، وإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كانَ مَشْغُولًا بِالأسْبابِ الجُسْمانِيَّةِ الظّاهِرَةِ وكانَ مَحْرُومًا عَنْ مُطالَعَةِ الأسْبابِ الرَّبّانِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ فَكانَ في دَرَجَةِ البَهائِمِ الَّذِينَ لا يَتَرَقّى نَظَرُهم عَنِ المَحْسُوسِ إلى المَعْقُولِ وعَنِ الآثارِ إلى المُؤَثِّرِ.
وأمّا الأذى فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الإطْلاقِ في أذى المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمَنِّ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو مِثْلُ أنْ يَقُولَ لِلْفَقِيرِ: أنْتَ أبَدًا تَجِيئُنِي بِالإيلامِ وفَرَّجَ اللَّهُ عَنِّي مِنكَ وباعَدَ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ مَن أنْفَقَ مالَهُ ثُمَّ إنَّهُ لا يُتْبِعُهُ المَنَّ والأذى فَلَهُ الأجْرُ العَظِيمُ والثَّوابُ الجَزِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُما بِمَجْمُوعِهِما يُبْطِلانِ الأجْرَ فَيَلْزَمُ أنَّهُ لَوْ وُجِدَ أحَدُهُما دُونَ الثّانِي لا يَبْطُلُ الأجْرُ.
صفحة ٤٢
قُلْنا: بَلِ الشَّرْطُ أنْ لا يُوجَدَ واحِدٌ مِنهُما؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَقَعَ مِنهُ لا هَذا ولا ذاكَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكَبائِرَ تُحْبِطُ ثَوابَ فاعِلِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا الثَّوابَ إنَّما يَبْقى إذا لَمْ يُوجَدِ المَنُّ والأذى؛ لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ مَعَ فَقْدِهِما ومَعَ وُجُودِهِما لَمْ يَكُنْ لِهَذا الِاشْتِراطِ فائِدَةٌ.
أجابَ أصْحابُنا بِأنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّ حُصُولَ المَنِّ والأذى يُخْرِجانِ الإنْفاقَ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ أجْرٌ وثَوابٌ أصْلًا، مِن حَيْثُ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ إنَّما أنْفَقَ لِكَيْ يَمُنَّ، ولَمْ يُنْفِقْ لِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ، ولا عَلى وجْهِ القُرْبَةِ والعِبادَةِ، فَلا جَرَمَ بَطَلَ الأجْرُ.
طَعَنَ القاضِي في هَذا الجَوابِ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا الإنْفاقَ قَدْ صَحَّ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا﴾ وكَلِمَةُ ”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي، وما يَكُونُ مُتَأخِّرًا عَنِ الإنْفاقِ مُوجِبٌ لِلثَّوابِ؛ لِأنَّ شَرْطَ المُتَأثِّرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حاصِلًا حالَ حُصُولِ المُؤَثِّرِ لا بَعْدَهُ.
أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ ذِكْرَ المَنِّ والأذى وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا عَنِ الإنْفاقِ، إلّا أنَّ هَذا الذِّكْرَ المُتَأخِّرَ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُ حِينَ أنْفَقَ ما كانَ إنْفاقُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ، بَلْ لِأجْلِ التَّرَفُّعِ عَلى النّاسِ وطَلَبِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ إنْفاقُهُ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلثَّوابِ.
والثّانِي: هَبْ أنَّ هَذا الشَّرْطَ مُتَأخِّرٌ، ولَكِنْ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: إنَّ تَأْثِيرَ المُؤَثِّرِ يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ لا يُوجَدَ بَعْدَهُ ما يُضادُّهُ عَلى ما هو مَذْهَبُ أصْحابِ المُوافاةِ، وتَقْرِيرُهُ مَعْلُومٌ في عِلْمِ الكَلامِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ أنَّ المَنَّ والأذى مِنَ الكَبائِرِ، حَيْثُ تَخْرُجُ هَذِهِ الطّاعَةُ العَظِيمَةُ بِسَبَبِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ أنْ تُفِيدَ ذَلِكَ الثَّوابَ الجَزِيلَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ يُوجِبُ الأجْرَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأصْحابُنا يَقُولُونَ: حُصُولُ الأجْرِ بِسَبَبِ الوَعْدِ لا بِسَبَبِ نَفْسِ العَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ واجِبٌ عَلى العَبْدِ، وأداءَ الواجِبِ لا يُوجِبُ الأجْرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى نَفْيِ الإحْباطِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الأجْرَ حاصِلٌ لَهم عَلى الإطْلاقِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأجْرُ حاصِلًا لَهم بَعْدَ فِعْلِ الكَبائِرِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالإحْباطِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مَشْرُوطٌ بِأنْ لا يُوجَدَ مِنهُ الكُفْرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِالعامِّ لِإرادَةِ الخاصِّ، ومَتى جازَ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ لَمْ تَكُنْ دَلالَةُ اللَّفْظِ العامِّ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَلالَةً قَطْعِيَّةً، وذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ دَلائِلِ المُعْتَزِلَةِ في التَّمَسُّكِ بِالعُمُوماتِ عَلى القَطْعِ بِالوَعِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ إنْفاقَهم في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَضِيعُ، بَلْ ثَوابُهُ مُوَفَّرٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، لا يَخافُونَ مِن أنْ لا يُوجَدَ، ولا يَحْزَنُونَ بِسَبَبِ أنْ لا يُوجَدَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ
صفحة ٤٣
المُرادُ أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ لا يَخافُونَ العَذابَ البَتَّةَ، كَما قالَ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٨٩] وقالَ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٣] .
البقرة 2:263
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
أمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ، فَهو القَوْلُ الَّذِي تَقْبَلُهُ القُلُوبُ ولا تُنْكِرُهُ، والمُرادُ مِنهُ هَهُنا أنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِطَرِيقِ جَمِيلٍ حَسَنٍ، وقالَ عَطاءٌ: هَذِهِ حَسَنَةٌ، أمّا المَغْفِرَةُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ إذا رُدَّ بِغَيْرِ مَقْصُودِهِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّما حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى بَذاءَةِ اللِّسانِ، فَأمَرَ بِالعَفْوِ عَنْ بَذاءَةِ الفَقِيرِ والصَّفْحِ عَنْ إساءَتِهِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ ونَيْلُ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الجَمِيلِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَغْفِرَةِ أنْ يَسْتُرَ حاجَةَ الفَقِيرِ ولا يَهْتِكَ سِتْرَهُ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ المَعْرُوفِ رَدُّهُ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ وبِالمَغْفِرَةِ أنْ لا يَهْتِكَ سِتْرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ حالَهُ عِنْدَ مَن يَكْرَهُ الفَقِيرُ وُقُوفَهُ عَلى حالِهِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خِطابٌ مَعَ المَسْئُولِ بِأنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ خِطابٌ مَعَ السّائِلِ بِأنْ يَعْذُرَ المَسْئُولَ في ذَلِكَ الرَّدِّ، فَرُبَّما لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ في تِلْكَ الحالَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ فِعْلَ الرَّجُلِ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ خَيْرٌ لَهُ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، وسَبَبُ هَذا التَّرْجِيحِ أنَّهُ إذا أعْطى، ثُمَّ أتْبَعَ الإعْطاءَ بِالإيذاءِ، فَهُناكَ جَمْعٌ بَيْنَ الإنْفاعِ والإضْرارِ، ورُبَّما لَمْ يَفِ ثَوابُ الإنْفاعِ بِعِقابِ الإضْرارِ، وأمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ فَفِيهِ إنْفاعٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ إيصالَ السُّرُورِ إلى قَلْبِ المُسْلِمِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الإضْرارُ، فَكانَ هَذا خَيْرًا مِنَ الأوَّلِ.
صفحة ٤٤
واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في التَّطَوُّعِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لا يَحِلُّ مَنعُهُ، ولا رَدُّ السّائِلِ مِنهُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الواجِبُ، وقَدْ يَعْدِلُ بِهِ عَنْ سائِلٍ إلى سائِلٍ وعَنْ فَقِيرٍ إلى فَقِيرٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ صَدَقَةِ العِبادِ فَإنَّما أمَرَكم بِها لِيُثِيبَكم عَلَيْها ﴿حَلِيمٌ﴾ إذْ لَمْ يُعَجِّلْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَن يَمُنُّ ويُؤْذِي بِصَدَقَتِهِ، وهَذا سُخْطٌ مِنهُ ووَعِيدٌ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الإنْفاقِ؛ أحَدَهُما: الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى. والثّانِيَ: الَّذِي لا يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، فَشَرَحَ حالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وضَرَبَ مَثَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما.
فَقالَ في القِسْمِ الأوَّلِ الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى أكَّدَ النَّهْيَ عَنْ إبْطالِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى وأزالَ كُلَّ شُبْهَةٍ لِلْمُرْجِئَةِ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ أنَّ المَنَّ والأذى يُبْطِلانِ الصَّدَقَةَ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ وقَعَتْ وتَقَدَّمَتْ، فَلا يَصِحُّ أنْ تَبْطُلَ، فالمُرادُ إبْطالُ أجْرِها وثَوابِها؛ لِأنَّ الأجْرَ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ، وهو مُسْتَقْبَلٌ فَيَصِحُّ إبْطالُهُ بِما يَأْتِيهِ مِنَ المَنِّ والأذى.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِكَيْفِيَّةِ إبْطالِ أجْرِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى مَثَلَيْنِ، فَمَثَّلَهُ أوَّلًا بِمَن يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، وهو مَعَ ذَلِكَ كافِرٌ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّ بُطْلانَ أجْرِ نَفَقَةِ هَذا المُرائِي الكافِرِ أظْهَرُ مِن بُطْلانِ أجْرِ صَدَقَةِ مَن يُتْبِعُها المَنَّ والأذى، ثُمَّ مَثَّلَهُ ثانِيًا بِالصَّفْوانِ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ تُرابٌ وغُبارٌ، ثُمَّ أصابَهُ المَطَرُ القَوِيُّ، فَيُزِيلُ ذَلِكَ الغُبارَ عَنْهُ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ ما كانَ عَلَيْهِ غُبارٌ ولا تُرابٌ أصْلًا، فالكافِرُ كالصَّفْوانِ، والتُّرابُ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْفاقِ، والوابِلُ كالكُفْرِ الَّذِي يُحْبِطُ عَمَلَ الكافِرِ، وكالمَنِّ والأذى اللَّذَيْنِ يُحْبِطانِ عَمَلَ هَذا المُنْفِقِ، قالَ: فَكَما أنَّ الوابِلَ أزالَ التُّرابَ الَّذِي وقَعَ عَلى الصَّفْوانِ، فَكَذا المَنُّ والأذى يُوجِبُ أنْ يَكُونا مُبْطِلَيْنِ لِأجْرِ الإنْفاقِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في القَوْلِ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ.
قالَ الجُبّائِيُّ: وكَما دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا فالعَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أطاعَ وعَصى، فَلَوِ اسْتَحَقَّ ثَوابَ طاعَتِهِ وعِقابَ مَعْصِيَتِهِ لَوَجَبَ أنْ يَسْتَحِقَّ النَّقِيضَيْنِ؛ لِأنَّ شَرْطَ الثَّوابِ أنْ يَكُونَ مَنفَعَةً خالِصَةً دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالإجْلالِ، وشَرْطَ العِقابِ أنْ يَكُونَ مَضَرَّةً خالِصَةً دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالإذْلالِ، فَلَوْ لَمْ تَقَعِ المُحابَطَةُ لَحَصَلَ اسْتِحْقاقُ النَّقِيضَيْنِ وذَلِكَ مُحالٌ، ولِأنَّهُ حِينَ يُعاقِبُهُ فَقَدْ مَنَعَهُ الإثابَةَ، ومَنعُ الإثابَةِ ظُلْمٌ، وهَذا العِقابُ عَدْلٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَذا العِقابُ عَدْلًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَقُّهُ، وأنْ يَكُونَ ظُلْمًا مِن حَيْثُ إنَّهُ مَنَعَ الإثابَةَ، فَيَكُونُ ظالِمًا بِنَفْسِ الفِعْلِ الَّذِي هو عادِلٌ فِيهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَصَحَّ بِهَذا قَوْلُنا في الإحْباطِ والتَّكْفِيرِ بِهَذا النَّصِّ وبِدَلالَةِ العَقْلِ، هَذا كَلامُ المُعْتَزِلَةِ.
وأمّا أصْحابُنا فَإنَّهم قالُوا: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا﴾ النَّهْيَ عَنْ إزالَةِ هَذا الثَّوابِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، بَلِ المُرادُ بِهِ أنْ يَأْتِيَ بِهَذا العَمَلِ باطِلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا قَصَدَ بِهِ غَيْرَ وجْهِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أتى بِهِ مِنَ الِابْتِداءِ عَلى نَعْتِ البُطْلانِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ بِوُجُوهٍ مِنَ الدَّلائِلِ:
أوَّلُها: أنَّ النّافِيَ والطّارِئَ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما مُنافاةٌ لَمْ يَلْزَمْ مِن طَرَيانِ الطّارِئِ زَوالُ النّافِي، وإنْ
صفحة ٤٥
حَصَلَتْ بَيْنَهُما مُنافاةٌ لَمْ يَكُنِ انْدِفاعُ الطّارِئِ أوْلى مِن زَوالِ النّافِي، بَلْ رُبَّما كانَ هَذا أوْلى لِأنَّ الدَّفْعَ أسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ.
ثانِيها: أنَّ الطّارِئَ لَوْ أبْطَلَ لَكانَ إمّا أنْ يُبْطِلَ ما دَخَلَ مِنهُ في الوُجُودِ في الماضِي وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الماضِيَ انْقَضى ولَمْ يَبْقَ في الحالِ، وإعْدامُ المَعْدُومِ مُحالٌ، وإمّا أنْ يَبْطُلَ ما هو مَوْجُودٌ في الحالِ وهو أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّ المَوْجُودَ في الحالِ لَوْ أعْدَمَهُ في الحالِ لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ العَدَمِ والوُجُودِ وهو مُحالٌ، وإمّا أنْ يُبْطِلَ ما سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الَّذِي سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ مَعْدُومٌ في الحالِ وإعْدامُ ما لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّ شَرْطَ طَرَيانِ الطّارِئِ زَوالُ النّافِي فَلَوْ جَعَلْنا زَوالَ النّافِي مُعَلَّلًا بِطَرَيانِ الطّارِئِ لَزِمَ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ.
ورابِعُها: أنَّ الطّارِئَ إذا طَرَأ وأعْدَمَ الثَّوابَ السّابِقَ فالثَّوابُ السّابِقُ إمّا أنْ يَعْدَمَ مِن هَذا الطّارِئِ شَيْئًا أوْ لا يَعْدَمَ مِنهُ شَيْئًا، والأوَّلُ هو المُوازَنَةُ وهو قَوْلُ أبِي هاشِمٍ وهو باطِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُوجِبَ لِعَدَمِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وُجُودُ الآخَرِ، فَلَوْ حَصَلَ العَدَمانِ مَعًا اللَّذانِ هَمّا مَعْلُولانِ لَزِمَ حُصُولُ الوُجُودَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما عِلَّتانِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَوْجُودًا حالَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْدُومًا وهو مُحالٌ.
وأمّا الثّانِي، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ؛ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ العِقابَ الطّارِئَ لَمّا أزالَ الثَّوابَ السّابِقَ، وذَلِكَ الثَّوابُ السّابِقُ لَيْسَ لَهُ أثَرٌ البَتَّةَ في إزالَةِ الشَّيْءِ مِن هَذا العِقابِ الطّارِئِ، فَحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ العَمَلِ الَّذِي أوْجَبَ الثَّوابَ السّابِقَ فائِدَةٌ أصْلًا لا في جَلْبِ ثَوابٍ ولا في دَفْعِ عِقابٍ، وذَلِكَ عَلى مُضادَّةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧] ولِأنَّهُ خِلافُ العَدْلِ حَيْثُ يَحْمِلُ العَبْدُ مَشَقَّةَ الطّاعَةِ، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ مِنها أثَرٌ لا في جَلْبِ المَنفَعَةِ ولا في دَفْعِ المَضَرَّةِ.
وخامِسُها: وهو أنَّكم تَقُولُونَ: الصَّغِيرَةُ تُحْبِطُ بَعْضَ أجْزاءِ الثَّوابِ دُونَ البَعْضِ، وذَلِكَ مُحالٌ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ أجْزاءَ الِاسْتِحْقاقاتِ مُتَساوِيَةٌ في الماهِيَّةِ، فالصَّغِيرَةُ الطّارِئَةُ إذا انْصَرَفَ تَأْثِيرُها إلى بَعْضِ تِلْكَ الِاسْتِحْقاقاتِ دُونَ البَعْضِ مَعَ اسْتِواءِ الكُلِّ في الماهِيَّةِ كانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلْمُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ بِأنَّ الصَّغِيرَةَ الطّارِئَةَ تُزِيلُ كُلَّ تِلْكَ الِاسْتِحْقاقاتِ وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، أوْ لا تُزِيلُ شَيْئًا مِنها وهو المَطْلُوبُ.
وسادِسُها: وهو أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ إذا كانَ أكْثَرَ مِن ثَوابِ العَمَلِ المُتَقَدِّمِ، فَإمّا أنْ يُقالَ بِأنَّ المُؤَثِّرَ في إبْطالِ الثَّوابِ بَعْضُ أجْزاءِ العِقابِ الطّارِئِ أوْ كُلُّها، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ اخْتِصاصَ بَعْضِ تِلْكَ الأجْزاءِ بِالمُؤَثِّرِيَّةِ دُونَ البَعْضِ مَعَ اسْتِواءِ كُلِّها في الماهِيَّةِ تَرْجِيحٌ لِلْمُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ وهو مُحالٌ، والقِسْمُ الثّانِي باطِلٌ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَجْتَمِعُ عَلى إبْطالِ الجُزْءِ الواحِدِ مِنَ الثَّوابِ جُزْءانِ مِنَ العِقابِ مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الجُزْأيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِإبْطالِ ذَلِكَ الثَّوابِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلى الأثَرِ الواحِدِ مُؤَثِّرانِ مُسْتَقِلّانِ وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَسْتَغْنِي بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَيَكُونُ غَنِيًّا عَنْهُما مَعًا حالَ كَوْنِهِ مُحْتاجًا إلَيْهِما مَعًا وهو مُحالٌ.
وسابِعُها: وهو أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ؛ لِأنَّ السَّيِّدَ إذا قالَ لِعَبْدِهِ: احْفَظِ المَتاعَ لِئَلّا يَسْرِقَهُ
صفحة ٤٦
السّارِقُ، ثُمَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ جاءَ العَدُوُّ وقَصَدَ قَتْلَ السَّيِّدِ، فاشْتَغَلَ العَبْدُ بِمُحارَبَةِ ذَلِكَ العَدُوِّ وقَتْلِهِ، فَذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ العَبْدِ يَسْتَوْجِبُ اسْتِحْقاقَهُ لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ حَيْثُ دَفَعَ القَتْلَ عَنْ سَيِّدِهِ، ويُوجِبُ اسْتِحْقاقَهُ لِلذَّمِّ حَيْثُ عَرَّضَ مالَهُ لِلسَّرِقَةِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقَيْنِ ثابِتٌ، والعُقَلاءُ يَرْجِعُونَ في مِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ إلى التَّرْجِيحِ أوْ إلى المُهايَأةِ، فَأمّا أنْ يَحْكُمُوا بِانْتِفاءِ أحَدِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ وزَوالِهِ فَذَلِكَ مَدْفُوعٌ في بَداهَةِ العُقُولِ.
وثامِنُها: أنَّ المُوجِبَ لِحُصُولِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ هو الفِعْلُ المُتَقَدِّمُ، فَهَذا الطّارِئُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ أثَرٌ في جِهَةِ اقْتِضاءِ ذَلِكَ الفِعْلِ لِذَلِكَ الِاسْتِحْقاقِ أوْ لا يَكُونَ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ إنَّما يَكُونُ مَوْجُودًا في الزَّمانِ الماضِي، فَلَوْ كانَ لِهَذا الطّارِئِ أثَرٌ في ذَلِكَ الفِعْلِ الماضِي لَكانَ هَذا إيقاعًا لِلتَّأْثِيرِ في الزَّمانِ الماضِي وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلطّارِئِ أثَرٌ في اقْتِضاءِ ذَلِكَ الفِعْلِ السّابِقِ لِذَلِكَ الِاسْتِحْقاقِ وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ الِاقْتِضاءُ كَما كانَ وأنْ لا يَزُولَ.
ولا يُقالُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الطّارِئُ مانِعًا مِن ظُهُورِ الأثَرِ عَلى ذَلِكَ السّابِقِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إذا كانَ هَذا الطّارِئُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْمَلَ بِجِهَةِ اقْتِضاءِ ذَلِكَ الفِعْلِ السّابِقِ أصْلًا والبَتَّةَ مِن حَيْثُ إيقاعُ الأثَرِ في الماضِي مُحالٌ، وانْدِفاعُ أثَرِ هَذا الطّارِئِ مُمْكِنٌ في الجُمْلَةِ، كانَ الماضِي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أقْوى مِن هَذا الحادِثِ فَكانَ الماضِي بِدَفْعِ هَذا الحادِثِ أوْلى مِنَ العَكْسِ.
وتاسِعُها: أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: إنَّ شُرْبَ جُرْعَةٍ مِنَ الخَمْرِ يُحْبِطُ ثَوابَ الإيمانِ وطاعَةَ سَبْعِينَ سَنَةً عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ثَوابَ هَذِهِ الطّاعاتِ أكْثَرُ مِن عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ الواحِدَةِ، والأعْظَمُ لا يُحِيطُ بِالأقَلِّ، قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ الكَبِيرَةُ الواحِدَةُ أعْظَمَ مِن كُلِّ طاعَةٍ؛ لِأنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعْظُمُ عَلى قَدْرِ كَثْرَةِ نِعَمِهِ وإحْسانِهِ، كَما أنَّ اسْتِحْقاقَ قِيامِ الرَّبّانِيَّةِ وقَدْ رَبّاهُ ومَلَّكَهُ وبَلَّغَهُ إلى النِّهايَةِ العَظِيمَةِ أعْظَمُ مِن قِيامِهِ بِحَقِّهِ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، فَإذا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ بِحَيْثُ لا تُضْبَطُ عِظَمًا وكَثْرَةً لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَسْتَحِقَّ عَلى المَعْصِيَةِ الواحِدَةِ العِقابَ العَظِيمَ الَّذِي يُوافِي عَلى ثَوابِ جُمْلَةِ الطّاعاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا العُذْرَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا عَظُمَتْ نِعَمُهُ عَلى عَبْدِهِ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العَبْدَ قامَ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ خَمْسِينَ سَنَةً ثُمَّ إنَّهُ كَسَرَ رَأْسَ قَلَمِ ذَلِكَ المَلِكِ قَصْدًا، فَلَوْ أحْبَطَ المَلِكُ جَمِيعَ طاعاتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الجُرْمِ فَكُلُّ أحَدٍ يَذُمُّهُ ويَنْسُبُهُ إلى تَرْكِ الإنْصافِ والقَسْوَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ جَمِيعَ المَعاصِي بِالنِّسْبَةِ إلى جَلالِ اللَّهِ تَعالى أقَلُّ مِن كَسْرِ رَأْسِ القَلَمِ، فَظَهَرَ أنَّ ما قالُوهُ عَلى خِلافِ قِياسِ العُقُولِ.
وعاشِرُها: أنَّ إيمانَ ساعَةٍ يَهْدِمُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً، فالإيمانُ سَبْعِينَ سَنَةً كَيْفَ يُهْدَمُ بِفِسْقِ ساعَةٍ ؟! وهَذا مِمّا لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فَهَذِهِ جُمْلَةُ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالمُحابَطَةِ في تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ يِحْتَمِلُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: لا تَأْتُوا بِهِ باطِلًا، وذَلِكَ أنْ يَنْوِيَ بِالصَّدَقَةِ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ، فَتَكُونُ هَذِهِ الصَّدَقَةُ حِينَ وُجِدَتْ حَصَلَتْ باطِلَةً، وهَذا التَّأْوِيلُ لا يَضُرُّنا البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإبْطالِ أنْ يُؤْتى بِها عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الثَّوابَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أُتْبِعَتْ بِالمَنِّ والأذى صارَ عِقابُ المَنِّ والأذى مُزِيلًا لِثَوابِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْفَعُهُمُ التَّمَسُّكُ بِالآيَةِ، فَلِمَ كانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي أوْلى مَن حَمْلِهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ؟ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِذَلِكَ مَثَلَيْنِ: أحَدُهُما يُطابِقُ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إذْ مِنَ
صفحة ٤٧
المَعْلُومِ أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ عَمَلَ هَذا باطِلًا أنَّهُ دَخَلَ في الوُجُودِ باطِلًا، لا أنَّهُ دَخَلَ صَحِيحًا، ثُمَّ يَزُولُ؛ لِأنَّ المانِعَ مِن صِحَّةِ هَذا العَمَلِ هو الكُفْرُ، والكُفْرُ مُقارِنٌ لَهُ، فَيَمْتَنِعُ دُخُولُهُ صَحِيحًا في الوُجُودِ، فَهَذا المَثَلُ يَشْهَدُ لِما ذَهَبْنا إلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، وأمّا المَثَلُ الثّانِي وهو الصَّفْوانُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ غُبارٌ وتُرابٌ ثُمَّ أصابَهُ وابِلٌ، فَهَذا يَشْهَدُ لِتَأْوِيلِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الوابِلَ مُزِيلًا لِذَلِكَ الغُبارِ بَعْدَ وُقُوعِ الغُبارِ عَلى الصَّفْوانِ، فَكَذا هَهُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَنُّ والأذى مُزِيلَيْنِ لِلْأجْرِ والثَّوابِ بَعْدَ حُصُولِ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ، إلّا أنَّ لَنا أنْ نَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُشَبَّهَ بِوُقُوعِ الغُبارِ عَلى الصَّفْوانِ حُصُولُ الأجْرِ لِلْكافِرِ، بَلِ المُشَبَّهُ بِذَلِكَ صُدُورُ هَذا العَمَلِ الَّذِي لَوْلا كَوْنُهُ مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ الفاسِدَةِ لَكانَ مُوجِبًا لِحُصُولِ الأجْرِ والثَّوابِ، فالمُشَبَّهُ بِالتُّرابِ الواقِعِ عَلى الصَّفْوانِ هو ذَلِكَ العَمَلُ الصّادِرُ مِنهُ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوْلى؛ لِأنَّ الغُبارَ إذا وقَعَ عَلى الصَّفْوانِ لَمْ يَكُنْ مُلْتَصِقًا بِهِ ولا غائِصًا فِيهِ البَتَّةَ، بَلْ كانَ ذَلِكَ الِاتِّصالُ كالِانْفِصالِ، فَهو في مَرْأى العَيْنِ مُتَّصِلٌ، وفي الحَقِيقَةِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، فَكَذا الإنْفاقُ المَقْرُونُ بِالمَنِّ والأذى، يُرى في الظّاهِرِ أنَّهُ عَمَلٌ مِن أعْمالِ البِرِّ، وفي الحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَظَهَرَ أنَّ اسْتِدْلالَهم بِهَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ. وأمّا الحُجَّةُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا مُنافاةَ في الجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِحْقاقَيْنِ، وأنَّ مُقْتَضى ذَلِكَ الجَمْعِ إمّا التَّرْجِيحُ وإمّا المُهايَأةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ عَلى اللَّهِ بِسَبَبِ صَدَقَتِكم، وبِالأذى لِذَلِكَ السّائِلِ، وقالَ الباقُونَ: بِالمَنِّ عَلى الفَقِيرِ، وبِالأذى لِلْفَقِيرِ. وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا أنْفَقَ مُتَبَجِّحًا بِفِعْلِهِ، ولَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَةَ التَّواضُعِ والِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ والِاعْتِرافِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِهِ وتَوْفِيقِهِ وإحْسانِهِ، فَكانَ كالمانِّ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ القَوْلُ الثّانِي أظْهَرَ لَهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كَإبْطالِ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المَنَّ والأذى يُبْطِلانِ الصَّدَقَةَ، كَما أنَّ النِّفاقَ والرِّياءَ يُبْطِلانِها، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ المُنافِقَ والمُرائِيَ يَأْتِيانِ بِالصَّدَقَةِ لا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ومَن يَقْرِنُ الصَّدَقَةَ بِالمَنِّ والأذى فَقَدْ أتى بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ لا لِوَجْهِ اللَّهِ أيْضًا، إذْ لَوْ كانَ غَرَضُهُ مِن تِلْكَ الصَّدَقَةِ مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى لَما مَنَّ عَلى الفَقِيرِ ولا آذاهُ، فَثَبَتَ اشْتِراكُ الصُّورَتَيْنِ في كَوْنِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ ما أتى بِها لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يُحَقِّقُ ما قُلْنا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإبْطالِ الإتْيانُ بِهِ باطِلًا، لا أنَّ المَقْصُودَ الإتْيانُ بِهِ صَحِيحًا، ثُمَّ إزالَتُهُ وإحْباطُهُ بِسَبَبِ المَنِّ والأذى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، أيْ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم مُماثِلِينَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرِّياءُ مَصْدَرٌ، كالمُراءاةِ يُقالُ: راءَيْتُهُ رِياءً ومُراءاةً، مِثْلَ: راعَيْتُهُ مُراعاةً ورِعاءً، وهو أنْ تُرائِيَ بِعَمَلِكَ غَيْرَكَ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في الرِّياءِ قَدْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا المَثَلَ أتْبَعَهُ بِالمَثَلِ الثّانِي، فَقالَ: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ وفي هَذا الضَّمِيرِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُنافِقِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى شَبَّهَ المانَّ والمُؤْذِيَ بِالمُنافِقِ، ثُمَّ شَبَّهَ المُنافِقَ بِالحَجَرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ وهو الحَجَرُ الأمْلَسُ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّ الصَّفْوانَ والصَّفا والصَّفْوا واحِدٌ، وكُلُّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ، وقالَ بَعْضُهم: الصَّفْوانُ جَمْعُ
صفحة ٤٨
صَفْوانَةَ، كَمَرْجانَ ومَرْجانَةَ، وسَعْدانَ وسَعْدانَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ الوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ، يُقالُ: وبَلَتِ السَّماءُ تَبِلُ وبِلًا، وأرْضٌ مَوْبُولَةٌ، أيْ أصابَها وابِلٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ الصَّلْدُ الأمْلَسُ اليابِسُ، يُقالُ: حَجَرٌ صَلْدٌ وجَبَلٌ صَلْدٌ، إذا كانَ بَرّاقًا أمْلَسَ، وأرْضٌ صَلْدَةٌ أيْ لا تُنْبِتُ شَيْئًا كالحَجَرِ الصَّلْدِ، وصَلَدَ الزَّنْدُ إذا لَمْ يُورِ نارًا.
واعْلَمْ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِعَمَلِ المانِّ المُؤْذِي، ولِعَمَلِ المُنافِقِ، فَإنَّ النّاسَ يَرَوْنَ في الظّاهِرِ أنَّ لِهَؤُلاءِ أعْمالًا، كَما يُرى التُّرابُ عَلى هَذا الصَّفْوانِ، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ اضْمَحَلَّ كُلُّهُ وبَطَلَ؛ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ ما كانَتْ لِلَّهِ تَعالى، كَما أذْهَبَ الوابِلُ ما كانَ عَلى الصَّفْوانِ مِنَ التُّرابِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ المَعْنى أنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ أوْجَبَتِ الأجْرَ والثَّوابَ، ثُمَّ إنَّ المَنَّ والأذى أزالا ذَلِكَ الأجْرَ، كَما يُزِيلُ الوابِلُ التُّرابَ عَنْ وجْهِ الصَّفْوانِ.
واعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا أنَّ العَمَلَ الظّاهِرَ كالتُّرابِ، والمانَّ والمُؤْذِيَ والمُنافِقَ كالصَّفْوانِ يَوْمَ القِيامَةِ، هَذا عَلى قَوْلِنا، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فالمَنُّ والأذى كالوابِلِ.
الوَجْهُ الثّانِي في التَّشْبِيهِ، قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وهو أنَّ أعْمالَ العِبادِ ذَخائِرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن عَمِلَ بِإخْلاصٍ فَكَأنَّهُ طَرَحَ بَذْرًا في أرْضٍ فَهو يُضاعَفُ لَهُ ويَنْمُو حَتّى يَحْصُدَهُ في وقْتِهِ، ويَجِدَهُ وقْتَ حاجَتِهِ، والصَّفْوانُ محَلُّ بَذْرِ المُنافِقِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَنْمُو فِيهِ شَيْءٌ ولا يَكُونُ فِيهِ قَبُولٌ لِلْبَذْرِ، والمَعْنى أنَّ عَمَلَ المانِّ والمُؤْذِي والمُنافِقِ يُشْبِهُ إذا طَرَحَ بَذْرًا في صَفْوانٍ صَلْدٍ عَلَيْهِ غُبارٌ قَلِيلٌ، فَإذا أصابَهُ مَطَرُ جُودٍ بَقِيَ مُسْتَوْدِعًا بَذْرَهُ خالِيًا لا شَيْءَ فِيهِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى ضَرَبَ مَثَلَ المُخْلِصِ بِجَنَّةٍ فَوْقَ رَبْوَةٍ، والجَنَّةُ ما يَكُونُ فِيها أشْجارٌ ونَخِيلٌ، فَمَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى كانَ كَمَن غَرَسَ بُسْتانًا في رَبْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، فَهو يَجْنِي ثَمَرَ غِراسِهِ في أوَجّاتِ الحاجَةِ وهي تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها مُتَضاعِفَةً زائِدَةً، وأمّا عَمَلُ المانِّ والمُؤْذِي والمُنافِقِ، فَهو كَمَن بَذَرَ في الصَّفْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ تُرابٌ، فَعِنْدَ الحاجَةِ إلى الزَّرْعِ لا يَجِدُ فِيهِ شَيْئًا. ومِنَ المُلْحِدَةِ مَن طَعَنَ في التَّشْبِيهِ، فَقالَ: إنَّ الوابِلَ إذا أصابَ الصَّفْوانَ جَعَلَهُ طاهِرًا نَقِيًّا نَظِيفًا عَنِ الغُبارِ والتُّرابِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُشَبِّهَ اللَّهُ بِهِ عَمَلَ المُنافِقِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ ما ذَكَرْناهُ، فَلا يُعْتَبَرُ بِاخْتِلافِها فِيما وراءَهُ.
قالَ القاضِي: وأيْضًا فَوَقْعُ التُّرابِ عَلى الصَّفْوانِ يُفِيدُ مَنافِعَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أصْلَحُ في الِاسْتِقْرارِ عَلَيْهِ.
وثانِيها: الِانْتِفاعُ بِهِ في التَّيَمُّمِ.
وثالِثُها: الِانْتِفاعُ بِهِ فِيما يَتَّصِلُ بِالنَّباتِ. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي حَسَنٌ إلّا أنَّ الِاعْتِمادَ عَلى الأوَّلِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى ذَلِكَ البَذْرِ المُلْقى في ذَلِكَ التُّرابِ الَّذِي كانَ عَلى ذَلِكَ الصَّفْوانِ؛ لِأنَّهُ زالَ ذَلِكَ التُّرابَ وذَلِكَ ما كانَ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ قُدْرَةٌ عَلى الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ البَذْرِ، وهَذا يُقَوِّي الوَجْهَ الثّانِيَ في التَّشْبِيهِ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وكَذا المانُّ والمُؤْذِي والمُنافِقُ لا يَنْتَفِعُ أحَدٌ مِنهم بِعَمَلِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ وخَرَجَ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ إنَّما أُشِيرَ بِهِ إلى الجِنْسِ، والجِنْسُ في حُكْمِ العامِّ.
قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرْدُودًا عَلى قَوْلِهِ: (لا)
صفحة ٤٩
﴿تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ فَإنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَمْ تَقْدِرُوا عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبْتُمْ، فَرَجَعَ عَنِ الخِطابِ إلى الغائِبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] .
ثُمَّ قالَ [تَعالى]: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ومَعْناهُ عَلى قَوْلِهِمْ: سَلْبُ الإيمانِ، وعَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: إنَّهُ تَعالى يُضِلُّهم عَنِ الثَّوابِ وطَرِيقِ الجَنَّةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَثَلَ المُنْفِقِ الَّذِي يَكُونُ مانًّا ومُؤْذِيًا ذَكَرَ مَثَلَ المُنْفِقِ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وهو هَذِهِ الآيَةُ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ غَرَضَ هَؤُلاءِ المُنْفِقِينَ مِن هَذا الإنْفاقِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: طَلَبُ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، والِابْتِغاءُ افْتِعالٌ مِن بَغَيْتُ أيْ طَلَبْتُ، وسَواءٌ قَوْلُكَ: بَغَيْتُ وابْتَغَيْتُ.
والغَرَضُ الثّانِي: هو تَثْبِيتُ النَّفْسِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم يُوَطِّنُونَ أنْفُسَهم عَلى حِفْظِ هَذِهِ الطّاعَةِ وتَرْكِ ما يُفْسِدُها، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ تَرْكُ إتْباعِها بِالمَنِّ والأذى، وهَذا قَوْلُ القاضِي.
وثانِيها: وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ أنَّها صادِقَةٌ في الإيمانِ مُخْلِصَةٌ فِيهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ ”وتَثْبِيتًا مِن بَعْضِ أنْفُسِهِمْ“ .
وثالِثُها: أنَّ النَّفْسَ لا ثَباتَ لَها في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ، إلّا إذا صارَتْ مَقْهُورَةً بِالمُجاهَدَةِ، ومَعْشُوقُها أمْرانِ: الحَياةُ العاجِلَةُ والمالُ، فَإذا كُلِّفَتْ بِإنْفاقِ المالِ فَقَدْ صارَتْ مَقْهُورَةً مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وإذا كُلِّفَتْ بِبَذْلِ الرُّوحِ فَقَدْ صارَتْ مَقْهُورَةً مِن بَعْضِ الوُجُوهِ فَلا جَرَمَ حَصَلَ بَعْضُ التَّثْبِيتِ، فَلِهَذا دَخَلَ فِيهِ ”مِن“ الَّتِي هي لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى أنَّ مَن بَذَلَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، ومَن بَذَلَ مالَهُ ورُوحَهُ مَعًا فَهو الَّذِي ثَبَّتَها كُلَّها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصَّفِ: ١١] وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ وتَفْسِيرٌ لَطِيفٌ.
ورابِعُها، وهو الَّذِي خَطَرَ بِبالِي وقْتَ كِتابَةِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّ ثَباتَ القَلْبِ لا يَحْصُلُ إلّا بِذِكْرِ اللَّهِ، عَلى ما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] فَمَن أنْفَقَ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ اطْمِئْنانُ القَلْبِ في مَقامِ التَّجَلِّي، إلّا إذا كانَ إنْفاقُهُ لِمَحْضِ غَرَضِ العُبُودِيَّةِ، ولِهَذا السَّبَبِ حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في إنْفاقِهِ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنْسانِ: ٩] ووَصَفَ إنْفاقَ أبِي بَكْرٍ فَقالَ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [اللَّيْلِ: ١٩، ٢٠، ٢١] فَإذا كانَ إنْفاقُ العَبْدِ لِأجْلِ عُبُودِيَّةِ الحَقِّ لا لِأجْلِ غَرَضِ النَّفْسِ وطَلَبِ الحَضِّ، فَهُناكَ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ، واسْتَقَرَّتْ نَفْسُهُ، ولَمْ يَحْصُلْ لِنَفْسِهِ مُنازَعَةٌ مَعَ قَلْبِهِ، ولِهَذا قالَ أوَّلًا في هَذا الإنْفاقِ إنَّهُ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ .
وخامِسُها: أنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ، أنَّ تَكْرِيرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مَن يُواظِبُ عَلى الإنْفاقِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ حَصَلَ لَهُ مِن تِلْكَ المُواظَبَةِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: حُصُولُ هَذا المَعْنى.
والثّانِي: صَيْرُورَةُ هَذا الِابْتِغاءِ والطَّلَبِ مَلَكَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في النَّفْسِ، حَتّى يَصِيرَ القَلْبُ بِحَيْثُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ فِعْلٌ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ والِاتِّفاقِ رَجَعَ القَلْبُ في الحالِ إلى جَنابِ القُدْسِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ تِلْكَ العِبادَةَ صارَتْ كالعادَةِ والخَلْقِ لِلرُّوحِ، فَإتْيانُ العَبْدِ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ، ولِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ، يُفِيدُ هَذِهِ المَلَكَةَ المُسْتَقِرَّةَ، الَّتِي وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْها في القُرْآنِ بِتَثْبِيتِ النَّفْسِ، وهو المُرادُ أيْضًا
صفحة ٥٠
بِقَوْلِهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعِنْدَ حُصُولِ هَذا التَّثْبِيتِ تَصِيرُ الرُّوحُ في هَذا العالَمِ مِن جَوْهَرِ المَلائِكَةِ الرُّوحانِيَّةِ والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ، فَصارَ العَبْدُ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ غائِبًا حاضِرًا، ظاعِنًا مُقِيمًا.
وسادِسُها: قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ مِنَ التَّثْبِيتِ أنَّهم يُنْفِقُونَها جازِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضَيِّعُ عَمَلَهم، ولا يُخَيِّبُ رَجاءَهم؛ لِأنَّها مَقْرُونَةٌ بِالثَّوابِ والعِقابِ والنُّشُورِ بِخِلافِ المُنافِقِ، فَإنَّهُ إذا أنْفَقَ عُدَّ ذَلِكَ الإنْفاقُ ضائِعًا؛ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالثَّوابِ، فَهَذا الجَزْمُ هو المُرادُ بِالتَّثْبِيتِ.
وسابِعُها: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ: المُرادُ أنَّ المُنْفِقَ يَتَثَبَّتُ في إعْطاءِ الصَّدَقَةِ فَيَضَعُها في أهْلِ الصَّلاحِ والعَفافِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ الرَّجُلُ إذا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ، فَإذا كانَ لِلَّهِ أعْطى، وإنْ خالَطَهُ أمْسَكَ، قالَ الواحِدِيُّ: وإنَّما جازَ أنْ يَكُونَ التَّثْبِيتُ بِمَعْنى التَّثَبُّتِ؛ لِأنَّهم ثَبَّتُوا أنْفُسَهم في طَلَبِ المُسْتَحِقِّ، وصَرْفِ المالِ في وجْهِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ شَرَحَ أنَّ غَرَضَهم مِنَ الإنْفاقِ هَذانِ الأمْرانِ ضَرَبَ لِإنْفاقِهِمْ مَثَلًا، فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ”بِرَبْوَةٍ“ بِفَتْحِ الرّاءِ، وفي المُؤْمِنِينَ ”إلى رَبْوَةٍ“ وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ فِيهِما، وهو أشْهَرُ اللُّغاتِ ولُغَةُ قُرَيْشٍ، وفِيهِ سَبْعُ لُغاتٍ ”رَبْوَةٌ“ بِتَعاقُبِ الحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى الرّاءِ، و”رَباوَةٌ“ بِالألْفِ بِتَعاقُبِ الحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى الرّاءِ، و”رَبْوٌ“ . والرَّبْوَةُ المَكانُ المُرْتَفِعُ، قالَ الأخْفَشُ: والَّذِي أخْتارُهُ ”رُبْوَةٌ“ بِالضَّمِّ؛ لِأنَّ جَمْعَها الرُّبى، وأصْلُها مِن قَوْلِهِمْ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا ازْدادَ وارْتَفَعَ، ومِنهُ الرّابِيَةُ؛ لِأنَّ أجْزاءَها ارْتَفَعَتْ، ومِنهُ الرَّبْوُ إذا أصابَهُ نَفَسٌ في جَوْفِهِ زائِدٌ، ومِنهُ الرِّبا، لِأنَّهُ يَأْخُذُ الزِّيادَةَ.
واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: البُسْتانُ إذا كانَ في رَبْوَةٍ مِنَ الأرْضِ كانَ أحْسَنَ وأكْثَرَ رَيْعًا.
ولِي فِيهِ إشْكالٌ: وهو أنَّ البُسْتانَ إذا كانَ في مُرْتَفَعٍ مِنَ الأرْضِ كانَ فَوْقَ الماءِ ولا تَرْتَفِعُ إلَيْهِ أنْهارٌ وتَضْرِبُهُ الرِّياحُ كَثِيرًا فَلا يَحْسُنُ رَيْعُهُ، وإذا كانَ في وهْدَةٍ مِنَ الأرْضِ انْصَبَّتْ مِياهُ الأنْهارِ، ولا يَصِلُ إلَيْهِ إثارَةُ الرِّياحِ فَلا يَحْسُنُ أيْضًا رَيْعُهُ، فَإذَنِ البُسْتانُ إنَّما يَحْسُنُ رَيْعُهُ إذا كانَ عَلى الأرْضِ المُسْتَوِيَةِ الَّتِي لا تَكُونُ رَبْوَةً ولا وهْدَةً، فَإذَنْ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الرَّبْوَةِ ما ذَكَرُوهُ، بَلِ المُرادُ مِنهُ كَوْنُ الأرْضِ طِينًا حُرًّا، بِحَيْثُ إذا نَزَلَ المَطَرُ عَلَيْهِ انْتَفَخَ ورَبا ونَما، فَإنَّ الأرْضَ مَتى كانَتْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ يَكْثُرُ رَيْعُها، وتَكْمُلُ الأشْجارُ فِيها. وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مُتَأكَّدٌ بِدَلِيلَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحَجِّ: ٥] والمُرادُ مِن رَبْوِها ما ذَكَرْنا فَكَذا هَهُنا.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا المَثَلَ في مُقابَلَةِ المَثَلِ الأوَّلِ، ثُمَّ كانَ المَثَلُ الأوَّلُ هو الصَّفْوانَ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ فِيهِ المَطَرُ، ولا يَرْبُو، ولا يَنْمُو بِسَبَبِ نُزُولِ المَطَرِ عَلَيْهِ، فَكانَ المُرادُ بِالرَّبْوَةِ في هَذا المَثَلِ كَوْنَ الأرْضِ بِحَيْثُ تَرْبُو وتَنْمُو، فَهَذا ما خَطَرَ بِبالِي واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”أُكْلَها“ بِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ، وهو الأصْلُ، والأُكُلُ بِالضَّمِّ الطَّعامُ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤْكَلَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٥] أيْ: ثَمَرَتَها وما يُؤْكَلُ مِنها، فالأكْلُ في المَعْنى مِثْلُ الطُّعْمَةِ، وأنْشَدَ الأخْفَشُ:
فَما أكْلَةٌ إنْ نِلْتَها بِغَنِيمَةٍ ولا جَوْعَةٌ إنْ جُعْتَها بِقِرامِ
صفحة ٥١
وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ إنَّهُ لَذُو أكْلٍ إذا كانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ يَعْنِي مِثْلَيْنِ؛ لِأنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلُهُ زائِدًا عَلَيْهِ، وقِيلَ ضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، قالَ عَطاءٌ: حَمَلَتْ في سَنَةٍ مِنَ الرَّيْعِ ما يَحْمِلُ غَيْرُها في سَنَتَيْنِ، وقالَ الأصَمُّ: ضِعْفُ ما يَكُونُ في غَيْرِها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مِثْلَيْ ما كانَ يُعْهَدُ مِنها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ الطَّلُّ: مَطَرٌ صَغِيرُ القَطْرِ، ثُمَّ في المَعْنى وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ إنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَيُصِيبُها مَطَرٌ دُونَ الوابِلِ، إلّا أنَّ ثَمَرَتَها باقِيَةٌ بِحالِها عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَنْقُصُ بِسَبَبِ انْتِقاصِ المَطَرِ وذَلِكَ بِسَبَبِ كَرَمِ المَنبَتِ.
الثّانِي: مَعْنى الآيَةِ إنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ حَتّى تُضاعَفَ ثَمَرَتُها فَلا بُدَّ وأنْ يُصِيبَها طَلٌّ يُعْطِي ثَمَرًا دُونَ ثَمَرِ الوابِلِ، فَهي عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ لا تَخْلُو مِن أنْ تُثْمِرَ، فَكَذَلِكَ مَن أخْرَجَ صَدَقَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا يَضِيعُ كَسْبُهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ والمُرادُ مِنَ البَصِيرِ العَلِيمُ، أيْ هو تَعالى عالِمٌ بِكَمِّيَّةِ النَّفَقاتِ وكَيْفِيَّتِها، والأُمُورِ الباعِثَةِ عَلَيْها، وأنَّهُ تَعالى مُجازٍ بِها إنْ خَيَّرا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
البقرة 2:264
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
أمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ، فَهو القَوْلُ الَّذِي تَقْبَلُهُ القُلُوبُ ولا تُنْكِرُهُ، والمُرادُ مِنهُ هَهُنا أنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِطَرِيقِ جَمِيلٍ حَسَنٍ، وقالَ عَطاءٌ: هَذِهِ حَسَنَةٌ، أمّا المَغْفِرَةُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ إذا رُدَّ بِغَيْرِ مَقْصُودِهِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّما حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى بَذاءَةِ اللِّسانِ، فَأمَرَ بِالعَفْوِ عَنْ بَذاءَةِ الفَقِيرِ والصَّفْحِ عَنْ إساءَتِهِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ ونَيْلُ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الجَمِيلِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَغْفِرَةِ أنْ يَسْتُرَ حاجَةَ الفَقِيرِ ولا يَهْتِكَ سِتْرَهُ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ المَعْرُوفِ رَدُّهُ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ وبِالمَغْفِرَةِ أنْ لا يَهْتِكَ سِتْرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ حالَهُ عِنْدَ مَن يَكْرَهُ الفَقِيرُ وُقُوفَهُ عَلى حالِهِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خِطابٌ مَعَ المَسْئُولِ بِأنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ خِطابٌ مَعَ السّائِلِ بِأنْ يَعْذُرَ المَسْئُولَ في ذَلِكَ الرَّدِّ، فَرُبَّما لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ في تِلْكَ الحالَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ فِعْلَ الرَّجُلِ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ خَيْرٌ لَهُ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، وسَبَبُ هَذا التَّرْجِيحِ أنَّهُ إذا أعْطى، ثُمَّ أتْبَعَ الإعْطاءَ بِالإيذاءِ، فَهُناكَ جَمْعٌ بَيْنَ الإنْفاعِ والإضْرارِ، ورُبَّما لَمْ يَفِ ثَوابُ الإنْفاعِ بِعِقابِ الإضْرارِ، وأمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ فَفِيهِ إنْفاعٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ إيصالَ السُّرُورِ إلى قَلْبِ المُسْلِمِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الإضْرارُ، فَكانَ هَذا خَيْرًا مِنَ الأوَّلِ.
صفحة ٤٤
واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في التَّطَوُّعِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لا يَحِلُّ مَنعُهُ، ولا رَدُّ السّائِلِ مِنهُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الواجِبُ، وقَدْ يَعْدِلُ بِهِ عَنْ سائِلٍ إلى سائِلٍ وعَنْ فَقِيرٍ إلى فَقِيرٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ صَدَقَةِ العِبادِ فَإنَّما أمَرَكم بِها لِيُثِيبَكم عَلَيْها ﴿حَلِيمٌ﴾ إذْ لَمْ يُعَجِّلْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَن يَمُنُّ ويُؤْذِي بِصَدَقَتِهِ، وهَذا سُخْطٌ مِنهُ ووَعِيدٌ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الإنْفاقِ؛ أحَدَهُما: الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى. والثّانِيَ: الَّذِي لا يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، فَشَرَحَ حالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وضَرَبَ مَثَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما.
فَقالَ في القِسْمِ الأوَّلِ الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى أكَّدَ النَّهْيَ عَنْ إبْطالِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى وأزالَ كُلَّ شُبْهَةٍ لِلْمُرْجِئَةِ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ أنَّ المَنَّ والأذى يُبْطِلانِ الصَّدَقَةَ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ وقَعَتْ وتَقَدَّمَتْ، فَلا يَصِحُّ أنْ تَبْطُلَ، فالمُرادُ إبْطالُ أجْرِها وثَوابِها؛ لِأنَّ الأجْرَ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ، وهو مُسْتَقْبَلٌ فَيَصِحُّ إبْطالُهُ بِما يَأْتِيهِ مِنَ المَنِّ والأذى.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِكَيْفِيَّةِ إبْطالِ أجْرِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى مَثَلَيْنِ، فَمَثَّلَهُ أوَّلًا بِمَن يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، وهو مَعَ ذَلِكَ كافِرٌ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّ بُطْلانَ أجْرِ نَفَقَةِ هَذا المُرائِي الكافِرِ أظْهَرُ مِن بُطْلانِ أجْرِ صَدَقَةِ مَن يُتْبِعُها المَنَّ والأذى، ثُمَّ مَثَّلَهُ ثانِيًا بِالصَّفْوانِ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ تُرابٌ وغُبارٌ، ثُمَّ أصابَهُ المَطَرُ القَوِيُّ، فَيُزِيلُ ذَلِكَ الغُبارَ عَنْهُ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ ما كانَ عَلَيْهِ غُبارٌ ولا تُرابٌ أصْلًا، فالكافِرُ كالصَّفْوانِ، والتُّرابُ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْفاقِ، والوابِلُ كالكُفْرِ الَّذِي يُحْبِطُ عَمَلَ الكافِرِ، وكالمَنِّ والأذى اللَّذَيْنِ يُحْبِطانِ عَمَلَ هَذا المُنْفِقِ، قالَ: فَكَما أنَّ الوابِلَ أزالَ التُّرابَ الَّذِي وقَعَ عَلى الصَّفْوانِ، فَكَذا المَنُّ والأذى يُوجِبُ أنْ يَكُونا مُبْطِلَيْنِ لِأجْرِ الإنْفاقِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في القَوْلِ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ.
قالَ الجُبّائِيُّ: وكَما دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا فالعَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أطاعَ وعَصى، فَلَوِ اسْتَحَقَّ ثَوابَ طاعَتِهِ وعِقابَ مَعْصِيَتِهِ لَوَجَبَ أنْ يَسْتَحِقَّ النَّقِيضَيْنِ؛ لِأنَّ شَرْطَ الثَّوابِ أنْ يَكُونَ مَنفَعَةً خالِصَةً دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالإجْلالِ، وشَرْطَ العِقابِ أنْ يَكُونَ مَضَرَّةً خالِصَةً دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالإذْلالِ، فَلَوْ لَمْ تَقَعِ المُحابَطَةُ لَحَصَلَ اسْتِحْقاقُ النَّقِيضَيْنِ وذَلِكَ مُحالٌ، ولِأنَّهُ حِينَ يُعاقِبُهُ فَقَدْ مَنَعَهُ الإثابَةَ، ومَنعُ الإثابَةِ ظُلْمٌ، وهَذا العِقابُ عَدْلٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَذا العِقابُ عَدْلًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَقُّهُ، وأنْ يَكُونَ ظُلْمًا مِن حَيْثُ إنَّهُ مَنَعَ الإثابَةَ، فَيَكُونُ ظالِمًا بِنَفْسِ الفِعْلِ الَّذِي هو عادِلٌ فِيهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَصَحَّ بِهَذا قَوْلُنا في الإحْباطِ والتَّكْفِيرِ بِهَذا النَّصِّ وبِدَلالَةِ العَقْلِ، هَذا كَلامُ المُعْتَزِلَةِ.
وأمّا أصْحابُنا فَإنَّهم قالُوا: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا﴾ النَّهْيَ عَنْ إزالَةِ هَذا الثَّوابِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، بَلِ المُرادُ بِهِ أنْ يَأْتِيَ بِهَذا العَمَلِ باطِلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا قَصَدَ بِهِ غَيْرَ وجْهِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أتى بِهِ مِنَ الِابْتِداءِ عَلى نَعْتِ البُطْلانِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ بِوُجُوهٍ مِنَ الدَّلائِلِ:
أوَّلُها: أنَّ النّافِيَ والطّارِئَ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما مُنافاةٌ لَمْ يَلْزَمْ مِن طَرَيانِ الطّارِئِ زَوالُ النّافِي، وإنْ
صفحة ٤٥
حَصَلَتْ بَيْنَهُما مُنافاةٌ لَمْ يَكُنِ انْدِفاعُ الطّارِئِ أوْلى مِن زَوالِ النّافِي، بَلْ رُبَّما كانَ هَذا أوْلى لِأنَّ الدَّفْعَ أسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ.
ثانِيها: أنَّ الطّارِئَ لَوْ أبْطَلَ لَكانَ إمّا أنْ يُبْطِلَ ما دَخَلَ مِنهُ في الوُجُودِ في الماضِي وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الماضِيَ انْقَضى ولَمْ يَبْقَ في الحالِ، وإعْدامُ المَعْدُومِ مُحالٌ، وإمّا أنْ يَبْطُلَ ما هو مَوْجُودٌ في الحالِ وهو أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّ المَوْجُودَ في الحالِ لَوْ أعْدَمَهُ في الحالِ لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ العَدَمِ والوُجُودِ وهو مُحالٌ، وإمّا أنْ يُبْطِلَ ما سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الَّذِي سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ مَعْدُومٌ في الحالِ وإعْدامُ ما لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّ شَرْطَ طَرَيانِ الطّارِئِ زَوالُ النّافِي فَلَوْ جَعَلْنا زَوالَ النّافِي مُعَلَّلًا بِطَرَيانِ الطّارِئِ لَزِمَ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ.
ورابِعُها: أنَّ الطّارِئَ إذا طَرَأ وأعْدَمَ الثَّوابَ السّابِقَ فالثَّوابُ السّابِقُ إمّا أنْ يَعْدَمَ مِن هَذا الطّارِئِ شَيْئًا أوْ لا يَعْدَمَ مِنهُ شَيْئًا، والأوَّلُ هو المُوازَنَةُ وهو قَوْلُ أبِي هاشِمٍ وهو باطِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُوجِبَ لِعَدَمِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وُجُودُ الآخَرِ، فَلَوْ حَصَلَ العَدَمانِ مَعًا اللَّذانِ هَمّا مَعْلُولانِ لَزِمَ حُصُولُ الوُجُودَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما عِلَّتانِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَوْجُودًا حالَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْدُومًا وهو مُحالٌ.
وأمّا الثّانِي، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ؛ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ العِقابَ الطّارِئَ لَمّا أزالَ الثَّوابَ السّابِقَ، وذَلِكَ الثَّوابُ السّابِقُ لَيْسَ لَهُ أثَرٌ البَتَّةَ في إزالَةِ الشَّيْءِ مِن هَذا العِقابِ الطّارِئِ، فَحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ العَمَلِ الَّذِي أوْجَبَ الثَّوابَ السّابِقَ فائِدَةٌ أصْلًا لا في جَلْبِ ثَوابٍ ولا في دَفْعِ عِقابٍ، وذَلِكَ عَلى مُضادَّةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧] ولِأنَّهُ خِلافُ العَدْلِ حَيْثُ يَحْمِلُ العَبْدُ مَشَقَّةَ الطّاعَةِ، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ مِنها أثَرٌ لا في جَلْبِ المَنفَعَةِ ولا في دَفْعِ المَضَرَّةِ.
وخامِسُها: وهو أنَّكم تَقُولُونَ: الصَّغِيرَةُ تُحْبِطُ بَعْضَ أجْزاءِ الثَّوابِ دُونَ البَعْضِ، وذَلِكَ مُحالٌ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ أجْزاءَ الِاسْتِحْقاقاتِ مُتَساوِيَةٌ في الماهِيَّةِ، فالصَّغِيرَةُ الطّارِئَةُ إذا انْصَرَفَ تَأْثِيرُها إلى بَعْضِ تِلْكَ الِاسْتِحْقاقاتِ دُونَ البَعْضِ مَعَ اسْتِواءِ الكُلِّ في الماهِيَّةِ كانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلْمُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ بِأنَّ الصَّغِيرَةَ الطّارِئَةَ تُزِيلُ كُلَّ تِلْكَ الِاسْتِحْقاقاتِ وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، أوْ لا تُزِيلُ شَيْئًا مِنها وهو المَطْلُوبُ.
وسادِسُها: وهو أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ إذا كانَ أكْثَرَ مِن ثَوابِ العَمَلِ المُتَقَدِّمِ، فَإمّا أنْ يُقالَ بِأنَّ المُؤَثِّرَ في إبْطالِ الثَّوابِ بَعْضُ أجْزاءِ العِقابِ الطّارِئِ أوْ كُلُّها، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ اخْتِصاصَ بَعْضِ تِلْكَ الأجْزاءِ بِالمُؤَثِّرِيَّةِ دُونَ البَعْضِ مَعَ اسْتِواءِ كُلِّها في الماهِيَّةِ تَرْجِيحٌ لِلْمُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ وهو مُحالٌ، والقِسْمُ الثّانِي باطِلٌ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَجْتَمِعُ عَلى إبْطالِ الجُزْءِ الواحِدِ مِنَ الثَّوابِ جُزْءانِ مِنَ العِقابِ مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الجُزْأيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِإبْطالِ ذَلِكَ الثَّوابِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلى الأثَرِ الواحِدِ مُؤَثِّرانِ مُسْتَقِلّانِ وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَسْتَغْنِي بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَيَكُونُ غَنِيًّا عَنْهُما مَعًا حالَ كَوْنِهِ مُحْتاجًا إلَيْهِما مَعًا وهو مُحالٌ.
وسابِعُها: وهو أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ؛ لِأنَّ السَّيِّدَ إذا قالَ لِعَبْدِهِ: احْفَظِ المَتاعَ لِئَلّا يَسْرِقَهُ
صفحة ٤٦
السّارِقُ، ثُمَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ جاءَ العَدُوُّ وقَصَدَ قَتْلَ السَّيِّدِ، فاشْتَغَلَ العَبْدُ بِمُحارَبَةِ ذَلِكَ العَدُوِّ وقَتْلِهِ، فَذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ العَبْدِ يَسْتَوْجِبُ اسْتِحْقاقَهُ لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ حَيْثُ دَفَعَ القَتْلَ عَنْ سَيِّدِهِ، ويُوجِبُ اسْتِحْقاقَهُ لِلذَّمِّ حَيْثُ عَرَّضَ مالَهُ لِلسَّرِقَةِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقَيْنِ ثابِتٌ، والعُقَلاءُ يَرْجِعُونَ في مِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ إلى التَّرْجِيحِ أوْ إلى المُهايَأةِ، فَأمّا أنْ يَحْكُمُوا بِانْتِفاءِ أحَدِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ وزَوالِهِ فَذَلِكَ مَدْفُوعٌ في بَداهَةِ العُقُولِ.
وثامِنُها: أنَّ المُوجِبَ لِحُصُولِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ هو الفِعْلُ المُتَقَدِّمُ، فَهَذا الطّارِئُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ أثَرٌ في جِهَةِ اقْتِضاءِ ذَلِكَ الفِعْلِ لِذَلِكَ الِاسْتِحْقاقِ أوْ لا يَكُونَ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ إنَّما يَكُونُ مَوْجُودًا في الزَّمانِ الماضِي، فَلَوْ كانَ لِهَذا الطّارِئِ أثَرٌ في ذَلِكَ الفِعْلِ الماضِي لَكانَ هَذا إيقاعًا لِلتَّأْثِيرِ في الزَّمانِ الماضِي وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلطّارِئِ أثَرٌ في اقْتِضاءِ ذَلِكَ الفِعْلِ السّابِقِ لِذَلِكَ الِاسْتِحْقاقِ وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ الِاقْتِضاءُ كَما كانَ وأنْ لا يَزُولَ.
ولا يُقالُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الطّارِئُ مانِعًا مِن ظُهُورِ الأثَرِ عَلى ذَلِكَ السّابِقِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إذا كانَ هَذا الطّارِئُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْمَلَ بِجِهَةِ اقْتِضاءِ ذَلِكَ الفِعْلِ السّابِقِ أصْلًا والبَتَّةَ مِن حَيْثُ إيقاعُ الأثَرِ في الماضِي مُحالٌ، وانْدِفاعُ أثَرِ هَذا الطّارِئِ مُمْكِنٌ في الجُمْلَةِ، كانَ الماضِي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أقْوى مِن هَذا الحادِثِ فَكانَ الماضِي بِدَفْعِ هَذا الحادِثِ أوْلى مِنَ العَكْسِ.
وتاسِعُها: أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: إنَّ شُرْبَ جُرْعَةٍ مِنَ الخَمْرِ يُحْبِطُ ثَوابَ الإيمانِ وطاعَةَ سَبْعِينَ سَنَةً عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ثَوابَ هَذِهِ الطّاعاتِ أكْثَرُ مِن عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ الواحِدَةِ، والأعْظَمُ لا يُحِيطُ بِالأقَلِّ، قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ الكَبِيرَةُ الواحِدَةُ أعْظَمَ مِن كُلِّ طاعَةٍ؛ لِأنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعْظُمُ عَلى قَدْرِ كَثْرَةِ نِعَمِهِ وإحْسانِهِ، كَما أنَّ اسْتِحْقاقَ قِيامِ الرَّبّانِيَّةِ وقَدْ رَبّاهُ ومَلَّكَهُ وبَلَّغَهُ إلى النِّهايَةِ العَظِيمَةِ أعْظَمُ مِن قِيامِهِ بِحَقِّهِ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، فَإذا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ بِحَيْثُ لا تُضْبَطُ عِظَمًا وكَثْرَةً لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَسْتَحِقَّ عَلى المَعْصِيَةِ الواحِدَةِ العِقابَ العَظِيمَ الَّذِي يُوافِي عَلى ثَوابِ جُمْلَةِ الطّاعاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا العُذْرَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا عَظُمَتْ نِعَمُهُ عَلى عَبْدِهِ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العَبْدَ قامَ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ خَمْسِينَ سَنَةً ثُمَّ إنَّهُ كَسَرَ رَأْسَ قَلَمِ ذَلِكَ المَلِكِ قَصْدًا، فَلَوْ أحْبَطَ المَلِكُ جَمِيعَ طاعاتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الجُرْمِ فَكُلُّ أحَدٍ يَذُمُّهُ ويَنْسُبُهُ إلى تَرْكِ الإنْصافِ والقَسْوَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ جَمِيعَ المَعاصِي بِالنِّسْبَةِ إلى جَلالِ اللَّهِ تَعالى أقَلُّ مِن كَسْرِ رَأْسِ القَلَمِ، فَظَهَرَ أنَّ ما قالُوهُ عَلى خِلافِ قِياسِ العُقُولِ.
وعاشِرُها: أنَّ إيمانَ ساعَةٍ يَهْدِمُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً، فالإيمانُ سَبْعِينَ سَنَةً كَيْفَ يُهْدَمُ بِفِسْقِ ساعَةٍ ؟! وهَذا مِمّا لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فَهَذِهِ جُمْلَةُ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالمُحابَطَةِ في تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ يِحْتَمِلُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: لا تَأْتُوا بِهِ باطِلًا، وذَلِكَ أنْ يَنْوِيَ بِالصَّدَقَةِ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ، فَتَكُونُ هَذِهِ الصَّدَقَةُ حِينَ وُجِدَتْ حَصَلَتْ باطِلَةً، وهَذا التَّأْوِيلُ لا يَضُرُّنا البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإبْطالِ أنْ يُؤْتى بِها عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الثَّوابَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أُتْبِعَتْ بِالمَنِّ والأذى صارَ عِقابُ المَنِّ والأذى مُزِيلًا لِثَوابِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْفَعُهُمُ التَّمَسُّكُ بِالآيَةِ، فَلِمَ كانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي أوْلى مَن حَمْلِهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ؟ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِذَلِكَ مَثَلَيْنِ: أحَدُهُما يُطابِقُ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إذْ مِنَ
صفحة ٤٧
المَعْلُومِ أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ عَمَلَ هَذا باطِلًا أنَّهُ دَخَلَ في الوُجُودِ باطِلًا، لا أنَّهُ دَخَلَ صَحِيحًا، ثُمَّ يَزُولُ؛ لِأنَّ المانِعَ مِن صِحَّةِ هَذا العَمَلِ هو الكُفْرُ، والكُفْرُ مُقارِنٌ لَهُ، فَيَمْتَنِعُ دُخُولُهُ صَحِيحًا في الوُجُودِ، فَهَذا المَثَلُ يَشْهَدُ لِما ذَهَبْنا إلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، وأمّا المَثَلُ الثّانِي وهو الصَّفْوانُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ غُبارٌ وتُرابٌ ثُمَّ أصابَهُ وابِلٌ، فَهَذا يَشْهَدُ لِتَأْوِيلِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الوابِلَ مُزِيلًا لِذَلِكَ الغُبارِ بَعْدَ وُقُوعِ الغُبارِ عَلى الصَّفْوانِ، فَكَذا هَهُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَنُّ والأذى مُزِيلَيْنِ لِلْأجْرِ والثَّوابِ بَعْدَ حُصُولِ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ، إلّا أنَّ لَنا أنْ نَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُشَبَّهَ بِوُقُوعِ الغُبارِ عَلى الصَّفْوانِ حُصُولُ الأجْرِ لِلْكافِرِ، بَلِ المُشَبَّهُ بِذَلِكَ صُدُورُ هَذا العَمَلِ الَّذِي لَوْلا كَوْنُهُ مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ الفاسِدَةِ لَكانَ مُوجِبًا لِحُصُولِ الأجْرِ والثَّوابِ، فالمُشَبَّهُ بِالتُّرابِ الواقِعِ عَلى الصَّفْوانِ هو ذَلِكَ العَمَلُ الصّادِرُ مِنهُ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوْلى؛ لِأنَّ الغُبارَ إذا وقَعَ عَلى الصَّفْوانِ لَمْ يَكُنْ مُلْتَصِقًا بِهِ ولا غائِصًا فِيهِ البَتَّةَ، بَلْ كانَ ذَلِكَ الِاتِّصالُ كالِانْفِصالِ، فَهو في مَرْأى العَيْنِ مُتَّصِلٌ، وفي الحَقِيقَةِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، فَكَذا الإنْفاقُ المَقْرُونُ بِالمَنِّ والأذى، يُرى في الظّاهِرِ أنَّهُ عَمَلٌ مِن أعْمالِ البِرِّ، وفي الحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَظَهَرَ أنَّ اسْتِدْلالَهم بِهَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ. وأمّا الحُجَّةُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا مُنافاةَ في الجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِحْقاقَيْنِ، وأنَّ مُقْتَضى ذَلِكَ الجَمْعِ إمّا التَّرْجِيحُ وإمّا المُهايَأةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ عَلى اللَّهِ بِسَبَبِ صَدَقَتِكم، وبِالأذى لِذَلِكَ السّائِلِ، وقالَ الباقُونَ: بِالمَنِّ عَلى الفَقِيرِ، وبِالأذى لِلْفَقِيرِ. وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا أنْفَقَ مُتَبَجِّحًا بِفِعْلِهِ، ولَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَةَ التَّواضُعِ والِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ والِاعْتِرافِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِهِ وتَوْفِيقِهِ وإحْسانِهِ، فَكانَ كالمانِّ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ القَوْلُ الثّانِي أظْهَرَ لَهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كَإبْطالِ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المَنَّ والأذى يُبْطِلانِ الصَّدَقَةَ، كَما أنَّ النِّفاقَ والرِّياءَ يُبْطِلانِها، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ المُنافِقَ والمُرائِيَ يَأْتِيانِ بِالصَّدَقَةِ لا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ومَن يَقْرِنُ الصَّدَقَةَ بِالمَنِّ والأذى فَقَدْ أتى بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ لا لِوَجْهِ اللَّهِ أيْضًا، إذْ لَوْ كانَ غَرَضُهُ مِن تِلْكَ الصَّدَقَةِ مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى لَما مَنَّ عَلى الفَقِيرِ ولا آذاهُ، فَثَبَتَ اشْتِراكُ الصُّورَتَيْنِ في كَوْنِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ ما أتى بِها لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يُحَقِّقُ ما قُلْنا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإبْطالِ الإتْيانُ بِهِ باطِلًا، لا أنَّ المَقْصُودَ الإتْيانُ بِهِ صَحِيحًا، ثُمَّ إزالَتُهُ وإحْباطُهُ بِسَبَبِ المَنِّ والأذى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، أيْ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم مُماثِلِينَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرِّياءُ مَصْدَرٌ، كالمُراءاةِ يُقالُ: راءَيْتُهُ رِياءً ومُراءاةً، مِثْلَ: راعَيْتُهُ مُراعاةً ورِعاءً، وهو أنْ تُرائِيَ بِعَمَلِكَ غَيْرَكَ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في الرِّياءِ قَدْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا المَثَلَ أتْبَعَهُ بِالمَثَلِ الثّانِي، فَقالَ: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ وفي هَذا الضَّمِيرِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُنافِقِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى شَبَّهَ المانَّ والمُؤْذِيَ بِالمُنافِقِ، ثُمَّ شَبَّهَ المُنافِقَ بِالحَجَرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ وهو الحَجَرُ الأمْلَسُ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّ الصَّفْوانَ والصَّفا والصَّفْوا واحِدٌ، وكُلُّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ، وقالَ بَعْضُهم: الصَّفْوانُ جَمْعُ
صفحة ٤٨
صَفْوانَةَ، كَمَرْجانَ ومَرْجانَةَ، وسَعْدانَ وسَعْدانَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ الوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ، يُقالُ: وبَلَتِ السَّماءُ تَبِلُ وبِلًا، وأرْضٌ مَوْبُولَةٌ، أيْ أصابَها وابِلٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ الصَّلْدُ الأمْلَسُ اليابِسُ، يُقالُ: حَجَرٌ صَلْدٌ وجَبَلٌ صَلْدٌ، إذا كانَ بَرّاقًا أمْلَسَ، وأرْضٌ صَلْدَةٌ أيْ لا تُنْبِتُ شَيْئًا كالحَجَرِ الصَّلْدِ، وصَلَدَ الزَّنْدُ إذا لَمْ يُورِ نارًا.
واعْلَمْ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِعَمَلِ المانِّ المُؤْذِي، ولِعَمَلِ المُنافِقِ، فَإنَّ النّاسَ يَرَوْنَ في الظّاهِرِ أنَّ لِهَؤُلاءِ أعْمالًا، كَما يُرى التُّرابُ عَلى هَذا الصَّفْوانِ، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ اضْمَحَلَّ كُلُّهُ وبَطَلَ؛ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ ما كانَتْ لِلَّهِ تَعالى، كَما أذْهَبَ الوابِلُ ما كانَ عَلى الصَّفْوانِ مِنَ التُّرابِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ المَعْنى أنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ أوْجَبَتِ الأجْرَ والثَّوابَ، ثُمَّ إنَّ المَنَّ والأذى أزالا ذَلِكَ الأجْرَ، كَما يُزِيلُ الوابِلُ التُّرابَ عَنْ وجْهِ الصَّفْوانِ.
واعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا أنَّ العَمَلَ الظّاهِرَ كالتُّرابِ، والمانَّ والمُؤْذِيَ والمُنافِقَ كالصَّفْوانِ يَوْمَ القِيامَةِ، هَذا عَلى قَوْلِنا، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فالمَنُّ والأذى كالوابِلِ.
الوَجْهُ الثّانِي في التَّشْبِيهِ، قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وهو أنَّ أعْمالَ العِبادِ ذَخائِرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن عَمِلَ بِإخْلاصٍ فَكَأنَّهُ طَرَحَ بَذْرًا في أرْضٍ فَهو يُضاعَفُ لَهُ ويَنْمُو حَتّى يَحْصُدَهُ في وقْتِهِ، ويَجِدَهُ وقْتَ حاجَتِهِ، والصَّفْوانُ محَلُّ بَذْرِ المُنافِقِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَنْمُو فِيهِ شَيْءٌ ولا يَكُونُ فِيهِ قَبُولٌ لِلْبَذْرِ، والمَعْنى أنَّ عَمَلَ المانِّ والمُؤْذِي والمُنافِقِ يُشْبِهُ إذا طَرَحَ بَذْرًا في صَفْوانٍ صَلْدٍ عَلَيْهِ غُبارٌ قَلِيلٌ، فَإذا أصابَهُ مَطَرُ جُودٍ بَقِيَ مُسْتَوْدِعًا بَذْرَهُ خالِيًا لا شَيْءَ فِيهِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى ضَرَبَ مَثَلَ المُخْلِصِ بِجَنَّةٍ فَوْقَ رَبْوَةٍ، والجَنَّةُ ما يَكُونُ فِيها أشْجارٌ ونَخِيلٌ، فَمَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى كانَ كَمَن غَرَسَ بُسْتانًا في رَبْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، فَهو يَجْنِي ثَمَرَ غِراسِهِ في أوَجّاتِ الحاجَةِ وهي تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها مُتَضاعِفَةً زائِدَةً، وأمّا عَمَلُ المانِّ والمُؤْذِي والمُنافِقِ، فَهو كَمَن بَذَرَ في الصَّفْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ تُرابٌ، فَعِنْدَ الحاجَةِ إلى الزَّرْعِ لا يَجِدُ فِيهِ شَيْئًا. ومِنَ المُلْحِدَةِ مَن طَعَنَ في التَّشْبِيهِ، فَقالَ: إنَّ الوابِلَ إذا أصابَ الصَّفْوانَ جَعَلَهُ طاهِرًا نَقِيًّا نَظِيفًا عَنِ الغُبارِ والتُّرابِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُشَبِّهَ اللَّهُ بِهِ عَمَلَ المُنافِقِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ ما ذَكَرْناهُ، فَلا يُعْتَبَرُ بِاخْتِلافِها فِيما وراءَهُ.
قالَ القاضِي: وأيْضًا فَوَقْعُ التُّرابِ عَلى الصَّفْوانِ يُفِيدُ مَنافِعَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أصْلَحُ في الِاسْتِقْرارِ عَلَيْهِ.
وثانِيها: الِانْتِفاعُ بِهِ في التَّيَمُّمِ.
وثالِثُها: الِانْتِفاعُ بِهِ فِيما يَتَّصِلُ بِالنَّباتِ. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي حَسَنٌ إلّا أنَّ الِاعْتِمادَ عَلى الأوَّلِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى ذَلِكَ البَذْرِ المُلْقى في ذَلِكَ التُّرابِ الَّذِي كانَ عَلى ذَلِكَ الصَّفْوانِ؛ لِأنَّهُ زالَ ذَلِكَ التُّرابَ وذَلِكَ ما كانَ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ قُدْرَةٌ عَلى الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ البَذْرِ، وهَذا يُقَوِّي الوَجْهَ الثّانِيَ في التَّشْبِيهِ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وكَذا المانُّ والمُؤْذِي والمُنافِقُ لا يَنْتَفِعُ أحَدٌ مِنهم بِعَمَلِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ وخَرَجَ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ إنَّما أُشِيرَ بِهِ إلى الجِنْسِ، والجِنْسُ في حُكْمِ العامِّ.
قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرْدُودًا عَلى قَوْلِهِ: (لا)
صفحة ٤٩
﴿تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ فَإنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَمْ تَقْدِرُوا عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبْتُمْ، فَرَجَعَ عَنِ الخِطابِ إلى الغائِبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] .
ثُمَّ قالَ [تَعالى]: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ومَعْناهُ عَلى قَوْلِهِمْ: سَلْبُ الإيمانِ، وعَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: إنَّهُ تَعالى يُضِلُّهم عَنِ الثَّوابِ وطَرِيقِ الجَنَّةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَثَلَ المُنْفِقِ الَّذِي يَكُونُ مانًّا ومُؤْذِيًا ذَكَرَ مَثَلَ المُنْفِقِ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وهو هَذِهِ الآيَةُ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ غَرَضَ هَؤُلاءِ المُنْفِقِينَ مِن هَذا الإنْفاقِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: طَلَبُ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، والِابْتِغاءُ افْتِعالٌ مِن بَغَيْتُ أيْ طَلَبْتُ، وسَواءٌ قَوْلُكَ: بَغَيْتُ وابْتَغَيْتُ.
والغَرَضُ الثّانِي: هو تَثْبِيتُ النَّفْسِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم يُوَطِّنُونَ أنْفُسَهم عَلى حِفْظِ هَذِهِ الطّاعَةِ وتَرْكِ ما يُفْسِدُها، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ تَرْكُ إتْباعِها بِالمَنِّ والأذى، وهَذا قَوْلُ القاضِي.
وثانِيها: وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ أنَّها صادِقَةٌ في الإيمانِ مُخْلِصَةٌ فِيهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ ”وتَثْبِيتًا مِن بَعْضِ أنْفُسِهِمْ“ .
وثالِثُها: أنَّ النَّفْسَ لا ثَباتَ لَها في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ، إلّا إذا صارَتْ مَقْهُورَةً بِالمُجاهَدَةِ، ومَعْشُوقُها أمْرانِ: الحَياةُ العاجِلَةُ والمالُ، فَإذا كُلِّفَتْ بِإنْفاقِ المالِ فَقَدْ صارَتْ مَقْهُورَةً مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وإذا كُلِّفَتْ بِبَذْلِ الرُّوحِ فَقَدْ صارَتْ مَقْهُورَةً مِن بَعْضِ الوُجُوهِ فَلا جَرَمَ حَصَلَ بَعْضُ التَّثْبِيتِ، فَلِهَذا دَخَلَ فِيهِ ”مِن“ الَّتِي هي لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى أنَّ مَن بَذَلَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، ومَن بَذَلَ مالَهُ ورُوحَهُ مَعًا فَهو الَّذِي ثَبَّتَها كُلَّها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصَّفِ: ١١] وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ وتَفْسِيرٌ لَطِيفٌ.
ورابِعُها، وهو الَّذِي خَطَرَ بِبالِي وقْتَ كِتابَةِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّ ثَباتَ القَلْبِ لا يَحْصُلُ إلّا بِذِكْرِ اللَّهِ، عَلى ما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] فَمَن أنْفَقَ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ اطْمِئْنانُ القَلْبِ في مَقامِ التَّجَلِّي، إلّا إذا كانَ إنْفاقُهُ لِمَحْضِ غَرَضِ العُبُودِيَّةِ، ولِهَذا السَّبَبِ حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في إنْفاقِهِ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنْسانِ: ٩] ووَصَفَ إنْفاقَ أبِي بَكْرٍ فَقالَ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [اللَّيْلِ: ١٩، ٢٠، ٢١] فَإذا كانَ إنْفاقُ العَبْدِ لِأجْلِ عُبُودِيَّةِ الحَقِّ لا لِأجْلِ غَرَضِ النَّفْسِ وطَلَبِ الحَضِّ، فَهُناكَ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ، واسْتَقَرَّتْ نَفْسُهُ، ولَمْ يَحْصُلْ لِنَفْسِهِ مُنازَعَةٌ مَعَ قَلْبِهِ، ولِهَذا قالَ أوَّلًا في هَذا الإنْفاقِ إنَّهُ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ .
وخامِسُها: أنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ، أنَّ تَكْرِيرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مَن يُواظِبُ عَلى الإنْفاقِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ حَصَلَ لَهُ مِن تِلْكَ المُواظَبَةِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: حُصُولُ هَذا المَعْنى.
والثّانِي: صَيْرُورَةُ هَذا الِابْتِغاءِ والطَّلَبِ مَلَكَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في النَّفْسِ، حَتّى يَصِيرَ القَلْبُ بِحَيْثُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ فِعْلٌ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ والِاتِّفاقِ رَجَعَ القَلْبُ في الحالِ إلى جَنابِ القُدْسِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ تِلْكَ العِبادَةَ صارَتْ كالعادَةِ والخَلْقِ لِلرُّوحِ، فَإتْيانُ العَبْدِ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ، ولِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ، يُفِيدُ هَذِهِ المَلَكَةَ المُسْتَقِرَّةَ، الَّتِي وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْها في القُرْآنِ بِتَثْبِيتِ النَّفْسِ، وهو المُرادُ أيْضًا
صفحة ٥٠
بِقَوْلِهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعِنْدَ حُصُولِ هَذا التَّثْبِيتِ تَصِيرُ الرُّوحُ في هَذا العالَمِ مِن جَوْهَرِ المَلائِكَةِ الرُّوحانِيَّةِ والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ، فَصارَ العَبْدُ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ غائِبًا حاضِرًا، ظاعِنًا مُقِيمًا.
وسادِسُها: قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ مِنَ التَّثْبِيتِ أنَّهم يُنْفِقُونَها جازِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضَيِّعُ عَمَلَهم، ولا يُخَيِّبُ رَجاءَهم؛ لِأنَّها مَقْرُونَةٌ بِالثَّوابِ والعِقابِ والنُّشُورِ بِخِلافِ المُنافِقِ، فَإنَّهُ إذا أنْفَقَ عُدَّ ذَلِكَ الإنْفاقُ ضائِعًا؛ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالثَّوابِ، فَهَذا الجَزْمُ هو المُرادُ بِالتَّثْبِيتِ.
وسابِعُها: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ: المُرادُ أنَّ المُنْفِقَ يَتَثَبَّتُ في إعْطاءِ الصَّدَقَةِ فَيَضَعُها في أهْلِ الصَّلاحِ والعَفافِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ الرَّجُلُ إذا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ، فَإذا كانَ لِلَّهِ أعْطى، وإنْ خالَطَهُ أمْسَكَ، قالَ الواحِدِيُّ: وإنَّما جازَ أنْ يَكُونَ التَّثْبِيتُ بِمَعْنى التَّثَبُّتِ؛ لِأنَّهم ثَبَّتُوا أنْفُسَهم في طَلَبِ المُسْتَحِقِّ، وصَرْفِ المالِ في وجْهِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ شَرَحَ أنَّ غَرَضَهم مِنَ الإنْفاقِ هَذانِ الأمْرانِ ضَرَبَ لِإنْفاقِهِمْ مَثَلًا، فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ”بِرَبْوَةٍ“ بِفَتْحِ الرّاءِ، وفي المُؤْمِنِينَ ”إلى رَبْوَةٍ“ وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ فِيهِما، وهو أشْهَرُ اللُّغاتِ ولُغَةُ قُرَيْشٍ، وفِيهِ سَبْعُ لُغاتٍ ”رَبْوَةٌ“ بِتَعاقُبِ الحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى الرّاءِ، و”رَباوَةٌ“ بِالألْفِ بِتَعاقُبِ الحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى الرّاءِ، و”رَبْوٌ“ . والرَّبْوَةُ المَكانُ المُرْتَفِعُ، قالَ الأخْفَشُ: والَّذِي أخْتارُهُ ”رُبْوَةٌ“ بِالضَّمِّ؛ لِأنَّ جَمْعَها الرُّبى، وأصْلُها مِن قَوْلِهِمْ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا ازْدادَ وارْتَفَعَ، ومِنهُ الرّابِيَةُ؛ لِأنَّ أجْزاءَها ارْتَفَعَتْ، ومِنهُ الرَّبْوُ إذا أصابَهُ نَفَسٌ في جَوْفِهِ زائِدٌ، ومِنهُ الرِّبا، لِأنَّهُ يَأْخُذُ الزِّيادَةَ.
واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: البُسْتانُ إذا كانَ في رَبْوَةٍ مِنَ الأرْضِ كانَ أحْسَنَ وأكْثَرَ رَيْعًا.
ولِي فِيهِ إشْكالٌ: وهو أنَّ البُسْتانَ إذا كانَ في مُرْتَفَعٍ مِنَ الأرْضِ كانَ فَوْقَ الماءِ ولا تَرْتَفِعُ إلَيْهِ أنْهارٌ وتَضْرِبُهُ الرِّياحُ كَثِيرًا فَلا يَحْسُنُ رَيْعُهُ، وإذا كانَ في وهْدَةٍ مِنَ الأرْضِ انْصَبَّتْ مِياهُ الأنْهارِ، ولا يَصِلُ إلَيْهِ إثارَةُ الرِّياحِ فَلا يَحْسُنُ أيْضًا رَيْعُهُ، فَإذَنِ البُسْتانُ إنَّما يَحْسُنُ رَيْعُهُ إذا كانَ عَلى الأرْضِ المُسْتَوِيَةِ الَّتِي لا تَكُونُ رَبْوَةً ولا وهْدَةً، فَإذَنْ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الرَّبْوَةِ ما ذَكَرُوهُ، بَلِ المُرادُ مِنهُ كَوْنُ الأرْضِ طِينًا حُرًّا، بِحَيْثُ إذا نَزَلَ المَطَرُ عَلَيْهِ انْتَفَخَ ورَبا ونَما، فَإنَّ الأرْضَ مَتى كانَتْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ يَكْثُرُ رَيْعُها، وتَكْمُلُ الأشْجارُ فِيها. وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مُتَأكَّدٌ بِدَلِيلَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحَجِّ: ٥] والمُرادُ مِن رَبْوِها ما ذَكَرْنا فَكَذا هَهُنا.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا المَثَلَ في مُقابَلَةِ المَثَلِ الأوَّلِ، ثُمَّ كانَ المَثَلُ الأوَّلُ هو الصَّفْوانَ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ فِيهِ المَطَرُ، ولا يَرْبُو، ولا يَنْمُو بِسَبَبِ نُزُولِ المَطَرِ عَلَيْهِ، فَكانَ المُرادُ بِالرَّبْوَةِ في هَذا المَثَلِ كَوْنَ الأرْضِ بِحَيْثُ تَرْبُو وتَنْمُو، فَهَذا ما خَطَرَ بِبالِي واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”أُكْلَها“ بِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ، وهو الأصْلُ، والأُكُلُ بِالضَّمِّ الطَّعامُ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤْكَلَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٥] أيْ: ثَمَرَتَها وما يُؤْكَلُ مِنها، فالأكْلُ في المَعْنى مِثْلُ الطُّعْمَةِ، وأنْشَدَ الأخْفَشُ:
فَما أكْلَةٌ إنْ نِلْتَها بِغَنِيمَةٍ ولا جَوْعَةٌ إنْ جُعْتَها بِقِرامِ
صفحة ٥١
وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ إنَّهُ لَذُو أكْلٍ إذا كانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ يَعْنِي مِثْلَيْنِ؛ لِأنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلُهُ زائِدًا عَلَيْهِ، وقِيلَ ضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، قالَ عَطاءٌ: حَمَلَتْ في سَنَةٍ مِنَ الرَّيْعِ ما يَحْمِلُ غَيْرُها في سَنَتَيْنِ، وقالَ الأصَمُّ: ضِعْفُ ما يَكُونُ في غَيْرِها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مِثْلَيْ ما كانَ يُعْهَدُ مِنها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ الطَّلُّ: مَطَرٌ صَغِيرُ القَطْرِ، ثُمَّ في المَعْنى وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ إنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَيُصِيبُها مَطَرٌ دُونَ الوابِلِ، إلّا أنَّ ثَمَرَتَها باقِيَةٌ بِحالِها عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَنْقُصُ بِسَبَبِ انْتِقاصِ المَطَرِ وذَلِكَ بِسَبَبِ كَرَمِ المَنبَتِ.
الثّانِي: مَعْنى الآيَةِ إنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ حَتّى تُضاعَفَ ثَمَرَتُها فَلا بُدَّ وأنْ يُصِيبَها طَلٌّ يُعْطِي ثَمَرًا دُونَ ثَمَرِ الوابِلِ، فَهي عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ لا تَخْلُو مِن أنْ تُثْمِرَ، فَكَذَلِكَ مَن أخْرَجَ صَدَقَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا يَضِيعُ كَسْبُهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ والمُرادُ مِنَ البَصِيرِ العَلِيمُ، أيْ هو تَعالى عالِمٌ بِكَمِّيَّةِ النَّفَقاتِ وكَيْفِيَّتِها، والأُمُورِ الباعِثَةِ عَلَيْها، وأنَّهُ تَعالى مُجازٍ بِها إنْ خَيَّرا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
البقرة 2:265
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
أمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ، فَهو القَوْلُ الَّذِي تَقْبَلُهُ القُلُوبُ ولا تُنْكِرُهُ، والمُرادُ مِنهُ هَهُنا أنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِطَرِيقِ جَمِيلٍ حَسَنٍ، وقالَ عَطاءٌ: هَذِهِ حَسَنَةٌ، أمّا المَغْفِرَةُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ إذا رُدَّ بِغَيْرِ مَقْصُودِهِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّما حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى بَذاءَةِ اللِّسانِ، فَأمَرَ بِالعَفْوِ عَنْ بَذاءَةِ الفَقِيرِ والصَّفْحِ عَنْ إساءَتِهِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ ونَيْلُ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الجَمِيلِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَغْفِرَةِ أنْ يَسْتُرَ حاجَةَ الفَقِيرِ ولا يَهْتِكَ سِتْرَهُ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ المَعْرُوفِ رَدُّهُ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ وبِالمَغْفِرَةِ أنْ لا يَهْتِكَ سِتْرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ حالَهُ عِنْدَ مَن يَكْرَهُ الفَقِيرُ وُقُوفَهُ عَلى حالِهِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خِطابٌ مَعَ المَسْئُولِ بِأنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ خِطابٌ مَعَ السّائِلِ بِأنْ يَعْذُرَ المَسْئُولَ في ذَلِكَ الرَّدِّ، فَرُبَّما لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ في تِلْكَ الحالَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ فِعْلَ الرَّجُلِ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ خَيْرٌ لَهُ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، وسَبَبُ هَذا التَّرْجِيحِ أنَّهُ إذا أعْطى، ثُمَّ أتْبَعَ الإعْطاءَ بِالإيذاءِ، فَهُناكَ جَمْعٌ بَيْنَ الإنْفاعِ والإضْرارِ، ورُبَّما لَمْ يَفِ ثَوابُ الإنْفاعِ بِعِقابِ الإضْرارِ، وأمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ فَفِيهِ إنْفاعٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ إيصالَ السُّرُورِ إلى قَلْبِ المُسْلِمِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الإضْرارُ، فَكانَ هَذا خَيْرًا مِنَ الأوَّلِ.
صفحة ٤٤
واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في التَّطَوُّعِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لا يَحِلُّ مَنعُهُ، ولا رَدُّ السّائِلِ مِنهُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الواجِبُ، وقَدْ يَعْدِلُ بِهِ عَنْ سائِلٍ إلى سائِلٍ وعَنْ فَقِيرٍ إلى فَقِيرٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ صَدَقَةِ العِبادِ فَإنَّما أمَرَكم بِها لِيُثِيبَكم عَلَيْها ﴿حَلِيمٌ﴾ إذْ لَمْ يُعَجِّلْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَن يَمُنُّ ويُؤْذِي بِصَدَقَتِهِ، وهَذا سُخْطٌ مِنهُ ووَعِيدٌ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الإنْفاقِ؛ أحَدَهُما: الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى. والثّانِيَ: الَّذِي لا يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، فَشَرَحَ حالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وضَرَبَ مَثَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما.
فَقالَ في القِسْمِ الأوَّلِ الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى أكَّدَ النَّهْيَ عَنْ إبْطالِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى وأزالَ كُلَّ شُبْهَةٍ لِلْمُرْجِئَةِ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ أنَّ المَنَّ والأذى يُبْطِلانِ الصَّدَقَةَ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ وقَعَتْ وتَقَدَّمَتْ، فَلا يَصِحُّ أنْ تَبْطُلَ، فالمُرادُ إبْطالُ أجْرِها وثَوابِها؛ لِأنَّ الأجْرَ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ، وهو مُسْتَقْبَلٌ فَيَصِحُّ إبْطالُهُ بِما يَأْتِيهِ مِنَ المَنِّ والأذى.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِكَيْفِيَّةِ إبْطالِ أجْرِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى مَثَلَيْنِ، فَمَثَّلَهُ أوَّلًا بِمَن يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، وهو مَعَ ذَلِكَ كافِرٌ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّ بُطْلانَ أجْرِ نَفَقَةِ هَذا المُرائِي الكافِرِ أظْهَرُ مِن بُطْلانِ أجْرِ صَدَقَةِ مَن يُتْبِعُها المَنَّ والأذى، ثُمَّ مَثَّلَهُ ثانِيًا بِالصَّفْوانِ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ تُرابٌ وغُبارٌ، ثُمَّ أصابَهُ المَطَرُ القَوِيُّ، فَيُزِيلُ ذَلِكَ الغُبارَ عَنْهُ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ ما كانَ عَلَيْهِ غُبارٌ ولا تُرابٌ أصْلًا، فالكافِرُ كالصَّفْوانِ، والتُّرابُ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْفاقِ، والوابِلُ كالكُفْرِ الَّذِي يُحْبِطُ عَمَلَ الكافِرِ، وكالمَنِّ والأذى اللَّذَيْنِ يُحْبِطانِ عَمَلَ هَذا المُنْفِقِ، قالَ: فَكَما أنَّ الوابِلَ أزالَ التُّرابَ الَّذِي وقَعَ عَلى الصَّفْوانِ، فَكَذا المَنُّ والأذى يُوجِبُ أنْ يَكُونا مُبْطِلَيْنِ لِأجْرِ الإنْفاقِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في القَوْلِ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ.
قالَ الجُبّائِيُّ: وكَما دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا فالعَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أطاعَ وعَصى، فَلَوِ اسْتَحَقَّ ثَوابَ طاعَتِهِ وعِقابَ مَعْصِيَتِهِ لَوَجَبَ أنْ يَسْتَحِقَّ النَّقِيضَيْنِ؛ لِأنَّ شَرْطَ الثَّوابِ أنْ يَكُونَ مَنفَعَةً خالِصَةً دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالإجْلالِ، وشَرْطَ العِقابِ أنْ يَكُونَ مَضَرَّةً خالِصَةً دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالإذْلالِ، فَلَوْ لَمْ تَقَعِ المُحابَطَةُ لَحَصَلَ اسْتِحْقاقُ النَّقِيضَيْنِ وذَلِكَ مُحالٌ، ولِأنَّهُ حِينَ يُعاقِبُهُ فَقَدْ مَنَعَهُ الإثابَةَ، ومَنعُ الإثابَةِ ظُلْمٌ، وهَذا العِقابُ عَدْلٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَذا العِقابُ عَدْلًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَقُّهُ، وأنْ يَكُونَ ظُلْمًا مِن حَيْثُ إنَّهُ مَنَعَ الإثابَةَ، فَيَكُونُ ظالِمًا بِنَفْسِ الفِعْلِ الَّذِي هو عادِلٌ فِيهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَصَحَّ بِهَذا قَوْلُنا في الإحْباطِ والتَّكْفِيرِ بِهَذا النَّصِّ وبِدَلالَةِ العَقْلِ، هَذا كَلامُ المُعْتَزِلَةِ.
وأمّا أصْحابُنا فَإنَّهم قالُوا: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا﴾ النَّهْيَ عَنْ إزالَةِ هَذا الثَّوابِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، بَلِ المُرادُ بِهِ أنْ يَأْتِيَ بِهَذا العَمَلِ باطِلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا قَصَدَ بِهِ غَيْرَ وجْهِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أتى بِهِ مِنَ الِابْتِداءِ عَلى نَعْتِ البُطْلانِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ بِوُجُوهٍ مِنَ الدَّلائِلِ:
أوَّلُها: أنَّ النّافِيَ والطّارِئَ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما مُنافاةٌ لَمْ يَلْزَمْ مِن طَرَيانِ الطّارِئِ زَوالُ النّافِي، وإنْ
صفحة ٤٥
حَصَلَتْ بَيْنَهُما مُنافاةٌ لَمْ يَكُنِ انْدِفاعُ الطّارِئِ أوْلى مِن زَوالِ النّافِي، بَلْ رُبَّما كانَ هَذا أوْلى لِأنَّ الدَّفْعَ أسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ.
ثانِيها: أنَّ الطّارِئَ لَوْ أبْطَلَ لَكانَ إمّا أنْ يُبْطِلَ ما دَخَلَ مِنهُ في الوُجُودِ في الماضِي وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الماضِيَ انْقَضى ولَمْ يَبْقَ في الحالِ، وإعْدامُ المَعْدُومِ مُحالٌ، وإمّا أنْ يَبْطُلَ ما هو مَوْجُودٌ في الحالِ وهو أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّ المَوْجُودَ في الحالِ لَوْ أعْدَمَهُ في الحالِ لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ العَدَمِ والوُجُودِ وهو مُحالٌ، وإمّا أنْ يُبْطِلَ ما سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الَّذِي سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ مَعْدُومٌ في الحالِ وإعْدامُ ما لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّ شَرْطَ طَرَيانِ الطّارِئِ زَوالُ النّافِي فَلَوْ جَعَلْنا زَوالَ النّافِي مُعَلَّلًا بِطَرَيانِ الطّارِئِ لَزِمَ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ.
ورابِعُها: أنَّ الطّارِئَ إذا طَرَأ وأعْدَمَ الثَّوابَ السّابِقَ فالثَّوابُ السّابِقُ إمّا أنْ يَعْدَمَ مِن هَذا الطّارِئِ شَيْئًا أوْ لا يَعْدَمَ مِنهُ شَيْئًا، والأوَّلُ هو المُوازَنَةُ وهو قَوْلُ أبِي هاشِمٍ وهو باطِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُوجِبَ لِعَدَمِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وُجُودُ الآخَرِ، فَلَوْ حَصَلَ العَدَمانِ مَعًا اللَّذانِ هَمّا مَعْلُولانِ لَزِمَ حُصُولُ الوُجُودَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما عِلَّتانِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَوْجُودًا حالَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْدُومًا وهو مُحالٌ.
وأمّا الثّانِي، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ؛ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ العِقابَ الطّارِئَ لَمّا أزالَ الثَّوابَ السّابِقَ، وذَلِكَ الثَّوابُ السّابِقُ لَيْسَ لَهُ أثَرٌ البَتَّةَ في إزالَةِ الشَّيْءِ مِن هَذا العِقابِ الطّارِئِ، فَحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ العَمَلِ الَّذِي أوْجَبَ الثَّوابَ السّابِقَ فائِدَةٌ أصْلًا لا في جَلْبِ ثَوابٍ ولا في دَفْعِ عِقابٍ، وذَلِكَ عَلى مُضادَّةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧] ولِأنَّهُ خِلافُ العَدْلِ حَيْثُ يَحْمِلُ العَبْدُ مَشَقَّةَ الطّاعَةِ، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ مِنها أثَرٌ لا في جَلْبِ المَنفَعَةِ ولا في دَفْعِ المَضَرَّةِ.
وخامِسُها: وهو أنَّكم تَقُولُونَ: الصَّغِيرَةُ تُحْبِطُ بَعْضَ أجْزاءِ الثَّوابِ دُونَ البَعْضِ، وذَلِكَ مُحالٌ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ أجْزاءَ الِاسْتِحْقاقاتِ مُتَساوِيَةٌ في الماهِيَّةِ، فالصَّغِيرَةُ الطّارِئَةُ إذا انْصَرَفَ تَأْثِيرُها إلى بَعْضِ تِلْكَ الِاسْتِحْقاقاتِ دُونَ البَعْضِ مَعَ اسْتِواءِ الكُلِّ في الماهِيَّةِ كانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلْمُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ بِأنَّ الصَّغِيرَةَ الطّارِئَةَ تُزِيلُ كُلَّ تِلْكَ الِاسْتِحْقاقاتِ وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، أوْ لا تُزِيلُ شَيْئًا مِنها وهو المَطْلُوبُ.
وسادِسُها: وهو أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ إذا كانَ أكْثَرَ مِن ثَوابِ العَمَلِ المُتَقَدِّمِ، فَإمّا أنْ يُقالَ بِأنَّ المُؤَثِّرَ في إبْطالِ الثَّوابِ بَعْضُ أجْزاءِ العِقابِ الطّارِئِ أوْ كُلُّها، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ اخْتِصاصَ بَعْضِ تِلْكَ الأجْزاءِ بِالمُؤَثِّرِيَّةِ دُونَ البَعْضِ مَعَ اسْتِواءِ كُلِّها في الماهِيَّةِ تَرْجِيحٌ لِلْمُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ وهو مُحالٌ، والقِسْمُ الثّانِي باطِلٌ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَجْتَمِعُ عَلى إبْطالِ الجُزْءِ الواحِدِ مِنَ الثَّوابِ جُزْءانِ مِنَ العِقابِ مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الجُزْأيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِإبْطالِ ذَلِكَ الثَّوابِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلى الأثَرِ الواحِدِ مُؤَثِّرانِ مُسْتَقِلّانِ وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَسْتَغْنِي بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَيَكُونُ غَنِيًّا عَنْهُما مَعًا حالَ كَوْنِهِ مُحْتاجًا إلَيْهِما مَعًا وهو مُحالٌ.
وسابِعُها: وهو أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ؛ لِأنَّ السَّيِّدَ إذا قالَ لِعَبْدِهِ: احْفَظِ المَتاعَ لِئَلّا يَسْرِقَهُ
صفحة ٤٦
السّارِقُ، ثُمَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ جاءَ العَدُوُّ وقَصَدَ قَتْلَ السَّيِّدِ، فاشْتَغَلَ العَبْدُ بِمُحارَبَةِ ذَلِكَ العَدُوِّ وقَتْلِهِ، فَذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ العَبْدِ يَسْتَوْجِبُ اسْتِحْقاقَهُ لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ حَيْثُ دَفَعَ القَتْلَ عَنْ سَيِّدِهِ، ويُوجِبُ اسْتِحْقاقَهُ لِلذَّمِّ حَيْثُ عَرَّضَ مالَهُ لِلسَّرِقَةِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقَيْنِ ثابِتٌ، والعُقَلاءُ يَرْجِعُونَ في مِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ إلى التَّرْجِيحِ أوْ إلى المُهايَأةِ، فَأمّا أنْ يَحْكُمُوا بِانْتِفاءِ أحَدِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ وزَوالِهِ فَذَلِكَ مَدْفُوعٌ في بَداهَةِ العُقُولِ.
وثامِنُها: أنَّ المُوجِبَ لِحُصُولِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ هو الفِعْلُ المُتَقَدِّمُ، فَهَذا الطّارِئُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ أثَرٌ في جِهَةِ اقْتِضاءِ ذَلِكَ الفِعْلِ لِذَلِكَ الِاسْتِحْقاقِ أوْ لا يَكُونَ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ إنَّما يَكُونُ مَوْجُودًا في الزَّمانِ الماضِي، فَلَوْ كانَ لِهَذا الطّارِئِ أثَرٌ في ذَلِكَ الفِعْلِ الماضِي لَكانَ هَذا إيقاعًا لِلتَّأْثِيرِ في الزَّمانِ الماضِي وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلطّارِئِ أثَرٌ في اقْتِضاءِ ذَلِكَ الفِعْلِ السّابِقِ لِذَلِكَ الِاسْتِحْقاقِ وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ الِاقْتِضاءُ كَما كانَ وأنْ لا يَزُولَ.
ولا يُقالُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الطّارِئُ مانِعًا مِن ظُهُورِ الأثَرِ عَلى ذَلِكَ السّابِقِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إذا كانَ هَذا الطّارِئُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْمَلَ بِجِهَةِ اقْتِضاءِ ذَلِكَ الفِعْلِ السّابِقِ أصْلًا والبَتَّةَ مِن حَيْثُ إيقاعُ الأثَرِ في الماضِي مُحالٌ، وانْدِفاعُ أثَرِ هَذا الطّارِئِ مُمْكِنٌ في الجُمْلَةِ، كانَ الماضِي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أقْوى مِن هَذا الحادِثِ فَكانَ الماضِي بِدَفْعِ هَذا الحادِثِ أوْلى مِنَ العَكْسِ.
وتاسِعُها: أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: إنَّ شُرْبَ جُرْعَةٍ مِنَ الخَمْرِ يُحْبِطُ ثَوابَ الإيمانِ وطاعَةَ سَبْعِينَ سَنَةً عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ثَوابَ هَذِهِ الطّاعاتِ أكْثَرُ مِن عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ الواحِدَةِ، والأعْظَمُ لا يُحِيطُ بِالأقَلِّ، قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ الكَبِيرَةُ الواحِدَةُ أعْظَمَ مِن كُلِّ طاعَةٍ؛ لِأنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعْظُمُ عَلى قَدْرِ كَثْرَةِ نِعَمِهِ وإحْسانِهِ، كَما أنَّ اسْتِحْقاقَ قِيامِ الرَّبّانِيَّةِ وقَدْ رَبّاهُ ومَلَّكَهُ وبَلَّغَهُ إلى النِّهايَةِ العَظِيمَةِ أعْظَمُ مِن قِيامِهِ بِحَقِّهِ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، فَإذا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ بِحَيْثُ لا تُضْبَطُ عِظَمًا وكَثْرَةً لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَسْتَحِقَّ عَلى المَعْصِيَةِ الواحِدَةِ العِقابَ العَظِيمَ الَّذِي يُوافِي عَلى ثَوابِ جُمْلَةِ الطّاعاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا العُذْرَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا عَظُمَتْ نِعَمُهُ عَلى عَبْدِهِ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العَبْدَ قامَ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ خَمْسِينَ سَنَةً ثُمَّ إنَّهُ كَسَرَ رَأْسَ قَلَمِ ذَلِكَ المَلِكِ قَصْدًا، فَلَوْ أحْبَطَ المَلِكُ جَمِيعَ طاعاتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الجُرْمِ فَكُلُّ أحَدٍ يَذُمُّهُ ويَنْسُبُهُ إلى تَرْكِ الإنْصافِ والقَسْوَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ جَمِيعَ المَعاصِي بِالنِّسْبَةِ إلى جَلالِ اللَّهِ تَعالى أقَلُّ مِن كَسْرِ رَأْسِ القَلَمِ، فَظَهَرَ أنَّ ما قالُوهُ عَلى خِلافِ قِياسِ العُقُولِ.
وعاشِرُها: أنَّ إيمانَ ساعَةٍ يَهْدِمُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً، فالإيمانُ سَبْعِينَ سَنَةً كَيْفَ يُهْدَمُ بِفِسْقِ ساعَةٍ ؟! وهَذا مِمّا لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فَهَذِهِ جُمْلَةُ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالمُحابَطَةِ في تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ يِحْتَمِلُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: لا تَأْتُوا بِهِ باطِلًا، وذَلِكَ أنْ يَنْوِيَ بِالصَّدَقَةِ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ، فَتَكُونُ هَذِهِ الصَّدَقَةُ حِينَ وُجِدَتْ حَصَلَتْ باطِلَةً، وهَذا التَّأْوِيلُ لا يَضُرُّنا البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإبْطالِ أنْ يُؤْتى بِها عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الثَّوابَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أُتْبِعَتْ بِالمَنِّ والأذى صارَ عِقابُ المَنِّ والأذى مُزِيلًا لِثَوابِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْفَعُهُمُ التَّمَسُّكُ بِالآيَةِ، فَلِمَ كانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي أوْلى مَن حَمْلِهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ؟ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِذَلِكَ مَثَلَيْنِ: أحَدُهُما يُطابِقُ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إذْ مِنَ
صفحة ٤٧
المَعْلُومِ أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ عَمَلَ هَذا باطِلًا أنَّهُ دَخَلَ في الوُجُودِ باطِلًا، لا أنَّهُ دَخَلَ صَحِيحًا، ثُمَّ يَزُولُ؛ لِأنَّ المانِعَ مِن صِحَّةِ هَذا العَمَلِ هو الكُفْرُ، والكُفْرُ مُقارِنٌ لَهُ، فَيَمْتَنِعُ دُخُولُهُ صَحِيحًا في الوُجُودِ، فَهَذا المَثَلُ يَشْهَدُ لِما ذَهَبْنا إلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، وأمّا المَثَلُ الثّانِي وهو الصَّفْوانُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ غُبارٌ وتُرابٌ ثُمَّ أصابَهُ وابِلٌ، فَهَذا يَشْهَدُ لِتَأْوِيلِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الوابِلَ مُزِيلًا لِذَلِكَ الغُبارِ بَعْدَ وُقُوعِ الغُبارِ عَلى الصَّفْوانِ، فَكَذا هَهُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَنُّ والأذى مُزِيلَيْنِ لِلْأجْرِ والثَّوابِ بَعْدَ حُصُولِ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ، إلّا أنَّ لَنا أنْ نَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُشَبَّهَ بِوُقُوعِ الغُبارِ عَلى الصَّفْوانِ حُصُولُ الأجْرِ لِلْكافِرِ، بَلِ المُشَبَّهُ بِذَلِكَ صُدُورُ هَذا العَمَلِ الَّذِي لَوْلا كَوْنُهُ مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ الفاسِدَةِ لَكانَ مُوجِبًا لِحُصُولِ الأجْرِ والثَّوابِ، فالمُشَبَّهُ بِالتُّرابِ الواقِعِ عَلى الصَّفْوانِ هو ذَلِكَ العَمَلُ الصّادِرُ مِنهُ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوْلى؛ لِأنَّ الغُبارَ إذا وقَعَ عَلى الصَّفْوانِ لَمْ يَكُنْ مُلْتَصِقًا بِهِ ولا غائِصًا فِيهِ البَتَّةَ، بَلْ كانَ ذَلِكَ الِاتِّصالُ كالِانْفِصالِ، فَهو في مَرْأى العَيْنِ مُتَّصِلٌ، وفي الحَقِيقَةِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، فَكَذا الإنْفاقُ المَقْرُونُ بِالمَنِّ والأذى، يُرى في الظّاهِرِ أنَّهُ عَمَلٌ مِن أعْمالِ البِرِّ، وفي الحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَظَهَرَ أنَّ اسْتِدْلالَهم بِهَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ. وأمّا الحُجَّةُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا مُنافاةَ في الجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِحْقاقَيْنِ، وأنَّ مُقْتَضى ذَلِكَ الجَمْعِ إمّا التَّرْجِيحُ وإمّا المُهايَأةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ عَلى اللَّهِ بِسَبَبِ صَدَقَتِكم، وبِالأذى لِذَلِكَ السّائِلِ، وقالَ الباقُونَ: بِالمَنِّ عَلى الفَقِيرِ، وبِالأذى لِلْفَقِيرِ. وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا أنْفَقَ مُتَبَجِّحًا بِفِعْلِهِ، ولَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَةَ التَّواضُعِ والِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ والِاعْتِرافِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِهِ وتَوْفِيقِهِ وإحْسانِهِ، فَكانَ كالمانِّ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ القَوْلُ الثّانِي أظْهَرَ لَهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كَإبْطالِ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المَنَّ والأذى يُبْطِلانِ الصَّدَقَةَ، كَما أنَّ النِّفاقَ والرِّياءَ يُبْطِلانِها، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ المُنافِقَ والمُرائِيَ يَأْتِيانِ بِالصَّدَقَةِ لا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ومَن يَقْرِنُ الصَّدَقَةَ بِالمَنِّ والأذى فَقَدْ أتى بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ لا لِوَجْهِ اللَّهِ أيْضًا، إذْ لَوْ كانَ غَرَضُهُ مِن تِلْكَ الصَّدَقَةِ مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى لَما مَنَّ عَلى الفَقِيرِ ولا آذاهُ، فَثَبَتَ اشْتِراكُ الصُّورَتَيْنِ في كَوْنِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ ما أتى بِها لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يُحَقِّقُ ما قُلْنا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإبْطالِ الإتْيانُ بِهِ باطِلًا، لا أنَّ المَقْصُودَ الإتْيانُ بِهِ صَحِيحًا، ثُمَّ إزالَتُهُ وإحْباطُهُ بِسَبَبِ المَنِّ والأذى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، أيْ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم مُماثِلِينَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرِّياءُ مَصْدَرٌ، كالمُراءاةِ يُقالُ: راءَيْتُهُ رِياءً ومُراءاةً، مِثْلَ: راعَيْتُهُ مُراعاةً ورِعاءً، وهو أنْ تُرائِيَ بِعَمَلِكَ غَيْرَكَ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في الرِّياءِ قَدْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا المَثَلَ أتْبَعَهُ بِالمَثَلِ الثّانِي، فَقالَ: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ وفي هَذا الضَّمِيرِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُنافِقِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى شَبَّهَ المانَّ والمُؤْذِيَ بِالمُنافِقِ، ثُمَّ شَبَّهَ المُنافِقَ بِالحَجَرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ وهو الحَجَرُ الأمْلَسُ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّ الصَّفْوانَ والصَّفا والصَّفْوا واحِدٌ، وكُلُّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ، وقالَ بَعْضُهم: الصَّفْوانُ جَمْعُ
صفحة ٤٨
صَفْوانَةَ، كَمَرْجانَ ومَرْجانَةَ، وسَعْدانَ وسَعْدانَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ الوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ، يُقالُ: وبَلَتِ السَّماءُ تَبِلُ وبِلًا، وأرْضٌ مَوْبُولَةٌ، أيْ أصابَها وابِلٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ الصَّلْدُ الأمْلَسُ اليابِسُ، يُقالُ: حَجَرٌ صَلْدٌ وجَبَلٌ صَلْدٌ، إذا كانَ بَرّاقًا أمْلَسَ، وأرْضٌ صَلْدَةٌ أيْ لا تُنْبِتُ شَيْئًا كالحَجَرِ الصَّلْدِ، وصَلَدَ الزَّنْدُ إذا لَمْ يُورِ نارًا.
واعْلَمْ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِعَمَلِ المانِّ المُؤْذِي، ولِعَمَلِ المُنافِقِ، فَإنَّ النّاسَ يَرَوْنَ في الظّاهِرِ أنَّ لِهَؤُلاءِ أعْمالًا، كَما يُرى التُّرابُ عَلى هَذا الصَّفْوانِ، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ اضْمَحَلَّ كُلُّهُ وبَطَلَ؛ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ ما كانَتْ لِلَّهِ تَعالى، كَما أذْهَبَ الوابِلُ ما كانَ عَلى الصَّفْوانِ مِنَ التُّرابِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ المَعْنى أنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ أوْجَبَتِ الأجْرَ والثَّوابَ، ثُمَّ إنَّ المَنَّ والأذى أزالا ذَلِكَ الأجْرَ، كَما يُزِيلُ الوابِلُ التُّرابَ عَنْ وجْهِ الصَّفْوانِ.
واعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا أنَّ العَمَلَ الظّاهِرَ كالتُّرابِ، والمانَّ والمُؤْذِيَ والمُنافِقَ كالصَّفْوانِ يَوْمَ القِيامَةِ، هَذا عَلى قَوْلِنا، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فالمَنُّ والأذى كالوابِلِ.
الوَجْهُ الثّانِي في التَّشْبِيهِ، قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وهو أنَّ أعْمالَ العِبادِ ذَخائِرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن عَمِلَ بِإخْلاصٍ فَكَأنَّهُ طَرَحَ بَذْرًا في أرْضٍ فَهو يُضاعَفُ لَهُ ويَنْمُو حَتّى يَحْصُدَهُ في وقْتِهِ، ويَجِدَهُ وقْتَ حاجَتِهِ، والصَّفْوانُ محَلُّ بَذْرِ المُنافِقِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَنْمُو فِيهِ شَيْءٌ ولا يَكُونُ فِيهِ قَبُولٌ لِلْبَذْرِ، والمَعْنى أنَّ عَمَلَ المانِّ والمُؤْذِي والمُنافِقِ يُشْبِهُ إذا طَرَحَ بَذْرًا في صَفْوانٍ صَلْدٍ عَلَيْهِ غُبارٌ قَلِيلٌ، فَإذا أصابَهُ مَطَرُ جُودٍ بَقِيَ مُسْتَوْدِعًا بَذْرَهُ خالِيًا لا شَيْءَ فِيهِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى ضَرَبَ مَثَلَ المُخْلِصِ بِجَنَّةٍ فَوْقَ رَبْوَةٍ، والجَنَّةُ ما يَكُونُ فِيها أشْجارٌ ونَخِيلٌ، فَمَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى كانَ كَمَن غَرَسَ بُسْتانًا في رَبْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، فَهو يَجْنِي ثَمَرَ غِراسِهِ في أوَجّاتِ الحاجَةِ وهي تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها مُتَضاعِفَةً زائِدَةً، وأمّا عَمَلُ المانِّ والمُؤْذِي والمُنافِقِ، فَهو كَمَن بَذَرَ في الصَّفْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ تُرابٌ، فَعِنْدَ الحاجَةِ إلى الزَّرْعِ لا يَجِدُ فِيهِ شَيْئًا. ومِنَ المُلْحِدَةِ مَن طَعَنَ في التَّشْبِيهِ، فَقالَ: إنَّ الوابِلَ إذا أصابَ الصَّفْوانَ جَعَلَهُ طاهِرًا نَقِيًّا نَظِيفًا عَنِ الغُبارِ والتُّرابِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُشَبِّهَ اللَّهُ بِهِ عَمَلَ المُنافِقِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ ما ذَكَرْناهُ، فَلا يُعْتَبَرُ بِاخْتِلافِها فِيما وراءَهُ.
قالَ القاضِي: وأيْضًا فَوَقْعُ التُّرابِ عَلى الصَّفْوانِ يُفِيدُ مَنافِعَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أصْلَحُ في الِاسْتِقْرارِ عَلَيْهِ.
وثانِيها: الِانْتِفاعُ بِهِ في التَّيَمُّمِ.
وثالِثُها: الِانْتِفاعُ بِهِ فِيما يَتَّصِلُ بِالنَّباتِ. وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي حَسَنٌ إلّا أنَّ الِاعْتِمادَ عَلى الأوَّلِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى ذَلِكَ البَذْرِ المُلْقى في ذَلِكَ التُّرابِ الَّذِي كانَ عَلى ذَلِكَ الصَّفْوانِ؛ لِأنَّهُ زالَ ذَلِكَ التُّرابَ وذَلِكَ ما كانَ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ قُدْرَةٌ عَلى الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ البَذْرِ، وهَذا يُقَوِّي الوَجْهَ الثّانِيَ في التَّشْبِيهِ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وكَذا المانُّ والمُؤْذِي والمُنافِقُ لا يَنْتَفِعُ أحَدٌ مِنهم بِعَمَلِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ وخَرَجَ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ إنَّما أُشِيرَ بِهِ إلى الجِنْسِ، والجِنْسُ في حُكْمِ العامِّ.
قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرْدُودًا عَلى قَوْلِهِ: (لا)
صفحة ٤٩
﴿تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ فَإنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَمْ تَقْدِرُوا عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبْتُمْ، فَرَجَعَ عَنِ الخِطابِ إلى الغائِبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] .
ثُمَّ قالَ [تَعالى]: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ومَعْناهُ عَلى قَوْلِهِمْ: سَلْبُ الإيمانِ، وعَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: إنَّهُ تَعالى يُضِلُّهم عَنِ الثَّوابِ وطَرِيقِ الجَنَّةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَثَلَ المُنْفِقِ الَّذِي يَكُونُ مانًّا ومُؤْذِيًا ذَكَرَ مَثَلَ المُنْفِقِ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وهو هَذِهِ الآيَةُ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ غَرَضَ هَؤُلاءِ المُنْفِقِينَ مِن هَذا الإنْفاقِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: طَلَبُ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، والِابْتِغاءُ افْتِعالٌ مِن بَغَيْتُ أيْ طَلَبْتُ، وسَواءٌ قَوْلُكَ: بَغَيْتُ وابْتَغَيْتُ.
والغَرَضُ الثّانِي: هو تَثْبِيتُ النَّفْسِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم يُوَطِّنُونَ أنْفُسَهم عَلى حِفْظِ هَذِهِ الطّاعَةِ وتَرْكِ ما يُفْسِدُها، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ تَرْكُ إتْباعِها بِالمَنِّ والأذى، وهَذا قَوْلُ القاضِي.
وثانِيها: وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ أنَّها صادِقَةٌ في الإيمانِ مُخْلِصَةٌ فِيهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ ”وتَثْبِيتًا مِن بَعْضِ أنْفُسِهِمْ“ .
وثالِثُها: أنَّ النَّفْسَ لا ثَباتَ لَها في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ، إلّا إذا صارَتْ مَقْهُورَةً بِالمُجاهَدَةِ، ومَعْشُوقُها أمْرانِ: الحَياةُ العاجِلَةُ والمالُ، فَإذا كُلِّفَتْ بِإنْفاقِ المالِ فَقَدْ صارَتْ مَقْهُورَةً مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وإذا كُلِّفَتْ بِبَذْلِ الرُّوحِ فَقَدْ صارَتْ مَقْهُورَةً مِن بَعْضِ الوُجُوهِ فَلا جَرَمَ حَصَلَ بَعْضُ التَّثْبِيتِ، فَلِهَذا دَخَلَ فِيهِ ”مِن“ الَّتِي هي لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى أنَّ مَن بَذَلَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، ومَن بَذَلَ مالَهُ ورُوحَهُ مَعًا فَهو الَّذِي ثَبَّتَها كُلَّها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصَّفِ: ١١] وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ وتَفْسِيرٌ لَطِيفٌ.
ورابِعُها، وهو الَّذِي خَطَرَ بِبالِي وقْتَ كِتابَةِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّ ثَباتَ القَلْبِ لا يَحْصُلُ إلّا بِذِكْرِ اللَّهِ، عَلى ما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] فَمَن أنْفَقَ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ اطْمِئْنانُ القَلْبِ في مَقامِ التَّجَلِّي، إلّا إذا كانَ إنْفاقُهُ لِمَحْضِ غَرَضِ العُبُودِيَّةِ، ولِهَذا السَّبَبِ حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في إنْفاقِهِ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنْسانِ: ٩] ووَصَفَ إنْفاقَ أبِي بَكْرٍ فَقالَ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [اللَّيْلِ: ١٩، ٢٠، ٢١] فَإذا كانَ إنْفاقُ العَبْدِ لِأجْلِ عُبُودِيَّةِ الحَقِّ لا لِأجْلِ غَرَضِ النَّفْسِ وطَلَبِ الحَضِّ، فَهُناكَ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ، واسْتَقَرَّتْ نَفْسُهُ، ولَمْ يَحْصُلْ لِنَفْسِهِ مُنازَعَةٌ مَعَ قَلْبِهِ، ولِهَذا قالَ أوَّلًا في هَذا الإنْفاقِ إنَّهُ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ .
وخامِسُها: أنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ، أنَّ تَكْرِيرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مَن يُواظِبُ عَلى الإنْفاقِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ حَصَلَ لَهُ مِن تِلْكَ المُواظَبَةِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: حُصُولُ هَذا المَعْنى.
والثّانِي: صَيْرُورَةُ هَذا الِابْتِغاءِ والطَّلَبِ مَلَكَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في النَّفْسِ، حَتّى يَصِيرَ القَلْبُ بِحَيْثُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ فِعْلٌ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ والِاتِّفاقِ رَجَعَ القَلْبُ في الحالِ إلى جَنابِ القُدْسِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ تِلْكَ العِبادَةَ صارَتْ كالعادَةِ والخَلْقِ لِلرُّوحِ، فَإتْيانُ العَبْدِ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ، ولِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ، يُفِيدُ هَذِهِ المَلَكَةَ المُسْتَقِرَّةَ، الَّتِي وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْها في القُرْآنِ بِتَثْبِيتِ النَّفْسِ، وهو المُرادُ أيْضًا
صفحة ٥٠
بِقَوْلِهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعِنْدَ حُصُولِ هَذا التَّثْبِيتِ تَصِيرُ الرُّوحُ في هَذا العالَمِ مِن جَوْهَرِ المَلائِكَةِ الرُّوحانِيَّةِ والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ، فَصارَ العَبْدُ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ غائِبًا حاضِرًا، ظاعِنًا مُقِيمًا.
وسادِسُها: قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ مِنَ التَّثْبِيتِ أنَّهم يُنْفِقُونَها جازِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضَيِّعُ عَمَلَهم، ولا يُخَيِّبُ رَجاءَهم؛ لِأنَّها مَقْرُونَةٌ بِالثَّوابِ والعِقابِ والنُّشُورِ بِخِلافِ المُنافِقِ، فَإنَّهُ إذا أنْفَقَ عُدَّ ذَلِكَ الإنْفاقُ ضائِعًا؛ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالثَّوابِ، فَهَذا الجَزْمُ هو المُرادُ بِالتَّثْبِيتِ.
وسابِعُها: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ: المُرادُ أنَّ المُنْفِقَ يَتَثَبَّتُ في إعْطاءِ الصَّدَقَةِ فَيَضَعُها في أهْلِ الصَّلاحِ والعَفافِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ الرَّجُلُ إذا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ، فَإذا كانَ لِلَّهِ أعْطى، وإنْ خالَطَهُ أمْسَكَ، قالَ الواحِدِيُّ: وإنَّما جازَ أنْ يَكُونَ التَّثْبِيتُ بِمَعْنى التَّثَبُّتِ؛ لِأنَّهم ثَبَّتُوا أنْفُسَهم في طَلَبِ المُسْتَحِقِّ، وصَرْفِ المالِ في وجْهِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ شَرَحَ أنَّ غَرَضَهم مِنَ الإنْفاقِ هَذانِ الأمْرانِ ضَرَبَ لِإنْفاقِهِمْ مَثَلًا، فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ”بِرَبْوَةٍ“ بِفَتْحِ الرّاءِ، وفي المُؤْمِنِينَ ”إلى رَبْوَةٍ“ وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ فِيهِما، وهو أشْهَرُ اللُّغاتِ ولُغَةُ قُرَيْشٍ، وفِيهِ سَبْعُ لُغاتٍ ”رَبْوَةٌ“ بِتَعاقُبِ الحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى الرّاءِ، و”رَباوَةٌ“ بِالألْفِ بِتَعاقُبِ الحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى الرّاءِ، و”رَبْوٌ“ . والرَّبْوَةُ المَكانُ المُرْتَفِعُ، قالَ الأخْفَشُ: والَّذِي أخْتارُهُ ”رُبْوَةٌ“ بِالضَّمِّ؛ لِأنَّ جَمْعَها الرُّبى، وأصْلُها مِن قَوْلِهِمْ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا ازْدادَ وارْتَفَعَ، ومِنهُ الرّابِيَةُ؛ لِأنَّ أجْزاءَها ارْتَفَعَتْ، ومِنهُ الرَّبْوُ إذا أصابَهُ نَفَسٌ في جَوْفِهِ زائِدٌ، ومِنهُ الرِّبا، لِأنَّهُ يَأْخُذُ الزِّيادَةَ.
واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: البُسْتانُ إذا كانَ في رَبْوَةٍ مِنَ الأرْضِ كانَ أحْسَنَ وأكْثَرَ رَيْعًا.
ولِي فِيهِ إشْكالٌ: وهو أنَّ البُسْتانَ إذا كانَ في مُرْتَفَعٍ مِنَ الأرْضِ كانَ فَوْقَ الماءِ ولا تَرْتَفِعُ إلَيْهِ أنْهارٌ وتَضْرِبُهُ الرِّياحُ كَثِيرًا فَلا يَحْسُنُ رَيْعُهُ، وإذا كانَ في وهْدَةٍ مِنَ الأرْضِ انْصَبَّتْ مِياهُ الأنْهارِ، ولا يَصِلُ إلَيْهِ إثارَةُ الرِّياحِ فَلا يَحْسُنُ أيْضًا رَيْعُهُ، فَإذَنِ البُسْتانُ إنَّما يَحْسُنُ رَيْعُهُ إذا كانَ عَلى الأرْضِ المُسْتَوِيَةِ الَّتِي لا تَكُونُ رَبْوَةً ولا وهْدَةً، فَإذَنْ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الرَّبْوَةِ ما ذَكَرُوهُ، بَلِ المُرادُ مِنهُ كَوْنُ الأرْضِ طِينًا حُرًّا، بِحَيْثُ إذا نَزَلَ المَطَرُ عَلَيْهِ انْتَفَخَ ورَبا ونَما، فَإنَّ الأرْضَ مَتى كانَتْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ يَكْثُرُ رَيْعُها، وتَكْمُلُ الأشْجارُ فِيها. وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مُتَأكَّدٌ بِدَلِيلَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحَجِّ: ٥] والمُرادُ مِن رَبْوِها ما ذَكَرْنا فَكَذا هَهُنا.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا المَثَلَ في مُقابَلَةِ المَثَلِ الأوَّلِ، ثُمَّ كانَ المَثَلُ الأوَّلُ هو الصَّفْوانَ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ فِيهِ المَطَرُ، ولا يَرْبُو، ولا يَنْمُو بِسَبَبِ نُزُولِ المَطَرِ عَلَيْهِ، فَكانَ المُرادُ بِالرَّبْوَةِ في هَذا المَثَلِ كَوْنَ الأرْضِ بِحَيْثُ تَرْبُو وتَنْمُو، فَهَذا ما خَطَرَ بِبالِي واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”أُكْلَها“ بِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ، وهو الأصْلُ، والأُكُلُ بِالضَّمِّ الطَّعامُ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤْكَلَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٥] أيْ: ثَمَرَتَها وما يُؤْكَلُ مِنها، فالأكْلُ في المَعْنى مِثْلُ الطُّعْمَةِ، وأنْشَدَ الأخْفَشُ:
فَما أكْلَةٌ إنْ نِلْتَها بِغَنِيمَةٍ ولا جَوْعَةٌ إنْ جُعْتَها بِقِرامِ
صفحة ٥١
وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ إنَّهُ لَذُو أكْلٍ إذا كانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ يَعْنِي مِثْلَيْنِ؛ لِأنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلُهُ زائِدًا عَلَيْهِ، وقِيلَ ضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، قالَ عَطاءٌ: حَمَلَتْ في سَنَةٍ مِنَ الرَّيْعِ ما يَحْمِلُ غَيْرُها في سَنَتَيْنِ، وقالَ الأصَمُّ: ضِعْفُ ما يَكُونُ في غَيْرِها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مِثْلَيْ ما كانَ يُعْهَدُ مِنها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ الطَّلُّ: مَطَرٌ صَغِيرُ القَطْرِ، ثُمَّ في المَعْنى وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ إنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَيُصِيبُها مَطَرٌ دُونَ الوابِلِ، إلّا أنَّ ثَمَرَتَها باقِيَةٌ بِحالِها عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَنْقُصُ بِسَبَبِ انْتِقاصِ المَطَرِ وذَلِكَ بِسَبَبِ كَرَمِ المَنبَتِ.
الثّانِي: مَعْنى الآيَةِ إنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ حَتّى تُضاعَفَ ثَمَرَتُها فَلا بُدَّ وأنْ يُصِيبَها طَلٌّ يُعْطِي ثَمَرًا دُونَ ثَمَرِ الوابِلِ، فَهي عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ لا تَخْلُو مِن أنْ تُثْمِرَ، فَكَذَلِكَ مَن أخْرَجَ صَدَقَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا يَضِيعُ كَسْبُهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ والمُرادُ مِنَ البَصِيرِ العَلِيمُ، أيْ هو تَعالى عالِمٌ بِكَمِّيَّةِ النَّفَقاتِ وكَيْفِيَّتِها، والأُمُورِ الباعِثَةِ عَلَيْها، وأنَّهُ تَعالى مُجازٍ بِها إنْ خَيَّرا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
البقرة 2:266
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مَثَلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مَن يُتْبِعُ إنْفاقَهُ بِالمَنِّ والأذى، والمَعْنى أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ جَنَّةً في غايَةِ الحُسْنِ والنِّهايَةِ، كَثِيرَةَ النَّفْعِ، وكانَ الإنْسانُ في غايَةِ العَجْزِ عَنِ الكَسْبِ وفي غايَةِ شِدَّةِ الحاجَةِ، وكَما أنَّ الإنْسانَ كَذَلِكَ فَلَهُ ذُرِّيَّةٌ أيْضًا في غايَةِ الحاجَةِ، وفي غايَةِ العَجْزِ، ولا شَكَّ أنَّ كَوْنَهُ مُحْتاجًا أوْ عاجِزًا مَظِنَّةُ الشَّدَّةِ والمِحْنَةِ، وتَعَلُّقُ جَمْعٍ مِنَ المُحْتاجِينَ العاجِزِينَ بِهِ زِيادَةُ مِحْنَةٍ عَلى مِحْنَةٍ، فَإذا أصْبَحَ الإنْسانُ وشاهَدَ تِلْكَ الجَنَّةَ مُحْرَقَةً بِالكُلِّيَّةِ، فانْظُرْ كَمْ يَكُونُ في قَلْبِهِ مِنَ الغَمِّ والحَسْرَةِ والمِحْنَةِ والبَلِيَّةِ، تارَةً بِسَبَبِ أنَّهُ ضاعَ مِثْلُ ذَلِكَ المَمْلُوكِ الشَّرِيفِ النَّفِيسِ، وثانِيًا بِسَبَبِ أنَّهُ بَقِيَ في الحاجَةِ والشِّدَّةِ مَعَ العَجْزِ عَنِ الِاكْتِسابِ واليَأْسِ عَنْ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أحَدٌ شَيْئًا، وثالِثًا بِسَبَبِ تَعَلُّقِ غَيْرِهِ بِهِ، ومُطالَبَتِهِمْ إيّاهُ بِوُجُوهِ النَّفَقَةِ، فَكَذَلِكَ مَن أنْفَقَ لِأجْلِ اللَّهِ، كانَ ذَلِكَ نَظِيرًا لِلْجَنَّةِ المَذْكُورَةِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَذَلِكَ الشَّخْصُ العاجِزُ الَّذِي يَكُونُ كُلُّ اعْتِمادِهِ
صفحة ٥٢
فِي وُجُوهِ الِانْتِفاعِ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ، وأمّا إذا أعْقَبَ إنْفاقَهُ بِالمَنِّ أوْ بِالأذى كانَ ذَلِكَ كالإعْصارِ الَّذِي يَحْرِقُ تِلْكَ الجَنَّةَ، ويَعْقُبُ الحَسْرَةُ والحَيْرَةُ والنَّدامَةُ، فَكَذا هَذا المالُ المُؤْذِي إذا قُدِّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، وكانَ في غايَةِ الِاحْتِياجِ إلى الِانْتِفاعِ بِثَوابِ عَمَلِهِ، لَمْ يَجِدْ هُناكَ شَيْئًا فَيَبْقى لا مَحالَةَ في أعْظَمِ غَمٍّ، وفي أكْمَلِ حَسْرَةٍ وحَيْرَةٍ، وهَذا المَثَلُ في غايَةِ الحُسْنِ ونِهايَةِ الكَمالِ. ولْنَذْكُرْ ما يَتَعَلَّقُ بِألْفاظِ الآيَةِ:
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوِدُّ، هو المَحَبَّةُ الكامِلَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الهَمْزَةُ في ”أيَوَدُّ“ اسْتِفْهامٌ لِأجْلِ الإنْكارِ، وإنَّما قالَ: ”أيَوَدُّ“ ولَمْ يَقُلْ أيُرِيدُ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ المَوَدَّةَ هي المَحَبَّةُ التّامَّةُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَحَبَّةَ كُلِّ أحَدٍ لِعَدَمِ هَذِهِ الحالَةِ مَحَبَّةٌ كامِلَةٌ تامَّةٌ، فَلَمّا كانَ الحاصِلُ هو مَوَدَّةَ عَدَمِ هَذِهِ الحالَةِ ذَكَرَ هَذا اللَّفْظَ في جانِبِ الثُّبُوتِ فَقالَ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ . حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ تَنْبِيهًا عَلى الإنْكارِ التّامِّ والنَّفْرَةِ البالِغَةِ إلى الحَدِّ الَّذِي لا مَرْتَبَةَ فَوْقَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ. واعْلَمْ أنَّ الجَنَّةَ تَكُونُ مُحْتَوِيَةً عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ، ولا تَكُونُ الجَنَّةُ مِنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ إلّا أنَّ بِسَبَبِ كَثْرَةِ النَّخِيلِ والأعْنابِ صارَ كَأنَّ الجَنَّةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ، وإنَّما خَصَّ النَّخِيلَ والأعْنابَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُما أشْرَفُ الفَواكِهِ ولِأنَّهُما أحْسَنُ الفَواكِهِ مَناظِرَ حِينَ تَكُونُ باقِيَةً عَلى أشْجارِها.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا سَبَبٌ لِزِيادَةِ الحُسْنِ في هَذِهِ الجَنَّةِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا يَكُونُ سَبَبًا لِكَمالِ حالِ هَذا البُسْتانِ. فَهَذِهِ هي الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الجَنَّةَ بِها، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ تَكُونُ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّها مَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ حَسَنَةُ الرُّؤْيَةِ والمَنظَرِ كَثِيرَةُ النَّفْعِ والرَّيْعِ، ولا تُمْكِنُ الزِّيادَةُ في حُسْنِ الجَنَّةِ عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ شَرَعَ في بَيانِ شِدَّةِ حاجَةِ المالِكِ إلى هَذِهِ الجَنَّةِ، فَقالَ: ﴿وأصابَهُ الكِبَرُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا صارَ كَبِيرًا وعَجَزَ عَنِ الِاكْتِسابِ كَثُرَتْ جِهاتُ حاجاتِهِ في مَطْعَمِهِ، ومَلْبَسِهِ، ومَسْكَنِهِ، ومَن يَقُومُ بِخِدْمَتِهِ، وتَحْصِيلِ مَصالِحِهِ، فَإذا تَزايَدَتْ جِهاتُ الحاجاتِ وتَناقَصَتْ جِهاتُ الدَّخْلِ والكَسْبِ، إلّا مِن تِلْكَ الجَنَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ في نِهايَةِ الِاحْتِياجِ إلى تِلْكَ الجَنَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَطَفَ ”وأصابَهُ“ عَلى ”أيَوَدُّ“ وكَيْفَ يَجُوزُ عَطْفُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ ؟ .
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”الواوُ“ لِلْحالِ لا لِلْعَطْفِ، ومَعْناهُ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ حالَ ما أصابَهُ الكِبَرُ ثُمَّ إنَّها تُحْرَقُ.
والجَوابُ الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: ودِدْتُ أنْ يَكُونَ كَذا، ووَدِدْتُ لَوْ كانَ كَذا فَحَمَلَ العَطْفَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: أيَوَدُّ أحَدُكم إنْ كانَ لَهُ جَنَّةٌ وأصابَهُ الكِبَرُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ في بَيانِ احْتِياجِ ذَلِكَ الإنْسانِ إلى تِلْكَ الجَنَّةِ فَقالَ: ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ والمُرادُ مِن
صفحة ٥٣
ضَعْفِ الذُّرِّيَّةِ: الضَّعْفُ بِسَبَبِ الصِّغَرِ والطُّفُولِيَّةِ، فَيَصِيرُ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ كانَ في غايَةِ الضَّعْفِ والحاجَةِ إلى تِلْكَ الجَنَّةِ بِسَبَبِ الشَّيْخُوخَةِ والكِبَرِ، ولَهُ ذُرِّيَّةٌ في غايَةِ الضَّعْفِ والحاجَةِ بِسَبَبِ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ والإعْصارُ رِيحٌ تَرْتَفِعُ وتَسْتَدِيرُ نَحْوَ السَّماءِ كَأنَّها عَمُودٌ، وهي الَّتِي يُسَمِّيها النّاسُ الزَّوْبَعَةَ، وهي رِيحٌ في غايَةِ الشِّدَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
إنْ كُنْتَ رِيحًا فَقَدْ لاقَيْتَ إعْصارا
والمَقْصُودُ مِن هَذا المَثَلِ بَيانُ أنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِ هَذا الإنْسانِ مِنَ الغَمِّ والمِحْنَةِ والحَسْرَةِ والحَيْرَةِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَكَذَلِكَ مَن أتى بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ، إلّا أنَّهُ لا يَقْصِدُ بِها وجْهَ اللَّهِ، بَلْ يَقْرِنُ بِها أُمُورًا تُخْرِجُها عَنْ كَوْنِها مُوجِبَةً لِلثَّوابِ، فَحِينَ يَقْدُمُ يَوْمَ القِيامَةِ وهو حِينَئِذٍ في غايَةِ الحاجَةِ ونِهايَةِ العَجْزِ عَنِ الِاكْتِسابِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ وتَناهَتْ حَيْرَتُهُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٣] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ: كَما بَيَّنَ اللَّهُ لَكم آياتِهِ ودَلائِلَهُ في هَذا البابِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ ودَلائِلَهُ في سائِرِ أُمُورِ الدِّينِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ . وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي وهو لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المُعْتَزِلَةَ تَمَسَّكُوا بِهِ في أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِرارًا.
البقرة 2:267
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ [تَعالى] رَغَّبَ في الإنْفاقِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الإنْفاقَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، ومِنهُ ما لا يَتْبَعُهُ ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَحَ ما يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وضَرَبَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَثَلًا يَكْشِفُ عَنِ المَعْنى ويُوَضِّحُ المَقْصُودَ مِنهُ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ.
صفحة ٥٤
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المالَ الَّذِي أمَرَ بِإنْفاقِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فَقالَ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: (أنْفِقُوا) المُرادُ مِنهُ ماذا ؟ فَقالَ الحَسَنُ: المُرادُ مِنهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ مِنهُ التَّطَوُّعُ، وقالَ ثالِثٌ: إنَّهُ يَتَناوَلُ الفَرْضَ والنَّفْلَ.
حُجَّةُ مَن قالَ المُرادُ مِنهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: (أنْفِقُوا) أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والإنْفاقُ الواجِبُ لَيْسَ إلّا الزَّكاةَ وسائِرَ النَّفَقاتِ الواجِبَةِ.
حُجَّةُ مَن قالَ المُرادُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ: أنَّهم كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِشِرارِ ثِمارِهِمْ ورَدِيءِ أمْوالِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «جاءَ رَجُلٌ ذاتَ يَوْمٍ بِعِذْقِ حَشَفٍ فَوَضَعَهُ في الصَّدَقَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”بِئْسَ ما صَنَعَ صاحِبُ هَذا“» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
حُجَّةُ مَن قالَ الفَرْضُ والنَّفْلُ داخِلانِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المَفْهُومَ مِنَ الأمْرِ تَرْجِيحُ جانِبِ الفِعْلِ عَلى جانِبِ التَّرْكِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ يَجُوزُ التَّرْكُ أوْ لا يَجُوزُ، وهَذا المَفْهُومُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الفَرْضِ والنَّفْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونا داخِلَيْنِ تَحْتَ الأمْرِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وهو أنَّهُ لِلْوُجُوبِ فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في كُلِّ مالٍ يَكْتَسِبُهُ الإنْسانُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ زَكاةُ التِّجارَةِ، وزَكاةُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وزَكاةُ النَّعَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوصَفُ بِأنَّهُ مُكْتَسَبٌ، ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في كُلِّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ، عَلى ما هو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، واسْتِدْلالُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ظاهِرٌ جِدًّا، إلّا أنَّ مُخالِفِيهِ خَصَّصُوا هَذا العُمُومَ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«لَيْسَ في الخُضْراواتِ صَدَقَةٌ» “ وأيْضًا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ إخْراجَ الزَّكاةِ مِن كُلِّ ما أنْبَتَتْهُ الأرْضُ واجِبٌ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِ إلّا أنَّ مُخالِفِيهِ خَصَّصُوا هَذا العُمُومَ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطَّيِّبِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ الجَيِّدُ مِنَ المالِ دُونَ الرَّدِيءِ، فَأطْلَقَ لَفْظَ الطَّيِّبِ عَلى الجَيِّدِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالمُرادُ مِنَ الخَبِيثِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ الرَّدِيءُ.
والقَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ: أنَّ الطَّيِّبَ هو الحَلّالُ، والخَبِيثَ هو الحَرامُ.
حُجَّةُ الأوَّلِ وُجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنّا ذَكَرْنا في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّهم يَتَصَدَّقُونَ بِرَدِيءِ أمْوالِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الطَّيِّبِ الجَيِّدُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المُحَرَّمَ لا يَجُوزُ أخْذُهُ لا بِإغْماضٍ ولا بِغَيْرِ إغْماضٍ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخَبِيثَ يَجُوزُ أخْذُهُ بِالإغْماضِ. قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الإغْماضِ المُسامَحَةُ وتَرْكُ الِاسْتِقْصاءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ مُحَرَّمٌ إلّا أنْ تُرَخِّصُوا لِأنْفُسِكم أخْذَ الحَرامِ، ولا تُبالُوا مِن أيِّ وجْهٍ أخَذْتُمُ المالَ، أمِن حَلالِهِ أوْ مِن حَرامِهِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ هَذا القَوْلَ مُتَأيَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٢] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطَّيِّباتِ الأشْياءُ النَّفِيسَةُ الَّتِي يُسْتَطابُ مِلْكُها، لا الأشْياءُ الخَسِيسَةُ الَّتِي يَجِبُ
صفحة ٥٥
عَلى كُلِّ أحَدٍ دَفْعُها عَنْ نَفْسِهِ وإخْراجُها عَنْ بَيْتِهِ.
واحْتَجَّ القاضِي لِلْقَوْلِ الثّانِي فَقالَ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الطَّيِّبِ في هَذِهِ الآيَةِ إمّا الجَيِّدُ وإمّا الحَلالُ، فَإذا بَطَلَ الأوَّلُ تَعَيَّنَ الثّانِي، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ بَطَلَ الأوَّلُ؛ لِأنَّ المُرادَ لَوْ كانَ هو الجَيِّدَ لَكانَ ذَلِكَ أمْرًا بِإنْفاقِ مُطْلَقِ الجَيِّدِ سَواءٌ كانَ حَرامًا أوْ حَلالًا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، والتِزامُ التَّخْصِيصِ خِلافُ الأصْلِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ لَيْسَ هو الجَيِّدَ بَلِ الحَلالَ. ويُمْكِنُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الطَّيِّبِ هَهُنا ما يَكُونُ طَيِّبًا مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَيَكُونُ طَيِّبًا بِمَعْنى الحَلالِ، ويَكُونُ طَيِّبًا بِمَعْنى الجَوْدَةِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ عَلى مَفْهُومَيْهِ لا يَجُوزُ؛ لِأنّا نَقُولُ: الحَلالُ إنَّما سُمِّيَ طَيِّبًا لِأنَّهُ يَسْتَطِيبُهُ العَقْلُ والدِّينُ، والجَيِّدُ إنَّما يُسَمّى طَيِّبًا لِأنَّهُ يَسْتَطِيبُهُ المَيْلُ والشَّهْوَةُ، فَمَعْنى الِاسْتِطابَةِ مَفْهُومٌ واحِدٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فَكانَ اللَّفْظُ مَحْمُولًا عَلَيْهِ إذا أُثْبِتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الجَيِّدُ الحَلالُ؛ فَنَقُولُ: الأمْوالُ الزَّكاتِيَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ كُلُّها شَرِيفَةً أوْ كُلُّها خَسِيسَةً أوْ تَكُونَ مُتَوَسِّطَةً أوْ تَكُونَ مُخْتَلِطَةً، فَإنْ كانَ الكُلُّ شَرِيفًا كانَ المَأْخُوذُ بِحِسابِ الزَّكاةِ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ الكُلُّ خَسِيسًا كانَتِ الزَّكاةُ أيْضًا مِن ذَلِكَ الخَسِيسِ، ولا يَكُونُ خِلافًا لِلْآيَةِ؛ لِأنَّ المَأْخُوذَ في هَذِهِ الحالَةِ لا يَكُونُ خَسِيسًا مِن ذَلِكَ المالِ بَلْ إنْ كانَ في المالِ جَيِّدٌ ورَدِيءٌ، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لِلْإنْسانِ: لا تَجْعَلِ الزَّكاةَ مِن رَدِيءِ مالِكَ، وأمّا إنْ كانَ المالُ مُخْتَلِطًا فالواجِبُ هو الوَسَطُ، قالَ ﷺ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ: ”«أعْلِمْهم أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهِمْ وتَرُدُّ إلى فُقَرائِهِمْ، وإيّاكَ وكَرائِمَ أمْوالِهِمْ» “ هَذا كُلُّهُ إذا قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ الزَّكاةُ الواجِبَةُ، أمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، أوْ قُلْنا: المُرادُ مِنهُ الإنْفاقُ الواجِبُ والتَّطَوُّعُ، فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى نَدَبَهم إلى أنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِأفْضَلِ ما يَمْلِكُونَهُ، كَمَن تَقَرَّبَ إلى السُّلْطانِ الكَبِيرِ بِتُحْفَةٍ وهَدِيَّةٍ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ تِلْكَ التُّحْفَةُ أفْضَلَ ما في مُلْكِهِ وأشْرَفَها، فَكَذا هَهُنا.
بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالٌ واحِدٌ، وهو أنْ يُقالَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ .
وجَوابُهُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ، وأنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ، إلّا أنَّ ذِكْرَ الطَّيِّباتِ لَمّا حَصَلَ مَرَّةً واحِدَةً حُذِفَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ لِدَلالَةِ المَرَّةِ الأُولى عَلَيْهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: أمَمْتُهُ، ويَمَّمْتُهُ، وتَأمَّمْتُهُ، كُلُّهُ بِمَعْنى قَصَدْتُهُ، قالَ الأعْشى:
تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَهٍ ذِي شَرَفِ
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ ”ولا تَّيَمَّمُوا“ بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ لِأنَّهُ كانَ في الأصْلِ تاءانِ تاءُ المُخاطَبَةِ، وتاءُ الفِعْلِ، فَأُدْغِمَ إحْداهُما في الأُخْرى، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ مُخَفَّفَةً. وعَلى هَذا، الخِلافُ في أخَواتِها، وهي ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ مَوْضِعًا: لا تَفَرَّقُوا، تَوَفّاهُمُ، تَعاوَنُوا، فَتَفَرَّقَ بِكم، تَلْقَفُ، تَوَلَّوْا، تَنازَعُوا، تَرَبَّصُونَ، فَإنْ تَوَلَّوْا، لا تَكَلَّمُ، تَلَقَّوْنَهُ، تَبَرَّجْنَ، تَبَدَّلَ، تَناصَرُونَ، تَجَسَّسُوا، تَنابَزُوا، لِتَعارَفُوا، تَمَيَّزُ، تَخَيَّرُونَ، تَلَهّى، تَلَظّى، تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا الإدْغامُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ المُدْغَمَ يُسَكَّنُ، وإذا سُكِّنَ لَزِمَ أنْ تُجْلَبَ هَمْزَةُ الوَصْلِ عِنْدَ الِابْتِداءِ بِهِ، كَما جُلِبَتْ في أمْثِلَةِ الماضِي نَحْوَ: ادّارَأْتُمْ، وارْتَبْتُمْ، واطَّيَّرْنا، لَكِنْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ.
صفحة ٥٦
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في التّاءِ المَحْذُوفَةِ عَلى قِراءَةِ العامَّةِ، فَقالَ بَعْضُهم: هي التّاءُ الأُولى، وسِيبَوَيْهِ لا يُسْقِطُ إلّا الثّانِيَةَ، والفَرّاءُ يَقُولُ: أيُّهُما أُسْقِطَتْ جازَ لِنِيابَةِ الباقِيَةِ عَنْها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ نَظْمِ الآيَةِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ: ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والمَعْنى: أمِنَهُ تُنْفِقُونَ مَعَ أنَّكم لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا مَعَ الإغْماضِ ؟ .
والثّانِي: أنَّ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ ويَكُونُ الَّذِي مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ: ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ الَّذِي تُنْفِقُونَهُ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا بِإغْماضٍ فِيهِ، ونَظِيرُهُ إضْمارُ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٦] والمَعْنى الوُثْقى الَّتِي لا انْفِصامَ لَها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإغْماضُ في اللُّغَةِ غَضُّ البَصَرِ وإطْباقُ جَفْنٍ عَلى جَفْنٍ، وأصْلُهُ مِنَ الغُمُوضِ، وهو الخَفاءُ، يُقالُ: هَذا الكَلامُ غامِضٌ أيْ: خَفِيُّ الإدْراكِ. والغَمْضُ المُتَطامِنُ الخَفِيُّ مِنَ الأرْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَعْنى الإغْماضِ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالإغْماضِ هَهُنا المُساهَلَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا رَأى ما يَكْرَهُ أغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِئَلّا يَرى ذَلِكَ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى جُعِلَ كُلُّ تَجاوُزٍ ومُساهَلَةٍ في البَيْعِ وغَيْرِهِ إغْماضًا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يَقُولُ: لَوْ أهْدِيَ إلَيْكم مِثْلُ هَذِهِ الأشْياءِ لَما أخَذْتُمُوها إلّا عَلى اسْتِحْياءٍ وإغْماضٍ، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِي ما لا تَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِكم ؟! .
والثّانِي: أنْ يُحْمَلَ الإغْماضُ عَلى المُتَعَدِّي كَما تَقُولُ: أغْمَضْتُ بَصَرَ المَيِّتِ وغَمَّضْتُهُ، والمَعْنى ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا إذا أغْمَضْتُمْ بَصَرَ البائِعِ، يَعْنِي أمَرْتُمُوهُ بِالإغْماضِ والحَطِّ مِنَ الثَّمَنِ.
ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ صَدَقاتِكم، ومَعْنى ”حَمِيدٌ“ أيْ: مَحْمُودٌ عَلى ما أنْعَمَ بِالبَيانِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَنِيٌّ﴾ كالتَّهْدِيدِ عَلى إعْطاءِ الأشْياءِ الرَّدِيئَةِ في الصَّدَقاتِ، و﴿حَمِيدٌ﴾ بِمَعْنى حامِدٍ أيْ: أنا أحْمَدُكم عَلى ما تَفْعَلُونَهُ مِنَ الخَيْراتِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسْراءِ: ١٩] .
البقرة 2:268
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ الإنْسانَ في إنْفاقِ أجْوَدِ ما يَمْلِكُهُ حَذَرَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَقالَ:
صفحة ٥٧
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ أيْ: يُقالُ: إنْ أنْفَقْتَ الأجْوَدَ صِرْتَ فَقِيرًا فَلا تُبالِ بِقَوْلِهِ فَإنَّ الرَّحْمَنَ ﴿يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في الشَّيْطانِ فَقِيلَ: إبْلِيسُ، وقِيلَ: سائِرُ الشَّياطِينِ، وقِيلَ: شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ، وقِيلَ: النَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَعْدُ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحَجِّ: ٧٢] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا مَحْمُولًا عَلى التَّهَكُّمِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفَقْرُ والفُقْرُ لُغَتانِ، وهو الضَّعِيفُ بِسَبَبِ قِلَّةِ المالِ، وأصْلُ الفَقْرِ في اللُّغَةِ كَسْرُ الفَقارِ، يُقالُ: رَجُلٌ فَقِرٌ وفَقِيرٌ إذا كانَ مَكْسُورَ الفَقارِ، قالَ طَرفَةُ:
إنَّنِي لَسْتُ بِمَرْهُونِ فَقِرْ
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ الفُقْرُ بِالضَّمِّ والفَقَرُ بِفَتْحَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا الكَلامُ في حَقِيقَةِ الوَسْوَسَةِ، فَقَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ الكِتابِ في تَفْسِيرِ ”أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ“ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً وهي الإيعادُ بِالشَّرِّ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً وهي الوَعْدُ بِالخَيْرِ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، ومِن وجَدَ الأوَّلَ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. ورَوى الحَسَنُ، قالَ بَعْضُ المُهاجِرِينَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَعْلَمَ مَكانَ الشَّيْطانِ مِنهُ فَلْيَتَأمَّلْ مَوْضِعَهُ مِنَ المَكانِ الَّذِي مِنهُ يَجِدُ الرَّغْبَةَ في فِعْلِ المُنْكَرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الفَحْشاءَ هي البُخْلُ ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيْ: ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ إغْراءَ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ، والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ البَخِيلُ، قالَ طَرَفَةُ:
أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
ويَعْتامُ مَنقُولٌ مَن عامَ فُلانٌ إلى اللَّبَنِ إذا اشْتَهاهُ، وأرادَ بِالفاحِشِ البَخِيلَ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العادِياتِ: ٨] وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى لَطِيفَةٍ وهي أنَّ الشَّيْطانَ يُخَوِّفُهُ أوَّلًا بِالفَقْرِ ثُمَّ يَتَوَصَّلُ بِهَذا التَّخْوِيفِ إلى أنْ يَأْمُرَهُ بِالفَحْشاءِ ويُغْرِيَهُ بِالبُخْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ البُخْلَ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، فالشَّيْطانُ لا يُمْكِنُهُ تَحْسِينُ البُخْلِ في عَيْنِهِ إلّا بِتَقْدِيمِ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ، وهي التَّخْوِيفُ مِنَ الفَقْرِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الفَحْشاءِ: وهو أنَّهُ يَقُولُ: لا تُنْفِقِ الجَيِّدَ مِن مالِكَ في طاعَةِ اللَّهِ لِئَلّا تَصِيرَ فَقِيرًا، فَإذا أطاعَ الرَّجُلُ الشَّيْطانَ في ذَلِكَ زادَ الشَّيْطانُ، فَيَمْنَعُهُ مِنَ الإنْفاقِ في الكُلِّيَّةِ حَتّى لا يُعْطِيَ لا الجَيِّدَ ولا الرَّدِيءَ وحَتّى يَمْنَعَ الحُقُوقَ الواجِبَةَ، فَلا يُؤَدِّي الزَّكاةَ ولا يَصِلُ الرَّحِمَ ولا يَرُدُّ الوَدِيعَةَ، فَإذا صارَ هَكَذا سَقَطَ وقْعُ الذُّنُوبِ عَنْ قَلْبِهِ ويَصِيرُ غَيْرَ مُبالٍ بِارْتِكابِها، وهُناكَ يَتَّسِعُ الخَرْقُ ويَصِيرُ مِقْدامًا عَلى كُلِّ الذُّنُوبِ، وذَلِكَ هو الفَحْشاءُ. وتَحْقِيقُهُ أنْ لِكُلِّ خَلْقٍ طَرَفَيْنِ ووَسَطًا، فالطَّرَفُ الكامِلُ هو أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَبْذُلُ كُلَّ ما يَمْلِكُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ الجَيِّدَ والرَّدِيءَ، والطَّرَفُ الفاحِشُ النّاقِصُ لا يُنْفِقُ شَيْئًا في سَبِيلِ اللَّهِ لا الجَيِّدَ ولا الرَّدِيءَ، والأمْرُ المُتَوَسِّطُ أنْ يَبْخَلَ بِالجَيِّدِ ويُنْفِقَ الرَّدِيءَ، فالشَّيْطانُ إذا أرادَ نَقْلَهُ مِنَ الطَّرَفِ الفاضِلِ إلى الطَّرَفِ الفاحِشِ، لا يُمْكِنُهُ إلّا بِأنْ يَجُرَّهُ إلى الوَسَطِ، فَإنْ عَصى الإنْسانُ الشَّيْطانَ في هَذا المَقامِ انْقَطَعَ طَمَعُهُ عَنْهُ،
صفحة ٥٨
وإنْ أطاعَهُ فِيهِ طَمِعَ في أنْ يَجُرَّهُ مِنَ الوَسَطِ إلى الطَّرَفِ الفاحِشِ، فالوَسَطُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ والطَّرْفُ الفاحِشُ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى دَرَجاتِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ أرْدَفَها بِذِكْرِ إلْهاماتِ الرَّحْمَنِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ فالمَغْفِرَةُ إشارَةٌ إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ، والفَضْلُ إشارَةٌ إلى ما يَحْصُلُ في الدُّنْيا مِنَ الخَلْقِ، ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّ المَلَكَ يُنادِي كُلَّ لَيْلَةٍ ”«اللَّهُمَّ أعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفًا وكُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفًا» “ .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ الشَّيْطانَ يَعِدُكَ الفَقْرَ في غَدِ دُنْياكَ، والرَّحْمَنُ يَعِدُكَ المَغْفِرَةَ في غَدِ عُقْباكَ، ووَعْدُ الرَّحْمَنِ في غَدِ العُقْبى أوْلى بِالقَبُولِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ وِجْدانَ غَدِ الدُّنْيا مَشْكُوكٌ فِيهِ، ووِجْدانَ غَدِ العُقْبى مُتَيَقِّنٌ مَقْطُوعٌ بِهِ.
وثانِيها: أنَّ بِتَقْدِيرِ وِجْدانِ غَدِ الدُّنْيا، فَقَدْ يَبْقى المالُ المَبْخُولُ بِهِ وقَدْ لا يَبْقى، وعِنْدَ وِجْدانِ غَدِ العُقْبى لا بُدَّ مِن وِجْدانِ المَغْفِرَةِ المَوْعُودِ بِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ الصّادِقُ الَّذِي يَمْتَنِعُ وُجُودُ الكَذِبِ في كَلامِهِ.
وثالِثُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ بَقاءِ المالِ المَبْخُولِ بِهِ في غَدِ الدُّنْيا، فَقَدْ يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ وقَدْ لا يَتَمَكَّنُ إمّا بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ مَرَضٍ أوِ اشْتِغالٍ بِمُهِمٍّ آخَرَ، وعِنْدَ وِجْدانِ غَدِ العُقْبى الِانْتِفاعُ حاصِلٌ بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ.
ورابِعُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ حُصُولِ الِانْتِفاعِ بِالمالِ المَبْخُولِ بِهِ غَدِ الدُّنْيا لا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الِانْتِفاعَ يَنْقَطِعُ ولا يَبْقى، وأمّا الِانْتِفاعُ بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ فَهو الباقِي الَّذِي لا يَنْقَطِعُ ولا يَزُولُ.
وخامِسُها: أنَّ الِانْتِفاعَ بِلَذّاتِ الدُّنْيا مَشُوبٌ بِالمَضارِّ، فَلا تَرى شَيْئًا مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ويَكُونُ سَبَبًا لِلْمِحْنَةِ مَن ألْفِ وجْهٍ بِخِلافِ مَنافِعِ الآخِرَةِ فَإنَّها خالِصَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ، ومَن تَأمَّلَ فِيما ذَكَرْناهُ عَلِمَ أنَّ الِانْقِيادَ لِوَعْدِ الرَّحْمَنِ بِالفَضْلِ والمَغْفِرَةِ أوْلى مِنَ الِانْقِيادِ لِوَعْدِ الشَّيْطانِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ بِالمَغْفِرَةِ تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ كَما قالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٣] وفي الآيَةِ لَفْظانِ يَدُلّانِ عَلى كَمالِ هَذِهِ المَغْفِرَةِ:
أحَدُها: التَّنْكِيرُ في لَفْظَةِ المَغْفِرَةِ، والمَعْنى مَغْفِرَةً أيَّ مَغْفِرَةٍ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ فَقَوْلُهُ: (مِنهُ) يَدُلُّ عَلى كَمالِ حالِ هَذِهِ المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّ كَمالَ كَرَمِهِ ونِهايَةَ جُودِهِ مَعْلُومٌ لِجَمِيعِ العُقَلاءِ، وكَوْنُ المَغْفِرَةِ مِنهُ مَعْلُومٌ أيْضًا لِكُلِّ أحَدٍ فَلَمّا خَصَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ بِأنَّها مِنهُ عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ تَعْظِيمُ حالِ هَذِهِ المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّ عِظَمَ المُعْطِي يَدُلُّ عَلى عِظَمِ العَطِيَّةِ، وكَمالُ هَذِهِ المَغْفِرَةِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما قالَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفُرْقانِ: ٧٠] ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَجْعَلَهُ شَفِيعًا في غُفْرانِ ذُنُوبِ سائِرِ المُذْنِبِينَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَمالُ تِلْكَ المَغْفِرَةِ أمْرًا لا يَصِلُ إلَيْهِ عَقْلُنا ما دُمْنا في دارِ الدُّنْيا، فَإنَّ تَفاصِيلَ أحْوالِ الآخِرَةِ، أكْثَرُها مَحْجُوبَةٌ عَنّا ما دُمْنا في الدُّنْيا.
وأمّا مَعْنى الفَضْلِ فَهو الخَلْفُ المُعَجَّلُ في الدُّنْيا، وهَذا الفَضْلُ يَحْتَمِلُ عِنْدِي وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الفَضْلِ الفَضِيلَةُ الحاصِلَةُ لِلنَّفْسِ وهي فَضِيلَةُ الجُودِ والسَّخاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَراتِبَ السَّعادَةِ ثَلاثٌ: نَفْسانِيَّةٌ، وبَدَنِيَّةٌ، وخارِجِيَّةٌ، ومِلْكُ المالِ مِنَ الفَضائِلِ الخارِجِيَّةِ، وحُصُولُ خَلْقِ الجُودِ والسَّخاوَةِ مِنَ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ.
وأجْمَعُوا عَلى أنَّ أشْرَفَ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثِ السِّعاداتُ النَّفْسانِيَّةُ، وأخَسَّها السِّعاداتُ الخارِجِيَّةُ، فَمَتى لَمْ يَحْصُلْ إنْفاقُ المالِ كانَتِ السَّعادَةُ الخارِجِيَّةُ حاصِلَةً والنَّقِيضَةُ النَّفْسانِيَّةُ مَعَها حاصِلَةً، ومَتى حَصَلَ الإنْفاقُ حَصَلَ الكَمالُ النَّفْسانِيُّ والنُّقْصانُ الخارِجِيُّ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ أكْمَلُ، فَثَبَتَ أنَّ مُجَرَّدَ الإنْفاقِ يَقْتَضِي حُصُولَ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِن حُصُولِ الفَضْلِ.
والثّانِيَ: وهو أنَّهُ مَتى حَصَلَتْ مَلَكَةُ الإنْفاقِ زالَتْ عَنِ الرُّوحِ هَيْئَةُ الِاشْتِغالِ بِلَذّاتِ الدُّنْيا والتَّهالُكُ في مَطالِبِها، ولا مانِعَ لِلرُّوحِ مِن تَجَلِّي نُورِ جَلالِ اللَّهِ لَها إلّا
صفحة ٥٩
حُبَّ الدُّنْيا، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يُوحُونَ إلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ» “ وإذا زالَ عَنْ وجْهِ القَلْبِ غُبارُ حُبِّ الدُّنْيا اسْتَنارَ بِأنْوارِ عالَمِ القُدْسِ وصارَ كالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ والتَحَقَ بِأرْواحِ المَلائِكَةِ، وهَذا هو الفَضْلُ لا غَيْرَ.
والثّالِثَ، وهو أحْسَنُ الوُجُوهِ: أنَّهُ مَهْما عُرِفَ مِنَ الإنْسانِ كَوْنُهُ مُنْفِقًا لِأمْوالِهِ في وُجُوهِ الخَيْراتِ مالَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ فَلا يُضايِقُونَهُ في مَطالِبِهِ، فَحِينَئِذٍ تَنْفَتِحُ عَلَيْهِ أبْوابُ الدُّنْيا، ولِأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْفَقَ مالَهُ عَلَيْهِمْ يُعِينُونَهُ بِالدُّعاءِ والهِمَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ أبْوابَ الخَيْرِ.
ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ أنَّهُ واسِعُ المَغْفِرَةِ، قادِرٌ عَلى إغْنائِكم، وإخْلافِ ما تُنْفِقُونَهُ، وهو عَلِيمٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما تُنْفِقُونَ، فَهو يُخْلِفُهُ عَلَيْكم.
البقرة 2:269
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الشَّيْطانَ يَعِدُ الفَقْرَ ويَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، وأنَّ الرَّحْمَنَ يَعِدُ بِالمَغْفِرَةِ والفَضْلِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ الأمْرَ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ تَرْجِيحُ وعْدِ الرَّحْمَنِ عَلى وعْدِ الشَّيْطانِ هو أنَّ وعْدَ الرَّحْمَنِ تُرَجِّحُهُ الحِكْمَةُ والعَقْلُ، ووَعْدَ الشَّيْطانِ تُرَجِّحُهُ الشَّهْوَةُ والنَّفْسُ مِن حَيْثُ إنَّهُما يَأْمُرانِ بِتَحْصِيلِ اللَّذَّةِ الحاضِرَةِ واتِّباعِ أحْكامِ الخَيالِ والوَهْمِ، ولا شَكَّ أنَّ حُكْمَ الحِكْمَةِ والعَقْلِ هو الحَكَمُ الصّادِقُ المُبَرَّأُ عَنِ الزَّيْغِ والخَلَلِ، وحُكْمَ الحِسِّ والشَّهْوَةِ والنَّفْسِ تُوقِعُ الإنْسانَ في البَلاءِ والمِحْنَةِ، فَكانَ حُكْمُ الحِكْمَةِ والعَقْلِ أوْلى بِالقَبُولِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى وجْهِ النَّظْمِ. بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ إمّا العِلْمُ وإمّا فِعْلُ الصَّوابِ؛ يُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: تَفْسِيرُ الحِكْمَةِ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَواعِظُ القُرْآنِ، قالَ في البَقَرَةِ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣١] يَعْنِي مَواعِظَ القُرْآنِ، وفي النِّساءِ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النِّساءِ: ١١٣] يَعْنِي المَواعِظَ، ومِثْلُها في آلِ عِمْرانَ.
وثانِيها: الحِكْمَةُ بِمَعْنى الفَهْمِ والعِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وفي لُقْمانَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لُقْمانَ: ١٢] يَعْنِي الفَهْمَ والعِلْمَ، وفي الأنْعامِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٩] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وفي ص: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ [ص: ٢٠] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وفي البَقَرَةِ: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥١] .
ورابِعُها: القُرْآنُ بِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الأسْرارِ في النَّحْلِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وجَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَرْجِعُ إلى العِلْمِ. ثُمَّ تَأْمَّلْ أيُّها المِسْكِينُ فَإنَّهُ تَعالى ما أعْطى إلّا القَلِيلَ مِنَ العِلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ﴾
صفحة ٦٠
﴿إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وسَمّى الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلًا، فَقالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧] وانْظُرْ كَمْ مِقْدارُ هَذا القَلِيلِ حَتّى تَعْرِفَ عَظَمَةَ ذَلِكَ الكَثِيرِ، والبُرْهانُ العَقْلِيُّ أيْضًا يُطابِقُهُ؛ لِأنَّ الدُّنْيا مُتَناهِيَةُ المِقْدارِ، مُتَناهِيَةُ المُدَّةِ، والعُلُومُ لا نِهايَةَ لِمَراتِبِها وعَدَدِها ومُدَّةِ بَقائِها، والسَّعادَةِ الحاصِلَةِ مِنها، وذَلِكَ يُنْبِئُكَ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ، والِاسْتِقْصاءُ في هَذا البابِ قَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البَقَرَةِ: ٣١] .
وأمّا الحِكْمَةُ بِمَعْنى فِعْلِ الصَّوابِ فَقِيلَ في حَدِّها: إنَّها التَّخَلُّقُ بِأخْلاقِ اللَّهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، ومَدارُ هَذا المَعْنى عَلى قَوْلِهِ ﷺ: ”«تَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى» “ . واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ لا يُمْكِنُ خُرُوجُها عَنْ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في شَيْئَيْنِ: أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فالمَرْجِعُ بِالأوَّلِ إلى العِلْمِ والإدْراكِ المُطابِقِ، وبِالثّانِي إلى فِعْلِ العَدْلِ والصَّوابِ، فَحُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، ونادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ [طه: ١٤] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، وقالَ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٠] الآيَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣١] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، وقالَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، وقالَ في جَمِيعِ الأنْبِياءِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ [النَّحْلِ: ٢] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، والقُرْآنُ هو مِنَ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ لَيْسَ إلّا في هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الحِكْمَةُ فِعْلَةٌ مِنَ الحُكْمِ، وهي كالنَّحْلَةِ مِنَ النَّحْلِ، ورَجُلٌ حَكِيمُ إذا كانَ ذا حِجًى ولُبٍّ وإصابَةِ رَأْيٍ، وهو في هَذا المَوْضِعِ في مَعْنى الفاعِلِ، ويُقالُ: أمْرٌ حَكِيمٌ، أيْ: مُحْكَمٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدُّخانِ: ٤] وهَذا الَّذِي قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ مِنَ اشْتِقاقِ اللُّغَةِ يُطابِقُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”ومَن يُؤْتِي الحِكْمَةَ“ بِمَعْنى: ومَن يُؤْتِهِ اللَّهُ الحِكْمَةَ، وهَكَذا قَرَأ الأعْمَشُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ لِأنَّ الحِكْمَةَ إنْ فَسَّرْناها بِالعِلْمِ لَمْ تَكُنْ مُفَسَّرَةً بِالعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، لِأنَّها حاصِلَةٌ لِلْبَهائِمِ والمَجانِينِ والأطْفالِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا تُوصَفُ بِأنَّها حِكَمٌ، فَهي مُفَسَّرَةٌ بِالعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وإنْ فَسَّرْناها بِالأفْعالِ الحِسِّيَّةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ حُصُولُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ والأفْعالِ الحِسِّيَّةِ ثابِتًا مِن غَيْرِهِمْ، وبِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مِن غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ الغَيْرُ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى بِالِاتِّفاقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ والقُرْآنَ، أوْ قُوَّةَ الفَهْمِ والحِسِّيَّةَ عَلى ما هو قَوْلُالرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ ؟ .
قُلْنا: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدْفَعُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ ثَبَتَ أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الحَكِيمِ في غَيْرِ الأنْبِياءِ، فَتَكُونُ الحِكْمَةُ مُغايِرَةً لِلنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ، بَلْ هي مُفَسَّرَةٌ إمّا بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، أوْ
صفحة ٦١
بِالإقْدامِ عَلى الأفْعالِ الحَسَنَةِ الصّائِبَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، فَإنْ حاوَلَتِ المُعْتَزِلَةُ حَمْلَ الإيتاءِ عَلى التَّوْفِيقِ والإعانَةِ والألْطافِ، قُلْنا: كُلُّ ما فَعَلَهُ مِن هَذا الجِنْسِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ فَعَلَ مَثَلَهُ في حَقِّ الكُفّارِ، مَعَ أنَّ هَذا المَدْحَ العَظِيمَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَناوَلُهم، فَعَلِمْنا أنَّ الحِكْمَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ آخَرُ سِوى فِعْلِ الألْطافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ والمُرادُ بِهِ عِنْدِي واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ الإنْسانَ إذا رَأى الحِكَمَ والمَعارِفَ حاصِلَةً في قَلْبِهِ، ثُمَّ تَأمَّلَ وتَدَبَّرَ وعَرَفَ أنَّها لَمْ تَحْصُلْ إلّا بِإيتاءِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، كانَ مِن أُولِي الألْبابِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ المُسَبِّباتِ، بَلْ تَرَقّى مِنها إلى أسْبابِها، فَهَذا الِانْتِقالُ مِنَ المُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ هو التَّذَكُّرُ الَّذِي لا يَحْصُلُ إلّا لِأُولِي الألْبابِ، وأمّا مَن أضافَ هَذِهِ الأحْوالَ إلى نَفْسِهِ، واعْتَقَدَ أنَّهُ هو السَّبَبُ في حُصُولِها وتَحْصِيلِها، كانَ مِنَ الظّاهِرِيِّينَ الَّذِينَ عَجَزُوا عَنِ الِانْتِقالِ مِنَ المُسَبِّباتِ إلى الأسْبابِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم لَمّا فَسَّرُوا الحِكْمَةَ بِقُوَّةِ الفَهْمِ ووَضْعِ الدَّلائِلِ، قالُوا: هَذِهِ الحِكْمَةُ لا تَقُومُ بِنَفْسِها، وإنَّما يَنْتَفِعُ بِها المَرْءُ بِأنْ يَتَدَبَّرَ ويَتَفَكَّرَ، فَيَعْرِفَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَقْدُمُ أوْ يَحْجِمُ.
البقرة 2:270
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْفاقَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِن أجْوَدِ المالِ، ثُمَّ حَثَّ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾، وثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ حَثَّ عَلَيْهِ ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ عَلى اخْتِصارِهِ، يُفِيدُ الوَعْدَ العَظِيمَ لِلْمُطِيعِينَ، والوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِلْمُتَمَرِّدِينَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما في قَلْبِ المُتَصَدِّقِ مِن نِيَّةِ الإخْلاصِ والعُبُودِيَّةِ أوْ مِن نِيَّةِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ.
وثانِيها: أنَّ عِلْمَهُ بِكَيْفِيَّةِ نِيَّةِ المُتَصَدِّقِ يُوجِبُ قَبُولَ تِلْكَ الطّاعاتِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨] .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ القَدْرَ المُسْتَحَقَّ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ عَلى تِلْكَ الدَّواعِي والنِّيّاتِ فَلا يُهْمِلُ شَيْئًا مِنها، ولا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُها، لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الأخِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النِّساءِ: ١١٢] وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.
والثّانِي: أنَّ الكِتابَةَ عادَتْ إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ لِأنَّها اسْمٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣١] .
صفحة ٦٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّذْرُ ما يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ بِإيجابِهِ عَلى نَفْسِهِ يُقالُ: نَذَرَ يَنْذُرُ، وأصْلُهُ مِنَ الخَوْفِ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَعْقِدُ عَلى نَفْسِهِ خَوْفَ التَّقْصِيرِ في الأمْرِ المُهِمِّ عِنْدَهُ، وأنْذَرْتُ القَوْمَ إنْذارًا بِالتَّخْوِيفِ، وفي الشَّرِيعَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: مُفَسَّرٍ وغَيْرِ مُفَسَّرٍ، فالمُفَسَّرُ أنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، ولِلَّهِ عَلَيَّ حَجٌّ، فَهَهُنا يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ ولا يَجْزِيهِ غَيْرُهُ. وغَيْرُ المُفَسَّرِ أنْ يَقُولَ: نَذَرْتُ لِلَّهِ أنْ لا أفْعَلَ كَذا ثُمَّ يَفْعَلُهُ، أوْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةٍ فَيَلْزَمُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ”«مَن نَذَرَ نَذْرًا وسَمّى فَعَلَيْهِ ما سَمّى، ومَن نَذَرَ نَذْرًا ولَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ» “ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلظّالِمِينَ، وهو قِسْمانِ، أمّا ظُلْمُهُ نَفْسَهُ فَذاكَ حاصِلٌ في كُلِّ المَعاصِي، وأمّا ظُلْمُهُ غَيْرَهُ فَبِأنْ لا يُنْفِقَ أوْ يَصْرِفَ الإنْفاقَ عَنِ المُسْتَحِقِّ إلى غَيْرِهِ، أوْ يَكُونَ نِيَّتُهُ في الإنْفاقِ عَلى المُسْتَحِقِّ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ، أوْ يُفْسِدَها بِالمَعاصِي، وهَذانِ القِسْمانِ الأخِيرانِ لَيْسا مِن بابِ الظُّلْمِ عَلى الغَيْرِ، بَلْ مِن بابِ الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ عَنْ أهْلِ الكَبائِرِ، قالُوا: لِأنَّ ناصِرَ الإنْسانِ مَن يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْهُ، فَلَوِ انْدَفَعَتِ العُقُوبَةُ عَنْهم بِشَفاعَةِ الشُّفَعاءِ لَكانَ أُولَئِكَ أنْصارًا لَهم وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ العُرْفَ لا يُسَمِّي الشَّفِيعَ ناصِرًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٨] فَفَرَّقَ تَعالى بَيْنَ الشَّفِيعِ والنّاصِرِ فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأنْصارِ نَفْيُ الشُّفَعاءِ.
والجَوابُ الثّانِي: لَيْسَ لِمَجْمُوعِ الظّالِمِينَ أنْصارٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ لَيْسَ لِبَعْضِ الظّالِمِينَ أنْصارٌ ؟
فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ الظّالِمِينَ ولَفْظُ الأنْصارِ جَمْعٌ، والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ تَوَزَّعَ الفَرْدُ عَلى الفَرْدِ، فَكانَ المَعْنى: لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الظّالِمِينَ أحَدٌ مِنَ الأنْصارِ.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تُوجِبُ تَوَزُّعَ الفَرْدِ عَلى الفَرْدِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ فَقَطْ لا مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ.
والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا الدَّلِيلَ النّافِيَ لِلشَّفاعَةِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، وفي كُلِّ الأوْقاتِ، والدَّلِيلُ المُثْبِتُ لِلشَّفاعَةِ خاصٌّ في حَقِّ البَعْضِ وفي بَعْضِ الأوْقاتِ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
والجَوابُ الرّابِعُ: ما بَيَّنّا أنَّ اللَّفْظَ العامَّ لا يَكُونُ قاطِعًا في الِاسْتِغْراقِ، بَلْ ظاهِرًا عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ القَوِيِّ فَصارَ الدَّلِيلُ ظَنِّيًّا، والمَسْألَةُ لَيْسَتْ ظَنِّيَّةً، فَكانَ التَّمَسُّكُ بِها ساقِطًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ، كَأشْرافٍ وشَرِيفٍ، وأحْبابٍ وحَبِيبٍ.
البقرة 2:271
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ الإنْفاقَ مِنهُ ما يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، ومِنهُ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا أنَّ الإنْفاقَ قَدْ يَكُونُ مِن جَيِّدٍ ومِن رَدِيءٍ، وذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْفاقَ قَدْ يَكُونُ ظاهِرًا وقَدْ يَكُونُ خَفِيًّا، وذَكَرَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ، فَقالَ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: «سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَةُ السِّرِّ أفْضَلُ أمْ صَدَقَةُ العَلانِيَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الصَّدَقَةُ تُطْلَقُ عَلى الفَرْضِ والنَّفْلِ قالَ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٣] وقالَ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٠] وقالَ ﷺ: ”«نَفَقَةُ المَرْءِ عَلى عِيالِهِ صَدَقَةٌ» “ والزَّكاةُ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى الفَرْضِ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ الصَّدَقَةِ ”ص د ق“ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ مَوْضُوعٌ لِلصِّحَّةِ والكَمالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ صَدْقُ النَّظَرِ، وصَدْقُ اللِّقاءِ، وصَدَقُوهُمُ القِتالَ، وفُلانٌ صادِقُ المَوَدَّةِ، وهَذا خَلٌّ صادِقُ الحُمُوضَةِ، وشَيْءٌ صادِقُ الحَلاوَةِ، وصَدَقَ فُلانٌ في خَبَرِهِ إذا أخْبَرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو عَلَيْهِ صَحِيحًا كامِلًا، والصَّدِيقُ يُسَمّى صَدِيقًا لِصِدْقِهِ في المَوَدَّةِ، والصَّداقُ سُمِّيَ صَداقًا لِأنَّ عَقْدَ النِّكاحِ بِهِ يَتِمُّ ويَكْمُلُ، وسَمّى اللَّهَ تَعالى الزَّكاةَ صَدَقَةً لِأنَّ المالَ بِها يَصِحُّ ويَكْمُلُ، فَهي سَبَبٌ إمّا لِكَمالِ المالِ وبَقائِهِ، وإمّا لِأنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى صِدْقِ العَبْدِ في إيمانِهِ وكَمالِهِ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأصْلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَنِعِمّا﴾ نِعْمَ ما، إلّا أنَّهُ أُدْغِمَ أحَدُ المِيمَيْنِ في الآخَرِ، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجَهٍ مِنَ القِراءَةِ:
قَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”فَنِعْما“ بِكَسْرِ النُّونِ وإسْكانِ العَيْنِ وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ: لِأنَّها لُغَةُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قالَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ”«نِعْما بِالمالِ الصّالِحِ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ» “ هَكَذا رُوِيَ في الحَدِيثِ بِسُكُونِ العَيْنِ، والنَّحْوِيُّونَ قالُوا: هَذا يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ إلّا فِيما يَكُونُ الحَرْفُ الأوَّلُ مِنهُما حَرْفَ المَدِّ واللِّينِ، نَحْوَ: دابَّةٍ وشابَّةٍ؛ لِأنَّ ما في الحَرْفِ مِنَ المَدِّ يَصِيرُ عِوَضًا عَنِ الحَرَكَةِ، وأمّا الحَدِيثُ فَلِأنَّهُ لَمّا دَلَّ الحِسُّ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ السّاكِنَيْنِ عَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا تَكَلَّمَ بِهِ أوْقَعَ في العَيْنِ حَرَكَةً خَفِيفَةً عَلى سَبِيلِ الِاخْتِلاسِ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وعاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”فَنِعِمّا هي“ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ، وفي تَقْرِيرِهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا احْتاجُوا إلى تَحْرِيكِ العَيْنِ حَرَّكُوها مِثْلَ حَرَكَةِ ما قَبْلَها.
والثّانِي: أنَّ هَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ”نِعِمْ“ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ.
القِراءَةُ الثّالِثَةُ: وهي قِراءَةُ سائِرِ القُرّاءِ ”فَنَعِمّا هي“ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ، ومَن قَرَأ بِهَذِهِ القِراءَةِ، فَقَدْ أتى بِهَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى أصْلِها وهي ”نَعِمْ“ قالَ طَرَفَةُ:
صفحة ٦٤
نَعِمَ السّاعُونَ في الأمْرِ المُبِرِّ
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”ما“ في تَأْوِيلِ الشَّيْءِ، أيْ: نِعْمَ الشَّيْءُ هو، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الجَيِّدُ في تَمْثِيلِ هَذا أنْ يُقالَ: ”ما“ في تَأْوِيلِ شَيْءٍ؛ لِأنَّ ”ما“ هَهُنا نَكِرَةٌ، فَتَمْثِيلُهُ بِالنَّكِرَةِ أبْيَنُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ”ما“ نَكِرَةٌ هَهُنا أنَّها لَوْ كانَتْ مَعْرِفَةً فَلا بُدَّ لَها مِنَ الصِّلَةِ، ولَيْسَ هَهُنا ما يُوصَلُ بِهِ؛ لِأنَّ المَوْجُودَ بَعْدَ ”ما“ هو هي، وكَلِمَةُ ”هِيَ“ مُفْرَدَةٌ، والمُفْرَدُ لا يَكُونُ صِلَةً لِما؛ وإذا بَطَلَ هَذا القَوْلُ فَنَقُولُ: ”ما“ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، والتَّقْدِيرُ: نِعْمَ شَيْئًا هي إبْداءُ الصَّدَقاتِ، فَحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ بِالصَّدَقَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: التَّطَوُّعُ، أوِ الواجِبُ، أوْ مَجْمُوعُهُما.
فالقَوْلُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّ المُرادَ مِنهُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، قالُوا: لِأنَّ الإخْفاءَ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أفْضَلُ، والإظْهارَ في الزَّكاةِ أفْضَلُ، وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في أنَّ الأفْضَلَ في إعْطاءِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إخْفاؤُهُ أوْ إظْهارُهُ. فَلْنَذْكُرْ أوَّلًا الوُجُوهَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ إخْفاءَهُ أفْضَلُ:
فالأوَّلُ: أنَّها تَكُونُ أبْعَدَ عَنِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، قالَ ﷺ: ”«لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن مُسْمِعٍ ولا مُراءٍ ولا مَنّانٍ» “ والمُتَحَدِّثُ بِصَدَقَتِهِ لا شَكَّ أنَّهُ يَطْلُبُ السُّمْعَةَ، والمُعْطِي في مَلَأٍ مِنَ النّاسِ يَطْلُبُ الرِّياءَ، والإخْفاءُ والسُّكُوتُ هو المُخَلِّصُ مِنهُما، وقَدْ بالَغَ قَوْمٌ في قَصْدِ الإخْفاءِ، واجْتَهَدُوا أنْ لا يَعْرِفَهُمُ الآخِذُ، فَكانَ بَعْضُهم يُلْقِيهِ في يَدِ أعْمى، وبَعْضُهم يُلْقِيهِ في طَرِيقِ الفَقِيرِ، وفي مَوْضِعِ جُلُوسِهِ حَيْثُ يَراهُ ولا يَرى المُعْطِيَ، وبَعْضُهم كانَ يَشُدُّهُ في أثْوابِ الفَقِيرِ وهو نائِمٌ، وبَعْضُهم كانَ يُوصِلُ إلى يَدِ الفَقِيرِ عَلى يَدِ غَيْرِهِ، والمَقْصُودُ عَنِ الكُلِّ الِاحْتِرازُ عَنِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ والمِنَّةِ؛ لِأنَّ الفَقِيرَ إذا عَرَفَ المُعْطِيَ فَقَدْ حَصَلَ الرِّياءُ والمِنَّةَ مَعًا، ولَيْسَ في مَعْرِفَةِ المُتَوَسِّطِ الرِّياءُ.
وثانِيها: أنَّهُ إذا أخْفى صَدَقَتَهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بَيْنَ النّاسِ شُهْرَةٌ ومَدْحٌ وتَعْظِيمٌ، فَكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أكْثَرَ ثَوابًا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ المُقِلِّ إلى الفَقِيرِ في سِرٍّ» “ وقالَ أيْضًا: ”«إنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلًا في السِّرِّ يَكْتُبُهُ اللَّهُ لَهُ سِرًّا فَإنْ أظْهَرَهُ نُقِلَ مِنَ السِّرِّ وكُتِبَ في العَلانِيَةِ، فَإنْ تَحَدَّثَ بِهِ نُقِلَ مِنَ السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وكُتِبَ في الرِّياءِ» “ وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ: ”«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: أحَدُهم رَجُلٌ تَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ فَلَمْ تَعْلَمْ شِمالُهُ بِما أعْطاهُ يَمِينُهُ» “ وقالَ ﷺ: ”«صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» “ .
ورابِعُها: أنَّ الإظْهارَ يُوجِبُ إلْحاقَ الضَّرَرِ بِالآخِذِ مِن وُجُوهٍ، والإخْفاءَ لا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإخْفاءُ أوْلى، وبَيانُ تِلْكَ المَضارِّ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ في الإظْهارِ هَتْكَ عِرْضِ الفَقِيرِ وإظْهارَ فَقْرِهِ، ورُبَّما لا يَرْضى الفَقِيرُ بِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ في الإظْهارِ إخْراجَ الفَقِيرِ مِن هَيْئَةِ التَّعَفُّفِ وعَدَمِ السُّؤالِ، واللَّهُ تَعالى مَدَحَ ذَلِكَ في الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٣] .
والثّالِثُ: أنَّ النّاسَ رُبَّما أنْكَرُوا عَلى الفَقِيرِ أخْذَ تِلْكَ الصَّدَقَةِ، ويَظُنُّونَ أنَّهُ أخَذَها مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْها، فَيَقَعُ الفَقِيرُ في المَذَمَّةِ والنّاسُ في الغَيْبَةِ.
والرّابِعُ: أنَّ في إظْهارِ الإعْطاءِ إذْلالًا لِلْآخِذِ وإهانَةً لَهُ، وإزْلالُ المُؤْمِنِ غَيْرُ جائِزٍ.
والخامِسُ: أنَّ الصَّدَقَةَ جارِيَةٌ مَجْرى الهَدِيَّةِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أُهْدِيَ إلَيْهِ هَدِيَّةٌ وعِنْدَهُ قَوْمٌ فَهم شُرَكاؤُهُ فِيها» “ ورُبَّما لا يَدْفَعُ الفَقِيرُ مِن تِلْكَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا إلى
صفحة ٦٥
شُرَكائِهِ الحاضِرِينَ فَيَقَعُ الفَقِيرُ بِسَبَبِ إظْهارِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ في فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ إخْفاءَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أوْلى.
وأمّا الوَجْهُ في جَوازِ إظْهارِ الصَّدَقَةِ، فَهو أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّهُ إذا أظْهَرَها صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاقْتِداءِ الخَلْقِ بِهِ في إعْطاءِ الصَّدَقاتِ، فَيَنْتَفِعُ الفُقَراءُ بِها فَلا يَمْتَنِعُ والحالُ هَذِهِ أنْ يَكُونَ الإظْهارُ أفْضَلَ، ورَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ ”«السِّرُّ أفْضَلُ مِنَ العَلانِيَةِ، والعَلانِيَةُ أفْضَلُ لِمَن أرادَ الِاقْتِداءَ بِهِ» “ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الحِكِيمُ التَّرْمِذِيُّ: الإنْسانُ إذا أتى بِعَمَلٍ وهو يُخْفِيهِ عَنِ الخَلْقِ وفي نَفْسِهِ شَهْوَةٌ أنْ يَرى الخَلْقُ مِنهُ ذَلِكَ وهو يَدْفَعُ تِلْكَ الشَّهْوَةَ فَهَهُنا الشَّيْطانُ يُورِدُ عَلَيْهِ ذِكْرَ رُؤْيَةِ الخَلْقِ، والقَلْبُ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَدْفَعُهُ، فَهَذا الإنْسانُ في مُحارَبَةِ الشَّيْطانِ فَضُوعِفَ العَمَلُ سَبْعِينَ ضِعْفًا عَلى العَلانِيَةِ، ثُمَّ إنَّ لِلَّهِ عِبادًا راضُوا أنْفُسَهم حَتّى مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ هِدايَتِهِ فَتَراكَمَتْ عَلى قُلُوبِهِمْ أنْوارُ المَعْرِفَةِ، وذَهَبَتْ عَنْهم وساوِسُ النَّفْسِ، لِأنَّ الشَّهَواتِ قَدْ ماتَتْ مِنهم ووَقَعَتْ قُلُوبُهم في بِحارِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ فَإذا عَمِلَ عَمَلًا عَلانِيَةً لَمْ يَحْتَجْ أنْ يُجاهِدَ، لِأنَّ شَهْوَةَ النَّفْسِ قَدْ بَطَلَتْ، ومُنازَعَةَ النَّفْسِ قَدِ اضْمَحَلَّتْ، فَإذا أعْلَنَ بِهِ فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ فَهَذا عَبْدٌ كَمُلَتْ ذاتُهُ فَسَعى في تَكْمِيلِ غَيْرِهِ لِيَكُونَ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى أثْنى عَلى قَوْمٍ في تَنْزِيلِهِ وسَمّاهم عِبادَ الرَّحْمَنِ، وأوْجَبَ لَهم أعْلى الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ [الفُرْقانِ: ٧٥] ثُمَّ ذَكَرَ مِنَ الخِصالِ الَّتِي طَلَبُوها بِالدُّعاءِ أنْ قالُوا ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٤] ومَدَحَ أُمَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٩] ومَدَحَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٠] ثُمَّ أبْهَمَ المُنْكَرَ فَقالَ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨١] فَهَؤُلاءِ أئِمَّةُ الهُدى وأعْلامُ الدِّينِ وسادَةُ الخَلْقِ بِهِمْ يَهْتَدُونَ في الذَّهابِ إلى اللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ فَلِمَ رَجَّحَ الإخْفاءَ عَلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يُفِيدُ التَّرْجِيحَ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ إعْطاءَ الصَّدَقَةِ حالَ الإخْفاءِ خَيْرٌ مِنَ الخَيْراتِ، وطاعَةٌ مِن جُمْلَةِ الطّاعاتِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنهُ بَيانَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ خَيْرًا وطاعَةً، لا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ التَّرْجِيحِ.
والوَجْهُ الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّرْجِيحُ، لَكِنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ إذا كانَتِ الحالُ واحِدَةً في الإبْداءِ والإخْفاءِ، فالأفْضَلُ هو الإخْفاءُ، فَأمّا إذا حَصَلَ في الإبْداءِ أمْرٌ آخَرُ لَمْ يَبْعُدْ تَرْجِيحُ الإبْداءِ عَلى الإخْفاءِ.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ الإظْهارَ في إعْطاءِ الزَّكاةِ الواجِبَةِ أفْضَلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ الأئِمَّةَ بِتَوْجِيهِ السُّعاةِ لِطَلَبِ الزَّكاةِ، وفي دَفْعِها إلى السُّعاةِ إظْهارُها.
وثانِيها: أنَّ في إظْهارِها نَفْيَ التُّهْمَةِ، «رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ أكْثَرَ صَلاتِهِ في البَيْتِ إلّا المَكْتُوبَةَ» فَإذا اخْتَلَفَ حُكْمُ فَرْضِ الصَّلاةِ ونَفْلِها في الإظْهارِ والإخْفاءِ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ، فَكَذا في الزَّكاةِ.
وثالِثُها: أنَّ إظْهارَها يَتَضَمَّنُ المُسارَعَةَ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى وتَكْلِيفِهِ، وإخْفاءَها يُوهِمُ تَرْكَ الِالتِفاتِ إلى أداءِ الواجِبِ فَكانَ الإظْهارُ أوْلى، هَذا كُلُّهُ في بَيانِ قَوْلِ مَن قالَ المُرادُ
صفحة ٦٦
بِالصَّدَقاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَقَطْ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّ اللَّفْظَ مُتَناوِلٌ لِلْواجِبِ والمَندُوبِ، وأجابَ عَنْ قَوْلِ مَن قالَ: الإظْهارُ في الواجِبِ أوْلى مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ إظْهارَ زَكاةِ الأمْوالِ تُوجِبُ إظْهارَ قَدْرِ المالِ، ورُبَّما كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلضَّرَرِ، بِأنْ يُطْمِعَ الظَّلَمَةَ في مالِهِ، أوْ بِكَثْرَةِ حُسّادِهِ، وإذا كانَ الأفْضَلُ لَهُ إخْفاءَ مالِهِ لَزِمَ مِنهُ لا مَحالَةَ أنْ يَكُونَ إخْفاءُ الزَّكاةِ أوْلى.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في أيّامِ الرَّسُولِ ﷺ، والصَّحابَةُ ما كانُوا مُتَّهَمِينَ في تَرْكِ الزَّكاةِ فَلا جَرَمَ كانَ إخْفاءُ الزَّكاةِ أوْلى لَهم؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، أمّا الآنَ فَلَمّا حَصَلَتِ التُّهْمَةُ كانَ الإظْهارُ أوْلى بِسَبَبِ حُصُولِ التُّهْمَةِ.
الثّالِثُ: أنّا لا نُسَلِّمُ دَلالَةَ قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ﴾ عَلى التَّرْجِيحِ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فالإخْفاءُ نَقِيضُ الإظْهارِ وقَوْلُهُ: (فَهو) كِنايَةٌ عَنِ الإخْفاءِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الإخْفاءُ خَيْرٌ لَكم، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ في نَفْسِهِ خَيْرٌ مِنَ الخَيْراتِ، كَما يُقالُ: الثَّرِيدُ خَيْرٌ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّرْجِيحُ، وإنَّما شَرَطَ تَعالى في كَوْنِ الإخْفاءِ أفْضَلَ أنْ تُؤْتُوها الفُقَراءَ؛ لِأنَّ عِنْدَ الإخْفاءِ الأقْرَبَ أنْ يَعْدِلَ بِالزَّكاةِ عَنِ الفُقَراءِ، إلى الأحْبابِ والأصْدِقاءِ الَّذِينَ لا يَكُونُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِلزَّكاةِ، ولِذَلِكَ شَرَطَ في الإخْفاءِ أنْ يَحْصُلَ مَعَهُ إيتاءُ الفُقَراءِ، والمَقْصُودُ بَعْثُ المُتَصَدِّقِ عَلى أنْ يَتَحَرّى مَوْضِعَ الصَّدَقَةِ، فَيَصِيرُ عالِمًا بِالفُقَراءِ، فَيُمَيِّزُهم عَنْ غَيْرِهِمْ، فَإذا تَقَدَّمَ مِنهُ هَذا الِاسْتِظْهارُ ثُمَّ أخْفاها حَصَلَتِ الفَضِيلَةُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّكْفِيرُ في اللُّغَةِ التَّغْطِيَةُ والسَّتْرُ، ورَجُلٌ مُكَفَّرٌ في السِّلاحِ مُغَطًّى فِيهِ، ومِنهُ يُقالُ: كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، أيْ سَتَرَ ذَنْبَ الحِنْثِ بِما بَذَلَ مِنَ الصَّدَقَةِ، والكَفّارَةُ سِتارَةٌ لِما حَصَلَ مِنَ الذَّنْبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”نُكَفِّرُ“ بِالنُّونِ ورَفْعِ الرّاءِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ما بَعْدَ الفاءِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ونَحْنُ نُكَفِّرُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ جُمْلَةٌ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ مُبْتَدَأٍ بِمُسْتَأْنِفَةٍ مُنْقَطِعَةٍ عَمّا قَبْلَها.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ قِراءَةُ حَمْزَةَ ونافِعٍ والكِسائِيِّ بِالنُّونِ والجَزْمِ، ووَجْهُهُ أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَإنَّ مَوْضِعَهُ جَزْمٌ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: وإنْ تُخْفُوها تَكُنْ أعْظَمَ لِثَوابِكم، لَجَزَمَ فَيَظْهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، ومِثْلُهُ في الحَمْلِ عَلى مَوْضِعِ الجَزْمِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرْهم) [الأعْرافِ: ١٨٦] بِالجَزْمِ.
والقِراءَةُ الثّالِثَةُ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ ”يُكَفِّرُ“ بِالياءِ وكَسْرِ الفاءِ ورَفْعِ الرّاءِ، والمَعْنى: يُكَفِّرُ اللَّهُ أوْ يُكَفِّرُ الإخْفاءُ، وحُجَّتُهم أنَّ ما بَعْدَهُ عَلى لَفْظِ الإفْرادِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فَقَوْلُهُ (يُكَفِّرُ) يَكُونُ أشْبَهَ بِما بَعْدَهُ، والأوَّلُونَ أجابُوا وقالُوا: لا بَأْسَ بِأنْ يَذْكُرَ لَفْظَ الجَمْعِ أوَّلًا ثُمَّ لَفْظَ الإفْرادِ ثانِيًا كَما أتى بِلَفْظِ الإفْرادِ أوَّلًا والجَمْعِ ثانِيًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسْراءِ: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسْراءِ: ٢] .
ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قِراءَةً رابِعَةً ”وتُكَفِّرْ“ بِالتّاءِ مَرْفُوعًا ومَجْزُومًا والفاعِلُ الصَّدَقاتُ.
وقِراءَةً خامِسَةً وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بِالتّاءِ والنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“ ومَعْناها: إنْ تُخْفُوها يَكُنْ خَيْرًا لَكم، وأنْ نُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم فَهو خَيْرٌ لَكم.
صفحة ٦٧
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في دُخُولِ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ: ونُكَفِّرُ عَنْكم بَعْضَ سَيِّئاتِكم لِأنَّ السَّيِّئاتِ كُلَّها لا تُكَفَّرُ بِذَلِكَ، وإنَّما يُكَفَّرُ بَعْضُها ثُمَّ أبْهَمَ الكَلامَ في ذَلِكَ البَعْضِ لِأنَّ بَيانَهُ كالإغْواءِ بِارْتِكابِها إذا عَلِمَ أنَّها مُكَفَّرَةٌ، بَلِ الواجِبُ أنْ يَكُونَ العَبْدُ في كُلِّ أحْوالِهِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإبْهامِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ”مِن“ بِمَعْنى مِن أجْلِ، والمَعْنى: ونُكَفِّرُ عَنْكم مِن أجْلِ ذُنُوبِكم، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُكَ مِن سُوءِ خُلُقِكَ أيْ مِن أجْلِ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ ﴿فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٦] والتَّقْدِيرُ: ونُكَفِّرُ عَنْكم جَمِيعَ سَيِّئاتِكم. والأوَّلُ أوْلى وهو الأصَحُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وهو إشارَةٌ إلى تَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِالسِّرِّ والعَلانِيَةِ وأنْتُمْ إنَّما تُرِيدُونَ بِالصَّدَقَةِ طَلَبَ مَرْضاتِهِ، فَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُكم في السِّرِّ، فَما مَعْنى الإبْداءِ ! فَكَأنَّهم نُدِبُوا بِهَذا الكَلامِ إلى الإخْفاءِ لِيَكُونَ أبْعَدَ مِنَ الرِّياءِ.
البقرة 2:272
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾
هَذا هو الحُكْمُ الرّابِعُ مِن أحْكامِ الإنْفاقِ، وهو بَيانُ أنَّ الَّذِي يَجُوزُ الإنْفاقُ عَلَيْهِ مَن هو. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ «جاءَتْ نُتَيْلَةُ أُمُّ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ إلَيْها تَسْألُها، وكَذَلِكَ جَدَّتُها وهُما مُشْرِكَتانِ، أتَيا أسْماءَ يَسْألانِها شَيْئًا فَقالَتْ لا أُعْطِيكُما حَتّى أسْتَأْمِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنَّكُما لَسْتُما عَلى دِينِي، فاسْتَأْمَرَتْهُ في ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تَتَصَدَّقَ عَلَيْهِما» .
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: كانَ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ لَهم قَرابَةٌ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وكانُوا لا يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِمْ، ويَقُولُونَ ما لَمْ تُسْلِمُوا لا نُعْطِيكم شَيْئًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ ﷺ كانَ لا يَتَصَدَّقُ عَلى المُشْرِكِينَ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ والمَعْنى عَلى جَمِيعِ الرِّواياتِ: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدى مَن خالَفَكَ حَتّى تَمْنَعَهُمُ الصَّدَقَةَ لِأجْلِ أنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهِمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا تُوقِفْ ذَلِكَ عَلى إسْلامِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ﴾ [المُمْتَحَنَةِ: ٨] فَرَخَّصَ في صِلَةِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
صفحة ٦٨
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ ﷺ كانَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكَهْفِ: ٦] ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٣] وقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩٩] وقالَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] فَأعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَعَثَهُ بَشِيرًا ونَذِيرًا، وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا ومُبَيِّنًا لِلدَّلائِلِ، فَأمّا كَوْنُهم مُهْتَدِينَ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنكَ ولا بِكَ، فالهُدى هَهُنا بِمَعْنى الِاهْتِداءِ، فَسَواءٌ اهْتَدَوْا أوْ لَمْ يَهْتَدُوا فَلا تَقْطَعْ مَعُونَتَكَ وبِرَّكَ وصَدَقَتَكَ عَنْهم، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تُلْجِئَهم إلى الِاهْتِداءِ بِواسِطَةِ أنْ تُوقِفَ صَدَقَتَكَ عَنْهم عَلى إيمانِهِمْ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الإيمانِ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، بَلِ الإيمانُ المَطْلُوبُ مِنهُمُ الإيمانُ عَلى سَبِيلِ التَّطَوُّعِ والِاخْتِيارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ولَكِنَّ المُرادَ بِهِ هو وأُمَّتُهُ، ألا تَراهُ قالَ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧١] وهَذا خِطابٌ عامٌّ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ وهو في الظّاهِرِ خاصٌّ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكُمْ﴾ وهَذا عامٌّ فَيُفْهَمُ مِن عُمُومِ ما قَبْلَ الآيَةِ، وعُمُومُ ما بَعْدَها عُمُومُها أيْضًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الأصْحابُ عَلى أنَّ هِدايَةَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ عامَّةٍ، بَلْ هي مَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إثْباتٌ لِلْهِدايَةِ الَّتِي نَفاها بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ لَكِنَّ المَنفِيَّ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ هو حُصُولُ الِاهْتِداءِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ عِبارَةً عَنْ حُصُولِ الِاهْتِداءِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاهْتِداءُ الحاصِلُ بِالِاخْتِيارِ واقِعًا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ يَهْدِي بِالإثابَةِ والمُجازاةِ مَن يَشاءُ مِمَّنِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ.
وثانِيها: يَهْدِي بِالألْطافِ وزِياداتِ الهُدى مَن يَشاءُ.
وثالِثُها: ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِالإكْراهِ مَن يَشاءُ عَلى مَعْنى أنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ.
ورابِعُها: أنَّهُ يَهْدِي بِالِاسْمِ والحُكْمِ مَن يَشاءُ، فَمَنِ اهْتَدى اسْتَحَقَّ أنْ يُمْدَحَ بِذَلِكَ.
أجابَ الأصْحابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ بِأسْرِها أنَّ المُثْبَتَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هو المَنفِيُّ أوَّلًا بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ لَكِنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المَنفِيِّ بِقَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ هو الِاهْتِداءُ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، فالمُثْبَتُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو الِاهْتِداءَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُسْقِطُ كُلَّ الوُجُوهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكُمْ﴾ فالمَعْنى: وكُلُّ نَفَقَةٍ تُنْفِقُونَها مِن نَفَقاتِ الخَيْرِ فَإنَّما هو لِأنْفُسِكم أيْ لِيَحْصُلَ لِأنْفُسِكم ثَوابُهُ فَلَيْسَ يَضُرُّكم كُفْرُهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَسْتُمْ في صَدَقَتِكم عَلى أقارِبِكم مِنَ المُشْرِكِينَ تَقْصِدُونَ إلّا وجْهَ اللَّهِ، فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِن قُلُوبِكم، فَأنْفِقُوا عَلَيْهِمْ إذا كُنْتُمْ إنَّما تَبْتَغُونَ بِذَلِكَ
صفحة ٦٩
وجْهَ اللَّهِ في صِلَةِ رَحِمٍ وسَدِّ خَلَّةِ مُضْطَرٍّ؛ ولَيْسَ عَلَيْكُمُ اهْتِداؤُهم حَتّى يَمْنَعَكم ذَلِكَ مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: أنَّ هَذا وإنْ كانَ ظاهِرُهُ خَبَرًا إلّا أنَّ مَعْناهُ نَهْيٌ، أيْ ولا تُنْفِقُوا إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، ووَرَدَ الخَبَرُ بِمَعْنى الأمْرِ والنَّهْيِ كَثِيرًا، قالَ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٣] ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٨].
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تُنْفِقُونَ﴾ أيْ ولا تَكُونُوا مُنْفِقِينَ مُسْتَحِقِّينَ لِهَذا الِاسْمِ الَّذِي يُفِيدُ المَدْحَ حَتّى تَبْتَغُوا بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذُكِرَ في الوَجْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّكَ إذا قُلْتَ: فَعَلْتُهُ لِوَجْهِ زَيْدٍ فَهو أشْرَفُ في الذِّكْرِ مِن قَوْلِكَ: فَعَلْتُهُ لَهُ؛ لِأنَّ وجْهَ الشَّيْءِ أشْرَفُ ما فِيهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ يُعَبَّرُ عَنِ الشَّرَفِ بِهَذا اللَّفْظِ. والثّانِي: أنَّكَ إذا قُلْتَ: فَعَلْتُ هَذا الفِعْلَ لَهُ فَهَهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: فَعَلْتَهُ لَهُ ولِغَيْرِهِ أيْضًا، أمّا إذا قُلْتَ فَعَلْتُ هَذا الفِعْلَ لِوَجْهِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّكَ فَعَلْتَ الفِعْلَ لَهُ فَقَطْ ولَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيهِ شَرِكَةٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ إلى غَيْرِ المُسْلِمِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وجَوَّزَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَرْفَ صَدَقَةِ الفِطْرِ إلى أهْلِ الذِّمَّةِ، وأباهُ غَيْرُهُ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ كانَ شَرَّ خَلْقِ اللَّهِ لَكانَ لَكَ ثَوابُ نَفَقَتِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ أيْ يُوَفَّ إلَيْكم جَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، وإنَّما حَسُنَ قَوْلُهُ: (إلَيْكم) مَعَ التَّوْفِيَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ مَعْنى التَّأْدِيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا تُنْقَصُونَ مِن ثَوابِ أعْمالِكم شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٣] يُرِيدُ لَمْ تَنْقُصْ.
البقرة 2:273
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ الصَّدَقَةِ إلى أيِّ فَقِيرٍ كانَ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي يَكُونُ أشَدَّ النّاسِ اسْتِحْقاقًا بِصَرْفِ الصَّدَقَةِ إلَيْهِ مَن هو ؟ فَقالَ: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَمّا تَقَدَّمَتِ الآياتُ الكَثِيرَةُ في الحَثِّ عَلى الإنْفاقِ، قالَ بَعْدَها ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ أيْ ذَلِكَ الإنْفاقُ المَحْثُوثُ عَلَيْهِ لِلْفُقَراءِ، وهَذا كَما إذا تَقَدَّمَ
صفحة ٧٠
ذِكْرُ رَجُلٍ فَتَقُولُ: عاقِلٌ لَبِيبٌ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الَّذِي مَرَّ وصْفُهُ عاقِلٌ لَبِيبٌ، وكَذَلِكَ النّاسُ يَكْتُبُونَ عَلى الكِيسِ الَّذِي يَجْعَلُونَ فِيهِ الذَّهَبَ والدَّراهِمَ: ألْفانِ ومِائَتانِ أيْ ذَلِكَ الَّذِي في الكِيسِ ألْفانِ ومِائَتانِ هَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ.
الثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ اعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ واجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَ لِلْفُقَراءِ.
الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: وصَدَقاتُكم لِلْفُقَراءِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَزَلَتْ في فُقَراءِ المُهاجِرِينَ، وكانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةٍ، وهم أصْحابُ الصُّفَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهم مَسْكَنٌ ولا عَشائِرُ بِالمَدِينَةِ، وكانُوا مُلازِمِينَ المَسْجِدَ، ويَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ، ويَصُومُونَ ويَخْرُجُونَ في كُلِّ غَزْوَةٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «وقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا عَلى أصْحابِ الصُّفَّةِ فَرَأى فَقْرَهم وجَدَّهم فَطَيَّبَ قُلُوبَهم، فَقالَ: ”أبْشِرُوا يا أصْحابَ الصُّفَّةِ فَمَن لَقِيَنِي مِن أُمَّتِي عَلى النَّعْتِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ راضِيًا بِما فِيهِ فَإنَّهُ مِن رِفاقِي» “ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ بِصِفاتٍ خَمْسٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٣] فَنَقُولُ: الإحْصارُ في اللُّغَةِ أنْ يَعْرِضَ لِلرَّجُلِ ما يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ سَفَرِهِ، مِن مَرَضٍ أوْ كِبَرٍ أوْ عَدُوٍّ أوْ ذَهابِ نَفَقَةٍ، أوْ ما يَجْرِي مَجْرى هَذِهِ الأشْياءِ، يُقالُ: أُحْصِرَ الرَّجُلُ فَهو مُحْصَرٌ، ومَضى الكَلامُ في مَعْنى الإحْصارِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البَقَرَةِ:١٩٦] بِما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، أمّا التَّفْسِيرُ فَقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِجَمِيعِ الأعْدادِ المُمْكِنَةِ في مَعْنى الإحْصارِ، فالأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: أنَّهم حَصَرُوا أنْفُسَهم ووَقَفُوها عَلى الجِهادِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُخْتَصٌّ بِالجِهادِ في عُرْفِ القُرْآنِ، ولِأنَّ الجِهادَ كانَ واجِبًا في ذَلِكَ الزَّمانِ، وكانَ تَشْتَدُّ الحاجَةُ إلى مَن يَحْبِسُ نَفْسَهُ لِلْمُجاهَدَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، فَيَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِذَلِكَ، مَتى مَسَّتِ الحاجَةُ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَؤُلاءِ الفُقَراءِ أنَّهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ومَن هَذا حالُهُ يَكُونُ وضْعُ الصَّدَقَةِ فِيهِمْ يُفِيدُ وُجُوهًا مِنَ الخَيْرِ، أحَدُها: إزالَةُ عَيْلَتِهِمْ. والثّانِي: تَقْوِيَةُ قَلْبِهِمْ لِما انْتَصَبُوا إلَيْهِ. وثالِثُها: تَقْوِيَةُ الإسْلامِ بِتَقْوِيَةِ المُجاهِدِينَ. ورابِعُها: أنَّهم كانُوا مُحْتاجِينَ جِدًّا مَعَ أنَّهم كانُوا لا يُظْهِرُونَ حاجَتَهم، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ: مَنَعُوا أنْفُسَهم مِنَ التَّصَرُّفاتِ في التِّجارَةِ لِلْمَعاشِ خَوْفَ العَدُوِّ مِنَ الكُفّارِ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا مُجْتَمِعِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ، وكانُوا مَتى وجَدُوهم قَتَلُوهم.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ واخْتِيارُ الكِسائِيِّ: أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ أصابَتْهم جِراحاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وصارُوا زَمْنى، فَأحْصَرَهُمُ المَرَضُ والزَّمانَةُ عَنِ الضَّرْبِ في الأرْضِ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ مِنَ المُهاجِرِينَ حَبَسَهُمُ الفَقْرُ عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَعَذَرَهُمُ اللَّهُ.
والقَوْلُ الخامِسُ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ كانُوا مُشْتَغِلِينَ بِذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ، وكانَتْ شِدَّةُ اسْتِغْراقِهِمْ في تِلْكَ الطّاعَةِ أحْصَرَتْهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِسائِرِ المُهِمّاتِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِهَؤُلاءِ الفُقَراءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ يُقالُ ضَرَبْتُ في الأرْضِ ضَرْبًا إذا سِرْتَ فِيها، ثُمَّ عَدَمُ الِاسْتِطاعَةِ إمّا أنْ يَكُونَ لِأنَّ اشْتِغالَهم بِصَلاحِ الدِّينِ وبِأمْرِ الجِهادِ، يَمْنَعُهم مِنَ
صفحة ٧١
الِاشْتِغالِ بِالكَسْبِ والتِّجارَةِ، وإمّا لِأنَّ خَوْفَهم مِنَ الأعْداءِ يَمْنَعُهم مِنَ السَّفَرِ، وإمّا لِأنَّ مَرَضَهم وعَجْزَهم يَمْنَعُهم مِنهُ، وعَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَلا شَكَّ في شِدَّةِ احْتِياجِهِمْ إلى مَن يَكُونُ مُعِينًا لَهم عَلى مُهِمّاتِهِمْ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ لَهم: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ”يَحْسَبُهم“ بِفَتْحِ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها وهُما اللَّتانِ بِمَعْنى واحِدٍ، وقُرِئَ في القُرْآنِ ما كانَ مِنَ الحُسْبانِ بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا الفَتْحِ والكَسْرِ، والفَتْحُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ أقْيَسُ، لِأنَّ الماضِيَ إذا كانَ عَلى فَعِلَ، نَحْوُ حَسِبَ كانَ المُضارِعُ عَلى يَفْعَلُ، مِثْلُ فَرِقَ يَفْرَقُ وشَرِبَ يَشْرَبُ، وشَذَّ حَسِبَ يَحْسِبُ فَجاءَ عَلى يَفْعِلُ مَعَ كَلِماتٍ أُخَرَ، والكَسْرُ حَسَنٌ لِمَجِيءِ السَّمْعِ بِهِ وإنْ كانَ شاذًّا عَنِ القِياسِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحُسْبانُ هو الظَّنُّ، وقَوْلُهُ: ﴿الجاهِلُ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ الجَهْلَ الَّذِي هو ضِدُّ العَقْلِ، وإنَّما أرادَ الجَهْلَ الَّذِي هو ضِدُّ الِاخْتِبارِ، يَقُولُ: يَحْسَبُهم مَن لَمْ يَخْتَبِرْ أمْرَهم أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وهو تَفَعُّلٌ مِنَ العِفَّةِ ومَعْنى العِفَّةِ في اللُّغَةِ تَرْكُ الشَّيْءِ والكَفُّ عَنْهُ وأرادَ مِنَ التَّعَفُّفِ عَنِ السُّؤالِ فَتَرَكَهُ لِلْعِلْمِ، وإنَّما يَحْسَبُهم أغْنِياءَ لِإظْهارِهِمُ التَّجَمُّلَ وتَرْكِهِمُ المَسْألَةَ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ لِهَؤُلاءِ الفُقَراءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ السِّيما والسِّيمِيا العَلامَةُ الَّتِي يُعْرَفُ بِها الشَّيْءُ، وأصْلُها مِنَ السِّمَةِ الَّتِي هي العَلامَةُ، قُلِبَتِ الواوُ إلى مَوْضِعِ العَيْنِ، قالَ الواحِدِيُّ: وزْنُهُ يَكُونُ عِفْلًا، كَما قالُوا: لَهُ جاهٌ عِنْدَ النّاسِ أيْ وجْهٌ، وقالَ قَوْمٌ: السِّيما الِارْتِفاعُ لِأنَّها عَلامَةٌ وُضِعَتْ لِلظُّهُورِ، قالَ مُجاهِدٌ ”سِيماهم“ التَّخَشُّعُ والتَّواضُعُ، قالَ الرَّبِيعُ والسُّدِّيُّ: أثَرُ الجَهْدِ مِنَ الفَقْرِ والحاجَةِ وقالَ الضَّحّاكُ: صُفْرَةُ ألْوانِهِمْ مِنَ الجُوعِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رَثاثَةُ ثِيابِهِمْ والجُوعُ خَفِيٌ. وعِنْدِي أنَّ كُلَّ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ عَلاماتٌ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ الفَقْرِ وذَلِكَ يُناقِضُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ بَلِ المُرادُ شَيْءٌ آخَرُ هو أنَّ لِعِبادِ اللَّهِ المُخْلِصِينَ هَيْبَةً ووَقْعًا في قُلُوبِ الخَلْقِ، كُلُّ مَن رَآهم تَأثَّرَ مِنهم وتَواضَعَ لَهم وذَلِكَ إدْراكاتٌ رُوحانِيَّةٌ، لا عِلّاتٌ جُسْمانِيَّةٌ، ألا تَرى أنَّ الأسَدَ إذا مَرَّ هابَتْهُ سائِرُ السِّباعِ بِطِباعِها لا بِالتَّجْرِبَةِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ تِلْكَ التَّجْرِبَةَ ما وقَعَتْ، والبازِيُّ إذا طارَ تَهْرُبُ مِنهُ الطُّيُورُ الضَّعِيفَةُ، وكُلُّ ذَلِكَ إدْراكاتٌ رُوحانِيَّةٌ لا جُسْمانِيَّةٌ، فَكَذا هَهُنا، ومِن هَذا البابِ آثارُ الخُشُوعِ في الصَّلاةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] وأيْضًا ظُهُورُ آثارِ الفِكْرِ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُومُونَ اللَّيْلَ لِلتَّهَجُّدِ ويَحْتَطِبُونَ بِالنَّهارِ لِلتَّعَفُّفِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ لِهَؤُلاءِ الفُقَراءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العَفِيفَ المُتَعَفِّفَ، ويُبْغِضُ الفاحِشَ البَذِيءَ السّائِلَ المُلْحِفَ الَّذِي إنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا أفْرَطَ في المَدْحِ، وإنْ أُعْطِيَ قَلِيلًا أفْرَطَ في الذَّمِّ، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«لا يَفْتَحُ أحَدٌ بابَ مَسْألَةٍ إلّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بابَ فَقْرٍ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ تَعالى، لَأنْ يَأْخُذَ أحَدُكم حَبْلًا يَحْتَطِبُ فَيَبِيعُهُ بِمُدٍّ مِن تَمْرٍ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَسْألَ النّاسَ» “ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْكِلَةٌ، وذَكَرُوا في تَأْوِيلِها وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ الإلْحافَ هو الإلْحاحُ والمَعْنى أنَّهم سَألُوا بِتَلَطُّفٍ ولَمْ يُلِحُّوا، وهو اخْتِيارُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِالتَّعَفُّفِ عَنِ
صفحة ٧٢
السُّؤالِ قَبْلَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ وذَلِكَ يُنافِي صُدُورَ السُّؤالِ عَنْهم.
والثّانِي: وهو الَّذِي خَطَرَ بِبالِي عِنْدَ كِتابَةِ هَذا المَوْضُوعِ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ وصْفَهم بِأنَّهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم قَبْلَ ذَلِكَ بِأنَّهم يَتَعَفَّفُونَ عَنِ السُّؤالِ، وإذا عُلِمَ أنَّهم لا يَسْألُونَ البَتَّةَ فَقَدْ عُلِمَ أيْضًا أنَّهم لا يَسْألُونَ إلْحافًا، بَلِ المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى سُوءِ طَرِيقَةِ مَن يَسْألُ النّاسَ إلْحافًا، ومِثالُهُ إذا حَضَرَ عِنْدَكَ رَجُلانِ أحَدَهُما عاقِلٌ وقُورٌ ثابِتٌ، والآخَرُ طَيّاشٌ مِهْذارٌ سَفِيهٌ، فَإذا أرَدْتَ أنْ تَمْدَحَ أحَدَهُما وتُعَرِّضَ بِذَمِّ الآخَرِ قُلْتَ فُلانٌ رَجُلٌ عاقِلٌ وقُورٌ قَلِيلُ الكَلامِ، لا يَخُوضُ في التُّرَّهاتِ، ولا يَشْرَعُ في السَّفاهاتِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُكَ مِن قَوْلِكَ لا يَخُوضُ في التُّرَّهاتِ والسَّفاهاتِ وصْفَهُ بِذَلِكَ، لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ الحَسَنَةِ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، بَلْ غَرَضُكَ التَّنْبِيهُ عَلى مَذَمَّةِ الثّانِي وكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ الغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى مَن يَسْألُ النّاسَ إلْحافًا وبَيانُ مُبايَنَةِ أحَدِ الجِنْسَيْنِ عَنِ الآخَرِ في اسْتِيجابِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ السّائِلَ المُلْحِفَ المُلِحَّ هو الَّذِي يَسْتَخْرِجُ المالَ بِكَثْرَةِ تَلَطُّفِهِ، فَقَوْلُهُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ بِالرِّفْقِ والتَّلَطُّفِ، وإذا لَمْ يُوجَدِ السُّؤالُ عَلى هَذا الوَجْهِ فَبِأنْ لا يُوجَدَ عَلى وجْهِ العُنْفِ أوْلى فَإذا امْتَنَعَ القِسْمانِ فَقَدِ امْتَنَعَ حُصُولُ السُّؤالِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ كالمُوجِبِ لِعَدَمِ صُدُورِ السُّؤالِ مِنهم أصْلًا.
والوَجْهُ الرّابِعُ: هو الَّذِي خَطَرَ بِبالِي أيْضًا في هَذا الوَقْتِ، وهو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ شِدَّةَ حاجَةِ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ، ومَنِ اشْتَدَّتْ حاجَتُهُ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ تَرْكُ السُّؤالِ إلّا بِإلْحاحٍ شَدِيدٍ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ، فَكانُوا لا يَسْألُونَ النّاسَ وإنَّما أمْكَنَهم تَرْكُ السُّؤالِ عِنْدَما ألَحُّوا عَلى النَّفْسِ ومَنَعُوها بِالتَّكْلِيفِ الشَّدِيدِ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
ولِي نَفْسٌ أقُولُ لَها إذا ما تُنازِعُنِي لَعَلِّي أوْ عَسانِي
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ كُلَّ مَن سَألَ فَلا بُدَّ وأنْ يُلِحَّ في بَعْضِ الأوْقاتِ، لِأنَّهُ إذا سَألَ فَقَدْ أراقَ ماءَ وجْهِهِ، ويَحْمِلُ الذِّلَّةَ في إظْهارِ ذَلِكَ السُّؤالِ، فَيَقُولُ: لَمّا تَحَمَّلْتُ هَذِهِ المَشاقَّ فَلا أرْجِعُ بِغَيْرِ مَقْصُودٍ، فَهَذا الخاطِرُ يَحْمِلُهُ عَلى الإلْحافِ والإلْحاحِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن سَألَ فَلا بُدَّ وأنْ يُقْدِمَ عَلى الإلْحاحِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَكانَ نَفْيُ الإلْحاحِ عَنْهم مُطْلَقًا مُوجِبًا لِنَفْيِ السُّؤالِ عَنْهم مُطْلَقًا.
الوَجْهُ السّادِسُ: وهو أيْضًا خَطَرَ بِبالِي في هَذا الوَقْتِ، وهو أنَّ مَن أظْهَرَ مِن نَفْسِهِ آثارَ الفَقْرِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، ثُمَّ سَكَتَ عَنِ السُّؤالِ، فَكَأنَّهُ أتى بِالسُّؤالِ المُلِحِّ المُلْحِفِ، لِأنَّ ظُهُورَ أماراتِ الحاجَةِ تَدُلُّ عَلى الحاجَةِ، وسُكُوتُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ تِلْكَ الحاجَةَ ومَتى تَصَوَّرَ الإنْسانُ مِن غَيْرِ ذَلِكَ رَقَّ قَلْبُهُ جِدًّا، وصارَ حامِلًا لَهُ عَلى أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا، فَكانَ إظْهارُ هَذِهِ الحالَةِ هو السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الإلْحافِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ مَعْناهُ أنَّهم سَكَتُوا عَنِ السُّؤالِ لَكِنَّهم لا يَضُمُّونَ إلى ذَلِكَ السُّكُوتِ مِن رَثاثَةِ الحالِ وإظْهارِ الِانْكِسارِ ما يَقُومُ مَقامَ السُّؤالِ عَلى سَبِيلِ الإلْحافِ بَلْ يُزَيِّنُونَ أنْفُسَهم عِنْدَ النّاسِ ويَتَجَمَّلُونَ بِهَذا الخُلُقِ ويَجْعَلُونَ فَقْرَهم وحاجَتَهم بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا الخالِقُ، فَهَذا الوَجْهُ أيْضًا مُناسِبٌ مَعْقُولٌ
صفحة ٧٣
وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُشْكِلاتِ ولِلنّاسِ فِيها كَلِماتٌ كَثِيرَةٌ، وقَدْ لاحَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وقْتَ كُتِبَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صِفاتِ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ وهو نَظِيرُ ما ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ولَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّكْرارِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ تَوْفِيَةَ الأجْرِ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ونُقْصانٍ لا يُمْكِنُ إلّا عِنْدَ العِلْمِ بِمِقْدارِ العَمَلِ وكَيْفِيَّةِ جِهاتِهِ المُؤَثِّرَةِ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ لا جَرَمَ قَرَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِمَقادِيرِ الأعْمالِ وكَيْفِيّاتِها.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغِبَ في التَّصَدُّقِ عَلى المُسْلِمِ والذِّمِّيِّ، قالَ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ بَيَّنَ أنَّ أجْرَهُ واصِلٌ لا مَحالَةَ، ثُمَّ لَمّا رَغَّبَ في هَذِهِ الآيَةِ في التَّصَدُّقِ عَلى الفُقَراءِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ الكامِلَةِ، وكانَ هَذا الإنْفاقُ أعْظَمَ وُجُوهِ الإنْفاقاتِ، لا جَرَمَ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ ثَوابِهِ فَقالَ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ وهو يَجْرِي مَجْرى ما إذا قالَ السُّلْطانُ العَظِيمُ لِعَبْدِهِ الَّذِي اسْتَحْسَنَ خِدْمَتَهُ: ما يَكْفِيكَ بِأنْ يَكُونَ عِلْمِي شاهِدًا بِكَيْفِيَّةِ طاعَتِكَ وحُسْنِ خِدْمَتِكَ، فَإنَّ هَذا أعْظَمُ وقْعًا مِمّا إذا قالَ لَهُ: إنَّ أجْرَكَ واصِلٌ إلَيْكَ.
البقرة 2:274
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: لَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ أكْمَلَ مَن تُصْرَفُ إلَيْهِ النَّفَقَةُ مَن هو، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أكْمَلَ وُجُوهِ الإنْفاقِ كَيْفَ هو، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهُمْ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ لِتَأْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧١] والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ آخِرُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أحْكامِ الإنْفاقِ، فَلا جَرَمَ أرْشَدَ الخَلْقَ إلى أكْمَلِ وُجُوهِ الإنْفاقاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إلى أصْحابِ الصُّفَّةِ بِدَنانِيرَ، وبَعَثَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِوَسْقٍ مِن تَمْرٍ لَيْلًا، فَكانَ أحَبُّ الصَّدَقَتَيْنِ إلى اللَّهِ تَعالى صَدَقَتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَصَدَقَةُ اللَّيْلِ كانَتْ أكْمَلَ.
والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَمْلِكُ غَيْرَ أرْبَعَةِ دَراهِمَ، فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا، وبِدِرْهَمٍ نَهارًا، وبِدِرْهَمٍ سِرًّا، وبِدِرْهَمٍ عَلانِيَةً، فَقالَ ﷺ: ”ما حَمَلَكَ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: أنْ أسْتَوْجِبَ ما وعَدَنِي رَبِّي، فَقالَ: لَكَ ذَلِكَ“»
صفحة ٧٤
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
والثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ: عَشَرَةٌ بِاللَّيْلِ، وعَشَرَةٌ بِالنَّهارِ، وعَشَرَةٌ في السِّرِّ، وعَشَرَةٌ في العَلانِيَةِ.
والرّابِعُ: نَزَلَتْ في عَلَفِ الخَيْلِ وارْتِباطِها في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكانَ أبُو هُرَيْرَةَ إذا مَرَّ بِفَرَسٍ سَمِينٍ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. الخامِسُ: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في الَّذِينَ يَعُمُّونَ الأوْقاتِ والأحْوالَ بِالصَّدَقَةِ تُحَرِّضُهم عَلى الخَيْرِ، فَكُلَّما نَزَلَتْ بِهِمْ حاجَةُ مُحْتاجٍ عَجَّلُوا قَضاءَها ولَمْ يُؤَخِّرُوها ولَمْ يُعَلِّقُوها بِوَقْتٍ ولا حالٍ، وهَذا هو أحْسَنُ الوُجُوهِ، لِأنَّ هَذا آخِرُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في بَيانِ حُكْمِ الإنْفاقاتِ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ فِيها أكْمَلَ وُجُوهِ الإنْفاقاتِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ ”الَّذِينَ“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وجازَ أنْ تَكُونَ الفاءُ مِن قَوْلِهِ: (فَلَهم) جَوابَ الَّذِينَ لِأنَّها تَأْتِي بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: مَن أنْفَقَ فَلا يَضِيعُ أجْرُهُ، وتَقْدِيرُهُ أنَّهُ لَوْ قالَ: الَّذِي أكْرَمَنِي لَهُ دِرْهَمٌ لَمْ يُفِدْ أنَّ الدِّرْهَمَ بِسَبَبِ الإكْرامِ، أمّا لَوْ قالَ: الَّذِي أكْرَمَنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ يُفِيدُ أنَّ الدِّرْهَمَ بِسَبَبِ الإكْرامِ، فَهَهُنا الفاءُ دَلَّتْ عَلى أنَّ حُصُولَ الأجْرِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الإنْفاقِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ أفْضَلُ مِن صَدَقَةِ العَلانِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدَّمَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ، والسِّرَّ عَلى العَلانِيَةِ في الذِّكْرِ.
ثُمَّ قالَ في خاتِمَةِ الآيَةِ ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمَعْنى مَعْلُومٌ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ الثَّوابِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٣].
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذا مَشْرُوطٌ عِنْدَ الكُلِّ بِأنْ لا يَحْصُلَ عَقِيبَهُ الكُفْرُ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنْ لا يَحْصُلَ عَقِيبَهُ كَبِيرَةٌ مُحْبِطَةٌ، وقَدْ أحْكَمْنا هَذِهِ المَسْألَةَ، وهَهُنا آخِرُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في بَيانِ أحْكامِ الإنْفاقِ.
البقرة 2:275
الحُكْمُ الثّانِي:
مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَوْضِعِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ حُكْمُ الرِّبا:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ بَيْنَ الرِّبا وبَيْنَ الصَّدَقَةِ مُناسَبَةٌ مِن جِهَةِ التَّضادِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّدَقَةَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْقِيصِ المالِ
صفحة ٧٥
بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ بِذَلِكَ، والرِّبا عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى المالِ مَعَ نَهْيِ اللَّهِ عَنْهُ، فَكانا مُتَضادَّيْنِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ فَلَمّا حَصَلَ بَيْنَ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ هَذا النَّوْعُ مِنَ المُناسَبَةِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَ حُكْمِ الصَّدَقاتِ حُكْمَ الرِّبا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ فالمُرادُ الَّذِينَ يُعامِلُونَ بِهِ، وخَصَّ الأكْلَ لِأنَّهُ مُعْظَمُ الأمْرِ، كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النِّساءِ: ١٠] وكَما لا يَجُوزُ أكْلُ مالِ اليَتِيمِ لا يَجُوزُ إتْلافُهُ، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ بِالأكْلِ عَلى ما سِواهُ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٨] وأيْضًا فَلِأنَّ نَفْسَ الرِّبا الَّذِي هو الزِّيادَةُ في المالِ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ لا يُؤْكَلُ، إنَّما يُصْرَفُ في المَأْكُولِ فَيُؤْكَلُ، والمُرادُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، فَمَنَعَ اللَّهُ مِنَ التَّصَرُّفِ في الرِّبا بِما ذَكَرْنا مِنَ الوَعِيدِ، وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ ﷺ: ”«لَعَنَ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ وشاهِدَهُ وكاتِبَهُ والمُحَلِّلَ لَهُ» “ فَعَلِمْنا أنَّ الحُرْمَةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالآكِلِ، وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِشَهادَةِ الطَّرْدِ والعَكْسِ، أنَّ ما يَحْرُمُ لا يُوقَفُ تَحْرِيمُهُ عَلى الأكْلِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفاتِ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ أنَّ المُرادَ مِن أكْلِ الرِّبا في هَذِهِ الآيَةِ التَّصَرُّفُ في الرِّبا، وأمّا الرِّبا فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الرِّبا في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ يُقالُ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحَجِّ: ٥] أيْ زادَتْ، وأرْبى الرَّجُلُ إذا عامَلَ في الرِّبا، ومِنهُ الحَدِيثُ ”«مَن أجَبى فَقَدْ أرْبى» “ أيْ عامَلَ بِالرِّبا، والإجْباءُ بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ أنْ يَبْدُوَ صَلاحُهُ، هَذا مَعْنى الرِّبا في اللُّغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”الرِّبا“ بِالإمالَةِ لِمَكانِ كَسْرَةِ الرّاءِ والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ بِفَتْحِ الباءِ، وهي في المَصاحِفِ مَكْتُوبَةٌ بِالواوِ، وأنْتَ مُخَيَّرٌ في كِتابَتِها بِالألِفِ والواوِ والياءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الرِّبا كُتِبَتْ بِالواوِ عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ كَما كُتِبَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الرِّبا قِسْمانِ: رِبا النَّسِيئَةِ، ورِبا الفَضْلِ.
أمّا رِبا النَّسِيئَةِ فَهو الأمْرُ الَّذِي كانَ مَشْهُورًا مُتَعارَفًا في الجاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَدْفَعُونَ المالَ عَلى أنْ يَأْخُذُوا كُلَّ شَهْرٍ قَدْرًا مُعَيَّنًا، ويَكُونُ رَأْسُ المالِ باقِيًا، ثُمَّ إذا حَلَّ الدَّيْنُ طالَبُوا المَدْيُونَ بِرَأْسِ المالِ، فَإنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الأداءُ زادُوا في الحَقِّ والأجَلِ، فَهَذا هو الرِّبا الَّذِي كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَتَعامَلُونَ بِهِ.
وأمّا رِبا النَّقْدِ فَهو أنْ يُباعَ مَنٌّ مِنَ الحِنْطَةِ بِمَنَوَيْنِ مِنها وما أشْبَهَ ذَلِكَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لا يُحَرِّمُ إلّا القِسْمَ الأوَّلَ فَكانَ يَقُولُ: لا رِبا إلّا في النَّسِيئَةِ، وكانَ يُجَوِّزُ بِالنَّقْدِ، فَقالَ لَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: شَهِدْتُ ما لَمْ تَشْهَدْ، أوْ سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما لَمْ تَسْمَعْ. ثُمَّ رُوِيَ أنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ، «قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كُنّا في بَيْتٍ ومَعَنا عِكْرِمَةُ، فَقالَ رَجُلٌ: يا عِكْرِمَةُ ما تَذْكُرُ ونَحْنُ في بَيْتِ فُلانٍ ومَعَنا ابْنُ عَبّاسٍ، فَقالَ: إنَّما كُنْتُ اسْتَحْلَلْتُ التَّصَرُّفَ بِرَأْيِي، ثُمَّ بَلَغَنِي أنَّهُ ﷺ حَرَّمَهُ، فاشْهَدُوا أنِّي حَرَّمْتُهُ وبَرِئْتُ مِنهُ إلى اللَّهِ»، وحُجَّةُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ يَتَناوَلُ بَيْعَ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ نَقْدًا، وقَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمَ الرِّبا﴾ لا يَتَناوَلُهُ لِأنَّ الرِّبا عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ، ولَيْسَتْ كُلُّ زِيادَةٍ مُحَرَّمَةً، بَلْ قَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمَ الرِّبا﴾ إنَّما يَتَناوَلُ العَقْدَ المَخْصُوصَ الَّذِي كانَ مُسَمًّى فِيما بَيْنَهم بِأنَّهُ رِبًا، وذَلِكَ هو رِبا النَّسِيئَةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمَ الرِّبا﴾ مَخْصُوصًا بِالنَّسِيئَةِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ يَتَناوَلُ رِبا النَّقْدِ، وقَوْلَهُ ﴿وحَرَّمَ الرِّبا﴾ لا يَتَناوَلُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى الحِلِّ، ولا يُمْكِنَ أنْ يُقالَ: إنَّما يُحَرِّمُهُ
صفحة ٧٦
بِالحَدِيثِ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ ظاهِرِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وهَذا هو عُرْفُ ابْنِ عَبّاسٍ وحَقِيقَتُهُ راجِعَةٌ إلى أنَّ تَخْصِيصَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟
وأمّا جُمْهُورُ المُجْتَهِدِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى تَحْرِيمِ الرِّبا في القِسْمَيْنِ، أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَبِالقُرْآنِ، وأمّا رِبا النَّقْدِ فَبِالخَبَرِ، ثُمَّ إنَّ الخَبَرَ دَلَّ عَلى حُرْمَةِ رِبا النَّقْدِ في الأشْياءِ السِّتَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ عامَّةُ الفُقَهاءِ: حُرْمَةُ التَّفاضُلِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى هَذِهِ السِّتَّةِ، بَلْ ثابِتَةٌ في غَيْرِها، وقالَ نُفاةُ القِياسِ: بَلِ الحُرْمَةُ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها وحُجَّةُ هَؤُلاءِ مِن وُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ الشّارِعَ خَصَّ مِنَ المَكِيلاتِ والمَطْعُوماتِ والأقْواتِ أشْياءَ أرْبَعَةً، فَلَوْ كانَ الحُكْمُ ثابِتًا في كُلِّ المَكِيلاتِ أوْ في كُلِّ المَطْعُوماتِ لَقالَ: لا تَبِيعُوا المَكِيلَ بِالمَكِيلِ مُتَفاضِلًا، أوْ قالَ: لا تَبِيعُوا المَطْعُومَ بِالمَطْعُومِ مُتَفاضِلًا، فَإنَّ هَذا الكَلامَ يَكُونُ أشَدَّ اخْتِصارًا، وأكْثَرَ فائِدَةً، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ عَدَّ الأرْبَعَةَ، عَلِمْنا أنَّ حُكْمَ الحُرْمَةِ مَقْصُورٌ عَلَيْها فَقَطْ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ يَقْتَضِي حِلَّ رِبا النَّقْدِ فَأنْتُمْ أخْرَجْتُمْ رِبا النَّقْدِ مِن تَحْتِ هَذا العُمُومِ بِخَبَرِ الواحِدِ في الأشْياءِ السِّتَّةِ، ثُمَّ أثْبَتُّمُ الحُرْمَةَ في غَيْرِها بِالقِياسِ عَلَيْها، فَكانَ هَذا تَخْصِيصًا لِعُمُومِ نَصِّ القُرْآنِ في الأشْياءِ السِّتَّةِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وفي غَيْرِها بِالقِياسِ عَلى الأشْياءِ السِّتَّةِ الَّتِي ثَبَتَ الحُكْمُ فِيها بِخَبَرِ الواحِدِ، ومِثْلُ هَذا القِياسِ يَكُونُ أضْعَفَ بِكَثِيرٍ مِن خَبَرِ الواحِدِ، وخَبَرُ الواحِدِ أضْعَفُ مِن ظاهِرِ القُرْآنِ، فَكانَ هَذا تَرْجِيحًا لِلْأضْعَفِ عَلى الأقْوى، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ التَّعْدِيَةَ مِن مَحَلِّ النَّصِّ إلى غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ، لا تُمْكِنُ إلّا بِواسِطَةِ تَعْلِيلِ الحُكْمِ في مَوْرِدِ النَّصِّ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي تَعْلِيلَ حُكْمِ اللَّهِ، وذَلِكَ مُحالٌ عَلى ما ثَبَتَ في الأُصُولِ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ الحُكْمَ في مَوْرِدِ النَّصِّ مَعْلُومٌ، واللُّغَةُ مَظْنُونَةٌ ورَبْطُ المَعْلُومِ بِالمَظْنُونِ غَيْرُ جائِزٍ، وأمّا جُمْهُورُ الفُقَهاءِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ حُرْمَةَ رِبا النَّقْدِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ السِّتَّةِ، بَلْ هي ثابِتَةٌ في غَيْرِها، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ عَنْ مَحَلِّ النَّصِّ إلى غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ إلّا بِتَعْلِيلِ الحُكْمِ الثّابِتِ في مَحَلِّ النَّصِّ بِعِلَّةٍ حاصِلَةٍ في غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ فَلِهَذا المَعْنى اخْتَلَفُوا في العِلَّةِ عَلى مَذاهِبَ.
فالقَوْلُ الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ العِلَّةَ في حُرْمَةِ الرِّبا الطَّعْمُ في الأشْياءِ الأرْبَعَةِ واشْتِراطُ اتِّحادِ الجِنْسِ، وفي الذَّهَبِ والفِضَّةِ النَّقْدِيَّةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ كُلَّ ما كانَ مُقَدَّرًا فَفِيهِ الرِّبا، والعِلَّةُ في الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ الوَزْنُ، وفي الأشْياءِ الأرْبَعَةِ الكَيْلُ واتِّحادُ الجِنْسِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ العِلَّةَ هو القُوتُ أوْ ما يَصْلُحُ بِهِ القُوتُ، وهو المِلْحُ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو قَوْلُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ الماجِشُونِ: أنَّ كُلَّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ فَفِيهِ الرِّبا، فَهَذا ضَبْطُ مَذاهِبِ النّاسِ في حُكْمِ الرِّبا، والكَلامُ في تَفارِيعِ هَذِهِ المَسائِلِ لا يَلِيقُ بِالتَّفْسِيرِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ تَحْرِيمِ الرِّبا وُجُوهًا:
أحَدُها: الرِّبا يَقْتَضِي أخْذَ مالِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، لِأنَّ مَن يَبِيعُ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ نَقْدًا أوْ نَسِيئَةً فَيَحْصُلُ لَهُ زِيادَةُ دِرْهَمٍ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، ومالُ الإنْسانِ
صفحة ٧٧
مُتَعَلَّقُ حاجَتِهِ ولَهُ حُرْمَةٌ عَظِيمَةٌ، قالَ ﷺ: ”«حُرْمَةُ مالِ الإنْسانِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ» “ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أخْذُ مالِهِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ مُحَرَّمًا.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِبَقاءِ رَأْسِ المالِ في يَدِهِ مُدَّةً مَدِيدَةً عِوَضًا عَنِ الدِّرْهَمِ الزّائِدِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ رَأْسَ المالِ لَوْ بَقِيَ في يَدِهِ هَذِهِ المُدَّةَ لَكانَ يُمْكِنُ المالِكُ أنْ يَتَّجِرَ فِيهِ ويَسْتَفِيدَ بِسَبَبِ تِلْكَ التِّجارَةِ رِبْحًا فَلَمّا تَرَكَهُ في يَدِ المَدْيُونِ وانْتَفَعَ بِهِ المَدْيُونُ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَدْفَعَ إلى رَبِّ المالِ ذَلِكَ الدِّرْهَمَ الزّائِدَ عِوَضًا عَنِ انْتِفاعِهِ بِمالِهِ.
قُلْنا: إنَّ هَذا الِانْتِفاعَ الَّذِي ذَكَرْتُمْ أمْرٌ مَوْهُومٌ قَدْ يَحْصُلُ وقَدْ لا يَحْصُلُ، وأخْذُ الدِّرْهَمِ الزّائِدِ أمْرٌ مُتَيَقَّنٌ، فَتَفْوِيتُ المُتَيَقَّنِ لِأجْلِ الأمْرِ المَوْهُومِ لا يَنْفَكُّ عَنْ نَوْعِ ضَرَرٍ.
وثانِيها: قالَ بَعْضُهم: اللَّهُ تَعالى إنَّما حَرَّمَ الرِّبا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَمْنَعُ النّاسَ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالمَكاسِبِ، وذَلِكَ لِأنَّ صاحِبَ الدِّرْهَمِ إذا تَمَكَّنَ بِواسِطَةِ عَقْدِ الرِّبا مِن تَحْصِيلِ الدِّرْهَمِ الزّائِدِ نَقْدًا كانَ أوْ نَسِيئَةً خَفَّ عَلَيْهِ اكْتِسابُ وجْهِ المَعِيشَةِ، فَلا يَكادُ يَتَحَمَّلُ مَشَقَّةَ الكَسْبِ والتِّجارَةِ والصِّناعاتِ الشّاقَّةِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى انْقِطاعِ مَنافِعِ الخَلْقِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَصالِحَ العالَمِ لا تَنْتَظِمُ إلّا بِالتِّجاراتِ والحِرَفِ والصِّناعاتِ والعِماراتِ.
وثالِثُها: قِيلَ: السَّبَبُ في تَحْرِيمِ عَقْدِ الرِّبا، أنَّهُ يُفْضِي إلى انْقِطاعِ المَعْرُوفِ بَيْنَ النّاسِ مِنَ القَرْضِ، لِأنَّ الرِّبا إذا طابَتِ النُّفُوسُ بِقَرْضِ الدِّرْهَمِ واسْتِرْجاعِ مِثْلِهِ، ولَوْ حَلَّ الرِّبا لَكانَتْ حاجَةُ المُحْتاجِ تَحْمِلُهُ عَلى أخْذِ الدِّرْهَمِ بِدِرْهَمَيْنِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى انْقِطاعِ المُواساةِ والمَعْرُوفِ والإحْسانِ.
ورابِعُها: هو أنَّ الغالِبَ أنَّ المُقْرِضَ يَكُونُ غَنِيًّا، والمُسْتَقْرِضَ يَكُونُ فَقِيرًا، فالقَوْلُ بِتَجْوِيزِ عَقْدِ الرِّبا تَمْكِينٌ لِلْغَنِيِّ مِن أنْ يَأْخُذَ مِنَ الفَقِيرِ الضَّعِيفِ مالًا زائِدًا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ بِرَحْمَةِ الرَّحِيمِ.
وخامِسُها: أنَّ حُرْمَةَ الرِّبا قَدْ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ، ولا يَجِبُ أنْ يَكُونَ حِكَمُ جَمِيعِ التَّكالِيفِ مَعْلُومَةً لِلْخَلْقِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِحُرْمَةِ عَقْدِ الرِّبا، وإنْ كُنّا لا نَعْلَمُ الوَجْهَ فِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَقُومُونَ﴾ فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ مِنهُ القِيامُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنهُ القِيامُ مِنَ القَبْرِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِما.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّخَبُّطُ مَعْناهُ الضَّرْبُ عَلى غَيْرِ اسْتِواءٍ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ في أمْرٍ ولا يَهْتَدِي فِيهِ: إنَّهُ يَخْبِطُ خَبْطَ عَشْواءَ، وخَبَطَ البَعِيرُ لِلْأرْضِ بِأخْفافِهِ، وتَخَبَّطَهُ الشَّيْطانُ إذا مَسَّهُ بِخَبَلٍ أوْ جُنُونٍ لِأنَّهُ كالضَّرْبِ عَلى غَيْرِ الِاسْتِواءِ في الإدْهاشِ، وتُسَمّى إصابَةُ الشَّيْطانِ بِالجُنُونِ والخَبَلِ خَبْطَةً، ويُقالُ: بِهِ خَبْطَةٌ مِن جُنُونِ، والمَسُّ الجُنُونُ، يُقالُ: مُسَّ الرَّجُلُ فَهو مَمْسُوسٌ وبِهِ مَسٌّ، وأصْلُهُ مِنَ المَسِّ بِاليَدِ، كَأنَّ الشَّيْطانَ يَمَسُّ الإنْسانَ فَيُجِنَّهُ، ثُمَّ سُمِّيَ الجُنُونُ مَسًّا، كَما أنَّ الشَّيْطانَ يَتَخَبَّطُهُ ويَطَؤُهُ بِرِجْلِهِ فَيُخَبِّلَهُ، فَسُمِّيَ الجُنُونُ خَبْطَةً، فالتَّخَبُّطُ بِالرِّجْلِ والمَسُّ بِاليَدِ، ثُمَّ فِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: التَّخَبُّطُ تَفَعُّلٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ؟
الجَوابُ: تَفَعَّلَ بِمَعْنى فَعَلَ كَثِيرًا، نَحْوُ تَقَسَّمَهُ بِمَعْنى قَسَمَهُ، وتَقَطَّعَهُ بِمَعْنى قَطَعَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المَسِّ﴾ ؟
صفحة ٧٨
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: بِقَوْلِهِ ﴿لا يَقُومُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي لَهم إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ. والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (يَقُومُ) والتَّقْدِيرُ: لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ المُتَخَبِّطُ بِسَبَبِ المَسِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: النّاسُ يَقُولُونَ المَصْرُوعُ إنَّما حَدَثَتْ بِهِ تِلْكَ الحالَةُ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَمَسُّهُ ويَصْرَعُهُ وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ ضَعِيفٌ لا يَقْدِرُ عَلى صَرْعِ النّاسِ وقَتْلِهِمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الشَّيْطانِ ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [ إبْراهِيمَ: ٢٢] وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ قُدْرَةٌ عَلى الصَّرْعِ والقَتْلِ والإيذاءِ. والثّانِي: الشَّيْطانُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كَثِيفُ الجِسْمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ أنْ يُرى ويُشاهَدَ، إذْ لَوْ جازَ فِيهِ أنْ يَكُونَ كَثِيفًا ويَحْضُرَ ثُمَّ لا يُرى لَجازَ أنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنا شُمُوسٌ ورُعُودٌ وبُرُوقٌ وجِبالٌ ونَحْنُ لا نَراها، وذَلِكَ جَهالَةٌ عَظِيمَةٌ؛ ولِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا كَثِيفًا فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَدْخُلَ في باطِنِ بَدَنِ الإنْسانِ، وأمّا إنْ كانَ جِسْمًا لَطِيفًا كالهَواءِ، فَمِثْلُ هَذا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ فِيهِ صَلابَةٌ وقُوَّةٌ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يَصْرَعَ الإنْسانَ ويَقْتُلَهُ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَصْرَعَ ويَقْتُلَ لَصَحَّ أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَلِكَ يَجُرُّ إلى الطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ.
الرّابِعُ: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ فَلِمَ لا يَصْرَعُ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ ولِمَ لا يَخْبِطُهم مَعَ شِدَّةِ عَداوَتِهِ لِأهْلِ الإيمانِ، ولِمَ لا يَغْصِبُ أمْوالَهم، ويُفْسِدُ أحْوالَهم، ويُفْشِي أسْرارَهم، ويُزِيلُ عُقُولَهم ؟ وكُلُّ ذَلِكَ ظاهِرُ الفَسادِ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الشَّيْطانَ يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ:
ما رُوِيَ أنَّ الشَّياطِينَ في زَمانِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ كانُوا يَعْمَلُونَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ عَلى ما حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِي وقُدُورٍ راسِياتٍ.
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ تَعالى كَلَّفَهم في زَمَنِ سُلَيْمانَ فَعِنْدَ ذَلِكَ قَدَرُوا عَلى هَذِهِ الأفْعالِ وكانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وهي قَوْلُهُ: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ صَرِيحٌ في أنْ يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطانُ بِسَبَبِ مَسِّهِ.
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ الشَّيْطانَ يَمَسُّهُ بِوَسْوَسَتِهِ المُؤْذِيَةِ الَّتِي يَحْدُثُ عِنْدَها الصَّرَعُ، وهو كَقَوْلِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ [ ص: ٤١] وإنَّما يَحْدُثُ الصَّرَعُ عِنْدَ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن ضَعْفِ الطِّباعِ، وغَلَبَةِ السَّوْداءِ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ يَخافُ عِنْدَ الوَسْوَسَةِ فَلا يَجْتَرِئُ فَيُصْرَعَ عِنْدَ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ، كَما يُصْرَعُ الجَبانُ مِنَ المَوْضِعِ الخالِي، ولِهَذا المَعْنى لا يُوجَدُ هَذا الخَبْطُ في الفُضَلاءِ الكامِلِينَ وأهْلِ الحَزْمِ والعَقْلِ، وإنَّما يُوجَدُ فِيمَن بِهِ نَقْصٌ في المِزاجِ وخَلَلٌ في الدِّماغِ فَهَذا جُمْلَةُ كَلامِ الجُبّائِيِّ في هَذا البابِ، وذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّ النّاسَ يُضِيفُونَ الصَّرَعَ إلى الشَّيْطانِ وإلى الجِنِّ، فَخُوطِبُوا عَلى ما تَعارَفُوهُ مِن هَذا، وأيْضًا مِن عادَةِ النّاسِ أنَّهم إذا أرادُوا تَقْبِيحَ شَيْءٍ أنْ يُضِيفُوهُ إلى الشَّيْطانِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [ الصّافّاتِ: ٦٥] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُفَسِّرِينَ في الآيَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ آكِلَ الرِّبا يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مَجْنُونًا، وذَلِكَ كالعَلامَةِ المَخْصُوصَةِ بِآكِلِ الرِّبا، فَعَرَفَهُ أهْلُ المَوْقِفِ لِتِلْكَ العَلامَةِ أنَّهُ آكِلُ الرِّبا في الدُّنْيا، فَعَلى هَذا مَعْنى
صفحة ٧٩
الآيَةِ: أنَّهم يَقُومُونَ مَجانِينَ، كَمَن أصابَهُ الشَّيْطانُ بِجُنُونٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ ابْنُ مُنَبِّهٍ: يُرِيدُ إذا بُعِثَ النّاسُ مِن قُبُورِهِمْ خَرَجُوا مُسْرِعِينَ لِقَوْلِهِ ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [ المَعارِجِ: ٤٣] إلّا أكَلَةَ الرِّبا فَإنَّهم يَقُومُونَ ويَسْقُطُونَ، كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ، وذَلِكَ لِأنَّهم أكَلُوا الرِّبا في الدُّنْيا، فَأرْباهُ اللَّهُ في بُطُونِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى أثْقَلَهم فَهم يَنْهَضُونَ، ويَسْقُطُونَ، ويُرِيدُونَ الإسْراعَ، ولا يَقْدِرُونَ، وهَذا القَوْلُ غَيْرُ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ أكَلَةَ الرِّبا لا يُمْكِنُهُمُ الإسْراعُ في المَشْيِ بِسَبَبِ ثِقَلِ البَطْنِ، وهَذا لَيْسَ مِنَ الجُنُونِ في شَيْءٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا القَوْلُ بِما رُوِيَ في قِصَّةِ الإسْراءِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْطَلَقَ بِهِ جِبْرِيلُ إلى رِجالٍ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كالبَيْتِ الضَّخْمِ، يَقُومُ أحَدُهم فَتَمِيلُ بِهِ بَطْنُهُ فَيُصْرَعُ، فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ ؟ قالَ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ»﴾ .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [ الأعْرافِ: ٢٠١] وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَدْعُو إلى طَلَبِ اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ والِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن مَسِّ الشَّيْطانِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ في أمْرِ الدُّنْيا مُتَخَبِّطًا، فَتارَةً الشَّيْطانُ يَجُرُّهُ إلى النَّفْسِ والهَوى، وتارَةً المَلَكُ يَجُرُّهُ إلى الدِّينِ والتَّقْوى، فَحَدَثَتْ هُناكَ حَرَكاتٌ مُضْطَرِبَةٌ، وأفْعالٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَهَذا هو الخَبْطُ الحاصِلُ بِفِعْلِ الشَّيْطانِ، وآكِلُ الرِّبا لا شَكَّ أنَّهُ يَكُونُ مُفْرِطًا في حُبِّ الدُّنْيا مُتَهالِكًا فِيها، فَإذا ماتَ عَلى ذَلِكَ الحُبِّ صارَ ذَلِكَ الحُبُّ حِجابًا بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، فالخَبْطُ الَّذِي كانَ حاصِلًا في الدُّنْيا بِسَبَبِ حُبِّ المالِ أوْرَثَهُ الخَبْطَ في الآخِرَةِ، وأوْقَعَهُ في ذُلِّ الحِجابِ، وهَذا التَّأْوِيلُ أقْرَبُ عِنْدِي مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ نَقَلْناهُما عَمَّنْ نَقَلْنا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القَوْمُ كانُوا في تَحْلِيلِ الرِّبا عَلى هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وهي أنَّ مَنِ اشْتَرى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ باعَهُ بِأحَدَ عَشَرَ فَهَذا حَلالٌ، فَكَذا إذا باعَ العَشَرَةَ بِأحَدَ عَشَرَةَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَلالًا؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ في العَقْلِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَهَذا في رِبا النَّقْدِ، وأمّا في رِبا النَّسِيئَةِ فَكَذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لَوْ باعَ الثَّوْبَ الَّذِي يُساوِي عَشَرَةً في الحالِ بِأحَدَ عَشَرَ إلى شَهْرٍ جازَ فَكَذا إذا أعْطى العَشَرَةَ بِأحَدَ عَشَرَ إلى شَهْرٍ، وجَبَ أنْ يَجُوزَ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ في العَقْلِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إنَّما جازَ هُناكَ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ التَّراضِي مِنَ الجانِبَيْنِ، فَكَذا هَهُنا لَمّا حَصَلَ التَّراضِي مِنَ الجانِبَيْنِ وجَبَ أنْ يَجُوزَ أيْضًا، فالبِياعاتُ إنَّما شُرِّعَتْ لِدَفْعِ الحاجاتِ، ولِعَلَّ الإنْسانَ أنْ يَكُونَ صِفْرَ اليَدِ في الحالِ شَدِيدَ الحاجَةِ، ويَكُونَ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ أمْوالٌ كَثِيرَةٌ، فَإذا لَمْ يَجُزِ الرِّبا لَمْ يُعْطِهِ رَبُّ المالِ شَيْئًا فَيَبْقى الإنْسانُ في الشِّدَّةِ والحاجَةِ، إمّا بِتَقْدِيرِ جَوازِ الرِّبا فَيُعْطِيهِ رَبُّ المالِ طَمَعًا في الزِّيادَةِ، والمَدْيُونُ يَرُدُّهُ عِنْدَ وِجْدانِ المالِ، وإعْطاءُ تِلْكَ الزِّيادَةِ عِنْدَ وِجْدانِ المالِ أسْهَلُ عَلَيْهِ مِنَ البَقاءِ في الحاجَةِ قَبْلَ وِجْدانِ المالِ، فَهَذا يَقْتَضِي حِلَّ الرِّبا كَما حَكَمْنا بِحِلِّ سائِرِ البِياعاتِ لِأجْلِ دَفْعِ الحاجَةِ، فَهَذا هو شُبْهَةُ القَوْمِ، واللَّهُ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِحَرْفٍ واحِدٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ ووَجْهُ الجَوابِ أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مُعارَضَةٌ لِلنَّصِّ بِالقِياسِ، وهو مِن عَمَلِ إبْلِيسَ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ ﷺ عارَضَ النَّصَّ بِالقِياسِ، فَقالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ ص: ٧٦] واعْلَمْ أنَّ نُفاةَ القِياسِ
صفحة ٨٠
يَتَمَسَّكُونَ بِهَذا الحَرْفِ، فَقالُوا: لَوْ كانَ الدِّينُ بِالقِياسِ لَكانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ لازِمَةً، فَلَمّا كانَتْ مَدْفُوعَةً عَلِمْنا أنَّ الدِّينَ بِالنَّصِّ لا بِالقِياسِ. وذَكَرَ القَفّالُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ الفَرْقَ بَيْنَ البابَيْنِ، فَقالَ: مَن باعَ ثَوْبًا يُساوِي عَشَرَةً بِعِشْرِينَ فَقَدْ جَعَلَ ذاتَ الثَّوْبِ مُقابِلًا بِالعِشْرِينِ، فَلَمّا حَصَلَ التَّراضِي عَلى هَذا التَّقابُلِ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُقابِلًا لِلْآخَرِ في المالِيَّةِ عِنْدَهُما، فَلَمْ يَكُنْ أخَذَ مِن صاحِبِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ، أمّا إذا باعَ العَشَرَةَ بِالعَشَرَةِ فَقَدْ أخَذَ العَشَرَةَ الزّائِدَةَ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ غَرَضَهُ هو الإمْهالُ في مُدَّةِ الأجَلِ؛ لِأنَّ الإمْهالَ لَيْسَ مالًا أوْ شَيْئًا يُشارُ إلَيْهِ حَتّى يَجْعَلَهُ عِوَضًا عَنِ العَشَرَةِ الزّائِدَةِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَعِيدَ إنَّما يَحْصُلُ بِاسْتِحْلالِهِمُ الرِّبا دُونَ الإقْدامِ عَلَيْهِ وأكْلِهِ مَعَ التَّحْرِيمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَثْبُتُ بِهَذِهِ الآيَةِ كَوْنُ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ.
فَإنْ قِيلَ: مُقَدِّمَةُ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِيامَهم يَوْمَ القِيامَةِ مُتَخَبِّطِينَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم أكَلُوا الرِّبا.
قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ العِلَّةَ لِذَلِكَ التَّخَبُّطِ هو هَذا القَوْلُ والِاعْتِقادُ فَقَطْ، وعِنْدَ هَذا يَجِبُ تَأْوِيلُ مُقَدِّمَةِ الآيَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأكْلِ نَفْسَ الأكْلِ، وذَكَرْنا عَلَيْهِ وُجُوهًا مِنَ الدَّلائِلِ، فَأنْتُمْ حَمَلْتُمُوهُ عَلى التَّصَرُّفِ في الرِّبا، ونَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى اسْتِحْلالِ الرِّبا واسْتَطابَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأكْلَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الِاسْتِحْلالِ، يُقالُ: فُلانٌ يَأْكُلُ مالَ اللَّهِ قَضْمًا خَضْمًا، أيْ: يَسْتَحِلُّ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وإذا حَمَلْنا الأكْلَ عَلى الِاسْتِحْلالِ، صارَتْ مُقَدِّمَةُ الآيَةِ مُطابِقَةً لِمُؤَخِّرَتِها، فَهَذا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، إلّا أنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى وعِيدِ مَن يَتَصَرَّفُ في مالِ الرِّبا، لا عَلى وعِيدِ مَن يَسْتَحِلُّ هَذا العَقْدَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّما الرِّبا مِثْلُ البَيْعِ، وذَلِكَ لِأنَّ حِلَّ البَيْعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَهم أرادُوا أنْ يَقِيسُوا عَلَيْهِ الرِّبا، ومِن حَقِّ القِياسِ أنْ يُشَبَّهَ مَحَلُّ الخِلافِ بِمَحَلِّ الوِفاقِ، فَكانَ نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: إنَّما الرِّبا مِثْلُ البَيْعِ، فَما الحِكْمَةُ في أنْ قَلَبَ هَذِهِ القَضِيَّةَ، فَقالَ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ ؟
والجَوابُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُ القَوْمِ أنْ يَتَمَسَّكُوا بِنَظْمِ القِياسِ، بَلْ كانَ غَرَضُهم أنَّ الرِّبا والبَيْعَ مُتَماثِلانِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ المَطْلُوبَةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ تَخْصِيصُ أحَدِ المِثْلَيْنِ بِالحِلِّ والثّانِي بِالحُرْمَةِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَأيُّهُما قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ جازَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مِن تَمامِ كَلامِ الكُفّارِ، والمَعْنى أنَّهم قالُوا: البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، ثُمَّ إنَّكم تَقُولُونَ ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ فَكَيْفَ يُعْقَلُ هَذا ؟ يَعْنِي أنَّهُما لَمّا كانا مُتَماثِلَيْنِ فَلَوْ حَلَّ أحَدُهُما وحَرُمَ الآخَرُ لَكانَ ذَلِكَ إيقاعًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ المِثْلَيْنِ، وذَلِكَ غَيْرُ لائِقٍ بِحِكْمَةِ الحَكِيمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ ذَكَرَهُ الكُفّارُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ كَلامَ الكُفّارِ انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ فَهو كَلامُ اللَّهِ تَعالى ونَصُّهُ عَلى هَذا الفَرْقِ ذَكَرَهُ إبْطالًا لِقَوْلِ الكُفّارِ إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، والحُجَّةُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ وُجُوهٌ:
صفحة ٨١
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: هَذا كَلامُ الكُفّارِ لا يَتِمُّ إلّا بِإضْمارِ زِياداتٍ بِأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، أوْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الرِّوايَةِ مِن قَوْلِ المُسْلِمِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّ الإضْمارَ خِلافُ الأصْلِ، وأمّا إذا جَعَلْناهُ كَلامَ اللَّهِ ابْتِداءً لَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إلى هَذا الإضْمارِ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المُسْلِمِينَ أبَدًا كانُوا مُتَمَسِّكِينَ في جَمِيعِ مَسائِلِ البَيْعِ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَوْلا أنَّهم عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ كَلامُ اللَّهِ لا كَلامُ الكُفّارِ، وإلّا لَما جازَ لَهم أنْ يَسْتَدِلُّوا بِهِ، وفي هَذِهِ الحُجَّةِ كَلامٌ سَيَأْتِي في المَسْألَةِ الثّانِيَةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الكَلِمَةِ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّهم لَمّا تَمَسَّكُوا بِتِلْكَ الشُّبْهَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ فاللَّهُ تَعالى قَدْ كَشَفَ عَنْ فَسادِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ وعَنْ ضَعْفِها، ولَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ كَلامَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ جَوابُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ مَذْكُورًا فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ لائِقًا بِهَذا المَوْضِعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ مِنَ المُجْمَلاتِ الَّتِي لا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِها، وهَذا هو المُخْتارُ عِنْدِي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الِاسْمَ المُفْرَدَ المُحَلّى بِلامِ التَّعْرِيفِ لا يُفِيدُ العُمُومَ البَتَّةَ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ كَفى العَمَلُ بِهِ في ثُبُوتِ حُكْمِهِ في صُورَةٍ واحِدَةٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنّا إذا سَلَّمْنا أنَّهُ يُفِيدُ العُمُومَ، ولَكِنّا لا نَشُكُّ أنَّ إفادَتَهُ العُمُومَ أضْعَفُ مِن إفادَةِ ألْفاظِ الجَمْعِ لِلْعُمُومِ، مَثَلًا قَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ وإنْ أفادَ الِاسْتِغْراقَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعاتِ أقْوى في إفادَةِ الِاسْتِغْراقِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ لا يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ إلّا إفادَةً ضَعِيفَةً، ثُمَّ تَقْدِيرُ العُمُومِ لا بُدَّ وأنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْها تَخْصِيصاتٌ كَثِيرَةٌ خارِجَةٌ عَنِ الحَصْرِ والضَّبْطِ، ومِثْلُ هَذا العُمُومِ لا يَلِيقُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ رَسُولِهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ كَذِبٌ والكَذِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَأمّا العامُّ الَّذِي يَكُونُ مَوْضِعُ التَّخْصِيصِ مِنهُ قَلِيلًا جِدًّا فَذَلِكَ جائِزٌ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الِاسْتِغْراقِ عَلى الأغْلَبِ عُرْفٌ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَ هَذا عَلى العُمُومِ غَيْرُ جائِزٍ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: ما رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الدُّنْيا وما سَألْناهُ عَنِ الرِّبا»، ولَوْ كانَ هَذا اللَّفْظُ مُفِيدًا لِلْعُمُومِ لَما قالَ ذَلِكَ فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المُجْمَلاتِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ بَيْعٍ حَلالًا، وقَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمَ الرِّبا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ رِبًا حَرامًا؛ لِأنَّ الرِّبا هو الزِّيادَةُ ولا بَيْعَ إلّا ويُقْصَدُ بِهِ الزِّيادَةُ، فَأوَّلُ الآيَةِ أباحَ جَمِيعَ البُيُوعِ، وآخِرُها حَرَّمَ الجَمِيعَ، فَلا يُعْرَفُ الحَلالُ مِنَ الحَرامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكانَتْ مُجْمَلَةً، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ في الحَلالِ والحَرامِ إلى بَيانِ الرَّسُولِ ﷺ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ ذَكَّرَ فِعْلَ المَوْعِظَةِ لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِأنَّها في مَعْنى الوَعْظِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ“ فَمَن جاءَتْهُ مَوْعِظَةٌ " ثُمَّ قالَ: ﴿فانْتَهى﴾ أيْ: فامْتَنَعَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٨٢
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: صَفَحَ لَهُ عَمّا مَضى مِن ذَنْبِهِ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [ الأنْفالِ: ٣٨] وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ في التَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَرامًا ولا ذَنْبًا، فَكَيْفَ يُقالُ المُرادُ مِنَ الآيَةِ الصَّفْحُ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ مَعَ أنَّهُ ما كانَ هُناكَ ذَنْبٌ ؟ والنَّهْيُ المُتَأخِّرُ لا يُؤَثِّرُ في الفِعْلِ المُتَقَدِّمِ ولِأنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ إلَيْهِ بِلامِ التَّمْلِيكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ذَنْبًا. الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: لَهُ ما سَلَفَ أيْ: لَهُ ما أكَلَ مِنَ الرِّبا، ولَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّ ما سَلَفَ، فَأمّا مَن لَمْ يَقْضِ بَعْدُ فَلا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، وإنَّما لَهُ رَأْسُ مالِهِ فَقَطْ كَما بَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٧٩].
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: السَّلَفُ المُتَقَدِّمُ، وكُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ أمامَكَ فَهو سَلَفٌ، ومِنهُ الأُمَّةُ السّالِفَةُ، والسّالِفَةُ العُنُقُ لِتَقَدُّمِهِ في جِهَةِ العُلُوِّ، والسُّلْفَةُ ما يُقَدَّمُ قَبْلَ الطَّعامِ، وسُلافَةُ الخَمْرِ صَفْوَتُها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن عَصِيرِها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ لِلْمُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ الَّذِي أقُولُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَن تَرَكَ اسْتِحْلالَ الرِّبا مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّهُ تَرَكَ أكْلَ الرِّبا، أوْ لَمْ يَتْرُكْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ مُقَدِّمَةُ الآيَةِ ومُؤَخِّرَتُها.
أمّا مُقَدِّمَةُ الآيَةِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ انْتَهى عَمّاذا فَلا بُدَّ وأنُ يَصْرِفَ ذَلِكَ المَذْكُورُ إلى السّابِقِ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ ما حَكى اللَّهُ أنَّهم قالُوا: إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَهى﴾ عائِدًا إلَيْهِ، فَكانَ المَعْنى: فانْتَهى عَنْ هَذا القَوْلِ.
وأمّا مُؤَخِّرَةُ الآيَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ومَعْناهُ: [ مَن ] عادَ إلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، وهو اسْتِحْلالُ الرِّبا ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ هَذا الإنْسانُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كَما انْتَهى عَنِ اسْتِحْلالِ الرِّبا انْتَهى أيْضًا عَنْ أكْلِ الرِّبا، أوْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ هَذا الشَّخْصُ مُقِرًّا بِدِينِ اللَّهِ عالِمًا بِتَكْلِيفِ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ المَدْحَ والتَّعْظِيمَ والإكْرامَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَلِيقُ بِالكافِرِ ولا بِالمُؤْمِنِ المُطِيعِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِمَن أقَرَّ بِحُرْمَةِ الرِّبا ثُمَّ أكَلَ الرِّبا فَهَهُنا أمْرُهُ لِلَّهِ إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا ظاهِرًا عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا أنَّ العَفْوَ مِنَ اللَّهِ مَرْجُوٌّ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ فالمَعْنى: ومَن عادَ إلى اسْتِحْلالِ الرِّبا حَتّى يَصِيرَ كافِرًا.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دَلِيلٌ قاطِعٌ في أنَّ الخُلُودَ لا يَكُونُ إلّا لِلْكافِرِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ فِيمَن عادَ إلى قَوْلِ الكافِرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ صاحِبَ النّارِ، وكَوْنَهُ خالِدًا في النّارِ لا يَحْصُلُ إلّا في الكُفّارِ أقْصى ما في البابِ أنّا خالَفْنا هَذا الظّاهِرَ وأدْخَلْنا سائِرَ الكُفّارِ فِيهِ، لَكِنَّهُ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ في صاحِبِ الكَبِيرَةِ فَتَأمَّلْ في هَذِهِ المَواضِعِ، وذَلِكَ أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ إذا كانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ يَجُوزُ في حَقِّهِ أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يُعاقِبَهُ اللَّهُ، وأمْرُهُ في البابَيْنِ مُوكَلٌ إلى اللَّهِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُعاقِبَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ لا يَخْلُدُ في النّارِ بَلْ
صفحة ٨٣
يُخْرِجُهُ مِنها، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ صِحَّةَ هَذا المَذْهَبِ في هَذِهِ الآياتِ بِقَوْلِهِ ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ عَلى جَوازِ العَفْوِ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ عَلى ما بَيَّنّاهُ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ النّارَ لَكِنَّهُ لا يُخَلِّدُهُ فِيها لِأنَّ الخُلُودَ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ لا بِأهْلِ الإيمانِ، وهَذا بَيانٌ شَرِيفٌ وتَفْسِيرٌ حَسَنٌ.
البقرة 2:276
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في الزَّجْرِ عَنِ الرِّبا، وكانَ قَدْ بالَغَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في الأمْرِ بِالصَّدَقاتِ، ذَكَرَ هَهُنا ما يَجْرِي مَجْرى الدُّعاءِ إلى تَرْكِ الصَّدَقاتِ وفِعْلِ الرِّبا، وكَشَفَ عَنْ فَسادِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى فِعْلِ الرِّبا تَحْصِيلُ المَزِيدِ في الخَيْراتِ، والصّارِفَ عَنِ الصَّدَقاتِ الِاحْتِرازُ عَنْ نُقْصانِ الخَيْرِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الرِّبا، وإنْ كانَ في زِيادَةٍ في الحالِ، إلّا أنَّهُ نُقْصانٌ في الحَقِيقَةِ، وأنَّ الصَّدَقَةَ وإنْ كانَتْ نُقْصانًا في الصُّورَةِ، إلّا أنَّها زِيادَةٌ في المَعْنى، ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ اللّائِقُ بِالعاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى ما يَقْضِي بِهِ الطَّبْعُ والحِسُّ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، بَلْ يُعَوِّلُ عَلى ما نَدَبَهُ الشَّرْعُ إلَيْهِ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَحْقُ نُقْصانُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، ومِنهُ المَحاقُ في الهِلالِ يُقالُ: مَحَقَهُ اللَّهُ فانْمَحَقَ وامْتَحَقَ، ويُقالُ: هَجِيرٌ ماحِقٌ إذا نَقَصَ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَرارَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَحْقَ الرِّبا وإرْباءَ الصَّدَقاتِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا، وأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَنَقُولُ: مَحْقُ الرِّبا في الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الغالِبَ في المُرابِي وإنْ كَثُرَ مالُهُ أنَّهُ تَؤُولُ عاقِبَتُهُ إلى الفَقْرِ، وتَزُولُ البَرَكَةُ عَنْ مالِهِ، قالَ ﷺ: ”«الرِّبا وإنْ كَثُرَ فَإلى قُلٍّ» “ .
وثانِيها: إنْ لَمْ يَنْقُصْ مالُهُ فَإنَّ عاقِبَتَهُ الذَّمُّ، والنَّقْصُ، وسُقُوطُ العَدالَةِ، وزَوالُ الأمانَةِ، وحُصُولُ اسْمِ الفِسْقِ والقَسْوَةِ والغِلْظَةِ.
وثالِثُها: أنَّ الفُقَراءَ الَّذِينَ يُشاهِدُونَ أنَّهُ أخَذَ أمْوالَهم بِسَبَبِ الرِّبا يَلْعَنُونَهُ ويُبْغِضُونَهُ ويَدْعُونَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِزَوالِ الخَيْرِ والبَرَكَةِ عَنْهُ في نَفْسِهِ ومالِهِ.
ورابِعُها: أنَّهُ مَتى اشْتُهِرَ بَيْنَ الخَلْقِ أنَّهُ إنَّما جَمَعَ مالَهُ مِنَ الرِّبا تَوَجَّهَتْ إلَيْه الأطْماعُ، وقَصَدَهُ كُلُّ ظالِمٍ ومارِقٍ وطَمّاعٍ، ويَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ المالَ لَيْسَ لَهُ في الحَقِيقَةِ فَلا يُتْرَكُ في يَدِهِ. وأمّا أنَّ الرِّبا سَبَبٌ لِلْمَحْقِ في الآخِرَةِ فَلِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَعْنى هَذا المَحْقِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ مِنهُ صَدَقَةً ولا جِهادًا، ولا حَجًّا، ولا صِلَةَ رَحِمٍ، وثانِيها: أنَّ مالَ الدُّنْيا لا يَبْقى عِنْدَ المَوْتِ، ويَبْقى التَّبِعَةُ والعُقُوبَةُ، وذَلِكَ هو الخَسارُ الأكْبَرُ، وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ في الحَدِيثِ أنَّ الأغْنِياءَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بَعْدَ الفُقَراءِ بِخَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَإذا كانَ الغَنِيُّ مِنَ الوَجْهِ الحَلالِ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِالغَنِيِّ مِنَ الوَجْهِ الحَرامِ المَقْطُوعِ بِحُرْمَتِهِ، كَيْفَ يَكُونُ ؟ فَذَلِكَ هو المَحْقُ والنُّقْصانُ.
وأمّا إرْباءُ الصَّدَقاتِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ في الدُّنْيا، وأنْ يَكُونَ المُرادُ في الآخِرَةِ.
صفحة ٨٤
أمّا في الدُّنْيا فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَن كانَ لِلَّهِ كانَ اللَّهُ لَهُ، فَإذا كانَ الإنْسانُ مَعَ فَقْرِهِ وحاجَتِهِ يُحْسِنُ إلى عَبِيدِ اللَّهِ، فاللَّهُ تَعالى لا يَتْرُكُهُ ضائِعًا في الدُّنْيا، وفي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْناهُ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ المَلَكَ يُنادِي كُلَّ يَوْمٍ ”«اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِكُلِّ مُنْفِقٍ خَلَفًا ولِمُمْسِكٍ تَلَفًا» “ .
وثانِيها: أنَّهُ يَزْدادُ كُلَّ يَوْمٍ في جاهِهِ وذِكْرِهِ الجَمِيلِ، ومَيْلِ القُلُوبِ إلَيْهِ وسُكُونِ النّاسِ إلَيْهِ، وذَلِكَ أفْضَلُ مِنَ المالِ مَعَ أضْدادِ هَذِهِ الأحْوالِ.
وثالِثُها: أنَّ الفُقَراءَ يُعِينُونَهُ بِالدَّعَواتِ الصّالِحَةِ.
ورابِعُها: الأطْماعُ تَنْقَطِعُ عَنْهُ فَإنَّهُ مَتى اشْتُهِرَ أنَّهُ مُتَشَمِّرٌ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ، فَكُلُّ أحَدٍ يَحْتَرِزُ عَنْ مُنازَعَتِهِ، وكُلُّ ظالِمٍ، وكُلُّ طَمّاعٍ لا يَجُوزُ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِهِ، اللَّهُمَّ إلّا نادِرًا، فَهَذا هو المُرادُ بِإرْباءِ الصَّدَقاتِ في الدُّنْيا.
وأمّا إرْباؤُها في الآخِرَةِ فَقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ الصَّدَقاتِ ولا يَقْبَلُ مِنها إلّا الطَّيِّبَ، ويَأْخُذُها بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيها كَما يُرَبِّي أحَدُكم مُهْرَهُ أوْ فَلُوَّهُ حَتّى أنَّ اللُّقْمَةَ تَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ» “ وتَصْدِيقُ ذَلِكَ بَيِّنٌ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ [ التَّوْبَةِ: ١٠٤] و: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ فِيما تَقَدَّمَ بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا، ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ بِحَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الكَفّارَ فَعّالٌ مِنَ الكُفْرِ، ومَعْناهُ مَن كانَ ذَلِكَ مِنهُ عادَةً، والعَرَبُ تُسَمِّي المُقِيمَ عَلى الشَّيْءِ بِهَذا، فَتَقُولُ: فُلانٌ فَعّالٌ لِلْخَيْرِ أمّارٌ بِهِ. والأثِيمُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وهو الآثِمُ، وهو أيْضًا مُبالَغَةٌ في الِاسْتِمْرارِ عَلى اكْتِسابِ الآثامِ والتَّمادِي فِيهِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن يُنْكِرُ تَحْرِيمَ الرِّبا فَيَكُونُ جاحِدًا، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ الكَفّارُ راجِعًا إلى المُسْتَحِيلِ والأثِيمُ يَكُونُ راجِعًا إلى مَن يَفْعَلُهُ مَعَ اعْتِقادِ التَّحْرِيمِ، فَتَكُونُ الآيَةُ جامِعَةً لِلْفَرِيقَيْنِ.
البقرة 2:277
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ في القُرْآنِ مُطَّرِدَةٌ بِأنَّهُ تَعالى مَهْما ذَكَرَ وعِيدًا ذَكَرَ بَعْدَهُ وعْدًا فَلَمّا بالَغَ هَهُنا في وعِيدِ المُرابِي أتْبَعَهُ بِهَذا الوَعْدِ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ قالَ:
صفحة ٨٥
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَعَطَفَ عَمَلَ الصّالِحاتِ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْهُ ألَيْسَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ مَعَ أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ داخِلانِ تَحْتَ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَكَذا فِيما ذَكَرْتُمْ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٨] وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [ البَقَرَةِ: ٣٩] .
ولِلْمُسْتَدِلِّ الأوَّلِ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الأصْلَ حَمْلُ كُلِّ لَفْظَةٍ عَلى فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ، فَيَبْقى في غَيْرِ مَوْضِعِ التَّعَذُّرِ عَلى الأصْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أقْوى مِن قَوْلِهِ: عَلى رَبِّهِمْ أجْرُهم؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَجْرِي مَجْرى ما إذا باعَ بِالنَّقْدِ، فَذاكَ النَّقْدُ هُناكَ حاضِرٌ مَتى شاءَ البائِعُ أخَذَهُ، وقَوْلُهُ: أجْرُهم عَلى رَبِّهِمْ. يَجْرِي مَجْرى ما إذا باعَ بِالنَّسِيئَةِ في الذِّمَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُهم مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ بِسَبَبِ ما تَرَكُوهُ في الدُّنْيا، فَإنَّ المُنْتَقِلَ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى فَوْقَها رُبَّما يَحْزَنُ عَلى بَعْضِ ما فاتَهُ مِنَ الأحْوالِ السّالِفَةِ، وإنْ كانَ مُغْتَبِطًا بِالثّانِيَةِ لِأجْلِ إلْفِهِ وعادَتِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ الغُصَّةِ لا يَلْحَقُ أهْلَ الثَّوابِ والكَرامَةِ، وقالَ الأصَمُّ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ، ولا هم يَحْزَنُونَ بِسَبَبِ أنَّهُ فاتَهُمُ النَّعِيمُ الزّائِدُ الَّذِي قَدْ حَصَلَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ السُّعَداءِ؛ لِأنَّهُ لا مُنافَسَةَ في الآخِرَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ أيْضًا بِسَبَبِ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنّا في الدُّنْيا طاعَةٌ أزْيَدُ مِمّا صَدَرَ حَتّى صِرْنا مُسْتَحِقِّينَ لِثَوابٍ أزْيَدَ مِمّا وجَدْناهُ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الخَواطِرَ لا تُوجَدُ في الآخِرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إشْكالٌ هو أنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتْ عارِفَةً بِاللَّهِ وكَما بَلَغَتْ حاضَتْ، ثُمَّ عِنْدَ انْقِطاعِ حَيْضِها ماتَتْ، أوِ الرَّجُلَ بَلَغَ عارِفًا بِاللَّهِ، وقَبْلَ أنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ ماتَ، فَهُما بِالِاتِّفاقِ مِن أهْلِ الثَّوابِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الأجْرِ والثَّوابِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الأعْمالِ، وأيْضًا مِن مَذْهَبِنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُثِيبُ المُؤْمِنَ الفاسِقَ الخالِيَ عَنْ جَمِيعِ الأعْمالِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَفَ اللَّهُ هَهُنا حُصُولَ الأجْرِ عَلى حُصُولِ الأعْمالِ ؟
الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الخِصالَ لا لِأجْلِ أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ مَشْرُوطٌ بِهَذا، بَلْ لِأجْلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أثَرًا في جَلْبِ الثَّوابِ، كَما قالَ في ضِدِّ هَذا ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [ الفُرْقانِ: ٦٨] ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [ الفُرْقانِ: ٦٨] ومَعْلُومٌ أنَّ مَنِ ادَّعى مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا يَحْتاجُ في اسْتِحْقاقِهِ العَذابَ إلى عَمَلٍ آخَرَ، ولَكِنَّ اللَّهَ جَمَعَ الزِّنا وقَتْلَ النَّفْسِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْلالِ مَعَ دُعاءِ غَيْرِ اللَّهِ إلَهًا لِبَيانِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ يُوجِبُ العُقُوبَةَ.
البقرة 2:278
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ مَنِ انْتَهى عَنِ الرِّبا فَلَهُ ما سَلَفَ فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ مِنهُ وبَيْنَ الباقِي في ذِمَّةِ القَوْمِ، فَقالَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ وبَيَّنَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ إذا كانَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقْبَضْ، فالزِّيادَةُ تَحْرُمُ، ولَيْسَ لَهم أنْ يَأْخُذُوا إلّا رُءُوسَ أمْوالِهِمْ، وإنَّما شَدَّدَ تَعالى في ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَنِ انْتَظَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً في حُلُولِ الأجَلِ، ثُمَّ حَضَرَ الوَقْتُ وظَنَّ نَفْسَهُ عَلى أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ، فَيَحْتاجُ في مَنعِهِ عَنْهُ إلى تَشْدِيدٍ عَظِيمٍ، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واتِّقاؤُهُ ما نَهى عَنْهُ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ قَدْ قَبَضْتُمْ شَيْئًا فَيَعْفُو عَنْهُ، وإنْ لَمْ تَقْبِضُوهُ، أوْ لَمْ تَقْبِضُوا بَعْضَهُ، فَذَلِكَ الَّذِي لَمْ تَقْبِضُوهُ كُلًّا كانَ أوْ بَعْضًا فَإنَّهُ يَحْرُمُ قَبْضُهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ كَبِيرٌ في أحْكامِ الكُفّارِ إذا أسْلَمُوا، وذَلِكَ لِأنَّ ما مَضى في وقْتِ الكُفْرِ فَإنَّهُ يَبْقى ولا يُنْقَضُ، ولا يُفْسَخُ، وما لا يُوجَدُ مِنهُ شَيْءٌ في حالِ الكُفْرِ فَحُكْمُهُ مَحْمُولٌ عَلى الإسْلامِ، فَإذا تَناكَحُوا عَلى ما يَجُوزُ عِنْدَهم ولا يَجُوزُ في الإسْلامِ فَهو عَفْوٌ لا يُتَعَقَّبُ، وإنْ كانَ النِّكاحُ وقَعَ عَلى مُحَرَّمٍ فَقَبَضَتْهُ المَرْأةُ فَقَدْ مَضى، وإنْ كانَتْ لَمْ تَقْبِضْهُ فَلَها مَهْرُ مِثْلِها دُونَ المَهْرِ المُسَمّى. هَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؟
الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِثْلُ ما يُقالُ: إنْ كُنْتَ أخًا فَأكْرِمْنِي، مَعْناهُ: إنَّ مَن كانَ أخًا أكْرَمَ أخاهُ.
والثّانِي: قِيلَ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ.
الثّالِثُ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ اسْتِدامَةَ الحُكْمِ لَكم بِالإيمانِ.
الرّابِعُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِلِسانِهِمْ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِقُلُوبِكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ رِواياتٌ:
صفحة ٨٧
الرِّوايَةُ الأُولى: أنَّها خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ كانُوا يُرابُونَ فَلَمّا أسْلَمُوا عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْخُذُوا رُءُوسَ أمْوالِهِمْ دُونَ الزِّيادَةِ.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أرْبَعَةِ إخْوَةٍ مِن ثَقِيفٍ: مَسْعُودٌ، وعَبْدُ يالِيلَ، وحَبِيبٌ، ورَبِيعَةُ، بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيِّ كانُوا يُدايِنُونَ بَنِي المُغِيرَةِ، فَلَمّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الطّائِفِ أسْلَمَ الإخْوَةُ، ثُمَّ طالَبُوا بِرِباهم بَنِي المُغِيرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وكانا أسْلَفا في التَّمْرِ، فَلَمّا حَضَرَ الجُذاذُ قَبَضا بَعْضًا، وزادَ في الباقِي فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وعِكْرِمَةَ.
الرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانا يُسْلِفانِ في الرِّبا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَتَكامَلُ إذا أصَرَّ الإنْسانُ عَلى كَبِيرَةٍ وإنَّما يَصِيرُ مُؤْمِنًا بِالإطْلاقِ إذا اجْتَنَبَ كُلَّ الكَبائِرِ.
والجَوابُ: لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ عَلى أنَّ العَمَلَ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةً عَلى كَمالِ الإيمانِ وشَرائِعِهِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ عامِلِينَ بِمُقْتَضى شَرائِعِ الإيمانِ. وهَذا وإنْ كانَ تَرْكًا لِلظّاهِرِ لَكِنّا ذَهَبْنا إلَيْهِ لِتِلْكَ الدَّلائِلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (فَآذِنُوا) مَفْتُوحَةَ الألِفِ مَمْدُودَةً مَكْسُورَةَ الذّالِ عَلى مِثالِ (فَآمِنُوا) والباقُونَ ﴿فَأْذَنُوا﴾ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ مَفْتُوحَةَ الذّالِ مَقْصُورَةً، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُما قَرَآ كَذَلِكَ (فَآذِنُوا) مَمْدُودَةً، أيْ فَأعْلِمُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠٩] ومَفْعُولُ الإيذانِ مَحْذُوفٌ في هَذِهِ الآيَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَأعْلِمُوا مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الرِّبا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وإذا أُمِرُوا بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ فَهم أيْضًا قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ، لَكِنْ لَيْسَ في عِلْمِهِمْ دَلالَةٌ عَلى إعْلامِ غَيْرِهِمْ، فَهَذِهِ القِراءَةُ في البَلاغَةِ آكَدٌ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: قِراءَةُ العامَّةِ مِنَ الإذْنِ، أيْ كُونُوا عَلى عِلْمٍ وإذْنٍ، وقَرَأ الحَسَنُ (فَأيْقِنُوا) وهو دَلِيلٌ لِقِراءَةِ العامَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ المُصِرِّينَ عَلى مُعامَلَةِ الرِّبا، أوْ هو خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ المُسْتَحِلِّينَ لِلرِّبا، الَّذِينَ قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، قالَ القاضِي: والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَ بِالمُحارَبَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ ؟
قُلْنا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مَن عَصى اللَّهَ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ، كَما جاءَ في الخَبَرِ ”«مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ» “ وعَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن لَمْ يَدَعِ المُخابَرَةَ فَلْيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ» “ وقَدْ جَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [ المائِدَةِ: ٣٣] أصْلًا في قَطْعِ
صفحة ٨٨
الطَّرِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَثَبَتَ أنَّ ذِكْرَ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّهْدِيدِ مَعَ المُسْلِمِينَ وارِدٌ في كِتابِ اللَّهِ وفي سُنَّةِ رَسُولِهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ المَذْكُورِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المُرادُ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ دُونَ نَفْسِ الحَرْبِ، والثّانِي: المُرادُ نَفْسُ الحَرْبِ وفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَنَقُولُ: الإصْرارُ عَلى عَمَلِ الرِّبا إنْ كانَ مِن شَخْصٍ وقَدَرَ الإمامُ عَلَيْهِ قَبَضَ عَلَيْهِ وأجْرى فِيهِ حُكْمَ اللَّهِ مِنَ التَّعْزِيرِ والحَبْسِ إلى أنْ تَظْهَرَ مِنهُ التَّوْبَةُ، وإنْ وقَعَ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُ عَسْكَرٌ وشَوْكَةٌ، حارَبَهُ الإمامُ كَما يُحارِبُ الفِئَةَ الباغِيَةَ وكَما حارَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مانِعِي الزَّكاةِ، وكَذا القَوْمُ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى تَرْكِ الأذانِ، وتَرْكِ دَفْنِ المَوْتى، فَإنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ ما ذَكَرْناهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن عامَلَ بِالرِّبا يُسْتَتابُ فَإنْ تابَ وإلّا ضُرِبَ عُنُقُهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا﴾، خِطابٌ لِلْكُفّارِ، وأنَّ مَعْنى الآيَةِ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِفِينَ بِتَحْرِيمِ الرِّبا ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِتَحْرِيمِهِ ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ومَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ، قالَ: إنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَن كَفَرَ بِشَرِيعَةٍ واحِدَةٍ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ كانَ كافِرًا، كَما لَوْ كَفَرَ بِجَمِيعِ شَرائِعِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْتُمْ﴾ والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ تُبْتُمْ مِن مُعامَلَةِ الرِّبا، وعَلى القَوْلِ الثّانِي مِنِ اسْتِحْلالِ الرِّبا ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا تَظْلِمُونَ الغَرِيمَ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى رَأْسِ المالِ، ولا تُظْلَمُونَ أيْ بِنُقْصانِ رَأْسِ المالِ.
البقرة 2:279
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ مَنِ انْتَهى عَنِ الرِّبا فَلَهُ ما سَلَفَ فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ مِنهُ وبَيْنَ الباقِي في ذِمَّةِ القَوْمِ، فَقالَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ وبَيَّنَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ إذا كانَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقْبَضْ، فالزِّيادَةُ تَحْرُمُ، ولَيْسَ لَهم أنْ يَأْخُذُوا إلّا رُءُوسَ أمْوالِهِمْ، وإنَّما شَدَّدَ تَعالى في ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَنِ انْتَظَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً في حُلُولِ الأجَلِ، ثُمَّ حَضَرَ الوَقْتُ وظَنَّ نَفْسَهُ عَلى أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ، فَيَحْتاجُ في مَنعِهِ عَنْهُ إلى تَشْدِيدٍ عَظِيمٍ، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واتِّقاؤُهُ ما نَهى عَنْهُ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ قَدْ قَبَضْتُمْ شَيْئًا فَيَعْفُو عَنْهُ، وإنْ لَمْ تَقْبِضُوهُ، أوْ لَمْ تَقْبِضُوا بَعْضَهُ، فَذَلِكَ الَّذِي لَمْ تَقْبِضُوهُ كُلًّا كانَ أوْ بَعْضًا فَإنَّهُ يَحْرُمُ قَبْضُهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ كَبِيرٌ في أحْكامِ الكُفّارِ إذا أسْلَمُوا، وذَلِكَ لِأنَّ ما مَضى في وقْتِ الكُفْرِ فَإنَّهُ يَبْقى ولا يُنْقَضُ، ولا يُفْسَخُ، وما لا يُوجَدُ مِنهُ شَيْءٌ في حالِ الكُفْرِ فَحُكْمُهُ مَحْمُولٌ عَلى الإسْلامِ، فَإذا تَناكَحُوا عَلى ما يَجُوزُ عِنْدَهم ولا يَجُوزُ في الإسْلامِ فَهو عَفْوٌ لا يُتَعَقَّبُ، وإنْ كانَ النِّكاحُ وقَعَ عَلى مُحَرَّمٍ فَقَبَضَتْهُ المَرْأةُ فَقَدْ مَضى، وإنْ كانَتْ لَمْ تَقْبِضْهُ فَلَها مَهْرُ مِثْلِها دُونَ المَهْرِ المُسَمّى. هَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؟
الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِثْلُ ما يُقالُ: إنْ كُنْتَ أخًا فَأكْرِمْنِي، مَعْناهُ: إنَّ مَن كانَ أخًا أكْرَمَ أخاهُ.
والثّانِي: قِيلَ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ.
الثّالِثُ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ اسْتِدامَةَ الحُكْمِ لَكم بِالإيمانِ.
الرّابِعُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِلِسانِهِمْ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِقُلُوبِكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ رِواياتٌ:
صفحة ٨٧
الرِّوايَةُ الأُولى: أنَّها خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ كانُوا يُرابُونَ فَلَمّا أسْلَمُوا عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْخُذُوا رُءُوسَ أمْوالِهِمْ دُونَ الزِّيادَةِ.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أرْبَعَةِ إخْوَةٍ مِن ثَقِيفٍ: مَسْعُودٌ، وعَبْدُ يالِيلَ، وحَبِيبٌ، ورَبِيعَةُ، بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيِّ كانُوا يُدايِنُونَ بَنِي المُغِيرَةِ، فَلَمّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الطّائِفِ أسْلَمَ الإخْوَةُ، ثُمَّ طالَبُوا بِرِباهم بَنِي المُغِيرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وكانا أسْلَفا في التَّمْرِ، فَلَمّا حَضَرَ الجُذاذُ قَبَضا بَعْضًا، وزادَ في الباقِي فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وعِكْرِمَةَ.
الرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانا يُسْلِفانِ في الرِّبا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَتَكامَلُ إذا أصَرَّ الإنْسانُ عَلى كَبِيرَةٍ وإنَّما يَصِيرُ مُؤْمِنًا بِالإطْلاقِ إذا اجْتَنَبَ كُلَّ الكَبائِرِ.
والجَوابُ: لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ عَلى أنَّ العَمَلَ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةً عَلى كَمالِ الإيمانِ وشَرائِعِهِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ عامِلِينَ بِمُقْتَضى شَرائِعِ الإيمانِ. وهَذا وإنْ كانَ تَرْكًا لِلظّاهِرِ لَكِنّا ذَهَبْنا إلَيْهِ لِتِلْكَ الدَّلائِلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (فَآذِنُوا) مَفْتُوحَةَ الألِفِ مَمْدُودَةً مَكْسُورَةَ الذّالِ عَلى مِثالِ (فَآمِنُوا) والباقُونَ ﴿فَأْذَنُوا﴾ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ مَفْتُوحَةَ الذّالِ مَقْصُورَةً، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُما قَرَآ كَذَلِكَ (فَآذِنُوا) مَمْدُودَةً، أيْ فَأعْلِمُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠٩] ومَفْعُولُ الإيذانِ مَحْذُوفٌ في هَذِهِ الآيَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَأعْلِمُوا مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الرِّبا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وإذا أُمِرُوا بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ فَهم أيْضًا قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ، لَكِنْ لَيْسَ في عِلْمِهِمْ دَلالَةٌ عَلى إعْلامِ غَيْرِهِمْ، فَهَذِهِ القِراءَةُ في البَلاغَةِ آكَدٌ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: قِراءَةُ العامَّةِ مِنَ الإذْنِ، أيْ كُونُوا عَلى عِلْمٍ وإذْنٍ، وقَرَأ الحَسَنُ (فَأيْقِنُوا) وهو دَلِيلٌ لِقِراءَةِ العامَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ المُصِرِّينَ عَلى مُعامَلَةِ الرِّبا، أوْ هو خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ المُسْتَحِلِّينَ لِلرِّبا، الَّذِينَ قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، قالَ القاضِي: والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَ بِالمُحارَبَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ ؟
قُلْنا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مَن عَصى اللَّهَ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ، كَما جاءَ في الخَبَرِ ”«مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ» “ وعَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن لَمْ يَدَعِ المُخابَرَةَ فَلْيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ» “ وقَدْ جَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [ المائِدَةِ: ٣٣] أصْلًا في قَطْعِ
صفحة ٨٨
الطَّرِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَثَبَتَ أنَّ ذِكْرَ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّهْدِيدِ مَعَ المُسْلِمِينَ وارِدٌ في كِتابِ اللَّهِ وفي سُنَّةِ رَسُولِهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ المَذْكُورِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المُرادُ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ دُونَ نَفْسِ الحَرْبِ، والثّانِي: المُرادُ نَفْسُ الحَرْبِ وفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَنَقُولُ: الإصْرارُ عَلى عَمَلِ الرِّبا إنْ كانَ مِن شَخْصٍ وقَدَرَ الإمامُ عَلَيْهِ قَبَضَ عَلَيْهِ وأجْرى فِيهِ حُكْمَ اللَّهِ مِنَ التَّعْزِيرِ والحَبْسِ إلى أنْ تَظْهَرَ مِنهُ التَّوْبَةُ، وإنْ وقَعَ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُ عَسْكَرٌ وشَوْكَةٌ، حارَبَهُ الإمامُ كَما يُحارِبُ الفِئَةَ الباغِيَةَ وكَما حارَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مانِعِي الزَّكاةِ، وكَذا القَوْمُ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى تَرْكِ الأذانِ، وتَرْكِ دَفْنِ المَوْتى، فَإنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ ما ذَكَرْناهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن عامَلَ بِالرِّبا يُسْتَتابُ فَإنْ تابَ وإلّا ضُرِبَ عُنُقُهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا﴾، خِطابٌ لِلْكُفّارِ، وأنَّ مَعْنى الآيَةِ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِفِينَ بِتَحْرِيمِ الرِّبا ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِتَحْرِيمِهِ ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ومَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ، قالَ: إنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَن كَفَرَ بِشَرِيعَةٍ واحِدَةٍ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ كانَ كافِرًا، كَما لَوْ كَفَرَ بِجَمِيعِ شَرائِعِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْتُمْ﴾ والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ تُبْتُمْ مِن مُعامَلَةِ الرِّبا، وعَلى القَوْلِ الثّانِي مِنِ اسْتِحْلالِ الرِّبا ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا تَظْلِمُونَ الغَرِيمَ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى رَأْسِ المالِ، ولا تُظْلَمُونَ أيْ بِنُقْصانِ رَأْسِ المالِ.
البقرة 2:280
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ ”كانَ“ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنْ تَكُونَ بِمَنزِلَةِ حَدَثَ ووَقَعَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ الأمْرُ، أيْ وُجِدَ، وحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ.
والثّانِي: أنْ يُخْلَعَ مِنهُ مَعْنى الحَدَثِ، فَتَبْقى الكَلِمَةُ مُجَرَّدَةً لِلزَّمانِ، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى الخَبَرِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: كانَ زَيْدٌ ذاهِبًا.
واعْلَمْ أنِّي حِينَ كُنْتُ مُقِيمًا بِخُوارَزْمَ، وكانَ هُناكَ جَمْعٌ مِن أكابِرِ الأُدَباءِ، أوْرَدْتُ عَلَيْهِمْ إشْكالًا في هَذا البابِ، فَقُلْتُ: إنَّكم تَقُولُونَ إنَّ ”كانَ“ إذا كانَتْ ناقِصَةً إنَّها تَكُونُ فِعْلًا وهَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ الفِعْلَ ما دَلَّ عَلى اقْتِرانِ حَدَثٍ بِزَمانٍ، فَقَوْلُكَ ”كانَ“ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ مَعْنى الكَوْنِ في الزَّمانِ الماضِي، وإذا أفادَ هَذا المَعْنى كانَتْ تامَّةً لا ناقِصَةً، فَهَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّها إنْ كانَتْ فِعْلًا كانَتْ تامَّةً لا ناقِصَةً، وإنْ لَمْ تَكُنْ تامَّةً لَمْ تَكُنْ فِعْلًا البَتَّةَ بَلْ كانَتْ حَرْفًا، وأنْتُمْ تُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَبَقُوا في هَذا الإشْكالِ زَمانًا طَوِيلًا، وصَنَّفُوا في الجَوابِ عَنْهُ كُتُبًا، وما أفْلَحُوا فِيهِ ثُمَّ انْكَشَفَ لِي فِيهِ سِرٌّ أذْكُرُهُ هَهُنا وهو أنَّ كانَ لا مَعْنى لَهُ إلّا حَدَثَ ووَقَعَ ووُجِدَ، إلّا أنَّ قَوْلَكَ وُجِدَ وحَدَثَ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وُجِدَ وحَدَثَ الشَّيْءُ كَقَوْلِكَ: وُجِدَ الجَوْهَرُ وحَدَثَ العَرَضُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وُجِدَ وحَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، فَإذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا فَمَعْناهُ حَدَثَ في الزَّمانِ الماضِي مَوْصُوفِيَّةُ زَيْدٍ بِالعِلْمِ، والقِسْمُ الأوَّلُ هو المُسَمّى بَكانِ التّامَّةِ، والقِسْمُ الثّانِي هو المُسَمّى بِالنّاقِصَةِ، وفي الحَقِيقَةِ فالمَفْهُومُ مِن ”كانَ“ في المَوْضِعَيْنِ هو الحُدُوثُ والوُقُوعُ، إلّا أنَّ في القِسْمِ الأوَّلِ المُرادِ حُدُوثُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ الِاسْمُ الواحِدُ كافِيًا، والمُرادُ في القِسْمِ الثّانِي حُدُوثُ مَوْصُوفِيَّةُ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ الواحِدُ كافِيًا، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِن ذِكْرِ الِاسْمَيْنِ
صفحة ٨٩
حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يُشِيرَ إلى مَوْصُوفِيَّةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ، وهَذا مِن لَطائِفِ الأبْحاثِ، فَأمّا إنْ قُلْنا إنَّهُ فِعْلٌ كانَ دالًّا عَلى وُقُوعِ المَصْدَرِ في الزَّمانِ الماضِي، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ تامَّةً لا ناقِصَةً، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ بَلْ حَرْفٌ فَكَيْفَ يَدْخُلُ فِيهِ الماضِي والمُسْتَقْبَلُ والأمْرُ، وجَمِيعُ خَواصِّ الأفْعالِ ؟ وإذا حُمِلَ الأمْرُ عَلى ما قُلْناهُ تَبَيَّنَ أنَّهُ فِعْلٌ وزالَ الإشْكالُ بِالكُلِّيَّةِ.
المَفْهُومُ الثّالِثُ لِكانَ: يَكُونُ بِمَعْنى صارَ، وأنْشَدُوا:
بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحَزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها
وعِنْدِي أنَّ هَذا اللَّفْظَ هَهُنا مَحْمُولٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ، فَإنَّ مَعْنى صارَ أنَّهُ حَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الذّاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ أنَّها ما كانَتْ مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ، فَيَكُونُ هُنا بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ، إلّا أنَّهُ حُدُوثٌ مَخْصُوصٌ، وهو أنَّهُ حَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الذّاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ أنْ كانَ الحاصِلُ مَوْصُوفِيَّةَ الذّاتِ بِصِفَةٍ أُخْرى.
المَفْهُومُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ زائِدَةً وأنْشِدُوا:
سَراةُ بَنِي أبِي بَكْرٍ تَسامَوْا ∗∗∗ عَلى كانَ المُسَوَّمَةِ الجِيادِ
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَلْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: في (كانَ) في هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها بِمَعْنى وقَعَ وحَدَثَ، والمَعْنى: وإنْ وُجِدَ ذُو عُسْرَةٍ، ونَظِيرُهَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٢] بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى: وإنْ وقَعَتْ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ، ومَقْصُودُ الآيَةِ إنَّما يَصِحُّ عَلى هَذا اللَّفْظِ وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: وإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ لَكانَ المَعْنى: وإنْ كانَ المُشْتَرِي ذا عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ، فَتَكُونُ النَّظِرَةُ مَقْصُورَةً عَلَيْهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ وغَيْرَهُ إذا كانَ ذا عُسْرَةٍ فَلَهُ النَّظِرَةُ إلى المَيْسَرَةِ، الثّانِي: أنَّها ناقِصَةٌ عَلى حَذْفِ الخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ غَرِيمًا لَكم، وقَرَأ عُثْمانُ (ذا عُسْرَةٍ) والتَّقْدِيرُ: إنْ كانَ الغَرِيمُ ذا عُسْرَةٍ، وقُرِئَ ”ومَن كانَ ذا عُسْرَةٍ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العُسْرَةُ اسْمٌ مِنَ الإعْسارِ، وهو تَعَذُّرُ المَوْجُودِ مِنَ المالِ؛ يُقالُ: أعْسَرَ الرَّجُلُ، إذا صارَ إلى حالَةِ العُسْرَةِ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَتَعَسَّرُ فِيها وُجُودُ المالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فالحُكْمُ أوْ فالأمْرُ نَظِرَةٌ، أوْ فالَّذِي تُعامِلُونَهُ نَظِرَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَظِرَةٌ أيْ تَأْخِيرٌ، والنَّظِرَةُ الِاسْمُ مِنَ الإنْظارِ، وهو الإمْهالُ، تَقُولُ: بِعْتُهُ الشَّيْءَ بِنَظِرَةٍ وبِإنْظارٍ، قالَ تَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤، ١٥ ] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”فَنَظْرَةٌ“ بِسُكُونِ الظّاءِ، وقَرَأ عَطاءٌ (فَناظِرُهُ) أيْ فَصاحِبُ الحَقِّ أيْ مُنْتَظِرُهُ، أوْ صاحِبُ نَظِرَتِهِ، عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ، كَقَوْلِهِمْ: مَكانٌ عاشِبٌ وباقِلٌ، أيْ ذُو عُشْبٍ وذُو بَقْلٍ، وعَنْهُ فَناظِرْهُ عَلى الأمْرِ أيْ فَسامِحْهُ بِالنَّظِرَةِ إلى المَيْسَرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَيْسَرَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ اليُسْرِ واليَسارِ، الَّذِي هو ضِدُّ الإعْسارِ، وهو تَيَسُّرُ المَوْجُودِ مِنَ المالِ، ومِنهُ يُقالُ: أيْسَرَ الرَّجُلُ فَهو مُوسِرٌ، أيْ صارَ إلى اليُسْرِ، فالمَيْسَرَةُ واليُسْرُ والمَيْسُورُ الغِنى.
صفحة ٩٠
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ نافِعٌ (مَيْسُرَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ كالمَقْبَرَةِ، والمَشْرَفَةِ، والمَشْرَبَةِ، والمَسْرَبَةِ، والفَتْحُ أشْهَرُ اللُّغَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ جاءَ في كَلامِهِمْ كَثِيرًا.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ حُكْمَ الإنْظارِ مُخْتَصٌّ بِالرِّبا أوْ عامٌّ في الكُلِّ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وشُرَيْحٌ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وإبْراهِيمُ: الآيَةُ في الرِّبا، وذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ أنَّهُ أمَرَ بِحَبْسِ أحَدِ الخَصْمَيْنِ فَقِيلَ: إنَّهُ مُعْسِرٌ، فَقالَ شُرَيْحٌ: إنَّما ذَلِكَ في الرِّبا، واللَّهُ تَعالى قالَ في كِتابِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [ النِّساءِ: ٥٨] وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قالَتِ الإخْوَةُ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ كانُوا يُعامِلُونَ بِالرِّبا: بَلْ نَتُوبُ إلى اللَّهِ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَرَضُوا بِرَأْسِ المالِ وطَلَبُوا بَنِي المُغِيرَةِ بِذَلِكَ، فَشَكا بَنُو المُغِيرَةِ المَعْسَرَةَ، وقالُوا: أخِّرُونا إلى أنْ تُدْرِكَ الغَلّاتُ، فَأبَوْا أنْ يُؤَخِّرُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّها عامَّةٌ في كُلِّ دَيْنٍ، واحْتَجُّوا بِما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ، لِيَكُونَ الحُكْمُ عامًّا في كُلِّ المُفَسِّرِينَ، قالَ القاضِي: والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ولا نَقْصٍ، ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: وإنْ كانَ مَن عَلَيْهِ المالُ مُعْسِرًا وجَبَ إنْظارُهُ إلى وقْتِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ النَّظِرَةَ يُرادُ بِها التَّأخُّرُ، فَلا بُدَّ مِن حَقٍّ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ حَتّى يَلْزَمَ التَّأخُّرُ، بَلْ لَمّا ثَبَتَ وُجُوبُ الإنْظارِ في هَذِهِ بِحُكْمِ النَّصِّ، ثَبَتَ وُجُوبُهُ في سائِرِ الصُّوَرِ ضَرُورَةَ الِاشْتِراكِ في المَعْنى، وهو أنَّ العاجِزَ عَنْ أداءِ المالِ لا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ كَأبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ الإعْسارِ، فَنَقُولُ: الإعْسارُ هو أنْ لا يَجِدَ في مِلْكِهِ ما يُؤَدِّيهِ بِعَيْنِهِ، ولا يَكُونُ لَهُ ما لَوْ باعَهُ لَأمْكَنَهُ أداءَ الدَّيْنِ مِن ثَمَنِهِ، فَلِهَذا قُلْنا: مَن وجَدَ دارًا وثِيابًا لا يُعَدُّ في ذَوِي العُسْرَةِ، إذا ما أمْكَنَهُ بَيْعَها وأداءَ ثَمَنِها، ولا يَجُوزُ أنْ يَحْبِسَ إلّا قُوتَ يَوْمٍ لِنَفْسِهِ وعِيالِهِ، وما لا بُدَّ لَهم مِن كُسْوَةٍ لِصَلاتِهِمْ ودَفْعِ البَرْدِ والحَرِّ عَنْهم.
واخْتَلَفُوا إذا كانَ قَوِيًّا هَلْ يَلْزَمُهُ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَهُ مِن صاحِبِ الدَّيْنِ أوْ غَيْرِهِ ؟ فَقالَ بَعْضُهم: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، كَما يَلْزَمُهُ إذا احْتاجَ لِنَفْسِهِ ولِعِيالِهِ، وقالَ بَعْضُهم: لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا أيْضًا إذا كانَ مُعْسِرًا، وقَدْ بَذَلَ غَيْرُهُ ما يُؤَدِّيهِ، هَلْ يَلْزَمُهُ القَبُولُ والأداءُ أوْ لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، فَأمّا مَن لَهُ بِضاعَةٌ كَسَدَتْ عَلَيْهِ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَبِيعَها بِالنُّقْصانِ إنْ لَمْ يَكُنْ إلّا ذَلِكَ، ويُؤَدِّيهِ في الدَّيْنِ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: إذا عَلِمَ الإنْسانُ أنَّ غَرِيمَهُ مُعْسِرٌ حَرُمَ عَلَيْهِ حَبْسُهُ، وأنْ يُطالِبَهُ بِما لَهُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ الإنْظارُ إلى وقْتِ اليَسارِ، فَأمّا إنْ كانَتْ لَهُ رِيبَةٌ في إعْسارِهِ فَيَجُوزُ لَهُ أنْ يَحْبِسَهُ إلى وقْتِ ظُهُورِ الإعْسارِ، واعْلَمْ أنَّهُ إذا ادَّعى الإعْسارَ وكَذَّبَهُ الغَرِيمُ، فَهَذا الدَّيْنُ الَّذِي لَزِمَهُ إمّا أنْ يَكُونَ عَنْ عِوَضٍ حَصَلَ لَهُ كالبَيْعِ والقَرْضِ، أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وفي القِسْمِ الأوَّلِ لا بُدَّ مِن إقامَةِ شاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ عَلى أنَّ ذَلِكَ العِوَضَ قَدْ هَلَكَ، وفي القِسْمِ الثّانِي وهو أنْ يَثْبُتَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ لا بِعِوَضٍ، مِثْلُ إتْلافٍ أوْ صَداقٍ أوْ ضَمانٍ، كانَ القَوْلُ قَوْلَهُ وعَلى الغُرَماءِ البَيِّنَةُ لِأنَّ الأصْلَ هو الفَقْرُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٩١
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ ”تَصَدَّقُوا“ بِتَخْفِيفِ الصّادِ والباقُونَ بِتَشْدِيدِها، والأصْلُ فِيهِ: أنْ تَتَصَدَّقُوا بِتاءَيْنِ، فَمَن خَفَّفَ حَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، ومَن شَدَّدَ أدْغَمَ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في التَّصَدُّقِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ: وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى المُعْسِرِ بِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ إذْ لا يَصِحُّ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلى غَيْرِهِ، وإنَّما جازَ هَذا الحَذْفُ لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُ المُعْسِرِ وذِكْرُ رَأْسِ المالِ فَعُلِمَ أنَّ التَّصَدُّقَ راجِعٌ إلَيْهِما، وهو كَقَوْلِهِ ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٣٧] والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالتَّصَدُّقِ الإنْظارُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”لا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إلّا كانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ» “ وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإنْظارَ ثَبَتَ وجُوبُهُ بِالآيَةِ الأُولى، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالواجِبِ بَلْ بِالمَندُوبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِالخَيْرِ حُصُولُ الثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا والثَّوابِ الجَزِيلِ في الآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ هَذا التَّصَدُّقَ خَيْرٌ لَكم إنْ عَمِلْتُمُوهُ، فَجَعَلَ العَمَلَ مِن لَوازِمِ العِلْمِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ عَلى العُصاةِ. والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَضْلَ التَّصَدُّقِ عَلى الإنْظارِ والقَبْضِ. والثّالِثُ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ ما يَأْمُرُكم بِهِ رَبُّكم أصْلَحُ لَكم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في العُظَماءِ الَّذِينَ كانُوا يُعامِلُونَ بِالرِّبا وكانُوا أصْحابَ ثَرْوَةٍ وجَلالٍ وأنْصارٍ وأعْوانٍ وكانَ قَدْ يَجْرِي مِنهُمُ التَّغَلُّبُ عَلى النّاسِ بِسَبَبِ ثَرْوَتِهِمْ، فاحْتاجُوا إلى مَزِيدِ زَجْرٍ ووَعِيدٍ وتَهْدِيدٍ، حَتّى يَمْتَنِعُوا عَنِ الرِّبا، وعَنْ أخْذِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، فَلا جَرَمَ تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وخَوَّفَهم عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَجَّ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [ النِّساءِ: ١٢٧] وهي آيَةُ الكَلالَةِ، ثُمَّ نَزَلَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [ المائِدَةِ: ٣]، ثُمَّ نَزَلَ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨١]، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا مُحَمَّدُ ضَعْها عَلى رَأْسِ ثَمانِينَ آيَةً ومِائَتَيْ آيَةٍ مِنَ البَقَرَةٍ، وعاشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَها أحَدًا وثَمانِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: أحَدًا وعِشْرِينَ، وقِيلَ: سَبْعَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ثَلاثَ ساعاتٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ”تَرْجِعُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ والباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ، واعْلَمْ أنَّ الرُّجُوعَ لازِمٌ، والرَّجْعَ مُتَعَدٍّ، وعَلَيْهِ تُخَرَّجُ القِراءَتانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: انْتَصَبَ ﴿يَوْمًا﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، لا عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى: واتَّقُوا في هَذا اليَوْمِ، لَكِنَّ المَعْنى تَأهَّبُوا لِلِقائِهِ بِما تُقَدِّمُونَ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [ المُزَّمِّلُ: ١٧] أيْ: كَيْفَ تَتَّقُونَ هَذا اليَوْمَ الَّذِي هَذا وصْفُهُ مَعَ الكُفْرِ بِاللَّهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القاضِي: اليَوْمَ عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ مَخْصُوصٍ، وذَلِكَ لا يُتَّقى، وإنَّما يُتَّقى ما يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ والأهْوالِ، واتِّقاءُ تِلْكَ الأهْوالِ لا يُمْكِنُ إلّا في دارِ الدُّنْيا بِمُجانَبَةِ المَعاصِي الواجِباتِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِجَمِيعِ أقْسامِ التَّكالِيفِ.
صفحة ٩٢
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ المُرادُ مِنهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَكانِ والجِهَةِ فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الرُّجُوعَ إلى عِلْمِهِ وحِفْظِهِ، فَإنَّهُ مَعَهم أيْنَما كانُوا لَكِنْ كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ لَهُ مَعْنَيانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ لَهُ أحْوالٌ ثَلاثَةٌ عَلى التَّرْتِيبِ:
فالحالَةُ الأُولى: كَوْنُهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، ثُمَّ لا يَمْلِكُونَ نَفْعَهم ولا ضَرَّهم، بَلِ المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ لَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
والحالَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهم بَعْدَ البُرُوزِ عَنْ بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، وهُناكَ يَكُونُ المُتَكَفِّلُ بِإصْلاحِ أحْوالِهِمْ في أوَّلِ الأمْرِ الأبَوَيْنِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ بَعْضُهم في البَعْضِ في حُكْمِ الظّاهِرِ.
والحالَةُ الثّالِثَةُ: بَعْدَ المَوْتِ وهُناكَ لا يَكُونُ المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ ظاهِرًا في الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ، فَكَأنَّهُ بَعْدَ الخُرُوجِ عَنِ الدُّنْيا عادَ إلى الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ الدُّخُولِ في الدُّنْيا، فَهَذا هو مَعْنى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ يَرْجِعُونَ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وكِلا التَّأْوِيلَيْنِ حَسَنٌ مُطابِقٌ لِلَّفْظِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ أنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ فَهو عِنْدُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلَيْهِ جَزاءُ عَمَلِهِ بِالتَّمامِ، كَما قالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [ الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨]، وقالَ: ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ وقالَ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٤٧] وفي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ما كَسَبَتْ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ حَذْفًا والتَّقْدِيرُ جَزاءُ ما كَسَبَتْ، والثّانِي: أنَّ المُكْتَسَبَ هو ذَلِكَ الجَزاءُ؛ لِأنَّ ما يُحَصِّلُ الرَّجُلُ بِتِجارَتِهِ مِنَ المالِ فَإنَّهُ يُوصَفُ في اللُّغَةِ بِأنَّهُ مُكْتَسَبُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ تُوَفّى كُلُّ نَفْسِ مُكْتَسَبَها، وهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ مَهْما أمْكَنَ تَفْسِيرُ الكَلامِ بِحَيْثُ لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الإضْمارِ كانَ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَعِيدِيَّةُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ، وأصْحابُنا يَتَمَسَّكُونَ بِها في القَطْعِ بِعَدَمِ الخُلُودِ؛ لِأنَّهُ لَمّا آمَنَ فَلا بُدَّ وأنْ يَصِلَ ثَوابُ الإيمانِ إلَيْهِ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا بِأنْ يَخْرُجَ مِنَ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ لا مَعْنى لَهُ إلّا أنَّهم لا يُظْلَمُونَ، فَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا.
وجَوابُهُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى إيصالِ العَذابِ إلى الفُسّاقِ والكُفّارِ، فَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَرَمِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ أنْ يُعَذِّبَ عَبِيدَهُ، فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ العَبْدَ هو الَّذِي أوْقَعَ نَفْسَهُ في تِلْكَ الوَرْطَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَكَّنَهُ وأزاحَ عُذْرَهُ، وسَهَّلَ عَلَيْهِ طَرِيقَ الِاسْتِدْلالِ، وأمْهَلَهُ، فَمَن قَصَّرَ فَهو الَّذِي أساءَ إلى نَفْسِهِ. وهَذا الجَوابُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى أُصُولِ أصْحابِنا فَهو أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكُ الخَلْقِ، والمالِكُ إذا تَصَرَّفَ في مِلْكِهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعِيدِ إشارَةً إلى ما ذَكَرْناهُ.
البقرة 2:281
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ ”كانَ“ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنْ تَكُونَ بِمَنزِلَةِ حَدَثَ ووَقَعَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ الأمْرُ، أيْ وُجِدَ، وحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ.
والثّانِي: أنْ يُخْلَعَ مِنهُ مَعْنى الحَدَثِ، فَتَبْقى الكَلِمَةُ مُجَرَّدَةً لِلزَّمانِ، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى الخَبَرِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: كانَ زَيْدٌ ذاهِبًا.
واعْلَمْ أنِّي حِينَ كُنْتُ مُقِيمًا بِخُوارَزْمَ، وكانَ هُناكَ جَمْعٌ مِن أكابِرِ الأُدَباءِ، أوْرَدْتُ عَلَيْهِمْ إشْكالًا في هَذا البابِ، فَقُلْتُ: إنَّكم تَقُولُونَ إنَّ ”كانَ“ إذا كانَتْ ناقِصَةً إنَّها تَكُونُ فِعْلًا وهَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ الفِعْلَ ما دَلَّ عَلى اقْتِرانِ حَدَثٍ بِزَمانٍ، فَقَوْلُكَ ”كانَ“ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ مَعْنى الكَوْنِ في الزَّمانِ الماضِي، وإذا أفادَ هَذا المَعْنى كانَتْ تامَّةً لا ناقِصَةً، فَهَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّها إنْ كانَتْ فِعْلًا كانَتْ تامَّةً لا ناقِصَةً، وإنْ لَمْ تَكُنْ تامَّةً لَمْ تَكُنْ فِعْلًا البَتَّةَ بَلْ كانَتْ حَرْفًا، وأنْتُمْ تُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَبَقُوا في هَذا الإشْكالِ زَمانًا طَوِيلًا، وصَنَّفُوا في الجَوابِ عَنْهُ كُتُبًا، وما أفْلَحُوا فِيهِ ثُمَّ انْكَشَفَ لِي فِيهِ سِرٌّ أذْكُرُهُ هَهُنا وهو أنَّ كانَ لا مَعْنى لَهُ إلّا حَدَثَ ووَقَعَ ووُجِدَ، إلّا أنَّ قَوْلَكَ وُجِدَ وحَدَثَ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وُجِدَ وحَدَثَ الشَّيْءُ كَقَوْلِكَ: وُجِدَ الجَوْهَرُ وحَدَثَ العَرَضُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وُجِدَ وحَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، فَإذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا فَمَعْناهُ حَدَثَ في الزَّمانِ الماضِي مَوْصُوفِيَّةُ زَيْدٍ بِالعِلْمِ، والقِسْمُ الأوَّلُ هو المُسَمّى بَكانِ التّامَّةِ، والقِسْمُ الثّانِي هو المُسَمّى بِالنّاقِصَةِ، وفي الحَقِيقَةِ فالمَفْهُومُ مِن ”كانَ“ في المَوْضِعَيْنِ هو الحُدُوثُ والوُقُوعُ، إلّا أنَّ في القِسْمِ الأوَّلِ المُرادِ حُدُوثُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ الِاسْمُ الواحِدُ كافِيًا، والمُرادُ في القِسْمِ الثّانِي حُدُوثُ مَوْصُوفِيَّةُ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ الواحِدُ كافِيًا، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِن ذِكْرِ الِاسْمَيْنِ
صفحة ٨٩
حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يُشِيرَ إلى مَوْصُوفِيَّةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ، وهَذا مِن لَطائِفِ الأبْحاثِ، فَأمّا إنْ قُلْنا إنَّهُ فِعْلٌ كانَ دالًّا عَلى وُقُوعِ المَصْدَرِ في الزَّمانِ الماضِي، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ تامَّةً لا ناقِصَةً، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ بَلْ حَرْفٌ فَكَيْفَ يَدْخُلُ فِيهِ الماضِي والمُسْتَقْبَلُ والأمْرُ، وجَمِيعُ خَواصِّ الأفْعالِ ؟ وإذا حُمِلَ الأمْرُ عَلى ما قُلْناهُ تَبَيَّنَ أنَّهُ فِعْلٌ وزالَ الإشْكالُ بِالكُلِّيَّةِ.
المَفْهُومُ الثّالِثُ لِكانَ: يَكُونُ بِمَعْنى صارَ، وأنْشَدُوا:
بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحَزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها
وعِنْدِي أنَّ هَذا اللَّفْظَ هَهُنا مَحْمُولٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ، فَإنَّ مَعْنى صارَ أنَّهُ حَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الذّاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ أنَّها ما كانَتْ مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ، فَيَكُونُ هُنا بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ، إلّا أنَّهُ حُدُوثٌ مَخْصُوصٌ، وهو أنَّهُ حَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الذّاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ أنْ كانَ الحاصِلُ مَوْصُوفِيَّةَ الذّاتِ بِصِفَةٍ أُخْرى.
المَفْهُومُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ زائِدَةً وأنْشِدُوا:
سَراةُ بَنِي أبِي بَكْرٍ تَسامَوْا ∗∗∗ عَلى كانَ المُسَوَّمَةِ الجِيادِ
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَلْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: في (كانَ) في هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها بِمَعْنى وقَعَ وحَدَثَ، والمَعْنى: وإنْ وُجِدَ ذُو عُسْرَةٍ، ونَظِيرُهَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٢] بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى: وإنْ وقَعَتْ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ، ومَقْصُودُ الآيَةِ إنَّما يَصِحُّ عَلى هَذا اللَّفْظِ وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: وإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ لَكانَ المَعْنى: وإنْ كانَ المُشْتَرِي ذا عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ، فَتَكُونُ النَّظِرَةُ مَقْصُورَةً عَلَيْهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ وغَيْرَهُ إذا كانَ ذا عُسْرَةٍ فَلَهُ النَّظِرَةُ إلى المَيْسَرَةِ، الثّانِي: أنَّها ناقِصَةٌ عَلى حَذْفِ الخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ غَرِيمًا لَكم، وقَرَأ عُثْمانُ (ذا عُسْرَةٍ) والتَّقْدِيرُ: إنْ كانَ الغَرِيمُ ذا عُسْرَةٍ، وقُرِئَ ”ومَن كانَ ذا عُسْرَةٍ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العُسْرَةُ اسْمٌ مِنَ الإعْسارِ، وهو تَعَذُّرُ المَوْجُودِ مِنَ المالِ؛ يُقالُ: أعْسَرَ الرَّجُلُ، إذا صارَ إلى حالَةِ العُسْرَةِ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَتَعَسَّرُ فِيها وُجُودُ المالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فالحُكْمُ أوْ فالأمْرُ نَظِرَةٌ، أوْ فالَّذِي تُعامِلُونَهُ نَظِرَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَظِرَةٌ أيْ تَأْخِيرٌ، والنَّظِرَةُ الِاسْمُ مِنَ الإنْظارِ، وهو الإمْهالُ، تَقُولُ: بِعْتُهُ الشَّيْءَ بِنَظِرَةٍ وبِإنْظارٍ، قالَ تَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤، ١٥ ] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”فَنَظْرَةٌ“ بِسُكُونِ الظّاءِ، وقَرَأ عَطاءٌ (فَناظِرُهُ) أيْ فَصاحِبُ الحَقِّ أيْ مُنْتَظِرُهُ، أوْ صاحِبُ نَظِرَتِهِ، عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ، كَقَوْلِهِمْ: مَكانٌ عاشِبٌ وباقِلٌ، أيْ ذُو عُشْبٍ وذُو بَقْلٍ، وعَنْهُ فَناظِرْهُ عَلى الأمْرِ أيْ فَسامِحْهُ بِالنَّظِرَةِ إلى المَيْسَرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَيْسَرَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ اليُسْرِ واليَسارِ، الَّذِي هو ضِدُّ الإعْسارِ، وهو تَيَسُّرُ المَوْجُودِ مِنَ المالِ، ومِنهُ يُقالُ: أيْسَرَ الرَّجُلُ فَهو مُوسِرٌ، أيْ صارَ إلى اليُسْرِ، فالمَيْسَرَةُ واليُسْرُ والمَيْسُورُ الغِنى.
صفحة ٩٠
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ نافِعٌ (مَيْسُرَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ كالمَقْبَرَةِ، والمَشْرَفَةِ، والمَشْرَبَةِ، والمَسْرَبَةِ، والفَتْحُ أشْهَرُ اللُّغَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ جاءَ في كَلامِهِمْ كَثِيرًا.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ حُكْمَ الإنْظارِ مُخْتَصٌّ بِالرِّبا أوْ عامٌّ في الكُلِّ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وشُرَيْحٌ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وإبْراهِيمُ: الآيَةُ في الرِّبا، وذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ أنَّهُ أمَرَ بِحَبْسِ أحَدِ الخَصْمَيْنِ فَقِيلَ: إنَّهُ مُعْسِرٌ، فَقالَ شُرَيْحٌ: إنَّما ذَلِكَ في الرِّبا، واللَّهُ تَعالى قالَ في كِتابِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [ النِّساءِ: ٥٨] وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قالَتِ الإخْوَةُ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ كانُوا يُعامِلُونَ بِالرِّبا: بَلْ نَتُوبُ إلى اللَّهِ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَرَضُوا بِرَأْسِ المالِ وطَلَبُوا بَنِي المُغِيرَةِ بِذَلِكَ، فَشَكا بَنُو المُغِيرَةِ المَعْسَرَةَ، وقالُوا: أخِّرُونا إلى أنْ تُدْرِكَ الغَلّاتُ، فَأبَوْا أنْ يُؤَخِّرُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّها عامَّةٌ في كُلِّ دَيْنٍ، واحْتَجُّوا بِما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ، لِيَكُونَ الحُكْمُ عامًّا في كُلِّ المُفَسِّرِينَ، قالَ القاضِي: والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ولا نَقْصٍ، ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: وإنْ كانَ مَن عَلَيْهِ المالُ مُعْسِرًا وجَبَ إنْظارُهُ إلى وقْتِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ النَّظِرَةَ يُرادُ بِها التَّأخُّرُ، فَلا بُدَّ مِن حَقٍّ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ حَتّى يَلْزَمَ التَّأخُّرُ، بَلْ لَمّا ثَبَتَ وُجُوبُ الإنْظارِ في هَذِهِ بِحُكْمِ النَّصِّ، ثَبَتَ وُجُوبُهُ في سائِرِ الصُّوَرِ ضَرُورَةَ الِاشْتِراكِ في المَعْنى، وهو أنَّ العاجِزَ عَنْ أداءِ المالِ لا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ كَأبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ الإعْسارِ، فَنَقُولُ: الإعْسارُ هو أنْ لا يَجِدَ في مِلْكِهِ ما يُؤَدِّيهِ بِعَيْنِهِ، ولا يَكُونُ لَهُ ما لَوْ باعَهُ لَأمْكَنَهُ أداءَ الدَّيْنِ مِن ثَمَنِهِ، فَلِهَذا قُلْنا: مَن وجَدَ دارًا وثِيابًا لا يُعَدُّ في ذَوِي العُسْرَةِ، إذا ما أمْكَنَهُ بَيْعَها وأداءَ ثَمَنِها، ولا يَجُوزُ أنْ يَحْبِسَ إلّا قُوتَ يَوْمٍ لِنَفْسِهِ وعِيالِهِ، وما لا بُدَّ لَهم مِن كُسْوَةٍ لِصَلاتِهِمْ ودَفْعِ البَرْدِ والحَرِّ عَنْهم.
واخْتَلَفُوا إذا كانَ قَوِيًّا هَلْ يَلْزَمُهُ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَهُ مِن صاحِبِ الدَّيْنِ أوْ غَيْرِهِ ؟ فَقالَ بَعْضُهم: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، كَما يَلْزَمُهُ إذا احْتاجَ لِنَفْسِهِ ولِعِيالِهِ، وقالَ بَعْضُهم: لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا أيْضًا إذا كانَ مُعْسِرًا، وقَدْ بَذَلَ غَيْرُهُ ما يُؤَدِّيهِ، هَلْ يَلْزَمُهُ القَبُولُ والأداءُ أوْ لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، فَأمّا مَن لَهُ بِضاعَةٌ كَسَدَتْ عَلَيْهِ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَبِيعَها بِالنُّقْصانِ إنْ لَمْ يَكُنْ إلّا ذَلِكَ، ويُؤَدِّيهِ في الدَّيْنِ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: إذا عَلِمَ الإنْسانُ أنَّ غَرِيمَهُ مُعْسِرٌ حَرُمَ عَلَيْهِ حَبْسُهُ، وأنْ يُطالِبَهُ بِما لَهُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ الإنْظارُ إلى وقْتِ اليَسارِ، فَأمّا إنْ كانَتْ لَهُ رِيبَةٌ في إعْسارِهِ فَيَجُوزُ لَهُ أنْ يَحْبِسَهُ إلى وقْتِ ظُهُورِ الإعْسارِ، واعْلَمْ أنَّهُ إذا ادَّعى الإعْسارَ وكَذَّبَهُ الغَرِيمُ، فَهَذا الدَّيْنُ الَّذِي لَزِمَهُ إمّا أنْ يَكُونَ عَنْ عِوَضٍ حَصَلَ لَهُ كالبَيْعِ والقَرْضِ، أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وفي القِسْمِ الأوَّلِ لا بُدَّ مِن إقامَةِ شاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ عَلى أنَّ ذَلِكَ العِوَضَ قَدْ هَلَكَ، وفي القِسْمِ الثّانِي وهو أنْ يَثْبُتَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ لا بِعِوَضٍ، مِثْلُ إتْلافٍ أوْ صَداقٍ أوْ ضَمانٍ، كانَ القَوْلُ قَوْلَهُ وعَلى الغُرَماءِ البَيِّنَةُ لِأنَّ الأصْلَ هو الفَقْرُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٩١
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ ”تَصَدَّقُوا“ بِتَخْفِيفِ الصّادِ والباقُونَ بِتَشْدِيدِها، والأصْلُ فِيهِ: أنْ تَتَصَدَّقُوا بِتاءَيْنِ، فَمَن خَفَّفَ حَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، ومَن شَدَّدَ أدْغَمَ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في التَّصَدُّقِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ: وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى المُعْسِرِ بِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ إذْ لا يَصِحُّ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلى غَيْرِهِ، وإنَّما جازَ هَذا الحَذْفُ لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُ المُعْسِرِ وذِكْرُ رَأْسِ المالِ فَعُلِمَ أنَّ التَّصَدُّقَ راجِعٌ إلَيْهِما، وهو كَقَوْلِهِ ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٣٧] والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالتَّصَدُّقِ الإنْظارُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”لا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إلّا كانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ» “ وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإنْظارَ ثَبَتَ وجُوبُهُ بِالآيَةِ الأُولى، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالواجِبِ بَلْ بِالمَندُوبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِالخَيْرِ حُصُولُ الثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا والثَّوابِ الجَزِيلِ في الآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ هَذا التَّصَدُّقَ خَيْرٌ لَكم إنْ عَمِلْتُمُوهُ، فَجَعَلَ العَمَلَ مِن لَوازِمِ العِلْمِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ عَلى العُصاةِ. والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَضْلَ التَّصَدُّقِ عَلى الإنْظارِ والقَبْضِ. والثّالِثُ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ ما يَأْمُرُكم بِهِ رَبُّكم أصْلَحُ لَكم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في العُظَماءِ الَّذِينَ كانُوا يُعامِلُونَ بِالرِّبا وكانُوا أصْحابَ ثَرْوَةٍ وجَلالٍ وأنْصارٍ وأعْوانٍ وكانَ قَدْ يَجْرِي مِنهُمُ التَّغَلُّبُ عَلى النّاسِ بِسَبَبِ ثَرْوَتِهِمْ، فاحْتاجُوا إلى مَزِيدِ زَجْرٍ ووَعِيدٍ وتَهْدِيدٍ، حَتّى يَمْتَنِعُوا عَنِ الرِّبا، وعَنْ أخْذِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، فَلا جَرَمَ تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وخَوَّفَهم عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَجَّ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [ النِّساءِ: ١٢٧] وهي آيَةُ الكَلالَةِ، ثُمَّ نَزَلَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [ المائِدَةِ: ٣]، ثُمَّ نَزَلَ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨١]، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا مُحَمَّدُ ضَعْها عَلى رَأْسِ ثَمانِينَ آيَةً ومِائَتَيْ آيَةٍ مِنَ البَقَرَةٍ، وعاشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَها أحَدًا وثَمانِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: أحَدًا وعِشْرِينَ، وقِيلَ: سَبْعَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ثَلاثَ ساعاتٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ”تَرْجِعُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ والباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ، واعْلَمْ أنَّ الرُّجُوعَ لازِمٌ، والرَّجْعَ مُتَعَدٍّ، وعَلَيْهِ تُخَرَّجُ القِراءَتانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: انْتَصَبَ ﴿يَوْمًا﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، لا عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى: واتَّقُوا في هَذا اليَوْمِ، لَكِنَّ المَعْنى تَأهَّبُوا لِلِقائِهِ بِما تُقَدِّمُونَ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [ المُزَّمِّلُ: ١٧] أيْ: كَيْفَ تَتَّقُونَ هَذا اليَوْمَ الَّذِي هَذا وصْفُهُ مَعَ الكُفْرِ بِاللَّهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القاضِي: اليَوْمَ عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ مَخْصُوصٍ، وذَلِكَ لا يُتَّقى، وإنَّما يُتَّقى ما يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ والأهْوالِ، واتِّقاءُ تِلْكَ الأهْوالِ لا يُمْكِنُ إلّا في دارِ الدُّنْيا بِمُجانَبَةِ المَعاصِي الواجِباتِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِجَمِيعِ أقْسامِ التَّكالِيفِ.
صفحة ٩٢
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ المُرادُ مِنهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَكانِ والجِهَةِ فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الرُّجُوعَ إلى عِلْمِهِ وحِفْظِهِ، فَإنَّهُ مَعَهم أيْنَما كانُوا لَكِنْ كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ لَهُ مَعْنَيانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ لَهُ أحْوالٌ ثَلاثَةٌ عَلى التَّرْتِيبِ:
فالحالَةُ الأُولى: كَوْنُهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، ثُمَّ لا يَمْلِكُونَ نَفْعَهم ولا ضَرَّهم، بَلِ المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ لَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
والحالَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهم بَعْدَ البُرُوزِ عَنْ بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، وهُناكَ يَكُونُ المُتَكَفِّلُ بِإصْلاحِ أحْوالِهِمْ في أوَّلِ الأمْرِ الأبَوَيْنِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ بَعْضُهم في البَعْضِ في حُكْمِ الظّاهِرِ.
والحالَةُ الثّالِثَةُ: بَعْدَ المَوْتِ وهُناكَ لا يَكُونُ المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ ظاهِرًا في الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ، فَكَأنَّهُ بَعْدَ الخُرُوجِ عَنِ الدُّنْيا عادَ إلى الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ الدُّخُولِ في الدُّنْيا، فَهَذا هو مَعْنى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ يَرْجِعُونَ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وكِلا التَّأْوِيلَيْنِ حَسَنٌ مُطابِقٌ لِلَّفْظِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ أنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ فَهو عِنْدُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلَيْهِ جَزاءُ عَمَلِهِ بِالتَّمامِ، كَما قالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [ الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨]، وقالَ: ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ وقالَ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٤٧] وفي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ما كَسَبَتْ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ حَذْفًا والتَّقْدِيرُ جَزاءُ ما كَسَبَتْ، والثّانِي: أنَّ المُكْتَسَبَ هو ذَلِكَ الجَزاءُ؛ لِأنَّ ما يُحَصِّلُ الرَّجُلُ بِتِجارَتِهِ مِنَ المالِ فَإنَّهُ يُوصَفُ في اللُّغَةِ بِأنَّهُ مُكْتَسَبُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ تُوَفّى كُلُّ نَفْسِ مُكْتَسَبَها، وهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ مَهْما أمْكَنَ تَفْسِيرُ الكَلامِ بِحَيْثُ لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الإضْمارِ كانَ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَعِيدِيَّةُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ، وأصْحابُنا يَتَمَسَّكُونَ بِها في القَطْعِ بِعَدَمِ الخُلُودِ؛ لِأنَّهُ لَمّا آمَنَ فَلا بُدَّ وأنْ يَصِلَ ثَوابُ الإيمانِ إلَيْهِ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا بِأنْ يَخْرُجَ مِنَ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ لا مَعْنى لَهُ إلّا أنَّهم لا يُظْلَمُونَ، فَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا.
وجَوابُهُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى إيصالِ العَذابِ إلى الفُسّاقِ والكُفّارِ، فَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَرَمِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ أنْ يُعَذِّبَ عَبِيدَهُ، فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ العَبْدَ هو الَّذِي أوْقَعَ نَفْسَهُ في تِلْكَ الوَرْطَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَكَّنَهُ وأزاحَ عُذْرَهُ، وسَهَّلَ عَلَيْهِ طَرِيقَ الِاسْتِدْلالِ، وأمْهَلَهُ، فَمَن قَصَّرَ فَهو الَّذِي أساءَ إلى نَفْسِهِ. وهَذا الجَوابُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى أُصُولِ أصْحابِنا فَهو أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكُ الخَلْقِ، والمالِكُ إذا تَصَرَّفَ في مِلْكِهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعِيدِ إشارَةً إلى ما ذَكَرْناهُ.