Tafsir Al-Razi — البقرة 2:282 – آل عمران 3:25
المحتويات
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
البقرة 2:282
الحُكْمُ الثّالِثُ
مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَوْضِعِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ آيَةُ المُدايَنَةِ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَ هَذا الحُكْمِ نَوْعَيْنِ مِنَ الحُكْمِ: أحَدُهُما: الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ وهو يُوجِبُ تَنْقِيصَ المالِ، والثّانِي: تَرْكُ الرِّبا، وهو أيْضًا سَبَبٌ لِتَنْقِيصِ المالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ ذَيْنِكَ الحُكْمَيْنِ بِالتَّهْدِيدِ العَظِيمِ، فَقالَ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ والتَّقْوى تَسُدُّ عَلى الإنْسانِ أكْثَرَ أبْوابِ المَكاسِبِ والمَنافِعِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ نَدَبَهُ إلى كَيْفِيَّةِ حِفْظِ المالِ الحَلالِ وصَوْنِهِ عَنِ الفَسادِ والبَوارِ؛ فَإنَّ القُدْرَةَ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وعَلى تَرْكِ الرِّبا، وعَلى مُلازَمَةِ التَّقْوى لا يَتِمُّ
صفحة ٩٤
ولا يَكْمُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ المالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لِأجْلِ هَذِهِ الدَّقِيقَةِ بالَغَ في الوَصِيَّةِ بِحِفْظِ المالِ الحَلالِ عَنْ وُجُوهِ التَّوى والتَّلَفِ، وقَدْ ورَدَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [ النِّساءِ: ٥] فَحَثَّ عَلى الِاحْتِياطِ في أمْرِ الأمْوالِ لِكَوْنِها سَبَبًا لِمَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ ألْفاظَ القُرْآنِ جارِيَةٌ في الأكْثَرِ عَلى الِاخْتِصارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَسْطٌ شَدِيدٌ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾، ثُمَّ قالَ ثالِثًا: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، فَكانَ هَذا كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾؛ لِأنَّ العَدْلَ هو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ رابِعًا: (فَلْيَكْتُبْ) وهَذا إعادَةُ الأمْرِ الأوَّلِ، ثُمَّ قالَ خامِسًا: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ كِفايَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ لِأنَّ الكاتِبَ بِالعَدْلِ إنَّما يَكْتُبُ ما يُمْلى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ سادِسًا: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ وهَذا تَأْكِيدٌ، ثُمَّ قالَ سابِعًا: ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ فَهَذا كالمُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، ثُمَّ قالَ ثامِنًا: ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾ وهو أيْضًا تَأْكِيدٌ لِما مَضى، ثُمَّ قالَ تاسِعًا: ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ فَذَكَرَ هَذِهِ الفَوائِدَ الثَّلاثَةَ لِتِلْكَ التَّأْكِيداتِ السّالِفَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى ما يَجْرِي مَجْرى سَبَبِ تَنْقِيصِ المالِ في الحُكْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ بالَغَ في هَذا الحُكْمِ في الوَصِيَّةِ بِحِفْظِ المالِ الحَلالِ، وصَوْنِهِ عَنِ الهَلاكِ والبَوارِ، لِيَتَمَكَّنَ الإنْسانُ بِواسِطَتِهِ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والإعْراضِ عَنْ مَساخِطِ اللَّهِ مِنَ الرِّبا وغَيْرِهِ، والمُواظَبَةِ عَلى تَقْوى اللَّهِ فَهَذا هو الوَجْهُ الأوَّلُ مِن وُجُوهِ النَّظْمِ، وهو حَسَنٌ لَطِيفٌ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ بِالمُدايَنَةِ السَّلَمُ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا مَنَعَ الرِّبا في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أذِنَ في السَّلَمِ في جَمِيعِ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ أنَّ جَمِيعَ المَنافِعِ المَطْلُوبَةِ مِنَ الرِّبا حاصِلَةٌ في السَّلَمِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا لَذَّةَ ولا مَنفَعَةَ يُوصَلُ إلَيْها بِالطَّرِيقِ الحَرامِ إلّا وضَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِتَحْصِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ اللَّذَّةِ طَرِيقًا حَلالًا وسَبِيلًا مَشْرُوعًا فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِ النَّظْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّدايُنُ تَفاعُلٌ مِنَ الدَّيْنِ، ومَعْناهُ دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا، وتَدايَنْتُمْ تَبايَعْتُمْ بَدَيْنٍ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: القَرْضُ غَيْرُ الدَّيْنِ؛ لِأنَّ القَرْضَ أنْ يُقْرِضَ الإنْسانُ دَراهِمَ، أوْ دَنانِيرَ، أوْ حَبًّا، أوْ تَمْرًا، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ فِيهِ الأجَلُ والدَّيْنُ يَجُوزُ فِيهِ الأجَلُ، ويُقالُ مِنَ الدَّيْنِ ادّانَ إذا باعَ سِلْعَتَهُ بِثَمَنٍ إلى أجَلٍ، ودانَ يُدِينُ إذا أقْرَضَ، ودانَ إذا اسْتَقْرَضَ وأنْشَدَ الأحْمَرُ:
نَدِينُ ويَقْضِي اللَّهُ عَنّا وقَدْ نَرى مَصارِعَ قَوْمٍ لا يَدِينُونَ ضُيَّقا
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في المُرادِ بِهَذِهِ المُدايَنَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في السَّلَفِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وهم يُسْلِفُونَ في التَّمْرِ السَّنَتَيْنِ والثَّلاثَ، فَقالَ ﷺ: ”«مَن أسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» “ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَ المُكَلَّفِينَ وجْهَ الِاحْتِياطِ في الكَيْلِ والوَزْنِ والأجَلِ، فَقالَ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ القَرْضُ وهو ضَعِيفٌ لِما بَيَّنّا أنَّ القَرْضَ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ الأجَلُ، والدَّيْنُ المَذْكُورُ في الآيَةِ قَدِ اشْتُرِطَ فِيهِ الأجَلُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: أنَّ البِياعاتِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيْعُ العَيْنِ بِالعَيْنِ،
صفحة ٩٥
وذَلِكَ لَيْسَ بِمُدايَنَةٍ البَتَّةَ. والثّانِي: بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وهو باطِلٌ، فَلا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، بَقِيَ هُنا قِسْمانِ: بَيْعُ العَيْنِ بِالدَّيْنِ، وهو ما إذا باعَ شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وبَيْعُ الدَّيْنِ بِالعَيْنِ وهو المُسَمّى بِالسَّلَمِ، وكِلاهُما داخِلانِ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: المُدايَنَةُ مُفاعَلَةٌ، وحَقِيقَتُها أنْ يَحْصُلَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما دَيْنٌ، وذَلِكَ هو بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ.
والجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن تَدايَنْتُمْ تَعامَلْتُمْ، والتَّقْدِيرُ: إذا تَعامَلْتُمْ بِما فِيهِ دَيْنٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿تَدايَنْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الدَّيْنِ فَما الفائِدَةُ بِقَوْلِهِ ﴿بِدَيْنٍ﴾ ؟
الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّدايُنُ يَكُونُ لِمَعْنَيَيْنِ أحَدُهُما: التَّدايُنُ بِالمالِ، والآخَرُ التَّدايُنُ بِمَعْنى المُجازاةِ، مِن قَوْلِهِمْ: كَما تَدِينُ تُدانُ، والدَّيْنُ الجَزاءُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الدَّيْنَ لِتَخْصِيصِ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّما ذَكَرَ الدَّيْنَ لِيَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ إذْ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فاكْتُبُوا الدَّيْنَ، فَلَمْ يَكُنِ النَّظْمُ بِذَلِكَ الحَسَنَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [ الحِجْرِ: ٣٠]، ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [ الأنْعامِ: ٣٨] .
الرّابِعُ: فَإذا تَدايَنْتُمْ أيَّ دَيْنٍ كانَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، مِن قَرْضٍ أوْ سَلَمٍ أوْ بَيْعِ عَيْنٍ إلى أجَلٍ. الخامِسُ: ما خَطَرَ بِبالِي أنّا ذَكَرْنا أنَّ المُدايَنَةَ مُفاعَلَةٌ، وذَلِكَ إنَّما يَتَناوَلُ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وهو باطِلٌ، فَلَوْ قالَ: إذا تَدايَنْتُمْ لَبَقِيَ النَّصُّ مَقْصُورًا عَلى بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وهو باطِلٌ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ كانَ المَعْنى: إذا تَدايَنْتُمْ تَدايُنًا يَحْصُلُ فِيهِ دَيْنٌ واحِدٌ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَنِ النَّصِّ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، ويَبْقى بَيْعُ العَيْنِ بِالدَّيْنِ، أوْ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالعَيْنِ فَإنَّ الحاصِلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما دَيْنٌ واحِدٌ لا غَيْرَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: كُلَّما تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ فاكْتُبُوهُ، وكَلِمَةُ ”إذا“ لا تُفِيدُ العُمُومَ، فَلِمَ قالَ: ﴿تَدايَنْتُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ كُلَّما تَدايَنْتُمْ ؟
الجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ وإنْ كانَتْ لا تَقْتَضِي العُمُومَ، إلّا أنَّها لا تَمْنَعُ مِنَ العُمُومِ وهَهُنا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ هو العُمُومُ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ العِلَّةَ في الأمْرِ بِالكِتابَةِ في آخِرِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ والمَعْنى إذا وقَعَتِ المُعامَلَةُ بِالدَّيْنِ ولَمْ يُكْتَبْ، فالظّاهِرُ أنَّهُ تُنْسى الكَيْفِيَّةُ، فَرُبَّما تَوَهَّمَ الزِّيادَةَ، فَطَلَبَ الزِّيادَةَ وهو ظُلْمٌ، ورُبَّما تَوَهَّمَ النُّقْصانَ فَتَرَكَ حَقَّهُ مِن غَيْرِ حَمْدٍ ولا أجْرٍ، فَأمّا إذا كَتَبَ كَيْفِيَّةَ الواقِعَةِ أمِنَ مِن هَذِهِ المَحْذُوراتِ فَلَمّا دَلَّ النَّصُّ عَلى أنَّ هَذا هو العِلَّةُ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ العِلَّةَ قائِمَةٌ في الكُلِّ، كانَ الحُكْمُ أيْضًا حاصِلًا في الكُلِّ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الأجَلُ ؟
الجَوابُ: الأجَلُ في اللُّغَةِ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِانْقِضاءِ الأمَدِ، وأجَلُ الإنْسانِ هو الوَقْتُ لِانْقِضاءِ عُمْرِهِ، وأجَلُ الدَّيْنِ لِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ في المُسْتَقْبَلِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّأْخِيرِ، يُقالُ: أجِلَ الشَّيْءُ يَأْجِلُ أُجُولًا إذا تَأخَّرَ، والآجِلُ نَقِيضُ العاجِلِ.
صفحة ٩٦
السُّؤالُ الثّانِي: المُدايَنَةُ لا تَكُونُ إلّا مُؤَجَّلَةً فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الأجَلِ بَعْدَ ذِكْرِ المُدايَنَةِ ؟
الجَوابُ: إنَّما ذَكَرَ الأجَلَ لِيُمْكِنَهُ أنْ يَصِفَهُ بِقَوْلِهِ (مُسَمًّى) والفائِدَةُ في قَوْلِهِ: (مُسَمًّى) لِيُعْلَمَ أنَّ مِن حَقِّ الأجَلِ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، كالتَّوْقِيتِ بِالسَّنَةِ والشَّهْرِ والأيّامِ، ولَوْ قالَ: إلى الحَصادِ، أوْ إلى الدِّياسِ، أوْ إلى قُدُومِ الحاجِّ، لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ في المُدايَنَةِ بِأمْرَيْنِ أحَدُهُما: الكِتابَةُ وهي قَوْلُهُ هَهُنا ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ الثّانِي: الإشْهادُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: فائِدَةُ الكِتابَةِ والإشْهادِ أنَّ ما يَدْخُلُ فِيهِ الأجَلُ، تَتَأخَّرُ فِيهِ المُطالَبَةُ ويَتَخَلَّلُهُ النِّسْيانُ، ويَدْخُلُ فِيهِ الجَحْدُ، فَصارَتِ الكِتابَةُ كالسَّبَبِ لِحِفْظِ المالِ مِنَ الجانِبَيْنِ؛ لِأنَّ صاحِبَ الدَّيْنِ إذا عَلِمَ أنَّ حَقَّهُ قَدْ قُيِّدَ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ يَحْذَرُ مِن طَلَبِ الزِّيادَةِ، ومِن تَقْدِيمِ المُطالَبَةِ قَبْلَ حُلُولِ الأجَلِ، ومَن عَلَيْهِ الدَّيْنُ إذا عَرَفَ ذَلِكَ يَحْذَرُ عَنِ الجُحُودِ، ويَأْخُذُ قَبْلَ حُلُولِ الأجَلِ في تَحْصِيلِ المالِ، لِيَتَمَكَّنَ مِن أدائِهِ وقْتَ حُلُولِ الدَّيْنِ، فَلَمّا حَصَلَ في الكِتابَةِ والإشْهادِ هَذِهِ الفَوائِدُ لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلنَّدْبِ لا إشْكالَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ ظاهِرَهُ لِلْوُجُوبِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ قَوْمٌ بِالوُجُوبِ وهو مَذْهَبُ عَطاءٍ وابْنِ جُرَيْجٍ والنَّخَعِيِّ واخْتِيارُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وقالَ النَّخَعِيُّ: يُشْهِدُ ولَوْ عَلى دَسْتَجَةِ بَقْلٍ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا الأمْرُ مَحْمُولٌ عَلى النَّدْبِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ الفُقَهاءِ المُجْتَهِدِينَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنّا نَرى جُمْهُورَ المُسْلِمِينَ في جَمِيعِ دِيارِ الإسْلامِ يَبِيعُونَ بِالأثْمانِ المُؤَجَّلَةِ مِن غَيْرِ كِتابَةٍ ولا إشْهادٍ، وذَلِكَ إجْماعٌ عَلى عَدَمِ وُجُوبِهِما، ولِأنَّ في إيجابِهِما أعْظَمَ التَّشْدِيدِ عَلى المُسْلِمِينَ، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ”«بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ» “ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ كانَتْ واجِبَةً، إلّا أنَّ ذَلِكَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨٣] وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ والحَكَمِ وابْنِ عُيَيْنَةَ، وقالَ التَّيْمِيُّ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنْها فَقالَ: إنْ شاءَ أشْهَدَ وإنْ شاءَ لَمْ يُشْهِدْ، ألا تَسْمَعُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِكَتْبِ هَذِهِ المُدايَنَةِ اعْتَبَرَ في تِلْكَ الكِتابَةِ شَرْطَيْنِ:
الشَّرْطُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الكاتِبُ عَدْلًا وهو قَوْلُهُ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (فاكْتُبُوهُ) ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَكْتُبَ، لَكِنْ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَقَدْ لا يَكُونُ ذَلِكَ الإنْسانُ كاتِبًا، فَصارَ مَعْنى قَوْلِهِ: (فاكْتُبُوهُ) أيْ لا بُدَّ مِن حُصُولِ هَذِهِ الكِتابَةِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً﴾ [ المائِدَةِ: ٣٨] فَإنَّ ظاهِرَهُ وإنْ كانَ يَقْتَضِي خِطابَ الكُلِّ بِهَذا الفِعْلِ، إلّا أنّا عَلِمْنا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ قَطْعِ اليَدِ مِن إنْسانٍ واحِدٍ، إمّا الإمامُ أوْ نائِبُهُ أوِ المَوْلى، فَكَذا هَهُنا ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا الَّذِي قُلْناهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ حُصُولُ هَذِهِ الكِتابَةِ مِن أيِّ شَخْصٍ كانَ.
أمّا قَوْلُهُ: (بِالعَدْلِ) فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكْتُبَ بِحَيْثُ لا يَزِيدُ في الدَّيْنِ ولا يَنْقُصُ مِنهُ، ويَكْتُبُهُ بِحَيْثُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ حُجَّةً لَهُ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
الثّانِي: إذا كانَ فَقِيهًا وجَبَ أنْ يَكْتُبَ بِحَيْثُ لا يَخُصُّ
صفحة ٩٧
أحَدَهُما بِالِاحْتِياطِ دُونَ الآخَرِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكْتُبَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ آمِنًا مِن تَمَكُّنِ الآخَرِ مِن إبْطالِ حَقِّهِ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: العَدْلُ أنْ يَكُونَ ما يَكْتُبُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ ولا يَكُونُ بِحَيْثُ يَجِدُ قاضٍ مِن قُضاةِ المُسْلِمِينَ سَبِيلًا إلى إبْطالِهِ عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ.
الرّابِعُ: أنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الألْفاظِ المُجْمَلَةِ الَّتِي يَقَعُ النِّزاعُ في المُرادِ بِها، وهَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي ذَكَرْناها لا يُمْكِنُ رِعايَتُها إلّا إذا كانَ الكاتِبُ فَقِيهًا عارِفًا بِمَذاهِبِ المُجْتَهِدِينَ، وأنْ يَكُونَ أدِيبًا مُمَيِّزًا بَيْنَ الألْفاظِ المُتَشابِهَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ نَهْيٌ لِكُلِّ مَن كانَ كاتِبًا عَنِ الِامْتِناعِ عَنِ الكِتابَةِ، وإيجابُ الكِتابَةِ عَلى كُلِّ مَن كانَ كاتِبًا، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ الإرْشادِ إلى الأوْلى لا عَلى سَبِيلِ الإيجابِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلَّمَهُ الكِتابَةَ، وشَرَّفَهُ بِمَعْرِفَةِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فالأوْلى أنْ يَكْتُبَ تَحْصِيلًا لِمُهِمِّ أخِيهِ المُسْلِمِ شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [ القَصَصِ: ٧٧] فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ النّاسُ بِكِتابَتِهِ كَما نَفَعَهُ اللَّهُ بِتَعْلِيمِها.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ: أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أحَدًا يَكْتُبُ إلّا ذَلِكَ الواحِدَ وجَبَ الكِتابَةُ عَلَيْهِ، فَإنْ وجَدَ أقْوامًا كانَ الواجِبُ عَلى واحِدٍ مِنهم أنْ يَكْتُبَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا كانَ واجِبًا عَلى الكاتِبِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ .
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ مُتَعَلِّقَ الإيجابِ هو أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ، يَعْنِي أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكْتُبَ فالواجِبُ أنْ يَكْتُبَ عَلى ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، وأنْ لا يُخِلَّ بِشَرْطٍ مِنَ الشَّرائِطِ، ولا يُدْرِجُ فِيهِ قَيْدًا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الإنْسانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كَتَبَهُ مِن غَيْرِ مُراعاةِ هَذِهِ الشُّرُوطِ اخْتَلَّ مَقْصُودُ الإنْسانِ، وضاعَ مالُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَكْتُبُ فاكْتُبْهُ عَنِ العَدْلِ، واعْتِبارِ كُلِّ الشَّرائِطِ الَّتِي اعْتَبَرَها اللَّهُ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَأْبَ كاتِبٌ عَنِ الكِتابَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكْتُبَ غَيْرَ الكِتابَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَلْيَكْتُبْ تِلْكَ الكِتابَةَ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ، وهَهُنا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ﴿كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ فَيَكُونُ الأوَّلُ أمْرًا بِالكِتابَةِ مُطْلَقًا ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالأمْرِ بِالكِتابَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها، والوَجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.
* * *
الشَّرْطُ الثّانِي في الكِتابَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الكِتابَةَ وإنْ وجَبَ أنْ يُخْتارَ لَها العالِمُ بِكَيْفِيَّةِ كَتْبِ الشُّرُوطِ والسِّجِلّاتِ لَكِنْ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِإمْلاءِ مَن عَلَيْهِ الحَقُّ فَلْيُدْخِلْ في جُمْلَةِ إمْلائِهِ اعْتِرافَهُ بِما عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في قَدْرِهِ وجِنْسِهِ وصِفَتِهِ وأجَلِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإمْلالُ والإمْلاءُ لُغَتانِ، قالَ الفَرّاءُ: أمْلَلْتُ عَلَيْهِ الكِتابَ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ
صفحة ٩٨
وأمْلَيْتُ لُغَةَ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، ونَزَلَ القُرْآنُ بِاللُّغَتَيْنِ قالَ تَعالى في اللُّغَةِ الثّانِيَةِ ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [ الفُرْقانِ: ٥].
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ وهَذا أمْرٌ لِهَذا المُمْلِي الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ بِأنْ يُقِرَّ بِمَبْلَغِ المالِ الَّذِي عَلَيْهِ ولا يَنْقُصَ مِنهُ شَيْئًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ والمَعْنى أنَّ مَن عَلَيْهِ الدَّيْنَ إذا لَمْ يَكُنْ إقْرارُهُ مُعْتَبَرًا فالمُعْتَبَرُ هو إقْرارُ ولَيِّهِ.
ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إدْخالُ حَرْفِ ”أوْ“ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ، أعْنِي السَّفِيهَ، والضَّعِيفَ، ومَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ يَقْتَضِي كَوْنَها أُمُورًا مُتَغايِرَةً؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِإحْدى هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ، فَيَجِبُ في الثَّلاثَةِ أنْ تَكُونَ مُتَغايِرَةً، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ حَمْلُ السَّفِيهِ عَلى الضَّعِيفِ الرَّأْيِ ناقِصِ العَقْلِ مِنَ البالِغِينَ، والضَّعِيفِ عَلى الصَّغِيرِ والمَجْنُونِ والشَّيْخِ الخَرِفِ، وهُمُ الَّذِينَ فَقَدُوا العَقْلَ بِالكُلِّيَّةِ، والَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ مَن يَضْعُفُ لِسانُهُ عَنِ الإمْلاءِ لِخَرَسٍ، أوْ جَهْلِهِ بِمالِهِ وما عَلَيْهِ، فَكُلُّ هَؤُلاءِ لا يَصِحُّ مِنهُمُ الإمْلاءُ والإقْرارُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَقُومَ غَيْرُهم مَقامَهم، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ والمُرادُ ولِيُّ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، لِأنَّ ولِيَّ المَحْجُورِ السَّفِيهِ، ووَلِيَّ الصَّبِيِّ: هو الَّذِي يُقِرُّ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ، كَما يُقِرُّ بِسائِرِ أُمُورِهِ، وهَذا هو القَوْلُ الصَّحِيحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ والرَّبِيعُ: المُرادُ بِوَلِيِّهِ ولِيُّ الدَّيْنِ يَعْنِي أنَّ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ يُمْلِي وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ كَيْفَ يُقْبَلُ قَوْلُ المُدَّعِي، وإنْ كانَ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا، فَأيُّ حاجَةٍ بِنا إلى الكِتابَةِ والإشْهادِ ؟
* * *
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي اعْتَبَرَها اللَّهُ تَعالى في المُدايَنَةِ الإشْهادُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكِتابَةِ هو الِاسْتِشْهادُ لِكَيْ يُتَمَكَّنَ بِالشُّهُودِ عِنْدَ الجُحُودِ مِنَ التَّوَصُّلِ إلى تَحْصِيلِ الحَقِّ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (اسْتَشْهِدُوا) أيْ أشْهِدُوا يُقالُ: أشْهَدْتُ الرَّجُلَ واسْتَشْهَدْتُهُ بِمَعْنًى، والشَّهِيدانِ هُما الشّاهِدانِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإضافَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: يَعْنِي مِن أهْلِ مِلَّتِكم وهُمُ المُسْلِمُونَ.
والثّانِي: قالَ بَعْضُهم: يَعْنِي الأحْرارَ.
والثّالِثُ: (مِن رِجالِكم) الَّذِينَ تَعْتَدُّونَهم لِلشَّهادَةِ بِسَبَبِ العَدالَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: شَرائِطُ الشَّهادَةِ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، ونَذْكُرُ هَهُنا مَسْألَةً واحِدَةً: وهي أنَّ عِنْدَ شُرَيْحٍ وابْنِ سِيرِينَ وأحْمَدَ تَجُوزُ شَهادَةُ العَبْدِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لا تَجُوزُ، حُجَّةُ شُرَيْحٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ العَبِيدَ وغَيْرَهم، والمَعْنى المُسْتَفادُ مِنَ النَّصِّ أيْضًا دالٌّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ عَقْلَ الإنْسانِ ودِينَهُ وعَدالَتَهُ تَمْنَعُهُ مِنَ الكَذِبِ، فَإذا شَهِدَ عِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الشَّرائِطِ تَأكَّدَ بِهِ قَوْلُ المُدَّعِي، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا في إحْياءِ حَقِّهِ، والعَقْلُ والدِّينُ والعَدالَةُ لا تَخْتَلِفُ بِسَبِبِ
صفحة ٩٩
الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ شَهادَةُ العَبِيدِ مَقْبُولَةً. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن كانَ شاهِدًا الذَّهابُ إلى مَوْضِعِ أداءِ الشَّهادَةِ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ الذَّهابِ إلى أداءِ الشَّهادَةِ، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ شاهِدًا وجَبَ عَلَيْهِ الذَّهابُ والإجْماعُ دَلَّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الذَّهابُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ العَبْدُ شاهِدًا، وهَذا الِاسْتِدْلالُ حَسَنٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ مِنهم مَن قالَ: واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمُ الَّذِينَ تَعْتَدُّونَهم لِأداءِ الشَّهادَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلِمَ قُلْتُمْ أنَّ العَبِيدَ كَذَلِكَ ؟
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ وفي ارْتِفاعِ (رَجُلٌ وامْرَأتانِ) أرْبَعَةُ أوْجُهٍ الأوَّلُ: فَلْيَكُنَّ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، والثّانِي: فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، والثّالِثُ: فالشّاهِدُ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، والرّابِعُ: فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ يَشْهَدُونَ، كُلُّ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ جائِزٌ حَسَنٌ، ذَكَرَهاعَلِيُّ بْنُ عِيسى رَحِمَهُ اللَّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى في الطَّلاقِ ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ صالِحًا لِلشَّهادَةِ والفُقَهاءُ قالُوا: شَرائِطُ قَبُولِ الشَّهادَةِ عَشَرَةٌ: أنْ يَكُونَ حُرًّا، بالِغًا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، عالِمًا بِما شَهِدَ بِهِ، ولَمْ يَجُرَّ بِتِلْكَ الشَّهادَةِ مَنفَعَةً إلى نَفْسِهِ ولا يَدْفَعُ بِها مَضَرَّةً عَنْ نَفْسِهِ، ولا يَكُونُ مَعْرُوفًا بِكَثْرَةِ الغَلَطِ، ولا بِتَرْكِ المُرُوءَةِ، ولا يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَشْهَدُ عَلَيْهِ عَداوَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ والمَعْنى أنَّ النِّسْيانَ غالِبُ طِباعِ النِّساءِ لِكَثْرَةِ البَرْدِ والرُّطُوبَةِ في أمْزِجَتِهِنَّ، واجْتِماعُ المَرْأتَيْنِ عَلى النِّسْيانِ أبْعَدُ في العَقْلِ مِن صُدُورِ النِّسْيانِ عَلى المَرْأةِ الواحِدَةِ فَأُقِيمَتِ المَرْأتانِ مَقامَ الرَّجُلِ الواحِدِ حَتّى إنَّ إحْداهُما لَوْ نَسِيَتْ ذَكَّرَتْها الأُخْرى فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ ثُمَّ فِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”إنْ تَضِلَّ“ بِكَسْرِ إنْ ”فَتُذَكِّرُ“ بِالرَّفْعِ والتَّشْدِيدِ، ومَعْناهُ الجَزاءُ، مَوْضِعُ ”تَضِلَّ“ جَزْمٌ إلّا أنَّهُ لا يَتَبَيَّنُ في التَّضْعِيفِ، ”فَتُذَكِّرُ“ رُفِعَ لِأنَّ ما بَعْدَ الجَزاءِ مُبْتَدَأٌ، وأمّا سائِرُ القُرّاءِ فَقَرَءُوا بِنَصْبِ ”أنْ“ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّقْدِيرُ: لِأنْ تَضِلَّ، فَحُذِفَ مِنهُ الخافِضُ. والثّانِي: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ إرادَةُ أنْ تَضِلَّ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا الكَلامُ والإشْهادُ لِلْإذْكارِ لا الإضْلالِ.
قُلْنا: هَهُنا غَرَضانِ: أحَدُهُما: حُصُولُ الإشْهادِ، وذَلِكَ لا يَأْتِي إلّا بِتَذْكِيرِ إحْدى المَرْأتَيْنِ الثّانِيَةَ، والثّانِي: بَيانُ تَفْضِيلِ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ حَتّى يُبَيِّنَ أنَّ إقامَةَ المَرْأتَيْنِ مَقامَ الرَّجُلِ الواحِدِ هو العَدْلُ في القَضِيَّةِ، وذَلِكَ لا يَأْتِي إلّا في ضَلالِ إحْدى المَرْأتَيْنِ، فَإذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أعْنِي الإشْهادَ وبَيانَ فَضْلِ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ مَقْصُودًا، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا بِضَلالِ إحْداهُما وتَذَكُّرِ الأُخْرى، لا جَرَمَ صارَ هَذانِ الأمْرانِ مَطْلُوبَيْنِ، هَذا ما خَطَرَ بِبالِي مِنَ الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ وقْتَ كِتابَةِ هَذا المَوْضِعِ، ولِلنَّحْوِيِّينَ أجْوِبَةٌ أُخْرى ما اسْتَحْسَنْتُها والكُتُبُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ١٠٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّلالُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى النِّسْيانِ، قالَ تَعالى: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٨٧] أيْ ذَهَبَ عَنْهم. الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن ضَلَّ في الطَّرِيقِ إذا لَمْ يَهْتَدِ لَهُ، والوَجْهانِ مُتَقارِبانِ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: أصْلُ الضَّلالِ في اللُّغَةِ الغَيْبُوبَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ ”فَتُذَكِّرَ“ بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالتَّشْدِيدِ والرَّفْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ والنَّصْبِ، وهُما لُغَتانِ ذَكَّرَ وأذْكَرَ نَحْوُ نَزَّلَ وأنْزَلَ، والتَّشْدِيدُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، قالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [ الغاشِيَةِ: ٢١] ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَقَدْ جَعَلَ الفِعْلَ مُتَعَدِّيًا بِهَمْزَةِ الأفْعالِ.
وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا التَّذْكِيرَ والإذْكارَ مِنَ النِّسْيانِ إلّا ما يُرْوى عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ أنْ تَجْعَلَها ذَكَرًا يَعْنِي أنَّ مَجْمُوعَ شَهادَةِ المَرْأتَيْنِ مِثْلُ شَهادَةِ الرَّجُلِ الواحِدِ، وهَذا الوَجْهُ مَنقُولٌ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، قالَ: إذا شَهِدَتِ المَرْأةُ ثُمَّ جاءَتِ الأُخْرى فَشَهِدَتْ مَعَها أذْكَرَتْها؛ لِأنَّهُما يَقُومانِ مَقامَ رَجُلٍ واحِدٍ وهَذا الوَجْهُ باطِلٌ بِاتِّفاقِ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ، ويَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ النِّساءَ لَوْ بَلَغْنَ ما بَلَغْنَ، ولَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ لَمْ تَجُزْ شَهادَتُهُنَّ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَرْأةُ الثّانِيَةُ ما ذَكَّرَتِ الأُولى.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (فَتُذَكِّرَ) مُقابِلٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ فَلَمّا كانَ الضَّلالُ مُفَسَّرًا بِالنِّسْيانِ كانَ الإذْكارُ مُفَسَّرًا بِما يُقابِلُ النِّسْيانَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ - وهو الأصَحُّ - أنَّهُ نَهى الشّاهِدَ عَنِ الِامْتِناعِ عَنْ أداءِ الشَّهادَةِ عِنْدَ احْتِياجِ صاحِبِ الحَقِّ إلَيْها.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ عَلى الإطْلاقِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ واخْتِيارُ القَفّالِ، قالَ: كَما أمَرَ الكاتِبَ أنْ لا يَأْبى الكِتابَةَ، كَذَلِكَ أمَرَ الشّاهِدَ أنْ لا يَأْبى عَنْ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَتَعَلَّقُ بِالآخَرِ، وفي عَدَمِهِما ضَياعُ الحُقُوقِ.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ إذا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ. الرّابِعُ: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّ المُرادَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ التَّحَمُّلُ أوَّلًا، والأداءُ ثانِيًا.
واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ كَوْنِهِمْ شُهَداءَ، وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا عِنْدَ أداءِ الشَّهادَةِ، فَأمّا وقْتُ التَّحَمُّلِ فَإنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ الوَقْتَ كَوْنُهم شُهَداءَ.
فَإنْ قِيلَ: يُشْكِلُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ وكَذَلِكَ سَمّاهُ كاتِبًا قَبْلَ أنْ يَكْتُبَ.
قُلْنا: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ صارَ مَتْرُوكًا بِالضَّرُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَلا يَجُوزُ أنْ نَتْرُكَهُ لِعِلَّةِ ضَرُورَةٍ في تِلْكَ الآيَةِ.
والثّانِي: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ النَّهْيُ عَنِ الِامْتِناعِ، والأمْرُ بِالفِعْلِ، وذَلِكَ لِلْوُجُوبِ في حَقِّ الكُلِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّحَمُّلَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى الكُلِّ، فَلَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، وأمّا الأداءُ بَعْدَ التَّحَمُّلِ فَإنَّهُ واجِبٌ عَلى الكُلِّ، ومُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَكانَ هَذا أوْلى.
الثّالِثُ: أنَّ الأمْرَ بِالإشْهادِ يُفِيدُ أمْرَ الشّاهِدِ بِالتَّحَمُّلِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَصارَ الأمْرُ بِتَحَمُّلِ الشَّهادَةِ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ فَكانَ صَرْفُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ إلى الأمْرِ بِالأداءِ حَمْلًا لَهُ عَلى فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، فَقَدْ ظَهَرَ بِما ذَكَرْنا دَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى الشّاهِدِ أنْ لا يَمْتَنِعَ مِن إقامَةِ الشَّهادَةِ إذا دُعِيَ إلَيْها.
صفحة ١٠١
واعْلَمْ أنَّ الشّاهِدَ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا، وإمّا أنْ يَكُونَ فِيهِمْ كَثْرَةٌ، فَإنْ كانَ مُتَعَيِّنًا وجَبَ عَلَيْهِ أداءُ الشَّهادَةِ، وإنْ كانَ فِيهِمْ كَثْرَةٌ صارَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلى الكِفايَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ شَرَحْنا دَلالَةَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شاهِدًا فَلا نُعِيدُهُ.
الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَجُوزُ القَضاءُ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَجُوزُ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عِنْدَ عَدَمِ شَهادَةِ رَجُلَيْنِ شَهادَةَ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ عَلى التَّعْيِينِ، فَلَوْ جَوَّزْنا الِاكْتِفاءَ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ لِبَطَلَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ ﷺ قَضى بِالشّاهِدِ واليَمِينِ»، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في خِلافِيّاتِ الفِقْهِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ عِنْدَ المُدايَنَةِ بِالكِتابَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإشْهادِ ثانِيًا، أعادَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، فَأمَرَ بِالكِتابَةِ، فَقالَ: ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: السَّآمَةُ المَلالُ والضَّجَرُ، يُقالُ: سَئِمْتُ الشَّيْءَ سَأمًا وسَآمَةً، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ البَعْثُ عَلى الكِتابَةِ قَلَّ المالُ أوْ كَثُرَ، فَإنَّ القَلِيلَ مِنَ المالِ في هَذا الِاحْتِياطِ كالكَثِيرِ، فَإنَّ النِّزاعَ الحاصِلَ بِسَبَبِ القَلِيلِ مِنَ المالِ رُبَّما أدّى إلى فَسادٍ عَظِيمٍ ولَجاجٍ شَدِيدٍ، فَأمَرَ تَعالى في الكَثِيرِ والقَلِيلِ بِالكِتابَةِ، فَقالَ: ﴿ولا تَسْأمُوا﴾ أيْ ولا تَمَلُّوا فَتَتْرُكُوا ثُمَّ تَنْدَمُوا.
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَدْخُلُ الحَبَّةُ والقِيراطُ في هَذا الأمْرِ ؟
قُلْنا: لا لِأنَّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى العادَةِ، لَيْسَ في العادَةِ أنْ يَكْتُبُوا التّافِهَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”أنْ“ في مَحَلِّ النَّصْبِ لِوَجْهَيْنِ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مَعَ الفِعْلِ مَصْدَرًا فَتَقْدِيرُهُ: ولا تَسْأمُوا كِتابَتَهُ، وإنْ شِئْتَ بِنَزْعِ الخافِضِ تَقْدِيرُهُ: ولا تَسْأمُوا مِن أنْ تَكْتُبُوهُ إلى أجَلِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (أنْ تَكْتُبُوهُ) لا بُدَّ وأنْ يَعُودَ إلى المَذْكُورِ سابِقًا، وهو هَهُنا إمّا الدَّيْنُ وإمّا الحَقُّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ”ولا يَسْأمُوا أنْ يَكْتُبُوهُ“ بِالياءِ فِيهِما.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكِتابَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ الثَّلاثِ:
الفائِدَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وفي قَوْلِهِ: (ذَلِكم) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: (أنْ تَكْتُبُوهُ) لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ ذَلِكَ الكَتْبُ أقْسَطُ. والثّانِي: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ذَلِكُمُ الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ مِنَ الكَتْبِ والإشْهادِ لِأهْلِ الرِّضا ومَعْنى ﴿أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ، والقِسْطُ اسْمٌ، والإقْساطُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: أقْسَطَ فُلانٌ في الحُكْمِ يُقْسِطُ إقْساطًا إذا عَدَلَ فَهو مُقْسِطٌ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، ويُقالُ: هو قاسِطٌ إذا جارَ، قالَ تَعالى: ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (الجِنِّ: ١٥) وإنَّما كانَ هَذا أعْدَلَ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَكْتُوبًا كانَ إلى اليَقِينِ والصِّدْقِ أقْرَبَ، وعَنِ الجَهْلِ والكَذِبِ أبْعَدَ، فَكانَ أعْدَلَ عِنْدَ اللَّهِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحْزابِ: ٥] أيْ أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ، وأقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ مِن أنْ تَنْسِبُوهم إلى غَيْرِ آبائِهِمْ.
صفحة ١٠٢
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ مَعْنى (أقْوَمُ) أبْلَغُ في الِاسْتِقامَةِ، الَّتِي هي ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُنْتَصِبَ القائِمَ ضِدُّ المُنْحَنِي المُعْوَجِّ.
فَإنْ قِيلَ: مِمَّ بُنِيَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، أعْنِي: أقْسَطُ وأقْوَمُ ؟
قُلْنا: يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهَ أنْ يَكُونا مَبْنِيَّيْنِ مِن أقْسَطَ وأقامَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أقْسَطُ مِن قاسِطٍ، وأقْوَمُ مِن قَوِيمٍ.
واعْلَمْ أنَّ الكِتابَةَ إنَّما كانَتْ أقْوَمَ لِلشَّهادَةِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لِلْحِفْظِ والذِّكْرِ، فَكانَتْ أقْرَبَ إلى الِاسْتِقامَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ الفائِدَةِ الأُولى والثّانِيَةِ أنَّ الأُولى: تَتَعَلَّقُ بِتَحْصِيلِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، والثّانِيَةَ: بِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الدُّنْيا، وإنَّما قُدِّمَتِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ إشْعارًا بِأنَّ الدِّينَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلى الدُّنْيا.
والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: هي قَوْلُهُ: ﴿وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ يَعْنِي أقْرَبُ إلى زَوالِ الشَّكِّ والِارْتِيابِ عَنْ قُلُوبِ المُتَدايِنِينَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ وهَذا الثّالِثِ، الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ يُشِيرانِ إلى تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ، فالأوَّلُ: إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ، والثّانِي: إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الدُّنْيا وهَذا الثّالِثُ: إشارَةٌ إلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ وعَنِ الغَيْرِ، أمّا عَنِ النَّفْسِ فَإنَّهُ لا يَبْقى في الفِكْرِ أنَّ هَذا الأمْرَ كَيْفَ كانَ، وهَذا الَّذِي قُلْتُ هَلْ كانَ صِدْقًا أوْ كَذِبًا، وأمّا دَفْعُ الضُّرِّ عَنِ الغَيْرِ فَلِأنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ رُبَّما نَسَبَهُ إلى الكَذِبِ والتَّقْصِيرِ فَيَقَعُ في عِقابِ الغِيبَةِ والبُهْتانِ، فَما أحْسَنَ هَذِهِ الفَوائِدَ وما أدْخَلَها في القِسْطِ، وما أحْسَنَ ما فِيها مِنَ التَّرْتِيبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (إلّا) فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والثّانِي: أنَّهُ مُنْقَطِعٌ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ وجْهانِ الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ البَيْعَ بِالدَّيْنِ قَدْ يَكُونُ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ، وقَدْ يَكُونُ إلى أجَلٍ بَعِيدٍ، فَلَمّا أمَرَ بِالكِتابَةِ عِنْدَ المُدايَنَةِ، اسْتَثْنى عَنْها ما إذا كانَ الأجَلُ قَرِيبًا، والتَّقْدِيرُ: إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ إلّا أنْ يَكُونَ الأجَلُ قَرِيبًا، وهو المُرادُ مِنَ التِّجارَةِ الحاضِرَةِ والثّانِي: أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ﴾ وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي، وهو أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا فالتَّقْدِيرُ: لَكِنَّهُ إذا كانَتِ التِّجارَةُ حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ لا تَكْتُبُوها، فَهَذا يَكُونُ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، وإنَّما رَخَّصَ تَعالى في تَرْكِ الكِتابَةِ والإشْهادِ في هَذا النَّوْعِ مِنَ التِّجارَةِ، لِكَثْرَةِ ما يَجْرِي بَيْنَ النّاسِ، فَلَوْ تَكَلَّفَ فِيها الكِتابَةَ والإشْهادَ لَشَقَّ الأمْرُ عَلى الخَلْقِ، ولِأنَّهُ إذا أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُتَعامِلَيْنِ حَقَّهُ مِن صاحِبِهِ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، لَمْ يَكُنْ هُناكَ خَوْفُ التَّجاحُدِ، فَلَمْ يَكُنْ هُناكَ حاجَةٌ إلى الكِتابَةِ والإشْهادِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (أنْ تَكُونَ) فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الكَوْنِ بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُقُوعِ كَما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (كانَ) هَهُنا ناقِصَةً عَلى أنَّ الِاسْمَ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ، والخَبَرَ تُدِيرُونَها، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ دائِرَةً بَيْنَكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ (تِجارَةً) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَعَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، ولا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارِ الِاسْمِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: التَّقْدِيرُ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً حاضِرَةً كِتابَةَ الكِتابِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
صفحة ١٠٣
بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْهَبا
.
أيْ إذا كانَ اليَوْمَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إلّا أنْ يَكُونَ الأمْرُ والشَّأْنُ تِجارَةً.
وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ إلّا أنْ تَكُونَ المُدايَنَةُ تِجارَةً حاضِرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ المُدايَنَةَ لا تَكُونُ تِجارَةً حاضِرَةً، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُدايَنَةَ إذا كانَتْ إلى أجَلِ ساعَةٍ، صَحَّ تَسْمِيَتُها بِالتِّجارَةِ الحاضِرَةِ، فَإنَّ مَن باعَ ثَوْبًا بِدِرْهَمٍ في الذِّمَّةِ بِشَرْطِ أنْ تُؤَدّى الدِّرْهَمُ في هَذِهِ السّاعَةِ كانَ ذَلِكَ مُدايَنَةً وتِجارَةً حاضِرَةً، وأمّا القِراءَةُ بِالرَّفْعِ، فالوَجْهُ فِيها ما ذَكَرْناهُ في المَسْألَةِ الثّانِيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: التِّجارَةُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في المالِ سَواءٌ كانَ حاضِرًا أوْ في الذِّمَّةِ لِطَلَبِ الرِّبْحِ، يُقالُ: تَجَرَ الرَّجُلَ يَتْجَرُ تِجارَةً فَهو تاجِرٌ، واعْلَمْ أنَّهُ سَواءٌ كانَتِ المُبايَعَةُ بِدَيْنٍ أوْ بِعَيْنٍ، فالتِّجارَةُ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، بَلِ المُرادُ مِنَ التِّجارَةِ ما يُتَّجَرُ فِيهِ مِنَ الإبْدالِ، ومَعْنى إدارَتِها بَيْنَهم مُعامَلَتُهم فِيها يَدًا بِيَدٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها﴾ مَعْناهُ: لا مَضَرَّةَ عَلَيْكم في تَرْكِ الكِتابَةِ، ولَمْ يُرِدِ الإثْمَ عَلَيْكم لِأنَّهُ لَوْ أرادَ الإثْمَ لَكانَتِ الكِتابَةُ المَذْكُورَةُ واجِبَةً عَلَيْهِمْ، ويَأْثَمُ صاحِبُ الحَقِّ بِتَرْكِها، وقَدْ ثَبَتَ خِلافُ ذَلِكَ وبَيانُ أنَّهُ لا مَضَرَّةَ عَلَيْهِمْ في تَرْكِها ما قَدَّمْناهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ أنَّ الكِتابَةَ وإنْ رُفِعَتْ عَنْهم في التِّجارَةِ إلّا أنَّ الإشْهادَ ما رُفِعَ عَنْهم؛ لِأنَّ الإشْهادَ بِلا كِتابَةٍ أخَفُّ مُؤْنَةً، ولِأنَّ الحاجَةَ إذا وقَعَتْ إلَيْها لا يُخافُ فِيها النِّسْيانُ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الأمْرِ الإرْشادُ إلى طَرِيقِ الِاحْتِياطِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا نَهْيًا لِلْكاتِبِ والشَّهِيدِ عَنْ إضْرارِ مَن لَهُ الحَقُّ، أمّا الكاتِبُ فَبِأنْ يَزِيدَ أوْ يَنْقُصَ أوْ يَتْرُكَ الِاحْتِياطَ، وأمّا الشَّهِيدُ فَبِأنْ لا يَشْهَدَ أوْ يُشْهِدَ بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ نَفْعٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا لِصاحِبِ الحَقِّ عَنْ إضْرارِ الكاتِبِ والشَّهِيدِ، بِأنْ يَضُرَّهُما أوْ يَمْنَعَهُما عَنْ مُهِمّاتِهِما، والأوَّلُ قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ والحَسَنِ وطاوُسٍ وقَتادَةَ، والثّانِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ.
واعْلَمْ أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ جائِزٌ في اللُّغَةِ، وإنَّما احْتَمَلَ الوَجْهَيْنِ بِسَبَبِ الإدْغامِ الواقِعِ في ”لا يُضارَّ“ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ أصْلُهُ لا يُضارِرْ، بِكَسْرِ الرّاءِ الأُولى، فَيَكُونُ الكاتِبُ والشَّهِيدُ هُما الفاعِلانِ لِلضِّرارِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أصْلُهُ لا يُضارَرْ بِفَتْحِ الرّاءِ الأُولى، فَيَكُونُ هُما المَفْعُولَ بِهِما الضِّرارُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ وقَدْ أحْكَمْنا بَيانَ هَذا اللَّفْظِ هُناكَ، والدَّلِيلُ عَلى ما ذَكَرْنا مِنِ احْتِمالِ الوَجْهَيْنِ قِراءَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (ولا يُضارِرْ) بِالإظْهارِ والكَسْرِ، وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ (ولا يُضارَرْ) بِالإظْهارِ والفَتْحِ، واخْتارَ الزَّجّاجُ القَوْلَ الأوَّلَ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ قالَ وذَلِكَ لِأنَّ اسْمَ الفِسْقِ بِمَن يُحَرِّفُ الكِتابَةَ وبِمَن يَمْتَنِعُ عَنِ الشَّهادَةِ حَتّى يُبْطِلَ الحَقَّ بِالكُلِّيَّةِ أوْلى مِنهُ بِمَن أضَرَّ الكاتِبَ والشَّهِيدَ ولِأنَّهُ تَعالى قالَ فِيمَن يَمْتَنِعُ عَنْ أداءِ الشَّهادَةِ ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨٣] والآثِمُ والفاسِقُ مُتَقارِبانِ، واحْتَجَّ مَن نَصَرَ القَوْلَ الثّانِي بِأنَّ هَذا لَوْ كانَ
صفحة ١٠٤
خِطابًا لِلْكاتِبِ والشَّهِيدِ لَقِيلَ: وإنْ تَفْعَلا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم، وإذا كانَ هَذا خِطابًا لِلَّذِينَ يُقْدِمُونَ عَلى المُدايَنَةِ فالمَنهِيُّونَ عَنِ الضِّرارِ هم واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: يُحْتَمَلُ أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى هَذا المَوْضِعِ خاصَّةً والمَعْنى: فَإنْ تَفْعَلُوا ما نَهَيْتُكم عَنْهُ مِنَ الضِّرارِ، والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ التَّكْلِيفِ، والمَعْنى: وإنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا مِمّا نَهَيْتُكم عَنْهُ أوْ تَتْرُكُوا شَيْئًا مِمّا أمَرْتُكم بِهِ فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم، أيْ: خُرُوجٌ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ يَعْنِي فِيما حَذَّرَ مِنهُ هَهُنا، وهو المُضارَّةُ، أوْ يَكُونُ عامًّا، والمَعْنى اتَّقُوا اللَّهَ في جَمِيعِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يُعَلِّمُكم ما يَكُونُ إرْشادًا واحْتِياطًا في أمْرِ الدُّنْيا، كَما يُعَلِّمُكم ما يَكُونُ إرْشادًا في أمْرِ الدِّينِ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ مَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
البقرة 2:283
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ البِياعاتِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: بَيْعٌ بِكِتابٍ وشُهُودٍ، وبَيْعٌ بِرِهانٍ مَقْبُوضَةٍ، وبَيْعُ الأمانَةِ، ولَمّا أمَرَ في آخِرِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ، واعْلَمْ أنَّهُ رُبَّما تَعَذَّرَ ذَلِكَ في السَّفَرِ إمّا بِأنْ لا يُوجَدَ الكاتِبُ، أوْ إنْ وُجِدَ لَكِنَّهُ لا تُوجَدُ آلاتُ الكِتابَةِ ذَكَرَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الِاسْتِيثاقِ وهو أخْذُ الرَّهْنِ فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ وهَذا أبْلَغُ في الِاحْتِياطِ مِنَ الكِتابَةِ والإشْهادِ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرْنا اشْتِقاقَ السَّفَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٤] ونُعِيدُهُ هَهُنا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: تَرْكِيبُ هَذِهِ الحُرُوفِ لِلظُّهُورِ والكَشْفِ فالسَّفَرُ هو الكِتابُ؛ لِأنَّهُ يُبَيِّنُ الشَّيْءَ ويُوَضِّحُهُ، وسُمِّيَ السَّفَرُ سَفَرًا؛ لِأنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ أخْلاقِ الرِّجالِ، أيْ يَكْشِفُ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا خَرَجَ مِنَ الكِنِّ إلى الصَّحْراءِ فَقَدِ انْكَشَفَ لِلنّاسِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا خَرَجَ إلى الصَّحْراءِ، فَقَدْ صارَتْ أرْضُ البَيْتِ مُنْكَشِفَةً خالِيَةً، وأسْفَرَ الصُّبْحُ إذا ظَهَرَ، وأسْفَرَتِ المَرْأةُ عَنْ وجْهِها، أيْ كَشَفَتْ، وسَفَرْتُ عَنِ القَوْمِ أُسْفِرُ سِفارَةً إذا كَشَفْتَ ما في قُلُوبِهِمْ، وسَفَرْتُ أُسْفِرُ إذا كَنَسْتَ، والسَّفْرُ الكَنْسُ، وذَلِكَ لِأنَّكَ إذا كَنَسْتَ،
صفحة ١٠٥
فَقَدْ أظْهَرْتَ ما كانَ تَحْتَ الغُبارِ والسَّفْرُ مِنَ الوَرَقِ ما سَفَرَ بِهِ الرِّيحُ، ويُقالُ لِبَقِيَّةِ بَياضِ النَّهارِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ سَفَرٌ لِوُضُوحِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ الرَّهْنِ مِنَ الدَّوامِ، يُقالُ: رَهُنَ الشَّيْءُ إذا دامَ وثَبَتَ، ونِعْمَةٌ راهِنَةٌ أيْ دائِمَةٌ ثابِتَةٌ.
إذا عَرَفْتَ أصْلَ المَعْنى فَنَقُولُ: أصْلُ الرَّهْنِ مَصْدَرٌ، يُقالُ: رَهَنْتُ عِنْدَ الرَّجُلِ أرْهَنُهُ رَهْنًا إذا وضَعْتَ عِنْدَهُ، قالَ الشّاعِرُ:
يُراهِنُنِي فَيُرْهِنُنِي بَنِيهِ وأُرْهِنُهُ بَنِيَّ بِما أقُولُ
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ المَصادِرَ قَدْ تُنْقَلُ فَتُجْعَلُ أسْماءً ويَزُولُ عَنْها عَمَلُ الفِعْلِ، فَإذا قالَ: رَهَنْتُ عِنْدَ زَيْدٍ رَهْنًا لَمْ يَكُنِ انْتِصابُهُ انْتِصابَ المَصْدَرِ، لَكِنِ انْتِصابُ المَفْعُولِ بِهِ، كَما تَقُولُ: رَهَنْتُ عِنْدَ زَيْدٍ ثَوْبًا، ولَمّا جُعِلَ اسْمًا بِهَذا الطَّرِيقِ جُمِعَ كَما تُجْعَلُ الأسْماءُ، ولَهُ جَمْعانِ: رُهُنٌ ورِهانٌ، ومِمّا جاءَ عَلى رُهُنٍ قَوْلُ الأعْشى:
آلَيْتُ لا أُعْطِيهِ مِن أبْنائِنا ∗∗∗ رُهُنًا فَيُفْسِدَهم كَمَن قَدْ أفْسَدا
وقالَ بُعَيْثٌ:
بانَتْ سُعادُ وأمْسى دُونَها عَدَنُ ∗∗∗ وغَلِقَتْ عِنْدَها مِن قَبْلِكَ الرُّهُنُ
ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: رَهْنٌ ورُهُنٌ، سَقْفٌ وسُقُفٌ، ونَشْرٌ ونُشُرٌ، وخَلْقٌ وخُلُقٌ، قالَ الزَّجّاجُ: فَعْلٌ وفُعُلٌ قَلِيلٌ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الرَّهْنَ جَمْعُهُ رِهانٌ، ثُمَّ الرِّهانُ جَمْعُهُ رُهُنٌ فَيَكُونُ رُهُنٌ جَمْعَ الجَمْعِ وهو كَقَوْلِهِمْ: ثِمارٌ وثُمُرٌ، ومِنَ النّاسِ مَن عَكَسَ هَذا، فَقالَ: الرُّهُنُ جَمْعُهُ رَهْنٌ، والرَّهْنُ جَمْعُهُ رِهانٌ، واعْلَمْ أنَّهُما لَمّا تَعارَضا تَساقَطا لا سِيَّما وسِيبَوَيْهِ لا يَرى جَمْعَ الجَمْعِ مُطَّرِدًا، فَوَجَبَ أنْ لا يُقالَ بِهِ إلّا عِنْدَ الِاتِّفاقِ، وأمّا أنَّ الرِّهانَ جَمْعُ رَهْنٍ فَهو قِياسٌ ظاهِرٌ، مِثْلُ نَعْلٍ ونِعالٍ، وكَبْشٍ وكِباشٍ، وكَعْبٍ وكِعابٍ، وكَلْبٍ وكِلابٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (فَرُهُنٌ) بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ، ورُوِيَ عَنْهُما أيْضًا (فَرُهْنٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ والباقُونَ (فَرِهانٌ) قالَ أبُو عَمْرٍو: لا أعْرِفُ الرِّهانَ إلّا في الخَيْلِ، فَقَرَأْتُ (فَرُهُنٌ) لِلْفَصْلِ بَيْنَ الرِّهانِ في الخَيْلِ وبَيْنَ جَمْعِ الرَّهْنِ، وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ، فَقالَ الأخْفَشُ: إنَّها قَبِيحَةٌ لِأنَّ فَعْلًا لا يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ إلّا قَلِيلًا شاذًّا كَما يُقالُ: سُقْفٌ وسُقُفٌ تارَةً بِضَمِّ القافِ وأُخْرى بِتَسْكِينِها، وقُلْبٌ وقُلُبٌ لِلنَّخْلِ، ولُحْدٌ ولُحُدٌ وبُسْطٌ وبُسُطٌ وفُرْسٌ وُرْدٌ، وخَيْلٌ وُرُدٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الآيَةِ حَذْفٌ فَإنْ شِئْنا جَعَلْناهُ مُبْتَدَأً وأضْمَرْنا الخَبَرَ، والتَّقْدِيرُ: فَرَهْنٌ مَقْبُوضَةٌ بَدَلٌ مِنَ الشّاهِدَيْنِ، أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُما، أوْ فَعَلَيْهِ رَهْنٌ مَقْبُوضَةٌ، وإنْ شِئْنا جَعَلْناهُ خَبَرًا وأضْمَرْنا المُبْتَدَأ، والتَّقْدِيرُ: فالوَثِيقَةُ رَهْنٌ مَقْبُوضَةٌ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اتَّفَقَتِ الفُقَهاءُ اليَوْمَ عَلى أنَّ الرَّهْنَ في السَّفَرِ والحَضَرِ سَواءٌ في حالِ وُجُودِ الكاتِبِ وعَدَمِهِ، وكانَ مُجاهِدٌ يَذْهَبُ إلى أنَّ الرَّهْنَ لا يَجُوزُ إلّا في السَّفَرِ أخْذًا بِظاهِرِ الآيَةِ، ولا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ اليَوْمَ وإنَّما تَقَيَّدَتِ الآيَةُ بِذِكْرِ السَّفَرِ عَلى سَبِيلِ الغالِبِ، كَقَوْلِهِ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٠١]
صفحة ١٠٦
ولَيْسَ الخَوْفُ مِن شَرْطِ جَوازِ القَصْرِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مَسائِلُ الرَّهْنِ كَثِيرَةٌ، واحْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ رَهْنَ المَشاعِ لا يَجُوزُ بِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الرَّهْنَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الرَّهْنِ اسْتِيثاقُ جانِبِ صاحِبِ الحَقِّ بِمَنعِ الجُحُودِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالقَبْضِ والمَشاعُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا فَوَجَبَ ألّا يَصِحَّ رَهْنُ المَشاعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِسْمُ الثّالِثُ مِنَ البِياعاتِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، وهو بَيْعُ الأمانَةِ، أعْنِي ما لا يَكُونُ فِيهِ كِتابَةٌ ولا شُهُودٌ ولا يَكُونُ فِيهِ رَهْنٌ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أمِنَ فُلانٌ غَيْرَهُ إذا لَمْ يَكُنْ خائِفًا مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ﴾ [ يُوسُفَ: ٦٤] فَقَوْلُهُ ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ لَمْ يَخَفْ خِيانَتَهُ وجُحُودَهُ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ أيْ فَلْيُؤَدِّ المَدْيُونُ الَّذِي كانَ أمِينًا ومُؤْتَمَنًا في ظَنِّ الدّائِنِ، فَلا يُخْلِفُ ظَنَّهُ في أداءِ أمانَتِهِ وحَقِّهِ إلَيْهِ، يُقالُ: أمِنتُهُ وائْتَمَنتُهُ فَهو مَأْمُونٌ ومُؤْتَمَنٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أيْ هَذا المَدْيُونُ يَجِبُ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ولا يَجْحَدَ، لِأنَّ الدّائِنَ لَمّا عامَلَهُ المُعامَلَةَ الحَسَنَةَ حَيْثُ عَوَّلَ عَلى أمانَتِهِ ولَمْ يُطالِبْهُ بِالوَثائِقِ مِنَ الكِتابَةِ والإشْهادِ والرَّهْنِ فَيَنْبَغِي لِهَذا المَدْيُونِ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ويُعامِلَهُ بِالمُعامَلَةِ الحَسَنَةِ في أنْ لا يُنْكِرَ ذَلِكَ الحَقَّ، وفي أنْ يُؤَدِّيَهُ إلَيْهِ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُرْتَهِنِ بِأنْ يُؤَدِّيَ الرَّهْنَ عِنْدَ اسْتِيفاءِ المالِ فَإنَّهُ أمانَةٌ في يَدِهِ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِلْآياتِ المُتَقَدِّمَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الكِتابَةِ والإشْهادِ وأخْذِ الرَّهْنِ، واعْلَمْ أنَّ التِزامَ وُقُوعِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ يُلْجِئُ إلَيْهِ خَطَأٌ، بَلْ تِلْكَ الأوامِرُ مَحْمُولَةٌ عَلى الإرْشادِ ورِعايَةِ الِاحْتِياطِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى الرُّخْصَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في آيَةِ المُدايَنَةِ نَسْخٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ وفي التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أباحَ تَرْكَ الكِتابَةِ والإشْهادِ والرَّهْنِ عِنْدَ اعْتِقادِ كَوْنِ المَدْيُونِ أمِينًا، ثُمَّ كانَ مِنَ الجائِزِ في هَذا المَدْيُونِ أنْ يُخْلِفَ هَذا الظَّنَّ، وأنْ يَخْرُجَ خائِنًا جاحِدًا لِلْحَقِّ، إلّا أنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ بَعْضُ النّاسُ مُطَّلِعًا عَلى أحْوالِهِمْ، فَهَهُنا نَدَبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الإنْسانَ إلى أنْ يَسْعى في إحْياءِ ذَلِكَ الحَقِّ، وأنْ يَشْهَدَ لِصاحِبِ الحَقِّ بِحَقِّهِ، ومَنَعَهُ مِن كِتْمانِ تِلْكَ الشَّهادَةِ سَواءٌ عَرَفَ صاحِبُ الحَقِّ تِلْكَ الشَّهادَةَ أوْ لَمْ يَعْرِفْ وشَدَّدَ فِيهِ بِأنْ جَعَلَهُ آثِمَ القَلْبِ لَوْ تَرَكَها، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرٌ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ، وهو قَوْلُهُ ”«خَيْرُ الشُّهُودِ مَن شَهِدَ قَبْلَ أنْ يُسْتَشْهَدَ» “ .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كِتْمانِ الشَّهادَةِ أنْ يُنْكَرَ العِلْمَ بِتِلْكَ الواقِعَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ﴾ [البقرة: ١٤٠] والمُرادُ الجُحُودُ وإنْكارُ العِلْمِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في كِتْمانِ الشَّهادَةِ والِامْتِناعِ مِن أدائِها عِنْدَ الحاجَةِ إلى إقامَتِها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ
صفحة ١٠٧
﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وذَلِكَ لِأنَّهُ مَتى امْتَنَعَ عَنْ إقامَةِ الشَّهادَةِ فَقَدْ بَطَلَ حَقُّهُ، وكانَ هو بِالِامْتِناعِ مِنَ الشَّهادَةِ كالمُبْطِلِ لِحَقِّهِ، وحُرْمَةُ مالِ المُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، فَهَذا بالِغٌ في الوَعِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآثِمُ الفاجِرُ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ يُعَلِّمُ أعْرابِيًّا ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤] فَكانَ يَقُولُ: طَعامُ اليَتِيمِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: طَعامُ الفاجِرِ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإثْمَ بِمَعْنى الفُجُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: آثِمٌ خَبَرُ إنَّ، وقَلْبُهُ رُفِعَ بِآثِمٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ فَإنَّهُ يَأْثَمُ قَلْبُهُ، وقُرِئَ ”قَلْبَهُ“ بِالفَتْحِ كَقَوْلِهِ ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (أثَّمَ قَلْبَهُ) أيْ جَعَلَهُ آثِمًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُتَكَلِّمِينَ قالُوا. إنَّ الفاعِلَ والعارِفَ والمَأْمُورَ والمَنهِيَّ هو القَلْبُ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وذَكَرْنا طَرَفًا مِنهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] وهَؤُلاءِ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى أضافَ الآثِمَ إلى القَلْبِ فَلَوْلا أنَّ القَلْبَ هو الفاعِلُ وإلّا لَما كانَ آثِمًا.
وأجابَ مَن خالَفَ في هَذا القَوْلِ بِأنَّ إضافَةَ الفِعْلِ إلى جُزْءٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ إنَّما يَكُونُ لِأجْلِ أنَّ أعْظَمَ أسْبابِ الإعانَةِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ إنَّما يَحْصُلُ مِن ذَلِكَ العُضْوِ، فَيُقالُ: هَذا مِمّا أبْصَرَتْهُ عَيْنِي وسَمِعَتْهُ أُذُنِي وعَرَفَهُ قَلْبِي، ويُقالُ: فُلانٌ خَبِيثُ الفَرْجِ؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ أفْعالَ الجَوارِحِ تابِعَةٌ لِأفْعالِ القُلُوبِ ومُتَوَلِّدَةٌ مِمّا يَحْدُثُ في القُلُوبِ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلِهَذا السَّبَبِ أُضِيفَ الآثِمُ هَهُنا إلى القَلْبِ.
ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وهو تَحْذِيرٌ مِنَ الإقْدامِ عَلى هَذا الكِتْمانِ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ ضَمِيرُ قَلْبِهِ كانَ خائِفًا حَذِرًا مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى يُحاسِبُهُ عَلى كُلِّ تِلْكَ الأفْعالِ، ويُجازِيهِ عَلَيْها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
البقرة 2:284
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٠٨
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا جَمَعَ في هَذِهِ السُّورَةِ أشْياءَ كَثِيرَةً مِن عِلْمِ الأُصُولِ، وهو دَلِيلُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأشْياءَ كَثِيرَةً مِن عِلْمِ الأُصُولِ بِبَيانِ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ، وهي في الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والقِصاصِ، والصَّوْمِ، والحَجِّ، والجِهادِ، والحَيْضِ، والطَّلاقِ، والعِدَّةِ، والصَّداقِ، والخُلْعِ، والإيلاءِ، والرَّضاعِ، والبَيْعِ، والرِّبا، وكَيْفِيَّةِ المُدايَنَةِ، خَتَمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ.
وأقُولُ إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي هي كِمالاتٌ حَقِيقِيَّةٌ لَيْسَتْ إلّا القُدْرَةَ والعِلْمَ، فَعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مُلْكًا ومِلْكًا، وعَبَّرَ عَنْ كَمالِ العِلْمِ المُحِيطِ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ وإذا حَصَلَ كَمالُ القُدْرَةِ والعِلْمِ، فَكانَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عَبِيدًا مَرْبُوبِينَ وُجِدُوا بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ كانَ ذَلِكَ غايَةَ الوَعْدِ لِلْمُطِيعِينَ، ونِهايَةَ الوَعِيدِ لِلْمُذْنِبِينَ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَتَمَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في آخِرِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ومَعْنى هَذا المِلْكِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَمّا كانَتْ مُحْدَثَةً فَقَدْ وُجِدَتْ بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ وإبْداعِهِ ومَن كانَ فاعِلًا لِهَذِهِ الأفْعالِ المُحْكَمَةِ المُتْقَنَةِ العَجِيبَةِ الغَرِيبَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الحِكَمِ المُتَكاثِرَةِ والمَنافِعِ العَظِيمَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِها إذْ مِنَ المُحالِ صُدُورُ الفِعْلِ المُحْكَمِ المُتْقَنِ عَنِ الجاهِلِ بِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى احْتَجَّ بِخَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ مَعَ ما فِيهِما مِن وُجُوهِ الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِها مُحِيطًا بِأجْزائِها وجُزْئِيّاتِها.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ، قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِهَذِهِ الوَثائِقِ أعْنِي الكِتابَةَ والإشْهادَ والرَّهْنَ، فَكانَ المَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِها صِيانَةَ الأمْوالِ، والِاحْتِياطَ في حِفْظِها، بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إنَّما المَقْصُودُ لِمَنفَعَةٍ تَرْجِعُ إلى الخَلْقِ لا لِمَنفَعَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِنها فَإنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ الشَّعْبِيُّ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: إنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ كِتْمانِ الشَّهادَةِ وأوْعَدَ عَلَيْهِ بَيَّنَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ فَيُجازِي عَلى الكِتْمانِ والإظْهارِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِلَّهِ) لَيْسَ لامَ الغَرَضِ، فَإنَّهُ لَيْسَ غَرَضُ الفاسِقِ مِن فِسْقِهِ طاعَةَ اللَّهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ لامَ المُلْكِ والتَّخْلِيقِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ حَقائِقَ الأشْياءِ وماهِيّاتِها فَهي لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإنَّما تَكُونُ الحَقائِقُ والماهِيّاتُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ لَوْ كانَ قادِرًا عَلى تَحْقِيقِ تِلْكَ الحَقائِقِ، وتَكْوِينِ تِلْكَ الماهِيّاتِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى مُكَوِّنَةً لِلذَّواتِ، ومُحَقِّقَةً لِلْحَقائِقِ، فَكانَ القَوْلُ بِأنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ باطِلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ يُرْوى «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا
صفحة ١٠٩
نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ومُعاذٌ وناسٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنا مِنَ العَمَلِ ما لا نُطِيقُ إنَّ أحَدَنا لَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِما لا يُحِبُّ أنْ يَثْبُتَ في قَلْبِهِ، وإنَّ لَهُ الدُّنْيا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”فَلَعَلَّكم تَقُولُونَ كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ سَمِعْنا وعَصَيْنا قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَقالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، واشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَمَكَثُوا في ذَلِكَ حَوْلًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ ﷺ:“ إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم ما لَمْ يَعْمَلُوا أوْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ ”» .
واعْلَمْ أنَّ مَحَلَّ البَحْثِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ يَتَناوَلُ حَدِيثَ النَّفْسِ، والخَواطِرَ الفاسِدَةَ الَّتِي تَرِدُ عَلى القَلْبِ، ولا يَتَمَكَّنُ مِن دَفْعِها، فالمُؤاخَذَةُ بِها تَجْرِي مَجْرى تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، والعُلَماءُ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الخَواطِرَ الحاصِلَةَ في القَلْبِ عَلى قِسْمَيْنِ:
فَمِنها ما يُوَطِّنُ الإنْسانُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ ويَعْزِمُ عَلى إدْخالِهِ في الوُجُودِ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ تَكُونُ أُمُورًا خاطِرَةً بِالبالِ مَعَ أنَّ الإنْسانَ يَكْرَهُها ولَكِنَّهُ لا يُمْكِنُهُ دَفْعُها عَنِ النَّفْسِ، فالقِسْمُ الأوَّلُ: يَكُونُ مُؤاخَذًا بِهِ.
والثّانِي: لا يَكُونُ مُؤاخَذًا بِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ١٩] هَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ كُلَّ ما كانَ في القَلْبِ مِمّا لا يَدْخُلُ في العَمَلِ، فَهو في مَحَلِّ العَفْوِ وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ العَمَلَ في الوُجُودِ إمّا ظاهِرًا وإمّا عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، وأمّا ما وُجِدَ في القَلْبِ مِنَ العَزائِمِ والإراداتِ ولَمْ يَتَّصِلْ بِالعَمَلِ فَكُلُّ ذَلِكَ في مَحَلِّ العَفْوِ. وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أكْثَرَ المُؤاخِذاتِ إنَّما تَكُونُ بِأفْعالِ القُلُوبِ، ألا تَرى أنَّ اعْتِقادَ الكُفْرِ والبِدَعِ لَيْسَ إلّا مِن أعْمالِ القُلُوبِ، وأعْظَمُ أنْواعِ العِقابِ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، وأيْضًا فَأفْعالُ الجَوارِحِ إذا خَلَتْ عَنْ أفْعالِ القُلُوبِ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها عِقابٌ كَأفْعالِ النّائِمِ والسّاهِي فَثَبَتَ ضَعْفُ هَذا الجَوابِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤاخِذُهُ بِها لَكِنْ مُؤاخَذَتُها هي الغُمُومُ والهُمُومُ في الدُّنْيا، رَوى الضَّحّاكُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: ما حَدَّثَ العَبْدُ بِهِ نَفْسَهُ مِن شَرٍّ كانَتْ مُحاسَبَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِغَمٍّ يَبْتَلِيهِ بِهِ في الدُّنْيا أوْ حُزْنٍ أوْ أذًى، فَإذا جاءَتِ الآخِرَةُ لَمْ يُسْألْ عَنْهُ ولَمْ يُعاقَبْ عَلَيْهِ، ورَوَتْ أنَّها سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَأجابَها بِما هَذا مَعْناهُ.
فَإنْ قِيلَ: المُؤاخَذَةُ كَيْفَ تَحْصُلُ في الدُّنْيا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧].
قُلْنا: هَذا خاصٌّ فَيَكُونُ مُقَدَّمًا عَلى ذَلِكَ العامِّ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يُؤاخِذْكم بِهِ اللَّهُ وقَدْ ذَكَرْنا في مَعْنى كَوْنِهِ حَسِيبًا ومُحاسِبًا وُجُوهًا كَثِيرَةً، وذَكَرْنا أنَّ مِن جُمْلَةِ تَفاسِيرِهِ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِها، فَرَجَعَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ ما في الضَّمائِرِ والسَّرائِرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّ
صفحة ١١٠
اللَّهَ تَعالى إذا جَمَعَ الخَلائِقَ يُخْبِرُهم بِما كانَ في نُفُوسِهِمْ، فالمُؤْمِنُ يُخْبِرُهُ ثُمَّ يَعْفُو عَنْهُ، وأهْلُ الذُّنُوبِ يُخْبِرُهم بِما أخْفَوْا مِنَ التَّكْذِيبِ والذَّنْبِ.
الوَجْهُ الخامِسُ في الجَوابِ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَكُونُ الغُفْرانُ نَصِيبًا لِمَن كانَ كارِهًا لِوُرُودِ تِلْكَ الخَواطِرِ، والعَذابُ يَكُونُ نَصِيبًا لِمَن يَكُونُ مُصِرًّا عَلى تِلْكَ الخَواطِرِ مُسْتَحْسِنًا لَها.
الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ كِتْمانُ الشَّهادَةِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ وإنْ كانَ وارِدًا عَقِيبَ تِلْكَ القَضِيَّةِ لا يَلْزَمُ قَصْرُهُ عَلَيْهِ.
الوَجْهُ السّابِعُ في الجَوابِ: ما رَوَيْنا عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا النَّسْخَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ قُلْنا: إنَّهم كانُوا قَبْلَ هَذا النَّسْخِ مَأْمُورِينَ بِالِاحْتِرازِ عَنْ تِلْكَ الخَواطِرِ الَّتِي كانُوا عاجِزِينَ عَنْ دَفْعِها، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ التَّكْلِيفَ قَطُّ ما ورَدَ إلّا بِما في القُدْرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ» ”.
والثّانِي: أنَّ النَّسْخَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ لَوْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ العِقابِ عَلى تِلْكَ الخَواطِرِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والثّالِثُ: أنَّ نَسْخَ الخَبَرِ لا يَجُوزُ إنَّما الجائِزُ هو نَسْخُ الأوامِرِ والنَّواهِي.
واعْلَمْ أنَّ لِلنّاسِ اخْتِلافًا في أنَّ الخَبَرَ هَلْ يُنْسَخُ أمْ لا ؟ وقَدْ ذَكَرْناهُ في أُصُولِ الفِقْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأصْحابُ قَدِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ غُفْرانِ ذُنُوبِ أصْحابِ الكَبائِرِ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ المُطِيعَ مَقْطُوعٌ بِأنَّهُ يُثابُ ولا يُعاقَبُ، والكافِرُ مَقْطُوعٌ بِأنَّهُ يُعاقَبُ ولا يُثابُ، وقَوْلُهُ ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ رَفْعٌ لِلْقَطْعِ بِواحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصِيبًا لِلْمُؤْمِنِ يَرِثُهُ المُذْنِبُ بِأعْمالِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ (فَيَغْفِرُ، ويُعَذِّبُ) بِرَفْعِ الرّاءِ والباءِ، وأمّا الباقُونَ فَبِالجَزْمِ أمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، والتَّقْدِيرُ: فَهو يَغْفِرُ، وأمّا الجَزْمُ فَبِالعَطْفِ عَلى يُحاسِبْكم ونُقِلَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ أدْغَمَ الرّاءَ في اللّامِ في قَوْلِهِ: (يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ) قالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ": إنَّهُ لَحْنُ ونِسْبَتُهُ إلى أبِي عَمْرٍو كَذِبٌ، وكَيْفَ يَلِيقُ مِثْلُ هَذا اللَّحْنِ بِأعْلَمِ النّاسِ بِالعَرَبِيَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّهُ كامِلُ المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ أنَّهُ كامِلُ العِلْمِ والإحاطَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أنَّهُ كامِلُ القُدْرَةِ مُسْتَوْلٍ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ والتَّكْوِينِ والإعْدامِ ولا كَمالَ أعْلى وأعْظَمَ مِن حُصُولِ الكَمالِ في هَذِهِ الصِّفاتِ، والمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الكَمالاتِ يَجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَكُونَ عَبْدًا مُنْقادًا لَهُ، خاضِعًا لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ مُحْتَرِزًا عَنْ سَخَطِهِ ونَواهِيهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
البقرة 2:285
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ كَمالَ المُلْكِ، وكَمالَ العِلْمِ، وكَمالَ القُدْرَةِ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُوجِبُ كَمالَ صِفاتِ الرُّبُوبِيَّةِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ كَوْنَ المُؤْمِنِينَ في نِهايَةِ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ والخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو كَمالُ العُبُودِيَّةِ، وإذا ظَهَرَ لَنا كَمالُ الرُّبُوبِيَّةِ، وقَدْ ظَهَرَ مِنّا كَمالُ العُبُودِيَّةِ، فالمَرْجُوُّ مِن عَمِيمِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ أنْ يُظْهِرَ يَوْمَ القِيامَةِ في حَقِّنا كَمالَ العِنايَةِ والرَّحْمَةِ والإحْسانِ اللَّهُمَّ حَقِّقْ هَذا الأمَلَ.
الوَجْهُ الثّانِي في النَّظْمِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن سِرِّنا وجَهْرِنا وباطِنِنا وظاهِرِنا شَيْءٌ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ ما يَجْرِي مَجْرى المَدْحِ لَنا والثَّناءِ عَلَيْنا، فَقالَ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ﴾ كَأنَّهُ بِفَضْلِهِ يَقُولُ عَبْدِي أنا وإنْ كُنْتُ أعْلَمُ جَمِيعَ أحْوالِكَ، فَلا أُظْهِرُ مِن أحْوالِكَ، ولا أذْكُرُ مِنها إلّا ما يَكُونُ مَدْحًا لَكَ وثَناءً عَلَيْكَ، حَتّى تَعْلَمَ أنِّي كَما أنا الكامِلُ في المُلْكِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ، فَأنا الكامِلُ في الجُودِ والرَّحْمَةِ، وفي إظْهارِ الحَسَناتِ، وفي السَّتْرِ عَلى السَّيِّئاتِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ بَدَأ في السُّورَةِ بِمَدْحِ المُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ، ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ، وبَيَّنَ في آخِرِ السُّورَةِ أنَّ الَّذِينَ مَدَحَهم في أوَّلِ السُّورَةِ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣].
ثُمَّ قالَ هَهُنا ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣].
ثُمَّ قالَ هَهُنا ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] ثُمَّ حَكى عَنْهم هَهُنا كَيْفِيَّةَ تَضَرُّعِهِمْ إلى رَبِّهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخِرِ السُّورَةِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] فانْظُرْ كَيْفَ حَصَلَتِ المُوافَقَةُ بَيْنَ أوَّلِ السُّورَةِ وآخِرِها.
والوَجْهُ الرّابِعُ: وهو أنَّ الرَّسُولَ إذا جاءَهُ المَلَكُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقالَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَكَ رَسُولًا إلى الخَلْقِ، فَهَهُنا الرَّسُولُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْرِفَ صِدْقَ ذَلِكَ المَلَكِ إلّا بِمُعْجِزَةٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِ ذَلِكَ المَلَكِ في
صفحة ١١٢
دَعَواهُ ولَوْلا ذَلِكَ المُعْجِزُ لَجَوَّزَ الرَّسُولُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُخْبِرُ شَيْطانًا ضالًّا مُضِلًّا، وذَلِكَ المَلَكُ أيْضًا إذا سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى افْتَقَرَ إلى مُعْجِزٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسْمُوعَ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى لا غَيْرَ، وهَذِهِ المَراتِبُ مُعْتَبَرَةٌ، أوَّلُها: قِيامُ المُعْجِزِ عَلى أنَّ المَسْمُوعَ كَلامُ اللَّهِ لا غَيْرَهُ، فَيَعْرِفُ المَلَكُ بِواسِطَةِ ذَلِكَ المُعْجِزِ أنَّهُ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى. وثانِيها: قِيامُ المُعْجِزَةِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَلَكَ صادِقٌ في دَعْواهُ، وأنَّهُ مَلَكٌ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى ولَيْسَ بِشَيْطانٍ. وثالِثُها: أنْ تَقُومَ المُعْجِزَةُ عَلى يَدِ الرَّسُولِ عِنْدَ الأُمَّةِ حَتّى تَسْتَدِلَّ الأُمَّةُ بِها عَلى أنَّ الرَّسُولَ صادِقٌ في دَعْواهُ، فَإذَنْ لَمّا لَمْ يَعْرِفِ الرَّسُولُ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لا تَتَمَكَّنُ الأُمَّةُ مِن أنْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعَ الشَّرائِعِ وأقْسامَ الأحْكامِ، قالَ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الرَّسُولَ عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وُصِفَ إلَيْهِ، وأنَّ الَّذِي أخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَلَكٌ مَبْعُوثٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى مَعْصُومٌ مِنَ التَّحْرِيفِ، ولَيْسَ بِشَيْطانٍ مُضِلٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ إيمانَ الرَّسُولِ ﷺ بِذَلِكَ، وهو المَرْتَبَةُ المُتَقَدِّمَةُ، وذَكَرَ عَقِيبَهُ إيمانَ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وهو المَرْتَبَةُ المُتَأخِّرَةُ، فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ومَن تَأمَّلَ في لَطائِفِ نَظْمِ هَذِهِ السُّورَةِ وفي بَدائِعِ تَرْتِيبِها عَلِمَ أنَّ القُرْآنَ كَما أنَّهُ مُعْجِزٌ بِحَسَبِ فَصاحَةِ ألْفاظِهِ وشَرَفِ مَعانِيهِ، فَهو أيْضًا مُعْجِزٌ بِحَسَبِ تَرْتِيبِهِ ونَظْمِ آياتِهِ، ولَعَلَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ مُعْجِزٌ بِحَسَبِ أُسْلُوبِهِ أرادُوا ذَلِكَ إلّا أنِّي رَأيْتُ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ مُعْرِضِينَ عَنْ هَذِهِ اللَّطائِفِ غَيْرَ مُتَنَبِّهِينَ لِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَيْسَ الأمْرُ في هَذا البابِ كَما قِيلَ:
والنَّجْمُ تَسْتَصْغِرُ الأبْصارُ رُؤْيَتَهُ والذَّنَبُ لِلطَّرْفِ لا لِلنَّجْمِ في الصِّغَرِ
ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَنْفَعَنا بِما عَلَّمَنا، ويُعَلِّمَنا ما يَنْفَعُنا بِهِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ عَرَفَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ أنَّ هَذا القُرْآنَ وجُمْلَةَ ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ إلْقاءِ الشَّياطِينِ، ولا مِن نَوْعِ السِّحْرِ والكَهانَةِ والشَّعْبَذَةِ، وإنَّما عَرَفَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ بِما ظَهَرَ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ عَلى يَدِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: (والمُؤْمِنُونَ) فَفِيهِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (والمُؤْمِنُونَ) فَيَكُونُ المَعْنى: آمَنَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ، ثُمَّ ابْتَدَأ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ والمَعْنى: كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ فِيما تَقَدَّمَ، وهُمُ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ آمَنَ بِاللَّهِ.
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ ثُمَّ يَبْتَدِئُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ويَكُونُ المَعْنى أنَّ الرَّسُولَ آمَنَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، فالوَجْهُ الأوَّلُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ مُؤْمِنًا بِرَبِّهِ، ثُمَّ صارَ مُؤْمِنًا بِهِ، ويُحْتَمَلُ عَدَمُ الإيمانِ عَلى وقْتِ الِاسْتِدْلالِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يُشْعِرُ اللَّفْظُ بِأنَّ الَّذِي حَدَثَ هو إيمانُهُ بِالشَّرائِعِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] وأمّا الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكِتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ عَلى الإجْمالِ، فَقَدْ كانَ حاصِلًا مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ انْفَصَلَ عَنْ أُمِّهِ قالَ: إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ، فَإذا لَمْ يَبْعُدْ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ حِينَ كانَ طِفْلًا، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ أنْ يُقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ مِن أوَّلِ ما خُلِقَ كامِلَ العَقْلِ.
صفحة ١١٣
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الرَّسُولَ آمَنَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وإنَّما خُصَّ الرَّسُولُ بِذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ قَدْ يَكُونُ كَلامًا مَتْلُوًّا يَسْمَعُهُ الغَيْرُ ويَعْرِفُهُ ويُمْكِنُهُ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، وقَدْ يَكُونُ وحْيًا لا يَعْلَمُهُ سِواهُ، فَيَكُونُ هو ﷺ مُخْتَصًّا بِالإيمانِ بِهِ، ولا يَتَمَكَّنُ غَيْرُهُ مِنَ الإيمانِ بِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ الرَّسُولُ مُخْتَصًّا في بابِ الإيمانِ بِما لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ في غَيْرِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ مِن ضَرُوراتِ الإيمانِ.
فالمَرْتَبَةُ الأُولى: هي الإيمانُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَلِكَ لِأنَّهُ ما لَمْ يَثْبُتْ أنَّ لِلْعالَمِ صانِعًا قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، لا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ صِدْقِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَتْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى هي الأصْلُ، فَلِذَلِكَ قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ المَرْتَبَةَ في الذِّكْرِ.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما يُوحِي إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فَقالَ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] وقالَ: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]، فَإذا ثَبَتَ أنَّ وحْيَ اللَّهِ تَعالى إنَّما يَصِلُ إلى البَشَرِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فالمَلائِكَةُ يَكُونُونَ كالواسِطَةِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ البَشَرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جَعَلَ ذِكْرَ المَلائِكَةِ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ، ولِهَذا السِّرِّ قالَ أيْضًا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨].
والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: الكُتُبُ، وهو الوَحْيُ الَّذِي يَتَلَقَّفُهُ المَلَكُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ويُوصِلُهُ إلى البَشَرِ وذَلِكَ في ضَرْبِ المِثالِ يَجْرِي مَجْرى اسْتِنارَةِ سَطْحِ القَمَرِ مِن نُورِ الشَّمْسِ فَذاتُ المَلَكِ كالقَمَرِ وذاتُ الوَحْيِ كاسْتِنارَةِ القَمَرِ، فَكَما أنَّ ذاتَ القَمَرِ مُقَدَّمَةٌ في الرُّتْبَةِ عَلى اسْتِنارَتِهِ فَكَذَلِكَ ذاتُ المَلَكِ مُتَقَدِّمٌ عَلى حُصُولِ ذَلِكَ الوَحْيِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِهَذِهِ الكُتُبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَتِ الكُتُبُ مُتَأخِّرَةً في الرُّتْبَةِ عَنِ المَلائِكَةِ، فَلا جَرَمَ أخَّرَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ الكُتُبِ عَنْ ذِكْرِ المَلائِكَةِ.
والمَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: الرُّسُلُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقْتَبِسُونَ أنْوارَ الوَحْيِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَيَكُونُونَ مُتَأخِّرِينَ في الدَّرَجَةِ عَنِ الكُتُبِ فَلِهَذا السَّبَبِ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ الرُّسُلِ في المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ، واعْلَمْ أنَّ في تَرْتِيبِ هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أسْرارًا غامِضَةً، وحِكَمًا عَظِيمَةً لا يَحْسُنُ إيداعُها في الكُتُبِ والقَدْرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ كافٍ في التَّشْرِيفِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالإيمانِ بِاللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ بِوُجُودِهِ، وبِصِفاتِهِ، وبِأفْعالِهِ، وبِأحْكامِهِ، وبِأسْمائِهِ.
أمّا الإيمانُ بِوُجُودِهِ، فَهو أنْ يَعْلَمَ أنَّ وراءَ المُتَحَيِّزاتِ مَوْجُودًا خالِقًا لَها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُجَسِّمُ لا يَكُونُ مُقِرًّا بِوُجُودِ الإلَهِ تَعالى لِأنَّهُ لا يُثْبِتُ ما وراءَ المُتَحَيِّزاتِ شَيْئًا آخَرَ فَيَكُونُ اخْتِلافُهُ مَعَنا في إثْباتِ ذاتِ
صفحة ١١٤
اللَّهِ تَعالى، أمّا الفَلاسِفَةُ والمُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم مُقِرُّونَ بِإثْباتِ مَوْجُودٍ سِوى المُتَحَيِّزاتِ مُوجِدٌ لَها، فَيَكُونُ الخِلافُ مَعَهم لا في الذّاتِ بَلْ في الصِّفاتِ.
وأمّا الإيمانُ بِصِفاتِهِ، فالصِّفاتُ إمّا سَلْبِيَّةٌ، وإمّا ثُبُوتِيَّةٌ.
فَأمّا السَّلْبِيَّةُ: فَهي أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ فَرْدٌ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ التَّرْكِيبِ، فَإنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُفْتَقِرٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ غَيْرُهُ، فَهو مُرَكَّبٌ، فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَإذَنْ كُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما لَيْسَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، بَلْ كانَ واجِبًا لِذاتِهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، بَلْ كانَ فَرْدًا مُطْلَقًا، وإذا كانَ فَرْدًا في ذاتِهِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، ولا جِسْمًا، ولا جَوْهَرًا، ولا في مَكانٍ، ولا حالًّا، ولا في مَحَلٍّ، ولا مُتَغَيِّرًا، ولا مُحْتاجًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ البَتَّةَ.
وأمّا الصِّفاتُ الثُّبُوتِيَّةُ: فَبِأنْ يَعْلَمَ أنَّ المُوجِبَ لِذاتِهِ نِسْبَتُهُ إلى بَعْضِ المُمْكِناتِ كَنِسْبَتِهِ إلى البَواقِي، فَلَمّا رَأيْنا أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وقَعَتْ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُ وُقُوعُها عَلى خِلافِ تِلْكَ الأحْوالِ، عَلِمْنا أنَّ المُؤَثِّرَ فِيها قادِرٌ مُخْتارٌ لا مُوجِبٌ بِالذّاتِ، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ بِما في أفْعالِهِ مِنَ الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ، فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُهُ قادِرًا عالِمًا حَيًّا سَمِيعًا بَصِيرًا مَوْصُوفًا مَنعُوتًا بِالجَلالِ وصِفاتِ الكَمالِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وأمّا الإيمانُ بِأفْعالِهِ، فَبِأنْ تَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ مُحْدَثٌ، وتَعْلَمَ بِبَدِيهَةِ عَقْلِكَ أنَّ المُمْكِنَ المُحْدِثَ لا يُوجَدُ بِذاتِهِ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ يُوجِدُهُ وهو القَدِيمُ، وهَذا الدَّلِيلُ يَحْمِلُكَ عَلى أنْ تَجْزِمَ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَإنَّما حَصَلَ بِتَخْلِيقِهِ وإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ إلّا أنَّهُ وقَعَ في البَيْنِ عُقْدَةٌ وهي الحَوادِثُ الَّتِي هي الأفْعالُ الِاخْتِيارِيَّةُ لِلْحَيَواناتِ، فالحُكْمُ الأوَّلُ وهو أنَّها مُمْكِنَةٌ مُحْدَثَةٌ فَلا بُدَّ مِن إسْنادِها إلى واجِبِ الوُجُودِ مُطَّرِدٌ فِيها.
فَإنْ قُلْتَ: إنِّي أجِدُ مِن نَفْسِي أنِّي إنْ شِئْتُ أنْ أتَحَرَّكَ تَحَرَّكْتُ، وإنْ شِئْتُ أنْ لا أتَحَرَّكَ لَمْ أتَحَرَّكْ فَكانَتْ حَرَكاتِي وسَكَناتِي بِي لا بِغَيْرِي.
فَنَقُولُ: قَدْ عَلَّقْتَ حَرَكَتَكَ بِمَشِيئَتِكَ لِحَرَكَتِكَ، وسُكُونَكَ بِمَشِيئَتِكَ لِسُكُونِكَ، فَقَبْلَ حُصُولِ مَشِيئَةِ الحَرَكَةِ لا تَتَحَرَّكُ وقَبْلَ حُصُولِ مَشِيئَةِ السُّكُونِ لا تَسْكُنُ، وعِنْدَ حُصُولِ مَشِيئَةِ الحَرَكَةِ لا بُدَّ وأنْ تَتَحَرَّكَ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ المَشِيئَةُ كَيْفَ حَدَثَتْ فَإنَّ حُدُوثَها إمّا أنْ يَكُونَ لا بِمُحْدِثٍ أصْلًا أوْ يَكُونَ بِمُحْدِثٍ، ثُمَّ ذَلِكَ المُحْدِثُ إمّا أنْ يَكُونَ هو العَبْدَ أوِ اللَّهَ تَعالى، فَإنْ حَدَثَتْ لا بِمُحْدِثٍ فَقَدْ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنْ كانَ مُحْدِثُها هو العَبْدَ افْتَقَرَ في إحْداثِها إلى مَشِيئَةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ مُحْدِثَها هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا اخْتِيارَ لِلْإنْسانِ في حُدُوثِ تِلْكَ المَشِيئَةِ، وبَعْدَ حُدُوثِها فَلا اخْتِيارَ لَهُ في تَرَتُّبِ الفِعْلِ عَلَيْها إلّا بِالمَشِيئَةِ بِهِ، ولا حُصُولَ لِلْفِعْلِ بَعْدَ المَشِيئَةِ، فالإنْسانُ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ، فَهَذا كَلامٌ قاهِرٌ قَوِيٌّ، وفي مُعارَضَتِهِ إشْكالانِ أحَدُهُما: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَمالِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيجادُ هَذِهِ القَبائِحِ والفَواحِشِ مِنَ الكُفْرِ والفِسْقِ ؟ والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ الكُلُّ بِتَخْلِيقِهِ فَكَيْفَ تَوَجَّهَ الأمْرُ والنَّهْيُ، والمَدْحُ والذَّمُّ،
صفحة ١١٥
والثَّوابُ والعِقابُ عَلى العَبْدِ ؟ فَهَذا هو الحَرْفُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِن جانِبِ الخَصْمِ، إلّا أنَّهُ وارِدٌ عَلَيْهِ أيْضًا في العِلْمِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في مَواضِعَ عِدَّةٍ.
وأمّا المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ في الإيمانِ بِاللَّهِ: فَهي مَعْرِفَةُ أحْكامِهِ، ويَجِبُ أنْ يَعْلَمَ في أحْكامِهِ أُمُورًا أرْبَعَةً أحَدُها: أنَّها غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِعِلَّةٍ أصْلًا، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ كانَ صاحِبُهُ ناقِصًا بِذاتِهِ، كامِلًا بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ عَلى الحَقِّ سُبْحانَهُ مُحالٌ، وثانِيها: أنْ يَعْلَمَ أنَّ المَقْصُودَ مِن شَرْعِها مَنفَعَةٌ عائِدَةٌ إلى العَبْدِ لا إلى الحَقِّ، فَإنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وثالِثُها: أنْ يَعْلَمَ أنَّ لَهُ الإلْزامَ والحُكْمَ في الدُّنْيا كَيْفَ شاءَ وأرادَ. ورابِعُها: أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَجِبُ لِأحَدٍ عَلى الحَقِّ بِسَبَبِ أعْمالِهِ وأفْعالِهِ شَيْءٌ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ في الآخِرَةِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ بِفَضْلِهِ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِعَدْلِهِ، وأنَّهُ لا يُقَبَّحُ مِنهُ شَيْءٌ، ولا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، لِأنَّ الكُلَّ مِلْكُهُ ومُلْكُهُ، والمَمْلُوكَ المُجازى لا حَقَّ لَهُ عَلى المالِكِ المُجازِي، فَكَيْفَ المَمْلُوكُ الحَقِيقِيُّ مَعَ المالِكِ الحَقِيقِيِّ.
وأمّا الرُّتْبَةُ الخامِسَةُ في الإيمانِ بِاللَّهِ: فَمَعْرِفَةُ أسْمائِهِ قالَ في الأعْرافِ ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ في بَنِي إسْرائِيلَ ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقالَ في طه ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] وقالَ في آخِرِ الحَشْرِ ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحشر: ٢٤] والأسْماءُ الحُسْنى هي الأسْماءُ الوارِدَةُ في كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ المَعْصُومِينَ، وهَذِهِ الإشارَةُ إلى مَعاقِدِ الإيمانِ بِاللَّهِ.
وأمّا الإيمانُ بِالمَلائِكَةِ، فَهو مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أوَّلُها: الإيمانُ بِوُجُودِها، والبَحْثُ عَنْ أنَّها رُوحانِيَّةٌ مَحْضَةٌ، أوْ جُسْمانِيَّةٌ، أوْ مُرَكَّبَةٌ مِنَ القِسْمَيْنِ، وبِتَقْدِيرِ كَوْنِها جُسْمانِيَّةً فَهي أجْسامٌ لَطِيفَةٌ أوْ كَثِيفَةٌ، فَإنْ كانَتْ لَطِيفَةً فَهي أجْسامٌ نُورانِيَّةٌ، أوْ هَوائِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مَعَ لَطافَةِ أجْسامِها بالِغَةً في القُوَّةِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَذاكَ مَقامُ العُلَماءِ الرّاسِخِينَ في عُلُومِ الحِكْمَةِ القُرْآنِيَّةِ والبُرْهانِيَّةِ.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ في الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ: العِلْمُ بِأنَّهم مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] فَإنَّ لَذَّتَهم بِذِكْرِ اللَّهِ، وأُنْسَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، وكَما أنَّ حَياةَ كُلِّ واحِدٍ مِنّا بِنَفَسِهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ اسْتِنْشاقِ الهَواءِ، فَكَذَلِكَ حَياتُهم بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ.
والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم وسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ البَشَرِ، فَكُلُّ قِسْمٍ مِنهم مُتَوَكَّلٌ عَلى قِسْمٍ مِن أقْسامِ هَذا العالَمِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ١، ٢]، وقالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ١، ٢] وقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ١، ٢] وقالَ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: ١، ٢]، ولَقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ أسْرارًا مَخْفِيَّةً، إذا طالَعَها الرّاسِخُونَ في العِلْمِ وقَفُوا عَلَيْها.
والمَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ كُتُبَ اللَّهِ المُنَزَّلَةَ إنَّما وصَلَتْ إلى الأنْبِياءِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠، ٢١] فَهَذِهِ المَراتِبُ لا بُدَّ مِنها في حُصُولِ الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ، فَكُلَّما كانَ غَوْصُ العَقْلِ في هَذِهِ المَراتِبِ أشَدَّ كانَ إيمانُهُ بِالمَلائِكَةِ أتَمَّ.
صفحة ١١٦
وأمّا الإيمانُ بِالكُتُبِ: فَلا بُدَّ فِيهِ مِن أُمُورٍ أرْبَعَةٍ أوَّلُها: أنَّ يَعْلَمَ أنَّ هَذِهِ الكُتُبَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى رَسُولِهِ، وأنَّها لَيْسَتْ مِن بابِ الكِهانَةِ، ولا مِن بابِ السِّحْرِ، ولا مِن بابِ إلْقاءِ الشَّياطِينِ والأرْواحِ الخَبِيثَةِ، وثانِيها: أنْ يَعْلَمَ أنَّ الوَحْيَ بِهَذِهِ الكُتُبِ وإنْ كانَ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ المُطَهَّرِينَ، فاللَّهُ تَعالى لَمْ يُمَكِّنْ أحَدًا مِنَ الشَّياطِينِ مِن إلْقاءِ شَيْءٍ مِن ضَلالاتِهِمْ في أثْناءِ هَذا الوَحْيِ الطّاهِرِ، وعِنْدَ هَذا يُعْلَمُ أنَّ مَن قالَ: إنَّ الشَّيْطانَ ألْقى قَوْلَهُ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا في أثْناءِ الوَحْيِ، فَقَدْ قالَ قَوْلًا عَظِيمًا، وطَرَقَ الطَّعْنَ والتُّهْمَةَ إلى القُرْآنِ.
والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ هَذا القُرْآنَ لَمْ يُغَيَّرْ ولَمْ يُحَرَّفْ، ودَخَلَ فِيهِ فَسادُ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ عَلى هَذا الوَجْهِ شَيْءٌ فَعَلَهُ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنَّ مَن قالَ ذَلِكَ أخْرَجَ القُرْآنَ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً.
والمَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، وأنَّ مُحْكَمَهُ يَكْشِفُ عَنْ مُتَشابِهِهِ.
وأمّا الإيمانُ بِالرُّسُلِ: فَلا بُدَّ فِيهِ مِن أُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: أنَّ يَعْلَمَ كَوْنَهم مَعْصُومِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ أحْكَمْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦] وجَمِيعُ الآياتِ الَّتِي يَتَمَسَّكُ بِها المُخالِفُونَ قَدْ ذَكَرْنا وجْهَ تَأْوِيلاتِها في هَذا التَّفْسِيرِ بِعَوْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: مِن مَراتِبِ الإيمانِ بِهِمْ: أنَّ يَعْلَمَ أنَّ النَّبِيَّ أفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، ومِنَ الصُّوفِيَّةِ مَن يُنازِعُ في هَذا البابِ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّهم أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ المَلائِكَةَ السَّماوِيَّةَ أفْضَلُ مِنهم، وهم أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ الأرْضِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] ولِأرْبابِ المُكاشَفاتِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُباحَثاتٌ غامِضَةٌ.
المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ بَعْضَهم أفْضَلُ مِنَ البَعْضِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ومِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ وتَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ .
وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ الطَّرِيقَ إلى إثْباتِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا كانُوا حاضِرِينَ هو ظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلى وفْقِ دَعاوِيهِمْ، فَإذا كانَ هَذا هو الطَّرِيقَ، وجَبَ في حَقِّ كُلِّ مَن ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ أنْ يَكُونَ صادِقًا، وإنْ لَمْ يَصِحَّ هَذا الطَّرِيقُ وجَبَ أنْ لا يَدُلَّ في حَقِّ أحَدٍ مِنهم عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ، فَأمّا أنْ يَدُلَّ عَلى رِسالَةِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ فَقَوْلٌ فاسِدٌ مُتَناقِضٌ، والغَرَضُ مِنهُ تَزْيِيفُ طَرِيقَةِ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُوسى وعِيسى، ويُكَذِّبُونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ لا ما ذَكَرْتُمْ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم أفْضَلَ مِنَ البَعْضِ فَهَذا هو الإشارَةُ إلى أُصُولِ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ (وكِتابِهِ) عَلى الواحِدِ، والباقُونَ (كُتُبِهِ) عَلى الجَمْعِ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ وجْهانِ:
صفحة ١١٧
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ هو القُرْآنُ ثُمَّ الإيمانُ بِهِ ويَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ والرُّسُلِ، والثّانِي: عَلى مَعْنى الجِنْسِ فَيُوافِقُ مَعْنى الجَمْعَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣].
فَإنْ قِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ إنَّما يُفِيدُ العُمُومَ إذا كانَ مَقْرُونًا بِالألِفِ واللّامِ، وهَذِهِ مُضافَةٌ.
قُلْنا: قَدْ جاءَ المُضافُ مِنَ الأسْماءِ ونَعْنِي بِهِ الكَثْرَةَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وهَذا الإحْلالُ شائِعٌ في جَمِيعِ الصِّيامِ، قالَ العُلَماءُ: والقِراءَةُ بِالجَمْعِ أفْضَلُ لِمُشاكَلَةٍ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ مِن لَفْظِ الجَمْعِ ولِأنَّ أكْثَرَ القِراءَةِ عَلَيْهِ، واعْلَمْ أنَّ القُرّاءَ أجْمَعُوا في قَوْلِهِ: (ورُسُلِهِ) عَلى ضَمِّ السِّينِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو سُكُونُها، وعَنْ نافِعٍ (وكُتْبِهِ ورُسْلِهِ) مُخَفَّفِينَ، وحُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ عَلى فُعُلٍ بِضَمِّ العَيْنِ، وحُجَّةُ أبِي عَمْرٍو هي أنْ لا تَتَوالى أرْبَعُ مُتَحَرِّكاتٍ؛ لِأنَّهم كَرِهُوا ذَلِكَ، ولِهَذا لَمْ تَتَوالَ هَذِهِ الحَرَكاتُ في شِعْرٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُزاحِفًا، وأجابَ الأوَّلُونَ أنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ في الكَلِمَةِ الواحِدَةِ أمّا في الكَلِمَتَيْنِ فَلا بِدَلِيلِ أنَّ الإدْغامَ غَيْرُ لازِمٍ في (وجَعَلَ) ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ قَدْ تَوالى فِيهِ خَمْسُ مُتَحَرِّكاتٍ، والكَلِمَةُ إذا اتَّصَلَ بِها ضَمِيرٌ فَهي كَلِمَتانِ لا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ كَقَوْلِهِ ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا﴾ [الأنعام: ٩٣] مَعْناهُ يَقُولُونَ: أخْرِجُوا وقالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] أيْ قالُوا هَذا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو (يُفَرِّقُ) بِالياءِ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِكُلٍّ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (لا يُفَرِّقُونَ) .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ”أحَدٍ“ في مَعْنى الجَمْعِ، كَقَوْلِهِ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] والتَّقْدِيرُ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ جَمِيعِ رُسُلِهِ، هَذا هو الَّذِي قالُوهُ، وعِنْدِي أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ هَهُنا في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ جَمِيعِ رُسُلِهِ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَهم مُفَرِّقِينَ بَيْنَ بَعْضِ الرُّسُلِ والمَقْصُودُ بِالنَّفْيِ هو هَذا؛ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى ما كانُوا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ كُلِّ الرُّسُلِ، بَلْ بَيْنَ البَعْضِ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَثَبَتَ أنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ باطِلٌ، بَلْ مَعْنى الآيَةِ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ، وبَيْنَ غَيْرِهِ في النُّبُوَّةِ، فَإذا فَسَّرْناهُ بِهَذا حَصَلَ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الكَلامُ في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، واسْتِكْمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالعِلْمِ، واسْتِكْمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِفِعْلِ الخَيْراتِ، والقُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن ذِكْرِهِما بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ مُقَدَّمَةً عَلى العَمَلِيَّةِ قالَ عَنْ إبْراهِيمَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] فالحُكْمُ كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وقَدْ أطْنَبْنا في شَواهِدَ هَذا المَعْنى مِنَ القُرْآنِ فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذا الكِتابِ.
صفحة ١١٨
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأمْرُ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِهَذِهِ المَعارِفِ الشَّرِيفَةِ، وقَوْلُهُ ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ الإنْسانِيَّةِ بِهَذِهِ الأعْمالِ الفاضِلَةِ الكامِلَةِ، ومَن وقَفَ عَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ عَلِمَ اشْتِمالَ القُرْآنِ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ غَفَلَ عَنْها الأكْثَرُونَ.
والوَجْهُ الثّانِي: مِنَ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ لِلْإنْسانِ أيّامًا ثَلاثَةً:
الأمْسُ والبَحْثُ عَنْهُ يُسَمّى بِمَعْرِفَةِ المَبْدَأِ، واليَوْمُ الحاضِرُ والبَحْثُ عَنْهُ يُسَمّى بِعِلْمِ الوَسَطِ، والغَدُ والبَحْثُ عَنْهُ يُسَمّى بِعِلْمِ المَعادِ. والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى رِعايَةِ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ قالَ في آخِرِ سُورَةِ هُودٍ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ ولَمّا كانَتِ الكَمالاتُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ إلّا العِلْمَ والقُدْرَةَ، لا جَرَمَ ذَكَرَها في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، وقَوْلُهُ ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى عِلْمِ المَبْدَأِ، وأمّا عِلْمُ الوَسَطِ وهو عِلْمُ ما يَجِبُ اليَوْمَ أنْ يَشْتَغِلَ بِهِ، فَلَهُ أيْضًا مَرْتَبَتانِ:
البِدايَةُ والنِّهايَةُ، أمّا البِدايَةُ فالِاشْتِغالُ بِالعُبُودِيَّةِ، وأمّا النِّهايَةُ فَقَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الأسْبابِ، وتَفْوِيضُ الأُمُورِ كُلِّها إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، وذَلِكَ هو المُسَمّى بِالتَّوَكُّلِ، فَذَكَرَ هَذَيْنِ المَقامَيْنِ، فَقالَ: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] .
وأمّا عِلْمُ المَعادِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢] أيْ فَيَوْمُكَ غَدًا سَيَصِلُ فِيهِ نَتائِجُ أعْمالِكَ إلَيْكَ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى كَمالِ ما يَبْحَثُ عَنْهُ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ، ونَظِيرُها أيْضًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] وهو إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَبْدَأِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] وهو إشارَةٌ إلى عِلْمِ الوَسَطِ، ثُمَّ قالَ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] وهو إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ عَلى ما قالَ في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠٠].
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تَعْرِيفُ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ مَذْكُورٌ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ، وقَوْلُهُ ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ الوَسَطِ، وهو مَعْرِفَةُ الأحْوالِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ عالِمًا مُشْتَغِلًا بِها، ما دامَ يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ، والوُقُوفُ عَلى هَذِهِ الأسْرارِ يُنَوِّرُ القَلْبَ ويَجْذِبُهُ مِن ضِيقِ عالَمِ الأجْسامِ إلى فُسْحَةِ عالِمِ الأفْلاكِ، وأنْوارِ بَهْجَةِ السَّماواتِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في النَّظْمِ: أنَّ المَطالِبَ قِسْمانِ أحَدُهُما: البَحْثُ عَنْ حَقائِقِ المَوْجُوداتِ. والثّانِي: البَحْثُ عَنْ أحْكامِ الأفْعالِ في الوُجُوبِ والجَوازِ والحَظْرِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَمُسْتَفادٌ مِنَ العَقْلِ، والثّانِي مُسْتَفادٌ مِنَ السَّمْعِ، والقِسْمُ الأوَّلُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ والقِسْمُ الثّانِي هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ سَمْعِنا قَوْلَهُ وأطَعْنا أمْرَهُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ مِن حَيْثُ مُدِحُوا بِهِ.
وأقُولُ: هَذا مِنَ البابِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ فِيهِ ظاهِرًا وتَقْدِيرًا أوْلى لِأنَّكَ إذا جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ: سَمِعْنا قَوْلَهُ، وأطَعْنا أمْرَهُ، فَإذَنْ هَهُنا قَوْلٌ آخَرُ غَيْرُ قَوْلِهِ، وأمْرٌ آخَرُ يُطاعُ سِوى
صفحة ١١٩
أمْرِهِ، فَإذا لَمْ يُقَدَّرْ فِيهِ ذَلِكَ المَفْعُولُ أفادَ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ قَوْلٌ يَجِبُ سَمْعُهُ إلّا قَوْلَهُ ولَيْسَ في الوُجُودِ أمْرٌ يُقالُ في مُقابَلَتِهِ أطَعْنا إلّا أمْرَهُ، فَكانَ حَذْفُ المَفْعُولِ صُورَةً ومَعْنًى في هَذا المَوْضِعِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ إيمانَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ وصَفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِأنَّهم يَقُولُونَ: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَقَوْلُهُ: (سَمِعْنا) لَيْسَ المُرادُ مِنهُ السَّماعَ الظّاهِرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ المَدْحَ، بَلِ المُرادُ أنّا سَمِعْناهُ بِآذانِ عُقُولِنا، أيْ عَقَلْناهُ وعَلِمْنا صِحَّتَهُ، وتَيَقَّنّا أنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ ورَدَ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْنا فَهو حَقٌّ صَحِيحٌ واجِبُ القَبُولِ، والسَّمْعُ بِمَعْنى القَبُولِ والفَهْمِ وارِدٌ في القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] والمَعْنى: لِمَن سَمِعَ الذِّكْرى بِفَهْمٍ حاضِرٍ، وعَكْسُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ [لقمان: ٧] ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ (وأطَعْنا) فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ كَما صَحَّ اعْتِقادُهم في هَذِهِ التَّكالِيفِ فَهم ما أخَلُّوا بِشَيْءٍ مِنها فَجَمَعَ اللَّهُ تَعالى بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِأبْوابِ التَّكْلِيفِ عِلْمًا وعَمَلًا.
* * *
ثُمَّ حَكىَ عَنْهم بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم قالُوا ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ القَوْمَ لَمّا قَبِلُوا التَّكالِيفَ وعَمِلُوا بِها، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِمْ إلى طَلَبِهِمُ المَغْفِرَةَ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم وإنَّ بَذَلُوا مَجْهُودَهم في أداءِ هَذِهِ التَّكالِيفِ إلّا أنَّهم كانُوا خائِفِينَ مِن تَقْصِيرٍ يَصْدُرُ عَنْهم، فَلَمّا جَوَّزُوا ذَلِكَ قالُوا ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ ومَعْناهُ أنَّهم يَلْتَمِسُونَ مِن قَبْلِهِ الغُفْرانَ فِيما يَخافُونَ مِن تَقْصِيرِهِمْ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ.
والثّانِي: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً» “ فَذَكَرُوا لِهَذا الحَدِيثِ تَأْوِيلاتٍ مَن جُمْلَتِها: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في التَّرَقِّي في دَرَجاتِ العُبُودِيَّةِ فَكانَ كُلَّما تَرَقّى مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ أعْلى مِنَ الأوَّلِ رَأى الأوَّلَ حَقِيرًا، فَكانَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنهُ، فَحَمْلُ طَلَبِ الغُفْرانِ في القُرْآنِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ جَمِيعَ الطّاعاتِ في مُقابَلَةِ حُقُوقِ إلاهِيَّتِهِ جِناياتٌ، وكُلُّ أنْواعِ المَعارِفِ الحاصِلَةِ عِنْدَ الخَلْقِ في مُقابَلَةِ أنْوارِ كِبْرِيائِهِ تَقْصِيرٌ وقُصُورٌ وجَهْلٌ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فالعَبْدُ في أيِّ مَقامٍ كانَ مِن مَقامِ العُبُودِيَّةِ، وإنْ كانَ عالِمًا جِدًّا إذا قُوبِلَ ذَلِكَ بِجَلالِ كِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى صارَ عَيْنَ التَّقْصِيرِ الَّذِي يَجِبُ الِاسْتِغْفارُ مِنهُ، وهَذا هو السِّرُّ في قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] فَإنَّ مَقاماتِ عُبُودِيَّتِهِ وإنْ كانَتْ عالِيَةً إلّا أنَّهُ كانَ يَنْكَشِفُ لَهُ في دَرَجاتِ مُكاشَفاتِهِ أنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِالحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ عَنِ التَّقْصِيرِ، فَكانَ يَسْتَغْفِرُ مِنها، وكَذَلِكَ حَكىَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ كَلامَهم فَقالَ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] فَسُبْحانَكَ اللَّهُمَّ إشارَةٌ إلى التَّنْزِيهِ.
ثُمَّ إنَّهُ قالَ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] يَعْنِي أنَّ كُلَّ الحَمْدِ لِلَّهِ وإنْ كُنّا لا نَقْدِرُ عَلى فَهْمِ ذَلِكَ الحَمْدِ بِعُقُولِنا ولا عَلى ذِكْرِهِ بِألْسِنَتِنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (غُفْرانَكَ) تَقْدِيرُهُ: اغْفِرْ غُفْرانَكَ، ويُسْتَغْنى بِالمَصْدَرِ عَنِ الفِعْلِ في الدُّعاءِ نَحْوَ
صفحة ١٢٠
سُقْيًا ورَعْيًا، قالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الأمْرِ فَنُصِبَ، ومِثْلُهُ الصَّلاةَ الصَّلاةَ، والأسَدَ الأسَدَ، وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ مَن قالَ: نَسْألُكَ غُفْرانَكَ؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَمّا كانَتْ مَوْضُوعَةً لِهَذا المَعْنى ابْتِداءً كانَتْ أدَلَّ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكُ: حَمْدًا حَمْدًا، وشُكْرًا شُكْرًا، أيْ أحْمَدُ حَمْدًا، وأشْكُرُ شُكْرًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ طَلَبَ هَذا الغُفْرانِ مَقْرُونٌ بِأمْرَيْنِ أحَدُهُما: بِالإضافَةِ إلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: (غُفْرانَكَ) والثّانِي: أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ (رَبَّنا) وهَذانَ القَيْدانِ يَتَضَمَّنانِ فَوائِدَ:
إحْداها: أنْتَ الكامِلُ في هَذِهِ الصِّفَةِ، فَأنْتَ غافِرُ الذَّنْبِ، وأنْتَ غَفُورٌ ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ﴾ [الكهف: ٥٨] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] وأنْتَ الغَفّارُ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَتْ غَفّارِيَّتُهُ مِن هَذا الوَقْتِ، بَلْ كانَ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ غَفّارَ الذُّنُوبِ، فَهَذِهِ الغَفّارِيَّةُ كالحِرْفَةِ لَهُ، فَقَوْلُهُ هَهُنا (غُفْرانَكَ) يَعْنِي أطْلُبُ الغُفْرانَ مِنكَ وأنْتَ الكامِلُ في هَذِهِ الصِّفَةِ، والمَطْمُوعُ مِنَ الكامِلِ في صِفَةٍ أنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً كامِلَةً، فَقَوْلُهُ: (غُفْرانَكَ) طَلَبٌ لِغُفْرانٍ كامِلٍ، وما ذاكَ إلّا بِأنْ يَغْفِرَ جَمِيعَ الذُّنُوبِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ويُبَدِّلَها بِالحَسَناتِ، كَما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] .
وثانِيها: رُوِيَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ”«إنَّ لِلَّهِ مِائَةَ جُزْءٍ مِنَ الرَّحْمَةِ قَسَّمَ جُزْءًا واحِدًا مِنها عَلى المَلائِكَةِ والجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَبِها يَتَراحَمُونَ، وادَّخَرَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ جُزْءًا لِيَوْمِ القِيامَةِ» “ فَأظُنُّ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: (غُفْرانَكَ) هو ذَلِكَ الغُفْرانُ الكَبِيرُ، كانَ العَبْدُ يَقُولُ: هَبْ أنَّ جُرْمِي كَبِيرٌ لَكِنَّ غُفْرانَكَ أعْظَمُ مِن جُرْمِي.
وثالِثُها: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: كُلُّ صِفَةٍ مِن صِفاتِ جَلالِكَ وإلاهِيَّتِكَ، فَإنَّما يَظْهَرُ أثَرُها في مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، فَلَوْلا الوُجُودُ بَعْدَ العَدَمِ لَما ظَهَرَتْ آثارُ قُدْرَتِكَ، ولَوْلا التَّرْتِيبُ العَجِيبُ والتَّأْلِيفُ الأنِيقُ لَما ظَهَرَتْ آثارُ عِلْمِكَ، فَكَذا لَوْلا جُرْمُ العَبْدِ وجِنايَتُهُ، وعَجْزُهُ وحاجَتُهُ، لَما ظَهَرَتْ آثارُ غُفْرانِكَ، فَقَوْلُهُ: (غُفْرانَكَ) مَعْناهُ طَلَبُ الغُفْرانِ الَّذِي لا يُمْكِنُ ظُهُورُ أثَرِهِ إلّا في حَقِّي، وفي حَقِّ أمْثالِي مِنَ المُجْرِمِينَ.
وأمّا القَيْدُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: (رَبَّنا) فَفِيهِ فَوائِدُ:
أوَّلُها: رَبَّيْتَنِي حِينَ ما لَمْ أذْكُرْكَ بِالتَّوْحِيدِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَرَمِكَ أنْ لا تُرَبِّيَنِي عِنْدَما أفْنَيْتُ عُمْرِي في تَوْحِيدِكَ.
وثانِيها: رَبَّيْتَنِي حِينَ كُنْتُ مَعْدُومًا، ولَوْ لَمْ تُرَبِّنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ لَما تَضَرَّرْتُ بِهِ؛ لِأنِّي كُنْتُ أبْقى حِينَئِذٍ في العَدَمِ، وأمّا الآنَ فَلَوْ لَمْ تُرَبِّنِي وقَعْتُ في الضَّرَرِ الشَّدِيدِ، فَأسْألُكَ أنْ لا تُهْمِلَنِي.
وثالِثُها: رَبَّيْتَنِي في الماضِي فاجْعَلْ لِي في الماضِي شَفِيعِي إلَيْكَ في أنْ تُرَبِّيَنِي في المُسْتَقْبَلِ.
ورابِعُها: رَبَّيْتَنِي في الماضِي فَإتْمامُ المَعْرُوفِ خَيْرٌ مِنِ ابْتِدائِهِ، فَتَمِّمْ هَذِهِ التَّرْبِيَةَ بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ وفِيهِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: بَيانُ أنَّهم كَما أقَرُّوا بِالمَبْدَأِ فَكَذَلِكَ أقَرُّوا بِالمَعادِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالمَبْدَأِ أصْلُ الإيمانِ بِالمَعادِ، فَإنَّ مَن أقَرَّ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِالجُزْئِيّاتِ، وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، لا بُدَّ وأنْ يُقِرَّ بِالمَعادِ.
والثّانِيَةُ: بَيانُ أنَّ العَبْدَ مَتى عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ، والذَّهابِ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ إلّا حُكْمُ اللَّهِ، ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَشْفَعَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، كانَ إخْلاصُهُ في الطّاعاتِ أتَمَّ، واحْتِرازُهُ عَنِ السَّيِّئاتِ أكْمَلَ، وهَهُنا آخِرُ ما شَرَحَ اللَّهُ تَعالى مِن إيمانِ المُؤْمِنِينَ.
البقرة 2:286
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً عَنِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ عَلى نَسَقِ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾، وقالُوا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أرْدَفَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم طَرِيقَتَهم في التَّمَسُّكِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وحَكى عَنْهم في جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّهم وصَفُوا رَبَّهم بِأنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ: إنْ قُلْنا إنَّ هَذا مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ فَوَجْهُ النَّظْمِ أنَّهم لَمّا قالُوا ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ لا نَسْمَعُ ولا نُطِيعُ، وأنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُنا إلّا ما في وُسْعِنا وطاقَتِنا، فَإذا كانَ هو تَعالى بِحُكْمِ الرَّحْمَةِ الإلَهِيَّةِ لا يُطالِبُنا إلّا بِالشَّيْءِ السَّهْلِ الهَيِّنِ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ بِحُكْمِ العُبُودِيَّةِ وجَبَ أنْ نَكُونَ سامِعِينَ مُطِيعِينَ، وإنْ قُلْنا: إنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَوَجْهُ النَّظْمِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ ثُمَّ قالُوا بَعْدَهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهم: (غُفْرانَكَ) طَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ فِيما يَصْدُرُ عَنْهم مِن وُجُوهِ التَّقْصِيرِ مِنهم عَلى سَبِيلِ العَمْدِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهم: (غُفْرانَكَ) طَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ في ذَلِكَ التَّقْصِيرِ، لا جَرَمَ خَفَّفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ، وقالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ والمَعْنى أنَّكم إذا سَمِعْتُمْ وأطَعْتُمْ، وما تَعَمَّدْتُمُ التَّقْصِيرَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ مِنكم نَوْعُ تَقْصِيرٍ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والغَفْلَةِ فَلا تَكُونُوا خائِفِينَ مِنهُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا إجابَةٌ لَهم في دُعائِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ: كَلَّفْتُهُ الشَّيْءَ فَتَكَلَّفَ، والكَلَفُ اسْمٌ مِنهُ، والوُسْعُ ما يَسَعُ الإنْسانَ ولا يَضِيقُ عَلَيْهِ ولا يُحْرَجُ فِيهِ، قالَ الفَرّاءُ: هو اسْمٌ كالوُجْدِ والجُهْدُ، وقالَ بَعْضُهم: الوُسْعُ دُونَ المَجْهُودِ في المَشَقَّةِ، وهو ما يَتَّسِعُ لَهُ قُدْرَةُ الإنْسانِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُعْتَزِلَةُ عَوَّلُوا عَلى هَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُ العَبْدَ ما لا يُطِيقُهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [ الحَجِّ: ٧٨ ) ]، وقَوْلُهُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وقَوْلُهُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في نَفْيِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، قالُوا: وإذا ثَبَتَ هَذا فَهَهُنا أصْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ العَبْدَ مُوجِدٌ لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ مُوجِدُها هو اللَّهَ تَعالى، لَكانَ تَكْلِيفُ العَبْدِ بِالفِعْلِ تَكْلِيفًا بِما لا يُطاقُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إذا خَلَقَ الفِعْلَ وقَعَ لا مَحالَةَ ولا قُدْرَةَ البَتَّةَ لِلْعَبْدِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ ولا عَلى تَرْكِهِ، إمّا إنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الفِعْلِ، فَلِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ وُجِدَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَوْجُودُ لا يُوجَدُ ثانِيًا، وإمّا أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الدَّفْعِ فَلِأنَّ قُدْرَتَهُ أضْعَفُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ
صفحة ١٢٢
تَقْوى قُدْرَتُهُ عَلى دَفْعِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإذا لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الفِعْلَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ عَلى التَّحْصِيلِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ كانَ المُوجِدُ لِفِعْلِ العَبْدِ هو اللَّهَ تَعالى لَكانَ تَكْلِيفُ العَبْدِ بِالفِعْلِ تَكْلِيفًا بِما لا يُطاقُ.
والثّانِي: أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ وإلّا لَكانَ الكافِرُ المَأْمُورُ بِالإيمانِ لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الإيمانِ، فَكانَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ بِما لا يُطاقُ هَذا تَمامُ اسْتِدْلالِ المُعْتَزِلَةِ في هَذا المَوْضِعِ.
* * *
أمّا الأصْحابُ فَقالُوا: دَلَّتِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ عَلى وُقُوعِ التَّكْلِيفِ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ.
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ يُنْبِئُ مَوْتُهُ عَلى الكُفْرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ عالِمًا في الأزَلِ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ ولا يُؤْمِنُ قَطُّ، فَكانَ العِلْمُ بِعَدَمِ الإيمانِ مَوْجُودًا، والعِلْمُ بِعَدَمِ الإيمانِ يُنافِي وُجُودَ الإيمانِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في مَواضِعَ، وهو أيْضًا مُقَدِّمَةٌ بَيِّنَةٌ بِنَفْسِها، فَكانَ تَكْلِيفُهُ بِالإيمانِ مَعَ حُصُولِ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ تَكْلِيفًا بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وهَذِهِ الحُجَّةُ كَما أنَّها جارِيَةٌ في العِلْمِ، فَهي أيْضًا جارِيَةٌ في الجَبْرِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ عَنِ العَبْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى الدّاعِي، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ لازِمًا، إنَّما قُلْنا: إنَّ صُدُورَ الفِعْلِ عَنِ العَبْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى الدّاعِي؛ لِأنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ لَمّا كانَتْ صالِحَةً لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَلَوْ تَرَجَّحَ أحَدُ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ لَزِمَ وُقُوعُ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو نَفْيُ الصّانِعِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ تِلْكَ الدّاعِيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِنَ العَبْدِ لافْتَقَرَ إيجادُها إلى داعِيَةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ الجَبْرَ؛ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ المُرَجِّحَةِ لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ صارَ الطَّرَفُ الآخَرُ مَرْجُوحًا، والمَرْجُوحُ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ، وإذا كانَ المَرْجُوحُ مُمْتَنِعًا كانَ الرّاجِحُ واجِبًا ضَرُورَةً لِأنَّهُ لا خُرُوجَ عَنِ النَّقِيضَيْنِ، فَإذَنْ صُدُورُ الإيمانِ مِنَ الكافِرِ يَكُونُ مُمْتَنِعًا وهو مُكَلَّفٌ بِهِ، فَكانَ التَّكْلِيفُ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ التَّكْلِيفَ إمّا أنْ يَتَوَجَّهَ عَلى العَبْدِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِيَيْنِ، أوْ حالَ رُجْحانِ أحَدِهِما، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، لِأنَّ الِاسْتِواءَ يُناقِضُ الرُّجْحانَ، فَإذا كُلِّفَ حالَ حُصُولِ الِاسْتِواءِ بِالرُّجْحانِ، فَقَدْ كُلِّفَ بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وإنْ كانَ الثّانِي فالرّاجِحُ واجِبٌ، والمَرْجُوحُ مُمْتَنِعٌ، وإنْ وقَعَ التَّكْلِيفُ بِالرّاجِحِ فَقَدْ وقَعَ بِالواجِبِ، وإنْ وقَعَ بِالمَرْجُوحِ فَقَدْ وقَعَ بِالمُمْتَنِعِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى كَلَّفَ أبا لَهَبٍ بِالإيمانِ، والإيمانُ تَصْدِيقُ اللَّهِ في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، وهو مِمّا أخْبَرَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَقَدْ صارَ أبُو لَهَبٍ مُكَلَّفًا بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: العَبْدُ غَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِ فِعْلِهِ؛ لِأنَّ مَن حَرَّكَ أُصْبُعَهُ لَمْ يَعْرِفْ عَدَدَ الأحْيانِ الَّتِي حَرَّكَ أُصْبُعَهُ فِيها، لِأنَّ الحَرَكَةَ البَطِيئَةَ عِبارَةٌ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ عَنْ حَرَكاتٍ مُخْتَلِطَةٍ بِسَكَناتٍ، والعَبْدُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ أنَّهُ يَتَحَرَّكُ في بَعْضِ الأحْيانِ، ويَسْكُنُ في بَعْضِها، وأنَّهُ أيْنَ تَحَرَّكَ وأيْنَ سَكَنَ، وإذا لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِتَفاصِيلِ فِعْلِهِ لَمْ يَكُنْ مُوجِدًا لَها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إيجادَ ذَلِكَ العَدَدِ المَخْصُوصِ مِنَ الأفْعالِ، فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ العَدَدَ دُونَ الأزْيَدِ ودُونَ الأنْقَصِ فَقَدْ تَرَجَّحَ المُمْكِنُ لا لِمُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مُوجِدًا كانَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ لازِمًا عَلى ما ذَكَرْتُمْ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ يَقِينِيَّةٌ في هَذا البابِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ
صفحة ١٢٣
لا بُدَّ لِلْآيَةِ مِنَ التَّأْوِيلِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وهو الأصْوَبُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مَتى وقَعَ التَّعارُضُ مِنَ القاطِعِ العَقْلِيِّ، والظّاهِرِ السَّمْعِيِّ، فَإمّا أنْ يُصَدِّقَهُما وهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وإمّا أنْ يُكَذِّبَهُما وهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إبْطالُ النَّقِيضَيْنِ، وإمّا أنْ يُكَذِّبَ القاطِعَ العَقْلِيَّ، ويُرَجِّحَ الظّاهِرَ السَّمْعِيَّ، وذَلِكَ يُوجِبُ تَطَرُّقَ الطَّعْنِ في الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ بَطَلَ التَّوْحِيدُ والنُّبُوَّةُ والقُرْآنُ.
وتَرْجِيحُ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ يُوجِبُ القَدْحَ في الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ والدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ مَعًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَقْطَعَ بِصِحَّةِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، ويَحْمِلَ الظّاهِرَ السَّمْعِيَّ عَلى التَّأْوِيلِ، وهَذا الكَلامُ هو الَّذِي تُعَوِّلُ المُعْتَزِلَةُ عَلَيْهِ أبَدًا في دَفْعِ الظَّواهِرِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها أهْلُ التَّشْبِيهِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ عَلِمْنا أنَّ لِهَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلًا في الجُمْلَةِ، سَواءٌ عَرَفْناهُ أوْ لَمْ نَعْرِفْهُ، وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى الخَوْضِ فِيهِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: هو أنَّهُ لا مَعْنى لِلتَّكْلِيفِ في الأمْرِ والنَّهْيِ إلّا الإعْلامُ بِأنَّهُ مَتى فَعَلَ كَذا فَإنَّهُ يُثابُ، ومَتى لَمْ يَفْعَلْ فَإنَّهُ يُعاقَبُ، فَإذا وُجِدَ ظاهِرُ الأمْرِ فَإنْ كانَ المَأْمُورُ بِهِ مُمْكِنًا كانَ ذَلِكَ أمْرًا وتَكْلِيفًا في الحَقِيقَةِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ في الحَقِيقَةِ تَكْلِيفًا، بَلْ كانَ إعْلامًا بِنُزُولِ العِقابِ بِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ، وإشْعارًا بِأنَّهُ إنَّما خُلِقَ لِلنّارِ.
والجَوابُ الثّالِثُ: وهو أنَّ الإنْسانَ ما دامَ لَمْ يَمُتْ، وأنّا لا نَدْرِي أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ أوْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَنَحْنُ شاكُّونَ في قِيامِ المانِعِ، فَلا جَرَمَ نَأْمُرُهُ بِالإيمانِ ونَحُثُّهُ عَلَيْهِ، فَإذا ماتَ عَلى الكُفْرِ عَلِمْنا بَعْدَ مَوْتِهِ أنَّ المانِعَ كانَ قائِمًا في حَقِّهِ. فَتَبَيَّنَ أنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ كانَ زائِلًا عَنْهُ حالَ حَياتِهِ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِن قُدَماءِ أهْلِ الجَبْرِ.
الجَوابُ الرّابِعُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ لَيْسَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى، بَلْ هو قَوْلُ المُؤْمِنِينَ، فَلا يَكُونُ حُجَّةً، إلّا أنَّ هَذا ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكاهُ عَنْهم في مَعْرِضِ المَدْحِ لَهم والثَّناءِ عَلَيْهِمْ، فَبِسَبَبِ هَذا الكَلامِ وجَبَ أنَّ يَكُونُوا صادِقِينَ في هَذا الكَلامِ، إذْ لَوْ كانُوا كاذِبِينَ فِيهِ لَما جازَ تَعْظِيمُهم بِسَبَبِهِ، فَهَذا أقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذا المَوْضِعِ ونَسْألُ اللَّهَ العَظِيمَ أنْ يَرْحَمَ عَجْزَنا وقُصُورَ فَهْمِنا، وأنْ يَعْفُوَ عَنْ خَطايانا، فَإنّا لا نَطْلُبُ إلّا الحَقَّ، ولا نَرُومُ إلّا الصِّدْقَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ في اللُّغَةِ فَرْقٌ بَيْنَ الكَسْبِ والِاكْتِسابِ، قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الصَّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الكَسْبَ والِاكْتِسابَ واحِدٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
ألْفى أباهُ بِذاكَ الكَسْبِ يَكْتَسِبُ
والقُرْآنُ أيْضًا ناطِقٌ بِذَلِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] وقالَ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقالَ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، وقالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨] فَدَلَّ هَذا عَلى إقامَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مَقامَ الآخَرِ، ومِنَ النّاسِ مَن سَلَّمَ الفَرْقَ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الِاكْتِسابَ أخَصُّ مِنَ الكَسْبِ؛ لِأنَّ الكَسْبَ يَنْقَسِمُ إلى كَسْبِهِ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ، والِاكْتِسابُ لا يَكُونُ إلّا ما يَكْتَسِبُ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ
صفحة ١٢٤
خاصَّةً، يُقالُ: فُلانٌ كاسِبٌ لِأهْلِهِ، ولا يُقالُ: مُكْتَسِبٌ لِأهْلِهِ، والثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّما خُصَّ الخَيْرُ بِالكَسْبِ، والشَّرُّ بِالِاكْتِسابِ؛ لِأنَّ الِاكْتِسابَ اعْتِمالٌ، فَلَمّا كانَ الشَّرُّ مِمّا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ، وهي مُنْجَذِبَةٌ إلَيْهِ، وأمّارَةٌ بِهِ كانَتْ في تَحْصِيلِهِ أعْمَلَ وأجَدَّ، فَجُعِلَتْ لِهَذا المَعْنى مُكْتَسِبَةً فِيهِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في بابِ الخَيْرِ وُصِفَتْ بِما لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الِاعْتِمالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، قالُوا: لِأنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في إضافَةِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ إلَيْهِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى لَبَطَلَتْ هَذِهِ الإضافَةُ ويَجْرِي صُدُورُ أفْعالِهِ مِنهُ مَجْرى لَوْنِهِ وطُولِهِ وشَكْلِهِ وسائِرِ الأُمُورِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْها البَتَّةَ والكَلامُ فِيهِ مَعْلُومٌ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قالَ القاضِي: لَوْ كانَ خالِقًا أفْعالَهم فَما الفائِدَةُ في التَّكْلِيفِ ؟ وأمّا الوَجْهُ في أنْ يَسْألُوهُ أنْ لا يُثْقِلَ عَلَيْهِمْ والثَّقِيلُ عَلى قَوْلِهِمْ كالخَفِيفِ في أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُهُ فِيهِمْ ولَيْسَ يَلْحَقُهم بِهِ نَصَبٌ ولا لُغُوبٌ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالمُحابَطَةِ قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ كِلا الأمْرَيْنِ عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ، فَبَيَّنَ أنَّ لَها ثَوابَ ما كَسَبَتْ وعَلَيْها عِقابَ ما اكْتَسَبَتْ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ هَذَيْنِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ يَجْتَمِعانِ، وأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن طَرَيانِ أحَدِهِما زَوالُ الآخَرِ، قالَ الجُبّائِيُّ: ظاهِرُ الآيَةِ وإنْ دَلَّ عَلى الإطْلاقِ إلّا أنَّهُ مَشْرُوطٌ والتَّقْدِيرُ: لَها ما كَسَبَتْ مِن ثَوابِ العَمَلِ الصّالِحِ إذا لَمْ تُبْطِلْهُ، وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ مِنَ العِقابِ إذا لَمْ تُكَفِّرْهُ بِالتَّوْبَةِ، وإنَّما صِرْنا إلى إضْمارِ هَذا الشَّرْطِ لَمّا بَيَّنّا أنَّ الثَّوابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنفَعَةً خالِصَةً دائِمَةً، وأنَّ العِقابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَضَرَّةً خالِصَةً دائِمَةً، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ في العُقُولِ، فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقَيْهِما أيْضًا مُحالًا.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ مَرَّ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَلا نُعِيدُهُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِذُنُوبِ آبائِهِمْ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الفُقَهاءُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ الأصْلَ في الإمْساكِ البَقاءُ والِاسْتِمْرارُ؛ لِأنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ هَذا الِاخْتِصاصِ، وتَأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«كُلُّ امْرِئٍ أحَقُّ بِكَسْبِهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ وسائِرِ النّاسِ أجْمَعِينَ» “ وإذا تَمَهَّدَ هَذا الأصْلُ خَرَجَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِن مَسائِلِ الفِقْهِ.
مِنها أنَّ المَضْمُوناتِ لا تُمْلَكُ بِأداءِ الضَّمانِ؛ لِأنَّ المُقْتَضِيَ لِبَقاءِ المِلْكِ قائِمٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ والعارِضُ المَوْجُودُ، إمّا الغَضَبُ، وإمّا الضَّمانُ، وهُما لا يُوجِبانِ زَوالَ المِلْكِ بِدَلِيلِ أُمِّ الوَلَدِ والمُدَبَّرَةِ.
ومِنها أنَّهُ إذا غَصَبَ ساحَةً وأدْرَجَها في بِنائِهِ، أوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَها لا يَزُولُ المِلْكُ لِقَوْلِهِ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ .
ومِنها أنَّهُ لا شُفْعَةَ لِلْجارِ؛ لِأنَّ المُقْتَضِيَ لِبَقاءِ المِلْكِ قائِمٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الشَّرِيكِ والجارِ ظاهِرٌ بِدَلِيلِ أنَّ الجارَ لا يُقَدَّمُ عَلى الشَّرِيكِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن حُصُولِ الِاسْتِواءِ ولِأنَّ التَّضَرُّرَ
صفحة ١٢٥
بِمُخالَطَةِ الجارِ أقَلُّ ولِأنَّ في الشَّرِكَةِ يُحْتاجُ إلى تَحَمُّلِ مُؤْنَةِ القِسْمَةِ وهَذا المَعْنى مَفْقُودٌ في الجارِ.
ومِنها أنَّ القَطْعَ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمانِ؛ لِأنَّ المُقْتَضِيَ لِبَقاءِ المِلْكِ قائِمٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ والقَطْعُ لا يُوجِبُ زَوالَ المِلْكِ بِدَلِيلِ أنَّ المَسْرُوقَ مَتى كانَ باقِيًا قائِمًا، فَإنَّهُ يَجِبُ رَدُّهُ عَلى المالِكِ، ولا يَكُونُ القَطْعُ مُقْتَضِيًا زَوالَ مِلْكِهِ عَنْهُ.
ومِنها أنَّ مُنْكِرِي وُجُوبِ الزَّكاةِ احْتَجُّوا بِهِ، وجَوابُهُ أنَّ الدَّلائِلَ المُوجِبَةَ لِلزَّكاةِ أخَصُّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ كَبِيرٌ في فُرُوعِ الفِقْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المُؤْمِنِينَ دُعاءَهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ قالَ: ”«الدُّعاءُ مُخُّ العِبادَةِ» “ لِأنَّ الدّاعِيَ يُشاهِدُ نَفْسَهُ في مَقامِ الفَقْرِ والحاجَةِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ويُشاهِدُ جَلالَ اللَّهِ تَعالى وكَرَمَهُ وعِزَّتَهُ وعَظَمَتَهُ بِنَعْتِ الِاسْتِغْناءِ والتَّعالِي، وهو المَقْصُودُ مِن جَمِيعِ العِباداتِ والطّاعاتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ الشَّرِيفَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى هَذِهِ العُلُومِ العَظِيمَةِ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ، والكَلامُ في حَقائِقِ الدُّعاءِ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] فَقالَ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المُؤْمِنِينَ أرْبَعَةَ أنْواعٍ مِنَ الدُّعاءِ، وذَكَرَ في مَطْلَعِ كُلِّ واحِدٍ مِنها قَوْلَهُ: (رَبَّنا) إلّا في النَّوْعِ الرّابِعِ مِنَ الدُّعاءِ فَإنَّهُ حَذَفَ هَذِهِ الكَلِمَةَ عَنْها وهو قَوْلُهُ: ﴿واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا﴾ .
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا تُؤاخِذْنا أيْ لا تُعاقِبْنا، وإنَّما جاءَ بِلَفْظِ المُفاعَلَةِ وهو فِعْلٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ النّاسِيَ قَدْ أمْكَنَ مِن نَفْسِهِ، وطَرَقَ السَّبِيلَ إلَيْها بِفِعْلِهِ، فَصارَ مَن يُعاقِبُهُ بِذَنْبِهِ كالمُعِينِ لِنَفْسِهِ في إيذاءِ نَفْسِهِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ المُذْنِبَ بِالعُقُوبَةِ، فالمُذْنِبُ كَأنَّهُ يَأْخُذُ رَبَّهُ بِالمُطالَبَةِ بِالعَفْوِ والكَرَمِ، فَإنَّهُ لا يَجِدُ مَن يُخَلِّصُهُ مِن عَذابِهِ إلّا هو، فَلِهَذا يَتَمَسَّكُ العَبْدُ عِنْدَ الخَوْفِ مِنهُ بِهِ، فَلَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَأْخُذُ الآخَرَ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ المُؤاخَذَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في النِّسْيانِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ هو النِّسْيانُ نَفْسُهُ الَّذِي هو ضِدُّ الذِّكْرِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ فِعْلَ النّاسِي في مَحَلِّ العَفْوِ بِحُكْمِ دَلِيلِ العَقْلِ حَيْثُ لا يَجُوزُ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ وبِدَلِيلِ السَّمْعِ وهو قَوْلُهُ ﷺ: ”«رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» “ فَإذا كانَ النِّسْيانُ في مَحَلِّ العَفْوِ قَطْعًا فَما مَعْنى طَلَبِ العَفْوِ عَنْهُ في الدُّعاءِ ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ النِّسْيانَ مِنهُ ما يُعْذَرُ فِيهِ صاحِبُهُ، ومِنهُ ما لا يُعْذَرُ ألا تَرى أنَّ مَن رَأى في ثَوْبِهِ دَمًا فَأخَّرَ إزالَتَهُ إلى أنْ نَسِيَ فَصَلّى وهو عَلى ثَوْبِهِ عُدَّ مُقَصِّرًا، إذْ كانَ يَلْزَمُهُ المُبادَرَةُ إلى إزالَتِهِ وأمّا إذا لَمْ يَرَهُ في ثَوْبِهِ فَإنَّهُ يُعْذَرُ فِيهِ، ومَن رَمى صَيْدًا في مَوْضِعٍ فَأصابَ إنْسانًا فَقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ الرّامِي أنَّهُ يُصِيبُ ذَلِكَ الصَّيْدَ أوْ غَيْرَهُ، فَإذا رَمى ولَمْ يَتَحَرَّزْ كانَ مَلُومًا أمّا إذا لَمْ تَكُنْ أماراتُ الغَلَطِ ظاهِرَةً ثُمَّ رَمى وأصابَ إنْسانًا كانَ هَهُنا مَعْذُورًا، وكَذَلِكَ الإنْسانُ إذا تَغافَلَ عَنِ الدَّرْسِ والتَّكْرارِ حَتّى نَسِيَ القُرْآنَ يَكُونُ
صفحة ١٢٦
مَلُومًا، وأمّا إذا واظَبَ عَلى القِراءَةِ، لَكِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَسِيَ فَهَهُنا يَكُونُ مَعْذُورًا، فَثَبَتَ أنَّ النِّسْيانَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما يَكُونُ مَعْذُورًا، ومِنهُ ما لا يَكُونُ مَعْذُورًا، ورُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ إذا أرادَ أنْ يَذْكُرَ حاجَتَهُ شَدَّ خَيْطًا في أُصْبُعِهِ» . فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ النّاسِيَ قَدْ لا يَكُونُ مَعْذُورًا، وذَلِكَ ما إذا تَرَكَ التَّحَفُّظَ وأعْرَضَ عَنْ أسْبابِ التَّذَكُّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ صَحَّ طَلَبُ غُفْرانِهِ بِالدُّعاءِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنْ يَكُونَ هَذا دُعاءٌ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ وذَلِكَ لِأنَّ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرُوا هَذا الدُّعاءَ كانُوا مُتَّقِينَ لِلَّهِ حَقَّ تُقاتِهِ، فَما كانَ يَصْدُرُ عَنْهم ما لا يَنْبَغِي إلّا عَلى وجْهِ النِّسْيانِ والخَطَأِ، فَكانَ وصْفُهم بِالدُّعاءِ بِذَلِكَ إشْعارًا بِبَراءَةِ ساحَتِهِمْ عَمّا يُؤاخَذُونَ بِهِ كَأنْ قِيلَ: إنْ كانَ النِّسْيانُ مِمّا تَجُوزُ المُؤاخَذَةُ بِهِ فَلا تُؤاخِذُنا بِهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الدُّعاءِ إظْهارُ التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى، لا طَلَبُ الفِعْلِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الدّاعِيَ كَثِيرًا ما يَدْعُو بِما يَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُهُ سَواءٌ دَعا أوْ لَمْ يَدْعُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقالَ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩٤] وقالَتِ المَلائِكَةُ في دُعائِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ العِلْمُ بِأنَّ النِّسْيانَ مَغْفُورٌ لا يَمْنَعُ مِن حُسْنِ طَلَبِهِ في الدُّعاءِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ: أنَّ مُؤاخَذَةَ النّاسِي غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَقْلًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّهُ بَعْدَ النِّسْيانِ يَكُونُ مُؤاخَذًا فَإنَّهُ بِخَوْفِ المُؤاخَذَةِ يَسْتَدِيمُ الذِّكْرُ، فَحِينَئِذٍ لا يَصْدُرُ عَنْهُ إلّا أنَّ اسْتِدامَةَ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ فِعْلٌ شاقٌّ عَلى النَّفْسِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ جائِزًا في العُقُولِ، لا جَرَمَ حَسُنَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ مِنهُ بِالدُّعاءِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ أصْحابَنا الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: النّاسِي غَيْرُ قادِرٍ عَلى الِاحْتِرازِ عَنِ الفِعْلِ، فَلَوْلا أنَّهُ جائِزٌ عَقْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُعاقِبَ عَلَيْهِ لَما طَلَبَ بِالدُّعاءِ تَرْكَ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ النِّسْيانِ، أنْ يُحْمَلَ عَلى التَّرْكِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، وقالَ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أيْ تَرَكُوا العَمَلَ لِلَّهِ فَتَرَكَهم، ويَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: لا تَنْسَنِي مِن عَطِيَّتِكَ، أيْ لا تَتْرُكْنِي، فالمُرادُ بِهَذا النِّسْيانِ أنْ يَتْرُكَ الفِعْلَ لِتَأْوِيلٍ فاسِدٍ، والمُرادُ بِالخَطَأِ، أنْ يَفْعَلَ الفِعْلَ لِتَأْوِيلٍ فاسِدٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عُلِمَ أنَّ النِّسْيانَ والخَطَأ المَذْكُورَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ إمّا أنْ يَكُونا مُفَسَّرَيْنِ بِتَفْسِيرٍ يَنْبَغِي فِيهِ القَصْدُ إلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، أوْ يَكُونَ أحَدُهُما كَذَلِكَ دُونَ الآخَرِ، فَأمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ العَمْدَ إلى المَعْصِيَةِ لَمّا كانَ حاصِلًا في النِّسْيانِ وفي الخَطَأِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ المُسْلِمِينَ أنْ يَدْعُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِأنْ يَطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم عَلى المَعاصِي، ولَمّا أمَرَهم بِطَلَبِ ذَلِكَ، دَلَّ عَلى أنَّهُ يُعْطِيهِمْ هَذا المَطْلُوبَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي والثّالِثُ فَباطِلانِ؛ لِأنَّ المُؤاخَذَةَ عَلى ذَلِكَ قَبِيحَةٌ عِنْدَ الخَصْمِ، وما يُقَبَّحُ فِعْلُهُ مِنَ اللَّهِ يَمْتَنِعُ أنْ يُطْلَبَ بِالدُّعاءِ.
صفحة ١٢٧
فَإنْ قِيلَ: النّاسِي قَدْ يُؤاخَذُ في تَرْكِ التَّحَفُّظِ قَصْدًا وعَمْدًا عَلى ما قَرَّرْتُمْ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ.
قُلْنا: فَهو في الحَقِيقَةِ مُؤاخَذٌ بِتَرْكِ التَّحَفُّظِ قَصْدًا وعَمْدًا، فالمُؤاخَذَةُ إنَّما حَصَلَتْ عَلى ما تَرَكَهُ عَمْدًا، وظاهِرُ ما ذَكَرْنا دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَجاءِ العَفْوِ لِأهْلِ الكَبائِرِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الدُّعاءِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإصْرُ في اللُّغَةِ: الثِّقَلُ والشِّدَّةُ، قالَ النّابِغَةُ:
يا مانِعَ الضَّيْمِ أنْ يُغْشى سُراتُهُمُ والحامِلَ الإصْرَ عَنْهم بَعْدَ ما عَرَفُوا
ثُمَّ سُمِّيَ العَهْدُ إصْرًا لِأنَّهُ ثَقِيلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] أيْ عَهْدِي ومِيثاقِي، والإصْرُ العَطْفُ، يُقالُ: ما يَأْصِرُنِي عَلَيْهِ آصِرَةٌ، أيْ رَحِمٌ وقَرابَةٌ، وإنَّما سُمِّيَ العَطْفُ إصْرًا؛ لِأنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِ يَثْقُلُ عَلى قَلْبِكَ كُلُّ ما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ المَكارِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لا تُشَدِّدُ عَلَيْنا في التَّكالِيفِ كَما شَدَدْتَ عَلى مَن قَبْلَنا مِنَ اليَهُودِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلاةً، وأمَرَهم بِأداءِ رُبُعِ أمْوالِهِمْ في الزَّكاةِ، ومَن أصابَ ثَوْبَهُ نَجاسَةٌ أُمِرَ بِقَطْعِها، وكانُوا إذا نَسُوا شَيْئًا عُجِّلَتْ لَهُمُ العُقُوبَةُ في الدُّنْيا، وكانُوا إذا أتَوْا بِخَطِيئَةٍ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّعامِ بَعْضُ ما كانَ حَلالًا لَهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، وقَدْ حُرِّمَ عَلى المُسافِرِينَ مِن قَوْمِ طالُوتَ الشُّرْبُ مِنَ النَّهْرِ، وكانَ عَذابُهم مُعَجَّلًا في الدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾، وكانُوا يُمْسَخُونَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، قالَ القَفّالُ: ومَن نَظَرَ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنَ التَّوْراةِ الَّتِي تَدَّعِيها هَؤُلاءِ اليَهُودُ وقَفَ عَلى ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِن غِلَظِ العُهُودِ والمَواثِيقِ، ورَأى الأعاجِيبَ الكَثِيرَةَ، فالمُؤْمِنُونَ سَألُوا رَبَّهم أنَّ يَصُونَهم عَنْ أمْثالِ هَذِهِ التَّغْلِيظاتِ، وهو بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ قَدْ أزالَ ذَلِكَ عَنْهم، قالَ اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي المَسْخُ والخَسْفُ والغَرَقُ» “، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ» “ .
والمُؤْمِنُونَ إنَّما طَلَبُوا هَذا التَّخْفِيفَ لِأنَّ التَّشْدِيدَ مَظِنَّةُ التَّقْصِيرِ، والتَّقْصِيرُ مُوجِبٌ لِلْعُقُوبَةِ، ولا طاقَةَ لَهم بِعَذابِ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ طَلَبُوا السُّهُولَةَ في التَّكالِيفِ.
والقَوْلُ الثّانِي: لا تَحْمِلْ عَلَيْنا عَهْدًا ومِيثاقًا يُشْبِهُ مِيثاقَ مَن قَبْلَنا في الغِلَظِ والشِّدَّةِ، وهَذا القَوْلُ يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ في الحَقِيقَةِ لَكِنْ بِإضْمارِ شَيْءٍ زائِدٍ عَلى المَلْفُوظِ، فَيَكُونُ القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: دَلَّتِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ والسَّمْعِيَّةُ عَلى أنَّهُ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ وأرْحَمُ
صفحة ١٢٨
الرّاحِمِينَ، فَما السَّبَبُ في أنْ شَدَّدَ التَّكْلِيفَ عَلى اليَهُودِ حَتّى أدّى ذَلِكَ إلى وُقُوعِهِمْ في المُخالَفاتِ والتَّمَرُّدِ ؟
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَصْلَحَةً في حَقِّ إنْسانٍ، مَفْسَدَةً في حَقِّ غَيْرِهِ، فاليَهُودُ كانَتِ الفَظاظَةُ والغِلْظَةُ غالِبَةً عَلى طِباعِهِمْ، فَما كانُوا يَنْصَلِحُونَ إلّا بِالتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ والشِّدَّةِ، وهَذِهِ الأُمَّةُ كانَتِ الرِّقَّةُ وكَرَمُ الخُلُقِ غالِبًا عَلى طِباعِهِمْ، فَكانَتْ مَصْلَحَتُهم في التَّخْفِيفِ وتَرْكِ التَّغْلِيظِ.
أجابَ الأصْحابُ بِأنَّ السُّؤالَ الَّذِي ذَكَرْناهُ في المَقامِ الأوَّلِ نَنْقُلُهُ إلى المَقامِ الثّانِي، فَنَقُولُ: ولِماذا خَصَّ اليَهُودَ بِغِلْظَةِ الطَّبْعِ، وقَسْوَةِ القَلْبِ ودَناءَةِ الهِمَّةِ، حَتّى احْتاجُوا إلى التَّشْدِيداتِ العَظِيمَةِ في التَّكالِيفِ ولِماذا خَصَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِلَطافَةِ الطَّبْعِ وكَرَمِ الخُلُقِ وعُلُوِّ الهِمَّةِ حَتّى صارَ يَكْفِيهِمُ التَّكالِيفُ السَّهْلَةُ في حُصُولِ مَصالِحِهِمْ ؟ .
ومَن تَأمَّلَ وأنْصَفَ عَلِمَ أنَّ هَذِهِ التَّعْلِيلاتِ عَلِيلَةٌ فَجَلَّ جَنابُ الجَلالِ عَنْ أنْ يُوزَنَ بِمِيزانِ الِاعْتِزالِ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ .
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن دُعاءِ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الطّاقَةُ اسْمٌ مِنَ الإطاقَةِ، كالطّاعَةِ مِنَ الإطاعَةِ، والجابَةِ مِنَ الإجابَةِ وهي تُوضَعُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ الأصْحابِ مَن تَمَسَّكَ بِهِ في أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ جائِزٌ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ جائِزًا لَما حَسُنَ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
أجابَ المُعْتَزِلَةَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ أيْ يَشُقُّ فِعْلُهُ مَشَقَّةً عَظِيمَةً وهو كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أنْظُرَ إلى فُلانٍ إذا كانَ مُسْتَثْقِلًا لَهُ. قالَ الشّاعِرُ:
إنَّكَ إنْ كَلَّفْتَنِي ما لَمْ أُطِقْ ساءَكَ ما سَرَّكَ مِنِّي مِن خُلُقْ
.
وفِي الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في المَمْلُوكِ: ”«لَهُ طَعامُهُ وكُسْوَتُهُ ولا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُ» “ أيْ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ.
ورَوى عِمْرانُ بْنُ الحُصَيْنِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«المَرِيضُ يُصَلِّي جالِسًا، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ» “، فَقَوْلُهُ: فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ لَيْسَ مَعْناهُ عَدَمَ القُوَّةِ عَلى الجُلُوسِ، بَلْ كُلُّ الفُقَهاءِ يَقُولُونَ: المُرادُ مِنهُ إذا كانَ يَلْحَقُهُ في الجُلُوسِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ شَدِيدَةٌ، وقالَ اللَّهُ تَعالى في وصْفِ الكُفّارِ ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠] أيْ كانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: لا تُكَلِّفْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ، بَلْ قالَ: ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ والتَّحْمِيلُ هو أنْ يَضَعَ عَلَيْهِ ما لا طاقَةَ لَهُ بِهِ بِتَحَمُّلِهِ فَيَكُونَ المُرادُ مِنهُ العَذابَ والمَعْنى لا تُحَمِّلْنا عَذابَكَ الَّذِي لا نُطِيقُ احْتِمالَهُ فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تُحَمِّلْنا﴾ حَقِيقَةً فِيهِ ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى التَّكْلِيفِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تُحَمِّلْنا﴾ مَجازًا فِيهِ، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى.
صفحة ١٢٩
الوَجْهُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُكَلِّفَهم بِما لا قُدْرَةَ لَهم عَلَيْهِ لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى جَوازِ أنْ يَفْعَلَ خِلافَهُ، لِأنَّهُ لَوْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ لَدَلَّ قَوْلُهُ ﴿رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] عَلى جَوازِ أنْ يَحْكُمَ بِباطِلٍ، وكَذَلِكَ يَدُلُّ قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] عَلى جَوازِ أنْ يُخْزِيَ الأنْبِياءَ، وقالَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ولا يَدُلُّ هَذا عَلى جَوازِ أنْ يُطِيعَ الرَّسُولُ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] هَذا جُمْلَةُ أجْوِبَةِ المُعْتَزِلَةِ.
أجابَ الأصْحابُ فَقالُوا:
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَمَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ قَوْلُهُ ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ مَحْمُولًا عَلى أنْ لا يُشَدِّدَ عَلَيْهِمْ في التَّكْلِيفِ لَكانَ مَعْناهُ ومَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ واحِدًا فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ تَكْرارًا مَحْضًا وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.
الثّانِي: أنّا بَيَّنّا أنَّ الطّاقَةَ هي الإطاقَةُ والقُدْرَةُ، فَقَوْلُهُ ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ ظاهِرُهُ لا تُحَمِّلْنا ما لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْهِ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ جاءَ هَذا اللَّفْظُ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ في بَعْضِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمالِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ إلّا أنَّ الأصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَجَوابُهُ أنَّ التَّحَمُّلَ مَخْصُوصٌ في عُرْفِ القُرْآنِ بِالتَّكْلِيفِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢] ثُمَّ هَبْ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا العُرْفُ إلّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ عامٌّ في العَذابِ وفي التَّكْلِيفِ فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ أمّا التَّخْصِيصُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ إذا كانَ مُمْتَنِعًا لَمْ يَجُزْ طَلَبُ الِامْتِناعِ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، ويَصِيرُ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى مَن يَقُولُ في دُعائِهِ وتَضَرُّعِهِ: رَبَّنا لا تَجْمَعْ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ولا تَقْلِبِ القَدِيمَ مُحْدَثًا، كَما أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَكَذا ما ذَكَرْتُمْ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا هو الأصْلُ فَإذا صارَ ذَلِكَ مَتْرُوكًا في بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ مُفَصَّلٍ لَمْ يَجِبْ تَرْكُهُ في سائِرِ الصُّوَرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ في الآيَةِ الأُولى ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولا تُحَمِّلْنا﴾ خَصَّ ذَلِكَ بِالحَمْلِ وهَذا بِالتَّحْمِيلِ ؟
الجَوابُ: أنَّ الشّاقَّ يُمْكِنُ حَمْلُهُ أمّا ما لا يَكُونُ مَقْدُورًا لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ، فالحاصِلُ فِيما لا يُطاقُ هو التَّحْمِيلُ فَقَطْ أمّا الحَمْلُ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ وأمّا الشّاقُّ فالحَمْلُ والتَّحْمِيلُ يُمْكِنانِ فِيهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ الآيَةَ الأخِيرَةَ بِالتَّحْمِيلِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا طَلَبَ أنْ لا يُكَلِّفَهُ بِالفِعْلِ الشّاقِّ قَوْلُهُ ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ كانَ مِن لَوازِمِهِ أنْ لا يُكَلِّفَهُ ما لا يُطاقُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانَ عَكْسُ هَذا التَّرْتِيبِ أوْلى.
صفحة ١٣٠
والجَوابُ: الَّذِي أتَخَيَّلُهُ فِيهِ - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى - أنَّ لِلْعَبْدِ مَقامَيْنِ أحَدُهُما: قِيامُهُ بِظاهِرِ الشَّرِيعَةِ والثّانِي: شُرُوعُهُ في بَدْءِ المُكاشَفاتِ، وذَلِكَ هو أنْ يَشْتَغِلَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ وشُكْرِ نِعْمَتِهِ فَفي المَقامِ الأوَّلِ طَلَبَ تَرْكَ التَّشْدِيدِ، وفي المَقامِ الثّانِي قالَ: لا تَطْلُبْ مِنِّي حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلالِكَ، ولا شُكْرًا يَلِيقُ بِآلائِكَ ونَعْمائِكَ، ولا مَعْرِفَةً تَلِيقُ بِقُدْسِ عَظَمَتِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِذِكْرِي وشُكْرِي وفِكْرِي ولا طاقَةَ لِي بِذَلِكَ، ولَمّا كانَتِ الشَّرِيعَةُ مُتَقَدِّمَةً عَلى الحَقِيقَةِ لا جَرَمَ كانَ قَوْلُهُ ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ مُقَدَّمًا في الذَّكْرِ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المُؤْمِنِينَ هَذِهِ الأدْعِيَةَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ بِأنَّهم قالُوا ﴿لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذِهِ الجَمْعِيَّةِ وقْتَ الدُّعاءِ ؟
والجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ قَبُولَ الدُّعاءِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ أكْمَلُ وذَلِكَ لِأنَّ لِلْهِمَمِ تَأْثِيراتٍ فَإذا اجْتَمَعَتِ الأرْواحُ والدَّواعِي عَلى شَيْءٍ واحِدٍ كانَ حُصُولُهُ أكْمَلَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ تِلْكَ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الأدْعِيَةِ كانَ المَطْلُوبُ فِيها التَّرْكَ وكانَتْ مَقْرُونَةً بِلَفْظِ (رَبَّنا) وأمّا هَذا الدُّعاءُ الرّابِعُ، فَقَدْ حُذِفَ مِنهُ لَفْظُ (رَبَّنا) وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ الفِعْلِ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يُذْكَرْ هاهُنا لَفْظُ ”رَبَّنا“ ؟
الجَوابُ: النِّداءُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ عِنْدَ البُعْدِ، أمّا عِنْدَ القُرْبِ فَلا؛ وإنَّما حُذِفَ النِّداءُ إشْعارًا بِأنَّ العَبْدَ إذا واظَبَ عَلى التَّضَرُّعِ نالَ القُرْبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهَذا سِرٌّ عَظِيمٌ يَطَّلِعُ مِنهُ عَلى أسْرارٍ أُخَرَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الفَرْقُ بَيْنَ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ؟
الجَوابُ: أنَّ العَفْوَ أنْ يُسْقِطَ عَنْهُ العِقابَ، والمَغْفِرَةَ أنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ جُرْمَهُ صَوْنًا لَهُ مِن عَذابِ التَّخْجِيلِ والفَضِيحَةِ، كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: أطْلُبُ مِنكَ العَفْوَ وإذا عَفَوْتَ عَنِّي فاسْتُرْهُ عَلَيَّ فَإنَّ الخَلاصَ مِن عَذابِ القَبْرِ إنَّما يَطِيبُ إذا حَصَلَ عَقِيبَهُ الخَلاصُ مِن عَذابِ الفَضِيحَةِ، والأوَّلُ: هو العَذابُ الجُسْمانِيُّ، والثّانِي: هو العَذابُ الرُّوحانِيُّ، فَلَمّا تَخَلَّصَ مِنهُما أقْبَلَ عَلى طَلَبِ الثَّوابِ، وهو أيْضًا قِسْمانِ: ثَوابٌ جُسْمانِيٌّ وهو نَعِيمُ الجَنَّةِ ولَذّاتُها وطَيِّباتُها، وثَوابٌ رُوحانِيٌّ وغايَتُهُ أنْ يَتَجَلّى لَهُ نُورُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْكَشِفَ لَهُ بِقَدْرِ الطّاقَةِ عُلُوُّ كِبْرِياءِ اللَّهِ وذَلِكَ بِأنْ يَصِيرَ غائِبًا عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، مُسْتَغْرِقًا بِالكُلِّيَّةِ في نُورِ حُضُورِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ (وارْحَمْنا) طَلَبٌ لِلثَّوابِ الجُسْمانِيِّ وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ طَلَبٌ لِلثَّوابِ الرُّوحانِيِّ، ولِأنْ يَصِيرَ العَبْدُ مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ خِطابٌ لِلْحاضِرِينَ، ولَعَلَّ كَثِيرًا مِنَ
صفحة ١٣١
المُتَكَلِّمِينَ يَسْتَبْعِدُونَ هَذِهِ الكَلِماتِ، ويَقُولُونَ: إنَّها مِن بابِ الطّاعاتِ، ولَقَدْ صَدَقُوا فِيما يَقُولُونَ، فَذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ [النجم: ٣٠] .
وفِي قَوْلِهِ ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ فائِدَةٌ أُخْرى، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ والِاعْتِرافِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُتَوَلِّي لِكُلِّ نِعْمَةٍ يَصِلُونَ إلَيْها، وهو المُعْطِي لِكُلِّ مَكْرُمَةٍ يَفُوزُونَ بِها فَلا جَرَمَ أظْهَرُوا عِنْدَ الدُّعاءِ أنَّهم في كَوْنِهِمْ مُتَكَلِّمِينَ عَلى فَضْلِهِ وإحْسانِهِ بِمَنزِلَةِ الطِّفْلِ الَّذِي لا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُ إلّا بِتَدْبِيرِ قَيِّمِهِ، والعَبْدِ الَّذِي لا يَنْتَظِمُ شَمْلُ مُهِمّاتِهِ إلّا بِإصْلاحِ مَوْلاهُ، فَهو سُبْحانَهُ قَيُّومُ السَّماواتِ والأرْضِ، والقائِمُ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الكُلِّ، وهو المُتَوَلِّي في الحَقِيقَةِ لِلْكُلِّ، عَلى ما قالَ: ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠] ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] أيْ ناصِرُهم، وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ [التحريم: ٤] أيْ ناصِرُهُ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيِ انْصُرْنا عَلَيْهِمْ في مُحارَبَتِنا مَعَهم، وفي مُناظَرَتِنا بِالحُجَّةِ مَعَهم، وفي إعْلاءِ دَوْلَةِ الإسْلامِ عَلى دَوْلَتِهِمْ عَلى ما قالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَن قالَ: ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ المُرادُ مِنهُ إعانَةُ اللَّهِ بِالقُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ المَلَكِيَّةِ عَلى قَهْرِ القُوى الجُسْمانِيَّةِ الدّاعِيَةِ إلى ما سِوى اللَّهِ، وهَذا آخِرُ السُّورَةِ.
ورَوى الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّهُ «لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِي ﷺ إلى السَّماءِ أُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أكْرَمَكَ بِحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْكَ بِقَوْلِهِ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ فَسَلْهُ وارْغَبْ إلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ كَيْفَ يَدْعُو، فَقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ”قَدْ غَفَرْتُ لَكم“ فَقالَ: ﴿لا تُؤاخِذْنا﴾ فَقالَ اللَّهُ: ”لا أُؤاخِذُكم“ فَقالَ: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ فَقالَ: ”لا أُشَدِّدُ عَلَيْكم“ فَقالَ مُحَمَّدٌ ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ فَقالَ: ”لا أُحَمِّلُكم ذَلِكَ“ فَقالَ مُحَمَّدٌ ﴿واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ”قَدْ عَفَوْتُ عَنْكم وغَفَرْتُ لَكم ورَحِمْتُكم وأنْصُرُكم عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ» “ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَذْكُرُ هَذِهِ الدَّعَواتِ، والمَلائِكَةُ كانُوا يَقُولُونَ آمِينَ.
وهَذا المِسْكِينُ البائِسُ الفَقِيرُ كاتِبُ هَذِهِ الكَلِماتِ يَقُولُ: إلَهِي وسَيِّدِي كُلُّ ما طَلَبْتُهُ وكَتَبْتُهُ ما أرَدْتُ بِهِ إلّا وجْهَكَ ومَرْضاتَكَ، فَإنْ أصَبْتُ فَبِتَوْفِيقِكَ أصَبْتُ فاقْبَلْهُ مِن هَذا المُكْدِي بِفَضْلِكَ وإنْ أخْطَأْتُ فَتَجاوَزْ عَنِّي بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ يا مَن لا يُبْرِمُهُ إلْحاحُ المُلِحِّينَ، ولا يَشْغَلُهُ سُؤالُ السّائِلِينَ. وهَذا آخِرُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ وسَلَّمَ.
آل عمران 3:1
صفحة ١٣٢
[ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ]
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها ٢٠٠ نَزَلَتْ بَعْدَ الأنْفالِ
﷽
﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .
﷽
﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .
أمّا تَفْسِيرُ ﴿الم﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (الم اللَّهُ) بِسُكُونِ المِيمِ، ونَصْبِ هَمْزَةِ: أللَّهُ، والباقُونَ مَوْصُولًا بِفَتْحِ المِيمِ، أمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: نِيَّةُ الوَقْفِ ثُمَّ إظْهارُ الهَمْزَةِ لِأجْلِ الِابْتِداءِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَقْطَعُ ألِفَ الوَصْلِ، فَمَن فَصَلَ وأظْهَرَ الهَمْزَةَ فَلِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وأمّا مَن نَصَبَ المِيمَ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ واخْتِيارُ كَثِيرٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ أنَّ أسْماءَ الحُرُوفِ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، يَقُولُ: ألِفْ، لامْ، مِيمْ، كَما تَقُولُ: واحِدْ، اثْنانْ، ثَلاثَةْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجَبَ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: أللَّهُ، فَإذا ابْتَدَأْنا بِهِ نُثْبِتُ الهَمْزَةَ مُتَحَرِّكَةً، إلّا أنَّهم أسْقَطُوا الهَمْزَةَ لِلتَّخْفِيفِ، ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ حَرَكَتُها عَلى أنَّها في حُكْمِ المُبْقاةِ بِسَبَبِ كَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مُبْتَدَأً بِها.
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ التَّقْدِيرُ فَصْلَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى امْتَنَعَ إسْقاطُ الهَمْزَةِ، وإنْ كانَ التَّقْدِيرُ هو
صفحة ١٣٣
الوَصْلَ امْتَنَعَ بَقاءُ الهَمْزَةِ مَعَ حَرَكَتِها، وإذا امْتَنَعَ بَقاؤُها امْتَنَعَتْ حَرَكَتُها، وامْتَنَعَ إلْقاءُ حَرَكَتِها عَلى المِيمِ.
قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ساقِطًا بِصُورَتِهِ باقِيًا بِمَعْناهُ فَأُبْقِيَتْ حَرَكَتُها لِتَدُلَّ عَلى بَقائِها في المَعْنى. هَذا تَمامُ تَقْرِيرِ قَوْلِ الفَرّاءِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو أنَّ السَّبَبَ في حَرَكَةِ المِيمِ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ، وهَذا القَوْلُ رَدَّهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وفِيهِ دِقَّةٌ ولُطْفٌ، والكَلامُ في تَلْخِيصِهِ طَوِيلٌ.
وأقُولُ: فِيهِ بَحْثانِ أحَدُهُما: سَبَبُ أصْلِ الحَرَكَةِ. والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ الحَرَكَةِ فَتْحَةً.
أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: فَهو بِناءٌ عَلى مُقَدِّماتٍ:
المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ السّاكِنَيْنِ إذا اجْتَمَعا فَإنْ كانَ السّابِقُ مِنهُما حَرْفًا مِن حُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ لَمْ يَجِبِ التَّحْرِيكُ، لِأنَّهُ يَسْهُلُ النُّطْقُ بِمِثْلِ هَذَيْنِ السّاكِنَيْنِ، كَقَوْلِكَ: هَذا إبْراهِيمْ وإسْحاقْ ويَعْقُوبْ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وجَبَ التَّحْرِيكُ لِأنَّهُ لا يَسْهُلُ النُّطْقُ بِمِثْلِ هَذَيْنِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ النُّطْقُ إلّا بِالحَرَكَةِ.
المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ هي اللّامُ، وهي ساكِنَةٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ فَقَدَّمُوا عَلَيْها هَمْزَةَ الوَصْلِ وحَرَّكُوها لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى النُّطْقِ بِاللّامِ، فَعَلى هَذا إنْ وجَدُوا قَبْلَ لامِ التَّعْرِيفَ حَرْفًا آخَرَ فَإنْ كانَ مُتَحَرِّكًا تَوَصَّلُوا بِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ السّاكِنَةِ وإنْ كانَ ساكِنًا حَرَّكُوهُ وتَوَصَّلُوا بِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْصُلُ الِاسْتِغْناءُ عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْها أنْ يُتَوَصَّلَ بِحَرَكَتِها إلى النُّطْقِ بِاللّامِ، فَإذا حَصَلَ حَرْفٌ آخَرُ تَوَصَّلُوا بِحَرَكَتِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ، فَتُحْذَفُ هَذِهِ الهَمْزَةُ صُورَةً ومَعْنًى، حَقِيقَةً وحُكْمًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ تِلْكَ الحَرَكَةُ عَلى كَوْنِها باقِيَةً حُكْمًا، لِأنَّ هَذا إنَّما يُصارُ إلَيْهِ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِهِ حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ، أوْ أثَرٌ مِنَ الآثارِ، لَكِنّا بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَعَلِمْنا أنَّ تِلْكَ الهَمْزَةَ سَقَطَتْ بِذاتِها وبِآثارِها سُقُوطًا كُلِّيًّا، وبِهَذا يَبْطُلُ قَوْلُ الفَرّاءِ.
المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: أسْماءُ هَذِهِ الحُرُوفِ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ فَنَقُولُ: المِيمُ مِن قَوْلِنا (الم) ساكِنٌ ولامُ التَّعْرِيفِ مِن قَوْلِنا (اللَّهُ) ساكِنٌ، وقَدِ اجْتَمَعا فَوَجَبَ تَحْرِيكُ المِيمِ، ولَزِمَ سُقُوطُ الهَمْزَةِ بِالكُلِّيَّةِ صُورَةً ومَعْنًى، وصَحَّ بِهَذا البَيانِ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وبَطَلَ قَوْلُ الفَرّاءِ.
أمّا البَحْثُ الثّانِي: فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: السّاكِنُ إذا حُرِّكَ حُرِّكَ إلى الكَسْرِ، فَلِمَ اخْتِيرَ الفَتْحُ هاهُنا، قالَ الزَّجّاجُ في الجَوابِ عَنْهُ: الكَسْرُ هاهُنا لا يَلِيقُ، لِأنَّ المِيمَ مِن قَوْلِنا (الم) مَسْبُوقَةٌ بِالياءِ فَلَوْ جَعَلْتَ المِيمَ مَكْسُورَةً لاجْتَمَعَتِ الكَسْرَةُ مَعَ الياءِ وذَلِكَ ثَقِيلٌ، فَتُرِكَتِ الكَسْرَةُ واخْتِيرَتِ الفَتْحَةُ. وطَعَنَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في كَلامِ الزَّجّاجِ، وقالَ: يَنْتَقِضُ قَوْلُهُ بِقَوْلِنا: جَيْرِ، فَإنَّ الرّاءَ مَكْسُورَةٌ مَعَ أنَّها مَسْبُوقَةٌ بِالياءِ، وهَذا الطَّعْنُ عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأنَّ الكَسْرَةَ حَرَكَةٌ فِيها بَعْضُ الثِّقَلِ والياءُ أُخْتُها، فَإذا اجْتَمَعا عَظُمَ الثِّقِلُ، ثُمَّ يَحْصُلُ الِانْتِقالُ مِنهُ إلى النُّطْقِ بِالألِفِ في قَوْلِكَ (اللَّهُ) وهو في غايَةِ الخِفَّةِ، فَيَصِيرُ اللِّسانُ مُنْتَقِلًا مِن أثْقَلِ الحَرَكاتِ إلى أخَفِّ الحَرَكاتِ، والِانْتِقالُ مِنَ الضِّدِّ إلى الضِّدِّ دَفْعَةً واحِدَةً صَعْبٌ عَلى اللِّسانِ، أمّا إذا جَعَلْنا المِيمَ مَفْتُوحَةً، انْتَقَلَ
صفحة ١٣٤
اللِّسانُ مِن فَتْحَةِ المِيمِ إلى الألِفِ في قَوْلِنا (اللَّهُ) فَكانَ النُّطْقُ بِهِ سَهْلًا، فَهَذا وجْهُ تَقْرِيرِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ: أنَّ بَعْضَ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ في اليَهُودِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١] .
والقَوْلُ الثّانِي: مِنِ ابْتِداءِ السُّورَةِ إلى آيَةِ المُباهَلَةِ في النَّصارى، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفْدُ نَجْرانَ سِتُّونَ راكِبًا فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ، وثَلاثَةٌ مِنهم كانُوا أكابِرَ القَوْمِ، أحَدُهم: أمِيرُهم، واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والثّانِي: مُشِيرُهم وذُو رَأْيِهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهُ: السَّيِّدُ، واسْمُهُ الأيْهَمُ، والثّالِثُ: حَبْرُهم وأُسْقُفُّهم وصاحِبُ مِدْراسِهِمْ، يُقالُ لَهُ أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، ومُلُوكُ الرُّومِ كانُوا شَرَّفُوهُ ومَوَّلُوهُ وأكْرَمُوهُ لِما بَلَغَهم عَنْهُ مِن عِلْمِهِ واجْتِهادِهِ في دِينِهِمْ، فَلَمّا قَدِمُوا مِن نَجْرانَ رَكِبَ أبُو حارِثَةَ بَغْلَتَهُ، وكانَ إلى جَنْبِهِ أخُوهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَبَيْنا بَغْلَةُ أبِي حارِثَةَ تَسِيرُ إذْ عَثَرَتْ، فَقالَ كُرْزٌ أخُوهُ: تَعِسَ الأبْعَدُ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ أبُو حارِثَةَ: بَلْ تَعِسَتْ أُمُّكَ، فَقالَ: ولِمَ يا أخِي ؟ فَقالَ: إنَّهُ واللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي كُنّا نَنْتَظِرُهُ، فَقالَ لَهُ أخُوهُ كُرْزٌ: فَما يَمْنَعُكَ مِنهُ وأنْتَ تَعْلَمُ هَذا، قالَ: لِأنَّ هَؤُلاءِ المُلُوكَ أعْطَوْنا أمْوالًا كَثِيرَةً وأكْرَمُونا، فَلَوْ آمَنّا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَأخَذُوا مِنّا كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِ أخِيهِ كُرْزٍ، وكانَ يُضْمِرُهُ إلى أنْ أسْلَمَ فَكانَ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ: الأمِيرُ، والسَّيِّدُ والحَبْرُ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى اخْتِلافٍ مِن أدْيانِهِمْ، فَتارَةً يَقُولُونَ عِيسى هو اللَّهُ، وتارَةً يَقُولُونَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وتارَةً يَقُولُونَ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ويَحْتَجُّونَ لِقَوْلِهِمْ: هو اللَّهُ، بِأنَّهُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُبْرِئُ الأسْقامَ، ويُخْبِرُ بِالغُيُوبِ، ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَطِيرُ، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ ولَدُ اللَّهِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ يُعْلَمُ، ويَحْتَجُّونَ عَلى ثالِثِ ثَلاثَةٍ بُقُولِ اللَّهِ تَعالى: فَعَلْنا وجَعَلْنا، ولَوْ كانَ واحِدًا لَقالَ فَعَلْتُ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلِمُوا، فَقالُوا: قَدْ أسْلَمْنا، فَقالَ ﷺ: كَذَبْتُمْ كَيْفَ يَصِحُّ إسْلامُكم وأنْتُمْ تُثْبِتُونَ لِلَّهِ ولَدًا، وتَعْبُدُونَ الصَّلِيبَ، وتَأْكُلُونَ الخِنْزِيرَ ! قالُوا: فَمَن أبُوهُ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها.
ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُناظِرُ مَعَهم، فَقالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وأنَّ عِيسى يَأْتِي عَلَيْهِ الفَناءُ ؟ قالُوا: بَلى، قالَ ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ ولَدٌ إلّا ويُشْبِهُ أباهُ ؟ قالُوا بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا قَيِّمٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ ويَحْفَظُهُ ويَرْزُقُهُ، فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسى شَيْئًا مِن ذَلِكَ ؟ قالُوا: لا، قالَ ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسى شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا ما عَلِمَ ؟ قالُوا: لا، قالَ فَإنَّ رَبَّنا صَوَّرَ عِيسى في الرَّحِمِ كَيْفَ شاءَ، فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا لا يَأْكُلُ الطَّعامَ ولا يَشْرَبُ الشَّرابَ ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ وتَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى حَمَلَتْهُ امْرَأةٌ كَحَمْلِ المَرْأةِ ووَضَعَتْهُ كَما تَضَعُ المَرْأةُ، ثُمَّ كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ ويَشْرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ ؟ قالُوا: بَلى، فَقالَ ﷺ: فَكَيْفَ يَكُونُ كَما زَعَمْتُمْ ؟ فَعَرَفُوا ثُمَّ أبَوْا إلّا جُحُودًا، ثُمَّ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزَعُمُ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحٌ مِنهُ ؟ قالَ: بَلى، قالُوا: فَحَسْبُنا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ﴾ الآيَةَ.
صفحة ١٣٥
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِمُلاعَنَتِهِمْ إذْ رَدُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ إلى المُلاعَنَةِ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما تُرِيدُ أنْ نَفْعَلَ، فانْصَرَفُوا ثُمَّ قالَ بَعْضُ أُولَئِكَ الثَّلاثَةِ لِبَعْضٍ: ما تَرى ؟ فَقالَ: واللَّهِ يا مَعْشَرَ النَّصارى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ إلّا وفّى كَبِيرَهم وصَغِيرَهم، وإنَّهُ الِاسْتِئْصالُ مِنكم إنْ فَعَلْتُمْ، وأنْتُمْ قَدْ أبَيْتُمْ إلّا دِينَكم والإقامَةَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَوادِعُوا الرَّجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكم. فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ قَدْ رَأيْنا أنْ لا نُلاعِنَكَ وأنْ نَتْرُكَكَ عَلى دِينِكَ، ونَرْجِعَ نَحْنُ عَلى دِينِنا، فابْعَثْ رَجُلًا مِن أصْحابِكَ مَعَنا يَحْكُمُ بَيْنَنا في أشْياءَ قَدِ اخْتَلَفْنا فِيها مِن أمْوالِنا، فَإنَّكم عِنْدَنا رِضًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ايتُونِي العَشِيَّةَ أبْعَثْ مَعَكُمُ الحَكَمَ القَوِيَّ الأمِينَ وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: ما أحْبَبْتُ الإمارَةَ قَطُّ إلّا يَوْمَئِذٍ رَجاءَ أنْ أكُونَ صاحِبَها، فَلَمّا صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ سَلَّمَ ثُمَّ نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسارِهِ، وجَعَلْتُ أتَطاوَلُ لَهُ لِيَرانِي، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُ بَصَرَهُ حَتّى رَأى أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ، فَدَعاهُ فَقالَ: اخْرُجْ مَعَهم واقْضِ بَيْنَهم بِالحَقِّ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ عُمَرُ: فَذَهَبَ بِها أبُو عُبَيْدَةَ» .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُناظَرَةَ في تَقْرِيرِ الدِّينِ وإزالَةِ الشُّبَهاتِ حِرْفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ مَذْهَبَ الحَشْوِيَّةِ في إنْكارِ البَحْثِ والنَّظَرِ باطِلٌ قَطْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَطْلَعَ هَذِهِ السُّورَةِ لَهُ نَظْمٌ لَطِيفٌ عَجِيبٌ، وذَلِكَ لِأنَّ أُولَئِكَ النَّصارى الَّذِينَ نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إمّا أنْ تُنازِعُوهُ في مَعْرِفَةِ الإلَهِ، أوْ في النُّبُوَّةِ، فَإنْ كانَ النِّزاعُ في مَعْرِفَةِ الإلَهِ وهو أنَّكم تُثْبِتُونَ لَهُ ولَدًا وأنَّ مُحَمَّدًا لا يُثْبِتُ لَهُ ولَدًا فالحَقُّ مَعَهُ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القَطْعِيَّةِ، فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ أنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ، والحَيُّ القَيُّومُ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ وإنْ كانَ النِّزاعُ في النُّبُوَّةِ، فَهَذا أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّ بِالطَّرِيقِ الَّذِي عَرَفْتُمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ عَلى مُوسى وعِيسى فَهو بِعَيْنِهِ قائِمٌ في مُحَمَّدٍ ﷺ، وما ذاكَ إلّا بِالمُعْجِزَةِ وهو حاصِلٌ هاهُنا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مُنازَعَتُهُ في صِحَّةِ النُّبُوَّةِ ؟ فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ وهو مَضْبُوطٌ حَسَنٌ جِدًّا فَلْنَنْظُرْ هاهُنا إلى بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَيٌّ قَيُّومٌ، وكُلُّ مَن كانَ حَيًّا قَيُّومًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ، لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مُحْدَثٌ حَصَلَ تَكْوِينُهُ وتَخْلِيقُهُ وإيجادُهُ عَلى ما بَيَّنّا كُلَّ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وإذا كانَ الكُلُّ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا امْتَنَعَ كَوْنُ شَيْءٍ مِنها ولَدًا لَهُ وإلَهًا، كَما قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَيًّا قَيُّومًا، وثَبَتَ أنَّ عِيسى ما كانَ حَيًّا قَيُّومًا لِأنَّهُ وُلِدَ، وكانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويُحْدِثُ، والنَّصارى زَعَمُوا أنَّهُ قُتِلَ وما قَدَرَ عَلى دَفْعِ القَتْلِ عَنْ نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ ما كانَ حَيًّا قَيُّومًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي القَطْعَ والجَزْمَ بِأنَّهُ ما كانَ إلَهًا، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ وهي قَوْلُهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّصارى في التَّثْلِيثِ.
وأمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى هاهُنا في غايَةِ الحُسْنِ ونِهايَةِ الجَوْدَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وهَذا يَجْرِي مَجْرى الدَّعْوى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أقامَ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوى، فَقالَ: وافَقْتُمُونا أيُّها اليَهُودُ والنَّصارى عَلى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ
صفحة ١٣٦
مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ، فَإنَّما عَرَفْتُمْ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كِتابانِ إلَهِيّانِ، لِأنَّهُ تَعالى قَرَنَ بِإنْزالِهِما المُعْجِزَةَ الدّالَّةَ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ المُحِقِّ وقَوْلِ المُبْطِلِ؛ والمُعْجِزُ لَمّا حَصَلَ بِهِ الفَرْقُ بَيْنَ الدَّعْوى الصّادِقَةِ والدَّعْوى الكاذِبَةِ كانَ فَرْقًا لا مَحالَةَ، ثُمَّ إنَّ الفُرْقانَ الَّذِي هو المُعْجِزُ كَما حَصَلَ في كَوْنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ نازِلَيْنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ حَصَلَ في كَوْنِ القُرْآنِ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وإذا كانَ الطَّرِيقُ مُشْتَرَكًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ الواجِبُ تَكْذِيبَ الكُلِّ عَلى ما هو قَوْلُ البَراهِمَةِ، أوْ تَصْدِيقَ الكُلِّ عَلى ما هو قَوْلُ المُسْلِمِينَ، وأمّا قَبُولُ البَعْضِ ورَدُّ البَعْضِ فَذَلِكَ جَهْلٌ وتَقْلِيدٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما هو العُمْدَةُ في مَعْرِفَةِ الإلَهِ عَلى ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما هو العُمْدَةُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ عُذْرٌ لِمَن يُنازِعُهُ في دِينِهِ فَلا جَرَمَ أرْدَفَهُ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ فَقالَ: (﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] فَقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كَلامٌ أقْرَبَ إلى الضَّبْطِ، وإلى حُسْنِ التَّرْتِيبِ وجَوْدَةِ التَّأْلِيفِ مِن هَذا الكَلامِ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدى هَذا المِسْكِينَ إلَيْهِ، ولَهُ الشُّكْرُ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ.
ولَمّا لَخَّصْنا ما هو المَقْصُودُ الكُلِّيُّ مِنَ الكَلامِ فَلْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الألْفاظِ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ فَهو رَدٌّ عَلى النَّصارى لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِعِبادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ.
ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَجْرِي مَجْرى الدَّلالَةِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَأمّا الحَيُّ فَهو الفَعّالُ الدَّرّاكُ وأمّا القَيُّومُ فَهو القائِمُ بِذاتِهِ، والقائِمُ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ والمَصالِحِ لِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعاشِهِمْ، مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، والحَرِّ والبَرْدِ، والرِّياحِ والأمْطارِ، والنِّعَمِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ، ولا يُحْصِيها غَيْرُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقَرَأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ قالَ قَتادَةُ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، والقَيُّومُ القائِمُ عَلى خَلْقِهِ بِأعْمالِهِمْ، وآجالِهِمْ، وأرْزاقِهِمْ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الحَيُّ قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ، والقَيُّومُ الَّذِي لا نِدَّ لَهُ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ قَوْلَنا: الحَيُّ القَيُّومُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ في الإلَهِيَّةِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَيًّا قَيُّومًا ودَلَّتِ البَدِيهَةُ والحِسُّ عَلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ حَيًّا قَيُّومًا، وكَيْفَ وهم يَقُولُونَ بِأنَّهُ قُتِلَ وأظْهَرَ الجَزَعَ مِنَ المَوْتِ. عَلِمْنا قَطْعًا أنَّ عِيسى ما كانَ إلَهًا ولا ولَدًا لِلْإلَهِ تَعالى وتَقَدَّسَ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
آل عمران 3:2
صفحة ١٣٢
[ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ]
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها ٢٠٠ نَزَلَتْ بَعْدَ الأنْفالِ
﷽
﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .
﷽
﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .
أمّا تَفْسِيرُ ﴿الم﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (الم اللَّهُ) بِسُكُونِ المِيمِ، ونَصْبِ هَمْزَةِ: أللَّهُ، والباقُونَ مَوْصُولًا بِفَتْحِ المِيمِ، أمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: نِيَّةُ الوَقْفِ ثُمَّ إظْهارُ الهَمْزَةِ لِأجْلِ الِابْتِداءِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَقْطَعُ ألِفَ الوَصْلِ، فَمَن فَصَلَ وأظْهَرَ الهَمْزَةَ فَلِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وأمّا مَن نَصَبَ المِيمَ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ واخْتِيارُ كَثِيرٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ أنَّ أسْماءَ الحُرُوفِ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، يَقُولُ: ألِفْ، لامْ، مِيمْ، كَما تَقُولُ: واحِدْ، اثْنانْ، ثَلاثَةْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجَبَ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: أللَّهُ، فَإذا ابْتَدَأْنا بِهِ نُثْبِتُ الهَمْزَةَ مُتَحَرِّكَةً، إلّا أنَّهم أسْقَطُوا الهَمْزَةَ لِلتَّخْفِيفِ، ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ حَرَكَتُها عَلى أنَّها في حُكْمِ المُبْقاةِ بِسَبَبِ كَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مُبْتَدَأً بِها.
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ التَّقْدِيرُ فَصْلَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى امْتَنَعَ إسْقاطُ الهَمْزَةِ، وإنْ كانَ التَّقْدِيرُ هو
صفحة ١٣٣
الوَصْلَ امْتَنَعَ بَقاءُ الهَمْزَةِ مَعَ حَرَكَتِها، وإذا امْتَنَعَ بَقاؤُها امْتَنَعَتْ حَرَكَتُها، وامْتَنَعَ إلْقاءُ حَرَكَتِها عَلى المِيمِ.
قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ساقِطًا بِصُورَتِهِ باقِيًا بِمَعْناهُ فَأُبْقِيَتْ حَرَكَتُها لِتَدُلَّ عَلى بَقائِها في المَعْنى. هَذا تَمامُ تَقْرِيرِ قَوْلِ الفَرّاءِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو أنَّ السَّبَبَ في حَرَكَةِ المِيمِ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ، وهَذا القَوْلُ رَدَّهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وفِيهِ دِقَّةٌ ولُطْفٌ، والكَلامُ في تَلْخِيصِهِ طَوِيلٌ.
وأقُولُ: فِيهِ بَحْثانِ أحَدُهُما: سَبَبُ أصْلِ الحَرَكَةِ. والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ الحَرَكَةِ فَتْحَةً.
أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: فَهو بِناءٌ عَلى مُقَدِّماتٍ:
المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ السّاكِنَيْنِ إذا اجْتَمَعا فَإنْ كانَ السّابِقُ مِنهُما حَرْفًا مِن حُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ لَمْ يَجِبِ التَّحْرِيكُ، لِأنَّهُ يَسْهُلُ النُّطْقُ بِمِثْلِ هَذَيْنِ السّاكِنَيْنِ، كَقَوْلِكَ: هَذا إبْراهِيمْ وإسْحاقْ ويَعْقُوبْ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وجَبَ التَّحْرِيكُ لِأنَّهُ لا يَسْهُلُ النُّطْقُ بِمِثْلِ هَذَيْنِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ النُّطْقُ إلّا بِالحَرَكَةِ.
المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ هي اللّامُ، وهي ساكِنَةٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ فَقَدَّمُوا عَلَيْها هَمْزَةَ الوَصْلِ وحَرَّكُوها لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى النُّطْقِ بِاللّامِ، فَعَلى هَذا إنْ وجَدُوا قَبْلَ لامِ التَّعْرِيفَ حَرْفًا آخَرَ فَإنْ كانَ مُتَحَرِّكًا تَوَصَّلُوا بِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ السّاكِنَةِ وإنْ كانَ ساكِنًا حَرَّكُوهُ وتَوَصَّلُوا بِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْصُلُ الِاسْتِغْناءُ عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْها أنْ يُتَوَصَّلَ بِحَرَكَتِها إلى النُّطْقِ بِاللّامِ، فَإذا حَصَلَ حَرْفٌ آخَرُ تَوَصَّلُوا بِحَرَكَتِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ، فَتُحْذَفُ هَذِهِ الهَمْزَةُ صُورَةً ومَعْنًى، حَقِيقَةً وحُكْمًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ تِلْكَ الحَرَكَةُ عَلى كَوْنِها باقِيَةً حُكْمًا، لِأنَّ هَذا إنَّما يُصارُ إلَيْهِ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِهِ حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ، أوْ أثَرٌ مِنَ الآثارِ، لَكِنّا بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَعَلِمْنا أنَّ تِلْكَ الهَمْزَةَ سَقَطَتْ بِذاتِها وبِآثارِها سُقُوطًا كُلِّيًّا، وبِهَذا يَبْطُلُ قَوْلُ الفَرّاءِ.
المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: أسْماءُ هَذِهِ الحُرُوفِ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ فَنَقُولُ: المِيمُ مِن قَوْلِنا (الم) ساكِنٌ ولامُ التَّعْرِيفِ مِن قَوْلِنا (اللَّهُ) ساكِنٌ، وقَدِ اجْتَمَعا فَوَجَبَ تَحْرِيكُ المِيمِ، ولَزِمَ سُقُوطُ الهَمْزَةِ بِالكُلِّيَّةِ صُورَةً ومَعْنًى، وصَحَّ بِهَذا البَيانِ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وبَطَلَ قَوْلُ الفَرّاءِ.
أمّا البَحْثُ الثّانِي: فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: السّاكِنُ إذا حُرِّكَ حُرِّكَ إلى الكَسْرِ، فَلِمَ اخْتِيرَ الفَتْحُ هاهُنا، قالَ الزَّجّاجُ في الجَوابِ عَنْهُ: الكَسْرُ هاهُنا لا يَلِيقُ، لِأنَّ المِيمَ مِن قَوْلِنا (الم) مَسْبُوقَةٌ بِالياءِ فَلَوْ جَعَلْتَ المِيمَ مَكْسُورَةً لاجْتَمَعَتِ الكَسْرَةُ مَعَ الياءِ وذَلِكَ ثَقِيلٌ، فَتُرِكَتِ الكَسْرَةُ واخْتِيرَتِ الفَتْحَةُ. وطَعَنَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في كَلامِ الزَّجّاجِ، وقالَ: يَنْتَقِضُ قَوْلُهُ بِقَوْلِنا: جَيْرِ، فَإنَّ الرّاءَ مَكْسُورَةٌ مَعَ أنَّها مَسْبُوقَةٌ بِالياءِ، وهَذا الطَّعْنُ عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأنَّ الكَسْرَةَ حَرَكَةٌ فِيها بَعْضُ الثِّقَلِ والياءُ أُخْتُها، فَإذا اجْتَمَعا عَظُمَ الثِّقِلُ، ثُمَّ يَحْصُلُ الِانْتِقالُ مِنهُ إلى النُّطْقِ بِالألِفِ في قَوْلِكَ (اللَّهُ) وهو في غايَةِ الخِفَّةِ، فَيَصِيرُ اللِّسانُ مُنْتَقِلًا مِن أثْقَلِ الحَرَكاتِ إلى أخَفِّ الحَرَكاتِ، والِانْتِقالُ مِنَ الضِّدِّ إلى الضِّدِّ دَفْعَةً واحِدَةً صَعْبٌ عَلى اللِّسانِ، أمّا إذا جَعَلْنا المِيمَ مَفْتُوحَةً، انْتَقَلَ
صفحة ١٣٤
اللِّسانُ مِن فَتْحَةِ المِيمِ إلى الألِفِ في قَوْلِنا (اللَّهُ) فَكانَ النُّطْقُ بِهِ سَهْلًا، فَهَذا وجْهُ تَقْرِيرِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ: أنَّ بَعْضَ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ في اليَهُودِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١] .
والقَوْلُ الثّانِي: مِنِ ابْتِداءِ السُّورَةِ إلى آيَةِ المُباهَلَةِ في النَّصارى، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفْدُ نَجْرانَ سِتُّونَ راكِبًا فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ، وثَلاثَةٌ مِنهم كانُوا أكابِرَ القَوْمِ، أحَدُهم: أمِيرُهم، واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والثّانِي: مُشِيرُهم وذُو رَأْيِهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهُ: السَّيِّدُ، واسْمُهُ الأيْهَمُ، والثّالِثُ: حَبْرُهم وأُسْقُفُّهم وصاحِبُ مِدْراسِهِمْ، يُقالُ لَهُ أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، ومُلُوكُ الرُّومِ كانُوا شَرَّفُوهُ ومَوَّلُوهُ وأكْرَمُوهُ لِما بَلَغَهم عَنْهُ مِن عِلْمِهِ واجْتِهادِهِ في دِينِهِمْ، فَلَمّا قَدِمُوا مِن نَجْرانَ رَكِبَ أبُو حارِثَةَ بَغْلَتَهُ، وكانَ إلى جَنْبِهِ أخُوهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَبَيْنا بَغْلَةُ أبِي حارِثَةَ تَسِيرُ إذْ عَثَرَتْ، فَقالَ كُرْزٌ أخُوهُ: تَعِسَ الأبْعَدُ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ أبُو حارِثَةَ: بَلْ تَعِسَتْ أُمُّكَ، فَقالَ: ولِمَ يا أخِي ؟ فَقالَ: إنَّهُ واللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي كُنّا نَنْتَظِرُهُ، فَقالَ لَهُ أخُوهُ كُرْزٌ: فَما يَمْنَعُكَ مِنهُ وأنْتَ تَعْلَمُ هَذا، قالَ: لِأنَّ هَؤُلاءِ المُلُوكَ أعْطَوْنا أمْوالًا كَثِيرَةً وأكْرَمُونا، فَلَوْ آمَنّا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَأخَذُوا مِنّا كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِ أخِيهِ كُرْزٍ، وكانَ يُضْمِرُهُ إلى أنْ أسْلَمَ فَكانَ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ: الأمِيرُ، والسَّيِّدُ والحَبْرُ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى اخْتِلافٍ مِن أدْيانِهِمْ، فَتارَةً يَقُولُونَ عِيسى هو اللَّهُ، وتارَةً يَقُولُونَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وتارَةً يَقُولُونَ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ويَحْتَجُّونَ لِقَوْلِهِمْ: هو اللَّهُ، بِأنَّهُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُبْرِئُ الأسْقامَ، ويُخْبِرُ بِالغُيُوبِ، ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَطِيرُ، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ ولَدُ اللَّهِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ يُعْلَمُ، ويَحْتَجُّونَ عَلى ثالِثِ ثَلاثَةٍ بُقُولِ اللَّهِ تَعالى: فَعَلْنا وجَعَلْنا، ولَوْ كانَ واحِدًا لَقالَ فَعَلْتُ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلِمُوا، فَقالُوا: قَدْ أسْلَمْنا، فَقالَ ﷺ: كَذَبْتُمْ كَيْفَ يَصِحُّ إسْلامُكم وأنْتُمْ تُثْبِتُونَ لِلَّهِ ولَدًا، وتَعْبُدُونَ الصَّلِيبَ، وتَأْكُلُونَ الخِنْزِيرَ ! قالُوا: فَمَن أبُوهُ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها.
ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُناظِرُ مَعَهم، فَقالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وأنَّ عِيسى يَأْتِي عَلَيْهِ الفَناءُ ؟ قالُوا: بَلى، قالَ ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ ولَدٌ إلّا ويُشْبِهُ أباهُ ؟ قالُوا بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا قَيِّمٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ ويَحْفَظُهُ ويَرْزُقُهُ، فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسى شَيْئًا مِن ذَلِكَ ؟ قالُوا: لا، قالَ ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسى شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا ما عَلِمَ ؟ قالُوا: لا، قالَ فَإنَّ رَبَّنا صَوَّرَ عِيسى في الرَّحِمِ كَيْفَ شاءَ، فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا لا يَأْكُلُ الطَّعامَ ولا يَشْرَبُ الشَّرابَ ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ وتَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى حَمَلَتْهُ امْرَأةٌ كَحَمْلِ المَرْأةِ ووَضَعَتْهُ كَما تَضَعُ المَرْأةُ، ثُمَّ كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ ويَشْرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ ؟ قالُوا: بَلى، فَقالَ ﷺ: فَكَيْفَ يَكُونُ كَما زَعَمْتُمْ ؟ فَعَرَفُوا ثُمَّ أبَوْا إلّا جُحُودًا، ثُمَّ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزَعُمُ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحٌ مِنهُ ؟ قالَ: بَلى، قالُوا: فَحَسْبُنا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ﴾ الآيَةَ.
صفحة ١٣٥
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِمُلاعَنَتِهِمْ إذْ رَدُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ إلى المُلاعَنَةِ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما تُرِيدُ أنْ نَفْعَلَ، فانْصَرَفُوا ثُمَّ قالَ بَعْضُ أُولَئِكَ الثَّلاثَةِ لِبَعْضٍ: ما تَرى ؟ فَقالَ: واللَّهِ يا مَعْشَرَ النَّصارى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ إلّا وفّى كَبِيرَهم وصَغِيرَهم، وإنَّهُ الِاسْتِئْصالُ مِنكم إنْ فَعَلْتُمْ، وأنْتُمْ قَدْ أبَيْتُمْ إلّا دِينَكم والإقامَةَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَوادِعُوا الرَّجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكم. فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ قَدْ رَأيْنا أنْ لا نُلاعِنَكَ وأنْ نَتْرُكَكَ عَلى دِينِكَ، ونَرْجِعَ نَحْنُ عَلى دِينِنا، فابْعَثْ رَجُلًا مِن أصْحابِكَ مَعَنا يَحْكُمُ بَيْنَنا في أشْياءَ قَدِ اخْتَلَفْنا فِيها مِن أمْوالِنا، فَإنَّكم عِنْدَنا رِضًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ايتُونِي العَشِيَّةَ أبْعَثْ مَعَكُمُ الحَكَمَ القَوِيَّ الأمِينَ وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: ما أحْبَبْتُ الإمارَةَ قَطُّ إلّا يَوْمَئِذٍ رَجاءَ أنْ أكُونَ صاحِبَها، فَلَمّا صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ سَلَّمَ ثُمَّ نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسارِهِ، وجَعَلْتُ أتَطاوَلُ لَهُ لِيَرانِي، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُ بَصَرَهُ حَتّى رَأى أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ، فَدَعاهُ فَقالَ: اخْرُجْ مَعَهم واقْضِ بَيْنَهم بِالحَقِّ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ عُمَرُ: فَذَهَبَ بِها أبُو عُبَيْدَةَ» .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُناظَرَةَ في تَقْرِيرِ الدِّينِ وإزالَةِ الشُّبَهاتِ حِرْفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ مَذْهَبَ الحَشْوِيَّةِ في إنْكارِ البَحْثِ والنَّظَرِ باطِلٌ قَطْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَطْلَعَ هَذِهِ السُّورَةِ لَهُ نَظْمٌ لَطِيفٌ عَجِيبٌ، وذَلِكَ لِأنَّ أُولَئِكَ النَّصارى الَّذِينَ نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إمّا أنْ تُنازِعُوهُ في مَعْرِفَةِ الإلَهِ، أوْ في النُّبُوَّةِ، فَإنْ كانَ النِّزاعُ في مَعْرِفَةِ الإلَهِ وهو أنَّكم تُثْبِتُونَ لَهُ ولَدًا وأنَّ مُحَمَّدًا لا يُثْبِتُ لَهُ ولَدًا فالحَقُّ مَعَهُ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القَطْعِيَّةِ، فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ أنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ، والحَيُّ القَيُّومُ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ وإنْ كانَ النِّزاعُ في النُّبُوَّةِ، فَهَذا أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّ بِالطَّرِيقِ الَّذِي عَرَفْتُمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ عَلى مُوسى وعِيسى فَهو بِعَيْنِهِ قائِمٌ في مُحَمَّدٍ ﷺ، وما ذاكَ إلّا بِالمُعْجِزَةِ وهو حاصِلٌ هاهُنا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مُنازَعَتُهُ في صِحَّةِ النُّبُوَّةِ ؟ فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ وهو مَضْبُوطٌ حَسَنٌ جِدًّا فَلْنَنْظُرْ هاهُنا إلى بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَيٌّ قَيُّومٌ، وكُلُّ مَن كانَ حَيًّا قَيُّومًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ، لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مُحْدَثٌ حَصَلَ تَكْوِينُهُ وتَخْلِيقُهُ وإيجادُهُ عَلى ما بَيَّنّا كُلَّ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وإذا كانَ الكُلُّ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا امْتَنَعَ كَوْنُ شَيْءٍ مِنها ولَدًا لَهُ وإلَهًا، كَما قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَيًّا قَيُّومًا، وثَبَتَ أنَّ عِيسى ما كانَ حَيًّا قَيُّومًا لِأنَّهُ وُلِدَ، وكانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويُحْدِثُ، والنَّصارى زَعَمُوا أنَّهُ قُتِلَ وما قَدَرَ عَلى دَفْعِ القَتْلِ عَنْ نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ ما كانَ حَيًّا قَيُّومًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي القَطْعَ والجَزْمَ بِأنَّهُ ما كانَ إلَهًا، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ وهي قَوْلُهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّصارى في التَّثْلِيثِ.
وأمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى هاهُنا في غايَةِ الحُسْنِ ونِهايَةِ الجَوْدَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وهَذا يَجْرِي مَجْرى الدَّعْوى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أقامَ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوى، فَقالَ: وافَقْتُمُونا أيُّها اليَهُودُ والنَّصارى عَلى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ
صفحة ١٣٦
مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ، فَإنَّما عَرَفْتُمْ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كِتابانِ إلَهِيّانِ، لِأنَّهُ تَعالى قَرَنَ بِإنْزالِهِما المُعْجِزَةَ الدّالَّةَ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ المُحِقِّ وقَوْلِ المُبْطِلِ؛ والمُعْجِزُ لَمّا حَصَلَ بِهِ الفَرْقُ بَيْنَ الدَّعْوى الصّادِقَةِ والدَّعْوى الكاذِبَةِ كانَ فَرْقًا لا مَحالَةَ، ثُمَّ إنَّ الفُرْقانَ الَّذِي هو المُعْجِزُ كَما حَصَلَ في كَوْنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ نازِلَيْنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ حَصَلَ في كَوْنِ القُرْآنِ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وإذا كانَ الطَّرِيقُ مُشْتَرَكًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ الواجِبُ تَكْذِيبَ الكُلِّ عَلى ما هو قَوْلُ البَراهِمَةِ، أوْ تَصْدِيقَ الكُلِّ عَلى ما هو قَوْلُ المُسْلِمِينَ، وأمّا قَبُولُ البَعْضِ ورَدُّ البَعْضِ فَذَلِكَ جَهْلٌ وتَقْلِيدٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما هو العُمْدَةُ في مَعْرِفَةِ الإلَهِ عَلى ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما هو العُمْدَةُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ عُذْرٌ لِمَن يُنازِعُهُ في دِينِهِ فَلا جَرَمَ أرْدَفَهُ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ فَقالَ: (﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] فَقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كَلامٌ أقْرَبَ إلى الضَّبْطِ، وإلى حُسْنِ التَّرْتِيبِ وجَوْدَةِ التَّأْلِيفِ مِن هَذا الكَلامِ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدى هَذا المِسْكِينَ إلَيْهِ، ولَهُ الشُّكْرُ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ.
ولَمّا لَخَّصْنا ما هو المَقْصُودُ الكُلِّيُّ مِنَ الكَلامِ فَلْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الألْفاظِ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ فَهو رَدٌّ عَلى النَّصارى لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِعِبادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ.
ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَجْرِي مَجْرى الدَّلالَةِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَأمّا الحَيُّ فَهو الفَعّالُ الدَّرّاكُ وأمّا القَيُّومُ فَهو القائِمُ بِذاتِهِ، والقائِمُ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ والمَصالِحِ لِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعاشِهِمْ، مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، والحَرِّ والبَرْدِ، والرِّياحِ والأمْطارِ، والنِّعَمِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ، ولا يُحْصِيها غَيْرُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقَرَأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ قالَ قَتادَةُ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، والقَيُّومُ القائِمُ عَلى خَلْقِهِ بِأعْمالِهِمْ، وآجالِهِمْ، وأرْزاقِهِمْ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الحَيُّ قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ، والقَيُّومُ الَّذِي لا نِدَّ لَهُ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ قَوْلَنا: الحَيُّ القَيُّومُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ في الإلَهِيَّةِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَيًّا قَيُّومًا ودَلَّتِ البَدِيهَةُ والحِسُّ عَلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ حَيًّا قَيُّومًا، وكَيْفَ وهم يَقُولُونَ بِأنَّهُ قُتِلَ وأظْهَرَ الجَزَعَ مِنَ المَوْتِ. عَلِمْنا قَطْعًا أنَّ عِيسى ما كانَ إلَهًا ولا ولَدًا لِلْإلَهِ تَعالى وتَقَدَّسَ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
آل عمران 3:3
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ الكِتابَ هاهُنا هو القُرْآنُ، وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ اشْتِقاقَهُ، وإنَّما خُصَّ القُرْآنُ بِالتَّنْزِيلِ، والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِالإنْزالِ، لِأنَّ التَّنْزِيلَ لِلتَّكْثِيرِ، واللَّهُ تَعالى نَزَّلَ القُرْآنَ نَجْمًا نَجْمًا، فَكانَ مَعْنى التَّكْثِيرِ حاصِلًا فِيهِ، وأمّا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ فَإنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُما دَفْعَةً واحِدَةً، فَلِهَذا خَصَّهُما بِالإنْزالِ، ولِقائِلٍ أنْ
صفحة ١٣٧
يَقُولَ: هَذا يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١] وبِقَوْلِهِ ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ بِوَصْفَيْنِ:
الوَصْفُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ (بِالحَقِّ) قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ صَدَقَ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ.
وثانِيها: أنَّ ما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ يَحْمِلُ المُكَلَّفَ عَلى مُلازَمَةِ الطَّرِيقِ الحَقِّ في العَقائِدِ والأعْمالِ، ويَمْنَعُهُ عَنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الباطِلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ حَقٌّ بِمَعْنى أنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ، ولَيْسَ بِالهَزْلِ.
ورابِعُها: قالَ الأصَمُّ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ بِالحَقِّ الَّذِي يَجِبُ لَهُ عَلى خَلْقِهِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وشُكْرِ النِّعْمَةِ، وإظْهارِ الخُضُوعِ، وما يَجِبُ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مِنَ العَدْلِ والإنْصافِ في المُعامَلاتِ.
وخامِسُها: أنْزَلَهُ بِالحَقِّ لا بِالمَعانِي الفاسِدَةِ المُتَناقِضَةِ، كَما قالَ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] وقالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
والوَصْفُ الثّانِي لِهَذا الكِتابِ: قَوْلُهُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِكُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِما أُخْبِرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى دَلَّ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ القُرْآنِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُوافِقًا لِسائِرِ الكُتُبِ، لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأحَدٍ مِنَ العُلَماءِ، ولا تَتَلْمَذَ لِأحَدٍ، ولا قَرَأ عَلى أحَدٍ شَيْئًا، والمُفْتَرِي إذا كانَ هَكَذا امْتَنَعَ أنْ يَسْلَمَ عَنِ الكَذِبِ والتَّحْرِيفِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ إنَّما عَرَفَ هَذِهِ القَصَصَ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، والإيمانِ بِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأمْرِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وبِالشَّرائِعِ الَّتِي هي صَلاحُ كُلِّ زَمانٍ، فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الكُتُبِ في كُلِّ ذَلِكَ. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ سَمّى ما مَضى بِأنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ؟
والجَوابُ: أنَّ تِلْكَ الأخْبارَ لِغايَةِ ظُهُورِها سَمّاها بِهَذا الِاسْمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَكُونُ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ، مَعَ أنَّ القُرْآنَ ناسِخٌ لِأكْثَرِ تِلْكَ الأحْكامِ ؟
والجَوابُ: إذا كانَتِ الكُتُبُ مُبَشِّرَةً بِالقُرْآنِ وبِالرَّسُولِ، ودالَّةً عَلى أنَّ أحْكامَها تَثْبُتُ إلى حِينِ بَعْثِهِ، وأنَّها تَصِيرُ مَنسُوخَةً عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، كانَتْ مُوافِقَةً لِلْقُرْآنِ، فَكانَ القُرْآنُ مُصَدِّقًا لَها، وأمّا فِيما عَدا الأحْكامَ فَلا شُبْهَةَ في أنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لَها، لِأنَّ دَلائِلَ المَباحِثِ الإلَهِيَّةِ لا تَخْتَلِفُ في ذَلِكَ، فَهو مُصَدِّقٌ لَها في الأخْبارِ الوارِدَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
* *
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٣٨
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، والِاشْتِغالُ بِاشْتِقاقِهِما غَيْرُ مُفِيدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ”والأنْجِيلَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو دَلِيلٌ عَلى العَجَمِيَّةِ، لِأنَّ أفْعِيلَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مَعْدُومٌ في أوْزانِ العَرَبِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَنَنْقُلُ كَلامَ الأُدَباءِ فِيهِ.
أمّا لَفْظُ ”التَّوْراةِ“ فَفِيهِ أبْحاثٌ ثَلاثَةٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في اشْتِقاقِهِ، قالَ الفَرّاءُ ”التَّوْراةِ“ مَعْناها الضِّياءُ والنُّورُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ ورى الزَّنْدُ يَرِي إذا قَدَحَ وظَهَرَتِ النّارُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: ٢] ويَقُولُونَ: ورَيْتُ بِكَ زِنادِي، ومَعْناهُ: ظَهَرَ بِكَ الخَيْرُ لِي، فالتَّوْراةُ سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ لِظُهُورِ الحَقِّ بِها، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] .
البَحْثُ الثّانِي: لَهم في وزْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: أصْلُ ”التَّوْراةِ“ تَوْرَيَةٌ تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ التّاءِ، وسُكُونِ الواوِ، وفَتْحِ الرّاءِ والياءِ، إلّا أنَّهُ صارَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها.
القَوْلُ الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْعِلَةً عَلى وزْنِ تَوْفِيَةٍ وتَوْصِيَةٍ، فَيَكُونُ أصْلُها تَوْرِيَةً، إلّا أنَّ الرّاءَ نُقِلَتْ مِنَ الكَسْرِ إلى الفَتْحِ عَلى لُغَةِ طَيِّئٍ، فَإنَّهم يَقُولُونَ في جارِيَةٍ: جاراةٌ، وفي ناصِيَةٍ: ناصاةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
فَما الدُّنْيا بِباقاةٍ لِحَيٍّ وما حَيٌّ عَلى الدُّنْيا بِباقِ
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ والبَصْرِيِّينَ: إنَّ أصْلَها: ووْرِيَةٌ، فَوْعِلَةٌ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ الأُولى تاءً، وهَذا القَلْبُ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، نَحْوَ: تُجاهٍ، وتُراثٍ، وتُخَمَةٍ، وتُكْلانٍ، ثُمَّ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، فَصارَتْ ”تَوْراةً“ وكُتِبَتْ بِالياءِ عَلى أصْلِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ طَعَنُوا في قَوْلِ الفَرّاءِ، أمّا الأوَّلُ: فَقالُوا: هَذا البِناءُ نادِرٌ، وأمّا فَوْعَلَةٌ فَكَثِيرٌ، نَحْوَ: صَوْمَعَةٍ، وحَوْصَلَةٍ، ودَوْسَرَةٍ، والحَمْلُ عَلى الأكْثَرِ أوْلى.
وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلى لُغَةِ طَيِّئٍ، والقُرْآنُ ما نَزَلَ بِها البَتَّةَ.
البَحْثُ الثّالِثُ: في التَّوْراةِ قِراءَتانِ: الإمالَةُ والتَّفْخِيمُ، فَمَن فَخَّمَ فَلِأنَّ الرّاءَ حَرْفٌ يَمْنَعُ الإمالَةَ لِما فِيهِ مِنَ التَّكْرِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وأمّا الإنْجِيلُ فَفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ إفْعِيلٌ مِنَ النَّجْلِ، وهو الأصْلُ، يُقالُ: لَعَنَ اللَّهُ ناجِلَيْهِ، أيْ والِدَيْهِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الكِتابُ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّهُ الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في ذَلِكَ الدِّينِ.
والثّانِي: قالَ قَوْمٌ: الإنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ: نَجَلْتُ الشَّيْءَ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ وأظْهَرْتَهُ ويُقالُ لِلْماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ: نَجْلٌ، ويُقالُ: قَدِ اسْتَنْجَلَ الوادِي، إذا خَرَجَ الماءُ مِنَ النَّزِّ فَسُمِّيَ الإنْجِيلُ إنْجِيلًا لِأنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الحَقَّ بِواسِطَتِهِ.
والثّالِثُ: قالَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: التَّناجُلُ التَّنازُعُ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الكِتابُ بِالإنْجِيلِ لِأنَّ القَوْمَ تَنازَعُوا فِيهِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مِنَ النَّجْلِ الَّذِي هو سَعَةُ العَيْنِ، ومِنهُ طَعْنَةٌ نَجْلاءُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَعَةٌ ونُورٌ وضِياءٌ أخْرَجَهُ لَهم.
وأقُولُ: أمْرُ هَؤُلاءِ الأُدَباءِ عَجِيبٌ كَأنَّهم أوْجَبُوا في كُلِّ لَفْظٍ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِن شَيْءٍ آخَرَ، ولَوْ كانَ
صفحة ١٣٩
كَذَلِكَ لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ، ولَمّا كانا باطِلَيْنِ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن ألْفاظٍ مَوْضُوعَةٍ وضْعًا أوَّلًا: حَتّى يَجْعَلَ سائِرَ الألْفاظِ مُشْتَقَّةً مِنها، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ في هَذا اللَّفْظِ الَّذِي جَعَلُوهُ مُشْتَقًّا مِن ذَلِكَ الآخَرِ أنْ يَكُونَ الأصْلُ هو هَذا، والفَرْعُ هو ذاكَ الآخَرَ ومَنِ الَّذِي أخْبَرَهم بِأنَّ هَذا فَرْعٌ وذاكَ أصْلٌ، ورُبَّما كانَ هَذا الَّذِي يَجْعَلُونَهُ فَرْعًا ومُشْتَقًّا في غايَةِ الشُّهْرَةِ، وذاكَ الَّذِي يَجْعَلُونَهُ أصْلًا في غايَةِ الخَفاءِ، وأيْضًا فَلَوْ كانَتِ التَّوْراةُ إنَّما سُمِّيَتْ تَوْراةٌ لِظُهُورِها، والإنْجِيلُ إنَّما سُمِّيَ إنْجِيلًا لِكَوْنِهِ أصْلًا وجَبَ في كُلِّ ما ظَهَرَ أنْ يُسَمّى بِالتَّوْراةِ فَوَجَبَ تَسْمِيَةُ كُلِّ الحَوادِثِ بِالتَّوْراةِ، ووَجَبَ في كُلِّ ما كانَ أصْلًا لِشَيْءٍ آخَرَ أنْ يُسَمّى بِالإنْجِيلِ، والطِّينُ أصْلُ الكُوزِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الطِّينُ إنْجِيلًا، والذَّهَبُ أصْلُ الخاتَمِ والغَزْلُ أصْلُ الثَّوْبِ فَوَجَبَ تَسْمِيَةُ هَذِهِ الأشْياءِ بِالإنْجِيلِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهم عِنْدَ إيرادِ هَذِهِ الإلْزاماتِ عَلَيْهِمْ لا بُدَّ وأنْ يَتَمَسَّكُوا بِالوَضْعِ، ويَقُولُوا: العَرَبُ خَصَّصُوا هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ بِهَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ عَلى سَبِيلِ الوَضْعِ، وإذا كانَ لا يَتِمُّ المَقْصُودُ في آخِرِ الأمْرِ إلّا بِالرُّجُوعِ إلى وضْعِ اللُّغَةِ، فَلِمَ لا نَتَمَسَّكُ بِهِ في أوَّلِ الأمْرِ ونُرِيحُ أنْفُسَنا مِنَ الخَوْضِ في هَذِهِ الكَلِماتِ ؟ وأيْضًا فالتَّوْراةُ والإنْجِيلُ اسْمانِ أعْجَمِيّانِ أحَدُهُما بِالعِبْرِيَّةِ والآخَرُ بِالسُّرْيانِيَّةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَشْتَغِلَ بِتَطْبِيقِها عَلى أوْزانِ لُغَةِ العَرَبِ ؟ فَظَهَرَ أنَّ الأوْلى بِالعاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى هَذِهِ المَباحِثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:4
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ قَبْلَ أنْ أنْزَلَ القُرْآنَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُما هُدًى لِلنّاسِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَزْعُمُ أنَّ القُرْآنَ عَمًى عَلى الكافِرِينَ ولَيْسَ بِهُدًى لَهم، ويَدُلُّ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] أنَّ عِنْدَ نُزُولِهِ اخْتارُوا العَمى عَلى وجْهِ المَجازِ، كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] لَمّا فَرُّوا عِنْدَهُ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عائِدًا إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَدْ وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ حَقٌّ، ووَصَفَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ بِأنَّهُما هَدًى والوَصْفانِ مُتَقارِبانِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ بِأنَّهُ هَدًى لِلْمُتَّقِينَ، فَلِمَ لَمْ يَصِفْهُ هاهُنا بِهِ ؟
قُلْنا: فِيهِ لَطِيفَةٌ، وذَلِكَ لِأنّا ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّهُ إنَّما قالَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، فَصارَ مِنَ الوَجْهِ هُدًى لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، أمّا هاهُنا فالمُناظَرَةُ كانَتْ مَعَ النَّصارى، وهم لا يَهْتَدُونَ بِالقُرْآنِ فَلا جَرَمَ لَمْ يَقُلْ هاهُنا في القُرْآنِ إنَّهُ هَدًى بَلْ قالَ: إنَّهُ حَقٌّ في نَفْسِهِ سَواءٌ قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ، وأمّا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ فَهم يَعْتَقِدُونَ في صِحَّتِهِما ويَدَّعُونَ بِأنّا إنَّما نَتَقَوَّلُ في دِينِنا عَلَيْهِما فَلا جَرَمَ وصَفَهُما اللَّهُ تَعالى لِأجْلِ هَذا التَّأْوِيلِ بِأنَّهُما هَدًى، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ١٤٠
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الكُتُبَ الثَّلاثَةَ بِأنَّها هُدًى، فَهَذا الوَصْفُ عائِدٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ .
ولِجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو الزَّبُورُ، كَما قالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] والثّانِي: أنَّ المُرادَ هو القُرْآنُ، وإنَّما أعادَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ ومَدْحًا بِكَوْنِهِ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أوْ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى أعادَ ذِكْرَهُ لِيُبَيِّنَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بَعْدَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِيَجْعَلَهُ فَرْقًا بَيْنَ ما اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ والنَّصارى مِنَ الحَقِّ والباطِلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا تَكْرارَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى كَما جَعَلَ الكُتُبَ الثَّلاثَةَ هُدًى ودَلالَةً، فَقَدْ جَعَلَها فارِقَةً بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ وسائِرِ الشَّرائِعِ، فَصارَ هَذا الكَلامُ دالًّا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الكُتُبِ ما يَلْزَمُ عَقْلًا وسَمْعًا، هَذا جُمْلَةُ ما قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ وهي عِنْدِي مُشْكِلَةٌ، أمّا حَمْلُهُ عَلى الزَّبُورِ فَهو بَعِيدٌ، لِأنَّ الزَّبُورَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا المَواعِظُ، ووَصْفُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مَعَ اشْتِمالِهِما عَلى الدَّلائِلِ وبَيانِ الأحْكامِ بِالفُرْقانِ أوْلى مِن وصْفِ الزَّبُورِ بِذَلِكَ، وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو حَمْلُهُ عَلى القُرْآنِ فَبَعِيدٌ مِن حَيْثُ إنَّ قَوْلَهُ ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ والقُرْآنُ مَذْكُورٌ قَبْلَ هَذا فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الفُرْقانُ مُغايِرًا لِلْقُرْآنِ، وبِهَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ ضَعْفُ القَوْلِ الثّالِثِ، لِأنَّ كَوْنَ هَذِهِ الكُتُبِ فارِقَةً بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ صِفَةٌ لِهَذِهِ الكُتُبِ وعَطْفُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ وإنْ كانَ قَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأشْعارِ النّادِرَةِ إلّا أنَّهُ ضَعِيفٌ بَعِيدٌ عَنْ وجْهِ الفَصاحَةِ اللّائِقَةِ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى. والمُخْتارُ عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وجْهٌ رابِعٌ، وهو أنَّ المُرادَ مِن هَذا الفُرْقانِ المُعْجِزاتُ الَّتِي قَرَنَها اللَّهُ تَعالى بِإنْزالِ هَذِهِ الكُتُبِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أتَوْا بِهَذِهِ الكُتُبِ وادَّعَوْا أنَّها كُتُبٌ نازِلَةٌ عَلَيْهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى افْتَقَرُوا في إثْباتِ هَذِهِ الدَّعْوى إلى دَلِيلٍ حَتّى يَحْصُلَ الفَرْقُ بَيْنَ دَعْواهم وبَيْنَ دَعْوى الكَذّابِينَ، فَلَمّا أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى عَلى وفْقِ دَعْواهم تِلْكَ المُعْجِزاتِ حَصَلَتِ المُفارَقَةُ بَيْنَ دَعْوى الصّادِقِ وبَيْنَ دَعْوى الكاذِبِ، فالمُعْجِزَةُ هي الفُرْقانُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ، وأنَّهُ أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ مَعَها ما هو الفُرْقانُ الحَقُّ، وهو المُعْجِزُ القاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها، ويُفِيدُ الفَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ الكُتُبِ المُخْتَلِفَةِ، فَهَذا هو ما عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَبْ أنَّ أحَدًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ما ذَكَرَهُ إلّا أنَّ حَمْلَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ يُفِيدُ قُوَّةَ المَعْنى، وجَزالَةَ اللَّفْظِ، واسْتِقامَةَ التَّرْتِيبِ والنَّظْمِ، والوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرُوها تُنافِي كُلَّ ذَلِكَ، فَكانَ ما ذَكَرْناهُ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قَرَّرَ في هَذِهِ الألْفاظِ القَلِيلَةِ جَمِيعَ ما يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الإلَهِ، وجَمِيعَ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ زَجْرًا لِلْمُعْرِضِينَ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ فَقالَ:
* *
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ خَصَّصَ ذَلِكَ بِالنَّصارى، فَقَصَرَ اللَّفْظَ العامَّ عَلى سَبَبِ نُزُولِهِ، والمُحَقِّقُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: خُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ عُمُومَ اللَّفْظِ، فَهو يَتَناوَلُ كُلَّ مَن أعْرَضَ عَنْ دَلائِلَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ .
والعَزِيزُ الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ والِانْتِقامُ العُقُوبَةُ، يُقالُ انْتَقَمَ مِنهُ انْتِقامًا أيْ عاقَبَهُ، وقالَ اللَّيْثُ يُقالُ: لَمْ أرْضَ عَنْهُ حَتّى نَقَمْتُ مِنهُ وانْتَقَمْتُ إذا كافَأهُ عُقُوبَةً بِما صَنَعَ، والعَزِيزُ إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى العِقابِ، وذُو الِانْتِقامِ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ فاعِلًا لِلْعِقابِ، فالأوَّلُ: صِفَةُ الذّاتِ، والثّانِي: صِفَةُ الفِعْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:5
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ قَيُّومٌ، والقَيُّومُ هو القائِمُ بِإصْلاحِ مَصالِحِ الخَلْقِ ومُهِمّاتِهِمْ، وكَوْنُهُ كَذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عالِمًا بِحاجاتِهِمْ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ مَتى عَلِمَ جِهاتِ حاجاتِهِمْ قَدَرَ عَلى دَفْعِها.
والأوَّلُ: لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، والثّانِي: لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عالِمًا لا مَحالَةَ مَقادِيرَ الحاجاتِ ومَراتِبَ الضَّرُوراتِ، لا يَشْغَلُهُ سُؤالٌ عَنْ سُؤالٍ، ولا يَشْتَبِهُ الأمْرُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أسْئِلَةِ السّائِلِينَ ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ جَمِيعِ الخَلْقِ ومَنافِعِهِمْ، وعِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَظْهَرُ كَوْنُهُ قائِمًا بِالقِسْطِ قَيُّومًا بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ والكائِناتِ، ثُمَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ كَما ذَكَرْناهُ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، والطَّرِيقُ إلى إثْباتِ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو السَّمْعَ، لِأنَّ مَعْرِفَةَ صِحَّةِ السَّمْعِ مَوْقُوفَةٌ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، بَلِ الطَّرِيقُ إلَيْهِ لَيْسَ إلّا الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ، وذَلِكَ هو أنْ نَقُولَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُحْكَمَةٌ مُتْقَنَةٌ، والفِعْلُ المُحْكَمُ المُتْقَنُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ فاعِلِهِ عالِمًا، فَلَمّا كانَ دَلِيلُ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا هو ما ذَكَرْنا، فَحِينَ ادَّعى كَوْنَهُ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أتْبَعَهُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ الدّالِّ عَلى ذَلِكَ، وهو أنَّهُ هو الَّذِي صَوَّرَ في ظُلُماتِ الأرْحامِ هَذِهِ البِنْيَةَ العَجِيبَةَ، والتَّرْكِيبَ الغَرِيبَ، ورَكَّبَهُ مِن أعْضاءٍ مُخْتَلِفَةٍ في الشَّكْلِ والطَّبْعِ والصِّفَةِ، فَبَعْضُها عِظامٌ، وبَعْضُها غَضارِيفُ، وبَعْضُها
صفحة ١٤٢
شَرايِينُ، وبَعْضُها أوْرِدَةٌ، وبَعْضُها عَضَلاتٌ، ثُمَّ إنَّهُ ضَمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ عَلى التَّرْكِيبِ الأحْسَنِ، والتَّأْلِيفِ الأكْمَلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ حَيْثُ قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ مِن قَطْرَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ هَذِهِ الأعْضاءَ المُخْتَلِفَةَ في الطَّبائِعِ والشَّكْلِ واللَّوْنِ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا مِن حَيْثُ إنَّ الفِعْلَ المُحْكَمَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ العالِمِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ دالًّا عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، ودالًّا عَلى صِحَّةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، ثَبَتَ أنَّهُ قَيُّومُ المُحْدَثاتِ والمُمْكِناتِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا كالتَّقْرِيرِ لِما ذَكَرَهُ تَعالى أوَّلًا مِن أنَّهُ هو الحَيُّ القَيُّومُ، ومَن تَأْمَّلَ في هَذِهِ اللَّطائِفِ عَلِمَ أنَّهُ لا يُعْقَلُ كَلامٌ أكْثَرُ فائِدَةً، ولا أحْسَنُ تَرْتِيبًا، ولا أكْثَرُ تَأْثِيرًا في القُلُوبِ مِن هَذِهِ الكَلِماتِ.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ تُنَزَّلَ هَذِهِ الآياتُ عَلى سَبَبِ نُزُولِها، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصارى ادَّعَوْا إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَوَّلُوا في ذَلِكَ عَلى نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبَهِ، أحَدُ النَّوْعَيْنِ شُبَهٌ مُسْتَخْرَجَةٌ مِن مُقَدِّماتٍ مُشاهَدَةٍ، والنَّوْعُ الثّانِي: شُبَهٌ مُسْتَخْرَجَةٌ مِن مُقَدِّماتٍ إلْزامِيَّةٍ.
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الشُّبَهِ: فاعْتِمادُهم في ذَلِكَ عَلى أمْرَيْنِ أحَدُهُما: يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ، والثّانِي: يَتَعَلَّقُ بِالقُدْرَةِ.
أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ فَهو أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخْبِرُ عَنِ الغُيُوبِ، وكانَ يَقُولُ لِهَذا: أنْتَ أكَلْتَ في دارِكَ كَذا، ويَقُولُ لِذاكَ: إنَّكَ صَنَعْتَ في دارِكَ كَذا، فَهَذا النَّوْعُ مِن شُبَهِ النَّصارى يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ.
وأمّا الأمْرُ الثّانِي مِن شُبَهِهِمْ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِالقُدْرَةِ، وهو أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ، وهَذا النَّوْعُ مِن شُبَهِ النَّصارى يَتَعَلَّقُ بِالقُدْرَةِ، ولَيْسَ لِلنَّصارى شُبَهٌ في المَسْألَةِ سِوى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ في إلَهِيَّةِ عِيسى وفي التَّثْلِيثِ بِقَوْلِهِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يَعْنِي الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَيًّا قَيُّومًا، وعِيسى ما كانَ حَيًّا قَيُّومًا، لَزِمَ القَطْعُ أنَّهُ ما كانَ إلَهًا، فَأتْبَعَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِيُقَرِّرَ فِيها ما يَكُونُ جَوابًا عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ:
أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: وهي المُتَعَلِّقَةُ بِالعِلْمِ، وهي قَوْلُهم: إنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغُيُوبِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إلَهًا، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وتَقْرِيرُ الجَوابِ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ عالِمًا بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِاحْتِمالِ أنَّهُ إنَّما عَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ، وتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعالى لَهُ ذَلِكَ، لَكِنَّ عَدَمَ إحاطَتِهِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ يَدُلُّ دَلالَةً قاطِعَةً عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ فَإنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَكُونُ خالِقًا، والخالِقُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِمَخْلُوقِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ والمُغَيَّباتِ، فَكَيْفَ والنَّصارى يَقُولُونَ: إنَّهُ أظْهَرَ الجَزَعَ مِنَ المَوْتِ فَلَوْ كانَ عالِمًا بِالغَيْبِ كُلِّهِ، لِعَلِمَ أنَّ القَوْمَ يُرِيدُونَ أخْذَهُ وقَتْلَهُ، وأنَّهُ يَتَأذّى بِذَلِكَ ويَتَألَّمُ، فَكانَ يَفِرُّ مِنهم قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا لَمْ يَعْلَمْ هَذا الغَيْبَ ظَهَرَ أنَّهُ ما كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ والمُغَيَّباتِ والإلَهُ هو الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ إلَهًا فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِمَعْرِفَةِ بَعْضِ الغَيْبِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الإلَهِيَّةِ، وأمّا
صفحة ١٤٣
الجَهْلُ بِبَعْضِ الغَيْبِ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى عَدَمِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذا هو الجَوابُ عَنِ النَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ الشُّبَهِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعِلْمِ.
أمّا النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الشُّبَهِ، وهو الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالقُدْرَةِ: فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ والمَعْنى أنَّ حُصُولَ الإحْياءِ والإماتَةِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ إلَهًا، لِاحْتِمالِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْرَمَهُ بِذَلِكَ الإحْياءِ إظْهارًا لِمُعْجِزَتِهِ وإكْرامًا لَهُ.
أمّا العَجْزُ عَنِ الإحْياءِ والإماتَةِ في بَعْضِ الصُّوَرِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَكُونُ قادِرًا عَلى أنْ يُصَوِّرَ في الأرْحامِ مِن قَطْرَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ هَذا التَّرْكِيبَ العَجِيبَ، والتَّأْلِيفَ الغَرِيبَ، ومَعْلُومٌ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ قادِرًا عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وكَيْفَ ! ولَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ لَأماتَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أخَذُوهُ عَلى زَعْمِ النَّصارى وقَتَلُوهُ، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الإحْياءِ والإماتَةِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ إلَهًا، أمّا عَدَمُ حُصُولِهِما عَلى وفْقِ مُرادِهِ في سائِرِ الصُّوَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ إلَهًا، فَظَهَرَ بِما ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الثّانِيَةَ أيْضًا ساقِطَةٌ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الشُّبَهِ: فَهي الشُّبَهُ المَبْنِيَّةُ عَلى مُقَدِّماتٍ إلْزامِيَّةٍ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى نَوْعَيْنِ.
النَّوْعُ الأوَّلُ: أنَّ النَّصارى يَقُولُونَ: أيُّها المُسْلِمُونَ أنْتُمْ تُوافِقُونَنا عَلى أنَّهُ ما كانَ لَهُ أبٌ مِنَ البَشَرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ابْنًا لَهُ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ لِأنَّ هَذا التَّصْوِيرَ لَمّا كانَ مِنهُ فَإنْ شاءَ صَوَّرَهُ مِن نُطْفَةِ الأبِ وإنْ شاءَ صَوَّرَهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ الأبِ.
والنَّوْعُ الثّانِي: أنَّ النَّصارى قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ ألَسْتَ تَقُولُ: إنَّ عِيسى رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ هَذا إلْزامٌ لَفْظِيٌّ، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْحَقِيقَةِ والمَجازِ، فَإذا ورَدَ اللَّفْظُ بِحَيْثُ يَكُونُ ظاهِرُهُ مُخالِفًا لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ كانَ مِن بابِ المُتَشابِهاتِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ إلى التَّأْوِيلِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ لَيْسَ بِإلَهٍ ولا ابْنًا لَهُ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فَهو جَوابٌ عَنِ الشُّبْهَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعِلْمِ، وقَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ جَوابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ، وعَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِأنَّهُ ما كانَ لَهُ أبٌ مِنَ البَشَرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ابْنًا لِلَّهِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] فَهو جَوابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِما ورَدَ في القُرْآنِ أنَّ عِيسى رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، ومَن أحاطَ عِلْمًا بِما ذَكَرْناهُ ولَخَّصْناهُ عَلِمَ أنَّ هَذا الكَلامَ عَلى اخْتِصارِهِ أكْثَرُ تَحْصِيلًا مِن كُلِّ ما ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُونَ في هَذا البابِ، وأنَّهُ لَيْسَ في المَسْألَةِ حُجَّةٌ ولا شُبْهَةٌ ولا سُؤالٌ ولا جَوابٌ إلّا وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ.
وأمّا كَلامُ مَن قَبْلَنا مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ فَلَمْ نَذْكُرْهُ لِأنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ فَمَن أرادَ ذَلِكَ طالَعَ الكُتُبَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ أعادَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ زَجْرًا لِلنَّصارى عَنْ قَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ، فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فالعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ والحَكِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، وهو تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّ عِلْمَ المَسِيحِ بِبَعْضِ الغُيُوبِ، وقُدْرَتَهُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ في بَعْضِ الصُّوَرِ
صفحة ١٤٤
لا يَكْفِي في كَوْنِهِ إلَهًا فَإنَّ الإلَهَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كامِلَ القُدْرَةِ وهو العَزِيزُ، وكامِلَ العِلْمِ وهو الحَكِيمُ، وبَقِيَ في الآيَةِ أبْحاثٌ لَطِيفَةٌ:
أمّا قَوْلُهُ ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ مَعَ أنَّهُ لَوْ أطْلَقَ كانَ أبْلَغَ ؟
قُلْنا: الغَرَضُ بِذَلِكَ إفْهامُ العِبادِ كَمالَ عِلْمِهِ، وفَهْمُهم هَذا المَعْنى عِنْدَ ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ أقْوى، وذَلِكَ لِأنَّ الحِسَّ يَرى عَظَمَةَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَيُعِينُ العَقْلَ عَلى مَعْرِفَةِ عَظَمَةِ عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والحِسُّ مَتى أعانَ العَقْلَ عَلى المَطْلُوبِ كانَ الفَهْمُ أتَمَّ والإدْراكُ أكْمَلَ، ولِذَلِكَ فَإنَّ المَعانِي الدَّقِيقَةَ إذا أُرِيدَ إيضاحُها ذُكِرَ لَها مِثالٌ، فَإنَّ المِثالَ يُعِينُ عَلى الفَهْمِ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: التَّصْوِيرُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى صُورَةٍ، والصُّورَةُ هَيْئَةٌ حاصِلَةٌ لِلشَّيْءِ عِنْدَ إيقاعِ التَّأْلِيفِ بَيْنَ أجْزائِهِ وأصْلُهُ مِن صارَهُ يَصُورُهُ إذا أمالَهُ، فَهي صُورَةٌ لِأنَّها مائِلَةٌ إلى شَكْلِ أبَوَيْهِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] وأمّا (الأرْحامِ) فَهي جَمْعُ رَحِمٍ وأصْلُها مِنَ الرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في الرَّحِمِ يُوجِبُ الرَّحْمَةَ والعَطْفَ، فَلِهَذا سُمِّيَ ذَلِكَ العُضْوُ رَحِمًا واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:6
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ قَيُّومٌ، والقَيُّومُ هو القائِمُ بِإصْلاحِ مَصالِحِ الخَلْقِ ومُهِمّاتِهِمْ، وكَوْنُهُ كَذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عالِمًا بِحاجاتِهِمْ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ مَتى عَلِمَ جِهاتِ حاجاتِهِمْ قَدَرَ عَلى دَفْعِها.
والأوَّلُ: لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، والثّانِي: لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عالِمًا لا مَحالَةَ مَقادِيرَ الحاجاتِ ومَراتِبَ الضَّرُوراتِ، لا يَشْغَلُهُ سُؤالٌ عَنْ سُؤالٍ، ولا يَشْتَبِهُ الأمْرُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أسْئِلَةِ السّائِلِينَ ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ جَمِيعِ الخَلْقِ ومَنافِعِهِمْ، وعِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَظْهَرُ كَوْنُهُ قائِمًا بِالقِسْطِ قَيُّومًا بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ والكائِناتِ، ثُمَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ كَما ذَكَرْناهُ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، والطَّرِيقُ إلى إثْباتِ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو السَّمْعَ، لِأنَّ مَعْرِفَةَ صِحَّةِ السَّمْعِ مَوْقُوفَةٌ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، بَلِ الطَّرِيقُ إلَيْهِ لَيْسَ إلّا الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ، وذَلِكَ هو أنْ نَقُولَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُحْكَمَةٌ مُتْقَنَةٌ، والفِعْلُ المُحْكَمُ المُتْقَنُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ فاعِلِهِ عالِمًا، فَلَمّا كانَ دَلِيلُ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا هو ما ذَكَرْنا، فَحِينَ ادَّعى كَوْنَهُ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أتْبَعَهُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ الدّالِّ عَلى ذَلِكَ، وهو أنَّهُ هو الَّذِي صَوَّرَ في ظُلُماتِ الأرْحامِ هَذِهِ البِنْيَةَ العَجِيبَةَ، والتَّرْكِيبَ الغَرِيبَ، ورَكَّبَهُ مِن أعْضاءٍ مُخْتَلِفَةٍ في الشَّكْلِ والطَّبْعِ والصِّفَةِ، فَبَعْضُها عِظامٌ، وبَعْضُها غَضارِيفُ، وبَعْضُها
صفحة ١٤٢
شَرايِينُ، وبَعْضُها أوْرِدَةٌ، وبَعْضُها عَضَلاتٌ، ثُمَّ إنَّهُ ضَمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ عَلى التَّرْكِيبِ الأحْسَنِ، والتَّأْلِيفِ الأكْمَلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ حَيْثُ قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ مِن قَطْرَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ هَذِهِ الأعْضاءَ المُخْتَلِفَةَ في الطَّبائِعِ والشَّكْلِ واللَّوْنِ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا مِن حَيْثُ إنَّ الفِعْلَ المُحْكَمَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ العالِمِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ دالًّا عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، ودالًّا عَلى صِحَّةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، ثَبَتَ أنَّهُ قَيُّومُ المُحْدَثاتِ والمُمْكِناتِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا كالتَّقْرِيرِ لِما ذَكَرَهُ تَعالى أوَّلًا مِن أنَّهُ هو الحَيُّ القَيُّومُ، ومَن تَأْمَّلَ في هَذِهِ اللَّطائِفِ عَلِمَ أنَّهُ لا يُعْقَلُ كَلامٌ أكْثَرُ فائِدَةً، ولا أحْسَنُ تَرْتِيبًا، ولا أكْثَرُ تَأْثِيرًا في القُلُوبِ مِن هَذِهِ الكَلِماتِ.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ تُنَزَّلَ هَذِهِ الآياتُ عَلى سَبَبِ نُزُولِها، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصارى ادَّعَوْا إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَوَّلُوا في ذَلِكَ عَلى نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبَهِ، أحَدُ النَّوْعَيْنِ شُبَهٌ مُسْتَخْرَجَةٌ مِن مُقَدِّماتٍ مُشاهَدَةٍ، والنَّوْعُ الثّانِي: شُبَهٌ مُسْتَخْرَجَةٌ مِن مُقَدِّماتٍ إلْزامِيَّةٍ.
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الشُّبَهِ: فاعْتِمادُهم في ذَلِكَ عَلى أمْرَيْنِ أحَدُهُما: يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ، والثّانِي: يَتَعَلَّقُ بِالقُدْرَةِ.
أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ فَهو أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخْبِرُ عَنِ الغُيُوبِ، وكانَ يَقُولُ لِهَذا: أنْتَ أكَلْتَ في دارِكَ كَذا، ويَقُولُ لِذاكَ: إنَّكَ صَنَعْتَ في دارِكَ كَذا، فَهَذا النَّوْعُ مِن شُبَهِ النَّصارى يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ.
وأمّا الأمْرُ الثّانِي مِن شُبَهِهِمْ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِالقُدْرَةِ، وهو أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ، وهَذا النَّوْعُ مِن شُبَهِ النَّصارى يَتَعَلَّقُ بِالقُدْرَةِ، ولَيْسَ لِلنَّصارى شُبَهٌ في المَسْألَةِ سِوى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ في إلَهِيَّةِ عِيسى وفي التَّثْلِيثِ بِقَوْلِهِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يَعْنِي الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَيًّا قَيُّومًا، وعِيسى ما كانَ حَيًّا قَيُّومًا، لَزِمَ القَطْعُ أنَّهُ ما كانَ إلَهًا، فَأتْبَعَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِيُقَرِّرَ فِيها ما يَكُونُ جَوابًا عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ:
أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: وهي المُتَعَلِّقَةُ بِالعِلْمِ، وهي قَوْلُهم: إنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغُيُوبِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إلَهًا، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وتَقْرِيرُ الجَوابِ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ عالِمًا بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِاحْتِمالِ أنَّهُ إنَّما عَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ، وتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعالى لَهُ ذَلِكَ، لَكِنَّ عَدَمَ إحاطَتِهِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ يَدُلُّ دَلالَةً قاطِعَةً عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ فَإنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَكُونُ خالِقًا، والخالِقُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِمَخْلُوقِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ والمُغَيَّباتِ، فَكَيْفَ والنَّصارى يَقُولُونَ: إنَّهُ أظْهَرَ الجَزَعَ مِنَ المَوْتِ فَلَوْ كانَ عالِمًا بِالغَيْبِ كُلِّهِ، لِعَلِمَ أنَّ القَوْمَ يُرِيدُونَ أخْذَهُ وقَتْلَهُ، وأنَّهُ يَتَأذّى بِذَلِكَ ويَتَألَّمُ، فَكانَ يَفِرُّ مِنهم قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا لَمْ يَعْلَمْ هَذا الغَيْبَ ظَهَرَ أنَّهُ ما كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ والمُغَيَّباتِ والإلَهُ هو الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ إلَهًا فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِمَعْرِفَةِ بَعْضِ الغَيْبِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الإلَهِيَّةِ، وأمّا
صفحة ١٤٣
الجَهْلُ بِبَعْضِ الغَيْبِ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى عَدَمِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذا هو الجَوابُ عَنِ النَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ الشُّبَهِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعِلْمِ.
أمّا النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الشُّبَهِ، وهو الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالقُدْرَةِ: فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ والمَعْنى أنَّ حُصُولَ الإحْياءِ والإماتَةِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ إلَهًا، لِاحْتِمالِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْرَمَهُ بِذَلِكَ الإحْياءِ إظْهارًا لِمُعْجِزَتِهِ وإكْرامًا لَهُ.
أمّا العَجْزُ عَنِ الإحْياءِ والإماتَةِ في بَعْضِ الصُّوَرِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَكُونُ قادِرًا عَلى أنْ يُصَوِّرَ في الأرْحامِ مِن قَطْرَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ هَذا التَّرْكِيبَ العَجِيبَ، والتَّأْلِيفَ الغَرِيبَ، ومَعْلُومٌ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ قادِرًا عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وكَيْفَ ! ولَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ لَأماتَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أخَذُوهُ عَلى زَعْمِ النَّصارى وقَتَلُوهُ، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الإحْياءِ والإماتَةِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ إلَهًا، أمّا عَدَمُ حُصُولِهِما عَلى وفْقِ مُرادِهِ في سائِرِ الصُّوَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ إلَهًا، فَظَهَرَ بِما ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الثّانِيَةَ أيْضًا ساقِطَةٌ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الشُّبَهِ: فَهي الشُّبَهُ المَبْنِيَّةُ عَلى مُقَدِّماتٍ إلْزامِيَّةٍ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى نَوْعَيْنِ.
النَّوْعُ الأوَّلُ: أنَّ النَّصارى يَقُولُونَ: أيُّها المُسْلِمُونَ أنْتُمْ تُوافِقُونَنا عَلى أنَّهُ ما كانَ لَهُ أبٌ مِنَ البَشَرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ابْنًا لَهُ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ لِأنَّ هَذا التَّصْوِيرَ لَمّا كانَ مِنهُ فَإنْ شاءَ صَوَّرَهُ مِن نُطْفَةِ الأبِ وإنْ شاءَ صَوَّرَهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ الأبِ.
والنَّوْعُ الثّانِي: أنَّ النَّصارى قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ ألَسْتَ تَقُولُ: إنَّ عِيسى رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ هَذا إلْزامٌ لَفْظِيٌّ، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْحَقِيقَةِ والمَجازِ، فَإذا ورَدَ اللَّفْظُ بِحَيْثُ يَكُونُ ظاهِرُهُ مُخالِفًا لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ كانَ مِن بابِ المُتَشابِهاتِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ إلى التَّأْوِيلِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ لَيْسَ بِإلَهٍ ولا ابْنًا لَهُ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فَهو جَوابٌ عَنِ الشُّبْهَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعِلْمِ، وقَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ جَوابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ، وعَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِأنَّهُ ما كانَ لَهُ أبٌ مِنَ البَشَرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ابْنًا لِلَّهِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] فَهو جَوابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِما ورَدَ في القُرْآنِ أنَّ عِيسى رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، ومَن أحاطَ عِلْمًا بِما ذَكَرْناهُ ولَخَّصْناهُ عَلِمَ أنَّ هَذا الكَلامَ عَلى اخْتِصارِهِ أكْثَرُ تَحْصِيلًا مِن كُلِّ ما ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُونَ في هَذا البابِ، وأنَّهُ لَيْسَ في المَسْألَةِ حُجَّةٌ ولا شُبْهَةٌ ولا سُؤالٌ ولا جَوابٌ إلّا وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ.
وأمّا كَلامُ مَن قَبْلَنا مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ فَلَمْ نَذْكُرْهُ لِأنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ فَمَن أرادَ ذَلِكَ طالَعَ الكُتُبَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ أعادَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ زَجْرًا لِلنَّصارى عَنْ قَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ، فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فالعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ والحَكِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، وهو تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّ عِلْمَ المَسِيحِ بِبَعْضِ الغُيُوبِ، وقُدْرَتَهُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ في بَعْضِ الصُّوَرِ
صفحة ١٤٤
لا يَكْفِي في كَوْنِهِ إلَهًا فَإنَّ الإلَهَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كامِلَ القُدْرَةِ وهو العَزِيزُ، وكامِلَ العِلْمِ وهو الحَكِيمُ، وبَقِيَ في الآيَةِ أبْحاثٌ لَطِيفَةٌ:
أمّا قَوْلُهُ ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ مَعَ أنَّهُ لَوْ أطْلَقَ كانَ أبْلَغَ ؟
قُلْنا: الغَرَضُ بِذَلِكَ إفْهامُ العِبادِ كَمالَ عِلْمِهِ، وفَهْمُهم هَذا المَعْنى عِنْدَ ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ أقْوى، وذَلِكَ لِأنَّ الحِسَّ يَرى عَظَمَةَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَيُعِينُ العَقْلَ عَلى مَعْرِفَةِ عَظَمَةِ عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والحِسُّ مَتى أعانَ العَقْلَ عَلى المَطْلُوبِ كانَ الفَهْمُ أتَمَّ والإدْراكُ أكْمَلَ، ولِذَلِكَ فَإنَّ المَعانِي الدَّقِيقَةَ إذا أُرِيدَ إيضاحُها ذُكِرَ لَها مِثالٌ، فَإنَّ المِثالَ يُعِينُ عَلى الفَهْمِ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: التَّصْوِيرُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى صُورَةٍ، والصُّورَةُ هَيْئَةٌ حاصِلَةٌ لِلشَّيْءِ عِنْدَ إيقاعِ التَّأْلِيفِ بَيْنَ أجْزائِهِ وأصْلُهُ مِن صارَهُ يَصُورُهُ إذا أمالَهُ، فَهي صُورَةٌ لِأنَّها مائِلَةٌ إلى شَكْلِ أبَوَيْهِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] وأمّا (الأرْحامِ) فَهي جَمْعُ رَحِمٍ وأصْلُها مِنَ الرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في الرَّحِمِ يُوجِبُ الرَّحْمَةَ والعَطْفَ، فَلِهَذا سُمِّيَ ذَلِكَ العُضْوُ رَحِمًا واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:7
قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في اتِّصالِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ بِما قَبْلَهُ احْتِمالَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ كالتَّقْرِيرِ لِكَوْنِهِ قَيُّومًا. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الجَوابُ عَنْ شُبَهِ النَّصارى، فَأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُ قَيُّومٌ وقائِمٌ بِمَصالِحِ الخَلْقِ، ومَصالِحُ الخَلْقِ قِسْمانِ: جُسْمانِيَّةٌ ورُوحانِيَّةٌ، أمّا الجُسْمانِيَّةُ فَأشْرَفُها تَعْدِيلُ البِنْيَةِ، وتَسْوِيَةُ المِزاجِ عَلى أحْسَنِ الصُّوَرِ وأكْمَلِ الأشْكالِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ﴾ وأمّا الرُّوحانِيَّةُ فَأشْرَفُها العِلْمُ الَّذِي تَصِيرُ الرُّوحُ مَعَهُ كالمِرْآةِ المَجْلُوَّةِ الَّتِي تَجَلَّتْ صُوَرُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ فِيها وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِن جُمْلَةِ شُبَهِ النَّصارى تَمَسُّكُهم بِما جاءَ في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى
صفحة ١٤٥
مُحْكَمٍ وعَلى مُتَشابِهٍ، والتَّمَسُّكُ بِالمُتَشابِهاتِ غَيْرُ جائِزٍ. فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ النَّظْمِ، هو في غايَةِ الحُسْنِ والِاسْتِقامَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ مُحْكَمٌ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ مُتَشابِهٌ، ودَلَّ عَلى أنَّ بَعْضَهُ مُحْكَمٌ، وبَعْضَهُ مُتَشابِهٌ.
أمّا ما دَلَّ عَلى أنَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ مُحْكَمٌ، فَهو قَوْلُهُ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] فَذَكَرَ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ جَمِيعَهُ مُحْكَمٌ، والمُرادُ مِنَ المُحْكَمِ بِهَذا المَعْنى كَوْنُهُ كَلامًا حَقًّا فَصِيحَ الألْفاظِ صَحِيحَ المَعانِي وكُلُّ قَوْلٍ وكَلامٍ يُوجَدُ كانَ القُرْآنُ أفْضَلَ مِنهُ في فَصاحَةِ اللَّفْظِ وقُوَّةِ المَعْنى ولا يَتْمَكَّنُ أحَدٌ مِن إتْيانِ كَلامٍ يُساوِي القُرْآنَ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، والعَرَبُ تَقُولُ في البِناءِ الوَثِيقِ والعَقْدِ الوَثِيقِ الَّذِي لا يُمْكِنُ حَلُّهُ: مُحْكَمٌ، فَهَذا مَعْنى وصْفِ جَمِيعِهِ بِأنَّهُ مُحْكَمٌ.
وأمّا ما دَلَّ عَلى أنَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ مُتَشابِهٌ، فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] والمَعْنى أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الحُسْنِ ويُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] أيْ لَكانَ بَعْضُهُ وارِدًا عَلى نَقِيضِ الآخَرِ، ولَتَفاوَتَ نَسَقُ الكَلامِ في الفَصاحَةِ والرَّكاكَةِ.
وأمّا ما دَلَّ عَلى أنَّ بَعْضَهُ مُحْكَمٌ وبَعْضَهُ مُتَشابِهٌ، فَهو هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها، ولا بُدَّ لَنا مِن تَفْسِيرِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ مِن تَفْسِيرِهِما في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: أمّا المُحْكَمُ فالعَرَبُ تَقُولُ: حاكَمْتُ وحَكَّمْتُ وأحْكَمْتُ بِمَعْنى رَدَدْتُ، ومَنَعْتُ، والحاكِمُ يَمْنَعُ الظّالِمَ عَنِ الظُّلْمِ، وحَكَمَةُ اللِّجامِ الَّتِي هي تَمْنَعُ الفَرَسَ عَنِ الِاضْطِرابِ، وفي حَدِيثِ النَّخَعِيِّ: أحْكِمِ اليَتِيمَ كَما تُحَكِّمُ ولَدَكَ أيِ امْنَعْهُ عَنِ الفَسادِ، وقالَ جَرِيرٌ: أحْكِمُوا سُفَهاءَكم، أيِ امْنَعُوهم، وبِناءٌ مُحْكَمٌ أيْ وثِيقٌ يَمْنَعُ مَن تَعَرَّضَ لَهُ، وسُمِّيَتِ الحِكْمَةُ حِكْمَةً لِأنَّها تَمْنَعُ عَمّا لا يَنْبَغِي، وأمّا المُتَشابِهُ فَهو أنْ يَكُونَ أحَدُ الشَّيْئَيْنِ مُشابِهًا لِلْآخَرِ بِحَيْثُ يَعْجِزُ الذِّهْنُ عَنِ التَّمْيِيزِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٧٠] وقالَ في وصْفِ ثِمارِ الجَنَّةِ ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] أيْ مُتَّفِقَ المَنظَرِ مُخْتَلِفَ الطُّعُومِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] ومِنهُ يُقالُ: اشْتَبَهَ عَلَيَّ الأمْرانِ إذا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما، ويُقالُ لِأصْحابِ المَخارِيقِ: أصْحابُ الشُّبَهِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ» “ وفي رِوايَةٍ أُخْرى مُشْتَبِهاتٌ.
ثُمَّ لَمّا كانَ مِن شَأْنِ المُتَشابِهَيْنِ عَجْزُ الإنْسانِ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما سُمِّيَ كُلُّ ما لا يَهْتَدِي الإنْسانُ إلَيْهِ بِالمُتَشابِهِ، إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، ونَظِيرُهُ المُشْكِلُ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ أشْكَلَ، أيْ دَخَلَ في شَكْلِ غَيْرِهِ فَأشْبَهَهُ وشابَهَهُ، ثُمَّ يُقالُ لِكُلِّ ما غَمُضَ وإنْ لَمْ يَكُنْ غُمُوضُهُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ مُشْكِلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ الَّذِي لا يَعْرِفُ أنَّ الحَقَّ ثُبُوتُهُ أوْ عَدَمُهُ، وكانَ الحُكْمُ بِثُبُوتِهِ مُساوِيًا لِلْحُكْمِ بِعَدَمِهِ في العَقْلِ والذِّهْنِ، ومُشابِهًا لَهُ، وغَيْرَ مُتَمَيِّزٍ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ بِمَزِيدِ رُجْحانٍ، فَلا جَرَمَ سُمِّيَ غَيْرُ المَعْلُومِ بِأنَّهُ مُتَشابِهٌ، فَهَذا تَحْقِيقُ القَوْلِ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ، فَنَقُولُ:
النّاسُ قَدْ أكْثَرُوا مِنَ الوُجُوهِ في تَفْسِيرِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ الوَجْهَ المُلَخَّصَ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ، ثُمَّ نَذْكُرُ عَقِيبَهُ أقْوالَ النّاسِ فِيهِ فَنَقُولُ:
صفحة ١٤٦
اللَّفْظُ الَّذِي جُعِلَ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُحْتَمِلًا لِغَيْرِ ذَلِكَ المَعْنى، وإمّا أنْ لا يَكُونَ، فَإذا كانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى ولا يَكُونُ مُحْتَمِلًا لِغَيْرِهِ فَهَذا هو النَّصُّ، وأمّا إنْ كانَ مُحْتَمِلًا لِغَيْرِهِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ احْتِمالُهُ لِأحَدِهِما راجِحًا عَلى الآخَرِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ احْتِمالُهُ لَهُما عَلى السَّواءِ، فَإنْ كانَ احْتِمالُهُ لِأحَدِهِما راجِحًا عَلى الآخَرِ سُمِّيَ ذَلِكَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرّاجِحِ ظاهِرًا، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَرْجُوحِ مُؤَوَّلًا، وأمّا إنْ كانَ احْتِمالُهُ لَهُما عَلى السَّوِيَّةِ كانَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما مَعًا مُشْتَرِكًا، وبِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى التَّعْيِينِ مُجْمَلًا، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ التَّقْسِيمِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ اللَّفْظَ إمّا أنْ يَكُونَ نَصًّا، أوْ ظاهِرًا، أوْ مُؤَوَّلًا، أوْ مُشْتَرِكًا، أوْ مُجْمَلًا، أمّا النَّصُّ والظّاهِرُ فَيَشْتَرِكانِ في حُصُولِ التَّرْجِيحِ، إلّا أنَّ النَّصَّ راجِحٌ مانِعٌ مِنَ الغَيْرِ، والظّاهِرُ راجِحٌ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ الغَيْرِ، فَهَذا القَدْرُ المُشْتَرَكُ هو المُسَمّى بِالمُحْكَمِ.
وأمّا المُجْمَلُ والمُؤَوَّلُ فَهُما مُشْتَرِكانِ في أنَّ دَلالَةَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ غَيْرُ راجِحَةٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ راجِحًا لَكِنَّهُ غَيْرُ مَرْجُوحٍ، والمُؤَوَّلُ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ راجِحٍ فَهو مَرْجُوحٌ لا بِحَسَبَ الدَّلِيلِ المُنْفَرِدِ، فَهَذا القَدْرُ المُشْتَرَكُ هو المُسَمّى بِالمُتَشابِهِ، لِأنَّ عَدَمَ الفَهْمِ حاصِلٌ في القِسْمَيْنِ جَمِيعًا وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ يُسَمّى مُتَشابِهًا إمّا لِأنَّ الَّذِي لا يُعْلَمُ يَكُونُ النَّفْيُ فِيهِ مُشابِهًا لِلْإثْباتِ في الذِّهْنِ، وإمّا لِأجْلِ أنَّ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ التَّشابُهُ يَصِيرُ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فَأُطْلِقَ لَفْظُ المُتَشابِهِ عَلى ما لا يُعْلَمُ إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، فَهَذا هو الكَلامُ المُحَصَّلُ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ إذا كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْهُومَيْنِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَهاهُنا يَتَوَقَّفُ الذِّهْنُ، مِثْلَ: القُرْءِ، بِالنِّسْبَةِ إلى الحَيْضِ والطُّهْرِ، إنَّما المُشْكِلُ بِأنْ يَكُونَ اللَّفْظُ بِأصْلِ وضْعِهِ راجِحًا في أحَدِ المَعْنَيَيْنِ، ومَرْجُوحًا في الآخَرِ، ثُمَّ كانَ الرّاجِحُ باطِلًا، والمَرْجُوحُ حَقًّا، ومِثالُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦] فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ أنَّهم يُؤْمَرُونَ بِأنْ يَفْسُقُوا، ومُحْكَمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] رَدًّا عَلى الكُفّارِ فِيما حُكِيَ عَنْهم ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وظاهِرُ النِّسْيانِ ما يَكُونُ ضِدًّا لِلْعِلْمِ، ومَرْجُوحُهُ التَّرْكُ والآيَةُ المُحْكَمَةُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا مَوْضِعٌ عَظِيمٌ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أصْحابِ المَذاهِبِ يَدَّعِي أنَّ الآياتِ المُوافِقَةَ لِمَذْهَبِهِ مَحْكَمَةٌ، وأنَّ الآياتِ المُوافِقَةَ لِقَوْلِ خَصْمِهِ مُتَشابِهَةٌ، فالمُعْتَزِلِيُّ يَقُولُ قَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] مُحْكَمٌ، وقَوْلُهُ ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] مُتَشابِهٌ والسُّنِّيُّ يَقْلِبُ الأمْرَ في ذَلِكَ فَلا بُدَّ هاهُنا مِن قانُونٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ في هَذا البابِ فَنَقُولُ: اللَّفْظُ إذا كانَ مُحْتَمِلًا لِمَعْنَيَيْنِ وكانَ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِهِما راجِحًا، وبِالنِّسْبَةِ إلى الآخَرِ مَرْجُوحًا، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى الرّاجِحِ ولَمْ نَحْمِلْهُ عَلى المَرْجُوحِ، فَهَذا هو المُحْكَمُ، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى المَرْجُوحِ ولَمْ نَحْمِلْهُ عَلى الرّاجِحِ، فَهَذا هو المُتَشابِهُ فَنَقُولُ: صَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الرّاجِحِ إلى المَرْجُوحِ لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وذَلِكَ الدَّلِيلُ المُنْفَصِلُ إمّا أنْ يَكُونَ لَفْظِيًّا وإمّا أنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَنَقُولُ: هَذا إنَّما يَتِمُّ إذا حَصَلَ بَيْنَ ذَيْنِكَ الدَّلِيلَيْنِ اللَّفْظِيَّيْنِ تَعارُضٌ وإذا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَهُما فَلَيْسَ تَرْكُ ظاهِرِ أحَدِهِما رِعايَةً لِظاهِرِ الآخَرِ أوْلى مِنَ العَكْسِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ
صفحة ١٤٧
أحَدَهُما قاطِعٌ في دَلالَتِهِ والآخِرَ غَيْرُ قاطِعٍ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الرُّجْحانُ، أوْ يُقالُ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما وإنْ كانَ راجِحًا إلّا أنَّ أحَدَهُما يَكُونُ أرْجَحَ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الرُّجْحانُ إلّا أنّا نَقُولُ:
أمّا الأوَّلُ فَباطِلٌ، لِأنَّ الدَّلائِلَ اللَّفْظِيَّةَ لا تَكُونُ قاطِعَةً البَتَّةَ، لِأنَّ كُلَّ دَلِيلٍ لَفْظِيٍّ فَإنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى نَقْلِ اللُّغاتِ، ونَقْلِ وُجُوهِ النَّحْوِ والتَّصْرِيفِ، ومَوْقُوفٌ عَلى عَدَمِ الِاشْتِراكِ وعَدَمِ المَجازِ، وعَدَمِ التَّخْصِيصِ، وعَدَمِ الإضْمارِ، وعَدَمِ المُعارِضِ النَّقْلِيِّ والعَقْلِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مَظْنُونٌ، والمَوْقُوفُ عَلى المَظْنُونِ أوْلى أنْ يَكُونَ مَظْنُونًا، فَثَبَتَ أنَّ شَيْئًا مِنَ الدَّلائِلِ اللَّفْظِيَّةِ لا يَكُونُ قاطِعًا.
وأمّا الثّانِي وهو أنْ يُقالَ: أحَدُ الدَّلِيلَيْنِ أقْوى مِنَ الدَّلِيلِ الثّانِي وإنْ كانَ أصْلُ الِاحْتِمالِ قائِمًا فِيهِما مَعًا، فَهَذا صَحِيحٌ، ولَكِنْ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ صَرْفُ الدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ عَنْ ظاهِرِهِ إلى المَعْنى المَرْجُوحِ ظَنِّيًّا، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ في المَسائِلِ الأُصُولِيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ في المَسائِلِ الفَقِهِيَّةِ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ مَعْناهُ الرّاجِحِ إلى مَعْناهُ المَرْجُوحِ في المَسائِلِ القَطْعِيَّةِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ العَقْلِيِّ عَلى أنَّ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ مُحالٌ، وقَدْ عَلِمْنا في الجُمْلَةِ أنَّ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في مَعْناهُ المَرْجُوحِ جائِزٌ عِنْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلى ظاهِرِهِ، فَعِنْدَ هَذا يَتَعَيَّنُ التَّأْوِيلُ، فَظَهَرَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْناهُ الرّاجِحِ إلى مَعْناهُ المَرْجُوحِ إلّا بِواسِطَةِ إقامَةِ الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ عَلى أنَّ مَعْناهُ الرّاجِحَ مُحالٌ عَقْلًا ثُمَّ إذا أقامَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ وعَرَفَ المُكَلَّفُ أنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِن هَذا اللَّفْظِ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُهُ، فَعِنْدَ هَذا لا يَحْتاجُ إلى أنْ يَعْرِفَ أنَّ ذَلِكَ المَرْجُوحَ الَّذِي هو المُرادُ ماذا لِأنَّ السَّبِيلَ إلى ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِتَرْجِيحِ مَجازٍ عَلى مَجازٍ وتَرْجِيحِ تَأْوِيلٍ عَلى تَأْوِيلٍ، وذَلِكَ التَّرْجِيحُ لا يُمْكِنُ إلّا بِالدَّلائِلِ اللَّفْظِيَّةِ والدَّلائِلُ اللَّفْظِيَّةُ عَلى ما بَيَّنّا ظَنِّيَّةٌ لا سِيَّما الدَّلائِلَ المُسْتَعْمَلَةَ في تَرْجِيحِ مَرْجُوحٍ عَلى مَرْجُوحٍ آخَرَ يَكُونُ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكُلُّ هَذا لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ الضَّعِيفَ والتَّعْوِيلُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الدَّلائِلِ في المَسائِلِ القَطْعِيَّةِ مُحالٌ فَلِهَذا التَّحْقِيقِ المَتِينِ مَذْهَبُنا أنَّ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ عَلى أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ مُحالٌ لا يَجُوزُ الخَوْضُ في تَعْيِينِ التَّأْوِيلِ، فَهَذا مُنْتَهى ما حَصَّلْناهُ في هَذا البابِ، واللَّهُ ولِيُّ الهِدايَةِ والرَّشادِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في حِكايَةِ أقْوالِ النّاسِ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ فالأوَّلُ: ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: المُحْكَماتُ هي الثَّلاثُ آياتٍ الَّتِي في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخِرِ الآياتِ الثَّلاثِ، والمُتَشابِهاتُ هي الَّتِي تَشابَهَتْ عَلى اليَهُودِ، وهي أسْماءُ حُرُوفِ الهِجاءِ المَذْكُورَةُ في أوائِلِ السُّوَرِ، وذَلِكَ أنَّهم أوَّلُوها عَلى حِسابِ الجُمَّلِ فَطَلَبُوا أنْ يَسْتَخْرِجُوا مِنها مُدَّةَ بَقاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ فاخْتَلَطَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ واشْتَبَهَ، وأقُولُ: التَّكالِيفُ الوارِدَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ مِنها ما لا يَجُوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ بِشَرْعٍ وشَرْعٍ، وذَلِكَ كالأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والِاحْتِرازِ عَنِ الظُّلْمِ والكَذِبِ والجَهْلِ وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، ومِنها ما يَخْتَلِفُ بِشَرْعٍ وشَرْعٍ كَأعْدادِ الصَّلَواتِ ومَقادِيرِ الزَّكَواتِ وشَرائِطِ البَيْعِ والنِّكاحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالقِسْمُ الأوَّلُ هو المُسَمّى بِالمُحْكَمِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الآياتِ الثَّلاثَ في سُورَةِ الأنْعامِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذا القِسْمِ.
وأمّا المُتَشابِهُ فَهو الَّذِي سَمَّيْناهُ بِالمُجْمَلِ، وهو ما يَكُونُ دَلالَةَ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وإلى غَيْرِهِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَإنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الألْفاظِ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ الَّتِي تُفَسِّرُ هَذِهِ الألْفاظَ بِها عَلى السَّوِيَّةِ لا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ عَلى ما لَخَّصْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٤٨
القَوْلُ الثّانِي: وهو أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ المُحْكَمَ هو النّاسِخُ، والمُتَشابِهُ هو المَنسُوخُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الأصَمُّ: المُحْكَمُ هو الَّذِي يَكُونُ دَلِيلُهُ واضِحًا لائِحًا، مِثْلَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إنْشاءِ الخَلْقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] وقَوْلِهِ ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] والمُتَشابِهُ ما يُحْتاجُ في مَعْرِفَتِهِ إلى التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ نَحْوَ الحُكْمِ بِأنَّهُ تَعالى يَبْعَثُهم بَعْدَ أنْ صارُوا تُرابًا ولَوْ تَأمَّلُوا لَصارَ المُتَشابِهُ عِنْدَهم مُحْكَمًا؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى الإنْشاءِ أوَّلًا قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ثانِيًا.
واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الأصَمِّ غَيْرُ مُلَخَّصٍ، فَإنَّهُ إنْ عَنى بِقَوْلِهِ: المُحْكَمُ ما يَكُونُ دَلائِلُهُ واضِحَةً أنَّ المُحْكَمَ هو الَّذِي يَكُونُ دَلالَةَ لَفْظِهِ عَلى مَعْناهُ مُتَعَيِّنَةً راجِحَةً، والمُتَشابِهُ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وهو إمّا المُجْمَلُ المُتَساوِي، أوِ المُؤَوَّلُ المَرْجُوحُ، فَهَذا هو الَّذِي ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وإنْ عَنى بِهِ أنَّ المُحْكَمَ هو الَّذِي يُعْرَفُ صِحَّةُ مَعْناهُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، فَيَصِيرُ المُحْكَمُ عَلى قَوْلِهِ ما يُعْلَمُ صِحَّتُهُ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، والمُتَشابِهُ ما يُعْلَمُ صِحَّتُهُ بِدَلِيلِ العَقْلِ، وعَلى هَذا يَصِيرُ جُمْلَةُ القُرْآنِ مُتَشابِهًا، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] أمْرٌ يَحْتاجُ في مَعْرِفَةِ صِحَّتِهِ إلى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، وإنَّ أهْلَ الطَّبِيعَةِ يَقُولُونَ: السَّبَبُ في ذَلِكَ الطَّبائِعُ والفُصُولُ، أوْ تَأْثِيراتُ الكَواكِبِ، وتَرْكِيباتُ العَناصِرِ وامْتِزاجاتُها، فَكَما أنَّ إثْباتَ الحَشْرِ والنَّشْرِ مُفْتَقِرٌ إلى الدَّلِيلِ، فَكَذَلِكَ إسْنادُ هَذِهِ الحَوادِثِ إلى اللَّهِ تَعالى مُفْتَقِرٌ إلى الدَّلِيلِ، ولَعَلَّ الأصَمَّ يَقُولُ: هَذِهِ الأشْياءُ وإنْ كانَتْ كُلُّها مُفْتَقِرَةً إلى الدَّلِيلِ، إلّا أنَّها تَنْقَسِمُ إلى ما يَكُونُ الدَّلِيلُ فِيهِ ظاهِرًا بِحَيْثُ تَكُونُ مُقَدِّماتُهُ قَلِيلَةً مَرَتَّبَةً مُبَيَّنَةً يُؤْمَنُ الغَلَطُ مَعَها إلّا نادِرًا، ومِنها ما يَكُونُ الدَّلِيلُ فِيهِ خَفِيًّا كَثِيرَ المُقَدِّماتِ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ فالقِسْمُ الأوَّلُ: هو المُحْكَمُ والثّانِي: هو المُتَشابِهُ.
القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ ما أمْكَنَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِهِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ جَلِيٍّ، أوْ بِدَلِيلٍ خَفِيٍّ، فَذاكَ هو المُحْكَمُ، وكُلُّ ما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ فَذاكَ هو المُتَشابِهُ، وذَلِكَ كالعِلْمِ بِوَقْتِ قِيامِ السّاعَةِ، والعِلْمِ بِمَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [الأعراف: ١٨٧]
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الفَوائِدِ الَّتِي لِأجْلِها جُعِلَ بَعْضُ القُرْآنِ مُحْكَمًا وبَعْضُهُ مُتَشابِهًا.
اعْلَمْ أنَّ مِنَ المُلْحِدَةِ مَن طَعَنَ في القُرْآنِ لِأجْلِ اشْتِمالِهِ عَلى المُتَشابِهاتِ، وقالَ: إنَّكم تَقُولُونَ إنَّ تَكالِيفَ الخَلْقِ مُرْتَبِطَةٌ بِهَذا القُرْآنِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ثُمَّ إنّا نَراهُ بِحَيْثُ يَتَمَسَّكُ بِهِ كُلُّ صاحِبِ مَذْهَبٍ عَلى مَذْهَبِهِ، فالجَبْرِيُّ يَتَمَسَّكُ بِآياتِ الجَبْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] والقَدَرِيُّ يَقُولُ: بَلْ هَذا مَذْهَبُ الكُفّارِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى حَكى ذَلِكَ عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم في قَوْلِهِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] وأيْضًا مُثْبِتُ الرُّؤْيَةِ يَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] والنّافِي يَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ومُثْبِتُ الجِهَةِ يَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾
صفحة ١٤٩
[النحل: ٥٠] وبِقَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] والنّافِي يَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ثُمَّ إنَّ كُلَّ واحِدٍ يُسَمِّي الآياتِ المُوافِقَةَ لِمَذْهَبِهِ: مُحْكَمَةً، والآياتِ المُخالِفَةَ لِمَذْهَبِهِ: مُتَشابِهَةً؛ ورُبَّما آلَ الأمْرُ في تَرْجِيحِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ إلى تَرْجِيحاتٍ خَفِيَّةٍ، ووُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ أنْ يَجْعَلَ الكِتابَ الَّذِي هو المَرْجُوعُ إلَيْهِ في كُلِّ الدِّينِ إلى قِيامِ السّاعَةِ هَكَذا ؟ ألَيْسَ أنَّهُ لَوْ جَعَلَهُ ظاهِرًا جَلِيًّا نَقِيًّا عَنْ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ كانَ أقْرَبَ إلى حُصُولِ الغَرَضِ.
واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في فَوائِدِ المُتَشابِهاتِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ مَتى كانَتِ المُتَشابِهاتُ مَوْجُودَةً، كانَ الوُصُولُ إلى الحَقِّ أصْعَبَ وأشَقَّ، وزِيادَةُ المَشَقَّةِ تُوجِبُ مَزِيدَ الثَّوابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٢] .
الوَجْهُ الثّانِي: لَوْ كانَ القُرْآنُ مُحْكَمًا بِالكُلِّيَّةِ لَما كانَ مُطابِقًا إلّا لِمَذْهَبٍ واحِدٍ، وكانَ تَصْرِيحُهُ مُبْطِلًا لِكُلِّ ما سِوى ذَلِكَ المَذْهَبِ، وذَلِكَ مِمّا يُنَفِّرُ أرْبابَ المَذاهِبِ عَنْ قَبُولِهِ وعَنِ النَّظَرِ فِيهِ، فالِانْتِفاعُ بِهِ إنَّما حَصَلَ لَمّا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى المُحْكَمِ وعَلى المُتَشابِهِ، فَحِينَئِذٍ يَطْمَعُ صاحِبُ كُلِّ مَذْهَبٍ أنْ يَجِدَ فِيهِ ما يُقَوِّي مَذْهَبَهُ، ويُؤْثِرُ مَقالَتَهُ، فَحِينَئِذٍ يَنْظُرُ فِيهِ جَمِيعُ أرْبابِ المَذاهِبِ، ويَجْتَهِدُ في التَّأمُّلِ فِيهِ كُلُّ صاحِبِ مَذْهَبٍ، فَإذا بالَغُوا في ذَلِكَ صارَتِ المُحْكَماتُ مُفَسِّرَةً لِلْمُتَشابِهاتِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَتَخَلَّصُ المُبْطِلُ عَنْ باطِلِهِ ويَصِلُ إلى الحَقِّ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ القُرْآنَ إذا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ افْتَقَرَ النّاظِرُ فِيهِ إلى الِاسْتِعانَةِ بِدَلِيلِ العَقْلِ، وحِينَئِذٍ يَتَخَلَّصُ عَنْ ظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ، ويَصِلُ إلى ضِياءِ الِاسْتِدْلالِ والبَيِّنَةِ، أمّا لَوْ كانَ كُلُّهُ مُحْكَمًا لَمْ يَفْتَقِرْ إلى التَّمَسُّكِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ فَحِينَئِذٍ كانَ يَبْقى في الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: لَمّا كانَ القُرْآنُ مُشْتَمِلًا عَلى المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، افْتَقَرُوا إلى تَعَلُّمِ طُرُقِ التَّأْوِيلاتِ وتَرْجِيحِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، وافْتَقَرَ تَعَلُّمُ ذَلِكَ إلى تَحْصِيلِ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ مِن عِلْمِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ وعِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ ما كانَ يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى تَحْصِيلِ هَذِهِ العُلُومِ الكَثِيرَةِ، فَكانَ إيرادُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ لِأجْلِ هَذِهِ الفَوائِدِ الكَثِيرَةِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: وهو السَّبَبُ الأقْوى في هَذا البابِ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى دَعْوَةِ الخَواصِّ والعَوامِّ بِالكُلِّيَّةِ، وطَبائِعُ العَوامِّ تَنْبُو في أكْثَرِ الأمْرِ عَنْ إدْراكِ الحَقائِقِ، فَمَن سَمِعَ مِنَ العَوامِّ في أوَّلِ الأمْرِ إثْباتَ مَوْجُودٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِمُتَحَيِّزٍ ولا مُشارٍ إلَيْهِ، ظَنَّ أنَّ هَذا عَدَمٌ ونَفْيٌ فَوَقَعَ في التَّعْطِيلِ، فَكانَ الأصْلَحُ أنْ يُخاطَبُوا بِألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى بَعْضِ ما يُناسِبُ ما يَتَوَهَّمُونَهُ ويَتَخَيَّلُونَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْلُوطًا بِما يَدُلُّ عَلى الحَقِّ الصَّرِيحِ، فالقِسْمُ الأوَّلُ وهو الَّذِي يُخاطَبُونَ بِهِ في أوَّلِ الأمْرِ يَكُونُ مِن بابِ المُتَشابِهاتِ، والقِسْمُ الثّانِي وهو الَّذِي يُكْشَفُ لَهم في آخِرِ الأمْرِ هو المُحْكَماتُ، فَهَذا ما حَضَرَنا في هَذا البابِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ المَباحِثَ فَلْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ فالمُرادُ بِهِ هو القُرْآنُ ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ وهي الَّتِي
صفحة ١٥٠
يَكُونُ مَدْلُولاتُها مُتَأكَّدَةً إمّا بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ وذَلِكَ في المَسائِلِ القَطْعِيَّةِ، أوْ يَكُونُ مَدْلُولاتُها خالِيَةً عَنْ مُعارَضاتٍ أقْوى مِنها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى كَوْنِ المُحْكَمِ أُمًّا لِلْمُتَشابِهِ ؟
الجَوابُ: الأُمُّ في حَقِيقَةِ اللُّغَةِ الأصْلُ الَّذِي مِنهُ يَكُونُ الشَّيْءُ، فَلَمّا كانَتِ المُحْكَماتُ مَفْهُومَةً بِذَواتِها، والمُتَشابِهاتُ إنَّما تَصِيرُ مَفْهُومَةً بِإعانَةِ المُحْكَماتِ، لا جَرَمَ صارَتِ المُحْكَماتُ كالأُمِّ لِلْمُتَشابِهاتِ، وقِيلَ: إنَّ ما جَرى في الإنْجِيلِ مِن ذِكْرِ الأبِ، وهو أنَّهُ قالَ: إنَّ البارِّيَ القَدِيمَ المُكَوِّنَ لِلْأشْياءِ الَّذِي بِهِ قامَتِ الخَلائِقُ وبِهِ ثَبَتَتْ إلى أنْ يَبْعَثَها، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِلَفْظِ الأبِ مِن جِهَةِ أنَّ الأبَ هو الَّذِي حَصَلَ مِنهُ تَكْوِينُ الِابْنِ، ثُمَّ وقَعَ في التَّرْجَمَةِ ما أوْهَمَ الأُبُوَّةَ الواقِعَةَ مِن جِهَةِ الوِلادَةِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] مُحْكَمًا لِأنَّ مَعْناهُ مُتَأكَّدٌ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القَطْعِيَّةِ، وكانَ قَوْلُهُ: عِيسى رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ رَدُّها إلى ذَلِكَ المُحْكَمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أُمَّهاتُ الكِتابِ ؟
الجَوابُ: أنَّ مَجْمُوعَ المُحْكَماتِ في تَقْدِيرِ شَيْءٍ واحِدٍ، ومَجْمُوعَ المُتَشابِهاتِ في تَقْدِيرِ شَيْءٍ آخَرَ وأحَدُهُما أُمُّ الآخَرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] ولَمْ يَقُلْ آيَتَيْنِ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّ مَجْمُوعَهُما آيَةٌ واحِدَةٌ، فَكَذَلِكَ هاهُنا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ وقَدْ عَرَفْتَ حَقِيقَةَ المُتَشابِهاتِ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّ ”أُخَرَ“ فارَقَتْ أخَواتِها في حَكَمٍ واحِدٍ، وذَلِكَ لِأنَّ أُخَرَ جَمْعُ أُخْرى وأُخْرى تَأْنِيثُ آخَرَ وآخَرُ عَلى وزْنِ أفْعَلَ وما كانَ عَلى وزْنِ أفْعَلَ فَإنَّهُ يُسْتَعْمَلُ مَعَ ”مِن“ أوْ بِالألِفِ واللّامِ، فَيُقالُ: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو، وزَيْدٌ الأفْضَلُ؛ فالألِفُ واللّامُ مُعَقِّبَتانِ لِمِن في بابِ أفْعَلَ، فَكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: زَيْدٌ آخَرُ مِن عَمْرٍو، أوْ يُقالُ: زَيْدٌ الآخَرُ إلّا أنَّهم حَذَفُوا مِنهُ لَفْظَ ”مِن“ لِأنَّ لَفْظَهُ اقْتَضى مَعْنى ”مِن“ فَأسْقَطُوها اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ والألِفُ واللّامُ مُعاقِبَتانِ لِمِن، فَسَقَطَ الألِفُ واللّامُ أيْضًا فَلَمّا جازَ اسْتِعْمالُهُ بِغَيْرِ الألِفِ واللّامِ صارَ أُخَرَ، فَأُخَرُ جَمْعُهُ، فَصارَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَعْدُولَةً عَنْ حُكْمِ نَظائِرِها في سُقُوطِ الألِفِ واللّامِ عَنْ جَمْعِها ووُحْدانِها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكِتابَ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ مِنهُ مُحْكَمٌ ومِنهُ مُتَشابِهٌ، بَيَّنَ أنَّ أهْلَ الزَّيْغِ لا يَتَمَسَّكُونَ إلّا بِالمُتَشابِهِ، والزَّيْغُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: زاغَ زَيْغًا: أيْ مالَ مَيْلًا، واخْتَلَفُوا في هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُرِيدُوا بِقَوْلِهِ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ فَقالَ الرَّبِيعُ: «هم وفْدُ نَجْرانَ لَمّا حاجُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في المَسِيحِ فَقالُوا: ألَيْسَ هو كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحٌ مِنهُ قالَ: بَلى. فَقالُوا: حَسْبُنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ أنْزَلَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ»﴾ [آل عمران: ٥٩] وقالَ الكَلْبِيُّ: هُمُ اليَهُودُ طَلَبُوا عِلْمَ مُدَّةِ بَقاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ واسْتِخْراجِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّورِ. وقالَ قَتادَةُ والزَّجّاجُ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ، لِأنَّهُ قالَ في آخِرِ الآيَةِ ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ وما ذاكَ إلّا وقْتَ القِيامَةِ لِأنَّهُ تَعالى أخْفاهُ عَنْ كُلِّ الخَلْقِ حَتّى عَنِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
صفحة ١٥١
وقالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذا يَعُمُّ جَمِيعَ المُبْطِلِينَ، وكُلَّ مَنِ احْتَجَّ لِباطِلِهِ بِالمُتَشابِهِ، لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ عُمُومَ اللَّفْظِ ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما فِيهِ لَبْسٌ واشْتِباهٌ ومِن جُمْلَتِهِ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ الرَّسُولَ مِنَ النُّصْرَةِ وما أوْعَدَ الكُفّارَ مِنَ النِّقْمَةِ ويَقُولُونَ ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] و﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبأ: ٣] و﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] فَمَوَّهُوا الأمْرَ عَلى الضَّعَفَةِ، ويَدْخُلُ في هَذا البابِ اسْتِدْلالُ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِصَرِيحِ العَقْلِ أنَّ كُلَّ ما كانَ مُخْتَصًّا بِالحَيِّزِ فَإمّا أنْ يَكُونَ في الصِّغَرِ كالجُزْءِ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ وإمّا أنْ يَكُونَ أكْبَرَ فَيَكُونُ مُنْقَسِمًا مُرَكَّبًا وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ ومُحْدَثٌ، فَبِهَذا الدَّلِيلِ الظّاهِرِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ في مَكانٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ مُتَشابِهًا، فَمَن تَمَسَّكَ بِهِ كانَ مُتَمَسِّكًا بِالمُتَشابِهاتِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِالظَّواهِرِ الدّالَّةِ عَلى تَفْوِيضِ الفِعْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى العَبْدِ، فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي، وثَبَتَ أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الدّاعِي مِنَ اللَّهِ تَعالى، وثَبَتَ أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ حُصُولُ الفِعْلِ عِنْدَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ واجِبًا، وعَدَمُهُ عِنْدَ عَدَمِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ واجِبًا، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ ذَلِكَ التَّفْوِيضُ، وثَبَتَ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَيَصِيرُ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِتِلْكَ الظَّواهِرِ وإنْ كَثُرَتِ اسْتِدْلالًا بِالمُتَشابِهاتِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في كُلِّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ ويَقْتَصِرُونَ عَلى الظَّواهِرِ المُوهِمَةِ أنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بِالمُتَشابِهاتِ لِأجْلِ أنَّ في قُلُوبِهِمْ زَيْغًا عَنِ الحَقِّ وطَلَبًا لِتَقْرِيرِ الباطِلِ.
واعْلَمْ أنَّكَ لا تَرى طائِفَةً في الدُّنْيا إلّا وتُسَمِّي الآياتِ المُطابِقَةَ لِمَذْهَبِهِمْ مُحْكَمَةً، والآياتِ المُطابِقَةَ لِمَذْهَبِ خَصْمِهِمْ مُتَشابِهَةً ثُمَّ هو الأمْرُ في ذَلِكَ، ألا تَرى إلى الجُبّائِيِّ فَإنَّهُ يَقُولُ: المُجْبِرَةُ الَّذِينَ يُضِيفُونَ الظُّلْمَ والكَذِبَ وتَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ إلى اللَّهِ تَعالى هُمُ المُتَمَسِّكُونَ بِالمُتَشابِهاتِ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: الزّائِغُ الطّالِبُ لِلْفِتْنَةِ هو مَن يَتَعَلَّقُ بِآياتِ الضَّلالِ، ولا يَتَأوَّلُهُ عَلى المُحْكَمِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وفَسَّرُوا أيْضًا قَوْلَهُ ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ [الإسراء: ١٦] عَلى أنَّهُ تَعالى أهْلَكَهم وأرادَ فِسْقَهم، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَطْلُبُ العِلَلَ عَلى خَلْقِهِ لِيُهْلِكَهم مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤] عَلى أنَّهُ تَعالى زَيَّنَ لَهُمُ النِّعْمَةَ ونَقَضُوا بِذَلِكَ ما في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٦٠] وقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] وقالَ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: ١٠٨] وقالَ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] فَكَيْفَ يُزَيِّنُ النِّعْمَةَ ؟ فَهَذا ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، ولَيْتَ شِعْرِي لِمَ حَكَمَ عَلى الآياتِ المُوافِقَةِ لِمَذْهَبِهِ بِأنَّها مُحْكَماتٌ، وعَلى الآياتِ المُخالِفَةِ لِمَذْهَبِهِ بِأنَّها مُتَشابِهاتٌ ؟ ولِمَ أوْجَبَ في تِلْكَ الآياتِ المُطابِقَةِ لِمَذْهَبِهِ إجْراءَها عَلى الظّاهِرِ، وفي الآياتِ المُخالِفَةِ لِمَذْهَبِهِ صَرْفَها عَنِ الظّاهِرِ ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالرُّجُوعِ إلى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الباهِرَةِ، فَإذا دَلَّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ، فَإنَّ مَذْهَبَهم لا يَتِمُّ إلّا إذا قُلْنا بِأنَّهُ صَدَرَ عَنْ أحَدِ الفِعْلَيْنِ دُونَ الثّانِي مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ الصّانِعِ، ولا يَتِمُّ إلّا إذا
صفحة ١٥٢
قُلْنا بِأنَّ صُدُورَ الفِعْلِ المُحْكَمِ المُتْقَنِ عَنِ العَبْدِ لا يَدُلُّ عَلى عِلْمِ فاعِلِهِ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ تَخَصَّصَ ذَلِكَ العَدَدُ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ والأنْقَصِ لا لِمُخَصَّصٍ، وذَلِكَ نَفْيٌ لِلصّانِعِ، ولَزِمَ مِنهُ أيْضًا أنْ لا يَدُلَّ صُدُورُ الفِعْلِ المُحْكَمِ عَلى كَوْنِ الفاعِلِ عالِمًا وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ بابُ الِاسْتِدْلالِ بِأحْكامِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى عَلى كَوْنِ فاعِلِها عالِمًا، ولَوْ أنَّ أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ اجْتَمَعُوا عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِها، فَإذا لاحَتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الباهِرَةُ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِعاقِلٍ أنْ يُسَمِّيَ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى القَضاءِ والقَدَرَ بِالمُتَشابِهَةِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ القانُونَ المُسْتَمِرَّ عِنْدَ جُمْهُورِ النّاسِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ تُوافِقُ مَذْهَبَهم فَهي المُحْكَمَةُ وكُلَّ آيَةٍ تُخالِفُهم فَهي المُتَشابِهَةُ.
وأمّا المُحَقِّقُ المُنْصِفُ، فَإنَّهُ يَحْمِلُ الأمْرَ في الآياتِ عَلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: ما يَتَأكَّدُ ظاهِرُها بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَذاكَ هو المُحْكَمُ حَقًّا.
وثانِيها: الَّذِي قامَتِ الدَّلائِلُ القاطِعَةُ عَلى امْتِناعِ ظَواهِرِها، فَذاكَ هو الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ بِأنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ ظاهِرِهِ.
وثالِثُها: الَّذِي لا يُوجَدُ مِثْلُ هَذِهِ الدَّلائِلِ عَلى طَرَفَيْ ثُبُوتِهِ وانْتِفائِهِ، فَيَكُونُ مِن حَقِّهِ التَّوَقُّفُ فِيهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مُتَشابِهًا بِمَعْنى أنَّ الأمْرَ اشْتَبَهَ فِيهِ، ولَمْ يَتَمَيَّزْ أحَدُ الجانِبَيْنِ عَنِ الآخَرِ، إلّا أنَّ الظَّنَّ الرّاجِحَ حاصِلٌ في إجْرائِها عَلى ظَواهِرِها. فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الزّائِغِينَ يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ، بَيَّنَ أنَّ لَهم فِيهِ غَرَضَيْنِ، فالأوَّلُ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ والثّانِي: هو قَوْلُهُ ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ .
فَأمّا الأوَّلُ: فاعْلَمْ أنَّ الفِتْنَةَ في اللُّغَةِ الِاسْتِهْتارُ بِالشَّيْءِ والغُلُوُّ فِيهِ، يُقالُ: فُلانٌ مَفْتُونٌ بِطَلَبِ الدُّنْيا، أيْ قَدْ غَلا في طَلَبِها وتَجاوَزَ القَدْرَ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الفِتْنَةِ وُجُوهًا:
أوَّلُها: قالَ الأصَمُّ: إنَّهم مَتى أوْقَعُوا تِلْكَ المُتَشابِهاتِ في الدِّينِ، صارَ بَعْضُهم مُخالِفًا لِلْبَعْضِ في الدِّينِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى التَّقاتُلِ والهَرْجِ والمَرْجِ فَذاكَ هو الفِتْنَةُ.
وثانِيها: أنَّ التَّمَسُّكَ بِذَلِكَ المُتَشابِهِ يُقَرِّرُ البِدْعَةَ والباطِلَ في قَلْبِهِ فَيَصِيرُ مَفْتُونًا بِذَلِكَ الباطِلِ عاكِفًا عَلَيْهِ لا يَنْقَلِعُ عَنْهُ بِحِيلَةٍ البَتَّةَ.
وثالِثُها: أنَّ الفِتْنَةَ في الدِّينِ هو الضَّلالُ عَنْهُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا فِتْنَةَ ولا فَسادَ أعْظَمُ مِنَ الفِتْنَةِ في الدِّينِ والفَسادِ فِيهِ.
وأمّا الغَرَضُ الثّانِي لَهم: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّأْوِيلَ هو التَّفْسِيرُ وأصْلُهُ في اللُّغَةِ المَرْجِعُ والمَصِيرُ، مِن قَوْلِكَ آلَ الأمْرُ إلى كَذا إذا صارَ إلَيْهِ، وأوَّلْتُهُ تَأْوِيلًا إذا صَيَّرْتَهُ إلَيْهِ، هَذا مَعْنى التَّأْوِيلِ في اللُّغَةِ، ثُمَّ يُسَمّى التَّفْسِيرُ تَأْوِيلًا، قالَ تَعالى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] وقالَ تَعالى: ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] وذَلِكَ أنَّهُ إخْبارٌ عَمّا يَرْجِعُ إلَيْهِ اللَّفْظُ مِنَ المَعْنى، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهم يَطْلُبُونَ التَّأْوِيلَ الَّذِي لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ولا بَيانٌ، مِثْلُ طَلَبِهِمْ أنَّ السّاعَةَ مَتى تَقُومُ ؟ وأنَّ مَقادِيرَ الثَّوابِ والعِقابِ لِكُلِّ مُطِيعٍ وعاصٍ كَمْ تَكُونُ ؟
قالَ القاضِي: هَؤُلاءِ الزّائِغُونَ قَدِ ابْتَغَوُا المُتَشابِهَ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَحْمِلُوهُ عَلى غَيْرِ الحَقِّ: وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ .
والثّانِي: أنْ يَحْكُمُوا بِحُكْمٍ في المَوْضِعِ الَّذِي لا دَلِيلَ فِيهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يَكُونُ زِيادَةً في ذَمِّ طَرِيقَةِ هَؤُلاءِ الزّائِغِينَ فَقالَ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ واخْتَلَفَ النّاسُ في هَذا المَوْضِعِ، فَمِنهم مَن قالَ: تَمَّ الكَلامُ هاهُنا، ثُمَّ الواوُ في قَوْلِهِ ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ واوُ الِابْتِداءِ، وعَلى هَذا القَوْلِ: لا يَعْلَمُ المُتَشابِهَ
صفحة ١٥٣
إلّا اللَّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ، ومِنَ المُعْتَزِلَةِ قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ وهو المُخْتارُ عِنْدَنا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ العِلْمُ بِالمُتَشابِهِ حاصِلًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ وهَذا القَوْلُ أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وأكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ وُجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ اللَّفْظَ إذا كانَ لَهُ مَعْنًى راجِحٌ، ثُمَّ دَلَّ دَلِيلٌ أقْوى مِنهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ، عَلِمْنا أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بَعْضُ مَجازاتِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ، وفي المَجازاتِ كَثْرَةٌ، وتَرْجِيحُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّرْجِيحاتِ اللُّغَوِيَّةِ، والتَّرْجِيحاتُ اللُّغَوِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا الظَّنَّ الضَّعِيفَ، فَإذا كانَتِ المَسْألَةُ قَطْعِيَّةً يَقِينِيَّةً، كانَ القَوْلُ فِيها بِالدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ الضَّعِيفَةِ غَيْرُ جائِزٍ، مِثالُهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] ثُمَّ قامَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا التَّكْلِيفِ قَدْ وُجِدَ عَلى ما بَيَّنّا في البَراهِينِ الخَمْسَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَعَلِمْنا أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ اللَّفْظِ إلى بَعْضِ المَجازاتِ، وفي المَجازاتِ كَثْرَةٌ وتَرْجِيحُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّرْجِيحاتِ اللُّغَوِيَّةِ، وأنَّها لا تُفِيدُ إلّا الظَّنَّ الضَّعِيفَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ المَسائِلِ الظَّنِّيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ فِيها بِالدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ باطِلًا، وأيْضًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ في المَكانِ، فَعَرَفْنا أنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الآيَةِ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُها، إلّا أنَّ في مَجازاتِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ كَثْرَةٌ فَصَرْفُ اللَّفْظِ إلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّرْجِيحاتِ اللُّغَوِيَّةِ الظَّنِّيَّةِ، والقَوْلُ بِالظَّنِّ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ غَيْرُ جائِزٍ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ حُجَّةٌ قاطِعَةٌ في المَسْألَةِ، والقَلْبُ الخالِي عَنِ التَّعَصُّبِ يَمِيلُ إلَيْهِ، والفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ تَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهو أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ طَلَبَ تَأْوِيلِ المُتَشابِهِ مَذْمُومٌ، حَيْثُ قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ولَوْ كانَ طَلَبُ تَأْوِيلِ المُتَشابِهِ جائِزًا لَما ذَمَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ طَلَبَ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وأيْضًا طَلَبَ مَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ، وطَلَبَ ظُهُورِ الفَتْحِ والنُّصْرَةِ كَما قالُوا ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] .
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا قَسَّمَ الكِتابَ إلى قِسْمَيْنِ مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، ودَلَّ العَقْلُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القِسْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى مَعْناهُ الرّاجِحِ هو المُحْكَمُ، وحَمْلَهُ عَلى مَعْناهُ الَّذِي لَيْسَ بِراجِحٍ هو المُتَشابِهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّ طَرِيقَةَ مَن طَلَبَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ كانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِبَعْضِ المُتَشابِهاتِ دُونَ البَعْضِ تَرْكًا لِلظّاهِرِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ مَدَحَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ بِأنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، وقالَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦] فَهَؤُلاءِ الرّاسِخُونَ لَوْ كانُوا عالِمِينَ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ
صفحة ١٥٤
المُتَشابِهِ عَلى التَّفْصِيلِ لِما كانَ لَهم في الإيمانِ بِهِ مَدْحٌ، لِأنَّ كُلَّ مَن عَرَفَ شَيْئًا عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُؤْمِنَ بِهِ، إنَّما الرّاسِخُونَ في العِلْمِ هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِالمَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، وعَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وعَلِمُوا أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ بِالباطِلِ والعَبَثِ، فَإذا سَمِعُوا آيَةً ودَلَّتِ الدَّلائِلُ القَطْعِيَّةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظاهِرُها مُرادَ اللَّهِ تَعالى، بَلْ مُرادُهُ مِنهُ غَيْرُ ذَلِكَ الظّاهِرِ، ثُمَّ فَوَّضُوا تَعْيِينَ ذَلِكَ المُرادِ إلى عِلْمِهِ، وقَطَعُوا بِأنَّ ذَلِكَ المَعْنى أيَّ شَيْءٍ كانَ فَهو الحَقُّ والصَّوابُ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ بِاللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُزَعْزِعْهم قَطْعُهم بِتَرْكِ الظّاهِرِ، ولا عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِالمُرادِ عَلى التَّعْيِينِ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ والجَزْمِ بِصِحَّةِ القُرْآنِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: لَوْ كانَ قَوْلُهُ ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ (إلّا اللَّهُ) لَصارَ قَوْلُهُ ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ ابْتِداءً، وأنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ ذَوْقِ الفَصاحَةِ، بَلْ كانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: وهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، أوْ يُقالَ: ويَقُولُونَ آمَنّا بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: في تَصْحِيحِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ (يَقُولُونَ) كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، والتَّقْدِيرُ: هَؤُلاءِ العالِمُونَ بِالتَّأْوِيلِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ (يَقُولُونَ) حالًا مِنَ الرّاسِخِينَ.
قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَمَدْفُوعٌ، لِأنَّ تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِما لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الإضْمارِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِما يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الإضْمارِ. والثّانِي: أنَّ ذا الحالِ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهاهُنا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى وذِكْرُ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ فَوَجَبَ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ حالًا مِنَ الرّاسِخِينَ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْكًا لِلظّاهِرِ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ المَذْهَبَ لا يَتِمُّ إلّا بِالعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ ومَذْهَبُنا لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، فَكانَ هَذا القَوْلُ أوْلى.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ يَعْنِي أنَّهم آمَنُوا بِما عَرَفُوهُ عَلى التَّفْصِيلِ، وبِما لَمْ يَعْرِفُوا تَفْصِيلَهُ وتَأْوِيلَهُ، فَلَوْ كانُوا عالِمِينَ بِالتَّفْصِيلِ في الكُلِّ لَمْ يَبْقَ لِهَذا الكَلامِ فائِدَةٌ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: تَفْسِيرُ القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: تَفْسِيرٌ لا يَسَعُ أحَدًا جَهْلُهُ، وتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها، وتَفْسِيرٌ تَعْلَمُهُ العُلَماءُ، وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.
وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ الِاسْتِواءِ، فَقالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ. وقَدْ ذَكَرْنا بَعْضَ هَذِهِ المَسْألَةِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَإذا ضُمَّ ما ذَكَرْناهُ هاهُنا إلى ما ذَكَرْنا هُناكَ تَمَّ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الرُّسُوخُ في اللُّغَةِ الثُّبُوتُ في الشَّيْءِ.
واعْلَمْ أنَّ الرّاسِخَ في العِلْمِ هو الَّذِي عَرَفَ ذاتَ اللَّهِ وصِفاتِهِ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ القَطْعِيَّةِ، وعَرَفَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ، فَإذا رَأى شَيْئًا مُتَشابِهًا، ودَلَّ القَطْعِيُّ عَلى أنَّ الظّاهِرَ لَيْسَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى، عَلِمَ حِينَئِذٍ قَطْعًا أنَّ مُرادَ اللَّهِ شَيْءٌ آخَرُ سِوى ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُهُ، وأنَّ ذَلِكَ المُرادَ حَقٌّ، ولا يَصِيرُ كَوْنُ ظاهِرِهِ مَرْدُودًا شُبْهَةً في الطَّعْنِ في صِحَّةِ القُرْآنِ.
صفحة ١٥٥
ثُمَّ حَكى عَنْهم أيْضًا أنَّهم يَقُولُونَ ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ والمَعْنى: أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ مِن عِنْدِ رَبِّنا، وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لَوْ قالَ: كُلٌّ مِن رَبِّنا كانَ صَحِيحًا، فَما الفائِدَةُ في لَفْظِ (عِنْدِ) ؟
الجَوابُ؛ الإيمانُ بِالمُتَشابِهِ يُحْتاجُ فِيهِ إلى مَزِيدِ التَّأْكِيدِ، فَذَكَرَ كَلِمَةَ (عِنْدِ) لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جازَ حَذْفُ المُضافِ إلَيْهِ مِن (كُلٌّ) ؟
الجَوابُ: لِأنَّ دَلالَةَ المُضافِ عَلَيْهِ قَوِيَّةٌ، فَبَعْدَ الحَذْفِ الأمْنُ مِنَ اللَّبْسِ حاصِلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ وهَذا ثَناءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِهِ ومَعْناهُ: ما يَتَّعِظُ بِما في القُرْآنِ إلّا ذَوُو العُقُولِ الكامِلَةِ، فَصارَ هَذا اللَّفْظُ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في فَهْمِ القُرْآنِ، فَيَعْلَمُونَ الَّذِي يُطابِقُ ظاهِرُهُ دَلائِلَ العُقُولِ فَيَكُونُ مُحْكَمًا، وأمّا الَّذِي يُخالِفُ ظاهِرُهُ دَلائِلَ العُقُولِ فَيَكُونُ مُتَشابِهًا، ثُمَّ يَعْلَمُونَ أنَّ الكُلَّ كَلامُ مَن لا يَجُوزُ في كَلامِهِ التَّناقُضُ والباطِلُ، فَيَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ المُتَشابِهَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى عُلُوِّ شَأْنِ المُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ يَبْحَثُونَ عَنِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، ويَتَوَسَّلُونَ بِها إلى مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ولا يُفَسِّرُونَ القُرْآنَ إلّا بِما يُطابِقُ دَلائِلَ العُقُولِ، ويُوافِقُ اللُّغَةَ والإعْرابَ.
واعْلَمْ أنَّ الشَّيْءَ كُلَّما كانَ أشْرَفَ كانَ ضِدُّهُ أخَسَّ، فَكَذَلِكَ مُفَسِّرُ القُرْآنِ مَتى كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ كانَتْ دَرَجَتُهُ هَذِهِ الدَّرَجَةَ العُظْمى الَّتِي عَظَّمَ اللَّهُ الثَّناءَ عَلَيْهِ، ومَتى تَكَلَّمَ في القُرْآنِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مُتَبَحِّرًا في عِلْمِ الأُصُولِ، وفي عِلْمِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ كانَ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«مَن فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» “ .
آل عمران 3:8
قَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما حَكى عَنِ الرّاسِخِينَ أنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا﴾ وحَذْفُ (يَقُولُونَ) لِدَلالَةَ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وكَما في قَوْلِهِ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] وفي هَذِهِ الآيَةِ اخْتَلَفَ كَلامُ أهْلِ السُّنَّةِ وكَلامُ المُعْتَزِلَةِ.
أمّا كَلامُ أهْلِ السُّنَّةِ فَظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ صالِحٌ لِأنْ يَمِيلَ إلى الإيمانِ، وصالِحٌ لِأنْ يَمِيلَ إلى الكُفْرِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَمِيلَ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ إلّا عِنْدَ حُدُوثِ داعِيَةٍ وإرادَةٍ يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى، فَإنْ كانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ داعِيَةَ الكُفْرِ، فَهي الخِذْلانُ، والإزاغَةُ، والصَّدُّ، والخَتْمُ، والطَّبْعُ، والرَّيْنُ، والقَسْوَةُ، والوَقْرُ، والكِنانُ، وغَيْرُها مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ داعِيَةَ الإيمانِ فَهي: التَّوْفِيقُ،
صفحة ١٥٦
والرَّشادُ، والهِدايَةُ، والتَّسْدِيدُ، والتَّثْبِيتُ، والعِصْمَةُ، وغَيْرُها مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» “ والمُرادُ مِن هَذَيْنِ الأُصْبُعَيْنِ الدّاعِيَتانِ، فَكَما أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الإنْسانِ يَتَقَلَّبُ كَما يُقَلِّبُهُ الإنْسانُ بِواسِطَةِ ذَيْنِكَ الأُصْبُعَيْنِ، فَكَذَلِكَ القَلْبُ لِكَوْنِهِ بَيْنَ الدّاعِيَتَيْنِ يَتَقَلَّبُ كَما يُقَلِّبُهُ الحَقُّ بِواسِطَةِ تَيْنِكَ الدّاعِيَتَيْنِ، ومَن أنْصَفَ ولَمْ يَتَعَسَّفْ، وجَرَّبَ نَفْسَهُ وجَدَ هَذا المَعْنى كالشَّيْءِ المَحْسُوسِ، ولَوْ جَوَّزَ حُدُوثَ إحْدى الدّاعِيَتَيْنِ مِن غَيْرِ مُحْدِثٍ ومُؤَثِّرٍ لَزِمَهُ نَفْيُ الصّانِعِ، وكانَ ﷺ يَقُولُ: ”«يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ والأبْصارِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ» “ ومَعْناهُ ما ذَكَرْنا فَلَمّا آمَنَ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ بِكُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ تَضَرَّعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في أنْ لا يَجْعَلَ قُلُوبَهم مائِلَةً إلى الباطِلِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها مائِلَةً إلى الحَقِّ، فَهَذا كَلامٌ بُرْهانِيٌّ مُتَأكَّدٌ بِتَحْقِيقٍ قُرْآنِيٍّ.
ومِمّا يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم لا يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهاتِ، بَلْ يُؤْمِنُونَ بِها عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وتَرْكِ الخَوْضِ فِيها فَيَبْعُدُ مِنهم في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِالمُتَشابِهِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا قَدْ تَكَلَّمُوا بِهَذا الدُّعاءِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ مِنَ المُحْكَماتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى ذَلِكَ عَنْهم في مَعْرِضِ المَدْحِ لَهم والثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى المُحْكَماتِ، وهَذا كَلامٌ مَتِينٌ.
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ قالُوا: لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ الزَّيْغَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجَبَ صَرْفُ هَذِهِ الآيَةِ إلى التَّأْوِيلِ، فَأمّا دَلائِلُهم فَقَدْ ذَكَرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
ومِمّا احْتَجُّوا بِهِ في هَذا المَوْضِعِ خاصَّةً قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وهو صَرِيحٌ في أنَّ ابْتِداءَ الزَّيْغِ مِنهم، وأمّا تَأْوِيلاتُهم في هَذِهِ الآيَةِ فَمِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو الَّذِي قالَهُ الجُبّائِيُّ واخْتارَهُ القاضِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ يَعْنِي لا تَمْنَعْها الألْطافَ الَّتِي مَعَها يَسْتَمِرُّ قَلْبُهم عَلى صِفَةِ الإيمانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَهم ألْطافَهُ عِنْدَ اسْتِحْقاقِهِمْ مَنعَ ذَلِكَ جازَ أنْ يُقالَ: أزاغَهم ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ والثّانِي: قالَ الأصَمُّ: لا تُبْلِنا بِبَلْوى تَزِيغُ عِنْدَها قُلُوبُنا فَهو كَقَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وقالَ: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] والمَعْنى لا تُكَلِّفْنا مِنَ العِباداتِ ما لا نَأْمَنُ مَعَهُ الزَّيْغَ، وقَدْ يَقُولُ القائِلُ: لا تَحْمِلْنِي عَلى إيذائِكَ أيْ لا تَفْعَلْ ما أصِيرُ عِنْدَهُ مُؤْذِيًا لَكَ. الثّالِثُ: قالَ الكَعْبِيُّ ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أيْ لا تُسَمِّنا بِاسْمِ الزّائِغِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُكَفِّرُ فُلانًا إذا سَمّاهُ كافِرًا. والرّابِعُ: قالَ الجُبّائِيُّ: أيْ لا تُزِغْ قُلُوبَنا عَنْ جَنَّتِكَ وثَوابِكَ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا؛ وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ في الحالِ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ بَقِيَ إلى السَّنَةِ الثّانِيَةِ لَكَفَرَ، فَقَوْلُهُ ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ مَحْمُولٌ عَلى أنْ يُمِيتَهُ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ كافِرًا، وذَلِكَ لِأنَّ إبْقاءَهُ حَيًّا إلى السَّنَةِ الثّانِيَةِ يَجْرِي مَجْرى ما إذا أزاغَهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ. الخامِسُ: قالَ الأصَمُّ ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ عَنْ كَمالِ العَقْلِ بِالجُنُونِ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا بِنُورِ العَقْلِ. السّادِسُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: احْرُسْنا مِنَ الشَّيْطانِ ومِن شُرُورِ أنْفُسِنا حَتّى لا نَزِيغَ. فَهَذا جُمْلَةُ ما ذَكَرُوهُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ وهي بِأسْرِها ضَعِيفَةٌ.
صفحة ١٥٧
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ كُلَّ ما صَحَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَ في حَقِّهِمْ لُطْفًا وجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وُجُوبًا لَوْ تَرَكَهُ لَبَطَلَتْ إلَهِيَّتُهُ، ولَصارَ جاهِلًا ومُحْتاجًا والشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ فَأيُّ حاجَةٍ إلى الدُّعاءِ في طَلَبِهِ ! بَلْ هَذا القَوْلُ يَسْتَمِرُّ عَلى قَوْلِ بِشْرِ بْنِ المُعْتَمِرِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ لا يُوجِبُونَ عَلى اللَّهِ فِعْلَ جَمِيعِ الألْطافِ.
وأمّا الثّانِي: فَضَعِيفٌ، لِأنَّ التَّشْدِيدَ في التَّكْلِيفِ إنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أثَرًا في حَمْلِ المُكَلَّفِ عَلى القَبِيحِ قَبُحَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ البَتَّةَ في حَمْلِ المُكَلَّفِ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ كانَ وجُودُهُ كَعَدَمِهِ فِيما يَرْجِعُ إلى كَوْنِ العَبْدِ مُطِيعًا وعاصِيًا، فَلا فائِدَةَ في صَرْفِ الدُّعاءِ إلَيْهِ.
وأمّا الثّالِثُ: فَهو أنَّ التَّسْمِيَةَ بِالزَّيْغِ والكُفْرِ دائِرٌ مَعَ الكُفْرِ وجُودًا وعَدَمًا والكُفْرُ والزَّيْغُ بِاخْتِيارِ العَبْدِ، فَلا فائِدَةَ في قَوْلِهِ لا تُسَمِّنا بِاسْمِ الزَّيْغِ والكُفْرِ.
وأمّا الرّابِعُ: فَهو أنَّهُ لَوْ كانَ عِلْمُهُ تَعالى بِأنَّهُ يَكْفُرُ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ، يُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُمِيتَهُ لَكانَ عِلْمُهُ بِأنْ لا يُؤْمِنَ قَطُّ ويَكْفُرَ طُولَ عُمُرِهِ يُوجِبُ عَلَيْهِ لا يَخْلُقُهُ.
وأمّا الخامِسُ: وهو حَمْلُهُ عَلى إبْقاءِ العَقْلِ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ .
وأمّا السّادِسُ: وهو أنَّ الحِراسَةَ مِنَ الشَّيْطانِ ومِن شُرُورِ النَّفْسِ إنْ كانَ مَقْدُورًا وجَبَ فِعْلُهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا تَعَذَّرَ فِعْلُهُ فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ. فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا سُقُوطُ هَذِهِ الوُجُوهِ، وأنَّ الحَقَّ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى ذَلِكَ القَوْلِ كَيْفَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] .
قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيغُهُمُ ابْتِداءً فَعِنْدَ ذَلِكَ يَزِيغُونَ، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلى هَذا الزَّيْغِ إزاغَةٌ أُخْرى سِوى الأُولى مِنَ اللَّهِ تَعالى وكُلُّ ذَلِكَ لا مُنافاةَ فِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ أيْ بَعْدَ أنْ جَعَلْتَنا مُهْتَدِينَ، وهَذا أيْضًا صَرِيحٌ في أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ في القَلْبِ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ واعْلَمْ أنَّ تَطْهِيرَ القَلْبِ عَمّا لا يَنْبَغِي مُقَدَّمٌ عَلى تَنْوِيرِهِ مِمّا يَنْبَغِي، فَهَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ سَألُوا رَبَّهم أوَّلًا أنْ لا يَجْعَلَ قُلُوبَهم مائِلَةً إلى الباطِلِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، ثُمَّ إنَّهم أتْبَعُوا ذَلِكَ بِأنْ طَلَبُوا مِن رَبِّهِمْ أنْ يُنَوِّرَ قُلُوبَهم بِأنْوارِ المَعْرِفَةِ، وجَوارِحَهم وأعْضاءَهم بِزِينَةِ الطّاعَةِ، وإنَّما قالَ: (رَحْمَةً) لِيَكُونَ ذَلِكَ شامِلًا لِجَمِيعِ أنْواعِ الرَّحْمَةِ، فَأوَّلُها: أنْ يَحْصُلَ في القَلْبِ نُورُ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ. وثانِيها: أنْ يَحْصُلَ في الجَوارِحِ والأعْضاءِ نُورُ الطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ والخِدْمَةِ. وثالِثُها: أنْ يَحْصُلَ في الدُّنْيا سُهُولَةُ أسْبابِ المَعِيشَةِ مِنَ الأمْنِ والصِّحَّةِ والكِفايَةِ. ورابِعُها: أنْ يَحْصُلَ عِنْدَ المَوْتِ سُهُولَةُ سَكَراتِ المَوْتِ. وخامِسُها: أنْ يَحْصُلَ في القَبْرِ سُهُولَةُ السُّؤالِ، وسُهُولَةُ ظُلْمَةِ القَبْرِ. وسادِسُها: أنْ يَحْصُلَ في القِيامَةِ سُهُولَةُ العُقابِ والخِطابِ وغُفْرانُ السَّيِّئاتِ وتَرْجِيحُ الحَسَناتِ؛ فَقَوْلُهُ ﴿مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأقْسامِ،
صفحة ١٥٨
ولَمّا ثَبَتَ بِالبَراهِينِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ أنَّهُ لا رَحِيمَ إلّا هو، ولا كَرِيمَ إلّا هو، لا جَرَمَ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ تَنْبِيهًا لِلْعَقْلِ والقَلْبِ والرُّوحِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ، ولَمّا كانَ هَذا المَطْلُوبُ في غايَةِ العَظَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ لا جَرَمَ ذَكَرَها عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أطْلُبُ رَحْمَةً وأيَّةُ رَحْمَةٍ، أطْلُبُ رَحْمَةً مِن لَدُنْكَ، وتَلِيقُ بِكَ؛ وذَلِكَ يُوجِبُ غايَةَ العَظَمَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي هَذا الَّذِي طَلَبْتُهُ مِنكَ في هَذا الدُّعاءِ عَظِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ، لَكِنَّهُ حَقِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَمالِ كَرَمِكَ، وغايَةِ جُودِكَ ورَحْمَتِكَ، فَأنْتَ الوَهّابُ الَّذِي مِن هِبَتِكَ حَصَلَتْ حَقائِقُ الأشْياءِ وذَواتُها وماهِيّاتُها ووُجُوداتُها فَكُلُّ ما سِواكَ فَمِن جُودِكَ وإحْسانِكَ وكَرَمِكَ، يا دائِمَ المَعْرُوفِ، يا قَدِيمَ الإحْسانِ، لا تُخَيِّبْ رَجاءَ هَذا المِسْكِينِ، ولا تَرُدَّ دُعاءَهُ، واجْعَلْهُ بِفَضْلِكَ أهْلًا لِرَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ وأكْرَمَ الأكْرَمِينَ.
آل عمران 3:9
قَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الدُّعاءَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَصُونَهم عَنِ الزَّيْغِ، وأنْ يَخُصَّهم بِالهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، فَكَأنَّهم قالُوا: لَيْسَ الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ ما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ الدُّنْيا فَإنَّها مُنْقَضِيَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، وإنَّما الغَرَضُ الأعْظَمُ مِنهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ فَإنّا نَعْلَمُ أنَّكَ يا إلَهَنا جامِعُ النّاسِ لِلْجَزاءِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ونَعْلَمُ أنَّ وعْدَكَ لا يَكُونُ خُلْفًا وكَلامَكَ لا يَكُونُ كَذِبًا، فَمَن زاغَ قَلْبُهُ بَقِيَ هُناكَ في العَذابِ أبَدَ الآبادِ، ومَن أعْطَيْتَهُ التَّوْفِيقَ والهِدايَةَ والرَّحْمَةَ وجَعَلْتَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، بَقِيَ هُناكَ في السَّعادَةِ والكَرامَةِ أبَدَ الآبادِ، فالغَرَضُ الأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الدُّعاءِ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ. بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ تَقْدِيرُهُ: جامِعُ النّاسِ لِلْجَزاءِ في يَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، فَحُذِفَ لِكَوْنِ المُرادِ ظاهِرًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ كَلامَ المُؤْمِنِينَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فَأمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَهو كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَأنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ صَدَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ وأيَّدَ كَلامَهم بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ كَما قالَ حِكايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَبْعُدُ وُرُودُ هَذا عَلى طَرِيقَةِ العُدُولِ في الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، ومِثْلُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] .
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالُوا في هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وقالُوا في تِلْكَ الآيَةِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] .
صفحة ١٥٩
قُلْتُ: الفَرْقُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في مَقامِ الهَيْبَةِ، يَعْنِي أنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي الحَشْرَ والنَّشْرَ لِيَنْتَصِفَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، فَكانَ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ أوْلى في هَذا المَقامِ، أمّا قَوْلُهُ في آخِرِ السُّورَةِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَذاكَ المَقامُ مَقامُ طَلَبِ العَبْدِ مِن رَبِّهِ أنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ، وأنْ يَتَجاوَزَ عَنْ سَيِّئاتِهِ فَلَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامَ الهَيْبَةِ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ الوَعِيدَ داخِلٌ تَحْتِ لَفْظِ الوَعْدِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] والوَعْدُ والمَوْعِدُ والمِيعادُ واحِدٌ، وقَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يُخْلِفُ في الوَعِيدِ.
والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى يُوعِدُ الفُسّاقَ مُطْلَقًا، بَلْ ذَلِكَ الوَعِيدُ عِنْدَنا مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ عَدَمِ العَفْوِ، كَما أنَّهُ بِالِاتِّفاقِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّوْبَةِ، فَكَما أنَّكم أثْبَتُّمْ ذَلِكَ الشَّرْطَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَكَذا نَحْنُ أثْبَتْنا شَرْطَ عَدَمِ العَفْوِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، سَلَّمْنا أنَّهُ يُوعِدُهم، ولَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الوَعِيدَ داخِلٌ تَحْتِ لَفْظِ الوَعْدِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] .
قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وقَوْلِهِ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِن أوْثانِهِمْ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الوَعْدِ تِلْكَ المَنافِعَ، وتَمامُ الكَلامِ في مَسْألَةِ الوَعِيدِ قَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] وذَكَرَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ طَرِيقَةً أُخْرى، فَقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى مِيعادِ الأوْلِياءِ، دُونَ وعِيدِ الأعْداءِ، لِأنَّ خُلْفَ الوَعِيدِ كَرَمٌ عِنْدَ العَرَبِ، قالَ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم يَمْدَحُونَ بِذَلِكَ، قالَ الشّاعِرُ:
إذا وعَدَ السَّرّاءَ أنْجَزَ وعْدَهُ وإنْ أوْعَدَ الضَّرّاءَ فالعَفْوُ مانِعُهْ
ورَوى المُناظَرَةَ الَّتِي دارَتْ بَيْنَ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وبَيْنَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: ما تَقُولُ في أصْحابِ الكَبائِرِ ؟ قالَ: أقُولُ إنَّ اللَّهَ وعَدَ وعْدًا، وأوْعَدَ إيعادًا، فَهو مُنْجِزٌ إيعادَهُ، كَما هو مُنْجِزٌ وعْدَهُ، فَقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: إنَّكَ رَجُلٌ أعْجَمُ، لا أقُولُ أعْجَمُ اللِّسانِ ولَكِنْ أعْجَمُ القَلْبِ، إنَّ العَرَبَ تَعُدُّ الرُّجُوعَ عَنِ الوَعْدِ لُؤْمًا وعَنِ الإيعادِ كَرَمًا وأنْشَدَ:
وإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُكْذِبُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ حَكَوْا أنَّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ لَمّا قالَ هَذا الكَلامَ قالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: يا أبا عَمْرٍو فَهَلْ يُسَمّى اللَّهُ مُكَذِّبَ نَفْسِهِ ؟ فَقالَ: لا، فَقالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: فَقَدْ سَقَطَتْ حُجَّتُكَ، قالُوا: فانْقَطَعَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.
وعِنْدِي أنَّهُ كانَ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ فَيَقُولُ: إنَّكَ قِسْتَ الوَعِيدَ عَلى الوَعْدِ وأنا إنَّما ذَكَرْتُ هَذا لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ البابَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَعْدَ حَقٌّ عَلَيْهِ والوَعِيدَ حَقٌّ لَهُ، ومَن أسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ
صفحة ١٦٠
فَقَدْ أتى بِالجُودِ والكَرَمِ، ومَن أسْقَطَ حَقَّ غَيْرِهِ فَذَلِكَ هو اللُّؤْمُ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وبَطَلَ قِياسُكَ، وإنَّما ذَكَرْتُ هَذا الشِّعْرَ لِإيضاحِ هَذا الفَرْقِ، فَأمّا قَوْلُكَ: لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَصارَ كاذِبًا ومُكَذِّبًا نَفْسَهُ، فَجَوابُهُ: أنَّ هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ الوَعِيدُ ثابِتًا جَزْمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ، وعِنْدِي جَمِيعُ الوَعِيداتِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ العَفْوِ، فَلا يَلْزَمُ مِن تَرْكِهِ دُخُولُ الكَذِبِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الحِكايَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:10
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُؤْمِنِينَ دُعاءَهم وتَضَرُّعَهم، حَكى كَيْفِيَّةَ حالِ الكافِرِينَ وشَدِيدَ عِقابِهِمْ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ الأوَّلُ: المُرادُ بِهِمْ وفْدُ نَجْرانَ، وذَلِكَ لِأنّا رُوِّينا في بَعْضِ قِصَّتِهِمْ أنَّ أبا حارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ قالَ لِأخِيهِ: إنِّي لَأعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقًّا ولَكِنَّنِي إنْ أظْهَرْتُ ذَلِكَ أخَذَ مُلُوكُ الرُّومِ مِنِّي ما أعْطَوْنِي مِنَ المالِ والجاهِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم لا تَدْفَعُ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ عُمُومَ اللَّفْظِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ كَمالَ العَذابِ هو أنْ يَزُولَ عَنْهُ كُلُّ ما كانَ مُنْتَفِعًا بِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الأسْبابِ المُؤْلِمَةِ.
أمّا الأوَّلُ: فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المَرْءَ عِنْدَ الخُطُوبِ والنَّوائِبِ في الدُّنْيا يَفْزَعُ إلى المالِ والوَلَدِ، فَهُما أقْرَبُ الأُمُورِ الَّتِي يَفْزَعُ المَرْءُ إلَيْها في دَفْعِ الخُطُوبِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ صِفَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ مُخالِفَةٌ لِصِفَةِ الدُّنْيا لِأنَّ أقْرَبَ الطُّرُقِ إلى دَفْعِ المَضارِّ إذا لَمْ يَتَأتَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَما عَداهُ بِالتَّعَذُّرِ أوْلى، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] وقَوْلُهُ ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلُهُ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] وقَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] .
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِن أسْبابِ كَمالِ العَذابِ، فَهو أنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الأسْبابُ المُؤْلِمَةُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ وهَذا هو النِّهايَةُ في شَرْحِ العَذابِ فَإنَّهُ لا عَذابَ أزْيَدُ مِن أنْ تَشْتَعِلَ النّارُ
صفحة ١٦١
فِيهِمْ كاشْتِعالِها في الحَطَبِ اليابِسِ، والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ الحَطَبُ الَّذِي تُوقَدُ بِهِ النّارُ، وبِالضَّمِّ هو مَصْدَرُ وقَدَتِ النّارُ وُقُودًا كَقَوْلِهِ: ورَدَتْ وُرُودًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ (مِنَ اللَّهِ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: التَّقْدِيرُ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِن عَذابِ اللَّهِ فَحَذَفَ المُضافَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ ”مِن“ بِمَعْنى عِنْدَ، والمَعْنى لَنْ تُغْنِيَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا.
آل عمران 3:11
قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
يُقالُ: دَأبْتُ الشَّيْءَ أدْأبُ دَأْبًا ودُءُوبًا إذا أجْهَدْتُ في الشَّيْءِ وتَعِبْتُ فِيهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ [يوسف: ٤٧] أيْ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ ودَوامٍ، ويُقالُ: سارَ فُلانٌ يَوْمًا دائِبًا، إذا أجْهَدَ في السَّيْرِ يَوْمَهُ كُلَّهُ، هَذا مَعْناهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ صارَ الدَّأْبُ عِبارَةً عَنِ الشَّأْنِ والأمْرِ والعادَةِ، يُقالُ: هَذا دَأْبُ فُلانٍ أيْ عادَتُهُ، وقالَ بَعْضُهم: الدُّءُوبُ والدَّأْبُ الدَّوامُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في كَيْفِيَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يُفَسَّرَ الدَّأْبُ بِالِاجْتِهادِ، كَما هو مَعْناهُ في أصْلِ اللُّغَةِ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ والزَّجّاجِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ دَأْبَ الكُفّارِ، أيْ جِدَّهم واجْتِهادَهم في تَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وكُفْرِهِمْ بِدِينِهِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنّا أهْلَكَنا أُولَئِكَ بِذُنُوبِهِمْ، فَكَذا نُهْلِكُ هَؤُلاءِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُفَسَّرَ الدَّأْبُ بِالشَّأْنِ والصُّنْعِ، وفِيهِ وُجُوهٌ الأوَّلُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ شَأْنُ هَؤُلاءِ وصُنْعُهم في تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَشَأْنِ آلِ فِرْعَوْنَ في التَّكْذِيبِ بِمُوسى، ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ إلّا أنّا حَمَلْنا اللَّفْظَ في الوَجْهِ الأوَّلِ عَلى الِاجْتِهادِ، وفي هَذا الوَجْهِ عَلى الصُّنْعِ والعادَةِ. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويَجْعَلُهُمُ اللَّهُ وقُودَ النّارِ كَعادَتِهِ وصُنْعِهِ في آلِ فِرْعَوْنَ، فَإنَّهم لَمّا كَذَّبُوا رَسُولَهم أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ، والمَصْدَرُ تارَةً يُضافُ إلى الفاعِلِ، وتارَةً إلى المَفْعُولِ، والمُرادُ هاهُنا، كَدَأْبِ اللَّهِ في آلِ فِرْعَوْنَ، فَإنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِرَسُولِهِمْ أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أيْ كَحُبِّهِمُ اللَّهَ، وقالَ: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] والمَعْنى: سُنَّتِي فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ. والثّالِثُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ جامِعَةً لِلْعادَةِ المُضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، والعادَةِ المُضافَةِ إلى الكُفّارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ ومَذْهَبَهم في إيذاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَعادَةِ مَن قَبْلَهم في إيذاءِ رُسُلِهِمْ، وعادَتَنا أيْضًا في إهْلاكِ هَؤُلاءِ، كَعادَتِنا في إهْلاكِ
صفحة ١٦٢
أُولَئِكَ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ، والمَقْصُودُ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ نَصْرُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى إيذاءِ الكَفَرَةِ وبِشارَتُهُ بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْتَقِمُ مِنهم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ الدَّأْبِ والدُّءُوبِ، وهو اللُّبْثُ والدَّوامُ وطُولُ البَقاءِ في الشَّيْءِ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ دُءُوبُهم في النّارِ كَدُءُوبِ آلِ فِرْعَوْنَ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الدَّأْبَ هو الِاجْتِهادُ، كَما ذَكَرْناهُ، ومِن لَوازِمِ ذَلِكَ التَّعَبُ والمَشَقَّةُ لِيَكُونَ المَعْنى ومِشْقَتُهم وتَعَبُهم مِنَ العَذابِ كَمَشَقَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالعَذابِ وتَعَبِهِمْ بِهِ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ عَذابَهم حَصَلَ في غايَةِ القُرْبِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] وفي غايَةِ الشِّدَّةِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ المُشَبَّهَ هو أنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم لا تَنْفَعُهم في إزالَةِ العَذابِ، فَكانَ التَّشْبِيهُ بِآلِ فِرْعَوْنَ حاصِلًا في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، والمَعْنى: أنَّكم قَدْ عَرَفْتُمْ ما حَلَّ بِآلِ فِرْعَوْنَ ومَن قَبْلَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ الَّذِي عِنْدَهُ لَمْ يَنْفَعْهم مالٌ ولا ولَدٌ، بَلْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى ما نَزَلَ بِهِمْ فَكَذَلِكَ حالُكم أيُّها الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ في أنَّهُ يَنْزِلُ بِكم مِثْلُ ما نَزَلَ بِالقَوْمِ تَقَدَّمَ أوْ تَأخَّرَ ولا تُغْنِي عَنْكُمُ الأمْوالُ والأوْلادُ.
الوَجْهُ السّادِسُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّهُ كَما نَزَلَ بِمَن تَقَدَّمَ العَذابُ المُعَجَّلُ بِالِاسْتِئْصالِ فَكَذَلِكَ يَنْزِلُ بِكم أيُّها الكُفّارُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وذَلِكَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ وسَلْبِ الأمْوالِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَما نَزَلَ بِالقَوْمِ العَذابُ المُعَجَّلُ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى دَوامِ العَذابِ، فَسَيَنْزِلُ بِمَن كَذَّبَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أمْرانِ: أحَدُهُما: المِحَنُ المُعَجَّلَةُ وهي القَتْلُ والسَّبْيُ والإذْلالُ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُ المَصِيرُ إلى العَذابِ الألِيمِ الدّائِمِ، وهَذانِ الوَجْهانِ الأخِيرانِ ذَكَرَهُما القاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فالمَعْنى: والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ، وقَوْلُهُ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ المُرادُ بِالآياتِ المُعْجِزاتُ ومَتى كَذَّبُوا بِها فَقَدْ كَذَّبُوا لا مَحالَةَ بِالأنْبِياءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ وإنَّما اسْتَعْمَلَ فِيهِ الأخْذَ لِأنَّ مَن يَنْزِلُ بِهِ العِقابُ يَصِيرُ كالمَأْخُوذِ المَأْسُورِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى التَّخَلُّصِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ وهو ظاهِرٌ.
آل عمران 3:12
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ“ بِالياءِ فِيهِما، والباقُونَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن
صفحة ١٦٣
فَوْقُ فِيهِما، فَمَن قَرَأ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، فالمَعْنى: بَلِّغْهم أنَّهم سَيُغْلَبُونَ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الياءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] و﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ [النور: ٣٠] ولَمْ يَقُلْ غُضُّوا، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فَلِلْمُخاطَبَةِ، ويَدُلُّ عَلى حُسْنِ التّاءِ قَوْلُهُ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] والفَرْقُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ القِراءَةَ بِالتّاءِ أمْرٌ بِأنْ يُخْبِرَهم بِما سَيَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الغَلَبَةِ والحَشْرِ إلى جَهَنَّمَ، والقِراءَةُ بِالياءِ أمْرٌ بِأنْ يَحْكِيَ لَهم واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: «لَمّا غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ وقِدَمَ المَدِينَةِ، جَمَعَ يَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ، وقالَ: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قُرَيْشًا، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ لا تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ يَهُودَ أهْلِ المَدِينَةِ لَمّا شاهَدُوا وقْعَةَ أهْلِ بَدْرٍ، قالُوا: واللَّهِ هو النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي بَشَّرَنا بِهِ مُوسى في التَّوْراةِ، ونَعَتَهُ وأنَّهُ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَعْجَلُوا ! فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ ونَكَبَ أصْحابُهُ قالُوا: لَيْسَ هَذا هو ذاكَ، وغَلَبَ الشَّقاءُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُسْلِمُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وارِدَةٌ في جَمْعٍ مِنَ الكُفّارِ بِأعْيانِهِمْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم مَن هم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِتَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ تِلْكَ الفِرْقَةِ مِنَ الكُفّارِ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ، فَلَوْ آمَنُوا وأطاعُوا لانْقَلَبَ هَذا الخَبَرُ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ الإيمانُ والطّاعَةُ مُحالًا مِنهم، وقَدْ أُمِرُوا بِهِ، فَقَدْ أُمِرُوا بِالمُحالِ وبِما لا يُطاقُ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ (سَتُغْلَبُونَ) إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ يَحْصُلُ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ وقَعَ مُخْبِرُهُ عَلى مُوافَقَتِهِ، فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ وهو مُعْجِزٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٢] الآيَةَ، ونَظِيرُهُ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ البَعْثِ في القِيامَةِ، وحُصُولِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وأنَّ مَرَدَّ الكافِرِينَ إلى النّارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حَشْرَهم إلى جَهَنَّمَ وصَفَهُ فَقالَ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ والمِهادُ: المَوْضِعُ الَّذِي يُتَمَهَّدُ فِيهِ ويُنامُ عَلَيْهِ كالفِراشِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَصِيرَ الكافِرِينَ إلى جَهَنَّمَ أخْبَرَ عَنْها بِالشَّرِّ لِأنَّ بِئْسَ مَأْخُوذٌ مِنَ البَأْساءِ هو الشَّرُّ والشِّدَّةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] أيْ شَدِيدٍ. وجَهَنَّمُ مَعْرُوفَةٌ أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِفَضْلِهِ.
آل عمران 3:13
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَمْ يَقُلْ: قَدْ كانَتْ لَكم آيَةٌ، بَلْ قالَ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، والمُرادُ: قَدْ كانَ لَكم إتْيانُ هَذا آيَةً.
والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: إنَّما ذُكِرَ لِلْفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَهُما، وهو قَوْلُهُ (لَكم) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وجْهُ النَّظْمِ أنّا ذَكَرْنا أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَعاهم إلى الإسْلامِ أظْهَرُوا التَّمَرُّدَ وقالُوا ألَسْنا أمْثالَ قُرَيْشٍ في الضَّعْفِ وقِلَّةِ المَعْرِفَةِ بِالقِتالِ بَلْ مَعَنا مِنَ الشَّوْكَةِ والمَعْرِفَةِ بِالقِتالِ ما يَغْلِبُ كُلَّ مَن يُنازِعُنا؛ فاللَّهُ تَعالى قالَ لَهم إنَّكم وإنْ كُنْتُمْ أقْوِياءَ وأرْبابَ العُدَّةِ والعِدَّةِ فَإنَّكم سَتُغْلَبُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ تِلْكَ الحِكَمِ، فَقالَ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ﴾ يَعْنِي واقِعَةَ بَدْرٍ كانَتْ كالدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الكَثْرَةَ والعُدَّةَ كانَتْ مِن جانِبِ الكُفّارِ والقِلَّةَ وعَدَمَ السِّلاحِ مِن جانِبِ المُسْلِمِينَ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَهَرَ الكُفّارَ وجَعَلَ المُسْلِمِينَ مُظَفَّرِينَ مَنصُورِينَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الغَلَبَةَ كانَتْ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ ونَصْرِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ غالِبًا لِجَمِيعِ الخُصُومِ، سَواءٌ كانُوا أقْوِياءَ أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَهَذا ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَهْزِمُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ ويَقْهَرُهم وإنْ كانُوا أرْبابَ السِّلاحِ والقُوَّةِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ كالدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الآيَةَ، فَهَذا هو الكَلامُ في وجْهِ النَّظْمِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”الفِئَةُ“ الجَماعَةُ، وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفِئَتَيْنِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ يَوْمَ بَدْرٍ ومُشْرِكُو مَكَّةَ، رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ رَجُلًا، وفِيهِمْ أبُو سُفْيانَ وأبُو جَهْلٍ، وقادُوا مِائَةَ فَرَسٍ، وكانَتْ مَعَهم مِنَ الإبِلِ سَبْعَمِائَةِ بَعِيرٍ، وأهْلُ الخَيْلِ كُلُّهم كانُوا دارِعِينَ وهم مِائَةُ نَفَرٍ، وكانَ في الرِّجالِ دُرُوعٌ سِوى ذَلِكَ، وكانَ المُسْلِمُونَ ثَلَثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا بَيْنَ كُلِّ أرْبَعَةٍ مِنهم بَعِيرٌ، ومَعَهم مِنَ الدُّرُوعِ سِتَّةٌ، ومِنَ الخَيْلِ فَرَسانِ، ولا شَكَّ أنَّ في غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ لِلْكُفّارِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ آيَةً بَيِّنَةً ومُعْجِزَةً قاهِرَةً.
واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ كَوْنِ تِلْكَ الواقِعَةِ آيَةً بَيِّنَةً وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المُسْلِمِينَ كانَ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِمْ مِن أسْبابِ الضَّعْفِ عَنِ المُقاوَمَةِ أُمُورٌ؛ مِنها: قِلَّةُ العَدَدِ، ومِنها: أنَّهم خَرَجُوا غَيْرَ قاصِدِينَ
صفحة ١٦٥
لِلْحَرْبِ فَلَمْ يَتَأهَّبُوا، ومِنها قِلَّةُ السِّلاحِ والفَرَسِ، ومِنها أنَّ ذَلِكَ ابْتِداءُ غارَةٍ في الحَرْبِ لِأنَّها أوَّلُ غَزَواتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ قَدْ حَصَلَ لِلْمُشْرِكِينَ أضْدادُ هَذِهِ المَعانِي؛ مِنها: كَثْرَةُ العَدَدِ، ومِنها: أنَّهم خَرَجُوا مُتَأهِّبِينَ لِلْحَرْبِ، ومِنها: كَثْرَةُ سِلاحِهِمْ وخَيْلِهِمْ، ومِنها: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا مُمارِسِينَ لِلْمُحارَبَةِ والمُقاتَلَةِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَمْ تَجْرِ العادَةُ أنَّ مِثْلَ هَؤُلاءِ العَدَدِ في القِلَّةِ والضَّعْفِ وعَدَمِ السِّلاحِ وقِلَّةِ المَعْرِفَةِ بِأمْرِ المُحارَبَةِ يَغْلِبُونَ مِثْلَ ذَلِكَ الجَمْعِ الكَثِيرِ مَعَ كَثْرَةِ سِلاحِهِمْ وتَأهُّبِهِمْ لِلْمُحارَبَةِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ خارِجًا عَنِ العادَةِ كانَ مُعْجِزًا.
والوَجْهُ الثّانِي: في كَوْنِ هَذِهِ الواقِعَةِ آيَةً: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ قَدْ أخْبَرَ قَوْمَهُ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ عَلى قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] يَعْنِي جَمْعَ قُرَيْشٍ أوْ عِيرَ أبِي سُفْيانَ، وكانَ قَدْ أُخْبِرَ قَبْلَ الحَرْبِ بِأنَّ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، وهَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، فَلَمّا وُجِدَ مُخْبَرُ خَبَرِهِ في المُسْتَقْبَلِ عَلى وفْقِ خَبَرِهِ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَكانَ مُعْجِزًا.
والوَجْهُ الثّالِثُ: في بَيانِ كَوْنِ هَذِهِ الواقِعَةِ آيَةً: ما ذَكَرَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ والأصَحُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الرّائِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ والمَرْئِيِّينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والمَعْنى أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَرَوْنَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ، أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ وهو سِتُّمِائَةٍ، وذَلِكَ مُعْجِزٌ.
فَإنْ قِيلَ: تَجْوِيزُ رُؤْيَةِ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ يُفْضِي إلى السَّفْسَطَةِ.
قُلْنا: نَحْمِلُ الرُّؤْيَةَ عَلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَنِ اشْتَدَّ خَوْفُهُ قَدْ يَظُنُّ في الجَمْعِ القَلِيلِ أنَّهم في غايَةِ الكَثْرَةِ، وإمّا أنْ نَقُولَ إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ المَلائِكَةَ حَتّى صارَ عَسْكَرُ المُسْلِمِينَ كَثِيرِينَ. والجَوابُ الأوَّلُ أقْرَبُ، لِأنَّ الكَلامَ مُقْتَصِرٌ عَلى الفِئَتَيْنِ ولَمْ يَدْخُلْ فِيهِما قِصَّةُ المَلائِكَةِ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: في بَيانِ كَوْنِ هَذِهِ القِصَّةَ آيَةً، قالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَدَّ رَسُولَهُ ﷺ في تِلْكَ الغَزْوَةِ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ﴾ [الأنفال: ٩] وقالَ: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥] والألْفُ مَعَ الأرْبَعَةِ آلافِ: خَمْسَةُ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وكانَ سِيماهم هو أنَّهُ كانَ عَلى أذْنابِ خُيُولِهِمْ ونَواصِيها صُوفٌ أبْيَضُ، وهو المُرادُ بَقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ (فِئَةٌ) بِالرَّفْعِ، وكَذا قَوْلُهُ ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ وقُرِئَ ”فِئَةٍ تُقاتِلُ وأُخْرى كافِرَةٍ“ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِن فِئَتَيْنِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ إمّا عَلى الِاخْتِصاصِ، أوْ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في التَقَتا، قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والرَّفْعُ هو الوَجْهُ لِأنَّ المَعْنى إحْداهُما تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَهو رَفْعٌ عَلى اسْتِئْنافِ الكَلامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالفِئَةِ الَّتِي تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ المُسْلِمُونَ، لِأنَّهم قاتَلُوا لِنُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ المُرادُ بِها كُفّارُ قُرَيْشٍ.
* * *
صفحة ١٦٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ ”تَرَوْنَهم“ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ، والباقُونَ بِالياءِ فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ فَلِأنَّ ما قَبْلَهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ، والمَعْنى تَرَوْنَ أيُّها اليَهُودُ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ ما كانُوا، أوْ مِثْلَيِ الفِئَةِ الكافِرَةِ، أوْ تَكُونُ الآيَةُ خِطابًا مَعَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ والمَعْنى: تَرَوْنَ يا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ المُسْلِمُونَ مِثْلَيْ فِئَتِكُمُ الكافِرَةِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَلِلْمُغالَبَةِ الَّتِي جاءَتْ بَعْدَ الخِطابِ، وهو قَوْلُهُ ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ فَقَوْلُهُ (يَرَوْنَهم) يَعُودُ إلى الإخْبارِ عَنْ إحْدى الفِئَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ الفِئَةِ الكافِرَةِ وذِكْرُ الفِئَةِ المُسْلِمَةِ فَقَوْلُهُ ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الرّاءُونَ هُمُ الفِئَةَ الكافِرَةَ، والمَرْئِيُّونَ هُمُ الفِئَةَ المُسْلِمَةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ فَهَذانِ احْتِمالانِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ (مِثْلَيْهِمْ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِثْلَيِ الرّائِينَ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِثْلَيِ المَرْئِيِّينَ، فَإذَنْ هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا أرْبَعَةً:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الفِئَةَ الكافِرَةَ رَأتِ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ الفِئَةَ الكافِرَةَ رَأتِ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ سِتِّمِائَةٍ ونَيِّفًا وعِشْرِينَ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى كَثَّرَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ مَعَ قِلَّتِهِمْ لِيَهابُوهم فَيَحْتَرِزُوا عَنْ قِتالِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا مُتَناقِضٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] .
فالجَوابُ: أنَّهُ كانَ التَّقْلِيلُ والتَّكْثِيرُ في حالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَقُلِّلُوا أوَّلًا في أعْيُنِهِمْ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا تَلاقَوْا كَثَّرَهُمُ اللَّهُ في أعْيُنِهِمْ حَتّى صارُوا مَغْلُوبِينَ، ثُمَّ إنَّ تَقْلِيلَهم في أوَّلِ الأمْرِ، وتَكْثِيرَهم في آخِرِ الأمْرِ، أبْلَغُ في القُدْرَةِ وإظْهارِ الآيَةِ.
والِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنَّ الرّائِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ، والمَرْئِيِّينَ هُمُ المُشْرِكُونَ، فالمُسْلِمُونَ رَأوُا المُشْرِكِينَ مِثْلَيِ المُسْلِمِينَ سِتَّمِائَةٍ وأزْيَدَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُسْلِمَ الواحِدَ بِمُقاوَمَةِ الكافِرِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ، وكانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ ؟
الجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أظْهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن عَدَدِ المُشْرِكِينَ القَدْرَ الَّذِي عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّهم يَغْلِبُونَهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فَأظْهَرَ ذَلِكَ العَدَدَ مِنَ المُشْرِكِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ تَقْوِيَةً لِقُلُوبِهِمْ، وإزالَةً لِلْخَوْفِ عَنْ صُدُورِهِمْ.
والِاحْتِمالُ الرّابِعُ: أنَّ الرّائِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ، وأنَّهم رَأوُا المُشْرِكِينَ عَلى الضِّعْفِ مِن عَدَدِ المُشْرِكِينَ، فَهَذا قَوْلٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ بِهِ أحَدٌ، لِأنَّ هَذا يُوجِبُ نُصْرَةَ المُشْرِكِينَ بِإيقاعِ الخَوْفِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، والآيَةُ تُنافِي ذَلِكَ.
وفِي الآيَةِ احْتِمالٌ خامِسٌ، وهو أنّا أوَّلَ الآيَةِ قَدْ بَيَّنّا أنَّ الخِطابَ مَعَ اليَهُودِ، فَيَكُونُ المُرادُ تَرَوْنَ أيُّها اليَهُودُ المُشْرِكِينَ مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ في القُوَّةِ والشَّوْكَةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ رَأوْهم مِثْلَيْهِمْ وقَدْ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ ؟ فَقَدْ سَبَقَ الجَوابُ عَنْهُ.
صفحة ١٦٧
بَقِيَ مِن مَباحِثِ هَذا المَوْضِعِ أمْرانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ والثّانِيَ يَقْتَضِي أنَّ المَعْدُومَ صارَ مَرْئِيًّا، والِاحْتِمالَ الثّالِثَ يَقْتَضِي أنَّ ما وُجِدَ وحَضَرَ لَمْ يَصِرْ مَرْئِيًّا، أمّا الأوَّلُ: فَهو مُحالٌ عَقْلًا؛ لِأنَّ المَعْدُومَ لا يُرى، فَلا جَرَمَ وجَبَ حَمْلُ الرُّؤْيَةِ عَلى الظَّنِّ القَوِيِّ، وأمّا الثّانِي: فَهو جائِزٌ عِنْدَ أصْحابِنا؛ لِأنَّ عِنْدَنا مَعَ حُصُولِ الشَّرائِطِ وصِحَّةِ الحاسِدِ يَكُونُ الإدْراكُ جائِزًا لا واجِبًا، وكانَ ذَلِكَ الزَّمانُ زَمانَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ وخَوارِقِ العاداتِ، فَلَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَصَلَ ذَلِكَ المُعْجِزُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَعِنْدَهُمُ الإدْراكُ واجِبُ الحُصُولِ عِنْدَ اجْتِماعِ الشَّرائِطِ وسَلامَةِ الحاسِدِ، فَلِهَذا المَعْنى اعْتَذَرَ القاضِي عَنْ هَذا المَوْضِعِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِالمُحارَبَةِ والمُقاتَلَةِ قَدْ لا يَتَفَرَّغُ الإنْسانُ لِأنْ يُدِيرَ حَدَقَتَهُ حَوْلَ العَسْكَرِ ويَنْظُرَ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّأمُّلِ التّامِّ، فَلا جَرَمَ يَرى البَعْضَ دُونَ البَعْضِ.
وثانِيها: لَعَلَّهُ يَحْدُثُ عِنْدَ المُحارَبَةِ مِنَ الغُبارِ ما يَصِيرُ مانِعًا عَنْ إدْراكِ البَعْضِ.
وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ في الهَواءِ ما صارَ مانِعًا عَنْ إدْراكِ ثُلُثِ العَسْكَرِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.
البَحْثُ الثّانِي: اللَّفْظُ وإنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الرّاءُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، وأنْ يَكُونَ هُمُ المُسْلِمُونَ فَأيُّ الِاحْتِمالَيْنِ أظْهَرُ ؟
فَقِيلَ: إنَّ كَوْنَ المُشْرِكِ رائِيًا أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ تَعَلُّقَ الفِعْلِ بِالفاعِلِ أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالمَفْعُولِ، فَجَعْلُ أقْرَبِ المَذْكُورَيْنِ السّابِقَيْنِ فاعِلًا، وأبْعَدِهُما مَفْعُولًا أوْلى مِنَ العَكْسِ، وأقْرَبُ المَذْكُورَيْنِ هو قَوْلُهُ ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ .
والثّانِي: أنَّ مُقَدِّمَةَ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ، فَقِراءَةُ نافِعٍ بِالتّاءِ يَكُونُ خِطابًا مَعَ أُولَئِكَ الكُفّارِ والمَعْنى تَرَوْنَ يا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْهِمْ، فَهَذِهِ القِراءَةُ لا تُساعِدُ إلّا عَلى كَوْنِ الرّائِي مُشْرِكًا.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الحالَةَ آيَةً لِلْكُفّارِ، حَيْثُ قالَ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحالَةُ مِمّا يُشاهِدُها الكافِرُ حَتّى تَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِ، أمّا لَوْ كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ حاصِلَةً لِلْمُؤْمِنِ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُها حُجَّةً لِلْكافِرِ واللَّهُ أعْلَمُ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: الرّاءُونَ هُمُ المُسْلِمُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ الرّائِينَ لَوْ كانُوا هُمُ المُشْرِكِينَ لَزِمَ رُؤْيَةُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وهو مُحالٌ، ولَوْ كانَ الرّاءُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ لَزِمَ أنْ لا يُرى ما هو مَوْجُودٌ وهَذا لَيْسَ بِمُحالٍ، وكانَ ذَلِكَ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ يُقالُ: رَأيْتُهُ رَأْيًا ورُؤْيَةً، ورَأيْتُ في المَنامِ رُؤْيا حَسَنَةً، فالرُّؤْيَةُ مُخْتَصٌّ بِالمَنامِ، ويَقُولُ: هو مِنِّي مَرْأى العَيْنِ حَيْثُ يَقَعُ عَلَيْهِ بَصَرِي، فَقَوْلُهُ ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْمَكانِ، كَما تَقُولُ: تَرَوْنَهم أمامَكم، ومِثْلُهُ: هو مِنِّي مَناطَ العُنُقِ ومَزْجَرَ الكَلْبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ نَصْرُ اللَّهِ المُسْلِمِينَ عَلى وجْهَيْنِ:
نَصْرٌ بِالغَلَبَةِ كَنَصْرِ يَوْمِ بَدْرٍ، ونَصْرٌ بِالحُجَّةِ، فَلِهَذا المَعْنى لَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ هُزِمَ قَوْمٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَجازَ أنْ يُقالَ: هُمُ المَنصُورُونَ لِأنَّهم هُمُ المَنصُورُونَ بِالحُجَّةِ، وبِالعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّ النَّصْرَ والظَّفَرَ إنَّما يَحْصُلانِ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ ونَصْرِهِ، لا بِكَثْرَةِ العَدَدِ والشَّوْكَةِ والسِّلاحِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ والعِبْرَةُ الِاعْتِبارُ وهي الآيَةُ الَّتِي يُعْبَرُ بِها مِن مَنزِلَةِ الجَهْلِ إلى العِلْمِ وأصْلُهُ
صفحة ١٦٨
مِنَ العُبُورِ وهو النُّفُوذُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ إلى الآخَرِ، ومِنهُ العِبارَةُ وهي الكَلامُ الَّذِي يَعْبُرُ بِالمَعْنى إلى المُخاطَبِ، وعِبارَةُ الرُّؤْيا مِن ذَلِكَ، لِأنَّها تَعْبِيرٌ لَها، وقَوْلُهُ ﴿لِأُولِي الأبْصارِ﴾ أيْ لِأُولِي العُقُولِ، كَما يُقالُ: لِفُلانٍ بَصَرٌ بِهَذا الأمْرِ، أيْ عِلْمٌ ومَعْرِفَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:14
قَوْلُهُ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالقِصَّةِ فَإنّا رُوِّينا أنَّ أبا حارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ النَّصْرانِيَّ اعْتَرَفَ لِأخِيهِ بِأنَّهُ يَعْرِفُ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ في قَوْلِهِ إلّا أنَّهُ لا يُقِرُّ بِذَلِكَ خَوْفًا مِن أنْ يَأْخُذَ مِنهُ مُلُوكُ الرُّومِ المالَ والجاهَ، وأيْضًا رُوِّينا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا دَعا اليَهُودَ إلى الإسْلامِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ أظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمُ القُوَّةَ والشِّدَّةَ والِاسْتِظْهارَ بِالمالِ والسِّلاحِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ وغَيْرَها مِن مَتاعِ الدُّنْيا زائِلَةٌ باطِلَةٌ، وأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى.
القَوْلُ الثّانِي: وهو عَلى التَّأْوِيلِ العامِّ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ما هو كالشَّرْحِ والبَيانِ لِتِلْكَ العِبْرَةِ وذَلِكَ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ زَيَّنَ لِلنّاسِ حُبَّ الشَّهَواتِ الجُسْمانِيَّةِ، واللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ، ثُمَّ إنَّها فانِيَةٌ مُنْقَضِيَةٌ تَذْهَبُ لَذّاتُها، وتَبْقى تَبِعاتُها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَثَّ عَلى الرَّغْبَةِ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ طَيِّباتِ الآخِرَةِ مُعَدَّةٌ لِمَن واظَبَ عَلى العُبُودِيَّةِ مِنَ الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ إلى آخَرِ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ مَنِ الَّذِي زَيَّنَ ذَلِكَ ؟ أمّا أصْحابُنا فَقَوْلُهم فِيهِ ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم خالِقُ جَمِيعِ الأفْعالِ هو اللَّهُ تَعالى، وأيْضًا قالُوا: لَوْ كانَ المُزَيِّنُ الشَّيْطانَ فَمَنِ الَّذِي زَيَّنَ الكُفْرَ والبِدْعَةَ لِلشَّيْطانِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ وقَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ في الإنْسانِ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ الإنْسانُ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو الحَقُّ فَلْيَكُنْ في حَقِّ الإنْسانِ كَذَلِكَ، وفي القُرْآنِ إشارَةٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ في سُورَةِ القَصَصِ في قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] يَعْنِي إنِ اعْتَقَدَ أحَدٌ أنّا أغْوَيْناهم فَمَنِ الَّذِي أغْوانا، وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ جِدًّا.
أمّا المُعْتَزِلَةُ فالقاضِي نَقَلَ عَنْهم ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الشَّيْطانُ زَيَّنَ لَهم، وكانَ يَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ بِاللَّهِ، واحْتَجَّ القاضِي لَهم بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أطْلَقَ حُبَّ الشَّهَواتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الشَّهَواتُ المُحَرَّمَةُ ومُزَيِّنُ الشَّهَواتِ المُحَرَّمَةِ هو الشَّيْطانُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ القَناطِيرَ المُقَنْطَرَةَ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ وحُبُّ هَذا المالِ الكَثِيرِ
صفحة ١٦٩
إلى هَذا الحَدِّ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن جَعَلَ الدُّنْيا قِبْلَةَ طَلَبِهِ، ومُنْتَهى مَقْصُودِهِ، لِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ يَكْتَفُونَ بِالغَلَبَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لِلدُّنْيا، والذَّمُّ لِلشَّيْءِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُزَيِّنًا لَهُ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ صَرْفُ العَبْدِ عَنِ الدُّنْيا وتَقْبِيحُها في عَيْنِهِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِمَن يُزَيِّنُ الدُّنْيا في عَيْنِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: وهو أنَّ المُزَيِّنَ لِهَذِهِ الأشْياءِ هو اللَّهُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى كَما رَغَّبَ في مَنافِعِ الآخَرَةِ فَقَدْ خَلَقَ مَلاذَّ الدُّنْيا وأباحَها لِعَبِيدِهِ، وإباحَتُها لِلْعَبِيدِ تَزْيِينٌ لَها، فَإنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ الشَّهْوَةَ والمُشْتَهى، وخَلَقَ لِلْمُشْتَهِي عِلْمًا بِما في تَناوُلِ المُشْتَهى مِنَ اللَّذَّةِ، ثُمَّ أباحَ لَهُ ذَلِكَ التَّناوُلَ كانَ تَعالى مُزَيِّنًا لَها.
وثانِيها: أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ المُشْتَهَياتِ وسائِلُ إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ نَدَبَ إلَيْها، فَكانَ مُزَيِّنًا لَها، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الِانْتِفاعَ بِها وسائِلُ إلى ثَوابِ الآخِرَةِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَتَصَدَّقَ بِها.
والثّانِي: أنْ يَتَقَوّى بِها عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
والثّالِثُ: أنَّهُ إذا انْتَفَعَ بِها وعَلِمَ أنَّ تِلْكَ المَنافِعَ إنَّما تَيَسَّرَتْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وإعانَتِهِ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاشْتِغالِ العَبْدِ بِالشُّكْرِ العَظِيمِ، ولِذَلِكَ كانَ الصّاحِبُ ابْنُ عَبّادٍ يَقُولُ: شُرْبُ الماءِ البارِدِ في الصَّيْفِ يَسْتَخْرِجُ الحَمْدَ مِن أقْصى القَلْبِ؛ وذَكَرَ شِعْرًا هَذا مَعْناهُ.
والرّابِعُ: أنَّ القادِرَ عَلى التَّمَتُّعِ بِهَذِهِ اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ إذا تَرَكَها واشْتَغَلَ بِالعُبُودِيَّةِ وتَحَمَّلَ ما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ كانَ أكْثَرَ ثَوابًا، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ الطَّيِّباتِ وسائِلُ إلى ثَوابِ الآخِرَةِ.
والخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقالَ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وقالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ [الكهف: ٧] وقالَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وقالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] وقالَ ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّزْيِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ مُجاهِدٍ ”زَيَّنَ لِلنّاسِ“ عَلى تَسْمِيَةِ الفاعِلِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ والقاضِي: وهو التَّفْصِيلُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما كانَ مِن هَذا البابِ واجِبًا أوْ مَندُوبًا كانَ التَّزْيِينُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ما كانَ حَرامًا كانَ التَّزْيِينُ فِيهِ مِنَ الشَّيْطانِ؛ هَذا ما ذَكَرَهُ القاضِي، وبَقِيَ قِسْمٌ ثالِثٌ وهو المُباحُ الَّذِي لا يَكُونُ في فِعْلِهِ ولا في تَرْكِهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، والقاضِي ما ذَكَرَ هَذا القِسْمَ، وكانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَذْكُرَهُ ويُبَيِّنَ أنَّ التَّزْيِينَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِنَ الشَّيْطانِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ فِيهِ أبْحاثٌ ثَلاثَةٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الشَّهَواتِ هاهُنا هي الأشْياءُ المُشْتَهَياتُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ عَلى الِاسْتِعارَةِ لِلتَّعَلُّقِ والِاتِّصالِ، كَما يُقالُ لِلْمَقْدُورِ قُدْرَةٌ، ولِلْمَرْجُوِّ رَجاءٌ ولِلْمَعْلُومِ عِلْمٌ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: هَذِهِ شَهْوَةُ فُلانٍ، أيْ مُشْتَهاهُ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وفي تَسْمِيَتِها بِهَذا الِاسْمِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: أنَّهُ جَعَلَ الأعْيانَ الَّتِي ذَكَرَها شَهَواتٍ مُبالَغَةً في كَوْنِها مُشْتَهاةً مَحْرُوصًا عَلى الِاسْتِمْتاعِ بِها.
والثّانِيَةُ: أنَّ الشَّهْوَةَ صِفَةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ الحُكَماءِ مَذْمُومَةٌ، مَنِ اتَّبَعَها شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِالبَهِيمِيَّةِ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا اللَّفْظِ التَّنْفِيرَ عَنْها.
صفحة ١٧٠
البَحْثُ الثّانِي: قالَ المُتَكَلِّمُونَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الحُبَّ غَيْرُ الشَّهْوَةِ؛ لِأنَّهُ أضافَ الحُبَّ إلى الشَّهْوَةِ والمُضافُ غَيْرُ المُضافِ إلَيْهِ، والشَّهْوَةُ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، والمَحَبَّةُ مِن أفْعالِ العِبادِ وهي عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ كُلَّ غَرَضِهِ وعَيْشِهِ في طَلَبِ اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الحُكَماءُ: الإنْسانُ قَدْ يُحِبُّ شَيْئًا ولَكِنَّهُ يُحِبُّ أنْ لا يُحِبَّهُ، مِثْلَ المُسْلِمِ فَإنَّهُ قَدْ يَمِيلُ طَبْعُهُ إلى بَعْضِ المُحَرَّماتِ لَكِنَّهُ يُحِبُّ أنْ لا يُحِبَّ، وأمّا مَن أحَبَّ شَيْئًا وأحَبَّ أنْ يُحِبَّهُ فَذاكَ هو كَمالُ المَحَبَّةِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ في جانِبِ الخَيْرِ فَهو كَمالُ السَّعادَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] ومَعْناهُ أُحِبُّ الخَيْرَ وأُحِبُّ أنْ أكُونَ مُحِبًّا لِلْخَيْرِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في جانِبِ الشَّرِّ، فَهو كَما قالَ في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ مُرَتَّبَةٍ:
أوَّلُها: أنَّهُ يَشْتَهِي أنْواعَ المُشْتَهَياتِ.
وثانِيها: أنَّهُ يُحِبُّ شَهْوَتَهُ لَها.
وثالِثُها: أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ حَسَنَةٌ وفَضِيلَةٌ، ولَمّا اجْتَمَعَتْ في هَذِهِ القَضِيَّةِ الدَّرَجاتُ الثَّلاثَةُ بَلَغَتِ الغايَةَ القُصْوى في الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، ولا يَكادُ يَنْحَلُّ إلّا بِتَوْفِيقٍ عَظِيمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ إلى النّاسِ، وهو لَفْظٌ عامٌّ دَخَلَهُ حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَيُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ لِجَمِيعِ النّاسِ، والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو أنَّ كُلَّ ما كانَ لَذِيذًا ونافِعًا فَهو مَحْبُوبٌ ومَطْلُوبٌ لِذاتِهِ، واللَّذِيذُ النّافِعُ قِسْمانِ: جُسْمانِيٌّ ورُوحانِيٌّ، والقِسْمُ الجُسْمانِيُّ حاصِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ في أوَّلِ الأمْرِ، وأمّا القِسْمُ الرُّوحانِيُّ فَلا يَكُونُ إلّا في الإنْسانِ الواحِدِ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، ثُمَّ ذَلِكَ الإنْسانُ إنَّما يَحْصُلُ لَهُ تِلْكَ اللَّذَّةُ الرُّوحانِيَّةُ بَعْدَ اسْتِئْناسِ النَّفْسِ بِاللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَيَكُونُ انْجِذابُ النَّفْسِ إلى اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ كالمَلَكَةِ المُسْتَقِرَّةِ المُتَأكَّدَةِ، وانْجِذابُها إلى اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ كالحالَةِ الطّارِئَةِ الَّتِي تَزُولُ بِأدْنى سَبَبٍ، فَلا جَرَمَ كانَ الغالِبُ عَلى الخَلْقِ إنَّما هو المَيْلُ الشَّدِيدُ إلى اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وأمّا المَيْلُ إلى طَلَبِ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ فَذاكَ لا يَحْصُلُ إلّا لِلشَّخْصِ النّادِرِ، ثُمَّ حُصُولُهُ لِذَلِكَ النّادِرِ لا يَتَّفِقُ إلّا في أوْقاتٍ نادِرَةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَمَّ اللَّهُ هَذا الحُكْمَ فَقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ كَما في قَوْلِهِ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] فَكَما أنَّ المَعْنى فاجْتَنِبُوا الأوْثانَ الَّتِي هي رِجْسٌ فَكَذا أيْضًا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: زُيِّنَ لِلنّاسِ حَبُّ النِّساءِ وكَذا وكَذا الَّتِي هي مُشْتَهاةٌ.
البَحْثُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَدَّدَ هاهُنا مِنَ المُشْتَهَياتِ أُمُورًا سَبْعَةً:
أوَّلُها: النِّساءُ وإنَّما قَدَّمَهُنَّ عَلى الكُلِّ لِأنَّ الِالتِذاذَ بِهِنَّ أكْثَرُ والِاسْتِئْناسَ بِهِنَّ أتَمُّ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ العِشْقَ الشَّدِيدَ المُفْلِقَ المُهْلِكَ لا يَتَّفِقُ إلّا في هَذا النَّوْعِ مِنَ الشَّهْوَةِ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: حُبُّ الوَلَدِ؛ ولَمّا كانَ حُبُّ الوَلَدِ الذَّكَرِ أكْثَرَ مِن حُبِّ الأُنْثى، لا جَرَمَ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِالذِّكْرِ، ووَجْهُ التَّمَتُّعِ بِهِمْ ظاهِرٌ مِن حَيْثُ السُّرُورُ والتَّكَثُّرُ بِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
صفحة ١٧١
واعْلَمْ أنَّ لِلَّهِ تَعالى في إيجادِ حُبِّ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ في قَلْبِ الإنْسانِ حِكْمَةً بالِغَةً، فَإنَّهُ لَوْلا هَذا الحُبُّ لَما حَصَلَ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ ولَأدّى ذَلِكَ إلى انْقِطاعِ النَّسْلِ، وهَذِهِ المَحَبَّةُ كَأنَّها حالَةٌ غَرِيزِيَّةٌ ولِذَلِكَ فَإنَّها حاصِلَةٌ لِجَمِيعِ الحَيَواناتِ، والحِكْمَةُ فِيهِ ما ذَكَرْنا مِن بَقاءِ النَّسْلِ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ والرّابِعَةُ: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: القِنْطارُ مَأْخُوذٌ مِن عَقْدِ الشَّيْءِ وإحْكامِهِ، والقَنْطَرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَلِكَ لِتَوَثُّقِها بِعَقْدِ الطّاقِ، فالقِنْطارُ مالٌ كَثِيرٌ يَتَوَثَّقُ الإنْسانُ بِهِ في دَفْعِ أصْنافِ النَّوائِبِ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ وزْنٌ لا يُحَدُّ. واعْلَمْ أنَّ هَذا هو الصَّحِيحُ، ومِنَ النّاسِ مَن حاوَلَ تَحْدِيدَهُ، وفِيهِ رِواياتٌ: فَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةً» “ ورَوى أنَسٌ عَنْهُ أيْضًا أنَّ «القِنْطارَ ألْفُ دِينارٍ»، ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «القِنْطارُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةً» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القِنْطارُ ألْفُ دِينارٍ أوِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، وهو مِقْدارُ الدِّيَةِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: القِنْطارُ بِلِسانِ الرُّومِ مَلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، وفِيهِ أقْوالٌ سِوى ما ذَكَرْنا لَكِنّا تَرَكْناها لِأنَّها غَيْرُ مَعْضُودَةٍ بِحُجَّةٍ البَتَّةَ.
البَحْثُ الثّانِي: (المُقَنْطَرَةِ) مُنْفَعِلَةٌ مِنَ القِنْطارِ، وهو لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِمْ: ألْفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وبَدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وإبِلٌ مُؤَبَّلَةٌ، ودَراهِمُ مُدَرْهَمَةٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ: القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ المُضاعَفَةُ، فَكانَ المَجْمُوعُ سِتَّةً.
البَحْثُ الثّالِثُ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ إنَّما كانا مَحْبُوبَيْنِ لِأنَّهُما جَعَلا ثَمَنَ جَمِيعِ الأشْياءِ، فَمالِكُهُما كالمالِكِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ، وصِفَةُ المالِكِيَّةِ هي القُدْرَةُ، والقُدْرَةُ صِفَةُ كَمالٍ، والكَمالِ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فَلَمّا كانَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ أكْمَلَ الوَسائِلِ إلى تَحْصِيلِ هَذا الكَمالِ الَّذِي هو مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ وما لا يُوجَدُ المَحْبُوبُ إلّا بِهِ فَهو مَحْبُوبٌ، لا جَرَمَ كانا مَحْبُوبَيْنِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الخَيْلُ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، كالقَوْمِ والنِّساءِ والرَّهْطِ، وسُمِّيَتِ الأفْراسُ خَيْلًا لِخُيَلائِها في مَشْيِها، وسُمِّيَتْ حَرَكَةُ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ الجَوَلانِ اخْتِيالًا، وسُمِّيَ الخَيالُ خَيالًا، والتَّخَيُّلَ تَخَيُّلًا، لِجَوَلانِ هَذِهِ القُوَّةِ في اسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ، والأخْيَلُ الشَّقِرّاقُ، لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ تارَةً أخْضَرَ، وتارَةً أحْمَرَ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى (المُسَوَّمَةِ) عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها الرّاعِيَةُ، يُقالُ: أسَمْتُ الدّابَّةَ وسَوَّمْتُها إذا أرْسَلْتَها في مُرُوجِها لِلرَّعْيِ، كَما يُقالُ: أقَمْتُ الشَّيْءَ وقَوَّمْتُهُ، وأجَدْتُهُ وجَوَّدْتُهُ، وأنَمْتُهُ ونَوَّمْتُهُ، والمَقْصُودُ أنَّها إذا رَعَتِ ازْدادَتْ حُسْنًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] .
والقَوْلُ الثّانِي: المُسَوَّمَةُ المُعَلَّمَةُ قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السِّيما بِالقَصْرِ والسِّيماءِ بِالمَدِّ، ومَعْناهُ واحِدٌ، وهو الهَيْئَةُ الحَسَنَةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في تِلْكَ العَلامَةِ، فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ العَلاماتِ الأوْضاحُ والغُرَرُ الَّتِي تَكُونُ في الخَيْلِ، وهي أنْ تَكُونَ الأفْراسُ غُرًّا مُحَجَّلَةً، وقالَ الأصَمُّ: إنَّما هي البَلَقُ، وقالَ قَتادَةُ: الشِّيَةُ، وقالَ المُؤَرِّجُ: الكَيُّ، وقَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أحْسَنُ لِأنَّ الإشارَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى شَرائِفِ الأمْوالِ، وذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ الفَرَسُ أغَرَّ مُحَجَّلًا، وأمّا سائِرُ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها فَإنَّها لا تُفِيدُ شَرَفًا في الفَرَسِ.
صفحة ١٧٢
القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ: أنَّها الخَيْلُ المُطَهَّمَةُ الحِسانُ، قالَ القَفّالُ: المُطَهَّمَةُ المَرْأةُ الجَمِيلَةُ.
المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: (الأنْعامِ) وهي جَمْعُ نَعَمٍ، وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، ولا يُقالُ لِلْجِنْسِ الواحِدِ مِنها: نَعَمٌ إلّا لِلْإبِلِ خاصَّةً فَإنَّها غَلَبَتْ عَلَيْها.
المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: (والحَرْثِ) وقَدْ ذَكَرْنا اشْتِقاقَهُ في قَوْلِهِ ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ هَذِهِ السَّبْعَةَ قالَ: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ القاضِي: ومَعْلُومٌ أنَّ مَتاعَها إنَّما خُلِقَ لِيُسْتَمْتَعَ بِهِ فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إضافَةُ التَّزْيِينِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟
ثُمَّ قالَ: لِلِاسْتِمْتاعِ بِمَتاعِ الدُّنْيا وُجُوهٌ:
مِنها أنْ يَنْفَرِدَ بِهِ مَن خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ النِّعَمِ فَيَكُونُ مَذْمُومًا.
ومِنها أنْ يَتْرُكَ الِانْتِفاعَ بِهِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ فَيَكُونَ أيْضًا مَذْمُومًا.
ومِنها أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ في وجْهٍ مُباحٍ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى مَصالِحِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ لا مَمْدُوحٌ ولا مَذْمُومٌ.
ومِنها أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ عَلى وجْهٍ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَصالِحِ الآخِرَةِ وذَلِكَ هو المَمْدُوحُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ اعْلَمْ أنَّ المَآبَ في اللُّغَةِ المَرْجِعُ، يُقالُ: آبَ الرَّجُلُ إيابًا وأوْبَةً وأيْبَةً ومَآبًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ الدُّنْيا كانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَصْرِفَها إلى ما يَكُونُ فِيهِ عِمارَةٌ لِمَعادِهِ ويَتَوَصَّلُ بِها إلى سَعادَةِ آخِرَتِهِ، ثُمَّ لَمّا كانَ الغَرَضُ التَّرْغِيبَ في المَآبِ وصَفَ المَآبَ بِالحُسْنِ.
فَإنْ قِيلَ: المَآبُ قِسْمانِ: الجَنَّةُ وهي في غايَةِ الحُسْنِ، والنّارُ وهي خالِيَةٌ عَنِ الحُسْنِ، فَكَيْفَ وصَفَ المَآبَ المُطْلَقَ بِالحُسْنِ ؟
قُلْنا: المَآبُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ هو الجَنَّةُ، فَأمّا النّارُ فَهي المَقْصُودُ بِالغَرَضِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِلرَّحْمَةِ لا لِلْعَذابِ، كَما قالَ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، وهَذا سِرٌّ يُطَّلَعُ مِنهُ عَلى أسْرارٍ غامِضَةٍ.
آل عمران 3:15
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿أؤُنَبِّئُكُمْ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في مُتَعَلِّقِ الِاسْتِفْهامِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ
صفحة ١٧٣
مِن ذَلِكم، ثُمَّ يُبْتَدَأُ فَيُقالُ: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ كَذا وكَذا.
والثّانِي: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، ثُمَّ يُبْتَدَأُ فَيُقالُ: عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي.
والثّالِثُ: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ، ثُمَّ يُبْتَدَأُ فَيُقالُ: جَنّاتٌ تَجْرِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ المَآبَ، كَما أنَّهُ حَسَنٌ في نَفْسِهِ فَهو أحْسَنُ وأفْضَلُ مِن هَذِهِ الدُّنْيا، فَقالَ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ .
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ نِعَمَ الدُّنْيا بَيَّنَ أنَّ مَنافِعَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنها كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] .
الثّالِثُ: كَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ أمْرَكَ في الدُّنْيا وإنْ كانَ حَسَنًا مُنْتَظِمًا إلّا أنَّ أمْرَكَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأفْضَلُ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أنَّهُ كَما أنَّ الدُّنْيا أطْيَبُ وأوْسَعُ وأفْسَحُ مِن بَطْنِ الأُمِّ، فَكَذَلِكَ الآخِرَةُ أطْيَبُ وأوْسَعُ وأفْسَحُ مِنَ الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قُلْنا: إنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، لِأنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَشُوبَةٌ بِالمَضَرَّةِ، ونِعَمَ الآخِرَةِ خالِيَةٌ عَنْ شَوْبِ المَضارِّ بِالكُلِّيَّةِ، وأيْضًا فَنِعَمُ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ لا مَحالَةَ، ونِعَمُ الآخِرَةِ باقِيَةٌ لا مَحالَةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فَقَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أنَّ التَّقْوى ما هي؛ وبِالجُمْلَةِ فَإنَّ الإنْسانَ لا يَكُونُ مُتَّقِيًا إلّا إذا كانَ آتِيًا بِالواجِباتِ، مُتَحَرِّزًا عَنِ المَحْظُوراتِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: التَّقْوى عِبارَةٌ عَنِ اتِّقاءِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْوى صارَتْ في عُرْفِ القُرْآنِ مُخْتَصَّةً بِالإيمانِ، قالَ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦] وظاهِرُ اللَّفْظِ أيْضًا مُطابِقٌ لَهُ، لِأنَّ الِاتِّقاءَ عَنِ الشِّرْكِ أعَمُّ مِنَ الِاتِّقاءِ عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ، ومِنَ الِاتِّقاءِ عَنْ بَعْضِ المَحْظُوراتِ، لِأنَّ ماهِيَّةَ الِاشْتِراكِ لا تَدُلُّ عَلى ماهِيَّةِ الِامْتِيازِ، فَحَقِيقَةُ التَّقْوى وماهِيَّتُها حاصِلَةٌ عِنْدَ حُصُولِ الِاتِّقاءِ عَنِ الشِّرْكِ، وعُرْفُ القُرْآنِ مُطابِقٌ لِذَلِكَ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ مَحْمُولًا عَلى كُلِّ مَنِ اتَّقى الكُفْرَ بِاللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَفِيهِ احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِلْخَيْرِ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم عِنْدُ رَبِّهِمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ خَيْرٌ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، ويَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ هَذا الثَّوابَ العَظِيمَ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ مُتَّقِيًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَيَخْرُجُ عَنْهُ المُنافِقُ، ويَدْخُلُ فِيهِ مَن كانَ مُؤْمِنًا في عِلْمِ اللَّهِ.
وأمّا قَوْلُهُ (جَنّاتٌ) فالتَّقْدِيرُ: هو جَنّاتٌ، وقَرَأ بَعْضُهم ”جَنّاتٍ“ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِن خَيْرٍ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وصْفٌ لِطِيبِ الجَنَّةِ ودَخَلَ تَحْتَهُ جَمِيعُ النِّعَمِ المَوْجُودَةِ فِيها مِنَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والمَفْرَشِ والمَنظَرِ، وبِالجُمْلَةِ فالجَنَّةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى جَمِيعِ المَطالِبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ والمُرادُ كَوْنُ تِلْكَ النِّعَمِ دائِمَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا لَطائِفَها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ النِّعْمَةَ وإنْ عَظُمَتْ فَلَنْ تَتَكامَلَ إلّا بِالأزْواجِ اللَّواتِي لا يَحْصُلُ الأُنْسُ إلّا بِهِنَّ، ثُمَّ وصَفَ الأزْواجَ بِصِفَةٍ واحِدَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ مَطْلُوبٍ، فَقالَ (مُطَهَّرَةٌ) ويَدْخُلُ في
صفحة ١٧٤
ذَلِكَ الطَّهارَةُ مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ وسائِرِ الأحْوالِ الَّتِي تَظْهَرُ عَنِ النِّساءِ في الدُّنْيا مِمّا يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ، ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُنَّ مُطَهَّراتٍ مِنَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ ومِنَ القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُنَّ مُطَهَّراتٍ مِن سُوءِ العِشْرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ ”ورُضْوانٌ“ بِضَمِّ الرّاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، أمّا الضَّمُّ فَهو لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ رَضِيتُ رِضًا ورِضْوانًا، ومِثْلُ الرِّضْوانِ بِالكَسْرِ الحِرْمانُ والقِرْبانُ وبِالضَّمِّ الطُّغْيانُ والرُّجْحانُ والكُفْرانُ والشُّكْرانُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُتَكَلِّمُونَ: الثَّوابُ لَهُ رُكْنانِ:
أحَدُهُما: المَنفَعَةُ، وهي الَّتِي ذَكَرْناها، والثّانِي: التَّعْظِيمُ، وهو المُرادُ بِالرِّضْوانِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْرِفَةَ أهْلِ الجَنَّةِ مَعَ هَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ بِأنَّهُ تَعالى راضٍ عَنْهم، حامِدٌ لَهم، مُثْنٍ عَلَيْهِمْ، أزْيَدُ في إيجابِ السُّرُورِ مِن تِلْكَ المَنافِعِ، وأمّا الحُكَماءُ فَإنَّهم قالُوا: الجَنّاتُ بِما فِيها إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، والرِّضْوانُ فَهو إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ وأعْلى المَقاماتِ إنَّما هو الجَنَّةُ الرُّوحانِيَّةُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ تَجَلِّي نُورِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى في رُوحِ العَبْدِ واسْتِغْراقِ العَبْدِ في مَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ يَصِيرُ في أوَّلِ هَذِهِ المَقاماتِ راضِيًا عَنِ اللَّهِ تَعالى، وفي آخِرِها مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ عالِمٌ بِمَصالِحِهِمْ، فَيَجِبُ أنْ يَرْضَوْا لِأنْفُسِهِمْ ما اخْتارَهُ لَهم مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ، وأنْ يَزْهَدُوا فِيما زَهَّدَهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا.
آل عمران 3:16
قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِ مَوْضِعِ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خَفْضٌ صِفَةٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: لِلَّذِينَ اتَّقَوُا الَّذِينَ يَقُولُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْعِبادِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ كَذا وكَذا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى التَّخْصِيصِ، والتَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ كَذا وكَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ ثُمَّ إنَّهم قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَوَسَّلُوا بِمُجَرَّدِ الإيمانِ إلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ واللَّهُ تَعالى حَكى ذَلِكَ عَنْهم في مَعْرِضِ المَدْحِ لَهم والثَّناءِ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ العَبْدَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ يَسْتَوْجِبُ الرَّحْمَةَ والمَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ
صفحة ١٧٥
تَعالى، فَإنْ قالُوا: الإيمانُ عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ الطّاعاتِ؛ أبْطَلْنا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] وأيْضًا فَمَن أطاعَ اللَّهَ تَعالى في جَمِيعِ الأُمُورِ، وتابَ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، كانَ إدْخالُهُ النّارَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ عِنْدَهم، والقَبِيحُ هو الَّذِي يَلْزَمُ مَن فَعَلَهُ، إمّا الجَهْلُ، وإمّا الحاجَةُ فَهُما مُحالانِ، ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، فَإدْخالُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ النّارَ مُحالٌ، وما كانَ مُحالَ الوُقُوعِ عَقْلًا كانَ الدُّعاءُ والتَّضَرُّعُ في أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ عَبَثًا وقَبِيحًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ جُمْلَةَ الطّاعاتِ في حُصُولِ المَغْفِرَةِ حَيْثُ أتْبَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] .
قُلْنا: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ مُجَرَّدَ الإيمانِ وسِيلَةً إلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَها صِفاتِ المُطِيعِينَ وهي كَوْنُهم صابِرِينَ صادِقِينَ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ شَرائِطَ لِحُصُولِ هَذِهِ المَغْفِرَةِ لَكانَ ذِكْرُها قَبْلَ طَلَبِ المَغْفِرَةِ أوْلى، فَلَمّا رَتَّبَ طَلَبَ المَغْفِرَةِ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ الصِّفاتِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ في حُصُولِ أصْلِ المَغْفِرَةِ، وإنَّما هي مُعْتَبَرَةٌ في حُصُولِ كَمالِ الدَّرَجاتِ.
آل عمران 3:17
قَوْلُهُ تَعالى ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (الصّابِرِينَ) قِيلَ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ: أعْنِي الصّابِرِينَ، وقِيلَ: الصّابِرِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ الَّذِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا صِفاتٍ خَمْسَةً:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم صابِرِينَ، والمُرادُ كَوْنُهم صابِرِينَ في أداءِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ وفي تَرْكِ المَحْظُوراتِ، وكَوْنُهم صابِرِينَ في كُلِّ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المِحَنِ والشَّدائِدِ، وذَلِكَ بِأنْ لا يَجْزَعُوا بَلْ يَكُونُوا راضِينَ في قُلُوبِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا تِلْكَ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ الصَّبْرِ، ويُرْوى أنَّهُ وقَفَ رَجُلٌ عَلى الشِّبْلِيِّ، فَقالَ: أيُّ صَبْرٍ أشَدُّ عَلى الصّابِرِينَ ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ في اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لا، فَقالَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ لا، فَقالَ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ تَعالى، قالَ لا، قالَ فَأيْشِ ؟ قالَ: الصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَصَرَخَ الشِّبْلِيُّ صَرْخَةً كادَتْ رُوحُهُ تَتْلَفُ.
صفحة ١٧٦
وقَدْ كَثُرَ مَدْحُ اللَّهِ تَعالى لِلصّابِرِينَ، فَقالَ: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهم صادِقِينَ، اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الصِّدْقِ قَدْ يَجْرِي عَلى القَوْلِ والفِعْلِ والنِّيَّةِ، فالصِّدْقُ في القَوْلِ مَشْهُورٌ، وهو مُجانَبَةُ الكَذِبِ، والصِّدْقُ في الفِعْلِ الإتْيانُ بِهِ وتَرْكُ الِانْصِرافِ عَنْهُ قَبْلَ تَمامِهِ، يُقالُ: صَدَقَ فُلانٌ في القِتالِ وصَدَقَ في الجُمْلَةِ، ويُقالُ في ضِدِّهِ: كَذَبَ في القِتالِ، وكَذَبَ في الجُمْلَةِ، والصِّدْقُ في النِّيَّةِ إمْضاءُ العَزْمِ والإقامَةُ عَلَيْهِ حَتّى يَبْلُغَ الفِعْلَ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهم قانِتِينَ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وبِالجُمْلَةِ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ عَلى العِبادَةِ والمُواظَبَةِ عَلَيْها.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهم مُنْفِقِينَ ويَدْخُلُ فِيهِ إنْفاقُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ وأقارِبِهِ وصِلَةِ رَحِمِهِ وفي الزَّكاةِ والجِهادِ وسائِرِ وُجُوهِ البِرِّ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهم مُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ، والسَّحَرُ الوَقْتُ الَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وتَسَحَّرَ إذا أكَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ مَن يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِالِاسْتِغْفارِ والدُّعاءِ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَشْتَغِلُ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ صَلّى قَبْلَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا قَدْ صَلَّوْا بِاللَّيْلِ. واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِغْفارَ بِالسَّحَرِ لَهُ مَزِيدُ أثَرٍ في قُوَّةِ الإيمانِ وفي كَمالِ العُبُودِيَّةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ في وقْتِ السَّحَرِ يَطْلُعُ نُورُ الصُّبْحِ بَعْدَ أنْ كانَتِ الظُّلْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وبِسَبَبِ طُلُوعِ نُورِ الصُّبْحِ كَأنَّ الأمْواتَ يَصِيرُونَ أحْياءً، فَهُناكَ وقْتُ الجُودِ العامِّ والفَيْضِ التّامِّ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ طُلُوعِ صُبْحِ العالِمِ الكَبِيرِ يَطْلُعُ صُبْحُ العالَمِ الصَّغِيرِ، وهو ظُهُورُ نُورُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى في القَلْبِ.
والثّانِي: أنَّ وقْتَ السَّحَرِ أطْيَبُ أوْقاتِ النَّوْمِ، فَإذا أعْرَضَ العَبْدُ عَنْ تِلْكَ اللَّذَّةِ، وأقْبَلَ عَلى العُبُودِيَّةِ، كانَتِ الطّاعَةُ أكْمَلَ. والثّالِثُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ يُرِيدُ المُصَلِّينَ صَلاةَ الصُّبْحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: الَّذِينَ يَصْبِرُونَ ويَصْدُقُونَ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿الصّابِرِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المَعْنى عادَتُهم وخُلُقُهم، وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْها.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ أنْواعًا مِنَ التَّكْلِيفِ، والصّابِرُ هو مَن يَصْبِرُ عَلى أداءِ جَمِيعِ أنْواعِها، ثُمَّ إنَّ العَبْدَ قَدْ يَلْتَزِمُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ أنْواعًا أُخَرَ مِنَ الطّاعاتِ، وإمّا بِسَبَبِ الشُّرُوعِ فِيهِ، وكَمالُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ أنَّهُ إذا التَزَمَ طاعَةً أنْ يُصَدِّقَ نَفْسَهُ في التِزامِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ لِلْمُلْتَزِمِ مِن غَيْرِ خَلَلٍ البَتَّةَ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَرْتَبَةُ مُتَأخِّرَةً عَنِ الأُولى، لا جَرَمَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصّابِرِينَ أوَّلًا ثُمَّ قالَ: (الصّادِقِينَ) ثانِيًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَدَبَ إلى المُواظَبَةِ عَلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الطّاعَةِ، فَقالَ: (والقانِتِينَ) فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ لِلتَّرْغِيبِ في المُواظَبَةِ عَلى جَمِيعِ أنْواعِ الطّاعاتِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ الطّاعاتِ المُعَيَّنَةَ، وكانَ أعْظَمَ الطّاعاتِ قَدْرًا أمْرانِ:
أحَدُهُما: الخِدْمَةُ بِالمالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» “ فَذَكَرَهُ هُنا بِقَوْلِهِ (والمُنْفِقِينَ)
والثّانِيَةُ: الخِدْمَةُ بِالنَّفْسِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ» “ فَذَكَرَهُ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ .
صفحة ١٧٧
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قَدَّمَ هاهُنا ذِكْرَ المُنْفِقِينَ عَلى ذِكْرِ المُسْتَغْفِرِينَ، وأخَّرَ في قَوْلِهِ ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» “ .
قُلْنا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في شَرْحِ عُرُوجِ العَبْدِ مِنَ الأدْنى إلى الأشْرَفِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ الخَتْمُ بِذِكْرِ المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ، وقَوْلِهِ ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ» “ في شَرْحِ نُزُولِ العَبْدِ مِنَ الأشْرَفِ إلى الأدْنى، فَلا جَرَمَ كانَ التَّرْتِيبُ بِالعَكْسِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَذِهِ الخَمْسَةُ إشارَةٌ إلى تَعْدِيدِ الصِّفاتِ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، فَكانَ الواجِبُ حَذْفَ واوِ العَطْفِ عَنْها كَما في قَوْلِهِ ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] إلّا أنَّهُ ذَكَرَ هاهُنا واوَ العَطْفِ وأظُنُّ - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - أنَّ كُلَّ مَن كانَ مَعَهُ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ الخِصالِ دَخَلَ تَحْتَ المَدْحِ العَظِيمِ واسْتَوْجَبَ هَذا الثَّوابَ الجَزِيلَ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:18
قَوْلُهُ تَعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَدَحَ المُؤْمِنِينَ وأثْنى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ أرْدَفَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ دَلائِلَ الإيمانِ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَقالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ ما يَتَوَقَّفُ العِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى العِلْمِ بِهِ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، أمّا ما يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَجُوزُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، وفي حَقِّ المَلائِكَةِ، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ، لَكِنَّ العِلْمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِ اللَّهِ تَعالى واحِدًا فَلا جَرَمَ يَجُوزُ إثْباتُ كَوْنِ اللَّهِ تَعالى واحِدًا بِمُجَرَّدِ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ القُرْآنِيَّةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الشَّهادَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِنَ المَلائِكَةِ، ومِن أُولِي العِلْمِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَيُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ تَجْعَلَ الشَّهادَةَ عِبارَةً عَنِ الإخْبارِ المَقْرُونِ بِالعِلْمِ، فَهَذا المَعْنى مَفْهُومٌ واحِدٌ وهو حاصِلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وفي حَقِّ المَلائِكَةِ، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ، أمّا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أخْبَرَ في القُرْآنِ عَنْ كَوْنِهِ واحِدًا لا إلَهَ مَعَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ التَّمَسُّكَ بِالدَّلالَةِ السَّمْعِيَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ جائِزٌ، وأمّا مِنَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ فَكُلُّهم أخْبَرُوا أيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، فَثَبَتَ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ أنَّ المَفْهُومَ مِنَ الشَّهادَةِ مَعْنًى واحِدٌ في حَقِّ اللَّهِ، وفي حَقِّ المَلائِكَةِ، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ.
صفحة ١٧٨
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَجْعَلَ الشَّهادَةَ عِبارَةً عَنِ الإظْهارِ والبَيانِ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أظْهَرَ ذَلِكَ وبَيَّنَهُ بِأنْ خَلَقَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ فَقَدْ أظْهَرُوا ذَلِكَ، وبَيَّنُوهُ بِتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَراهِينِ، أمّا المَلائِكَةُ فَقَدْ بَيَّنُوا ذَلِكَ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والرُّسُلُ لِلْعُلَماءِ، والعُلَماءُ لِعامَّةِ الخَلْقِ، فالتَّفاوُتُ إنَّما وقَعَ في الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ حَصَلَ الإظْهارُ والبَيانُ، فالمَفْهُومُ الإظْهارُ والبَيانُ فَهو مَفْهُومٌ واحِدٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي حَقِّ أُولِي العِلْمِ، فَظَهَرَ أنَّ المَفْهُومَ مِنَ الشَّهادَةِ واحِدٌ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ لِلرَّسُولِ ﷺ: إنَّ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى أمْرٌ قَدْ ثَبَتَ بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى، وشَهادَةِ جَمِيعِ المُعْتَبَرِينَ مِن خَلْقِهِ، ومِثْلُ هَذا الدِّينِ المَتِينِ والمَنهَجِ القَوِيمِ، لا يَضْعُفُ بِخِلافِ بَعْضِ الجُهّالِ مِنَ النَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ، فاثْبُتْ أنْتَ وقَوْمُكَ يا مُحَمَّدُ عَلى ذَلِكَ فَإنَّهُ هو الإسْلامُ والدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ هو الإسْلامُ.
القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن يَقُولُ: شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى تَوْحِيدِهِ، عِبارَةٌ عَنْ أنَّهُ خَلَقَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِهِ، وشَهادَةُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ عِبارَةٌ عَنْ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ، ولَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يُسَمّى شَهادَةً، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الكُلِّ في اللَّفْظِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ومَعْلُومٌ أنَّ الصَّلاةَ مِنَ اللَّهِ غَيْرُ الصَّلاةِ مِنَ المَلائِكَةِ، ومِنَ المَلائِكَةِ غَيْرُ الصَّلاةِ مِنَ النّاسِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ جَمَعَهم في اللَّفْظِ.
فَإنْ قِيلَ: المُدَّعِي لِلْوَحْدانِيَّةِ هو اللَّهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ المُدَّعِي شاهِدًا ؟
الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ الشّاهِدَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ وجَعَلَها دَلائِلَ عَلى تَوْحِيدِهِ، ولَوْلا تِلْكَ الدَّلائِلُ لَما صَحَّتِ الشَّهادَةُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَصْبُ تِلْكَ الدَّلائِلِ هو الَّذِي وفَّقَ العُلَماءَ لِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الدَّلائِلِ، ولَوْلا تِلْكَ الدَّلائِلُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى وهَدى إلَيْها لَعَجَزُوا عَنِ التَّوَصُّلِ بِها إلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الشّاهِدُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] .
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهُ هو المَوْجُودُ أزَلًا وأبَدًا، وكُلُّ ما سِواهُ فَقَدْ كانَ في الأزَلِ عَدَمًا صِرْفًا، ونَفْيًا مَحْضًا، والعَدَمُ يُشْبِهُ الغائِبَ، والمَوْجُودُ يُشْبِهُ الحاضِرَ، فَكُلُّ ما سِواهُ فَقَدْ كانَ غائِبًا، وبِشَهادَةِ الحَقِّ صارَ شاهِدًا، فَكانَ الحَقُّ شاهِدًا عَلى الكُلِّ، فَلِهَذا قالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ .
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا وإنْ كانَ في صُورَةِ الشَّهادَةِ، إلّا أنَّهُ في مَعْنى الإقْرارِ، لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ، كانَ الكُلُّ عَبِيدًا لَهُ، والمَوْلى الكَرِيمُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ لا يُخِلَّ بِمَصالِحِ العَبِيدِ، فَكانَ هَذا الكَلامُ جارِيًا مَجْرى الإقْرارِ بِأنَّهُ يَجِبُ وُجُوبَ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أنْ يُصْلِحَ جِهاتِ جَمِيعِ الخَلْقِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ”شَهِدَ اللَّهُ إنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو“ بِكَسْرِ ”إنَّهُ“ ثُمَّ قَرَأ ”أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ“ بِفَتْحِ ”أنَّ“ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: شَهِدَ اللَّهُ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ويَكُونُ قَوْلُهُ ”إنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو“ اعْتِراضًا في الكَلامِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ العُلَماءِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ مَقْبُولَةً لَكِنَّ القِراءَةَ الأُولى مُتَّفَقٌ عَلَيْها، فالإشْكالُ الوارِدُ عَلَيْها لا يَنْدَفِعُ بِسَبَبِ القِراءَةِ الأُخْرى.
صفحة ١٧٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن ﴿وأُولُو العِلْمِ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ الَّذِينَ عَرَفُوا وحْدانِيَّتَهُ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ لِأنَّ الشَّهادَةَ إنَّما تَكُونُ مَقْبُولَةً، إذا كانَ الإخْبارُ مَقْرُونًا بِالعِلْمِ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: ”«إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» “ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الدَّرَجَةَ العالِيَةَ والمَرْتَبَةَ الشَّرِيفَةَ لَيْسَتْ إلّا لِعُلَماءِ الأُصُولِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ مُنْتَصِبٌ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: نَصْبٌ عَلى الحالِ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: التَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ قائِمًا بِالقِسْطِ. وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن هو تَقْدِيرُهُ: لا إلَهَ إلّا هو قائِمًا بِالقِسْطِ، ويُسَمّى هَذا حالًا مُؤَكِّدَةً كَقَوْلِكَ: أتانا عَبْدُ اللَّهِ شُجاعًا، وكَقَوْلِكَ: لا رَجُلَ إلّا عَبْدَ اللَّهِ شُجاعًا.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ صِفَةَ المَنفِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا إلَهَ قائِمًا بِالقِسْطِ إلّا هو، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ لِأنَّهم يَفْصِلُونَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ مِن حَقِّ المَدْحِ أنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً، كَقَوْلِكَ، الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمِيدِ.
قُلْنا: وقَدْ جاءَ نَكِرَةً أيْضًا، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وشُعْثًا مَراضِعَ مِثْلَ السَّعالِي
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ والتَّقْدِيرُ: وأُولُو العِلْمِ حالٌ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم قائِمًا بِالقِسْطِ في أداءِ هَذِهِ الشَّهادَةِ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ حالٌ مِن ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى كَوْنِهِ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ قائِمًا بِالعَدْلِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ قائِمٌ بِالتَّدْبِيرِ، أيْ يُجْرِيهِ عَلى الِاسْتِقامَةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا العَدْلَ مِنهُ ما هو مُتَّصِلٌ بِبابِ الدُّنْيا، ومِنهُ ما هو مُتَّصِلٌ بِبابِ الدِّينِ، أمّا المُتَّصِلُ بِالدِّينِ فانْظُرْ أوَّلًا في كَيْفِيَّةِ خِلْقَةِ أعْضاءِ الإنْسانِ، حَتّى تَعْرِفَ عَدْلَ اللَّهِ تَعالى فِيها، ثُمَّ انْظُرْ إلى اخْتِلافِ أحْوالِ الخَلْقِ في الحُسْنِ والقُبْحِ، والغِنى والفَقْرِ والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، وطُولِ العُمُرِ وقِصَرِهِ واللَّذَّةِ والآلامِ، واقْطَعْ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ، ثُمَّ انْظُرْ في كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ العَناصِرَ وأجْرامَ الأفْلاكِ، وتَقْدِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ وخاصِّيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، واقْطَعْ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ حِكْمَةٌ وصَوابٌ، أمّا ما يَتَّصِلُ بِأمْرِ الدِّينِ، فانْظُرْ إلى اخْتِلافِ الخَلْقِ في العِلْمِ والجَهْلِ، والفَطانَةِ والبَلادَةِ، والهِدايَةِ والغَوايَةِ، واقْطَعْ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَدْلٌ وقِسْطٌ. ولَقَدْ خاضَ صاحِبُ الكَشّافِ هاهُنا في التَّعَصُّبِ لِلِاعْتِزالِ وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإسْلامَ هو العَدْلُ والتَّوْحِيدُ، وكانَ ذَلِكَ المِسْكِينُ بَعِيدًا عَنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأشْياءِ إلّا أنَّهُ فُضُولِيٌّ كَثِيرُ الخَوْضِ فِيما لا يَعْرِفُ، وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن أجازَ الرُّؤْيَةَ، أوْ ذَهَبَ إلى الجَبْرِ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِ اللَّهِ الَّذِي هو الإسْلامُ، والعَجَبُ أنَّ أكابِرَ المُعْتَزِلَةِ وعُظَماءَهم أفْنَوْا أعْمارَهم في طَلَبِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ مَرْئِيًّا لَكانَ جِسْمًا، وما وجَدُوا فِيهِ سِوى الرُّجُوعِ إلى الشّاهِدِ مِن غَيْرِ جامِعٍ عَقْلِيٍّ قاطِعٍ، فَهَذا المِسْكِينُ الَّذِي ما شَمَّ رائِحَةَ العِلْمِ مِن أيْنَ وجَدَ ذَلِكَ !
صفحة ١٨٠
وأمّا حَدِيثُ الجَبْرِ فالخَوْضُ فِيهِ مِن ذَلِكَ المِسْكِينِ خَوْضٌ فِيما لا يَعْنِيهِ، لِأنَّهُ لَمّا اعْتَرَفَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، واعْتَرَفَ بِأنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْلِبَ عِلْمَ اللَّهِ جَهْلًا، فَقَدِ اعْتَرَفَ بِهَذا الجَبْرِ، فَمِن أيْنَ هو والخَوْضُ في أمْثالِ هَذِهِ المَباحِثِ ! .
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ والفائِدَةُ في إعادَتِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، وإذا شَهِدَ بِذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، ونَظِيرُهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ومَتى كانَ كَذَلِكَ صَحَّ القَوْلُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ شَهِدَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وشَهِدَتِ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ بِذَلِكَ صارَ التَّقْدِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ فَقُولُوا أنْتُمْ عَلى وفْقِ شَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ فَكانَ الغَرَضُ مِنَ الإعادَةِ الأمْرَ بِذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى وفْقِ تِلْكَ الشَّهاداتِ. الثّالِثُ: فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ الإعْلامُ بِأنَّ المُسْلِمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أبَدًا في تَكْرِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَإنَّ أشْرَفَ كَلِمَةٍ يَذْكُرُها الإنْسانُ هي هَذِهِ الكَلِمَةُ، فَإذا كانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِها وبِتَكْرِيرِها كانَ مُشْتَغِلًا بِأعْظَمِ أنْواعِ العِباداتِ، فَكانَ الغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ حَثُّ العِبادِ عَلى تَكْرِيرِها. الرّابِعُ: ذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أوَّلًا: لِيُعْلِمَ أنَّهُ لا تَحِقُّ العِبادَةُ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وذَكَرَها ثانِيًا: لِيُعْلِمَ أنَّهُ القائِمُ بِالقِسْطِ لا يَجُورُ ولا يَظْلِمُ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فالعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، والحَكِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، وهُما الصِّفَتانِ اللَّتانِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الإلَهِيَّةِ إلّا مَعَهُما؛ لِأنَّ كَوْنَهُ قائِمًا بِالقِسْطِ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِمَقادِيرِ الحاجاتِ، وكانَ قادِرًا عَلى تَحْصِيلِ المُهِمّاتِ، وقَدَّمَ العَزِيزَ عَلى الحَكِيمِ في الذِّكْرِ، لِأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا مُتَقَدِّمٌ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا في طَرِيقِ المَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلالِيَّةِ، فَلَمّا كانَ مُقَدَّمًا في المَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلالِيَّةِ، وكانَ هَذا الخِطابُ مَعَ المُسْتَدِلِّينَ، لا جَرَمَ قَدَّمَ تَعالى ذِكْرَ العَزِيزِ عَلى الحَكِيمِ.
آل عمران 3:19
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ ”إنَّ“ إلّا الكِسائِيَّ فَإنَّهُ فَتَحَ ”أنَّ“ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ظاهِرَةٌ، لِأنَّ الكَلامَ الَّذِي قَبْلَهُ قَدْ تَمَّ، وأمّا قِراءَةُ الكِسائِيِّ فالنَّحْوِيُّونَ ذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى واحِدًا مُوجِبٌ أنْ يَكُونَ الدِّينُ الحَقُّ هو الإسْلامُ، لِأنَّ دِينَ الإسْلامِ هو المُشْتَمِلُ عَلى هَذِهِ الوَحْدانِيَّةِ.
والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ.
الثّالِثُ: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ أنْ يُجْعَلَ الثّانِي بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، ثُمَّ إنْ قُلْنا بِأنَّ دِينَ الإسْلامِ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّوْحِيدِ نَفْسِهِ كانَ هَذا مِن بابِ قَوْلِكَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا نَفْسَهُ، وإنْ قُلْنا: دِينُ الإسْلامِ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّوْحِيدِ كانَ هَذا مِن بابِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ وجَبَ أنْ لا يُحْسَبَ إعادَةُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى كَما يُقالُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَ زَيْدٍ.
قُلْنا: قَدْ يُظْهِرُونَ الِاسْمَ في مَوْضِعِ الكِتابَةِ، قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ١٨١
لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ
وأمْثالُهُ كَثِيرَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ مَن قَرَأ ”أنَّ الدِّينَ“ بِفَتْحِ ”أنَّ“ كانَ التَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ لِأجْلِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، فَإنَّ الإسْلامَ إذا كانَ هو الدِّينَ المُشْتَمِلَ عَلى التَّوْحِيدِ، واللَّهُ تَعالى شَهِدَ بِهَذِهِ الوَحْدانِيَّةِ كانَ اللّازِمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامَ، ومَن قَرَأ ”إنَّ الدِّينَ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَوَجْهُ الِاتِّصالِ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ التَّوْحِيدَ أمْرٌ شَهِدَ اللَّهُ بِصِحَّتِهِ، وشَهِدَ بِهِ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يُقالَ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أصْلُ الدِّينِ في اللُّغَةِ الجَزاءُ، ثُمَّ الطّاعَةُ تُسَمّى دِينًا لِأنَّها سَبَبُ الجَزاءِ، وأمّا الإسْلامُ فَفي مَعْناهُ في أصْلِ اللُّغَةِ أوْجُهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ أيْ في الِانْقِيادِ والمُتابَعَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ [النساء: ٩٤] أيْ لِمَن صارَ مُنْقادًا لَكم ومُتابِعًا لَكم.
والثّانِي: مَن أسْلَمَ أيْ دَخَلَ في السَّلْمِ، كَقَوْلِهِمْ: أسْنى وأقْحَطَ وأصْلُ السَّلْمِ السَّلامَةُ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُسْلِمُ مَعْناهُ المُخْلِصُ لِلَّهِ عِبادَتَهُ مِن قَوْلِهِمْ: سَلِمَ الشَّيْءُ لِفُلانٍ، أيْ خَلُصَ لَهُ فالإسْلامُ مَعْناهُ إخْلاصُ الدِّينِ والعَقِيدَةِ لِلَّهِ تَعالى، هَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ لَفْظِ الإسْلامِ في أصْلِ اللُّغَةِ، أمّا في عُرْفِ الشَّرْعِ فالإسْلامُ هو الإيمانُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الدِّينُ المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَ إلّا الإسْلامَ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ غَيْرَ الإسْلامِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ الإيمانُ دِينًا مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، ولا شَكَّ في أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] فَلَوْ كانَ الإيمانُ غَيْرَ الإسْلامِ لَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الإيمانُ دِينًا مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] هَذا صَرِيحٌ في أنَّ الإسْلامَ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ.
قُلْنا: الإسْلامُ عِبارَةٌ عَنْ الِانْقِيادِ في أصْلِ اللُّغَةِ عَلى ما بَيَّنّا، والمُنافِقُونَ انْقادُوا في الظّاهِرِ مِن خَوْفِ السَّيْفِ، فَلا جَرَمَ كانَ الإسْلامُ حاصِلًا في حُكْمِ الظّاهِرِ، والإيمانُ كانَ أيْضًا حاصِلًا في حُكْمِ الظّاهِرِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] والإيمانُ الَّذِي يُمْكِنُ إدارَةُ الحُكْمِ عَلَيْهِ هو الإقْرارُ الظّاهِرُ، فَعَلى هَذا الإسْلامُ والإيمانُ تارَةً يُعْتَبَرانِ في الظّاهِرِ، وتارَةً في الحَقِيقَةِ، والمُنافِقُ حَصَلَ لَهُ الإسْلامُ الظّاهِرُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ الإسْلامُ الباطِنُ، لِأنَّ باطِنَهُ غَيْرُ مُنْقادٍ لِدِينِ اللَّهِ، فَكانَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لَمْ تُسْلِمُوا في القَلْبِ والباطِنِ، ولَكِنْ قُولُوا: أسْلَمْنا في الظّاهِرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٨٢
المَسْألَةُ الأُولى: الغَرَضُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْضَحَ الدَّلائِلَ، وأزالَ الشُّبُهاتِ والقَوْمُ ما كَفَرُوا إلّا لِأجْلِ التَّقْصِيرِ، فَقَوْلُهُ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ، واخْتِلافُهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرُبَتْ وفاتُهُ سَلَّمَ التَّوْراةَ إلى سَبْعِينَ حَبْرًا، وجَعَلَهم أُمَناءَ عَلَيْها واسْتَخْلَفَ يُوشَعَ، فَلَمّا مَضى قَرْنٌ بَعْدَ قَرْنٍ اخْتَلَفَ أبْناءُ السَّبْعِينَ مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ في التَّوْراةِ بَغْيًا بَيْنَهم، وتَحاسَدُوا في طَلَبِ الدُّنْيا. والثّانِي: المُرادُ النَّصارى واخْتِلافُهم في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. والثّالِثُ: المُرادُ اليَهُودُ والنَّصارى واخْتِلافُهم هو أنَّهُ قالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وأنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا: نَحْنُ أحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ مِن قُرَيْشٍ، لِأنَّهم أُمِّيُّونَ ونَحْنُ أهْلُ الكِتابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ المُرادُ مِنهُ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الدَّلائِلُ الَّتِي لَوْ نَظَرُوا فِيها لَحَصَلَ لَهُمُ العِلْمُ، لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى العِلْمِ لَصارُوا مُعانِدِينَ، والعِنادُ عَلى الجَمْعِ العَظِيمِ لا يَصِحُّ، وهَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ في كُلِّ أهْلِ الكِتابِ وهم جَمْعٌ عَظِيمٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ (بَغْيًا) وجْهانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ الأخْفَشِ إنَّهُ انْتَصَبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِلْبَغْيِ كَقَوْلِكَ: جِئْتُكَ طَلَبَ الخَيْرِ ومَنعَ الشَّرِّ.
والثّانِي: قَوْلُ الزَّجّاجِ إنَّهُ انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ مِن طَرِيقِ المَعْنى، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: وما بَغى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ فَجَعَلَ (بَغْيًا) مَصْدَرًا، والفَرْقُ بَيْنَ المَفْعُولِ لَهُ وبَيْنَ المَصْدَرِ أنَّ المَفْعُولَ لَهُ غَرَضٌ لِلْفِعْلِ، وأمّا المَصْدَرُ فَهو المَفْعُولُ المُطْلَقُ الَّذِي أحْدَثَهُ الفاعِلُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الأخْفَشُ قَوْلُهُ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ (اخْتَلَفَ) والمَعْنى: وما اخْتَلَفُوا بَغِيًا بَيْنَهم إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم، وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى وما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ إلّا لِلْبَغْيِ بَيْنَهم، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا عَنْ أنَّهم إنَّما اخْتَلَفُوا لِلْبَغْيِ، وقالَ القَفّالُ: وهَذا أجْوَدُ مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّ الأوَّلَ يُوهِمُ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا بِسَبَبِ ما جاءَهم مِنَ العِلْمِ، والثّانِي يُفِيدُ أنَّهم إنَّما اخْتَلَفُوا لِأجْلِ الحَسَدِ والبَغْيِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى فَإنَّهُ سَيَصِيرُ إلى اللَّهِ تَعالى سَرِيعًا فَيُحاسِبُهُ أيْ يَجْزِيهِ عَلى كُفْرِهِ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُعْلِمُهُ بِأعْمالِهِ ومَعاصِيهِ وأنْواعِ كُفْرِهِ بِإحْصاءٍ سَرِيعٍ مَعَ كَثْرَةِ الأعْمالِ.
آل عمران 3:20
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .
صفحة ١٨٣
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ اخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ، وأنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ مَعَ ذَلِكَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لِلرَّسُولِ ﷺ ما يَقُولُهُ في مُحاجَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ وفي كَيْفِيَّةِ إيرادِ هَذا الكَلامِ طَرِيقانِ:
الطَّرِيقُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا إعْراضٌ عَنِ المُحاجَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ أظْهَرَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى صِدْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِرارًا وأطْوارًا، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ لَهُمُ المُعْجِزاتِ بِالقُرْآنِ، ودُعاءِ الشَّجَرَةِ وكَلامِ الذِّئْبِ وغَيْرِها، وأيْضًا قَدْ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ آياتٍ دالَّةً عَلى صِحَّةِ دِينِهِ، فَأوَّلُها أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى في إلَهِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِقَوْلِهِ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، وذَكَرَ شُبَهَ القَوْمِ، وأجابَ عَنْها بِأسْرِها عَلى ما قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهم مُعْجِزَةً أُخْرى، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي شاهَدُوها يَوْمَ بَدْرٍ عَلى ما بَيَّناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ [آل عمران: ١٣] ثُمَّ بَيَّنَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ، ونَفى الضِّدَّ والنِّدَّ والصّاحِبَةَ والوَلَدَ بِقَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَهابَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَّصارى عَنِ الحَقِّ، واخْتِلافَهم في الدِّينِ، إنَّما كانَ لِأجْلِ البَغْيِ والحَسَدِ، وذَلِكَ ما يَحْمِلُهم عَلى الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ والتَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ لَوْ كانُوا مُخْلِصِينَ، فَظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أسْبابِ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى فِرَقِ الكُفّارِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ حَصَلَ، فَبَعْدَ هَذا قالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ يَعْنِي إنّا بالَغْنا في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ، وإيضاحِ البَيِّناتِ، فَإنْ تَرَكْتُمُ الأنَفَ والحَسَدَ، وتَمَسَّكْتُمْ بِها كُنْتُمْ أنْتُمُ المُهْتَدِينَ، وإنْ أعْرَضْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مِن وراءِ مُجازاتِكم، وهَذا التَّأْوِيلُ طَرِيقٌ مُعْتادٌ في الكَلامِ، فَإنَّ المُحِقَّ إذا ابْتُلِيَ بِالمُبْطِلِ اللَّجُوجِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقَدْ يَقُولُ في آخِرِ الأمْرِ: أمّا أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي فَمُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُسْتَسْلِمُونَ لَهُ مُقْبِلُونَ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ وافَقْتُمْ واتَّبَعْتُمُ الحَقَّ الَّذِي أنا عَلَيْهِ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْتُها فَقَدِ اهْتَدَيْتُمْ، وإنْ أعْرَضْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ بِالمِرْصادِ، فَهَذا الطَّرِيقُ قَدْ يَذْكُرُهُ المُحْتَجُّ المُحِقُّ مَعَ المُبْطِلِ المُصِرِّ في آخِرِ كَلامِهِ.
الطَّرِيقُ الثّانِي: وهو أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ مُحاجَّةٌ، وإظْهارٌ لِلدَّلِيلِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ، وكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِلْقَوْمِ: هَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الكُلِّ فَأنا مُسْتَمْسِكٌ بِهَذا القَدْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ وداعٍ لِلْخَلْقِ إلَيْهِ، وإنَّما الخِلافُ في أُمُورٍ وراءَ ذَلِكَ وأنْتُمُ المُدَّعُونَ فَعَلَيْكُمُ الإثْباتُ، فَإنَّ اليَهُودَ يَدَّعُونَ التَّشْبِيهَ والجِسْمِيَّةَ، والنَّصارى يَدَّعُونَ إلَهِيَّةَ عِيسى، والمُشْرِكِينَ يَدَّعُونَ وُجُوبَ عِبادَةِ الأوْثانِ فَهَؤُلاءِ هُمُ المُدَّعُونَ لِهَذِهِ الأشْياءِ فَعَلَيْهِمْ إثْباتُها، وأمّا أنا فَلا أدَّعِي إلّا وُجُوبَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعُبُودِيَّتَهُ، وهَذا القَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] .
والوَجْهُ الثّانِي: في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وهو أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى وعَبَدَةَ الأوْثانِ كانُوا مُقِرِّينَ بِتَعْظِيمِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، والإقْرارِ بِأنَّهُ كانَ مُحِقًّا في قَوْلِهِ صادِقًا في دِينِهِ، إلّا في زِياداتٍ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ﴾
صفحة ١٨٤
﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ في هَذا المَوْضِعِ أنْ يَقُولَ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] فَقَوْلُ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] أيْ أعْرَضْتُ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، وقَصَدْتُهُ بِالعِبادَةِ وأخْلَصْتُ لَهُ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَإنْ نازَعُوكَ يا مُحَمَّدُ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ فَقُلْ: أنا مُسْتَمْسِكٌ بِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ، وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ طَرِيقَتَهُ حَقَّةٌ، بَعِيدَةٌ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ وتُهْمَةٍ، فَكانَ هَذا مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالإلْزاماتِ، وداخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
والوَجْهُ الثّالِثُ: في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ ما خَطَرَ بِبالِي عِنْدَ كَتْبَةِ هَذا المَوْضِعِ، وهو أنَّهُ ادَّعى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ لا غَيْرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ يَعْنِي فَإنْ نازَعُوكَ في قَوْلِكَ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ فَقُلِ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنِّي أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الدِّينِ إنَّما هو الوَفاءُ بِلَوازِمِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَإذا أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ فَلا أعْبُدُ غَيْرَهُ ولا أتَوَقَّعُ الخَيْرَ إلّا مِنهُ ولا أخافُ إلّا مِن قَهْرِهِ وسَطْوَتِهِ، ولا أُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، كانَ هَذا هو تَمامُ الوَفاءِ بِلَوازِمِ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فَصَحَّ أنَّ الدِّينَ الكامِلَ هو الإسْلامُ، وهَذا الوَجْهُ يُناسِبُ الآيَةَ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ: ما خَطَرَ بِبالِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُناسِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٢٢] يَعْنِي لا تَجُوزُ العِبادَةُ إلّا لِمَن يَكُونُ نافِعًا ضارًّا، ويَكُونُ أمْرِي في يَدَيْهِ، وحُكْمِي في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ، فَإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ يَعْلَمُ أنَّ عِيسى ما كانَ قادِرًا عَلى هَذِهِ الأشْياءِ، امْتَنَعَ في العَقْلِ أنْ أُسْلِمَ لَهُ، وأنْ أنْقادَ لَهُ، وإنَّما أُسْلِمُ وجْهِيَ لِلَّذِي مِنهُ الخَيْرُ، والشَّرُّ، والنَّفْعُ، والضُّرُّ، والتَّدْبِيرُ، والتَّقْدِيرُ.
الوَجْهُ الخامِسُ: يَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ إشارَةً إلى طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ أسَلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ، أيْ أخْلَصْتُ عَمَلِي لِلَّهِ يُقالُ أسَلَمْتُ الشَّيْءَ لِفُلانٍ أيْ أخْلَصْتُهُ لَهُ، ولَمْ يُشارِكْهُ غَيْرُهُ. قالَ: ويَعْنِي بِالوَجْهِ هاهُنا العَمَلَ كَقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] أيْ عِبادَتَهُ، ويُقالُ: هَذا وجْهُ الأمْرِ أيْ خالِصُ الأمْرِ، وإذا قَصَدَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ لِحاجَةٍ يَقُولُ: وجَّهْتُ وجْهِيَ إلَيْكَ، ويُقالُ لِلْمُنْهَمِكِ في الشَّيْءِ الَّذِي لا يَرْجِعُ عَنْهُ: مَرَّ عَلى وجْهِهِ. الثّانِي: أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ أيْ أسَلَمْتُ وجْهَ عَمَلِي لِلَّهِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما يَصْدُرُ مِنِّي مِنَ الأعْمالِ فالوَجْهُ في الإتْيانِ بِها هو عُبُودِيَّةُ اللَّهِ تَعالى والِانْقِيادُ لِإلَهِيَّتِهِ وحُكْمِهِ. الثّالِثُ: أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ أيْ أسْلَمْتُ نَفَسِي لِلَّهِ ولَيْسَ في العِبادَةِ مَقامٌ أعْلى مِن إسْلامِ النَّفْسِ لِلَّهِ فَيَصِيرُ كَأنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى عِبادَتِهِ، عادِلٌ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: حَذَفَ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ الياءَ مِنِ ”اتَّبَعَنِ“ اجْتِزاءً بِالكَسْرِ واتِّباعًا لِلْمُصْحَفِ، وأثْبَتَهُ الآخَرُونَ عَلى الأصْلِ.
صفحة ١٨٥
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”مَن“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى التّاءِ في قَوْلِهِ (أسْلَمْتُ) أيْ ومَنِ اتَّبَعَنِي أسْلَمَ أيْضًا.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ أسْلَمْتُ ومَنِ اتَّبَعَنِ، ولَمْ يَقُلْ: أسْلَمْتُ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِ.
قُلْنا: إنَّ الكَلامَ طالَ بِقَوْلِهِ ﴿وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ فَصارَ عِوَضًا مِن تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، ولَوْ قِيلَ: أسْلَمْتُ وزَيْدٌ، لَمْ يَحْسُنْ حَتّى يُقالَ: أسْلَمْتُ أنا وزَيْدٌ، ولَوْ قالَ أسْلَمْتُ اليَوْمَ بِانْشِراحِ صَدْرٍ، ومَن جاءَ مَعِي جازَ وحَسُنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ لِجَمِيعِ المُخالِفِينَ لِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنهم مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ، سَواءٌ كانَ مُحِقًّا في تِلْكَ الدَّعْوى كاليَهُودِ والنَّصارى، أوْ كانَ كاذِبًا فِيهِ كالمَجُوسِ، ومِنهم مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الكِتابِ وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما وصَفَ مُشْرِكِي العَرَبِ بِأنَّهم أُمِّيُّونَ لِوَجْهَيْنِ
: الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا لَمْ يَدَّعُوا الكِتابَ الإلَهِيَّ وُصِفُوا بِأنَّهم أُمِّيُّونَ تَشْبِيهًا بِمَن لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ القِراءَةِ والكِتابَةِ فَهَذِهِ كانَتْ صِفَةَ عامَّتِهِمْ وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن يَكْتُبُ فَنادِرٌ مِن بَيْنِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ عامٌّ في كُلِّ الكُفّارِ، لِأنَّهُ دَخَلَ كُلُّ مَن يَدَّعِي الكِتابَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ودَخَلَ مَن لا كِتابَ لَهُ تَحْتَ قَوْلِهِ (الأُمِّيِّينَ) .
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى (أأسْلَمْتُمْ) فَهو اسْتِفْهامٌ في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ، والمَقْصُودُ مِنهُ الأمْرُ قالَ النَّحْوِيُّونَ: إنَّما جاءَ بِالأمْرِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَتِهِ في طَلَبِ الفِعْلِ والِاسْتِدْعاءِ إلَيْهِ إلّا أنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْ مَعْنى الأمْرِ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، وهي التَّعْبِيرُ بِكَوْنِ المُخاطَبِ مُعانِدًا بَعِيدًا عَنِ الإنْصافِ، لِأنَّ المُنْصِفَ إذا ظَهَرَتْ لَهُ الحُجَّةُ لَمْ يَتَوَقَّفْ بَلْ في الحالِ يَقْبَلُ ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ لِمَن لَخَّصْتَ لَهُ المَسْألَةَ في غايَةِ التَّلْخِيصِ والكَشْفِ والبَيانِ؛ هَلْ فَهِمْتَها ؟ فَإنَّ فِيهِ الإشارَةَ إلى كَوْنِ المُخاطَبِ بَلِيدًا قَلِيلَ الفَهْمِ. وقالَ اللَّهُ تَعالى في آيَةِ الخَمْرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّقاعُدِ عَنِ الِانْتِهاءِ والحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى تَعاطِي المَنهِيِّ عَنْهُ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الإسْلامَ تَمَسُّكٌ بِما هَدى إلَيْهِ، والمُتَمَسِّكُ بِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى يَكُونُ مُهْتَدِيًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَقَدِ اهْتَدَوْا لِلْفَوْزِ والنَّجاةِ في الآخِرَةِ إنْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإسْلامِ واتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ والغَرَضُ مِنهُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ وتَعْرِيفُهُ أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ لَيْسَ إلّا إبْلاغُ الأدِلَّةِ وإظْهارُ الحُجَّةِ فَإذا بَلَّغَ ما جاءَ بِهِ فَقَدْ أدّى ما عَلَيْهِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ قَبُولُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ وذَلِكَ يُفِيدُ الوَعْدَ والوَعِيدَ، وهو ظاهِرٌ.
آل عمران 3:21
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ حالَ مَن يُعْرِضُ ويَتَوَلّى بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أرْدَفَهُ بِصِفَةِ هَذا المُتَوَلِّي فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَهم كافِرِينَ بِجَمِيعِ آياتِ اللَّهِ واليَهُودُ والنَّصارى ما كانُوا كَذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ والمَعادِ.
قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ نَصْرِفَ آياتِ اللَّهِ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ وهو القُرْآنُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ .
الثّانِي: أنْ نَحْمِلَهُ عَلى العُمُومِ، ونَقُولَ إنَّ مَن كَذَّبَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَلْزَمُهُ أنْ يُكَذِّبَ بِجَمِيعِ آياتِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَن تَناقَضَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ إذْ لَوْ كانَ مُؤْمِنًا بِشَيْءٍ مِنها لَآمَنَ بِالجَمِيعِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”ويُقَتِّلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ“ وهو لِلْمُبالَغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحَ أنَّهُ قالَ: «قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى» . وأيْضًا القَوْمُ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، وزَعَمُوا أنَّهم قَتَلُوا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ فَعَلى قَوْلِهِمْ ثَبَتَ أنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ.
* * *
وفِي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ في حُكْمِ المُسْتَقْبَلِ، لِأنَّهُ وعِيدٌ لِمَن كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَقَعْ مِنهم قَتْلُ الأنْبِياءِ ولا القائِمِينَ بِالقِسْطِ فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ ؟
الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَمّا كانَتْ طَرِيقَةَ أسْلافِهِمْ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ إلَيْهِمْ، إذْ كانُوا مُصَوِّبِينَ وبِطَرِيقَتِهِمْ راضِينَ، فَإنَّ صُنْعَ الأبِ قَدْ يُضافُ إلى الِابْنِ إذا كانَ راضِيًا بِهِ وجارِيًا عَلى طَرِيقَتِهِ. الثّانِي: أنَّ القَوْمَ كانُوا يُرِيدُونَ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَتْلَ والمُؤْمِنِينَ إلّا أنَّهُ تَعالى عَصَمَهُ مِنهم، فَلَمّا كانُوا في
صفحة ١٨٧
غايَةِ الرَّغْبَةِ في ذَلِكَ صَحَّ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما يُقالُ: النّارُ مُحْرِقَةٌ، والسُّمُّ قاتِلٌ، أيْ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِما إذا وُجِدَ القابِلُ، فَكَذا هاهُنا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلّا كَذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وقَتْلُ الأنْبِياءِ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ ؟
والجَوابُ: ذَكَرْنا وُجُوهَ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ مِنهُ شَرْحُ عِظَمِ ذَنْبِهِمْ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم قَصَدُوا بِطَرِيقَةِ الظُّلْمِ في قَتْلِهِمْ طَرِيقَةَ العَدْلِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ ظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهم قَتَلُوا الكُلَّ، ومَعْلُومٌ أنَّهم ما قَتَلُوا الكُلَّ ولا الأكْثَرَ ولا النِّصْفَ.
والجَوابُ: الألِفُ واللّامُ مَحْمُولانِ عَلى المَعْهُودِ لا عَلى الِاسْتِغْراقِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ ”ويُقاتِلُونَ“ بِالألِفِ والباقُونَ ”ويَقْتُلُونَ“ وهُما سَواءٌ، لِأنَّهم قَدْ يُقاتِلُونَ فَيَقْتُلُونَ بِالقِتالِ، وقَدْ يَقْتُلُونَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ قِتالٍ. وقَرَأ أُبَيٌّ ”ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القائِمَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عِنْدَ الخَوْفِ، تَلِي مَنزِلَتُهُ في العِظَمِ مَنزِلَةَ الأنْبِياءِ، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قامَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أيُّ الجِهادِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ“» .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ وعِيدَهم مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ (فَبَشِّرْهم) مَعَ أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَزاءِ والتَّقْدِيرُ: مَن يَكْفُرْ فَبَشِّرْهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وهو أنَّ إنْذارَ هَؤُلاءِ بِالعَذابِ قائِمٌ مَقامَ بُشْرى المُحْسِنِينَ بِالنَّعِيمِ، والكَلامُ في حَقِيقَةِ البِشارَةِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] .
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الوَعِيدِ: قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذا أنَّ مَحاسِنَ أعْمالِ الكُفّارِ مُحْبَطَةٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا الدُّنْيا فَبِإبْدالِ المَدْحِ بِالذَّمِّ والثَّناءِ بِاللَّعْنِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، وأخْذِ الأمْوالِ مِنهم غَنِيمَةً، والِاسْتِرْقاقِ لَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ الظّاهِرِ فِيهِمْ، وأمّا حُبُوطُها في الآخِرَةِ فَبِإزالَةِ الثَّوابِ إلى العِقابِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِن وعِيدِهِمْ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ الوَعِيدِ اجْتِماعَ أسْبابِ الآلامِ والمَكْرُوهاتِ في حَقِّهِمْ وبَيَّنَ بِالنَّوْعِ الثّانِي زَوالَ أسْبابِ المَنافِعِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وبَيَّنَ بِهَذا الوَجْهِ الثّالِثِ لُزُومَ ذَلِكَ في حَقِّهِمْ عَلى وجْهٍ لا يَكُونُ لَهم ناصِرٌ ولا دافِعٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:22
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ حالَ مَن يُعْرِضُ ويَتَوَلّى بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أرْدَفَهُ بِصِفَةِ هَذا المُتَوَلِّي فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَهم كافِرِينَ بِجَمِيعِ آياتِ اللَّهِ واليَهُودُ والنَّصارى ما كانُوا كَذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ والمَعادِ.
قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ نَصْرِفَ آياتِ اللَّهِ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ وهو القُرْآنُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ .
الثّانِي: أنْ نَحْمِلَهُ عَلى العُمُومِ، ونَقُولَ إنَّ مَن كَذَّبَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَلْزَمُهُ أنْ يُكَذِّبَ بِجَمِيعِ آياتِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَن تَناقَضَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ إذْ لَوْ كانَ مُؤْمِنًا بِشَيْءٍ مِنها لَآمَنَ بِالجَمِيعِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”ويُقَتِّلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ“ وهو لِلْمُبالَغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحَ أنَّهُ قالَ: «قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى» . وأيْضًا القَوْمُ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، وزَعَمُوا أنَّهم قَتَلُوا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ فَعَلى قَوْلِهِمْ ثَبَتَ أنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ.
* * *
وفِي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ في حُكْمِ المُسْتَقْبَلِ، لِأنَّهُ وعِيدٌ لِمَن كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَقَعْ مِنهم قَتْلُ الأنْبِياءِ ولا القائِمِينَ بِالقِسْطِ فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ ؟
الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَمّا كانَتْ طَرِيقَةَ أسْلافِهِمْ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ إلَيْهِمْ، إذْ كانُوا مُصَوِّبِينَ وبِطَرِيقَتِهِمْ راضِينَ، فَإنَّ صُنْعَ الأبِ قَدْ يُضافُ إلى الِابْنِ إذا كانَ راضِيًا بِهِ وجارِيًا عَلى طَرِيقَتِهِ. الثّانِي: أنَّ القَوْمَ كانُوا يُرِيدُونَ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَتْلَ والمُؤْمِنِينَ إلّا أنَّهُ تَعالى عَصَمَهُ مِنهم، فَلَمّا كانُوا في
صفحة ١٨٧
غايَةِ الرَّغْبَةِ في ذَلِكَ صَحَّ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما يُقالُ: النّارُ مُحْرِقَةٌ، والسُّمُّ قاتِلٌ، أيْ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِما إذا وُجِدَ القابِلُ، فَكَذا هاهُنا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلّا كَذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وقَتْلُ الأنْبِياءِ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ ؟
والجَوابُ: ذَكَرْنا وُجُوهَ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ مِنهُ شَرْحُ عِظَمِ ذَنْبِهِمْ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم قَصَدُوا بِطَرِيقَةِ الظُّلْمِ في قَتْلِهِمْ طَرِيقَةَ العَدْلِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ ظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهم قَتَلُوا الكُلَّ، ومَعْلُومٌ أنَّهم ما قَتَلُوا الكُلَّ ولا الأكْثَرَ ولا النِّصْفَ.
والجَوابُ: الألِفُ واللّامُ مَحْمُولانِ عَلى المَعْهُودِ لا عَلى الِاسْتِغْراقِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ ”ويُقاتِلُونَ“ بِالألِفِ والباقُونَ ”ويَقْتُلُونَ“ وهُما سَواءٌ، لِأنَّهم قَدْ يُقاتِلُونَ فَيَقْتُلُونَ بِالقِتالِ، وقَدْ يَقْتُلُونَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ قِتالٍ. وقَرَأ أُبَيٌّ ”ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القائِمَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عِنْدَ الخَوْفِ، تَلِي مَنزِلَتُهُ في العِظَمِ مَنزِلَةَ الأنْبِياءِ، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قامَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أيُّ الجِهادِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ“» .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ وعِيدَهم مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ (فَبَشِّرْهم) مَعَ أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَزاءِ والتَّقْدِيرُ: مَن يَكْفُرْ فَبَشِّرْهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وهو أنَّ إنْذارَ هَؤُلاءِ بِالعَذابِ قائِمٌ مَقامَ بُشْرى المُحْسِنِينَ بِالنَّعِيمِ، والكَلامُ في حَقِيقَةِ البِشارَةِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] .
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الوَعِيدِ: قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذا أنَّ مَحاسِنَ أعْمالِ الكُفّارِ مُحْبَطَةٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا الدُّنْيا فَبِإبْدالِ المَدْحِ بِالذَّمِّ والثَّناءِ بِاللَّعْنِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، وأخْذِ الأمْوالِ مِنهم غَنِيمَةً، والِاسْتِرْقاقِ لَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ الظّاهِرِ فِيهِمْ، وأمّا حُبُوطُها في الآخِرَةِ فَبِإزالَةِ الثَّوابِ إلى العِقابِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِن وعِيدِهِمْ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ الوَعِيدِ اجْتِماعَ أسْبابِ الآلامِ والمَكْرُوهاتِ في حَقِّهِمْ وبَيَّنَ بِالنَّوْعِ الثّانِي زَوالَ أسْبابِ المَنافِعِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وبَيَّنَ بِهَذا الوَجْهِ الثّالِثِ لُزُومَ ذَلِكَ في حَقِّهِمْ عَلى وجْهٍ لا يَكُونُ لَهم ناصِرٌ ولا دافِعٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:23
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَبَّهَ عَلى عِنادِ القَوْمِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ غايَةَ عِنادِهِمْ، وهو أنَّهم يُدْعَوْنَ إلى الكِتابِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِهِ، وهو التَّوْراةُ، ثُمَّ إنَّهم يَتَمَرَّدُونَ، ويَتَوَلَّوْنَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ عِنادِهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّهم، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، إلّا أنَّهُ قَدْ دَلَّ دَلِيلٌ آخَرُ، عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ أهْلِ الكِتابِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَقُولُ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ المُرادُ بِهِ غَيْرُ القُرْآنِ لِأنَّهُ أضافَ الكِتابَ إلى الكُفّارِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكِتابِ الَّذِي كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّهُ حَقٌّ، ومِن عِنْدِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا: أحَدُها: «رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا وامْرَأةً مِنَ اليَهُودِ زَنَيا، وكانا ذَوَيْ شَرَفٍ، وكانَ في كِتابِهِمُ الرَّجْمُ، فَكَرِهُوا رَجْمَهُما لِشَرَفِهِما، فَرَجَعُوا في أمْرِهِما إلى النَّبِيِّ ﷺ، رَجاءَ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ في تَرْكِ الرَّجْمِ فَحَكَمَ الرَّسُولُ ﷺ بِالرَّجْمِ فَأنْكَرُوا ذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: بَيْنِي وبَيْنَكُمُ التَّوْراةُ فَإنَّ فِيها الرَّجْمَ فَمَن أعْلَمُكم ؟ قالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الفَدَكِيُّ فَأتَوْا بِهِ وأحْضَرُوا التَّوْراةَ، فَلَمّا أتى عَلى آيَةِ الرَّجْمِ وضَعَ يَدَهُ عَلَيْها، فَقالَ ابْنُ سَلامٍ: قَدْ جاوَزَ مَوْضِعَها يا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ كَفَّهُ عَنْها فَوَجَدُوا آيَةَ الرَّجْمِ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِما فَرُجِما، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ لِذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: «أنَّهُ ﷺ دَخَلَ مَدْرَسَةَ اليَهُودِ، وكانَ فِيها جَماعَةٌ مِنهم فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَقالُوا: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ ؟ فَقالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَقالُوا: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ ﷺ: هَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ، فَأبَوْا ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ عَلاماتِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَذْكُورَةٌ في التَّوْراةِ، والدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ
صفحة ١٨٩
مَوْجُودَةٌ فِيها، فَدَعاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى التَّوْراةِ، وإلى تِلْكَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ فَأبَوْا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. والمَعْنى أنَّهم إذا أبَوْا أنْ يُجِيبُوا إلى التَّحاكُمِ إلى كِتابِهِمْ، فَلا تَعْجَبْ مِن مُخالَفَتِهِمْ كِتابَكَ فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ وُجِدَ في التَّوْراةِ دَلائِلُ صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، إذْ لَوْ عَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ لَسارَعُوا إلى بَيانِ ما فِيها ولَكِنَّهم أسَرُّوا ذَلِكَ.
والرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في اليَهُودِ والنَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّ دَلائِلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَتْ مَوْجُودَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وكانُوا يُدْعَوْنَ إلى حُكْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وكانُوا يَأْبَوْنَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ نَصِيبًا مِن عِلْمِ الكِتابِ، لِأنّا لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فُهِمَ أنَّهم قَدْ أُوتُوا كُلَّ الكِتابِ والمُرادُ بِذَلِكَ العُلَماءُ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إلى الكِتابِ، لِأنَّ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ لا يُدْعى إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ أنَّهُ القُرْآنُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ دُعُوا إلى حُكْمِ كِتابٍ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ؟
قُلْنا: إنَّهم إنَّما دُعُوا إلَيْهِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ التَّوْراةُ واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الرِّواياتِ المَذْكُورَةَ في سَبَبِ النُّزُولِ دالَّةٌ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى التَّوْراةِ فَكانُوا يَأْبَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَجَّبَ رَسُولَهُ ﷺ مِن تَمَرُّدِهِمْ وإعْراضِهِمْ، والتَّعَجُّبُ إنَّما يَحْصُلُ إذا تَمَرَّدُوا عَنْ حُكْمِ الكِتابِ الَّذِي يَعْتَقِدُونَ في صِحَّتِهِ، ويُقِرُّونَ بِحَقِيقَتِهِ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا هو المُناسِبُ لِما قَبْلَ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ، وصَبَّرَهُ عَلى ما قالُوهُ في تَكْذِيبِهِ مَعَ ظُهُورِ الحُجَّةِ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما اسْتَعْمَلُوا طَرِيقَ المُكابَرَةِ في نَفْسِ كِتابِهِمُ الَّذِي أقَرُّوا بِصِحَّتِهِ فَسَتَرُوا ما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم في غايَةِ التَّعَصُّبِ والبُعْدِ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ فالمَعْنى: لِيَحْكُمَ الكِتابُ بَيْنَهم، وإضافَةُ الحُكْمِ إلى الكِتابِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وقُرِئَ ”لِيُحْكَمَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَوْلُهُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ واقِعًا فِيما بَيْنَهم، لا فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهُمُ الرُّؤَساءُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم هُمُ العُلَماءُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُتَوَلُّونَ هُمُ الرُّؤَساءُ والعُلَماءُ والمُعْرِضُونَ الباقُونَ مِنهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يَتَوَلّى العُلَماءُ والأتْباعُ مُعْرِضُونَ عَنِ القَبُولِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأجْلِ تَوَلِّي عُلَمائِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ المُتَوَلِّيَ والمُعْرِضَ هو ذَلِكَ الفَرِيقُ، والمَعْنى أنَّهُ مُتَوَلٍّ عَنِ اسْتِماعِ الحُجَّةِ في ذَلِكَ المَقامِ ومُعْرِضٌ عَنِ اسْتِماعِ سائِرِ الحُجَجِ في سائِرِ المَسائِلِ والمَطالِبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَظُنَّ أنَّهُ تَوَلّى عَنْ هَذِهِ
صفحة ١٩٠
المَسْألَةِ بَلْ هو مُعْرِضٌ عَنِ الكُلِّ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فالكَلامُ في تَفْسِيرِهِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ذَلِكَ التَّوَلِّي والإعْراضُ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ، قالَ الجُبّائِيُّ: وفِيها دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ أهْلَ النّارِ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، قالَ: لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ في هَذِهِ الأُمَّةِ لَصَحَّ في سائِرِ الأُمَمِ، ولَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ في سائِرِ الأُمَمِ لَما كانَ الخَبَرُ بِذَلِكَ كاذِبًا، ولَما اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِخُرُوجِ أهْلِ النّارِ قَوْلٌ باطِلٌ.
وأقُولُ: كانَ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَذْكُرَ مِثْلَ هَذا الكَلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ العَفْوَ حَسَنٌ جائِزٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ العَفْوِ في هَذِهِ الأُمَّةِ حُصُولُهُ في سائِرِ الأُمَمِ.
سَلَّمْنا أنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ القَوْمَ إنَّما اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ عَلى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِأنَّ الفاسِقَ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ ؟ بَلْ هاهُنا وُجُوهٌ أُخَرُ: الأوَّلُ: لِعِلْمِهِمُ اسْتَوْجَبُوا الذَّمَّ عَلى أنَّهم قَطَعُوا بِأنَّ مُدَّةَ عَذابِ الفاسِقِ قَصِيرَةٌ قَلِيلَةٌ فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: مُدَّةُ عَذابِنا سَبْعَةُ أيّامٍ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً عَلى قَدْرِ مُدَّةِ عِبادَةِ العِجْلِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَتَساهَلُونَ في أُصُولِ الدِّينِ ويَقُولُونَ: بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ الخَطَأِ مِنّا فَإنَّ عَذابَنا قَلِيلٌ؛ وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّ عِنْدَنا المُخْطِئَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ عَذابُهُ دائِمٌ، لِأنَّهُ كافِرٌ، والكافِرُ عَذابُهُ دائِمٌ. والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فَقَدِ اسْتَحْقَرُوا تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ ﷺ واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لَهُ في تَغْلِيظِ العِقابِ فَكانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وذَلِكَ كُفْرٌ والكافِرُ المُصِرُّ عَلى كُفْرِهِ لا شَكَّ أنَّ عَذابَهُ مُخَلَّدٌ، وإذا كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْناهُ ثَبَتَ أنَّ احْتِجاجَ الجُبّائِيِّ بِهَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ وتَمامُ الكَلامِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقِيلَ: هو قَوْلُهم ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وقِيلَ: غَرَّهم قَوْلُهم: نَحْنُ عَلى الحَقِّ وأنْتَ عَلى الباطِلِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُمُ اغْتِرارَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ بَيَّنَ أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمٌ يَزُولُ فِيهِ ذَلِكَ الجَهْلُ، ويُكْشَفُ فِيهِ ذَلِكَ الغُرُورُ فَقالَ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَكَيْفَ صُورَتُهم وحالُهم ويُحْذَفُ الحالُ كَثِيرًا مَعَ كَيْفَ لِدَلالَتِهِ عَلَيْها، تَقُولُ: كُنْتُ أُكْرِمُهُ وهو لَمْ يَزُرْنِي، فَكَيْفَ لَوْ زارَنِي أيْ كَيْفَ حالُهُ إذا زارَنِي، واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَذْفَ يُوجِبُ مَزِيدَ البَلاغَةِ لِما فِيهِ مِن تَحْرِيكِ النَّفْسِ عَلى اسْتِحْضارِ كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ في قَوْلِ القائِلِ: لَوْ زارَنِي، وكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ في هَذِهِ الآيَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ في يَوْمٍ، لِأنَّ المُرادَ: لِجَزاءِ يَوْمٍ أوْ لِحِسابِ يَوْمٍ فَحُذِفَ المُضافُ ودَلَّتِ اللّامُ عَلَيْهِ، قالَ الفَرّاءُ: اللّامُ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ إذا قُلْتَ: جُمِعُوا لِيَوْمِ الخَمِيسِ، كانَ المَعْنى جُمِعُوا لِفِعْلٍ يُوجَدُ في يَوْمِ الخَمِيسِ، وإذا قُلْتَ: جُمِعُوا في يَوْمِ الخَمِيسِ لَمْ تُضْمِرْ فِعْلًا وأيْضًا فَمِنَ المَعْلُومِ
صفحة ١٩١
أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لا فائِدَةَ فِيهِ إلّا المُجازاةُ وإظْهارُ الفَرْقِ بَيْنَ المُثابِ والمُعاقَبِ، وقَوْلُهُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ لا شَكَّ فِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ فَإنْ حَمَلْتَ ما كَسَبَتْ عَلى عَمَلِ العَبْدِ جُعِلَ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما كَسَبَتْ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وإنْ حَمَلْتَ ما كَسَبَتْ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ هَذا الإضْمارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَلا يُنْقَصُ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ، ولا يُزادُ عَلى عِقابِ السَّيِّئاتِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ يَسْتَدِلُّ بِهِ القائِلُونَ بِالوَعِيدِ، ويَسْتَدِلُّ بِهِ أصْحابُنا القائِلُونَ بِأنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لا يُخَلَّدُ في النّارِ، أمّا الأوَّلُونَ قالُوا: لِأنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا شَكَّ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ العِقابَ بِتِلْكَ الكَبِيرَةِ، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُوَفّى عَمَلَها وما كَسَبَتْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي وصُولَ العِقابِ إلى صاحِبِ الكَبِيرَةِ.
وجَوابُنا: أنَّ هَذا مِنَ العُمُوماتِ، وقَدْ تَكَلَّمْنا في تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِالعُمُوماتِ.
وأمّا أصْحابُنا فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ المُؤْمِنَ اسْتَحَقَّ ثَوابَ الإيمانِ فَلا بُدَّ وأنْ يُوَفّى عَلَيْهِ ذَلِكَ الثَّوابُ لِقَوْلِهِ ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ فَإمّا أنْ يُثابَ في الجَنَّةِ ثُمَّ يُنْقَلَ إلى دارِ العِقابِ وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، وإمّا أنْ يُقالَ: يُعاقَبُ بِالنّارِ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى دارِ الثَّوابِ أبَدًا مُخَلَّدًا وهو المَطْلُوبُ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ثَوابَ إيمانِهِمْ يُحْبَطُ بِعِقابِ مَعْصِيَتِهِمْ ؟
قُلْنا: هَذا باطِلٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ القَوْلَ بِالمُحابَطَةِ مُحالٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأيْضًا فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ثَوابَ تَوْحِيدِ سَبْعِينَ سَنَةً أزْيَدُ مِن عِقابِ شُرْبِ جَرْعَةٍ مِنَ الخَمْرِ، والمُنازِعُ فِيهِ مُكابِرٌ، فَبِتَقْدِيرِ القَوْلِ بِصِحَّةِ المُحابَطَةِ يَمْتَنِعُ سُقُوطُ كُلِّ ثَوابِ الإيمانِ بِعِقابِ شُرْبِ جَرْعَةٍ مِنَ الخَمْرِ، وكانَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُولُ: ثَوابُ إيمانِ لَحْظَةٍ، يُسْقِطُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً، فَثَوابُ إيمانِ سَبْعِينَ سَنَةً كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُحْبَطَ بِعِقابِ ذَنْبِ لَحْظَةٍ ! ولا شَكَّ أنَّهُ كَلامٌ ظاهِرٌ.
آل عمران 3:24
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَبَّهَ عَلى عِنادِ القَوْمِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ غايَةَ عِنادِهِمْ، وهو أنَّهم يُدْعَوْنَ إلى الكِتابِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِهِ، وهو التَّوْراةُ، ثُمَّ إنَّهم يَتَمَرَّدُونَ، ويَتَوَلَّوْنَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ عِنادِهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّهم، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، إلّا أنَّهُ قَدْ دَلَّ دَلِيلٌ آخَرُ، عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ أهْلِ الكِتابِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَقُولُ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ المُرادُ بِهِ غَيْرُ القُرْآنِ لِأنَّهُ أضافَ الكِتابَ إلى الكُفّارِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكِتابِ الَّذِي كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّهُ حَقٌّ، ومِن عِنْدِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا: أحَدُها: «رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا وامْرَأةً مِنَ اليَهُودِ زَنَيا، وكانا ذَوَيْ شَرَفٍ، وكانَ في كِتابِهِمُ الرَّجْمُ، فَكَرِهُوا رَجْمَهُما لِشَرَفِهِما، فَرَجَعُوا في أمْرِهِما إلى النَّبِيِّ ﷺ، رَجاءَ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ في تَرْكِ الرَّجْمِ فَحَكَمَ الرَّسُولُ ﷺ بِالرَّجْمِ فَأنْكَرُوا ذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: بَيْنِي وبَيْنَكُمُ التَّوْراةُ فَإنَّ فِيها الرَّجْمَ فَمَن أعْلَمُكم ؟ قالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الفَدَكِيُّ فَأتَوْا بِهِ وأحْضَرُوا التَّوْراةَ، فَلَمّا أتى عَلى آيَةِ الرَّجْمِ وضَعَ يَدَهُ عَلَيْها، فَقالَ ابْنُ سَلامٍ: قَدْ جاوَزَ مَوْضِعَها يا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ كَفَّهُ عَنْها فَوَجَدُوا آيَةَ الرَّجْمِ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِما فَرُجِما، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ لِذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: «أنَّهُ ﷺ دَخَلَ مَدْرَسَةَ اليَهُودِ، وكانَ فِيها جَماعَةٌ مِنهم فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَقالُوا: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ ؟ فَقالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَقالُوا: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ ﷺ: هَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ، فَأبَوْا ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ عَلاماتِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَذْكُورَةٌ في التَّوْراةِ، والدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ
صفحة ١٨٩
مَوْجُودَةٌ فِيها، فَدَعاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى التَّوْراةِ، وإلى تِلْكَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ فَأبَوْا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. والمَعْنى أنَّهم إذا أبَوْا أنْ يُجِيبُوا إلى التَّحاكُمِ إلى كِتابِهِمْ، فَلا تَعْجَبْ مِن مُخالَفَتِهِمْ كِتابَكَ فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ وُجِدَ في التَّوْراةِ دَلائِلُ صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، إذْ لَوْ عَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ لَسارَعُوا إلى بَيانِ ما فِيها ولَكِنَّهم أسَرُّوا ذَلِكَ.
والرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في اليَهُودِ والنَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّ دَلائِلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَتْ مَوْجُودَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وكانُوا يُدْعَوْنَ إلى حُكْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وكانُوا يَأْبَوْنَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ نَصِيبًا مِن عِلْمِ الكِتابِ، لِأنّا لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فُهِمَ أنَّهم قَدْ أُوتُوا كُلَّ الكِتابِ والمُرادُ بِذَلِكَ العُلَماءُ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إلى الكِتابِ، لِأنَّ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ لا يُدْعى إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ أنَّهُ القُرْآنُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ دُعُوا إلى حُكْمِ كِتابٍ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ؟
قُلْنا: إنَّهم إنَّما دُعُوا إلَيْهِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ التَّوْراةُ واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الرِّواياتِ المَذْكُورَةَ في سَبَبِ النُّزُولِ دالَّةٌ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى التَّوْراةِ فَكانُوا يَأْبَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَجَّبَ رَسُولَهُ ﷺ مِن تَمَرُّدِهِمْ وإعْراضِهِمْ، والتَّعَجُّبُ إنَّما يَحْصُلُ إذا تَمَرَّدُوا عَنْ حُكْمِ الكِتابِ الَّذِي يَعْتَقِدُونَ في صِحَّتِهِ، ويُقِرُّونَ بِحَقِيقَتِهِ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا هو المُناسِبُ لِما قَبْلَ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ، وصَبَّرَهُ عَلى ما قالُوهُ في تَكْذِيبِهِ مَعَ ظُهُورِ الحُجَّةِ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما اسْتَعْمَلُوا طَرِيقَ المُكابَرَةِ في نَفْسِ كِتابِهِمُ الَّذِي أقَرُّوا بِصِحَّتِهِ فَسَتَرُوا ما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم في غايَةِ التَّعَصُّبِ والبُعْدِ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ فالمَعْنى: لِيَحْكُمَ الكِتابُ بَيْنَهم، وإضافَةُ الحُكْمِ إلى الكِتابِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وقُرِئَ ”لِيُحْكَمَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَوْلُهُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ واقِعًا فِيما بَيْنَهم، لا فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهُمُ الرُّؤَساءُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم هُمُ العُلَماءُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُتَوَلُّونَ هُمُ الرُّؤَساءُ والعُلَماءُ والمُعْرِضُونَ الباقُونَ مِنهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يَتَوَلّى العُلَماءُ والأتْباعُ مُعْرِضُونَ عَنِ القَبُولِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأجْلِ تَوَلِّي عُلَمائِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ المُتَوَلِّيَ والمُعْرِضَ هو ذَلِكَ الفَرِيقُ، والمَعْنى أنَّهُ مُتَوَلٍّ عَنِ اسْتِماعِ الحُجَّةِ في ذَلِكَ المَقامِ ومُعْرِضٌ عَنِ اسْتِماعِ سائِرِ الحُجَجِ في سائِرِ المَسائِلِ والمَطالِبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَظُنَّ أنَّهُ تَوَلّى عَنْ هَذِهِ
صفحة ١٩٠
المَسْألَةِ بَلْ هو مُعْرِضٌ عَنِ الكُلِّ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فالكَلامُ في تَفْسِيرِهِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ذَلِكَ التَّوَلِّي والإعْراضُ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ، قالَ الجُبّائِيُّ: وفِيها دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ أهْلَ النّارِ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، قالَ: لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ في هَذِهِ الأُمَّةِ لَصَحَّ في سائِرِ الأُمَمِ، ولَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ في سائِرِ الأُمَمِ لَما كانَ الخَبَرُ بِذَلِكَ كاذِبًا، ولَما اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِخُرُوجِ أهْلِ النّارِ قَوْلٌ باطِلٌ.
وأقُولُ: كانَ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَذْكُرَ مِثْلَ هَذا الكَلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ العَفْوَ حَسَنٌ جائِزٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ العَفْوِ في هَذِهِ الأُمَّةِ حُصُولُهُ في سائِرِ الأُمَمِ.
سَلَّمْنا أنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ القَوْمَ إنَّما اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ عَلى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِأنَّ الفاسِقَ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ ؟ بَلْ هاهُنا وُجُوهٌ أُخَرُ: الأوَّلُ: لِعِلْمِهِمُ اسْتَوْجَبُوا الذَّمَّ عَلى أنَّهم قَطَعُوا بِأنَّ مُدَّةَ عَذابِ الفاسِقِ قَصِيرَةٌ قَلِيلَةٌ فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: مُدَّةُ عَذابِنا سَبْعَةُ أيّامٍ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً عَلى قَدْرِ مُدَّةِ عِبادَةِ العِجْلِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَتَساهَلُونَ في أُصُولِ الدِّينِ ويَقُولُونَ: بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ الخَطَأِ مِنّا فَإنَّ عَذابَنا قَلِيلٌ؛ وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّ عِنْدَنا المُخْطِئَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ عَذابُهُ دائِمٌ، لِأنَّهُ كافِرٌ، والكافِرُ عَذابُهُ دائِمٌ. والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فَقَدِ اسْتَحْقَرُوا تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ ﷺ واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لَهُ في تَغْلِيظِ العِقابِ فَكانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وذَلِكَ كُفْرٌ والكافِرُ المُصِرُّ عَلى كُفْرِهِ لا شَكَّ أنَّ عَذابَهُ مُخَلَّدٌ، وإذا كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْناهُ ثَبَتَ أنَّ احْتِجاجَ الجُبّائِيِّ بِهَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ وتَمامُ الكَلامِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقِيلَ: هو قَوْلُهم ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وقِيلَ: غَرَّهم قَوْلُهم: نَحْنُ عَلى الحَقِّ وأنْتَ عَلى الباطِلِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُمُ اغْتِرارَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ بَيَّنَ أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمٌ يَزُولُ فِيهِ ذَلِكَ الجَهْلُ، ويُكْشَفُ فِيهِ ذَلِكَ الغُرُورُ فَقالَ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَكَيْفَ صُورَتُهم وحالُهم ويُحْذَفُ الحالُ كَثِيرًا مَعَ كَيْفَ لِدَلالَتِهِ عَلَيْها، تَقُولُ: كُنْتُ أُكْرِمُهُ وهو لَمْ يَزُرْنِي، فَكَيْفَ لَوْ زارَنِي أيْ كَيْفَ حالُهُ إذا زارَنِي، واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَذْفَ يُوجِبُ مَزِيدَ البَلاغَةِ لِما فِيهِ مِن تَحْرِيكِ النَّفْسِ عَلى اسْتِحْضارِ كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ في قَوْلِ القائِلِ: لَوْ زارَنِي، وكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ في هَذِهِ الآيَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ في يَوْمٍ، لِأنَّ المُرادَ: لِجَزاءِ يَوْمٍ أوْ لِحِسابِ يَوْمٍ فَحُذِفَ المُضافُ ودَلَّتِ اللّامُ عَلَيْهِ، قالَ الفَرّاءُ: اللّامُ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ إذا قُلْتَ: جُمِعُوا لِيَوْمِ الخَمِيسِ، كانَ المَعْنى جُمِعُوا لِفِعْلٍ يُوجَدُ في يَوْمِ الخَمِيسِ، وإذا قُلْتَ: جُمِعُوا في يَوْمِ الخَمِيسِ لَمْ تُضْمِرْ فِعْلًا وأيْضًا فَمِنَ المَعْلُومِ
صفحة ١٩١
أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لا فائِدَةَ فِيهِ إلّا المُجازاةُ وإظْهارُ الفَرْقِ بَيْنَ المُثابِ والمُعاقَبِ، وقَوْلُهُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ لا شَكَّ فِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ فَإنْ حَمَلْتَ ما كَسَبَتْ عَلى عَمَلِ العَبْدِ جُعِلَ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما كَسَبَتْ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وإنْ حَمَلْتَ ما كَسَبَتْ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ هَذا الإضْمارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَلا يُنْقَصُ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ، ولا يُزادُ عَلى عِقابِ السَّيِّئاتِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ يَسْتَدِلُّ بِهِ القائِلُونَ بِالوَعِيدِ، ويَسْتَدِلُّ بِهِ أصْحابُنا القائِلُونَ بِأنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لا يُخَلَّدُ في النّارِ، أمّا الأوَّلُونَ قالُوا: لِأنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا شَكَّ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ العِقابَ بِتِلْكَ الكَبِيرَةِ، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُوَفّى عَمَلَها وما كَسَبَتْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي وصُولَ العِقابِ إلى صاحِبِ الكَبِيرَةِ.
وجَوابُنا: أنَّ هَذا مِنَ العُمُوماتِ، وقَدْ تَكَلَّمْنا في تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِالعُمُوماتِ.
وأمّا أصْحابُنا فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ المُؤْمِنَ اسْتَحَقَّ ثَوابَ الإيمانِ فَلا بُدَّ وأنْ يُوَفّى عَلَيْهِ ذَلِكَ الثَّوابُ لِقَوْلِهِ ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ فَإمّا أنْ يُثابَ في الجَنَّةِ ثُمَّ يُنْقَلَ إلى دارِ العِقابِ وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، وإمّا أنْ يُقالَ: يُعاقَبُ بِالنّارِ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى دارِ الثَّوابِ أبَدًا مُخَلَّدًا وهو المَطْلُوبُ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ثَوابَ إيمانِهِمْ يُحْبَطُ بِعِقابِ مَعْصِيَتِهِمْ ؟
قُلْنا: هَذا باطِلٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ القَوْلَ بِالمُحابَطَةِ مُحالٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأيْضًا فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ثَوابَ تَوْحِيدِ سَبْعِينَ سَنَةً أزْيَدُ مِن عِقابِ شُرْبِ جَرْعَةٍ مِنَ الخَمْرِ، والمُنازِعُ فِيهِ مُكابِرٌ، فَبِتَقْدِيرِ القَوْلِ بِصِحَّةِ المُحابَطَةِ يَمْتَنِعُ سُقُوطُ كُلِّ ثَوابِ الإيمانِ بِعِقابِ شُرْبِ جَرْعَةٍ مِنَ الخَمْرِ، وكانَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُولُ: ثَوابُ إيمانِ لَحْظَةٍ، يُسْقِطُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً، فَثَوابُ إيمانِ سَبْعِينَ سَنَةً كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُحْبَطَ بِعِقابِ ذَنْبِ لَحْظَةٍ ! ولا شَكَّ أنَّهُ كَلامٌ ظاهِرٌ.
آل عمران 3:25
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَبَّهَ عَلى عِنادِ القَوْمِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ غايَةَ عِنادِهِمْ، وهو أنَّهم يُدْعَوْنَ إلى الكِتابِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِهِ، وهو التَّوْراةُ، ثُمَّ إنَّهم يَتَمَرَّدُونَ، ويَتَوَلَّوْنَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ عِنادِهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّهم، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، إلّا أنَّهُ قَدْ دَلَّ دَلِيلٌ آخَرُ، عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ أهْلِ الكِتابِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَقُولُ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ المُرادُ بِهِ غَيْرُ القُرْآنِ لِأنَّهُ أضافَ الكِتابَ إلى الكُفّارِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكِتابِ الَّذِي كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّهُ حَقٌّ، ومِن عِنْدِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا: أحَدُها: «رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا وامْرَأةً مِنَ اليَهُودِ زَنَيا، وكانا ذَوَيْ شَرَفٍ، وكانَ في كِتابِهِمُ الرَّجْمُ، فَكَرِهُوا رَجْمَهُما لِشَرَفِهِما، فَرَجَعُوا في أمْرِهِما إلى النَّبِيِّ ﷺ، رَجاءَ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ في تَرْكِ الرَّجْمِ فَحَكَمَ الرَّسُولُ ﷺ بِالرَّجْمِ فَأنْكَرُوا ذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: بَيْنِي وبَيْنَكُمُ التَّوْراةُ فَإنَّ فِيها الرَّجْمَ فَمَن أعْلَمُكم ؟ قالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الفَدَكِيُّ فَأتَوْا بِهِ وأحْضَرُوا التَّوْراةَ، فَلَمّا أتى عَلى آيَةِ الرَّجْمِ وضَعَ يَدَهُ عَلَيْها، فَقالَ ابْنُ سَلامٍ: قَدْ جاوَزَ مَوْضِعَها يا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ كَفَّهُ عَنْها فَوَجَدُوا آيَةَ الرَّجْمِ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِما فَرُجِما، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ لِذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: «أنَّهُ ﷺ دَخَلَ مَدْرَسَةَ اليَهُودِ، وكانَ فِيها جَماعَةٌ مِنهم فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَقالُوا: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ ؟ فَقالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَقالُوا: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ ﷺ: هَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ، فَأبَوْا ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ عَلاماتِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَذْكُورَةٌ في التَّوْراةِ، والدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ
صفحة ١٨٩
مَوْجُودَةٌ فِيها، فَدَعاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى التَّوْراةِ، وإلى تِلْكَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ فَأبَوْا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. والمَعْنى أنَّهم إذا أبَوْا أنْ يُجِيبُوا إلى التَّحاكُمِ إلى كِتابِهِمْ، فَلا تَعْجَبْ مِن مُخالَفَتِهِمْ كِتابَكَ فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ وُجِدَ في التَّوْراةِ دَلائِلُ صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، إذْ لَوْ عَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ لَسارَعُوا إلى بَيانِ ما فِيها ولَكِنَّهم أسَرُّوا ذَلِكَ.
والرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في اليَهُودِ والنَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّ دَلائِلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَتْ مَوْجُودَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وكانُوا يُدْعَوْنَ إلى حُكْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وكانُوا يَأْبَوْنَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ نَصِيبًا مِن عِلْمِ الكِتابِ، لِأنّا لَوْ أجْرَيْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فُهِمَ أنَّهم قَدْ أُوتُوا كُلَّ الكِتابِ والمُرادُ بِذَلِكَ العُلَماءُ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إلى الكِتابِ، لِأنَّ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ لا يُدْعى إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ أنَّهُ القُرْآنُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ دُعُوا إلى حُكْمِ كِتابٍ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ؟
قُلْنا: إنَّهم إنَّما دُعُوا إلَيْهِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ التَّوْراةُ واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الرِّواياتِ المَذْكُورَةَ في سَبَبِ النُّزُولِ دالَّةٌ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى التَّوْراةِ فَكانُوا يَأْبَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَجَّبَ رَسُولَهُ ﷺ مِن تَمَرُّدِهِمْ وإعْراضِهِمْ، والتَّعَجُّبُ إنَّما يَحْصُلُ إذا تَمَرَّدُوا عَنْ حُكْمِ الكِتابِ الَّذِي يَعْتَقِدُونَ في صِحَّتِهِ، ويُقِرُّونَ بِحَقِيقَتِهِ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا هو المُناسِبُ لِما قَبْلَ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ، وصَبَّرَهُ عَلى ما قالُوهُ في تَكْذِيبِهِ مَعَ ظُهُورِ الحُجَّةِ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما اسْتَعْمَلُوا طَرِيقَ المُكابَرَةِ في نَفْسِ كِتابِهِمُ الَّذِي أقَرُّوا بِصِحَّتِهِ فَسَتَرُوا ما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم في غايَةِ التَّعَصُّبِ والبُعْدِ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ فالمَعْنى: لِيَحْكُمَ الكِتابُ بَيْنَهم، وإضافَةُ الحُكْمِ إلى الكِتابِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وقُرِئَ ”لِيُحْكَمَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَوْلُهُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ واقِعًا فِيما بَيْنَهم، لا فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهُمُ الرُّؤَساءُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم هُمُ العُلَماءُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُتَوَلُّونَ هُمُ الرُّؤَساءُ والعُلَماءُ والمُعْرِضُونَ الباقُونَ مِنهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يَتَوَلّى العُلَماءُ والأتْباعُ مُعْرِضُونَ عَنِ القَبُولِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأجْلِ تَوَلِّي عُلَمائِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ المُتَوَلِّيَ والمُعْرِضَ هو ذَلِكَ الفَرِيقُ، والمَعْنى أنَّهُ مُتَوَلٍّ عَنِ اسْتِماعِ الحُجَّةِ في ذَلِكَ المَقامِ ومُعْرِضٌ عَنِ اسْتِماعِ سائِرِ الحُجَجِ في سائِرِ المَسائِلِ والمَطالِبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَظُنَّ أنَّهُ تَوَلّى عَنْ هَذِهِ
صفحة ١٩٠
المَسْألَةِ بَلْ هو مُعْرِضٌ عَنِ الكُلِّ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فالكَلامُ في تَفْسِيرِهِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ذَلِكَ التَّوَلِّي والإعْراضُ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ، قالَ الجُبّائِيُّ: وفِيها دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ أهْلَ النّارِ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، قالَ: لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ في هَذِهِ الأُمَّةِ لَصَحَّ في سائِرِ الأُمَمِ، ولَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ في سائِرِ الأُمَمِ لَما كانَ الخَبَرُ بِذَلِكَ كاذِبًا، ولَما اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِخُرُوجِ أهْلِ النّارِ قَوْلٌ باطِلٌ.
وأقُولُ: كانَ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَذْكُرَ مِثْلَ هَذا الكَلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ العَفْوَ حَسَنٌ جائِزٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ العَفْوِ في هَذِهِ الأُمَّةِ حُصُولُهُ في سائِرِ الأُمَمِ.
سَلَّمْنا أنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ القَوْمَ إنَّما اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ عَلى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِأنَّ الفاسِقَ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ ؟ بَلْ هاهُنا وُجُوهٌ أُخَرُ: الأوَّلُ: لِعِلْمِهِمُ اسْتَوْجَبُوا الذَّمَّ عَلى أنَّهم قَطَعُوا بِأنَّ مُدَّةَ عَذابِ الفاسِقِ قَصِيرَةٌ قَلِيلَةٌ فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: مُدَّةُ عَذابِنا سَبْعَةُ أيّامٍ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً عَلى قَدْرِ مُدَّةِ عِبادَةِ العِجْلِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَتَساهَلُونَ في أُصُولِ الدِّينِ ويَقُولُونَ: بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ الخَطَأِ مِنّا فَإنَّ عَذابَنا قَلِيلٌ؛ وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّ عِنْدَنا المُخْطِئَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ عَذابُهُ دائِمٌ، لِأنَّهُ كافِرٌ، والكافِرُ عَذابُهُ دائِمٌ. والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فَقَدِ اسْتَحْقَرُوا تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ ﷺ واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لَهُ في تَغْلِيظِ العِقابِ فَكانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وذَلِكَ كُفْرٌ والكافِرُ المُصِرُّ عَلى كُفْرِهِ لا شَكَّ أنَّ عَذابَهُ مُخَلَّدٌ، وإذا كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْناهُ ثَبَتَ أنَّ احْتِجاجَ الجُبّائِيِّ بِهَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ وتَمامُ الكَلامِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقِيلَ: هو قَوْلُهم ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وقِيلَ: غَرَّهم قَوْلُهم: نَحْنُ عَلى الحَقِّ وأنْتَ عَلى الباطِلِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُمُ اغْتِرارَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ بَيَّنَ أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمٌ يَزُولُ فِيهِ ذَلِكَ الجَهْلُ، ويُكْشَفُ فِيهِ ذَلِكَ الغُرُورُ فَقالَ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَكَيْفَ صُورَتُهم وحالُهم ويُحْذَفُ الحالُ كَثِيرًا مَعَ كَيْفَ لِدَلالَتِهِ عَلَيْها، تَقُولُ: كُنْتُ أُكْرِمُهُ وهو لَمْ يَزُرْنِي، فَكَيْفَ لَوْ زارَنِي أيْ كَيْفَ حالُهُ إذا زارَنِي، واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَذْفَ يُوجِبُ مَزِيدَ البَلاغَةِ لِما فِيهِ مِن تَحْرِيكِ النَّفْسِ عَلى اسْتِحْضارِ كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ في قَوْلِ القائِلِ: لَوْ زارَنِي، وكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ في هَذِهِ الآيَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ في يَوْمٍ، لِأنَّ المُرادَ: لِجَزاءِ يَوْمٍ أوْ لِحِسابِ يَوْمٍ فَحُذِفَ المُضافُ ودَلَّتِ اللّامُ عَلَيْهِ، قالَ الفَرّاءُ: اللّامُ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ إذا قُلْتَ: جُمِعُوا لِيَوْمِ الخَمِيسِ، كانَ المَعْنى جُمِعُوا لِفِعْلٍ يُوجَدُ في يَوْمِ الخَمِيسِ، وإذا قُلْتَ: جُمِعُوا في يَوْمِ الخَمِيسِ لَمْ تُضْمِرْ فِعْلًا وأيْضًا فَمِنَ المَعْلُومِ
صفحة ١٩١
أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لا فائِدَةَ فِيهِ إلّا المُجازاةُ وإظْهارُ الفَرْقِ بَيْنَ المُثابِ والمُعاقَبِ، وقَوْلُهُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ لا شَكَّ فِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ فَإنْ حَمَلْتَ ما كَسَبَتْ عَلى عَمَلِ العَبْدِ جُعِلَ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما كَسَبَتْ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وإنْ حَمَلْتَ ما كَسَبَتْ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ هَذا الإضْمارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَلا يُنْقَصُ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ، ولا يُزادُ عَلى عِقابِ السَّيِّئاتِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ يَسْتَدِلُّ بِهِ القائِلُونَ بِالوَعِيدِ، ويَسْتَدِلُّ بِهِ أصْحابُنا القائِلُونَ بِأنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لا يُخَلَّدُ في النّارِ، أمّا الأوَّلُونَ قالُوا: لِأنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا شَكَّ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ العِقابَ بِتِلْكَ الكَبِيرَةِ، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُوَفّى عَمَلَها وما كَسَبَتْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي وصُولَ العِقابِ إلى صاحِبِ الكَبِيرَةِ.
وجَوابُنا: أنَّ هَذا مِنَ العُمُوماتِ، وقَدْ تَكَلَّمْنا في تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِالعُمُوماتِ.
وأمّا أصْحابُنا فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ المُؤْمِنَ اسْتَحَقَّ ثَوابَ الإيمانِ فَلا بُدَّ وأنْ يُوَفّى عَلَيْهِ ذَلِكَ الثَّوابُ لِقَوْلِهِ ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ فَإمّا أنْ يُثابَ في الجَنَّةِ ثُمَّ يُنْقَلَ إلى دارِ العِقابِ وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، وإمّا أنْ يُقالَ: يُعاقَبُ بِالنّارِ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى دارِ الثَّوابِ أبَدًا مُخَلَّدًا وهو المَطْلُوبُ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ثَوابَ إيمانِهِمْ يُحْبَطُ بِعِقابِ مَعْصِيَتِهِمْ ؟
قُلْنا: هَذا باطِلٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ القَوْلَ بِالمُحابَطَةِ مُحالٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأيْضًا فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ثَوابَ تَوْحِيدِ سَبْعِينَ سَنَةً أزْيَدُ مِن عِقابِ شُرْبِ جَرْعَةٍ مِنَ الخَمْرِ، والمُنازِعُ فِيهِ مُكابِرٌ، فَبِتَقْدِيرِ القَوْلِ بِصِحَّةِ المُحابَطَةِ يَمْتَنِعُ سُقُوطُ كُلِّ ثَوابِ الإيمانِ بِعِقابِ شُرْبِ جَرْعَةٍ مِنَ الخَمْرِ، وكانَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُولُ: ثَوابُ إيمانِ لَحْظَةٍ، يُسْقِطُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً، فَثَوابُ إيمانِ سَبْعِينَ سَنَةً كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُحْبَطَ بِعِقابِ ذَنْبِ لَحْظَةٍ ! ولا شَكَّ أنَّهُ كَلامٌ ظاهِرٌ.