Lafzullah

Tafsir Al-Razi — آل عمران 3:26 – آل عمران 3:52

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. آل عمران 3:26
  2. آل عمران 3:27
  3. آل عمران 3:28
  4. آل عمران 3:29
  5. آل عمران 3:30
  6. آل عمران 3:31
  7. آل عمران 3:32
  8. آل عمران 3:33
  9. آل عمران 3:34
  10. آل عمران 3:35
  11. آل عمران 3:36
  12. آل عمران 3:37
  13. آل عمران 3:38
  14. آل عمران 3:39
  15. آل عمران 3:40
  16. آل عمران 3:41
  17. آل عمران 3:42
  18. آل عمران 3:43
  19. آل عمران 3:44
  20. آل عمران 3:45
  21. آل عمران 3:46
  22. آل عمران 3:47
  23. آل عمران 3:48
  24. آل عمران 3:49
  25. آل عمران 3:50
  26. آل عمران 3:51
  27. آل عمران 3:52

آل عمران 3:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وصِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِ المُخالِفِينَ كُفْرَهم بِاللَّهِ، وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وذَكَرَ شِدَّةَ عِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ شِدَّةَ غُرُورِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ وعِيدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِدُعاءٍ وتَمْجِيدٍ يَدُلُّ عَلى مُبايَنَةِ طَرِيقِهِ وطَرِيقِ أتْباعِهِ، لِطَرِيقَةِ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ المُعانِدِينَ المُعْرِضِينَ، فَقالَ مُعَلِّمًا نَبِيَّهُ: كَيْفَ يُمَجِّدُ ويُعَظِّمُ ويَدْعُو ويَطْلُبُ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في قَوْلِهِ (اللَّهُمَّ) فَقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: ”اللَّهُمَّ“ مَعْناهُ: يا أللَّهُ، والمِيمُ المُشَدَّدَةُ عِوَضٌ مِن: يا، وقالَ الفَرّاءُ: كانَ أصْلُها يا أللَّهُ أُمَّ بِخَيْرٍ، فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ حَذَفُوا حَرْفَ النِّداءِ، وحَذَفُوا الهَمْزَةَ مِن: أُمَّ، فَصارَ ”اللَّهُمَّ“ ونَظِيرُهُ قَوْلُ العَرَبِ: هَلُمَّ، والأصْلُ: هَلْ، فَضُمَّ أُمَّ إلَيْها. حُجَّةُ الأوَّلِينَ عَلى فَسادِ قَوْلِ الفَرّاءِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: لَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ لَما صَحَّ أنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ افْعَلْ كَذا إلّا بِحَرْفِ العَطْفِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: يا أللَّهُ أُمَّنا واغْفِرْ لَنا، ولَمْ نَجِدْ أحَدًا يَذْكُرُ هَذا الحَرْفَ العاطِفَ. والثّانِي: وهو حُجَّةُ الزَّجّاجِ أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ، لَجازَ أنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ عَلى أصْلِهِ، فَيُقالُ ”اللَّهُ أُمَّ“ كَما يُقالُ ”ويْلَمَّ“ ثُمَّ يُتَكَلَّمُ بِهِ عَلى الأصْلِ فَيُقالُ ”ويْلَ أُمِّهِ“ . الثّالِثُ: لَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ لَكانَ حَرْفُ النِّداءِ مَحْذُوفًا، فَكانَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا اللَّهُمَّ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا جائِزًا عَلِمْنا فَسادَ قَوْلِ الفَرّاءِ بَلْ نَقُولُ: كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَرْفُ النِّداءِ لازِمًا، كَما يُقالُ: يا اللَّهُ اغْفِرْ لِي، وأجابَ الفَرّاءُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ، فَقالَ: أمّا الأوَّلُ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ”يا أللَّهُ أُمَّ“ مَعْناهُ: يا أللَّهُ اقْصِدْ، فَلَوْ قالَ: واغْفِرْ لَكانَ المَعْطُوفُ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ السُّؤالُ سُؤالَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ (أُمَّنا) . والثّانِي: قَوْلُهُ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨٦] أمّا إذا حَذَفْنا العَطْفَ صارَ صفحة ٤ قَوْلُهُ: اغْفِرْ لَنا تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: أُمَّنا، فَكانَ المَطْلُوبُ في الحالَيْنِ شَيْئًا واحِدًا فَكانَ ذَلِكَ آكَدَ، ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، وأمّا الثّانِي فَضَعِيفٌ أيْضًا، لِأنَّ أصْلَهُ عِنْدَنا أنْ يُقالَ: يا أللَّهُ أُمَّنا. ومَنِ الَّذِي يُنْكِرُ جَوازَ التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ، وأيْضًا فَلِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الألْفاظِ لا يَجُوزُ فِيها إقامَةُ الفَرْعِ مَقامَ الأصْلِ، ألا تَرى أنَّ مَذْهَبَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ما أكْرَمَهُ، مَعْناهُ أيُّ شَيْءٍ أكْرَمَهُ ثُمَّ إنَّهُ قَطُّ لا يُسْتَعْمَلُ هَذا الكَلامُ الَّذِي زَعَمُوا أنَّهُ الأصْلُ في مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ فَكَذا هاهُنا. وأمّا الثّالِثُ: فَمَنِ الَّذِي سَلَّمَ لَكم أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا أللَّهُمَّ؛ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: وأمّا عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّما سَبَّحْتِ أوْ صَلَّيْتِ يا اللَّهُمّا وقَوْلُ البَصْرِيِّينَ: إنَّ هَذا الشِّعْرَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، فَحاصِلُهُ تَكْذِيبُ النَّقْلِ، ولَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ اللُّغَةِ والنَّحْوِ سَلِيمًا عَنِ الطَّعْنِ، وأمّا قَوْلُهُ: كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ حَرْفِ النِّداءِ لازِمًا فَجَوابُهُ أنَّهُ قَدْ يُحْذَفُ حَرْفُ النِّداءِ كَقَوْلِهِ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا﴾ [يوسف: ٤٦] فَلا يَبْعُدُ أنْ يَخْتَصَّ هَذا الِاسْمُ بِإلْزامِ هَذا الحَذْفِ، ثُمَّ احْتَجَّ الفَرّاءُ عَلى فَسادِ قَوْلِ البَصْرِيِّينَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنّا لَوْ جَعَلْنا المِيمَ قائِمًا مَقامَ حَرْفِ النِّداءِ لَكُنّا قَدْ أخَّرْنا النِّداءَ عَنْ ذِكْرِ المُنادى، وهَذا غَيْرُ جائِزٍ البَتَّةَ، فَإنَّهُ لا يُقالُ البَتَّةَ (اللَّهُ يا) وعَلى قَوْلِكم يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ. الثّانِي: لَوْ كانَ هَذا الحَرْفُ قائِمًا مَقامَ النِّداءِ لَجازَ مِثْلُهُ في سائِرِ الأسْماءِ، حَتّى يُقالَ: زَيْدُمَّ، وبَكْرُمَّ، كَما يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا زَيْدُ ويا بَكْرُ. والثّالِثُ: لَوْ كانَ المِيمُ بَدَلًا عَنْ حَرْفِ النِّداءِ لَما اجْتَمَعا، لَكِنَّهُما اجْتَمَعا في الشِّعْرِ الَّذِي رَوَيْناهُ. الرّابِعُ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ يَزِيدُونَ هَذِهِ المِيمَ في الأسْماءِ التّامَّةِ لِإفادَةِ مَعْنى بَعْضِ الحُرُوفِ المُبايِنَةِ لِلْكَلِمَةِ الدّاخِلَةِ عَلَيْها، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ الواحِدَةِ حُكْمًا عَلى خِلافِ الِاسْتِقْراءِ العامِّ في اللُّغَةِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا المَوْضِعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ في نَصْبِهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى النِّداءِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦] ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِقَوْلِهِ (اللَّهُمَّ) لِأنَّ قَوْلَنا ”اللَّهُمَّ“ مَجْمُوعُ الِاسْمِ والحَرْفِ، وهَذا المَجْمُوعُ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ. والثّانِي: وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ أنَّ ”مالِكَ“ وصْفٌ لِلْمُنادى المُفْرَدِ، لِأنَّ هَذا الِاسْمَ ومَعَهُ المِيمُ بِمَنزِلَتِهِ ومَعَهُ ”يا“ ولا يَمْتَنِعُ الصِّفَةُ مَعَ المِيمِ، كَما لا يَمْتَنِعُ مَعَ الياءِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ وعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، فَقالَ المُنافِقُونَ واليَهُودُ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ مِن أيْنَ لِمُحَمَّدٍ مُلْكُ فارِسَ والرُّومِ، وهم أعَزُّ وأمْنَعُ مِن ذَلِكَ»، «ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا خَطَّ الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ، وقَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وأخَذُوا يَحْفِرُونَ، خَرَجَ مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ صَخْرَةٌ كالتَّلِّ العَظِيمِ لَمْ تَعْمَلْ فِيها المَعاوِلُ، فَوَجَّهُوا سَلْمانَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَخَبَّرَهُ، فَأخَذَ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ فَلَمّا ضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَّعَها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها كَأنَّهُ مِصْباحٌ في جَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ الحِيرَةِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ“ ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ، فَقالَ: ”أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورُ الحُمْرُ مِن أرْضِ الرُّومِ“ ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَقالَ: ”أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ صَنْعاءَ وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلى كُلِّها فَأبْشِرُوا“ فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ مِن نَبِيِّكم يَعِدُكُمُ الباطِلَ ويُخْبِرُكم أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدايِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكم وأنْتُمْ تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مِنَ الخَوْفِ لا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَخْرُجُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» واللَّهُ أعْلَمُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ صفحة ٥ أنْ يَسْألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ ويَرُدَّ ذُلَّ العَرَبِ عَلَيْهِما، وأمْرُهُ بِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَسْتَجِيبُ لَهُ هَذا الدُّعاءَ، وهَكَذا مَنازِلُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إذا أُمِرُوا بِدُعاءٍ اسْتُجِيبَ دُعاؤُهم. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (المُلْكِ) هو القُدْرَةُ، والمالِكُ هو القادِرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ مَعْناهُ القادِرُ عَلى القُدْرَةِ، والمَعْنى إنَّ قُدْرَةَ الخَلْقِ عَلى كُلِّ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لَيْسَتْ إلّا بِإقْدارِ اللَّهِ تَعالى فَهو الَّذِي يُقْدِرُ كُلَّ قادِرٍ عَلى مَقْدُورِهِ، ويُمْلِكُ كُلَّ مالِكٍ مَمْلُوكَهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ مالِكَ المُلْكِ ”أيْ يَمْلِكُ جِنْسَ المُلْكِ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فِيما يَمْلِكُونَ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ (مالِكَ المُلْكِ) عَلى الإطْلاقِ، فَصَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ وذَكَرَ أنْواعًا خَمْسَةً: النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ: مُلْكُ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] والنُّبُوَّةُ أعْظَمُ مَراتِبِ المُلْكِ؛ لِأنَّ العُلَماءَ لَهم أمْرٌ عَظِيمٌ عَلى بَواطِنِ الخَلْقِ، والجَبابِرَةُ لَهم أمْرٌ عَلى ظَواهِرِ الخَلْقِ، والأنْبِياءُ أمْرُهم نافِذٌ في البَواطِنِ والظَّواهِرِ، فَأمّا عَلى البَواطِنِ فَلِأنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَقْبَلَ دِينَهم وشَرِيعَتَهم، وأنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ هو الحَقُّ، وأمّا عَلى الظَّواهِرِ فَلِأنَّهم لَوْ تَمَرَّدُوا واسْتَكْبَرُوا لاسْتَوْجَبُوا القَتْلَ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يَسْتَبْعِدُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعالى بَشَرًا رَسُولًا فَحَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم: [ ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ ] [الأنعام: ٩] وقَوْمٌ آخَرُونَ جَوَّزُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُرْسِلَ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، إلّا أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا فَقِيرٌ يَتِيمٌ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا المَنصِبُ العَظِيمُ عَلى ما حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وأمّا اليَهُودُ فَكانُوا يَقُولُونَ النُّبُوَّةُ كانَتْ في آبائِنا وأسْلافِنا، وأمّا قُرَيْشٌ فَهم ما كانُوا أهْلَ النُّبُوَّةِ والكِتابِ فَكَيْفَ يَلِيقُ النُّبُوَّةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ؟ وأمّا المُنافِقُونَ فَكانُوا يَحْسُدُونَهُ عَلى النُّبُوَّةِ، عَلى ما حَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] . وأيْضًا فَقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٢] أنَّ اليَهُودَ تَكَبَّرُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وسِلاحِهِمْ وشِدَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلى جَمِيعِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو مالِكُ المُلْكِ فَيُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ، فَقالَ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ . فَإنْ قِيلَ: فَإذا حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ عَلى إيتاءِ مُلْكِ النُّبُوَّةِ، وجَبَ أنْ تَحْمِلُوا قَوْلَهُ: ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ عَلى أنَّهُ قَدْ يَعْزِلُ عَنِ النُّبُوَّةِ مَن جَعَلَهُ نَبِيًّا، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا جَعَلَ النُّبُوَّةَ في نَسْلِ رَجُلٍ، فَإذا أخْرَجَها اللَّهُ مِن نَسْلِهِ، وشَرَّفَ بِها إنْسانًا آخَرَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ النَّسْلِ، صَحَّ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى نَزَعَها مِنهم، واليَهُودُ كانُوا مُعْتَقِدِينَ أنَّ النُّبُوَّةَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا شَرَّفَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِها، صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَنْزِعُ مُلْكَ النُّبُوَّةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى العَرَبِ. والجَوابُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ أيْ تَحْرِمُهم ولا تُعْطِيهِمْ هَذا صفحة ٦ المُلْكَ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ يَسْلُبُهُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أعْطاهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧] مَعَ أنَّ هَذا الكَلامَ يَتَناوَلُ مَن لَمْ يَكُنْ في ظُلْمَةِ الكُفْرِ قَطُّ، وقالَ اللَّهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [الأعراف: ٨٨] وأُولَئِكَ الأنْبِياءُ قالُوا: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٩] مَعَ أنَّهم ما كانُوا فِيها قَطُّ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ قَوْلِ مَن فَسَّرَ قَوْلَهَ تَعالى: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ بِمُلْكِ النُّبُوَّةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُلْكِ، ما يُسَمّى مُلْكًا في العُرْفِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أشْياءَ: أحَدُها: تَكْثِيرُ المالِ والجاهِ، أمّا تَكْثِيرُ المالِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مُلْكُ الصّامِتِ والنّاطِقِ والدُّورِ والضِّياعِ، والحَرْثُ، والنَّسْلُ، وأمّا تَكْثِيرُ الجاهِ فَهو أنْ يَكُونَ مَهِيبًا عَنِ النّاسِ، مَقْبُولَ القَوْلِ، مُطاعًا في الخَلْقِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلى غَيْرِهِ أنْ يَكُونَ في طاعَتِهِ، وتَحْتَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ نازَعَهُ في مُلْكِهِ أحَدٌ، قَدَرَ عَلى قَهْرِ ذَلِكَ المُنازِعِ، وعَلى غَلَبَتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمّا تَكْثِيرُ المالِ فَقَدْ نَرى جَمْعًا في غايَةِ الكِياسَةِ لا يَحْصُلُ لَهم مَعَ الكَدِّ الشَّدِيدِ، والعَناءِ العَظِيمِ قَلِيلٌ مِنَ المالِ، ونَرى الأبْلَهَ الغافِلَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الأمْوالِ ما لا يَعْلَمُ كَمِّيَّتَهُ، وأمّا الجاهُ فالأمْرُ أظْهَرُ، فَإنّا رَأيْنا كَثِيرًا مِنَ المُلُوكِ بَذَلُوا الأمْوالَ العَظِيمَةَ لِأجْلِ الجاهِ، وكانُوا كُلَّ يَوْمٍ أكْثَرَ حَقارَةً ومَهانَةً في أعْيُنِ الرَّعِيَّةِ، وقَدْ يَكُونُ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ وهو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُعَظَّمًا في العَقائِدِ، مَهِيبًا في القُلُوبِ، يَنْقادُ لَهُ الصَّغِيرُ والكَبِيرُ، ويَتَواضَعُ لَهُ القاصِي والدّانِي، وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو كَوْنُهُ واجِبَ الطّاعَةِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا تَشْرِيفٌ يُشَرِّفُ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَعْضَ عِبادِهِ. وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو حُصُولُ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ مَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَمْ شاهَدْنا مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ صِحَّةُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ . واعْلَمْ أنَّ لِلْمُعْتَزِلَةِ هاهُنا بَحْثًا قالَ الكَعْبِيُّ قَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ المُخْتارِيَّةِ، ولَكِنْ بِالِاسْتِحْقاقِ فَيُؤْتِيهِ مَن يَقُومُ بِهِ، ولا يَنْزِعُهُ إلّا مِمَّنْ فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقالَ في حَقِّ العَبْدِ الصّالِحِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٧ ] فَجَعَلَهَ سَبَبًا لِلْمُلْكِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: هَذا الحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِمُلُوكِ العَدْلِ، فَأمّا مُلُوكُ الظُّلْمِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُلْكُهم بِإيتاءِ اللَّهِ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإيتاءِ اللَّهِ، وقَدْ ألْزَمَهم أنْ لا يَتَمَلَّكُوهُ ومَنَعَهم مِن ذَلِكَ، فَصَحَّ بِما ذَكَرْنا أنَّ المُلُوكَ العادِلِينَ هُمُ المُخْتَصُّونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهم ذَلِكَ المُلْكَ، فَأمّا الظّالِمُونَ فَلا، قالُوا: ونَظِيرُ هَذا ما قُلْناهُ في الرِّزْقِ: أنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الحَرامُ الَّذِي زَجَرَهُ اللَّهُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَرُدَّهُ عَلى مالِكِهِ فَكَذا هاهُنا، قالُوا: وأمّا النَّزْعُ فَبِخِلافِ ذَلِكَ لِأنَّهُ كَما يُنْزَعُ المُلْكُ مِنَ المُلُوكِ العادِلِينَ لِمَصْلَحَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ فَقَدْ يُنْزَعُ المُلْكُ عَنِ المُلُوكِ الظّالِمِينَ ونَزْعُ المُلْكِ يَكُونُ بِوُجُوهٍ: مِنها بِالمَوْتِ، وإزالَةِ العَقْلِ، وإزالَةِ القُوى، والقُدْرَةِ والحَواسِّ، ومِنها بِوُرُودِ الهَلاكِ والتَّلَفِ عَنِ الأمْوالِ، ومِنها أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى المُحِقَّ بِأنْ يَسْلُبَ المُلْكَ الَّذِي في يَدِ المُتَغَلِّبِ المُبْطِلِ، ويُؤْتِيَهُ القُوَّةَ والنُّصْرَةَ، فَإذا حارَبَهُ المُحِقُّ وقَهَرَهُ وسَلَبَ مُلْكَهُ جازَ أنْ يُضافَ هَذا السَّلْبُ والنَّزْعُ إلَيْهِ تَعالى، لِأنَّهُ وقَعَ عَنْ أمْرِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ نَزَعَ اللَّهُ تَعالى مُلْكَ فارِسَ عَلى يَدِ الرَّسُولِ، هَذا جُمْلَةُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ في هَذا البابِ. صفحة ٧ واعْلَمْ أنَّ هَذا المَوْضِعَ مَقامُ بَحْثٍ مُهِمٍّ وذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَ المُلْكِ لِلظّالِمِ، إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ وقَعَ لا عَنْ فاعِلٍ وإنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ ذَلِكَ المُتَغَلِّبِ، أوْ إنَّما حَصَلَ بِالأسْبابِ الرَّبّانِيَّةِ، والأوَّلُ: نَفْيٌ لِلصّانِعِ، والثّانِي: باطِلٌ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ تَحْصِيلَ المُلْكِ والدَّوْلَةِ لِنَفْسِهِ، ولا يَتَيَسَّرُ لَهُ البَتَّةَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ بِأنَّ مُلْكَ الظّالِمِينَ إنَّما حَصَلَ بِإيتاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ تَهابُهُ النُّفُوسُ، وتَمِيلُ إلَيْهِ القُلُوبُ، ويَكُونُ النَّصْرُ قَرِينًا لَهُ، والظَّفَرُ جَلِيسًا مَعَهُ، فَأيْنَما تَوَجَّهَ حَصَلَ مَقْصُودُهُ، وقَدْ يَكُونُ عَلى الضِّدِّ مِن ذَلِكَ، ومَن تَأمَّلَ في كَيْفِيَّةِ أحْوالِ المُلُوكِ اضْطُرَّ إلى العِلْمِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ قالَ حَكِيمُ الشُّعَراءِ: لَوْ كانَ بِالحِيَلِ الغِنى لَوَجَدْتَنِي بِأجَلِّ أسْبابِ السَّماءِ تَعَلُّقِي لَكِنَّ مَن رُزِقَ الحِجا حُرِمَ الغِنى ∗∗∗ ضِدّانِ مُفْتَرِقانِ أيَّ تَفَرُّقٍ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى القَضاءِ وكَوْنِهِ ∗∗∗ بُؤْسُ اللَّبِيبِ وطِيبُ عَيْشِ الأحْمَقِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ مَحْمُولٌ عَلى جَمِيعِ أنْواعِ المُلْكِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مُلْكُ النُّبُوَّةِ، ومُلْكُ العِلْمِ، ومُلْكُ العَقْلِ والصِّحَّةِ والأخْلاقِ الحَسَنَةِ، ومُلْكُ النَّفاذِ والقُدْرَةِ ومُلْكُ المَحَبَّةِ، ومُلْكُ الأمْوالِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فالتَّخْصِيصُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ العِزَّةَ قَدْ تَكُونُ في الدِّينِ، وقَدْ تَكُونُ في الدُّنْيا، أمّا في الدِّينِ فَأشْرَفُ أنْواعِ العِزَّةِ الإيمانُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنافِقُونَ: ٨ ] إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا كانَ أعَزُّ الأشْياءِ المُوجِبَةِ لِلْعِزَّةِ هو الإيمانَ، وأذَلُّ الأشْياءِ المُوجِبَةِ لِلْمَذَلَّةِ هو الكُفْرَ، فَلَوْ كانَ حُصُولُ الإيمانِ والكُفْرِ بِمُجَرَّدِ مَشِيئَةِ العَبْدِ، لَكانَ إعْزازُ العَبْدِ نَفْسَهُ بِالإيمانِ، وإذْلالُهُ نَفْسَهُ بِالكُفْرِ، أعْظَمَ مِن إعْزازِ اللَّهِ عَبْدَهُ بِكُلِّ ما أعَزَّهُ بِهِ، ومِن إذْلالِ اللَّهِ عَبْدَهُ بِكُلِّ ما أذَلَّهُ بِهِ ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ حَظُّ العَبْدِ مِن هَذا الوَصْفِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن حَظِّ اللَّهِ تَعالى مِنهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَعَلِمْنا أنَّ الإعْزازَ بِالإيمانِ والحَقِّ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ، والإذْلالَ بِالكُفْرِ والباطِلِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ، وهَذا وجْهٌ قَوِيٌّ في المَسْألَةِ، قالَ القاضِي: الإعْزازُ المُضافُ إلَيْهِ تَعالى قَدْ يَكُونُ في الدِّينِ وقَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا، أمّا الَّذِي في الدِّينِ فَهو أنَّ الثَّوابَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلى التَّعْظِيمِ والمَدْحِ والكَرامَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى يَمُدُّهم بِمَزِيدِ الألْطافِ ويُعْلِيهِمْ عَلى الأعْداءِ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَبِإعْطاءِ الأمْوالِ الكَثِيرَةِ مِنَ النّاطِقِ والصّامِتِ وتَكْثِيرِ الحَرْثِ وتَكْثِيرِ النِّتاجِ في الدَّوابِّ، وإلْقاءِ الهَيْبَةِ في قُلُوبِ الخَلْقِ. واعْلَمْ أنَّ كَلامَنا يَأْبى ذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ في بابِ الثَّوابِ فَهو حَقٌّ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى ولَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لانْعَزَلَ عَنِ الإلَهِيَّةِ ولَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ إلَهًا لِلْخَلْقِ فَهو تَعالى بِإعْطاءِ هَذِهِ التَّعْظِيماتِ يَحْفَظُ إلَهِيَّةَ نَفْسِهِ عَنِ الزَّوالِ، فَأمّا العَبْدُ فَلَمّا خَصَّ نَفْسَهُ بِالإيمانِ الَّذِي يُوجِبُ هَذِهِ التَّعْظِيماتِ فَهو الَّذِي أعَزَّ نَفْسَهُ فَكانَ إعْزازُهُ لِنَفْسِهِ أعْظَمَ مِن إعْزازِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا الكَلامَ المَذْكُورَ لازِمٌ عَلى القَوْمِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ فَقالَ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ تَعالى إنَّما يُذِلُّ أعْداءَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا يُذِلُّ أحَدًا مِن أوْلِيائِهِ وإنْ أفْقَرَهم وأمْرَضَهم وأحْوَجَهم إلى غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ لِيُعِزَّهم في الآخِرَةِ، إمّا بِالثَّوابِ وإمّا بِالعِوَضِ، فَصارَ ذَلِكَ كالفَصْدِ والحِجامَةِ فَإنَّهُما وإنْ كانا يُؤْلِمانِ في الحالِ إلّا صفحة ٨ أنَّهُما لَمّا كانا يَسْتَعْقِبانِ نَفْعًا عَظِيمًا لا جَرَمَ لا يُقالُ فِيهِما: إنَّهُما تَعْذِيبٌ، قالَ وإذا وُصِفَ الفَقْرُ بِأنَّهُ ذُلٌّ فَعَلى وجْهِ المَجازِ كَما سَمّى اللَّهُ تَعالى لِينَ المُؤْمِنِينَ ذُلًّا بِقَوْلِهِ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذْلالُ اللَّهِ تَعالى عَبْدَهُ المُبْطِلَ إنَّما يَكُونُ بِوُجُوهٍ مِنها بِالذَّمِّ واللَّعْنِ ومِنها بِأنْ يَخْذُلَهم بِالحُجَّةِ والنُّصْرَةِ، ومِنها بِأنْ يَجْعَلَهم خَوَلًا لِأهْلِ دِينِهِ، ويَجْعَلَ مالَهم غَنِيمَةً لَهم ومِنها بِالعُقُوبَةِ لَهم في الآخِرَةِ، هَذا جُمْلَةُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ، ومَذْهَبُنا أنَّهُ تَعالى يُعِزُّ البَعْضَ بِالإيمانِ والمَعْرِفَةِ، ويُذِلُّ البَعْضَ بِالكُفْرِ والضَّلالَةِ، وأعْظَمُ أنْواعِ الإعْزازِ والإذْلالِ هو هَذا والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: وهو أنَّ عِزَّ الإسْلامِ وذُلَّ الكُفْرِ لا بُدَّ فِيهِ مِن فاعِلٍ، وذَلِكَ الفاعِلُ إمّا أنْ يَكُونَ هو العَبْدَ أوِ اللَّهَ تَعالى، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَخْتارُ الكُفْرَ لِنَفْسِهِ، بَلْ إنَّما يُرِيدُ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ والهِدايَةَ فَلَمّا أرادَ العَبْدُ الإيمانَ ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ بَلْ حَصَلَ لَهُ الجَهْلُ، عَلِمْنا أنَّ حُصُولَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنَ العَبْدِ. الثّانِي: وهو أنَّ الجَهْلَ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ إمّا أنْ يَكُونَ بِواسِطَةِ شُبْهَةٍ وإمّا أنْ يُقالَ: يَفْعَلُهُ العَبْدُ ابْتِداءً، والأوَّلُ باطِلٌ، إذْ لَوْ كانَ كُلُّ جَهْلٍ إنَّما يَحْصُلُ بِجَهْلٍ آخَرَ يَسْبِقُهُ ويَتَقَدَّمُهُ؛ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَبَقِيَ أنْ يُقالَ: تِلْكَ الجِهاتُ تَنْتَهِي إلى جَهْلٍ يَفْعَلُهُ العَبْدُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ سَبْقِ مُوجِبٍ البَتَّةَ، لَكِنّا نَجِدُ مِن أنْفُسِنا أنَّ العاقِلَ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَصِيرَ عَلى الجَهْلِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، فَعَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ بِإذْلالِ اللَّهِ عَبْدَهُ وبِخِذْلانِهِ إيّاهُ. الثّالِثُ: ما بَيَّنّا أنَّ الفِعْلَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الدّاعِي والمُرَجِّحِ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَإنْ كانَ في طَرَفِ الخَيْرِ كانَ إعْزازًا، وإنْ كانَ في طَرَفِ الجَهْلِ والشَّرِّ والضَّلالَةِ كانَ إذْلالًا، فَثَبَتَ أنَّ المُعِزَّ والمُذِلَّ هو اللَّهُ تَعالى. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ . فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ اليَدِ هو القُدْرَةُ، والمَعْنى بِقُدْرَتِكَ الخَيْرُ والألِفُ واللّامُ في الخَيْرِ يُوجِبانِ العُمُومَ، فالمَعْنى بِقُدْرَتِكَ تَحْصُلُ كُلُّ البَرَكاتِ والخَيْراتِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ كَأنَّهُ قالَ بِيَدِكَ الخَيْرُ لا بِيَدِ غَيْرِكِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافِرُونَ: ٦ ] أيْ لَكم دِينُكم أيْ لا لِغَيْرِكم وذَلِكَ الحَصْرُ يُنافِي حُصُولَ الخَيْرِ بِيَدِ غَيْرِهِ، فَثَبَتَ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الخَيْراتِ مِنهُ، وبِتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ وإيجادِهِ وإبْداعِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أفْضَلُ الخَيْراتِ هو الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَتُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الخَيْرُ مِن تَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى لا مِن تَخْلِيقِ العَبْدِ وهَذا اسْتِدْلالٌ ظاهِرٌ، ومِنَ الأصْحابِ مَن زادَ في هَذا التَّقْدِيرِ فَقالَ: كُلُّ فاعِلَيْنِ فِعْلُ أحَدِهِما أشْرَفُ وأفْضَلُ مِن فِعْلِ الآخَرِ كانَ ذَلِكَ الفاعِلُ أشْرَفَ وأكْمَلَ مِنَ الآخَرِ، ولا شَكَّ أنَّ الإيمانَ أفْضَلُ مِنَ الخَيْرِ، ومِن كُلِّ ما سِوى الإيمانِ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ بِخَلْقِ العَبْدِ لا بِخَلْقِ اللَّهِ لَوَجَبَ كَوْنُ العَبْدِ زائِدًا في الخَيْرِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفي الفَضِيلَةِ والكَمالِ، وذَلِكَ كُفْرٌ قَبِيحٌ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى أنَّ الإيمانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكم مِن وجْهٍ آخَرَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ بِيَدِكَ إلّا الخَيْرُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ الكُفْرُ والمَعْصِيَةُ واقِعَيْنِ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ يُفِيدُ أنَّ بِيَدِهِ الخَيْرَ لا بِيَدِ غَيْرِهِ، وهَذا يُنافِي أنْ يَكُونَ بِيَدِ غَيْرِهِ، ولَكِنْ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ بِيَدِهِ الخَيْرُ وبِيَدِهِ ما سِوى الخَيْرِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الأمْرُ المُنْتَفَعُ بِهِ فَوَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ لِهَذا المَعْنى، قالَ القاضِي: كُلُّ خَيْرٍ حَصَلَ مِن جِهَةِ العِبادِ فَلَوْلا أنَّهُ تَعالى أقْدَرَهم عَلَيْهِ صفحة ٩ وهَداهم إلَيْهِ لَما تَمَكَّنُوا مِنهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ بَعْضُ الخَيْرِ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، ويَصِيرُ أشْرَفُ الخَيْراتِ مُضافًا إلى العَبْدِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهَذا كالتَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ مالِكًا لِإيتاءِ المُلْكِ ونَزْعِهِ والإعْزازِ والإذْلالِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَجْعَلَ اللَّيْلَ قَصِيرًا ويَجْعَلَ ذَلِكَ القَدْرَ الزّائِدَ داخِلًا في النَّهارِ وتارَةً عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ وإنَّما فَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ قِوامَ العالَمِ ونِظامَهُ بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ هو أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِاللَّيْلِ عَقِيبَ النَّهارِ، فَيُلْبِسُ الدُّنْيا ظُلْمَةً بَعْدَ أنْ كانَ فِيها ضَوْءُ النَّهارِ، ثُمَّ يَأْتِي بِالنَّهارِ عَقِيبَ اللَّيْلِ فَيُلْبِسُ الدُّنْيا ضَوْءَهُ، فَكانَ المُرادُ مِن إيلاجِ أحَدِهِما في الآخَرِ إيجادَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَقِيبَ الآخَرِ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ، لِأنَّهُ إذا كانَ النَّهارُ طَوِيلًا فَجَعَلَ ما نَقَصَ مِنهُ زِيادَةً في اللَّيْلِ كانَ ما نَقَصَ مِنهُ داخِلًا في اللَّيْلِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ“ المَيِّتَ " بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ المُبَرِّدُ: أجْمَعَ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّهُما سَواءٌ وأنْشَدُوا: إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ وهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: هَيِّنٌ وهَيْنٌ، ولَيِّنٌ ولَيْنٌ، وقَدْ ذَهَبَ ذاهِبُونَ إلى أنَّ المَيْتَ مَن قَدْ ماتَ، والمَيِّتَ مَن لَمْ يَمُتْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ كَإبْراهِيمَ مِن آزَرَ، والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ مِثْلُ كَنْعانَ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والثّانِي: يُخْرِجُ الطَّيِّبَ مِنَ الخَبِيثِ وبِالعَكْسِ. والثّالِثُ: يُخْرِجُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ وبِالعَكْسِ. والرّابِعُ: يُخْرِجُ السُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ وبِالعَكْسِ، والنَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ وبِالعَكْسِ، قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والكَلِمَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْكُلِّ، أمّا الكُفْرُ والإيمانُ فَقالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢ ] يُرِيدُ كانَ كافِرًا فَهَدَيْناهُ فَجَعَلَ المَوْتَ كُفْرًا والحَياةَ إيمانًا، وسَمّى إخْراجَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ إحْياءً، وجَعَلَ قَبْلَ ذَلِكَ مَيْتَةً فَقالَ: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الرُّومِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [فاطِرٍ: ٩ ] وقالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨ ] . أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ يُعْطِي مَن يَشاءُ ما يَشاءُ لا يُحاسِبُهُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ، إذْ لَيْسَ فَوْقَهُ مَلِكٌ يُحاسِبُهُ بَلْ هو المَلِكُ، يُعْطِي مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. والثّانِي: تَرْزُقُ مَن تَشاءُ [ رِزْقًا ]غَيْرَ مَقْدُورٍ ولا مَحْدُودٍ، بَلْ تَبْسُطُهُ لَهُ وتُوَسِّعُهُ عَلَيْهِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يُنْفِقُ بِغَيْرِ حِسابٍ إذا وُصِفَ عَطاؤُهُ بِالكَثْرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في تَكْثِيرِ مالِ الإنْسانِ: عِنْدَهُ مالٌ لا يُحْصى. والثّالِثُ: تَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، يَعْنِي عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِأنَّ مَن أعْطى عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ فَقَدْ أعْطى بِحِسابٍ، وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى: إنَّكَ لا تَرْزُقُ عِبادَكَ عَلى مَقادِيرِ أعْمالِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وصِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِ المُخالِفِينَ كُفْرَهم بِاللَّهِ، وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وذَكَرَ شِدَّةَ عِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ شِدَّةَ غُرُورِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ وعِيدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِدُعاءٍ وتَمْجِيدٍ يَدُلُّ عَلى مُبايَنَةِ طَرِيقِهِ وطَرِيقِ أتْباعِهِ، لِطَرِيقَةِ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ المُعانِدِينَ المُعْرِضِينَ، فَقالَ مُعَلِّمًا نَبِيَّهُ: كَيْفَ يُمَجِّدُ ويُعَظِّمُ ويَدْعُو ويَطْلُبُ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في قَوْلِهِ (اللَّهُمَّ) فَقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: ”اللَّهُمَّ“ مَعْناهُ: يا أللَّهُ، والمِيمُ المُشَدَّدَةُ عِوَضٌ مِن: يا، وقالَ الفَرّاءُ: كانَ أصْلُها يا أللَّهُ أُمَّ بِخَيْرٍ، فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ حَذَفُوا حَرْفَ النِّداءِ، وحَذَفُوا الهَمْزَةَ مِن: أُمَّ، فَصارَ ”اللَّهُمَّ“ ونَظِيرُهُ قَوْلُ العَرَبِ: هَلُمَّ، والأصْلُ: هَلْ، فَضُمَّ أُمَّ إلَيْها. حُجَّةُ الأوَّلِينَ عَلى فَسادِ قَوْلِ الفَرّاءِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: لَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ لَما صَحَّ أنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ افْعَلْ كَذا إلّا بِحَرْفِ العَطْفِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: يا أللَّهُ أُمَّنا واغْفِرْ لَنا، ولَمْ نَجِدْ أحَدًا يَذْكُرُ هَذا الحَرْفَ العاطِفَ. والثّانِي: وهو حُجَّةُ الزَّجّاجِ أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ، لَجازَ أنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ عَلى أصْلِهِ، فَيُقالُ ”اللَّهُ أُمَّ“ كَما يُقالُ ”ويْلَمَّ“ ثُمَّ يُتَكَلَّمُ بِهِ عَلى الأصْلِ فَيُقالُ ”ويْلَ أُمِّهِ“ . الثّالِثُ: لَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ لَكانَ حَرْفُ النِّداءِ مَحْذُوفًا، فَكانَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا اللَّهُمَّ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا جائِزًا عَلِمْنا فَسادَ قَوْلِ الفَرّاءِ بَلْ نَقُولُ: كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَرْفُ النِّداءِ لازِمًا، كَما يُقالُ: يا اللَّهُ اغْفِرْ لِي، وأجابَ الفَرّاءُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ، فَقالَ: أمّا الأوَّلُ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ”يا أللَّهُ أُمَّ“ مَعْناهُ: يا أللَّهُ اقْصِدْ، فَلَوْ قالَ: واغْفِرْ لَكانَ المَعْطُوفُ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ السُّؤالُ سُؤالَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ (أُمَّنا) . والثّانِي: قَوْلُهُ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨٦] أمّا إذا حَذَفْنا العَطْفَ صارَ صفحة ٤ قَوْلُهُ: اغْفِرْ لَنا تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: أُمَّنا، فَكانَ المَطْلُوبُ في الحالَيْنِ شَيْئًا واحِدًا فَكانَ ذَلِكَ آكَدَ، ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، وأمّا الثّانِي فَضَعِيفٌ أيْضًا، لِأنَّ أصْلَهُ عِنْدَنا أنْ يُقالَ: يا أللَّهُ أُمَّنا. ومَنِ الَّذِي يُنْكِرُ جَوازَ التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ، وأيْضًا فَلِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الألْفاظِ لا يَجُوزُ فِيها إقامَةُ الفَرْعِ مَقامَ الأصْلِ، ألا تَرى أنَّ مَذْهَبَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ما أكْرَمَهُ، مَعْناهُ أيُّ شَيْءٍ أكْرَمَهُ ثُمَّ إنَّهُ قَطُّ لا يُسْتَعْمَلُ هَذا الكَلامُ الَّذِي زَعَمُوا أنَّهُ الأصْلُ في مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ فَكَذا هاهُنا. وأمّا الثّالِثُ: فَمَنِ الَّذِي سَلَّمَ لَكم أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا أللَّهُمَّ؛ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: وأمّا عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّما سَبَّحْتِ أوْ صَلَّيْتِ يا اللَّهُمّا وقَوْلُ البَصْرِيِّينَ: إنَّ هَذا الشِّعْرَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، فَحاصِلُهُ تَكْذِيبُ النَّقْلِ، ولَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ اللُّغَةِ والنَّحْوِ سَلِيمًا عَنِ الطَّعْنِ، وأمّا قَوْلُهُ: كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ حَرْفِ النِّداءِ لازِمًا فَجَوابُهُ أنَّهُ قَدْ يُحْذَفُ حَرْفُ النِّداءِ كَقَوْلِهِ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا﴾ [يوسف: ٤٦] فَلا يَبْعُدُ أنْ يَخْتَصَّ هَذا الِاسْمُ بِإلْزامِ هَذا الحَذْفِ، ثُمَّ احْتَجَّ الفَرّاءُ عَلى فَسادِ قَوْلِ البَصْرِيِّينَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنّا لَوْ جَعَلْنا المِيمَ قائِمًا مَقامَ حَرْفِ النِّداءِ لَكُنّا قَدْ أخَّرْنا النِّداءَ عَنْ ذِكْرِ المُنادى، وهَذا غَيْرُ جائِزٍ البَتَّةَ، فَإنَّهُ لا يُقالُ البَتَّةَ (اللَّهُ يا) وعَلى قَوْلِكم يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ. الثّانِي: لَوْ كانَ هَذا الحَرْفُ قائِمًا مَقامَ النِّداءِ لَجازَ مِثْلُهُ في سائِرِ الأسْماءِ، حَتّى يُقالَ: زَيْدُمَّ، وبَكْرُمَّ، كَما يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا زَيْدُ ويا بَكْرُ. والثّالِثُ: لَوْ كانَ المِيمُ بَدَلًا عَنْ حَرْفِ النِّداءِ لَما اجْتَمَعا، لَكِنَّهُما اجْتَمَعا في الشِّعْرِ الَّذِي رَوَيْناهُ. الرّابِعُ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ يَزِيدُونَ هَذِهِ المِيمَ في الأسْماءِ التّامَّةِ لِإفادَةِ مَعْنى بَعْضِ الحُرُوفِ المُبايِنَةِ لِلْكَلِمَةِ الدّاخِلَةِ عَلَيْها، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ الواحِدَةِ حُكْمًا عَلى خِلافِ الِاسْتِقْراءِ العامِّ في اللُّغَةِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا المَوْضِعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ في نَصْبِهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى النِّداءِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦] ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِقَوْلِهِ (اللَّهُمَّ) لِأنَّ قَوْلَنا ”اللَّهُمَّ“ مَجْمُوعُ الِاسْمِ والحَرْفِ، وهَذا المَجْمُوعُ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ. والثّانِي: وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ أنَّ ”مالِكَ“ وصْفٌ لِلْمُنادى المُفْرَدِ، لِأنَّ هَذا الِاسْمَ ومَعَهُ المِيمُ بِمَنزِلَتِهِ ومَعَهُ ”يا“ ولا يَمْتَنِعُ الصِّفَةُ مَعَ المِيمِ، كَما لا يَمْتَنِعُ مَعَ الياءِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ وعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، فَقالَ المُنافِقُونَ واليَهُودُ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ مِن أيْنَ لِمُحَمَّدٍ مُلْكُ فارِسَ والرُّومِ، وهم أعَزُّ وأمْنَعُ مِن ذَلِكَ»، «ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا خَطَّ الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ، وقَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وأخَذُوا يَحْفِرُونَ، خَرَجَ مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ صَخْرَةٌ كالتَّلِّ العَظِيمِ لَمْ تَعْمَلْ فِيها المَعاوِلُ، فَوَجَّهُوا سَلْمانَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَخَبَّرَهُ، فَأخَذَ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ فَلَمّا ضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَّعَها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها كَأنَّهُ مِصْباحٌ في جَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ الحِيرَةِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ“ ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ، فَقالَ: ”أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورُ الحُمْرُ مِن أرْضِ الرُّومِ“ ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَقالَ: ”أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ صَنْعاءَ وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلى كُلِّها فَأبْشِرُوا“ فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ مِن نَبِيِّكم يَعِدُكُمُ الباطِلَ ويُخْبِرُكم أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدايِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكم وأنْتُمْ تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مِنَ الخَوْفِ لا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَخْرُجُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» واللَّهُ أعْلَمُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ صفحة ٥ أنْ يَسْألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ ويَرُدَّ ذُلَّ العَرَبِ عَلَيْهِما، وأمْرُهُ بِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَسْتَجِيبُ لَهُ هَذا الدُّعاءَ، وهَكَذا مَنازِلُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إذا أُمِرُوا بِدُعاءٍ اسْتُجِيبَ دُعاؤُهم. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (المُلْكِ) هو القُدْرَةُ، والمالِكُ هو القادِرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ مَعْناهُ القادِرُ عَلى القُدْرَةِ، والمَعْنى إنَّ قُدْرَةَ الخَلْقِ عَلى كُلِّ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لَيْسَتْ إلّا بِإقْدارِ اللَّهِ تَعالى فَهو الَّذِي يُقْدِرُ كُلَّ قادِرٍ عَلى مَقْدُورِهِ، ويُمْلِكُ كُلَّ مالِكٍ مَمْلُوكَهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ مالِكَ المُلْكِ ”أيْ يَمْلِكُ جِنْسَ المُلْكِ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فِيما يَمْلِكُونَ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ (مالِكَ المُلْكِ) عَلى الإطْلاقِ، فَصَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ وذَكَرَ أنْواعًا خَمْسَةً: النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ: مُلْكُ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] والنُّبُوَّةُ أعْظَمُ مَراتِبِ المُلْكِ؛ لِأنَّ العُلَماءَ لَهم أمْرٌ عَظِيمٌ عَلى بَواطِنِ الخَلْقِ، والجَبابِرَةُ لَهم أمْرٌ عَلى ظَواهِرِ الخَلْقِ، والأنْبِياءُ أمْرُهم نافِذٌ في البَواطِنِ والظَّواهِرِ، فَأمّا عَلى البَواطِنِ فَلِأنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَقْبَلَ دِينَهم وشَرِيعَتَهم، وأنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ هو الحَقُّ، وأمّا عَلى الظَّواهِرِ فَلِأنَّهم لَوْ تَمَرَّدُوا واسْتَكْبَرُوا لاسْتَوْجَبُوا القَتْلَ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يَسْتَبْعِدُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعالى بَشَرًا رَسُولًا فَحَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم: [ ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ ] [الأنعام: ٩] وقَوْمٌ آخَرُونَ جَوَّزُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُرْسِلَ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، إلّا أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا فَقِيرٌ يَتِيمٌ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا المَنصِبُ العَظِيمُ عَلى ما حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وأمّا اليَهُودُ فَكانُوا يَقُولُونَ النُّبُوَّةُ كانَتْ في آبائِنا وأسْلافِنا، وأمّا قُرَيْشٌ فَهم ما كانُوا أهْلَ النُّبُوَّةِ والكِتابِ فَكَيْفَ يَلِيقُ النُّبُوَّةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ؟ وأمّا المُنافِقُونَ فَكانُوا يَحْسُدُونَهُ عَلى النُّبُوَّةِ، عَلى ما حَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] . وأيْضًا فَقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٢] أنَّ اليَهُودَ تَكَبَّرُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وسِلاحِهِمْ وشِدَّتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلى جَمِيعِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو مالِكُ المُلْكِ فَيُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ، فَقالَ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ . فَإنْ قِيلَ: فَإذا حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ عَلى إيتاءِ مُلْكِ النُّبُوَّةِ، وجَبَ أنْ تَحْمِلُوا قَوْلَهُ: ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ عَلى أنَّهُ قَدْ يَعْزِلُ عَنِ النُّبُوَّةِ مَن جَعَلَهُ نَبِيًّا، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا جَعَلَ النُّبُوَّةَ في نَسْلِ رَجُلٍ، فَإذا أخْرَجَها اللَّهُ مِن نَسْلِهِ، وشَرَّفَ بِها إنْسانًا آخَرَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ النَّسْلِ، صَحَّ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى نَزَعَها مِنهم، واليَهُودُ كانُوا مُعْتَقِدِينَ أنَّ النُّبُوَّةَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا شَرَّفَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِها، صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَنْزِعُ مُلْكَ النُّبُوَّةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى العَرَبِ. والجَوابُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ أيْ تَحْرِمُهم ولا تُعْطِيهِمْ هَذا صفحة ٦ المُلْكَ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ يَسْلُبُهُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أعْطاهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧] مَعَ أنَّ هَذا الكَلامَ يَتَناوَلُ مَن لَمْ يَكُنْ في ظُلْمَةِ الكُفْرِ قَطُّ، وقالَ اللَّهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [الأعراف: ٨٨] وأُولَئِكَ الأنْبِياءُ قالُوا: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٩] مَعَ أنَّهم ما كانُوا فِيها قَطُّ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ قَوْلِ مَن فَسَّرَ قَوْلَهَ تَعالى: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ بِمُلْكِ النُّبُوَّةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُلْكِ، ما يُسَمّى مُلْكًا في العُرْفِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أشْياءَ: أحَدُها: تَكْثِيرُ المالِ والجاهِ، أمّا تَكْثِيرُ المالِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مُلْكُ الصّامِتِ والنّاطِقِ والدُّورِ والضِّياعِ، والحَرْثُ، والنَّسْلُ، وأمّا تَكْثِيرُ الجاهِ فَهو أنْ يَكُونَ مَهِيبًا عَنِ النّاسِ، مَقْبُولَ القَوْلِ، مُطاعًا في الخَلْقِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلى غَيْرِهِ أنْ يَكُونَ في طاعَتِهِ، وتَحْتَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ نازَعَهُ في مُلْكِهِ أحَدٌ، قَدَرَ عَلى قَهْرِ ذَلِكَ المُنازِعِ، وعَلى غَلَبَتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمّا تَكْثِيرُ المالِ فَقَدْ نَرى جَمْعًا في غايَةِ الكِياسَةِ لا يَحْصُلُ لَهم مَعَ الكَدِّ الشَّدِيدِ، والعَناءِ العَظِيمِ قَلِيلٌ مِنَ المالِ، ونَرى الأبْلَهَ الغافِلَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الأمْوالِ ما لا يَعْلَمُ كَمِّيَّتَهُ، وأمّا الجاهُ فالأمْرُ أظْهَرُ، فَإنّا رَأيْنا كَثِيرًا مِنَ المُلُوكِ بَذَلُوا الأمْوالَ العَظِيمَةَ لِأجْلِ الجاهِ، وكانُوا كُلَّ يَوْمٍ أكْثَرَ حَقارَةً ومَهانَةً في أعْيُنِ الرَّعِيَّةِ، وقَدْ يَكُونُ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ وهو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُعَظَّمًا في العَقائِدِ، مَهِيبًا في القُلُوبِ، يَنْقادُ لَهُ الصَّغِيرُ والكَبِيرُ، ويَتَواضَعُ لَهُ القاصِي والدّانِي، وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو كَوْنُهُ واجِبَ الطّاعَةِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا تَشْرِيفٌ يُشَرِّفُ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَعْضَ عِبادِهِ. وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو حُصُولُ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ مَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَمْ شاهَدْنا مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ صِحَّةُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ . واعْلَمْ أنَّ لِلْمُعْتَزِلَةِ هاهُنا بَحْثًا قالَ الكَعْبِيُّ قَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ المُخْتارِيَّةِ، ولَكِنْ بِالِاسْتِحْقاقِ فَيُؤْتِيهِ مَن يَقُومُ بِهِ، ولا يَنْزِعُهُ إلّا مِمَّنْ فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقالَ في حَقِّ العَبْدِ الصّالِحِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٧ ] فَجَعَلَهَ سَبَبًا لِلْمُلْكِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: هَذا الحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِمُلُوكِ العَدْلِ، فَأمّا مُلُوكُ الظُّلْمِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُلْكُهم بِإيتاءِ اللَّهِ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإيتاءِ اللَّهِ، وقَدْ ألْزَمَهم أنْ لا يَتَمَلَّكُوهُ ومَنَعَهم مِن ذَلِكَ، فَصَحَّ بِما ذَكَرْنا أنَّ المُلُوكَ العادِلِينَ هُمُ المُخْتَصُّونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهم ذَلِكَ المُلْكَ، فَأمّا الظّالِمُونَ فَلا، قالُوا: ونَظِيرُ هَذا ما قُلْناهُ في الرِّزْقِ: أنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الحَرامُ الَّذِي زَجَرَهُ اللَّهُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَرُدَّهُ عَلى مالِكِهِ فَكَذا هاهُنا، قالُوا: وأمّا النَّزْعُ فَبِخِلافِ ذَلِكَ لِأنَّهُ كَما يُنْزَعُ المُلْكُ مِنَ المُلُوكِ العادِلِينَ لِمَصْلَحَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ فَقَدْ يُنْزَعُ المُلْكُ عَنِ المُلُوكِ الظّالِمِينَ ونَزْعُ المُلْكِ يَكُونُ بِوُجُوهٍ: مِنها بِالمَوْتِ، وإزالَةِ العَقْلِ، وإزالَةِ القُوى، والقُدْرَةِ والحَواسِّ، ومِنها بِوُرُودِ الهَلاكِ والتَّلَفِ عَنِ الأمْوالِ، ومِنها أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى المُحِقَّ بِأنْ يَسْلُبَ المُلْكَ الَّذِي في يَدِ المُتَغَلِّبِ المُبْطِلِ، ويُؤْتِيَهُ القُوَّةَ والنُّصْرَةَ، فَإذا حارَبَهُ المُحِقُّ وقَهَرَهُ وسَلَبَ مُلْكَهُ جازَ أنْ يُضافَ هَذا السَّلْبُ والنَّزْعُ إلَيْهِ تَعالى، لِأنَّهُ وقَعَ عَنْ أمْرِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ نَزَعَ اللَّهُ تَعالى مُلْكَ فارِسَ عَلى يَدِ الرَّسُولِ، هَذا جُمْلَةُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ في هَذا البابِ. صفحة ٧ واعْلَمْ أنَّ هَذا المَوْضِعَ مَقامُ بَحْثٍ مُهِمٍّ وذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَ المُلْكِ لِلظّالِمِ، إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ وقَعَ لا عَنْ فاعِلٍ وإنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ ذَلِكَ المُتَغَلِّبِ، أوْ إنَّما حَصَلَ بِالأسْبابِ الرَّبّانِيَّةِ، والأوَّلُ: نَفْيٌ لِلصّانِعِ، والثّانِي: باطِلٌ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ تَحْصِيلَ المُلْكِ والدَّوْلَةِ لِنَفْسِهِ، ولا يَتَيَسَّرُ لَهُ البَتَّةَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ بِأنَّ مُلْكَ الظّالِمِينَ إنَّما حَصَلَ بِإيتاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ تَهابُهُ النُّفُوسُ، وتَمِيلُ إلَيْهِ القُلُوبُ، ويَكُونُ النَّصْرُ قَرِينًا لَهُ، والظَّفَرُ جَلِيسًا مَعَهُ، فَأيْنَما تَوَجَّهَ حَصَلَ مَقْصُودُهُ، وقَدْ يَكُونُ عَلى الضِّدِّ مِن ذَلِكَ، ومَن تَأمَّلَ في كَيْفِيَّةِ أحْوالِ المُلُوكِ اضْطُرَّ إلى العِلْمِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ قالَ حَكِيمُ الشُّعَراءِ: لَوْ كانَ بِالحِيَلِ الغِنى لَوَجَدْتَنِي بِأجَلِّ أسْبابِ السَّماءِ تَعَلُّقِي لَكِنَّ مَن رُزِقَ الحِجا حُرِمَ الغِنى ∗∗∗ ضِدّانِ مُفْتَرِقانِ أيَّ تَفَرُّقٍ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى القَضاءِ وكَوْنِهِ ∗∗∗ بُؤْسُ اللَّبِيبِ وطِيبُ عَيْشِ الأحْمَقِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ مَحْمُولٌ عَلى جَمِيعِ أنْواعِ المُلْكِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مُلْكُ النُّبُوَّةِ، ومُلْكُ العِلْمِ، ومُلْكُ العَقْلِ والصِّحَّةِ والأخْلاقِ الحَسَنَةِ، ومُلْكُ النَّفاذِ والقُدْرَةِ ومُلْكُ المَحَبَّةِ، ومُلْكُ الأمْوالِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فالتَّخْصِيصُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ العِزَّةَ قَدْ تَكُونُ في الدِّينِ، وقَدْ تَكُونُ في الدُّنْيا، أمّا في الدِّينِ فَأشْرَفُ أنْواعِ العِزَّةِ الإيمانُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنافِقُونَ: ٨ ] إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا كانَ أعَزُّ الأشْياءِ المُوجِبَةِ لِلْعِزَّةِ هو الإيمانَ، وأذَلُّ الأشْياءِ المُوجِبَةِ لِلْمَذَلَّةِ هو الكُفْرَ، فَلَوْ كانَ حُصُولُ الإيمانِ والكُفْرِ بِمُجَرَّدِ مَشِيئَةِ العَبْدِ، لَكانَ إعْزازُ العَبْدِ نَفْسَهُ بِالإيمانِ، وإذْلالُهُ نَفْسَهُ بِالكُفْرِ، أعْظَمَ مِن إعْزازِ اللَّهِ عَبْدَهُ بِكُلِّ ما أعَزَّهُ بِهِ، ومِن إذْلالِ اللَّهِ عَبْدَهُ بِكُلِّ ما أذَلَّهُ بِهِ ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ حَظُّ العَبْدِ مِن هَذا الوَصْفِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن حَظِّ اللَّهِ تَعالى مِنهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَعَلِمْنا أنَّ الإعْزازَ بِالإيمانِ والحَقِّ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ، والإذْلالَ بِالكُفْرِ والباطِلِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ، وهَذا وجْهٌ قَوِيٌّ في المَسْألَةِ، قالَ القاضِي: الإعْزازُ المُضافُ إلَيْهِ تَعالى قَدْ يَكُونُ في الدِّينِ وقَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا، أمّا الَّذِي في الدِّينِ فَهو أنَّ الثَّوابَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلى التَّعْظِيمِ والمَدْحِ والكَرامَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى يَمُدُّهم بِمَزِيدِ الألْطافِ ويُعْلِيهِمْ عَلى الأعْداءِ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَبِإعْطاءِ الأمْوالِ الكَثِيرَةِ مِنَ النّاطِقِ والصّامِتِ وتَكْثِيرِ الحَرْثِ وتَكْثِيرِ النِّتاجِ في الدَّوابِّ، وإلْقاءِ الهَيْبَةِ في قُلُوبِ الخَلْقِ. واعْلَمْ أنَّ كَلامَنا يَأْبى ذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ في بابِ الثَّوابِ فَهو حَقٌّ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى ولَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لانْعَزَلَ عَنِ الإلَهِيَّةِ ولَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ إلَهًا لِلْخَلْقِ فَهو تَعالى بِإعْطاءِ هَذِهِ التَّعْظِيماتِ يَحْفَظُ إلَهِيَّةَ نَفْسِهِ عَنِ الزَّوالِ، فَأمّا العَبْدُ فَلَمّا خَصَّ نَفْسَهُ بِالإيمانِ الَّذِي يُوجِبُ هَذِهِ التَّعْظِيماتِ فَهو الَّذِي أعَزَّ نَفْسَهُ فَكانَ إعْزازُهُ لِنَفْسِهِ أعْظَمَ مِن إعْزازِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا الكَلامَ المَذْكُورَ لازِمٌ عَلى القَوْمِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ فَقالَ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ تَعالى إنَّما يُذِلُّ أعْداءَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا يُذِلُّ أحَدًا مِن أوْلِيائِهِ وإنْ أفْقَرَهم وأمْرَضَهم وأحْوَجَهم إلى غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ لِيُعِزَّهم في الآخِرَةِ، إمّا بِالثَّوابِ وإمّا بِالعِوَضِ، فَصارَ ذَلِكَ كالفَصْدِ والحِجامَةِ فَإنَّهُما وإنْ كانا يُؤْلِمانِ في الحالِ إلّا صفحة ٨ أنَّهُما لَمّا كانا يَسْتَعْقِبانِ نَفْعًا عَظِيمًا لا جَرَمَ لا يُقالُ فِيهِما: إنَّهُما تَعْذِيبٌ، قالَ وإذا وُصِفَ الفَقْرُ بِأنَّهُ ذُلٌّ فَعَلى وجْهِ المَجازِ كَما سَمّى اللَّهُ تَعالى لِينَ المُؤْمِنِينَ ذُلًّا بِقَوْلِهِ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذْلالُ اللَّهِ تَعالى عَبْدَهُ المُبْطِلَ إنَّما يَكُونُ بِوُجُوهٍ مِنها بِالذَّمِّ واللَّعْنِ ومِنها بِأنْ يَخْذُلَهم بِالحُجَّةِ والنُّصْرَةِ، ومِنها بِأنْ يَجْعَلَهم خَوَلًا لِأهْلِ دِينِهِ، ويَجْعَلَ مالَهم غَنِيمَةً لَهم ومِنها بِالعُقُوبَةِ لَهم في الآخِرَةِ، هَذا جُمْلَةُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ، ومَذْهَبُنا أنَّهُ تَعالى يُعِزُّ البَعْضَ بِالإيمانِ والمَعْرِفَةِ، ويُذِلُّ البَعْضَ بِالكُفْرِ والضَّلالَةِ، وأعْظَمُ أنْواعِ الإعْزازِ والإذْلالِ هو هَذا والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: وهو أنَّ عِزَّ الإسْلامِ وذُلَّ الكُفْرِ لا بُدَّ فِيهِ مِن فاعِلٍ، وذَلِكَ الفاعِلُ إمّا أنْ يَكُونَ هو العَبْدَ أوِ اللَّهَ تَعالى، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَخْتارُ الكُفْرَ لِنَفْسِهِ، بَلْ إنَّما يُرِيدُ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ والهِدايَةَ فَلَمّا أرادَ العَبْدُ الإيمانَ ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ بَلْ حَصَلَ لَهُ الجَهْلُ، عَلِمْنا أنَّ حُصُولَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنَ العَبْدِ. الثّانِي: وهو أنَّ الجَهْلَ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ إمّا أنْ يَكُونَ بِواسِطَةِ شُبْهَةٍ وإمّا أنْ يُقالَ: يَفْعَلُهُ العَبْدُ ابْتِداءً، والأوَّلُ باطِلٌ، إذْ لَوْ كانَ كُلُّ جَهْلٍ إنَّما يَحْصُلُ بِجَهْلٍ آخَرَ يَسْبِقُهُ ويَتَقَدَّمُهُ؛ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَبَقِيَ أنْ يُقالَ: تِلْكَ الجِهاتُ تَنْتَهِي إلى جَهْلٍ يَفْعَلُهُ العَبْدُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ سَبْقِ مُوجِبٍ البَتَّةَ، لَكِنّا نَجِدُ مِن أنْفُسِنا أنَّ العاقِلَ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَصِيرَ عَلى الجَهْلِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، فَعَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ بِإذْلالِ اللَّهِ عَبْدَهُ وبِخِذْلانِهِ إيّاهُ. الثّالِثُ: ما بَيَّنّا أنَّ الفِعْلَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الدّاعِي والمُرَجِّحِ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَإنْ كانَ في طَرَفِ الخَيْرِ كانَ إعْزازًا، وإنْ كانَ في طَرَفِ الجَهْلِ والشَّرِّ والضَّلالَةِ كانَ إذْلالًا، فَثَبَتَ أنَّ المُعِزَّ والمُذِلَّ هو اللَّهُ تَعالى. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ . فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ اليَدِ هو القُدْرَةُ، والمَعْنى بِقُدْرَتِكَ الخَيْرُ والألِفُ واللّامُ في الخَيْرِ يُوجِبانِ العُمُومَ، فالمَعْنى بِقُدْرَتِكَ تَحْصُلُ كُلُّ البَرَكاتِ والخَيْراتِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ كَأنَّهُ قالَ بِيَدِكَ الخَيْرُ لا بِيَدِ غَيْرِكِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافِرُونَ: ٦ ] أيْ لَكم دِينُكم أيْ لا لِغَيْرِكم وذَلِكَ الحَصْرُ يُنافِي حُصُولَ الخَيْرِ بِيَدِ غَيْرِهِ، فَثَبَتَ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الخَيْراتِ مِنهُ، وبِتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ وإيجادِهِ وإبْداعِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أفْضَلُ الخَيْراتِ هو الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَتُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الخَيْرُ مِن تَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى لا مِن تَخْلِيقِ العَبْدِ وهَذا اسْتِدْلالٌ ظاهِرٌ، ومِنَ الأصْحابِ مَن زادَ في هَذا التَّقْدِيرِ فَقالَ: كُلُّ فاعِلَيْنِ فِعْلُ أحَدِهِما أشْرَفُ وأفْضَلُ مِن فِعْلِ الآخَرِ كانَ ذَلِكَ الفاعِلُ أشْرَفَ وأكْمَلَ مِنَ الآخَرِ، ولا شَكَّ أنَّ الإيمانَ أفْضَلُ مِنَ الخَيْرِ، ومِن كُلِّ ما سِوى الإيمانِ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ بِخَلْقِ العَبْدِ لا بِخَلْقِ اللَّهِ لَوَجَبَ كَوْنُ العَبْدِ زائِدًا في الخَيْرِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفي الفَضِيلَةِ والكَمالِ، وذَلِكَ كُفْرٌ قَبِيحٌ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى أنَّ الإيمانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكم مِن وجْهٍ آخَرَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ بِيَدِكَ إلّا الخَيْرُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ الكُفْرُ والمَعْصِيَةُ واقِعَيْنِ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ يُفِيدُ أنَّ بِيَدِهِ الخَيْرَ لا بِيَدِ غَيْرِهِ، وهَذا يُنافِي أنْ يَكُونَ بِيَدِ غَيْرِهِ، ولَكِنْ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ بِيَدِهِ الخَيْرُ وبِيَدِهِ ما سِوى الخَيْرِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الأمْرُ المُنْتَفَعُ بِهِ فَوَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ لِهَذا المَعْنى، قالَ القاضِي: كُلُّ خَيْرٍ حَصَلَ مِن جِهَةِ العِبادِ فَلَوْلا أنَّهُ تَعالى أقْدَرَهم عَلَيْهِ صفحة ٩ وهَداهم إلَيْهِ لَما تَمَكَّنُوا مِنهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ بَعْضُ الخَيْرِ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، ويَصِيرُ أشْرَفُ الخَيْراتِ مُضافًا إلى العَبْدِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهَذا كالتَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ مالِكًا لِإيتاءِ المُلْكِ ونَزْعِهِ والإعْزازِ والإذْلالِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَجْعَلَ اللَّيْلَ قَصِيرًا ويَجْعَلَ ذَلِكَ القَدْرَ الزّائِدَ داخِلًا في النَّهارِ وتارَةً عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ وإنَّما فَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ قِوامَ العالَمِ ونِظامَهُ بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ هو أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِاللَّيْلِ عَقِيبَ النَّهارِ، فَيُلْبِسُ الدُّنْيا ظُلْمَةً بَعْدَ أنْ كانَ فِيها ضَوْءُ النَّهارِ، ثُمَّ يَأْتِي بِالنَّهارِ عَقِيبَ اللَّيْلِ فَيُلْبِسُ الدُّنْيا ضَوْءَهُ، فَكانَ المُرادُ مِن إيلاجِ أحَدِهِما في الآخَرِ إيجادَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَقِيبَ الآخَرِ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ، لِأنَّهُ إذا كانَ النَّهارُ طَوِيلًا فَجَعَلَ ما نَقَصَ مِنهُ زِيادَةً في اللَّيْلِ كانَ ما نَقَصَ مِنهُ داخِلًا في اللَّيْلِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ“ المَيِّتَ " بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ المُبَرِّدُ: أجْمَعَ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّهُما سَواءٌ وأنْشَدُوا: إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ وهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: هَيِّنٌ وهَيْنٌ، ولَيِّنٌ ولَيْنٌ، وقَدْ ذَهَبَ ذاهِبُونَ إلى أنَّ المَيْتَ مَن قَدْ ماتَ، والمَيِّتَ مَن لَمْ يَمُتْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ كَإبْراهِيمَ مِن آزَرَ، والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ مِثْلُ كَنْعانَ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والثّانِي: يُخْرِجُ الطَّيِّبَ مِنَ الخَبِيثِ وبِالعَكْسِ. والثّالِثُ: يُخْرِجُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ وبِالعَكْسِ. والرّابِعُ: يُخْرِجُ السُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ وبِالعَكْسِ، والنَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ وبِالعَكْسِ، قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والكَلِمَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْكُلِّ، أمّا الكُفْرُ والإيمانُ فَقالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢ ] يُرِيدُ كانَ كافِرًا فَهَدَيْناهُ فَجَعَلَ المَوْتَ كُفْرًا والحَياةَ إيمانًا، وسَمّى إخْراجَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ إحْياءً، وجَعَلَ قَبْلَ ذَلِكَ مَيْتَةً فَقالَ: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الرُّومِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [فاطِرٍ: ٩ ] وقالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨ ] . أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ يُعْطِي مَن يَشاءُ ما يَشاءُ لا يُحاسِبُهُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ، إذْ لَيْسَ فَوْقَهُ مَلِكٌ يُحاسِبُهُ بَلْ هو المَلِكُ، يُعْطِي مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. والثّانِي: تَرْزُقُ مَن تَشاءُ [ رِزْقًا ]غَيْرَ مَقْدُورٍ ولا مَحْدُودٍ، بَلْ تَبْسُطُهُ لَهُ وتُوَسِّعُهُ عَلَيْهِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يُنْفِقُ بِغَيْرِ حِسابٍ إذا وُصِفَ عَطاؤُهُ بِالكَثْرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في تَكْثِيرِ مالِ الإنْسانِ: عِنْدَهُ مالٌ لا يُحْصى. والثّالِثُ: تَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، يَعْنِي عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِأنَّ مَن أعْطى عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ فَقَدْ أعْطى بِحِسابٍ، وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى: إنَّكَ لا تَرْزُقُ عِبادَكَ عَلى مَقادِيرِ أعْمالِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ فِي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ في تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ في المُعامَلَةِ مَعَ النّاسِ، لِأنَّ كَمالَ الأمْرِ لَيْسَ إلّا في شَيْئَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ قالَ: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ الثّانِي: لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى مالِكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الرَّغْبَةُ فِيما عِنْدَهُ، وعِنْدَ أوْلِيائِهِ دُونَ أعْدائِهِ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: جاءَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ إلى قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ فَقالَ رِفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ المُسْلِمِينَ: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ، واحْذَرُوا أنْ يَفْتِنُوكم عَنْ دِينِكم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وغَيْرِهِ، وكانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ ويُخْبِرُونَهم بِالأخْبارِ ويَرْجُونَ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الظَّفَرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. الثّالِثُ: أنَّها «نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وكانَ لَهُ حُلَفاءُ مِنَ اليَهُودِ، فَفي يَوْمِ الأحْزابِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ مَعِيَ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ اليَهُودِ وقَدْ رَأيْتُ أنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ وهَذِهِ صِفَةُ الكافِرِ. قُلْنا: مَعْنى الآيَةِ فَلَيْسَ مِن ولايَةِ اللَّهِ في شَيْءٍ، وهَذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ في تَحْرِيمِ مُوالاةِ الكافِرِينَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ آياتٍ كَثِيرَةً في هَذا المَعْنى مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٨ ] وقَوْلُهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢٢ ] وقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائِدَةِ: ٥١] وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [المُمْتَحِنَةِ: ١ ] وقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] . واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ المُؤْمِنِ مُوالِيًا لِلْكافِرِ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ راضِيًا بِكُفْرِهِ ويَتَوَلّاهُ لِأجْلِهِ، وهَذا مَمْنُوعٌ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ كانَ مُصَوِّبًا لَهُ في ذَلِكَ الدِّينِ، وتَصْوِيبُ الكُفْرِ كُفْرٌ والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَبْقى مُؤْمِنًا مَعَ كَوْنِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ وهَذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ فَلا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المُمْتَحِنَةِ: ١ ] فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خِطابًا في صفحة ١١ شَيْءٍ يَبْقى المُؤْمِنُ مَعَهُ مُؤْمِنًا. وثانِيها: المُعاشَرَةُ الجَمِيلَةُ في الدُّنْيا بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ. والقِسْمُ الثّالِثُ: وهو كالمُتَوَسِّطِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنَّ مُوالاةَ الكُفّارِ بِمَعْنى الرُّكُونِ إلَيْهِمْ والمَعُونَةِ، والمُظاهَرَةِ، والنُّصْرَةِ، إمّا بِسَبَبِ القَرابَةِ، أوْ بِسَبَبِ المَحَبَّةِ مَعَ اعْتِقادِ أنَّ دِينَهُ باطِلٌ فَهَذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ إلّا أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، لِأنَّ المُوالاةَ بِهَذا المَعْنى قَدْ تَجُرُّهُ إلى اسْتِحْسانِ طَرِيقَتِهِ والرِّضا بِدِينِهِ، وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنِ الإسْلامِ فَلا جَرَمَ هَدَّدَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ فَقالَ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ . فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ بِمَعْنى أنْ يَتَوَلَّوْهم دُونَ المُؤْمِنِينَ، فَأمّا إذا تَوَلَّوْهم وتَوَلَّوُا المُؤْمِنِينَ مَعَهم فَذَلِكَ لَيْسَ بِمَنهِيٍّ عَنْهُ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ فِيهِ زِيادَةُ مَزِيَّةٍ، لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُوالِي غَيْرَهُ ولا يَتَّخِذُهُ مُوالِيًا فالنَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِهِ مُوالِيًا لا يُوجِبُ النَّهْيَ عَنْ أصْلِ مُوالاتِهِ. قُلْنا: هَذانِ الِاحْتِمالانِ وإنْ قاما في الآيَةِ إلّا أنَّ سائِرَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ مُوالاتُهم دَلَّتْ عَلى سُقُوطِ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كُسِرَتِ الذّالُ مِن (يَتَّخِذِ) لِأنَّها مَجْزُومٌ لِلنَّهْيِ، وحُرِّكَتْ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، قالَ الزَّجّاجُ: ولَوْ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ لَجازَ، ويَكُونُ المَعْنى عَلى الرَّفْعِ أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَّخِذَ الكافِرَ ولِيًّا. واعْلَمْ أنَّ مَعْنى النَّهْيِ ومَعْنى الخَبَرِ يَتَقارَبانِ؛ لِأنَّهُ مَتّى كانَتْ صِفَةُ المُؤْمِنِ أنْ لا يُوالِيَ الكافِرَ كانَ لا مَحالَةَ مَنهِيًّا عَنْ مُوالاةِ الكافِرِ، ومَتى كانَ مَنهِيًّا عَنْ ذَلِكَ، كانَ لا مَحالَةَ مِن شَأْنِهِ وطَرِيقَتِهِ أنْ لا يَفْعَلَ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣ ] أيْ مِن غَيْرِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ دُونَ مُخْتَصٌّ بِالمَكانِ، تَقُولُ: زَيْدٌ جَلَسَ دُونَ عَمْرٍو؛ أيْ في مَكانٍ أسْفَلَ مِنهُ، ثُمَّ إنَّ مَن كانَ مُبايِنًا لِغَيْرِهِ في المَكانِ فَهو مُغايِرٌ لَهُ فَجُعِلَ لَفْظُ دُونَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى غَيْرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ وفِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى فَلَيْسَ مِن ولايَةِ اللَّهِ في شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الوَلايَةِ يَعْنِي أنَّهُ مُنْسَلِخٌ مِن ولايَةِ اللَّهِ تَعالى رَأْسًا، وهَذا أمْرٌ مَعْقُولٌ فَإنَّ مُوالاةَ الوَلِيِّ ومُوالاةَ عَدُوِّهِ ضِدّانِ قالَ الشّاعِرُ: تُوِدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلَيْسَ مِن دِينِ اللَّهِ في شَيْءٍ وهَذا أبْلَغُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ: تُقاةً بِالإمالَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ: بَيْنَ التَّفْخِيمِ والإمالَةِ، والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ تَقِيَّةً، وإنَّما جازَتِ الإمالَةُ لِتُؤْذِنَ أنَّ الألِفَ مِنَ الياءِ، وتُقاةً وزْنُها فُعْلَةً نَحْوَ تُؤْدَةٍ وتُخْمَةٍ، ومَن فَخَّمَ فَلِأجْلِ الحَرْفِ المُسْتَعْلِي وهو القافُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: تَقَيْتُهُ تُقاةً، وتُقًى، وتُقْيَةً، وتَقْوى، فَإذا قُلْتَ اتَّقَيْتُ كانَ مَصْدَرُهُ صفحة ١٢ الِاتِّقاءَ، وإنَّما قالَ تَتَّقُوا ثُمَّ قالَ تُقاةً ولَمْ يَقُلِ اتِّقاءً اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: جَلَسَ جَلْسَةً، ورَكِبَ رَكْبَةً، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] وقالَ الشّاعِرُ: وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعا فَأجْراهُ مَجْرى الإعْطاءِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تُقاةً هاهُنا مِثْلَ رُماةٍ فَيَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «قالَ الحَسَنُ: أخَذَ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِأحَدِهِما: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ، فَقالَ: أفَتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، وكانَ مُسَيْلِمَةُ يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ بَنِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٌ رَسُولُ قُرَيْشٍ، فَتَرَكَهُ ودَعا الآخَرَ فَقالَ أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أفَتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقالَ: إنِّي أصَمُّ ثَلاثًا، فَقَدَّمَهُ وقَتَلَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أمّا هَذا المَقْتُولُ فَمَضى عَلى يَقِينِهِ وصِدْقِهِ فَهَنِيئًا لَهُ، وأمّا الآخَرُ فَقَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ فَلا تَبِعَةَ عَلَيْهِ» . واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦ ] . * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلتَّقِيَّةِ أحْكامًا كَثِيرَةً ونَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَها. الحُكْمُ الأوَّلُ: أنَّ التَّقِيَّةَ إنَّما تَكُونُ إذا كانَ الرَّجُلُ في قَوْمٍ كُفّارٍ، ويَخافُ مِنهم عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ فَيُدارِيهِمْ بِاللِّسانِ، وذَلِكَ بِأنْ لا يُظْهِرَ العَداوَةَ بِاللِّسانِ، بَلْ يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُظْهِرَ الكَلامَ المُوهِمَ لِلْمَحَبَّةِ والمُوالاةِ، ولَكِنْ بِشَرْطِ أنْ يُضْمِرَ خِلافَهُ، وأنْ يُعَرِّضَ في كُلِّ ما يَقُولُ، فَإنَّ التَّقِيَّةَ تَأْثِيرُها في الظّاهِرِ لا في أحْوالِ القُلُوبِ. الحُكْمُ الثّانِي لِلتَّقِيَّةِ: هو أنَّهُ لَوْ أفْصَحَ بِالإيمانِ والحَقِّ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ التَّقِيَّةُ كانَ ذَلِكَ أفْضَلَ، ودَلِيلُهُ ما ذَكَرْناهُ في قِصَّةِ مُسَيْلِمَةَ. الحُكْمُ الثّالِثُ لِلتَّقِيَّةِ: أنَّها إنَّما تَجُوزُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ المُوالاةِ والمُعاداةِ، وقَدْ تَجُوزُ أيْضًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ الدِّينِ فَأمّا ما يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إلى الغَيْرِ كالقَتْلِ والزِّنا وغَصْبِ الأمْوالِ والشَّهادَةِ بِالزُّورِ وقَذْفِ المُحْصَناتِ وإطْلاعِ الكُفّارِ عَلى عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ البَتَّةَ. الحُكْمُ الرّابِعُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ أنَّ التَّقِيَّةَ إنَّما تَحِلُّ مَعَ الكُفّارِ الغالِبِينَ إلّا أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الحالَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إذا شاكَلَتِ الحالَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ حَلَّتِ التَّقِيَّةُ مُحاماةً عَلى النَّفْسِ. الحُكْمُ الخامِسُ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ، وهَلْ هي جائِزَةٌ لِصَوْنِ المالِ يُحْتَمَلُ أنْ يُحْكَمَ فِيها بِالجَوازِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ”«حُرْمَةُ مالِ المُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ» “ ولِقَوْلِهِ ﷺ: ”«مَن قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهو شَهِيدٌ» “ ولِأنَّ الحاجَةَ إلى المالِ شَدِيدَةٌ، والماءُ إذا بِيعَ بِالغَبْنِ سَقَطَ فَرْضُ الوُضُوءِ، وجازَ الِاقْتِصارُ عَلى التَّيَمُّمِ دَفْعًا لِذَلِكَ القَدْرِ مِن نُقْصانِ المالِ، فَكَيْفَ لا يَجُوزُ هاهُنا واللَّهُ أعْلَمُ. الحُكْمُ السّادِسُ: قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الحُكْمُ كانَ ثابِتًا في أوَّلِ الإسْلامِ لِأجْلِ ضَعْفِ المُؤْمِنِينَ فَأمّا بَعْدَ قُوَّةِ دَوْلَةِ الإسْلامِ فَلا، ورَوى عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى، لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ واجِبٌ بِقَدْرِ الإمْكانِ. صفحة ١٣ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ عِقابَ نَفْسِهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: أنْ تَعْصُوهُ فَتَسْتَحِقُّوا عِقابَهُ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ النَّفْسِ أنَّهُ لَوْ قالَ: ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ فَهَذا لا يُفِيدُ أنَّ الَّذِي أُرِيدَ التَّحْذِيرُ مِنهُ هو عِقابٌ يَصْدُرُ مِنَ اللَّهِ أوْ مِن غَيْرِهِ، فَلَمّا ذَكَرَ النَّفْسَ زالَ هَذا الِاشْتِباهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ العِقابَ الصّادِرَ عَنْهُ يَكُونُ أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ؛ لِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، وأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى دَفْعِهِ ومَنعِهِ مِمّا أرادَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ النَّفْسَ هاهُنا تَعُودُ إلى اتِّخاذِ الأوْلِياءِ مِنَ الكُفّارِ، أيْ يَنْهاهُمُ اللَّهُ عَنْ نَفْسِ هَذا الفِعْلِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ يُحَذِّرُكم عِقابَهُ عِنْدَ مَصِيرِكم إلى اللَّهِ.

آل عمران 3:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ظاهِرًا وباطِنًا واسْتَثْنى عَنْهُ التَّقِيَّةَ في الظّاهِرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ عَلى أنْ يَصِيرَ الباطِنُ مُوافِقًا لِلظّاهِرِ في وقْتِ التَّقِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أقْدَمَ عِنْدَ التَّقِيَّةِ عَلى إظْهارِ المُوالاةِ، فَقَدْ يَصِيرُ إقْدامُهُ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ سَبَبًا لِحُصُولِ تِلْكَ المُوالاةِ في الباطِنِ، فَلا جَرَمَ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ عالِمٌ بِالبَواطِنِ كَعِلْمِهِ بِالظَّواهِرِ، فَيَعْلَمُ العَبْدُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُجازِيَهُ عَلى كُلِّ ما عَزَمَ عَلَيْهِ في قَلْبِهِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ شَرْطٌ وقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ جَزاءٌ ولا شَكَّ أنَّ الجَزاءَ مُتَرَتِّبٌ عَلى الشَّرْطِ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، فَهَذا يَقْتَضِي حُدُوثَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: أنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَصَلَ الآنَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِهِ الآنَ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّبَدُّلَ والتَّجَدُّدَ إنَّما وقَعَ في النِّسَبِ والإضافاتِ والتَّعْلِيقاتِ لا في حَقِيقَةِ العِلْمِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَها غَوْرٌ عَظِيمٌ وهي مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الكَلامِ. السُّؤالُ الثّانِي: مَحَلُّ البَواعِثِ والضَّمائِرِ هو القَلْبُ، فَلِمَ قالَ: ﴿إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنْ تُخْفُوا ما في قُلُوبِكم ؟ . الجَوابُ: لِأنَّ القَلْبَ في الصَّدْرِ، فَجازَ إقامَةُ الصَّدْرِ مَقامَ القَلْبِ كَما قالَ: ﴿يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ [النّاسِ: ٥ ] وقالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحَجِّ: ٤٦ ] . صفحة ١٤ السُّؤالُ الثّالِثُ: إنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدًا عَلى كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ فَهو تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ. الجَوابُ: ذَكَرْنا تَفْصِيلَ هَذا الكَلامِ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٤ ] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ رُفِعَ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٤ ] جُزِمَ الأفاعِيلُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٥ ] فَرُفِعَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشُّورى: ٢٤ ] رَفْعًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ غايَةُ التَّحْذِيرِ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِما فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ الضَّمِيرُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إتْمامًا لِلتَّحْذِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ كانَ عالِمًا بِما في قَلْبِهِ، وكانَ عالِمًا بِمَقادِيرِ اسْتِحْقاقِهِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، فَكانَ لا مَحالَةَ قادِرًا عَلى إيصالِ حَقِّ كُلِّ أحَدٍ إلَيْهِ، فَيَكُونُ في هَذا تَمامُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.

آل عمران 3:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بابِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ومِن تَمامِ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ. وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في العامِلِ في قَوْلِهِ: (يَوْمَ) وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَصِيرِ والتَّقْدِيرُ: وإلى اللَّهِ المَصِيرُ يَوْمَ تَجِدُ. الثّانِي: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ في الآيَةِ السّابِقَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ. الثّالِثُ: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ قَدِيرٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا، وخُصَّ هَذا اليَوْمُ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ مِنَ الأيّامِ بِمَنزِلَتِهِ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى تَفْضِيلًا لَهُ لِعِظَمَ شَأْنِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتِحَةِ: ٤ ] . الرّابِعُ: أنَّ العامِلَ فِيهِ قَوْلُهُ: (تَوَدُّ) والمَعْنى: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ كَذا وكَذا في ذَلِكَ اليَوْمِ. الخامِسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا بِمُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ العَمَلَ لا يَبْقى، ولا يُمْكِنُ وِجْدانُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن صفحة ١٥ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَجِدُ صَحائِفَ الأعْمالِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٩ ] وقالَ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦ ] . الثّانِي: أنَّهُ يَجِدُ جَزاءَ الأعْمالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (مُحْضَرًا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ تِلْكَ الصَّحائِفَ تَكُونُ مُحْضَرَةً يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ جَزاءَ العَمَلِ يَكُونُ مَحْضَرًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ، فالتَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ حاصِلانِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: الأظْهَرُ أنْ يُجْعَلَ (ما) هاهُنا بِمَنزِلَةِ الَّذِي، ويَكُونُ ”عَمِلَتْ“ صِلَةً لَها، ويَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى ”ما“ الأوَّلِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ شَرْطِيَّةً، وإلّا كانَ يَلْزَمُ أنْ يَنْصِبَ ”تَوَدُّ“ أوْ يَخْفِضَهُ، ولَمْ يَقْرَأْهُ أحَدٌ إلّا بِالرَّفْعِ، فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ ”ما“ هاهُنا بِمَعْنى الَّذِي. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً عَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، ”ودَّتْ“ . قُلْنا: لا كَلامَ في صِحَّتِهِ لَكِنَّ الحَمْلَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أوْقَعُ، لِأنَّهُ حِكايَةُ حالِ الكافِرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأكْثَرُ مُوافَقَةً لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: الواوُ واوُ العَطْفِ، والتَّقْدِيرُ: تَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:الأوَّلُ: أنَّهُ صِفَةٌ لِلسُّوءِ، والتَّقْدِيرُ: وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ الَّذِي تَوَدُّ أنْ يَبْعُدَ ما بَيْنَها وبَيْنَهُ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ تَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا حالَ ما تَوَدُّ بُعْدَهُ عَنْها. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا تَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ المُذْنِبِينَ، ومَوْضِعُ الكَرَمِ واللُّطْفِ هَذا، وذَلِكَ لِأنَّهُ نَصَّ في جانِبِ الثَّوابِ عَلى كَوْنِهِ مُحْضَرًا، وأمّا في جانِبِ العِقابِ فَلَمْ يَنُصَّ عَلى الحُضُورِ، بَلْ ذَكَرَ أنَّهم يَوَدُّونَ الفِرارَ مِنهُ، والبُعْدَ عَنْهُ، وذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعْدِ أوْلى بِالوُقُوعِ مِن جانِبِ الوَعِيدِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأمَدُ، الغايَةُ الَّتِي يُنْتَهى إلَيْها ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] . واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّمَنِّي مَعْلُومٌ، سَواءٌ حَمَلْنا لَفْظَ الأمَدِ عَلى الزَّمانِ أوْ عَلى المَكانِ، إذِ المَقْصُودُ تَمَنِّي بُعْدَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وهو لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ رَؤُوفٌ بِهِمْ حَيْثُ حَذَّرَهم مِن نَفْسِهِ، وعَرَّفَهم كَمالَ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ، ورَغَّبَهم في اسْتِيجابِ رَحْمَتِهِ، وحَذَّرَهم مِنِ اسْتِحْقاقِ غَضَبِهِ، قالَ الحَسَنُ: ومِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ أنْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ. الثّانِي: أنَّهُ رَؤُوفٌ بِالعِبادِ حَيْثُ أمْهَلَهم لِلتَّوْبَةِ والتَّدارُكِ والتَّلافِي. الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وهو لِلْوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ وهو المَوْعِدُ لِيَعْلَمَ العَبْدُ أنَّ وعْدَهُ ورَحْمَتَهُ، غالِبٌ عَلى وعِيدِهِ وسَخَطِهِ. والرّابِعُ: وهو أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مُخْتَصٌّ، قالَ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٣ ] وقالَ تَعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنْسانِ: ٦ ] صفحة ١٦ فَكانَ المَعْنى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ والفُسّاقِ ذَكَرَ وعْدَ أهْلِ الطّاعَةِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ كَما هو مُنْتَقِمٌ مِنَ الفُسّاقِ، فَهو رَؤُوفٌ بِالمُطِيعِينَ والمُحْسِنِينَ.

آل عمران 3:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا دَعا القَوْمَ إلى الإيمانِ بِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، دَعاهم إلى ذَلِكَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ وهو أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائِدَةِ: ١٨ ] فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ويُرْوى «أنَّهُ ﷺ وقَفَ عَلى قُرَيْشٍ وهم في المَسْجِدِ الحَرامِ يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ واللَّهِ لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّما نَعْبُدُ هَذِهِ حُبًّا لِلَّهِ تَعالى؛ لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ويُرْوى أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّما نُعَظِّمُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ واحِدٍ مِن فِرَقِ العُقَلاءِ يَدَّعِي أنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ، ويَطْلُبُ رِضاهُ وطاعَتَهُ، فَقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: قُلْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ادِّعاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى فَكُونُوا مُنْقادِينَ لِأوامِرِهِ مُحْتَرِزِينَ عَنْ مُخالَفَتِهِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أنَّ مَن كانَ مُحِبًّا لِلَّهِ تَعالى لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في غايَةِ الحَذَرِ مِمّا يُوجِبُ سَخَطَهُ، وإذا قامَتِ الدَّلالَةُ القاطِعَةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَبَتْ مُتابَعَتُهُ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ المُتابَعَةُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ ما حَصَلَتْ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ المُسْتَقْصى في المَحَبَّةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥ ] والمُتَكَلِّمُونَ مُصِرُّونَ عَلى أنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ مَحَبَّةِ إعْظامِهِ وإجْلالِهِ، أوْ مَحَبَّةِ طاعَتِهِ، أوْ مَحَبَّةِ ثَوابِهِ، قالُوا: لِأنَّ المَحَبَّةَ مِن جِنْسِ الإرادَةِ، والإرادَةُ لا تَعَلُّقَ لَها إلّا بِالحَوادِثِ وإلّا بِالمَنافِعِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في كُلِّ شَيْءٍ إنَّهُ إنَّما كانَ مَحْبُوبًا لِأجْلِ مَعْنًى آخَرَ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ والدَّوْرُ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى شَيْءٍ يَكُونُ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ، كَما أنّا نَعْلَمُ أنَّ اللَّذَّةَ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، فَكَذَلِكَ نَعْلَمُ أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، وكَذَلِكَ أنّا إذا سَمِعْنا أخْبارَ رُسْتَمَ واسْفَنْدَيارَ في شَجاعَتِهِما مالَ القَلْبُ إلَيْهِما مَعَ أنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ لَنا في ذَلِكَ المَيْلِ، بَلْ رُبَّما نَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ مَعْصِيَةٌ لا يَجُوزُ لَنا أنْ نُصِرَّ عَلَيْها، فَعَلِمْنا أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، كَما أنَّ اللَّذَّةَ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، وكَمالُ الكَمالِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَكانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَحْبُوبًا لِذاتِهِ مِن ذاتِهِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَهُ الَّذِينَ تَجَلّى لَهم أثَرٌ مِن آثارِ كَمالِهِ وجَلالِهِ. قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وأمّا مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ فَهي عِبارَةٌ عَنْ إرادَتِهِ تَعالى إيصالَ الخَيْراتِ والمَنافِعِ في الدِّينِ والدُّنْيا إلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القَوْمُ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا مُحِبِّينَ لِلَّهِ تَعالى، وكانُوا يُظْهِرُونَ الرَّغْبَةَ في أنْ يُحِبَّهُمُ اللَّهُ تَعالى، والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنَّ الإلْزامَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي، لِأنَّ المُعْجِزاتِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْكم مُتابَعَتِي. الثّانِي: إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ أنْ يُحِبَّكُمُ اللَّهُ فاتَّبِعُونِي لِأنَّكم صفحة ١٧ إذا اتَّبَعْتُمُونِي فَقَدْ أطَعْتُمُ اللَّهَ، واللَّهُ تَعالى يُحِبُّ كُلَّ مَن أطاعَهُ، وأيْضًا فَلَيْسَ في مُتابَعَتِي إلّا أنِّي دَعَوْتُكم إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِ وتَرْكِ تَعْظِيمِ غَيْرِهِ، ومَن أحَبَّ اللَّهَ كانَ راغِبًا فِيهِ، لِأنَّ المَحَبَّةَ تُوجِبُ الإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى المَحْبُوبِ، والإعْراضَ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ غَيْرِ المَحْبُوبِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خاضَ صاحِبُ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ في الطَّعْنِ في أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى وكَتَبَ هاهُنا ما لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَكْتُبَ مِثْلَهُ في كُتُبِ الفُحْشِ، فَهَبْ أنَّهُ اجْتَرَأ عَلى الطَّعْنِ في أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى كَتْبِهِ مِثْلَ ذَلِكَ الكَلامِ الفاحِشِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، نَسْألُ اللَّهَ العِصْمَةَ والهِدايَةَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ والمُرادُ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ إعْطاؤُهُ الثَّوابَ، ومِن غُفْرانِ ذَنْبِهِ إزالَةُ العِقابِ، وهَذا غايَةُ ما يَطْلُبُهُ كُلُّ عاقِلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَعْنِي غَفُورٌ في الدُّنْيا يَسْتُرُ عَلى العَبْدِ أنْواعَ المَعاصِي رَحِيمٌ في الآخِرَةِ بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ.

آل عمران 3:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ يُرْوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ كَطاعَةِ اللَّهِ، ويَأْمُرُنا أنَّ نُحِبَّهُ كَما أحَبَّتِ النَّصارى عِيسى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ الآيَةَ الأُولى لَمّا اقْتَضَتْ وُجُوبَ مُتابَعَتِهِ، ثُمَّ إنَّ المُنافِقَ ألْقى شُبْهَةً في الدِّينِ، وهي أنَّ مُحَمَّدًا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ ما يَقُولُهُ النَّصارى في عِيسى، ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ إزالَةً لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَقالَ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ يَعْنِي إنَّما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْكم مُتابَعَتِي لا كَما تَقُولُ النَّصارى في عِيسى بَلْ لِكَوْنِي رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ مُبَلِّغُ التَّكالِيفِ عَنِ اللَّهِ هو الرَّسُولَ لَزِمَ أنْ تَكُونَ طاعَتُهُ واجِبَةً فَكانَ إيجابُ المُتابَعَةِ لِهَذا المَعْنى لا لِأجْلِ الشُّبَهِ الَّتِي ألْقاها المُنافِقُ في الدِّينِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ يَعْنِي إنْ أعْرَضُوا فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهم مَحَبَّةُ اللَّهِ، لِأنَّهُ تَعالى إنَّما أوْجَبَ الثَّناءَ والمَدْحَ لِمَن أطاعَهُ، ومَن كَفَرَ اسْتَوْجَبَ الذِّلَّةَ والإهانَةَ، وذَلِكَ ضِدُّ المَحَبَّةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صفحة ١٨ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَبَّتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ بَيَّنَ عُلُوَّ دَرَجاتِ الرُّسُلِ وشَرَفَ مَناصِبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَخْلُوقاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: المُكَلَّفُ وغَيْرُ المُكَلَّفِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْنافَ المُكَلَّفِ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ، والإنْسُ والجِنُّ، والشَّياطِينُ، أمّا المَلائِكَةُ، فَقَدْ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم مِنَ الرِّيحِ ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ. فالأوَّلُ: أنَّهم لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى الطَّيَرانِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ. والثّانِي: لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى حَمْلِ العَرْشِ، لِأنَّ الرِّيحَ تَقُومُ بِحَمْلِ الأشْياءِ. الثّالِثُ: لِهَذا السَّبَبِ سُمُّوا رُوحانِيِّينَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، ولِهَذا صَفَتْ وأخْلَصَتْ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: أبْدانُهم مِنَ الرِّيحِ وأرْواحُهم مِنَ النُّورِ، فَهَؤُلاءِ هم سُكّانُ عالَمِ السَّماواتِ، أمّا الشَّياطِينُ فَهم كَفَرَةٌ أمّا إبْلِيسُ فَكُفْرُهُ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] وأمّا سائِرُ الشَّياطِينِ فَهم أيْضًا كَفَرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ أنَّهم بِأسْرِها أعْداءٌ لِلْبَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنْعامِ: ١١٢ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢ ] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧ ] فَأمّا الجِنُّ فَمِنهم كافِرٌ ومِنهم مُؤْمِنٌ، قالَ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٤ ] أمّا الإنْسُ فَلا شَكَّ أنَّ لَهم والِدًا هو والِدُهُمُ الأوَّلُ، وإلّا لَذَهَبَ إلى ما لا نِهايَةَ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ هو آدَمُ ﷺ عَلى ما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩ ] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ * * * المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] والقائِلُونَ بِأنَّ البَشَرَ أفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاصْطِفاءَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الكَرامَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ اصْطَفى آدَمَ وأوْلادَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى كُلِّ العالَمِينَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ مِنَ العالَمِينَ. فَإنْ قِيلَ: إنْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى تَفْضِيلِ المَذْكُورِينَ عَلى كُلِّ العالَمِينَ أدّى إلى التَّناقُضِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ الكَثِيرَ إذا وُصِفُوا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلُ مِن كُلِّ العالَمِينَ يُلْزِمُ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِن كُلِّ العالَمِينَ يُلْزِمُ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ وذَلِكَ مُحالٌ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ عالَمِي زَمانِهِ أوْ عالَمِي جِنْسِهِ لَمْ يَلْزَمِ التَّناقُضُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى هَذا المَعْنى دَفْعًا لِلتَّناقُضِ وأيْضًا قالَ تَعالى في صِفَةِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٧ ] ولا يُلْزِمُ كَوْنَهم أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ قُلْنا المُرادُ بِهِ عالَمُو زَمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، والجَوابُ ظاهِرٌ في قَوْلِهِ: اصْطَفى آدَمَ عَلى العالَمِينَ، يَتَناوَلُ كُلَّ مَن يَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العالَمِ صفحة ١٩ عَلَيْهِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المَلَكُ، غايَةُ ما في هَذا البابِ أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِعُمُومِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ قامَ عَلَيْهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ نَتْرُكَهُ في سائِرِ الصُّوَرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (اصْطَفى) في اللُّغَةِ اخْتارَ، فَمَعْنى: اصْطَفاهم، أيْ جَعَلَهم صَفْوَةَ خَلْقِهِ، تَمْثِيلًا بِما يُشاهَدُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُصَفّى ويُنَقّى مِنَ الكُدُورَةِ، ويُقالُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: صَفْوَةٌ، وصُفْوَةٌ وصِفْوَةٌ،، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ لِمُوسى: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ [الأعْرافِ: ١٤٤ ] وقالَ في إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾ [ص: ٤٧ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ. في الآيَةِ قَوْلانِ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ اصْطَفى دِينَ آدَمَ ودِينَ نُوحٍ فَيَكُونُ الِاصْطِفاءُ راجِعًا إلى دِينِهِمْ وشَرْعِهِمْ ومِلَّتِهِمْ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهم، أيْ صَفّاهم مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، وزَيَّنَهم بِالخِصالِ الحَمِيدَةِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنّا لا نَحْتاجُ فِيهِ إلى الإضْمارِ. والثّانِي: أنَّهُ مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤ ] وذَكَرَ الحَلِيمِيُّ في كِتابِ ”المِنهاجِ“ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا مُخالِفِينَ لِغَيْرِهِمْ في القُوى الجِسْمانِيَّةِ، والقُوى الرُّوحانِيَّةِ، أمّا القُوى الجِسْمانِيَّةُ، فَهي إمّا مُدْرِكَةٌ، وإمّا مُحَرِّكَةٌ. أمّا المُدْرِكَةُ: فَهي إمّا الحَواسُّ الظّاهِرَةُ، وإمّا الحَواسُّ الباطِنَةُ، أمّا الحَواسُّ الظّاهِرَةُ فَهي خَمْسَةٌ؛ أحَدُها: القُوَّةُ الباصِرَةُ، ولَقَدْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مَخْصُوصًا بِكَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﷺ: ”«زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها» “ . والثّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أقِيمُوا صُفُوفَكم وتَراصُّوا فَإنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي» “ . ونَظِيرُ هَذِهِ القُوَّةِ ما حَصَلَ لِإبْراهِيمَ ﷺ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥ ] ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ تَعالى قَوّى بَصَرَهُ حَتّى شاهَدَ جَمِيعَ المَلَكُوتِ مِنَ الأعْلى والأسْفَلِ قالَ الحَلِيمِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ لِأنَّ البُصَراءَ يَتَفاوَتُونَ فَرُوِيَ أنَّ زَرْقاءَ اليَمامَةِ كانَتْ تُبْصِرُ الشَّيْءَ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَصَرُ النَّبِيِّ ﷺ أقْوى مِن بَصَرِها. وثانِيها: القُوَّةُ السّامِعَةُ، وكانَ ﷺ أقْوى النّاسِ في هَذِهِ القُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ لِلَّهِ تَعالى» “ فَسَمِعَ أطِيطَ السَّماءِ. والثّانِي: «أنَّهُ سَمِعَ دَوِيًّا وذَكَرَ أنَّهُ هُوِيُّ صَخْرَةٍ قُذِفَتْ في جَهَنَّمَ فَلَمْ تَبْلُغْ قَعْرَها إلى الآنِ»، قالَ الحَلِيمِيُّ: ولا سَبِيلَ لِلْفَلاسِفَةِ إلى اسْتِبْعادِ هَذا، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ فِيثاغُورْثَ راضَ نَفْسَهُ حَتّى سَمِعَ خَفِيفَ الفَلَكِ، ونَظِيرُ هَذِهِ القُوَّةِ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قِصَّةِ النَّمْلِ ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨ ] فاللَّهُ تَعالى أسْمَعَ سُلَيْمانَ كَلامَ النَّمْلِ وأوْقَفَهُ عَلى مَعْناهُ وهَذا داخِلٌ أيْضًا في بابِ تَقْوِيَةِ الفَهْمِ، وكانَ ذَلِكَ حاصِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ تَكَلَّمَ مَعَ الذِّئْبِ ومَعَ البَعِيرِ. ثالِثُها: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الشَّمِّ، كَما في حَقِّ يَعْقُوبَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أمَرَ بِحَمْلِ قَمِيصِهِ إلَيْهِ وإلْقائِهِ عَلى وجْهِهِ، فَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يُوسُفَ: ٩٤ ] فَأحَسَّ بِها مِن مَسِيرَةِ أيّامٍ. ورابِعُها: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الذَّوْقِ، كَما في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ حِينَ قالَ: ”«إنَّ هَذا الذِّراعَ يُخْبِرُنِي أنَّهُ مَسْمُومٌ» “ . وخامِسُها: تَقْوِيَةُ القُوَّةِ اللّامِسَةِ كَما في حَقِّ الخَلِيلِ حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ هَذا ويُشاهَدُ مِثْلُهُ في السَّمَندَلِ والنَّعامَةِ، وأمّا الحَواسُّ الباطِنَةُ فَمِنها قُوَّةُ صفحة ٢٠ الحِفْظِ، قالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعْلى: ٦ ] ومِنها قُوَّةُ الذَّكاءِ «قالَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ألْفَ بابٍ مِنَ العِلْمِ واسْتَنْبَطْتُ مِن كُلِّ بابٍ ألْفَ بابٍ»“ فَإذا كانَ حالُ الوَلِيِّ هَكَذا، فَكَيْفَ حالُ النَّبِيِّ ﷺ . وأمّا القُوى المُحَرِّكَةُ: فَمِثْلُ عُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى المِعْراجِ، وعُرُوجِ عِيسى حَيًّا إلى السَّماءِ، ورَفْعِ إدْرِيسَ وإلْياسَ عَلى ما ورَدَتْ بِهِ الأخْبارُ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٠ ] . وأمّا القُوى الرُّوحانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ: فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في غايَةِ الكَمالِ، ونِهايَةِ الصَّفاءِ. واعْلَمْ أنَّ تَمامَ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّ النَّفْسَ القُدْسِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ مُخالِفَةٌ بِماهِيَّتِها لِسائِرِ النُّفُوسِ، ومِن لَوازِمِ تِلْكَ النَّفْسِ الكَمالُ في الذَّكاءِ، والفِطْنَةِ، والحُرِّيَّةِ، والِاسْتِعْلاءُ، والتَّرَفُّعُ عَنِ الجِسْمانِيّاتِ والشَّهَواتِ، فَإذا كانَتِ الرُّوحُ في غايَةِ الصَّفاءِ والشَّرَفِ، وكانَ البَدَنُ في غايَةِ النَّقاءِ والطَّهارَةِ كانَتْ هَذِهِ القُوى المُحَرِّكَةُ المُدْرِكَةُ في غايَةِ الكَمالِ؛ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى أنْوارٍ فائِضَةٍ مِن جَوْهَرِ الرُّوحِ واصِلَةٌ إلى البَدَنِ، ومَتى كانَ الفاعِلُ والقابِلُ في غايَةِ الكَمالِ كانَتِ الآثارُ في غايَةِ القُوَّةِ والشَّرَفِ والصَّفاءِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ مَعْناهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اصْطَفى آدَمَ إمّا مِن سُكّانِ العالَمِ السُّفْلِيِّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: المَلَكُ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، أوْ مِن سُكّانِ العالَمِ العُلْوِيِّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: البَشَرُ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ وضَعَ كَمالَ القُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ في شُعْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن أوْلادِ آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، هم شِيثٌ وأوْلادُهُ، إلى إدْرِيسَ، ثُمَّ إلى نُوحٍ، ثُمَّ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ حَصَلَ مِن إبْراهِيمَ شُعْبَتانِ: إسْماعِيلُ وإسْحاقُ، فَجَعَلَ إسْماعِيلَ مَبْدَأً لِظُهُورِ الرُّوحِ القُدْسِيَّةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلَ إسْحاقَ مَبْدَأً لِشُعْبَتَيْنِ: يَعْقُوبَ وعِيصُو، فَوَضَعَ النُّبُوَّةَ في نَسْلِ يَعْقُوبَ، ووَضَعَ المُلْكَ في نَسْلِ عِيصُو، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ نُقِلَ نُورُ النُّبُوَّةِ ونُورُ المُلْكِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَقِيا أعْنِي الدِّينَ والمُلْكَ لِأتْباعِهِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، ومَن تَأمَّلَ في هَذا البابِ وصَلَ إلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ المُؤْمِنُونَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافِرٍ: ٤٦ ] والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الأوْلادُ، وهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤ ] وأمّا آلُ عِمْرانَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ عِمْرانُ والِدُ مُوسى وهارُونَ، وهو عِمْرانُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن آلِ عِمْرانَ مُوسى وهارُونَ وأتْباعَهُما مِنَ الأنْبِياءِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ: عِمْرانُ بْنُ ماثانَ والِدُ مَرْيَمَ، وكانَ هو مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ بْنِ إيشا، وكانُوا مَن نَسْلِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالُوا. وبَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفٌ وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ، واحْتَجَّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِأُمُورٍ. أحَدُها: أنَّ المَذْكُورَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ هو عِمْرانُ بْنُ ماثانَ جَدُّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قِبَلِ الأُمِّ، فَكانَ صَرْفُ الكَلامِ إلَيْهِ أوْلى. وثانِيها: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ أنَّ النَّصارى كانُوا يَحْتَجُّونَ عَلى إلَهِيَّةِ عِيسى بِالخَوارِقِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّما ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ إكْرامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى اصْطَفاهُ عَلى العالَمِينَ وخَصَّهُ بِالكَراماتِ العَظِيمَةِ، فَكانَ حَمْلُ هَذا صفحة ٢١ الكَلامِ عَلى عِمْرانَ بْنِ ماثانَ أوْلى في هَذا المَقامِ مِن حَمْلِهِ عَلى عِمْرانَ والِدِ مُوسى وهارُونَ. وثالِثُها: أنَّ هَذا اللَّفْظَ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١ ] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ لَيْسَتْ دَلائِلَ قَوِيَّةً، بَلْ هي أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ، وأصْلُ الِاحْتِمالِ قائِمٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في نَصْبِ قَوْلِهِ: (ذُرِّيَّةً) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ، أيِ اصْطَفاهم في حالِ كَوْنِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ذَرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ في التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ والطّاعَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٧ ] وذَلِكَ بِسَبَبِ اشْتِراكِهِمْ في النِّفاقِ. والثّانِي: ذَرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِمَعْنى أنَّ غَيْرَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا مُتَوَلِّدِينَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويَكُونُ المُرادُ بِالذُّرِّيَّةِ مَن سِوى آدَمَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤] فَقالَ القَفّالُ: المَعْنى واللَّهُ سَمِيعٌ لِأقْوالِ العِبادِ، عَلِيمٌ بِضَمائِرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وإنَّما يَصْطَفِي مِن خَلْقِهِ مَن يَعْلَمُ اسْتِقامَتَهُ قَوْلًا وفِعْلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤ ] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٠ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ مِن ولَدِ إبْراهِيمَ ومِن آلِ عِمْرانَ، فَنَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وكانَ بَعْضُهم عالِمًا بِأنَّ هَذا الكَلامَ باطِلٌ، إلّا أنَّهُ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ العَوامِّ بَقِيَ مُصِرًّا عَلَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ: واللَّهُ سَمِيعٌ لِهَذِهِ الأقْوالِ الباطِلَةِ مِنكم، عَلِيمٌ بِأغْراضِكُمُ الفاسِدَةِ مِن هَذِهِ الأقْوالِ فَيُجازِيكم عَلَيْها، فَكانَ أوَّلُ الآيَةِ بَيانًا لِشَرَفِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وآخِرُها تَهْدِيدًا لِهَؤُلاءِ الكاذِبِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ عَلى أدْيانِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ قِصَصًا كَثِيرَةً: * * * القِصَّةُ الأُولى واقِعَةُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ -عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ صفحة ٢٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَوْضِعِ ”إذْ“ مِنَ الإعْرابِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّها زائِدَةٌ لَغْوًا، والمَعْنى: قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، ولا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَصْنَعْ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذا شَيْئًا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إلْغاءُ حَرْفٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ ضَرُورَةً. والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: التَّقْدِيرُ اذْكُرْ ”إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ“ ومِثْلُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ. الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ، التَّقْدِيرُ: واصْطَفى آلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، وطَعَنَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ اصْطِفاءَ آلِ عِمْرانَ بِاصْطِفاءِ آدَمَ ونُوحٍ، ولَمّا كانَ اصْطِفاؤُهُ تَعالى آدَمَ ونُوحًا قَبْلَ قَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ اسْتَحالَ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الِاصْطِفاءَ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا الكَلامَ فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ أثَرَ اصْطِفاءِ كُلِّ واحِدٍ إنَّما ظَهَرَ عِنْدَ وُجُودِهِ، وظُهُورِ طاعاتِهِ، فَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ عِنْدَ وُجُودِهِ، ونُوحًا عِنْدَ وُجُودِهِ، وآلَ عِمْرانَ عِنْدَما قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا الكَلامَ. الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ قَبْلَ أنْ قالَتِ المَرْأةُ هَذا القَوْلَ، فَما مَعْنى هَذا التَّقْيِيدِ ؟ قُلْنا: إنَّ سَمْعَهُ تَعالى لِذَلِكَ الكَلامِ مُقَيَّدٌ بِوُجُودِ ذَلِكَ الكَلامِ، وعِلْمُهُ تَعالى بِأنَّها تَذْكُرُ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِذِكْرِها لِذَلِكَ، والتَّغَيُّرُ في العِلْمِ والسَّمْعِ إنَّما يَقَعُ في النِّسَبِ والمُتَعَلِّقاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ زَكَرِيّا بْنَ آذَنَ، وعِمْرانَ بْنَ ماثانَ، كانا في عَصْرٍ واحِدٍ، وامْرَأةُ عِمْرانَ حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذَ، وقَدْ تَزَوَّجَ زَكَرِيّا بِابْنَتِهِ إيشاعَ أُخْتِ مَرْيَمَ، وكانَ يَحْيى وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - ابْنَيْ خالَةٍ، ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ هَذا النَّذْرِ رِواياتٌ: الرِّوايَةُ الأُولى: قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّها كانَتْ عاقِرًا لا تَلِدُ، وكانَتْ تَغْبِطُ النِّساءَ بِالأوْلادِ، ثُمَّ قالَتْ: اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ نَذْرًا إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِيَكُونَ مِن سَدَنَتِهِ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّ أُمَّ مَرْيَمَ ما كانَ يَحْصُلُ لَها ولَدٌ حَتّى شاخَتْ، وكانَتْ يَوْمًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَرَأتْ طائِرًا يُطْعِمُ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتْ رَبَّها أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَرَفَتْ جَعَلَتْهُ لِلَّهِ مُحَرَّرًا، أيْ خادِمًا لِلْمَسْجِدِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّها إنَّما فَعَلَتْ ذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ ولَوْلاهُ ما فَعَلَتْ كَما رَأى إبْراهِيمُ ذَبْحَ ابْنِهِ في المَنامِ فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ وحْيِ، وكَما ألْهَمَ اللَّهُ أُمَّ مُوسى فَقَذَفَتْهُ في اليَمِّ ولَيْسَ بِوَحْيٍ. صفحة ٢٣ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُحَرَّرُ الَّذِي يُجْعَلُ حُرًّا خالِصًا، يُقالُ: حَرَّرْتُ العَبْدَ إذا خَلَّصْتَهُ عَنِ الرِّقِّ، وحَرَّرْتُ الكِتابَ إذا أصْلَحْتَهُ وخَلَّصْتَهُ فَلَمْ تُبْقِ فِيهِ شَيْئًا مِن وُجُوهِ الغَلَطِ، ورَجُلٌ حُرٌّ إذا كانَ خالِصًا لِنَفْسِهِ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ تَعَلُّقٌ، والطِّينُ الحُرُّ الخالِصُ عَنِ الرَّمْلِ والحِجارَةِ والحَمْأةِ والعُيُوبِ. أمّا التَّفْسِيرُ فَقِيلَ مُخْلِصًا لِلْعِبادَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وقِيلَ: خادِمًا لِلْبِيعَةِ، وقِيلَ: عَتِيقًا مِن أمْرِ الدُّنْيا لِطاعَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: خادِمًا لِمَن يُدَرِّسُ الكِتابَ، ويُعَلِّمُ في البِيَعِ، والمَعْنى أنَّها نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَ ذَلِكَ الوَلَدَ وقْفًا عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَ الأصَمُّ: لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ غَنِيمَةٌ ولا سَبْيٌ، فَكانَ تَحْرِيرُهم جَعْلَهم أوْلادَهم عَلى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ الأمْرُ في دِينِهِمْ أنَّ الوَلَدَ إذا صارَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ اسْتِخْدامُهُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ الأبَوَيْنِ، فَكانُوا بِالنَّذْرِ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الِانْتِفاعِ، ويَجْعَلُونَهم مُحَرَّرِينَ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ وطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: كانَ المُحَرَّرُ يُجْعَلُ في الكَنِيسَةِ يَقُومُ بِخِدْمَتِها حَتّى يَبْلُغَ الحُلُمَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ المُقامِ والذَّهابِ، فَإنْ أبى المُقامَ وأرادَ أنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ، وإنِ اخْتارَ المُقامَ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خِيارٌ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إلّا ومِن نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ في بَيْتِ المَقْدِسِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا التَّحْرِيرُ لَمْ يَكُنْ جائِزًا إلّا في الغِلْمانِ أمّا الجارِيَةُ فَكانَتْ لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ لِما يُصِيبُها مِنَ الحَيْضِ، والأذى، ثُمَّ إنَّ حَنَّةَ نَذَرَتْ مُطْلَقًا إمّا لِأنَّها بَنَتِ الأمْرَ عَلى التَّقْدِيرِ، أوْ لِأنَّها جَعَلَتْ ذَلِكَ النَّذْرَ وسِيلَةً إلى طَلَبِ الذَّكَرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (مُحَرَّرًا) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ”ما“ وتَقْدِيرُهُ: نَذَرْتُ لَكَ الَّذِي في بَطْنِي مُحَرَّرًا. والثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى نَذَرْتُ لَكَ أنْ أجْعَلَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى حاكِيًا عَنْها: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ التَّقَبُّلُ: أخْذُ الشَّيْءِ عَلى الرِّضا، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ المُقابَلَةِ لِأنَّهُ يُقْبَلُ بِالجَزاءِ، وهَذا كَلامُ مَن لا يُرِيدُ بِما فَعَلَهُ إلّا الطَّلَبَ لِرِضا اللَّهِ تَعالى، والإخْلاصَ في عِبادَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ والمَعْنى: إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ لِتَضَرُّعِي ودُعائِي ونِدائِي، العَلِيمُ بِما في ضَمِيرِي وقَلْبِي ونِيَّتِي. واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ النَّذْرِ كانَ في شَرْعِ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرُ مَوْجُودٍ في شَرْعِنا، والشَّرائِعُ لا يَمْتَنِعُ اخْتِلافُها في مِثْلِ هَذِهِ الأحْكامِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الأُنْثى الَّتِي كانَتْ في بَطْنِها وكانَ عالِمًا بِأنَّها كانَتْ أُنْثى أوْ يُقالُ: إنَّها عادَتْ إلى النَّفْسِ والنَّسَمَةِ أوْ يُقالُ: عادَتْ إلى المَنذُورَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ واعْلَمْ أنَّ الفائِدَةَ في هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنها النَّذْرُ في تَحْرِيرِ ما في بَطْنِها، وكانَ الغالِبُ عَلى ظَنِّها أنَّهُ ذَكَرٌ فَلَمْ تَشْتَرِطْ ذَلِكَ في كَلامِها، وكانَتِ العادَةُ عِنْدَهم أنَّ الَّذِي يُحَرَّرُ ويُفَرَّغُ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ وطاعَةِ اللَّهِ هو الذَّكَرُ دُونَ الأُنْثى فَقالَتْ: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خائِفَةً أنَّ نَذْرَها لَمْ يَقَعِ المَوْقِعَ الَّذِي يُعْتَمَدُ بِهِ ومُعْتَذِرَةً مِن إطْلاقِها النَّذْرَ المُتَقَدِّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لا عَلى سَبِيلِ الإعْلامِ لِلَّهِ صفحة ٢٤ تَعالى، تَعالى اللَّهُ عَنْ أنْ يَحْتاجَ إلى إعْلامِها، بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِذارِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ ”وضَعْتُ“ بِرَفْعِ التّاءِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها حِكايَةُ كَلامِها، والفائِدَةُ في هَذا الكَلامِ أنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها أنَّها تُخْبِرُ اللَّهَ تَعالى، فَأزالَتِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ وثَبَتَ أنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ لِلِاعْتِذارِ لا لِلْإعْلامِ، والباقُونَ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ تَعْظِيمًا لِوَلَدِها، وتَجْهِيلًا لَها بِقَدْرِ ذَلِكَ الوَلَدِ، ومَعْناهُ: واللَّهُ أعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْ وبِما عَلَّقَ بِهِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنْ يَجْعَلَهُ ووَلَدَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ، وهي جاهِلَةٌ بِذَلِكَ لا تَعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا فَلِذَلِكَ تَحَسَّرَتْ وفي قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ”واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتِ“ عَلى خِطابِ اللَّهِ لَها، أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذا المَوْهُوبِ واللَّهُ هو العالِمُ بِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ والآياتِ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْها: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ مُرادَها تَفْضِيلُ الوَلَدِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى، وسَبَبُ هَذا التَّفْضِيلِ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّ شَرْعَهم أنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيرُ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ. والثّانِي: أنَّ الذَّكَرَ يَصِحُّ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى خِدْمَةِ مَوْضِعِ العِبادَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في الأُنْثى لِمَكانِ الحَيْضِ وسائِرِ عَوارِضِ النِّسْوانِ. والثّالِثُ: الذَّكَرُ يَصْلُحُ لِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ لِلْخِدْمَةِ دُونَ الأُنْثى فَإنَّها ضَعِيفَةٌ لا تَقْوى عَلى الخِدْمَةِ. والرّابِعُ: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ في الخِدْمَةِ والِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الأُنْثى. والخامِسُ: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ مِنَ التُّهْمَةِ عِنْدَ الِاخْتِلاطِ ما يَلْحَقُ الأُنْثى فَهَذِهِ الوُجُوهُ تَقْتَضِي فَضْلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في هَذا المَعْنى. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ تَرْجِيحُ هَذِهِ الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ، كَأنَّها قالَتِ: الذَّكَرُ مَطْلُوبِي وهَذِهِ الأُنْثى مَوْهُوبَةُ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي يَكُونُ مَطْلُوبِي كالأُنْثى الَّتِي هي مَوْهُوبَةٌ لِلَّهِ، وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ المَرْأةَ كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ، عالِمَةً بِأنَّ ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ بِالعَبْدِ خَيْرٌ مِمّا يُرِيدُهُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ. * * * ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْها كَلامًا ثانِيًا وهو قَوْلُها: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى ما حَكَيْنا مِن أنَّ عِمْرانَ كانَ قَدْ ماتَ في حالِ حَمْلِ حَنَّةَ بِمَرْيَمَ، فَلِذَلِكَ تَوَلَّتِ الأُمُّ تَسْمِيَتَها؛ لِأنَّ العادَةَ أنَّ ذَلِكَ يَتَوَلّاهُ الآباءُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ: العابِدَةُ، فَأرادَتْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ أنْ تَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْصِمَها مِن آفاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُها بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ مَعْناهُ: وإنِّي سَمَّيْتُها بِهَذا اللَّفْظِ أيْ جَعَلْتُ هَذا اللَّفْظَ اسْمًا لَها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ والمُسَمّى والتَّسْمِيَةَ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ مُتَغايِرَةٌ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْها كَلامًا ثالِثًا وهو قَوْلُها: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وذَلِكَ صفحة ٢٥ لِأنَّهُ لَمّا فاتَها ما كانَتْ تُرِيدُ مِن أنْ يَكُونَ رَجُلًا خادِمًا لِلْمَسْجِدِ تَضَرَّعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَحْفَظَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وأنْ يَجْعَلَها مِنَ الصّالِحاتِ القانِتاتِ، وتَفْسِيرُ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الكِتابِ. * * * ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ حَنَّةَ هَذِهِ الكَلِماتِ قالَ: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ لِأنَّ القَبُولَ والتَّقَبُّلَ مُتَقارِبانِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] أيْ إنْباتًا، والقَبُولُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَبِلَ فُلانٌ الشَّيْءَ قَبُولًا إذا رَضِيَهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: خَمْسَةُ مَصادِرَ جاءَتْ عَلى فَعُولٍ: قَبُولٌ وطَهُورٌ ووَضُوءٌ ووَقُودٌ ووَلُوغٌ، إلّا أنَّ الأكْثَرَ في الوَقُودِ إذا كانَ مَصْدَرًا الضَّمُّ، وأجازَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: قُبُولًا بِالضَّمِّ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ يُقالُ: قَبِلْتُهُ قَبُولًا وقُبُولًا، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ ما كانَ مِن بابِ التَّفَعُّلِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ اعْتِناءِ ذَلِكَ الفاعِلِ بِإظْهارِ ذَلِكَ الفِعْلِ كالتَّصَبُّرِ والتَّجَلُّدِ ونَحْوِهِما فَإنَّهُما يُفِيدانِ الجِدِّ في إظْهارِ الصَّبْرِ والجَلادَةِ، فَكَذا هاهُنا التَّقَبُّلُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في إظْهارِ القَبُولِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ حَتّى صارَتِ المُبالَغَةُ أكْمَلَ ؟ والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ التَّقَبُّلِ وإنْ أفادَ ما ذَكَرْنا إلّا أنَّهُ يُفِيدُ نَوْعَ تَكَلُّفٍ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، أمّا القَبُولُ فَإنَّهُ يُفِيدُ مَعْنى القَبُولِ عَلى وفْقِ الطَّبْعِ فَذَكَرَ التَّقَبُّلَ لِيُفِيدَ الجِدَّ والمُبالَغَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ القَبُولَ لِيُفِيدَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، بَلْ عَلى وفْقِ الطَّبْعِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ وإنْ كانَتْ مُمْتَنِعَةً في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّها تَدُلُّ مِن حَيْثُ الِاسْتِعارَةُ عَلى حُصُولِ العِنايَةِ العَظِيمَةِ في تَرْبِيَتِها، وهَذا الوَجْهُ مُناسِبٌ مَعْقُولٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ القَبُولِ الحَسَنِ وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَصَمَها وعَصَمَ ولَدَها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مَسِّ الشَّيْطانِ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها» “ ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ﴾ طَعَنَ القاضِي في هَذا الخَبَرِ وقالَ: إنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ فَوَجَبَ رَدُّهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَدْعُو إلى الشَّرِّ مَن يَعْرِفُ الخَيْرَ والشَّرَّ والصَّبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا النَّخْسِ لَفَعَلَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ مِن إهْلاكِ الصّالِحِينَ وإفْسادِ أحْوالِهِمْ. والثّالِثُ: لِمَ خُصَّ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ مَرْيَمُ وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ ؟ . الرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ النَّخْسَ لَوْ وُجِدَ بَقِيَ أثَرُهُ، ولَوْ بَقِيَ أثَرُهُ لَدامَ الصُّراخُ والبُكاءُ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا بُطْلانَهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ، وبِأمْثالِها لا يَجُوزُ دَفْعُ الخَبَرِ واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَقَبَّلَها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، ما رُوِيَ أنَّ حَنَّةَ حِينَ ولَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ أبْناءِ هارُونَ، وهم في بَيْتِ المَقْدِسِ كالحَجَبَةِ في الكَعْبَةِ، وقالَتْ: خُذُوا هَذِهِ النَّذِيرَةَ، فَتَنافَسُوا فِيها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وكانَتْ بَنُو ماثانَ رُؤُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ وأحْبارَهم ومُلُوكَهم فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها عِنْدِي خالَتُها فَقالُوا لا حَتّى نَقْتَرِعَ عَلَيْها، فانْطَلَقُوا وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ إلى نَهْرٍ فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ الوَحْيَ بِها عَلى أنَّ كُلَّ مَنِ ارْتَفَعَ قَلَمُهُ فَهو صفحة ٢٦ الرّاجِحُ، ثُمَّ ألْقَوْا أقْلامَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَفي كُلِّ مَرَّةٍ كانَ يَرْتَفِعُ قَلَمُ زَكَرِيّا فَوْقَ الماءِ وتَرْسُبُ أقْلامُهم فَأخَذَها زَكَرِيّا. الوَجْهُ الثّالِثُ: رَوى القَفّالُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ تَكَلَّمَتْ في صِباها كَما تَكَلَّمَ المَسِيحُ ولَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ، وإنَّ رِزْقَها كانَ يَأْتِيها مِنَ الجَنَّةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ القَبُولِ الحَسَنِ أنَّ المُعْتادَ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أنَّ التَّحْرِيرَ لا يَجُوزُ إلّا في حَقِّ الغُلامِ حِينَ يَصِيرُ عاقِلًا قادِرًا عَلى خِدْمَةِ المَسْجِدِ، وهاهُنا لَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى تَضَرُّعَ تِلْكَ المَرْأةِ قَبِلَ تِلْكَ الجارِيَةَ حالَ صِغَرِها وعَدَمِ قُدْرَتِها عَلى خِدْمَةِ المَسْجِدِ، فَهَذا كُلُّهُ هو الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ القَبُولِ الحَسَنِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ أنْبَتَها فَنَبَتَتْ هي نَباتًا حَسَنًا ثُمَّ مِنهم مَن صَرَفَ هَذا النَّباتَ الحَسَنَ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، ومِنهم مَن صَرَفَهُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: المَعْنى أنَّها كانَتْ تَنْبُتُ في اليَوْمِ مِثْلَ ما يَنْبُتُ المَوْلُودُ في عامٍ واحِدٍ، وأمّا في الدِّينِ فَلِأنَّها نَبَتَتْ في الصَّلاحِ والسَّدادِ والعِفَّةِ والطّاعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: كَفَلَ يَكْفُلُ كَفالَةً وكَفْلًا فَهو كافِلٌ، وهو الَّذِي يُنْفِقُ عَلى إنْسانٍ ويَهْتَمُّ بِإصْلاحِ مَصالِحِهِ، وفي الحَدِيثِ ”«أنا وكافِلُ اليَتِيمِ كَهاتَيْنِ» “ وقالَ اللَّهُ تَعالى: (أكْفِلْنِيها) [ص: ٢٣] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وكَفَّلَها“ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في زَكَرِيّا فَقَرَأ عاصِمٌ بِالمَدِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالقَصْرِ عَلى مَعْنى ضَمَّها اللَّهُ تَعالى إلى زَكَرِيّا، فَمَن قَرَأ ”زَكَرِيّاءَ“ بِالمَدِّ أظْهَرَ النَّصْبَ ومَن قَرَأ بِالقَصْرِ كانَ في مَحَلِّ النَّصْبِ والباقُونَ قَرَءُوا بِالمَدِّ والرَّفْعِ عَلى مَعْنى ضَمَّها زَكَرِيّاءُ إلى نَفْسِهِ وهو الِاخْتِيارُ، لِأنَّ هَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٤٤] وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”كَفِلَها“ بِكَسْرِ الفاءِ، وأمّا القَصْرُ والمَدُّ في زَكَرِيّا فَهُما لُغَتانِ، كالهَيْجاءِ والهَيْجا، وقَرَأ مُجاهِدٌ ”فَتَقَبَّلْها رَبَّها، وأنْبِتْها، وكَفِّلْها“ عَلى لَفْظِ الأمْرِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، ونَصْبِ (رَبَّها) كَأنَّها كانَتْ تَدْعُو اللَّهَ فَقالَتْ: اقْبَلْها يا رَبَّها، وأنْبِتْها يا رَبَّها، واجْعَلْ زَكَرِيّا كافِلًا لَها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَفالَةِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاها مَتى كانَتْ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: كانَ ذَلِكَ حالَ طُفُولِيَّتِها، وبِهِ جاءَتِ الرِّواياتُ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ إنَّما كَفَلَها بَعْدَ أنْ فُطِمَتْ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وهَذا يُوهِمُ أنَّ تِلْكَ الكَفالَةَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّباتِ الحَسَنِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ قَدْ فارَقَتِ الرَّضاعَ وقْتَ تِلْكَ الكَفالَةِ، وأصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ أجابُوا بِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَلَعَلَّ الإنْباتَ الحَسَنَ وكَفالَةَ زَكَرِيّاءَ حَصَلا مَعًا. وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: فَلَعَلَّ دُخُولَهُ عَلَيْها وسُؤالَهُ مِنها هَذا السُّؤالَ إنَّما وقَعَ في آخِرِ زَمانِ الكَفالَةِ. * * * صفحة ٢٧ ثُمَّ قالَ اللَّهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (المِحْرابَ) المَوْضِعَ العالِيَ الشَّرِيفَ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها لَمْ أدْنُ حَتّى أرْتَقِيَ سُلَّما واحْتَجَّ الأصْمَعِيُّ عَلى أنَّ المِحْرابَ هو الغُرْفَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] والتَّسَوُّرُ لا يَكُونُ إلّا مِن عُلُوٍّ، وقِيلَ: المِحْرابُ أشْرَفُ المَجالِسِ وأرْفَعُها، يُرْوى أنَّها لَمّا صارَتْ شابَّةً بَنى زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَها غُرْفَةً في المَسْجِدِ، وجَعَلَ بابَها في وسَطِهِ لا يُصْعَدُ إلَيْهِ إلّا بِسُلَّمٍ، وكانَ إذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِكَرامَةِ الأوْلِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنْ زَكَرِيّاءَ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ: أنّى لَكِ هَذا ؟ قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الرِّزْقِ عِنْدَها إمّا أنْ يَكُونَ خارِقًا لِلْعادَةِ، أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ غَيْرُ خارِقٍ لِلْعادَةِ فَهو باطِلٌ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ حُصُولُ ذَلِكَ الرِّزْقِ عِنْدَ مَرْيَمَ دَلِيلًا عَلى عُلُوِّ شَأْنِها وشَرَفِ دَرَجَتِها وامْتِيازِها عَنْ سائِرِ النّاسِ بِتِلْكَ الخاصِّيَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ آيِسًا مِنَ الوَلَدِ بِسَبَبِ شَيْخُوخَتِهِ وشَيْخُوخَةِ زَوْجَتِهِ، فَلَمّا رَأى انْخِراقَ العادَةِ في حَقِّ مَرْيَمَ طَمِعَ في حُصُولِ الوَلَدِ فَيَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٨] أمّا لَوْ كانَ الَّذِي شاهَدَهُ في حَقِّ مَرْيَمَ لَمْ يَكُنْ خارِقًا لِلْعادَةِ لَمْ تَكُنْ مُشاهَدَةُ ذَلِكَ سَبَبًا لِطَمَعِهِ في انْخِراقِ العادَةِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مِنَ المَرْأةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ. الثّالِثُ: أنَّ التَّنَكُّرَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ ذَلِكَ الرِّزْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا، أيْ رِزْقٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ، وذَلِكَ إنَّما يُفِيدُ الغَرَضَ اللّائِقَ لِسِياقِ هَذِهِ الآيَةِ لَوْ كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ. الرّابِعُ: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١ ] ولَوْلا أنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِما مِنَ الخَوارِقِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَها ولَدًا مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ؟ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِآيَةٍ، بَلْ يَحْتاجُ تَصْحِيحُهُ إلى آيَةٍ، فَكَيْفَ نَحْمِلُ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِها وطَهارَتِها، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِظُهُورِ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِها كَما ظَهَرَتْ عَلى يَدِ ولَدِها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . الخامِسُ: ما تَواتَرَتِ الرِّواياتُ بِهِ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي ظَهَرَ في حَقِّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - كانَ فِعْلًا خارِقًا لِلْعادَةِ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مُعْجِزَةً لِبَعْضِ الأنْبِياءِ أوْ ما كانَ كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ النَّبِيَّ المَوْجُودَ في ذَلِكَ الزَّمانِ هو زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ لَكانَ هو عالِمًا بِحالِهِ وشَأْنِهِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَشْتَبِهَ أمْرُهُ عَلَيْهِ وأنْ لا يَقُولَ لِمَرْيَمَ: ﴿أنّى لَكِ هَذا﴾ وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لَمّا سَألَها عَنْ أمْرِ تِلْكَ الأشْياءِ ثُمَّ إنَّها ذَكَرَتْ لَهُ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهُنالِكَ طَمِعَ في انْخِراقِ العادَةِ في حُصُولِ الوَلَدِ مِنَ المَرْأةِ العَقِيمَةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما وقَفَ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ إلّا صفحة ٢٨ إلّا بِإخْبارِ مَرْيَمَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ ما كانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ كَرامَةً لِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ كانَتْ كَرامَةً لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُقُوعِ كَراماتِ الأوْلِياءِ. اعْتَرَضَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ كانَتْ مِن مُعْجِزاتِ زَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لَها عَلى الإجْمالِ أنْ يُوَصِّلَ اللَّهُ إلَيْها رِزْقًا، وأنَّهُ رُبَّما كانَ غافِلًا عَنْ تَفاصِيلِ ما يَأْتِيها مِنَ الأرْزاقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا رَأى شَيْئًا بِعَيْنِهِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ قالَ لَها: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَ بِدُعائِهِ تِلْكَ المُعْجِزَةَ. والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ زَكَرِيّا يُشاهِدُ عِنْدَ مَرْيَمَ رِزْقًا مُعْتادًا إلّا أنَّهُ كانَ يَأْتِيها مِنَ السَّماءِ، وكانَ زَكَرِيّا يَسْألُها عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِن أنْ يَكُونَ يَأْتِيها مِن عِنْدِ إنْسانٍ يَبْعَثُهُ إلَيْها، فَقالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ. المَقامُ الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ قَدْ ظَهَرَ عَلى مَرْيَمَ شَيْءٌ مِن خَوارِقِ العاداتِ، بَلْ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ سَبَّبَ لَها رِزْقًا عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَرْغَبُونَ في الإنْفاقِ عَلى الزّاهِداتِ العابِداتِ، فَكانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا رَأى شَيْئًا مِن ذَلِكَ خافَ أنَّهُ رُبَّما أتاها ذَلِكَ الرِّزْقُ مِن وجْهٍ لا يَنْبَغِي، فَكانَ يَسْألُها عَنْ كَيْفِيَّةِ الحالِ، هَذا مَجْمُوعُ ما قالَهُ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ وهو في غايَةِ الضَّعْفِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَأْذُونًا لَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ مَأْذُونًا في ذَلِكَ الطَّلَبِ كانَ عالِمًا قَطْعًا بِأنَّهُ يَحْصُلُ، وإذا عَلِمَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَطْلُبَ مِنها كَيْفِيَّةَ الحالِ، ولَمْ يَبْقَ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٨] فائِدَةٌ، وهَذا هو الجَوابُ بِعَيْنِهِ عَنِ الوَجْهِ الثّانِي. وأمّا سُؤالُهُ الثّالِثُ فَفي غايَةِ الرَّكاكَةِ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَبْقى فِيهِ وجْهُ اخْتِصاصٍ لِمَرْيَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأيْضًا فَإنْ كانَ في قَلْبِهِ احْتِمالٌ أنَّهُ رُبَّما أتاها هَذا الرِّزْقُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي لا يَنْبَغِي، فَبِمُجَرَّدِ إخْبارِها كَيْفَ يُعْقَلُ زَوالُ تِلْكَ التُّهْمَةِ فَعَلِمْنا سُقُوطَ هَذِهِ الأسْئِلَةِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى امْتِناعِ الكَراماتِ بِأنَّها دَلالاتُ صِدْقِ الأنْبِياءِ، ودَلِيلُ النُّبُوَّةِ لا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِ الأنْبِياءِ، كَما أنَّ الفِعْلَ المُحْكَمَ لَمّا كانَ دَلِيلًا عَلى العِلْمِ لا جَرَمَ لا يُوجَدُ في حَقِّ غَيْرِ العالِمِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو أنَّ ظُهُورَ الفِعْلِ الخارِقِ لِلْعادَةِ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي، فَإنِ ادَّعى صاحِبُهُ النُّبُوَّةَ فَذاكَ الفِعْلُ الخارِقُ لِلْعادَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا، وإنِ ادَّعى الوِلايَةَ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ ولِيًّا. والثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ: الأنْبِياءُ مَأْمُورُونَ بِإظْهارِها، والأوْلِياءُ مَأْمُورُونَ بِإخْفائِها. والثّالِثُ: وهو أنَّ النَّبِيَّ يَدَّعِي المُعْجِزَ ويَقْطَعُ بِهِ، والوَلِيُّ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْطَعَ بِهِ. والرّابِعُ: أنَّ المُعْجِزَةَ يَجِبُ انْفِكاكُها عَنِ المُعارَضَةِ، والكَرامَةُ لا يَجِبُ انْفِكاكُها عَنِ المُعارَضَةِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ مَرْيَمَ، وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ، أوْ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ سَألَها عَلى سَبِيلٍ يُناسِبُ حُصُولَها، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] وهاهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ حَنَّةَ.

آل عمران 3:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صفحة ١٨ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَبَّتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ بَيَّنَ عُلُوَّ دَرَجاتِ الرُّسُلِ وشَرَفَ مَناصِبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَخْلُوقاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: المُكَلَّفُ وغَيْرُ المُكَلَّفِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْنافَ المُكَلَّفِ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ، والإنْسُ والجِنُّ، والشَّياطِينُ، أمّا المَلائِكَةُ، فَقَدْ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم مِنَ الرِّيحِ ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ. فالأوَّلُ: أنَّهم لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى الطَّيَرانِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ. والثّانِي: لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى حَمْلِ العَرْشِ، لِأنَّ الرِّيحَ تَقُومُ بِحَمْلِ الأشْياءِ. الثّالِثُ: لِهَذا السَّبَبِ سُمُّوا رُوحانِيِّينَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، ولِهَذا صَفَتْ وأخْلَصَتْ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: أبْدانُهم مِنَ الرِّيحِ وأرْواحُهم مِنَ النُّورِ، فَهَؤُلاءِ هم سُكّانُ عالَمِ السَّماواتِ، أمّا الشَّياطِينُ فَهم كَفَرَةٌ أمّا إبْلِيسُ فَكُفْرُهُ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] وأمّا سائِرُ الشَّياطِينِ فَهم أيْضًا كَفَرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ أنَّهم بِأسْرِها أعْداءٌ لِلْبَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنْعامِ: ١١٢ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢ ] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧ ] فَأمّا الجِنُّ فَمِنهم كافِرٌ ومِنهم مُؤْمِنٌ، قالَ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٤ ] أمّا الإنْسُ فَلا شَكَّ أنَّ لَهم والِدًا هو والِدُهُمُ الأوَّلُ، وإلّا لَذَهَبَ إلى ما لا نِهايَةَ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ هو آدَمُ ﷺ عَلى ما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩ ] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ * * * المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] والقائِلُونَ بِأنَّ البَشَرَ أفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاصْطِفاءَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الكَرامَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ اصْطَفى آدَمَ وأوْلادَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى كُلِّ العالَمِينَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ مِنَ العالَمِينَ. فَإنْ قِيلَ: إنْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى تَفْضِيلِ المَذْكُورِينَ عَلى كُلِّ العالَمِينَ أدّى إلى التَّناقُضِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ الكَثِيرَ إذا وُصِفُوا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلُ مِن كُلِّ العالَمِينَ يُلْزِمُ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِن كُلِّ العالَمِينَ يُلْزِمُ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ وذَلِكَ مُحالٌ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ عالَمِي زَمانِهِ أوْ عالَمِي جِنْسِهِ لَمْ يَلْزَمِ التَّناقُضُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى هَذا المَعْنى دَفْعًا لِلتَّناقُضِ وأيْضًا قالَ تَعالى في صِفَةِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٧ ] ولا يُلْزِمُ كَوْنَهم أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ قُلْنا المُرادُ بِهِ عالَمُو زَمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، والجَوابُ ظاهِرٌ في قَوْلِهِ: اصْطَفى آدَمَ عَلى العالَمِينَ، يَتَناوَلُ كُلَّ مَن يَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العالَمِ صفحة ١٩ عَلَيْهِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المَلَكُ، غايَةُ ما في هَذا البابِ أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِعُمُومِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ قامَ عَلَيْهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ نَتْرُكَهُ في سائِرِ الصُّوَرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (اصْطَفى) في اللُّغَةِ اخْتارَ، فَمَعْنى: اصْطَفاهم، أيْ جَعَلَهم صَفْوَةَ خَلْقِهِ، تَمْثِيلًا بِما يُشاهَدُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُصَفّى ويُنَقّى مِنَ الكُدُورَةِ، ويُقالُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: صَفْوَةٌ، وصُفْوَةٌ وصِفْوَةٌ،، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ لِمُوسى: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ [الأعْرافِ: ١٤٤ ] وقالَ في إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾ [ص: ٤٧ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ. في الآيَةِ قَوْلانِ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ اصْطَفى دِينَ آدَمَ ودِينَ نُوحٍ فَيَكُونُ الِاصْطِفاءُ راجِعًا إلى دِينِهِمْ وشَرْعِهِمْ ومِلَّتِهِمْ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهم، أيْ صَفّاهم مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، وزَيَّنَهم بِالخِصالِ الحَمِيدَةِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنّا لا نَحْتاجُ فِيهِ إلى الإضْمارِ. والثّانِي: أنَّهُ مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤ ] وذَكَرَ الحَلِيمِيُّ في كِتابِ ”المِنهاجِ“ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا مُخالِفِينَ لِغَيْرِهِمْ في القُوى الجِسْمانِيَّةِ، والقُوى الرُّوحانِيَّةِ، أمّا القُوى الجِسْمانِيَّةُ، فَهي إمّا مُدْرِكَةٌ، وإمّا مُحَرِّكَةٌ. أمّا المُدْرِكَةُ: فَهي إمّا الحَواسُّ الظّاهِرَةُ، وإمّا الحَواسُّ الباطِنَةُ، أمّا الحَواسُّ الظّاهِرَةُ فَهي خَمْسَةٌ؛ أحَدُها: القُوَّةُ الباصِرَةُ، ولَقَدْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مَخْصُوصًا بِكَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﷺ: ”«زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها» “ . والثّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أقِيمُوا صُفُوفَكم وتَراصُّوا فَإنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي» “ . ونَظِيرُ هَذِهِ القُوَّةِ ما حَصَلَ لِإبْراهِيمَ ﷺ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥ ] ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ تَعالى قَوّى بَصَرَهُ حَتّى شاهَدَ جَمِيعَ المَلَكُوتِ مِنَ الأعْلى والأسْفَلِ قالَ الحَلِيمِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ لِأنَّ البُصَراءَ يَتَفاوَتُونَ فَرُوِيَ أنَّ زَرْقاءَ اليَمامَةِ كانَتْ تُبْصِرُ الشَّيْءَ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَصَرُ النَّبِيِّ ﷺ أقْوى مِن بَصَرِها. وثانِيها: القُوَّةُ السّامِعَةُ، وكانَ ﷺ أقْوى النّاسِ في هَذِهِ القُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ لِلَّهِ تَعالى» “ فَسَمِعَ أطِيطَ السَّماءِ. والثّانِي: «أنَّهُ سَمِعَ دَوِيًّا وذَكَرَ أنَّهُ هُوِيُّ صَخْرَةٍ قُذِفَتْ في جَهَنَّمَ فَلَمْ تَبْلُغْ قَعْرَها إلى الآنِ»، قالَ الحَلِيمِيُّ: ولا سَبِيلَ لِلْفَلاسِفَةِ إلى اسْتِبْعادِ هَذا، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ فِيثاغُورْثَ راضَ نَفْسَهُ حَتّى سَمِعَ خَفِيفَ الفَلَكِ، ونَظِيرُ هَذِهِ القُوَّةِ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قِصَّةِ النَّمْلِ ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨ ] فاللَّهُ تَعالى أسْمَعَ سُلَيْمانَ كَلامَ النَّمْلِ وأوْقَفَهُ عَلى مَعْناهُ وهَذا داخِلٌ أيْضًا في بابِ تَقْوِيَةِ الفَهْمِ، وكانَ ذَلِكَ حاصِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ تَكَلَّمَ مَعَ الذِّئْبِ ومَعَ البَعِيرِ. ثالِثُها: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الشَّمِّ، كَما في حَقِّ يَعْقُوبَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أمَرَ بِحَمْلِ قَمِيصِهِ إلَيْهِ وإلْقائِهِ عَلى وجْهِهِ، فَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يُوسُفَ: ٩٤ ] فَأحَسَّ بِها مِن مَسِيرَةِ أيّامٍ. ورابِعُها: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الذَّوْقِ، كَما في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ حِينَ قالَ: ”«إنَّ هَذا الذِّراعَ يُخْبِرُنِي أنَّهُ مَسْمُومٌ» “ . وخامِسُها: تَقْوِيَةُ القُوَّةِ اللّامِسَةِ كَما في حَقِّ الخَلِيلِ حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ هَذا ويُشاهَدُ مِثْلُهُ في السَّمَندَلِ والنَّعامَةِ، وأمّا الحَواسُّ الباطِنَةُ فَمِنها قُوَّةُ صفحة ٢٠ الحِفْظِ، قالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعْلى: ٦ ] ومِنها قُوَّةُ الذَّكاءِ «قالَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ألْفَ بابٍ مِنَ العِلْمِ واسْتَنْبَطْتُ مِن كُلِّ بابٍ ألْفَ بابٍ»“ فَإذا كانَ حالُ الوَلِيِّ هَكَذا، فَكَيْفَ حالُ النَّبِيِّ ﷺ . وأمّا القُوى المُحَرِّكَةُ: فَمِثْلُ عُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى المِعْراجِ، وعُرُوجِ عِيسى حَيًّا إلى السَّماءِ، ورَفْعِ إدْرِيسَ وإلْياسَ عَلى ما ورَدَتْ بِهِ الأخْبارُ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٠ ] . وأمّا القُوى الرُّوحانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ: فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في غايَةِ الكَمالِ، ونِهايَةِ الصَّفاءِ. واعْلَمْ أنَّ تَمامَ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّ النَّفْسَ القُدْسِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ مُخالِفَةٌ بِماهِيَّتِها لِسائِرِ النُّفُوسِ، ومِن لَوازِمِ تِلْكَ النَّفْسِ الكَمالُ في الذَّكاءِ، والفِطْنَةِ، والحُرِّيَّةِ، والِاسْتِعْلاءُ، والتَّرَفُّعُ عَنِ الجِسْمانِيّاتِ والشَّهَواتِ، فَإذا كانَتِ الرُّوحُ في غايَةِ الصَّفاءِ والشَّرَفِ، وكانَ البَدَنُ في غايَةِ النَّقاءِ والطَّهارَةِ كانَتْ هَذِهِ القُوى المُحَرِّكَةُ المُدْرِكَةُ في غايَةِ الكَمالِ؛ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى أنْوارٍ فائِضَةٍ مِن جَوْهَرِ الرُّوحِ واصِلَةٌ إلى البَدَنِ، ومَتى كانَ الفاعِلُ والقابِلُ في غايَةِ الكَمالِ كانَتِ الآثارُ في غايَةِ القُوَّةِ والشَّرَفِ والصَّفاءِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ مَعْناهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اصْطَفى آدَمَ إمّا مِن سُكّانِ العالَمِ السُّفْلِيِّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: المَلَكُ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، أوْ مِن سُكّانِ العالَمِ العُلْوِيِّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: البَشَرُ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ وضَعَ كَمالَ القُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ في شُعْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن أوْلادِ آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، هم شِيثٌ وأوْلادُهُ، إلى إدْرِيسَ، ثُمَّ إلى نُوحٍ، ثُمَّ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ حَصَلَ مِن إبْراهِيمَ شُعْبَتانِ: إسْماعِيلُ وإسْحاقُ، فَجَعَلَ إسْماعِيلَ مَبْدَأً لِظُهُورِ الرُّوحِ القُدْسِيَّةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلَ إسْحاقَ مَبْدَأً لِشُعْبَتَيْنِ: يَعْقُوبَ وعِيصُو، فَوَضَعَ النُّبُوَّةَ في نَسْلِ يَعْقُوبَ، ووَضَعَ المُلْكَ في نَسْلِ عِيصُو، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ نُقِلَ نُورُ النُّبُوَّةِ ونُورُ المُلْكِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَقِيا أعْنِي الدِّينَ والمُلْكَ لِأتْباعِهِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، ومَن تَأمَّلَ في هَذا البابِ وصَلَ إلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ المُؤْمِنُونَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافِرٍ: ٤٦ ] والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الأوْلادُ، وهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤ ] وأمّا آلُ عِمْرانَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ عِمْرانُ والِدُ مُوسى وهارُونَ، وهو عِمْرانُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن آلِ عِمْرانَ مُوسى وهارُونَ وأتْباعَهُما مِنَ الأنْبِياءِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ: عِمْرانُ بْنُ ماثانَ والِدُ مَرْيَمَ، وكانَ هو مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ بْنِ إيشا، وكانُوا مَن نَسْلِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالُوا. وبَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفٌ وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ، واحْتَجَّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِأُمُورٍ. أحَدُها: أنَّ المَذْكُورَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ هو عِمْرانُ بْنُ ماثانَ جَدُّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قِبَلِ الأُمِّ، فَكانَ صَرْفُ الكَلامِ إلَيْهِ أوْلى. وثانِيها: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ أنَّ النَّصارى كانُوا يَحْتَجُّونَ عَلى إلَهِيَّةِ عِيسى بِالخَوارِقِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّما ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ إكْرامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى اصْطَفاهُ عَلى العالَمِينَ وخَصَّهُ بِالكَراماتِ العَظِيمَةِ، فَكانَ حَمْلُ هَذا صفحة ٢١ الكَلامِ عَلى عِمْرانَ بْنِ ماثانَ أوْلى في هَذا المَقامِ مِن حَمْلِهِ عَلى عِمْرانَ والِدِ مُوسى وهارُونَ. وثالِثُها: أنَّ هَذا اللَّفْظَ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١ ] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ لَيْسَتْ دَلائِلَ قَوِيَّةً، بَلْ هي أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ، وأصْلُ الِاحْتِمالِ قائِمٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في نَصْبِ قَوْلِهِ: (ذُرِّيَّةً) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ، أيِ اصْطَفاهم في حالِ كَوْنِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ذَرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ في التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ والطّاعَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٧ ] وذَلِكَ بِسَبَبِ اشْتِراكِهِمْ في النِّفاقِ. والثّانِي: ذَرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِمَعْنى أنَّ غَيْرَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا مُتَوَلِّدِينَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويَكُونُ المُرادُ بِالذُّرِّيَّةِ مَن سِوى آدَمَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤] فَقالَ القَفّالُ: المَعْنى واللَّهُ سَمِيعٌ لِأقْوالِ العِبادِ، عَلِيمٌ بِضَمائِرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وإنَّما يَصْطَفِي مِن خَلْقِهِ مَن يَعْلَمُ اسْتِقامَتَهُ قَوْلًا وفِعْلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤ ] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٠ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ مِن ولَدِ إبْراهِيمَ ومِن آلِ عِمْرانَ، فَنَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وكانَ بَعْضُهم عالِمًا بِأنَّ هَذا الكَلامَ باطِلٌ، إلّا أنَّهُ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ العَوامِّ بَقِيَ مُصِرًّا عَلَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ: واللَّهُ سَمِيعٌ لِهَذِهِ الأقْوالِ الباطِلَةِ مِنكم، عَلِيمٌ بِأغْراضِكُمُ الفاسِدَةِ مِن هَذِهِ الأقْوالِ فَيُجازِيكم عَلَيْها، فَكانَ أوَّلُ الآيَةِ بَيانًا لِشَرَفِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وآخِرُها تَهْدِيدًا لِهَؤُلاءِ الكاذِبِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ عَلى أدْيانِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ قِصَصًا كَثِيرَةً: * * * القِصَّةُ الأُولى واقِعَةُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ -عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ صفحة ٢٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَوْضِعِ ”إذْ“ مِنَ الإعْرابِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّها زائِدَةٌ لَغْوًا، والمَعْنى: قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، ولا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَصْنَعْ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذا شَيْئًا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إلْغاءُ حَرْفٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ ضَرُورَةً. والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: التَّقْدِيرُ اذْكُرْ ”إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ“ ومِثْلُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ. الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ، التَّقْدِيرُ: واصْطَفى آلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، وطَعَنَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ اصْطِفاءَ آلِ عِمْرانَ بِاصْطِفاءِ آدَمَ ونُوحٍ، ولَمّا كانَ اصْطِفاؤُهُ تَعالى آدَمَ ونُوحًا قَبْلَ قَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ اسْتَحالَ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الِاصْطِفاءَ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا الكَلامَ فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ أثَرَ اصْطِفاءِ كُلِّ واحِدٍ إنَّما ظَهَرَ عِنْدَ وُجُودِهِ، وظُهُورِ طاعاتِهِ، فَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ عِنْدَ وُجُودِهِ، ونُوحًا عِنْدَ وُجُودِهِ، وآلَ عِمْرانَ عِنْدَما قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا الكَلامَ. الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ قَبْلَ أنْ قالَتِ المَرْأةُ هَذا القَوْلَ، فَما مَعْنى هَذا التَّقْيِيدِ ؟ قُلْنا: إنَّ سَمْعَهُ تَعالى لِذَلِكَ الكَلامِ مُقَيَّدٌ بِوُجُودِ ذَلِكَ الكَلامِ، وعِلْمُهُ تَعالى بِأنَّها تَذْكُرُ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِذِكْرِها لِذَلِكَ، والتَّغَيُّرُ في العِلْمِ والسَّمْعِ إنَّما يَقَعُ في النِّسَبِ والمُتَعَلِّقاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ زَكَرِيّا بْنَ آذَنَ، وعِمْرانَ بْنَ ماثانَ، كانا في عَصْرٍ واحِدٍ، وامْرَأةُ عِمْرانَ حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذَ، وقَدْ تَزَوَّجَ زَكَرِيّا بِابْنَتِهِ إيشاعَ أُخْتِ مَرْيَمَ، وكانَ يَحْيى وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - ابْنَيْ خالَةٍ، ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ هَذا النَّذْرِ رِواياتٌ: الرِّوايَةُ الأُولى: قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّها كانَتْ عاقِرًا لا تَلِدُ، وكانَتْ تَغْبِطُ النِّساءَ بِالأوْلادِ، ثُمَّ قالَتْ: اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ نَذْرًا إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِيَكُونَ مِن سَدَنَتِهِ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّ أُمَّ مَرْيَمَ ما كانَ يَحْصُلُ لَها ولَدٌ حَتّى شاخَتْ، وكانَتْ يَوْمًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَرَأتْ طائِرًا يُطْعِمُ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتْ رَبَّها أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَرَفَتْ جَعَلَتْهُ لِلَّهِ مُحَرَّرًا، أيْ خادِمًا لِلْمَسْجِدِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّها إنَّما فَعَلَتْ ذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ ولَوْلاهُ ما فَعَلَتْ كَما رَأى إبْراهِيمُ ذَبْحَ ابْنِهِ في المَنامِ فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ وحْيِ، وكَما ألْهَمَ اللَّهُ أُمَّ مُوسى فَقَذَفَتْهُ في اليَمِّ ولَيْسَ بِوَحْيٍ. صفحة ٢٣ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُحَرَّرُ الَّذِي يُجْعَلُ حُرًّا خالِصًا، يُقالُ: حَرَّرْتُ العَبْدَ إذا خَلَّصْتَهُ عَنِ الرِّقِّ، وحَرَّرْتُ الكِتابَ إذا أصْلَحْتَهُ وخَلَّصْتَهُ فَلَمْ تُبْقِ فِيهِ شَيْئًا مِن وُجُوهِ الغَلَطِ، ورَجُلٌ حُرٌّ إذا كانَ خالِصًا لِنَفْسِهِ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ تَعَلُّقٌ، والطِّينُ الحُرُّ الخالِصُ عَنِ الرَّمْلِ والحِجارَةِ والحَمْأةِ والعُيُوبِ. أمّا التَّفْسِيرُ فَقِيلَ مُخْلِصًا لِلْعِبادَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وقِيلَ: خادِمًا لِلْبِيعَةِ، وقِيلَ: عَتِيقًا مِن أمْرِ الدُّنْيا لِطاعَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: خادِمًا لِمَن يُدَرِّسُ الكِتابَ، ويُعَلِّمُ في البِيَعِ، والمَعْنى أنَّها نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَ ذَلِكَ الوَلَدَ وقْفًا عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَ الأصَمُّ: لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ غَنِيمَةٌ ولا سَبْيٌ، فَكانَ تَحْرِيرُهم جَعْلَهم أوْلادَهم عَلى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ الأمْرُ في دِينِهِمْ أنَّ الوَلَدَ إذا صارَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ اسْتِخْدامُهُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ الأبَوَيْنِ، فَكانُوا بِالنَّذْرِ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الِانْتِفاعِ، ويَجْعَلُونَهم مُحَرَّرِينَ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ وطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: كانَ المُحَرَّرُ يُجْعَلُ في الكَنِيسَةِ يَقُومُ بِخِدْمَتِها حَتّى يَبْلُغَ الحُلُمَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ المُقامِ والذَّهابِ، فَإنْ أبى المُقامَ وأرادَ أنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ، وإنِ اخْتارَ المُقامَ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خِيارٌ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إلّا ومِن نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ في بَيْتِ المَقْدِسِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا التَّحْرِيرُ لَمْ يَكُنْ جائِزًا إلّا في الغِلْمانِ أمّا الجارِيَةُ فَكانَتْ لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ لِما يُصِيبُها مِنَ الحَيْضِ، والأذى، ثُمَّ إنَّ حَنَّةَ نَذَرَتْ مُطْلَقًا إمّا لِأنَّها بَنَتِ الأمْرَ عَلى التَّقْدِيرِ، أوْ لِأنَّها جَعَلَتْ ذَلِكَ النَّذْرَ وسِيلَةً إلى طَلَبِ الذَّكَرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (مُحَرَّرًا) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ”ما“ وتَقْدِيرُهُ: نَذَرْتُ لَكَ الَّذِي في بَطْنِي مُحَرَّرًا. والثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى نَذَرْتُ لَكَ أنْ أجْعَلَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى حاكِيًا عَنْها: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ التَّقَبُّلُ: أخْذُ الشَّيْءِ عَلى الرِّضا، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ المُقابَلَةِ لِأنَّهُ يُقْبَلُ بِالجَزاءِ، وهَذا كَلامُ مَن لا يُرِيدُ بِما فَعَلَهُ إلّا الطَّلَبَ لِرِضا اللَّهِ تَعالى، والإخْلاصَ في عِبادَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ والمَعْنى: إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ لِتَضَرُّعِي ودُعائِي ونِدائِي، العَلِيمُ بِما في ضَمِيرِي وقَلْبِي ونِيَّتِي. واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ النَّذْرِ كانَ في شَرْعِ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرُ مَوْجُودٍ في شَرْعِنا، والشَّرائِعُ لا يَمْتَنِعُ اخْتِلافُها في مِثْلِ هَذِهِ الأحْكامِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الأُنْثى الَّتِي كانَتْ في بَطْنِها وكانَ عالِمًا بِأنَّها كانَتْ أُنْثى أوْ يُقالُ: إنَّها عادَتْ إلى النَّفْسِ والنَّسَمَةِ أوْ يُقالُ: عادَتْ إلى المَنذُورَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ واعْلَمْ أنَّ الفائِدَةَ في هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنها النَّذْرُ في تَحْرِيرِ ما في بَطْنِها، وكانَ الغالِبُ عَلى ظَنِّها أنَّهُ ذَكَرٌ فَلَمْ تَشْتَرِطْ ذَلِكَ في كَلامِها، وكانَتِ العادَةُ عِنْدَهم أنَّ الَّذِي يُحَرَّرُ ويُفَرَّغُ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ وطاعَةِ اللَّهِ هو الذَّكَرُ دُونَ الأُنْثى فَقالَتْ: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خائِفَةً أنَّ نَذْرَها لَمْ يَقَعِ المَوْقِعَ الَّذِي يُعْتَمَدُ بِهِ ومُعْتَذِرَةً مِن إطْلاقِها النَّذْرَ المُتَقَدِّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لا عَلى سَبِيلِ الإعْلامِ لِلَّهِ صفحة ٢٤ تَعالى، تَعالى اللَّهُ عَنْ أنْ يَحْتاجَ إلى إعْلامِها، بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِذارِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ ”وضَعْتُ“ بِرَفْعِ التّاءِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها حِكايَةُ كَلامِها، والفائِدَةُ في هَذا الكَلامِ أنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها أنَّها تُخْبِرُ اللَّهَ تَعالى، فَأزالَتِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ وثَبَتَ أنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ لِلِاعْتِذارِ لا لِلْإعْلامِ، والباقُونَ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ تَعْظِيمًا لِوَلَدِها، وتَجْهِيلًا لَها بِقَدْرِ ذَلِكَ الوَلَدِ، ومَعْناهُ: واللَّهُ أعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْ وبِما عَلَّقَ بِهِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنْ يَجْعَلَهُ ووَلَدَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ، وهي جاهِلَةٌ بِذَلِكَ لا تَعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا فَلِذَلِكَ تَحَسَّرَتْ وفي قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ”واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتِ“ عَلى خِطابِ اللَّهِ لَها، أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذا المَوْهُوبِ واللَّهُ هو العالِمُ بِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ والآياتِ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْها: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ مُرادَها تَفْضِيلُ الوَلَدِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى، وسَبَبُ هَذا التَّفْضِيلِ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّ شَرْعَهم أنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيرُ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ. والثّانِي: أنَّ الذَّكَرَ يَصِحُّ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى خِدْمَةِ مَوْضِعِ العِبادَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في الأُنْثى لِمَكانِ الحَيْضِ وسائِرِ عَوارِضِ النِّسْوانِ. والثّالِثُ: الذَّكَرُ يَصْلُحُ لِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ لِلْخِدْمَةِ دُونَ الأُنْثى فَإنَّها ضَعِيفَةٌ لا تَقْوى عَلى الخِدْمَةِ. والرّابِعُ: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ في الخِدْمَةِ والِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الأُنْثى. والخامِسُ: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ مِنَ التُّهْمَةِ عِنْدَ الِاخْتِلاطِ ما يَلْحَقُ الأُنْثى فَهَذِهِ الوُجُوهُ تَقْتَضِي فَضْلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في هَذا المَعْنى. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ تَرْجِيحُ هَذِهِ الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ، كَأنَّها قالَتِ: الذَّكَرُ مَطْلُوبِي وهَذِهِ الأُنْثى مَوْهُوبَةُ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي يَكُونُ مَطْلُوبِي كالأُنْثى الَّتِي هي مَوْهُوبَةٌ لِلَّهِ، وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ المَرْأةَ كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ، عالِمَةً بِأنَّ ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ بِالعَبْدِ خَيْرٌ مِمّا يُرِيدُهُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ. * * * ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْها كَلامًا ثانِيًا وهو قَوْلُها: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى ما حَكَيْنا مِن أنَّ عِمْرانَ كانَ قَدْ ماتَ في حالِ حَمْلِ حَنَّةَ بِمَرْيَمَ، فَلِذَلِكَ تَوَلَّتِ الأُمُّ تَسْمِيَتَها؛ لِأنَّ العادَةَ أنَّ ذَلِكَ يَتَوَلّاهُ الآباءُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ: العابِدَةُ، فَأرادَتْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ أنْ تَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْصِمَها مِن آفاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُها بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ مَعْناهُ: وإنِّي سَمَّيْتُها بِهَذا اللَّفْظِ أيْ جَعَلْتُ هَذا اللَّفْظَ اسْمًا لَها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ والمُسَمّى والتَّسْمِيَةَ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ مُتَغايِرَةٌ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْها كَلامًا ثالِثًا وهو قَوْلُها: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وذَلِكَ صفحة ٢٥ لِأنَّهُ لَمّا فاتَها ما كانَتْ تُرِيدُ مِن أنْ يَكُونَ رَجُلًا خادِمًا لِلْمَسْجِدِ تَضَرَّعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَحْفَظَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وأنْ يَجْعَلَها مِنَ الصّالِحاتِ القانِتاتِ، وتَفْسِيرُ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الكِتابِ. * * * ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ حَنَّةَ هَذِهِ الكَلِماتِ قالَ: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ لِأنَّ القَبُولَ والتَّقَبُّلَ مُتَقارِبانِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] أيْ إنْباتًا، والقَبُولُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَبِلَ فُلانٌ الشَّيْءَ قَبُولًا إذا رَضِيَهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: خَمْسَةُ مَصادِرَ جاءَتْ عَلى فَعُولٍ: قَبُولٌ وطَهُورٌ ووَضُوءٌ ووَقُودٌ ووَلُوغٌ، إلّا أنَّ الأكْثَرَ في الوَقُودِ إذا كانَ مَصْدَرًا الضَّمُّ، وأجازَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: قُبُولًا بِالضَّمِّ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ يُقالُ: قَبِلْتُهُ قَبُولًا وقُبُولًا، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ ما كانَ مِن بابِ التَّفَعُّلِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ اعْتِناءِ ذَلِكَ الفاعِلِ بِإظْهارِ ذَلِكَ الفِعْلِ كالتَّصَبُّرِ والتَّجَلُّدِ ونَحْوِهِما فَإنَّهُما يُفِيدانِ الجِدِّ في إظْهارِ الصَّبْرِ والجَلادَةِ، فَكَذا هاهُنا التَّقَبُّلُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في إظْهارِ القَبُولِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ حَتّى صارَتِ المُبالَغَةُ أكْمَلَ ؟ والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ التَّقَبُّلِ وإنْ أفادَ ما ذَكَرْنا إلّا أنَّهُ يُفِيدُ نَوْعَ تَكَلُّفٍ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، أمّا القَبُولُ فَإنَّهُ يُفِيدُ مَعْنى القَبُولِ عَلى وفْقِ الطَّبْعِ فَذَكَرَ التَّقَبُّلَ لِيُفِيدَ الجِدَّ والمُبالَغَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ القَبُولَ لِيُفِيدَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، بَلْ عَلى وفْقِ الطَّبْعِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ وإنْ كانَتْ مُمْتَنِعَةً في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّها تَدُلُّ مِن حَيْثُ الِاسْتِعارَةُ عَلى حُصُولِ العِنايَةِ العَظِيمَةِ في تَرْبِيَتِها، وهَذا الوَجْهُ مُناسِبٌ مَعْقُولٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ القَبُولِ الحَسَنِ وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَصَمَها وعَصَمَ ولَدَها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مَسِّ الشَّيْطانِ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها» “ ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ﴾ طَعَنَ القاضِي في هَذا الخَبَرِ وقالَ: إنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ فَوَجَبَ رَدُّهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَدْعُو إلى الشَّرِّ مَن يَعْرِفُ الخَيْرَ والشَّرَّ والصَّبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا النَّخْسِ لَفَعَلَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ مِن إهْلاكِ الصّالِحِينَ وإفْسادِ أحْوالِهِمْ. والثّالِثُ: لِمَ خُصَّ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ مَرْيَمُ وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ ؟ . الرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ النَّخْسَ لَوْ وُجِدَ بَقِيَ أثَرُهُ، ولَوْ بَقِيَ أثَرُهُ لَدامَ الصُّراخُ والبُكاءُ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا بُطْلانَهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ، وبِأمْثالِها لا يَجُوزُ دَفْعُ الخَبَرِ واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَقَبَّلَها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، ما رُوِيَ أنَّ حَنَّةَ حِينَ ولَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ أبْناءِ هارُونَ، وهم في بَيْتِ المَقْدِسِ كالحَجَبَةِ في الكَعْبَةِ، وقالَتْ: خُذُوا هَذِهِ النَّذِيرَةَ، فَتَنافَسُوا فِيها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وكانَتْ بَنُو ماثانَ رُؤُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ وأحْبارَهم ومُلُوكَهم فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها عِنْدِي خالَتُها فَقالُوا لا حَتّى نَقْتَرِعَ عَلَيْها، فانْطَلَقُوا وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ إلى نَهْرٍ فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ الوَحْيَ بِها عَلى أنَّ كُلَّ مَنِ ارْتَفَعَ قَلَمُهُ فَهو صفحة ٢٦ الرّاجِحُ، ثُمَّ ألْقَوْا أقْلامَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَفي كُلِّ مَرَّةٍ كانَ يَرْتَفِعُ قَلَمُ زَكَرِيّا فَوْقَ الماءِ وتَرْسُبُ أقْلامُهم فَأخَذَها زَكَرِيّا. الوَجْهُ الثّالِثُ: رَوى القَفّالُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ تَكَلَّمَتْ في صِباها كَما تَكَلَّمَ المَسِيحُ ولَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ، وإنَّ رِزْقَها كانَ يَأْتِيها مِنَ الجَنَّةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ القَبُولِ الحَسَنِ أنَّ المُعْتادَ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أنَّ التَّحْرِيرَ لا يَجُوزُ إلّا في حَقِّ الغُلامِ حِينَ يَصِيرُ عاقِلًا قادِرًا عَلى خِدْمَةِ المَسْجِدِ، وهاهُنا لَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى تَضَرُّعَ تِلْكَ المَرْأةِ قَبِلَ تِلْكَ الجارِيَةَ حالَ صِغَرِها وعَدَمِ قُدْرَتِها عَلى خِدْمَةِ المَسْجِدِ، فَهَذا كُلُّهُ هو الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ القَبُولِ الحَسَنِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ أنْبَتَها فَنَبَتَتْ هي نَباتًا حَسَنًا ثُمَّ مِنهم مَن صَرَفَ هَذا النَّباتَ الحَسَنَ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، ومِنهم مَن صَرَفَهُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: المَعْنى أنَّها كانَتْ تَنْبُتُ في اليَوْمِ مِثْلَ ما يَنْبُتُ المَوْلُودُ في عامٍ واحِدٍ، وأمّا في الدِّينِ فَلِأنَّها نَبَتَتْ في الصَّلاحِ والسَّدادِ والعِفَّةِ والطّاعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: كَفَلَ يَكْفُلُ كَفالَةً وكَفْلًا فَهو كافِلٌ، وهو الَّذِي يُنْفِقُ عَلى إنْسانٍ ويَهْتَمُّ بِإصْلاحِ مَصالِحِهِ، وفي الحَدِيثِ ”«أنا وكافِلُ اليَتِيمِ كَهاتَيْنِ» “ وقالَ اللَّهُ تَعالى: (أكْفِلْنِيها) [ص: ٢٣] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وكَفَّلَها“ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في زَكَرِيّا فَقَرَأ عاصِمٌ بِالمَدِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالقَصْرِ عَلى مَعْنى ضَمَّها اللَّهُ تَعالى إلى زَكَرِيّا، فَمَن قَرَأ ”زَكَرِيّاءَ“ بِالمَدِّ أظْهَرَ النَّصْبَ ومَن قَرَأ بِالقَصْرِ كانَ في مَحَلِّ النَّصْبِ والباقُونَ قَرَءُوا بِالمَدِّ والرَّفْعِ عَلى مَعْنى ضَمَّها زَكَرِيّاءُ إلى نَفْسِهِ وهو الِاخْتِيارُ، لِأنَّ هَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٤٤] وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”كَفِلَها“ بِكَسْرِ الفاءِ، وأمّا القَصْرُ والمَدُّ في زَكَرِيّا فَهُما لُغَتانِ، كالهَيْجاءِ والهَيْجا، وقَرَأ مُجاهِدٌ ”فَتَقَبَّلْها رَبَّها، وأنْبِتْها، وكَفِّلْها“ عَلى لَفْظِ الأمْرِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، ونَصْبِ (رَبَّها) كَأنَّها كانَتْ تَدْعُو اللَّهَ فَقالَتْ: اقْبَلْها يا رَبَّها، وأنْبِتْها يا رَبَّها، واجْعَلْ زَكَرِيّا كافِلًا لَها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَفالَةِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاها مَتى كانَتْ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: كانَ ذَلِكَ حالَ طُفُولِيَّتِها، وبِهِ جاءَتِ الرِّواياتُ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ إنَّما كَفَلَها بَعْدَ أنْ فُطِمَتْ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وهَذا يُوهِمُ أنَّ تِلْكَ الكَفالَةَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّباتِ الحَسَنِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ قَدْ فارَقَتِ الرَّضاعَ وقْتَ تِلْكَ الكَفالَةِ، وأصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ أجابُوا بِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَلَعَلَّ الإنْباتَ الحَسَنَ وكَفالَةَ زَكَرِيّاءَ حَصَلا مَعًا. وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: فَلَعَلَّ دُخُولَهُ عَلَيْها وسُؤالَهُ مِنها هَذا السُّؤالَ إنَّما وقَعَ في آخِرِ زَمانِ الكَفالَةِ. * * * صفحة ٢٧ ثُمَّ قالَ اللَّهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (المِحْرابَ) المَوْضِعَ العالِيَ الشَّرِيفَ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها لَمْ أدْنُ حَتّى أرْتَقِيَ سُلَّما واحْتَجَّ الأصْمَعِيُّ عَلى أنَّ المِحْرابَ هو الغُرْفَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] والتَّسَوُّرُ لا يَكُونُ إلّا مِن عُلُوٍّ، وقِيلَ: المِحْرابُ أشْرَفُ المَجالِسِ وأرْفَعُها، يُرْوى أنَّها لَمّا صارَتْ شابَّةً بَنى زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَها غُرْفَةً في المَسْجِدِ، وجَعَلَ بابَها في وسَطِهِ لا يُصْعَدُ إلَيْهِ إلّا بِسُلَّمٍ، وكانَ إذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِكَرامَةِ الأوْلِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنْ زَكَرِيّاءَ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ: أنّى لَكِ هَذا ؟ قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الرِّزْقِ عِنْدَها إمّا أنْ يَكُونَ خارِقًا لِلْعادَةِ، أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ غَيْرُ خارِقٍ لِلْعادَةِ فَهو باطِلٌ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ حُصُولُ ذَلِكَ الرِّزْقِ عِنْدَ مَرْيَمَ دَلِيلًا عَلى عُلُوِّ شَأْنِها وشَرَفِ دَرَجَتِها وامْتِيازِها عَنْ سائِرِ النّاسِ بِتِلْكَ الخاصِّيَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ آيِسًا مِنَ الوَلَدِ بِسَبَبِ شَيْخُوخَتِهِ وشَيْخُوخَةِ زَوْجَتِهِ، فَلَمّا رَأى انْخِراقَ العادَةِ في حَقِّ مَرْيَمَ طَمِعَ في حُصُولِ الوَلَدِ فَيَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٨] أمّا لَوْ كانَ الَّذِي شاهَدَهُ في حَقِّ مَرْيَمَ لَمْ يَكُنْ خارِقًا لِلْعادَةِ لَمْ تَكُنْ مُشاهَدَةُ ذَلِكَ سَبَبًا لِطَمَعِهِ في انْخِراقِ العادَةِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مِنَ المَرْأةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ. الثّالِثُ: أنَّ التَّنَكُّرَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ ذَلِكَ الرِّزْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا، أيْ رِزْقٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ، وذَلِكَ إنَّما يُفِيدُ الغَرَضَ اللّائِقَ لِسِياقِ هَذِهِ الآيَةِ لَوْ كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ. الرّابِعُ: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١ ] ولَوْلا أنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِما مِنَ الخَوارِقِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَها ولَدًا مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ؟ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِآيَةٍ، بَلْ يَحْتاجُ تَصْحِيحُهُ إلى آيَةٍ، فَكَيْفَ نَحْمِلُ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِها وطَهارَتِها، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِظُهُورِ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِها كَما ظَهَرَتْ عَلى يَدِ ولَدِها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . الخامِسُ: ما تَواتَرَتِ الرِّواياتُ بِهِ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي ظَهَرَ في حَقِّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - كانَ فِعْلًا خارِقًا لِلْعادَةِ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مُعْجِزَةً لِبَعْضِ الأنْبِياءِ أوْ ما كانَ كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ النَّبِيَّ المَوْجُودَ في ذَلِكَ الزَّمانِ هو زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ لَكانَ هو عالِمًا بِحالِهِ وشَأْنِهِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَشْتَبِهَ أمْرُهُ عَلَيْهِ وأنْ لا يَقُولَ لِمَرْيَمَ: ﴿أنّى لَكِ هَذا﴾ وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لَمّا سَألَها عَنْ أمْرِ تِلْكَ الأشْياءِ ثُمَّ إنَّها ذَكَرَتْ لَهُ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهُنالِكَ طَمِعَ في انْخِراقِ العادَةِ في حُصُولِ الوَلَدِ مِنَ المَرْأةِ العَقِيمَةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما وقَفَ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ إلّا صفحة ٢٨ إلّا بِإخْبارِ مَرْيَمَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ ما كانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ كَرامَةً لِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ كانَتْ كَرامَةً لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُقُوعِ كَراماتِ الأوْلِياءِ. اعْتَرَضَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ كانَتْ مِن مُعْجِزاتِ زَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لَها عَلى الإجْمالِ أنْ يُوَصِّلَ اللَّهُ إلَيْها رِزْقًا، وأنَّهُ رُبَّما كانَ غافِلًا عَنْ تَفاصِيلِ ما يَأْتِيها مِنَ الأرْزاقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا رَأى شَيْئًا بِعَيْنِهِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ قالَ لَها: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَ بِدُعائِهِ تِلْكَ المُعْجِزَةَ. والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ زَكَرِيّا يُشاهِدُ عِنْدَ مَرْيَمَ رِزْقًا مُعْتادًا إلّا أنَّهُ كانَ يَأْتِيها مِنَ السَّماءِ، وكانَ زَكَرِيّا يَسْألُها عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِن أنْ يَكُونَ يَأْتِيها مِن عِنْدِ إنْسانٍ يَبْعَثُهُ إلَيْها، فَقالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ. المَقامُ الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ قَدْ ظَهَرَ عَلى مَرْيَمَ شَيْءٌ مِن خَوارِقِ العاداتِ، بَلْ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ سَبَّبَ لَها رِزْقًا عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَرْغَبُونَ في الإنْفاقِ عَلى الزّاهِداتِ العابِداتِ، فَكانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا رَأى شَيْئًا مِن ذَلِكَ خافَ أنَّهُ رُبَّما أتاها ذَلِكَ الرِّزْقُ مِن وجْهٍ لا يَنْبَغِي، فَكانَ يَسْألُها عَنْ كَيْفِيَّةِ الحالِ، هَذا مَجْمُوعُ ما قالَهُ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ وهو في غايَةِ الضَّعْفِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَأْذُونًا لَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ مَأْذُونًا في ذَلِكَ الطَّلَبِ كانَ عالِمًا قَطْعًا بِأنَّهُ يَحْصُلُ، وإذا عَلِمَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَطْلُبَ مِنها كَيْفِيَّةَ الحالِ، ولَمْ يَبْقَ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٨] فائِدَةٌ، وهَذا هو الجَوابُ بِعَيْنِهِ عَنِ الوَجْهِ الثّانِي. وأمّا سُؤالُهُ الثّالِثُ فَفي غايَةِ الرَّكاكَةِ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَبْقى فِيهِ وجْهُ اخْتِصاصٍ لِمَرْيَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأيْضًا فَإنْ كانَ في قَلْبِهِ احْتِمالٌ أنَّهُ رُبَّما أتاها هَذا الرِّزْقُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي لا يَنْبَغِي، فَبِمُجَرَّدِ إخْبارِها كَيْفَ يُعْقَلُ زَوالُ تِلْكَ التُّهْمَةِ فَعَلِمْنا سُقُوطَ هَذِهِ الأسْئِلَةِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى امْتِناعِ الكَراماتِ بِأنَّها دَلالاتُ صِدْقِ الأنْبِياءِ، ودَلِيلُ النُّبُوَّةِ لا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِ الأنْبِياءِ، كَما أنَّ الفِعْلَ المُحْكَمَ لَمّا كانَ دَلِيلًا عَلى العِلْمِ لا جَرَمَ لا يُوجَدُ في حَقِّ غَيْرِ العالِمِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو أنَّ ظُهُورَ الفِعْلِ الخارِقِ لِلْعادَةِ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي، فَإنِ ادَّعى صاحِبُهُ النُّبُوَّةَ فَذاكَ الفِعْلُ الخارِقُ لِلْعادَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا، وإنِ ادَّعى الوِلايَةَ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ ولِيًّا. والثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ: الأنْبِياءُ مَأْمُورُونَ بِإظْهارِها، والأوْلِياءُ مَأْمُورُونَ بِإخْفائِها. والثّالِثُ: وهو أنَّ النَّبِيَّ يَدَّعِي المُعْجِزَ ويَقْطَعُ بِهِ، والوَلِيُّ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْطَعَ بِهِ. والرّابِعُ: أنَّ المُعْجِزَةَ يَجِبُ انْفِكاكُها عَنِ المُعارَضَةِ، والكَرامَةُ لا يَجِبُ انْفِكاكُها عَنِ المُعارَضَةِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ مَرْيَمَ، وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ، أوْ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ سَألَها عَلى سَبِيلٍ يُناسِبُ حُصُولَها، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] وهاهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ حَنَّةَ.

آل عمران 3:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صفحة ١٨ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَبَّتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ بَيَّنَ عُلُوَّ دَرَجاتِ الرُّسُلِ وشَرَفَ مَناصِبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَخْلُوقاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: المُكَلَّفُ وغَيْرُ المُكَلَّفِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْنافَ المُكَلَّفِ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ، والإنْسُ والجِنُّ، والشَّياطِينُ، أمّا المَلائِكَةُ، فَقَدْ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم مِنَ الرِّيحِ ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ. فالأوَّلُ: أنَّهم لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى الطَّيَرانِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ. والثّانِي: لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى حَمْلِ العَرْشِ، لِأنَّ الرِّيحَ تَقُومُ بِحَمْلِ الأشْياءِ. الثّالِثُ: لِهَذا السَّبَبِ سُمُّوا رُوحانِيِّينَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، ولِهَذا صَفَتْ وأخْلَصَتْ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: أبْدانُهم مِنَ الرِّيحِ وأرْواحُهم مِنَ النُّورِ، فَهَؤُلاءِ هم سُكّانُ عالَمِ السَّماواتِ، أمّا الشَّياطِينُ فَهم كَفَرَةٌ أمّا إبْلِيسُ فَكُفْرُهُ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] وأمّا سائِرُ الشَّياطِينِ فَهم أيْضًا كَفَرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ أنَّهم بِأسْرِها أعْداءٌ لِلْبَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنْعامِ: ١١٢ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢ ] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧ ] فَأمّا الجِنُّ فَمِنهم كافِرٌ ومِنهم مُؤْمِنٌ، قالَ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٤ ] أمّا الإنْسُ فَلا شَكَّ أنَّ لَهم والِدًا هو والِدُهُمُ الأوَّلُ، وإلّا لَذَهَبَ إلى ما لا نِهايَةَ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ هو آدَمُ ﷺ عَلى ما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩ ] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ * * * المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] والقائِلُونَ بِأنَّ البَشَرَ أفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاصْطِفاءَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الكَرامَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ اصْطَفى آدَمَ وأوْلادَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى كُلِّ العالَمِينَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ مِنَ العالَمِينَ. فَإنْ قِيلَ: إنْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى تَفْضِيلِ المَذْكُورِينَ عَلى كُلِّ العالَمِينَ أدّى إلى التَّناقُضِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ الكَثِيرَ إذا وُصِفُوا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلُ مِن كُلِّ العالَمِينَ يُلْزِمُ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِن كُلِّ العالَمِينَ يُلْزِمُ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ وذَلِكَ مُحالٌ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ عالَمِي زَمانِهِ أوْ عالَمِي جِنْسِهِ لَمْ يَلْزَمِ التَّناقُضُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى هَذا المَعْنى دَفْعًا لِلتَّناقُضِ وأيْضًا قالَ تَعالى في صِفَةِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٧ ] ولا يُلْزِمُ كَوْنَهم أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ قُلْنا المُرادُ بِهِ عالَمُو زَمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، والجَوابُ ظاهِرٌ في قَوْلِهِ: اصْطَفى آدَمَ عَلى العالَمِينَ، يَتَناوَلُ كُلَّ مَن يَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العالَمِ صفحة ١٩ عَلَيْهِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المَلَكُ، غايَةُ ما في هَذا البابِ أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِعُمُومِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ قامَ عَلَيْهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ نَتْرُكَهُ في سائِرِ الصُّوَرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (اصْطَفى) في اللُّغَةِ اخْتارَ، فَمَعْنى: اصْطَفاهم، أيْ جَعَلَهم صَفْوَةَ خَلْقِهِ، تَمْثِيلًا بِما يُشاهَدُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُصَفّى ويُنَقّى مِنَ الكُدُورَةِ، ويُقالُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: صَفْوَةٌ، وصُفْوَةٌ وصِفْوَةٌ،، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ لِمُوسى: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ [الأعْرافِ: ١٤٤ ] وقالَ في إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾ [ص: ٤٧ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ. في الآيَةِ قَوْلانِ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ اصْطَفى دِينَ آدَمَ ودِينَ نُوحٍ فَيَكُونُ الِاصْطِفاءُ راجِعًا إلى دِينِهِمْ وشَرْعِهِمْ ومِلَّتِهِمْ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهم، أيْ صَفّاهم مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، وزَيَّنَهم بِالخِصالِ الحَمِيدَةِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنّا لا نَحْتاجُ فِيهِ إلى الإضْمارِ. والثّانِي: أنَّهُ مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤ ] وذَكَرَ الحَلِيمِيُّ في كِتابِ ”المِنهاجِ“ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا مُخالِفِينَ لِغَيْرِهِمْ في القُوى الجِسْمانِيَّةِ، والقُوى الرُّوحانِيَّةِ، أمّا القُوى الجِسْمانِيَّةُ، فَهي إمّا مُدْرِكَةٌ، وإمّا مُحَرِّكَةٌ. أمّا المُدْرِكَةُ: فَهي إمّا الحَواسُّ الظّاهِرَةُ، وإمّا الحَواسُّ الباطِنَةُ، أمّا الحَواسُّ الظّاهِرَةُ فَهي خَمْسَةٌ؛ أحَدُها: القُوَّةُ الباصِرَةُ، ولَقَدْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مَخْصُوصًا بِكَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﷺ: ”«زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها» “ . والثّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أقِيمُوا صُفُوفَكم وتَراصُّوا فَإنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي» “ . ونَظِيرُ هَذِهِ القُوَّةِ ما حَصَلَ لِإبْراهِيمَ ﷺ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥ ] ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ تَعالى قَوّى بَصَرَهُ حَتّى شاهَدَ جَمِيعَ المَلَكُوتِ مِنَ الأعْلى والأسْفَلِ قالَ الحَلِيمِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ لِأنَّ البُصَراءَ يَتَفاوَتُونَ فَرُوِيَ أنَّ زَرْقاءَ اليَمامَةِ كانَتْ تُبْصِرُ الشَّيْءَ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَصَرُ النَّبِيِّ ﷺ أقْوى مِن بَصَرِها. وثانِيها: القُوَّةُ السّامِعَةُ، وكانَ ﷺ أقْوى النّاسِ في هَذِهِ القُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ لِلَّهِ تَعالى» “ فَسَمِعَ أطِيطَ السَّماءِ. والثّانِي: «أنَّهُ سَمِعَ دَوِيًّا وذَكَرَ أنَّهُ هُوِيُّ صَخْرَةٍ قُذِفَتْ في جَهَنَّمَ فَلَمْ تَبْلُغْ قَعْرَها إلى الآنِ»، قالَ الحَلِيمِيُّ: ولا سَبِيلَ لِلْفَلاسِفَةِ إلى اسْتِبْعادِ هَذا، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ فِيثاغُورْثَ راضَ نَفْسَهُ حَتّى سَمِعَ خَفِيفَ الفَلَكِ، ونَظِيرُ هَذِهِ القُوَّةِ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قِصَّةِ النَّمْلِ ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨ ] فاللَّهُ تَعالى أسْمَعَ سُلَيْمانَ كَلامَ النَّمْلِ وأوْقَفَهُ عَلى مَعْناهُ وهَذا داخِلٌ أيْضًا في بابِ تَقْوِيَةِ الفَهْمِ، وكانَ ذَلِكَ حاصِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ تَكَلَّمَ مَعَ الذِّئْبِ ومَعَ البَعِيرِ. ثالِثُها: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الشَّمِّ، كَما في حَقِّ يَعْقُوبَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أمَرَ بِحَمْلِ قَمِيصِهِ إلَيْهِ وإلْقائِهِ عَلى وجْهِهِ، فَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يُوسُفَ: ٩٤ ] فَأحَسَّ بِها مِن مَسِيرَةِ أيّامٍ. ورابِعُها: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الذَّوْقِ، كَما في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ حِينَ قالَ: ”«إنَّ هَذا الذِّراعَ يُخْبِرُنِي أنَّهُ مَسْمُومٌ» “ . وخامِسُها: تَقْوِيَةُ القُوَّةِ اللّامِسَةِ كَما في حَقِّ الخَلِيلِ حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ هَذا ويُشاهَدُ مِثْلُهُ في السَّمَندَلِ والنَّعامَةِ، وأمّا الحَواسُّ الباطِنَةُ فَمِنها قُوَّةُ صفحة ٢٠ الحِفْظِ، قالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعْلى: ٦ ] ومِنها قُوَّةُ الذَّكاءِ «قالَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ألْفَ بابٍ مِنَ العِلْمِ واسْتَنْبَطْتُ مِن كُلِّ بابٍ ألْفَ بابٍ»“ فَإذا كانَ حالُ الوَلِيِّ هَكَذا، فَكَيْفَ حالُ النَّبِيِّ ﷺ . وأمّا القُوى المُحَرِّكَةُ: فَمِثْلُ عُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى المِعْراجِ، وعُرُوجِ عِيسى حَيًّا إلى السَّماءِ، ورَفْعِ إدْرِيسَ وإلْياسَ عَلى ما ورَدَتْ بِهِ الأخْبارُ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٠ ] . وأمّا القُوى الرُّوحانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ: فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في غايَةِ الكَمالِ، ونِهايَةِ الصَّفاءِ. واعْلَمْ أنَّ تَمامَ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّ النَّفْسَ القُدْسِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ مُخالِفَةٌ بِماهِيَّتِها لِسائِرِ النُّفُوسِ، ومِن لَوازِمِ تِلْكَ النَّفْسِ الكَمالُ في الذَّكاءِ، والفِطْنَةِ، والحُرِّيَّةِ، والِاسْتِعْلاءُ، والتَّرَفُّعُ عَنِ الجِسْمانِيّاتِ والشَّهَواتِ، فَإذا كانَتِ الرُّوحُ في غايَةِ الصَّفاءِ والشَّرَفِ، وكانَ البَدَنُ في غايَةِ النَّقاءِ والطَّهارَةِ كانَتْ هَذِهِ القُوى المُحَرِّكَةُ المُدْرِكَةُ في غايَةِ الكَمالِ؛ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى أنْوارٍ فائِضَةٍ مِن جَوْهَرِ الرُّوحِ واصِلَةٌ إلى البَدَنِ، ومَتى كانَ الفاعِلُ والقابِلُ في غايَةِ الكَمالِ كانَتِ الآثارُ في غايَةِ القُوَّةِ والشَّرَفِ والصَّفاءِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ مَعْناهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اصْطَفى آدَمَ إمّا مِن سُكّانِ العالَمِ السُّفْلِيِّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: المَلَكُ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، أوْ مِن سُكّانِ العالَمِ العُلْوِيِّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: البَشَرُ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ وضَعَ كَمالَ القُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ في شُعْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن أوْلادِ آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، هم شِيثٌ وأوْلادُهُ، إلى إدْرِيسَ، ثُمَّ إلى نُوحٍ، ثُمَّ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ حَصَلَ مِن إبْراهِيمَ شُعْبَتانِ: إسْماعِيلُ وإسْحاقُ، فَجَعَلَ إسْماعِيلَ مَبْدَأً لِظُهُورِ الرُّوحِ القُدْسِيَّةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلَ إسْحاقَ مَبْدَأً لِشُعْبَتَيْنِ: يَعْقُوبَ وعِيصُو، فَوَضَعَ النُّبُوَّةَ في نَسْلِ يَعْقُوبَ، ووَضَعَ المُلْكَ في نَسْلِ عِيصُو، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ نُقِلَ نُورُ النُّبُوَّةِ ونُورُ المُلْكِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَقِيا أعْنِي الدِّينَ والمُلْكَ لِأتْباعِهِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، ومَن تَأمَّلَ في هَذا البابِ وصَلَ إلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ المُؤْمِنُونَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافِرٍ: ٤٦ ] والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الأوْلادُ، وهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤ ] وأمّا آلُ عِمْرانَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ عِمْرانُ والِدُ مُوسى وهارُونَ، وهو عِمْرانُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن آلِ عِمْرانَ مُوسى وهارُونَ وأتْباعَهُما مِنَ الأنْبِياءِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ: عِمْرانُ بْنُ ماثانَ والِدُ مَرْيَمَ، وكانَ هو مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ بْنِ إيشا، وكانُوا مَن نَسْلِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالُوا. وبَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفٌ وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ، واحْتَجَّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِأُمُورٍ. أحَدُها: أنَّ المَذْكُورَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ هو عِمْرانُ بْنُ ماثانَ جَدُّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قِبَلِ الأُمِّ، فَكانَ صَرْفُ الكَلامِ إلَيْهِ أوْلى. وثانِيها: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ أنَّ النَّصارى كانُوا يَحْتَجُّونَ عَلى إلَهِيَّةِ عِيسى بِالخَوارِقِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّما ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ إكْرامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى اصْطَفاهُ عَلى العالَمِينَ وخَصَّهُ بِالكَراماتِ العَظِيمَةِ، فَكانَ حَمْلُ هَذا صفحة ٢١ الكَلامِ عَلى عِمْرانَ بْنِ ماثانَ أوْلى في هَذا المَقامِ مِن حَمْلِهِ عَلى عِمْرانَ والِدِ مُوسى وهارُونَ. وثالِثُها: أنَّ هَذا اللَّفْظَ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١ ] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ لَيْسَتْ دَلائِلَ قَوِيَّةً، بَلْ هي أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ، وأصْلُ الِاحْتِمالِ قائِمٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في نَصْبِ قَوْلِهِ: (ذُرِّيَّةً) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ، أيِ اصْطَفاهم في حالِ كَوْنِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ذَرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ في التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ والطّاعَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٧ ] وذَلِكَ بِسَبَبِ اشْتِراكِهِمْ في النِّفاقِ. والثّانِي: ذَرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِمَعْنى أنَّ غَيْرَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا مُتَوَلِّدِينَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويَكُونُ المُرادُ بِالذُّرِّيَّةِ مَن سِوى آدَمَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤] فَقالَ القَفّالُ: المَعْنى واللَّهُ سَمِيعٌ لِأقْوالِ العِبادِ، عَلِيمٌ بِضَمائِرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وإنَّما يَصْطَفِي مِن خَلْقِهِ مَن يَعْلَمُ اسْتِقامَتَهُ قَوْلًا وفِعْلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤ ] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٠ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ مِن ولَدِ إبْراهِيمَ ومِن آلِ عِمْرانَ، فَنَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وكانَ بَعْضُهم عالِمًا بِأنَّ هَذا الكَلامَ باطِلٌ، إلّا أنَّهُ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ العَوامِّ بَقِيَ مُصِرًّا عَلَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ: واللَّهُ سَمِيعٌ لِهَذِهِ الأقْوالِ الباطِلَةِ مِنكم، عَلِيمٌ بِأغْراضِكُمُ الفاسِدَةِ مِن هَذِهِ الأقْوالِ فَيُجازِيكم عَلَيْها، فَكانَ أوَّلُ الآيَةِ بَيانًا لِشَرَفِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وآخِرُها تَهْدِيدًا لِهَؤُلاءِ الكاذِبِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ عَلى أدْيانِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ قِصَصًا كَثِيرَةً: * * * القِصَّةُ الأُولى واقِعَةُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ -عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ صفحة ٢٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَوْضِعِ ”إذْ“ مِنَ الإعْرابِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّها زائِدَةٌ لَغْوًا، والمَعْنى: قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، ولا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَصْنَعْ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذا شَيْئًا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إلْغاءُ حَرْفٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ ضَرُورَةً. والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: التَّقْدِيرُ اذْكُرْ ”إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ“ ومِثْلُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ. الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ، التَّقْدِيرُ: واصْطَفى آلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، وطَعَنَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ اصْطِفاءَ آلِ عِمْرانَ بِاصْطِفاءِ آدَمَ ونُوحٍ، ولَمّا كانَ اصْطِفاؤُهُ تَعالى آدَمَ ونُوحًا قَبْلَ قَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ اسْتَحالَ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الِاصْطِفاءَ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا الكَلامَ فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ أثَرَ اصْطِفاءِ كُلِّ واحِدٍ إنَّما ظَهَرَ عِنْدَ وُجُودِهِ، وظُهُورِ طاعاتِهِ، فَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ عِنْدَ وُجُودِهِ، ونُوحًا عِنْدَ وُجُودِهِ، وآلَ عِمْرانَ عِنْدَما قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا الكَلامَ. الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ قَبْلَ أنْ قالَتِ المَرْأةُ هَذا القَوْلَ، فَما مَعْنى هَذا التَّقْيِيدِ ؟ قُلْنا: إنَّ سَمْعَهُ تَعالى لِذَلِكَ الكَلامِ مُقَيَّدٌ بِوُجُودِ ذَلِكَ الكَلامِ، وعِلْمُهُ تَعالى بِأنَّها تَذْكُرُ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِذِكْرِها لِذَلِكَ، والتَّغَيُّرُ في العِلْمِ والسَّمْعِ إنَّما يَقَعُ في النِّسَبِ والمُتَعَلِّقاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ زَكَرِيّا بْنَ آذَنَ، وعِمْرانَ بْنَ ماثانَ، كانا في عَصْرٍ واحِدٍ، وامْرَأةُ عِمْرانَ حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذَ، وقَدْ تَزَوَّجَ زَكَرِيّا بِابْنَتِهِ إيشاعَ أُخْتِ مَرْيَمَ، وكانَ يَحْيى وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - ابْنَيْ خالَةٍ، ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ هَذا النَّذْرِ رِواياتٌ: الرِّوايَةُ الأُولى: قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّها كانَتْ عاقِرًا لا تَلِدُ، وكانَتْ تَغْبِطُ النِّساءَ بِالأوْلادِ، ثُمَّ قالَتْ: اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ نَذْرًا إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِيَكُونَ مِن سَدَنَتِهِ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّ أُمَّ مَرْيَمَ ما كانَ يَحْصُلُ لَها ولَدٌ حَتّى شاخَتْ، وكانَتْ يَوْمًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَرَأتْ طائِرًا يُطْعِمُ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتْ رَبَّها أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَرَفَتْ جَعَلَتْهُ لِلَّهِ مُحَرَّرًا، أيْ خادِمًا لِلْمَسْجِدِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّها إنَّما فَعَلَتْ ذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ ولَوْلاهُ ما فَعَلَتْ كَما رَأى إبْراهِيمُ ذَبْحَ ابْنِهِ في المَنامِ فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ وحْيِ، وكَما ألْهَمَ اللَّهُ أُمَّ مُوسى فَقَذَفَتْهُ في اليَمِّ ولَيْسَ بِوَحْيٍ. صفحة ٢٣ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُحَرَّرُ الَّذِي يُجْعَلُ حُرًّا خالِصًا، يُقالُ: حَرَّرْتُ العَبْدَ إذا خَلَّصْتَهُ عَنِ الرِّقِّ، وحَرَّرْتُ الكِتابَ إذا أصْلَحْتَهُ وخَلَّصْتَهُ فَلَمْ تُبْقِ فِيهِ شَيْئًا مِن وُجُوهِ الغَلَطِ، ورَجُلٌ حُرٌّ إذا كانَ خالِصًا لِنَفْسِهِ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ تَعَلُّقٌ، والطِّينُ الحُرُّ الخالِصُ عَنِ الرَّمْلِ والحِجارَةِ والحَمْأةِ والعُيُوبِ. أمّا التَّفْسِيرُ فَقِيلَ مُخْلِصًا لِلْعِبادَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وقِيلَ: خادِمًا لِلْبِيعَةِ، وقِيلَ: عَتِيقًا مِن أمْرِ الدُّنْيا لِطاعَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: خادِمًا لِمَن يُدَرِّسُ الكِتابَ، ويُعَلِّمُ في البِيَعِ، والمَعْنى أنَّها نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَ ذَلِكَ الوَلَدَ وقْفًا عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَ الأصَمُّ: لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ غَنِيمَةٌ ولا سَبْيٌ، فَكانَ تَحْرِيرُهم جَعْلَهم أوْلادَهم عَلى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ الأمْرُ في دِينِهِمْ أنَّ الوَلَدَ إذا صارَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ اسْتِخْدامُهُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ الأبَوَيْنِ، فَكانُوا بِالنَّذْرِ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الِانْتِفاعِ، ويَجْعَلُونَهم مُحَرَّرِينَ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ وطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: كانَ المُحَرَّرُ يُجْعَلُ في الكَنِيسَةِ يَقُومُ بِخِدْمَتِها حَتّى يَبْلُغَ الحُلُمَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ المُقامِ والذَّهابِ، فَإنْ أبى المُقامَ وأرادَ أنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ، وإنِ اخْتارَ المُقامَ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خِيارٌ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إلّا ومِن نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ في بَيْتِ المَقْدِسِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا التَّحْرِيرُ لَمْ يَكُنْ جائِزًا إلّا في الغِلْمانِ أمّا الجارِيَةُ فَكانَتْ لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ لِما يُصِيبُها مِنَ الحَيْضِ، والأذى، ثُمَّ إنَّ حَنَّةَ نَذَرَتْ مُطْلَقًا إمّا لِأنَّها بَنَتِ الأمْرَ عَلى التَّقْدِيرِ، أوْ لِأنَّها جَعَلَتْ ذَلِكَ النَّذْرَ وسِيلَةً إلى طَلَبِ الذَّكَرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (مُحَرَّرًا) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ”ما“ وتَقْدِيرُهُ: نَذَرْتُ لَكَ الَّذِي في بَطْنِي مُحَرَّرًا. والثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى نَذَرْتُ لَكَ أنْ أجْعَلَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى حاكِيًا عَنْها: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ التَّقَبُّلُ: أخْذُ الشَّيْءِ عَلى الرِّضا، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ المُقابَلَةِ لِأنَّهُ يُقْبَلُ بِالجَزاءِ، وهَذا كَلامُ مَن لا يُرِيدُ بِما فَعَلَهُ إلّا الطَّلَبَ لِرِضا اللَّهِ تَعالى، والإخْلاصَ في عِبادَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ والمَعْنى: إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ لِتَضَرُّعِي ودُعائِي ونِدائِي، العَلِيمُ بِما في ضَمِيرِي وقَلْبِي ونِيَّتِي. واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ النَّذْرِ كانَ في شَرْعِ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرُ مَوْجُودٍ في شَرْعِنا، والشَّرائِعُ لا يَمْتَنِعُ اخْتِلافُها في مِثْلِ هَذِهِ الأحْكامِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الأُنْثى الَّتِي كانَتْ في بَطْنِها وكانَ عالِمًا بِأنَّها كانَتْ أُنْثى أوْ يُقالُ: إنَّها عادَتْ إلى النَّفْسِ والنَّسَمَةِ أوْ يُقالُ: عادَتْ إلى المَنذُورَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ واعْلَمْ أنَّ الفائِدَةَ في هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنها النَّذْرُ في تَحْرِيرِ ما في بَطْنِها، وكانَ الغالِبُ عَلى ظَنِّها أنَّهُ ذَكَرٌ فَلَمْ تَشْتَرِطْ ذَلِكَ في كَلامِها، وكانَتِ العادَةُ عِنْدَهم أنَّ الَّذِي يُحَرَّرُ ويُفَرَّغُ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ وطاعَةِ اللَّهِ هو الذَّكَرُ دُونَ الأُنْثى فَقالَتْ: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خائِفَةً أنَّ نَذْرَها لَمْ يَقَعِ المَوْقِعَ الَّذِي يُعْتَمَدُ بِهِ ومُعْتَذِرَةً مِن إطْلاقِها النَّذْرَ المُتَقَدِّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لا عَلى سَبِيلِ الإعْلامِ لِلَّهِ صفحة ٢٤ تَعالى، تَعالى اللَّهُ عَنْ أنْ يَحْتاجَ إلى إعْلامِها، بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِذارِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ ”وضَعْتُ“ بِرَفْعِ التّاءِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها حِكايَةُ كَلامِها، والفائِدَةُ في هَذا الكَلامِ أنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها أنَّها تُخْبِرُ اللَّهَ تَعالى، فَأزالَتِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ وثَبَتَ أنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ لِلِاعْتِذارِ لا لِلْإعْلامِ، والباقُونَ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ تَعْظِيمًا لِوَلَدِها، وتَجْهِيلًا لَها بِقَدْرِ ذَلِكَ الوَلَدِ، ومَعْناهُ: واللَّهُ أعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْ وبِما عَلَّقَ بِهِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنْ يَجْعَلَهُ ووَلَدَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ، وهي جاهِلَةٌ بِذَلِكَ لا تَعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا فَلِذَلِكَ تَحَسَّرَتْ وفي قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ”واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتِ“ عَلى خِطابِ اللَّهِ لَها، أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذا المَوْهُوبِ واللَّهُ هو العالِمُ بِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ والآياتِ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْها: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ مُرادَها تَفْضِيلُ الوَلَدِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى، وسَبَبُ هَذا التَّفْضِيلِ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّ شَرْعَهم أنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيرُ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ. والثّانِي: أنَّ الذَّكَرَ يَصِحُّ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى خِدْمَةِ مَوْضِعِ العِبادَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في الأُنْثى لِمَكانِ الحَيْضِ وسائِرِ عَوارِضِ النِّسْوانِ. والثّالِثُ: الذَّكَرُ يَصْلُحُ لِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ لِلْخِدْمَةِ دُونَ الأُنْثى فَإنَّها ضَعِيفَةٌ لا تَقْوى عَلى الخِدْمَةِ. والرّابِعُ: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ في الخِدْمَةِ والِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الأُنْثى. والخامِسُ: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ مِنَ التُّهْمَةِ عِنْدَ الِاخْتِلاطِ ما يَلْحَقُ الأُنْثى فَهَذِهِ الوُجُوهُ تَقْتَضِي فَضْلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في هَذا المَعْنى. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ تَرْجِيحُ هَذِهِ الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ، كَأنَّها قالَتِ: الذَّكَرُ مَطْلُوبِي وهَذِهِ الأُنْثى مَوْهُوبَةُ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي يَكُونُ مَطْلُوبِي كالأُنْثى الَّتِي هي مَوْهُوبَةٌ لِلَّهِ، وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ المَرْأةَ كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ، عالِمَةً بِأنَّ ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ بِالعَبْدِ خَيْرٌ مِمّا يُرِيدُهُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ. * * * ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْها كَلامًا ثانِيًا وهو قَوْلُها: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى ما حَكَيْنا مِن أنَّ عِمْرانَ كانَ قَدْ ماتَ في حالِ حَمْلِ حَنَّةَ بِمَرْيَمَ، فَلِذَلِكَ تَوَلَّتِ الأُمُّ تَسْمِيَتَها؛ لِأنَّ العادَةَ أنَّ ذَلِكَ يَتَوَلّاهُ الآباءُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ: العابِدَةُ، فَأرادَتْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ أنْ تَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْصِمَها مِن آفاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُها بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ مَعْناهُ: وإنِّي سَمَّيْتُها بِهَذا اللَّفْظِ أيْ جَعَلْتُ هَذا اللَّفْظَ اسْمًا لَها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ والمُسَمّى والتَّسْمِيَةَ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ مُتَغايِرَةٌ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْها كَلامًا ثالِثًا وهو قَوْلُها: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وذَلِكَ صفحة ٢٥ لِأنَّهُ لَمّا فاتَها ما كانَتْ تُرِيدُ مِن أنْ يَكُونَ رَجُلًا خادِمًا لِلْمَسْجِدِ تَضَرَّعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَحْفَظَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وأنْ يَجْعَلَها مِنَ الصّالِحاتِ القانِتاتِ، وتَفْسِيرُ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الكِتابِ. * * * ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ حَنَّةَ هَذِهِ الكَلِماتِ قالَ: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ لِأنَّ القَبُولَ والتَّقَبُّلَ مُتَقارِبانِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] أيْ إنْباتًا، والقَبُولُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَبِلَ فُلانٌ الشَّيْءَ قَبُولًا إذا رَضِيَهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: خَمْسَةُ مَصادِرَ جاءَتْ عَلى فَعُولٍ: قَبُولٌ وطَهُورٌ ووَضُوءٌ ووَقُودٌ ووَلُوغٌ، إلّا أنَّ الأكْثَرَ في الوَقُودِ إذا كانَ مَصْدَرًا الضَّمُّ، وأجازَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: قُبُولًا بِالضَّمِّ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ يُقالُ: قَبِلْتُهُ قَبُولًا وقُبُولًا، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ ما كانَ مِن بابِ التَّفَعُّلِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ اعْتِناءِ ذَلِكَ الفاعِلِ بِإظْهارِ ذَلِكَ الفِعْلِ كالتَّصَبُّرِ والتَّجَلُّدِ ونَحْوِهِما فَإنَّهُما يُفِيدانِ الجِدِّ في إظْهارِ الصَّبْرِ والجَلادَةِ، فَكَذا هاهُنا التَّقَبُّلُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في إظْهارِ القَبُولِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ حَتّى صارَتِ المُبالَغَةُ أكْمَلَ ؟ والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ التَّقَبُّلِ وإنْ أفادَ ما ذَكَرْنا إلّا أنَّهُ يُفِيدُ نَوْعَ تَكَلُّفٍ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، أمّا القَبُولُ فَإنَّهُ يُفِيدُ مَعْنى القَبُولِ عَلى وفْقِ الطَّبْعِ فَذَكَرَ التَّقَبُّلَ لِيُفِيدَ الجِدَّ والمُبالَغَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ القَبُولَ لِيُفِيدَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، بَلْ عَلى وفْقِ الطَّبْعِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ وإنْ كانَتْ مُمْتَنِعَةً في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّها تَدُلُّ مِن حَيْثُ الِاسْتِعارَةُ عَلى حُصُولِ العِنايَةِ العَظِيمَةِ في تَرْبِيَتِها، وهَذا الوَجْهُ مُناسِبٌ مَعْقُولٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ القَبُولِ الحَسَنِ وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَصَمَها وعَصَمَ ولَدَها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مَسِّ الشَّيْطانِ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها» “ ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ﴾ طَعَنَ القاضِي في هَذا الخَبَرِ وقالَ: إنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ فَوَجَبَ رَدُّهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَدْعُو إلى الشَّرِّ مَن يَعْرِفُ الخَيْرَ والشَّرَّ والصَّبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا النَّخْسِ لَفَعَلَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ مِن إهْلاكِ الصّالِحِينَ وإفْسادِ أحْوالِهِمْ. والثّالِثُ: لِمَ خُصَّ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ مَرْيَمُ وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ ؟ . الرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ النَّخْسَ لَوْ وُجِدَ بَقِيَ أثَرُهُ، ولَوْ بَقِيَ أثَرُهُ لَدامَ الصُّراخُ والبُكاءُ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا بُطْلانَهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ، وبِأمْثالِها لا يَجُوزُ دَفْعُ الخَبَرِ واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَقَبَّلَها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، ما رُوِيَ أنَّ حَنَّةَ حِينَ ولَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ أبْناءِ هارُونَ، وهم في بَيْتِ المَقْدِسِ كالحَجَبَةِ في الكَعْبَةِ، وقالَتْ: خُذُوا هَذِهِ النَّذِيرَةَ، فَتَنافَسُوا فِيها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وكانَتْ بَنُو ماثانَ رُؤُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ وأحْبارَهم ومُلُوكَهم فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها عِنْدِي خالَتُها فَقالُوا لا حَتّى نَقْتَرِعَ عَلَيْها، فانْطَلَقُوا وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ إلى نَهْرٍ فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ الوَحْيَ بِها عَلى أنَّ كُلَّ مَنِ ارْتَفَعَ قَلَمُهُ فَهو صفحة ٢٦ الرّاجِحُ، ثُمَّ ألْقَوْا أقْلامَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَفي كُلِّ مَرَّةٍ كانَ يَرْتَفِعُ قَلَمُ زَكَرِيّا فَوْقَ الماءِ وتَرْسُبُ أقْلامُهم فَأخَذَها زَكَرِيّا. الوَجْهُ الثّالِثُ: رَوى القَفّالُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ تَكَلَّمَتْ في صِباها كَما تَكَلَّمَ المَسِيحُ ولَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ، وإنَّ رِزْقَها كانَ يَأْتِيها مِنَ الجَنَّةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ القَبُولِ الحَسَنِ أنَّ المُعْتادَ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أنَّ التَّحْرِيرَ لا يَجُوزُ إلّا في حَقِّ الغُلامِ حِينَ يَصِيرُ عاقِلًا قادِرًا عَلى خِدْمَةِ المَسْجِدِ، وهاهُنا لَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى تَضَرُّعَ تِلْكَ المَرْأةِ قَبِلَ تِلْكَ الجارِيَةَ حالَ صِغَرِها وعَدَمِ قُدْرَتِها عَلى خِدْمَةِ المَسْجِدِ، فَهَذا كُلُّهُ هو الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ القَبُولِ الحَسَنِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ أنْبَتَها فَنَبَتَتْ هي نَباتًا حَسَنًا ثُمَّ مِنهم مَن صَرَفَ هَذا النَّباتَ الحَسَنَ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، ومِنهم مَن صَرَفَهُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: المَعْنى أنَّها كانَتْ تَنْبُتُ في اليَوْمِ مِثْلَ ما يَنْبُتُ المَوْلُودُ في عامٍ واحِدٍ، وأمّا في الدِّينِ فَلِأنَّها نَبَتَتْ في الصَّلاحِ والسَّدادِ والعِفَّةِ والطّاعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: كَفَلَ يَكْفُلُ كَفالَةً وكَفْلًا فَهو كافِلٌ، وهو الَّذِي يُنْفِقُ عَلى إنْسانٍ ويَهْتَمُّ بِإصْلاحِ مَصالِحِهِ، وفي الحَدِيثِ ”«أنا وكافِلُ اليَتِيمِ كَهاتَيْنِ» “ وقالَ اللَّهُ تَعالى: (أكْفِلْنِيها) [ص: ٢٣] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وكَفَّلَها“ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في زَكَرِيّا فَقَرَأ عاصِمٌ بِالمَدِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالقَصْرِ عَلى مَعْنى ضَمَّها اللَّهُ تَعالى إلى زَكَرِيّا، فَمَن قَرَأ ”زَكَرِيّاءَ“ بِالمَدِّ أظْهَرَ النَّصْبَ ومَن قَرَأ بِالقَصْرِ كانَ في مَحَلِّ النَّصْبِ والباقُونَ قَرَءُوا بِالمَدِّ والرَّفْعِ عَلى مَعْنى ضَمَّها زَكَرِيّاءُ إلى نَفْسِهِ وهو الِاخْتِيارُ، لِأنَّ هَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٤٤] وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”كَفِلَها“ بِكَسْرِ الفاءِ، وأمّا القَصْرُ والمَدُّ في زَكَرِيّا فَهُما لُغَتانِ، كالهَيْجاءِ والهَيْجا، وقَرَأ مُجاهِدٌ ”فَتَقَبَّلْها رَبَّها، وأنْبِتْها، وكَفِّلْها“ عَلى لَفْظِ الأمْرِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، ونَصْبِ (رَبَّها) كَأنَّها كانَتْ تَدْعُو اللَّهَ فَقالَتْ: اقْبَلْها يا رَبَّها، وأنْبِتْها يا رَبَّها، واجْعَلْ زَكَرِيّا كافِلًا لَها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَفالَةِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاها مَتى كانَتْ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: كانَ ذَلِكَ حالَ طُفُولِيَّتِها، وبِهِ جاءَتِ الرِّواياتُ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ إنَّما كَفَلَها بَعْدَ أنْ فُطِمَتْ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وهَذا يُوهِمُ أنَّ تِلْكَ الكَفالَةَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّباتِ الحَسَنِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ قَدْ فارَقَتِ الرَّضاعَ وقْتَ تِلْكَ الكَفالَةِ، وأصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ أجابُوا بِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَلَعَلَّ الإنْباتَ الحَسَنَ وكَفالَةَ زَكَرِيّاءَ حَصَلا مَعًا. وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: فَلَعَلَّ دُخُولَهُ عَلَيْها وسُؤالَهُ مِنها هَذا السُّؤالَ إنَّما وقَعَ في آخِرِ زَمانِ الكَفالَةِ. * * * صفحة ٢٧ ثُمَّ قالَ اللَّهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (المِحْرابَ) المَوْضِعَ العالِيَ الشَّرِيفَ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها لَمْ أدْنُ حَتّى أرْتَقِيَ سُلَّما واحْتَجَّ الأصْمَعِيُّ عَلى أنَّ المِحْرابَ هو الغُرْفَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] والتَّسَوُّرُ لا يَكُونُ إلّا مِن عُلُوٍّ، وقِيلَ: المِحْرابُ أشْرَفُ المَجالِسِ وأرْفَعُها، يُرْوى أنَّها لَمّا صارَتْ شابَّةً بَنى زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَها غُرْفَةً في المَسْجِدِ، وجَعَلَ بابَها في وسَطِهِ لا يُصْعَدُ إلَيْهِ إلّا بِسُلَّمٍ، وكانَ إذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِكَرامَةِ الأوْلِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنْ زَكَرِيّاءَ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ: أنّى لَكِ هَذا ؟ قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الرِّزْقِ عِنْدَها إمّا أنْ يَكُونَ خارِقًا لِلْعادَةِ، أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ غَيْرُ خارِقٍ لِلْعادَةِ فَهو باطِلٌ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ حُصُولُ ذَلِكَ الرِّزْقِ عِنْدَ مَرْيَمَ دَلِيلًا عَلى عُلُوِّ شَأْنِها وشَرَفِ دَرَجَتِها وامْتِيازِها عَنْ سائِرِ النّاسِ بِتِلْكَ الخاصِّيَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ آيِسًا مِنَ الوَلَدِ بِسَبَبِ شَيْخُوخَتِهِ وشَيْخُوخَةِ زَوْجَتِهِ، فَلَمّا رَأى انْخِراقَ العادَةِ في حَقِّ مَرْيَمَ طَمِعَ في حُصُولِ الوَلَدِ فَيَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٨] أمّا لَوْ كانَ الَّذِي شاهَدَهُ في حَقِّ مَرْيَمَ لَمْ يَكُنْ خارِقًا لِلْعادَةِ لَمْ تَكُنْ مُشاهَدَةُ ذَلِكَ سَبَبًا لِطَمَعِهِ في انْخِراقِ العادَةِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مِنَ المَرْأةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ. الثّالِثُ: أنَّ التَّنَكُّرَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ ذَلِكَ الرِّزْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا، أيْ رِزْقٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ، وذَلِكَ إنَّما يُفِيدُ الغَرَضَ اللّائِقَ لِسِياقِ هَذِهِ الآيَةِ لَوْ كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ. الرّابِعُ: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١ ] ولَوْلا أنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِما مِنَ الخَوارِقِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَها ولَدًا مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ؟ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِآيَةٍ، بَلْ يَحْتاجُ تَصْحِيحُهُ إلى آيَةٍ، فَكَيْفَ نَحْمِلُ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِها وطَهارَتِها، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِظُهُورِ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِها كَما ظَهَرَتْ عَلى يَدِ ولَدِها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . الخامِسُ: ما تَواتَرَتِ الرِّواياتُ بِهِ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي ظَهَرَ في حَقِّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - كانَ فِعْلًا خارِقًا لِلْعادَةِ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مُعْجِزَةً لِبَعْضِ الأنْبِياءِ أوْ ما كانَ كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ النَّبِيَّ المَوْجُودَ في ذَلِكَ الزَّمانِ هو زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ لَكانَ هو عالِمًا بِحالِهِ وشَأْنِهِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَشْتَبِهَ أمْرُهُ عَلَيْهِ وأنْ لا يَقُولَ لِمَرْيَمَ: ﴿أنّى لَكِ هَذا﴾ وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لَمّا سَألَها عَنْ أمْرِ تِلْكَ الأشْياءِ ثُمَّ إنَّها ذَكَرَتْ لَهُ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهُنالِكَ طَمِعَ في انْخِراقِ العادَةِ في حُصُولِ الوَلَدِ مِنَ المَرْأةِ العَقِيمَةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما وقَفَ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ إلّا صفحة ٢٨ إلّا بِإخْبارِ مَرْيَمَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ ما كانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ كَرامَةً لِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ كانَتْ كَرامَةً لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُقُوعِ كَراماتِ الأوْلِياءِ. اعْتَرَضَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ كانَتْ مِن مُعْجِزاتِ زَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لَها عَلى الإجْمالِ أنْ يُوَصِّلَ اللَّهُ إلَيْها رِزْقًا، وأنَّهُ رُبَّما كانَ غافِلًا عَنْ تَفاصِيلِ ما يَأْتِيها مِنَ الأرْزاقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا رَأى شَيْئًا بِعَيْنِهِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ قالَ لَها: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَ بِدُعائِهِ تِلْكَ المُعْجِزَةَ. والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ زَكَرِيّا يُشاهِدُ عِنْدَ مَرْيَمَ رِزْقًا مُعْتادًا إلّا أنَّهُ كانَ يَأْتِيها مِنَ السَّماءِ، وكانَ زَكَرِيّا يَسْألُها عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِن أنْ يَكُونَ يَأْتِيها مِن عِنْدِ إنْسانٍ يَبْعَثُهُ إلَيْها، فَقالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ. المَقامُ الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ قَدْ ظَهَرَ عَلى مَرْيَمَ شَيْءٌ مِن خَوارِقِ العاداتِ، بَلْ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ سَبَّبَ لَها رِزْقًا عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَرْغَبُونَ في الإنْفاقِ عَلى الزّاهِداتِ العابِداتِ، فَكانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا رَأى شَيْئًا مِن ذَلِكَ خافَ أنَّهُ رُبَّما أتاها ذَلِكَ الرِّزْقُ مِن وجْهٍ لا يَنْبَغِي، فَكانَ يَسْألُها عَنْ كَيْفِيَّةِ الحالِ، هَذا مَجْمُوعُ ما قالَهُ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ وهو في غايَةِ الضَّعْفِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَأْذُونًا لَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ مَأْذُونًا في ذَلِكَ الطَّلَبِ كانَ عالِمًا قَطْعًا بِأنَّهُ يَحْصُلُ، وإذا عَلِمَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَطْلُبَ مِنها كَيْفِيَّةَ الحالِ، ولَمْ يَبْقَ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٨] فائِدَةٌ، وهَذا هو الجَوابُ بِعَيْنِهِ عَنِ الوَجْهِ الثّانِي. وأمّا سُؤالُهُ الثّالِثُ فَفي غايَةِ الرَّكاكَةِ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَبْقى فِيهِ وجْهُ اخْتِصاصٍ لِمَرْيَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأيْضًا فَإنْ كانَ في قَلْبِهِ احْتِمالٌ أنَّهُ رُبَّما أتاها هَذا الرِّزْقُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي لا يَنْبَغِي، فَبِمُجَرَّدِ إخْبارِها كَيْفَ يُعْقَلُ زَوالُ تِلْكَ التُّهْمَةِ فَعَلِمْنا سُقُوطَ هَذِهِ الأسْئِلَةِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى امْتِناعِ الكَراماتِ بِأنَّها دَلالاتُ صِدْقِ الأنْبِياءِ، ودَلِيلُ النُّبُوَّةِ لا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِ الأنْبِياءِ، كَما أنَّ الفِعْلَ المُحْكَمَ لَمّا كانَ دَلِيلًا عَلى العِلْمِ لا جَرَمَ لا يُوجَدُ في حَقِّ غَيْرِ العالِمِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو أنَّ ظُهُورَ الفِعْلِ الخارِقِ لِلْعادَةِ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي، فَإنِ ادَّعى صاحِبُهُ النُّبُوَّةَ فَذاكَ الفِعْلُ الخارِقُ لِلْعادَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا، وإنِ ادَّعى الوِلايَةَ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ ولِيًّا. والثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ: الأنْبِياءُ مَأْمُورُونَ بِإظْهارِها، والأوْلِياءُ مَأْمُورُونَ بِإخْفائِها. والثّالِثُ: وهو أنَّ النَّبِيَّ يَدَّعِي المُعْجِزَ ويَقْطَعُ بِهِ، والوَلِيُّ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْطَعَ بِهِ. والرّابِعُ: أنَّ المُعْجِزَةَ يَجِبُ انْفِكاكُها عَنِ المُعارَضَةِ، والكَرامَةُ لا يَجِبُ انْفِكاكُها عَنِ المُعارَضَةِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ مَرْيَمَ، وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ، أوْ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ سَألَها عَلى سَبِيلٍ يُناسِبُ حُصُولَها، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] وهاهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ حَنَّةَ.

آل عمران 3:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صفحة ١٨ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَبَّتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ بَيَّنَ عُلُوَّ دَرَجاتِ الرُّسُلِ وشَرَفَ مَناصِبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَخْلُوقاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: المُكَلَّفُ وغَيْرُ المُكَلَّفِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْنافَ المُكَلَّفِ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ، والإنْسُ والجِنُّ، والشَّياطِينُ، أمّا المَلائِكَةُ، فَقَدْ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم مِنَ الرِّيحِ ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ. فالأوَّلُ: أنَّهم لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى الطَّيَرانِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ. والثّانِي: لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى حَمْلِ العَرْشِ، لِأنَّ الرِّيحَ تَقُومُ بِحَمْلِ الأشْياءِ. الثّالِثُ: لِهَذا السَّبَبِ سُمُّوا رُوحانِيِّينَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، ولِهَذا صَفَتْ وأخْلَصَتْ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: أبْدانُهم مِنَ الرِّيحِ وأرْواحُهم مِنَ النُّورِ، فَهَؤُلاءِ هم سُكّانُ عالَمِ السَّماواتِ، أمّا الشَّياطِينُ فَهم كَفَرَةٌ أمّا إبْلِيسُ فَكُفْرُهُ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] وأمّا سائِرُ الشَّياطِينِ فَهم أيْضًا كَفَرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ أنَّهم بِأسْرِها أعْداءٌ لِلْبَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنْعامِ: ١١٢ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢ ] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧ ] فَأمّا الجِنُّ فَمِنهم كافِرٌ ومِنهم مُؤْمِنٌ، قالَ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٤ ] أمّا الإنْسُ فَلا شَكَّ أنَّ لَهم والِدًا هو والِدُهُمُ الأوَّلُ، وإلّا لَذَهَبَ إلى ما لا نِهايَةَ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ هو آدَمُ ﷺ عَلى ما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩ ] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ * * * المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] والقائِلُونَ بِأنَّ البَشَرَ أفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاصْطِفاءَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الكَرامَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ اصْطَفى آدَمَ وأوْلادَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى كُلِّ العالَمِينَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ مِنَ العالَمِينَ. فَإنْ قِيلَ: إنْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى تَفْضِيلِ المَذْكُورِينَ عَلى كُلِّ العالَمِينَ أدّى إلى التَّناقُضِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ الكَثِيرَ إذا وُصِفُوا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلُ مِن كُلِّ العالَمِينَ يُلْزِمُ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِن كُلِّ العالَمِينَ يُلْزِمُ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ وذَلِكَ مُحالٌ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ عالَمِي زَمانِهِ أوْ عالَمِي جِنْسِهِ لَمْ يَلْزَمِ التَّناقُضُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى هَذا المَعْنى دَفْعًا لِلتَّناقُضِ وأيْضًا قالَ تَعالى في صِفَةِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٧ ] ولا يُلْزِمُ كَوْنَهم أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ قُلْنا المُرادُ بِهِ عالَمُو زَمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، والجَوابُ ظاهِرٌ في قَوْلِهِ: اصْطَفى آدَمَ عَلى العالَمِينَ، يَتَناوَلُ كُلَّ مَن يَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العالَمِ صفحة ١٩ عَلَيْهِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المَلَكُ، غايَةُ ما في هَذا البابِ أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِعُمُومِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ قامَ عَلَيْهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ نَتْرُكَهُ في سائِرِ الصُّوَرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (اصْطَفى) في اللُّغَةِ اخْتارَ، فَمَعْنى: اصْطَفاهم، أيْ جَعَلَهم صَفْوَةَ خَلْقِهِ، تَمْثِيلًا بِما يُشاهَدُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُصَفّى ويُنَقّى مِنَ الكُدُورَةِ، ويُقالُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: صَفْوَةٌ، وصُفْوَةٌ وصِفْوَةٌ،، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ لِمُوسى: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ [الأعْرافِ: ١٤٤ ] وقالَ في إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾ [ص: ٤٧ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ. في الآيَةِ قَوْلانِ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ اصْطَفى دِينَ آدَمَ ودِينَ نُوحٍ فَيَكُونُ الِاصْطِفاءُ راجِعًا إلى دِينِهِمْ وشَرْعِهِمْ ومِلَّتِهِمْ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهم، أيْ صَفّاهم مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، وزَيَّنَهم بِالخِصالِ الحَمِيدَةِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنّا لا نَحْتاجُ فِيهِ إلى الإضْمارِ. والثّانِي: أنَّهُ مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤ ] وذَكَرَ الحَلِيمِيُّ في كِتابِ ”المِنهاجِ“ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا مُخالِفِينَ لِغَيْرِهِمْ في القُوى الجِسْمانِيَّةِ، والقُوى الرُّوحانِيَّةِ، أمّا القُوى الجِسْمانِيَّةُ، فَهي إمّا مُدْرِكَةٌ، وإمّا مُحَرِّكَةٌ. أمّا المُدْرِكَةُ: فَهي إمّا الحَواسُّ الظّاهِرَةُ، وإمّا الحَواسُّ الباطِنَةُ، أمّا الحَواسُّ الظّاهِرَةُ فَهي خَمْسَةٌ؛ أحَدُها: القُوَّةُ الباصِرَةُ، ولَقَدْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مَخْصُوصًا بِكَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﷺ: ”«زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها» “ . والثّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أقِيمُوا صُفُوفَكم وتَراصُّوا فَإنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي» “ . ونَظِيرُ هَذِهِ القُوَّةِ ما حَصَلَ لِإبْراهِيمَ ﷺ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥ ] ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ تَعالى قَوّى بَصَرَهُ حَتّى شاهَدَ جَمِيعَ المَلَكُوتِ مِنَ الأعْلى والأسْفَلِ قالَ الحَلِيمِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ لِأنَّ البُصَراءَ يَتَفاوَتُونَ فَرُوِيَ أنَّ زَرْقاءَ اليَمامَةِ كانَتْ تُبْصِرُ الشَّيْءَ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَصَرُ النَّبِيِّ ﷺ أقْوى مِن بَصَرِها. وثانِيها: القُوَّةُ السّامِعَةُ، وكانَ ﷺ أقْوى النّاسِ في هَذِهِ القُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ لِلَّهِ تَعالى» “ فَسَمِعَ أطِيطَ السَّماءِ. والثّانِي: «أنَّهُ سَمِعَ دَوِيًّا وذَكَرَ أنَّهُ هُوِيُّ صَخْرَةٍ قُذِفَتْ في جَهَنَّمَ فَلَمْ تَبْلُغْ قَعْرَها إلى الآنِ»، قالَ الحَلِيمِيُّ: ولا سَبِيلَ لِلْفَلاسِفَةِ إلى اسْتِبْعادِ هَذا، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ فِيثاغُورْثَ راضَ نَفْسَهُ حَتّى سَمِعَ خَفِيفَ الفَلَكِ، ونَظِيرُ هَذِهِ القُوَّةِ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قِصَّةِ النَّمْلِ ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨ ] فاللَّهُ تَعالى أسْمَعَ سُلَيْمانَ كَلامَ النَّمْلِ وأوْقَفَهُ عَلى مَعْناهُ وهَذا داخِلٌ أيْضًا في بابِ تَقْوِيَةِ الفَهْمِ، وكانَ ذَلِكَ حاصِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ تَكَلَّمَ مَعَ الذِّئْبِ ومَعَ البَعِيرِ. ثالِثُها: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الشَّمِّ، كَما في حَقِّ يَعْقُوبَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أمَرَ بِحَمْلِ قَمِيصِهِ إلَيْهِ وإلْقائِهِ عَلى وجْهِهِ، فَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يُوسُفَ: ٩٤ ] فَأحَسَّ بِها مِن مَسِيرَةِ أيّامٍ. ورابِعُها: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الذَّوْقِ، كَما في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ حِينَ قالَ: ”«إنَّ هَذا الذِّراعَ يُخْبِرُنِي أنَّهُ مَسْمُومٌ» “ . وخامِسُها: تَقْوِيَةُ القُوَّةِ اللّامِسَةِ كَما في حَقِّ الخَلِيلِ حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ هَذا ويُشاهَدُ مِثْلُهُ في السَّمَندَلِ والنَّعامَةِ، وأمّا الحَواسُّ الباطِنَةُ فَمِنها قُوَّةُ صفحة ٢٠ الحِفْظِ، قالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعْلى: ٦ ] ومِنها قُوَّةُ الذَّكاءِ «قالَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ألْفَ بابٍ مِنَ العِلْمِ واسْتَنْبَطْتُ مِن كُلِّ بابٍ ألْفَ بابٍ»“ فَإذا كانَ حالُ الوَلِيِّ هَكَذا، فَكَيْفَ حالُ النَّبِيِّ ﷺ . وأمّا القُوى المُحَرِّكَةُ: فَمِثْلُ عُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى المِعْراجِ، وعُرُوجِ عِيسى حَيًّا إلى السَّماءِ، ورَفْعِ إدْرِيسَ وإلْياسَ عَلى ما ورَدَتْ بِهِ الأخْبارُ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٠ ] . وأمّا القُوى الرُّوحانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ: فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في غايَةِ الكَمالِ، ونِهايَةِ الصَّفاءِ. واعْلَمْ أنَّ تَمامَ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّ النَّفْسَ القُدْسِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ مُخالِفَةٌ بِماهِيَّتِها لِسائِرِ النُّفُوسِ، ومِن لَوازِمِ تِلْكَ النَّفْسِ الكَمالُ في الذَّكاءِ، والفِطْنَةِ، والحُرِّيَّةِ، والِاسْتِعْلاءُ، والتَّرَفُّعُ عَنِ الجِسْمانِيّاتِ والشَّهَواتِ، فَإذا كانَتِ الرُّوحُ في غايَةِ الصَّفاءِ والشَّرَفِ، وكانَ البَدَنُ في غايَةِ النَّقاءِ والطَّهارَةِ كانَتْ هَذِهِ القُوى المُحَرِّكَةُ المُدْرِكَةُ في غايَةِ الكَمالِ؛ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى أنْوارٍ فائِضَةٍ مِن جَوْهَرِ الرُّوحِ واصِلَةٌ إلى البَدَنِ، ومَتى كانَ الفاعِلُ والقابِلُ في غايَةِ الكَمالِ كانَتِ الآثارُ في غايَةِ القُوَّةِ والشَّرَفِ والصَّفاءِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ مَعْناهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اصْطَفى آدَمَ إمّا مِن سُكّانِ العالَمِ السُّفْلِيِّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: المَلَكُ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، أوْ مِن سُكّانِ العالَمِ العُلْوِيِّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: البَشَرُ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ وضَعَ كَمالَ القُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ في شُعْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن أوْلادِ آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، هم شِيثٌ وأوْلادُهُ، إلى إدْرِيسَ، ثُمَّ إلى نُوحٍ، ثُمَّ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ حَصَلَ مِن إبْراهِيمَ شُعْبَتانِ: إسْماعِيلُ وإسْحاقُ، فَجَعَلَ إسْماعِيلَ مَبْدَأً لِظُهُورِ الرُّوحِ القُدْسِيَّةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلَ إسْحاقَ مَبْدَأً لِشُعْبَتَيْنِ: يَعْقُوبَ وعِيصُو، فَوَضَعَ النُّبُوَّةَ في نَسْلِ يَعْقُوبَ، ووَضَعَ المُلْكَ في نَسْلِ عِيصُو، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ نُقِلَ نُورُ النُّبُوَّةِ ونُورُ المُلْكِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَقِيا أعْنِي الدِّينَ والمُلْكَ لِأتْباعِهِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، ومَن تَأمَّلَ في هَذا البابِ وصَلَ إلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ المُؤْمِنُونَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافِرٍ: ٤٦ ] والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الأوْلادُ، وهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤ ] وأمّا آلُ عِمْرانَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ عِمْرانُ والِدُ مُوسى وهارُونَ، وهو عِمْرانُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن آلِ عِمْرانَ مُوسى وهارُونَ وأتْباعَهُما مِنَ الأنْبِياءِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ: عِمْرانُ بْنُ ماثانَ والِدُ مَرْيَمَ، وكانَ هو مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ بْنِ إيشا، وكانُوا مَن نَسْلِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالُوا. وبَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفٌ وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ، واحْتَجَّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِأُمُورٍ. أحَدُها: أنَّ المَذْكُورَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ هو عِمْرانُ بْنُ ماثانَ جَدُّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قِبَلِ الأُمِّ، فَكانَ صَرْفُ الكَلامِ إلَيْهِ أوْلى. وثانِيها: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ أنَّ النَّصارى كانُوا يَحْتَجُّونَ عَلى إلَهِيَّةِ عِيسى بِالخَوارِقِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّما ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ إكْرامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى اصْطَفاهُ عَلى العالَمِينَ وخَصَّهُ بِالكَراماتِ العَظِيمَةِ، فَكانَ حَمْلُ هَذا صفحة ٢١ الكَلامِ عَلى عِمْرانَ بْنِ ماثانَ أوْلى في هَذا المَقامِ مِن حَمْلِهِ عَلى عِمْرانَ والِدِ مُوسى وهارُونَ. وثالِثُها: أنَّ هَذا اللَّفْظَ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١ ] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ لَيْسَتْ دَلائِلَ قَوِيَّةً، بَلْ هي أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ، وأصْلُ الِاحْتِمالِ قائِمٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في نَصْبِ قَوْلِهِ: (ذُرِّيَّةً) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ، أيِ اصْطَفاهم في حالِ كَوْنِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ذَرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ في التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ والطّاعَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٧ ] وذَلِكَ بِسَبَبِ اشْتِراكِهِمْ في النِّفاقِ. والثّانِي: ذَرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِمَعْنى أنَّ غَيْرَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا مُتَوَلِّدِينَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويَكُونُ المُرادُ بِالذُّرِّيَّةِ مَن سِوى آدَمَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤] فَقالَ القَفّالُ: المَعْنى واللَّهُ سَمِيعٌ لِأقْوالِ العِبادِ، عَلِيمٌ بِضَمائِرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وإنَّما يَصْطَفِي مِن خَلْقِهِ مَن يَعْلَمُ اسْتِقامَتَهُ قَوْلًا وفِعْلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤ ] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٠ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ مِن ولَدِ إبْراهِيمَ ومِن آلِ عِمْرانَ، فَنَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وكانَ بَعْضُهم عالِمًا بِأنَّ هَذا الكَلامَ باطِلٌ، إلّا أنَّهُ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ العَوامِّ بَقِيَ مُصِرًّا عَلَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ: واللَّهُ سَمِيعٌ لِهَذِهِ الأقْوالِ الباطِلَةِ مِنكم، عَلِيمٌ بِأغْراضِكُمُ الفاسِدَةِ مِن هَذِهِ الأقْوالِ فَيُجازِيكم عَلَيْها، فَكانَ أوَّلُ الآيَةِ بَيانًا لِشَرَفِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وآخِرُها تَهْدِيدًا لِهَؤُلاءِ الكاذِبِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ عَلى أدْيانِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ قِصَصًا كَثِيرَةً: * * * القِصَّةُ الأُولى واقِعَةُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ -عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ صفحة ٢٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَوْضِعِ ”إذْ“ مِنَ الإعْرابِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّها زائِدَةٌ لَغْوًا، والمَعْنى: قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، ولا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَصْنَعْ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذا شَيْئًا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إلْغاءُ حَرْفٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ ضَرُورَةً. والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: التَّقْدِيرُ اذْكُرْ ”إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ“ ومِثْلُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ. الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ، التَّقْدِيرُ: واصْطَفى آلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، وطَعَنَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ اصْطِفاءَ آلِ عِمْرانَ بِاصْطِفاءِ آدَمَ ونُوحٍ، ولَمّا كانَ اصْطِفاؤُهُ تَعالى آدَمَ ونُوحًا قَبْلَ قَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ اسْتَحالَ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الِاصْطِفاءَ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا الكَلامَ فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ أثَرَ اصْطِفاءِ كُلِّ واحِدٍ إنَّما ظَهَرَ عِنْدَ وُجُودِهِ، وظُهُورِ طاعاتِهِ، فَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ عِنْدَ وُجُودِهِ، ونُوحًا عِنْدَ وُجُودِهِ، وآلَ عِمْرانَ عِنْدَما قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا الكَلامَ. الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ قَبْلَ أنْ قالَتِ المَرْأةُ هَذا القَوْلَ، فَما مَعْنى هَذا التَّقْيِيدِ ؟ قُلْنا: إنَّ سَمْعَهُ تَعالى لِذَلِكَ الكَلامِ مُقَيَّدٌ بِوُجُودِ ذَلِكَ الكَلامِ، وعِلْمُهُ تَعالى بِأنَّها تَذْكُرُ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِذِكْرِها لِذَلِكَ، والتَّغَيُّرُ في العِلْمِ والسَّمْعِ إنَّما يَقَعُ في النِّسَبِ والمُتَعَلِّقاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ زَكَرِيّا بْنَ آذَنَ، وعِمْرانَ بْنَ ماثانَ، كانا في عَصْرٍ واحِدٍ، وامْرَأةُ عِمْرانَ حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذَ، وقَدْ تَزَوَّجَ زَكَرِيّا بِابْنَتِهِ إيشاعَ أُخْتِ مَرْيَمَ، وكانَ يَحْيى وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - ابْنَيْ خالَةٍ، ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ هَذا النَّذْرِ رِواياتٌ: الرِّوايَةُ الأُولى: قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّها كانَتْ عاقِرًا لا تَلِدُ، وكانَتْ تَغْبِطُ النِّساءَ بِالأوْلادِ، ثُمَّ قالَتْ: اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ نَذْرًا إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِيَكُونَ مِن سَدَنَتِهِ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّ أُمَّ مَرْيَمَ ما كانَ يَحْصُلُ لَها ولَدٌ حَتّى شاخَتْ، وكانَتْ يَوْمًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَرَأتْ طائِرًا يُطْعِمُ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتْ رَبَّها أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَرَفَتْ جَعَلَتْهُ لِلَّهِ مُحَرَّرًا، أيْ خادِمًا لِلْمَسْجِدِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّها إنَّما فَعَلَتْ ذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ ولَوْلاهُ ما فَعَلَتْ كَما رَأى إبْراهِيمُ ذَبْحَ ابْنِهِ في المَنامِ فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ وحْيِ، وكَما ألْهَمَ اللَّهُ أُمَّ مُوسى فَقَذَفَتْهُ في اليَمِّ ولَيْسَ بِوَحْيٍ. صفحة ٢٣ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُحَرَّرُ الَّذِي يُجْعَلُ حُرًّا خالِصًا، يُقالُ: حَرَّرْتُ العَبْدَ إذا خَلَّصْتَهُ عَنِ الرِّقِّ، وحَرَّرْتُ الكِتابَ إذا أصْلَحْتَهُ وخَلَّصْتَهُ فَلَمْ تُبْقِ فِيهِ شَيْئًا مِن وُجُوهِ الغَلَطِ، ورَجُلٌ حُرٌّ إذا كانَ خالِصًا لِنَفْسِهِ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ تَعَلُّقٌ، والطِّينُ الحُرُّ الخالِصُ عَنِ الرَّمْلِ والحِجارَةِ والحَمْأةِ والعُيُوبِ. أمّا التَّفْسِيرُ فَقِيلَ مُخْلِصًا لِلْعِبادَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وقِيلَ: خادِمًا لِلْبِيعَةِ، وقِيلَ: عَتِيقًا مِن أمْرِ الدُّنْيا لِطاعَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: خادِمًا لِمَن يُدَرِّسُ الكِتابَ، ويُعَلِّمُ في البِيَعِ، والمَعْنى أنَّها نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَ ذَلِكَ الوَلَدَ وقْفًا عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَ الأصَمُّ: لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ غَنِيمَةٌ ولا سَبْيٌ، فَكانَ تَحْرِيرُهم جَعْلَهم أوْلادَهم عَلى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ الأمْرُ في دِينِهِمْ أنَّ الوَلَدَ إذا صارَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ اسْتِخْدامُهُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ الأبَوَيْنِ، فَكانُوا بِالنَّذْرِ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الِانْتِفاعِ، ويَجْعَلُونَهم مُحَرَّرِينَ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ وطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: كانَ المُحَرَّرُ يُجْعَلُ في الكَنِيسَةِ يَقُومُ بِخِدْمَتِها حَتّى يَبْلُغَ الحُلُمَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ المُقامِ والذَّهابِ، فَإنْ أبى المُقامَ وأرادَ أنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ، وإنِ اخْتارَ المُقامَ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خِيارٌ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إلّا ومِن نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ في بَيْتِ المَقْدِسِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا التَّحْرِيرُ لَمْ يَكُنْ جائِزًا إلّا في الغِلْمانِ أمّا الجارِيَةُ فَكانَتْ لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ لِما يُصِيبُها مِنَ الحَيْضِ، والأذى، ثُمَّ إنَّ حَنَّةَ نَذَرَتْ مُطْلَقًا إمّا لِأنَّها بَنَتِ الأمْرَ عَلى التَّقْدِيرِ، أوْ لِأنَّها جَعَلَتْ ذَلِكَ النَّذْرَ وسِيلَةً إلى طَلَبِ الذَّكَرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (مُحَرَّرًا) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ”ما“ وتَقْدِيرُهُ: نَذَرْتُ لَكَ الَّذِي في بَطْنِي مُحَرَّرًا. والثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى نَذَرْتُ لَكَ أنْ أجْعَلَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى حاكِيًا عَنْها: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ التَّقَبُّلُ: أخْذُ الشَّيْءِ عَلى الرِّضا، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ المُقابَلَةِ لِأنَّهُ يُقْبَلُ بِالجَزاءِ، وهَذا كَلامُ مَن لا يُرِيدُ بِما فَعَلَهُ إلّا الطَّلَبَ لِرِضا اللَّهِ تَعالى، والإخْلاصَ في عِبادَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ والمَعْنى: إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ لِتَضَرُّعِي ودُعائِي ونِدائِي، العَلِيمُ بِما في ضَمِيرِي وقَلْبِي ونِيَّتِي. واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ النَّذْرِ كانَ في شَرْعِ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرُ مَوْجُودٍ في شَرْعِنا، والشَّرائِعُ لا يَمْتَنِعُ اخْتِلافُها في مِثْلِ هَذِهِ الأحْكامِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الأُنْثى الَّتِي كانَتْ في بَطْنِها وكانَ عالِمًا بِأنَّها كانَتْ أُنْثى أوْ يُقالُ: إنَّها عادَتْ إلى النَّفْسِ والنَّسَمَةِ أوْ يُقالُ: عادَتْ إلى المَنذُورَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ واعْلَمْ أنَّ الفائِدَةَ في هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنها النَّذْرُ في تَحْرِيرِ ما في بَطْنِها، وكانَ الغالِبُ عَلى ظَنِّها أنَّهُ ذَكَرٌ فَلَمْ تَشْتَرِطْ ذَلِكَ في كَلامِها، وكانَتِ العادَةُ عِنْدَهم أنَّ الَّذِي يُحَرَّرُ ويُفَرَّغُ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ وطاعَةِ اللَّهِ هو الذَّكَرُ دُونَ الأُنْثى فَقالَتْ: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خائِفَةً أنَّ نَذْرَها لَمْ يَقَعِ المَوْقِعَ الَّذِي يُعْتَمَدُ بِهِ ومُعْتَذِرَةً مِن إطْلاقِها النَّذْرَ المُتَقَدِّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لا عَلى سَبِيلِ الإعْلامِ لِلَّهِ صفحة ٢٤ تَعالى، تَعالى اللَّهُ عَنْ أنْ يَحْتاجَ إلى إعْلامِها، بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِذارِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ ”وضَعْتُ“ بِرَفْعِ التّاءِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها حِكايَةُ كَلامِها، والفائِدَةُ في هَذا الكَلامِ أنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها أنَّها تُخْبِرُ اللَّهَ تَعالى، فَأزالَتِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ وثَبَتَ أنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ لِلِاعْتِذارِ لا لِلْإعْلامِ، والباقُونَ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ تَعْظِيمًا لِوَلَدِها، وتَجْهِيلًا لَها بِقَدْرِ ذَلِكَ الوَلَدِ، ومَعْناهُ: واللَّهُ أعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْ وبِما عَلَّقَ بِهِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنْ يَجْعَلَهُ ووَلَدَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ، وهي جاهِلَةٌ بِذَلِكَ لا تَعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا فَلِذَلِكَ تَحَسَّرَتْ وفي قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ”واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتِ“ عَلى خِطابِ اللَّهِ لَها، أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذا المَوْهُوبِ واللَّهُ هو العالِمُ بِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ والآياتِ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْها: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ مُرادَها تَفْضِيلُ الوَلَدِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى، وسَبَبُ هَذا التَّفْضِيلِ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّ شَرْعَهم أنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيرُ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ. والثّانِي: أنَّ الذَّكَرَ يَصِحُّ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى خِدْمَةِ مَوْضِعِ العِبادَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في الأُنْثى لِمَكانِ الحَيْضِ وسائِرِ عَوارِضِ النِّسْوانِ. والثّالِثُ: الذَّكَرُ يَصْلُحُ لِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ لِلْخِدْمَةِ دُونَ الأُنْثى فَإنَّها ضَعِيفَةٌ لا تَقْوى عَلى الخِدْمَةِ. والرّابِعُ: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ في الخِدْمَةِ والِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الأُنْثى. والخامِسُ: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ مِنَ التُّهْمَةِ عِنْدَ الِاخْتِلاطِ ما يَلْحَقُ الأُنْثى فَهَذِهِ الوُجُوهُ تَقْتَضِي فَضْلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في هَذا المَعْنى. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ تَرْجِيحُ هَذِهِ الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ، كَأنَّها قالَتِ: الذَّكَرُ مَطْلُوبِي وهَذِهِ الأُنْثى مَوْهُوبَةُ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي يَكُونُ مَطْلُوبِي كالأُنْثى الَّتِي هي مَوْهُوبَةٌ لِلَّهِ، وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ المَرْأةَ كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ، عالِمَةً بِأنَّ ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ بِالعَبْدِ خَيْرٌ مِمّا يُرِيدُهُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ. * * * ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْها كَلامًا ثانِيًا وهو قَوْلُها: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى ما حَكَيْنا مِن أنَّ عِمْرانَ كانَ قَدْ ماتَ في حالِ حَمْلِ حَنَّةَ بِمَرْيَمَ، فَلِذَلِكَ تَوَلَّتِ الأُمُّ تَسْمِيَتَها؛ لِأنَّ العادَةَ أنَّ ذَلِكَ يَتَوَلّاهُ الآباءُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ: العابِدَةُ، فَأرادَتْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ أنْ تَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْصِمَها مِن آفاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُها بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ مَعْناهُ: وإنِّي سَمَّيْتُها بِهَذا اللَّفْظِ أيْ جَعَلْتُ هَذا اللَّفْظَ اسْمًا لَها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ والمُسَمّى والتَّسْمِيَةَ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ مُتَغايِرَةٌ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْها كَلامًا ثالِثًا وهو قَوْلُها: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وذَلِكَ صفحة ٢٥ لِأنَّهُ لَمّا فاتَها ما كانَتْ تُرِيدُ مِن أنْ يَكُونَ رَجُلًا خادِمًا لِلْمَسْجِدِ تَضَرَّعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَحْفَظَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وأنْ يَجْعَلَها مِنَ الصّالِحاتِ القانِتاتِ، وتَفْسِيرُ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الكِتابِ. * * * ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ حَنَّةَ هَذِهِ الكَلِماتِ قالَ: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ لِأنَّ القَبُولَ والتَّقَبُّلَ مُتَقارِبانِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] أيْ إنْباتًا، والقَبُولُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَبِلَ فُلانٌ الشَّيْءَ قَبُولًا إذا رَضِيَهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: خَمْسَةُ مَصادِرَ جاءَتْ عَلى فَعُولٍ: قَبُولٌ وطَهُورٌ ووَضُوءٌ ووَقُودٌ ووَلُوغٌ، إلّا أنَّ الأكْثَرَ في الوَقُودِ إذا كانَ مَصْدَرًا الضَّمُّ، وأجازَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: قُبُولًا بِالضَّمِّ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ يُقالُ: قَبِلْتُهُ قَبُولًا وقُبُولًا، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ ما كانَ مِن بابِ التَّفَعُّلِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ اعْتِناءِ ذَلِكَ الفاعِلِ بِإظْهارِ ذَلِكَ الفِعْلِ كالتَّصَبُّرِ والتَّجَلُّدِ ونَحْوِهِما فَإنَّهُما يُفِيدانِ الجِدِّ في إظْهارِ الصَّبْرِ والجَلادَةِ، فَكَذا هاهُنا التَّقَبُّلُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في إظْهارِ القَبُولِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ حَتّى صارَتِ المُبالَغَةُ أكْمَلَ ؟ والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ التَّقَبُّلِ وإنْ أفادَ ما ذَكَرْنا إلّا أنَّهُ يُفِيدُ نَوْعَ تَكَلُّفٍ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، أمّا القَبُولُ فَإنَّهُ يُفِيدُ مَعْنى القَبُولِ عَلى وفْقِ الطَّبْعِ فَذَكَرَ التَّقَبُّلَ لِيُفِيدَ الجِدَّ والمُبالَغَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ القَبُولَ لِيُفِيدَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، بَلْ عَلى وفْقِ الطَّبْعِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ وإنْ كانَتْ مُمْتَنِعَةً في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّها تَدُلُّ مِن حَيْثُ الِاسْتِعارَةُ عَلى حُصُولِ العِنايَةِ العَظِيمَةِ في تَرْبِيَتِها، وهَذا الوَجْهُ مُناسِبٌ مَعْقُولٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ القَبُولِ الحَسَنِ وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَصَمَها وعَصَمَ ولَدَها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مَسِّ الشَّيْطانِ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها» “ ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ﴾ طَعَنَ القاضِي في هَذا الخَبَرِ وقالَ: إنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ فَوَجَبَ رَدُّهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَدْعُو إلى الشَّرِّ مَن يَعْرِفُ الخَيْرَ والشَّرَّ والصَّبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا النَّخْسِ لَفَعَلَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ مِن إهْلاكِ الصّالِحِينَ وإفْسادِ أحْوالِهِمْ. والثّالِثُ: لِمَ خُصَّ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ مَرْيَمُ وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ ؟ . الرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ النَّخْسَ لَوْ وُجِدَ بَقِيَ أثَرُهُ، ولَوْ بَقِيَ أثَرُهُ لَدامَ الصُّراخُ والبُكاءُ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا بُطْلانَهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ، وبِأمْثالِها لا يَجُوزُ دَفْعُ الخَبَرِ واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَقَبَّلَها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، ما رُوِيَ أنَّ حَنَّةَ حِينَ ولَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ أبْناءِ هارُونَ، وهم في بَيْتِ المَقْدِسِ كالحَجَبَةِ في الكَعْبَةِ، وقالَتْ: خُذُوا هَذِهِ النَّذِيرَةَ، فَتَنافَسُوا فِيها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وكانَتْ بَنُو ماثانَ رُؤُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ وأحْبارَهم ومُلُوكَهم فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها عِنْدِي خالَتُها فَقالُوا لا حَتّى نَقْتَرِعَ عَلَيْها، فانْطَلَقُوا وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ إلى نَهْرٍ فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ الوَحْيَ بِها عَلى أنَّ كُلَّ مَنِ ارْتَفَعَ قَلَمُهُ فَهو صفحة ٢٦ الرّاجِحُ، ثُمَّ ألْقَوْا أقْلامَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَفي كُلِّ مَرَّةٍ كانَ يَرْتَفِعُ قَلَمُ زَكَرِيّا فَوْقَ الماءِ وتَرْسُبُ أقْلامُهم فَأخَذَها زَكَرِيّا. الوَجْهُ الثّالِثُ: رَوى القَفّالُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ تَكَلَّمَتْ في صِباها كَما تَكَلَّمَ المَسِيحُ ولَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ، وإنَّ رِزْقَها كانَ يَأْتِيها مِنَ الجَنَّةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ القَبُولِ الحَسَنِ أنَّ المُعْتادَ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أنَّ التَّحْرِيرَ لا يَجُوزُ إلّا في حَقِّ الغُلامِ حِينَ يَصِيرُ عاقِلًا قادِرًا عَلى خِدْمَةِ المَسْجِدِ، وهاهُنا لَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى تَضَرُّعَ تِلْكَ المَرْأةِ قَبِلَ تِلْكَ الجارِيَةَ حالَ صِغَرِها وعَدَمِ قُدْرَتِها عَلى خِدْمَةِ المَسْجِدِ، فَهَذا كُلُّهُ هو الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ القَبُولِ الحَسَنِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ أنْبَتَها فَنَبَتَتْ هي نَباتًا حَسَنًا ثُمَّ مِنهم مَن صَرَفَ هَذا النَّباتَ الحَسَنَ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، ومِنهم مَن صَرَفَهُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: المَعْنى أنَّها كانَتْ تَنْبُتُ في اليَوْمِ مِثْلَ ما يَنْبُتُ المَوْلُودُ في عامٍ واحِدٍ، وأمّا في الدِّينِ فَلِأنَّها نَبَتَتْ في الصَّلاحِ والسَّدادِ والعِفَّةِ والطّاعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: كَفَلَ يَكْفُلُ كَفالَةً وكَفْلًا فَهو كافِلٌ، وهو الَّذِي يُنْفِقُ عَلى إنْسانٍ ويَهْتَمُّ بِإصْلاحِ مَصالِحِهِ، وفي الحَدِيثِ ”«أنا وكافِلُ اليَتِيمِ كَهاتَيْنِ» “ وقالَ اللَّهُ تَعالى: (أكْفِلْنِيها) [ص: ٢٣] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وكَفَّلَها“ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في زَكَرِيّا فَقَرَأ عاصِمٌ بِالمَدِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالقَصْرِ عَلى مَعْنى ضَمَّها اللَّهُ تَعالى إلى زَكَرِيّا، فَمَن قَرَأ ”زَكَرِيّاءَ“ بِالمَدِّ أظْهَرَ النَّصْبَ ومَن قَرَأ بِالقَصْرِ كانَ في مَحَلِّ النَّصْبِ والباقُونَ قَرَءُوا بِالمَدِّ والرَّفْعِ عَلى مَعْنى ضَمَّها زَكَرِيّاءُ إلى نَفْسِهِ وهو الِاخْتِيارُ، لِأنَّ هَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٤٤] وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”كَفِلَها“ بِكَسْرِ الفاءِ، وأمّا القَصْرُ والمَدُّ في زَكَرِيّا فَهُما لُغَتانِ، كالهَيْجاءِ والهَيْجا، وقَرَأ مُجاهِدٌ ”فَتَقَبَّلْها رَبَّها، وأنْبِتْها، وكَفِّلْها“ عَلى لَفْظِ الأمْرِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، ونَصْبِ (رَبَّها) كَأنَّها كانَتْ تَدْعُو اللَّهَ فَقالَتْ: اقْبَلْها يا رَبَّها، وأنْبِتْها يا رَبَّها، واجْعَلْ زَكَرِيّا كافِلًا لَها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَفالَةِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاها مَتى كانَتْ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: كانَ ذَلِكَ حالَ طُفُولِيَّتِها، وبِهِ جاءَتِ الرِّواياتُ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ إنَّما كَفَلَها بَعْدَ أنْ فُطِمَتْ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وهَذا يُوهِمُ أنَّ تِلْكَ الكَفالَةَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّباتِ الحَسَنِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ قَدْ فارَقَتِ الرَّضاعَ وقْتَ تِلْكَ الكَفالَةِ، وأصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ أجابُوا بِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَلَعَلَّ الإنْباتَ الحَسَنَ وكَفالَةَ زَكَرِيّاءَ حَصَلا مَعًا. وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: فَلَعَلَّ دُخُولَهُ عَلَيْها وسُؤالَهُ مِنها هَذا السُّؤالَ إنَّما وقَعَ في آخِرِ زَمانِ الكَفالَةِ. * * * صفحة ٢٧ ثُمَّ قالَ اللَّهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (المِحْرابَ) المَوْضِعَ العالِيَ الشَّرِيفَ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها لَمْ أدْنُ حَتّى أرْتَقِيَ سُلَّما واحْتَجَّ الأصْمَعِيُّ عَلى أنَّ المِحْرابَ هو الغُرْفَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] والتَّسَوُّرُ لا يَكُونُ إلّا مِن عُلُوٍّ، وقِيلَ: المِحْرابُ أشْرَفُ المَجالِسِ وأرْفَعُها، يُرْوى أنَّها لَمّا صارَتْ شابَّةً بَنى زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَها غُرْفَةً في المَسْجِدِ، وجَعَلَ بابَها في وسَطِهِ لا يُصْعَدُ إلَيْهِ إلّا بِسُلَّمٍ، وكانَ إذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِكَرامَةِ الأوْلِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنْ زَكَرِيّاءَ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ: أنّى لَكِ هَذا ؟ قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الرِّزْقِ عِنْدَها إمّا أنْ يَكُونَ خارِقًا لِلْعادَةِ، أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ غَيْرُ خارِقٍ لِلْعادَةِ فَهو باطِلٌ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ حُصُولُ ذَلِكَ الرِّزْقِ عِنْدَ مَرْيَمَ دَلِيلًا عَلى عُلُوِّ شَأْنِها وشَرَفِ دَرَجَتِها وامْتِيازِها عَنْ سائِرِ النّاسِ بِتِلْكَ الخاصِّيَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ آيِسًا مِنَ الوَلَدِ بِسَبَبِ شَيْخُوخَتِهِ وشَيْخُوخَةِ زَوْجَتِهِ، فَلَمّا رَأى انْخِراقَ العادَةِ في حَقِّ مَرْيَمَ طَمِعَ في حُصُولِ الوَلَدِ فَيَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٨] أمّا لَوْ كانَ الَّذِي شاهَدَهُ في حَقِّ مَرْيَمَ لَمْ يَكُنْ خارِقًا لِلْعادَةِ لَمْ تَكُنْ مُشاهَدَةُ ذَلِكَ سَبَبًا لِطَمَعِهِ في انْخِراقِ العادَةِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مِنَ المَرْأةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ. الثّالِثُ: أنَّ التَّنَكُّرَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ ذَلِكَ الرِّزْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا، أيْ رِزْقٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ، وذَلِكَ إنَّما يُفِيدُ الغَرَضَ اللّائِقَ لِسِياقِ هَذِهِ الآيَةِ لَوْ كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ. الرّابِعُ: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١ ] ولَوْلا أنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِما مِنَ الخَوارِقِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَها ولَدًا مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ؟ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِآيَةٍ، بَلْ يَحْتاجُ تَصْحِيحُهُ إلى آيَةٍ، فَكَيْفَ نَحْمِلُ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِها وطَهارَتِها، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِظُهُورِ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِها كَما ظَهَرَتْ عَلى يَدِ ولَدِها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . الخامِسُ: ما تَواتَرَتِ الرِّواياتُ بِهِ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي ظَهَرَ في حَقِّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - كانَ فِعْلًا خارِقًا لِلْعادَةِ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مُعْجِزَةً لِبَعْضِ الأنْبِياءِ أوْ ما كانَ كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ النَّبِيَّ المَوْجُودَ في ذَلِكَ الزَّمانِ هو زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ لَكانَ هو عالِمًا بِحالِهِ وشَأْنِهِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَشْتَبِهَ أمْرُهُ عَلَيْهِ وأنْ لا يَقُولَ لِمَرْيَمَ: ﴿أنّى لَكِ هَذا﴾ وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لَمّا سَألَها عَنْ أمْرِ تِلْكَ الأشْياءِ ثُمَّ إنَّها ذَكَرَتْ لَهُ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهُنالِكَ طَمِعَ في انْخِراقِ العادَةِ في حُصُولِ الوَلَدِ مِنَ المَرْأةِ العَقِيمَةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما وقَفَ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ إلّا صفحة ٢٨ إلّا بِإخْبارِ مَرْيَمَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ ما كانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ كَرامَةً لِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ كانَتْ كَرامَةً لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُقُوعِ كَراماتِ الأوْلِياءِ. اعْتَرَضَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ كانَتْ مِن مُعْجِزاتِ زَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لَها عَلى الإجْمالِ أنْ يُوَصِّلَ اللَّهُ إلَيْها رِزْقًا، وأنَّهُ رُبَّما كانَ غافِلًا عَنْ تَفاصِيلِ ما يَأْتِيها مِنَ الأرْزاقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا رَأى شَيْئًا بِعَيْنِهِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ قالَ لَها: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَ بِدُعائِهِ تِلْكَ المُعْجِزَةَ. والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ زَكَرِيّا يُشاهِدُ عِنْدَ مَرْيَمَ رِزْقًا مُعْتادًا إلّا أنَّهُ كانَ يَأْتِيها مِنَ السَّماءِ، وكانَ زَكَرِيّا يَسْألُها عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِن أنْ يَكُونَ يَأْتِيها مِن عِنْدِ إنْسانٍ يَبْعَثُهُ إلَيْها، فَقالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ. المَقامُ الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ قَدْ ظَهَرَ عَلى مَرْيَمَ شَيْءٌ مِن خَوارِقِ العاداتِ، بَلْ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ سَبَّبَ لَها رِزْقًا عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَرْغَبُونَ في الإنْفاقِ عَلى الزّاهِداتِ العابِداتِ، فَكانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا رَأى شَيْئًا مِن ذَلِكَ خافَ أنَّهُ رُبَّما أتاها ذَلِكَ الرِّزْقُ مِن وجْهٍ لا يَنْبَغِي، فَكانَ يَسْألُها عَنْ كَيْفِيَّةِ الحالِ، هَذا مَجْمُوعُ ما قالَهُ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ وهو في غايَةِ الضَّعْفِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَأْذُونًا لَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ مَأْذُونًا في ذَلِكَ الطَّلَبِ كانَ عالِمًا قَطْعًا بِأنَّهُ يَحْصُلُ، وإذا عَلِمَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَطْلُبَ مِنها كَيْفِيَّةَ الحالِ، ولَمْ يَبْقَ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٨] فائِدَةٌ، وهَذا هو الجَوابُ بِعَيْنِهِ عَنِ الوَجْهِ الثّانِي. وأمّا سُؤالُهُ الثّالِثُ فَفي غايَةِ الرَّكاكَةِ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَبْقى فِيهِ وجْهُ اخْتِصاصٍ لِمَرْيَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأيْضًا فَإنْ كانَ في قَلْبِهِ احْتِمالٌ أنَّهُ رُبَّما أتاها هَذا الرِّزْقُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي لا يَنْبَغِي، فَبِمُجَرَّدِ إخْبارِها كَيْفَ يُعْقَلُ زَوالُ تِلْكَ التُّهْمَةِ فَعَلِمْنا سُقُوطَ هَذِهِ الأسْئِلَةِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى امْتِناعِ الكَراماتِ بِأنَّها دَلالاتُ صِدْقِ الأنْبِياءِ، ودَلِيلُ النُّبُوَّةِ لا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِ الأنْبِياءِ، كَما أنَّ الفِعْلَ المُحْكَمَ لَمّا كانَ دَلِيلًا عَلى العِلْمِ لا جَرَمَ لا يُوجَدُ في حَقِّ غَيْرِ العالِمِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو أنَّ ظُهُورَ الفِعْلِ الخارِقِ لِلْعادَةِ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي، فَإنِ ادَّعى صاحِبُهُ النُّبُوَّةَ فَذاكَ الفِعْلُ الخارِقُ لِلْعادَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا، وإنِ ادَّعى الوِلايَةَ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ ولِيًّا. والثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ: الأنْبِياءُ مَأْمُورُونَ بِإظْهارِها، والأوْلِياءُ مَأْمُورُونَ بِإخْفائِها. والثّالِثُ: وهو أنَّ النَّبِيَّ يَدَّعِي المُعْجِزَ ويَقْطَعُ بِهِ، والوَلِيُّ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْطَعَ بِهِ. والرّابِعُ: أنَّ المُعْجِزَةَ يَجِبُ انْفِكاكُها عَنِ المُعارَضَةِ، والكَرامَةُ لا يَجِبُ انْفِكاكُها عَنِ المُعارَضَةِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ مَرْيَمَ، وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ، أوْ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ سَألَها عَلى سَبِيلٍ يُناسِبُ حُصُولَها، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] وهاهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ حَنَّةَ.

آل عمران 3:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صفحة ١٨ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَبَّتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ بَيَّنَ عُلُوَّ دَرَجاتِ الرُّسُلِ وشَرَفَ مَناصِبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَخْلُوقاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: المُكَلَّفُ وغَيْرُ المُكَلَّفِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْنافَ المُكَلَّفِ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ، والإنْسُ والجِنُّ، والشَّياطِينُ، أمّا المَلائِكَةُ، فَقَدْ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم مِنَ الرِّيحِ ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ. فالأوَّلُ: أنَّهم لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى الطَّيَرانِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ. والثّانِي: لِهَذا السَّبَبِ قَدَرُوا عَلى حَمْلِ العَرْشِ، لِأنَّ الرِّيحَ تَقُومُ بِحَمْلِ الأشْياءِ. الثّالِثُ: لِهَذا السَّبَبِ سُمُّوا رُوحانِيِّينَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، ولِهَذا صَفَتْ وأخْلَصَتْ لِلَّهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: أبْدانُهم مِنَ الرِّيحِ وأرْواحُهم مِنَ النُّورِ، فَهَؤُلاءِ هم سُكّانُ عالَمِ السَّماواتِ، أمّا الشَّياطِينُ فَهم كَفَرَةٌ أمّا إبْلِيسُ فَكُفْرُهُ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] وأمّا سائِرُ الشَّياطِينِ فَهم أيْضًا كَفَرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ أنَّهم بِأسْرِها أعْداءٌ لِلْبَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنْعامِ: ١١٢ ] ومِن خَواصِّ الشَّياطِينِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢ ] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧ ] فَأمّا الجِنُّ فَمِنهم كافِرٌ ومِنهم مُؤْمِنٌ، قالَ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٤ ] أمّا الإنْسُ فَلا شَكَّ أنَّ لَهم والِدًا هو والِدُهُمُ الأوَّلُ، وإلّا لَذَهَبَ إلى ما لا نِهايَةَ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ هو آدَمُ ﷺ عَلى ما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩ ] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ * * * المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤ ] والقائِلُونَ بِأنَّ البَشَرَ أفْضَلُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاصْطِفاءَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الكَرامَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ اصْطَفى آدَمَ وأوْلادَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى كُلِّ العالَمِينَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ مِنَ العالَمِينَ. فَإنْ قِيلَ: إنْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى تَفْضِيلِ المَذْكُورِينَ عَلى كُلِّ العالَمِينَ أدّى إلى التَّناقُضِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ الكَثِيرَ إذا وُصِفُوا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلُ مِن كُلِّ العالَمِينَ يُلْزِمُ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِن كُلِّ العالَمِينَ يُلْزِمُ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ وذَلِكَ مُحالٌ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ عالَمِي زَمانِهِ أوْ عالَمِي جِنْسِهِ لَمْ يَلْزَمِ التَّناقُضُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى هَذا المَعْنى دَفْعًا لِلتَّناقُضِ وأيْضًا قالَ تَعالى في صِفَةِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٧ ] ولا يُلْزِمُ كَوْنَهم أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ قُلْنا المُرادُ بِهِ عالَمُو زَمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، والجَوابُ ظاهِرٌ في قَوْلِهِ: اصْطَفى آدَمَ عَلى العالَمِينَ، يَتَناوَلُ كُلَّ مَن يَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العالَمِ صفحة ١٩ عَلَيْهِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المَلَكُ، غايَةُ ما في هَذا البابِ أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِعُمُومِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ قامَ عَلَيْهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ نَتْرُكَهُ في سائِرِ الصُّوَرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (اصْطَفى) في اللُّغَةِ اخْتارَ، فَمَعْنى: اصْطَفاهم، أيْ جَعَلَهم صَفْوَةَ خَلْقِهِ، تَمْثِيلًا بِما يُشاهَدُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُصَفّى ويُنَقّى مِنَ الكُدُورَةِ، ويُقالُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: صَفْوَةٌ، وصُفْوَةٌ وصِفْوَةٌ،، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ لِمُوسى: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ [الأعْرافِ: ١٤٤ ] وقالَ في إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾ [ص: ٤٧ ] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ. في الآيَةِ قَوْلانِ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ اصْطَفى دِينَ آدَمَ ودِينَ نُوحٍ فَيَكُونُ الِاصْطِفاءُ راجِعًا إلى دِينِهِمْ وشَرْعِهِمْ ومِلَّتِهِمْ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهم، أيْ صَفّاهم مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، وزَيَّنَهم بِالخِصالِ الحَمِيدَةِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنّا لا نَحْتاجُ فِيهِ إلى الإضْمارِ. والثّانِي: أنَّهُ مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤ ] وذَكَرَ الحَلِيمِيُّ في كِتابِ ”المِنهاجِ“ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا مُخالِفِينَ لِغَيْرِهِمْ في القُوى الجِسْمانِيَّةِ، والقُوى الرُّوحانِيَّةِ، أمّا القُوى الجِسْمانِيَّةُ، فَهي إمّا مُدْرِكَةٌ، وإمّا مُحَرِّكَةٌ. أمّا المُدْرِكَةُ: فَهي إمّا الحَواسُّ الظّاهِرَةُ، وإمّا الحَواسُّ الباطِنَةُ، أمّا الحَواسُّ الظّاهِرَةُ فَهي خَمْسَةٌ؛ أحَدُها: القُوَّةُ الباصِرَةُ، ولَقَدْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مَخْصُوصًا بِكَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﷺ: ”«زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها» “ . والثّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أقِيمُوا صُفُوفَكم وتَراصُّوا فَإنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي» “ . ونَظِيرُ هَذِهِ القُوَّةِ ما حَصَلَ لِإبْراهِيمَ ﷺ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥ ] ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ تَعالى قَوّى بَصَرَهُ حَتّى شاهَدَ جَمِيعَ المَلَكُوتِ مِنَ الأعْلى والأسْفَلِ قالَ الحَلِيمِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ لِأنَّ البُصَراءَ يَتَفاوَتُونَ فَرُوِيَ أنَّ زَرْقاءَ اليَمامَةِ كانَتْ تُبْصِرُ الشَّيْءَ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَصَرُ النَّبِيِّ ﷺ أقْوى مِن بَصَرِها. وثانِيها: القُوَّةُ السّامِعَةُ، وكانَ ﷺ أقْوى النّاسِ في هَذِهِ القُوَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ لِلَّهِ تَعالى» “ فَسَمِعَ أطِيطَ السَّماءِ. والثّانِي: «أنَّهُ سَمِعَ دَوِيًّا وذَكَرَ أنَّهُ هُوِيُّ صَخْرَةٍ قُذِفَتْ في جَهَنَّمَ فَلَمْ تَبْلُغْ قَعْرَها إلى الآنِ»، قالَ الحَلِيمِيُّ: ولا سَبِيلَ لِلْفَلاسِفَةِ إلى اسْتِبْعادِ هَذا، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ فِيثاغُورْثَ راضَ نَفْسَهُ حَتّى سَمِعَ خَفِيفَ الفَلَكِ، ونَظِيرُ هَذِهِ القُوَّةِ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قِصَّةِ النَّمْلِ ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨ ] فاللَّهُ تَعالى أسْمَعَ سُلَيْمانَ كَلامَ النَّمْلِ وأوْقَفَهُ عَلى مَعْناهُ وهَذا داخِلٌ أيْضًا في بابِ تَقْوِيَةِ الفَهْمِ، وكانَ ذَلِكَ حاصِلًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ تَكَلَّمَ مَعَ الذِّئْبِ ومَعَ البَعِيرِ. ثالِثُها: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الشَّمِّ، كَما في حَقِّ يَعْقُوبَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أمَرَ بِحَمْلِ قَمِيصِهِ إلَيْهِ وإلْقائِهِ عَلى وجْهِهِ، فَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يُوسُفَ: ٩٤ ] فَأحَسَّ بِها مِن مَسِيرَةِ أيّامٍ. ورابِعُها: تَقْوِيَةُ قُوَّةِ الذَّوْقِ، كَما في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ حِينَ قالَ: ”«إنَّ هَذا الذِّراعَ يُخْبِرُنِي أنَّهُ مَسْمُومٌ» “ . وخامِسُها: تَقْوِيَةُ القُوَّةِ اللّامِسَةِ كَما في حَقِّ الخَلِيلِ حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ بَرْدًا وسَلامًا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ هَذا ويُشاهَدُ مِثْلُهُ في السَّمَندَلِ والنَّعامَةِ، وأمّا الحَواسُّ الباطِنَةُ فَمِنها قُوَّةُ صفحة ٢٠ الحِفْظِ، قالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعْلى: ٦ ] ومِنها قُوَّةُ الذَّكاءِ «قالَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ألْفَ بابٍ مِنَ العِلْمِ واسْتَنْبَطْتُ مِن كُلِّ بابٍ ألْفَ بابٍ»“ فَإذا كانَ حالُ الوَلِيِّ هَكَذا، فَكَيْفَ حالُ النَّبِيِّ ﷺ . وأمّا القُوى المُحَرِّكَةُ: فَمِثْلُ عُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى المِعْراجِ، وعُرُوجِ عِيسى حَيًّا إلى السَّماءِ، ورَفْعِ إدْرِيسَ وإلْياسَ عَلى ما ورَدَتْ بِهِ الأخْبارُ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٠ ] . وأمّا القُوى الرُّوحانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ: فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في غايَةِ الكَمالِ، ونِهايَةِ الصَّفاءِ. واعْلَمْ أنَّ تَمامَ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّ النَّفْسَ القُدْسِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ مُخالِفَةٌ بِماهِيَّتِها لِسائِرِ النُّفُوسِ، ومِن لَوازِمِ تِلْكَ النَّفْسِ الكَمالُ في الذَّكاءِ، والفِطْنَةِ، والحُرِّيَّةِ، والِاسْتِعْلاءُ، والتَّرَفُّعُ عَنِ الجِسْمانِيّاتِ والشَّهَواتِ، فَإذا كانَتِ الرُّوحُ في غايَةِ الصَّفاءِ والشَّرَفِ، وكانَ البَدَنُ في غايَةِ النَّقاءِ والطَّهارَةِ كانَتْ هَذِهِ القُوى المُحَرِّكَةُ المُدْرِكَةُ في غايَةِ الكَمالِ؛ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى أنْوارٍ فائِضَةٍ مِن جَوْهَرِ الرُّوحِ واصِلَةٌ إلى البَدَنِ، ومَتى كانَ الفاعِلُ والقابِلُ في غايَةِ الكَمالِ كانَتِ الآثارُ في غايَةِ القُوَّةِ والشَّرَفِ والصَّفاءِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ مَعْناهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اصْطَفى آدَمَ إمّا مِن سُكّانِ العالَمِ السُّفْلِيِّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: المَلَكُ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، أوْ مِن سُكّانِ العالَمِ العُلْوِيِّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: البَشَرُ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ وضَعَ كَمالَ القُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ في شُعْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن أوْلادِ آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، هم شِيثٌ وأوْلادُهُ، إلى إدْرِيسَ، ثُمَّ إلى نُوحٍ، ثُمَّ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ حَصَلَ مِن إبْراهِيمَ شُعْبَتانِ: إسْماعِيلُ وإسْحاقُ، فَجَعَلَ إسْماعِيلَ مَبْدَأً لِظُهُورِ الرُّوحِ القُدْسِيَّةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلَ إسْحاقَ مَبْدَأً لِشُعْبَتَيْنِ: يَعْقُوبَ وعِيصُو، فَوَضَعَ النُّبُوَّةَ في نَسْلِ يَعْقُوبَ، ووَضَعَ المُلْكَ في نَسْلِ عِيصُو، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ نُقِلَ نُورُ النُّبُوَّةِ ونُورُ المُلْكِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَقِيا أعْنِي الدِّينَ والمُلْكَ لِأتْباعِهِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، ومَن تَأمَّلَ في هَذا البابِ وصَلَ إلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ المُؤْمِنُونَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافِرٍ: ٤٦ ] والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الأوْلادُ، وهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤ ] وأمّا آلُ عِمْرانَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ عِمْرانُ والِدُ مُوسى وهارُونَ، وهو عِمْرانُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن آلِ عِمْرانَ مُوسى وهارُونَ وأتْباعَهُما مِنَ الأنْبِياءِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ: عِمْرانُ بْنُ ماثانَ والِدُ مَرْيَمَ، وكانَ هو مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ بْنِ إيشا، وكانُوا مَن نَسْلِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالُوا. وبَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفٌ وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ، واحْتَجَّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِأُمُورٍ. أحَدُها: أنَّ المَذْكُورَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ هو عِمْرانُ بْنُ ماثانَ جَدُّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قِبَلِ الأُمِّ، فَكانَ صَرْفُ الكَلامِ إلَيْهِ أوْلى. وثانِيها: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ أنَّ النَّصارى كانُوا يَحْتَجُّونَ عَلى إلَهِيَّةِ عِيسى بِالخَوارِقِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّما ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ إكْرامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى اصْطَفاهُ عَلى العالَمِينَ وخَصَّهُ بِالكَراماتِ العَظِيمَةِ، فَكانَ حَمْلُ هَذا صفحة ٢١ الكَلامِ عَلى عِمْرانَ بْنِ ماثانَ أوْلى في هَذا المَقامِ مِن حَمْلِهِ عَلى عِمْرانَ والِدِ مُوسى وهارُونَ. وثالِثُها: أنَّ هَذا اللَّفْظَ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١ ] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ لَيْسَتْ دَلائِلَ قَوِيَّةً، بَلْ هي أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ، وأصْلُ الِاحْتِمالِ قائِمٌ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في نَصْبِ قَوْلِهِ: (ذُرِّيَّةً) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ، أيِ اصْطَفاهم في حالِ كَوْنِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ذَرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ في التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ والطّاعَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٧ ] وذَلِكَ بِسَبَبِ اشْتِراكِهِمْ في النِّفاقِ. والثّانِي: ذَرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِمَعْنى أنَّ غَيْرَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا مُتَوَلِّدِينَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويَكُونُ المُرادُ بِالذُّرِّيَّةِ مَن سِوى آدَمَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤] فَقالَ القَفّالُ: المَعْنى واللَّهُ سَمِيعٌ لِأقْوالِ العِبادِ، عَلِيمٌ بِضَمائِرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وإنَّما يَصْطَفِي مِن خَلْقِهِ مَن يَعْلَمُ اسْتِقامَتَهُ قَوْلًا وفِعْلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤ ] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٠ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ مِن ولَدِ إبْراهِيمَ ومِن آلِ عِمْرانَ، فَنَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وكانَ بَعْضُهم عالِمًا بِأنَّ هَذا الكَلامَ باطِلٌ، إلّا أنَّهُ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ العَوامِّ بَقِيَ مُصِرًّا عَلَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ: واللَّهُ سَمِيعٌ لِهَذِهِ الأقْوالِ الباطِلَةِ مِنكم، عَلِيمٌ بِأغْراضِكُمُ الفاسِدَةِ مِن هَذِهِ الأقْوالِ فَيُجازِيكم عَلَيْها، فَكانَ أوَّلُ الآيَةِ بَيانًا لِشَرَفِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وآخِرُها تَهْدِيدًا لِهَؤُلاءِ الكاذِبِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ عَلى أدْيانِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ قِصَصًا كَثِيرَةً: * * * القِصَّةُ الأُولى واقِعَةُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ -عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ صفحة ٢٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مَوْضِعِ ”إذْ“ مِنَ الإعْرابِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّها زائِدَةٌ لَغْوًا، والمَعْنى: قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، ولا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَصْنَعْ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذا شَيْئًا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إلْغاءُ حَرْفٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ ضَرُورَةً. والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: التَّقْدِيرُ اذْكُرْ ”إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ“ ومِثْلُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ. الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ، التَّقْدِيرُ: واصْطَفى آلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، وطَعَنَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ اصْطِفاءَ آلِ عِمْرانَ بِاصْطِفاءِ آدَمَ ونُوحٍ، ولَمّا كانَ اصْطِفاؤُهُ تَعالى آدَمَ ونُوحًا قَبْلَ قَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ اسْتَحالَ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الِاصْطِفاءَ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا الكَلامَ فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ أثَرَ اصْطِفاءِ كُلِّ واحِدٍ إنَّما ظَهَرَ عِنْدَ وُجُودِهِ، وظُهُورِ طاعاتِهِ، فَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ عِنْدَ وُجُودِهِ، ونُوحًا عِنْدَ وُجُودِهِ، وآلَ عِمْرانَ عِنْدَما قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا الكَلامَ. الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ قَبْلَ أنْ قالَتِ المَرْأةُ هَذا القَوْلَ، فَما مَعْنى هَذا التَّقْيِيدِ ؟ قُلْنا: إنَّ سَمْعَهُ تَعالى لِذَلِكَ الكَلامِ مُقَيَّدٌ بِوُجُودِ ذَلِكَ الكَلامِ، وعِلْمُهُ تَعالى بِأنَّها تَذْكُرُ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِذِكْرِها لِذَلِكَ، والتَّغَيُّرُ في العِلْمِ والسَّمْعِ إنَّما يَقَعُ في النِّسَبِ والمُتَعَلِّقاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ زَكَرِيّا بْنَ آذَنَ، وعِمْرانَ بْنَ ماثانَ، كانا في عَصْرٍ واحِدٍ، وامْرَأةُ عِمْرانَ حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذَ، وقَدْ تَزَوَّجَ زَكَرِيّا بِابْنَتِهِ إيشاعَ أُخْتِ مَرْيَمَ، وكانَ يَحْيى وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - ابْنَيْ خالَةٍ، ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ هَذا النَّذْرِ رِواياتٌ: الرِّوايَةُ الأُولى: قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّها كانَتْ عاقِرًا لا تَلِدُ، وكانَتْ تَغْبِطُ النِّساءَ بِالأوْلادِ، ثُمَّ قالَتْ: اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ نَذْرًا إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِيَكُونَ مِن سَدَنَتِهِ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّ أُمَّ مَرْيَمَ ما كانَ يَحْصُلُ لَها ولَدٌ حَتّى شاخَتْ، وكانَتْ يَوْمًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَرَأتْ طائِرًا يُطْعِمُ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتْ رَبَّها أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَرَفَتْ جَعَلَتْهُ لِلَّهِ مُحَرَّرًا، أيْ خادِمًا لِلْمَسْجِدِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّها إنَّما فَعَلَتْ ذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ ولَوْلاهُ ما فَعَلَتْ كَما رَأى إبْراهِيمُ ذَبْحَ ابْنِهِ في المَنامِ فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ وحْيِ، وكَما ألْهَمَ اللَّهُ أُمَّ مُوسى فَقَذَفَتْهُ في اليَمِّ ولَيْسَ بِوَحْيٍ. صفحة ٢٣ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُحَرَّرُ الَّذِي يُجْعَلُ حُرًّا خالِصًا، يُقالُ: حَرَّرْتُ العَبْدَ إذا خَلَّصْتَهُ عَنِ الرِّقِّ، وحَرَّرْتُ الكِتابَ إذا أصْلَحْتَهُ وخَلَّصْتَهُ فَلَمْ تُبْقِ فِيهِ شَيْئًا مِن وُجُوهِ الغَلَطِ، ورَجُلٌ حُرٌّ إذا كانَ خالِصًا لِنَفْسِهِ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ تَعَلُّقٌ، والطِّينُ الحُرُّ الخالِصُ عَنِ الرَّمْلِ والحِجارَةِ والحَمْأةِ والعُيُوبِ. أمّا التَّفْسِيرُ فَقِيلَ مُخْلِصًا لِلْعِبادَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وقِيلَ: خادِمًا لِلْبِيعَةِ، وقِيلَ: عَتِيقًا مِن أمْرِ الدُّنْيا لِطاعَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: خادِمًا لِمَن يُدَرِّسُ الكِتابَ، ويُعَلِّمُ في البِيَعِ، والمَعْنى أنَّها نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَ ذَلِكَ الوَلَدَ وقْفًا عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَ الأصَمُّ: لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ غَنِيمَةٌ ولا سَبْيٌ، فَكانَ تَحْرِيرُهم جَعْلَهم أوْلادَهم عَلى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ الأمْرُ في دِينِهِمْ أنَّ الوَلَدَ إذا صارَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ اسْتِخْدامُهُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ الأبَوَيْنِ، فَكانُوا بِالنَّذْرِ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الِانْتِفاعِ، ويَجْعَلُونَهم مُحَرَّرِينَ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ وطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: كانَ المُحَرَّرُ يُجْعَلُ في الكَنِيسَةِ يَقُومُ بِخِدْمَتِها حَتّى يَبْلُغَ الحُلُمَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ المُقامِ والذَّهابِ، فَإنْ أبى المُقامَ وأرادَ أنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ، وإنِ اخْتارَ المُقامَ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خِيارٌ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إلّا ومِن نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ في بَيْتِ المَقْدِسِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا التَّحْرِيرُ لَمْ يَكُنْ جائِزًا إلّا في الغِلْمانِ أمّا الجارِيَةُ فَكانَتْ لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ لِما يُصِيبُها مِنَ الحَيْضِ، والأذى، ثُمَّ إنَّ حَنَّةَ نَذَرَتْ مُطْلَقًا إمّا لِأنَّها بَنَتِ الأمْرَ عَلى التَّقْدِيرِ، أوْ لِأنَّها جَعَلَتْ ذَلِكَ النَّذْرَ وسِيلَةً إلى طَلَبِ الذَّكَرِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (مُحَرَّرًا) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ”ما“ وتَقْدِيرُهُ: نَذَرْتُ لَكَ الَّذِي في بَطْنِي مُحَرَّرًا. والثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى نَذَرْتُ لَكَ أنْ أجْعَلَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى حاكِيًا عَنْها: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ التَّقَبُّلُ: أخْذُ الشَّيْءِ عَلى الرِّضا، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ المُقابَلَةِ لِأنَّهُ يُقْبَلُ بِالجَزاءِ، وهَذا كَلامُ مَن لا يُرِيدُ بِما فَعَلَهُ إلّا الطَّلَبَ لِرِضا اللَّهِ تَعالى، والإخْلاصَ في عِبادَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ والمَعْنى: إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ لِتَضَرُّعِي ودُعائِي ونِدائِي، العَلِيمُ بِما في ضَمِيرِي وقَلْبِي ونِيَّتِي. واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ النَّذْرِ كانَ في شَرْعِ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرُ مَوْجُودٍ في شَرْعِنا، والشَّرائِعُ لا يَمْتَنِعُ اخْتِلافُها في مِثْلِ هَذِهِ الأحْكامِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الأُنْثى الَّتِي كانَتْ في بَطْنِها وكانَ عالِمًا بِأنَّها كانَتْ أُنْثى أوْ يُقالُ: إنَّها عادَتْ إلى النَّفْسِ والنَّسَمَةِ أوْ يُقالُ: عادَتْ إلى المَنذُورَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ واعْلَمْ أنَّ الفائِدَةَ في هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنها النَّذْرُ في تَحْرِيرِ ما في بَطْنِها، وكانَ الغالِبُ عَلى ظَنِّها أنَّهُ ذَكَرٌ فَلَمْ تَشْتَرِطْ ذَلِكَ في كَلامِها، وكانَتِ العادَةُ عِنْدَهم أنَّ الَّذِي يُحَرَّرُ ويُفَرَّغُ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ وطاعَةِ اللَّهِ هو الذَّكَرُ دُونَ الأُنْثى فَقالَتْ: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خائِفَةً أنَّ نَذْرَها لَمْ يَقَعِ المَوْقِعَ الَّذِي يُعْتَمَدُ بِهِ ومُعْتَذِرَةً مِن إطْلاقِها النَّذْرَ المُتَقَدِّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لا عَلى سَبِيلِ الإعْلامِ لِلَّهِ صفحة ٢٤ تَعالى، تَعالى اللَّهُ عَنْ أنْ يَحْتاجَ إلى إعْلامِها، بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِذارِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ ”وضَعْتُ“ بِرَفْعِ التّاءِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها حِكايَةُ كَلامِها، والفائِدَةُ في هَذا الكَلامِ أنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها أنَّها تُخْبِرُ اللَّهَ تَعالى، فَأزالَتِ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ وثَبَتَ أنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ لِلِاعْتِذارِ لا لِلْإعْلامِ، والباقُونَ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ تَعْظِيمًا لِوَلَدِها، وتَجْهِيلًا لَها بِقَدْرِ ذَلِكَ الوَلَدِ، ومَعْناهُ: واللَّهُ أعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْ وبِما عَلَّقَ بِهِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنْ يَجْعَلَهُ ووَلَدَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ، وهي جاهِلَةٌ بِذَلِكَ لا تَعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا فَلِذَلِكَ تَحَسَّرَتْ وفي قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ”واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتِ“ عَلى خِطابِ اللَّهِ لَها، أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذا المَوْهُوبِ واللَّهُ هو العالِمُ بِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ والآياتِ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْها: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ مُرادَها تَفْضِيلُ الوَلَدِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى، وسَبَبُ هَذا التَّفْضِيلِ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّ شَرْعَهم أنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيرُ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ. والثّانِي: أنَّ الذَّكَرَ يَصِحُّ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى خِدْمَةِ مَوْضِعِ العِبادَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في الأُنْثى لِمَكانِ الحَيْضِ وسائِرِ عَوارِضِ النِّسْوانِ. والثّالِثُ: الذَّكَرُ يَصْلُحُ لِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ لِلْخِدْمَةِ دُونَ الأُنْثى فَإنَّها ضَعِيفَةٌ لا تَقْوى عَلى الخِدْمَةِ. والرّابِعُ: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ في الخِدْمَةِ والِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الأُنْثى. والخامِسُ: أنَّ الذَّكَرَ لا يَلْحَقُهُ مِنَ التُّهْمَةِ عِنْدَ الِاخْتِلاطِ ما يَلْحَقُ الأُنْثى فَهَذِهِ الوُجُوهُ تَقْتَضِي فَضْلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في هَذا المَعْنى. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ تَرْجِيحُ هَذِهِ الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ، كَأنَّها قالَتِ: الذَّكَرُ مَطْلُوبِي وهَذِهِ الأُنْثى مَوْهُوبَةُ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي يَكُونُ مَطْلُوبِي كالأُنْثى الَّتِي هي مَوْهُوبَةٌ لِلَّهِ، وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ المَرْأةَ كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ، عالِمَةً بِأنَّ ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ بِالعَبْدِ خَيْرٌ مِمّا يُرِيدُهُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ. * * * ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْها كَلامًا ثانِيًا وهو قَوْلُها: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى ما حَكَيْنا مِن أنَّ عِمْرانَ كانَ قَدْ ماتَ في حالِ حَمْلِ حَنَّةَ بِمَرْيَمَ، فَلِذَلِكَ تَوَلَّتِ الأُمُّ تَسْمِيَتَها؛ لِأنَّ العادَةَ أنَّ ذَلِكَ يَتَوَلّاهُ الآباءُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ: العابِدَةُ، فَأرادَتْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ أنْ تَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْصِمَها مِن آفاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُها بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ مَعْناهُ: وإنِّي سَمَّيْتُها بِهَذا اللَّفْظِ أيْ جَعَلْتُ هَذا اللَّفْظَ اسْمًا لَها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ والمُسَمّى والتَّسْمِيَةَ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ مُتَغايِرَةٌ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْها كَلامًا ثالِثًا وهو قَوْلُها: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وذَلِكَ صفحة ٢٥ لِأنَّهُ لَمّا فاتَها ما كانَتْ تُرِيدُ مِن أنْ يَكُونَ رَجُلًا خادِمًا لِلْمَسْجِدِ تَضَرَّعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَحْفَظَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وأنْ يَجْعَلَها مِنَ الصّالِحاتِ القانِتاتِ، وتَفْسِيرُ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الكِتابِ. * * * ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ حَنَّةَ هَذِهِ الكَلِماتِ قالَ: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ لِأنَّ القَبُولَ والتَّقَبُّلَ مُتَقارِبانِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] أيْ إنْباتًا، والقَبُولُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَبِلَ فُلانٌ الشَّيْءَ قَبُولًا إذا رَضِيَهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: خَمْسَةُ مَصادِرَ جاءَتْ عَلى فَعُولٍ: قَبُولٌ وطَهُورٌ ووَضُوءٌ ووَقُودٌ ووَلُوغٌ، إلّا أنَّ الأكْثَرَ في الوَقُودِ إذا كانَ مَصْدَرًا الضَّمُّ، وأجازَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: قُبُولًا بِالضَّمِّ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ يُقالُ: قَبِلْتُهُ قَبُولًا وقُبُولًا، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ ما كانَ مِن بابِ التَّفَعُّلِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ اعْتِناءِ ذَلِكَ الفاعِلِ بِإظْهارِ ذَلِكَ الفِعْلِ كالتَّصَبُّرِ والتَّجَلُّدِ ونَحْوِهِما فَإنَّهُما يُفِيدانِ الجِدِّ في إظْهارِ الصَّبْرِ والجَلادَةِ، فَكَذا هاهُنا التَّقَبُّلُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في إظْهارِ القَبُولِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ حَتّى صارَتِ المُبالَغَةُ أكْمَلَ ؟ والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ التَّقَبُّلِ وإنْ أفادَ ما ذَكَرْنا إلّا أنَّهُ يُفِيدُ نَوْعَ تَكَلُّفٍ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، أمّا القَبُولُ فَإنَّهُ يُفِيدُ مَعْنى القَبُولِ عَلى وفْقِ الطَّبْعِ فَذَكَرَ التَّقَبُّلَ لِيُفِيدَ الجِدَّ والمُبالَغَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ القَبُولَ لِيُفِيدَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، بَلْ عَلى وفْقِ الطَّبْعِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ وإنْ كانَتْ مُمْتَنِعَةً في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّها تَدُلُّ مِن حَيْثُ الِاسْتِعارَةُ عَلى حُصُولِ العِنايَةِ العَظِيمَةِ في تَرْبِيَتِها، وهَذا الوَجْهُ مُناسِبٌ مَعْقُولٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ القَبُولِ الحَسَنِ وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَصَمَها وعَصَمَ ولَدَها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مَسِّ الشَّيْطانِ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها» “ ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ﴾ طَعَنَ القاضِي في هَذا الخَبَرِ وقالَ: إنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ فَوَجَبَ رَدُّهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَدْعُو إلى الشَّرِّ مَن يَعْرِفُ الخَيْرَ والشَّرَّ والصَّبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا النَّخْسِ لَفَعَلَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ مِن إهْلاكِ الصّالِحِينَ وإفْسادِ أحْوالِهِمْ. والثّالِثُ: لِمَ خُصَّ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ مَرْيَمُ وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ ؟ . الرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ النَّخْسَ لَوْ وُجِدَ بَقِيَ أثَرُهُ، ولَوْ بَقِيَ أثَرُهُ لَدامَ الصُّراخُ والبُكاءُ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا بُطْلانَهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ، وبِأمْثالِها لا يَجُوزُ دَفْعُ الخَبَرِ واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَقَبَّلَها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، ما رُوِيَ أنَّ حَنَّةَ حِينَ ولَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ أبْناءِ هارُونَ، وهم في بَيْتِ المَقْدِسِ كالحَجَبَةِ في الكَعْبَةِ، وقالَتْ: خُذُوا هَذِهِ النَّذِيرَةَ، فَتَنافَسُوا فِيها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وكانَتْ بَنُو ماثانَ رُؤُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ وأحْبارَهم ومُلُوكَهم فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها عِنْدِي خالَتُها فَقالُوا لا حَتّى نَقْتَرِعَ عَلَيْها، فانْطَلَقُوا وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ إلى نَهْرٍ فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ الوَحْيَ بِها عَلى أنَّ كُلَّ مَنِ ارْتَفَعَ قَلَمُهُ فَهو صفحة ٢٦ الرّاجِحُ، ثُمَّ ألْقَوْا أقْلامَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَفي كُلِّ مَرَّةٍ كانَ يَرْتَفِعُ قَلَمُ زَكَرِيّا فَوْقَ الماءِ وتَرْسُبُ أقْلامُهم فَأخَذَها زَكَرِيّا. الوَجْهُ الثّالِثُ: رَوى القَفّالُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ تَكَلَّمَتْ في صِباها كَما تَكَلَّمَ المَسِيحُ ولَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ، وإنَّ رِزْقَها كانَ يَأْتِيها مِنَ الجَنَّةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ القَبُولِ الحَسَنِ أنَّ المُعْتادَ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أنَّ التَّحْرِيرَ لا يَجُوزُ إلّا في حَقِّ الغُلامِ حِينَ يَصِيرُ عاقِلًا قادِرًا عَلى خِدْمَةِ المَسْجِدِ، وهاهُنا لَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى تَضَرُّعَ تِلْكَ المَرْأةِ قَبِلَ تِلْكَ الجارِيَةَ حالَ صِغَرِها وعَدَمِ قُدْرَتِها عَلى خِدْمَةِ المَسْجِدِ، فَهَذا كُلُّهُ هو الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ القَبُولِ الحَسَنِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ أنْبَتَها فَنَبَتَتْ هي نَباتًا حَسَنًا ثُمَّ مِنهم مَن صَرَفَ هَذا النَّباتَ الحَسَنَ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، ومِنهم مَن صَرَفَهُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: المَعْنى أنَّها كانَتْ تَنْبُتُ في اليَوْمِ مِثْلَ ما يَنْبُتُ المَوْلُودُ في عامٍ واحِدٍ، وأمّا في الدِّينِ فَلِأنَّها نَبَتَتْ في الصَّلاحِ والسَّدادِ والعِفَّةِ والطّاعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: كَفَلَ يَكْفُلُ كَفالَةً وكَفْلًا فَهو كافِلٌ، وهو الَّذِي يُنْفِقُ عَلى إنْسانٍ ويَهْتَمُّ بِإصْلاحِ مَصالِحِهِ، وفي الحَدِيثِ ”«أنا وكافِلُ اليَتِيمِ كَهاتَيْنِ» “ وقالَ اللَّهُ تَعالى: (أكْفِلْنِيها) [ص: ٢٣] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وكَفَّلَها“ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في زَكَرِيّا فَقَرَأ عاصِمٌ بِالمَدِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالقَصْرِ عَلى مَعْنى ضَمَّها اللَّهُ تَعالى إلى زَكَرِيّا، فَمَن قَرَأ ”زَكَرِيّاءَ“ بِالمَدِّ أظْهَرَ النَّصْبَ ومَن قَرَأ بِالقَصْرِ كانَ في مَحَلِّ النَّصْبِ والباقُونَ قَرَءُوا بِالمَدِّ والرَّفْعِ عَلى مَعْنى ضَمَّها زَكَرِيّاءُ إلى نَفْسِهِ وهو الِاخْتِيارُ، لِأنَّ هَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٤٤] وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”كَفِلَها“ بِكَسْرِ الفاءِ، وأمّا القَصْرُ والمَدُّ في زَكَرِيّا فَهُما لُغَتانِ، كالهَيْجاءِ والهَيْجا، وقَرَأ مُجاهِدٌ ”فَتَقَبَّلْها رَبَّها، وأنْبِتْها، وكَفِّلْها“ عَلى لَفْظِ الأمْرِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، ونَصْبِ (رَبَّها) كَأنَّها كانَتْ تَدْعُو اللَّهَ فَقالَتْ: اقْبَلْها يا رَبَّها، وأنْبِتْها يا رَبَّها، واجْعَلْ زَكَرِيّا كافِلًا لَها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَفالَةِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاها مَتى كانَتْ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: كانَ ذَلِكَ حالَ طُفُولِيَّتِها، وبِهِ جاءَتِ الرِّواياتُ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ إنَّما كَفَلَها بَعْدَ أنْ فُطِمَتْ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وهَذا يُوهِمُ أنَّ تِلْكَ الكَفالَةَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّباتِ الحَسَنِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ قَدْ فارَقَتِ الرَّضاعَ وقْتَ تِلْكَ الكَفالَةِ، وأصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ أجابُوا بِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَلَعَلَّ الإنْباتَ الحَسَنَ وكَفالَةَ زَكَرِيّاءَ حَصَلا مَعًا. وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: فَلَعَلَّ دُخُولَهُ عَلَيْها وسُؤالَهُ مِنها هَذا السُّؤالَ إنَّما وقَعَ في آخِرِ زَمانِ الكَفالَةِ. * * * صفحة ٢٧ ثُمَّ قالَ اللَّهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (المِحْرابَ) المَوْضِعَ العالِيَ الشَّرِيفَ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها لَمْ أدْنُ حَتّى أرْتَقِيَ سُلَّما واحْتَجَّ الأصْمَعِيُّ عَلى أنَّ المِحْرابَ هو الغُرْفَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] والتَّسَوُّرُ لا يَكُونُ إلّا مِن عُلُوٍّ، وقِيلَ: المِحْرابُ أشْرَفُ المَجالِسِ وأرْفَعُها، يُرْوى أنَّها لَمّا صارَتْ شابَّةً بَنى زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَها غُرْفَةً في المَسْجِدِ، وجَعَلَ بابَها في وسَطِهِ لا يُصْعَدُ إلَيْهِ إلّا بِسُلَّمٍ، وكانَ إذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِكَرامَةِ الأوْلِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنْ زَكَرِيّاءَ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ: أنّى لَكِ هَذا ؟ قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الرِّزْقِ عِنْدَها إمّا أنْ يَكُونَ خارِقًا لِلْعادَةِ، أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ غَيْرُ خارِقٍ لِلْعادَةِ فَهو باطِلٌ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ حُصُولُ ذَلِكَ الرِّزْقِ عِنْدَ مَرْيَمَ دَلِيلًا عَلى عُلُوِّ شَأْنِها وشَرَفِ دَرَجَتِها وامْتِيازِها عَنْ سائِرِ النّاسِ بِتِلْكَ الخاصِّيَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ آيِسًا مِنَ الوَلَدِ بِسَبَبِ شَيْخُوخَتِهِ وشَيْخُوخَةِ زَوْجَتِهِ، فَلَمّا رَأى انْخِراقَ العادَةِ في حَقِّ مَرْيَمَ طَمِعَ في حُصُولِ الوَلَدِ فَيَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٨] أمّا لَوْ كانَ الَّذِي شاهَدَهُ في حَقِّ مَرْيَمَ لَمْ يَكُنْ خارِقًا لِلْعادَةِ لَمْ تَكُنْ مُشاهَدَةُ ذَلِكَ سَبَبًا لِطَمَعِهِ في انْخِراقِ العادَةِ بِحُصُولِ الوَلَدِ مِنَ المَرْأةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ. الثّالِثُ: أنَّ التَّنَكُّرَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ ذَلِكَ الرِّزْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا، أيْ رِزْقٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ، وذَلِكَ إنَّما يُفِيدُ الغَرَضَ اللّائِقَ لِسِياقِ هَذِهِ الآيَةِ لَوْ كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ. الرّابِعُ: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١ ] ولَوْلا أنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِما مِنَ الخَوارِقِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَها ولَدًا مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ؟ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِآيَةٍ، بَلْ يَحْتاجُ تَصْحِيحُهُ إلى آيَةٍ، فَكَيْفَ نَحْمِلُ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِها وطَهارَتِها، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِظُهُورِ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِها كَما ظَهَرَتْ عَلى يَدِ ولَدِها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . الخامِسُ: ما تَواتَرَتِ الرِّواياتُ بِهِ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي ظَهَرَ في حَقِّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - كانَ فِعْلًا خارِقًا لِلْعادَةِ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مُعْجِزَةً لِبَعْضِ الأنْبِياءِ أوْ ما كانَ كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ النَّبِيَّ المَوْجُودَ في ذَلِكَ الزَّمانِ هو زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ لَكانَ هو عالِمًا بِحالِهِ وشَأْنِهِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَشْتَبِهَ أمْرُهُ عَلَيْهِ وأنْ لا يَقُولَ لِمَرْيَمَ: ﴿أنّى لَكِ هَذا﴾ وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لَمّا سَألَها عَنْ أمْرِ تِلْكَ الأشْياءِ ثُمَّ إنَّها ذَكَرَتْ لَهُ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهُنالِكَ طَمِعَ في انْخِراقِ العادَةِ في حُصُولِ الوَلَدِ مِنَ المَرْأةِ العَقِيمَةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما وقَفَ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ إلّا صفحة ٢٨ إلّا بِإخْبارِ مَرْيَمَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ ما كانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ كَرامَةً لِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ كانَتْ كَرامَةً لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُقُوعِ كَراماتِ الأوْلِياءِ. اعْتَرَضَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ كانَتْ مِن مُعْجِزاتِ زَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لَها عَلى الإجْمالِ أنْ يُوَصِّلَ اللَّهُ إلَيْها رِزْقًا، وأنَّهُ رُبَّما كانَ غافِلًا عَنْ تَفاصِيلِ ما يَأْتِيها مِنَ الأرْزاقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا رَأى شَيْئًا بِعَيْنِهِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ قالَ لَها: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَ بِدُعائِهِ تِلْكَ المُعْجِزَةَ. والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ زَكَرِيّا يُشاهِدُ عِنْدَ مَرْيَمَ رِزْقًا مُعْتادًا إلّا أنَّهُ كانَ يَأْتِيها مِنَ السَّماءِ، وكانَ زَكَرِيّا يَسْألُها عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِن أنْ يَكُونَ يَأْتِيها مِن عِنْدِ إنْسانٍ يَبْعَثُهُ إلَيْها، فَقالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ. المَقامُ الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ قَدْ ظَهَرَ عَلى مَرْيَمَ شَيْءٌ مِن خَوارِقِ العاداتِ، بَلْ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ سَبَّبَ لَها رِزْقًا عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَرْغَبُونَ في الإنْفاقِ عَلى الزّاهِداتِ العابِداتِ، فَكانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا رَأى شَيْئًا مِن ذَلِكَ خافَ أنَّهُ رُبَّما أتاها ذَلِكَ الرِّزْقُ مِن وجْهٍ لا يَنْبَغِي، فَكانَ يَسْألُها عَنْ كَيْفِيَّةِ الحالِ، هَذا مَجْمُوعُ ما قالَهُ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ وهو في غايَةِ الضَّعْفِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَأْذُونًا لَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ مَأْذُونًا في ذَلِكَ الطَّلَبِ كانَ عالِمًا قَطْعًا بِأنَّهُ يَحْصُلُ، وإذا عَلِمَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَطْلُبَ مِنها كَيْفِيَّةَ الحالِ، ولَمْ يَبْقَ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٨] فائِدَةٌ، وهَذا هو الجَوابُ بِعَيْنِهِ عَنِ الوَجْهِ الثّانِي. وأمّا سُؤالُهُ الثّالِثُ فَفي غايَةِ الرَّكاكَةِ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَبْقى فِيهِ وجْهُ اخْتِصاصٍ لِمَرْيَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأيْضًا فَإنْ كانَ في قَلْبِهِ احْتِمالٌ أنَّهُ رُبَّما أتاها هَذا الرِّزْقُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي لا يَنْبَغِي، فَبِمُجَرَّدِ إخْبارِها كَيْفَ يُعْقَلُ زَوالُ تِلْكَ التُّهْمَةِ فَعَلِمْنا سُقُوطَ هَذِهِ الأسْئِلَةِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى امْتِناعِ الكَراماتِ بِأنَّها دَلالاتُ صِدْقِ الأنْبِياءِ، ودَلِيلُ النُّبُوَّةِ لا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِ الأنْبِياءِ، كَما أنَّ الفِعْلَ المُحْكَمَ لَمّا كانَ دَلِيلًا عَلى العِلْمِ لا جَرَمَ لا يُوجَدُ في حَقِّ غَيْرِ العالِمِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو أنَّ ظُهُورَ الفِعْلِ الخارِقِ لِلْعادَةِ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي، فَإنِ ادَّعى صاحِبُهُ النُّبُوَّةَ فَذاكَ الفِعْلُ الخارِقُ لِلْعادَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا، وإنِ ادَّعى الوِلايَةَ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ ولِيًّا. والثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ: الأنْبِياءُ مَأْمُورُونَ بِإظْهارِها، والأوْلِياءُ مَأْمُورُونَ بِإخْفائِها. والثّالِثُ: وهو أنَّ النَّبِيَّ يَدَّعِي المُعْجِزَ ويَقْطَعُ بِهِ، والوَلِيُّ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْطَعَ بِهِ. والرّابِعُ: أنَّ المُعْجِزَةَ يَجِبُ انْفِكاكُها عَنِ المُعارَضَةِ، والكَرامَةُ لا يَجِبُ انْفِكاكُها عَنِ المُعارَضَةِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ مَرْيَمَ، وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ، أوْ مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ سَألَها عَلى سَبِيلٍ يُناسِبُ حُصُولَها، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] وهاهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ حَنَّةَ.

آل عمران 3:38

صفحة ٢٩ القِصَّةُ الثّانِيَةُ واقِعَةُ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَنا: ثُمَّ، وهُناكَ، وهُنالِكَ، يُسْتَعْمَلُ في المَكانِ، ولَفْظَةُ: عِنْدَ، وحِينَ يُسْتَعْمَلانِ في الزَّمانِ، قالَ تَعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٩] وهو إشارَةٌ إلى المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ، وقالَ تَعالى: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] أيْ في ذَلِكَ المَكانِ الضَّيِّقِ، ثُمَّ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لَفْظَةُ ”هُنالِكَ“ في الزَّمانِ أيْضًا، قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ [الكهف: ٤٤] فَهَذا إشارَةٌ إلى الحالِ والزَّمانِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ إنْ حَمَلْناهُ عَلى المَكانِ فَهو جائِزٌ، أيْ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي كانَ قاعِدًا فِيهِ عِنْدَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ -، وشاهَدَ تِلْكَ الكَراماتِ دَعا رَبَّهُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الزَّمانِ فَهو أيْضًا جائِزٌ، يَعْنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ دَعا رَبَّهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُنالِكَ دَعا﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ دَعا بِهَذا الدُّعاءِ عِنْدَ أمْرٍ عَرَفَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذا الدُّعاءِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، والجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ والمُفَسِّرِينَ قالُوا: هو أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى عِنْدَ مَرْيَمَ مِن فاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، ومِن فاكِهَةِ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، فَلَمّا رَأى خَوارِقَ العاداتِ عِنْدَها، طَمِعَ في أنْ يَخْرِقَها اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ أيْضًا فَيَرْزُقَهُ الوَلَدَ مِنَ الزَّوْجَةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ كَراماتِ الأوْلِياءِ، وإرْهاصاتِ الأنْبِياءِ قالُوا: إنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَأى آثارَ الصَّلاحِ والعَفافِ والتَّقْوى مُجْتَمِعَةً في حَقِّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - اشْتَهى الوَلَدَ وتَمَنّاهُ فَدَعا عِنْدَ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَ الزُّهْدِ والعَفافِ والسِّيرَةِ المُرْضِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى انْخِراقِ العاداتِ، فَرُؤْيَةُ ذَلِكَ لا يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى طَلَبِ ما يَخْرِقُ العادَةَ، وأمّا رُؤْيَةُ ما يَخْرِقُ العادَةَ قَدْ يُطْمِعُهُ في أنْ يَطْلُبَ أيْضًا فِعْلًا خارِقًا لِلْعادَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ حُدُوثَ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ الهَرَمِ والزَّوْجَةِ العاقِرِ مِن خَوارِقِ العاداتِ، فَكانَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى. فَإنْ قِيلَ: إنْ قُلْتُمْ إنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَعْلَمُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَرْقِ العاداتِ إلّا عِنْدَما شاهَدَ تِلْكَ الكَراماتِ عِنْدَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - كانَ في هَذا نِسْبَةَ الشَّكِّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إلى زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ عالِمًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مُشاهَدَةُ تِلْكَ الأشْياءِ سَبَبًا لِزِيادَةِ عِلْمِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ صفحة ٣٠ تَعالى، فَلَمْ يَكُنْ لِمُشاهَدَةِ تِلْكَ الكَراماتِ أثَرٌ في ذَلِكَ، فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ هُنالِكَ أثَرٌ. والجَوابُ: أنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ عالِمًا بِالجَوازِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَقَعُ أمْ لا فَلَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ، فَلَمّا شاهَدَ عَلِمَ أنَّهُ إذا وقَعَ كَرامَةٌ لِوَلِيٍّ، فَبِأنْ يَجُوزَ وُقُوعُ مُعْجِزَةٍ لِنَبِيٍّ كانَ أوْلى، فَلا جَرَمَ قَوِيَ طَمَعُهُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الكَراماتِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّ دُعاءَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإذْنِ، لِاحْتِمالِ أنْ لا تَكُونَ الإجابَةُ مَصْلَحَةً، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ دَعْوَتُهُ مَرْدُودَةً، وذَلِكَ نُقْصانٌ في مَنصِبِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، هَكَذا قالَهُ المُتَكَلِّمُونَ، وعِنْدِي فِيهِ بَحْثٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أذِنَ في الدُّعاءِ مُطْلَقًا، وبَيَّنَ أنَّهُ تارَةً يُجِيبُ وأُخْرى لا يُجِيبُ، فَلِلرَّسُولِ أنْ يَدْعُوَ كُلَّما شاءَ وأرادَ مِمّا لا يَكُونُ مَعْصِيَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تارَةً يُجِيبُ وأُخْرى لا يُجِيبُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ نُقْصانًا بِمَنصِبِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ لِأنَّهم عَلى بابِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى سائِلُونَ، فَإنْ أجابَهم فَبِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وإنْ لَمْ يُجِبْهم فَمِنَ المَخْلُوقِ حَتّى يَكُونَ لَهُ مَنصِبٌ عَلى بابِ الخالِقِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ في لَفْظَةِ: ”لَدُنْ“ فَسَيَأْتِي في سُورَةِ الكَهْفِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ هاهُنا أنَّ حُصُولَ الوَلَدِ في العُرْفِ والعادَةِ لَهُ أسْبابٌ مَخْصُوصَةٌ، فَلَمّا طَلَبَ الوَلَدَ مَعَ فُقْدانِ تِلْكَ الأسْبابِ كانَ المَعْنى: أُرِيدُ مِنكَ إلَهِي أنْ تَعْزِلَ الأسْبابَ في هَذِهِ الواقِعَةِ وأنْ تُحْدِثَ هَذا الوَلَدَ بِمَحْضِ قُدْرَتِكَ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأسْبابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الذُّرِّيَّةُ: النَّسْلُ، وهو لَفْظٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والذَّكَرِ والأُنْثى، والمُرادُ مِنهُ هاهُنا: ولَدٌ واحِدٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ [مريم: ٥] قالَ الفَرّاءُ: وأنَّثَ ”طَيِّبَةً“ لِتَأْنِيثِ الذُّرِّيَّةِ في الظّاهِرِ، فالتَّأْنِيثُ والتَّذْكِيرُ تارَةً يَجِيءُ عَلى اللَّفْظِ، وتارَةً عَلى المَعْنى، وهَذا إنَّما نَقُولُهُ في أسْماءِ الأجْناسِ، أمّا في أسْماءِ الأعْلامِ فَلا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ جاءَتْ طَلْحَةُ؛ لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ لا تُفِيدُ إلّا ذَلِكَ الشَّخْصَ، فَإذا كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ مُذَكَّرًا لَمْ يَجُزْ فِيها إلّا التَّذْكِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَسْمَعَ صَوْتَ الدُّعاءِ فَذَلِكَ مَعْلُومٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يُجِيبَ دُعاءَهُ ولا يُخَيِّبَ رَجاءَهُ، وهو كَقَوْلِ المُصَلِّينَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، يُرِيدُونَ قَبِلَ حَمْدَ مَن حَمِدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا مُتَأكِّدٌ بِما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] .

آل عمران 3:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ٣١ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (فَناداهُ المَلائِكَةُ)، عَلى التَّذْكِيرِ والإمالَةِ، والباقُونَ عَلى التَّأْنِيثِ عَلى اللَّفْظِ، وقِيلَ: مَن ذَكَّرَ فَلِأنَّ الفِعْلَ قَبْلَ الِاسْمِ، ومَن أنَّثَ فَلِأنَّ الفِعْلَ لِلْمَلائِكَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”المِحْرابَ“ بِالإمالَةِ، والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَناداهُ جِبْرِيلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا في التَّشْرِيفِ أعْظَمُ، فَإنْ دَلَّ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ أنَّ المُنادِيَ كانَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَطْ صِرْنا إلَيْهِ، وحَمَلْنا هَذا اللَّفْظَ عَلى التَّأْوِيلِ، فَإنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَأْكُلُ الأطْعِمَةَ الطَّيِّبَةَ، ويَلْبَسُ الثِّيابَ النَّفِيسَةَ، أيْ يَأْكُلُ مِن هَذا الجِنْسِ، ويَلْبَسُ مِن هَذا الجِنْسِ، مَعَ أنَّ المَعْلُومَ أنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ جَمِيعَ الأطْعِمَةِ، ولَمْ يَلْبَسْ جَمِيعَ الأثْوابِ، فَكَذا هاهُنا، ومِثْلُهُ في القُرْآنِ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وهم نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ؛ إنَّ النّاسَ: يَعْنِي أبا سُفْيانَ، قالَ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: إذا كانَ القائِلُ رَئِيسًا جازَ الإخْبارُ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِاجْتِماعِ أصْحابِهِ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ جِبْرِيلُ رَئِيسَ المَلائِكَةِ، وقَلَّما يُبْعَثُ إلّا ومَعَهُ جَمْعٌ صَحَّ ذَلِكَ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ كانَتْ مَشْرُوعَةً في دِينِهِمْ، والمِحْرابُ قَدْ ذَكَرْنا مَعْناهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمّا البِشارَةُ فَقَدْ فَسَّرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ عَرَّفَ زَكَرِيّا أنَّهُ سَيَكُونُ في الأنْبِياءِ رَجُلٌ اسْمُهُ يَحْيى ولَهُ ذُرِّيَّةٌ عالِيَةٌ، فَإذا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ المُسَمّى بِيَحْيى هو ولَدُكَ كانَ ذَلِكَ بِشارَةً لَهُ بِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والثّانِي: أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِوَلَدٍ اسْمُهُ يَحْيى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ”إنَّ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، أمّا الكَسْرُ فَعَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ لِأنَّ النِّداءَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، وأمّا الفَتْحُ فَتَقْدِيرُهُ: فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَبْشُرُكَ“ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ ”يُبَشِّرُكَ“ وقُرِئَ أيْضًا ”يُبْشِرُكَ“ قالَ أبُو زَيْدٍ يُقالُ: بَشَرَ يَبْشُرُ بِشْرًا، وبَشَّرَ يُبَشِّرُ تَبْشِيرًا، وأبْشَرَ يُبْشِرُ ثَلاثُ لُغاتٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَحْيى“ بِالإمالَةِ لِأجْلِ الياءِ والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وأمّا أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ يَحْيى فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِ يَحْيى ثَلاثَةَ أنْواعٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ويَحْيى مَعْرِفَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: أنَّها كِتابٌ مِنَ اللَّهِ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِمْ: أنْشَدَ فُلانٌ كَلِمَةً، والمُرادُ بِهِ القَصِيدَةُ الطَّوِيلَةُ. صفحة ٣٢ والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الجُمْهُورِ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هو عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ السُّدِّيُّ: لَقِيَتْ أُمُّ عِيسى أُمَّ يَحْيى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وهَذِهِ حامِلٌ بِيَحْيى وتِلْكَ بِعِيسى، فَقالَتْ: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتْ مَرْيَمُ: وأنا أيْضًا حُبْلى، قالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ يَحْيى كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِن عِيسى بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، وكانَ يَحْيى أوَّلَ مَن آمَنَ وصَدَّقَ بِأنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحُهُ، ثُمَّ قُتِلَ يَحْيى قَبْلَ رَفْعِ عِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ -، فَإنْ قِيلَ: لِمَ سُمِّيَ عِيسى كَلِمَةً في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ خُلِقَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ”كُنْ“ مِن غَيْرِ واسِطَةِ الأبِ، فَلَمّا كانَ تَكْوِينُهُ بِمَحْضِ قَوْلِ اللَّهِ ”كُنْ“ وبِمَحْضِ تَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةِ الأبِ والبَذْرِ، لا جَرَمَ سُمِّيَ: كَلِمَةً كَما يُسَمّى المَخْلُوقُ خَلْقًا، والمَقْدُورُ قُدْرَةً، والمَرْجُوُّ رَجاءً، والمُشْتَهى شَهْوَةً، وهَذا بابٌ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ. والثّانِي: أنَّهُ تَكَلَّمَ في الطُّفُولِيَّةِ، وآتاهُ اللَّهُ الكِتابَ في زَمانِ الطُّفُولِيَّةِ، فَكانَ في كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا بالِغًا مَبْلَغًا عَظِيمًا، فَسُمِّيَ كَلِمَةً بِهَذا التَّأْوِيلِ وهو مِثْلُ ما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وإقْبالٌ إذا كانَ كامِلًا فِيهِما. والثّالِثُ: أنَّ الكَلِمَةَ كَما أنَّها تُفِيدُ المَعانِيَ والحَقائِقَ، كَذَلِكَ عِيسى كانَ يُرْشِدُ إلى الحَقائِقِ والأسْرارِ الإلَهِيَّةِ، فَسُمِّيَ: كَلِمَةً، بِهَذا التَّأْوِيلِ، وهو مِثْلُ تَسْمِيَتِهِ رُوحًا مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ كَما يَحْيا الإنْسانُ بِالرُّوحِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ القُرْآنَ رُوحًا فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] . والرّابِعُ: أنَّهُ قَدْ ورَدَتِ البِشارَةُ بِهِ في كُتُبِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ، فَلَمّا جاءَ قِيلَ: هَذا هو تِلْكَ الكَلِمَةُ، فَسُمِّيَ كَلِمَةً بِهَذا التَّأْوِيلِ قالُوا: ووَجْهُ المَجازِ فِيهِ أنَّ مَن أخْبَرَ عَنْ حُدُوثِ أمْرٍ فَإذا حَدَثَ ذَلِكَ الأمْرُ قالَ: قَدْ جاءَ قَوْلِي وجاءَ كَلامِي، أيْ ما كُنْتُ أقُولُ وأتَكَلَّمُ بِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٦] وقالَ: ﴿ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] . الخامِسُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُسَمّى بِفَضْلِ اللَّهِ ولُطْفِ اللَّهِ، فَكَذا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ اسْمُهُ العَلَمُ: كَلِمَةَ اللَّهِ، ورُوحَ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ هي كَلامُهُ، وكَلامُهُ عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ، وعَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أصْواتٌ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى في جِسْمٍ مَخْصُوصٍ دالَّةٌ بِالوَضْعِ عَلى مَعانٍ مَخْصُوصَةٍ، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّ الصِّفَةَ القَدِيمَةَ أوِ الأصْواتِ الَّتِي هي أعْراضٌ غَيْرُ باقِيَةٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يُقالَ: أنَّها هي ذاتُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا في بَداهَةِ العُقُولِ لَمْ يَبْقَ إلّا التَّأْوِيلُ. * * * الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: قَوْلُهُ: (وسَيِّدًا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّيِّدُ الحَلِيمُ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ كانَ سَيِّدًا لِلْمُؤْمِنِينَ، رَئِيسًا لَهم في الدِّينِ، أعْنِي في العِلْمِ والحِلْمِ والعِبادَةِ والوَرَعِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الكَرِيمُ عَلى اللَّهِ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الَّذِي لا يَغْلِبُهُ الغَضَبُ، قالَ القاضِي: السَّيِّدُ هو المُتَقَدِّمُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ، فَلَمّا كانَ سَيِّدًا في الدِّينِ كانَ مَرْجُوعًا إلَيْهِ في الدِّينِ وقُدْوَةً في الدِّينِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِنَ العِلْمِ والحِلْمِ والكَرَمِ والعِفَّةِ والزُّهْدِ والوَرَعِ. * * * الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (وحَصُورًا) وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الحَصُورِ، والحَصْرُ في اللُّغَةِ الحَبْسُ، يُقالُ حَصَرَهُ يَحْصُرُهُ حَصْرًا وحُصِرَ الرَّجُلُ: أيِ اعْتُقِلَ بَطْنُهُ، والحَصُورُ الَّذِي يَكْتُمُ السِّرَّ ويَحْبِسُهُ، والحَصُورُ الضَّيِّقُ البَخِيلُ، وأمّا المُفَسِّرُونَ: صفحة ٣٣ فَلَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ عاجِزًا عَنْ إتْيانِ النِّساءِ، ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: كانَ ذَلِكَ لِصِغَرِ الآلَةِ، ومِنهم مَن قالَ: كانَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ الإنْزالِ، ومِنهم مَن قالَ: كانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ القُدْرَةِ، فَعَلى هَذا الحَصُورُ: فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَأنَّهُ قالَ مَحْصُورٌ عَنْهُنَّ، أيْ مَحْبُوسٌ، ومِثْلُهُ رَكُوبٌ بِمَعْنى مَرْكُوبٍ وحَلُوبٌ بِمَعْنى مَحْلُوبٍ، وهَذا القَوْلُ عِنْدَنا فاسِدٌ؛ لِأنَّ هَذا مِن صِفاتِ النُّقْصانِ، وذِكْرُ صِفَةِ النُّقْصانِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لا يَجُوزُ، ولِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَسْتَحِقُّ بِهِ ثَوابًا ولا تَعْظِيمًا. والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ لا لِلْعَجْزِ بَلْ لِلْعِفَّةِ والزُّهْدِ، وذَلِكَ لِأنَّ الحَصُورَ هو الَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ حَصْرُ النَّفْسِ ومَنعُها كالأكُولِ الَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ الأكْلُ وكَذا الشَّرُوبُ، والظَّلُومُ، والغَشُومُ، والمَنعُ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ كانَ المُقْتَضِي قائِمًا، فَلَوْلا أنَّ القُدْرَةَ والدّاعِيَةَ كانَتا مَوْجُودَتَيْنِ، وإلّا لَما كانَ حاصِرًا لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ حَصُورًا، لِأنَّ الحاجَةَ إلى تَكْثِيرِ الحَصْرِ والدَّفْعِ إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ قُوَّةِ الرَّغْبَةِ والدّاعِيَةِ والقُدْرَةِ، وعَلى هَذا الحَصُورُ: بِمَعْنى الحاصِرِ فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ تَرْكَ النِّكاحِ أفْضَلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى مَدَحَهُ بِتَرْكِ النِّكاحِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ النِّكاحِ أفْضَلُ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ التَّرْكَ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أفْضَلُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِالنَّصِّ والمَعْقُولِ، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الأصْلَ في الثّابِتِ بَقاؤُهُ عَلى ما كانَ، والنَّسْخُ عَلى خِلافِ الأصْلِ. * * * الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: (ونَبِيًّا) واعْلَمْ أنَّ السِّيادَةَ إشارَةٌ إلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: قُدْرَتُهُ عَلى ضَبْطِ مَصالِحِ الخَلْقِ فِيما يَرْجِعُ إلى تَعْلِيمِ الدِّينِ، والثّانِي: ضَبْطُ مَصالِحِهِمْ فِيما يَرْجِعُ إلى التَّأْدِيبِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأمّا الحَصُورُ فَهو إشارَةٌ إلى الزُّهْدِ التّامِّ فَلَمّا اجْتَمَعا حَصَلَتِ النُّبُوَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَهُما إلّا النُّبُوَّةُ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ مِن أوْلادِ الصّالِحِينَ. والثّانِي: أنَّهُ خَيْرٌ كَما يُقالُ في الرَّجُلِ الخَيِّرِ ”إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ“ . والثّالِثُ: أنَّ صَلاحَهُ كانَ أتَمَّ مِن صَلاحِ سائِرِ الأنْبِياءِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ عَصى، أوْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ غَيْرَ يَحْيى فَإنَّهُ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهِمَّ» “ . فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ مَنصِبُ النُّبُوَّةِ أعْلى مِن مَنصِبِ الصَّلاحِ فَلِما وصَفَهُ بِالنُّبُوَّةِ فَما الفائِدَةُ في وصْفِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالصَّلاحِ ؟ قُلْنا: ألَيْسَ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ حُصُولِ النُّبُوَّةِ قالَ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ لِلْأنْبِياءِ قَدْرًا مِنَ الصَّلاحِ لَوِ انْتَقَصَ لانْتَفَتِ النُّبُوَّةُ، فَذَلِكَ القَدْرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ يَجْرِي مَجْرى حِفْظِ الواجِباتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، ثُمَّ بَعْدَ اشْتِراكِهِمْ في ذَلِكَ القَدْرِ تَتَفاوَتُ دَرَجاتُهم في الزِّيادَةِ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ، وكُلُّ مَن كانَ أكْثَرَ نَصِيبًا مِنهُ كانَ أعْلى قَدْرًا واللَّهُ أعْلَمُ.

آل عمران 3:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: صفحة ٣٤ السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (رَبِّ) خِطابٌ مَعَ اللَّهِ أوْ مَعَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ اللَّهِ؛ لِأنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الَّذِينَ نادَوْهُ هُمُ المَلائِكَةُ، وهَذا الكَلامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ ذَلِكَ المُنادِي لا مَعَ غَيْرِهِ، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ المَلَكِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَقُولَ لِلْمَلَكِ: يا رَبِّ. والجَوابُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا نادَوْهُ بِذَلِكَ وبَشَّرُوهُ بِهِ تَعَجَّبَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَجَعَ في إزالَةِ ذَلِكَ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ المَلائِكَةِ، والرَّبُّ إشارَةٌ إلى المُرَبِّي، ويَجُوزُ وصْفُ المَخْلُوقِ بِهِ، فَإنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يُرَبِّينِي ويُحْسِنُ إلَيَّ. السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا كانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الَّذِي سَألَ الوَلَدَ، ثُمَّ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ فَلِمَ تَعَجَّبَ مِنهُ ولِمَ اسْتَبْعَدَهُ ؟ الجَوابُ: لَمْ يَكُنْ هَذا الكَلامُ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ شاكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ خَلْقَ الوَلَدِ مِنَ النُّطْفَةِ إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ العادَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لا نُطْفَةَ إلّا مِن خَلْقٍ، ولا خَلْقَ إلّا مِن نُطْفَةٍ، لَزِمَ التَّسَلْسُلُ ولَزِمَ حُدُوثُ الحَوادِثِ في الأزَلِ وهو مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى لا مِن نُطْفَةٍ أوْ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى لا مِن إنْسانٍ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مُحالًا مُمْتَنِعًا لَما طَلَبَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ لَيْسَ لِلِاسْتِبْعادِ، بَلْ ذَكَرَ العُلَماءُ فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (أنّى) مَعْناهُ: مِن أيْنَ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: كَيْفَ تُعْطِي ولَدًا عَلى القِسْمِ الأوَّلِ أمْ عَلى القِسْمِ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّ حُدُوثَ الوَلَدِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُعِيدَ اللَّهُ شَبابَهُ ثُمَّ يُعْطِيَهُ الوَلَدَ مَعَ شَيْخُوخَتِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تُعْطِي الوَلَدَ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ أمْ عَلى القِسْمِ الثّانِي ؟ فَقِيلَ لَهُ كَذَلِكَ، أيْ عَلى هَذا الحالِ واللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ الحَسَنُ والأصَمُّ. والثّانِي: أنَّ مَن كانَ آيِسًا مِنَ الشَّيْءِ مُسْتَبْعِدًا لِحُصُولِهِ ووُقُوعِهِ إذا اتَّفَقَ أنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ المَقْصُودُ فَرُبَّما صارَ كالمَدْهُوشِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ فَيَقُولُ: كَيْفَ حَصَلَ هَذا ومِن أيْنَ وقَعَ هَذا ؟! كَمَن يَرى إنْسانًا وهَبَهُ أمْوالًا عَظِيمَةً، يَقُولُ كَيْفَ وهَبْتَ هَذِهِ الأمْوالَ، ومِن أيْنَ سَمَحَتْ نَفْسُكَ بِهِبَتِها ؟ فَكَذا هاهُنا لَمّا كانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسْتَبْعِدًا لِذَلِكَ، ثُمَّ اتَّفَقَ إجابَةُ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ، صارَ مِن عِظَمِ فَرَحِهِ وسُرُورِهِ قالَ ذَلِكَ الكَلامَ. الثّالِثُ: أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرُوهُ بِيَحْيى لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ يُرْزَقُ الوَلَدَ مِن جِهَةِ أُنْثى أوْ مِن صُلْبِهِ، فَذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِذَلِكَ الِاحْتِمالِ. الرّابِعُ: أنَّ العَبْدَ إذا كانَ في غايَةِ الِاشْتِياقِ إلى شَيْءٍ فَطَلَبَهُ مِنَ السَّيِّدِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ يَعِدُهُ بِأنَّهُ سَيُعْطِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فالتَذَّ السّائِلُ بِسَماعِ ذَلِكَ الكَلامِ، فَرُبَّما أعادَ السُّؤالَ لِيُعِيدَ ذَلِكَ الجَوابَ فَحِينَئِذٍ يَلْتَذُّ بِسَماعِ تِلْكَ الإجابَةِ مَرَّةً أُخْرى، فالسَّبَبُ في إعادَةِ زَكَرِيّا هَذا الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن هَذا البابِ. الخامِسُ: نَقَلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: كانَ دُعاؤُهُ قَبْلَ البِشارَةِ بِسِتِّينَ سَنَةً حَتّى كانَ قَدْ نُسِّيَ ذَلِكَ السُّؤالَ وقْتَ البِشارَةِ فَلَمّا سَمِعَ البِشارَةَ زَمانَ الشَّيْخُوخَةِ لا جَرَمَ اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ عَلى مَجْرى العادَةِ لا شَكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ ما قالَ. السّادِسُ: نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - جاءَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ سَماعِ البِشارَةِ فَقالَ: إنَّ هَذا الصَّوْتَ مِنَ الشَّيْطانِ، وقَدْ سَخِرَ مِنكَ فاشْتَبَهَ الأمْرُ عَلى زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ وكانَ مَقْصُودُهُ مِن هَذا الكَلامِ أنْ يُرِيَهُ اللَّهُ تَعالى آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ الوَحْيِ والمَلائِكَةِ لا مِن إلْقاءِ صفحة ٣٥ الشَّيْطانِ قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ أنْ يَشْتَبِهَ كَلامُ المَلائِكَةِ بِكَلامِ الشَّيْطانِ عِنْدَ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إذْ لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لارْتَفَعَ الوُثُوقُ عَنْ كُلِّ الشَّرائِعِ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ الوَحْيِ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ لا جَرَمَ حَصَلَ الوُثُوقُ هُناكَ بِأنَّ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ ولا مَدْخَلَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ، أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ الدُّنْيا وبِالوَلَدِ فَرُبَّما لَمْ يَتَأكَّدْ ذَلِكَ المُعْجِزُ فَلا جَرَمَ بَقِيَ احْتِمالُ كَوْنِ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ فَلا جَرَمَ رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يُزِيلَ عَنْ خاطِرِهِ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الكِبَرُ مَصْدَرُ كَبِرَ الرَّجُلُ يَكْبَرُ إذا أسَنَّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يَوْمَ بُشِّرَ بِالوَلَدِ ابْنَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ وكانَتِ امْرَأتُهُ بِنْتَ تِسْعِينَ وثَمانٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: كُلُّ شَيْءٍ صادَفْتَهُ وبَلَغْتَهُ فَقَدْ صادَفَكَ وبَلَغَكَ، وكُلَّما جازَ أنْ يَقُولَ: بَلَغْتُ الكِبَرَ جازَ أنْ يَقُولَ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ العَرَبِ: لَقِيتُ الحائِطَ، وتَلَقّانِي الحائِطُ. فَإنْ قِيلَ: يَجُوزُ بَلَغَنِيَ البَلَدُ في مَوْضِعِ بَلَغْتُ البَلَدَ ؟ قُلْنا: هَذا لا يَجُوزُ، والفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّ الكِبَرَ كالشَّيْءِ الطّالِبِ لِلْإنْسانِ فَهو يَأْتِيهِ بِحُدُوثِهِ فِيهِ، والإنْسانُ أيْضًا يَأْتِيهِ بِمُرُورِ السِّنِينَ عَلَيْهِ، أمّا البَلَدُ فَلَيْسَ كالطّالِبِ لِلْإنْسانِ الذّاهِبِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّ العاقِرَ مِنَ النِّساءِ الَّتِي لا تَلِدُ، يُقالُ: عَقَرَ يَعْقِرُ عَقْرًا، ويُقالُ أيْضًا: عَقَرَ الرَّجُلُ، وعَقُرَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثَةِ في القافِ إذا لَمْ يُحْمَلْ لَهُ، ورَمْلٌ عاقِرٌ: لا يُنْبِتُ شَيْئًا، واعْلَمْ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ كِبَرَ نَفْسِهِ مَعَ كَوْنِ زَوْجَتِهِ عاقِرًا لِتَأْكِيدِ حالِ الِاسْتِبْعادِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (قالَ) عائِدٌ إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ، وهو الرَّبُّ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ تَعالى، وأنْ يَكُونَ هو جِبْرِيلَ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الصِّفَةِ اللَّهُ، ويَفْعَلُ ما يَشاءُ بَيانٌ لَهُ، أيْ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.

آل عمران 3:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ واعْلَمْ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفَرْطِ سُرُورِهِ بِما بُشِّرِ بِهِ وثِقَتِهِ بِكَرَمِ رَبِّهِ وإنْعامِهِ عَلَيْهِ أحَبَّ أنْ يَجْعَلَ لَهُ صفحة ٣٦ عَلامَةً تَدُلُّ عَلى حُصُولِ العُلُوقِ، وذَلِكَ لِأنَّ العُلُوقَ لا يَظْهَرُ في أوَّلِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ هاهُنا ثَلاثَةَ أيّامٍ، وذَكَرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ثَلاثَ لَيالٍ فَدَلَّ مَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ تِلْكَ الآيَةَ كانَتْ حاصِلَةً في الأيّامِ الثَّلاثَةِ مَعَ لَيالِيها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى حَبَسَ لِسانَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَلَمْ يَقْدِرْ أنْ يُكَلِّمَ النّاسَ إلّا رَمْزًا، وفِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ آيَةً عَلى عُلُوقِ الوَلَدِ. والثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَبَسَ لِسانَهُ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيا، وأقْدَرَهُ عَلى الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، لِيَكُونَ في تِلْكَ المُدَّةِ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وبِالطّاعَةِ والشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ الجَسِيمَةِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ الشَّيْءُ الواحِدُ عَلامَةً عَلى المَقْصُودِ، وأداءً لِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، فَيَكُونُ جامِعًا لِكُلِّ المَقاصِدِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى المُعْجِزِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قُدْرَتَهُ عَلى التَّكَلُّمِ بِالتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ، وعَجْزَهُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِأُمُورِ الدُّنْيا مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ. وثانِيها: أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ المُعْجِزِ في تِلْكَ الأيّامِ المَقْدُورَةِ مَعَ سَلامَةِ البِنْيَةِ واعْتِدالِ المِزاجِ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ. وثالِثُها: أنَّ إخْبارَهُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَتْ هَذِهِ الحالَةُ فَقَدْ حَصَلَ الوَلَدُ، ثُمَّ إنَّ الأمْرَ خَرَجَ عَلى وفْقِ هَذا الخَبَرِ يَكُونُ أيْضًا مِنَ المُعْجِزاتِ. القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ المَعْنى أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى آيَةً تَدُلُّهُ عَلى حُصُولِ العُلُوقِ، قالَ آيَتُكَ أنْ لا تُكَلِّمَ، أيْ تَصِيرُ مَأْمُورًا بِأنْ لا تَتَكَلَّمَ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيها مَعَ الخَلْقِ، أيْ تَكُونُ مُشْتَغِلًا بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ مُعْرِضًا عَنِ الخَلْقِ والدُّنْيا شاكِرًا اللَّهَ تَعالى عَلى إعْطاءِ مِثْلِ هَذِهِ المَوْهِبَةِ، فَإنْ كانَتْ لَكَ حاجَةٌ دُلَّ عَلَيْها بِالرَّمْزِ فَإذا أُمِرْتَ بِهَذِهِ الطّاعَةِ فاعْلَمْ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي حَسَنٌ مَعْقُولٌ، وأبُو مُسْلِمٍ حَسَنُ الكَلامِ في التَّفْسِيرِ، كَثِيرُ الغَوْصِ عَلى الدَّقائِقِ واللَّطائِفِ. القَوْلُ الثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عُوقِبَ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ سَألَ الآيَةَ بَعْدَ بِشارَةِ المَلائِكَةِ فَأُخِذَ لِسانُهُ وصُيِّرَ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا رَمْزًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ الرَّمْزِ الحَرَكَةُ، يُقالُ: ارْتَمَزَ إذا تَحَرَّكَ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ: الرّامُوزُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالرَّمْزِ هاهُنا عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الإشارَةِ كَيْفَ كانَتْ بِاليَدِ، أوِ الرَّأْسِ، أوِ الحاجِبِ، أوِ العَيْنِ، أوِ الشَّفَةِ. والثّانِي: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ بِاللَّفْظِ مِن غَيْرِ نُطْقٍ وصَوْتٍ. قالُوا: وحَمْلُ الرَّمْزِ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى؛ لِأنَّ الإشارَةَ بِالشَّفَتَيْنِ يُمْكِنُ وُقُوعُها بِحَيْثُ تَكُونُ حَرَكاتُ الشَّفَتَيْنِ وقْتَ الرَّمْزِ مُطابِقَةً لِحَرَكاتِهِما عِنْدَ النُّطْقِ فَيَكُونُ الِاسْتِدْلالُ بِتِلْكَ الحَرَكاتِ عَلى المَعانِي الذِّهْنِيَّةِ أسْهَلَ. والثّالِثُ: وهو أنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِالكَلامِ الخَفِيِّ، وأمّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالكَلامِ فَكانَ مَمْنُوعًا مِنهُ. فَإنْ قِيلَ: الرَّمْزُ لَيْسَ مِن جِنْسِ الكَلامِ فَكَيْفَ اسْتُثْنِيَ مِنهُ ؟ قُلْنا: لَمّا أدّى ما هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ سُمِّيَ كَلامًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا فَأمّا إنْ صفحة ٣٧ حَمَلْنا الرَّمْزَ عَلى الكَلامِ الخَفِيِّ فَإنَّ الإشْكالَ زائِلٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ”إلّا رُمُزًا“ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ رَمُوزٍ، كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، وقُرِئَ ”رَمَزًا“ بِفَتْحِ الرّاءِ والمِيمِ جَمْعُ رامِزٍ، كَخادِمٍ وخَدَمٍ، وهو حالٌ مِنهُ ومِنَ النّاسِ، ومَعْنى ”إلّا رَمْزًا“ إلّا مُتَرامِزِينَ، كَما يَتَكَلَّمُ النّاسُ مَعَ الأخْرَسِ بِالإشارَةِ ويُكَلِّمُهم. * * * ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى حَبَسَ لِسانَهُ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيا ”إلّا رَمْزًا“ فَأمّا في الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، فَقَدْ كانَ لِسانُهُ جَيِّدًا، وكانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ. والثّانِي: إنَّ المُرادَ مِنهُ الذِّكْرُ بِالقَلْبِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ المُسْتَغْرِقِينَ في بِحارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى عادَتُهم في الأوَّلِ أنْ يُواظِبُوا عَلى الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ مُدَّةً فَإذا امْتَلَأ القَلْبُ مِن نُورِ ذِكْرِ اللَّهِ سَكَتَ اللِّسانُ وبَقِيَ الذِّكْرُ في القَلْبِ، ولِذَلِكَ قالُوا: مَن عَرَفَ اللَّهَ كَلَّ لِسانُهُ، فَكَأنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُمِرَ بِالسُّكُوتِ واسْتِحْضارِ مَعانِي الذِّكْرِ والمَعْرِفَةِ واسْتِدامَتِها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: (العَشِيِّ) مِن حِينِ نُزُولِ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، قالَ الشّاعِرُ: فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ والفَيْءُ، إنَّما يَكُونُ مِن حِينِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى أنْ يَتَناهى غُرُوبُها، وأمّا الإبْكارُ فَهو مَصْدَرُ بَكَّرَ يُبَكِّرُ إذا خَرَجَ لِلْأمْرِ في أوَّلِ النَّهارِ، ومِثْلُهُ بَكَرَ وابْتَكَرَ وبَكَّرَ، ومِنهُ الباكُورَةُ لِأوَّلِ الثَّمَرَةِ، هَذا هو أصْلُ اللُّغَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى الضُّحى: إبْكارًا، كَما سُمِّيَ إصْباحًا، وقَرَأ بَعْضُهم ”والأبْكارِ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، جَمْعُ بَكَرٍ كَسَحَرٍ وأسْحارٍ، ويُقالُ: أتَيْتُهُ بَكَرًا بِفَتْحَتَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: (وسَبِّحْ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ: وصَلِّ لِأنَّ الصَّلاةَ تُسَمّى تَسْبِيحًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ وأيْضًا الصَّلاةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، فَجازَ تَسْمِيَةُ الصَّلاةِ بِالتَّسْبِيحِ، وهاهُنا الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى وُقُوعِ هَذا المُحْتَمَلِ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ لَمْ يَبْقَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها وهو قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ فَرْقٌ، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ غَيْرُ جائِزٍ. والثّانِي: وهو أنَّهُ شَدِيدُ المُوافَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [ هُودٍ: ١١٤]، وثانِيهِما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى الذِّكْرِ بِاللِّسانِ.

آل عمران 3:42

القِصَّةُ الثّالِثَةُ وصْفُهُ طَهارَةَ مَرْيَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْها ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٣٨ المَسْألَةُ الأُولى: عامِلُ الإعْرابِ هاهُنا في ”إذْ“ هو ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] مِن قَوْلِهِ: (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا المُرادُ بِالمَلائِكَةِ هاهُنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] يَعْنِي جِبْرِيلَ، وهَذا وإنْ كانَ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ سُورَةَ مَرْيَمَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ مَعَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - هو جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - ما كانَتْ مِنَ الأنْبِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ إرْسالُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْها إمّا أنْ يَكُونَ كَرامَةً لَها، وهو مَذْهَبُ مَن يُجَوِّزُ كَراماتِ الأوْلِياءِ، أوْ إرْهاصًا لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَنا، وعِنْدَ الكَعْبِيِّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، أوْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّاءُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى سَبِيلِ النَّفْثِ في الرُّوعِ والإلْهامِ والإلْقاءِ في القَلْبِ، كَما كانَ في حَقِّ أُمِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا: هو الِاصْطِفاءُ، وثانِيًا: التَّطْهِيرُ، وثالِثًا: الِاصْطِفاءُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاصْطِفاءُ أوَّلًا مِن الِاصْطِفاءِ الثّانِي، لَمّا أنَّ التَّصْرِيحَ بِالتَّكْرِيرِ غَيْرُ لائِقٍ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ إلى ما اتَّفَقَ لَها مِنَ الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أوَّلِ عُمُرِها، والِاصْطِفاءُ الثّانِي إلى ما اتَّفَقَ لَها في آخِرِ عُمُرِها. النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الِاصْطِفاءِ: فَهو أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَبِلَ تَحْرِيرَها مَعَ أنَّها كانَتْ أُنْثى ولَمْ يَحْصُلْ مِثْلُ هَذا المَعْنى لِغَيْرِها مِنَ الإناثِ. وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: إنَّ أُمَّها لَمّا وضَعَتْها ما غَذَّتْها طَرْفَةَ عَيْنٍ، بَلْ ألْقَتْها إلى زَكَرِيّا، وكانَ رِزْقُها يَأْتِيها مِنَ الجَنَّةِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى فَرَّغَها لِعِبادَتِهِ، وخَصَّها في هَذا المَعْنى بِأنْواعِ اللُّطْفِ والهِدايَةِ والعِصْمَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ كَفاها أمْرَ مَعِيشَتِها، فَكانَ يَأْتِيها رِزْقُها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أسْمَعَها كَلامَ المَلائِكَةِ شِفاهًا، ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ لِأُنْثى غَيْرِها، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ. وأمّا التَّطْهِيرُ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى طَهَّرَها عَنِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] . وثانِيها: أنَّهُ تَعالى طَهَّرَها عَنْ مَسِيسِ الرِّجالِ. وثالِثُها: طَهَّرَها عَنِ الحَيْضِ، قالُوا: كانَتْ مَرْيَمُ لا تَحِيضُ. ورابِعُها: وطَهَّرَكِ مِنَ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، والعاداتِ القَبِيحَةِ. وخامِسُها: وطَهَّرَكِ عَنْ مَقالَةِ اليَهُودِ وتُهْمَتِهِمْ وكَذِبِهِمْ. وأمّا الِاصْطِفاءُ الثّانِي: فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى وهَبَ لَها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ أبٍ، وأنْطَقَ عِيسى حالَ انْفِصالِهِ مِنها حَتّى شَهِدَ بِما يَدُلُّ عَلى بَراءَتِها عَنِ التُّهْمَةِ، وجَعَلَها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ. صفحة ٣٩ المَسْألَةُ الخامِسَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«حَسْبُكَ مِن نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعٌ: مَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةُ، وفاطِمَةُ عَلَيْهِنَّ السَّلامُ» “ فَقِيلَ هَذا الحَدِيثُ دَلَّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الأرْبَعَ أفْضَلُ مِنَ النِّساءِ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ، وقَوْلُ مَن قالَ المُرادُ إنَّها مُصْطَفاةٌ عَلى عالَمِي زَمانِها، فَهَذا تَرَكَ الظّاهِرَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القُنُوتِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وبِالجُمْلَةِ فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّها مَخْصُوصَةٌ بِمَزِيدِ المَواهِبِ والعَطايا مِنَ اللَّهِ، أوْجَبَ عَلَيْها مَزِيدَ الطّاعاتِ، شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعَمِ السَّنِيَّةِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قُدِّمَ ذِكْرُ السُّجُودِ عَلى ذِكْرِ الرُّكُوعِ ؟ . والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الواوَ تُفِيدُ الِاشْتِراكَ ولا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ. الثّانِي: أنَّ غايَةَ قُرْبِ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ ساجِدًا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ» “ فَلَمّا كانَ السُّجُودُ مُخْتَصًّا بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الرُّتْبَةِ والفَضِيلَةِ لا جَرَمَ قَدَّمَهُ عَلى سائِرِ الطّاعاتِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِالصَّلاةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَأْمُرُها بِالمُواظَبَةِ عَلى السُّجُودِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ، وأمّا الصَّلاةُ فَإنَّها تَأْتِي بِها في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَها. والثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قَوْلُهُ تَعالى: (اقْنُتِي) أمْرٌ بِالعِبادَةِ عَلى العُمُومِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ يَعْنِي اسْتَعْمِلِي السُّجُودَ في وقْتِهِ اللّائِقِ بِهِ، واسْتَعْمِلِي الرُّكُوعَ في وقْتِهِ اللّائِقِ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُما، ثُمَّ يُقَدَّمُ السُّجُودُ عَلى الرُّكُوعِ واللَّهُ أعْلَمُ. الرّابِعُ: أنَّ الصَّلاةَ تُسَمّى سُجُودًا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] وفي الحَدِيثِ: ”«إذا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» “ وأيْضًا المَسْجِدُ سُمِّيَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنَ السُّجُودِ، والمُرادُ مِنهُ مَوْضِعُ الصَّلاةِ، وأيْضًا أشْرَفُ أجْزاءِ الصَّلاةِ السُّجُودُ، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ باسْمِ أشْرَفِ أجْزائِهِ نَوْعٌ مَشْهُورٌ في المَجازِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ مَعْناهُ: يا مَرْيَمُ قُومِي، وقَوْلُهُ: (واسْجُدِي) أيْ صَلِّي فَكانَ المُرادُ مِن هَذا السُّجُودِ الصَّلاةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا لَها بِالصَّلاةِ بِالجَماعَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (واسْجُدِي) أمْرًا بِالصَّلاةِ حالَ الِانْفِرادِ، وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمْرًا بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الرُّكُوعِ التَّواضُعَ ويَكُونُ قَوْلُهُ: (واسْجُدِي) أمْرًا ظاهِرًا بِالصَّلاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمْرًا بِالخُضُوعِ والخُشُوعِ بِالقَلْبِ. الوَجْهُ الخامِسُ في الجَوابِ: لَعَلَّهُ كانَ السُّجُودُ في ذَلِكَ الدِّينِ مُتَقَدِّمًا عَلى الرُّكُوعِ. السُّؤالُ الثّانِي: أمّا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ . والجَوابُ: قِيلَ مَعْناهُ: افْعَلِي كَفِعْلِهِمْ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ في الجَماعَةِ كانَتْ مَأْمُورَةً بِأنْ تُصَلِّيَ في بَيْتِ المَقْدِسِ مَعَ المُجاوِرِينَ فِيهِ، وإنْ كانَتْ لا تَخْتَلِطُ بِهِمْ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعاتِ ؟ والجَوابُ لِأنَّ الِاقْتِداءَ بِالرِّجالِ حالَ الِاخْتِفاءِ مِنَ الرِّجالِ أفْضَلُ مِنَ الِاقْتِداءِ بِالنِّساءِ. صفحة ٤٠ واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: لَمّا ذَكَرَتِ المَلائِكَةُ هَذِهِ الكَلِماتِ مَعَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - شِفاهًا، قامَتْ مَرْيَمُ في الصَّلاةِ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها وسالَ الدَّمُ والقَيْحُ مِن قَدَمَيْها.

آل عمران 3:43

القِصَّةُ الثّالِثَةُ وصْفُهُ طَهارَةَ مَرْيَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْها ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٣٨ المَسْألَةُ الأُولى: عامِلُ الإعْرابِ هاهُنا في ”إذْ“ هو ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] مِن قَوْلِهِ: (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا المُرادُ بِالمَلائِكَةِ هاهُنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] يَعْنِي جِبْرِيلَ، وهَذا وإنْ كانَ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ سُورَةَ مَرْيَمَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ مَعَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - هو جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - ما كانَتْ مِنَ الأنْبِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ إرْسالُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْها إمّا أنْ يَكُونَ كَرامَةً لَها، وهو مَذْهَبُ مَن يُجَوِّزُ كَراماتِ الأوْلِياءِ، أوْ إرْهاصًا لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَنا، وعِنْدَ الكَعْبِيِّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، أوْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّاءُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى سَبِيلِ النَّفْثِ في الرُّوعِ والإلْهامِ والإلْقاءِ في القَلْبِ، كَما كانَ في حَقِّ أُمِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا: هو الِاصْطِفاءُ، وثانِيًا: التَّطْهِيرُ، وثالِثًا: الِاصْطِفاءُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاصْطِفاءُ أوَّلًا مِن الِاصْطِفاءِ الثّانِي، لَمّا أنَّ التَّصْرِيحَ بِالتَّكْرِيرِ غَيْرُ لائِقٍ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ إلى ما اتَّفَقَ لَها مِنَ الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أوَّلِ عُمُرِها، والِاصْطِفاءُ الثّانِي إلى ما اتَّفَقَ لَها في آخِرِ عُمُرِها. النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الِاصْطِفاءِ: فَهو أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَبِلَ تَحْرِيرَها مَعَ أنَّها كانَتْ أُنْثى ولَمْ يَحْصُلْ مِثْلُ هَذا المَعْنى لِغَيْرِها مِنَ الإناثِ. وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: إنَّ أُمَّها لَمّا وضَعَتْها ما غَذَّتْها طَرْفَةَ عَيْنٍ، بَلْ ألْقَتْها إلى زَكَرِيّا، وكانَ رِزْقُها يَأْتِيها مِنَ الجَنَّةِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى فَرَّغَها لِعِبادَتِهِ، وخَصَّها في هَذا المَعْنى بِأنْواعِ اللُّطْفِ والهِدايَةِ والعِصْمَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ كَفاها أمْرَ مَعِيشَتِها، فَكانَ يَأْتِيها رِزْقُها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أسْمَعَها كَلامَ المَلائِكَةِ شِفاهًا، ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ لِأُنْثى غَيْرِها، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ. وأمّا التَّطْهِيرُ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى طَهَّرَها عَنِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] . وثانِيها: أنَّهُ تَعالى طَهَّرَها عَنْ مَسِيسِ الرِّجالِ. وثالِثُها: طَهَّرَها عَنِ الحَيْضِ، قالُوا: كانَتْ مَرْيَمُ لا تَحِيضُ. ورابِعُها: وطَهَّرَكِ مِنَ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، والعاداتِ القَبِيحَةِ. وخامِسُها: وطَهَّرَكِ عَنْ مَقالَةِ اليَهُودِ وتُهْمَتِهِمْ وكَذِبِهِمْ. وأمّا الِاصْطِفاءُ الثّانِي: فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى وهَبَ لَها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ أبٍ، وأنْطَقَ عِيسى حالَ انْفِصالِهِ مِنها حَتّى شَهِدَ بِما يَدُلُّ عَلى بَراءَتِها عَنِ التُّهْمَةِ، وجَعَلَها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ. صفحة ٣٩ المَسْألَةُ الخامِسَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«حَسْبُكَ مِن نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعٌ: مَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةُ، وفاطِمَةُ عَلَيْهِنَّ السَّلامُ» “ فَقِيلَ هَذا الحَدِيثُ دَلَّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الأرْبَعَ أفْضَلُ مِنَ النِّساءِ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ، وقَوْلُ مَن قالَ المُرادُ إنَّها مُصْطَفاةٌ عَلى عالَمِي زَمانِها، فَهَذا تَرَكَ الظّاهِرَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القُنُوتِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وبِالجُمْلَةِ فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّها مَخْصُوصَةٌ بِمَزِيدِ المَواهِبِ والعَطايا مِنَ اللَّهِ، أوْجَبَ عَلَيْها مَزِيدَ الطّاعاتِ، شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعَمِ السَّنِيَّةِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قُدِّمَ ذِكْرُ السُّجُودِ عَلى ذِكْرِ الرُّكُوعِ ؟ . والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الواوَ تُفِيدُ الِاشْتِراكَ ولا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ. الثّانِي: أنَّ غايَةَ قُرْبِ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ ساجِدًا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ» “ فَلَمّا كانَ السُّجُودُ مُخْتَصًّا بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الرُّتْبَةِ والفَضِيلَةِ لا جَرَمَ قَدَّمَهُ عَلى سائِرِ الطّاعاتِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِالصَّلاةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَأْمُرُها بِالمُواظَبَةِ عَلى السُّجُودِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ، وأمّا الصَّلاةُ فَإنَّها تَأْتِي بِها في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَها. والثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قَوْلُهُ تَعالى: (اقْنُتِي) أمْرٌ بِالعِبادَةِ عَلى العُمُومِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ يَعْنِي اسْتَعْمِلِي السُّجُودَ في وقْتِهِ اللّائِقِ بِهِ، واسْتَعْمِلِي الرُّكُوعَ في وقْتِهِ اللّائِقِ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُما، ثُمَّ يُقَدَّمُ السُّجُودُ عَلى الرُّكُوعِ واللَّهُ أعْلَمُ. الرّابِعُ: أنَّ الصَّلاةَ تُسَمّى سُجُودًا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] وفي الحَدِيثِ: ”«إذا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» “ وأيْضًا المَسْجِدُ سُمِّيَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنَ السُّجُودِ، والمُرادُ مِنهُ مَوْضِعُ الصَّلاةِ، وأيْضًا أشْرَفُ أجْزاءِ الصَّلاةِ السُّجُودُ، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ باسْمِ أشْرَفِ أجْزائِهِ نَوْعٌ مَشْهُورٌ في المَجازِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ مَعْناهُ: يا مَرْيَمُ قُومِي، وقَوْلُهُ: (واسْجُدِي) أيْ صَلِّي فَكانَ المُرادُ مِن هَذا السُّجُودِ الصَّلاةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا لَها بِالصَّلاةِ بِالجَماعَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (واسْجُدِي) أمْرًا بِالصَّلاةِ حالَ الِانْفِرادِ، وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمْرًا بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الرُّكُوعِ التَّواضُعَ ويَكُونُ قَوْلُهُ: (واسْجُدِي) أمْرًا ظاهِرًا بِالصَّلاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمْرًا بِالخُضُوعِ والخُشُوعِ بِالقَلْبِ. الوَجْهُ الخامِسُ في الجَوابِ: لَعَلَّهُ كانَ السُّجُودُ في ذَلِكَ الدِّينِ مُتَقَدِّمًا عَلى الرُّكُوعِ. السُّؤالُ الثّانِي: أمّا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ . والجَوابُ: قِيلَ مَعْناهُ: افْعَلِي كَفِعْلِهِمْ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ في الجَماعَةِ كانَتْ مَأْمُورَةً بِأنْ تُصَلِّيَ في بَيْتِ المَقْدِسِ مَعَ المُجاوِرِينَ فِيهِ، وإنْ كانَتْ لا تَخْتَلِطُ بِهِمْ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعاتِ ؟ والجَوابُ لِأنَّ الِاقْتِداءَ بِالرِّجالِ حالَ الِاخْتِفاءِ مِنَ الرِّجالِ أفْضَلُ مِنَ الِاقْتِداءِ بِالنِّساءِ. صفحة ٤٠ واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: لَمّا ذَكَرَتِ المَلائِكَةُ هَذِهِ الكَلِماتِ مَعَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - شِفاهًا، قامَتْ مَرْيَمُ في الصَّلاةِ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها وسالَ الدَّمُ والقَيْحُ مِن قَدَمَيْها.

آل عمران 3:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”ذَلِكَ“ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي مَضى ذِكْرُهُ مِن حَدِيثِ حَنَّةَ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى بْنِ مَرْيَمَ، إنَّما هو مِن إخْبارِ الغَيْبِ فَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْلَمَهُ إلّا بِالوَحْيِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ نُفِيَتْ هَذِهِ المُشاهَدَةُ، وانْتِفاؤُها مَعْلُومٌ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ، وتُرِكَ نَفْيُ اسْتِماعِ هَذِهِ الأشْياءِ مِن حُفّاظِها وهو مَوْهُومٌ ؟ . قُلْنا: كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم عِلْمًا يَقِينِيًّا أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ السَّماعِ والقِراءَةِ، وكانُوا مُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا المُشاهَدَةُ، وهي وإنْ كانَتْ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ إلّا أنَّها نُفِيَتْ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالمُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا سَماعٌ ولا قِراءَةٌ، ونَظِيرُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦] ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ [هود: ٤٩] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإنْباءُ: الإخْبارُ عَمّا غابَ عَنْكَ، وأمّا الإيحاءُ فَقَدْ ورَدَ الكِتابُ بِهِ عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَجْمَعُها تَعْرِيفُ المُوحى إلَيْهِ بِأمْرٍ خَفِيٍّ مِن إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ أوْ غَيْرِهِما، وبِهَذا التَّفْسِيرِ يُعَدُّ الإلْهامُ وحْيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وقالَ في الشَّياطِينِ يُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ، وقالَ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] فَلَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ألْقى هَذِهِ الأشْياءَ إلى الرَّسُولِ ﷺ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحَيْثُ يَخْفى ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِ سَمّاهُ وحْيًا. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تِلْكَ الأقْلامِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: المُرادُ بِالأقْلامِ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ وسائِرَ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ القِراعُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن جَرى قَلَمُهُ عَلى عَكْسِ جَرْيِ الماءِ فالحَقُّ مَعَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ صارَ قَلَمُ زَكَرِيّا كَذَلِكَ فَسَلَّمُوا الأمْرَ لَهُ وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهم لَمّا ألْقَوْا عِصِيَّهم في الماءِ الجارِي جَرَتْ عَصا زَكَرِيّا عَلى ضِدِّ جَرْيَةِ الماءِ فَغَلَبَهم، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ. والثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى يُلْقُونَ أقْلامَهم: مِمّا كانَتِ الأُمَمُ تَفْعَلُهُ مِنَ المُساهَمَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ فَيَطْرَحُونَ مِنها ما يَكْتُبُونَ عَلَيْها أسْماءَهم، فَمَن خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ سُلِّمَ لَهُ الأمْرُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] وهو شَبِيهٌ صفحة ٤١ بِأمْرِ القِداحِ الَّتِي تَتَقاسَمُ بِها العَرَبُ لَحْمَ الجَزُورِ، وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ السِّهامُ أقْلامًا لِأنَّها تُقَلَّمُ وتُبْرى، وكُلُّ ما قَطَعْتَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَقَدْ قَلَّمْتَهُ، ولِهَذا السَّبَبِ يُسَمّى ما يُكْتَبُ بِهِ قَلَمًا. قالَ القاضِي: وُقُوعُ لَفْظِ القَلَمِ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ وإنْ كانَ صَحِيحًا نَظَرًا إلى أصْلِ الِاشْتِقاقِ، إلّا أنَّ العُرْفَ أوْجَبَ اخْتِصاصَ القَلَمِ بِهَذا الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ القَلَمِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُلْقُونَ أقْلامَهم في شَيْءٍ عَلى وجْهٍ يَظْهَرُ بِهِ امْتِيازُ بَعْضِهِمْ عَنِ البَعْضِ في اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ، وإمّا لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الإلْقاءِ، إلّا أنَّهُ رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهم كانُوا يُلْقُونَها في الماءِ بِشَرْطِ أنَّ مَن جَرى قَلَمُهُ عَلى خِلافِ جَرْيِ الماءِ فاليَدُ لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ حَصَلَ هَذا المَعْنى لِزَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلا جَرَمَ صارَ هو أوْلى بِكَفالَتِها واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ رَغِبُوا في كَفالَتِها حَتّى أدَّتْهم تِلْكَ الرَّغْبَةُ إلى المُنازَعَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ عِمْرانَ أباها كانَ رَئِيسًا لَهم ومُقَدَّمًا عَلَيْهِمْ، فَلِأجْلِ حَقِّ أبِيها رَغِبُوا في كَفالَتِها، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ أُمَّها حَرَّرَتْها لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ولِخِدْمَةِ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى، ولِأجْلِ ذَلِكَ حَرَصُوا عَلى التَّكَفُّلِ بِها، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ لِأنَّ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ كانَ بَيانُ أمْرِها وأمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حاصِلًا فَتَقَرَّبُوا لِهَذا السَّبَبِ حَتّى اخْتَصَمُوا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ أُولَئِكَ المُخْتَصِمِينَ مَن كانُوا ؟ فَمِنهم مَن قالَ: كانُوا هم خَدَمَةَ البَيْتِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ العُلَماءُ والأحْبارُ وكُتّابُ الوَحْيِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّهم كانُوا مِنَ الخَواصِّ وأهْلِ الفَضْلِ في الدِّينِ والرَّغْبَةِ في الطَّرِيقِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ فَفِيهِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ: يُلْقُونَ أقْلامَهم لِيَنْظُرُوا أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وإنَّما حَسُنَ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى وما كُنْتَ هُناكَ إذْ يَتَقارَعُونَ عَلى التَّكَفُّلِ بِها وإذْ يَخْتَصِمُونَ بِسَبَبِها فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا الِاخْتِصامِ ما كانَ قَبْلَ الإقْراعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اخْتِصامًا آخَرَ حَصَلَ بَعْدَ الإقْراعِ، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ شِدَّةُ رَغْبَتِهِمْ في التَّكَفُّلِ بِشَأْنِها، والقِيامِ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِها، وما ذاكَ إلّا لِدُعاءِ أُمِّها حَيْثُ قالَتْ: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] وقالَتْ: ﴿إنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] .

آل عمران 3:45

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ . صفحة ٤٢ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ حالَ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، في أوَّلِ أمْرِها وفي آخِرِ أمْرِها، وشَرَحَ كَيْفِيَّةَ وِلادَتِها لِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقالَ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في العامِلِ في ”إذْ“ قِيلَ: العامِلُ فِيهِ. وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: يَخْتَصِمُونَ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”إذْ“ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٥ ] وقِيلَ التَّقْدِيرُ: إنَّ ما وصَفْتُهُ مِن أُمُورِ زَكَرِيّا، وهِبَةِ اللَّهِ لَهُ يَحْيى كانَ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ، وأمّا أبُو عُبَيْدَةَ: فَإنَّهُ يَجْرِي في هَذا البابِ عَلى مَذْهَبٍ لَهُ مَعْرُوفٍ، وهو أنَّ ”إذْ“ صِلَةٌ في الكَلامِ وزِيادَةٌ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فِيهِما بَعْضُ الضَّعْفِ وذَلِكَ لِأنَّ مَرْيَمَ حالَ ما كانُوا يُلْقُونَ الأقْلامَ وحالَ ما كانُوا يَخْتَصِمُونَ ما بَلَغَتِ الجِدَّ الَّذِي تُبَشَّرُ فِيهِ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إلّا قَوْلَ الحَسَنِ: فَإنَّهُ يَقُولُ إنَّها كانَتْ عاقِلَةً في حالِ الصِّغَرِ، فَإنَّ ذَلِكَ كانَ مِن كَراماتِها، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ جازَ في تِلْكَ الحالِ أنْ يَرِدَ عَلَيْها البُشْرى مِنَ المَلائِكَةِ، وإلّا فَلا بُدَّ مِن تَأخُّرِ هَذِهِ البُشْرى إلى حِينِ العَقْلِ، ومِنهم مَن تَكَلَّفَ الجَوابَ، فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ الِاخْتِصامُ والبُشْرى وقَعا في زَمانٍ واسِعٍ، كَما تَقُولُ لَقِيتُهُ في سَنَةِ كَذا، وهَذا الجَوابُ بَعِيدٌ والأصْوَبُ هو الوَجْهُ الثّالِثُ، والرّابِعُ، أمّا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: فَقَدْ عَرَفْتَ ضَعْفَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ يُفِيدُ الجَمْعَ إلّا أنَّ المَشْهُورَ أنَّ ذَلِكَ المُنادِي كانَ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ، وأمّا البِشارَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَها في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الكَلِمَةِ مِن وُجُوهٍ، وألْيَقُها بِهَذا المَوْضِعِ وجْهانِ الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ عُلُوقٍ وإنْ كانَ مَخْلُوقًا بِواسِطَةِ الكَلِمَةِ وهي قَوْلُهُ: (كُنْ) إلّا أنَّ ما هو السَّبَبُ المُتَعارَفُ كانَ مَفْقُودًا في حَقِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو الأبُ، فَلا جَرَمَ كانَ إضافَةُ حُدُوثِهِ إلى الكَلِمَةِ أكْمَلَ وأتَمَّ فَجُعِلَ بِهَذا التَّأْوِيلِ كَأنَّهُ نَفْسُ الكَلِمَةِ كَما أنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الجُودُ والكَرَمُ والإقْبالُ يُقالُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ إنَّهُ نَفْسُ الجُودِ، ومَحْضُ الكَرَمِ، وصَرِيحُ الإقْبالِ، فَكَذا هاهُنا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ السُّلْطانَ العادِلَ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ ظِلُّ اللَّهِ في أرْضِهِ، وبِأنَّهُ نُورُ اللَّهِ لِما أنَّهُ سَبَبٌ لِظُهُورِ ظِلِّ العَدْلِ، ونُورِ الإحْسانِ، فَكَذَلِكَ كانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَبًا لِظُهُورِ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِسَبَبِ كَثْرَةِ بَياناتِهِ وإزالَةِ الشُّبَهاتِ والتَّحْرِيفاتِ عَنْهُ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُسَمّى بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. فَإنْ قِيلَ: ولِمَ قُلْتُمْ إنَّ حُدُوثَ الشَّخْصِ مِن غَيْرِ نُطْفَةِ الأبِ مُمْكِنٌ ؟ قُلْنا: أمّا عَلى أُصُولِ المُسْلِمِينَ فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ تَرْكِيبَ الأجْسامِ وتَأْلِيفَها عَلى وجْهٍ يَحْصُلُ فِيها الحَياةُ والفَهْمُ والنُّطْقُ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ بِأسْرِها، وكانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرًا عَلى إيجادِ الشَّخْصِ، لا مِن نُطْفَةِ الأبِ، وإذا ثَبَتَ الإمْكانُ، ثُمَّ إنَّ المُعْجِزَ قامَ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صادِقًا، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ المُمْكِنِ، والصّادِقُ إذا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ المُمْكِنِ وجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، فَثَبَتَ صِحَّةُ ما ذَكَرْناهُ. الثّانِي: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] فَلَمّا لَمْ يَبْعُدْ تَخْلِيقُ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ فَلَأنْ لا يَبْعُدَ تَخْلِيقُ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ كانَ أوْلى وهَذِهِ حُجَّةٌ ظاهِرَةٌ، وأمّا عَلى أُصُولِ الفَلاسِفَةِ فالأمْرُ في تَجْوِيزِهِ ظاهِرٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الفَلاسِفَةَ اتَّفَقُوا عَلى صفحة ٤٣ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ حُدُوثُ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ التَّوالُدِ مِن غَيْرِ تَوَلُّدٍ قالُوا: لِأنَّ بَدَنَ الإنْسانِ إنَّما اسْتَعَدَّ لِقَبُولِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي تُدَبَّرُ بِواسِطَةِ حُصُولِ المِزاجِ المَخْصُوصِ في ذَلِكَ البَدَنِ، وذَلِكَ المِزاجُ إنَّما جُعِلَ لِامْتِزاجِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ عَلى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ في مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَحُصُولُ أجْزاءِ العَناصِرِ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي يُناسِبُ بَدَنَ الإنْسانِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وامْتِزاجُها غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، فامْتِزاجُها يَكُونُ عِنْدَ حُدُوثِ الكَيْفِيَّةِ المِزاجِيَّةِ واجِبًا، وعِنْدَ حُدُوثِ الكَيْفِيَّةِ المِزاجِيَّةِ يَكُونُ تَعَلُّقُ النَّفْسِ بِذَلِكَ البَدَنِ واجِبًا، فَثَبَتَ أنَّ حُدُوثَ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ مَعْقُولٌ مُمْكِنٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحُدُوثُ الإنْسانِ لا عَنِ الأبِ أوْلى بِالجَوازِ والإمْكانِ. الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنّا نُشاهِدُ حُدُوثَ كَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ عَلى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ، كَتَوَلُّدِ الفَأْرِ عَنِ المَدَرِ، والحَيّاتِ عَنِ الشَّعْرِ، والعَقارِبِ عَنِ الباذَرُوجِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَتَوَلُّدُ الوَلَدِ لا عَنِ الأبِ أوْلى أنْ لا يَكُونَ مُمْتَنِعًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ التَّخَيُّلاتِ الذِّهْنِيَّةَ كَثِيرًا ما تَكُونُ أسْبابًا لِحُدُوثِ الحَوادِثِ الكَثِيرَةِ لَيْسَ أنَّ تَصَوُّرَ المُنافِي يُوجِبُ حُصُولَ كَيْفِيَّةِ الغَضَبِ، ويُوجِبُ حُصُولَ السُّخُونَةِ الشَّدِيدَةِ في البَدَنِ، ألَيْسَ اللَّوْحُ الطَّوِيلُ إذا كانَ مَوْضُوعًا عَلى الأرْضِ قَدَرَ الإنْسانُ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ ولَوْ جُعِلَ كالقَنْطَرَةِ عَلى وهْدَةٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ؟ بَلْ كُلَّما مَشى عَلَيْهِ يَسْقُطُ وما ذاكَ إلّا أنَّ تَصَوُّرَ السُّقُوطِ يُوجِبُ حُصُولَ السُّقُوطِ، وقَدْ ذَكَرُوا في كُتُبِ الفَلْسَفَةِ أمْثِلَةً كَثِيرَةً لِهَذا البابِ، وجَعَلُوها كالأصْلِ في بَيانِ جَوازِ المُعْجِزاتِ والكَراماتِ، فَما المانِعُ مِن أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمّا تَخَيَّلَتْ صُورَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَفى ذَلِكَ في عُلُوقِ الوَلَدِ في رَحِمِها، وإذا كانَ كُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُمْكِنًا مُحْتَمَلًا كانَ القَوْلُ بِحُدُوثِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ واسِطَةِ الأبِ قَوْلًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، ولَوْ أنَّكَ طالَبْتَ جَمِيعَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِن أرْبابِ الطَّبائِعِ والطِّبِّ والفَلْسَفَةِ عَلى إقامَةِ حُجَّةٍ إقْناعِيَّةٍ في امْتِناعِ حُدُوثِ الوَلَدِ مِن غَيْرِ الأبِ لَمْ يَجِدُوا إلَيْهِ سَبِيلًا إلّا الرُّجُوعَ إلى اسْتِقْراءِ العُرْفِ والعادَةِ، وقَدِ اتَّفَقَ عُلَماءُ الفَلاسِفَةِ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِقْراءِ لا يُفِيدُ الظَّنَّ القَوِيَّ فَضْلًا عَنِ العِلْمِ، فَعَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُمْكِنٌ فَلَمّا أُخْبِرَ العِبادُ عَنْ وُقُوعِهِ وجَبَ الجَزْمُ بِهِ والقَطْعُ بِصِحَّتِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ فَلَفْظَةُ ”مِن“ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ هاهُنا إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ اللَّهُ تَعالى مُتَجَزِّئًا مُتَبَعِّضًا مُتَحَمِّلًا لِلِاجْتِماعِ والِافْتِراقِ وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ وتَعالى اللَّهُ عَنْهُ، بَلِ المُرادُ مِن كَلِمَةِ ”مِن“ هاهُنا ابْتِداءُ الغايَةِ وذَلِكَ لِأنَّ في حَقِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا لَمْ تَكُنْ واسِطَةُ الأبِ مَوْجُودَةً صارَ تَأْثِيرُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى في تَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ أكْمَلَ وأظْهَرَ فَكانَ كَوْنُهُ كَلِمَةَ ”اللَّهِ“ مَبْدَأً لِظُهُورِهِ ولِحُدُوثِهِ أكْمَلَ فَكانَ المَعْنى لَفْظَ ما ذَكَرْناهُ لا ما يَتَوَهَّمُهُ النَّصارى والحُلُولِيَّةُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: المَسِيحُ: هَلْ هو اسْمٌ مُشْتَقٌّ، أوْ مَوْضُوعٌ ؟ . والجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ واللَّيْثُ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيحًا، فَعَرَّبَتْهُ العَرَبُ وغَيَّرُوا لَفْظَهُ، وعِيسى: أصْلُهُ يَشُوعُ كَما قالُوا في مُوسى: أصْلُهُ مُوشى، أوْ مِيشا بِالعِبْرانِيَّةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ لَهُ اشْتِقاقٌ. صفحة ٤٤ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وعَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما سُمِّيَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَسِيحًا، لِأنَّهُ ما كانَ يَمْسَحُ بِيَدِهِ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِئَ مِن مَرَضِهِ. الثّانِي: قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: سُمِّيَ مَسِيحًا لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَقْطَعُها، ومِنهُ مِساحَةُ أقْسامِ الأرْضِ، وعَلى هَذا المَعْنى يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لِعِيسى مَسِّيحٌ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ فَسِّيقٌ وشَرِّيبٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ رَأْسَ اليَتامى لِلَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى: فاعِلٍ، كَرَحِيمٍ بِمَعْنى: راحِمٍ. الرّابِعُ: أنَّهُ مُسِحَ مِنَ الأوْزارِ والآثامِ. والخامِسُ: سُمِّيَ مَسِيحًا لِأنَّهُ ما كانَ في قَدَمِهِ خَمْصٌ، فَكانَ مَمْسُوحَ القَدَمَيْنِ. والسّادِسُ: سُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ كانَ مَمْسُوحًا بِدُهْنٍ طاهِرٍ مُبارَكٍ يُمْسَحُ بِهِ الأنْبِياءُ، ولا يُمْسَحُ بِهِ غَيْرُهم. ثُمَّ قالُوا: وهَذا الدُّهْنُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى جَعَلَهُ عَلامَةً حَتّى تَعْرِفَ المَلائِكَةُ أنَّ كُلَّ مَن مُسِحَ بِهِ وقْتَ الوِلادَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ نَبِيًّا. السّابِعُ: سُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ ﷺ بِجَناحِهِ وقْتَ وِلادَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ صَوْنًا لَهُ عَنْ مَسِّ الشَّيْطانِ. الثّامِنُ: سُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ المَسِيحُ، بِمَعْنى: المَمْسُوحِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ المَسِيحُ: المَلَكُ. وقالَ النَّخَعِيُّ: المَسِيحُ الصِّدِّيقُ واللَّهُ أعْلَمُ. ولَعَلَّهُما قالا ذَلِكَ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ مَدْحًا لا لِدَلالَةِ اللُّغَةِ عَلَيْهِ. وأمّا المَسِيحُ الدَّجّالُ فَإنَّما سُمِّيَ مَسِيحًا لِأحَدِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ مَمْسُوحُ أحَدِ العَيْنَيْنِ. والثّانِي: أنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ: يَقْطَعُها في المُدَّةِ القَلِيلَةِ، قالُوا: ولِهَذا قِيلَ لَهُ: دَجّالٌ لِضَرْبِهِ في الأرْضِ، وقَطْعِهِ أكْثَرَ نَواحِيها، يُقالُ: قَدْ دَجَلَ الدَّجّالُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ، وقِيلَ: سُمِّيَ دَجّالًا مِن قَوْلِهِ: دَجَّلَ الرَّجُلُ إذا مَوَّهَ ولَبَّسَ. السُّؤالُ الثّانِي: المَسِيحُ كانَ كاللَّقَبِ لَهُ، وعِيسى كالِاسْمِ فَلِمَ قُدِّمَ اللَّقَبُ عَلى الِاسْمِ ؟ . الجَوابُ: أنَّ المَسِيحَ كاللَّقَبِ الَّذِي يُفِيدُ كَوْنَهُ شَرِيفًا رَفِيعَ الدَّرَجَةِ، مِثْلَ الصِّدِّيقِ والفارُوقِ فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا بِلَقَبِهِ لِيُفِيدَ عُلُوَّ دَرَجَتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ الخاصِّ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ والخِطابُ مَعَ مَرْيَمَ ؟ . الجَوابُ: لِأنَّ الأنْبِياءَ يُنْسَبُونَ إلى الآباءِ لا إلى الأُمَّهاتِ، فَلَمّا نَسَبَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأُمِّ دُونَ الأبِ، كانَ ذَلِكَ إعْلامًا لَها بِأنَّهُ مُحْدَثٌ بِغَيْرِ الأبِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ فَضْلِهِ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: اسْمُهُ عائِدٌ إلى الكَلِمَةِ وهي مُؤَنَّثَةٌ فَلِمَ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ ؟ . الجَوابُ: لِأنَّ المُسَمّى بِها مُذَكَّرٌ. السُّؤالُ الخامِسُ: لِمَ قالَ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، والِاسْمُ لَيْسَ إلّا عِيسى، وأمّا المَسِيحُ فَهو لَقَبٌ، وأمّا ابْنُ مَرْيَمَ فَهو صِفَةٌ ؟ . الجَوابُ: الِاسْمُ عَلامَةُ المُسَمّى ومُعَرِّفٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ هو مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الوَجِيهِ: ذُو الجاهِ والشَّرَفِ والقَدْرِ، يُقالُ: وجُهَ الرَّجُلُ، يَوْجُهُ وجاهَةً فَهو وجِيهٌ، إذا صارَتْ لَهُ مَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ عِنْدَ النّاسِ والسُّلْطانِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الوَجِيهُ: هو الكَرِيمُ؛ لِأنَّ أشْرَفَ صفحة ٤٥ أعْضاءِ الإنْسانِ وجْهُهُ فَجُعِلَ الوَجْهُ اسْتِعارَةً عَنِ الكَرَمِ والكَمالِ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ مُوسى ﷺ بِأنَّهُ كانَ وجِيهًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: كانَ وجِيهًا في الدُّنْيا بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ، وفي الآخِرَةِ بِسَبَبِ عُلُوِّ المَنزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: أنَّهُ وجِيهٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو وجِيهٌ في الدُّنْيا بِسَبَبِ أنَّهُ يُسْتَجابُ دُعاؤُهُ، ويُحْيِي المَوْتى، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِسَبَبِ دُعائِهِ، ووَجِيهٌ في الآخِرَةِ بِسَبَبِ أنَّهُ يَجْعَلُهُ شَفِيعَ أُمَّتِهِ المُحِقِّينَ ويَقْبَلُ شَفاعَتَهم فِيهِمْ كَما يَقْبَلُ شَفاعَةَ أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والثّالِثُ: أنَّهُ وجَّهَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ مُبَرَّأً مِنَ العُيُوبِ الَّتِي وصَفَهُ اليَهُودُ بِها، ووَجِيهٌ في الآخِرَةِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ثَوابِهِ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ وجِيهًا في الدُّنْيا واليَهُودُ عامَلُوهُ بِما عامَلُوهُ ؟ قُلْنا: قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى سَمّى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالوَجِيهِ مَعَ أنَّ اليَهُودَ طَعَنُوا فِيهِ، وآذَوْهُ إلى أنْ بَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا قالُوا، وذَلِكَ لَمْ يَقْدَحْ في وجاهَةِ مُوسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكَذا هاهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”وجِيهًا“ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِهَذا الوَلَدِ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والفَرّاءُ يُسَمِّي هَذا قَطْعًا كَأنَّهُ قالَ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الوَجِيهُ فَقُطِعَ مِنهُ التَّعْرِيفُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٥] فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ كالمَدْحِ العَظِيمِ لِلْمَلائِكَةِ فَألْحَقَهُ بِمِثْلِ مَنزِلَتِهِمْ ودَرَجَتِهِمْ بِواسِطَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ. وثانِيها: أنَّ هَذا الوَصْفَ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَيُرْفَعُ إلى السَّماءِ وتُصاحِبُهُ المَلائِكَةُ. وثالِثُها: أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ وجِيهٍ في الآخِرَةِ يَكُونُ مُقَرَّبًا؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ عَلى مَنازِلَ ودَرَجاتٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] .

آل عمران 3:46

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ”وجِيهًا“ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: وجِيهًا ومُكَلِّمًا لِلنّاسِ وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَطْفَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ غَيْرُ جائِزٍ إلّا لِلضَّرُورَةِ أوِ الفائِدَةِ، والأوْلى أنْ يُقالَ تَقْدِيرُ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٥]: الوَجِيهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ المَعْدُودُ مِنَ المُقَرَّبِينَ، وهَذا المَجْمُوعُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حِجْرُ أُمِّهِ. والثّانِي: هو هَذا الشَّيْءُ المَعْرُوفُ الَّذِي هو مَضْجَعُ الصَّبِيِّ وقْتَ الرَّضاعِ، وكَيْفَ كانَ فالمُرادُ مِنهُ: فَإنَّهُ يُكَلِّمُ النّاسَ في الحالَةِ الَّتِي يَحْتاجُ الصَّبِيُّ فِيها إلى المَهْدِ، ولا يَخْتَلِفُ هَذا المَقْصُودُ سَواءٌ كانَ في حِجْرِ أُمِّهِ أوْ كانَ في المَهْدِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (وكَهْلًا) عُطِفَ عَلى الظَّرْفِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي المَهْدِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُكَلِّمُ النّاسَ صَغِيرًا وكَهْلًا وهاهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الكَهْلُ ؟ . صفحة ٤٦ الجَوابُ: الكَهْلُ في اللُّغَةِ ما اجْتَمَعَ قُوَّتُهُ وكَمُلَ شَبابُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ اكْتَهَلَ النَّباتُ إذا قَوِيَ وتَمَّ قالَ الأعْشى: يُضاحِكُ الشَّمْسَ مِنها كَوْكَبٌ شَرِقٌ مُؤَزَّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ أرادَ بِالمُكْتَهِلِ المُتَناهِي في الحُسْنِ والكَمالِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ تَكَلُّمَهُ حالَ كَوْنِهِ في المَهْدِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَأمّا تَكَلُّمُهُ حالَ الكُهُولَةِ فَلَيْسَ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِ ؟ . والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ كَوْنِهِ مُتَقَلِّبًا في الأحْوالِ مِنَ الصِّبا إلى الكُهُولَةِ، والتَّغَيُّرُ عَلى الإلَهِ تَعالى مُحالٌ، والمُرادُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى وفْدِ نَجْرانَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ عِيسى كانَ إلَهًا. والثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنْ يُكَلِّمَ النّاسَ مَرَّةً واحِدَةً في المَهْدِ لِإظْهارِ طَهارَةِ أُمِّهِ، ثُمَّ عِنْدَ الكُهُولَةِ يَتَكَلَّمُ بِالوَحْيِ والنُّبُوَّةِ. والثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ أنَّهُ يُكَلِّمُ حالَ كَوْنِهِ في المَهْدِ، وحالَ كَوْنِهِ كَهْلًا عَلى حَدٍّ واحِدٍ وصِفَةٍ واحِدَةٍ وذَلِكَ لا شَكَّ أنَّهُ غايَةٌ في المُعْجِزِ. الرّابِعُ: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَبْلُغُ حالَ الكُهُولَةِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: نُقِلَ أنَّ عُمُرَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ رُفِعَ كانَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً وسِتَّةَ أشْهُرٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَهو ما بَلَغَ الكُهُولَةَ. والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بَيَّنّا أنَّ الكَهْلَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الكامِلِ التّامِّ، وأكْمَلُ أحْوالِ الإنْسانِ إذا كانَ بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ فَصَحَّ وصْفُهُ بِكَوْنِهِ كَهْلًا في هَذا الوَقْتِ. والثّانِي: هو قَوْلُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ البَجَلِيِّ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (وكَهْلًا) أنْ يَكُونَ كَهْلًا بَعْدَ أنْ يَنْزِلَ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ، ويُكَلِّمَ النّاسَ، ويَقْتُلَ الدَّجّالَ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: وفي هَذِهِ الآيَةِ نَصٌّ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَيَنْزِلُ إلى الأرْضِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنْكَرَتِ النَّصارى كَلامَ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في المَهْدِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ كَلامَهُ في المَهْدِ مِن أعْجَبِ الأُمُورِ وأغْرَبِها، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ لَوْ وقَعَتْ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ وُقُوعُها في حُضُورِ الجَمْعِ العَظِيمِ الَّذِي يَحْصُلُ القَطْعُ واليَقِينُ بِقَوْلِهِمْ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ مِثْلِ هَذا المُعْجِزِ بِالواحِدِ والِاثْنَيْنِ لا يَجُوزُ، ومَتى حَدَثَتِ الواقِعَةُ العَجِيبَةُ جَدًّا عِنْدَ حُضُورِ الجَمْعِ العَظِيمِ فَلا بُدَّ وأنْ تَتَوَفَّرَ الدَّواعِي عَلى النَّقْلِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ بالِغًا حَدَّ التَّواتُرِ، وإخْفاءُ ما يَكُونُ بالِغًا إلى حَدِّ التَّواتُرِ مُمْتَنِعٌ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ الإخْفاءُ هاهُنا مُمْتَنِعًا؛ لِأنَّ النَّصارى بالَغُوا في إفْراطِ مَحَبَّتِهِ إلى حَيْثُ قالُوا إنَّهُ كانَ إلَهًا، ومَن كانَ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أنْ يَسْعى في إخْفاءِ مَناقِبِهِ وفَضائِلِهِ بَلْ رُبَّما يَجْعَلُ الواحِدَ ألْفًا، فَثَبَتَ أنْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ مَوْجُودَةً لَكانَ أوْلى النّاسِ بِمَعْرِفَتِها النَّصارى، ولَمّا أطْبَقُوا عَلى إنْكارِها عَلِمْنا أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا البَتَّةَ. أجابَ المُتَكَلِّمُونَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وقالُوا: إنَّ كَلامَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في المَهْدِ إنَّما كانَ لِلدَّلالَةِ عَلى بَراءَةِ حالِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - مِنَ الفاحِشَةِ، وكانَ الحاضِرُونَ جَمْعًا قَلِيلِينَ، فالسّامِعُونَ لِذَلِكَ الكَلامِ، كانَ جَمْعًا قَلِيلًا، ولا يَبْعُدُ في مِثْلِهِ التَّواطُؤُ عَلى الإخْفاءِ، وبِتَقْدِيرِ: أنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ إلّا أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُكَذِّبُونَهم في ذَلِكَ ويَنْسُبُونَهم إلى البُهْتِ، فَهم أيْضًا قَدْ سَكَتُوا لِهَذِهِ العِلَّةِ فَلِأجْلِ هَذِهِ الأسْبابِ بَقِيَ الأمْرُ صفحة ٤٧ مَكْتُومًا مَخْفِيًّا إلى أنْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ، وأيْضًا فَلَيْسَ كُلُّ النَّصارى يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ نُقِلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: لَمّا قَرَأ عَلى النَّجاشِيِّ سُورَةَ مَرْيَمَ، قالَ النَّجاشِيُّ: لا تَفاوُتَ بَيْنَ واقِعَةِ عِيسى، وبَيْنَ المَذْكُورِ في هَذا الكَلامِ بِذَرَّةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ عِيسى كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنُهُ ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ وكَوْنُهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنُهُ مُكَلِّمًا لِلنّاسِ في المَهْدِ وفي الكُهُولَةِ، كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ أعْظَمُ وأشْرَفُ مِن كَوْنِهِ صالِحًا، فَلِمَ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى أوْصافَ عِيسى بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ ؟ . قُلْنا: إنَّهُ لا رُتْبَةَ أعْظَمُ مِن كَوْنِ المَرْءِ صالِحًا؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا ويَكُونُ في جَمِيعِ الأفْعالِ والتُّرُوكِ مُواظِبًا عَلى النَّهْجِ الأصْلَحِ، والطَّرِيقِ الأكْمَلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَقاماتِ في الدُّنْيا والدِّينِ في أفْعالِ القُلُوبِ، وفي أفْعالِ الجَوارِحِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ التَّفاصِيلِ أرْدَفَهُ بِهَذا الكَلامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أرْفَعِ الدَّرَجاتِ.

آل عمران 3:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ لِأنَّ التَّبْشِيرَ بِهِ يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِمّا وقَعَ عَلى خِلافِ العادَةِ، وقَدْ قَرَّرْنا مِثْلَهُ في قِصَّةِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَوْلُهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ ”ويُعَلِّمُهُ“ بِالياءِ والباقُونَ بِالنُّونِ، أمّا الياءُ فَعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: (ما يَشاءُ) وقالَ المُبَرِّدُ: عُطِفَ عَلى يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ، وكَذا وكَذا ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ ومَن قَرَأ بِالنُّونِ قالَ تَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّها: قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ فَقالَ لَها اللَّهُ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَهَذا وإنْ كانَ إخْبارًا عَلى وجْهِ المُغايَبَةِ، فَقالَ ”ونُعَلِّمُهُ“؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مَعْناهُ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَخْلُقُ ما نَشاءُ ”ونُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ“ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ مَعْطُوفٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِواوِ العَطْفِ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الكِتابِ تَعْلِيمُ الخَطِّ والكِتابَةِ، ثُمَّ المُرادُ بِالحِكْمَةِ تَعْلِيمُ العُلُومِ وتَهْذِيبُ الأخْلاقِ؛ لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ومَجْمُوعُهُما هو المُسَمّى بِالحِكْمَةِ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ صارَ صفحة ٤٨ عالِمًا بِالخَطِّ والكِتابَةِ، ومُحِيطًا بِالعُلُومِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ، يُعَلِّمُهُ التَّوْراةَ، وإنَّما أُخِّرَ تَعْلِيمُ التَّوْراةِ عَنْ تَعْلِيمِ الخَطِّ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ كِتابٌ إلَهِيٌّ، وفِيهِ أسْرارٌ عَظِيمَةٌ، والإنْسانُ ما لَمْ يَتَعَلَّمِ العُلُومَ الكَثِيرَةَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَخُوضَ في البَحْثِ عَلى أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ثُمَّ قالَ في المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ ”والإنْجِيلَ“ وإنَّما أُخِّرَ ذِكْرُ الإنْجِيلِ عَنْ ذِكْرِ التَّوْراةِ؛ لِأنَّ مَن تَعَلَّمَ الخَطَّ، ثُمَّ تَعَلَّمَ عُلُومَ الحَقِّ، ثُمَّ أحاطَ بِأسْرارِ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَقَدْ عَظُمَتْ دَرَجَتُهُ في العِلْمِ فَإذا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ كِتابًا آخَرَ وأوْقَفَهُ عَلى أسْرارِهِ فَذَلِكَ هو الغايَةُ القُصْوى، والمَرْتَبَةُ العُلْيا في العِلْمِ والفَهْمِ والإحاطَةِ بِالأسْرارِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ، والِاطْلاعِ عَلى الحِكَمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، فَهَذا ما عِنْدِي في تَرْتِيبِ هَذِهِ الألْفاظِ الأرْبَعَةِ.

آل عمران 3:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ لِأنَّ التَّبْشِيرَ بِهِ يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِمّا وقَعَ عَلى خِلافِ العادَةِ، وقَدْ قَرَّرْنا مِثْلَهُ في قِصَّةِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَوْلُهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ ”ويُعَلِّمُهُ“ بِالياءِ والباقُونَ بِالنُّونِ، أمّا الياءُ فَعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: (ما يَشاءُ) وقالَ المُبَرِّدُ: عُطِفَ عَلى يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ، وكَذا وكَذا ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ ومَن قَرَأ بِالنُّونِ قالَ تَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّها: قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ فَقالَ لَها اللَّهُ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَهَذا وإنْ كانَ إخْبارًا عَلى وجْهِ المُغايَبَةِ، فَقالَ ”ونُعَلِّمُهُ“؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مَعْناهُ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَخْلُقُ ما نَشاءُ ”ونُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ“ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ مَعْطُوفٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِواوِ العَطْفِ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الكِتابِ تَعْلِيمُ الخَطِّ والكِتابَةِ، ثُمَّ المُرادُ بِالحِكْمَةِ تَعْلِيمُ العُلُومِ وتَهْذِيبُ الأخْلاقِ؛ لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ومَجْمُوعُهُما هو المُسَمّى بِالحِكْمَةِ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ صارَ صفحة ٤٨ عالِمًا بِالخَطِّ والكِتابَةِ، ومُحِيطًا بِالعُلُومِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ، يُعَلِّمُهُ التَّوْراةَ، وإنَّما أُخِّرَ تَعْلِيمُ التَّوْراةِ عَنْ تَعْلِيمِ الخَطِّ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ كِتابٌ إلَهِيٌّ، وفِيهِ أسْرارٌ عَظِيمَةٌ، والإنْسانُ ما لَمْ يَتَعَلَّمِ العُلُومَ الكَثِيرَةَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَخُوضَ في البَحْثِ عَلى أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ثُمَّ قالَ في المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ ”والإنْجِيلَ“ وإنَّما أُخِّرَ ذِكْرُ الإنْجِيلِ عَنْ ذِكْرِ التَّوْراةِ؛ لِأنَّ مَن تَعَلَّمَ الخَطَّ، ثُمَّ تَعَلَّمَ عُلُومَ الحَقِّ، ثُمَّ أحاطَ بِأسْرارِ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَقَدْ عَظُمَتْ دَرَجَتُهُ في العِلْمِ فَإذا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ كِتابًا آخَرَ وأوْقَفَهُ عَلى أسْرارِهِ فَذَلِكَ هو الغايَةُ القُصْوى، والمَرْتَبَةُ العُلْيا في العِلْمِ والفَهْمِ والإحاطَةِ بِالأسْرارِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ، والِاطْلاعِ عَلى الحِكَمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، فَهَذا ما عِنْدِي في تَرْتِيبِ هَذِهِ الألْفاظِ الأرْبَعَةِ.

آل عمران 3:49

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ونُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ ونَبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، قائِلًا: أنّى قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، والحَذْفُ حَسَنٌ إذا لَمْ يُفْضِ إلى الِاشْتِباهِ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ عِنْدِي أنَّ تَقْدِيرَهُ: ويُكَلِّمُ النّاسَ رَسُولًا، وإنَّما أضْمَرْنا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ والمَعْنى: ويُكَلِّمُهم رَسُولًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم، الثّالِثُ: قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواوَ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، قائِلًا: أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ رَسُولًا إلى كُلِّ بَنِي إسْرائِيلَ بِخِلافِ قَوْلِ بَعْضِ اليَهُودِ إنَّهُ كانَ مَبْعُوثًا إلى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مِنهم. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ الجِنْسُ لا الفَرْدُ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَدَّدَ هاهُنا أنْواعًا مِنَ الآياتِ، وهي إحْياءُ المَوْتى، وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، والإخْبارُ عَنِ المُغَيَّباتِ فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ الجِنْسَ لا الفَرْدَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى هاهُنا خَمْسَةَ أنْواعٍ مِن مُعْجِزاتِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: النَّوْعُ الأوَّلُ ما ذَكَرَهُ هاهُنا في هَذِهِ الآيَةِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”أنِّي“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَمَن فَتَحَ ”أنِّي“ فَقَدْ جَعَلَها بَدَلًا صفحة ٤٩ مِن ”آيَةٍ“ كَأنَّهُ قالَ: وجِئْتُكم بِأنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ، ومَن كَسَرَ فَلَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: الِاسْتِئْنافُ وقَطْعُ الكَلامِ مِمّا قَبْلَهُ. والثّانِي: أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُفَسِّرَ الجُمْلَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِما يَكُونُ عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [ المائِدَة: ٩ ] ثُمَّ فَسَّرَ المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ [ المائِدَة: ٩ ] وقالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] ثُمَّ فَسَّرَ المَثَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ في المَعْنى كَقِراءَةِ مَن فَتَحَ ”أنِّي“ عَلى جَعْلِهِ بَدَلًا مِن ”آيَةٍ“ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ أيْ أُقَدِّرُ وأُصَوِّرُ وقَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] أنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَهُ هاهُنا أيْضًا فَنَقُولُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والشِّعْرُ والِاسْتِشْهادُ: أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] أيِ المُقَدِّرِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يَكُونُ خالِقًا بِمَعْنى التَّكْوِينِ والإبْداعِ فَوَجَبَ تَفْسِيرُ كَوْنِهِ خالِقًا بِالتَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ. وثانِيها: أنَّ لَفْظَ الخَلْقِ يُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] وفي العَنْكَبُوتِ ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] وفي سُورَةِ ص ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] والكاذِبُ إنَّما سُمِّيَ خالِقًا لِأنَّهُ يُقَدِّرُ الكَذِبَ في خاطِرِهِ ويُصَوِّرُهُ. وثالِثُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها وهي قَوْلُهُ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ أيْ أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ وقالَ تَعالى في المائِدَةِ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَلْقَ هو التَّصْوِيرُ والتَّقْدِيرُ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقَوْلُهُ: (خَلَقَ) إشارَةٌ إلى الماضِي، فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: (خَلَقَ) عَلى الإيجادِ والإبْداعِ، لَكانَ المَعْنى: أنَّ كُلَّ ما في الأرْضِ فَهو تَعالى قَدْ أوْجَدَهُ في الزَّمانِ الماضِي، وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، فَإذَنْ وجَبَ حَمْلُ الخَلْقِ عَلى التَّقْدِيرِ حَتّى يَصِحَّ الكَلامُ وهو أنَّهُ تَعالى قَدَّرَ في الماضِي كُلَّ ما وُجِدَ الآنَ في الأرْضِ، وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُهُ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقَوْلُهُ: ولا يُعْطِي بِأيْدِي الخالِقِ ولا ∗∗∗ أيْدِي الخَوالِقِ إلّا جَيِّدُ الأُدُمِ وأمّا الِاسْتِشْهادُ: فَهو أنَّهُ يُقالُ: خَلَقَ النَّعْلَ إذا قَدَّرَها وسَوّاها بِالقِياسِ، والخَلاقُ المِقْدارُ مِنَ الخَيْرِ، وفُلانٌ خَلِيقٌ بِكَذا، أيْ لَهُ هَذا المِقْدارُ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والصَّخْرَةُ الخَلْقاءُ المَلْساءُ، لِأنَّ المَلاسَةَ اسْتِواءٌ، وفي الخُشُونَةِ اخْتِلافٌ، فَثَبَتَ أنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في لَفْظِ ”الخالِقِ“ قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ والحُسْبانِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقالَ أصْحابُنا: الخالِقُ، لَيْسَ إلّا اللَّهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ [فاطر: ٣] وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ [فاطر: ٣] فالمَعْنى هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ مَوْصُوفٌ بِوَصْفِ كَوْنِهِ رازِقًا مِنَ السَّماءِ، ولا يَلْزَمُ مِن صِدْقِ قَوْلِنا: الخالِقُ الَّذِي يَكُونُ هَذا شَأْنَهُ، لَيْسَ إلّا اللَّهُ، صِدْقُ قَوْلِنا إنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ. صفحة ٥٠ وأجابُوا عَنْ كَلامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ بِأنَّ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ والظَّنِّ لَكِنَّ الظَّنَّ وإنْ كانَ مُحالًا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فالعِلْمُ ثابِتٌ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ مَعْناهُ: أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ وقَوْلُهُ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ فالهَيْئَةُ: الصُّورَةُ المُهَيَّئَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذْ قَدَّرْتَهُ، وقَوْلُهُ: (فَأنْفُخُ فِيهِ) أيْ في ذَلِكَ الطِّينِ المُصَوَّرِ. * * * وقَوْلُهُ: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ ”فَيَكُونُ طائِرًا“ بِالألِفِ عَلى الواحِدِ، والباقُونَ ”طَيْرًا“ عَلى الجَمْعِ، وكَذَلِكَ في المائِدَةِ، والطَّيْرُ: اسْمُ الجِنْسِ يَقَعُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَمْعِ. يُرْوى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ، وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ، أخَذُوا يَتَعَنَّتُونَ عَلَيْهِ وطالَبُوهُ بِخَلْقِ خُفّاشٍ، فَأخَذَ طِينًا وصَوَّرَهُ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ، فَإذا هو يَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَ وهْبٌ: كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا، ثُمَّ اخْتَلَفَ النّاسُ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ، وكانَتْ قِراءَةُ نافِعٍ عَلَيْهِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ خَلَقَ أنْواعًا مِنَ الطَّيْرِ وكانَتْ قِراءَةُ الباقِينَ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ رَقِيقٌ كالرِّيحِ، ولِذَلِكَ وصَفَها بِالفَتْحِ، ثُمَّ هاهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في نَفْسِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خاصِّيَّةً، بِحَيْثُ مَتى نَفَخَ في شَيْءٍ كانَ نَفْخُهُ فِيهِ مُوجِبًا لِصَيْرُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ حَيًّا، أوْ يُقالُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلِ اللَّهُ تَعالى كانَ يَخْلُقُ الحَياةَ في ذَلِكَ الجِسْمِ بِقُدْرَتِهِ عِنْدَ نَفْخَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِ عَلى سَبِيلِ إظْهارِ المُعْجِزاتِ، وهَذا الثّانِي هو الحَقُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وحُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ في مُناظَرَتِهِ مَعَ المَلِكِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَلَوْ حَصَلَ لِغَيْرِهِ هَذِهِ الصِّفَةُ لَبَطَلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما تَوَلَّدَ مِن نَفْخِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مَرْيَمَ، وجِبْرِيلُ ﷺ رُوحٌ مَحْضٌ ورُوحانِيٌّ مَحْضٌ فَلا جَرَمَ كانَتْ نَفْخَةُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْحَياةِ والرُّوحِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: (بِإذْنِ اللَّهِ) مَعْناهُ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] أيْ إلّا بِأنْ يُوجِدَ اللَّهُ المَوْتَ، وإنَّما ذَكَرَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا القَيْدَ إزالَةً لِلشُّبْهَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنِّي أعْمَلُ هَذا التَّصْوِيرَ، فَأمّا خَلْقُ الحَياةِ فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ إظْهارِ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِ الرُّسُلِ. * * * وأمّا النَّوْعُ الثّانِي والثّالِثُ والرّابِعُ مِنَ المُعْجِزاتِ ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ . صفحة ٥١ ذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ إلى أنَّ الأكْمَهَ هو الَّذِي وُلِدَ أعْمى، وقالَ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ هو الَّذِي عَمِيَ بَعْدَ أنْ كانَ بَصِيرًا، وعَنْ مُجاهِدٍ هو الَّذِي لا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، ويُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأُمَّةِ أكْمَهُ غَيْرَ قَتادَةَ بْنِ دِعامَةَ السَّدُوسَيِّ صاحِبِ التَّفْسِيرِ، ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رُبَّما اجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ ألْفًا مِنَ المَرْضى مَن أطاقَ مِنهم أتاهُ، ومَن لَمْ يُطِقْ أتاهُ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وما كانَتْ مُداواتُهُ إلّا بِالدُّعاءِ وحْدَهُ، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُحْيِي الأمْواتَ بِيا حَيُّ يا قَيُّومُ. وأحْيا عازِرَ وكانَ صَدِيقًا لَهُ، ودَعا سامَ بْنَ نُوحٍ مِن قَبْرِهِ، فَخَرَجَ حَيًّا، ومَرَّ عَلى ابْنٍ مَيِّتٍ لِعَجُوزٍ فَدَعا اللَّهَ، فَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ حَيًّا، ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ووُلِدَ لَهُ، وقَوْلُهُ: (بِإذْنِ اللَّهِ) رَفْعٌ لِتَوَهُّمِ مَنِ اعْتَقَدَ فِيهِ الإلَهِيَّةَ. * * * وأمّا النَّوْعُ الخامِسُ ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ إخْبارُهُ عَنِ الغُيُوبِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ يُخْبِرُ عَنِ الغُيُوبِ، رَوى السُّدِّيُّ: أنَّهُ كانَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ، ثُمَّ يُخْبِرُهم بِأفْعالِ آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، وكانَ يُخْبِرُ الصَّبِيَّ بِأنَّ أُمَّكَ قَدْ خَبَأتْ لَكَ كَذا فَيَرْجِعُ الصَّبِيُّ إلى أهْلِهِ ويَبْكِي إلى أنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الشَّيْءَ ثُمَّ قالُوا لِصِبْيانِهِمْ: لا تَلْعَبُوا مَعَ هَذا السّاحِرِ، وجَمَعُوهم في بَيْتٍ، فَجاءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَطْلُبُهم، فَقالُوا لَهُ: لَيْسُوا في البَيْتِ، فَقالَ: فَمَن في هَذا البَيْتِ، قالُوا: خَنازِيرُ قالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَذَلِكَ يَكُونُونَ فَإذا هم خَنازِيرُ. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ الإخْبارَ عَنِ الغُيُوبِ إنَّما ظَهَرَ وقْتَ نُزُولِ المائِدَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ نُهُوا عَنِ الِادِّخارِ، فَكانُوا يُخَزِّنُونَ ويَدَّخِرُونَ، فَكانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُخْبِرُهم بِذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَلى هَذا الوَجْهِ مُعْجِزَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُنَجِّمِينَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ اسْتِخْراجَ الخَبَرِ لا يُمْكِنُهم ذَلِكَ إلّا عَنْ سُؤالٍ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يَسْتَعِينُونَ عِنْدَ ذَلِكَ بِآلَةٍ ويَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِ الكَواكِبِ، ثُمَّ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّهم يَغْلَطُونَ كَثِيرًا، فَأمّا الإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مِن غَيْرِ اسْتِعانَةٍ بِآلَةٍ، ولا تَقَدُّمِ مَسْألَةٍ لا يَكُونُ إلّا بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. * ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَتَمَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . والمَعْنى إنَّ في هَذِهِ الخَمْسَةِ لَمُعْجِزَةً قاهِرَةً قَوِيَّةً دالَّةً عَلى صِدْقِ المُدَّعِي لِكُلِّ مَن آمَنَ بِدَلائِلَ صفحة ٥٢ المُعْجِزَةِ في الحَمْلِ عَلى الصِّدْقِ، بَلْ مَن أنْكَرَ دَلالَةَ أصْلِ المُعْجِزِ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي، وهُمُ البَراهِمَةُ، فَإنَّهُ لا يَكْفِيهِ ظُهُورُ هَذِهِ الآياتِ، أمّا مَن آمَنَ بِدَلالَةِ المُعْجِزِ عَلى الصِّدْقِ لا يَبْقى لَهُ في هَذِهِ المُعْجِزاتِ كَلامٌ البَتَّةَ.

آل عمران 3:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا بَيَّنَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ بِماذا أُرْسِلَ وهو أمْرانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ . وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ أنَّ تَقْدِيرَهُ وأبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ قائِلًا: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ فَقَوْلُهُ: (ومُصَدِّقًا) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ: وأبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ قائِلًا: ”أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ“، وإنِّي بُعِثْتُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ هَذِهِ الألْفاظِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لِأنَّ الطَّرِيقَ إلى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِمْ هو المُعْجِزَةُ، فَكُلُّ مَن حَصَلَ لَهُ المُعْجِزُ، وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ، فَلِهَذا قُلْنا: بِأنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِمُوسى بِالتَّوْراةِ، ولَعَلَّ مِن جُمْلَةِ الأغْراضِ في بَعْثَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ تَقْرِيرُ التَّوْراةِ وإزالَةُ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ وتَحْرِيفاتِ الجاهِلِينَ. وأمّا المَقْصُودُ الثّانِي: مِن بَعْثَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلُهُ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ . وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ يُقالُ: هَذِهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ مُناقِضَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ الأخِيرَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ جاءَ لِيُحِلَّ بَعْضَ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ في التَّوْراةِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ بِخِلافِ حُكْمِ التَّوْراةِ، وهَذا يُناقِضُ قَوْلَهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ . والجَوابُ: إنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنَ الكَلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالتَّوْراةِ لا مَعْنى لَهُ إلّا اعْتِقادُ أنَّ كُلَّ ما فِيها فَهو حَقٌّ وصَوابٌ، وإذا لَمْ يَكُنِ الثّانِي مَذْكُورًا في التَّوْراةِ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ عِيسى بِتَحْلِيلِ ما كانَ مُحَرَّمًا فِيها صفحة ٥٣ مُناقِضًا لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا بِالتَّوْراةِ، وأيْضًا إذا كانَتِ البِشارَةُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْجُودَةً في التَّوْراةِ لَمْ يَكُنْ مَجِيءُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشَرْعِهِ مُناقِضًا لِلتَّوْراةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما غَيَّرَ شَيْئًا مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُقَرِّرُ السَّبْتَ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، ثُمَّ إنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الأحْبارَ كانُوا قَدْ وضَعُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ شَرائِعَ باطِلَةً ونَسَبُوها إلى مُوسى، فَجاءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَفَعَها وأبْطَلَها وأعادَ الأمْرَ إلى ما كانَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ حَرَّمَ بَعْضَ الأشْياءِ عَلى اليَهُودِ عُقُوبَةً لَهم عَلى بَعْضِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجِناياتِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] ثُمَّ بَقِيَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ مُسْتَمِرًّا عَلى اليَهُودِ فَجاءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَفَعَ تِلْكَ التَّشْدِيداتِ عَنْهم، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَفَعَ كَثِيرًا مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في كَوْنِهِ مُصَدِّقًا بِالتَّوْراةِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، ورَفَعَ السَّبْتَ ووَضَعَ الأحَدَ قائِمًا مَقامَهُ وكانَ مُحِقًّا في كُلِّ ما عَمِلَ لِما بَيَّنّا أنَّ النّاسِخَ والمَنسُوخَ كِلاهُما حَقٌّ وصِدْقٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وإنَّما أعادَهُ؛ لِأنَّ إخْراجَ الإنْسانِ عَنِ المَأْلُوفِ المُعْتادِ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ عَسِرٌ، فَأعادَ ذِكْرَ المُعْجِزاتِ لِيَصِيرَ كَلامُهُ ناجِعًا في قُلُوبِهِمْ ومُؤَثِّرًا في طِباعِهِمْ، ثُمَّ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ لِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ مِن لَوازِمِ تَقْوى اللَّهِ تَعالى فَبَيَّنَ أنَّهُ إذا لَزِمَكم أنْ تَتَّقُوا اللَّهَ لَزِمَكم أنْ تُطِيعُونِي فِيما آمُرُكم بِهِ عَنْ رَبِّي، ثُمَّ إنَّهُ خَتَمَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ ومَقْصُودُهُ إظْهارُ الخُضُوعِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ لِكَيْلا يَتَقَوَّلُوا عَلَيْهِ الباطِلَ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ إلَهٌ وابْنُ إلَهٍ؛ لِأنَّ إقْرارَهُ لِلَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ يَمْنَعُ ما تَدَّعِيهِ جُهّالُ النَّصارى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: (فاعْبُدُوهُ) والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ رَبَّ الخَلائِقِ بِأسْرِهِمْ وجَبَ عَلى الكُلِّ أنْ يَعْبُدُوهُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .

آل عمران 3:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا بَيَّنَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ بِماذا أُرْسِلَ وهو أمْرانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ . وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ أنَّ تَقْدِيرَهُ وأبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ قائِلًا: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ فَقَوْلُهُ: (ومُصَدِّقًا) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ: وأبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ قائِلًا: ”أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ“، وإنِّي بُعِثْتُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ هَذِهِ الألْفاظِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لِأنَّ الطَّرِيقَ إلى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِمْ هو المُعْجِزَةُ، فَكُلُّ مَن حَصَلَ لَهُ المُعْجِزُ، وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ، فَلِهَذا قُلْنا: بِأنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِمُوسى بِالتَّوْراةِ، ولَعَلَّ مِن جُمْلَةِ الأغْراضِ في بَعْثَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ تَقْرِيرُ التَّوْراةِ وإزالَةُ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ وتَحْرِيفاتِ الجاهِلِينَ. وأمّا المَقْصُودُ الثّانِي: مِن بَعْثَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلُهُ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ . وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ يُقالُ: هَذِهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ مُناقِضَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ الأخِيرَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ جاءَ لِيُحِلَّ بَعْضَ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ في التَّوْراةِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ بِخِلافِ حُكْمِ التَّوْراةِ، وهَذا يُناقِضُ قَوْلَهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ . والجَوابُ: إنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنَ الكَلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالتَّوْراةِ لا مَعْنى لَهُ إلّا اعْتِقادُ أنَّ كُلَّ ما فِيها فَهو حَقٌّ وصَوابٌ، وإذا لَمْ يَكُنِ الثّانِي مَذْكُورًا في التَّوْراةِ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ عِيسى بِتَحْلِيلِ ما كانَ مُحَرَّمًا فِيها صفحة ٥٣ مُناقِضًا لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا بِالتَّوْراةِ، وأيْضًا إذا كانَتِ البِشارَةُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْجُودَةً في التَّوْراةِ لَمْ يَكُنْ مَجِيءُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشَرْعِهِ مُناقِضًا لِلتَّوْراةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما غَيَّرَ شَيْئًا مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُقَرِّرُ السَّبْتَ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، ثُمَّ إنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الأحْبارَ كانُوا قَدْ وضَعُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ شَرائِعَ باطِلَةً ونَسَبُوها إلى مُوسى، فَجاءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَفَعَها وأبْطَلَها وأعادَ الأمْرَ إلى ما كانَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ حَرَّمَ بَعْضَ الأشْياءِ عَلى اليَهُودِ عُقُوبَةً لَهم عَلى بَعْضِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجِناياتِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] ثُمَّ بَقِيَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ مُسْتَمِرًّا عَلى اليَهُودِ فَجاءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَفَعَ تِلْكَ التَّشْدِيداتِ عَنْهم، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَفَعَ كَثِيرًا مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في كَوْنِهِ مُصَدِّقًا بِالتَّوْراةِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، ورَفَعَ السَّبْتَ ووَضَعَ الأحَدَ قائِمًا مَقامَهُ وكانَ مُحِقًّا في كُلِّ ما عَمِلَ لِما بَيَّنّا أنَّ النّاسِخَ والمَنسُوخَ كِلاهُما حَقٌّ وصِدْقٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وإنَّما أعادَهُ؛ لِأنَّ إخْراجَ الإنْسانِ عَنِ المَأْلُوفِ المُعْتادِ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ عَسِرٌ، فَأعادَ ذِكْرَ المُعْجِزاتِ لِيَصِيرَ كَلامُهُ ناجِعًا في قُلُوبِهِمْ ومُؤَثِّرًا في طِباعِهِمْ، ثُمَّ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ لِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ مِن لَوازِمِ تَقْوى اللَّهِ تَعالى فَبَيَّنَ أنَّهُ إذا لَزِمَكم أنْ تَتَّقُوا اللَّهَ لَزِمَكم أنْ تُطِيعُونِي فِيما آمُرُكم بِهِ عَنْ رَبِّي، ثُمَّ إنَّهُ خَتَمَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ ومَقْصُودُهُ إظْهارُ الخُضُوعِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ لِكَيْلا يَتَقَوَّلُوا عَلَيْهِ الباطِلَ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ إلَهٌ وابْنُ إلَهٍ؛ لِأنَّ إقْرارَهُ لِلَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ يَمْنَعُ ما تَدَّعِيهِ جُهّالُ النَّصارى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: (فاعْبُدُوهُ) والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ رَبَّ الخَلائِقِ بِأسْرِهِمْ وجَبَ عَلى الكُلِّ أنْ يَعْبُدُوهُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .

آل عمران 3:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى بِشارَةَ مَرْيَمَ بِوَلَدٍ مِثْلِ عِيسى، واسْتَقْصى في بَيانِ صِفاتِهِ، وشَرْحِ مُعْجِزاتِهِ وتَرَكَ صفحة ٥٤ هاهُنا قِصَّةَ وِلادَتِهِ، وقَدْ ذَكَرَها في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، شَرَعَ في بَيانِ أنَّ عِيسى لَمّا شَرَحَ لَهم تِلْكَ المُعْجِزاتِ، وأظْهَرَ لَهم تِلْكَ الدَّلائِلَ فَهم بِماذا عامَلُوهُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الإحْساسُ عِبارَةٌ عَنْ وِجْدانِ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ وهاهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُجْرى اللَّفْظُ عَلى ظاهِرِهِ، وهو أنَّهم تَكَلَّمُوا بِالكُفْرِ، فَأحَسَّ ذَلِكَ بِأُذُنِهِ. والثّانِي: أنْ نَحْمِلَهُ عَلى التَّأْوِيلِ، وهو أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَرَفَ مِنهم إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وعَزْمَهم عَلى قَتْلِهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ عِلْمًا لا شُبْهَةَ فِيهِ، مِثْلَ العِلْمِ الحاصِلِ مِنَ الحَواسِّ، لا جَرَمَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ العِلْمِ بِالإحْساسِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي بِهِ ظَهَرَ كُفْرُهم عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهم ودَعاهم إلى دِينِ اللَّهِ فَتَمَرَّدُوا وعَصَوْا فَخافَهم واخْتَفى عَنْهم، وكانَ أمْرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِهِ كَأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو بِمَكَّةَ فَكانَ مُسْتَضْعَفًا، وكانَ يَخْتَفِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَما اخْتَفى النَّبِيُّ ﷺ في الغارِ، وفي مَنازِلِ مَن آمَنَ بِهِ لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ يَسِيحانِ في الأرْضِ، فاتُّفِقَ أنَّهُ نَزَلَ في قَرْيَةٍ عَلى رَجُلٍ فَأحْسَنَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ضِيافَتَهُ وكانَ في تِلْكَ المَدِينَةِ مَلِكٌ جَبّارٌ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَوْمًا حَزِينًا، فَسَألَهُ عِيسى عَنِ السَّبَبِ فَقالَ: مَلِكُ هَذِهِ المَدِينَةِ رَجُلٌ جَبّارٌ ومِن عادَتِهِ أنَّهُ جَعَلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنّا يَوْمًا يُطْعِمُهُ ويَسْقِيهِ هو وجُنُودَهُ، وهَذا اليَوْمُ نَوْبَتِي والأمْرُ مُتَعَذِّرٌ عَلَيَّ، فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ ذَلِكَ، قالَتْ: يا بُنَيَّ ادْعُ اللَّهَ لِيَكْفِيَ ذَلِكَ، فَقالَ: يا أُمّاهُ إنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كانَ شَرًّا، فَقالَتْ: قَدْ أحْسَنَ وأكْرَمَ ولا بُدَّ مِن إكْرامِهِ، فَقالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إذا قَرُبَ مَجِيءُ المَلِكِ فامْلَأْ قُدُورَكَ وخَوابِيَكَ ماءً ثُمَّ أعْلِمْنِي، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ دَعا اللَّهَ تَعالى فَتَحَوَّلَ ما في القُدُورِ طَبِيخًا، وما في الخَوابِي خَمْرًا، فَلَمّا جاءَهُ المَلِكُ أكَلَ وشَرِبَ وسَألَهُ مِن أيْنَ هَذا الخَمْرُ ؟ فَتَعَلَّلَ الرَّجُلُ في الجَوابِ فَلَمْ يَزَلِ المَلِكُ يُطالِبُهُ بِذَلِكَ حَتّى أخْبَرَهُ بِالواقِعَةِ فَقالَ: إنَّ مَن دَعا اللَّهَ حَتّى جَعَلَ الماءَ خَمْرًا إذا دَعا أنْ يُحْيِيَ اللَّهُ تَعالى ولَدِي لا بُدَّ وأنْ يُجابَ، وكانَ ابْنُهُ قَدْ ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأيّامٍ، فَدَعا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وطَلَبَ مِنهُ ذَلِكَ، فَقالَ عِيسى: لا تَفْعَلْ، فَإنَّهُ إنْ عاشَ كانَ شَرًّا، فَقالَ: ما أُبالِي ما كانَ إذا رَأيْتُهُ، وإنْ أحْيَيْتَهُ تَرَكْتُكَ عَلى ما تَفْعَلُ، فَدَعا اللَّهَ عِيسى، فَعاشَ الغُلامُ، فَلَمّا رَآهُ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ قَدْ عاشَ تَبادَرُوا بِالسِّلاحِ واقْتَتَلُوا، وصارَ أمْرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَشْهُورًا في الخَلْقِ، وقَصَدَ اليَهُودُ قَتْلَهُ، وأظْهَرُوا الطَّعْنَ فِيهِ والكُفْرَ بِهِ. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ اليَهُودَ كانُوا عارِفِينَ بِأنَّهُ هو المَسِيحُ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ، وأنَّهُ يَنْسَخُ دِينَهم، فَكانُوا مِن أوَّلِ الأمْرِ طاعِنِينَ فِيهِ، طالِبِينَ قَتْلَهُ، فَلَمّا أظْهَرَ الدَّعْوَةَ اشْتَدَّ غَضَبُهم، وأخَذُوا في إيذائِهِ وإيحاشِهِ وطَلَبُوا قَتْلَهُ. والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ظَنَّ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ دَعاهم إلى الإيمانِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وأنَّ دَعْوَتَهُ لا تَنْجَعُ فِيهِمْ فَأحَبَّ أنْ يَمْتَحِنَهم لِيَتَحَقَّقَ ما ظَنَّهُ بِهِمْ فَقالَ لَهم: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ فَما أجابَهُ إلّا الحَوارِيُّونَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أحَسَّ بِأنَّ مَن سِوى الحَوارِيِّينَ كافِرُونَ مُصِرُّونَ عَلى إنْكارِ دِينِهِ وطَلَبِ قَتْلِهِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ٥٥ المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا بَنِي إسْرائِيلَ إلى الدِّينِ، وتَمَرَّدُوا عَلَيْهِ فَرَّ مِنهم وأخَذَ يَسِيحُ في الأرْضِ فَمَرَّ بِجَماعَةٍ مِن صَيّادِي السَّمَكِ، وكانَ فِيهِمْ شَمْعُونُ ويَعْقُوبُ ويُوحَنّا ابْنا زَيْدِي وهم مِن جُمْلَةِ الحَوارِيِّينَ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَقالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: الآنَ تَصِيدُ السَّمَكَ، فَإنْ تَبِعْتَنِي صِرْتَ بِحَيْثُ تَصِيدُ النّاسُ لِحَياةِ الأبَدِ، فَطَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ، وكانَ شَمْعُونُ قَدْ رَمى شَبَكَتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ في الماءِ فَما اصْطادَ شَيْئًا فَأمَرَهُ عِيسى بِإلْقاءِ شَبَكَتِهِ في الماءِ مَرَّةً أُخْرى، فاجْتَمَعَ في تِلْكَ الشَّبَكَةِ مِنَ السَّمَكِ ما كادَتْ تَتَمَزَّقُ مِنهُ، واسْتَعانُوا بِأهْلِ سَفِينَةٍ أُخْرى، ومَلَأُوا السَّفِينَتَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ آمَنُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ إنَّما كانَ في آخِرِ أمْرِهِ حِينَ اجْتَمَعَ اليَهُودُ عَلَيْهِ طَلَبًا لِقَتْلِهِ، ثُمَّ هاهُنا احْتِمالاتٌ. الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا طَلَبُوهُ لِلْقَتْلِ وكانَ هو في الهَرَبِ عَنْهم قالَ لِأُولَئِكَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الحَوارِيِّينَ: أيُّكم يُحِبُّ أنْ يَكُونَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ عَلى أنْ يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ مَكانِي ؟ . فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ بَعْضُهم وفِيما تَذْكُرُهُ النَّصارى في إنْجِيلِهِمْ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا أخَذُوا عِيسى سَلَّ شَمْعُونُ سَيْفَهُ فَضَرَبَ بِهِ عَبْدًا كانَ فِيهِمْ لِرَجُلٍ مِنَ الأحْبارِ عَظِيمٍ فَرَمى بِأُذُنِهِ، فَقالَ لَهُ عِيسى: حَسْبُكَ ثُمَّ أخَذَ أُذُنَ العَبْدِ فَرَدَّها إلى مَوْضِعِها، فَصارَتْ كَما كانَتْ، والحاصِلُ أنَّ الغَرَضَ مِن طَلَبِ النُّصْرَةِ إقْدامُهم عَلى دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّهُ دَعاهم إلى القِتالِ مَعَ القَوْمِ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ) فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: مَن أنْصارِي حالَ ذَهابِي إلى اللَّهِ أوْ حالَ التِجائِي إلى اللَّهِ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ: مَن أنْصارِي إلى أنْ أُبَيِّنَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، وإلى أنْ أُظْهِرَ دِينَهُ ويَكُونُ ”إلى“ هاهُنا غايَةً كَأنَّهُ أرادَ مَن يَثْبُتُ عَلى نُصْرَتِي إلى أنْ تَتِمَّ دَعْوَتِي، ويَظْهَرَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى. الثّالِثُ: قالَ الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ ”إلى“ هاهُنا بِمَعْنى ”مَعَ“ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ مَعَها، وقالَ ﷺ: ”«الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ» “ أيْ مَعَ الذَّوْدِ. قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”إلى“ لَيْسَتْ بِمَعْنى ”مَعَ“ فَإنَّكَ لَوْ قُلْتَ ذَهَبَ زَيْدٌ إلى عَمْرٍو لَمْ يَجُزْ أنْ تَقُولَ: ذَهَبَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو؛ لِأنَّ ”إلى“ تُفِيدُ الغايَةَ و”مَعَ“ تُفِيدُ ضَمَّ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ، بَلِ المُرادُ مِن قَوْلِنا: إنَّ ”إلى“ هاهُنا بِمَعْنى ”مَعَ“ هو أنَّهُ يُفِيدُ فائِدَتَها مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ مَن يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللَّهِ إيّايَ، وكَذَلِكَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ» “ مَعْناهُ: الذَّوْدُ مَضْمُومًا إلى الذَّوْدِ إبِلٌ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى مَن أنْصارِي فِيما يَكُونُ قُرْبَةً إلى اللَّهِ ووَسِيلَةً إلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا ضَحّى ”اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ“» أيْ تَقَرُّبًا إلَيْكَ، ويَقُولَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ دُعائِهِ إيّاهُ ”إلَيَّ“ أيِ انْضَمَّ إلَيَّ، فَكَذا هاهُنا المَعْنى مَن أنْصارِي فِيما يَكُونُ قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ ”إلى“ بِمَعْنى اللّامِ كَأنَّهُ قالَ: مَن أنْصارِي لِلَّهِ. نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] . والسّادِسُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: مَن أنْصارِي في سَبِيلِ اللَّهِ؛ و”إلى“ بِمَعْنى ”فِي“ جائِزٌ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ. * * * صفحة ٥٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في لَفْظِ ”الحَوارِيِّ“ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ الحَوارِيَّ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِخاصَّةِ الرَّجُلِ، وخالِصَتِهِ، ومِنهُ يُقالُ لِلدَّقِيقِ حُوّارى، لِأنَّهُ هو الخالِصُ مِنهُ، «وقالَ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: ”إنَّهُ ابْنُ عَمَّتِي، وحَوارِيَّ مِن أُمَّتِي“» والحَوارِيّاتُ مِنَ النِّساءِ النَّقِيّاتُ الألْوانِ والجُلُودِ، فَعَلى هَذا الحَوارِيُّونَ هم صَفْوَةُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ خَلَصُوا وأخْلَصُوا في التَّصْدِيقِ بِهِمْ وفي نُصْرَتِهِمْ. القَوْلُ الثّانِي: الحَوارِيُّ أصْلُهُ مِنَ الحَوَرِ، وهو شِدَّةُ البَياضِ، ومِنهُ قِيلَ لِلدَّقِيقِ حُوّارى، ومِنهُ الأحْوَرُ، والحَوَرُ نَقاءُ بَياضِ العَيْنِ، وحَوَّرْتُ الثِّيابَ: بَيَّضْتُها، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّ أُولَئِكَ لِمَ سُمُّوا بِهَذا الِاسْمِ ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وقِيلَ كانُوا قَصّارِينَ، يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ، وقِيلَ لِأنَّ قُلُوبَهم كانَتْ نَقِيَّةً طاهِرَةً مِن كُلِّ نِفاقٍ ورِيبَةٍ فَسُمُّوا بِذَلِكَ مَدْحًا لَهم، وإشارَةً إلى نَقاءِ قُلُوبِهِمْ، كالثَّوْبِ الأبْيَضِ، وهَذا كَما يُقالُ فُلانٌ نَقِيُّ الجَيْبِ، طاهِرُ الذَّيْلِ، إذا كانَ بَعِيدًا عَنِ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، وفُلانٌ دَنِسُ الثِّيابِ: إذا كانَ مُقْدِمًا عَلى ما لا يَنْبَغِي. القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الضَّحّاكُ: مَرَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْمٍ مِنَ الَّذِينَ كانُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ، فَدَعاهم إلى الإيمانِ فَآمَنُوا، والَّذِي يَغْسِلُ الثِّيابَ يُسَمّى بِلُغَةِ النَّبْطِ هَوارِيَّ، وهو القَصّارُ، فَعُرِّبَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فَصارَتْ حَوارِيَّ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: الحَوارِيُّونَ: هُمُ القَصّارُونَ، وإذا عَرَفْتَ أصْلَ هَذا اللَّفْظِ فَقَدْ صارَ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمالِ دَلِيلًا عَلى خَواصِّ الرَّجُلِ وبِطانَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَؤُلاءِ الحَوارِيِّينَ مَن كانُوا ؟ . فالقَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَرَّ بِهِمْ وهم يَصْطادُونَ السَّمَكَ فَقالَ لَهم: ”تَعالَوْا نَصْطادُ النّاسَ“ قالُوا: مَن أنْتَ ؟ قالَ: ”أنا عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ“ فَطَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَ عَلى ما قالَ فَلَمّا أظْهَرَ المُعْجِزَ آمَنُوا بِهِ، فَهُمُ الحَوارِيُّونَ. القَوْلُ الثّانِي: قالُوا: سَلَّمَتْهُ أُمُّهُ إلى صَبّاغٍ، فَكانَ إذا أرادَ أنْ يُعَلِّمَهُ شَيْئًا كانَ هو أعْلَمَ بِهِ مِنهُ وأرادَ الصَّبّاغُ أنْ يَغِيبَ لِبَعْضِ مُهِمّاتِهِ، فَقالَ لَهُ: هاهُنا ثِيابٌ مُخْتَلِفَةٌ، وقَدْ عَلَّمْتُ عَلى كُلِّ واحِدٍ عَلامَةً مُعَيَّنَةً، فاصْبُغْها بِتِلْكَ الألْوانِ، بِحَيْثُ يَتِمُّ المَقْصُودُ عِنْدَ رُجُوعِي، ثُمَّ غابَ فَطَبَخَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - جُبًّا واحِدًا، وجَعَلَ الجَمِيعَ فِيهِ وقالَ: ”كُونِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما أُرِيدُ“ فَرَجَعَ الصَّبّاغُ فَأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ فَقالَ: قَدْ أفْسَدْتَ عَلَيَّ الثِّيابَ، قالَ: ”قُمْ فانْظُرْ“ فَكانَ يُخْرِجُ ثَوْبًا أحْمَرَ، وثَوْبًا أخْضَرَ، وثَوْبًا أصْفَرَ كَما كانَ يُرِيدُ، إلى أنْ أخْرَجَ الجَمِيعَ عَلى الألْوانِ الَّتِي أرادَها، فَتَعَجَّبَ الحاضِرُونَ مِنهُ وآمَنُوا بِهِ فَهُمُ الحَوارِيُّونَ. القَوْلُ الثّالِثُ: كانُوا الحَوارِيُّونَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا اتَّبَعُوا عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانُوا إذا قالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ جُعْنا، فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، فَيَخْرُجُ لِكُلِّ واحِدٍ رَغِيفانِ، وإذا عَطِشُوا قالُوا:يا رُوحَ اللَّهِ عَطِشْنا، فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، فَيَخْرُجُ الماءُ فَيَشْرَبُونَ، فَقالُوا: مَن أفْضَلُ مِنّا إذا شِئْنا أطْعَمْتَنا، وإذا شِئْنا سَقَيْتَنا، وقَدْ آمَنّا بِكَ فَقالَ: ”أفْضَلُ مِنكم مَن يَعْمَلُ بِيَدِهِ، ويَأْكُلُ مِن كَسْبِهِ“ فَصارُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ بِالكِراءِ، فَسُمُّوا حَوارِيِّينَ. القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا مُلُوكًا، قالُوا وذَلِكَ أنَّ واحِدًا مِنَ المُلُوكِ صَنَعَ طَعامًا، وجَمَعَ النّاسَ عَلَيْهِ، وكانَ صفحة ٥٧ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى قَصْعَةٍ مِنها، فَكانَتِ القَصْعَةُ لا تَنْقُصُ، فَذَكَرُوا هَذِهِ الواقِعَةَ لِذَلِكَ المَلِكَ، فَقالَ: تَعْرِفُونَهُ، قالُوا: نَعَمْ، فَذَهَبُوا بِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، قالَ: مَن أنْتَ ؟ قالَ: أنا عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَ فَإنِّي أتْرُكُ مُلْكِي وأتْبَعُكَ فَتَبِعَهُ ذَلِكَ المَلِكُ مَعَ أقارِبِهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الحَوارِيُّونَ قالَ القَفّالُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ هَؤُلاءِ الحَوارِيِّينَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المُلُوكِ، وبَعْضُهم مِن صَيّادِي السَّمَكِ، وبَعْضُهم مِنَ القَصّارِينَ، والكُلُّ سُمُّوا بِالحَوارِيِّينَ لِأنَّهم كانُوا أنْصارَ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأعْوانَهُ، والمُخْلِصِينَ في مَحَبَّتِهِ، وطاعَتِهِ، وخِدْمَتِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ نَحْنُ أنْصارُ دِينِ اللَّهِ وأنْصارُ أنْبِيائِهِ؛ لِأنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ مُحالٌ، فالمُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْناهُ. أمّا قَوْلُهُ: (آمَنّا بِاللَّهِ) فَهَذا يَجْرِي مَجْرى ذِكْرِ العِلَّةِ، والمَعْنى يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَكُونَ مِن أنْصارِ اللَّهِ، لِأجْلِ أنّا آمَنّا بِاللَّهِ، فَإنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ يُوجِبُ نُصْرَةَ دِينِ اللَّهِ، والذَّبَّ عَنْ أوْلِيائِهِ، والمُحارَبَةَ مَعَ أعْدائِهِ. ثُمَّ قالُوا: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ إشْهادَهم عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أنْفُسِهِمْ، إشْهادٌ لِلَّهِ تَعالى أيْضًا، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: المُرادُ واشْهَدْ أنّا مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُهُ مِنّا في نُصْرَتِكَ، والذَّبِّ عَنْكَ، مُسْتَسْلِمُونَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ إقْرارٌ مِنهم بِأنَّ دِينَهُمُ الإسْلامُ، وأنَّهُ دِينُ كُلِّ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا أشْهَدُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى إيمانِهِمْ، وعَلى إسْلامِهِمْ تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى، وقالُوا: ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ آمَنُوا بِاللَّهِ حِينَ قالُوا في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: (آمَنّا بِاللَّهِ) ثُمَّ آمَنُوا بِكُتُبِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: ﴿آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ وآمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ حَيْثُ، قالُوا: ﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبُوا الزُّلْفَةَ والثَّوابَ، فَقالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلشّاهِدِينَ فَضْلٌ يَزِيدُ عَلى فَضْلِ الحَوارِيِّينَ، ويَفْضُلُ عَلى دَرَجَتِهِ، لِأنَّهم هُمُ المَخْصُوصُونَ بِأداءِ الشَّهادَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . الثّانِي: وهو مَنقُولٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اكْتُبْنا في زُمْرَةِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ لِقَوْمِهِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . وقَدْ أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهم وجَعَلَهم أنْبِياءَ ورُسُلًا، فَأحْيَوُا المَوْتى، وصَنَعُوا كُلَّ ما صَنَعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والقَوْلُ الثّالِثُ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اكْتُبْنا في جُمْلَةِ مَن شَهِدَ لَكَ بِالتَّوْحِيدِ ولِأنْبِيائِكَ بِالتَّصْدِيقِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّهم لَمّا أشْهَدُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى إسْلامِ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ قالُوا: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ فَقَدْ أشْهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ، وتَقْوِيَةً لَهُ، وأيْضًا طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ ثَوابِ كُلِّ مُؤْمِنٍ شَهِدَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ ولِأنْبِيائِهِ بِالنُّبُوَّةِ. القَوْلُ الرّابِعُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كِتابَ الأبْرارِ إنَّما يَكُونُ في السَّماواتِ مَعَ المَلائِكَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فَإذا كَتَبَ اللَّهُ ذِكْرَهم مَعَ الشّاهِدِينَ المُؤْمِنِينَ كانَ ذِكْرُهم مَشْهُورًا في المَلَأِ الأعْلى وعِنْدَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ. صفحة ٥٨ القَوْلُ الخامِسُ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] فَجَعَلَ أُولِي العِلْمِ مِنَ الشّاهِدِينَ، وقَرَنَ ذِكْرَهم بِذِكْرِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ، ومَرْتَبَةٌ عالِيَةٌ، فَقالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اجْعَلْنا مِن تِلْكَ الفِرْقَةِ الَّذِينَ قَرَنْتَ ذِكْرَهم بِذِكْرِكَ. والقَوْلُ السّادِسُ: «إنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا سَألَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: ”أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ“» وهَذا غايَةُ دَرَجَةِ العَبْدِ في الِاشْتِغالِ بِالعُبُودِيَّةِ، وهو أنْ يَكُونَ العَبْدُ في مَقامِ الشُّهُودِ، لا في مَقامِ الغَيْبَةِ، فَهَؤُلاءِ القَوْمُ لَمّا صارُوا كامِلِينَ في دَرَجَةِ الِاسْتِدْلالِ أرادُوا التَّرَقِّيَ مِن مَقامِ الِاسْتِدْلالِ، إلى مَقامِ الشُّهُودِ والمُكاشَفَةِ، فَقالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ . القَوْلُ السّابِعُ: إنَّ كُلَّ مَن كانَ في مَقامِ شُهُودِ الحَقِّ لَمْ يُبالِ بِما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ المَشاقِّ والآلامِ، فَلَمّا قَبِلُوا مِن عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَكُونُوا ناصِرِينَ لَهُ، ذابِّينَ عَنْهُ، قالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اجْعَلْنا مِمَّنْ يَكُونُ في شُهُودِ جَلالِكَ، حَتّى نَصِيرَ مُسْتَحْقِرِينَ لِكُلِّ ما يَصِلُ إلَيْنا مِنَ المَشاقِّ والمَتاعِبِ، فَحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْنا الوَفاءُ بِما التَزَمْناهُ مِن نُصْرَةِ رَسُولِكَ ونَبِيِّكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ المَكْرِ في اللُّغَةِ السَّعْيُ بِالفَسادِ في خُفْيَةٍ ومُداجاةٍ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ مَكْرُ اللَّيْلِ، وأمْكَرَ إذا أظْلَمَ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] وقالَ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] وقِيلَ أصْلُهُ مِنَ اجْتِماعِ الأمْرِ وإحْكامِهِ، ومِنهُ امْرَأةٌ مَمْكُورَةٌ؛ أيْ مُجْتَمِعَةُ الخَلْقِ. وإحْكامُ الرَّأْيِ يُقالُ لَهُ: الإجْماعُ والجَمْعُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] فَلَمّا كانَ المَكْرُ رَأْيًا مُحْكَمًا قَوِيًّا مَصُونًا عَنْ جِهاتِ النَّقْصِ والفُتُورِ، لا جَرَمَ سُمِّيَ مَكْرًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا مَكْرُهم بِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو أنَّهم هَمُّوا بِقَتْلِهِ، وأمّا مَكْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: مَكْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ هو أنَّهُ رَفَعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى السَّماءِ، وذَلِكَ أنَّ يَهُودا مَلِكَ اليَهُودِ، أرادَ قَتْلَ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، لا يُفارِقُهُ ساعَةً، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] فَلَمّا أرادُوا ذَلِكَ أمَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَدْخُلَ بَيْتًا فِيهِ رَوْزَنَةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا البَيْتَ أخْرَجَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ، وكانَ قَدْ ألْقى شَبَهَهُ عَلى غَيْرِهِ، فَأُخِذَ وصُلِبَ فَتَفَرَّقَ الحاضِرُونَ ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ قالَتْ: كانَ اللَّهَ فِينا فَذَهَبَ، وأُخْرى قالَتْ: كانَ ابْنَ اللَّهِ، والأُخْرى قالَتْ: كانَ عَبْدَ اللَّهِ ورَسُولَهُ، فَأكْرَمَهُ بِأنْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وصارَ لِكُلِّ فِرْقَةٍ جَمْعٌ؛ فَظَهَرَتِ الكافِرَتانِ عَلى الفِرْقَةِ المُؤْمِنَةِ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ . وفي الجُمْلَةِ، فالمُرادُ مِن مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ أنْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ وما مَكَّنَهم مِن إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وكانُوا مُجْتَمِعِينَ في بَيْتٍ فَنافَقَ رَجُلٌ مِنهم، ودَلَّ اليَهُودَ عَلَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ شَبَهَهُ عَلَيْهِ ورَفَعَ عِيسى، فَأخَذُوا ذَلِكَ المُنافِقَ الَّذِي كانَ فِيهِمْ، وقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ عَلى ظَنِّ أنَّهُ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَ ذَلِكَ هو مَكْرَ اللَّهِ بِهِمْ. الوَجْهُ الثّالِثُ: ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ اليَهُودَ عَذَّبُوا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ أنْ رُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة ٥٩ فَشَمَّسُوهم وعَذَّبُوهم، فَلَقُوا مِنهُمُ الجَهْدَ فَبَلَغَ ذَلِكَ مَلِكَ الرُّومِ، وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِمَّنْ تَحْتَ أمْرِكَ كانَ يُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وأراهم إحْياءَ المَوْتى وإبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ فَقُتِلَ، فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ لَحُلْتُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، ثُمَّ بَعَثَ إلى الحَوارِيِّينَ، فانْتَزَعَهم مِن أيْدِيهِمْ وسَألَهم عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأخْبَرُوهُ فَتابَعَهم عَلى دِينِهِمْ، وأنْزَلَ المَصْلُوبَ فَغَيَّبَهُ، وأخَذَ الخَشَبَةَ فَأكْرَمَها وصانَها، ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلَ مِنهم خَلْقًا عَظِيمًا، ومِنهُ ظَهَرَ أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ في الرُّومِ، وكانَ اسْمُ هَذا المَلِكِ طَبارِيسَ، وهو صارَ نَصْرانِيًّا، إلّا أنَّهُ ما أظْهَرَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ جاءَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ، يُقالُ لَهُ: مَطْلِيسُ، وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ ارْتِفاعِ عِيسى بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقَتَلَ وسَبى ولَمْ يَتْرُكْ في مَدِينَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ حَجَرًا عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ، فَهَذا كُلُّهُ مِمّا جازاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَكْذِيبِ المَسِيحِ والهَمِّ بِقَتْلِهِ. القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فارِسَ حَتّى قَتَلَهم، وسَباهم، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] فَهَذا هو مَكْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ. القَوْلُ الخامِسُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم مَكَرُوا في إخْفاءِ أمْرِهِ، وإبْطالِ دِينِهِ، ومَكَرَ اللَّهُ بِهِمْ حَيْثُ أعْلى دِينَهُ وأظْهَرَ شَرِيعَتَهُ وقَهَرَ بِالذُّلِّ والدَّناءَةِ أعْداءَهُ وهُمُ اليَهُودُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَكْرُ عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِيالِ في إيصالِ الشَّرِّ، والِاحْتِيالُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ فَصارَ لَفْظُ المَكْرِ في حَقِّهِ مِنَ المُتَشابِهاتِ، وذَكَرُوا في تَأْوِيلِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى سَمّى جَزاءَ المَكْرِ بِالمَكْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وسَمّى جَزاءَ المُخادَعَةِ بِالمُخادَعَةِ، وجَزاءَ الِاسْتِهْزاءِ بِالِاسْتِهْزاءِ. والثّانِي: أنَّ مُعامَلَةَ اللَّهِ مَعَهم كانَتْ شَبِيهَةً بِالمَكْرِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا اللَّفْظَ لَيْسَ مِنَ المُتَشابِهاتِ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ الكامِلِ ثُمَّ اخْتَصَّ في العُرْفِ بِالتَّدْبِيرِ في إيصالِ الشَّرِّ إلى الغَيْرِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.