Tafsir Al-Razi — آل عمران 3:53 – آل عمران 3:96
المحتويات
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
آل عمران 3:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى بِشارَةَ مَرْيَمَ بِوَلَدٍ مِثْلِ عِيسى، واسْتَقْصى في بَيانِ صِفاتِهِ، وشَرْحِ مُعْجِزاتِهِ وتَرَكَ
صفحة ٥٤
هاهُنا قِصَّةَ وِلادَتِهِ، وقَدْ ذَكَرَها في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، شَرَعَ في بَيانِ أنَّ عِيسى لَمّا شَرَحَ لَهم تِلْكَ المُعْجِزاتِ، وأظْهَرَ لَهم تِلْكَ الدَّلائِلَ فَهم بِماذا عامَلُوهُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإحْساسُ عِبارَةٌ عَنْ وِجْدانِ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ وهاهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُجْرى اللَّفْظُ عَلى ظاهِرِهِ، وهو أنَّهم تَكَلَّمُوا بِالكُفْرِ، فَأحَسَّ ذَلِكَ بِأُذُنِهِ.
والثّانِي: أنْ نَحْمِلَهُ عَلى التَّأْوِيلِ، وهو أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَرَفَ مِنهم إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وعَزْمَهم عَلى قَتْلِهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ عِلْمًا لا شُبْهَةَ فِيهِ، مِثْلَ العِلْمِ الحاصِلِ مِنَ الحَواسِّ، لا جَرَمَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ العِلْمِ بِالإحْساسِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي بِهِ ظَهَرَ كُفْرُهم عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهم ودَعاهم إلى دِينِ اللَّهِ فَتَمَرَّدُوا وعَصَوْا فَخافَهم واخْتَفى عَنْهم، وكانَ أمْرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِهِ كَأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو بِمَكَّةَ فَكانَ مُسْتَضْعَفًا، وكانَ يَخْتَفِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَما اخْتَفى النَّبِيُّ ﷺ في الغارِ، وفي مَنازِلِ مَن آمَنَ بِهِ لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ يَسِيحانِ في الأرْضِ، فاتُّفِقَ أنَّهُ نَزَلَ في قَرْيَةٍ عَلى رَجُلٍ فَأحْسَنَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ضِيافَتَهُ وكانَ في تِلْكَ المَدِينَةِ مَلِكٌ جَبّارٌ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَوْمًا حَزِينًا، فَسَألَهُ عِيسى عَنِ السَّبَبِ فَقالَ: مَلِكُ هَذِهِ المَدِينَةِ رَجُلٌ جَبّارٌ ومِن عادَتِهِ أنَّهُ جَعَلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنّا يَوْمًا يُطْعِمُهُ ويَسْقِيهِ هو وجُنُودَهُ، وهَذا اليَوْمُ نَوْبَتِي والأمْرُ مُتَعَذِّرٌ عَلَيَّ، فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ ذَلِكَ، قالَتْ: يا بُنَيَّ ادْعُ اللَّهَ لِيَكْفِيَ ذَلِكَ، فَقالَ: يا أُمّاهُ إنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كانَ شَرًّا، فَقالَتْ: قَدْ أحْسَنَ وأكْرَمَ ولا بُدَّ مِن إكْرامِهِ، فَقالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إذا قَرُبَ مَجِيءُ المَلِكِ فامْلَأْ قُدُورَكَ وخَوابِيَكَ ماءً ثُمَّ أعْلِمْنِي، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ دَعا اللَّهَ تَعالى فَتَحَوَّلَ ما في القُدُورِ طَبِيخًا، وما في الخَوابِي خَمْرًا، فَلَمّا جاءَهُ المَلِكُ أكَلَ وشَرِبَ وسَألَهُ مِن أيْنَ هَذا الخَمْرُ ؟ فَتَعَلَّلَ الرَّجُلُ في الجَوابِ فَلَمْ يَزَلِ المَلِكُ يُطالِبُهُ بِذَلِكَ حَتّى أخْبَرَهُ بِالواقِعَةِ فَقالَ: إنَّ مَن دَعا اللَّهَ حَتّى جَعَلَ الماءَ خَمْرًا إذا دَعا أنْ يُحْيِيَ اللَّهُ تَعالى ولَدِي لا بُدَّ وأنْ يُجابَ، وكانَ ابْنُهُ قَدْ ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأيّامٍ، فَدَعا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وطَلَبَ مِنهُ ذَلِكَ، فَقالَ عِيسى: لا تَفْعَلْ، فَإنَّهُ إنْ عاشَ كانَ شَرًّا، فَقالَ: ما أُبالِي ما كانَ إذا رَأيْتُهُ، وإنْ أحْيَيْتَهُ تَرَكْتُكَ عَلى ما تَفْعَلُ، فَدَعا اللَّهَ عِيسى، فَعاشَ الغُلامُ، فَلَمّا رَآهُ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ قَدْ عاشَ تَبادَرُوا بِالسِّلاحِ واقْتَتَلُوا، وصارَ أمْرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَشْهُورًا في الخَلْقِ، وقَصَدَ اليَهُودُ قَتْلَهُ، وأظْهَرُوا الطَّعْنَ فِيهِ والكُفْرَ بِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ اليَهُودَ كانُوا عارِفِينَ بِأنَّهُ هو المَسِيحُ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ، وأنَّهُ يَنْسَخُ دِينَهم، فَكانُوا مِن أوَّلِ الأمْرِ طاعِنِينَ فِيهِ، طالِبِينَ قَتْلَهُ، فَلَمّا أظْهَرَ الدَّعْوَةَ اشْتَدَّ غَضَبُهم، وأخَذُوا في إيذائِهِ وإيحاشِهِ وطَلَبُوا قَتْلَهُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ظَنَّ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ دَعاهم إلى الإيمانِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وأنَّ دَعْوَتَهُ لا تَنْجَعُ فِيهِمْ فَأحَبَّ أنْ يَمْتَحِنَهم لِيَتَحَقَّقَ ما ظَنَّهُ بِهِمْ فَقالَ لَهم: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ فَما أجابَهُ إلّا الحَوارِيُّونَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أحَسَّ بِأنَّ مَن سِوى الحَوارِيِّينَ كافِرُونَ مُصِرُّونَ عَلى إنْكارِ دِينِهِ وطَلَبِ قَتْلِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٥٥
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا بَنِي إسْرائِيلَ إلى الدِّينِ، وتَمَرَّدُوا عَلَيْهِ فَرَّ مِنهم وأخَذَ يَسِيحُ في الأرْضِ فَمَرَّ بِجَماعَةٍ مِن صَيّادِي السَّمَكِ، وكانَ فِيهِمْ شَمْعُونُ ويَعْقُوبُ ويُوحَنّا ابْنا زَيْدِي وهم مِن جُمْلَةِ الحَوارِيِّينَ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَقالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: الآنَ تَصِيدُ السَّمَكَ، فَإنْ تَبِعْتَنِي صِرْتَ بِحَيْثُ تَصِيدُ النّاسُ لِحَياةِ الأبَدِ، فَطَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ، وكانَ شَمْعُونُ قَدْ رَمى شَبَكَتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ في الماءِ فَما اصْطادَ شَيْئًا فَأمَرَهُ عِيسى بِإلْقاءِ شَبَكَتِهِ في الماءِ مَرَّةً أُخْرى، فاجْتَمَعَ في تِلْكَ الشَّبَكَةِ مِنَ السَّمَكِ ما كادَتْ تَتَمَزَّقُ مِنهُ، واسْتَعانُوا بِأهْلِ سَفِينَةٍ أُخْرى، ومَلَأُوا السَّفِينَتَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ آمَنُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ إنَّما كانَ في آخِرِ أمْرِهِ حِينَ اجْتَمَعَ اليَهُودُ عَلَيْهِ طَلَبًا لِقَتْلِهِ، ثُمَّ هاهُنا احْتِمالاتٌ.
الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا طَلَبُوهُ لِلْقَتْلِ وكانَ هو في الهَرَبِ عَنْهم قالَ لِأُولَئِكَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الحَوارِيِّينَ: أيُّكم يُحِبُّ أنْ يَكُونَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ عَلى أنْ يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ مَكانِي ؟ .
فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ بَعْضُهم وفِيما تَذْكُرُهُ النَّصارى في إنْجِيلِهِمْ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا أخَذُوا عِيسى سَلَّ شَمْعُونُ سَيْفَهُ فَضَرَبَ بِهِ عَبْدًا كانَ فِيهِمْ لِرَجُلٍ مِنَ الأحْبارِ عَظِيمٍ فَرَمى بِأُذُنِهِ، فَقالَ لَهُ عِيسى: حَسْبُكَ ثُمَّ أخَذَ أُذُنَ العَبْدِ فَرَدَّها إلى مَوْضِعِها، فَصارَتْ كَما كانَتْ، والحاصِلُ أنَّ الغَرَضَ مِن طَلَبِ النُّصْرَةِ إقْدامُهم عَلى دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُ.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّهُ دَعاهم إلى القِتالِ مَعَ القَوْمِ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ) فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: مَن أنْصارِي حالَ ذَهابِي إلى اللَّهِ أوْ حالَ التِجائِي إلى اللَّهِ.
والثّانِي: التَّقْدِيرُ: مَن أنْصارِي إلى أنْ أُبَيِّنَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، وإلى أنْ أُظْهِرَ دِينَهُ ويَكُونُ ”إلى“ هاهُنا غايَةً كَأنَّهُ أرادَ مَن يَثْبُتُ عَلى نُصْرَتِي إلى أنْ تَتِمَّ دَعْوَتِي، ويَظْهَرَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: قالَ الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ ”إلى“ هاهُنا بِمَعْنى ”مَعَ“ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ مَعَها، وقالَ ﷺ: ”«الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ» “ أيْ مَعَ الذَّوْدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”إلى“ لَيْسَتْ بِمَعْنى ”مَعَ“ فَإنَّكَ لَوْ قُلْتَ ذَهَبَ زَيْدٌ إلى عَمْرٍو لَمْ يَجُزْ أنْ تَقُولَ: ذَهَبَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو؛ لِأنَّ ”إلى“ تُفِيدُ الغايَةَ و”مَعَ“ تُفِيدُ ضَمَّ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ، بَلِ المُرادُ مِن قَوْلِنا: إنَّ ”إلى“ هاهُنا بِمَعْنى ”مَعَ“ هو أنَّهُ يُفِيدُ فائِدَتَها مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ مَن يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللَّهِ إيّايَ، وكَذَلِكَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ» “ مَعْناهُ: الذَّوْدُ مَضْمُومًا إلى الذَّوْدِ إبِلٌ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى مَن أنْصارِي فِيما يَكُونُ قُرْبَةً إلى اللَّهِ ووَسِيلَةً إلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا ضَحّى ”اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ“» أيْ تَقَرُّبًا إلَيْكَ، ويَقُولَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ دُعائِهِ إيّاهُ ”إلَيَّ“ أيِ انْضَمَّ إلَيَّ، فَكَذا هاهُنا المَعْنى مَن أنْصارِي فِيما يَكُونُ قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى.
الخامِسُ: أنْ يَكُونَ ”إلى“ بِمَعْنى اللّامِ كَأنَّهُ قالَ: مَن أنْصارِي لِلَّهِ. نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] .
والسّادِسُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: مَن أنْصارِي في سَبِيلِ اللَّهِ؛ و”إلى“ بِمَعْنى ”فِي“ جائِزٌ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
* * *
صفحة ٥٦
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في لَفْظِ ”الحَوارِيِّ“ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ الحَوارِيَّ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِخاصَّةِ الرَّجُلِ، وخالِصَتِهِ، ومِنهُ يُقالُ لِلدَّقِيقِ حُوّارى، لِأنَّهُ هو الخالِصُ مِنهُ، «وقالَ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: ”إنَّهُ ابْنُ عَمَّتِي، وحَوارِيَّ مِن أُمَّتِي“» والحَوارِيّاتُ مِنَ النِّساءِ النَّقِيّاتُ الألْوانِ والجُلُودِ، فَعَلى هَذا الحَوارِيُّونَ هم صَفْوَةُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ خَلَصُوا وأخْلَصُوا في التَّصْدِيقِ بِهِمْ وفي نُصْرَتِهِمْ.
القَوْلُ الثّانِي: الحَوارِيُّ أصْلُهُ مِنَ الحَوَرِ، وهو شِدَّةُ البَياضِ، ومِنهُ قِيلَ لِلدَّقِيقِ حُوّارى، ومِنهُ الأحْوَرُ، والحَوَرُ نَقاءُ بَياضِ العَيْنِ، وحَوَّرْتُ الثِّيابَ: بَيَّضْتُها، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّ أُولَئِكَ لِمَ سُمُّوا بِهَذا الِاسْمِ ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وقِيلَ كانُوا قَصّارِينَ، يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ، وقِيلَ لِأنَّ قُلُوبَهم كانَتْ نَقِيَّةً طاهِرَةً مِن كُلِّ نِفاقٍ ورِيبَةٍ فَسُمُّوا بِذَلِكَ مَدْحًا لَهم، وإشارَةً إلى نَقاءِ قُلُوبِهِمْ، كالثَّوْبِ الأبْيَضِ، وهَذا كَما يُقالُ فُلانٌ نَقِيُّ الجَيْبِ، طاهِرُ الذَّيْلِ، إذا كانَ بَعِيدًا عَنِ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، وفُلانٌ دَنِسُ الثِّيابِ: إذا كانَ مُقْدِمًا عَلى ما لا يَنْبَغِي.
القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الضَّحّاكُ: مَرَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْمٍ مِنَ الَّذِينَ كانُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ، فَدَعاهم إلى الإيمانِ فَآمَنُوا، والَّذِي يَغْسِلُ الثِّيابَ يُسَمّى بِلُغَةِ النَّبْطِ هَوارِيَّ، وهو القَصّارُ، فَعُرِّبَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فَصارَتْ حَوارِيَّ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: الحَوارِيُّونَ: هُمُ القَصّارُونَ، وإذا عَرَفْتَ أصْلَ هَذا اللَّفْظِ فَقَدْ صارَ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمالِ دَلِيلًا عَلى خَواصِّ الرَّجُلِ وبِطانَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَؤُلاءِ الحَوارِيِّينَ مَن كانُوا ؟ .
فالقَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَرَّ بِهِمْ وهم يَصْطادُونَ السَّمَكَ فَقالَ لَهم: ”تَعالَوْا نَصْطادُ النّاسَ“ قالُوا: مَن أنْتَ ؟ قالَ: ”أنا عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ“ فَطَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَ عَلى ما قالَ فَلَمّا أظْهَرَ المُعْجِزَ آمَنُوا بِهِ، فَهُمُ الحَوارِيُّونَ.
القَوْلُ الثّانِي: قالُوا: سَلَّمَتْهُ أُمُّهُ إلى صَبّاغٍ، فَكانَ إذا أرادَ أنْ يُعَلِّمَهُ شَيْئًا كانَ هو أعْلَمَ بِهِ مِنهُ وأرادَ الصَّبّاغُ أنْ يَغِيبَ لِبَعْضِ مُهِمّاتِهِ، فَقالَ لَهُ: هاهُنا ثِيابٌ مُخْتَلِفَةٌ، وقَدْ عَلَّمْتُ عَلى كُلِّ واحِدٍ عَلامَةً مُعَيَّنَةً، فاصْبُغْها بِتِلْكَ الألْوانِ، بِحَيْثُ يَتِمُّ المَقْصُودُ عِنْدَ رُجُوعِي، ثُمَّ غابَ فَطَبَخَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - جُبًّا واحِدًا، وجَعَلَ الجَمِيعَ فِيهِ وقالَ: ”كُونِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما أُرِيدُ“ فَرَجَعَ الصَّبّاغُ فَأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ فَقالَ: قَدْ أفْسَدْتَ عَلَيَّ الثِّيابَ، قالَ: ”قُمْ فانْظُرْ“ فَكانَ يُخْرِجُ ثَوْبًا أحْمَرَ، وثَوْبًا أخْضَرَ، وثَوْبًا أصْفَرَ كَما كانَ يُرِيدُ، إلى أنْ أخْرَجَ الجَمِيعَ عَلى الألْوانِ الَّتِي أرادَها، فَتَعَجَّبَ الحاضِرُونَ مِنهُ وآمَنُوا بِهِ فَهُمُ الحَوارِيُّونَ.
القَوْلُ الثّالِثُ: كانُوا الحَوارِيُّونَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا اتَّبَعُوا عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانُوا إذا قالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ جُعْنا، فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، فَيَخْرُجُ لِكُلِّ واحِدٍ رَغِيفانِ، وإذا عَطِشُوا قالُوا:يا رُوحَ اللَّهِ عَطِشْنا، فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، فَيَخْرُجُ الماءُ فَيَشْرَبُونَ، فَقالُوا: مَن أفْضَلُ مِنّا إذا شِئْنا أطْعَمْتَنا، وإذا شِئْنا سَقَيْتَنا، وقَدْ آمَنّا بِكَ فَقالَ: ”أفْضَلُ مِنكم مَن يَعْمَلُ بِيَدِهِ، ويَأْكُلُ مِن كَسْبِهِ“ فَصارُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ بِالكِراءِ، فَسُمُّوا حَوارِيِّينَ.
القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا مُلُوكًا، قالُوا وذَلِكَ أنَّ واحِدًا مِنَ المُلُوكِ صَنَعَ طَعامًا، وجَمَعَ النّاسَ عَلَيْهِ، وكانَ
صفحة ٥٧
عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى قَصْعَةٍ مِنها، فَكانَتِ القَصْعَةُ لا تَنْقُصُ، فَذَكَرُوا هَذِهِ الواقِعَةَ لِذَلِكَ المَلِكَ، فَقالَ: تَعْرِفُونَهُ، قالُوا: نَعَمْ، فَذَهَبُوا بِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، قالَ: مَن أنْتَ ؟ قالَ: أنا عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَ فَإنِّي أتْرُكُ مُلْكِي وأتْبَعُكَ فَتَبِعَهُ ذَلِكَ المَلِكُ مَعَ أقارِبِهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الحَوارِيُّونَ قالَ القَفّالُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ هَؤُلاءِ الحَوارِيِّينَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المُلُوكِ، وبَعْضُهم مِن صَيّادِي السَّمَكِ، وبَعْضُهم مِنَ القَصّارِينَ، والكُلُّ سُمُّوا بِالحَوارِيِّينَ لِأنَّهم كانُوا أنْصارَ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأعْوانَهُ، والمُخْلِصِينَ في مَحَبَّتِهِ، وطاعَتِهِ، وخِدْمَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ نَحْنُ أنْصارُ دِينِ اللَّهِ وأنْصارُ أنْبِيائِهِ؛ لِأنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ مُحالٌ، فالمُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْناهُ.
أمّا قَوْلُهُ: (آمَنّا بِاللَّهِ) فَهَذا يَجْرِي مَجْرى ذِكْرِ العِلَّةِ، والمَعْنى يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَكُونَ مِن أنْصارِ اللَّهِ، لِأجْلِ أنّا آمَنّا بِاللَّهِ، فَإنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ يُوجِبُ نُصْرَةَ دِينِ اللَّهِ، والذَّبَّ عَنْ أوْلِيائِهِ، والمُحارَبَةَ مَعَ أعْدائِهِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ إشْهادَهم عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أنْفُسِهِمْ، إشْهادٌ لِلَّهِ تَعالى أيْضًا، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: المُرادُ واشْهَدْ أنّا مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُهُ مِنّا في نُصْرَتِكَ، والذَّبِّ عَنْكَ، مُسْتَسْلِمُونَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ إقْرارٌ مِنهم بِأنَّ دِينَهُمُ الإسْلامُ، وأنَّهُ دِينُ كُلِّ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا أشْهَدُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى إيمانِهِمْ، وعَلى إسْلامِهِمْ تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى، وقالُوا: ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ آمَنُوا بِاللَّهِ حِينَ قالُوا في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: (آمَنّا بِاللَّهِ) ثُمَّ آمَنُوا بِكُتُبِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: ﴿آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ وآمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ حَيْثُ، قالُوا: ﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبُوا الزُّلْفَةَ والثَّوابَ، فَقالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلشّاهِدِينَ فَضْلٌ يَزِيدُ عَلى فَضْلِ الحَوارِيِّينَ، ويَفْضُلُ عَلى دَرَجَتِهِ، لِأنَّهم هُمُ المَخْصُوصُونَ بِأداءِ الشَّهادَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . الثّانِي: وهو مَنقُولٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اكْتُبْنا في زُمْرَةِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ لِقَوْمِهِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] .
وقَدْ أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهم وجَعَلَهم أنْبِياءَ ورُسُلًا، فَأحْيَوُا المَوْتى، وصَنَعُوا كُلَّ ما صَنَعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والقَوْلُ الثّالِثُ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اكْتُبْنا في جُمْلَةِ مَن شَهِدَ لَكَ بِالتَّوْحِيدِ ولِأنْبِيائِكَ بِالتَّصْدِيقِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّهم لَمّا أشْهَدُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى إسْلامِ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ قالُوا: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ فَقَدْ أشْهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ، وتَقْوِيَةً لَهُ، وأيْضًا طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ ثَوابِ كُلِّ مُؤْمِنٍ شَهِدَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ ولِأنْبِيائِهِ بِالنُّبُوَّةِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كِتابَ الأبْرارِ إنَّما يَكُونُ في السَّماواتِ مَعَ المَلائِكَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فَإذا كَتَبَ اللَّهُ ذِكْرَهم مَعَ الشّاهِدِينَ المُؤْمِنِينَ كانَ ذِكْرُهم مَشْهُورًا في المَلَأِ الأعْلى وعِنْدَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ.
صفحة ٥٨
القَوْلُ الخامِسُ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] فَجَعَلَ أُولِي العِلْمِ مِنَ الشّاهِدِينَ، وقَرَنَ ذِكْرَهم بِذِكْرِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ، ومَرْتَبَةٌ عالِيَةٌ، فَقالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اجْعَلْنا مِن تِلْكَ الفِرْقَةِ الَّذِينَ قَرَنْتَ ذِكْرَهم بِذِكْرِكَ.
والقَوْلُ السّادِسُ: «إنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا سَألَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: ”أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ“» وهَذا غايَةُ دَرَجَةِ العَبْدِ في الِاشْتِغالِ بِالعُبُودِيَّةِ، وهو أنْ يَكُونَ العَبْدُ في مَقامِ الشُّهُودِ، لا في مَقامِ الغَيْبَةِ، فَهَؤُلاءِ القَوْمُ لَمّا صارُوا كامِلِينَ في دَرَجَةِ الِاسْتِدْلالِ أرادُوا التَّرَقِّيَ مِن مَقامِ الِاسْتِدْلالِ، إلى مَقامِ الشُّهُودِ والمُكاشَفَةِ، فَقالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ .
القَوْلُ السّابِعُ: إنَّ كُلَّ مَن كانَ في مَقامِ شُهُودِ الحَقِّ لَمْ يُبالِ بِما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ المَشاقِّ والآلامِ، فَلَمّا قَبِلُوا مِن عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَكُونُوا ناصِرِينَ لَهُ، ذابِّينَ عَنْهُ، قالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اجْعَلْنا مِمَّنْ يَكُونُ في شُهُودِ جَلالِكَ، حَتّى نَصِيرَ مُسْتَحْقِرِينَ لِكُلِّ ما يَصِلُ إلَيْنا مِنَ المَشاقِّ والمَتاعِبِ، فَحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْنا الوَفاءُ بِما التَزَمْناهُ مِن نُصْرَةِ رَسُولِكَ ونَبِيِّكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ المَكْرِ في اللُّغَةِ السَّعْيُ بِالفَسادِ في خُفْيَةٍ ومُداجاةٍ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ مَكْرُ اللَّيْلِ، وأمْكَرَ إذا أظْلَمَ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] وقالَ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] وقِيلَ أصْلُهُ مِنَ اجْتِماعِ الأمْرِ وإحْكامِهِ، ومِنهُ امْرَأةٌ مَمْكُورَةٌ؛ أيْ مُجْتَمِعَةُ الخَلْقِ. وإحْكامُ الرَّأْيِ يُقالُ لَهُ: الإجْماعُ والجَمْعُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] فَلَمّا كانَ المَكْرُ رَأْيًا مُحْكَمًا قَوِيًّا مَصُونًا عَنْ جِهاتِ النَّقْصِ والفُتُورِ، لا جَرَمَ سُمِّيَ مَكْرًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا مَكْرُهم بِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو أنَّهم هَمُّوا بِقَتْلِهِ، وأمّا مَكْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَكْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ هو أنَّهُ رَفَعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى السَّماءِ، وذَلِكَ أنَّ يَهُودا مَلِكَ اليَهُودِ، أرادَ قَتْلَ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، لا يُفارِقُهُ ساعَةً، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] فَلَمّا أرادُوا ذَلِكَ أمَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَدْخُلَ بَيْتًا فِيهِ رَوْزَنَةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا البَيْتَ أخْرَجَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ، وكانَ قَدْ ألْقى شَبَهَهُ عَلى غَيْرِهِ، فَأُخِذَ وصُلِبَ فَتَفَرَّقَ الحاضِرُونَ ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ قالَتْ: كانَ اللَّهَ فِينا فَذَهَبَ، وأُخْرى قالَتْ: كانَ ابْنَ اللَّهِ، والأُخْرى قالَتْ: كانَ عَبْدَ اللَّهِ ورَسُولَهُ، فَأكْرَمَهُ بِأنْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وصارَ لِكُلِّ فِرْقَةٍ جَمْعٌ؛ فَظَهَرَتِ الكافِرَتانِ عَلى الفِرْقَةِ المُؤْمِنَةِ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ . وفي الجُمْلَةِ، فالمُرادُ مِن مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ أنْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ وما مَكَّنَهم مِن إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وكانُوا مُجْتَمِعِينَ في بَيْتٍ فَنافَقَ رَجُلٌ مِنهم، ودَلَّ اليَهُودَ عَلَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ شَبَهَهُ عَلَيْهِ ورَفَعَ عِيسى، فَأخَذُوا ذَلِكَ المُنافِقَ الَّذِي كانَ فِيهِمْ، وقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ عَلى ظَنِّ أنَّهُ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَ ذَلِكَ هو مَكْرَ اللَّهِ بِهِمْ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ اليَهُودَ عَذَّبُوا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ أنْ رُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ٥٩
فَشَمَّسُوهم وعَذَّبُوهم، فَلَقُوا مِنهُمُ الجَهْدَ فَبَلَغَ ذَلِكَ مَلِكَ الرُّومِ، وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِمَّنْ تَحْتَ أمْرِكَ كانَ يُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وأراهم إحْياءَ المَوْتى وإبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ فَقُتِلَ، فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ لَحُلْتُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، ثُمَّ بَعَثَ إلى الحَوارِيِّينَ، فانْتَزَعَهم مِن أيْدِيهِمْ وسَألَهم عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأخْبَرُوهُ فَتابَعَهم عَلى دِينِهِمْ، وأنْزَلَ المَصْلُوبَ فَغَيَّبَهُ، وأخَذَ الخَشَبَةَ فَأكْرَمَها وصانَها، ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلَ مِنهم خَلْقًا عَظِيمًا، ومِنهُ ظَهَرَ أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ في الرُّومِ، وكانَ اسْمُ هَذا المَلِكِ طَبارِيسَ، وهو صارَ نَصْرانِيًّا، إلّا أنَّهُ ما أظْهَرَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ جاءَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ، يُقالُ لَهُ: مَطْلِيسُ، وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ ارْتِفاعِ عِيسى بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقَتَلَ وسَبى ولَمْ يَتْرُكْ في مَدِينَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ حَجَرًا عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ، فَهَذا كُلُّهُ مِمّا جازاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَكْذِيبِ المَسِيحِ والهَمِّ بِقَتْلِهِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فارِسَ حَتّى قَتَلَهم، وسَباهم، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] فَهَذا هو مَكْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ.
القَوْلُ الخامِسُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم مَكَرُوا في إخْفاءِ أمْرِهِ، وإبْطالِ دِينِهِ، ومَكَرَ اللَّهُ بِهِمْ حَيْثُ أعْلى دِينَهُ وأظْهَرَ شَرِيعَتَهُ وقَهَرَ بِالذُّلِّ والدَّناءَةِ أعْداءَهُ وهُمُ اليَهُودُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَكْرُ عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِيالِ في إيصالِ الشَّرِّ، والِاحْتِيالُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ فَصارَ لَفْظُ المَكْرِ في حَقِّهِ مِنَ المُتَشابِهاتِ، وذَكَرُوا في تَأْوِيلِهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى سَمّى جَزاءَ المَكْرِ بِالمَكْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وسَمّى جَزاءَ المُخادَعَةِ بِالمُخادَعَةِ، وجَزاءَ الِاسْتِهْزاءِ بِالِاسْتِهْزاءِ.
والثّانِي: أنَّ مُعامَلَةَ اللَّهِ مَعَهم كانَتْ شَبِيهَةً بِالمَكْرِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا اللَّفْظَ لَيْسَ مِنَ المُتَشابِهاتِ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ الكامِلِ ثُمَّ اخْتَصَّ في العُرْفِ بِالتَّدْبِيرِ في إيصالِ الشَّرِّ إلى الغَيْرِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى بِشارَةَ مَرْيَمَ بِوَلَدٍ مِثْلِ عِيسى، واسْتَقْصى في بَيانِ صِفاتِهِ، وشَرْحِ مُعْجِزاتِهِ وتَرَكَ
صفحة ٥٤
هاهُنا قِصَّةَ وِلادَتِهِ، وقَدْ ذَكَرَها في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، شَرَعَ في بَيانِ أنَّ عِيسى لَمّا شَرَحَ لَهم تِلْكَ المُعْجِزاتِ، وأظْهَرَ لَهم تِلْكَ الدَّلائِلَ فَهم بِماذا عامَلُوهُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإحْساسُ عِبارَةٌ عَنْ وِجْدانِ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ وهاهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُجْرى اللَّفْظُ عَلى ظاهِرِهِ، وهو أنَّهم تَكَلَّمُوا بِالكُفْرِ، فَأحَسَّ ذَلِكَ بِأُذُنِهِ.
والثّانِي: أنْ نَحْمِلَهُ عَلى التَّأْوِيلِ، وهو أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَرَفَ مِنهم إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وعَزْمَهم عَلى قَتْلِهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ عِلْمًا لا شُبْهَةَ فِيهِ، مِثْلَ العِلْمِ الحاصِلِ مِنَ الحَواسِّ، لا جَرَمَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ العِلْمِ بِالإحْساسِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي بِهِ ظَهَرَ كُفْرُهم عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهم ودَعاهم إلى دِينِ اللَّهِ فَتَمَرَّدُوا وعَصَوْا فَخافَهم واخْتَفى عَنْهم، وكانَ أمْرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِهِ كَأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو بِمَكَّةَ فَكانَ مُسْتَضْعَفًا، وكانَ يَخْتَفِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَما اخْتَفى النَّبِيُّ ﷺ في الغارِ، وفي مَنازِلِ مَن آمَنَ بِهِ لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ يَسِيحانِ في الأرْضِ، فاتُّفِقَ أنَّهُ نَزَلَ في قَرْيَةٍ عَلى رَجُلٍ فَأحْسَنَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ضِيافَتَهُ وكانَ في تِلْكَ المَدِينَةِ مَلِكٌ جَبّارٌ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَوْمًا حَزِينًا، فَسَألَهُ عِيسى عَنِ السَّبَبِ فَقالَ: مَلِكُ هَذِهِ المَدِينَةِ رَجُلٌ جَبّارٌ ومِن عادَتِهِ أنَّهُ جَعَلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنّا يَوْمًا يُطْعِمُهُ ويَسْقِيهِ هو وجُنُودَهُ، وهَذا اليَوْمُ نَوْبَتِي والأمْرُ مُتَعَذِّرٌ عَلَيَّ، فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ ذَلِكَ، قالَتْ: يا بُنَيَّ ادْعُ اللَّهَ لِيَكْفِيَ ذَلِكَ، فَقالَ: يا أُمّاهُ إنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كانَ شَرًّا، فَقالَتْ: قَدْ أحْسَنَ وأكْرَمَ ولا بُدَّ مِن إكْرامِهِ، فَقالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إذا قَرُبَ مَجِيءُ المَلِكِ فامْلَأْ قُدُورَكَ وخَوابِيَكَ ماءً ثُمَّ أعْلِمْنِي، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ دَعا اللَّهَ تَعالى فَتَحَوَّلَ ما في القُدُورِ طَبِيخًا، وما في الخَوابِي خَمْرًا، فَلَمّا جاءَهُ المَلِكُ أكَلَ وشَرِبَ وسَألَهُ مِن أيْنَ هَذا الخَمْرُ ؟ فَتَعَلَّلَ الرَّجُلُ في الجَوابِ فَلَمْ يَزَلِ المَلِكُ يُطالِبُهُ بِذَلِكَ حَتّى أخْبَرَهُ بِالواقِعَةِ فَقالَ: إنَّ مَن دَعا اللَّهَ حَتّى جَعَلَ الماءَ خَمْرًا إذا دَعا أنْ يُحْيِيَ اللَّهُ تَعالى ولَدِي لا بُدَّ وأنْ يُجابَ، وكانَ ابْنُهُ قَدْ ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأيّامٍ، فَدَعا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وطَلَبَ مِنهُ ذَلِكَ، فَقالَ عِيسى: لا تَفْعَلْ، فَإنَّهُ إنْ عاشَ كانَ شَرًّا، فَقالَ: ما أُبالِي ما كانَ إذا رَأيْتُهُ، وإنْ أحْيَيْتَهُ تَرَكْتُكَ عَلى ما تَفْعَلُ، فَدَعا اللَّهَ عِيسى، فَعاشَ الغُلامُ، فَلَمّا رَآهُ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ قَدْ عاشَ تَبادَرُوا بِالسِّلاحِ واقْتَتَلُوا، وصارَ أمْرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَشْهُورًا في الخَلْقِ، وقَصَدَ اليَهُودُ قَتْلَهُ، وأظْهَرُوا الطَّعْنَ فِيهِ والكُفْرَ بِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ اليَهُودَ كانُوا عارِفِينَ بِأنَّهُ هو المَسِيحُ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ، وأنَّهُ يَنْسَخُ دِينَهم، فَكانُوا مِن أوَّلِ الأمْرِ طاعِنِينَ فِيهِ، طالِبِينَ قَتْلَهُ، فَلَمّا أظْهَرَ الدَّعْوَةَ اشْتَدَّ غَضَبُهم، وأخَذُوا في إيذائِهِ وإيحاشِهِ وطَلَبُوا قَتْلَهُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ظَنَّ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ دَعاهم إلى الإيمانِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وأنَّ دَعْوَتَهُ لا تَنْجَعُ فِيهِمْ فَأحَبَّ أنْ يَمْتَحِنَهم لِيَتَحَقَّقَ ما ظَنَّهُ بِهِمْ فَقالَ لَهم: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ فَما أجابَهُ إلّا الحَوارِيُّونَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أحَسَّ بِأنَّ مَن سِوى الحَوارِيِّينَ كافِرُونَ مُصِرُّونَ عَلى إنْكارِ دِينِهِ وطَلَبِ قَتْلِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٥٥
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا بَنِي إسْرائِيلَ إلى الدِّينِ، وتَمَرَّدُوا عَلَيْهِ فَرَّ مِنهم وأخَذَ يَسِيحُ في الأرْضِ فَمَرَّ بِجَماعَةٍ مِن صَيّادِي السَّمَكِ، وكانَ فِيهِمْ شَمْعُونُ ويَعْقُوبُ ويُوحَنّا ابْنا زَيْدِي وهم مِن جُمْلَةِ الحَوارِيِّينَ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَقالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: الآنَ تَصِيدُ السَّمَكَ، فَإنْ تَبِعْتَنِي صِرْتَ بِحَيْثُ تَصِيدُ النّاسُ لِحَياةِ الأبَدِ، فَطَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ، وكانَ شَمْعُونُ قَدْ رَمى شَبَكَتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ في الماءِ فَما اصْطادَ شَيْئًا فَأمَرَهُ عِيسى بِإلْقاءِ شَبَكَتِهِ في الماءِ مَرَّةً أُخْرى، فاجْتَمَعَ في تِلْكَ الشَّبَكَةِ مِنَ السَّمَكِ ما كادَتْ تَتَمَزَّقُ مِنهُ، واسْتَعانُوا بِأهْلِ سَفِينَةٍ أُخْرى، ومَلَأُوا السَّفِينَتَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ آمَنُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ إنَّما كانَ في آخِرِ أمْرِهِ حِينَ اجْتَمَعَ اليَهُودُ عَلَيْهِ طَلَبًا لِقَتْلِهِ، ثُمَّ هاهُنا احْتِمالاتٌ.
الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا طَلَبُوهُ لِلْقَتْلِ وكانَ هو في الهَرَبِ عَنْهم قالَ لِأُولَئِكَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الحَوارِيِّينَ: أيُّكم يُحِبُّ أنْ يَكُونَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ عَلى أنْ يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ مَكانِي ؟ .
فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ بَعْضُهم وفِيما تَذْكُرُهُ النَّصارى في إنْجِيلِهِمْ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا أخَذُوا عِيسى سَلَّ شَمْعُونُ سَيْفَهُ فَضَرَبَ بِهِ عَبْدًا كانَ فِيهِمْ لِرَجُلٍ مِنَ الأحْبارِ عَظِيمٍ فَرَمى بِأُذُنِهِ، فَقالَ لَهُ عِيسى: حَسْبُكَ ثُمَّ أخَذَ أُذُنَ العَبْدِ فَرَدَّها إلى مَوْضِعِها، فَصارَتْ كَما كانَتْ، والحاصِلُ أنَّ الغَرَضَ مِن طَلَبِ النُّصْرَةِ إقْدامُهم عَلى دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُ.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّهُ دَعاهم إلى القِتالِ مَعَ القَوْمِ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ) فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: مَن أنْصارِي حالَ ذَهابِي إلى اللَّهِ أوْ حالَ التِجائِي إلى اللَّهِ.
والثّانِي: التَّقْدِيرُ: مَن أنْصارِي إلى أنْ أُبَيِّنَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، وإلى أنْ أُظْهِرَ دِينَهُ ويَكُونُ ”إلى“ هاهُنا غايَةً كَأنَّهُ أرادَ مَن يَثْبُتُ عَلى نُصْرَتِي إلى أنْ تَتِمَّ دَعْوَتِي، ويَظْهَرَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: قالَ الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ ”إلى“ هاهُنا بِمَعْنى ”مَعَ“ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ مَعَها، وقالَ ﷺ: ”«الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ» “ أيْ مَعَ الذَّوْدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”إلى“ لَيْسَتْ بِمَعْنى ”مَعَ“ فَإنَّكَ لَوْ قُلْتَ ذَهَبَ زَيْدٌ إلى عَمْرٍو لَمْ يَجُزْ أنْ تَقُولَ: ذَهَبَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو؛ لِأنَّ ”إلى“ تُفِيدُ الغايَةَ و”مَعَ“ تُفِيدُ ضَمَّ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ، بَلِ المُرادُ مِن قَوْلِنا: إنَّ ”إلى“ هاهُنا بِمَعْنى ”مَعَ“ هو أنَّهُ يُفِيدُ فائِدَتَها مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ مَن يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللَّهِ إيّايَ، وكَذَلِكَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ» “ مَعْناهُ: الذَّوْدُ مَضْمُومًا إلى الذَّوْدِ إبِلٌ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى مَن أنْصارِي فِيما يَكُونُ قُرْبَةً إلى اللَّهِ ووَسِيلَةً إلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا ضَحّى ”اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ“» أيْ تَقَرُّبًا إلَيْكَ، ويَقُولَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ دُعائِهِ إيّاهُ ”إلَيَّ“ أيِ انْضَمَّ إلَيَّ، فَكَذا هاهُنا المَعْنى مَن أنْصارِي فِيما يَكُونُ قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى.
الخامِسُ: أنْ يَكُونَ ”إلى“ بِمَعْنى اللّامِ كَأنَّهُ قالَ: مَن أنْصارِي لِلَّهِ. نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] .
والسّادِسُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: مَن أنْصارِي في سَبِيلِ اللَّهِ؛ و”إلى“ بِمَعْنى ”فِي“ جائِزٌ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
* * *
صفحة ٥٦
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في لَفْظِ ”الحَوارِيِّ“ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ الحَوارِيَّ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِخاصَّةِ الرَّجُلِ، وخالِصَتِهِ، ومِنهُ يُقالُ لِلدَّقِيقِ حُوّارى، لِأنَّهُ هو الخالِصُ مِنهُ، «وقالَ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: ”إنَّهُ ابْنُ عَمَّتِي، وحَوارِيَّ مِن أُمَّتِي“» والحَوارِيّاتُ مِنَ النِّساءِ النَّقِيّاتُ الألْوانِ والجُلُودِ، فَعَلى هَذا الحَوارِيُّونَ هم صَفْوَةُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ خَلَصُوا وأخْلَصُوا في التَّصْدِيقِ بِهِمْ وفي نُصْرَتِهِمْ.
القَوْلُ الثّانِي: الحَوارِيُّ أصْلُهُ مِنَ الحَوَرِ، وهو شِدَّةُ البَياضِ، ومِنهُ قِيلَ لِلدَّقِيقِ حُوّارى، ومِنهُ الأحْوَرُ، والحَوَرُ نَقاءُ بَياضِ العَيْنِ، وحَوَّرْتُ الثِّيابَ: بَيَّضْتُها، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّ أُولَئِكَ لِمَ سُمُّوا بِهَذا الِاسْمِ ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وقِيلَ كانُوا قَصّارِينَ، يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ، وقِيلَ لِأنَّ قُلُوبَهم كانَتْ نَقِيَّةً طاهِرَةً مِن كُلِّ نِفاقٍ ورِيبَةٍ فَسُمُّوا بِذَلِكَ مَدْحًا لَهم، وإشارَةً إلى نَقاءِ قُلُوبِهِمْ، كالثَّوْبِ الأبْيَضِ، وهَذا كَما يُقالُ فُلانٌ نَقِيُّ الجَيْبِ، طاهِرُ الذَّيْلِ، إذا كانَ بَعِيدًا عَنِ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، وفُلانٌ دَنِسُ الثِّيابِ: إذا كانَ مُقْدِمًا عَلى ما لا يَنْبَغِي.
القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الضَّحّاكُ: مَرَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْمٍ مِنَ الَّذِينَ كانُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ، فَدَعاهم إلى الإيمانِ فَآمَنُوا، والَّذِي يَغْسِلُ الثِّيابَ يُسَمّى بِلُغَةِ النَّبْطِ هَوارِيَّ، وهو القَصّارُ، فَعُرِّبَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فَصارَتْ حَوارِيَّ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: الحَوارِيُّونَ: هُمُ القَصّارُونَ، وإذا عَرَفْتَ أصْلَ هَذا اللَّفْظِ فَقَدْ صارَ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمالِ دَلِيلًا عَلى خَواصِّ الرَّجُلِ وبِطانَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَؤُلاءِ الحَوارِيِّينَ مَن كانُوا ؟ .
فالقَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَرَّ بِهِمْ وهم يَصْطادُونَ السَّمَكَ فَقالَ لَهم: ”تَعالَوْا نَصْطادُ النّاسَ“ قالُوا: مَن أنْتَ ؟ قالَ: ”أنا عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ“ فَطَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَ عَلى ما قالَ فَلَمّا أظْهَرَ المُعْجِزَ آمَنُوا بِهِ، فَهُمُ الحَوارِيُّونَ.
القَوْلُ الثّانِي: قالُوا: سَلَّمَتْهُ أُمُّهُ إلى صَبّاغٍ، فَكانَ إذا أرادَ أنْ يُعَلِّمَهُ شَيْئًا كانَ هو أعْلَمَ بِهِ مِنهُ وأرادَ الصَّبّاغُ أنْ يَغِيبَ لِبَعْضِ مُهِمّاتِهِ، فَقالَ لَهُ: هاهُنا ثِيابٌ مُخْتَلِفَةٌ، وقَدْ عَلَّمْتُ عَلى كُلِّ واحِدٍ عَلامَةً مُعَيَّنَةً، فاصْبُغْها بِتِلْكَ الألْوانِ، بِحَيْثُ يَتِمُّ المَقْصُودُ عِنْدَ رُجُوعِي، ثُمَّ غابَ فَطَبَخَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - جُبًّا واحِدًا، وجَعَلَ الجَمِيعَ فِيهِ وقالَ: ”كُونِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما أُرِيدُ“ فَرَجَعَ الصَّبّاغُ فَأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ فَقالَ: قَدْ أفْسَدْتَ عَلَيَّ الثِّيابَ، قالَ: ”قُمْ فانْظُرْ“ فَكانَ يُخْرِجُ ثَوْبًا أحْمَرَ، وثَوْبًا أخْضَرَ، وثَوْبًا أصْفَرَ كَما كانَ يُرِيدُ، إلى أنْ أخْرَجَ الجَمِيعَ عَلى الألْوانِ الَّتِي أرادَها، فَتَعَجَّبَ الحاضِرُونَ مِنهُ وآمَنُوا بِهِ فَهُمُ الحَوارِيُّونَ.
القَوْلُ الثّالِثُ: كانُوا الحَوارِيُّونَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا اتَّبَعُوا عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانُوا إذا قالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ جُعْنا، فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، فَيَخْرُجُ لِكُلِّ واحِدٍ رَغِيفانِ، وإذا عَطِشُوا قالُوا:يا رُوحَ اللَّهِ عَطِشْنا، فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، فَيَخْرُجُ الماءُ فَيَشْرَبُونَ، فَقالُوا: مَن أفْضَلُ مِنّا إذا شِئْنا أطْعَمْتَنا، وإذا شِئْنا سَقَيْتَنا، وقَدْ آمَنّا بِكَ فَقالَ: ”أفْضَلُ مِنكم مَن يَعْمَلُ بِيَدِهِ، ويَأْكُلُ مِن كَسْبِهِ“ فَصارُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ بِالكِراءِ، فَسُمُّوا حَوارِيِّينَ.
القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا مُلُوكًا، قالُوا وذَلِكَ أنَّ واحِدًا مِنَ المُلُوكِ صَنَعَ طَعامًا، وجَمَعَ النّاسَ عَلَيْهِ، وكانَ
صفحة ٥٧
عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى قَصْعَةٍ مِنها، فَكانَتِ القَصْعَةُ لا تَنْقُصُ، فَذَكَرُوا هَذِهِ الواقِعَةَ لِذَلِكَ المَلِكَ، فَقالَ: تَعْرِفُونَهُ، قالُوا: نَعَمْ، فَذَهَبُوا بِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، قالَ: مَن أنْتَ ؟ قالَ: أنا عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَ فَإنِّي أتْرُكُ مُلْكِي وأتْبَعُكَ فَتَبِعَهُ ذَلِكَ المَلِكُ مَعَ أقارِبِهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الحَوارِيُّونَ قالَ القَفّالُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ هَؤُلاءِ الحَوارِيِّينَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المُلُوكِ، وبَعْضُهم مِن صَيّادِي السَّمَكِ، وبَعْضُهم مِنَ القَصّارِينَ، والكُلُّ سُمُّوا بِالحَوارِيِّينَ لِأنَّهم كانُوا أنْصارَ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأعْوانَهُ، والمُخْلِصِينَ في مَحَبَّتِهِ، وطاعَتِهِ، وخِدْمَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ نَحْنُ أنْصارُ دِينِ اللَّهِ وأنْصارُ أنْبِيائِهِ؛ لِأنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ مُحالٌ، فالمُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْناهُ.
أمّا قَوْلُهُ: (آمَنّا بِاللَّهِ) فَهَذا يَجْرِي مَجْرى ذِكْرِ العِلَّةِ، والمَعْنى يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَكُونَ مِن أنْصارِ اللَّهِ، لِأجْلِ أنّا آمَنّا بِاللَّهِ، فَإنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ يُوجِبُ نُصْرَةَ دِينِ اللَّهِ، والذَّبَّ عَنْ أوْلِيائِهِ، والمُحارَبَةَ مَعَ أعْدائِهِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ إشْهادَهم عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أنْفُسِهِمْ، إشْهادٌ لِلَّهِ تَعالى أيْضًا، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: المُرادُ واشْهَدْ أنّا مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُهُ مِنّا في نُصْرَتِكَ، والذَّبِّ عَنْكَ، مُسْتَسْلِمُونَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ إقْرارٌ مِنهم بِأنَّ دِينَهُمُ الإسْلامُ، وأنَّهُ دِينُ كُلِّ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا أشْهَدُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى إيمانِهِمْ، وعَلى إسْلامِهِمْ تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى، وقالُوا: ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ آمَنُوا بِاللَّهِ حِينَ قالُوا في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: (آمَنّا بِاللَّهِ) ثُمَّ آمَنُوا بِكُتُبِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: ﴿آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ وآمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ حَيْثُ، قالُوا: ﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبُوا الزُّلْفَةَ والثَّوابَ، فَقالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلشّاهِدِينَ فَضْلٌ يَزِيدُ عَلى فَضْلِ الحَوارِيِّينَ، ويَفْضُلُ عَلى دَرَجَتِهِ، لِأنَّهم هُمُ المَخْصُوصُونَ بِأداءِ الشَّهادَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . الثّانِي: وهو مَنقُولٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اكْتُبْنا في زُمْرَةِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ لِقَوْمِهِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] .
وقَدْ أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهم وجَعَلَهم أنْبِياءَ ورُسُلًا، فَأحْيَوُا المَوْتى، وصَنَعُوا كُلَّ ما صَنَعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والقَوْلُ الثّالِثُ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اكْتُبْنا في جُمْلَةِ مَن شَهِدَ لَكَ بِالتَّوْحِيدِ ولِأنْبِيائِكَ بِالتَّصْدِيقِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّهم لَمّا أشْهَدُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى إسْلامِ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ قالُوا: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ فَقَدْ أشْهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ، وتَقْوِيَةً لَهُ، وأيْضًا طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ ثَوابِ كُلِّ مُؤْمِنٍ شَهِدَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ ولِأنْبِيائِهِ بِالنُّبُوَّةِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كِتابَ الأبْرارِ إنَّما يَكُونُ في السَّماواتِ مَعَ المَلائِكَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فَإذا كَتَبَ اللَّهُ ذِكْرَهم مَعَ الشّاهِدِينَ المُؤْمِنِينَ كانَ ذِكْرُهم مَشْهُورًا في المَلَأِ الأعْلى وعِنْدَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ.
صفحة ٥٨
القَوْلُ الخامِسُ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] فَجَعَلَ أُولِي العِلْمِ مِنَ الشّاهِدِينَ، وقَرَنَ ذِكْرَهم بِذِكْرِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ، ومَرْتَبَةٌ عالِيَةٌ، فَقالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اجْعَلْنا مِن تِلْكَ الفِرْقَةِ الَّذِينَ قَرَنْتَ ذِكْرَهم بِذِكْرِكَ.
والقَوْلُ السّادِسُ: «إنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا سَألَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: ”أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ“» وهَذا غايَةُ دَرَجَةِ العَبْدِ في الِاشْتِغالِ بِالعُبُودِيَّةِ، وهو أنْ يَكُونَ العَبْدُ في مَقامِ الشُّهُودِ، لا في مَقامِ الغَيْبَةِ، فَهَؤُلاءِ القَوْمُ لَمّا صارُوا كامِلِينَ في دَرَجَةِ الِاسْتِدْلالِ أرادُوا التَّرَقِّيَ مِن مَقامِ الِاسْتِدْلالِ، إلى مَقامِ الشُّهُودِ والمُكاشَفَةِ، فَقالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ .
القَوْلُ السّابِعُ: إنَّ كُلَّ مَن كانَ في مَقامِ شُهُودِ الحَقِّ لَمْ يُبالِ بِما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ المَشاقِّ والآلامِ، فَلَمّا قَبِلُوا مِن عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَكُونُوا ناصِرِينَ لَهُ، ذابِّينَ عَنْهُ، قالُوا: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ اجْعَلْنا مِمَّنْ يَكُونُ في شُهُودِ جَلالِكَ، حَتّى نَصِيرَ مُسْتَحْقِرِينَ لِكُلِّ ما يَصِلُ إلَيْنا مِنَ المَشاقِّ والمَتاعِبِ، فَحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْنا الوَفاءُ بِما التَزَمْناهُ مِن نُصْرَةِ رَسُولِكَ ونَبِيِّكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ المَكْرِ في اللُّغَةِ السَّعْيُ بِالفَسادِ في خُفْيَةٍ ومُداجاةٍ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ مَكْرُ اللَّيْلِ، وأمْكَرَ إذا أظْلَمَ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] وقالَ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] وقِيلَ أصْلُهُ مِنَ اجْتِماعِ الأمْرِ وإحْكامِهِ، ومِنهُ امْرَأةٌ مَمْكُورَةٌ؛ أيْ مُجْتَمِعَةُ الخَلْقِ. وإحْكامُ الرَّأْيِ يُقالُ لَهُ: الإجْماعُ والجَمْعُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] فَلَمّا كانَ المَكْرُ رَأْيًا مُحْكَمًا قَوِيًّا مَصُونًا عَنْ جِهاتِ النَّقْصِ والفُتُورِ، لا جَرَمَ سُمِّيَ مَكْرًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا مَكْرُهم بِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو أنَّهم هَمُّوا بِقَتْلِهِ، وأمّا مَكْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَكْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ هو أنَّهُ رَفَعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى السَّماءِ، وذَلِكَ أنَّ يَهُودا مَلِكَ اليَهُودِ، أرادَ قَتْلَ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، لا يُفارِقُهُ ساعَةً، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] فَلَمّا أرادُوا ذَلِكَ أمَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَدْخُلَ بَيْتًا فِيهِ رَوْزَنَةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا البَيْتَ أخْرَجَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ، وكانَ قَدْ ألْقى شَبَهَهُ عَلى غَيْرِهِ، فَأُخِذَ وصُلِبَ فَتَفَرَّقَ الحاضِرُونَ ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ قالَتْ: كانَ اللَّهَ فِينا فَذَهَبَ، وأُخْرى قالَتْ: كانَ ابْنَ اللَّهِ، والأُخْرى قالَتْ: كانَ عَبْدَ اللَّهِ ورَسُولَهُ، فَأكْرَمَهُ بِأنْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وصارَ لِكُلِّ فِرْقَةٍ جَمْعٌ؛ فَظَهَرَتِ الكافِرَتانِ عَلى الفِرْقَةِ المُؤْمِنَةِ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ . وفي الجُمْلَةِ، فالمُرادُ مِن مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ أنْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ وما مَكَّنَهم مِن إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وكانُوا مُجْتَمِعِينَ في بَيْتٍ فَنافَقَ رَجُلٌ مِنهم، ودَلَّ اليَهُودَ عَلَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ شَبَهَهُ عَلَيْهِ ورَفَعَ عِيسى، فَأخَذُوا ذَلِكَ المُنافِقَ الَّذِي كانَ فِيهِمْ، وقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ عَلى ظَنِّ أنَّهُ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَ ذَلِكَ هو مَكْرَ اللَّهِ بِهِمْ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ اليَهُودَ عَذَّبُوا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ أنْ رُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ٥٩
فَشَمَّسُوهم وعَذَّبُوهم، فَلَقُوا مِنهُمُ الجَهْدَ فَبَلَغَ ذَلِكَ مَلِكَ الرُّومِ، وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِمَّنْ تَحْتَ أمْرِكَ كانَ يُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وأراهم إحْياءَ المَوْتى وإبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ فَقُتِلَ، فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ لَحُلْتُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، ثُمَّ بَعَثَ إلى الحَوارِيِّينَ، فانْتَزَعَهم مِن أيْدِيهِمْ وسَألَهم عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأخْبَرُوهُ فَتابَعَهم عَلى دِينِهِمْ، وأنْزَلَ المَصْلُوبَ فَغَيَّبَهُ، وأخَذَ الخَشَبَةَ فَأكْرَمَها وصانَها، ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلَ مِنهم خَلْقًا عَظِيمًا، ومِنهُ ظَهَرَ أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ في الرُّومِ، وكانَ اسْمُ هَذا المَلِكِ طَبارِيسَ، وهو صارَ نَصْرانِيًّا، إلّا أنَّهُ ما أظْهَرَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ جاءَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ، يُقالُ لَهُ: مَطْلِيسُ، وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ ارْتِفاعِ عِيسى بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقَتَلَ وسَبى ولَمْ يَتْرُكْ في مَدِينَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ حَجَرًا عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ، فَهَذا كُلُّهُ مِمّا جازاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَكْذِيبِ المَسِيحِ والهَمِّ بِقَتْلِهِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فارِسَ حَتّى قَتَلَهم، وسَباهم، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] فَهَذا هو مَكْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ.
القَوْلُ الخامِسُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم مَكَرُوا في إخْفاءِ أمْرِهِ، وإبْطالِ دِينِهِ، ومَكَرَ اللَّهُ بِهِمْ حَيْثُ أعْلى دِينَهُ وأظْهَرَ شَرِيعَتَهُ وقَهَرَ بِالذُّلِّ والدَّناءَةِ أعْداءَهُ وهُمُ اليَهُودُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَكْرُ عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِيالِ في إيصالِ الشَّرِّ، والِاحْتِيالُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ فَصارَ لَفْظُ المَكْرِ في حَقِّهِ مِنَ المُتَشابِهاتِ، وذَكَرُوا في تَأْوِيلِهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى سَمّى جَزاءَ المَكْرِ بِالمَكْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وسَمّى جَزاءَ المُخادَعَةِ بِالمُخادَعَةِ، وجَزاءَ الِاسْتِهْزاءِ بِالِاسْتِهْزاءِ.
والثّانِي: أنَّ مُعامَلَةَ اللَّهِ مَعَهم كانَتْ شَبِيهَةً بِالمَكْرِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا اللَّفْظَ لَيْسَ مِنَ المُتَشابِهاتِ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ الكامِلِ ثُمَّ اخْتَصَّ في العُرْفِ بِالتَّدْبِيرِ في إيصالِ الشَّرِّ إلى الغَيْرِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في ”إذْ“ قَوْلُهُ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيْ وُجِدَ هَذا المَكْرُ إذْ قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ذاكَ إذْ قالَ اللَّهُ.
صفحة ٦٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْتَرَفُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَّفَ عِيسى في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: (إنِّي مُتَوَفِّيكَ)، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى طَرِيقَيْنِ:
أحَدُهُما: إجْراءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ، ولا تَأْخِيرٍ فِيها.
والثّانِي: فَرْضُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فِيها، أمّا الطَّرِيقُ الأوَّلُ فَبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: مَعْنى قَوْلِهِ (إنِّي مُتَوَفِّيكَ) أيْ مُتَمِّمٌ عُمُرَكَ، فَحِينَئِذٍ أتَوَفّاكَ، فَلا أتْرُكُهم حَتّى يَقْتُلُوكَ، بَلْ أنا رافِعُكَ إلى سَمائِي، ومُقَرِّبُكَ بِمَلائِكَتِي، وأصُونُكَ عَنْ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِن قَتْلِكَ وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ.
والثّانِي: (مُتَوَفِّيكَ) أيْ مُمِيتُكَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالُوا: والمَقْصُودُ أنْ لا يَصِلَ أعْداؤُهُ مِنَ اليَهُودِ إلى قَتْلِهِ ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أكْرَمَهُ بِأنْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قالَ وهْبٌ: تُوُفِّيَ ثَلاثَ ساعاتٍ، ثُمَّ رُفِعَ.
وثانِيها: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: تُوُفِّيَ سَبْعَ ساعاتٍ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ ورَفَعَهُ. الثّالِثُ: قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: إنَّهُ تَعالى تَوَفّاهُ حِينَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] .
الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ بِهِ هَذِهِ الأفْعالَ، فَأمّا كَيْفَ يَفْعَلُ، ومَتى يَفْعَلُ، فالأمْرُ فِيهِ مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ، وقَدْ ثَبَتَ الدَّلِيلُ أنَّهُ حَيٌّ، ووَرَدَ الخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«أنَّهُ سَيَنْزِلُ ويَقْتُلُ الدَّجّالَ» “ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَتَوَفّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الخامِسُ في التَّأْوِيلِ: ما قالَهُ أبُو بَكْرٍ الواسِطِيُّ، وهو أنَّ المُرادَ (إنِّي مُتَوَفِّيكَ) عَنْ شَهَواتِكَ وحُظُوظِ نَفْسِكَ، ثُمَّ قالَ: (ورافِعُكَ إلَيَّ) وذَلِكَ لِأنَّ مَن لَمْ يَصِرْ فانِيًا عَمّا سِوى اللَّهِ لا يَكُونُ لَهُ وُصُولٌ إلى مَقامِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وأيْضًا فَعِيسى لَمّا رُفِعَ إلى السَّماءِ صارَ حالُهُ كَحالِ المَلائِكَةِ في زَوالِ الشَّهْوَةِ، والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ.
والوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ التَّوَفِّيَ أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، ولَمّا عَلِمَ اللَّهُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ هو رُوحُهُ لا جَسَدُهُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رُفِعَ بِتَمامِهِ إلى السَّماءِ بِرُوحِهِ وبِجَسَدِهِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣] .
والوَجْهُ السّابِعُ: (إنِّي مُتَوَفِّيكَ) أيْ أجْعَلُكَ كالمُتَوَفّى؛ لِأنَّهُ إذا رُفِعَ إلى السَّماءِ وانْقَطَعَ خَبَرُهُ وأثَرُهُ عَنِ الأرْضِ كانَ كالمُتَوَفّى، وإطْلاقُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلى ما يُشابِهُهُ في أكْثَرِ خَواصِّهِ وصِفاتِهِ جائِزٌ حَسَنٌ.
الوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ التَّوَفِّيَ هو القَبْضُ يُقالُ: وفّانِي فُلانٌ دَراهِمِي وأوْفانِي وتَوَفَّيْتُها مِنهُ، كَما يُقالُ: سَلَّمَ فُلانٌ دَراهِمِي إلَيَّ وتَسَلَّمْتُها مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ أيْضًا تُوُفِّيَ بِمَعْنى اسْتَوْفى وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ كانَ إخْراجُهُ مِنَ الأرْضِ وإصْعادُهُ إلى السَّماءِ تَوَفِّيًا لَهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ التَّوَفِّي عَيْنَ الرَّفْعِ إلَيْهِ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: (ورافِعُكَ إلَيَّ) تَكْرارًا.
قُلْنا: قَوْلُهُ: (إنِّي مُتَوَفِّيكَ) يَدُلُّ عَلى حُصُولِ التَّوَفِّي وهو جِنْسٌ تَحْتَهُ أنْواعٌ بَعْضُها بِالمَوْتِ وبَعْضُها بِالإصْعادِ إلى السَّماءِ، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: (ورافِعُكَ إلَيَّ) كانَ هَذا تَعْيِينًا لِلنَّوْعِ ولَمْ يَكُنْ تَكْرارًا.
الوَجْهُ التّاسِعُ: أنْ يُقَدَّرَ فِيهِ حَذْفُ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: مُتَوَفِّي عَمَلِكَ بِمَعْنى مُسْتَوْفِي عَمَلِكَ (ورافِعُكَ)
صفحة ٦١
(إلَيَّ) أيْ ورافِعُ عَمَلِكَ إلَيَّ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، والمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى بَشَّرَهُ بِقَبُولِ طاعَتِهِ وأعْمالِهِ، وعَرَّفَهُ أنَّ ما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ المَتاعِبِ والمَشاقِّ في تَمْشِيَةِ دِينِهِ وإظْهارِ شَرِيعَتِهِ مِنَ الأعْداءِ فَهو لا يُضِيعُ أجْرَهُ ولا يَهْدِمُ ثَوابَهُ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ عَلى قَوْلِ مَن يُجْرِي الآيَةَ عَلى ظاهِرِها.
الطَّرِيقُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مَن قالَ لا بُدَّ في الآيَةِ مِن تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ مِن غَيْرِ أنْ يُحْتاجَ فِيها إلى تَقْدِيمٍ أوْ تَأْخِيرٍ، قالُوا إنَّ قَوْلَهُ: (ورافِعُكَ إلَيَّ) يَقْتَضِي أنَّهُ رَفَعَهُ حَيًّا، والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَقُولَ: فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: أنِّي رافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُتَوَفِّيكَ بَعْدَ إنْزالِي إيّاكَ في الدُّنْيا، ومِثْلُهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ الَّتِي قَدَّمْناها تُغْنِي عَنِ التِزامِ مُخالَفَةِ الظّاهِرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
والمُشَبِّهَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ المَكانِ لِلَّهِ تَعالى، وأنَّهُ في السَّماءِ، وقَدْ دَلَّلْنا في المَواضِعِ الكَثِيرَةِ مِن هَذا الكِتابِ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ تَعالى في المَكانِ فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى التَّأْوِيلِ، وهو مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ إلى مَحَلِّ كَرامَتِي، وجَعَلَ ذَلِكَ رَفْعًا إلَيْهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩]، وإنَّما ذَهَبَ إبْراهِيمُ ﷺ مِنَ العِراقِ إلى الشّامِ، وقَدْ يَقُولُ السُّلْطانُ: ارْفَعُوا هَذا الأمْرَ إلى القاضِي، وقَدْ يُسَمّى الحُجّاجُ زُوّارَ اللَّهِ، ويُسَمّى المُجاوِرُونَ جِيرانَ اللَّهِ، والمُرادُ مِن كُلِّ ذَلِكَ التَّفْخِيمُ والتَّعْظِيمُ فَكَذا هاهُنا.
الوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (ورافِعُكَ إلَيَّ) مَعْناهُ أنَّهُ يُرْفَعُ إلى مَكانٍ لا يَمْلِكُ الحُكْمَ عَلَيْهِ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ؛ لِأنَّ في الأرْضِ قَدْ يَتَوَلّى الخَلْقَ أنْواعُ الحُكّامِ فَأمّا السَّماواتُ فَلا حاكِمَ هُناكَ في الحَقِيقَةِ وفي الظّاهِرِ إلّا اللَّهُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ في مَكانٍ لَمْ يَكُنِ ارْتِفاعُ عِيسى إلى ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِفاعِهِ وفَرَحِهِ، بَلْ إنَّما يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ لَوْ وجَدَ هُناكَ مَطْلُوبَهُ مِنَ الثَّوابِ والرَّوْحِ والرّاحَةِ والرَّيْحانِ، فَعَلى كِلا القَوْلَيْنِ لا بُدَّ مِن حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى أنَّ المُرادَ: ورافِعُكَ إلى مَحَلِّ ثَوابِكَ ومُجازاتِكَ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن إضْمارِ ما ذَكَرْناهُ لَمْ يَبْقَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى إثْباتِ المَكانِ لِلَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ مِن صِفاتِ عِيسى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والمَعْنى مُخْرِجُكَ مِن بَيْنِهِمْ ومُفَرِّقٌ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، وكَما عَظَّمَ شَأْنَهُ بِلَفْظِ الرَّفْعِ إلَيْهِ أخْبَرَ عَنْ مَعْنى التَّخْلِيصِ بِلَفْظِ التَّطْهِيرِ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في إعْلاءِ شَأْنِهِ وتَعْظِيمِ مَنصِبِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: الَّذِينَ اتَّبَعُوا دِينَ عِيسى يَكُونُونَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، وهُمُ اليَهُودُ بِالقَهْرِ والسُّلْطانِ والِاسْتِعْلاءِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْ ذُلِّ اليَهُودِ وأنَّهم يَكُونُونَ مَقْهُورِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَأمّا الَّذِينَ اتَّبَعُوا المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهُمُ الَّذِينَ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وأمّا بَعْدَ الإسْلامِ فَهُمُ المُسْلِمُونَ، وأمّا
صفحة ٦٢
النَّصارى فَهم وإنْ أظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ مُوافَقَتَهُ فَهم يُخالِفُونَهُ أشَدَّ المُخالَفَةِ مِن حَيْثُ إنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يَشْهَدُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَرْضى بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُهُ هَؤُلاءِ الجُهّالُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنّا نَرى أنَّ دَوْلَةَ النَّصارى في الدُّنْيا أعْظَمُ وأقْوى مِن أمْرِ اليَهُودِ، فَلا نَرى في طَرَفٍ مِن أطْرافِ الدُّنْيا مُلْكًا يَهُودِيًّا ولا بَلْدَةً مَمْلُوءَةً مِنَ اليَهُودِ بَلْ يَكُونُونَ أيْنَ كانُوا بِالذِّلَّةِ، وأمّا النَّصارى فَأمْرُهم بِخِلافِ ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الفَوْقِيَّةِ الفَوْقِيَّةُ بِالحُجَّةِ والدَّلِيلِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ رَفْعَهُ في قَوْلِهِ: (ورافِعُكَ إلَيَّ) هو الرِّفْعَةُ بِالدَّرَجَةِ والمَنقَبَةِ، لا بِالمَكانِ والجِهَةِ، كَما أنَّ الفَوْقِيَّةَ في هَذِهِ لَيْسَتْ بِالمَكانِ بَلْ بِالدَّرَجَةِ والرِّفْعَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى بَشَّرَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ يُعْطِيهِ في الدُّنْيا تِلْكَ الخَواصَّ الشَّرِيفَةَ، والدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةَ العالِيَةَ، وأمّا في القِيامَةِ فَإنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، وبَيْنَ الجاحِدِينَ بِرِسالَتِهِ، وكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ الحُكْمِ ما ذَكَرَهُ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَ مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعٌ مُشْكِلٌ وهو أنَّ نَصَّ القُرْآنِ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى حِينَ رَفَعَهُ ألْقى شَبَهَهُ عَلى غَيْرِهِ عَلى ما قالَ: ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، والأخْبارُ أيْضًا وارِدَةٌ بِذَلِكَ إلّا أنَّ الرِّواياتِ اخْتَلَفَتْ، فَتارَةً يُرْوى أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْقى شَبَهَهُ عَلى بَعْضِ الأعْداءِ الَّذِينَ دَلُّوا اليَهُودَ عَلى مَكانِهِ حَتّى قَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، وتارَةً يُرْوى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَغَّبَ بَعْضَ خَواصِّ أصْحابِهِ في أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلَيْهِ حَتّى يُقْتَلَ مَكانَهُ، وبِالجُمْلَةِ فَكَيْفَما كانَ فَفي إلْقاءِ شَبَهِهِ عَلى الغَيْرِ إشْكالاتٌ:
الإشْكالُ الأوَّلُ: أنّا لَوْ جَوَّزْنا إلْقاءَ شَبَهِ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ لَزِمَ السَّفْسَطَةُ، فَإنِّي إذا رَأيْتُ ولَدِي ثُمَّ رَأيْتُهُ ثانِيًا فَحِينَئِذٍ أُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ هَذا الَّذِي رَأيْتُهُ ثانِيًا لَيْسَ بِوَلَدِي، بَلْ هو إنْسانٌ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَيْهِ وحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ الأمانُ عَلى المَحْسُوساتِ، وأيْضًا فالصَّحابَةُ الَّذِينَ رَأوْا مُحَمَّدًا ﷺ يَأْمُرُهم ويَنْهاهم وجَبَ أنْ لا يَعْرِفُوا أنَّهُ مُحَمَّدٌ لِاحْتِمالِ أنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى غَيْرِهِ وذَلِكَ يُفْضِي إلى سُقُوطِ الشَّرائِعِ، وأيْضًا فَمَدارُ الأمْرِ في الأخْبارِ المُتَواتِرَةِ عَلى أنْ يَكُونَ المُخْبِرُ الأوَّلُ إنَّما أخْبَرَ عَنِ المَحْسُوسِ، فَإذا جازَ وُقُوعُ الغَلَطِ في المُبْصَراتِ كانَ سُقُوطُ خَبَرِ المُتَواتِرِ أوْلى وبِالجُمْلَةِ فَفَتْحُ هَذا البابِ أوَّلُهُ سَفْسَطَةٌ، وآخِرُهُ إبْطالُ النُّبُوّاتِ بِالكُلِّيَّةِ.
والإشْكالُ الثّانِي: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ أمَرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يَكُونَ مَعَهُ في أكْثَرِ الأحْوالِ، هَكَذا قالَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] ثُمَّ إنَّ طَرَفَ جَناحٍ واحِدٍ مِن أجْنِحَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَكْفِي العالَمَ مِنَ البَشَرِ فَكَيْفَ لَمْ يَكْفِ في مَنعِ أُولَئِكَ اليَهُودِ عَنْهُ ؟ وأيْضًا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ قادِرًا عَلى إحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فَكَيْفَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إماتَةِ أُولَئِكَ اليَهُودِ الَّذِينَ قَصَدُوهُ بِالسُّوءِ وعَلى إسْقامِهِمْ وإلْقاءِ الزَّمانَةِ والفَلَجِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَصِيرُوا عاجِزِينَ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ ؟
والإشْكالُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى كانَ قادِرًا عَلى تَخْلِيصِهِ مِن أُولَئِكَ الأعْداءِ بِأنْ يَرْفَعَهُ إلى السَّماءِ فَما الفائِدَةُ في إلْقاءِ شَبَهِهِ عَلى غَيْرِهِ، وهَلْ فِيهِ إلّا إلْقاءُ مِسْكِينٍ في القَتْلِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ إلَيْهِ ؟
والإشْكالُ الرّابِعُ: أنَّهُ إذا أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى غَيْرِهِ ثُمَّ إنَّهُ رُفِعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى السَّماءِ فالقَوْمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ
صفحة ٦٣
هُوَ عِيسى مَعَ أنَّهُ ما كانَ عِيسى، فَهَذا كانَ إلْقاءً لَهم في الجَهْلِ والتَّلْبِيسِ، وهَذا لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى.
والإشْكالُ الخامِسُ: أنَّ النَّصارى عَلى كَثْرَتِهِمْ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها وشِدَّةِ مَحَبَّتِهِمْ لِلْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغُلُوِّهِمْ في أمْرِهِ، أخْبَرُوا أنَّهم شاهَدُوهُ مَقْتُولًا مَصْلُوبًا، فَلَوْ أنْكَرْنا ذَلِكَ كانَ طَعْنًا فِيما ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ، والطَّعْنُ في التَّواتُرِ يُوجِبُ الطَّعْنَ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ونُبُوَّةِ عِيسى، بَلْ في وُجُودِهِما، ووُجُودِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ.
والإشْكالُ السّادِسُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّ المَصْلُوبَ بَقِيَ حَيًّا زَمانًا طَوِيلًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِيسى بَلْ كانَ غَيْرَهُ لَأظْهَرَ الجَزَعَ، ولَقالَ: إنِّي لَسْتُ بِعِيسى بَلْ إنَّما أنا غَيْرُهُ، ولَبالَغَ في تَعْرِيفِ هَذا المَعْنى، ولَوْ ذُكِرَ ذَلِكَ لاشْتَهَرَ عِنْدَ الخَلْقِ هَذا المَعْنى، فَلَمّا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن هَذا عَلِمْنا أنْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، فَهَذا جُمْلَةُ ما في المَوْضِعِ مِنَ السُّؤالاتِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كُلَّ مَن أثْبَتَ القادِرَ المُخْتارَ، سَلَّمَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ إنْسانًا آخَرَ عَلى صُورَةِ زَيْدٍ مَثَلًا، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّصْوِيرَ لا يُوجِبُ الشَّكَّ المَذْكُورَ، فَكَذا القَوْلُ فِيما ذَكَرْتُمْ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَوْ دَفَعَ الأعْداءَ عَنْهُ أوْ أقْدَرَ اللَّهُ تَعالى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى دَفْعِ الأعْداءِ عَنْ نَفْسِهِ لَبَلَغَتْ مُعْجِزَتُهُ إلى حَدِّ الإلْجاءِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.
وهَذا هو الجَوابُ عَنِ الإشْكالِ الثّالِثِ، فَإنَّهُ تَعالى لَوْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ وما ألْقى شَبَهَهُ عَلى الغَيْرِ لَبَلَغَتْ تِلْكَ المُعْجِزَةُ إلى حَدِّ الإلْجاءِ.
والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ: أنَّ تَلامِذَةَ عِيسى كانُوا حاضِرِينَ، وكانُوا عالِمِينَ بِكَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ، وهم كانُوا يُزِيلُونَ ذَلِكَ التَّلْبِيسَ.
والجَوابُ عَنِ الخامِسِ: أنَّ الحاضِرِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانُوا قَلِيلِينَ ودُخُولُ الشُّبْهَةِ عَلى الجَمْعِ القَلِيلِ جائِزٌ والتَّواتُرُ إذا انْتَهى في آخِرِ الأمْرِ إلى الجَمْعِ القَلِيلِ لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ.
والجَوابُ عَنِ السّادِسِ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الَّذِي أُلْقِيَ شَبَهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِ كانَ مُسْلِمًا وقَبْلَ ذَلِكَ عَنْ عِيسى جائِزٌ أنْ يَسْكُتَ عَنْ تَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الحالِ في تِلْكَ الواقِعَةِ، وبِالجُمْلَةِ فالأسْئِلَةُ الَّتِي ذَكَرُوها أُمُورٌ تَتَطَرَّقُ الِاحْتِمالاتُ إلَيْها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ولَمّا ثَبَتَ بِالمُعْجِزِ القاطِعِ صِدْقُ مُحَمَّدٍ ﷺ في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ امْتَنَعَ صَيْرُورَةُ هَذِهِ الأسْئِلَةِ المُحْتَمَلَةِ مُعارِضَةً لِلنَّصِّ القاطِعِ، واللَّهُ ولِيُّ الهِدايَةِ.
آل عمران 3:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا ما
صفحة ٦٤
فِي ذَلِكَ الِاخْتِلافِ، أمّا الِاخْتِلافُ فَهو أنْ كَفَرَ قَوْمٌ وآمَنَ آخَرُونَ، وأمّا الحُكْمُ فِيمَن كَفَرَ فَهو أنْ يُعَذِّبَهُ عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأمّا الحُكْمُ فِيمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، فَهو أنْ يُوَفِّيَهم أُجُورَهم، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أمّا عَذابُ الكافِرِ في الدُّنْيا فَهو مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: القَتْلُ والسَّبْيُ وما شاكَلَهُ، حَتّى لَوْ تَرَكَ الكُفْرَ لَمْ يَحْسُنْ إيقاعُهُ بِهِ، فَذَلِكَ داخِلٌ في عَذابِ الدُّنْيا.
والثّانِي: ما يَلْحَقُ الكافِرَ مِنَ الأمْراضِ والمَصائِبِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ هَلْ هو عِقابٌ أمْ لا ؟ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عِقابٌ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا وقَعَ مِثْلُهُ لِلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ عِقابًا بَلْ يَكُونُ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ مِثْلَ هَذا إذا وقَعَ لِلْكافِرِ لا يَكُونُ عِقابًا بَلْ يَكُونُ أيْضًا ابْتِلاءً وامْتِحانًا، ويَكُونُ جارِيًا مَجْرى الحُدُودِ الَّتِي تُقامُ عَلى التّائِبِ، فَإنَّها لا تَكُونُ عِقابًا بَلِ امْتِحانًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى يَعِدُ الكُلَّ بِالصَّبْرِ عَلَيْها والرِّضا بِها والتَّسْلِيمِ لَها وما هَذا حالُهُ لا يَكُونُ عِقابًا.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ سَلَّمْتُمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهُ عَذابٌ لِلْكافِرِ عَلى كُفْرِهِ، وهَذا عَلى خِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وكَلِمَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا تُوجَدَ المُؤاخَذَةُ في الدُّنْيا، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ المُجازاةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، لا في الدُّنْيا، قُلْنا: الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى حُصُولِ العِقابِ في الدُّنْيا خاصَّةٌ، والآياتُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عامَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: وصْفُ العَذابِ بِالشِّدَّةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِقابُ الكافِرِ في الدُّنْيا أشَدَّ، ولَسْنا نَجِدُ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الأمْرَ تارَةً يَكُونُ عَلى الكُفّارِ وأُخْرى عَلى المُسْلِمِينَ، ولا نَجِدُ بَيْنَ النّاسِ تَفاوُتًا.
قُلْنا: بَلِ التَّفاوُتُ مَوْجُودٌ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الآيَةَ في بَيانِ أمْرِ اليَهُودِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَرى الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ لازِمَةً لَهم، فَزالَ الإشْكالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وصَفَ تَعالى هَذا العَذابَ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ ذَلِكَ العَذابَ عَنْهم.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ يَمْتَنِعُ عَلى الأئِمَّةِ والمُؤْمِنِينَ قَتْلُ الكُفّارِ بِسَبَبِ العَهْدِ وعَقْدِ الذِّمَّةِ ؟
قُلْنا: المانِعُ هو العَهْدُ، ولِذَلِكَ إذا زالَ العَهْدُ حَلَّ قَتْلُهُ.
آل عمران 3:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”فَيُوَفِّيهِمْ“ بِالياءِ، يَعْنِي فَيُوَفِّيهِمُ اللَّهُ، والباقُونَ بِالنُّونِ حَمْلًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ (فَأحْكُمُ) (فَأُعَذِّبُهم) وهو الأوْلى لِأنَّهُ نَسَقُ الكَلامِ.
صفحة ٦٥
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الَّذِينَ آمَنُوا، ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم عَمِلُوا الصّالِحاتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الدَّلالَةِ مِرارًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ العَمَلَ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ فَشَبَّهَهم في عِبادَتِهِمْ لِأجْلِ طَلَبِ الثَّوابِ بِالمُسْتَأْجِرِ، والكَلامُ فِيهِ أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، قالُوا: لِأنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحِبًّا لَهُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الأفْعالِ، وإنَّما تُخالِفُ المَحَبَّةُ الإرادَةَ إذا عُلِّقَتا بِالأشْخاصِ، فَقَدْ يُقالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، ولا يُقالُ: أُرِيدُهُ، وأمّا إذا عَلِقَتا بِالأفْعالِ: فَمَعْناهُما واحِدٌ إذا اسْتُعْمِلَتا عَلى حَقِيقَةِ اللُّغَةِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: (لا يُرِيدُ ظُلْمَ الظّالِمِينَ) هَكَذا قَرَّرَهُ القاضِي، وعِنْدَ أصْحابِنا أنَّ المَحَبَّةَ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِ، فَهو تَعالى وإنْ أرادَ كُفْرَ الكافِرِ إلّا أنَّهُ لا يُرِيدُ إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا وأطْوارًا.
آل عمران 3:58
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن نَبَأِ عِيسى وزَكَرِيّا وغَيْرِهِما، وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ (نَتْلُوهُ)، و(مِنَ الآياتِ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي، و(نَتْلُوهُ) صِلَتُهُ، و(مِنَ الآياتِ) الخَبَرُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التِّلاوَةُ والقَصَصُ واحِدٌ في المَعْنى، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى شَيْءٍ يُذْكَرُ بَعْضُهُ عَلى إثْرِ بَعْضٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ التِّلاوَةَ إلى نَفْسِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى﴾ [القصص: ٣]، وأضافَ القَصَصَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ تِلاوَةَ المَلَكِ جارِيَةً مَجْرى تِلاوَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِلْمَلَكِ، وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ تِلاوَةَ جِبْرِيلَ ﷺ لَمّا كانَ بِأمْرِهِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أصْلًا أُضِيفَ ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ (مِنَ الآياتِ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ مِن آياتِ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ مِنَ العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى ثُبُوتِ رِسالَتِكَ؛ لِأنَّها أخْبارٌ لا يَعْلَمُها إلّا قارِئٌ مِن كِتابٍ أوْ مَن يُوحى إلَيْهِ، فَظاهِرٌ أنَّكَ لا تَكْتُبُ ولا تَقْرَأُ، فَبَقِيَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ القُرْآنُ وفي وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ ذِكْرًا حَكِيمًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ بِمَعْنى الحاكِمِ مِثْلُ القَدِيرِ والعَلِيمِ، والقُرْآنُ حاكِمٌ بِمَعْنى أنَّ الأحْكامَ تُسْتَفادُ مِنهُ، والثّانِي: مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ في تَأْلِيفِهِ ونَظْمِهِ وكَثْرَةِ عُلُومِهِ، والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى المُحْكَمِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، قالَ الأزْهَرِيُّ: وهو شائِعٌ في اللُّغَةِ؛ لِأنَّ حَكَمْتُ يَجْرِي مَجْرى أحْكَمْتُ في المَعْنى، فَرُدَّ إلى
صفحة ٦٦
الأصْلِ، ومَعْنى المُحْكَمِ في القُرْآنِ أنَّهُ أُحْكِمَ عَنْ تَطَرُّقِ وُجُوهِ الخَلَلِ إلَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١]، والرّابِعُ: أنْ يُقالَ: القُرْآنُ لِكَثْرَةِ حِكَمِهِ: إنَّهُ يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ، فَوُصِفَ بِكَوْنِهِ حَكِيمًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ الحَكِيمِ هاهُنا غَيْرُ القُرْآنِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي مِنهُ نُقِلَتْ جَمِيعُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أخْبَرَ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذا القَصَصَ مِمّا كُتِبَ هُنالِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
آل عمران 3:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِنْدَ «حُضُورِ وفْدِ نَجْرانَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، وكانَ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمْ أنْ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، لَمّا سَلَّمْتَ أنَّهُ لا أبَ لَهُ مِنَ البَشَرِ وجَبَ أنْ يَكُونَ أبُوهُ هو اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: إنَّ آدَمَ ما كانَ لَهُ أبٌ ولا أُمٌّ ولَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى، فَكَذا القَوْلُ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ»، هَذا حاصِلُ الكَلامِ، وأيْضًا إذا جازَ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ مِنَ التُّرابِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ عِيسى مِن دَمِ مَرْيَمَ ؟
بَلْ هَذا أقْرَبُ إلى العَقْلِ، فَإنَّ تَوَلُّدَ الحَيَوانِ مِنَ الدَّمِ الَّذِي يَجْتَمِعُ في رَحِمِ الأُمِّ أقْرَبُ مِن تَوَلُّدِهِ مِنَ التُّرابِ اليابِسِ، هَذا تَلْخِيصُ الكَلامِ.
ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ أيْ صِفَتُهُ كَصِفَةِ آدَمَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] أيْ صِفَةُ الجَنَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ لَيْسَ بِصِلَةٍ لِآدَمَ ولا صِفَةٍ ولَكِنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ بِحالِ آدَمَ، قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كَما تَقُولُ في الكَلامِ: مَثَلُكَ كَمَثَلِ زَيْدٍ، تُرِيدُ أنْ تُشَبِّهَهُ بِهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ثُمَّ تُخْبِرُ بِقِصَّةِ زَيْدٍ فَتَقُولُ: فَعَلَ كَذا وكَذا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ العَقْلَ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلنّاسِ مِن والِدٍ أوَّلَ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ولَدٍ مَسْبُوقًا بِوالِدٍ لا إلى أوَّلَ وهو مُحالٌ، والقُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الوالِدَ الأوَّلَ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١]، وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في كَيْفِيَّةِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وُجُوهًا كَثِيرَةً:
أحَدُها: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرابِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] .
والثّالِثُ: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] .
والرّابِعُ: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾
صفحة ٦٧
﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] .
الخامِسُ: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ لازِبٍ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] .
السّادِسُ: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن صَلْصالٍ، قالَ تَعالى: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨] .
السّابِعُ: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن عَجَلٍ، قالَ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] .
الثّامِنُ: قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] .
أمّا الحُكَماءُ فَقالُوا: إنَّما خُلِقَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تُرابٍ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: لِيَكُونَ مُتَواضِعًا.
الثّانِي: لِيَكُونَ سَتّارًا.
الثّالِثُ: لِيَكُونَ أشَدَّ التِصاقًا بِالأرْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إنَّما خُلِقَ لِخِلافَةِ أهْلِ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] .
الرّابِعُ: أرادَ إظْهارَ القُدْرَةِ فَخَلَقَ الشَّياطِينَ مِنَ النّارِ الَّتِي هي أضْوَأُ الأجْرامِ وابْتَلاهم بِظُلُماتِ الضَّلالَةِ، وخَلَقَ المَلائِكَةَ مِنَ الهَواءِ الَّذِي هو ألْطَفُ الأجْرامِ وأعْطاهم كَمالَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، وخَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ التُّرابِ الَّذِي هو أكْثَفُ الأجْرامِ، ثُمَّ أعْطاهُ المَحَبَّةَ والمَعْرِفَةَ والنُّورَ والهِدايَةَ، وخَلَقَ السَّماواتِ مِن أمْواجِ مِياهِ البِحارِ وأبْقاها مُعَلَّقَةً في الهَواءِ حَتّى يَكُونَ خَلْقُهُ هَذِهِ الأجْرامَ بُرْهانًا باهِرًا ودَلِيلًا ظاهِرًا عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُدَبِّرُ بِغَيْرِ احْتِياجٍ، والخالِقُ بِلا مِزاجٍ وعِلاجٍ.
الخامِسُ: خُلِقَ الإنْسانُ مِن تُرابٍ لِيَكُونَ مُطْفِئًا لِنارِ الشَّهْوَةِ، والغَضَبِ، والحِرْصِ، فَإنَّ هَذِهِ النِّيرانَ لا تُطْفَأُ إلّا بِالتُّرابِ وإنَّما خَلَقَهُ مِنَ الماءِ لِيَكُونَ صافِيًا تَتَجَلّى فِيهِ صُوَرُ الأشْياءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى مَزَجَ بَيْنَ الأرْضِ والماءِ لِيَمْتَزِجَ الكَثِيفُ فَيَصِيرَ طِينًا وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١]، ثُمَّ إنَّهُ في المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ والسُّلالَةُ بِمَعْنى المَفْعُولَةِ لِأنَّها هي الَّتِي تُسَلُّ مِن ألْطَفِ أجْزاءِ الطِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ في المَرْتَبَةِ السّادِسَةِ أثْبَتَ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مِن صَلْصالٍ، والصَّلْصالُ: اليابِسُ الَّذِي إذا حُرِّكَ تَصَلْصَلَ كالخَزَفِ الَّذِي يُسْمَعُ مِن داخِلِهِ صَوْتٌ.
والثّانِي: الحَمَأُ وهو الَّذِي اسْتَقَرَّ في الماءِ مُدَّةً، وتَغَيَّرَ لَوْنُهُ إلى السَّوادِ.
والثّالِثُ: تَغَيُّرُ رائِحَتِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] أيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ.
فَهَذِهِ جُمْلَةُ الكَلامِ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآياتِ الوارِدَةِ في خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ خَلْقُ آدَمَ مُتَقَدِّمًا عَلى قَوْلِ اللَّهِ لَهُ: ”كُنْ“ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.
وأجابَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ، ويَرْجِعُ مَعْناهُ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ وإراداتِهِ لِإيقاعِهِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَقَدُّمًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ، وأمّا قَوْلُهُ (كُنْ) فَهو عِبارَةٌ عَنْ إدْخالِهِ في الوُجُودِ، فَثَبَتَ أنَّ خَلْقَ آدَمَ مُتَقَدِّمٌ عَلى قَوْلِهِ (كُنْ) .
والجَوابُ الثّانِي: وهو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ القاضِي أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ مِنَ الطِّينِ ثُمَّ قالَ لَهُ (كُنْ)، أيْ أحْياهُ كَما قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فَإنْ قِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”خَلَقَهُ“ راجِعٌ إلى آدَمَ وحِينَ كانَ تُرابًا لَمْ يَكُنْ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْجُودًا.
أجابَ القاضِي وقالَ: بَلْ كانَ مَوْجُودًا وإنَّما وُجِدَ بَعْدَ حَياتِهِ، ولَيْسَتِ الحَياةُ نَفْسَ آدَمَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ
صفحة ٦٨
آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ الأجْسامِ المُشَكَّلَةِ بِالشَّكْلِ المَخْصُوصِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ هُوِيَّةٍ أُخْرى مَخْصُوصَةٍ وهي: إمّا المِزاجُ المُعْتَدِلُ، أوِ النَّفْسُ. ويَنْجَرُّ الكَلامُ مِن هَذا البَحْثِ إلى أنَّ النَّفْسَ ما هي، ولا شَكَّ أنَّها مِن أغْمَضِ المَسائِلِ.
الجَوابُ: الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ: لَمّا كانَ ذَلِكَ الهَيْكَلُ بِحَيْثُ سَيَصِيرُ آدَمُ عَنْ قَرِيبٍ سَمّاهُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ ذَلِكَ، تَسْمِيَةً لِما سَيَقَعُ بِالواقِعِ.
والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يُفِيدُ تَراخِيَ هَذا الخَبَرِ عَنْ ذَلِكَ الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويَقُولُ القائِلُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا اليَوْمَ ألْفًا ثُمَّ أعْطَيْتُهُ أمْسِ ألْفَيْنِ، ومُرادُهُ: أعْطَيْتُهُ اليَوْمَ ألْفًا، ثُمَّ أنا أُخْبِرُكم أنِّي أعْطَيْتُهُ أمْسِ ألْفَيْنِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ أيْ صَيَّرَهُ خَلْقًا سَوِيًّا ثُمَّ إنَّهُ يُخْبِرُكم أنِّي إنَّما خَلَقْتُهُ بِأنْ قُلْتُ لَهُ: ”كُنْ“ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ آخَرُ وهو أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ فَلَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ بَلْ قالَ: (كُنْ فَيَكُونُ) .
والجَوابُ: تَأْوِيلُ الكَلامِ، ثُمَّ قالَ لَهُ (كُنْ فَيَكُونُ) فَكانَ.
واعْلَمْ يا مُحَمَّدُ أنَّ ما قالَ لَهُ رَبُّكَ: ”كُنْ“ فَإنَّهُ يَكُونُ لا مَحالَةَ.
آل عمران 3:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ قَوْلُهُ (الحَقُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: الَّذِي أنْبَأْتُكَ مِن قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ ذَلِكَ النَّبَأُ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ (الحَقُّ) فَحُذِفَ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو اسْتِئْنافٌ بَعْدَ انْقِضاءِ الكَلامِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ (مِن رَبِّكَ) وهَذا كَما تَقُولُ: الحَقُّ مِنَ اللَّهِ، والباطِلُ مِنَ الشَّيْطانِ، وقالَ آخَرُونَ: الحَقُّ، رُفِعَ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: جاءَكَ الحَقُّ.
وقِيلَ: أيْضًا إنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالصِّفَةِ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: مِن رَبِّكَ الحَقُّ فَلا تَكُنْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِامْتِراءُ الشَّكُّ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ: مَرَيْتُ النّاقَةَ والشّاةَ إذا حَلَبْتَها، فَكَأنَّ الشّاكَّ يَجْتَذِبُ بِشَكِّهِ مِراءً كاللَّبَنِ الَّذِي يُجْتَذَبُ عِنْدَ الحَلْبِ، يُقالُ: قَدْ مارى فُلانٌ فُلانًا إذا جادَلَهُ، كَأنَّهُ يَسْتَخْرِجُ غَضَبَهُ، ومِنهُ قِيلُ: الشُّكْرُ يَمْتَرِي المَزِيدَ أيْ يَجْلِبُهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الحَقِّ تَأْوِيلانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ أنَّ هَذا الَّذِي أنْزَلْتُ عَلَيْكَ هو الحَقُّ مِن خَبَرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا ما قالَتِ النَّصارى واليَهُودُ، فالنَّصارى قالُوا: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، واليَهُودُ رَمَوْا مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - بِالإفْكِ ونَسَبُوها إلى يُوسُفَ النَّجّارِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا الَّذِي أُنْزِلَ في القُرْآنِ هو الحَقُّ ثُمَّ نَهى عَنِ الشَّكِّ فِيهِ، ومَعْنى مُمْتَرِي مُفْتَعِلٌ مِنَ المِرْيَةِ وهي الشَّكُّ.
صفحة ٦٩
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ الحَقَّ في بَيانِ هَذِهِ المَسْألَةِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَثَلِ وهو قِصَّةُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لا بَيانَ لِهَذِهِ المَسْألَةِ ولا بُرْهانَ أقْوى مِنَ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الواقِعَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ خِطابٌ في الظّاهِرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ شاكًّا في صِحَّةِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، واخْتَلَفَ النّاسُ في الجَوابِ عَنْهُ، فَمِنهم مَن قالَ: الخِطابُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ مَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا أنَّهُ في المَعْنى مَعَ الأُمَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] .
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمَعْنى: فَدُمْ عَلى يَقِينِكَ، وعَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ الِامْتِراءِ.
آل عمران 3:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وُجُوهًا مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى بِالزَّوْجَةِ والوَلَدِ، وأتْبَعَها بِذِكْرِ الجَوابِ عَنْ جَمِيعِ شُبَهِهِمْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ التّامِّ، وخَتَمَ الكَلامَ بِهَذِهِ النُّكْتَةِ القاطِعَةِ لِفَسادِ كَلامِهِمْ، وهو أنَّهُ لَمّا لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ الأبِ والأُمِّ البَشَرِيَّيْنِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَكُونَ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ الأبِ البَشَرِيِّ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَكُونَ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ ولَمّا لَمْ يَبْعُدِ انْخِلاقُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ التُّرابِ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا انْخِلاقُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الدَّمِ الَّذِي كانَ يَجْتَمِعُ في رَحِمِ أُمِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن أنْصَفَ وطَلَبَ الحَقَّ، عَلِمَ أنَّ البَيانَ قَدْ بَلَغَ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ تَعالى: (فَمَن حاجَّكَ) بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ والجَواباتِ اللّائِحَةِ فاقْطَعِ الكَلامَ مَعَهم وعامِلْهم بِما يُعامَلُ بِهِ المُعانِدُ، وهو أنْ تَدْعُوَهم إلى المُلاعَنَةِ، فَقالَ: ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقَ أنِّي حِينَ كُنْتُ بِخُوارَزْمَ، أُخْبِرْتُ أنَّهُ جاءَ نَصْرانِيٌّ يَدَّعِي التَّحْقِيقَ والتَّعَمُّقَ في مَذْهَبِهِمْ، فَذَهَبْتُ إلَيْهِ وشَرَعْنا في الحَدِيثِ، وقالَ لِي: ما الدَّلِيلُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: كَما نُقِلَ إلَيْنا ظُهُورُ الخَوارِقِ عَلى يَدِ مُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، نُقِلَ إلَيْنا ظُهُورُ الخَوارِقِ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنْ رَدَدْنا التَّواتُرَ، أوْ قَبِلْناهُ لَكِنْ قُلْنا: إنَّ المُعْجِزَةَ لا تَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، فَحِينَئِذٍ بَطَلَتْ نُبُوَّةُ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإنِ اعْتَرَفْنا بِصِحَّةِ التَّواتُرِ، واعْتَرَفْنا بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ، ثُمَّ إنَّهُما حاصِلانِ في حَقِّ مُحَمَّدٍ وجَبَ الِاعْتِرافُ قَطْعًا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ضَرُورَةَ أنَّ عِنْدَ الِاسْتِواءِ في الدَّلِيلِ لا بُدَّ مِنَ الِاسْتِواءِ في حُصُولِ المَدْلُولِ، فَقالَ النَّصْرانِيُّ: أنا لا أقُولُ في عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّهُ كانَ نَبِيًّا، بَلْ أقُولُ إنَّهُ
صفحة ٧٠
كانَ إلَهًا، فَقُلْتُ لَهُ: الكَلامُ في النُّبُوَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِمَعْرِفَةِ الإلَهِ وهَذا الَّذِي تَقُولُهُ باطِلٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الإلَهَ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ واجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا ولا مُتَحَيِّزًا ولا عَرَضًا، وعِيسى عِبارَةٌ عَنْ هَذا الشَّخْصِ البَشَرِيِّ الجُسْمانِيِّ الَّذِي وُجِدَ بَعْدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا، وقُتِلَ بَعْدَ أنْ كانَ حَيًّا عَلى قَوْلِكم وكانَ طِفْلًا أوَّلًا، ثُمَّ صارَ مُتَرَعْرِعًا، ثُمَّ صارَ شابًّا، وكانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويُحْدِثُ ويَنامُ ويَسْتَيْقِظُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في بَداهَةِ العُقُولِ أنَّ المُحْدَثَ لا يَكُونُ قَدِيمًا والمُحْتاجَ لا يَكُونُ غَنِيًّا والمُمْكِنَ لا يَكُونُ واجِبًا والمُتَغَيِّرَ لا يَكُونُ دائِمًا.
والوَجْهُ الثّانِي في إبْطالِ هَذِهِ المَقالَةِ: أنَّكم تَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اليَهُودَ أخَذُوهُ وصَلَبُوهُ وتَرَكُوهُ حَيًّا عَلى الخَشَبَةِ، وقَدْ مَزَّقُوا ضِلَعَهُ، وأنَّهُ كانَ يَحْتالُ في الهَرَبِ مِنهم، وفي الِاخْتِفاءِ عَنْهم، وحِينَ عامَلُوهُ بِتِلْكَ المُعامَلاتِ أظْهَرَ الجَزَعَ الشَّدِيدَ، فَإنْ كانَ إلَهًا أوْ كانَ الإلَهُ حالًّا فِيهِ أوْ كانَ جُزْءٌ مِنَ الإلَهِ حالٌّ فِيهِ، فَلِمَ لَمْ يَدْفَعْهم عَنْ نَفْسِهِ ؟ ولِمَ لَمْ يُهْلِكْهم بِالكُلِّيَّةِ ؟ وأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى إظْهارِ الجَزَعِ مِنهم والِاحْتِيالِ في الفِرارِ مِنهم ! وبِاللَّهِ إنَّنِي لَأتَعَجَّبُ جِدًّا ! إنَّ العاقِلَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ ويَعْتَقِدَ صِحَّتَهُ، فَتَكادُ أنْ تَكُونَ بَدِيهَةُ العَقْلِ شاهِدَةً بِفَسادِهِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ إمّا أنْ يُقالَ بِأنَّ الإلَهَ هو هَذا الشَّخْصُ الجُسْمانِيُّ المُشاهَدُ، أوْ يُقالَ حَلَّ الإلَهُ بِكُلِّيَّتِهِ فِيهِ، أوْ حَلَّ بَعْضُ الإلَهِ وجُزْءٌ مِنهُ فِيهِ والأقْسامُ الثَّلاثَةُ باطِلَةٌ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ إلَهَ العالَمِ لَوْ كانَ هو ذَلِكَ الجِسْمَ، فَحِينَ قَتَلَهُ اليَهُودُ كانَ ذَلِكَ قَوْلًا بِأنَّ اليَهُودَ قَتَلُوا إلَهَ العالَمِ، فَكَيْفَ بَقِيَ العالَمُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ إلَهٍ ! ثُمَّ إنَّ أشَدَّ النّاسِ ذُلًّا ودَناءَةً اليَهُودُ، فالإلَهُ الَّذِي تَقْتُلُهُ اليَهُودُ إلَهٌ في غايَةِ العَجْزِ ! وأمّا الثّانِي: وهو أنَّ الإلَهَ بِكُلِّيَّتِهِ حَلَّ في هَذا الجِسْمِ، فَهو أيْضًا فاسِدٌ؛ لِأنَّ الإلَهَ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا ولا عَرَضًا امْتَنَعَ حُلُولُهُ في الجِسْمِ، وإنْ كانَ جِسْمًا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُلُولُهُ في جِسْمٍ آخَرَ عِبارَةٌ عَنِ اخْتِلاطِ أجْزائِهِ بِأجْزاءِ ذَلِكَ الجِسْمِ، وذَلِكَ يُوجِبُ وُقُوعَ التَّفَرُّقِ في أجْزاءِ ذَلِكَ الإلَهِ، وإنْ كانَ عَرَضًا كانَ مُحْتاجًا إلى المَحَلِّ، وكانَ الإلَهُ مُحْتاجًا إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ سُخْفٌ، وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّهُ حَلَّ فِيهِ بَعْضٌ مِن أبْعاضِ الإلَهِ، وجُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَذَلِكَ أيْضًا مُحالٌ لِأنَّ ذَلِكَ الجُزْءَ إنْ كانَ مُعْتَبَرًا في الإلَهِيَّةِ، فَعِنْدَ انْفِصالِهِ عَنِ الإلَهِ وجَبَ أنْ لا يَبْقى الإلَهُ إلَهًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا في تَحَقُّقِ الإلَهِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ جُزْءًا مِنَ الإلَهِ، فَثَبَتَ فَسادُ هَذِهِ الأقْسامِ، فَكانَ قَوْلُ النَّصارى باطِلًا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: في بُطْلانِ قَوْلِ النَّصارى ما ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في العِبادَةِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ إلَهًا لاسْتَحالَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الإلَهَ لا يَعْبُدُ نَفْسَهُ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ في غايَةِ الجَلاءِ والظُّهُورِ، دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ قُلْتُ لِلنَّصْرانِيِّ: وما الَّذِي دَلَّكَ عَلى كَوْنِهِ إلَهًا ؟ فَقالَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ظُهُورُ العَجائِبِ عَلَيْهِ مِن إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ إلّا بِقُدْرَةِ الإلَهِ تَعالى، فَقُلْتُ لَهُ هَلْ تُسَلِّمُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ المَدْلُولِ أمْ لا ؟ فَإنْ لَمْ تُسَلِّمْ لَزِمَكَ مِن نَفْيِ العالِمِ في الأزَلِ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنْ سَلَّمْتَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ المَدْلُولِ، فَأقُولُ: لِمَ جَوَّزْتَ حُلُولَ الإلَهِ في بَدَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَيْفَ عَرَفْتَ أنَّ الإلَهَ ما حَلَّ في بَدَنِي وبَدَنِكَ وفي بَدَنِ كُلِّ حَيَوانٍ ونَباتٍ وجَمادٍ ؟ فَقالَ: الفَرْقُ ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنِّي إنَّما حَكَمْتُ بِذَلِكَ الحُلُولِ لِأنَّهُ ظَهَرَتْ تِلْكَ الأفْعالُ العَجِيبَةُ عَلَيْهِ، والأفْعالُ العَجِيبَةُ ما ظَهَرَتْ عَلى يَدِي ولا عَلى يَدِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الحُلُولَ مَفْقُودٌ هاهُنا، فَقُلْتُ لَهُ: تَبَيَّنَ
صفحة ٧١
الآنَ أنَّكَ ما عَرَفْتَ مَعْنى قَوْلِي إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ المَدْلُولِ، وذَلِكَ لِأنَّ ظُهُورَ تِلْكَ الخَوارِقِ دالَّةٌ عَلى حُلُولِ الإلَهِ في بَدَنِ عِيسى: فَعَدَمُ ظُهُورِ تِلْكَ الخَوارِقِ مِنِّي ومِنكَ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الدَّلِيلُ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ المَدْلُولِ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ ظُهُورِ تِلْكَ الخَوارِقِ مِنِّي ومِنكَ عَدَمُ الحُلُولِ في حَقِّي وفي حَقِّكَ، وفي حَقِّ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ والفَأْرِ، ثُمَّ قُلْتُ: إنَّ مَذْهَبًا يُؤَدِّي القَوْلُ بِهِ إلى تَجْوِيزِ حُلُولِ ذاتِ اللَّهِ في بَدَنِ الكَلْبِ والذُّبابِ لَفي غايَةِ الخِسَّةِ والرَّكاكَةِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَلْبَ العَصا حَيَّةً أبْعَدُ في العَقْلِ مِن إعادَةِ المَيِّتِ حَيًّا؛ لِأنَّ المُشاكَلَةَ بَيْنَ بَدَنِ الحَيِّ وبَدَنِ المَيِّتِ أكْثَرُ مِنَ المُشاكَلَةِ بَيْنَ الخَشَبَةِ وبَيْنَ بَدَنِ الثُّعْبانِ، فَإذا لَمْ يُوجِبْ قَلْبُ العَصا حَيَّةً كَوْنَ مُوسى إلَهًا ولا ابْنًا لِلْإلَهِ، فَبِأنْ لا يَدُلَّ إحْياءُ المَوْتى عَلى الإلَهِيَّةِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، وعِنْدَ هَذا انْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ ولَمْ يَبْقَ لَهُ كَلامٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أوْرَدَ الدَّلائِلَ عَلى نَصارى نَجْرانَ، ثُمَّ إنَّهم أصَرُّوا عَلى جَهْلِهِمْ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي إنْ لَمْ تَقْبَلُوا الحُجَّةَ أنْ أُباهِلَكم“، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، بَلْ نَرْجِعُ فَنَنْظُرُ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ، فَلَمّا رَجَعُوا قالُوا لِلْعاقِبِ: وكانَ ذا رَأْيَهم: يا عَبْدَ المَسِيحِ ما تَرى ؟ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ يا مَعْشَرَ النَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَقَدْ جاءَكم بِالكَلامِ الحَقِّ في أمْرِ صاحِبِكم، واللَّهِ ما باهَلَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فَعاشَ كَبِيرُهم ولا نَبَتَ صَغِيرُهم ولَئِنْ فَعَلْتُمْ لَكانَ الِاسْتِئْصالُ فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا الإصْرارَ عَلى دِينِكم والإقامَةَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَوادِعُوا الرَّجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكم، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وعَلَيْهِ مِرْطٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ، وكانَ قَدِ احْتَضَنَ الحُسَيْنَ وأخَذَ بِيَدِ الحَسَنِ، وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ، وعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَلْفَها، وهو يَقُولُ: إذا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا، فَقالَ أُسْقُفُّ نَجْرانَ: يا مَعْشَرَ النَّصارى، إنِّي لَأرى وُجُوهًا لَوْ سَألُوا اللَّهَ أنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ بِها، فَلا تَباهَلُوا فَتَهْلِكُوا ولا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ نَصْرانِيٌّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالُوا: يا أبا القاسِمِ، رَأيْنا أنْ لا نُباهِلَكَ وأنْ نُقِرَّكَ عَلى دِينِكَ، فَقالَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: فَإذا أبَيْتُمُ المُباهَلَةَ فَأسْلِمُوا يَكُنْ لَكم ما لِلْمُسْلِمِينَ، وعَلَيْكم ما عَلى المُسْلِمِينَ، فَأبَوْا، فَقالَ: فَإنِّي أُناجِزُكُمُ القِتالَ، فَقالُوا ما لَنا بِحَرْبِ العَرَبِ طاقَةٌ، ولَكِنْ نُصالِحُكَ عَلى أنْ لا تَغْزُوَنا ولا تَرُدَّنا عَنْ دِينِنا، عَلى أنْ نُؤَدِّيَ إلَيْكَ في كُلِّ عامٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ: ألْفًا في صَفَرٍ، وألْفًا في رَجَبٍ، وثَلاثِينَ دِرْعًا عادِيَّةً مِن حَدِيدٍ، فَصالَحَهم عَلى ذَلِكَ، وقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّ الهَلاكَ قَدْ تَدَلّى عَلى أهْلِ نَجْرانَ، ولَوْ عُنُوا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا، ولاسْتَأْصَلَ اللَّهُ نَجْرانَ وأهْلَهُ، حَتّى الطَّيْرَ عَلى رُءُوسِ الشَّجَرِ، ولَما حالَ الحَوْلُ عَلى النَّصارى كُلِّهِمْ حَتّى يَهْلِكُوا»، ورُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ في المِرْطِ الأسْوَدِ، فَجاءَ الحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأدْخَلَهُ، ثُمَّ جاءَ الحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأدْخَلَهُ ثُمَّ فاطِمَةُ، ثُمَّ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا»﴾ [الأحزاب: ٣٣] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ كالمُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِها بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ والحَدِيثِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ﴾ أيْ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: الهاءُ تَعُودُ إلى الحَقِّ، في قَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ بِأنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَيْسَ المُرادُ هاهُنا بِالعِلْمِ نَفْسَ العِلْمِ؛ لِأنَّ العِلْمَ الَّذِي في قَلْبِهِ لا يُؤَثِّرُ في ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ بِالعِلْمِ ما ذَكَرَهُ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ
صفحة ٧٢
والدَّلائِلِ الواصِلَةِ إلَيْهِ بِالوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، (فَقُلْ تَعالَوْا) أصْلُهُ تَعالَيُوا، لِأنَّهُ تَفاعَلُوا مِنَ العُلُوِّ، فاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الياءِ، فَسُكِّنَتْ، ثُمَّ حُذِفَتْ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، وأصْلُهُ العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، فَمَعْنى تَعالى ارْتَفَعَ، إلّا أنَّهُ كَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى صارَ لِكُلِّ مَجِيءٍ، وصارَ بِمَنزِلَةِ هَلُمَّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - كانا ابْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَدَ أنْ يَدْعُوَ أبْناءَهُ، فَدَعا الحَسَنَ والحُسَيْنَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونا ابْنَيْهِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] ومَعْلُومٌ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما انْتَسَبَ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالأُمِّ لا بِالأبِ، فَثَبَتَ أنَّ ابْنَ البِنْتِ قَدْ يُسَمّى ابْنًا واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: كانَ في الرَّيِّ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: مَحْمُودُ بْنُ الحَسَنِ الحِمْصِيُّ، وكانَ مُعَلِّمَ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ، وكانَ يَزْعُمُ أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ سِوى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾، ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وأنْفُسَنا) نَفْسَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَدْعُو نَفْسَهُ بَلِ المُرادُ بِهِ غَيْرُهُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ كانَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ نَفْسَ عَلِيٍّ هي نَفْسُ مُحَمَّدٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ هَذِهِ النَّفْسَ هي عَيْنُ تِلْكَ النَّفْسِ، فالمُرادُ أنَّ هَذِهِ النَّفْسَ مِثْلُ تِلْكَ النَّفْسِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي الِاسْتِواءَ في جَمِيعِ الوُجُوهِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهَذا العُمُومِ في حَقِّ النُّبُوَّةِ، وفي حَقِّ الفَضْلِ لِقِيامِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ نَبِيًّا وما كانَ عَلِيٌّ كَذَلِكَ، ولِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أفْضَلَ مِن عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَيَبْقى فِيما وراءَهُ مَعْمُولًا بِهِ، ثُمَّ الإجْماعُ دَلَّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ، فَهَذا وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: ويُؤَيِّدُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ الحَدِيثُ المَقْبُولُ عِنْدَ المُوافِقِ والمُخالِفِ، وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن أرادَ أنْ يَرى آدَمَ في عِلْمِهِ، ونُوحًا في طاعَتِهِ، وإبْراهِيمَ في خُلَّتِهِ، ومُوسى في هَيْبَتِهِ، وعِيسى في صَفْوَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» “، فالحَدِيثُ دَلَّ عَلى أنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأمّا سائِرُ الشِّيعَةِ فَقَدْ كانُوا قَدِيمًا وحَدِيثًا يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِثْلُ نَفْسِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وكانَ نَفْسُ مُحَمَّدِ أفْضَلَ مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ نَفْسُ عَلِيٍّ أفْضَلَ أيْضًا مِن سائِرِ الصَّحابَةِ، هَذا تَقْدِيرُ كَلامِ الشِّيعَةِ.
والجَوابُ: أنَّهُ كَما انْعَقَدَ الإجْماعُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفْضَلُ مِن عَلِيٍّ، فَكَذَلِكَ انْعَقَدَ الإجْماعُ بَيْنَهم قَبْلَ ظُهُورِ هَذا الإنْسانِ، عَلى أنَّ النَّبِيَّ أفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما كانَ نَبِيًّا، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ كَما أنَّهُ مَخْصُوصٌ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَذَلِكَ مَخْصُوصٌ في حَقِّ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أيْ نَتَباهَلُ، كَما يُقالُ اقْتَتَلَ القَوْمُ وتَقاتَلُوا واصْطَحَبُوا وتَصاحَبُوا، والِابْتِهالُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الِابْتِهالَ هو الِاجْتِهادُ في الدُّعاءِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِاللَّعْنِ، ولا يُقالُ: ابْتَهَلَ في الدُّعاءِ إلّا إذا كانَ هُناكَ اجْتِهادٌ.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ بَهْلَةُ اللَّهِ، أيْ لَعْنَتُهُ، وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِمّا
صفحة ٧٣
يَرْجِعُ إلى مَعْنى اللَّعْنِ؛ لِأنَّ مَعْنى اللَّعْنِ هو الإبْعادُ والطَّرْدُ، وبَهَلَهُ اللَّهُ: أيْ لَعَنَهُ وأبْعَدَهُ مِن رَحْمَتِهِ مِن قَوْلِكَ أبْهَلَهُ إذا أهْمَلَهُ وناقَةٌ باهِلٌ لا صِرارَ عَلَيْها، بَلْ هي مُرْسَلَةٌ مُخَلّاةٌ، كالرَّجُلِ الطَّرِيدِ المَنفِيِّ، وتَحْقِيقُ مَعْنى الكَلِمَةِ: أنَّ البَهْلَ إذا كانَ هو الإرْسالَ والتَّخْلِيَةَ فَكانَ مَن بَهَلَهُ اللَّهُ فَقَدْ خَلّاهُ اللَّهُ، ووَكَلَهُ إلى نَفْسِهِ، ومَن وكَلَهُ إلى نَفْسِهِ فَهو هالِكٌ لا شَكَّ فِيهِ، فَمَن باهَلَ إنْسانًا، فَقالَ: عَلَيَّ بَهْلَةُ اللَّهِ إنْ كانَ كَذا، يَقُولُ: وكَلَنِي اللَّهُ إلى نَفْسِي، وفَرَضَنِي إلى حَوْلِي وقُوَّتِي، أيْ مِن كِلاءَتِهِ وحِفْظِهِ، كالنّاقَةِ الباهِلِ الَّتِي لا حافِظَ لَها في ضَرْعِها، فَكُلُّ مَن شاءَ حَلَبَها وأخَذَ لَبَنَها لا قُوَّةَ لَها في الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِها، ويُقالُ أيْضًا: رَجُلٌ باهِلٌ، إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا، وإنَّما مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ ما يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أيْ ثُمَّ نَجْتَهِدْ في الدُّعاءِ ونَجْعَلِ اللَّعْنَةَ عَلى الكاذِبِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ثُمَّ نَبْتَهِلْ، أيْ ثُمَّ نَلْتَعِنْ: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ وهي تَكْرارٌ.
* * *
بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ أرْبَعٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الأوْلادُ إذا كانُوا صِغارًا لَمْ يَجُزْ نُزُولُ العَذابِ بِهِمْ وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أدْخَلَ في المُباهَلَةِ الحَسَنَ والحُسَيْنَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟
والجَوابُ: أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ بِأنَّ عُقُوبَةَ الِاسْتِئْصالِ إذا نَزَلَتْ بِقَوْمٍ هَلَكَتْ مَعَهُمُ الأوْلادُ والنِّساءُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في حَقِّ البالِغِينَ عِقابًا، وفي حَقِّ الصِّبْيانِ لا يَكُونُ عِقابًا، بَلْ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى إماتَتِهِمْ وإيصالِ الآلامِ والأسْقامِ إلَيْهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ شَفَقَةَ الإنْسانِ عَلى أوْلادِهِ وأهْلِهِ شَدِيدَةٌ جِدًّا، فَرُبَّما جَعَلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ فِداءً لَهم وجُنَّةً لَهم، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحْضَرَ صِبْيانَهُ ونِساءَهُ مَعَ نَفْسِهِ وأمَرَهم بِأنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ وأقْوى في تَخْوِيفِ الخَصْمِ، وأدَلَّ عَلى وُثُوقِهِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ - بِأنَّ الحَقَّ مَعَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ دَلَّتْ هَذِهِ الواقِعَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟
الجَوابُ: أنَّها دَلَّتْ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: وهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَوَّفَهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ واثِقًا بِذَلِكَ، لَكانَ ذَلِكَ مِنهُ سَعْيًا في إظْهارِ كَذِبِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَرْغَبُوا في مُباهَلَتِهِ، ثُمَّ لا يَنْزِلُ العَذابُ، فَحِينَئِذٍ كانَ يَظْهَرُ كَذِبُهُ فِيما أخْبَرَ، ومَعْلُومٌ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ مِن أعْقَلِ النّاسِ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يُفْضِي إلى ظُهُورِ كَذِبِهِ فَلَمّا أصَرَّ عَلى ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما أصَرَّ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ واثِقًا بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ.
وثانِيهِما: أنَّ القَوْمَ لَمّا تَرَكُوا مُباهَلَتَهُ، فَلَوْلا أنَّهم عَرَفُوا مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ، وإلّا لَما أحْجَمُوا عَنْ مُباهَلَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا شاكِّينَ، فَتَرَكُوا مُباهَلَتَهُ خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ صادِقًا فَيَنْزِلَ بِهِمْ ما ذَكَرَ مِنَ العَذابِ ؟
قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَبْذُلُونَ النُّفُوسَ والأمْوالَ في المُنازَعَةِ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَوْ كانُوا شاكِّينَ لَما فَعَلُوا ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْ أُولَئِكَ النَّصارى أنَّهم قالُوا: إنَّهُ واللَّهِ هو النَّبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وإنَّكم لَوْ باهَلْتُمُوهُ لَحَصَلَ الِاسْتِئْصالُ فَكانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا مِنهم بِأنَّ الِامْتِناعَ عَنِ المُباهَلَةِ كانَ لِأجْلِ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ٧٤
السُّؤالُ الثّالِثُ: ألَيْسَ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ اشْتَغَلُوا بِالمُباهَلَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، حَيْثُ قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُنْزِلِ العَذابَ بِهِمُ البَتَّةَ ؟ فَكَذا هاهُنا، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ نُزُولِ العَذابِ، كانَ ذَلِكَ مُناقِضًا لِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] .
والجَوابُ: الخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، فَلَمّا أخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنُزُولِ العَذابِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّعْيِينِ وجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ هَلْ هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ أمْ لا ؟
والجَوابُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (الكاذِبِينَ)، وتَقْدِيرُ الآيَةِ ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ بِأنَّ هَذا هو القَصَصُ الحَقُّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانَ حَقُّ ”إنَّ“ أنْ تَكُونَ مَفْتُوحَةً، إلّا أنَّها كُسِرَتْ لِدُخُولِ اللّامِ في قَوْلِهِ (لَهو) كَما في قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١]، وقالَ الباقُونَ: الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَلى الكاذِبِينَ﴾ وما بَعْدَهُ جُمْلَةٌ أُخْرى مُسْتَقِلَّةٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِما قَبْلَها، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الدَّلائِلِ، ومِنَ الدُّعاءِ إلى المُباهَلَةِ ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾، والقَصَصُ هو مَجْمُوعُ الكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى ما يَهْدِي إلى الدِّينِ، ويُرْشِدُ إلى الحَقِّ ويَأْمُرُ بِطَلَبِ النَّجاةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ هو القَصَصُ الحَقُّ لِيَكُونَ عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِ، والخِطابُ وإنْ كانَ مَعَهُ فالمُرادُ بِهِ الكُلُّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”هو“ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فَصْلًا وعِمادًا، ويَكُونَ خَبَرُ ”إنَّ“ هو قَوْلُهُ: ﴿القَصَصُ الحَقُّ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ جازَ دُخُولُ اللّامِ عَلى الفَصْلِ ؟
قُلْنا: إذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَدَ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ مِنهُ، وأصْلُها أنْ تَدَخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والقَصَصُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ”إنَّ“ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”لَهو“ بِتَحْرِيكِ الهاءِ عَلى الأصْلِ، وبِالسُّكُونِ لِأنَّ اللّامَ يَنْزِلُ مِن ”هو“ مَنزِلَةَ بَعْضِهِ فَخُفِّفَ كَما خُفِّفَ عَضُدٌ.
صفحة ٧٥
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ: قَصَّ فُلانٌ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا، وأصْلُهُ اتِّباعُ الأثَرِ، يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ قَصَصًا في أثَرِ فُلانٍ، وقَصًّا، وذَلِكَ إذا اقْتَصَّ أثَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، وقِيلَ لِلْقاصِّ إنَّهُ قاصٌّ لِإتْباعِهِ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرِ، وسَوْقِهِ الكَلامَ سَوْقًا، فَمَعْنى القَصَصِ الخَبَرُ المُشْتَمِلُ عَلى المَعانِي المُتَتابِعَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾، وهَذا يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: عِنْدِي مِنَ النّاسِ أحَدٌ، أفادَ أنَّ عِنْدَكَ بَعْضَ النّاسِ، فَإذا قُلْتَ: ما عِنْدِي مِنَ النّاسِ مِن أحَدٍ، أفادَ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَكَ بَعْضُهم، وإذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ بَعْضُهم، فَبِأنْ لا يَكُونَ عِنْدَكَ كُلُّهم أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾ مُبالَغَةٌ في أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الواحِدُ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ النَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّ اعْتِمادَهم عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدَرَ عَلى إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: هَذا القَدْرُ مِنَ القُدْرَةِ لا يَكْفِي في الإلَهِيَّةِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَزِيزًا غالِبًا لا يُدْفَعُ ولا يُمْنَعُ، وأنْتُمْ قَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ عِيسى ما كانَ كَذَلِكَ، وكَيْفَ وأنْتُمْ تَقُولُونَ إنَّ اليَهُودَ قَتَلُوهُ ؟ والثّانِي: أنَّهم قالُوا: إنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عَنِ الغُيُوبِ وغَيْرِها فَيَكُونُ إلَهًا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: هَذا القَدْرُ مِنَ العِلْمِ لا يَكْفِي في الإلَهِيَّةِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حَكِيمًا، أيْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وبِجَمِيعِ عَواقِبِ الأُمُورِ، فَذِكْرُ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) هاهُنا إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾، والمَعْنى: فَإنْ تَوَلَّوْا عَمّا وصَفْتُ مِن أنَّ اللَّهَ هو الواحِدُ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، حَكِيمًا عالِمًا بِالعَواقِبِ والنِّهاياتِ مَعَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ عَزِيزًا غالِبًا، وما كانَ حَكِيمًا عالِمًا بِالعَواقِبِ والنِّهاياتِ.
فاعْلَمْ أنَّ تَوَلِّيَهم وإعْراضَهم لَيْسَ إلّا عَلى سَبِيلِ العِنادِ، فاقْطَعْ كَلامَكَ عَنْهم وفَوِّضْ أمْرَهم إلى اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِفَسادِ المُفْسِدِينَ، مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ، قادِرٌ عَلى مُجازاتِهِمْ.
آل عمران 3:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الدَّلائِلِ، ومِنَ الدُّعاءِ إلى المُباهَلَةِ ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾، والقَصَصُ هو مَجْمُوعُ الكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى ما يَهْدِي إلى الدِّينِ، ويُرْشِدُ إلى الحَقِّ ويَأْمُرُ بِطَلَبِ النَّجاةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ هو القَصَصُ الحَقُّ لِيَكُونَ عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِ، والخِطابُ وإنْ كانَ مَعَهُ فالمُرادُ بِهِ الكُلُّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”هو“ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فَصْلًا وعِمادًا، ويَكُونَ خَبَرُ ”إنَّ“ هو قَوْلُهُ: ﴿القَصَصُ الحَقُّ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ جازَ دُخُولُ اللّامِ عَلى الفَصْلِ ؟
قُلْنا: إذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَدَ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ مِنهُ، وأصْلُها أنْ تَدَخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والقَصَصُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ”إنَّ“ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”لَهو“ بِتَحْرِيكِ الهاءِ عَلى الأصْلِ، وبِالسُّكُونِ لِأنَّ اللّامَ يَنْزِلُ مِن ”هو“ مَنزِلَةَ بَعْضِهِ فَخُفِّفَ كَما خُفِّفَ عَضُدٌ.
صفحة ٧٥
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ: قَصَّ فُلانٌ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا، وأصْلُهُ اتِّباعُ الأثَرِ، يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ قَصَصًا في أثَرِ فُلانٍ، وقَصًّا، وذَلِكَ إذا اقْتَصَّ أثَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، وقِيلَ لِلْقاصِّ إنَّهُ قاصٌّ لِإتْباعِهِ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرِ، وسَوْقِهِ الكَلامَ سَوْقًا، فَمَعْنى القَصَصِ الخَبَرُ المُشْتَمِلُ عَلى المَعانِي المُتَتابِعَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾، وهَذا يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: عِنْدِي مِنَ النّاسِ أحَدٌ، أفادَ أنَّ عِنْدَكَ بَعْضَ النّاسِ، فَإذا قُلْتَ: ما عِنْدِي مِنَ النّاسِ مِن أحَدٍ، أفادَ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَكَ بَعْضُهم، وإذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ بَعْضُهم، فَبِأنْ لا يَكُونَ عِنْدَكَ كُلُّهم أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾ مُبالَغَةٌ في أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الواحِدُ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ النَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّ اعْتِمادَهم عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدَرَ عَلى إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: هَذا القَدْرُ مِنَ القُدْرَةِ لا يَكْفِي في الإلَهِيَّةِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَزِيزًا غالِبًا لا يُدْفَعُ ولا يُمْنَعُ، وأنْتُمْ قَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ عِيسى ما كانَ كَذَلِكَ، وكَيْفَ وأنْتُمْ تَقُولُونَ إنَّ اليَهُودَ قَتَلُوهُ ؟ والثّانِي: أنَّهم قالُوا: إنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عَنِ الغُيُوبِ وغَيْرِها فَيَكُونُ إلَهًا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: هَذا القَدْرُ مِنَ العِلْمِ لا يَكْفِي في الإلَهِيَّةِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حَكِيمًا، أيْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وبِجَمِيعِ عَواقِبِ الأُمُورِ، فَذِكْرُ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) هاهُنا إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾، والمَعْنى: فَإنْ تَوَلَّوْا عَمّا وصَفْتُ مِن أنَّ اللَّهَ هو الواحِدُ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، حَكِيمًا عالِمًا بِالعَواقِبِ والنِّهاياتِ مَعَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ عَزِيزًا غالِبًا، وما كانَ حَكِيمًا عالِمًا بِالعَواقِبِ والنِّهاياتِ.
فاعْلَمْ أنَّ تَوَلِّيَهم وإعْراضَهم لَيْسَ إلّا عَلى سَبِيلِ العِنادِ، فاقْطَعْ كَلامَكَ عَنْهم وفَوِّضْ أمْرَهم إلى اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِفَسادِ المُفْسِدِينَ، مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ، قادِرٌ عَلى مُجازاتِهِمْ.
آل عمران 3:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾
صفحة ٧٦
واعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أوْرَدَ عَلى نَصارى نَجْرانَ أنْواعَ الدَّلائِلِ وانْقَطَعُوا، ثُمَّ دَعاهم إلى المُباهَلَةِ فَخافُوا وما شَرَعُوا فِيها وقَبِلُوا الصَّغارَ بِأداءِ الجِزْيَةِ، وقَدْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَرِيصًا عَلى إيمانِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ اتْرُكْ ذَلِكَ المَنهَجَ مِنَ الكَلامِ واعْدِلْ إلى مَنهَجٍ آخَرَ يَشْهَدُ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ وطَبْعٍ مُسْتَقِيمٍ أنَّهُ كَلامٌ مَبْنِيٌّ عَلى الإنْصافِ وتَرْكِ الجِدالِ، و﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ هَلُمُّوا إلى كَلِمَةٍ فِيها إنْصافٌ مِن بَعْضِنا لِبَعْضٍ، ولا مَيْلَ فِيهِ لِأحَدٍ عَلى صاحِبِهِ، وهي ﴿ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ هَذا هو المُرادُ مِنَ الكَلامِ، ولْنَذْكُرِ الآنَ تَفْسِيرَ الألْفاظِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُرادُ نَصارى نَجْرانَ.
والثّانِي: المُرادُ يَهُودُ المَدِينَةِ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يَتَناوَلُهُما.
والثّانِي: رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما نُرِيدُ إلّا أنْ نَتَّخِذَكَ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى، وقالَتِ النَّصارى: يا مُحَمَّدُ ما تُرِيدُ إلّا أنْ نَقُولَ فِيكَ ما قالَتِ اليَهُودُ في عُزَيْرٍ ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وعِنْدِي أنَّ الأقْرَبَ حَمْلُهُ عَلى النَّصارى، لِما بَيَّنّا أنَّهُ لَمّا أوْرَدَ الدَّلائِلَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا، ثُمَّ باهَلَهم ثانِيًا، فَعَدَلَ في هَذا المَقامِ إلى الكَلامِ المَبْنِيِّ عَلى رِعايَةِ الإنْصافِ، وتَرْكِ المُجادَلَةِ، وطَلَبِ الإفْحامِ والإلْزامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ خاطَبَهم هاهُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾، وهَذا الِاسْمُ مِن أحْسَنِ الأسْماءِ وأكْمَلِ الألْقابِ حَيْثُ جَعَلَهم أهْلًا لِكِتابِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ ما يُقالُ لِحافِظِ القُرْآنِ يا حامِلَ كِتابِ اللَّهِ، ولِلْمُفَسِّرِ يا مُفَسِّرَ كَلامِ اللَّهِ، فَإنَّ هَذا اللَّقَبَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قائِلَهُ أرادَ المُبالَغَةَ في تَعْظِيمِ المُخاطَبِ وفي تَطْيِيبِ قَلْبِهِ، وذَلِكَ إنَّما يُقالُ عِنْدَ عُدُولِ الإنْسانِ مَعَ خَصْمِهِ عَنْ طَرِيقَةِ اللَّجاجِ والنِّزاعِ إلى طَرِيقَةِ طَلَبِ الإنْصافِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (تَعالَوْا)، فالمُرادُ تَعْيِينُ ما دَعَوْا إلَيْهِ والتَّوَجُّهُ إلى النَّظَرِ فِيهِ وإنْ لَمْ يَكُنِ انْتِقالًا مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ؛ لِأنَّ أصْلَ اللَّفْظِ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعالِي وهو الِارْتِفاعُ مِن مَوْضِعٍ هابِطٍ إلى مَكانٍ عالٍ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ دالًّا عَلى طَلَبِ التَّوَجُّهِ إلى حَيْثُ يُدْعى إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا﴾ فالمَعْنى هَلُمُّوا إلى كَلِمَةٍ فِيها إنْصافٌ مِن بَعْضِنا لِبَعْضٍ، لا مَيْلَ فِيهِ لِأحَدٍ عَلى صاحِبِهِ، والسَّواءُ هو العَدْلُ والإنْصافُ، وذَلِكَ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإنْصافِ إعْطاءُ النُّصْفِ، فَإنَّ الواجِبَ في العُقُولِ تَرْكُ الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ وعَلى الغَيْرِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِإعْطاءِ النُّصْفِ، فَإذا أنْصَفَ وتَرَكَ ظُلْمَهُ أعْطاهُ النُّصْفَ فَقَدْ سَوّى بَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَ غَيْرِهِ وحَصَلَ الِاعْتِدالُ، وإذا ظَلَمَ وأخَذَ أكَثَرَ مِمّا أعْطى زالَ الِاعْتِدالُ، فَلَمّا كانَ مِن لَوازِمِ العَدْلِ والإنْصافِ التَّسْوِيَةُ جُعِلَ لَفْظُ التَّسْوِيَةِ عِبارَةً عَنِ العَدْلِ.
ثُمَّ قالَ الزَّجّاجُ: ”سَواءٍ“ نَعْتٌ لِلْكَلِمَةِ يُرِيدُ: ذاتِ سَواءٍ، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ ﴿كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ أيْ: كَلِمَةٍ عادِلَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ مُسْتَوِيَةٍ، فَإذا آمَنّا بِها نَحْنُ وأنْتُمْ كُنّا عَلى السَّواءِ والِاسْتِقامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَحَلُّ ”أنْ“ في قَوْلِهِ أنْ لا نَعْبُدَ، فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ رُفِعَ بِإضْمارِ ”هي“ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما تِلْكَ الكَلِمَةُ ؟ فَقِيلَ هي أنْ لا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ.
والثّانِي: خُفِضَ عَلى البَدَلِ مِن: كَلِمَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ: أوَّلُها: ﴿ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ﴾ .
وثانِيها: أنْ ﴿ولا نُشْرِكَ بِهِ﴾
صفحة ٧٧
(شَيْئًا)
وثالِثُها: أنْ ﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ لِأنَّ النَّصارى جَمَعُوا بَيْنَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَيَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وهو المَسِيحُ، ويُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ وذَلِكَ لِأنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ [ ثالِثُ ] ثَلاثَةٍ: أبٍ وابْنٍ ورُوحِ القُدُسِ، فَأثْبَتُوا ذَواتًا ثَلاثَةً قَدِيمَةً سَواءً، وإنَّما قُلْنا: إنَّهم أثْبَتُوا ذَواتًا ثَلاثَةً قَدِيمَةً؛ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ أُقْنُومَ الكَلِمَةِ تَدَرَّعَتْ بِناسُوتِ المَسِيحِ، وأُقْنُومَ رُوحِ القُدُسِ تَدَرَّعَتْ بِناسُوتِ مَرْيَمَ، ولَوْلا كَوْنُ هَذَيْنِ الأُقْنُومَيْنِ ذاتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ وإلّا لَما جازَتْ عَلَيْهِما مُفارَقَةُ ذاتِ الأبِ والتَّدَرُّعُ بِناسُوتِ عِيسى ومَرْيَمَ، ولَمّا أثْبَتُوا ذَواتًا ثَلاثَةً مُسْتَقِلَّةً فَقَدْ أشْرَكُوا، وأمّا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يُطِيعُونَهم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَسْجُدُونَ لِأحْبارِهِمْ.
والثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ مَن صارَ كامِلًا في الرِّياضَةِ والمُجاهَدَةِ يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ حُلُولِ اللّاهُوتِ، فَيَقْدِرُ عَلى إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فَهم وإنْ لَمْ يُطْلِقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ الرَّبِّ إلّا أنَّهم أثْبَتُوا في حَقِّهِ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ.
والرّابِعُ: هو أنَّهم كانُوا يُطِيعُونَ أحْبارَهم في المَعاصِي، ولا مَعْنى لِلرُّبُوبِيَّةِ إلّا ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فَثَبَتَ أنَّ النَّصارى جَمَعُوا بَيْنَ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وكانَ القَوْلُ بِبُطْلانِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كالأمْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ جُمْهُورِ العُقَلاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَبْلَ المَسِيحِ ما كانَ المَعْبُودُ إلّا اللَّهَ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى الأمْرُ بَعْدَ ظُهُورِ المَسِيحِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وأيْضًا القَوْلُ بِالشَّرِكَةِ باطِلٌ بِاتِّفاقِ الكُلِّ، وأيْضًا إذا كانَ الخالِقُ والمُنْعِمُ بِجَمِيعِ النِّعَمِ هو اللَّهَ، وجَبَ أنْ لا يُرْجَعَ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ والِانْقِيادِ والطّاعَةِ إلّا إلَيْهِ، دُونَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ، فَهَذا هو شَرْحُ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾، والمَعْنى إنْ أبَوْا إلّا الإصْرارَ، فَقُولُوا إنّا مُسْلِمُونَ، يَعْنِي أظْهِرُوا أنَّكم عَلى هَذا الدِّينِ، ولا تَكُونُوا في قَيْدِ أنْ تَحْمِلُوا غَيْرَكم عَلَيْهِ.
آل عمران 3:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَلى دِينِنا، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: كانَ إبْراهِيمُ عَلى دِينِنا، فَأبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ما أُنْزِلا إلّا مِن بَعْدِهِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا ؟
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا أيْضًا لازِمٌ عَلَيْكم لِأنَّكم تَقُولُونَ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَلى دِينِ الإسْلامِ، والإسْلامُ إنَّما أُنْزِلَ بَعْدَهُ بِزَمانٍ طَوِيلٍ، فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ المُرادَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ في أُصُولِ الدِّينِ عَلى المَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ الآنَ، فَنَقُولُ: فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ تَقُولَ اليَهُودُ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ
صفحة ٧٨
اليَهُودُ، وتَقُولُ النَّصارى إنَّ إبْراهِيمَ كانَ نَصْرانِيًّا بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ النَّصارى، فَكَوْنُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ نازِلَيْنِ بَعْدَ إبْراهِيمَ لا يُنافِي كَوْنَهُ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا بِهَذا التَّفْسِيرِ، كَما أنَّ كَوْنَ القُرْآنِ نازِلًا بَعْدَهُ لا يُنافِي كَوْنَهُ مُسْلِمًا.
والجَوابُ: أنَّ القُرْآنَ أخْبَرَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، ولَيْسَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، فَظَهَرَ الفَرْقُ، ثُمَّ نَقُولُ: أمّا أنَّ النَّصارى لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المَسِيحَ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمَنِ إبْراهِيمَ، فَما كانَتْ عِبادَتُهُ مَشْرُوعَةً في زَمَنِ إبْراهِيمَ لا مَحالَةَ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ المَسِيحِ مُخالِفَةً لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ لا مَحالَةَ، وأمّا أنَّ اليَهُودَ لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَذَلِكَ لِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكالِيفُ عَلى الخَلْقِ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا شَكَّ أنَّ المُوَصِّلَ لِتِلْكَ التَّكالِيفِ إلى الخَلْقِ واحِدٌ مِنَ البَشَرِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ قَدْ كانَ مُؤَيَّدًا بِالمُعْجِزاتِ، وإلّا لَمْ يَجِبْ عَلى الخَلْقِ قَبُولُ تِلْكَ التَّكالِيفِ مِنهُ فَإذَنْ قَدْ كانَ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى أنْبِياءُ، وكانَتْ لَهم شَرائِعُ مُعَيَّنَةٌ، فَإذا جاءَ مُوسى فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جاءَ بِتَقْرِيرِ تِلْكَ الشَّرائِعِ أوْ بِغَيْرِهِما، فَإنْ جاءَ بِتَقْرِيرِها لَمْ يَكُنْ مُوسى صاحِبَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، بَلْ كانَ كالفَقِيهِ المُقَرِّرِ لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، واليَهُودُ لا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ بِشَرْعٍ آخَرَ سِوى شَرْعِ مَن تَقَدَّمَهُ فَقَدْ قالَ بِالنَّسْخِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دِينُ كُلِّ الأنْبِياءِ جَوازَ القَوْلِ بِالنَّسْخِ واليَهُودُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ اليَهُودَ لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَبَطَلَ قَوْلُ اليَهُودِ والنَّصارى بِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ها أنْتُمْ“ بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ، إلّا بِقَدْرِ خُرُوجِ الألِفِ السّاكِنَةِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والقَصْرِ عَلى وزْنِ ”صَنَعْتُمْ“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالمَدِّ دُونَ الهَمْزِ، فَمَن حَقَّقَ فَعَلى الأصْلِ؛ لِأنَّهُما حَرْفانِ ”ها“ و”أنْتُمْ“ ومَن لَمْ يَمُدَّ ولَمْ يَهْمِزْ فَلِلتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ.
صفحة ٧٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أصْلِ (ها أنْتُمْ) فَقِيلَ: ”ها“ تَنْبِيهٌ والأصْلُ ”أنْتُمْ“ وقِيلَ أصْلُهُ: ”أأنْتُمْ“ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الأُولى هاءً، كَقَوْلِهِمْ: هَرَقْتُ الماءَ وأرَقْتُ و”هَؤُلاءِ“ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ وأصْلُهُ أُولاءِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”ها“ التَّنْبِيهِ، وفِيهِ لُغَتانِ: القَصْرُ والمَدُّ، فَإنْ قِيلَ: أيْنَ خَبَرُ أنْتُمْ في قَوْلِهِ: ها أنْتُمْ ؟ قُلْنا في ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
(الأوَّلُ): قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”ها“ لِلتَّنْبِيهِ و”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأٌ و(هَؤُلاءِ) خَبَرُهُ و(حاجَجْتُمْ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى بِمَعْنى: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الأشْخاصُ الحَمْقى وبَيانُ حَماقَتِكم وقِلَّةِ عُقُولِكم أنَّكم وإنْ جادَلْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ؟
(والثّانِي): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً، وخَبَرُ ”هَؤُلاءِ“ بِمَعْنى أُولاءِ عَلى مَعْنى الَّذِي وما بَعْدَهُ صِلَةٌ لَهُ.
(الثّالِثُ): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً ”وهَؤُلاءِ“ عَطْفَ بَيانٍ ”وحاجَجْتُمْ“ خَبَرَهُ، وتَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ يا هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ هو أنَّهم زَعَمُوا أنَّ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُخالِفَةٌ لِشَرِيعَةِ القُرْآنِ فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ، وهو ادِّعاؤُكم أنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مُخالِفَةً لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ .
ثُمَّ يُحْتَمَلُ في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّهُ لَمْ يَصِفْهم في العِلْمِ حَقِيقَةً، وإنَّما أرادَ أنَّكم تَسْتَجِيزُونَ مُحاجَّتَهُ فِيما تَدَّعُونَ عِلْمَهُ، فَكَيْفَ تُحاجُّونَهُ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ البَتَّةَ ؟ .
ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ كَيْفَ كانَتْ حالُ هَذِهِ الشَّرائِعِ في المُخالَفَةِ والمُوافَقَةِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الأحْوالِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فَقالَ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ فَكَذَّبَهم فِيما ادَّعَوْهُ مِن مُوافَقَةٍ لَهُما.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الحَنِيفِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَعْرِيضٌ بِكَوْنِ النَّصارى مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِإلَهِيَّةِ المَسِيحِ وبِكَوْنِ اليَهُودِ مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكم: إبْراهِيمُ عَلى دِينِ الإسْلامِ أتُرِيدُونَ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ أوْ في الفُرُوعِ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِدِينِ الإسْلامِ، بَلْ نَقْطَعُ بِأنَّ إبْراهِيمَ أيْضًا عَلى دِينِ اليَهُودِ، أعْنِي ذَلِكَ الدِّينَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، فَكانَ أيْضًا عَلى دِينِ النَّصارى، أعْنِي تِلْكَ النَّصْرانِيَّةَ الَّتِي جاءَ بِها عِيسى فَإنَّ أدْيانَ الأنْبِياءِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةً في الأُصُولِ، وإنْ أرَدْتُمْ بِهِ المُوافَقَةَ في الفُرُوعِ، فَلَزِمَ أنْ لا يَكُونَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحِبَ الشَّرْعِ البَتَّةَ، بَلْ كانَ كالمُقَرِّرِ لِدِينِ غَيْرِهِ، وأيْضًا مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّعَبُّدَ بِالقُرْآنِ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتِلاوَةُ القُرْآنِ مَشْرُوعَةٌ في صَلاتِنا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ في صَلاتِهِمْ، قُلْنا: جازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ ما كانَ مُوافِقًا في أُصُولِ الدِّينِ لِمَذْهَبِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى في زَمانِنا هَذا، وجازَ أيْضًا أنْ يُقالَ المُرادُ بِهِ الفُرُوعُ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ نَسَخَ تِلْكَ الفُرُوعَ بِشَرْعِ
صفحة ٨٠
مُوسى، ثُمَّ في زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ نَسَخَ شَرْعُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الشَّرِيعَةَ الَّتِي كانَتْ ثابِتَةً في زَمَنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحِبَ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ لَمّا كانَ غالِبُ شَرْعِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُوافِقًا لِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَوْ وقَعَتِ المُخالَفَةُ في القَلِيلِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ في حُصُولِ المُوافَقَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ فَرِيقانِ:
(أحَدُهُما): مَنِ اتَّبَعَهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ.
(والآخَرُ): النَّبِيُّ وسائِرُ المُؤْمِنِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والتَّوْفِيقِ والإعْظامِ والإكْرامِ.
آل عمران 3:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ها أنْتُمْ“ بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ، إلّا بِقَدْرِ خُرُوجِ الألِفِ السّاكِنَةِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والقَصْرِ عَلى وزْنِ ”صَنَعْتُمْ“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالمَدِّ دُونَ الهَمْزِ، فَمَن حَقَّقَ فَعَلى الأصْلِ؛ لِأنَّهُما حَرْفانِ ”ها“ و”أنْتُمْ“ ومَن لَمْ يَمُدَّ ولَمْ يَهْمِزْ فَلِلتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ.
صفحة ٧٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أصْلِ (ها أنْتُمْ) فَقِيلَ: ”ها“ تَنْبِيهٌ والأصْلُ ”أنْتُمْ“ وقِيلَ أصْلُهُ: ”أأنْتُمْ“ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الأُولى هاءً، كَقَوْلِهِمْ: هَرَقْتُ الماءَ وأرَقْتُ و”هَؤُلاءِ“ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ وأصْلُهُ أُولاءِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”ها“ التَّنْبِيهِ، وفِيهِ لُغَتانِ: القَصْرُ والمَدُّ، فَإنْ قِيلَ: أيْنَ خَبَرُ أنْتُمْ في قَوْلِهِ: ها أنْتُمْ ؟ قُلْنا في ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
(الأوَّلُ): قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”ها“ لِلتَّنْبِيهِ و”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأٌ و(هَؤُلاءِ) خَبَرُهُ و(حاجَجْتُمْ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى بِمَعْنى: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الأشْخاصُ الحَمْقى وبَيانُ حَماقَتِكم وقِلَّةِ عُقُولِكم أنَّكم وإنْ جادَلْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ؟
(والثّانِي): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً، وخَبَرُ ”هَؤُلاءِ“ بِمَعْنى أُولاءِ عَلى مَعْنى الَّذِي وما بَعْدَهُ صِلَةٌ لَهُ.
(الثّالِثُ): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً ”وهَؤُلاءِ“ عَطْفَ بَيانٍ ”وحاجَجْتُمْ“ خَبَرَهُ، وتَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ يا هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ هو أنَّهم زَعَمُوا أنَّ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُخالِفَةٌ لِشَرِيعَةِ القُرْآنِ فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ، وهو ادِّعاؤُكم أنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مُخالِفَةً لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ .
ثُمَّ يُحْتَمَلُ في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّهُ لَمْ يَصِفْهم في العِلْمِ حَقِيقَةً، وإنَّما أرادَ أنَّكم تَسْتَجِيزُونَ مُحاجَّتَهُ فِيما تَدَّعُونَ عِلْمَهُ، فَكَيْفَ تُحاجُّونَهُ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ البَتَّةَ ؟ .
ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ كَيْفَ كانَتْ حالُ هَذِهِ الشَّرائِعِ في المُخالَفَةِ والمُوافَقَةِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الأحْوالِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فَقالَ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ فَكَذَّبَهم فِيما ادَّعَوْهُ مِن مُوافَقَةٍ لَهُما.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الحَنِيفِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَعْرِيضٌ بِكَوْنِ النَّصارى مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِإلَهِيَّةِ المَسِيحِ وبِكَوْنِ اليَهُودِ مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكم: إبْراهِيمُ عَلى دِينِ الإسْلامِ أتُرِيدُونَ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ أوْ في الفُرُوعِ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِدِينِ الإسْلامِ، بَلْ نَقْطَعُ بِأنَّ إبْراهِيمَ أيْضًا عَلى دِينِ اليَهُودِ، أعْنِي ذَلِكَ الدِّينَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، فَكانَ أيْضًا عَلى دِينِ النَّصارى، أعْنِي تِلْكَ النَّصْرانِيَّةَ الَّتِي جاءَ بِها عِيسى فَإنَّ أدْيانَ الأنْبِياءِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةً في الأُصُولِ، وإنْ أرَدْتُمْ بِهِ المُوافَقَةَ في الفُرُوعِ، فَلَزِمَ أنْ لا يَكُونَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحِبَ الشَّرْعِ البَتَّةَ، بَلْ كانَ كالمُقَرِّرِ لِدِينِ غَيْرِهِ، وأيْضًا مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّعَبُّدَ بِالقُرْآنِ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتِلاوَةُ القُرْآنِ مَشْرُوعَةٌ في صَلاتِنا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ في صَلاتِهِمْ، قُلْنا: جازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ ما كانَ مُوافِقًا في أُصُولِ الدِّينِ لِمَذْهَبِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى في زَمانِنا هَذا، وجازَ أيْضًا أنْ يُقالَ المُرادُ بِهِ الفُرُوعُ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ نَسَخَ تِلْكَ الفُرُوعَ بِشَرْعِ
صفحة ٨٠
مُوسى، ثُمَّ في زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ نَسَخَ شَرْعُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الشَّرِيعَةَ الَّتِي كانَتْ ثابِتَةً في زَمَنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحِبَ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ لَمّا كانَ غالِبُ شَرْعِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُوافِقًا لِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَوْ وقَعَتِ المُخالَفَةُ في القَلِيلِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ في حُصُولِ المُوافَقَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ فَرِيقانِ:
(أحَدُهُما): مَنِ اتَّبَعَهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ.
(والآخَرُ): النَّبِيُّ وسائِرُ المُؤْمِنِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والتَّوْفِيقِ والإعْظامِ والإكْرامِ.
آل عمران 3:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ها أنْتُمْ“ بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ، إلّا بِقَدْرِ خُرُوجِ الألِفِ السّاكِنَةِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والقَصْرِ عَلى وزْنِ ”صَنَعْتُمْ“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالمَدِّ دُونَ الهَمْزِ، فَمَن حَقَّقَ فَعَلى الأصْلِ؛ لِأنَّهُما حَرْفانِ ”ها“ و”أنْتُمْ“ ومَن لَمْ يَمُدَّ ولَمْ يَهْمِزْ فَلِلتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ.
صفحة ٧٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أصْلِ (ها أنْتُمْ) فَقِيلَ: ”ها“ تَنْبِيهٌ والأصْلُ ”أنْتُمْ“ وقِيلَ أصْلُهُ: ”أأنْتُمْ“ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الأُولى هاءً، كَقَوْلِهِمْ: هَرَقْتُ الماءَ وأرَقْتُ و”هَؤُلاءِ“ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ وأصْلُهُ أُولاءِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”ها“ التَّنْبِيهِ، وفِيهِ لُغَتانِ: القَصْرُ والمَدُّ، فَإنْ قِيلَ: أيْنَ خَبَرُ أنْتُمْ في قَوْلِهِ: ها أنْتُمْ ؟ قُلْنا في ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
(الأوَّلُ): قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”ها“ لِلتَّنْبِيهِ و”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأٌ و(هَؤُلاءِ) خَبَرُهُ و(حاجَجْتُمْ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى بِمَعْنى: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الأشْخاصُ الحَمْقى وبَيانُ حَماقَتِكم وقِلَّةِ عُقُولِكم أنَّكم وإنْ جادَلْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ؟
(والثّانِي): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً، وخَبَرُ ”هَؤُلاءِ“ بِمَعْنى أُولاءِ عَلى مَعْنى الَّذِي وما بَعْدَهُ صِلَةٌ لَهُ.
(الثّالِثُ): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً ”وهَؤُلاءِ“ عَطْفَ بَيانٍ ”وحاجَجْتُمْ“ خَبَرَهُ، وتَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ يا هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ هو أنَّهم زَعَمُوا أنَّ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُخالِفَةٌ لِشَرِيعَةِ القُرْآنِ فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ، وهو ادِّعاؤُكم أنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مُخالِفَةً لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ .
ثُمَّ يُحْتَمَلُ في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّهُ لَمْ يَصِفْهم في العِلْمِ حَقِيقَةً، وإنَّما أرادَ أنَّكم تَسْتَجِيزُونَ مُحاجَّتَهُ فِيما تَدَّعُونَ عِلْمَهُ، فَكَيْفَ تُحاجُّونَهُ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ البَتَّةَ ؟ .
ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ كَيْفَ كانَتْ حالُ هَذِهِ الشَّرائِعِ في المُخالَفَةِ والمُوافَقَةِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الأحْوالِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فَقالَ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ فَكَذَّبَهم فِيما ادَّعَوْهُ مِن مُوافَقَةٍ لَهُما.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الحَنِيفِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَعْرِيضٌ بِكَوْنِ النَّصارى مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِإلَهِيَّةِ المَسِيحِ وبِكَوْنِ اليَهُودِ مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكم: إبْراهِيمُ عَلى دِينِ الإسْلامِ أتُرِيدُونَ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ أوْ في الفُرُوعِ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِدِينِ الإسْلامِ، بَلْ نَقْطَعُ بِأنَّ إبْراهِيمَ أيْضًا عَلى دِينِ اليَهُودِ، أعْنِي ذَلِكَ الدِّينَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، فَكانَ أيْضًا عَلى دِينِ النَّصارى، أعْنِي تِلْكَ النَّصْرانِيَّةَ الَّتِي جاءَ بِها عِيسى فَإنَّ أدْيانَ الأنْبِياءِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةً في الأُصُولِ، وإنْ أرَدْتُمْ بِهِ المُوافَقَةَ في الفُرُوعِ، فَلَزِمَ أنْ لا يَكُونَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحِبَ الشَّرْعِ البَتَّةَ، بَلْ كانَ كالمُقَرِّرِ لِدِينِ غَيْرِهِ، وأيْضًا مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّعَبُّدَ بِالقُرْآنِ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتِلاوَةُ القُرْآنِ مَشْرُوعَةٌ في صَلاتِنا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ في صَلاتِهِمْ، قُلْنا: جازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ ما كانَ مُوافِقًا في أُصُولِ الدِّينِ لِمَذْهَبِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى في زَمانِنا هَذا، وجازَ أيْضًا أنْ يُقالَ المُرادُ بِهِ الفُرُوعُ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ نَسَخَ تِلْكَ الفُرُوعَ بِشَرْعِ
صفحة ٨٠
مُوسى، ثُمَّ في زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ نَسَخَ شَرْعُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الشَّرِيعَةَ الَّتِي كانَتْ ثابِتَةً في زَمَنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحِبَ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ لَمّا كانَ غالِبُ شَرْعِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُوافِقًا لِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَوْ وقَعَتِ المُخالَفَةُ في القَلِيلِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ في حُصُولِ المُوافَقَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ فَرِيقانِ:
(أحَدُهُما): مَنِ اتَّبَعَهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ.
(والآخَرُ): النَّبِيُّ وسائِرُ المُؤْمِنِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والتَّوْفِيقِ والإعْظامِ والإكْرامِ.
آل عمران 3:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مِن طَرِيقَةِ أهْلِ الكِتابِ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ والإعْراضَ عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ، بَيَّنَ أنَّهم لا يَقْتَصِرُونَ عَلى هَذا القَدْرِ، بَلْ يَجْتَهِدُونَ في إضْلالِ مَن آمَنَ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُقِرٌّ بِمُوسى وعِيسى ويَدَّعِي لِنَفْسِهِ النُّبُوَّةَ، وأيْضًا إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْبَرَ في التَّوْراةِ بِأنَّ شَرْعَهُ لا يَزُولُ، وأيْضًا القَوْلُ بِالنَّسْخِ يُفْضِي إلى البَداءِ، والغَرَضُ مِنهُ تَنْبِيهُ المُؤْمِنِينَ عَلى أنْ لا يَغْتَرُّوا بِكَلامِ اليَهُودِ، ونَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقَوْلُهُ ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩] .
واعْلَمْ أنَّ ”مِن“ هاهُنا لِلتَّبْعِيضِ وإنَّما ذَكَرَ بَعْضَهم ولَمْ يَعُمَّهم؛ لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، وأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]، ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]، وقِيلَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مُعاذٍ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وحُذَيْفَةَ دَعاهُمُ اليَهُودُ إلى دِينِهِمْ، وإنَّما قالَ: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ أنْ يُضِلُّوكم؛ لِأنَّ ”لَوْ“ لِلتَّمَنِّي فَإنَّ قَوْلَكَ: لَوْ كانَ كَذا يُفِيدُ التَّمَنِّيَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنها: إهْلاكُهم أنْفُسَهم بِاسْتِحْقاقِ العِقابِ عَلى قَصْدِهِمْ إضْلالَ الغَيْرِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، ومِنها إخْراجُهم أنْفُسَهم عَنْ مَعْرِفَةِ الهُدى والحَقِّ لِأنَّ الذّاهِبَ عَنِ الِاهْتِداءِ يُوصَفُ بِأنَّهُ ضالٌّ، ومِنها أنَّهم لَمّا اجْتَهَدُوا في إضْلالِ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ فَهم قَدْ صارُوا خائِبِينَ خاسِرِينَ حَيْثُ اعْتَقَدُوا شَيْئًا ولاحَ لَهم أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ما تَصَوَّرُوهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ وما يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا يَضُرُّهم ولا يَضُرُّ المُؤْمِنِينَ.
آل عمران 3:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ الطّائِفَةِ الَّتِي لا تَشْعُرُ بِما في التَّوْراةِ مِن دَلالَةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَيَّنَ أيْضًا حالَ الطّائِفَةِ العارِفَةِ بِذَلِكَ مِن أحْبارِهِمْ.
فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (لِمَ) أصْلُها لِما، لِأنَّها: ما الَّتِي لِلِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلَيْها اللّامُ فَحُذِفَتِ الألِفُ لِطَلَبِ الخِفَّةِ؛ ولِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ صارَ كالعِوَضِ عَنْها؛ ولِأنَّها وقَعَتْ طَرَفًا ويَدُلُّ عَلَيْها الفَتْحَةُ، وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، و﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ [الحجر: ٥٤] والوَقْفُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ يَكُونُ بِالهاءِ، نَحْوَ: فَبِمَهْ، ولِمَهْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنها الآياتُ الوارِدَةُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ما في هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنها ما في هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، ومِنها أنَّ فِيهِما أنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا القَوْلِ المُحْتَمِلِ لِهَذِهِ الوُجُوهِ نَقُولُ: إنَّ الكُفْرَ بِالآياتِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم ما كانُوا كافِرِينَ بِالتَّوْراةِ، بَلْ كانُوا كافِرِينَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّوْراةُ، فَأطْلَقَ اسْمَ الدَّلِيلِ عَلى المَدْلُولِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا كافِرِينَ بِنَفْسِ التَّوْراةِ لِأنَّهم كانُوا يُحَرِّفُونَها وكانُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ تِلْكَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ فالمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ أنَّهم عِنْدَ حُضُورِ المُسْلِمِينَ، وعِنْدَ حُضُورِ عَوامِّهِمْ، كانُوا يُنْكِرُونَ اشْتِمالَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إذا خَلا بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ شَهِدُوا بِصِحَّتِها، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ [آل عمران: ٩٩] .
واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا القَوْلِ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أخْبَرَهم بِما يَكْتُمُونَهُ في أنْفُسِهِمْ، ويُظْهِرُونَ غَيْرَهُ، ولا شَكَّ أنَّ الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزٌ.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ آياتِ اللَّهِ: أنَّها هي القُرْآنُ، وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ يَعْنِي أنَّكم تُنْكِرُونَ عِنْدَ العَوامِّ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا ثُمَّ تَشْهَدُونَ بِقُلُوبِكم وعُقُولِكم كَوْنَهُ مُعْجِزًا.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِآياتِ اللَّهِ جُمْلَةُ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّكم إنَّما اعْتَرَفْتُمْ بِدَلالَةِ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ، مِن حَيْثُ إنَّ المُعْجِزَ قائِمٌ مَقامَ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَإذا شَهِدْتُمْ بِأنَّ المُعْجِزَ إنَّما دَلَّ عَلى صِدْقِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن هَذا الوَجْهِ، وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ حُصُولَ هَذا الوَجْهِ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ إصْرارُكم عَلى إنْكارِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ مُناقِضًا لِما شَهِدْتُمْ بِحَقِّيَّتِهِ مِن دَلالَةِ مُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى صِدْقِهِمْ.
آل عمران 3:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ عُلَماءَ اليَهُودِ والنَّصارى كانَتْ لَهم حِرْفَتانِ إحْداهُما: أنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِقُلُوبِهِمْ أنَّهُ رَسُولُ حَقٍّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْ هَذِهِ الحِرْفَةِ في الآيَةِ الأُولى.
وثانِيَتُهُما: أنَّهم كانُوا يَجْتَهِدُونَ في إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، وفي إخْفاءِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، واللَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْ هَذِهِ الحِرْفَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الثّانِيَةِ، فالمَقامُ الأوَّلُ مَقامُ الغِوايَةِ والضَّلالَةِ، والمَقامُ الثّانِي مَقامُ الإغْواءِ والإضْلالِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”تُلَبِّسُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ”تَلْبَسُونَ“ بِفَتْحِ الباءِ، أيْ تَلْبَسُونَ الحَقَّ مَعَ الباطِلِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» “ وقَوْلِهِ:
إذا هو بِالمَجْدِ ارْتَدى وتَأزَّرا
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ السّاعِيَ في إخْفاءِ الحَقِّ لا سَبِيلَ لَهُ إلى ذَلِكَ إلّا مِن أحَدِ وجْهَيْنِ:
إمّا بِإلْقاءِ شُبْهَةٍ تَدُلُّ عَلى الباطِلِ، وإمّا بِإخْفاءِ الدَّلِيلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى الحَقِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الثّانِي، أمّا لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ هاهُنا وُجُوهًا:
أحَدُها: تَحْرِيفُ التَّوْراةِ، فَيَخْلِطُونَ المُنَزَّلَ بِالمُحَرَّفِ، عَنِ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ.
وثانِيها: أنَّهم تَواضَعُوا عَلى إظْهارِ الإسْلامِ أوَّلَ النَّهارِ، ثُمَّ الرُّجُوعِ عَنْهُ في آخِرِ النَّهارِ، تَشْكِيكًا لِلنّاسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ مِنَ البِشارَةِ والنَّعْتِ والصِّفَةِ ويَكُونُ في التَّوْراةِ أيْضًا ما يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كالمُحْكَمِ والمُتَشابِهِ فَيُلَبِّسُونَ عَلى الضُّعَفاءِ أحَدَ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُشَبِّهَةِ، وهَذا قَوْلُ القاضِي.
ورابِعُها: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ مُحَمَّدٌ مُعْتَرِفٌ بِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ثُمَّ إنَّ التَّوْراةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ شَرْعَ - مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يُنْسَخُ وكُلُّ ذَلِكَ إلْقاءٌ لِلشُّبُهاتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾، فالمُرادُ أنَّ الآياتِ المَوْجُودَةَ في التَّوْراةِ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِها مُفْتَقِرًا إلى التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، والقَوْمُ كانُوا يَجْتَهِدُونَ في إخْفاءِ تِلْكَ الألْفاظِ الَّتِي كانَ بِمَجْمُوعِها يَتِمُّ هَذا الِاسْتِدْلالُ مِثْلَ ما أنَّ أهْلَ البِدْعَةِ في زَمانِنا يَسْعَوْنَ في أنْ لا يَصِلَ إلى عَوامِّهِمْ دَلائِلُ المُحَقِّقِينَ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّكم إنَّما تَفْعَلُونَ ذَلِكَ عِنادًا وحَسَدًا.
وثانِيها: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنْتُمْ أرْبابُ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ لا أرْبابُ الجَهْلِ والخُرافَةِ.
وثالِثُها: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّ عِقابَ مَن يَفْعَلُ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ عَظِيمٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾، و﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ دالٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ فِعْلُهم؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَهُ فِيهِمْ، ثُمَّ يَقُولَ: لِمَ فَعَلْتُمْ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى الدّاعِيَةِ، فَتِلْكَ الدّاعِيَةُ إنْ حَدَثَتْ لا لِمُحْدِثٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنْ كانَ مُحْدِثُها هو العَبْدَ افْتَقَرَ إلى إرادَةٍ أُخْرى وإنْ كانَ مُحْدِثُها هو اللَّهَ تَعالى لَزِمَكم ما ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم يَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِأنْ حَكى عَنْهم نَوْعًا واحِدًا مِن أنْواعِ تَلْبِيساتِهِمْ، وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ ما أُنْزِلَ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بَعْضَ ما أُنْزِلَ.
أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى اسْتَخْرَجُوا حِيلَةً في تَشْكِيكِ ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ في صِحَّةِ الإسْلامِ، وهو أنْ يُظْهِرُوا تَصْدِيقَ ما يَنْزِلُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الشَّرائِعِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، ثُمَّ يُظْهِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ تَكْذِيبَهُ، فَإنَّ النّاسَ مَتى شاهَدُوا هَذا التَّكْذِيبَ، قالُوا: هَذا التَّكْذِيبُ لَيْسَ لِأجْلِ الحَسَدِ والعِنادِ، وإلّا لَما آمَنُوا بِهِ في أوَّلِ الأمْرِ، وإذا لَمْ يَكُنْ هَذا التَّكْذِيبُ لِأجْلِ الحَسَدِ والعِنادِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، وقَدْ تَفَكَّرُوا في أمْرِهِ واسْتَقْصَوْا في البَحْثِ عَنْ دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ فَلاحَ لَهم بَعْدَ التَّأمُّلِ التّامِّ والبَحْثِ الوافِي أنَّهُ كَذّابٌ، فَيَصِيرُ هَذا الطَّرِيقُ شُبْهَةً لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: تَواطَأ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن أحْبارِ يَهُودِ خَيْبَرَ عَلى هَذا الطَّرِيقِ.
وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ مَعْناهُ أنّا مَتى ألْقَيْنا هَذِهِ الشُّبْهَةَ فَلَعَلَّ أصْحابَهُ يَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ والنَّصارى قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نافِقُوا وأظْهِرُوا الوِفاقَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ بِشَرْطِ أنْ تَثْبُتُوا عَلى دِينِكم إذا خَلَوْتُمْ بِإخْوانِكم مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ أمْرَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ في اضْطِرابٍ فَزُجُّوا الأيّامَ مَعَهم بِالنِّفاقِ فَرُبَّما ضَعُفَ أمْرُهم واضْمَحَلَّ دِينُهم ويَرْجِعُوا إلى دِينِكم، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨]، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] .
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أتْبَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم نَهَوْا عَنْ غَيْرِ دِينِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَكانَ قَوْلُهم ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ أمْرٌ بِالنِّفاقِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الأصَمُّ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ كَذَّبْتُمُوهُ في جَمِيعِ ما جاءَ بِهِ فَإنَّ عَوامَّكم يَعْلَمُونَ كَذِبَكم؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمّا جاءَ بِهِ حَقٌّ، ولَكِنْ صَدِّقُوهُ في بَعْضٍ وكَذِّبُوهُ في بَعْضٍ حَتّى يَحْمِلَ النّاسُ تَكْذِيبَكم لَهُ عَلى الإنْصافِ لا عَلى العِنادِ فَيَقْبَلُوا قَوْلَكم.
صفحة ٨٤
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ بَعْضَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ حَمَلُوهُ عَلى أمْرِ القِبْلَةِ وذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجْهُ النَّهارِ أوَّلُهُ، وهو صَلاةُ الصُّبْحِ، واكْفُرُوا آخِرَهُ: يَعْنِي صَلاةَ الظُّهْرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ ﷺ كانَ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ أنْ قَدِمَ المَدِينَةَ فَفَرِحَ اليَهُودُ بِذَلِكَ وطَمِعُوا أنْ يَكُونَ مِنهم، فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إلى الكَعْبَةِ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ قالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وغَيْرُهُ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ يَعْنِي آمِنُوا بِالقِبْلَةِ الَّتِي صَلّى إلَيْها صَلاةَ الصُّبْحِ فَهي الحَقُّ، واكْفُرُوا بِالقِبْلَةِ الَّتِي صَلّى إلَيْها صَلاةَ الظُّهْرِ، وهي آخِرُ النَّهارِ، وهي الكُفْرُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: صَلُّوا إلى الكَعْبَةِ في أوَّلِ النَّهارِ، ثُمَّ اكْفُرُوا بِهَذِهِ القِبْلَةِ في آخِرِ النَّهارِ وصَلُّوا إلى الصَّخْرَةِ لَعَلَّهم يَقُولُونَ إنَّ أهْلَ الكِتابِ أصْحابُ العِلْمِ، فَلَوْلا أنَّهم عَرَفُوا بُطْلانَ هَذِهِ القِبْلَةِ لَما تَرَكُوها، فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُونَ عَنْ هَذِهِ القِبْلَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفائِدَةُ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْ تَواضُعِهِمْ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ كانَتْ مَخْفِيَّةً فِيما بَيْنَهم، وما أطْلَعُوا عَلَيْها أحَدًا مِنَ الأجانِبِ، فَلَمّا أخْبَرَ الرَّسُولُ عَنْها كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْلَعَ المُؤْمِنِينَ عَلى تَواطُئِهِمْ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ لَمْ يَحْصُلْ لِهَذِهِ الحِيلَةِ أثَرٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ولَوْلا هَذا الإعْلانُ لَكانَ رُبَّما أثَّرَتْ هَذِهِ الحِيلَةُ في قَلْبِ بَعْضِ مَن كانَ في إيمانِهِ ضَعْفٌ.
الثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا افْتَضَحُوا في هَذِهِ الحِيلَةِ صارَ ذَلِكَ رادِعًا لَهم عَنِ الإقْدامِ عَلى أمْثالِها مِنَ الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وجْهُ النَّهارِ هو أوَّلُهُ، والوَجْهُ في اللُّغَةِ هو مُسْتَقْبَلُ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يُواجَهُ مِنهُ، كَما يُقالُ لِأوَّلِ الثَّوْبِ وجْهُ الثَّوْبِ، رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: أتَيْتُهُ بِوَجْهِ نَهارٍ وصَدْرِ نَهارٍ، وشَبابِ نَهارٍ، أيْ أوَّلَ النَّهارِ، وأنْشَدَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ فَقالَ:
مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ
آل عمران 3:73
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا بَقِيَّةُ كَلامِ اليَهُودِ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى: ولا تُصَدِّقُوا إلّا نَبِيًّا يُقَرِّرُ
صفحة ٨٥
شَرائِعَ التَّوْراةِ، فَأمّا مَن جاءَ بِتَغْيِيرِ شَيْءٍ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ فَلا تُصَدِّقُوهُ، وهَذا هو مَذْهَبُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ تَكُونُ ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَن تَبِعَ﴾ صِلَةً زائِدَةً، فَإنَّهُ يُقالُ: صَدَّقْتُ فُلانًا، ولا يُقالُ صَدَّقْتُ لِفُلانٍ، وكَوْنُ هَذِهِ اللّامِ صِلَةً زائِدَةً جائِزٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، والمُرادُ رَدِفَكم.
والثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾، ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أيْ لا تَأْتُوا بِذَلِكَ الإيمانِ إلّا لِأجْلِ مَن تَبِعَ دِينَكم، كَأنَّهم قالُوا: لَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الإتْيانِ بِذَلِكَ التَّلْبِيسِ إلّا بَقاءَ أتْباعِكم عَلى دِينِكم، فالمَعْنى: ولا تَأْتُوا بِذَلِكَ الإيمانِ إلّا لِأجْلِ مَن تَبِعَ دِينَكم، فَإنَّ مَقْصُودَ كُلِّ واحِدٍ حِفْظُ أتْباعِهِ وأشْياعِهِ عَلى مُتابَعَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما مَعْناهُ: الدِّينُ دِينُ اللَّهِ، ومِثْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] .
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن بَيانِ أنَّهُ كَيْفَ صارَ هَذا الكَلامُ جَوابًا عَمّا حَكاهُ عَنْهم ؟ فَنَقُولُ: أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو قَوْلُهم: لا دِينَ إلّا ما هم عَلَيْهِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما صَلَحَ جَوابًا عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ إنَّما ثَبَتَ دِينًا مِن جِهَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِهِ وأرْشَدَ إلَيْهِ وأوْجَبَ الِانْقِيادَ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمَتى أمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ وأرْشَدَ إلى غَيْرِهِ، وأوْجَبَ الِانْقِيادَ إلى غَيْرِهِ كانَ نَبِيًّا يَجِبُ أنْ يُتَّبَعَ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الدِّينَ إنَّما صارَ دِينًا بِحُكْمِهِ وهِدايَتِهِ، فَحَيْثُما كانَ حُكْمُهُ وجَبَتْ مُتابَعَتُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى جَوابًا لَهم عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يَعْنِي: الجِهاتُ كُلُّها لِلَّهِ، فَلَهُ أنْ يُحَوِّلَ القِبْلَةَ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فالمَعْنى أنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وقَدْ جِئْتُكم بِهِ فَلَنْ يَنْفَعَكم في دَفْعِهِ هَذا الكَيْدُ الضَّعِيفُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المُشْكِلاتِ الصَّعْبَةِ، فَنَقُولُ هَذا إمّا أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ اليَهُودِ، ومِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، وقَدْ ذَهَبَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ:
أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”أنْ يُؤْتى“ بِمَدِّ الألِفِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا اسْتِفْهامٍ، فَإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، فالوَجْهُ ظاهِرٌ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٤،١٥]، والمَعْنى أمِن أجْلِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ شَرائِعَ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الشَّرائِعِ يُنْكِرُونَ اتِّباعَهُ ؟ ثُمَّ حُذِفَ الجَوابُ لِلِاخْتِصارِ، وهَذا الحَذْفُ كَثِيرٌ، يَقُولُ الرَّجُلُ بَعْدَ طُولِ العِتابِ لِصاحِبِهِ، وتَعْدِيدِهِ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ بَعْدَ كَثْرَةِ إحْسانِهِ إلَيْهِ: أمِن قِلَّةِ إحْسانِي إلَيْكَ ؟ أمِن إهانَتِي لَكَ ؟ والمَعْنى أمِن أجْلِ هَذا فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وعِيسى بْنِ عُمَرَ، أمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِقَصْرِ الألِفِ مِن (أنْ) فَقَدْ يُمْكِنُ أيْضًا حَمْلُها عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ كَما قُرِئَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] بِالمَدِّ والقَصْرِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قُرِئَ بِالمَدِّ والقَصْرِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
صفحة ٨٦
تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ ؟ وماذا عَلَيْكَ ولَمْ تَنْتَظِرْ
أرادَ أتَرُوحُ مِنَ الحَيِّ ؟ فَحَذَفَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ كانَ التَّقْدِيرُ ما شَرَحْناهُ في القِراءَةِ الأُولى.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ لَمّا قالُوا لِأتْباعِهِمْ: لا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ فَلا تُنْكِرُوا ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ سِواكم مِنَ الهُدى ﴿مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ و﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ يَعْنِي هَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ إنْ لَمْ تَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنهم، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ يَفْتَقِرُ في هَذا التَّأْوِيلِ إلى إضْمارِ قَوْلِهِ: فَلا تُنْكِرُوا؛ لِأنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الهُدى هُدى اللَّهِ كانَ لَهُ تَعالى أنْ يُؤْتِيَهُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ تَرْكُ الإنْكارِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الهُدى اسْمٌ لِلْبَيانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]، فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ الهُدى﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿هُدى اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ خَبَرٌ بِإضْمارِ حَرْفِ لا، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لا شَكَّ أنَّ بَيانَ اللَّهِ هو أنْ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي هو أفْضَلُ الأدْيانِ، وأنْ لا يُحاجُّوكم يَعْنِي هَؤُلاءِ اليَهُودَ عِنْدَ رَبِّكم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ يُظْهِرُ لَهم في الآخِرَةِ أنَّكم مُحِقُّونَ وأنَّهم مُضِلُّونَ، وهَذا التَّأْوِيلُ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ (لا)، وهو جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلُّوا﴾ أيْ أنْ لا تَضِلُّوا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: ”الهُدى“ اسْمٌ و﴿هُدى اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، و﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ هُدى اللَّهِ هو أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم فَيُقْضى لَكم عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: أنَّ الهُدى هو ما هَدَيْتُكم بِهِ مِن دِينِ الإسْلامِ الَّذِي مَن حاجَّكم بِهِ عِنْدِي قَضَيْتُ لَكم عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ما يَدُلُّ عَلى هَذا الإضْمارِ؛ ولِأنَّ حُكْمَهُ بِكَوْنِهِ رَبًّا لَهم يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ راضِيًا عَنْهم، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَحْكُمُ لَهم ولا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ اليَهُودِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وإنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ.
قالُوا: والمَعْنى لا تُظْهِرُوا إيمانَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِأهْلِ دِينِكم، وأسِرُّوا تَصْدِيقَكم بِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أُوتُوا مِن كُتُبِ اللَّهِ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ولا تُفْشُوهُ إلّا إلى أشْياعِكم وحْدَهم دُونَ المُسْلِمِينَ؛ لِئَلّا يَزِيدَهم ثَباتًا ودُونَ المُشْرِكِينَ لِئَلّا يَدْعُوَهم ذَلِكَ إلى الإسْلامِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى ”أنْ يُؤْتى“، والضَّمِيرُ في يُحاجُّوكم لِأحَدٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَعْنى ولا تُؤْمِنُوا لِغَيْرِ أتْباعِكم، إنَّ المُسْلِمِينَ يُحاجُّونَكم يَوْمَ القِيامَةِ بِالحَقِّ ويُغالِبُونَكم عِنْدَ اللَّهِ بِالحُجَّةِ، وعِنْدِي أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ جِدَّ القَوْمِ في حِفْظِ أتْباعِهِمْ عَنْ قَبُولِ دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أعْظَمَ مِن جِدِّهِمْ في حِفْظِ غَيْرِ أتْباعِهِمْ وأشْياعِهِمْ عَنْهُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُوصِيَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالإقْرارِ بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ أتْباعِهِمْ وأشْياعِهِمْ، وأنْ يَمْتَنِعُوا مِن ذَلِكَ عِنْدَ الأجانِبِ ؟ هَذا في غايَةِ البُعْدِ.
الثّانِي: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَخْتَلُّ النَّظْمُ ويَقَعُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ لا يَلِيقُ بِكَلامِ الفُصَحاءِ.
والثّالِثُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا بُدَّ مِنَ الحَذْفِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ وإنَّ الفَضْلَ
صفحة ٨٧
بِيَدِ اللَّهِ، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ ”قُلْ“ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ .
الرّابِعُ: أنَّهُ كَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ فِيما بَيْنَ جُزْأيْ كَلامٍ واحِدٍ ؟ فَإنَّ هَذا في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الكَلامِ المُسْتَقِيمِ، قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ كَلامًا أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَهُ عِنْدَ انْتِهاءِ الحِكايَةِ عَنِ اليَهُودِ إلى هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَكى عَنْهم في هَذا المَوْضِعِ قَوْلًا باطِلًا لا جَرَمَ أدَّبَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُقابِلَهُ بِقَوْلٍ حَقٍّ، ثُمَّ يَعُودُ إلى حِكايَةِ تَمامِ كَلامِهِمْ كَما إذا حَكى المُسْلِمُ عَنْ بَعْضِ الكُفّارِ قَوْلًا فِيهِ كُفْرٌ، فَيَقُولُ عِنْدَ بُلُوغِهِ إلى تِلْكَ الكَلِمَةِ: آمَنتُ بِاللَّهِ، أوْ يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أوْ يَقُولُ: تَعالى اللَّهُ، ثُمَّ يَعُودُ إلى تَمامِ الحِكايَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ مِن هَذا البابِ، ثُمَّ أتى بَعْدَهُ بِتَمامِ قَوْلِ اليَهُودِ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ثُمَّ أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمُحاجَّتِهِمْ في هَذا وتَنْبِيهِهِمْ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
الإشْكالُ الخامِسُ في هَذِهِ الوُجُوهِ:
أنَّ الإيمانَ إذا كانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ لا يَتَعَدّى إلى المُصَدِّقِ بِحَرْفِ اللّامِ، لا يُقالُ صَدَّقْتُ لِزَيْدٍ، بَلْ يُقالُ: صَدَّقْتُ زَيْدًا، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا مَن تَبِعَ دِينَكم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْتاجُ إلى حَذْفِ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ويَحْتاجُ إلى إضْمارِ الباءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُؤْتى﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ولا تُصَدِّقُوا إلّا مَن تَبِعَ دِينَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، فَقَدِ اجْتَمَعَ في هَذا التَّفْسِيرِ الحَذْفُ والإضْمارُ وسُوءُ النَّظْمِ وفَسادُ المَعْنى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ الإيمانُ عَلى الإقْرارِ فَيَكُونَ المَعْنى: ولا تُقِرُّوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ اللّامُ زائِدَةً، لَكِنْ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ الباءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ عَلى كُلِّ حالٍ، فَهَذا مُحَصِّلُ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُؤْمِنُوا وجْهَ النَّهارِ ويَكْفُرُوا آخِرَهُ، لِيَصِيرَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِلْمُسْلِمِينَ في صِحَّةِ الإسْلامِ.
فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ مَعَ كَمالِ هِدايَةِ اللَّهِ وقُوَّةِ بَيانِهِ لا يَكُونُ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ قُوَّةٌ ولا أثَرٌ.
والثّانِي: أنَّهُ حَكى عَنْهم أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتُوا مِنَ الكِتابِ والحُكْمِ والنُّبُوَّةِ.
فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾، والمُرادُ بِالفَضْلِ الرِّسالَةُ، وهو في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في زِيادَةِ الإحْسانِ، والفاضِلِ الزّائِدِ عَلى غَيْرِهِ في خِصالِ الخَيْرِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُ الفَضْلِ لِكُلِّ نَفْعٍ قَصَدَ بِهِ فاعِلُهُ الإحْسانَ إلى الغَيْرِ، وقَوْلُهُ ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾ أيْ إنَّهُ مالِكٌ لَهُ قادِرٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ هو تَفَضُّلٌ مَوْقُوفٌ عَلى مَشِيئَتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ تَحْصُلُ بِالتَّفَضُّلِ لا بِالِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَها مِن بابِ الفَضْلِ الَّذِي لِفاعِلِهِ أنْ يَفْعَلَهُ وأنْ لا يَفْعَلَهُ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في المُسْتَحِقِّ إلّا عَلى وجْهِ المَجازِ، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ مُؤَكِّدٌ لِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ كَوْنَهُ واسِعًا، يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وكَوْنَهُ عَلِيمًا عَلى كَمالِ العِلْمِ، فَيَصِحُّ مِنهُ لِمَكانِ القُدْرَةِ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلى أيِّ عَبْدٍ شاءَ بِأيِّ تَفَضُّلٍ شاءَ، ويَصِحُّ مِنهُ لِمَكانِ كَمالِ العِلْمِ أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِن أفْعالِهِ إلّا عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ.
صفحة ٨٨
ثُمَّ قالَ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ وهَذا كالتَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها أنَّ الفَضْلَ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ، ثُمَّ إنَّ الزِّيادَةَ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ، فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُؤْتِيَ بَعْضَ عِبادِهِ مِثْلَ ما آتاهم مِنَ المَناصِبِ العالِيَةِ ويَزِيدَ عَلَيْها مِن جِنْسِها، ثُمَّ قالَ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ والرَّحْمَةُ المُضافَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أمْرٌ أعْلى مِن ذَلِكَ الفَضْلِ، فَإنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ رُبَّما بَلَغَتْ في الشَّرَفِ وعُلُوِّ الرُّتْبَةِ إلى أنْ لا تَكُونَ مِن جِنْسِ ما آتاهم، بَلْ تَكُونُ أعْلى وأجَلَّ مِن أنْ تُقاسَ إلى ما آتاهم، ويَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ أنَّهُ لا نِهايَةَ لِمَراتِبِ إعْزازِ اللَّهِ وإكْرامِهِ لِعِبادِهِ، وأنَّ قَصْرَ إنْعامِهِ وإكْرامِهِ عَلى مَراتِبَ مُعَيَّنَةٍ، وعَلى أشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ جَهْلٌ بِكَمالِ اللَّهِ في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
آل عمران 3:74
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا بَقِيَّةُ كَلامِ اليَهُودِ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى: ولا تُصَدِّقُوا إلّا نَبِيًّا يُقَرِّرُ
صفحة ٨٥
شَرائِعَ التَّوْراةِ، فَأمّا مَن جاءَ بِتَغْيِيرِ شَيْءٍ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ فَلا تُصَدِّقُوهُ، وهَذا هو مَذْهَبُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ تَكُونُ ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَن تَبِعَ﴾ صِلَةً زائِدَةً، فَإنَّهُ يُقالُ: صَدَّقْتُ فُلانًا، ولا يُقالُ صَدَّقْتُ لِفُلانٍ، وكَوْنُ هَذِهِ اللّامِ صِلَةً زائِدَةً جائِزٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، والمُرادُ رَدِفَكم.
والثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾، ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أيْ لا تَأْتُوا بِذَلِكَ الإيمانِ إلّا لِأجْلِ مَن تَبِعَ دِينَكم، كَأنَّهم قالُوا: لَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الإتْيانِ بِذَلِكَ التَّلْبِيسِ إلّا بَقاءَ أتْباعِكم عَلى دِينِكم، فالمَعْنى: ولا تَأْتُوا بِذَلِكَ الإيمانِ إلّا لِأجْلِ مَن تَبِعَ دِينَكم، فَإنَّ مَقْصُودَ كُلِّ واحِدٍ حِفْظُ أتْباعِهِ وأشْياعِهِ عَلى مُتابَعَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما مَعْناهُ: الدِّينُ دِينُ اللَّهِ، ومِثْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] .
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن بَيانِ أنَّهُ كَيْفَ صارَ هَذا الكَلامُ جَوابًا عَمّا حَكاهُ عَنْهم ؟ فَنَقُولُ: أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو قَوْلُهم: لا دِينَ إلّا ما هم عَلَيْهِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما صَلَحَ جَوابًا عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ إنَّما ثَبَتَ دِينًا مِن جِهَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِهِ وأرْشَدَ إلَيْهِ وأوْجَبَ الِانْقِيادَ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمَتى أمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ وأرْشَدَ إلى غَيْرِهِ، وأوْجَبَ الِانْقِيادَ إلى غَيْرِهِ كانَ نَبِيًّا يَجِبُ أنْ يُتَّبَعَ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الدِّينَ إنَّما صارَ دِينًا بِحُكْمِهِ وهِدايَتِهِ، فَحَيْثُما كانَ حُكْمُهُ وجَبَتْ مُتابَعَتُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى جَوابًا لَهم عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يَعْنِي: الجِهاتُ كُلُّها لِلَّهِ، فَلَهُ أنْ يُحَوِّلَ القِبْلَةَ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فالمَعْنى أنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وقَدْ جِئْتُكم بِهِ فَلَنْ يَنْفَعَكم في دَفْعِهِ هَذا الكَيْدُ الضَّعِيفُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المُشْكِلاتِ الصَّعْبَةِ، فَنَقُولُ هَذا إمّا أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ اليَهُودِ، ومِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، وقَدْ ذَهَبَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ:
أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”أنْ يُؤْتى“ بِمَدِّ الألِفِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا اسْتِفْهامٍ، فَإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، فالوَجْهُ ظاهِرٌ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٤،١٥]، والمَعْنى أمِن أجْلِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ شَرائِعَ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الشَّرائِعِ يُنْكِرُونَ اتِّباعَهُ ؟ ثُمَّ حُذِفَ الجَوابُ لِلِاخْتِصارِ، وهَذا الحَذْفُ كَثِيرٌ، يَقُولُ الرَّجُلُ بَعْدَ طُولِ العِتابِ لِصاحِبِهِ، وتَعْدِيدِهِ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ بَعْدَ كَثْرَةِ إحْسانِهِ إلَيْهِ: أمِن قِلَّةِ إحْسانِي إلَيْكَ ؟ أمِن إهانَتِي لَكَ ؟ والمَعْنى أمِن أجْلِ هَذا فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وعِيسى بْنِ عُمَرَ، أمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِقَصْرِ الألِفِ مِن (أنْ) فَقَدْ يُمْكِنُ أيْضًا حَمْلُها عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ كَما قُرِئَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] بِالمَدِّ والقَصْرِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قُرِئَ بِالمَدِّ والقَصْرِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
صفحة ٨٦
تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ ؟ وماذا عَلَيْكَ ولَمْ تَنْتَظِرْ
أرادَ أتَرُوحُ مِنَ الحَيِّ ؟ فَحَذَفَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ كانَ التَّقْدِيرُ ما شَرَحْناهُ في القِراءَةِ الأُولى.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ لَمّا قالُوا لِأتْباعِهِمْ: لا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ فَلا تُنْكِرُوا ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ سِواكم مِنَ الهُدى ﴿مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ و﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ يَعْنِي هَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ إنْ لَمْ تَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنهم، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ يَفْتَقِرُ في هَذا التَّأْوِيلِ إلى إضْمارِ قَوْلِهِ: فَلا تُنْكِرُوا؛ لِأنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الهُدى هُدى اللَّهِ كانَ لَهُ تَعالى أنْ يُؤْتِيَهُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ تَرْكُ الإنْكارِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الهُدى اسْمٌ لِلْبَيانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]، فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ الهُدى﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿هُدى اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ خَبَرٌ بِإضْمارِ حَرْفِ لا، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لا شَكَّ أنَّ بَيانَ اللَّهِ هو أنْ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي هو أفْضَلُ الأدْيانِ، وأنْ لا يُحاجُّوكم يَعْنِي هَؤُلاءِ اليَهُودَ عِنْدَ رَبِّكم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ يُظْهِرُ لَهم في الآخِرَةِ أنَّكم مُحِقُّونَ وأنَّهم مُضِلُّونَ، وهَذا التَّأْوِيلُ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ (لا)، وهو جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلُّوا﴾ أيْ أنْ لا تَضِلُّوا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: ”الهُدى“ اسْمٌ و﴿هُدى اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، و﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ هُدى اللَّهِ هو أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم فَيُقْضى لَكم عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: أنَّ الهُدى هو ما هَدَيْتُكم بِهِ مِن دِينِ الإسْلامِ الَّذِي مَن حاجَّكم بِهِ عِنْدِي قَضَيْتُ لَكم عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ما يَدُلُّ عَلى هَذا الإضْمارِ؛ ولِأنَّ حُكْمَهُ بِكَوْنِهِ رَبًّا لَهم يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ راضِيًا عَنْهم، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَحْكُمُ لَهم ولا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ اليَهُودِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وإنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ.
قالُوا: والمَعْنى لا تُظْهِرُوا إيمانَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِأهْلِ دِينِكم، وأسِرُّوا تَصْدِيقَكم بِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أُوتُوا مِن كُتُبِ اللَّهِ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ولا تُفْشُوهُ إلّا إلى أشْياعِكم وحْدَهم دُونَ المُسْلِمِينَ؛ لِئَلّا يَزِيدَهم ثَباتًا ودُونَ المُشْرِكِينَ لِئَلّا يَدْعُوَهم ذَلِكَ إلى الإسْلامِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى ”أنْ يُؤْتى“، والضَّمِيرُ في يُحاجُّوكم لِأحَدٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَعْنى ولا تُؤْمِنُوا لِغَيْرِ أتْباعِكم، إنَّ المُسْلِمِينَ يُحاجُّونَكم يَوْمَ القِيامَةِ بِالحَقِّ ويُغالِبُونَكم عِنْدَ اللَّهِ بِالحُجَّةِ، وعِنْدِي أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ جِدَّ القَوْمِ في حِفْظِ أتْباعِهِمْ عَنْ قَبُولِ دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أعْظَمَ مِن جِدِّهِمْ في حِفْظِ غَيْرِ أتْباعِهِمْ وأشْياعِهِمْ عَنْهُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُوصِيَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالإقْرارِ بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ أتْباعِهِمْ وأشْياعِهِمْ، وأنْ يَمْتَنِعُوا مِن ذَلِكَ عِنْدَ الأجانِبِ ؟ هَذا في غايَةِ البُعْدِ.
الثّانِي: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَخْتَلُّ النَّظْمُ ويَقَعُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ لا يَلِيقُ بِكَلامِ الفُصَحاءِ.
والثّالِثُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا بُدَّ مِنَ الحَذْفِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ وإنَّ الفَضْلَ
صفحة ٨٧
بِيَدِ اللَّهِ، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ ”قُلْ“ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ .
الرّابِعُ: أنَّهُ كَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ فِيما بَيْنَ جُزْأيْ كَلامٍ واحِدٍ ؟ فَإنَّ هَذا في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الكَلامِ المُسْتَقِيمِ، قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ كَلامًا أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَهُ عِنْدَ انْتِهاءِ الحِكايَةِ عَنِ اليَهُودِ إلى هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَكى عَنْهم في هَذا المَوْضِعِ قَوْلًا باطِلًا لا جَرَمَ أدَّبَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُقابِلَهُ بِقَوْلٍ حَقٍّ، ثُمَّ يَعُودُ إلى حِكايَةِ تَمامِ كَلامِهِمْ كَما إذا حَكى المُسْلِمُ عَنْ بَعْضِ الكُفّارِ قَوْلًا فِيهِ كُفْرٌ، فَيَقُولُ عِنْدَ بُلُوغِهِ إلى تِلْكَ الكَلِمَةِ: آمَنتُ بِاللَّهِ، أوْ يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أوْ يَقُولُ: تَعالى اللَّهُ، ثُمَّ يَعُودُ إلى تَمامِ الحِكايَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ مِن هَذا البابِ، ثُمَّ أتى بَعْدَهُ بِتَمامِ قَوْلِ اليَهُودِ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ثُمَّ أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمُحاجَّتِهِمْ في هَذا وتَنْبِيهِهِمْ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
الإشْكالُ الخامِسُ في هَذِهِ الوُجُوهِ:
أنَّ الإيمانَ إذا كانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ لا يَتَعَدّى إلى المُصَدِّقِ بِحَرْفِ اللّامِ، لا يُقالُ صَدَّقْتُ لِزَيْدٍ، بَلْ يُقالُ: صَدَّقْتُ زَيْدًا، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا مَن تَبِعَ دِينَكم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْتاجُ إلى حَذْفِ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ويَحْتاجُ إلى إضْمارِ الباءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُؤْتى﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ولا تُصَدِّقُوا إلّا مَن تَبِعَ دِينَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، فَقَدِ اجْتَمَعَ في هَذا التَّفْسِيرِ الحَذْفُ والإضْمارُ وسُوءُ النَّظْمِ وفَسادُ المَعْنى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ الإيمانُ عَلى الإقْرارِ فَيَكُونَ المَعْنى: ولا تُقِرُّوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ اللّامُ زائِدَةً، لَكِنْ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ الباءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ عَلى كُلِّ حالٍ، فَهَذا مُحَصِّلُ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُؤْمِنُوا وجْهَ النَّهارِ ويَكْفُرُوا آخِرَهُ، لِيَصِيرَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِلْمُسْلِمِينَ في صِحَّةِ الإسْلامِ.
فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ مَعَ كَمالِ هِدايَةِ اللَّهِ وقُوَّةِ بَيانِهِ لا يَكُونُ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ قُوَّةٌ ولا أثَرٌ.
والثّانِي: أنَّهُ حَكى عَنْهم أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتُوا مِنَ الكِتابِ والحُكْمِ والنُّبُوَّةِ.
فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾، والمُرادُ بِالفَضْلِ الرِّسالَةُ، وهو في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في زِيادَةِ الإحْسانِ، والفاضِلِ الزّائِدِ عَلى غَيْرِهِ في خِصالِ الخَيْرِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُ الفَضْلِ لِكُلِّ نَفْعٍ قَصَدَ بِهِ فاعِلُهُ الإحْسانَ إلى الغَيْرِ، وقَوْلُهُ ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾ أيْ إنَّهُ مالِكٌ لَهُ قادِرٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ هو تَفَضُّلٌ مَوْقُوفٌ عَلى مَشِيئَتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ تَحْصُلُ بِالتَّفَضُّلِ لا بِالِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَها مِن بابِ الفَضْلِ الَّذِي لِفاعِلِهِ أنْ يَفْعَلَهُ وأنْ لا يَفْعَلَهُ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في المُسْتَحِقِّ إلّا عَلى وجْهِ المَجازِ، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ مُؤَكِّدٌ لِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ كَوْنَهُ واسِعًا، يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وكَوْنَهُ عَلِيمًا عَلى كَمالِ العِلْمِ، فَيَصِحُّ مِنهُ لِمَكانِ القُدْرَةِ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلى أيِّ عَبْدٍ شاءَ بِأيِّ تَفَضُّلٍ شاءَ، ويَصِحُّ مِنهُ لِمَكانِ كَمالِ العِلْمِ أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِن أفْعالِهِ إلّا عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ.
صفحة ٨٨
ثُمَّ قالَ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ وهَذا كالتَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها أنَّ الفَضْلَ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ، ثُمَّ إنَّ الزِّيادَةَ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ، فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُؤْتِيَ بَعْضَ عِبادِهِ مِثْلَ ما آتاهم مِنَ المَناصِبِ العالِيَةِ ويَزِيدَ عَلَيْها مِن جِنْسِها، ثُمَّ قالَ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ والرَّحْمَةُ المُضافَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أمْرٌ أعْلى مِن ذَلِكَ الفَضْلِ، فَإنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ رُبَّما بَلَغَتْ في الشَّرَفِ وعُلُوِّ الرُّتْبَةِ إلى أنْ لا تَكُونَ مِن جِنْسِ ما آتاهم، بَلْ تَكُونُ أعْلى وأجَلَّ مِن أنْ تُقاسَ إلى ما آتاهم، ويَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ أنَّهُ لا نِهايَةَ لِمَراتِبِ إعْزازِ اللَّهِ وإكْرامِهِ لِعِبادِهِ، وأنَّ قَصْرَ إنْعامِهِ وإكْرامِهِ عَلى مَراتِبَ مُعَيَّنَةٍ، وعَلى أشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ جَهْلٌ بِكَمالِ اللَّهِ في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
آل عمران 3:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم أُوتُوا مِنَ المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ غَيْرُهم مِثْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الخِيانَةَ مُسْتَقْبَحَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ أرْبابِ الأدْيانِ، وهم مُصِرُّونَ عَلَيْها، فَدَلَّ هَذا عَلى كَذِبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَبائِحَ أحْوالِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأدْيانِ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ حَكى في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضَ قَبائِحِ أحْوالِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِمُعامَلَةِ النّاسِ، وهو إصْرارُهم عَلى الخِيانَةِ والظُّلْمِ وأخْذِ أمْوالِ النّاسِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ.
وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى انْقِسامِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُهم أهْلُ الأمانَةِ، وبَعْضُهم أهْلُ الخِيانَةِ وفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الأمانَةِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا، أمّا الَّذِينَ بَقُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ فَهم مُصِرُّونَ عَلى الخِيانَةِ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنْ يَحِلَّ لَهم قَتْلُ كُلِّ مَن خالَفَهم في الدِّينِ وأخْذُ أمْوالِهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
الثّانِي: أنَّ أهْلَ الأمانَةِ هُمُ النَّصارى، وأهْلَ الخِيانَةِ هُمُ اليَهُودُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا أنَّ مَذْهَبَ اليَهُودِ أنَّهُ: يُحِلُّ قَتْلَ المُخالِفِ ويُحِلُّ أخْذَ مالِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْدَعَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِن ذَهَبٍ فَأدّى إلَيْهِ،
صفحة ٨٩
وأوْدَعَ آخَرُ فِنْحاصَ بْنَ عازُوراءَ دِينارًا فَخانَهُ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: أمِنتُهُ بِكَذا وعَلى كَذا، كَما يُقالُ: مَرَرْتُ بِهِ وعَلَيْهِ، فَمَعْنى الباءِ إلْصاقُ الأمانَةِ، ومَعْنى: عَلى اسْتِعْلاءُ الأمانَةِ، فَمَنِ اؤْتُمِنَ عَلى شَيْءٍ فَقَدْ صارَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في مَعْنى المُلْتَصِقِ بِهِ لِقُرْبِهِ مِنهُ، واتِّصالِهِ بِحِفْظِهِ وحِياطَتِهِ، وأيْضًا صارَ المُودَعُ كالمُسْتَعْلِي عَلى تِلْكَ الأمانَةِ والمُسْتَوْلِي عَلَيْها، فَلِهَذا حَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِكِلْتا العِبارَتَيْنِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: أمِنتُكَ بِدِينارٍ أيْ: وثِقْتُ بِكَ فِيهِ، وقَوْلُكَ: أمِنتُكَ عَلَيْهِ، أيْ جَعَلْتُكَ أمِينًا عَلَيْهِ وحافِظًا لَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن ذِكْرِ القِنْطارِ والدِّينارِ هاهُنا العَدَدُ الكَثِيرُ والعَدَدُ القَلِيلُ، يَعْنِي أنَّ فِيهِمْ مَن هو في غايَةِ الأمانَةِ حَتّى لَوِ اؤْتُمِنَ عَلى الأمْوالِ الكَثِيرَةِ أدّى الأمانَةَ فِيها، ومِنهم مَن هو في غايَةِ الخِيانَةِ حَتّى لَوِ اؤْتُمِنَ عَلى الشَّيْءِ القَلِيلِ، فَإنَّهُ يُجَوِّزُ فِيهِ الخِيانَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا حاجَةَ بِنا إلى ذِكْرِ مِقْدارِ القِنْطارِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ القِنْطارَ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ قالُوا: لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حِينَ اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَرَدَّهُ ولَمْ يَخُنْ فِيهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى القِنْطارِ هو ذَلِكَ المِقْدارُ.
الثّانِي: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مِلْءُ جِلْدِ ثَوْرٍ مِنَ المالِ.
الثّالِثُ: قِيلَ القِنْطارُ هو ألْفُ ألْفِ دِينارٍ أوْ ألْفُ ألْفِ دِرْهَمٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ القِنْطارِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”يُؤَدِّهْ“ بِسُكُونِ الهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا غَلَطٌ مِنَ الرّاوِي عَنْ أبِي عَمْرٍو كَما غَلِطَ في ”بارِئْكم“ بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وإنَّما كانَ أبُو عَمْرٍو يَخْتَلِسُ الحَرَكَةَ، واحْتَجَّ الزَّجّاجُ عَلى فَسادِ هَذِهِ القِراءَةِ بِأنْ قالَ: الجَزاءُ لَيْسَ في الهاءِ وإنَّما هو فِيما قَبْلَ الهاءِ، والهاءُ اسْمُ المُكَنّى، والأسْماءُ لا تُجْزَمُ في الوَصْلِ، وقالَ الفَرّاءُ: مِنَ العَرَبِ مَن يَجْزِمُ الهاءَ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، فَيَقُولُ: ضَرَبْتُهْ ضَرْبًا شَدِيدًا كَما يُسَكِّنُونَ ”مِيمَ“ أنْتُمْ وقُمْتُمْ وأصْلُها الرَّفْعُ، وأنْشَدَ:
لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعُ
وقُرِئَ أيْضًا بِاخْتِلاسِ حَرَكَةِ الهاءِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ مِنَ الياءِ، وقُرِئَ بِإشْباعِ الكَسْرَةِ في الهاءِ وهو الأصْلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظِ ”القائِمِ“ وجْهانِ: مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي إلّا ما دُمْتَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ بِالِاجْتِماعِ مَعَهُ والمُلازَمَةِ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ إنَّما يَكُونُ مُعْتَرِفًا بِما دَفَعْتَ إلَيْهِ ما دُمْتَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، فَإنْ أنْظَرْتَ وأخَّرْتَ أنْكَرَ، ومِنهم مَن حَمَلَ لَفْظَ ”القائِمِ“ عَلى مَجازِهِ ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِن هَذا القِيامِ الإلْحاحُ والخُصُومَةُ والتَّقاضِي والمُطالَبَةُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ أنَّ المُطالِبَ لِلشَّيْءِ يَقُومُ فِيهِ والتّارِكَ لَهُ يَقْعُدُ عَنْهُ، دَلِيلُ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“ أيْ عامِلَةٌ بِأمْرِ اللَّهِ غَيْرُ تارِكَةٍ، ثُمَّ قِيلَ: لِكُلِّ مَن واظَبَ عَلى مُطالَبَةِ أمْرٍ أنَّهُ قامَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قِيامٌ.
الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِيامُ في اللُّغَةِ بِمَعْنى الدَّوامِ والثَّباتِ، وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أيْ دائِمًا ثابِتًا لا يُنْسَخُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ أيْ دائِمًا ثابِتًا في مُطالَبَتِكَ إيّاهُ بِذَلِكَ المالِ.
صفحة ٩٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ و(بِدِينارٍ) العَيْنُ والدَّيْنُ؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَأْتَمِنُ غَيْرَهُ عَلى الوَدِيعَةِ وعَلى المُبايَعَةِ وعَلى المُقارَضَةِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ والمَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَمَلَهُ عَلى المُبايَعَةِ، فَقالَ: مِنهم مَن تُبايِعُهُ بِثَمَنِ القِنْطارِ فَيُؤَدِّهِ إلَيْكَ، ومِنهم مَن تُبايِعُهُ بِثَمَنِ الدِّينارِ فَلا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ، ونَقَلْنا أيْضًا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أنَّ رَجُلًا أوْدَعَ مالًا كَثِيرًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومالًا قَلِيلًا عِنْدَ فِنْحاصِ بْنِ عازُوراءَ، فَخانَ هَذا اليَهُودِيُّ في القَلِيلِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ أدّى الأمانَةَ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ الأقْسامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِحْلالَ والخِيانَةَ هو بِسَبَبِ أنَّهم يَقُولُونَ لَيْسَ عَلَيْنا فِيما أصَبْنا مِن أمْوالِ العَرَبِ سَبِيلٌ.
وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ اعْتَقَدَ اليَهُودُ هَذا الِاسْتِحْلالَ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهم مُبالِغُونَ في التَّعَصُّبِ لِدِينِهِمْ، فَلا جَرَمَ يَقُولُونَ: يَحِلُّ قَتْلُ المُخالِفِ ويَحِلُّ أخْذُ مالِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، ورُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كَذَبَ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ، إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ» “ .
الثّانِي: اليَهُودُ قالُوا ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، والخَلْقُ لَنا عَبِيدٌ فَلا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْنا إذا أكَلْنا أمْوالَ عَبِيدِنا.
الثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ لا مُطْلَقًا لِكُلِّ مَن خالَفَهم، بَلْ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ، رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ بايَعُوا رِجالًا في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا أسْلَمُوا طالَبُوهم بِالأمْوالِ، فَقالُوا: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا حَقٌّ لِأنَّكم تَرَكْتُمْ دِينَكم، وأقُولُ: مِنَ المُحْتَمَلِ أنَّهُ كانَ مِن مَذْهَبِ اليَهُودِ أنَّ مَنِ انْتَقَلَ مِن دِينٍ باطِلٍ إلى دِينٍ آخَرَ باطِلٍ كانَ في حُكْمِ المُرْتَدِّ، فَهم وإنِ اعْتَقَدُوا أنَّ العَرَبَ كُفّارٌ إلّا أنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا في الإسْلامِ أنَّهُ كُفْرٌ حَكَمُوا عَلى العَرَبِ الَّذِينَ أسْلَمُوا بِالرِّدَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَفْيُ السَّبِيلِ المُرادُ مِنهُ نَفْيُ القُدْرَةِ عَلى المُطالَبَةِ والإلْزامِ.
قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وقالَ: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، وقالَ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤١، ٤٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”الأُمِّيُّ“ مَنسُوبٌ إلى الأُمِّ، وسُمِّيَ النَّبِيُّ ﷺ أُمِّيًّا قِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لا يَكْتُبُ وذَلِكَ لِأنَّ الأُمَّ أصْلُ الشَّيْءِ، فَمَن لا يَكْتُبُ فَقَدْ بَقِيَ عَلى أصْلِهِ في أنْ لا يَكْتُبَ، وقِيلَ: نُسِبَ إلى مَكَّةَ وهي أُمُّ القُرى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا: إنَّ جَوازَ الخِيانَةِ مَعَ المُخالِفِ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ وكانُوا كاذِبِينَ في ذَلِكَ وعالِمِينَ بِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ فِيهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ خِيانَتُهُ أعْظَمَ وجُرْمُهُ أفْحَشَ.
الثّانِي: أنَّهم يَعْلَمُونَ كَوْنَ الخِيانَةِ مُحَرَّمَةً.
الثّالِثُ: أنَّهم يَعْلَمُونَ ما عَلى الخائِنِ مِنَ الإثْمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في ”بَلى“ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِمُجَرَّدِ نَفْيِ ما قَبْلَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، فَقالَ اللَّهُ تَعالى رادًّا عَلَيْهِمْ ”بَلى“ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ في ذَلِكَ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، قالَ: وعِنْدِي وقْفُ التَّمامِ عَلى ”بَلى“ وبَعْدَهُ اسْتِئْنافٌ.
والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”بَلى“ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ يُذْكَرُ بَعْدَهُ، وذَلِكَ
صفحة ٩١
لِأنَّ قَوْلَهم: لَيْسَ عَلَيْنا فِيما نَفْعَلُ جُناحٌ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِمْ: نَحْنُ أحِبّاءُ اللَّهِ تَعالى، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ أهْلَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ والتُّقى هُمُ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ تَعالى لا غَيْرَهم، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ”بَلى“، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ مَضى الكَلامُ في مَعْنى الوَفاءِ بِالعَهْدِ والضَّمِيرُ في ”بِعَهْدِهِ“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ ”اللَّهِ“ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى ”مَن“ لِأنَّ العَهْدَ مَصْدَرٌ فَيُضافُ إلى المَفْعُولِ وإلى الفاعِلِ، وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الفاعِلِ وهو ”مَن“ فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ لَوْ وفّى أهْلُ الكِتابِ بِعُهُودِهِمْ وتَرَكُوا الخِيانَةَ، فَإنَّهم يَكْتَسِبُونَ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى.
الجَوابُ: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّهم إذا أوْفَوْا بِالعُهُودِ أوْفَوْا أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ بِالعَهْدِ الأعْظَمِ، وهو ما أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولَوِ اتَّقَوُا اللَّهَ في تَرْكِ الخِيانَةِ، لاتَّقَوْهُ في تَرْكِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، وفي تَرْكِ تَحْرِيفِ التَّوْراةِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أيْنَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ مِنَ الجَزاءِ إلى ”مَن“ ؟
الجَوابُ: عُمُومُ المُتَّقِينَ قامَ مَقامَ رُجُوعِ الضَّمِيرِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ أمْرِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، وذَلِكَ لِأنَّ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. فالوَفاءُ بِالعَهْدِ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِما مَعًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِمَنفَعَةِ الخَلْقِ، فَهو شَفَقَةٌ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ولَمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ، كانَ الوَفاءُ بِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ العِبارَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى جَمِيعِ أنْواعِ الطّاعاتِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، كَما يُمْكِنُ في حَقِّ الغَيْرِ يُمْكِنُ أيْضًا في حَقِّ النَّفْسِ؛ لِأنَّ الوافِيَ بِعَهْدِ النَّفْسِ هو الآتِي بِالطّاعاتِ والتّارِكُ لِلْمُحَرَّماتِ، لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَفُوزُ النَّفْسُ بِالثَّوابِ وتَبْعُدُ عَنِ العِقابِ.
آل عمران 3:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم أُوتُوا مِنَ المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ غَيْرُهم مِثْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الخِيانَةَ مُسْتَقْبَحَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ أرْبابِ الأدْيانِ، وهم مُصِرُّونَ عَلَيْها، فَدَلَّ هَذا عَلى كَذِبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَبائِحَ أحْوالِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأدْيانِ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ حَكى في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضَ قَبائِحِ أحْوالِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِمُعامَلَةِ النّاسِ، وهو إصْرارُهم عَلى الخِيانَةِ والظُّلْمِ وأخْذِ أمْوالِ النّاسِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ.
وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى انْقِسامِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُهم أهْلُ الأمانَةِ، وبَعْضُهم أهْلُ الخِيانَةِ وفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الأمانَةِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا، أمّا الَّذِينَ بَقُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ فَهم مُصِرُّونَ عَلى الخِيانَةِ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنْ يَحِلَّ لَهم قَتْلُ كُلِّ مَن خالَفَهم في الدِّينِ وأخْذُ أمْوالِهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
الثّانِي: أنَّ أهْلَ الأمانَةِ هُمُ النَّصارى، وأهْلَ الخِيانَةِ هُمُ اليَهُودُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا أنَّ مَذْهَبَ اليَهُودِ أنَّهُ: يُحِلُّ قَتْلَ المُخالِفِ ويُحِلُّ أخْذَ مالِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْدَعَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِن ذَهَبٍ فَأدّى إلَيْهِ،
صفحة ٨٩
وأوْدَعَ آخَرُ فِنْحاصَ بْنَ عازُوراءَ دِينارًا فَخانَهُ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: أمِنتُهُ بِكَذا وعَلى كَذا، كَما يُقالُ: مَرَرْتُ بِهِ وعَلَيْهِ، فَمَعْنى الباءِ إلْصاقُ الأمانَةِ، ومَعْنى: عَلى اسْتِعْلاءُ الأمانَةِ، فَمَنِ اؤْتُمِنَ عَلى شَيْءٍ فَقَدْ صارَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في مَعْنى المُلْتَصِقِ بِهِ لِقُرْبِهِ مِنهُ، واتِّصالِهِ بِحِفْظِهِ وحِياطَتِهِ، وأيْضًا صارَ المُودَعُ كالمُسْتَعْلِي عَلى تِلْكَ الأمانَةِ والمُسْتَوْلِي عَلَيْها، فَلِهَذا حَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِكِلْتا العِبارَتَيْنِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: أمِنتُكَ بِدِينارٍ أيْ: وثِقْتُ بِكَ فِيهِ، وقَوْلُكَ: أمِنتُكَ عَلَيْهِ، أيْ جَعَلْتُكَ أمِينًا عَلَيْهِ وحافِظًا لَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن ذِكْرِ القِنْطارِ والدِّينارِ هاهُنا العَدَدُ الكَثِيرُ والعَدَدُ القَلِيلُ، يَعْنِي أنَّ فِيهِمْ مَن هو في غايَةِ الأمانَةِ حَتّى لَوِ اؤْتُمِنَ عَلى الأمْوالِ الكَثِيرَةِ أدّى الأمانَةَ فِيها، ومِنهم مَن هو في غايَةِ الخِيانَةِ حَتّى لَوِ اؤْتُمِنَ عَلى الشَّيْءِ القَلِيلِ، فَإنَّهُ يُجَوِّزُ فِيهِ الخِيانَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا حاجَةَ بِنا إلى ذِكْرِ مِقْدارِ القِنْطارِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ القِنْطارَ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ قالُوا: لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حِينَ اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَرَدَّهُ ولَمْ يَخُنْ فِيهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى القِنْطارِ هو ذَلِكَ المِقْدارُ.
الثّانِي: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مِلْءُ جِلْدِ ثَوْرٍ مِنَ المالِ.
الثّالِثُ: قِيلَ القِنْطارُ هو ألْفُ ألْفِ دِينارٍ أوْ ألْفُ ألْفِ دِرْهَمٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ القِنْطارِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”يُؤَدِّهْ“ بِسُكُونِ الهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا غَلَطٌ مِنَ الرّاوِي عَنْ أبِي عَمْرٍو كَما غَلِطَ في ”بارِئْكم“ بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وإنَّما كانَ أبُو عَمْرٍو يَخْتَلِسُ الحَرَكَةَ، واحْتَجَّ الزَّجّاجُ عَلى فَسادِ هَذِهِ القِراءَةِ بِأنْ قالَ: الجَزاءُ لَيْسَ في الهاءِ وإنَّما هو فِيما قَبْلَ الهاءِ، والهاءُ اسْمُ المُكَنّى، والأسْماءُ لا تُجْزَمُ في الوَصْلِ، وقالَ الفَرّاءُ: مِنَ العَرَبِ مَن يَجْزِمُ الهاءَ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، فَيَقُولُ: ضَرَبْتُهْ ضَرْبًا شَدِيدًا كَما يُسَكِّنُونَ ”مِيمَ“ أنْتُمْ وقُمْتُمْ وأصْلُها الرَّفْعُ، وأنْشَدَ:
لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعُ
وقُرِئَ أيْضًا بِاخْتِلاسِ حَرَكَةِ الهاءِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ مِنَ الياءِ، وقُرِئَ بِإشْباعِ الكَسْرَةِ في الهاءِ وهو الأصْلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظِ ”القائِمِ“ وجْهانِ: مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي إلّا ما دُمْتَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ بِالِاجْتِماعِ مَعَهُ والمُلازَمَةِ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ إنَّما يَكُونُ مُعْتَرِفًا بِما دَفَعْتَ إلَيْهِ ما دُمْتَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، فَإنْ أنْظَرْتَ وأخَّرْتَ أنْكَرَ، ومِنهم مَن حَمَلَ لَفْظَ ”القائِمِ“ عَلى مَجازِهِ ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِن هَذا القِيامِ الإلْحاحُ والخُصُومَةُ والتَّقاضِي والمُطالَبَةُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ أنَّ المُطالِبَ لِلشَّيْءِ يَقُومُ فِيهِ والتّارِكَ لَهُ يَقْعُدُ عَنْهُ، دَلِيلُ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“ أيْ عامِلَةٌ بِأمْرِ اللَّهِ غَيْرُ تارِكَةٍ، ثُمَّ قِيلَ: لِكُلِّ مَن واظَبَ عَلى مُطالَبَةِ أمْرٍ أنَّهُ قامَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قِيامٌ.
الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِيامُ في اللُّغَةِ بِمَعْنى الدَّوامِ والثَّباتِ، وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أيْ دائِمًا ثابِتًا لا يُنْسَخُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ أيْ دائِمًا ثابِتًا في مُطالَبَتِكَ إيّاهُ بِذَلِكَ المالِ.
صفحة ٩٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ و(بِدِينارٍ) العَيْنُ والدَّيْنُ؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَأْتَمِنُ غَيْرَهُ عَلى الوَدِيعَةِ وعَلى المُبايَعَةِ وعَلى المُقارَضَةِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ والمَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَمَلَهُ عَلى المُبايَعَةِ، فَقالَ: مِنهم مَن تُبايِعُهُ بِثَمَنِ القِنْطارِ فَيُؤَدِّهِ إلَيْكَ، ومِنهم مَن تُبايِعُهُ بِثَمَنِ الدِّينارِ فَلا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ، ونَقَلْنا أيْضًا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أنَّ رَجُلًا أوْدَعَ مالًا كَثِيرًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومالًا قَلِيلًا عِنْدَ فِنْحاصِ بْنِ عازُوراءَ، فَخانَ هَذا اليَهُودِيُّ في القَلِيلِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ أدّى الأمانَةَ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ الأقْسامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِحْلالَ والخِيانَةَ هو بِسَبَبِ أنَّهم يَقُولُونَ لَيْسَ عَلَيْنا فِيما أصَبْنا مِن أمْوالِ العَرَبِ سَبِيلٌ.
وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ اعْتَقَدَ اليَهُودُ هَذا الِاسْتِحْلالَ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهم مُبالِغُونَ في التَّعَصُّبِ لِدِينِهِمْ، فَلا جَرَمَ يَقُولُونَ: يَحِلُّ قَتْلُ المُخالِفِ ويَحِلُّ أخْذُ مالِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، ورُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كَذَبَ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ، إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ» “ .
الثّانِي: اليَهُودُ قالُوا ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، والخَلْقُ لَنا عَبِيدٌ فَلا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْنا إذا أكَلْنا أمْوالَ عَبِيدِنا.
الثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ لا مُطْلَقًا لِكُلِّ مَن خالَفَهم، بَلْ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ، رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ بايَعُوا رِجالًا في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا أسْلَمُوا طالَبُوهم بِالأمْوالِ، فَقالُوا: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا حَقٌّ لِأنَّكم تَرَكْتُمْ دِينَكم، وأقُولُ: مِنَ المُحْتَمَلِ أنَّهُ كانَ مِن مَذْهَبِ اليَهُودِ أنَّ مَنِ انْتَقَلَ مِن دِينٍ باطِلٍ إلى دِينٍ آخَرَ باطِلٍ كانَ في حُكْمِ المُرْتَدِّ، فَهم وإنِ اعْتَقَدُوا أنَّ العَرَبَ كُفّارٌ إلّا أنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا في الإسْلامِ أنَّهُ كُفْرٌ حَكَمُوا عَلى العَرَبِ الَّذِينَ أسْلَمُوا بِالرِّدَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَفْيُ السَّبِيلِ المُرادُ مِنهُ نَفْيُ القُدْرَةِ عَلى المُطالَبَةِ والإلْزامِ.
قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وقالَ: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، وقالَ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤١، ٤٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”الأُمِّيُّ“ مَنسُوبٌ إلى الأُمِّ، وسُمِّيَ النَّبِيُّ ﷺ أُمِّيًّا قِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لا يَكْتُبُ وذَلِكَ لِأنَّ الأُمَّ أصْلُ الشَّيْءِ، فَمَن لا يَكْتُبُ فَقَدْ بَقِيَ عَلى أصْلِهِ في أنْ لا يَكْتُبَ، وقِيلَ: نُسِبَ إلى مَكَّةَ وهي أُمُّ القُرى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا: إنَّ جَوازَ الخِيانَةِ مَعَ المُخالِفِ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ وكانُوا كاذِبِينَ في ذَلِكَ وعالِمِينَ بِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ فِيهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ خِيانَتُهُ أعْظَمَ وجُرْمُهُ أفْحَشَ.
الثّانِي: أنَّهم يَعْلَمُونَ كَوْنَ الخِيانَةِ مُحَرَّمَةً.
الثّالِثُ: أنَّهم يَعْلَمُونَ ما عَلى الخائِنِ مِنَ الإثْمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في ”بَلى“ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِمُجَرَّدِ نَفْيِ ما قَبْلَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، فَقالَ اللَّهُ تَعالى رادًّا عَلَيْهِمْ ”بَلى“ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ في ذَلِكَ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، قالَ: وعِنْدِي وقْفُ التَّمامِ عَلى ”بَلى“ وبَعْدَهُ اسْتِئْنافٌ.
والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”بَلى“ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ يُذْكَرُ بَعْدَهُ، وذَلِكَ
صفحة ٩١
لِأنَّ قَوْلَهم: لَيْسَ عَلَيْنا فِيما نَفْعَلُ جُناحٌ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِمْ: نَحْنُ أحِبّاءُ اللَّهِ تَعالى، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ أهْلَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ والتُّقى هُمُ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ تَعالى لا غَيْرَهم، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ”بَلى“، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ مَضى الكَلامُ في مَعْنى الوَفاءِ بِالعَهْدِ والضَّمِيرُ في ”بِعَهْدِهِ“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ ”اللَّهِ“ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى ”مَن“ لِأنَّ العَهْدَ مَصْدَرٌ فَيُضافُ إلى المَفْعُولِ وإلى الفاعِلِ، وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الفاعِلِ وهو ”مَن“ فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ لَوْ وفّى أهْلُ الكِتابِ بِعُهُودِهِمْ وتَرَكُوا الخِيانَةَ، فَإنَّهم يَكْتَسِبُونَ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى.
الجَوابُ: الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّهم إذا أوْفَوْا بِالعُهُودِ أوْفَوْا أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ بِالعَهْدِ الأعْظَمِ، وهو ما أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولَوِ اتَّقَوُا اللَّهَ في تَرْكِ الخِيانَةِ، لاتَّقَوْهُ في تَرْكِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، وفي تَرْكِ تَحْرِيفِ التَّوْراةِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أيْنَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ مِنَ الجَزاءِ إلى ”مَن“ ؟
الجَوابُ: عُمُومُ المُتَّقِينَ قامَ مَقامَ رُجُوعِ الضَّمِيرِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ أمْرِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، وذَلِكَ لِأنَّ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. فالوَفاءُ بِالعَهْدِ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِما مَعًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِمَنفَعَةِ الخَلْقِ، فَهو شَفَقَةٌ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ولَمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ، كانَ الوَفاءُ بِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ العِبارَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى جَمِيعِ أنْواعِ الطّاعاتِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، كَما يُمْكِنُ في حَقِّ الغَيْرِ يُمْكِنُ أيْضًا في حَقِّ النَّفْسِ؛ لِأنَّ الوافِيَ بِعَهْدِ النَّفْسِ هو الآتِي بِالطّاعاتِ والتّارِكُ لِلْمُحَرَّماتِ، لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَفُوزُ النَّفْسُ بِالثَّوابِ وتَبْعُدُ عَنِ العِقابِ.
آل عمران 3:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ اليَهُودَ بِالخِيانَةِ في أمْوالِ النّاسِ، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الخِيانَةَ في أمْوالِ النّاسِ لا تَتَمَشّى إلّا بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ لا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَ تِلْكَ الآيَةِ هَذِهِ الآيَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى وعِيدِ مَن يُقْدِمُ عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، ولا شَكَّ أنَّ عَهْدَ اللَّهِ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ لا يَكْذِبَ عَلى اللَّهِ ولا يَخُونَ في دِينِهِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ هَذا الوَعِيدَ عَقِيبَ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ خِيانَتَهم في أمْوالِ النّاسِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ خِيانَتَهم في عَهْدِ اللَّهِ وخِيانَتَهم في تَعْظِيمِ أسْمائِهِ حِينَ يَحْلِفُونَ بِها كَذِبًا، ومِنَ النّاسِ مَن
صفحة ٩٢
قالَ: هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءُ كَلامٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ في المَنعِ عَنِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ والرِّواياتِ الكَثِيرَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّها إنَّما نَزَلَتْ في أقْوامٍ أقْدَمُوا عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ اعْتِقادُ كَوْنِ هَذا الوَعِيدِ عامًّا في حَقِّ كُلِّ مَن يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ وأنَّهُ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِاليَهُودِ.
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في سَبَبِ النُّزُولِ، فَمِنهم مَن خَصَّها بِاليَهُودِ الَّذِينَ شَرَحَ اللَّهُ أحْوالَهم في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، ومِنهم مَن خَصَّها بِغَيْرِهِمْ.
أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ، كَتَمُوا ما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ غَيْرَهُ وحَلَفُوا بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِئَلّا يَفُوتَهُمُ الرِّشا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] .
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في ادِّعائِهِمْ أنَّهُ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] كَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا في ذَلِكَ وحَلَفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّها «نَزَلَتْ في الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وخَصْمٍ لَهُ في أرْضٍ، اخْتَصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لِلرَّجُلِ: ”أقِمْ بَيِّنَتَكَ“، فَقالَ الرَّجُلُ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ، فَقالَ لِلْأشْعَثِ: ”فَعَلَيْكَ اليَمِينُ“، فَهَمَّ الأشْعَثُ بِاليَمِينِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ فَنَكَلَ الأشْعَثُ عَنِ اليَمِينِ ورَدَّ الأرْضَ إلى الخَصْمِ واعْتَرَفَ بِالحَقِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ» .
الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ حَلَفَ يَمِينًا فاجِرَةً في تَنْفِيقِ سِلْعَتِهِ.
الثّالِثُ: نَزَلَتْ في عَبْدانَ وامْرِئِ القَيْسِ اخْتَصَما إلى الرَّسُولِ ﷺ في أرْضٍ، فَتَوَجَّهُ اليَمِينُ عَلى امْرِئِ القَيْسِ، فَقالَ: أنْظِرْنِي إلى الغَدِ، ثُمَّ جاءَ مِنَ الغَدِ وأقَرَّ لَهُ بِالأرْضِ.
والأقْرَبُ الحَمْلُ عَلى الكُلِّ.
فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما نُصِبَ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، ويَدْخُلُ فِيهِ المَواثِيقُ المَأْخُوذَةُ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يُلْزِمُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ.
قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيَةَ، وقالَ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقالَ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعْنى الشِّراءِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَرِيَ يَأْخُذُ شَيْئًا ويُعْطِي شَيْئًا، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُعْطى والمَأْخُوذِ ثَمَنٌ لِلْآخَرِ، وأمّا الأيْمانُ فَحالُها مَعْلُومٌ وهي الحَلِفُ الَّتِي يُؤَكِّدُ بِها الإنْسانُ خَبَرَهُ مِن وعْدٍ، أوْ وعِيدٍ، أوْ إنْكارٍ، أوْ إثْباتٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ الشَّرْطِ - وهو الشِّراءُ بِعَهْدِ اللَّهِ والأيْمانِ ثَمَنًا قَلِيلًا - خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ الجَزاءِ، أرْبَعَةٌ مِنها في بَيانِ صَيْرُورَتِهِمْ مَحْرُومِينَ عَنِ الثَّوابِ.
والخامِسُ: في بَيانِ وُقُوعِهِمْ في أشَدِّ العَذابِ، أمّا المَنعُ مِنَ الثَّوابِ فاعْلَمْ أنَّ الثَّوابَ عِبارَةٌ عَنِ المَنفَعَةِ الخالِصَةِ المَقْرُونَةِ بِالتَّعْظِيمِ.
فالأوَّلُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾ إشارَةٌ إلى حِرْمانِهِمْ عَنْ مَنافِعِ الآخِرَةِ.
صفحة ٩٣
وأمّا الثَّلاثَةُ الباقِيَةُ: وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾، فَهو إشارَةٌ إلى حِرْمانِهِمْ عَنِ التَّعْظِيمِ والإعْزازِ.
وأمّا الخامِسُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى العِقابِ، ولَمّا نَبَّهْتُ لِهَذا التَّرْتِيبِ فَلْنَتَكَلَّمْ في شَرْحِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخَمْسَةِ:
أمّا الأوَّلُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾، فالمَعْنى لا نَصِيبَ لَهم في خَيْرِ الآخِرَةِ ونَعِيمِها واعْلَمْ أنَّ هَذا العُمُومَ مَشْرُوطٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، فَإنَّهُ إنْ تابَ عَنْها سَقَطَ الوَعِيدُ بِالإجْماعِ وعَلى مَذْهَبِنا مَشْرُوطٌ أيْضًا بِعَدَمِ العَفْوِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
وأمّا الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وقالَ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وبَيْنَ تِلْكَ الآيَةِ ؟ قالَ القَفّالُ في الجَوابِ: المَقْصُودُ مِن كُلِّ هَذِهِ الكَلِماتِ بَيانُ شِدَّةِ سُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن مَنَعَ غَيْرَهُ كَلامَهُ في الدُّنْيا، فَإنَّما ذَلِكَ بِسُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِ وإذا سَخِطَ إنْسانٌ عَلى آخَرَ، قالَ لَهُ لا أُكَلِّمُكَ، وقَدْ يَأْمُرُ بِحَجْبِهِ عَنْهُ ويَقُولُ لا أرى وجْهَ فُلانٍ، وإذا جَرى ذِكْرُهُ لَمْ يَذْكُرْهُ بِالجَمِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ كِناياتٌ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، وهَذا هو الجَوابُ الصَّحِيحُ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ إسْماعُ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ أوْلِياءَهُ كَلامَهُ بِغَيْرِ سَفِيرٍ تَشْرِيفًا عالِيًا يَخْتَصُّ بِهِ أوْلِياءَهُ، ولا يُكَلِّمُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ والفُسّاقَ، وتَكُونُ المُحاسَبَةُ مَعَهم بِكَلامِ المَلائِكَةِ، ومِنهم مَن قالَ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّمُهم بِكَلامٍ يَسُرُّهم ويَنْفَعُهم، والمُعْتَدُّ هو الجَوابُ الأوَّلُ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ بِالإحْسانِ، يُقالُ: فُلانٌ لا يَنْظُرُ إلى فُلانٍ، والمُرادُ بِهِ نَفْيُ الِاعْتِدادِ بِهِ وتَرْكُ الإحْسانِ إلَيْهِ، والسَّبَبُ لِهَذا المَجازِ أنَّ مَنِ اعْتَدَّ بِالإنْسانِ التَفَتَ إلَيْهِ، وأعادَ نَظَرَهُ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَلِهَذا السَّبَبِ صارَ نَظَرُ اللَّهِ عِبارَةً عَنِ الِاعْتِدادِ والإحْسانِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَظَرٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا النَّظَرِ الرُّؤْيَةَ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَراهم كَما يَرى غَيْرَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النَّظَرِ تَقْلِيبَ الحَدَقَةِ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ؛ لِأنَّ هَذا مِن صِفاتِ الأجْسامِ، وتَعالى إلَهُنا عَنْ أنْ يَكُونَ جِسْمًا، وقَدِ احْتَجَّ المُخالِفُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ النَّظَرَ المَقْرُونَ بِحَرْفِ (إلى) لَيْسَ لِلرُّؤْيَةِ وإلّا لَزِمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ تَعالى رائِيًا لَهم وذَلِكَ باطِلٌ.
وأمّا الرّابِعُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ لا يُطَهِّرَهم مِن دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، بَلْ يُعاقِبُهم عَلَيْها.
والثّانِي: لا يُزَكِّيهِمْ أيْ لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ كَما يُثْنِي عَلى أوْلِيائِهِ الأزْكِياءِ والتَّزْكِيَةُ مِنَ المُزَكِّي لِلشّاهِدِ مَدْحٌ مِنهُ لَهُ.
واعْلَمْ أنَّ تَزْكِيَةَ اللَّهِ عِبادَهُ قَدْ تَكُونُ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، وقالَ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، وقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، أمّا في الدُّنْيا فَكَقَوْلِهِ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، وأمّا في الآخِرَةِ فَكَقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .
صفحة ٩٤
وأمّا الخامِسُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حِرْمانَهم مِنَ الثَّوابِ بَيَّنَ كَوْنَهم في العِقابِ الشَّدِيدِ المُؤْلِمِ.
آل عمران 3:78
﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ نازِلَةٌ في اليَهُودِ بِلا شَكٍّ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نازِلَةٌ في حَقِّ اليَهُودِ وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ نازِلَةً في اليَهُودِ أيْضًا، واعْلَمْ أنَّ ”اللَّيَّ“ عِبارَةٌ عَنْ عَطْفِ الشَّيْءِ ورَدِّهِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى الِاعْوِجاجِ، يُقالُ: لَوَيْتُ يَدَهُ، والتَوى الشَّيْءُ إذا انْحَرَفَ، والتَوى فُلانٌ عَلَيَّ إذا غَيَّرَ أخْلاقَهُ عَنِ الِاسْتِواءِ إلى ضِدِّهِ، ولَوى لِسانَهُ عَنْ كَذا إذا غَيَّرَهُ، ولَوى فُلانًا عَنْ رَأْيِهِ إذا أمالَهُ عَنْهُ، وفي الحَدِيثِ: ”«لَيُّ الواجِدِ ظُلْمٌ» “، وقالَ تَعالى: ﴿وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] .
إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَفي تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُهُ: ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ﴾ مَعْناهُ وأنْ يَعْمِدُوا إلى اللَّفْظَةِ فَيُحَرِّفُونَها في حَرَكاتِ الإعْرابِ تَحْرِيفًا يَتَغَيَّرُ بِهِ المَعْنى، وهَذا كَثِيرٌ في لِسانِ العَرَبِ فَلا يَبْعُدُ مِثْلُهُ في العِبْرانِيَّةِ، فَلَمّا فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ في الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ التَّوْراةِ كانَ ذَلِكَ هو المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ﴾، وهَذا تَأْوِيلٌ في غايَةِ الحُسْنِ.
الثّانِي: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: إنَّ النَّفَرَ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ كَتَبُوا كِتابًا شَوَّشُوا فِيهِ نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وخَلَطُوهُ بِالكِتابِ الَّذِي كانَ فِيهِ نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ قالُوا: ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ لَيَّ اللِّسانِ تَثَنِّيهِ بِالتَّشَدُّقِ والتَّنَطُّعِ والتَّكَلُّفِ وذَلِكَ مَذْمُومٌ، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قِراءَتِهِمْ لِذَلِكَ الكِتابِ الباطِلِ بِلَيِّ اللِّسانِ ذَمًّا لَهم وعَيْبًا ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْها بِالقِراءَةِ، والعَرَبُ تُفَرِّقُ بَيْنَ ألْفاظِ المَدْحِ والذَّمِّ في الشَّيْءِ الواحِدِ، فَيَقُولُونَ في المَدْحِ: خَطِيبٌ مُصْقِعٌ، وفي الذَّمِّ: مِكْثارٌ ثَرْثارٌ.
فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ المُرادُ قِراءَةُ ذَلِكَ الكِتابِ الباطِلِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]، ثُمَّ قالَ: ﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ وما هو الكِتابُ الحَقُّ المُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بَقِيَ هاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إلى ما يَرْجِعُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (لِتَحْسَبُوهُ) ؟
صفحة ٩٥
الجَوابُ: إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ﴾ وهو المُحَرَّفُ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يُمْكِنُ إدْخالُ التَّحْرِيفِ في التَّوْراةِ مَعَ شُهْرَتِها العَظِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ ؟
الجَوابُ: لَعَلَّهُ صَدَرَ هَذا العَمَلُ عَنْ نَفَرٍ قَلِيلٍ، يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّواطُؤُ عَلى التَّحْرِيفِ، ثُمَّ إنَّهم عَرَضُوا ذَلِكَ المُحَرَّفَ عَلى بَعْضِ العَوامِّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ هَذا التَّحْرِيفُ مُمْكِنًا، والأصْوَبُ عِنْدِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ يُحْتاجُ فِيها إلى تَدْقِيقِ النَّظَرِ وتَأمُّلِ القَلْبِ، والقَوْمُ كانُوا يُورِدُونَ عَلَيْها الأسْئِلَةَ المُشَوَّشَةَ والِاعْتِراضاتِ المُظْلِمَةَ، فَكانَتْ تَصِيرُ تِلْكَ الدَّلائِلُ مُشْتَبِهَةً عَلى السّامِعِينَ، واليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ: مُرادُ اللَّهِ مِن هَذِهِ الآياتِ ما ذَكَرْناهُ لا ما ذَكَرْتُمْ، فَكانَ هَذا هو المُرادَ بِالتَّحْرِيفِ، وبِلَيِّ الألْسِنَةِ وهَذا مِثْلُ ما أنَّ المُحِقَّ في زَمانِنا إذا اسْتَدَلَّ بِآيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، فالمُبْطِلُ يُورِدُ عَلَيْهِ الأسْئِلَةَ والشُّبُهاتِ ويَقُولُ: لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ ما ذَكَرْتَ، فَكَذا في هَذِهِ الصُّورَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، وكُرِّرَ هَذا الكَلامُ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، أمّا المُحَقِّقُونَ فَقالُوا: المُغايَرَةُ حاصِلَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما لَمْ يَكُنْ في الكِتابِ لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ قَدْ ثَبَتَ تارَةً بِالكِتابِ، وتارَةً بِالسُّنَّةِ، وتارَةً بِالإجْماعِ، وتارَةً بِالقِياسِ والكُلُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ هَذا نَفْيٌ خاصٌّ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ النَّفْيُ العامُّ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ التَّوْراةَ، ويَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، أنَّهُ مَوْجُودٌ في كُتُبِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِثْلِ أشْعِياءَ، وأرْمِياءَ، وحَيْقُوقَ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ في نِسْبَةِ ذَلِكَ التَّحْرِيفِ إلى اللَّهِ كانُوا مُتَحَيِّرِينَ، فَإنْ وجَدُوا قَوْمًا مِنَ الأغْمارِ والبُلْهِ الجاهِلِينَ بِالتَّوْراةِ نَسَبُوا ذَلِكَ المُحَرَّفَ إلى أنَّهُ مِنَ التَّوْراةِ، وإنْ وجَدُوا قَوْمًا أذْكِياءَ زَعَمُوا أنَّهُ مَوْجُودٌ في كُتُبِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ بِهِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى فَقالا: لَوْ كانَ لَيُّ اللِّسانِ بِالتَّحْرِيفِ والكَذِبِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَصَدَقَ اليَهُودُ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَزِمَ الكَذِبُ في قَوْلِهِ تَعالى: إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم أضافُوا إلى اللَّهِ ما هو مِن عِنْدِهِ، واللَّهُ يَنْفِي عَنْ نَفْسِهِ ما هو مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ قالَ: وكَفى خِزْيًا لِقَوْمٍ يَجْعَلُونَ اليَهُودَ أوْلى بِالصِّدْقِ مِنَ اللَّهِ، قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَرْقٌ، وإذا لَمْ يَبْقَ الفَرْقُ لَمْ يَحْسُنِ العَطْفُ، وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْ هَذا السُّؤالِ أيْضًا مِن وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَ المَخْلُوقِ مِن عِنْدِ الخالِقِ أوْكَدَ مِن كَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ مِن عِنْدِ الآمِرِ بِهِ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الأقْوى أوْلى.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ نَفْيٌ مُطْلَقٌ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا يَنْفِي كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِن عِنْدِهِ لا بِالخَلْقِ ولا بِالحُكْمِ.
والجَوابُ: أمّا قَوْلُ الجُبّائِيِّ لَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ لَزِمَ التَّكْرارُ، فَجَوابُهُ ما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ في الكِتابِ وهَذا لا يَمْنَعُ مِن
صفحة ٩٦
كَوْنِهِ حُكْمًا لِلَّهِ تَعالى ثابِتًا بِقَوْلِ الرَّسُولِ أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ثَبَتَ نَفْيُ كَوْنِهِ حُكْمًا لِلَّهِ تَعالى وعَلى هَذا الوَجْهِ زالَ التَّكْرارُ.
وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الكَعْبِيُّ، فَجَوابُهُ: أنَّ الجَوابَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُنْطَبِقًا عَلى السُّؤالِ، والقَوْمُ ما كانُوا في ادِّعاءِ أنَّ ما ذَكَرُوهُ وفَعَلُوهُ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، بَلْ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ ونازِلٌ في كِتابِهِ.
فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ عائِدًا إلى هَذا المَعْنى لا إلى غَيْرِهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَظْهَرُ فَسادُ ما ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الثّانِي واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾، والمَعْنى أنَّهم يَتَعَمَّدُونَ ذَلِكَ الكَذِبَ مَعَ العِلْمِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ مِنَ التَّحْرِيفِ تَغْيِيرَ ألْفاظِ التَّوْراةِ، وإعْرابَ ألْفاظِها، فالمُقْدِمُونَ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا طائِفَةً يَسِيرَةً يَجُوزُ التَّواطُؤُ مِنهم عَلى الكَذِبِ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ تَشْوِيشَ دَلالَةِ تِلْكَ الآياتِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ في وُجُوهِ الِاسْتِدْلالاتِ لَمْ يَبْعُدْ إطْباقُ الخَلْقِ الكَثِيرِ عَلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ عادَةَ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ التَّحْرِيفُ والتَّبْدِيلُ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن جُمْلَةِ ما حَرَّفُوهُ ما زَعَمُوا أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، وأنَّهُ كانَ يَأْمُرُ قَوْمَهُ بِعِبادَتِهِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ الآيَةَ، وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّانِي: قِيلَ «إنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ مِنَ اليَهُودِ ورَئِيسَ وفْدِ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًّا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ أوْ أنْ نَأْمُرَ بِغَيْرِ عِبادَةِ اللَّهِ، فَما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي“»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّالِثُ:
صفحة ٩٧
«قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ» “ .
الرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ أحَدًا لا يَنالُ مِن دَرَجاتِ الفَضْلِ والمَنزِلَةِ ما نالُوهُ، فاللَّهُ تَعالى قالَ لَهم: إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ وجَبَ أنْ لا تَشْتَغِلُوا بِاسْتِعْبادِ النّاسِ واسْتِخْدامِهِمْ ولَكِنْ يَجِبُ أنْ تَأْمُرُوا النّاسَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ والِانْقِيادِ لِتَكالِيفِهِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكم أنْ تَحُثُّوا النّاسَ عَلى الإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ ظُهُورَ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وهَذا الوَجْهُ يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الآيَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ، أنَّهم لَوْ أرادُوا أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَمَنَعَهُمُ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥]، وقالَ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٤] .
الثّانِي: أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ لا يَحْسُنُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ ادِّعاءُ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، مِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُمُ الكِتابَ والوَحْيَ وهَذا لا يَكُونُ إلّا في النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ والأرْواحِ الطَّيِّبَةِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقالَ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، والنَّفْسُ الطّاهِرَةُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصْدُرَ عَنْها هَذِهِ الدَّعْوى، ومِنها أنَّ إيتاءَ النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ كَمالِ العِلْمِ وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن هَذِهِ الدَّعْوى، وبِالجُمْلَةِ فَلِلْإنْسانِ قُوَّتانِ: نَظَرِيَّةٌ وعَمَلِيَّةٌ، وما لَمْ تَكُنِ القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ كامِلَةً بِالعُلُومِ والمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ ولَمْ تَكُنِ القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ مُطَهَّرَةً عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ لا تَكُونُ النَّفْسُ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ، وحُصُولُ الكَمالاتِ في القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ يَمْنَعُ مِن مِثْلِ هَذا القَوْلِ والِاعْتِقادِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُشَرِّفُ عَبْدَهُ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ إلّا إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ لا يَقُولُ مِثْلَ هَذا الكَلامِ.
الرّابِعُ: أنَّ الرَّسُولَ ادَّعى أنَّهُ يُبَلِّغُ الأحْكامَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، واحْتَجَّ عَلى صِدْقِهِ في هَذِهِ الدَّعْوى فَلَوْ أمَرَهم بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ دَلالَةُ المُعْجِزَةِ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ ذَلِكَ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلى كُلِّ الخَلْقِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ آتاهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ، وأيْضًا لَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ التَّحْرِيمَ لَما كانَ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِلنَّصارى في ادِّعائِهِمْ ذَلِكَ عَلى المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ مَنِ ادَّعى عَلى رَجُلٍ فِعْلًا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ فُلانًا لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَكْذِيبًا لَهُ فِيما ادَّعى عَلَيْهِ، وإنَّما أرادَ في ادِّعائِهِمْ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُمُ: اتَّخِذُونِي إلَهًا مِن دُونِ اللَّهِ، فالمُرادُ إذَنْ ما قَدَّمْناهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] عَلى سَبِيلِ النَّفْيِ لِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، لا عَلى وجْهِ التَّحْرِيمِ والحَظْرِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، والمُرادُ النَّفْيُ لا النَّهْيُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ إشارَةٌ إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ ذَكَرَها عَلى تَرْتِيبٍ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكِتابَ السَّماوِيَّ يَنْزِلُ أوَّلًا ثُمَّ إنَّهُ يَحْصُلُ في عَقْلِ النَّبِيِّ فَهْمُ ذَلِكَ الكِتابِ وإلَيْهِ
صفحة ٩٨
الإشارَةُ بِالحُكْمِ، فَإنَّ أهْلَ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ هو العِلْمُ، قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] يَعْنِي العِلْمَ والفَهْمَ، ثُمَّ إذا حَصَلَ فَهْمُ الكِتابِ، فَحِينَئِذٍ يُبَلِّغُ ذَلِكَ إلى الخَلْقِ وهو النُّبُوَّةُ فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: القِراءَةُ الظّاهِرَةُ، ثُمَّ يَقُولَ بِنَصْبِ اللّامِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِرَفْعِها، أمّا النَّصْبُ فَعَلى تَقْدِيرِ: لا تَجْتَمِعُ النُّبُوَّةُ وهَذا القَوْلُ، والعامِلُ فِيهِ ”أنْ“ وهو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ بِمَعْنى: ثُمَّ أنْ يَقُولَ، وأمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حَكى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أنَّهُ لُغَةُ مُزَيْنَةَ يَقُولُونَ لِلْعَبِيدِ عِبادًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ يَقُولُ لَهم كُونُوا رَبّانِيِّينَ، فَأضْمَرَ القَوْلَ عَلى حَسَبِ مَذْهَبِ العَرَبِ في جَوازِ الإضْمارِ إذا كانَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أيْ فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ”الرَّبّانِيِّ“ أقْوالًا:
الأوَّلُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: الرَّبّانِيُّ المَنسُوبُ إلى الرَّبِّ، بِمَعْنى كَوْنِهِ عالِمًا بِهِ، ومُواظِبًا عَلى طاعَتِهِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ إلَهِيٌّ إذا كانَ مُقْبِلًا عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ وطاعَتِهِ، وزِيادَةُ الألِفِ والنُّونِ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ، كَما قالُوا: شَعْرانِيٌّ ولِحْيانِيٌّ ورَقَبانِيٌّ إذا وُصِفَ بِكَثْرَةِ الشَّعْرِ وطُولِ اللِّحْيَةِ وغِلَظِ الرَّقَبَةِ، فَإذا نَسَبُوا إلى الشَّعْرِ قالُوا: شَعْرِيٌّ، وإلى الرَّقَبَةِ رَقَبِيٌّ، وإلى اللِّحْيَةِ لِحْيِيٌّ.
والثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ ”الرَّبّانِيُّونَ“ أرْبابُ العِلْمِ واحِدُهم رَبّانِيٌّ، وهو الَّذِي يَرُبُّ العِلْمَ ويَرُبُّ النّاسَ أيْ: يُعَلِّمُهم ويُصْلِحُهم ويَقُومُ بِأمْرِهِمْ، فالألِفُ والنُّونُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالُوا: رَيّانُ وعَطْشانُ وشَبْعانُ وعُرْيانٌ، ثُمَّ ضُمَّتْ إلَيْهِ ياءُ النِّسْبَةِ كَما قِيلَ: لِحْيانِيٌّ ورَقَبانِيٌّ، قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ ”الرَّبّانِيُّ“ مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ عَلى مَعْنى التَّخْصِيصِ بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ وبِطاعَتِهِ، وعَلى قَوْلِ المُبَرِّدِ ”الرَّبّانِيُّ“ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّبّانِيُّ هو الَّذِي يَرُبُّ النّاسَ، فالرَّبّانِيُّونَ هم وُلاةُ الأُمَّةِ والعُلَماءُ، وذَكَرَ هَذا أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ [المائدة: ٦٣] أيِ الوُلاةُ والعُلَماءُ وهُما الفَرِيقانِ اللَّذانِ يُطاعانِ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لا أدْعُوكم إلى أنْ تَكُونُوا عِبادًا لِي، ولَكِنْ أدْعُوكم إلى أنْ تَكُونُوا مُلُوكًا وعُلَماءَ بِاسْتِعْمالِكم أمْرَ اللَّهِ تَعالى ومُواظَبَتِكم عَلى طاعَتِهِ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوالِي سُمِّيَ رَبّانِيًّا؛ لِأنَّهُ يُطاعُ كالرَّبِّ تَعالى، فَنُسِبَ إلَيْهِ.
الرّابِعُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أحْسَبُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ إنَّما هي عِبْرانِيَّةٌ، أوْ سُرْيانِيَّةٌ، وسَواءٌ كانَتْ عَرَبِيَّةً أوْ عِبْرانِيَّةً، فَهي تَدُلُّ عَلى الإنْسانِ الَّذِي عَلِمَ وعَمِلَ بِما عَلِمَ، واشْتَغَلَ بِتَعْلِيمِ طُرُقِ الخَيْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما: (تَعْلَمُونَ) مِنَ العِلْمِ، وهي
صفحة ٩٩
قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، ونافِعٍ.
والثّانِيَةُ: (تُعَلِّمُونَ) مِنَ التَّعْلِيمِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ مِنَ السَّبْعَةِ وكِلاهُما صَوابٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَهُ في أنْفُسِهِمْ ويُعَلِّمُونَهُ غَيْرَهم، واحْتَجَّ أبُو عَمْرٍو عَلى أنَّ قِراءَتَهُ أرْجَحُ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ: (تَدْرُسُونَ) ولَمْ يَقُلْ بِالتَّشْدِيدِ.
الثّانِي: أنَّ التَّشْدِيدَ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ والمَفْعُولُ هاهُنا واحِدٌ، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالتَّشْدِيدِ فَزَعَمُوا أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ النّاسَ الكِتابَ، أوْ غَيْرَكُمُ الكِتابَ، وحُذِفَ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ بِهِ قَدْ يُحْذَفُ مِنَ الكَلامِ كَثِيرًا، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى أنَّ التَّشْدِيدَ أوْلى بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّعْلِيمَ يَشْتَمِلُ عَلى العِلْمِ ولا يَنْعَكِسُ فَكانَ التَّعْلِيمُ أوْلى.
الثّانِي: أنَّ الرَّبّانِيِّينَ لا يَكْتَفُونَ بِالعِلْمِ حَتّى يَضُمُّوا إلَيْهِ التَّعْلِيمَ لِلَّهِ تَعالى ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مُرَّةَ بْنِ شَراحِيلَ: كانَ عَلْقَمَةُ مِنَ الرَّبّانِيِّينَ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النّاسَ القُرْآنَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلَ ابْنُ جِنِّي في ”المُحْتَسَبِ“، عَنْ أبِي حَيْوَةَ أنَّهُ قَرَأ (تُدْرِسُونَ) بِضَمِّ التّاءِ ساكِنَةِ الدّالِ مَكْسُورَةِ الرّاءِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا مَنقُولًا مِن دَرَسَ هو، أوْ دَرَّسَ غَيْرَهُ، وكَذَلِكَ قَرَأ وأقْرَأ غَيْرَهُ، وأكْثَرُ العَرَبِ عَلى دَرَسَ ودَرَّسَ، وعَلَيْهِ جاءَ المَصْدَرُ عَلى التَّدْرِيسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ما“ في القِراءَتَيْنِ، هي الَّتِي بِمَعْنى المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ ومُعَلِّمِينَ وبِسَبَبِ دِراسَتِكُمُ الكِتابَ، ومِثْلُ هَذا مِن كَوْنِ ”ما“ مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى المَصْدَرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥]، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ العِلْمَ والتَّعْلِيمَ والدِّراسَةَ تُوجِبُ عَلى صاحِبِها كَوْنَهُ رَبّانِيًّا، والسَّبَبُ لا مَحالَةَ مُغايِرٌ لِلْمُسَبِّبِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ رَبّانِيًّا، أمْرًا مُغايِرًا لِكَوْنِهِ عالِمًا، ومُعَلِّمًا، ومُواظِبًا عَلى الدِّراسَةِ، وما ذاكَ إلّا أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَكُونُ تَعَلُّمُهُ لِلَّهِ، وتَعْلِيمُهُ ودِراسَتُهُ لِلَّهِ، وبِالجُمْلَةِ أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهُ إلى جَمِيعِ الأفْعالِ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ، والصّارِفُ لَهُ عَنْ كُلِّ الأفْعالِ الهَرَبَ عَنْ عِقابِ اللَّهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الرَّسُولَ يَأْمُرُ جَمِيعَ الخَلْقِ بِهَذا المَعْنى ثَبَتَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنهُ أنْ يَأْمُرَ الخَلْقَ بِعِبادَتِهِ، وحاصِلُ الحَرْفِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو أنَّ الرَّسُولَ هو الَّذِي يَكُونُ مُنْتَهى جَهْدِهِ وجِدِّهِ صَرْفَ الأرْواحِ والقُلُوبِ عَنِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، فَمِثْلُ هَذا الإنْسانِ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَصْرِفَ عُقُولَ الخَلْقِ عَنْ طاعَةِ الحَقِّ إلى طاعَةِ نَفْسِهِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ يَمْتَنِعُ في أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِعِبادَتِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ العِلْمَ والتَّعْلِيمَ والدِّراسَةَ تُوجِبُ كَوْنَ الإنْسانِ رَبّانِيًّا، فَمَنِ اشْتَغَلَ بِالتَّعَلُّمِ والتَّعْلِيمِ لا لِهَذا المَقْصُودِ ضاعَ سَعْيُهُ وخابَ عَمَلُهُ وكانَ مِثْلُهُ مِثْلَ مَن غَرَسَ شَجَرَةً حَسْناءَ مُونِقَةً بِمَنظَرِها ولا مَنفَعَةَ بِثَمَرِها؛ ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وقَلْبٍ لا يَخْشَعُ» “ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ: ”ولا يَأْمُرَكم“ بِنَصْبِ الرّاءِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا النَّصْبُ فَوَجْهُهُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى: ”ثُمَّ يَقُولَ“ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ تُجْعَلَ ”لا“ مَزِيدَةً، والمَعْنى: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ويَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، كَما تَقُولُ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ أُكْرِمَهُ ثُمَّ يُهِينَنِي ويَسْتَخِفَّ بِي.
والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ ”لا“ غَيْرَ
صفحة ١٠٠
مَزِيدَةٍ، والمَعْنى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ، واليَهُودَ والنَّصارى عَنْ عِبادَةِ عُزَيْرٍ والمَسِيحِ، فَلَمّا قالُوا: أتُرِيدُ أنْ نَتَّخِذَكَ رَبًّا ؟ قِيلَ لَهم: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ نَبِيًّا ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَةِ نَفْسِهِ ويَنْهاهم عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، وأمّا القِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ انْقِضاءِ الآيَةِ وتَمامِ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ عَنِ الأوَّلِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ”ولَنْ يَأْمُرَكم“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ولا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا يَأْمُرُكم مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: لا يَأْمُرُكُمُ الأنْبِياءُ بِأنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ أرْبابًا كَما فَعَلَتْهُ قُرَيْشٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما خَصَّ المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الَّذِينَ وُصِفُوا مِن أهْلِ الكِتابِ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُحْكَ عَنْهم إلّا عِبادَةُ المَلائِكَةِ وعِبادَةُ المَسِيحِ وعُزَيْرٍ، فَلِهَذا المَعْنى خَصَّهُما بِالذِّكْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الهَمْزَةُ في ”أيَأْمُرُكُمُ“ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُسْلِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا الرَّسُولَ ﷺ في أنْ يَسْجُدُوا لَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الكُفْرُ بِاللَّهِ هو الجَهْلُ بِهِ والإيمانُ بِاللَّهِ هو المَعْرِفَةُ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِكُفْرِ هَؤُلاءِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ تَعالى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وظاهِرُ هَذا يَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ فَلَمّا حَصَلَ الكُفْرُ هاهُنا مَعَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإيمانَ بِهِ لَيْسَ هو المَعْرِفَةَ والكُفْرَ بِهِ تَعالى لَيْسَ هو الجَهْلَ بِهِ.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَنا: الكُفْرُ بِاللَّهِ هو الجَهْلُ بِهِ لا نَعْنِي بِهِ مُجَرَّدَ الجَهْلِ بِكَوْنِهِ مَوْجُودًا، بَلْ نَعْنِي بِهِ الجَهْلَ بِذاتِهِ وبِصِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ وصِفاتِهِ الإضافِيَّةِ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، فَلَمّا جَهِلَ هَذا فَقَدْ جَهِلَ بَعْضَ صِفاتِهِ.
آل عمران 3:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ عادَةَ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ التَّحْرِيفُ والتَّبْدِيلُ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن جُمْلَةِ ما حَرَّفُوهُ ما زَعَمُوا أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، وأنَّهُ كانَ يَأْمُرُ قَوْمَهُ بِعِبادَتِهِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ الآيَةَ، وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّانِي: قِيلَ «إنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ مِنَ اليَهُودِ ورَئِيسَ وفْدِ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًّا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ أوْ أنْ نَأْمُرَ بِغَيْرِ عِبادَةِ اللَّهِ، فَما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي“»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّالِثُ:
صفحة ٩٧
«قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ» “ .
الرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ أحَدًا لا يَنالُ مِن دَرَجاتِ الفَضْلِ والمَنزِلَةِ ما نالُوهُ، فاللَّهُ تَعالى قالَ لَهم: إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ وجَبَ أنْ لا تَشْتَغِلُوا بِاسْتِعْبادِ النّاسِ واسْتِخْدامِهِمْ ولَكِنْ يَجِبُ أنْ تَأْمُرُوا النّاسَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ والِانْقِيادِ لِتَكالِيفِهِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكم أنْ تَحُثُّوا النّاسَ عَلى الإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ ظُهُورَ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وهَذا الوَجْهُ يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الآيَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ، أنَّهم لَوْ أرادُوا أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَمَنَعَهُمُ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥]، وقالَ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٤] .
الثّانِي: أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ لا يَحْسُنُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ ادِّعاءُ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، مِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُمُ الكِتابَ والوَحْيَ وهَذا لا يَكُونُ إلّا في النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ والأرْواحِ الطَّيِّبَةِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقالَ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، والنَّفْسُ الطّاهِرَةُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصْدُرَ عَنْها هَذِهِ الدَّعْوى، ومِنها أنَّ إيتاءَ النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ كَمالِ العِلْمِ وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن هَذِهِ الدَّعْوى، وبِالجُمْلَةِ فَلِلْإنْسانِ قُوَّتانِ: نَظَرِيَّةٌ وعَمَلِيَّةٌ، وما لَمْ تَكُنِ القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ كامِلَةً بِالعُلُومِ والمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ ولَمْ تَكُنِ القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ مُطَهَّرَةً عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ لا تَكُونُ النَّفْسُ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ، وحُصُولُ الكَمالاتِ في القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ يَمْنَعُ مِن مِثْلِ هَذا القَوْلِ والِاعْتِقادِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُشَرِّفُ عَبْدَهُ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ إلّا إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ لا يَقُولُ مِثْلَ هَذا الكَلامِ.
الرّابِعُ: أنَّ الرَّسُولَ ادَّعى أنَّهُ يُبَلِّغُ الأحْكامَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، واحْتَجَّ عَلى صِدْقِهِ في هَذِهِ الدَّعْوى فَلَوْ أمَرَهم بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ دَلالَةُ المُعْجِزَةِ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ ذَلِكَ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلى كُلِّ الخَلْقِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ آتاهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ، وأيْضًا لَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ التَّحْرِيمَ لَما كانَ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِلنَّصارى في ادِّعائِهِمْ ذَلِكَ عَلى المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ مَنِ ادَّعى عَلى رَجُلٍ فِعْلًا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ فُلانًا لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَكْذِيبًا لَهُ فِيما ادَّعى عَلَيْهِ، وإنَّما أرادَ في ادِّعائِهِمْ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُمُ: اتَّخِذُونِي إلَهًا مِن دُونِ اللَّهِ، فالمُرادُ إذَنْ ما قَدَّمْناهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] عَلى سَبِيلِ النَّفْيِ لِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، لا عَلى وجْهِ التَّحْرِيمِ والحَظْرِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، والمُرادُ النَّفْيُ لا النَّهْيُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ إشارَةٌ إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ ذَكَرَها عَلى تَرْتِيبٍ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكِتابَ السَّماوِيَّ يَنْزِلُ أوَّلًا ثُمَّ إنَّهُ يَحْصُلُ في عَقْلِ النَّبِيِّ فَهْمُ ذَلِكَ الكِتابِ وإلَيْهِ
صفحة ٩٨
الإشارَةُ بِالحُكْمِ، فَإنَّ أهْلَ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ هو العِلْمُ، قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] يَعْنِي العِلْمَ والفَهْمَ، ثُمَّ إذا حَصَلَ فَهْمُ الكِتابِ، فَحِينَئِذٍ يُبَلِّغُ ذَلِكَ إلى الخَلْقِ وهو النُّبُوَّةُ فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: القِراءَةُ الظّاهِرَةُ، ثُمَّ يَقُولَ بِنَصْبِ اللّامِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِرَفْعِها، أمّا النَّصْبُ فَعَلى تَقْدِيرِ: لا تَجْتَمِعُ النُّبُوَّةُ وهَذا القَوْلُ، والعامِلُ فِيهِ ”أنْ“ وهو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ بِمَعْنى: ثُمَّ أنْ يَقُولَ، وأمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حَكى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أنَّهُ لُغَةُ مُزَيْنَةَ يَقُولُونَ لِلْعَبِيدِ عِبادًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ يَقُولُ لَهم كُونُوا رَبّانِيِّينَ، فَأضْمَرَ القَوْلَ عَلى حَسَبِ مَذْهَبِ العَرَبِ في جَوازِ الإضْمارِ إذا كانَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أيْ فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ”الرَّبّانِيِّ“ أقْوالًا:
الأوَّلُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: الرَّبّانِيُّ المَنسُوبُ إلى الرَّبِّ، بِمَعْنى كَوْنِهِ عالِمًا بِهِ، ومُواظِبًا عَلى طاعَتِهِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ إلَهِيٌّ إذا كانَ مُقْبِلًا عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ وطاعَتِهِ، وزِيادَةُ الألِفِ والنُّونِ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ، كَما قالُوا: شَعْرانِيٌّ ولِحْيانِيٌّ ورَقَبانِيٌّ إذا وُصِفَ بِكَثْرَةِ الشَّعْرِ وطُولِ اللِّحْيَةِ وغِلَظِ الرَّقَبَةِ، فَإذا نَسَبُوا إلى الشَّعْرِ قالُوا: شَعْرِيٌّ، وإلى الرَّقَبَةِ رَقَبِيٌّ، وإلى اللِّحْيَةِ لِحْيِيٌّ.
والثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ ”الرَّبّانِيُّونَ“ أرْبابُ العِلْمِ واحِدُهم رَبّانِيٌّ، وهو الَّذِي يَرُبُّ العِلْمَ ويَرُبُّ النّاسَ أيْ: يُعَلِّمُهم ويُصْلِحُهم ويَقُومُ بِأمْرِهِمْ، فالألِفُ والنُّونُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالُوا: رَيّانُ وعَطْشانُ وشَبْعانُ وعُرْيانٌ، ثُمَّ ضُمَّتْ إلَيْهِ ياءُ النِّسْبَةِ كَما قِيلَ: لِحْيانِيٌّ ورَقَبانِيٌّ، قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ ”الرَّبّانِيُّ“ مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ عَلى مَعْنى التَّخْصِيصِ بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ وبِطاعَتِهِ، وعَلى قَوْلِ المُبَرِّدِ ”الرَّبّانِيُّ“ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّبّانِيُّ هو الَّذِي يَرُبُّ النّاسَ، فالرَّبّانِيُّونَ هم وُلاةُ الأُمَّةِ والعُلَماءُ، وذَكَرَ هَذا أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ [المائدة: ٦٣] أيِ الوُلاةُ والعُلَماءُ وهُما الفَرِيقانِ اللَّذانِ يُطاعانِ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لا أدْعُوكم إلى أنْ تَكُونُوا عِبادًا لِي، ولَكِنْ أدْعُوكم إلى أنْ تَكُونُوا مُلُوكًا وعُلَماءَ بِاسْتِعْمالِكم أمْرَ اللَّهِ تَعالى ومُواظَبَتِكم عَلى طاعَتِهِ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوالِي سُمِّيَ رَبّانِيًّا؛ لِأنَّهُ يُطاعُ كالرَّبِّ تَعالى، فَنُسِبَ إلَيْهِ.
الرّابِعُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أحْسَبُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ إنَّما هي عِبْرانِيَّةٌ، أوْ سُرْيانِيَّةٌ، وسَواءٌ كانَتْ عَرَبِيَّةً أوْ عِبْرانِيَّةً، فَهي تَدُلُّ عَلى الإنْسانِ الَّذِي عَلِمَ وعَمِلَ بِما عَلِمَ، واشْتَغَلَ بِتَعْلِيمِ طُرُقِ الخَيْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما: (تَعْلَمُونَ) مِنَ العِلْمِ، وهي
صفحة ٩٩
قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، ونافِعٍ.
والثّانِيَةُ: (تُعَلِّمُونَ) مِنَ التَّعْلِيمِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ مِنَ السَّبْعَةِ وكِلاهُما صَوابٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَهُ في أنْفُسِهِمْ ويُعَلِّمُونَهُ غَيْرَهم، واحْتَجَّ أبُو عَمْرٍو عَلى أنَّ قِراءَتَهُ أرْجَحُ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ: (تَدْرُسُونَ) ولَمْ يَقُلْ بِالتَّشْدِيدِ.
الثّانِي: أنَّ التَّشْدِيدَ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ والمَفْعُولُ هاهُنا واحِدٌ، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالتَّشْدِيدِ فَزَعَمُوا أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ النّاسَ الكِتابَ، أوْ غَيْرَكُمُ الكِتابَ، وحُذِفَ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ بِهِ قَدْ يُحْذَفُ مِنَ الكَلامِ كَثِيرًا، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى أنَّ التَّشْدِيدَ أوْلى بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّعْلِيمَ يَشْتَمِلُ عَلى العِلْمِ ولا يَنْعَكِسُ فَكانَ التَّعْلِيمُ أوْلى.
الثّانِي: أنَّ الرَّبّانِيِّينَ لا يَكْتَفُونَ بِالعِلْمِ حَتّى يَضُمُّوا إلَيْهِ التَّعْلِيمَ لِلَّهِ تَعالى ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مُرَّةَ بْنِ شَراحِيلَ: كانَ عَلْقَمَةُ مِنَ الرَّبّانِيِّينَ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النّاسَ القُرْآنَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلَ ابْنُ جِنِّي في ”المُحْتَسَبِ“، عَنْ أبِي حَيْوَةَ أنَّهُ قَرَأ (تُدْرِسُونَ) بِضَمِّ التّاءِ ساكِنَةِ الدّالِ مَكْسُورَةِ الرّاءِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا مَنقُولًا مِن دَرَسَ هو، أوْ دَرَّسَ غَيْرَهُ، وكَذَلِكَ قَرَأ وأقْرَأ غَيْرَهُ، وأكْثَرُ العَرَبِ عَلى دَرَسَ ودَرَّسَ، وعَلَيْهِ جاءَ المَصْدَرُ عَلى التَّدْرِيسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ما“ في القِراءَتَيْنِ، هي الَّتِي بِمَعْنى المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ ومُعَلِّمِينَ وبِسَبَبِ دِراسَتِكُمُ الكِتابَ، ومِثْلُ هَذا مِن كَوْنِ ”ما“ مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى المَصْدَرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥]، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ العِلْمَ والتَّعْلِيمَ والدِّراسَةَ تُوجِبُ عَلى صاحِبِها كَوْنَهُ رَبّانِيًّا، والسَّبَبُ لا مَحالَةَ مُغايِرٌ لِلْمُسَبِّبِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ رَبّانِيًّا، أمْرًا مُغايِرًا لِكَوْنِهِ عالِمًا، ومُعَلِّمًا، ومُواظِبًا عَلى الدِّراسَةِ، وما ذاكَ إلّا أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَكُونُ تَعَلُّمُهُ لِلَّهِ، وتَعْلِيمُهُ ودِراسَتُهُ لِلَّهِ، وبِالجُمْلَةِ أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهُ إلى جَمِيعِ الأفْعالِ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ، والصّارِفُ لَهُ عَنْ كُلِّ الأفْعالِ الهَرَبَ عَنْ عِقابِ اللَّهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الرَّسُولَ يَأْمُرُ جَمِيعَ الخَلْقِ بِهَذا المَعْنى ثَبَتَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنهُ أنْ يَأْمُرَ الخَلْقَ بِعِبادَتِهِ، وحاصِلُ الحَرْفِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو أنَّ الرَّسُولَ هو الَّذِي يَكُونُ مُنْتَهى جَهْدِهِ وجِدِّهِ صَرْفَ الأرْواحِ والقُلُوبِ عَنِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، فَمِثْلُ هَذا الإنْسانِ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَصْرِفَ عُقُولَ الخَلْقِ عَنْ طاعَةِ الحَقِّ إلى طاعَةِ نَفْسِهِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ يَمْتَنِعُ في أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِعِبادَتِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ العِلْمَ والتَّعْلِيمَ والدِّراسَةَ تُوجِبُ كَوْنَ الإنْسانِ رَبّانِيًّا، فَمَنِ اشْتَغَلَ بِالتَّعَلُّمِ والتَّعْلِيمِ لا لِهَذا المَقْصُودِ ضاعَ سَعْيُهُ وخابَ عَمَلُهُ وكانَ مِثْلُهُ مِثْلَ مَن غَرَسَ شَجَرَةً حَسْناءَ مُونِقَةً بِمَنظَرِها ولا مَنفَعَةَ بِثَمَرِها؛ ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وقَلْبٍ لا يَخْشَعُ» “ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ: ”ولا يَأْمُرَكم“ بِنَصْبِ الرّاءِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا النَّصْبُ فَوَجْهُهُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى: ”ثُمَّ يَقُولَ“ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ تُجْعَلَ ”لا“ مَزِيدَةً، والمَعْنى: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ويَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، كَما تَقُولُ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ أُكْرِمَهُ ثُمَّ يُهِينَنِي ويَسْتَخِفَّ بِي.
والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ ”لا“ غَيْرَ
صفحة ١٠٠
مَزِيدَةٍ، والمَعْنى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ، واليَهُودَ والنَّصارى عَنْ عِبادَةِ عُزَيْرٍ والمَسِيحِ، فَلَمّا قالُوا: أتُرِيدُ أنْ نَتَّخِذَكَ رَبًّا ؟ قِيلَ لَهم: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ نَبِيًّا ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَةِ نَفْسِهِ ويَنْهاهم عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، وأمّا القِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ انْقِضاءِ الآيَةِ وتَمامِ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ عَنِ الأوَّلِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ”ولَنْ يَأْمُرَكم“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ولا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا يَأْمُرُكم مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: لا يَأْمُرُكُمُ الأنْبِياءُ بِأنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ أرْبابًا كَما فَعَلَتْهُ قُرَيْشٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما خَصَّ المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الَّذِينَ وُصِفُوا مِن أهْلِ الكِتابِ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُحْكَ عَنْهم إلّا عِبادَةُ المَلائِكَةِ وعِبادَةُ المَسِيحِ وعُزَيْرٍ، فَلِهَذا المَعْنى خَصَّهُما بِالذِّكْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الهَمْزَةُ في ”أيَأْمُرُكُمُ“ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُسْلِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا الرَّسُولَ ﷺ في أنْ يَسْجُدُوا لَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الكُفْرُ بِاللَّهِ هو الجَهْلُ بِهِ والإيمانُ بِاللَّهِ هو المَعْرِفَةُ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِكُفْرِ هَؤُلاءِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ تَعالى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وظاهِرُ هَذا يَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ فَلَمّا حَصَلَ الكُفْرُ هاهُنا مَعَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإيمانَ بِهِ لَيْسَ هو المَعْرِفَةَ والكُفْرَ بِهِ تَعالى لَيْسَ هو الجَهْلَ بِهِ.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَنا: الكُفْرُ بِاللَّهِ هو الجَهْلُ بِهِ لا نَعْنِي بِهِ مُجَرَّدَ الجَهْلِ بِكَوْنِهِ مَوْجُودًا، بَلْ نَعْنِي بِهِ الجَهْلَ بِذاتِهِ وبِصِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ وصِفاتِهِ الإضافِيَّةِ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، فَلَمّا جَهِلَ هَذا فَقَدْ جَهِلَ بَعْضَ صِفاتِهِ.
آل عمران 3:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾
صفحة ١٠١
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ تَعْدِيدُ تَقْرِيرِ الأشْياءِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ مِمّا يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ وإظْهارًا لِعِنادِهِمْ، ومِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وهو أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ بِأنَّهم كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم آمَنُوا بِهِ ونَصَرُوهُ، وأخْبَرَ أنَّهم قَبِلُوا ذَلِكَ وحَكَمَ تَعالى بِأنَّ مَن رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كانَ مِنَ الفاسِقِينَ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ فَحَصَلَ الكَلامُ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ الإيمانَ بِكُلِّ رَسُولٍ جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم إلّا أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ الواحِدَةَ لا تَكْفِي في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ما لَمْ يَضُمَّ إلَيْها مُقَدِّمَةً أُخْرى، وهي أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم.
وعِنْدَ هَذا لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا إثْباتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِكَوْنِهِ رَسُولًا بِكَوْنِهِ رَسُولًا.
والجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ هَذا السُّؤالُ واللَّهُ أعْلَمُ، ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الألْفاظِ:
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾، فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ واذْكُرُوا يا أهْلَ الكِتابِ إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وقالَ الزَّجّاجُ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ في القُرْآنِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَصْدَرَ يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الفاعِلِ وإلى المَفْعُولِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المِيثاقُ مَأْخُوذًا مِنهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا لَهم مِن غَيْرِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنهم في أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ وطاوُسٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وقِيلَ: إنَّ المِيثاقَ هَذا مُخْتَصٌّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ آخِذَ المِيثاقِ هو اللَّهُ تَعالى، والمَأْخُوذَ مِنهم هُمُ النَّبِيُّونَ، فَلَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ الأُمَّةِ، فَلَمْ يَحْسُنْ صَرْفُ المِيثاقِ إلى الأُمَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قُلْتُمْ يَكُونُ المِيثاقُ مُضافًا إلى المُوثَقِ عَلَيْهِ، وعَلى الوَجْهِ الَّذِي قُلْنا يَكُونُ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، وهو المُوثَقُ لَهُ، ولا شَكَّ أنَّ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ أقْوى مِن إضافَتِهِ إلى المَفْعُولِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ، وهو كَما يُقالُ: مِيثاقُ اللَّهِ وعَهْدُهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ اللَّهُ لِلْأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمْ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ مِيثاقُ أوْلادِ النَّبِيِّينَ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ، عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهو كَما يُقالُ: فَعَلَ بَكْرُ بْنُ وائِلٍ كَذا، وفَعَلَ مَعَدُّ بْنُ عَدْنانَ كَذا، والمُرادُ أوْلادُهم وقَوْمُهم، فَكَذا هاهُنا.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن لَفْظِ ”النَّبِيِّينَ“ أهْلَ الكِتابِ وأُطْلِقَ هَذا اللَّفْظُ عَلَيْهِمْ تَهَكُّمًا بِهِمْ عَلى زَعْمِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنّا أهْلُ الكِتابِ ومِنّا كانَ النَّبِيُّونَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كَثِيرًا ورَدَ في القُرْآنِ لَفْظُ النَّبِيِّ والمُرادُ مِنهُ أُمَّتُهُ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] .
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ لِأصْحابِ هَذا القَوْلِ: ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«لَقَدْ جِئْتُكم بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً أما واللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» “ .
صفحة ١٠٢
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: ما نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما بَعَثَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرُنَّهُ، فَهَذا يُمْكِنُ نُصْرَةُ هَذا القَوْلِ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانُوا يَأْخُذُونَ المِيثاقَ مِن أُمَمِهِمْ بِأنَّهُ إذا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وأنْ يَنْصُرُوهُ، وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ وقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّتِهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، فَقالَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ مِنهم يَجِبُ عَلَيْهِمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ مَبْعَثِهِ، وكُلُّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَكُونُونَ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن زُمْرَةِ الأمْواتِ، والمَيِّتُ لا يَكُونُ مُكَلَّفًا، فَلَمّا كانَ الَّذِينَ أُخِذَ المِيثاقُ عَلَيْهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ مَبْعَثِهِ ولا يُمْكِنُ إيجابُ الإيمانِ عَلى الأنْبِياءِ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلِمْنا أنَّ الَّذِينَ أُخِذَ المِيثاقُ عَلَيْهِمْ لَيْسُوا هُمُ النَّبِيِّينَ بَلْ هم أُمَمُ النَّبِيِّينَ، قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنَّهم لَوْ تَوَلَّوْا لَكانُوا فاسِقِينَ، وهَذا الوَصْفُ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وإنَّما يَلِيقُ بِالأُمَمِ، أجابَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الأنْبِياءَ لَوْ كانُوا في الحَياةِ لَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يُشْرِكُ قَطُّ ولَكِنْ خَرَجَ هَذا الكَلامُ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ والفَرْضِ فَكَذا هاهُنا، وقالَ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، وقالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢١] مَعَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وبِأنَّهم يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ فَكَذا هاهُنا، ونَقُولُ: إنَّهُ سَمّاهم فاسِقِينَ عَلى تَقْدِيرِ التَّوَلِّي فَإنَّ اسْمَ الفِسْقِ لَيْسَ أقْبَحَ مِنِ اسْمِ الشِّرْكِ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، فَكَذا هاهُنا.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُؤْمِنَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ، وإذا كانَ المِيثاقُ مَأْخُوذًا عَلَيْهِمْ كانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَحْصِيلِ هَذا المَقْصُودِ مِن أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ دَرَجاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْلى وأشْرَفُ مِن دَرَجاتِ الأُمَمِ، فَإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَوْ كانُوا في الأحْياءِ، وأنَّهم لَوْ تَرَكُوا ذَلِكَ لَصارُوا مِن زُمْرَةِ الفاسِقِينَ، فَلَأنْ يَكُونَ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ واجِبًا عَلى أُمَمِهِمْ لَوْ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكانَ صَرْفُ هَذا المِيثاقِ إلى الأنْبِياءِ أقْوى في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ مِن هَذا الوَجْهِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ونَحْنُ نَقْرَأُ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَذا الِاحْتِمالَ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [ البَقَرَةِ: ٤٠]، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾
صفحة ١٠٣
﴿ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا المَوْضُوعِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ ”لَما“ بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ اللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ”لَمّا“ مُشَدَّدَةً، أمّا القِراءَةُ بِالفَتْحِ فَلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ ”ما“ اسْمٌ مَوْصُولٌ والَّذِي بَعْدَهُ صِلَةٌ لَهُ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: لَلَّذِي آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ، ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ”ما“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والرّاجِعُ إلى لَفْظَةِ ”ما“ وهو صِلَتُها مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَما آتَيْتُكُمُوهُ فَحُذِفَ الرّاجِعُ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] وعَلَيْهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَتْ ”ما“ مَوْصُولَةً لَزِمَ أنْ يَرْجِعَ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى الصِّلَةِ ذِكْرٌ إلى المَوْصُولِ وإلّا لَمْ يَجُزْ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: الَّذِي قامَ أبُوهُ ثُمَّ انْطَلَقَ زَيْدٌ لَمْ يَجُزْ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، قُلْنا: يَجُوزُ إقامَةُ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ عِنْدَ الأخْفَشِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]، ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهُ، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، ولَمْ يَقُلْ: إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم وذَلِكَ لِأنَّ المُظْهَرَ المَذْكُورَ قائِمٌ مَقامَ المُضْمَرِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ الثّانِي: ما فائِدَةُ اللّامِ في قَوْلِهِ: (لَما)، قُلْنا: هَذِهِ اللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لَزَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو، ويَحْسُنُ إدْخالُها عَلى ما يَجْرِي مَجْرى المُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ بِمَنزِلَةِ القَسَمِ والمَعْنى اسْتَحْلَفَهم، وهَذِهِ اللّامُ المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ سِيبَوَيْهِ والمازِنِيِّ والزَّجّاجِ أنَّ ”ما“ هاهُنا هي المُتَضَمِّنَةُ لِمَعْنى الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ: ما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، فاللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ هي المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ، أمّا اللّامُ في ”لَمّا“ هي لامٌ تُحْذَفُ تارَةً، وتُذْكَرُ أُخْرى، ولا يَتَفاوَتُ المَعْنى، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: واللَّهِ لَوْ أنْ فَعَلْتَ، فَعَلْتُ، فَلَفْظَةُ ”أنْ“ لا يَتَفاوَتُ الحالُ بَيْنَ ذِكْرِها وحَذْفِها فَكَذا هاهُنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْتُكم ”وجاءَكم“ جُزِمَ بِالعَطْفِ عَلى ”﴿آتَيْتُكُمْ﴾“، و”﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾“ هو الجَزاءُ، وإنَّما لَمْ يَرْضَ سِيبَوَيْهِ بِالقَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ لا يَرى إقامَةَ المُظْهَرِ مُقامَ المُضْمَرِ، وأمّا الوَجْهُ في قِراءَةِ ”لِما“ بِكَسْرِ اللّامِ فَهو أنَّ هَذا لامُ التَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: أخَذَ مِيثاقَهم لِهَذا لِأنَّ مَن يُؤْتى الكِتابَ والحِكْمَةَ فَإنَّ اخْتِصاصَهُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ يُوجِبُ عَلَيْهِ تَصْدِيقَ سائِرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ ”وما“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ مَوْصُولَةً. وتَمامُ البَحْثِ فِيهِ ما قَدَّمْناهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وأمّا قِراءَةُ ”لَمّا“ بِالتَّشْدِيدِ، فَذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: حِينَ آتَيْتُكم بَعْضَ الكِتابِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَهُ، وجَبَ عَلَيْكُمُ الإيمانُ بِهِ ونُصْرَتُهُ. والثّانِي: أنَّ أصْلَ ”لِما“ لِمَن ما فاسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ ثَلاثِ مِيماتٍ، وهي المِيمانِ والنُّونُ المُنْقَلِبَةُ مِيمًا بِإدْغامِها في المِيمِ فَحَذَفُوا إحْداها فَصارَتْ ”لِما“، ومَعْناهُ: لَمِن أجْلِ ما آتَيْتُكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قِراءَةِ حَمْزَةَ في المَعْنى.
صفحة ١٠٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”آتَيْناكم“ بِالنُّونِ عَلى التَّفْخِيمِ، والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى التَّوْحِيدِ، حُجَّةُ نافِعٍ قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧]، ولِأنَّ هَذا أدَلُّ عَلى العَظَمَةِ فَكانَ أكْثَرَ هَيْبَةً في قَلْبِ السّامِعِ، وهَذا المَوْضِعُ يَلِيقُ بِهِ هَذا المَعْنى، وحُجَّةُ الجُمْهُورِ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الحديد: ٩]، و﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١]، وأيْضًا هَذِهِ القِراءَةُ أشْبَهُ بِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وبِما بَعْدَها؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾، وقالَ بَعْدَها ﴿إصْرِي﴾، وأجابَ نافِعٌ عَنْهُ بِأنَّ أحَدَ أبْوابِ الفَصاحَةِ تَغْيِيرُ العِبارَةِ مِنَ الواحِدِ إلى الجَمْعِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الواحِدِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي﴾ [الإسراء: ٢]، ولَمْ يَقُلْ مِن دُونِنا كَما قالَ (وجَعَلْناهُ) واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ النَّبِيِّينَ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ وهو مُخاطَبَةُ إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ فَقالَ مُخاطِبًا لَهم لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ، والإضْمارُ بابٌ واسِعٌ في القُرْآنِ، ومِنَ العُلَماءِ مَنِ التَزَمَ في هَذِهِ الآيَةِ إضْمارًا آخَرَ وأراحَ نَفْسَهُ عَنْ تِلْكَ التَّكَلُّفاتِ الَّتِي حَكَيْناها عَنِ النَّحْوِيِّينَ، فَقالَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَتُبَلِّغُنَّ النّاسَ ما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ، قالَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ لَتُبَلِّغُنَّ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لامَ القَسَمِ إنَّما يَقَعُ عَلى الفِعْلِ، فَلَمّا دَلَّتْ هَذِهِ اللّامُ عَلى هَذا الفِعْلِ لا جَرَمَ حَذَفَهُ اخْتِصارًا، ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْتَقِيمُ النَّظْمُ ولا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ تِلْكَ التَّعَسُّفاتِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِنِ التِزامِ الإضْمارِ، فَهَذا الإضْمارُ الَّذِي بِهِ يَنْتَظِمُ الكَلامُ نَظْمًا بَيِّنًا جَلِيًّا أوْلى مِن تِلْكَ التَّكَلُّفاتِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ إشْكالٌ، وهو أنَّ هَذا الخِطابَ إمّا أنْ يَكُونَ مَعَ الأنْبِياءِ أوْ مَعَ الأُمَمِ، فَإنْ كانَ مَعَ الأنْبِياءِ فَجَمِيعُ الأنْبِياءِ ما أُوتُوا الكِتابَ، وإنَّما أُوتِيَ بَعْضُهم وإنْ كانَ مَعَ الأُمَمِ، فالإشْكالُ أظْهَرُ، والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أُوتُوا الكِتابَ، بِمَعْنى كَوْنِهِ مُهْتَدِيًا بِهِ داعِيًا إلى العَمَلِ بِهِ، وإنْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّ أشْرَفَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، فَوَصَفَ الكُلَّ بِوَصْفِ أشْرَفِ الأنْواعِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الكِتابُ هو المُنَزَّلُ المَقْرُوءُ والحِكْمَةُ هي الوَحْيُ الوارِدُ بِالتَّكالِيفِ المُفَصَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَشْتَمِلِ الكِتابُ عَلَيْها.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَلِمَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ (مِن كِتابٍ) دَخَلَتْ تَبْيِينًا لِما كَقَوْلِكَ: ما عِنْدِي مِنَ الوَرَقِ دانِقانِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ﴾، والرَّسُولُ لا يَجِيءُ إلى النَّبِيِّينَ وإنَّما يَجِيءُ إلى الأُمَمِ ؟ .
والجَوابُ: إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ عَلى أخْذِ مِيثاقِ أُمَمِهِمْ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى أخْذِ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ أنْفُسِهِمْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ﴾ أيْ جاءَ في زَمانِكم.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَكُونُ مُحَمَّدٌ ﷺ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم مَعَ مُخالَفَةِ شَرْعِهِ لِشَرْعِهِمْ ؟
صفحة ١٠٥
قُلْنا: المُرادُ بِهِ حُصُولُ المُوافَقَةِ في التَّوْحِيدِ، والنُّبُوّاتِ، وأُصُولِ الشَّرائِعِ، فَأمّا تَفاصِيلُها وإنْ وقَعَ الخِلافُ فِيها، فَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِخِلافٍ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ الحَقَّ في زَمانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسَ إلّا شَرْعَهُ وأنَّ الحَقَّ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ إلّا شَرْعَهُ، فَهَذا وإنْ كانَ يُوهِمُ الخِلافَ، إلّا أنَّهُ في الحَقِيقَةِ وِفاقٌ، وأيْضًا فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم هو أنَّ وصْفَهُ وكَيْفِيَّةَ أحْوالِهِ مَذْكُورَةٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَلَمّا ظَهَرَ عَلى أحْوالٍ مُطابِقَةٍ لِما كانَ مَذْكُورًا في تِلْكَ الكُتُبِ، كانَ نَفْسُ مَجِيئِهِ تَصْدِيقًا لِما كانَ مَعَهم، فَهَذا هو المُرادُ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم.
السُّؤالُ الثّالِثُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّ رَسُولٍ يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم فَما مَعْنى ذَلِكَ المِيثاقِ ؟
والجَوابُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا المِيثاقُ ما قُرِّرَ في عُقُولِهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الِانْقِيادَ لِأمْرِ اللَّهِ واجِبٌ، فَإذا جاءَ الرَّسُولُ فَهو إنَّما يَكُونُ رَسُولًا عِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ فَإذا أخْبَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ الخَلْقَ بِالإيمانِ بِهِ عَرَفُوا عِنْدَ ذَلِكَ وجُوبَهَ، فَتَقْدِيرُ هَذا الدَّلِيلِ في عُقُولِهِمْ هو المُرادُ مِن أخْذِ المِيثاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن أخْذِ المِيثاقِ أنَّهُ تَعالى شَرَحَ صِفاتِهِ في كُتُبِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَإذا صارَتْ أحْوالُهُ مُطابِقَةً لِما جاءَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وجَبَ الِانْقِيادُ لَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهُ (رَسُولٌ)، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فَقَوْلُهُ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾، فالمَعْنى ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ الإيمانَ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ الِاشْتِغالَ بِنُصْرَتِهِ ثانِيًا، واللّامُ في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهِ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ بِأنَّهُ تَعالى أخَذَ المَواثِيقَ عَلى الأنْبِياءِ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأقْرَرْتُمْ﴾ مَعْناهُ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيِّينَ أأقْرَرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ وإنْ فَسَّرْنا أخْذَ المِيثاقِ بِأنَّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أخَذُوا المَواثِيقَ عَلى الأُمَمِ كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ أيْ قالَ كُلُّ نَبِيٍّ لِأُمَّتِهِ أأقْرَرْتُمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ أخْذَ المِيثاقِ إلى نَفْسِهِ، وإنْ كانَ النَّبِيُّونَ أخَذُوهُ عَلى الأُمَمِ، فَكَذَلِكَ طَلَبُ هَذا الإقْرارِ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ وإنْ وقَعَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَقْصُودُ أنَّ الأنْبِياءَ بالَغُوا في إثْباتِ هَذا المَعْنى وتَأْكِيدِهِ، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أخْذِ المِيثاقِ عَلى الأُمَمِ، بَلْ طالَبُوهم بِالإقْرارِ بِالقَوْلِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالإشْهادِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإقْرارُ في اللُّغَةِ مَنقُولٌ بِالألِفِ مِن قَرَّ الشَّيْءُ يَقِرُّ، إذا ثَبَتَ ولَزِمَ مَكانَهُ، وأقَرَّهُ غَيْرُهُ والمُقِرُّ بِالشَّيْءِ يُقِرُّهُ عَلى نَفْسِهِ أيْ يُثْبِتُهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ أيْ قَبِلْتُمْ عَهْدِي، والأخْذُ بِمَعْنى القَبُولِ كَثِيرٌ في الكَلامِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] أيْ يُقْبَلُ مِنها فِدْيَةٌ، وقالَ: ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] أيْ
صفحة ١٠٦
يَقْبَلُها، والإصْرُ هو الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ لِأجْلِ ما يَلْزَمُهُ مِن عَمَلٍ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فَسَمّى العَهْدَ إصْرًا لِهَذا المَعْنى، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ العَهْدُ إصْرًا؛ لِأنَّهُ مِمّا يُؤْصَرُ أيْ يُشَدُّ ويُعْقَدُ، ومِنهُ الإصارُ الَّذِي يُعْقَدُ بِهِ، وقُرِئَ ﴿إصْرِي﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لُغَةً في إصْرٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فاشْهَدُوا﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِالإقْرارِ، وأنا عَلى إقْرارِكم وإشْهادِ بَعْضِكم بَعْضًا ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، وهَذا تَوْكِيدٌ عَلَيْهِمْ وتَحْذِيرٌ مِنَ الرُّجُوعِ إذا عَلِمُوا شَهادَةَ اللَّهِ وشَهادَةَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿فاشْهَدُوا﴾ خِطابٌ لِلْمَلائِكَةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاشْهَدُوا﴾ أيْ لِيَجْعَلْ كُلُّ أحَدٍ نَفْسَهُ شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] عَلى أنْفُسِنا، وهَذا مِن بابِ المُبالَغَةِ.
الرّابِعُ: ﴿فاشْهَدُوا﴾ أيْ بَيِّنُوا هَذا المِيثاقَ لِلْخاصِّ والعامِّ، لِكَيْ لا يَبْقى لِأحَدٍ عُذْرٌ في الجَهْلِ بِهِ، وأصْلُهُ أنَّ الشّاهِدَ هو الَّذِي يُبَيِّنُ صِدْقَ الدَّعْوى. الخامِسُ: ﴿فاشْهَدُوا﴾ أيْ فاسْتَيْقِنُوا ما قَرَّرْتُهُ عَلَيْكم مِن هَذا المِيثاقِ، وكُونُوا فِيهِ كالمُشاهِدِ لِلشَّيْءِ المُعايِنِ لَهُ.
السّادِسُ: إذا قُلْنا إنَّ أخْذَ المِيثاقِ كانَ مِنَ الأُمَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فاشْهَدُوا﴾ خِطابٌ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأنْ يَكُونُوا شاهِدِينَ عَلَيْهِمْ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فَهو لِلتَّأْكِيدِ وتَقْوِيَةِ الإلْزامِ، وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى وهي أنَّهُ تَعالى وإنْ أشْهَدَ غَيْرَهُ، فَلَيْسَ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ الإشْهادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ لَكِنْ لِضَرْبٍ مِنَ المَصْلَحَةِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَمَّ إلَيْهِ تَأْكِيدًا آخَرَ، فَقالَ: ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ يَعْنِي مَن أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِهَذا الرَّسُولِ وبِنُصْرَتِهِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ كانَ مِنَ الفاسِقِينَ، ووَعِيدُ الفاسِقِ مَعْلُومٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هَذا شَرْطٌ، والفِعْلُ الماضِي يَنْقَلِبُ مُسْتَقْبَلًا في الشَّرْطِ والجَزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾
صفحة ١٠١
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ تَعْدِيدُ تَقْرِيرِ الأشْياءِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ مِمّا يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ وإظْهارًا لِعِنادِهِمْ، ومِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وهو أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ بِأنَّهم كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم آمَنُوا بِهِ ونَصَرُوهُ، وأخْبَرَ أنَّهم قَبِلُوا ذَلِكَ وحَكَمَ تَعالى بِأنَّ مَن رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كانَ مِنَ الفاسِقِينَ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ فَحَصَلَ الكَلامُ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ الإيمانَ بِكُلِّ رَسُولٍ جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم إلّا أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ الواحِدَةَ لا تَكْفِي في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ما لَمْ يَضُمَّ إلَيْها مُقَدِّمَةً أُخْرى، وهي أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم.
وعِنْدَ هَذا لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا إثْباتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِكَوْنِهِ رَسُولًا بِكَوْنِهِ رَسُولًا.
والجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ هَذا السُّؤالُ واللَّهُ أعْلَمُ، ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الألْفاظِ:
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾، فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ واذْكُرُوا يا أهْلَ الكِتابِ إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وقالَ الزَّجّاجُ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ في القُرْآنِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَصْدَرَ يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الفاعِلِ وإلى المَفْعُولِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المِيثاقُ مَأْخُوذًا مِنهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا لَهم مِن غَيْرِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنهم في أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ وطاوُسٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وقِيلَ: إنَّ المِيثاقَ هَذا مُخْتَصٌّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ آخِذَ المِيثاقِ هو اللَّهُ تَعالى، والمَأْخُوذَ مِنهم هُمُ النَّبِيُّونَ، فَلَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ الأُمَّةِ، فَلَمْ يَحْسُنْ صَرْفُ المِيثاقِ إلى الأُمَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قُلْتُمْ يَكُونُ المِيثاقُ مُضافًا إلى المُوثَقِ عَلَيْهِ، وعَلى الوَجْهِ الَّذِي قُلْنا يَكُونُ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، وهو المُوثَقُ لَهُ، ولا شَكَّ أنَّ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ أقْوى مِن إضافَتِهِ إلى المَفْعُولِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ، وهو كَما يُقالُ: مِيثاقُ اللَّهِ وعَهْدُهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ اللَّهُ لِلْأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمْ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ مِيثاقُ أوْلادِ النَّبِيِّينَ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ، عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهو كَما يُقالُ: فَعَلَ بَكْرُ بْنُ وائِلٍ كَذا، وفَعَلَ مَعَدُّ بْنُ عَدْنانَ كَذا، والمُرادُ أوْلادُهم وقَوْمُهم، فَكَذا هاهُنا.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن لَفْظِ ”النَّبِيِّينَ“ أهْلَ الكِتابِ وأُطْلِقَ هَذا اللَّفْظُ عَلَيْهِمْ تَهَكُّمًا بِهِمْ عَلى زَعْمِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنّا أهْلُ الكِتابِ ومِنّا كانَ النَّبِيُّونَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كَثِيرًا ورَدَ في القُرْآنِ لَفْظُ النَّبِيِّ والمُرادُ مِنهُ أُمَّتُهُ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] .
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ لِأصْحابِ هَذا القَوْلِ: ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«لَقَدْ جِئْتُكم بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً أما واللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» “ .
صفحة ١٠٢
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: ما نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما بَعَثَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرُنَّهُ، فَهَذا يُمْكِنُ نُصْرَةُ هَذا القَوْلِ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانُوا يَأْخُذُونَ المِيثاقَ مِن أُمَمِهِمْ بِأنَّهُ إذا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وأنْ يَنْصُرُوهُ، وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ وقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّتِهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، فَقالَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ مِنهم يَجِبُ عَلَيْهِمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ مَبْعَثِهِ، وكُلُّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَكُونُونَ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن زُمْرَةِ الأمْواتِ، والمَيِّتُ لا يَكُونُ مُكَلَّفًا، فَلَمّا كانَ الَّذِينَ أُخِذَ المِيثاقُ عَلَيْهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ مَبْعَثِهِ ولا يُمْكِنُ إيجابُ الإيمانِ عَلى الأنْبِياءِ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلِمْنا أنَّ الَّذِينَ أُخِذَ المِيثاقُ عَلَيْهِمْ لَيْسُوا هُمُ النَّبِيِّينَ بَلْ هم أُمَمُ النَّبِيِّينَ، قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنَّهم لَوْ تَوَلَّوْا لَكانُوا فاسِقِينَ، وهَذا الوَصْفُ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وإنَّما يَلِيقُ بِالأُمَمِ، أجابَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الأنْبِياءَ لَوْ كانُوا في الحَياةِ لَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يُشْرِكُ قَطُّ ولَكِنْ خَرَجَ هَذا الكَلامُ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ والفَرْضِ فَكَذا هاهُنا، وقالَ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، وقالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢١] مَعَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وبِأنَّهم يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ فَكَذا هاهُنا، ونَقُولُ: إنَّهُ سَمّاهم فاسِقِينَ عَلى تَقْدِيرِ التَّوَلِّي فَإنَّ اسْمَ الفِسْقِ لَيْسَ أقْبَحَ مِنِ اسْمِ الشِّرْكِ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، فَكَذا هاهُنا.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُؤْمِنَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ، وإذا كانَ المِيثاقُ مَأْخُوذًا عَلَيْهِمْ كانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَحْصِيلِ هَذا المَقْصُودِ مِن أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ دَرَجاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْلى وأشْرَفُ مِن دَرَجاتِ الأُمَمِ، فَإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَوْ كانُوا في الأحْياءِ، وأنَّهم لَوْ تَرَكُوا ذَلِكَ لَصارُوا مِن زُمْرَةِ الفاسِقِينَ، فَلَأنْ يَكُونَ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ واجِبًا عَلى أُمَمِهِمْ لَوْ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكانَ صَرْفُ هَذا المِيثاقِ إلى الأنْبِياءِ أقْوى في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ مِن هَذا الوَجْهِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ونَحْنُ نَقْرَأُ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَذا الِاحْتِمالَ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [ البَقَرَةِ: ٤٠]، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾
صفحة ١٠٣
﴿ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا المَوْضُوعِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ ”لَما“ بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ اللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ”لَمّا“ مُشَدَّدَةً، أمّا القِراءَةُ بِالفَتْحِ فَلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ ”ما“ اسْمٌ مَوْصُولٌ والَّذِي بَعْدَهُ صِلَةٌ لَهُ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: لَلَّذِي آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ، ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ”ما“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والرّاجِعُ إلى لَفْظَةِ ”ما“ وهو صِلَتُها مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَما آتَيْتُكُمُوهُ فَحُذِفَ الرّاجِعُ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] وعَلَيْهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَتْ ”ما“ مَوْصُولَةً لَزِمَ أنْ يَرْجِعَ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى الصِّلَةِ ذِكْرٌ إلى المَوْصُولِ وإلّا لَمْ يَجُزْ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: الَّذِي قامَ أبُوهُ ثُمَّ انْطَلَقَ زَيْدٌ لَمْ يَجُزْ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، قُلْنا: يَجُوزُ إقامَةُ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ عِنْدَ الأخْفَشِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]، ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهُ، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، ولَمْ يَقُلْ: إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم وذَلِكَ لِأنَّ المُظْهَرَ المَذْكُورَ قائِمٌ مَقامَ المُضْمَرِ فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ الثّانِي: ما فائِدَةُ اللّامِ في قَوْلِهِ: (لَما)، قُلْنا: هَذِهِ اللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لَزَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو، ويَحْسُنُ إدْخالُها عَلى ما يَجْرِي مَجْرى المُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ بِمَنزِلَةِ القَسَمِ والمَعْنى اسْتَحْلَفَهم، وهَذِهِ اللّامُ المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ سِيبَوَيْهِ والمازِنِيِّ والزَّجّاجِ أنَّ ”ما“ هاهُنا هي المُتَضَمِّنَةُ لِمَعْنى الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ: ما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، فاللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ هي المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ، أمّا اللّامُ في ”لَمّا“ هي لامٌ تُحْذَفُ تارَةً، وتُذْكَرُ أُخْرى، ولا يَتَفاوَتُ المَعْنى، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: واللَّهِ لَوْ أنْ فَعَلْتَ، فَعَلْتُ، فَلَفْظَةُ ”أنْ“ لا يَتَفاوَتُ الحالُ بَيْنَ ذِكْرِها وحَذْفِها فَكَذا هاهُنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْتُكم ”وجاءَكم“ جُزِمَ بِالعَطْفِ عَلى ”﴿آتَيْتُكُمْ﴾“، و”﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾“ هو الجَزاءُ، وإنَّما لَمْ يَرْضَ سِيبَوَيْهِ بِالقَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ لا يَرى إقامَةَ المُظْهَرِ مُقامَ المُضْمَرِ، وأمّا الوَجْهُ في قِراءَةِ ”لِما“ بِكَسْرِ اللّامِ فَهو أنَّ هَذا لامُ التَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: أخَذَ مِيثاقَهم لِهَذا لِأنَّ مَن يُؤْتى الكِتابَ والحِكْمَةَ فَإنَّ اخْتِصاصَهُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ يُوجِبُ عَلَيْهِ تَصْدِيقَ سائِرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ ”وما“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ مَوْصُولَةً. وتَمامُ البَحْثِ فِيهِ ما قَدَّمْناهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وأمّا قِراءَةُ ”لَمّا“ بِالتَّشْدِيدِ، فَذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: حِينَ آتَيْتُكم بَعْضَ الكِتابِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَهُ، وجَبَ عَلَيْكُمُ الإيمانُ بِهِ ونُصْرَتُهُ. والثّانِي: أنَّ أصْلَ ”لِما“ لِمَن ما فاسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ ثَلاثِ مِيماتٍ، وهي المِيمانِ والنُّونُ المُنْقَلِبَةُ مِيمًا بِإدْغامِها في المِيمِ فَحَذَفُوا إحْداها فَصارَتْ ”لِما“، ومَعْناهُ: لَمِن أجْلِ ما آتَيْتُكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قِراءَةِ حَمْزَةَ في المَعْنى.
صفحة ١٠٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”آتَيْناكم“ بِالنُّونِ عَلى التَّفْخِيمِ، والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى التَّوْحِيدِ، حُجَّةُ نافِعٍ قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧]، ولِأنَّ هَذا أدَلُّ عَلى العَظَمَةِ فَكانَ أكْثَرَ هَيْبَةً في قَلْبِ السّامِعِ، وهَذا المَوْضِعُ يَلِيقُ بِهِ هَذا المَعْنى، وحُجَّةُ الجُمْهُورِ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الحديد: ٩]، و﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١]، وأيْضًا هَذِهِ القِراءَةُ أشْبَهُ بِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وبِما بَعْدَها؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾، وقالَ بَعْدَها ﴿إصْرِي﴾، وأجابَ نافِعٌ عَنْهُ بِأنَّ أحَدَ أبْوابِ الفَصاحَةِ تَغْيِيرُ العِبارَةِ مِنَ الواحِدِ إلى الجَمْعِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الواحِدِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي﴾ [الإسراء: ٢]، ولَمْ يَقُلْ مِن دُونِنا كَما قالَ (وجَعَلْناهُ) واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ النَّبِيِّينَ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ وهو مُخاطَبَةُ إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ فَقالَ مُخاطِبًا لَهم لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ، والإضْمارُ بابٌ واسِعٌ في القُرْآنِ، ومِنَ العُلَماءِ مَنِ التَزَمَ في هَذِهِ الآيَةِ إضْمارًا آخَرَ وأراحَ نَفْسَهُ عَنْ تِلْكَ التَّكَلُّفاتِ الَّتِي حَكَيْناها عَنِ النَّحْوِيِّينَ، فَقالَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَتُبَلِّغُنَّ النّاسَ ما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ، قالَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ لَتُبَلِّغُنَّ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لامَ القَسَمِ إنَّما يَقَعُ عَلى الفِعْلِ، فَلَمّا دَلَّتْ هَذِهِ اللّامُ عَلى هَذا الفِعْلِ لا جَرَمَ حَذَفَهُ اخْتِصارًا، ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْتَقِيمُ النَّظْمُ ولا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ تِلْكَ التَّعَسُّفاتِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِنِ التِزامِ الإضْمارِ، فَهَذا الإضْمارُ الَّذِي بِهِ يَنْتَظِمُ الكَلامُ نَظْمًا بَيِّنًا جَلِيًّا أوْلى مِن تِلْكَ التَّكَلُّفاتِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ إشْكالٌ، وهو أنَّ هَذا الخِطابَ إمّا أنْ يَكُونَ مَعَ الأنْبِياءِ أوْ مَعَ الأُمَمِ، فَإنْ كانَ مَعَ الأنْبِياءِ فَجَمِيعُ الأنْبِياءِ ما أُوتُوا الكِتابَ، وإنَّما أُوتِيَ بَعْضُهم وإنْ كانَ مَعَ الأُمَمِ، فالإشْكالُ أظْهَرُ، والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أُوتُوا الكِتابَ، بِمَعْنى كَوْنِهِ مُهْتَدِيًا بِهِ داعِيًا إلى العَمَلِ بِهِ، وإنْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّ أشْرَفَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، فَوَصَفَ الكُلَّ بِوَصْفِ أشْرَفِ الأنْواعِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الكِتابُ هو المُنَزَّلُ المَقْرُوءُ والحِكْمَةُ هي الوَحْيُ الوارِدُ بِالتَّكالِيفِ المُفَصَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَشْتَمِلِ الكِتابُ عَلَيْها.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَلِمَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ (مِن كِتابٍ) دَخَلَتْ تَبْيِينًا لِما كَقَوْلِكَ: ما عِنْدِي مِنَ الوَرَقِ دانِقانِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ﴾، والرَّسُولُ لا يَجِيءُ إلى النَّبِيِّينَ وإنَّما يَجِيءُ إلى الأُمَمِ ؟ .
والجَوابُ: إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ عَلى أخْذِ مِيثاقِ أُمَمِهِمْ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى أخْذِ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ أنْفُسِهِمْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ﴾ أيْ جاءَ في زَمانِكم.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَكُونُ مُحَمَّدٌ ﷺ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم مَعَ مُخالَفَةِ شَرْعِهِ لِشَرْعِهِمْ ؟
صفحة ١٠٥
قُلْنا: المُرادُ بِهِ حُصُولُ المُوافَقَةِ في التَّوْحِيدِ، والنُّبُوّاتِ، وأُصُولِ الشَّرائِعِ، فَأمّا تَفاصِيلُها وإنْ وقَعَ الخِلافُ فِيها، فَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِخِلافٍ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ الحَقَّ في زَمانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسَ إلّا شَرْعَهُ وأنَّ الحَقَّ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ إلّا شَرْعَهُ، فَهَذا وإنْ كانَ يُوهِمُ الخِلافَ، إلّا أنَّهُ في الحَقِيقَةِ وِفاقٌ، وأيْضًا فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم هو أنَّ وصْفَهُ وكَيْفِيَّةَ أحْوالِهِ مَذْكُورَةٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَلَمّا ظَهَرَ عَلى أحْوالٍ مُطابِقَةٍ لِما كانَ مَذْكُورًا في تِلْكَ الكُتُبِ، كانَ نَفْسُ مَجِيئِهِ تَصْدِيقًا لِما كانَ مَعَهم، فَهَذا هو المُرادُ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم.
السُّؤالُ الثّالِثُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّ رَسُولٍ يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم فَما مَعْنى ذَلِكَ المِيثاقِ ؟
والجَوابُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا المِيثاقُ ما قُرِّرَ في عُقُولِهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الِانْقِيادَ لِأمْرِ اللَّهِ واجِبٌ، فَإذا جاءَ الرَّسُولُ فَهو إنَّما يَكُونُ رَسُولًا عِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ فَإذا أخْبَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ الخَلْقَ بِالإيمانِ بِهِ عَرَفُوا عِنْدَ ذَلِكَ وجُوبَهَ، فَتَقْدِيرُ هَذا الدَّلِيلِ في عُقُولِهِمْ هو المُرادُ مِن أخْذِ المِيثاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن أخْذِ المِيثاقِ أنَّهُ تَعالى شَرَحَ صِفاتِهِ في كُتُبِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَإذا صارَتْ أحْوالُهُ مُطابِقَةً لِما جاءَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وجَبَ الِانْقِيادُ لَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهُ (رَسُولٌ)، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فَقَوْلُهُ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾، فالمَعْنى ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ الإيمانَ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ الِاشْتِغالَ بِنُصْرَتِهِ ثانِيًا، واللّامُ في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهِ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ بِأنَّهُ تَعالى أخَذَ المَواثِيقَ عَلى الأنْبِياءِ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأقْرَرْتُمْ﴾ مَعْناهُ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيِّينَ أأقْرَرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ وإنْ فَسَّرْنا أخْذَ المِيثاقِ بِأنَّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أخَذُوا المَواثِيقَ عَلى الأُمَمِ كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ أيْ قالَ كُلُّ نَبِيٍّ لِأُمَّتِهِ أأقْرَرْتُمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ أخْذَ المِيثاقِ إلى نَفْسِهِ، وإنْ كانَ النَّبِيُّونَ أخَذُوهُ عَلى الأُمَمِ، فَكَذَلِكَ طَلَبُ هَذا الإقْرارِ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ وإنْ وقَعَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَقْصُودُ أنَّ الأنْبِياءَ بالَغُوا في إثْباتِ هَذا المَعْنى وتَأْكِيدِهِ، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أخْذِ المِيثاقِ عَلى الأُمَمِ، بَلْ طالَبُوهم بِالإقْرارِ بِالقَوْلِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالإشْهادِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإقْرارُ في اللُّغَةِ مَنقُولٌ بِالألِفِ مِن قَرَّ الشَّيْءُ يَقِرُّ، إذا ثَبَتَ ولَزِمَ مَكانَهُ، وأقَرَّهُ غَيْرُهُ والمُقِرُّ بِالشَّيْءِ يُقِرُّهُ عَلى نَفْسِهِ أيْ يُثْبِتُهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ أيْ قَبِلْتُمْ عَهْدِي، والأخْذُ بِمَعْنى القَبُولِ كَثِيرٌ في الكَلامِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] أيْ يُقْبَلُ مِنها فِدْيَةٌ، وقالَ: ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] أيْ
صفحة ١٠٦
يَقْبَلُها، والإصْرُ هو الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ لِأجْلِ ما يَلْزَمُهُ مِن عَمَلٍ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فَسَمّى العَهْدَ إصْرًا لِهَذا المَعْنى، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ العَهْدُ إصْرًا؛ لِأنَّهُ مِمّا يُؤْصَرُ أيْ يُشَدُّ ويُعْقَدُ، ومِنهُ الإصارُ الَّذِي يُعْقَدُ بِهِ، وقُرِئَ ﴿إصْرِي﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لُغَةً في إصْرٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فاشْهَدُوا﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِالإقْرارِ، وأنا عَلى إقْرارِكم وإشْهادِ بَعْضِكم بَعْضًا ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، وهَذا تَوْكِيدٌ عَلَيْهِمْ وتَحْذِيرٌ مِنَ الرُّجُوعِ إذا عَلِمُوا شَهادَةَ اللَّهِ وشَهادَةَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿فاشْهَدُوا﴾ خِطابٌ لِلْمَلائِكَةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاشْهَدُوا﴾ أيْ لِيَجْعَلْ كُلُّ أحَدٍ نَفْسَهُ شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] عَلى أنْفُسِنا، وهَذا مِن بابِ المُبالَغَةِ.
الرّابِعُ: ﴿فاشْهَدُوا﴾ أيْ بَيِّنُوا هَذا المِيثاقَ لِلْخاصِّ والعامِّ، لِكَيْ لا يَبْقى لِأحَدٍ عُذْرٌ في الجَهْلِ بِهِ، وأصْلُهُ أنَّ الشّاهِدَ هو الَّذِي يُبَيِّنُ صِدْقَ الدَّعْوى. الخامِسُ: ﴿فاشْهَدُوا﴾ أيْ فاسْتَيْقِنُوا ما قَرَّرْتُهُ عَلَيْكم مِن هَذا المِيثاقِ، وكُونُوا فِيهِ كالمُشاهِدِ لِلشَّيْءِ المُعايِنِ لَهُ.
السّادِسُ: إذا قُلْنا إنَّ أخْذَ المِيثاقِ كانَ مِنَ الأُمَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فاشْهَدُوا﴾ خِطابٌ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأنْ يَكُونُوا شاهِدِينَ عَلَيْهِمْ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فَهو لِلتَّأْكِيدِ وتَقْوِيَةِ الإلْزامِ، وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى وهي أنَّهُ تَعالى وإنْ أشْهَدَ غَيْرَهُ، فَلَيْسَ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ الإشْهادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ لَكِنْ لِضَرْبٍ مِنَ المَصْلَحَةِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَمَّ إلَيْهِ تَأْكِيدًا آخَرَ، فَقالَ: ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ يَعْنِي مَن أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِهَذا الرَّسُولِ وبِنُصْرَتِهِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ كانَ مِنَ الفاسِقِينَ، ووَعِيدُ الفاسِقِ مَعْلُومٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هَذا شَرْطٌ، والفِعْلُ الماضِي يَنْقَلِبُ مُسْتَقْبَلًا في الشَّرْطِ والجَزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شَرْعٌ شَرَعَهُ اللَّهُ وأوْجَبَهُ عَلى جَمِيعِ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، لَزِمَ أنَّ كُلَّ مَن كَرِهَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ طالِبًا دِينًا غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، فَلِهَذا قالَ بَعْدَهُ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”يَبْغُونَ“ و”يُرْجَعُونَ“ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتِها، لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: رَدًّا لِهَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] .
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ حِكايَةَ أخْذِ المِيثاقِ حَتّى يُبَيِّنَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يَلْزَمُهُمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ قالَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِنْكارِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ”تَبْغُونَ“ بِالتّاءِ خِطابًا لِلْيَهُودِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ و”يُرْجَعُونَ“
صفحة ١٠٧
بِالياءِ لِيَرْجِعَ إلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وقَرَأ الباقُونَ فِيهِما بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ خِطابٌ كَقَوْلِهِ: ﴿أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ﴾، وأيْضًا فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ ولِكُلِّ أحَدٍ: أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ مَعَ عِلْمِكم بِأنَّهُ أسْلَمَ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ مَرْجِعَكم إلَيْهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ والمُرادُ اسْتِنْكارُ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ أوْ تَقْرِيرُ أنَّهم يَفْعَلُونَهُ، ومَوْضِعُ الهَمْزَةِ هو لَفْظَةُ ”يَبْغُونَ“ تَقْدِيرُهُ: أيَبْغُونَ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ إنَّما يَكُونُ عَنِ الأفْعالِ والحَوادِثِ، إلّا أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ المَفْعُولَ الَّذِي هو (غَيْرَ دِينِ اللَّهِ) عَلى فِعْلِهِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن حَيْثُ إنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْبُودِ الباطِلِ، وأمّا الفاءُ فَلِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: التَّقْدِيرُ: فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ، فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَوْ قِيلَ أوَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ جازَ إلّا أنَّ في الفاءِ فائِدَةً زائِدَةً كَأنَّهُ قِيلَ: أفَبَعْدَ أخْذِ هَذا المِيثاقِ المُؤَكَّدِ بِهَذِهِ التَّأْكِيداتِ البَلِيغَةِ تَبْغُونَ ؟ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «رُوِيَ أنَّ فَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ اخْتَصَمُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ادَّعى أنَّهُ أوْلى بِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كِلا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالُوا: ما نَرْضى بِقَضائِكَ ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ويَبْعُدُ عِنْدِي حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا السَّبَبِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، والِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ يَقْتَضِي تَعَلُّقَها بِما قَبْلَها، فالوَجْهُ في الآيَةِ أنَّ هَذا المِيثاقَ لَمّا كانَ مَذْكُورًا في كُتُبِهِمْ وهم كانُوا عارِفِينَ بِذَلِكَ، فَقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النُّبُوَّةِ، فَلَمْ يَبْقَ لِكُفْرِهِمْ سَبَبٌ إلّا مُجَرَّدَ العَداوَةِ والحَسَدِ فَصارُوا كَإبْلِيسَ الَّذِي دَعاهُ الحَسَدُ إلى الكُفْرِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَتى كانُوا طالِبِينَ دِينًا غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، ومَعْبُودًا سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
* * *
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّمَرُّدَ عَلى اللَّهِ تَعالى والإعْراضَ عَنْ حُكْمِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ فَقالَ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإسْلامُ، هو الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ والخُضُوعُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَفي خُضُوعِ كُلِّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ عِنْدِي أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِهِ ولا يُعْدَمُ إلّا بِإعْدامِهِ، فَإذَنْ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو مُنْقادٌ خاضِعٌ لِجَلالِ اللَّهِ في طَرَفَيْ وُجُودِهِ وعَدَمِهِ، وهَذا هو نِهايَةُ الِانْقِيادِ والخُضُوعِ، ثُمَّ إنَّ في هَذا الوَجْهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى وهي أنَّ قَوْلَهُ: ”﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾“ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ ولَهُ أسْلَمَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ لا لِغَيْرِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تُفِيدُ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا بِتَكْوِينِهِ ولا يَفْنى إلّا بِإفْنائِهِ سَواءٌ كانَ عَقْلًا أوْ نَفْسًا أوْ رُوحًا أوْ جِسْمًا أوْ جَوْهَرًا أوْ عَرَضًا أوْ فاعِلًا أوْ فِعْلًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
الوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى الِامْتِناعِ عَلَيْهِ في مُرادِهِ، وإمّا أنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِ
صفحة ١٠٨
طَوْعًا أوْ كَرْهًا، فالمُسْلِمُونَ الصّالِحُونَ يَنْقادُونَ لِلَّهِ طَوْعًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، ويَنْقادُونَ لَهُ كَرْهًا فِيما يُخالِفُ طِباعَهم مِنَ المَرَضِ والفَقْرِ والمَوْتِ وأشْباهِ ذَلِكَ، وأمّا الكافِرُونَ فَهم يَنْقادُونَ لِلَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ حالٍ كَرْهًا لِأنَّهم لا يَنْقادُونَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مُسْتَسْلِمُونَ لَهُ سُبْحانَهُ كَرْهًا؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُهم دَفْعُ قَضائِهِ وقَدَرِهِ. الثّالِثُ: أسْلَمَ المُسْلِمُونَ طَوْعًا، والكافِرُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ كَرْهًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] .
الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ الخَلْقِ مُنْقادُونَ لِإلَهِيَّتِهِ طَوْعًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ومُنْقادُونَ لِتَكالِيفِهِ وإيجادِهِ لِلْآلامِ كَرْهًا. الخامِسُ: أنَّ انْقِيادَ الكُلِّ إنَّما حَصَلَ وقْتَ أخْذِ المِيثاقِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
السّادِسُ: قالَ الحَسَنُ: الطَّوْعُ لِأهْلِ السَّماواتِ خاصَّةً، وأمّا أهْلُ الأرْضِ فَبَعْضُهم بِالطَّوْعِ وبَعْضُهم بِالكُرْهِ. وأقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ هَذا وهو قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وفِيهِ أسْرارٌ عَجِيبَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، فالمُرادُ أنَّ مَن خالَفَهُ في العاجِلِ فَسَيَكُونُ مَرْجِعُهُ إلَيْهِ، والمُرادُ إلى حَيْثُ لا يَمْلِكُ الضُّرَّ والنَّفْعَ سِواهُ، وهَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ لِمَن خالَفَ الدِّينَ الحَقَّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الطَّوْعُ الِانْقِيادُ، يُقالُ: طاعَهُ يَطُوعُهُ طَوْعًا إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، وإذا مَضى لِأمْرِهِ فَقَدْ أطاعَهُ، وإذا وافَقَهُ فَقَدْ طاوَعَهُ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ طاعَ لَهُ وأطاعَ، فانْتَصَبَ طَوْعًا وكَرْهًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، وتَقْدِيرُهُ طائِعًا وكارِهًا، كَقَوْلِكَ أتانِي راكِضًا، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أتانِي كَلامًا أيْ مُتَكَلِّمًا؛ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ بِضَرْبٍ لِلْإتْيانِ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ إنَّما أخَذَ المِيثاقَ عَلى الأنْبِياءِ في تَصْدِيقِ الرَّسُولِ الَّذِي يَأْتِي مُصَدِّقًا لِما مَعَهم بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِن صِفَةِ - مُحَمَّدٍ ﷺ - كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وُحِّدَ الضَّمِيرُ في ”قُلْ“، وجُمِعَ في ”آمَنّا“ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حِينَ خاطَبَهُ، إنَّما خاطَبَهُ بِلَفْظِ الوُحْدانِ، وعَلَّمَهُ أنَّهُ حِينَ يُخاطِبُ القَوْمَ يُخاطِبُهم بِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ
صفحة ١٠٩
والتَّفْخِيمِ، مِثْلَما يَتَكَلَّمُ المُلُوكُ والعُظَماءُ.
والثّانِي: أنَّهُ خاطَبَهُ أوَّلًا بِخِطابِ الوُحْدانِ لِيَدُلَّ هَذا الكَلامُ عَلى أنَّهُ لا مُبَلِّغَ لِهَذا التَّكْلِيفِ مِنَ اللَّهِ إلى الخَلْقِ إلّا هو، ثُمَّ قالَ: ”آمَنّا“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ حِينَ يَقُولُ هَذا القَوْلَ فَإنَّ أصْحابَهُ يُوافِقُونَهُ عَلَيْهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى عَيَّنَهُ في هَذا التَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ ”قُلْ“ لِيُظْهِرَ بِهِ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم ثُمَّ قالَ ”آمَنّا“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مِن خَواصِّهِ، بَلْ هو لازِمٌ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدَّمَ الإيمانَ بِاللَّهِ عَلى الإيمانِ بِالأنْبِياءِ، لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ أصْلُ الإيمانِ بِالنُّبُوَّةِ، وفي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لِأنَّ كُتُبَ سائِرِ الأنْبِياءِ حَرَّفُوها وبَدَّلُوها فَلا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِها إلّا بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكانَ ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ كالأصْلِ لِما أُنْزِلَ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ فَلِهَذا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ، وفي المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ ذَكَرَ بَعْضَ الأنْبِياءِ وهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ يَعْتَرِفُ أهْلُ الكِتابِ بِوُجُودِهِمْ، ويَخْتَلِفُونَ في نُبُوَّتِهِمْ، ”والأسْباطُ“ هم أسْباطُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهَ أُمَمَهُمُ الِاثْنَيْ عَشَرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإنَّما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى الإقْرارَ بِنُبُوَّةِ كُلِّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِفَوائِدَ: إحْداها: إثْباتُ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُصَدِّقًا لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ هَذا الشَّرْطَ كانَ مُعْتَبَرًا في أخْذِ المِيثاقِ.
وثانِيها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَذاهِبَ أهْلِ الكِتابِ مُتَناقِضَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم إنَّما يُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ الَّذِي يُصَدِّقُونَهُ لِمَكانِ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ عَلَيْهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلَيْهِ كانَ نَبِيًّا، وعَلى هَذا يَكُونُ تَخْصِيصُ البَعْضِ بِالتَّصْدِيقِ والبَعْضِ بِالتَّكْذِيبِ مُتَناقِضًا، بَلِ الحَقُّ تَصْدِيقُ الكُلِّ والِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ الكُلِّ.
وثالِثُها: أنَّهُ قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إصْرارَهم عَلى تَكْذِيبِ بَعْضِ الأنْبِياءِ إعْراضٌ عَنْ دِينِ اللَّهِ ومُنازَعَةٌ مَعَ اللَّهِ، فَهاهُنا أظْهَرَ الإيمانَ بِنُبُوَّةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، لِيَزُولَ عَنْهُ وعَنْ أُمَّتِهِ ما وصَفَ أهْلَ الكِتابِ بِهِ مِن مُنازَعَةِ اللَّهِ في الحُكْمِ والتَّكْلِيفِ.
ورابِعُها: أنَّ في الآيَةِ الأُولى ذَكَرَ أنَّهُ أخَذَ المِيثاقَ عَلى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ أنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّ مَن أتى بَعْدَهم مِنَ الرُّسُلِ، وهاهُنا أخَذَ المِيثاقَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنْ يُؤْمِنَ بِكُلِّ مَن أتى قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ولَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ المِيثاقَ لِمَن يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً مِن هَذا الوَجْهِ عَلى أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ البَتَّةَ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ عَدّى ”أُنْزِلَ“ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، وفِيما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِها بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ ؟ قُلْنا: لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الوَحْيَ يَنْزِلُ مِن فَوْقَ ويَنْتَهِي إلى الرُّسُلِ، فَجاءَ تارَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ وأُخْرى بِالآخَرِ، وقِيلَ أيْضًا إنَّما قِيلَ: ”عَلَيْنا“ في حَقِّ الرَّسُولِ؛ لِأنَّ الوَحْيَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ ”وإلَيْنا“ في حَقِّ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ الوَحْيَ يَأْتِيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ عَلى وجْهِ الِانْتِهاءِ وهَذا تَعَسُّفٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ)، (وأنْزَلَ إلَيْكَ الكِتابَ)، وإلى قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ الإيمانَ بِهَؤُلاءِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا ونُسِخَتْ شَرائِعُهم كَيْفَ يَكُونُ ؟ وحَقِيقَةُ الخِلافِ، أنَّ شَرْعَهُ لَمّا صارَ مَنسُوخًا، فَهَلْ تَصِيرُ نُبُوَّتُهُ مَنسُوخَةً ؟ فَمَن قالَ إنَّها تَصِيرُ مَنسُوخَةً قالَ: نُؤْمِنُ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ ورُسُلًا، ولا نُؤْمِنُ بِأنَّهُمُ الآنَ أنْبِياءُ ورُسُلٌ، ومَن قالَ: إنَّ نَسْخَ الشَّرِيعَةِ لا يَقْتَضِي نَسْخَ النُّبُوَّةِ، قالَ: نُؤْمِنُ أنَّهم أنْبِياءُ ورُسُلٌ في الحالِ. فَتَنَبَّهْ لِهَذا المَوْضِعِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: التَّفَرُّقُ قَدْ يَكُونُ بِتَفْضِيلِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ القَوْلِ بِأنَّهم ما كانُوا عَلى سَبِيلٍ واحِدٍ في الطّاعَةِ لِلَّهِ، والمُرادُ
صفحة ١١٠
مِن هَذا الوَجْهِ يَعْنِي: نُقِرُّ بِأنَّهم كانُوا بِأسْرِهِمْ عَلى دِينٍ واحِدٍ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وفي الِانْقِيادِ لِتَكالِيفِ اللَّهِ.
الثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ المُرادُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ بِأنْ نُؤْمِنَ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ كَما تَفَرَّقَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ ”﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾“ أيْ لا نُفَرِّقُ ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وذَمَّ قَوْمًا وصَفَهم بِالتَّفَرُّقِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: إنَّ إقْرارَنا بِنُبُوَّةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ إنَّما كانَ لِأجْلِ كَوْنِنا مُنْقادِينَ لِلَّهِ تَعالى مُسْتَسْلِمِينَ لِحُكْمِهِ وأمْرِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حالَهُ عَلى خِلافِ الَّذِينَ خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
والثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ”﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾“ أيْ مُسْتَسْلِمُونَ لِأمْرِ اللَّهِ بِالرِّضا وتَرْكِ المُخالَفَةِ وتِلْكَ صِفَةُ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وهم أهْلُ السِّلْمِ والكافِرُونَ يُوصَفُونَ بِالمُحارَبَةِ لِلَّهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] . الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والتَّقْدِيرُ: لَهُ أسْلَمْنا لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن سُمْعَةٍ ورِياءٍ وطَلَبِ مالٍ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حالَهم بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ فَإنَّهم لا يَفْعَلُونَ ولا يَقُولُونَ إلّا لِلسُّمْعَةِ والرِّياءِ وطَلَبِ الأمْوالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في آخِرِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدِّينَ لَيْسَ إلّا الإسْلامُ، وأنَّ كُلَّ دِينٍ سِوى الإسْلامِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ اللَّهِ، لِأنَّ القَبُولَ لِلْعَمَلِ هو أنْ يَرْضى اللَّهُ ذَلِكَ العَمَلَ، ويَرْضى عَنْ فاعِلِهِ ويُثِيبَهُ عَلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ مَن لَهُ دِينٌ سِوى الإسْلامِ فَكَما أنَّهُ لا يَكُونُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الخاسِرِينَ، والخُسْرانُ في الآخِرَةِ يَكُونُ بِحِرْمانِ الثَّوابِ، وحُصُولِ العِقابِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يَلْحَقُهُ مِنَ التَّأسُّفِ والتَّحَسُّرِ عَلى ما فاتَهُ في الدُّنْيا مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، وعَلى ما تَحَمَّلَهُ مِنَ التَّعَبِ والمَشَقَّةِ في الدُّنْيا في تَقْرِيرِهِ ذَلِكَ الدِّينَ الباطِلَ، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ إذْ لَوْ كانَ الإيمانُ غَيْرَ الإسْلامِ لَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الإيمانُ مَقْبُولًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ إلّا أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] يَقْتَضِي كَوْنَ الإسْلامِ مُغايِرًا لِلْإيمانِ، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ الأُولى عَلى العُرْفِ الشَّرْعِيِّ، والآيَةُ الثّانِيَةِ عَلى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ.
آل عمران 3:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ أمْرَ الإسْلامِ والإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أكَّدَ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ بِأنْ بَيَّنَ وعِيدَ مَن تَرَكَ الإسْلامَ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَشَرَةِ رَهْطٍ كانُوا آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ أخَذُوا يَتَرَبَّصُونَ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ فِيهِمْ مَن تابَ فاسْتَثْنى التّائِبَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ . الثّانِي: نُقِلَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَلَمّا بُعِثَ وجاءَهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ كَفَرُوا بَغْيًا وحَسَدًا.
والثّالِثُ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ وهو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنِ اسْألُوا لِي هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ بِالآيَةِ، فَأقْبَلَ إلى المَدِينَةِ وتابَ عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ وقَبِلَ الرَّسُولُ ﷺ تَوْبَتَهُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِلنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، ومِنهم مَن جَعَلَ ابْتِداءَ القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ:
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١]، ثُمَّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيها أيْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والثّانِي: أنَّها في قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الإسْلامِ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا عَلى ما شَرَحْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ أُصُولَنا تَشْهَدُ بِأنَّهُ تَعالى هَدى جَمِيعَ الخَلْقِ إلى الدِّينِ بِمَعْنى التَّعْرِيفِ، ووَضْعِ الدَّلائِلِ وفِعْلِ الألْطافِ، إذْ لَوْ يَعُمُّ الكُلَّ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَصارَ الكافِرُ والضّالُّ مَعْذُورًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ لَمْ يَهْدِ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الهِدايَةِ بِشَيْءٍ آخَرَ سِوى نَصْبِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنعُ الألْطافِ الَّتِي يُؤْتِيها المُؤْمِنِينَ ثَوابًا لَهم عَلى إيمانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقالَ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦]، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ المُهْتَدِيَ قَدْ يَزِيدُهُ اللَّهُ هُدًى.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ
صفحة ١١٢
قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وقالَ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [يونس: ٩] . والثّالِثُ: أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ خَلْقَ المَعْرِفَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ المَعْرِفَةَ كانَ مُؤْمِنًا مُهْتَدِيًا، وإذا لَمْ يَخْلُقْها كانَ كافِرًا ضالًّا، ولَوْ كانَ الكُفْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَصِحَّ أنْ يَذُمَّهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يُضافَ الكُفْرُ إلَيْهِمْ، لَكِنَّ الآيَةَ ناطِقَةٌ بِكَوْنِهِمْ مَذْمُومِينَ بِسَبَبِ الكُفْرِ وكَوْنِهِمْ فاعِلِينَ لِلْكُفْرِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، فَأضافَ الكُفْرَ إلَيْهِمْ وذَمَّهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ، فَهَذا جُمْلَةُ أقْوالِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَقالُوا: المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ خَلْقُ المَعْرِفَةِ، قالُوا: وقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في دارِ التَّكْلِيفِ أنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَقْصِدُ العَبْدُ إلى تَحْصِيلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُهُ عَقِيبَ قَصْدِ العَبْدِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: كَيْفَ يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهِمُ المَعْرِفَةَ وهم قَصَدُوا تَحْصِيلَ الكُفْرِ أوْ أرادُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿واشْهَدُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَطْفٌ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ أنْ آمَنُوا وبَعْدَ أنْ شَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ؛ لِأنَّ عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لا يَجُوزُ فَهو في الظّاهِرِ وإنِ اقْتَضى عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لَكِنَّهُ في المَعْنى عَطَفَ الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ.
الثّانِي: أنَّ الواوَ لِلْحالِ بِإضْمارِ ”قَدْ“، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ حالَ ما شَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، وبَعْدَ الشَّهادَةِ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وقَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ، فَعَطَفَ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أنَّ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ، وجَوابُهُ: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، والشَّهادَةَ هي الإقْرارُ بِاللِّسانِ، وهُما مُتَغايِرانِ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْإقْرارِ بِاللِّسانِ وأنَّهُ مَعْنًى قائِمٌ بِالقَلْبِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَعْظَمَ كُفْرَ القَوْمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ خِصالٍ ثَلاثٍ: أحَدُها: بَعْدَ الإيمانِ، وثانِيها: بَعْدَ شَهادَةِ كَوْنِ الرَّسُولِ حَقًّا. وثالِثُها: بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ الكُفْرُ صَلاحًا بَعْدَ البَصِيرَةِ وبَعْدَ إظْهارِ الشَّهادَةِ، فَيَكُونُ الكُفْرُ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ أقْبَحَ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الكُفْرِ يَكُونُ كالمُعانَدَةِ والجُحُودِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ زَلَّةَ العالِمِ أقْبَحُ مِن زَلَّةِ الجاهِلِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾، وقالَ في آخِرِها: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وهَذا تَكْرارٌ.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ مُخْتَصٌّ بِالمُرْتَدِّينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَمَّمَ ذَلِكَ الحُكْمَ في المُرْتَدِّ وفي الكافِرِ الأصْلِيِّ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ سُمِّيَ الكافِرُ ظالِمًا ؟
الجَوابُ: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣]، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الكافِرَ أوْرَدَ نَفْسَهُ مَوارِدَ
صفحة ١١٣
البَلاءِ والعِقابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكُفْرِ، فَكانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ يَمْنَعُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن هِدايَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِ، بَلْ كَما لا يَهْدِيهِمْ في الدُّنْيا يَلْعَنُهُمُ اللَّعْنَ العَظِيمَ ويُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ والخُلُودِ.
واعْلَمْ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ مُخالِفَةٌ لِلَعْنَةِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ لَعْنَتَهُ بِالإبْعادِ مِنَ الجَنَّةِ وإنْزالِ العُقُوبَةِ والعَذابِ، واللَّعْنَةُ مِنَ المَلائِكَةِ هي بِالقَوْلِ، وكَذَلِكَ مِنَ النّاسِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحِقٌّ لَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِذَلِكَ. وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ عَمَّ جَمِيعَ النّاسِ ومَن يُوافِقُهُ لا يَلْعَنُهُ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ لَهُ أنْ يَلْعَنَهُ وإنْ كانَ لا يَلْعَنُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ في الآخِرَةِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقالَ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ حَصَلَ اللَّعْنُ لِلْكُفّارِ مِنَ الكُفّارِ.
والثّالِثُ: كَأنَّ النّاسَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والكُفّارَ لَيْسُوا مِنَ النّاسِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ لَعْنَ الثَّلاثِ قالَ: (أجْمَعِينَ) .
الرّابِعُ: وهو الأصَحُّ عِنْدِي أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ يَلْعَنُونَ المُبْطِلَ والكافِرَ، ولَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ ولا بِكافِرٍ، فَإذا لَعَنَ الكافِرَ وكانَ هو في عِلْمِ اللَّهِ كافِرًا، فَقَدْ لَعَنَ نَفْسَهُ وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: (خالِدِينَ فِيها) أيْ خالِدِينَ في اللَّعْنَةِ، فَما خُلُودُ اللَّعْنَةِ ؟ .
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّخْلِيدَ في اللَّعْنَةِ عَلى مَعْنى أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزالُ يَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ ومَن مَعَهم في النّارِ، فَلا يَخْلُو شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ مِن أنْ يَلْعَنَهم لاعِنٌ مِن هَؤُلاءِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِخُلُودِ اللَّعْنِ خُلُودُ أثَرِ اللَّعْنِ؛ لِأنَّ اللَّعْنَ يُوجِبُ العِقابَ، فَعُبِّرَ عَنْ خُلُودِ أثَرِ اللَّعْنِ بِخُلُودِ اللَّعْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠٠، ١٠١] .
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلُهُ: (خالِدِينَ فِيها) أيْ في جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا الكِنايَةُ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (خالِدِينَ فِيها) نُصِبَ عَلى الحالِ مِمّا قَبْلَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ مَعْنى الإنْظارِ التَّأْخِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فالمَعْنى أنَّهُ لا يَجْعَلُ عَذابَهم أخَفَّ ولا يُؤَخِّرُ العِقابَ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ، وهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ العَذابَ المُلْحِقَ بِالكافِرِ مَضَرَّةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ المَنافِعِ دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، نَعُوذُ مِنهُ بِاللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والمَعْنى إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّوْبَةَ وحْدَها لا تَكْفِي حَتّى يَنْضافَ إلَيْها العَمَلُ الصّالِحُ، فَقالَ: (وأصْلَحُوا) أيْ أصْلَحُوا باطِنَهم مَعَ الحَقِّ بِالمُراقَباتِ وظاهِرَهم مَعَ الخَلْقِ بِالعِباداتِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْلِنُوا بِأنّا كُنّا عَلى الباطِلِ حَتّى أنَّهُ لَوِ اغْتَرَّ بِطَرِيقَتِهِمُ الفاسِدَةِ مُغْتَرٌّ رَجَعَ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: غَفُورٌ لِقَبائِحِهِمْ في الدُّنْيا بِالسَّتْرِ، رَحِيمٌ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ.
الثّانِي: غَفُورٌ بِإزالَةِ العِقابِ، رَحِيمٌ بِإعْطاءِ الثَّوابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ﴾
صفحة ١١٤
﴿يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِأنَّهُ الجَزاءُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ تابُوا فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم.
آل عمران 3:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ أمْرَ الإسْلامِ والإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أكَّدَ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ بِأنْ بَيَّنَ وعِيدَ مَن تَرَكَ الإسْلامَ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَشَرَةِ رَهْطٍ كانُوا آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ أخَذُوا يَتَرَبَّصُونَ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ فِيهِمْ مَن تابَ فاسْتَثْنى التّائِبَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ . الثّانِي: نُقِلَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَلَمّا بُعِثَ وجاءَهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ كَفَرُوا بَغْيًا وحَسَدًا.
والثّالِثُ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ وهو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنِ اسْألُوا لِي هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ بِالآيَةِ، فَأقْبَلَ إلى المَدِينَةِ وتابَ عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ وقَبِلَ الرَّسُولُ ﷺ تَوْبَتَهُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِلنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، ومِنهم مَن جَعَلَ ابْتِداءَ القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ:
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١]، ثُمَّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيها أيْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والثّانِي: أنَّها في قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الإسْلامِ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا عَلى ما شَرَحْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ أُصُولَنا تَشْهَدُ بِأنَّهُ تَعالى هَدى جَمِيعَ الخَلْقِ إلى الدِّينِ بِمَعْنى التَّعْرِيفِ، ووَضْعِ الدَّلائِلِ وفِعْلِ الألْطافِ، إذْ لَوْ يَعُمُّ الكُلَّ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَصارَ الكافِرُ والضّالُّ مَعْذُورًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ لَمْ يَهْدِ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الهِدايَةِ بِشَيْءٍ آخَرَ سِوى نَصْبِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنعُ الألْطافِ الَّتِي يُؤْتِيها المُؤْمِنِينَ ثَوابًا لَهم عَلى إيمانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقالَ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦]، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ المُهْتَدِيَ قَدْ يَزِيدُهُ اللَّهُ هُدًى.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ
صفحة ١١٢
قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وقالَ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [يونس: ٩] . والثّالِثُ: أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ خَلْقَ المَعْرِفَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ المَعْرِفَةَ كانَ مُؤْمِنًا مُهْتَدِيًا، وإذا لَمْ يَخْلُقْها كانَ كافِرًا ضالًّا، ولَوْ كانَ الكُفْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَصِحَّ أنْ يَذُمَّهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يُضافَ الكُفْرُ إلَيْهِمْ، لَكِنَّ الآيَةَ ناطِقَةٌ بِكَوْنِهِمْ مَذْمُومِينَ بِسَبَبِ الكُفْرِ وكَوْنِهِمْ فاعِلِينَ لِلْكُفْرِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، فَأضافَ الكُفْرَ إلَيْهِمْ وذَمَّهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ، فَهَذا جُمْلَةُ أقْوالِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَقالُوا: المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ خَلْقُ المَعْرِفَةِ، قالُوا: وقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في دارِ التَّكْلِيفِ أنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَقْصِدُ العَبْدُ إلى تَحْصِيلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُهُ عَقِيبَ قَصْدِ العَبْدِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: كَيْفَ يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهِمُ المَعْرِفَةَ وهم قَصَدُوا تَحْصِيلَ الكُفْرِ أوْ أرادُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿واشْهَدُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَطْفٌ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ أنْ آمَنُوا وبَعْدَ أنْ شَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ؛ لِأنَّ عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لا يَجُوزُ فَهو في الظّاهِرِ وإنِ اقْتَضى عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لَكِنَّهُ في المَعْنى عَطَفَ الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ.
الثّانِي: أنَّ الواوَ لِلْحالِ بِإضْمارِ ”قَدْ“، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ حالَ ما شَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، وبَعْدَ الشَّهادَةِ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وقَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ، فَعَطَفَ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أنَّ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ، وجَوابُهُ: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، والشَّهادَةَ هي الإقْرارُ بِاللِّسانِ، وهُما مُتَغايِرانِ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْإقْرارِ بِاللِّسانِ وأنَّهُ مَعْنًى قائِمٌ بِالقَلْبِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَعْظَمَ كُفْرَ القَوْمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ خِصالٍ ثَلاثٍ: أحَدُها: بَعْدَ الإيمانِ، وثانِيها: بَعْدَ شَهادَةِ كَوْنِ الرَّسُولِ حَقًّا. وثالِثُها: بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ الكُفْرُ صَلاحًا بَعْدَ البَصِيرَةِ وبَعْدَ إظْهارِ الشَّهادَةِ، فَيَكُونُ الكُفْرُ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ أقْبَحَ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الكُفْرِ يَكُونُ كالمُعانَدَةِ والجُحُودِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ زَلَّةَ العالِمِ أقْبَحُ مِن زَلَّةِ الجاهِلِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾، وقالَ في آخِرِها: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وهَذا تَكْرارٌ.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ مُخْتَصٌّ بِالمُرْتَدِّينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَمَّمَ ذَلِكَ الحُكْمَ في المُرْتَدِّ وفي الكافِرِ الأصْلِيِّ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ سُمِّيَ الكافِرُ ظالِمًا ؟
الجَوابُ: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣]، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الكافِرَ أوْرَدَ نَفْسَهُ مَوارِدَ
صفحة ١١٣
البَلاءِ والعِقابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكُفْرِ، فَكانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ يَمْنَعُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن هِدايَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِ، بَلْ كَما لا يَهْدِيهِمْ في الدُّنْيا يَلْعَنُهُمُ اللَّعْنَ العَظِيمَ ويُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ والخُلُودِ.
واعْلَمْ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ مُخالِفَةٌ لِلَعْنَةِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ لَعْنَتَهُ بِالإبْعادِ مِنَ الجَنَّةِ وإنْزالِ العُقُوبَةِ والعَذابِ، واللَّعْنَةُ مِنَ المَلائِكَةِ هي بِالقَوْلِ، وكَذَلِكَ مِنَ النّاسِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحِقٌّ لَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِذَلِكَ. وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ عَمَّ جَمِيعَ النّاسِ ومَن يُوافِقُهُ لا يَلْعَنُهُ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ لَهُ أنْ يَلْعَنَهُ وإنْ كانَ لا يَلْعَنُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ في الآخِرَةِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقالَ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ حَصَلَ اللَّعْنُ لِلْكُفّارِ مِنَ الكُفّارِ.
والثّالِثُ: كَأنَّ النّاسَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والكُفّارَ لَيْسُوا مِنَ النّاسِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ لَعْنَ الثَّلاثِ قالَ: (أجْمَعِينَ) .
الرّابِعُ: وهو الأصَحُّ عِنْدِي أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ يَلْعَنُونَ المُبْطِلَ والكافِرَ، ولَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ ولا بِكافِرٍ، فَإذا لَعَنَ الكافِرَ وكانَ هو في عِلْمِ اللَّهِ كافِرًا، فَقَدْ لَعَنَ نَفْسَهُ وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: (خالِدِينَ فِيها) أيْ خالِدِينَ في اللَّعْنَةِ، فَما خُلُودُ اللَّعْنَةِ ؟ .
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّخْلِيدَ في اللَّعْنَةِ عَلى مَعْنى أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزالُ يَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ ومَن مَعَهم في النّارِ، فَلا يَخْلُو شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ مِن أنْ يَلْعَنَهم لاعِنٌ مِن هَؤُلاءِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِخُلُودِ اللَّعْنِ خُلُودُ أثَرِ اللَّعْنِ؛ لِأنَّ اللَّعْنَ يُوجِبُ العِقابَ، فَعُبِّرَ عَنْ خُلُودِ أثَرِ اللَّعْنِ بِخُلُودِ اللَّعْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠٠، ١٠١] .
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلُهُ: (خالِدِينَ فِيها) أيْ في جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا الكِنايَةُ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (خالِدِينَ فِيها) نُصِبَ عَلى الحالِ مِمّا قَبْلَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ مَعْنى الإنْظارِ التَّأْخِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فالمَعْنى أنَّهُ لا يَجْعَلُ عَذابَهم أخَفَّ ولا يُؤَخِّرُ العِقابَ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ، وهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ العَذابَ المُلْحِقَ بِالكافِرِ مَضَرَّةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ المَنافِعِ دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، نَعُوذُ مِنهُ بِاللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والمَعْنى إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّوْبَةَ وحْدَها لا تَكْفِي حَتّى يَنْضافَ إلَيْها العَمَلُ الصّالِحُ، فَقالَ: (وأصْلَحُوا) أيْ أصْلَحُوا باطِنَهم مَعَ الحَقِّ بِالمُراقَباتِ وظاهِرَهم مَعَ الخَلْقِ بِالعِباداتِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْلِنُوا بِأنّا كُنّا عَلى الباطِلِ حَتّى أنَّهُ لَوِ اغْتَرَّ بِطَرِيقَتِهِمُ الفاسِدَةِ مُغْتَرٌّ رَجَعَ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: غَفُورٌ لِقَبائِحِهِمْ في الدُّنْيا بِالسَّتْرِ، رَحِيمٌ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ.
الثّانِي: غَفُورٌ بِإزالَةِ العِقابِ، رَحِيمٌ بِإعْطاءِ الثَّوابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ﴾
صفحة ١١٤
﴿يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِأنَّهُ الجَزاءُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ تابُوا فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم.
آل عمران 3:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ أمْرَ الإسْلامِ والإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أكَّدَ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ بِأنْ بَيَّنَ وعِيدَ مَن تَرَكَ الإسْلامَ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَشَرَةِ رَهْطٍ كانُوا آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ أخَذُوا يَتَرَبَّصُونَ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ فِيهِمْ مَن تابَ فاسْتَثْنى التّائِبَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ . الثّانِي: نُقِلَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَلَمّا بُعِثَ وجاءَهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ كَفَرُوا بَغْيًا وحَسَدًا.
والثّالِثُ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ وهو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنِ اسْألُوا لِي هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ بِالآيَةِ، فَأقْبَلَ إلى المَدِينَةِ وتابَ عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ وقَبِلَ الرَّسُولُ ﷺ تَوْبَتَهُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِلنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، ومِنهم مَن جَعَلَ ابْتِداءَ القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ:
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١]، ثُمَّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيها أيْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والثّانِي: أنَّها في قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الإسْلامِ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا عَلى ما شَرَحْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ أُصُولَنا تَشْهَدُ بِأنَّهُ تَعالى هَدى جَمِيعَ الخَلْقِ إلى الدِّينِ بِمَعْنى التَّعْرِيفِ، ووَضْعِ الدَّلائِلِ وفِعْلِ الألْطافِ، إذْ لَوْ يَعُمُّ الكُلَّ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَصارَ الكافِرُ والضّالُّ مَعْذُورًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ لَمْ يَهْدِ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الهِدايَةِ بِشَيْءٍ آخَرَ سِوى نَصْبِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنعُ الألْطافِ الَّتِي يُؤْتِيها المُؤْمِنِينَ ثَوابًا لَهم عَلى إيمانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقالَ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦]، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ المُهْتَدِيَ قَدْ يَزِيدُهُ اللَّهُ هُدًى.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ
صفحة ١١٢
قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وقالَ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [يونس: ٩] . والثّالِثُ: أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ خَلْقَ المَعْرِفَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ المَعْرِفَةَ كانَ مُؤْمِنًا مُهْتَدِيًا، وإذا لَمْ يَخْلُقْها كانَ كافِرًا ضالًّا، ولَوْ كانَ الكُفْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَصِحَّ أنْ يَذُمَّهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يُضافَ الكُفْرُ إلَيْهِمْ، لَكِنَّ الآيَةَ ناطِقَةٌ بِكَوْنِهِمْ مَذْمُومِينَ بِسَبَبِ الكُفْرِ وكَوْنِهِمْ فاعِلِينَ لِلْكُفْرِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، فَأضافَ الكُفْرَ إلَيْهِمْ وذَمَّهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ، فَهَذا جُمْلَةُ أقْوالِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَقالُوا: المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ خَلْقُ المَعْرِفَةِ، قالُوا: وقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في دارِ التَّكْلِيفِ أنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَقْصِدُ العَبْدُ إلى تَحْصِيلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُهُ عَقِيبَ قَصْدِ العَبْدِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: كَيْفَ يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهِمُ المَعْرِفَةَ وهم قَصَدُوا تَحْصِيلَ الكُفْرِ أوْ أرادُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿واشْهَدُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَطْفٌ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ أنْ آمَنُوا وبَعْدَ أنْ شَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ؛ لِأنَّ عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لا يَجُوزُ فَهو في الظّاهِرِ وإنِ اقْتَضى عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لَكِنَّهُ في المَعْنى عَطَفَ الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ.
الثّانِي: أنَّ الواوَ لِلْحالِ بِإضْمارِ ”قَدْ“، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ حالَ ما شَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، وبَعْدَ الشَّهادَةِ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وقَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ، فَعَطَفَ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أنَّ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ، وجَوابُهُ: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، والشَّهادَةَ هي الإقْرارُ بِاللِّسانِ، وهُما مُتَغايِرانِ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْإقْرارِ بِاللِّسانِ وأنَّهُ مَعْنًى قائِمٌ بِالقَلْبِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَعْظَمَ كُفْرَ القَوْمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ خِصالٍ ثَلاثٍ: أحَدُها: بَعْدَ الإيمانِ، وثانِيها: بَعْدَ شَهادَةِ كَوْنِ الرَّسُولِ حَقًّا. وثالِثُها: بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ الكُفْرُ صَلاحًا بَعْدَ البَصِيرَةِ وبَعْدَ إظْهارِ الشَّهادَةِ، فَيَكُونُ الكُفْرُ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ أقْبَحَ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الكُفْرِ يَكُونُ كالمُعانَدَةِ والجُحُودِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ زَلَّةَ العالِمِ أقْبَحُ مِن زَلَّةِ الجاهِلِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾، وقالَ في آخِرِها: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وهَذا تَكْرارٌ.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ مُخْتَصٌّ بِالمُرْتَدِّينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَمَّمَ ذَلِكَ الحُكْمَ في المُرْتَدِّ وفي الكافِرِ الأصْلِيِّ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ سُمِّيَ الكافِرُ ظالِمًا ؟
الجَوابُ: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣]، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الكافِرَ أوْرَدَ نَفْسَهُ مَوارِدَ
صفحة ١١٣
البَلاءِ والعِقابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكُفْرِ، فَكانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ يَمْنَعُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن هِدايَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِ، بَلْ كَما لا يَهْدِيهِمْ في الدُّنْيا يَلْعَنُهُمُ اللَّعْنَ العَظِيمَ ويُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ والخُلُودِ.
واعْلَمْ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ مُخالِفَةٌ لِلَعْنَةِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ لَعْنَتَهُ بِالإبْعادِ مِنَ الجَنَّةِ وإنْزالِ العُقُوبَةِ والعَذابِ، واللَّعْنَةُ مِنَ المَلائِكَةِ هي بِالقَوْلِ، وكَذَلِكَ مِنَ النّاسِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحِقٌّ لَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِذَلِكَ. وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ عَمَّ جَمِيعَ النّاسِ ومَن يُوافِقُهُ لا يَلْعَنُهُ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ لَهُ أنْ يَلْعَنَهُ وإنْ كانَ لا يَلْعَنُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ في الآخِرَةِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقالَ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ حَصَلَ اللَّعْنُ لِلْكُفّارِ مِنَ الكُفّارِ.
والثّالِثُ: كَأنَّ النّاسَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والكُفّارَ لَيْسُوا مِنَ النّاسِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ لَعْنَ الثَّلاثِ قالَ: (أجْمَعِينَ) .
الرّابِعُ: وهو الأصَحُّ عِنْدِي أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ يَلْعَنُونَ المُبْطِلَ والكافِرَ، ولَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ ولا بِكافِرٍ، فَإذا لَعَنَ الكافِرَ وكانَ هو في عِلْمِ اللَّهِ كافِرًا، فَقَدْ لَعَنَ نَفْسَهُ وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: (خالِدِينَ فِيها) أيْ خالِدِينَ في اللَّعْنَةِ، فَما خُلُودُ اللَّعْنَةِ ؟ .
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّخْلِيدَ في اللَّعْنَةِ عَلى مَعْنى أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزالُ يَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ ومَن مَعَهم في النّارِ، فَلا يَخْلُو شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ مِن أنْ يَلْعَنَهم لاعِنٌ مِن هَؤُلاءِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِخُلُودِ اللَّعْنِ خُلُودُ أثَرِ اللَّعْنِ؛ لِأنَّ اللَّعْنَ يُوجِبُ العِقابَ، فَعُبِّرَ عَنْ خُلُودِ أثَرِ اللَّعْنِ بِخُلُودِ اللَّعْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠٠، ١٠١] .
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلُهُ: (خالِدِينَ فِيها) أيْ في جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا الكِنايَةُ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (خالِدِينَ فِيها) نُصِبَ عَلى الحالِ مِمّا قَبْلَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ مَعْنى الإنْظارِ التَّأْخِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فالمَعْنى أنَّهُ لا يَجْعَلُ عَذابَهم أخَفَّ ولا يُؤَخِّرُ العِقابَ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ، وهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ العَذابَ المُلْحِقَ بِالكافِرِ مَضَرَّةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ المَنافِعِ دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، نَعُوذُ مِنهُ بِاللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والمَعْنى إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّوْبَةَ وحْدَها لا تَكْفِي حَتّى يَنْضافَ إلَيْها العَمَلُ الصّالِحُ، فَقالَ: (وأصْلَحُوا) أيْ أصْلَحُوا باطِنَهم مَعَ الحَقِّ بِالمُراقَباتِ وظاهِرَهم مَعَ الخَلْقِ بِالعِباداتِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْلِنُوا بِأنّا كُنّا عَلى الباطِلِ حَتّى أنَّهُ لَوِ اغْتَرَّ بِطَرِيقَتِهِمُ الفاسِدَةِ مُغْتَرٌّ رَجَعَ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: غَفُورٌ لِقَبائِحِهِمْ في الدُّنْيا بِالسَّتْرِ، رَحِيمٌ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ.
الثّانِي: غَفُورٌ بِإزالَةِ العِقابِ، رَحِيمٌ بِإعْطاءِ الثَّوابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ﴾
صفحة ١١٤
﴿يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِأنَّهُ الجَزاءُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ تابُوا فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم.
آل عمران 3:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ أمْرَ الإسْلامِ والإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أكَّدَ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ بِأنْ بَيَّنَ وعِيدَ مَن تَرَكَ الإسْلامَ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَشَرَةِ رَهْطٍ كانُوا آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ أخَذُوا يَتَرَبَّصُونَ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ فِيهِمْ مَن تابَ فاسْتَثْنى التّائِبَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ . الثّانِي: نُقِلَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَلَمّا بُعِثَ وجاءَهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ كَفَرُوا بَغْيًا وحَسَدًا.
والثّالِثُ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ وهو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنِ اسْألُوا لِي هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ بِالآيَةِ، فَأقْبَلَ إلى المَدِينَةِ وتابَ عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ وقَبِلَ الرَّسُولُ ﷺ تَوْبَتَهُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِلنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، ومِنهم مَن جَعَلَ ابْتِداءَ القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ:
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١]، ثُمَّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيها أيْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والثّانِي: أنَّها في قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الإسْلامِ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا عَلى ما شَرَحْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ أُصُولَنا تَشْهَدُ بِأنَّهُ تَعالى هَدى جَمِيعَ الخَلْقِ إلى الدِّينِ بِمَعْنى التَّعْرِيفِ، ووَضْعِ الدَّلائِلِ وفِعْلِ الألْطافِ، إذْ لَوْ يَعُمُّ الكُلَّ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَصارَ الكافِرُ والضّالُّ مَعْذُورًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ لَمْ يَهْدِ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الهِدايَةِ بِشَيْءٍ آخَرَ سِوى نَصْبِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنعُ الألْطافِ الَّتِي يُؤْتِيها المُؤْمِنِينَ ثَوابًا لَهم عَلى إيمانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقالَ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦]، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ المُهْتَدِيَ قَدْ يَزِيدُهُ اللَّهُ هُدًى.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ
صفحة ١١٢
قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وقالَ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [يونس: ٩] . والثّالِثُ: أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ خَلْقَ المَعْرِفَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ المَعْرِفَةَ كانَ مُؤْمِنًا مُهْتَدِيًا، وإذا لَمْ يَخْلُقْها كانَ كافِرًا ضالًّا، ولَوْ كانَ الكُفْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَصِحَّ أنْ يَذُمَّهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يُضافَ الكُفْرُ إلَيْهِمْ، لَكِنَّ الآيَةَ ناطِقَةٌ بِكَوْنِهِمْ مَذْمُومِينَ بِسَبَبِ الكُفْرِ وكَوْنِهِمْ فاعِلِينَ لِلْكُفْرِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، فَأضافَ الكُفْرَ إلَيْهِمْ وذَمَّهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ، فَهَذا جُمْلَةُ أقْوالِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَقالُوا: المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ خَلْقُ المَعْرِفَةِ، قالُوا: وقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في دارِ التَّكْلِيفِ أنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَقْصِدُ العَبْدُ إلى تَحْصِيلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُهُ عَقِيبَ قَصْدِ العَبْدِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: كَيْفَ يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهِمُ المَعْرِفَةَ وهم قَصَدُوا تَحْصِيلَ الكُفْرِ أوْ أرادُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿واشْهَدُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَطْفٌ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ أنْ آمَنُوا وبَعْدَ أنْ شَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ؛ لِأنَّ عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لا يَجُوزُ فَهو في الظّاهِرِ وإنِ اقْتَضى عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لَكِنَّهُ في المَعْنى عَطَفَ الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ.
الثّانِي: أنَّ الواوَ لِلْحالِ بِإضْمارِ ”قَدْ“، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ حالَ ما شَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، وبَعْدَ الشَّهادَةِ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وقَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ، فَعَطَفَ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أنَّ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ، وجَوابُهُ: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، والشَّهادَةَ هي الإقْرارُ بِاللِّسانِ، وهُما مُتَغايِرانِ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْإقْرارِ بِاللِّسانِ وأنَّهُ مَعْنًى قائِمٌ بِالقَلْبِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَعْظَمَ كُفْرَ القَوْمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ خِصالٍ ثَلاثٍ: أحَدُها: بَعْدَ الإيمانِ، وثانِيها: بَعْدَ شَهادَةِ كَوْنِ الرَّسُولِ حَقًّا. وثالِثُها: بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ الكُفْرُ صَلاحًا بَعْدَ البَصِيرَةِ وبَعْدَ إظْهارِ الشَّهادَةِ، فَيَكُونُ الكُفْرُ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ أقْبَحَ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الكُفْرِ يَكُونُ كالمُعانَدَةِ والجُحُودِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ زَلَّةَ العالِمِ أقْبَحُ مِن زَلَّةِ الجاهِلِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾، وقالَ في آخِرِها: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وهَذا تَكْرارٌ.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ مُخْتَصٌّ بِالمُرْتَدِّينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَمَّمَ ذَلِكَ الحُكْمَ في المُرْتَدِّ وفي الكافِرِ الأصْلِيِّ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ سُمِّيَ الكافِرُ ظالِمًا ؟
الجَوابُ: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣]، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الكافِرَ أوْرَدَ نَفْسَهُ مَوارِدَ
صفحة ١١٣
البَلاءِ والعِقابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكُفْرِ، فَكانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ يَمْنَعُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن هِدايَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِ، بَلْ كَما لا يَهْدِيهِمْ في الدُّنْيا يَلْعَنُهُمُ اللَّعْنَ العَظِيمَ ويُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ والخُلُودِ.
واعْلَمْ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ مُخالِفَةٌ لِلَعْنَةِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ لَعْنَتَهُ بِالإبْعادِ مِنَ الجَنَّةِ وإنْزالِ العُقُوبَةِ والعَذابِ، واللَّعْنَةُ مِنَ المَلائِكَةِ هي بِالقَوْلِ، وكَذَلِكَ مِنَ النّاسِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحِقٌّ لَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِذَلِكَ. وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ عَمَّ جَمِيعَ النّاسِ ومَن يُوافِقُهُ لا يَلْعَنُهُ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ لَهُ أنْ يَلْعَنَهُ وإنْ كانَ لا يَلْعَنُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ في الآخِرَةِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقالَ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ حَصَلَ اللَّعْنُ لِلْكُفّارِ مِنَ الكُفّارِ.
والثّالِثُ: كَأنَّ النّاسَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والكُفّارَ لَيْسُوا مِنَ النّاسِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ لَعْنَ الثَّلاثِ قالَ: (أجْمَعِينَ) .
الرّابِعُ: وهو الأصَحُّ عِنْدِي أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ يَلْعَنُونَ المُبْطِلَ والكافِرَ، ولَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ ولا بِكافِرٍ، فَإذا لَعَنَ الكافِرَ وكانَ هو في عِلْمِ اللَّهِ كافِرًا، فَقَدْ لَعَنَ نَفْسَهُ وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: (خالِدِينَ فِيها) أيْ خالِدِينَ في اللَّعْنَةِ، فَما خُلُودُ اللَّعْنَةِ ؟ .
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّخْلِيدَ في اللَّعْنَةِ عَلى مَعْنى أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزالُ يَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ ومَن مَعَهم في النّارِ، فَلا يَخْلُو شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ مِن أنْ يَلْعَنَهم لاعِنٌ مِن هَؤُلاءِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِخُلُودِ اللَّعْنِ خُلُودُ أثَرِ اللَّعْنِ؛ لِأنَّ اللَّعْنَ يُوجِبُ العِقابَ، فَعُبِّرَ عَنْ خُلُودِ أثَرِ اللَّعْنِ بِخُلُودِ اللَّعْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠٠، ١٠١] .
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلُهُ: (خالِدِينَ فِيها) أيْ في جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا الكِنايَةُ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (خالِدِينَ فِيها) نُصِبَ عَلى الحالِ مِمّا قَبْلَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ مَعْنى الإنْظارِ التَّأْخِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فالمَعْنى أنَّهُ لا يَجْعَلُ عَذابَهم أخَفَّ ولا يُؤَخِّرُ العِقابَ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ، وهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ العَذابَ المُلْحِقَ بِالكافِرِ مَضَرَّةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ المَنافِعِ دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، نَعُوذُ مِنهُ بِاللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والمَعْنى إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّوْبَةَ وحْدَها لا تَكْفِي حَتّى يَنْضافَ إلَيْها العَمَلُ الصّالِحُ، فَقالَ: (وأصْلَحُوا) أيْ أصْلَحُوا باطِنَهم مَعَ الحَقِّ بِالمُراقَباتِ وظاهِرَهم مَعَ الخَلْقِ بِالعِباداتِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْلِنُوا بِأنّا كُنّا عَلى الباطِلِ حَتّى أنَّهُ لَوِ اغْتَرَّ بِطَرِيقَتِهِمُ الفاسِدَةِ مُغْتَرٌّ رَجَعَ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: غَفُورٌ لِقَبائِحِهِمْ في الدُّنْيا بِالسَّتْرِ، رَحِيمٌ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ.
الثّانِي: غَفُورٌ بِإزالَةِ العِقابِ، رَحِيمٌ بِإعْطاءِ الثَّوابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ﴾
صفحة ١١٤
﴿يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِأنَّهُ الجَزاءُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ تابُوا فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم.
آل عمران 3:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا فِيما بِهِ يَزْدادُ الكُفْرُ، والضّابِطُ أنَّ المُرْتَدَّ يَكُونُ فاعِلًا لِلزِّيادَةِ بِأنْ يُقِيمَ ويُصِرَّ فَيَكُونَ الإصْرارُ كالزِّيادَةِ، وقَدْ يَكُونُ فاعِلًا لِلزِّيادَةِ بِأنْ يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الكُفْرِ كُفْرًا آخَرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ عِنْدَ المَبْعَثِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِسَبَبِ طَعْنِهِمْ فِيهِ في كُلِّ وقْتٍ، ونَقْضِهِمْ مِيثاقَهُ، وفِتْنَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْكارِهِمْ لِكُلِّ مُعْجِزَةٍ تَظْهَرُ.
الثّانِي: أنَّ اليَهُودَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ كَفَرُوا بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ عِيسى والإنْجِيلَ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والقُرْآنَ.
والثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الَّذِينَ ارْتَدُّوا وذَهَبُوا إلى مَكَّةَ، وازْدِيادُهُمُ الكُفْرَ أنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِمَكَّةَ نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ.
الرّابِعُ: المُرادُ فِرْقَةٌ ارْتَدُّوا، ثُمَّ عَزَمُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ النِّفاقَ كُفْرًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ في الآيَةِ الأوْلى بِقَبُولِ تَوْبَةِ المُرْتَدِّينَ، وحَكَمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِعَدَمِ قَبُولِها وهو يُوهِمُ التَّناقُضَ، وأيْضًا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ مَتى وُجِدَتِ التَّوْبَةُ بِشُرُوطِها فَإنَّها تَكُونُ مَقْبُولَةً لا مَحالَةَ، فَلِهَذا اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وعَطاءٌ: السَّبَبُ أنَّهم لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨] . الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى ما إذا تابُوا بِاللِّسانِ ولَمْ يَحْصُلْ في قُلُوبِهِمْ إخْلاصٌ. الثّالِثُ: قالَ القاضِي والقَفّالُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ وبَيَّنَ أنَّهُ أهْلُ اللَّعْنَةِ إلّا أنْ يَتُوبَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ كَفَرَ مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ تِلْكَ التَّوْبَةِ فَإنَّ التَّوْبَةَ الأُولى تَصِيرُ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ وتَصِيرُ كَأنَّها لَمْ تَكُنْ، قالَ: وهَذا الوَجْهُ ألْيَقُ بِالآيَةِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَإنْ كانُوا كَذَلِكَ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم.
الرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ جُعِلَ كِنايَةً عَنِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ الَّذِي لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مِنَ الكُفّارِ هو الَّذِي يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ اليَهُودَ والمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مائِتُونَ عَلى الكُفْرِ داخِلُونَ في جُمْلَةِ مَن لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهم.
الخامِسُ: لَعَلَّ المُرادَ ما إذا تابُوا عَنْ تِلْكَ الزِّيادَةِ فَقَطْ، فَإنَّ التَّوْبَةَ عَنْ تِلْكَ الزِّيادَةِ لا تَصِيرُ مَقْبُولَةً ما لَمْ تَحْصُلِ التَّوْبَةُ عَنِ الأصْلِ.
صفحة ١١٥
وأقُولُ: جُمْلَةُ هَذِهِ الجَواباتِ إنَّما تَتَمَشّى عَلى ما إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لا عَلى الِاسْتِغْراقِ وإلّا فَكَمْ مِن مُرْتَدٍّ تابَ عَنِ ارْتِدادِهِ تَوْبَةً صَحِيحَةً مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ في زَمانِ التَّكْلِيفِ، فَأمّا الجَوابُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنِ القَفّالِ والقاضِي فَهو جَوابٌ مُطَّرِدٌ سَواءٌ حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ أوْ عَلى الِاسْتِغْراقِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ يَنْفِي كَوْنَ غَيْرِهِمْ ضالًّا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ كُلَّ كافِرٍ فَهو ضالٌّ سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ أوْ كانَ كافِرًا في الأصْلِ. والجَوابُ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم هُمُ الضّالُّونَ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ.
السُّؤالُ الثّانِي: وصَفَهم أوَّلًا بِالتَّمادِي عَلى الكُفْرِ والغُلُوِّ فِيهِ، والكُفْرُ أقْبَحُ أنْواعِ الضَّلالِ، والوَصْفُ إنَّما يُرادُ لِلْمُبالَغَةِ، والمُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ بِوَصْفِ الشَّيْءِ بِما هو أقْوى حالًا مِنهُ لا بِما هو أضْعَفُ حالًا مِنهُ.
والجَوابُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ أنَّهُمُ الضّالُّونَ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَحْصُلُ المُبالَغَةُ.
آل عمران 3:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الكافِرَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: الَّذِي يَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ تَوْبَةً صَحِيحَةً مَقْبُولَةً، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
وثانِيها: الَّذِي يَتُوبُ عَنْ ذَلِكَ الكُفْرِ تَوْبَةً فاسِدَةً وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقالَ: إنَّهُ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ. وثالِثُها: الَّذِي يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ البَتَّةَ وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾، قالَ الواحِدِيُّ: مِلْءُ الشَّيْءِ قَدْرُ ما يَمْلَؤُهُ، وانْتَصَبَ ”﴿ذَهَبًا﴾“ عَلى التَّفْسِيرِ، ومَعْنى التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تامًّا إلّا أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، كَقَوْلِهِ: عِنْدِي عِشْرُونَ، فالعَدَدُ مَعْلُومٌ، والمَعْدُودُ مُبْهَمٌ، فَإذا قُلْتَ: دِرْهَمًا فَسَّرْتَ العَدَدَ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: هو أحْسَنُ النّاسِ فَقَدْ أخْبَرْتَ عَنْ حُسْنِهِ، ولَمْ تُبَيِّنْ في ماذا، فَإذا قُلْتَ وجْهًا أوْ فِعْلًا فَقَدْ بَيَّنْتَهُ ونَصَبْتَهُ عَلى التَّفْسِيرِ، وإنَّما نَصَبْتَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ ما يَخْفِضُهُ ولا ما يَرْفَعُهُ، فَلَمّا خَلا مِن هَذَيْنِ نُصِبَ لِأنَّ النَّصْبَ أخَفُّ الحَرَكاتِ فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ لا عامِلَ فِيهِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ الأعْمَشُ ”ذَهَبٌ“ بِالرَّفْعِ رَدًّا عَلى مِلْءِ، كَما يُقالُ: عِنْدِي عِشْرُونَ نَفْسًا رِجالٌ.
وهاهُنا ثَلاثَةُ أسْئِلَةٍ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قِيلَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ”لَنْ تُقْبَلَ“ بِغَيْرِ فاءٍ وفي هَذِهِ الآيَةِ ”فَلَنْ يُقْبَلَ“ بِالفاءِ ؟ .
صفحة ١١٦
الجَوابُ: أنَّ دُخُولَ الفاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى الشَّرْطِ والجَزاءِ، وعِنْدَ عَدَمِ الفاءِ لَمْ يُفْهَمْ مِنَ الكَلامِ كَوْنُهُ شَرْطًا وجَزاءً، تَقُولُ: الَّذِي جاءَنِي لَهُ دِرْهَمٌ، فَهَذا لا يُفِيدُ أنَّ الدِّرْهَمَ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ المَجِيءِ، وإذا قُلْتَ: الَّذِي جاءَنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَهَذا لا يُفِيدُ أنَّ الدِّرْهَمَ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ المَجِيءِ، فَذِكْرُ الفاءِ في هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَدَمَ قَبُولِ الفِدْيَةِ مُعَلَّلٌ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما فائِدَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ ؟ .
الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّها لِلْعَطْفِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَقَرَّبَ إلى اللَّهِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ مَعَ كُفْرِهِ، ولَوِ افْتَدى مِنَ العَذابِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ الأنْبارِيِّ قالَ: وهَذا أوْكَدُ في التَّغْلِيظِ؛ لِأنَّهُ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ القَبُولِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.
الثّانِي: (الواوُ) دَخَلَتْ لِبَيانِ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ، فَنَصَّ عَلى نَفْيِ القَبُولِ بِجِهَةِ الفِدْيَةِ.
الثّالِثُ: وهو وجْهٌ خَطَرَ بِبالِي، وهو أنَّ مَن غَضِبَ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، فَإذا أتْحَفَهُ ذَلِكَ العَبْدُ بِتُحْفَةٍ وهَدِيَّةٍ لَمْ يَقْبَلْها البَتَّةَ إلّا أنَّهُ قَدْ يَقْبَلُ مِنهُ الفِدْيَةَ، فَأمّا إذا لَمْ يَقْبَلْ مِنهُ الفِدْيَةَ أيْضًا كانَ ذَلِكَ غايَةَ الغَضَبِ، والمُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ بِتِلْكَ المَرْتَبَةِ الَّتِي هي الغايَةُ، فَحَكَمَ تَعالى بِأنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهم مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوْ كانَ واقِعًا عَلى سَبِيلِ الفِداءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا بِهَذا الطَّرِيقِ، فَبِأنْ لا يَكُونَ مَقْبُولًا مِنهُ بِسائِرِ الطُّرُقِ أوْلى.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الكافِرَ لا يَمْلِكُ يَوْمَ القِيامَةِ نَقِيرًا ولا قِطْمِيرًا، ومَعْلُومٌ أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَمْلِكَ الذَّهَبَ فَلا يَنْفَعُ الذَّهَبُ البَتَّةَ في الدّارِ الآخِرَةِ، فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ .
الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم إذا ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَلَوْ أنَّهم كانُوا قَدْ أنْفَقُوا في الدُّنْيا مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهم؛ لِأنَّ الطّاعَةَ مَعَ الكُفْرِ لا تَكُونُ مَقْبُولَةً، والثّانِي: أنَّ الكَلامَ وقَعَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فالذَّهَبُ كِنايَةٌ عَنْ أعَزِّ الأشْياءِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ أنَّ الكافِرَ يَوْمَ القِيامَةِ قَدَرَ عَلى أعَزِّ الأشْياءِ ثُمَّ قَدَرَ عَلى بَذْلِهِ في غايَةِ الكَثْرَةِ لَعَجَزَ أنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ أنَّهم آيِسُونَ مِن تَخْلِيصِ النَّفْسِ مِنَ العِقابِ.
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الوَعِيدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكافِرَ لا يُمْكِنُهُ تَخْلِيصُ النَّفْسِ مِنَ العَذابِ، أرْدَفَهُ بِصِفَةِ ذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مُؤْلِمٌ.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الوَعِيدِ قَوْلُهُ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم عَنْ هَذا العَذابِ الألِيمِ بِسَبَبِ الفِدْيَةِ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم عَنْهُ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ والإعانَةِ والشَّفاعَةِ، ولِأصْحابِنا أنْ يَحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ الشَّفاعَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَتَمَ تَعْدِيدَ وعِيدِ الكُفّارِ بِعَدَمِ النُّصْرَةِ والشَّفاعَةِ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا المَعْنى في حَقِّ غَيْرِ الكافِرِ بَطَلَ تَخْصِيصُ هَذا الوَعِيدِ بِالكُفْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْفاقَ لا يَنْفَعُ الكافِرَ البَتَّةَ عَلَّمَ المُؤْمِنِينَ كَيْفِيَّةَ الإنْفاقِ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ في الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن أنْفَقَ مِمّا أحَبَّ كانَ مِن جُمْلَةِ الأبْرارِ، ثُمَّ قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، وقالَ أيْضًا: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]، وقالَ أيْضًا: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٦]، وقالَ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، فاللَّهُ تَعالى لَمّا فَصَّلَ في سائِرِ الآياتِ كَيْفِيَّةَ ثَوابِ الأبْرارِ اكْتَفى هاهُنا بِأنْ ذَكَرَ أنَّ مَن أنْفَقَ ما أحَبَّ نالَ البِرَّ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى:
وهِيَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخِرِ الآيَةِ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أكْثَرَ أعْمالِ الخَيْرِ، وسَمّاهُ البِرَّ ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، والمَعْنى أنَّكم وإنْ أتَيْتُمْ بِكُلِّ تِلْكَ الخَيْراتِ المَذْكُورَةِ في تِلْكَ الآيَةِ فَإنَّكم لا تَفُوزُونَ بِفَضِيلَةِ البِرِّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ إذا أنْفَقَ ما يُحِبُّهُ كانَ ذَلِكَ أفْضَلَ الطّاعاتِ، وهاهُنا بَحْثٌ وهو: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَلِمَةُ ”حَتّى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مَن أنْفَقَ مِمّا أحَبَّ فَقَدْ نالَ البِرَّ ومَن نالَ البِرَّ دَخَلَ تَحْتَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ الثَّوابِ لِلْأبْرارِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن أنْفَقَ ما أحَبَّ وصَلَ إلى الثَّوابِ العَظِيمِ وإنْ لَمْ يَأْتِ بِسائِرِ الطّاعاتِ، وهو باطِلٌ.
وجَوابُ هَذا الإشْكالِ: أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُنْفِقَ مَحْبُوبَهُ إلّا إذا تَوَسَّلَ بِإنْفاقِ ذَلِكَ المَحْبُوبِ إلى وِجْدانِ مَحْبُوبٍ أشْرَفَ مِنَ الأوَّلِ، فَعَلى هَذا الإنْسانُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُنْفِقَ الدُّنْيا في الدُّنْيا إلّا إذا تَيَقَّنَ سَعادَةَ الآخِرَةِ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْتَرِفَ بِسَعادَةِ الآخِرَةِ إلّا إذا أقَرَّ بِوُجُودِ الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ، وأقَرَّ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْقِيادُ لِتَكالِيفِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَإذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ إنْفاقُ الدُّنْيا في الدُّنْيا إلّا إذا كانَ مُسْتَجْمِعًا لِجَمِيعِ الخِصالِ المَحْمُودَةِ في الدُّنْيا، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ، فَنَقُولُ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كانَ السَّلَفُ إذا أحَبُّوا شَيْئًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو طَلْحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِي حائِطٌ بِالمَدِينَةِ وهو أحَبُّ أمْوالِي إلَيَّ أفَأتَصَدَّقُ بِهِ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”بَخٍ بَخٍ ذاكَ مالٌ رابِحٌ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ“، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَّمَها في أقارِبِهِ»، ويُرْوى أنَّهُ جَعَلَها بَيْنَ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، «ورُوِيَ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جاءَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِفَرَسٍ لَهُ كانَ يُحِبُّهُ وجَعَلَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَحَمَلَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسامَةَ، فَوَجَدَ زَيْدٌ في نَفْسِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَها“»، واشْتَرى ابْنُ عُمَرَ جارِيَةً أعْجَبَتْهُ فَأعْتَقَها فَقِيلَ لَهُ: لِمَ أعْتَقْتَها ولَمْ تُصِبْ مِنها ؟ فَقالَ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ البِرِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما بِهِ يَصِيرُونَ أبْرارًا حَتّى يَدْخُلُوا في قَوْلِهِ:
صفحة ١١٨
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، فَيَكُونُ المُرادُ بِالبِرِّ ما يَحْصُلُ مِنهم مِنَ الأعْمالِ المَقْبُولَةِ.
والثّانِي: الثَّوابُ والجَنَّةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَنْ تَنالُوا هَذِهِ المَنزِلَةَ إلّا بِالإنْفاقِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ، فَمِنهم مَن قالَ: (البِرَّ) هو التَّقْوى واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقالَ أبُو ذَرٍّ: إنَّ البِرَّ هو الخَيْرُ، وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ.
وأمّا الَّذِينَ قالُوا: البِرُّ هو الجَنَّةُ فَمِنهم مَن قالَ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾ أيْ لَنْ تَنالُوا ثَوابَ البِرِّ، ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِرُّ اللَّهِ أوْلِياءَهُ وإكْرامُهُ إيّاهم وتَفَضُّلُهُ عَلَيْهِمْ، وهو مِن قَوْلِ النّاسِ: بَرَّنِي فُلانٌ بِكَذا، وبِرُّ فُلانٍ لا يَنْقَطِعُ عَنِّي، وقالَ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾ مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ نَفْسُ المالِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، ومِنهم مَن قالَ: أنْ تَكُونَ الهِبَةُ رَفِيعَةً جَيِّدَةً، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ومِنهم مَن قالَ: ما يَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: ٨] أحَدُ تَفاسِيرِ الحُبِّ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، وقالَ: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”أفْضَلُ الصَّدَقَةِ ما تَصَدَّقْتَ بِهِ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ العَيْشَ وتَخْشى الفَقْرَ“»، والأوْلى أنْ يُقالَ: كُلُّ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ في بابِ الفَضْلِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ هَذا الإنْفاقَ، هَلْ هو الزَّكاةُ أوْ غَيْرُها ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِهِ الزَّكاةَ، يَعْنِي حَتّى تُخْرِجُوا زَكاةَ أمْوالِكم، وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ شَيْءٍ أنْفَقَهُ المُسْلِمُ مِن مالِهِ طَلَبَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ فَإنَّهُ مِنَ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ حَتّى التَّمْرَةَ، والقاضِي اخْتارَ القَوْلَ الأوَّلَ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا الإنْفاقَ، وقَفَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَوْنَ المُكَلَّفِ مِنَ الأبْرارِ، والفَوْزَ بِالجَنَّةِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ هَذا الإنْفاقُ، لَمْ يَصِرِ العَبْدُ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ، وما ذاكَ إلّا الإنْفاقُ الواجِبُ. وأقُولُ: لَوْ خَصَّصْنا الآيَةَ بِغَيْرِ الزَّكاةِ لَكانَ أوْلى؛ لِأنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِإيتاءِ الأحَبِّ، والزَّكاةَ الواجِبَةَ لَيْسَ فِيها إيتاءُ الأحَبِّ، فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلى المُزَكِّي أنْ يُخْرِجَ أشْرَفَ أمْوالِهِ وأكْرَمَها، بَلِ الصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِإيتاءِ المالِ عَلى سَبِيلِ النَّدْبِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ إيجابَ الزَّكاةِ كَيْفَ يُنافِي التَّرْغِيبَ في بَذْلِ المَحْبُوبِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ بَعْضُهم كَلِمَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”حَتّى تُنْفِقُوا بَعْضَ ما تُحِبُّونَ“ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إنْفاقَ الكُلِّ لا يَجُوزُ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها لِلتَّبْيِينِ.
* *
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ:
وهُوَ أنْ يُقالَ: قِيلَ: فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ عَلى جِهَةِ جَوابِ الشَّرْطِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُهُ عَلى كُلِّ حالٍ.
والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ مَعْنى الجَزاءِ، تَقْدِيرُهُ: وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ يُجازِيكم قَلَّ أمْ كَثُرَ؛ لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، فَجَعَلَ كَوْنَهُ عالِمًا بِذَلِكَ الإنْفاقِ كِنايَةً عَنْ إعْطاءِ الثَّوابِ، والتَّعْرِيضُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ يَكُونُ أبْلَغَ مِنَ التَّصْرِيحِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ يَفْعَلُونَهُ، ويَعْلَمُ أنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ أهْوَ الإخْلاصُ أمِ الرِّياءُ، ويَعْلَمُ أنَّكم تُنْفِقُونَ الأحَبَّ الأجْوَدَ، أمِ الأخَسَّ الأرْذَلَ.
واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”مِن“ في قَوْلِهِ: (مِن شَيْءٍ) لِتَبْيِينِ ما يُنْفِقُونَهُ أيْ مِن شَيْءٍ كانَ طَيِّبًا تُحِبُّونَهُ أوْ خَبِيثًا تَكْرَهُونَهُ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ يُجازِيكم عَلى قَدْرِهِ.
آل عمران 3:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ إلى هَذِهِ الآيَةِ كانَتْ في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي تَوْجِيهِ الإلْزاماتِ الوارِدَةِ عَلى أهْلِ الكِتابِ في هَذا البابِ.
وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَهي في بَيانِ الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ القَوْمِ، فَإنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ يَدَّعِي أنَّ كُلَّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا ثُمَّ صارَ البَعْضُ حَرامًا بَعْدَ أنْ كانَ حِلًّا والقَوْمُ نازَعُوهُ في ذَلِكَ وزَعَمُوا أنَّ الَّذِي هو الآنَ حَرامٌ كانَ حَرامًا أبَدًا.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُعَوِّلُونَ في إنْكارِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ
صفحة ١٢٠
عَلى إنْكارِ النَّسْخِ، فَأبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾، فَذاكَ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ كانَ حَلالًا ثُمَّ صارَ حَرامًا عَلَيْهِ وعَلى أوْلادِهِ، فَقَدْ حَصَلَ النَّسْخُ، فَبَطَلَ قَوْلُكم: النَّسْخُ غَيْرُ جائِزٍ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ لَمّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالُ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ حُرْمَةُ ذَلِكَ الطَّعامِ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ بِسَبَبِ أنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، بَلْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ كانَ حَرامًا مِن لَدُنْ زَمانِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذا الزَّمانِ، فَعِنْدَ هَذا طَلَبَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهم أنْ يُحْضِرُوا التَّوْراةَ فَإنَّ التَّوْراةَ ناطِقَةٌ بِأنَّ بَعْضَ أنْواعِ الطَّعامِ إنَّما حُرِّمَ بِسَبَبِ أنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَخافُوا مِنَ الفَضِيحَةِ وامْتَنَعُوا مِن إحْضارِ التَّوْراةِ، فَحَصَلَ عِنْدَ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ تُقَوِّي دَلائِلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أحَدُها: أنَّ هَذا السُّؤالَ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ في إنْكارِ النَّسْخِ، وهو لازِمٌ لا مَحِيصَ عَنْهُ، وثانِيها: أنَّهُ ظَهَرَ لِلنّاسِ كَذِبُهم وأنَّهم يَنْسُبُونَ إلى التَّوْراةِ ما لَيْسَ فِيها تارَةً، ويَمْتَنِعُونَ عَنِ الإقْرارِ بِما هو فِيها أُخْرى، وثالِثُها: أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فامْتَنَعَ أنْ يَعْرِفَ هَذِهِ المَسْألَةَ الغامِضَةَ مِن عُلُومِ التَّوْراةِ إلّا بِخَبَرِ السَّماءِ، فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ عِلْمِيٌّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وبَيانِ النَّظْمِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَهُ: إنَّكَ تَدَّعِي أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها مَعَ أنَّ ذَلِكَ كانَ حَرامًا في دِينِ إبْراهِيمَ، فَجَعَلُوا هَذا الكَلامَ شُبْهَةً طاعِنَةً في صِحَّةِ دَعَواهُ، فَأجابَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِأنْ قالَ: ذَلِكَ كانَ حِلًّا لِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إلّا أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ وبَقِيَتْ تِلْكَ الحُرْمَةُ في أوْلادِهِ فَأنْكَرَ اليَهُودُ ذَلِكَ، فَأمَرَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإحْضارِ التَّوْراةِ وطالَبَهم بِأنْ يَسْتَخْرِجُوا مِنها آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ وافْتَضَحُوا، فَظَهَرَ عِنْدَ هَذا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ في ادِّعاءِ حُرْمَةِ هَذِهِ الأشْياءِ عَلىإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وقالَ أيْضًا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ هَذِهِ الأشْياءَ جَزاءً لَهم عَلى بَغْيِهِمْ وظُلْمِهِمْ وقَبِيحِ فِعْلِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الطَّعامِ حَرامًا غَيْرَ الطَّعامِ الواحِدِ الَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ حُرِّمَتْ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُباحَةً، وذَلِكَ يَقْتَضِي وُقُوعَ النَّسْخِ وهم يُنْكِرُونَهُ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مَوْصُوفِينَ بِقَبائِحِ الأفْعالِ، فَلَمّا حَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنْكَرُوا كَوْنَ حُرْمَةِ هَذِهِ الأشْياءِ مُتَجَدِّدَةً، بَلْ زَعَمُوا أنَّها كانَتْ مُحَرَّمَةً أبَدًا، فَطالَبَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِآيَةٍ مِنَ التَّوْراةِ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ فَعَجَزُوا عَنْهُ فافْتَضَحُوا، فَهَذا وجْهُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وكُلُّهُ حَسَنٌ مُسْتَقِيمٌ، ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الألْفاظِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ أيْ كُلُّ المَطْعُوماتِ أوْ كُلُّ أنْواعِ الطَّعامِ، وأقُولُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ اللَّفْظَ المُفْرَدَ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ هَلْ يُفِيدُ العُمُومَ أمْ لا ؟ .
صفحة ١٢١
ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الفُقَهاءِ والأُدَباءِ إلى أنَّهُ يُفِيدُهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أدْخَلَ لَفْظَ ”كُلُّ“ عَلى لَفْظِ الطَّعامِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَوْلا أنَّ لَفْظَ الطَّعامِ قائِمٌ مَقامَ لَفْظِ المَطْعُوماتِ وإلّا لَما جازَ ذَلِكَ، وثانِيها: أنَّهُ اسْتَثْنى عَنْهُ ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَلَوْلا دُخُولُ كُلِّ الأقْسامِ تَحْتَ لَفْظِ الطَّعامِ وإلّا لَمْ يَصِحَّ هَذا الِاسْتِثْناءُ وأكَّدُوا هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢، ٣] . وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا اللَّفْظَ المُفْرَدَ بِما يُوصَفُ بِهِ لَفْظُ الجَمْعِ، فَقالَ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ [ق: ١٠، ١١]، فَعَلى هَذا مَن ذَهَبَ إلى هَذا المَذْهَبِ لا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، أمّا مَن قالَ إنَّ الِاسْمَ المُفْرَدَ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ لا يُفِيدُ العُمُومَ، وهو الَّذِي نَظَّرْناهُ في أُصُولِ الفِقْهِ احْتاجَ إلى الإضْمارِ الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّعامُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُطْعَمُ ويُؤْكَلُ، وزَعَمَ بَعْضُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أنَّهُ اسْمٌ لِلْبُرِّ خاصَّةً، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى ضَعْفِ هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ اسْتَثْنى مِن لَفْظِ الطَّعامِ ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، والمُفَسِّرُونَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ كانَ شَيْئًا سِوى الحِنْطَةِ، وسِوى ما يُتَّخَذُ مِنها، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ الماءِ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقالَ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وأرادَ الذَّبائِحَ، «وقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ما لَنا طَعامٌ إلّا الأسْوَدانِ»، والمُرادُ التَّمْرُ والماءُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ المَطْعُوماتِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: لَمْ يَبْلُغْنا أنَّهُ كانَتِ المَيْتَةُ مُباحَةً لَهم مَعَ أنَّها طَعامٌ، وكَذا القَوْلُ في الخِنْزِيرِ، ثُمَّ قالَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى الأطْعِمَةِ الَّتِي كانَ يَدَّعِي اليَهُودُ في وقْتِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّها كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى إبْراهِيمَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ الألِفُ واللّامُ في لَفْظِ الطَّعامِ لِلِاسْتِغْراقِ، بَلْ لِلْعَهْدِ السّابِقِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ الإشْكالُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فَإنَّهُ إنَّما خَرَجَ هَذا الكَلامُ عَلى أشْياءَ سَألُوا عَنْها فَعَرَفُوا أنَّ المُحَرَّمَ مِنها كَذا وكَذا دُونَ غَيْرِهِ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحِلُّ مَصْدَرٌ، يُقالُ: حَلَّ الشَّيْءُ حِلًّا كَقَوْلِكَ: ذَلَّتِ الدّابَّةُ ذِلًّا وعَزَّ الرَّجُلُ عِزًّا، ولِذَلِكَ اسْتَوى في الوَصْفِ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ، قالَ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾، والوَصْفُ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ، فَهاهُنا الحِلُّ والمُحَلَّلُ واحِدٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في زَمْزَمَ هي حِلٌّ وبِلٌّ رَواهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَسُئِلَ سُفْيانُ: ما حِلٌّ ؟ فَقالَ مُحَلَّلٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في الشَّيْءِ الَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَنَذَرَ لَئِنْ عافاهُ اللَّهُ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطَّعامِ والشَّرابِ عَلَيْهِ، وكانَ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ لُحْمانُ الإبِلَ وأحَبَّ الشَّرابِ إلَيْهِ ألْبانُها» “، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ.
والثّانِي: قِيلَ: إنَّهُ كانَ بِهِ عِرْقُ النَّسا، فَنَذَرَ إنْ شَفاهُ اللَّهُ أنْ لا يَأْكُلَ شَيْئًا مِنَ العُرُوقِ.
الثّالِثُ: جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ زَوائِدُ الكَبِدِ والشَّحْمُ إلّا ما عَلى الظَّهْرِ، ونَقَلَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ، أنَّ
صفحة ١٢٢
يَعْقُوبَ لَمّا خَرَجَ مِن حَرّانَ إلى كَنْعانَ بَعَثَ بَرِيدًا إلى عَيْصُو أخِيهِ إلى أرْضِ ساعِيرَ، فانْصَرَفَ الرَّسُولُ إلَيْهِ، وقالَ: إنَّ عَيْصُو هو ذا يَتَلَقّاكَ ومَعَهُ أرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ، فَذُعِرَ يَعْقُوبُ وحَزِنَ جِدًّا وصَلّى ودَعا وقَدَّمَ هَدايًا لِأخِيهِ وذَكَرَ القِصَّةَ إلى أنْ ذَكَرَ المَلِكَ الَّذِي لَقِيَهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، فَدَنا ذَلِكَ الرَّجُلُ ووَضَعَ أُصْبُعَهُ عَلى مَوْضِعِ عِرْقِ النَّسا، فَخُدِّرَتْ تِلْكَ العَصَبَةُ وجَفَّتْ فَمِن أجْلِ هَذا لا يَأْكُلُ بَنُو إسْرائِيلَ العُرُوقَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ إنَّما يَثْبُتُ بِخِطابِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ صارَ تَحْرِيمُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَبًا لِحُصُولِهِ الحُرْمَةَ ؟ .
أجابَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ الإنْسانَ إذا حَرَّمَ شَيْئًا عَلى نَفْسِهِ فَإنَّ اللَّهَ يُحَرِّمُهُ عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ يُحَرِّمُ امْرَأتَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالطَّلاقِ، ويُحَرِّمُ جارِيَتَهُ بِالعِتْقِ، فَكَذَلِكَ جائِزٌ أنْ يَقُولَ تَعالى إنْ حَرَّمْتَ شَيْئًا عَلى نَفْسِكَ فَأنا أيْضًا أُحَرِّمُهُ عَلَيْكَ.
الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رُبَّما اجْتَهَدَ فَأدّى اجْتِهادُهُ إلى التَّحْرِيمِ فَقالَ بِحُرْمَتِهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الِاجْتِهادَ جائِزٌ مِنَ الأنْبِياءِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]، ولا شَكَّ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رُؤَساءُ أُولِي الأبْصارِ.
والثّانِي: قالَ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] مَدَحَ المُسْتَنْبِطِينَ، والأنْبِياءُ أوْلى بِهَذا المَدْحِ.
والثّالِثُ: قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الإذْنُ بِالنَّصِّ، لَمْ يَقُلْ: لِمَ أذِنْتَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ بِالِاجْتِهادِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ لا طاعَةَ إلّا لِلَّهِ ولِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيها أعْظَمُ نَصِيبٍ ولا شَكَّ أنَّ اسْتِنْباطَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ شاقَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيها نَصِيبٌ لا سِيَّما ومَعارِفُهم أكْثَرُ وعُقُولُهم أنْوَرُ وأذْهانُهم أصْفى وتَوْفِيقُ اللَّهِ وتَسْدِيدُهُ مَعَهم أكْثَرُ، ثُمَّ إذا حَكَمُوا بِحُكْمٍ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ يَحْرُمُ عَلى الأُمَّةِ مُخالَفَتُهم في ذَلِكَ الحُكْمِ، كَما أنَّ الإجْماعَ إذا انْعَقَدَ عَلى الِاجْتِهادِ فَإنَّهُ يَحْرُمُ مُخالَفَتُهُ، والأظْهَرُ الأقْوى أنَّ إسْرائِيلَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - إنَّما حَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ لَقالَ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلى إسْرائِيلَ، فَلَمّا أضافَ التَّحْرِيمَ إلى إسْرائِيلَ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالِاجْتِهادِ وهو كَما يُقالُ: الشّافِعِيُّ يُحِلُّ لَحْمَ الخَيْلِ، وأبُو حَنِيفَةَ يُحَرِّمُهُ بِمَعْنى أنَّ اجْتِهادَهُ أدّى إلَيْهِ فَكَذا هاهُنا.
الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنَّ التَّحْرِيمَ في شَرْعِهِ كالنَّذْرِ في شَرْعِنا، فَكَما يَجِبُ عَلَيْنا الوَفاءُ بِالنَّذْرِ كانَ يَجِبُ في شَرْعِهِ الوَفاءُ بِالتَّحْرِيمِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا لَوْ كانَ فَإنَّهُ كانَ مُخْتَصًّا بِشَرْعِهِ أمّا في شَرْعِنا فَهو غَيْرُ ثابِتٍ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] . الرّابِعُ: قالَ الأصَمُّ: لَعَلَّ نَفْسَهُ كانَتْ مائِلَةً إلى أكْلِ تِلْكَ الأنْواعِ فامْتَنَعَ مِن أكْلِها قَهْرًا لِلنَّفْسِ وطَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الزُّهّادِ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الِامْتِناعِ بِالتَّحْرِيمِ.
الخامِسُ: قالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إنَّهُ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: احْكم فَإنَّكَ لا تَحْكُمُ إلّا بِالصَّوابِ، فَلَعَلَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ مِن هَذا البابِ، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُنازَعاتٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرْناها في أُصُولِ الفِقْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ فَقَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَحَكَمَ بِحِلِّ كُلِّ أنْواعِ المَطْعُوماتِ لِبَنِي
صفحة ١٢٣
إسْرائِيلَ، ثُمَّ اسْتَثْنى عَنْهُ ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَرامًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:94
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ فالمَعْنى أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ كُلُّ أنْواعِ المَطْعُوماتِ سِوى ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أمّا بَعْدَ التَّوْراةِ فَلَمْ يَبْقَ كَذَلِكَ بَلْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ أنْواعًا كَثِيرَةً، رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أتَوْا بِذَنْبٍ عَظِيمٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَوْعًا مِن أنْواعِ الطَّعامِ، أوْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا لِهَلاكٍ أوْ مَضَرَّةٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إمّا لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ تَحْرِيمَ هَذِهِ الأشْياءِ كانَ مَوْجُودًا مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذا الزَّمانِ، فَكَذَّبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ ادَّعى كَوْنَ هَذِهِ المَطْعُوماتِ مُباحَةً في الزَّمانِ القَدِيمِ، وأنَّها إنَّما حُرِّمَتْ بِسَبَبِ أنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ، فَنازَعُوهُ في ذَلِكَ، فَطَلَبَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ إحْضارَ التَّوْراةِ لِيَسْتَخْرِجَ مِنها المُسْلِمُونَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ آيَةً مُوافِقَةً لِقَوْلِ الرَّسُولِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ، فالتَّفْسِيرُ ظاهِرٌ، ولِمُنْكِرِيِ القِياسِ أنْ يَحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ طالَبَهم فِيما ادَّعَوْهُ بِكِتابِ اللَّهِ، ولَوْ كانَ القِياسُ حُجَّةً لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ هَذا الحُكْمِ في التَّوْراةِ عَدَمُهُ، لِأنّا نُثْبِتُهُ بِالقِياسِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ النِّزاعَ ما وقَعَ في حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وإنَّما وقَعَ في أنَّ هَذا الحُكْمَ، هَلْ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ إبْراهِيمَ وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أمْ لا ؟ ومِثْلُ هَذا لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ إلّا بِالنَّصِّ، فَلِهَذا المَعْنى طالَبَهُمُ الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، بِنَصِّ التَّوْراةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ الِافْتِراءُ اخْتِلاقُ الكَذِبِ، والفِرْيَةُ الكَذِبُ والقَذْفُ، وأصْلُهُ مِن فَرْيِ الأدِيمِ، وهو قَطْعُهُ، فَقِيلَ لِلْكَذِبِ افْتِراءٌ، لِأنَّ الكاذِبَ يَقْطَعُ بِهِ في القَوْلِ مِن غَيْرِ تَحْقِيقٍ في الوُجُودِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ظُهُورِ الحُجَّةِ بِأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كانَ مِن جِهَةِ يَعْقُوبَ، ولَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا قَبْلَهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ المُسْتَحِقُّونَ لِعَذابِ اللَّهِ لِأنَّ كُفْرَهم ظُلْمٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ ولِمَن أضَلُّوهُ عَنِ الدِّينِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ ويَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: ﴿قُلْ صَدَقَ﴾ في أنَّ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الطَّعامِ صارَ حَرامًا عَلى إسْرائِيلَ وأوْلادِهِ بَعْدَ أنْ كانَ حَلالًا لَهم فَصَحَّ القَوْلُ بِالنَّسْخِ، وبَطَلَتْ شُبْهَةُ اليَهُودِ.
وثانِيها: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ في قَوْلِهِ: إنَّ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها كانَتْ مُحَلَّلَةً لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا أفْتى بِحِلِّ لُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها، فَقَدْ أفْتى بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ.
وثالِثُها: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ في أنَّ سائِرَ الأطْعِمَةِ كانَتْ مُحَلَّلَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ وأنَّها إنَّما حُرِّمَتْ عَلى اليَهُودِ جَزاءً عَلى قَبائِحِ أفْعالِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أيِ اتَّبِعُوا ما يَدْعُوكم إلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وسَواءٌ قالَ: مِلَّةُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا، أوْ قالَ: مِلَّةُ إبْراهِيمَ الحَنِيفِ لِأنَّ الحالَ والصِّفَةَ سَواءٌ في المَعْنى.
صفحة ١٢٤
ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ لَمْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، ولا عَبَدَ سِواهُ، كَما فَعَلَهُ بَعْضُهم مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، أوْ كَما فَعَلَهُ العَرَبُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، أوْ كَما فَعَلَهُ اليَهُودُ مِنَ ادِّعاءِ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، وكَما فَعَلَهُ النَّصارى مِنَ ادِّعاءِ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّ مُحَمَّدًا صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، في الفُرُوعِ والأُصُولِ.
أمّا في الفُرُوعِ، فَلِما ثَبَتَ أنَّ ما حَكَمَ بِحِلِّهِ كانَ إبْراهِيمُ قَدْ حَكَمَ بِحِلِّهِ أيْضًا، وأمّا في الأُصُولِ فَلِأنَّ مُحَمَّدًا صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ لا يَدْعُو إلّا إلى التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، وما كانَ إبْراهِيمُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ إلّا عَلى هَذا الدِّينِ.
آل عمران 3:95
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ فالمَعْنى أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ كُلُّ أنْواعِ المَطْعُوماتِ سِوى ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أمّا بَعْدَ التَّوْراةِ فَلَمْ يَبْقَ كَذَلِكَ بَلْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ أنْواعًا كَثِيرَةً، رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أتَوْا بِذَنْبٍ عَظِيمٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَوْعًا مِن أنْواعِ الطَّعامِ، أوْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا لِهَلاكٍ أوْ مَضَرَّةٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إمّا لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ تَحْرِيمَ هَذِهِ الأشْياءِ كانَ مَوْجُودًا مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذا الزَّمانِ، فَكَذَّبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ ادَّعى كَوْنَ هَذِهِ المَطْعُوماتِ مُباحَةً في الزَّمانِ القَدِيمِ، وأنَّها إنَّما حُرِّمَتْ بِسَبَبِ أنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ، فَنازَعُوهُ في ذَلِكَ، فَطَلَبَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ إحْضارَ التَّوْراةِ لِيَسْتَخْرِجَ مِنها المُسْلِمُونَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ آيَةً مُوافِقَةً لِقَوْلِ الرَّسُولِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ، فالتَّفْسِيرُ ظاهِرٌ، ولِمُنْكِرِيِ القِياسِ أنْ يَحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ طالَبَهم فِيما ادَّعَوْهُ بِكِتابِ اللَّهِ، ولَوْ كانَ القِياسُ حُجَّةً لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ هَذا الحُكْمِ في التَّوْراةِ عَدَمُهُ، لِأنّا نُثْبِتُهُ بِالقِياسِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ النِّزاعَ ما وقَعَ في حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وإنَّما وقَعَ في أنَّ هَذا الحُكْمَ، هَلْ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ إبْراهِيمَ وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أمْ لا ؟ ومِثْلُ هَذا لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ إلّا بِالنَّصِّ، فَلِهَذا المَعْنى طالَبَهُمُ الرَّسُولُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، بِنَصِّ التَّوْراةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ الِافْتِراءُ اخْتِلاقُ الكَذِبِ، والفِرْيَةُ الكَذِبُ والقَذْفُ، وأصْلُهُ مِن فَرْيِ الأدِيمِ، وهو قَطْعُهُ، فَقِيلَ لِلْكَذِبِ افْتِراءٌ، لِأنَّ الكاذِبَ يَقْطَعُ بِهِ في القَوْلِ مِن غَيْرِ تَحْقِيقٍ في الوُجُودِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ظُهُورِ الحُجَّةِ بِأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كانَ مِن جِهَةِ يَعْقُوبَ، ولَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا قَبْلَهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ المُسْتَحِقُّونَ لِعَذابِ اللَّهِ لِأنَّ كُفْرَهم ظُلْمٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ ولِمَن أضَلُّوهُ عَنِ الدِّينِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ ويَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: ﴿قُلْ صَدَقَ﴾ في أنَّ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الطَّعامِ صارَ حَرامًا عَلى إسْرائِيلَ وأوْلادِهِ بَعْدَ أنْ كانَ حَلالًا لَهم فَصَحَّ القَوْلُ بِالنَّسْخِ، وبَطَلَتْ شُبْهَةُ اليَهُودِ.
وثانِيها: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ في قَوْلِهِ: إنَّ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها كانَتْ مُحَلَّلَةً لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا أفْتى بِحِلِّ لُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها، فَقَدْ أفْتى بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ.
وثالِثُها: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ في أنَّ سائِرَ الأطْعِمَةِ كانَتْ مُحَلَّلَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ وأنَّها إنَّما حُرِّمَتْ عَلى اليَهُودِ جَزاءً عَلى قَبائِحِ أفْعالِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أيِ اتَّبِعُوا ما يَدْعُوكم إلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وسَواءٌ قالَ: مِلَّةُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا، أوْ قالَ: مِلَّةُ إبْراهِيمَ الحَنِيفِ لِأنَّ الحالَ والصِّفَةَ سَواءٌ في المَعْنى.
صفحة ١٢٤
ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ لَمْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، ولا عَبَدَ سِواهُ، كَما فَعَلَهُ بَعْضُهم مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، أوْ كَما فَعَلَهُ العَرَبُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، أوْ كَما فَعَلَهُ اليَهُودُ مِنَ ادِّعاءِ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، وكَما فَعَلَهُ النَّصارى مِنَ ادِّعاءِ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّ مُحَمَّدًا صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، في الفُرُوعِ والأُصُولِ.
أمّا في الفُرُوعِ، فَلِما ثَبَتَ أنَّ ما حَكَمَ بِحِلِّهِ كانَ إبْراهِيمُ قَدْ حَكَمَ بِحِلِّهِ أيْضًا، وأمّا في الأُصُولِ فَلِأنَّ مُحَمَّدًا صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ لا يَدْعُو إلّا إلى التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، وما كانَ إبْراهِيمُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ إلّا عَلى هَذا الدِّينِ.
آل عمران 3:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الجَوابُ عَنْ شُبْهَةٍ أُخْرى مِن شُبَهِ اليَهُودِ في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا حَوَّلَ القِبْلَةَ إلى الكَعْبَةِ طَعَنَ اليَهُودُ في نُبُوَّتِهِ، وقالُوا: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أفْضَلُ مِنَ الكَعْبَةِ وأحَقُّ بِالِاسْتِقْبالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وُضِعَ قَبْلَ الكَعْبَةِ، وهو أرْضُ المَحْشَرِ، وقِبْلَةُ جُمْلَةِ الأنْبِياءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ مِنهُ إلى الكَعْبَةِ باطِلًا، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الكَعْبَةَ أفْضَلُ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ وأشْرَفُ، فَكانَ جَعْلُها قِبْلَةً أوْلى.
والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بَيانُ أنَّ النَّسْخَ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَدَلَّ عَلى جَوازِهِ بِأنَّ الأطْعِمَةَ كانَتْ مُباحَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ بَعْضَها، والقَوْمُ نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، وأعْظَمُ الأُمُورِ الَّتِي أظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ نَسْخَها هو القِبْلَةُ، لا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ ما لِأجْلِهِ حُوِّلَتِ الكَعْبَةُ، وهو كَوْنُ الكَعْبَةِ أفْضَلَ مِن غَيْرِها.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥] وكانَ مِن أعْظَمِ شِعارِ مِلَّةٍ إبْراهِيمَ الحَجُّ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةَ البَيْتِ، لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ إيجابَ الحَجِّ.
الرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى زَعَمَ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم أنَّهُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ المُناظَرَةُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَذِبَهم، مِن حَيْثُ إنَّ حَجَّ الكَعْبَةِ كانَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، واليَهُودُ والنَّصارى لا يَحُجُّونَ، فَيَدُلُّ هَذا عَلى كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُحَقِّقُونَ: الأوَّلُ هو الفَرْدُ السّابِقُ، فَإذا قالَ: أوَّلُ عَبْدٍ أشْتَرِيهِ فَهو حُرٌّ فَلَوِ اشْتَرى عَبْدَيْنِ في المَرَّةِ الأُولى لَمْ يُعْتَقْ أحَدٌ مِنهُما لِأنَّ الأوَّلَ هو الفَرْدُ، ثُمَّ لَوِ اشْتَرى في المَرَّةِ الثّانِيَةِ عَبْدًا واحِدًا لَمْ يُعْتَقْ، لِأنَّ شَرْطَ الأوَّلِ كَوْنُهُ سابِقًا فَثَبَتَ أنَّ الأوَّلَ هو الفَرْدُ السّابِقُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ خَلَقَهُ اللَّهُ
صفحة ١٢٥
تَعالى، ولا أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ ظَهَرَ في الأرْضِ، بَلْ ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وكَوْنُهُ مَوْضُوعًا لِلنّاسِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُشْتَرَكًا فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِ النّاسِ، فَأمّا سائِرُ البُيُوتِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُخْتَصًّا بِواحِدٍ مِنَ النّاسِ فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ البُيُوتِ مَوْضُوعًا لِلنّاسِ، وكَوْنُ البَيْتِ مُشْتَرَكًا فِيهِ بَيْنَ كُلِّ النّاسِ، لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَ البَيْتُ مَوْضُوعًا لِلطّاعاتِ والعِباداتِ وقِبْلَةً لِلْخَلْقِ، فَدَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ عَلى أنَّ هَذا البَيْتَ وضَعَهُ اللَّهُ مَوْضِعًا لِلطّاعاتِ والخَيْراتِ والعِباداتِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُ هَذا البَيْتِ قِبْلَةً لِلصَّلَواتِ، ومَوْضِعًا لِلْحَجِّ، ومَكانًا يَزْدادُ ثَوابُ العِباداتِ والطّاعاتِ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: كَوْنُهُ أوَّلًا في هَذا الوَصْفِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُ ثانٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَيْتُ المَقْدِسِ يُشارِكُهُ في هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي مِنها وُجُوبُ حَجِّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأوَّلِ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُوجَدُ ابْتِداءً، سَواءٌ حَصَلَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ آخَرُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، يُقالُ: هَذا أوَّلُ قُدُومِي مَكَّةَ، وهَذا أوَّلُ مالٍ أصَبْتُهُ، ولَوْ قالَ: أوَّلُ عَبْدٍ مَلَكْتُهُ فَهو حُرٌّ فَمَلَكَ عَبْدًا، عُتِقَ، وإنْ لَمْ يَمْلِكْ بَعْدَهُ عَبْدًا آخَرَ، فَكَذا هُنا. والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ أيْ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِطاعاتِ النّاسِ وعِباداتِهِمْ، وبَيْتُ المَقْدِسِ يُشارِكُهُ في كَوْنِهِ بَيْتًا مَوْضُوعًا لِلطّاعاتِ والعِباداتِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ، والمَسْجِدِ الأقْصى، ومَسْجِدِي هَذا“» فَهَذا القَدْرُ يَكْفِي في صِدْقِ كَوْنِ الكَعْبَةِ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وأمّا أنْ يَكُونَ بَيْتُ المَقْدِسِ مُشارِكًا لَهُ في جَمِيعِ الأُمُورِ حَتّى في وُجُوبِ الحَجِّ، فَهَذا غَيْرُ لازِمٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ أوَّلًا في الوَضْعِ والبِناءِ وأنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ أوَّلًا في كَوْنِهِ مُبارَكًا وهُدًى فَحَصَلَ لِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّهُ أوَّلٌ في البِناءِ والوَضْعِ، والذّاهِبُونَ إلى هَذا المَذْهَبِ لَهم أقْوالٌ. أحَدُها: ما رَوى الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في ”البَسِيطِ“ بِإسْنادِهِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذا البَيْتَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأرَضِينَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: خَلَقَ اللَّهُ مَوْضِعَ هَذا البَيْتِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأرْضِ بِألْفَيْ سَنَةٍ، وإنَّ قَواعِدَهُ لَفي الأرْضِ السّابِعَةِ السُّفْلى، ورُوِيَ أيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ مَلائِكَتَهُ فَقالَ: ابْنُوا لِي في الأرْضِ بَيْتًا عَلى مِثالِ البَيْتِ المَعْمُورِ، وأمَرَ اللَّهُ تَعالى مَن في الأرْضِ أنْ يَطُوفُوا بِهِ كَما يَطُوفُ أهْلُ السَّماءِ بِالبَيْتِ المَعْمُورِ، وهَذا كانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ“» .
وأيْضًا ورَدَ في سائِرِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ عَلى وجْهِ الماءِ عِنْدَ خَلْقِ الأرْضِ والسَّماءِ، وقَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ وكانَ زُبْدَةً بَيْضاءَ عَلى الماءِ ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ تَحْتَهُ، قالَ القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“: رَوى حَبِيبُ بْنُ ثابِتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: وُجِدَ في كِتابٍ في المَقامِ أوْ تَحْتَ المَقامِ ”أنا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ وضَعْتُها يَوْمَ وضَعْتُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وحَرَّمْتُها يَوْمَ وضَعْتُ هَذَيْنِ الحَجَرَيْنِ، وحَقَّقْتُها بِسَبْعَةِ أمْلاكٍ حُنَفاءَ“ . وثانِيها: أنَّ آدَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ لَمّا أُهْبِطَ إلى الأرْضِ شَكا الوَحْشَةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِبِناءِ الكَعْبَةِ وطافَ بِها، وبَقِيَ ذَلِكَ إلى زَمانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ
صفحة ١٢٦
تَعالى الطُّوفانَ، رَفَعَ البَيْتَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ حِيالَ الكَعْبَةِ، يَتَعَبَّدُ عِنْدَهُ المَلائِكَةُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ سِوى مَن دَخَلَ مِن قَبْلُ فِيهِ، ثُمَّ بَعْدَ الطُّوفانِ انْدَرَسَ مَوْضِعُ الكَعْبَةِ، وبَقِيَ مُخْتَفِيًا إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ودَلَّهُ عَلى مَكانِ البَيْتِ، وأمَرَهُ بِعِمارَتِهِ، فَكانَ المُهَنْدِسُ جِبْرِيلَ والبَنّاءُ إبْراهِيمَ والمُعِينُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَشْتَرِكانِ في أنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً في زَمانِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا هو الأصْوَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ تَكْلِيفَ الصَّلاةِ كانَ لازِمًا في دِينِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ، والسَّجْدَةُ لا بُدَّ لَها مِن قِبْلَةٍ، فَلَوْ كانَتْ قِبْلَةُ شِيثٍ وإدْرِيسَ ونُوحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَوْضِعًا آخَرَ سِوى القِبْلَةِ لَبَطَلَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ قِبْلَةَ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ هي الكَعْبَةُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الجِهَةَ كانَتْ أبَدًا مُشَرَّفَةً مُكَرَّمَةً. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى مَكَّةَ أُمَّ القُرى، وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي أنَّها كانَتْ سابِقَةً عَلى سائِرِ البِقاعِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ مُنْذُ كانَتْ مَوْجُودَةً. الثّالِثُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ”ألا إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ والشَّمْسَ والقَمَرَ» “ وتَحْرِيمُ مَكَّةَ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ وُجُودِ مَكَّةَ. الرّابِعُ: أنَّ الآثارَ الَّتِي حَكَيْناها عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ دالَّةٌ عَلى أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ زَمانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
واعْلَمْ أنَّ لِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ أنْ يَحْتَجَّ بِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«اللَّهُمَّ إنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَما حَرَّمَ إبْراهِيمُ مَكَّةَ» “ وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي أنَّ مَكَّةَ بِناءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ البَيْتُ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ إبْراهِيمَ وما كانَ مُحَرَّمًا ثُمَّ حَرَّمَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. الثّانِي: تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّ البَيْتَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ انْهَدَمَ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِرَفْعِ قَواعِدِهِ وهَذا هو الوارِدُ في أكْثَرِ الأخْبارِ. الثّالِثُ: قالَ القاضِي: إنَّ الَّذِي يُقالُ مِن أنَّهُ رُفِعَ زَمانَ الطُّوفانِ إلى السَّماءِ بَعِيدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المَوْضِعَ الشَّرِيفَ هو تِلْكَ الجِهَةُ المُعَيَّنَةُ، والجِهَةُ لا يُمْكِنُ رَفْعُها إلى السَّماءِ ألا تَرى أنَّ الكَعْبَةَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى لَوِ انْهَدَمَتْ ونُقِلَ الأحْجارُ والخَشَبُ والتُّرابُ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرَفٌ ألْبَتَّةَ، ويَكُونُ شَرَفُ تِلْكَ الجِهَةِ باقِيًا بَعْدَ الِانْهِدامِ، ويَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُصَلِّيَ إلى تِلْكَ الجِهَةِ بِعَيْنِها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في نَقْلِ تِلْكَ الجُدْرانِ إلى السَّماءِ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَمّا صارَتْ تِلْكَ الأجْسامُ في العِزَّةِ إلى حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ بِنَقْلِها إلى السَّماءِ، وإنَّما حَصَلَتْ لَها هَذِهِ العِزَّةُ بِسَبَبِ أنَّها كانَتْ حاصِلَةً في تِلْكَ الجِهَةِ، فَصارَ نَقْلُها إلى السَّماءِ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِ تِلْكَ الجِهَةِ وإعْزازِها، فَهَذا جُمْلَةُ ما في هَذا القَوْلِ:
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الأوَّلِيَّةِ كَوْنُ هَذا البَيْتِ أوَّلًا في كَوْنِهِ مُبارَكًا وهُدًى لِلْخَلْقِ. رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَنْ أوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”المَسْجِدُ الحَرامُ ثُمَّ بَيْتُ المَقْدِسِ“ فَقِيلَ: كَمْ بَيْنَهُما ؟ قالَ: ”أرْبَعُونَ سَنَةً» “ وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: أهُوَ أوَّلُ بَيْتٍ ؟ قالَ: لا، قَدْ كانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ ولَكِنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ مُبارَكًا فِيهِ الهُدى والرَّحْمَةُ والبَرَكَةُ، أوَّلُ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ،
صفحة ١٢٧
ثُمَّ بَناهُ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِن جُرْهُمٍ، ثُمَّ هُدِمَ فَبَناهُ العَمالِقَةُ، وهم مُلُوكٌ مِن أوْلادِ عِمْلِيقِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ثُمَّ هُدِمَ فَبَناهُ قُرَيْشٌ.
واعْلَمْ أنَّ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى الأوَّلِيَّةِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، لِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأوَّلِيَّةِ بَيانُ الفَضِيلَةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَرْجِيحُهُ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا إنَّما يَتِمُّ بِالأوَّلِيَّةِ في الفَضِيلَةِ والشَّرَفِ، ولا تَأْثِيرَ لِلْأوَّلِيَّةِ في البِناءِ في هَذا المَقْصُودِ، إلّا أنَّ ثُبُوتَ الأوَّلِيَّةِ بِسَبَبِ الفَضِيلَةِ لا يُنافِي ثُبُوتَ الأوَّلِيَّةِ في البِناءِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى ثُبُوتِ هَذا المَعْنى أيْضًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الأوَّلِيَّةِ زِيادَةُ الفَضِيلَةِ والمَنقَبَةِ فَلْنَذْكُرْ هاهُنا وُجُوهَ فَضِيلَةِ البَيْتِ:
الفَضِيلَةُ الأُولى: اتَّفَقَتِ الأُمَمُ عَلى أنَّ بانِيَ هَذا البَيْتِ هو الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبانِيَ بَيْتِ المَقْدِسِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا شَكَّ أنَّ الخَلِيلَ أعْظَمُ دَرَجَةً وأكْثَرُ مَنقَبَةً مِن سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمِن هَذا الوَجْهِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الكَعْبَةُ أشْرَفَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعِمارَةِ هَذا البَيْتِ، فَقالَ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، والمُبَلِّغُ لِهَذا التَّكْلِيفِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا قِيلَ: لَيْسَ في العالَمِ بِناءٌ أشْرَفَ مِنَ الكَعْبَةِ، فالآمِرُ هو المَلِكُ الجَلِيلُ والمُهَنْدِسُ هو جِبْرِيلُ، والبانِي هو الخَلِيلُ، والتِّلْمِيذُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
الفَضِيلَةُ الثّانِيَةُ: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ وهو الحَجَرُ الَّذِي وضَعَ إبْراهِيمُ قَدَمَهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ ما تَحْتَ قَدَمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ الحَجَرِ دُونَ سائِرِ أجْزائِهِ كالطِّينِ حَتّى غاصَ فِيهِ قَدَمُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ ولا يُظْهِرُهُ إلّا عَلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمّا رَفَعَ إبْراهِيمُ قَدَمَهُ عَنْهُ خَلَقَ فِيهِ الصَّلابَةَ الحَجَرِيَّةَ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أبْقى ذَلِكَ الحَجَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ، فَهَذِهِ أنْواعٌ مِنَ الآياتِ العَجِيبَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ أظْهَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ الحَجَرِ.
الفَضِيلَةُ الثّالِثَةُ: قِلَّةُ ما يَجْتَمِعُ فِيهِ مِن حَصى الجِمارِ، فَإنَّهُ مُنْذُ ألْفِ سَنَةٍ وقَدْ يَبْلُغُ مَن يَرْمِي في كُلِّ سَنَةٍ سِتَّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، كُلُّ واحِدٍ مِنهم سَبْعِينَ حَصاةٍ، ثُمَّ لا يُرى هُناكَ إلّا ما لَوِ اجْتَمَعَ في سَنَةٍ واحِدَةٍ لَكانَ غَيْرَ كَثِيرٍ، ولَيْسَ المَوْضِعُ الَّذِي تُرْمى إلَيْهِ الجَمَراتُ مَسِيلَ ماءٍ ولا مَهَبَّ رِياحٍ شَدِيدَةٍ، وقَدْ جاءَ في الآثارِ أنَّ مَن كانَتْ حَجَّتُهُ مَقْبُولَةً رُفِعَتْ حِجارَةُ جَمَراتِهِ إلى السَّماءِ.
الفَضِيلَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ الطُّيُورَ تَتْرُكُ المُرُورَ فَوْقَ الكَعْبَةِ عِنْدَ طَيَرانِها في الهَواءِ بَلْ تَنْحَرِفُ عَنْها إذا ما وصَلَتْ إلى فَوْقِها.
الفَضِيلَةُ الخامِسَةُ: أنَّ عِنْدَهُ يَجْتَمِعُ الوَحْشُ لا يُؤْذِي بَعْضُها بَعْضًا كالكِلابِ والظِّباءِ، ولا يُصْطادُ فِيهِ الكِلابُ والوُحُوشُ وتِلْكَ خاصِّيَّةٌ عَجِيبَةٌ، وأيْضًا كُلُّ مَن سَكَنَ مَكَّةَ أمِنَ مِنَ النَّهْبِ والغارَةِ وهو بَرَكَةُ دُعاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وقالَ تَعالى في صِفَةِ أمْنِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وقالَ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]
صفحة ١٢٨
ولَمْ يُنْقَلْ ألْبَتَّةَ أنَّ ظالِمًا هَدَمَ الكَعْبَةَ وخَرَّبَ مَكَّةَ بِالكُلِّيَّةِ؛ وأمّا بَيْتُ المَقْدِسِ فَقَدْ هَدَمَهُ بُخْتُنَصَّرُ بِالكُلِّيَّةِ.
الفَضِيلَةُ السّادِسَةُ: أنَّ صاحِبَ الفِيلِ وهو أبَرْهَةُ الأشْرَمُ لَمّا قادَ الجُيُوشَ والفِيلَ إلى مَكَّةَ لِتَخْرِيبِ الكَعْبَةِ وعَجَزَ قُرَيْشٌ عَنْ مُقاوَمَةِ أُولَئِكَ الجُيُوشِ وفارَقُوا مَكَّةَ وتَرَكُوا لَهُ الكَعْبَةَ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ، والأبابِيلُ هُمُ الجَماعَةُ مِنَ الطَّيْرِ بَعْدَ الجَماعَةِ، وكانَتْ صِغارًا تَحْمِلُ أحْجارًا تَرْمِيهِمْ بِها فَهَلَكَ المَلِكُ وهَلَكَ العَسْكَرُ بِتِلْكَ الأحْجارِ مَعَ أنَّها كانَتْ في غايَةِ الصِّغَرِ، وهَذِهِ آيَةٌ باهِرَةٌ دالَّةٌ عَلى شَرَفِ الكَعْبَةِ وإرْهاصٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ طِلَسْمٍ مَوْضُوعٍ هُناكَ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُهُ أحَدٌ فَإنَّ الأمْرَ في تَرْكِيبِ الطَّلْسَماتِ مَشْهُورٌ.
قُلْنا: لَوْ كانَ هَذا مِن بابِ الطَّلْسَماتِ لَكانَ هَذا طَلْسَمًا مُخالِفًا لِسائِرِ الطَّلْسَماتِ فَإنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لِشَيْءٍ سِوى الكَعْبَةِ مِثْلُ هَذا البَقاءِ الطَّوِيلِ في هَذِهِ المُدَّةِ العَظِيمَةِ، ومِثْلُ هَذا يَكُونُ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَلا يَتَمَكَّنُ مِنها سِوى الأنْبِياءِ.
الفَضِيلَةُ السّابِعَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَها بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ. والحِكْمَةُ مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَطَعَ بِذَلِكَ رَجاءَ أهْلِ حَرَمِهِ وسَدَنَةِ بَيْتِهِ عَمَّنْ سِواهُ حَتّى لا يَتَوَكَّلُوا إلّا عَلى اللَّهِ. وثانِيها: أنَّهُ لا يَسْكُنُها أحَدٌ مِنَ الجَبابِرَةِ والأكاسِرَةِ فَإنَّهم يُرِيدُونَ طَيِّباتِ الدُّنْيا فَإذا لَمْ يَجِدُوها هُناكَ تَرَكُوا ذَلِكَ المَوْضِعَ، فالمَقْصُودُ تَنْزِيهُ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَنْ لَوْثِ وُجُودِ أهْلِ الدُّنْيا. وثالِثُها: أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلّا يَقْصِدَها أحَدٌ لِلتِّجارَةِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِمَحْضِ العِبادَةِ والزِّيارَةِ فَقَطْ. ورابِعُها: أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ شَرَفَ الفَقْرِ حَيْثُ وضَعَ أشْرَفَ البُيُوتِ في أقَلِّ المَواضِعِ نَصِيبًا مِنَ الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلْتُ الفُقَراءَ في الدُّنْيا أهْلَ البَلَدِ الأمِينِ، فَكَذَلِكَ أجْعَلُهم في الآخِرَةِ أهْلَ المَقامِ الأمِينِ، لَهم في الدُّنْيا بَيْتُ الأمْنِ وفي الآخِرَةِ دارُ الأمْنِ. وخامِسُها: كَأنَّهُ قالَ: لَمّا لَمْ أجْعَلِ الكَعْبَةَ إلّا في مَوْضِعٍ خالٍ عَنْ جَمِيعِ نِعَمِ الدُّنْيا فَكَذا لا أجْعَلُ كَعْبَةَ المَعْرِفَةِ إلّا في كُلِّ قَلْبٍ خالٍ عَنْ مَحَبَّةِ الدُّنْيا، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِفَضائِلِ الكَعْبَةِ، وعِنْدَ هَذا ظَهَرَ أنَّ هَذا البَيْتَ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ في أنْواعِ الفَضائِلِ والمَناقِبِ، وإذا ظَهَرَ هَذا بَطَلَ قَوْلُ اليَهُودِ: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أشْرَفُ مِنَ الكَعْبَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِن (بَكَّةَ) هو مَكَّةُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: بَكَّةُ ومَكَّةُ اسْمانِ لِمُسَمًّى واحِدٍ، فَإنَّ الباءَ والمِيمَ حَرْفانِ مُتَقارِبانِ في المَخْرَجِ فَيُقامُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ فَيُقالُ: هَذِهِ ضَرْبَةُ لازِمٍ، وضَرْبَةُ لازِبٍ، ويُقالُ: هَذا دائِمٌ ودائِبٌ، ويُقالُ: راتِبٌ وراتِمٌ، ويُقالُ: سَمَدَ رَأْسَهَ، وسَبَدَهُ، وفي اشْتِقاقِ بَكَّةَ وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ البَكِّ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ البَعْضِ بَعْضًا، يُقالُ: بَكَّهُ يَبُكُّهُ بَكًّا إذا دَفَعَهُ وزَحَمَهُ، وتَباكَّ القَوْمُ إذا ازْدَحَمُوا فَلِهَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سُمِّيَتْ مَكَّةُ بَكَّةَ لِأنَّهم يَتَباكُّونَ فِيها أيْ يَزْدَحِمُونَ في الطَّوافِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، قالَ بَعْضُهم: رَأيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الباقِرَ يُصَلِّي فَمَرَّتِ امْرَأةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَذَهَبْتُ أدْفَعُها فَقالَ: دَعْها فَإنَّها سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِأنَّهُ يَبُكُّ بَعْضُهم بَعْضًا، تَمُرُّ المَرْأةُ بَيْنَ
صفحة ١٢٩
يَدَيِ الرَّجُلِ وهو يُصَلِّي، والرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيِ المَرْأةِ وهي تُصَلِّي لا بَأْسَ بِذَلِكَ في هَذا المَكانِ.
الوَجْهُ الثّانِي: سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِأنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ لا يُرِيدُها جَبّارٌ بِسُوءٍ إلّا انْدَقَّتْ عُنُقُهُ قالَ قُطْرُبٌ: تَقُولُ العَرَبُ بَكَكْتُ عُنُقَهُ أبُكُّهُ بَكًّا إذا وضَعْتَ مِنهُ ورَدَدْتَ نَخْوَتَهُ.
وأمّا مَكَّةُ فَفي اشْتِقاقِها وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ اشْتِقاقَها مِن أنَّها تَمُكُّ الذُّنُوبَ أيْ تُزِيلُها كُلَّها، مِن قَوْلِكَ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ضَرْعَ أُمِّهِ، إذا امْتَصَّ ما فِيهِ. الثّانِي: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِلابِها النّاسَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ امْتَكَّ الفَصِيلُ، إذا اسْتَقْصى ما في الضَّرْعِ، ويُقالُ تَمَكَّكْتُ العَظْمَ، إذا اسْتَقْصَيْتَ ما فِيهِ. الثّالِثُ: سُمِّيَتْ مَكَّةَ، لِقِلَّةِ مائِها، كَأنَّ أرْضَها امْتَكَّتْ ماءَها. الرّابِعُ: قِيلَ: إنَّ مَكَّةَ وسَطَ الأرْضِ، والعُيُونُ والمِياهُ تَنْبُعُ مِن تَحْتِ مَكَّةَ، فالأرْضُ كُلُّها تَمُكُّ مِن ماءِ مَكَّةَ، ومِنَ النّاسِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ مَكَّةَ وبَكَّةَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ بَكَّةَ اسْمٌ لِلْمَسْجِدِ خاصَّةً، وأمّا مَكَّةُ، فَهو اسْمٌ لِكُلِّ البَلَدِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اشْتِقاقَ بَكَّةَ مِنَ الِازْدِحامِ والمُدافَعَةِ، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ في المَسْجِدِ عِنْدَ الطَّوافِ، لا في سائِرِ المَواضِعِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: مَكَّةُ اسْمٌ لِلْمَسْجِدِ والمَطافِ. وبَكَّةُ اسْمُ البَلَدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ البَيْتَ حاصِلٌ في بَكَّةَ ومَظْرُوفٌ في بَكَّةَ فَلَوْ كانَ بَكَّةُ اسْمًا لِلْبَيْتِ لَبَطَلَ كَوْنُ بَكَّةَ ظَرْفًا لِلْبَيْتِ، أمّا إذا جَعَلْنا بَكَّةَ اسْمًا لِلْبَلَدِ، اسْتَقامَ هَذا الكَلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَكَّةَ أسْماءٌ كَثِيرَةٌ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”تَفْسِيرِهِ“: مَكَّةُ وبَكَّةُ وأُمُّ رَحِمٍ وكُوَيْساءُ والبَشاشَةُ والحاطِمَةُ تَحْطِمُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِها، وأُمُّ القُرى قالَ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ [الشورى: ٧] وسُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّها أصْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ ومِنها دُحِيَتِ الأرْضُ، ولِهَذا المَعْنى يُزارُ ذَلِكَ المَوْضِعُ مِن جَمِيعِ نَواحِي الأرْضِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِلْكَعْبَةِ أسْماءٌ. أحَدُها: الكَعْبَةُ قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ [المائدة: ٩٧] والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ هَذا الِاسْمَ يَدُلُّ عَلى الإشْرافِ والِارْتِفاعِ، وسُمِّيَ الكَعْبُ كَعْبًا لِإشْرافِهِ وارْتِفاعِهِ عَلى الرُّسْغِ، وسُمِّيَتِ المَرْأةُ النّاهِدَةُ الثَّدْيَيْنِ كاعِبًا لِارْتِفاعِ ثَدْيَيْها، فَلَمّا كانَ هَذا البَيْتُ أشْرَفَ بُيُوتِ الأرْضِ وأقْدَمَها زَمانًا وأكْثَرَها فَضِيلَةً سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ. وثانِيها: البَيْتُ العَتِيقُ: قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، وقالَ: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وفي اشْتِقاقِهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: العَتِيقُ هو القَدِيمُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ أقْدَمُ بُيُوتِ الأرْضِ بَلْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ قَبْلَ الأرْضِ والسَّماءِ. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِنَ الغَرَقِ حَيْثُ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ. الثّالِثُ: مِن عَتِقَ الطّائِرُ إذا قَوِيَ في وكْرِهِ، فَلَمّا بَلَغَ في القُوَّةِ إلى حَيْثُ أنَّ كُلَّ مَن قَصَدَ تَخْرِيبَهُ أهْلَكَهُ اللَّهُ سُمِّيَ عَتِيقًا. الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِن أنْ يَكُونَ مِلْكًا لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ. الخامِسُ: أنَّهُ عَتِيقٌ بِمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن زارَهُ أعْتَقَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النّارِ. وسادِسُها: المَسْجِدُ الحَرامُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسراء: ١] والمُرادُ مِن كَوْنِهِ حَرامًا سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] فَأضافَهُ مَرَّةً إلى نَفْسِهِ ومَرَّةً إلى النّاسِ.
صفحة ١٣٠
والجَوابُ: كَأنَّهُ قِيلَ: البَيْتُ لِي ولَكِنْ وضَعْتُهُ لا لِأجْلِ مَنفَعَتِي فَإنِّي مُنَزَّهٌ عَنِ الحاجَةِ ولَكِنْ وضَعْتُهُ لَكَ لِيَكُونَ قِبْلَةً لِدُعائِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا البَيْتَ بِأنْواعِ الفَضائِلِ. فَأوَّلُها: أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى كَوْنِهِ أوَّلًا في الفَضْلِ ونَزِيدُ هاهُنا وُجُوهًا أُخَرَ. الأوَّلُ: قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، هو أوَّلُ بَيْتٍ خُصَّ بِالبَرَكَةِ، وبِأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وقالَ الحَسَنُ: هو أوَّلُ مَسْجِدٍ عُبِدَ اللَّهُ فِيهِ في الأرْضِ، وقالَ مُطَرِّفٌ: أوَّلُ بَيْتٍ جُعِلَ قِبْلَةً. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُبارَكًا، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: انْتَصَبَ (مُبارَكًا) عَلى الحالِ والتَّقْدِيرُ الَّذِي اسْتَقَرَّ هو بِبَكَّةَ مُبارَكًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: البَرَكَةُ لَها مَعْنَيانِ. أحَدُهُما: النُّمُوُّ والتَّزايُدُ. والثّانِي: البَقاءُ والدَّوامُ، يُقالُ تَبارَكَ اللَّهُ، لِثُبُوتِهِ لَمْ يَزُلْ، والبِرْكَةُ شِبْهُ الحَوْضِ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها، وبَرَكَ البَعِيرُ إذا وضَعَ صَدْرَهُ عَلى الأرْضِ وثَبَتَ واسْتَقَرَّ، فَإنْ فَسَّرْنا البَرَكَةَ بِالتَّزايُدِ والنُّمُوِّ فَهَذا البَيْتُ مُبارَكٌ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّ الطّاعاتِ إذا أُتِيَ بِها في هَذا البَيْتِ ازْدادَ ثَوابُها. قالَ ﷺ: ”«فَضْلُ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلى مَسْجِدِي، كَفَضْلِ مَسْجِدِي عَلى سائِرِ المَساجِدِ» “ ثُمَّ قالَ ﷺ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا أفْضَلُ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ» ”فَهَذا في الصَّلاةِ، وأمّا الحَجُّ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «مَن حَجَّ ولَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» ”وفي حَدِيثٍ آخَرَ“ «الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزاءٌ إلّا الجَنَّةَ» " ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا أكْثَرُ بَرَكَةً مِمّا يَجْلِبُ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ. وثانِيها: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَرَكَتُهُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] . وثالِثُها: أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يَسْتَحْضِرَ في ذِهْنِهِ أنَّ الكَعْبَةَ كالنُّقْطَةِ ولْيَتَصَوَّرْ أنَّ صُفُوفَ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْها في الصَّلَواتِ كالدَّوائِرِ المُحِيطَةِ بِالمَرْكَزِ، ولْيَتَأمَّلْ كَمْ عَدَدُ الصُّفُوفِ المُحِيطَةِ بِهَذِهِ الدّائِرَةِ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالصَّلاةِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَحْصُلُ فِيما بَيْنَ هَؤُلاءِ المُصَلِّينَ أشْخاصٌ أرْواحُهم عُلْوِيَّةٌ، وقُلُوبُهم قُدْسِيَّةٌ وأسْرارُهم نُورانِيَّةٌ وضَمائِرُهم رَبّانِيَّةٌ ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الأرْواحَ الصّافِيَةَ إذا تَوَجَّهَتْ إلى كَعْبَةِ المَعْرِفَةِ وأجْسادُهم تَوَجَّهَتْ إلى هَذِهِ الكَعْبَةِ الحِسِّيَّةِ، فَمَن كانَ في الكَعْبَةِ يَتَّصِلُ أنْوارُ أرْواحِ أُولَئِكَ المُتَوَجِّهِينَ بِنُورِ رُوحِهِ فَتَزْدادُ الأنْوارُ الإلَهِيَّةُ في قَلْبِهِ، ويَعْظُمُ لَمَعانُ الأضْواءِ الرُّوحانِيَّةِ في سِرِّهِ، وهَذا بَحْرٌ عَظِيمٌ ومَقامٌ شَرِيفٌ، وهو يُنَبِّهُكَ عَلى مَعْنى كَوْنِهِ مُبارَكًا.
وأمّا إنْ فَسَّرْنا البَرَكَةَ بِالدَّوامِ فَهو أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا تَنْفَكُّ الكَعْبَةُ مِنَ الطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ، وأيْضًا الأرْضُ كُرَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ وقْتٍ يُمْكِنُ أنْ يُفْرَضَ فَهو صُبْحٌ لِقَوْمٍ، وظُهْرٌ لِثانٍ وعَصْرٌ لِثالِثٍ، ومَغْرِبٌ لِرابِعٍ وعِشاءٌ لِخامِسٍ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الكَعْبَةُ مُنْفَكَّةً قَطُّ عَنْ تَوَجُّهِ قَوْمٍ إلَيْها مِن طَرَفٍ مِن أطْرافِ العالَمِ لِأداءِ فَرْضِ الصَّلاةِ، فَكانَ الدَّوامُ حاصِلًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وأيْضًا بَقاءُ الكَعْبَةِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ أُلُوفًا مِنَ السِّنِينَ دَوامٌ أيْضًا فَثَبَتَ كَوْنُهُ مُبارَكًا مِنَ الوَجْهَيْنِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ هَذا البَيْتِ كَوْنُهُ ﴿وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: المَعْنى أنَّهُ قِبْلَةٌ لِلْعالَمِينَ يَهْتَدُونَ بِهِ إلى جِهَةِ صَلاتِهِمْ، وقِيلَ: هُدًى لِلْعالَمِينَ
صفحة ١٣١
أيْ دَلالَةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ وصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النُّبُوَّةِ بِما فِيهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْناها والعَجائِبِ الَّتِي حَكَيْناها، فَإنَّ كُلَّ ما يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ فَهو بِعَيْنِهِ يَدُلُّ أوَّلًا عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وجَمِيعِ صِفاتِهِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والِاسْتِغْناءِ، وقِيلَ: هُدًى لِلْعالَمِينَ إلى الجَنَّةِ لِأنَّ مَن أدّى الصَّلَواتِ الواجِبَةَ إلَيْها اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى وذا هُدًى لِلْعالَمِينَ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (وهُدًى) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى وهو هُدًى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي فِيهِ وهي: أمْنُ الخائِفِ، وانْمِحاقُ الجِمارِ عَلى كَثْرَةِ الرَّمْيِ، وامْتِناعُ الطَّيْرِ مِنَ العُلُوِّ عَلَيْهِ واسْتِشْفاءُ المَرِيضِ بِهِ وتَعْجِيلُ العُقُوبَةِ لِمَنِ انْتَهَكَ فِيهِ حُرْمَةً، وإهْلاكُ أصْحابِ الفِيلِ لَمّا قَصَدُوا تَخْرِيبَهُ، فَعَلى هَذا تَفْسِيرُ الآياتِ وبَيانُها غَيْرُ مَذْكُورٍ.