Tafsir Al-Razi — هود 11:61 – هود 11:114
المحتويات
- هود 11:61
- هود 11:62
- هود 11:63
- هود 11:64
- هود 11:65
- هود 11:66
- هود 11:67
- هود 11:68
- هود 11:69
- هود 11:70
- هود 11:71
- هود 11:72
- هود 11:73
- هود 11:74
- هود 11:75
- هود 11:76
- هود 11:77
- هود 11:78
- هود 11:79
- هود 11:80
- هود 11:81
- هود 11:82
- هود 11:83
- هود 11:84
- هود 11:85
- هود 11:86
- هود 11:87
- هود 11:88
- هود 11:89
- هود 11:90
- هود 11:91
- هود 11:92
- هود 11:93
- هود 11:94
- هود 11:95
- هود 11:96
- هود 11:97
- هود 11:98
- هود 11:99
- هود 11:100
- هود 11:101
- هود 11:102
- هود 11:103
- هود 11:104
- هود 11:105
- هود 11:106
- هود 11:107
- هود 11:108
- هود 11:109
- هود 11:110
- هود 11:111
- هود 11:112
- هود 11:113
- هود 11:114
هود 11:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القَصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وهي قِصَّةُ صالِحٍ مَعَ ثَمُودَ، ونَظْمُها مِثْلُ النَّظْمِ المَذْكُورِ في قِصَّةِ هُودٍ، إلّا أنَّ هَهُنا لَمّا أمَرَهم بِالتَّوْحِيدِ ذَكَرَ في تَقْرِيرِهِ دَلِيلَيْنِ:
الدَّلِيلُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الكُلَّ مَخْلُوقُونَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو كانَ مَخْلُوقًا مِنَ الأرْضِ، وأقُولُ: هَذا صَحِيحٌ، لَكِنْ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أقْرَبُ مِنهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، والمَنِيُّ إنَّما تَوَلَّدَ مِنَ
صفحة ١٥
الدَّمِ، فالإنْسانُ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ، والدَّمُ إنَّما تَوَلَّدَ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهَذِهِ الأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةً وإمّا نَباتِيَّةً، والحَيَواناتُ حالُها كَحالِ الإنْسانِ، فَوَجَبَ انْتِهاءُ الكُلِّ إلى النَّباتِ، وظاهِرٌ أنَّ تَوَلُّدَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أنْشَأنا مِنَ الأرْضِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ”مِن“ مَعْناها في التَّقْدِيرِ: أنْشَأكم في الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ مَتى أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ فَلا حاجَةَ إلى صَرْفِهِ عَنْهُ، وأمّا تَقْرِيرُ أنَّ تَوَلُّدَ الإنْسانِ مِنَ الأرْضِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ - فَقَدْ شَرَحْناهُ مِرارًا كَثِيرَةً.
الدَّلِيلُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: جَعَلَكم عُمّارَها، قالُوا: كانَ مُلُوكُ فارِسَ قَدْ أكْثَرُوا في حَفْرِ الأنْهارِ وغَرْسِ الأشْجارِ، لا جَرَمَ حَصَلَتْ لَهُمُ الأعْمارُ الطَّوِيلَةُ، فَسَألَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ زَمانِهِمْ رَبَّهُ، ما سَبَبُ تِلْكَ الأعْمارِ ؟ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنَّهم عَمَّرُوا بِلادِي فَعاشَ فِيها عِبادِي.
وأخَذَ مُعاوِيَةُ في إحْياءِ أرْضٍ في آخِرِ عُمْرِهِ، فَقِيلَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَ: ما حَمَلَنِي عَلَيْهِ إلّا قَوْلُ القائِلِ:
لَيْسَ الفَتى بِفَتًى لا يُسْتَضاءُ بِهِ ولا يَكُونُ لَهُ في الأرْضِ آثارُ
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أطالَ أعْمارَكم فِيها، واشْتِقاقُ ﴿واسْتَعْمَرَكُمْ﴾ مِنَ العُمْرِ، مِثْلَ اسْتَبْقاكم مِنَ البَقاءِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العُمْرى، أيْ جَعَلَها لَكم طُولَ أعْمارِكم، فَإذا مُتُّمُ انْتَقَلَتْ إلى غَيْرِكم.
واعْلَمْ أنَّ في كَوْنِ الأرْضِ قابِلَةً لِلْعِماراتِ النّافِعَةِ لِلْإنْسانِ، وكَوْنِ الإنْسانِ قادِرًا عَلَيْها - دَلالَةً عَظِيمَةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعْلى: ٣ ] وذَلِكَ لِأنَّ حُدُوثَ الإنْسانِ - مَعَ أنَّهُ حَصَلَ في ذاتِهِ العَقْلُ الهادِي والقُدْرَةُ عَلى التَّصَرُّفاتِ المُوافِقَةِ - يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، وكَوْنُ الأرْضِ مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ مُطابِقَةٍ لِلْمَصالِحِ مُوافِقَةٍ لِلْمَنافِعِ يَدُلُّ أيْضًا عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ قَرِيبٌ بِالعِلْمِ والسَّمْعِ ﴿مُجِيبٌ﴾ دُعاءَ المُحْتاجِينَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَ رَجُلًا قَوِيَّ العَقْلِ، قَوِيَّ الخاطِرِ، وكانَ مِن قَبِيلَتِهِمْ قَوِيَ رَجاؤُهم في أنْ يَنْصُرَ دِينَهم ويُقَوِّيَ مَذْهَبَهم ويُقَرِّرَ طَرِيقَتَهم؛ لِأنَّهُ مَتى حَدَثَ رَجُلٌ فاضِلٌ في قَوْمٍ طَمِعُوا فِيهِ مِن هَذا الوَجْهِ.
الثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ أنَّكَ كُنْتَ تَعْطِفُ عَلى فُقَرائِنا، وتُعِينُ ضُعَفاءَنا، وتَعُودُ مَرْضانا، فَقَوِيَ رَجاؤُنا فِيكَ أنَّكَ مِنَ الأنْصارِ والأحْبابِ، فَكَيْفَ أظْهَرْتَ العَداوَةَ والبِغْضَةَ ؟ ثُمَّ إنَّهم أضافُوا إلى هَذا الكَلامِ التَّعَجُّبَ الشَّدِيدَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ التَّمَسُّكُ بِطَرِيقِ التَّقْلِيدِ، ووُجُوبُ مُتابِعَةِ الآباءِ والأسْلافِ، ونَظِيرُ هَذا التَّعَجُّبِ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُفّارِ مَكَّةَ حَيْثُ قالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥ ] ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ والشَّكُّ هو أنْ يَبْقى الإنْسانُ مُتَوَقِّفًا بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ، والمُرِيبُ هو الَّذِي يُظَنُّ بِهِ السُّوءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ﴾ يَعْنِي بِهِ أنَّهُ لَمْ يَتَرَجَّحْ في اعْتِقادِهِمْ صِحَّةُ قَوْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُرِيبٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَرَجَّحَ في اعْتِقادِهِمْ فَسادُ قَوْلِهِ، وهَذا مُبالَغَةٌ في تَزْيِيفِ كَلامِهِ.
هود 11:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القَصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وهي قِصَّةُ صالِحٍ مَعَ ثَمُودَ، ونَظْمُها مِثْلُ النَّظْمِ المَذْكُورِ في قِصَّةِ هُودٍ، إلّا أنَّ هَهُنا لَمّا أمَرَهم بِالتَّوْحِيدِ ذَكَرَ في تَقْرِيرِهِ دَلِيلَيْنِ:
الدَّلِيلُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الكُلَّ مَخْلُوقُونَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو كانَ مَخْلُوقًا مِنَ الأرْضِ، وأقُولُ: هَذا صَحِيحٌ، لَكِنْ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أقْرَبُ مِنهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، والمَنِيُّ إنَّما تَوَلَّدَ مِنَ
صفحة ١٥
الدَّمِ، فالإنْسانُ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ، والدَّمُ إنَّما تَوَلَّدَ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهَذِهِ الأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةً وإمّا نَباتِيَّةً، والحَيَواناتُ حالُها كَحالِ الإنْسانِ، فَوَجَبَ انْتِهاءُ الكُلِّ إلى النَّباتِ، وظاهِرٌ أنَّ تَوَلُّدَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أنْشَأنا مِنَ الأرْضِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ”مِن“ مَعْناها في التَّقْدِيرِ: أنْشَأكم في الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ مَتى أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ فَلا حاجَةَ إلى صَرْفِهِ عَنْهُ، وأمّا تَقْرِيرُ أنَّ تَوَلُّدَ الإنْسانِ مِنَ الأرْضِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ - فَقَدْ شَرَحْناهُ مِرارًا كَثِيرَةً.
الدَّلِيلُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: جَعَلَكم عُمّارَها، قالُوا: كانَ مُلُوكُ فارِسَ قَدْ أكْثَرُوا في حَفْرِ الأنْهارِ وغَرْسِ الأشْجارِ، لا جَرَمَ حَصَلَتْ لَهُمُ الأعْمارُ الطَّوِيلَةُ، فَسَألَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ زَمانِهِمْ رَبَّهُ، ما سَبَبُ تِلْكَ الأعْمارِ ؟ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنَّهم عَمَّرُوا بِلادِي فَعاشَ فِيها عِبادِي.
وأخَذَ مُعاوِيَةُ في إحْياءِ أرْضٍ في آخِرِ عُمْرِهِ، فَقِيلَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَ: ما حَمَلَنِي عَلَيْهِ إلّا قَوْلُ القائِلِ:
لَيْسَ الفَتى بِفَتًى لا يُسْتَضاءُ بِهِ ولا يَكُونُ لَهُ في الأرْضِ آثارُ
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أطالَ أعْمارَكم فِيها، واشْتِقاقُ ﴿واسْتَعْمَرَكُمْ﴾ مِنَ العُمْرِ، مِثْلَ اسْتَبْقاكم مِنَ البَقاءِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العُمْرى، أيْ جَعَلَها لَكم طُولَ أعْمارِكم، فَإذا مُتُّمُ انْتَقَلَتْ إلى غَيْرِكم.
واعْلَمْ أنَّ في كَوْنِ الأرْضِ قابِلَةً لِلْعِماراتِ النّافِعَةِ لِلْإنْسانِ، وكَوْنِ الإنْسانِ قادِرًا عَلَيْها - دَلالَةً عَظِيمَةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعْلى: ٣ ] وذَلِكَ لِأنَّ حُدُوثَ الإنْسانِ - مَعَ أنَّهُ حَصَلَ في ذاتِهِ العَقْلُ الهادِي والقُدْرَةُ عَلى التَّصَرُّفاتِ المُوافِقَةِ - يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، وكَوْنُ الأرْضِ مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ مُطابِقَةٍ لِلْمَصالِحِ مُوافِقَةٍ لِلْمَنافِعِ يَدُلُّ أيْضًا عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ قَرِيبٌ بِالعِلْمِ والسَّمْعِ ﴿مُجِيبٌ﴾ دُعاءَ المُحْتاجِينَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَ رَجُلًا قَوِيَّ العَقْلِ، قَوِيَّ الخاطِرِ، وكانَ مِن قَبِيلَتِهِمْ قَوِيَ رَجاؤُهم في أنْ يَنْصُرَ دِينَهم ويُقَوِّيَ مَذْهَبَهم ويُقَرِّرَ طَرِيقَتَهم؛ لِأنَّهُ مَتى حَدَثَ رَجُلٌ فاضِلٌ في قَوْمٍ طَمِعُوا فِيهِ مِن هَذا الوَجْهِ.
الثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ أنَّكَ كُنْتَ تَعْطِفُ عَلى فُقَرائِنا، وتُعِينُ ضُعَفاءَنا، وتَعُودُ مَرْضانا، فَقَوِيَ رَجاؤُنا فِيكَ أنَّكَ مِنَ الأنْصارِ والأحْبابِ، فَكَيْفَ أظْهَرْتَ العَداوَةَ والبِغْضَةَ ؟ ثُمَّ إنَّهم أضافُوا إلى هَذا الكَلامِ التَّعَجُّبَ الشَّدِيدَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ التَّمَسُّكُ بِطَرِيقِ التَّقْلِيدِ، ووُجُوبُ مُتابِعَةِ الآباءِ والأسْلافِ، ونَظِيرُ هَذا التَّعَجُّبِ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُفّارِ مَكَّةَ حَيْثُ قالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥ ] ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ والشَّكُّ هو أنْ يَبْقى الإنْسانُ مُتَوَقِّفًا بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ، والمُرِيبُ هو الَّذِي يُظَنُّ بِهِ السُّوءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ﴾ يَعْنِي بِهِ أنَّهُ لَمْ يَتَرَجَّحْ في اعْتِقادِهِمْ صِحَّةُ قَوْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُرِيبٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَرَجَّحَ في اعْتِقادِهِمْ فَسادُ قَوْلِهِ، وهَذا مُبالَغَةٌ في تَزْيِيفِ كَلامِهِ.
هود 11:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ ورَدَ بِحَرْفِ الشَّكِّ، وكانَ عَلى يَقِينٍ تامٍّ في أمْرِهِ، إلّا أنَّ خِطابَ المُخالِفِ عَلى هَذا الوَجْهِ أقْرَبُ إلى القَبُولِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، وأنِّي نَبِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ، وانْظُرُوا أنِّي إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ، فَما تَزِيدُونَنِي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تُخْسِرُونَ أعْمالِي وتُبْطِلُونَها.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَما تَزِيدُونَنِي بِما تَقُولُونَ لِي وتَحْمِلُونِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنْ أُخْسِرَكم - أيْ أنْسُبُكم إلى الخُسْرانِ - وأقُولُ لَكم: إنَّكم خاسِرُونَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ إنْ أتْبَعْكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي دَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرَ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.
هود 11:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ ورَدَ بِحَرْفِ الشَّكِّ، وكانَ عَلى يَقِينٍ تامٍّ في أمْرِهِ، إلّا أنَّ خِطابَ المُخالِفِ عَلى هَذا الوَجْهِ أقْرَبُ إلى القَبُولِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، وأنِّي نَبِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ، وانْظُرُوا أنِّي إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ، فَما تَزِيدُونَنِي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تُخْسِرُونَ أعْمالِي وتُبْطِلُونَها.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَما تَزِيدُونَنِي بِما تَقُولُونَ لِي وتَحْمِلُونِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنْ أُخْسِرَكم - أيْ أنْسُبُكم إلى الخُسْرانِ - وأقُولُ لَكم: إنَّكم خاسِرُونَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ إنْ أتْبَعْكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي دَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرَ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.
هود 11:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ العادَةَ فِيمَن يَدَّعِي النُّبُوَّةَ عِنْدَ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ: أنْ يَبْتَدِئَ بِالدَّعْوَةِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يُتْبِعَهُ بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، لا بُدَّ وأنْ يَطْلُبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ، وأمْرُ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَكَذا كانَ يُرْوى أنَّ قَوْمَهُ خَرَجُوا في عِيدٍ لَهم، فَسَألُوهُ أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ، وأنْ يُخْرِجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ - أشارُوا إلَيْها - ناقَةً، فَدَعا صالِحٌ رَبَّهُ، فَخَرَجَتِ النّاقَةُ كَما سَألُوا.
واعْلَمْ أنَّ تِلْكَ النّاقَةَ كانَتْ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها مِنَ الصَّخْرَةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها في جَوْفِ الجَبَلِ ثُمَّ شَقَّ عَنْها الجَبَلَ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها حامِلًا مِن غَيْرِ ذَكَرٍ.
ورابِعُها: أنَّهُ خَلَقَها عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ دَفْعَةً واحِدَةً مِن غَيْرِ وِلادَةٍ.
وخامِسُها: ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولِكُلِّ القَوْمِ شِرْبُ يَوْمٍ آخَرَ.
وسادِسُها: أنَّهُ كانَ يَحْصُلُ مِنها لَبَنٌ كَثِيرٌ يَكْفِي الخَلْقَ العَظِيمَ، وكُلٌّ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ مُعْجِزٌ قَوِيٌّ، ولَيْسَ في القُرْآنِ، إلّا أنَّ تِلْكَ النّاقَةَ كانَتْ آيَةً ومُعْجِزَةً، فَأمّا بَيانُ أنَّها كانَتْ مُعْجِزَةً مِن أيِّ الوُجُوهِ، فَلَيْسَ فِيهِ بَيانُهُ.
صفحة ١٧
ثُمَّ قالَ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَفَعَ عَنِ القَوْمِ مُؤْنَتَها، فَصارَتْ - مَعَ كَوْنِها آيَةً لَهم - تَنْفَعُهم ولا تَضُرُّهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِلَبَنِها عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خافَ عَلَيْها مِنهم لَمّا شاهَدَ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَإنَّ الخَصْمَ لا يُحِبُّ ظُهُورَ حُجَّةِ خَصْمِهِ، بَلْ يَسْعى في إخْفائِها وإبْطالِها بِأقْصى الإمْكانِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ يَخافُ مِن إقْدامِهِمْ عَلى قَتْلِها؛ فَلِهَذا احْتاطَ وقالَ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ وتَوَعَّدَهم إنْ مَسُّوها بِسُوءٍ بِعَذابٍ قَرِيبٍ، وذَلِكَ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ لَهم مِنَ الإقْدامِ عَلى قَتْلِها، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَعَ ذَلِكَ عَقَرُوها وذَبَحُوها، ويُحْتَمَلُ أنَّهم عَقَرُوها لِإبْطالِ تِلْكَ الحُجَّةِ، وأنْ يَكُونَ لِأنَّها ضَيَّقَتِ الشُّرْبَ عَلى القَوْمِ، وأنْ يَكُونَ لِأنَّهم رَغِبُوا في شَحْمِها ولَحْمِها، وقَوْلُهُ: ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ يُرِيدُ اليَوْمَ الثّالِثَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ القَوْمَ عَقَرُوها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ومَعْنى التَّمَتُّعِ: التَّلَذُّذُ بِالمَنافِعِ والمَلاذِّ الَّتِي تُدْرَكُ بِالحَواسِّ، ولَمّا كانَ التَّمَتُّعُ لا يَحْصُلُ إلّا لِلْحَيِّ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الحَياةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الدّارِ البَلَدُ، وتُسَمّى البِلادُ بِالدِّيارِ؛ لِأنَّهُ يُدارُ فِيها، أيْ يُتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ أيْ بِلادُهم.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالدِّيارِ الدُّنْيا. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ كَذِبٍ، والمَصْدَرُ قَدْ يَرِدُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ؛ كالمَجْلُودِ، والمَعْقُولِ، و﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾، وقِيلَ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمْهَلَهم تِلْكَ الأيّامَ الثَّلاثَةَ فَقَدْ رَغَّبَهم في الإيمانِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ أنْذَرَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنُزُولِ العَذابِ، فَقالُوا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: تَصِيرُ وُجُوهُكم في اليَوْمِ الأوَّلِ مُصْفَرَّةً، وفي الثّانِي مُحْمَرَّةً، وفي الثّالِثِ مُسْوَدَّةً، ثُمَّ يَأْتِيكُمُ العَذابُ في اليَوْمِ الرّابِعِ، فَلَمّا رَأوْا وُجُوهَهم قَدِ اسْوَدَّتْ أيْقَنُوا بِالعَذابِ، فاحْتاطُوا واسْتَعَدُّوا لِلْعَذابِ، فَصَبَّحَهُمُ اليَوْمُ الرّابِعُ وهي الصَّيْحَةُ والصّاعِقَةُ والعَذابُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَظْهَرَ فِيهِمْ هَذِهِ العَلاماتُ مُطابِقَةً لِقَوْلِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ يَبْقَوْنَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ ؟
قُلْنا: ما دامَتِ الأماراتُ غَيْرَ بالِغَةٍ إلى حَدِّ الجَزْمِ واليَقِينِ لَمْ يَمْتَنِعْ بَقاؤُهم عَلى الكُفْرِ، وإذا صارَتْ يَقِينِيَّةً قَطْعِيَّةً، فَقَدِ انْتَهى الأمْرُ إلى حَدِّ الإلْجاءِ، والإيمانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
هود 11:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ مَضى في قِصَّةِ عادٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٨
المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ واوُ العَطْفِ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِقَوْمِهِ، ومِنَ الخِزْيِ الَّذِي لَزِمَهم وبَقِيَ العارُ فِيهِ مَأْثُورًا عَنْهم ومَنسُوبًا إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَعْنى الخِزْيِ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ ويُسْتَحْيا مِن مِثْلِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَقِيَ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: نَجَّيْنا صالِحًا بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ، ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ، وقالُونَ، وإحْدى الرِّواياتِ عَنِ الأعْمَشِ ”يَوْمَئِذٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، وفي المَعارِجِ ”عَذابِ يَوْمَئِذٍ“ [المَعارِجِ: ١١ ] والباقُونَ بِكَسْرِ المِيمِ فِيهِما، فَمَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى أنَّ ”يَوْمَ“ مُضافٌ إلى ”إذْ“، وأنَّ ”إذْ“ مَبْنِيٌّ، والمُضافُ إلى المَبْنِيِّ يَجُوزُ جَعْلُهُ مَبْنِيًّا، ألا تَرى أنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ التَّعْرِيفَ والتَّنْكِيرَ، فَكَذا هَهُنا، وأمّا الكَسْرُ في ”إذْ“ فالسَّبَبُ أنَّهُ يُضافُ إلى الجُمْلَةِ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، تَقُولُ: جِئْتُكَ إذِ الشَّمْسُ طالِعَةٌ، فَلَمّا قُطِعَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ نُوِّنَ؛ لِيَدُلَّ التَّنْوِينُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ كُسِرَتِ الذّالُ لِسُكُونِها وسُكُونِ التَّنْوِينِ، وأمّا القِراءَةُ بِالكَسْرِ فَعَلى إضافَةِ الخِزْيِ إلى اليَوْمِ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن إضافَتِهِ إلى المَبْنِيِّ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا؛ لِأنَّ هَذِهِ الإضافَةَ غَيْرُ لازِمَةٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخِزْيُ: الذُّلُّ العَظِيمُ حَتّى يَبْلُغَ حَدَّ الفَضِيحَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في المُحارِبِينَ: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ [المائِدَةِ: ٣٣ ]، وإنَّما سَمّى اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ العَذابَ خِزْيًا؛ لِأنَّهُ فَضِيحَةٌ باقِيَةٌ يَعْتَبِرُ بِها أمْثالُهم، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾، وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أوْصَلَ ذَلِكَ العَذابَ إلى الكافِرِ، وصانَ أهْلَ الإيمانِ عَنْهُ، وهَذا التَّمْيِيزُ لا يَصِحُّ إلّا مِنَ القادِرِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى قَهْرِ طَبائِعِ الأشْياءِ، فَيَجْعَلُ الشَّيْءَ الواحِدَ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْسانٍ بَلاءً وعَذابًا، وبِالنِّسْبَةِ إلى إنْسانٍ آخَرَ راحَةً ورَيْحانًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ فَقالَ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿وأخَذَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أخَذْتُ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الصِّياحِ، وأيْضًا فُصِلَ بَيْنَ الفِعْلِ والِاسْمِ المُؤَنَّثِ بِفاصِلٍ، فَكانَ الفاصِلُ كالعِوَضِ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ، وقَدْ سَبَقَ لَها نَظائِرُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وجْهَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: المُرادُ الصّاعِقَةُ، الثّانِي: الصَّيْحَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ هائِلَةٌ، سَمِعُوها فَماتُوا أجْمَعُ مِنها، فَأصْبَحُوا وهم مَوْتى جاثِمِينَ في دُورِهِمْ ومَساكِنِهِمْ، وجُثُومُهم سُقُوطُهم عَلى وُجُوهِهِمْ، يُقالُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَصِيحَ بِهِمْ تِلْكَ الصَّيْحَةَ الَّتِي ماتُوا بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى خَلَقَها، والصِّياحُ لا يَكُونُ إلّا الصَّوْتَ الحادِثَ في حَلْقٍ وفَمٍ، وكَذَلِكَ الصُّراخُ، فَإنْ كانَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ خَلَقَهُ في حَلْقِ حَيَوانٍ، وإنْ كانَ فِعْلَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ حَصَلَ في فَمِهِ وحَلْقِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ صَوْتَ الرَّعْدِ أعْظَمُ مِن كُلِّ صَيْحَةٍ، ولا يُسَمّى بِذَلِكَ، ولا بِأنَّهُ صُراخٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَما السَّبَبُ في كَوْنِ الصَّيْحَةِ مُوجِبَةً لِلْمَوْتِ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها:
أنَّ الصَّيْحَةَ العَظِيمَةَ إنَّما تَحْدُثُ عِنْدَ سَبَبٍ قَوِيٍّ يُوجِبُ تَمَوُّجَ الهَواءِ، وذَلِكَ التَّمَوُّجُ الشَّدِيدُ رُبَّما يَتَعَدّى إلى صِماخِ الإنْسانِ، فَيُمَزِّقُ غِشاءَ الدِّماغِ فَيُورِثُ المَوْتَ.
والثّانِي: أنَّها شَيْءٌ مَهِيبٌ، فَتَحْدُثُ الهَيْبَةُ العَظِيمَةُ عِنْدَ حُدُوثِها، والأعْراضُ النَّفْسانِيَّةُ إذا قَوِيَتْ أوْجَبَتِ المَوْتَ.
الثّالِثُ: أنَّ الصَّيْحَةَ
صفحة ١٩
العَظِيمَةَ إذا حَدَثَتْ مِنَ السَّحابِ فَلا بُدَّ وأنْ يَصْحَبَهُ بَرْقٌ شَدِيدٌ مُحْرِقٌ، وذَلِكَ هو الصّاعِقَةُ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ والجُثُومُ هو السُّكُونُ، يُقالُ لِلطَّيْرِ إذا باتَتْ في أوْكارِها: إنَّها جَثَمَتْ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ أطْلَقُوا هَذا اللَّفْظَ عَلى ما لا يَتَحَرَّكُ مِنَ المَوْتِ، فَوَصَفَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ بِأنَّهم سَكَنُوا عِنْدَ الهَلاكِ، حَتّى كَأنَّهم ما كانُوا أحْياءً، وقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُوجَدُوا، والمَغْنى: المُقامُ الَّذِي يُقِيمُ الحَيُّ بِهِ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ بِمَكانِ كَذا إذا أقامَ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”ألا إنَّ ثَمُودَ“ غَيْرَ مُنَوَّنٍ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿ثَمُودَ﴾ بِالتَّنْوِينِ، و”لِثَمُودٍ“ كِلاهُما بِالصَّرْفِ، والصَّرْفُ لِلذَّهابِ إلى الحَيِّ، أوْ إلى الأبِ الأكْبَرِ، ومَنعُهُ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ بِمَعْنى القَبِيلَةِ.
هود 11:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ مَضى في قِصَّةِ عادٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٨
المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ واوُ العَطْفِ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِقَوْمِهِ، ومِنَ الخِزْيِ الَّذِي لَزِمَهم وبَقِيَ العارُ فِيهِ مَأْثُورًا عَنْهم ومَنسُوبًا إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَعْنى الخِزْيِ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ ويُسْتَحْيا مِن مِثْلِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَقِيَ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: نَجَّيْنا صالِحًا بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ، ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ، وقالُونَ، وإحْدى الرِّواياتِ عَنِ الأعْمَشِ ”يَوْمَئِذٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، وفي المَعارِجِ ”عَذابِ يَوْمَئِذٍ“ [المَعارِجِ: ١١ ] والباقُونَ بِكَسْرِ المِيمِ فِيهِما، فَمَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى أنَّ ”يَوْمَ“ مُضافٌ إلى ”إذْ“، وأنَّ ”إذْ“ مَبْنِيٌّ، والمُضافُ إلى المَبْنِيِّ يَجُوزُ جَعْلُهُ مَبْنِيًّا، ألا تَرى أنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ التَّعْرِيفَ والتَّنْكِيرَ، فَكَذا هَهُنا، وأمّا الكَسْرُ في ”إذْ“ فالسَّبَبُ أنَّهُ يُضافُ إلى الجُمْلَةِ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، تَقُولُ: جِئْتُكَ إذِ الشَّمْسُ طالِعَةٌ، فَلَمّا قُطِعَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ نُوِّنَ؛ لِيَدُلَّ التَّنْوِينُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ كُسِرَتِ الذّالُ لِسُكُونِها وسُكُونِ التَّنْوِينِ، وأمّا القِراءَةُ بِالكَسْرِ فَعَلى إضافَةِ الخِزْيِ إلى اليَوْمِ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن إضافَتِهِ إلى المَبْنِيِّ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا؛ لِأنَّ هَذِهِ الإضافَةَ غَيْرُ لازِمَةٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخِزْيُ: الذُّلُّ العَظِيمُ حَتّى يَبْلُغَ حَدَّ الفَضِيحَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في المُحارِبِينَ: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ [المائِدَةِ: ٣٣ ]، وإنَّما سَمّى اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ العَذابَ خِزْيًا؛ لِأنَّهُ فَضِيحَةٌ باقِيَةٌ يَعْتَبِرُ بِها أمْثالُهم، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾، وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أوْصَلَ ذَلِكَ العَذابَ إلى الكافِرِ، وصانَ أهْلَ الإيمانِ عَنْهُ، وهَذا التَّمْيِيزُ لا يَصِحُّ إلّا مِنَ القادِرِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى قَهْرِ طَبائِعِ الأشْياءِ، فَيَجْعَلُ الشَّيْءَ الواحِدَ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْسانٍ بَلاءً وعَذابًا، وبِالنِّسْبَةِ إلى إنْسانٍ آخَرَ راحَةً ورَيْحانًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ فَقالَ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿وأخَذَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أخَذْتُ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الصِّياحِ، وأيْضًا فُصِلَ بَيْنَ الفِعْلِ والِاسْمِ المُؤَنَّثِ بِفاصِلٍ، فَكانَ الفاصِلُ كالعِوَضِ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ، وقَدْ سَبَقَ لَها نَظائِرُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وجْهَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: المُرادُ الصّاعِقَةُ، الثّانِي: الصَّيْحَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ هائِلَةٌ، سَمِعُوها فَماتُوا أجْمَعُ مِنها، فَأصْبَحُوا وهم مَوْتى جاثِمِينَ في دُورِهِمْ ومَساكِنِهِمْ، وجُثُومُهم سُقُوطُهم عَلى وُجُوهِهِمْ، يُقالُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَصِيحَ بِهِمْ تِلْكَ الصَّيْحَةَ الَّتِي ماتُوا بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى خَلَقَها، والصِّياحُ لا يَكُونُ إلّا الصَّوْتَ الحادِثَ في حَلْقٍ وفَمٍ، وكَذَلِكَ الصُّراخُ، فَإنْ كانَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ خَلَقَهُ في حَلْقِ حَيَوانٍ، وإنْ كانَ فِعْلَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ حَصَلَ في فَمِهِ وحَلْقِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ صَوْتَ الرَّعْدِ أعْظَمُ مِن كُلِّ صَيْحَةٍ، ولا يُسَمّى بِذَلِكَ، ولا بِأنَّهُ صُراخٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَما السَّبَبُ في كَوْنِ الصَّيْحَةِ مُوجِبَةً لِلْمَوْتِ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها:
أنَّ الصَّيْحَةَ العَظِيمَةَ إنَّما تَحْدُثُ عِنْدَ سَبَبٍ قَوِيٍّ يُوجِبُ تَمَوُّجَ الهَواءِ، وذَلِكَ التَّمَوُّجُ الشَّدِيدُ رُبَّما يَتَعَدّى إلى صِماخِ الإنْسانِ، فَيُمَزِّقُ غِشاءَ الدِّماغِ فَيُورِثُ المَوْتَ.
والثّانِي: أنَّها شَيْءٌ مَهِيبٌ، فَتَحْدُثُ الهَيْبَةُ العَظِيمَةُ عِنْدَ حُدُوثِها، والأعْراضُ النَّفْسانِيَّةُ إذا قَوِيَتْ أوْجَبَتِ المَوْتَ.
الثّالِثُ: أنَّ الصَّيْحَةَ
صفحة ١٩
العَظِيمَةَ إذا حَدَثَتْ مِنَ السَّحابِ فَلا بُدَّ وأنْ يَصْحَبَهُ بَرْقٌ شَدِيدٌ مُحْرِقٌ، وذَلِكَ هو الصّاعِقَةُ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ والجُثُومُ هو السُّكُونُ، يُقالُ لِلطَّيْرِ إذا باتَتْ في أوْكارِها: إنَّها جَثَمَتْ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ أطْلَقُوا هَذا اللَّفْظَ عَلى ما لا يَتَحَرَّكُ مِنَ المَوْتِ، فَوَصَفَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ بِأنَّهم سَكَنُوا عِنْدَ الهَلاكِ، حَتّى كَأنَّهم ما كانُوا أحْياءً، وقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُوجَدُوا، والمَغْنى: المُقامُ الَّذِي يُقِيمُ الحَيُّ بِهِ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ بِمَكانِ كَذا إذا أقامَ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”ألا إنَّ ثَمُودَ“ غَيْرَ مُنَوَّنٍ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿ثَمُودَ﴾ بِالتَّنْوِينِ، و”لِثَمُودٍ“ كِلاهُما بِالصَّرْفِ، والصَّرْفُ لِلذَّهابِ إلى الحَيِّ، أوْ إلى الأبِ الأكْبَرِ، ومَنعُهُ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ بِمَعْنى القَبِيلَةِ.
هود 11:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ مَضى في قِصَّةِ عادٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٨
المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ واوُ العَطْفِ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِقَوْمِهِ، ومِنَ الخِزْيِ الَّذِي لَزِمَهم وبَقِيَ العارُ فِيهِ مَأْثُورًا عَنْهم ومَنسُوبًا إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَعْنى الخِزْيِ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ ويُسْتَحْيا مِن مِثْلِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَقِيَ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: نَجَّيْنا صالِحًا بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ، ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ، وقالُونَ، وإحْدى الرِّواياتِ عَنِ الأعْمَشِ ”يَوْمَئِذٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، وفي المَعارِجِ ”عَذابِ يَوْمَئِذٍ“ [المَعارِجِ: ١١ ] والباقُونَ بِكَسْرِ المِيمِ فِيهِما، فَمَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى أنَّ ”يَوْمَ“ مُضافٌ إلى ”إذْ“، وأنَّ ”إذْ“ مَبْنِيٌّ، والمُضافُ إلى المَبْنِيِّ يَجُوزُ جَعْلُهُ مَبْنِيًّا، ألا تَرى أنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ التَّعْرِيفَ والتَّنْكِيرَ، فَكَذا هَهُنا، وأمّا الكَسْرُ في ”إذْ“ فالسَّبَبُ أنَّهُ يُضافُ إلى الجُمْلَةِ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، تَقُولُ: جِئْتُكَ إذِ الشَّمْسُ طالِعَةٌ، فَلَمّا قُطِعَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ نُوِّنَ؛ لِيَدُلَّ التَّنْوِينُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ كُسِرَتِ الذّالُ لِسُكُونِها وسُكُونِ التَّنْوِينِ، وأمّا القِراءَةُ بِالكَسْرِ فَعَلى إضافَةِ الخِزْيِ إلى اليَوْمِ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن إضافَتِهِ إلى المَبْنِيِّ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا؛ لِأنَّ هَذِهِ الإضافَةَ غَيْرُ لازِمَةٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخِزْيُ: الذُّلُّ العَظِيمُ حَتّى يَبْلُغَ حَدَّ الفَضِيحَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في المُحارِبِينَ: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ [المائِدَةِ: ٣٣ ]، وإنَّما سَمّى اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ العَذابَ خِزْيًا؛ لِأنَّهُ فَضِيحَةٌ باقِيَةٌ يَعْتَبِرُ بِها أمْثالُهم، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾، وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أوْصَلَ ذَلِكَ العَذابَ إلى الكافِرِ، وصانَ أهْلَ الإيمانِ عَنْهُ، وهَذا التَّمْيِيزُ لا يَصِحُّ إلّا مِنَ القادِرِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى قَهْرِ طَبائِعِ الأشْياءِ، فَيَجْعَلُ الشَّيْءَ الواحِدَ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْسانٍ بَلاءً وعَذابًا، وبِالنِّسْبَةِ إلى إنْسانٍ آخَرَ راحَةً ورَيْحانًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ فَقالَ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿وأخَذَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أخَذْتُ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الصِّياحِ، وأيْضًا فُصِلَ بَيْنَ الفِعْلِ والِاسْمِ المُؤَنَّثِ بِفاصِلٍ، فَكانَ الفاصِلُ كالعِوَضِ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ، وقَدْ سَبَقَ لَها نَظائِرُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وجْهَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: المُرادُ الصّاعِقَةُ، الثّانِي: الصَّيْحَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ هائِلَةٌ، سَمِعُوها فَماتُوا أجْمَعُ مِنها، فَأصْبَحُوا وهم مَوْتى جاثِمِينَ في دُورِهِمْ ومَساكِنِهِمْ، وجُثُومُهم سُقُوطُهم عَلى وُجُوهِهِمْ، يُقالُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَصِيحَ بِهِمْ تِلْكَ الصَّيْحَةَ الَّتِي ماتُوا بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى خَلَقَها، والصِّياحُ لا يَكُونُ إلّا الصَّوْتَ الحادِثَ في حَلْقٍ وفَمٍ، وكَذَلِكَ الصُّراخُ، فَإنْ كانَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ خَلَقَهُ في حَلْقِ حَيَوانٍ، وإنْ كانَ فِعْلَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ حَصَلَ في فَمِهِ وحَلْقِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ صَوْتَ الرَّعْدِ أعْظَمُ مِن كُلِّ صَيْحَةٍ، ولا يُسَمّى بِذَلِكَ، ولا بِأنَّهُ صُراخٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَما السَّبَبُ في كَوْنِ الصَّيْحَةِ مُوجِبَةً لِلْمَوْتِ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها:
أنَّ الصَّيْحَةَ العَظِيمَةَ إنَّما تَحْدُثُ عِنْدَ سَبَبٍ قَوِيٍّ يُوجِبُ تَمَوُّجَ الهَواءِ، وذَلِكَ التَّمَوُّجُ الشَّدِيدُ رُبَّما يَتَعَدّى إلى صِماخِ الإنْسانِ، فَيُمَزِّقُ غِشاءَ الدِّماغِ فَيُورِثُ المَوْتَ.
والثّانِي: أنَّها شَيْءٌ مَهِيبٌ، فَتَحْدُثُ الهَيْبَةُ العَظِيمَةُ عِنْدَ حُدُوثِها، والأعْراضُ النَّفْسانِيَّةُ إذا قَوِيَتْ أوْجَبَتِ المَوْتَ.
الثّالِثُ: أنَّ الصَّيْحَةَ
صفحة ١٩
العَظِيمَةَ إذا حَدَثَتْ مِنَ السَّحابِ فَلا بُدَّ وأنْ يَصْحَبَهُ بَرْقٌ شَدِيدٌ مُحْرِقٌ، وذَلِكَ هو الصّاعِقَةُ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ والجُثُومُ هو السُّكُونُ، يُقالُ لِلطَّيْرِ إذا باتَتْ في أوْكارِها: إنَّها جَثَمَتْ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ أطْلَقُوا هَذا اللَّفْظَ عَلى ما لا يَتَحَرَّكُ مِنَ المَوْتِ، فَوَصَفَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ بِأنَّهم سَكَنُوا عِنْدَ الهَلاكِ، حَتّى كَأنَّهم ما كانُوا أحْياءً، وقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُوجَدُوا، والمَغْنى: المُقامُ الَّذِي يُقِيمُ الحَيُّ بِهِ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ بِمَكانِ كَذا إذا أقامَ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”ألا إنَّ ثَمُودَ“ غَيْرَ مُنَوَّنٍ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿ثَمُودَ﴾ بِالتَّنْوِينِ، و”لِثَمُودٍ“ كِلاهُما بِالصَّرْفِ، والصَّرْفُ لِلذَّهابِ إلى الحَيِّ، أوْ إلى الأبِ الأكْبَرِ، ومَنعُهُ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ بِمَعْنى القَبِيلَةِ.
هود 11:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الرّابِعَةُ مِنَ القَصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ: دَخَلَتْ كَلِمَةُ ”قَدْ“ هَهُنا؛ لِأنَّ السّامِعَ لِقَصَصِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَتَوَقَّعُ قِصَّةً بَعْدَ قِصَّةٍ، وقَدْ لِلتَّوَقُّعِ، ودَخَلَتِ اللّامُ في ”لَقَدْ“ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، ولَفْظُ ﴿رُسُلُنا﴾ جَمْعٌ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، فَهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِحُصُولِ ثَلاثَةٍ، وأمّا الزّائِدُ عَلى هَذا العَدَدِ فَلا سَبِيلَ إلى إثْباتِهِ إلّا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الأصْلَ فِيهِمْ كانَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ، فَقِيلَ: أتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَعَهُ اثْنا عَشَرَ مَلَكًا عَلى صُورَةِ الغِلْمانِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في غايَةِ الحُسْنِ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا تِسْعَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانُوا ثَلاثَةً: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في سُورَةِ ”والذّارِياتِ“ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الذّارِياتِ: ٢٤ ]، وفي الحِجْرِ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحِجْرِ: ٥١ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالبُشْرى عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ما بَشَّرَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ بَشَّرَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَلامَةِ لُوطٍ وبِإهْلاكِ قَوْمِهِ.
صفحة ٢٠
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قالُوا سِلْمٌ قالَ سِلْمٌ“ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي ”والذّارِياتِ“ مِثْلُهُ، قالَ الفَرّاءُ: لا فَرْقَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ، كَما قالُوا: حِلٌّ وحَلالٌ، وحَرَمٌ وحَرامٌ؛ لِأنَّ في التَّفْسِيرِ أنَّهم لَمّا جاءُوا سَلَّمُوا عَلَيْهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سِلْمٌ خِلافَ العَدُوِّ والحَرْبِ، كَأنَّهم لَمّا امْتَنَعُوا مِن تَناوُلِ ما قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً، قالَ: إنّا سِلْمٌ، ولَسْتُ بِحَرْبٍ ولا عَدُوٍّ، فَلا تَمْتَنِعُوا مِن تَناوُلِ طَعامِي كَما يُمْتَنَعُ مِن تَناوُلِ طَعامِ العَدُوِّ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي بَعِيدٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَكَلُّمُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا اللَّفْظِ بَعْدَ إحْضارِ الطَّعامِ، إلّا أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما وُجِدَ قَبْلَ إحْضارِ الطَّعامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَجِيئَهُ بِذَلِكَ العِجْلِ الحَنِيذِ كانَ بَعْدَ ذِكْرِ السَّلامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، قالَ: ”سَلامٌ“ تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَسْتُ مُرِيدًا غَيْرَ السَّلامَةِ والصُّلْحِ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: سَلامٌ عَلَيْكم، فَجاءَ بِهِ مَرْفُوعًا حِكايَةً لِقَوْلِهِ كَما قالَ، وحُذِفَ عَنْهُ الخَبَرُ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يُوسُفَ: ١٨ ] وإنَّما يَحْسُنُ هَذا الحَذْفُ إذا كانَ المَقْصُودُ مَعْلُومًا بَعْدَ الحَذْفِ، وهَهُنا المَقْصُودُ مَعْلُومٌ، فَلا جَرَمَ حَسُنَ الحَذْفُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٩ ] عَلى حَذْفِ الخَبَرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما سَلَّمَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، رِعايَةً لِلْإذْنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النُّورِ: ٢٧ ] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ ”سَلامٌ عَلَيْكم“ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ في مَعْنى الدُّعاءِ، فَهو مِثْلُ قَوْلِهِمْ: خَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ جَعْلُ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأً ؟
قُلْنا: النَّكِرَةُ إذا كانَتْ مَوْصُوفَةً جازَ جَعْلُها مُبْتَدَأً، فَإذا قُلْتَ: سَلامٌ عَلَيْكم، فالتَّنْكِيرُ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَلامٌ كامِلٌ تامٌّ عَلَيْكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: سَلامٌ عَلَيْكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مَرْيَمَ: ٤٧ ] وقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨ ] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ٧٩ ] ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ:٢٣ - ٢٤ ] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طَه: ٤٧ ] فَهَذا أيْضًا جائِزٌ، والمُرادُ مِنهُ الماهِيَّةُ والحَقِيقَةُ.
وأقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٤ ] أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: السَّلامُ عَلَيْكم؛ لِأنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٤ ] يُفِيدُ الكَمالَ والمُبالَغَةَ والتَّمامَ، وأمّا لَفْظُ ”السَّلامِ“ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ، قالَ الأخْفَشُ: مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ”سَلامٌ عَلَيْكُمْ“، فَيُعَرِّي قَوْلَهُ: ”سَلامٌ“ عَنِ الألِفِ واللّامِ والتَّنْوِينِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِعْمالِ أباحَ هَذا التَّخْفِيفَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالُوا: مَكَثَ إبْراهِيمُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يَأْتِيهِ ضَيْفٌ، فاغْتَمَّ لِذَلِكَ، ثُمَّ جاءَهُ المَلائِكَةُ فَرَأى أضْيافًا لَمْ يَرَ مِثْلَهم، فَعَجَّلَ وجاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ مَعْناهُ: فَما لَبِثَ في المَجِيءِ بِهِ، بَلْ عَجَّلَ فِيهِ، أوِ التَّقْدِيرُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرَةِ.
صفحة ٢١
أمّا الحَنِيذُ: فَهو الَّذِي يُشْوى في حُفْرَةٍ مِنَ الأرْضِ بِالحِجارَةِ المُحْماةِ، وهو مِن فِعْلِ أهْلِ البادِيَةِ مَعْرُوفٌ، وهو مَحْنُوذٌ في الأصْلِ، كَما قِيلَ: طَبِيخٌ ومَطْبُوخٌ، وقِيلَ: الحَنِيذُ الَّذِي يَقْطُرُ دَسَمُهُ، يُقالُ: حَنَذَتِ الفَرَسُ، إذا ألْقَيْتَ عَلَيْهِ الجُلَّ حَتّى تَقْطُرَ عَرَقًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى العِجْلِ، وقالَ الفَرّاءُ: إلى الطَّعامِ، وهو ذَلِكَ العِجْلُ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ أنْكَرَهم. يُقالُ: نَكِرَهُ وأنْكَرَهُ واسْتَنْكَرَهُ.
واعْلَمْ أنَّ الأضْيافَ إنَّما امْتَنَعُوا مِنَ الطَّعامِ؛ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ، والمَلائِكَةُ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ، وإنَّما أتَوْهُ في صُورَةِ الأضْيافِ لِيَكُونُوا عَلى صِفَةٍ يُحِبُّها، وهو كانَ مَشْغُوفًا بِالضِّيافَةِ، وأمّا إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَعْلَمُ أنَّهم مَلائِكَةٌ، بَلْ كانَ يَعْتَقِدُ فِيهِمْ أنَّهم مِنَ البَشَرِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ، أمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَسَبَبُ خَوْفِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَنْزِلُ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ بَعِيدٍ عَنِ النّاسِ، فَلَمّا امْتَنَعُوا مِنَ الأكْلِ خافَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا، وثانِيهُما: أنَّ مَن لا يُعْرَفُ إذا حَضَرَ وقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ، فَإنْ أكَلَ حَصَلَ الأمْنُ، وإنْ لَمْ يَأْكُلْ حَصَلَ الخَوْفُ، وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنَّهُ عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ تَعالى، فَسَبَبُ خَوْفِهِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا أمْرانِ:
أحَدُها: أنَّهُ خافَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ خافَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ أقْرَبُ وأظْهَرُ ؟
قُلْنا: أمّا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ ما عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ أنْ يَحْتَجَّ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَسارَعَ إلى إحْضارِ الطَّعامِ، ولَوْ عَرَفَ كَوْنَهم مِنَ المَلائِكَةِ لَما فَعَلَ ذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّهُ لَمّا رَآهم مُمْتَنِعِينَ مِنَ الأكْلِ خافَهم، ولَوْ عَرَفَ كَوْنَهم مِنَ المَلائِكَةِ لَما اسْتَدَلَّ بِتَرْكِ الأكْلِ عَلى حُصُولِ الشَّرِّ.
وثالِثُها: أنَّهُ رَآهم في أوَّلِ الأمْرِ في صُورَةِ البَشَرِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، وأمّا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما يُقالُ هَذا لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ بِأيِّ سَبَبٍ أُرْسِلُوا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المَلائِكَةَ أزالُوا ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْهُ، فَقالُوا: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ومَعْناهُ: أُرْسِلْنا بِالعَذابِ إلى قَوْمِ لُوطٍ؛ لِأنَّهُ أضْمَرَ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ في سُورَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٥٨ ] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً﴾ [الذّارِياتِ: ٣٣ ] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ يَعْنِي سارَّةَ بِنْتَ آزَرَ بْنِ باحُورا، بِنْتَ عَمِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَوْلُهُ: ﴿قائِمَةٌ﴾ قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْتَمِعُ إلى الرُّسُلِ؛ لِأنَّها رُبَّما خافَتْ أيْضًا، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ الأضْيافَ وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جالِسٌ مَعَهم، ويُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ”وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو قاعِدٌ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ واخْتَلَفُوا في الضَّحِكِ عَلى قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ الضَّحِكِ، ومِنهم مَن حَمَلَ هَذا اللَّفْظَ عَلى مَعْنًى آخَرَ سِوى الضَّحِكِ. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى نَفْسِ الضَّحِكِ فاخْتَلَفُوا في أنَّها لِمَ ضَحِكَتْ، وذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ القاضِي: إنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ سَبَبًا جَرى ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وما ذاكَ إلّا أنَّها فَرِحَتْ بِزَوالِ ذَلِكَ الخَوْفِ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، حَيْثُ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وعَظُمَ سُرُورُها بِسَبَبِ سُرُورِهِ بِزَوالِ خَوْفِهِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ
صفحة ٢٢
الحالَةِ قَدْ يَضْحَكُ الإنْسانُ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ كانَ ضَحِكُها بِسَبَبِ قَوْلِ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لا تَخَفْ﴾ فَكانَ كالبِشارَةِ، فَقِيلَ لَها: نَجْعَلُ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَتَيْنِ، فَكَما حَصَلَتِ البِشارَةُ بِزَوالِ الخَوْفِ، فَقَدْ حَصَلَتِ البِشارَةُ أيْضًا بِحُصُولِ الوَلَدِ الَّذِي كُنْتُمْ تَطْلُبُونَهُ مِن أوَّلِ العُمْرِ إلى هَذا الوَقْتِ، وهَذا تَأْوِيلٌ في غايَةِ الحُسْنِ.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ عَظِيمَةَ الإنْكارِ عَلى قَوْمِ لُوطٍ؛ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعَمَلِ الخَبِيثِ، فَلَمّا أظْهَرُوا أنَّهم جاءُوا لِإهْلاكِهِمْ، لَحِقَها السُّرُورُ فَضَحِكَتْ.
الثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم: ( ألا تَأْكُلُونَ ؟ قالُوا: لا نَأْكُلُ طَعامًا إلّا بِالثَّمَنِ، فَقالَ: ثَمَنُهُ أنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلى أوَّلِهِ وتَحْمَدُوهُ عَلى آخِرِهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِمِيكائِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ”حُقَّ لِمِثْلِ هَذا الرَّجُلِ أنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا“ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ فَرَحًا مِنها بِهَذا الكَلامِ.
الرّابِعُ: أنَّ سارَّةَ قالَتْ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: أرْسِلْ إلى ابْنِ أخِيكَ وضُمَّهُ إلى نَفْسِكَ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتْرُكُ قَوْمَهُ حَتّى يُعَذِّبَهم، فَعِنْدَ تَمامِ هَذا الكَلامِ دَخَلَ المَلائِكَةُ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، صارَ قَوْلُهم مُوافِقًا لِقَوْلِها، فَضَحِكَتْ لِشِدَّةِ سُرُورِها بِحُصُولِ المُوافَقَةِ بَيْنَ كَلامِها وبَيْنَ كَلامِ المَلائِكَةِ.
الخامِسُ: أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا أخْبَرُوا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ لا مِنَ البَشَرِ، وأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، طَلَبَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهم مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى أنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ، فَدَعَوْا رَبَّهم بِإحْياءِ العِجْلِ المَشْوِيِّ، فَطَفَرَ ذَلِكَ العِجْلُ المَشْوِيُّ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانَ مَوْضُوعًا فِيهِ إلى مَرْعاهُ، وكانَتِ امْرَأةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قائِمَةً، فَضَحِكَتْ لَمّا رَأتْ ذَلِكَ العِجْلَ المَشْوِيَّ قَدْ طَفَرَ مِن مَوْضِعِهِ.
السّادِسُ: أنَّها ضَحِكَتْ تَعَجُّبًا مِن أنَّ قَوْمًا أتاهُمُ العَذابُ وهم في غَفْلَةٍ.
السّابِعُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم بَشَّرُوها بِحُصُولِ مُطْلَقِ الوَلَدِ فَضَحِكَتْ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّها كانَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِنْتَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وإمّا عَلى سَبِيلِ السُّرُورِ، ثُمَّ لَمّا ضَحِكَتْ بَشَّرَها اللَّهُ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ هو إسْحاقُ، ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ.
الثّامِنُ: أنَّها ضَحِكَتْ بِسَبَبِ أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن خَوْفِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ثَلاثِ أنْفُسٍ حالَ ما كانَ مَعَهُ حَشَمُهُ وخَدَمُهُ.
التّاسِعُ: أنَّ هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ، فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ، فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِسَبَبِ تِلْكَ البِشارَةِ، فَقُدِّمَ الضَّحِكُ، ومَعْناهُ التَّأْخِيرُ.
العاشِرُ: هو أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿فَضَحِكَتْ﴾: حاضَتْ، وهو مَنقُولٌ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، قالا: ﴿فضَحِكَتْ﴾ أيْ حاضَتْ عِنْدَ فَرَحِها بِالسَّلامَةِ مِنَ الخَوْفِ، فَلَمّا ظَهَرَ حَيْضُها بُشِّرَتْ بِحُصُولِ الوَلَدِ، وأنْكَرَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ أنْ يَكُونَ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: هَذِهِ اللُّغَةُ إنْ لَمْ يَعْرِفْها هَؤُلاءِ فَقَدْ عَرَفَها غَيْرُهم، حَكى اللَّيْثُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ طَمِثَتْ، وحَكى الأزْهَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أصْلَهُ مِن ضِحاكِ الطَّلْعَةِ، يُقالُ: ضَحِكَتِ الطَّلْعَةُ - إذا انْشَقَّتْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ كُلَّها زَوائِدُ. وإنَّما الوَجْهُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: ”يَعْقُوبَ“ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا وجْهُ النَّصْبِ، فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا لَها يَعْقُوبَ، وأمّا وجْهُ الرَّفْعِ فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ مَوْلُودٌ، أوْ مَوْجُودٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في لَفْظِ وراءَ قَوْلانِ:
الأوَّلُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ -: أنَّ مَعْناهُ بَعْدَ، أيْ بَعْدَ إسْحاقَ يَعْقُوبُ
صفحة ٢٣
وهَذا هو الوَجْهُ الظّاهِرُ.
والثّانِي: أنَّ الوَراءَ ولَدُ الوَلَدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا ابْنُكَ، فَقالَ: نَعَمْ مِنَ الوَراءِ - وكانَ ولَدَ ولَدِهِ - وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي شَدِيدُ التَّعَسُّفِ، واللَّفْظُ كَأنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ.
هود 11:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الرّابِعَةُ مِنَ القَصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ: دَخَلَتْ كَلِمَةُ ”قَدْ“ هَهُنا؛ لِأنَّ السّامِعَ لِقَصَصِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَتَوَقَّعُ قِصَّةً بَعْدَ قِصَّةٍ، وقَدْ لِلتَّوَقُّعِ، ودَخَلَتِ اللّامُ في ”لَقَدْ“ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، ولَفْظُ ﴿رُسُلُنا﴾ جَمْعٌ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، فَهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِحُصُولِ ثَلاثَةٍ، وأمّا الزّائِدُ عَلى هَذا العَدَدِ فَلا سَبِيلَ إلى إثْباتِهِ إلّا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الأصْلَ فِيهِمْ كانَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ، فَقِيلَ: أتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَعَهُ اثْنا عَشَرَ مَلَكًا عَلى صُورَةِ الغِلْمانِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في غايَةِ الحُسْنِ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا تِسْعَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانُوا ثَلاثَةً: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في سُورَةِ ”والذّارِياتِ“ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الذّارِياتِ: ٢٤ ]، وفي الحِجْرِ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحِجْرِ: ٥١ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالبُشْرى عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ما بَشَّرَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ بَشَّرَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَلامَةِ لُوطٍ وبِإهْلاكِ قَوْمِهِ.
صفحة ٢٠
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قالُوا سِلْمٌ قالَ سِلْمٌ“ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي ”والذّارِياتِ“ مِثْلُهُ، قالَ الفَرّاءُ: لا فَرْقَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ، كَما قالُوا: حِلٌّ وحَلالٌ، وحَرَمٌ وحَرامٌ؛ لِأنَّ في التَّفْسِيرِ أنَّهم لَمّا جاءُوا سَلَّمُوا عَلَيْهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سِلْمٌ خِلافَ العَدُوِّ والحَرْبِ، كَأنَّهم لَمّا امْتَنَعُوا مِن تَناوُلِ ما قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً، قالَ: إنّا سِلْمٌ، ولَسْتُ بِحَرْبٍ ولا عَدُوٍّ، فَلا تَمْتَنِعُوا مِن تَناوُلِ طَعامِي كَما يُمْتَنَعُ مِن تَناوُلِ طَعامِ العَدُوِّ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي بَعِيدٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَكَلُّمُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا اللَّفْظِ بَعْدَ إحْضارِ الطَّعامِ، إلّا أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما وُجِدَ قَبْلَ إحْضارِ الطَّعامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَجِيئَهُ بِذَلِكَ العِجْلِ الحَنِيذِ كانَ بَعْدَ ذِكْرِ السَّلامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، قالَ: ”سَلامٌ“ تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَسْتُ مُرِيدًا غَيْرَ السَّلامَةِ والصُّلْحِ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: سَلامٌ عَلَيْكم، فَجاءَ بِهِ مَرْفُوعًا حِكايَةً لِقَوْلِهِ كَما قالَ، وحُذِفَ عَنْهُ الخَبَرُ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يُوسُفَ: ١٨ ] وإنَّما يَحْسُنُ هَذا الحَذْفُ إذا كانَ المَقْصُودُ مَعْلُومًا بَعْدَ الحَذْفِ، وهَهُنا المَقْصُودُ مَعْلُومٌ، فَلا جَرَمَ حَسُنَ الحَذْفُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٩ ] عَلى حَذْفِ الخَبَرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما سَلَّمَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، رِعايَةً لِلْإذْنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النُّورِ: ٢٧ ] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ ”سَلامٌ عَلَيْكم“ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ في مَعْنى الدُّعاءِ، فَهو مِثْلُ قَوْلِهِمْ: خَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ جَعْلُ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأً ؟
قُلْنا: النَّكِرَةُ إذا كانَتْ مَوْصُوفَةً جازَ جَعْلُها مُبْتَدَأً، فَإذا قُلْتَ: سَلامٌ عَلَيْكم، فالتَّنْكِيرُ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَلامٌ كامِلٌ تامٌّ عَلَيْكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: سَلامٌ عَلَيْكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مَرْيَمَ: ٤٧ ] وقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨ ] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ٧٩ ] ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ:٢٣ - ٢٤ ] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طَه: ٤٧ ] فَهَذا أيْضًا جائِزٌ، والمُرادُ مِنهُ الماهِيَّةُ والحَقِيقَةُ.
وأقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٤ ] أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: السَّلامُ عَلَيْكم؛ لِأنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٤ ] يُفِيدُ الكَمالَ والمُبالَغَةَ والتَّمامَ، وأمّا لَفْظُ ”السَّلامِ“ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ، قالَ الأخْفَشُ: مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ”سَلامٌ عَلَيْكُمْ“، فَيُعَرِّي قَوْلَهُ: ”سَلامٌ“ عَنِ الألِفِ واللّامِ والتَّنْوِينِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِعْمالِ أباحَ هَذا التَّخْفِيفَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالُوا: مَكَثَ إبْراهِيمُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يَأْتِيهِ ضَيْفٌ، فاغْتَمَّ لِذَلِكَ، ثُمَّ جاءَهُ المَلائِكَةُ فَرَأى أضْيافًا لَمْ يَرَ مِثْلَهم، فَعَجَّلَ وجاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ مَعْناهُ: فَما لَبِثَ في المَجِيءِ بِهِ، بَلْ عَجَّلَ فِيهِ، أوِ التَّقْدِيرُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرَةِ.
صفحة ٢١
أمّا الحَنِيذُ: فَهو الَّذِي يُشْوى في حُفْرَةٍ مِنَ الأرْضِ بِالحِجارَةِ المُحْماةِ، وهو مِن فِعْلِ أهْلِ البادِيَةِ مَعْرُوفٌ، وهو مَحْنُوذٌ في الأصْلِ، كَما قِيلَ: طَبِيخٌ ومَطْبُوخٌ، وقِيلَ: الحَنِيذُ الَّذِي يَقْطُرُ دَسَمُهُ، يُقالُ: حَنَذَتِ الفَرَسُ، إذا ألْقَيْتَ عَلَيْهِ الجُلَّ حَتّى تَقْطُرَ عَرَقًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى العِجْلِ، وقالَ الفَرّاءُ: إلى الطَّعامِ، وهو ذَلِكَ العِجْلُ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ أنْكَرَهم. يُقالُ: نَكِرَهُ وأنْكَرَهُ واسْتَنْكَرَهُ.
واعْلَمْ أنَّ الأضْيافَ إنَّما امْتَنَعُوا مِنَ الطَّعامِ؛ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ، والمَلائِكَةُ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ، وإنَّما أتَوْهُ في صُورَةِ الأضْيافِ لِيَكُونُوا عَلى صِفَةٍ يُحِبُّها، وهو كانَ مَشْغُوفًا بِالضِّيافَةِ، وأمّا إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَعْلَمُ أنَّهم مَلائِكَةٌ، بَلْ كانَ يَعْتَقِدُ فِيهِمْ أنَّهم مِنَ البَشَرِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ، أمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَسَبَبُ خَوْفِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَنْزِلُ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ بَعِيدٍ عَنِ النّاسِ، فَلَمّا امْتَنَعُوا مِنَ الأكْلِ خافَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا، وثانِيهُما: أنَّ مَن لا يُعْرَفُ إذا حَضَرَ وقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ، فَإنْ أكَلَ حَصَلَ الأمْنُ، وإنْ لَمْ يَأْكُلْ حَصَلَ الخَوْفُ، وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنَّهُ عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ تَعالى، فَسَبَبُ خَوْفِهِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا أمْرانِ:
أحَدُها: أنَّهُ خافَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ خافَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ أقْرَبُ وأظْهَرُ ؟
قُلْنا: أمّا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ ما عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ أنْ يَحْتَجَّ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَسارَعَ إلى إحْضارِ الطَّعامِ، ولَوْ عَرَفَ كَوْنَهم مِنَ المَلائِكَةِ لَما فَعَلَ ذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّهُ لَمّا رَآهم مُمْتَنِعِينَ مِنَ الأكْلِ خافَهم، ولَوْ عَرَفَ كَوْنَهم مِنَ المَلائِكَةِ لَما اسْتَدَلَّ بِتَرْكِ الأكْلِ عَلى حُصُولِ الشَّرِّ.
وثالِثُها: أنَّهُ رَآهم في أوَّلِ الأمْرِ في صُورَةِ البَشَرِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، وأمّا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما يُقالُ هَذا لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ بِأيِّ سَبَبٍ أُرْسِلُوا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المَلائِكَةَ أزالُوا ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْهُ، فَقالُوا: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ومَعْناهُ: أُرْسِلْنا بِالعَذابِ إلى قَوْمِ لُوطٍ؛ لِأنَّهُ أضْمَرَ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ في سُورَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٥٨ ] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً﴾ [الذّارِياتِ: ٣٣ ] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ يَعْنِي سارَّةَ بِنْتَ آزَرَ بْنِ باحُورا، بِنْتَ عَمِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَوْلُهُ: ﴿قائِمَةٌ﴾ قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْتَمِعُ إلى الرُّسُلِ؛ لِأنَّها رُبَّما خافَتْ أيْضًا، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ الأضْيافَ وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جالِسٌ مَعَهم، ويُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ”وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو قاعِدٌ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ واخْتَلَفُوا في الضَّحِكِ عَلى قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ الضَّحِكِ، ومِنهم مَن حَمَلَ هَذا اللَّفْظَ عَلى مَعْنًى آخَرَ سِوى الضَّحِكِ. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى نَفْسِ الضَّحِكِ فاخْتَلَفُوا في أنَّها لِمَ ضَحِكَتْ، وذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ القاضِي: إنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ سَبَبًا جَرى ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وما ذاكَ إلّا أنَّها فَرِحَتْ بِزَوالِ ذَلِكَ الخَوْفِ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، حَيْثُ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وعَظُمَ سُرُورُها بِسَبَبِ سُرُورِهِ بِزَوالِ خَوْفِهِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ
صفحة ٢٢
الحالَةِ قَدْ يَضْحَكُ الإنْسانُ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ كانَ ضَحِكُها بِسَبَبِ قَوْلِ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لا تَخَفْ﴾ فَكانَ كالبِشارَةِ، فَقِيلَ لَها: نَجْعَلُ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَتَيْنِ، فَكَما حَصَلَتِ البِشارَةُ بِزَوالِ الخَوْفِ، فَقَدْ حَصَلَتِ البِشارَةُ أيْضًا بِحُصُولِ الوَلَدِ الَّذِي كُنْتُمْ تَطْلُبُونَهُ مِن أوَّلِ العُمْرِ إلى هَذا الوَقْتِ، وهَذا تَأْوِيلٌ في غايَةِ الحُسْنِ.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ عَظِيمَةَ الإنْكارِ عَلى قَوْمِ لُوطٍ؛ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعَمَلِ الخَبِيثِ، فَلَمّا أظْهَرُوا أنَّهم جاءُوا لِإهْلاكِهِمْ، لَحِقَها السُّرُورُ فَضَحِكَتْ.
الثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم: ( ألا تَأْكُلُونَ ؟ قالُوا: لا نَأْكُلُ طَعامًا إلّا بِالثَّمَنِ، فَقالَ: ثَمَنُهُ أنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلى أوَّلِهِ وتَحْمَدُوهُ عَلى آخِرِهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِمِيكائِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ”حُقَّ لِمِثْلِ هَذا الرَّجُلِ أنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا“ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ فَرَحًا مِنها بِهَذا الكَلامِ.
الرّابِعُ: أنَّ سارَّةَ قالَتْ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: أرْسِلْ إلى ابْنِ أخِيكَ وضُمَّهُ إلى نَفْسِكَ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتْرُكُ قَوْمَهُ حَتّى يُعَذِّبَهم، فَعِنْدَ تَمامِ هَذا الكَلامِ دَخَلَ المَلائِكَةُ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، صارَ قَوْلُهم مُوافِقًا لِقَوْلِها، فَضَحِكَتْ لِشِدَّةِ سُرُورِها بِحُصُولِ المُوافَقَةِ بَيْنَ كَلامِها وبَيْنَ كَلامِ المَلائِكَةِ.
الخامِسُ: أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا أخْبَرُوا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ لا مِنَ البَشَرِ، وأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، طَلَبَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهم مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى أنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ، فَدَعَوْا رَبَّهم بِإحْياءِ العِجْلِ المَشْوِيِّ، فَطَفَرَ ذَلِكَ العِجْلُ المَشْوِيُّ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانَ مَوْضُوعًا فِيهِ إلى مَرْعاهُ، وكانَتِ امْرَأةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قائِمَةً، فَضَحِكَتْ لَمّا رَأتْ ذَلِكَ العِجْلَ المَشْوِيَّ قَدْ طَفَرَ مِن مَوْضِعِهِ.
السّادِسُ: أنَّها ضَحِكَتْ تَعَجُّبًا مِن أنَّ قَوْمًا أتاهُمُ العَذابُ وهم في غَفْلَةٍ.
السّابِعُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم بَشَّرُوها بِحُصُولِ مُطْلَقِ الوَلَدِ فَضَحِكَتْ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّها كانَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِنْتَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وإمّا عَلى سَبِيلِ السُّرُورِ، ثُمَّ لَمّا ضَحِكَتْ بَشَّرَها اللَّهُ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ هو إسْحاقُ، ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ.
الثّامِنُ: أنَّها ضَحِكَتْ بِسَبَبِ أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن خَوْفِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ثَلاثِ أنْفُسٍ حالَ ما كانَ مَعَهُ حَشَمُهُ وخَدَمُهُ.
التّاسِعُ: أنَّ هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ، فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ، فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِسَبَبِ تِلْكَ البِشارَةِ، فَقُدِّمَ الضَّحِكُ، ومَعْناهُ التَّأْخِيرُ.
العاشِرُ: هو أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿فَضَحِكَتْ﴾: حاضَتْ، وهو مَنقُولٌ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، قالا: ﴿فضَحِكَتْ﴾ أيْ حاضَتْ عِنْدَ فَرَحِها بِالسَّلامَةِ مِنَ الخَوْفِ، فَلَمّا ظَهَرَ حَيْضُها بُشِّرَتْ بِحُصُولِ الوَلَدِ، وأنْكَرَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ أنْ يَكُونَ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: هَذِهِ اللُّغَةُ إنْ لَمْ يَعْرِفْها هَؤُلاءِ فَقَدْ عَرَفَها غَيْرُهم، حَكى اللَّيْثُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ طَمِثَتْ، وحَكى الأزْهَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أصْلَهُ مِن ضِحاكِ الطَّلْعَةِ، يُقالُ: ضَحِكَتِ الطَّلْعَةُ - إذا انْشَقَّتْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ كُلَّها زَوائِدُ. وإنَّما الوَجْهُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: ”يَعْقُوبَ“ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا وجْهُ النَّصْبِ، فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا لَها يَعْقُوبَ، وأمّا وجْهُ الرَّفْعِ فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ مَوْلُودٌ، أوْ مَوْجُودٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في لَفْظِ وراءَ قَوْلانِ:
الأوَّلُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ -: أنَّ مَعْناهُ بَعْدَ، أيْ بَعْدَ إسْحاقَ يَعْقُوبُ
صفحة ٢٣
وهَذا هو الوَجْهُ الظّاهِرُ.
والثّانِي: أنَّ الوَراءَ ولَدُ الوَلَدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا ابْنُكَ، فَقالَ: نَعَمْ مِنَ الوَراءِ - وكانَ ولَدَ ولَدِهِ - وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي شَدِيدُ التَّعَسُّفِ، واللَّفْظُ كَأنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ.
هود 11:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الرّابِعَةُ مِنَ القَصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ: دَخَلَتْ كَلِمَةُ ”قَدْ“ هَهُنا؛ لِأنَّ السّامِعَ لِقَصَصِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَتَوَقَّعُ قِصَّةً بَعْدَ قِصَّةٍ، وقَدْ لِلتَّوَقُّعِ، ودَخَلَتِ اللّامُ في ”لَقَدْ“ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، ولَفْظُ ﴿رُسُلُنا﴾ جَمْعٌ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، فَهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِحُصُولِ ثَلاثَةٍ، وأمّا الزّائِدُ عَلى هَذا العَدَدِ فَلا سَبِيلَ إلى إثْباتِهِ إلّا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الأصْلَ فِيهِمْ كانَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ، فَقِيلَ: أتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَعَهُ اثْنا عَشَرَ مَلَكًا عَلى صُورَةِ الغِلْمانِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في غايَةِ الحُسْنِ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا تِسْعَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانُوا ثَلاثَةً: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في سُورَةِ ”والذّارِياتِ“ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الذّارِياتِ: ٢٤ ]، وفي الحِجْرِ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحِجْرِ: ٥١ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالبُشْرى عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ما بَشَّرَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ بَشَّرَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَلامَةِ لُوطٍ وبِإهْلاكِ قَوْمِهِ.
صفحة ٢٠
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قالُوا سِلْمٌ قالَ سِلْمٌ“ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي ”والذّارِياتِ“ مِثْلُهُ، قالَ الفَرّاءُ: لا فَرْقَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ، كَما قالُوا: حِلٌّ وحَلالٌ، وحَرَمٌ وحَرامٌ؛ لِأنَّ في التَّفْسِيرِ أنَّهم لَمّا جاءُوا سَلَّمُوا عَلَيْهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سِلْمٌ خِلافَ العَدُوِّ والحَرْبِ، كَأنَّهم لَمّا امْتَنَعُوا مِن تَناوُلِ ما قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً، قالَ: إنّا سِلْمٌ، ولَسْتُ بِحَرْبٍ ولا عَدُوٍّ، فَلا تَمْتَنِعُوا مِن تَناوُلِ طَعامِي كَما يُمْتَنَعُ مِن تَناوُلِ طَعامِ العَدُوِّ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي بَعِيدٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَكَلُّمُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا اللَّفْظِ بَعْدَ إحْضارِ الطَّعامِ، إلّا أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما وُجِدَ قَبْلَ إحْضارِ الطَّعامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَجِيئَهُ بِذَلِكَ العِجْلِ الحَنِيذِ كانَ بَعْدَ ذِكْرِ السَّلامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، قالَ: ”سَلامٌ“ تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَسْتُ مُرِيدًا غَيْرَ السَّلامَةِ والصُّلْحِ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: سَلامٌ عَلَيْكم، فَجاءَ بِهِ مَرْفُوعًا حِكايَةً لِقَوْلِهِ كَما قالَ، وحُذِفَ عَنْهُ الخَبَرُ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يُوسُفَ: ١٨ ] وإنَّما يَحْسُنُ هَذا الحَذْفُ إذا كانَ المَقْصُودُ مَعْلُومًا بَعْدَ الحَذْفِ، وهَهُنا المَقْصُودُ مَعْلُومٌ، فَلا جَرَمَ حَسُنَ الحَذْفُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٩ ] عَلى حَذْفِ الخَبَرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما سَلَّمَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، رِعايَةً لِلْإذْنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النُّورِ: ٢٧ ] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ ”سَلامٌ عَلَيْكم“ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ في مَعْنى الدُّعاءِ، فَهو مِثْلُ قَوْلِهِمْ: خَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ جَعْلُ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأً ؟
قُلْنا: النَّكِرَةُ إذا كانَتْ مَوْصُوفَةً جازَ جَعْلُها مُبْتَدَأً، فَإذا قُلْتَ: سَلامٌ عَلَيْكم، فالتَّنْكِيرُ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَلامٌ كامِلٌ تامٌّ عَلَيْكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: سَلامٌ عَلَيْكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مَرْيَمَ: ٤٧ ] وقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨ ] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ٧٩ ] ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ:٢٣ - ٢٤ ] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طَه: ٤٧ ] فَهَذا أيْضًا جائِزٌ، والمُرادُ مِنهُ الماهِيَّةُ والحَقِيقَةُ.
وأقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٤ ] أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: السَّلامُ عَلَيْكم؛ لِأنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٤ ] يُفِيدُ الكَمالَ والمُبالَغَةَ والتَّمامَ، وأمّا لَفْظُ ”السَّلامِ“ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ، قالَ الأخْفَشُ: مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ”سَلامٌ عَلَيْكُمْ“، فَيُعَرِّي قَوْلَهُ: ”سَلامٌ“ عَنِ الألِفِ واللّامِ والتَّنْوِينِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِعْمالِ أباحَ هَذا التَّخْفِيفَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالُوا: مَكَثَ إبْراهِيمُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يَأْتِيهِ ضَيْفٌ، فاغْتَمَّ لِذَلِكَ، ثُمَّ جاءَهُ المَلائِكَةُ فَرَأى أضْيافًا لَمْ يَرَ مِثْلَهم، فَعَجَّلَ وجاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ مَعْناهُ: فَما لَبِثَ في المَجِيءِ بِهِ، بَلْ عَجَّلَ فِيهِ، أوِ التَّقْدِيرُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرَةِ.
صفحة ٢١
أمّا الحَنِيذُ: فَهو الَّذِي يُشْوى في حُفْرَةٍ مِنَ الأرْضِ بِالحِجارَةِ المُحْماةِ، وهو مِن فِعْلِ أهْلِ البادِيَةِ مَعْرُوفٌ، وهو مَحْنُوذٌ في الأصْلِ، كَما قِيلَ: طَبِيخٌ ومَطْبُوخٌ، وقِيلَ: الحَنِيذُ الَّذِي يَقْطُرُ دَسَمُهُ، يُقالُ: حَنَذَتِ الفَرَسُ، إذا ألْقَيْتَ عَلَيْهِ الجُلَّ حَتّى تَقْطُرَ عَرَقًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى العِجْلِ، وقالَ الفَرّاءُ: إلى الطَّعامِ، وهو ذَلِكَ العِجْلُ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ أنْكَرَهم. يُقالُ: نَكِرَهُ وأنْكَرَهُ واسْتَنْكَرَهُ.
واعْلَمْ أنَّ الأضْيافَ إنَّما امْتَنَعُوا مِنَ الطَّعامِ؛ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ، والمَلائِكَةُ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ، وإنَّما أتَوْهُ في صُورَةِ الأضْيافِ لِيَكُونُوا عَلى صِفَةٍ يُحِبُّها، وهو كانَ مَشْغُوفًا بِالضِّيافَةِ، وأمّا إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَعْلَمُ أنَّهم مَلائِكَةٌ، بَلْ كانَ يَعْتَقِدُ فِيهِمْ أنَّهم مِنَ البَشَرِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ، أمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَسَبَبُ خَوْفِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَنْزِلُ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ بَعِيدٍ عَنِ النّاسِ، فَلَمّا امْتَنَعُوا مِنَ الأكْلِ خافَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا، وثانِيهُما: أنَّ مَن لا يُعْرَفُ إذا حَضَرَ وقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ، فَإنْ أكَلَ حَصَلَ الأمْنُ، وإنْ لَمْ يَأْكُلْ حَصَلَ الخَوْفُ، وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنَّهُ عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ تَعالى، فَسَبَبُ خَوْفِهِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا أمْرانِ:
أحَدُها: أنَّهُ خافَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ خافَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ أقْرَبُ وأظْهَرُ ؟
قُلْنا: أمّا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ ما عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ أنْ يَحْتَجَّ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَسارَعَ إلى إحْضارِ الطَّعامِ، ولَوْ عَرَفَ كَوْنَهم مِنَ المَلائِكَةِ لَما فَعَلَ ذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّهُ لَمّا رَآهم مُمْتَنِعِينَ مِنَ الأكْلِ خافَهم، ولَوْ عَرَفَ كَوْنَهم مِنَ المَلائِكَةِ لَما اسْتَدَلَّ بِتَرْكِ الأكْلِ عَلى حُصُولِ الشَّرِّ.
وثالِثُها: أنَّهُ رَآهم في أوَّلِ الأمْرِ في صُورَةِ البَشَرِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، وأمّا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما يُقالُ هَذا لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ بِأيِّ سَبَبٍ أُرْسِلُوا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المَلائِكَةَ أزالُوا ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْهُ، فَقالُوا: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ومَعْناهُ: أُرْسِلْنا بِالعَذابِ إلى قَوْمِ لُوطٍ؛ لِأنَّهُ أضْمَرَ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ في سُورَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٥٨ ] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً﴾ [الذّارِياتِ: ٣٣ ] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ يَعْنِي سارَّةَ بِنْتَ آزَرَ بْنِ باحُورا، بِنْتَ عَمِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَوْلُهُ: ﴿قائِمَةٌ﴾ قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْتَمِعُ إلى الرُّسُلِ؛ لِأنَّها رُبَّما خافَتْ أيْضًا، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ الأضْيافَ وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جالِسٌ مَعَهم، ويُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ”وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو قاعِدٌ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ واخْتَلَفُوا في الضَّحِكِ عَلى قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ الضَّحِكِ، ومِنهم مَن حَمَلَ هَذا اللَّفْظَ عَلى مَعْنًى آخَرَ سِوى الضَّحِكِ. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى نَفْسِ الضَّحِكِ فاخْتَلَفُوا في أنَّها لِمَ ضَحِكَتْ، وذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ القاضِي: إنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ سَبَبًا جَرى ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وما ذاكَ إلّا أنَّها فَرِحَتْ بِزَوالِ ذَلِكَ الخَوْفِ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، حَيْثُ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وعَظُمَ سُرُورُها بِسَبَبِ سُرُورِهِ بِزَوالِ خَوْفِهِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ
صفحة ٢٢
الحالَةِ قَدْ يَضْحَكُ الإنْسانُ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ كانَ ضَحِكُها بِسَبَبِ قَوْلِ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لا تَخَفْ﴾ فَكانَ كالبِشارَةِ، فَقِيلَ لَها: نَجْعَلُ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَتَيْنِ، فَكَما حَصَلَتِ البِشارَةُ بِزَوالِ الخَوْفِ، فَقَدْ حَصَلَتِ البِشارَةُ أيْضًا بِحُصُولِ الوَلَدِ الَّذِي كُنْتُمْ تَطْلُبُونَهُ مِن أوَّلِ العُمْرِ إلى هَذا الوَقْتِ، وهَذا تَأْوِيلٌ في غايَةِ الحُسْنِ.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ عَظِيمَةَ الإنْكارِ عَلى قَوْمِ لُوطٍ؛ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعَمَلِ الخَبِيثِ، فَلَمّا أظْهَرُوا أنَّهم جاءُوا لِإهْلاكِهِمْ، لَحِقَها السُّرُورُ فَضَحِكَتْ.
الثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم: ( ألا تَأْكُلُونَ ؟ قالُوا: لا نَأْكُلُ طَعامًا إلّا بِالثَّمَنِ، فَقالَ: ثَمَنُهُ أنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلى أوَّلِهِ وتَحْمَدُوهُ عَلى آخِرِهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِمِيكائِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ”حُقَّ لِمِثْلِ هَذا الرَّجُلِ أنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا“ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ فَرَحًا مِنها بِهَذا الكَلامِ.
الرّابِعُ: أنَّ سارَّةَ قالَتْ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: أرْسِلْ إلى ابْنِ أخِيكَ وضُمَّهُ إلى نَفْسِكَ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتْرُكُ قَوْمَهُ حَتّى يُعَذِّبَهم، فَعِنْدَ تَمامِ هَذا الكَلامِ دَخَلَ المَلائِكَةُ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، صارَ قَوْلُهم مُوافِقًا لِقَوْلِها، فَضَحِكَتْ لِشِدَّةِ سُرُورِها بِحُصُولِ المُوافَقَةِ بَيْنَ كَلامِها وبَيْنَ كَلامِ المَلائِكَةِ.
الخامِسُ: أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا أخْبَرُوا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ لا مِنَ البَشَرِ، وأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، طَلَبَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهم مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى أنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ، فَدَعَوْا رَبَّهم بِإحْياءِ العِجْلِ المَشْوِيِّ، فَطَفَرَ ذَلِكَ العِجْلُ المَشْوِيُّ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانَ مَوْضُوعًا فِيهِ إلى مَرْعاهُ، وكانَتِ امْرَأةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قائِمَةً، فَضَحِكَتْ لَمّا رَأتْ ذَلِكَ العِجْلَ المَشْوِيَّ قَدْ طَفَرَ مِن مَوْضِعِهِ.
السّادِسُ: أنَّها ضَحِكَتْ تَعَجُّبًا مِن أنَّ قَوْمًا أتاهُمُ العَذابُ وهم في غَفْلَةٍ.
السّابِعُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم بَشَّرُوها بِحُصُولِ مُطْلَقِ الوَلَدِ فَضَحِكَتْ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّها كانَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِنْتَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وإمّا عَلى سَبِيلِ السُّرُورِ، ثُمَّ لَمّا ضَحِكَتْ بَشَّرَها اللَّهُ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ هو إسْحاقُ، ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ.
الثّامِنُ: أنَّها ضَحِكَتْ بِسَبَبِ أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن خَوْفِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ثَلاثِ أنْفُسٍ حالَ ما كانَ مَعَهُ حَشَمُهُ وخَدَمُهُ.
التّاسِعُ: أنَّ هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ، فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ، فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِسَبَبِ تِلْكَ البِشارَةِ، فَقُدِّمَ الضَّحِكُ، ومَعْناهُ التَّأْخِيرُ.
العاشِرُ: هو أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿فَضَحِكَتْ﴾: حاضَتْ، وهو مَنقُولٌ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، قالا: ﴿فضَحِكَتْ﴾ أيْ حاضَتْ عِنْدَ فَرَحِها بِالسَّلامَةِ مِنَ الخَوْفِ، فَلَمّا ظَهَرَ حَيْضُها بُشِّرَتْ بِحُصُولِ الوَلَدِ، وأنْكَرَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ أنْ يَكُونَ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: هَذِهِ اللُّغَةُ إنْ لَمْ يَعْرِفْها هَؤُلاءِ فَقَدْ عَرَفَها غَيْرُهم، حَكى اللَّيْثُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ طَمِثَتْ، وحَكى الأزْهَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أصْلَهُ مِن ضِحاكِ الطَّلْعَةِ، يُقالُ: ضَحِكَتِ الطَّلْعَةُ - إذا انْشَقَّتْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ كُلَّها زَوائِدُ. وإنَّما الوَجْهُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: ”يَعْقُوبَ“ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا وجْهُ النَّصْبِ، فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا لَها يَعْقُوبَ، وأمّا وجْهُ الرَّفْعِ فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ مَوْلُودٌ، أوْ مَوْجُودٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في لَفْظِ وراءَ قَوْلانِ:
الأوَّلُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ -: أنَّ مَعْناهُ بَعْدَ، أيْ بَعْدَ إسْحاقَ يَعْقُوبُ
صفحة ٢٣
وهَذا هو الوَجْهُ الظّاهِرُ.
والثّانِي: أنَّ الوَراءَ ولَدُ الوَلَدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا ابْنُكَ، فَقالَ: نَعَمْ مِنَ الوَراءِ - وكانَ ولَدَ ولَدِهِ - وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي شَدِيدُ التَّعَسُّفِ، واللَّفْظُ كَأنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ.
هود 11:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: أصْلُ الوَيْلِ: ”ويْ“، وهو الخِزْيُ، ويُقالُ: ويْ لِفُلانٍ، أيْ خِزْيٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ويْلَكَ، أيْ خِزْيٌ لَكَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: ويْحَ زَجْرٌ لِمَن أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ، ووَيْلٌ لِمَن وقَعَ فِيهِ، قالَ الخَلِيلُ: ولَمْ أسْمَعْ عَلى بِنائِهِ إلّا ويْحَ، ووَيْكَ، ووَيْهَ، وهَذِهِ الكَلِماتُ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾ فَمِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الألِفُ ألِفُ النُّدْبَةِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الألِفُ في ويْلَتا مُبْدَلَةٌ مِن ياءِ الإضافَةِ في ”يا ويْلَتِي“، وكَذَلِكَ في: يا لَهَفا، ويا عَجَبا، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ الألِفُ والفَتْحَةُ؛ لِأنَّ الفَتْحَ والألِفَ أخَفُّ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ”آلِدُ“ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّها تَعَجَّبَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، والتَّعَجُّبُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يُوجِبُ الكُفْرَ، بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْها في مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَها: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ .
وأما بَيانُ أنَّ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يُوجِبُ الكُفْرَ؛ فَلِأنَّ هَذا التَّعَجُّبَ يَدُلُّ عَلى جَهْلِها بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ.
والجَوابُ: أنَّها إنَّما تَعَجَّبَتْ بِحَسَبِ العُرْفِ والعادَةِ، لا بِحَسَبِ القُدْرَةِ، فَإنَّ الرَّجُلَ المُسْلِمَ لَوْ أخْبَرَهُ مُخْبِرٌ صادِقٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْلِبُ هَذا الجَبَلَ ذَهَبًا إبْرِيزًا، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَتَعَجَّبُ؛ نَظَرًا إلى أحْوالِ العادَةِ، لا لِأجْلِ أنَّهُ اسْتَنْكَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَذا بِعْلِي شَيْخًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ ﴿شَيْخًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهَذا مِن لَطائِفِ النَّحْوِ وغامِضِهِ، فَإنَّ كَلِمَةَ هَذا لِلْإشارَةِ، فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ قائِمٌ مَقامَ أنْ يُقالَ: أُشِيرَ إلى بَعْلِي حالَ كَوْنِهِ شَيْخًا، والمَقْصُودُ تَعْرِيفُ هَذِهِ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ وهي الشَّيْخُوخَةُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ بَعْضُهم ”وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا بَعْلِي وهو شَيْخٌ، أوْ ”بَعْلِي“ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، و”شَيْخٌ“ خَبَرٌ، أوْ يَكُونانِ مَعًا خَبَرَيْنِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن﴾
صفحة ٢٤
﴿أمْرِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن تَعَجُّبِها، ثُمَّ قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ ذِكْرُ ما يُزِيلُ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ، وتَقْدِيرُهُ: إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم مُتَكاثِرَةٌ، وبَرَكاتِهِ لَدَيْكم مُتَوالِيَةٌ مُتَعاقِبَةٌ، وهي النُّبُوَّةُ، والمُعْجِزاتُ القاهِرَةُ، والتَّوْفِيقُ لِلْخَيْراتِ العَظِيمَةِ، فَإذا رَأيْتِ أنَّ اللَّهَ خَرَقَ العاداتِ في تَخْصِيصِكم بِهَذِهِ الكَراماتِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ، وفي إظْهارِ خَوارِقِ العاداتِ، وإحْداثِ البَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ التَّعَجُّبُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ فَإنَّهُ مَدْحٌ لَهم، فَهو نَصْبٌ عَلى النِّداءِ أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ والحَمِيدُ هو المَحْمُودُ، وهو الَّذِي تُحْمَدُ أفْعالُهُ، والمَجِيدُ: الماجِدُ، وهو ذُو الشَّرَفِ والكَرَمِ، ومِن مَحامِدِ الأفْعالِ إيصالُ العَبْدِ المُطِيعِ إلى مُرادِهِ ومَطْلُوبِهِ، ومِن أنْواعِ الفَضْلِ والكَرَمِ أنْ لا يُمْنَعَ الطّالِبُ عَنْ مَطْلُوبِهِ، فَإذا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الكُلِّ، وأنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، فَكَيْفَ يَبْقى هَذا التَّعَجُّبُ في نَفْسِ الأمْرِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الكَلِماتِ إزالَةُ التَّعَجُّبِ.
هود 11:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: أصْلُ الوَيْلِ: ”ويْ“، وهو الخِزْيُ، ويُقالُ: ويْ لِفُلانٍ، أيْ خِزْيٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ويْلَكَ، أيْ خِزْيٌ لَكَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: ويْحَ زَجْرٌ لِمَن أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ، ووَيْلٌ لِمَن وقَعَ فِيهِ، قالَ الخَلِيلُ: ولَمْ أسْمَعْ عَلى بِنائِهِ إلّا ويْحَ، ووَيْكَ، ووَيْهَ، وهَذِهِ الكَلِماتُ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾ فَمِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الألِفُ ألِفُ النُّدْبَةِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الألِفُ في ويْلَتا مُبْدَلَةٌ مِن ياءِ الإضافَةِ في ”يا ويْلَتِي“، وكَذَلِكَ في: يا لَهَفا، ويا عَجَبا، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ الألِفُ والفَتْحَةُ؛ لِأنَّ الفَتْحَ والألِفَ أخَفُّ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ”آلِدُ“ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّها تَعَجَّبَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، والتَّعَجُّبُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يُوجِبُ الكُفْرَ، بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْها في مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَها: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ .
وأما بَيانُ أنَّ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يُوجِبُ الكُفْرَ؛ فَلِأنَّ هَذا التَّعَجُّبَ يَدُلُّ عَلى جَهْلِها بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ.
والجَوابُ: أنَّها إنَّما تَعَجَّبَتْ بِحَسَبِ العُرْفِ والعادَةِ، لا بِحَسَبِ القُدْرَةِ، فَإنَّ الرَّجُلَ المُسْلِمَ لَوْ أخْبَرَهُ مُخْبِرٌ صادِقٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْلِبُ هَذا الجَبَلَ ذَهَبًا إبْرِيزًا، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَتَعَجَّبُ؛ نَظَرًا إلى أحْوالِ العادَةِ، لا لِأجْلِ أنَّهُ اسْتَنْكَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَذا بِعْلِي شَيْخًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ ﴿شَيْخًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهَذا مِن لَطائِفِ النَّحْوِ وغامِضِهِ، فَإنَّ كَلِمَةَ هَذا لِلْإشارَةِ، فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ قائِمٌ مَقامَ أنْ يُقالَ: أُشِيرَ إلى بَعْلِي حالَ كَوْنِهِ شَيْخًا، والمَقْصُودُ تَعْرِيفُ هَذِهِ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ وهي الشَّيْخُوخَةُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ بَعْضُهم ”وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا بَعْلِي وهو شَيْخٌ، أوْ ”بَعْلِي“ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، و”شَيْخٌ“ خَبَرٌ، أوْ يَكُونانِ مَعًا خَبَرَيْنِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن﴾
صفحة ٢٤
﴿أمْرِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن تَعَجُّبِها، ثُمَّ قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ ذِكْرُ ما يُزِيلُ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ، وتَقْدِيرُهُ: إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم مُتَكاثِرَةٌ، وبَرَكاتِهِ لَدَيْكم مُتَوالِيَةٌ مُتَعاقِبَةٌ، وهي النُّبُوَّةُ، والمُعْجِزاتُ القاهِرَةُ، والتَّوْفِيقُ لِلْخَيْراتِ العَظِيمَةِ، فَإذا رَأيْتِ أنَّ اللَّهَ خَرَقَ العاداتِ في تَخْصِيصِكم بِهَذِهِ الكَراماتِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ، وفي إظْهارِ خَوارِقِ العاداتِ، وإحْداثِ البَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ التَّعَجُّبُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ فَإنَّهُ مَدْحٌ لَهم، فَهو نَصْبٌ عَلى النِّداءِ أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ والحَمِيدُ هو المَحْمُودُ، وهو الَّذِي تُحْمَدُ أفْعالُهُ، والمَجِيدُ: الماجِدُ، وهو ذُو الشَّرَفِ والكَرَمِ، ومِن مَحامِدِ الأفْعالِ إيصالُ العَبْدِ المُطِيعِ إلى مُرادِهِ ومَطْلُوبِهِ، ومِن أنْواعِ الفَضْلِ والكَرَمِ أنْ لا يُمْنَعَ الطّالِبُ عَنْ مَطْلُوبِهِ، فَإذا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الكُلِّ، وأنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، فَكَيْفَ يَبْقى هَذا التَّعَجُّبُ في نَفْسِ الأمْرِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الكَلِماتِ إزالَةُ التَّعَجُّبِ.
هود 11:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وهي قِصَّةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، واعْلَمْ أنَّ الرَّوْعَ هو الخَوْفُ، وهو ما أوْجَسَ مِنَ الخِيفَةِ حِينَ أنْكَرَ أضْيافَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا زالَ الخَوْفُ وحَصَلَ السُّرُورُ بِسَبَبِ مَجِيءِ البُشْرى بِحُصُولِ الوَلَدِ، أخَذَ يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ، وجَوابُ ”لَمّا“ هو قَوْلُهُ: (أخَذَ) إلّا أنَّهُ حُذِفَ في اللَّفْظِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ جادَلَنا.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُجادِلُنا﴾ أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ المُجادَلَةُ إنْ كانَتْ مَعَ اللَّهِ تَعالى فَهي جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ، والجَراءَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ؛ ولِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ إزالَةُ ذَلِكَ الحُكْمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ كَفَرَ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ المُجادَلَةُ مَعَ المَلائِكَةِ فَهي أيْضًا عَجِيبَةٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ أنْ يَتْرُكُوا إهْلاكَ قَوْمِ لُوطٍ، فَإنْ كانَ قَدِ اعْتَقَدَ فِيهِمْ أنَّهم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ يُجادِلُونَ في هَذا الإهْلاكِ، فَهَذا سُوءُ ظَنٍّ بِهِمْ، وإنِ اعْتَقَدَ فِيهِمْ أنَّهم بِأمْرِ اللَّهِ جاءُوا، فَهَذِهِ المُجادَلَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ يَطْلُبُ مِنهم مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا مُنْكَرٌ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ وهو الجَوابُ الإجْمالِيُّ: أنَّهُ تَعالى مَدَحَهُ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ولَوْ كانَ هَذا الجَدَلُ مِنَ الذُّنُوبِ لَما ذُكِرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى المَدْحِ العَظِيمِ.
صفحة ٢٥
والوَجْهُ الثّانِي وهو الجَوابُ التَّفْصِيلِيُّ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ سَعْيُ إبْراهِيمَ في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣١ ] فَقالَ إبْراهِيمُ: أرَأيْتُمْ لَوْ كانَ فِيها خَمْسُونَ رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَثَلاثُونَ ؟ قالُوا: لا، حَتّى بَلَغَ العَشْرَةَ، قالُوا: لا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ مُسْلِمٌ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: إنَّ فِيها لُوطًا، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣٣ ] فَبانَ بِهَذا أنَّ مُجادَلَةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَتْ في قَوْمِ لُوطٍ بِسَبَبِ مُقامِ لُوطٍ فِيما بَيْنَهم.
الوَجْهُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَمِيلُ إلى أنْ تَلْحَقَهم رَحْمَةُ اللَّهِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، رَجاءَ أنَّهم رُبَّما أقْدَمُوا عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ عَنِ المَعاصِي، ورُبَّما وقَعَتْ تِلْكَ المُجادَلاتُ بِسَبَبِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَقُولُ إنَّ أمْرَ اللَّهِ ورَدَ بِإيصالِ العَذابِ، ومُطْلَقُ الأمْرِ لا يُوجِبُ الفَوْرَ، بَلْ يَقْبَلُ التَّراخِيَ، فاصْبِرُوا مُدَّةً أُخْرى، والمَلائِكَةُ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ يَقْبَلُ الفَوْرَ، وقَدْ حَصَلَتْ هُناكَ قَرائِنُ دالَّةٌ عَلى الفَوْرِ، ثُمَّ أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يُقَرِّرُ مَذْهَبَهُ بِالوُجُوهِ المَعْلُومَةِ، فَحَصَلَتِ المُجادِلَةُ بِهَذا السَّبَبِ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي هو المُعْتَمَدُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: لَعَلَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ عَنْ لَفْظِ ذَلِكَ الأمْرِ، وكانَ ذَلِكَ الأمْرُ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ، فاخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ هَلْ حَصَلَ في ذَلِكَ القَوْمِ أمْ لا، فَحَصَلَتِ المُجادَلَةُ بِسَبَبِهِ، وبِالجُمْلَةِ نَرى العُلَماءَ في زَمانِنا يُجادِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عِنْدَ التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَدْحَ في واحِدٍ مِنها، فَكَذا هَهُنا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ وهَذا مَدْحٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِإبْراهِيمَ، أمّا الحَلِيمُ فَهو الَّذِي لا يَتَعَجَّلُ بِمُكافَأةِ غَيْرِهِ، بَلْ يَتَأنّى فِيهِ، فَيُؤَخِّرُ ويَعْفُو، ومَن هَذا حالُهُ فَإنَّهُ يُحِبُّ مِن غَيْرِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ جِدالَهُ كانَ في أمْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالحِلْمِ وتَأْخِيرِ العِقابِ، ثُمَّ ضُمَّ إلى ذَلِكَ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالحِلْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾؛ لِأنَّ مَن يَسْتَعْمِلُ الحِلْمَ في غَيْرِهِ فَإنَّهُ يَتَأوَّهُ إذا شاهَدَ وُصُولَ الشَّدائِدِ إلى الغَيْرِ، فَلَمّا رَأى مَجِيءَ المَلائِكَةِ لِأجْلِ إهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَظُمَ حُزْنُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وأخَذَ يَتَأوَّهُ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِأنَّهُ مُنِيبٌ؛ لِأنَّ مَن ظَهَرَتْ فِيهِ هَذِهِ الشَّفَقَةُ العَظِيمَةُ عَلى الغَيْرِ، فَإنَّهُ يُنِيبُ ويَتُوبُ ويَرْجِعُ إلى اللَّهِ في إزالَةِ ذَلِكَ العَذابِ عَنْهم، أوْ يُقالُ: إنَّ مَن كانَ لا يَرْضى بِوُقُوعِ غَيْرِهِ في الشَّدائِدِ، فَأنْ لا يَرْضى بِوُقُوعِ نَفْسِهِ فِيها كانَ أوْلى، ولا طَرِيقَ إلى صَوْنِ النَّفْسِ عَنِ الوُقُوعِ في عَذابِ اللَّهِ إلّا بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ، فَوَجَبَ فِيمَن هَذا شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مُنِيبًا.
هود 11:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وهي قِصَّةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، واعْلَمْ أنَّ الرَّوْعَ هو الخَوْفُ، وهو ما أوْجَسَ مِنَ الخِيفَةِ حِينَ أنْكَرَ أضْيافَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا زالَ الخَوْفُ وحَصَلَ السُّرُورُ بِسَبَبِ مَجِيءِ البُشْرى بِحُصُولِ الوَلَدِ، أخَذَ يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ، وجَوابُ ”لَمّا“ هو قَوْلُهُ: (أخَذَ) إلّا أنَّهُ حُذِفَ في اللَّفْظِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ جادَلَنا.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُجادِلُنا﴾ أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ المُجادَلَةُ إنْ كانَتْ مَعَ اللَّهِ تَعالى فَهي جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ، والجَراءَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ؛ ولِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ إزالَةُ ذَلِكَ الحُكْمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ كَفَرَ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ المُجادَلَةُ مَعَ المَلائِكَةِ فَهي أيْضًا عَجِيبَةٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ أنْ يَتْرُكُوا إهْلاكَ قَوْمِ لُوطٍ، فَإنْ كانَ قَدِ اعْتَقَدَ فِيهِمْ أنَّهم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ يُجادِلُونَ في هَذا الإهْلاكِ، فَهَذا سُوءُ ظَنٍّ بِهِمْ، وإنِ اعْتَقَدَ فِيهِمْ أنَّهم بِأمْرِ اللَّهِ جاءُوا، فَهَذِهِ المُجادَلَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ يَطْلُبُ مِنهم مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا مُنْكَرٌ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ وهو الجَوابُ الإجْمالِيُّ: أنَّهُ تَعالى مَدَحَهُ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ولَوْ كانَ هَذا الجَدَلُ مِنَ الذُّنُوبِ لَما ذُكِرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى المَدْحِ العَظِيمِ.
صفحة ٢٥
والوَجْهُ الثّانِي وهو الجَوابُ التَّفْصِيلِيُّ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ سَعْيُ إبْراهِيمَ في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣١ ] فَقالَ إبْراهِيمُ: أرَأيْتُمْ لَوْ كانَ فِيها خَمْسُونَ رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَثَلاثُونَ ؟ قالُوا: لا، حَتّى بَلَغَ العَشْرَةَ، قالُوا: لا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ مُسْلِمٌ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: إنَّ فِيها لُوطًا، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣٣ ] فَبانَ بِهَذا أنَّ مُجادَلَةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَتْ في قَوْمِ لُوطٍ بِسَبَبِ مُقامِ لُوطٍ فِيما بَيْنَهم.
الوَجْهُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَمِيلُ إلى أنْ تَلْحَقَهم رَحْمَةُ اللَّهِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، رَجاءَ أنَّهم رُبَّما أقْدَمُوا عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ عَنِ المَعاصِي، ورُبَّما وقَعَتْ تِلْكَ المُجادَلاتُ بِسَبَبِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَقُولُ إنَّ أمْرَ اللَّهِ ورَدَ بِإيصالِ العَذابِ، ومُطْلَقُ الأمْرِ لا يُوجِبُ الفَوْرَ، بَلْ يَقْبَلُ التَّراخِيَ، فاصْبِرُوا مُدَّةً أُخْرى، والمَلائِكَةُ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ يَقْبَلُ الفَوْرَ، وقَدْ حَصَلَتْ هُناكَ قَرائِنُ دالَّةٌ عَلى الفَوْرِ، ثُمَّ أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يُقَرِّرُ مَذْهَبَهُ بِالوُجُوهِ المَعْلُومَةِ، فَحَصَلَتِ المُجادِلَةُ بِهَذا السَّبَبِ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي هو المُعْتَمَدُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: لَعَلَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ عَنْ لَفْظِ ذَلِكَ الأمْرِ، وكانَ ذَلِكَ الأمْرُ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ، فاخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ هَلْ حَصَلَ في ذَلِكَ القَوْمِ أمْ لا، فَحَصَلَتِ المُجادَلَةُ بِسَبَبِهِ، وبِالجُمْلَةِ نَرى العُلَماءَ في زَمانِنا يُجادِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عِنْدَ التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَدْحَ في واحِدٍ مِنها، فَكَذا هَهُنا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ وهَذا مَدْحٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِإبْراهِيمَ، أمّا الحَلِيمُ فَهو الَّذِي لا يَتَعَجَّلُ بِمُكافَأةِ غَيْرِهِ، بَلْ يَتَأنّى فِيهِ، فَيُؤَخِّرُ ويَعْفُو، ومَن هَذا حالُهُ فَإنَّهُ يُحِبُّ مِن غَيْرِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ جِدالَهُ كانَ في أمْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالحِلْمِ وتَأْخِيرِ العِقابِ، ثُمَّ ضُمَّ إلى ذَلِكَ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالحِلْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾؛ لِأنَّ مَن يَسْتَعْمِلُ الحِلْمَ في غَيْرِهِ فَإنَّهُ يَتَأوَّهُ إذا شاهَدَ وُصُولَ الشَّدائِدِ إلى الغَيْرِ، فَلَمّا رَأى مَجِيءَ المَلائِكَةِ لِأجْلِ إهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَظُمَ حُزْنُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وأخَذَ يَتَأوَّهُ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِأنَّهُ مُنِيبٌ؛ لِأنَّ مَن ظَهَرَتْ فِيهِ هَذِهِ الشَّفَقَةُ العَظِيمَةُ عَلى الغَيْرِ، فَإنَّهُ يُنِيبُ ويَتُوبُ ويَرْجِعُ إلى اللَّهِ في إزالَةِ ذَلِكَ العَذابِ عَنْهم، أوْ يُقالُ: إنَّ مَن كانَ لا يَرْضى بِوُقُوعِ غَيْرِهِ في الشَّدائِدِ، فَأنْ لا يَرْضى بِوُقُوعِ نَفْسِهِ فِيها كانَ أوْلى، ولا طَرِيقَ إلى صَوْنِ النَّفْسِ عَنِ الوُقُوعِ في عَذابِ اللَّهِ إلّا بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ، فَوَجَبَ فِيمَن هَذا شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مُنِيبًا.
هود 11:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مَعْناهُ: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا لَهُ: اتْرُكْ هَذِهِ المُجادَلَةَ؛ لِأنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ بِإيصالِ هَذا العَذابِ إلَيْهِمْ، وإذا لاحَ وجْهُ دَلالَةِ النَّصِّ عَلى هَذا الحُكْمِ فَلا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ؛ فَلِذَلِكَ أمَرُوهُ بِتَرْكِ المُجادَلَةِ، ولَمّا ذَكَرُوا ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ ولَمْ يَكُنْ في هَذا اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَذا الأمْرَ بِماذا جاءَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ، أيْ عَذابٌ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ ورَدِّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وهَؤُلاءِ الرُّسُلُ هُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ بَشَّرُوا إبْراهِيمَ بِالوَلَدِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: انْطَلَقُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ إلى لُوطٍ، وبَيْنَ القَرْيَتَيْنِ أرْبَعُ فَراسِخَ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ عَلى صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ مِن بَنِي آدَمَ، وكانُوا في غايَةِ الحُسْنِ، ولَمْ يَعْرِفْ لُوطٌ أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ، وذَكَرُوا فِيهِ سِتَّةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ظَنَّ أنَّهم مِنَ الإنْسِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ خُبْثَ قَوْمِهِ، وأنْ يَعْجِزُوا عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ.
الثّانِي: ساءَهُ مَجِيئُهم؛ لِأنَّهُ ما كانَ يَجِدُ ما يُنْفِقُهُ عَلَيْهِمْ، وما كانَ قادِرًا عَلى القِيامِ بِحَقِّ ضِيافَتِهِمْ.
والثّالِثُ: ساءَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ مَنَعُوهُ مِن إدْخالِ الضَّيْفِ دارَهُ.
الرّابِعُ: ساءَهُ مَجِيئُهم؛ لِأنَّهُ عَرَفَ بِالحَذَرِ أنَّهم مَلائِكَةٌ، وأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِهِ.
والوَجْهُ الأوَّلُ هو الأصَحُّ؛ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ وبَقِيَ في الآيَةِ ألْفاظٌ ثَلاثَةٌ لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِها:
اللَّفْظُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ ومَعْناهُ: ساءَ مَجِيئُهم، وساءَ يَسُوءُ فِعْلٌ لازِمٌ مُجاوِزٌ، يُقالُ: سُؤْتُهُ فَسِيءَ، مِثْلُ شَغَلْتُهُ فَشُغِلَ، وسَرَرْتُهُ فَسُرَّ. قالالزَّجّاجُ: أصْلُهُ ”سُوِّئَ بِهِمْ“، إلّا أنَّ الواوَ سُكِّنَتْ، ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى السِّينِ.
اللَّفْظُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، والأصْلُ فِيهِ: البَعِيرُ يَذْرَعُ بِيَدَيْهِ في سَيْرِهِ ذَرْعًا عَلى قَدْرِ سِعَةِ خُطْوَتِهِ، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَضَعُفَ ومَدَّ عُنُقَهُ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ عِبارَةً عَنْ قَدْرِ الوُسْعِ والطّاقَةِ، فَيُقالُ: ما لِي بِهِ ذَرْعٌ ولا ذِراعٌ، أيْ ما لِي بِهِ طاقَةٌ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما قُلْناهُ أنَّهم يَجْعَلُونَ الذِّراعَ في مَوْضِعِ الذَّرْعِ، فَيَقُولُونَ: ضِقْتُ بِالأمْرِ ذِراعًا.
واللَّفْظُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ يَوْمٌ شَدِيدٌ، وإنَّما قِيلَ لِلشَّدِيدِ عَصِيبٌ؛ لِأنَّهُ يَعْصِبُ الإنْسانَ بِالشَّرِّ.
هود 11:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مَعْناهُ: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا لَهُ: اتْرُكْ هَذِهِ المُجادَلَةَ؛ لِأنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ بِإيصالِ هَذا العَذابِ إلَيْهِمْ، وإذا لاحَ وجْهُ دَلالَةِ النَّصِّ عَلى هَذا الحُكْمِ فَلا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ؛ فَلِذَلِكَ أمَرُوهُ بِتَرْكِ المُجادَلَةِ، ولَمّا ذَكَرُوا ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ ولَمْ يَكُنْ في هَذا اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَذا الأمْرَ بِماذا جاءَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ، أيْ عَذابٌ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ ورَدِّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وهَؤُلاءِ الرُّسُلُ هُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ بَشَّرُوا إبْراهِيمَ بِالوَلَدِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: انْطَلَقُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ إلى لُوطٍ، وبَيْنَ القَرْيَتَيْنِ أرْبَعُ فَراسِخَ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ عَلى صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ مِن بَنِي آدَمَ، وكانُوا في غايَةِ الحُسْنِ، ولَمْ يَعْرِفْ لُوطٌ أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ، وذَكَرُوا فِيهِ سِتَّةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ظَنَّ أنَّهم مِنَ الإنْسِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ خُبْثَ قَوْمِهِ، وأنْ يَعْجِزُوا عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ.
الثّانِي: ساءَهُ مَجِيئُهم؛ لِأنَّهُ ما كانَ يَجِدُ ما يُنْفِقُهُ عَلَيْهِمْ، وما كانَ قادِرًا عَلى القِيامِ بِحَقِّ ضِيافَتِهِمْ.
والثّالِثُ: ساءَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ مَنَعُوهُ مِن إدْخالِ الضَّيْفِ دارَهُ.
الرّابِعُ: ساءَهُ مَجِيئُهم؛ لِأنَّهُ عَرَفَ بِالحَذَرِ أنَّهم مَلائِكَةٌ، وأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِهِ.
والوَجْهُ الأوَّلُ هو الأصَحُّ؛ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ وبَقِيَ في الآيَةِ ألْفاظٌ ثَلاثَةٌ لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِها:
اللَّفْظُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ ومَعْناهُ: ساءَ مَجِيئُهم، وساءَ يَسُوءُ فِعْلٌ لازِمٌ مُجاوِزٌ، يُقالُ: سُؤْتُهُ فَسِيءَ، مِثْلُ شَغَلْتُهُ فَشُغِلَ، وسَرَرْتُهُ فَسُرَّ. قالالزَّجّاجُ: أصْلُهُ ”سُوِّئَ بِهِمْ“، إلّا أنَّ الواوَ سُكِّنَتْ، ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى السِّينِ.
اللَّفْظُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، والأصْلُ فِيهِ: البَعِيرُ يَذْرَعُ بِيَدَيْهِ في سَيْرِهِ ذَرْعًا عَلى قَدْرِ سِعَةِ خُطْوَتِهِ، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَضَعُفَ ومَدَّ عُنُقَهُ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ عِبارَةً عَنْ قَدْرِ الوُسْعِ والطّاقَةِ، فَيُقالُ: ما لِي بِهِ ذَرْعٌ ولا ذِراعٌ، أيْ ما لِي بِهِ طاقَةٌ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما قُلْناهُ أنَّهم يَجْعَلُونَ الذِّراعَ في مَوْضِعِ الذَّرْعِ، فَيَقُولُونَ: ضِقْتُ بِالأمْرِ ذِراعًا.
واللَّفْظُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ يَوْمٌ شَدِيدٌ، وإنَّما قِيلَ لِلشَّدِيدِ عَصِيبٌ؛ لِأنَّهُ يَعْصِبُ الإنْسانَ بِالشَّرِّ.
هود 11:78
صفحة ٢٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ لَمّا دَخَلَتِ المَلائِكَةُ دارَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، مَضَتِ امْرَأتُهُ عَجُوزُ السُّوءِ، فَقالَتْ لِقَوْمِهِ: دَخَلَ دارَنا قَوْمٌ ما رَأيْتُ أحْسَنَ وُجُوهًا ولا أنْظَفَ ثِيابًا ولا أطْيَبَ رائِحَةً مِنهم، وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ، أيْ يُسْرِعُونَ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ إسْراعَهم رُبَّما كانَ لِطَلَبِ العَمَلِ الخَبِيثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ نُقِلَ أنَّ القَوْمَ دَخَلُوا دارَ لُوطٍ، وأرادُوا أنْ يَدْخُلُوا البَيْتَ الَّذِي كانَ فِيهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ عَلى البابِ، فَلَمْ يُطِيقُوا فَتْحَهُ حَتّى كَسَرُوهُ، فَمَسَحَ أعْيُنَهم بِيَدِهِ فَعَمُوا، فَقالُوا: يا لُوطُ قَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْنا السَّحَرَةَ وأظْهَرْتَ الفِتْنَةَ. ولِأهْلِ اللُّغَةِ في ﴿يُهْرَعُونَ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ هَذا مِن بابِ ما جاءَتْ صِيغَةُ الفاعِلِ فِيهِ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ ولا يُعْرَفُ لَهُ فاعِلٌ، نَحْوُ: أُولِعَ فُلانٌ في الأمْرِ، وأُرْعِدَ زَيْدٌ، وزُهِيَ عَمْرٌو - مِنَ الزَّهْوِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الفاعِلِ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ، وهَذِهِ الأفْعالُ حُذِفَ فاعِلُوها، فَتَأْوِيلُ ”أُولِعَ زَيْدٌ“ أنَّهُ أوْلَعَهُ طَبْعُهُ، و”أُرْعِدَ الرَّجُلُ“ أرْعَدَهُ غَضَبُهُ، و”زُهِيَ عَمْرٌو“ مَعْناهُ جَعَلَهُ مالُهُ زاهِيًا، و”أُهْرِعَ“ مَعْناهُ أهْرَعَهُ خَوْفُهُ أوْ حِرْصُهُ، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَ بَعْضُهم: الإهْراعُ هو الإسْراعُ مَعَ الرِّعْدَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هو العَدْوُ الشَّدِيدُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: قالَ قَتادَةُ: المُرادُ بَناتُهُ لِصُلْبِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ نِساءُ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُنَّ في أنْفُسِهِنَّ بَناتٌ، ولَهُنَّ إضافَةٌ إلَيْهِ بِالمُتابَعَةِ وقَبُولِ الدَّعْوَةِ، قالَ أهْلُ النَّحْوِ: يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ؛ لِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا لَهم، فَكانَ كالأبِ لَهم، قالَ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٦ ] وهو أبٌ لَهم، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي هو المُخْتارُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى عَرْضِ بَناتِهِ عَلى الأوْباشِ والفُجّارِ أمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، لا يَلِيقُ بِأهْلِ المُرُوءَةِ، فَكَيْفَ بِأكابِرِ الأنْبِياءِ ؟
الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَبَناتُهُ اللَّواتِي مِن صُلْبِهِ لا تَكْفِي لِلْجَمْعِ العَظِيمِ، أمّا نِساءُ أُمَّتِهِ فَفِيهِنَّ كِفايَةٌ لِلْكُلِّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ صَحَّتِ الرِّوايَةُ أنَّهُ كانَ لَهُ بِنْتانِ، وهُما: زَنْتا، وزَعُورا، وإطْلاقُ لَفْظِ البَناتِ عَلى البِنْتَيْنِ لا يَجُوزُ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ أقَلَّ الجَمَعِ ثَلاثَةٌ، فَأمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما دَعا القَوْمَ إلى الزِّنا بِالنُّسْوانِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ دَعاهم إلى التَّزَوُّجِ بِهِنَّ، وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ دَعاهم إلى التَّزَوُّجِ بِهِنَّ بِشَرْطِ أنْ يُقَدِّمُوا الإيمانَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُؤْمِنَةِ مِنَ الكافِرِ في شَرِيعَتِهِ، وهَكَذا كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ بِدَلِيلِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - زَوَّجَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ مِن أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وكانَ مُشْرِكًا، وزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِن عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١ ]، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١ ]، واخْتَلَفُوا أيْضًا، فَقالَ الأكْثَرُونَ: كانَ لَهُ بِنْتانِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرَ الِاثْنَتَيْنِ بِلَفْظِ الجَمِيعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ [النِّساءِ: ١١ ]، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤ ] وقِيلَ: إنَّهُنَّ كُنَّ أكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٢٨
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ العَمَلِ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ طاهِرًا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ فاسِدٌ؛ ولِأنَّهُ لا طَهارَةَ في نِكاحِ الرَّجُلِ، بَلْ هَذا جارٍ مَجْرى قَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ، والمُرادُ أنَّهُ كَبِيرٌ؛ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصّافّاتِ: ٦٢ ] ولا خَيْرَ فِيها، ولَمّا قالَ أبُو سُفْيانَ: اعْلُ أُحُدُ أوِ اعْلُ هُبَلُ، قالَ النَّبِيُّ: ”«اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ» “، ولا مُقارَبَةَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الصَّنَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ، والحَسَنِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، أنَّهم قَرَءُوا ”هُنَّ أطْهَرُ لَكم“ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾، إلّا أنَّ أكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ خَطَأٌ، قالُوا لَوْ قُرِئَ ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ﴾ كانَ هَذا نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ إلّا أنَّ كَلِمَةَ ”هُنَّ“ قَدْ وقَعَتْ في البَيْنِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَعْلِ ”أطْهَرُ“ حالًا، وطَوَّلُوا فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ ”ولا تُخْزُونِي“ بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ، والباقُونَ بِحَذْفِها لِلتَّخْفِيفِ ودَلالَةِ الكَسْرِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في لَفْظِ ”لا تُخْزُونِي“ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: لا تَفْضَحُونِي في أضْيافِي، يُرِيدُ أنَّهم إذا هَجَمُوا عَلى أضْيافِهِ بِالمَكْرُوهِ لَحِقَتْهُ الفَضِيحَةُ.
والثّانِي: لا تُخْزُونِي في ضَيْفِي، أيْ لا تُخْجِلُونِي فِيهِمْ؛ لِأنَّ مُضِيفَ الضَّيْفِ يَلْزَمُهُ الخَجالَةُ مِن كُلِّ فِعْلٍ قَبِيحٍ يُوصَلُ إلى الضَّيْفِ، يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ إذا اسْتَحْيا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّيْفُ هَهُنا قائِمٌ مَقامَ الأضْيافِ، كَما قامَ الطِّفْلُ مَقامَ الأطْفالِ. في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النُّورِ: ٣١ ] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّيْفُ مَصْدَرًا، فَيُسْتَغْنى عَنْ جَمْعِهِ، كَما يُقالُ: رِجالٌ صُوَّمٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: ”رَشِيدٌ“ بِمَعْنى مُرْشِدٍ، أيْ يَقُولُ الحَقَّ ويَرُدُّ هَؤُلاءِ الأوْباشَ عَنْ أضْيافِي.
والثّانِي: ”رَشِيدٌ“ بِمَعْنى مُرْشَدٌ، والمَعْنى: ألَيْسَ فِيكم رَجُلٌ أرْشَدَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الصَّلاحِ، وأسْعَدَهُ بِالسَّدادِ والرَّشادِ، حَتّى يَمْنَعَ عَنْ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ، والأوَّلُ أوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما لَنا في بَناتِكَ مِن حاجَةٍ ولا شَهْوَةٍ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ نَفْيُ الحَقِّ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الحاجَةِ.
الثّانِي: أنْ نُجْرِيَ اللَّفْظَ عَلى ظاهِرِهِ، فَنَقُولَ: مَعْناهُ أنَّهُنَّ لَسْنَ لَنا بِأزْواجٍ، ولا حَقَّ لَنا فِيهِنَّ ألْبَتَّةَ، ولا يَمِيلُ أيْضًا طَبْعُنا إلَيْهِنَّ، فَكَيْفَ قِيامُهُنَّ مَقامَ العَمَلِ الَّذِي نُرِيدُهُ، وهو إشارَةٌ إلى العَمَلِ الخَبِيثِ.
الثّالِثُ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ لِأنَّكَ دَعَوْتَنا إلى نِكاحِهِنَّ بِشَرْطِ الإيمانِ، ونَحْنُ لا نُجِيبُكَ إلى ذَلِكَ، فَلا يَكُونُ لَنا فِيهِنَّ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ لُوطٍ أنَّهُ عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: لَمَنَعْتُكم ولَبالَغْتُ في دَفْعِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١ ] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنْعامِ: ٢٧ ] قالَ الواحِدِيُّ: وحُذِفَ الجَوابُ هَهُنا لِأنَّ الوَهْمَ يَذْهَبُ إلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَنعِ والدَّفْعِ.
صفحة ٢٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ أيْ لَوْ أنَّ لِي ما أتَقَوّى بِهِ عَلَيْكم، وتَسْمِيَةُ مُوجِبِ القُوَّةِ بِالقُوَّةِ جائِزٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٠ ] والمُرادُ السِّلاحُ، وقالَ آخَرُونَ: القُدْرَةُ عَلى دَفْعِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ المُرادُ مِنهُ المَوْضِعُ الحَصِينُ المَنِيعُ، تَشْبِيهًا لَهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ مِنَ الجَبَلِ.
فَإنْ قِيلَ: ما الوَجْهُ هَهُنا في عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ ؟
قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ﴿أوْ آوِي﴾ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِيًا.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ لا بُدَّ مِن حَمْلِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ عَلى فائِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ كَوْنُهُ بِنَفْسِهِ قادِرًا عَلى الدَّفْعِ، وكَوْنُهُ مُتَمَكِّنًا إمّا بِنَفْسِهِ وإمّا بِمُعاوَنَةِ غَيْرِهِ عَلى قَهْرِهِمْ وتَأْدِيبِهِمْ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ هو أنْ لا يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الدَّفْعِ، لَكِنَّهُ يَقْدِرُ عَلى التَّحَصُّنِ بِحِصْنٍ لِيَأْمَنَ مِن شَرِّهِمْ بِواسِطَتِهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا شاهَدَ سَفاهَةَ القَوْمِ وإقْدامَهم عَلى سُوءِ الأدَبِ تَمَنّى حُصُولَ قُوَّةٍ قَوِيَّةٍ عَلى الدَّفْعِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلى نَفْسِهِ وقالَ: بَلى الأوْلى أنْ آوِيَ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ وهو الِاعْتِصامُ بِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ، ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ لا يَلْزَمُ عَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ؛ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«رَحِمَ اللَّهُ أخِي لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» “ .
هود 11:79
صفحة ٢٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ لَمّا دَخَلَتِ المَلائِكَةُ دارَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، مَضَتِ امْرَأتُهُ عَجُوزُ السُّوءِ، فَقالَتْ لِقَوْمِهِ: دَخَلَ دارَنا قَوْمٌ ما رَأيْتُ أحْسَنَ وُجُوهًا ولا أنْظَفَ ثِيابًا ولا أطْيَبَ رائِحَةً مِنهم، وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ، أيْ يُسْرِعُونَ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ إسْراعَهم رُبَّما كانَ لِطَلَبِ العَمَلِ الخَبِيثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ نُقِلَ أنَّ القَوْمَ دَخَلُوا دارَ لُوطٍ، وأرادُوا أنْ يَدْخُلُوا البَيْتَ الَّذِي كانَ فِيهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ عَلى البابِ، فَلَمْ يُطِيقُوا فَتْحَهُ حَتّى كَسَرُوهُ، فَمَسَحَ أعْيُنَهم بِيَدِهِ فَعَمُوا، فَقالُوا: يا لُوطُ قَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْنا السَّحَرَةَ وأظْهَرْتَ الفِتْنَةَ. ولِأهْلِ اللُّغَةِ في ﴿يُهْرَعُونَ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ هَذا مِن بابِ ما جاءَتْ صِيغَةُ الفاعِلِ فِيهِ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ ولا يُعْرَفُ لَهُ فاعِلٌ، نَحْوُ: أُولِعَ فُلانٌ في الأمْرِ، وأُرْعِدَ زَيْدٌ، وزُهِيَ عَمْرٌو - مِنَ الزَّهْوِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الفاعِلِ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ، وهَذِهِ الأفْعالُ حُذِفَ فاعِلُوها، فَتَأْوِيلُ ”أُولِعَ زَيْدٌ“ أنَّهُ أوْلَعَهُ طَبْعُهُ، و”أُرْعِدَ الرَّجُلُ“ أرْعَدَهُ غَضَبُهُ، و”زُهِيَ عَمْرٌو“ مَعْناهُ جَعَلَهُ مالُهُ زاهِيًا، و”أُهْرِعَ“ مَعْناهُ أهْرَعَهُ خَوْفُهُ أوْ حِرْصُهُ، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَ بَعْضُهم: الإهْراعُ هو الإسْراعُ مَعَ الرِّعْدَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هو العَدْوُ الشَّدِيدُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: قالَ قَتادَةُ: المُرادُ بَناتُهُ لِصُلْبِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ نِساءُ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُنَّ في أنْفُسِهِنَّ بَناتٌ، ولَهُنَّ إضافَةٌ إلَيْهِ بِالمُتابَعَةِ وقَبُولِ الدَّعْوَةِ، قالَ أهْلُ النَّحْوِ: يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ؛ لِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا لَهم، فَكانَ كالأبِ لَهم، قالَ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٦ ] وهو أبٌ لَهم، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي هو المُخْتارُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى عَرْضِ بَناتِهِ عَلى الأوْباشِ والفُجّارِ أمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، لا يَلِيقُ بِأهْلِ المُرُوءَةِ، فَكَيْفَ بِأكابِرِ الأنْبِياءِ ؟
الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَبَناتُهُ اللَّواتِي مِن صُلْبِهِ لا تَكْفِي لِلْجَمْعِ العَظِيمِ، أمّا نِساءُ أُمَّتِهِ فَفِيهِنَّ كِفايَةٌ لِلْكُلِّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ صَحَّتِ الرِّوايَةُ أنَّهُ كانَ لَهُ بِنْتانِ، وهُما: زَنْتا، وزَعُورا، وإطْلاقُ لَفْظِ البَناتِ عَلى البِنْتَيْنِ لا يَجُوزُ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ أقَلَّ الجَمَعِ ثَلاثَةٌ، فَأمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما دَعا القَوْمَ إلى الزِّنا بِالنُّسْوانِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ دَعاهم إلى التَّزَوُّجِ بِهِنَّ، وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ دَعاهم إلى التَّزَوُّجِ بِهِنَّ بِشَرْطِ أنْ يُقَدِّمُوا الإيمانَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُؤْمِنَةِ مِنَ الكافِرِ في شَرِيعَتِهِ، وهَكَذا كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ بِدَلِيلِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - زَوَّجَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ مِن أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وكانَ مُشْرِكًا، وزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِن عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١ ]، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١ ]، واخْتَلَفُوا أيْضًا، فَقالَ الأكْثَرُونَ: كانَ لَهُ بِنْتانِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرَ الِاثْنَتَيْنِ بِلَفْظِ الجَمِيعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ [النِّساءِ: ١١ ]، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤ ] وقِيلَ: إنَّهُنَّ كُنَّ أكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٢٨
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ العَمَلِ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ طاهِرًا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ فاسِدٌ؛ ولِأنَّهُ لا طَهارَةَ في نِكاحِ الرَّجُلِ، بَلْ هَذا جارٍ مَجْرى قَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ، والمُرادُ أنَّهُ كَبِيرٌ؛ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصّافّاتِ: ٦٢ ] ولا خَيْرَ فِيها، ولَمّا قالَ أبُو سُفْيانَ: اعْلُ أُحُدُ أوِ اعْلُ هُبَلُ، قالَ النَّبِيُّ: ”«اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ» “، ولا مُقارَبَةَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الصَّنَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ، والحَسَنِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، أنَّهم قَرَءُوا ”هُنَّ أطْهَرُ لَكم“ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾، إلّا أنَّ أكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ خَطَأٌ، قالُوا لَوْ قُرِئَ ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ﴾ كانَ هَذا نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ إلّا أنَّ كَلِمَةَ ”هُنَّ“ قَدْ وقَعَتْ في البَيْنِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَعْلِ ”أطْهَرُ“ حالًا، وطَوَّلُوا فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ ”ولا تُخْزُونِي“ بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ، والباقُونَ بِحَذْفِها لِلتَّخْفِيفِ ودَلالَةِ الكَسْرِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في لَفْظِ ”لا تُخْزُونِي“ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: لا تَفْضَحُونِي في أضْيافِي، يُرِيدُ أنَّهم إذا هَجَمُوا عَلى أضْيافِهِ بِالمَكْرُوهِ لَحِقَتْهُ الفَضِيحَةُ.
والثّانِي: لا تُخْزُونِي في ضَيْفِي، أيْ لا تُخْجِلُونِي فِيهِمْ؛ لِأنَّ مُضِيفَ الضَّيْفِ يَلْزَمُهُ الخَجالَةُ مِن كُلِّ فِعْلٍ قَبِيحٍ يُوصَلُ إلى الضَّيْفِ، يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ إذا اسْتَحْيا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّيْفُ هَهُنا قائِمٌ مَقامَ الأضْيافِ، كَما قامَ الطِّفْلُ مَقامَ الأطْفالِ. في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النُّورِ: ٣١ ] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّيْفُ مَصْدَرًا، فَيُسْتَغْنى عَنْ جَمْعِهِ، كَما يُقالُ: رِجالٌ صُوَّمٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: ”رَشِيدٌ“ بِمَعْنى مُرْشِدٍ، أيْ يَقُولُ الحَقَّ ويَرُدُّ هَؤُلاءِ الأوْباشَ عَنْ أضْيافِي.
والثّانِي: ”رَشِيدٌ“ بِمَعْنى مُرْشَدٌ، والمَعْنى: ألَيْسَ فِيكم رَجُلٌ أرْشَدَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الصَّلاحِ، وأسْعَدَهُ بِالسَّدادِ والرَّشادِ، حَتّى يَمْنَعَ عَنْ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ، والأوَّلُ أوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما لَنا في بَناتِكَ مِن حاجَةٍ ولا شَهْوَةٍ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ نَفْيُ الحَقِّ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الحاجَةِ.
الثّانِي: أنْ نُجْرِيَ اللَّفْظَ عَلى ظاهِرِهِ، فَنَقُولَ: مَعْناهُ أنَّهُنَّ لَسْنَ لَنا بِأزْواجٍ، ولا حَقَّ لَنا فِيهِنَّ ألْبَتَّةَ، ولا يَمِيلُ أيْضًا طَبْعُنا إلَيْهِنَّ، فَكَيْفَ قِيامُهُنَّ مَقامَ العَمَلِ الَّذِي نُرِيدُهُ، وهو إشارَةٌ إلى العَمَلِ الخَبِيثِ.
الثّالِثُ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ لِأنَّكَ دَعَوْتَنا إلى نِكاحِهِنَّ بِشَرْطِ الإيمانِ، ونَحْنُ لا نُجِيبُكَ إلى ذَلِكَ، فَلا يَكُونُ لَنا فِيهِنَّ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ لُوطٍ أنَّهُ عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: لَمَنَعْتُكم ولَبالَغْتُ في دَفْعِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١ ] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنْعامِ: ٢٧ ] قالَ الواحِدِيُّ: وحُذِفَ الجَوابُ هَهُنا لِأنَّ الوَهْمَ يَذْهَبُ إلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَنعِ والدَّفْعِ.
صفحة ٢٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ أيْ لَوْ أنَّ لِي ما أتَقَوّى بِهِ عَلَيْكم، وتَسْمِيَةُ مُوجِبِ القُوَّةِ بِالقُوَّةِ جائِزٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٠ ] والمُرادُ السِّلاحُ، وقالَ آخَرُونَ: القُدْرَةُ عَلى دَفْعِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ المُرادُ مِنهُ المَوْضِعُ الحَصِينُ المَنِيعُ، تَشْبِيهًا لَهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ مِنَ الجَبَلِ.
فَإنْ قِيلَ: ما الوَجْهُ هَهُنا في عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ ؟
قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ﴿أوْ آوِي﴾ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِيًا.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ لا بُدَّ مِن حَمْلِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ عَلى فائِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ كَوْنُهُ بِنَفْسِهِ قادِرًا عَلى الدَّفْعِ، وكَوْنُهُ مُتَمَكِّنًا إمّا بِنَفْسِهِ وإمّا بِمُعاوَنَةِ غَيْرِهِ عَلى قَهْرِهِمْ وتَأْدِيبِهِمْ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ هو أنْ لا يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الدَّفْعِ، لَكِنَّهُ يَقْدِرُ عَلى التَّحَصُّنِ بِحِصْنٍ لِيَأْمَنَ مِن شَرِّهِمْ بِواسِطَتِهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا شاهَدَ سَفاهَةَ القَوْمِ وإقْدامَهم عَلى سُوءِ الأدَبِ تَمَنّى حُصُولَ قُوَّةٍ قَوِيَّةٍ عَلى الدَّفْعِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلى نَفْسِهِ وقالَ: بَلى الأوْلى أنْ آوِيَ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ وهو الِاعْتِصامُ بِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ، ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ لا يَلْزَمُ عَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ؛ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«رَحِمَ اللَّهُ أخِي لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» “ .
هود 11:80
صفحة ٢٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ لَمّا دَخَلَتِ المَلائِكَةُ دارَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، مَضَتِ امْرَأتُهُ عَجُوزُ السُّوءِ، فَقالَتْ لِقَوْمِهِ: دَخَلَ دارَنا قَوْمٌ ما رَأيْتُ أحْسَنَ وُجُوهًا ولا أنْظَفَ ثِيابًا ولا أطْيَبَ رائِحَةً مِنهم، وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ، أيْ يُسْرِعُونَ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ إسْراعَهم رُبَّما كانَ لِطَلَبِ العَمَلِ الخَبِيثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ نُقِلَ أنَّ القَوْمَ دَخَلُوا دارَ لُوطٍ، وأرادُوا أنْ يَدْخُلُوا البَيْتَ الَّذِي كانَ فِيهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ عَلى البابِ، فَلَمْ يُطِيقُوا فَتْحَهُ حَتّى كَسَرُوهُ، فَمَسَحَ أعْيُنَهم بِيَدِهِ فَعَمُوا، فَقالُوا: يا لُوطُ قَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْنا السَّحَرَةَ وأظْهَرْتَ الفِتْنَةَ. ولِأهْلِ اللُّغَةِ في ﴿يُهْرَعُونَ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ هَذا مِن بابِ ما جاءَتْ صِيغَةُ الفاعِلِ فِيهِ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ ولا يُعْرَفُ لَهُ فاعِلٌ، نَحْوُ: أُولِعَ فُلانٌ في الأمْرِ، وأُرْعِدَ زَيْدٌ، وزُهِيَ عَمْرٌو - مِنَ الزَّهْوِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الفاعِلِ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ، وهَذِهِ الأفْعالُ حُذِفَ فاعِلُوها، فَتَأْوِيلُ ”أُولِعَ زَيْدٌ“ أنَّهُ أوْلَعَهُ طَبْعُهُ، و”أُرْعِدَ الرَّجُلُ“ أرْعَدَهُ غَضَبُهُ، و”زُهِيَ عَمْرٌو“ مَعْناهُ جَعَلَهُ مالُهُ زاهِيًا، و”أُهْرِعَ“ مَعْناهُ أهْرَعَهُ خَوْفُهُ أوْ حِرْصُهُ، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَ بَعْضُهم: الإهْراعُ هو الإسْراعُ مَعَ الرِّعْدَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هو العَدْوُ الشَّدِيدُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: قالَ قَتادَةُ: المُرادُ بَناتُهُ لِصُلْبِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ نِساءُ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُنَّ في أنْفُسِهِنَّ بَناتٌ، ولَهُنَّ إضافَةٌ إلَيْهِ بِالمُتابَعَةِ وقَبُولِ الدَّعْوَةِ، قالَ أهْلُ النَّحْوِ: يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ؛ لِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا لَهم، فَكانَ كالأبِ لَهم، قالَ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٦ ] وهو أبٌ لَهم، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي هو المُخْتارُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى عَرْضِ بَناتِهِ عَلى الأوْباشِ والفُجّارِ أمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، لا يَلِيقُ بِأهْلِ المُرُوءَةِ، فَكَيْفَ بِأكابِرِ الأنْبِياءِ ؟
الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَبَناتُهُ اللَّواتِي مِن صُلْبِهِ لا تَكْفِي لِلْجَمْعِ العَظِيمِ، أمّا نِساءُ أُمَّتِهِ فَفِيهِنَّ كِفايَةٌ لِلْكُلِّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ صَحَّتِ الرِّوايَةُ أنَّهُ كانَ لَهُ بِنْتانِ، وهُما: زَنْتا، وزَعُورا، وإطْلاقُ لَفْظِ البَناتِ عَلى البِنْتَيْنِ لا يَجُوزُ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ أقَلَّ الجَمَعِ ثَلاثَةٌ، فَأمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما دَعا القَوْمَ إلى الزِّنا بِالنُّسْوانِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ دَعاهم إلى التَّزَوُّجِ بِهِنَّ، وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ دَعاهم إلى التَّزَوُّجِ بِهِنَّ بِشَرْطِ أنْ يُقَدِّمُوا الإيمانَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُؤْمِنَةِ مِنَ الكافِرِ في شَرِيعَتِهِ، وهَكَذا كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ بِدَلِيلِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - زَوَّجَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ مِن أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وكانَ مُشْرِكًا، وزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِن عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١ ]، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١ ]، واخْتَلَفُوا أيْضًا، فَقالَ الأكْثَرُونَ: كانَ لَهُ بِنْتانِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرَ الِاثْنَتَيْنِ بِلَفْظِ الجَمِيعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ [النِّساءِ: ١١ ]، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤ ] وقِيلَ: إنَّهُنَّ كُنَّ أكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٢٨
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ العَمَلِ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ طاهِرًا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ فاسِدٌ؛ ولِأنَّهُ لا طَهارَةَ في نِكاحِ الرَّجُلِ، بَلْ هَذا جارٍ مَجْرى قَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ، والمُرادُ أنَّهُ كَبِيرٌ؛ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصّافّاتِ: ٦٢ ] ولا خَيْرَ فِيها، ولَمّا قالَ أبُو سُفْيانَ: اعْلُ أُحُدُ أوِ اعْلُ هُبَلُ، قالَ النَّبِيُّ: ”«اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ» “، ولا مُقارَبَةَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الصَّنَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ، والحَسَنِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، أنَّهم قَرَءُوا ”هُنَّ أطْهَرُ لَكم“ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾، إلّا أنَّ أكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ خَطَأٌ، قالُوا لَوْ قُرِئَ ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ﴾ كانَ هَذا نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ إلّا أنَّ كَلِمَةَ ”هُنَّ“ قَدْ وقَعَتْ في البَيْنِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَعْلِ ”أطْهَرُ“ حالًا، وطَوَّلُوا فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ ”ولا تُخْزُونِي“ بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ، والباقُونَ بِحَذْفِها لِلتَّخْفِيفِ ودَلالَةِ الكَسْرِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في لَفْظِ ”لا تُخْزُونِي“ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: لا تَفْضَحُونِي في أضْيافِي، يُرِيدُ أنَّهم إذا هَجَمُوا عَلى أضْيافِهِ بِالمَكْرُوهِ لَحِقَتْهُ الفَضِيحَةُ.
والثّانِي: لا تُخْزُونِي في ضَيْفِي، أيْ لا تُخْجِلُونِي فِيهِمْ؛ لِأنَّ مُضِيفَ الضَّيْفِ يَلْزَمُهُ الخَجالَةُ مِن كُلِّ فِعْلٍ قَبِيحٍ يُوصَلُ إلى الضَّيْفِ، يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ إذا اسْتَحْيا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّيْفُ هَهُنا قائِمٌ مَقامَ الأضْيافِ، كَما قامَ الطِّفْلُ مَقامَ الأطْفالِ. في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النُّورِ: ٣١ ] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّيْفُ مَصْدَرًا، فَيُسْتَغْنى عَنْ جَمْعِهِ، كَما يُقالُ: رِجالٌ صُوَّمٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: ”رَشِيدٌ“ بِمَعْنى مُرْشِدٍ، أيْ يَقُولُ الحَقَّ ويَرُدُّ هَؤُلاءِ الأوْباشَ عَنْ أضْيافِي.
والثّانِي: ”رَشِيدٌ“ بِمَعْنى مُرْشَدٌ، والمَعْنى: ألَيْسَ فِيكم رَجُلٌ أرْشَدَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الصَّلاحِ، وأسْعَدَهُ بِالسَّدادِ والرَّشادِ، حَتّى يَمْنَعَ عَنْ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ، والأوَّلُ أوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما لَنا في بَناتِكَ مِن حاجَةٍ ولا شَهْوَةٍ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ نَفْيُ الحَقِّ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الحاجَةِ.
الثّانِي: أنْ نُجْرِيَ اللَّفْظَ عَلى ظاهِرِهِ، فَنَقُولَ: مَعْناهُ أنَّهُنَّ لَسْنَ لَنا بِأزْواجٍ، ولا حَقَّ لَنا فِيهِنَّ ألْبَتَّةَ، ولا يَمِيلُ أيْضًا طَبْعُنا إلَيْهِنَّ، فَكَيْفَ قِيامُهُنَّ مَقامَ العَمَلِ الَّذِي نُرِيدُهُ، وهو إشارَةٌ إلى العَمَلِ الخَبِيثِ.
الثّالِثُ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ لِأنَّكَ دَعَوْتَنا إلى نِكاحِهِنَّ بِشَرْطِ الإيمانِ، ونَحْنُ لا نُجِيبُكَ إلى ذَلِكَ، فَلا يَكُونُ لَنا فِيهِنَّ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ لُوطٍ أنَّهُ عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: لَمَنَعْتُكم ولَبالَغْتُ في دَفْعِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١ ] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنْعامِ: ٢٧ ] قالَ الواحِدِيُّ: وحُذِفَ الجَوابُ هَهُنا لِأنَّ الوَهْمَ يَذْهَبُ إلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَنعِ والدَّفْعِ.
صفحة ٢٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ أيْ لَوْ أنَّ لِي ما أتَقَوّى بِهِ عَلَيْكم، وتَسْمِيَةُ مُوجِبِ القُوَّةِ بِالقُوَّةِ جائِزٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٠ ] والمُرادُ السِّلاحُ، وقالَ آخَرُونَ: القُدْرَةُ عَلى دَفْعِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ المُرادُ مِنهُ المَوْضِعُ الحَصِينُ المَنِيعُ، تَشْبِيهًا لَهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ مِنَ الجَبَلِ.
فَإنْ قِيلَ: ما الوَجْهُ هَهُنا في عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ ؟
قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ﴿أوْ آوِي﴾ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِيًا.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ لا بُدَّ مِن حَمْلِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ عَلى فائِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ كَوْنُهُ بِنَفْسِهِ قادِرًا عَلى الدَّفْعِ، وكَوْنُهُ مُتَمَكِّنًا إمّا بِنَفْسِهِ وإمّا بِمُعاوَنَةِ غَيْرِهِ عَلى قَهْرِهِمْ وتَأْدِيبِهِمْ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ هو أنْ لا يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الدَّفْعِ، لَكِنَّهُ يَقْدِرُ عَلى التَّحَصُّنِ بِحِصْنٍ لِيَأْمَنَ مِن شَرِّهِمْ بِواسِطَتِهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا شاهَدَ سَفاهَةَ القَوْمِ وإقْدامَهم عَلى سُوءِ الأدَبِ تَمَنّى حُصُولَ قُوَّةٍ قَوِيَّةٍ عَلى الدَّفْعِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلى نَفْسِهِ وقالَ: بَلى الأوْلى أنْ آوِيَ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ وهو الِاعْتِصامُ بِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ، ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ لا يَلْزَمُ عَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ؛ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«رَحِمَ اللَّهُ أخِي لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» “ .
هود 11:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في غايَةِ القَلَقِ والحُزْنِ؛ بِسَبَبِ إقْدامِ أُولَئِكَ الأوْباشِ عَلى ما يُوجِبُ الفَضِيحَةَ في حَقِّ أضْيافِهِ، فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ تِلْكَ الحالَةَ بَشَّرُوهُ بِأنْواعٍ مِنَ البِشاراتِ:
أحَدُها: أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لا يَصِلُونَ إلى ما هَمُّوا بِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يُهْلِكُهم.
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى يُنَجِّيهِ مَعَ أهْلِهِ مِن ذَلِكَ العَذابِ.
وخامِسُها: أنَّ رُكْنَكَ شَدِيدٌ، وإنَّ ناصِرَكَ هو اللَّهُ تَعالى، فَحَصَلَ لَهُ هَذِهِ البِشاراتُ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ: إنَّ قَوْمَكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ، فافْتَحِ البابَ، فَدَخَلُوا، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَناحِهِ وُجُوهَهم فَطَمَسَ أعْيُنَهم فَأعْماهم، فَصارُوا لا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ ولا يَهْتَدُونَ إلى بُيُوتِهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القَمَرِ: ٣٧ ] ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أيْ بِسُوءٍ ومَكْرُوهٍ، فَإنّا نُحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ”فاسْرِ“ مَوْصُولَةً، والباقُونَ بِقَطْعِ الألْفِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: سَرَيْتُ بِاللَّيْلِ، وأسْرَيْتُ، وأنْشَدَ حَسّانُ:
صفحة ٣٠
أسْرَتْ إلَيْكَ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
فَجاءَ بِاللُّغَتَيْنِ، فَمَن قَرَأ بِقَطْعِ الألِفِ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١ ] . ومَن وصَلَ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفَجْرِ: ٤ ] والسُّرى: السَّيْرُ في اللَّيْلِ، يُقالُ: سَرى يَسْرِي، إذا سارَ بِاللَّيْلِ وأسْرى بِفُلانٍ، إذا سِيرَ بِهِ بِاللَّيْلِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ بَعْضُهُ، وهو مِثْلُ القِطْعَةِ، يُرِيدُ: اخْرُجُوا لَيْلًا لِتَسْبِقُوا نُزُولَ العَذابِ الَّذِي مَوْعِدُهُ الصُّبْحُ، قالَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ هو آخِرُ اللَّيْلِ سَحَرًا، وقالَ قَتادَةُ: بَعْدَ طائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقالَ آخَرُونَ: هو نِصْفُ اللَّيْلِ، فَإنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ قُطِعَ بِنِصْفَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ نَهى مَن مَعَهُ عَنِ الِالتِفاتِ، والِالتِفاتُ نَظَرُ الإنْسانِ إلى ما وراءَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّهُ كانَ لَهم في البَلْدَةِ أمْوالٌ وأقْمِشَةٌ وأصْدِقاءُ، فالمَلائِكَةُ أمَرُوهم بِأنْ يَخْرُجُوا ويَتْرُكُوا تِلْكَ الأشْياءَ ولا يَلْتَفِتُوا إلَيْها ألْبَتَّةَ، وكانَ المُرادُ مِنهُ قَطْعَ القَلْبِ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، وقَدْ يُرادُ مِنهُ الِانْصِرافُ أيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا﴾ [يُونُسَ: ٧٨ ] أيْ لِتَصْرِفَنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ النَّهْيُ عَنِ التَّخَلُّفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”إلّا امْرَأتُكَ“ بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، قالَ الواحِدِيُّ: مَن نَصَبَ - وهو الِاخْتِيارُ - فَقَدْ جَعَلَها مُسْتَثْناةً مِنَ الأهْلِ عَلى مَعْنى: فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ، والَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ) فَأسْقَطَ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ مِن هَذا المَوْضِعِ، وأمّا الَّذِينَ رَفَعُوا فالتَّقْدِيرُ ”ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ“ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ القِراءَةُ تُوجِبُ أنَّها أُمِرَتْ بِالِالتِفاتِ؛ لِأنَّ القائِلَ إذا قالَ: لا يَقُمْ مِنكم أحَدٌ إلّا زَيْدٌ - كانَ ذَلِكَ أمْرًا لِزَيْدٍ بِالقِيامِ.
وأجابَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ عَنْهُ فَقالَ: مَعْنى ”إلّا“ هَهُنا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ عَلى مَعْنى: لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ، لَكِنِ امْرَأتُكَ تَلْتَفِتُ، فَيُصِيبُها ما أصابَهم، وإذا كانَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا كانَ التِفاتُها مَعْصِيَةً، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا بِما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّها كانَتْ مَعَ لُوطٍ حِينَ خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ، فَلَمّا سَمِعَتْ هَذا العَذابَ التَفَتَتْ وقالَتْ: يا قَوْماهُ، فَأصابَها حَجَرٌ فَأهْلَكَها.
واعْلَمْ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أقْوى؛ لِأنَّ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ تَمْنَعُ مِن خُرُوجِها مَعَ أهْلِهِ، لَكِنْ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ الِاسْتِثْناءُ يَكُونُ مِنَ الأهْلِ، كَأنَّهُ أمَرَ لُوطًا بِأنْ يَخْرُجَ بِأهْلِهِ ويَتْرُكَ هَذِهِ المَرْأةَ، فَإنَّها هالِكَةٌ مَعَ الهالِكِينَ، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَإنَّها أقْوى مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَعَ القِراءَةِ بِالنَّصْبِ يَبْقى الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، ومَعَ القِراءَةِ بِالرَّفْعِ يَصِيرُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم قالُوا: ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ . والمُرادُ أنَّهُ مُصِيبُها ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي أصابَهم، ثُمَّ قالُوا: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ رُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ قالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن ذَلِكَ بَلِ السّاعَةَ، فَقالُوا: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا سَمِعَ هَذا الكَلامَ خَرَجَ بِأهْلِهِ في اللَّيْلِ.
هود 11:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في غايَةِ القَلَقِ والحُزْنِ؛ بِسَبَبِ إقْدامِ أُولَئِكَ الأوْباشِ عَلى ما يُوجِبُ الفَضِيحَةَ في حَقِّ أضْيافِهِ، فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ تِلْكَ الحالَةَ بَشَّرُوهُ بِأنْواعٍ مِنَ البِشاراتِ:
أحَدُها: أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لا يَصِلُونَ إلى ما هَمُّوا بِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يُهْلِكُهم.
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى يُنَجِّيهِ مَعَ أهْلِهِ مِن ذَلِكَ العَذابِ.
وخامِسُها: أنَّ رُكْنَكَ شَدِيدٌ، وإنَّ ناصِرَكَ هو اللَّهُ تَعالى، فَحَصَلَ لَهُ هَذِهِ البِشاراتُ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ: إنَّ قَوْمَكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ، فافْتَحِ البابَ، فَدَخَلُوا، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَناحِهِ وُجُوهَهم فَطَمَسَ أعْيُنَهم فَأعْماهم، فَصارُوا لا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ ولا يَهْتَدُونَ إلى بُيُوتِهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القَمَرِ: ٣٧ ] ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أيْ بِسُوءٍ ومَكْرُوهٍ، فَإنّا نُحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ”فاسْرِ“ مَوْصُولَةً، والباقُونَ بِقَطْعِ الألْفِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: سَرَيْتُ بِاللَّيْلِ، وأسْرَيْتُ، وأنْشَدَ حَسّانُ:
صفحة ٣٠
أسْرَتْ إلَيْكَ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
فَجاءَ بِاللُّغَتَيْنِ، فَمَن قَرَأ بِقَطْعِ الألِفِ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١ ] . ومَن وصَلَ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفَجْرِ: ٤ ] والسُّرى: السَّيْرُ في اللَّيْلِ، يُقالُ: سَرى يَسْرِي، إذا سارَ بِاللَّيْلِ وأسْرى بِفُلانٍ، إذا سِيرَ بِهِ بِاللَّيْلِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ بَعْضُهُ، وهو مِثْلُ القِطْعَةِ، يُرِيدُ: اخْرُجُوا لَيْلًا لِتَسْبِقُوا نُزُولَ العَذابِ الَّذِي مَوْعِدُهُ الصُّبْحُ، قالَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ هو آخِرُ اللَّيْلِ سَحَرًا، وقالَ قَتادَةُ: بَعْدَ طائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقالَ آخَرُونَ: هو نِصْفُ اللَّيْلِ، فَإنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ قُطِعَ بِنِصْفَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ نَهى مَن مَعَهُ عَنِ الِالتِفاتِ، والِالتِفاتُ نَظَرُ الإنْسانِ إلى ما وراءَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّهُ كانَ لَهم في البَلْدَةِ أمْوالٌ وأقْمِشَةٌ وأصْدِقاءُ، فالمَلائِكَةُ أمَرُوهم بِأنْ يَخْرُجُوا ويَتْرُكُوا تِلْكَ الأشْياءَ ولا يَلْتَفِتُوا إلَيْها ألْبَتَّةَ، وكانَ المُرادُ مِنهُ قَطْعَ القَلْبِ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، وقَدْ يُرادُ مِنهُ الِانْصِرافُ أيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا﴾ [يُونُسَ: ٧٨ ] أيْ لِتَصْرِفَنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ النَّهْيُ عَنِ التَّخَلُّفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”إلّا امْرَأتُكَ“ بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، قالَ الواحِدِيُّ: مَن نَصَبَ - وهو الِاخْتِيارُ - فَقَدْ جَعَلَها مُسْتَثْناةً مِنَ الأهْلِ عَلى مَعْنى: فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ، والَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ) فَأسْقَطَ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ مِن هَذا المَوْضِعِ، وأمّا الَّذِينَ رَفَعُوا فالتَّقْدِيرُ ”ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ“ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ القِراءَةُ تُوجِبُ أنَّها أُمِرَتْ بِالِالتِفاتِ؛ لِأنَّ القائِلَ إذا قالَ: لا يَقُمْ مِنكم أحَدٌ إلّا زَيْدٌ - كانَ ذَلِكَ أمْرًا لِزَيْدٍ بِالقِيامِ.
وأجابَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ عَنْهُ فَقالَ: مَعْنى ”إلّا“ هَهُنا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ عَلى مَعْنى: لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ، لَكِنِ امْرَأتُكَ تَلْتَفِتُ، فَيُصِيبُها ما أصابَهم، وإذا كانَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا كانَ التِفاتُها مَعْصِيَةً، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا بِما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّها كانَتْ مَعَ لُوطٍ حِينَ خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ، فَلَمّا سَمِعَتْ هَذا العَذابَ التَفَتَتْ وقالَتْ: يا قَوْماهُ، فَأصابَها حَجَرٌ فَأهْلَكَها.
واعْلَمْ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أقْوى؛ لِأنَّ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ تَمْنَعُ مِن خُرُوجِها مَعَ أهْلِهِ، لَكِنْ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ الِاسْتِثْناءُ يَكُونُ مِنَ الأهْلِ، كَأنَّهُ أمَرَ لُوطًا بِأنْ يَخْرُجَ بِأهْلِهِ ويَتْرُكَ هَذِهِ المَرْأةَ، فَإنَّها هالِكَةٌ مَعَ الهالِكِينَ، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَإنَّها أقْوى مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَعَ القِراءَةِ بِالنَّصْبِ يَبْقى الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، ومَعَ القِراءَةِ بِالرَّفْعِ يَصِيرُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم قالُوا: ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ . والمُرادُ أنَّهُ مُصِيبُها ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي أصابَهم، ثُمَّ قالُوا: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ رُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ قالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن ذَلِكَ بَلِ السّاعَةَ، فَقالُوا: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا سَمِعَ هَذا الكَلامَ خَرَجَ بِأهْلِهِ في اللَّيْلِ.
هود 11:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الأمْرِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الأمْرِ ما هو ضِدُّ النَّهْيِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأمْرِ حَقِيقَةٌ في هَذا المَعْنى مَجازٌ في غَيْرِهِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ.
الثّانِي: أنَّ الأمْرَ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ هَهُنا عَلى العَذابِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ وهَذا الجَعْلُ هو العَذابُ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذا الأمْرَ شَرْطٌ، والعَذابُ جَزاءٌ، والشَّرْطُ غَيْرُ الجَزاءِ، فَهَذا الأمْرُ غَيْرُ العَذابِ، وكُلُّ مَن قالَ بِذَلِكَ قالَ: إنَّهُ هو الأمْرُ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهْيِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٠ ] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِالذَّهابِ إلى قَوْمِ لُوطٍ، وبِإيصالِ هَذا العَذابِ إلَيْهِمْ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ بِأنْ يُخَرِّبُوا تِلْكَ المَدائِنَ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَلَمّا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ إشارَةً إلى ذَلِكَ التَّكْلِيفِ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلُوا عالِيَها سافِلَها؛ لِأنَّ الفِعْلَ صَدَرَ عَنْ ذَلِكَ المَأْمُورِ.
قُلْنا: هَذا لا يَلْزَمُ عَلى مَذْهَبِنا؛ لِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَنا، وأيْضًا أنَّ الَّذِي وقَعَ مِنهم إنَّما وقَعَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وبِقُدْرَتِهِ، فَلَمْ يَبْعُدْ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّ الفِعْلَ كَما تَحْسُنُ إضافَتُهُ إلى المُباشِرِ فَقَدْ تَحْسُنُ أيْضًا إضافَتُهُ إلى السَّبَبِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ هَهُنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠ ] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ الأمْرِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ العَذابَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيُحْتاجُ إلى الإضْمارِ، والمَعْنى: ولَمّا جاءَ وقْتُ عَذابِنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ قَدْ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الوَصْفِ:
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أدْخَلَ جَناحَهُ الواحِدَ تَحْتَ مَدائِنِ قَوْمِ لُوطِ وقَلَعَها، وصَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نَهِيقَ الحَمِيرِ ونُباحَ الكِلابِ وصِياحَ الدُّيُوكِ، ولَمْ تَنْكَفِئْ لَهم جَرَّةٌ ولَمْ يَنْكَبَّ لَهم إناءٌ، ثُمَّ قَلَبَها دَفْعَةً واحِدَةً وضَرَبَها عَلى الأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا العَمَلَ كانَ مُعْجِزَةً قاهِرَةً مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَلْعَ الأرْضِ وإصْعادَها إلى قَرِيبٍ مِنَ
صفحة ٣٢
السَّماءِ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعاداتِ.
والثّانِي: أنَّ ضَرْبَها مِن ذَلِكَ البُعْدِ البَعِيدِ عَلى الأرْضِ بِحَيْثُ لَمْ تَتَحَرَّكْ سائِرُ القُرى المُحِيطَةِ بِها ألْبَتَّةَ، ولَمْ تَصِلِ الآفَةُ إلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ مَعَ قُرْبِ مَكانِهِمْ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ - مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ أيْضًا.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾، واخْتَلَفُوا في السِّجِّيلِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ سنككل، وأنَّهُ شَيْءٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الحَجَرِ والطِّينِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ في غايَةِ الصَّلابَةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: لَمّا عَرَّبَتْهُ العَرَبُ صارَ عَرَبِيًّا، وقَدْ عَرَّبَتْ حُرُوفًا كَثِيرَةً؛ كالدِّيباجِ، والدِّيوانِ، والإسْتَبْرَقِ.
والثّانِي: سِجِّيلٌ، أيْ مِثْلُ السَّجْلِ وهو الدَّلْوُ العَظِيمُ.
والثّالِثُ: سِجِّيلٌ، أيْ شَدِيدٌ مِنَ الحِجارَةِ.
الرّابِعُ: مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ مِن أسْجَلْتُهُ إذا أرْسَلْتَهُ، وهو فَعِيلٌ مِنهُ.
الخامِسُ: مِن أسْجَلْتُهُ، أيْ أعْطَيْتُهُ، تَقْدِيرُهُ: مِثْلُ العَطِيَّةِ في الإدْرارِ، وقِيلَ: كانَ كُتِبَ عَلَيْها أسامِي المُعَذَّبِينَ.
السّادِسُ: وهو مِنَ السِّجِلِّ، وهو الكِتابُ، تَقْدِيرُهُ: مِن مَكْتُوبٍ في الأزَلِ، أيْ كَتَبَ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها، والسِّجِّيلُ أُخِذَ مِنَ السَّجْلِ، وهو الدَّلْوُ العَظِيمَةُ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أحْكامًا كَثِيرَةً، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ المُساجَلَةِ وهي المُفاخِرَةُ.
والسّابِعُ: مِن سِجِّيلٍ أيْ مِن جَهَنَّمَ، أُبْدِلَتِ النُّونُ لامًا.
والثّامِنُ: مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وتُسَمّى سِجِّيلًا عَنْ أبِي زَيْدٍ.
والتّاسِعُ: السِّجِّيلُ الطِّينُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذّارِياتِ: ٣٣ ] وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ، قالَ الحَسَنُ: كانَ أصْلُ الحَجَرِ هو مِنَ الطِّينِ، إلّا أنَّهُ صَلُبَ بِمُرُورِ الزَّمانِ.
والعاشِرُ: سِجِّيلٌ مَوْضِعُ الحِجارَةِ، وهي جِبالٌ مَخْصُوصَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣ ] .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الحِجارَةَ بِصِفاتٍ:
فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها مِن سِجِّيلٍ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنضُودٍ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: هو مَفْعُولٌ مِنَ النَّضْدِ، وهو مَوْضِعُ الشَّيْءِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ الحِجارَةَ كانَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ في النُّزُولِ، فَأُتِيَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ حَجَرٍ فَإنَّ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ مَنضُودٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ومُلْتَصِقٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ خَلَقَها في مَعادِنِها، ونَضَّدَ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ، وأعَدَّها لِإهْلاكِ الظَّلَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَنضُودٍ﴾ صِفَةٌ لِلسِّجِّيلِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مُسَوَّمَةً، وهَذِهِ الصِّفَةُ صِفَةٌ لِلْأحْجارِ، ومَعْناها المُعَلَّمَةُ، وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤ ] واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ العَلامَةِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ صالِحٍ: رَأيْتُ مِنها عِنْدَ أُمِّ هانِئٍ حِجارَةً فِيها خُطُوطٌ حُمْرٌ عَلى هَيْئَةِ الجِزْعِ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ عَلَيْها سِيما لا تُشارِكُ حِجارَةَ الأرْضِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِلْعَذابِ.
الرّابِعُ: قالَ الرَّبِيعُ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ في خَزائِنِهِ الَّتِي لا يَتَصَرَّفُ فِيها أحَدٌ إلّا هو.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ يَعْنِي بِهِ كُفّارَ مَكَّةَ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى يَرْمِيهِمْ بِها، عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: «سَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ هَذا»، فَقالَ: يَعْنِي عَنْ ظالِمِي أُمَّتِكَ، ما مِن ظالِمٍ مِنهم إلّا وهو بِمَعْرِضِ حَجَرٍ يَسْقُطُ عَلَيْهِ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وما هِيَ﴾ لِلْقُرى. أيْ وما تِلْكَ
صفحة ٣٣
القُرى الَّتِي وقَعَتْ فِيها هَذِهِ الواقِعَةُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ بِبَعِيدٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القُرى كانَتْ في الشَّأْمِ، وهي قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ.
هود 11:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. واعْلَمْ أنَّ مَدِينَ اسْمُ ابْنٍ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَدْيَنَ اسْمُ مَدِينَةٍ بَناها مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والمَعْنى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: وأرْسَلْنا إلى أهْلِ مَدْيَنَ - فَحُذِفَ الأهْلُ.
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَشْرَعُونَ في أوَّلِ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ فَلِهَذا قالَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ يَشْرَعُونَ في الأهَمِّ ثُمَّ الأهَمِّ، ولَمّا كانَ المُعْتادُ مِن أهْلِ مَدْيَنَ البَخْسَ في المِكْيالِ والمِيزانِ، دَعاهم إلى تَرْكِ هَذِهِ العادَةِ فَقالَ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ والنَّقْصُ فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الإيفاءُ مِن قِبَلِهِمْ، فَيَنْقُصُونَ مِن قَدْرِهِ.
والآخَرُ: أنْ يَكُونَ لَهُمُ الِاسْتِيفاءُ فَيَأْخُذُونَ أزْيَدَ مِنَ الواجِبِ، وذَلِكَ يُوجِبُ نُقْصانَ حَقِّ الغَيْرِ، وفي القِسْمَيْنِ حَصَلَ النُّقْصانُ في حَقِّ الغَيْرِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حَذَّرَهم مِن غَلاءِ السِّعْرِ وزَوالِ النِّعْمَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا، فَكَأنَّهُ قالَ: اتْرُكُوا هَذا التَّطْفِيفَ وإلّا أزالَ اللَّهُ عَنْكم ما حَصَلَ عِنْدَكم مِنَ الخَيْرِ والرّاحَةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى أتاكم بِالخَيْرِ الكَثِيرِ والمالِ والرُّخْصِ والسَّعَةِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا التَّطْفِيفِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أخافُ أيْ أعْلَمُ حُصُولَ عَذابِ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ هو الخَوْفُ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ العَمَلَ خَشْيَةَ أنْ يَحْصُلَ لَهُمُ العَذابُ، ولَمّا كانَ هَذا التَّخْوِيفُ قائِمًا فالحاصِلُ هو الظَّنُّ لا العِلْمُ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ يُحِيطُ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنهُ أحَدٌ، والمُحِيطُ مِن صِفَةِ اليَوْمِ في الظّاهِرِ، وفي المَعْنى مِن صِفَةِ العَذابِ، وذَلِكَ مَجازٌ مَشْهُورٌ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هُودٍ: ٧٧ ] .
صفحة ٣٤
البَحْثُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا العَذابِ، فَقالَ بَعْضُهم: هو عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي نُصِبَ لِإحاطَةِ العَذابِ بِالمُعَذَّبِينَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ عَذابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ مِنهُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا كَما في حَقِّ سائِرِ الأنْبِياءِ، والأقْرَبُ دُخُولُ كُلِّ عَذابٍ فِيهِ، وإحاطَةُ العَذابِ بِهِمْ كَإحاطَةِ الدّائِرَةِ بِما في داخِلِها، فَيَنالُهم مِن كُلِّ وجْهٍ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الوَعْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكَهْفِ: ٤٢ ] ثُمَّ قالَ: ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: وقَعَ التَّكْرِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ لِأنَّهُ قالَ أوَّلًا: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ وهَذا عَيْنُ الأوَّلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ وهَذا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟
قُلْنا: إنَّ فِيهِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، فاحْتِيجَ في المَنعِ مِنهُ إلى المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، والتَّكْرِيرُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وشِدَّةَ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نَهْيٌ عَنِ التَّنْقِيصِ، وقَوْلَهُ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمْرٌ بِإيفاءِ العَدْلِ، والنَّهْيُ عَنْ ضِدِّ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِلْأمْرِ بِهِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النَّهْيُ عَنْ ضِدِّ الشَّيْءِ أمْرٌ بِهِ، فَكانَ التَّكْرِيرُ لازِمًا مِن هَذا الوَجْهِ؛ لِأنّا نَقُولُ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَمَعَ بَيْنَ الأمْرِ والشَّيْءِ وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: صِلْ قَرابَتَكَ ولا تَقْطَعْهم، فَيَدُلُّ هَذا الجَمْعُ عَلى غايَةِ التَّأْكِيدِ.
الثّانِي: أنْ نَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُمْ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْهى عَنِ التَّنْقِيصِ ويَنْهى أيْضًا عَنْ أصْلِ المُعامَلَةِ، فَهو تَعالى مَنَعَ مِنَ التَّنْقِيصِ وأمَرَ بِإيفاءِ الحَقِّ؛ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَمْنَعْ عَنِ المُعامَلاتِ، ولَمْ يَنْهَ عَنِ المُبايَعاتِ، وإنَّما مَنَعَ مِنَ التَّطْفِيفِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ طائِفَةً مِنَ النّاسِ يَقُولُونَ: إنَّ المُبايَعاتِ لا تَنْفَكُّ عَنِ التَّطْفِيفِ ومَنعِ الحُقُوقِ، فَكانَتِ المُبايَعاتُ مُحَرَّمَةً بِالكُلِّيَّةِ، فَلِأجْلِ إبْطالِ هَذا الخَيالِ مَنَعَ تَعالى في الآيَةِ الأُولى مِنَ التَّطْفِيفِ وفي الآيَةِ الأُخْرى أمَرَ بِالإيفاءِ، وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ فَلَيْسَ بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ المَنعَ في الآيَةِ السّابِقَةِ بِالنُّقْصانِ في المِكْيالِ والمِيزانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَمَّ الحُكْمَ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَظَهَرَ بِهَذا البَيانِ أنَّها غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ، بَلْ في كُلِّ واحِدٍ مِنها فائِدَةٌ زائِدَةٌ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ وفي الثّانِيَةِ قالَ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ والإيفاءُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ، ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلّا إذا أعْطى قَدْرًا زائِدًا عَلى الحَقِّ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِغَسْلِ الوَجْهِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ غَسْلِ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الرَّأْسِ، فالحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى نَهى عَنِ النُّقْصانِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ أمَرَ بِإعْطاءِ قَدْرٍ مِنَ الزِّيادَةِ، ولا يَحْصُلُ الجَزْمُ واليَقِينُ بِأداءِ الواجِبِ إلّا عِنْدَ أداءِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الزِّيادَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى أوَّلًا عَنْ سَعْيِ الإنْسانِ في أنْ يَجْعَلَ مالَ غَيْرِهِ ناقِصًا لِتَحْصُلَ لَهُ تِلْكَ الزِّيادَةُ، وفي الثّانِيَةِ أمَرَ بِالسَّعْيِ في تَنْقِيصِ مالِ نَفْسِهِ لِيَخْرُجَ بِاليَقِينِ عَنِ العُهْدَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ يَعْنِي بِالعَدْلِ، ومَعْناهُ الأمْرُ بِإيفاءِ الحَقِّ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مَعَهُ اليَقِينُ بِالخُرُوجِ عَنِ العُهْدَةِ، فالأمْرُ بِإيتاءِ الزِّيادَةِ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ حاصِلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ والبَخْسُ هو النَّقْصُ في كُلِّ الأشْياءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الآيَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى المَنعِ مِنَ النَّقْصِ
صفحة ٣٥
فِي المِكْيالِ والمِيزانِ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى المَنعِ مِنَ النَّقْصِ في كُلِّ الأشْياءِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: العَثْوُ: الفَسادُ التّامُّ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ جارٍ مَجْرى أنْ يُقالَ: ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ.
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ مَن سَعى في إيصالِ الضَّرَرِ إلى الغَيْرِ فَقَدْ حَمَلَ ذَلِكَ الغَيْرَ عَلى السَّعْيِ إلى إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ مَعْناهُ: ولا تَسْعَوْا في إفْسادِ مَصالِحِ الغَيْرِ، فَإنَّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ سَعْيٌ مِنكم في إفْسادِ مَصالِحِ أنْفُسِكم.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ مَصالِحَ دُنْياكم وآخِرَتِكم.
والثّالِثُ: ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ مَصالِحَ الأدْيانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قُرِئَ ”تَقِيَّةُ اللَّهِ“ وهي تَقْواهُ ومُراقَبَتُهُ الَّتِي تَصْرِفُ عَنِ المَعاصِي، ثُمَّ نَقُولُ: المَعْنى: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ، يَعْنِي: المالُ الحَلالُ الَّذِي يَبْقى لَكم خَيْرٌ مِن تِلْكَ الزِّيادَةِ الحاصِلَةِ بِطَرِيقِ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ، وقالَ الحَسَنُ: ”بَقِيَّةُ اللَّهِ“، أيْ طاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم مِن ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ؛ لِأنَّ ثَوابَ الطّاعَةِ يَبْقى أبَدًا، وقالَ قَتادَةُ: حَظُّكم مِن رَبِّكم خَيْرٌ لَكم، وأقُولُ: المُرادُ مِن هَذِهِ البَقِيَّةِ إمّا المالُ الَّذِي يُبْقى عَلَيْهِ في الدُّنْيا، وإمّا ثَوابُ اللَّهِ، وإمّا كَوْنُهُ تَعالى راضِيًا عَنْهُ، والكُلُّ خَيْرٌ مِن قَدْرِ التَّطْفِيفِ، أمّا المالُ الباقِي فَلِأنَّ النّاسَ إذا عَرَفُوا إنْسانًا بِالصِّدْقِ، والأمانَةِ، والبُعْدِ عَنِ الخِيانَةِ، اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ ورَجَعُوا في كُلِّ المُعامَلاتِ إلَيْهِ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ بابُ الرِّزْقِ، وإذا عَرَفُوهُ بِالخِيانَةِ والمَكْرِ، انْصَرَفُوا عَنْهُ، ولَمْ يُخالِطُوهُ البَتَّةَ، فَتُضَيَّقُ أبْوابُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وأمّا إنْ حَمَلْنا هَذِهِ البَقِيَّةَ عَلى الثَّوابِ، فالأمْرُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ كُلَّ الدُّنْيا تَفْنى وتَنْقَرِضُ، وثَوابُ اللَّهِ باقٍ، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى حُصُولِ رِضا اللَّهِ تَعالى، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّ بَقِيَّةَ اللَّهِ خَيْرٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ في كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم؛ لِأنَّهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِالثَّوابِ والعِقابِ، عَرَفُوا أنَّ السَّعْيَ في تَحْصِيلِ الثَّوابِ وفي الحَذَرِ مِنَ العِقابِ خَيْرٌ لَهم مِنَ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ القَلِيلِ.
واعْلَمْ أنَّ المُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ مَن لَمْ يَحْتَرِزْ عَنْ هَذا التَّطْفِيفِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنِّي نَصَحْتُكم وأرْشَدْتُكم إلى الخَيْرِ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أيْ لا قُدْرَةَ لِي عَلى مَنعِكم عَنْ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ أشارَ فِيما تَقَدَّمَ إلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ يُوجِبُ زَوالَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ يَعْنِي لَوْ لَمْ تَتْرُكُوا هَذا العَمَلَ القَبِيحَ لَزالَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَنْكم، وأنا لا أقْدِرُ عَلى حِفْظِها عَلَيْكم في تِلْكَ الحالَةِ.
هود 11:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. واعْلَمْ أنَّ مَدِينَ اسْمُ ابْنٍ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَدْيَنَ اسْمُ مَدِينَةٍ بَناها مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والمَعْنى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: وأرْسَلْنا إلى أهْلِ مَدْيَنَ - فَحُذِفَ الأهْلُ.
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَشْرَعُونَ في أوَّلِ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ فَلِهَذا قالَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ يَشْرَعُونَ في الأهَمِّ ثُمَّ الأهَمِّ، ولَمّا كانَ المُعْتادُ مِن أهْلِ مَدْيَنَ البَخْسَ في المِكْيالِ والمِيزانِ، دَعاهم إلى تَرْكِ هَذِهِ العادَةِ فَقالَ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ والنَّقْصُ فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الإيفاءُ مِن قِبَلِهِمْ، فَيَنْقُصُونَ مِن قَدْرِهِ.
والآخَرُ: أنْ يَكُونَ لَهُمُ الِاسْتِيفاءُ فَيَأْخُذُونَ أزْيَدَ مِنَ الواجِبِ، وذَلِكَ يُوجِبُ نُقْصانَ حَقِّ الغَيْرِ، وفي القِسْمَيْنِ حَصَلَ النُّقْصانُ في حَقِّ الغَيْرِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حَذَّرَهم مِن غَلاءِ السِّعْرِ وزَوالِ النِّعْمَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا، فَكَأنَّهُ قالَ: اتْرُكُوا هَذا التَّطْفِيفَ وإلّا أزالَ اللَّهُ عَنْكم ما حَصَلَ عِنْدَكم مِنَ الخَيْرِ والرّاحَةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى أتاكم بِالخَيْرِ الكَثِيرِ والمالِ والرُّخْصِ والسَّعَةِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا التَّطْفِيفِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أخافُ أيْ أعْلَمُ حُصُولَ عَذابِ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ هو الخَوْفُ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ العَمَلَ خَشْيَةَ أنْ يَحْصُلَ لَهُمُ العَذابُ، ولَمّا كانَ هَذا التَّخْوِيفُ قائِمًا فالحاصِلُ هو الظَّنُّ لا العِلْمُ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ يُحِيطُ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنهُ أحَدٌ، والمُحِيطُ مِن صِفَةِ اليَوْمِ في الظّاهِرِ، وفي المَعْنى مِن صِفَةِ العَذابِ، وذَلِكَ مَجازٌ مَشْهُورٌ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هُودٍ: ٧٧ ] .
صفحة ٣٤
البَحْثُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا العَذابِ، فَقالَ بَعْضُهم: هو عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي نُصِبَ لِإحاطَةِ العَذابِ بِالمُعَذَّبِينَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ عَذابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ مِنهُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا كَما في حَقِّ سائِرِ الأنْبِياءِ، والأقْرَبُ دُخُولُ كُلِّ عَذابٍ فِيهِ، وإحاطَةُ العَذابِ بِهِمْ كَإحاطَةِ الدّائِرَةِ بِما في داخِلِها، فَيَنالُهم مِن كُلِّ وجْهٍ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الوَعْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكَهْفِ: ٤٢ ] ثُمَّ قالَ: ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: وقَعَ التَّكْرِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ لِأنَّهُ قالَ أوَّلًا: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ وهَذا عَيْنُ الأوَّلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ وهَذا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟
قُلْنا: إنَّ فِيهِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، فاحْتِيجَ في المَنعِ مِنهُ إلى المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، والتَّكْرِيرُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وشِدَّةَ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نَهْيٌ عَنِ التَّنْقِيصِ، وقَوْلَهُ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمْرٌ بِإيفاءِ العَدْلِ، والنَّهْيُ عَنْ ضِدِّ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِلْأمْرِ بِهِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النَّهْيُ عَنْ ضِدِّ الشَّيْءِ أمْرٌ بِهِ، فَكانَ التَّكْرِيرُ لازِمًا مِن هَذا الوَجْهِ؛ لِأنّا نَقُولُ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَمَعَ بَيْنَ الأمْرِ والشَّيْءِ وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: صِلْ قَرابَتَكَ ولا تَقْطَعْهم، فَيَدُلُّ هَذا الجَمْعُ عَلى غايَةِ التَّأْكِيدِ.
الثّانِي: أنْ نَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُمْ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْهى عَنِ التَّنْقِيصِ ويَنْهى أيْضًا عَنْ أصْلِ المُعامَلَةِ، فَهو تَعالى مَنَعَ مِنَ التَّنْقِيصِ وأمَرَ بِإيفاءِ الحَقِّ؛ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَمْنَعْ عَنِ المُعامَلاتِ، ولَمْ يَنْهَ عَنِ المُبايَعاتِ، وإنَّما مَنَعَ مِنَ التَّطْفِيفِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ طائِفَةً مِنَ النّاسِ يَقُولُونَ: إنَّ المُبايَعاتِ لا تَنْفَكُّ عَنِ التَّطْفِيفِ ومَنعِ الحُقُوقِ، فَكانَتِ المُبايَعاتُ مُحَرَّمَةً بِالكُلِّيَّةِ، فَلِأجْلِ إبْطالِ هَذا الخَيالِ مَنَعَ تَعالى في الآيَةِ الأُولى مِنَ التَّطْفِيفِ وفي الآيَةِ الأُخْرى أمَرَ بِالإيفاءِ، وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ فَلَيْسَ بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ المَنعَ في الآيَةِ السّابِقَةِ بِالنُّقْصانِ في المِكْيالِ والمِيزانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَمَّ الحُكْمَ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَظَهَرَ بِهَذا البَيانِ أنَّها غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ، بَلْ في كُلِّ واحِدٍ مِنها فائِدَةٌ زائِدَةٌ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ وفي الثّانِيَةِ قالَ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ والإيفاءُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ، ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلّا إذا أعْطى قَدْرًا زائِدًا عَلى الحَقِّ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِغَسْلِ الوَجْهِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ غَسْلِ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الرَّأْسِ، فالحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى نَهى عَنِ النُّقْصانِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ أمَرَ بِإعْطاءِ قَدْرٍ مِنَ الزِّيادَةِ، ولا يَحْصُلُ الجَزْمُ واليَقِينُ بِأداءِ الواجِبِ إلّا عِنْدَ أداءِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الزِّيادَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى أوَّلًا عَنْ سَعْيِ الإنْسانِ في أنْ يَجْعَلَ مالَ غَيْرِهِ ناقِصًا لِتَحْصُلَ لَهُ تِلْكَ الزِّيادَةُ، وفي الثّانِيَةِ أمَرَ بِالسَّعْيِ في تَنْقِيصِ مالِ نَفْسِهِ لِيَخْرُجَ بِاليَقِينِ عَنِ العُهْدَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ يَعْنِي بِالعَدْلِ، ومَعْناهُ الأمْرُ بِإيفاءِ الحَقِّ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مَعَهُ اليَقِينُ بِالخُرُوجِ عَنِ العُهْدَةِ، فالأمْرُ بِإيتاءِ الزِّيادَةِ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ حاصِلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ والبَخْسُ هو النَّقْصُ في كُلِّ الأشْياءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الآيَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى المَنعِ مِنَ النَّقْصِ
صفحة ٣٥
فِي المِكْيالِ والمِيزانِ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى المَنعِ مِنَ النَّقْصِ في كُلِّ الأشْياءِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: العَثْوُ: الفَسادُ التّامُّ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ جارٍ مَجْرى أنْ يُقالَ: ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ.
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ مَن سَعى في إيصالِ الضَّرَرِ إلى الغَيْرِ فَقَدْ حَمَلَ ذَلِكَ الغَيْرَ عَلى السَّعْيِ إلى إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ مَعْناهُ: ولا تَسْعَوْا في إفْسادِ مَصالِحِ الغَيْرِ، فَإنَّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ سَعْيٌ مِنكم في إفْسادِ مَصالِحِ أنْفُسِكم.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ مَصالِحَ دُنْياكم وآخِرَتِكم.
والثّالِثُ: ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ مَصالِحَ الأدْيانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قُرِئَ ”تَقِيَّةُ اللَّهِ“ وهي تَقْواهُ ومُراقَبَتُهُ الَّتِي تَصْرِفُ عَنِ المَعاصِي، ثُمَّ نَقُولُ: المَعْنى: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ، يَعْنِي: المالُ الحَلالُ الَّذِي يَبْقى لَكم خَيْرٌ مِن تِلْكَ الزِّيادَةِ الحاصِلَةِ بِطَرِيقِ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ، وقالَ الحَسَنُ: ”بَقِيَّةُ اللَّهِ“، أيْ طاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم مِن ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ؛ لِأنَّ ثَوابَ الطّاعَةِ يَبْقى أبَدًا، وقالَ قَتادَةُ: حَظُّكم مِن رَبِّكم خَيْرٌ لَكم، وأقُولُ: المُرادُ مِن هَذِهِ البَقِيَّةِ إمّا المالُ الَّذِي يُبْقى عَلَيْهِ في الدُّنْيا، وإمّا ثَوابُ اللَّهِ، وإمّا كَوْنُهُ تَعالى راضِيًا عَنْهُ، والكُلُّ خَيْرٌ مِن قَدْرِ التَّطْفِيفِ، أمّا المالُ الباقِي فَلِأنَّ النّاسَ إذا عَرَفُوا إنْسانًا بِالصِّدْقِ، والأمانَةِ، والبُعْدِ عَنِ الخِيانَةِ، اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ ورَجَعُوا في كُلِّ المُعامَلاتِ إلَيْهِ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ بابُ الرِّزْقِ، وإذا عَرَفُوهُ بِالخِيانَةِ والمَكْرِ، انْصَرَفُوا عَنْهُ، ولَمْ يُخالِطُوهُ البَتَّةَ، فَتُضَيَّقُ أبْوابُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وأمّا إنْ حَمَلْنا هَذِهِ البَقِيَّةَ عَلى الثَّوابِ، فالأمْرُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ كُلَّ الدُّنْيا تَفْنى وتَنْقَرِضُ، وثَوابُ اللَّهِ باقٍ، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى حُصُولِ رِضا اللَّهِ تَعالى، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّ بَقِيَّةَ اللَّهِ خَيْرٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ في كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم؛ لِأنَّهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِالثَّوابِ والعِقابِ، عَرَفُوا أنَّ السَّعْيَ في تَحْصِيلِ الثَّوابِ وفي الحَذَرِ مِنَ العِقابِ خَيْرٌ لَهم مِنَ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ القَلِيلِ.
واعْلَمْ أنَّ المُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ مَن لَمْ يَحْتَرِزْ عَنْ هَذا التَّطْفِيفِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنِّي نَصَحْتُكم وأرْشَدْتُكم إلى الخَيْرِ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أيْ لا قُدْرَةَ لِي عَلى مَنعِكم عَنْ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ أشارَ فِيما تَقَدَّمَ إلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ يُوجِبُ زَوالَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ يَعْنِي لَوْ لَمْ تَتْرُكُوا هَذا العَمَلَ القَبِيحَ لَزالَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَنْكم، وأنا لا أقْدِرُ عَلى حِفْظِها عَلَيْكم في تِلْكَ الحالَةِ.
هود 11:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. واعْلَمْ أنَّ مَدِينَ اسْمُ ابْنٍ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَدْيَنَ اسْمُ مَدِينَةٍ بَناها مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والمَعْنى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: وأرْسَلْنا إلى أهْلِ مَدْيَنَ - فَحُذِفَ الأهْلُ.
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَشْرَعُونَ في أوَّلِ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ فَلِهَذا قالَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ يَشْرَعُونَ في الأهَمِّ ثُمَّ الأهَمِّ، ولَمّا كانَ المُعْتادُ مِن أهْلِ مَدْيَنَ البَخْسَ في المِكْيالِ والمِيزانِ، دَعاهم إلى تَرْكِ هَذِهِ العادَةِ فَقالَ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ والنَّقْصُ فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الإيفاءُ مِن قِبَلِهِمْ، فَيَنْقُصُونَ مِن قَدْرِهِ.
والآخَرُ: أنْ يَكُونَ لَهُمُ الِاسْتِيفاءُ فَيَأْخُذُونَ أزْيَدَ مِنَ الواجِبِ، وذَلِكَ يُوجِبُ نُقْصانَ حَقِّ الغَيْرِ، وفي القِسْمَيْنِ حَصَلَ النُّقْصانُ في حَقِّ الغَيْرِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حَذَّرَهم مِن غَلاءِ السِّعْرِ وزَوالِ النِّعْمَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا، فَكَأنَّهُ قالَ: اتْرُكُوا هَذا التَّطْفِيفَ وإلّا أزالَ اللَّهُ عَنْكم ما حَصَلَ عِنْدَكم مِنَ الخَيْرِ والرّاحَةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى أتاكم بِالخَيْرِ الكَثِيرِ والمالِ والرُّخْصِ والسَّعَةِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا التَّطْفِيفِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أخافُ أيْ أعْلَمُ حُصُولَ عَذابِ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ هو الخَوْفُ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ العَمَلَ خَشْيَةَ أنْ يَحْصُلَ لَهُمُ العَذابُ، ولَمّا كانَ هَذا التَّخْوِيفُ قائِمًا فالحاصِلُ هو الظَّنُّ لا العِلْمُ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ يُحِيطُ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنهُ أحَدٌ، والمُحِيطُ مِن صِفَةِ اليَوْمِ في الظّاهِرِ، وفي المَعْنى مِن صِفَةِ العَذابِ، وذَلِكَ مَجازٌ مَشْهُورٌ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هُودٍ: ٧٧ ] .
صفحة ٣٤
البَحْثُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا العَذابِ، فَقالَ بَعْضُهم: هو عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي نُصِبَ لِإحاطَةِ العَذابِ بِالمُعَذَّبِينَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ عَذابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ مِنهُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا كَما في حَقِّ سائِرِ الأنْبِياءِ، والأقْرَبُ دُخُولُ كُلِّ عَذابٍ فِيهِ، وإحاطَةُ العَذابِ بِهِمْ كَإحاطَةِ الدّائِرَةِ بِما في داخِلِها، فَيَنالُهم مِن كُلِّ وجْهٍ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الوَعْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكَهْفِ: ٤٢ ] ثُمَّ قالَ: ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: وقَعَ التَّكْرِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ لِأنَّهُ قالَ أوَّلًا: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ وهَذا عَيْنُ الأوَّلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ وهَذا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟
قُلْنا: إنَّ فِيهِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، فاحْتِيجَ في المَنعِ مِنهُ إلى المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، والتَّكْرِيرُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وشِدَّةَ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نَهْيٌ عَنِ التَّنْقِيصِ، وقَوْلَهُ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمْرٌ بِإيفاءِ العَدْلِ، والنَّهْيُ عَنْ ضِدِّ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِلْأمْرِ بِهِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النَّهْيُ عَنْ ضِدِّ الشَّيْءِ أمْرٌ بِهِ، فَكانَ التَّكْرِيرُ لازِمًا مِن هَذا الوَجْهِ؛ لِأنّا نَقُولُ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَمَعَ بَيْنَ الأمْرِ والشَّيْءِ وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: صِلْ قَرابَتَكَ ولا تَقْطَعْهم، فَيَدُلُّ هَذا الجَمْعُ عَلى غايَةِ التَّأْكِيدِ.
الثّانِي: أنْ نَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُمْ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْهى عَنِ التَّنْقِيصِ ويَنْهى أيْضًا عَنْ أصْلِ المُعامَلَةِ، فَهو تَعالى مَنَعَ مِنَ التَّنْقِيصِ وأمَرَ بِإيفاءِ الحَقِّ؛ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَمْنَعْ عَنِ المُعامَلاتِ، ولَمْ يَنْهَ عَنِ المُبايَعاتِ، وإنَّما مَنَعَ مِنَ التَّطْفِيفِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ طائِفَةً مِنَ النّاسِ يَقُولُونَ: إنَّ المُبايَعاتِ لا تَنْفَكُّ عَنِ التَّطْفِيفِ ومَنعِ الحُقُوقِ، فَكانَتِ المُبايَعاتُ مُحَرَّمَةً بِالكُلِّيَّةِ، فَلِأجْلِ إبْطالِ هَذا الخَيالِ مَنَعَ تَعالى في الآيَةِ الأُولى مِنَ التَّطْفِيفِ وفي الآيَةِ الأُخْرى أمَرَ بِالإيفاءِ، وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ فَلَيْسَ بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ المَنعَ في الآيَةِ السّابِقَةِ بِالنُّقْصانِ في المِكْيالِ والمِيزانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَمَّ الحُكْمَ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَظَهَرَ بِهَذا البَيانِ أنَّها غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ، بَلْ في كُلِّ واحِدٍ مِنها فائِدَةٌ زائِدَةٌ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ وفي الثّانِيَةِ قالَ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ والإيفاءُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ، ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلّا إذا أعْطى قَدْرًا زائِدًا عَلى الحَقِّ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِغَسْلِ الوَجْهِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ غَسْلِ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الرَّأْسِ، فالحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى نَهى عَنِ النُّقْصانِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ أمَرَ بِإعْطاءِ قَدْرٍ مِنَ الزِّيادَةِ، ولا يَحْصُلُ الجَزْمُ واليَقِينُ بِأداءِ الواجِبِ إلّا عِنْدَ أداءِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الزِّيادَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى أوَّلًا عَنْ سَعْيِ الإنْسانِ في أنْ يَجْعَلَ مالَ غَيْرِهِ ناقِصًا لِتَحْصُلَ لَهُ تِلْكَ الزِّيادَةُ، وفي الثّانِيَةِ أمَرَ بِالسَّعْيِ في تَنْقِيصِ مالِ نَفْسِهِ لِيَخْرُجَ بِاليَقِينِ عَنِ العُهْدَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ يَعْنِي بِالعَدْلِ، ومَعْناهُ الأمْرُ بِإيفاءِ الحَقِّ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مَعَهُ اليَقِينُ بِالخُرُوجِ عَنِ العُهْدَةِ، فالأمْرُ بِإيتاءِ الزِّيادَةِ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ حاصِلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ والبَخْسُ هو النَّقْصُ في كُلِّ الأشْياءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الآيَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى المَنعِ مِنَ النَّقْصِ
صفحة ٣٥
فِي المِكْيالِ والمِيزانِ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى المَنعِ مِنَ النَّقْصِ في كُلِّ الأشْياءِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: العَثْوُ: الفَسادُ التّامُّ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ جارٍ مَجْرى أنْ يُقالَ: ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ.
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ مَن سَعى في إيصالِ الضَّرَرِ إلى الغَيْرِ فَقَدْ حَمَلَ ذَلِكَ الغَيْرَ عَلى السَّعْيِ إلى إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ مَعْناهُ: ولا تَسْعَوْا في إفْسادِ مَصالِحِ الغَيْرِ، فَإنَّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ سَعْيٌ مِنكم في إفْسادِ مَصالِحِ أنْفُسِكم.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ مَصالِحَ دُنْياكم وآخِرَتِكم.
والثّالِثُ: ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ مَصالِحَ الأدْيانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قُرِئَ ”تَقِيَّةُ اللَّهِ“ وهي تَقْواهُ ومُراقَبَتُهُ الَّتِي تَصْرِفُ عَنِ المَعاصِي، ثُمَّ نَقُولُ: المَعْنى: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ، يَعْنِي: المالُ الحَلالُ الَّذِي يَبْقى لَكم خَيْرٌ مِن تِلْكَ الزِّيادَةِ الحاصِلَةِ بِطَرِيقِ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ، وقالَ الحَسَنُ: ”بَقِيَّةُ اللَّهِ“، أيْ طاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم مِن ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ؛ لِأنَّ ثَوابَ الطّاعَةِ يَبْقى أبَدًا، وقالَ قَتادَةُ: حَظُّكم مِن رَبِّكم خَيْرٌ لَكم، وأقُولُ: المُرادُ مِن هَذِهِ البَقِيَّةِ إمّا المالُ الَّذِي يُبْقى عَلَيْهِ في الدُّنْيا، وإمّا ثَوابُ اللَّهِ، وإمّا كَوْنُهُ تَعالى راضِيًا عَنْهُ، والكُلُّ خَيْرٌ مِن قَدْرِ التَّطْفِيفِ، أمّا المالُ الباقِي فَلِأنَّ النّاسَ إذا عَرَفُوا إنْسانًا بِالصِّدْقِ، والأمانَةِ، والبُعْدِ عَنِ الخِيانَةِ، اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ ورَجَعُوا في كُلِّ المُعامَلاتِ إلَيْهِ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ بابُ الرِّزْقِ، وإذا عَرَفُوهُ بِالخِيانَةِ والمَكْرِ، انْصَرَفُوا عَنْهُ، ولَمْ يُخالِطُوهُ البَتَّةَ، فَتُضَيَّقُ أبْوابُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وأمّا إنْ حَمَلْنا هَذِهِ البَقِيَّةَ عَلى الثَّوابِ، فالأمْرُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ كُلَّ الدُّنْيا تَفْنى وتَنْقَرِضُ، وثَوابُ اللَّهِ باقٍ، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى حُصُولِ رِضا اللَّهِ تَعالى، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّ بَقِيَّةَ اللَّهِ خَيْرٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ في كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم؛ لِأنَّهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِالثَّوابِ والعِقابِ، عَرَفُوا أنَّ السَّعْيَ في تَحْصِيلِ الثَّوابِ وفي الحَذَرِ مِنَ العِقابِ خَيْرٌ لَهم مِنَ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ القَلِيلِ.
واعْلَمْ أنَّ المُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ مَن لَمْ يَحْتَرِزْ عَنْ هَذا التَّطْفِيفِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنِّي نَصَحْتُكم وأرْشَدْتُكم إلى الخَيْرِ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أيْ لا قُدْرَةَ لِي عَلى مَنعِكم عَنْ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ أشارَ فِيما تَقَدَّمَ إلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ يُوجِبُ زَوالَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ يَعْنِي لَوْ لَمْ تَتْرُكُوا هَذا العَمَلَ القَبِيحَ لَزالَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَنْكم، وأنا لا أقْدِرُ عَلى حِفْظِها عَلَيْكم في تِلْكَ الحالَةِ.
هود 11:87
صفحة ٣٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”أصَلاتُكَ“ بِغَيْرِ واوٍ. والباقُونَ ”أصَلَواتُكَ“ عَلى الجَمْعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِشَيْئَيْنِ، بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ البَخْسِ، فالقَوْمُ أنْكَرُوا عَلَيْهِ أمْرَهُ بِهَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنَ الطّاعَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أمَرَهم بِالتَّوْحِيدِ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أمَرَهم بِتَرْكِ البَخْسِ.
أمّا الأوَّلُ: فَقَدْ أشارُوا فِيهِ إلى التَّمَسُّكِ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا مِنهُ أنْ يَأْمُرَهم بِتَرْكِ عِبادَةِ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُهم، يَعْنِي الطَّرِيقَةَ الَّتِي أخَذْناها مِن آبائِنا وأسْلافِنا كَيْفَ نَتْرُكُها، وذَلِكَ تَمَسُّكٌ بِمَحْضِ التَّقْلِيدِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في لَفْظِ الصَّلاةِ وهَهُنا قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الدِّينُ والإيمانُ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ أظْهَرُ شِعارِ الدِّينِ، فَجَعَلُوا ذِكْرَ الصَّلاةِ كِنايَةً عَنِ الدِّينِ، أوْ نَقُولُ: الصَّلاةُ أصْلُها مِنَ الِاتِّباعِ، ومِنهُ أُخِذَ المُصَلِّي مِنَ الخَيْلِ الَّذِي يَتْلُو السّابِقَ؛ لِأنَّ رَأْسَهُ يَكُونُ عَلى صِلْوَيِ السّابِقِ، وهُما ناحِيَتا الفَخِذَيْنِ، والمُرادُ: دِينُكَ يَأْمُرُكَ بِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ هَذِهِ الأعْمالُ المَخْصُوصَةُ، رُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ، وكانَ قَوْمُهُ إذا رَأوْهُ يُصَلِّي تَغامَزُوا وتَضاحَكُوا، فَقَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ: ”أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ“ السُّخْرِيَةَ والهَزْءَ، وكَما أنَّكَ إذا رَأيْتَ مَعْتُوهًا يُطالِعُ كُتُبًا ثُمَّ يَذْكُرُ كَلامًا فاسِدًا فَيُقالُ لَهُ: هَذا مِن مُطالَعَةِ تِلْكَ الكُتُبِ - عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ والسُّخْرِيَةِ، فَكَذا هَهُنا.
فَإنْ قِيلَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ، وهم إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَهم فاعِلِينَ في أمْوالِهِمْ ما يَشاءُونَ، فَكَيْفَ وجْهُ التَّأْوِيلِ ؟
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، وأنْ نَتْرُكَ فِعْلَ ما نَشاءُ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ .
والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ الصَّلاةُ آمِرَةً وناهِيَةً، والتَّقْدِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ بِأنْ نَتْرُكَ عِبادَةَ الأوْثانِ، وتَنْهاكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”أوْ أنْ تَفْعَلَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ“ بِتاءِ الخِطابِ فِيهِما، وهو ما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ مِن تَرْكِ التَّطْفِيفِ، والبَخْسِ، والِاقْتِناعِ بِالحَلالِ القَلِيلِ، وأنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الحَرامِ الكَثِيرِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّكَ لَأنْتَ السَّفِيهُ الجاهِلُ، إلّا أنَّهم عَكَسُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِهِ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ الخَسِيسِ: لَوْ رَآكَ حاتِمٌ لَسَجَدَ لَكَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنَّكَ مَوْصُوفٌ عِنْدَ نَفْسِكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَشْهُورًا عِنْدَهم بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، فَلَمّا أمَرَهم بِمُفارَقَةِ طَرِيقَتِهِمْ قالُوا لَهُ: إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ المَعْرُوفُ الطَّرِيقَةَ في هَذا البابِ، فَكَيْفَ تَنْهانا عَنْ دِينٍ ألْفَيْناهُ مِن آبائِنا وأسْلافِنا، والمَقْصُودُ اسْتِبْعادُ مِثْلِ هَذا العَمَلِ مِمَّنْ كانَ مَوْصُوفًا بِالحِلْمِ والرُّشْدِ، وهَذا الوَجْهُ أصْوَبُ الوُجُوهِ.
هود 11:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ في الجَوابِ عَنْ كَلِماتِهِمْ، فالأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِلْمِ والهِدايَةِ والدِّينِ والنُّبُوَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ الحَلالِ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ كَثِيرَ المالِ.
واعْلَمْ أنَّ جَوابَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا آتانِي جَمِيعَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ وهي البَيِّنَةُ، والسَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةَ وهي المالُ والرِّزْقُ الحَسَنُ - فَهَلْ يَسَعُنِي مَعَ هَذا الإنْعامِ العَظِيمِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ، وأنْ أُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ ؟ وهَذا الجَوابُ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ مَعَ حِلْمِكَ ورُشْدِكَ أنْ تَنْهانا عَنْ دِينِ آبائِنا ؟ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُ عَلى هَذا العَمَلِ؛ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عِنْدِي كَثِيرَةٌ، وهو أمَرَنِي بِهَذا التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِي مَعَ كَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيَّ أنْ أُخالِفَ أمْرَهُ وتَكْلِيفَهُ ؟ .
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ عِنْدِي أنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والِاشْتِغالَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ عَمَلٌ مُنْكَرٌ، ثُمَّ أنا رَجُلٌ أُرِيدُ إصْلاحَ أحْوالِكم، ولا أحْتاجُ إلى أمْوالِكم؛ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي رِزْقًا حَسَنًا، فَهَلْ يَسَعُنِي مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ أنْ أخُونَ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ ؟
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ ما حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ المُعْجِزَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ المُرادُ أنَّهُ لا يَسْألُهم أجْرًا ولا جُعْلًا، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ سائِرُ الأنْبِياءِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٩ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ إنَّما حَصَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وبِإعانَتِهِ، وأنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْكَسْبِ فِيهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإعْزازَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والإذْلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأنا لا أُبالِي بِمُخالَفَتِكم، ولا أفْرَحُ بِمُوافَقَتِكم، وإنَّما أكُونُ عَلى تَقْرِيرِ دِينِ اللَّهِ تَعالى
صفحة ٣٨
وإيضاحِ شَرائِعِ اللَّهِ تَعالى.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الأجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَقَوْلُهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا، إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ، ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ، فَيَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا، وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ يَعْنِي أنْ أسْبِقَكم إلى شَهَواتِكُمُ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها لِأسْتَبِدَّ بِها دُونَكم، فَهَذا بَيانُ اللُّغَةِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ القَوْمَ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ العَقْلِ، وكَمالُ العَقْلِ يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى اخْتِيارِ الطَّرِيقِ الأصْوَبِ الأصْلَحِ، فَكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهم: لَمّا اعْتَرَفْتُمْ بِكَمالِ عَقْلِي فاعْلَمُوا أنَّ الَّذِي اخْتارَهُ عَقْلِي لِنَفْسِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أصْوَبَ الطُّرُقِ وأصْلَحَها، والدَّعْوَةُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكُ البَخْسِ والنُّقْصانِ يَرْجِعُ حاصِلُهُما إلى جُزْأيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأنا مُواظِبٌ عَلَيْهِما غَيْرُ تارِكٍ لَهُما في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ ألْبَتَّةَ، فَلَمّا اعْتَرَفْتُمْ لِي بِالحِلْمِ والرُّشْدِ وتَرَوْنَ أنِّي لا أتْرُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، فاعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ خَيْرُ الطُّرُقِ، وأشْرَفُ الأدْيانِ والشَّرائِعِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ والمَعْنى ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِمَوْعِظَتِي ونَصِيحَتِي، وقَوْلُهُ: ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ظَرْفٌ، والتَّقْدِيرُ: مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي لِلْإصْلاحِ وما دُمْتُ مُتَمَكِّنًا مِنهُ لا آلُو فِيهِ جُهْدًا.
والثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الإصْلاحِ، أيِ المِقْدارُ الَّذِي اسْتَطَعْتُ مِنهُ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ القَوْمَ كانُوا قَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، وإنَّما أقَرُّوا لَهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ مَشْهُورًا فِيما بَيْنَ الخَلْقِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهم: إنَّكم تَعْرِفُونَ مِن حالِي أنِّي لا أسْعى إلّا في الإصْلاحِ وإزالَةِ الفَسادِ والخُصُومَةِ، فَلَمّا أمَرْتُكم بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ إيذاءِ النّاسِ، فاعْلَمُوا أنَّهُ دِينُ حَقٍّ، وأنَّهُ لَيْسَ غَرَضِي مِنهُ إيقاعَ الخُصُومَةِ وإثارَةَ الفِتْنَةِ، فَإنَّكم تَعْرِفُونَ أنِّي أبْغَضُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، ولا أدُورُ إلّا عَلى ما يُوجِبُ الصُّلْحَ والصَّلاحَ بِقَدْرِ طاقَتِي، وذَلِكَ هو الإبْلاغُ والإنْذارُ، وأمّا الإجْبارُ عَلى الطّاعَةِ فَلا أقْدِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ وبَيَّنَ بِهَذا أنَّ تَوَكُّلَهُ واعْتِمادَهُ في تَنْفِيذِ كُلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وهِدايَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَوَكَّلْتُ إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَوَكَّلْتُ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهو أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَتَوَكَّلَ عَلى أحَدٍ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وكَيْفَ وكُلُّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فانٍ بِذاتِهِ، ولا يَحْصُلُ إلّا بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزِ التَّوَكُّلُ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وأعْظَمُ مَراتِبِ مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، وهو أيْضًا يُفِيدُ الحَصْرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَرْجِعَ لِلْخَلْقِ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا ذُكِرَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ» “؛ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ في كَلامِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ.
وأمّا الوَجْهُ الرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ:
صفحة ٣٩
﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَرَمَ مِثْلُ كَسَبَ في تَعْدِيَتِهِ تارَةً إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وأُخْرى إلى مَفْعُولَيْنِ، يُقالُ: جَرَمَ ذَنْبًا وكَسَبَهُ، وجَرَّمَهُ ذَنْبًا وكَسَّبَهُ إيّاهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ أيْ لا يُكْسِبَنَّكم شِقاقِي إصابَةَ العَذابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يُجَرِّمَنَّكم“ - بِضَمِّ الياءِ - مَن أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا، إذا جَعَلْتَهُ جارِمًا لَهُ، أيْ كاسِبًا لَهُ، وهو مَنقُولٌ مِن ”جَرَمَ“ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ جَرَمْتُهُ ذَنْبًا، وأجْرَمْتُهُ إيّاهُ، والقِراءَتانِ مُسْتَوِيَتانِ في المَعْنى، لا تَفاوُتَ بَيْنِهِما، إلّا أنَّ المَشْهُورَةَ أفْصَحُ لَفْظًا، كَما أنَّ كَسَّبَهُ مالًا أفْصَحُ مَن أكْسَبَهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ لا تُكْسِبَنَّكم مُعاداتُكم إيّايَ أنْ يُصِيبَكم عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، مِثْلَ ما حَصَلَ لِقَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الغَرَقِ، ولِقَوْمِ هُودٍ مِنَ الرِّيحِ العَقِيمِ، ولِقَوْمِ صالِحٍ مِنَ الرَّجْفَةِ، ولِقَوْمِ لُوطٍ مِنَ الخَسْفِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ نَفْيُ البُعْدِ في المَكانِ؛ لِأنَّ بِلادَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَرِيبَةٌ مِن مَدْيَنَ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ نَفْيُ البُعْدِ في الزَّمانِ؛ لِأنَّ إهْلاكَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقْرَبُ الإهْلاكاتِ الَّتِي عَرَفَها النّاسُ في زَمانِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ، فَإنَّ القُرْبَ في المَكانِ وفي الزَّمانِ يُفِيدُ زِيادَةَ المَعْرِفَةِ وكَمالَ الوُقُوفِ عَلى الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: اعْتَبِرُوا بِأحْوالِهِمْ، واحْذَرُوا مِن مُخالَفَةِ اللَّهِ تَعالى ومُنازَعَتِهِ حَتّى لا يَنْزِلَ بِكم مِثْلُ ذَلِكَ العَذابِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ بِبَعِيدِينَ ؟
أجابَ عَنْهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ما إهْلاكُهم شَيْءٌ بَعِيدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُسَوّى في قَرِيبٍ وبَعِيدٍ وكَثِيرٍ وقَلِيلٍ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ؛ لِوُرُودِها عَلى زِنَةِ المَصادِرِ الَّتِي هي الصَّهِيلُ والنَّهِيقُ ونَحْوُهُما.
وأمّا الوَجْهُ الخامِسُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ عَنِ البَخْسِ والنُّقْصانِ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بِأوْلِيائِهِ ﴿ودُودٌ﴾ . قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: الوَدُودُ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: المُحِبُّ لِعِبادِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: ودِدْتُ الرَّجُلَ أوَدُّهُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ في كِتابِ ”شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى“: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَ”رُكُوبٍ“ و”حَلُوبٍ“، ومَعْناهُ أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ يَوَدُّونَهُ ويُحِبُّونَهُ لِكَثْرَةِ إفْضالِهِ وإحْسانِهِ عَلى الخَلْقِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي راعاهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذِكْرِ هَذِهِ الوُجُوهِ الخَمْسَةِ تَرْتِيبٌ لَطِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ ظُهُورَ البَيِّنَةِ لَهُ وكَثْرَةَ إنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في الظّاهِرِ والباطِنِ يَمْنَعُهُ عَنِ الخِيانَةِ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى، ويَصُدُّهُ عَنِ التَّهاوُنِ في تَكالِيفِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ثانِيًا أنَّهُ مُواظِبٌ عَلى العَمَلِ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، ولَوْ كانَتْ باطِلَةً لَما اشْتَغَلَ هو بِها مَعَ اعْتِرافِكم بِكَوْنِهِ حَلِيمًا رَشِيدًا، ثُمَّ بَيَّنَ صِحَّتَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا بِتَحْصِيلِ مُوجِباتِ الصَّلاحِ وإخْفاءِ مُوجِباتِ الفِتَنِ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ باطِلَةً لَما اشْتَغَلَ بِها، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ صِحَّةَ طَرِيقَتِهِ أشارَ إلى نَفْيِ المُعارِضِ وقالَ: لا يَنْبَغِي أنْ تَحْمِلَكم عَداوَتِي عَلى مَذْهَبٍ ودِينٍ تَقَعُونَ بِسَبَبِهِ في العَذابِ الشَّدِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما وقَعَ فِيهِ أقْوامُ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا صَحَّحَ مَذْهَبَ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ عادَ إلى تَقْرِيرِ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا، وهو التَّوْحِيدُ والمَنعُ مِنَ البَخْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ سَبْقَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ مِنهم لا يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَهم مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى رَحِيمٌ ودُودٌ، يَقْبَلُ الإيمانَ والتَّوْبَةَ مِنَ الكافِرِ والفاسِقِ؛ لِأنَّ رَحْمَتَهُ وحُبَّهُ لَهم يُوجِبُ ذَلِكَ، وهَذا التَّقْرِيرُ في غايَةِ الكَمالِ.
هود 11:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ في الجَوابِ عَنْ كَلِماتِهِمْ، فالأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِلْمِ والهِدايَةِ والدِّينِ والنُّبُوَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ الحَلالِ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ كَثِيرَ المالِ.
واعْلَمْ أنَّ جَوابَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا آتانِي جَمِيعَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ وهي البَيِّنَةُ، والسَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةَ وهي المالُ والرِّزْقُ الحَسَنُ - فَهَلْ يَسَعُنِي مَعَ هَذا الإنْعامِ العَظِيمِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ، وأنْ أُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ ؟ وهَذا الجَوابُ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ مَعَ حِلْمِكَ ورُشْدِكَ أنْ تَنْهانا عَنْ دِينِ آبائِنا ؟ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُ عَلى هَذا العَمَلِ؛ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عِنْدِي كَثِيرَةٌ، وهو أمَرَنِي بِهَذا التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِي مَعَ كَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيَّ أنْ أُخالِفَ أمْرَهُ وتَكْلِيفَهُ ؟ .
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ عِنْدِي أنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والِاشْتِغالَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ عَمَلٌ مُنْكَرٌ، ثُمَّ أنا رَجُلٌ أُرِيدُ إصْلاحَ أحْوالِكم، ولا أحْتاجُ إلى أمْوالِكم؛ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي رِزْقًا حَسَنًا، فَهَلْ يَسَعُنِي مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ أنْ أخُونَ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ ؟
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ ما حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ المُعْجِزَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ المُرادُ أنَّهُ لا يَسْألُهم أجْرًا ولا جُعْلًا، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ سائِرُ الأنْبِياءِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٩ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ إنَّما حَصَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وبِإعانَتِهِ، وأنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْكَسْبِ فِيهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإعْزازَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والإذْلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأنا لا أُبالِي بِمُخالَفَتِكم، ولا أفْرَحُ بِمُوافَقَتِكم، وإنَّما أكُونُ عَلى تَقْرِيرِ دِينِ اللَّهِ تَعالى
صفحة ٣٨
وإيضاحِ شَرائِعِ اللَّهِ تَعالى.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الأجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَقَوْلُهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا، إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ، ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ، فَيَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا، وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ يَعْنِي أنْ أسْبِقَكم إلى شَهَواتِكُمُ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها لِأسْتَبِدَّ بِها دُونَكم، فَهَذا بَيانُ اللُّغَةِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ القَوْمَ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ العَقْلِ، وكَمالُ العَقْلِ يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى اخْتِيارِ الطَّرِيقِ الأصْوَبِ الأصْلَحِ، فَكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهم: لَمّا اعْتَرَفْتُمْ بِكَمالِ عَقْلِي فاعْلَمُوا أنَّ الَّذِي اخْتارَهُ عَقْلِي لِنَفْسِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أصْوَبَ الطُّرُقِ وأصْلَحَها، والدَّعْوَةُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكُ البَخْسِ والنُّقْصانِ يَرْجِعُ حاصِلُهُما إلى جُزْأيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأنا مُواظِبٌ عَلَيْهِما غَيْرُ تارِكٍ لَهُما في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ ألْبَتَّةَ، فَلَمّا اعْتَرَفْتُمْ لِي بِالحِلْمِ والرُّشْدِ وتَرَوْنَ أنِّي لا أتْرُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، فاعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ خَيْرُ الطُّرُقِ، وأشْرَفُ الأدْيانِ والشَّرائِعِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ والمَعْنى ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِمَوْعِظَتِي ونَصِيحَتِي، وقَوْلُهُ: ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ظَرْفٌ، والتَّقْدِيرُ: مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي لِلْإصْلاحِ وما دُمْتُ مُتَمَكِّنًا مِنهُ لا آلُو فِيهِ جُهْدًا.
والثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الإصْلاحِ، أيِ المِقْدارُ الَّذِي اسْتَطَعْتُ مِنهُ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ القَوْمَ كانُوا قَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، وإنَّما أقَرُّوا لَهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ مَشْهُورًا فِيما بَيْنَ الخَلْقِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهم: إنَّكم تَعْرِفُونَ مِن حالِي أنِّي لا أسْعى إلّا في الإصْلاحِ وإزالَةِ الفَسادِ والخُصُومَةِ، فَلَمّا أمَرْتُكم بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ إيذاءِ النّاسِ، فاعْلَمُوا أنَّهُ دِينُ حَقٍّ، وأنَّهُ لَيْسَ غَرَضِي مِنهُ إيقاعَ الخُصُومَةِ وإثارَةَ الفِتْنَةِ، فَإنَّكم تَعْرِفُونَ أنِّي أبْغَضُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، ولا أدُورُ إلّا عَلى ما يُوجِبُ الصُّلْحَ والصَّلاحَ بِقَدْرِ طاقَتِي، وذَلِكَ هو الإبْلاغُ والإنْذارُ، وأمّا الإجْبارُ عَلى الطّاعَةِ فَلا أقْدِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ وبَيَّنَ بِهَذا أنَّ تَوَكُّلَهُ واعْتِمادَهُ في تَنْفِيذِ كُلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وهِدايَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَوَكَّلْتُ إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَوَكَّلْتُ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهو أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَتَوَكَّلَ عَلى أحَدٍ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وكَيْفَ وكُلُّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فانٍ بِذاتِهِ، ولا يَحْصُلُ إلّا بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزِ التَّوَكُّلُ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وأعْظَمُ مَراتِبِ مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، وهو أيْضًا يُفِيدُ الحَصْرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَرْجِعَ لِلْخَلْقِ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا ذُكِرَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ» “؛ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ في كَلامِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ.
وأمّا الوَجْهُ الرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ:
صفحة ٣٩
﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَرَمَ مِثْلُ كَسَبَ في تَعْدِيَتِهِ تارَةً إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وأُخْرى إلى مَفْعُولَيْنِ، يُقالُ: جَرَمَ ذَنْبًا وكَسَبَهُ، وجَرَّمَهُ ذَنْبًا وكَسَّبَهُ إيّاهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ أيْ لا يُكْسِبَنَّكم شِقاقِي إصابَةَ العَذابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يُجَرِّمَنَّكم“ - بِضَمِّ الياءِ - مَن أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا، إذا جَعَلْتَهُ جارِمًا لَهُ، أيْ كاسِبًا لَهُ، وهو مَنقُولٌ مِن ”جَرَمَ“ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ جَرَمْتُهُ ذَنْبًا، وأجْرَمْتُهُ إيّاهُ، والقِراءَتانِ مُسْتَوِيَتانِ في المَعْنى، لا تَفاوُتَ بَيْنِهِما، إلّا أنَّ المَشْهُورَةَ أفْصَحُ لَفْظًا، كَما أنَّ كَسَّبَهُ مالًا أفْصَحُ مَن أكْسَبَهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ لا تُكْسِبَنَّكم مُعاداتُكم إيّايَ أنْ يُصِيبَكم عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، مِثْلَ ما حَصَلَ لِقَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الغَرَقِ، ولِقَوْمِ هُودٍ مِنَ الرِّيحِ العَقِيمِ، ولِقَوْمِ صالِحٍ مِنَ الرَّجْفَةِ، ولِقَوْمِ لُوطٍ مِنَ الخَسْفِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ نَفْيُ البُعْدِ في المَكانِ؛ لِأنَّ بِلادَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَرِيبَةٌ مِن مَدْيَنَ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ نَفْيُ البُعْدِ في الزَّمانِ؛ لِأنَّ إهْلاكَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقْرَبُ الإهْلاكاتِ الَّتِي عَرَفَها النّاسُ في زَمانِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ، فَإنَّ القُرْبَ في المَكانِ وفي الزَّمانِ يُفِيدُ زِيادَةَ المَعْرِفَةِ وكَمالَ الوُقُوفِ عَلى الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: اعْتَبِرُوا بِأحْوالِهِمْ، واحْذَرُوا مِن مُخالَفَةِ اللَّهِ تَعالى ومُنازَعَتِهِ حَتّى لا يَنْزِلَ بِكم مِثْلُ ذَلِكَ العَذابِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ بِبَعِيدِينَ ؟
أجابَ عَنْهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ما إهْلاكُهم شَيْءٌ بَعِيدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُسَوّى في قَرِيبٍ وبَعِيدٍ وكَثِيرٍ وقَلِيلٍ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ؛ لِوُرُودِها عَلى زِنَةِ المَصادِرِ الَّتِي هي الصَّهِيلُ والنَّهِيقُ ونَحْوُهُما.
وأمّا الوَجْهُ الخامِسُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ عَنِ البَخْسِ والنُّقْصانِ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بِأوْلِيائِهِ ﴿ودُودٌ﴾ . قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: الوَدُودُ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: المُحِبُّ لِعِبادِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: ودِدْتُ الرَّجُلَ أوَدُّهُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ في كِتابِ ”شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى“: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَ”رُكُوبٍ“ و”حَلُوبٍ“، ومَعْناهُ أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ يَوَدُّونَهُ ويُحِبُّونَهُ لِكَثْرَةِ إفْضالِهِ وإحْسانِهِ عَلى الخَلْقِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي راعاهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذِكْرِ هَذِهِ الوُجُوهِ الخَمْسَةِ تَرْتِيبٌ لَطِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ ظُهُورَ البَيِّنَةِ لَهُ وكَثْرَةَ إنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في الظّاهِرِ والباطِنِ يَمْنَعُهُ عَنِ الخِيانَةِ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى، ويَصُدُّهُ عَنِ التَّهاوُنِ في تَكالِيفِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ثانِيًا أنَّهُ مُواظِبٌ عَلى العَمَلِ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، ولَوْ كانَتْ باطِلَةً لَما اشْتَغَلَ هو بِها مَعَ اعْتِرافِكم بِكَوْنِهِ حَلِيمًا رَشِيدًا، ثُمَّ بَيَّنَ صِحَّتَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا بِتَحْصِيلِ مُوجِباتِ الصَّلاحِ وإخْفاءِ مُوجِباتِ الفِتَنِ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ باطِلَةً لَما اشْتَغَلَ بِها، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ صِحَّةَ طَرِيقَتِهِ أشارَ إلى نَفْيِ المُعارِضِ وقالَ: لا يَنْبَغِي أنْ تَحْمِلَكم عَداوَتِي عَلى مَذْهَبٍ ودِينٍ تَقَعُونَ بِسَبَبِهِ في العَذابِ الشَّدِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما وقَعَ فِيهِ أقْوامُ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا صَحَّحَ مَذْهَبَ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ عادَ إلى تَقْرِيرِ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا، وهو التَّوْحِيدُ والمَنعُ مِنَ البَخْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ سَبْقَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ مِنهم لا يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَهم مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى رَحِيمٌ ودُودٌ، يَقْبَلُ الإيمانَ والتَّوْبَةَ مِنَ الكافِرِ والفاسِقِ؛ لِأنَّ رَحْمَتَهُ وحُبَّهُ لَهم يُوجِبُ ذَلِكَ، وهَذا التَّقْرِيرُ في غايَةِ الكَمالِ.
هود 11:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ في الجَوابِ عَنْ كَلِماتِهِمْ، فالأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِلْمِ والهِدايَةِ والدِّينِ والنُّبُوَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ الحَلالِ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ كَثِيرَ المالِ.
واعْلَمْ أنَّ جَوابَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا آتانِي جَمِيعَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ وهي البَيِّنَةُ، والسَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةَ وهي المالُ والرِّزْقُ الحَسَنُ - فَهَلْ يَسَعُنِي مَعَ هَذا الإنْعامِ العَظِيمِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ، وأنْ أُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ ؟ وهَذا الجَوابُ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ مَعَ حِلْمِكَ ورُشْدِكَ أنْ تَنْهانا عَنْ دِينِ آبائِنا ؟ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُ عَلى هَذا العَمَلِ؛ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عِنْدِي كَثِيرَةٌ، وهو أمَرَنِي بِهَذا التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِي مَعَ كَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيَّ أنْ أُخالِفَ أمْرَهُ وتَكْلِيفَهُ ؟ .
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ عِنْدِي أنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والِاشْتِغالَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ عَمَلٌ مُنْكَرٌ، ثُمَّ أنا رَجُلٌ أُرِيدُ إصْلاحَ أحْوالِكم، ولا أحْتاجُ إلى أمْوالِكم؛ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي رِزْقًا حَسَنًا، فَهَلْ يَسَعُنِي مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ أنْ أخُونَ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ ؟
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ ما حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ المُعْجِزَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ المُرادُ أنَّهُ لا يَسْألُهم أجْرًا ولا جُعْلًا، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ سائِرُ الأنْبِياءِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٩ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ إنَّما حَصَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وبِإعانَتِهِ، وأنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْكَسْبِ فِيهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإعْزازَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والإذْلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأنا لا أُبالِي بِمُخالَفَتِكم، ولا أفْرَحُ بِمُوافَقَتِكم، وإنَّما أكُونُ عَلى تَقْرِيرِ دِينِ اللَّهِ تَعالى
صفحة ٣٨
وإيضاحِ شَرائِعِ اللَّهِ تَعالى.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الأجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَقَوْلُهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا، إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ، ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ، فَيَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا، وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ يَعْنِي أنْ أسْبِقَكم إلى شَهَواتِكُمُ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها لِأسْتَبِدَّ بِها دُونَكم، فَهَذا بَيانُ اللُّغَةِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ القَوْمَ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ العَقْلِ، وكَمالُ العَقْلِ يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى اخْتِيارِ الطَّرِيقِ الأصْوَبِ الأصْلَحِ، فَكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهم: لَمّا اعْتَرَفْتُمْ بِكَمالِ عَقْلِي فاعْلَمُوا أنَّ الَّذِي اخْتارَهُ عَقْلِي لِنَفْسِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أصْوَبَ الطُّرُقِ وأصْلَحَها، والدَّعْوَةُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكُ البَخْسِ والنُّقْصانِ يَرْجِعُ حاصِلُهُما إلى جُزْأيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأنا مُواظِبٌ عَلَيْهِما غَيْرُ تارِكٍ لَهُما في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ ألْبَتَّةَ، فَلَمّا اعْتَرَفْتُمْ لِي بِالحِلْمِ والرُّشْدِ وتَرَوْنَ أنِّي لا أتْرُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، فاعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ خَيْرُ الطُّرُقِ، وأشْرَفُ الأدْيانِ والشَّرائِعِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ والمَعْنى ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِمَوْعِظَتِي ونَصِيحَتِي، وقَوْلُهُ: ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ظَرْفٌ، والتَّقْدِيرُ: مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي لِلْإصْلاحِ وما دُمْتُ مُتَمَكِّنًا مِنهُ لا آلُو فِيهِ جُهْدًا.
والثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الإصْلاحِ، أيِ المِقْدارُ الَّذِي اسْتَطَعْتُ مِنهُ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ القَوْمَ كانُوا قَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، وإنَّما أقَرُّوا لَهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ مَشْهُورًا فِيما بَيْنَ الخَلْقِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهم: إنَّكم تَعْرِفُونَ مِن حالِي أنِّي لا أسْعى إلّا في الإصْلاحِ وإزالَةِ الفَسادِ والخُصُومَةِ، فَلَمّا أمَرْتُكم بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ إيذاءِ النّاسِ، فاعْلَمُوا أنَّهُ دِينُ حَقٍّ، وأنَّهُ لَيْسَ غَرَضِي مِنهُ إيقاعَ الخُصُومَةِ وإثارَةَ الفِتْنَةِ، فَإنَّكم تَعْرِفُونَ أنِّي أبْغَضُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، ولا أدُورُ إلّا عَلى ما يُوجِبُ الصُّلْحَ والصَّلاحَ بِقَدْرِ طاقَتِي، وذَلِكَ هو الإبْلاغُ والإنْذارُ، وأمّا الإجْبارُ عَلى الطّاعَةِ فَلا أقْدِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ وبَيَّنَ بِهَذا أنَّ تَوَكُّلَهُ واعْتِمادَهُ في تَنْفِيذِ كُلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وهِدايَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَوَكَّلْتُ إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَوَكَّلْتُ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهو أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَتَوَكَّلَ عَلى أحَدٍ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وكَيْفَ وكُلُّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فانٍ بِذاتِهِ، ولا يَحْصُلُ إلّا بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزِ التَّوَكُّلُ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وأعْظَمُ مَراتِبِ مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، وهو أيْضًا يُفِيدُ الحَصْرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَرْجِعَ لِلْخَلْقِ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا ذُكِرَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ» “؛ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ في كَلامِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ.
وأمّا الوَجْهُ الرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ:
صفحة ٣٩
﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَرَمَ مِثْلُ كَسَبَ في تَعْدِيَتِهِ تارَةً إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وأُخْرى إلى مَفْعُولَيْنِ، يُقالُ: جَرَمَ ذَنْبًا وكَسَبَهُ، وجَرَّمَهُ ذَنْبًا وكَسَّبَهُ إيّاهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ أيْ لا يُكْسِبَنَّكم شِقاقِي إصابَةَ العَذابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يُجَرِّمَنَّكم“ - بِضَمِّ الياءِ - مَن أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا، إذا جَعَلْتَهُ جارِمًا لَهُ، أيْ كاسِبًا لَهُ، وهو مَنقُولٌ مِن ”جَرَمَ“ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ جَرَمْتُهُ ذَنْبًا، وأجْرَمْتُهُ إيّاهُ، والقِراءَتانِ مُسْتَوِيَتانِ في المَعْنى، لا تَفاوُتَ بَيْنِهِما، إلّا أنَّ المَشْهُورَةَ أفْصَحُ لَفْظًا، كَما أنَّ كَسَّبَهُ مالًا أفْصَحُ مَن أكْسَبَهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ لا تُكْسِبَنَّكم مُعاداتُكم إيّايَ أنْ يُصِيبَكم عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، مِثْلَ ما حَصَلَ لِقَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الغَرَقِ، ولِقَوْمِ هُودٍ مِنَ الرِّيحِ العَقِيمِ، ولِقَوْمِ صالِحٍ مِنَ الرَّجْفَةِ، ولِقَوْمِ لُوطٍ مِنَ الخَسْفِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ نَفْيُ البُعْدِ في المَكانِ؛ لِأنَّ بِلادَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَرِيبَةٌ مِن مَدْيَنَ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ نَفْيُ البُعْدِ في الزَّمانِ؛ لِأنَّ إهْلاكَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقْرَبُ الإهْلاكاتِ الَّتِي عَرَفَها النّاسُ في زَمانِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ، فَإنَّ القُرْبَ في المَكانِ وفي الزَّمانِ يُفِيدُ زِيادَةَ المَعْرِفَةِ وكَمالَ الوُقُوفِ عَلى الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: اعْتَبِرُوا بِأحْوالِهِمْ، واحْذَرُوا مِن مُخالَفَةِ اللَّهِ تَعالى ومُنازَعَتِهِ حَتّى لا يَنْزِلَ بِكم مِثْلُ ذَلِكَ العَذابِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ بِبَعِيدِينَ ؟
أجابَ عَنْهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ما إهْلاكُهم شَيْءٌ بَعِيدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُسَوّى في قَرِيبٍ وبَعِيدٍ وكَثِيرٍ وقَلِيلٍ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ؛ لِوُرُودِها عَلى زِنَةِ المَصادِرِ الَّتِي هي الصَّهِيلُ والنَّهِيقُ ونَحْوُهُما.
وأمّا الوَجْهُ الخامِسُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ عَنِ البَخْسِ والنُّقْصانِ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بِأوْلِيائِهِ ﴿ودُودٌ﴾ . قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: الوَدُودُ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: المُحِبُّ لِعِبادِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: ودِدْتُ الرَّجُلَ أوَدُّهُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ في كِتابِ ”شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى“: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَ”رُكُوبٍ“ و”حَلُوبٍ“، ومَعْناهُ أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ يَوَدُّونَهُ ويُحِبُّونَهُ لِكَثْرَةِ إفْضالِهِ وإحْسانِهِ عَلى الخَلْقِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي راعاهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذِكْرِ هَذِهِ الوُجُوهِ الخَمْسَةِ تَرْتِيبٌ لَطِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ ظُهُورَ البَيِّنَةِ لَهُ وكَثْرَةَ إنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في الظّاهِرِ والباطِنِ يَمْنَعُهُ عَنِ الخِيانَةِ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى، ويَصُدُّهُ عَنِ التَّهاوُنِ في تَكالِيفِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ثانِيًا أنَّهُ مُواظِبٌ عَلى العَمَلِ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، ولَوْ كانَتْ باطِلَةً لَما اشْتَغَلَ هو بِها مَعَ اعْتِرافِكم بِكَوْنِهِ حَلِيمًا رَشِيدًا، ثُمَّ بَيَّنَ صِحَّتَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا بِتَحْصِيلِ مُوجِباتِ الصَّلاحِ وإخْفاءِ مُوجِباتِ الفِتَنِ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ باطِلَةً لَما اشْتَغَلَ بِها، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ صِحَّةَ طَرِيقَتِهِ أشارَ إلى نَفْيِ المُعارِضِ وقالَ: لا يَنْبَغِي أنْ تَحْمِلَكم عَداوَتِي عَلى مَذْهَبٍ ودِينٍ تَقَعُونَ بِسَبَبِهِ في العَذابِ الشَّدِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما وقَعَ فِيهِ أقْوامُ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا صَحَّحَ مَذْهَبَ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ عادَ إلى تَقْرِيرِ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا، وهو التَّوْحِيدُ والمَنعُ مِنَ البَخْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ سَبْقَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ مِنهم لا يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَهم مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى رَحِيمٌ ودُودٌ، يَقْبَلُ الإيمانَ والتَّوْبَةَ مِنَ الكافِرِ والفاسِقِ؛ لِأنَّ رَحْمَتَهُ وحُبَّهُ لَهم يُوجِبُ ذَلِكَ، وهَذا التَّقْرِيرُ في غايَةِ الكَمالِ.
هود 11:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا بالَغَ في التَّقْرِيرِ والبَيانِ، أجابُوهُ بِكَلِماتٍ فاسِدَةٍ. فالأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُخاطِبُهم بِلِسانِهِمْ، فَلِمَ قالُوا: ﴿ما نَفْقَهُ﴾ ؟ والعُلَماءُ ذَكَرُوا عَنْهُ أنْواعًا مِنَ الجَواباتِ:
فالأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: ما نَفْهَمُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يُلْقُونَ إلَيْهِ أفْهامَهم لِشِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ عَنْ كَلامِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٥ ] .
الثّانِي: أنَّهم فَهِمُوهُ بِقُلُوبِهِمْ، ولَكِنَّهم ما أقامُوا لَهُ وزْنًا، فَذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهانَةِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ إذْ لَمْ يَعْبَأْ بِحَدِيثِهِ: ما أدْرِي ما تَقُولُ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرَها ما أقْنَعَتْهم في صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ، وما يَجِبُ مِن تَرْكِ الظُّلْمِ والسَّرِقَةِ، فَقَوْلُهم: ﴿ما نَفْقَهُ﴾ أيْ لَمْ نَعْرِفْ صِحَّةَ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْتُها عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المَطالِبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الفِقْهُ اسْمٌ لِعِلْمٍ مَخْصُوصٍ، وهو مَعْرِفَةُ غَرَضِ المُتَكَلِّمِ مِن كَلامِهِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ فَأضافَ الفِقْهَ إلى القَوْلِ، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِن عُلُومِ الدِّينِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الفَهْمِ، يُقالُ: أُوتِيَ فُلانٌ فِقْهًا في الدِّينِ، أيْ فَهْمًا، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ» “ أيْ يُفَهِّمْهُ تَأْوِيلَهُ.
والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرُوها: قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الضَّعِيفُ الَّذِي يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَنعُ القَوْمِ عَنْ نَفْسِهِ.
والثّانِي: أنَّ الضَّعِيفَ هو الأعْمى بِلُغَةِ حِمْيَرَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ؛ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِينا﴾ يُبْطِلُ هَذا الوَجْهَ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: إنّا لَنَراكَ أعْمى فِينا كانَ فاسِدًا؛ لِأنَّ الأعْمى أعْمى فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهم قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ فَنَفَوْا عَنْهُ القُوَّةَ الَّتِي أثْبَتُوها في رَهْطِهِ، ولَمّا كانَ المُرادُ بِالقُوَّةِ الَّتِي أثْبَتُوها لِلرَّهْطِ هي النُّصْرَةَ، وجَبَ أنْ تَكُونَ القُوَّةُ الَّتِي نَفَوْها عَنْهُ هي النُّصْرَةَ، والَّذِينَ حَمَلُوا اللَّفْظَ عَلى ضَعْفِ البَصَرِ لَعَلَّهم إنَّما حَمَلُوهُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلضَّعْفِ.
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يُجَوِّزُونَ العَمى عَلى الأنْبِياءِ، إلّا أنَّ هَذا اللَّفْظَ لا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ في إثْباتِ هَذا المَعْنى؛ لِما بَيَّنّاهُ.
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِكَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ عَنِ النَّجاساتِ، ولِأنَّهُ يُخِلُّ بِجَوازِ كَوْنِهِ حاكِمًا وشاهِدًا، فَلِأنْ يَمْنَعَ مِنَ النُّبُوَّةِ كانَ أوْلى، والكَلامُ فِيهِ لا يَلِيقُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى هَذا المَعْنى.
والنَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرُوها: قَوْلُهم: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٤١
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الرَّهْطُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ إلى السَّبْعَةِ، وقَدْ كانَ رَهْطُهُ عَلى مِلَّتِهِمْ. قالُوا: لَوْلا حُرْمَةُ رَهْطِكَ عِنْدَنا بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ عَلى مِلَّتِنا لَرَجَمْناكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهم بَيَّنُوا أنَّهُ لا حُرْمَةَ لَهُ عِنْدَهم، ولا وقْعَ لَهُ في صُدُورِهِمْ، وأنَّهم إنَّما لَمْ يَقْتُلُوهُ لِأجْلِ احْتِرامِهِمْ رَهْطَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّجْمُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الرَّمْيِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالحِجارَةِ عِنْدَ قَصْدِ القَتْلِ، ولَمّا كانَ هَذا الرَّجْمُ سَبَبًا لِلْقَتْلِ لا جَرَمَ سَمَّوُا القَتْلَ رَجْمًا، وقَدْ يَكُونُ بِالقَوْلِ الَّذِي هو القَذْفُ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢ ]، وقَوْلِهِ: ﴿ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سَبَأٍ: ٥٣ ] وقَدْ يَكُونُ بِالشَّتْمِ واللَّعْنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٦ ] وقَدْ يَكُونُ بِالطَّرْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [المُلْكِ: ٥ ] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ لَقَتَلْناكَ.
الثّانِي: لَشَتَمْناكَ وطَرَدْناكَ.
النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرُوها: قَوْلُهم: ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّكَ لَمّا لَمْ تَكُنْ عَلَيْنا عَزِيزًا، سَهُلَ عَلَيْنا الإقْدامُ عَلى قَتْلِكَ وإيذائِكَ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها لَيْسَتْ دافِعًا لِما قَرَّرَهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، بَلْ هي جارِيَةٌ مَجْرى مُقابَلَةِ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ بِالشَّتْمِ والسَّفاهَةِ.
هود 11:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا خَوَّفُوا شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالقَتْلِ والإيذاءِ، حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما ذَكَرَهُ في هَذا المَقامِ، وهو نَوْعانِ مِنَ الكَلامِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ والمَعْنى: أنَّ القَوْمَ زَعَمُوا أنَّهم تَرَكُوا إيذاءَهُ رِعايَةً لِجانِبِ قَوْمِهِ، فَقالَ: أنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّكم تَتْرُكُونَ قَتْلِي إكْرامًا لِرَهْطِي، واللَّهُ تَعالى أوْلى أنْ يُتَّبَعَ أمْرُهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: حِفْظُكم إيّايَ رِعايَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى أوْلى مِن حِفْظِكم إيّايَ رِعايَةً لِحَقِّ رَهْطِي.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ فالمَعْنى: أنَّكم نَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والظِّهْرِيُّ مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ، والكَسْرُ مِن تَغَيُّراتِ النَّسَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في النِّسْبَةِ إلى الأمْسِ إمْسِيٌّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.
صفحة ٤٢
والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ﴾ والمَكانَةُ: الحالَةُ يَتَمَكَّنُ بِها صاحِبُها مِن عَمَلِهِ، والمَعْنى اعْمَلُوا حالَ كَوْنِكم مَوْصُوفِينَ بِغايَةِ المُكْنَةِ والقُدْرَةِ، وكُلُّ ما في وُسْعِكم وطاقَتِكم مِن إيصالِ الشُّرُورِ إلَيَّ فَإنِّي أيْضًا عامِلٌ بِقَدْرِ ما آتانِي اللَّهُ تَعالى مِنَ القُدْرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ " فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ؟ .
والجَوابُ: إدْخالُ الفاءِ وصْلُ ظاهِرٍ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَصْلِ، وأمّا بِحَذْفِ الفاءِ فَإنَّهُ يَجْعَلُهُ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَظَهَرَ أنَّ حَذْفَ حَرْفِ الفاءِ هَهُنا أكْمَلُ في بابِ الفَظاعَةِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ والمَعْنى: فانْتَظِرُوا العاقِبَةَ إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ، أيْ مُنْتَظِرٌ، والرَّقِيبُ بِمَعْنى الرّاقِبِ، مِن رَقَبَهُ، كالضَّرِيبِ والصَّرِيمِ بِمَعْنى الضّارِبِ والصّارِمِ، أوْ بِمَعْنى المُراقِبِ كالعَشِيرِ والنَّدِيمِ، أوْ بِمَعْنى المُرْتَقِبِ كالفَقِيرِ والرَّفِيعِ بِمَعْنى المُفْتَقِرِ والمُرْتَفِعِ.
هود 11:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا خَوَّفُوا شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالقَتْلِ والإيذاءِ، حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما ذَكَرَهُ في هَذا المَقامِ، وهو نَوْعانِ مِنَ الكَلامِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ والمَعْنى: أنَّ القَوْمَ زَعَمُوا أنَّهم تَرَكُوا إيذاءَهُ رِعايَةً لِجانِبِ قَوْمِهِ، فَقالَ: أنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّكم تَتْرُكُونَ قَتْلِي إكْرامًا لِرَهْطِي، واللَّهُ تَعالى أوْلى أنْ يُتَّبَعَ أمْرُهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: حِفْظُكم إيّايَ رِعايَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى أوْلى مِن حِفْظِكم إيّايَ رِعايَةً لِحَقِّ رَهْطِي.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ فالمَعْنى: أنَّكم نَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والظِّهْرِيُّ مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ، والكَسْرُ مِن تَغَيُّراتِ النَّسَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في النِّسْبَةِ إلى الأمْسِ إمْسِيٌّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.
صفحة ٤٢
والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ﴾ والمَكانَةُ: الحالَةُ يَتَمَكَّنُ بِها صاحِبُها مِن عَمَلِهِ، والمَعْنى اعْمَلُوا حالَ كَوْنِكم مَوْصُوفِينَ بِغايَةِ المُكْنَةِ والقُدْرَةِ، وكُلُّ ما في وُسْعِكم وطاقَتِكم مِن إيصالِ الشُّرُورِ إلَيَّ فَإنِّي أيْضًا عامِلٌ بِقَدْرِ ما آتانِي اللَّهُ تَعالى مِنَ القُدْرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ " فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ؟ .
والجَوابُ: إدْخالُ الفاءِ وصْلُ ظاهِرٍ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَصْلِ، وأمّا بِحَذْفِ الفاءِ فَإنَّهُ يَجْعَلُهُ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَظَهَرَ أنَّ حَذْفَ حَرْفِ الفاءِ هَهُنا أكْمَلُ في بابِ الفَظاعَةِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ والمَعْنى: فانْتَظِرُوا العاقِبَةَ إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ، أيْ مُنْتَظِرٌ، والرَّقِيبُ بِمَعْنى الرّاقِبِ، مِن رَقَبَهُ، كالضَّرِيبِ والصَّرِيمِ بِمَعْنى الضّارِبِ والصّارِمِ، أوْ بِمَعْنى المُراقِبِ كالعَشِيرِ والنَّدِيمِ، أوْ بِمَعْنى المُرْتَقِبِ كالفَقِيرِ والرَّفِيعِ بِمَعْنى المُفْتَقِرِ والمُرْتَفِعِ.
هود 11:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ .
رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: لَمْ يُعَذِّبِ اللَّهُ تَعالى أُمَّتَيْنِ بِعَذابٍ واحِدٍ إلّا قَوْمَ شُعَيْبٍ وقَوْمَ صالِحٍ، فَأمّا قَوْمُ صالِحٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِن تَحْتِهِمْ، وقَوْمُ شُعَيْبٍ أخَذَتْهم مِن فَوْقِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: ولَمّا جاءَ وقْتُ أمْرِنا مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ بِتِلْكَ الصَّيْحَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ العِقابَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ نَجّى شُعَيْبًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةٍ مِنهُ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَّصَهُ مِن ذَلِكَ العَذابِ لِمَحْضِ رَحْمَتِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ ما يَصِلُ إلى العَبْدِ فَلَيْسَ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ: الإيمانَ والطّاعَةَ وسائِرَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهي أيْضًا ما حَصَلَتْ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وإنَّما ذَكَرَ الصَّيْحَةَ بِالألِفِ واللّامِ إشارَةً إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وهي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ والجاثِمُ المُلازِمُ لِمَكانِهِ الَّذِي لا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ، يَعْنِي أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا صاحَ بِهِمْ تِلْكَ الصَّيْحَةَ زَهَقَ رُوحُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِحَيْثُ يَقَعُ في مَكانِهِ مَيِّتًا ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دِيارِهِمْ أحْياءً مُتَصَرِّفِينَ مُتَرَدِّدِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وإنَّما قاسَ حالَهم عَلى ثَمُودَ لِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى عَذَّبَهم مِثْلَ عَذابِ ثَمُودَ.
هود 11:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ .
رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: لَمْ يُعَذِّبِ اللَّهُ تَعالى أُمَّتَيْنِ بِعَذابٍ واحِدٍ إلّا قَوْمَ شُعَيْبٍ وقَوْمَ صالِحٍ، فَأمّا قَوْمُ صالِحٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِن تَحْتِهِمْ، وقَوْمُ شُعَيْبٍ أخَذَتْهم مِن فَوْقِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: ولَمّا جاءَ وقْتُ أمْرِنا مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ بِتِلْكَ الصَّيْحَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ العِقابَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ نَجّى شُعَيْبًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةٍ مِنهُ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَّصَهُ مِن ذَلِكَ العَذابِ لِمَحْضِ رَحْمَتِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ ما يَصِلُ إلى العَبْدِ فَلَيْسَ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ: الإيمانَ والطّاعَةَ وسائِرَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهي أيْضًا ما حَصَلَتْ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وإنَّما ذَكَرَ الصَّيْحَةَ بِالألِفِ واللّامِ إشارَةً إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وهي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ والجاثِمُ المُلازِمُ لِمَكانِهِ الَّذِي لا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ، يَعْنِي أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا صاحَ بِهِمْ تِلْكَ الصَّيْحَةَ زَهَقَ رُوحُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِحَيْثُ يَقَعُ في مَكانِهِ مَيِّتًا ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دِيارِهِمْ أحْياءً مُتَصَرِّفِينَ مُتَرَدِّدِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وإنَّما قاسَ حالَهم عَلى ثَمُودَ لِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى عَذَّبَهم مِثْلَ عَذابِ ثَمُودَ.
هود 11:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ السّابِعَةُ مِنَ القِصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وهي آخِرُ القَصَصِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآياتِ: التَّوْراةُ مَعَ ما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، ومِنَ السُّلْطانِ المُبِينِ: المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ الباهِرَةُ، والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِشَرائِعَ وأحْكامٍ وتَكالِيفَ، وأيَّدْناهُ بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ وبَيِّناتٍ باهِرَةٍ.
الثّانِي: أنَّ الآياتِ هي المُعْجِزاتُ والبَيِّناتُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ [يُونُسَ: ٦٨ ] وقَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النَّجْمِ: ٢٣ ] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيها سُلْطانٌ مُبِينٌ لِمُوسى عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ.
الثّانِي: أنْ يُرادَ السُّلْطانُ المُبِينُ العَصا؛ لِأنَّهُ أشْهَرُها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطى مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ، وهي العَصا، واليَدُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ، ومِنهم مَن أبْدَلَ نَقَصَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ بِإظْلالِ الجَبَلِ وفَلْقِ البَحْرِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الحُجَّةَ لِمَ سُمِّيَتْ بِالسُّلْطانِ ؟ فَقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لِأنَّ صاحِبَ الحُجَّةِ يَقْهَرُ مَن لا حُجَّةَ مَعَهُ عِنْدَ النَّظَرِ كَما يَقْهَرُ السُّلْطانُ غَيْرَهُ؛ فَلِهَذا تُوصَفُ الحُجَّةُ بِأنَّها سُلْطانٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: السُّلْطانُ هو الحُجَّةُ، والسُّلْطانُ سُمِّيَ سُلْطانًا لِأنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ في أرْضِهِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السَّلِيطِ، والسَّلِيطُ ما يُضاءُ بِهِ، ومِن هَذا قِيلَ لِلزَّيْتِ: السَّلِيطُ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ السُّلْطانَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْلِيطِ، والعُلَماءُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ كَمالِهِمْ في القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، والمُلُوكُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ ما مَعَهم مِنَ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ، إلّا أنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ أكْمَلُ وأقْوى مِن سَلْطَنَةِ المُلُوكِ؛ لِأنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والعَزْلَ، وسَلْطَنَةَ المُلُوكِ تَقْبَلُهُما، ولِأنَّ سَلْطَنَةَ المُلُوكِ تابِعَةٌ لِسَلْطَنَةِ العُلَماءِ، وسَلْطَنَةَ العُلَماءِ مَن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الأنْبِياءِ، وسَلْطَنَةُ المُلُوكِ مِن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الفَراعِنَةِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا حَمَلْتُمُ الآياتِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى المُعْجِزاتِ، والسُّلْطانَ أيْضًا عَلى الدَّلائِلِ، والمُبِينُ أيْضًا مَعْناهُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِلظُّهُورِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ ؟
قُلْنا: الآياتُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ العَلاماتِ الَّتِي تُفِيدُ الظَّنَّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُفِيدُ اليَقِينَ، وأمّا السُّلْطانُ فَهو اسْمٌ لِما يُفِيدُ القَطْعَ واليَقِينَ، إلّا أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُؤَكَّدُ بِالحِسِّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي لَمْ تَتَأكَّدْ بِالحِسِّ، وأمّا الدَّلِيلُ القاطِعُ الَّذِي تَأكَّدَ بِالحِسِّ فَهو السُّلْطانُ المُبِينُ، ولَمّا كانَتْ
صفحة ٤٤
مُعْجِزاتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَكَذا، لا جَرَمَ وصَفَها اللَّهُ بِأنَّها سُلْطانٌ مُبِينٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ يَعْنِي وأرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا بِمِثْلِ هَذِهِ الآياتِ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ جَماعَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أمْرَهُ إيّاهم بِالكُفْرِ بِمُوسى ومُعْجِزاتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ الطَّرِيقَ والشَّأْنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ بِمُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ، وقِيلَ: رَشِيدٌ أيْ ذُو رُشْدٍ.
واعْلَمْ أنَّ بُعْدَ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ مِنَ الرُّشْدِ كانَ ظاهِرًا؛ لِأنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ وعُبُودِيَّتِهِ رِعايَةً لِمَصْلَحَةِ العالَمِ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ الرُّشْدُ في عِبادَةِ اللَّهِ ومَعْرِفَتِهِ، فَلَمّا كانَ هو نافِيًا لِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، كانَ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صِفَتَهُ وصِفَةَ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ: يُقالُ: قَدَمَ فُلانٌ فُلانًا بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ قادِمَةُ الرَّجُلِ، كَما يُقالُ قَدَمَهُ، بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ.
والبَحْثُ الثّانِي مِن حَيْثُ المَعْنى: وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قُدْوَةً لِقَوْمِهِ في الضَّلالِ حالَ ما كانُوا في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ مُقَدَّمُهم إلى النّارِ وهم يَتْبَعُونَهُ، أوْ يُقالُ: كَما تَقَدَّمَ قَوْمَهُ في الدُّنْيا فَأدْخَلَهم في البَحْرِ وأغْرَقَهم، فَكَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم يَوْمَ القِيامَةِ فَيُدْخِلُهُمُ النّارَ ويُحْرِقُهم، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ وما أمْرُهُ بِصالِحٍ حَمِيدِ العاقِبَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ، وإيضاحًا لَهُ، أيْ كَيْفَ يَكُونُ أمْرُهُ رَشِيدًا مَعَ أنَّ عاقِبَتَهُ هَكَذا.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَيُورِدُهُمُ النّارَ، بَلْ قالَ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ بِلَفْظِ الماضِي ؟
قُلْنا: لِأنَّ الماضِيَ قَدْ وقَعَ ودَخَلَ في الوُجُودِ، فَلا سَبِيلَ ألْبَتَّةَ إلى دَفْعِهِ، فَإذا عُبِّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي دَلَّ عَلى غايَةِ المُبالَغَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: لَفْظُ ”النّارِ“ مُؤَنَّثٌ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: وبِئْسَتِ الوِرْدُ المَوْرُودُ، إلّا أنَّ لَفْظَ ”الوِرْدِ“ مُذَكَّرٌ، فَكانَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ جائِزَيْنِ، كَما تَقُولُ: نِعْمَ المَنزِلُ دارُكَ، ونَعِمَتِ المَنزِلُ دارُكَ، فَمَن ذَكَّرَ غَلَّبَ المَنزِلَ، ومَن أنَّثَ بَنى عَلى تَأْنِيثِ الدّارِ، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ.
البَحْثُ الثّانِي: الوِرْدُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوُرُودِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوارِدِ، قالَ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦ ] وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَوْرُودِ عَلَيْهِ كالماءِ الَّذِي يُورَدُ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الوِرْدُ المَوْرُودُ الَّذِي حَصَلَ وُرُودُهُ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ بِمَن يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وشَبَّهَ أتْباعَهُ بِالوارِدِينَ إلى الماءِ، ثُمَّ قالَ بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يُورَدُونَهُ النّارُ؛ لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ ضِدُّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ والمَعْنى أنَّهم أُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وفي يَوْمِ القِيامَةِ أيْضًا، ومَعْناهُ أنَّ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ ومِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ مُلْتَصِقٌ بِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا يَزُولُ عَنْهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القَصَصِ: ٤٢ ] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ والرِّفْدُ هو العَطِيَّةُ، وأصْلُهُ الَّذِي يُعِينُ عَلى المَطْلُوبِ، سَألَ نافِعُ بْنُ
صفحة ٤٥
الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ قالَ: هو اللَّعْنَةُ بَعْدَ اللَّعْنَةِ، قالَ قَتادَةُ: تَرادَفَتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَتانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لَعْنَةٌ في الدُّنْيا ولَعْنَةٌ في الآخِرَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ جَعَلْتَهُ عَوْنًا لِشَيْءٍ فَقَدْ رَفَدْتَهُ بِهِ.
هود 11:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ السّابِعَةُ مِنَ القِصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وهي آخِرُ القَصَصِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآياتِ: التَّوْراةُ مَعَ ما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، ومِنَ السُّلْطانِ المُبِينِ: المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ الباهِرَةُ، والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِشَرائِعَ وأحْكامٍ وتَكالِيفَ، وأيَّدْناهُ بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ وبَيِّناتٍ باهِرَةٍ.
الثّانِي: أنَّ الآياتِ هي المُعْجِزاتُ والبَيِّناتُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ [يُونُسَ: ٦٨ ] وقَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النَّجْمِ: ٢٣ ] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيها سُلْطانٌ مُبِينٌ لِمُوسى عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ.
الثّانِي: أنْ يُرادَ السُّلْطانُ المُبِينُ العَصا؛ لِأنَّهُ أشْهَرُها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطى مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ، وهي العَصا، واليَدُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ، ومِنهم مَن أبْدَلَ نَقَصَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ بِإظْلالِ الجَبَلِ وفَلْقِ البَحْرِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الحُجَّةَ لِمَ سُمِّيَتْ بِالسُّلْطانِ ؟ فَقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لِأنَّ صاحِبَ الحُجَّةِ يَقْهَرُ مَن لا حُجَّةَ مَعَهُ عِنْدَ النَّظَرِ كَما يَقْهَرُ السُّلْطانُ غَيْرَهُ؛ فَلِهَذا تُوصَفُ الحُجَّةُ بِأنَّها سُلْطانٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: السُّلْطانُ هو الحُجَّةُ، والسُّلْطانُ سُمِّيَ سُلْطانًا لِأنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ في أرْضِهِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السَّلِيطِ، والسَّلِيطُ ما يُضاءُ بِهِ، ومِن هَذا قِيلَ لِلزَّيْتِ: السَّلِيطُ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ السُّلْطانَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْلِيطِ، والعُلَماءُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ كَمالِهِمْ في القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، والمُلُوكُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ ما مَعَهم مِنَ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ، إلّا أنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ أكْمَلُ وأقْوى مِن سَلْطَنَةِ المُلُوكِ؛ لِأنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والعَزْلَ، وسَلْطَنَةَ المُلُوكِ تَقْبَلُهُما، ولِأنَّ سَلْطَنَةَ المُلُوكِ تابِعَةٌ لِسَلْطَنَةِ العُلَماءِ، وسَلْطَنَةَ العُلَماءِ مَن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الأنْبِياءِ، وسَلْطَنَةُ المُلُوكِ مِن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الفَراعِنَةِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا حَمَلْتُمُ الآياتِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى المُعْجِزاتِ، والسُّلْطانَ أيْضًا عَلى الدَّلائِلِ، والمُبِينُ أيْضًا مَعْناهُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِلظُّهُورِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ ؟
قُلْنا: الآياتُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ العَلاماتِ الَّتِي تُفِيدُ الظَّنَّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُفِيدُ اليَقِينَ، وأمّا السُّلْطانُ فَهو اسْمٌ لِما يُفِيدُ القَطْعَ واليَقِينَ، إلّا أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُؤَكَّدُ بِالحِسِّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي لَمْ تَتَأكَّدْ بِالحِسِّ، وأمّا الدَّلِيلُ القاطِعُ الَّذِي تَأكَّدَ بِالحِسِّ فَهو السُّلْطانُ المُبِينُ، ولَمّا كانَتْ
صفحة ٤٤
مُعْجِزاتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَكَذا، لا جَرَمَ وصَفَها اللَّهُ بِأنَّها سُلْطانٌ مُبِينٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ يَعْنِي وأرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا بِمِثْلِ هَذِهِ الآياتِ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ جَماعَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أمْرَهُ إيّاهم بِالكُفْرِ بِمُوسى ومُعْجِزاتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ الطَّرِيقَ والشَّأْنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ بِمُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ، وقِيلَ: رَشِيدٌ أيْ ذُو رُشْدٍ.
واعْلَمْ أنَّ بُعْدَ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ مِنَ الرُّشْدِ كانَ ظاهِرًا؛ لِأنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ وعُبُودِيَّتِهِ رِعايَةً لِمَصْلَحَةِ العالَمِ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ الرُّشْدُ في عِبادَةِ اللَّهِ ومَعْرِفَتِهِ، فَلَمّا كانَ هو نافِيًا لِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، كانَ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صِفَتَهُ وصِفَةَ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ: يُقالُ: قَدَمَ فُلانٌ فُلانًا بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ قادِمَةُ الرَّجُلِ، كَما يُقالُ قَدَمَهُ، بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ.
والبَحْثُ الثّانِي مِن حَيْثُ المَعْنى: وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قُدْوَةً لِقَوْمِهِ في الضَّلالِ حالَ ما كانُوا في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ مُقَدَّمُهم إلى النّارِ وهم يَتْبَعُونَهُ، أوْ يُقالُ: كَما تَقَدَّمَ قَوْمَهُ في الدُّنْيا فَأدْخَلَهم في البَحْرِ وأغْرَقَهم، فَكَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم يَوْمَ القِيامَةِ فَيُدْخِلُهُمُ النّارَ ويُحْرِقُهم، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ وما أمْرُهُ بِصالِحٍ حَمِيدِ العاقِبَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ، وإيضاحًا لَهُ، أيْ كَيْفَ يَكُونُ أمْرُهُ رَشِيدًا مَعَ أنَّ عاقِبَتَهُ هَكَذا.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَيُورِدُهُمُ النّارَ، بَلْ قالَ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ بِلَفْظِ الماضِي ؟
قُلْنا: لِأنَّ الماضِيَ قَدْ وقَعَ ودَخَلَ في الوُجُودِ، فَلا سَبِيلَ ألْبَتَّةَ إلى دَفْعِهِ، فَإذا عُبِّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي دَلَّ عَلى غايَةِ المُبالَغَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: لَفْظُ ”النّارِ“ مُؤَنَّثٌ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: وبِئْسَتِ الوِرْدُ المَوْرُودُ، إلّا أنَّ لَفْظَ ”الوِرْدِ“ مُذَكَّرٌ، فَكانَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ جائِزَيْنِ، كَما تَقُولُ: نِعْمَ المَنزِلُ دارُكَ، ونَعِمَتِ المَنزِلُ دارُكَ، فَمَن ذَكَّرَ غَلَّبَ المَنزِلَ، ومَن أنَّثَ بَنى عَلى تَأْنِيثِ الدّارِ، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ.
البَحْثُ الثّانِي: الوِرْدُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوُرُودِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوارِدِ، قالَ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦ ] وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَوْرُودِ عَلَيْهِ كالماءِ الَّذِي يُورَدُ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الوِرْدُ المَوْرُودُ الَّذِي حَصَلَ وُرُودُهُ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ بِمَن يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وشَبَّهَ أتْباعَهُ بِالوارِدِينَ إلى الماءِ، ثُمَّ قالَ بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يُورَدُونَهُ النّارُ؛ لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ ضِدُّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ والمَعْنى أنَّهم أُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وفي يَوْمِ القِيامَةِ أيْضًا، ومَعْناهُ أنَّ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ ومِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ مُلْتَصِقٌ بِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا يَزُولُ عَنْهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القَصَصِ: ٤٢ ] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ والرِّفْدُ هو العَطِيَّةُ، وأصْلُهُ الَّذِي يُعِينُ عَلى المَطْلُوبِ، سَألَ نافِعُ بْنُ
صفحة ٤٥
الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ قالَ: هو اللَّعْنَةُ بَعْدَ اللَّعْنَةِ، قالَ قَتادَةُ: تَرادَفَتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَتانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لَعْنَةٌ في الدُّنْيا ولَعْنَةٌ في الآخِرَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ جَعَلْتَهُ عَوْنًا لِشَيْءٍ فَقَدْ رَفَدْتَهُ بِهِ.
هود 11:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ السّابِعَةُ مِنَ القِصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وهي آخِرُ القَصَصِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآياتِ: التَّوْراةُ مَعَ ما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، ومِنَ السُّلْطانِ المُبِينِ: المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ الباهِرَةُ، والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِشَرائِعَ وأحْكامٍ وتَكالِيفَ، وأيَّدْناهُ بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ وبَيِّناتٍ باهِرَةٍ.
الثّانِي: أنَّ الآياتِ هي المُعْجِزاتُ والبَيِّناتُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ [يُونُسَ: ٦٨ ] وقَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النَّجْمِ: ٢٣ ] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيها سُلْطانٌ مُبِينٌ لِمُوسى عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ.
الثّانِي: أنْ يُرادَ السُّلْطانُ المُبِينُ العَصا؛ لِأنَّهُ أشْهَرُها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطى مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ، وهي العَصا، واليَدُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ، ومِنهم مَن أبْدَلَ نَقَصَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ بِإظْلالِ الجَبَلِ وفَلْقِ البَحْرِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الحُجَّةَ لِمَ سُمِّيَتْ بِالسُّلْطانِ ؟ فَقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لِأنَّ صاحِبَ الحُجَّةِ يَقْهَرُ مَن لا حُجَّةَ مَعَهُ عِنْدَ النَّظَرِ كَما يَقْهَرُ السُّلْطانُ غَيْرَهُ؛ فَلِهَذا تُوصَفُ الحُجَّةُ بِأنَّها سُلْطانٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: السُّلْطانُ هو الحُجَّةُ، والسُّلْطانُ سُمِّيَ سُلْطانًا لِأنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ في أرْضِهِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السَّلِيطِ، والسَّلِيطُ ما يُضاءُ بِهِ، ومِن هَذا قِيلَ لِلزَّيْتِ: السَّلِيطُ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ السُّلْطانَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْلِيطِ، والعُلَماءُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ كَمالِهِمْ في القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، والمُلُوكُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ ما مَعَهم مِنَ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ، إلّا أنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ أكْمَلُ وأقْوى مِن سَلْطَنَةِ المُلُوكِ؛ لِأنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والعَزْلَ، وسَلْطَنَةَ المُلُوكِ تَقْبَلُهُما، ولِأنَّ سَلْطَنَةَ المُلُوكِ تابِعَةٌ لِسَلْطَنَةِ العُلَماءِ، وسَلْطَنَةَ العُلَماءِ مَن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الأنْبِياءِ، وسَلْطَنَةُ المُلُوكِ مِن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الفَراعِنَةِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا حَمَلْتُمُ الآياتِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى المُعْجِزاتِ، والسُّلْطانَ أيْضًا عَلى الدَّلائِلِ، والمُبِينُ أيْضًا مَعْناهُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِلظُّهُورِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ ؟
قُلْنا: الآياتُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ العَلاماتِ الَّتِي تُفِيدُ الظَّنَّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُفِيدُ اليَقِينَ، وأمّا السُّلْطانُ فَهو اسْمٌ لِما يُفِيدُ القَطْعَ واليَقِينَ، إلّا أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُؤَكَّدُ بِالحِسِّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي لَمْ تَتَأكَّدْ بِالحِسِّ، وأمّا الدَّلِيلُ القاطِعُ الَّذِي تَأكَّدَ بِالحِسِّ فَهو السُّلْطانُ المُبِينُ، ولَمّا كانَتْ
صفحة ٤٤
مُعْجِزاتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَكَذا، لا جَرَمَ وصَفَها اللَّهُ بِأنَّها سُلْطانٌ مُبِينٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ يَعْنِي وأرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا بِمِثْلِ هَذِهِ الآياتِ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ جَماعَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أمْرَهُ إيّاهم بِالكُفْرِ بِمُوسى ومُعْجِزاتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ الطَّرِيقَ والشَّأْنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ بِمُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ، وقِيلَ: رَشِيدٌ أيْ ذُو رُشْدٍ.
واعْلَمْ أنَّ بُعْدَ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ مِنَ الرُّشْدِ كانَ ظاهِرًا؛ لِأنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ وعُبُودِيَّتِهِ رِعايَةً لِمَصْلَحَةِ العالَمِ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ الرُّشْدُ في عِبادَةِ اللَّهِ ومَعْرِفَتِهِ، فَلَمّا كانَ هو نافِيًا لِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، كانَ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صِفَتَهُ وصِفَةَ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ: يُقالُ: قَدَمَ فُلانٌ فُلانًا بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ قادِمَةُ الرَّجُلِ، كَما يُقالُ قَدَمَهُ، بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ.
والبَحْثُ الثّانِي مِن حَيْثُ المَعْنى: وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قُدْوَةً لِقَوْمِهِ في الضَّلالِ حالَ ما كانُوا في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ مُقَدَّمُهم إلى النّارِ وهم يَتْبَعُونَهُ، أوْ يُقالُ: كَما تَقَدَّمَ قَوْمَهُ في الدُّنْيا فَأدْخَلَهم في البَحْرِ وأغْرَقَهم، فَكَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم يَوْمَ القِيامَةِ فَيُدْخِلُهُمُ النّارَ ويُحْرِقُهم، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ وما أمْرُهُ بِصالِحٍ حَمِيدِ العاقِبَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ، وإيضاحًا لَهُ، أيْ كَيْفَ يَكُونُ أمْرُهُ رَشِيدًا مَعَ أنَّ عاقِبَتَهُ هَكَذا.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَيُورِدُهُمُ النّارَ، بَلْ قالَ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ بِلَفْظِ الماضِي ؟
قُلْنا: لِأنَّ الماضِيَ قَدْ وقَعَ ودَخَلَ في الوُجُودِ، فَلا سَبِيلَ ألْبَتَّةَ إلى دَفْعِهِ، فَإذا عُبِّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي دَلَّ عَلى غايَةِ المُبالَغَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: لَفْظُ ”النّارِ“ مُؤَنَّثٌ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: وبِئْسَتِ الوِرْدُ المَوْرُودُ، إلّا أنَّ لَفْظَ ”الوِرْدِ“ مُذَكَّرٌ، فَكانَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ جائِزَيْنِ، كَما تَقُولُ: نِعْمَ المَنزِلُ دارُكَ، ونَعِمَتِ المَنزِلُ دارُكَ، فَمَن ذَكَّرَ غَلَّبَ المَنزِلَ، ومَن أنَّثَ بَنى عَلى تَأْنِيثِ الدّارِ، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ.
البَحْثُ الثّانِي: الوِرْدُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوُرُودِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوارِدِ، قالَ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦ ] وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَوْرُودِ عَلَيْهِ كالماءِ الَّذِي يُورَدُ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الوِرْدُ المَوْرُودُ الَّذِي حَصَلَ وُرُودُهُ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ بِمَن يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وشَبَّهَ أتْباعَهُ بِالوارِدِينَ إلى الماءِ، ثُمَّ قالَ بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يُورَدُونَهُ النّارُ؛ لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ ضِدُّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ والمَعْنى أنَّهم أُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وفي يَوْمِ القِيامَةِ أيْضًا، ومَعْناهُ أنَّ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ ومِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ مُلْتَصِقٌ بِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا يَزُولُ عَنْهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القَصَصِ: ٤٢ ] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ والرِّفْدُ هو العَطِيَّةُ، وأصْلُهُ الَّذِي يُعِينُ عَلى المَطْلُوبِ، سَألَ نافِعُ بْنُ
صفحة ٤٥
الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ قالَ: هو اللَّعْنَةُ بَعْدَ اللَّعْنَةِ، قالَ قَتادَةُ: تَرادَفَتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَتانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لَعْنَةٌ في الدُّنْيا ولَعْنَةٌ في الآخِرَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ جَعَلْتَهُ عَوْنًا لِشَيْءٍ فَقَدْ رَفَدْتَهُ بِهِ.
هود 11:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ السّابِعَةُ مِنَ القِصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وهي آخِرُ القَصَصِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآياتِ: التَّوْراةُ مَعَ ما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، ومِنَ السُّلْطانِ المُبِينِ: المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ الباهِرَةُ، والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِشَرائِعَ وأحْكامٍ وتَكالِيفَ، وأيَّدْناهُ بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ وبَيِّناتٍ باهِرَةٍ.
الثّانِي: أنَّ الآياتِ هي المُعْجِزاتُ والبَيِّناتُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ [يُونُسَ: ٦٨ ] وقَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النَّجْمِ: ٢٣ ] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيها سُلْطانٌ مُبِينٌ لِمُوسى عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ.
الثّانِي: أنْ يُرادَ السُّلْطانُ المُبِينُ العَصا؛ لِأنَّهُ أشْهَرُها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطى مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ، وهي العَصا، واليَدُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ، ومِنهم مَن أبْدَلَ نَقَصَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ بِإظْلالِ الجَبَلِ وفَلْقِ البَحْرِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الحُجَّةَ لِمَ سُمِّيَتْ بِالسُّلْطانِ ؟ فَقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لِأنَّ صاحِبَ الحُجَّةِ يَقْهَرُ مَن لا حُجَّةَ مَعَهُ عِنْدَ النَّظَرِ كَما يَقْهَرُ السُّلْطانُ غَيْرَهُ؛ فَلِهَذا تُوصَفُ الحُجَّةُ بِأنَّها سُلْطانٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: السُّلْطانُ هو الحُجَّةُ، والسُّلْطانُ سُمِّيَ سُلْطانًا لِأنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ في أرْضِهِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السَّلِيطِ، والسَّلِيطُ ما يُضاءُ بِهِ، ومِن هَذا قِيلَ لِلزَّيْتِ: السَّلِيطُ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ السُّلْطانَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْلِيطِ، والعُلَماءُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ كَمالِهِمْ في القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، والمُلُوكُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ ما مَعَهم مِنَ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ، إلّا أنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ أكْمَلُ وأقْوى مِن سَلْطَنَةِ المُلُوكِ؛ لِأنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والعَزْلَ، وسَلْطَنَةَ المُلُوكِ تَقْبَلُهُما، ولِأنَّ سَلْطَنَةَ المُلُوكِ تابِعَةٌ لِسَلْطَنَةِ العُلَماءِ، وسَلْطَنَةَ العُلَماءِ مَن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الأنْبِياءِ، وسَلْطَنَةُ المُلُوكِ مِن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الفَراعِنَةِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا حَمَلْتُمُ الآياتِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى المُعْجِزاتِ، والسُّلْطانَ أيْضًا عَلى الدَّلائِلِ، والمُبِينُ أيْضًا مَعْناهُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِلظُّهُورِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ ؟
قُلْنا: الآياتُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ العَلاماتِ الَّتِي تُفِيدُ الظَّنَّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُفِيدُ اليَقِينَ، وأمّا السُّلْطانُ فَهو اسْمٌ لِما يُفِيدُ القَطْعَ واليَقِينَ، إلّا أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُؤَكَّدُ بِالحِسِّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي لَمْ تَتَأكَّدْ بِالحِسِّ، وأمّا الدَّلِيلُ القاطِعُ الَّذِي تَأكَّدَ بِالحِسِّ فَهو السُّلْطانُ المُبِينُ، ولَمّا كانَتْ
صفحة ٤٤
مُعْجِزاتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَكَذا، لا جَرَمَ وصَفَها اللَّهُ بِأنَّها سُلْطانٌ مُبِينٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ يَعْنِي وأرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا بِمِثْلِ هَذِهِ الآياتِ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ جَماعَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أمْرَهُ إيّاهم بِالكُفْرِ بِمُوسى ومُعْجِزاتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ الطَّرِيقَ والشَّأْنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ بِمُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ، وقِيلَ: رَشِيدٌ أيْ ذُو رُشْدٍ.
واعْلَمْ أنَّ بُعْدَ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ مِنَ الرُّشْدِ كانَ ظاهِرًا؛ لِأنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ وعُبُودِيَّتِهِ رِعايَةً لِمَصْلَحَةِ العالَمِ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ الرُّشْدُ في عِبادَةِ اللَّهِ ومَعْرِفَتِهِ، فَلَمّا كانَ هو نافِيًا لِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، كانَ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صِفَتَهُ وصِفَةَ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ: يُقالُ: قَدَمَ فُلانٌ فُلانًا بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ قادِمَةُ الرَّجُلِ، كَما يُقالُ قَدَمَهُ، بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ.
والبَحْثُ الثّانِي مِن حَيْثُ المَعْنى: وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قُدْوَةً لِقَوْمِهِ في الضَّلالِ حالَ ما كانُوا في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ مُقَدَّمُهم إلى النّارِ وهم يَتْبَعُونَهُ، أوْ يُقالُ: كَما تَقَدَّمَ قَوْمَهُ في الدُّنْيا فَأدْخَلَهم في البَحْرِ وأغْرَقَهم، فَكَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم يَوْمَ القِيامَةِ فَيُدْخِلُهُمُ النّارَ ويُحْرِقُهم، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ وما أمْرُهُ بِصالِحٍ حَمِيدِ العاقِبَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ، وإيضاحًا لَهُ، أيْ كَيْفَ يَكُونُ أمْرُهُ رَشِيدًا مَعَ أنَّ عاقِبَتَهُ هَكَذا.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَيُورِدُهُمُ النّارَ، بَلْ قالَ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ بِلَفْظِ الماضِي ؟
قُلْنا: لِأنَّ الماضِيَ قَدْ وقَعَ ودَخَلَ في الوُجُودِ، فَلا سَبِيلَ ألْبَتَّةَ إلى دَفْعِهِ، فَإذا عُبِّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي دَلَّ عَلى غايَةِ المُبالَغَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: لَفْظُ ”النّارِ“ مُؤَنَّثٌ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: وبِئْسَتِ الوِرْدُ المَوْرُودُ، إلّا أنَّ لَفْظَ ”الوِرْدِ“ مُذَكَّرٌ، فَكانَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ جائِزَيْنِ، كَما تَقُولُ: نِعْمَ المَنزِلُ دارُكَ، ونَعِمَتِ المَنزِلُ دارُكَ، فَمَن ذَكَّرَ غَلَّبَ المَنزِلَ، ومَن أنَّثَ بَنى عَلى تَأْنِيثِ الدّارِ، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ.
البَحْثُ الثّانِي: الوِرْدُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوُرُودِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوارِدِ، قالَ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦ ] وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَوْرُودِ عَلَيْهِ كالماءِ الَّذِي يُورَدُ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الوِرْدُ المَوْرُودُ الَّذِي حَصَلَ وُرُودُهُ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ بِمَن يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وشَبَّهَ أتْباعَهُ بِالوارِدِينَ إلى الماءِ، ثُمَّ قالَ بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يُورَدُونَهُ النّارُ؛ لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ ضِدُّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ والمَعْنى أنَّهم أُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وفي يَوْمِ القِيامَةِ أيْضًا، ومَعْناهُ أنَّ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ ومِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ مُلْتَصِقٌ بِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا يَزُولُ عَنْهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القَصَصِ: ٤٢ ] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ والرِّفْدُ هو العَطِيَّةُ، وأصْلُهُ الَّذِي يُعِينُ عَلى المَطْلُوبِ، سَألَ نافِعُ بْنُ
صفحة ٤٥
الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ قالَ: هو اللَّعْنَةُ بَعْدَ اللَّعْنَةِ، قالَ قَتادَةُ: تَرادَفَتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَتانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لَعْنَةٌ في الدُّنْيا ولَعْنَةٌ في الآخِرَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ جَعَلْتَهُ عَوْنًا لِشَيْءٍ فَقَدْ رَفَدْتَهُ بِهِ.
هود 11:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَصَصَ الأوَّلِينَ قالَ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ والفائِدَةُ في ذِكْرِها أُمُورٌ:
أوَّلُها: أنَّ الِانْتِفاعَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ المَحْضِ إنَّما يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ الكامِلِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في غايَةِ النُّدْرَةِ، فَأمّا إذا ذَكَرْتَ الدَّلائِلَ ثُمَّ أكَّدْتَ بِأقاصِيصِ الأوَّلِينَ - صارَ ذِكْرُ هَذِهِ الأقاصِيصِ كالمُوَصِّلِ لِتِلْكَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ إلى العُقُولِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَلَطَ بِهَذِهِ الأقاصِيصِ أنْواعَ الدَّلائِلِ الَّتِي كانَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَتَمَسَّكُونَ بِها، ويَذْكُرُ مُدافَعاتِ الكُفّارِ لِتِلْكَ الدَّلائِلِ وشُبُهاتِهِمْ في دَفْعِها، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُما أجْوِبَةَ الأنْبِياءِ عَنْها، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَها أنَّهم لَمّا أصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا وقَعُوا في عَذابِ الدُّنْيا، وبَقِيَ عَلَيْهِمُ اللَّعْنُ والعِقابُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القَصَصِ سَبَبًا لِإيصالِ الدَّلائِلِ والجَواباتِ عَنِ الشُّبَهاتِ إلى قُلُوبِ المُنْكِرِينَ، وسَبَبًا لِإزالَةِ القَسْوَةِ والغِلْظَةِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ أحْسَنَ الطُّرُقِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى ما ذَكَرْناهُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَذْكُرُ هَذِهِ القَصَصَ مِن غَيْرِ مُطالَعَةِ كُتُبٍ، ولا تَلْمَذَ لِأحَدٍ، وذَلِكَ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ كَما قَرَّرْناهُ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هَذِهِ القِصَصَ يَتَقَرَّرُ عِنْدَهم أنَّ عاقِبَةَ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُوافِقِ والمُنافِقِ إلى تَرْكِ الدُّنْيا والخُرُوجِ عَنْها، إلّا أنَّ المُؤْمِنَ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيا مَعَ الثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا، والثَّوابِ الجَزِيلِ في الآخِرَةِ، والكافِرَ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيا مَعَ اللَّعْنِ في الدُّنْيا والعِقابِ في الآخِرَةِ، فَإذا تَكَرَّرَتْ هَذِهِ الأقاصِيصُ عَلى السَّمْعِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَلِينَ القَلْبُ، وتَخْضَعَ النَّفْسُ، وتَزُولَ العَداوَةُ، ويَحْصُلَ في القَلْبِ خَوْفٌ يَحْمِلُهُ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، فَهَذا كَلامٌ جَلِيلٌ في فَوائِدِ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَصِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الغائِبِ، والمُرادُ مِنهُ هَهُنا الإشارَةُ إلى هَذِهِ القِصَصِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وهي حاضِرَةٌ، إلّا أنَّ الجَوابَ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢ ] .
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ ”ذَلِكَ“ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٤٦
﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٨ ] وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو كَذا وكَذا.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ خَبَرٌ ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنها﴾ يَعُودُ إلى القُرى، شَبَّهَ ما بَقِيَ مِن آثارِ القُرى وجُدْرانِها بِالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ، وما عَفا مِنها وبَطِرَ بِالحَصِيدِ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ القُرى بَعْضُها بَقِيَ مِنهُ شَيْءٌ، وبَعْضُها هَلَكَ وما بَقِيَ مِنهُ أثَرٌ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وما ظَلَمْناهم بِالعَذابِ والإهْلاكِ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي نَزَلَ بِالقَوْمِ لَيْسَ بِظُلْمٍ مِنَ اللَّهِ، بَلْ هو عَدْلٌ وحِكْمَةٌ؛ لِأجْلِ أنَّ القَوْمَ أوَّلًا ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، فاسْتَوْجَبُوا لِأجْلِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ العَذابَ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ: وما نَقَصْناهم مِنَ النَّعِيمِ في الدُّنْيا والرِّزْقِ، ولَكِنْ نَقَصُوا حَظَّ أنْفُسِهِمْ حَيْثُ اسْتَخَفُّوا بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ ما نَفَعَتْهم تِلْكَ الآلِهَةُ في شَيْءٍ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: غَيْرَ تَخْسِيرٍ، يُقالُ: تَبَّ، إذا خَسِرَ، وتَبَّبَهُ غَيْرُهُ إذا أوْقَعَهُ في الخُسْرانِ، والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ في الأصْنامِ أنَّها تُعِينُ عَلى تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ مَساسِ الحاجَةِ إلى المُعِينِ ما وجَدُوا مِنها شَيْئًا لا جَلْبَ نَفْعٍ ولا دَفْعَ ضُرٍّ، ثُمَّ كَما لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ فَقَدْ وجَدُوا ضِدَّهُ، وهو أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ زالَ عَنْهم بِهِ مَنافِعُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجَلَبَ إلَيْهِمْ مَضارَّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ الخُسْرانِ.
هود 11:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَصَصَ الأوَّلِينَ قالَ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ والفائِدَةُ في ذِكْرِها أُمُورٌ:
أوَّلُها: أنَّ الِانْتِفاعَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ المَحْضِ إنَّما يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ الكامِلِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في غايَةِ النُّدْرَةِ، فَأمّا إذا ذَكَرْتَ الدَّلائِلَ ثُمَّ أكَّدْتَ بِأقاصِيصِ الأوَّلِينَ - صارَ ذِكْرُ هَذِهِ الأقاصِيصِ كالمُوَصِّلِ لِتِلْكَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ إلى العُقُولِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَلَطَ بِهَذِهِ الأقاصِيصِ أنْواعَ الدَّلائِلِ الَّتِي كانَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَتَمَسَّكُونَ بِها، ويَذْكُرُ مُدافَعاتِ الكُفّارِ لِتِلْكَ الدَّلائِلِ وشُبُهاتِهِمْ في دَفْعِها، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُما أجْوِبَةَ الأنْبِياءِ عَنْها، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَها أنَّهم لَمّا أصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا وقَعُوا في عَذابِ الدُّنْيا، وبَقِيَ عَلَيْهِمُ اللَّعْنُ والعِقابُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القَصَصِ سَبَبًا لِإيصالِ الدَّلائِلِ والجَواباتِ عَنِ الشُّبَهاتِ إلى قُلُوبِ المُنْكِرِينَ، وسَبَبًا لِإزالَةِ القَسْوَةِ والغِلْظَةِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ أحْسَنَ الطُّرُقِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى ما ذَكَرْناهُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَذْكُرُ هَذِهِ القَصَصَ مِن غَيْرِ مُطالَعَةِ كُتُبٍ، ولا تَلْمَذَ لِأحَدٍ، وذَلِكَ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ كَما قَرَّرْناهُ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هَذِهِ القِصَصَ يَتَقَرَّرُ عِنْدَهم أنَّ عاقِبَةَ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُوافِقِ والمُنافِقِ إلى تَرْكِ الدُّنْيا والخُرُوجِ عَنْها، إلّا أنَّ المُؤْمِنَ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيا مَعَ الثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا، والثَّوابِ الجَزِيلِ في الآخِرَةِ، والكافِرَ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيا مَعَ اللَّعْنِ في الدُّنْيا والعِقابِ في الآخِرَةِ، فَإذا تَكَرَّرَتْ هَذِهِ الأقاصِيصُ عَلى السَّمْعِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَلِينَ القَلْبُ، وتَخْضَعَ النَّفْسُ، وتَزُولَ العَداوَةُ، ويَحْصُلَ في القَلْبِ خَوْفٌ يَحْمِلُهُ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، فَهَذا كَلامٌ جَلِيلٌ في فَوائِدِ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَصِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الغائِبِ، والمُرادُ مِنهُ هَهُنا الإشارَةُ إلى هَذِهِ القِصَصِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وهي حاضِرَةٌ، إلّا أنَّ الجَوابَ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢ ] .
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ ”ذَلِكَ“ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٤٦
﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٨ ] وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو كَذا وكَذا.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ خَبَرٌ ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنها﴾ يَعُودُ إلى القُرى، شَبَّهَ ما بَقِيَ مِن آثارِ القُرى وجُدْرانِها بِالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ، وما عَفا مِنها وبَطِرَ بِالحَصِيدِ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ القُرى بَعْضُها بَقِيَ مِنهُ شَيْءٌ، وبَعْضُها هَلَكَ وما بَقِيَ مِنهُ أثَرٌ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وما ظَلَمْناهم بِالعَذابِ والإهْلاكِ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي نَزَلَ بِالقَوْمِ لَيْسَ بِظُلْمٍ مِنَ اللَّهِ، بَلْ هو عَدْلٌ وحِكْمَةٌ؛ لِأجْلِ أنَّ القَوْمَ أوَّلًا ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، فاسْتَوْجَبُوا لِأجْلِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ العَذابَ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ: وما نَقَصْناهم مِنَ النَّعِيمِ في الدُّنْيا والرِّزْقِ، ولَكِنْ نَقَصُوا حَظَّ أنْفُسِهِمْ حَيْثُ اسْتَخَفُّوا بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ ما نَفَعَتْهم تِلْكَ الآلِهَةُ في شَيْءٍ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: غَيْرَ تَخْسِيرٍ، يُقالُ: تَبَّ، إذا خَسِرَ، وتَبَّبَهُ غَيْرُهُ إذا أوْقَعَهُ في الخُسْرانِ، والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ في الأصْنامِ أنَّها تُعِينُ عَلى تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ مَساسِ الحاجَةِ إلى المُعِينِ ما وجَدُوا مِنها شَيْئًا لا جَلْبَ نَفْعٍ ولا دَفْعَ ضُرٍّ، ثُمَّ كَما لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ فَقَدْ وجَدُوا ضِدَّهُ، وهو أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ زالَ عَنْهم بِهِ مَنافِعُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجَلَبَ إلَيْهِمْ مَضارَّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ الخُسْرانِ.
هود 11:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ والجَحْدَرِيُّ: ”إذْ أخَذَ القُرى“ بِألِفٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِألِفَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في كِتابِهِ بِما فَعَلَ بِأُمَمِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ لَمّا خالَفُوا الرُّسُلَ ورَدُّوا عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وبَيَّنَ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم، فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ في الدُّنْيا، قالَ بَعْدَهُ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عَذابَهُ لَيْسَ بِمُقْتَصِرٍ عَلى مَن تَقَدَّمَ، بَلِ الحالُ في أخْذِ كُلِّ الظّالِمِينَ يَكُونُ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ إلى القُرى، وهو في
صفحة ٤٧
الحَقِيقَةِ عائِدٌ إلى أهْلِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ [الأنْبِياءِ: ١١ ] وقَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القَصَصِ: ٥٨ ] .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ أخْذِ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما يَأْخُذُ جَمِيعَ الظّالِمِينَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ - أتْبَعَهُ بِما يَزِيدُهُ تَأْكِيدًا وتَقْوِيَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ فَوَصَفَ ذَلِكَ العَذابَ بِالإيلامِ وبِالشِّدَّةِ، ولا مُنَغِّصَةَ في الدُّنْيا إلّا الألَمَ، ولا تَشْدِيدَ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وفي الوَهْمِ والعَقْلِ، إلّا تَشْدِيدَ الألَمِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى ظُلْمٍ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَدارَكَ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ؛ لِئَلّا يَقَعَ في الأخْذِ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ مُخْتَصَّةٌ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أحْوالَ المُتَقَدِّمِينَ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَن شارَكَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، فَلا بُدَّ وأنْ يُشارِكَهم في ذَلِكَ الأخْذِ الألِيمِ الشَّدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ قالَ القَفّالُ: تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ إنَّما عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ، فَإذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا عَلى ذَلِكَ - وهي دارُ العَمَلِ - فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلَيْهِ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ كانَ أوْلى.
واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ تَنَبَّهَ لِهَذا البَحْثِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَوَّلُوا عَلى هَذا الوَجْهِ، بَلْ هو ضَعِيفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ يَكُونُ ظُهُورُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا دَلِيلًا عَلى أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ والبَعْثِ والنَّشْرِ حَقٌّ وصِدْقٌ.
وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ العِلْمَ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ، كالشَّرْطِ في حُصُولِ الِاعْتِبارِ بِظُهُورِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وهَذا المَعْنى كالمُضادِّ لِما ذَكَرَهُ القَفّالُ؛ لِأنَّ القَفّالَ يَجْعَلُ العِلْمَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ أصْلًا لِلْعِلْمِ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ، فَبَطَلَ ما ذَكَرَهُ القَفّالُ، والأصْوَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: العِلْمُ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ مَوْقُوفٌ عَلى العِلْمِ بِأنَّ المُدَبِّرَ لِوُجُودِ هَذِهِ السَّماواتِ والأرْضِينَ فاعِلٌ مُخْتارٌ، لا مُوجَبٌ بِالذّاتِ، وما لَمْ يَعْرِفِ الإنْسانُ أنَّ إلَهَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ، وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وأنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ الواقِعَةِ في السَّماواتِ والأرْضِينَ لا تَحْصُلُ إلّا بِتَكْوِينِهِ وقَضائِهِ - لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْتَبِرَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ المُؤَثِّرَ في وُجُودِ هَذا العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ لا فاعِلٌ مُخْتارٌ يَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ الَّتِي ظَهَرَتْ في أيّامِ الأنْبِياءِ مِثْلُ الغَرَقِ، والحَرَقِ، والخَسْفِ، والمَسْخِ، والصَّيْحَةِ، كُلُّها إنَّما حَدَثَتْ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ حُصُولُها دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، فَأمّا الَّذِي يُؤْمِنُ بِالقِيامَةِ، فَلا يَتِمُّ ذَلِكَ الإيمانُ إلّا إذا اعْتَقَدَ أنَّ إلَهَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ، وأنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الحَوادِثِ الهائِلَةِ والوَقائِعِ العَظِيمَةِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّ إلَهَ العالَمِ خَلَقَها وأوْجَدَها، وأنَّها لَيْسَتْ بِسَبَبِ طَوالِعِ الكَواكِبِ وقِراناتِها، وحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِسَماعِ هَذِهِ القِصَصِ، ويَسْتَدِلُّ بِها عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، فَثَبَتَ بِهَذا صِحَّةُ قَوْلِهِ: (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الآخِرَةَ وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِوَصْفَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ، والمَعْنى أنَّ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ كُلُّهم يُحْشَرُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ويُجْمَعُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ قالَ
صفحة ٤٨
ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَشْهَدُهُ البَرُّ والفاجِرُ، وقالَ آخَرُونَ: يَشْهَدُهُ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، والمُرادُ مِنَ الشُّهُودِ الحُضُورُ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ أنَّهُ رُبَّما وقَعَ في قَلْبِ إنْسانٍ أنَّهم لَمّا جُمِعُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَعْرِفْ كُلُّ أحَدٍ إلّا واقِعَةَ نَفْسِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الوَقائِعَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً لِلْكُلِّ؛ بِسَبَبِ المُحاسَبَةِ والمُساءَلَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ والمَعْنى أنَّ تَأْخِيرَ الآخِرَةِ وإفْناءَ الدُّنْيا مَوْقُوفٌ عَلى أجَلٍ مَعْدُودٍ، وكُلُّ ما لَهُ عَدَدٌ فَهو مُتَناهٍ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْنى، فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّ تَأْخِيرَ الآخِرَةِ سَيَنْتَهِي إلى وقْتٍ لا بُدَّ وأنْ يُقِيمَ اللَّهُ القِيامَةَ فِيهِ، وأنْ تَخَرَبَ الدُّنْيا فِيهِ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
هود 11:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ والجَحْدَرِيُّ: ”إذْ أخَذَ القُرى“ بِألِفٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِألِفَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في كِتابِهِ بِما فَعَلَ بِأُمَمِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ لَمّا خالَفُوا الرُّسُلَ ورَدُّوا عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وبَيَّنَ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم، فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ في الدُّنْيا، قالَ بَعْدَهُ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عَذابَهُ لَيْسَ بِمُقْتَصِرٍ عَلى مَن تَقَدَّمَ، بَلِ الحالُ في أخْذِ كُلِّ الظّالِمِينَ يَكُونُ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ إلى القُرى، وهو في
صفحة ٤٧
الحَقِيقَةِ عائِدٌ إلى أهْلِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ [الأنْبِياءِ: ١١ ] وقَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القَصَصِ: ٥٨ ] .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ أخْذِ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما يَأْخُذُ جَمِيعَ الظّالِمِينَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ - أتْبَعَهُ بِما يَزِيدُهُ تَأْكِيدًا وتَقْوِيَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ فَوَصَفَ ذَلِكَ العَذابَ بِالإيلامِ وبِالشِّدَّةِ، ولا مُنَغِّصَةَ في الدُّنْيا إلّا الألَمَ، ولا تَشْدِيدَ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وفي الوَهْمِ والعَقْلِ، إلّا تَشْدِيدَ الألَمِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى ظُلْمٍ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَدارَكَ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ؛ لِئَلّا يَقَعَ في الأخْذِ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ مُخْتَصَّةٌ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أحْوالَ المُتَقَدِّمِينَ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَن شارَكَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، فَلا بُدَّ وأنْ يُشارِكَهم في ذَلِكَ الأخْذِ الألِيمِ الشَّدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ قالَ القَفّالُ: تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ إنَّما عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ، فَإذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا عَلى ذَلِكَ - وهي دارُ العَمَلِ - فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلَيْهِ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ كانَ أوْلى.
واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ تَنَبَّهَ لِهَذا البَحْثِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَوَّلُوا عَلى هَذا الوَجْهِ، بَلْ هو ضَعِيفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ يَكُونُ ظُهُورُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا دَلِيلًا عَلى أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ والبَعْثِ والنَّشْرِ حَقٌّ وصِدْقٌ.
وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ العِلْمَ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ، كالشَّرْطِ في حُصُولِ الِاعْتِبارِ بِظُهُورِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وهَذا المَعْنى كالمُضادِّ لِما ذَكَرَهُ القَفّالُ؛ لِأنَّ القَفّالَ يَجْعَلُ العِلْمَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ أصْلًا لِلْعِلْمِ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ، فَبَطَلَ ما ذَكَرَهُ القَفّالُ، والأصْوَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: العِلْمُ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ مَوْقُوفٌ عَلى العِلْمِ بِأنَّ المُدَبِّرَ لِوُجُودِ هَذِهِ السَّماواتِ والأرْضِينَ فاعِلٌ مُخْتارٌ، لا مُوجَبٌ بِالذّاتِ، وما لَمْ يَعْرِفِ الإنْسانُ أنَّ إلَهَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ، وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وأنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ الواقِعَةِ في السَّماواتِ والأرْضِينَ لا تَحْصُلُ إلّا بِتَكْوِينِهِ وقَضائِهِ - لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْتَبِرَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ المُؤَثِّرَ في وُجُودِ هَذا العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ لا فاعِلٌ مُخْتارٌ يَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ الَّتِي ظَهَرَتْ في أيّامِ الأنْبِياءِ مِثْلُ الغَرَقِ، والحَرَقِ، والخَسْفِ، والمَسْخِ، والصَّيْحَةِ، كُلُّها إنَّما حَدَثَتْ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ حُصُولُها دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، فَأمّا الَّذِي يُؤْمِنُ بِالقِيامَةِ، فَلا يَتِمُّ ذَلِكَ الإيمانُ إلّا إذا اعْتَقَدَ أنَّ إلَهَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ، وأنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الحَوادِثِ الهائِلَةِ والوَقائِعِ العَظِيمَةِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّ إلَهَ العالَمِ خَلَقَها وأوْجَدَها، وأنَّها لَيْسَتْ بِسَبَبِ طَوالِعِ الكَواكِبِ وقِراناتِها، وحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِسَماعِ هَذِهِ القِصَصِ، ويَسْتَدِلُّ بِها عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، فَثَبَتَ بِهَذا صِحَّةُ قَوْلِهِ: (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الآخِرَةَ وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِوَصْفَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ، والمَعْنى أنَّ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ كُلُّهم يُحْشَرُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ويُجْمَعُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ قالَ
صفحة ٤٨
ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَشْهَدُهُ البَرُّ والفاجِرُ، وقالَ آخَرُونَ: يَشْهَدُهُ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، والمُرادُ مِنَ الشُّهُودِ الحُضُورُ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ أنَّهُ رُبَّما وقَعَ في قَلْبِ إنْسانٍ أنَّهم لَمّا جُمِعُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَعْرِفْ كُلُّ أحَدٍ إلّا واقِعَةَ نَفْسِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الوَقائِعَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً لِلْكُلِّ؛ بِسَبَبِ المُحاسَبَةِ والمُساءَلَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ والمَعْنى أنَّ تَأْخِيرَ الآخِرَةِ وإفْناءَ الدُّنْيا مَوْقُوفٌ عَلى أجَلٍ مَعْدُودٍ، وكُلُّ ما لَهُ عَدَدٌ فَهو مُتَناهٍ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْنى، فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّ تَأْخِيرَ الآخِرَةِ سَيَنْتَهِي إلى وقْتٍ لا بُدَّ وأنْ يُقِيمَ اللَّهُ القِيامَةَ فِيهِ، وأنْ تَخَرَبَ الدُّنْيا فِيهِ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
هود 11:104
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ والجَحْدَرِيُّ: ”إذْ أخَذَ القُرى“ بِألِفٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِألِفَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في كِتابِهِ بِما فَعَلَ بِأُمَمِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ لَمّا خالَفُوا الرُّسُلَ ورَدُّوا عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وبَيَّنَ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم، فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ في الدُّنْيا، قالَ بَعْدَهُ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عَذابَهُ لَيْسَ بِمُقْتَصِرٍ عَلى مَن تَقَدَّمَ، بَلِ الحالُ في أخْذِ كُلِّ الظّالِمِينَ يَكُونُ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ إلى القُرى، وهو في
صفحة ٤٧
الحَقِيقَةِ عائِدٌ إلى أهْلِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ [الأنْبِياءِ: ١١ ] وقَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القَصَصِ: ٥٨ ] .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ أخْذِ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما يَأْخُذُ جَمِيعَ الظّالِمِينَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ - أتْبَعَهُ بِما يَزِيدُهُ تَأْكِيدًا وتَقْوِيَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ فَوَصَفَ ذَلِكَ العَذابَ بِالإيلامِ وبِالشِّدَّةِ، ولا مُنَغِّصَةَ في الدُّنْيا إلّا الألَمَ، ولا تَشْدِيدَ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وفي الوَهْمِ والعَقْلِ، إلّا تَشْدِيدَ الألَمِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى ظُلْمٍ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَدارَكَ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ؛ لِئَلّا يَقَعَ في الأخْذِ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ مُخْتَصَّةٌ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أحْوالَ المُتَقَدِّمِينَ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَن شارَكَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، فَلا بُدَّ وأنْ يُشارِكَهم في ذَلِكَ الأخْذِ الألِيمِ الشَّدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ قالَ القَفّالُ: تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ إنَّما عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ، فَإذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا عَلى ذَلِكَ - وهي دارُ العَمَلِ - فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلَيْهِ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ كانَ أوْلى.
واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ تَنَبَّهَ لِهَذا البَحْثِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَوَّلُوا عَلى هَذا الوَجْهِ، بَلْ هو ضَعِيفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ يَكُونُ ظُهُورُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا دَلِيلًا عَلى أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ والبَعْثِ والنَّشْرِ حَقٌّ وصِدْقٌ.
وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ العِلْمَ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ، كالشَّرْطِ في حُصُولِ الِاعْتِبارِ بِظُهُورِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وهَذا المَعْنى كالمُضادِّ لِما ذَكَرَهُ القَفّالُ؛ لِأنَّ القَفّالَ يَجْعَلُ العِلْمَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ أصْلًا لِلْعِلْمِ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ، فَبَطَلَ ما ذَكَرَهُ القَفّالُ، والأصْوَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: العِلْمُ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ مَوْقُوفٌ عَلى العِلْمِ بِأنَّ المُدَبِّرَ لِوُجُودِ هَذِهِ السَّماواتِ والأرْضِينَ فاعِلٌ مُخْتارٌ، لا مُوجَبٌ بِالذّاتِ، وما لَمْ يَعْرِفِ الإنْسانُ أنَّ إلَهَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ، وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وأنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ الواقِعَةِ في السَّماواتِ والأرْضِينَ لا تَحْصُلُ إلّا بِتَكْوِينِهِ وقَضائِهِ - لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْتَبِرَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ المُؤَثِّرَ في وُجُودِ هَذا العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ لا فاعِلٌ مُخْتارٌ يَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ الَّتِي ظَهَرَتْ في أيّامِ الأنْبِياءِ مِثْلُ الغَرَقِ، والحَرَقِ، والخَسْفِ، والمَسْخِ، والصَّيْحَةِ، كُلُّها إنَّما حَدَثَتْ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ حُصُولُها دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، فَأمّا الَّذِي يُؤْمِنُ بِالقِيامَةِ، فَلا يَتِمُّ ذَلِكَ الإيمانُ إلّا إذا اعْتَقَدَ أنَّ إلَهَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ، وأنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الحَوادِثِ الهائِلَةِ والوَقائِعِ العَظِيمَةِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّ إلَهَ العالَمِ خَلَقَها وأوْجَدَها، وأنَّها لَيْسَتْ بِسَبَبِ طَوالِعِ الكَواكِبِ وقِراناتِها، وحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِسَماعِ هَذِهِ القِصَصِ، ويَسْتَدِلُّ بِها عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، فَثَبَتَ بِهَذا صِحَّةُ قَوْلِهِ: (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الآخِرَةَ وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِوَصْفَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ، والمَعْنى أنَّ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ كُلُّهم يُحْشَرُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ويُجْمَعُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ قالَ
صفحة ٤٨
ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَشْهَدُهُ البَرُّ والفاجِرُ، وقالَ آخَرُونَ: يَشْهَدُهُ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، والمُرادُ مِنَ الشُّهُودِ الحُضُورُ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ أنَّهُ رُبَّما وقَعَ في قَلْبِ إنْسانٍ أنَّهم لَمّا جُمِعُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَعْرِفْ كُلُّ أحَدٍ إلّا واقِعَةَ نَفْسِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الوَقائِعَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً لِلْكُلِّ؛ بِسَبَبِ المُحاسَبَةِ والمُساءَلَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ والمَعْنى أنَّ تَأْخِيرَ الآخِرَةِ وإفْناءَ الدُّنْيا مَوْقُوفٌ عَلى أجَلٍ مَعْدُودٍ، وكُلُّ ما لَهُ عَدَدٌ فَهو مُتَناهٍ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْنى، فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّ تَأْخِيرَ الآخِرَةِ سَيَنْتَهِي إلى وقْتٍ لا بُدَّ وأنْ يُقِيمَ اللَّهُ القِيامَةَ فِيهِ، وأنْ تَخَرَبَ الدُّنْيا فِيهِ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
هود 11:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿يَأْتِ﴾ بِحَذْفِ الياءِ، والباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وحَذْفُ الياءِ والِاجْتِزاءُ عَنْها بِالكَسْرَةِ كَثِيرٌ في لُغَةِهُذَيْلٍ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُمْ”لا أدْرِ“ حَكاهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فاعِلُ يَأْتِي هو اللَّهُ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠ ] وقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٨ ]، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ”وما يُؤَخِّرُهُ“ بِالياءِ، أقُولُ: لا يُعْجِبُنِي هَذا التَّأْوِيلُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠ ] حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ أقْوامٍ، والظّاهِرُ أنَّهم هُمُ اليَهُودُ، وذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٨ ] أمّا هَهُنا فَهو صَرِيحُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وإسْنادُ فِعْلِ الإتْيانِ إلَيْهِ مُشْكِلٌ.
فَإنْ قالُوا: فَما قَوْلُكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفَجْرِ: ٢٢ ] .
قُلْنا: هُناكَ تَأْوِيلاتٌ، وأيْضًا فَهو صَرِيحٌ، فَلا يُمْكِنُ دَفْعُهُ فَوَجَبَ الِامْتِناعُ مِنهُ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ يَوْمَ يَأْتِي الشَّيْءُ المَهِيبُ الهائِلُ المُسْتَعْظَمُ، فَحُذِفَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ بِتَعْيِينِهِ لِيَكُونَ أقْوى في التَّخْوِيفِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: العامِلُ في انْتِصابِ الظَّرْفِ هو قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ﴾ أوْ إضْمارُ ”اذْكُرْ“ .
صفحة ٤٩
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ فَفِيهِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ سائِرِ الآياتِ الَّتِي تُوهِمُ كَوْنَها مُناقِضَةً لِهَذِهِ الآيَةِ؛ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ [النَّحْلِ: ١١١ ]، ومِنها أنَّهم يَكْذِبُونَ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣ ]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٤ ]، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٥ ] .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حَيْثُ ورَدَ المَنعُ مِنَ الكَلامِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى الجَواباتِ الحَقِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ طَوِيلٌ ولَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هُودٍ: ١٠٣ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ لا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ في النّاسِ مَجانِينُ وأطْفالٌ، وهم خارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ؟
قُلْنا: المُرادُ مَن يُحْشَرُ مِمَّنْ أُطْلِقَ لِلْحِسابِ، وهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدِ احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ ما يُقالُ: إنَّ أهْلَ الأعْرافِ لا في الجَنَّةِ ولا في النّارِ، فَما قَوْلُكم فِيهِ ؟
قُلْنا: لَمّا سُلِّمَ أنَّ الأطْفالَ والمَجانِينَ خارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّهم لا يُحاسَبُونَ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ أصْحابَ الأعْرافِ خارِجُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّهم أيْضًا لا يُحاسَبُونَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِن حالِهِمْ أنَّ ثَوابَهم يُساوِي عَذابَهم، فَلا فائِدَةَ في حِسابِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: القاضِي اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ كُلَّ مَن حَضَرَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ثَوابُهُ زائِدًا، أوْ يَكُونَ عِقابُهُ زائِدًا، فَأمّا مَن كانَ ثَوابُهُ مُساوِيًا لِعِقابِهِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ جائِزًا في العَقْلِ، إلّا أنَّ هَذا النَّصَّ دَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
قُلْنا: الكَلامُ فِيهِ ما سَبَقَ مِن أنَّ السَّعِيدَ هو الَّذِي يَكُونُ مِن أهْلِ الثَّوابِ، والشَّقِيَّ هو الَّذِي يَكُونُ مِن أهْلِ العِقابِ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ القِسْمِ الثّالِثِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ: أنَّ أكْثَرَ الآياتِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَقَطْ، ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ ثالِثٍ لا يَكُونُ لا مُؤْمِنًا ولا كافِرًا، مَعَ أنَّ القاضِيَ أثْبَتَهُ، فَإذا لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ ذِكْرِ ذَلِكَ الثّالِثِ عَدَمُهُ فَكَذَلِكَ لا يَلْزَمُ مِن ذِكْرِ هَذا الثّالِثِ عَدَمُهُ.
صفحة ٥٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ الآنَ عَلى بَعْضِ أهْلِ القِيامَةِ بِأنَّهُ سَعِيدٌ وعَلى بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ شَقِيٌّ، ومَن حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ وعُلِمَ مِنهُ ذَلِكَ الأمْرُ امْتَنَعَ كَوْنُهُ بِخِلافِهِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَصِيرَ خَبَرُ اللَّهِ تَعالى كَذِبًا وعِلْمُهُ جَهْلًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، وأنَّ الشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا، وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ مَرَّ في هَذا الكِتابِ مِرارًا لا تُحْصى، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلى ماذا نَعْمَلُ؛ عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، أمْ عَلى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنهُ ؟ فَقالَ: ”عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ يا عُمَرُ، وجَفَّتْ بِهِ الأقْلامُ، وجَرَتْ بِهِ الأقْدارُ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “ .
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: فَمِنهم شَقِيٌّ بِعَمَلِهِ وسَعِيدٌ بِعَمَلِهِ.
قُلْنا: الدَّلِيلُ القاطِعُ لا يَدْفَعُ بِهَذِهِ الرِّواياتِ وأيْضًا فَلا نِزاعَ أنَّهُ إنَّما شَقِيَ بِعَمَلِهِ، وإنَّما سَعِدَ بِعَمَلِهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ العَمَلُ حاصِلًا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ كانَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ باقِيًا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَسَّمَ أهْلَ القِيامَةِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، شَرَحَ حالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: الزَّفِيرُ أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ حالَ كَوْنِهِ في الغَمِّ الشَّدِيدِ مِنَ النَّفَسِ ولَمْ يُخْرِجْهُ، والشَّهِيقُ أنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ النَّفَسَ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ لِلْفَرَسِ: إنَّهُ عَظِيمُ الزَّفْرَةِ، أيْ عَظِيمُ البَطْنِ، وأقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا عَظُمَ غَمُّهُ انْحَصَرَ رَوْحُ قَلْبِهِ في داخِلِ القَلْبِ، فَإذا انْحَصَرَ الرَّوْحُ قَوِيَتِ الحَرارَةُ وعَظُمَتْ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى النَّفَسِ القَوِيِّ؛ لِأجْلِ أنْ يَسْتَدْخِلَ هَواءً كَثِيرًا بارِدًا، حَتّى يَقْوى عَلى تَرْوِيحِ تِلْكَ الحَرارَةِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَعْظُمُ في ذَلِكَ الوَقْتِ اسْتِدْخالُ الهَواءِ في داخِلِ البَدَنِ، وحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ صَدْرُهُ ويَنْتَفِخُ جَنْباهُ، ولَمّا كانَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ والرَّوْحُ الحَيَوانِيُّ مَحْصُورًا داخِلَ القَلْبِ اسْتَوْلَتِ البُرُودَةُ عَلى الأعْضاءِ الخارِجَةِ، فَرُبَّما عَجَزَتْ آلاتُ النَّفَسِ عَنْ دَفْعِ ذَلِكَ الهَواءِ الكَثِيرِ المُسْتَنْشَقِ، فَيَبْقى ذَلِكَ الهَواءُ الكَثِيرُ مُنْحَصِرًا في الصَّدْرِ، ويَقْرُبُ مِن أنْ يَخْتَنِقَ الإنْسانُ مِنهُ، وحِينَئِذٍ تَجْتَهِدُ الطَّبِيعَةُ في إخْراجِ ذَلِكَ الهَواءِ، فَعَلى قِياسِ قَوْلِ الأطِبّاءِ: الزَّفِيرُ هو اسْتِدْخالُ الهَواءِ الكَثِيرِ لِتَرْوِيحِ الحَرارَةِ الحاصِلَةِ في القَلْبِ بِسَبَبِ انْحِصارِ الرُّوحِ فِيهِ، والشَّهِيقُ هو إخْراجُ ذَلِكَ الهَواءِ عِنْدَ مُجاهَدَةِ الطَّبِيعَةِ في إخْراجِهِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ تَدُلُّ عَلى كَرْبٍ شَدِيدٍ وغَمٍّ عَظِيمٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: في الفَرْقِ بَيْنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، قالَ بَعْضُهم: الزَّفِيرُ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ بِالنَّهِيقِ، وأمّا الشَّهِيقُ فَهو بِمَنزِلَةِ آخِرِ صَوْتِ الحِمارِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الزَّفِيرَ عِبارَةٌ عَنِ الِارْتِفاعِ، فَنَقُولُ: الزَّفِيرُ لَهِيبُ جَهَنَّمَ، يَرْفَعُهم بِقُوَّتِهِ، حَتّى إذا وصَلُوا إلى أعْلى دَرَجاتِ جَهَنَّمَ، وطَمِعُوا في أنْ يَخْرُجُوا مِنها، ضَرَبَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِمَقامِعَ مِن حَدِيدٍ، ويَرُدُّونَهم إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِن جَهَنَّمَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السَّجْدَةِ: ٢ ]، فارْتِفاعُهم في النّارِ هو الزَّفِيرُ، وانْحِطاطُهم مَرَّةً أُخْرى هو الشَّهِيقُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الزَّفِيرُ ما يَجْتَمِعُ في الصَّدْرِ مِنَ النَّفَسِ عِنْدَ البُكاءِ الشَّدِيدِ فَيَنْقَطِعُ النَّفَسُ،
صفحة ٥١
والشَّهِيقُ هو الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ اشْتِدادِ الكُرْبَةِ والحُزْنِ، ورُبَّما تَبِعَهُما الغَشْيَةُ، ورُبَّما حَصَلَ عَقِيبَهُ المَوْتُ.
الوَجْهُ الخامِسُ: قالَ أبُو العالِيَةِ: الزَّفِيرُ في الحَلْقِ، والشَّهِيقُ في الصَّدْرِ.
الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ قَوْمٌ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ.
الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ يُرِيدُ نَدامَةً، ونَفْسًا عالِيَةً، وبُكاءً لا يَنْقَطِعُ، وحُزْنًا لا يَنْدَفِعُ.
الوَجْهُ الثّامِنُ: الزَّفِيرُ مُشْعِرٌ بِالقُوَّةِ، والشَّهِيقُ بِالضَّعْفِ، عَلى ما قَرَّرْناهُ بِحَسْبِ اللُّغَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الزَّفِيرِ قُوَّةَ مَيْلِهِمْ إلى عالَمِ الدُّنْيا وإلى اللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الشَّهِيقِ ضَعْفُهم عَنِ الِاسْتِسْعادِ بِعالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، والِاسْتِكْمالُ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والمَعارِجِ القُدُسِيَّةِ ؟
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَوْمٌ إنَّ عَذابَ الكُفّارِ مُنْقَطِعٌ ولَهُ نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ، أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ، والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عِقابِهِمْ مُساوِيَةٌ لِمُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ، فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ، ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”عَمَّ يَتَساءَلُونَ“: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ [النَّبَأِ: ٢٣ ] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً.
وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ، ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا.
بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ، ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ؛ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ، ولا إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ، فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ، وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ:
الأوَّلُ: قالُوا: المُرادُ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها، قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٤ ] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسَّماواتُ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا، فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ؛ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المُشَبَّهِ، ووُجُودُ السَّماواتِ والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ وجُودُهُما مَعْلُومًا، إلّا أنَّ بَقاءَهُما عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا
صفحة ٥٢
مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ - كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثَبَتَ بِالقُرْآنِ وُجُودُ سَماواتٍ وأرْضٍ في الآخِرَةِ، وثَبَتَ دَوامُهُما، وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا كانَ الطَّرِيقُ في إثْباتِ دَوامِ سَماواتِ أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطِلٌ، فَكَذا هَهُنا.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: قالُوا: إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم: ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ، فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ، أوْ تَقُولُونَ: إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى ؟
فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ، ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السَّماواتِ، فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ: هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كَوْنِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المَعْهُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ مَتى كانْتِ السَّماواتُ والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ، ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ، ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ، فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا: لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ، لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا يُنْتِجُ شَيْئًا، فَكَذا هَهُنا إذا قُلْنا: مَتى دامَتِ السَّماواتُ دامَ عِقابُهم، فَإذا قُلْنا: لَكِنَّ السَّماواتِ دائِمَةٌ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قُلْنا: لَكِنَّهُ ما بَقِيَتِ السَّماواتُ، لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ.
فَإنْ قالُوا: فَإذا كانَ العِقابُ حاصِلًا سَواءٌ بَقِيَتِ السَّماواتُ أوْ لَمْ تَبْقَ، لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ.
قُلْنا: بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ، وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا، فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ، ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ.
وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ.
الوَجْهُ الأوَّلُ في الجَوابِ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ، قالُوا: هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ عَلى ضَرْبِهِ، فَكَذا هَهُنا، وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ.
صفحة ٥٣
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا إذا رَأيْتُ أنَّ الأوْلى تَرْكُ الضَّرْبِ، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنْ يُقالَ: إنَّ كَلِمَةَ ﴿إلّا﴾ هَهُنا ورَدَتْ بِمَعْنى: سِوى، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّهم يَكُونُونَ في النّارِ في جَمِيعِ مُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ في الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ سِوى ما يَتَجاوَزُ ذَلِكَ مِنَ الخُلُودِ الدّائِمِ، فَذَكَرَ أوَّلًا في خُلُودِهِمْ ما لَيْسَ عِنْدَ العَرَبِ أطْوَلُ مِنهُ، ثُمَّ زادَ عَلَيْهِ الدَّوامَ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ المَعْنى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي لا آخِرَ لَها.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: وهو أنَّ المُرادَ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ زَمانُ وُقُوفِهِمْ في المَوْقِفِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ إلّا وقْتَ وُقُوفِهِمْ لِلْمُحاسَبَةِ، فَإنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَكُونُونَ في النّارِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المُرادُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وهو حالُ كَوْنِهِمْ في القَبْرِ، أوِ المُرادُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ حالَ عُمْرِهِمْ في الدُّنْيا، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: خالِدِينَ فِيها بِمِقْدارِ مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ في البَرْزَخِ، أوْ مِقْدارِ وُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ قالُوا: الِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يُفِيدُ حُصُولَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ مَعَ الخُلُودِ، فَإذا دَخَلَ الِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ وقْتٌ لا يَحْصُلُ فِيهِ هَذا المَجْمُوعُ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ في المَعْقُولاتِ أنَّهُ كَما يَنْتَفِي المَجْمُوعُ بِانْتِفاءِ جَمِيعِ أجْزائِهِ فَكَذَلِكَ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ فَرْدٍ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، فَإذا انْتَهَوْا آخِرَ الأمْرِ إلى أنْ يَصِيرُوا ساكِنِينَ هامِدِينَ خامِدِينَ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لَهم زَفِيرٌ وشَهِيقٌ، فانْتَفى أحَدُ أجْزاءِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الحُكْمِ بِانْقِطاعِ كَوْنِهِمْ في النّارِ.
الوَجْهُ الخامِسُ في الجَوابِ: أنْ يُحْمَلَ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى أنَّ أهْلَ العَذابِ لا يَكُونُونَ أبَدًا في النّارِ، بَلْ قَدْ يُنْقَلُونَ إلى البَرَدِ والزَّمْهَرِيرِ وسائِرِ أنْواعِ العَذابِ، وذَلِكَ يَكْفِي في صِحَّةِ هَذا الِاسْتِثْناءِ.
الوَجْهُ السّادِسُ في الجَوابِ: قالَ قَوْمٌ: هَذا الِاسْتِثْناءُ يُفِيدُ إخْراجَ أهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ﴾ يُفِيدُ أنَّ جُمْلَةَ الأشْقِياءِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ يُوجِبُ أنْ لا يَبْقى ذَلِكَ الحُكْمُ عَلى ذَلِكَ المَجْمُوعِ، ويَكْفِي في زَوالِ حُكْمِ الخُلُودِ عَنِ المَجْمُوعِ زَوالُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ لا يَبْقى حُكْمُ الخُلُودِ لِبَعْضِ الأشْقِياءِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الخُلُودَ واجِبٌ لِلْكُفّارِ وجَبَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ زالَ حُكْمُ الخُلُودِ عَنْهم هُمُ الفُسّاقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وهَذا كَلامٌ قَوِيٌّ في هَذا البابِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا الوَجْهُ إنَّما يَتَعَيَّنُ إذا فَسَدَتْ سائِرُ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها، فَما الدَّلِيلُ عَلى فَسادِها ؟ وأيْضًا فَمِثْلُ هَذا الِاسْتِثْناءِ مَذْكُورٌ في جانِبِ السُّعَداءِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
صفحة ٥٤
قُلْنا: إنّا بِهَذا الوَجْهِ بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ وعِيدِ الكُفّارِ، ثُمَّ إذا أرَدْنا الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ مِنَ النّارِ.
قُلْنا: أمّا حَمْلُ كَلِمَةِ ”إلّا“ عَلى سِوى فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأمّا حَمْلُ الِاسْتِثْناءِ عَلى حالِ عُمْرِ الدُّنْيا والبَرْزَخِ والمَوْقِفِ فَبَعِيدٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ وقَعَ عَنِ الخُلُودِ في النّارِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الخُلُودَ في النّارِ كَيْفِيَّةٌ مِن كَيْفِيّاتِ الحُصُولِ في النّارِ، فَقَبْلَ الحُصُولِ في النّارِ امْتَنَعَ حُصُولُ الخُلُودِ في النّارِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ الخُلُودُ لَمْ يَحْصُلِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وامْتَنَعَ حُصُولُ الِاسْتِثْناءِ، وأمّا قَوْلُهُ: الِاسْتِثْناءُ عائِدٌ إلى الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، فَهَذا أيْضًا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْآيَةِ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ إلّا هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: المُرادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ نَقْلُهُ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ العَذابُ بِالزَّمْهَرِيرِ إلّا بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ، والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ النَّقْلَ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ وبِالعَكْسِ يَحْصُلُ في كُلِّ يَوْمٍ مِرارًا، فَبَطَلَ هَذا الوَجْهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِثْناءِ حاصِلٌ في جانِبِ السُّعَداءِ، فَنَقُولُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ أحَدًا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها إلى النّارِ؛ فَلِأجْلِ هَذا الإجْماعِ افْتَقَرْنا فِيهِ إلى حَمْلِ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ عَلى أحَدِ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ، أمّا في هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الإجْماعُ، فَوَجَبَ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وهَذا يَحْسُنُ انْطِباقُهُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ إذا حَمَلْنا الِاسْتِثْناءَ عَلى إخْراجِ الفُسّاقِ مِنَ النّارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أظْهَرْتُ القَهْرَ والقُدْرَةَ، ثُمَّ أظْهَرْتُ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ؛ لِأنِّي فَعّالٌ لِما أُرِيدُ، ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيَّ حُكْمٌ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿سُعِدُوا﴾“ بِضَمِّ السِّينِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، وإنَّما جازَ ضَمُّ السِّينِ؛ لِأنَّهُ عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ مِن أسْعَدَ، ولِأنَّ سَعِدَ لا يَتَعَدّى، وأسْعَدَ يَتَعَدّى، وسَعِدَ وأسْعَدَ بِمَعْنًى، ومِنهُ المَسْعُودُ - مِن أسْماءِ الرِّجالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِاسْتِثْناءُ في بابِ السُّعَداءِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ رُبَّما اتَّفَقَ لِبَعْضِهِمْ أنْ يُرْفَعَ مِنَ الجَنَّةِ إلى العَرْشِ وإلى المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٢ ] وقَوْلُهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَذَّهُ يَجُذُّهُ جَذًّا، إذا قَطَعَهُ، وجَذَّ اللَّهُ دابِرَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ نَعِيمِ الجَنَّةِ: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٣٣ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ كَوْنَ هَذِهِ الحالَةِ مُنْقَطِعَةً، فَلَمّا خَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِهَذا البَيانِ ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ في جانِبِ الأشْقِياءِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ هو الِانْقِطاعُ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
هود 11:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿يَأْتِ﴾ بِحَذْفِ الياءِ، والباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وحَذْفُ الياءِ والِاجْتِزاءُ عَنْها بِالكَسْرَةِ كَثِيرٌ في لُغَةِهُذَيْلٍ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُمْ”لا أدْرِ“ حَكاهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فاعِلُ يَأْتِي هو اللَّهُ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠ ] وقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٨ ]، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ”وما يُؤَخِّرُهُ“ بِالياءِ، أقُولُ: لا يُعْجِبُنِي هَذا التَّأْوِيلُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠ ] حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ أقْوامٍ، والظّاهِرُ أنَّهم هُمُ اليَهُودُ، وذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٨ ] أمّا هَهُنا فَهو صَرِيحُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وإسْنادُ فِعْلِ الإتْيانِ إلَيْهِ مُشْكِلٌ.
فَإنْ قالُوا: فَما قَوْلُكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفَجْرِ: ٢٢ ] .
قُلْنا: هُناكَ تَأْوِيلاتٌ، وأيْضًا فَهو صَرِيحٌ، فَلا يُمْكِنُ دَفْعُهُ فَوَجَبَ الِامْتِناعُ مِنهُ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ يَوْمَ يَأْتِي الشَّيْءُ المَهِيبُ الهائِلُ المُسْتَعْظَمُ، فَحُذِفَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ بِتَعْيِينِهِ لِيَكُونَ أقْوى في التَّخْوِيفِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: العامِلُ في انْتِصابِ الظَّرْفِ هو قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ﴾ أوْ إضْمارُ ”اذْكُرْ“ .
صفحة ٤٩
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ فَفِيهِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ سائِرِ الآياتِ الَّتِي تُوهِمُ كَوْنَها مُناقِضَةً لِهَذِهِ الآيَةِ؛ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ [النَّحْلِ: ١١١ ]، ومِنها أنَّهم يَكْذِبُونَ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣ ]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٤ ]، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٥ ] .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حَيْثُ ورَدَ المَنعُ مِنَ الكَلامِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى الجَواباتِ الحَقِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ طَوِيلٌ ولَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هُودٍ: ١٠٣ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ لا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ في النّاسِ مَجانِينُ وأطْفالٌ، وهم خارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ؟
قُلْنا: المُرادُ مَن يُحْشَرُ مِمَّنْ أُطْلِقَ لِلْحِسابِ، وهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدِ احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ ما يُقالُ: إنَّ أهْلَ الأعْرافِ لا في الجَنَّةِ ولا في النّارِ، فَما قَوْلُكم فِيهِ ؟
قُلْنا: لَمّا سُلِّمَ أنَّ الأطْفالَ والمَجانِينَ خارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّهم لا يُحاسَبُونَ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ أصْحابَ الأعْرافِ خارِجُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّهم أيْضًا لا يُحاسَبُونَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِن حالِهِمْ أنَّ ثَوابَهم يُساوِي عَذابَهم، فَلا فائِدَةَ في حِسابِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: القاضِي اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ كُلَّ مَن حَضَرَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ثَوابُهُ زائِدًا، أوْ يَكُونَ عِقابُهُ زائِدًا، فَأمّا مَن كانَ ثَوابُهُ مُساوِيًا لِعِقابِهِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ جائِزًا في العَقْلِ، إلّا أنَّ هَذا النَّصَّ دَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
قُلْنا: الكَلامُ فِيهِ ما سَبَقَ مِن أنَّ السَّعِيدَ هو الَّذِي يَكُونُ مِن أهْلِ الثَّوابِ، والشَّقِيَّ هو الَّذِي يَكُونُ مِن أهْلِ العِقابِ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ القِسْمِ الثّالِثِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ: أنَّ أكْثَرَ الآياتِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَقَطْ، ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ ثالِثٍ لا يَكُونُ لا مُؤْمِنًا ولا كافِرًا، مَعَ أنَّ القاضِيَ أثْبَتَهُ، فَإذا لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ ذِكْرِ ذَلِكَ الثّالِثِ عَدَمُهُ فَكَذَلِكَ لا يَلْزَمُ مِن ذِكْرِ هَذا الثّالِثِ عَدَمُهُ.
صفحة ٥٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ الآنَ عَلى بَعْضِ أهْلِ القِيامَةِ بِأنَّهُ سَعِيدٌ وعَلى بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ شَقِيٌّ، ومَن حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ وعُلِمَ مِنهُ ذَلِكَ الأمْرُ امْتَنَعَ كَوْنُهُ بِخِلافِهِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَصِيرَ خَبَرُ اللَّهِ تَعالى كَذِبًا وعِلْمُهُ جَهْلًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، وأنَّ الشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا، وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ مَرَّ في هَذا الكِتابِ مِرارًا لا تُحْصى، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلى ماذا نَعْمَلُ؛ عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، أمْ عَلى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنهُ ؟ فَقالَ: ”عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ يا عُمَرُ، وجَفَّتْ بِهِ الأقْلامُ، وجَرَتْ بِهِ الأقْدارُ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “ .
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: فَمِنهم شَقِيٌّ بِعَمَلِهِ وسَعِيدٌ بِعَمَلِهِ.
قُلْنا: الدَّلِيلُ القاطِعُ لا يَدْفَعُ بِهَذِهِ الرِّواياتِ وأيْضًا فَلا نِزاعَ أنَّهُ إنَّما شَقِيَ بِعَمَلِهِ، وإنَّما سَعِدَ بِعَمَلِهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ العَمَلُ حاصِلًا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ كانَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ باقِيًا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَسَّمَ أهْلَ القِيامَةِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، شَرَحَ حالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: الزَّفِيرُ أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ حالَ كَوْنِهِ في الغَمِّ الشَّدِيدِ مِنَ النَّفَسِ ولَمْ يُخْرِجْهُ، والشَّهِيقُ أنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ النَّفَسَ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ لِلْفَرَسِ: إنَّهُ عَظِيمُ الزَّفْرَةِ، أيْ عَظِيمُ البَطْنِ، وأقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا عَظُمَ غَمُّهُ انْحَصَرَ رَوْحُ قَلْبِهِ في داخِلِ القَلْبِ، فَإذا انْحَصَرَ الرَّوْحُ قَوِيَتِ الحَرارَةُ وعَظُمَتْ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى النَّفَسِ القَوِيِّ؛ لِأجْلِ أنْ يَسْتَدْخِلَ هَواءً كَثِيرًا بارِدًا، حَتّى يَقْوى عَلى تَرْوِيحِ تِلْكَ الحَرارَةِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَعْظُمُ في ذَلِكَ الوَقْتِ اسْتِدْخالُ الهَواءِ في داخِلِ البَدَنِ، وحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ صَدْرُهُ ويَنْتَفِخُ جَنْباهُ، ولَمّا كانَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ والرَّوْحُ الحَيَوانِيُّ مَحْصُورًا داخِلَ القَلْبِ اسْتَوْلَتِ البُرُودَةُ عَلى الأعْضاءِ الخارِجَةِ، فَرُبَّما عَجَزَتْ آلاتُ النَّفَسِ عَنْ دَفْعِ ذَلِكَ الهَواءِ الكَثِيرِ المُسْتَنْشَقِ، فَيَبْقى ذَلِكَ الهَواءُ الكَثِيرُ مُنْحَصِرًا في الصَّدْرِ، ويَقْرُبُ مِن أنْ يَخْتَنِقَ الإنْسانُ مِنهُ، وحِينَئِذٍ تَجْتَهِدُ الطَّبِيعَةُ في إخْراجِ ذَلِكَ الهَواءِ، فَعَلى قِياسِ قَوْلِ الأطِبّاءِ: الزَّفِيرُ هو اسْتِدْخالُ الهَواءِ الكَثِيرِ لِتَرْوِيحِ الحَرارَةِ الحاصِلَةِ في القَلْبِ بِسَبَبِ انْحِصارِ الرُّوحِ فِيهِ، والشَّهِيقُ هو إخْراجُ ذَلِكَ الهَواءِ عِنْدَ مُجاهَدَةِ الطَّبِيعَةِ في إخْراجِهِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ تَدُلُّ عَلى كَرْبٍ شَدِيدٍ وغَمٍّ عَظِيمٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: في الفَرْقِ بَيْنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، قالَ بَعْضُهم: الزَّفِيرُ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ بِالنَّهِيقِ، وأمّا الشَّهِيقُ فَهو بِمَنزِلَةِ آخِرِ صَوْتِ الحِمارِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الزَّفِيرَ عِبارَةٌ عَنِ الِارْتِفاعِ، فَنَقُولُ: الزَّفِيرُ لَهِيبُ جَهَنَّمَ، يَرْفَعُهم بِقُوَّتِهِ، حَتّى إذا وصَلُوا إلى أعْلى دَرَجاتِ جَهَنَّمَ، وطَمِعُوا في أنْ يَخْرُجُوا مِنها، ضَرَبَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِمَقامِعَ مِن حَدِيدٍ، ويَرُدُّونَهم إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِن جَهَنَّمَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السَّجْدَةِ: ٢ ]، فارْتِفاعُهم في النّارِ هو الزَّفِيرُ، وانْحِطاطُهم مَرَّةً أُخْرى هو الشَّهِيقُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الزَّفِيرُ ما يَجْتَمِعُ في الصَّدْرِ مِنَ النَّفَسِ عِنْدَ البُكاءِ الشَّدِيدِ فَيَنْقَطِعُ النَّفَسُ،
صفحة ٥١
والشَّهِيقُ هو الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ اشْتِدادِ الكُرْبَةِ والحُزْنِ، ورُبَّما تَبِعَهُما الغَشْيَةُ، ورُبَّما حَصَلَ عَقِيبَهُ المَوْتُ.
الوَجْهُ الخامِسُ: قالَ أبُو العالِيَةِ: الزَّفِيرُ في الحَلْقِ، والشَّهِيقُ في الصَّدْرِ.
الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ قَوْمٌ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ.
الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ يُرِيدُ نَدامَةً، ونَفْسًا عالِيَةً، وبُكاءً لا يَنْقَطِعُ، وحُزْنًا لا يَنْدَفِعُ.
الوَجْهُ الثّامِنُ: الزَّفِيرُ مُشْعِرٌ بِالقُوَّةِ، والشَّهِيقُ بِالضَّعْفِ، عَلى ما قَرَّرْناهُ بِحَسْبِ اللُّغَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الزَّفِيرِ قُوَّةَ مَيْلِهِمْ إلى عالَمِ الدُّنْيا وإلى اللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الشَّهِيقِ ضَعْفُهم عَنِ الِاسْتِسْعادِ بِعالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، والِاسْتِكْمالُ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والمَعارِجِ القُدُسِيَّةِ ؟
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَوْمٌ إنَّ عَذابَ الكُفّارِ مُنْقَطِعٌ ولَهُ نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ، أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ، والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عِقابِهِمْ مُساوِيَةٌ لِمُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ، فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ، ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”عَمَّ يَتَساءَلُونَ“: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ [النَّبَأِ: ٢٣ ] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً.
وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ، ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا.
بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ، ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ؛ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ، ولا إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ، فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ، وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ:
الأوَّلُ: قالُوا: المُرادُ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها، قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٤ ] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسَّماواتُ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا، فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ؛ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المُشَبَّهِ، ووُجُودُ السَّماواتِ والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ وجُودُهُما مَعْلُومًا، إلّا أنَّ بَقاءَهُما عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا
صفحة ٥٢
مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ - كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثَبَتَ بِالقُرْآنِ وُجُودُ سَماواتٍ وأرْضٍ في الآخِرَةِ، وثَبَتَ دَوامُهُما، وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا كانَ الطَّرِيقُ في إثْباتِ دَوامِ سَماواتِ أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطِلٌ، فَكَذا هَهُنا.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: قالُوا: إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم: ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ، فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ، أوْ تَقُولُونَ: إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى ؟
فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ، ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السَّماواتِ، فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ: هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كَوْنِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المَعْهُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ مَتى كانْتِ السَّماواتُ والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ، ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ، ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ، فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا: لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ، لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا يُنْتِجُ شَيْئًا، فَكَذا هَهُنا إذا قُلْنا: مَتى دامَتِ السَّماواتُ دامَ عِقابُهم، فَإذا قُلْنا: لَكِنَّ السَّماواتِ دائِمَةٌ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قُلْنا: لَكِنَّهُ ما بَقِيَتِ السَّماواتُ، لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ.
فَإنْ قالُوا: فَإذا كانَ العِقابُ حاصِلًا سَواءٌ بَقِيَتِ السَّماواتُ أوْ لَمْ تَبْقَ، لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ.
قُلْنا: بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ، وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا، فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ، ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ.
وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ.
الوَجْهُ الأوَّلُ في الجَوابِ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ، قالُوا: هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ عَلى ضَرْبِهِ، فَكَذا هَهُنا، وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ.
صفحة ٥٣
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا إذا رَأيْتُ أنَّ الأوْلى تَرْكُ الضَّرْبِ، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنْ يُقالَ: إنَّ كَلِمَةَ ﴿إلّا﴾ هَهُنا ورَدَتْ بِمَعْنى: سِوى، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّهم يَكُونُونَ في النّارِ في جَمِيعِ مُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ في الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ سِوى ما يَتَجاوَزُ ذَلِكَ مِنَ الخُلُودِ الدّائِمِ، فَذَكَرَ أوَّلًا في خُلُودِهِمْ ما لَيْسَ عِنْدَ العَرَبِ أطْوَلُ مِنهُ، ثُمَّ زادَ عَلَيْهِ الدَّوامَ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ المَعْنى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي لا آخِرَ لَها.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: وهو أنَّ المُرادَ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ زَمانُ وُقُوفِهِمْ في المَوْقِفِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ إلّا وقْتَ وُقُوفِهِمْ لِلْمُحاسَبَةِ، فَإنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَكُونُونَ في النّارِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المُرادُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وهو حالُ كَوْنِهِمْ في القَبْرِ، أوِ المُرادُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ حالَ عُمْرِهِمْ في الدُّنْيا، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: خالِدِينَ فِيها بِمِقْدارِ مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ في البَرْزَخِ، أوْ مِقْدارِ وُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ قالُوا: الِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يُفِيدُ حُصُولَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ مَعَ الخُلُودِ، فَإذا دَخَلَ الِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ وقْتٌ لا يَحْصُلُ فِيهِ هَذا المَجْمُوعُ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ في المَعْقُولاتِ أنَّهُ كَما يَنْتَفِي المَجْمُوعُ بِانْتِفاءِ جَمِيعِ أجْزائِهِ فَكَذَلِكَ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ فَرْدٍ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، فَإذا انْتَهَوْا آخِرَ الأمْرِ إلى أنْ يَصِيرُوا ساكِنِينَ هامِدِينَ خامِدِينَ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لَهم زَفِيرٌ وشَهِيقٌ، فانْتَفى أحَدُ أجْزاءِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الحُكْمِ بِانْقِطاعِ كَوْنِهِمْ في النّارِ.
الوَجْهُ الخامِسُ في الجَوابِ: أنْ يُحْمَلَ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى أنَّ أهْلَ العَذابِ لا يَكُونُونَ أبَدًا في النّارِ، بَلْ قَدْ يُنْقَلُونَ إلى البَرَدِ والزَّمْهَرِيرِ وسائِرِ أنْواعِ العَذابِ، وذَلِكَ يَكْفِي في صِحَّةِ هَذا الِاسْتِثْناءِ.
الوَجْهُ السّادِسُ في الجَوابِ: قالَ قَوْمٌ: هَذا الِاسْتِثْناءُ يُفِيدُ إخْراجَ أهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ﴾ يُفِيدُ أنَّ جُمْلَةَ الأشْقِياءِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ يُوجِبُ أنْ لا يَبْقى ذَلِكَ الحُكْمُ عَلى ذَلِكَ المَجْمُوعِ، ويَكْفِي في زَوالِ حُكْمِ الخُلُودِ عَنِ المَجْمُوعِ زَوالُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ لا يَبْقى حُكْمُ الخُلُودِ لِبَعْضِ الأشْقِياءِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الخُلُودَ واجِبٌ لِلْكُفّارِ وجَبَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ زالَ حُكْمُ الخُلُودِ عَنْهم هُمُ الفُسّاقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وهَذا كَلامٌ قَوِيٌّ في هَذا البابِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا الوَجْهُ إنَّما يَتَعَيَّنُ إذا فَسَدَتْ سائِرُ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها، فَما الدَّلِيلُ عَلى فَسادِها ؟ وأيْضًا فَمِثْلُ هَذا الِاسْتِثْناءِ مَذْكُورٌ في جانِبِ السُّعَداءِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
صفحة ٥٤
قُلْنا: إنّا بِهَذا الوَجْهِ بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ وعِيدِ الكُفّارِ، ثُمَّ إذا أرَدْنا الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ مِنَ النّارِ.
قُلْنا: أمّا حَمْلُ كَلِمَةِ ”إلّا“ عَلى سِوى فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأمّا حَمْلُ الِاسْتِثْناءِ عَلى حالِ عُمْرِ الدُّنْيا والبَرْزَخِ والمَوْقِفِ فَبَعِيدٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ وقَعَ عَنِ الخُلُودِ في النّارِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الخُلُودَ في النّارِ كَيْفِيَّةٌ مِن كَيْفِيّاتِ الحُصُولِ في النّارِ، فَقَبْلَ الحُصُولِ في النّارِ امْتَنَعَ حُصُولُ الخُلُودِ في النّارِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ الخُلُودُ لَمْ يَحْصُلِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وامْتَنَعَ حُصُولُ الِاسْتِثْناءِ، وأمّا قَوْلُهُ: الِاسْتِثْناءُ عائِدٌ إلى الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، فَهَذا أيْضًا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْآيَةِ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ إلّا هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: المُرادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ نَقْلُهُ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ العَذابُ بِالزَّمْهَرِيرِ إلّا بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ، والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ النَّقْلَ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ وبِالعَكْسِ يَحْصُلُ في كُلِّ يَوْمٍ مِرارًا، فَبَطَلَ هَذا الوَجْهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِثْناءِ حاصِلٌ في جانِبِ السُّعَداءِ، فَنَقُولُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ أحَدًا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها إلى النّارِ؛ فَلِأجْلِ هَذا الإجْماعِ افْتَقَرْنا فِيهِ إلى حَمْلِ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ عَلى أحَدِ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ، أمّا في هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الإجْماعُ، فَوَجَبَ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وهَذا يَحْسُنُ انْطِباقُهُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ إذا حَمَلْنا الِاسْتِثْناءَ عَلى إخْراجِ الفُسّاقِ مِنَ النّارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أظْهَرْتُ القَهْرَ والقُدْرَةَ، ثُمَّ أظْهَرْتُ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ؛ لِأنِّي فَعّالٌ لِما أُرِيدُ، ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيَّ حُكْمٌ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿سُعِدُوا﴾“ بِضَمِّ السِّينِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، وإنَّما جازَ ضَمُّ السِّينِ؛ لِأنَّهُ عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ مِن أسْعَدَ، ولِأنَّ سَعِدَ لا يَتَعَدّى، وأسْعَدَ يَتَعَدّى، وسَعِدَ وأسْعَدَ بِمَعْنًى، ومِنهُ المَسْعُودُ - مِن أسْماءِ الرِّجالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِاسْتِثْناءُ في بابِ السُّعَداءِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ رُبَّما اتَّفَقَ لِبَعْضِهِمْ أنْ يُرْفَعَ مِنَ الجَنَّةِ إلى العَرْشِ وإلى المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٢ ] وقَوْلُهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَذَّهُ يَجُذُّهُ جَذًّا، إذا قَطَعَهُ، وجَذَّ اللَّهُ دابِرَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ نَعِيمِ الجَنَّةِ: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٣٣ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ كَوْنَ هَذِهِ الحالَةِ مُنْقَطِعَةً، فَلَمّا خَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِهَذا البَيانِ ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ في جانِبِ الأشْقِياءِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ هو الِانْقِطاعُ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
هود 11:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿يَأْتِ﴾ بِحَذْفِ الياءِ، والباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وحَذْفُ الياءِ والِاجْتِزاءُ عَنْها بِالكَسْرَةِ كَثِيرٌ في لُغَةِهُذَيْلٍ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُمْ”لا أدْرِ“ حَكاهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فاعِلُ يَأْتِي هو اللَّهُ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠ ] وقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٨ ]، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ”وما يُؤَخِّرُهُ“ بِالياءِ، أقُولُ: لا يُعْجِبُنِي هَذا التَّأْوِيلُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠ ] حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ أقْوامٍ، والظّاهِرُ أنَّهم هُمُ اليَهُودُ، وذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٨ ] أمّا هَهُنا فَهو صَرِيحُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وإسْنادُ فِعْلِ الإتْيانِ إلَيْهِ مُشْكِلٌ.
فَإنْ قالُوا: فَما قَوْلُكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفَجْرِ: ٢٢ ] .
قُلْنا: هُناكَ تَأْوِيلاتٌ، وأيْضًا فَهو صَرِيحٌ، فَلا يُمْكِنُ دَفْعُهُ فَوَجَبَ الِامْتِناعُ مِنهُ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ يَوْمَ يَأْتِي الشَّيْءُ المَهِيبُ الهائِلُ المُسْتَعْظَمُ، فَحُذِفَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ بِتَعْيِينِهِ لِيَكُونَ أقْوى في التَّخْوِيفِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: العامِلُ في انْتِصابِ الظَّرْفِ هو قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ﴾ أوْ إضْمارُ ”اذْكُرْ“ .
صفحة ٤٩
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ فَفِيهِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ سائِرِ الآياتِ الَّتِي تُوهِمُ كَوْنَها مُناقِضَةً لِهَذِهِ الآيَةِ؛ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ [النَّحْلِ: ١١١ ]، ومِنها أنَّهم يَكْذِبُونَ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣ ]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٤ ]، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٥ ] .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حَيْثُ ورَدَ المَنعُ مِنَ الكَلامِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى الجَواباتِ الحَقِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ طَوِيلٌ ولَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هُودٍ: ١٠٣ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ لا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ في النّاسِ مَجانِينُ وأطْفالٌ، وهم خارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ؟
قُلْنا: المُرادُ مَن يُحْشَرُ مِمَّنْ أُطْلِقَ لِلْحِسابِ، وهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدِ احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ ما يُقالُ: إنَّ أهْلَ الأعْرافِ لا في الجَنَّةِ ولا في النّارِ، فَما قَوْلُكم فِيهِ ؟
قُلْنا: لَمّا سُلِّمَ أنَّ الأطْفالَ والمَجانِينَ خارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّهم لا يُحاسَبُونَ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ أصْحابَ الأعْرافِ خارِجُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّهم أيْضًا لا يُحاسَبُونَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِن حالِهِمْ أنَّ ثَوابَهم يُساوِي عَذابَهم، فَلا فائِدَةَ في حِسابِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: القاضِي اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ كُلَّ مَن حَضَرَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ثَوابُهُ زائِدًا، أوْ يَكُونَ عِقابُهُ زائِدًا، فَأمّا مَن كانَ ثَوابُهُ مُساوِيًا لِعِقابِهِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ جائِزًا في العَقْلِ، إلّا أنَّ هَذا النَّصَّ دَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
قُلْنا: الكَلامُ فِيهِ ما سَبَقَ مِن أنَّ السَّعِيدَ هو الَّذِي يَكُونُ مِن أهْلِ الثَّوابِ، والشَّقِيَّ هو الَّذِي يَكُونُ مِن أهْلِ العِقابِ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ القِسْمِ الثّالِثِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ: أنَّ أكْثَرَ الآياتِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَقَطْ، ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ ثالِثٍ لا يَكُونُ لا مُؤْمِنًا ولا كافِرًا، مَعَ أنَّ القاضِيَ أثْبَتَهُ، فَإذا لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ ذِكْرِ ذَلِكَ الثّالِثِ عَدَمُهُ فَكَذَلِكَ لا يَلْزَمُ مِن ذِكْرِ هَذا الثّالِثِ عَدَمُهُ.
صفحة ٥٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ الآنَ عَلى بَعْضِ أهْلِ القِيامَةِ بِأنَّهُ سَعِيدٌ وعَلى بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ شَقِيٌّ، ومَن حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ وعُلِمَ مِنهُ ذَلِكَ الأمْرُ امْتَنَعَ كَوْنُهُ بِخِلافِهِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَصِيرَ خَبَرُ اللَّهِ تَعالى كَذِبًا وعِلْمُهُ جَهْلًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، وأنَّ الشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا، وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ مَرَّ في هَذا الكِتابِ مِرارًا لا تُحْصى، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلى ماذا نَعْمَلُ؛ عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، أمْ عَلى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنهُ ؟ فَقالَ: ”عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ يا عُمَرُ، وجَفَّتْ بِهِ الأقْلامُ، وجَرَتْ بِهِ الأقْدارُ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “ .
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: فَمِنهم شَقِيٌّ بِعَمَلِهِ وسَعِيدٌ بِعَمَلِهِ.
قُلْنا: الدَّلِيلُ القاطِعُ لا يَدْفَعُ بِهَذِهِ الرِّواياتِ وأيْضًا فَلا نِزاعَ أنَّهُ إنَّما شَقِيَ بِعَمَلِهِ، وإنَّما سَعِدَ بِعَمَلِهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ العَمَلُ حاصِلًا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ كانَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ باقِيًا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَسَّمَ أهْلَ القِيامَةِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، شَرَحَ حالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: الزَّفِيرُ أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ حالَ كَوْنِهِ في الغَمِّ الشَّدِيدِ مِنَ النَّفَسِ ولَمْ يُخْرِجْهُ، والشَّهِيقُ أنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ النَّفَسَ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ لِلْفَرَسِ: إنَّهُ عَظِيمُ الزَّفْرَةِ، أيْ عَظِيمُ البَطْنِ، وأقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا عَظُمَ غَمُّهُ انْحَصَرَ رَوْحُ قَلْبِهِ في داخِلِ القَلْبِ، فَإذا انْحَصَرَ الرَّوْحُ قَوِيَتِ الحَرارَةُ وعَظُمَتْ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى النَّفَسِ القَوِيِّ؛ لِأجْلِ أنْ يَسْتَدْخِلَ هَواءً كَثِيرًا بارِدًا، حَتّى يَقْوى عَلى تَرْوِيحِ تِلْكَ الحَرارَةِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَعْظُمُ في ذَلِكَ الوَقْتِ اسْتِدْخالُ الهَواءِ في داخِلِ البَدَنِ، وحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ صَدْرُهُ ويَنْتَفِخُ جَنْباهُ، ولَمّا كانَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ والرَّوْحُ الحَيَوانِيُّ مَحْصُورًا داخِلَ القَلْبِ اسْتَوْلَتِ البُرُودَةُ عَلى الأعْضاءِ الخارِجَةِ، فَرُبَّما عَجَزَتْ آلاتُ النَّفَسِ عَنْ دَفْعِ ذَلِكَ الهَواءِ الكَثِيرِ المُسْتَنْشَقِ، فَيَبْقى ذَلِكَ الهَواءُ الكَثِيرُ مُنْحَصِرًا في الصَّدْرِ، ويَقْرُبُ مِن أنْ يَخْتَنِقَ الإنْسانُ مِنهُ، وحِينَئِذٍ تَجْتَهِدُ الطَّبِيعَةُ في إخْراجِ ذَلِكَ الهَواءِ، فَعَلى قِياسِ قَوْلِ الأطِبّاءِ: الزَّفِيرُ هو اسْتِدْخالُ الهَواءِ الكَثِيرِ لِتَرْوِيحِ الحَرارَةِ الحاصِلَةِ في القَلْبِ بِسَبَبِ انْحِصارِ الرُّوحِ فِيهِ، والشَّهِيقُ هو إخْراجُ ذَلِكَ الهَواءِ عِنْدَ مُجاهَدَةِ الطَّبِيعَةِ في إخْراجِهِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ تَدُلُّ عَلى كَرْبٍ شَدِيدٍ وغَمٍّ عَظِيمٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: في الفَرْقِ بَيْنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، قالَ بَعْضُهم: الزَّفِيرُ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ بِالنَّهِيقِ، وأمّا الشَّهِيقُ فَهو بِمَنزِلَةِ آخِرِ صَوْتِ الحِمارِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الزَّفِيرَ عِبارَةٌ عَنِ الِارْتِفاعِ، فَنَقُولُ: الزَّفِيرُ لَهِيبُ جَهَنَّمَ، يَرْفَعُهم بِقُوَّتِهِ، حَتّى إذا وصَلُوا إلى أعْلى دَرَجاتِ جَهَنَّمَ، وطَمِعُوا في أنْ يَخْرُجُوا مِنها، ضَرَبَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِمَقامِعَ مِن حَدِيدٍ، ويَرُدُّونَهم إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِن جَهَنَّمَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السَّجْدَةِ: ٢ ]، فارْتِفاعُهم في النّارِ هو الزَّفِيرُ، وانْحِطاطُهم مَرَّةً أُخْرى هو الشَّهِيقُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الزَّفِيرُ ما يَجْتَمِعُ في الصَّدْرِ مِنَ النَّفَسِ عِنْدَ البُكاءِ الشَّدِيدِ فَيَنْقَطِعُ النَّفَسُ،
صفحة ٥١
والشَّهِيقُ هو الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ اشْتِدادِ الكُرْبَةِ والحُزْنِ، ورُبَّما تَبِعَهُما الغَشْيَةُ، ورُبَّما حَصَلَ عَقِيبَهُ المَوْتُ.
الوَجْهُ الخامِسُ: قالَ أبُو العالِيَةِ: الزَّفِيرُ في الحَلْقِ، والشَّهِيقُ في الصَّدْرِ.
الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ قَوْمٌ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ.
الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ يُرِيدُ نَدامَةً، ونَفْسًا عالِيَةً، وبُكاءً لا يَنْقَطِعُ، وحُزْنًا لا يَنْدَفِعُ.
الوَجْهُ الثّامِنُ: الزَّفِيرُ مُشْعِرٌ بِالقُوَّةِ، والشَّهِيقُ بِالضَّعْفِ، عَلى ما قَرَّرْناهُ بِحَسْبِ اللُّغَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الزَّفِيرِ قُوَّةَ مَيْلِهِمْ إلى عالَمِ الدُّنْيا وإلى اللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الشَّهِيقِ ضَعْفُهم عَنِ الِاسْتِسْعادِ بِعالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، والِاسْتِكْمالُ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والمَعارِجِ القُدُسِيَّةِ ؟
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَوْمٌ إنَّ عَذابَ الكُفّارِ مُنْقَطِعٌ ولَهُ نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ، أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ، والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عِقابِهِمْ مُساوِيَةٌ لِمُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ، فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ، ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”عَمَّ يَتَساءَلُونَ“: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ [النَّبَأِ: ٢٣ ] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً.
وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ، ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا.
بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ، ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ؛ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ، ولا إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ، فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ، وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ:
الأوَّلُ: قالُوا: المُرادُ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها، قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٤ ] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسَّماواتُ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا، فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ؛ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المُشَبَّهِ، ووُجُودُ السَّماواتِ والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ وجُودُهُما مَعْلُومًا، إلّا أنَّ بَقاءَهُما عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا
صفحة ٥٢
مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ - كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثَبَتَ بِالقُرْآنِ وُجُودُ سَماواتٍ وأرْضٍ في الآخِرَةِ، وثَبَتَ دَوامُهُما، وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا كانَ الطَّرِيقُ في إثْباتِ دَوامِ سَماواتِ أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطِلٌ، فَكَذا هَهُنا.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: قالُوا: إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم: ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ، فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ، أوْ تَقُولُونَ: إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى ؟
فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ، ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السَّماواتِ، فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ: هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كَوْنِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المَعْهُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ مَتى كانْتِ السَّماواتُ والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ، ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ، ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ، فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا: لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ، لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا يُنْتِجُ شَيْئًا، فَكَذا هَهُنا إذا قُلْنا: مَتى دامَتِ السَّماواتُ دامَ عِقابُهم، فَإذا قُلْنا: لَكِنَّ السَّماواتِ دائِمَةٌ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قُلْنا: لَكِنَّهُ ما بَقِيَتِ السَّماواتُ، لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ.
فَإنْ قالُوا: فَإذا كانَ العِقابُ حاصِلًا سَواءٌ بَقِيَتِ السَّماواتُ أوْ لَمْ تَبْقَ، لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ.
قُلْنا: بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ، وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا، فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ، ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ.
وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ.
الوَجْهُ الأوَّلُ في الجَوابِ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ، قالُوا: هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ عَلى ضَرْبِهِ، فَكَذا هَهُنا، وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ.
صفحة ٥٣
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا إذا رَأيْتُ أنَّ الأوْلى تَرْكُ الضَّرْبِ، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنْ يُقالَ: إنَّ كَلِمَةَ ﴿إلّا﴾ هَهُنا ورَدَتْ بِمَعْنى: سِوى، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّهم يَكُونُونَ في النّارِ في جَمِيعِ مُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ في الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ سِوى ما يَتَجاوَزُ ذَلِكَ مِنَ الخُلُودِ الدّائِمِ، فَذَكَرَ أوَّلًا في خُلُودِهِمْ ما لَيْسَ عِنْدَ العَرَبِ أطْوَلُ مِنهُ، ثُمَّ زادَ عَلَيْهِ الدَّوامَ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ المَعْنى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي لا آخِرَ لَها.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: وهو أنَّ المُرادَ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ زَمانُ وُقُوفِهِمْ في المَوْقِفِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ إلّا وقْتَ وُقُوفِهِمْ لِلْمُحاسَبَةِ، فَإنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَكُونُونَ في النّارِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المُرادُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وهو حالُ كَوْنِهِمْ في القَبْرِ، أوِ المُرادُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ حالَ عُمْرِهِمْ في الدُّنْيا، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: خالِدِينَ فِيها بِمِقْدارِ مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ في البَرْزَخِ، أوْ مِقْدارِ وُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ قالُوا: الِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يُفِيدُ حُصُولَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ مَعَ الخُلُودِ، فَإذا دَخَلَ الِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ وقْتٌ لا يَحْصُلُ فِيهِ هَذا المَجْمُوعُ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ في المَعْقُولاتِ أنَّهُ كَما يَنْتَفِي المَجْمُوعُ بِانْتِفاءِ جَمِيعِ أجْزائِهِ فَكَذَلِكَ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ فَرْدٍ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، فَإذا انْتَهَوْا آخِرَ الأمْرِ إلى أنْ يَصِيرُوا ساكِنِينَ هامِدِينَ خامِدِينَ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لَهم زَفِيرٌ وشَهِيقٌ، فانْتَفى أحَدُ أجْزاءِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الحُكْمِ بِانْقِطاعِ كَوْنِهِمْ في النّارِ.
الوَجْهُ الخامِسُ في الجَوابِ: أنْ يُحْمَلَ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى أنَّ أهْلَ العَذابِ لا يَكُونُونَ أبَدًا في النّارِ، بَلْ قَدْ يُنْقَلُونَ إلى البَرَدِ والزَّمْهَرِيرِ وسائِرِ أنْواعِ العَذابِ، وذَلِكَ يَكْفِي في صِحَّةِ هَذا الِاسْتِثْناءِ.
الوَجْهُ السّادِسُ في الجَوابِ: قالَ قَوْمٌ: هَذا الِاسْتِثْناءُ يُفِيدُ إخْراجَ أهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ﴾ يُفِيدُ أنَّ جُمْلَةَ الأشْقِياءِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ يُوجِبُ أنْ لا يَبْقى ذَلِكَ الحُكْمُ عَلى ذَلِكَ المَجْمُوعِ، ويَكْفِي في زَوالِ حُكْمِ الخُلُودِ عَنِ المَجْمُوعِ زَوالُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ لا يَبْقى حُكْمُ الخُلُودِ لِبَعْضِ الأشْقِياءِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الخُلُودَ واجِبٌ لِلْكُفّارِ وجَبَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ زالَ حُكْمُ الخُلُودِ عَنْهم هُمُ الفُسّاقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وهَذا كَلامٌ قَوِيٌّ في هَذا البابِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا الوَجْهُ إنَّما يَتَعَيَّنُ إذا فَسَدَتْ سائِرُ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها، فَما الدَّلِيلُ عَلى فَسادِها ؟ وأيْضًا فَمِثْلُ هَذا الِاسْتِثْناءِ مَذْكُورٌ في جانِبِ السُّعَداءِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
صفحة ٥٤
قُلْنا: إنّا بِهَذا الوَجْهِ بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ وعِيدِ الكُفّارِ، ثُمَّ إذا أرَدْنا الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ مِنَ النّارِ.
قُلْنا: أمّا حَمْلُ كَلِمَةِ ”إلّا“ عَلى سِوى فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأمّا حَمْلُ الِاسْتِثْناءِ عَلى حالِ عُمْرِ الدُّنْيا والبَرْزَخِ والمَوْقِفِ فَبَعِيدٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ وقَعَ عَنِ الخُلُودِ في النّارِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الخُلُودَ في النّارِ كَيْفِيَّةٌ مِن كَيْفِيّاتِ الحُصُولِ في النّارِ، فَقَبْلَ الحُصُولِ في النّارِ امْتَنَعَ حُصُولُ الخُلُودِ في النّارِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ الخُلُودُ لَمْ يَحْصُلِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وامْتَنَعَ حُصُولُ الِاسْتِثْناءِ، وأمّا قَوْلُهُ: الِاسْتِثْناءُ عائِدٌ إلى الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، فَهَذا أيْضًا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْآيَةِ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ إلّا هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: المُرادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ نَقْلُهُ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ العَذابُ بِالزَّمْهَرِيرِ إلّا بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ، والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ النَّقْلَ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ وبِالعَكْسِ يَحْصُلُ في كُلِّ يَوْمٍ مِرارًا، فَبَطَلَ هَذا الوَجْهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِثْناءِ حاصِلٌ في جانِبِ السُّعَداءِ، فَنَقُولُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ أحَدًا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها إلى النّارِ؛ فَلِأجْلِ هَذا الإجْماعِ افْتَقَرْنا فِيهِ إلى حَمْلِ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ عَلى أحَدِ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ، أمّا في هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الإجْماعُ، فَوَجَبَ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وهَذا يَحْسُنُ انْطِباقُهُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ إذا حَمَلْنا الِاسْتِثْناءَ عَلى إخْراجِ الفُسّاقِ مِنَ النّارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أظْهَرْتُ القَهْرَ والقُدْرَةَ، ثُمَّ أظْهَرْتُ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ؛ لِأنِّي فَعّالٌ لِما أُرِيدُ، ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيَّ حُكْمٌ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿سُعِدُوا﴾“ بِضَمِّ السِّينِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، وإنَّما جازَ ضَمُّ السِّينِ؛ لِأنَّهُ عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ مِن أسْعَدَ، ولِأنَّ سَعِدَ لا يَتَعَدّى، وأسْعَدَ يَتَعَدّى، وسَعِدَ وأسْعَدَ بِمَعْنًى، ومِنهُ المَسْعُودُ - مِن أسْماءِ الرِّجالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِاسْتِثْناءُ في بابِ السُّعَداءِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ رُبَّما اتَّفَقَ لِبَعْضِهِمْ أنْ يُرْفَعَ مِنَ الجَنَّةِ إلى العَرْشِ وإلى المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٢ ] وقَوْلُهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَذَّهُ يَجُذُّهُ جَذًّا، إذا قَطَعَهُ، وجَذَّ اللَّهُ دابِرَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ نَعِيمِ الجَنَّةِ: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٣٣ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ كَوْنَ هَذِهِ الحالَةِ مُنْقَطِعَةً، فَلَمّا خَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِهَذا البَيانِ ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ في جانِبِ الأشْقِياءِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ هو الِانْقِطاعُ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
هود 11:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿يَأْتِ﴾ بِحَذْفِ الياءِ، والباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وحَذْفُ الياءِ والِاجْتِزاءُ عَنْها بِالكَسْرَةِ كَثِيرٌ في لُغَةِهُذَيْلٍ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُمْ”لا أدْرِ“ حَكاهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فاعِلُ يَأْتِي هو اللَّهُ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠ ] وقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٨ ]، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ”وما يُؤَخِّرُهُ“ بِالياءِ، أقُولُ: لا يُعْجِبُنِي هَذا التَّأْوِيلُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠ ] حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ أقْوامٍ، والظّاهِرُ أنَّهم هُمُ اليَهُودُ، وذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٨ ] أمّا هَهُنا فَهو صَرِيحُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وإسْنادُ فِعْلِ الإتْيانِ إلَيْهِ مُشْكِلٌ.
فَإنْ قالُوا: فَما قَوْلُكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفَجْرِ: ٢٢ ] .
قُلْنا: هُناكَ تَأْوِيلاتٌ، وأيْضًا فَهو صَرِيحٌ، فَلا يُمْكِنُ دَفْعُهُ فَوَجَبَ الِامْتِناعُ مِنهُ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ يَوْمَ يَأْتِي الشَّيْءُ المَهِيبُ الهائِلُ المُسْتَعْظَمُ، فَحُذِفَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ بِتَعْيِينِهِ لِيَكُونَ أقْوى في التَّخْوِيفِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: العامِلُ في انْتِصابِ الظَّرْفِ هو قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ﴾ أوْ إضْمارُ ”اذْكُرْ“ .
صفحة ٤٩
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ فَفِيهِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ سائِرِ الآياتِ الَّتِي تُوهِمُ كَوْنَها مُناقِضَةً لِهَذِهِ الآيَةِ؛ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ [النَّحْلِ: ١١١ ]، ومِنها أنَّهم يَكْذِبُونَ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣ ]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٤ ]، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٥ ] .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حَيْثُ ورَدَ المَنعُ مِنَ الكَلامِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى الجَواباتِ الحَقِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ طَوِيلٌ ولَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هُودٍ: ١٠٣ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ لا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ في النّاسِ مَجانِينُ وأطْفالٌ، وهم خارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ؟
قُلْنا: المُرادُ مَن يُحْشَرُ مِمَّنْ أُطْلِقَ لِلْحِسابِ، وهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدِ احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ ما يُقالُ: إنَّ أهْلَ الأعْرافِ لا في الجَنَّةِ ولا في النّارِ، فَما قَوْلُكم فِيهِ ؟
قُلْنا: لَمّا سُلِّمَ أنَّ الأطْفالَ والمَجانِينَ خارِجُونَ عَنْ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّهم لا يُحاسَبُونَ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ أصْحابَ الأعْرافِ خارِجُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّهم أيْضًا لا يُحاسَبُونَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِن حالِهِمْ أنَّ ثَوابَهم يُساوِي عَذابَهم، فَلا فائِدَةَ في حِسابِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: القاضِي اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ كُلَّ مَن حَضَرَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ثَوابُهُ زائِدًا، أوْ يَكُونَ عِقابُهُ زائِدًا، فَأمّا مَن كانَ ثَوابُهُ مُساوِيًا لِعِقابِهِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ جائِزًا في العَقْلِ، إلّا أنَّ هَذا النَّصَّ دَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
قُلْنا: الكَلامُ فِيهِ ما سَبَقَ مِن أنَّ السَّعِيدَ هو الَّذِي يَكُونُ مِن أهْلِ الثَّوابِ، والشَّقِيَّ هو الَّذِي يَكُونُ مِن أهْلِ العِقابِ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ القِسْمِ الثّالِثِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ: أنَّ أكْثَرَ الآياتِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَقَطْ، ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ ثالِثٍ لا يَكُونُ لا مُؤْمِنًا ولا كافِرًا، مَعَ أنَّ القاضِيَ أثْبَتَهُ، فَإذا لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ ذِكْرِ ذَلِكَ الثّالِثِ عَدَمُهُ فَكَذَلِكَ لا يَلْزَمُ مِن ذِكْرِ هَذا الثّالِثِ عَدَمُهُ.
صفحة ٥٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ الآنَ عَلى بَعْضِ أهْلِ القِيامَةِ بِأنَّهُ سَعِيدٌ وعَلى بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ شَقِيٌّ، ومَن حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ وعُلِمَ مِنهُ ذَلِكَ الأمْرُ امْتَنَعَ كَوْنُهُ بِخِلافِهِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَصِيرَ خَبَرُ اللَّهِ تَعالى كَذِبًا وعِلْمُهُ جَهْلًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، وأنَّ الشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا، وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ مَرَّ في هَذا الكِتابِ مِرارًا لا تُحْصى، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلى ماذا نَعْمَلُ؛ عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، أمْ عَلى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنهُ ؟ فَقالَ: ”عَلى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ يا عُمَرُ، وجَفَّتْ بِهِ الأقْلامُ، وجَرَتْ بِهِ الأقْدارُ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “ .
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: فَمِنهم شَقِيٌّ بِعَمَلِهِ وسَعِيدٌ بِعَمَلِهِ.
قُلْنا: الدَّلِيلُ القاطِعُ لا يَدْفَعُ بِهَذِهِ الرِّواياتِ وأيْضًا فَلا نِزاعَ أنَّهُ إنَّما شَقِيَ بِعَمَلِهِ، وإنَّما سَعِدَ بِعَمَلِهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ العَمَلُ حاصِلًا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ كانَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ باقِيًا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَسَّمَ أهْلَ القِيامَةِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، شَرَحَ حالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: الزَّفِيرُ أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ حالَ كَوْنِهِ في الغَمِّ الشَّدِيدِ مِنَ النَّفَسِ ولَمْ يُخْرِجْهُ، والشَّهِيقُ أنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ النَّفَسَ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ لِلْفَرَسِ: إنَّهُ عَظِيمُ الزَّفْرَةِ، أيْ عَظِيمُ البَطْنِ، وأقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا عَظُمَ غَمُّهُ انْحَصَرَ رَوْحُ قَلْبِهِ في داخِلِ القَلْبِ، فَإذا انْحَصَرَ الرَّوْحُ قَوِيَتِ الحَرارَةُ وعَظُمَتْ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى النَّفَسِ القَوِيِّ؛ لِأجْلِ أنْ يَسْتَدْخِلَ هَواءً كَثِيرًا بارِدًا، حَتّى يَقْوى عَلى تَرْوِيحِ تِلْكَ الحَرارَةِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَعْظُمُ في ذَلِكَ الوَقْتِ اسْتِدْخالُ الهَواءِ في داخِلِ البَدَنِ، وحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ صَدْرُهُ ويَنْتَفِخُ جَنْباهُ، ولَمّا كانَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ والرَّوْحُ الحَيَوانِيُّ مَحْصُورًا داخِلَ القَلْبِ اسْتَوْلَتِ البُرُودَةُ عَلى الأعْضاءِ الخارِجَةِ، فَرُبَّما عَجَزَتْ آلاتُ النَّفَسِ عَنْ دَفْعِ ذَلِكَ الهَواءِ الكَثِيرِ المُسْتَنْشَقِ، فَيَبْقى ذَلِكَ الهَواءُ الكَثِيرُ مُنْحَصِرًا في الصَّدْرِ، ويَقْرُبُ مِن أنْ يَخْتَنِقَ الإنْسانُ مِنهُ، وحِينَئِذٍ تَجْتَهِدُ الطَّبِيعَةُ في إخْراجِ ذَلِكَ الهَواءِ، فَعَلى قِياسِ قَوْلِ الأطِبّاءِ: الزَّفِيرُ هو اسْتِدْخالُ الهَواءِ الكَثِيرِ لِتَرْوِيحِ الحَرارَةِ الحاصِلَةِ في القَلْبِ بِسَبَبِ انْحِصارِ الرُّوحِ فِيهِ، والشَّهِيقُ هو إخْراجُ ذَلِكَ الهَواءِ عِنْدَ مُجاهَدَةِ الطَّبِيعَةِ في إخْراجِهِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ تَدُلُّ عَلى كَرْبٍ شَدِيدٍ وغَمٍّ عَظِيمٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: في الفَرْقِ بَيْنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، قالَ بَعْضُهم: الزَّفِيرُ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ بِالنَّهِيقِ، وأمّا الشَّهِيقُ فَهو بِمَنزِلَةِ آخِرِ صَوْتِ الحِمارِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الزَّفِيرَ عِبارَةٌ عَنِ الِارْتِفاعِ، فَنَقُولُ: الزَّفِيرُ لَهِيبُ جَهَنَّمَ، يَرْفَعُهم بِقُوَّتِهِ، حَتّى إذا وصَلُوا إلى أعْلى دَرَجاتِ جَهَنَّمَ، وطَمِعُوا في أنْ يَخْرُجُوا مِنها، ضَرَبَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِمَقامِعَ مِن حَدِيدٍ، ويَرُدُّونَهم إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِن جَهَنَّمَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السَّجْدَةِ: ٢ ]، فارْتِفاعُهم في النّارِ هو الزَّفِيرُ، وانْحِطاطُهم مَرَّةً أُخْرى هو الشَّهِيقُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الزَّفِيرُ ما يَجْتَمِعُ في الصَّدْرِ مِنَ النَّفَسِ عِنْدَ البُكاءِ الشَّدِيدِ فَيَنْقَطِعُ النَّفَسُ،
صفحة ٥١
والشَّهِيقُ هو الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ اشْتِدادِ الكُرْبَةِ والحُزْنِ، ورُبَّما تَبِعَهُما الغَشْيَةُ، ورُبَّما حَصَلَ عَقِيبَهُ المَوْتُ.
الوَجْهُ الخامِسُ: قالَ أبُو العالِيَةِ: الزَّفِيرُ في الحَلْقِ، والشَّهِيقُ في الصَّدْرِ.
الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ قَوْمٌ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ.
الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ يُرِيدُ نَدامَةً، ونَفْسًا عالِيَةً، وبُكاءً لا يَنْقَطِعُ، وحُزْنًا لا يَنْدَفِعُ.
الوَجْهُ الثّامِنُ: الزَّفِيرُ مُشْعِرٌ بِالقُوَّةِ، والشَّهِيقُ بِالضَّعْفِ، عَلى ما قَرَّرْناهُ بِحَسْبِ اللُّغَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الزَّفِيرِ قُوَّةَ مَيْلِهِمْ إلى عالَمِ الدُّنْيا وإلى اللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الشَّهِيقِ ضَعْفُهم عَنِ الِاسْتِسْعادِ بِعالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، والِاسْتِكْمالُ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والمَعارِجِ القُدُسِيَّةِ ؟
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَوْمٌ إنَّ عَذابَ الكُفّارِ مُنْقَطِعٌ ولَهُ نِهايَةٌ، واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والمَعْقُولِ، أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ، والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ عِقابِهِمْ مُساوِيَةٌ لِمُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّ مُدَّةَ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ مُتَناهِيَةٌ، فَلَزِمَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ عِقابِ الكُفّارِ مُنْقَطِعَةً.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ عِقابِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى زَوالِ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتِ هَذا الِاسْتِثْناءِ، ومِمّا تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”عَمَّ يَتَساءَلُونَ“: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ [النَّبَأِ: ٢٣ ] بَيَّنَ تَعالى أنَّ لُبْثَهم في ذَلِكَ العَذابِ لا يَكُونُ إلّا أحْقابًا مَعْدُودَةً.
وأمّا العَقْلُ فَوَجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْصِيَةَ الكافِرِ مُتَناهِيَةٌ، ومُقابَلَةُ الجُرْمِ المُتَناهِي بِعِقابٍ لا نِهايَةَ لَهُ ظُلْمٌ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ النَّفْعِ فَيَكُونُ قَبِيحًا.
بَيانُ خُلُّوِّهِ عَنِ النَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ لا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ، ولا إلى ذَلِكَ المُعاقَبِ؛ لِأنَّهُ في حَقِّهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ، ولا إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ بِلَذّاتِهِمْ، فَلا فائِدَةَ لَهم في الِالتِذاذِ بِالعَذابِ الدّائِمِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ النَّفْعِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ، وأمّا الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَذابَ الكافِرِ دائِمٌ، وعِنْدَ هَذا احْتاجُوا إلى الجَوابِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فَذَكَرُوا عَنْهُ جَوابَيْنِ:
الأوَّلُ: قالُوا: المُرادُ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها، قالُوا والدَّلِيلُ عَلى أنَّ في الآخِرَةِ سَماءً وأرْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٤ ] وأيْضًا لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم، وذَلِكَ هو الأرْضُ والسَّماواتُ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّشْبِيهُ إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ إذا كانَ حالُ المُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُقَرَّرًا، فَيُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ؛ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الحُكْمِ في المُشَبَّهِ، ووُجُودُ السَّماواتِ والأرْضِ في الآخِرَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ وجُودُهُما مَعْلُومًا، إلّا أنَّ بَقاءَهُما عَلى وجْهٍ لا يَفْنى البَتَّةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإذا كانَ أصْلُ وُجُودِهِما مَجْهُولًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ ودَوامُهُما أيْضًا
صفحة ٥٢
مَجْهُولًا لِلْأكْثَرِ - كانَ تَشْبِيهُ عِقابِ الأشْقِياءِ بِهِ في الدَّوامِ كَلامًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَمّا ثَبَتَ بِالقُرْآنِ وُجُودُ سَماواتٍ وأرْضٍ في الآخِرَةِ، وثَبَتَ دَوامُهُما، وجَبَ الِاعْتِرافُ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا كانَ الطَّرِيقُ في إثْباتِ دَوامِ سَماواتِ أهْلِ الآخِرَةِ ودَوامِ أرْضِهِمْ هو السَّمْعُ، ثُمَّ السَّمْعُ دَلَّ عَلى دَوامِ عِقابِ الكافِرِ، فَحِينَئِذٍ الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ في الأصْلِ حاصِلٌ بِعَيْنِهِ في الفَرْعِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِياسَ ضائِعٌ والتَّشْبِيهَ باطِلٌ، فَكَذا هَهُنا.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: قالُوا: إنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الدَّوامِ والأبَدِ بِقَوْلِهِمْ: ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهم: ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما طَما البَحْرُ، وما أقامَ الجَبَلُ، وأنَّهُ تَعالى خاطَبَ العَرَبَ عَلى عُرْفِهِمْ في كَلامِهِمْ، فَلَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّها باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ تُفِيدُ الأبَدَ والدَّوامَ الخالِيَ عَنِ الِانْقِطاعِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلْ تُسَلِّمُونَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، يَمْنَعُ مِن بَقائِها مَوْجُودَةً بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ، أوْ تَقُولُونَ: إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى ؟
فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالإشْكالُ لازِمٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ في النّارِ مُساوِيَةً لِمُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ، ويَمْنَعُ مِن حُصُولِ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فَناءِ السَّماواتِ، فَعِنْدَها يَلْزَمُكُمُ القَوْلُ بِانْقِطاعِ ذَلِكَ العِقابِ، وأمّا إنْ قُلْتُمْ: هَذا الكَلامُ لا يَمْنَعُ بَقاءَ كَوْنِهِمْ في النّارِ بَعْدَ فَناءِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا الجَوابِ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ضائِعٌ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي في هَذا البابِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ المَعْهُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ مَتى كانْتِ السَّماواتُ والأرْضُ دائِمَتَيْنِ، كانَ كَوْنُهم في النّارِ باقِيًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ المَشْرُوطُ، ولا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا عُدِمَ الشَّرْطُ يُعْدَمُ المَشْرُوطُ، ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنْ كانَ هَذا إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ. فَإنْ قُلْنا: لَكِنَّهُ إنْسانٌ، فَإنَّهُ يَنْتُجُ أنَّهُ حَيَوانٌ، أمّا إذا قُلْنا: لَكِنَّهُ لَيْسَ بِإنْسانٍ، لَمْ يَنْتُجْ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيَوانٍ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ المَنطِقِ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ لا يُنْتِجُ شَيْئًا، فَكَذا هَهُنا إذا قُلْنا: مَتى دامَتِ السَّماواتُ دامَ عِقابُهم، فَإذا قُلْنا: لَكِنَّ السَّماواتِ دائِمَةٌ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِقابُهم حاصِلًا، أمّا إذا قُلْنا: لَكِنَّهُ ما بَقِيَتِ السَّماواتُ، لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ دَوامِ عِقابِهِمْ.
فَإنْ قالُوا: فَإذا كانَ العِقابُ حاصِلًا سَواءٌ بَقِيَتِ السَّماواتُ أوْ لَمْ تَبْقَ، لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّشْبِيهِ فائِدَةٌ.
قُلْنا: بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ، وهو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفاذِ ذَلِكَ العَذابِ دَهْرًا دَهْرًا، وزَمانًا لا يُحِيطُ العَقْلُ بِطُولِهِ وامْتِدادِهِ، فَأمّا أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ آخِرُ أمْ لا، فَذَلِكَ يُسْتَفادُ مِن دَلائِلَ أُخَرَ، وهَذا الجَوابُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَوابٌ حَقٌّ، ولَكِنَّهُ إنَّما يَفْهَمُهُ إنْسانٌ ألِفَ شَيْئًا مِنَ المَعْقُولاتِ.
وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أنْواعًا مِنَ الأجْوِبَةِ.
الوَجْهُ الأوَّلُ في الجَوابِ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ والفَرّاءُ، قالُوا: هَذا اسْتِثْناءٌ اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَفْعَلُهُ ألْبَتَّةَ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعَ أنَّ عَزِيمَتَكَ تَكُونُ عَلى ضَرْبِهِ، فَكَذا هَهُنا، وطَوَّلُوا في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وفي ضَرْبِ الأمْثِلَةِ فِيهِ، وحاصِلُهُ ما ذَكَرْناهُ.
صفحة ٥٣
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إذا قالَ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا أنْ أرى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: لَأضْرِبَنَّكَ إلّا إذا رَأيْتُ أنَّ الأوْلى تَرْكُ الضَّرْبِ، وهَذا لا يَدُلُّ ألْبَتَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أمْ لا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ الحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيها إلّا المُدَّةَ الَّتِي شاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِياسُ هَذا الكَلامِ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنْ يُقالَ: إنَّ كَلِمَةَ ﴿إلّا﴾ هَهُنا ورَدَتْ بِمَعْنى: سِوى، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّهم يَكُونُونَ في النّارِ في جَمِيعِ مُدَّةِ بَقاءِ السَّماواتِ والأرْضِ في الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ سِوى ما يَتَجاوَزُ ذَلِكَ مِنَ الخُلُودِ الدّائِمِ، فَذَكَرَ أوَّلًا في خُلُودِهِمْ ما لَيْسَ عِنْدَ العَرَبِ أطْوَلُ مِنهُ، ثُمَّ زادَ عَلَيْهِ الدَّوامَ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ المَعْنى: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي لا آخِرَ لَها.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: وهو أنَّ المُرادَ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ زَمانُ وُقُوفِهِمْ في المَوْقِفِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ إلّا وقْتَ وُقُوفِهِمْ لِلْمُحاسَبَةِ، فَإنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَكُونُونَ في النّارِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المُرادُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ وهو حالُ كَوْنِهِمْ في القَبْرِ، أوِ المُرادُ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ حالَ عُمْرِهِمْ في الدُّنْيا، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: خالِدِينَ فِيها بِمِقْدارِ مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ في البَرْزَخِ، أوْ مِقْدارِ وُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ قالُوا: الِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يُفِيدُ حُصُولَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ مَعَ الخُلُودِ، فَإذا دَخَلَ الِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ وقْتٌ لا يَحْصُلُ فِيهِ هَذا المَجْمُوعُ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ في المَعْقُولاتِ أنَّهُ كَما يَنْتَفِي المَجْمُوعُ بِانْتِفاءِ جَمِيعِ أجْزائِهِ فَكَذَلِكَ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ فَرْدٍ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، فَإذا انْتَهَوْا آخِرَ الأمْرِ إلى أنْ يَصِيرُوا ساكِنِينَ هامِدِينَ خامِدِينَ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لَهم زَفِيرٌ وشَهِيقٌ، فانْتَفى أحَدُ أجْزاءِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الحُكْمِ بِانْقِطاعِ كَوْنِهِمْ في النّارِ.
الوَجْهُ الخامِسُ في الجَوابِ: أنْ يُحْمَلَ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى أنَّ أهْلَ العَذابِ لا يَكُونُونَ أبَدًا في النّارِ، بَلْ قَدْ يُنْقَلُونَ إلى البَرَدِ والزَّمْهَرِيرِ وسائِرِ أنْواعِ العَذابِ، وذَلِكَ يَكْفِي في صِحَّةِ هَذا الِاسْتِثْناءِ.
الوَجْهُ السّادِسُ في الجَوابِ: قالَ قَوْمٌ: هَذا الِاسْتِثْناءُ يُفِيدُ إخْراجَ أهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ﴾ يُفِيدُ أنَّ جُمْلَةَ الأشْقِياءِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ يُوجِبُ أنْ لا يَبْقى ذَلِكَ الحُكْمُ عَلى ذَلِكَ المَجْمُوعِ، ويَكْفِي في زَوالِ حُكْمِ الخُلُودِ عَنِ المَجْمُوعِ زَوالُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ لا يَبْقى حُكْمُ الخُلُودِ لِبَعْضِ الأشْقِياءِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الخُلُودَ واجِبٌ لِلْكُفّارِ وجَبَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ زالَ حُكْمُ الخُلُودِ عَنْهم هُمُ الفُسّاقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وهَذا كَلامٌ قَوِيٌّ في هَذا البابِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا الوَجْهُ إنَّما يَتَعَيَّنُ إذا فَسَدَتْ سائِرُ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها، فَما الدَّلِيلُ عَلى فَسادِها ؟ وأيْضًا فَمِثْلُ هَذا الِاسْتِثْناءِ مَذْكُورٌ في جانِبِ السُّعَداءِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
صفحة ٥٤
قُلْنا: إنّا بِهَذا الوَجْهِ بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ وعِيدِ الكُفّارِ، ثُمَّ إذا أرَدْنا الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ مِنَ النّارِ.
قُلْنا: أمّا حَمْلُ كَلِمَةِ ”إلّا“ عَلى سِوى فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأمّا حَمْلُ الِاسْتِثْناءِ عَلى حالِ عُمْرِ الدُّنْيا والبَرْزَخِ والمَوْقِفِ فَبَعِيدٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ وقَعَ عَنِ الخُلُودِ في النّارِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الخُلُودَ في النّارِ كَيْفِيَّةٌ مِن كَيْفِيّاتِ الحُصُولِ في النّارِ، فَقَبْلَ الحُصُولِ في النّارِ امْتَنَعَ حُصُولُ الخُلُودِ في النّارِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ الخُلُودُ لَمْ يَحْصُلِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وامْتَنَعَ حُصُولُ الِاسْتِثْناءِ، وأمّا قَوْلُهُ: الِاسْتِثْناءُ عائِدٌ إلى الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، فَهَذا أيْضًا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْآيَةِ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ إلّا هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: المُرادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ نَقْلُهُ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ العَذابُ بِالزَّمْهَرِيرِ إلّا بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ، والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ النَّقْلَ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ وبِالعَكْسِ يَحْصُلُ في كُلِّ يَوْمٍ مِرارًا، فَبَطَلَ هَذا الوَجْهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِثْناءِ حاصِلٌ في جانِبِ السُّعَداءِ، فَنَقُولُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ أحَدًا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها إلى النّارِ؛ فَلِأجْلِ هَذا الإجْماعِ افْتَقَرْنا فِيهِ إلى حَمْلِ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ عَلى أحَدِ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ، أمّا في هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الإجْماعُ، فَوَجَبَ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وهَذا يَحْسُنُ انْطِباقُهُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ إذا حَمَلْنا الِاسْتِثْناءَ عَلى إخْراجِ الفُسّاقِ مِنَ النّارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أظْهَرْتُ القَهْرَ والقُدْرَةَ، ثُمَّ أظْهَرْتُ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ؛ لِأنِّي فَعّالٌ لِما أُرِيدُ، ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيَّ حُكْمٌ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿سُعِدُوا﴾“ بِضَمِّ السِّينِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، وإنَّما جازَ ضَمُّ السِّينِ؛ لِأنَّهُ عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ مِن أسْعَدَ، ولِأنَّ سَعِدَ لا يَتَعَدّى، وأسْعَدَ يَتَعَدّى، وسَعِدَ وأسْعَدَ بِمَعْنًى، ومِنهُ المَسْعُودُ - مِن أسْماءِ الرِّجالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِاسْتِثْناءُ في بابِ السُّعَداءِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ رُبَّما اتَّفَقَ لِبَعْضِهِمْ أنْ يُرْفَعَ مِنَ الجَنَّةِ إلى العَرْشِ وإلى المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٢ ] وقَوْلُهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَذَّهُ يَجُذُّهُ جَذًّا، إذا قَطَعَهُ، وجَذَّ اللَّهُ دابِرَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ نَعِيمِ الجَنَّةِ: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٣٣ ] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ كَوْنَ هَذِهِ الحالَةِ مُنْقَطِعَةً، فَلَمّا خَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِهَذا البَيانِ ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ في جانِبِ الأشْقِياءِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ هو الِانْقِطاعُ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
هود 11:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أقاصِيصَ عَبَدَةِ الأوْثانِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِأحْوالِ الأشْقِياءِ وأحْوالِ السُّعَداءِ، شَرَحَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْوالَ الكُفّارِ مِن قَوْمِهِ، فَقالَ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ والمَعْنى: فَلا تَكُنْ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ النُّونَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ ولِأنَّ النُّونَ إذا وقَعَ عَلى طَرَفِ الكَلامِ لَمْ يَبْقَ عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِهِ إلّا مُجَرَّدُ الغُنَّةِ، فَلا جَرَمَ أسْقَطُوهُ، والمَعْنى: فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن حالِ ما يَعْبُدُونَ في أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ والمُرادُ أنَّهم أشْبَهُوا آباءَهم في لُزُومِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم أيْ ما يَخُصُّهم مِنَ العَذابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم وإنْ كَفَرُوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، فَإنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم مِنَ الرِّزْقِ والخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم مِن إزالَةِ العُذْرِ، وإزاحَةِ العِلَلِ، وإظْهارِ الدَّلائِلِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُرادًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى إصْرارَ كُفّارِ مَكَّةَ عَلى إنْكارِ التَّوْحِيدِ، بَيَّنَ أيْضًا إصْرارَهم عَلى إنْكارِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَكْذِيبِهِمْ بِكِتابِهِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ كانُوا عَلى هَذِهِ السِّيرَةِ الفاسِدَةِ مَعَ كُلِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا، وهو أنَّهُ لَمّا أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَبِلَهُ بَعْضُهم وأنْكَرَهُ آخَرُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عادَةَ الخَلْقِ هَكَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: ولَوْلا ما تَقَدَّمَ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِتَأْخِيرِ عَذابِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَكانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ عِنْدَ عَظِيمِ كُفْرِهِمْ إنْزالَ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ المُتَقَدِّمَ مِن قَضائِهِ أخَّرَ ذَلِكَ عَنْهم في دُنْياهم.
الثّانِي: لَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَحْكُمُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وإلّا لَكانَ مِنَ الواجِبِ تَمْيِيزُ المُحِقِّ عَنِ المُبْطِلِ في دارِ الدُّنْيا.
الثّالِثُ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وأنَّ إحْسانَهُ راجِحٌ عَلى قَهْرِهِ، وإلّا لَقُضِيَ بَيْنَهم، ولَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا المَعْنى قالَ: ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ يَعْنِي أنَّ كُفّارَ قَوْمِكَ لَفي شَكٍّ مِن هَذا القُرْآنِ مُرِيبٍ.
صفحة ٥٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ مَن عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ ومَن أُخِّرَتْ، ومَن صَدَّقَ الرُّسُلَ ومَن كَذَّبَ، فَحالُهم سَواءٌ في أنَّهُ تَعالى يُوَفِّيهِمْ جَزاءَ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ الوَعْدَ والوَعِيدَ، فَإنَّ تَوْفِيَةَ جَزاءِ الطّاعاتِ وعْدٌ عَظِيمٌ، وتَوْفِيَةَ جَزاءِ المَعاصِي وعِيدٌ عَظِيمٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَوْكِيدُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كانَ عالِمًا بِمَقادِيرِ الطّاعاتِ والمَعاصِي، فَكانَ عالِمًا بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِكُلِّ عَمَلٍ مِنَ الجَزاءِ، فَحِينَئِذٍ لا يَضِيعُ شَيْءٌ مِنَ الحُقُوقِ والأجْزِيَةِ، وذَلِكَ نِهايَةُ البَيانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ”وإنَّ“ مُشَدَّدَةَ النُّونِ ”لَما“ خَفِيفَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: اللّامُ في ”لَما“ هي الَّتِي تَقْتَضِيهِ ”إنَّ“؛ وذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ ”إنَّ“ يَقْتَضِي أنْ يَدْخُلَ عَلى خَبَرِها أوِ اسْمِها لامٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٩ ] واللّامُ الثّانِيَةُ هي الَّتِي تَجِيءُ بَعْدَ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ، ولَمّا اجْتَمَعَ لامانِ دَخَلَتْ ”ما“ لِتَفْصِلَ بَيْنَهُما، فَكَلِمَةُ ”ما“ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ زائِدَةٌ، وقالَ الفَرّاءُ: ”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى ”مَن“، وبَقِيَّةُ التَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ، ومِثْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النِّساءِ: ٧٢ ] .
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”وإنْ كُلًّا لَما“ مُخَفَّفَتانِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهم أعْمَلُوا ”إنَّ“ مُخَفَّفَةً كَما تَعْمَلُ مُشَدَّدَةً؛ لِأنَّ كَلِمَةَ إنْ تُشْبِهُ الفِعْلَ، فَكَما يَجُوزُ إعْمالُ الفِعْلِ تامًّا ومَحْذُوفًا في قَوْلِكَ: لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ قائِمًا، ولَمْ يَكْ زَيْدٌ قائِمًا، فَكَذَلِكَ إنَّ وإنْ.
والقِراءَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: ”﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾“ مُشَدَّدَتانِ، قالُوا: وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ: إنَّ أصْلَ لَمّا ”لَمًّا“ بِالتَّنْوِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أكْلًا لَمًّا﴾ والمَعْنى أنَّ كُلًّا مَلْمُومِينَ، أيْ مَجْمُوعِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ كُلًّا جَمِيعًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأفاضِلِ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ تَوْفِيَةِ الأجْزِيَةِ عَلى المُسْتَحِقِّينَ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَ فِيها سَبْعَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّوْكِيداتِ:
أوَّلُها: كَلِمَةُ ”إنَّ“ وهي لِلتَّأْكِيدِ.
وثانِيها: كَلِمَةُ ”كُلٍّ“ وهي أيْضًا لِلتَّأْكِيدِ.
وثالِثُها: اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“ وهي تُفِيدُ التَّأْكِيدَ أيْضًا.
ورابِعُها: حَرْفُ ”ما“ إذا جَعَلْناهُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ مَوْصُولًا.
وخامِسُها: القَسَمُ المُضْمَرُ، فَإنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: وإنَّ جَمِيعَهم واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم.
وسادِسُها: اللّامُ الثّانِيَةُ الدّاخِلَةُ عَلى جَوابِ القَسَمِ.
وسابِعُها: النُّونُ المُؤَكِّدَةُ في قَوْلِهِ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ فَجَمِيعُ هَذِهِ الألْفاظِ السَّبْعَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْكِيدِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ تَدَلُّ عَلى أنَّ أمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ لا يَتِمُّ إلّا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ وأمْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وهو مِن أعْظَمِ المُؤَكِّداتِ.
هود 11:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أقاصِيصَ عَبَدَةِ الأوْثانِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِأحْوالِ الأشْقِياءِ وأحْوالِ السُّعَداءِ، شَرَحَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْوالَ الكُفّارِ مِن قَوْمِهِ، فَقالَ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ والمَعْنى: فَلا تَكُنْ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ النُّونَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ ولِأنَّ النُّونَ إذا وقَعَ عَلى طَرَفِ الكَلامِ لَمْ يَبْقَ عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِهِ إلّا مُجَرَّدُ الغُنَّةِ، فَلا جَرَمَ أسْقَطُوهُ، والمَعْنى: فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن حالِ ما يَعْبُدُونَ في أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ والمُرادُ أنَّهم أشْبَهُوا آباءَهم في لُزُومِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم أيْ ما يَخُصُّهم مِنَ العَذابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم وإنْ كَفَرُوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، فَإنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم مِنَ الرِّزْقِ والخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم مِن إزالَةِ العُذْرِ، وإزاحَةِ العِلَلِ، وإظْهارِ الدَّلائِلِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُرادًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى إصْرارَ كُفّارِ مَكَّةَ عَلى إنْكارِ التَّوْحِيدِ، بَيَّنَ أيْضًا إصْرارَهم عَلى إنْكارِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَكْذِيبِهِمْ بِكِتابِهِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ كانُوا عَلى هَذِهِ السِّيرَةِ الفاسِدَةِ مَعَ كُلِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا، وهو أنَّهُ لَمّا أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَبِلَهُ بَعْضُهم وأنْكَرَهُ آخَرُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عادَةَ الخَلْقِ هَكَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: ولَوْلا ما تَقَدَّمَ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِتَأْخِيرِ عَذابِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَكانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ عِنْدَ عَظِيمِ كُفْرِهِمْ إنْزالَ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ المُتَقَدِّمَ مِن قَضائِهِ أخَّرَ ذَلِكَ عَنْهم في دُنْياهم.
الثّانِي: لَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَحْكُمُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وإلّا لَكانَ مِنَ الواجِبِ تَمْيِيزُ المُحِقِّ عَنِ المُبْطِلِ في دارِ الدُّنْيا.
الثّالِثُ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وأنَّ إحْسانَهُ راجِحٌ عَلى قَهْرِهِ، وإلّا لَقُضِيَ بَيْنَهم، ولَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا المَعْنى قالَ: ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ يَعْنِي أنَّ كُفّارَ قَوْمِكَ لَفي شَكٍّ مِن هَذا القُرْآنِ مُرِيبٍ.
صفحة ٥٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ مَن عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ ومَن أُخِّرَتْ، ومَن صَدَّقَ الرُّسُلَ ومَن كَذَّبَ، فَحالُهم سَواءٌ في أنَّهُ تَعالى يُوَفِّيهِمْ جَزاءَ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ الوَعْدَ والوَعِيدَ، فَإنَّ تَوْفِيَةَ جَزاءِ الطّاعاتِ وعْدٌ عَظِيمٌ، وتَوْفِيَةَ جَزاءِ المَعاصِي وعِيدٌ عَظِيمٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَوْكِيدُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كانَ عالِمًا بِمَقادِيرِ الطّاعاتِ والمَعاصِي، فَكانَ عالِمًا بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِكُلِّ عَمَلٍ مِنَ الجَزاءِ، فَحِينَئِذٍ لا يَضِيعُ شَيْءٌ مِنَ الحُقُوقِ والأجْزِيَةِ، وذَلِكَ نِهايَةُ البَيانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ”وإنَّ“ مُشَدَّدَةَ النُّونِ ”لَما“ خَفِيفَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: اللّامُ في ”لَما“ هي الَّتِي تَقْتَضِيهِ ”إنَّ“؛ وذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ ”إنَّ“ يَقْتَضِي أنْ يَدْخُلَ عَلى خَبَرِها أوِ اسْمِها لامٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٩ ] واللّامُ الثّانِيَةُ هي الَّتِي تَجِيءُ بَعْدَ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ، ولَمّا اجْتَمَعَ لامانِ دَخَلَتْ ”ما“ لِتَفْصِلَ بَيْنَهُما، فَكَلِمَةُ ”ما“ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ زائِدَةٌ، وقالَ الفَرّاءُ: ”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى ”مَن“، وبَقِيَّةُ التَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ، ومِثْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النِّساءِ: ٧٢ ] .
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”وإنْ كُلًّا لَما“ مُخَفَّفَتانِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهم أعْمَلُوا ”إنَّ“ مُخَفَّفَةً كَما تَعْمَلُ مُشَدَّدَةً؛ لِأنَّ كَلِمَةَ إنْ تُشْبِهُ الفِعْلَ، فَكَما يَجُوزُ إعْمالُ الفِعْلِ تامًّا ومَحْذُوفًا في قَوْلِكَ: لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ قائِمًا، ولَمْ يَكْ زَيْدٌ قائِمًا، فَكَذَلِكَ إنَّ وإنْ.
والقِراءَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: ”﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾“ مُشَدَّدَتانِ، قالُوا: وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ: إنَّ أصْلَ لَمّا ”لَمًّا“ بِالتَّنْوِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أكْلًا لَمًّا﴾ والمَعْنى أنَّ كُلًّا مَلْمُومِينَ، أيْ مَجْمُوعِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ كُلًّا جَمِيعًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأفاضِلِ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ تَوْفِيَةِ الأجْزِيَةِ عَلى المُسْتَحِقِّينَ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَ فِيها سَبْعَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّوْكِيداتِ:
أوَّلُها: كَلِمَةُ ”إنَّ“ وهي لِلتَّأْكِيدِ.
وثانِيها: كَلِمَةُ ”كُلٍّ“ وهي أيْضًا لِلتَّأْكِيدِ.
وثالِثُها: اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“ وهي تُفِيدُ التَّأْكِيدَ أيْضًا.
ورابِعُها: حَرْفُ ”ما“ إذا جَعَلْناهُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ مَوْصُولًا.
وخامِسُها: القَسَمُ المُضْمَرُ، فَإنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: وإنَّ جَمِيعَهم واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم.
وسادِسُها: اللّامُ الثّانِيَةُ الدّاخِلَةُ عَلى جَوابِ القَسَمِ.
وسابِعُها: النُّونُ المُؤَكِّدَةُ في قَوْلِهِ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ فَجَمِيعُ هَذِهِ الألْفاظِ السَّبْعَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْكِيدِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ تَدَلُّ عَلى أنَّ أمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ لا يَتِمُّ إلّا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ وأمْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وهو مِن أعْظَمِ المُؤَكِّداتِ.
هود 11:111
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أقاصِيصَ عَبَدَةِ الأوْثانِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِأحْوالِ الأشْقِياءِ وأحْوالِ السُّعَداءِ، شَرَحَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْوالَ الكُفّارِ مِن قَوْمِهِ، فَقالَ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ والمَعْنى: فَلا تَكُنْ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ النُّونَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ ولِأنَّ النُّونَ إذا وقَعَ عَلى طَرَفِ الكَلامِ لَمْ يَبْقَ عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِهِ إلّا مُجَرَّدُ الغُنَّةِ، فَلا جَرَمَ أسْقَطُوهُ، والمَعْنى: فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن حالِ ما يَعْبُدُونَ في أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ والمُرادُ أنَّهم أشْبَهُوا آباءَهم في لُزُومِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم أيْ ما يَخُصُّهم مِنَ العَذابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم وإنْ كَفَرُوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، فَإنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم مِنَ الرِّزْقِ والخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم مِن إزالَةِ العُذْرِ، وإزاحَةِ العِلَلِ، وإظْهارِ الدَّلائِلِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُرادًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى إصْرارَ كُفّارِ مَكَّةَ عَلى إنْكارِ التَّوْحِيدِ، بَيَّنَ أيْضًا إصْرارَهم عَلى إنْكارِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَكْذِيبِهِمْ بِكِتابِهِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ كانُوا عَلى هَذِهِ السِّيرَةِ الفاسِدَةِ مَعَ كُلِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا، وهو أنَّهُ لَمّا أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَبِلَهُ بَعْضُهم وأنْكَرَهُ آخَرُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عادَةَ الخَلْقِ هَكَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: ولَوْلا ما تَقَدَّمَ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِتَأْخِيرِ عَذابِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَكانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ عِنْدَ عَظِيمِ كُفْرِهِمْ إنْزالَ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ المُتَقَدِّمَ مِن قَضائِهِ أخَّرَ ذَلِكَ عَنْهم في دُنْياهم.
الثّانِي: لَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَحْكُمُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وإلّا لَكانَ مِنَ الواجِبِ تَمْيِيزُ المُحِقِّ عَنِ المُبْطِلِ في دارِ الدُّنْيا.
الثّالِثُ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وأنَّ إحْسانَهُ راجِحٌ عَلى قَهْرِهِ، وإلّا لَقُضِيَ بَيْنَهم، ولَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا المَعْنى قالَ: ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ يَعْنِي أنَّ كُفّارَ قَوْمِكَ لَفي شَكٍّ مِن هَذا القُرْآنِ مُرِيبٍ.
صفحة ٥٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ مَن عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ ومَن أُخِّرَتْ، ومَن صَدَّقَ الرُّسُلَ ومَن كَذَّبَ، فَحالُهم سَواءٌ في أنَّهُ تَعالى يُوَفِّيهِمْ جَزاءَ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ الوَعْدَ والوَعِيدَ، فَإنَّ تَوْفِيَةَ جَزاءِ الطّاعاتِ وعْدٌ عَظِيمٌ، وتَوْفِيَةَ جَزاءِ المَعاصِي وعِيدٌ عَظِيمٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَوْكِيدُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كانَ عالِمًا بِمَقادِيرِ الطّاعاتِ والمَعاصِي، فَكانَ عالِمًا بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِكُلِّ عَمَلٍ مِنَ الجَزاءِ، فَحِينَئِذٍ لا يَضِيعُ شَيْءٌ مِنَ الحُقُوقِ والأجْزِيَةِ، وذَلِكَ نِهايَةُ البَيانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ”وإنَّ“ مُشَدَّدَةَ النُّونِ ”لَما“ خَفِيفَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: اللّامُ في ”لَما“ هي الَّتِي تَقْتَضِيهِ ”إنَّ“؛ وذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ ”إنَّ“ يَقْتَضِي أنْ يَدْخُلَ عَلى خَبَرِها أوِ اسْمِها لامٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٩ ] واللّامُ الثّانِيَةُ هي الَّتِي تَجِيءُ بَعْدَ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ، ولَمّا اجْتَمَعَ لامانِ دَخَلَتْ ”ما“ لِتَفْصِلَ بَيْنَهُما، فَكَلِمَةُ ”ما“ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ زائِدَةٌ، وقالَ الفَرّاءُ: ”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى ”مَن“، وبَقِيَّةُ التَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ، ومِثْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النِّساءِ: ٧٢ ] .
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”وإنْ كُلًّا لَما“ مُخَفَّفَتانِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهم أعْمَلُوا ”إنَّ“ مُخَفَّفَةً كَما تَعْمَلُ مُشَدَّدَةً؛ لِأنَّ كَلِمَةَ إنْ تُشْبِهُ الفِعْلَ، فَكَما يَجُوزُ إعْمالُ الفِعْلِ تامًّا ومَحْذُوفًا في قَوْلِكَ: لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ قائِمًا، ولَمْ يَكْ زَيْدٌ قائِمًا، فَكَذَلِكَ إنَّ وإنْ.
والقِراءَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: ”﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾“ مُشَدَّدَتانِ، قالُوا: وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ: إنَّ أصْلَ لَمّا ”لَمًّا“ بِالتَّنْوِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أكْلًا لَمًّا﴾ والمَعْنى أنَّ كُلًّا مَلْمُومِينَ، أيْ مَجْمُوعِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ كُلًّا جَمِيعًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأفاضِلِ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ تَوْفِيَةِ الأجْزِيَةِ عَلى المُسْتَحِقِّينَ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَ فِيها سَبْعَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّوْكِيداتِ:
أوَّلُها: كَلِمَةُ ”إنَّ“ وهي لِلتَّأْكِيدِ.
وثانِيها: كَلِمَةُ ”كُلٍّ“ وهي أيْضًا لِلتَّأْكِيدِ.
وثالِثُها: اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“ وهي تُفِيدُ التَّأْكِيدَ أيْضًا.
ورابِعُها: حَرْفُ ”ما“ إذا جَعَلْناهُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ مَوْصُولًا.
وخامِسُها: القَسَمُ المُضْمَرُ، فَإنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: وإنَّ جَمِيعَهم واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم.
وسادِسُها: اللّامُ الثّانِيَةُ الدّاخِلَةُ عَلى جَوابِ القَسَمِ.
وسابِعُها: النُّونُ المُؤَكِّدَةُ في قَوْلِهِ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ فَجَمِيعُ هَذِهِ الألْفاظِ السَّبْعَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْكِيدِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ تَدَلُّ عَلى أنَّ أمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ لا يَتِمُّ إلّا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ وأمْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وهو مِن أعْظَمِ المُؤَكِّداتِ.
هود 11:112
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في شَرْحِ الوَعْدِ والوَعِيدِ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾
صفحة ٥٧
وهَذِهِ الكَلِمَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالعَقائِدِ والأعْمالِ، سَواءٌ كانَ مُخْتَصًّا بِهِ أوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِتَبْلِيغِ الوَحْيِ وبَيانِ الشَّرائِعِ، ولا شَكَّ أنَّ البَقاءَ عَلى الِاسْتِقامَةِ الحَقِيقِيَّةِ مُشْكِلٌ جِدًّا، وأنا أضْرِبُ لِذَلِكَ مِثالًا يُقَرِّبُ صُعُوبَةَ هَذا المَعْنى إلى العَقْلِ السَّلِيمِ، وهو أنَّ الخَطَّ المُسْتَقِيمَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الظِّلِّ وبَيْنَ الضَّوْءِ جُزْءٌ واحِدٌ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ في العَرْضِ، إلّا أنَّ عَيْنَ ذَلِكَ الخَطِّ مِمّا لا يَتَمَيَّزُ في الحِسِّ عَنْ طَرَفَيْهِ، فَإنَّهُ إذا قَرُبَ طَرَفُ الظِّلِّ مِن طَرَفِ الضَّوْءِ اشْتَبَهَ البَعْضُ بِالبَعْضِ في الحِسِّ، فَلَمْ يَقَعِ الحِسُّ عَلى إدْراكِ ذَلِكَ الخَطِّ بِعَيْنِهِ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا في المِثالِ فاعْرِفْ مِثالَهُ في جَمِيعِ أبْوابِ العُبُودِيَّةِ، فَأوَّلَها: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وتَحْصِيلُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ عَلى وجْهٍ يُبْقِي العَبْدَ مَصُونًا في طَرَفِ الإثْباتِ عَنِ التَّشْبِيهِ وفي طَرَفِ النَّفْيِ عَنِ التَّعْطِيلِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، واعْتَبِرْ سائِرَ مَقاماتِ المَعْرِفَةِ مِن نَفْسِكَ، وأيْضًا فالقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ والقُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ حَصَلَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما طَرَفا إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ، وهُما مَذْمُومانِ، والفاصِلُ هو المُتَوَسِّطُ بَيْنَهُما بِحَيْثُ لا يَمِيلُ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، والوُقُوفُ عَلَيْهِ صَعْبٌ، ثُمَّ العَمَلُ بِهِ أصْعَبُ، فَثَبَتَ أنَّ مَعْرِفَةَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، بِتَقْدِيرِ مَعْرِفَتِهِ، فالبَقاءُ عَلَيْهِ والعَمَلُ بِهِ أصْعَبُ، ولَمّا كانَ هَذا المَقامُ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ لا جَرَمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَمِيعِ القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ ولا أشَقُّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ ولِهَذا قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها» “، وعَنْ بَعْضِهِمْ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في النَّوْمِ، فَقُلْتُ لَهُ: رُوِيَ عَنْكَ أنَّكَ قُلْتَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها ؟ فَقالَ: ”نَعَمْ“، فَقُلْتُ: وبِأيِّ آيَةٍ ؟ فَقالَ: بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ عَظِيمٌ في الشَّرِيعَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ لَمّا ورَدَ بِالأمْرِ بِأعْمالِ الوُضُوءِ مُرَتَّبَةً في اللَّفْظِ، وجَبَ اعْتِبارُ التَّرْتِيبِ فِيها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ ولَمّا ورَدَ الأمْرُ في الزَّكاةِ بِأداءِ الإبِلِ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ مِنَ البَقَرِ - وجَبَ اعْتِبارُها، وكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ورَدَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِ، وعِنْدِي أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ؛ لِأنَّهُ لَمّا دَلَّ عُمُومُ النَّصِّ عَلى حُكْمٍ، وجَبَ الحُكْمُ بِمُقْتَضاهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ والعَمَلُ بِالقِياسِ انْحِرافٌ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: ”مَن“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ﴾ وأغْنى الوَصْلُ بِالجارِّ عَنْ تَأْكِيدِهِ بِضَمِيرِ المُتَّصِلِ في صِحَّةِ العَطْفِ، أيْ فاسْتَقِمْ أنْتَ وهم.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في أُمِرْتَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ابْتِداءً عَلى تَقْدِيرِ: ومَن تابَ مَعَكَ فَلْيَسْتَقِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَجِبُ عَلَيْهِما الرُّجُوعُ عَنِ الكُفْرِ والفِسْقِ، فَفي تِلْكَ الحالَةِ لا يَصِحُّ اشْتِغالُهُما بِالِاسْتِقامَةِ، وأمّا التّائِبُ عَنِ الكُفْرِ والفِسْقِ فَإنَّهُ يَصِحُّ مِنهُ الِاشْتِغالُ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى مَناهِجِ دِينِ اللَّهِ تَعالى، والبَقاءُ عَلى طَرِيقِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ ومَعْنى الطُّغْيانِ أنْ يُجاوِزَ المِقْدارَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: تَواضَعُوا لِلَّهِ تَعالى ولا تَتَكَبَّرُوا عَلى أحَدٍ، وقِيلَ: ولا تَطْغَوْا في القُرْآنِ فَتُحِلُّوا حَرامَهُ وتُحَرِّمُوا حَلالَهُ، وقِيلَ: لا تَتَجاوَزُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وحُدَّ لَكم، وقِيلَ: ولا تَعْدِلُوا عَنْ طَرِيقِ شُكْرِهِ والتَّواضُعِ لَهُ عِنْدَ عِظَمِ نِعَمِهِ عَلَيْكم، والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والرُّكُونُ هو السُّكُونُ إلى الشَّيْءِ والمَيْلُ إلَيْهِ بِالمَحَبَّةِ، ونَقِيضُهُ النُّفُورُ عَنْهُ، وقَرَأ العامَّةُ بِفَتْحِ التّاءِ والكافِ، والماضِي مِن هَذا رَكِنَ كَعَلِمَ
صفحة ٥٨
وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى رَكَنَ يَرْكَنُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: ولَيْسَتْ بِفَصِيحَةٍ، قالَ المُحَقِّقُونَ: الرُّكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو الرِّضا بِما عَلَيْهِ الظَّلَمَةُ مِنَ الظُّلْمِ، وتَحْسِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَزْيِينُها عِنْدَهم وعِنْدَ غَيْرِهِمْ، ومُشارَكَتُهم في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأبْوابِ، فَأمّا مُداخَلَتُهم لِدَفْعِ ضَرَرٍ أوِ اجْتِلابِ مَنفَعَةٍ عاجِلَةٍ فَغَيْرُ داخِلٍ في الرُّكُونِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أيْ أنَّكم إنْ رَكَنْتُمْ إلَيْهِمْ فَهَذِهِ عاقِبَةُ الرُّكُونِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم أوْلِياءُ يُخَلِّصُونَكم مِن عَذابِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ والمُرادُ لا تَجِدُونَ مَن يَنْصُرُكم مِن تِلْكَ الواقِعَةِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ مَن رَكَنَ إلى الظَّلَمَةِ لا بُدَّ وأنْ تَمَسَّهُ النّارُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الظّالِمِ في نَفْسِهِ.
هود 11:113
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في شَرْحِ الوَعْدِ والوَعِيدِ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾
صفحة ٥٧
وهَذِهِ الكَلِمَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالعَقائِدِ والأعْمالِ، سَواءٌ كانَ مُخْتَصًّا بِهِ أوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِتَبْلِيغِ الوَحْيِ وبَيانِ الشَّرائِعِ، ولا شَكَّ أنَّ البَقاءَ عَلى الِاسْتِقامَةِ الحَقِيقِيَّةِ مُشْكِلٌ جِدًّا، وأنا أضْرِبُ لِذَلِكَ مِثالًا يُقَرِّبُ صُعُوبَةَ هَذا المَعْنى إلى العَقْلِ السَّلِيمِ، وهو أنَّ الخَطَّ المُسْتَقِيمَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الظِّلِّ وبَيْنَ الضَّوْءِ جُزْءٌ واحِدٌ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ في العَرْضِ، إلّا أنَّ عَيْنَ ذَلِكَ الخَطِّ مِمّا لا يَتَمَيَّزُ في الحِسِّ عَنْ طَرَفَيْهِ، فَإنَّهُ إذا قَرُبَ طَرَفُ الظِّلِّ مِن طَرَفِ الضَّوْءِ اشْتَبَهَ البَعْضُ بِالبَعْضِ في الحِسِّ، فَلَمْ يَقَعِ الحِسُّ عَلى إدْراكِ ذَلِكَ الخَطِّ بِعَيْنِهِ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا في المِثالِ فاعْرِفْ مِثالَهُ في جَمِيعِ أبْوابِ العُبُودِيَّةِ، فَأوَّلَها: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وتَحْصِيلُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ عَلى وجْهٍ يُبْقِي العَبْدَ مَصُونًا في طَرَفِ الإثْباتِ عَنِ التَّشْبِيهِ وفي طَرَفِ النَّفْيِ عَنِ التَّعْطِيلِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، واعْتَبِرْ سائِرَ مَقاماتِ المَعْرِفَةِ مِن نَفْسِكَ، وأيْضًا فالقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ والقُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ حَصَلَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما طَرَفا إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ، وهُما مَذْمُومانِ، والفاصِلُ هو المُتَوَسِّطُ بَيْنَهُما بِحَيْثُ لا يَمِيلُ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، والوُقُوفُ عَلَيْهِ صَعْبٌ، ثُمَّ العَمَلُ بِهِ أصْعَبُ، فَثَبَتَ أنَّ مَعْرِفَةَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، بِتَقْدِيرِ مَعْرِفَتِهِ، فالبَقاءُ عَلَيْهِ والعَمَلُ بِهِ أصْعَبُ، ولَمّا كانَ هَذا المَقامُ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ لا جَرَمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَمِيعِ القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ ولا أشَقُّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ ولِهَذا قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها» “، وعَنْ بَعْضِهِمْ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في النَّوْمِ، فَقُلْتُ لَهُ: رُوِيَ عَنْكَ أنَّكَ قُلْتَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها ؟ فَقالَ: ”نَعَمْ“، فَقُلْتُ: وبِأيِّ آيَةٍ ؟ فَقالَ: بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ عَظِيمٌ في الشَّرِيعَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ لَمّا ورَدَ بِالأمْرِ بِأعْمالِ الوُضُوءِ مُرَتَّبَةً في اللَّفْظِ، وجَبَ اعْتِبارُ التَّرْتِيبِ فِيها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ ولَمّا ورَدَ الأمْرُ في الزَّكاةِ بِأداءِ الإبِلِ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ مِنَ البَقَرِ - وجَبَ اعْتِبارُها، وكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ورَدَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِ، وعِنْدِي أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ؛ لِأنَّهُ لَمّا دَلَّ عُمُومُ النَّصِّ عَلى حُكْمٍ، وجَبَ الحُكْمُ بِمُقْتَضاهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ والعَمَلُ بِالقِياسِ انْحِرافٌ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: ”مَن“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ﴾ وأغْنى الوَصْلُ بِالجارِّ عَنْ تَأْكِيدِهِ بِضَمِيرِ المُتَّصِلِ في صِحَّةِ العَطْفِ، أيْ فاسْتَقِمْ أنْتَ وهم.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في أُمِرْتَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ابْتِداءً عَلى تَقْدِيرِ: ومَن تابَ مَعَكَ فَلْيَسْتَقِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَجِبُ عَلَيْهِما الرُّجُوعُ عَنِ الكُفْرِ والفِسْقِ، فَفي تِلْكَ الحالَةِ لا يَصِحُّ اشْتِغالُهُما بِالِاسْتِقامَةِ، وأمّا التّائِبُ عَنِ الكُفْرِ والفِسْقِ فَإنَّهُ يَصِحُّ مِنهُ الِاشْتِغالُ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى مَناهِجِ دِينِ اللَّهِ تَعالى، والبَقاءُ عَلى طَرِيقِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ ومَعْنى الطُّغْيانِ أنْ يُجاوِزَ المِقْدارَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: تَواضَعُوا لِلَّهِ تَعالى ولا تَتَكَبَّرُوا عَلى أحَدٍ، وقِيلَ: ولا تَطْغَوْا في القُرْآنِ فَتُحِلُّوا حَرامَهُ وتُحَرِّمُوا حَلالَهُ، وقِيلَ: لا تَتَجاوَزُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وحُدَّ لَكم، وقِيلَ: ولا تَعْدِلُوا عَنْ طَرِيقِ شُكْرِهِ والتَّواضُعِ لَهُ عِنْدَ عِظَمِ نِعَمِهِ عَلَيْكم، والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والرُّكُونُ هو السُّكُونُ إلى الشَّيْءِ والمَيْلُ إلَيْهِ بِالمَحَبَّةِ، ونَقِيضُهُ النُّفُورُ عَنْهُ، وقَرَأ العامَّةُ بِفَتْحِ التّاءِ والكافِ، والماضِي مِن هَذا رَكِنَ كَعَلِمَ
صفحة ٥٨
وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى رَكَنَ يَرْكَنُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: ولَيْسَتْ بِفَصِيحَةٍ، قالَ المُحَقِّقُونَ: الرُّكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو الرِّضا بِما عَلَيْهِ الظَّلَمَةُ مِنَ الظُّلْمِ، وتَحْسِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَزْيِينُها عِنْدَهم وعِنْدَ غَيْرِهِمْ، ومُشارَكَتُهم في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأبْوابِ، فَأمّا مُداخَلَتُهم لِدَفْعِ ضَرَرٍ أوِ اجْتِلابِ مَنفَعَةٍ عاجِلَةٍ فَغَيْرُ داخِلٍ في الرُّكُونِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أيْ أنَّكم إنْ رَكَنْتُمْ إلَيْهِمْ فَهَذِهِ عاقِبَةُ الرُّكُونِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم أوْلِياءُ يُخَلِّصُونَكم مِن عَذابِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ والمُرادُ لا تَجِدُونَ مَن يَنْصُرُكم مِن تِلْكَ الواقِعَةِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ مَن رَكَنَ إلى الظَّلَمَةِ لا بُدَّ وأنْ تَمَسَّهُ النّارُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الظّالِمِ في نَفْسِهِ.
هود 11:114
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ أرْدَفَهُ بِالأمْرِ بِالصَّلاةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أعْظَمَ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ هو الصَّلاةُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رَأيْتُ في بَعْضِ ”كُتُبِ القاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ أنَّ الخَوارِجَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ الواجِبَ لَيْسَ إلّا الفَجْرَ والعِشاءَ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُما واقِعانِ عَلى طَرَفَيِ النَّهارِ، واللَّهُ تَعالى أوْجَبَ إقامَةَ الصَّلاةِ طَرَفَيِ النَّهارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا القَدْرُ كافِيًا.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يُوجِبُ صَلَواتٍ أُخْرى.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ؛ فَإنَّ طَرَفَيِ النَّهارِ مَوْصُوفانِ بِكَوْنِهِما زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، فَإنَّ ما لا يَكُونُ نَهارًا يَكُونُ لَيْلًا، غايَةُ ما في البابِ أنَّ هَذا يَقْتَضِي عَطْفَ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّ مَن صَلّى طَرَفَيِ النَّهارِ كانَ إقامَتُهُما كَفّارَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ سِواهُما، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّ سائِرَ الصَّلَواتِ واجِبَةٌ، إلّا أنَّ إقامَتَهُما يَجِبُ أنْ تَكُونَ كَفّارَةً لِتَرْكِ سائِرِ الصَّلَواتِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَثُرَتِ المَذاهِبُ في تَفْسِيرِ طَرَفَيِ النَّهارِ، والأقْرَبُ أنَّ الصَّلاةَ الَّتِي تُقامُ في طَرَفَيِ النَّهارِ هي الفَجْرُ والعَصْرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ طَرَفَيِ النَّهارِ طُلُوعُ الشَّمْسِ، والطَّرَفُ الثّانِي مِنهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، فالطَّرَفُ الأوَّلُ هو صَلاةُ الفَجْرِ، والطَّرَفُ الثّانِي لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَلاةَ المَغْرِبِ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُ الطَّرَفِ الثّانِي عَلى صَلاةِ العَصْرِ.
صفحة ٥٩
إذا عَرَفْتَ هَذا، كانَتِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أنَّ التَّنْوِيرَ بِالفَجْرِ أفْضَلُ، وفي أنَّ تَأْخِيرَ العَصْرِ أفْضَلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ إقامَةِ الصَّلاةِ في طَرَفَيِ النَّهارِ، وبَيَّنّا أنَّ طَرَفَيِ النَّهارِ هُما الزَّمانُ الأوَّلُ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، والزَّمانُ الثّانِي لِغُرُوبِها، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، فَقَدْ تَعَذَّرَ العَمَلُ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ: أقِمِ الصَّلاةَ في الوَقْتِ الَّذِي يَقْرُبُ مِن طَرَفَيِ النَّهارِ؛ لِأنَّ ما يَقْرُبُ مِنَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ وقْتٍ كانَ أقْرَبَ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وإلى غُرُوبِها كانَ أقْرَبَ إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، وإقامَةُ صَلاةِ الفَجْرِ عِنْدَ التَّنْوِيرِ أقْرَبُ إلى وقْتِ الطُّلُوعِ مِن إقامَتِها عِنْدَ التَّغْلِيسِ، وكَذَلِكَ إقامَةُ صَلاةِ العَصْرِ عِنْدَما يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ أقْرَبُ إلى وقْتِ الغُرُوبِ مِن إقامَتِها عِنْدَما يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، والمَجازُ كُلَّما كانَ أقْرَبَ إلى الحَقِيقَةِ كانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يُقَوِّي قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فَهو يَقْتَضِي الأمْرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في ثَلاثِ زُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ، ولِلْمَغْرِبِ والعِشاءِ وقْتانِ، فَيَجِبُ الحُكْمُ بِوُجُوبِ الوَتْرِ حَتّى يَحْصُلَ زُلَفٌ ثَلاثَةٌ يَجِبُ إيقاعُ الصَّلاةِ فِيها، وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ الوَتْرِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وجَبَ في حَقِّ غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِعَيْنِها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طَهَ: ١٣٠ ] فالَّذِي هو قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هو صَلاةُ الفَجْرِ، والَّذِي هو قَبْلَ غُرُوبِها هو صَلاةُ العَصْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ وهو نَطِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «ما تَقُولُونَ في رَجُلٍ أصابَ مِنَ امْرَأةٍ مُحَرَّمَةٍ كُلَّ ما يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنَ امْرَأتِهِ غَيْرَ الجِماعِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“لِيَتَوَضَّأْ وُضُوءًا حَسَنًا ثُمَّ لِيَقُمْ ولْيُصَلِّ”فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: هَذا لَهُ خاصَّةً ؟ فَقالَ:“بَلْ هو لِلنّاسِ عامَّةً» ”، وقَوْلُهُ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: زُلْفَةٌ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ طائِفَةٌ، والجَمْعُ الزُّلَفُ، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الزُّلْفى، والزُّلْفى هي القُرْبى، يُقالُ: أزْلَفْتُهُ فازْدَلَفْ، أيْ قَرَّبْتُهُ فاقْتَرَبَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”: قُرِئَ“زُلُفًا ”بِضَمَّتَيْنِ، و“زُلْفًا " بِإسْكانِ اللّامِ، وزُلْفى بِوَزْنِ قُرْبى، فالزُّلَفُ جَمْعُ زُلْفَةٍ، كَظُلَمٍ جَمْعُ ظُلْمَةٍ، والزُّلْفُ بِالسُّكُونِ نَحْوُ بُسْرَةٍ وبُسْرٍ، والزُّلُفُ بِضَمَّتَيْنِ نَحْوُ يُسُرٌ في يُسُرٍ، والزُّلْفى بِمَعْنى الزُّلْفَةِ، كَما أنَّ القُرْبى بِمَعْنى القُرْبَةِ، وهو ما يَقْرُبُ مِن آخِرِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وقُرَبًا مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الحَسَناتِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ كَفّاراتٌ لِسائِرِ الذُّنُوبِ بِشَرْطِ الِاجْتِنابِ عَنِ الكَبائِرِ.
والثّانِي: رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الحَسَناتِ هي قَوْلُ العَبْدِ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ المَعْصِيَةَ لا تَضُرُّ مَعَ الإيمانِ - بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ أشْرَفُ الحَسَناتِ وأجَلُّها وأفْضَلُها، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، فالإيمانُ الَّذِي هو أعْلى الحَسَناتِ دَرَجَةً يُذْهِبُ الكُفْرَ الَّذِي هو أعْلى دَرَجَةٍ في العِصْيانِ، فَلَأنْ يَقْوى عَلى المَعْصِيَةِ الَّتِي هي أقَلُّ
صفحة ٦٠
السَّيِّئاتِ دَرَجَةً كانَ أوْلى، فَإنْ لَمْ يُفِدْ إزالَةَ العِقابِ بِالكُلِّيَّةِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُفِيدَ إزالَةَ العَذابِ الدّائِمِ المُؤَبَّدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ إلى آخِرِها ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ وإرْشادٌ لِلْمُسْتَرْشِدِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ قِيلَ: عَلى الصَّلاةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طَه: ١٣٢ ] .