Tafsir Al-Razi — هود 11:115 – يوسف 12:46
المحتويات
- هود 11:115
- هود 11:116
- هود 11:117
- هود 11:118
- هود 11:119
- هود 11:120
- هود 11:121
- هود 11:122
- هود 11:123
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:13
- يوسف 12:14
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:27
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:34
- يوسف 12:35
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:38
- يوسف 12:39
- يوسف 12:40
- يوسف 12:41
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:45
- يوسف 12:46
هود 11:115
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ أرْدَفَهُ بِالأمْرِ بِالصَّلاةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أعْظَمَ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ هو الصَّلاةُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رَأيْتُ في بَعْضِ ”كُتُبِ القاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ أنَّ الخَوارِجَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ الواجِبَ لَيْسَ إلّا الفَجْرَ والعِشاءَ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُما واقِعانِ عَلى طَرَفَيِ النَّهارِ، واللَّهُ تَعالى أوْجَبَ إقامَةَ الصَّلاةِ طَرَفَيِ النَّهارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا القَدْرُ كافِيًا.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يُوجِبُ صَلَواتٍ أُخْرى.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ؛ فَإنَّ طَرَفَيِ النَّهارِ مَوْصُوفانِ بِكَوْنِهِما زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، فَإنَّ ما لا يَكُونُ نَهارًا يَكُونُ لَيْلًا، غايَةُ ما في البابِ أنَّ هَذا يَقْتَضِي عَطْفَ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّ مَن صَلّى طَرَفَيِ النَّهارِ كانَ إقامَتُهُما كَفّارَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ سِواهُما، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّ سائِرَ الصَّلَواتِ واجِبَةٌ، إلّا أنَّ إقامَتَهُما يَجِبُ أنْ تَكُونَ كَفّارَةً لِتَرْكِ سائِرِ الصَّلَواتِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَثُرَتِ المَذاهِبُ في تَفْسِيرِ طَرَفَيِ النَّهارِ، والأقْرَبُ أنَّ الصَّلاةَ الَّتِي تُقامُ في طَرَفَيِ النَّهارِ هي الفَجْرُ والعَصْرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ طَرَفَيِ النَّهارِ طُلُوعُ الشَّمْسِ، والطَّرَفُ الثّانِي مِنهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، فالطَّرَفُ الأوَّلُ هو صَلاةُ الفَجْرِ، والطَّرَفُ الثّانِي لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَلاةَ المَغْرِبِ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُ الطَّرَفِ الثّانِي عَلى صَلاةِ العَصْرِ.
صفحة ٥٩
إذا عَرَفْتَ هَذا، كانَتِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أنَّ التَّنْوِيرَ بِالفَجْرِ أفْضَلُ، وفي أنَّ تَأْخِيرَ العَصْرِ أفْضَلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ إقامَةِ الصَّلاةِ في طَرَفَيِ النَّهارِ، وبَيَّنّا أنَّ طَرَفَيِ النَّهارِ هُما الزَّمانُ الأوَّلُ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، والزَّمانُ الثّانِي لِغُرُوبِها، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، فَقَدْ تَعَذَّرَ العَمَلُ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ: أقِمِ الصَّلاةَ في الوَقْتِ الَّذِي يَقْرُبُ مِن طَرَفَيِ النَّهارِ؛ لِأنَّ ما يَقْرُبُ مِنَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ وقْتٍ كانَ أقْرَبَ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وإلى غُرُوبِها كانَ أقْرَبَ إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، وإقامَةُ صَلاةِ الفَجْرِ عِنْدَ التَّنْوِيرِ أقْرَبُ إلى وقْتِ الطُّلُوعِ مِن إقامَتِها عِنْدَ التَّغْلِيسِ، وكَذَلِكَ إقامَةُ صَلاةِ العَصْرِ عِنْدَما يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ أقْرَبُ إلى وقْتِ الغُرُوبِ مِن إقامَتِها عِنْدَما يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، والمَجازُ كُلَّما كانَ أقْرَبَ إلى الحَقِيقَةِ كانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يُقَوِّي قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فَهو يَقْتَضِي الأمْرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في ثَلاثِ زُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ، ولِلْمَغْرِبِ والعِشاءِ وقْتانِ، فَيَجِبُ الحُكْمُ بِوُجُوبِ الوَتْرِ حَتّى يَحْصُلَ زُلَفٌ ثَلاثَةٌ يَجِبُ إيقاعُ الصَّلاةِ فِيها، وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ الوَتْرِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وجَبَ في حَقِّ غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِعَيْنِها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طَهَ: ١٣٠ ] فالَّذِي هو قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هو صَلاةُ الفَجْرِ، والَّذِي هو قَبْلَ غُرُوبِها هو صَلاةُ العَصْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ وهو نَطِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «ما تَقُولُونَ في رَجُلٍ أصابَ مِنَ امْرَأةٍ مُحَرَّمَةٍ كُلَّ ما يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنَ امْرَأتِهِ غَيْرَ الجِماعِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“لِيَتَوَضَّأْ وُضُوءًا حَسَنًا ثُمَّ لِيَقُمْ ولْيُصَلِّ”فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: هَذا لَهُ خاصَّةً ؟ فَقالَ:“بَلْ هو لِلنّاسِ عامَّةً» ”، وقَوْلُهُ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: زُلْفَةٌ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ طائِفَةٌ، والجَمْعُ الزُّلَفُ، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الزُّلْفى، والزُّلْفى هي القُرْبى، يُقالُ: أزْلَفْتُهُ فازْدَلَفْ، أيْ قَرَّبْتُهُ فاقْتَرَبَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”: قُرِئَ“زُلُفًا ”بِضَمَّتَيْنِ، و“زُلْفًا " بِإسْكانِ اللّامِ، وزُلْفى بِوَزْنِ قُرْبى، فالزُّلَفُ جَمْعُ زُلْفَةٍ، كَظُلَمٍ جَمْعُ ظُلْمَةٍ، والزُّلْفُ بِالسُّكُونِ نَحْوُ بُسْرَةٍ وبُسْرٍ، والزُّلُفُ بِضَمَّتَيْنِ نَحْوُ يُسُرٌ في يُسُرٍ، والزُّلْفى بِمَعْنى الزُّلْفَةِ، كَما أنَّ القُرْبى بِمَعْنى القُرْبَةِ، وهو ما يَقْرُبُ مِن آخِرِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وقُرَبًا مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الحَسَناتِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ كَفّاراتٌ لِسائِرِ الذُّنُوبِ بِشَرْطِ الِاجْتِنابِ عَنِ الكَبائِرِ.
والثّانِي: رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الحَسَناتِ هي قَوْلُ العَبْدِ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ المَعْصِيَةَ لا تَضُرُّ مَعَ الإيمانِ - بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ أشْرَفُ الحَسَناتِ وأجَلُّها وأفْضَلُها، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، فالإيمانُ الَّذِي هو أعْلى الحَسَناتِ دَرَجَةً يُذْهِبُ الكُفْرَ الَّذِي هو أعْلى دَرَجَةٍ في العِصْيانِ، فَلَأنْ يَقْوى عَلى المَعْصِيَةِ الَّتِي هي أقَلُّ
صفحة ٦٠
السَّيِّئاتِ دَرَجَةً كانَ أوْلى، فَإنْ لَمْ يُفِدْ إزالَةَ العِقابِ بِالكُلِّيَّةِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُفِيدَ إزالَةَ العَذابِ الدّائِمِ المُؤَبَّدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ إلى آخِرِها ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ وإرْشادٌ لِلْمُسْتَرْشِدِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ قِيلَ: عَلى الصَّلاةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طَه: ١٣٢ ] .
هود 11:116
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الأُمَمَ المُتَقَدِّمِينَ حَلَّ بِهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، بَيَّنَ أنَّ السَّبَبَ فِيهِ أمْرانِ:
السَّبَبُ الأوَّلُ: أنَّهُ ما كانَ فِيهِمْ قَوْمٌ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ﴾ والمَعْنى: فَهَلّا كانَ، وحُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما كانَ في القُرْآنِ مِن كَلِمَةِ ”لَوْلا“ فَمَعْناهُ هَلّا، إلّا الَّتِي في الصّافّاتِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وما صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ عَنْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ الصّافّاتِ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ [القَلَمِ: ٤٩ ] ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥ ] ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٤ ]، وقَوْلُهُ: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ فالمَعْنى أُولُو فَضْلٍ وخَيْرٍ، وسُمِّيَ الفَضْلُ والجُودُ بَقِيَّةً؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي مِمّا يُخْرِجُهُ أجْوَدَهُ وأفْضَلَهُ، فَصارَ هَذا اللَّفْظُ مَثَلًا في الجَوْدَةِ، يُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ، أيْ مِن خِيارِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهم: في الزَّوايا خَبايا وفي الرِّجالِ بَقايا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ بِمَعْنى البَقْوى، كالتَّقِيَّةِ بِمَعْنى التَّقْوى، أيْ: فَهَلّا كانَ مِنهم ذُو بَقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها مِن سَخَطِ اللَّهِ تَعالى ؟ وقُرِئَ ”أُولُو بُقْيَةٍ“ بِوَزْنِ لُقْيَةٍ، مِن بَقّاهُ يُبَقِّيهِ، إذا راقَبَهُ وانْتَظَرَهُ، والبَقِيَّةُ المَرَّةُ مِن مَصْدَرِهِ، والمَعْنى: فَلَوْلا كانَ مِنهم أُولُو مُراقَبَةٍ وخَشْيَةٍ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ ولا يُمْكِنُ جَعْلُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِأُولِي البَقِيَّةِ في النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ إلّا القَلِيلَ مِنَ النّاجِينَ مِنهم، كَما تَقُولُ: هَلّا قَرَأ قَوْمُكَ القُرْآنَ إلّا الصُّلَحاءَ مِنهم - تُرِيدُ اسْتِثْناءَ الصُّلَحاءِ مِنَ المُرَغَّبِينَ في قِراءَةِ القُرْآنِ. وإذا ثَبَتَ هَذا قُلْنا: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنَ القُرُونِ نَهَوْا عَنِ الفَسادِ وسائِرَهم تارِكُونَ لِلنَّهْيِ.
والسَّبَبُ الثّانِي لِنُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ والتَّرَفُّهُ: النِّعْمَةُ، وصَبِيٌّ مُتْرَفٌ إذا كانَ مُنَعَّمَ البَدَنِ، والمُتْرَفُ الَّذِي أبْطَرَتْهُ النِّعْمَةُ وسَعَةُ المَعِيشَةِ، وأرادَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا تارِكِي النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ، أيْ لَمْ يَهْتَمُّوا بِما هو رُكْنٌ عَظِيمٌ مِن أرْكانِ الدِّينِ، وهو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، واتَّبَعُوا طَلَبَ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ، واشْتَغَلُوا بِتَحْصِيلِ الرِّياساتِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ ”واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أتْرَفُوا“ أيْ واتَّبَعُوا حَرامًا أتْرَفُوا فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ.
هود 11:117
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ ما أهْلَكَ أهْلَ القُرى إلّا بِظُلْمٍ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الظُّلْمِ هَهُنا الشِّرْكُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يُهْلِكُ أهْلَ القُرى بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ إذا كانُوا مُصْلِحِينَ في المُعامَلاتِ فِيما بَيْنَهم، والحاصِلُ أنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ لا يَنْزِلُ لِأجْلِ كَوْنِ القَوْمِ مُعْتَقِدِينَ لِلشِّرْكِ والكُفْرِ، بَلْ إنَّما يَنْزِلُ ذَلِكَ العَذابُ إذا أساءُوا في المُعامَلاتِ وسَعَوْا في الإيذاءِ والظُّلْمِ. ولِهَذا قالَ الفُقَهاءُ إنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعالى مَبْناها عَلى المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ، وحُقُوقَ العِبادِ مَبْناها عَلى الضِّيقِ والشُّحِّ. ويُقالُ في الأثَرِ: المُلْكُ يَبْقى مَعَ الكُفْرِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ، فَمَعْنى الآيَةِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ أيْ لا يُهْلِكُهم بِمُجَرَّدِ شِرْكِهِمْ إذا كانُوا مُصْلِحِينَ، يُعامِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الصَّلاحِ والسَّدادِ. وهَذا تَأْوِيلُ أهْلِ السُّنَّةِ لِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ إنَّما نَزَلَ عَلَيْهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ لَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن إيذاءِ النّاسِ وظُلْمِ الخَلْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ وهو الَّذِي تَخْتارُهُ المُعْتَزِلَةُ: هو أنَّهُ تَعالى لَوْ أهْلَكَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُصْلِحِينَ لَما كانَ مُتَعالِيًا عَنِ الظُّلْمِ فَلا جَرَمَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم لِأجْلِ سُوءِ أفْعالِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ والإجْبارِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ والمُرادُ افْتِراقُ النّاسِ في الأدْيانِ والأخْلاقِ والأفْعالِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اسْتِقْصاءِ مَذاهِبِ العالَمِ في هَذا المَوْضِعِ، ومَن أرادَ ذَلِكَ فَلْيُطالِعْ كِتابَنا الَّذِي سَمَّيْناهُ بِالرِّياضِ المُونِقَةِ، إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا تَقْسِيمًا جامِعًا لِلْمَذاهِبِ، فَنَقُولُ: النّاسُ فَرِيقانِ، مِنهم مَن أقَرَّ بِالعُلُومِ الحِسِّيَّةِ كَعِلْمِنا بِأنَّ النّارَ حارَّةٌ والشَّمْسَ مُضِيئَةٌ، والعُلُومِ البَدِيهِيَّةِ كَعِلْمِنا بِأنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ، ومِنهم مَن أنْكَرَهُما، والمُنْكِرُونَ هُمُ السُّوفِسْطائِيَّةُ، والمُقِرُّونَ هُمُ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن أهْلِ العالَمِ، وهم فَرِيقانِ:
مِنهم مَن سَلَّمَ أنَّهُ يُمْكِنُ تَرْكِيبُ تِلْكَ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ بِحَيْثُ يَسْتَنْتِجُ مِنها نَتائِجَ عِلْمِيَّةً نَظَرِيَّةً، ومِنهم مَن أنْكَرَهُ، وهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أيْضًا النَّظَرَ إلى العُلُومِ، وهم قَلِيلُونَ، والأوَّلُونَ هُمُ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن أهْلِ
صفحة ٦٢
العالَمِ، وهم فَرِيقانِ:
مِنهم مَن لا يُثْبِتُ لِهَذا العالَمِ الجُسْمانِيِّ مَبْدَأً أصْلًا وهُمُ الأقَلُّونَ، ومِنهم مَن يُثْبِتُ لَهُ مَبْدَأً وهَؤُلاءِ فَرِيقانِ: مِنهم مَن يَقُولُ: ذَلِكَ المَبْدَأُ مُوجَبٌ بِالذّاتِ، وهم جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ في هَذا الزَّمانِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ وهم أكْثَرُ أهْلِ العالَمِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ فَرِيقانِ:
مِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ ما أرْسَلَ رَسُولًا إلى العِبادِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ أرْسَلَ الرَّسُولَ، فالأوَّلُونَ هُمُ البَراهِمَةُ، والقِسْمَ الثّانِيَ أرْبابُ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ والنَّصارى واليَهُودُ والمَجُوسُ، وفي كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ اخْتِلافاتٌ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، والعُقُولُ مُضْطَرِبَةٌ، والمَطالِبُ غامِضَةٌ، ومُنازَعاتُ الوَهْمِ والخَيالِ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، ولَمّا حَسُنَ مِن بُقْراطَ أنْ يَقُولَ في صِناعَةِ الطِّبِّ العُمْرُ قَصِيرٌ، والصِّناعَةُ طَوِيلَةٌ، والقَضاءُ عُسْرٌ، والتَّجْرِبَةُ خَطَرٌ، فَلِأنْ يَحْسُنَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ والمَباحِثِ الغامِضَةِ، كانَ ذَلِكَ أوْلى.
فَإنْ قِيلَ: إنَّكم حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ عَلى الِاخْتِلافِ في الأدْيانِ، فَما الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الِاخْتِلافِ في الألْوانِ والألْسِنَةِ والأرْزاقِ والأعْمالِ ؟
قُلْنا: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ فَيَجِبُ حَمْلُ هَذا الِاخْتِلافِ عَلى ما يُخْرِجُهم مِن أنْ يَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً، وما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فَيَجِبُ حَمْلُ هَذا الِاخْتِلافِ عَلى مَعْنًى يَصِحُّ أنْ يُسْتَثْنى مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وذَلِكَ لَيْسَ إلّا ما قُلْنا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهِدايَةَ والإيمانَ لا تَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ زَوالَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن خَصَّهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وتِلْكَ الرَّحْمَةُ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ إعْطاءِ القُدْرَةِ والعَقْلِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، وإزاحَةِ العُذْرِ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ حاصِلٌ في حَقِّ الكُفّارِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: تِلْكَ الرَّحْمَةُ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ فِيهِ تِلْكَ الهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ. قالَ القاضِي مَعْناهُ: إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ بِأنْ يَصِيرَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والثَّوابِ، فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ بِالثَّوابِ، ويَحْتَمِلُ " إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ بِألْطافِهِ، فَصارَ مُؤْمِنًا بِألْطافِهِ وتَسْهِيلِهِ، وهَذانِ الجَوابانِ في غايَةِ الضَّعْفِ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلافَ إنَّما زالَ بِسَبَبِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الرَّحْمَةُ جارِيَةً مَجْرى السَّبَبِ المُتَقَدِّمِ عَلى زَوالِ هَذا الِاخْتِلافِ، والثَّوابُ شَيْءٌ مُتَأخِّرٌ عَنْ زَوالِ هَذا الِاخْتِلافِ، فالِاخْتِلافُ جارٍ مَجْرى المُسَبَّبِ لَهُ، ومَجْرى المَعْلُولِ، فَحَمْلُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ عَلى الثَّوابِ بَعِيدٌ.
وأمّا الثّانِي: وهو حَمْلُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ عَلى الألْطافِ. فَنَقُولُ: جَمِيعُ الألْطافِ الَّتِي فَعَلَها في حَقِّ المُؤْمِنِ فَهي مَفْعُولَةٌ أيْضًا في حَقِّ الكافِرِ، وهَذِهِ الرَّحْمَةُ أمْرٌ اخْتُصَّ بِهِ المُؤْمِنُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ شَيْئًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الألْطافِ، وأيْضًا فَحُصُولُ تِلْكَ الألْطافِ هَلْ يُوجِبُ رُجْحانَ وُجُودِ الإيمانِ عَلى عَدَمِهِ أوْ لا يُوجِبُهُ، فَإنْ لَمْ يُوجِبْهُ كانَ وُجُودُ تِلْكَ الألْطافِ وعَدَمُها بِالنِّسْبَةِ إلى حُصُولِ هَذا المَقْصُودِ سِيّانِ، فَلَمْ يَكُ لُطْفًا فِيهِ، وإنْ أوْجَبَ الرُّجْحانَ فَقَدْ بَيَّنّا في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ أنَّهُ مَتى حَصَلَ الرُّجْحانُ فَقَدْ وجَبَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ حُصُولُ الإيمانِ
صفحة ٦٣
مِنَ اللَّهِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الإيمانِ لا يَكُونُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ، أنَّهُ ما لَمْ يَتَمَيَّزِ الإيمانُ عَنِ الكُفْرِ، والعِلْمُ عَنِ الجَهْلِ، امْتَنَعَ القَصْدُ إلى تَكْوِينِ الإيمانِ والعِلْمِ، وإنَّما يَحْصُلُ هَذا الِامْتِيازُ إذا عُلِمَ كَوْنُ أحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِقادَيْنِ مُطابِقًا لِلْمُعْتَقَدِ وكَوْنُ الآخَرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما يَصِحُّ حُصُولُ هَذا العِلْمِ أنْ لَوْ عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ المُعْتَقَدَ في نَفْسِهِ كَيْفَ يَكُونُ، وهَذا يُوجِبُ أنَّهُ لا يَصِحُّ مِنَ العَبْدِ القَصْدُ إلى تَكْوِينِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ إلّا بَعْدَ أنْ كانَ عالِمًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَكْوِينَ الكائِنِ وتَحْصِيلَ الحاصِلِ وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ زَوالَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ وحُصُولَ العِلْمِ والهِدايَةِ لا يَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وهو المَطْلُوبُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِلرَّحْمَةِ خَلَقَهم، وهَذا اخْتِيارُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ. قالُوا: ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنِ أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى أبْعَدِهِما، وأقْرَبُ المَذْكُورَيْنِ هَهُنا هو الرَّحْمَةُ، والِاخْتِلافُ أبْعَدُهُما.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَهم لِلِاخْتِلافِ وأرادَ مِنهم ذَلِكَ الإيمانَ، لَكانَ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذِّبَهم عَلَيْهِ إذا كانُوا مُطِيعِينَ لَهُ بِذَلِكَ الِاخْتِلافِ.
الثّالِثُ: إذا فَسَّرْنا الآيَةَ بِهَذا المَعْنى، كانَ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [ الذّارِياتِ: ٥٦] .
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ المُرادُ: ولِلرَّحْمَةِ خَلَقَهم لَقالَ: ولِتِلْكَ خَلَقَهم ولَمْ يَقُلْ: ولِذَلِكَ خَلَقَهم.
قُلْنا: إنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، فَكانَ مَحْمُولًا عَلى الفَضْلِ والغُفْرانِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [ الأعْرافِ: ٥٦] .
والقَوْلُ الثّانِي أنَّ المُرادَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم.
والقَوْلُ الثّالِثُ وهو المُخْتارُ: أنَّهُ خَلَقَ أهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ وأهْلَ الِاخْتِلافِ لِلِاخْتِلافِ. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ أهْلَ الرَّحْمَةِ لِئَلّا يَخْتَلِفُوا، وأهْلَ العَذابِ لِأنْ يَخْتَلِفُوا، وخَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها أهْلًا، وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها أهْلًا. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الدَّلائِلُ القاطِعَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ العِلْمَ والجَهْلَ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُما في العَبْدِ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى البَعْضِ بِكَوْنِهِمْ مُخْتَلِفِينَ وعَلى الآخَرِينَ بِأنَّهم مِن أهْلِ الرَّحْمَةِ وعَلِمَ ذَلِكَ امْتَنَعَ انْقِلابُ ذَلِكَ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ أقْوامًا لِلْهِدايَةِ والجَنَّةِ، وأقْوامًا آخَرِينَ لِلضَّلالَةِ والنّارِ، وذَلِكَ يُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ.
هود 11:118
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ ما أهْلَكَ أهْلَ القُرى إلّا بِظُلْمٍ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الظُّلْمِ هَهُنا الشِّرْكُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يُهْلِكُ أهْلَ القُرى بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ إذا كانُوا مُصْلِحِينَ في المُعامَلاتِ فِيما بَيْنَهم، والحاصِلُ أنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ لا يَنْزِلُ لِأجْلِ كَوْنِ القَوْمِ مُعْتَقِدِينَ لِلشِّرْكِ والكُفْرِ، بَلْ إنَّما يَنْزِلُ ذَلِكَ العَذابُ إذا أساءُوا في المُعامَلاتِ وسَعَوْا في الإيذاءِ والظُّلْمِ. ولِهَذا قالَ الفُقَهاءُ إنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعالى مَبْناها عَلى المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ، وحُقُوقَ العِبادِ مَبْناها عَلى الضِّيقِ والشُّحِّ. ويُقالُ في الأثَرِ: المُلْكُ يَبْقى مَعَ الكُفْرِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ، فَمَعْنى الآيَةِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ أيْ لا يُهْلِكُهم بِمُجَرَّدِ شِرْكِهِمْ إذا كانُوا مُصْلِحِينَ، يُعامِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الصَّلاحِ والسَّدادِ. وهَذا تَأْوِيلُ أهْلِ السُّنَّةِ لِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ إنَّما نَزَلَ عَلَيْهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ لَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن إيذاءِ النّاسِ وظُلْمِ الخَلْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ وهو الَّذِي تَخْتارُهُ المُعْتَزِلَةُ: هو أنَّهُ تَعالى لَوْ أهْلَكَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُصْلِحِينَ لَما كانَ مُتَعالِيًا عَنِ الظُّلْمِ فَلا جَرَمَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم لِأجْلِ سُوءِ أفْعالِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ والإجْبارِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ والمُرادُ افْتِراقُ النّاسِ في الأدْيانِ والأخْلاقِ والأفْعالِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اسْتِقْصاءِ مَذاهِبِ العالَمِ في هَذا المَوْضِعِ، ومَن أرادَ ذَلِكَ فَلْيُطالِعْ كِتابَنا الَّذِي سَمَّيْناهُ بِالرِّياضِ المُونِقَةِ، إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا تَقْسِيمًا جامِعًا لِلْمَذاهِبِ، فَنَقُولُ: النّاسُ فَرِيقانِ، مِنهم مَن أقَرَّ بِالعُلُومِ الحِسِّيَّةِ كَعِلْمِنا بِأنَّ النّارَ حارَّةٌ والشَّمْسَ مُضِيئَةٌ، والعُلُومِ البَدِيهِيَّةِ كَعِلْمِنا بِأنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ، ومِنهم مَن أنْكَرَهُما، والمُنْكِرُونَ هُمُ السُّوفِسْطائِيَّةُ، والمُقِرُّونَ هُمُ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن أهْلِ العالَمِ، وهم فَرِيقانِ:
مِنهم مَن سَلَّمَ أنَّهُ يُمْكِنُ تَرْكِيبُ تِلْكَ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ بِحَيْثُ يَسْتَنْتِجُ مِنها نَتائِجَ عِلْمِيَّةً نَظَرِيَّةً، ومِنهم مَن أنْكَرَهُ، وهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أيْضًا النَّظَرَ إلى العُلُومِ، وهم قَلِيلُونَ، والأوَّلُونَ هُمُ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن أهْلِ
صفحة ٦٢
العالَمِ، وهم فَرِيقانِ:
مِنهم مَن لا يُثْبِتُ لِهَذا العالَمِ الجُسْمانِيِّ مَبْدَأً أصْلًا وهُمُ الأقَلُّونَ، ومِنهم مَن يُثْبِتُ لَهُ مَبْدَأً وهَؤُلاءِ فَرِيقانِ: مِنهم مَن يَقُولُ: ذَلِكَ المَبْدَأُ مُوجَبٌ بِالذّاتِ، وهم جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ في هَذا الزَّمانِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ وهم أكْثَرُ أهْلِ العالَمِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ فَرِيقانِ:
مِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ ما أرْسَلَ رَسُولًا إلى العِبادِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ أرْسَلَ الرَّسُولَ، فالأوَّلُونَ هُمُ البَراهِمَةُ، والقِسْمَ الثّانِيَ أرْبابُ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ والنَّصارى واليَهُودُ والمَجُوسُ، وفي كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ اخْتِلافاتٌ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، والعُقُولُ مُضْطَرِبَةٌ، والمَطالِبُ غامِضَةٌ، ومُنازَعاتُ الوَهْمِ والخَيالِ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، ولَمّا حَسُنَ مِن بُقْراطَ أنْ يَقُولَ في صِناعَةِ الطِّبِّ العُمْرُ قَصِيرٌ، والصِّناعَةُ طَوِيلَةٌ، والقَضاءُ عُسْرٌ، والتَّجْرِبَةُ خَطَرٌ، فَلِأنْ يَحْسُنَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ والمَباحِثِ الغامِضَةِ، كانَ ذَلِكَ أوْلى.
فَإنْ قِيلَ: إنَّكم حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ عَلى الِاخْتِلافِ في الأدْيانِ، فَما الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الِاخْتِلافِ في الألْوانِ والألْسِنَةِ والأرْزاقِ والأعْمالِ ؟
قُلْنا: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ فَيَجِبُ حَمْلُ هَذا الِاخْتِلافِ عَلى ما يُخْرِجُهم مِن أنْ يَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً، وما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فَيَجِبُ حَمْلُ هَذا الِاخْتِلافِ عَلى مَعْنًى يَصِحُّ أنْ يُسْتَثْنى مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وذَلِكَ لَيْسَ إلّا ما قُلْنا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهِدايَةَ والإيمانَ لا تَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ زَوالَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن خَصَّهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وتِلْكَ الرَّحْمَةُ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ إعْطاءِ القُدْرَةِ والعَقْلِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، وإزاحَةِ العُذْرِ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ حاصِلٌ في حَقِّ الكُفّارِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: تِلْكَ الرَّحْمَةُ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ فِيهِ تِلْكَ الهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ. قالَ القاضِي مَعْناهُ: إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ بِأنْ يَصِيرَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والثَّوابِ، فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ بِالثَّوابِ، ويَحْتَمِلُ " إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ بِألْطافِهِ، فَصارَ مُؤْمِنًا بِألْطافِهِ وتَسْهِيلِهِ، وهَذانِ الجَوابانِ في غايَةِ الضَّعْفِ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلافَ إنَّما زالَ بِسَبَبِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الرَّحْمَةُ جارِيَةً مَجْرى السَّبَبِ المُتَقَدِّمِ عَلى زَوالِ هَذا الِاخْتِلافِ، والثَّوابُ شَيْءٌ مُتَأخِّرٌ عَنْ زَوالِ هَذا الِاخْتِلافِ، فالِاخْتِلافُ جارٍ مَجْرى المُسَبَّبِ لَهُ، ومَجْرى المَعْلُولِ، فَحَمْلُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ عَلى الثَّوابِ بَعِيدٌ.
وأمّا الثّانِي: وهو حَمْلُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ عَلى الألْطافِ. فَنَقُولُ: جَمِيعُ الألْطافِ الَّتِي فَعَلَها في حَقِّ المُؤْمِنِ فَهي مَفْعُولَةٌ أيْضًا في حَقِّ الكافِرِ، وهَذِهِ الرَّحْمَةُ أمْرٌ اخْتُصَّ بِهِ المُؤْمِنُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ شَيْئًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الألْطافِ، وأيْضًا فَحُصُولُ تِلْكَ الألْطافِ هَلْ يُوجِبُ رُجْحانَ وُجُودِ الإيمانِ عَلى عَدَمِهِ أوْ لا يُوجِبُهُ، فَإنْ لَمْ يُوجِبْهُ كانَ وُجُودُ تِلْكَ الألْطافِ وعَدَمُها بِالنِّسْبَةِ إلى حُصُولِ هَذا المَقْصُودِ سِيّانِ، فَلَمْ يَكُ لُطْفًا فِيهِ، وإنْ أوْجَبَ الرُّجْحانَ فَقَدْ بَيَّنّا في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ أنَّهُ مَتى حَصَلَ الرُّجْحانُ فَقَدْ وجَبَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ حُصُولُ الإيمانِ
صفحة ٦٣
مِنَ اللَّهِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الإيمانِ لا يَكُونُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ، أنَّهُ ما لَمْ يَتَمَيَّزِ الإيمانُ عَنِ الكُفْرِ، والعِلْمُ عَنِ الجَهْلِ، امْتَنَعَ القَصْدُ إلى تَكْوِينِ الإيمانِ والعِلْمِ، وإنَّما يَحْصُلُ هَذا الِامْتِيازُ إذا عُلِمَ كَوْنُ أحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِقادَيْنِ مُطابِقًا لِلْمُعْتَقَدِ وكَوْنُ الآخَرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما يَصِحُّ حُصُولُ هَذا العِلْمِ أنْ لَوْ عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ المُعْتَقَدَ في نَفْسِهِ كَيْفَ يَكُونُ، وهَذا يُوجِبُ أنَّهُ لا يَصِحُّ مِنَ العَبْدِ القَصْدُ إلى تَكْوِينِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ إلّا بَعْدَ أنْ كانَ عالِمًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَكْوِينَ الكائِنِ وتَحْصِيلَ الحاصِلِ وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ زَوالَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ وحُصُولَ العِلْمِ والهِدايَةِ لا يَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وهو المَطْلُوبُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِلرَّحْمَةِ خَلَقَهم، وهَذا اخْتِيارُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ. قالُوا: ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنِ أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى أبْعَدِهِما، وأقْرَبُ المَذْكُورَيْنِ هَهُنا هو الرَّحْمَةُ، والِاخْتِلافُ أبْعَدُهُما.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَهم لِلِاخْتِلافِ وأرادَ مِنهم ذَلِكَ الإيمانَ، لَكانَ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذِّبَهم عَلَيْهِ إذا كانُوا مُطِيعِينَ لَهُ بِذَلِكَ الِاخْتِلافِ.
الثّالِثُ: إذا فَسَّرْنا الآيَةَ بِهَذا المَعْنى، كانَ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [ الذّارِياتِ: ٥٦] .
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ المُرادُ: ولِلرَّحْمَةِ خَلَقَهم لَقالَ: ولِتِلْكَ خَلَقَهم ولَمْ يَقُلْ: ولِذَلِكَ خَلَقَهم.
قُلْنا: إنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، فَكانَ مَحْمُولًا عَلى الفَضْلِ والغُفْرانِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [ الأعْرافِ: ٥٦] .
والقَوْلُ الثّانِي أنَّ المُرادَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم.
والقَوْلُ الثّالِثُ وهو المُخْتارُ: أنَّهُ خَلَقَ أهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ وأهْلَ الِاخْتِلافِ لِلِاخْتِلافِ. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ أهْلَ الرَّحْمَةِ لِئَلّا يَخْتَلِفُوا، وأهْلَ العَذابِ لِأنْ يَخْتَلِفُوا، وخَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها أهْلًا، وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها أهْلًا. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الدَّلائِلُ القاطِعَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ العِلْمَ والجَهْلَ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُما في العَبْدِ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى البَعْضِ بِكَوْنِهِمْ مُخْتَلِفِينَ وعَلى الآخَرِينَ بِأنَّهم مِن أهْلِ الرَّحْمَةِ وعَلِمَ ذَلِكَ امْتَنَعَ انْقِلابُ ذَلِكَ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ أقْوامًا لِلْهِدايَةِ والجَنَّةِ، وأقْوامًا آخَرِينَ لِلضَّلالَةِ والنّارِ، وذَلِكَ يُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ.
هود 11:119
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ ما أهْلَكَ أهْلَ القُرى إلّا بِظُلْمٍ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الظُّلْمِ هَهُنا الشِّرْكُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يُهْلِكُ أهْلَ القُرى بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ إذا كانُوا مُصْلِحِينَ في المُعامَلاتِ فِيما بَيْنَهم، والحاصِلُ أنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ لا يَنْزِلُ لِأجْلِ كَوْنِ القَوْمِ مُعْتَقِدِينَ لِلشِّرْكِ والكُفْرِ، بَلْ إنَّما يَنْزِلُ ذَلِكَ العَذابُ إذا أساءُوا في المُعامَلاتِ وسَعَوْا في الإيذاءِ والظُّلْمِ. ولِهَذا قالَ الفُقَهاءُ إنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعالى مَبْناها عَلى المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ، وحُقُوقَ العِبادِ مَبْناها عَلى الضِّيقِ والشُّحِّ. ويُقالُ في الأثَرِ: المُلْكُ يَبْقى مَعَ الكُفْرِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ، فَمَعْنى الآيَةِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ أيْ لا يُهْلِكُهم بِمُجَرَّدِ شِرْكِهِمْ إذا كانُوا مُصْلِحِينَ، يُعامِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الصَّلاحِ والسَّدادِ. وهَذا تَأْوِيلُ أهْلِ السُّنَّةِ لِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ إنَّما نَزَلَ عَلَيْهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ لَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن إيذاءِ النّاسِ وظُلْمِ الخَلْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ وهو الَّذِي تَخْتارُهُ المُعْتَزِلَةُ: هو أنَّهُ تَعالى لَوْ أهْلَكَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُصْلِحِينَ لَما كانَ مُتَعالِيًا عَنِ الظُّلْمِ فَلا جَرَمَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم لِأجْلِ سُوءِ أفْعالِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ والإجْبارِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ والمُرادُ افْتِراقُ النّاسِ في الأدْيانِ والأخْلاقِ والأفْعالِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اسْتِقْصاءِ مَذاهِبِ العالَمِ في هَذا المَوْضِعِ، ومَن أرادَ ذَلِكَ فَلْيُطالِعْ كِتابَنا الَّذِي سَمَّيْناهُ بِالرِّياضِ المُونِقَةِ، إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا تَقْسِيمًا جامِعًا لِلْمَذاهِبِ، فَنَقُولُ: النّاسُ فَرِيقانِ، مِنهم مَن أقَرَّ بِالعُلُومِ الحِسِّيَّةِ كَعِلْمِنا بِأنَّ النّارَ حارَّةٌ والشَّمْسَ مُضِيئَةٌ، والعُلُومِ البَدِيهِيَّةِ كَعِلْمِنا بِأنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ، ومِنهم مَن أنْكَرَهُما، والمُنْكِرُونَ هُمُ السُّوفِسْطائِيَّةُ، والمُقِرُّونَ هُمُ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن أهْلِ العالَمِ، وهم فَرِيقانِ:
مِنهم مَن سَلَّمَ أنَّهُ يُمْكِنُ تَرْكِيبُ تِلْكَ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ بِحَيْثُ يَسْتَنْتِجُ مِنها نَتائِجَ عِلْمِيَّةً نَظَرِيَّةً، ومِنهم مَن أنْكَرَهُ، وهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أيْضًا النَّظَرَ إلى العُلُومِ، وهم قَلِيلُونَ، والأوَّلُونَ هُمُ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن أهْلِ
صفحة ٦٢
العالَمِ، وهم فَرِيقانِ:
مِنهم مَن لا يُثْبِتُ لِهَذا العالَمِ الجُسْمانِيِّ مَبْدَأً أصْلًا وهُمُ الأقَلُّونَ، ومِنهم مَن يُثْبِتُ لَهُ مَبْدَأً وهَؤُلاءِ فَرِيقانِ: مِنهم مَن يَقُولُ: ذَلِكَ المَبْدَأُ مُوجَبٌ بِالذّاتِ، وهم جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ في هَذا الزَّمانِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ وهم أكْثَرُ أهْلِ العالَمِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ فَرِيقانِ:
مِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ ما أرْسَلَ رَسُولًا إلى العِبادِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ أرْسَلَ الرَّسُولَ، فالأوَّلُونَ هُمُ البَراهِمَةُ، والقِسْمَ الثّانِيَ أرْبابُ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ والنَّصارى واليَهُودُ والمَجُوسُ، وفي كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ اخْتِلافاتٌ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، والعُقُولُ مُضْطَرِبَةٌ، والمَطالِبُ غامِضَةٌ، ومُنازَعاتُ الوَهْمِ والخَيالِ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، ولَمّا حَسُنَ مِن بُقْراطَ أنْ يَقُولَ في صِناعَةِ الطِّبِّ العُمْرُ قَصِيرٌ، والصِّناعَةُ طَوِيلَةٌ، والقَضاءُ عُسْرٌ، والتَّجْرِبَةُ خَطَرٌ، فَلِأنْ يَحْسُنَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ والمَباحِثِ الغامِضَةِ، كانَ ذَلِكَ أوْلى.
فَإنْ قِيلَ: إنَّكم حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ عَلى الِاخْتِلافِ في الأدْيانِ، فَما الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الِاخْتِلافِ في الألْوانِ والألْسِنَةِ والأرْزاقِ والأعْمالِ ؟
قُلْنا: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ فَيَجِبُ حَمْلُ هَذا الِاخْتِلافِ عَلى ما يُخْرِجُهم مِن أنْ يَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً، وما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فَيَجِبُ حَمْلُ هَذا الِاخْتِلافِ عَلى مَعْنًى يَصِحُّ أنْ يُسْتَثْنى مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وذَلِكَ لَيْسَ إلّا ما قُلْنا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهِدايَةَ والإيمانَ لا تَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ زَوالَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن خَصَّهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وتِلْكَ الرَّحْمَةُ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ إعْطاءِ القُدْرَةِ والعَقْلِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، وإزاحَةِ العُذْرِ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ حاصِلٌ في حَقِّ الكُفّارِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: تِلْكَ الرَّحْمَةُ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ فِيهِ تِلْكَ الهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ. قالَ القاضِي مَعْناهُ: إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ بِأنْ يَصِيرَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والثَّوابِ، فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ بِالثَّوابِ، ويَحْتَمِلُ " إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ بِألْطافِهِ، فَصارَ مُؤْمِنًا بِألْطافِهِ وتَسْهِيلِهِ، وهَذانِ الجَوابانِ في غايَةِ الضَّعْفِ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلافَ إنَّما زالَ بِسَبَبِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الرَّحْمَةُ جارِيَةً مَجْرى السَّبَبِ المُتَقَدِّمِ عَلى زَوالِ هَذا الِاخْتِلافِ، والثَّوابُ شَيْءٌ مُتَأخِّرٌ عَنْ زَوالِ هَذا الِاخْتِلافِ، فالِاخْتِلافُ جارٍ مَجْرى المُسَبَّبِ لَهُ، ومَجْرى المَعْلُولِ، فَحَمْلُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ عَلى الثَّوابِ بَعِيدٌ.
وأمّا الثّانِي: وهو حَمْلُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ عَلى الألْطافِ. فَنَقُولُ: جَمِيعُ الألْطافِ الَّتِي فَعَلَها في حَقِّ المُؤْمِنِ فَهي مَفْعُولَةٌ أيْضًا في حَقِّ الكافِرِ، وهَذِهِ الرَّحْمَةُ أمْرٌ اخْتُصَّ بِهِ المُؤْمِنُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ شَيْئًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الألْطافِ، وأيْضًا فَحُصُولُ تِلْكَ الألْطافِ هَلْ يُوجِبُ رُجْحانَ وُجُودِ الإيمانِ عَلى عَدَمِهِ أوْ لا يُوجِبُهُ، فَإنْ لَمْ يُوجِبْهُ كانَ وُجُودُ تِلْكَ الألْطافِ وعَدَمُها بِالنِّسْبَةِ إلى حُصُولِ هَذا المَقْصُودِ سِيّانِ، فَلَمْ يَكُ لُطْفًا فِيهِ، وإنْ أوْجَبَ الرُّجْحانَ فَقَدْ بَيَّنّا في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ أنَّهُ مَتى حَصَلَ الرُّجْحانُ فَقَدْ وجَبَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ حُصُولُ الإيمانِ
صفحة ٦٣
مِنَ اللَّهِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الإيمانِ لا يَكُونُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ، أنَّهُ ما لَمْ يَتَمَيَّزِ الإيمانُ عَنِ الكُفْرِ، والعِلْمُ عَنِ الجَهْلِ، امْتَنَعَ القَصْدُ إلى تَكْوِينِ الإيمانِ والعِلْمِ، وإنَّما يَحْصُلُ هَذا الِامْتِيازُ إذا عُلِمَ كَوْنُ أحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِقادَيْنِ مُطابِقًا لِلْمُعْتَقَدِ وكَوْنُ الآخَرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما يَصِحُّ حُصُولُ هَذا العِلْمِ أنْ لَوْ عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ المُعْتَقَدَ في نَفْسِهِ كَيْفَ يَكُونُ، وهَذا يُوجِبُ أنَّهُ لا يَصِحُّ مِنَ العَبْدِ القَصْدُ إلى تَكْوِينِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ إلّا بَعْدَ أنْ كانَ عالِمًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَكْوِينَ الكائِنِ وتَحْصِيلَ الحاصِلِ وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ زَوالَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ وحُصُولَ العِلْمِ والهِدايَةِ لا يَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وهو المَطْلُوبُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِلرَّحْمَةِ خَلَقَهم، وهَذا اخْتِيارُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ. قالُوا: ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنِ أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى أبْعَدِهِما، وأقْرَبُ المَذْكُورَيْنِ هَهُنا هو الرَّحْمَةُ، والِاخْتِلافُ أبْعَدُهُما.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَهم لِلِاخْتِلافِ وأرادَ مِنهم ذَلِكَ الإيمانَ، لَكانَ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذِّبَهم عَلَيْهِ إذا كانُوا مُطِيعِينَ لَهُ بِذَلِكَ الِاخْتِلافِ.
الثّالِثُ: إذا فَسَّرْنا الآيَةَ بِهَذا المَعْنى، كانَ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [ الذّارِياتِ: ٥٦] .
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ المُرادُ: ولِلرَّحْمَةِ خَلَقَهم لَقالَ: ولِتِلْكَ خَلَقَهم ولَمْ يَقُلْ: ولِذَلِكَ خَلَقَهم.
قُلْنا: إنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، فَكانَ مَحْمُولًا عَلى الفَضْلِ والغُفْرانِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [ الأعْرافِ: ٥٦] .
والقَوْلُ الثّانِي أنَّ المُرادَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم.
والقَوْلُ الثّالِثُ وهو المُخْتارُ: أنَّهُ خَلَقَ أهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ وأهْلَ الِاخْتِلافِ لِلِاخْتِلافِ. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ أهْلَ الرَّحْمَةِ لِئَلّا يَخْتَلِفُوا، وأهْلَ العَذابِ لِأنْ يَخْتَلِفُوا، وخَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها أهْلًا، وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها أهْلًا. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الدَّلائِلُ القاطِعَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ العِلْمَ والجَهْلَ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُما في العَبْدِ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى البَعْضِ بِكَوْنِهِمْ مُخْتَلِفِينَ وعَلى الآخَرِينَ بِأنَّهم مِن أهْلِ الرَّحْمَةِ وعَلِمَ ذَلِكَ امْتَنَعَ انْقِلابُ ذَلِكَ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ أقْوامًا لِلْهِدايَةِ والجَنَّةِ، وأقْوامًا آخَرِينَ لِلضَّلالَةِ والنّارِ، وذَلِكَ يُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ.
هود 11:120
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
صفحة ٦٤
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ القِصَصَ الكَثِيرَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعَيْنِ مِنَ الفائِدَةِ:
الفائِدَةُ الأُولى: تَثْبِيتُ الفُؤادِ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ وعَلى الصَّبْرِ واحْتِمالِ الأذى، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا ابْتُلِيَ بِمِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ فَإذا رَأى لَهُ فِيهِ مُشارِكًا خَفَّ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ، كَما يُقالُ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ، فَإذا سَمِعَ الرَّسُولُ هَذِهِ القِصَصَ، وعَلِمَ أنَّ حالَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَعَ أتْباعِهِمْ هَكَذا، سَهُلَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ الأذى مِن قَوْمِهِ، وأمْكَنَهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ.
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فِي هَذِهِ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: في هَذِهِ السُّورَةِ.
وثانِيها: في هَذِهِ الآيَةِ.
وثالِثُها: في هَذِهِ الدُّنْيا، وهَذا بَعِيدٌ غَيْرُ لائِقٍ بِهَذا المَوْضِعِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَخْصِيصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَجِيءِ الحَقِّ فِيها أنَّ حالَ سائِرِ السُّوَرِ بِخِلافِ ذَلِكَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ الحَقُّ المَذْكُورُ في هَذِهِ السُّورَةِ أكْمَلَ حالًا مِمّا ذُكِرَ في سائِرِ السُّوَرِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ لَكانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْنا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: الحَقُّ والمَوْعِظَةُ والذِّكْرى.
أمّا الحَقُّ: فَهو إشارَةٌ إلى البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ.
وأمّا الذِّكْرى: فَهي إشارَةٌ إلى الإرْشادِ إلى الأعْمالِ الباقِيَةِ الصّالِحَةِ.
وأمّا المَوْعِظَةُ: فَهي إشارَةٌ إلى التَّنْفِيرِ مِنَ الدُّنْيا وتَقْبِيحِ أحْوالِها في الدّارِ الآخِرَةِ، والمُذَكِّرَةُ لِما هُنالِكَ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرُّوحَ إنَّما جاءَ مِن ذَلِكَ العالَمِ إلّا أنَّهُ لِاسْتِغْراقِهِ في مَحَبَّةِ الجَسَدِ في هَذا العالَمِ نَسِيَ أحْوالَ ذَلِكَ العالَمِ، فالكَلامُ الإلَهِيُّ يُذَكِّرُهُ أحْوالَ ذَلِكَ العالَمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ صَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى عَجِيبَةٌ: وهي أنَّ المَعارِفَ الإلَهِيَّةَ لا بُدَّ لَها مِن قابِلٍ ومِن مُوجِبٍ، وقابِلُها هو القَلْبُ، والقَلْبُ ما لَمْ يَكُنْ كامِلَ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ تِلْكَ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والتَّجَلِّياتِ القُدْسِيَّةِ، لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ بِسَماعِ الدَّلائِلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ إصْلاحِ القَلْبِ، وهو تَثْبِيتُ الفُؤادِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ صَلاحَ حالِ القابِلِ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ المُوجِبِ، وهو مَجِيءُ هَذِهِ السُّورَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الحَقِّ والمَوْعِظَةِ والذِّكْرى، وهَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الشَّرَفِ والجَلالَةِ.
هود 11:121
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
صفحة ٦٥
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَلَغَ الغايَةَ في الإعْذارِ والإنْذارِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ قالَ لِلرَّسُولِ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ولَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ هَذِهِ البَياناتُ البالِغَةُ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ وهَذا عَيْنُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَهُ لِقَوْمِهِ، والمَعْنى: افْعَلُوا كُلَّ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ في حَقِّي مِنَ الشَّرِّ، فَنَحْنُ أيْضًا عامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا﴾ وإنْ كانَتْ صِيغَتُهُ صِيغَةَ الأمْرِ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنها التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وانْتَظِرُوا ما يَعِدُكُمُ الشَّيْطانُ مِنَ الخِذْلانِ، فَإنّا مُنْتَظِرُونَ ما وعَدَنا الرَّحْمَنُ مِن أنْواعِ الغُفْرانِ والإحْسانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿وانْتَظِرُوا﴾ الهَلاكَ فَإنّا مُنْتَظِرُونَ لَكُمُ العَذابَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ خاتِمَةً شَرِيفَةً عالِيَةً جامِعَةً لِكُلِّ المَطالِبِ الشَّرِيفَةِ المُقَدَّسَةِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ مَجْمُوعَ ما يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى مَعْرِفَتِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ، وهي: الماضِي والحاضِرُ والمُسْتَقْبَلُ. أمّا الماضِي فَهو أنْ يَعْرِفَ المَوْجُودَ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا قَبْلَهُ، وذَلِكَ المَوْجُودُ المُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ هو الَّذِي نَقَلَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وذَلِكَ هو الإلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ.
واعْلَمْ أنَّ حَقِيقَةَ ذاتِ الإلَهِ وكُنْهَ هَوِيَّتِهِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لِلْبَشَرِ البَتَّةَ، وإنَّما المَعْلُومُ لِلْبَشَرِ صِفاتُهُ، ثُمَّ إنَّ صِفاتِهِ قِسْمانِ: صِفاتُ الجَلالِ، وصِفاتُ الإكْرامِ. أمّا صِفاتُ الجَلالِ، فَهي سُلُوبٌ، كَقَوْلِنا: إنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ ولا جِسْمٍ، ولا كَذا ولا كَذا. وهَذِهِ السُّلُوبُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ صِفاتِ الكَمالِ، لِأنَّ السُّلُوبَ عَدَمٌ، والعَدَمُ المَحْضُ والنَّفْيُ الصِّرْفُ لا كَمالَ فِيهِ، فَقَوْلُنا لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ إنَّما أفادَ الكَمالَ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى العِلْمِ المُحِيطِ الدّائِمِ المُبَرَّأِ عَنِ التَّغَيُّرِ، ولَوْلا ذَلِكَ كانَ عَدَمُ النَّوْمِ لَيْسَ يَدُلُّ عَلى كَمالٍ أصْلًا، ألا تَرى أنَّ المَيِّتَ والجَمادَ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ ! وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] إنَّما أفادَ الجَلالَ والكَمالَ والكِبْرِياءَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] يُفِيدُ كَوْنَهُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ غَنِيًّا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ بَلْ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَثَبَتَ أنَّ صِفاتِ الكَمالِ والعِزِّ والعُلُوِّ هي الصِّفاتُ الثُّبُوتِيَّةُ، وأشْرَفُ الصِّفاتِ الثُّبُوتِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الكَمالِ والجَلالِ صِفَتانِ: العِلْمُ والقُدْرَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَ اللَّهُ تَعالى ذاتَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِهِما في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ والثَّناءِ والمَدْحِ.
أمّا صِفَةُ العِلْمِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمُرادُ أنَّ عِلْمَهُ نافِذٌ في جَمِيعِ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ والمَعْدُوماتِ والمَوْجُوداتِ والحاضِراتِ والغائِباتِ. وتَمامُ البَيانِ والشَّرْحِ في دَلالَةِ هَذا اللَّفْظِ عَلى نِهايَةِ الكَمالِ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] . وأمّا صِفَةُ القُدْرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ والمُرادُ أنَّ مَرْجِعَ الكُلِّ إلَيْهِ، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ مَصْدَرُ الكُلِّ ومَبْدَأُ الكُلِّ هو هو، والَّذِي يَكُونُ مَبْدَأً لِجَمِيعِ المُمْكِناتِ وإلَيْهِ يَكُونُ مَرْجِعُ كُلِّ المُحْدَثاتِ والكائِناتِ، كانَ عَظِيمَ القُدْرَةِ نافِذَ المَشِيئَةِ قَهّارًا لِلْعَدَمِ بِالوُجُودِ والتَّحْصِيلِ، جَبّارًا لَهُ بِالقُوَّةِ والفِعْلِ والتَّكْمِيلِ، فَهَذانِ الوَصْفانِ هُما المَذْكُورانِ في شَرْحِ جَلالِ المَبْدَأِ ونَعْتِ كِبْرِيائِهِ.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ مِنَ المَراتِبِ الَّتِي يَجِبُ عَلى الإنْسانِ كَوْنُهُ عالِمًا بِها: أنْ يَعْرِفَ ما هو مُهِمٌّ لَهُ في زَمانِ حَياتِهِ في الدُّنْيا، وما ذَلِكَ إلّا تَكْمِيلُ النَّفْسِ بِالمَعارِفِ الرُّوحانِيَّةِ والجَلايا القُدْسِيَّةِ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ لَها بِدايَةٌ ونِهايَةٌ. أمّا بِدايَتُها فالِاشْتِغالُ بِالعِباداتِ الجَسَدانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ. أمّا العِباداتُ الجَسَدانِيَّةُ، فَأفْضَلُ الحَرَكاتِ
صفحة ٦٦
الصَّلاةُ، وأكْمَلُ السَّكَناتِ الصِّيامُ، وأنْفَعُ البِرِّ الصَّدَقَةُ.
وأمّا العِبادَةُ الرُّوحانِيَّةُ فَهي: الفِكْرُ، والتَّأمُّلُ في عَجائِبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١] وأمّا نِهايَةُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، فالِانْتِهاءُ مِنَ الأسْبابِ إلى مُسَبِّبِها، وقَطْعُ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ المُمْكِناتِ والمُبْدَعاتِ، وتَوْجِيهُ حَدَقَةِ العَقْلِ إلى نُورِ عالَمِ الجَلالِ، واسْتِغْراقُ الرُّوحِ في أضْواءِ عالَمِ الكِبْرِياءِ، ومَن وصَلَ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ رَأى كُلَّ ما سِواهُ مُهَرْوِلًا تائِهًا في ساحَةِ كِبْرِيائِهِ هالِكًا فانِيًا في فَناءِ سَناءِ أسْمائِهِ.
وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ أوَّلَ دَرَجاتِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى هو عُبُودِيَّةُ اللَّهِ، وآخِرُها التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ .
والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِنَ المَراتِبِ المُهِمَّةِ لِكُلِّ عامِلٍ: مَعْرِفَةُ المُسْتَقْبَلِ، وهو أنَّهُ يَعْرِفُ كَيْفَ يَصِيرُ حالُهُ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَلْ لِأعْمالِهِ أثَرٌ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لا يُضِيعُ طاعاتِ المُطِيعِينَ ولا يُهْمِلُ أحْوالَ المُتَمَرِّدِينَ الجاحِدِينَ، وذَلِكَ بِأنْ يُحْضَرُوا في مَوْقِفِ القِيامَةِ ويُحاسَبُوا عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، ويُعاتَبُوا في الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، ثُمَّ يَحْصُلُ عاقِبَةُ الأمْرِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وافِيَةٌ بِالإشارَةِ إلى جَمِيعِ المَطالِبِ العُلْوِيَّةِ، والمَقاصِدِ القُدْسِيَّةِ، وأنَّهُ لَيْسَ وراءَها لِلْعُقُولِ مُرْتَقًى ولا لِلْخَواطِرِ مُنْتَهًى، واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.
تَمَّتِ السُّورَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ وعَوْنِهِ، وقَدْ وُجِدَ بِخَطِّ المُصَنِّفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في النُّسْخَةِ المُنْتَقِلِ مِنها: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الصُّبْحِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ مِن شَهْرِ رَجَبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ سَنَةَ إحْدى وسِتُّمِائَةٍ، وقَدْ كانَ لِي ولَدٌ صالِحُ السِّيرَةِ فَتُوُفِّيَ في الغُرْبَةِ في عُنْفُوانِ شَبابِهِ، وكانَ قَلْبِي كالمُحْتَرِقِ لِذَلِكَ السَّبَبِ، فَأنا أنْشُدُ اللَّهَ إخْوانِيَ في الدِّينِ وشُرَكائِيَ في طَلَبِ اليَقِينِ وكُلَّ مَن نَظَرَ في هَذا الكِتابِ وانْتَفَعَ بِهِ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الشّابَّ بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ، وأنْ يَذْكُرَ هَذا المِسْكِينَ بِالدُّعاءِ وهو يَقُولُ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] وصَلّى اللَّهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
هود 11:122
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
صفحة ٦٥
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَلَغَ الغايَةَ في الإعْذارِ والإنْذارِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ قالَ لِلرَّسُولِ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ولَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ هَذِهِ البَياناتُ البالِغَةُ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ وهَذا عَيْنُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَهُ لِقَوْمِهِ، والمَعْنى: افْعَلُوا كُلَّ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ في حَقِّي مِنَ الشَّرِّ، فَنَحْنُ أيْضًا عامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا﴾ وإنْ كانَتْ صِيغَتُهُ صِيغَةَ الأمْرِ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنها التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وانْتَظِرُوا ما يَعِدُكُمُ الشَّيْطانُ مِنَ الخِذْلانِ، فَإنّا مُنْتَظِرُونَ ما وعَدَنا الرَّحْمَنُ مِن أنْواعِ الغُفْرانِ والإحْسانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿وانْتَظِرُوا﴾ الهَلاكَ فَإنّا مُنْتَظِرُونَ لَكُمُ العَذابَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ خاتِمَةً شَرِيفَةً عالِيَةً جامِعَةً لِكُلِّ المَطالِبِ الشَّرِيفَةِ المُقَدَّسَةِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ مَجْمُوعَ ما يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى مَعْرِفَتِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ، وهي: الماضِي والحاضِرُ والمُسْتَقْبَلُ. أمّا الماضِي فَهو أنْ يَعْرِفَ المَوْجُودَ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا قَبْلَهُ، وذَلِكَ المَوْجُودُ المُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ هو الَّذِي نَقَلَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وذَلِكَ هو الإلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ.
واعْلَمْ أنَّ حَقِيقَةَ ذاتِ الإلَهِ وكُنْهَ هَوِيَّتِهِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لِلْبَشَرِ البَتَّةَ، وإنَّما المَعْلُومُ لِلْبَشَرِ صِفاتُهُ، ثُمَّ إنَّ صِفاتِهِ قِسْمانِ: صِفاتُ الجَلالِ، وصِفاتُ الإكْرامِ. أمّا صِفاتُ الجَلالِ، فَهي سُلُوبٌ، كَقَوْلِنا: إنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ ولا جِسْمٍ، ولا كَذا ولا كَذا. وهَذِهِ السُّلُوبُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ صِفاتِ الكَمالِ، لِأنَّ السُّلُوبَ عَدَمٌ، والعَدَمُ المَحْضُ والنَّفْيُ الصِّرْفُ لا كَمالَ فِيهِ، فَقَوْلُنا لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ إنَّما أفادَ الكَمالَ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى العِلْمِ المُحِيطِ الدّائِمِ المُبَرَّأِ عَنِ التَّغَيُّرِ، ولَوْلا ذَلِكَ كانَ عَدَمُ النَّوْمِ لَيْسَ يَدُلُّ عَلى كَمالٍ أصْلًا، ألا تَرى أنَّ المَيِّتَ والجَمادَ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ ! وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] إنَّما أفادَ الجَلالَ والكَمالَ والكِبْرِياءَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] يُفِيدُ كَوْنَهُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ غَنِيًّا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ بَلْ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَثَبَتَ أنَّ صِفاتِ الكَمالِ والعِزِّ والعُلُوِّ هي الصِّفاتُ الثُّبُوتِيَّةُ، وأشْرَفُ الصِّفاتِ الثُّبُوتِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الكَمالِ والجَلالِ صِفَتانِ: العِلْمُ والقُدْرَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَ اللَّهُ تَعالى ذاتَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِهِما في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ والثَّناءِ والمَدْحِ.
أمّا صِفَةُ العِلْمِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمُرادُ أنَّ عِلْمَهُ نافِذٌ في جَمِيعِ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ والمَعْدُوماتِ والمَوْجُوداتِ والحاضِراتِ والغائِباتِ. وتَمامُ البَيانِ والشَّرْحِ في دَلالَةِ هَذا اللَّفْظِ عَلى نِهايَةِ الكَمالِ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] . وأمّا صِفَةُ القُدْرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ والمُرادُ أنَّ مَرْجِعَ الكُلِّ إلَيْهِ، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ مَصْدَرُ الكُلِّ ومَبْدَأُ الكُلِّ هو هو، والَّذِي يَكُونُ مَبْدَأً لِجَمِيعِ المُمْكِناتِ وإلَيْهِ يَكُونُ مَرْجِعُ كُلِّ المُحْدَثاتِ والكائِناتِ، كانَ عَظِيمَ القُدْرَةِ نافِذَ المَشِيئَةِ قَهّارًا لِلْعَدَمِ بِالوُجُودِ والتَّحْصِيلِ، جَبّارًا لَهُ بِالقُوَّةِ والفِعْلِ والتَّكْمِيلِ، فَهَذانِ الوَصْفانِ هُما المَذْكُورانِ في شَرْحِ جَلالِ المَبْدَأِ ونَعْتِ كِبْرِيائِهِ.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ مِنَ المَراتِبِ الَّتِي يَجِبُ عَلى الإنْسانِ كَوْنُهُ عالِمًا بِها: أنْ يَعْرِفَ ما هو مُهِمٌّ لَهُ في زَمانِ حَياتِهِ في الدُّنْيا، وما ذَلِكَ إلّا تَكْمِيلُ النَّفْسِ بِالمَعارِفِ الرُّوحانِيَّةِ والجَلايا القُدْسِيَّةِ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ لَها بِدايَةٌ ونِهايَةٌ. أمّا بِدايَتُها فالِاشْتِغالُ بِالعِباداتِ الجَسَدانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ. أمّا العِباداتُ الجَسَدانِيَّةُ، فَأفْضَلُ الحَرَكاتِ
صفحة ٦٦
الصَّلاةُ، وأكْمَلُ السَّكَناتِ الصِّيامُ، وأنْفَعُ البِرِّ الصَّدَقَةُ.
وأمّا العِبادَةُ الرُّوحانِيَّةُ فَهي: الفِكْرُ، والتَّأمُّلُ في عَجائِبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١] وأمّا نِهايَةُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، فالِانْتِهاءُ مِنَ الأسْبابِ إلى مُسَبِّبِها، وقَطْعُ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ المُمْكِناتِ والمُبْدَعاتِ، وتَوْجِيهُ حَدَقَةِ العَقْلِ إلى نُورِ عالَمِ الجَلالِ، واسْتِغْراقُ الرُّوحِ في أضْواءِ عالَمِ الكِبْرِياءِ، ومَن وصَلَ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ رَأى كُلَّ ما سِواهُ مُهَرْوِلًا تائِهًا في ساحَةِ كِبْرِيائِهِ هالِكًا فانِيًا في فَناءِ سَناءِ أسْمائِهِ.
وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ أوَّلَ دَرَجاتِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى هو عُبُودِيَّةُ اللَّهِ، وآخِرُها التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ .
والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِنَ المَراتِبِ المُهِمَّةِ لِكُلِّ عامِلٍ: مَعْرِفَةُ المُسْتَقْبَلِ، وهو أنَّهُ يَعْرِفُ كَيْفَ يَصِيرُ حالُهُ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَلْ لِأعْمالِهِ أثَرٌ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لا يُضِيعُ طاعاتِ المُطِيعِينَ ولا يُهْمِلُ أحْوالَ المُتَمَرِّدِينَ الجاحِدِينَ، وذَلِكَ بِأنْ يُحْضَرُوا في مَوْقِفِ القِيامَةِ ويُحاسَبُوا عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، ويُعاتَبُوا في الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، ثُمَّ يَحْصُلُ عاقِبَةُ الأمْرِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وافِيَةٌ بِالإشارَةِ إلى جَمِيعِ المَطالِبِ العُلْوِيَّةِ، والمَقاصِدِ القُدْسِيَّةِ، وأنَّهُ لَيْسَ وراءَها لِلْعُقُولِ مُرْتَقًى ولا لِلْخَواطِرِ مُنْتَهًى، واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.
تَمَّتِ السُّورَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ وعَوْنِهِ، وقَدْ وُجِدَ بِخَطِّ المُصَنِّفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في النُّسْخَةِ المُنْتَقِلِ مِنها: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الصُّبْحِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ مِن شَهْرِ رَجَبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ سَنَةَ إحْدى وسِتُّمِائَةٍ، وقَدْ كانَ لِي ولَدٌ صالِحُ السِّيرَةِ فَتُوُفِّيَ في الغُرْبَةِ في عُنْفُوانِ شَبابِهِ، وكانَ قَلْبِي كالمُحْتَرِقِ لِذَلِكَ السَّبَبِ، فَأنا أنْشُدُ اللَّهَ إخْوانِيَ في الدِّينِ وشُرَكائِيَ في طَلَبِ اليَقِينِ وكُلَّ مَن نَظَرَ في هَذا الكِتابِ وانْتَفَعَ بِهِ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الشّابَّ بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ، وأنْ يَذْكُرَ هَذا المِسْكِينَ بِالدُّعاءِ وهو يَقُولُ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] وصَلّى اللَّهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
هود 11:123
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
صفحة ٦٥
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَلَغَ الغايَةَ في الإعْذارِ والإنْذارِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ قالَ لِلرَّسُولِ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ولَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ هَذِهِ البَياناتُ البالِغَةُ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ وهَذا عَيْنُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَهُ لِقَوْمِهِ، والمَعْنى: افْعَلُوا كُلَّ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ في حَقِّي مِنَ الشَّرِّ، فَنَحْنُ أيْضًا عامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا﴾ وإنْ كانَتْ صِيغَتُهُ صِيغَةَ الأمْرِ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنها التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وانْتَظِرُوا ما يَعِدُكُمُ الشَّيْطانُ مِنَ الخِذْلانِ، فَإنّا مُنْتَظِرُونَ ما وعَدَنا الرَّحْمَنُ مِن أنْواعِ الغُفْرانِ والإحْسانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿وانْتَظِرُوا﴾ الهَلاكَ فَإنّا مُنْتَظِرُونَ لَكُمُ العَذابَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ خاتِمَةً شَرِيفَةً عالِيَةً جامِعَةً لِكُلِّ المَطالِبِ الشَّرِيفَةِ المُقَدَّسَةِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ مَجْمُوعَ ما يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى مَعْرِفَتِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ، وهي: الماضِي والحاضِرُ والمُسْتَقْبَلُ. أمّا الماضِي فَهو أنْ يَعْرِفَ المَوْجُودَ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا قَبْلَهُ، وذَلِكَ المَوْجُودُ المُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ هو الَّذِي نَقَلَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وذَلِكَ هو الإلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ.
واعْلَمْ أنَّ حَقِيقَةَ ذاتِ الإلَهِ وكُنْهَ هَوِيَّتِهِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لِلْبَشَرِ البَتَّةَ، وإنَّما المَعْلُومُ لِلْبَشَرِ صِفاتُهُ، ثُمَّ إنَّ صِفاتِهِ قِسْمانِ: صِفاتُ الجَلالِ، وصِفاتُ الإكْرامِ. أمّا صِفاتُ الجَلالِ، فَهي سُلُوبٌ، كَقَوْلِنا: إنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ ولا جِسْمٍ، ولا كَذا ولا كَذا. وهَذِهِ السُّلُوبُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ صِفاتِ الكَمالِ، لِأنَّ السُّلُوبَ عَدَمٌ، والعَدَمُ المَحْضُ والنَّفْيُ الصِّرْفُ لا كَمالَ فِيهِ، فَقَوْلُنا لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ إنَّما أفادَ الكَمالَ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى العِلْمِ المُحِيطِ الدّائِمِ المُبَرَّأِ عَنِ التَّغَيُّرِ، ولَوْلا ذَلِكَ كانَ عَدَمُ النَّوْمِ لَيْسَ يَدُلُّ عَلى كَمالٍ أصْلًا، ألا تَرى أنَّ المَيِّتَ والجَمادَ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ ! وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] إنَّما أفادَ الجَلالَ والكَمالَ والكِبْرِياءَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] يُفِيدُ كَوْنَهُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ غَنِيًّا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ بَلْ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَثَبَتَ أنَّ صِفاتِ الكَمالِ والعِزِّ والعُلُوِّ هي الصِّفاتُ الثُّبُوتِيَّةُ، وأشْرَفُ الصِّفاتِ الثُّبُوتِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الكَمالِ والجَلالِ صِفَتانِ: العِلْمُ والقُدْرَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَ اللَّهُ تَعالى ذاتَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِهِما في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ والثَّناءِ والمَدْحِ.
أمّا صِفَةُ العِلْمِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمُرادُ أنَّ عِلْمَهُ نافِذٌ في جَمِيعِ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ والمَعْدُوماتِ والمَوْجُوداتِ والحاضِراتِ والغائِباتِ. وتَمامُ البَيانِ والشَّرْحِ في دَلالَةِ هَذا اللَّفْظِ عَلى نِهايَةِ الكَمالِ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] . وأمّا صِفَةُ القُدْرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ والمُرادُ أنَّ مَرْجِعَ الكُلِّ إلَيْهِ، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ مَصْدَرُ الكُلِّ ومَبْدَأُ الكُلِّ هو هو، والَّذِي يَكُونُ مَبْدَأً لِجَمِيعِ المُمْكِناتِ وإلَيْهِ يَكُونُ مَرْجِعُ كُلِّ المُحْدَثاتِ والكائِناتِ، كانَ عَظِيمَ القُدْرَةِ نافِذَ المَشِيئَةِ قَهّارًا لِلْعَدَمِ بِالوُجُودِ والتَّحْصِيلِ، جَبّارًا لَهُ بِالقُوَّةِ والفِعْلِ والتَّكْمِيلِ، فَهَذانِ الوَصْفانِ هُما المَذْكُورانِ في شَرْحِ جَلالِ المَبْدَأِ ونَعْتِ كِبْرِيائِهِ.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ مِنَ المَراتِبِ الَّتِي يَجِبُ عَلى الإنْسانِ كَوْنُهُ عالِمًا بِها: أنْ يَعْرِفَ ما هو مُهِمٌّ لَهُ في زَمانِ حَياتِهِ في الدُّنْيا، وما ذَلِكَ إلّا تَكْمِيلُ النَّفْسِ بِالمَعارِفِ الرُّوحانِيَّةِ والجَلايا القُدْسِيَّةِ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ لَها بِدايَةٌ ونِهايَةٌ. أمّا بِدايَتُها فالِاشْتِغالُ بِالعِباداتِ الجَسَدانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ. أمّا العِباداتُ الجَسَدانِيَّةُ، فَأفْضَلُ الحَرَكاتِ
صفحة ٦٦
الصَّلاةُ، وأكْمَلُ السَّكَناتِ الصِّيامُ، وأنْفَعُ البِرِّ الصَّدَقَةُ.
وأمّا العِبادَةُ الرُّوحانِيَّةُ فَهي: الفِكْرُ، والتَّأمُّلُ في عَجائِبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١] وأمّا نِهايَةُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، فالِانْتِهاءُ مِنَ الأسْبابِ إلى مُسَبِّبِها، وقَطْعُ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ المُمْكِناتِ والمُبْدَعاتِ، وتَوْجِيهُ حَدَقَةِ العَقْلِ إلى نُورِ عالَمِ الجَلالِ، واسْتِغْراقُ الرُّوحِ في أضْواءِ عالَمِ الكِبْرِياءِ، ومَن وصَلَ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ رَأى كُلَّ ما سِواهُ مُهَرْوِلًا تائِهًا في ساحَةِ كِبْرِيائِهِ هالِكًا فانِيًا في فَناءِ سَناءِ أسْمائِهِ.
وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ أوَّلَ دَرَجاتِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى هو عُبُودِيَّةُ اللَّهِ، وآخِرُها التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ .
والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِنَ المَراتِبِ المُهِمَّةِ لِكُلِّ عامِلٍ: مَعْرِفَةُ المُسْتَقْبَلِ، وهو أنَّهُ يَعْرِفُ كَيْفَ يَصِيرُ حالُهُ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَلْ لِأعْمالِهِ أثَرٌ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لا يُضِيعُ طاعاتِ المُطِيعِينَ ولا يُهْمِلُ أحْوالَ المُتَمَرِّدِينَ الجاحِدِينَ، وذَلِكَ بِأنْ يُحْضَرُوا في مَوْقِفِ القِيامَةِ ويُحاسَبُوا عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، ويُعاتَبُوا في الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، ثُمَّ يَحْصُلُ عاقِبَةُ الأمْرِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وافِيَةٌ بِالإشارَةِ إلى جَمِيعِ المَطالِبِ العُلْوِيَّةِ، والمَقاصِدِ القُدْسِيَّةِ، وأنَّهُ لَيْسَ وراءَها لِلْعُقُولِ مُرْتَقًى ولا لِلْخَواطِرِ مُنْتَهًى، واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.
تَمَّتِ السُّورَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ وعَوْنِهِ، وقَدْ وُجِدَ بِخَطِّ المُصَنِّفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في النُّسْخَةِ المُنْتَقِلِ مِنها: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الصُّبْحِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ مِن شَهْرِ رَجَبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ سَنَةَ إحْدى وسِتُّمِائَةٍ، وقَدْ كانَ لِي ولَدٌ صالِحُ السِّيرَةِ فَتُوُفِّيَ في الغُرْبَةِ في عُنْفُوانِ شَبابِهِ، وكانَ قَلْبِي كالمُحْتَرِقِ لِذَلِكَ السَّبَبِ، فَأنا أنْشُدُ اللَّهَ إخْوانِيَ في الدِّينِ وشُرَكائِيَ في طَلَبِ اليَقِينِ وكُلَّ مَن نَظَرَ في هَذا الكِتابِ وانْتَفَعَ بِهِ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الشّابَّ بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ، وأنْ يَذْكُرَ هَذا المِسْكِينَ بِالدُّعاءِ وهو يَقُولُ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] وصَلّى اللَّهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
يوسف 12:1
صفحة ٦٧
سُورَةُ يُوسُفَ
مَكِّيَّةٌ، إلّا الآياتِ: ١ و٢ و٣ و٧، فَمَدَنِيَّةٌ
وآياتُها: ١١١، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ هُودٍ
﷽
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
﷽
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ .
وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ تَفْسِيرَ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ تِلْكَ الآياتُ الَّتِي أُنْزِلَتْ إلَيْكَ في هَذِهِ السُّورَةِ المُسَمّاةِ ”الر“ هي ﴿آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ وهو القُرْآنُ، وإنَّما وُصِفَ القُرْآنُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ وآيَةٌ بَيِّنَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
والثّانِي: أنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ الهُدى والرُّشْدَ، والحَلالَ والحَرامَ، ولَمّا بُيِّنَتْ هَذِهِ الأشْياءُ فِيهِ كانَ الكِتابُ مُبِينًا لِهَذِهِ الأشْياءِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بُيِّنَتْ فِيهِ قِصَصُ الأوَّلِينَ وشُرِحَتْ فِيهِ أحْوالُ المُتَقَدِّمِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ عُلَماءَ اليَهُودِ قالُوا لِكُبَراءِ المُشْرِكِينَ: سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَ انْتَقَلَ آلُ يَعْقُوبَ مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ، وعَنْ كَيْفِيَّةِ قِصَّةِ يُوسُفَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وذَكَرَ فِيها أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ بِألْفاظٍ عَرَبِيَّةٍ، لِيَتَمَكَّنُوا مِن فَهْمِها ويَقْدِرُوا عَلى تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ بِها. والتَّقْدِيرُ: إنّا أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ الَّذِي فِيهِ قِصَّةُ يُوسُفَ في حالِ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، وسُمِّيَ بَعْضُ القُرْآنِ قُرْآنًا؛ لِأنَّ القُرْآنَ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكُلِّ والبَعْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّ القَدِيمَ لا يَجُوزُ تَنْزِيلُهُ وإنْزالُهُ وتَحْوِيلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، والقَدِيمُ لا يَكُونُ عَرَبِيًّا ولا فارِسِيًّا.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُنْزِلَهُ لا عَرَبِيًّا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِهِ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ يَدُلُّ
صفحة ٦٨
عَلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الآياتِ والكَلِماتِ، وكُلُّ ما كانَ مُرَكَّبًا كانَ مُحْدَثًا.
والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ بِأسْرِها أنْ نَقُولَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ والألْفاظِ والعِباراتِ مُحْدَثٌ وذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَقالَ: كَلِمَةُ ”لَعَلَّ“ يَجِبُ حَمْلُها عَلى الجَزْمِ، والتَّقْدِيرُ: إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوا مَعانِيَهُ في أمْرِ الدِّينِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ الشَّكَّ؛ لِأنَّهُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ أنْزَلَهُ لِإرادَةِ أنْ يَعْرِفُوا دَلائِلَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن كُلِّ العِبادِ أنْ يَعْقِلُوا تَوْحِيدَهُ وأمْرَ دِينِهِ، مَن عَرَفَ مِنهم، ومَن لَمْ يَعْرِفْ، بِخِلافِ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ.
والجَوابُ: هَبْ أنَّ الأمْرَ ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ، وأرادَ مِنهم مَعْرِفَةَ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ، ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ ؟ .
يوسف 12:2
صفحة ٦٧
سُورَةُ يُوسُفَ
مَكِّيَّةٌ، إلّا الآياتِ: ١ و٢ و٣ و٧، فَمَدَنِيَّةٌ
وآياتُها: ١١١، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ هُودٍ
﷽
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
﷽
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ .
وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ تَفْسِيرَ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ تِلْكَ الآياتُ الَّتِي أُنْزِلَتْ إلَيْكَ في هَذِهِ السُّورَةِ المُسَمّاةِ ”الر“ هي ﴿آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ وهو القُرْآنُ، وإنَّما وُصِفَ القُرْآنُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ وآيَةٌ بَيِّنَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
والثّانِي: أنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ الهُدى والرُّشْدَ، والحَلالَ والحَرامَ، ولَمّا بُيِّنَتْ هَذِهِ الأشْياءُ فِيهِ كانَ الكِتابُ مُبِينًا لِهَذِهِ الأشْياءِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بُيِّنَتْ فِيهِ قِصَصُ الأوَّلِينَ وشُرِحَتْ فِيهِ أحْوالُ المُتَقَدِّمِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ عُلَماءَ اليَهُودِ قالُوا لِكُبَراءِ المُشْرِكِينَ: سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَ انْتَقَلَ آلُ يَعْقُوبَ مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ، وعَنْ كَيْفِيَّةِ قِصَّةِ يُوسُفَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وذَكَرَ فِيها أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ بِألْفاظٍ عَرَبِيَّةٍ، لِيَتَمَكَّنُوا مِن فَهْمِها ويَقْدِرُوا عَلى تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ بِها. والتَّقْدِيرُ: إنّا أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ الَّذِي فِيهِ قِصَّةُ يُوسُفَ في حالِ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، وسُمِّيَ بَعْضُ القُرْآنِ قُرْآنًا؛ لِأنَّ القُرْآنَ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكُلِّ والبَعْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّ القَدِيمَ لا يَجُوزُ تَنْزِيلُهُ وإنْزالُهُ وتَحْوِيلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، والقَدِيمُ لا يَكُونُ عَرَبِيًّا ولا فارِسِيًّا.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُنْزِلَهُ لا عَرَبِيًّا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِهِ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ يَدُلُّ
صفحة ٦٨
عَلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الآياتِ والكَلِماتِ، وكُلُّ ما كانَ مُرَكَّبًا كانَ مُحْدَثًا.
والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ بِأسْرِها أنْ نَقُولَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ والألْفاظِ والعِباراتِ مُحْدَثٌ وذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَقالَ: كَلِمَةُ ”لَعَلَّ“ يَجِبُ حَمْلُها عَلى الجَزْمِ، والتَّقْدِيرُ: إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوا مَعانِيَهُ في أمْرِ الدِّينِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ الشَّكَّ؛ لِأنَّهُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ أنْزَلَهُ لِإرادَةِ أنْ يَعْرِفُوا دَلائِلَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن كُلِّ العِبادِ أنْ يَعْقِلُوا تَوْحِيدَهُ وأمْرَ دِينِهِ، مَن عَرَفَ مِنهم، ومَن لَمْ يَعْرِفْ، بِخِلافِ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ.
والجَوابُ: هَبْ أنَّ الأمْرَ ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ، وأرادَ مِنهم مَعْرِفَةَ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ، ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ ؟ .
يوسف 12:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ «أنَّهُ تَعالى لَمّا أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ يَتْلُوهُ عَلى قَوْمِهِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَتَلاها عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: لَوْ حَدَّثْتَنا، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزمر: ٢٣] فَقالُوا: لَوْ ذَكَّرْتَنا، فَنَزَلَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ»﴾ [ الحَدِيدِ: ١٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القَصَصُ إتْباعُ الخَبَرِ بَعْضُهُ بَعْضًا وأصْلُهُ في اللُّغَةِ المُتابَعَةُ، قالَ تَعالى: ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ، وقالَ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] أيِ اتِّباعًا، وإنَّما سُمِّيَتِ الحِكايَةُ قَصَصًا لِأنَّ الَّذِي يَقُصُّ الحَدِيثَ يَذْكُرُ تِلْكَ القِصَّةَ شَيْئًا فَشَيْئًا، كَما يُقالُ تَلا القُرْآنَ إذا قَرَأهُ لِأنَّهُ يَتْلُو أيْ يَتْبَعُ ما حَفِظَ مِنهُ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، والقَصَصُ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الِاقْتِصاصِ، يُقالُ قَصَّ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا إذا طَرَدَهُ وساقَهُ، كَما يُقالُ أرْسَلَهُ يُرْسِلُهُ إرْسالًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِكَ: هَذا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى أيْ مَقْدُورُهُ، وهَذا الكِتابُ عِلْمُ فُلانٍ أيْ مَعْلُومُهُ، وهَذا رَجاؤُنا أيْ مَرْجُوُّنا، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى المَصْدَرِ كانَ المَعْنى نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالحُسْنُ يَعُودُ إلى حُسْنِ البَيانِ لا إلى القِصَّةِ، والمُرادُ مِن هَذا الحُسْنِ كَوْنُ هَذِهِ الألْفاظُ فَصِيحَةً بالِغَةً في الفَصاحَةِ إلى حَدِّ الإعْجازِ، ألا تَرى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ التَّوارِيخِ مَعَ أنَّ شَيْئًا مِنها لا يُشابِهُ هَذِهِ السُّورَةَ في الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى المَفْعُولِ كانَ مَعْنى كَوْنِهِ أحْسَنَ القَصَصِ لِما فِيهِ مِنَ العِبَرِ والنُّكَتِ والحِكَمِ والعَجائِبِ الَّتِي لَيْسَتْ في غَيْرِها، فَإنَّ إحْدى الفَوائِدِ الَّتِي في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّهُ لا دافِعَ لِقَضاءِ
صفحة ٦٩
اللَّهِ تَعالى ولا مانِعَ مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى إذا قَضى لِلْإنْسانِ بِخَيْرٍ ومَكْرُمَةٍ فَلَوْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِهِ.
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: دَلالَتُها عَلى أنَّ الحَسَدَ سَبَبٌ لِلْخِذْلانِ والنُّقْصانِ.
والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الصَّبْرَ مِفْتاحُ الفَرَجِ كَما في حَقِّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا صَبَرَ فازَ بِمَقْصُودِهِ، وكَذَلِكَ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ فالمَعْنى بِوَحْيِنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ، وهَذا التَّقْدِيرُ إنْ جَعَلْنا ”ما“ مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ﴾ يُرِيدُ مِن قَبْلِ أنْ نُوحِيَ إلَيْكَ ﴿لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ أنَّهُ كانَ مِنَ الغافِلِينَ عَنِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ قَبْلَ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [ الشُّورى: ٥٢] .
يوسف 12:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ ياأبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَقْدِيرُ الآيَةِ: اذْكُرْ ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الصَّحِيحُ أنَّهُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَرَبِيًّا لانْصَرَفَ لِخُلُوِّهِ عَنْ سَبَبٍ آخَرَ سِوى التَّعْرِيفِ، وقَرَأ بَعْضُهم ”يُوسِفَ“ بِكَسْرِ السِّينِ ”ويُوسَفَ“ بِفَتْحِها. وأيْضًا رُوِيَ في يُونُسَ هَذِهِ اللُّغاتُ الثَّلاثُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إذا قِيلَ: مَنِ الكَرِيمُ ؟ فَقُولُوا: الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”يا أبَتَ“ بِفَتْحِ التّاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ. أمّا الفَتْحُ فَوَجْهُهُ أنَّهُ كانَ في الأصْلِ ”يا أبَتاهُ“ عَلى سَبِيلِ النُّدْبَةِ، فَحُذِفَتِ الألِفُ والهاءُ. وأمّا الكَسْرُ فَأصْلُهُ يا أبِي، فَحُذِفَتِ الياءُ واكْتُفِيَ بِالكَسْرَةِ عَنْها ثُمَّ أُدْخِلَ هاءُ الوَقْفِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ﴾ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ كَأنَّهُ مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ فَأدْخَلُوا عَلَيْهِ الإضافَةَ، وهَذا قَوْلُ ثَعْلَبٍ وابْنِ الأنْبارِيِّ.
واعْلَمْ أنَّ النَّحْوِيِّينَ طَوَّلُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ، ومَن أرادَ كَلامَهم فَلْيُطالِعْ كُتُبَهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في المَنامِ أنَّ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ سَجَدَتْ لَهُ، وكانَ لَهُ أحَدَ عَشَرَ نَفَرًا مِنَ الإخْوَةِ، فَفَسَّرَ الكَواكِبَ بِالإخْوَةِ، والشَّمْسَ والقَمَرَ بِالأبِ والأُمِّ، والسُّجُودَ بِتَواضُعِهِمْ لَهُ ودُخُولِهِمْ تَحْتَ أمْرِهِ، وإنَّما حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ عَلى الرُّؤْيا لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَواكِبَ لا تَسْجُدُ في الحَقِيقَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى الرُّؤْيا.
والثّانِي: قَوْلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥] وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
صفحة ٧٠
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ساجِدِينَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالعُقَلاءِ، والكَواكِبُ جَماداتٌ، فَكَيْفَ جازَتِ اللَّفْظَةُ المَخْصُوصَةُ بِالعُقَلاءِ في حَقِّ الجَماداتِ ؟ .
قُلْنا: إنَّ جَماعَةً مِنَ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الكَواكِبَ أحْياءٌ ناطِقَةٌ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مُخْتَصٌّ بِالعُقَلاءِ. وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَها بِالسُّجُودِ صارَتْ كَأنَّها تَعْقِلُ، فَأخْبَرَ عَنْها كَما يُخْبِرُ عَمَّنْ يَعْقِلُ كَما قالَ في صِفَةِ الأصْنامِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] وكَما في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [ النَّمْلِ: ١٨] .
السُّؤالُ الثّانِي: قالَ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ ثُمَّ أعادَ لَفْظَ الرُّؤْيا مَرَّةً ثانِيَةً، وقالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟
الجَوابُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ذَكَرَ الرُّؤْيَةَ الأُولى لِتَدُلَّ عَلى أنَّهُ شاهَدَ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، والثّانِيَةَ لِتَدُلَّ عَلى مُشاهَدَةِ كَوْنِها ساجِدَةً لَهُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ رَأيْتَ ؟ فَقالَ: رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ، وقالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِنَ الرُّؤْيَةِ والآخَرُ مِنَ الرُّؤْيا، وهَذا القائِلُ لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ أيَّهُما يُحْمَلُ عَلى الرُّؤْيَةِ وأيَّهُما الرُّؤْيا فَذَكَرَ قَوْلًا مُجْمَلًا غَيْرَ مُبَيَّنٍ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ أخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ؟
قُلْنا: أخَّرَهُما لِفَضْلِهِما عَلى الكَواكِبِ، لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٩٨] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: المُرادُ بِالسُّجُودِ نَفْسُ السُّجُودِ أوِ التَّواضُعُ كَما في قَوْلِهِ:
تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
قُلْنا: كِلاهُما مُحْتَمَلٌ، والأصْلُ في الكَلامِ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ. ولا مانِعَ أنْ يَرى في المَنامِ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ سَجَدَتْ لَهُ.
السُّؤالُ الخامِسُ: مَتى رَأى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الرُّؤْيا ؟
قُلْنا: لا شَكَّ أنَّهُ رَآها حالَ الصِّغَرِ، فَأمّا ذَلِكَ الزَّمانُ بِعَيْنِهِ فَلا يُعْلَمُ إلّا بِالإخْبارِ. قالَ وهْبٌ: رَأى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أنَّ إحْدى عَشْرَةَ عَصًا طِوالًا كانَتْ مَرْكُوزَةً في الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدّائِرَةِ، وإذا عَصًا صَغِيرَةٌ وثَبَتَ عَلَيْها حَتّى ابْتَلَعَتْها، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِأبِيهِ فَقالَ: إيّاكَ أنْ تَذْكُرَ هَذا لِإخْوَتِكَ، ثُمَّ رَأى وهو ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ تَسْجُدُ لَهُ فَقَصَّها عَلى أبِيهِ فَقالَ: لا تَذْكُرْها لَهم فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا. وقِيلَ: كانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ ومَصِيرِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ أرْبَعُونَ سَنَةً وقِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً.
واعْلَمْ أنَّ الحُكَماءَ يَقُولُونَ إنَّ الرُّؤْيا الرَّدِيئَةَ يَظْهَرُ تَعْبِيرُها عَنْ قَرِيبٍ، والرُّؤْيا الجَيِّدَةُ إنَّما يَظْهَرُ تَعْبِيرُها بَعْدَ حِينٍ. قالُوا: والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلَ الإعْلامُ بِوُصُولِ الشَّرِّ إلّا عِنْدَ قُرْبِ وُصُولِهِ حَتّى يَكُونَ الحُزْنُ والغَمُّ أقَلَّ، وأمّا الإعْلامُ بِالخَيْرِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ مُتَقَدِّمًا عَلى ظُهُورِهِ بِزَمانٍ طَوِيلٍ حَتّى
صفحة ٧١
تَكُونَ البَهْجَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ حُصُولِ ذَلِكَ الخَيْرِ أكْثَرَ وأتَمَّ.
السُّؤالُ السّادِسُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أبُوهُ وخالَتُهُ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟
قُلْنا: إنَّما قالُوا ذَلِكَ مِن حَيْثُ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّ والِدَتَهُ تُوُفِّيَتْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ حالَ ما كانَ بِمِصْرَ قالُوا: ولَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أباهُ وأُمَّهُ لَما ماتَتْ لِأنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ وحْيًا، وهَذِهِ الحُجَّةُ غَيْرُ قَوِيَّةٍ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ الأنْبِياءِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: وما تِلْكَ الكَواكِبُ ؟
قُلْنا: رَوى صاحِبُ الكَشّافِ «أنَّ يَهُودِيًّا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنِي عَنِ النُّجُومِ الَّتِي رَآهُنَّ يُوسُفُ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْيَهُودِيِّ: ”إنْ أخْبَرْتُكَ هَلْ تُسْلِمُ ؟“ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ”جَرْبانُ والطّارِقُ والذَّيّالُ وقابِسٌ وعَمُودانُ والفُلَيْقُ والمُصْبِحُ والضَّرُوحُ والفَرْغُ ووَثّابٌ وذُو الكَتِفَيْنِ رَآها يُوسُفُ والشَّمْسُ والقَمَرُ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ وسَجَدَتْ لَهُ“ فَقالَ اليَهُودِيُّ: أيْ واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها» .
واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِن هَذِهِ الأسْماءِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ في صُورَةِ الكَواكِبِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
يوسف 12:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يابُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَفْصٌ ”يا بُنَيَّ“ بِفَتْحِ الياءِ والباقُونَ بِالكَسْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِيُوسُفَ وأخِيهِ فَحَسَدَهُ إخْوَتُهُ لِهَذا السَّبَبِ، وظَهَرَ ذَلِكَ المَعْنى لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأماراتِ الكَثِيرَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الرُّؤْيا وكانَ تَأْوِيلُها أنَّ إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ يَخْضَعُونَ لَهُ فَقالَ: لا تُخْبِرْهم بِرُؤْياكَ فَإنَّهم يَعْرِفُونَ تَأْوِيلَها فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: الرُّؤْيا مَصْدَرٌ كالبُشْرى والسُّقْيا والبُقْيا والشُّورى. إلّا أنَّهُ لَمّا صارَ اسْمًا لِهَذا المُتَخَيَّلِ في المَنامِ جَرى مَجْرى الأسْماءِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الرُّؤْيا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ إلّا أنَّها مُخْتَصَّةٌ
صفحة ٧٢
بِما كانَ مِنها في المَنامِ دُونَ اليَقَظَةِ، فَلا جَرَمَ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِحَرْفَيِ التَّأْنِيثِ، كَما قِيلَ: القُرْبَةُ والقُرْبى. وقُرِئَ ”رُوياكَ“ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا. وسُمِعَ الكِسائِيُّ يَقْرَأُ رُيّاكَ ورِيّاكَ بِالإدْغامِ وضَمِّ الرّاءِ وكَسْرِها وهي ضَعِيفَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ وهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ، والمَعْنى إنْ قَصَصْتَها عَلَيْهِمْ كادُوكَ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ فَيَكِيدُوكَ كَما قالَ: ﴿فَكِيدُونِي﴾ [هود: ٥٥] ؟ .
قُلْنا: هَذِهِ اللّامُ تَأْكِيدٌ لِلصِّلَةِ كَقَوْلِهِ ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾، وكَقَوْلِكَ نَصَحْتُكَ ونَصَحْتُ لَكَ وشَكَرْتُكَ وشَكَرْتُ لَكَ، وقِيلَ هي مِن صِلَةِ الكَيْدِ عَلى مَعْنى فَيَكِيدُوا كَيْدًا لَكَ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ لَهم عِلْمٌ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا وإلّا لَمْ يَعْلَمُوا مِن هَذِهِ الرُّؤْيا ما يُوجِبُ حِقْدًا وغَضَبًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ والسَّبَبُ في هَذا الكَلامِ أنَّهم لَوْ أقْدَمُوا عَلى الكَيْدِ لَكانَ ذَلِكَ مُضافًا إلى الشَّيْطانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ”هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“، ثُمَّ إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَ بِهَذِهِ النَّصِيحَةِ تَعْبِيرَ تِلْكَ الرُّؤْيا، وذَكَرُوا أُمُورًا:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يَعْنِي وكَما اجْتَباكَ بِمِثْلِ هَذِهِ الرُّؤْيا العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ وعِزِّ وكِبَرِ شَأْنٍ كَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ لِأُمُورٍ عِظامٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الِاجْتِباءُ مُشْتَقٌّ مِن جَبَيْتَ الشَّيْءَ إذا خَلَّصْتَهُ لِنَفْسِكَ، ومِنهُ جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الِاجْتِباءِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ بِالنُّبُوَّةِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنهُ إعْلاءُ الدَّرَجَةِ وتَعْظِيمُ المَرْتَبَةِ، فَأمّا تَعْيِينُ النُّبُوَّةِ فَلا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا سَمّاهُ تَأْوِيلًا لِأنَّهُ يُؤَوِّلُ أمْرَهُ إلى ما رَآهُ في المَنامِ، يَعْنِي تَأْوِيلَ أحادِيثِ النّاسِ فِيما يَرَوْنَهُ في مَنامِهِمْ. قالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في عِلْمِ التَّعْبِيرِ غايَةً.
والثّانِي: تَأْوِيلُ الأحادِيثِ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى والأخْبارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، كَما أنَّ الواحِدَ مِن عُلَماءِ زَمانِنا يَشْتَغِلُ بِتَفْسِيرِ القُرْآنِ وتَأْوِيلِهِ، وتَأْوِيلِ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ .
والثّالِثُ: الأحادِيثُ جَمْعُ حَدِيثٍ، والحَدِيثُ هو الحادِثُ، وتَأْوِيلُها مَآلُها، ومَآلُ الحَوادِثِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ وحِكْمَتِهِ، والمُرادُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ كَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِأصْنافِ المَخْلُوقاتِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وجَلالَتِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ مَن فَسَّرَ الِاجْتِباءَ بِالنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُفَسِّرَ إتْمامَ النِّعْمَةِ هَهُنا بِالنُّبُوَّةِ أيْضًا وإلّا لَزِمَ التَّكْرارُ، بَلْ يُفَسَّرُ إتْمامُ النِّعْمَةِ هَهُنا بِسَعاداتِ الدُّنْيا وسَعاداتِ الآخِرَةِ. أمّا سَعاداتُ الدُّنْيا فالإكْثارُ مِنَ الأوْلادِ والخَدَمِ والأتْباعِ والتَّوَسُّعُ في المالِ والجاهِ والحَشَمِ، وإجْلالُهُ في قُلُوبِ الخَلْقِ وحُسْنُ الثَّناءِ والحَمْدِ. وأمّا سَعاداتُ الآخِرَةِ: فالعُلُومُ الكَثِيرَةُ والأخْلاقُ الفاضِلَةُ والِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا مَن فَسَّرَ الِاجْتِباءَ بِنَيْلِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، فَهَهُنا يُفَسِّرُ إتْمامَ النِّعْمَةِ بِالنُّبُوَّةِ ويَتَأكَّدُ هَذا بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ عِبارَةٌ عَمّا بِهِ تَصِيرُ النِّعْمَةُ تامَّةً كامِلَةً خالِيَةً عَنْ جِهاتِ النُّقْصانِ. وما ذاكَ في حَقِّ البَشَرِ إلّا بِالنُّبُوَّةِ، فَإنَّ جَمِيعَ مَناصِبِ الخَلْقِ دُونَ مَنصِبِ الرِّسالَةِ ناقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَمالِ النُّبُوَّةِ، فالكَمالُ المُطْلَقُ والتَّمامُ المُطْلَقُ في حَقِّ البَشَرِ لَيْسَ إلّا النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ النِّعْمَةَ التّامَّةَ الَّتِي بِها حَصَلَ امْتِيازُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ عَنْ سائِرِ البَشَرِ لَيْسَ إلّا النُّبُوَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ هو النُّبُوَّةَ.
صفحة ٧٣
واعْلَمْ أنّا لَمّا فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ بِالنُّبُوَّةِ لَزِمَ الحُكْمُ بِأنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ كُلَّهم كانُوا أنْبِياءَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ وهَذا يَقْتَضِي حُصُولَ تَمامِ النِّعْمَةِ لِآلِ يَعْقُوبَ، فَلَمّا كانَ المُرادُ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ هو النُّبُوَّةَ لَزِمَ حُصُولُها لِآلِ يَعْقُوبَ. تَرَكَ العَمَلَ بِهِ في حَقِّ مَن عَدا أبْناءَهُ فَوَجَبَ أنْ لا يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ أوْلادِهِ. وأيْضًا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وكانَ تَأْوِيلُهُ أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا لَهم فَضْلٌ وكَمالٌ، ويَسْتَضِيءُ بِعِلْمِهِمْ ودِينِهِمْ أهْلُ الأرْضِ، لِأنَّهُ لا شَيْءَ أضْوَأُ مِنَ الكَواكِبِ وبِها يُهْتَدى، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ أوْلادِ يَعْقُوبَ أنْبِياءَ ورُسُلًا.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أنْبِياءَ وقَدْ أقْدَمُوا عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟
قُلْنا: ذاكَ وقَعَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وعِنْدَنا العِصْمَةُ إنَّما تُعْتَبَرُ في وقْتِ النُّبُوَّةِ لا قَبْلَها.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ خَلاصُهُ مِنَ المِحَنِ، ويَكُونُ وجْهُ التَّشْبِيهِ في ذَلِكَ بِإبْراهِيمَ وإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ هو إنْعامُ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ بِإنْجائِهِ مِنَ النّارِ وعَلى ابْنِهِ إسْحاقَ بِتَخْلِيصِهِ مِنَ الذَّبْحِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ هو وصْلُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ بِأنْ جَعَلَهم في الدُّنْيا أنْبِياءَ ومُلُوكًا ونَقَلَهم عَنْها إلى الدَّرَجاتِ العُلى في الجَنَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الصَّحِيحَ هو الأوَّلُ، لِأنَّ النِّعْمَةَ التّامَّةَ في حَقِّ البَشَرِ لَيْسَتْ إلّا النُّبُوَّةَ، وكُلُّ ما سِواها فَهي ناقِصَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها. ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وعَدَهُ بِهَذِهِ الدَّرَجاتِ الثَّلاثَةِ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿عَلِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿حَكِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنِ السَّفَهِ والعَبَثِ، لا يَضَعُ النُّبُوَّةَ إلّا في نَفْسٍ قُدُسِيَّةٍ وجَوْهَرَةٍ مُشْرِقَةٍ عُلْوِيَّةٍ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ البِشاراتُ الَّتِي ذَكَرَها يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ كانَ قاطِعًا بِصِحَّتِها أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ قاطِعًا بِصِحَّتِها، فَكَيْفَ حَزِنَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَيْفَ جازَ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وكَيْفَ خافَ عَلَيْهِ مِن إخْوَتِهِ أنْ يُهْلِكُوهُ، وكَيْفَ قالَ لِإخْوَتِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيَجْتَبِيهِ ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، فَأمّا إذا قُلْنا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ عالِمًا بِصِحَّةِ هَذِهِ الأحْوالِ، فَكَيْفَ قَطَعَ بِها ؟ وكَيْفَ حَكَمَ بِوُقُوعِها حُكْمًا جازِمًا مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ ؟ .
قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ مَشْرُوطًا بِأنْ لا يَكِيدُوهُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قاطِعًا بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيَصِلُ إلى هَذِهِ المَناصِبِ إلّا أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَقَعَ في المَضايِقِ الشَّدِيدَةِ ثُمَّ يَتَخَلَّصُ مِنها ويَصِلُ إلى تِلْكَ المَناصِبِ فَكانَ خَوْفُهُ لِهَذا السَّبَبِ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] الزَّجْرَ عَنِ التَّهاوُنِ في حِفْظِهِ وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ الذِّئْبَ لا يَصِلُ إلَيْهِ.
يوسف 12:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يابُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَفْصٌ ”يا بُنَيَّ“ بِفَتْحِ الياءِ والباقُونَ بِالكَسْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِيُوسُفَ وأخِيهِ فَحَسَدَهُ إخْوَتُهُ لِهَذا السَّبَبِ، وظَهَرَ ذَلِكَ المَعْنى لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأماراتِ الكَثِيرَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الرُّؤْيا وكانَ تَأْوِيلُها أنَّ إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ يَخْضَعُونَ لَهُ فَقالَ: لا تُخْبِرْهم بِرُؤْياكَ فَإنَّهم يَعْرِفُونَ تَأْوِيلَها فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: الرُّؤْيا مَصْدَرٌ كالبُشْرى والسُّقْيا والبُقْيا والشُّورى. إلّا أنَّهُ لَمّا صارَ اسْمًا لِهَذا المُتَخَيَّلِ في المَنامِ جَرى مَجْرى الأسْماءِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الرُّؤْيا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ إلّا أنَّها مُخْتَصَّةٌ
صفحة ٧٢
بِما كانَ مِنها في المَنامِ دُونَ اليَقَظَةِ، فَلا جَرَمَ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِحَرْفَيِ التَّأْنِيثِ، كَما قِيلَ: القُرْبَةُ والقُرْبى. وقُرِئَ ”رُوياكَ“ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا. وسُمِعَ الكِسائِيُّ يَقْرَأُ رُيّاكَ ورِيّاكَ بِالإدْغامِ وضَمِّ الرّاءِ وكَسْرِها وهي ضَعِيفَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ وهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ، والمَعْنى إنْ قَصَصْتَها عَلَيْهِمْ كادُوكَ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ فَيَكِيدُوكَ كَما قالَ: ﴿فَكِيدُونِي﴾ [هود: ٥٥] ؟ .
قُلْنا: هَذِهِ اللّامُ تَأْكِيدٌ لِلصِّلَةِ كَقَوْلِهِ ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾، وكَقَوْلِكَ نَصَحْتُكَ ونَصَحْتُ لَكَ وشَكَرْتُكَ وشَكَرْتُ لَكَ، وقِيلَ هي مِن صِلَةِ الكَيْدِ عَلى مَعْنى فَيَكِيدُوا كَيْدًا لَكَ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ لَهم عِلْمٌ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا وإلّا لَمْ يَعْلَمُوا مِن هَذِهِ الرُّؤْيا ما يُوجِبُ حِقْدًا وغَضَبًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ والسَّبَبُ في هَذا الكَلامِ أنَّهم لَوْ أقْدَمُوا عَلى الكَيْدِ لَكانَ ذَلِكَ مُضافًا إلى الشَّيْطانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ”هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“، ثُمَّ إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَ بِهَذِهِ النَّصِيحَةِ تَعْبِيرَ تِلْكَ الرُّؤْيا، وذَكَرُوا أُمُورًا:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يَعْنِي وكَما اجْتَباكَ بِمِثْلِ هَذِهِ الرُّؤْيا العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ وعِزِّ وكِبَرِ شَأْنٍ كَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ لِأُمُورٍ عِظامٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الِاجْتِباءُ مُشْتَقٌّ مِن جَبَيْتَ الشَّيْءَ إذا خَلَّصْتَهُ لِنَفْسِكَ، ومِنهُ جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الِاجْتِباءِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ بِالنُّبُوَّةِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنهُ إعْلاءُ الدَّرَجَةِ وتَعْظِيمُ المَرْتَبَةِ، فَأمّا تَعْيِينُ النُّبُوَّةِ فَلا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا سَمّاهُ تَأْوِيلًا لِأنَّهُ يُؤَوِّلُ أمْرَهُ إلى ما رَآهُ في المَنامِ، يَعْنِي تَأْوِيلَ أحادِيثِ النّاسِ فِيما يَرَوْنَهُ في مَنامِهِمْ. قالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في عِلْمِ التَّعْبِيرِ غايَةً.
والثّانِي: تَأْوِيلُ الأحادِيثِ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى والأخْبارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، كَما أنَّ الواحِدَ مِن عُلَماءِ زَمانِنا يَشْتَغِلُ بِتَفْسِيرِ القُرْآنِ وتَأْوِيلِهِ، وتَأْوِيلِ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ .
والثّالِثُ: الأحادِيثُ جَمْعُ حَدِيثٍ، والحَدِيثُ هو الحادِثُ، وتَأْوِيلُها مَآلُها، ومَآلُ الحَوادِثِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ وحِكْمَتِهِ، والمُرادُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ كَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِأصْنافِ المَخْلُوقاتِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وجَلالَتِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ مَن فَسَّرَ الِاجْتِباءَ بِالنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُفَسِّرَ إتْمامَ النِّعْمَةِ هَهُنا بِالنُّبُوَّةِ أيْضًا وإلّا لَزِمَ التَّكْرارُ، بَلْ يُفَسَّرُ إتْمامُ النِّعْمَةِ هَهُنا بِسَعاداتِ الدُّنْيا وسَعاداتِ الآخِرَةِ. أمّا سَعاداتُ الدُّنْيا فالإكْثارُ مِنَ الأوْلادِ والخَدَمِ والأتْباعِ والتَّوَسُّعُ في المالِ والجاهِ والحَشَمِ، وإجْلالُهُ في قُلُوبِ الخَلْقِ وحُسْنُ الثَّناءِ والحَمْدِ. وأمّا سَعاداتُ الآخِرَةِ: فالعُلُومُ الكَثِيرَةُ والأخْلاقُ الفاضِلَةُ والِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا مَن فَسَّرَ الِاجْتِباءَ بِنَيْلِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، فَهَهُنا يُفَسِّرُ إتْمامَ النِّعْمَةِ بِالنُّبُوَّةِ ويَتَأكَّدُ هَذا بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ عِبارَةٌ عَمّا بِهِ تَصِيرُ النِّعْمَةُ تامَّةً كامِلَةً خالِيَةً عَنْ جِهاتِ النُّقْصانِ. وما ذاكَ في حَقِّ البَشَرِ إلّا بِالنُّبُوَّةِ، فَإنَّ جَمِيعَ مَناصِبِ الخَلْقِ دُونَ مَنصِبِ الرِّسالَةِ ناقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَمالِ النُّبُوَّةِ، فالكَمالُ المُطْلَقُ والتَّمامُ المُطْلَقُ في حَقِّ البَشَرِ لَيْسَ إلّا النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ النِّعْمَةَ التّامَّةَ الَّتِي بِها حَصَلَ امْتِيازُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ عَنْ سائِرِ البَشَرِ لَيْسَ إلّا النُّبُوَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ هو النُّبُوَّةَ.
صفحة ٧٣
واعْلَمْ أنّا لَمّا فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ بِالنُّبُوَّةِ لَزِمَ الحُكْمُ بِأنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ كُلَّهم كانُوا أنْبِياءَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ وهَذا يَقْتَضِي حُصُولَ تَمامِ النِّعْمَةِ لِآلِ يَعْقُوبَ، فَلَمّا كانَ المُرادُ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ هو النُّبُوَّةَ لَزِمَ حُصُولُها لِآلِ يَعْقُوبَ. تَرَكَ العَمَلَ بِهِ في حَقِّ مَن عَدا أبْناءَهُ فَوَجَبَ أنْ لا يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ أوْلادِهِ. وأيْضًا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وكانَ تَأْوِيلُهُ أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا لَهم فَضْلٌ وكَمالٌ، ويَسْتَضِيءُ بِعِلْمِهِمْ ودِينِهِمْ أهْلُ الأرْضِ، لِأنَّهُ لا شَيْءَ أضْوَأُ مِنَ الكَواكِبِ وبِها يُهْتَدى، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ أوْلادِ يَعْقُوبَ أنْبِياءَ ورُسُلًا.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أنْبِياءَ وقَدْ أقْدَمُوا عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟
قُلْنا: ذاكَ وقَعَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وعِنْدَنا العِصْمَةُ إنَّما تُعْتَبَرُ في وقْتِ النُّبُوَّةِ لا قَبْلَها.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ خَلاصُهُ مِنَ المِحَنِ، ويَكُونُ وجْهُ التَّشْبِيهِ في ذَلِكَ بِإبْراهِيمَ وإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ هو إنْعامُ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ بِإنْجائِهِ مِنَ النّارِ وعَلى ابْنِهِ إسْحاقَ بِتَخْلِيصِهِ مِنَ الذَّبْحِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ هو وصْلُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ بِأنْ جَعَلَهم في الدُّنْيا أنْبِياءَ ومُلُوكًا ونَقَلَهم عَنْها إلى الدَّرَجاتِ العُلى في الجَنَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الصَّحِيحَ هو الأوَّلُ، لِأنَّ النِّعْمَةَ التّامَّةَ في حَقِّ البَشَرِ لَيْسَتْ إلّا النُّبُوَّةَ، وكُلُّ ما سِواها فَهي ناقِصَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها. ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وعَدَهُ بِهَذِهِ الدَّرَجاتِ الثَّلاثَةِ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿عَلِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿حَكِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنِ السَّفَهِ والعَبَثِ، لا يَضَعُ النُّبُوَّةَ إلّا في نَفْسٍ قُدُسِيَّةٍ وجَوْهَرَةٍ مُشْرِقَةٍ عُلْوِيَّةٍ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ البِشاراتُ الَّتِي ذَكَرَها يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ كانَ قاطِعًا بِصِحَّتِها أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ قاطِعًا بِصِحَّتِها، فَكَيْفَ حَزِنَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَيْفَ جازَ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وكَيْفَ خافَ عَلَيْهِ مِن إخْوَتِهِ أنْ يُهْلِكُوهُ، وكَيْفَ قالَ لِإخْوَتِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيَجْتَبِيهِ ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، فَأمّا إذا قُلْنا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ عالِمًا بِصِحَّةِ هَذِهِ الأحْوالِ، فَكَيْفَ قَطَعَ بِها ؟ وكَيْفَ حَكَمَ بِوُقُوعِها حُكْمًا جازِمًا مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ ؟ .
قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ مَشْرُوطًا بِأنْ لا يَكِيدُوهُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قاطِعًا بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيَصِلُ إلى هَذِهِ المَناصِبِ إلّا أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَقَعَ في المَضايِقِ الشَّدِيدَةِ ثُمَّ يَتَخَلَّصُ مِنها ويَصِلُ إلى تِلْكَ المَناصِبِ فَكانَ خَوْفُهُ لِهَذا السَّبَبِ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] الزَّجْرَ عَنِ التَّهاوُنِ في حِفْظِهِ وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ الذِّئْبَ لا يَصِلُ إلَيْهِ.
يوسف 12:7
صفحة ٧٤
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ أسْماءَ إخْوَةِ يُوسُفَ: يَهُودا، رُوبِيلُ، شَمْعُونُ، لاوِي، رَبالُونُ، يَشْجُرُ، دِينَةُ، دانُ، نَفْتالِي، جادُ، آشِرُ. ثُمَّ قالَ: السَّبْعَةُ الأوَّلُونَ مِن لَيا بِنْتِ خالَةِ يَعْقُوبَ، والأرْبَعَةُ الآخَرُونَ مِن سُرِّيَّتَيْنِ؛ زُلْفَةَ وبَلِهَةَ، فَلَمّا تُوُفِّيَتْ لَيا تَزَوَّجَ يَعْقُوبُ أُخْتَها راحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”آيَةٌ“ بِغَيْرِ ألِفٍ حَمَلَهُ عَلى شَأْنِ يُوسُفَ، والباقُونَ ”آياتٌ“ عَلى الجَمْعِ لِأنَّ أُمُورَ يُوسُفَ كانَتْ كَثِيرَةً وكُلُّ واحِدٍ مِنها آيَةٌ بِنَفْسِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «دَخَلَ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَ مِنهُ قِراءَةَ يُوسُفَ فَعادَ إلى اليَهُودِ فَأعْلَمَهم أنَّهُ سَمِعَها مِنهُ كَما هي في التَّوْراةِ، فانْطَلَقَ نَفَرٌ مِنهم فَسَمِعُوا كَما سَمِعَ، فَقالُوا لَهُ: مَن عَلَّمَكَ هَذِهِ القِصَّةَ ؟ فَقالَ: اللَّهُ عَلَّمَنِي، فَنَزَلَ: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ»﴾ وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الآيَةِ أنَّ في واقِعَةِ يُوسُفَ آياتٍ لِلسّائِلِينَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي نَقَلْناهُ ما كانَتِ الآياتُ في قِصَّةِ يُوسُفَ، بَلْ كانَتِ الآياتُ في إخْبارِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْها مِن غَيْرِ سَبْقِ تَعَلُّمٍ ولا مُطالَعَةٍ، وبَيْنَ الكَلامَيْنِ فَرْقٌ ظاهِرٌ.
والثّانِي: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أكْثَرُهم كانُوا أقارِبَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ ويُظْهِرُونَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ مَعَهُ بِسَبَبِ الحَسَدِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ وبَيَّنَ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ بالَغُوا في إيذائِهِ لِأجْلِ الحَسَدِ، وبِالآخِرَةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَرَهُ وقَوّاهُ وجَعَلَهم تَحْتَ يَدِهِ ورايَتِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الواقِعَةِ إذا سَمِعَها العاقِلُ كانَتْ زَجْرًا لَهُ عَنِ الإقْدامِ عَلى الحَسَدِ.
والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا عَبَّرَ رُؤْيا يُوسُفَ وقَعَ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ ودَخَلَ في الوُجُودِ بَعْدَ ثَمانِينَ سَنَةً فَكَذَلِكَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الأعْداءِ، فَإذا تَأخَّرَ ذَلِكَ المَوْعُودُ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كاذِبًا فِيهِ، فَذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ نافِعٌ مِن هَذا الوَجْهِ.
الرّابِعُ: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ بالَغُوا في إبْطالِ أمْرِهِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ كانَ الأمْرُ كَما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لا كَما سَعى فِيهِ الأعْداءُ، فَكَذَلِكَ واقِعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ضَمِنَ لَهُ إعْلاءَ الدَّرَجَةِ لَمْ يَضُرَّهُ سَعْيُ الكُفّارِ في إبْطالِ أمْرِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ فِيها آياتٌ كَثِيرَةٌ لِمَن سَألَ عَنْها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لَيُوسُفُ﴾ اللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، وفِيها تَأْكِيدٌ وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ. أرادُوا أنَّ زِيادَةَ مَحَبَّتِهِ لَهُما أمْرٌ ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. وأخُوهُ هو بِنْيامِينُ، وإنَّما قالُوا أخُوهُ وهم جَمِيعًا إخْوَةٌ؛ لِأنَّ أُمَّهُما كانَتْ واحِدَةً. والعُصْبَةُ والعِصابَةُ العَشَرَةُ فَصاعِدًا، وقِيلَ إلى الأرْبَعِينَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم جَماعَةٌ تُعْصَبُ بِهِمُ الأُمُورُ، ونُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قَرَأ ”ونَحْنُ عُصْبَةً“ بِالنَّصْبِ، قِيلَ: مَعْناهُ ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنهُ بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ قَصَدُوا إيذاءَ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ يُفَضِّلُ
صفحة ٧٥
يُوسُفَ وأخاهُ عَلى سائِرِ الأوْلادِ في الحُبِّ وأنَّهم تَأذَّوْا مِنهُ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا أكْبَرَ سِنًّا مِنهُما.
وثانِيها: أنَّهم كانُوا أكْثَرَ قُوَّةً وأكْثَرَ قِيامًا بِمَصالِحِ الأبِ مِنهُما.
وثالِثُها: أنَّهم قالُوا إنّا نَحْنُ القائِمُونَ بِدَفْعِ المَفاسِدِ والآفاتِ، والمُشْتَغِلُونَ بِتَحْصِيلِ المَنافِعِ والخَيْراتِ.
إذا ثَبَتَ ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِهِمْ مُتَقَدِّمِينَ عَلى يُوسُفَ وأخِيهِ في هَذِهِ الفَضائِلِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُفَضِّلُ يُوسُفَ وأخاهُ عَلَيْهِمْ، لا جَرَمَ قالُوا: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي هَذا حَيْفٌ ظاهِرٌ وضَلالٌ بَيِّنٌ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ مِنَ الأُمُورِ المَعْلُومَةِ أنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِ الأوْلادِ عَلى بَعْضٍ يُورِثُ الحِقْدَ والحَسَدَ، ويُورِثُ الآفاتِ، فَلَمّا كانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِذَلِكَ فَلِمَ أقْدَمَ عَلى هَذا التَّفْضِيلِ ؟ وأيْضًا الأسَنُّ والأعْلَمُ والأنْفَعُ أفْضَلُ، فَلِمَ قَلَبَ هَذِهِ القَضِيَّةَ ؟
والجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فَضَّلَهُما عَلى سائِرِ الأوْلادِ إلّا في المَحَبَّةِ، والمَحَبَّةُ لَيْسَتْ في وُسْعِ البَشَرِ فَكانَ مَعْذُورًا فِيهِ ولا يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَوْمٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِكَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ، وكَيْفَ زَيَّفُوا طَرِيقَتَهُ وطَعَنُوا في فِعْلِهِ ؟ وإنْ كانُوا مُكَذِّبِينَ لِنُبُوَّتِهِ، فَهَذا يُوجِبُ كُفْرَهم.
والجَوابُ: أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِنُبُوَّةِ أبِيهِمْ مُقِرِّينَ بِكَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهم لَعَلَّهم جَوَّزُوا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَفْعَلُوا أفْعالًا مَخْصُوصَةً بِمُجَرَّدِ الِاجْتِهادِ، ثُمَّ إنَّ اجْتِهادَهم أدّى إلى تَخْطِئَةِ أبِيهِمْ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ هُما صَبِيّانِ ما بَلَغا العَقْلَ الكامِلَ ونَحْنُ مُتَقَدِّمُونَ عَلَيْهِما في السِّنِّ والعَقْلِ والكِفايَةِ والمَنفَعَةِ وكَثْرَةِ الخِدْمَةِ والقِيامِ بِالمُهِمّاتِ، وإصْرارُهُ عَلى تَقْدِيمِ يُوسُفَ عَلَيْنا يُخالِفُ هَذا الدَّلِيلَ. وأمّا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَعَلَّهُ كانَ يَقُولُ: زِيادَةُ المَحَبَّةِ لَيْسَتْ في الوُسْعِ والطّاقَةِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ عَلَيَّ فِيهِ تَكْلِيفٌ. وأمّا تَخْصِيصُهُما بِمَزِيدِ البِرِّ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ أُمَّهُما ماتَتْ وهُما صِغارٌ.
وثانِيها: لِأنَّهُ كانَ يَرى فِيهِ مِن آثارِ الرُّشْدِ والنَّجابَةِ ما لَمْ يَجِدْ في سائِرِ الأوْلادِ.
وثالِثُها: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ صَغِيرًا إلّا أنَّهُ كانَ يَخْدِمُ أباهُ بِأنْواعٍ مِنَ الخِدَمِ أشْرَفَ وأعْلى بِما كانَ يَصْدُرُ عَنْ سائِرِ الأوْلادِ.
والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ كانَتِ اجْتِهادِيَّةً، وكانَتْ مَخْلُوطَةً بِمَيْلِ النَّفْسِ ومُوجِباتِ الفِطْرَةِ، فَلا يَلْزَمُ مِن وُقُوعِ الِاخْتِلافِ فِيها طَعْنُ أحَدِ الخَصْمَيْنِ في دِينِ الآخَرِ أوْ في عِرْضِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهم نَسَبُوا أباهم إلى الضَّلالِ المُبِينِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الذَّمِّ والطَّعْنِ، ومَن بالَغَ في الطَّعْنِ في الرَّسُولِ كَفَرَ، لا سِيَّما إذا كانَ الطّاعِنُ ولَدًا فَإنَّ حَقَّ الأُبُوَّةِ يُوجِبُ مَزِيدَ التَّعْظِيمِ.
والجَوابُ: المُرادُ مِنهُ الضَّلالُ عَنْ رِعايَةِ المَصالِحِ في الدُّنْيا لا البُعْدُ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهم: ﴿لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا﴾ مَحْضُ الحَسَدِ، والحَسَدُ مِن أُمَّهاتِ الكَبائِرِ، لا سِيَّما وقَدْ أقْدَمُوا عَلى الكَذِبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحَسَدِ، وعَلى تَضْيِيعِ ذَلِكَ الأخِ الصّالِحِ وإلْقائِهِ في ذُلِّ العُبُودِيَّةِ وتَبْعِيدِهِ عَنِ الأبِ المُشْفِقِ، وألْقَوْا أباهم في الحُزْنِ الدّائِمِ والأسَفِ العَظِيمِ، وأقْدَمُوا عَلى الكَذِبِ فَما بَقِيَتْ خَصْلَةٌ مَذْمُومَةٌ ولا طَرِيقَةٌ في الشَّرِّ والفَسادِ إلّا وقَدْ أتَوْا بِها، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْدَحُ في العِصْمَةِ والنُّبُوَّةِ.
والجَوابُ: الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ، إلّا أنَّ المُعْتَبَرَ عِنْدَنا عِصْمَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في وقْتِ حُصُولِ النُّبُوَّةِ. وأمّا قَبْلَها فَذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:8
صفحة ٧٤
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ أسْماءَ إخْوَةِ يُوسُفَ: يَهُودا، رُوبِيلُ، شَمْعُونُ، لاوِي، رَبالُونُ، يَشْجُرُ، دِينَةُ، دانُ، نَفْتالِي، جادُ، آشِرُ. ثُمَّ قالَ: السَّبْعَةُ الأوَّلُونَ مِن لَيا بِنْتِ خالَةِ يَعْقُوبَ، والأرْبَعَةُ الآخَرُونَ مِن سُرِّيَّتَيْنِ؛ زُلْفَةَ وبَلِهَةَ، فَلَمّا تُوُفِّيَتْ لَيا تَزَوَّجَ يَعْقُوبُ أُخْتَها راحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”آيَةٌ“ بِغَيْرِ ألِفٍ حَمَلَهُ عَلى شَأْنِ يُوسُفَ، والباقُونَ ”آياتٌ“ عَلى الجَمْعِ لِأنَّ أُمُورَ يُوسُفَ كانَتْ كَثِيرَةً وكُلُّ واحِدٍ مِنها آيَةٌ بِنَفْسِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «دَخَلَ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَ مِنهُ قِراءَةَ يُوسُفَ فَعادَ إلى اليَهُودِ فَأعْلَمَهم أنَّهُ سَمِعَها مِنهُ كَما هي في التَّوْراةِ، فانْطَلَقَ نَفَرٌ مِنهم فَسَمِعُوا كَما سَمِعَ، فَقالُوا لَهُ: مَن عَلَّمَكَ هَذِهِ القِصَّةَ ؟ فَقالَ: اللَّهُ عَلَّمَنِي، فَنَزَلَ: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ»﴾ وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الآيَةِ أنَّ في واقِعَةِ يُوسُفَ آياتٍ لِلسّائِلِينَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي نَقَلْناهُ ما كانَتِ الآياتُ في قِصَّةِ يُوسُفَ، بَلْ كانَتِ الآياتُ في إخْبارِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْها مِن غَيْرِ سَبْقِ تَعَلُّمٍ ولا مُطالَعَةٍ، وبَيْنَ الكَلامَيْنِ فَرْقٌ ظاهِرٌ.
والثّانِي: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أكْثَرُهم كانُوا أقارِبَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ ويُظْهِرُونَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ مَعَهُ بِسَبَبِ الحَسَدِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ وبَيَّنَ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ بالَغُوا في إيذائِهِ لِأجْلِ الحَسَدِ، وبِالآخِرَةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَرَهُ وقَوّاهُ وجَعَلَهم تَحْتَ يَدِهِ ورايَتِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الواقِعَةِ إذا سَمِعَها العاقِلُ كانَتْ زَجْرًا لَهُ عَنِ الإقْدامِ عَلى الحَسَدِ.
والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا عَبَّرَ رُؤْيا يُوسُفَ وقَعَ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ ودَخَلَ في الوُجُودِ بَعْدَ ثَمانِينَ سَنَةً فَكَذَلِكَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الأعْداءِ، فَإذا تَأخَّرَ ذَلِكَ المَوْعُودُ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كاذِبًا فِيهِ، فَذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ نافِعٌ مِن هَذا الوَجْهِ.
الرّابِعُ: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ بالَغُوا في إبْطالِ أمْرِهِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ كانَ الأمْرُ كَما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لا كَما سَعى فِيهِ الأعْداءُ، فَكَذَلِكَ واقِعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ضَمِنَ لَهُ إعْلاءَ الدَّرَجَةِ لَمْ يَضُرَّهُ سَعْيُ الكُفّارِ في إبْطالِ أمْرِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ فِيها آياتٌ كَثِيرَةٌ لِمَن سَألَ عَنْها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لَيُوسُفُ﴾ اللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، وفِيها تَأْكِيدٌ وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ. أرادُوا أنَّ زِيادَةَ مَحَبَّتِهِ لَهُما أمْرٌ ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. وأخُوهُ هو بِنْيامِينُ، وإنَّما قالُوا أخُوهُ وهم جَمِيعًا إخْوَةٌ؛ لِأنَّ أُمَّهُما كانَتْ واحِدَةً. والعُصْبَةُ والعِصابَةُ العَشَرَةُ فَصاعِدًا، وقِيلَ إلى الأرْبَعِينَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم جَماعَةٌ تُعْصَبُ بِهِمُ الأُمُورُ، ونُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قَرَأ ”ونَحْنُ عُصْبَةً“ بِالنَّصْبِ، قِيلَ: مَعْناهُ ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنهُ بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ قَصَدُوا إيذاءَ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ يُفَضِّلُ
صفحة ٧٥
يُوسُفَ وأخاهُ عَلى سائِرِ الأوْلادِ في الحُبِّ وأنَّهم تَأذَّوْا مِنهُ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا أكْبَرَ سِنًّا مِنهُما.
وثانِيها: أنَّهم كانُوا أكْثَرَ قُوَّةً وأكْثَرَ قِيامًا بِمَصالِحِ الأبِ مِنهُما.
وثالِثُها: أنَّهم قالُوا إنّا نَحْنُ القائِمُونَ بِدَفْعِ المَفاسِدِ والآفاتِ، والمُشْتَغِلُونَ بِتَحْصِيلِ المَنافِعِ والخَيْراتِ.
إذا ثَبَتَ ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِهِمْ مُتَقَدِّمِينَ عَلى يُوسُفَ وأخِيهِ في هَذِهِ الفَضائِلِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُفَضِّلُ يُوسُفَ وأخاهُ عَلَيْهِمْ، لا جَرَمَ قالُوا: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي هَذا حَيْفٌ ظاهِرٌ وضَلالٌ بَيِّنٌ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ مِنَ الأُمُورِ المَعْلُومَةِ أنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِ الأوْلادِ عَلى بَعْضٍ يُورِثُ الحِقْدَ والحَسَدَ، ويُورِثُ الآفاتِ، فَلَمّا كانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِذَلِكَ فَلِمَ أقْدَمَ عَلى هَذا التَّفْضِيلِ ؟ وأيْضًا الأسَنُّ والأعْلَمُ والأنْفَعُ أفْضَلُ، فَلِمَ قَلَبَ هَذِهِ القَضِيَّةَ ؟
والجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فَضَّلَهُما عَلى سائِرِ الأوْلادِ إلّا في المَحَبَّةِ، والمَحَبَّةُ لَيْسَتْ في وُسْعِ البَشَرِ فَكانَ مَعْذُورًا فِيهِ ولا يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَوْمٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِكَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ، وكَيْفَ زَيَّفُوا طَرِيقَتَهُ وطَعَنُوا في فِعْلِهِ ؟ وإنْ كانُوا مُكَذِّبِينَ لِنُبُوَّتِهِ، فَهَذا يُوجِبُ كُفْرَهم.
والجَوابُ: أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِنُبُوَّةِ أبِيهِمْ مُقِرِّينَ بِكَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهم لَعَلَّهم جَوَّزُوا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَفْعَلُوا أفْعالًا مَخْصُوصَةً بِمُجَرَّدِ الِاجْتِهادِ، ثُمَّ إنَّ اجْتِهادَهم أدّى إلى تَخْطِئَةِ أبِيهِمْ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ هُما صَبِيّانِ ما بَلَغا العَقْلَ الكامِلَ ونَحْنُ مُتَقَدِّمُونَ عَلَيْهِما في السِّنِّ والعَقْلِ والكِفايَةِ والمَنفَعَةِ وكَثْرَةِ الخِدْمَةِ والقِيامِ بِالمُهِمّاتِ، وإصْرارُهُ عَلى تَقْدِيمِ يُوسُفَ عَلَيْنا يُخالِفُ هَذا الدَّلِيلَ. وأمّا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَعَلَّهُ كانَ يَقُولُ: زِيادَةُ المَحَبَّةِ لَيْسَتْ في الوُسْعِ والطّاقَةِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ عَلَيَّ فِيهِ تَكْلِيفٌ. وأمّا تَخْصِيصُهُما بِمَزِيدِ البِرِّ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ أُمَّهُما ماتَتْ وهُما صِغارٌ.
وثانِيها: لِأنَّهُ كانَ يَرى فِيهِ مِن آثارِ الرُّشْدِ والنَّجابَةِ ما لَمْ يَجِدْ في سائِرِ الأوْلادِ.
وثالِثُها: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ صَغِيرًا إلّا أنَّهُ كانَ يَخْدِمُ أباهُ بِأنْواعٍ مِنَ الخِدَمِ أشْرَفَ وأعْلى بِما كانَ يَصْدُرُ عَنْ سائِرِ الأوْلادِ.
والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ كانَتِ اجْتِهادِيَّةً، وكانَتْ مَخْلُوطَةً بِمَيْلِ النَّفْسِ ومُوجِباتِ الفِطْرَةِ، فَلا يَلْزَمُ مِن وُقُوعِ الِاخْتِلافِ فِيها طَعْنُ أحَدِ الخَصْمَيْنِ في دِينِ الآخَرِ أوْ في عِرْضِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهم نَسَبُوا أباهم إلى الضَّلالِ المُبِينِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الذَّمِّ والطَّعْنِ، ومَن بالَغَ في الطَّعْنِ في الرَّسُولِ كَفَرَ، لا سِيَّما إذا كانَ الطّاعِنُ ولَدًا فَإنَّ حَقَّ الأُبُوَّةِ يُوجِبُ مَزِيدَ التَّعْظِيمِ.
والجَوابُ: المُرادُ مِنهُ الضَّلالُ عَنْ رِعايَةِ المَصالِحِ في الدُّنْيا لا البُعْدُ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهم: ﴿لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا﴾ مَحْضُ الحَسَدِ، والحَسَدُ مِن أُمَّهاتِ الكَبائِرِ، لا سِيَّما وقَدْ أقْدَمُوا عَلى الكَذِبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحَسَدِ، وعَلى تَضْيِيعِ ذَلِكَ الأخِ الصّالِحِ وإلْقائِهِ في ذُلِّ العُبُودِيَّةِ وتَبْعِيدِهِ عَنِ الأبِ المُشْفِقِ، وألْقَوْا أباهم في الحُزْنِ الدّائِمِ والأسَفِ العَظِيمِ، وأقْدَمُوا عَلى الكَذِبِ فَما بَقِيَتْ خَصْلَةٌ مَذْمُومَةٌ ولا طَرِيقَةٌ في الشَّرِّ والفَسادِ إلّا وقَدْ أتَوْا بِها، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْدَحُ في العِصْمَةِ والنُّبُوَّةِ.
والجَوابُ: الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ، إلّا أنَّ المُعْتَبَرَ عِنْدَنا عِصْمَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في وقْتِ حُصُولِ النُّبُوَّةِ. وأمّا قَبْلَها فَذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا قَوِيَ الحَسَدُ وبَلَغَ النِّهايَةَ قالُوا لا بُدَّ مِن تَبْعِيدِ يُوسُفَ عَنْ أبِيهِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِأحَدِ طَرِيقَيْنِ: القَتْلِ أوِ التَّغْرِيبِ إلى أرْضٍ يَحْصُلُ اليَأْسُ مِنِ اجْتِماعِهِ مَعَ أبِيهِ، ولا وجْهَ في الشَّرِّ يَبْلُغُهُ الحاسِدُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرُوا العِلَّةَ فِيهِ وهي قَوْلُهم: ﴿يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ يُوسُفَ شَغَلَهُ عَنّا وصَرَفَ وجْهَهُ إلَيْهِ فَإذا أُفْقِدَهُ أقْبَلَ عَلَيْنا بِالمَيْلِ والمَحَبَّةِ ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ الَّذِي عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكَبائِرِ فَقالُوا: إذا فَعَلْنا ذَلِكَ تُبْنا إلى اللَّهِ ونَصِيرُ مِنَ القَوْمِ الصّالِحِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ هَهُنا صَلاحَ الدِّينِ بَلِ المَعْنى يَصْلُحُ شَأْنُكم عِنْدَ أبِيكم ويَصِيرُ أبُوكم مُحِبًّا لَكم مُشْتَغِلًا بِشَأْنِكم.
الثّالِثُ: المُرادُ أنَّكم بِسَبَبِ هَذِهِ الوَحْشَةِ صِرْتُمْ مُشَوَّشِينَ لا تَتَفَرَّغُونَ لِإصْلاحِ مُهِمَّةٍ، فَإذا زالَتْ هَذِهِ الوَحْشَةُ تَفَرَّغْتُمْ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِكم. واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القائِلَ الَّذِي أمَرَ بِالقَتْلِ مَن كانَ، عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ بَعْضَ إخْوَتِهِ قالَ هَذا.
والثّانِي: أنَّهم شاوَرُوا أجْنَبِيًّا فَأشارَ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِهِ، ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أحَدٌ مِن إخْوَتِهِ.
فَأمّا مَن قالَ بِالأوَّلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ وهْبٌ: إنَّهُ شَمْعُونُ، وقالَ مُقاتِلٌ: رُوبِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ هَذا بِهِمْ وهم أنْبِياءُ ؟
قُلْنا: مِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْهُ بِأنَّهم كانُوا في هَذا الوَقْتِ مُراهِقِينَ وما كانُوا بالِغِينَ. وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ مِن مِثْلِ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَبْعَثَ جَماعَةً مِنَ الصِّبْيانِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَعَهم إنْسانٌ عاقِلٌ يَمْنَعُهم مِنَ القَبائِحِ. وأيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَبْلَ التَّوْبَةِ لا يَكُونُونَ صالِحِينَ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهم مِنَ الصِّبْيانِ. ومِنهم مَن أجابَ بِأنَّ هَذا مِن بابِ الصَّغائِرِ، وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ إيذاءَ الأبِ الَّذِي هو نَبِيٌّ مَعْصُومٌ، والكَذِبَ عَلَيْهِ، والسَّعْيَ في إهْلاكِ الأخِ الصَّغِيرِ، كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ مِن أُمَّهاتِ الكَبائِرِ، بَلِ الجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ: إنَّهم ما كانُوا أنْبِياءَ، وإنْ كانُوا أنْبِياءَ إلّا أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما أقْدَمُوا عَلَيْها قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى أنَّ قائِلًا قالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ قِيلَ إنَّهُ كانَ رُوبِيلَ وكانَ ابْنَ خالَةِ يُوسُفَ وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا فِيهِ، فَمَنَعَهم عَنِ القَتْلِ، وقِيلَ يَهُودا، وكانَ أقْدَمَهم في الرَّأْيِ والفَضْلِ والسِّنِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وألْقُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ ”في غَياباتِ الجُبِّ“ عَلى الجَمْعِ في الحَرْفَيْنِ، هَذا والَّذِي بَعْدَهُ، والباقُونَ ”غَيابَةِ“ عَلى الواحِدِ في الحَرْفَيْنِ. أمّا وجْهُ الغَياباتِ فَهو أنَّ لِلْجُبِّ أقْطارًا ونَواحِيَ، فَيَكُونُ فِيها غَياباتٌ، ومَن وحَّدَ قالَ: المَقْصُودُ مَوْضِعٌ واحِدٌ مِنَ الجُبِّ يَغِيبُ فِيهِ يُوسُفُ، فالتَّوْحِيدُ أخَصُّ وأدَلُّ عَلى المَعْنى
صفحة ٧٧
المَطْلُوبِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ”في غَيْبَةِ الجُبِّ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الغَيابَةُ كُلُّ ما غَيَّبَ شَيْئًا وسَتَرَهُ، فَغَيابَةُ الجُبِّ غَوْرُهُ، وما غابَ مِنهُ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ وأظْلَمَ مِن أسْفَلِهِ. والجُبُّ البِئْرُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَطْوِيَّةٍ، سُمِّيَتْ جُبًّا لِأنَّها قَطَعَتْ قَطْعًا ولَمْ يَحْصُلْ فِيها غَيْرُ القَطْعِ مِن طَيٍّ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وإنَّما ذُكِرَتِ الغَيابَةُ مَعَ الجُبِّ دَلالَةً عَلى أنَّ المُشِيرَ أشارَ بِطَرْحِهِ في مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ مِنَ الجُبِّ لا يَلْحَقُهُ نَظَرُ النّاظِرِينَ، فَأفادَ ذِكْرُ الغَيابَةِ هَذا المَعْنى؛ إذْ كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يُلْقى في مَوْضِعٍ مِنَ الجُبِّ لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاظِرِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الألِفُ واللّامُ في الجُبِّ تَقْتَضِي المَعْهُودَ السّابِقَ، اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الجُبِّ فَقالَ قَتادَةُ: هو بِئْرٌ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ وهْبٌ: هو بِأرْضِ الأُرْدُنِّ، وقالَ مُقاتِلٌ: هو عَلى ثَلاثَةِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ، وإنَّما عَيَّنُوا ذَلِكَ الجُبَّ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرُوها وهي قَوْلُهم: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ البِئْرَ كانَتْ مَعْرُوفَةً وكانُوا يَرِدُونَ عَلَيْها كَثِيرًا، وكانَ يَعْلَمُ أنَّهُ إذا طُرِحَ فِيها يَكُونُ إلى السَّلامَةِ أقْرَبَ، لِأنَّ السَّيّارَةَ إذا جازُوا ورَدُوها، وإذا ورَدُوها شاهَدُوا ذَلِكَ الإنْسانَ فِيها، وإذا شاهَدُوهُ أخْرَجُوهُ وذَهَبُوا بِهِ فَكانَ إلْقاؤُهُ فِيها أبْعَدَ عَنِ الهَلاكِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الِالتِقاطُ تَناوُلُ الشَّيْءِ مِنَ الطَّرِيقِ، ومِنهُ: اللُّقَطَةُ واللَّقِيطُ، وقَرَأ الحَسَنُ ”تَلْتَقِطْهُ“ بِالتّاءِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ بَعْضَ السَّيّارَةِ أيْضًا سَيّارَةٌ، والسَّيّارَةُ الجَماعَةُ الَّذِينَ يَسِيرُونَ في الطَّرِيقِ لِلسَّفَرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المارَّةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأوْلى أنْ لا تَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وأمّا إنْ كانَ ولا بُدَّ فاقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي الأوْلى أنْ لا تَفْعَلُوا ذَلِكَ.
يوسف 12:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا قَوِيَ الحَسَدُ وبَلَغَ النِّهايَةَ قالُوا لا بُدَّ مِن تَبْعِيدِ يُوسُفَ عَنْ أبِيهِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِأحَدِ طَرِيقَيْنِ: القَتْلِ أوِ التَّغْرِيبِ إلى أرْضٍ يَحْصُلُ اليَأْسُ مِنِ اجْتِماعِهِ مَعَ أبِيهِ، ولا وجْهَ في الشَّرِّ يَبْلُغُهُ الحاسِدُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرُوا العِلَّةَ فِيهِ وهي قَوْلُهم: ﴿يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ يُوسُفَ شَغَلَهُ عَنّا وصَرَفَ وجْهَهُ إلَيْهِ فَإذا أُفْقِدَهُ أقْبَلَ عَلَيْنا بِالمَيْلِ والمَحَبَّةِ ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ الَّذِي عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكَبائِرِ فَقالُوا: إذا فَعَلْنا ذَلِكَ تُبْنا إلى اللَّهِ ونَصِيرُ مِنَ القَوْمِ الصّالِحِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ هَهُنا صَلاحَ الدِّينِ بَلِ المَعْنى يَصْلُحُ شَأْنُكم عِنْدَ أبِيكم ويَصِيرُ أبُوكم مُحِبًّا لَكم مُشْتَغِلًا بِشَأْنِكم.
الثّالِثُ: المُرادُ أنَّكم بِسَبَبِ هَذِهِ الوَحْشَةِ صِرْتُمْ مُشَوَّشِينَ لا تَتَفَرَّغُونَ لِإصْلاحِ مُهِمَّةٍ، فَإذا زالَتْ هَذِهِ الوَحْشَةُ تَفَرَّغْتُمْ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِكم. واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القائِلَ الَّذِي أمَرَ بِالقَتْلِ مَن كانَ، عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ بَعْضَ إخْوَتِهِ قالَ هَذا.
والثّانِي: أنَّهم شاوَرُوا أجْنَبِيًّا فَأشارَ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِهِ، ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أحَدٌ مِن إخْوَتِهِ.
فَأمّا مَن قالَ بِالأوَّلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ وهْبٌ: إنَّهُ شَمْعُونُ، وقالَ مُقاتِلٌ: رُوبِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ هَذا بِهِمْ وهم أنْبِياءُ ؟
قُلْنا: مِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْهُ بِأنَّهم كانُوا في هَذا الوَقْتِ مُراهِقِينَ وما كانُوا بالِغِينَ. وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ مِن مِثْلِ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَبْعَثَ جَماعَةً مِنَ الصِّبْيانِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَعَهم إنْسانٌ عاقِلٌ يَمْنَعُهم مِنَ القَبائِحِ. وأيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَبْلَ التَّوْبَةِ لا يَكُونُونَ صالِحِينَ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهم مِنَ الصِّبْيانِ. ومِنهم مَن أجابَ بِأنَّ هَذا مِن بابِ الصَّغائِرِ، وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ إيذاءَ الأبِ الَّذِي هو نَبِيٌّ مَعْصُومٌ، والكَذِبَ عَلَيْهِ، والسَّعْيَ في إهْلاكِ الأخِ الصَّغِيرِ، كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ مِن أُمَّهاتِ الكَبائِرِ، بَلِ الجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ: إنَّهم ما كانُوا أنْبِياءَ، وإنْ كانُوا أنْبِياءَ إلّا أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما أقْدَمُوا عَلَيْها قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى أنَّ قائِلًا قالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ قِيلَ إنَّهُ كانَ رُوبِيلَ وكانَ ابْنَ خالَةِ يُوسُفَ وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا فِيهِ، فَمَنَعَهم عَنِ القَتْلِ، وقِيلَ يَهُودا، وكانَ أقْدَمَهم في الرَّأْيِ والفَضْلِ والسِّنِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وألْقُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ ”في غَياباتِ الجُبِّ“ عَلى الجَمْعِ في الحَرْفَيْنِ، هَذا والَّذِي بَعْدَهُ، والباقُونَ ”غَيابَةِ“ عَلى الواحِدِ في الحَرْفَيْنِ. أمّا وجْهُ الغَياباتِ فَهو أنَّ لِلْجُبِّ أقْطارًا ونَواحِيَ، فَيَكُونُ فِيها غَياباتٌ، ومَن وحَّدَ قالَ: المَقْصُودُ مَوْضِعٌ واحِدٌ مِنَ الجُبِّ يَغِيبُ فِيهِ يُوسُفُ، فالتَّوْحِيدُ أخَصُّ وأدَلُّ عَلى المَعْنى
صفحة ٧٧
المَطْلُوبِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ”في غَيْبَةِ الجُبِّ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الغَيابَةُ كُلُّ ما غَيَّبَ شَيْئًا وسَتَرَهُ، فَغَيابَةُ الجُبِّ غَوْرُهُ، وما غابَ مِنهُ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ وأظْلَمَ مِن أسْفَلِهِ. والجُبُّ البِئْرُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَطْوِيَّةٍ، سُمِّيَتْ جُبًّا لِأنَّها قَطَعَتْ قَطْعًا ولَمْ يَحْصُلْ فِيها غَيْرُ القَطْعِ مِن طَيٍّ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وإنَّما ذُكِرَتِ الغَيابَةُ مَعَ الجُبِّ دَلالَةً عَلى أنَّ المُشِيرَ أشارَ بِطَرْحِهِ في مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ مِنَ الجُبِّ لا يَلْحَقُهُ نَظَرُ النّاظِرِينَ، فَأفادَ ذِكْرُ الغَيابَةِ هَذا المَعْنى؛ إذْ كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يُلْقى في مَوْضِعٍ مِنَ الجُبِّ لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاظِرِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الألِفُ واللّامُ في الجُبِّ تَقْتَضِي المَعْهُودَ السّابِقَ، اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الجُبِّ فَقالَ قَتادَةُ: هو بِئْرٌ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ وهْبٌ: هو بِأرْضِ الأُرْدُنِّ، وقالَ مُقاتِلٌ: هو عَلى ثَلاثَةِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ، وإنَّما عَيَّنُوا ذَلِكَ الجُبَّ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرُوها وهي قَوْلُهم: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ البِئْرَ كانَتْ مَعْرُوفَةً وكانُوا يَرِدُونَ عَلَيْها كَثِيرًا، وكانَ يَعْلَمُ أنَّهُ إذا طُرِحَ فِيها يَكُونُ إلى السَّلامَةِ أقْرَبَ، لِأنَّ السَّيّارَةَ إذا جازُوا ورَدُوها، وإذا ورَدُوها شاهَدُوا ذَلِكَ الإنْسانَ فِيها، وإذا شاهَدُوهُ أخْرَجُوهُ وذَهَبُوا بِهِ فَكانَ إلْقاؤُهُ فِيها أبْعَدَ عَنِ الهَلاكِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الِالتِقاطُ تَناوُلُ الشَّيْءِ مِنَ الطَّرِيقِ، ومِنهُ: اللُّقَطَةُ واللَّقِيطُ، وقَرَأ الحَسَنُ ”تَلْتَقِطْهُ“ بِالتّاءِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ بَعْضَ السَّيّارَةِ أيْضًا سَيّارَةٌ، والسَّيّارَةُ الجَماعَةُ الَّذِينَ يَسِيرُونَ في الطَّرِيقِ لِلسَّفَرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المارَّةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأوْلى أنْ لا تَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وأمّا إنْ كانَ ولا بُدَّ فاقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي الأوْلى أنْ لا تَفْعَلُوا ذَلِكَ.
يوسف 12:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياأبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَخافُهم عَلى يُوسُفَ ولَوْلا ذَلِكَ وإلّا لَما قالُوا هَذا القَوْلَ.
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا أحْكَمُوا العَزْمَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ وأظْهَرُوا عِنْدَ أبِيهِمْ أنَّهم في غايَةِ المَحَبَّةِ لِيُوسُفَ وفي غايَةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وكانَتْ عادَتُهم أنْ يَغِيبُوا عَنْهُ مُدَّةً إلى الرَّعْيِ فَسَألُوهُ أنْ يُرْسِلَهُ مَعَهم، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُحِبُّ تَطْيِيبَ قَلْبِ يُوسُفَ فاغْتَرَّ بِقَوْلِهِمْ وأرْسَلَهُ مَعَهم. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”لا تَأْمَنّا“ قُرِئَ بِإظْهارِ النُّونَيْنِ وبِالإدْغامِ بِإشْمامٍ وبِغَيْرِ إشْمامٍ، والمَعْنى لِمَ تَخافُنا عَلَيْهِ ونَحْنُ نُحِبُّهُ ونُرِيدُ الخَيْرَ بِهِ.
صفحة ٧٨
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ خَمْسُ قِراءاتٍ:
القِراءَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ، وبِكَسْرِ عَيْنِ نَرْتَعِ مِنَ الِارْتِعاءِ، ويَلْعَبْ بِالياءِ، والِارْتِعاءُ افْتِعالٌ مِن رَعَيْتُ، يُقالُ: رَعَتِ الماشِيَةُ الكَلَأ تَرْعاهُ رَعْيًا إذا أكَلَتْهُ، وقَوْلُهُ ”نَرْتَعِ“ الِارْتِعاءُ لِلْإبِلِ والمَواشِي، وقَدْ أضافُوهُ إلى أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ المَعْنى نَرْتَعِ إبِلَنا، ثُمَّ نَسَبُوهُ إلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم هُمُ السَّبَبُ في ذَلِكَ الرَّعْيِ، والحاصِلُ أنَّهم أضافُوا الِارْتِعاءَ والقِيامَ بِحِفْظِ المالِ إلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم بالِغُونَ كامِلُونَ وأضافُوا اللَّعِبَ إلى يُوسُفَ لِصِغَرِهِ.
القِراءَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ كِلاهُما بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِن ”يَرْتَعْ“ أضافَ الِارْتِعاءَ إلى يُوسُفَ بِمَعْنى أنَّهُ يُباشِرُ رَعْيَ الإبِلِ لِيَتَدَرَّبَ بِذَلِكَ، فَمَرَّةً ”يَرْتَعْ“ ومَرَّةً ”يَلْعَبْ“ كَفِعْلِ الصِّبْيانِ.
القِراءَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ”نَرْتَعْ“ بِالنُّونِ وجَزْمِ العَيْنِ ومِثْلُهُ نَلْعَبْ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرَّتْعُ الأكْلُ بِشَرَهٍ، وقِيلَ: إنَّهُ الخِصْبُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّعِبِ الإقْدامُ عَلى المُباحاتِ وهَذا يُوصَفُ بِهِ الإنْسانُ، وأمّا ”نَلْعَبْ“ فَرُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِأبِي عَمْرٍو: كَيْفَ يَقُولُونَ نَلْعَبُ وهم أنْبِياءُ ؟ فَقالَ لَمْ يَكُونُوا يَوْمَئِذٍ أنْبِياءَ، وأيْضًا جازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اللَّعِبِ الإقْدامَ عَلى المُباحاتِ لِأجْلِ انْشِراحِ الصَّدْرِ، كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِجابِرٍ: ”«فَهَلّا بِكْرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ» “ وأيْضًا كانَ لَعِبُهُمُ الِاسْتِباقَ، والغَرَضُ مِنهُ تَعَلُّمُ المُحارَبَةِ والمُقاتَلَةِ مَعَ الكُفّارِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهم: إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ؛ وإنَّما سَمَّوْهُ لَعِبًا لِأنَّهُ في صُورَتِهِ.
القِراءَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ كِلَيْهِما بِالياءِ وسُكُونِ العَيْنِ، ومَعْناهُ إسْنادُ الرَّتْعِ واللَّعِبِ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
القِراءَةُ الخامِسَةُ: ”يَرْتَعْ“ بِالياءِ ”ونَلْعَبْ“ بِالنُّونِ وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّهم إنَّما سَألُوا إرْسالَ يُوسُفَ مَعَهم لِيَفْرَحَ هو بِاللَّعِبِ لا لِيَفْرَحُوا بِاللَّعِبِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياأبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَخافُهم عَلى يُوسُفَ ولَوْلا ذَلِكَ وإلّا لَما قالُوا هَذا القَوْلَ.
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا أحْكَمُوا العَزْمَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ وأظْهَرُوا عِنْدَ أبِيهِمْ أنَّهم في غايَةِ المَحَبَّةِ لِيُوسُفَ وفي غايَةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وكانَتْ عادَتُهم أنْ يَغِيبُوا عَنْهُ مُدَّةً إلى الرَّعْيِ فَسَألُوهُ أنْ يُرْسِلَهُ مَعَهم، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُحِبُّ تَطْيِيبَ قَلْبِ يُوسُفَ فاغْتَرَّ بِقَوْلِهِمْ وأرْسَلَهُ مَعَهم. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”لا تَأْمَنّا“ قُرِئَ بِإظْهارِ النُّونَيْنِ وبِالإدْغامِ بِإشْمامٍ وبِغَيْرِ إشْمامٍ، والمَعْنى لِمَ تَخافُنا عَلَيْهِ ونَحْنُ نُحِبُّهُ ونُرِيدُ الخَيْرَ بِهِ.
صفحة ٧٨
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ خَمْسُ قِراءاتٍ:
القِراءَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ، وبِكَسْرِ عَيْنِ نَرْتَعِ مِنَ الِارْتِعاءِ، ويَلْعَبْ بِالياءِ، والِارْتِعاءُ افْتِعالٌ مِن رَعَيْتُ، يُقالُ: رَعَتِ الماشِيَةُ الكَلَأ تَرْعاهُ رَعْيًا إذا أكَلَتْهُ، وقَوْلُهُ ”نَرْتَعِ“ الِارْتِعاءُ لِلْإبِلِ والمَواشِي، وقَدْ أضافُوهُ إلى أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ المَعْنى نَرْتَعِ إبِلَنا، ثُمَّ نَسَبُوهُ إلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم هُمُ السَّبَبُ في ذَلِكَ الرَّعْيِ، والحاصِلُ أنَّهم أضافُوا الِارْتِعاءَ والقِيامَ بِحِفْظِ المالِ إلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم بالِغُونَ كامِلُونَ وأضافُوا اللَّعِبَ إلى يُوسُفَ لِصِغَرِهِ.
القِراءَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ كِلاهُما بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِن ”يَرْتَعْ“ أضافَ الِارْتِعاءَ إلى يُوسُفَ بِمَعْنى أنَّهُ يُباشِرُ رَعْيَ الإبِلِ لِيَتَدَرَّبَ بِذَلِكَ، فَمَرَّةً ”يَرْتَعْ“ ومَرَّةً ”يَلْعَبْ“ كَفِعْلِ الصِّبْيانِ.
القِراءَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ”نَرْتَعْ“ بِالنُّونِ وجَزْمِ العَيْنِ ومِثْلُهُ نَلْعَبْ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرَّتْعُ الأكْلُ بِشَرَهٍ، وقِيلَ: إنَّهُ الخِصْبُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّعِبِ الإقْدامُ عَلى المُباحاتِ وهَذا يُوصَفُ بِهِ الإنْسانُ، وأمّا ”نَلْعَبْ“ فَرُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِأبِي عَمْرٍو: كَيْفَ يَقُولُونَ نَلْعَبُ وهم أنْبِياءُ ؟ فَقالَ لَمْ يَكُونُوا يَوْمَئِذٍ أنْبِياءَ، وأيْضًا جازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اللَّعِبِ الإقْدامَ عَلى المُباحاتِ لِأجْلِ انْشِراحِ الصَّدْرِ، كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِجابِرٍ: ”«فَهَلّا بِكْرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ» “ وأيْضًا كانَ لَعِبُهُمُ الِاسْتِباقَ، والغَرَضُ مِنهُ تَعَلُّمُ المُحارَبَةِ والمُقاتَلَةِ مَعَ الكُفّارِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهم: إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ؛ وإنَّما سَمَّوْهُ لَعِبًا لِأنَّهُ في صُورَتِهِ.
القِراءَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ كِلَيْهِما بِالياءِ وسُكُونِ العَيْنِ، ومَعْناهُ إسْنادُ الرَّتْعِ واللَّعِبِ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
القِراءَةُ الخامِسَةُ: ”يَرْتَعْ“ بِالياءِ ”ونَلْعَبْ“ بِالنُّونِ وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّهم إنَّما سَألُوا إرْسالَ يُوسُفَ مَعَهم لِيَفْرَحَ هو بِاللَّعِبِ لا لِيَفْرَحُوا بِاللَّعِبِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يُرْسِلَ يُوسُفَ مَعَهُمُ اعْتَذَرَ إلَيْهِمْ بِشَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَهابَهم بِهِ ومُفارَقَتَهم إيّاهُ مِمّا يُحْزِنُهُ لِأنَّهُ كانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ ساعَةً.
والثّانِي: خَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ إذا غَفَلُوا عَنْهُ بِرَعْيِهِمْ أوْ لَعِبِهِمْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِهِمْ بِهِ.
قِيلَ: إنَّهُ رَأى في النَّوْمِ أنَّ الذِّئْبَ شَدَّ عَلى يُوسُفَ، فَكانَ يُحَذِّرُهُ فَمِن هَذا ذَكَرَ ذَلِكَ، وكَأنَّهُ لَقَّنَهُمُ الحُجَّةَ، وفي أمْثالِهِمْ: البَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالمَنطِقِ. وقِيلَ: الذِّئابُ كانَتْ في أراضِيهِمْ كَثِيرَةً، وقُرِئَ ”الذِّئْبُ“ بِالهَمْزِ عَلى الأصْلِ وبِالتَّخْفِيفِ. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا أتَتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، فَلَمّا ذَكَرَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الكَلامَ أجابُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ ؟ .
صفحة ٧٩
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنْ“ تُفِيدُ كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، أيْ: إنْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ فَنَحْنُ خاسِرُونَ، فَهَذِهِ اللّامُ دَخَلَتْ لِتَأْكِيدِ هَذا الِاسْتِلْزامِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هَذِهِ اللّامُ تَدُلُّ عَلى إضْمارِ القَسَمِ تَقْدِيرُهُ: واللَّهِ لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ لَكُنّا خاسِرِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما فائِدَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ؟ .
الجَوابُ: أنَّها واوُ الحالِ، حَلَفُوا لَئِنْ حَصَلَ ما خافَهُ مِن خَطْفِ الذِّئْبِ أخاهم مِن بَيْنِهِمْ، وحالُهم أنَّهم عَشَرَةُ رِجالٍ بِمِثْلِهِمْ تُعْصَبُ الأُمُورُ وتُكْفى الخُطُوبُ، إنَّهم إذًا لَقَوْمٌ خاسِرُونَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ؟ .
الجَوابُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: خاسِرُونَ أيْ هالِكُونَ ضَعْفًا وعَجْزًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ لَعاجِزُونَ.
الثّانِي: أنَّهم يَكُونُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِأنَّ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارَةِ والدَّمارِ، وأنْ يُقالَ خَسَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى ودَمَّرَهم حِينَ أكَلَ الذِّئْبُ أخاهم وهم حاضِرُونَ.
الثّالِثُ: المَعْنى أنّا إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِ أخِينا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا وخَسِرْناها.
الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا قَدْ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في خِدْمَةِ أبِيهِمْ واجْتَهَدُوا في القِيامِ بِمُهِمّاتِهِ، وإنَّما تَحَمَّلُوا تِلْكَ المَتاعِبَ لِيَفُوزُوا مِنهُ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ فَقالُوا: لَوْ قَصَّرْنا في هَذِهِ الخِدْمَةِ فَقَدْ أحْبَطْنا كُلَّ تِلْكَ الأعْمالِ وخَسِرْنا كُلَّ ما صَدَرَ مِنّا مِن أنْواعِ الخِدْمَةِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَذَرَ بِعُذْرَيْنِ فَلِمَ أجابُوا عَنْ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ ؟
والجَوابُ: أنَّ حِقْدَهم وغَيْظَهم كانَ بِسَبَبِ العُذْرِ الأوَّلِ وهو شِدَّةُ حُبِّهِ لَهُ، فَلَمّا سَمِعُوا ذِكْرَ ذَلِكَ المَعْنى تَغافَلُوا عَنْهُ.
يوسف 12:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يُرْسِلَ يُوسُفَ مَعَهُمُ اعْتَذَرَ إلَيْهِمْ بِشَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَهابَهم بِهِ ومُفارَقَتَهم إيّاهُ مِمّا يُحْزِنُهُ لِأنَّهُ كانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ ساعَةً.
والثّانِي: خَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ إذا غَفَلُوا عَنْهُ بِرَعْيِهِمْ أوْ لَعِبِهِمْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِهِمْ بِهِ.
قِيلَ: إنَّهُ رَأى في النَّوْمِ أنَّ الذِّئْبَ شَدَّ عَلى يُوسُفَ، فَكانَ يُحَذِّرُهُ فَمِن هَذا ذَكَرَ ذَلِكَ، وكَأنَّهُ لَقَّنَهُمُ الحُجَّةَ، وفي أمْثالِهِمْ: البَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالمَنطِقِ. وقِيلَ: الذِّئابُ كانَتْ في أراضِيهِمْ كَثِيرَةً، وقُرِئَ ”الذِّئْبُ“ بِالهَمْزِ عَلى الأصْلِ وبِالتَّخْفِيفِ. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا أتَتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، فَلَمّا ذَكَرَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الكَلامَ أجابُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ ؟ .
صفحة ٧٩
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنْ“ تُفِيدُ كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، أيْ: إنْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ فَنَحْنُ خاسِرُونَ، فَهَذِهِ اللّامُ دَخَلَتْ لِتَأْكِيدِ هَذا الِاسْتِلْزامِ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هَذِهِ اللّامُ تَدُلُّ عَلى إضْمارِ القَسَمِ تَقْدِيرُهُ: واللَّهِ لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ لَكُنّا خاسِرِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما فائِدَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ؟ .
الجَوابُ: أنَّها واوُ الحالِ، حَلَفُوا لَئِنْ حَصَلَ ما خافَهُ مِن خَطْفِ الذِّئْبِ أخاهم مِن بَيْنِهِمْ، وحالُهم أنَّهم عَشَرَةُ رِجالٍ بِمِثْلِهِمْ تُعْصَبُ الأُمُورُ وتُكْفى الخُطُوبُ، إنَّهم إذًا لَقَوْمٌ خاسِرُونَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ؟ .
الجَوابُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: خاسِرُونَ أيْ هالِكُونَ ضَعْفًا وعَجْزًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ لَعاجِزُونَ.
الثّانِي: أنَّهم يَكُونُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِأنَّ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارَةِ والدَّمارِ، وأنْ يُقالَ خَسَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى ودَمَّرَهم حِينَ أكَلَ الذِّئْبُ أخاهم وهم حاضِرُونَ.
الثّالِثُ: المَعْنى أنّا إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِ أخِينا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا وخَسِرْناها.
الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا قَدْ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في خِدْمَةِ أبِيهِمْ واجْتَهَدُوا في القِيامِ بِمُهِمّاتِهِ، وإنَّما تَحَمَّلُوا تِلْكَ المَتاعِبَ لِيَفُوزُوا مِنهُ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ فَقالُوا: لَوْ قَصَّرْنا في هَذِهِ الخِدْمَةِ فَقَدْ أحْبَطْنا كُلَّ تِلْكَ الأعْمالِ وخَسِرْنا كُلَّ ما صَدَرَ مِنّا مِن أنْواعِ الخِدْمَةِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَذَرَ بِعُذْرَيْنِ فَلِمَ أجابُوا عَنْ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ ؟
والجَوابُ: أنَّ حِقْدَهم وغَيْظَهم كانَ بِسَبَبِ العُذْرِ الأوَّلِ وهو شِدَّةُ حُبِّهِ لَهُ، فَلَمّا سَمِعُوا ذِكْرَ ذَلِكَ المَعْنى تَغافَلُوا عَنْهُ.
يوسف 12:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ قالُوا: ﴿لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَأذِنَ لَهُ وأرْسَلَهُ مَعَهم، ثُمَّ يَتَّصِلُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ﴾ مِن جَوابٍ؛ إذْ جَوابُ لَمّا غَيْرُ مَذْكُورٍ وتَقْدِيرُهُ فَجَعَلُوهُ فِيها، وحَذْفُ الجَوابِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ دَلِيلًا عَلَيْهِ وهَهُنا كَذَلِكَ.
قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَرَزَ مَعَ إخْوَتِهِ أظْهَرُوا لَهُ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ، وجَعَلَ هَذا الأخُ يَضْرِبُهُ فَيَسْتَغِيثُ بِالآخَرِ فَيَضْرِبُهُ ولا يَرى فِيهِمْ رَحِيمًا فَضَرَبُوهُ حَتّى كادُوا يَقْتُلُونَهُ وهو يَقُولُ: يا يَعْقُوبُ لَوْ تَعْلَمُ ما يُصْنَعُ بِابْنِكَ، فَقالَ يَهُودا: ألَيْسَ قَدْ أعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أنْ لا تَقْتُلُوهُ ؟ فانْطَلَقُوا بِهِ إلى الجُبِّ يُدْلُونَهُ فِيهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِشَفِيرِ البِئْرِ فَنَزَعُوا قَمِيصَهُ، وكانَ غَرَضُهم أنْ يُلَطِّخُوهُ بِالدَّمِ ويَعْرِضُوهُ عَلى يَعْقُوبَ، فَقالَ لَهم: رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي لِأتَوارى بِهِ، فَقالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا لِتُؤْنِسَكَ، ثُمَّ دَلُّوهُ في البِئْرِ حَتّى إذا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ لِيَمُوتَ،
صفحة ٨٠
وكانَ في البِئْرِ ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ آوى إلى صَخْرَةٍ فَقامَ بِها وهو يَبْكِي، فَنادَوْهُ فَظَنَّ أنَّ رَحْمَةً أدْرَكَتْهم فَأجابَهم فَأرادُوا أنْ يَرْضَخُوهُ بِصَخْرَةٍ فَقامَ يَهُودا فَمَنَعَهم وكانَ يَهُودا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ.
ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ قالَ: يا شاهِدًا غَيْرَ غائِبٍ. ويا قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ. ويا غالِبًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ. اجْعَلْ لِي مِن أمْرِي فَرَجًا ومَخْرَجًا، ورُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ جُرِّدَ عَنْ ثِيابِهِ فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ وألْبَسَهُ إيّاهُ، فَدَفَعَهُ إبْراهِيمُ إلى إسْحاقَ، وإسْحاقُ إلى يَعْقُوبَ، فَجَعَلَهُ يَعْقُوبُ في تَمِيمَةٍ وعَلَّقَها في عُنُقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْرَجَهُ وألْبَسَهُ إيّاهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ بالِغًا أوْ كانَ صَبِيًّا، قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ بالِغًا وكانَ سِنُّهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ كانَ صَغِيرًا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلَ عَقْلَهُ وجَعَلَهُ صالِحًا لِقَبُولِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ كَما في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِن هَذا الوَحْيِ الإلْهامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الوَحْيِ ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجْعَلُهُ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ ولَيْسَ هُناكَ أحَدٌ يُبَلِّغُهُ الرِّسالَةَ ؟
قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنْ يُشَرِّفَهُ بِالوَحْيِ والتَّنْزِيلِ ويَأْمُرَهُ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ بَعْدَ أوْقاتٍ، ويَكُونُ فائِدَةُ تَقْدِيمِ الوَحْيِ تَأْنِيسَهُ وتَسْكِينَ نَفْسِهِ وإزالَةَ الغَمِّ والوَحْشَةِ عَنْ قَلْبِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى يُوسُفَ إنَّكَ لَتُخْبِرَنَّ إخْوَتَكَ بِصَنِيعِهِمْ بَعْدَ هَذا اليَوْمِ وهم لا يَشْعُرُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّكَ يُوسُفُ، والمَقْصُودُ تَقْوِيَةُ قَلْبِهِ بِأنَّهُ سَيَحْصُلُ لَهُ الخَلاصُ عَنْ هَذِهِ المِحْنَةِ، ويَصِيرُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ ويَصِيرُونَ تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ. ورُوِيَ أنَّهم حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ لِطَلَبِ الحِنْطَةِ وعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ دَعا بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ، ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ، فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُ هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ فَطَرَحْتُمُوهُ في البِئْرِ وقُلْتُمْ لِأبِيكم أكَلَهُ الذِّئْبُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ إنّا أوْحَيْنا إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في البِئْرِ بِأنَّكَ تُنْبِئُ إخْوَتَكَ بِهَذِهِ الأعْمالِ، وهم ما كانُوا يَشْعُرُونَ بِنُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، والفائِدَةُ في إخْفاءِ نُزُولِ ذَلِكَ الوَحْيِ عَنْهم أنَّهم لَوْ عَرَفُوهُ فَرُبَّما ازْدادَ حَسَدُهم فَكانُوا يَقْصِدُونَ قَتْلَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، كانَ هَذا أمْرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى نَحْوَ يُوسُفَ في أنْ يَسْتُرَ نَفْسَهُ عَنْ أبِيهِ وأنْ لا يُخْبِرَهُ بِأحْوالِ نَفْسِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كَتَمَ أخْبارَ نَفْسِهِ عَنْ أبِيهِ طُولَ تِلْكَ المُدَّةِ، مَعَ عِلْمِهِ بِوَجْدِ أبِيهِ بِهِ خَوْفًا مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وصَبَرَ عَلى تَجَرُّعِ تِلْكَ المَرارَةِ، فَكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ قَضى عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُوَصِّلَ إلَيْهِ تِلْكَ الغُمُومَ الشَّدِيدَةَ والهُمُومَ العَظِيمَةَ لِيَكْثُرَ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَنْقَطِعَ تَعَلُّقُ فِكْرِهِ عَنِ الدُّنْيا فَيَصِلُ إلى دَرَجَةٍ عالِيَةٍ في العُبُودِيَّةِ لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْها إلّا بِتَحَمُّلِ المِحَنِ الشَّدِيدَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا طَرَحُوا يُوسُفَ في الجُبِّ رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وقْتَ العِشاءِ باكِينَ، ورَواهُ ابْنُ جِنِّي عُشًى بِضَمِّ العَيْنِ والقَصْرِ. وقالَ: عَشَوْا مِنَ البُكاءِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ فَزِعَ يَعْقُوبُ وقالَ: هَلْ أصابَكم في غَنَمِكم شَيْءٌ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَما فَعَلَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: ﴿ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فَبَكى وصاحَ وقالَ: أيْنَ القَمِيصُ ؟ فَطَرَحَهُ عَلى وجْهِهِ حَتّى تَخَضَّبَ وجْهُهُ مِن دَمِ القَمِيصِ. ورُوِيَ أنَّ امْرَأةً تَحاكَمَتْ إلى شُرَيْحٍ فَبَكَتْ فَقالَ الشَّعْبِيُّ: يا أبا أُمَيَّةَ ما تَراها تَبْكِي ؟ قالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ يَبْكُونَ وهم ظَلَمَةٌ كَذَبَةٌ، لا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَقْضِيَ إلّا بِالحَقِّ. واخْتَلَفُوا في مَعْنى الِاسْتِباقِ، قالَ الزَّجّاجُ: يُسابِقُ بَعْضُهم بَعْضًا في الرَّمْيِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا سَبَقَ إلّا في خُفٍّ أوْ نَصْلٍ أوْ حافِرٍ» يَعْنِي بِالنَّصْلِ الرَّمْيَ، وأصْلُ السَّبَقِ في الرَّمْيِ بِالسَّهْمِ هو أنْ يَرْمِيَ اثْنانِ لِيَتَبَيَّنَ أيُّهُما يَكُونُ أسْبَقَ سَهْمًا وأبْعَدَ غَلْوَةً، ثُمَّ يُوصَفُ المُتَرامِيانِ بِذَلِكَ فَيُقالُ: اسْتَبَقا وتَسابَقا إذا فَعَلا ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ أيُّهُما أسْبَقُ سَهْمًا، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّفْسِيرِ ما رُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”إنّا ذَهَبْنا نَنْتَضِلُ“ .
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الِاسْتِباقِ: ما قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ ”نَسْتَبِقُ“ نَشْتَدُّ ونَعْدُوَ لِيَتَبَيَّنَ أيُّنا أسْرَعُ عَدْوًا.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَبِقُوا وهم رِجالٌ بالِغُونَ وهَذا مِن فِعْلِ الصِّبْيانِ ؟
قُلْنا: الِاسْتِباقُ مِنهم كانَ مِثْلَ الِاسْتِباقِ في الخَيْلِ، وكانُوا يُجَرِّبُونَ بِذَلِكَ أنْفُسَهم ويُدَرِّبُونَها عَلى العَدْوِ لِأنَّهُ كالآلَةِ لَهم في مُحارَبَةِ العَدُوِّ ومُدافَعَةِ الذِّئْبِ إذا اخْتَلَسَ الشّاةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قِيلَ أكَلَ الذِّئْبُ يُوسُفَ وقِيلَ عَرَّضُوا، وأرادُوا أكَلَ الذِّئْبُ المَتاعَ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَيْسَ المَعْنى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُصَدِّقُ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ صادِقٌ، بَلِ المَعْنى: لَوْ كُنّا عِنْدَكَ مِن أهْلِ الثِّقَةِ والصِّدْقِ لاتَّهَمْتَنا في يُوسُفَ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِكَ إيّاهُ ولَظَنَنْتَ أنّا قَدْ كَذَبْنا. والحاصِلُ أنّا وإنْ كُنّا صادِقِينَ لَكِنَّكَ لا تُصَدِّقُنا لِأنَّكَ تَتَّهِمُنا. وقِيلَ: المَعْنى: إنّا وإنْ كُنّا صادِقِينَ فَإنَّكَ لا تُصَدِّقُنا لِأنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ عِنْدَكَ أمارَةٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِنا.
صفحة ٨٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ، لِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ بِمُصَدِّقٍ. وإذا ثَبَتَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في أصْلِ اللُّغَةِ وجَبَ أنْ يَبْقى في عُرْفِ الشَّرْعِ كَذَلِكَ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٣] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما جاءُوا بِهَذا القَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ لِيُوهِمَ كَوْنَهم صادِقِينَ في مَقالَتِهِمْ. قِيلَ: ذَبَحُوا جِدْيًا ولَطَّخُوا ذَلِكَ القَمِيصَ بِدَمِهِ. قالَ القاضِي: ولَعَلَّ غَرَضَهم في نَزْعِ قَمِيصِهِ عِنْدَ إلْقائِهِ في غَيابَةِ الجُبِّ أنْ يَفْعَلُوا هَذا تَوْكِيدًا لِصِدْقِهِمْ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ طَمَعًا في نَفْسِ القَمِيصِ ولا بُدَّ في المَعْصِيَةِ مِن أنْ يُقْرَنَ بِهَذا الخِذْلانِ، فَلَوْ خَرَقُوهُ مَعَ لَطْخِهِ بِالدَّمِ لَكانَ الإيهامُ أقْوى، فَلَمّا شاهَدَ القَمِيصَ صَحِيحًا عَلِمَ كَذِبَهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ﴾ أيْ وجاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَما يُقالُ: جاءُوا عَلى جِمالِهِمْ بِأحْمالٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُ العَرَبِيَّةِ وهُمُ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أيْ مَكْذُوبٍ فِيهِ، إلّا أنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ عَلى تَقْدِيرِ دَمٍ ذِي كَذِبٍ ولَكِنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ كَذِبًا لِلْمُبالَغَةِ، قالُوا: والمَفْعُولُ والفاعِلُ يُسَمَّيانِ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: ماءٌ سَكْبٌ، أيْ مَسْكُوبٌ، ودِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمِيرِ وثَوْبٌ نَسْجُ اليَمَنِ، والفاعِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] ورَجُلٌ عَدْلٌ وصَوْمٌ، ونِساءٌ نَوْحٌ؛ ولَمّا سُمِّيا بِالمَصْدَرِ سُمِّيَ المَصْدَرُ أيْضًا بِهِما فَقالُوا لِلْعَقْلِ المَعْقُولُ، ولِلْجَلْدِ المَجْلُودُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] قالَ الشَّعْبِيُّ: قِصَّةُ يُوسُفَ كُلُّها في قَمِيصِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا ألْقَوْهُ في الجُبِّ نَزَعُوا قَمِيصَهُ ولَطَّخُوهُ بِالدَّمِ وعَرَضُوهُ عَلى أبِيهِ، ولَمّا شَهِدَ الشّاهِدُ قالَ: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] ولَمّا أُتِيَ بِقَمِيصِهِ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُلْقِيَ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ الكَلامَ واحْتَجُّوا عَلى صِدْقِهِمْ بِالقَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: بَلْ زَيَّنَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا. والتَّسْوِيلُ تَقْدِيرُ مَعْنًى في النَّفْسِ مَعَ الطَّمَعِ في إتْمامِهِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّ التَّسْوِيلَ تَفْعِيلٌ مِن سُؤالِ الإنْسانِ، وهو أُمْنِيَتُهُ الَّتِي يَطْلُبُها فَتُزَيِّنُ لِطالِبِها الباطِلَ وغَيْرَهُ. وأصْلُهُ مَهْمُوزٌ غَيْرَ أنَّ العَرَبَ اسْتَثْقَلُوا فِيهِ الهَمْزَ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”سَوَّلَتْ“ سَهَّلَتْ مِنَ السَّوْلِ وهو الِاسْتِرْخاءُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿بَلْ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ كَما تَقُولُونَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ﴾ في شَأْنِهِ ﴿أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا غَيْرَ ما تَصِفُونَ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي بِهِ عَرَفَ كَوْنَهم كاذِبِينَ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يَعْرِفُ الحَسَدَ الشَّدِيدَ في قُلُوبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِيُوسُفَ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: ٦]
صفحة ٨٣
وذَلِكَ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ.
القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا جاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، وما كانَ مُتَخَرِّقًا، قالَ: كَذَبْتُمْ لَوْ أكَلَهُ الذِّئْبُ لَخَرَقَ قَمِيصَهُ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّ هَذا الذِّئْبَ كانَ رَحِيمًا، فَكَيْفَ أكَلَ لَحْمَهُ ولَمْ يَخْرِقْ قَمِيصَهُ ؟ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: بَلْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ. فَقالَ: كَيْفَ قَتَلُوهُ وتَرَكُوا قَمِيصَهُ وهم إلى قَمِيصِهِ أحْوَجُ مِنهُ إلى قَتْلِهِ ؟ فَلَمّا اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم عَرَفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَذِبَهم.
* * *
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أوْلى مِنَ الجَزَعِ، ومِنهم مَن أضْمَرَ المُبْتَدَأ قالَ الخَلِيلُ: الَّذِي أفْعَلُهُ صَبْرٌ جَمِيلٌ. وقالَ قُطْرُبٌ: مَعْناهُ: فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: فَهو صَبْرٌ جَمِيلٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ سَقَطَ حاجِباهُ وكانَ يَرْفَعُهُما بِخِرْقَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا ؟ فَقالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا يَعْقُوبُ أتَشْكُونِي ؟ فَقالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ أخْطَأْتُها فاغْفِرْها لِي. ورُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في قِصَّةِ الإفْكِ أنَّها قالَتْ: واللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لا تُصَدِّقُونِي وإنِ اعْتَذَرْتُ لا تَعْذِرُونِي، فَمَثَلِي ومَثَلُكم كَمَثَلِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في عُذْرِها ما أنْزَلَ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَقالَ: ”صَبْرٌ لا شَكْوى فِيهِ فَمَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ“» ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقالَ مُجاهِدٌ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، أيْ مِن غَيْرِ جَزَعٍ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: مِنَ الصَّبْرِ أنْ لا تُحَدِّثَ بِوَجَعِكَ ولا بِمُصِيبَتِكَ، ولا تُزَكِّيَ نَفْسَكَ. وهَهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ الصَّبْرَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، فَأمّا الصَّبْرُ عَلى ظُلْمِ الظّالِمِينَ، ومَكْرِ الماكِرِينَ فَغَيْرُ واجِبٍ، بَلِ الواجِبُ إزالَتُهُ لا سِيَّما في الضَّرَرِ العائِدِ إلى الغَيْرِ، وهَهُنا أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا ظَهَرَ كَذِبُهم وخِيانَتُهم فَلِمَ صَبَرَ يَعْقُوبُ عَلى ذَلِكَ ؟ ولِمَ لَمْ يُبالِغْ في التَّفْتِيشِ والبَحْثِ سَعْيًا مِنهُ في تَخْلِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ البَلِيَّةِ والشِّدَّةِ إنْ كانَ في الأحْياءِ وفي إقامَةِ القِصاصِ إنْ صَحَّ أنَّهم قَتَلُوهُ ؟ فَثَبَتَ أنَّ الصَّبْرَ في المَقامِ مَذْمُومٌ.
ومِمّا يُقَوِّي هَذا السُّؤالَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ سَلِيمٌ لِأنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] والظّاهِرُ أنَّهُ إنَّما قالَ هَذا الكَلامَ مِنَ الوَحْيِ، وإذا كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ سَلِيمٌ فَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَسْعى في طَلَبِهِ، وأيْضًا إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَجُلًا عَظِيمَ القَدْرِ في نَفْسِهِ، وكانَ مِن بَيْتٍ عَظِيمٍ شَرِيفٍ، وأهْلُ العِلْمِ كانُوا يَعْرِفُونَهُ ويَعْتَقِدُونَ فِيهِ ويُعَظِّمُونَهُ فَلَوْ بالَغَ في الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ لَظَهَرَ ذَلِكَ واشْتَهَرَ ولَزالَ وجْهُ التَّلْبِيسِ. فَما السَّبَبُ في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ شِدَّةِ رَغْبَتِهِ في حُضُورِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونِهايَةِ حُبِّهِ لَهُ، لَمْ يَطْلُبْهُ مَعَ أنَّ طَلَبَهُ كانَ مِنَ الواجِباتِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الصَّبْرَ في هَذا المَقامِ مَذْمُومٌ عَقْلًا وشَرْعًا.
صفحة ٨٤
والجَوابُ عَنْهُ أنْ نَقُولَ: لا جَوابَ عَنْهُ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَنَعَهُ عَنِ الطَّلَبِ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ عَلَيْهِ، وتَغْلِيظًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَرَفَ بِقَرائِنِ الأحْوالِ أنَّ أوْلادَهُ أقْوِياءُ وأنَّهم لا يُمَكِّنُونَهُ مِنَ الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ، وأنَّهُ لَوْ بالَغَ في البَحْثِ فَرُبَّما أقْدَمُوا عَلى إيذائِهِ وقَتْلِهِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَصُونُ يُوسُفَ عَنِ البَلاءِ والمِحْنَةِ وأنَّ أمْرَهُ سَيُعَظَّمُ بِالآخِرَةِ، ثُمَّ لَمْ يُرِدْ هَتْكَ أسْتارِ سَرائِرِ أوْلادِهِ وما رَضِيَ بِإلْقائِهِمْ في ألْسِنَةِ النّاسِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ الوَلَدَيْنِ إذا ظَلَمَ الآخَرَ وقَعَ الأبُ في العَذابِ الشَّدِيدِ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَقِمْ يَحْتَرِقْ قَلْبُهُ عَلى الوَلَدِ المَظْلُومِ وإنِ انْتَقَمَ فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ عَلى الوَلَدِ الَّذِي يَنْتَقِمُ مِنهُ، فَلَمّا وقَعَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ البَلِيَّةِ رَأى أنَّ الأصْوَبَ الصَّبْرُ والسُّكُوتُ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما قَدْ يَكُونُ جَمِيلًا وما قَدْ يَكُونُ غَيْرَ جَمِيلٍ، فالصَّبْرُ الجَمِيلُ هو أنْ يَعْرِفَ أنَّ مُنْزِلَ ذَلِكَ البَلاءِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مالِكُ المُلْكِ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ في أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِ نَفْسِهِ فَيَصِيرُ اسْتِغْراقُ قَلْبِهِ في هَذا المَقامِ مانِعًا لَهُ مِن إظْهارِ الشِّكايَةِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ مُنْزِلَ هَذا البَلاءِ، حَكِيمٌ لا يَجْهَلُ، وعالِمٌ لا يَغْفُلُ، عَلِيمٌ لا يَنْسى رَحِيمٌ لا يَطْغى، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكانَ كُلُّ ما صَدَرَ عَنْهُ حِكْمَةً وصَوابًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْكُتُ ولا يَعْتَرِضُ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ يَنْكَشِفُ لَهُ أنَّ هَذا البَلاءَ مِنَ الحَقِّ، فاسْتِغْراقُهُ في شُهُودِ نُورِ المُبْلِي يَمْنَعُهُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالشِّكايَةِ عَنِ البَلاءِ. ولِذَلِكَ قِيلَ: المَحَبَّةُ التّامَّةُ لا تَزْدادُ بِالوَفاءِ ولا تَنْقُصُ بِالجَفاءِ، لِأنَّها لَوِ ازْدادَتْ بِالوَفاءِ لَكانَ المَحْبُوبُ هو النَّصِيبَ والحَظَّ. ومُوصِلُ النَّصِيبِ لا يَكُونُ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ بَلْ بِالعَرَضِ، فَهَذا هو الصَّبْرُ الجَمِيلُ. أمّا إذا كانَ الصَّبْرُ لا لِأجْلِ الرِّضا بِقَضاءِ الحَقِّ سُبْحانَهُ بَلْ كانَ لِسائِرِ الأغْراضِ، فَذَلِكَ الصَّبْرُ لا يَكُونُ جَمِيلًا، والضّابِطُ في جَمِيعِ الأفْعالِ والأقْوالِ والِاعْتِقاداتِ أنَّ كُلَّ ما كانَ لِطَلَبِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى كانَ حَسَنًا وإلّا فَلا، وهَهُنا يَظْهَرُ صِدْقُ ما رُوِيَ في الأثَرِ ”اسْتَفْتِ قَلْبَكَ ولَوْ أفْتاكَ المُفْتُونَ“ فَلْيَتَأمَّلِ الرَّجُلُ تَأمُّلًا شافِيًا، أنَّ الَّذِي أتى بِهِ هَلِ الحامِلُ والباعِثُ عَلَيْهِ طَلَبُ العُبُودِيَّةِ أمْ لا ؟ فَإنَّ أهْلَ العِلْمِ لَوْ أفْتَوْنا بِالشَّيْءِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ نَفْعٌ البَتَّةَ.
ولَمّا ذَكَرَ يَعْقُوبُ قَوْلَهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قالَ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ إقْدامَهُ عَلى الصَّبْرِ لا يُمْكِنُ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ الدَّواعِيَ النَّفْسانِيَّةَ تَدْعُوهُ إلى إظْهارِ الجَزَعِ وهي قَوِيَّةٌ، والدَّواعِي الرُّوحانِيَّةُ تَدْعُوهُ إلى الصَّبْرِ والرِّضا، فَكَأنَّهُ وقَعَتِ المُحارَبَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، فَما لَمْ تَحْصُلْ إعانَةُ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَحْصُلِ الغَلَبَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] .
يوسف 12:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا طَرَحُوا يُوسُفَ في الجُبِّ رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وقْتَ العِشاءِ باكِينَ، ورَواهُ ابْنُ جِنِّي عُشًى بِضَمِّ العَيْنِ والقَصْرِ. وقالَ: عَشَوْا مِنَ البُكاءِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ فَزِعَ يَعْقُوبُ وقالَ: هَلْ أصابَكم في غَنَمِكم شَيْءٌ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَما فَعَلَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: ﴿ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فَبَكى وصاحَ وقالَ: أيْنَ القَمِيصُ ؟ فَطَرَحَهُ عَلى وجْهِهِ حَتّى تَخَضَّبَ وجْهُهُ مِن دَمِ القَمِيصِ. ورُوِيَ أنَّ امْرَأةً تَحاكَمَتْ إلى شُرَيْحٍ فَبَكَتْ فَقالَ الشَّعْبِيُّ: يا أبا أُمَيَّةَ ما تَراها تَبْكِي ؟ قالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ يَبْكُونَ وهم ظَلَمَةٌ كَذَبَةٌ، لا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَقْضِيَ إلّا بِالحَقِّ. واخْتَلَفُوا في مَعْنى الِاسْتِباقِ، قالَ الزَّجّاجُ: يُسابِقُ بَعْضُهم بَعْضًا في الرَّمْيِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا سَبَقَ إلّا في خُفٍّ أوْ نَصْلٍ أوْ حافِرٍ» يَعْنِي بِالنَّصْلِ الرَّمْيَ، وأصْلُ السَّبَقِ في الرَّمْيِ بِالسَّهْمِ هو أنْ يَرْمِيَ اثْنانِ لِيَتَبَيَّنَ أيُّهُما يَكُونُ أسْبَقَ سَهْمًا وأبْعَدَ غَلْوَةً، ثُمَّ يُوصَفُ المُتَرامِيانِ بِذَلِكَ فَيُقالُ: اسْتَبَقا وتَسابَقا إذا فَعَلا ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ أيُّهُما أسْبَقُ سَهْمًا، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّفْسِيرِ ما رُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”إنّا ذَهَبْنا نَنْتَضِلُ“ .
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الِاسْتِباقِ: ما قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ ”نَسْتَبِقُ“ نَشْتَدُّ ونَعْدُوَ لِيَتَبَيَّنَ أيُّنا أسْرَعُ عَدْوًا.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَبِقُوا وهم رِجالٌ بالِغُونَ وهَذا مِن فِعْلِ الصِّبْيانِ ؟
قُلْنا: الِاسْتِباقُ مِنهم كانَ مِثْلَ الِاسْتِباقِ في الخَيْلِ، وكانُوا يُجَرِّبُونَ بِذَلِكَ أنْفُسَهم ويُدَرِّبُونَها عَلى العَدْوِ لِأنَّهُ كالآلَةِ لَهم في مُحارَبَةِ العَدُوِّ ومُدافَعَةِ الذِّئْبِ إذا اخْتَلَسَ الشّاةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قِيلَ أكَلَ الذِّئْبُ يُوسُفَ وقِيلَ عَرَّضُوا، وأرادُوا أكَلَ الذِّئْبُ المَتاعَ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَيْسَ المَعْنى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُصَدِّقُ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ صادِقٌ، بَلِ المَعْنى: لَوْ كُنّا عِنْدَكَ مِن أهْلِ الثِّقَةِ والصِّدْقِ لاتَّهَمْتَنا في يُوسُفَ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِكَ إيّاهُ ولَظَنَنْتَ أنّا قَدْ كَذَبْنا. والحاصِلُ أنّا وإنْ كُنّا صادِقِينَ لَكِنَّكَ لا تُصَدِّقُنا لِأنَّكَ تَتَّهِمُنا. وقِيلَ: المَعْنى: إنّا وإنْ كُنّا صادِقِينَ فَإنَّكَ لا تُصَدِّقُنا لِأنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ عِنْدَكَ أمارَةٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِنا.
صفحة ٨٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ، لِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ بِمُصَدِّقٍ. وإذا ثَبَتَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في أصْلِ اللُّغَةِ وجَبَ أنْ يَبْقى في عُرْفِ الشَّرْعِ كَذَلِكَ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٣] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما جاءُوا بِهَذا القَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ لِيُوهِمَ كَوْنَهم صادِقِينَ في مَقالَتِهِمْ. قِيلَ: ذَبَحُوا جِدْيًا ولَطَّخُوا ذَلِكَ القَمِيصَ بِدَمِهِ. قالَ القاضِي: ولَعَلَّ غَرَضَهم في نَزْعِ قَمِيصِهِ عِنْدَ إلْقائِهِ في غَيابَةِ الجُبِّ أنْ يَفْعَلُوا هَذا تَوْكِيدًا لِصِدْقِهِمْ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ طَمَعًا في نَفْسِ القَمِيصِ ولا بُدَّ في المَعْصِيَةِ مِن أنْ يُقْرَنَ بِهَذا الخِذْلانِ، فَلَوْ خَرَقُوهُ مَعَ لَطْخِهِ بِالدَّمِ لَكانَ الإيهامُ أقْوى، فَلَمّا شاهَدَ القَمِيصَ صَحِيحًا عَلِمَ كَذِبَهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ﴾ أيْ وجاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَما يُقالُ: جاءُوا عَلى جِمالِهِمْ بِأحْمالٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُ العَرَبِيَّةِ وهُمُ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أيْ مَكْذُوبٍ فِيهِ، إلّا أنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ عَلى تَقْدِيرِ دَمٍ ذِي كَذِبٍ ولَكِنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ كَذِبًا لِلْمُبالَغَةِ، قالُوا: والمَفْعُولُ والفاعِلُ يُسَمَّيانِ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: ماءٌ سَكْبٌ، أيْ مَسْكُوبٌ، ودِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمِيرِ وثَوْبٌ نَسْجُ اليَمَنِ، والفاعِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] ورَجُلٌ عَدْلٌ وصَوْمٌ، ونِساءٌ نَوْحٌ؛ ولَمّا سُمِّيا بِالمَصْدَرِ سُمِّيَ المَصْدَرُ أيْضًا بِهِما فَقالُوا لِلْعَقْلِ المَعْقُولُ، ولِلْجَلْدِ المَجْلُودُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] قالَ الشَّعْبِيُّ: قِصَّةُ يُوسُفَ كُلُّها في قَمِيصِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا ألْقَوْهُ في الجُبِّ نَزَعُوا قَمِيصَهُ ولَطَّخُوهُ بِالدَّمِ وعَرَضُوهُ عَلى أبِيهِ، ولَمّا شَهِدَ الشّاهِدُ قالَ: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] ولَمّا أُتِيَ بِقَمِيصِهِ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُلْقِيَ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ الكَلامَ واحْتَجُّوا عَلى صِدْقِهِمْ بِالقَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: بَلْ زَيَّنَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا. والتَّسْوِيلُ تَقْدِيرُ مَعْنًى في النَّفْسِ مَعَ الطَّمَعِ في إتْمامِهِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّ التَّسْوِيلَ تَفْعِيلٌ مِن سُؤالِ الإنْسانِ، وهو أُمْنِيَتُهُ الَّتِي يَطْلُبُها فَتُزَيِّنُ لِطالِبِها الباطِلَ وغَيْرَهُ. وأصْلُهُ مَهْمُوزٌ غَيْرَ أنَّ العَرَبَ اسْتَثْقَلُوا فِيهِ الهَمْزَ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”سَوَّلَتْ“ سَهَّلَتْ مِنَ السَّوْلِ وهو الِاسْتِرْخاءُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿بَلْ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ كَما تَقُولُونَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ﴾ في شَأْنِهِ ﴿أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا غَيْرَ ما تَصِفُونَ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي بِهِ عَرَفَ كَوْنَهم كاذِبِينَ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يَعْرِفُ الحَسَدَ الشَّدِيدَ في قُلُوبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِيُوسُفَ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: ٦]
صفحة ٨٣
وذَلِكَ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ.
القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا جاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، وما كانَ مُتَخَرِّقًا، قالَ: كَذَبْتُمْ لَوْ أكَلَهُ الذِّئْبُ لَخَرَقَ قَمِيصَهُ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّ هَذا الذِّئْبَ كانَ رَحِيمًا، فَكَيْفَ أكَلَ لَحْمَهُ ولَمْ يَخْرِقْ قَمِيصَهُ ؟ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: بَلْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ. فَقالَ: كَيْفَ قَتَلُوهُ وتَرَكُوا قَمِيصَهُ وهم إلى قَمِيصِهِ أحْوَجُ مِنهُ إلى قَتْلِهِ ؟ فَلَمّا اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم عَرَفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَذِبَهم.
* * *
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أوْلى مِنَ الجَزَعِ، ومِنهم مَن أضْمَرَ المُبْتَدَأ قالَ الخَلِيلُ: الَّذِي أفْعَلُهُ صَبْرٌ جَمِيلٌ. وقالَ قُطْرُبٌ: مَعْناهُ: فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: فَهو صَبْرٌ جَمِيلٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ سَقَطَ حاجِباهُ وكانَ يَرْفَعُهُما بِخِرْقَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا ؟ فَقالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا يَعْقُوبُ أتَشْكُونِي ؟ فَقالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ أخْطَأْتُها فاغْفِرْها لِي. ورُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في قِصَّةِ الإفْكِ أنَّها قالَتْ: واللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لا تُصَدِّقُونِي وإنِ اعْتَذَرْتُ لا تَعْذِرُونِي، فَمَثَلِي ومَثَلُكم كَمَثَلِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في عُذْرِها ما أنْزَلَ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَقالَ: ”صَبْرٌ لا شَكْوى فِيهِ فَمَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ“» ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقالَ مُجاهِدٌ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، أيْ مِن غَيْرِ جَزَعٍ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: مِنَ الصَّبْرِ أنْ لا تُحَدِّثَ بِوَجَعِكَ ولا بِمُصِيبَتِكَ، ولا تُزَكِّيَ نَفْسَكَ. وهَهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ الصَّبْرَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، فَأمّا الصَّبْرُ عَلى ظُلْمِ الظّالِمِينَ، ومَكْرِ الماكِرِينَ فَغَيْرُ واجِبٍ، بَلِ الواجِبُ إزالَتُهُ لا سِيَّما في الضَّرَرِ العائِدِ إلى الغَيْرِ، وهَهُنا أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا ظَهَرَ كَذِبُهم وخِيانَتُهم فَلِمَ صَبَرَ يَعْقُوبُ عَلى ذَلِكَ ؟ ولِمَ لَمْ يُبالِغْ في التَّفْتِيشِ والبَحْثِ سَعْيًا مِنهُ في تَخْلِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ البَلِيَّةِ والشِّدَّةِ إنْ كانَ في الأحْياءِ وفي إقامَةِ القِصاصِ إنْ صَحَّ أنَّهم قَتَلُوهُ ؟ فَثَبَتَ أنَّ الصَّبْرَ في المَقامِ مَذْمُومٌ.
ومِمّا يُقَوِّي هَذا السُّؤالَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ سَلِيمٌ لِأنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] والظّاهِرُ أنَّهُ إنَّما قالَ هَذا الكَلامَ مِنَ الوَحْيِ، وإذا كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ سَلِيمٌ فَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَسْعى في طَلَبِهِ، وأيْضًا إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَجُلًا عَظِيمَ القَدْرِ في نَفْسِهِ، وكانَ مِن بَيْتٍ عَظِيمٍ شَرِيفٍ، وأهْلُ العِلْمِ كانُوا يَعْرِفُونَهُ ويَعْتَقِدُونَ فِيهِ ويُعَظِّمُونَهُ فَلَوْ بالَغَ في الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ لَظَهَرَ ذَلِكَ واشْتَهَرَ ولَزالَ وجْهُ التَّلْبِيسِ. فَما السَّبَبُ في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ شِدَّةِ رَغْبَتِهِ في حُضُورِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونِهايَةِ حُبِّهِ لَهُ، لَمْ يَطْلُبْهُ مَعَ أنَّ طَلَبَهُ كانَ مِنَ الواجِباتِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الصَّبْرَ في هَذا المَقامِ مَذْمُومٌ عَقْلًا وشَرْعًا.
صفحة ٨٤
والجَوابُ عَنْهُ أنْ نَقُولَ: لا جَوابَ عَنْهُ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَنَعَهُ عَنِ الطَّلَبِ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ عَلَيْهِ، وتَغْلِيظًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَرَفَ بِقَرائِنِ الأحْوالِ أنَّ أوْلادَهُ أقْوِياءُ وأنَّهم لا يُمَكِّنُونَهُ مِنَ الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ، وأنَّهُ لَوْ بالَغَ في البَحْثِ فَرُبَّما أقْدَمُوا عَلى إيذائِهِ وقَتْلِهِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَصُونُ يُوسُفَ عَنِ البَلاءِ والمِحْنَةِ وأنَّ أمْرَهُ سَيُعَظَّمُ بِالآخِرَةِ، ثُمَّ لَمْ يُرِدْ هَتْكَ أسْتارِ سَرائِرِ أوْلادِهِ وما رَضِيَ بِإلْقائِهِمْ في ألْسِنَةِ النّاسِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ الوَلَدَيْنِ إذا ظَلَمَ الآخَرَ وقَعَ الأبُ في العَذابِ الشَّدِيدِ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَقِمْ يَحْتَرِقْ قَلْبُهُ عَلى الوَلَدِ المَظْلُومِ وإنِ انْتَقَمَ فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ عَلى الوَلَدِ الَّذِي يَنْتَقِمُ مِنهُ، فَلَمّا وقَعَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ البَلِيَّةِ رَأى أنَّ الأصْوَبَ الصَّبْرُ والسُّكُوتُ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما قَدْ يَكُونُ جَمِيلًا وما قَدْ يَكُونُ غَيْرَ جَمِيلٍ، فالصَّبْرُ الجَمِيلُ هو أنْ يَعْرِفَ أنَّ مُنْزِلَ ذَلِكَ البَلاءِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مالِكُ المُلْكِ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ في أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِ نَفْسِهِ فَيَصِيرُ اسْتِغْراقُ قَلْبِهِ في هَذا المَقامِ مانِعًا لَهُ مِن إظْهارِ الشِّكايَةِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ مُنْزِلَ هَذا البَلاءِ، حَكِيمٌ لا يَجْهَلُ، وعالِمٌ لا يَغْفُلُ، عَلِيمٌ لا يَنْسى رَحِيمٌ لا يَطْغى، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكانَ كُلُّ ما صَدَرَ عَنْهُ حِكْمَةً وصَوابًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْكُتُ ولا يَعْتَرِضُ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ يَنْكَشِفُ لَهُ أنَّ هَذا البَلاءَ مِنَ الحَقِّ، فاسْتِغْراقُهُ في شُهُودِ نُورِ المُبْلِي يَمْنَعُهُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالشِّكايَةِ عَنِ البَلاءِ. ولِذَلِكَ قِيلَ: المَحَبَّةُ التّامَّةُ لا تَزْدادُ بِالوَفاءِ ولا تَنْقُصُ بِالجَفاءِ، لِأنَّها لَوِ ازْدادَتْ بِالوَفاءِ لَكانَ المَحْبُوبُ هو النَّصِيبَ والحَظَّ. ومُوصِلُ النَّصِيبِ لا يَكُونُ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ بَلْ بِالعَرَضِ، فَهَذا هو الصَّبْرُ الجَمِيلُ. أمّا إذا كانَ الصَّبْرُ لا لِأجْلِ الرِّضا بِقَضاءِ الحَقِّ سُبْحانَهُ بَلْ كانَ لِسائِرِ الأغْراضِ، فَذَلِكَ الصَّبْرُ لا يَكُونُ جَمِيلًا، والضّابِطُ في جَمِيعِ الأفْعالِ والأقْوالِ والِاعْتِقاداتِ أنَّ كُلَّ ما كانَ لِطَلَبِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى كانَ حَسَنًا وإلّا فَلا، وهَهُنا يَظْهَرُ صِدْقُ ما رُوِيَ في الأثَرِ ”اسْتَفْتِ قَلْبَكَ ولَوْ أفْتاكَ المُفْتُونَ“ فَلْيَتَأمَّلِ الرَّجُلُ تَأمُّلًا شافِيًا، أنَّ الَّذِي أتى بِهِ هَلِ الحامِلُ والباعِثُ عَلَيْهِ طَلَبُ العُبُودِيَّةِ أمْ لا ؟ فَإنَّ أهْلَ العِلْمِ لَوْ أفْتَوْنا بِالشَّيْءِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ نَفْعٌ البَتَّةَ.
ولَمّا ذَكَرَ يَعْقُوبُ قَوْلَهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قالَ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ إقْدامَهُ عَلى الصَّبْرِ لا يُمْكِنُ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ الدَّواعِيَ النَّفْسانِيَّةَ تَدْعُوهُ إلى إظْهارِ الجَزَعِ وهي قَوِيَّةٌ، والدَّواعِي الرُّوحانِيَّةُ تَدْعُوهُ إلى الصَّبْرِ والرِّضا، فَكَأنَّهُ وقَعَتِ المُحارَبَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، فَما لَمْ تَحْصُلْ إعانَةُ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَحْصُلِ الغَلَبَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] .
يوسف 12:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا طَرَحُوا يُوسُفَ في الجُبِّ رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وقْتَ العِشاءِ باكِينَ، ورَواهُ ابْنُ جِنِّي عُشًى بِضَمِّ العَيْنِ والقَصْرِ. وقالَ: عَشَوْا مِنَ البُكاءِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ فَزِعَ يَعْقُوبُ وقالَ: هَلْ أصابَكم في غَنَمِكم شَيْءٌ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَما فَعَلَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: ﴿ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فَبَكى وصاحَ وقالَ: أيْنَ القَمِيصُ ؟ فَطَرَحَهُ عَلى وجْهِهِ حَتّى تَخَضَّبَ وجْهُهُ مِن دَمِ القَمِيصِ. ورُوِيَ أنَّ امْرَأةً تَحاكَمَتْ إلى شُرَيْحٍ فَبَكَتْ فَقالَ الشَّعْبِيُّ: يا أبا أُمَيَّةَ ما تَراها تَبْكِي ؟ قالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ يَبْكُونَ وهم ظَلَمَةٌ كَذَبَةٌ، لا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَقْضِيَ إلّا بِالحَقِّ. واخْتَلَفُوا في مَعْنى الِاسْتِباقِ، قالَ الزَّجّاجُ: يُسابِقُ بَعْضُهم بَعْضًا في الرَّمْيِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا سَبَقَ إلّا في خُفٍّ أوْ نَصْلٍ أوْ حافِرٍ» يَعْنِي بِالنَّصْلِ الرَّمْيَ، وأصْلُ السَّبَقِ في الرَّمْيِ بِالسَّهْمِ هو أنْ يَرْمِيَ اثْنانِ لِيَتَبَيَّنَ أيُّهُما يَكُونُ أسْبَقَ سَهْمًا وأبْعَدَ غَلْوَةً، ثُمَّ يُوصَفُ المُتَرامِيانِ بِذَلِكَ فَيُقالُ: اسْتَبَقا وتَسابَقا إذا فَعَلا ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ أيُّهُما أسْبَقُ سَهْمًا، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّفْسِيرِ ما رُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”إنّا ذَهَبْنا نَنْتَضِلُ“ .
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الِاسْتِباقِ: ما قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ ”نَسْتَبِقُ“ نَشْتَدُّ ونَعْدُوَ لِيَتَبَيَّنَ أيُّنا أسْرَعُ عَدْوًا.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَبِقُوا وهم رِجالٌ بالِغُونَ وهَذا مِن فِعْلِ الصِّبْيانِ ؟
قُلْنا: الِاسْتِباقُ مِنهم كانَ مِثْلَ الِاسْتِباقِ في الخَيْلِ، وكانُوا يُجَرِّبُونَ بِذَلِكَ أنْفُسَهم ويُدَرِّبُونَها عَلى العَدْوِ لِأنَّهُ كالآلَةِ لَهم في مُحارَبَةِ العَدُوِّ ومُدافَعَةِ الذِّئْبِ إذا اخْتَلَسَ الشّاةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قِيلَ أكَلَ الذِّئْبُ يُوسُفَ وقِيلَ عَرَّضُوا، وأرادُوا أكَلَ الذِّئْبُ المَتاعَ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَيْسَ المَعْنى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُصَدِّقُ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ صادِقٌ، بَلِ المَعْنى: لَوْ كُنّا عِنْدَكَ مِن أهْلِ الثِّقَةِ والصِّدْقِ لاتَّهَمْتَنا في يُوسُفَ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِكَ إيّاهُ ولَظَنَنْتَ أنّا قَدْ كَذَبْنا. والحاصِلُ أنّا وإنْ كُنّا صادِقِينَ لَكِنَّكَ لا تُصَدِّقُنا لِأنَّكَ تَتَّهِمُنا. وقِيلَ: المَعْنى: إنّا وإنْ كُنّا صادِقِينَ فَإنَّكَ لا تُصَدِّقُنا لِأنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ عِنْدَكَ أمارَةٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِنا.
صفحة ٨٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ، لِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ بِمُصَدِّقٍ. وإذا ثَبَتَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في أصْلِ اللُّغَةِ وجَبَ أنْ يَبْقى في عُرْفِ الشَّرْعِ كَذَلِكَ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٣] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما جاءُوا بِهَذا القَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ لِيُوهِمَ كَوْنَهم صادِقِينَ في مَقالَتِهِمْ. قِيلَ: ذَبَحُوا جِدْيًا ولَطَّخُوا ذَلِكَ القَمِيصَ بِدَمِهِ. قالَ القاضِي: ولَعَلَّ غَرَضَهم في نَزْعِ قَمِيصِهِ عِنْدَ إلْقائِهِ في غَيابَةِ الجُبِّ أنْ يَفْعَلُوا هَذا تَوْكِيدًا لِصِدْقِهِمْ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ طَمَعًا في نَفْسِ القَمِيصِ ولا بُدَّ في المَعْصِيَةِ مِن أنْ يُقْرَنَ بِهَذا الخِذْلانِ، فَلَوْ خَرَقُوهُ مَعَ لَطْخِهِ بِالدَّمِ لَكانَ الإيهامُ أقْوى، فَلَمّا شاهَدَ القَمِيصَ صَحِيحًا عَلِمَ كَذِبَهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ﴾ أيْ وجاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَما يُقالُ: جاءُوا عَلى جِمالِهِمْ بِأحْمالٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُ العَرَبِيَّةِ وهُمُ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أيْ مَكْذُوبٍ فِيهِ، إلّا أنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ عَلى تَقْدِيرِ دَمٍ ذِي كَذِبٍ ولَكِنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ كَذِبًا لِلْمُبالَغَةِ، قالُوا: والمَفْعُولُ والفاعِلُ يُسَمَّيانِ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: ماءٌ سَكْبٌ، أيْ مَسْكُوبٌ، ودِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمِيرِ وثَوْبٌ نَسْجُ اليَمَنِ، والفاعِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] ورَجُلٌ عَدْلٌ وصَوْمٌ، ونِساءٌ نَوْحٌ؛ ولَمّا سُمِّيا بِالمَصْدَرِ سُمِّيَ المَصْدَرُ أيْضًا بِهِما فَقالُوا لِلْعَقْلِ المَعْقُولُ، ولِلْجَلْدِ المَجْلُودُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] قالَ الشَّعْبِيُّ: قِصَّةُ يُوسُفَ كُلُّها في قَمِيصِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا ألْقَوْهُ في الجُبِّ نَزَعُوا قَمِيصَهُ ولَطَّخُوهُ بِالدَّمِ وعَرَضُوهُ عَلى أبِيهِ، ولَمّا شَهِدَ الشّاهِدُ قالَ: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] ولَمّا أُتِيَ بِقَمِيصِهِ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُلْقِيَ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ الكَلامَ واحْتَجُّوا عَلى صِدْقِهِمْ بِالقَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: بَلْ زَيَّنَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا. والتَّسْوِيلُ تَقْدِيرُ مَعْنًى في النَّفْسِ مَعَ الطَّمَعِ في إتْمامِهِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّ التَّسْوِيلَ تَفْعِيلٌ مِن سُؤالِ الإنْسانِ، وهو أُمْنِيَتُهُ الَّتِي يَطْلُبُها فَتُزَيِّنُ لِطالِبِها الباطِلَ وغَيْرَهُ. وأصْلُهُ مَهْمُوزٌ غَيْرَ أنَّ العَرَبَ اسْتَثْقَلُوا فِيهِ الهَمْزَ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”سَوَّلَتْ“ سَهَّلَتْ مِنَ السَّوْلِ وهو الِاسْتِرْخاءُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿بَلْ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ كَما تَقُولُونَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ﴾ في شَأْنِهِ ﴿أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا غَيْرَ ما تَصِفُونَ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي بِهِ عَرَفَ كَوْنَهم كاذِبِينَ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يَعْرِفُ الحَسَدَ الشَّدِيدَ في قُلُوبِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِيُوسُفَ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: ٦]
صفحة ٨٣
وذَلِكَ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ.
القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا جاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، وما كانَ مُتَخَرِّقًا، قالَ: كَذَبْتُمْ لَوْ أكَلَهُ الذِّئْبُ لَخَرَقَ قَمِيصَهُ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّ هَذا الذِّئْبَ كانَ رَحِيمًا، فَكَيْفَ أكَلَ لَحْمَهُ ولَمْ يَخْرِقْ قَمِيصَهُ ؟ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: بَلْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ. فَقالَ: كَيْفَ قَتَلُوهُ وتَرَكُوا قَمِيصَهُ وهم إلى قَمِيصِهِ أحْوَجُ مِنهُ إلى قَتْلِهِ ؟ فَلَمّا اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم عَرَفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَذِبَهم.
* * *
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أوْلى مِنَ الجَزَعِ، ومِنهم مَن أضْمَرَ المُبْتَدَأ قالَ الخَلِيلُ: الَّذِي أفْعَلُهُ صَبْرٌ جَمِيلٌ. وقالَ قُطْرُبٌ: مَعْناهُ: فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: فَهو صَبْرٌ جَمِيلٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ سَقَطَ حاجِباهُ وكانَ يَرْفَعُهُما بِخِرْقَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا ؟ فَقالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا يَعْقُوبُ أتَشْكُونِي ؟ فَقالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ أخْطَأْتُها فاغْفِرْها لِي. ورُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في قِصَّةِ الإفْكِ أنَّها قالَتْ: واللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لا تُصَدِّقُونِي وإنِ اعْتَذَرْتُ لا تَعْذِرُونِي، فَمَثَلِي ومَثَلُكم كَمَثَلِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في عُذْرِها ما أنْزَلَ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَقالَ: ”صَبْرٌ لا شَكْوى فِيهِ فَمَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ“» ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقالَ مُجاهِدٌ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، أيْ مِن غَيْرِ جَزَعٍ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: مِنَ الصَّبْرِ أنْ لا تُحَدِّثَ بِوَجَعِكَ ولا بِمُصِيبَتِكَ، ولا تُزَكِّيَ نَفْسَكَ. وهَهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ الصَّبْرَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، فَأمّا الصَّبْرُ عَلى ظُلْمِ الظّالِمِينَ، ومَكْرِ الماكِرِينَ فَغَيْرُ واجِبٍ، بَلِ الواجِبُ إزالَتُهُ لا سِيَّما في الضَّرَرِ العائِدِ إلى الغَيْرِ، وهَهُنا أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا ظَهَرَ كَذِبُهم وخِيانَتُهم فَلِمَ صَبَرَ يَعْقُوبُ عَلى ذَلِكَ ؟ ولِمَ لَمْ يُبالِغْ في التَّفْتِيشِ والبَحْثِ سَعْيًا مِنهُ في تَخْلِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ البَلِيَّةِ والشِّدَّةِ إنْ كانَ في الأحْياءِ وفي إقامَةِ القِصاصِ إنْ صَحَّ أنَّهم قَتَلُوهُ ؟ فَثَبَتَ أنَّ الصَّبْرَ في المَقامِ مَذْمُومٌ.
ومِمّا يُقَوِّي هَذا السُّؤالَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ سَلِيمٌ لِأنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] والظّاهِرُ أنَّهُ إنَّما قالَ هَذا الكَلامَ مِنَ الوَحْيِ، وإذا كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ سَلِيمٌ فَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَسْعى في طَلَبِهِ، وأيْضًا إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَجُلًا عَظِيمَ القَدْرِ في نَفْسِهِ، وكانَ مِن بَيْتٍ عَظِيمٍ شَرِيفٍ، وأهْلُ العِلْمِ كانُوا يَعْرِفُونَهُ ويَعْتَقِدُونَ فِيهِ ويُعَظِّمُونَهُ فَلَوْ بالَغَ في الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ لَظَهَرَ ذَلِكَ واشْتَهَرَ ولَزالَ وجْهُ التَّلْبِيسِ. فَما السَّبَبُ في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ شِدَّةِ رَغْبَتِهِ في حُضُورِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونِهايَةِ حُبِّهِ لَهُ، لَمْ يَطْلُبْهُ مَعَ أنَّ طَلَبَهُ كانَ مِنَ الواجِباتِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الصَّبْرَ في هَذا المَقامِ مَذْمُومٌ عَقْلًا وشَرْعًا.
صفحة ٨٤
والجَوابُ عَنْهُ أنْ نَقُولَ: لا جَوابَ عَنْهُ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَنَعَهُ عَنِ الطَّلَبِ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ عَلَيْهِ، وتَغْلِيظًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَرَفَ بِقَرائِنِ الأحْوالِ أنَّ أوْلادَهُ أقْوِياءُ وأنَّهم لا يُمَكِّنُونَهُ مِنَ الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ، وأنَّهُ لَوْ بالَغَ في البَحْثِ فَرُبَّما أقْدَمُوا عَلى إيذائِهِ وقَتْلِهِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَصُونُ يُوسُفَ عَنِ البَلاءِ والمِحْنَةِ وأنَّ أمْرَهُ سَيُعَظَّمُ بِالآخِرَةِ، ثُمَّ لَمْ يُرِدْ هَتْكَ أسْتارِ سَرائِرِ أوْلادِهِ وما رَضِيَ بِإلْقائِهِمْ في ألْسِنَةِ النّاسِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ الوَلَدَيْنِ إذا ظَلَمَ الآخَرَ وقَعَ الأبُ في العَذابِ الشَّدِيدِ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَقِمْ يَحْتَرِقْ قَلْبُهُ عَلى الوَلَدِ المَظْلُومِ وإنِ انْتَقَمَ فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ عَلى الوَلَدِ الَّذِي يَنْتَقِمُ مِنهُ، فَلَمّا وقَعَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ البَلِيَّةِ رَأى أنَّ الأصْوَبَ الصَّبْرُ والسُّكُوتُ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما قَدْ يَكُونُ جَمِيلًا وما قَدْ يَكُونُ غَيْرَ جَمِيلٍ، فالصَّبْرُ الجَمِيلُ هو أنْ يَعْرِفَ أنَّ مُنْزِلَ ذَلِكَ البَلاءِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مالِكُ المُلْكِ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ في أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِ نَفْسِهِ فَيَصِيرُ اسْتِغْراقُ قَلْبِهِ في هَذا المَقامِ مانِعًا لَهُ مِن إظْهارِ الشِّكايَةِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ مُنْزِلَ هَذا البَلاءِ، حَكِيمٌ لا يَجْهَلُ، وعالِمٌ لا يَغْفُلُ، عَلِيمٌ لا يَنْسى رَحِيمٌ لا يَطْغى، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكانَ كُلُّ ما صَدَرَ عَنْهُ حِكْمَةً وصَوابًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْكُتُ ولا يَعْتَرِضُ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ يَنْكَشِفُ لَهُ أنَّ هَذا البَلاءَ مِنَ الحَقِّ، فاسْتِغْراقُهُ في شُهُودِ نُورِ المُبْلِي يَمْنَعُهُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالشِّكايَةِ عَنِ البَلاءِ. ولِذَلِكَ قِيلَ: المَحَبَّةُ التّامَّةُ لا تَزْدادُ بِالوَفاءِ ولا تَنْقُصُ بِالجَفاءِ، لِأنَّها لَوِ ازْدادَتْ بِالوَفاءِ لَكانَ المَحْبُوبُ هو النَّصِيبَ والحَظَّ. ومُوصِلُ النَّصِيبِ لا يَكُونُ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ بَلْ بِالعَرَضِ، فَهَذا هو الصَّبْرُ الجَمِيلُ. أمّا إذا كانَ الصَّبْرُ لا لِأجْلِ الرِّضا بِقَضاءِ الحَقِّ سُبْحانَهُ بَلْ كانَ لِسائِرِ الأغْراضِ، فَذَلِكَ الصَّبْرُ لا يَكُونُ جَمِيلًا، والضّابِطُ في جَمِيعِ الأفْعالِ والأقْوالِ والِاعْتِقاداتِ أنَّ كُلَّ ما كانَ لِطَلَبِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى كانَ حَسَنًا وإلّا فَلا، وهَهُنا يَظْهَرُ صِدْقُ ما رُوِيَ في الأثَرِ ”اسْتَفْتِ قَلْبَكَ ولَوْ أفْتاكَ المُفْتُونَ“ فَلْيَتَأمَّلِ الرَّجُلُ تَأمُّلًا شافِيًا، أنَّ الَّذِي أتى بِهِ هَلِ الحامِلُ والباعِثُ عَلَيْهِ طَلَبُ العُبُودِيَّةِ أمْ لا ؟ فَإنَّ أهْلَ العِلْمِ لَوْ أفْتَوْنا بِالشَّيْءِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ نَفْعٌ البَتَّةَ.
ولَمّا ذَكَرَ يَعْقُوبُ قَوْلَهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قالَ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ إقْدامَهُ عَلى الصَّبْرِ لا يُمْكِنُ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ الدَّواعِيَ النَّفْسانِيَّةَ تَدْعُوهُ إلى إظْهارِ الجَزَعِ وهي قَوِيَّةٌ، والدَّواعِي الرُّوحانِيَّةُ تَدْعُوهُ إلى الصَّبْرِ والرِّضا، فَكَأنَّهُ وقَعَتِ المُحارَبَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، فَما لَمْ تَحْصُلْ إعانَةُ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَحْصُلِ الغَلَبَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] .
يوسف 12:19
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يابُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَيْفَ سَهَّلَ السَّبِيلَ في خَلاصِ يُوسُفَ مِن تِلْكَ المِحْنَةِ، فَقالَ: ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ يَعْنِي رُفْقَةً تَسِيرُ لِلسَّفَرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جاءَتْ سَيّارَةٌ أيْ قَوْمٌ يَسِيرُونَ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ فَأخْطَأُوا الطَّرِيقَ فانْطَلَقُوا يَهِيمُونَ عَلى غَيْرِ طَرِيقٍ، فَهَبَطُوا عَلى أرْضٍ فِيها جُبُّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ الجُبُّ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ العُمْرانِ لَمْ يَكُنْ إلّا لِلرُّعاةِ، وقِيلَ: كانَ ماؤُهُ مِلْحًا فَعَذُبَ حِينَ أُلْقِيَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأرْسَلُوا رَجُلًا يُقالُ لَهُ: مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ الخُزاعِيُّ لِيَطْلُبَ لَهُمُ الماءَ، والوارِدُ الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ القَوْمُ ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ عامَّةِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ يُقالُ: أدْلى دَلْوَهُ إذا أرْسَلَها في البِئْرِ ودَلّاها إذا نَزَعَها مِنَ البِئْرِ، يُقالُ: أدْلى يُدْلِي إدْلاءً إذا أرْسَلَ ودَلا يَدْلُو دَلْوًا إذا جَذَبَ وأخْرَجَ، والدَّلْوُ مَعْرُوفٌ، والجَمْعُ دِلاءٌ ﴿قالَ يابُشْرى هَذا غُلامٌ﴾ وهَهُنا مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَظَهَرَ يُوسُفُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أدْلى الوارِدُ دَلْوَهُ وكانَ يُوسُفُ في ناحِيَةٍ مِن قَعْرِ البِئْرِ تَعَلَّقَ بِالحَبْلِ فَنَظَرَ الوارِدُ إلَيْهِ ورَأى حُسْنَهُ فَنادى، فَقالَ: يا بُشْرى. وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”بُشْرِي“ بِغَيْرِ الألِفِ وبِسُكُونِ الياءِ، والباقُونَ يا بُشْرايَ بِالألِفِ وفَتْحِ الياءِ عَلى الإضافَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿يابُشْرى﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها كَلِمَةٌ تُذْكَرُ عِنْدَ البِشارَةِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: يا عَجَبًا مِن كَذا، وقَوْلُهُ: ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي تَفْسِيرِ النِّداءِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى النِّداءِ في هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي لا تُجِيبُ تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ وتَوْكِيدُ القِصَّةِ، فَإذا قُلْتَ: يا عَجَباهُ فَكَأنَّكَ قُلْتَ اعْجَبُوا.
الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّهُ يَقُولُ: يا أيَّتُها البُشْرى هَذا الوَقْتُ وقْتُكِ، ولَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يُخاطَبُ لَخُوطِبْتَ الآنَ ولَأُمِرْتَ بِالحُضُورِ.
واعْلَمْ أنَّ سَبَبَ البِشارَةِ هو أنَّهم وجَدُوا غُلامًا في غايَةِ الحُسْنِ وقالُوا: نَبِيعُهُ بِثَمَنٍ عَظِيمٍ ويَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ الغِنى.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ أنَّ الَّذِي نادى صاحِبَهُ وكانَ اسْمَهُ، فَقالَ يا بُشْرى كَما تَقُولُ يا زَيْدُ. وعَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قالَ: دَعا امْرَأةً اسْمُها بُشْرى ”يا بُشْرى“ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنْ جَعَلْنا البُشْرى اسْمًا لِلْبِشارَةِ، وهو الوَجْهُ، جازَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَما قِيلَ: يا رَجُلُ لِاخْتِصاصِهِ بِالنِّداءِ، وجازَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ النِّداءَ شائِعًا في جِنْسِ البُشْرى، ولَمْ يَخُصَّ كَما تَقُولُ: يا رَجُلًا و﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في ”وأسَرُّوهُ“ إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الوارِدِ، وأصْحابُهُ أخْفَوْا مِنَ الرُّفْقَةِ أنَّهم وجَدُوهُ في الجُبِّ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: إنْ قُلْنا لِلسَّيّارَةِ التَقَطْناهُ شارَكُونا فِيهِ، وإنْ قُلْنا اشْتَرَيْناهُ: سَألُونا الشَّرِكَةَ، فالأصْوَبُ أنْ نَقُولَ: إنَّ أهْلَ الماءِ جَعَلُوهُ بِضاعَةً عِنْدَنا عَلى أنْ نَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ.
والثّانِي: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وأسَرُّوهُ﴾ يَعْنِي: إخْوَةُ يُوسُفَ أسَرُّوا شَأْنَهُ، والمَعْنى: أنَّهم أخْفَوْا كَوْنَهُ
صفحة ٨٦
أخًا لَهم، بَلْ قالُوا: إنَّهُ عَبْدٌ لَنا أبَقَ مِنّا، وتابَعَهم عَلى ذَلِكَ يُوسُفُ لِأنَّهم تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ بِلِسانِ العِبْرانِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ أسَرُّوهُ حالَ ما حَكَمُوا بِأنَّهُ بِضاعَةٌ، وذَلِكَ إنَّما يَلِيقُ بِالوارِدِ لا بِإخْوَةِ يُوسُفَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: البِضاعَةُ القِطْعَةُ مِنَ المالِ تُجْعَلُ لِلتِّجارَةِ مِن بَضَعْتُ اللَّحْمَ إذا قَطَعْتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وبِضاعَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: وأسَرُّوهُ حالَ ما جَعَلُوهُ بِضاعَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ في النَّوْمِ سَجَدَتْ لَهُ وذَكَرَ ذَلِكَ حَسَدَهُ إخْوَتُهُ عَلَيْهِ واحْتالُوا في إبْطالِ ذَلِكَ الأمْرِ عَلَيْهِ فَأوْقَعُوهُ في البَلاءِ الشَّدِيدِ حَتّى لا يَتَيَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ المَقْصُودُ، وأنَّهُ تَعالى جَعَلَ وُقُوعَهُ في ذَلِكَ البَلاءِ سَبَبًا إلى وُصُولِهِ إلى مِصْرَ، ثُمَّ تَمادَتْ وقائِعُهُ وتَتابَعَ الأمْرُ إلى أنْ صارَ مَلِكَ مِصْرَ وحَصَلَ ذَلِكَ الَّذِي رَآهُ في النَّوْمِ، فَكانَ العَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ الأعْداءُ في دَفْعِهِ عَنْ ذَلِكَ المَطْلُوبِ صَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى سَبَبًا لِحُصُولِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿وشَرَوْهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ الشِّراءِ هو البَيْعُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي ذَلِكَ البائِعِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما إنْ إخْوَةُ يُوسُفَ لَمّا طَرَحُوا يُوسُفَ في الجُبِّ ورَجَعُوا عادُوا بَعْدَ ثَلاثٍ يَتَعَرَّفُونَ خَبَرَهُ، فَلَمّا لَمْ يَرَوْهُ في الجُبِّ ورَأوْا آثارَ السَّيّارَةِ طَلَبُوهم فَلَمّا رَأوْا يُوسُفَ قالُوا: هَذا عَبْدُنا أبَقَ مِنّا، فَقالُوا لَهم: فَبِيعُوهُ مِنّا فَباعُوهُ مِنهم، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وشَرَوْهُ﴾ أيْ باعُوهُ، يُقالُ: شَرَيْتُ الشَّيْءَ إذا بِعْتَهُ، وإنَّما وجَبَ حَمْلُ هَذا الشِّراءِ عَلى البَيْعِ، لِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وشَرَوْهُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ عائِدٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، لَكِنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ عائِدٌ إلى الإخْوَةِ، فَكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وشَرَوْهُ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الإخْوَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهم باعُوهُ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الشِّراءِ عَلى البَيْعِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ بائِعَ يُوسُفَ هُمُ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوهُ مِنَ البِئْرِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: رَبُّكَ أعْلَمُ أإخْوَتُهُ باعُوهُ أمِ السَّيّارَةُ، وهَهُنا قَوْلٌ آخَرُ وهو أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الشِّراءِ نَفْسُ الشِّراءِ، والمَعْنى أنَّ القَوْمَ اشْتَرَوْهُ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، لِأنَّهم عَلِمُوا بِقَرائِنِ الحالِ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كَذّابُونَ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ عَبْدُنا، ورُبَّما عَرَفُوا أيْضًا أنَّهُ ولَدُ يَعْقُوبَ فَكَرِهُوا شِراءَهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِن ظُهُورِ تِلْكَ الواقِعَةِ، إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ اشْتَرَوْهُ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّهُمُ اشْتَرَوْهُ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ مَعَ أنَّهم أظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وغَرَضُهم أنْ يَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلى تَقْلِيلِ الثَّمَنِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّ الإخْوَةَ لَمّا قالُوا: إنَّهُ عَبْدُنا أبَقَ صارَ المُشْتَرِي عَدِيمَ الرَّغْبَةِ فِيهِ. قالَ مُجاهِدٌ: وكانُوا يَقُولُونَ اسْتَوْثِقُوا مِنهُ لِئَلّا يَأْبَقَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ الثَّمَنَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ بَخْسًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَرامًا لِأنَّ ثَمَنَ الحُرِّ حَرامٌ، وقالَ: كُلُّ بَخْسٍ في كِتابِ اللَّهِ نُقْصانٌ إلّا هَذا فَإنَّهُ حَرامٌ، قالَ الواحِدِيُّ: سَمَّوُا الحَرامَ بَخْسًا لِأنَّهُ ناقِصُ البَرَكَةِ، وقالَ قَتادَةُ: بَخْسٌ
صفحة ٨٧
ظُلْمٌ والظُّلْمُ نُقْصانٌ، يُقالُ ظَلَمَهُ أيْ نَقَصَهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ: قَلِيلٌ، وقِيلَ: ناقِصٌ عَنِ القِيمَةِ نُقْصانًا ظاهِرًا، وقِيلَ: كانَتِ الدَّراهِمُ زُيُوفًا ناقِصَةَ العِيارِ. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: وعَلى الأقْوالِ كُلِّها، فالبَخْسُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، والمَعْنى بِثَمَنٍ مَبْخُوسٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ قِيلَ: تُعَدُّ عَدًّا ولا تُوزَنُ، لِأنَّهم كانُوا لا يَزِنُونَ إلّا إذا بَلَغَ أُوقِيَّةً، وهي الأرْبَعُونَ، ويَعُدُّونَ ما دُونَها، فَقِيلَ لِلْقَلِيلِ مَعْدُودٌ، لِأنَّ الكَثِيرَةَ يَمْتَنِعُ مِن عَدِّها لِكَثْرَتِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وعَنِ السُّدِّيِّ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا. قالُوا: والإخْوَةُ كانُوا أحَدَ عَشَرَ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم أخَذَ دِرْهَمَيْنِ إلّا يَهُوذا لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ ومَعْنى الزُّهْدِ قِلَّةُ الرَّغْبَةِ، يُقالُ زَهِدَ فُلانٌ في كَذا إذا لَمْ يَرْغَبْ فِيهِ وأصْلُهُ القِلَّةُ، يُقالُ: رَجُلٌ زَهِيدٌ إذا كانَ قَلِيلَ الطَّمَعِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ باعُوهُ؛ لِأنَّهم كانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ.
والثّانِي: أنَّ السَّيّارَةَ الَّذِينَ باعُوهُ كانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ لا يُبالِي بِأيِّ شَيْءٍ يَبِيعُهُ، أوْ لِأنَّهم خافُوا أنْ يَظْهَرَ المُسْتَحِقُّ فَيَنْزِعُهُ مَن يَدِهِمْ، فَلا جَرَمَ باعُوهُ بِأوْكَسِ الأثْمانِ.
والثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوْهُ كانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وقَدْ سَبَقَ تَوْجِيهُ هَذِهِ الأقْوالِ فِيما تَقَدَّمَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الثَّمَنِ البَخْسِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:20
صفحة ٨٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يابُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَيْفَ سَهَّلَ السَّبِيلَ في خَلاصِ يُوسُفَ مِن تِلْكَ المِحْنَةِ، فَقالَ: ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ يَعْنِي رُفْقَةً تَسِيرُ لِلسَّفَرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جاءَتْ سَيّارَةٌ أيْ قَوْمٌ يَسِيرُونَ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ فَأخْطَأُوا الطَّرِيقَ فانْطَلَقُوا يَهِيمُونَ عَلى غَيْرِ طَرِيقٍ، فَهَبَطُوا عَلى أرْضٍ فِيها جُبُّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ الجُبُّ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ العُمْرانِ لَمْ يَكُنْ إلّا لِلرُّعاةِ، وقِيلَ: كانَ ماؤُهُ مِلْحًا فَعَذُبَ حِينَ أُلْقِيَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأرْسَلُوا رَجُلًا يُقالُ لَهُ: مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ الخُزاعِيُّ لِيَطْلُبَ لَهُمُ الماءَ، والوارِدُ الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ القَوْمُ ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ عامَّةِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ يُقالُ: أدْلى دَلْوَهُ إذا أرْسَلَها في البِئْرِ ودَلّاها إذا نَزَعَها مِنَ البِئْرِ، يُقالُ: أدْلى يُدْلِي إدْلاءً إذا أرْسَلَ ودَلا يَدْلُو دَلْوًا إذا جَذَبَ وأخْرَجَ، والدَّلْوُ مَعْرُوفٌ، والجَمْعُ دِلاءٌ ﴿قالَ يابُشْرى هَذا غُلامٌ﴾ وهَهُنا مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَظَهَرَ يُوسُفُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أدْلى الوارِدُ دَلْوَهُ وكانَ يُوسُفُ في ناحِيَةٍ مِن قَعْرِ البِئْرِ تَعَلَّقَ بِالحَبْلِ فَنَظَرَ الوارِدُ إلَيْهِ ورَأى حُسْنَهُ فَنادى، فَقالَ: يا بُشْرى. وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”بُشْرِي“ بِغَيْرِ الألِفِ وبِسُكُونِ الياءِ، والباقُونَ يا بُشْرايَ بِالألِفِ وفَتْحِ الياءِ عَلى الإضافَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿يابُشْرى﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها كَلِمَةٌ تُذْكَرُ عِنْدَ البِشارَةِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: يا عَجَبًا مِن كَذا، وقَوْلُهُ: ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي تَفْسِيرِ النِّداءِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى النِّداءِ في هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي لا تُجِيبُ تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ وتَوْكِيدُ القِصَّةِ، فَإذا قُلْتَ: يا عَجَباهُ فَكَأنَّكَ قُلْتَ اعْجَبُوا.
الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّهُ يَقُولُ: يا أيَّتُها البُشْرى هَذا الوَقْتُ وقْتُكِ، ولَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يُخاطَبُ لَخُوطِبْتَ الآنَ ولَأُمِرْتَ بِالحُضُورِ.
واعْلَمْ أنَّ سَبَبَ البِشارَةِ هو أنَّهم وجَدُوا غُلامًا في غايَةِ الحُسْنِ وقالُوا: نَبِيعُهُ بِثَمَنٍ عَظِيمٍ ويَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ الغِنى.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ أنَّ الَّذِي نادى صاحِبَهُ وكانَ اسْمَهُ، فَقالَ يا بُشْرى كَما تَقُولُ يا زَيْدُ. وعَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قالَ: دَعا امْرَأةً اسْمُها بُشْرى ”يا بُشْرى“ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنْ جَعَلْنا البُشْرى اسْمًا لِلْبِشارَةِ، وهو الوَجْهُ، جازَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَما قِيلَ: يا رَجُلُ لِاخْتِصاصِهِ بِالنِّداءِ، وجازَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ النِّداءَ شائِعًا في جِنْسِ البُشْرى، ولَمْ يَخُصَّ كَما تَقُولُ: يا رَجُلًا و﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في ”وأسَرُّوهُ“ إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الوارِدِ، وأصْحابُهُ أخْفَوْا مِنَ الرُّفْقَةِ أنَّهم وجَدُوهُ في الجُبِّ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: إنْ قُلْنا لِلسَّيّارَةِ التَقَطْناهُ شارَكُونا فِيهِ، وإنْ قُلْنا اشْتَرَيْناهُ: سَألُونا الشَّرِكَةَ، فالأصْوَبُ أنْ نَقُولَ: إنَّ أهْلَ الماءِ جَعَلُوهُ بِضاعَةً عِنْدَنا عَلى أنْ نَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ.
والثّانِي: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وأسَرُّوهُ﴾ يَعْنِي: إخْوَةُ يُوسُفَ أسَرُّوا شَأْنَهُ، والمَعْنى: أنَّهم أخْفَوْا كَوْنَهُ
صفحة ٨٦
أخًا لَهم، بَلْ قالُوا: إنَّهُ عَبْدٌ لَنا أبَقَ مِنّا، وتابَعَهم عَلى ذَلِكَ يُوسُفُ لِأنَّهم تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ بِلِسانِ العِبْرانِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ أسَرُّوهُ حالَ ما حَكَمُوا بِأنَّهُ بِضاعَةٌ، وذَلِكَ إنَّما يَلِيقُ بِالوارِدِ لا بِإخْوَةِ يُوسُفَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: البِضاعَةُ القِطْعَةُ مِنَ المالِ تُجْعَلُ لِلتِّجارَةِ مِن بَضَعْتُ اللَّحْمَ إذا قَطَعْتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وبِضاعَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: وأسَرُّوهُ حالَ ما جَعَلُوهُ بِضاعَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ في النَّوْمِ سَجَدَتْ لَهُ وذَكَرَ ذَلِكَ حَسَدَهُ إخْوَتُهُ عَلَيْهِ واحْتالُوا في إبْطالِ ذَلِكَ الأمْرِ عَلَيْهِ فَأوْقَعُوهُ في البَلاءِ الشَّدِيدِ حَتّى لا يَتَيَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ المَقْصُودُ، وأنَّهُ تَعالى جَعَلَ وُقُوعَهُ في ذَلِكَ البَلاءِ سَبَبًا إلى وُصُولِهِ إلى مِصْرَ، ثُمَّ تَمادَتْ وقائِعُهُ وتَتابَعَ الأمْرُ إلى أنْ صارَ مَلِكَ مِصْرَ وحَصَلَ ذَلِكَ الَّذِي رَآهُ في النَّوْمِ، فَكانَ العَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ الأعْداءُ في دَفْعِهِ عَنْ ذَلِكَ المَطْلُوبِ صَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى سَبَبًا لِحُصُولِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿وشَرَوْهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ الشِّراءِ هو البَيْعُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي ذَلِكَ البائِعِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما إنْ إخْوَةُ يُوسُفَ لَمّا طَرَحُوا يُوسُفَ في الجُبِّ ورَجَعُوا عادُوا بَعْدَ ثَلاثٍ يَتَعَرَّفُونَ خَبَرَهُ، فَلَمّا لَمْ يَرَوْهُ في الجُبِّ ورَأوْا آثارَ السَّيّارَةِ طَلَبُوهم فَلَمّا رَأوْا يُوسُفَ قالُوا: هَذا عَبْدُنا أبَقَ مِنّا، فَقالُوا لَهم: فَبِيعُوهُ مِنّا فَباعُوهُ مِنهم، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وشَرَوْهُ﴾ أيْ باعُوهُ، يُقالُ: شَرَيْتُ الشَّيْءَ إذا بِعْتَهُ، وإنَّما وجَبَ حَمْلُ هَذا الشِّراءِ عَلى البَيْعِ، لِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وشَرَوْهُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ عائِدٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، لَكِنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ عائِدٌ إلى الإخْوَةِ، فَكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وشَرَوْهُ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الإخْوَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهم باعُوهُ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الشِّراءِ عَلى البَيْعِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ بائِعَ يُوسُفَ هُمُ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوهُ مِنَ البِئْرِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: رَبُّكَ أعْلَمُ أإخْوَتُهُ باعُوهُ أمِ السَّيّارَةُ، وهَهُنا قَوْلٌ آخَرُ وهو أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الشِّراءِ نَفْسُ الشِّراءِ، والمَعْنى أنَّ القَوْمَ اشْتَرَوْهُ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، لِأنَّهم عَلِمُوا بِقَرائِنِ الحالِ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كَذّابُونَ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ عَبْدُنا، ورُبَّما عَرَفُوا أيْضًا أنَّهُ ولَدُ يَعْقُوبَ فَكَرِهُوا شِراءَهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِن ظُهُورِ تِلْكَ الواقِعَةِ، إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ اشْتَرَوْهُ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّهُمُ اشْتَرَوْهُ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ مَعَ أنَّهم أظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وغَرَضُهم أنْ يَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلى تَقْلِيلِ الثَّمَنِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّ الإخْوَةَ لَمّا قالُوا: إنَّهُ عَبْدُنا أبَقَ صارَ المُشْتَرِي عَدِيمَ الرَّغْبَةِ فِيهِ. قالَ مُجاهِدٌ: وكانُوا يَقُولُونَ اسْتَوْثِقُوا مِنهُ لِئَلّا يَأْبَقَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ الثَّمَنَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ بَخْسًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَرامًا لِأنَّ ثَمَنَ الحُرِّ حَرامٌ، وقالَ: كُلُّ بَخْسٍ في كِتابِ اللَّهِ نُقْصانٌ إلّا هَذا فَإنَّهُ حَرامٌ، قالَ الواحِدِيُّ: سَمَّوُا الحَرامَ بَخْسًا لِأنَّهُ ناقِصُ البَرَكَةِ، وقالَ قَتادَةُ: بَخْسٌ
صفحة ٨٧
ظُلْمٌ والظُّلْمُ نُقْصانٌ، يُقالُ ظَلَمَهُ أيْ نَقَصَهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ: قَلِيلٌ، وقِيلَ: ناقِصٌ عَنِ القِيمَةِ نُقْصانًا ظاهِرًا، وقِيلَ: كانَتِ الدَّراهِمُ زُيُوفًا ناقِصَةَ العِيارِ. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: وعَلى الأقْوالِ كُلِّها، فالبَخْسُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، والمَعْنى بِثَمَنٍ مَبْخُوسٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ قِيلَ: تُعَدُّ عَدًّا ولا تُوزَنُ، لِأنَّهم كانُوا لا يَزِنُونَ إلّا إذا بَلَغَ أُوقِيَّةً، وهي الأرْبَعُونَ، ويَعُدُّونَ ما دُونَها، فَقِيلَ لِلْقَلِيلِ مَعْدُودٌ، لِأنَّ الكَثِيرَةَ يَمْتَنِعُ مِن عَدِّها لِكَثْرَتِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وعَنِ السُّدِّيِّ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا. قالُوا: والإخْوَةُ كانُوا أحَدَ عَشَرَ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم أخَذَ دِرْهَمَيْنِ إلّا يَهُوذا لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ ومَعْنى الزُّهْدِ قِلَّةُ الرَّغْبَةِ، يُقالُ زَهِدَ فُلانٌ في كَذا إذا لَمْ يَرْغَبْ فِيهِ وأصْلُهُ القِلَّةُ، يُقالُ: رَجُلٌ زَهِيدٌ إذا كانَ قَلِيلَ الطَّمَعِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ باعُوهُ؛ لِأنَّهم كانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ.
والثّانِي: أنَّ السَّيّارَةَ الَّذِينَ باعُوهُ كانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ لا يُبالِي بِأيِّ شَيْءٍ يَبِيعُهُ، أوْ لِأنَّهم خافُوا أنْ يَظْهَرَ المُسْتَحِقُّ فَيَنْزِعُهُ مَن يَدِهِمْ، فَلا جَرَمَ باعُوهُ بِأوْكَسِ الأثْمانِ.
والثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوْهُ كانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وقَدْ سَبَقَ تَوْجِيهُ هَذِهِ الأقْوالِ فِيما تَقَدَّمَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الثَّمَنِ البَخْسِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في الأخْبارِ أنَّ الَّذِي اشْتَراهُ إمّا مِنَ الإخْوَةِ أوْ مِنَ الوارِدِينَ عَلى الماءِ ذَهَبَ بِهِ إلى مِصْرَ وباعَهُ هُناكَ. وقِيلَ إنَّ الَّذِي اشْتَراهُ قِطْفِيرُ أوْ إطْفِيرُ وهو العَزِيزُ الَّذِي كانَ يَلِي خَزائِنَ مِصْرَ، والمَلِكُ يَوْمَئِذٍ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ رَجُلٌ مِنَ العَمالِيقِ، وقَدْ آمَنَ بِيُوسُفَ وماتَ في حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبٍ فَدَعاهُ يُوسُفُ إلى الإسْلامِ فَأبى، واشْتَراهُ العَزِيزُ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وأقامَ في مَنزِلِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، واسْتَوْزَرَهُ رَيّانُ بْنُ الوَلِيدِ وهو ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنَ مُوسى عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى مِن أوْلادِ فِرْعَوْنِ يُوسُفَ، وقِيلَ: اشْتَراهُ العَزِيزُ بِعِشْرِينَ دِينارًا، وقِيلَ: أدْخَلُوهُ السُّوقَ يَعْرِضُونَهُ فَتَرافَعُوا في ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ ثَمَنُهُ ما يُساوِيهِ في الوَزْنِ مِنَ المِسْكِ والوَرِقِ والحَرِيرِ، فابْتاعَهُ قِطْفِيرُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ. وقالُوا: اسْمُ تِلْكَ المَرْأةِ زَلِيخا، وقِيلَ راعِيلُ.
صفحة ٨٨
واعْلَمْ أنَّ شَيْئًا مِن هَذِهِ الرِّواياتِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ولَمْ يَثْبُتْ أيْضًا في خَبَرٍ صَحِيحٍ، وتَفْسِيرُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى لا يَتَوَقَّفُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ، فالألْيَقُ بِالعاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ مِن ذِكْرِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ أيْ مَنزِلَهُ ومَقامَهُ عِنْدَكِ مِن قَوْلِكَ ثَوَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتَ بِهِ، ومَصْدَرُهُ الثَّواءُ، والمَعْنى: اجْعَلِي مَنزِلَهُ عِنْدَكِ كَرِيمًا حَسَنًا مَرْضِيًّا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣] وقالَ المُحَقِّقُونَ: أمَرَ العَزِيزُ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ دُونَ إكْرامِ نَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ وهو كَما يُقالُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى المَجْلِسِ العالِي، ولَمّا أمَرَها بِإكْرامِ مَثْواهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنْ قالَ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ أيْ يَقُومُ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِنا، أوْ نَتَّخِذُهُ ولَدًا، لِأنَّهُ كانَ لا يُولَدُ لَهُ ولَدٌ، وكانَ حَصُورًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ كَما أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالسَّلامَةِ مِنَ الجُبِّ مَكَّنّاهُ بِأنْ عَطَّفْنا عَلَيْهِ قَلْبَ العَزِيزِ، حَتّى تَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى أنْ صارَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ في أرْضِ مِصْرَ.
واعْلَمْ أنَّ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا القُدْرَةَ والعِلْمَ وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حاوَلَ إعْلاءَ شَأْنِ يُوسُفَ ذَكَرَهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، أمّا تَكْمِيلُهُ في صِفَةِ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ وأمّا تَكْمِيلُهُ في صِفَةِ العِلْمِ، فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ [يوسف: ١٥] وذَلِكَ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وعِنْدَنا الإرْهاصُ جائِزٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الوَحْيَ إلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ ما كانَ لِأجْلِ بِعْثَتِهِ إلى الخَلْقِ، بَلْ لِأجْلِ تَقْوِيَةِ قَلْبِهِ وإزالَةِ الحُزْنِ عَنْ صَدْرِهِ، ولِأجْلِ أنْ يَسْتَأْنِسَ بِحُضُورِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ والمُرادُ مِنهُ إرْسالُهُ إلى الخَلْقِ بِتَبْلِيغِ التَّكالِيفِ، ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الوَحْيَ الأوَّلَ كانَ لِأجْلِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ بِزِياداتٍ ودَرَجاتٍ يَصِيرُ بِها كُلَّ يَوْمٍ أعْلى حالًا مِمّا كانَ قَبْلَهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أشَدُّ النّاسِ فِراسَةً ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ في يُوسُفَ فَقالَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا، والمَرْأةُ لَمّا رَأتْ مُوسى، فَقالَتْ: ﴿ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: غالِبٌ عَلى أمْرِ نَفْسِهِ لِأنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ لا دافِعَ لِقَضائِهِ ولا مانِعَ عَنْ حُكْمِهِ في أرْضِهِ وسَمائِهِ.
والثّانِي: واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِ يُوسُفَ، يَعْنِي أنَّ انْتِظامَ أُمُورِهِ كانَ إلَهِيًّا، وما كانَ بِسَعْيِهِ، وإخْوَتُهُ أرادُوا بِهِ كُلَّ سُوءٍ ومَكْرُوهٍ واللَّهُ أرادَ بِهِ الخَيْرَ، فَكانَ كَما أرادَ اللَّهُ تَعالى ودَبَّرَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن تَأمَّلَ في أحْوالِ الدُّنْيا وعَجائِبِ أحْوالِها عَرَفَ وتَيَقَّنَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وأنَّ قَضاءَ اللَّهِ غالِبٌ.
يوسف 12:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٨٩
المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ إخْوَتَهُ لَمّا أساءُوا إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ صَبَرَ عَلى تِلْكَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ مَكَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في الأرْضِ، ثُمَّ لَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتاهُ اللَّهُ الحُكْمَ والعِلْمَ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ جَمِيعَ ما فازَ بِهِ مِنَ النِّعَمِ كانَ كالجَزاءِ عَلى صَبْرِهِ عَلى تِلْكَ المِحَنِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ النُّبُوَّةَ جَزاءٌ عَلى الأعْمالِ الحَسَنَةِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ مَنِ اجْتَهَدَ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ اللَّهِ تَعالى وشَكَرَ نَعْماءَ اللَّهِ تَعالى وجَدَ مَنصِبَ الرِّسالَةِ. واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ: بِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صَبْرَ يُوسُفَ عَلى تِلْكَ المِحَنِ ذَكَرَ أنَّهُ أعْطاهُ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أتى بِالطّاعاتِ الحَسَنَةِ الَّتِي أتى بِها يُوسُفُ، فَإنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ تِلْكَ المَناصِبَ، وهَذا بَعِيدٌ لِاتِّفاقِ العُلَماءِ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ.
واعْلَمْ أنَّ مَن قالَ: إنَّ يُوسُفَ ما كانَ رَسُولًا ولا نَبِيًّا البَتَّةَ، وإنَّما كانَ عَبْدًا أطاعَ اللَّهَ تَعالى فَأحْسَنَ اللَّهُ إلَيْهِ، وهَذا القَوْلُ باطِلٌ بِالإجْماعِ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا مِنَ الوَقْتِ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ [يوسف: ١٥] وما كانَ رَسُولًا، ثُمَّ إنَّهُ صارَ رَسُولًا مِن هَذا الوَقْتِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ كانَ رَسُولًا مِنَ الوَقْتِ الَّذِي أُلْقِيَ في غَيابَةِ الجُبِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ: بَلَغَ فُلانٌ أشُدَّهُ إذا انْتَهى مُنْتَهاهُ في شَبابِهِ وقُوَّتِهِ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ في النُّقْصانِ، وهَذا اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ في الواحِدِ والجَمْعِ، يُقالُ بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغُوا أشُدَّهم، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الأشُدِّ في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾، وأمّا التَّفْسِيرُ فَرَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً. وأقُولُ: هَذِهِ الرِّوايَةُ شَدِيدَةُ الِانْطِباقِ عَلى القَوانِينِ الطِّبِّيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّ الأطِبّاءَ قالُوا إنَّ الإنْسانَ يَحْدُثُ في أوَّلِ الأمْرِ ويَتَزايَدُ كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى غايَةِ الكَمالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ في التَّراجُعِ والِانْتِقاصِ إلى أنْ لا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ، فَكانَتْ حالَتُهُ شَبِيهَةً بِحالِ القَمَرِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ هِلالًا ضَعِيفًا ثُمَّ لا يَزالُ يَزْدادُ إلى أنْ يَصِيرَ بَدْرًا تامًّا، ثُمَّ يَتَراجَعُ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى العَدَمِ والمُحاقِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مُدَّةُ دَوْرِ القَمَرِ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا وكَسْرٌ فَإذا جُعِلَتْ هَذِهِ الدَّوْرَةُ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، كانَ كُلُّ قِسْمٍ مِنها سَبْعَةَ أيّامٍ. فَلا جَرَمَ رَتَّبُوا أحْوالَ الأبْدانِ عَلى الأسابِيعِ، فالإنْسانُ إذا وُلِدَ كانَ ضَعِيفَ الخِلْقَةِ نَحِيفَ التَّرْكِيبِ إلى أنْ يَتِمَّ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ، ثُمَّ إذا دَخَلَ في السَّبْعَةِ الثّانِيَةِ حَصَلَ فِيهِ آثارُ الفَهْمِ والذَّكاءِ والقُوَّةِ، ثُمَّ لا يَزالُ في التَّرَقِّي إلى أنْ يَتِمَّ لَهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. فَإذا دَخَلَ في السَّنَةِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ دَخَلَ في الأُسْبُوعِ الثّالِثِ، وهُناكَ يَكْمُلُ العَقْلُ ويَبْلُغُ إلى حَدِّ التَّكْلِيفِ وتَتَحَرَّكُ فِيهِ الشَّهْوَةُ، ثُمَّ لا يَزالُ يَرْتَقِي عَلى هَذِهِ الحالَةِ إلى أنْ يُتِمَّ السَّنَةَ الحادِيَةَ والعِشْرِينَ، وهُناكَ يَتِمُّ الأُسْبُوعُ الثّالِثُ ويَدْخُلُ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ والعِشْرِينَ، وهَذا الأُسْبُوعُ آخِرُ أسابِيعِ النُّشُوءِ والنَّماءِ، فَإذا تَمَّتِ السَّنَةُ الثّامِنَةُ والعِشْرُونَ فَقَدْ تَمَّتْ مُدَّةُ النُّشُوءِ والنَّماءِ، ويَنْتَقِلُ الإنْسانُ مِنهُ إلى زَمانِ الوُقُوفِ وهو الزَّمانُ الَّذِي يَبْلُغُ الإنْسانُ فِيهِ أشُدَّهُ، وبِتَمامِ هَذا الأُسْبُوعِ الخامِسِ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ المَراتِبَ مُخْتَلِفَةٌ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ؛ فَهَذا الأُسْبُوعُ الخامِسُ الَّذِي هو أُسْبُوعُ الشِّدَّةِ والكَمالِ يَبْتَدِئُ مِنَ السَّنَةِ التّاسِعَةِ والعِشْرِينَ إلى الثّالِثَةِ والثَّلاثِينَ، وقَدْ يَمْتَدُّ إلى الخامِسَةِ والثَّلاثِينَ، فَهَذا هو الطَّرِيقُ المَعْقُولُ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأشْياءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ الحُكْمِ والعِلْمِ، وفِيهِ أقْوالٌ:
صفحة ٩٠
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الحُكْمَ والحِكْمَةَ أصْلُهُما حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ هَواها، ومَنعُها مِمّا يَشِينُها، فالمُرادُ مِنَ الحُكْمِ الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، والمُرادُ مِنَ العِلْمِ الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ. وإنَّما قَدَّمَ الحِكْمَةَ العَمَلِيَّةَ هُنا عَلى النَّظَرِيَّةِ، لِأنَّ أصْحابَ الرِّياضاتِ يَشْتَغِلُونَ بِالحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ، ثُمَّ يَتَرَقَّوْنَ مِنها إلى الحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ. وأمّا أصْحابُ الأفْكارِ العَقْلِيَّةِ والأنْظارِ الرُّوحانِيَّةِ فَإنَّهم يَصِلُونَ إلى الحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ أوَّلًا، ثُمَّ يَنْزِلُونَ مِنها إلى الحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ، وطَرِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الأوَّلُ، لِأنَّهُ صَبَرَ عَلى البَلاءِ والمِحْنَةِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أبْوابَ المُكاشَفاتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: الحُكْمُ هو النُّبُوَّةُ، لِأنَّ النَّبِيَّ يَكُونُ حاكِمًا عَلى الخَلْقِ، والعِلْمُ عِلْمُ الدِّينِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ صَيْرُورَةَ نَفْسِهِ المُطْمَئِنَّةِ حاكِمَةً عَلى نَفْسِهِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْها قاهِرَةً لَها، ومَتى صارَتِ القُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ والغَضَبِيَّةُ مَقْهُورَةً ضَعِيفَةً فاضَتِ الأنْوارُ القُدُسِيَّةُ والأضْواءُ الإلَهِيَّةُ مِن عالَمِ القُدُسِ عَلى جَوْهَرِ النَّفْسِ. وتَحْقِيقُ القَوْلِ في هَذا البابِ أنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ خُلِقَتْ قابِلَةً لِلْمَعارِفِ الكُلِّيَّةِ والأنْوارِ العَقْلِيَّةِ، إلّا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنا بِحَسَبِ البَراهِينِ العَقْلِيَّةِ وبِحَسَبِ المُكاشَفاتِ العُلْوِيَّةِ أنَّ جَواهِرَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيّاتِ فَمِنها ذَكِيَّةٌ وبَلِيدَةٌ، ومِنها حُرَّةٌ ونَذْلَةٌ، ومِنها شَرِيفَةٌ وخَسِيسَةٌ، ومِنها عَظِيمَةُ المَيْلِ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ وعَظِيمَةُ الرَّغْبَةِ في الجُسْمانِيّاتِ، فَهَذِهِ الأقْسامُ كَثِيرَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَقاماتِ قابِلٌ لِلْأشَدِّ والأضْعَفِ والأكْمَلِ والأنْقَصِ، فَإذا اتَّفَقَ أنْ كانَ جَوْهَرُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ جَوْهَرًا مُشْرِقًا شَرِيفًا شَدِيدَ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ الأضْواءِ العَقْلِيَّةِ واللَّوائِحِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ النَّفْسُ في حالِ الصِّغَرِ لا يَظْهَرُ مِنها هَذِهِ الأحْوالُ، لِأنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ إنَّما تَقْوى عَلى أفْعالِها بِواسِطَةِ اسْتِعْمالِ الآلاتِ الجَسَدانِيَّةِ، وهَذِهِ الآلاتُ في حالِ الصِّغَرِ تَكُونُ الرُّطُوباتُ مُسْتَوْلِيَةً عَلَيْها، فَإذا كَبِرَ الإنْسانُ واسْتَوْلَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ عَلى البَدَنِ نَضِجَتْ تِلْكَ الرُّطُوباتُ وقَلَّتْ واعْتَدَلَتْ، فَصارَتْ تِلْكَ الآلاتُ البَدَنِيَّةُ صالِحَةً لِأنْ تَسْتَعْمِلَها النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ، وإذا كانَتِ النَّفْسُ في أصْلِ جَوْهَرِها شَرِيفَةً فَعِنْدَ كَمالِ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ تَكْمُلُ مَعارِفُها وتَقْوى أنْوارُها ويَعْظُمُ لَمَعانُ الأضْواءِ فِيها، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى اعْتِدالِ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ النَّفْسِ في قُوَّتِها العَمَلِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في غايَةِ الجَمالِ والحُسْنِ، فَلَمّا رَأتْهُ المَرْأةُ طَمِعَتْ فِيهِ، ويُقالُ أيْضًا إنَّ زَوْجَها كانَ عاجِزًا، يُقالُ: راوَدَ فُلانٌ جارِيَتَهُ عَنْ نَفْسِها وراوَدَتْهُ هي عَنْ نَفْسِهِ إذا حاوَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الوَطْءَ والجِماعَ ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ والسَّبَبُ أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ لا يُؤْتى بِهِ إلّا في المَواضِعِ المَسْتُورَةِ لا سِيَّما إذا كانَ حَرامًا، ومَعَ قِيامِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ أيْ أغْلَقَتْها، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ في كُلِّ شَيْءٍ تَشَبَّثَ في شَيْءٍ فَلَزِمَهُ قَدْ غَلِقَ يُقالُ: غَلِقٌ في الباطِلِ وغَلِقٌ في غَضَبِهِ، ومِنهُ غَلْقُ الرَّهْنِ،
صفحة ٩١
ثُمَّ يُعَدّى بِالألِفِ فَيُقالُ: أُغْلِقَ البابُ إذا جَعَلَهُ بِحَيْثُ يَعْسُرُ فَتْحُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما جاءَ غَلَّقَتْ عَلى التَّكْثِيرِ لِأنَّها غَلَّقَتْ سَبْعَةَ أبْوابٍ، ثُمَّ دَعَتْهُ إلى نَفْسِها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: هَيْتَ لَكَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ نَحْوَ: رُوَيْدًا، وصَهْ، ومَهْ. ومَعْناهُ هَلُمَّ في قَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ الأخْفَشُ: ”هَيْتَ لَكَ“ مَفْتُوحَةُ الهاءِ والتّاءِ، ويَجُوزُ أيْضًا كَسْرُ التّاءِ ورَفْعُها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أبُو الفَضْلِ المُنْذِرِيُّ: أفادَنِي ابْنُ التَّبْرِيزِيِّ عَنْ أبِي زَيْدٍ قالَ: هَيْتَ لَكَ بِالعِبْرانِيَّةِ هَيّا لَحَّ، أيْ تَعالَ؛ عَرَّبَهُ القُرْآنُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّها لُغَةٌ لَأهْلِ حَوْرانَ سَقَطَتْ إلى بَكَّةَ فَتَكَلَّمُوا بِها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا وِفاقٌ بَيْنَ لُغَةِ قُرَيْشٍ وأهْلِ حَوْرانَ كَما اتَّفَقَتْ لُغَةُ العَرَبِ والرُّومِ في ”القِسْطاسِ“ ولُغَةُ العَرَبِ والفُرْسِ في ”السِّجِّيلِ“ ولُغَةُ العَرَبِ والتُّرْكِ في ”الغَسّاقِ“ ولُغَةُ العَرَبِ والحَبَشَةِ في ”ناشِئَةَ اللَّيْلِ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ ”هِيتَ“ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ التّاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”هَيْتُ لَكَ“ مِثْلُ حَيْثُ، وقَرَأ هِشامُ بْنُ عَمّارٍ عَنْ أبِي عامِرٍ ”هِئْتُ لَكَ“ بِكَسْرِ الهاءِ وهَمْزِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ مِثْلُ جِئْتُ مِن تَهَيَّأْتُ لَكَ، والباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ وإسْكانِ الياءِ وفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ المَرْأةَ لَمّا ذَكَرَتْ هَذا الكَلامَ، قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ لِلشَّأْنِ والحَدِيثِ ﴿رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ أيْ رَبِّي وسَيِّدِي ومالِكِي أحْسَنَ مَثْوايَ حِينَ قالَ لَكِ: أكْرِمِي مَثْواهُ، فَلا يَلِيقُ بِالعَقْلِ أنْ أُجازِيَهُ عَلى ذَلِكَ الإحْسانِ بِهَذِهِ الخِيانَةِ القَبِيحَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ الَّذِينَ يُجازُونَ الإحْسانَ بِالإساءَةِ، وقِيلَ: أرادَ الزُّناةَ لِأنَّهم ظالِمُونَ أنْفُسَهم أوْ لِأنَّ عَمَلَهم يَقْتَضِي وضْعَ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حُرًّا وما كانَ عَبْدًا لِأحَدٍ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ رَبِّي﴾ يَكُونُ كَذِبًا وذَلِكَ ذَنْبٌ وكَبِيرَةٌ.
والجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجْرى هَذا الكَلامَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وعَلى وفْقِ ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ مِن كَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ وأيْضًا أنَّهُ رَبّاهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ فَعَنى بِكَوْنِهِ رَبًّا لَهُ كَوْنَهُ مُرَبِّيًا لَهُ، وهَذا مِن بابِ المَعارِيضِ الحَسَنَةِ، فَإنَّ أهْلَ الظّاهِرِ يَحْمِلُونَهُ عَلى كَوْنِهِ رَبًّا لَهُ وهو كانَ يَعْنِي بِهِ أنَّهُ كانَ مُرَبِّيًا لَهُ ومُنْعِمًا عَلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في القَضاءِ والقَدَرِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً ظاهِرَةً لِأنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، طَلَبٌ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعِيذَهُ مِن ذَلِكَ العَمَلِ، وتِلْكَ الإعاذَةُ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ إعْطاءِ القُدْرَةِ والعَقْلِ والآلَةِ، وإزاحَةِ الأعْذارِ، وإزالَةِ المَوانِعِ وفِعْلِ الألْطافِ، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ في مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى مِن هَذا البابِ فَقَدْ فَعَلَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إمّا طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، أوْ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ المُمْتَنِعِ، وأنَّهُ مُحالٌ فَعَلِمْنا أنَّ تِلْكَ الإعاذَةَ الَّتِي طَلَبَها يُوسُفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مَعْنى لَها، إلّا أنْ يَخْلُقَ فِيهِ داعِيَةً جازِمَةً في جانِبِ الطّاعَةِ وأنْ يُزِيلَ عَنْ قَلْبِهِ داعِيَةَ المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ ما نُقِلَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا وقَعَ بَصَرُهُ عَلى زَيْنَبَ قالَ: ”«يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ» “ وكانَ المُرادُ مِنهُ تَقْوِيَةَ داعِيَةِ الطّاعَةِ، وإزالَةَ داعِيَةِ المَعْصِيَةِ فَكَذا هَهُنا، وكَذا
صفحة ٩٢
قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» “ فالمُرادُ مِنَ الأُصْبُعَيْنِ داعِيَةُ الفِعْلِ، وداعِيَةُ التَّرْكِ، وهاتانِ الدّاعِيَتانِ لا يَحْصُلانِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وإلّا لافْتَقَرَتْ إلى داعِيَةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى قَوْلِنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ذَكَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجَوابِ عَنْ كَلامِها ثَلاثَةَ أشْياءَ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ .
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ .
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ فَما وجْهُ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذا الجَوابِ بِبَعْضٍ ؟
والجَوابُ: هَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِانْقِيادَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وتَكْلِيفِهِ أهَمُّ الأشْياءِ لِكَثْرَةِ إنْعامِهِ وألْطافِهِ في حَقِّ العَبْدِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعالى يَمْنَعُ عَنْ هَذا العَمَلِ، وأيْضًا حُقُوقُ الخَلْقِ واجِبَةُ الرِّعايَةِ، فَلَمّا كانَ هَذا الرَّجُلُ قَدْ أنْعَمَ في حَقِّي يَقْبُحُ مُقابَلَةُ إنْعامِهِ وإحْسانِهِ بِالإساءَةِ، وأيْضًا صَوْنُ النَّفْسِ عَنِ الضَّرَرِ واجِبٌ، وهَذِهِ اللَّذَّةُ لَذَّةٌ قَلِيلَةٌ يَتْبَعُها خِزْيٌ في الدُّنْيا، وعَذابٌ شَدِيدٌ في الآخِرَةِ، واللَّذَّةُ القَلِيلَةُ إذا لَزِمَها ضَرَرٌ شَدِيدٌ، فالعَقْلُ يَقْتَضِي تَرْكَها والِاحْتِزازَ عَنْها، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الجَواباتِ الثَّلاثَةَ مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ.
يوسف 12:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المُهِمّاتِ الَّتِي يَجِبُ الِاعْتِناءُ بِالبَحْثِ عَنْها، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ أمْ لا ؟ وفي هَذِهِ المَسْألَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَمَّ بِالفاحِشَةِ. قالَ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ: قالَ المُفَسِّرُونَ المَوْثُوقُ بِعِلْمِهِمُ المَرْجُوعُ إلى رِوايَتِهِمْ: هَمَّ يُوسُفُ أيْضًا بِهَذِهِ المَرْأةِ هَمًّا صَحِيحًا وجَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ المَرْأةِ، فَلَمّا رَأى البُرْهانَ مِن رَبِّهِ زالَتْ كُلُّ شَهْوَةٍ عَنْهُ. قالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإسْنادِهِ: عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: طَمِعَتْ فِيهِ وطَمِعَ فِيها فَكانَ طَمَعُهُ فِيها أنَّهُ هَمَّ أنْ يَحِلَّ التِّكَّةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما قالَ: حَلَّ الهِمْيانَ وجَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الخائِنِ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّها اسْتَلْقَتْ لَهُ وجَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْها يَنْزِعُ ثِيابَهُ. ثُمَّ إنَّ الواحِدِيَّ طَوَّلَ في كَلِماتٍ عَدِيمَةِ الفائِدَةِ في هَذا البابِ، وما ذَكَرَ آيَةً يَحْتَجُّ بِها ولا حَدِيثًا صَحِيحًا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ في تَصْحِيحِ هَذِهِ المَقالَةِ، وما أمْعَنَ النَّظَرَ في تِلْكَ الكَلِماتِ العارِيَةِ عَنِ الفائِدَةِ؛ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولا حِينَ هَمَمْتَ يا يُوسُفُ ؟ فَقالَ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣]، ثُمَّ قالَ: والَّذِينَ أثْبَتُوا هَذا العَمَلَ لِيُوسُفَ كانُوا أعْرَفَ بِحُقُوقِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وارْتِفاعِ مَنازِلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الَّذِينَ نَفَوُا الهَمَّ عَنْهُ، فَهَذا خُلاصَةُ كَلامِهِ في هَذا البابِ.
صفحة ٩٣
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَرِيئًا عَنِ العَمَلِ الباطِلِ، والهَمِّ المُحَرَّمِ، وهَذا قَوْلُ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ والمُتَكَلِّمِينَ، وبِهِ نَقُولُ وعَنْهُ نَذُبُّ.
واعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى وُجُوبِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَثِيرَةٌ، ولَقَدِ اسْتَقْصَيْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا نُعِيدُها إلّا أنّا نَزِيدُ هَهُنا وُجُوهًا:
فالحُجَّةُ الأُولى: أنَّ الزِّنا مِن مُنْكَراتِ الكَبائِرِ، والخِيانَةَ في مَعْرِضِ الأمانَةِ أيْضًا مِن مُنْكَراتِ الذُّنُوبِ، وأيْضًا مُقابَلَةُ الإحْسانِ العَظِيمِ بِالإساءَةِ المُوجِبَةِ لِلْفَضِيحَةِ التّامَّةِ والعارِ الشَّدِيدِ أيْضًا مِن مُنْكَراتِ الذُّنُوبِ، وأيْضًا الصَّبِيُّ إذا تَرَبّى في حِجْرِ إنْسانٍ وبَقِيَ مَكْفِيَّ المُؤْنَةِ مَصُونَ العِرْضِ مِن أوَّلِ صِباهُ إلى زَمانِ شَبابِهِ وكَمالِ قُوَّتِهِ، فَإقْدامُ هَذا الصَّبِيِّ عَلى إيصالِ أقْبَحِ أنْواعِ الإساءَةِ إلى ذَلِكَ المُنْعِمِ المُعَظَّمِ مِن مُنْكَراتِ الأعْمالِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ هَذِهِ المَعْصِيَةَ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِجَمِيعِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ، ومِثْلُ هَذِهِ المَعْصِيَةِ لَوْ نُسِبَتْ إلى أفْسَقِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وأبْعَدِهِمْ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ لاسْتُنْكِفَ مِنهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إسْنادُها إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُؤَيَّدُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الباهِرَةِ ! ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في غَيْرِ هَذِهِ الواقِعَةِ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ السُّوءِ والفَحْشاءِ مَصْرُوفَةٌ عَنْهُ، ولا شَكَّ أنَّ المَعْصِيَةَ الَّتِي نَسَبُوها إلَيْهِ أعْظَمُ أنْواعِ المَعاصِي وأفْحَشُ أقْسامِ الفَحْشاءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِرَبِّ العالَمِينَ أنْ يَشْهَدَ في عَيْنِ هَذِهِ الواقِعَةِ بِكَوْنِهِ بَرِيئًا مِنَ السُّوءِ مَعَ أنَّهُ كانَ قَدْ أتى بِأعْظَمِ أنْواعِ السُّوءِ والفَحْشاءِ ؟ !
وأيْضًا فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى قَوْلِنا مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ هَبْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى نَفْيِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ عَنْهُ، إلّا أنَّهُ لا شَكَّ أنَّها تُفِيدُ المَدْحَ العَظِيمَ والثَّناءَ البالِغَ، فَلا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَحْكِيَ عَنْ إنْسانٍ إقْدامَهُ عَلى مَعْصِيَةٍ عَظِيمَةٍ ثُمَّ إنَّهُ يَمْدَحُهُ ويُثْنِي عَلَيْهِ بِأعْظَمِ المَدائِحِ والأثْنِيَةِ عَقِيبَ أنْ حَكى عَنْهُ ذَلِكَ الذَّنْبَ العَظِيمَ، فَإنَّ مِثالَهُ ما إذا حَكى السُّلْطانُ عَنْ بَعْضِ عَبِيدِهِ أقْبَحَ الذُّنُوبِ وأفْحَشَ الأعْمالِ ثُمَّ إنَّهُ يَذْكُرُهُ بِالمَدْحِ العَظِيمِ والثَّناءِ البالِغِ عَقِيبَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُسْتَنْكَرُ جِدًّا فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّالِثُ: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَتى صَدَرَتْ مِنهم زَلَّةٌ أوْ هَفْوَةٌ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ وأتْبَعُوها بِإظْهارِ النَّدامَةِ والتَّوْبَةِوالتَّواضُعِ، ولَوْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أقْدَمَ هَهُنا عَلى هَذِهِ الكَبِيرَةِ المُنْكَرَةِ لَكانَ مِنَ المُحالِ أنْ لا يُتْبِعَها بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، ولَوْ أتى بِالتَّوْبَةِ لَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إتْيانَهُ بِها كَما في سائِرِ المَواضِعِ، وحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ ما صَدَرَ عَنْهُ في هَذِهِ الواقِعَةِ ذَنْبٌ ولا مَعْصِيَةٌ. الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِتِلْكَ الواقِعَةِ فَقَدْ شَهِدَ بِبَراءَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَعْصِيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ لَهم تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الواقِعَةِ: يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتِلْكَ المَرْأةُ وزَوْجُها، والنِّسْوَةُ والشُّهُودُ، ورَبُّ العالَمِينَ شَهِدَ بِبَراءَتِهِ عَنِ الذَّنْبِ، وإبْلِيسُ أقَرَّ بِبَراءَتِهِ أيْضًا عَنِ المَعْصِيَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لِلْمُسْلِمِ تَوَقَّفٌ في هَذا البابِ. أمّا بَيانُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ادَّعى البَراءَةَ عَنِ الذَّنْبِ فَهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وأمّا بَيانُ أنَّ المَرْأةَ اعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ فَلِأنَّها قالَتْ لِلنِّسْوَةِ: ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] وأيْضًا قالَتْ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١]
وأمّا بَيانُ أنَّ زَوْجَ المَرْأةِ أقَرَّ بِذَلِكَ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾
صفحة ٩٤
﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٨] وأمّا الشُّهُودُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] وأمّا شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ فَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى طَهارَتِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ واللّامُ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿والفَحْشاءَ﴾ أيْ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا﴾ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] .
والرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿المُخْلَصِينَ﴾ وفِيهِ قِراءَتانِ: تارَةً بِاسْمِ الفاعِلِ وأُخْرى بِاسْمِ المَفْعُولِ، فَوُرُودُهُ بِاسْمِ الفاعِلِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ آتِيًا بِالطّاعاتِ والقُرُباتِ مَعَ صِفَةِ الإخْلاصِ، ووُرُودُهُ بِاسْمِ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ واصْطَفاهُ لِحَضْرَتِهِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإنَّهُ مِن أدَلِّ الألْفاظِ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَمّا أضافُوهُ إلَيْهِ. وأمّا بَيانُ أنَّ إبْلِيسَ أقَرَّ بِطَهارَتِهِ، فَلِأنَّهُ قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ فَأقَرَّ بِأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ إغْواءَ المُخْلَصِينَ، ويُوسُفُ مِنَ المُخْلَصِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ فَكانَ هَذا إقْرارًا مِن إبْلِيسَ بِأنَّهُ ما أغْواهُ وما أضَلَّهُ عَنْ طَرِيقَةِ الهُدى.
وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: هَؤُلاءِ الجُهّالُ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الفَضِيحَةَ إنْ كانُوا مِن أتْباعِ دِينِ اللَّهِ تَعالى فَلْيَقْبَلُوا شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى طَهارَتِهِ، وإنْ كانُوا مِن أتْباعِ إبْلِيسَ وجُنُودِهِ فَلْيَقْبَلُوا شَهادَةَ إبْلِيسَ عَلى طَهارَتِهِ، ولَعَلَّهم يَقُولُونَ كُنّا في أوَّلِ الأمْرِ تَلامِذَةَ إبْلِيسَ إلى أنْ تَخَرَّجْنا عَلَيْهِ فَزِدْنا عَلَيْهِ في السَّفاهَةِ كَما قالَ الخَوارِزْمِيُّ:
وكُنْتُ امْرَأً مِن جُنْدِ إبْلِيسَ فارْتَقى بِيَ الدَّهْرُ حَتّى صارَ إبْلِيسُ مِن جُنْدِي
فَلَوْ ماتَ قَبْلِي كُنْتُ أُحْسِنُ بَعْدَهُ ∗∗∗ طَرائِقَ فِسْقٍ لَيْسَ يُحْسِنُها بَعْدِي
فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَرِئَ عَمّا يَقُولُهُ هَؤُلاءِ الجُهّالُ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ في مَقامَيْنِ:
المَقامُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ لا نُسَلِّمُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَمَّ بِها. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ وجَوابُ ”لَوْلا“ هَهُنا مُقَدَّمٌ، وهو كَما يُقالُ: قَدْ كُنْتُ مِنَ الهالِكِينَ لَوْلا أنَّ فُلانًا خَلَّصَكَ.
وطَعَنَ الزَّجّاجُ في هَذا الجَوابِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيمَ جَوابِ ”لَوْلا“ شاذٌّ وغَيْرُ مَوْجُودٍ في الكَلامِ الفَصِيحِ.
الثّانِي: أنَّ ”لَوْلا“ يُجابُ جَوابُها بِاللّامِ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ لَقالَ: ولَقَدْ هَمَّتْ ولَهَمَّ بِها لَوْلا.
وذَكَرَ غَيْرُ الزَّجّاجِ سُؤالًا ثالِثًا وهو أنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدِ الهَمُّ لَما كانَ لِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ فائِدَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ بَعِيدٌ، لِأنّا نُسَلِّمُ أنَّ تَأْخِيرَ جَوابِ ”لَوْلا“ حَسَنٌ جائِزٌ، إلّا أنَّ جَوازَهُ لا يَمْنَعُ مِن جَوازِ تَقْدِيمِ هَذا الجَوابِ، وكَيْفَ ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: إنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ، والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى؛ فَكانَ الأمْرُ في جَوازِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ مَرْبُوطًا بِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ. وأمّا تَعْيِينُ بَعْضِ الألْفاظِ بِالمَنعِ فَذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ، وأيْضًا ذِكْرُ جَوابِ ”لَوْلا“ بِاللّامِ جائِزٌ. أمّا هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذِكْرَهُ بِغَيْرِ اللّامِ لا يَجُوزُ. ثُمَّ إنّا نَذْكُرُ آيَةً أُخْرى تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ الزَّجّاجِ في هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ [ القَصَصِ: ١٠] .
صفحة ٩٥
وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدِ الهَمُّ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ فائِدَةٌ. فَنَقُولُ: بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ، وهو بَيانُ أنَّ تَرْكَ الهَمِّ بِها ما كانَ لِعَدَمِ رَغْبَتِهِ في النِّساءِ وعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِنَّ، بَلْ لِأجْلِ أنَّ دَلائِلَ دِينِ اللَّهِ مَنَعَتْهُ عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ جَوابَ ”لَوْلا“ ما ذَكَرْناهُ أنَّ ”لَوْلا“ تَسْتَدْعِي جَوابًا، وهَذا المَذْكُورُ يَصْلُحُ جَوابًا لَهُ، فَوَجَبَ الحُكْمُ بِكَوْنِهِ جَوابًا لَهُ؛ لا يُقالُ إنّا نُضْمِرُ لَهُ جَوابًا، وتَرْكُ الجَوابِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، لِأنّا نَقُولُ: لا نِزاعَ أنَّهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، إلّا أنَّ الأصْلَ أنْ لا يَكُونَ مَحْذُوفًا. وأيْضًا فالجَوابُ إنَّما يَحْسُنُ تَرْكُهُ وحَذْفُهُ إذا حَصَلَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى تَعَيُّنِهِ، وهَهُنا بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى تَعَيُّنِ ذَلِكَ الجَوابِ، فَإنَّ هَهُنا أنْواعًا مِنَ الإضْماراتِ يَحْسُنُ إضْمارُ كُلِّ واحِدٍ مِنها، ولَيْسَ إضْمارُ بَعْضِها أوْلى مِن إضْمارِ الباقِي فَظَهَرَ الفَرْقُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَقامُ الثّانِي في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: أنْ نَقُولَ: سَلَّمْنا أنَّ الهَمَّ قَدْ حَصَلَ إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَمَّ بِها﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ تَعْلِيقَ الهَمِّ بِذاتِ المَرْأةِ مُحالٌ؛ لِأنَّ الهَمَّ مِن جِنْسِ القَصْدِ، والقَصْدُ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ الباقِيَةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ مَخْصُوصٍ يَجْعَلُ مُتَعَلِّقَ ذَلِكَ الهَمِّ وذَلِكَ الفِعْلِ غَيْرَ مَذْكُورٍ، فَهم زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ المُضْمَرَ هو إيقاعُ الفاحِشَةِ بِها ونَحْنُ نُضْمِرُ شَيْئًا آخَرَ يُغايِرُ ما ذَكَرُوهُ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَمَّ بِدَفْعِها عَنْ نَفْسِهِ ومَنعِها عَنْ ذَلِكَ القَبِيحِ لِأنَّ الهَمَّ هو القَصْدُ، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ عَلى القَصْدِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ، فاللّائِقُ بِالمَرْأةِ القَصْدُ إلى تَحْصِيلِ اللَّذَّةِ والتَّنَعُّمِ والتَّمَتُّعِ، واللّائِقُ بِالرَّسُولِ المَبْعُوثِ إلى الخَلْقِ القَصْدُ إلى زَجْرِ العاصِي عَنْ مَعْصِيَتِهِ وإلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، يُقالُ: هَمَمْتُ بِفُلانٍ أيْ بِضَرْبِهِ ودَفْعِهِ.
فَإنْ قالُوا: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى لِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ فائِدَةٌ ؟
قُلْنا: بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أعْلَمَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَوْ هَمَّ بِدَفْعِها لَقَتَلَتْهُ أوْ لَكانَتْ تَأْمُرُ الحاضِرِينَ بِقَتْلِهِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ الِامْتِناعَ مِن ضَرْبِها أوْلى صَوْنًا لِلنَّفْسِ عَنِ الهَلاكِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوِ اشْتَغَلَ بِدَفْعِها عَنْ نَفْسِهِ فَرُبَّما تَعَلَّقَتْ بِهِ، فَكانَ يَتَمَزَّقُ ثَوْبُهُ مِن قُدّامٍ، وكانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ الشّاهِدَ يَشْهَدُ بِأنَّ ثَوْبَهُ لَوْ تَمَزَّقَ مِن قُدّامٍ لَكانَ يُوسُفُ هو الخائِنَ، ولَوْ كانَ ثَوْبُهُ مُمَزَّقًا مِن خَلْفٍ لَكانَتِ المَرْأةُ هي الخائِنَةُ، فاللَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ بِهَذا المَعْنى، فَلا جَرَمَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِدَفْعِها عَنْ نَفْسِهِ بَلْ ولّى هارِبًا عَنْها، حَتّى صارَتْ شَهادَةُ الشّاهِدِ حُجَّةً لَهُ عَلى بَراءَتِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنْ يُفَسَّرَ الهَمُّ بِالشَّهْوَةِ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في اللُّغَةِ الشّائِعَةِ، يَقُولُ القائِلُ فِيما لا يَشْتَهِيهِ: ما يَهُمُّنِي هَذا، وفِيما يَشْتَهِيهِ: هَذا أهَمُّ الأشْياءِ إلَيَّ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى شَهْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَمًّا، فَمَعْنى الآيَةِ: ولَقَدِ اشْتَهَتْهُ واشْتَهاها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَدَخَلَ ذَلِكَ العَمَلُ في الوُجُودِ.
الثّالِثُ: أنْ يُفَسَّرَ الهَمُّ بِحَدِيثِ النَّفْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَرْأةَ الفائِقَةَ في الحُسْنِ والجَمالِ إذا تَزَيَّنَتْ وتَهَيَّأتْ لِلرَّجُلِ الشّابِّ القَوِيِّ فَلا بُدَّ وأنْ يَقَعَ هُناكَ بَيْنَ الحِكْمَةِ والشَّهْوَةِ الطَّبِيعِيَّةِ وبَيْنَ النَّفْسِ والعَقْلِ مُجاذَباتٌ ومُنازَعاتٌ، فَتارَةً تَقْوى داعِيَةُ الطَّبِيعَةِ والشَّهْوَةِ وتارَةً تَقْوى داعِيَةُ العَقْلِ والحِكْمَةِ. فالهَمُّ عِبارَةٌ عَنْ جَواذِبِ الطَّبِيعَةِ، ورُؤْيَةُ البُرْهانِ عِبارَةٌ عَنْ جَواذِبِ العُبُودِيَّةِ، ومِثالُ ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ الصّالِحَ الصّائِمَ في الصَّيْفِ الصّائِفِ، إذا رَأى الجُلّابَ المُبَرَّدَ المُثَلَّجَ فَإنَّ طَبِيعَتَهُ تَحْمِلُهُ عَلى شُرْبِهِ، إلّا أنَّ دِينَهُ وهُداهُ يَمْنَعُهُ مِنهُ، فَهَذا لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ
صفحة ٩٦
الذَّنْبِ، بَلْ كُلَّما كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ أشَدَّ كانَتِ القُوَّةُ في القِيامِ بِلَوازِمِ العُبُودِيَّةِ أكْمَلَ، فَقَدْ ظَهَرَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى صِحَّةُ هَذا القَوْلِ الَّذِي ذَهَبْنا إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ في يَدِ الواحِدِيِّ إلّا مُجَرَّدُ التَّصَلُّفِ وتَعْدِيدِ أسْماءِ المُفَسِّرِينَ، ولَوْ كانَ قَدْ ذَكَرَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ القَوْلِ شُبْهَةً لَأجَبْنا عَنْها، إلّا أنَّهُ ما زادَ عَلى الرِّوايَةِ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ.
واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ الحَشْوِيَّةِ رَوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما كَذَبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ» “ فَقُلْتُ: الأوْلى أنْ لا نَقْبَلَ مِثْلَ هَذِهِ الأخْبارِ، فَقالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْكارِ: فَإنْ لَمْ نَقْبَلْهُ لَزِمَنا تَكْذِيبُ الرُّواةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يا مِسْكِينُ إنْ قَبِلْناهُ لَزِمَنا الحُكْمُ بِتَكْذِيبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ رَدَدْناهُ لَزِمَنا الحُكْمُ بِتَكْذِيبِ الرُّواةِ، ولا شَكَّ أنَّ صَوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الكَذِبِ أوْلى مِن صَوْنِ طائِفَةٍ مِنَ المَجاهِيلِ عَنِ الكَذِبِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ لِلْواحِدِيِّ: ومَنِ الَّذِي يَضْمَنُ لَنا أنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا هَذا القَوْلَ عَنْ هَؤُلاءِ المُفَسِّرِينَ كانُوا صادِقِينَ أمْ كاذِبِينَ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ البُرْهانِ ما هو ؟ أمّا المُحَقِّقُونَ المُثْبِتُونَ لِلْعِصْمَةِ فَقَدْ فَسَّرُوا رُؤْيَةَ البُرْهانِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ تَعالى في تَحْرِيمِ الزِّنا والعِلْمِ بِما عَلى الزّانِي مِنَ العِقابِ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى طَهَّرَ نُفُوسَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ. بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى طَهَّرَ نُفُوسَ المُتَّصِلِينَ بِهِ عَنْها كَما قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] فالمُرادُ بِرُؤْيَةِ البُرْهانِ هو حُصُولُ تِلْكَ الأخْلاقِ وتَذْكِيرُ الأحْوالِ الرّادِعَةِ لَهم عَنِ الإقْدامِ عَلى المُنْكَراتِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ رَأى مَكْتُوبًا في سَقْفِ البَيْتِ ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] .
والرّابِعُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ المانِعَةُ مِنَ ارْتِكابِ الفَواحِشِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بُعِثُوا لِمَنعِ الخَلْقِ عَنِ القَبائِحِ والفَضائِحِ. فَلَوْ أنَّهم مَنَعُوا النّاسَ عَنْها، ثُمَّ أقْدَمُوا عَلى أقْبَحِ أنْواعِها وأفْحَشِ أقْسامِها لَدَخَلُوا تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] وأيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَيَّرَ اليَهُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] وما يَكُونُ عَيْبًا في حَقِّ اليَهُودِ كَيْفَ يُنْسَبُ إلى الرَّسُولِ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ ؟ .
وأمّا الَّذِينَ نَسَبُوا المَعْصِيَةَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ذَلِكَ البُرْهانِ أُمُورًا:
الأوَّلُ: قالُوا: إنَّ المَرْأةَ قامَتْ إلى صَنَمٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ في زاوِيَةِ البَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ فَقالَ يُوسُفُ: لِمَ فَعَلْتِ ذَلِكَ ؟ قالَتْ: أسْتَحِي مِن إلَهِي هَذا أنْ يَرانِي عَلى مَعْصِيَةٍ، فَقالَ يُوسُفُ: أتَسْتَحِينَ مِن صَنَمٍ لا يَعْقِلُ ولا يَسْمَعُ ولا أسْتَحِي مِن إلَهِي القائِمِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، فَواللَّهِ لا أفْعَلُ ذَلِكَ أبَدًا ! قالُوا: فَهَذا هو البُرْهانُ.
الثّانِي: نَقَلُوا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّهُ تَمَثَّلَ لَهُ يَعْقُوبُ فَرَآهُ عاضًّا عَلى أصابِعِهِ ويَقُولُ لَهُ: أتَعْمَلُ عَمَلَ الفُجّارِ وأنْتَ مَكْتُوبٌ في زُمْرَةِ الأنْبِياءِ ؟ فاسْتَحى مِنهُ. قالَ: وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ وابْنِ سِيرِينَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: تَمَثَّلَ لَهُ يَعْقُوبُ فَضَرَبَ في صَدْرِهِ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِن أنامِلِهِ.
والثّالِثُ: قالُوا إنَّهُ سَمِعَ في الهَواءِ قائِلًا يَقُولُ: يا ابْنَ يَعْقُوبَ لا تَكُنْ كالطَّيْرِ يَكُونُ لَهُ رِيشٌ فَإذا زَنا ذَهَبَ رِيشُهُ.
والرّابِعُ: نَقَلُوا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْزَجِرْ بِرُؤْيَةِ صُورَةِ يَعْقُوبَ حَتّى رَكَضَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الشَّهْوَةِ إلّا خَرَجَ.
ولَمّا نَقَلَ الواحِدِيُّ هَذِهِ الرِّواياتِ تَصَلَّفَ وقالَ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ قَوْلُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ الَّذِينَ أخَذُوا التَّأْوِيلَ عَمَّنْ شاهَدَ
صفحة ٩٧
التَّنْزِيلَ. فَيُقالُ لَهُ: إنَّكَ لا تَأْتِينا البَتَّةَ إلّا بِهَذِهِ التَّصَلُّفاتِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها، فَأيْنَ هَذا مِنَ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ، وأيْضًا فَإنَّ تَرادُفَ الدَّلائِلِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ جائِزٌ، وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُمْتَنِعًا عَنِ الزِّنا بِحَسَبِ الدَّلائِلِ الأصْلِيَّةِ، فَلَمّا انْضافَ إلَيْها هَذِهِ الزَّواجِرُ قَوِيَ الِانْزِجارُ وكَمُلَ الِاحْتِرازُ. والعَجَبُ أنَّهم نَقَلُوا أنَّ «جَرْوًا دَخَلَ حُجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ وبَقِيَ هُناكَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، قالُوا: فامْتَنَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا»، وهَهُنا زَعَمُوا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ اشْتِغالِهِ بِالفاحِشَةِ ذَهَبَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والعَجَبُ أنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ بِسَبَبِ حُضُورِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ أنَّ أفْسَقَ الخَلْقِ وأكْفَرَهم كانَ مُشْتَغِلًا بِفاحِشَةٍ فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ عَلى زِيِّ الصّالِحِينَ اسْتَحْيا مِنهُ وفَرَّ وتَرَكَ ذَلِكَ العَمَلَ، وهَهُنا أنَّهُ رَأى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَضَّ عَلى أنامِلِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِ دَخَلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَمْتَنِعْ أيْضًا عَنْ ذَلِكَ القَبِيحِ بِسَبَبِ حُضُورِهِ حَتّى احْتاجَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَرْكُضَهُ عَلى ظَهْرِهِ. فَنَسْألُ اللَّهَ أنْ يَصُونَنا عَنِ الغَيِّ في الدِّينِ والخِذْلانِ في طَلَبِ اليَقِينِ، فَهَذا هو الكَلامُ المُخَلَّصُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الفَرْقِ بَيْنَ السُّوءِ والفَحْشاءِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ السُّوءَ جِنايَةُ اليَدِ والفَحْشاءُ هو الزِّنا.
الثّانِي: السُّوءُ مُقَدِّماتُ الفاحِشَةِ مِنَ القُبْلَةِ والنَّظَرِ بِالشَّهْوَةِ، والفَحْشاءُ هو الزِّنا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ تَعالى، ومَن فَتَحَ اللّامَ أرادَ الَّذِينَ خَلَّصَهُمُ اللَّهُ مِنَ الأسْواءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ﴾ [ص: ٤٦] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ”المُخْلِصِينَ“ بِكَسْرِ اللّامِ في جَمِيعِ القُرْآنِ والباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ.
يوسف 12:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْها أنَّها ”هَمَّتْ“ أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ طَلَبِها وهَرَبِهِ فَقالَ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ
صفحة ٩٨
هَرَبَ مِنها وحاوَلَ الخُرُوجَ مِنَ البابِ وعَدَتِ المَرْأةُ خَلْفَهُ لِتَجْذِبَهُ إلى نَفْسِها، والِاسْتِباقُ طَلَبُ السَّبْقِ إلى الشَّيْءِ، ومَعْناهُ: تَبادَرَ إلى البابِ يَجْتَهِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَسْبِقَ صاحِبَهُ، فَإنْ سَبَقَ يُوسُفُ فَتَحَ البابَ وخَرَجَ، وإنْ سَبَقَتِ المَرْأةُ أمْسَكَتِ البابَ لِئَلّا يَخْرُجَ، وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيِ اسْتَبَقا إلى البابِ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أيْ مِن قَوْمِهِ.
واعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبَقَها إلى البابِ وأرادَ الخُرُوجَ والمَرْأةُ تَعْدُو خَلْفَهُ فَلَمْ تَصِلْ إلّا إلى دُبُرِ القَمِيصِ فَقَدَّتْهُ، أيْ قَطَعَتْهُ طُولًا، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ حَضَرَ زَوْجُها وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ أيْ صادَفا بَعْلَها؛ تَقُولُ المَرْأةُ لِبَعْلِها سَيِّدِي، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سَيِّدَهُما لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مَمْلُوكًا لِذَلِكَ الرَّجُلِ في الحَقِيقَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خافَتِ المَرْأةُ مِنَ التُّهْمَةِ فَبادَرَتْ إلى أنْ رَمَتْ يُوسُفَ بِالفِعْلِ القَبِيحِ، وقالَتْ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾، والمَعْنى ظاهِرٌ.
وفِي الآيَةِ لَطائِفُ:
إحْداها: أنَّ ”ما“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً يَعْنِي أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ إلّا أنْ يُسْجَنَ كَما تَقُولُ: مَن في الدّارِ إلّا زَيْدٌ.
وثانِيها: أنَّ حُبَّها الشَّدِيدَ لِيُوسُفَ حَمَلَها عَلى رِعايَةِ دَقِيقَتَيْنِ في هَذا المَوْضِعِ وذَلِكَ لِأنَّها بَدَأتْ بِذِكْرِ السِّجْنِ، وأخَّرَتْ ذِكْرَ العَذابِ، لِأنَّ المُحِبَّ لا يَسْعى في إيلامِ المَحْبُوبِ، وأيْضًا أنَّها لَمْ تَذْكُرْ أنَّ يُوسُفَ يَجِبُ أنْ يُعامَلَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ ذِكْرًا كُلِّيًّا صَوْنًا لِلْمَحْبُوبِ عَنِ الذِّكْرِ بِالسُّوءِ والألَمِ، وأيْضًا قالَتْ: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ﴾ والمُرادُ أنْ يُسْجَنَ يَوْمًا أوْ أقَلَّ عَلى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ، فَأمّا الحَبْسُ الدّائِمُ فَإنَّهُ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، بَلْ يُقالُ: يَجِبُ أنْ يُجْعَلَ مِنَ المَسْجُونِينَ، ألا تَرى أنَّ فِرْعَوْنَ هَكَذا قالَ حِينَ تَهَدَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وثالِثُها: أنَّها لَمّا شاهَدَتْ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ مِنها مَعَ أنَّهُ كانَ في عُنْفُوانِ العُمُرِ وكَمالِ القُوَّةِ ونِهايَةِ الشَّهْوَةِ، عَظُمَ اعْتِقادُها في طَهارَتِهِ ونَزاهَتِهِ فاسْتَحْيَتْ أنْ تَقُولَ إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَنِي بِالسُّوءِ، وما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلِ اكْتَفَتْ بِهَذا التَّعْرِيضِ. فانْظُرْ إلى تِلْكَ المَرْأةِ ما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ وأنَّ هَؤُلاءِ الحَشْوِيَّةَ يَرْمُونَهُ بَعْدَ قَرِيبٍ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ بِهَذا الذَّنْبِ القَبِيحِ.
ورابِعُها: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَضْرِبَها ويَدْفَعَها عَنْ نَفْسِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها جارِيًا مَجْرى السُّوءِ فَقَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾، جارٍ مَجْرى التَّعْرِيضِ، فَلَعَلَّها بِقَلْبِها كانَتْ تُرِيدُ إقْدامَهُ عَلى دَفْعِها ومَنعِها، وفي ظاهِرِ الأمْرِ كانَتْ تُوهِمُ أنَّهُ قَصَدَنِي بِما لا يَنْبَغِي.
واعْلَمْ أنَّ المَرْأةَ لَمّا ذَكَرَتْ هَذا الكَلامَ ولَطَّخَتْ عِرْضَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ احْتاجَ يُوسُفُ إلى إزالَةِ هَذِهِ التُّهْمَةِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، وأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَتَكَ سِتْرَها في أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ لَمّا خافَ عَلى النَّفْسِ وعَلى العِرْضِ أظْهَرَ الأمْرَ.
واعْلَمْ أنَّ العَلاماتِ الكَثِيرَةَ كانَتْ دالَّةً عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الصّادِقُ؛ فالأوَّلُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ظاهِرِ الأمْرِ كانَ عَبْدًا لَهم والعَبْدُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلى مَوْلاهُ إلى هَذا الحَدِّ.
والثّانِي: أنَّهم شاهَدُوا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْدُو عَدْوًا شَدِيدًا لِيَخْرُجَ، والرَّجُلُ الطّالِبُ لِلْمَرْأةِ لا يَخْرُجُ مِنَ الدّارِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
والثّالِثُ: أنَّهم رَأوْا أنَّ المَرْأةَ زَيَّنَتْ نَفْسَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَما كانَ
صفحة ٩٩
عَلَيْهِ أثَرٌ مِن آثارِ تَزْيِينِ النَّفْسِ فَكانَ إلْحاقُ هَذِهِ الفِتْنَةِ بِالمَرْأةِ أوْلى.
الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا قَدْ شاهَدُوا أحْوالَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَما رَأوْا عَلَيْهِ حالَةً تُناسِبُ إقْدامَهُ عَلى مِثْلِ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ، وذَلِكَ أيْضًا مِمّا يُقَوِّي الظَّنَّ.
الخامِسُ: أنَّ المَرْأةَ ما نَسَبَتْهُ إلى طَلَبِ الفاحِشَةِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلْ ذَكَرَتْ كَلامًا مُجْمَلًا مُبْهَمًا، وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ صَرَّحَ بِالأمْرِ ولَوْ أنَّهُ كانَ مُتَّهَمًا لَما قَدَرَ عَلى التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ فَإنَّ الخائِنَ خائِفٌ.
السّادِسُ: قِيلَ: إنَّ زَوْجَ المَرْأةِ كانَ عاجِزًا وآثارُ طَلَبِ الشَّهْوَةِ في حَقِّ المَرْأةِ كانَتْ مُتَكامِلَةً فَإلْحاقُ هَذِهِ الفِتْنَةِ بِها أوْلى، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ الأماراتُ الكَثِيرَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ مَبْدَأ هَذِهِ الفِتْنَةِ كانَ مِنَ المَرْأةِ اسْتَحْيا الزَّوْجُ وتَوَقَّفَ وسَكَتَ لِعِلْمِهِ بِأنَّ يُوسُفَ صادِقٌ والمَرْأةَ كاذِبَةٌ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أظْهَرَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلًا آخَرَ يُقَوِّي تِلْكَ الدَّلائِلَ المَذْكُورَةَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ عَنِ الذَّنْبِ وأنَّ المَرْأةَ هي المُذْنِبَةُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وفي هَذا الشّاهِدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ لَها ابْنُ عَمٍّ وكانَ رَجُلًا حَكِيمًا. واتَّفَقَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهُ كانَ مَعَ المَلِكِ يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْها فَقالَ: قَدْ سَمِعْنا الجَلَبَةَ مِن وراءِ البابِ وشَقَّ القَمِيصِ إلّا أنّا لا نَدْرِي أيَّكُما قُدّامَ صاحِبِهِ، فَإنْ كانَ شَقُّ القَمِيصِ مِن قُدّامِهِ فَأنْتِ صادِقَةٌ والرَّجُلُ كاذِبٌ، وإنْ كانَ مِن خَلْفِهِ فالرَّجُلُ صادِقٌ وأنْتِ كاذِبَةٌ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى القَمِيصِ ورَأوُا الشَّقَّ مِن خَلْفِهِ قالَ ابْنُ عَمِّها: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أيْ مِن عَمَلِكُنَّ. ثُمَّ قالَ لِيُوسُفَ: أعْرِضْ عَنْ هَذا واكْتُمْهُ، وقالَ لَها: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: وهو أيْضًا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ كانَ صَبِيًّا أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى في المَهْدِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكَلَّمَ في المَهْدِ أرْبَعَةٌ صِغارٌ: شاهِدُ يُوسُفَ، وابْنُ ماشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ الرّاهِبِ.
قالَ الجُبّائِيُّ: والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أنْطَقَ الطِّفْلَ بِهَذا الكَلامِ لَكانَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ إنَّها كاذِبَةٌ كافِيًا وبُرْهانًا قاطِعًا، لِأنَّهُ مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ القاهِرَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِتَمْزِيقِ القَمِيصِ مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ ضَعِيفٌ، والعُدُولُ عَنِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ حالَ حُضُورِها وحُصُولِها إلى الدَّلالَةِ الظَّنِّيَّةِ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وإنَّما قالَ مِن أهْلِها لِيَكُونَ أوْلى بِالقَبُولِ في حَقِّ المَرْأةِ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ مَن يَكُونُ مِن أقْرِباءِ المَرْأةِ ومِن أهْلِها أنْ لا يَقْصِدَها بِالسُّوءِ والإضْرارِ، فالمَقْصُودُ بِذِكْرِ كَوْنِ ذَلِكَ الرَّجُلِ مِن أهْلِها تَقْوِيَةَ قَوْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وهَذِهِ التَّرْجِيحاتُ إنَّما يُصارُ إلَيْها عِنْدَ كَوْنِ الدَّلالَةِ ظَنِّيَّةً، ولَوْ كانَ هَذا القَوْلُ صادِرًا عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي في المَهْدِ لَكانَ قَوْلُهُ حُجَّةً قاطِعَةً، ولا يَتَفاوَتُ الحالُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِها، وبَيْنَ أنْ لا يَكُونَ مِن أهْلِها وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِهَذا القَيْدِ أثَرٌ.
والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الشّاهِدِ لا يَقَعُ في العُرْفِ إلّا عَلى مَن تَقَدَّمَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالواقِعَةِ وإحاطَةٌ بِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ، قالَ مُجاهِدٌ: الشّاهِدُ كَوْنُ قَمِيصِهِ مَشْقُوقًا مِن دُبُرٍ، وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ لِأنَّ القَمِيصَ لا يُوصَفُ بِهَذا ولا يُنْسَبُ إلى الأهْلِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ عَلَيْهِ أيْضًا إشْكالٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَلامَةَ المَذْكُورَةَ لا تَدُلُّ قَطْعًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مِنَ المُحْتَمَلِ أنَّ الرَّجُلَ قَصَدَ المَرْأةَ لِطَلَبِ الزِّنا فالمَرْأةُ غَضِبَتْ عَلَيْهِ فَهَرَبَ الرَّجُلُ فَعَدَتِ المَرْأةُ خَلْفَ الرَّجُلِ وجَذَبَتْهُ لِقَصْدِ أنْ تَضْرِبَهُ ضَرْبًا وجِيعًا، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ القَمِيصُ مُتَخَرِّقًا مِن دُبُرٍ مَعَ أنَّ المَرْأةَ تَكُونُ بَرِيَّةً عَنِ الذَّنْبِ والرَّجُلَ يَكُونُ مُذْنِبًا.
صفحة ١٠٠
وجَوابُهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ عَلاماتِ كَذِبِ المَرْأةِ كانَتْ كَثِيرَةً بالِغَةً مَبْلَغَ اليَقِينِ، فَضَمُّوا إلَيْها هَذِهِ العَلامَةَ الأُخْرى لا لِأجْلِ أنْ يُعَوِّلُوا في الحُكْمِ عَلَيْها، بَلْ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المُقَوِّياتِ والمُرَجِّحاتِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ وقالَ: ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ﴾ وذَلِكَ يَحْتَمِلُ السَّيِّدَ الَّذِي هو زَوْجُها ويَحْتَمِلُ الشّاهِدَ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أيْ أنَّ قَوْلَكِ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الإنْسانَ ضَعِيفًا فَكَيْفَ وصَفَ كَيْدَ المَرْأةِ بِالعِظَمِ، وأيْضًا فَكَيْدُ الرِّجالِ قَدْ يَزِيدُ عَلى كَيْدِ النِّساءِ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ بِالنِّسْبَةِ إلى خِلْقَةِ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والكَواكِبِ خِلْقَةٌ ضَعِيفَةٌ، وكَيْدُ النِّسْواتِ بِالنِّسْبَةِ إلى كَيْدِ البَشَرِ عَظِيمٌ ولا مُنافاةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وأيْضًا فالنِّساءُ لَهُنَّ في هَذا البابِ مِنَ المَكْرِ والحِيَلِ ما لا يَكُونُ لِلرِّجالِ، ولِأنَّ كَيْدَهُنَّ في هَذا البابِ يُورِثُ مِنَ العارِ ما لا يُورِثُهُ كَيْدُ الرِّجالِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لِلْقَوْمِ بَراءَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ حَكى تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ فَقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ العَزِيزِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن قَوْلِ الشّاهِدِ، ومَعْناهُ: أعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ هَذِهِ الواقِعَةِ حَتّى لا يَنْتَشِرَ خَبَرُها ولا يَحْصُلَ العارُ العَظِيمُ بِسَبَبِها، وكَما أمَرَ يُوسُفَ بِكِتْمانِ هَذِهِ الواقِعَةِ أمَرَ المَرْأةَ بِالِاسْتِغْفارِ فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ وظاهِرُ ذَلِكَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الزَّوْجِ ويَكُونُ مَعْنى المَغْفِرَةِ العَفْوَ والصَّفْحَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالأقْرَبُ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو الشّاهِدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا يُثْبِتُونَ الصّانِعَ، إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ بِدَلِيلِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو الزَّوْجَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ نِسْبَةٌ لَها إلى أنَّها كانَتْ كَثِيرَةَ الخَطَأِ فِيما تَقَدَّمَ، وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّوْجَ عَرَفَ في أوَّلِ الأمْرِ أنَّ الذَّنْبَ لِلْمَرْأةِ لا لِيُوسُفَ، لِأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ عَنْها إقْدامَها عَلى ما لا يَنْبَغِي. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: إنَّ ذَلِكَ لِزَوْجٍ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ فاكْتَفى مِنها بِالِاسْتِغْفارِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وإنَّما قالَ مِنَ الخاطِئِينَ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ، تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّكَ مِن نَسْلِ الخاطِئِينَ، فَمِن ذَلِكَ النَّسْلِ سَرى هَذا العِرْقُ الخَبِيثُ فِيكِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْها أنَّها ”هَمَّتْ“ أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ طَلَبِها وهَرَبِهِ فَقالَ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ
صفحة ٩٨
هَرَبَ مِنها وحاوَلَ الخُرُوجَ مِنَ البابِ وعَدَتِ المَرْأةُ خَلْفَهُ لِتَجْذِبَهُ إلى نَفْسِها، والِاسْتِباقُ طَلَبُ السَّبْقِ إلى الشَّيْءِ، ومَعْناهُ: تَبادَرَ إلى البابِ يَجْتَهِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَسْبِقَ صاحِبَهُ، فَإنْ سَبَقَ يُوسُفُ فَتَحَ البابَ وخَرَجَ، وإنْ سَبَقَتِ المَرْأةُ أمْسَكَتِ البابَ لِئَلّا يَخْرُجَ، وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيِ اسْتَبَقا إلى البابِ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أيْ مِن قَوْمِهِ.
واعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبَقَها إلى البابِ وأرادَ الخُرُوجَ والمَرْأةُ تَعْدُو خَلْفَهُ فَلَمْ تَصِلْ إلّا إلى دُبُرِ القَمِيصِ فَقَدَّتْهُ، أيْ قَطَعَتْهُ طُولًا، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ حَضَرَ زَوْجُها وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ أيْ صادَفا بَعْلَها؛ تَقُولُ المَرْأةُ لِبَعْلِها سَيِّدِي، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سَيِّدَهُما لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مَمْلُوكًا لِذَلِكَ الرَّجُلِ في الحَقِيقَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خافَتِ المَرْأةُ مِنَ التُّهْمَةِ فَبادَرَتْ إلى أنْ رَمَتْ يُوسُفَ بِالفِعْلِ القَبِيحِ، وقالَتْ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾، والمَعْنى ظاهِرٌ.
وفِي الآيَةِ لَطائِفُ:
إحْداها: أنَّ ”ما“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً يَعْنِي أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ إلّا أنْ يُسْجَنَ كَما تَقُولُ: مَن في الدّارِ إلّا زَيْدٌ.
وثانِيها: أنَّ حُبَّها الشَّدِيدَ لِيُوسُفَ حَمَلَها عَلى رِعايَةِ دَقِيقَتَيْنِ في هَذا المَوْضِعِ وذَلِكَ لِأنَّها بَدَأتْ بِذِكْرِ السِّجْنِ، وأخَّرَتْ ذِكْرَ العَذابِ، لِأنَّ المُحِبَّ لا يَسْعى في إيلامِ المَحْبُوبِ، وأيْضًا أنَّها لَمْ تَذْكُرْ أنَّ يُوسُفَ يَجِبُ أنْ يُعامَلَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ ذِكْرًا كُلِّيًّا صَوْنًا لِلْمَحْبُوبِ عَنِ الذِّكْرِ بِالسُّوءِ والألَمِ، وأيْضًا قالَتْ: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ﴾ والمُرادُ أنْ يُسْجَنَ يَوْمًا أوْ أقَلَّ عَلى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ، فَأمّا الحَبْسُ الدّائِمُ فَإنَّهُ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، بَلْ يُقالُ: يَجِبُ أنْ يُجْعَلَ مِنَ المَسْجُونِينَ، ألا تَرى أنَّ فِرْعَوْنَ هَكَذا قالَ حِينَ تَهَدَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وثالِثُها: أنَّها لَمّا شاهَدَتْ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ مِنها مَعَ أنَّهُ كانَ في عُنْفُوانِ العُمُرِ وكَمالِ القُوَّةِ ونِهايَةِ الشَّهْوَةِ، عَظُمَ اعْتِقادُها في طَهارَتِهِ ونَزاهَتِهِ فاسْتَحْيَتْ أنْ تَقُولَ إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَنِي بِالسُّوءِ، وما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلِ اكْتَفَتْ بِهَذا التَّعْرِيضِ. فانْظُرْ إلى تِلْكَ المَرْأةِ ما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ وأنَّ هَؤُلاءِ الحَشْوِيَّةَ يَرْمُونَهُ بَعْدَ قَرِيبٍ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ بِهَذا الذَّنْبِ القَبِيحِ.
ورابِعُها: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَضْرِبَها ويَدْفَعَها عَنْ نَفْسِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها جارِيًا مَجْرى السُّوءِ فَقَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾، جارٍ مَجْرى التَّعْرِيضِ، فَلَعَلَّها بِقَلْبِها كانَتْ تُرِيدُ إقْدامَهُ عَلى دَفْعِها ومَنعِها، وفي ظاهِرِ الأمْرِ كانَتْ تُوهِمُ أنَّهُ قَصَدَنِي بِما لا يَنْبَغِي.
واعْلَمْ أنَّ المَرْأةَ لَمّا ذَكَرَتْ هَذا الكَلامَ ولَطَّخَتْ عِرْضَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ احْتاجَ يُوسُفُ إلى إزالَةِ هَذِهِ التُّهْمَةِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، وأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَتَكَ سِتْرَها في أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ لَمّا خافَ عَلى النَّفْسِ وعَلى العِرْضِ أظْهَرَ الأمْرَ.
واعْلَمْ أنَّ العَلاماتِ الكَثِيرَةَ كانَتْ دالَّةً عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الصّادِقُ؛ فالأوَّلُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ظاهِرِ الأمْرِ كانَ عَبْدًا لَهم والعَبْدُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلى مَوْلاهُ إلى هَذا الحَدِّ.
والثّانِي: أنَّهم شاهَدُوا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْدُو عَدْوًا شَدِيدًا لِيَخْرُجَ، والرَّجُلُ الطّالِبُ لِلْمَرْأةِ لا يَخْرُجُ مِنَ الدّارِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
والثّالِثُ: أنَّهم رَأوْا أنَّ المَرْأةَ زَيَّنَتْ نَفْسَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَما كانَ
صفحة ٩٩
عَلَيْهِ أثَرٌ مِن آثارِ تَزْيِينِ النَّفْسِ فَكانَ إلْحاقُ هَذِهِ الفِتْنَةِ بِالمَرْأةِ أوْلى.
الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا قَدْ شاهَدُوا أحْوالَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَما رَأوْا عَلَيْهِ حالَةً تُناسِبُ إقْدامَهُ عَلى مِثْلِ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ، وذَلِكَ أيْضًا مِمّا يُقَوِّي الظَّنَّ.
الخامِسُ: أنَّ المَرْأةَ ما نَسَبَتْهُ إلى طَلَبِ الفاحِشَةِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلْ ذَكَرَتْ كَلامًا مُجْمَلًا مُبْهَمًا، وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ صَرَّحَ بِالأمْرِ ولَوْ أنَّهُ كانَ مُتَّهَمًا لَما قَدَرَ عَلى التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ فَإنَّ الخائِنَ خائِفٌ.
السّادِسُ: قِيلَ: إنَّ زَوْجَ المَرْأةِ كانَ عاجِزًا وآثارُ طَلَبِ الشَّهْوَةِ في حَقِّ المَرْأةِ كانَتْ مُتَكامِلَةً فَإلْحاقُ هَذِهِ الفِتْنَةِ بِها أوْلى، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ الأماراتُ الكَثِيرَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ مَبْدَأ هَذِهِ الفِتْنَةِ كانَ مِنَ المَرْأةِ اسْتَحْيا الزَّوْجُ وتَوَقَّفَ وسَكَتَ لِعِلْمِهِ بِأنَّ يُوسُفَ صادِقٌ والمَرْأةَ كاذِبَةٌ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أظْهَرَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلًا آخَرَ يُقَوِّي تِلْكَ الدَّلائِلَ المَذْكُورَةَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ عَنِ الذَّنْبِ وأنَّ المَرْأةَ هي المُذْنِبَةُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وفي هَذا الشّاهِدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ لَها ابْنُ عَمٍّ وكانَ رَجُلًا حَكِيمًا. واتَّفَقَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهُ كانَ مَعَ المَلِكِ يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْها فَقالَ: قَدْ سَمِعْنا الجَلَبَةَ مِن وراءِ البابِ وشَقَّ القَمِيصِ إلّا أنّا لا نَدْرِي أيَّكُما قُدّامَ صاحِبِهِ، فَإنْ كانَ شَقُّ القَمِيصِ مِن قُدّامِهِ فَأنْتِ صادِقَةٌ والرَّجُلُ كاذِبٌ، وإنْ كانَ مِن خَلْفِهِ فالرَّجُلُ صادِقٌ وأنْتِ كاذِبَةٌ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى القَمِيصِ ورَأوُا الشَّقَّ مِن خَلْفِهِ قالَ ابْنُ عَمِّها: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أيْ مِن عَمَلِكُنَّ. ثُمَّ قالَ لِيُوسُفَ: أعْرِضْ عَنْ هَذا واكْتُمْهُ، وقالَ لَها: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: وهو أيْضًا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ كانَ صَبِيًّا أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى في المَهْدِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكَلَّمَ في المَهْدِ أرْبَعَةٌ صِغارٌ: شاهِدُ يُوسُفَ، وابْنُ ماشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ الرّاهِبِ.
قالَ الجُبّائِيُّ: والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أنْطَقَ الطِّفْلَ بِهَذا الكَلامِ لَكانَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ إنَّها كاذِبَةٌ كافِيًا وبُرْهانًا قاطِعًا، لِأنَّهُ مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ القاهِرَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِتَمْزِيقِ القَمِيصِ مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ ضَعِيفٌ، والعُدُولُ عَنِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ حالَ حُضُورِها وحُصُولِها إلى الدَّلالَةِ الظَّنِّيَّةِ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وإنَّما قالَ مِن أهْلِها لِيَكُونَ أوْلى بِالقَبُولِ في حَقِّ المَرْأةِ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ مَن يَكُونُ مِن أقْرِباءِ المَرْأةِ ومِن أهْلِها أنْ لا يَقْصِدَها بِالسُّوءِ والإضْرارِ، فالمَقْصُودُ بِذِكْرِ كَوْنِ ذَلِكَ الرَّجُلِ مِن أهْلِها تَقْوِيَةَ قَوْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وهَذِهِ التَّرْجِيحاتُ إنَّما يُصارُ إلَيْها عِنْدَ كَوْنِ الدَّلالَةِ ظَنِّيَّةً، ولَوْ كانَ هَذا القَوْلُ صادِرًا عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي في المَهْدِ لَكانَ قَوْلُهُ حُجَّةً قاطِعَةً، ولا يَتَفاوَتُ الحالُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِها، وبَيْنَ أنْ لا يَكُونَ مِن أهْلِها وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِهَذا القَيْدِ أثَرٌ.
والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الشّاهِدِ لا يَقَعُ في العُرْفِ إلّا عَلى مَن تَقَدَّمَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالواقِعَةِ وإحاطَةٌ بِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ، قالَ مُجاهِدٌ: الشّاهِدُ كَوْنُ قَمِيصِهِ مَشْقُوقًا مِن دُبُرٍ، وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ لِأنَّ القَمِيصَ لا يُوصَفُ بِهَذا ولا يُنْسَبُ إلى الأهْلِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ عَلَيْهِ أيْضًا إشْكالٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَلامَةَ المَذْكُورَةَ لا تَدُلُّ قَطْعًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مِنَ المُحْتَمَلِ أنَّ الرَّجُلَ قَصَدَ المَرْأةَ لِطَلَبِ الزِّنا فالمَرْأةُ غَضِبَتْ عَلَيْهِ فَهَرَبَ الرَّجُلُ فَعَدَتِ المَرْأةُ خَلْفَ الرَّجُلِ وجَذَبَتْهُ لِقَصْدِ أنْ تَضْرِبَهُ ضَرْبًا وجِيعًا، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ القَمِيصُ مُتَخَرِّقًا مِن دُبُرٍ مَعَ أنَّ المَرْأةَ تَكُونُ بَرِيَّةً عَنِ الذَّنْبِ والرَّجُلَ يَكُونُ مُذْنِبًا.
صفحة ١٠٠
وجَوابُهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ عَلاماتِ كَذِبِ المَرْأةِ كانَتْ كَثِيرَةً بالِغَةً مَبْلَغَ اليَقِينِ، فَضَمُّوا إلَيْها هَذِهِ العَلامَةَ الأُخْرى لا لِأجْلِ أنْ يُعَوِّلُوا في الحُكْمِ عَلَيْها، بَلْ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المُقَوِّياتِ والمُرَجِّحاتِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ وقالَ: ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ﴾ وذَلِكَ يَحْتَمِلُ السَّيِّدَ الَّذِي هو زَوْجُها ويَحْتَمِلُ الشّاهِدَ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أيْ أنَّ قَوْلَكِ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الإنْسانَ ضَعِيفًا فَكَيْفَ وصَفَ كَيْدَ المَرْأةِ بِالعِظَمِ، وأيْضًا فَكَيْدُ الرِّجالِ قَدْ يَزِيدُ عَلى كَيْدِ النِّساءِ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ بِالنِّسْبَةِ إلى خِلْقَةِ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والكَواكِبِ خِلْقَةٌ ضَعِيفَةٌ، وكَيْدُ النِّسْواتِ بِالنِّسْبَةِ إلى كَيْدِ البَشَرِ عَظِيمٌ ولا مُنافاةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وأيْضًا فالنِّساءُ لَهُنَّ في هَذا البابِ مِنَ المَكْرِ والحِيَلِ ما لا يَكُونُ لِلرِّجالِ، ولِأنَّ كَيْدَهُنَّ في هَذا البابِ يُورِثُ مِنَ العارِ ما لا يُورِثُهُ كَيْدُ الرِّجالِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لِلْقَوْمِ بَراءَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ حَكى تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ فَقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ العَزِيزِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن قَوْلِ الشّاهِدِ، ومَعْناهُ: أعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ هَذِهِ الواقِعَةِ حَتّى لا يَنْتَشِرَ خَبَرُها ولا يَحْصُلَ العارُ العَظِيمُ بِسَبَبِها، وكَما أمَرَ يُوسُفَ بِكِتْمانِ هَذِهِ الواقِعَةِ أمَرَ المَرْأةَ بِالِاسْتِغْفارِ فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ وظاهِرُ ذَلِكَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الزَّوْجِ ويَكُونُ مَعْنى المَغْفِرَةِ العَفْوَ والصَّفْحَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالأقْرَبُ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو الشّاهِدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا يُثْبِتُونَ الصّانِعَ، إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ بِدَلِيلِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو الزَّوْجَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ نِسْبَةٌ لَها إلى أنَّها كانَتْ كَثِيرَةَ الخَطَأِ فِيما تَقَدَّمَ، وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّوْجَ عَرَفَ في أوَّلِ الأمْرِ أنَّ الذَّنْبَ لِلْمَرْأةِ لا لِيُوسُفَ، لِأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ عَنْها إقْدامَها عَلى ما لا يَنْبَغِي. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: إنَّ ذَلِكَ لِزَوْجٍ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ فاكْتَفى مِنها بِالِاسْتِغْفارِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وإنَّما قالَ مِنَ الخاطِئِينَ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ، تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّكَ مِن نَسْلِ الخاطِئِينَ، فَمِن ذَلِكَ النَّسْلِ سَرى هَذا العِرْقُ الخَبِيثُ فِيكِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْها أنَّها ”هَمَّتْ“ أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ طَلَبِها وهَرَبِهِ فَقالَ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ
صفحة ٩٨
هَرَبَ مِنها وحاوَلَ الخُرُوجَ مِنَ البابِ وعَدَتِ المَرْأةُ خَلْفَهُ لِتَجْذِبَهُ إلى نَفْسِها، والِاسْتِباقُ طَلَبُ السَّبْقِ إلى الشَّيْءِ، ومَعْناهُ: تَبادَرَ إلى البابِ يَجْتَهِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَسْبِقَ صاحِبَهُ، فَإنْ سَبَقَ يُوسُفُ فَتَحَ البابَ وخَرَجَ، وإنْ سَبَقَتِ المَرْأةُ أمْسَكَتِ البابَ لِئَلّا يَخْرُجَ، وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيِ اسْتَبَقا إلى البابِ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أيْ مِن قَوْمِهِ.
واعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبَقَها إلى البابِ وأرادَ الخُرُوجَ والمَرْأةُ تَعْدُو خَلْفَهُ فَلَمْ تَصِلْ إلّا إلى دُبُرِ القَمِيصِ فَقَدَّتْهُ، أيْ قَطَعَتْهُ طُولًا، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ حَضَرَ زَوْجُها وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ أيْ صادَفا بَعْلَها؛ تَقُولُ المَرْأةُ لِبَعْلِها سَيِّدِي، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سَيِّدَهُما لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مَمْلُوكًا لِذَلِكَ الرَّجُلِ في الحَقِيقَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خافَتِ المَرْأةُ مِنَ التُّهْمَةِ فَبادَرَتْ إلى أنْ رَمَتْ يُوسُفَ بِالفِعْلِ القَبِيحِ، وقالَتْ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾، والمَعْنى ظاهِرٌ.
وفِي الآيَةِ لَطائِفُ:
إحْداها: أنَّ ”ما“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً يَعْنِي أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ إلّا أنْ يُسْجَنَ كَما تَقُولُ: مَن في الدّارِ إلّا زَيْدٌ.
وثانِيها: أنَّ حُبَّها الشَّدِيدَ لِيُوسُفَ حَمَلَها عَلى رِعايَةِ دَقِيقَتَيْنِ في هَذا المَوْضِعِ وذَلِكَ لِأنَّها بَدَأتْ بِذِكْرِ السِّجْنِ، وأخَّرَتْ ذِكْرَ العَذابِ، لِأنَّ المُحِبَّ لا يَسْعى في إيلامِ المَحْبُوبِ، وأيْضًا أنَّها لَمْ تَذْكُرْ أنَّ يُوسُفَ يَجِبُ أنْ يُعامَلَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ ذِكْرًا كُلِّيًّا صَوْنًا لِلْمَحْبُوبِ عَنِ الذِّكْرِ بِالسُّوءِ والألَمِ، وأيْضًا قالَتْ: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ﴾ والمُرادُ أنْ يُسْجَنَ يَوْمًا أوْ أقَلَّ عَلى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ، فَأمّا الحَبْسُ الدّائِمُ فَإنَّهُ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، بَلْ يُقالُ: يَجِبُ أنْ يُجْعَلَ مِنَ المَسْجُونِينَ، ألا تَرى أنَّ فِرْعَوْنَ هَكَذا قالَ حِينَ تَهَدَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وثالِثُها: أنَّها لَمّا شاهَدَتْ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ مِنها مَعَ أنَّهُ كانَ في عُنْفُوانِ العُمُرِ وكَمالِ القُوَّةِ ونِهايَةِ الشَّهْوَةِ، عَظُمَ اعْتِقادُها في طَهارَتِهِ ونَزاهَتِهِ فاسْتَحْيَتْ أنْ تَقُولَ إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَنِي بِالسُّوءِ، وما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلِ اكْتَفَتْ بِهَذا التَّعْرِيضِ. فانْظُرْ إلى تِلْكَ المَرْأةِ ما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ وأنَّ هَؤُلاءِ الحَشْوِيَّةَ يَرْمُونَهُ بَعْدَ قَرِيبٍ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ بِهَذا الذَّنْبِ القَبِيحِ.
ورابِعُها: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَضْرِبَها ويَدْفَعَها عَنْ نَفْسِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها جارِيًا مَجْرى السُّوءِ فَقَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾، جارٍ مَجْرى التَّعْرِيضِ، فَلَعَلَّها بِقَلْبِها كانَتْ تُرِيدُ إقْدامَهُ عَلى دَفْعِها ومَنعِها، وفي ظاهِرِ الأمْرِ كانَتْ تُوهِمُ أنَّهُ قَصَدَنِي بِما لا يَنْبَغِي.
واعْلَمْ أنَّ المَرْأةَ لَمّا ذَكَرَتْ هَذا الكَلامَ ولَطَّخَتْ عِرْضَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ احْتاجَ يُوسُفُ إلى إزالَةِ هَذِهِ التُّهْمَةِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، وأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَتَكَ سِتْرَها في أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ لَمّا خافَ عَلى النَّفْسِ وعَلى العِرْضِ أظْهَرَ الأمْرَ.
واعْلَمْ أنَّ العَلاماتِ الكَثِيرَةَ كانَتْ دالَّةً عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الصّادِقُ؛ فالأوَّلُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ظاهِرِ الأمْرِ كانَ عَبْدًا لَهم والعَبْدُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلى مَوْلاهُ إلى هَذا الحَدِّ.
والثّانِي: أنَّهم شاهَدُوا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْدُو عَدْوًا شَدِيدًا لِيَخْرُجَ، والرَّجُلُ الطّالِبُ لِلْمَرْأةِ لا يَخْرُجُ مِنَ الدّارِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
والثّالِثُ: أنَّهم رَأوْا أنَّ المَرْأةَ زَيَّنَتْ نَفْسَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَما كانَ
صفحة ٩٩
عَلَيْهِ أثَرٌ مِن آثارِ تَزْيِينِ النَّفْسِ فَكانَ إلْحاقُ هَذِهِ الفِتْنَةِ بِالمَرْأةِ أوْلى.
الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا قَدْ شاهَدُوا أحْوالَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَما رَأوْا عَلَيْهِ حالَةً تُناسِبُ إقْدامَهُ عَلى مِثْلِ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ، وذَلِكَ أيْضًا مِمّا يُقَوِّي الظَّنَّ.
الخامِسُ: أنَّ المَرْأةَ ما نَسَبَتْهُ إلى طَلَبِ الفاحِشَةِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلْ ذَكَرَتْ كَلامًا مُجْمَلًا مُبْهَمًا، وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ صَرَّحَ بِالأمْرِ ولَوْ أنَّهُ كانَ مُتَّهَمًا لَما قَدَرَ عَلى التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ فَإنَّ الخائِنَ خائِفٌ.
السّادِسُ: قِيلَ: إنَّ زَوْجَ المَرْأةِ كانَ عاجِزًا وآثارُ طَلَبِ الشَّهْوَةِ في حَقِّ المَرْأةِ كانَتْ مُتَكامِلَةً فَإلْحاقُ هَذِهِ الفِتْنَةِ بِها أوْلى، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ الأماراتُ الكَثِيرَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ مَبْدَأ هَذِهِ الفِتْنَةِ كانَ مِنَ المَرْأةِ اسْتَحْيا الزَّوْجُ وتَوَقَّفَ وسَكَتَ لِعِلْمِهِ بِأنَّ يُوسُفَ صادِقٌ والمَرْأةَ كاذِبَةٌ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أظْهَرَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلًا آخَرَ يُقَوِّي تِلْكَ الدَّلائِلَ المَذْكُورَةَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ عَنِ الذَّنْبِ وأنَّ المَرْأةَ هي المُذْنِبَةُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وفي هَذا الشّاهِدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ لَها ابْنُ عَمٍّ وكانَ رَجُلًا حَكِيمًا. واتَّفَقَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهُ كانَ مَعَ المَلِكِ يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْها فَقالَ: قَدْ سَمِعْنا الجَلَبَةَ مِن وراءِ البابِ وشَقَّ القَمِيصِ إلّا أنّا لا نَدْرِي أيَّكُما قُدّامَ صاحِبِهِ، فَإنْ كانَ شَقُّ القَمِيصِ مِن قُدّامِهِ فَأنْتِ صادِقَةٌ والرَّجُلُ كاذِبٌ، وإنْ كانَ مِن خَلْفِهِ فالرَّجُلُ صادِقٌ وأنْتِ كاذِبَةٌ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى القَمِيصِ ورَأوُا الشَّقَّ مِن خَلْفِهِ قالَ ابْنُ عَمِّها: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أيْ مِن عَمَلِكُنَّ. ثُمَّ قالَ لِيُوسُفَ: أعْرِضْ عَنْ هَذا واكْتُمْهُ، وقالَ لَها: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: وهو أيْضًا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ كانَ صَبِيًّا أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى في المَهْدِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكَلَّمَ في المَهْدِ أرْبَعَةٌ صِغارٌ: شاهِدُ يُوسُفَ، وابْنُ ماشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ الرّاهِبِ.
قالَ الجُبّائِيُّ: والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أنْطَقَ الطِّفْلَ بِهَذا الكَلامِ لَكانَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ إنَّها كاذِبَةٌ كافِيًا وبُرْهانًا قاطِعًا، لِأنَّهُ مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ القاهِرَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِتَمْزِيقِ القَمِيصِ مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ ضَعِيفٌ، والعُدُولُ عَنِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ حالَ حُضُورِها وحُصُولِها إلى الدَّلالَةِ الظَّنِّيَّةِ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وإنَّما قالَ مِن أهْلِها لِيَكُونَ أوْلى بِالقَبُولِ في حَقِّ المَرْأةِ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ مَن يَكُونُ مِن أقْرِباءِ المَرْأةِ ومِن أهْلِها أنْ لا يَقْصِدَها بِالسُّوءِ والإضْرارِ، فالمَقْصُودُ بِذِكْرِ كَوْنِ ذَلِكَ الرَّجُلِ مِن أهْلِها تَقْوِيَةَ قَوْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وهَذِهِ التَّرْجِيحاتُ إنَّما يُصارُ إلَيْها عِنْدَ كَوْنِ الدَّلالَةِ ظَنِّيَّةً، ولَوْ كانَ هَذا القَوْلُ صادِرًا عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي في المَهْدِ لَكانَ قَوْلُهُ حُجَّةً قاطِعَةً، ولا يَتَفاوَتُ الحالُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِها، وبَيْنَ أنْ لا يَكُونَ مِن أهْلِها وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِهَذا القَيْدِ أثَرٌ.
والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الشّاهِدِ لا يَقَعُ في العُرْفِ إلّا عَلى مَن تَقَدَّمَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالواقِعَةِ وإحاطَةٌ بِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ، قالَ مُجاهِدٌ: الشّاهِدُ كَوْنُ قَمِيصِهِ مَشْقُوقًا مِن دُبُرٍ، وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ لِأنَّ القَمِيصَ لا يُوصَفُ بِهَذا ولا يُنْسَبُ إلى الأهْلِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ عَلَيْهِ أيْضًا إشْكالٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَلامَةَ المَذْكُورَةَ لا تَدُلُّ قَطْعًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مِنَ المُحْتَمَلِ أنَّ الرَّجُلَ قَصَدَ المَرْأةَ لِطَلَبِ الزِّنا فالمَرْأةُ غَضِبَتْ عَلَيْهِ فَهَرَبَ الرَّجُلُ فَعَدَتِ المَرْأةُ خَلْفَ الرَّجُلِ وجَذَبَتْهُ لِقَصْدِ أنْ تَضْرِبَهُ ضَرْبًا وجِيعًا، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ القَمِيصُ مُتَخَرِّقًا مِن دُبُرٍ مَعَ أنَّ المَرْأةَ تَكُونُ بَرِيَّةً عَنِ الذَّنْبِ والرَّجُلَ يَكُونُ مُذْنِبًا.
صفحة ١٠٠
وجَوابُهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ عَلاماتِ كَذِبِ المَرْأةِ كانَتْ كَثِيرَةً بالِغَةً مَبْلَغَ اليَقِينِ، فَضَمُّوا إلَيْها هَذِهِ العَلامَةَ الأُخْرى لا لِأجْلِ أنْ يُعَوِّلُوا في الحُكْمِ عَلَيْها، بَلْ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المُقَوِّياتِ والمُرَجِّحاتِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ وقالَ: ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ﴾ وذَلِكَ يَحْتَمِلُ السَّيِّدَ الَّذِي هو زَوْجُها ويَحْتَمِلُ الشّاهِدَ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أيْ أنَّ قَوْلَكِ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الإنْسانَ ضَعِيفًا فَكَيْفَ وصَفَ كَيْدَ المَرْأةِ بِالعِظَمِ، وأيْضًا فَكَيْدُ الرِّجالِ قَدْ يَزِيدُ عَلى كَيْدِ النِّساءِ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ بِالنِّسْبَةِ إلى خِلْقَةِ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والكَواكِبِ خِلْقَةٌ ضَعِيفَةٌ، وكَيْدُ النِّسْواتِ بِالنِّسْبَةِ إلى كَيْدِ البَشَرِ عَظِيمٌ ولا مُنافاةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وأيْضًا فالنِّساءُ لَهُنَّ في هَذا البابِ مِنَ المَكْرِ والحِيَلِ ما لا يَكُونُ لِلرِّجالِ، ولِأنَّ كَيْدَهُنَّ في هَذا البابِ يُورِثُ مِنَ العارِ ما لا يُورِثُهُ كَيْدُ الرِّجالِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لِلْقَوْمِ بَراءَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ حَكى تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ فَقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ العَزِيزِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن قَوْلِ الشّاهِدِ، ومَعْناهُ: أعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ هَذِهِ الواقِعَةِ حَتّى لا يَنْتَشِرَ خَبَرُها ولا يَحْصُلَ العارُ العَظِيمُ بِسَبَبِها، وكَما أمَرَ يُوسُفَ بِكِتْمانِ هَذِهِ الواقِعَةِ أمَرَ المَرْأةَ بِالِاسْتِغْفارِ فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ وظاهِرُ ذَلِكَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الزَّوْجِ ويَكُونُ مَعْنى المَغْفِرَةِ العَفْوَ والصَّفْحَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالأقْرَبُ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو الشّاهِدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا يُثْبِتُونَ الصّانِعَ، إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ بِدَلِيلِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو الزَّوْجَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ نِسْبَةٌ لَها إلى أنَّها كانَتْ كَثِيرَةَ الخَطَأِ فِيما تَقَدَّمَ، وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّوْجَ عَرَفَ في أوَّلِ الأمْرِ أنَّ الذَّنْبَ لِلْمَرْأةِ لا لِيُوسُفَ، لِأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ عَنْها إقْدامَها عَلى ما لا يَنْبَغِي. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: إنَّ ذَلِكَ لِزَوْجٍ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ فاكْتَفى مِنها بِالِاسْتِغْفارِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وإنَّما قالَ مِنَ الخاطِئِينَ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ، تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّكَ مِن نَسْلِ الخاطِئِينَ، فَمِن ذَلِكَ النَّسْلِ سَرى هَذا العِرْقُ الخَبِيثُ فِيكِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْها أنَّها ”هَمَّتْ“ أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ طَلَبِها وهَرَبِهِ فَقالَ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ
صفحة ٩٨
هَرَبَ مِنها وحاوَلَ الخُرُوجَ مِنَ البابِ وعَدَتِ المَرْأةُ خَلْفَهُ لِتَجْذِبَهُ إلى نَفْسِها، والِاسْتِباقُ طَلَبُ السَّبْقِ إلى الشَّيْءِ، ومَعْناهُ: تَبادَرَ إلى البابِ يَجْتَهِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَسْبِقَ صاحِبَهُ، فَإنْ سَبَقَ يُوسُفُ فَتَحَ البابَ وخَرَجَ، وإنْ سَبَقَتِ المَرْأةُ أمْسَكَتِ البابَ لِئَلّا يَخْرُجَ، وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيِ اسْتَبَقا إلى البابِ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أيْ مِن قَوْمِهِ.
واعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبَقَها إلى البابِ وأرادَ الخُرُوجَ والمَرْأةُ تَعْدُو خَلْفَهُ فَلَمْ تَصِلْ إلّا إلى دُبُرِ القَمِيصِ فَقَدَّتْهُ، أيْ قَطَعَتْهُ طُولًا، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ حَضَرَ زَوْجُها وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ أيْ صادَفا بَعْلَها؛ تَقُولُ المَرْأةُ لِبَعْلِها سَيِّدِي، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سَيِّدَهُما لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مَمْلُوكًا لِذَلِكَ الرَّجُلِ في الحَقِيقَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خافَتِ المَرْأةُ مِنَ التُّهْمَةِ فَبادَرَتْ إلى أنْ رَمَتْ يُوسُفَ بِالفِعْلِ القَبِيحِ، وقالَتْ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾، والمَعْنى ظاهِرٌ.
وفِي الآيَةِ لَطائِفُ:
إحْداها: أنَّ ”ما“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً يَعْنِي أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ إلّا أنْ يُسْجَنَ كَما تَقُولُ: مَن في الدّارِ إلّا زَيْدٌ.
وثانِيها: أنَّ حُبَّها الشَّدِيدَ لِيُوسُفَ حَمَلَها عَلى رِعايَةِ دَقِيقَتَيْنِ في هَذا المَوْضِعِ وذَلِكَ لِأنَّها بَدَأتْ بِذِكْرِ السِّجْنِ، وأخَّرَتْ ذِكْرَ العَذابِ، لِأنَّ المُحِبَّ لا يَسْعى في إيلامِ المَحْبُوبِ، وأيْضًا أنَّها لَمْ تَذْكُرْ أنَّ يُوسُفَ يَجِبُ أنْ يُعامَلَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ ذِكْرًا كُلِّيًّا صَوْنًا لِلْمَحْبُوبِ عَنِ الذِّكْرِ بِالسُّوءِ والألَمِ، وأيْضًا قالَتْ: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ﴾ والمُرادُ أنْ يُسْجَنَ يَوْمًا أوْ أقَلَّ عَلى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ، فَأمّا الحَبْسُ الدّائِمُ فَإنَّهُ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، بَلْ يُقالُ: يَجِبُ أنْ يُجْعَلَ مِنَ المَسْجُونِينَ، ألا تَرى أنَّ فِرْعَوْنَ هَكَذا قالَ حِينَ تَهَدَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وثالِثُها: أنَّها لَمّا شاهَدَتْ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ مِنها مَعَ أنَّهُ كانَ في عُنْفُوانِ العُمُرِ وكَمالِ القُوَّةِ ونِهايَةِ الشَّهْوَةِ، عَظُمَ اعْتِقادُها في طَهارَتِهِ ونَزاهَتِهِ فاسْتَحْيَتْ أنْ تَقُولَ إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَنِي بِالسُّوءِ، وما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلِ اكْتَفَتْ بِهَذا التَّعْرِيضِ. فانْظُرْ إلى تِلْكَ المَرْأةِ ما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ وأنَّ هَؤُلاءِ الحَشْوِيَّةَ يَرْمُونَهُ بَعْدَ قَرِيبٍ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ بِهَذا الذَّنْبِ القَبِيحِ.
ورابِعُها: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَضْرِبَها ويَدْفَعَها عَنْ نَفْسِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها جارِيًا مَجْرى السُّوءِ فَقَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾، جارٍ مَجْرى التَّعْرِيضِ، فَلَعَلَّها بِقَلْبِها كانَتْ تُرِيدُ إقْدامَهُ عَلى دَفْعِها ومَنعِها، وفي ظاهِرِ الأمْرِ كانَتْ تُوهِمُ أنَّهُ قَصَدَنِي بِما لا يَنْبَغِي.
واعْلَمْ أنَّ المَرْأةَ لَمّا ذَكَرَتْ هَذا الكَلامَ ولَطَّخَتْ عِرْضَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ احْتاجَ يُوسُفُ إلى إزالَةِ هَذِهِ التُّهْمَةِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، وأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَتَكَ سِتْرَها في أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ لَمّا خافَ عَلى النَّفْسِ وعَلى العِرْضِ أظْهَرَ الأمْرَ.
واعْلَمْ أنَّ العَلاماتِ الكَثِيرَةَ كانَتْ دالَّةً عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الصّادِقُ؛ فالأوَّلُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ظاهِرِ الأمْرِ كانَ عَبْدًا لَهم والعَبْدُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلى مَوْلاهُ إلى هَذا الحَدِّ.
والثّانِي: أنَّهم شاهَدُوا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْدُو عَدْوًا شَدِيدًا لِيَخْرُجَ، والرَّجُلُ الطّالِبُ لِلْمَرْأةِ لا يَخْرُجُ مِنَ الدّارِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
والثّالِثُ: أنَّهم رَأوْا أنَّ المَرْأةَ زَيَّنَتْ نَفْسَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَما كانَ
صفحة ٩٩
عَلَيْهِ أثَرٌ مِن آثارِ تَزْيِينِ النَّفْسِ فَكانَ إلْحاقُ هَذِهِ الفِتْنَةِ بِالمَرْأةِ أوْلى.
الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا قَدْ شاهَدُوا أحْوالَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَما رَأوْا عَلَيْهِ حالَةً تُناسِبُ إقْدامَهُ عَلى مِثْلِ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ، وذَلِكَ أيْضًا مِمّا يُقَوِّي الظَّنَّ.
الخامِسُ: أنَّ المَرْأةَ ما نَسَبَتْهُ إلى طَلَبِ الفاحِشَةِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلْ ذَكَرَتْ كَلامًا مُجْمَلًا مُبْهَمًا، وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ صَرَّحَ بِالأمْرِ ولَوْ أنَّهُ كانَ مُتَّهَمًا لَما قَدَرَ عَلى التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ فَإنَّ الخائِنَ خائِفٌ.
السّادِسُ: قِيلَ: إنَّ زَوْجَ المَرْأةِ كانَ عاجِزًا وآثارُ طَلَبِ الشَّهْوَةِ في حَقِّ المَرْأةِ كانَتْ مُتَكامِلَةً فَإلْحاقُ هَذِهِ الفِتْنَةِ بِها أوْلى، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ الأماراتُ الكَثِيرَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ مَبْدَأ هَذِهِ الفِتْنَةِ كانَ مِنَ المَرْأةِ اسْتَحْيا الزَّوْجُ وتَوَقَّفَ وسَكَتَ لِعِلْمِهِ بِأنَّ يُوسُفَ صادِقٌ والمَرْأةَ كاذِبَةٌ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أظْهَرَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلًا آخَرَ يُقَوِّي تِلْكَ الدَّلائِلَ المَذْكُورَةَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ عَنِ الذَّنْبِ وأنَّ المَرْأةَ هي المُذْنِبَةُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وفي هَذا الشّاهِدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ لَها ابْنُ عَمٍّ وكانَ رَجُلًا حَكِيمًا. واتَّفَقَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهُ كانَ مَعَ المَلِكِ يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْها فَقالَ: قَدْ سَمِعْنا الجَلَبَةَ مِن وراءِ البابِ وشَقَّ القَمِيصِ إلّا أنّا لا نَدْرِي أيَّكُما قُدّامَ صاحِبِهِ، فَإنْ كانَ شَقُّ القَمِيصِ مِن قُدّامِهِ فَأنْتِ صادِقَةٌ والرَّجُلُ كاذِبٌ، وإنْ كانَ مِن خَلْفِهِ فالرَّجُلُ صادِقٌ وأنْتِ كاذِبَةٌ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى القَمِيصِ ورَأوُا الشَّقَّ مِن خَلْفِهِ قالَ ابْنُ عَمِّها: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أيْ مِن عَمَلِكُنَّ. ثُمَّ قالَ لِيُوسُفَ: أعْرِضْ عَنْ هَذا واكْتُمْهُ، وقالَ لَها: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: وهو أيْضًا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ كانَ صَبِيًّا أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى في المَهْدِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكَلَّمَ في المَهْدِ أرْبَعَةٌ صِغارٌ: شاهِدُ يُوسُفَ، وابْنُ ماشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ الرّاهِبِ.
قالَ الجُبّائِيُّ: والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أنْطَقَ الطِّفْلَ بِهَذا الكَلامِ لَكانَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ إنَّها كاذِبَةٌ كافِيًا وبُرْهانًا قاطِعًا، لِأنَّهُ مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ القاهِرَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِتَمْزِيقِ القَمِيصِ مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ ضَعِيفٌ، والعُدُولُ عَنِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ حالَ حُضُورِها وحُصُولِها إلى الدَّلالَةِ الظَّنِّيَّةِ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وإنَّما قالَ مِن أهْلِها لِيَكُونَ أوْلى بِالقَبُولِ في حَقِّ المَرْأةِ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ مَن يَكُونُ مِن أقْرِباءِ المَرْأةِ ومِن أهْلِها أنْ لا يَقْصِدَها بِالسُّوءِ والإضْرارِ، فالمَقْصُودُ بِذِكْرِ كَوْنِ ذَلِكَ الرَّجُلِ مِن أهْلِها تَقْوِيَةَ قَوْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وهَذِهِ التَّرْجِيحاتُ إنَّما يُصارُ إلَيْها عِنْدَ كَوْنِ الدَّلالَةِ ظَنِّيَّةً، ولَوْ كانَ هَذا القَوْلُ صادِرًا عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي في المَهْدِ لَكانَ قَوْلُهُ حُجَّةً قاطِعَةً، ولا يَتَفاوَتُ الحالُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِها، وبَيْنَ أنْ لا يَكُونَ مِن أهْلِها وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِهَذا القَيْدِ أثَرٌ.
والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الشّاهِدِ لا يَقَعُ في العُرْفِ إلّا عَلى مَن تَقَدَّمَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالواقِعَةِ وإحاطَةٌ بِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ، قالَ مُجاهِدٌ: الشّاهِدُ كَوْنُ قَمِيصِهِ مَشْقُوقًا مِن دُبُرٍ، وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ لِأنَّ القَمِيصَ لا يُوصَفُ بِهَذا ولا يُنْسَبُ إلى الأهْلِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ عَلَيْهِ أيْضًا إشْكالٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَلامَةَ المَذْكُورَةَ لا تَدُلُّ قَطْعًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مِنَ المُحْتَمَلِ أنَّ الرَّجُلَ قَصَدَ المَرْأةَ لِطَلَبِ الزِّنا فالمَرْأةُ غَضِبَتْ عَلَيْهِ فَهَرَبَ الرَّجُلُ فَعَدَتِ المَرْأةُ خَلْفَ الرَّجُلِ وجَذَبَتْهُ لِقَصْدِ أنْ تَضْرِبَهُ ضَرْبًا وجِيعًا، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ القَمِيصُ مُتَخَرِّقًا مِن دُبُرٍ مَعَ أنَّ المَرْأةَ تَكُونُ بَرِيَّةً عَنِ الذَّنْبِ والرَّجُلَ يَكُونُ مُذْنِبًا.
صفحة ١٠٠
وجَوابُهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ عَلاماتِ كَذِبِ المَرْأةِ كانَتْ كَثِيرَةً بالِغَةً مَبْلَغَ اليَقِينِ، فَضَمُّوا إلَيْها هَذِهِ العَلامَةَ الأُخْرى لا لِأجْلِ أنْ يُعَوِّلُوا في الحُكْمِ عَلَيْها، بَلْ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المُقَوِّياتِ والمُرَجِّحاتِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ وقالَ: ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ﴾ وذَلِكَ يَحْتَمِلُ السَّيِّدَ الَّذِي هو زَوْجُها ويَحْتَمِلُ الشّاهِدَ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أيْ أنَّ قَوْلَكِ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الإنْسانَ ضَعِيفًا فَكَيْفَ وصَفَ كَيْدَ المَرْأةِ بِالعِظَمِ، وأيْضًا فَكَيْدُ الرِّجالِ قَدْ يَزِيدُ عَلى كَيْدِ النِّساءِ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ بِالنِّسْبَةِ إلى خِلْقَةِ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والكَواكِبِ خِلْقَةٌ ضَعِيفَةٌ، وكَيْدُ النِّسْواتِ بِالنِّسْبَةِ إلى كَيْدِ البَشَرِ عَظِيمٌ ولا مُنافاةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وأيْضًا فالنِّساءُ لَهُنَّ في هَذا البابِ مِنَ المَكْرِ والحِيَلِ ما لا يَكُونُ لِلرِّجالِ، ولِأنَّ كَيْدَهُنَّ في هَذا البابِ يُورِثُ مِنَ العارِ ما لا يُورِثُهُ كَيْدُ الرِّجالِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لِلْقَوْمِ بَراءَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ حَكى تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ فَقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ العَزِيزِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن قَوْلِ الشّاهِدِ، ومَعْناهُ: أعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ هَذِهِ الواقِعَةِ حَتّى لا يَنْتَشِرَ خَبَرُها ولا يَحْصُلَ العارُ العَظِيمُ بِسَبَبِها، وكَما أمَرَ يُوسُفَ بِكِتْمانِ هَذِهِ الواقِعَةِ أمَرَ المَرْأةَ بِالِاسْتِغْفارِ فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ وظاهِرُ ذَلِكَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الزَّوْجِ ويَكُونُ مَعْنى المَغْفِرَةِ العَفْوَ والصَّفْحَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالأقْرَبُ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو الشّاهِدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا يُثْبِتُونَ الصّانِعَ، إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ بِدَلِيلِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو الزَّوْجَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ نِسْبَةٌ لَها إلى أنَّها كانَتْ كَثِيرَةَ الخَطَأِ فِيما تَقَدَّمَ، وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّوْجَ عَرَفَ في أوَّلِ الأمْرِ أنَّ الذَّنْبَ لِلْمَرْأةِ لا لِيُوسُفَ، لِأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ عَنْها إقْدامَها عَلى ما لا يَنْبَغِي. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: إنَّ ذَلِكَ لِزَوْجٍ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ فاكْتَفى مِنها بِالِاسْتِغْفارِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وإنَّما قالَ مِنَ الخاطِئِينَ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ، تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّكَ مِن نَسْلِ الخاطِئِينَ، فَمِن ذَلِكَ النَّسْلِ سَرى هَذا العِرْقُ الخَبِيثُ فِيكِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْها أنَّها ”هَمَّتْ“ أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ طَلَبِها وهَرَبِهِ فَقالَ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ
صفحة ٩٨
هَرَبَ مِنها وحاوَلَ الخُرُوجَ مِنَ البابِ وعَدَتِ المَرْأةُ خَلْفَهُ لِتَجْذِبَهُ إلى نَفْسِها، والِاسْتِباقُ طَلَبُ السَّبْقِ إلى الشَّيْءِ، ومَعْناهُ: تَبادَرَ إلى البابِ يَجْتَهِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَسْبِقَ صاحِبَهُ، فَإنْ سَبَقَ يُوسُفُ فَتَحَ البابَ وخَرَجَ، وإنْ سَبَقَتِ المَرْأةُ أمْسَكَتِ البابَ لِئَلّا يَخْرُجَ، وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيِ اسْتَبَقا إلى البابِ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أيْ مِن قَوْمِهِ.
واعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبَقَها إلى البابِ وأرادَ الخُرُوجَ والمَرْأةُ تَعْدُو خَلْفَهُ فَلَمْ تَصِلْ إلّا إلى دُبُرِ القَمِيصِ فَقَدَّتْهُ، أيْ قَطَعَتْهُ طُولًا، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ حَضَرَ زَوْجُها وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ أيْ صادَفا بَعْلَها؛ تَقُولُ المَرْأةُ لِبَعْلِها سَيِّدِي، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سَيِّدَهُما لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مَمْلُوكًا لِذَلِكَ الرَّجُلِ في الحَقِيقَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خافَتِ المَرْأةُ مِنَ التُّهْمَةِ فَبادَرَتْ إلى أنْ رَمَتْ يُوسُفَ بِالفِعْلِ القَبِيحِ، وقالَتْ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾، والمَعْنى ظاهِرٌ.
وفِي الآيَةِ لَطائِفُ:
إحْداها: أنَّ ”ما“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً يَعْنِي أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ إلّا أنْ يُسْجَنَ كَما تَقُولُ: مَن في الدّارِ إلّا زَيْدٌ.
وثانِيها: أنَّ حُبَّها الشَّدِيدَ لِيُوسُفَ حَمَلَها عَلى رِعايَةِ دَقِيقَتَيْنِ في هَذا المَوْضِعِ وذَلِكَ لِأنَّها بَدَأتْ بِذِكْرِ السِّجْنِ، وأخَّرَتْ ذِكْرَ العَذابِ، لِأنَّ المُحِبَّ لا يَسْعى في إيلامِ المَحْبُوبِ، وأيْضًا أنَّها لَمْ تَذْكُرْ أنَّ يُوسُفَ يَجِبُ أنْ يُعامَلَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ ذِكْرًا كُلِّيًّا صَوْنًا لِلْمَحْبُوبِ عَنِ الذِّكْرِ بِالسُّوءِ والألَمِ، وأيْضًا قالَتْ: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ﴾ والمُرادُ أنْ يُسْجَنَ يَوْمًا أوْ أقَلَّ عَلى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ، فَأمّا الحَبْسُ الدّائِمُ فَإنَّهُ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، بَلْ يُقالُ: يَجِبُ أنْ يُجْعَلَ مِنَ المَسْجُونِينَ، ألا تَرى أنَّ فِرْعَوْنَ هَكَذا قالَ حِينَ تَهَدَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وثالِثُها: أنَّها لَمّا شاهَدَتْ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ مِنها مَعَ أنَّهُ كانَ في عُنْفُوانِ العُمُرِ وكَمالِ القُوَّةِ ونِهايَةِ الشَّهْوَةِ، عَظُمَ اعْتِقادُها في طَهارَتِهِ ونَزاهَتِهِ فاسْتَحْيَتْ أنْ تَقُولَ إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَنِي بِالسُّوءِ، وما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلِ اكْتَفَتْ بِهَذا التَّعْرِيضِ. فانْظُرْ إلى تِلْكَ المَرْأةِ ما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ وأنَّ هَؤُلاءِ الحَشْوِيَّةَ يَرْمُونَهُ بَعْدَ قَرِيبٍ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ بِهَذا الذَّنْبِ القَبِيحِ.
ورابِعُها: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَضْرِبَها ويَدْفَعَها عَنْ نَفْسِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها جارِيًا مَجْرى السُّوءِ فَقَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾، جارٍ مَجْرى التَّعْرِيضِ، فَلَعَلَّها بِقَلْبِها كانَتْ تُرِيدُ إقْدامَهُ عَلى دَفْعِها ومَنعِها، وفي ظاهِرِ الأمْرِ كانَتْ تُوهِمُ أنَّهُ قَصَدَنِي بِما لا يَنْبَغِي.
واعْلَمْ أنَّ المَرْأةَ لَمّا ذَكَرَتْ هَذا الكَلامَ ولَطَّخَتْ عِرْضَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ احْتاجَ يُوسُفُ إلى إزالَةِ هَذِهِ التُّهْمَةِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، وأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَتَكَ سِتْرَها في أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ لَمّا خافَ عَلى النَّفْسِ وعَلى العِرْضِ أظْهَرَ الأمْرَ.
واعْلَمْ أنَّ العَلاماتِ الكَثِيرَةَ كانَتْ دالَّةً عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الصّادِقُ؛ فالأوَّلُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ظاهِرِ الأمْرِ كانَ عَبْدًا لَهم والعَبْدُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلى مَوْلاهُ إلى هَذا الحَدِّ.
والثّانِي: أنَّهم شاهَدُوا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْدُو عَدْوًا شَدِيدًا لِيَخْرُجَ، والرَّجُلُ الطّالِبُ لِلْمَرْأةِ لا يَخْرُجُ مِنَ الدّارِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
والثّالِثُ: أنَّهم رَأوْا أنَّ المَرْأةَ زَيَّنَتْ نَفْسَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَما كانَ
صفحة ٩٩
عَلَيْهِ أثَرٌ مِن آثارِ تَزْيِينِ النَّفْسِ فَكانَ إلْحاقُ هَذِهِ الفِتْنَةِ بِالمَرْأةِ أوْلى.
الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا قَدْ شاهَدُوا أحْوالَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَما رَأوْا عَلَيْهِ حالَةً تُناسِبُ إقْدامَهُ عَلى مِثْلِ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ، وذَلِكَ أيْضًا مِمّا يُقَوِّي الظَّنَّ.
الخامِسُ: أنَّ المَرْأةَ ما نَسَبَتْهُ إلى طَلَبِ الفاحِشَةِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلْ ذَكَرَتْ كَلامًا مُجْمَلًا مُبْهَمًا، وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ صَرَّحَ بِالأمْرِ ولَوْ أنَّهُ كانَ مُتَّهَمًا لَما قَدَرَ عَلى التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ فَإنَّ الخائِنَ خائِفٌ.
السّادِسُ: قِيلَ: إنَّ زَوْجَ المَرْأةِ كانَ عاجِزًا وآثارُ طَلَبِ الشَّهْوَةِ في حَقِّ المَرْأةِ كانَتْ مُتَكامِلَةً فَإلْحاقُ هَذِهِ الفِتْنَةِ بِها أوْلى، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ الأماراتُ الكَثِيرَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ مَبْدَأ هَذِهِ الفِتْنَةِ كانَ مِنَ المَرْأةِ اسْتَحْيا الزَّوْجُ وتَوَقَّفَ وسَكَتَ لِعِلْمِهِ بِأنَّ يُوسُفَ صادِقٌ والمَرْأةَ كاذِبَةٌ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أظْهَرَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلًا آخَرَ يُقَوِّي تِلْكَ الدَّلائِلَ المَذْكُورَةَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ عَنِ الذَّنْبِ وأنَّ المَرْأةَ هي المُذْنِبَةُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وفي هَذا الشّاهِدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ لَها ابْنُ عَمٍّ وكانَ رَجُلًا حَكِيمًا. واتَّفَقَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهُ كانَ مَعَ المَلِكِ يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْها فَقالَ: قَدْ سَمِعْنا الجَلَبَةَ مِن وراءِ البابِ وشَقَّ القَمِيصِ إلّا أنّا لا نَدْرِي أيَّكُما قُدّامَ صاحِبِهِ، فَإنْ كانَ شَقُّ القَمِيصِ مِن قُدّامِهِ فَأنْتِ صادِقَةٌ والرَّجُلُ كاذِبٌ، وإنْ كانَ مِن خَلْفِهِ فالرَّجُلُ صادِقٌ وأنْتِ كاذِبَةٌ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى القَمِيصِ ورَأوُا الشَّقَّ مِن خَلْفِهِ قالَ ابْنُ عَمِّها: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أيْ مِن عَمَلِكُنَّ. ثُمَّ قالَ لِيُوسُفَ: أعْرِضْ عَنْ هَذا واكْتُمْهُ، وقالَ لَها: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: وهو أيْضًا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ كانَ صَبِيًّا أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى في المَهْدِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكَلَّمَ في المَهْدِ أرْبَعَةٌ صِغارٌ: شاهِدُ يُوسُفَ، وابْنُ ماشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ الرّاهِبِ.
قالَ الجُبّائِيُّ: والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أنْطَقَ الطِّفْلَ بِهَذا الكَلامِ لَكانَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ إنَّها كاذِبَةٌ كافِيًا وبُرْهانًا قاطِعًا، لِأنَّهُ مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ القاهِرَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِتَمْزِيقِ القَمِيصِ مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ ضَعِيفٌ، والعُدُولُ عَنِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ حالَ حُضُورِها وحُصُولِها إلى الدَّلالَةِ الظَّنِّيَّةِ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ وإنَّما قالَ مِن أهْلِها لِيَكُونَ أوْلى بِالقَبُولِ في حَقِّ المَرْأةِ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ مَن يَكُونُ مِن أقْرِباءِ المَرْأةِ ومِن أهْلِها أنْ لا يَقْصِدَها بِالسُّوءِ والإضْرارِ، فالمَقْصُودُ بِذِكْرِ كَوْنِ ذَلِكَ الرَّجُلِ مِن أهْلِها تَقْوِيَةَ قَوْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وهَذِهِ التَّرْجِيحاتُ إنَّما يُصارُ إلَيْها عِنْدَ كَوْنِ الدَّلالَةِ ظَنِّيَّةً، ولَوْ كانَ هَذا القَوْلُ صادِرًا عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي في المَهْدِ لَكانَ قَوْلُهُ حُجَّةً قاطِعَةً، ولا يَتَفاوَتُ الحالُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِها، وبَيْنَ أنْ لا يَكُونَ مِن أهْلِها وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِهَذا القَيْدِ أثَرٌ.
والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الشّاهِدِ لا يَقَعُ في العُرْفِ إلّا عَلى مَن تَقَدَّمَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالواقِعَةِ وإحاطَةٌ بِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ، قالَ مُجاهِدٌ: الشّاهِدُ كَوْنُ قَمِيصِهِ مَشْقُوقًا مِن دُبُرٍ، وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ لِأنَّ القَمِيصَ لا يُوصَفُ بِهَذا ولا يُنْسَبُ إلى الأهْلِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ عَلَيْهِ أيْضًا إشْكالٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَلامَةَ المَذْكُورَةَ لا تَدُلُّ قَطْعًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مِنَ المُحْتَمَلِ أنَّ الرَّجُلَ قَصَدَ المَرْأةَ لِطَلَبِ الزِّنا فالمَرْأةُ غَضِبَتْ عَلَيْهِ فَهَرَبَ الرَّجُلُ فَعَدَتِ المَرْأةُ خَلْفَ الرَّجُلِ وجَذَبَتْهُ لِقَصْدِ أنْ تَضْرِبَهُ ضَرْبًا وجِيعًا، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ القَمِيصُ مُتَخَرِّقًا مِن دُبُرٍ مَعَ أنَّ المَرْأةَ تَكُونُ بَرِيَّةً عَنِ الذَّنْبِ والرَّجُلَ يَكُونُ مُذْنِبًا.
صفحة ١٠٠
وجَوابُهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ عَلاماتِ كَذِبِ المَرْأةِ كانَتْ كَثِيرَةً بالِغَةً مَبْلَغَ اليَقِينِ، فَضَمُّوا إلَيْها هَذِهِ العَلامَةَ الأُخْرى لا لِأجْلِ أنْ يُعَوِّلُوا في الحُكْمِ عَلَيْها، بَلْ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المُقَوِّياتِ والمُرَجِّحاتِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ وقالَ: ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ﴾ وذَلِكَ يَحْتَمِلُ السَّيِّدَ الَّذِي هو زَوْجُها ويَحْتَمِلُ الشّاهِدَ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أيْ أنَّ قَوْلَكِ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الإنْسانَ ضَعِيفًا فَكَيْفَ وصَفَ كَيْدَ المَرْأةِ بِالعِظَمِ، وأيْضًا فَكَيْدُ الرِّجالِ قَدْ يَزِيدُ عَلى كَيْدِ النِّساءِ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ بِالنِّسْبَةِ إلى خِلْقَةِ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والكَواكِبِ خِلْقَةٌ ضَعِيفَةٌ، وكَيْدُ النِّسْواتِ بِالنِّسْبَةِ إلى كَيْدِ البَشَرِ عَظِيمٌ ولا مُنافاةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وأيْضًا فالنِّساءُ لَهُنَّ في هَذا البابِ مِنَ المَكْرِ والحِيَلِ ما لا يَكُونُ لِلرِّجالِ، ولِأنَّ كَيْدَهُنَّ في هَذا البابِ يُورِثُ مِنَ العارِ ما لا يُورِثُهُ كَيْدُ الرِّجالِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لِلْقَوْمِ بَراءَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ حَكى تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ فَقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ العَزِيزِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن قَوْلِ الشّاهِدِ، ومَعْناهُ: أعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ هَذِهِ الواقِعَةِ حَتّى لا يَنْتَشِرَ خَبَرُها ولا يَحْصُلَ العارُ العَظِيمُ بِسَبَبِها، وكَما أمَرَ يُوسُفَ بِكِتْمانِ هَذِهِ الواقِعَةِ أمَرَ المَرْأةَ بِالِاسْتِغْفارِ فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ وظاهِرُ ذَلِكَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الزَّوْجِ ويَكُونُ مَعْنى المَغْفِرَةِ العَفْوَ والصَّفْحَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالأقْرَبُ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو الشّاهِدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا يُثْبِتُونَ الصّانِعَ، إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ بِدَلِيلِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو الزَّوْجَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ نِسْبَةٌ لَها إلى أنَّها كانَتْ كَثِيرَةَ الخَطَأِ فِيما تَقَدَّمَ، وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّوْجَ عَرَفَ في أوَّلِ الأمْرِ أنَّ الذَّنْبَ لِلْمَرْأةِ لا لِيُوسُفَ، لِأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ عَنْها إقْدامَها عَلى ما لا يَنْبَغِي. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: إنَّ ذَلِكَ لِزَوْجٍ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ فاكْتَفى مِنها بِالِاسْتِغْفارِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وإنَّما قالَ مِنَ الخاطِئِينَ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ، تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّكَ مِن نَسْلِ الخاطِئِينَ، فَمِن ذَلِكَ النَّسْلِ سَرى هَذا العِرْقُ الخَبِيثُ فِيكِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾
صفحة ١٠١
.
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِمَ لَمْ يَقُلْ: ”وقالَتْ نِسْوَةٌ“ ؟ قُلْنا لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النِّسْوَةَ اسْمٌ مُفْرَدٌ لِجَمْعِ المَرْأةِ، وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْحَقْ فِعْلَهُ تاءُ التَّأْنِيثِ.
الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: تَقْدِيمُ الفِعْلِ يَدْعُو إلى إسْقاطِ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ عَلى قِياسِ إسْقاطِ عَلامَةِ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: هُنَّ أرْبَعٌ، امْرَأةُ ساقِي العَزِيزِ، وامْرَأةُ خَبّازِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ سِجْنِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ دَوابِّهِ، وزادَ مُقاتِلٌ: وامْرَأةُ الحاجِبِ.
والأشْبَهُ أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ شاعَتْ في البَلَدِ واشْتَهَرَتْ وتَحَدَّثَ بِها النِّساءُ، وامْرَأةُ العَزِيزِ هي هَذِهِ المَرْأةُ المَعْلُومَةُ. ﴿تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ الفَتى: الحَدَثُ الشّابُّ والفَتاةُ: الجارِيَةُ الشّابَّةُ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الشَّغافَ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الشَّغافَ جِلْدَةٌ مُحِيطَةٌ بِالقَلْبِ يُقالُ لَها غِلافُ القَلْبِ، يُقالُ شَغَفْتُ فُلانًا إذا أصَبْتُ شَغافَهُ كَما تَقُولُ كَبَدْتُهُ أيْ أصَبْتُ كَبِدَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿شَغَفَها حُبًّا﴾ أيْ دَخَلَ الحُبُّ الجِلْدَ حَتّى أصابَ القَلْبَ.
والثّانِي: أنَّ حُبَّهُ أحاطَ بِقَلْبِها مِثْلَ إحاطَةِ الشَّغافِ بِالقَلْبِ، ومَعْنى إحاطَةِ ذَلِكَ الحُبِّ بِقَلْبِها هو أنَّ اشْتِغالَها بِحُبِّهِ صارَ حِجابًا بَيْنَها وبَيْنَ كُلِّ ما سِوى هَذِهِ المَحَبَّةِ فَلا تَعْقِلُ سِواهُ ولا يَخْطُرُ بِبالِها إلّا إيّاهُ.
والثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: الشَّغافُ حَبَّةُ القَلْبِ وسُوَيْداءُ القَلْبِ، والمَعْنى: أنَّهُ وصَلَ حُبُّهُ إلى سُوَيْداءِ قَلْبِها، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا كِنايَةٌ عَنِ الحُبِّ الشَّدِيدِ والعِشْقِ العَظِيمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ”شَعَفَها“ بِالعَيْنِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ شَعَفَهُ الهَوى إذا بَلَغَ إلى حَدِّ الِاحْتِراقِ، وشَعَفَ الهَناءُ البَعِيرَ إذا بَلَغَ مِنهُ الألَمُ إلى حَدِّ الِاحْتِراقِ، وكَشَفَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: الشَّعَفُ بِالعَيْنِ إحْراقُ الحُبِّ القَلْبَ مَعَ لَذَّةٍ يَجِدُها، كَما أنَّ البَعِيرَ إذا هُنِّئَ بِالقَطْرانِ يَبْلُغُ مِنهُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الشَّعَفُ رُءُوسُ الجِبالِ، ومَعْنى شُعِفَ بِفُلانٍ إذا ارْتَفَعَ حُبُّهُ إلى أعْلى المَواضِعِ مِن قَلْبِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حُبًّا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ بِسَبَبِ حُبِّها إيّاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [ يُوسُفَ: ٨] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أنَّها سَمِعَتْ قَوْلَهُنَّ وإنَّما سُمِّيَ قَوْلُهُنَّ مَكْرًا لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ النِّسْوَةَ إنَّما ذَكَرَتْ ذَلِكَ الكَلامَ اسْتِدْعاءً لِرُؤْيَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ؛ لِأنَّهُنَّ عَرَفْنَ أنَّهُنَّ إذا قُلْنَ ذَلِكَ عَرَضَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِنَّ لِيَتَمَهَّدَ عُذْرُها عِنْدَهُنَّ.
الثّانِي: أنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ أسَرَّتْ إلَيْهِنَّ حُبَّها لِيُوسُفَ وطَلَبَتْ مِنهُنَّ كِتْمانَ هَذا السِّرِّ، فَلَمّا أظْهَرْنَ السِّرَّ كانَ ذَلِكَ غَدْرًا ومَكْرًا.
الثّالِثُ: أنَّهُنَّ وقَعْنَ في غِيبَتِها، والغِيبَةُ إنَّما تُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الخِفْيَةِ فَأشْبَهَتِ المَكْرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّها لَمّا سَمِعَتْ أنَّهُنَّ يَلُمْنَها عَلى تِلْكَ المَحَبَّةِ المُفْرِطَةِ أرادَتْ إبْداءَ عُذْرِها فاتَّخَذَتْ
صفحة ١٠٢
مائِدَةً ودَعَتْ جَماعَةً مِن أكابِرِهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً، وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُتَّكَأُ النُّمْرُقُ الَّذِي يُتَّكَأُ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّ المُتَّكَأ هو الطَّعامُ. قالَ العُتْبِيُّ: والأصْلُ فِيهِ أنَّ مَن دَعَوْتَهُ لِيَطْعَمَ عِنْدَكَ فَقَدْ أعْدَدْتَ لَهُ وِسادَةً، تُسَمِّي الطَّعامَ مُتَّكَأً عَلى الِاسْتِعارَةِ.
والثّالِثُ: مُتَّكَأً أُتْرُجًّا، وهو قَوْلُ وهْبٍ؛ وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدٍ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّها وضَعَتْ عِنْدَهُنَّ أنْواعَ الفاكِهَةِ في ذَلِكَ المَجْلِسِ.
والرّابِعُ: مُتَّكَأً طَعامًا يَحْتاجُ إلى أنْ يُقْطَعَ بِالسِّكِّينِ، لِأنَّ الطَّعامَ مَتى كانَ كَذَلِكَ احْتاجَ الإنْسانُ إلى أنْ يُتَّكَأ عَلَيْهِ عِنْدَ القَطْعِ.
ثُمَّ نَقُولُ: حاصِلُ ذَلِكَ أنَّها دَعَتْ أُولَئِكَ النِّسْوَةَ وأعَدَّتْ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مَجْلِسًا مُعَيَّنًا وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا أيْ لِأجْلِ أكْلِ الفاكِهَةِ أوْ لِأجْلِ قَطْعِ اللَّحْمِ، ثُمَّ إنَّها أمَرَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَخْرُجَ إلَيْهِنَّ ويَعْبُرَ عَلَيْهِنَّ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قَدَرَ عَلى مُخالَفَتِها خَوْفًا مِنها ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في ”أكْبَرْنَهُ“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أعْظَمْنَهُ.
والثّانِي: ”أكْبَرْنَ“ بِمَعْنى حِضْنَ. قالَ الأزْهَرِيُّ: والهاءُ لِلسَّكْتِ يُقالُ أكْبَرَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ، وحَقِيقَتُهُ دَخَلَتْ في الكِبَرِ لِأنَّها بِالحَيْضِ تَخْرُجُ مِن حَدِّ الصِّغَرِ إلى حَدِّ الكِبَرِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ المَرْأةَ إذا خافَتْ وفَزِعَتْ فَرُبَّما أسْقَطَتْ ولَدَها فَحاضَتْ، فَإنْ صَحَّ تَفْسِيرُ الإكْبارِ بِالحَيْضِ فالسَّبَبُ فِيهِ ما ذَكَرْناهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ كِنايَةٌ عَنْ دَهْشَتِهِنَّ وحَيْرَتِهِنَّ، والسَّبَبُ في حُسْنِ هَذِهِ الكِنايَةِ أنَّها لَمّا دُهِشَتْ فَكانَتْ تَظُنُّ أنَّها تَقْطَعُ الفاكِهَةَ وكانَتْ تَقْطَعُ يَدَ نَفْسِها، أوْ يُقالُ: إنَّها لَمّا دُهِشَتْ صارَتْ بِحَيْثُ لا تُمَيِّزُ نِصابَها مِن حَدِيدِها وكانَتْ تَأْخُذُ الجانِبَ الحادَّ مِن ذَلِكَ السِّكِّينِ بِكَفِّها فَكانَ يَحْصُلُ الجِراحَةُ في كَفِّها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُنَّ إنَّما أكْبَرْنَهُ بِحَسَبِ الجَمالِ الفائِقِ والحُسْنِ الكامِلِ، قِيلَ: كانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلى النّاسِ في الفَضْلِ والحُسْنِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«مَرَرْتُ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ عُرِجَ بِي إلى السَّماءِ فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن هَذا ؟ فَقالَ: هَذا يُوسُفُ. فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ رَأيْتَهُ ؟ قالَ: كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» “ وقِيلَ: كانَ يُوسُفُ إذا سارَ في أزِقَّةِ مِصْرَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ كَما يُرى نُورُ الشَّمْسِ مِنَ السَّماءِ عَلَيْها، وقِيلَ: كانَ يُشْبِهُ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ رَبُّهُ، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وعِنْدِي أنَّهُ يَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّهُنَّ إنَّما أكْبَرْنَهُ لِأنَّهُنَّ رَأيْنَ عَلَيْهِ نُورَ النُّبُوَّةِ وسِيما الرِّسالَةِ، وآثارَ الخُضُوعِ والِاحْتِشامِ، وشاهَدْنَ مِنهُ مَهابَةَ النُّبُوَّةِ وهَيْئَةَ المَلَكِيَّةِ، وهي عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى المَطْعُومِ والمَنكُوحِ، وعَدَمُ الِاعْتِدادِ بِهِنَّ، وكانَ الجَمالُ العَظِيمُ مَقْرُونًا بِتِلْكَ الهَيْبَةِ والهَيْئَةِ فَتَعَجَّبْنَ مِن تِلْكَ الحالَةِ فَلا جَرَمَ أكْبَرْنَهُ وعَظَّمْنَهُ، ووَقَعَ الرُّعْبُ والمَهابَةُ مِنهُ في قُلُوبِهِنَّ، وعِنْدِي أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَنْطَبِقُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُها: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] وكَيْفَ تَصِيرُ هَذِهِ الحالَةُ عُذْرًا لَها في قُوَّةِ العِشْقِ وإفْراطِ المَحَبَّةِ ؟
قُلْنا: قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ المَمْنُوعَ مَتْبُوعٌ فَكَأنَّها قالَتْ لَهُنَّ مَعَ هَذا الخُلُقِ العَجِيبِ وهَذِهِ السِّيرَةِ المَلَكِيَّةِ الطّاهِرَةِ المُطَهَّرَةِ، فَحُسْنُهُ يُوجِبُ الحُبَّ الشَّدِيدَ، وسِيرَتُهُ المَلَكِيَّةُ تُوجِبُ اليَأْسَ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَتْ في المَحَبَّةِ، والحَسْرَةِ، والأرَقِ والقَلَقِ، وهَذا الوَجْهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ أحْسَنُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ”وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ“ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ الشِّينِ وهي رِوايَةُ الأصْمَعِيِّ عَنْ نافِعٍ
صفحة ١٠٣
وهِيَ الأصْلُ لِأنَّها مِنَ المُحاشاةِ وهي التَّنْحِيَةُ والتَّبْعِيدُ، والباقُونَ بِحَذْفِ الألِفِ لِلتَّخْفِيفِ وكَثْرَةِ دَوَرانِها عَلى الألْسُنِ اتِّباعًا لِلْمُصْحَفِ. و”حاشا“ كَلِمَةٌ تُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ، والمَعْنى هَهُنا تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى مِنَ المُعْجِزِ حَيْثُ قَدَرَ عَلى خَلْقِ جَمِيلٍ مِثْلِهِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ فالتَّعَجُّبُ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ عَفِيفٍ مِثْلِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إثْباتُ الحُسْنِ العَظِيمِ لَهُ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى رَكَّزَ في الطِّباعِ أنْ لا حَيَّ أحْسَنُ مِنَ المَلَكِ، كَما رَكَّزَ فِيها أنْ لا حَيَّ أقْبَحُ مِنَ الشَّيْطانِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] وذَلِكَ لِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَقَرَّرَ في الطِّباعِ أنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ هو الشَّيْطانُ فَكَذا هَهُنا تَقَرَّرَ في الطِّباعِ أنَّ أحْسَنَ الأحْياءِ هو المَلَكُ، فَلَمّا أرادَتِ النِّسْوَةُ المُبالَغَةَ في وصْفِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحُسْنِ لا جَرَمَ شَبَّهْنَهُ بِالمَلَكِ.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ المَشْهُورَ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّ المَلائِكَةَ مُطَهَّرُونَ عَنْ بَواعِثِ الشَّهْوَةِ، وجَواذِبِ الغَضَبِ، ونَوازِعِ الوَهْمِ والخَيالِ، فَطَعامُهم تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعالى وشَرابُهُمُ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ النِّسْوَةَ لَمّا رَأيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِنَّ البَتَّةَ ورَأيْنَ عَلَيْهِ هَيْبَةَ النُّبُوَّةِ وهَيْبَةَ الرِّسالَةِ وسِيما الطَّهارَةِ قُلْنَ إنّا ما رَأيْنا فِيهِ أثَرًا مِن أثَرِ الشَّهْوَةِ، ولا شَيْئًا مِنَ البَشَرِيَّةِ، ولا صِفَةً مِنَ الإنْسانِيَّةِ، فَهَذا قَدْ تَطَهَّرَ عَنْ جَمِيعِ الصِّفاتِ المَغْرُوزَةِ في البَشَرِ، وقَدْ تَرَقّى عَنْ حَدِّ الإنْسانِيَّةِ ودَخَلَ في المَلَكِيَّةِ.
فَإنْ قالُوا: فَإنْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرْتُمْ فَكَيْفَ يَتَمَهَّدُ عُذْرُ تِلْكَ المَرْأةِ عِنْدَ النِّسْوَةِ ؟ فالجَوابُ قَدْ سَبَقَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّهُنَّ إنَّما ذَكَرْنَ هَذا الكَلامَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إخْراجُهُ مِنَ البَشَرِيَّةِ وإدْخالُهُ في المَلَكِيَّةِ سَبَبًا لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وإعْلاءِ مَرْتَبَتِهِ، وإنَّما يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ المَلَكُ أعْلى حالًا مِنَ البَشَرِ، ثُمَّ نَقُولُ: لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بَيانَ كَمالِ حالِهِ في الحُسْنِ الَّذِي هو الخُلُقُ الظّاهِرُ، أوْ كَمالِ حالِهِ في الحُسْنِ الَّذِي هو الخُلُقُ الباطِنُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم وصَفُوهُ بِكَوْنِهِ كَرِيمًا، وإنَّما يَكُونُ كَرِيمًا بِسَبَبِ الأخْلاقِ الباطِنَةِ لا بِسَبَبِ الخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ.
والثّانِي: أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ وجْهَ الإنْسانِ لا يُشْبِهُ وُجُوهَ المَلائِكَةِ البَتَّةَ. أمّا كَوْنُهُ بَعِيدًا عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ مُعَرَّضًا عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ مُتَوَجِّهًا إلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ والرُّوحِ فِيهِ، فَهو أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ الإنْسانِ الكامِلِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: تَشْبِيهُ الإنْسانِ بِالمَلَكِ في الأمْرِ الَّذِي حَصَلَتِ المُشابَهَةُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ أوْلى مِن تَشْبِيهِهِ بِالمَلَكِ فِيما لَمْ تَحْصُلِ المُشابَهَةُ فِيهِ البَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ تَشْبِيهَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمَلَكِ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما وقَعَ في الخُلُقِ الباطِنِ، لا في الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ، وثَبَتَ أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المَلَكُ أعْلى حالًا مِنَ الإنْسانِ في هَذِهِ الفَضائِلِ، فَثَبَتَ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ إعْمالُ ”ما“ عَمَلَ لَيْسَ وبِها ورَدَ قَوْلُهُ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ما﴾
صفحة ١٠٤
﴿هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] ومَن قَرَأ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، قَرَأ ”ما هَذا بَشَرٌ“ وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقُرِئَ ”ما هَذا بَشَرًا“ أيْ ما هو بِعَبْدٍ مَمْلُوكٍ لِلْبَشَرِ ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ثُمَّ نَقُولُ: ما هَذا بَشَرًا، أيْ حاصِلٌ بَشَرًا بِمَعْنى هَذا مُشْتَرًى، ونَقُولُ: هَذا لَكَ بَشَرًا أمْ بِكْرًا، والقِراءَةُ المُعْتَبَرَةُ هي الأُولى لِمُوافَقَتِها المُصْحَفَ، ولِمُقابَلَةِ البَشَرِ لِلْمَلَكِ.
يوسف 12:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾
صفحة ١٠١
.
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِمَ لَمْ يَقُلْ: ”وقالَتْ نِسْوَةٌ“ ؟ قُلْنا لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النِّسْوَةَ اسْمٌ مُفْرَدٌ لِجَمْعِ المَرْأةِ، وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْحَقْ فِعْلَهُ تاءُ التَّأْنِيثِ.
الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: تَقْدِيمُ الفِعْلِ يَدْعُو إلى إسْقاطِ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ عَلى قِياسِ إسْقاطِ عَلامَةِ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: هُنَّ أرْبَعٌ، امْرَأةُ ساقِي العَزِيزِ، وامْرَأةُ خَبّازِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ سِجْنِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ دَوابِّهِ، وزادَ مُقاتِلٌ: وامْرَأةُ الحاجِبِ.
والأشْبَهُ أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ شاعَتْ في البَلَدِ واشْتَهَرَتْ وتَحَدَّثَ بِها النِّساءُ، وامْرَأةُ العَزِيزِ هي هَذِهِ المَرْأةُ المَعْلُومَةُ. ﴿تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ الفَتى: الحَدَثُ الشّابُّ والفَتاةُ: الجارِيَةُ الشّابَّةُ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الشَّغافَ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الشَّغافَ جِلْدَةٌ مُحِيطَةٌ بِالقَلْبِ يُقالُ لَها غِلافُ القَلْبِ، يُقالُ شَغَفْتُ فُلانًا إذا أصَبْتُ شَغافَهُ كَما تَقُولُ كَبَدْتُهُ أيْ أصَبْتُ كَبِدَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿شَغَفَها حُبًّا﴾ أيْ دَخَلَ الحُبُّ الجِلْدَ حَتّى أصابَ القَلْبَ.
والثّانِي: أنَّ حُبَّهُ أحاطَ بِقَلْبِها مِثْلَ إحاطَةِ الشَّغافِ بِالقَلْبِ، ومَعْنى إحاطَةِ ذَلِكَ الحُبِّ بِقَلْبِها هو أنَّ اشْتِغالَها بِحُبِّهِ صارَ حِجابًا بَيْنَها وبَيْنَ كُلِّ ما سِوى هَذِهِ المَحَبَّةِ فَلا تَعْقِلُ سِواهُ ولا يَخْطُرُ بِبالِها إلّا إيّاهُ.
والثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: الشَّغافُ حَبَّةُ القَلْبِ وسُوَيْداءُ القَلْبِ، والمَعْنى: أنَّهُ وصَلَ حُبُّهُ إلى سُوَيْداءِ قَلْبِها، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا كِنايَةٌ عَنِ الحُبِّ الشَّدِيدِ والعِشْقِ العَظِيمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ”شَعَفَها“ بِالعَيْنِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ شَعَفَهُ الهَوى إذا بَلَغَ إلى حَدِّ الِاحْتِراقِ، وشَعَفَ الهَناءُ البَعِيرَ إذا بَلَغَ مِنهُ الألَمُ إلى حَدِّ الِاحْتِراقِ، وكَشَفَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: الشَّعَفُ بِالعَيْنِ إحْراقُ الحُبِّ القَلْبَ مَعَ لَذَّةٍ يَجِدُها، كَما أنَّ البَعِيرَ إذا هُنِّئَ بِالقَطْرانِ يَبْلُغُ مِنهُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الشَّعَفُ رُءُوسُ الجِبالِ، ومَعْنى شُعِفَ بِفُلانٍ إذا ارْتَفَعَ حُبُّهُ إلى أعْلى المَواضِعِ مِن قَلْبِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حُبًّا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ بِسَبَبِ حُبِّها إيّاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [ يُوسُفَ: ٨] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أنَّها سَمِعَتْ قَوْلَهُنَّ وإنَّما سُمِّيَ قَوْلُهُنَّ مَكْرًا لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ النِّسْوَةَ إنَّما ذَكَرَتْ ذَلِكَ الكَلامَ اسْتِدْعاءً لِرُؤْيَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ؛ لِأنَّهُنَّ عَرَفْنَ أنَّهُنَّ إذا قُلْنَ ذَلِكَ عَرَضَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِنَّ لِيَتَمَهَّدَ عُذْرُها عِنْدَهُنَّ.
الثّانِي: أنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ أسَرَّتْ إلَيْهِنَّ حُبَّها لِيُوسُفَ وطَلَبَتْ مِنهُنَّ كِتْمانَ هَذا السِّرِّ، فَلَمّا أظْهَرْنَ السِّرَّ كانَ ذَلِكَ غَدْرًا ومَكْرًا.
الثّالِثُ: أنَّهُنَّ وقَعْنَ في غِيبَتِها، والغِيبَةُ إنَّما تُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الخِفْيَةِ فَأشْبَهَتِ المَكْرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّها لَمّا سَمِعَتْ أنَّهُنَّ يَلُمْنَها عَلى تِلْكَ المَحَبَّةِ المُفْرِطَةِ أرادَتْ إبْداءَ عُذْرِها فاتَّخَذَتْ
صفحة ١٠٢
مائِدَةً ودَعَتْ جَماعَةً مِن أكابِرِهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً، وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُتَّكَأُ النُّمْرُقُ الَّذِي يُتَّكَأُ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّ المُتَّكَأ هو الطَّعامُ. قالَ العُتْبِيُّ: والأصْلُ فِيهِ أنَّ مَن دَعَوْتَهُ لِيَطْعَمَ عِنْدَكَ فَقَدْ أعْدَدْتَ لَهُ وِسادَةً، تُسَمِّي الطَّعامَ مُتَّكَأً عَلى الِاسْتِعارَةِ.
والثّالِثُ: مُتَّكَأً أُتْرُجًّا، وهو قَوْلُ وهْبٍ؛ وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدٍ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّها وضَعَتْ عِنْدَهُنَّ أنْواعَ الفاكِهَةِ في ذَلِكَ المَجْلِسِ.
والرّابِعُ: مُتَّكَأً طَعامًا يَحْتاجُ إلى أنْ يُقْطَعَ بِالسِّكِّينِ، لِأنَّ الطَّعامَ مَتى كانَ كَذَلِكَ احْتاجَ الإنْسانُ إلى أنْ يُتَّكَأ عَلَيْهِ عِنْدَ القَطْعِ.
ثُمَّ نَقُولُ: حاصِلُ ذَلِكَ أنَّها دَعَتْ أُولَئِكَ النِّسْوَةَ وأعَدَّتْ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مَجْلِسًا مُعَيَّنًا وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا أيْ لِأجْلِ أكْلِ الفاكِهَةِ أوْ لِأجْلِ قَطْعِ اللَّحْمِ، ثُمَّ إنَّها أمَرَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَخْرُجَ إلَيْهِنَّ ويَعْبُرَ عَلَيْهِنَّ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قَدَرَ عَلى مُخالَفَتِها خَوْفًا مِنها ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في ”أكْبَرْنَهُ“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أعْظَمْنَهُ.
والثّانِي: ”أكْبَرْنَ“ بِمَعْنى حِضْنَ. قالَ الأزْهَرِيُّ: والهاءُ لِلسَّكْتِ يُقالُ أكْبَرَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ، وحَقِيقَتُهُ دَخَلَتْ في الكِبَرِ لِأنَّها بِالحَيْضِ تَخْرُجُ مِن حَدِّ الصِّغَرِ إلى حَدِّ الكِبَرِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ المَرْأةَ إذا خافَتْ وفَزِعَتْ فَرُبَّما أسْقَطَتْ ولَدَها فَحاضَتْ، فَإنْ صَحَّ تَفْسِيرُ الإكْبارِ بِالحَيْضِ فالسَّبَبُ فِيهِ ما ذَكَرْناهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ كِنايَةٌ عَنْ دَهْشَتِهِنَّ وحَيْرَتِهِنَّ، والسَّبَبُ في حُسْنِ هَذِهِ الكِنايَةِ أنَّها لَمّا دُهِشَتْ فَكانَتْ تَظُنُّ أنَّها تَقْطَعُ الفاكِهَةَ وكانَتْ تَقْطَعُ يَدَ نَفْسِها، أوْ يُقالُ: إنَّها لَمّا دُهِشَتْ صارَتْ بِحَيْثُ لا تُمَيِّزُ نِصابَها مِن حَدِيدِها وكانَتْ تَأْخُذُ الجانِبَ الحادَّ مِن ذَلِكَ السِّكِّينِ بِكَفِّها فَكانَ يَحْصُلُ الجِراحَةُ في كَفِّها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُنَّ إنَّما أكْبَرْنَهُ بِحَسَبِ الجَمالِ الفائِقِ والحُسْنِ الكامِلِ، قِيلَ: كانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلى النّاسِ في الفَضْلِ والحُسْنِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«مَرَرْتُ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ عُرِجَ بِي إلى السَّماءِ فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن هَذا ؟ فَقالَ: هَذا يُوسُفُ. فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ رَأيْتَهُ ؟ قالَ: كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» “ وقِيلَ: كانَ يُوسُفُ إذا سارَ في أزِقَّةِ مِصْرَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ كَما يُرى نُورُ الشَّمْسِ مِنَ السَّماءِ عَلَيْها، وقِيلَ: كانَ يُشْبِهُ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ رَبُّهُ، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وعِنْدِي أنَّهُ يَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّهُنَّ إنَّما أكْبَرْنَهُ لِأنَّهُنَّ رَأيْنَ عَلَيْهِ نُورَ النُّبُوَّةِ وسِيما الرِّسالَةِ، وآثارَ الخُضُوعِ والِاحْتِشامِ، وشاهَدْنَ مِنهُ مَهابَةَ النُّبُوَّةِ وهَيْئَةَ المَلَكِيَّةِ، وهي عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى المَطْعُومِ والمَنكُوحِ، وعَدَمُ الِاعْتِدادِ بِهِنَّ، وكانَ الجَمالُ العَظِيمُ مَقْرُونًا بِتِلْكَ الهَيْبَةِ والهَيْئَةِ فَتَعَجَّبْنَ مِن تِلْكَ الحالَةِ فَلا جَرَمَ أكْبَرْنَهُ وعَظَّمْنَهُ، ووَقَعَ الرُّعْبُ والمَهابَةُ مِنهُ في قُلُوبِهِنَّ، وعِنْدِي أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَنْطَبِقُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُها: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] وكَيْفَ تَصِيرُ هَذِهِ الحالَةُ عُذْرًا لَها في قُوَّةِ العِشْقِ وإفْراطِ المَحَبَّةِ ؟
قُلْنا: قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ المَمْنُوعَ مَتْبُوعٌ فَكَأنَّها قالَتْ لَهُنَّ مَعَ هَذا الخُلُقِ العَجِيبِ وهَذِهِ السِّيرَةِ المَلَكِيَّةِ الطّاهِرَةِ المُطَهَّرَةِ، فَحُسْنُهُ يُوجِبُ الحُبَّ الشَّدِيدَ، وسِيرَتُهُ المَلَكِيَّةُ تُوجِبُ اليَأْسَ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَتْ في المَحَبَّةِ، والحَسْرَةِ، والأرَقِ والقَلَقِ، وهَذا الوَجْهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ أحْسَنُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ”وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ“ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ الشِّينِ وهي رِوايَةُ الأصْمَعِيِّ عَنْ نافِعٍ
صفحة ١٠٣
وهِيَ الأصْلُ لِأنَّها مِنَ المُحاشاةِ وهي التَّنْحِيَةُ والتَّبْعِيدُ، والباقُونَ بِحَذْفِ الألِفِ لِلتَّخْفِيفِ وكَثْرَةِ دَوَرانِها عَلى الألْسُنِ اتِّباعًا لِلْمُصْحَفِ. و”حاشا“ كَلِمَةٌ تُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ، والمَعْنى هَهُنا تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى مِنَ المُعْجِزِ حَيْثُ قَدَرَ عَلى خَلْقِ جَمِيلٍ مِثْلِهِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ فالتَّعَجُّبُ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ عَفِيفٍ مِثْلِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إثْباتُ الحُسْنِ العَظِيمِ لَهُ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى رَكَّزَ في الطِّباعِ أنْ لا حَيَّ أحْسَنُ مِنَ المَلَكِ، كَما رَكَّزَ فِيها أنْ لا حَيَّ أقْبَحُ مِنَ الشَّيْطانِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] وذَلِكَ لِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَقَرَّرَ في الطِّباعِ أنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ هو الشَّيْطانُ فَكَذا هَهُنا تَقَرَّرَ في الطِّباعِ أنَّ أحْسَنَ الأحْياءِ هو المَلَكُ، فَلَمّا أرادَتِ النِّسْوَةُ المُبالَغَةَ في وصْفِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحُسْنِ لا جَرَمَ شَبَّهْنَهُ بِالمَلَكِ.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ المَشْهُورَ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّ المَلائِكَةَ مُطَهَّرُونَ عَنْ بَواعِثِ الشَّهْوَةِ، وجَواذِبِ الغَضَبِ، ونَوازِعِ الوَهْمِ والخَيالِ، فَطَعامُهم تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعالى وشَرابُهُمُ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ النِّسْوَةَ لَمّا رَأيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِنَّ البَتَّةَ ورَأيْنَ عَلَيْهِ هَيْبَةَ النُّبُوَّةِ وهَيْبَةَ الرِّسالَةِ وسِيما الطَّهارَةِ قُلْنَ إنّا ما رَأيْنا فِيهِ أثَرًا مِن أثَرِ الشَّهْوَةِ، ولا شَيْئًا مِنَ البَشَرِيَّةِ، ولا صِفَةً مِنَ الإنْسانِيَّةِ، فَهَذا قَدْ تَطَهَّرَ عَنْ جَمِيعِ الصِّفاتِ المَغْرُوزَةِ في البَشَرِ، وقَدْ تَرَقّى عَنْ حَدِّ الإنْسانِيَّةِ ودَخَلَ في المَلَكِيَّةِ.
فَإنْ قالُوا: فَإنْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرْتُمْ فَكَيْفَ يَتَمَهَّدُ عُذْرُ تِلْكَ المَرْأةِ عِنْدَ النِّسْوَةِ ؟ فالجَوابُ قَدْ سَبَقَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّهُنَّ إنَّما ذَكَرْنَ هَذا الكَلامَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إخْراجُهُ مِنَ البَشَرِيَّةِ وإدْخالُهُ في المَلَكِيَّةِ سَبَبًا لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وإعْلاءِ مَرْتَبَتِهِ، وإنَّما يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ المَلَكُ أعْلى حالًا مِنَ البَشَرِ، ثُمَّ نَقُولُ: لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بَيانَ كَمالِ حالِهِ في الحُسْنِ الَّذِي هو الخُلُقُ الظّاهِرُ، أوْ كَمالِ حالِهِ في الحُسْنِ الَّذِي هو الخُلُقُ الباطِنُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم وصَفُوهُ بِكَوْنِهِ كَرِيمًا، وإنَّما يَكُونُ كَرِيمًا بِسَبَبِ الأخْلاقِ الباطِنَةِ لا بِسَبَبِ الخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ.
والثّانِي: أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ وجْهَ الإنْسانِ لا يُشْبِهُ وُجُوهَ المَلائِكَةِ البَتَّةَ. أمّا كَوْنُهُ بَعِيدًا عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ مُعَرَّضًا عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ مُتَوَجِّهًا إلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ والرُّوحِ فِيهِ، فَهو أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ الإنْسانِ الكامِلِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: تَشْبِيهُ الإنْسانِ بِالمَلَكِ في الأمْرِ الَّذِي حَصَلَتِ المُشابَهَةُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ أوْلى مِن تَشْبِيهِهِ بِالمَلَكِ فِيما لَمْ تَحْصُلِ المُشابَهَةُ فِيهِ البَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ تَشْبِيهَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمَلَكِ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما وقَعَ في الخُلُقِ الباطِنِ، لا في الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ، وثَبَتَ أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المَلَكُ أعْلى حالًا مِنَ الإنْسانِ في هَذِهِ الفَضائِلِ، فَثَبَتَ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ إعْمالُ ”ما“ عَمَلَ لَيْسَ وبِها ورَدَ قَوْلُهُ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ما﴾
صفحة ١٠٤
﴿هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] ومَن قَرَأ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، قَرَأ ”ما هَذا بَشَرٌ“ وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقُرِئَ ”ما هَذا بَشَرًا“ أيْ ما هو بِعَبْدٍ مَمْلُوكٍ لِلْبَشَرِ ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ثُمَّ نَقُولُ: ما هَذا بَشَرًا، أيْ حاصِلٌ بَشَرًا بِمَعْنى هَذا مُشْتَرًى، ونَقُولُ: هَذا لَكَ بَشَرًا أمْ بِكْرًا، والقِراءَةُ المُعْتَبَرَةُ هي الأُولى لِمُوافَقَتِها المُصْحَفَ، ولِمُقابَلَةِ البَشَرِ لِلْمَلَكِ.
يوسف 12:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ النِّسْوَةَ لَمّا قُلْنَ في امْرَأةِ العَزِيزِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْها فَجَمَعَتْهُنَّ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَتْ أنَّهُنَّ بِاللَّوْمِ أحَقُّ لِأنَّهُنَّ بِنَظْرَةٍ واحِدَةٍ لِحَقِّهِنَّ أعْظَمُ مِمّا نالَها مَعَ أنَّهُ طالَ مُكْثُهُ عِنْدَها.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَتْ: ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ مَعَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حاضِرًا ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أشارَتْ بِصِيغَةِ ذَلِكُنَّ إلى يُوسُفَ بَعْدَ انْصِرافِهِ مِنَ المَجْلِسِ.
والثّانِي وهو الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وهو أحْسَنُ ما قِيلَ: أنَّ النِّسْوَةَ كُنَّ يَقُلْنَ إنَّها عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ، فَلَمّا رَأيْنَهُ ووَقَعْنَ في تِلْكَ الدَّهْشَةِ قالَتْ: هَذا الَّذِي رَأيْتُمُوهُ هو ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ، يَعْنِي: أنَّكُنَّ لَمْ تَتَصَوَّرْنَهُ حَقَّ تَصَوُّرِهِ ولَوْ حَصَلَتْ في خَيالِكُنَّ صُورَتُهُ لَتَرَكْتُنَّ هَذِهِ المَلامَةَ.
واعْلَمْ أنَّها لَمّا أظْهَرَتْ عُذْرَها عِنْدَ النِّسْوَةِ في شِدَّةِ مَحَبَّتِها لَهُ كَشَفَتْ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ فَقالَتْ: ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَرِيئًا عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ بَعْدَ حَلِّ السَّراوِيلِ. وما الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلى إلْحاقِ هَذِهِ الزِّيادَةِ الفاسِدَةِ الباطِلَةِ بِنَصِّ الكِتابِ ! .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ والمُرادُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ لَمْ يُوافِقْها عَلى مُرادِها يُوقَعُ في السِّجْنِ وفي الصَّغارِ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّوَعُّدَ بِالصَّغارِ لَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ في حَقِّ مَن كانَ رَفِيعَ النَّفْسِ عَظِيمَ الخَطَرِ مِثْلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَيَكُونَنْ﴾ كانَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَقِفانِ عَلى ”ولَيَكُونًا“ بِالألِفِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾، واللَّهُ أعْلَمُ.
يوسف 12:33
صفحة ١٠٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
واعْلَمْ أنَّ المَرْأةَ لَمّا قالَتْ: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ وسائِرُ النِّسْوَةِ سَمِعْنَ هَذا التَّهْدِيدَ، فالظّاهِرُ أنَّهُنَّ اجْتَمَعْنَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقُلْنَ لا مَصْلَحَةَ لَكَ في مُخالَفَةِ أمْرِها وإلّا وقَعْتَ في السِّجْنِ وفي الصَّغارِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ اجْتَمَعَ في حَقِّيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْواعٌ مِنَ الوَسْوَسَةِ:
أحَدُها: أنَّ زَلِيخا كانَتْ في غايَةِ الحُسْنِ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ ذاتَ مالٍ وثَرْوَةٍ، وكانَتْ عَلى عَزْمٍ أنْ تَبْذُلَ الكُلَّ لِيُوسُفَ بِتَقْدِيرِ أنْ يُساعِدَها عَلى مَطْلُوبِها.
والثّالِثُ: أنَّ النِّسْوَةَ اجْتَمَعْنَ عَلَيْهِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ كانَتْ تُرَغِّبُهُ وتُخَوِّفُهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، ومَكْرُ النِّساءِ في هَذا البابِ شَدِيدٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ خائِفًا مِن شَرِّها وإقْدامِها عَلى قَتْلِهِ وإهْلاكِهِ. فاجْتَمَعَ في حَقِّ يُوسُفَ جَمِيعُ جِهاتِ التَّرْغِيبِ عَلى مُوافَقَتِها وجَمِيعُ جِهاتِ التَّخْوِيفِ عَلى مُخالَفَتِها، فَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تُؤَثِّرَ هَذِهِ الأسْبابُ القَوِيَّةُ الكَثِيرَةُ فِيهِ.
واعْلَمْ أنَّ القُوَّةَ البَشَرِيَّةَ والطّاقَةَ الإنْسانِيَّةَ لا تَفِي بِحُصُولِ هَذِهِ العِصْمَةِ القَوِيَّةِ، فَعِنْدَ هَذا التَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى وقالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ وقُرِئَ ”السَّجْنُ“ بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ، وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجْنُ في غايَةِ المَكْرُوهِيَّةِ، وما دَعَوْنَهُ إلَيْهِ في غايَةِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَكَيْفَ قالَ: المَشَقَّةُ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ اللَّذَّةِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّ تِلْكَ اللَّذَّةَ كانَتْ تَسْتَعْقِبُ آلامًا عَظِيمَةً، وهي الذَّمُّ في الدُّنْيا والعِقابُ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ المَكْرُوهُ وهو اخْتِيارُ السِّجْنِ كانَ يَسْتَعْقِبُ سَعاداتٍ عَظِيمَةً، وهي المَدْحُ في الدُّنْيا والثَّوابُ الدّائِمُ في الآخِرَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ حَبْسَهم لَهُ مَعْصِيَةٌ كَما أنَّ الزِّنا مَعْصِيَةٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُحِبَّ السِّجْنَ مَعَ أنَّهُ مَعْصِيَةٌ ؟ .
والجَوابُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّهُ إذا كانَ لا بُدَّ مِنَ التِزامِ أحَدِ الأمْرَيْنِ أعْنِي الزِّنا أوِ السَّجْنَ، فَهَذا أوْلى، لِأنَّهُ مَتى وجَبَ التِزامُ أحَدِ شَيْئَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَرٌّ فَأخَفُّهُما أوْلاهُما بِالتَّحَمُّلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أصْبُ إلَيْهِنَّ أمِلْ إلَيْهِنَّ، يُقالُ: صَبا إلى اللَّهْوِ يَصْبُو صَبْوًا إذا مالَ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْصَرِفُ عَنِ المَعْصِيَةِ إلّا إذا صَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْها، قالُوا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنْ لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ ذَلِكَ القَبِيحِ وقَعَ فِيهِ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ القُدْرَةَ والدّاعِيَ إلى الفِعْلِ والتَّرْكِ إنِ اسْتَوَيا امْتَنَعَ الفِعْلُ، لِأنَّ الفِعْلَ رُجْحانٌ لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ ومَرْجُوحِيَّةٌ لِلطَّرْفِ الآخَرِ، وحُصُولُهُما حالَ اسْتِواءِ الطَّرَفَيْنِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وإنْ حَصَلَ الرُّجْحانُ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَذَلِكَ الرُّجْحانُ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ، وإلّا لَذَهَبَتِ المَراتِبُ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ، بَلْ هو مِنَ اللَّهِ تَعالى، فالصَّرْفُ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ مَرْجُوحًا لِأنَّهُ مَتى صارَ مَرْجُوحًا صارَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ لِأنَّ الوُقُوعَ رُجْحانٌ، فَلَوْ وقَعَ حالَ المَرْجُوحِيَّةِ لَحَصَلَ الرُّجْحانُ حالَ حُصُولِ المَرْجُوحِيَّةِ، وهو يَقْتَضِي حُصُولَ الجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ،
صفحة ١٠٦
فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ انْصِرافَ العَبْدِ عَنِ القَبِيحِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ويُمْكِنُ تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمِيعُ الأسْبابِ المُرَغِّبَةِ في تِلْكَ المَعْصِيَةِ، وهو الِانْتِفاعُ بِالمالِ والجاهِ والتَّمَتُّعِ بِالمَنكُوحِ والمَطْعُومِ، وحَصَلَ في الإعْراضِ عَنْها جَمِيعُ الأسْبابِ المُنَفِّرَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَوِيَتِ الدَّواعِي في الفِعْلِ وضَعُفَتِ الدَّواعِي في التَّرْكِ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يُحْدِثَ في قَلْبِهِ أنْواعًا مِنَ الدَّواعِي المُعارِضَةِ النّافِيَةِ لِدَواعِي المَعْصِيَةِ، إذْ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا المُعارِضُ لَحَصَلَ المُرَجِّحُ لِلْوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ خالِيًا عَمّا يُعارِضُهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ وُقُوعَ الفِعْلِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .
يوسف 12:34
صفحة ١٠٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
واعْلَمْ أنَّ المَرْأةَ لَمّا قالَتْ: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ وسائِرُ النِّسْوَةِ سَمِعْنَ هَذا التَّهْدِيدَ، فالظّاهِرُ أنَّهُنَّ اجْتَمَعْنَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقُلْنَ لا مَصْلَحَةَ لَكَ في مُخالَفَةِ أمْرِها وإلّا وقَعْتَ في السِّجْنِ وفي الصَّغارِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ اجْتَمَعَ في حَقِّيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْواعٌ مِنَ الوَسْوَسَةِ:
أحَدُها: أنَّ زَلِيخا كانَتْ في غايَةِ الحُسْنِ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ ذاتَ مالٍ وثَرْوَةٍ، وكانَتْ عَلى عَزْمٍ أنْ تَبْذُلَ الكُلَّ لِيُوسُفَ بِتَقْدِيرِ أنْ يُساعِدَها عَلى مَطْلُوبِها.
والثّالِثُ: أنَّ النِّسْوَةَ اجْتَمَعْنَ عَلَيْهِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ كانَتْ تُرَغِّبُهُ وتُخَوِّفُهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، ومَكْرُ النِّساءِ في هَذا البابِ شَدِيدٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ خائِفًا مِن شَرِّها وإقْدامِها عَلى قَتْلِهِ وإهْلاكِهِ. فاجْتَمَعَ في حَقِّ يُوسُفَ جَمِيعُ جِهاتِ التَّرْغِيبِ عَلى مُوافَقَتِها وجَمِيعُ جِهاتِ التَّخْوِيفِ عَلى مُخالَفَتِها، فَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تُؤَثِّرَ هَذِهِ الأسْبابُ القَوِيَّةُ الكَثِيرَةُ فِيهِ.
واعْلَمْ أنَّ القُوَّةَ البَشَرِيَّةَ والطّاقَةَ الإنْسانِيَّةَ لا تَفِي بِحُصُولِ هَذِهِ العِصْمَةِ القَوِيَّةِ، فَعِنْدَ هَذا التَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى وقالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ وقُرِئَ ”السَّجْنُ“ بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ، وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجْنُ في غايَةِ المَكْرُوهِيَّةِ، وما دَعَوْنَهُ إلَيْهِ في غايَةِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَكَيْفَ قالَ: المَشَقَّةُ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ اللَّذَّةِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّ تِلْكَ اللَّذَّةَ كانَتْ تَسْتَعْقِبُ آلامًا عَظِيمَةً، وهي الذَّمُّ في الدُّنْيا والعِقابُ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ المَكْرُوهُ وهو اخْتِيارُ السِّجْنِ كانَ يَسْتَعْقِبُ سَعاداتٍ عَظِيمَةً، وهي المَدْحُ في الدُّنْيا والثَّوابُ الدّائِمُ في الآخِرَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ حَبْسَهم لَهُ مَعْصِيَةٌ كَما أنَّ الزِّنا مَعْصِيَةٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُحِبَّ السِّجْنَ مَعَ أنَّهُ مَعْصِيَةٌ ؟ .
والجَوابُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّهُ إذا كانَ لا بُدَّ مِنَ التِزامِ أحَدِ الأمْرَيْنِ أعْنِي الزِّنا أوِ السَّجْنَ، فَهَذا أوْلى، لِأنَّهُ مَتى وجَبَ التِزامُ أحَدِ شَيْئَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَرٌّ فَأخَفُّهُما أوْلاهُما بِالتَّحَمُّلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أصْبُ إلَيْهِنَّ أمِلْ إلَيْهِنَّ، يُقالُ: صَبا إلى اللَّهْوِ يَصْبُو صَبْوًا إذا مالَ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْصَرِفُ عَنِ المَعْصِيَةِ إلّا إذا صَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْها، قالُوا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنْ لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ ذَلِكَ القَبِيحِ وقَعَ فِيهِ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ القُدْرَةَ والدّاعِيَ إلى الفِعْلِ والتَّرْكِ إنِ اسْتَوَيا امْتَنَعَ الفِعْلُ، لِأنَّ الفِعْلَ رُجْحانٌ لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ ومَرْجُوحِيَّةٌ لِلطَّرْفِ الآخَرِ، وحُصُولُهُما حالَ اسْتِواءِ الطَّرَفَيْنِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وإنْ حَصَلَ الرُّجْحانُ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَذَلِكَ الرُّجْحانُ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ، وإلّا لَذَهَبَتِ المَراتِبُ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ، بَلْ هو مِنَ اللَّهِ تَعالى، فالصَّرْفُ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ مَرْجُوحًا لِأنَّهُ مَتى صارَ مَرْجُوحًا صارَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ لِأنَّ الوُقُوعَ رُجْحانٌ، فَلَوْ وقَعَ حالَ المَرْجُوحِيَّةِ لَحَصَلَ الرُّجْحانُ حالَ حُصُولِ المَرْجُوحِيَّةِ، وهو يَقْتَضِي حُصُولَ الجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ،
صفحة ١٠٦
فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ انْصِرافَ العَبْدِ عَنِ القَبِيحِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ويُمْكِنُ تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمِيعُ الأسْبابِ المُرَغِّبَةِ في تِلْكَ المَعْصِيَةِ، وهو الِانْتِفاعُ بِالمالِ والجاهِ والتَّمَتُّعِ بِالمَنكُوحِ والمَطْعُومِ، وحَصَلَ في الإعْراضِ عَنْها جَمِيعُ الأسْبابِ المُنَفِّرَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَوِيَتِ الدَّواعِي في الفِعْلِ وضَعُفَتِ الدَّواعِي في التَّرْكِ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يُحْدِثَ في قَلْبِهِ أنْواعًا مِنَ الدَّواعِي المُعارِضَةِ النّافِيَةِ لِدَواعِي المَعْصِيَةِ، إذْ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا المُعارِضُ لَحَصَلَ المُرَجِّحُ لِلْوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ خالِيًا عَمّا يُعارِضُهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ وُقُوعَ الفِعْلِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .
يوسف 12:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ زَوْجَ المَرْأةِ لَمّا ظَهَرَ لَهُ بَراءَةُ ساحَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا جَرَمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، فاحْتالَتِ المَرْأةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ الحِيَلِ حَتّى تَحْمِلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُوافَقَتِها عَلى مُرادِها، فَلَمْ يَلْتَفِتْ يُوسُفُ إلَيْها، فَلَمّا أيِسَتْ مِنهُ احْتالَتْ في طَرِيقٍ آخَرَ وقالَتْ لِزَوْجِها: إنَّ هَذا العَبْدَ العِبْرانِيَّ فَضَحَنِي في النّاسِ يَقُولُ لَهم: إنِّي راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وأنا لا أقْدِرُ عَلى إظْهارِ عُذْرِي، فَإمّا أنْ تَأْذَنَ لِي فَأخْرُجَ وأعْتَذِرَ وإمّا أنْ تَحْبِسَهُ كَما حَبَسْتَنِي، فَعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَ في قَلْبِ العَزِيزِ أنَّ الأصْلَحَ حَبْسُهُ حَتّى يَسْقُطَ عَنْ ألْسِنَةِ النّاسِ ذِكْرَ هَذا الحَدِيثِ وحَتّى تَقِلَّ الفَضِيحَةُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ لِأنَّ البَداءَ عِبارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الرَّأْيِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ في الأوَّلِ، والمُرادُ مِنَ الآياتِ بَراءَتُهُ بِقَدِّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ، وخَمْشُ الوَجْهِ، وإلْزامُ الحَكَمِ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ وذَكَرْنا أنَّهُ ظَهَرَتْ هُناكَ أنْواعٌ أُخَرُ مِنَ الآياتِ بَلَغَتْ مَبْلَغَ القَطْعِ، ولَكِنَّ القَوْمَ سَكَتُوا عَنْها سَعْيًا في إخْفاءِ الفَضِيحَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَدا لَهُمْ﴾ فِعْلٌ وفاعِلُهُ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ وظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي إسْنادَ الفِعْلِ إلى فِعْلٍ آخَرَ، إلّا أنَّ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلى الفِعْلِ لا يَجُوزُ، فَإذا قُلْتَ خَرَجَ ضَرَبَ لَمْ يُفِدِ البَتَّةَ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: تَقْدِيرُ الكَلامِ ثُمَّ بَدا لَهم سَجْنُهُ، إلّا أنَّهُ أُقِيمَ هَذا الفِعْلُ مَقامَ ذَلِكَ الِاسْمِ، وأقُولُ: الذَّوْقُ يَشْهَدُ بِأنَّ جَعْلَ الفِعْلِ مُخْبَرًا عَنْهُ لا يَجُوزُ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: الفِعْلُ خَبَرًا، فَجَعْلُ الخَبَرِ مُخْبَرًا عَنْهُ لا يَجُوزُ، لِأنّا نَقُولُ: الِاسْمُ قَدْ يَكُونُ خَبَرًا كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ قائِمٌ، فَقائِمٌ اسْمٌ وخَبَرٌ، فَعَلِمْنا أنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ خَبَرًا لا يُنافِي كَوْنَهُ مُخْبَرًا عَنْهُ، بَلْ نَقُولُ في هَذا المَقامِ شُكُوكٌ:
أحَدُها: أنّا إذا قُلْنا: ضَرَبَ فَعَلَ
صفحة ١٠٧
فالمُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ هو ضَرَبَ، فالفِعْلُ صارَ مُخْبَرًا عَنْهُ.
فَإنْ قالُوا: المُخْبَرُ عَنْهُ هو هَذِهِ الصِّيغَةُ وهي اسْمٌ فَنَقُولُ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ اسْمٌ لا فِعْلٌ وذَلِكَ كَذِبٌ وباطِلٌ، بَلْ نَقُولُ المُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ إنْ كانَ فِعْلًا فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ الفِعْلَ يَصِحُّ الإخْبارُ عَنْهُ، وإنْ كانَ اسْمًا كانَ مَعْناهُ: أنّا أخْبَرْنا عَنِ الِاسْمِ بِأنَّهُ فِعْلٌ ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ، وفي هَذا البابِ مَباحِثُ عَمِيقَةٌ ذَكَرْناها في كُتُبِ المَعْقُولاتِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الحِينُ وقْتٌ مِنَ الزَّمانِ غَيْرُ مَحْدُودٍ يَقَعُ عَلى القَصِيرِ مِنهُ، وعَلى الطَّوِيلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إلى انْقِطاعِ المَقالَةِ وما شاعَ في المَدِينَةِ مِنَ الفاحِشَةِ، ثُمَّ قِيلَ: الحِينُ هَهُنا خَمْسُ سِنِينَ، وقِيلَ: بَلْ سَبْعُ سِنِينَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: حُبِسَ يُوسُفُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، والصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ المَقادِيرَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وإنَّما القَدْرُ المَعْلُومُ أنَّهُ بَقِيَ مَحْبُوسًا مُدَّةً طَوِيلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [ يُوسُفَ: ٤٥] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ فَهَهُنا مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَمّا أرادُوا حَبْسَهُ حَبَسُوهُ، وحُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ عَلَيْهِ. قِيلَ: هُما غُلامانِ كانا لِلْمَلِكِ الأكْبَرِ بِمِصْرَ، أحَدُهُما صاحِبُ طَعامِهِ والآخَرُ صاحِبُ شَرابِهِ، رُفِعَ إلَيْهِ أنَّ صاحِبَ طَعامِهِ يُرِيدُ أنْ يَسُمَّهُ وظَنَّ أنَّ الآخَرَ يُساعِدُهُ عَلَيْهِ فَأمَرَ بِحَبْسِهِما. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ عَرَفا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمٌ بِالتَّعْبِيرِ ؟
والجَوابُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَهُما عَنْ حُزْنِهِما وغَمِّهِما فَذَكَرا: إنّا رَأيْنا في المَنامِ هَذِهِ الرُّؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُما رَأياهُ وقَدْ أظْهَرَ مَعْرِفَتَهُ بِأُمُورٍ مِنها تَعْبِيرُ الرُّؤْيا فَعِنْدَها ذَكَرا لَهُ ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ عَرَفَ أنَّهُما كانا عَبْدَيْنِ لِلْمَلِكِ ؟ .
الجَوابُ: لِقَوْلِهِ: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] أيْ مَوْلاهُ، ولِقَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [ يُوسُفَ: ٤٢] .
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ عَرَفَ أنَّ أحَدَهُما صاحِبُ شَرابِ المَلِكِ، والآخَرُ صاحِبُ طَعامِهِ ؟
والجَوابُ: رُؤْيا كُلِّ واحِدٍ مِنهُما تُناسِبُ حِرْفَتَهُ لِأنَّ أحَدَهُما رَأى أنَّهُ يَعْصِرُ الخَمْرَ والآخَرَ كَأنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا.
السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ وقَعَتْ رُؤْيَةُ المَنامِ ؟
والجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ السِّجْنَ قالَ لِأهْلِهِ: إنِّي أُعَبِّرُ الأحْلامَ، فَقالَ أحَدُ الفَتَيَيْنِ: هَلُمَّ فَلْنَخْتَبِرْ هَذا العَبْدَ العِبْرانِيَّ بِرُؤْيا نَخْتَرِعُها لَهُ فَسَألاهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونا رَأيا شَيْئًا. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كانا رَأيا شَيْئًا وإنَّما تَحالَما لِيَخْتَبِرا عِلْمَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: كانا قَدْ رَأيا حِينَ دَخَلا السِّجْنَ رُؤْيا فَأتَيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَألاهُ عَنْها،
صفحة ١٠٨
فَقالَ السّاقِي: أيُّها العالِمُ إنِّي رَأيْتُ كَأنِّي في بُسْتانٍ فَإذا بِأصْلِ عِنَبَةٍ حَسَنَةٍ فِيها ثَلاثَةُ أغْصانٍ عَلَيْها ثَلاثَةُ عَناقِيدَ مِن عِنَبٍ، فَجَنَيْتُها وكَأنَّ كَأْسَ المَلِكِ بِيَدِي فَعَصَرْتُها فِيهِ وسَقَيْتُها المَلِكَ فَشَرِبَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ وقالَ صاحِبُ الطَّعامِ: إنِّي رَأيْتُ كَأنَّ فَوْقَ رَأْسِي ثَلاثَ سِلالٍ فِيها خُبْزٌ وألْوانٌ وأطْعِمَةٌ وإذا سِباعُ الطَّيْرِ تَنْهَشُ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ .
السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ عَرَفَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ رُؤْيا المَنامِ ؟
الجَوابُ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدِ النَّوْمَ كانَ ذِكْرُ قَوْلِهِ: ﴿أعْصِرُ﴾ يُغْنِيهِ عَنْ ذِكْرِ قَوْلِهِ ﴿أرانِي﴾ .
والثّانِي: دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ .
السُّؤالُ السّادِسُ: كَيْفَ يُعْقَلُ عَصْرُ الخَمْرِ ؟
الجَوابُ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أعْصِرُ عِنَبَ خَمْرٍ، أيِ العِنَبَ الَّذِي يَكُونُ عَصِيرُهُ خَمْرًا فَحُذِفَ المُضافُ.
الثّانِي: أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ إذا انْكَشَفَ المَعْنى ولَمْ يَلْتَبِسْ، يَقُولُونَ فُلانٌ يَطْبُخُ دِبْسًا وهو يَطْبُخُ عَصِيرًا.
والثّالِثُ: قالَ أبُو صالِحٍ: أهْلُ عُمانَ يُسَمُّونَ العِنَبَ بِالخَمْرِ، فَوَقَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ إلى أهْلِ مَكَّةَ فَنَطَقُوا بِها، قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَ القُرْآنُ بِألْسِنَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: ما مَعْنى التَّأْوِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ؟ .
الجَوابُ: تَأْوِيلُ الشَّيْءِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي يَؤُولُ إلَيْهِ آخِرَ ذَلِكَ الأمْرِ.
السُّؤالُ الثّامِنُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ؟ .
الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ إنّا نَراكَ تُؤْثِرُ الإحْسانَ وتَأْتِي بِمَكارِمِ الأخْلاقِ وجَمِيعِ الأفْعالِ الحَمِيدَةِ. قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعُودُ مَرْضاهم، ويُؤْنِسُ حَزِينَهم، فَقالُوا إنَّكَ مِنَ المُحْسِنِينَ، أيْ في حَقِّ الشُّرَكاءِ والأصْحابِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ شَدِيدَ المُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ مِنَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ، فَقالُوا إنَّكَ مِنَ المُحْسِنِينَ في أمْرِ الدِّينِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُوثَقُ بِما يَقُولُهُ في تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، وفي سائِرِ الأُمُورِ، وقِيلَ: المُرادُ ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ في عِلْمِ التَّعْبِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَتى عَبَّرَ لَمْ يُخْطِ كَما قالَ ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [ يُوسُفَ: ١٠١] .
السُّؤالُ التّاسِعُ: ما حَقِيقَةُ عِلْمِ التَّعْبِيرِ ؟
الجَوابُ: القُرْآنُ والبُرْهانُ يَدُلّانِ عَلى صِحَّتِهِ. أمّا القُرْآنُ فَهو هَذِهِ الآيَةُ، وأمّا البُرْهانُ فَهو أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ جَوْهَرَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ بِحَيْثُ يُمَكِّنُها الصُّعُودَ إلى عالَمِ الأفْلاكِ ومُطالَعَةَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، والمانِعُ لَها مِن ذَلِكَ اشْتِغالُها بِتَدْبِيرِ البَدَنِ، وفي وقْتِ النَّوْمِ يَقِلُّ هَذا التَّشاغُلُ فَتَقْوى عَلى هَذِهِ المُطالَعَةِ، فَإذا وقَعَتِ الرُّوحُ عَلى حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ تَرَكَتْ آثارًا مَخْصُوصَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ الإدْراكِ الرُّوحانِيِّ إلى عالَمِ الخَيالِ، فالمُعَبِّرُ يَسْتَدِلُّ بِتِلْكَ الآثارِ الخَيالِيَّةِ عَلى تِلْكَ الإدْراكاتِ العَقْلِيَّةِ. فَهَذا كَلامٌ مُجْمَلٌ، وتَفْصِيلُهُ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ، والشَّرِيعَةُ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ؛ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: رُؤْيا ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ
صفحة ١٠٩
نَفْسَهُ، ورُؤْيا تَحْدُثُ مِنَ الشَّيْطانِ، ورُؤْيا الَّتِي هي الرُّؤْيا الصّادِقَةُ حَقَّةً» “ وهَذا تَقْسِيمٌ صَحِيحٌ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رُؤْيا الرَّجُلِ الصّالِحِ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» “ .
يوسف 12:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ زَوْجَ المَرْأةِ لَمّا ظَهَرَ لَهُ بَراءَةُ ساحَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا جَرَمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، فاحْتالَتِ المَرْأةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ الحِيَلِ حَتّى تَحْمِلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُوافَقَتِها عَلى مُرادِها، فَلَمْ يَلْتَفِتْ يُوسُفُ إلَيْها، فَلَمّا أيِسَتْ مِنهُ احْتالَتْ في طَرِيقٍ آخَرَ وقالَتْ لِزَوْجِها: إنَّ هَذا العَبْدَ العِبْرانِيَّ فَضَحَنِي في النّاسِ يَقُولُ لَهم: إنِّي راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وأنا لا أقْدِرُ عَلى إظْهارِ عُذْرِي، فَإمّا أنْ تَأْذَنَ لِي فَأخْرُجَ وأعْتَذِرَ وإمّا أنْ تَحْبِسَهُ كَما حَبَسْتَنِي، فَعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَ في قَلْبِ العَزِيزِ أنَّ الأصْلَحَ حَبْسُهُ حَتّى يَسْقُطَ عَنْ ألْسِنَةِ النّاسِ ذِكْرَ هَذا الحَدِيثِ وحَتّى تَقِلَّ الفَضِيحَةُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ لِأنَّ البَداءَ عِبارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الرَّأْيِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ في الأوَّلِ، والمُرادُ مِنَ الآياتِ بَراءَتُهُ بِقَدِّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ، وخَمْشُ الوَجْهِ، وإلْزامُ الحَكَمِ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ وذَكَرْنا أنَّهُ ظَهَرَتْ هُناكَ أنْواعٌ أُخَرُ مِنَ الآياتِ بَلَغَتْ مَبْلَغَ القَطْعِ، ولَكِنَّ القَوْمَ سَكَتُوا عَنْها سَعْيًا في إخْفاءِ الفَضِيحَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَدا لَهُمْ﴾ فِعْلٌ وفاعِلُهُ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ وظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي إسْنادَ الفِعْلِ إلى فِعْلٍ آخَرَ، إلّا أنَّ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلى الفِعْلِ لا يَجُوزُ، فَإذا قُلْتَ خَرَجَ ضَرَبَ لَمْ يُفِدِ البَتَّةَ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: تَقْدِيرُ الكَلامِ ثُمَّ بَدا لَهم سَجْنُهُ، إلّا أنَّهُ أُقِيمَ هَذا الفِعْلُ مَقامَ ذَلِكَ الِاسْمِ، وأقُولُ: الذَّوْقُ يَشْهَدُ بِأنَّ جَعْلَ الفِعْلِ مُخْبَرًا عَنْهُ لا يَجُوزُ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: الفِعْلُ خَبَرًا، فَجَعْلُ الخَبَرِ مُخْبَرًا عَنْهُ لا يَجُوزُ، لِأنّا نَقُولُ: الِاسْمُ قَدْ يَكُونُ خَبَرًا كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ قائِمٌ، فَقائِمٌ اسْمٌ وخَبَرٌ، فَعَلِمْنا أنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ خَبَرًا لا يُنافِي كَوْنَهُ مُخْبَرًا عَنْهُ، بَلْ نَقُولُ في هَذا المَقامِ شُكُوكٌ:
أحَدُها: أنّا إذا قُلْنا: ضَرَبَ فَعَلَ
صفحة ١٠٧
فالمُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ هو ضَرَبَ، فالفِعْلُ صارَ مُخْبَرًا عَنْهُ.
فَإنْ قالُوا: المُخْبَرُ عَنْهُ هو هَذِهِ الصِّيغَةُ وهي اسْمٌ فَنَقُولُ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ اسْمٌ لا فِعْلٌ وذَلِكَ كَذِبٌ وباطِلٌ، بَلْ نَقُولُ المُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ إنْ كانَ فِعْلًا فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ الفِعْلَ يَصِحُّ الإخْبارُ عَنْهُ، وإنْ كانَ اسْمًا كانَ مَعْناهُ: أنّا أخْبَرْنا عَنِ الِاسْمِ بِأنَّهُ فِعْلٌ ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ، وفي هَذا البابِ مَباحِثُ عَمِيقَةٌ ذَكَرْناها في كُتُبِ المَعْقُولاتِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الحِينُ وقْتٌ مِنَ الزَّمانِ غَيْرُ مَحْدُودٍ يَقَعُ عَلى القَصِيرِ مِنهُ، وعَلى الطَّوِيلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إلى انْقِطاعِ المَقالَةِ وما شاعَ في المَدِينَةِ مِنَ الفاحِشَةِ، ثُمَّ قِيلَ: الحِينُ هَهُنا خَمْسُ سِنِينَ، وقِيلَ: بَلْ سَبْعُ سِنِينَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: حُبِسَ يُوسُفُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، والصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ المَقادِيرَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وإنَّما القَدْرُ المَعْلُومُ أنَّهُ بَقِيَ مَحْبُوسًا مُدَّةً طَوِيلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [ يُوسُفَ: ٤٥] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ فَهَهُنا مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَمّا أرادُوا حَبْسَهُ حَبَسُوهُ، وحُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ عَلَيْهِ. قِيلَ: هُما غُلامانِ كانا لِلْمَلِكِ الأكْبَرِ بِمِصْرَ، أحَدُهُما صاحِبُ طَعامِهِ والآخَرُ صاحِبُ شَرابِهِ، رُفِعَ إلَيْهِ أنَّ صاحِبَ طَعامِهِ يُرِيدُ أنْ يَسُمَّهُ وظَنَّ أنَّ الآخَرَ يُساعِدُهُ عَلَيْهِ فَأمَرَ بِحَبْسِهِما. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ عَرَفا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمٌ بِالتَّعْبِيرِ ؟
والجَوابُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَهُما عَنْ حُزْنِهِما وغَمِّهِما فَذَكَرا: إنّا رَأيْنا في المَنامِ هَذِهِ الرُّؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُما رَأياهُ وقَدْ أظْهَرَ مَعْرِفَتَهُ بِأُمُورٍ مِنها تَعْبِيرُ الرُّؤْيا فَعِنْدَها ذَكَرا لَهُ ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ عَرَفَ أنَّهُما كانا عَبْدَيْنِ لِلْمَلِكِ ؟ .
الجَوابُ: لِقَوْلِهِ: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] أيْ مَوْلاهُ، ولِقَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [ يُوسُفَ: ٤٢] .
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ عَرَفَ أنَّ أحَدَهُما صاحِبُ شَرابِ المَلِكِ، والآخَرُ صاحِبُ طَعامِهِ ؟
والجَوابُ: رُؤْيا كُلِّ واحِدٍ مِنهُما تُناسِبُ حِرْفَتَهُ لِأنَّ أحَدَهُما رَأى أنَّهُ يَعْصِرُ الخَمْرَ والآخَرَ كَأنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا.
السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ وقَعَتْ رُؤْيَةُ المَنامِ ؟
والجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ السِّجْنَ قالَ لِأهْلِهِ: إنِّي أُعَبِّرُ الأحْلامَ، فَقالَ أحَدُ الفَتَيَيْنِ: هَلُمَّ فَلْنَخْتَبِرْ هَذا العَبْدَ العِبْرانِيَّ بِرُؤْيا نَخْتَرِعُها لَهُ فَسَألاهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونا رَأيا شَيْئًا. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كانا رَأيا شَيْئًا وإنَّما تَحالَما لِيَخْتَبِرا عِلْمَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: كانا قَدْ رَأيا حِينَ دَخَلا السِّجْنَ رُؤْيا فَأتَيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَألاهُ عَنْها،
صفحة ١٠٨
فَقالَ السّاقِي: أيُّها العالِمُ إنِّي رَأيْتُ كَأنِّي في بُسْتانٍ فَإذا بِأصْلِ عِنَبَةٍ حَسَنَةٍ فِيها ثَلاثَةُ أغْصانٍ عَلَيْها ثَلاثَةُ عَناقِيدَ مِن عِنَبٍ، فَجَنَيْتُها وكَأنَّ كَأْسَ المَلِكِ بِيَدِي فَعَصَرْتُها فِيهِ وسَقَيْتُها المَلِكَ فَشَرِبَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ وقالَ صاحِبُ الطَّعامِ: إنِّي رَأيْتُ كَأنَّ فَوْقَ رَأْسِي ثَلاثَ سِلالٍ فِيها خُبْزٌ وألْوانٌ وأطْعِمَةٌ وإذا سِباعُ الطَّيْرِ تَنْهَشُ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ .
السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ عَرَفَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ رُؤْيا المَنامِ ؟
الجَوابُ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدِ النَّوْمَ كانَ ذِكْرُ قَوْلِهِ: ﴿أعْصِرُ﴾ يُغْنِيهِ عَنْ ذِكْرِ قَوْلِهِ ﴿أرانِي﴾ .
والثّانِي: دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ .
السُّؤالُ السّادِسُ: كَيْفَ يُعْقَلُ عَصْرُ الخَمْرِ ؟
الجَوابُ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أعْصِرُ عِنَبَ خَمْرٍ، أيِ العِنَبَ الَّذِي يَكُونُ عَصِيرُهُ خَمْرًا فَحُذِفَ المُضافُ.
الثّانِي: أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ إذا انْكَشَفَ المَعْنى ولَمْ يَلْتَبِسْ، يَقُولُونَ فُلانٌ يَطْبُخُ دِبْسًا وهو يَطْبُخُ عَصِيرًا.
والثّالِثُ: قالَ أبُو صالِحٍ: أهْلُ عُمانَ يُسَمُّونَ العِنَبَ بِالخَمْرِ، فَوَقَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ إلى أهْلِ مَكَّةَ فَنَطَقُوا بِها، قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَ القُرْآنُ بِألْسِنَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: ما مَعْنى التَّأْوِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ؟ .
الجَوابُ: تَأْوِيلُ الشَّيْءِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي يَؤُولُ إلَيْهِ آخِرَ ذَلِكَ الأمْرِ.
السُّؤالُ الثّامِنُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ؟ .
الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ إنّا نَراكَ تُؤْثِرُ الإحْسانَ وتَأْتِي بِمَكارِمِ الأخْلاقِ وجَمِيعِ الأفْعالِ الحَمِيدَةِ. قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعُودُ مَرْضاهم، ويُؤْنِسُ حَزِينَهم، فَقالُوا إنَّكَ مِنَ المُحْسِنِينَ، أيْ في حَقِّ الشُّرَكاءِ والأصْحابِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ شَدِيدَ المُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ مِنَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ، فَقالُوا إنَّكَ مِنَ المُحْسِنِينَ في أمْرِ الدِّينِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُوثَقُ بِما يَقُولُهُ في تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، وفي سائِرِ الأُمُورِ، وقِيلَ: المُرادُ ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ في عِلْمِ التَّعْبِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَتى عَبَّرَ لَمْ يُخْطِ كَما قالَ ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [ يُوسُفَ: ١٠١] .
السُّؤالُ التّاسِعُ: ما حَقِيقَةُ عِلْمِ التَّعْبِيرِ ؟
الجَوابُ: القُرْآنُ والبُرْهانُ يَدُلّانِ عَلى صِحَّتِهِ. أمّا القُرْآنُ فَهو هَذِهِ الآيَةُ، وأمّا البُرْهانُ فَهو أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ جَوْهَرَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ بِحَيْثُ يُمَكِّنُها الصُّعُودَ إلى عالَمِ الأفْلاكِ ومُطالَعَةَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، والمانِعُ لَها مِن ذَلِكَ اشْتِغالُها بِتَدْبِيرِ البَدَنِ، وفي وقْتِ النَّوْمِ يَقِلُّ هَذا التَّشاغُلُ فَتَقْوى عَلى هَذِهِ المُطالَعَةِ، فَإذا وقَعَتِ الرُّوحُ عَلى حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ تَرَكَتْ آثارًا مَخْصُوصَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ الإدْراكِ الرُّوحانِيِّ إلى عالَمِ الخَيالِ، فالمُعَبِّرُ يَسْتَدِلُّ بِتِلْكَ الآثارِ الخَيالِيَّةِ عَلى تِلْكَ الإدْراكاتِ العَقْلِيَّةِ. فَهَذا كَلامٌ مُجْمَلٌ، وتَفْصِيلُهُ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ، والشَّرِيعَةُ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ؛ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: رُؤْيا ما يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ
صفحة ١٠٩
نَفْسَهُ، ورُؤْيا تَحْدُثُ مِنَ الشَّيْطانِ، ورُؤْيا الَّتِي هي الرُّؤْيا الصّادِقَةُ حَقَّةً» “ وهَذا تَقْسِيمٌ صَحِيحٌ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رُؤْيا الرَّجُلِ الصّالِحِ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» “ .
يوسف 12:37
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ لِما سَألا عَنْهُ فَلا بُدَّ هَهُنا مِن بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الجَوابِ إلى هَذا الكَلامِ، والعُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَ جَوابُ أحَدِ السّائِلِينَ أنَّهُ يُصْلَبُ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَتى سَمِعَ ذَلِكَ عَظُمَ حُزْنُهُ وتَشْتَدُّ نَفْرَتُهُ عَنْ سَماعِ هَذا الكَلامِ، فَرَأى أنَّ الصَّلاحَ أنْ يُقَدِّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُؤَثِّرُ مَعَهُ بِعِلْمِهِ وكَلامِهِ، حَتّى إذا جاءَ بِها مِن بَعْدِ ذَلِكَ خَرَجَ جَوابُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ تُهْمَةٍ وعَداوَةٍ.
الثّانِي: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ دَرَجَتَهُ في العِلْمِ أعْلى وأعْظَمُ مِمّا اعْتَقَدُوا فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ عِلْمَ التَّعْبِيرِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا العِلْمَ مَبْنِيٌّ عَلى الظَّنِّ والتَّخْمِينِ، فَبَيَّنَ لَهُما أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ واليَقِينِ مَعَ عَجْزِ كُلِّ الخَلْقِ عَنْهُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَبِأنْ يَكُونَ فائِقًا عَلى كُلِّ النّاسِ في عِلْمِ التَّعْبِيرِ كانَ أوْلى، فَكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ تَقْرِيرَ كَوْنِهِ فائِقًا في عِلْمِ التَّعْبِيرِ واصِلًا فِيهِ إلى ما لَمْ يَصِلْ غَيْرُهُ.
والثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ في النَّوْمِ بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلى شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ .
الرّابِعُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّهُما اعْتَقَدا فِيهِ وقَبِلا قَوْلَهُ، فَأوْرَدَ عَلَيْهِما ما دَلَّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الدِّينِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِمُهِمّاتِ الدُّنْيا.
والخامِسُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ سَيُصْلَبُ اجْتَهَدَ في أنْ يُدْخِلَهُ في الإسْلامِ حَتّى لا يَمُوتَ عَلى الكُفْرِ، ولا يَسْتَوْجِبَ العِقابَ الشَّدِيدَ ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] .
والسّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ مَحْمُولٌ عَلى اليَقَظَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا أخْبَرْتُكُما أيُّ طَعامٍ هو، وأيُّ لَوْنٍ هو، وكَمْ هو، وكَيْفَ يَكُونُ عاقِبَتُهُ؛ أيْ إذا أكَلَهُ الإنْسانُ فَهو يُفِيدُ الصِّحَّةَ أوِ السَّقَمَ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، قِيلَ: كانَ المَلِكُ إذا أرادَ قَتْلَ إنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا فَأرْسَلَهُ إلَيْهِ، فَقالَ يُوسُفُ: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ إلّا أخْبَرْتُكُما أنَّ فِيهِ سُمًّا أمْ لا، هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ وحاصِلُهُ راجِعٌ إلى أنَّهُ ادَّعى الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ، وهو يَجْرِي مَجْرى قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ،
صفحة ١١٠
﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾، فالوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ فائِقًا في عِلْمِ التَّعْبِيرِ، والوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُخَرُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ادِّعاءِ المُعْجِزَةِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمِ ادِّعاءٌ لِلنُّبُوَّةِ ؟
قُلْنا: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَكِنْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدْ ذَكَرَهُ، وأيْضًا فَفي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي﴾ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أيْ لَسْتُ أُخْبِرُكُما عَلى جِهَةِ الكَهانَةِ والنُّجُومِ، وإنَّما أخْبَرْتُكُما بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وعِلْمٍ حَصَلَ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ تَوَهُّمٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في هَذِهِ المِلَّةِ. فَنَقُولُ جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّرْكَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ خائِضًا فِيهِ.
والثّانِي وهو الأصَحُّ: أنْ يُقالَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا لَهم بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ، ولَعَلَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ كانَ لا يُظْهِرُ التَّوْحِيدَ والإيمانَ خَوْفًا مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ أظْهَرَهُ في هَذا الوَقْتِ، فَكانَ هَذا جارِيًا مَجْرى تَرْكِ مِلَّةَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَكْرِيرُ لَفْظِ ”هم“ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ لِبَيانِ اخْتِصاصِهِمْ بِالكُفْرِ، ولَعَلَّ إنْكارَهم لِلْمَعادِ أشَدُّ مِن إنْكارِهِمْ لِلْمَبْدَأِ، فَلِأجْلِ مُبالَغَتِهِمْ في إنْكارِ المَعادِ كَرَّرَ هَذا اللَّفْظَ لِلتَّأْكِيدِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَبْدَأِ. وقَوْلَهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ، ومَن تَأمَّلَ في القُرْآنِ المَجِيدِ وتَفَكَّرَ في كَيْفِيَّةِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ صَرْفُ الخَلْقِ إلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ وبِالمَبْدَأِ والمَعادِ، وأنَّ ما وراءَ ذَلِكَ عَبَثٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا الكَلامِ ؟ .
الجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ وتَحَدّى بِالمُعْجِزَةِ وهو عِلْمُ الغَيْبِ قَرَنَ بِهِ كَوْنَهُ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وأنَّ أباهُ وجَدَّهُ وجَدَّ أبِيهِ كانُوا أنْبِياءَ اللَّهِ ورُسُلَهُ، فَإنَّ الإنْسانَ مَتى ادَّعى حِرْفَةَ أبِيهِ وجَدِّهِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ ذَلِكَ مِنهُ، وأيْضًا فَكَما أنَّ دَرَجَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ كانَ أمْرًا مَشْهُورًا في الدُّنْيا، فَإذا ظَهَرَ أنَّهُ ولَدُهم عَظَّمُوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ بِعَيْنِ الإجْلالِ، فَكانَ انْقِيادُهم لَهُ أعَمَّ وتَأثُّرُ قُلُوبِهِمْ بِكَلامِهِ أكْمَلَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا كانَ نَبِيًّا فَكَيْفَ قالَ: إنِّي اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي، والنَّبِيُّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِشَرِيعَةِ نَفْسِهِ ؟ .
قُلْنا: لَعَلَّ مُرادَهُ التَّوْحِيدُ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ، وأيْضًا لَعَلَّهُ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ كانَ عَلى شَرِيعَةِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وحالُ كُلِّ المُكَلَّفِينَ كَذَلِكَ ؟ .
صفحة ١١١
والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَنا﴾ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى طَهَّرَ آباءَهُ عَنِ الكُفْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [ مَرْيَمَ: ٣٥] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ ؟ .
الجَوابُ: أنَّ أصْنافَ الشِّرْكِ كَثِيرَةٌ، فَمِنهم مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ النّارَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ الكَواكِبَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ العَقْلَ والنَّفْسَ والطَّبِيعَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ رَدٌّ عَلى كُلِّ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ والفِرَقِ، وإرْشادٌ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو أنَّهُ لا مُوجِدَ إلّا اللَّهُ ولا خالِقَ إلّا اللَّهُ ولا رازِقَ إلّا اللَّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ﴾ وفِيهِ مَسْألَةٌ، وهي أنَّهُ قالَ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الإشْراكِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَدَمَ الإشْراكِ وحُصُولَ الإيمانِ مِنَ اللَّهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، وفي حَقِّ النّاسِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، حُكِيَ أنَّ واحِدًا مِن أهْلِ السُّنَّةِ دَخَلَ عَلى بِشْرِ بْنِ المُعْتَمِرِ، وقالَ: هَلْ تَشْكُرُ اللَّهَ عَلى الإيمانِ أمْ لا ؟ فَإنْ قُلْتَ لا، فَقَدْ خالَفْتَ الإجْماعَ، وإنْ شَكَرْتَهُ فَكَيْفَ تَشْكُرُهُ عَلى ما لَيْسَ فِعْلًا لَهُ، فَقالَ لَهُ بِشْرٌ: إنّا نَشْكُرُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْطانا القُدْرَةَ والعَقْلَ والآلَةَ، فَيَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَشْكُرَهُ عَلى إعْطاءِ القُدْرَةِ والآلَةِ، فَأمّا أنْ نَشْكُرَهُ عَلى الإيمانِ مَعَ أنَّ الإيمانَ لَيْسَ فِعْلًا لَهُ، فَذَلِكَ باطِلٌ؛ وصَعُبَ الكَلامُ عَلى بِشْرٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ ثُمامَةُ بْنُ الأشْرَسِ وقالَ: إنّا لا نَشْكُرُ اللَّهَ عَلى الإيمانِ، بَلِ اللَّهُ يَشْكُرُنا عَلَيْهِ كَما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] فَقالَ بِشْرٌ: لَمّا صَعُبَ الكَلامُ سَهُلَ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ألْزَمَهُ ثُمامَةُ باطِلٌ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ عَدَمَ الإشْراكِ مِن فَضْلِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وإنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ وحِينَئِذٍ تَقْوى الحُجَّةُ وتَكْمُلُ الدَّلالَةُ. قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إنْ جَعَلْناهُ إشارَةً إلى التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ فَهو مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِألْطافِهِ وتَسْهِيلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى النُّبُوَّةِ.
والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ، وذاكَ هو تَرْكُ الإشْراكِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَرْكُ الإشْراكِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، والقاضِي يَصْرِفُهُ إلى الألْطافِ والتَّسْهِيلِ، فَكانَ هَذا تَرْكًا لِلظّاهِرِ، وأمّا صَرْفُهُ إلى النُّبُوَّةِ فَبَعِيدٌ، لِأنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الإشارَةِ يَجِبُ صَرْفُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو هَهُنا عَدَمُ الإشْراكِ.
يوسف 12:38
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ لِما سَألا عَنْهُ فَلا بُدَّ هَهُنا مِن بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الجَوابِ إلى هَذا الكَلامِ، والعُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَ جَوابُ أحَدِ السّائِلِينَ أنَّهُ يُصْلَبُ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَتى سَمِعَ ذَلِكَ عَظُمَ حُزْنُهُ وتَشْتَدُّ نَفْرَتُهُ عَنْ سَماعِ هَذا الكَلامِ، فَرَأى أنَّ الصَّلاحَ أنْ يُقَدِّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُؤَثِّرُ مَعَهُ بِعِلْمِهِ وكَلامِهِ، حَتّى إذا جاءَ بِها مِن بَعْدِ ذَلِكَ خَرَجَ جَوابُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ تُهْمَةٍ وعَداوَةٍ.
الثّانِي: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ دَرَجَتَهُ في العِلْمِ أعْلى وأعْظَمُ مِمّا اعْتَقَدُوا فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ عِلْمَ التَّعْبِيرِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا العِلْمَ مَبْنِيٌّ عَلى الظَّنِّ والتَّخْمِينِ، فَبَيَّنَ لَهُما أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ واليَقِينِ مَعَ عَجْزِ كُلِّ الخَلْقِ عَنْهُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَبِأنْ يَكُونَ فائِقًا عَلى كُلِّ النّاسِ في عِلْمِ التَّعْبِيرِ كانَ أوْلى، فَكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ تَقْرِيرَ كَوْنِهِ فائِقًا في عِلْمِ التَّعْبِيرِ واصِلًا فِيهِ إلى ما لَمْ يَصِلْ غَيْرُهُ.
والثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ في النَّوْمِ بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلى شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ .
الرّابِعُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّهُما اعْتَقَدا فِيهِ وقَبِلا قَوْلَهُ، فَأوْرَدَ عَلَيْهِما ما دَلَّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الدِّينِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِمُهِمّاتِ الدُّنْيا.
والخامِسُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ سَيُصْلَبُ اجْتَهَدَ في أنْ يُدْخِلَهُ في الإسْلامِ حَتّى لا يَمُوتَ عَلى الكُفْرِ، ولا يَسْتَوْجِبَ العِقابَ الشَّدِيدَ ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] .
والسّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ مَحْمُولٌ عَلى اليَقَظَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا أخْبَرْتُكُما أيُّ طَعامٍ هو، وأيُّ لَوْنٍ هو، وكَمْ هو، وكَيْفَ يَكُونُ عاقِبَتُهُ؛ أيْ إذا أكَلَهُ الإنْسانُ فَهو يُفِيدُ الصِّحَّةَ أوِ السَّقَمَ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، قِيلَ: كانَ المَلِكُ إذا أرادَ قَتْلَ إنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا فَأرْسَلَهُ إلَيْهِ، فَقالَ يُوسُفُ: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ إلّا أخْبَرْتُكُما أنَّ فِيهِ سُمًّا أمْ لا، هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ وحاصِلُهُ راجِعٌ إلى أنَّهُ ادَّعى الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ، وهو يَجْرِي مَجْرى قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ،
صفحة ١١٠
﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾، فالوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ فائِقًا في عِلْمِ التَّعْبِيرِ، والوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُخَرُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ادِّعاءِ المُعْجِزَةِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمِ ادِّعاءٌ لِلنُّبُوَّةِ ؟
قُلْنا: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَكِنْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدْ ذَكَرَهُ، وأيْضًا فَفي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي﴾ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أيْ لَسْتُ أُخْبِرُكُما عَلى جِهَةِ الكَهانَةِ والنُّجُومِ، وإنَّما أخْبَرْتُكُما بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وعِلْمٍ حَصَلَ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ تَوَهُّمٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في هَذِهِ المِلَّةِ. فَنَقُولُ جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّرْكَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ خائِضًا فِيهِ.
والثّانِي وهو الأصَحُّ: أنْ يُقالَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا لَهم بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ، ولَعَلَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ كانَ لا يُظْهِرُ التَّوْحِيدَ والإيمانَ خَوْفًا مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ أظْهَرَهُ في هَذا الوَقْتِ، فَكانَ هَذا جارِيًا مَجْرى تَرْكِ مِلَّةَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَكْرِيرُ لَفْظِ ”هم“ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ لِبَيانِ اخْتِصاصِهِمْ بِالكُفْرِ، ولَعَلَّ إنْكارَهم لِلْمَعادِ أشَدُّ مِن إنْكارِهِمْ لِلْمَبْدَأِ، فَلِأجْلِ مُبالَغَتِهِمْ في إنْكارِ المَعادِ كَرَّرَ هَذا اللَّفْظَ لِلتَّأْكِيدِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَبْدَأِ. وقَوْلَهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ، ومَن تَأمَّلَ في القُرْآنِ المَجِيدِ وتَفَكَّرَ في كَيْفِيَّةِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ صَرْفُ الخَلْقِ إلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ وبِالمَبْدَأِ والمَعادِ، وأنَّ ما وراءَ ذَلِكَ عَبَثٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا الكَلامِ ؟ .
الجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ وتَحَدّى بِالمُعْجِزَةِ وهو عِلْمُ الغَيْبِ قَرَنَ بِهِ كَوْنَهُ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وأنَّ أباهُ وجَدَّهُ وجَدَّ أبِيهِ كانُوا أنْبِياءَ اللَّهِ ورُسُلَهُ، فَإنَّ الإنْسانَ مَتى ادَّعى حِرْفَةَ أبِيهِ وجَدِّهِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ ذَلِكَ مِنهُ، وأيْضًا فَكَما أنَّ دَرَجَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ كانَ أمْرًا مَشْهُورًا في الدُّنْيا، فَإذا ظَهَرَ أنَّهُ ولَدُهم عَظَّمُوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ بِعَيْنِ الإجْلالِ، فَكانَ انْقِيادُهم لَهُ أعَمَّ وتَأثُّرُ قُلُوبِهِمْ بِكَلامِهِ أكْمَلَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا كانَ نَبِيًّا فَكَيْفَ قالَ: إنِّي اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي، والنَّبِيُّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِشَرِيعَةِ نَفْسِهِ ؟ .
قُلْنا: لَعَلَّ مُرادَهُ التَّوْحِيدُ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ، وأيْضًا لَعَلَّهُ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ كانَ عَلى شَرِيعَةِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وحالُ كُلِّ المُكَلَّفِينَ كَذَلِكَ ؟ .
صفحة ١١١
والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَنا﴾ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى طَهَّرَ آباءَهُ عَنِ الكُفْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [ مَرْيَمَ: ٣٥] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ ؟ .
الجَوابُ: أنَّ أصْنافَ الشِّرْكِ كَثِيرَةٌ، فَمِنهم مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ النّارَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ الكَواكِبَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ العَقْلَ والنَّفْسَ والطَّبِيعَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ رَدٌّ عَلى كُلِّ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ والفِرَقِ، وإرْشادٌ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو أنَّهُ لا مُوجِدَ إلّا اللَّهُ ولا خالِقَ إلّا اللَّهُ ولا رازِقَ إلّا اللَّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ﴾ وفِيهِ مَسْألَةٌ، وهي أنَّهُ قالَ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الإشْراكِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَدَمَ الإشْراكِ وحُصُولَ الإيمانِ مِنَ اللَّهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، وفي حَقِّ النّاسِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، حُكِيَ أنَّ واحِدًا مِن أهْلِ السُّنَّةِ دَخَلَ عَلى بِشْرِ بْنِ المُعْتَمِرِ، وقالَ: هَلْ تَشْكُرُ اللَّهَ عَلى الإيمانِ أمْ لا ؟ فَإنْ قُلْتَ لا، فَقَدْ خالَفْتَ الإجْماعَ، وإنْ شَكَرْتَهُ فَكَيْفَ تَشْكُرُهُ عَلى ما لَيْسَ فِعْلًا لَهُ، فَقالَ لَهُ بِشْرٌ: إنّا نَشْكُرُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْطانا القُدْرَةَ والعَقْلَ والآلَةَ، فَيَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَشْكُرَهُ عَلى إعْطاءِ القُدْرَةِ والآلَةِ، فَأمّا أنْ نَشْكُرَهُ عَلى الإيمانِ مَعَ أنَّ الإيمانَ لَيْسَ فِعْلًا لَهُ، فَذَلِكَ باطِلٌ؛ وصَعُبَ الكَلامُ عَلى بِشْرٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ ثُمامَةُ بْنُ الأشْرَسِ وقالَ: إنّا لا نَشْكُرُ اللَّهَ عَلى الإيمانِ، بَلِ اللَّهُ يَشْكُرُنا عَلَيْهِ كَما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] فَقالَ بِشْرٌ: لَمّا صَعُبَ الكَلامُ سَهُلَ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ألْزَمَهُ ثُمامَةُ باطِلٌ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ عَدَمَ الإشْراكِ مِن فَضْلِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وإنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ وحِينَئِذٍ تَقْوى الحُجَّةُ وتَكْمُلُ الدَّلالَةُ. قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إنْ جَعَلْناهُ إشارَةً إلى التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ فَهو مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِألْطافِهِ وتَسْهِيلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى النُّبُوَّةِ.
والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ، وذاكَ هو تَرْكُ الإشْراكِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَرْكُ الإشْراكِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، والقاضِي يَصْرِفُهُ إلى الألْطافِ والتَّسْهِيلِ، فَكانَ هَذا تَرْكًا لِلظّاهِرِ، وأمّا صَرْفُهُ إلى النُّبُوَّةِ فَبَعِيدٌ، لِأنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الإشارَةِ يَجِبُ صَرْفُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو هَهُنا عَدَمُ الإشْراكِ.
يوسف 12:39
صفحة ١١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ يُرِيدُ صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ لَمّا حَصَلَتْ مُرافَقَتُهُما في السِّجْنِ مُدَّةً قَلِيلَةً أُضِيفا إلَيْهِ، وإذا كانَتِ المُرافَقَةُ القَلِيلَةُ كافِيَةً في كَوْنِهِ صاحِبًا فَمَن عَرَفَ اللَّهَ وأحَبَّهُ طُولَ عُمُرِهِ أوْلى بِأنْ يَبْقى عَلَيْهِ اسْمُ المُؤْمِنِ العارِفِ المُحِبِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ في الآيَةِ الأُولى وكانَ إثْباتُ النُّبُوَّةِ مَبْنِيًّا عَلى إثْباتِ الإلَهِيّاتِ لا جَرَمَ شَرَعَ في هَذِهِ الآيَةِ في تَقْرِيرِ الإلَهِيّاتِ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ العالِمِ القادِرِ وإنَّما الشَّأْنُ في أنَّهم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا عَلى صُورَةِ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ ويَعْبُدُونَها ويَتَوَقَّعُونَ حُصُولَ النَّفْعِ والضُّرِّ مِنها لا جَرَمَ كانَ سَعْيُ أكْثَرِ الأنْبِياءِ في المَنعِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. فَكانَ الأمْرُ عَلى هَذا القانُونِ في زَمانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ شَرَعَ هَهُنا في ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وذَكَرَ أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ والحُجَجِ:
الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحُجَّةِ أنْ نَقُولَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ كَثْرَةَ الآلِهَةِ تُوجِبُ الخَلَلَ والفَسادَ في هَذا العالَمِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَكَثْرَةُ الآلِهَةِ تُوجِبُ الفَسادَ والخَلَلَ، وكَوْنُ الإلَهِ واحِدًا يَقْتَضِي حُصُولَ النِّظامِ وحُسْنَ التَّرْتِيبِ، فَلَمّا قَرَّرَ هَذا المَعْنى في سائِرِ الآياتِ، قالَ هَهُنا: ﴿مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ والمُرادُ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ.
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ مَعْمُولَةٌ لا عامِلَةٌ ومَقْهُورَةٌ لا قاهِرَةٌ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أرادَ كَسْرَها وإبْطالَها قَدَرَ عَلَيْها فَهي مَقْهُورَةٌ لا تَأْثِيرَ لَها، ولا يَتَوَقَّعُ حُصُولَ مَنفَعَةٍ ولا مَضَرَّةٍ مِن جِهَتِها، وإلَهُ العالَمِ فَعّالٌ قَهّارٌ قادِرٌ يَقْدِرُ عَلى إيصالِ الخَيْراتِ ودَفْعِ الشُّرُورِ والآفاتِ، فَكانَ المُرادُ أنَّ عِبادَةَ الآلِهَةِ المَقْهُورَةِ الذَّلِيلَةِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ اللَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أأرْبابٌ﴾ إشارَةٌ إلى الكَثْرَةِ فَجَعَلَ في مُقابَلَتِهِ كَوْنَهُ تَعالى واحِدًا، وقَوْلُهُ: ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مُخْتَلِفَةً في الكِبَرِ والصِّغَرِ، واللَّوْنِ والشَّكْلِ، وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ أنَّ النّاحِتَ والصّانِعَ يَجْعَلُهُ عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَقْهُورَةً عاجِزَةً وجَعَلَ في مُقابَلَتِهِ كَوْنَهُ تَعالى قَهّارًا، فَبِهَذا الطَّرِيقِ الَّذِي شَرَحْناهُ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ الظّاهِرَيْنِ.
والحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ كَوْنَهُ تَعالى واحِدًا يُوجِبُ عِبادَتَهُ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ ثانٍ لَمْ نَعْلَمْ مَنِ الَّذِي خَلَقَنا ورَزَقَنا ودَفَعَ الشُّرُورَ والآفاتِ عَنّا، فَيَقَعُ الشَّكُّ في أنّا نَعْبُدُ هَذا أمْ ذاكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَحْصُلَ المُساعَدَةُ عَلى كَوْنِها نافِعَةً ضارَّةً إلّا أنَّها كَثِيرَةٌ، فَحِينَئِذٍ لا نَعْلَمُ أنَّ نَفْعَنا ودَفْعَ الضَّرَرِ عَنّا حَصَلَ مِن هَذا الصَّنَمِ أوْ مِن ذَلِكَ الآخَرِ أوْ حَصَلَ بِمُشارَكَتِهِما ومُعاوَنَتِهِما، وحِينَئِذٍ يَقَعُ الشَّكُّ في أنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ هو هَذا أمْ ذاكَ، أمّا إذا كانَ المَعْبُودُ واحِدًا ارْتَفَعَ هَذا الشَّكُّ وحَصَلَ اليَقِينُ في
صفحة ١١٣
أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ إلّا هو ولا مَعْبُودَ لِلْمَخْلُوقاتِ والكائِناتِ إلّا هو، فَهَذا أيْضًا وجْهٌ لَطِيفٌ مُسْتَنْبَطٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُساعِدَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ تَنْفَعُ وتَضُرُّ عَلى ما يَقُولُهُ أصْحابُ الطَّلْسَماتِ، إلّا أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّها تَنْفَعُ في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ وبِحَسَبِ آثارٍ مَخْصُوصَةٍ، والإلَهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ فَهو قَهّارٌ عَلى الإطْلاقِ نافِذُ المَشِيئَةِ والقُدْرَةِ في كُلِّ المُمْكِناتِ عَلى الإطْلاقِ فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ أوْلى.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ، وهي شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ: وذَلِكَ لِأنَّ شَرْطَ القَهّارِ أنْ لا يَقْهَرَهُ أحَدٌ سِواهُ، وأنْ يَكُونَ هو قَهّارًا لِكُلِّ ما سِواهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإلَهُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، إذْ لَوْ كانَ مُمْكِنًا لَكانَ مَقْهُورًا لا قاهِرًا ويَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا، إذْ لَوْ حَصَلَ في الوُجُودِ واجِبانِ لَما كانَ قاهِرًا لِكُلِّ ما سِواهُ، فالإلَهُ لا يَكُونُ قَهّارًا إلّا إذا كانَ واجِبًا لِذاتِهِ وكانَ واحِدًا، وإذا كانَ المَعْبُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإلَهُ شَيْئًا غَيْرَ الفَلَكِ وغَيْرَ الكَواكِبِ وغَيْرَ النُّورِ والظُّلْمَةِ وغَيْرَ العَقْلِ والنَّفْسِ، فَأمّا مَن تَمَسَّكَ بِالكَواكِبِ فَهي أرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ وهي لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِأنَّها قَهّارَةٌ، وكَذا القَوْلُ في الطَّبائِعِ والأرْواحِ والعُقُولِ والنُّفُوسِ، فَهَذا الحَرْفُ الواحِدُ كافٍ في إثْباتِ هَذا التَّوْحِيدِ المُطْلَقِ وأنَّهُ مَقامٌ عالٍ، فَهَذا مَجْمُوعُ الدَّلائِلِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، بَقِيَ فِيها سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّاها أرْبابًا ولَيْسَتْ كَذَلِكَ ؟ .
والجَوابُ: لِاعْتِقادِهِمْ فِيها أنَّها كَذَلِكَ، وأيْضًا الكَلامُ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، والمَعْنى أنَّها إنْ كانَتْ أرْبابًا فَهي خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَجُوزُ التَّفاضُلُ بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ إنَّها خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ؟
الجَوابُ: أنَّهُ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والمَعْنى: لَوْ سَلَّمْنا أنَّهُ حَصَلَ مِنها ما يُوجِبُ الخَيْرَ فَهي خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ هَذِهِ المُسَمَّياتِ. ثُمَّ قالَ عَقِيبَ تِلْكَ الآيَةِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسَمّى غَيْرُ حاصِلٍ وبَيْنَهُما تَناقُضٌ.
الجَوابُ: أنَّ الذّاتَ مَوْجُودَةٌ حاصِلَةٌ إلّا أنَّ المُسَمّى بِالإلَهِ غَيْرُ حاصِلٍ. وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَواتِ الأصْنامِ وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً إلّا أنَّها غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الشَّيْءُ الَّذِي هو مُسَمًّى بِالإلَهِ في الحَقِيقَةِ غَيْرَ مَوْجُودٍ ولا حاصِلٍ.
الثّانِي: يُرْوى أنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ مُشَبِّهَةٌ فاعْتَقَدُوا أنَّ الإلَهَ هو النُّورُ الأعْظَمُ وأنَّ المَلائِكَةَ أنْوارٌ صَغِيرَةٌ ووَضَعُوا عَلى صُورَةِ تِلْكَ الأنْوارِ هَذِهِ الأوْثانَ، ومَعْبُودُهم في الحَقِيقَةِ هو تِلْكَ الأنْوارُ السَّماوِيَّةُ، وهَذا قَوْلُ المُشَبِّهَةِ فَإنَّهم تَصَوَّرُوا جِسْمًا كَبِيرًا مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ ويَعْبُدُونَهُ، وهَذا المُتَخَيَّلُ غَيْرُ مَوْجُودٍ البَتَّةَ فَصَحَّ أنَّهم لا يَعْبُدُونَ إلّا مُجَرَّدَ الأسْماءِ.
صفحة ١١٤
واعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِمَّنْ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قالُوا: نَحْنُ لا نَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ آلِهَةٌ لِلْعالَمِ بِمَعْنى أنَّها هي الَّتِي خَلَقَتِ العالَمَ إلّا أنّا نُطْلِقُ عَلَيْها اسْمَ الإلَهِ ونَعْبُدُها ونُعَظِّمُها لِاعْتِقادِنا أنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِذَلِكَ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقالَ: أمّا تَسْمِيَتُها بِالآلِهَةِ فَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ وما أنْزَلَ في حُصُولِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ حُجَّةً ولا بُرْهانًا ولا دَلِيلًا ولا سُلْطانًا، ولَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ حُكْمٌ واجِبُ القَبُولِ ولا أمْرٌ واجِبُ الِالتِزامِ، بَلِ الحُكْمُ والأمْرُ والتَّكْلِيفُ لَيْسَ إلّا لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، وذَلِكَ لِأنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، فَلا تَلِيقُ إلّا بِمَن حَصَلَ مِنهُ نِهايَةُ الإنْعامِ وهو الإلَهُ تَعالى لِأنَّهُ مِنهُ الخَلْقُ والإحْياءُ والعَقْلُ والرِّزْقُ والهِدايَةُ، ونِعَمُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وجِهاتُ إحْسانِهِ إلى الخَلْقِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأشْياءَ، قالَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وتَفْسِيرُهُ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يُسْنِدُونَ حُدُوثَ الحَوادِثِ الأرْضِيَّةِ إلى الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ والمُناسَباتِ الكَوْكَبِيَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ الحادِثَ لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ. فَإذا رَأوْا أنَّ تَغَيُّرَ أحْوالِ هَذا العالَمِ في الحَرِّ والبَرْدِ والفُصُولِ الأرْبَعَةِ، إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ تَغَيُّرِ أحْوالِ الشَّمْسِ في أرْباعِ الفَلَكِ رَبَطُوا الفُصُولَ الأرْبَعَةَ بِحَرَكَةِ الشَّمْسِ، ثُمَّ لَمّا شاهَدُوا أنَّ أحْوالَ النَّباتِ والحَيَوانِ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ رَبَطُوا حُدُوثَ النَّباتِ وتَغَيُّرَ أحْوالِ الحَيَوانِ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ غَلَبَ عَلى طِباعِ أكْثَرِ الخَلْقِ أنَّ المُدَبِّرَ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ هو الشَّمْسُ والقَمَرُ وسائِرُ الكَواكِبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى إذا وفَّقَ إنْسانًا حَتّى تَرَقّى مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ وعَرَفَ أنَّها في ذَواتِها وصِفاتِها مُفْتَقِرَةٌ إلى مُوجِدٍ ومُبْدِعٍ قاهِرٍ قادِرٍ عَلِيمٍ حَكِيمٍ، فَذَلِكَ الشَّخْصُ يَكُونُ في غايَةِ النُّدْرَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
يوسف 12:40
صفحة ١١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ يُرِيدُ صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ لَمّا حَصَلَتْ مُرافَقَتُهُما في السِّجْنِ مُدَّةً قَلِيلَةً أُضِيفا إلَيْهِ، وإذا كانَتِ المُرافَقَةُ القَلِيلَةُ كافِيَةً في كَوْنِهِ صاحِبًا فَمَن عَرَفَ اللَّهَ وأحَبَّهُ طُولَ عُمُرِهِ أوْلى بِأنْ يَبْقى عَلَيْهِ اسْمُ المُؤْمِنِ العارِفِ المُحِبِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ في الآيَةِ الأُولى وكانَ إثْباتُ النُّبُوَّةِ مَبْنِيًّا عَلى إثْباتِ الإلَهِيّاتِ لا جَرَمَ شَرَعَ في هَذِهِ الآيَةِ في تَقْرِيرِ الإلَهِيّاتِ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ العالِمِ القادِرِ وإنَّما الشَّأْنُ في أنَّهم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا عَلى صُورَةِ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ ويَعْبُدُونَها ويَتَوَقَّعُونَ حُصُولَ النَّفْعِ والضُّرِّ مِنها لا جَرَمَ كانَ سَعْيُ أكْثَرِ الأنْبِياءِ في المَنعِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. فَكانَ الأمْرُ عَلى هَذا القانُونِ في زَمانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ شَرَعَ هَهُنا في ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وذَكَرَ أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ والحُجَجِ:
الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحُجَّةِ أنْ نَقُولَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ كَثْرَةَ الآلِهَةِ تُوجِبُ الخَلَلَ والفَسادَ في هَذا العالَمِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَكَثْرَةُ الآلِهَةِ تُوجِبُ الفَسادَ والخَلَلَ، وكَوْنُ الإلَهِ واحِدًا يَقْتَضِي حُصُولَ النِّظامِ وحُسْنَ التَّرْتِيبِ، فَلَمّا قَرَّرَ هَذا المَعْنى في سائِرِ الآياتِ، قالَ هَهُنا: ﴿مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ والمُرادُ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ.
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ مَعْمُولَةٌ لا عامِلَةٌ ومَقْهُورَةٌ لا قاهِرَةٌ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أرادَ كَسْرَها وإبْطالَها قَدَرَ عَلَيْها فَهي مَقْهُورَةٌ لا تَأْثِيرَ لَها، ولا يَتَوَقَّعُ حُصُولَ مَنفَعَةٍ ولا مَضَرَّةٍ مِن جِهَتِها، وإلَهُ العالَمِ فَعّالٌ قَهّارٌ قادِرٌ يَقْدِرُ عَلى إيصالِ الخَيْراتِ ودَفْعِ الشُّرُورِ والآفاتِ، فَكانَ المُرادُ أنَّ عِبادَةَ الآلِهَةِ المَقْهُورَةِ الذَّلِيلَةِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ اللَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أأرْبابٌ﴾ إشارَةٌ إلى الكَثْرَةِ فَجَعَلَ في مُقابَلَتِهِ كَوْنَهُ تَعالى واحِدًا، وقَوْلُهُ: ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مُخْتَلِفَةً في الكِبَرِ والصِّغَرِ، واللَّوْنِ والشَّكْلِ، وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ أنَّ النّاحِتَ والصّانِعَ يَجْعَلُهُ عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَقْهُورَةً عاجِزَةً وجَعَلَ في مُقابَلَتِهِ كَوْنَهُ تَعالى قَهّارًا، فَبِهَذا الطَّرِيقِ الَّذِي شَرَحْناهُ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ الظّاهِرَيْنِ.
والحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ كَوْنَهُ تَعالى واحِدًا يُوجِبُ عِبادَتَهُ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ ثانٍ لَمْ نَعْلَمْ مَنِ الَّذِي خَلَقَنا ورَزَقَنا ودَفَعَ الشُّرُورَ والآفاتِ عَنّا، فَيَقَعُ الشَّكُّ في أنّا نَعْبُدُ هَذا أمْ ذاكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَحْصُلَ المُساعَدَةُ عَلى كَوْنِها نافِعَةً ضارَّةً إلّا أنَّها كَثِيرَةٌ، فَحِينَئِذٍ لا نَعْلَمُ أنَّ نَفْعَنا ودَفْعَ الضَّرَرِ عَنّا حَصَلَ مِن هَذا الصَّنَمِ أوْ مِن ذَلِكَ الآخَرِ أوْ حَصَلَ بِمُشارَكَتِهِما ومُعاوَنَتِهِما، وحِينَئِذٍ يَقَعُ الشَّكُّ في أنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ هو هَذا أمْ ذاكَ، أمّا إذا كانَ المَعْبُودُ واحِدًا ارْتَفَعَ هَذا الشَّكُّ وحَصَلَ اليَقِينُ في
صفحة ١١٣
أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ إلّا هو ولا مَعْبُودَ لِلْمَخْلُوقاتِ والكائِناتِ إلّا هو، فَهَذا أيْضًا وجْهٌ لَطِيفٌ مُسْتَنْبَطٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُساعِدَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ تَنْفَعُ وتَضُرُّ عَلى ما يَقُولُهُ أصْحابُ الطَّلْسَماتِ، إلّا أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّها تَنْفَعُ في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ وبِحَسَبِ آثارٍ مَخْصُوصَةٍ، والإلَهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ فَهو قَهّارٌ عَلى الإطْلاقِ نافِذُ المَشِيئَةِ والقُدْرَةِ في كُلِّ المُمْكِناتِ عَلى الإطْلاقِ فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ أوْلى.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ، وهي شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ: وذَلِكَ لِأنَّ شَرْطَ القَهّارِ أنْ لا يَقْهَرَهُ أحَدٌ سِواهُ، وأنْ يَكُونَ هو قَهّارًا لِكُلِّ ما سِواهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإلَهُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، إذْ لَوْ كانَ مُمْكِنًا لَكانَ مَقْهُورًا لا قاهِرًا ويَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا، إذْ لَوْ حَصَلَ في الوُجُودِ واجِبانِ لَما كانَ قاهِرًا لِكُلِّ ما سِواهُ، فالإلَهُ لا يَكُونُ قَهّارًا إلّا إذا كانَ واجِبًا لِذاتِهِ وكانَ واحِدًا، وإذا كانَ المَعْبُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإلَهُ شَيْئًا غَيْرَ الفَلَكِ وغَيْرَ الكَواكِبِ وغَيْرَ النُّورِ والظُّلْمَةِ وغَيْرَ العَقْلِ والنَّفْسِ، فَأمّا مَن تَمَسَّكَ بِالكَواكِبِ فَهي أرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ وهي لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِأنَّها قَهّارَةٌ، وكَذا القَوْلُ في الطَّبائِعِ والأرْواحِ والعُقُولِ والنُّفُوسِ، فَهَذا الحَرْفُ الواحِدُ كافٍ في إثْباتِ هَذا التَّوْحِيدِ المُطْلَقِ وأنَّهُ مَقامٌ عالٍ، فَهَذا مَجْمُوعُ الدَّلائِلِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، بَقِيَ فِيها سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّاها أرْبابًا ولَيْسَتْ كَذَلِكَ ؟ .
والجَوابُ: لِاعْتِقادِهِمْ فِيها أنَّها كَذَلِكَ، وأيْضًا الكَلامُ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، والمَعْنى أنَّها إنْ كانَتْ أرْبابًا فَهي خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَجُوزُ التَّفاضُلُ بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ إنَّها خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ؟
الجَوابُ: أنَّهُ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والمَعْنى: لَوْ سَلَّمْنا أنَّهُ حَصَلَ مِنها ما يُوجِبُ الخَيْرَ فَهي خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ هَذِهِ المُسَمَّياتِ. ثُمَّ قالَ عَقِيبَ تِلْكَ الآيَةِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسَمّى غَيْرُ حاصِلٍ وبَيْنَهُما تَناقُضٌ.
الجَوابُ: أنَّ الذّاتَ مَوْجُودَةٌ حاصِلَةٌ إلّا أنَّ المُسَمّى بِالإلَهِ غَيْرُ حاصِلٍ. وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَواتِ الأصْنامِ وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً إلّا أنَّها غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الشَّيْءُ الَّذِي هو مُسَمًّى بِالإلَهِ في الحَقِيقَةِ غَيْرَ مَوْجُودٍ ولا حاصِلٍ.
الثّانِي: يُرْوى أنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ مُشَبِّهَةٌ فاعْتَقَدُوا أنَّ الإلَهَ هو النُّورُ الأعْظَمُ وأنَّ المَلائِكَةَ أنْوارٌ صَغِيرَةٌ ووَضَعُوا عَلى صُورَةِ تِلْكَ الأنْوارِ هَذِهِ الأوْثانَ، ومَعْبُودُهم في الحَقِيقَةِ هو تِلْكَ الأنْوارُ السَّماوِيَّةُ، وهَذا قَوْلُ المُشَبِّهَةِ فَإنَّهم تَصَوَّرُوا جِسْمًا كَبِيرًا مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ ويَعْبُدُونَهُ، وهَذا المُتَخَيَّلُ غَيْرُ مَوْجُودٍ البَتَّةَ فَصَحَّ أنَّهم لا يَعْبُدُونَ إلّا مُجَرَّدَ الأسْماءِ.
صفحة ١١٤
واعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِمَّنْ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قالُوا: نَحْنُ لا نَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ آلِهَةٌ لِلْعالَمِ بِمَعْنى أنَّها هي الَّتِي خَلَقَتِ العالَمَ إلّا أنّا نُطْلِقُ عَلَيْها اسْمَ الإلَهِ ونَعْبُدُها ونُعَظِّمُها لِاعْتِقادِنا أنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِذَلِكَ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقالَ: أمّا تَسْمِيَتُها بِالآلِهَةِ فَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ وما أنْزَلَ في حُصُولِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ حُجَّةً ولا بُرْهانًا ولا دَلِيلًا ولا سُلْطانًا، ولَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ حُكْمٌ واجِبُ القَبُولِ ولا أمْرٌ واجِبُ الِالتِزامِ، بَلِ الحُكْمُ والأمْرُ والتَّكْلِيفُ لَيْسَ إلّا لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، وذَلِكَ لِأنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، فَلا تَلِيقُ إلّا بِمَن حَصَلَ مِنهُ نِهايَةُ الإنْعامِ وهو الإلَهُ تَعالى لِأنَّهُ مِنهُ الخَلْقُ والإحْياءُ والعَقْلُ والرِّزْقُ والهِدايَةُ، ونِعَمُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وجِهاتُ إحْسانِهِ إلى الخَلْقِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأشْياءَ، قالَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وتَفْسِيرُهُ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يُسْنِدُونَ حُدُوثَ الحَوادِثِ الأرْضِيَّةِ إلى الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ والمُناسَباتِ الكَوْكَبِيَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ الحادِثَ لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ. فَإذا رَأوْا أنَّ تَغَيُّرَ أحْوالِ هَذا العالَمِ في الحَرِّ والبَرْدِ والفُصُولِ الأرْبَعَةِ، إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ تَغَيُّرِ أحْوالِ الشَّمْسِ في أرْباعِ الفَلَكِ رَبَطُوا الفُصُولَ الأرْبَعَةَ بِحَرَكَةِ الشَّمْسِ، ثُمَّ لَمّا شاهَدُوا أنَّ أحْوالَ النَّباتِ والحَيَوانِ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ رَبَطُوا حُدُوثَ النَّباتِ وتَغَيُّرَ أحْوالِ الحَيَوانِ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ غَلَبَ عَلى طِباعِ أكْثَرِ الخَلْقِ أنَّ المُدَبِّرَ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ هو الشَّمْسُ والقَمَرُ وسائِرُ الكَواكِبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى إذا وفَّقَ إنْسانًا حَتّى تَرَقّى مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ وعَرَفَ أنَّها في ذَواتِها وصِفاتِها مُفْتَقِرَةٌ إلى مُوجِدٍ ومُبْدِعٍ قاهِرٍ قادِرٍ عَلِيمٍ حَكِيمٍ، فَذَلِكَ الشَّخْصُ يَكُونُ في غايَةِ النُّدْرَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
يوسف 12:41
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ أمْرَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ عادَ إلى الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ الَّذِي ذَكَراهُ، والمَعْنى ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ السّاقِيَ لَمّا قَصَّ رُؤْياهُ عَلى يُوسُفَ، وقَدْ ذَكَرْنا كَيْفَ قَصَّ عَلَيْهِ، قالَ لَهُ يُوسُفُ: ما أحْسَنَ ما رَأيْتَ ! أمّا حُسْنُ العِنَبَةِ فَهو حُسْنُ حالِكَ، وأمّا الأغْصانُ الثَّلاثَةُ فَثَلاثَةُ أيّامٍ يُوَجِّهُ إلَيْكَ المَلِكُ عِنْدَ انْقِضائِهِنَّ فَيَرُدُّكَ إلى عَمَلِكَ فَتَصِيرُ كَما كُنْتَ بَلْ أحْسَنَ، وقالَ لِلْخَبّازِ لَمّا قَصَّ عَلَيْهِ: بِئْسَما رَأيْتَ ! السِّلالُ الثَّلاثُ ثَلاثَةُ أيّامٍ يُوَجِّهُ إلَيْكَ المَلِكُ عِنْدَ انْقِضائِهِنَّ فَيَصْلُبُكَ وتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِكَ. ثُمَّ نَقَلَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُما قالا ما رَأيْنا شَيْئًا فَقالَ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ واخْتُلِفَ فِيما لِأجْلِهِ قالا ما رَأيْنا شَيْئًا، فَقِيلَ إنَّهُما وضَعا هَذا الكَلامَ لِيَخْتَبِرا عِلْمَهُ بِالتَّعْبِيرِ مَعَ أنَّهُما ما رَأيا شَيْئًا، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كَرِها ذَلِكَ الجَوابَ قالا ما رَأيْنا شَيْئًا.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الجَوابُ الَّذِي ذَكَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَهُ بِناءً عَلى الوَحْيِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِناءً عَلى عِلْمِ التَّعْبِيرِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَقَلَ أنَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ ولَوْ كانَ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ مَبْنِيًّا عَلى الوَحْيِ لَكانَ الحاصِلُ مِنهُ
صفحة ١١٥
القَطْعَ واليَقِينَ لا الظَّنَّ والتَّخْمِينَ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ عِلْمَ التَّعْبِيرِ مَبْنِيٌّ عَلى الظَّنِّ والحُسْبانِ.
الجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُما لَمّا سَألاهُ عَنْ ذَلِكَ المَنامِ صَدَقا فِيهِ أوْ كَذَبا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنَّ عاقِبَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما تَكُونُ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ، فَلَمّا نَزَلَ الوَحْيُ بِذَلِكَ الغَيْبِ عِنْدَ ذَلِكَ السُّؤالِ وقَعَ في الظَّنِّ أنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ بَنى ذَلِكَ الجَوابَ عَلى عِلْمِ التَّعْبِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ ما عَنى بِهِ أنَّ الَّذِي ذَكَراهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ بَلْ عَنى بِهِ أنَّهُ حَكَمَهُ في تَعْبِيرِ ما سَألاهُ عَنْهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ.
يوسف 12:42
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَوْصُوفَ بِالظَّنِّ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ النّاجِي، فَعَلى الأوَّلِ كانَ المَعْنى: وقالَ الرَّجُلُ الَّذِي ظَنَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَوْنَهُ ناجِيًا، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ تَحْمِلَ هَذا الظَّنَّ عَلى العِلْمِ واليَقِينِ، وهَذا إذا قُلْنا بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ التَّعْبِيرَ بِناءً عَلى الوَحْيِ. قالَ هَذا القائِلُ: ووُرُودُ لَفْظِ الظَّنِّ بِمَعْنى اليَقِينِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وقالَ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] .
والثّانِي: أنْ تَحْمِلَ هَذا الظَّنَّ عَلى حَقِيقَةِ الظَّنِّ، وهَذا إذا قُلْنا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ ذَلِكَ التَّعْبِيرَ لا بِناءً عَلى الوَحْيِ، بَلْ عَلى الأُصُولِ المَذْكُورَةِ في ذَلِكَ العِلْمِ، وهي لا تُفِيدُ إلّا الظَّنَّ والحُسْبانَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الظَّنَّ صِفَةُ النّاجِي، فَإنَّ الرَّجُلَيْنِ السّائِلَيْنِ ما كانا مُؤْمِنَيْنِ بِنُبُوَّةِ يُوسُفَ ورِسالَتِهِ، ولَكِنَّهُما كانا حَسَنَيِ الِاعْتِقادِ فِيهِ، فَكانَ قَوْلُهُ لا يُفِيدُ في حَقِّهِما إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي حَكَمَ بِأنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الحَبْسِ ويَرْجِعُ إلى خِدْمَةِ المَلِكِ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ عِنْدِ المَلِكِ. والمَعْنى: اذْكُرْ عِنْدَهُ أنَّهُ مَظْلُومٌ مِن جِهَةِ إخْوَتِهِ لِما أخْرَجُوهُ وباعُوهُ، ثُمَّ إنَّهُ مَظْلُومٌ في هَذِهِ الواقِعَةِ الَّتِي لِأجْلِها حُبِسَ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الذِّكْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى يُوسُفَ، والمَعْنى أنَّ الشَّيْطانَ أنْسى يُوسُفَ أنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ تَمَسُّكَهُ بِغَيْرِ اللَّهِ كانَ مُسْتَدْرَكًا عَلَيْهِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مَصْلَحَتَهُ كانَتْ في أنْ لا يَرْجِعَ في تِلْكَ الواقِعَةِ إلى أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ وأنْ لا يَعْرِضَ حاجَتَهُ عَلى أحَدٍ سِوى اللَّهِ، وأنْ يَقْتَدِيَ بِجَدِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ حِينَ وُضِعَ في المَنجَنِيقِ لِيُرْمى إلى النّارِ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: هَلْ مِن حاجَةٍ ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَلَمّا رَجَعَ يُوسُفُ إلى المَخْلُوقِ لا جَرَمَ وصَفَ اللَّهُ ذَلِكَ بِأنَّ الشَّيْطانَ أنْساهُ ذَلِكَ التَّفْوِيضَ، وذَلِكَ التَّوْحِيدَ، ودَعاهُ إلى
صفحة ١١٦
عَرْضِ الحاجَةِ إلى المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ لَمّا وصَفَهُ بِذَلِكَ ذَكَرَ أنَّهُ بَقِيَ لِذَلِكَ السَّبَبِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا عَدَلَ عَنِ الِانْقِطاعِ إلى رَبِّهِ إلى هَذا المَخْلُوقِ عُوقِبَ بِأنْ لَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّ رُجُوعَ يُوسُفَ إلى المَخْلُوقِ صارَ سَبَبًا لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ صارَ سَبَبًا لِاسْتِيلاءِ الشَّيْطانِ عَلَيْهِ حَتّى أنْساهُ ذِكْرَ رَبِّهِ.
الثّانِي: أنَّهُ صارَ سَبَبًا لِبَقاءِ المِحْنَةِ عَلَيْهِ مُدَّةً طَوِيلَةً.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في إبْطالِ عِبادَةِ الأوْثانِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ هَهُنا أثْبَتَ رَبًّا غَيْرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ومَعاذَ اللَّهِ أنْ يُقالَ إنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ رَبًّا بِمَعْنى كَوْنِهِ إلَهًا، بَلْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ كَما يُقالُ: رَبُّ الدّارِ، ورَبُّ الثَّوْبِ، عَلى أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الرَّبِّ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ يُناقِضُ نَفْيَ الأرْبابِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في تِلْكَ الآيَةِ ما كانَ لَنا أنَّ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ، وذَلِكَ نَفْيٌ لِلشِّرْكِ عَلى الإطْلاقِ، وتَفْوِيضُ الأُمُورِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَهَهُنا الرُّجُوعُ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كالمُناقِضِ لِذَلِكَ التَّوْحِيدِ.
واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالنّاسِ في دَفْعِ الظُّلْمِ جائِزَةٌ في الشَّرِيعَةِ، إلّا أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَهَذا وإنْ كانَ جائِزًا لِعامَّةِ الخَلْقِ إلّا أنَّ الأوْلى بِالصِّدِّيقِينَ أنْ يَقْطَعُوا نَظَرَهم عَنِ الأسْبابِ بِالكُلِّيَّةِ وأنْ لا يَشْتَغِلُوا إلّا بِمُسَبِّبِ الأسْبابِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: هَبْ أنَّهُ تَمَسَّكَ بِغَيْرِ اللَّهِ وطَلَبَ مِن ذَلِكَ السّاقِي أنْ يَشْرَحَ حالَهُ عِنْدَ ذَلِكَ المَلِكِ، إلّا أنَّهُ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ لا يُخَلِّيَ ذَلِكَ الكَلامَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ إنْ شاءَ اللَّهُ أوْ قَدَّرَ اللَّهُ فَلَمّا أخْلاهُ عَنْ هَذا الذِّكْرِ وقَعَ هَذا الِاسْتِدْراكُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُقالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ راجِعٌ إلى النّاجِي والمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ أنْسى ذَلِكَ الفَتى أنْ يَذْكُرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ حَتّى طالَ الأمْرُ ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ بِهَذا السَّبَبِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ» “ . وعَنْ قَتادَةَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عُوقِبَ بِسَبَبِ رُجُوعِهِ إلى غَيْرِ اللَّهِ، وعَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ أنَّهُ لَمّا انْتَهى إلى بابِ السِّجْنِ قالَ لَهُ صاحِبُهُ: ما حاجَتُكَ ؟ قالَ: أنْ تَذْكُرَنِي عِنْدَ رَبٍّ سِوى الرَّبِّ الَّذِي قالَ يُوسُفُ، وعَنْ مالِكٍ: لَمّا قالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ قِيلَ: يا يُوسُفُ اتَّخَذْتَ مِن دُونِي وكِيلًا لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، فَبَكى يُوسُفُ وقالَ: طُولُ البَلاءِ أنْسانِي ذِكْرَ المَوْلى، فَقُلْتُ هَذِهِ الكَلِمَةَ فَوَيْلٌ لِإخْوَتِي.
قالَ مُصَنِّفُ الكِتابِ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والَّذِي جَرَّبْتُهُ مِن أوَّلِ عُمْرِي إلى آخِرِهِ أنَّ الإنْسانَ كُلَّما عَوَّلَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا إلى البَلاءِ والمِحْنَةِ، والشِّدَّةِ والرَّزِيَّةِ، وإذا عَوَّلَ العَبْدُ عَلى اللَّهِ ولَمْ يَرْجِعْ إلى أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ حَصَلَ ذَلِكَ المَطْلُوبُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، فَهَذِهِ التَّجْرِبَةُ قَدِ اسْتَمَرَّتْ لِي مِن أوَّلِ عُمُرِي إلى هَذا الوَقْتِ الَّذِي بَلَغْتُ فِيهِ إلى السّابِعِ والخَمْسِينَ، فَعِنْدَ هَذا اسْتَقَرَّ قَلْبِي عَلى أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ لِلْإنْسانِ في التَّعْوِيلِ عَلى شَيْءٍ سِوى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وإحْسانِهِ. ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَ القَوْلَ الثّانِيَ لِأنَّ صَرْفَ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ إلى ذَلِكَ الرَّجُلِ أوْلى مَن صَرْفِها إلى يُوسُفَ الصِّدِّيقِ، ولِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالعِبادِ في التَّخَلُّصِ مِنَ الظُّلْمِ جائِزَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ الحَقَّ هو القَوْلُ الأوَّلُ، وما ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ الثّانِي تَمَسُّكٌ بِظاهِرِ الشَّرِيعَةِ، وما قَرَّرَهُ القائِلُ
صفحة ١١٧
الأوَّلُ تَمَسَّكَ بِأسْرارِ الحَقِيقَةِ ومَكارِمِ الشَّرِيعَةِ، ومَن كانَ لَهُ ذَوْقٌ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ وشَرِبَ مِن مَشْرَبِ التَّوْحِيدِ عَرَفَ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْناهُ، وأيْضًا فَفي لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَقالَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَهُ لِرَبِّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الِاسْتِعانَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ في دَفْعِ الظُّلْمِ جائِزَةٌ في الشَّرِيعَةِ لا إنْكارَ عَلَيْهِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مُسْتَدْرَكًا مِنَ المُحَقِّقِينَ المُتَوَغِّلِينَ في بِحارِ العُبُودِيَّةِ لا جَرَمَ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُؤاخَذًا بِهِ. وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: الَّذِي يَصِيرُ مُؤاخَذًا بِهَذا القَدْرِ لَأنْ يَصِيرَ مُؤاخَذًا بِالإقْدامِ عَلى طَلَبِ الزِّنا ومُكافَأةِ الإحْسانِ بِالإساءَةِ كانَ أوْلى؛ فَلَمّا رَأيْنا اللَّهَ تَعالى آخَذَهُ بِهَذا القَدْرِ، ولَمْ يُؤاخِذْهُ في تِلْكَ القَضِيَّةِ البَتَّةَ، وما عابَهُ بَلْ ذَكَرَهُ بِأعْظَمِ وُجُوهِ المَدْحِ والثَّناءِ عَلِمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُبَرَّأً مِمّا نَسَبَهُ الجُهّالُ والحَشْوِيَّةُ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الشَّيْطانُ يُمْكِنُهُ إلْقاءُ الوَسْوَسَةِ، وأمّا النِّسْيانُ فَلا، لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ العِلْمِ عَنِ القَلْبِ، والشَّيْطانُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وإلّا لَكانَ قَدْ أزالَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى عَنْ قُلُوبِ بَنِي آدَمَ.
وجَوابُهُ: أنَّهُ يُمْكِنُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ يَدْعُو إلى سائِرِ الأعْمالِ، واشْتِغالُ الإنْسانِ بِسائِرِ الأعْمالِ يَمْنَعُهُ عَنِ اسْتِحْضارِ ذَلِكَ العِلْمِ وتِلْكَ المَعْرِفَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ: قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِن بَضَعْتُ بِمَعْنى قَطَعْتُ ومَعْناهُ القِطْعَةُ مِنَ العَدَدِ، قالَ الفَرّاءُ: ولا يُذْكَرُ البِضْعُ إلّا مَعَ عَشَرَةٍ أوْ عِشْرِينَ إلى التِّسْعِينَ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى التِّسْعَةِ، وقالَ هَكَذا رَأيْتُ العَرَبَ يَقُولُونَ وما رَأيْتُهم يَقُولُونَ بِضْعَ ومِائَةً، ورَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِأصْحابِهِ: ”كَمِ البِضْعُ“ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ”ما دُونَ العَشَرَةِ“ واتَّفَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ هَهُنا بِبِضْعِ سِنِينَ سَبْعُ سِنِينَ، قالُوا: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ كانَ قَدْ بَقِيَ في السِّجْنِ خَمْسَ سِنِينَ ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا تَضَرَّعَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ذَلِكَ الرَّجُلِ كانَ قَدِ اقْتَرَبَ وقْتُ خُرُوجِهِ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ لَبِثَ في السِّجْنِ بَعْدَهُ سَبْعَ سِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ الحَسَنَ رَوى قَوْلَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ: ”«رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ لَوْلا الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها لَما لَبِثَ في السِّجْنِ هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ» “ ثُمَّ بَكى الحَسَنُ وقالَ: نَحْنُ إذا نَزَلَ بِنا أمْرٌ تَضَرَّعْنا إلى النّاسِ.
يوسف 12:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ .
صفحة ١١٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ شَيْئًا هَيَّأ لَهُ أسْبابًا، ولَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى مَلِكُ مِصْرَ في النَّوْمِ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ وسَبْعَ بَقَراتٍ عِجافٍ فابْتَلَعَتِ العِجافُ السِّمانَ، ورَأى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضْرِ حَتّى غَلَبْنَ عَلَيْها. فَجَمَعَ الكَهَنَةَ وذَكَرَها لَهم وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ فَقالَ القَوْمُ: هَذِهِ الرُّؤْيا مُخْتَلِطَةٌ فَلا نَقْدِرُ عَلى تَأْوِيلِها وتَعْبِيرِها، فَهَذا ظاهِرُ الكَلامِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: العَجَفُ ذَهابُ السِّمَنِ، والفِعْلُ عَجِفَ يَعْجَفُ والذَّكَرُ أعْجَفُ والأُنْثى عَجْفاءُ والجَمْعُ عِجافٌ في الذُّكْرانِ والإناثِ. ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ أفْعَلُ وفَعْلاءُ جَمْعًا عَلى فِعالٍ غَيْرَ أعْجَفَ وعِجافٍ، وهي شاذَّةٌ حَمَلُوها عَلى لَفْظِ سِمانٍ فَقالُوا: سِمانٌ وعِجافٌ لِأنَّهُما نَقِيضانِ. ومِن دَأْبِهِمْ حَمْلُ النَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ، والنَّقِيضِ عَلى النَّقِيضِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ عَلى قَوْلِ البَعْضِ زائِدَةٌ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيا خَبَرَ كانَ كَما تَقُولُ: كانَ فُلانٌ لِهَذا الأمْرِ إذا كانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، وتَعْبُرُونَ خَبَرًا آخَرَ أوْ حالًا، ويُقالُ عَبَرْتُ الرُّؤْيا أعْبُرُها عِبارَةً وعَبَّرْتُها تَعْبِيرًا إذا فَسَّرْتَها، وحَكى الأزْهَرِيُّ أنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِنَ العُبْرِ، وهو جانِبُ النَّهَرِ. ومَعْنى عَبَرْتُ النَّهَرَ والطَّرِيقَ، قَطَعْتُهُ إلى الجانِبِ الآخَرِ، فَقِيلَ لِعابِرِ الرُّؤْيا عابِرٌ لِأنَّهُ يَتَأمَّلُ جانِبَيِ الرُّؤْيا فَيَتَفَكَّرُ في أطْرافِها ويَنْتَقِلُ مِن أحَدِ الطَّرَفَيْنِ إلى الآخَرِ. والأضْغاثُ جَمْعُ الضِّغْثِ وهو الحُزْمَةُ مِن أنْواعِ النَّبْتِ والحَشِيشِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مِمّا قامَ عَلى ساقٍ واسْتَطالَ، قالَ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ ص: ٤٤] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الرُّؤْيا إنْ كانَتْ مَخْلُوطَةً مِن أشْياءَ غَيْرِ مُتَناسِبَةٍ كانَتْ شَبِيهَةً بِالضِّغْثِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ تِلْكَ الرُّؤْيا سَبَبًا لِخَلاصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ لَمّا قَلِقَ واضْطَرَبَ بِسَبَبِهِ، لِأنَّهُ شاهَدَ أنَّ النّاقِصَ الضَّعِيفَ اسْتَوْلى عَلى الكامِلِ القَوِيِّ فَشَهِدَتْ فِطْرَتُهُ بِأنَّ هَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ وأنَّهُ مُنْذِرٌ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الشَّرِّ، إلّا أنَّهُ ما عَرَفَ كَيْفِيَّةَ الحالِ فِيهِ؛ والشَّيْءُ إذا صارَ مَعْلُومًا مِن وجْهٍ وبَقِيَ مَجْهُولًا مِن وجْهٍ آخَرَ عَظُمَ تَشَوُّفُ النّاسِ إلى تَكْمِيلِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ، وقَوِيَتِ الرَّغْبَةُ في إتْمامِ النّاقِصِ لا سِيَّما إذا كانَ الإنْسانُ عَظِيمَ الشَّأْنِ واسِعَ المَمْلَكَةِ، وكانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ دالًّا عَلى الشَّرِّ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ قَوّى اللَّهُ داعِيَةَ ذَلِكَ المَلِكِ في تَحْصِيلِ العِلْمِ بِتَعْبِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْجَزَ المُعَبِّرِينَ اللَّذِينَ حَضَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ المَلِكِ عَنْ جَوابِ هَذِهِ المَسْألَةِ وعَمّاهُ عَلَيْهِمْ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِخَلاصِ يُوسُفَ مِن تِلْكَ المِحْنَةِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ ما نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم عالِمِينَ بِعِلْمِ التَّعْبِيرِ، بَلْ قالُوا: إنَّ عِلْمَ التَّعْبِيرِ عَلى قِسْمَيْنِ، مِنهُ ما تَكُونُ الرُّؤْيا فِيهِ مُنْتَسِقَةً مُنْتَظِمَةً فَيَسْهُلُ الِانْتِقالُ مِنَ الأُمُورِ المُتَخَيَّلَةِ إلى الحَقائِقِ العَقْلِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، ومِنهُ ما تَكُونُ فِيهِ مُخْتَلِطَةً مُضْطَرِبَةً ولا يَكُونُ فِيها تَرْتِيبٌ مَعْلُومٌ وهو المُسَمّى بِالأضْغاثِ، والقَوْمُ قالُوا إنَّ رُؤْيا المَلِكِ مِن قِسْمِ الأضْغاثِ ثُمَّ أخْبَرُوا أنَّهم غَيْرُ عالِمِينَ بِتَعْبِيرِ هَذا القِسْمِ وكَأنَّهم قالُوا هَذِهِ الرُّؤْيا مُخْتَلِطَةٌ مِن أشْياءَ كَثِيرَةٍ، وما كانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ لا نَهْتَدِي إلَيْها ولا يُحِيطُ عَقْلُنا بِها، وفِيها إيهامٌ أنَّ العالِمَ في هَذا العِلْمِ والمُتَبَحِّرَ فِيهِ قَدْ يَهْتَدِي إلَيْها، فَعِنْدَ هَذِهِ المَقالَةِ تَذَكَّرَ ذَلِكَ الشَّرابِيُّ واقِعَةَ يُوسُفَ فَإنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ فِيهِ كَوْنَهُ مُتَبَحِّرًا في هَذا العِلْمِ.
يوسف 12:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ .
صفحة ١١٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ شَيْئًا هَيَّأ لَهُ أسْبابًا، ولَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى مَلِكُ مِصْرَ في النَّوْمِ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ وسَبْعَ بَقَراتٍ عِجافٍ فابْتَلَعَتِ العِجافُ السِّمانَ، ورَأى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضْرِ حَتّى غَلَبْنَ عَلَيْها. فَجَمَعَ الكَهَنَةَ وذَكَرَها لَهم وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ فَقالَ القَوْمُ: هَذِهِ الرُّؤْيا مُخْتَلِطَةٌ فَلا نَقْدِرُ عَلى تَأْوِيلِها وتَعْبِيرِها، فَهَذا ظاهِرُ الكَلامِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: العَجَفُ ذَهابُ السِّمَنِ، والفِعْلُ عَجِفَ يَعْجَفُ والذَّكَرُ أعْجَفُ والأُنْثى عَجْفاءُ والجَمْعُ عِجافٌ في الذُّكْرانِ والإناثِ. ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ أفْعَلُ وفَعْلاءُ جَمْعًا عَلى فِعالٍ غَيْرَ أعْجَفَ وعِجافٍ، وهي شاذَّةٌ حَمَلُوها عَلى لَفْظِ سِمانٍ فَقالُوا: سِمانٌ وعِجافٌ لِأنَّهُما نَقِيضانِ. ومِن دَأْبِهِمْ حَمْلُ النَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ، والنَّقِيضِ عَلى النَّقِيضِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ عَلى قَوْلِ البَعْضِ زائِدَةٌ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيا خَبَرَ كانَ كَما تَقُولُ: كانَ فُلانٌ لِهَذا الأمْرِ إذا كانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، وتَعْبُرُونَ خَبَرًا آخَرَ أوْ حالًا، ويُقالُ عَبَرْتُ الرُّؤْيا أعْبُرُها عِبارَةً وعَبَّرْتُها تَعْبِيرًا إذا فَسَّرْتَها، وحَكى الأزْهَرِيُّ أنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِنَ العُبْرِ، وهو جانِبُ النَّهَرِ. ومَعْنى عَبَرْتُ النَّهَرَ والطَّرِيقَ، قَطَعْتُهُ إلى الجانِبِ الآخَرِ، فَقِيلَ لِعابِرِ الرُّؤْيا عابِرٌ لِأنَّهُ يَتَأمَّلُ جانِبَيِ الرُّؤْيا فَيَتَفَكَّرُ في أطْرافِها ويَنْتَقِلُ مِن أحَدِ الطَّرَفَيْنِ إلى الآخَرِ. والأضْغاثُ جَمْعُ الضِّغْثِ وهو الحُزْمَةُ مِن أنْواعِ النَّبْتِ والحَشِيشِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مِمّا قامَ عَلى ساقٍ واسْتَطالَ، قالَ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ ص: ٤٤] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الرُّؤْيا إنْ كانَتْ مَخْلُوطَةً مِن أشْياءَ غَيْرِ مُتَناسِبَةٍ كانَتْ شَبِيهَةً بِالضِّغْثِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ تِلْكَ الرُّؤْيا سَبَبًا لِخَلاصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ لَمّا قَلِقَ واضْطَرَبَ بِسَبَبِهِ، لِأنَّهُ شاهَدَ أنَّ النّاقِصَ الضَّعِيفَ اسْتَوْلى عَلى الكامِلِ القَوِيِّ فَشَهِدَتْ فِطْرَتُهُ بِأنَّ هَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ وأنَّهُ مُنْذِرٌ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الشَّرِّ، إلّا أنَّهُ ما عَرَفَ كَيْفِيَّةَ الحالِ فِيهِ؛ والشَّيْءُ إذا صارَ مَعْلُومًا مِن وجْهٍ وبَقِيَ مَجْهُولًا مِن وجْهٍ آخَرَ عَظُمَ تَشَوُّفُ النّاسِ إلى تَكْمِيلِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ، وقَوِيَتِ الرَّغْبَةُ في إتْمامِ النّاقِصِ لا سِيَّما إذا كانَ الإنْسانُ عَظِيمَ الشَّأْنِ واسِعَ المَمْلَكَةِ، وكانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ دالًّا عَلى الشَّرِّ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ قَوّى اللَّهُ داعِيَةَ ذَلِكَ المَلِكِ في تَحْصِيلِ العِلْمِ بِتَعْبِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْجَزَ المُعَبِّرِينَ اللَّذِينَ حَضَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ المَلِكِ عَنْ جَوابِ هَذِهِ المَسْألَةِ وعَمّاهُ عَلَيْهِمْ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِخَلاصِ يُوسُفَ مِن تِلْكَ المِحْنَةِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ ما نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم عالِمِينَ بِعِلْمِ التَّعْبِيرِ، بَلْ قالُوا: إنَّ عِلْمَ التَّعْبِيرِ عَلى قِسْمَيْنِ، مِنهُ ما تَكُونُ الرُّؤْيا فِيهِ مُنْتَسِقَةً مُنْتَظِمَةً فَيَسْهُلُ الِانْتِقالُ مِنَ الأُمُورِ المُتَخَيَّلَةِ إلى الحَقائِقِ العَقْلِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، ومِنهُ ما تَكُونُ فِيهِ مُخْتَلِطَةً مُضْطَرِبَةً ولا يَكُونُ فِيها تَرْتِيبٌ مَعْلُومٌ وهو المُسَمّى بِالأضْغاثِ، والقَوْمُ قالُوا إنَّ رُؤْيا المَلِكِ مِن قِسْمِ الأضْغاثِ ثُمَّ أخْبَرُوا أنَّهم غَيْرُ عالِمِينَ بِتَعْبِيرِ هَذا القِسْمِ وكَأنَّهم قالُوا هَذِهِ الرُّؤْيا مُخْتَلِطَةٌ مِن أشْياءَ كَثِيرَةٍ، وما كانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ لا نَهْتَدِي إلَيْها ولا يُحِيطُ عَقْلُنا بِها، وفِيها إيهامٌ أنَّ العالِمَ في هَذا العِلْمِ والمُتَبَحِّرَ فِيهِ قَدْ يَهْتَدِي إلَيْها، فَعِنْدَ هَذِهِ المَقالَةِ تَذَكَّرَ ذَلِكَ الشَّرابِيُّ واقِعَةَ يُوسُفَ فَإنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ فِيهِ كَوْنَهُ مُتَبَحِّرًا في هَذا العِلْمِ.
يوسف 12:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِي﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَلِكَ لَمّا سَألَ المَلَأ عَنِ الرُّؤْيا واعْتَرَفَ الحاضِرُونَ بِالعَجْزِ عَنِ الجَوابِ قالَ الشَّرابِيُّ: إنَّ في الحَبْسِ رَجُلًا فاضِلًا صالِحًا كَثِيرَ العِلْمِ كَثِيرَ الطّاعَةِ قَصَصْتُ أنا والخَبّازُ عَلَيْهِ مَنامَيْنِ فَذَكَرَ تَأْوِيلَهُما فَصَدَقَ في الكُلِّ وما أخْطَأ في حَرْفٍ، فَإنْ أذِنْتَ مَضَيْتُ إلَيْهِ وجِئْتُكَ بِالجَوابِ، فَهَذا هو قَوْلُهُ: ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ فَنَقُولُ: سَيَجِيءُ ادَّكَرَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن مُدَّكِرٍ﴾ في سُورَةِ القَمَرِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”وادَّكَرَ“ بِالدّالِ هو الفَصِيحُ، عَنِ الحَسَنِ ”واذَّكَرَ“ بِالذّالِ أيْ تَذَكَّرَ، وأمّا الأُمَّةُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ”بَعْدَ أُمَّةٍ“ أيْ بَعْدَ حِينٍ، وذَلِكَ لِأنَّ الحِينَ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ اجْتِماعِ الأيّامِ الكَثِيرَةِ كَما أنَّ الأُمَّةَ إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ اجْتِماعِ الجَمْعِ العَظِيمِ، فالحِينُ كانَ أُمَّةً مِنَ الأيّامِ والسّاعاتِ.
والثّانِي: قَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ ”بَعْدَ إمَّةٍ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والإمَّةُ النِّعْمَةُ قالَ عَدِيٌّ:
ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والإمَّةِ وارَتْهم هُناكَ القُبُورُ
والمَعْنى: بَعْدَما أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ.
الثّالِثُ: قُرِئَ ”بَعْدَ أمَةٍ“ أيْ بَعْدَ نِسْيانٍ، يُقالُ أمِهَ يَأْمَهُ أمَهًا إذا نَسِيَ، والصَّحِيحُ أنَّها بِفَتْحِ المِيمِ، وذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِسُكُونِ المِيمِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ وادَّكَرَ بَعْدَ مُضِيِّ الأوْقاتِ الكَثِيرَةِ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي أوْصاهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِهِ عِنْدَ المَلِكِ، أوِ المُرادُ وادَّكَرَ بَعْدَ وِجْدانِ النِّعْمَةِ عِنْدَ ذَلِكَ المَلِكِ، أوِ المُرادُ وادَّكَرَ بَعْدَ النِّسْيانِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسِيَ هو الشَّرابِيُّ وأنْتُمْ تَقُولُونَ النّاسِي هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قُلْنا: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ادَّكَرَ بِمَعْنى ذَكَرَ وأخْبَرَ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى سَبْقِ النِّسْيانِ، فَلَعَلَّ السّاقِيَ إنَّما لَمْ يَذْكُرْهُ لِلْمَلِكِ خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إذْكارًا لِذَنْبِهِ الَّذِي مِن أجْلِهِ حَبَسَهُ فَيَزْدادَ الشَّرُّ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يُقالَ: حَصَلَ النِّسْيانُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَصَلَ أيْضًا لِذَلِكَ الشَّرابِيِّ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلُونِي﴾ خِطابٌ إمّا لِلْمَلِكِ والجَمْعِ أوْ لِلْمَلِكِ وحْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ فَفِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُرْسِلَ وأتاهُ وقالَ أيُّها الصِّدِّيقُ، والصِّدِّيقُ هو البالِغُ في الصِّدْقِ، وصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأنَّهُ لَمْ يُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِبًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ صَدَقَ في تَعْبِيرِ رُؤْياهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أرادَ أنْ يَتَعَلَّمَ مِن رَجُلٍ شَيْئًا فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُعَظِّمَهُ وأنْ يُخاطِبَهُ بِالألْفاظِ المُشْعِرَةِ بِالإجْلالِ. ثُمَّ إنَّهُ أعادَ السُّؤالَ بِعَيْنِ اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ المَلِكُ ونِعْمَ ما فَعَلَ، فَإنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا قَدْ يَخْتَلِفُ بِسَبَبِ اخْتِلافِ اللَّفْظِ كَما هو مَذْكُورٌ في ذَلِكَ العِلْمِ.
صفحة ١٢٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ فالمُرادُ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ بِفَتْواكَ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ وعِلْمَكَ، وإنَّما قالَ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ بِفَتْواكَ لِأنَّهُ رَأى عَجْزَ سائِرِ المُعَبِّرِينَ عَنْ جَوابِ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَخافَ أنْ يَعْجِزَ هو أيْضًا عَنْها، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ .
يوسف 12:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِي﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَلِكَ لَمّا سَألَ المَلَأ عَنِ الرُّؤْيا واعْتَرَفَ الحاضِرُونَ بِالعَجْزِ عَنِ الجَوابِ قالَ الشَّرابِيُّ: إنَّ في الحَبْسِ رَجُلًا فاضِلًا صالِحًا كَثِيرَ العِلْمِ كَثِيرَ الطّاعَةِ قَصَصْتُ أنا والخَبّازُ عَلَيْهِ مَنامَيْنِ فَذَكَرَ تَأْوِيلَهُما فَصَدَقَ في الكُلِّ وما أخْطَأ في حَرْفٍ، فَإنْ أذِنْتَ مَضَيْتُ إلَيْهِ وجِئْتُكَ بِالجَوابِ، فَهَذا هو قَوْلُهُ: ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ فَنَقُولُ: سَيَجِيءُ ادَّكَرَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن مُدَّكِرٍ﴾ في سُورَةِ القَمَرِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”وادَّكَرَ“ بِالدّالِ هو الفَصِيحُ، عَنِ الحَسَنِ ”واذَّكَرَ“ بِالذّالِ أيْ تَذَكَّرَ، وأمّا الأُمَّةُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ”بَعْدَ أُمَّةٍ“ أيْ بَعْدَ حِينٍ، وذَلِكَ لِأنَّ الحِينَ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ اجْتِماعِ الأيّامِ الكَثِيرَةِ كَما أنَّ الأُمَّةَ إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ اجْتِماعِ الجَمْعِ العَظِيمِ، فالحِينُ كانَ أُمَّةً مِنَ الأيّامِ والسّاعاتِ.
والثّانِي: قَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ ”بَعْدَ إمَّةٍ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والإمَّةُ النِّعْمَةُ قالَ عَدِيٌّ:
ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والإمَّةِ وارَتْهم هُناكَ القُبُورُ
والمَعْنى: بَعْدَما أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ.
الثّالِثُ: قُرِئَ ”بَعْدَ أمَةٍ“ أيْ بَعْدَ نِسْيانٍ، يُقالُ أمِهَ يَأْمَهُ أمَهًا إذا نَسِيَ، والصَّحِيحُ أنَّها بِفَتْحِ المِيمِ، وذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِسُكُونِ المِيمِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ وادَّكَرَ بَعْدَ مُضِيِّ الأوْقاتِ الكَثِيرَةِ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي أوْصاهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِهِ عِنْدَ المَلِكِ، أوِ المُرادُ وادَّكَرَ بَعْدَ وِجْدانِ النِّعْمَةِ عِنْدَ ذَلِكَ المَلِكِ، أوِ المُرادُ وادَّكَرَ بَعْدَ النِّسْيانِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسِيَ هو الشَّرابِيُّ وأنْتُمْ تَقُولُونَ النّاسِي هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قُلْنا: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ادَّكَرَ بِمَعْنى ذَكَرَ وأخْبَرَ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى سَبْقِ النِّسْيانِ، فَلَعَلَّ السّاقِيَ إنَّما لَمْ يَذْكُرْهُ لِلْمَلِكِ خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إذْكارًا لِذَنْبِهِ الَّذِي مِن أجْلِهِ حَبَسَهُ فَيَزْدادَ الشَّرُّ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يُقالَ: حَصَلَ النِّسْيانُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَصَلَ أيْضًا لِذَلِكَ الشَّرابِيِّ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلُونِي﴾ خِطابٌ إمّا لِلْمَلِكِ والجَمْعِ أوْ لِلْمَلِكِ وحْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ فَفِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُرْسِلَ وأتاهُ وقالَ أيُّها الصِّدِّيقُ، والصِّدِّيقُ هو البالِغُ في الصِّدْقِ، وصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأنَّهُ لَمْ يُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِبًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ صَدَقَ في تَعْبِيرِ رُؤْياهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أرادَ أنْ يَتَعَلَّمَ مِن رَجُلٍ شَيْئًا فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُعَظِّمَهُ وأنْ يُخاطِبَهُ بِالألْفاظِ المُشْعِرَةِ بِالإجْلالِ. ثُمَّ إنَّهُ أعادَ السُّؤالَ بِعَيْنِ اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ المَلِكُ ونِعْمَ ما فَعَلَ، فَإنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا قَدْ يَخْتَلِفُ بِسَبَبِ اخْتِلافِ اللَّفْظِ كَما هو مَذْكُورٌ في ذَلِكَ العِلْمِ.
صفحة ١٢٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ فالمُرادُ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ بِفَتْواكَ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ وعِلْمَكَ، وإنَّما قالَ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ بِفَتْواكَ لِأنَّهُ رَأى عَجْزَ سائِرِ المُعَبِّرِينَ عَنْ جَوابِ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَخافَ أنْ يَعْجِزَ هو أيْضًا عَنْها، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ .