Tafsir Al-Razi — يوسف 12:47 – يوسف 12:100
المحتويات
- يوسف 12:47
- يوسف 12:48
- يوسف 12:49
- يوسف 12:50
- يوسف 12:51
- يوسف 12:52
- يوسف 12:53
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:56
- يوسف 12:57
- يوسف 12:58
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:61
- يوسف 12:62
- يوسف 12:63
- يوسف 12:64
- يوسف 12:65
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:68
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:71
- يوسف 12:72
- يوسف 12:73
- يوسف 12:74
- يوسف 12:75
- يوسف 12:76
- يوسف 12:77
- يوسف 12:78
- يوسف 12:79
- يوسف 12:80
- يوسف 12:81
- يوسف 12:82
- يوسف 12:83
- يوسف 12:84
- يوسف 12:85
- يوسف 12:86
- يوسف 12:87
- يوسف 12:88
- يوسف 12:89
- يوسف 12:90
- يوسف 12:91
- يوسف 12:92
- يوسف 12:93
- يوسف 12:94
- يوسف 12:95
- يوسف 12:96
- يوسف 12:97
- يوسف 12:98
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
يوسف 12:47
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ تَعْبِيرَ تِلْكَ الرُّؤْيا فَقالَ: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ وهو خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وإنَّما يَخْرُجُ الخَبَرُ بِمَعْنى الأمْرِ ويَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ، لِلْمُبالَغَةِ في الإيجابِ، فَيَجْعَلُ كَأنَّهُ وُجِدَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ. والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ في مَعْنى الأمْرِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿دَأبًا﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الدَّأبُ اسْتِمْرارُ الشَّيْءِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، وهو دائِبٌ بِفِعْلِ كَذا إذا اسْتَمَرَّ في فِعْلِهِ، وقَدْ دَأبَ يَدْأبُ دَأْبًا ودَأبًا أيْ زِراعَةً مُتَوالِيَةً في هَذِهِ السِّنِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الأكْثَرُونَ في ”دَأبٍ“ الإسْكانُ ولَعَلَّ الفَتْحَةَ لُغَةٌ، فَيَكُونُ كَشَمْعٍ وشَمَعٍ، ونَهْرٍ ونَهَرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وانْتَصَبَ دَأبًا عَلى مَعْنى تَدْأبُونَ دَأبًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ في مَوْضِعِ الحالِ، وتَقْدِيرُهُ تَزْرَعُونَ دائِبِينَ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ، كُلُّ ما أرَدْتُمْ أكْلَهُ فَدُوسُوهُ ودَعُوا الباقِيَ في سُنْبُلِهِ حَتّى لا يَفْسَدَ ولا يَقَعَ السُّوسُ فِيهِ، لِأنَّ إبْقاءَ الحَبَّةِ في سُنْبُلِهِ يُوجِبُ بَقاءَها عَلى الصَّلاحِ، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ سَبْعُ سِنِينَ مُجْدِباتٍ، والشِّدادُ: الصِّعابُ الَّتِي تَشْتَدُّ عَلى النّاسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ هَذا مَجازٌ، فَإنَّ السَّنَةَ لا تَأْكُلُ فَيُجْعَلُ أكْلُ أهْلِ تِلْكَ السِّنِينَ مُسْنَدًا إلى السِّنِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ الإحْصانُ الإحْرازُ، وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ في الحِصْنِ يُقالُ أحْصَنَهُ إحْصانًا إذا جَعَلَهُ في حِرْزٍ، والمُرادُ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْرِزُونَ أيْ تَدَّخِرُونَ، وكُلُّها ألْفاظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّبْعَةُ المُتَقَدِّمَةُ سُنُو الخِصْبِ وكَثْرَةِ النِّعَمِ، والسَّبْعَةُ الثّانِيَةُ سُنُو القَحْطِ والقِلَّةِ وهي مَعْلُومَةٌ مِنَ الرُّؤْيا، وأمّا حالُ هَذِهِ السَّنَةِ فَما حَصَلَ في ذَلِكَ المَنامِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أنَّهُ يَحْصُلُ بَعْدَ السَّبْعَةِ المُخْصِبَةِ والسَّبْعَةِ المُجْدِبَةِ سَنَةٌ مُبارَكَةٌ كَثِيرَةُ الخَيْرِ والنِّعَمِ. وعَنْ قَتادَةَ زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتِ العِجافُ سَبْعًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ لا تَزِيدُ عَلى هَذا العَدَدِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحاصِلَ بَعْدَ انْقِضاءِ القَحْطِ هو الخِصْبُ وكانَ هَذا أيْضًا مِن مَدْلُولاتِ المَنامِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ حَصَلَ بِالوَحْيِ والإلْهامِ ؟
قُلْنا: هَبْ أنَّ تَبَدُّلَ القَحْطِ بِالخِصْبِ مَعْلُومٌ مِنَ المَنامِ، أمّا تَفْصِيلُ الحالِ فِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِيهِ يُغاثُ﴾
صفحة ١٢١
﴿النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ لا يُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ يُقالُ: غاثَ اللَّهُ البِلادَ يَغِيثُها غَيْثًا إذا أنْزَلَ فِيها الغَيْثَ، وقَدْ غِيثَتِ الأرْضُ تُغاثُ، وقَوْلُهُ: ﴿يُغاثُ النّاسُ﴾ مَعْناهُ يُمْطَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: أغاثَهُ اللَّهُ إذا أنْقَذَهُ مِن كَرْبٍ أوْ غَمٍّ، ومَعْناهُ يُنْقَذُ النّاسُ فِيهِ مِن كَرْبِ الجَدْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أيْ يَعْصِرُونَ السِّمْسِمَ دُهْنًا والعِنَبَ خَمْرًا والزَّيْتُونَ زَيْتًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى ذَهابِ الجَدْبِ وحُصُولِ الخِصْبِ والخَيْرِ، وقِيلَ: يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ، وقُرِئَ ”يَعْصِرُونَ“ مِن عَصَرَهُ إذا نَجّاهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ يُمْطَرُونَ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ إذا أعْصَرَتْ بِالمَطَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [ النَّبَأِ: ١٤] .
يوسف 12:48
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ تَعْبِيرَ تِلْكَ الرُّؤْيا فَقالَ: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ وهو خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وإنَّما يَخْرُجُ الخَبَرُ بِمَعْنى الأمْرِ ويَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ، لِلْمُبالَغَةِ في الإيجابِ، فَيَجْعَلُ كَأنَّهُ وُجِدَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ. والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ في مَعْنى الأمْرِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿دَأبًا﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الدَّأبُ اسْتِمْرارُ الشَّيْءِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، وهو دائِبٌ بِفِعْلِ كَذا إذا اسْتَمَرَّ في فِعْلِهِ، وقَدْ دَأبَ يَدْأبُ دَأْبًا ودَأبًا أيْ زِراعَةً مُتَوالِيَةً في هَذِهِ السِّنِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الأكْثَرُونَ في ”دَأبٍ“ الإسْكانُ ولَعَلَّ الفَتْحَةَ لُغَةٌ، فَيَكُونُ كَشَمْعٍ وشَمَعٍ، ونَهْرٍ ونَهَرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وانْتَصَبَ دَأبًا عَلى مَعْنى تَدْأبُونَ دَأبًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ في مَوْضِعِ الحالِ، وتَقْدِيرُهُ تَزْرَعُونَ دائِبِينَ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ، كُلُّ ما أرَدْتُمْ أكْلَهُ فَدُوسُوهُ ودَعُوا الباقِيَ في سُنْبُلِهِ حَتّى لا يَفْسَدَ ولا يَقَعَ السُّوسُ فِيهِ، لِأنَّ إبْقاءَ الحَبَّةِ في سُنْبُلِهِ يُوجِبُ بَقاءَها عَلى الصَّلاحِ، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ سَبْعُ سِنِينَ مُجْدِباتٍ، والشِّدادُ: الصِّعابُ الَّتِي تَشْتَدُّ عَلى النّاسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ هَذا مَجازٌ، فَإنَّ السَّنَةَ لا تَأْكُلُ فَيُجْعَلُ أكْلُ أهْلِ تِلْكَ السِّنِينَ مُسْنَدًا إلى السِّنِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ الإحْصانُ الإحْرازُ، وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ في الحِصْنِ يُقالُ أحْصَنَهُ إحْصانًا إذا جَعَلَهُ في حِرْزٍ، والمُرادُ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْرِزُونَ أيْ تَدَّخِرُونَ، وكُلُّها ألْفاظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّبْعَةُ المُتَقَدِّمَةُ سُنُو الخِصْبِ وكَثْرَةِ النِّعَمِ، والسَّبْعَةُ الثّانِيَةُ سُنُو القَحْطِ والقِلَّةِ وهي مَعْلُومَةٌ مِنَ الرُّؤْيا، وأمّا حالُ هَذِهِ السَّنَةِ فَما حَصَلَ في ذَلِكَ المَنامِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أنَّهُ يَحْصُلُ بَعْدَ السَّبْعَةِ المُخْصِبَةِ والسَّبْعَةِ المُجْدِبَةِ سَنَةٌ مُبارَكَةٌ كَثِيرَةُ الخَيْرِ والنِّعَمِ. وعَنْ قَتادَةَ زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتِ العِجافُ سَبْعًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ لا تَزِيدُ عَلى هَذا العَدَدِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحاصِلَ بَعْدَ انْقِضاءِ القَحْطِ هو الخِصْبُ وكانَ هَذا أيْضًا مِن مَدْلُولاتِ المَنامِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ حَصَلَ بِالوَحْيِ والإلْهامِ ؟
قُلْنا: هَبْ أنَّ تَبَدُّلَ القَحْطِ بِالخِصْبِ مَعْلُومٌ مِنَ المَنامِ، أمّا تَفْصِيلُ الحالِ فِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِيهِ يُغاثُ﴾
صفحة ١٢١
﴿النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ لا يُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ يُقالُ: غاثَ اللَّهُ البِلادَ يَغِيثُها غَيْثًا إذا أنْزَلَ فِيها الغَيْثَ، وقَدْ غِيثَتِ الأرْضُ تُغاثُ، وقَوْلُهُ: ﴿يُغاثُ النّاسُ﴾ مَعْناهُ يُمْطَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: أغاثَهُ اللَّهُ إذا أنْقَذَهُ مِن كَرْبٍ أوْ غَمٍّ، ومَعْناهُ يُنْقَذُ النّاسُ فِيهِ مِن كَرْبِ الجَدْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أيْ يَعْصِرُونَ السِّمْسِمَ دُهْنًا والعِنَبَ خَمْرًا والزَّيْتُونَ زَيْتًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى ذَهابِ الجَدْبِ وحُصُولِ الخِصْبِ والخَيْرِ، وقِيلَ: يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ، وقُرِئَ ”يَعْصِرُونَ“ مِن عَصَرَهُ إذا نَجّاهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ يُمْطَرُونَ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ إذا أعْصَرَتْ بِالمَطَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [ النَّبَأِ: ١٤] .
يوسف 12:49
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ تَعْبِيرَ تِلْكَ الرُّؤْيا فَقالَ: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ وهو خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وإنَّما يَخْرُجُ الخَبَرُ بِمَعْنى الأمْرِ ويَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ، لِلْمُبالَغَةِ في الإيجابِ، فَيَجْعَلُ كَأنَّهُ وُجِدَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ. والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ في مَعْنى الأمْرِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿دَأبًا﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الدَّأبُ اسْتِمْرارُ الشَّيْءِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، وهو دائِبٌ بِفِعْلِ كَذا إذا اسْتَمَرَّ في فِعْلِهِ، وقَدْ دَأبَ يَدْأبُ دَأْبًا ودَأبًا أيْ زِراعَةً مُتَوالِيَةً في هَذِهِ السِّنِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الأكْثَرُونَ في ”دَأبٍ“ الإسْكانُ ولَعَلَّ الفَتْحَةَ لُغَةٌ، فَيَكُونُ كَشَمْعٍ وشَمَعٍ، ونَهْرٍ ونَهَرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وانْتَصَبَ دَأبًا عَلى مَعْنى تَدْأبُونَ دَأبًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ في مَوْضِعِ الحالِ، وتَقْدِيرُهُ تَزْرَعُونَ دائِبِينَ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ، كُلُّ ما أرَدْتُمْ أكْلَهُ فَدُوسُوهُ ودَعُوا الباقِيَ في سُنْبُلِهِ حَتّى لا يَفْسَدَ ولا يَقَعَ السُّوسُ فِيهِ، لِأنَّ إبْقاءَ الحَبَّةِ في سُنْبُلِهِ يُوجِبُ بَقاءَها عَلى الصَّلاحِ، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ سَبْعُ سِنِينَ مُجْدِباتٍ، والشِّدادُ: الصِّعابُ الَّتِي تَشْتَدُّ عَلى النّاسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ هَذا مَجازٌ، فَإنَّ السَّنَةَ لا تَأْكُلُ فَيُجْعَلُ أكْلُ أهْلِ تِلْكَ السِّنِينَ مُسْنَدًا إلى السِّنِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ الإحْصانُ الإحْرازُ، وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ في الحِصْنِ يُقالُ أحْصَنَهُ إحْصانًا إذا جَعَلَهُ في حِرْزٍ، والمُرادُ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْرِزُونَ أيْ تَدَّخِرُونَ، وكُلُّها ألْفاظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّبْعَةُ المُتَقَدِّمَةُ سُنُو الخِصْبِ وكَثْرَةِ النِّعَمِ، والسَّبْعَةُ الثّانِيَةُ سُنُو القَحْطِ والقِلَّةِ وهي مَعْلُومَةٌ مِنَ الرُّؤْيا، وأمّا حالُ هَذِهِ السَّنَةِ فَما حَصَلَ في ذَلِكَ المَنامِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أنَّهُ يَحْصُلُ بَعْدَ السَّبْعَةِ المُخْصِبَةِ والسَّبْعَةِ المُجْدِبَةِ سَنَةٌ مُبارَكَةٌ كَثِيرَةُ الخَيْرِ والنِّعَمِ. وعَنْ قَتادَةَ زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتِ العِجافُ سَبْعًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ لا تَزِيدُ عَلى هَذا العَدَدِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحاصِلَ بَعْدَ انْقِضاءِ القَحْطِ هو الخِصْبُ وكانَ هَذا أيْضًا مِن مَدْلُولاتِ المَنامِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ حَصَلَ بِالوَحْيِ والإلْهامِ ؟
قُلْنا: هَبْ أنَّ تَبَدُّلَ القَحْطِ بِالخِصْبِ مَعْلُومٌ مِنَ المَنامِ، أمّا تَفْصِيلُ الحالِ فِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِيهِ يُغاثُ﴾
صفحة ١٢١
﴿النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ لا يُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ يُقالُ: غاثَ اللَّهُ البِلادَ يَغِيثُها غَيْثًا إذا أنْزَلَ فِيها الغَيْثَ، وقَدْ غِيثَتِ الأرْضُ تُغاثُ، وقَوْلُهُ: ﴿يُغاثُ النّاسُ﴾ مَعْناهُ يُمْطَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: أغاثَهُ اللَّهُ إذا أنْقَذَهُ مِن كَرْبٍ أوْ غَمٍّ، ومَعْناهُ يُنْقَذُ النّاسُ فِيهِ مِن كَرْبِ الجَدْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أيْ يَعْصِرُونَ السِّمْسِمَ دُهْنًا والعِنَبَ خَمْرًا والزَّيْتُونَ زَيْتًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى ذَهابِ الجَدْبِ وحُصُولِ الخِصْبِ والخَيْرِ، وقِيلَ: يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ، وقُرِئَ ”يَعْصِرُونَ“ مِن عَصَرَهُ إذا نَجّاهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ يُمْطَرُونَ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ إذا أعْصَرَتْ بِالمَطَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [ النَّبَأِ: ١٤] .
يوسف 12:50
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ تَعْبِيرَ تِلْكَ الرُّؤْيا فَقالَ: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ وهو خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وإنَّما يَخْرُجُ الخَبَرُ بِمَعْنى الأمْرِ ويَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ، لِلْمُبالَغَةِ في الإيجابِ، فَيَجْعَلُ كَأنَّهُ وُجِدَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ. والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ في مَعْنى الأمْرِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿دَأبًا﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الدَّأبُ اسْتِمْرارُ الشَّيْءِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، وهو دائِبٌ بِفِعْلِ كَذا إذا اسْتَمَرَّ في فِعْلِهِ، وقَدْ دَأبَ يَدْأبُ دَأْبًا ودَأبًا أيْ زِراعَةً مُتَوالِيَةً في هَذِهِ السِّنِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الأكْثَرُونَ في ”دَأبٍ“ الإسْكانُ ولَعَلَّ الفَتْحَةَ لُغَةٌ، فَيَكُونُ كَشَمْعٍ وشَمَعٍ، ونَهْرٍ ونَهَرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وانْتَصَبَ دَأبًا عَلى مَعْنى تَدْأبُونَ دَأبًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ في مَوْضِعِ الحالِ، وتَقْدِيرُهُ تَزْرَعُونَ دائِبِينَ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ، كُلُّ ما أرَدْتُمْ أكْلَهُ فَدُوسُوهُ ودَعُوا الباقِيَ في سُنْبُلِهِ حَتّى لا يَفْسَدَ ولا يَقَعَ السُّوسُ فِيهِ، لِأنَّ إبْقاءَ الحَبَّةِ في سُنْبُلِهِ يُوجِبُ بَقاءَها عَلى الصَّلاحِ، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ سَبْعُ سِنِينَ مُجْدِباتٍ، والشِّدادُ: الصِّعابُ الَّتِي تَشْتَدُّ عَلى النّاسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ هَذا مَجازٌ، فَإنَّ السَّنَةَ لا تَأْكُلُ فَيُجْعَلُ أكْلُ أهْلِ تِلْكَ السِّنِينَ مُسْنَدًا إلى السِّنِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ الإحْصانُ الإحْرازُ، وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ في الحِصْنِ يُقالُ أحْصَنَهُ إحْصانًا إذا جَعَلَهُ في حِرْزٍ، والمُرادُ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْرِزُونَ أيْ تَدَّخِرُونَ، وكُلُّها ألْفاظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّبْعَةُ المُتَقَدِّمَةُ سُنُو الخِصْبِ وكَثْرَةِ النِّعَمِ، والسَّبْعَةُ الثّانِيَةُ سُنُو القَحْطِ والقِلَّةِ وهي مَعْلُومَةٌ مِنَ الرُّؤْيا، وأمّا حالُ هَذِهِ السَّنَةِ فَما حَصَلَ في ذَلِكَ المَنامِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أنَّهُ يَحْصُلُ بَعْدَ السَّبْعَةِ المُخْصِبَةِ والسَّبْعَةِ المُجْدِبَةِ سَنَةٌ مُبارَكَةٌ كَثِيرَةُ الخَيْرِ والنِّعَمِ. وعَنْ قَتادَةَ زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتِ العِجافُ سَبْعًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ لا تَزِيدُ عَلى هَذا العَدَدِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحاصِلَ بَعْدَ انْقِضاءِ القَحْطِ هو الخِصْبُ وكانَ هَذا أيْضًا مِن مَدْلُولاتِ المَنامِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ حَصَلَ بِالوَحْيِ والإلْهامِ ؟
قُلْنا: هَبْ أنَّ تَبَدُّلَ القَحْطِ بِالخِصْبِ مَعْلُومٌ مِنَ المَنامِ، أمّا تَفْصِيلُ الحالِ فِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِيهِ يُغاثُ﴾
صفحة ١٢١
﴿النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ لا يُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ يُقالُ: غاثَ اللَّهُ البِلادَ يَغِيثُها غَيْثًا إذا أنْزَلَ فِيها الغَيْثَ، وقَدْ غِيثَتِ الأرْضُ تُغاثُ، وقَوْلُهُ: ﴿يُغاثُ النّاسُ﴾ مَعْناهُ يُمْطَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: أغاثَهُ اللَّهُ إذا أنْقَذَهُ مِن كَرْبٍ أوْ غَمٍّ، ومَعْناهُ يُنْقَذُ النّاسُ فِيهِ مِن كَرْبِ الجَدْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أيْ يَعْصِرُونَ السِّمْسِمَ دُهْنًا والعِنَبَ خَمْرًا والزَّيْتُونَ زَيْتًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى ذَهابِ الجَدْبِ وحُصُولِ الخِصْبِ والخَيْرِ، وقِيلَ: يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ، وقُرِئَ ”يَعْصِرُونَ“ مِن عَصَرَهُ إذا نَجّاهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ يُمْطَرُونَ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ إذا أعْصَرَتْ بِالمَطَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [ النَّبَأِ: ١٤] .
يوسف 12:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا رَجَعَ الشَّرابِيُّ إلى المَلِكِ وعَرَضَ عَلَيْهِ التَّعْبِيرَ الَّذِي ذَكَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَحْسَنَهُ المَلِكُ فَقالَ: ائْتُونِي بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ عِلْمَهُ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ المِحْنَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ العِلْمُ سَبَبًا لِلْخَلاصِ مِنَ المِحَنِ الأُخْرَوِيَّةِ ! فَعادَ الشَّرابِيُّ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ أجِبِ المَلِكَ، فَأبى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ إلّا بَعْدَ أنْ يَنْكَشِفَ أمْرُهُ وتَزُولَ التُّهْمَةُ بِالكُلِّيَّةِ عَنْهُ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ لَما أخْبَرْتُهم حَتّى اشْتَرَطْتُ أنْ يُخْرِجُونِي. ولَقَدْ عَجِبْتُ مِنهُ حِينَ أتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ولَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثْتُ لَأسْرَعْتُ بِالإجابَةِ وبادَرْتُهم إلى البابِ ولَما ابْتَغَيْتُ العُذْرَ؛ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا ذا أناةٍ» “ .
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ يُوسُفُ مِنَ الصَّبْرِ والتَّوَقُّفِ إلى أنْ تَفَحَّصَ المَلِكُ عَنْ حالِهِ هو اللّائِقُ بِالحَزْمِ والعَقْلِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ خَرَجَ في الحالِ فَرُبَّما كانَ يَبْقى في قَلْبِ المَلِكِ مِن تِلْكَ التُّهْمَةِ أثَرُها، فَلَمّا التَمَسَ مِنَ المَلِكِ أنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ حالِ تِلْكَ الواقِعَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى بَراءَتِهِ مِن تِلْكَ التُّهْمَةِ، فَبَعْدَ خُرُوجِهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُلَطِّخَهُ بِتِلْكَ الرَّذِيلَةِ وأنْ يَتَوَسَّلَ بِها إلى الطَّعْنِ فِيهِ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ الَّذِي بَقِيَ في السِّجْنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إذا طَلَبَهُ المَلِكُ وأمَرَ بِإخْراجِهِ، الظّاهِرُ أنَّهُ يُبادِرُ بِالخُرُوجِ، فَحَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ وعُرِفَ مِنهُ كَوْنُهُ في نِهايَةِ العَقْلِ والصَّبْرِ والثَّباتِ، وذَلِكَ يَصِيرُ سَبَبًا لِأنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ بِالبَراءَةِ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِ التُّهَمِ، ولِأنْ يَحْكُمَ بِأنَّ كُلَّ ما قِيلَ فِيهِ كانَ كَذِبًا وبُهْتانًا.
الثّالِثُ: أنَّ التِماسَهُ مِنَ المَلِكِ أنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ حالِهِ مِن تِلْكَ
صفحة ١٢٢
النِّسْوَةِ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شِدَّةِ طَهارَتِهِ إذْ لَوْ كانَ مُلَوَّثًا بِوَجْهٍ ما، لَكانَ خائِفًا أنْ يَذْكُرَ ما سَبَقَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ حِينَ قالَ لِلشَّرابِيِّ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ فَبَقِيَ بِسَبَبِ هَذِهِ الكَلِمَةِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وهَهُنا طَلَبَهُ المَلِكُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ ولَمْ يُقِمْ لِطَلَبِهِ وزْنًا، واشْتَغَلَ بِإظْهارِ بَراءَتِهِ عَنِ التُّهْمَةِ، ولَعَلَّهُ كانَ غَرَضُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَبْقى في قَلْبِهِ التِفاتٌ إلى رَدِّ المَلِكِ وقَبُولِهِ، وكانَ هَذا العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّلافِي لِما صَدَرَ مِنَ التَّوَسُّلِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لِيَظْهَرَ أيْضًا هَذا المَعْنى لِذَلِكَ الشَّرابِيِّ، فَإنَّهُ هو الَّذِي كانَ واسِطَةً في الحالَتَيْنِ مَعًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ”فَسَلْهُ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ، والباقُونَ ”فاسْألْهُ“ بِالهَمْزِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِرِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ ”النُّسْوَةِ“ بِضَمِّ النُّونِ والباقُونَ بِكَسْرِ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيها أنْواعٌ مِنَ اللَّطائِفِ:
أوَّلُها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَسَلِ المَلِكَ بِأنْ يَسْألَ ما شَأْنُ تِلْكَ النِّسْوَةِ وما حالُهُنَّ لِيَعْلَمَ بَراءَتِي عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ، إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى أنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ تِلْكَ الواقِعَةِ لِئَلّا يَشْتَمِلَ اللَّفْظُ عَلى ما يَجْرِي مَجْرى أمْرِ المَلِكِ بِعَمَلٍ أوْ فِعْلٍ.
وثانِيها: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ سَيِّدَتَهُ مَعَ أنَّها هي الَّتِي سَعَتْ في إلْقائِهِ في السِّجْنِ الطَّوِيلِ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ سائِرِ النِّسْوَةِ.
وثالِثُها: أنَّ الظّاهِرَ أنَّ أُولَئِكَ النِّسْوَةَ نَسَبْنَهُ إلى عَمَلٍ قَبِيحٍ وفِعْلٍ شَنِيعٍ عِنْدَ المَلِكِ، فاقْتَصَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُجَرَّدِ قَوْلِهِ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ وما شَكا مِنهُنَّ عَلى سَبِيلِ التَّعْيِينِ والتَّفْصِيلِ.
ثُمَّ قالَ يُوسُفُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ وفي المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ هو اللَّهُ تَعالى، لِأنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ المَلِكُ، وجَعَلَهُ رَبًّا لِنَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مُرَبِّيًا لَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَوْنِ ذَلِكَ المَلِكِ عالِمًا بِكَيْدِهِنَّ ومَكْرِهِنَّ.
واعْلَمْ أنَّ كَيْدَهُنَّ في حَقِّهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ رُبَّما طَمِعَتْ فِيهِ، فَلَمّا لَمْ تَجِدِ المَطْلُوبَ أخَذَتْ تَطْعَنُ فِيهِ وتَنْسُبُهُ إلى القَبِيحِ.
وثانِيها: لَعَلَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بالَغَتْ في تَرْغِيبِ يُوسُفَ في مُوافَقَةِ سَيِّدَتِهِ عَلى مُرادِها، ويُوسُفُ عَلِمَ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الخِيانَةِ في حَقِّ السَّيِّدِ المُنْعِمِ لا تَجُوزُ، فَأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ إلى مُبالَغَتِهِنَّ في التَّرْغِيبِ في تِلْكَ الخِيانَةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ اسْتَخْرَجَ مِنهُنَّ وُجُوهًا مِنَ المَكْرِ والحِيَلَ في تَقْبِيحِ صُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ المَلِكِ، فَكانَ المُرادُ مِن هَذا اللَّفْظِ ذاكَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَمّا التَمَسَ ذَلِكَ، أمَرَ المَلِكُ بِإحْضارِهِنَّ وقالَ لَهُنَّ: ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وإنْ كانَتْ صِيغَةُ الجَمْعِ، فالمُرادُ مِنها الواحِدَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] .
والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ خِطابُ الجَماعَةِ.
ثُمَّ هَهُنا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ راوَدَتْ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِها.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ راوَدَتْ يُوسُفَ لِأجْلِ امْرَأةِ العَزِيزِ، فاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ، وعِنْدَ هَذا السُّؤالِ ﴿قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ وهَذا كالتَّأْكِيدِ لَمّا ذَكَرْنَ في أوَّلِ الأمْرِ في حَقِّهِ وهو قَوْلُهُنَّ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [ يُوسُفَ: ٣١] .
واعْلَمْ أنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ كانَتْ حاضِرَةً، وكانَتْ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ المُناظَراتِ والتَّفَحُّصاتِ إنَّما وقَعَتْ بِسَبَبِها ولِأجْلِها فَكَشَفَتْ عَنِ الغِطاءِ وصَرَّحَتْ بِالقَوْلِ الحَقِّ وقالَتْ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ﴾
صفحة ١٢٣
﴿الصّادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ شَهادَةٌ جازِمَةٌ مِن تِلْكَ المَرْأةِ بِأنَّ يُوسُفَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ مُبَرَّأً عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ مُطَهَّرًا عَنْ جَمِيعِ العُيُوبِ، وهَهُنا دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ راعى جانِبَ امْرَأةِ العَزِيزِ حَيْثُ قالَ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ فَذَكَرَهُنَّ ولَمْ يَذْكُرْ تِلْكَ المَرْأةَ البَتَّةَ، فَعَرَفَتِ المَرْأةُ أنَّهُ إنَّما تَرَكَ ذِكْرَها رِعايَةً لِحَقِّها وتَعْظِيمًا لِجانِبِها وإخْفاءً لِلْأمْرِ عَلَيْها، فَأرادَتْ أنَّ تُكافِئَهُ عَلى هَذا الفِعْلِ الحَسَنِ فَلا جَرَمَ أزالَتِ الغِطاءَ والوِطاءَ واعْتَرَفَتْ بِأنَّ الذَّنْبَ كُلَّهُ كانَ مِن جانِبِها وأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُبَرَّأً عَنِ الكُلِّ. ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ امْرَأةً جاءَتْ بِزَوْجِها إلى القاضِي وادَّعَتْ عَلَيْهِ المَهْرَ، فَأمَرَ القاضِي بِأنْ يَكْشِفَ عَنْ وجْهِها حَتّى تَتَمَكَّنَ الشُّهُودُ مِن إقامَةِ الشَّهادَةِ، فَقالَ الزَّوْجُ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ، فَإنِّي مُقِرٌّ بِصِدْقِها في دَعْواها، فَقالَتِ المَرْأةُ: لَمّا أكْرَمْتَنِي إلى هَذا الحَدِّ فاشْهَدُوا أنِّي أبْرَأْتُ ذِمَّتَكَ مِن كُلِّ حَقٍّ لِي عَلَيْكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ﴿حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ مَعْناهُ: وضَحَ وانْكَشَفَ وتَمَكَّنَ في القُلُوبِ والنُّفُوسِ مِن قَوْلِهِمْ: حَصْحَصَ البَعِيرُ في بُرُوكِهِ، إذا تَمَكَّنَ واسْتَقَرَّ في الأرْضِ. قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ في اللُّغَةِ مِنَ الحِصَّةِ، أيْ بانَتْ حِصَّةُ الحَقِّ مِن حِصَّةِ الباطِلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ كَلامُ مَن ؟ وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّهُ قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الفَرّاءُ: ولا يَبْعُدُ وصْلُ كَلامِ إنْسانٍ بِكَلامِ إنْسانٍ آخَرَ إذا دَلَّتِ القَرِينَةُ عَلَيْهِ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] وهَذا كَلامُ بِلْقِيسَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩] كَلامُ الدّاعِي. ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
بَقِيَ عَلى هَذا القَوْلِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الغائِبِ، والمُرادُ هَهُنا: الإشارَةُ إلى تِلْكَ الحادِثَةِ الحاضِرَةِ.
والجَوابُ: أجَبْنا عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما فَعَلَهُ مِن رَدِّ الرَّسُولِ، كَأنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْتُ مِن رَدِّي الرَّسُولَ إنَّما كانَ لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ.
السُّؤالُ الثّانِي: مَتى قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا القَوْلَ ؟
الجَوابُ: رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ، وإنَّما ذَكَرَهُ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ تَعْظِيمًا لِلْمَلِكِ عَنِ الخِطابِ، والأوْلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قالَ ذَلِكَ عِنْدَ عَوْدِ الرَّسُولِ إلَيْهِ لِأنَّ ذِكْرَ هَذا الكَلامِ في حَضْرَةِ المَلِكِ سُوءُ أدَبٍ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الخِيانَةُ وقَعَتْ في حَقِّ العَزِيزِ فَكَيْفَ يَقُولُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ؟ .
والجَوابُ: قِيلَ: المُرادُ لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنِّي لَمْ أخُنِ العَزِيزَ بِالغَيْبَةِ، وقِيلَ إنَّهُ إذا خانَ وزِيرَهُ فَقَدْ خانَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وقِيلَ إنَّ الشَّرابِيَّ لَمّا رَجَعَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو في السِّجْنِ قالَ: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ. ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ولَعَلَّ المُرادَ مِنهُ أنِّي لَوْ كُنْتُ خائِنًا لَما خَلَّصَنِي اللَّهُ تَعالى مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ، وحَيْثُ خَلَّصَنِي مِنها ظَهَرَ أنِّي كُنْتُ مُبَرَّأً عَمّا نَسَبُونِي إلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ كَلامُ امْرَأةِ العَزِيزِ، والمَعْنى: أنِّي وإنْ أحَلْتُ الذَّنْبَ عَلَيْهِ عِنْدَ حُضُورِهِ لَكِنِّي ما أحْلَتُ الذَّنْبَ عَلَيْهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، أيْ لَمْ أقُلْ فِيهِ وهو في السِّجْنِ خِلافَ
صفحة ١٢٤
الحَقِّ. ثُمَّ إنَّها بالَغَتْ في تَأْكِيدِ الحَقِّ بِهَذا القَوْلِ، وقالَتْ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ يَعْنِي أنِّي لَمّا أقْدَمْتُ عَلى الكَيْدِ والمَكْرِ لا جَرَمَ افْتُضِحْتُ، وأنَّهُ لَمّا كانَ بَرِيئًا عَنِ الذَّنْبِ لا جَرَمَ طَهَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. قالَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ حاضِرًا في ذَلِكَ المَجْلِسِ حَتّى يُقالَ لَمّا ذَكَرَتِ المَرْأةُ قَوْلَها: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ فَفي تِلْكَ الحالَةِ يَقُولُ يُوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ بَلْ يَحْتاجُ فِيهِ إلى أنْ يَرْجِعَ الرَّسُولُ مِن ذَلِكَ المَجْلِسِ إلى السِّجْنِ ويَذْكُرَ لَهُ تِلْكَ الحِكايَةَ، ثُمَّ إنَّ يُوسُفَ يَقُولُ ابْتِداءً: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ومِثْلُ هَذا الوَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ الأجْنَبِيَّيْنِ ما جاءَ البَتَّةَ في نَثْرٍ ولا نَظْمٍ فَعَلِمْنا أنَّ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ المَرْأةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى طَهارَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الذَّنْبِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَلِكَ لَمّا أرْسَلَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وطَلَبَهُ فَلَوْ كانَ يُوسُفُ مُتَّهَمًا بِفِعْلٍ قَبِيحٍ وقَدْ كانَ صَدَرَ مِنهُ ذَنْبٌ وفُحْشٌ لاسْتَحالَ بِحَسَبِ العُرْفِ والعادَةِ أنْ يَطْلُبَ مِنَ المَلِكِ أنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ تِلْكَ الواقِعَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ قَدْ أقْدَمَ عَلى الذَّنْبِ ثُمَّ إنَّهُ يَطْلُبُ مِنَ المَلِكِ أنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ تِلْكَ الواقِعَةِ كانَ ذَلِكَ سَعْيًا مِنهُ في فَضِيحَةِ نَفْسِهِ وفي تَجْدِيدِ العُيُوبِ الَّتِي صارَتْ مُنْدَرِسَةً مَخْفِيَّةً، والعاقِلُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَبْ أنَّهُ وقَعَ الشَّكُّ لِبَعْضِهِمْ في عِصْمَتِهِ أوْ في نُبُوَّتِهِ إلّا أنَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ عاقِلًا، والعاقِلُ يَمْتَنِعُ أنْ يَسْعى في فَضِيحَةِ نَفْسِهِ وفي حَمْلِ الأعْداءِ عَلى أنْ يُبالِغُوا في إظْهارِ عُيُوبِهِ.
والثّانِي: أنَّ النِّسْوَةَ شَهِدْنَ في المَرَّةِ الأوْلى بِطَهارَتِهِ ونَزاهَتِهِ حَيْثُ قُلْنَ: ﴿حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ حَيْثُ قُلْنَ: ﴿حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ .
والثّالِثُ: أنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ أقَرَّتْ في المَرَّةِ الأُولى بِطَهارَتِهِ حَيْثُ قالَتْ: ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى طَهارَتِهِ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُ المَرْأةِ: ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُها: ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ صادِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦] .
وثالِثُها: قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ والحَشْوِيَّةُ يَذْكُرُونَ أنَّهُ لَمّا قالَ يُوسُفُ هَذا الكَلامَ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولا حِينَ هَمَمْتَ ؟ وهَذا مِن رِواياتِهِمُ الخَبِيثَةِ وما صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ في كِتابٍ مُعْتَمَدٍ، بَلْ هم يُلْحِقُونَها بِهَذا المَوْضِعِ سَعْيًا مِنهم في تَحْرِيفِ ظاهِرِ القُرْآنِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ صاحِبَ الخِيانَةِ لا بُدَّ وأنْ يُفْتَضَحَ، فَلَوْ كُنْتُ خائِنًا لَوَجَبَ أنْ أُفْتَضَحَ، وحَيْثُ لَمْ أُفْتَضَحْ وخَلَّصَنِي اللَّهُ تَعالى مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنِّي ما كُنْتُ مِنَ الخائِنِينَ.
وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أقْوى مِنَ الكُلِّ، وهو أنَّ في هَذا الوَقْتِ تِلْكَ الواقِعَةُ صارَتْ مُنْدَرِسَةً، وتِلْكَ المِحْنَةُ صارَتْ مُنْتَهِيَةً، فَإقْدامُهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ مَعَ أنَّهُ خانَهُ بِأعْظَمِ وُجُوهِ الخِيانَةِ: إقْدامٌ عَلى وقاحَةٍ عَظِيمَةٍ، وعَلى كَذِبٍ عَظِيمٍ مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مَصْلَحَةٌ بِوَجْهٍ ما، والإقْدامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الوَقاحَةِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أصْلًا لا يَلِيقُ بِأحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ إسْنادُهُ إلى سَيِّدِ العُقَلاءِ، وقُدْوَةِ الأصْفِياءِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ دَلالَةً قاطِعَةً عَلى بَراءَتِهِ مِمّا يَقُولُهُ الجُهّالُ والحَشْوِيَّةُ.
يوسف 12:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا رَجَعَ الشَّرابِيُّ إلى المَلِكِ وعَرَضَ عَلَيْهِ التَّعْبِيرَ الَّذِي ذَكَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَحْسَنَهُ المَلِكُ فَقالَ: ائْتُونِي بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ عِلْمَهُ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ المِحْنَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ العِلْمُ سَبَبًا لِلْخَلاصِ مِنَ المِحَنِ الأُخْرَوِيَّةِ ! فَعادَ الشَّرابِيُّ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ أجِبِ المَلِكَ، فَأبى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ إلّا بَعْدَ أنْ يَنْكَشِفَ أمْرُهُ وتَزُولَ التُّهْمَةُ بِالكُلِّيَّةِ عَنْهُ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ لَما أخْبَرْتُهم حَتّى اشْتَرَطْتُ أنْ يُخْرِجُونِي. ولَقَدْ عَجِبْتُ مِنهُ حِينَ أتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ولَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثْتُ لَأسْرَعْتُ بِالإجابَةِ وبادَرْتُهم إلى البابِ ولَما ابْتَغَيْتُ العُذْرَ؛ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا ذا أناةٍ» “ .
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ يُوسُفُ مِنَ الصَّبْرِ والتَّوَقُّفِ إلى أنْ تَفَحَّصَ المَلِكُ عَنْ حالِهِ هو اللّائِقُ بِالحَزْمِ والعَقْلِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ خَرَجَ في الحالِ فَرُبَّما كانَ يَبْقى في قَلْبِ المَلِكِ مِن تِلْكَ التُّهْمَةِ أثَرُها، فَلَمّا التَمَسَ مِنَ المَلِكِ أنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ حالِ تِلْكَ الواقِعَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى بَراءَتِهِ مِن تِلْكَ التُّهْمَةِ، فَبَعْدَ خُرُوجِهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُلَطِّخَهُ بِتِلْكَ الرَّذِيلَةِ وأنْ يَتَوَسَّلَ بِها إلى الطَّعْنِ فِيهِ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ الَّذِي بَقِيَ في السِّجْنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إذا طَلَبَهُ المَلِكُ وأمَرَ بِإخْراجِهِ، الظّاهِرُ أنَّهُ يُبادِرُ بِالخُرُوجِ، فَحَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ وعُرِفَ مِنهُ كَوْنُهُ في نِهايَةِ العَقْلِ والصَّبْرِ والثَّباتِ، وذَلِكَ يَصِيرُ سَبَبًا لِأنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ بِالبَراءَةِ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِ التُّهَمِ، ولِأنْ يَحْكُمَ بِأنَّ كُلَّ ما قِيلَ فِيهِ كانَ كَذِبًا وبُهْتانًا.
الثّالِثُ: أنَّ التِماسَهُ مِنَ المَلِكِ أنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ حالِهِ مِن تِلْكَ
صفحة ١٢٢
النِّسْوَةِ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شِدَّةِ طَهارَتِهِ إذْ لَوْ كانَ مُلَوَّثًا بِوَجْهٍ ما، لَكانَ خائِفًا أنْ يَذْكُرَ ما سَبَقَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ حِينَ قالَ لِلشَّرابِيِّ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ فَبَقِيَ بِسَبَبِ هَذِهِ الكَلِمَةِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وهَهُنا طَلَبَهُ المَلِكُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ ولَمْ يُقِمْ لِطَلَبِهِ وزْنًا، واشْتَغَلَ بِإظْهارِ بَراءَتِهِ عَنِ التُّهْمَةِ، ولَعَلَّهُ كانَ غَرَضُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَبْقى في قَلْبِهِ التِفاتٌ إلى رَدِّ المَلِكِ وقَبُولِهِ، وكانَ هَذا العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّلافِي لِما صَدَرَ مِنَ التَّوَسُّلِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لِيَظْهَرَ أيْضًا هَذا المَعْنى لِذَلِكَ الشَّرابِيِّ، فَإنَّهُ هو الَّذِي كانَ واسِطَةً في الحالَتَيْنِ مَعًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ”فَسَلْهُ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ، والباقُونَ ”فاسْألْهُ“ بِالهَمْزِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِرِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ ”النُّسْوَةِ“ بِضَمِّ النُّونِ والباقُونَ بِكَسْرِ النُّونِ، وهُما لُغَتانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيها أنْواعٌ مِنَ اللَّطائِفِ:
أوَّلُها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَسَلِ المَلِكَ بِأنْ يَسْألَ ما شَأْنُ تِلْكَ النِّسْوَةِ وما حالُهُنَّ لِيَعْلَمَ بَراءَتِي عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ، إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى أنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ تِلْكَ الواقِعَةِ لِئَلّا يَشْتَمِلَ اللَّفْظُ عَلى ما يَجْرِي مَجْرى أمْرِ المَلِكِ بِعَمَلٍ أوْ فِعْلٍ.
وثانِيها: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ سَيِّدَتَهُ مَعَ أنَّها هي الَّتِي سَعَتْ في إلْقائِهِ في السِّجْنِ الطَّوِيلِ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ سائِرِ النِّسْوَةِ.
وثالِثُها: أنَّ الظّاهِرَ أنَّ أُولَئِكَ النِّسْوَةَ نَسَبْنَهُ إلى عَمَلٍ قَبِيحٍ وفِعْلٍ شَنِيعٍ عِنْدَ المَلِكِ، فاقْتَصَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُجَرَّدِ قَوْلِهِ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ وما شَكا مِنهُنَّ عَلى سَبِيلِ التَّعْيِينِ والتَّفْصِيلِ.
ثُمَّ قالَ يُوسُفُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ وفي المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ هو اللَّهُ تَعالى، لِأنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ المَلِكُ، وجَعَلَهُ رَبًّا لِنَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مُرَبِّيًا لَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَوْنِ ذَلِكَ المَلِكِ عالِمًا بِكَيْدِهِنَّ ومَكْرِهِنَّ.
واعْلَمْ أنَّ كَيْدَهُنَّ في حَقِّهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ رُبَّما طَمِعَتْ فِيهِ، فَلَمّا لَمْ تَجِدِ المَطْلُوبَ أخَذَتْ تَطْعَنُ فِيهِ وتَنْسُبُهُ إلى القَبِيحِ.
وثانِيها: لَعَلَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بالَغَتْ في تَرْغِيبِ يُوسُفَ في مُوافَقَةِ سَيِّدَتِهِ عَلى مُرادِها، ويُوسُفُ عَلِمَ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الخِيانَةِ في حَقِّ السَّيِّدِ المُنْعِمِ لا تَجُوزُ، فَأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ إلى مُبالَغَتِهِنَّ في التَّرْغِيبِ في تِلْكَ الخِيانَةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ اسْتَخْرَجَ مِنهُنَّ وُجُوهًا مِنَ المَكْرِ والحِيَلَ في تَقْبِيحِ صُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ المَلِكِ، فَكانَ المُرادُ مِن هَذا اللَّفْظِ ذاكَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَمّا التَمَسَ ذَلِكَ، أمَرَ المَلِكُ بِإحْضارِهِنَّ وقالَ لَهُنَّ: ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وإنْ كانَتْ صِيغَةُ الجَمْعِ، فالمُرادُ مِنها الواحِدَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] .
والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ خِطابُ الجَماعَةِ.
ثُمَّ هَهُنا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ راوَدَتْ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِها.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ راوَدَتْ يُوسُفَ لِأجْلِ امْرَأةِ العَزِيزِ، فاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ، وعِنْدَ هَذا السُّؤالِ ﴿قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ وهَذا كالتَّأْكِيدِ لَمّا ذَكَرْنَ في أوَّلِ الأمْرِ في حَقِّهِ وهو قَوْلُهُنَّ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [ يُوسُفَ: ٣١] .
واعْلَمْ أنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ كانَتْ حاضِرَةً، وكانَتْ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ المُناظَراتِ والتَّفَحُّصاتِ إنَّما وقَعَتْ بِسَبَبِها ولِأجْلِها فَكَشَفَتْ عَنِ الغِطاءِ وصَرَّحَتْ بِالقَوْلِ الحَقِّ وقالَتْ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ﴾
صفحة ١٢٣
﴿الصّادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ شَهادَةٌ جازِمَةٌ مِن تِلْكَ المَرْأةِ بِأنَّ يُوسُفَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ مُبَرَّأً عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ مُطَهَّرًا عَنْ جَمِيعِ العُيُوبِ، وهَهُنا دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ راعى جانِبَ امْرَأةِ العَزِيزِ حَيْثُ قالَ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ فَذَكَرَهُنَّ ولَمْ يَذْكُرْ تِلْكَ المَرْأةَ البَتَّةَ، فَعَرَفَتِ المَرْأةُ أنَّهُ إنَّما تَرَكَ ذِكْرَها رِعايَةً لِحَقِّها وتَعْظِيمًا لِجانِبِها وإخْفاءً لِلْأمْرِ عَلَيْها، فَأرادَتْ أنَّ تُكافِئَهُ عَلى هَذا الفِعْلِ الحَسَنِ فَلا جَرَمَ أزالَتِ الغِطاءَ والوِطاءَ واعْتَرَفَتْ بِأنَّ الذَّنْبَ كُلَّهُ كانَ مِن جانِبِها وأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُبَرَّأً عَنِ الكُلِّ. ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ امْرَأةً جاءَتْ بِزَوْجِها إلى القاضِي وادَّعَتْ عَلَيْهِ المَهْرَ، فَأمَرَ القاضِي بِأنْ يَكْشِفَ عَنْ وجْهِها حَتّى تَتَمَكَّنَ الشُّهُودُ مِن إقامَةِ الشَّهادَةِ، فَقالَ الزَّوْجُ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ، فَإنِّي مُقِرٌّ بِصِدْقِها في دَعْواها، فَقالَتِ المَرْأةُ: لَمّا أكْرَمْتَنِي إلى هَذا الحَدِّ فاشْهَدُوا أنِّي أبْرَأْتُ ذِمَّتَكَ مِن كُلِّ حَقٍّ لِي عَلَيْكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ﴿حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ مَعْناهُ: وضَحَ وانْكَشَفَ وتَمَكَّنَ في القُلُوبِ والنُّفُوسِ مِن قَوْلِهِمْ: حَصْحَصَ البَعِيرُ في بُرُوكِهِ، إذا تَمَكَّنَ واسْتَقَرَّ في الأرْضِ. قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ في اللُّغَةِ مِنَ الحِصَّةِ، أيْ بانَتْ حِصَّةُ الحَقِّ مِن حِصَّةِ الباطِلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ كَلامُ مَن ؟ وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّهُ قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الفَرّاءُ: ولا يَبْعُدُ وصْلُ كَلامِ إنْسانٍ بِكَلامِ إنْسانٍ آخَرَ إذا دَلَّتِ القَرِينَةُ عَلَيْهِ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] وهَذا كَلامُ بِلْقِيسَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩] كَلامُ الدّاعِي. ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
بَقِيَ عَلى هَذا القَوْلِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الغائِبِ، والمُرادُ هَهُنا: الإشارَةُ إلى تِلْكَ الحادِثَةِ الحاضِرَةِ.
والجَوابُ: أجَبْنا عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما فَعَلَهُ مِن رَدِّ الرَّسُولِ، كَأنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْتُ مِن رَدِّي الرَّسُولَ إنَّما كانَ لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ.
السُّؤالُ الثّانِي: مَتى قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا القَوْلَ ؟
الجَوابُ: رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ، وإنَّما ذَكَرَهُ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ تَعْظِيمًا لِلْمَلِكِ عَنِ الخِطابِ، والأوْلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قالَ ذَلِكَ عِنْدَ عَوْدِ الرَّسُولِ إلَيْهِ لِأنَّ ذِكْرَ هَذا الكَلامِ في حَضْرَةِ المَلِكِ سُوءُ أدَبٍ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَذِهِ الخِيانَةُ وقَعَتْ في حَقِّ العَزِيزِ فَكَيْفَ يَقُولُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ؟ .
والجَوابُ: قِيلَ: المُرادُ لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنِّي لَمْ أخُنِ العَزِيزَ بِالغَيْبَةِ، وقِيلَ إنَّهُ إذا خانَ وزِيرَهُ فَقَدْ خانَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وقِيلَ إنَّ الشَّرابِيَّ لَمّا رَجَعَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو في السِّجْنِ قالَ: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ. ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ولَعَلَّ المُرادَ مِنهُ أنِّي لَوْ كُنْتُ خائِنًا لَما خَلَّصَنِي اللَّهُ تَعالى مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ، وحَيْثُ خَلَّصَنِي مِنها ظَهَرَ أنِّي كُنْتُ مُبَرَّأً عَمّا نَسَبُونِي إلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ كَلامُ امْرَأةِ العَزِيزِ، والمَعْنى: أنِّي وإنْ أحَلْتُ الذَّنْبَ عَلَيْهِ عِنْدَ حُضُورِهِ لَكِنِّي ما أحْلَتُ الذَّنْبَ عَلَيْهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، أيْ لَمْ أقُلْ فِيهِ وهو في السِّجْنِ خِلافَ
صفحة ١٢٤
الحَقِّ. ثُمَّ إنَّها بالَغَتْ في تَأْكِيدِ الحَقِّ بِهَذا القَوْلِ، وقالَتْ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ يَعْنِي أنِّي لَمّا أقْدَمْتُ عَلى الكَيْدِ والمَكْرِ لا جَرَمَ افْتُضِحْتُ، وأنَّهُ لَمّا كانَ بَرِيئًا عَنِ الذَّنْبِ لا جَرَمَ طَهَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. قالَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ حاضِرًا في ذَلِكَ المَجْلِسِ حَتّى يُقالَ لَمّا ذَكَرَتِ المَرْأةُ قَوْلَها: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ فَفي تِلْكَ الحالَةِ يَقُولُ يُوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ بَلْ يَحْتاجُ فِيهِ إلى أنْ يَرْجِعَ الرَّسُولُ مِن ذَلِكَ المَجْلِسِ إلى السِّجْنِ ويَذْكُرَ لَهُ تِلْكَ الحِكايَةَ، ثُمَّ إنَّ يُوسُفَ يَقُولُ ابْتِداءً: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ومِثْلُ هَذا الوَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ الأجْنَبِيَّيْنِ ما جاءَ البَتَّةَ في نَثْرٍ ولا نَظْمٍ فَعَلِمْنا أنَّ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ المَرْأةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى طَهارَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الذَّنْبِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَلِكَ لَمّا أرْسَلَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وطَلَبَهُ فَلَوْ كانَ يُوسُفُ مُتَّهَمًا بِفِعْلٍ قَبِيحٍ وقَدْ كانَ صَدَرَ مِنهُ ذَنْبٌ وفُحْشٌ لاسْتَحالَ بِحَسَبِ العُرْفِ والعادَةِ أنْ يَطْلُبَ مِنَ المَلِكِ أنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ تِلْكَ الواقِعَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ قَدْ أقْدَمَ عَلى الذَّنْبِ ثُمَّ إنَّهُ يَطْلُبُ مِنَ المَلِكِ أنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ تِلْكَ الواقِعَةِ كانَ ذَلِكَ سَعْيًا مِنهُ في فَضِيحَةِ نَفْسِهِ وفي تَجْدِيدِ العُيُوبِ الَّتِي صارَتْ مُنْدَرِسَةً مَخْفِيَّةً، والعاقِلُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَبْ أنَّهُ وقَعَ الشَّكُّ لِبَعْضِهِمْ في عِصْمَتِهِ أوْ في نُبُوَّتِهِ إلّا أنَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ عاقِلًا، والعاقِلُ يَمْتَنِعُ أنْ يَسْعى في فَضِيحَةِ نَفْسِهِ وفي حَمْلِ الأعْداءِ عَلى أنْ يُبالِغُوا في إظْهارِ عُيُوبِهِ.
والثّانِي: أنَّ النِّسْوَةَ شَهِدْنَ في المَرَّةِ الأوْلى بِطَهارَتِهِ ونَزاهَتِهِ حَيْثُ قُلْنَ: ﴿حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ حَيْثُ قُلْنَ: ﴿حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ .
والثّالِثُ: أنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ أقَرَّتْ في المَرَّةِ الأُولى بِطَهارَتِهِ حَيْثُ قالَتْ: ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى طَهارَتِهِ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُ المَرْأةِ: ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُها: ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ صادِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦] .
وثالِثُها: قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ والحَشْوِيَّةُ يَذْكُرُونَ أنَّهُ لَمّا قالَ يُوسُفُ هَذا الكَلامَ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولا حِينَ هَمَمْتَ ؟ وهَذا مِن رِواياتِهِمُ الخَبِيثَةِ وما صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ في كِتابٍ مُعْتَمَدٍ، بَلْ هم يُلْحِقُونَها بِهَذا المَوْضِعِ سَعْيًا مِنهم في تَحْرِيفِ ظاهِرِ القُرْآنِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ صاحِبَ الخِيانَةِ لا بُدَّ وأنْ يُفْتَضَحَ، فَلَوْ كُنْتُ خائِنًا لَوَجَبَ أنْ أُفْتَضَحَ، وحَيْثُ لَمْ أُفْتَضَحْ وخَلَّصَنِي اللَّهُ تَعالى مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنِّي ما كُنْتُ مِنَ الخائِنِينَ.
وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أقْوى مِنَ الكُلِّ، وهو أنَّ في هَذا الوَقْتِ تِلْكَ الواقِعَةُ صارَتْ مُنْدَرِسَةً، وتِلْكَ المِحْنَةُ صارَتْ مُنْتَهِيَةً، فَإقْدامُهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ مَعَ أنَّهُ خانَهُ بِأعْظَمِ وُجُوهِ الخِيانَةِ: إقْدامٌ عَلى وقاحَةٍ عَظِيمَةٍ، وعَلى كَذِبٍ عَظِيمٍ مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مَصْلَحَةٌ بِوَجْهٍ ما، والإقْدامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الوَقاحَةِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أصْلًا لا يَلِيقُ بِأحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ إسْنادُهُ إلى سَيِّدِ العُقَلاءِ، وقُدْوَةِ الأصْفِياءِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ دَلالَةً قاطِعَةً عَلى بَراءَتِهِ مِمّا يَقُولُهُ الجُهّالُ والحَشْوِيَّةُ.
يوسف 12:53
صفحة ١٢٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ ما قَبْلَها لِأنّا إنْ قُلْنا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ (يُوسُفَ: ٥٢) كَلامُ يُوسُفَ كانَ هَذا أيْضًا مِن كَلامِ يُوسُفَ، وإنْ قُلْنا إنَّ ذَلِكَ مِن تَمامِ كَلامِ المَرْأةِ كانَ هَذا أيْضًا كَذَلِكَ ونَحْنُ نُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، أمّا إذا قُلْنا إنَّ هَذا كَلامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فالحَشْوِيَّةُ تَمَسَّكُوا بِهِ وقالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولا حِينَ هَمَمْتَ بِفَكِّ سَراوِيلِكَ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ يُوسُفُ: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أيْ بِالزِّنا ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ أيْ عَصَمَ رَبِّي ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ﴾ لِلْهَمِّ الَّذِي هَمَمْتُ بِهِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ لَوْ فَعَلْتُهُ لَتابَ عَلَيَّ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ فَإنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى بَراءَتِهِ عَنِ الذَّنْبِ بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَما جَوابُكم عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى مَدْحِ النَّفْسِ وتَزْكِيَتِها، وقالَ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النَّجْمِ: ٣٢) فاسْتَدْرَكَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ والمَعْنى: وما أُزَكِّي نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ مَيّالَةٌ إلى القَبائِحِ راغِبَةٌ في المَعْصِيَةِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ البَتَّةَ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرُوهُ وذَلِكَ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ بَيَّنَ أنَّ تَرْكَ الخِيانَةِ ما كانَ لِعَدَمِ الرَّغْبَةِ ولِعَدَمِ مَيْلِ النَّفْسِ والطَّبِيعَةِ، لِأنَّ النَّفْسَ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ، والطَّبِيعَةَ تَوّاقَةٌ إلى اللَّذّاتِ؛ فَبَيَّنَ بِهَذا الكَلامِ أنَّ التَّرْكَ ما كانَ لِعَدَمِ الرَّغْبَةِ، بَلْ لِقِيامِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
أمّا إذا قُلْنا: إنَّ هَذا الكَلامَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ المَرْأةِ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي عَنْ مُراوَدَتِهِ، ومَقْصُودُها تَصْدِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ (يُوسُفَ: ٢٦) .
الثّانِي: أنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ (يُوسُفَ: ٥٢) قالَتْ: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي عَنِ الخِيانَةِ مُطْلَقًا فَإنِّي قَدْ خُنْتُهُ حِينَ قَدْ أحَلْتُ الذَّنْبَ عَلَيْهِ وقُلْتُ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ (يُوسُفَ: ٢٥) وأوْدَعْتُهُ السِّجْنَ، كَأنَّها أرادَتِ الِاعْتِذارَ مِمّا كانَ.
فَإنْ قِيلَ: جَعْلُ هَذا الكَلامِ كَلامًا لِيُوسُفَ أوْلى أمْ جَعْلُهُ كَلامًا لِلْمَرْأةِ ؟
قُلْنا: جَعْلُهُ كَلامًا لِيُوسُفَ مُشْكِلٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ كَلامٌ مَوْصُولٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى آخِرِهِ، فالقَوْلُ بِأنَّ بَعْضَهُ كَلامُ المَرْأةِ والبَعْضَ كَلامُ يُوسُفَ مَعَ تَخَلُّلِ الفَواصِلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ وبَيْنَ المَجْلِسَيْنِ بِعِيدٌ، وأيْضًا جَعْلُهُ كَلامًا لِلْمَرْأةِ مُشْكِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ كَلامٌ لا يَحْسُنُ صُدُورُهُ إلّا مِمَّنِ احْتَرَزَ عَنِ المَعاصِي، ثُمَّ يُذْكَرُ هَذا الكَلامُ عَلى سَبِيلِ كَسْرِ النَّفْسِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالمَرْأةِ الَّتِي اسْتَفْرَغَتْ جُهْدَها في المَعْصِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ بِمَعْنى ”مَن“ والتَّقْدِيرُ: إلّا مَن رَحِمَ رَبِّي، و”ما“ و”مَن“ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقُومُ مَقامَ الآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ (النِّساءِ: ٣) وقالَ:
صفحة ١٢٦
﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ (النُّورِ: ٤٥) . وقَوْلُهُ: ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ أوْ مُنْقَطِعٌ، فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَّصِلٌ، وفي تَقْرِيرِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ أيْ: إلّا البَعْضَ الَّذِي رَحِمَهُ رَبِّي بِالعِصْمَةِ كالمَلائِكَةِ.
الثّانِي: إلّا ما رَحِمَ رَبِّي، أيْ: إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي يَعْنِي أنَّها أمارَةٌ بِالسُّوءِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا في وقْتِ العِصْمَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: ولَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ الإساءَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا﴾ (يس: ٤٤) .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الحُكَماءُ في أنَّ النَّفْسَ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ ما هي ؟ .
والمُحَقِّقُونَ قالُوا: إنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ شَيْءٌ واحِدٌ، ولَها صِفاتٌ كَثِيرَةٌ فَإذا مالَتْ إلى العالَمِ الإلَهِيِّ كانَتْ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً، وإذا مالَتْ إلى الشَّهْوَةِ والغَضَبِ كانَتْ أمّارَةً بِالسُّوءِ، وكَوْنُها أمّارَةً بِالسُّوءِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النَّفْسَ مِن أوَّلِ حُدُوثِها قَدْ ألِفَتِ المَحْسُوساتِ والتَذَّتْ بِها وعَشِقَتْها، فَأمّا شُعُورُها بِعالَمِ المُجَرَّداتِ ومَيْلُها إلَيْهِ، فَذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا نادِرًا في حَقِّ الواحِدِ فالواحِدِ، وذَلِكَ الواحِدُ فَإنَّما يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ التَّجَرُّدُ والِانْكِشافُ طُولَ عُمُرِهِ في الأوْقاتِ النّادِرَةِ، فَلَمّا كانَ الغالِبُ هو انْجِذابُها إلى العالَمِ الجَسَدانِيِّ، وكانَ مَيْلُها إلى الصُّعُودِ إلى العالَمِ الأعْلى نادِرًا لا جَرَمَ حُكِمَ عَلَيْها بِكَوْنِها أمّارَةً بِالسُّوءِ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ النَّفْسَ المُطْمَئِنَّةَ هي النَّفْسُ العَقْلِيَّةُ النُّطْقِيَّةُ، وأمّا النَّفْسُ الشَّهْوانِيَّةُ والغَضَبِيَّةُ فَهُما مُغايِرَتانِ لِلنَّفْسِ العَقْلِيَّةِ، والكَلامُ في تَحْقِيقِ الحَقِّ في هَذا البابِ مَذْكُورٌ في المَعْقُولاتِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا في أنَّ الطّاعَةَ والإيمانَ لا يَحْصُلانِ إلّا مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ قالُوا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ انْصِرافَ النَّفْسِ مِنَ الشَّرِّ لا يَكُونُ إلّا بِرَحْمَتِهِ ولَفْظُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَتْ تِلْكَ الرَّحْمَةُ؛ حَصَلَ ذَلِكَ الِانْصِرافُ.
فَنَقُولُ: لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ بِإعْطاءِ العَقْلِ والقُدْرَةِ والألْطافِ، كَما قالَهُ القاضِي؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، فَوَجَبَ تَفْسِيرُها بِشَيْءٍ آخَرَ، وهو تَرْجِيحُ داعِيَةِ الطّاعَةِ عَلى داعِيَةِ المَعْصِيَةِ، وقَدْ أثْبَتْنا ذَلِكَ أيْضًا بِالبُرْهانِ القاطِعِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مِنهُ المَطْلُوبُ.
يوسف 12:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في هَذا المَلِكِ فَمِنهم مَن قالَ: هو العَزِيزُ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ هو الرَّيّانُ الَّذِي هو المَلِكُ الأكْبَرُ، وهَذا هو الأظْهَرُ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَ يُوسُفَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ ما كانَ خالِصًا لَهُ، وقَدْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ خالِصًا لِلْعَزِيزِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذا المَلِكَ هو المَلِكُ الأكْبَرُ.
صفحة ١٢٧
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو في الحَبْسِ وقالَ: (قُلِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي مِن عِنْدِكَ فَرَجًا ومَخْرَجًا، وارْزُقْنِي مِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ) فَقَبِلَ اللَّهُ دُعاءَهُ وأظْهَرَ هَذا السَّبَبَ في تَخْلِيصِهِ مِنَ السِّجْنِ.
وتَقْرِيرُ الكَلامِ: أنَّ المَلِكَ عَظُمَ اعْتِقادُهُ في يُوسُفَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَظُمَ اعْتِقادُهُ في عِلْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا عَجَزَ القَوْمُ عَنِ الجَوابِ وقَدَرَ هو عَلى الجَوابِ المُوافِقِ الَّذِي يَشْهَدُ العَقْلُ بِصِحَّتِهِ مالَ الطَّبْعُ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّهُ عَظُمَ اعْتِقادُهُ في صَبْرِهِ وثَباتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَعْدَ أنْ بَقِيَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ لَمّا أذِنَ لَهُ في الخُرُوجِ ما أسْرَعَ إلى الخُرُوجِ، بَلْ صَبَرَ وتَوَقَّفَ وطَلَبَ أوَّلًا ما يَدُلُّ عَلى بَراءَةِ حالِهِ عَنْ جَمِيعِ التُّهَمِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عَظُمَ اعْتِقادُهُ في حُسْنِ أدَبِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ (يُوسُفَ: ٥٠) وإنْ كانَ غَرَضُهُ ذِكْرَ امْرَأةِ العَزِيزِ فَسَتَرَ ذِكْرَها، وتَعَرَّضَ لِأمْرِ سائِرِ النِّسْوَةِ مَعَ أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ مِن جِهَتِها أنْواعٌ عَظِيمَةٌ مِنَ البَلاءِ، وهَذا مِنَ الأدَبِ العَجِيبِ.
ورابِعُها: بَراءَةُ حالِهِ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِ التُّهَمِ، فَإنَّ الخَصْمَ أقَرَّ لَهُ بِالطَّهارَةِ والنَّزاهَةِ والبَراءَةِ عَنِ الجُرْمِ.
وخامِسُها: أنَّ الشَّرابِيَّ وصَفَ لَهُ جِدَّهُ في الطّاعاتِ واجْتِهادَهُ في الإحْسانِ إلى الَّذِينَ كانُوا في السِّجْنِ.
وسادِسُها: أنَّهُ بَقِيَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ.
وهَذِهِ الأُمُورُ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ حُسْنَ الِاعْتِقادِ في الإنْسانِ، فَكَيْفَ مَجْمُوعُها ؟ فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ اعْتِقادُ المَلِكِ فِيهِ، وإذا أرادَ اللَّهُ شَيْئًا جَمَعَ أسْبابَهُ وقَوّاها.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا ظَهَرَ لِلْمَلِكِ هَذِهِ الأحْوالُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَغِبَ أنْ يَتَّخِذَهُ لِنَفْسِهِ فَقالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ قالَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُمْ إلى المَلِكِ مُتَنَظِّفًا مِن دَرَنِ السِّجْنِ بِالثِّيابِ النَّظِيفَةِ والهَيْئَةِ الحَسَنَةِ؛ فَكَتَبَ عَلى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنازِلُ البَلْوى، وقُبُورُ الأحْياءِ، وشَماتَةُ الأعْداءِ، وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ، ولَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِخَيْرِكَ مِن خَيْرِهِ وأعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِن شَرِّهِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ودَعا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ.
والِاسْتِخْلاصُ طَلَبُ خُلُوصِ الشَّيْءِ مِن شَوائِبِ الِاشْتِراكِ، وهَذا المَلِكُ طَلَبَ أنْ يَكُونَ يُوسُفُ لَهُ وحْدَهُ، وأنَّهُ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ عادَةَ المُلُوكِ أنْ يَنْفَرِدُوا بِالأشْياءِ النَّفِيسَةِ الرَّفِيعَةِ، فَلَمّا عَلِمَ المَلِكُ أنَّهُ وحِيدُ زَمانِهِ وفَرِيدُ أقْرانِهِ؛ أرادَ أنْ يَنْفَرِدَ بِهِ.
رُوِيَ أنَّ المَلِكَ قالَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما مِن شَيْءٍ إلّا وأُحِبُّ أنْ تُشْرِكَنِي فِيهِ إلّا في أهْلِي وفي أنْ لا تَأْكُلَ مَعِي، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أما تَرى أنْ آكُلَ مَعَكَ، وأنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ الذَّبِيحِ ابْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ فَلَمّا كَلَّمَ المَلِكُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالُوا: لِأنَّ في مَجالِسِ المُلُوكِ لا يَحْسُنُ لِأحَدٍ أنْ يَبْتَدِئَ بِالكَلامِ، وإنَّما الَّذِي يَبْتَدِئُ بِهِ هو المَلِكُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ، قِيلَ: لَمّا صارَ يُوسُفُ إلى المَلِكِ وكانَ ذَلِكَ الوَقْتَ ابْنَ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمّا رَآهُ المَلِكُ حَدَثًا شابًّا قالَ لِلشَّرابِيِّ: هَذا هو الَّذِي عَلِمَ تَأْوِيلَ رُؤْيايَ مَعَ أنَّ السَّحَرَةَ والكَهَنَةَ ما عَلِمُوها ؟ قالَ: نَعَمْ. فَأقْبَلَ عَلى يُوسُفَ، وقالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا مِنكَ شِفاهًا، فَأجابَ بِذَلِكَ الجَوابِ شِفاهًا وشَهِدَ قَلْبُهُ بِصِحَّتِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ يُقالُ: فُلانٌ مَكِينٌ عِنْدَ فُلانٍ بَيِّنُ المَكانَةِ أيِ المَنزِلَةِ، وهي حالَةٌ يَتَمَكَّنُ بِها صاحِبُها مِمّا يُرِيدُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أمِينٌ﴾ أيْ قَدْ عَرَفْنا أمانَتَكَ وبَراءَتَكَ مِمّا نُسِبْتَ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَكِينٌ أمِينٌ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ والمَناقِبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا بُدَّ
صفحة ١٢٨
فِي كَوْنِهِ مَكِينًا مِنَ القُدْرَةِ والعِلْمِ.
أمّا القُدْرَةُ فَلِأنَّ بِها يَحْصُلُ المُكْنَةُ، وأمّا العِلْمُ فَلِأنَّ كَوْنَهُ مُتَمَكِّنًا مِن أفْعالِ الخَيْرِ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِما يَنْبَغِي وبِما لا يَنْبَغِي لا يُمْكِنُهُ تَخْصِيصُ ما يَنْبَغِي بِالفِعْلِ، وتَخْصِيصُ ما لا يَنْبَغِي بِالتَّرْكِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ مَكِينًا لا يَحْصُلُ إلّا بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ.
أمّا كَوْنُهُ أمِينًا فَهو عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ حَكِيمًا لا يَفْعَلُ الفِعْلَ لِداعِي الشَّهْوَةِ بَلْ إنَّما يَفْعَلُهُ لِداعِي الحِكْمَةِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ مَكِينًا أمِينًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، وعَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِمَواقِعِ الخَيْرِ والشَّرِّ والصَّلاحِ والفَسادِ، وعَلى كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَفْعَلُ لِداعِي الحِكْمَةِ لا لِداعِيَةِ الشَّهْوَةِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْهُ فِعْلُ الشَّرِّ والسَّفَهِ؛ فَلِهَذا المَعْنى لَمّا حاوَلَتِ المُعْتَزِلَةُ إثْباتَ أنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ القَبِيحَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ القَبِيحَ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِقُبْحِ القَبِيحِ، عالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَفْعَلِ القَبِيحَ.
قالُوا: وإنَّما يَكُونُ غَنِيًّا عَنِ القَبِيحِ إذا كانَ قادِرًا، وإذا كانَ مُنَزَّهًا عَنْ داعِيَةِ السَّفَهِ، فَثَبَتَ أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مَكِينًا أمِينًا نِهايَةُ ما يُمْكِنُ ذِكْرُهُ في هَذا البابِ ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في هَذا المَقامِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عَبَّرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُؤْيا المَلِكِ بَيْنَ يَدَيْهِ قالَ لَهُ المَلِكُ: فَما تَرى أيُّها الصِّدِّيقُ ؟ قالَ: أرى أنْ تَزْرَعَ في هَذِهِ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ زَرْعًا كَثِيرًا، وتَبْنِيَ الخَزائِنَ، وتَجْمَعَ فِيها الطَّعامَ، فَإذا جاءَتِ السُّنُونَ المُجْدِبَةُ؛ بِعْنا الغَلّاتِ فَيَحْصُلُ بِهَذا الطَّرِيقِ مالٌ عَظِيمٌ، فَقالَ المَلِكُ: ومَن لِي بِهَذا الشُّغْلِ ؟ فَقالَ يُوسُفُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ عَلى خَزائِنِ أرْضِ مِصْرَ، وأدْخَلَ الألِفَ واللّامَ عَلى الأرْضِ، والمُرادُ مِنهُ المَعْهُودُ السّابِقُ.
رَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي يُوسُفَ، لَوْ لَمْ يَقُلِ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ لاسْتَعْمَلَهُ مِن ساعَتِهِ، لَكِنَّهُ لَمّا قالَ ذَلِكَ أخَّرَهُ عَنْهُ سَنَةً» . .
وأقُولُ: هَذا مِنَ العَجائِبِ لِأنَّهُ لَمّا تَأبّى عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ولَمّا تَسارَعَ في ذِكْرِ الِالتِماسِ أخَّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ المَطْلُوبَ عَنْهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ التَّصَرُّفِ والتَّفْوِيضِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ طَلَبَ يُوسُفُ الإمارَةَ، «والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: ”لا تَسْألِ الإمارَةَ“» ؟ وأيْضًا فَكَيْفَ طَلَبَ الإمارَةَ مِن سُلْطانٍ كافِرٍ ؟ وأيْضًا لِمَ لَمْ يَصْبِرْ مُدَّةً ؟ ولِمَ أظْهَرَ الرَّغْبَةَ في طَلَبِ الإمارَةِ في الحالِ ؟ وأيْضًا لِمَ طَلَبَ أمْرَ الخَزائِنِ في أوَّلِ الأمْرِ، مَعَ أنَّ هَذا يُورِثُ نَوْعَ تُهْمَةٍ ؟ وأيْضًا كَيْفَ جَوَّزَ مِن نَفْسِهِ مَدْحَ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ؟ مَعَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النَّجْمِ: ٣٢) وأيْضًا فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ وأيْضًا لِمَ تَرَكَ الِاسْتِثْناءَ في هَذا ؟ فَإنَّ الأحْسَنَ أنْ يَقُولَ: إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ (الكَهْفِ: ٢٣، ٢٤) فَهَذِهِ أسْئِلَةٌ سَبْعَةٌ لا بُدَّ مِن جَوابِها فَنَقُولُ: الأصْلُ في جَوابِ هَذِهِ المَسائِلِ أنَّ التَّصَرُّفَ في أُمُورِ الخَلْقِ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، فَجازَ لَهُ أنْ يَتَوَصَّلَ إلَيْهِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، إنَّما قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ رَسُولًا حَقًّا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الخَلْقِ، والرَّسُولُ يَجِبُ عَلَيْهِ رِعايَةُ مَصالِحِ الأُمَّةِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ بِالوَحْيِ أنَّهُ سَيَحْصُلُ القَحْطُ، والضِّيقُ الشَّدِيدُ الَّذِي رُبَّما أفْضى إلى هَلاكِ الخَلْقِ العَظِيمِ، فَلَعَلَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يُدَبِّرَ في ذَلِكَ ويَأْتِيَ بِطَرِيقٍ لِأجْلِهِ يَقِلُّ ضَرَرُ ذَلِكَ القَحْطِ في حَقِّ الخَلْقِ.
والثّالِثُ: أنَّ السَّعْيَ في إيصالِ النَّفْعِ إلى المُسْتَحِقِّينَ، ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم أمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ.
صفحة ١٢٩
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُكَلَّفًا بِرِعايَةِ مَصالِحِ الخَلْقِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، وما كانَ يُمْكِنُهُ رِعايَتُها إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ، فَهو واجِبٌ، فَكانَ هَذا الطَّرِيقُ واجِبًا عَلَيْهِ ولَمّا كانَ واجِبًا سَقَطَتِ الأسْئِلَةُ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا تَرْكُ الِاسْتِثْناءِ فَقالَ الواحِدِيُّ: كانَ ذَلِكَ مِن خَطِيئَةٍ أوْجَبَتْ عُقُوبَةً وهي أنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهُ حُصُولَ ذَلِكَ المَقْصُودِ سَنَةً، وأقُولُ: لَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّهُ لَوْ ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ لاعْتَقَدَ فِيهِ المَلِكُ أنَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى ضَبْطِ هَذِهِ المَصْلَحَةِ كَما يَنْبَغِي، فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى تَرَكَ الِاسْتِثْناءَ، وأمّا قَوْلُهُ لِمَ مَدَحَ نَفْسَهُ ؟ فَجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ مَدَحَ نَفْسَهُ، لَكِنَّهُ بَيَّنَ كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ النّافِعَتَيْنِ في حُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ، وبَيْنَ البابَيْنِ فَرْقٌ وكَأنَّهُ قَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ لِأنَّ المَلِكَ وإنْ عَلِمَ كَمالَهُ في عُلُومِ الدِّينِ لَكِنَّهُ ما كانَ عالِمًا بِأنَّهُ يَفِي بِهَذا الأمْرِ، ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أنَّهُ مَدَحَ نَفْسَهُ إلّا أنَّ مَدْحِ النَّفْسِ إنَّما يَكُونُ مَذْمُومًا إذا قَصَدَ الرَّجُلُ بِهِ التَّطاوُلَ والتَّفاخُرَ والتَّوَصُّلَ إلى غَيْرِ ما يَحِلُّ، فَأمّا عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ مُحَرَّمٌ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النَّجْمِ: ٣٢) المُرادُ مِنهُ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ حالَ ما يُعْلَمُ كَوْنُها غَيْرَ مُتَزَكِّيَةٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ أمّا إذا كانَ الإنْسانُ عالِمًا بِأنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ فَهَذا غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ما الفائِدَةُ في وصْفِهِ نَفْسَهُ بِأنَّهُ حَفِيظٌ عَلِيمٌ ؟
قُلْنا: إنَّهُ جارٍ مَجْرى أنْ يَقُولَ: حَفِيظٌ بِجَمِيعِ الوُجُوهِ الَّتِي مِنها يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الدَّخْلِ والمالِ، عَلِيمٌ بِالجِهاتِ الَّتِي تَصْلُحُ لِأنْ يُصْرَفَ المالُ إلَيْها. ويُقالُ: حَفِيظٌ بِجَمِيعِ مَصالِحِ النّاسِ، عَلِيمٌ بِجِهاتِ حاجاتِهِمْ. أوْ يُقالُ: حَفِيظٌ لِوُجُوهِ أيادِيكَ وكَرَمِكَ، عَلِيمٌ بِوُجُوبِ مُقابَلَتِها بِالطّاعَةِ والخُضُوعِ وهَذا بابٌ واسِعٌ يُمْكِنُ تَكْثِيرُهُ لِمَن أرادَهُ.
يوسف 12:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في هَذا المَلِكِ فَمِنهم مَن قالَ: هو العَزِيزُ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ هو الرَّيّانُ الَّذِي هو المَلِكُ الأكْبَرُ، وهَذا هو الأظْهَرُ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَ يُوسُفَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ ما كانَ خالِصًا لَهُ، وقَدْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ خالِصًا لِلْعَزِيزِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذا المَلِكَ هو المَلِكُ الأكْبَرُ.
صفحة ١٢٧
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو في الحَبْسِ وقالَ: (قُلِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي مِن عِنْدِكَ فَرَجًا ومَخْرَجًا، وارْزُقْنِي مِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ) فَقَبِلَ اللَّهُ دُعاءَهُ وأظْهَرَ هَذا السَّبَبَ في تَخْلِيصِهِ مِنَ السِّجْنِ.
وتَقْرِيرُ الكَلامِ: أنَّ المَلِكَ عَظُمَ اعْتِقادُهُ في يُوسُفَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَظُمَ اعْتِقادُهُ في عِلْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا عَجَزَ القَوْمُ عَنِ الجَوابِ وقَدَرَ هو عَلى الجَوابِ المُوافِقِ الَّذِي يَشْهَدُ العَقْلُ بِصِحَّتِهِ مالَ الطَّبْعُ إلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّهُ عَظُمَ اعْتِقادُهُ في صَبْرِهِ وثَباتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَعْدَ أنْ بَقِيَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ لَمّا أذِنَ لَهُ في الخُرُوجِ ما أسْرَعَ إلى الخُرُوجِ، بَلْ صَبَرَ وتَوَقَّفَ وطَلَبَ أوَّلًا ما يَدُلُّ عَلى بَراءَةِ حالِهِ عَنْ جَمِيعِ التُّهَمِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عَظُمَ اعْتِقادُهُ في حُسْنِ أدَبِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ (يُوسُفَ: ٥٠) وإنْ كانَ غَرَضُهُ ذِكْرَ امْرَأةِ العَزِيزِ فَسَتَرَ ذِكْرَها، وتَعَرَّضَ لِأمْرِ سائِرِ النِّسْوَةِ مَعَ أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ مِن جِهَتِها أنْواعٌ عَظِيمَةٌ مِنَ البَلاءِ، وهَذا مِنَ الأدَبِ العَجِيبِ.
ورابِعُها: بَراءَةُ حالِهِ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِ التُّهَمِ، فَإنَّ الخَصْمَ أقَرَّ لَهُ بِالطَّهارَةِ والنَّزاهَةِ والبَراءَةِ عَنِ الجُرْمِ.
وخامِسُها: أنَّ الشَّرابِيَّ وصَفَ لَهُ جِدَّهُ في الطّاعاتِ واجْتِهادَهُ في الإحْسانِ إلى الَّذِينَ كانُوا في السِّجْنِ.
وسادِسُها: أنَّهُ بَقِيَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ.
وهَذِهِ الأُمُورُ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ حُسْنَ الِاعْتِقادِ في الإنْسانِ، فَكَيْفَ مَجْمُوعُها ؟ فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ اعْتِقادُ المَلِكِ فِيهِ، وإذا أرادَ اللَّهُ شَيْئًا جَمَعَ أسْبابَهُ وقَوّاها.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا ظَهَرَ لِلْمَلِكِ هَذِهِ الأحْوالُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَغِبَ أنْ يَتَّخِذَهُ لِنَفْسِهِ فَقالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ قالَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُمْ إلى المَلِكِ مُتَنَظِّفًا مِن دَرَنِ السِّجْنِ بِالثِّيابِ النَّظِيفَةِ والهَيْئَةِ الحَسَنَةِ؛ فَكَتَبَ عَلى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنازِلُ البَلْوى، وقُبُورُ الأحْياءِ، وشَماتَةُ الأعْداءِ، وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ، ولَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِخَيْرِكَ مِن خَيْرِهِ وأعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِن شَرِّهِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ودَعا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ.
والِاسْتِخْلاصُ طَلَبُ خُلُوصِ الشَّيْءِ مِن شَوائِبِ الِاشْتِراكِ، وهَذا المَلِكُ طَلَبَ أنْ يَكُونَ يُوسُفُ لَهُ وحْدَهُ، وأنَّهُ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ عادَةَ المُلُوكِ أنْ يَنْفَرِدُوا بِالأشْياءِ النَّفِيسَةِ الرَّفِيعَةِ، فَلَمّا عَلِمَ المَلِكُ أنَّهُ وحِيدُ زَمانِهِ وفَرِيدُ أقْرانِهِ؛ أرادَ أنْ يَنْفَرِدَ بِهِ.
رُوِيَ أنَّ المَلِكَ قالَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما مِن شَيْءٍ إلّا وأُحِبُّ أنْ تُشْرِكَنِي فِيهِ إلّا في أهْلِي وفي أنْ لا تَأْكُلَ مَعِي، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أما تَرى أنْ آكُلَ مَعَكَ، وأنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ الذَّبِيحِ ابْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ فَلَمّا كَلَّمَ المَلِكُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالُوا: لِأنَّ في مَجالِسِ المُلُوكِ لا يَحْسُنُ لِأحَدٍ أنْ يَبْتَدِئَ بِالكَلامِ، وإنَّما الَّذِي يَبْتَدِئُ بِهِ هو المَلِكُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ، قِيلَ: لَمّا صارَ يُوسُفُ إلى المَلِكِ وكانَ ذَلِكَ الوَقْتَ ابْنَ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمّا رَآهُ المَلِكُ حَدَثًا شابًّا قالَ لِلشَّرابِيِّ: هَذا هو الَّذِي عَلِمَ تَأْوِيلَ رُؤْيايَ مَعَ أنَّ السَّحَرَةَ والكَهَنَةَ ما عَلِمُوها ؟ قالَ: نَعَمْ. فَأقْبَلَ عَلى يُوسُفَ، وقالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا مِنكَ شِفاهًا، فَأجابَ بِذَلِكَ الجَوابِ شِفاهًا وشَهِدَ قَلْبُهُ بِصِحَّتِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ يُقالُ: فُلانٌ مَكِينٌ عِنْدَ فُلانٍ بَيِّنُ المَكانَةِ أيِ المَنزِلَةِ، وهي حالَةٌ يَتَمَكَّنُ بِها صاحِبُها مِمّا يُرِيدُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أمِينٌ﴾ أيْ قَدْ عَرَفْنا أمانَتَكَ وبَراءَتَكَ مِمّا نُسِبْتَ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَكِينٌ أمِينٌ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ والمَناقِبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا بُدَّ
صفحة ١٢٨
فِي كَوْنِهِ مَكِينًا مِنَ القُدْرَةِ والعِلْمِ.
أمّا القُدْرَةُ فَلِأنَّ بِها يَحْصُلُ المُكْنَةُ، وأمّا العِلْمُ فَلِأنَّ كَوْنَهُ مُتَمَكِّنًا مِن أفْعالِ الخَيْرِ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِما يَنْبَغِي وبِما لا يَنْبَغِي لا يُمْكِنُهُ تَخْصِيصُ ما يَنْبَغِي بِالفِعْلِ، وتَخْصِيصُ ما لا يَنْبَغِي بِالتَّرْكِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ مَكِينًا لا يَحْصُلُ إلّا بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ.
أمّا كَوْنُهُ أمِينًا فَهو عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ حَكِيمًا لا يَفْعَلُ الفِعْلَ لِداعِي الشَّهْوَةِ بَلْ إنَّما يَفْعَلُهُ لِداعِي الحِكْمَةِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ مَكِينًا أمِينًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، وعَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِمَواقِعِ الخَيْرِ والشَّرِّ والصَّلاحِ والفَسادِ، وعَلى كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَفْعَلُ لِداعِي الحِكْمَةِ لا لِداعِيَةِ الشَّهْوَةِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْهُ فِعْلُ الشَّرِّ والسَّفَهِ؛ فَلِهَذا المَعْنى لَمّا حاوَلَتِ المُعْتَزِلَةُ إثْباتَ أنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ القَبِيحَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ القَبِيحَ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِقُبْحِ القَبِيحِ، عالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَفْعَلِ القَبِيحَ.
قالُوا: وإنَّما يَكُونُ غَنِيًّا عَنِ القَبِيحِ إذا كانَ قادِرًا، وإذا كانَ مُنَزَّهًا عَنْ داعِيَةِ السَّفَهِ، فَثَبَتَ أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مَكِينًا أمِينًا نِهايَةُ ما يُمْكِنُ ذِكْرُهُ في هَذا البابِ ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في هَذا المَقامِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عَبَّرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُؤْيا المَلِكِ بَيْنَ يَدَيْهِ قالَ لَهُ المَلِكُ: فَما تَرى أيُّها الصِّدِّيقُ ؟ قالَ: أرى أنْ تَزْرَعَ في هَذِهِ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ زَرْعًا كَثِيرًا، وتَبْنِيَ الخَزائِنَ، وتَجْمَعَ فِيها الطَّعامَ، فَإذا جاءَتِ السُّنُونَ المُجْدِبَةُ؛ بِعْنا الغَلّاتِ فَيَحْصُلُ بِهَذا الطَّرِيقِ مالٌ عَظِيمٌ، فَقالَ المَلِكُ: ومَن لِي بِهَذا الشُّغْلِ ؟ فَقالَ يُوسُفُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ عَلى خَزائِنِ أرْضِ مِصْرَ، وأدْخَلَ الألِفَ واللّامَ عَلى الأرْضِ، والمُرادُ مِنهُ المَعْهُودُ السّابِقُ.
رَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي يُوسُفَ، لَوْ لَمْ يَقُلِ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ لاسْتَعْمَلَهُ مِن ساعَتِهِ، لَكِنَّهُ لَمّا قالَ ذَلِكَ أخَّرَهُ عَنْهُ سَنَةً» . .
وأقُولُ: هَذا مِنَ العَجائِبِ لِأنَّهُ لَمّا تَأبّى عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ولَمّا تَسارَعَ في ذِكْرِ الِالتِماسِ أخَّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ المَطْلُوبَ عَنْهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ التَّصَرُّفِ والتَّفْوِيضِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ طَلَبَ يُوسُفُ الإمارَةَ، «والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: ”لا تَسْألِ الإمارَةَ“» ؟ وأيْضًا فَكَيْفَ طَلَبَ الإمارَةَ مِن سُلْطانٍ كافِرٍ ؟ وأيْضًا لِمَ لَمْ يَصْبِرْ مُدَّةً ؟ ولِمَ أظْهَرَ الرَّغْبَةَ في طَلَبِ الإمارَةِ في الحالِ ؟ وأيْضًا لِمَ طَلَبَ أمْرَ الخَزائِنِ في أوَّلِ الأمْرِ، مَعَ أنَّ هَذا يُورِثُ نَوْعَ تُهْمَةٍ ؟ وأيْضًا كَيْفَ جَوَّزَ مِن نَفْسِهِ مَدْحَ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ؟ مَعَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النَّجْمِ: ٣٢) وأيْضًا فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ وأيْضًا لِمَ تَرَكَ الِاسْتِثْناءَ في هَذا ؟ فَإنَّ الأحْسَنَ أنْ يَقُولَ: إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ (الكَهْفِ: ٢٣، ٢٤) فَهَذِهِ أسْئِلَةٌ سَبْعَةٌ لا بُدَّ مِن جَوابِها فَنَقُولُ: الأصْلُ في جَوابِ هَذِهِ المَسائِلِ أنَّ التَّصَرُّفَ في أُمُورِ الخَلْقِ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، فَجازَ لَهُ أنْ يَتَوَصَّلَ إلَيْهِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، إنَّما قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ رَسُولًا حَقًّا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الخَلْقِ، والرَّسُولُ يَجِبُ عَلَيْهِ رِعايَةُ مَصالِحِ الأُمَّةِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ بِالوَحْيِ أنَّهُ سَيَحْصُلُ القَحْطُ، والضِّيقُ الشَّدِيدُ الَّذِي رُبَّما أفْضى إلى هَلاكِ الخَلْقِ العَظِيمِ، فَلَعَلَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يُدَبِّرَ في ذَلِكَ ويَأْتِيَ بِطَرِيقٍ لِأجْلِهِ يَقِلُّ ضَرَرُ ذَلِكَ القَحْطِ في حَقِّ الخَلْقِ.
والثّالِثُ: أنَّ السَّعْيَ في إيصالِ النَّفْعِ إلى المُسْتَحِقِّينَ، ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم أمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ.
صفحة ١٢٩
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُكَلَّفًا بِرِعايَةِ مَصالِحِ الخَلْقِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، وما كانَ يُمْكِنُهُ رِعايَتُها إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ، فَهو واجِبٌ، فَكانَ هَذا الطَّرِيقُ واجِبًا عَلَيْهِ ولَمّا كانَ واجِبًا سَقَطَتِ الأسْئِلَةُ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا تَرْكُ الِاسْتِثْناءِ فَقالَ الواحِدِيُّ: كانَ ذَلِكَ مِن خَطِيئَةٍ أوْجَبَتْ عُقُوبَةً وهي أنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهُ حُصُولَ ذَلِكَ المَقْصُودِ سَنَةً، وأقُولُ: لَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّهُ لَوْ ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ لاعْتَقَدَ فِيهِ المَلِكُ أنَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى ضَبْطِ هَذِهِ المَصْلَحَةِ كَما يَنْبَغِي، فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى تَرَكَ الِاسْتِثْناءَ، وأمّا قَوْلُهُ لِمَ مَدَحَ نَفْسَهُ ؟ فَجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ مَدَحَ نَفْسَهُ، لَكِنَّهُ بَيَّنَ كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ النّافِعَتَيْنِ في حُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ، وبَيْنَ البابَيْنِ فَرْقٌ وكَأنَّهُ قَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ لِأنَّ المَلِكَ وإنْ عَلِمَ كَمالَهُ في عُلُومِ الدِّينِ لَكِنَّهُ ما كانَ عالِمًا بِأنَّهُ يَفِي بِهَذا الأمْرِ، ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أنَّهُ مَدَحَ نَفْسَهُ إلّا أنَّ مَدْحِ النَّفْسِ إنَّما يَكُونُ مَذْمُومًا إذا قَصَدَ الرَّجُلُ بِهِ التَّطاوُلَ والتَّفاخُرَ والتَّوَصُّلَ إلى غَيْرِ ما يَحِلُّ، فَأمّا عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ مُحَرَّمٌ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النَّجْمِ: ٣٢) المُرادُ مِنهُ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ حالَ ما يُعْلَمُ كَوْنُها غَيْرَ مُتَزَكِّيَةٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ أمّا إذا كانَ الإنْسانُ عالِمًا بِأنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ فَهَذا غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ما الفائِدَةُ في وصْفِهِ نَفْسَهُ بِأنَّهُ حَفِيظٌ عَلِيمٌ ؟
قُلْنا: إنَّهُ جارٍ مَجْرى أنْ يَقُولَ: حَفِيظٌ بِجَمِيعِ الوُجُوهِ الَّتِي مِنها يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الدَّخْلِ والمالِ، عَلِيمٌ بِالجِهاتِ الَّتِي تَصْلُحُ لِأنْ يُصْرَفَ المالُ إلَيْها. ويُقالُ: حَفِيظٌ بِجَمِيعِ مَصالِحِ النّاسِ، عَلِيمٌ بِجِهاتِ حاجاتِهِمْ. أوْ يُقالُ: حَفِيظٌ لِوُجُوهِ أيادِيكَ وكَرَمِكَ، عَلِيمٌ بِوُجُوبِ مُقابَلَتِها بِالطّاعَةِ والخُضُوعِ وهَذا بابٌ واسِعٌ يُمْكِنُ تَكْثِيرُهُ لِمَن أرادَهُ.
يوسف 12:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا التَمَسَ مِنَ المَلِكِ أنْ يَجْعَلَهُ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ لَمْ يَحْكِ اللَّهُ عَنِ المَلِكِ أنَّهُ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ، بَلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ فَهَهُنا المُفَسِّرُونَ قالُوا في الكَلامِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: قالَ المَلِكُ قَدْ فَعَلْتُ، إلّا أنَّ تَمْكِينَ اللَّهِ لَهُ في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلِكَ قَدْ أجابَهُ ما سَألَ.
وأقُولُ: ما قالُوهُ حَسَنٌ، إلّا أنَّ هَهُنا ما هو أحْسَنُ مِنهُ؛ وهو أنَّ إجابَةَ المَلِكِ لَهُ سَبَبٌ في عالَمِ الظّاهِرِ، وأمّا المُؤَثِّرُ الحَقِيقِيُّ: فَلَيْسَ إلّا أنَّهُ تَعالى مَكَّنَهُ في الأرْضِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ المَلِكَ كانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ القَبُولِ ومِنَ الرَّدِّ، فَنِسْبَةُ قُدْرَتِهِ إلى القَبُولِ وإلى الرَّدِّ عَلى التَّساوِي، وما دامَ يَبْقى هَذا التَّساوِي امْتَنَعَ حُصُولُ القَبُولِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَرَجَّحَ القَبُولُ عَلى الرَّدِّ في خاطِرِ ذَلِكَ المَلِكِ، وذَلِكَ التَّرَجُّحُ لا يَكُونُ إلّا
صفحة ١٣٠
بِمُرَجِّحٍ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى، إذا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ المُرَجِّحَ؛ حَصَلَ القَبُولُ لا مَحالَةَ، فالتَّمَكُّنُ لِيُوسُفَ في الأرْضِ لَيْسَ إلّا مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ ذَلِكَ المَلِكِ بِمَجْمُوعِ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ الجازِمَةِ اللَّتَيْنِ عِنْدَ حُصُولِهِما يَجِبُ [حُصُولُ] الأثَرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَرَكَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ إجابَةِ المَلِكِ واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ التَّمْكِينِ الإلَهِيِّ، لِأنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا هو.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ المَلِكَ تَوَّجَهُ وأخْرَجَ خاتَمَ المُلْكِ وجَعَلَهُ في أُصْبُعِهِ وقَلَّدَهُ بِسَيْفِهِ ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا السَّرِيرُ فَأشُدُّ بِهِ مُلْكَكَ، وأمّا الخاتَمُ فَأُدَبِّرُ بِهِ أمْرَكَ، وأمّا التّاجُ فَلَيْسَ مِن لِباسِي ولا لِباسِ آبائِي، وجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ ودانَتْ لَهُ القَوْمُ، وعَزَلَ المَلِكُ قِطْفِيرَ زَوْجَ المَرْأةِ المَعْلُومَةِ، وماتَ بَعْدَ ذَلِكَ، وزَوَّجَهُ المَلِكُ امْرَأتَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها قالَ: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا طَلَبْتِ ؟ فَوَجَدَها عَذْراءَ فَوَلَدَتْ لَهُ ولَدَيْنِ إفْرايِمَ ومِيشا، وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ، وأحَبَّتْهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وأسْلَمَ عَلى يَدِهِ المَلِكُ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ في السَّنَةِ الأُولى، ثُمَّ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ بِالدَّوابِّ، ثُمَّ بِالضِّياعِ والعَقارِ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ حَتّى اسْتَرَقَّهم سِنِينَ، فَقالُوا: واللَّهِ ما رَأيْنا مَلِكًا أعْظَمَ شَأْنًا مِن هَذا المَلِكِ حَتّى صارَ كُلُّ الخَلْقِ عَبِيدًا لَهُ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ قالَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ أنِّي أعْتَقْتُ أهْلَ مِصْرَ عَنْ آخِرِهِمْ ورَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أمْلاكَهم، وكانَ لا يَبِيعُ لِأحَدٍ مِمَّنْ يَطْلُبُ الطَّعامَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ البَعِيرِ لِئَلّا يَضِيقَ الطَّعامُ عَلى الباقِينَ، هَكَذا رَواهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ الكافُ مَنصُوبَةٌ بِالتَّمْكِينِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ، يَعْنِي بِهِ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْعامِ الَّذِي أنْعَمْنا عَلَيْهِ في تَقْرِيبِنا إيّاهُ مِن قَلْبِ المَلِكِ، وإنْجائِنا إيّاهُ مِن غَمِّ الحَبْسِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ أقْدَرْناهُ عَلى ما يُرِيدُ بِرَفْعِ المَوانِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ يَتَبَوَّأُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: مَكَّنّاهُ مُتَبَوَّأً، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (نَشاءُ) بِالنُّونِ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، والباقُونَ بِالياءِ مُضافًا إلى يُوسُفَ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صارَ في المُلْكِ بِحَيْثُ لا يُدافِعُهُ أحَدٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، بَلْ صارَ مُسْتَقِلًّا بِكُلِّ ما شاءَ وأرادَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يُؤَكِّدُ أنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ، فَقالَ: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا أنَّ ذَلِكَ التَّمْكِينَ كانَ مِنَ اللَّهِ لا مِن أحَدٍ سِواهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ وفِيهِ فائِدَتانِ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
قالَ القاضِي: تِلْكَ المَمْلَكَةُ لَمّا لَمْ تَتِمَّ إلّا بِأُمُورٍ فَعَلَها اللَّهُ تَعالى صارَتْ كَأنَّها حَصَلَتْ مِن قِبَلِهِ تَعالى.
وجَوابُهُ: أنّا نَدَّعِي أنَّ نَفْسَ تِلْكَ المَمْلَكَةِ إنَّما حَصَلَتْ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ لَفْظَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا، والبُرْهانَ القاطِعَ الَّذِي ذَكَرْناهُ يُقَوِّي قَوْلَنا، فَصَرْفُ هَذا اللَّفْظِ إلى المَجازِ لا سَبِيلَ إلَيْهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ أتاهُ ذَلِكَ بِمَحْضِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ والقُدْرَةِ النّافِذَةِ.
قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُجْرِي أمْرَ نِعَمِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الصَّلاحُ.
صفحة ١٣١
قُلْنا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأُمُورَ مُعَلَّقَةٌ بِالمَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ والقُدْرَةِ المَحْضَةِ، فَأمّا رِعايَةُ قَيْدِ الصَّلاحِ، فَأمْرٌ اعْتَبَرْتَهُ أنْتَ مِن نَفْسِكَ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ إضاعَةَ الأجْرِ إمّا أنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ أوْ لِلْجَهْلِ أوْ لِلْبُخْلِ والكُلُّ مُمْتَنِعٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَكانَتِ الإضاعَةُ مُمْتَنِعَةً.
واعْلَمْ أنَّ هَذا شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المُحْسِنِينَ، ولَوْ صَدَقَ القَوْلُ بِأنَّهُ جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِها الأرْبَعِ لامْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ المُحْسِنِينَ، فَهَهُنا لَزِمَ إمّا تَكْذِيبُ اللَّهِ في حُكْمِهِ عَلى يُوسُفَ بِأنَّهُ كانَ مِنَ المُحْسِنِينَ وهو عَيْنُ الكُفْرِ، أوْ لَزِمَ تَكْذِيبُ الحَشْوِيِّ فِيما رَواهُ وهو عَيْنُ الإيمانِ والحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ قَدْ وصَلَ إلى المَنازِلِ العالِيَةِ والدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةِ في الدُّنْيا إلّا أنَّ الثَّوابَ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأفْضَلُ وأكْمَلُ، وجِهاتُ التَّرْجِيحِ قَدْ ذَكَرْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا، وحاصِلُ تِلْكَ الوُجُوهِ أنَّ الخَيْرَ المُطْلَقَ هو الَّذِي يَكُونُ نَفْعًا خالِصًا دائِمًا مَقْرُونًا بِالتَّعْظِيمِ، وكُلُّ هَذِهِ القُيُودِ الأرْبَعَةِ حاصِلَةٌ في خَيْراتِ الآخِرَةِ، ومَفْقُودَةٌ في خَيْراتِ الدُّنْيا.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الخَيْرِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِكَوْنِ أحَدِ الخَيْرَيْنِ أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ كَما يُقالُ: (الجُلّابُ خَيْرٌ مِنَ الماءِ)، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِبَيانِ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ خَيْرًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ بَيانَ التَّفْضِيلِ، كَما يُقالُ: الثَّرِيدُ خَيْرٌ مِنَ اللَّهِ، يَعْنِي الثَّرِيدَ خَيْرٌ مِنَ الخَيْراتِ حَصَلَ بِإحْسانٍ مِنَ اللَّهِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لَزِمَ أنْ تَكُونَ مَلاذُّ الدُّنْيا مَوْصُوفَةً بِالخَيْرِيَّةِ أيْضًا، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي لَزِمَ أنْ لا يُقالَ إنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا أيْضًا خَيْراتٌ، بَلْ لَعَلَّهُ يُفِيدُ أنَّ خَيْرَ الآخِرَةِ هو الخَيْرُ، وأمّا ما سِواهُ فَعَبَثٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ شَرْحُ حالِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَجَبَ أنْ يُصَدَّقَ في حَقِّهِ أنَّهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ، وهَذا تَنْصِيصٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى أنَّهُ كانَ في الزَّمانِ السّابِقِ مِنَ المُتَّقِينَ، ولَيْسَ هَهُنا زَمانٌ سابِقٌ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْتاجُ إلى بَيانِ أنَّهُ كانَ فِيهِ مِنَ المُتَّقِينَ إلّا ذَلِكَ الوَقْتَ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ (يُوسُفَ: ٢٤) فَكانَ هَذا شَهادَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ المُتَّقِينَ، وأيْضًا قَوْلُهُ: (﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ (يُوسُفَ: ٢٤) شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ مِنَ المُخْلَصِينَ فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَهِدَ بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المُتَّقِينَ ومِنَ المُحْسِنِينَ ومِنَ المُخْلَصِينَ، والجاهِلُ الحَشْوِيُّ يَقُولُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الأخْسَرِينَ المُذْنِبِينَ، ولا شَكَّ أنَّ مَن لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ هَذِهِ التَّأْكِيداتِ كانَ مِنَ الأخْسَرِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُرْجِئَةِ: الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الثَّوابَ يَحْصُلُ في الآخِرَةِ لِمَن لَمْ يَتَّقِ الكَبائِرَ.
صفحة ١٣٢
قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا إنْ حَمَلْنا لَفْظَ ”خَيْرٌ“ عَلى أفْعَلِ التَّفْضِيلِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الثَّوابُ الحاصِلُ لِلْمُتَّقِينَ أفْضَلَ ولا يَلْزَمُ أنْ لا يَحْصُلَ لِغَيْرِهِمْ أصْلًا، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى أصْلِ مَعْنى الخَيْرِيَّةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا الخَيْرِ لِلْمُتَّقِينَ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم لا يَحْصُلُ لَهم هَذا الخَيْرُ.
يوسف 12:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا التَمَسَ مِنَ المَلِكِ أنْ يَجْعَلَهُ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ لَمْ يَحْكِ اللَّهُ عَنِ المَلِكِ أنَّهُ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ، بَلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ فَهَهُنا المُفَسِّرُونَ قالُوا في الكَلامِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: قالَ المَلِكُ قَدْ فَعَلْتُ، إلّا أنَّ تَمْكِينَ اللَّهِ لَهُ في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلِكَ قَدْ أجابَهُ ما سَألَ.
وأقُولُ: ما قالُوهُ حَسَنٌ، إلّا أنَّ هَهُنا ما هو أحْسَنُ مِنهُ؛ وهو أنَّ إجابَةَ المَلِكِ لَهُ سَبَبٌ في عالَمِ الظّاهِرِ، وأمّا المُؤَثِّرُ الحَقِيقِيُّ: فَلَيْسَ إلّا أنَّهُ تَعالى مَكَّنَهُ في الأرْضِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ المَلِكَ كانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ القَبُولِ ومِنَ الرَّدِّ، فَنِسْبَةُ قُدْرَتِهِ إلى القَبُولِ وإلى الرَّدِّ عَلى التَّساوِي، وما دامَ يَبْقى هَذا التَّساوِي امْتَنَعَ حُصُولُ القَبُولِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَرَجَّحَ القَبُولُ عَلى الرَّدِّ في خاطِرِ ذَلِكَ المَلِكِ، وذَلِكَ التَّرَجُّحُ لا يَكُونُ إلّا
صفحة ١٣٠
بِمُرَجِّحٍ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى، إذا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ المُرَجِّحَ؛ حَصَلَ القَبُولُ لا مَحالَةَ، فالتَّمَكُّنُ لِيُوسُفَ في الأرْضِ لَيْسَ إلّا مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ ذَلِكَ المَلِكِ بِمَجْمُوعِ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ الجازِمَةِ اللَّتَيْنِ عِنْدَ حُصُولِهِما يَجِبُ [حُصُولُ] الأثَرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَرَكَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ إجابَةِ المَلِكِ واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ التَّمْكِينِ الإلَهِيِّ، لِأنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا هو.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ المَلِكَ تَوَّجَهُ وأخْرَجَ خاتَمَ المُلْكِ وجَعَلَهُ في أُصْبُعِهِ وقَلَّدَهُ بِسَيْفِهِ ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا السَّرِيرُ فَأشُدُّ بِهِ مُلْكَكَ، وأمّا الخاتَمُ فَأُدَبِّرُ بِهِ أمْرَكَ، وأمّا التّاجُ فَلَيْسَ مِن لِباسِي ولا لِباسِ آبائِي، وجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ ودانَتْ لَهُ القَوْمُ، وعَزَلَ المَلِكُ قِطْفِيرَ زَوْجَ المَرْأةِ المَعْلُومَةِ، وماتَ بَعْدَ ذَلِكَ، وزَوَّجَهُ المَلِكُ امْرَأتَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها قالَ: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا طَلَبْتِ ؟ فَوَجَدَها عَذْراءَ فَوَلَدَتْ لَهُ ولَدَيْنِ إفْرايِمَ ومِيشا، وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ، وأحَبَّتْهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وأسْلَمَ عَلى يَدِهِ المَلِكُ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ في السَّنَةِ الأُولى، ثُمَّ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ بِالدَّوابِّ، ثُمَّ بِالضِّياعِ والعَقارِ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ حَتّى اسْتَرَقَّهم سِنِينَ، فَقالُوا: واللَّهِ ما رَأيْنا مَلِكًا أعْظَمَ شَأْنًا مِن هَذا المَلِكِ حَتّى صارَ كُلُّ الخَلْقِ عَبِيدًا لَهُ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ قالَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ أنِّي أعْتَقْتُ أهْلَ مِصْرَ عَنْ آخِرِهِمْ ورَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أمْلاكَهم، وكانَ لا يَبِيعُ لِأحَدٍ مِمَّنْ يَطْلُبُ الطَّعامَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ البَعِيرِ لِئَلّا يَضِيقَ الطَّعامُ عَلى الباقِينَ، هَكَذا رَواهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ الكافُ مَنصُوبَةٌ بِالتَّمْكِينِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ، يَعْنِي بِهِ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْعامِ الَّذِي أنْعَمْنا عَلَيْهِ في تَقْرِيبِنا إيّاهُ مِن قَلْبِ المَلِكِ، وإنْجائِنا إيّاهُ مِن غَمِّ الحَبْسِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ أقْدَرْناهُ عَلى ما يُرِيدُ بِرَفْعِ المَوانِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ يَتَبَوَّأُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: مَكَّنّاهُ مُتَبَوَّأً، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (نَشاءُ) بِالنُّونِ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، والباقُونَ بِالياءِ مُضافًا إلى يُوسُفَ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صارَ في المُلْكِ بِحَيْثُ لا يُدافِعُهُ أحَدٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، بَلْ صارَ مُسْتَقِلًّا بِكُلِّ ما شاءَ وأرادَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يُؤَكِّدُ أنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ، فَقالَ: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا أنَّ ذَلِكَ التَّمْكِينَ كانَ مِنَ اللَّهِ لا مِن أحَدٍ سِواهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ وفِيهِ فائِدَتانِ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
قالَ القاضِي: تِلْكَ المَمْلَكَةُ لَمّا لَمْ تَتِمَّ إلّا بِأُمُورٍ فَعَلَها اللَّهُ تَعالى صارَتْ كَأنَّها حَصَلَتْ مِن قِبَلِهِ تَعالى.
وجَوابُهُ: أنّا نَدَّعِي أنَّ نَفْسَ تِلْكَ المَمْلَكَةِ إنَّما حَصَلَتْ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ لَفْظَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا، والبُرْهانَ القاطِعَ الَّذِي ذَكَرْناهُ يُقَوِّي قَوْلَنا، فَصَرْفُ هَذا اللَّفْظِ إلى المَجازِ لا سَبِيلَ إلَيْهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ أتاهُ ذَلِكَ بِمَحْضِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ والقُدْرَةِ النّافِذَةِ.
قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُجْرِي أمْرَ نِعَمِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الصَّلاحُ.
صفحة ١٣١
قُلْنا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأُمُورَ مُعَلَّقَةٌ بِالمَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ والقُدْرَةِ المَحْضَةِ، فَأمّا رِعايَةُ قَيْدِ الصَّلاحِ، فَأمْرٌ اعْتَبَرْتَهُ أنْتَ مِن نَفْسِكَ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ إضاعَةَ الأجْرِ إمّا أنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ أوْ لِلْجَهْلِ أوْ لِلْبُخْلِ والكُلُّ مُمْتَنِعٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَكانَتِ الإضاعَةُ مُمْتَنِعَةً.
واعْلَمْ أنَّ هَذا شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المُحْسِنِينَ، ولَوْ صَدَقَ القَوْلُ بِأنَّهُ جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِها الأرْبَعِ لامْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ المُحْسِنِينَ، فَهَهُنا لَزِمَ إمّا تَكْذِيبُ اللَّهِ في حُكْمِهِ عَلى يُوسُفَ بِأنَّهُ كانَ مِنَ المُحْسِنِينَ وهو عَيْنُ الكُفْرِ، أوْ لَزِمَ تَكْذِيبُ الحَشْوِيِّ فِيما رَواهُ وهو عَيْنُ الإيمانِ والحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ قَدْ وصَلَ إلى المَنازِلِ العالِيَةِ والدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةِ في الدُّنْيا إلّا أنَّ الثَّوابَ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأفْضَلُ وأكْمَلُ، وجِهاتُ التَّرْجِيحِ قَدْ ذَكَرْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا، وحاصِلُ تِلْكَ الوُجُوهِ أنَّ الخَيْرَ المُطْلَقَ هو الَّذِي يَكُونُ نَفْعًا خالِصًا دائِمًا مَقْرُونًا بِالتَّعْظِيمِ، وكُلُّ هَذِهِ القُيُودِ الأرْبَعَةِ حاصِلَةٌ في خَيْراتِ الآخِرَةِ، ومَفْقُودَةٌ في خَيْراتِ الدُّنْيا.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الخَيْرِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِكَوْنِ أحَدِ الخَيْرَيْنِ أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ كَما يُقالُ: (الجُلّابُ خَيْرٌ مِنَ الماءِ)، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِبَيانِ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ خَيْرًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ بَيانَ التَّفْضِيلِ، كَما يُقالُ: الثَّرِيدُ خَيْرٌ مِنَ اللَّهِ، يَعْنِي الثَّرِيدَ خَيْرٌ مِنَ الخَيْراتِ حَصَلَ بِإحْسانٍ مِنَ اللَّهِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لَزِمَ أنْ تَكُونَ مَلاذُّ الدُّنْيا مَوْصُوفَةً بِالخَيْرِيَّةِ أيْضًا، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي لَزِمَ أنْ لا يُقالَ إنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا أيْضًا خَيْراتٌ، بَلْ لَعَلَّهُ يُفِيدُ أنَّ خَيْرَ الآخِرَةِ هو الخَيْرُ، وأمّا ما سِواهُ فَعَبَثٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ شَرْحُ حالِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَجَبَ أنْ يُصَدَّقَ في حَقِّهِ أنَّهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ، وهَذا تَنْصِيصٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى أنَّهُ كانَ في الزَّمانِ السّابِقِ مِنَ المُتَّقِينَ، ولَيْسَ هَهُنا زَمانٌ سابِقٌ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْتاجُ إلى بَيانِ أنَّهُ كانَ فِيهِ مِنَ المُتَّقِينَ إلّا ذَلِكَ الوَقْتَ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ (يُوسُفَ: ٢٤) فَكانَ هَذا شَهادَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ المُتَّقِينَ، وأيْضًا قَوْلُهُ: (﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ (يُوسُفَ: ٢٤) شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ مِنَ المُخْلَصِينَ فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَهِدَ بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المُتَّقِينَ ومِنَ المُحْسِنِينَ ومِنَ المُخْلَصِينَ، والجاهِلُ الحَشْوِيُّ يَقُولُ: إنَّهُ كانَ مِنَ الأخْسَرِينَ المُذْنِبِينَ، ولا شَكَّ أنَّ مَن لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ هَذِهِ التَّأْكِيداتِ كانَ مِنَ الأخْسَرِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُرْجِئَةِ: الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الثَّوابَ يَحْصُلُ في الآخِرَةِ لِمَن لَمْ يَتَّقِ الكَبائِرَ.
صفحة ١٣٢
قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا إنْ حَمَلْنا لَفْظَ ”خَيْرٌ“ عَلى أفْعَلِ التَّفْضِيلِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الثَّوابُ الحاصِلُ لِلْمُتَّقِينَ أفْضَلَ ولا يَلْزَمُ أنْ لا يَحْصُلَ لِغَيْرِهِمْ أصْلًا، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى أصْلِ مَعْنى الخَيْرِيَّةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا الخَيْرِ لِلْمُتَّقِينَ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم لا يَحْصُلُ لَهم هَذا الخَيْرُ.
يوسف 12:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عَمَّ القَحْطُ في البِلادِ، ووَصَلَ أيْضًا إلى البَلْدَةِ الَّتِي كانَ يَسْكُنُها يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَعُبَ الزَّمانُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لِبَنِيهِ: إنَّ بِمِصْرَ رَجُلًا صالِحًا يَمِيرُ النّاسَ، فاذْهَبُوا إلَيْهِ بِدَراهِمِكم، وخُذُوا الطَّعامَ، فَخَرَجُوا إلَيْهِ، وهم عَشَرَةٌ، ودَخَلُوا عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصارَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ كالسَّبَبِ في اجْتِماعِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ إخْوَتِهِ، وظُهُورِ صِدْقِ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قَوْلِهِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ ما ألْقَوْهُ في الجُبِّ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وأخْبَرَ تَعالى أنَّ يُوسُفَ عَرَفَهم وهم ما عَرَفُوهُ البَتَّةَ، أمّا أنَّهُ عَرَفَهم فَلِأنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أخْبَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) بِأنَّهم يَصِلُونَ إلَيْهِ ويَدْخُلُونَ عَلَيْهِ، وأيْضًا الرُّؤْيا الَّتِي رَآها كانَتْ دَلِيلًا عَلى أنَّهم يَصِلُونَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَرَصِّدًا لِذَلِكَ الأمْرِ، وكانَ كُلُّ مَن وصَلَ إلى بابِهِ مِنَ البِلادِ البَعِيدَةِ يَتَفَحَّصُ عَنْهم ويَتَعَرَّفُ أحْوالَهم؛ لِيَعْرِفَ أنَّ هَؤُلاءِ الواصِلِينَ هَلْ هم إخْوَتُهُ أمْ لا ؟ فَلَمّا وصَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ إلى بابِ دارِهِ تَفَحَّصَ عَنْ أحْوالِهِمْ تَفَحُّصًا ظَهَرَ لَهُ أنَّهم إخْوَتُهُ، وأمّا أنَّهم ما عَرَفُوهُ فَلِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ حُجّابَهُ بِأنْ يُوقِفُوهم مِنَ البُعْدِ وما كانَ يَتَكَلَّمُ مَعَهم إلّا بِالواسِطَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ أنَّهم لَمْ يَعْرِفُوهُ؛ لا سِيَّما مَهابَةُ المَلِكِ وشِدَّةُ الحاجَةِ يُوجِبانِ كَثْرَةَ الخَوْفِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَمْنَعُ مِنَ التَّأمُّلِ التّامِّ الَّذِي عِنْدَهُ يَحْصُلُ العِرْفانُ.
والثّانِي: هو أنَّهم حِينَ ألْقَوْهُ في الجُبِّ كانَ صَغِيرًا، ثُمَّ إنَّهم رَأوْهُ بَعْدَ وُفُورِ اللِّحْيَةِ، وتَغَيُّرِ الزِّيِّ والهَيْئَةِ، فَإنَّهم رَأوْهُ جالِسًا عَلى سَرِيرِهِ، وعَلَيْهِ ثِيابُ الحَرِيرِ، وفي عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ، وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِن ذَهَبٍ، والقَوْمُ أيْضًا نَسُوا واقِعَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِطُولِ المُدَّةِ.
فَيُقالُ: إنَّ مِن وقْتِ ما ألْقَوْهُ في الجُبِّ إلى هَذا الوَقْتِ كانَ قَدْ مَضى أرْبَعُونَ سَنَةً، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْبابِ يَمْنَعُ مِن حُصُولِ المَعْرِفَةِ، لا سِيَّما عِنْدَ اجْتِماعِها.
والثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ العِرْفانِ والتَّذْكِيرِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَلَعَلَّهُ تَعالى ما خَلَقَ ذَلِكَ العِرْفانَ والتَّذْكِيرَ في قُلُوبِهِمْ تَحْقِيقًا لِما أخْبَرَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وكانَ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا إذا تَكَلَّفْتَ لَهم جَهازِهِمْ
صفحة ١٣٣
لِلسَّفَرِ، وكَذَلِكَ جَهازُ العَرُوسِ والمَيِّتِ، وهو ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وجْهِهِ.
قالَ: وسَمِعْتُ أهْلَ البَصْرَةِ يَقُولُونَ: الجِهازُ بِالكَسْرِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ لَيْسَتْ بِجَيِّدَةٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمَّلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم بَعِيرًا وأكْرَمَهم أيْضًا بِالنُّزُولِ وأعْطاهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ في السَّفَرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَلامٍ سابِقٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ الكَلامُ سَبَبًا لِسُؤالِ يُوسُفَ عَنْ حالِ أخِيهِمْ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ وهو أحْسَنُها: إنَّ عادَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الكُلِّ أنْ يُعْطِيَهُ حِمْلَ بِعِيرٍ لا أزْيَدَ عَلَيْهِ ولا أنْقَصَ، وإخْوَةُ يُوسُفَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَيْهِ كانُوا عَشَرَةً، فَأعْطاهم عَشَرَةَ أحْمالٍ، فَقالُوا: إنَّ لَنا أبًا شَيْخًا كَبِيرًا وأخًا آخَرَ بَقِيَ مَعَهُ، وذَكَرُوا أنَّ أباهم لِأجْلِ سِنِّهِ وشِدَّةِ حُزْنِهِ لَمْ يَحْضُرْ، وأنَّ أخاهم بَقِيَ في خِدْمَةِ أبِيهِ ولا بُدَّ لَهُما أيْضًا مِن شَيْءٍ مِنَ الطَّعامِ، فَجَهَّزَ لَهُما أيْضًا بَعِيرَيْنِ آخَرَيْنِ مِنَ الطَّعامِ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ قالَ يُوسُفُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ أبِيكم لَهُ أزْيَدُ مِن حُبِّهِ لَكم، وهَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ؛ لِأنَّكم مَعَ جَمالِكم وعَقْلِكم وأدَبِكم إذا كانَتْ مَحَبَّةُ أبِيكم لِذَلِكَ الأخِ أكْثَرَ مِن مَحَبَّتِهِ لَكم؛ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ أُعْجُوبَةٌ في العَقْلِ، وفي الفَضْلِ والأدَبِ؛ فَجِيئُونِي بِهِ حَتّى أراهُ، فَهَذا السَّبَبُ مُحْتَمَلٌ مُناسِبٌ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأعْطاهُمُ الطَّعامَ، قالَ لَهم: مَن أنْتُمْ ؟ قالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ رُعاةٌ مِن أهْلِ الشّامِ، أصابَنا الجَهْدُ؛ فَجِئْنا نَمْتارُ، فَقالَ: لَعَلَّكم جِئْتُمْ عُيُونًا، فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ نَحْنُ إخْوَةٌ، بَنُو أبٍ واحِدٍ شَيْخٍ صِدِّيقٍ نَبِيٍّ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ: كَمْ أنْتُمْ قالُوا: كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ؛ فَهَلَكَ مِنّا واحِدٌ، وبَقِيَ واحِدٌ مَعَ الأبِ يَتَسَلّى بِهِ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي هَلَكَ، ونَحْنُ عَشَرَةٌ وقَدْ جِئْناكَ قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً، وائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم لِيُبَلِّغَ إلَيَّ رِسالَةَ أبِيكم؛ فَعِنْدَ هَذا أقْرَعُوا بَيْنَهم فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ، وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا في يُوسُفَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: لَعَلَّهم لَمّا ذَكَرُوا أباهم قالَ يُوسُفُ: فَلِمَ تَرَكْتُمُوهُ وحِيدًا فَرِيدًا ؟ قالُوا: ما تَرَكْناهُ وحِيدًا، بَلْ بَقِيَ عِنْدَهُ واحِدٌ.
فَقالَ لَهم: لِمَ اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ ؟ ولِمَ خَصَّهُ بِهَذا المَعْنى ؟ لِأجْلِ نَقْصٍ في جَسَدِهِ ؟ فَقالُوا: لا. بَلْ لِأجْلِ أنَّهُ يُحِبُّهُ أكْثَرَ مِن مَحَبَّتِهِ لِسائِرِ الأوْلادِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ يُوسُفُ: لِما ذَكَرْتُمْ أنَّ أباكم رَجُلٌ عالِمٌ حَكِيمٌ بَعِيدٌ عَنِ المُجازَفَةِ، ثُمَّ إنَّهُ خَصَّهُ بِمَزِيدِ المَحَبَّةِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ زائِدًا عَلَيْكم في الفَضْلِ، وصِفاتِ الكَمالِ مَعَ أنِّي أراكم فُضَلاءَ عُلَماءَ حُكَماءَ؛ فاشْتاقَتْ نَفْسِي إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ الأخِ؛ فائْتُونِي بِهِ.
والسَّبَبُ الثّانِي: ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، والأوَّلُ والثّالِثُ مُحْتَمَلٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتِمُّهُ ولا أبْخَسُهُ، وأزِيدُكم حِمْلَ بَعِيرٍ آخَرَ لِأجْلِ أخِيكم، ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾، أيْ: خَيْرُ المُضِيفِينَ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم. وأقُولُ: هَذا الكَلامُ يُضْعِفُ الوَجْهَ الثّانِيَ وهو الَّذِي نَقَلْناهُ عَنِ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ مَدارَ ذَلِكَ الوَجْهِ عَلى أنَّهُ اتَّهَمَهم ونَسَبَهم إلى أنَّهم جَواسِيسُ، ولَوْ شافَهَهم بِذَلِكَ الكَلامِ فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ وأيْضًا يَبْعُدُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَوْنِهِ صِدِّيقًا أنْ يَقُولَ لَهم: أنْتُمْ جَواسِيسُ وعُيُونٌ، مَعَ أنَّهُ
صفحة ١٣٤
يَعْرِفُ بَراءَتَهم عَنْ هَذِهِ التُّهْمَةِ، لِأنَّ البُهْتانَ لا يَلِيقُ بِحالِ الصِّدِّيقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهم إحْضارَ ذَلِكَ الأخِ جَمَعَ بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
أمّا التَّرْغِيبُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ وأمّا التَّرْهِيبُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا في نِهايَةِ الحاجَةِ إلى تَحْصِيلِ الطَّعامِ، وما كانَ يُمْكِنُهم تَحْصِيلُهُ إلّا مِن عِنْدِهِ، فَإذا مَنَعَهم مِنَ الحُضُورِ عِنْدَهُ كانَ ذَلِكَ نِهايَةَ التَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ، ثُمَّ إنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ مِن يُوسُفَ قالُوا: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أيْ سَنَجْتَهِدُ ونَحْتالُ عَلى أنْ نَنْزِعَهُ مِن يَدِهِ، وإنّا لَفاعِلُونَ هَذِهِ المُراوَدَةَ، والغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أنْ نَجِيئَكَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ كُلَّ ما في وُسْعِنا مِن هَذا البابِ.
يوسف 12:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عَمَّ القَحْطُ في البِلادِ، ووَصَلَ أيْضًا إلى البَلْدَةِ الَّتِي كانَ يَسْكُنُها يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَعُبَ الزَّمانُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لِبَنِيهِ: إنَّ بِمِصْرَ رَجُلًا صالِحًا يَمِيرُ النّاسَ، فاذْهَبُوا إلَيْهِ بِدَراهِمِكم، وخُذُوا الطَّعامَ، فَخَرَجُوا إلَيْهِ، وهم عَشَرَةٌ، ودَخَلُوا عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصارَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ كالسَّبَبِ في اجْتِماعِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ إخْوَتِهِ، وظُهُورِ صِدْقِ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قَوْلِهِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ ما ألْقَوْهُ في الجُبِّ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وأخْبَرَ تَعالى أنَّ يُوسُفَ عَرَفَهم وهم ما عَرَفُوهُ البَتَّةَ، أمّا أنَّهُ عَرَفَهم فَلِأنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أخْبَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) بِأنَّهم يَصِلُونَ إلَيْهِ ويَدْخُلُونَ عَلَيْهِ، وأيْضًا الرُّؤْيا الَّتِي رَآها كانَتْ دَلِيلًا عَلى أنَّهم يَصِلُونَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَرَصِّدًا لِذَلِكَ الأمْرِ، وكانَ كُلُّ مَن وصَلَ إلى بابِهِ مِنَ البِلادِ البَعِيدَةِ يَتَفَحَّصُ عَنْهم ويَتَعَرَّفُ أحْوالَهم؛ لِيَعْرِفَ أنَّ هَؤُلاءِ الواصِلِينَ هَلْ هم إخْوَتُهُ أمْ لا ؟ فَلَمّا وصَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ إلى بابِ دارِهِ تَفَحَّصَ عَنْ أحْوالِهِمْ تَفَحُّصًا ظَهَرَ لَهُ أنَّهم إخْوَتُهُ، وأمّا أنَّهم ما عَرَفُوهُ فَلِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ حُجّابَهُ بِأنْ يُوقِفُوهم مِنَ البُعْدِ وما كانَ يَتَكَلَّمُ مَعَهم إلّا بِالواسِطَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ أنَّهم لَمْ يَعْرِفُوهُ؛ لا سِيَّما مَهابَةُ المَلِكِ وشِدَّةُ الحاجَةِ يُوجِبانِ كَثْرَةَ الخَوْفِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَمْنَعُ مِنَ التَّأمُّلِ التّامِّ الَّذِي عِنْدَهُ يَحْصُلُ العِرْفانُ.
والثّانِي: هو أنَّهم حِينَ ألْقَوْهُ في الجُبِّ كانَ صَغِيرًا، ثُمَّ إنَّهم رَأوْهُ بَعْدَ وُفُورِ اللِّحْيَةِ، وتَغَيُّرِ الزِّيِّ والهَيْئَةِ، فَإنَّهم رَأوْهُ جالِسًا عَلى سَرِيرِهِ، وعَلَيْهِ ثِيابُ الحَرِيرِ، وفي عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ، وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِن ذَهَبٍ، والقَوْمُ أيْضًا نَسُوا واقِعَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِطُولِ المُدَّةِ.
فَيُقالُ: إنَّ مِن وقْتِ ما ألْقَوْهُ في الجُبِّ إلى هَذا الوَقْتِ كانَ قَدْ مَضى أرْبَعُونَ سَنَةً، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْبابِ يَمْنَعُ مِن حُصُولِ المَعْرِفَةِ، لا سِيَّما عِنْدَ اجْتِماعِها.
والثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ العِرْفانِ والتَّذْكِيرِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَلَعَلَّهُ تَعالى ما خَلَقَ ذَلِكَ العِرْفانَ والتَّذْكِيرَ في قُلُوبِهِمْ تَحْقِيقًا لِما أخْبَرَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وكانَ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا إذا تَكَلَّفْتَ لَهم جَهازِهِمْ
صفحة ١٣٣
لِلسَّفَرِ، وكَذَلِكَ جَهازُ العَرُوسِ والمَيِّتِ، وهو ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وجْهِهِ.
قالَ: وسَمِعْتُ أهْلَ البَصْرَةِ يَقُولُونَ: الجِهازُ بِالكَسْرِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ لَيْسَتْ بِجَيِّدَةٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمَّلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم بَعِيرًا وأكْرَمَهم أيْضًا بِالنُّزُولِ وأعْطاهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ في السَّفَرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَلامٍ سابِقٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ الكَلامُ سَبَبًا لِسُؤالِ يُوسُفَ عَنْ حالِ أخِيهِمْ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ وهو أحْسَنُها: إنَّ عادَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الكُلِّ أنْ يُعْطِيَهُ حِمْلَ بِعِيرٍ لا أزْيَدَ عَلَيْهِ ولا أنْقَصَ، وإخْوَةُ يُوسُفَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَيْهِ كانُوا عَشَرَةً، فَأعْطاهم عَشَرَةَ أحْمالٍ، فَقالُوا: إنَّ لَنا أبًا شَيْخًا كَبِيرًا وأخًا آخَرَ بَقِيَ مَعَهُ، وذَكَرُوا أنَّ أباهم لِأجْلِ سِنِّهِ وشِدَّةِ حُزْنِهِ لَمْ يَحْضُرْ، وأنَّ أخاهم بَقِيَ في خِدْمَةِ أبِيهِ ولا بُدَّ لَهُما أيْضًا مِن شَيْءٍ مِنَ الطَّعامِ، فَجَهَّزَ لَهُما أيْضًا بَعِيرَيْنِ آخَرَيْنِ مِنَ الطَّعامِ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ قالَ يُوسُفُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ أبِيكم لَهُ أزْيَدُ مِن حُبِّهِ لَكم، وهَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ؛ لِأنَّكم مَعَ جَمالِكم وعَقْلِكم وأدَبِكم إذا كانَتْ مَحَبَّةُ أبِيكم لِذَلِكَ الأخِ أكْثَرَ مِن مَحَبَّتِهِ لَكم؛ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ أُعْجُوبَةٌ في العَقْلِ، وفي الفَضْلِ والأدَبِ؛ فَجِيئُونِي بِهِ حَتّى أراهُ، فَهَذا السَّبَبُ مُحْتَمَلٌ مُناسِبٌ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأعْطاهُمُ الطَّعامَ، قالَ لَهم: مَن أنْتُمْ ؟ قالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ رُعاةٌ مِن أهْلِ الشّامِ، أصابَنا الجَهْدُ؛ فَجِئْنا نَمْتارُ، فَقالَ: لَعَلَّكم جِئْتُمْ عُيُونًا، فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ نَحْنُ إخْوَةٌ، بَنُو أبٍ واحِدٍ شَيْخٍ صِدِّيقٍ نَبِيٍّ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ: كَمْ أنْتُمْ قالُوا: كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ؛ فَهَلَكَ مِنّا واحِدٌ، وبَقِيَ واحِدٌ مَعَ الأبِ يَتَسَلّى بِهِ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي هَلَكَ، ونَحْنُ عَشَرَةٌ وقَدْ جِئْناكَ قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً، وائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم لِيُبَلِّغَ إلَيَّ رِسالَةَ أبِيكم؛ فَعِنْدَ هَذا أقْرَعُوا بَيْنَهم فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ، وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا في يُوسُفَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: لَعَلَّهم لَمّا ذَكَرُوا أباهم قالَ يُوسُفُ: فَلِمَ تَرَكْتُمُوهُ وحِيدًا فَرِيدًا ؟ قالُوا: ما تَرَكْناهُ وحِيدًا، بَلْ بَقِيَ عِنْدَهُ واحِدٌ.
فَقالَ لَهم: لِمَ اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ ؟ ولِمَ خَصَّهُ بِهَذا المَعْنى ؟ لِأجْلِ نَقْصٍ في جَسَدِهِ ؟ فَقالُوا: لا. بَلْ لِأجْلِ أنَّهُ يُحِبُّهُ أكْثَرَ مِن مَحَبَّتِهِ لِسائِرِ الأوْلادِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ يُوسُفُ: لِما ذَكَرْتُمْ أنَّ أباكم رَجُلٌ عالِمٌ حَكِيمٌ بَعِيدٌ عَنِ المُجازَفَةِ، ثُمَّ إنَّهُ خَصَّهُ بِمَزِيدِ المَحَبَّةِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ زائِدًا عَلَيْكم في الفَضْلِ، وصِفاتِ الكَمالِ مَعَ أنِّي أراكم فُضَلاءَ عُلَماءَ حُكَماءَ؛ فاشْتاقَتْ نَفْسِي إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ الأخِ؛ فائْتُونِي بِهِ.
والسَّبَبُ الثّانِي: ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، والأوَّلُ والثّالِثُ مُحْتَمَلٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتِمُّهُ ولا أبْخَسُهُ، وأزِيدُكم حِمْلَ بَعِيرٍ آخَرَ لِأجْلِ أخِيكم، ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾، أيْ: خَيْرُ المُضِيفِينَ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم. وأقُولُ: هَذا الكَلامُ يُضْعِفُ الوَجْهَ الثّانِيَ وهو الَّذِي نَقَلْناهُ عَنِ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ مَدارَ ذَلِكَ الوَجْهِ عَلى أنَّهُ اتَّهَمَهم ونَسَبَهم إلى أنَّهم جَواسِيسُ، ولَوْ شافَهَهم بِذَلِكَ الكَلامِ فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ وأيْضًا يَبْعُدُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَوْنِهِ صِدِّيقًا أنْ يَقُولَ لَهم: أنْتُمْ جَواسِيسُ وعُيُونٌ، مَعَ أنَّهُ
صفحة ١٣٤
يَعْرِفُ بَراءَتَهم عَنْ هَذِهِ التُّهْمَةِ، لِأنَّ البُهْتانَ لا يَلِيقُ بِحالِ الصِّدِّيقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهم إحْضارَ ذَلِكَ الأخِ جَمَعَ بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
أمّا التَّرْغِيبُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ وأمّا التَّرْهِيبُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا في نِهايَةِ الحاجَةِ إلى تَحْصِيلِ الطَّعامِ، وما كانَ يُمْكِنُهم تَحْصِيلُهُ إلّا مِن عِنْدِهِ، فَإذا مَنَعَهم مِنَ الحُضُورِ عِنْدَهُ كانَ ذَلِكَ نِهايَةَ التَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ، ثُمَّ إنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ مِن يُوسُفَ قالُوا: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أيْ سَنَجْتَهِدُ ونَحْتالُ عَلى أنْ نَنْزِعَهُ مِن يَدِهِ، وإنّا لَفاعِلُونَ هَذِهِ المُراوَدَةَ، والغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أنْ نَجِيئَكَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ كُلَّ ما في وُسْعِنا مِن هَذا البابِ.
يوسف 12:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عَمَّ القَحْطُ في البِلادِ، ووَصَلَ أيْضًا إلى البَلْدَةِ الَّتِي كانَ يَسْكُنُها يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَعُبَ الزَّمانُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لِبَنِيهِ: إنَّ بِمِصْرَ رَجُلًا صالِحًا يَمِيرُ النّاسَ، فاذْهَبُوا إلَيْهِ بِدَراهِمِكم، وخُذُوا الطَّعامَ، فَخَرَجُوا إلَيْهِ، وهم عَشَرَةٌ، ودَخَلُوا عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصارَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ كالسَّبَبِ في اجْتِماعِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ إخْوَتِهِ، وظُهُورِ صِدْقِ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قَوْلِهِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ ما ألْقَوْهُ في الجُبِّ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وأخْبَرَ تَعالى أنَّ يُوسُفَ عَرَفَهم وهم ما عَرَفُوهُ البَتَّةَ، أمّا أنَّهُ عَرَفَهم فَلِأنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أخْبَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) بِأنَّهم يَصِلُونَ إلَيْهِ ويَدْخُلُونَ عَلَيْهِ، وأيْضًا الرُّؤْيا الَّتِي رَآها كانَتْ دَلِيلًا عَلى أنَّهم يَصِلُونَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَرَصِّدًا لِذَلِكَ الأمْرِ، وكانَ كُلُّ مَن وصَلَ إلى بابِهِ مِنَ البِلادِ البَعِيدَةِ يَتَفَحَّصُ عَنْهم ويَتَعَرَّفُ أحْوالَهم؛ لِيَعْرِفَ أنَّ هَؤُلاءِ الواصِلِينَ هَلْ هم إخْوَتُهُ أمْ لا ؟ فَلَمّا وصَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ إلى بابِ دارِهِ تَفَحَّصَ عَنْ أحْوالِهِمْ تَفَحُّصًا ظَهَرَ لَهُ أنَّهم إخْوَتُهُ، وأمّا أنَّهم ما عَرَفُوهُ فَلِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ حُجّابَهُ بِأنْ يُوقِفُوهم مِنَ البُعْدِ وما كانَ يَتَكَلَّمُ مَعَهم إلّا بِالواسِطَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ أنَّهم لَمْ يَعْرِفُوهُ؛ لا سِيَّما مَهابَةُ المَلِكِ وشِدَّةُ الحاجَةِ يُوجِبانِ كَثْرَةَ الخَوْفِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَمْنَعُ مِنَ التَّأمُّلِ التّامِّ الَّذِي عِنْدَهُ يَحْصُلُ العِرْفانُ.
والثّانِي: هو أنَّهم حِينَ ألْقَوْهُ في الجُبِّ كانَ صَغِيرًا، ثُمَّ إنَّهم رَأوْهُ بَعْدَ وُفُورِ اللِّحْيَةِ، وتَغَيُّرِ الزِّيِّ والهَيْئَةِ، فَإنَّهم رَأوْهُ جالِسًا عَلى سَرِيرِهِ، وعَلَيْهِ ثِيابُ الحَرِيرِ، وفي عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ، وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِن ذَهَبٍ، والقَوْمُ أيْضًا نَسُوا واقِعَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِطُولِ المُدَّةِ.
فَيُقالُ: إنَّ مِن وقْتِ ما ألْقَوْهُ في الجُبِّ إلى هَذا الوَقْتِ كانَ قَدْ مَضى أرْبَعُونَ سَنَةً، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْبابِ يَمْنَعُ مِن حُصُولِ المَعْرِفَةِ، لا سِيَّما عِنْدَ اجْتِماعِها.
والثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ العِرْفانِ والتَّذْكِيرِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَلَعَلَّهُ تَعالى ما خَلَقَ ذَلِكَ العِرْفانَ والتَّذْكِيرَ في قُلُوبِهِمْ تَحْقِيقًا لِما أخْبَرَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وكانَ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا إذا تَكَلَّفْتَ لَهم جَهازِهِمْ
صفحة ١٣٣
لِلسَّفَرِ، وكَذَلِكَ جَهازُ العَرُوسِ والمَيِّتِ، وهو ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وجْهِهِ.
قالَ: وسَمِعْتُ أهْلَ البَصْرَةِ يَقُولُونَ: الجِهازُ بِالكَسْرِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ لَيْسَتْ بِجَيِّدَةٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمَّلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم بَعِيرًا وأكْرَمَهم أيْضًا بِالنُّزُولِ وأعْطاهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ في السَّفَرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَلامٍ سابِقٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ الكَلامُ سَبَبًا لِسُؤالِ يُوسُفَ عَنْ حالِ أخِيهِمْ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ وهو أحْسَنُها: إنَّ عادَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الكُلِّ أنْ يُعْطِيَهُ حِمْلَ بِعِيرٍ لا أزْيَدَ عَلَيْهِ ولا أنْقَصَ، وإخْوَةُ يُوسُفَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَيْهِ كانُوا عَشَرَةً، فَأعْطاهم عَشَرَةَ أحْمالٍ، فَقالُوا: إنَّ لَنا أبًا شَيْخًا كَبِيرًا وأخًا آخَرَ بَقِيَ مَعَهُ، وذَكَرُوا أنَّ أباهم لِأجْلِ سِنِّهِ وشِدَّةِ حُزْنِهِ لَمْ يَحْضُرْ، وأنَّ أخاهم بَقِيَ في خِدْمَةِ أبِيهِ ولا بُدَّ لَهُما أيْضًا مِن شَيْءٍ مِنَ الطَّعامِ، فَجَهَّزَ لَهُما أيْضًا بَعِيرَيْنِ آخَرَيْنِ مِنَ الطَّعامِ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ قالَ يُوسُفُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ أبِيكم لَهُ أزْيَدُ مِن حُبِّهِ لَكم، وهَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ؛ لِأنَّكم مَعَ جَمالِكم وعَقْلِكم وأدَبِكم إذا كانَتْ مَحَبَّةُ أبِيكم لِذَلِكَ الأخِ أكْثَرَ مِن مَحَبَّتِهِ لَكم؛ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ أُعْجُوبَةٌ في العَقْلِ، وفي الفَضْلِ والأدَبِ؛ فَجِيئُونِي بِهِ حَتّى أراهُ، فَهَذا السَّبَبُ مُحْتَمَلٌ مُناسِبٌ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأعْطاهُمُ الطَّعامَ، قالَ لَهم: مَن أنْتُمْ ؟ قالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ رُعاةٌ مِن أهْلِ الشّامِ، أصابَنا الجَهْدُ؛ فَجِئْنا نَمْتارُ، فَقالَ: لَعَلَّكم جِئْتُمْ عُيُونًا، فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ نَحْنُ إخْوَةٌ، بَنُو أبٍ واحِدٍ شَيْخٍ صِدِّيقٍ نَبِيٍّ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ: كَمْ أنْتُمْ قالُوا: كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ؛ فَهَلَكَ مِنّا واحِدٌ، وبَقِيَ واحِدٌ مَعَ الأبِ يَتَسَلّى بِهِ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي هَلَكَ، ونَحْنُ عَشَرَةٌ وقَدْ جِئْناكَ قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً، وائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم لِيُبَلِّغَ إلَيَّ رِسالَةَ أبِيكم؛ فَعِنْدَ هَذا أقْرَعُوا بَيْنَهم فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ، وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا في يُوسُفَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: لَعَلَّهم لَمّا ذَكَرُوا أباهم قالَ يُوسُفُ: فَلِمَ تَرَكْتُمُوهُ وحِيدًا فَرِيدًا ؟ قالُوا: ما تَرَكْناهُ وحِيدًا، بَلْ بَقِيَ عِنْدَهُ واحِدٌ.
فَقالَ لَهم: لِمَ اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ ؟ ولِمَ خَصَّهُ بِهَذا المَعْنى ؟ لِأجْلِ نَقْصٍ في جَسَدِهِ ؟ فَقالُوا: لا. بَلْ لِأجْلِ أنَّهُ يُحِبُّهُ أكْثَرَ مِن مَحَبَّتِهِ لِسائِرِ الأوْلادِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ يُوسُفُ: لِما ذَكَرْتُمْ أنَّ أباكم رَجُلٌ عالِمٌ حَكِيمٌ بَعِيدٌ عَنِ المُجازَفَةِ، ثُمَّ إنَّهُ خَصَّهُ بِمَزِيدِ المَحَبَّةِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ زائِدًا عَلَيْكم في الفَضْلِ، وصِفاتِ الكَمالِ مَعَ أنِّي أراكم فُضَلاءَ عُلَماءَ حُكَماءَ؛ فاشْتاقَتْ نَفْسِي إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ الأخِ؛ فائْتُونِي بِهِ.
والسَّبَبُ الثّانِي: ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، والأوَّلُ والثّالِثُ مُحْتَمَلٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتِمُّهُ ولا أبْخَسُهُ، وأزِيدُكم حِمْلَ بَعِيرٍ آخَرَ لِأجْلِ أخِيكم، ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾، أيْ: خَيْرُ المُضِيفِينَ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم. وأقُولُ: هَذا الكَلامُ يُضْعِفُ الوَجْهَ الثّانِيَ وهو الَّذِي نَقَلْناهُ عَنِ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ مَدارَ ذَلِكَ الوَجْهِ عَلى أنَّهُ اتَّهَمَهم ونَسَبَهم إلى أنَّهم جَواسِيسُ، ولَوْ شافَهَهم بِذَلِكَ الكَلامِ فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ وأيْضًا يَبْعُدُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَوْنِهِ صِدِّيقًا أنْ يَقُولَ لَهم: أنْتُمْ جَواسِيسُ وعُيُونٌ، مَعَ أنَّهُ
صفحة ١٣٤
يَعْرِفُ بَراءَتَهم عَنْ هَذِهِ التُّهْمَةِ، لِأنَّ البُهْتانَ لا يَلِيقُ بِحالِ الصِّدِّيقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهم إحْضارَ ذَلِكَ الأخِ جَمَعَ بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
أمّا التَّرْغِيبُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ وأمّا التَّرْهِيبُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا في نِهايَةِ الحاجَةِ إلى تَحْصِيلِ الطَّعامِ، وما كانَ يُمْكِنُهم تَحْصِيلُهُ إلّا مِن عِنْدِهِ، فَإذا مَنَعَهم مِنَ الحُضُورِ عِنْدَهُ كانَ ذَلِكَ نِهايَةَ التَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ، ثُمَّ إنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ مِن يُوسُفَ قالُوا: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أيْ سَنَجْتَهِدُ ونَحْتالُ عَلى أنْ نَنْزِعَهُ مِن يَدِهِ، وإنّا لَفاعِلُونَ هَذِهِ المُراوَدَةَ، والغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أنْ نَجِيئَكَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ كُلَّ ما في وُسْعِنا مِن هَذا البابِ.
يوسف 12:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عَمَّ القَحْطُ في البِلادِ، ووَصَلَ أيْضًا إلى البَلْدَةِ الَّتِي كانَ يَسْكُنُها يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَعُبَ الزَّمانُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لِبَنِيهِ: إنَّ بِمِصْرَ رَجُلًا صالِحًا يَمِيرُ النّاسَ، فاذْهَبُوا إلَيْهِ بِدَراهِمِكم، وخُذُوا الطَّعامَ، فَخَرَجُوا إلَيْهِ، وهم عَشَرَةٌ، ودَخَلُوا عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصارَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ كالسَّبَبِ في اجْتِماعِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ إخْوَتِهِ، وظُهُورِ صِدْقِ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قَوْلِهِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ ما ألْقَوْهُ في الجُبِّ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وأخْبَرَ تَعالى أنَّ يُوسُفَ عَرَفَهم وهم ما عَرَفُوهُ البَتَّةَ، أمّا أنَّهُ عَرَفَهم فَلِأنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أخْبَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) بِأنَّهم يَصِلُونَ إلَيْهِ ويَدْخُلُونَ عَلَيْهِ، وأيْضًا الرُّؤْيا الَّتِي رَآها كانَتْ دَلِيلًا عَلى أنَّهم يَصِلُونَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَرَصِّدًا لِذَلِكَ الأمْرِ، وكانَ كُلُّ مَن وصَلَ إلى بابِهِ مِنَ البِلادِ البَعِيدَةِ يَتَفَحَّصُ عَنْهم ويَتَعَرَّفُ أحْوالَهم؛ لِيَعْرِفَ أنَّ هَؤُلاءِ الواصِلِينَ هَلْ هم إخْوَتُهُ أمْ لا ؟ فَلَمّا وصَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ إلى بابِ دارِهِ تَفَحَّصَ عَنْ أحْوالِهِمْ تَفَحُّصًا ظَهَرَ لَهُ أنَّهم إخْوَتُهُ، وأمّا أنَّهم ما عَرَفُوهُ فَلِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ حُجّابَهُ بِأنْ يُوقِفُوهم مِنَ البُعْدِ وما كانَ يَتَكَلَّمُ مَعَهم إلّا بِالواسِطَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ أنَّهم لَمْ يَعْرِفُوهُ؛ لا سِيَّما مَهابَةُ المَلِكِ وشِدَّةُ الحاجَةِ يُوجِبانِ كَثْرَةَ الخَوْفِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَمْنَعُ مِنَ التَّأمُّلِ التّامِّ الَّذِي عِنْدَهُ يَحْصُلُ العِرْفانُ.
والثّانِي: هو أنَّهم حِينَ ألْقَوْهُ في الجُبِّ كانَ صَغِيرًا، ثُمَّ إنَّهم رَأوْهُ بَعْدَ وُفُورِ اللِّحْيَةِ، وتَغَيُّرِ الزِّيِّ والهَيْئَةِ، فَإنَّهم رَأوْهُ جالِسًا عَلى سَرِيرِهِ، وعَلَيْهِ ثِيابُ الحَرِيرِ، وفي عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ، وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِن ذَهَبٍ، والقَوْمُ أيْضًا نَسُوا واقِعَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِطُولِ المُدَّةِ.
فَيُقالُ: إنَّ مِن وقْتِ ما ألْقَوْهُ في الجُبِّ إلى هَذا الوَقْتِ كانَ قَدْ مَضى أرْبَعُونَ سَنَةً، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْبابِ يَمْنَعُ مِن حُصُولِ المَعْرِفَةِ، لا سِيَّما عِنْدَ اجْتِماعِها.
والثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ العِرْفانِ والتَّذْكِيرِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَلَعَلَّهُ تَعالى ما خَلَقَ ذَلِكَ العِرْفانَ والتَّذْكِيرَ في قُلُوبِهِمْ تَحْقِيقًا لِما أخْبَرَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وكانَ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا إذا تَكَلَّفْتَ لَهم جَهازِهِمْ
صفحة ١٣٣
لِلسَّفَرِ، وكَذَلِكَ جَهازُ العَرُوسِ والمَيِّتِ، وهو ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وجْهِهِ.
قالَ: وسَمِعْتُ أهْلَ البَصْرَةِ يَقُولُونَ: الجِهازُ بِالكَسْرِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ لَيْسَتْ بِجَيِّدَةٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمَّلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم بَعِيرًا وأكْرَمَهم أيْضًا بِالنُّزُولِ وأعْطاهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ في السَّفَرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَلامٍ سابِقٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ الكَلامُ سَبَبًا لِسُؤالِ يُوسُفَ عَنْ حالِ أخِيهِمْ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ وهو أحْسَنُها: إنَّ عادَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الكُلِّ أنْ يُعْطِيَهُ حِمْلَ بِعِيرٍ لا أزْيَدَ عَلَيْهِ ولا أنْقَصَ، وإخْوَةُ يُوسُفَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَيْهِ كانُوا عَشَرَةً، فَأعْطاهم عَشَرَةَ أحْمالٍ، فَقالُوا: إنَّ لَنا أبًا شَيْخًا كَبِيرًا وأخًا آخَرَ بَقِيَ مَعَهُ، وذَكَرُوا أنَّ أباهم لِأجْلِ سِنِّهِ وشِدَّةِ حُزْنِهِ لَمْ يَحْضُرْ، وأنَّ أخاهم بَقِيَ في خِدْمَةِ أبِيهِ ولا بُدَّ لَهُما أيْضًا مِن شَيْءٍ مِنَ الطَّعامِ، فَجَهَّزَ لَهُما أيْضًا بَعِيرَيْنِ آخَرَيْنِ مِنَ الطَّعامِ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ قالَ يُوسُفُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ أبِيكم لَهُ أزْيَدُ مِن حُبِّهِ لَكم، وهَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ؛ لِأنَّكم مَعَ جَمالِكم وعَقْلِكم وأدَبِكم إذا كانَتْ مَحَبَّةُ أبِيكم لِذَلِكَ الأخِ أكْثَرَ مِن مَحَبَّتِهِ لَكم؛ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ أُعْجُوبَةٌ في العَقْلِ، وفي الفَضْلِ والأدَبِ؛ فَجِيئُونِي بِهِ حَتّى أراهُ، فَهَذا السَّبَبُ مُحْتَمَلٌ مُناسِبٌ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأعْطاهُمُ الطَّعامَ، قالَ لَهم: مَن أنْتُمْ ؟ قالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ رُعاةٌ مِن أهْلِ الشّامِ، أصابَنا الجَهْدُ؛ فَجِئْنا نَمْتارُ، فَقالَ: لَعَلَّكم جِئْتُمْ عُيُونًا، فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ نَحْنُ إخْوَةٌ، بَنُو أبٍ واحِدٍ شَيْخٍ صِدِّيقٍ نَبِيٍّ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ: كَمْ أنْتُمْ قالُوا: كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ؛ فَهَلَكَ مِنّا واحِدٌ، وبَقِيَ واحِدٌ مَعَ الأبِ يَتَسَلّى بِهِ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي هَلَكَ، ونَحْنُ عَشَرَةٌ وقَدْ جِئْناكَ قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً، وائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم لِيُبَلِّغَ إلَيَّ رِسالَةَ أبِيكم؛ فَعِنْدَ هَذا أقْرَعُوا بَيْنَهم فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ، وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا في يُوسُفَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: لَعَلَّهم لَمّا ذَكَرُوا أباهم قالَ يُوسُفُ: فَلِمَ تَرَكْتُمُوهُ وحِيدًا فَرِيدًا ؟ قالُوا: ما تَرَكْناهُ وحِيدًا، بَلْ بَقِيَ عِنْدَهُ واحِدٌ.
فَقالَ لَهم: لِمَ اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ ؟ ولِمَ خَصَّهُ بِهَذا المَعْنى ؟ لِأجْلِ نَقْصٍ في جَسَدِهِ ؟ فَقالُوا: لا. بَلْ لِأجْلِ أنَّهُ يُحِبُّهُ أكْثَرَ مِن مَحَبَّتِهِ لِسائِرِ الأوْلادِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ يُوسُفُ: لِما ذَكَرْتُمْ أنَّ أباكم رَجُلٌ عالِمٌ حَكِيمٌ بَعِيدٌ عَنِ المُجازَفَةِ، ثُمَّ إنَّهُ خَصَّهُ بِمَزِيدِ المَحَبَّةِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ زائِدًا عَلَيْكم في الفَضْلِ، وصِفاتِ الكَمالِ مَعَ أنِّي أراكم فُضَلاءَ عُلَماءَ حُكَماءَ؛ فاشْتاقَتْ نَفْسِي إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ الأخِ؛ فائْتُونِي بِهِ.
والسَّبَبُ الثّانِي: ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، والأوَّلُ والثّالِثُ مُحْتَمَلٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتِمُّهُ ولا أبْخَسُهُ، وأزِيدُكم حِمْلَ بَعِيرٍ آخَرَ لِأجْلِ أخِيكم، ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾، أيْ: خَيْرُ المُضِيفِينَ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم. وأقُولُ: هَذا الكَلامُ يُضْعِفُ الوَجْهَ الثّانِيَ وهو الَّذِي نَقَلْناهُ عَنِ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ مَدارَ ذَلِكَ الوَجْهِ عَلى أنَّهُ اتَّهَمَهم ونَسَبَهم إلى أنَّهم جَواسِيسُ، ولَوْ شافَهَهم بِذَلِكَ الكَلامِ فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ وأيْضًا يَبْعُدُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَوْنِهِ صِدِّيقًا أنْ يَقُولَ لَهم: أنْتُمْ جَواسِيسُ وعُيُونٌ، مَعَ أنَّهُ
صفحة ١٣٤
يَعْرِفُ بَراءَتَهم عَنْ هَذِهِ التُّهْمَةِ، لِأنَّ البُهْتانَ لا يَلِيقُ بِحالِ الصِّدِّيقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهم إحْضارَ ذَلِكَ الأخِ جَمَعَ بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
أمّا التَّرْغِيبُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ وأمّا التَّرْهِيبُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا في نِهايَةِ الحاجَةِ إلى تَحْصِيلِ الطَّعامِ، وما كانَ يُمْكِنُهم تَحْصِيلُهُ إلّا مِن عِنْدِهِ، فَإذا مَنَعَهم مِنَ الحُضُورِ عِنْدَهُ كانَ ذَلِكَ نِهايَةَ التَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ، ثُمَّ إنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ مِن يُوسُفَ قالُوا: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أيْ سَنَجْتَهِدُ ونَحْتالُ عَلى أنْ نَنْزِعَهُ مِن يَدِهِ، وإنّا لَفاعِلُونَ هَذِهِ المُراوَدَةَ، والغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أنْ نَجِيئَكَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ كُلَّ ما في وُسْعِنا مِن هَذا البابِ.
يوسف 12:62
٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (لِفِتْيانِهِ) بِالألِفِ والنُّونِ والباقُونَ (لِفِتْيَتِهِ) بِالتّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهُما لُغَتانِ كالصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ، والإخْوانِ والإخْوَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الفِتْيَةُ جَمْعُ فَتًى في العَدَدِ القَلِيلِ والفِتْيانُ لِلْكَثِيرِ، فَوَجْهُ البِناءِ الَّذِي لِلْعَدَدِ القَلِيلِ أنَّ الَّذِينَ يُحِيطُونَ بِما يَجْعَلُونَ بِضاعَتَهم فِيهِ مِن رِحالِهِمْ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ لِأنَّ هَذا مِن بابِ الأسْرارِ، فَوَجَبَ صَوْنُهُ إلّا عَنِ العَدَدِ القَلِيلِ، ووَجْهُ الجَمْعِ الكَثِيرِ أنَّهُ قالَ: ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ والرِّحالُ تُفِيدُ العَدَدَ الكَثِيرَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يُباشِرُونَ ذَلِكَ العَمَلَ كَثِيرِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ ما كانُوا عالِمِينَ بِجَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم كانُوا عارِفِينَ بِهِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ يُبْطِلُ ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ أمَرَ يُوسُفُ بِوَضْعِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم مَتى فَتَحُوا المَتاعَ فَوَجَدُوا بِضاعَتَهم فِيهِ، عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ كانَ كَرَمًا مِن يُوسُفَ وسَخاءً مَحْضًا، فَيَبْعَثُهم ذَلِكَ عَلى العَوْدِ إلَيْهِ والحِرْصِ عَلى مُعامَلَتِهِ.
الثّانِي: خافَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ مِنَ الوَرِقِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى.
الثّالِثُ: أرادَ بِهِ التَّوْسِعَةَ عَلى
صفحة ١٣٥
أبِيهِ لِأنَّ الزَّمانَ كانَ زَمانَ القَحْطِ.
الرّابِعُ: رَأى أنَّ أخْذَ ثَمَنِ الطَّعامِ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ مَعَ شِدَّةِ حاجَتِهِمْ إلى الطَّعامِ لُؤْمٌ.
الخامِسُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهم مَتى شاهَدُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ وقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهم وضَعُوا تِلْكَ البِضاعَةَ في رِحالِهِمْ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ، وهم أنْبِياءُ وأوْلادُ الأنْبِياءِ، فَرَجَعُوا لِيَعْرِفُوا السَّبَبَ فِيهِ، أوْ رَجَعُوا لِيَرُدُّوا المالَ إلى مالِكِهِ.
السّادِسُ: أرادَ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِمْ عَلى وجْهٍ لا يُلْحِقُهم بِهِ عَيْبٌ ولا مِنَّةٌ.
السّابِعُ: مَقْصُودُهُ أنْ يَعْرِفُوا أنَّهُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ الأخَ لِأجْلِ الإيذاءِ والظُّلْمِ، ولا لِطَلَبِ زِيادَةٍ في الثَّمَنِ.
الثّامِنُ: أرادَ أنْ يَعْرِفَ أبُوهُ أنَّهُ أكْرَمَهم، وطَلَبُهُ لَهُ لِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَلا يَثْقُلُ عَلى أبِيهِ إرْسالُ أخِيهِ.
التّاسِعُ: أرادَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المالُ مَعُونَةً لَهم عَلى شِدَّةِ الزَّمانِ، وكانَ يَخافُ اللُّصُوصَ مِن قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ تِلْكَ الدَّراهِمَ في رِحالِهِمْ حَتّى تَبْقى مَخْفِيَّةً إلى أنْ يَصِلُوا إلى أبِيهِمْ.
العاشِرُ: أرادَ أنْ يُقابِلَ مُبالَغَتَهم في الإساءَةِ بِمُبالَغَتِهِ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم لَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا: ﴿ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا طَلَبُوا الطَّعامَ لِأبِيهِمْ ولِلْأخِ الباقِي عِنْدَهُ مُنِعُوا مِنهُ، فَقَوْلُهم: ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُنِعَ الكَيْلُ في المُسْتَقْبَلِ، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قَوْلُهم: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَكْتَلْ) بِالياءِ، والباقُونَ بِالنُّونِ، والقِراءَةُ الأُولى تُقَوِّي القَوْلَ الأوَّلَ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُقَوِّي القَوْلَ الثّانِيَ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ضَمِنُوا كَوْنَهم حافِظِينَ لَهُ، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ والمَعْنى أنَّكم ذَكَرْتُمْ قَبْلُ هَذا الكَلامَ في يُوسُفَ، وضَمِنتُمْ لِي حِفْظَهُ حَيْثُ قُلْتُمْ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٢) ثُمَّ هَهُنا ذَكَرْتُمْ هَذا اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ، فَهَلْ يَكُونُ هَهُنا أمانِيُّ إلّا ما كانَ هُناكَ ؟ يَعْنِي لَمّا لَمْ يَحْصُلِ الأمانُ هُناكَ فَكَذَلِكَ لا يَحْصُلُ هَهُنا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (حافِظًا) بِالألِفِ عَلى التَّمْيِيزِ والتَّفْسِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: هو خَيْرٌ لَكم حافِظًا كَقَوْلِهِمْ: هو خَيْرُهم رَجُلًا ولِلَّهِ دَرُّهُ فارِسًا.
وقِيلَ: عَلى الحالِ والباقُونَ: (حِفْظًا) بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى المَصْدَرِ، يَعْنِي: خَيْرُكم حِفْظًا يَعْنِي: حِفْظُ اللَّهِ لِبِنْيامِينَ خَيْرٌ مِن حِفْظِكم، وقَرَأ الأعْمَشُ: (فاللَّهُ خَيْرُ حافِظٍ) وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (خَيْرُ الحافِظِينَ وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ) .
وقِيلَ: مَعْناهُ وثِقْتُ بِكم في حِفْظِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَكانَ ما كانَ، فالآنَ أتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ في حِفْظِ بِنْيامِينَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ بَعَثَهُ مَعَهم وقَدْ شاهَدَ ما شاهَدَ ؟
قُلْنا: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم كَبِرُوا ومالُوا إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ.
وثانِيها: أنَّهُ كانَ يُشاهِدُ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ بِنْيامِينَ مِنَ الحَسَدِ والحِقْدِ مِثْلُ ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنَّ ضَرُورَةَ القَحْطِ أحْوَجَتْهُ إلى ذَلِكَ.
ورابِعُها: لَعَلَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وضَمِنَ حِفْظَهُ وإيصالَهُ إلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ عَلى أنَّهُ أذِنَ في ذَهابِ ابْنِهِ بِنْيامِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟
قُلْنا: الأكْثَرُونَ قالُوا: يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ آخَرُونَ: لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ أنَّهُ لَوْ أذِنَ في خُرُوجِهِ مَعَهم؛ لَكانَ في حِفْظِ اللَّهِ لا في حِفْظِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ يُوسُفَ قالَ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ أيْ لِيُوسُفَ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ حَيٌّ.
يوسف 12:63
٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (لِفِتْيانِهِ) بِالألِفِ والنُّونِ والباقُونَ (لِفِتْيَتِهِ) بِالتّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهُما لُغَتانِ كالصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ، والإخْوانِ والإخْوَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الفِتْيَةُ جَمْعُ فَتًى في العَدَدِ القَلِيلِ والفِتْيانُ لِلْكَثِيرِ، فَوَجْهُ البِناءِ الَّذِي لِلْعَدَدِ القَلِيلِ أنَّ الَّذِينَ يُحِيطُونَ بِما يَجْعَلُونَ بِضاعَتَهم فِيهِ مِن رِحالِهِمْ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ لِأنَّ هَذا مِن بابِ الأسْرارِ، فَوَجَبَ صَوْنُهُ إلّا عَنِ العَدَدِ القَلِيلِ، ووَجْهُ الجَمْعِ الكَثِيرِ أنَّهُ قالَ: ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ والرِّحالُ تُفِيدُ العَدَدَ الكَثِيرَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يُباشِرُونَ ذَلِكَ العَمَلَ كَثِيرِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ ما كانُوا عالِمِينَ بِجَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم كانُوا عارِفِينَ بِهِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ يُبْطِلُ ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ أمَرَ يُوسُفُ بِوَضْعِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم مَتى فَتَحُوا المَتاعَ فَوَجَدُوا بِضاعَتَهم فِيهِ، عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ كانَ كَرَمًا مِن يُوسُفَ وسَخاءً مَحْضًا، فَيَبْعَثُهم ذَلِكَ عَلى العَوْدِ إلَيْهِ والحِرْصِ عَلى مُعامَلَتِهِ.
الثّانِي: خافَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ مِنَ الوَرِقِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى.
الثّالِثُ: أرادَ بِهِ التَّوْسِعَةَ عَلى
صفحة ١٣٥
أبِيهِ لِأنَّ الزَّمانَ كانَ زَمانَ القَحْطِ.
الرّابِعُ: رَأى أنَّ أخْذَ ثَمَنِ الطَّعامِ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ مَعَ شِدَّةِ حاجَتِهِمْ إلى الطَّعامِ لُؤْمٌ.
الخامِسُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهم مَتى شاهَدُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ وقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهم وضَعُوا تِلْكَ البِضاعَةَ في رِحالِهِمْ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ، وهم أنْبِياءُ وأوْلادُ الأنْبِياءِ، فَرَجَعُوا لِيَعْرِفُوا السَّبَبَ فِيهِ، أوْ رَجَعُوا لِيَرُدُّوا المالَ إلى مالِكِهِ.
السّادِسُ: أرادَ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِمْ عَلى وجْهٍ لا يُلْحِقُهم بِهِ عَيْبٌ ولا مِنَّةٌ.
السّابِعُ: مَقْصُودُهُ أنْ يَعْرِفُوا أنَّهُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ الأخَ لِأجْلِ الإيذاءِ والظُّلْمِ، ولا لِطَلَبِ زِيادَةٍ في الثَّمَنِ.
الثّامِنُ: أرادَ أنْ يَعْرِفَ أبُوهُ أنَّهُ أكْرَمَهم، وطَلَبُهُ لَهُ لِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَلا يَثْقُلُ عَلى أبِيهِ إرْسالُ أخِيهِ.
التّاسِعُ: أرادَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المالُ مَعُونَةً لَهم عَلى شِدَّةِ الزَّمانِ، وكانَ يَخافُ اللُّصُوصَ مِن قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ تِلْكَ الدَّراهِمَ في رِحالِهِمْ حَتّى تَبْقى مَخْفِيَّةً إلى أنْ يَصِلُوا إلى أبِيهِمْ.
العاشِرُ: أرادَ أنْ يُقابِلَ مُبالَغَتَهم في الإساءَةِ بِمُبالَغَتِهِ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم لَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا: ﴿ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا طَلَبُوا الطَّعامَ لِأبِيهِمْ ولِلْأخِ الباقِي عِنْدَهُ مُنِعُوا مِنهُ، فَقَوْلُهم: ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُنِعَ الكَيْلُ في المُسْتَقْبَلِ، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قَوْلُهم: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَكْتَلْ) بِالياءِ، والباقُونَ بِالنُّونِ، والقِراءَةُ الأُولى تُقَوِّي القَوْلَ الأوَّلَ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُقَوِّي القَوْلَ الثّانِيَ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ضَمِنُوا كَوْنَهم حافِظِينَ لَهُ، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ والمَعْنى أنَّكم ذَكَرْتُمْ قَبْلُ هَذا الكَلامَ في يُوسُفَ، وضَمِنتُمْ لِي حِفْظَهُ حَيْثُ قُلْتُمْ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٢) ثُمَّ هَهُنا ذَكَرْتُمْ هَذا اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ، فَهَلْ يَكُونُ هَهُنا أمانِيُّ إلّا ما كانَ هُناكَ ؟ يَعْنِي لَمّا لَمْ يَحْصُلِ الأمانُ هُناكَ فَكَذَلِكَ لا يَحْصُلُ هَهُنا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (حافِظًا) بِالألِفِ عَلى التَّمْيِيزِ والتَّفْسِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: هو خَيْرٌ لَكم حافِظًا كَقَوْلِهِمْ: هو خَيْرُهم رَجُلًا ولِلَّهِ دَرُّهُ فارِسًا.
وقِيلَ: عَلى الحالِ والباقُونَ: (حِفْظًا) بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى المَصْدَرِ، يَعْنِي: خَيْرُكم حِفْظًا يَعْنِي: حِفْظُ اللَّهِ لِبِنْيامِينَ خَيْرٌ مِن حِفْظِكم، وقَرَأ الأعْمَشُ: (فاللَّهُ خَيْرُ حافِظٍ) وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (خَيْرُ الحافِظِينَ وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ) .
وقِيلَ: مَعْناهُ وثِقْتُ بِكم في حِفْظِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَكانَ ما كانَ، فالآنَ أتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ في حِفْظِ بِنْيامِينَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ بَعَثَهُ مَعَهم وقَدْ شاهَدَ ما شاهَدَ ؟
قُلْنا: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم كَبِرُوا ومالُوا إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ.
وثانِيها: أنَّهُ كانَ يُشاهِدُ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ بِنْيامِينَ مِنَ الحَسَدِ والحِقْدِ مِثْلُ ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنَّ ضَرُورَةَ القَحْطِ أحْوَجَتْهُ إلى ذَلِكَ.
ورابِعُها: لَعَلَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وضَمِنَ حِفْظَهُ وإيصالَهُ إلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ عَلى أنَّهُ أذِنَ في ذَهابِ ابْنِهِ بِنْيامِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟
قُلْنا: الأكْثَرُونَ قالُوا: يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ آخَرُونَ: لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ أنَّهُ لَوْ أذِنَ في خُرُوجِهِ مَعَهم؛ لَكانَ في حِفْظِ اللَّهِ لا في حِفْظِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ يُوسُفَ قالَ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ أيْ لِيُوسُفَ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ حَيٌّ.
يوسف 12:64
٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (لِفِتْيانِهِ) بِالألِفِ والنُّونِ والباقُونَ (لِفِتْيَتِهِ) بِالتّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهُما لُغَتانِ كالصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ، والإخْوانِ والإخْوَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الفِتْيَةُ جَمْعُ فَتًى في العَدَدِ القَلِيلِ والفِتْيانُ لِلْكَثِيرِ، فَوَجْهُ البِناءِ الَّذِي لِلْعَدَدِ القَلِيلِ أنَّ الَّذِينَ يُحِيطُونَ بِما يَجْعَلُونَ بِضاعَتَهم فِيهِ مِن رِحالِهِمْ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ لِأنَّ هَذا مِن بابِ الأسْرارِ، فَوَجَبَ صَوْنُهُ إلّا عَنِ العَدَدِ القَلِيلِ، ووَجْهُ الجَمْعِ الكَثِيرِ أنَّهُ قالَ: ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ والرِّحالُ تُفِيدُ العَدَدَ الكَثِيرَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يُباشِرُونَ ذَلِكَ العَمَلَ كَثِيرِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ ما كانُوا عالِمِينَ بِجَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم كانُوا عارِفِينَ بِهِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ يُبْطِلُ ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ أمَرَ يُوسُفُ بِوَضْعِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم مَتى فَتَحُوا المَتاعَ فَوَجَدُوا بِضاعَتَهم فِيهِ، عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ كانَ كَرَمًا مِن يُوسُفَ وسَخاءً مَحْضًا، فَيَبْعَثُهم ذَلِكَ عَلى العَوْدِ إلَيْهِ والحِرْصِ عَلى مُعامَلَتِهِ.
الثّانِي: خافَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ مِنَ الوَرِقِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى.
الثّالِثُ: أرادَ بِهِ التَّوْسِعَةَ عَلى
صفحة ١٣٥
أبِيهِ لِأنَّ الزَّمانَ كانَ زَمانَ القَحْطِ.
الرّابِعُ: رَأى أنَّ أخْذَ ثَمَنِ الطَّعامِ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ مَعَ شِدَّةِ حاجَتِهِمْ إلى الطَّعامِ لُؤْمٌ.
الخامِسُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهم مَتى شاهَدُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ وقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهم وضَعُوا تِلْكَ البِضاعَةَ في رِحالِهِمْ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ، وهم أنْبِياءُ وأوْلادُ الأنْبِياءِ، فَرَجَعُوا لِيَعْرِفُوا السَّبَبَ فِيهِ، أوْ رَجَعُوا لِيَرُدُّوا المالَ إلى مالِكِهِ.
السّادِسُ: أرادَ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِمْ عَلى وجْهٍ لا يُلْحِقُهم بِهِ عَيْبٌ ولا مِنَّةٌ.
السّابِعُ: مَقْصُودُهُ أنْ يَعْرِفُوا أنَّهُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ الأخَ لِأجْلِ الإيذاءِ والظُّلْمِ، ولا لِطَلَبِ زِيادَةٍ في الثَّمَنِ.
الثّامِنُ: أرادَ أنْ يَعْرِفَ أبُوهُ أنَّهُ أكْرَمَهم، وطَلَبُهُ لَهُ لِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَلا يَثْقُلُ عَلى أبِيهِ إرْسالُ أخِيهِ.
التّاسِعُ: أرادَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المالُ مَعُونَةً لَهم عَلى شِدَّةِ الزَّمانِ، وكانَ يَخافُ اللُّصُوصَ مِن قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ تِلْكَ الدَّراهِمَ في رِحالِهِمْ حَتّى تَبْقى مَخْفِيَّةً إلى أنْ يَصِلُوا إلى أبِيهِمْ.
العاشِرُ: أرادَ أنْ يُقابِلَ مُبالَغَتَهم في الإساءَةِ بِمُبالَغَتِهِ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم لَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا: ﴿ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا طَلَبُوا الطَّعامَ لِأبِيهِمْ ولِلْأخِ الباقِي عِنْدَهُ مُنِعُوا مِنهُ، فَقَوْلُهم: ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُنِعَ الكَيْلُ في المُسْتَقْبَلِ، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قَوْلُهم: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَكْتَلْ) بِالياءِ، والباقُونَ بِالنُّونِ، والقِراءَةُ الأُولى تُقَوِّي القَوْلَ الأوَّلَ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُقَوِّي القَوْلَ الثّانِيَ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ضَمِنُوا كَوْنَهم حافِظِينَ لَهُ، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ والمَعْنى أنَّكم ذَكَرْتُمْ قَبْلُ هَذا الكَلامَ في يُوسُفَ، وضَمِنتُمْ لِي حِفْظَهُ حَيْثُ قُلْتُمْ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٢) ثُمَّ هَهُنا ذَكَرْتُمْ هَذا اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ، فَهَلْ يَكُونُ هَهُنا أمانِيُّ إلّا ما كانَ هُناكَ ؟ يَعْنِي لَمّا لَمْ يَحْصُلِ الأمانُ هُناكَ فَكَذَلِكَ لا يَحْصُلُ هَهُنا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (حافِظًا) بِالألِفِ عَلى التَّمْيِيزِ والتَّفْسِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: هو خَيْرٌ لَكم حافِظًا كَقَوْلِهِمْ: هو خَيْرُهم رَجُلًا ولِلَّهِ دَرُّهُ فارِسًا.
وقِيلَ: عَلى الحالِ والباقُونَ: (حِفْظًا) بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى المَصْدَرِ، يَعْنِي: خَيْرُكم حِفْظًا يَعْنِي: حِفْظُ اللَّهِ لِبِنْيامِينَ خَيْرٌ مِن حِفْظِكم، وقَرَأ الأعْمَشُ: (فاللَّهُ خَيْرُ حافِظٍ) وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (خَيْرُ الحافِظِينَ وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ) .
وقِيلَ: مَعْناهُ وثِقْتُ بِكم في حِفْظِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَكانَ ما كانَ، فالآنَ أتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ في حِفْظِ بِنْيامِينَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ بَعَثَهُ مَعَهم وقَدْ شاهَدَ ما شاهَدَ ؟
قُلْنا: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم كَبِرُوا ومالُوا إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ.
وثانِيها: أنَّهُ كانَ يُشاهِدُ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ بِنْيامِينَ مِنَ الحَسَدِ والحِقْدِ مِثْلُ ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنَّ ضَرُورَةَ القَحْطِ أحْوَجَتْهُ إلى ذَلِكَ.
ورابِعُها: لَعَلَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وضَمِنَ حِفْظَهُ وإيصالَهُ إلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ عَلى أنَّهُ أذِنَ في ذَهابِ ابْنِهِ بِنْيامِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟
قُلْنا: الأكْثَرُونَ قالُوا: يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ آخَرُونَ: لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ أنَّهُ لَوْ أذِنَ في خُرُوجِهِ مَعَهم؛ لَكانَ في حِفْظِ اللَّهِ لا في حِفْظِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ يُوسُفَ قالَ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ أيْ لِيُوسُفَ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ حَيٌّ.
يوسف 12:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا ياأبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَتاعَ ما يَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَمْتَعَ بِهِ، وهو عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ هَهُنا الطَّعامُ الَّذِي حَمَلُوهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ أوْعِيَةُ الطَّعامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿رُدَّتْ﴾ فالأكْثَرُونَ بِضَمِّ الرّاءِ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَسْرَةُ الدّالِ المُدْغَمَةِ نُقِلَتْ إلى الرّاءِ كَما في قِيلَ وبِيعَ.
وحَكى قُطْرُبٌ أنَّهم قالُوا في قَوْلِنا: ضُرِبَ زَيْدٌ عَلى نَقْلِ كَسْرَةِ الرّاءِ فِيمَن سَكَّنَها إلى الضّادِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما نَبْغِي﴾ فَفي كَلِمَةِ (ما) قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها لِلنَّفْيِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا قَدْ وصَفُوا يُوسُفَ بِالكَرَمِ واللُّطْفِ وقالُوا: إنّا قَدِمْنا عَلى رَجُلٍ في غايَةِ الكَرَمِ أنْزَلَنا وأكْرَمَنا كَرامَةً لَوْ كانَ رَجُلًا مِن آلِ يَعْقُوبَ لَما فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهم: ﴿ما نَبْغِي﴾ أيْ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْناهُ كَذِبًا ولا ذِكْرَ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ.
الثّانِي: أنَّهُ بَلَغَ في الإكْرامِ إلى غايَةٍ ما وراءَها شَيْءٌ آخَرُ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ بالَغَ في إكْرامِنا أمَرَ بِبِضاعَتِنا فَرُدَّتْ إلَيْنا.
الثّالِثُ: المَعْنى أنَّهُ رَدَّ بِضاعَتَنا إلَيْنا، فَنَحْنُ لا نَبْغِي مِنهُ عِنْدَ رُجُوعِنا إلَيْهِ بِضاعَةً أُخْرى، فَإنَّ هَذِهِ الَّتِي مَعَنا كافِيَةٌ لَنا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ هَهُنا لِلِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: لَمّا رَأوْا أنَّهُ رَدَّ إلَيْهِمْ بِضاعَتَهم قالُوا: ما نَبْغِي بَعْدَ هَذا ؟ أيْ أعْطانا الطَّعامَ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْنا ثَمَنَ الطَّعامِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، فَأيَّ شَيْءٍ نَبْغِي وراءَ ذَلِكَ ؟
واعْلَمْ أنّا إذا حَمَلْنا ”ما“ عَلى الِاسْتِفْهامِ صارَ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ نَبْغِي فَوْقَ هَذا الإكْرامِ ؟ إنَّ الرَّجُلَ رَدَّ دَراهِمَنا إلَيْنا، فَإذا ذَهَبْنا إلَيْهِ نَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بِعِيرٍ بِسَبَبِ حُضُورِ أخِينا.
قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: مارَهُ يَمِيرُهُ مَيْرًا، إذا أتاهُ بِمِيرَةٍ أيْ: بِطَعامٍ، ومِنهُ يُقالُ: ما عِنْدَهُ خَيْرٌ ولا مَيْرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ مَعْناهُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَكِيلُ لِكُلِّ رَجُلٍ حِمْلَ بَعِيرٍ، فَإذا حَضَرَ أخُوهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَزْدادَ ذَلِكَ الحِمْلُ، وأمّا إذا حَمَلْنا كَلِمَةَ ”ما“ عَلى النَّفْيِ؛ كانَ المَعْنى لا نَبْغِي شَيْئًا آخَرَ؛ هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا، فَهي كافِيَةٌ لِثَمَنِ الطَّعامِ في الذَّهابِ الثّانِي، ثُمَّ نَفْعَلُ كَذا وكَذا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ عَلى هَذا الرَّجُلِ المُحْسِنِ لِسَخائِهِ وحِرْصِهِ عَلى البَذْلِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ، أيْ قَصِيرُ المُدَّةِ؛ لَيْسَ سَبِيلُ مِثْلِهِ أنْ تَطُولَ مُدَّتُهُ بِسَبَبِ الحَبْسِ والتَّأْخِيرِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ: ذَلِكَ الَّذِي يُدْفَعُ إلَيْنا دُونَ أخِينا شَيْءٌ يَسِيرٌ قَلِيلٌ؛ فابْعَثْ أخانا مَعَنا حَتّى نَتَبَدَّلَ تِلْكَ القِلَّةَ بِالكَثْرَةِ.
يوسف 12:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَوْثِقَ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الثِّقَةِ، ومَعْناهُ: العَهْدُ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ يَقُولُ: لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُعْطُونِي عَهْدًا مَوْثُوقًا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ عَهْدًا مَوْثُوقًا بِهِ بِسَبَبِ تَأكُّدِهِ بِإشْهادِ اللَّهِ وبِسَبَبِ القَسَمِ بِاللَّهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ دَخَلَتِ اللّامُ هَهُنا لِأجْلِ أنّا بَيَّنّا أنَّ المُرادَ بِالمَوْثِقِ مِنَ اللَّهِ اليَمِينُ، فَتَقْدِيرُهُ: حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ. فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، والكَلامُ المُثْبَتُ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ في تَأْوِيلِ المَنفِيِّ، فَكانَ المَعْنى: لا تَمْتَنِعُونَ مِنَ الإتْيانِ بِهِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةٍ واحِدَةٍ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ مَعْناهُ الهَلاكُ، قالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تَمُوتُوا كُلُّكم فَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا عِنْدِي، والعَرَبُ تَقُولُ: أُحِيطَ بِفُلانٍ إذا قَرُبَ هَلاكُهُ، قالَ تَعالى: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ (الكَهْفِ: ٤٢) أيْ أصابَهُ ما أهْلَكَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ (يُونُسَ: ٢٢) وأصْلُهُ أنَّ مَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ وانْسَدَّتْ عَلَيْهِ مَسالِكُ النَّجاةِ دَنا هَلاكُهُ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن هَلَكَ: قَدْ أُحِيطَ بِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ قَتادَةُ ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ إلّا أنْ تَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ مَقْهُورِينَ، فَلا تَقْدِرُونَ عَلى الرُّجُوعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ يُرِيدُ شَهِيدٌ، لِأنَّ الشَّهِيدَ وكِيلٌ بِمَعْنى أنَّهُ مَوْكُولٌ إلَيْهِ هَذا العَهْدُ فَإنْ وفَّيْتُمْ بِهِ جازاكم بِأحْسَنِ الجَزاءِ، وإنْ غَدَرْتُمْ فِيهِ كافَأكم بِأعْظَمِ العُقُوباتِ.
يوسف 12:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ لَمّا عَزَمُوا عَلى الخُرُوجِ إلى مِصْرَ، وكانُوا مَوْصُوفِينَ بِالكَمالِ والجَمالِ، وأبْناءَ رَجُلٍ واحِدٍ قالَ لَهم: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ
صفحة ١٣٨
المُفَسِّرِينَ أنَّهُ خافَ مِنَ العَيْنِ عَلَيْهِمْ ولَنا هَهُنا مَقامانِ:
المَقامُ الأوَّلُ: إثْباتُ أنَّ العَيْنَ حَقٌّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: إطْباقُ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذَلِكَ.
والثّانِي: ما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- «كانَ يُعَوِّذُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ فَيَقُولُ: ”أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ“ ويَقُولُ: هَكَذا كانَ يُعَوِّذُ إبْراهِيمُ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ» .
والثّالِثُ: ما رَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ قالَ: «دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في أوَّلِ النَّهارِ فَرَأيْتُهُ شَدِيدَ الوَجَعِ، ثُمَّ عُدْتُ إلَيْهِ آخِرَ النَّهارِ فَرَأيْتُهُ مُعافًى، فَقالَ: ”إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتانِي فَرَقانِي، فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ وحاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ“ قالَ: فَأفَقْتُ» .
والرّابِعُ: رُوِيَ «أنَّ بَنِي جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ كانُوا غِلْمانًا بِيضًا فَقالَتْ أسْماءُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ العَيْنَ إلَيْهِمْ سَرِيعَةٌ أفَأسْتَرْقِي لَهم مِنَ العَيْنِ ؟ فَقالَ لَها: نَعَمْ» .
والخامِسُ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ وعِنْدَها صَبِيٌّ يَشْتَكِي، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أصابَتْهُ العَيْنُ، فَقالَ: أفَلا تَسْتَرْقُونَ لَهُ مِنَ العَيْنِ» .
والسّادِسُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«العَيْنُ حَقٌّ، ولَوْ كانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ القَدَرَ؛ لَسَبَقَتِ العَيْنُ القَدَرَ» “ .
والسّابِعُ: قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «كانَ يَأْمُرُ العائِنَ أنْ يَتَوَضَّأ، ثُمَّ يَغْسِلَ مِنهُ المَعِينُ الَّذِي أُصِيبَ بِالعَيْنِ» .
المَقامُ الثّانِي: في الكَشْفِ عَنْ ماهِيَّتِهِ فَنَقُولُ: إنَّ أبا عَلِيٍّ الجُبّائِيَّ أنْكَرَ هَذا المَعْنى إنْكارًا بَلِيغًا، ولَمْ يَذْكُرْ في إنْكارِهِ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ، وأمّا الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِهِ وأقَرُّوا بِوُجُودِهِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الحافِظُ: إنَّهُ يَمْتَدُّ مِنَ العَيْنِ أجْزاءٌ فَتَتَّصِلُ بِالشَّخْصِ المُسْتَحْسَنِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ، وتَسْرِي فِيهِ كَتَأْثِيرِ اللَّسْعِ والسُّمِّ والنّارِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا في جِهَةِ التَّأْثِيرِ لِهَذِهِ الأشْياءِ.
قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ؛ لَوَجَبَ أنْ يُؤَثِّرَ في الشَّخْصِ الَّذِي لا يُسْتَحْسَنُ كَتَأْثِيرِهِ في المُسْتَحْسَنِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا؛ فَقَدْ يُحِبُّ بَقاءَهُ كَما إذا اسْتَحْسَنَ ولَدَ نَفْسِهِ وبُسْتانَ نَفْسِهِ، وقَدْ يَكْرَهُ بَقاءَهُ أيْضًا كَما إذا أحَسَّ الحاسِدُ بِشَيْءٍ حَصَلَ لِعَدُوِّهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ؛ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسانِ خَوْفٌ شَدِيدٌ مِن زَوالِهِ، والخَوْفُ الشَّدِيدُ يُوجِبُ انْحِصارَ الرُّوحِ في داخِلِ القَلْبِ، فَحِينَئِذٍ يَسْخُنُ القَلْبُ والرُّوحُ جِدًّا، ويَحْصُلُ في الرُّوحِ الباصِرَةِ كَيْفِيَّةٌ قَوِيَّةٌ مُسَخِّنَةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي؛ فَإنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسانِ حَسَدٌ شَدِيدٌ وحُزْنٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ النِّعْمَةِ لِعَدُوِّهِ.
والحُزْنُ أيْضًا يُوجِبُ انْحِصارَ الرُّوحِ في داخِلِ القَلْبِ، ويَحْصُلُ فِيهِ سُخُونَةٌ شَدِيدَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ عِنْدَ الِاسْتِحْسانِ القَوِيِّ تَسْخُنُ الرُّوحُ جِدًّا فَيَسْخُنُ شُعاعُ العَيْنِ، بِخِلافِ ما إذا لَمْ يُسْتَحْسَنْ فَإنَّهُ لا تَحْصُلُ هَذِهِ السُّخُونَةُ؛ فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، ولِهَذا السَّبَبِ أمَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- العائِنَ بِالوُضُوءِ، ومَن أصابَتْهُ العَيْنُ بِالِاغْتِسالِ.
الوَجْهُ الثّانِي: قالَ أبُو هاشِمٍ وأبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ: إنَّهُ لا يُمْتَنَعُ أنْ تَكُونَ العَيْنُ حَقًّا، ويَكُونُ مَعْناهُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ اسْتِحْسانًا كانَ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّخْصَ وذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُتَعَلِّقًا بِهِ، فَهَذا المَعْنى غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، ثُمَّ لا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ لَوْ ذَكَرَ رَبَّهُ عِنْدَ تِلْكَ الحالَةِ، وعَدَلَ عَنِ الإعْجابِ وسَألَ رَبَّهُ تَقِيَّةَ ذَلِكَ، فَعِنْدَهُ تَتَعَيَّنُ المَصْلَحَةُ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ العادَةُ مُطَّرِدَةً لا جَرَمَ قِيلَ: العَيْنُ حَقٌّ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الحُكَماءِ قالُوا: هَذا الكَلامُ مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّمَةٍ وهي أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ المُؤَثِّرِ أنْ
صفحة ١٣٩
يَكُونَ تَأْثِيرُهُ بِحَسَبِ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ المَحْسُوسَةِ أعْنِي الحَرارَةَ والبُرُودَةَ والرُّطُوبَةَ واليُبُوسَةَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّأْثِيرُ نَفْسانِيًّا مَحْضًا، ولا يَكُونُ لِلْقُوى الجُسْمانِيَّةِ بِها تَعَلُّقٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ اللَّوْحَ الَّذِي يَكُونُ قَلِيلَ العَرْضِ إذا كانَ مَوْضُوعًا عَلى الأرْضِ قَدَرَ الإنْسانُ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ مَوْضُوعًا فِيما بَيْنَ جِدارَيْنِ عالِيَيْنِ لَعَجَزَ الإنْسانُ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّ خَوْفَهُ مِنَ السُّقُوطِ مِنهُ يُوجِبُ سُقُوطَهُ، فَعَلِمْنا أنَّ التَّأْثِيراتِ النَّفْسانِيَّةَ مَوْجُودَةٌ، وأيْضًا أنَّ الإنْسانَ إذا تَصَوَّرَ كَوْنَ فُلانٍ مُؤْذِيًا لَهُ حَصَلَ في قَلْبِهِ غَضَبٌ، ويَسْخُنُ مِزاجُهُ جِدًّا، فَمَبْدَأُ تِلْكَ السُّخُونَةِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ التَّصَوُّرَ النَّفْسانِيَّ، ولِأنَّ مَبْدَأ الحَرَكاتِ البَدَنِيَّةِ لَيْسَ إلّا التَّصَوُّراتِ النَّفْسانِيَّةَ، فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ تَصَوُّرَ النَّفْسِ يُوجِبُ تَغَيُّرَ بَدَنِهِ الخاصِّ؛ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَعْضُ النُّفُوسِ بِحَيْثُ تَتَعَدّى تَأْثِيراتُها إلى سائِرِ الأبْدانِ؛ فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ كَوْنُ النَّفْسِ مُؤَثِّرَةً في سائِرِ الأبْدانِ، وأيْضًا جَواهِرُ النُّفُوسِ المُخْتَلِفَةِ بِالماهِيَّةِ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ النُّفُوسِ بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ في تَغْيِيرِ بَدَنِ حَيَوانٍ آخَرَ بِشَرْطِ أنْ يَراهُ ويَتَعَجَّبَ مِنهُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المَعْنى أمْرٌ مُحْتَمَلٌ، والتَّجارِبُ مِنَ الزَّمَنِ الأقْدَمِ ساعَدَتْ عَلَيْهِ، والنُّفُوسُ النَّبَوِيَّةُ نَطَقَتْ بِهِ، فَعِنْدَهُ لا يَبْقى في وُقُوعِهِ شَكٌّ.
وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ أنَّ الَّذِي أطْبَقَ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِإصابَةِ العَيْنِ كَلامٌ حَقٌّ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ: أنَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ اشْتَهَرُوا بِمِصْرَ، وتَحَدَّثَ النّاسُ بِهِمْ وبِحُسْنِهِمْ وكَمالِهِمْ.
فَقالَ: ﴿لا تَدْخُلُوا﴾ تِلْكَ المَدِينَةَ ﴿مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ والهَيْئَةِ، فَلَمْ يَأْمَن عَلَيْهِمْ حَسَدَ النّاسِ، أوْ يُقالُ: لَمْ يَأْمَن عَلَيْهِمْ أنْ يَخافَهُمُ المَلِكُ الأعْظَمُ عَلى مُلْكِهِ فَيَحْبِسَهم.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ مُحْتَمَلٌ لا إنْكارَ فِيهِ إلّا أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا امْتِناعَ فِيهِ بِحَسَبِ العَقْلِ، والمُفَسِّرُونَ أطْبَقُوا عَلَيْهِ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ.
ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: خافَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ، فَقالَ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إلى عِلْمِهِ وقالَ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وعَرَفَ أنَّ العَيْنَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وكانَ قَتادَةُ يُفَسِّرُ الآيَةَ بِإصابَةِ العَيْنِ ويَقُولُ: لَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ إبْطالٌ لَهُ لِأنَّ العَيْنَ وإنْ صَحَّ؛ فاللَّهُ قادِرٌ عَلى دَفْعِ أثَرِهِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِأنَّ مَلِكَ مِصْرَ هو ولَدُهُ يُوسُفُ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أذِنَ لَهُ في إظْهارِ ذَلِكَ، فَلَمّا بَعَثَ أبْناءَهُ إلَيْهِ قالَ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وكانَ غَرَضُهُ أنْ يَصِلَ بِنْيامِينُ إلى يُوسُفَ في وقْتِ الخَلْوَةِ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مَأْمُورٌ بِأنْ يُراعِيَ الأسْبابَ المُعْتَبَرَةَ في هَذا العالَمِ، ومَأْمُورٌ أيْضًا بِأنْ يَعْتَقِدَ ويَجْزِمَ بِأنَّهُ لا يَصِلُ إلَيْهِ إلّا ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، وأنَّ الحَذَرَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ، فَإنَّ الإنْسانَ مَأْمُورٌ بِأنْ يَحْذَرَ عَنِ الأشْياءِ المُهْلِكَةِ، والأغْذِيَةِ الضّارَّةِ، ويَسْعى في تَحْصِيلِ المَنافِعِ، ودَفْعِ المَضارِّ بِقَدْرِ الإمْكانِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ جازِمًا بِأنَّهُ لا يَصِلُ إلَيْهِ إلّا ما قَدَّرَهُ اللَّهُ، ولا يَحْصُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى رِعايَةِ الأسْبابِ المُعْتَبَرَةِ في هَذا العالَمِ وقَوْلُهُ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ إشارَةٌ إلى عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الأسْبابِ، وإلى التَّوْحِيدِ المَحْضِ والبَراءَةِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى.
وقَوْلُ القائِلِ: كَيْفَ السَّبِيلُ إلى الجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ ؟ فَهَذا
صفحة ١٤٠
السُّؤالُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لا بُدَّ مِن إقامَةِ الطّاعاتِ، والِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ مَعَ أنّا نَعْتَقِدُ أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، وأنَّ الشَّقِيَّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ، فَكَذا هَهُنا نَأْكُلُ ونَشْرَبُ ونَحْتَرِزُ عَنِ السُّمُومِ وعَنِ الدُّخُولِ في النّارِ مَعَ أنَّ المَوْتَ والحَياةَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذا هَهُنا، فَظَهَرَ أنَّ هَذا السُّؤالَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذا المَقامِ، بَلْ هو بَحْثٌ عَنْ سِرِّ مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، بَلِ الحَقُّ أنَّ العَبْدَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْعى بِأقْصى الجُهْدِ والقُدْرَةِ، وبَعْدَ ذَلِكَ السَّعْيِ البَلِيغِ، والجِدِّ الجَهِيدِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما يَدْخُلُ في الوُجُودِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ وسابِقِ حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا المَعْنى، فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في القَضاءِ والقَدَرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الحُكْمَ عِبارَةٌ عَنِ الإلْزامِ والمَنعِ مِنَ النَّقِيضِ، وسُمِّيَتْ حَكَمَةُ الدّابَّةِ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّها تَمْنَعُ الدّابَّةَ عَنِ الحَرَكاتِ الفاسِدَةِ، والحُكْمُ إنَّما سُمِّيَ حُكْمًا لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الطَّرَفُ الآخَرُ مُمْتَنِعَ الحُصُولِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الحُكْمَ بِهَذا التَّفْسِيرِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مُسْتَنِدَةٌ إلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ وحُكْمِهِ، إمّا بِغَيْرِ واسِطَةٍ وإمّا بِواسِطَةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ ثَبَتَ أنَّهُ لا تَوَكُّلَ إلّا عَلى اللَّهِ، وأنَّ الرَّغْبَةَ لَيْسَتْ إلّا في رُجْحانِ وُجُودِ المُمْكِناتِ عَلى عَدَمِها، وذَلِكَ الرُّجْحانُ المانِعُ عَنِ النَّقِيضِ هو الحُكْمُ، وثَبَتَ بِالبُرْهانِ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ؛ فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ حُصُولَ كُلِّ الخَيْراتِ، ودَفْعَ كُلِّ الآفاتِ مِنَ اللَّهِ، ويُوجِبُ أنَّهُ لا تَوَكُّلَ إلّا عَلى اللَّهِ، فَهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ عالٍ، ونَحْنُ قَدْ أشَرْنا إلى ما هو البُرْهانُ الحَقُّ فِيهِ، والشَّيْخُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أطْنَبَ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى في كِتابِ التَّوَكُّلِ مِن كِتابِ ”إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ“ فَمَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ فِيهِ فَلْيُطالِعْ ذَلِكَ الكِتابَ.
يوسف 12:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا قالَ يَعْقُوبُ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ صَدَّقَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ: وما كانَ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ يُغْنِي مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ، وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ذَلِكَ التَّفَرُّقُ ما كانَ يَرُدُّ قَضاءَ اللَّهِ، ولا أمْرًا قَدَّرَهُ اللَّهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ العَيْنَ لَوْ قُدِّرَ أنْ تُصِيبَهم لَأصابَتْهم وهم مُتَفَرِّقُونَ كَما تُصِيبُهم وهم مُجْتَمِعُونَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم عِنْدَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ، وهَذِهِ الكَلِماتُ مُتَقارِبَةٌ، وحاصِلُها أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ.
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ بِالمَفْعُولِيَّةِ والرَّفْعَ بِالفاعِلِيَّةِ.
صفحة ١٤١
أمّا الأوَّلُ: فَهو كَقَوْلِهِ: ما رَأيْتُ مِن أحَدٍ، والتَّقْدِيرُ: ما رَأيْتُ أحَدًا، فَكَذا هَهُنا، تَقْدِيرُ الآيَةِ: أنَّ تَفَرُّقَهم ما كانَ يُغْنِي مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، أيْ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ ما كانَ يُخْرِجُ شَيْئًا مِن تَحْتِ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى.
وأمّا الثّانِي: فَكَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي مِن أحَدٍ، وتَقْدِيرُهُ: ما جاءَنِي أحَدٌ، فَكَذا هَهُنا، التَّقْدِيرُ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ مَعَ قَضائِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها، يَعْنِي أنَّ الدُّخُولَ عَلى صِفَةِ التَّفَرُّقِ قَضاءُ حاجَةٍ في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ تِلْكَ الحاجَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: خَوْفُهُ عَلَيْهِمْ مِن إصابَةِ العَيْنِ.
وثانِيها: خَوْفُهُ عَلَيْهِمْ مِن حَسَدِ أهْلِ مِصْرَ.
وثالِثُها: خَوْفُهُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَقْصِدَهم مَلِكُ مِصْرَ بِشَرٍّ.
ورابِعُها: خَوْفُهُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ لا يَرْجِعُوا إلَيْهِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُتَقارِبَةٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، والهاءُ عائِدَةٌ إلى يَعْقُوبَ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ مِن أجْلِ تَعْلِيمِنا إيّاهُ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ (ما) بِمَعْنى الَّذِي، والهاءُ عائِدَةٌ إلَيْها، والتَّأْوِيلُ: وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِلشَّيْءِ الَّذِي عَلَّمْناهُ، يَعْنِي أنّا لَمّا عَلَّمْناهُ شَيْئًا حَصَلَ لَهُ العِلْمُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ آخَرانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ الحِفْظُ، أيْ إنَّهُ لَذُو حِفْظٍ لِما عَلَّمْناهُ ومُراقَبَةٍ لَهُ.
والثّانِي: لَذُو عِلْمٍ لِفَوائِدِ ما عَلَّمْناهُ وحُسْنِ آثارِهِ، وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عامِلًا بِما عَلِمَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ ما عَلِمَ يَعْقُوبُ.
والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ والعِلْمِ.
والمُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ: المُشْرِكُونَ، فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِأنَّ اللَّهَ كَيْفَ أرْشَدَ أوْلِياءَهُ إلى العُلُومِ الَّتِي تَنْفَعُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
يوسف 12:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا أتَوْهُ بِأخِيهِ بِنْيامِينَ أكْرَمَهم وأضافَهم وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَةٍ ثُمَّ أمَرَ أنْ يَنْزِلَ مِنهم كُلُّ اثْنَيْنِ بَيْتًا، وقالَ: هَذا لا ثانِيَ لَهُ فاتْرُكُوهُ مَعِي فَآواهُ إلَيْهِ، ولَمّا رَأى يُوسُفُ تَأسُّفَهُ عَلى أخٍ لَهُ هَلَكَ؛ قالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ ؟ ولَكِنَّكَ لَمْ يَلِدْكَ
صفحة ١٤٢
يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ؛ فَبَكى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقامَ إلَيْهِ، وعانَقَهُ وقالَ: إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ في المَوْضِعِ الَّذِي كانَ يَأْوِي إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ وهْبٌ: لَمْ يُرِدْ أنَّهُ أخُوهُ مِنَ النَّسَبِ، ولَكِنْ أرادَ بِهِ إنِّي أقُومُ لَكَ مَقامَ أخِيكَ في الإيناسِ لِئَلّا تَسْتَوْحِشَ بِالتَّفَرُّدِ.
والصَّحِيحُ ما عَلَيْهِ سائِرُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ أرادَ تَعْرِيفَ النَّسَبِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى في إزالَةِ الوَحْشَةِ وحُصُولِ الأُنْسِ، ولِأنَّ الأصْلَ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ، فَلا وجْهَ لِصَرْفِهِ عَنْها إلى المَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”تَبْتَئِسْ“ تَفْتَعِلْ مِنَ البُؤْسِ وهو الضَّرَرُ والشِّدَّةُ والِابْتِئاسُ اجْتِلابُ الحُزْنِ والبُؤْسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن إقامَتِهِمْ عَلى حَسَدِنا، والحِرْصِ عَلى انْصِرافِ وجْهِ أبِينا عَنّا.
الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما بَقِيَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ العَداوَةِ، وصارَ صافِيًا مَعَ إخْوَتِهِ، فَأرادَ أنْ يَجْعَلَ قَلْبَ أخِيهِ صافِيًا مَعَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى ما صَنَعُوهُ فِيما تَقَدَّمَ، ولا تَلْتَفِتْ إلى أعْمالِهِمُ المُنْكَرَةِ الَّتِي أقْدَمُوا عَلَيْها.
الثّالِثُ: أنَّهم إنَّما فَعَلُوا بِيُوسُفَ ما فَعَلُوهُ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ عَلى إقْبالِ الأبِ عَلَيْهِ وتَخْصِيصِهِ بِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَخافَ بِنْيامِينُ أنْ يَحْسُدُوهُ بِسَبَبِ أنَّ المَلِكَ خَصَّهُ بِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَأمَّنَهُ مِنهُ وقالَ: لا تَلْتَفِتْ إلى ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ بَيْنِي وبَيْنَكَ.
الرّابِعُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا يُعَيِّرُونَ يُوسُفَ وأخاهُ بِسَبَبِ أنَّ جَدَّهُما أبا أُمِّهِما كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وأنَّ أُمَّ يُوسُفَ أمَرَتْ يُوسُفَ فَسَرَقَ جُونَةً كانَتْ لِأبِيها فِيها أصْنامٌ رَجاءَ أنْ يَتْرُكَ عِبادَتَها إذا فَقَدَها؛ فَقالَ لَهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التَّعْيِيرِ لَنا بِما كانَ عَلَيْهِ جَدُّنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ﴾ وقَدْ مَضى الكَلامُ في الجَهازِ والرَّحْلِ، أمّا السِّقايَةُ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَشْرَبَةٌ يُسْقى بِها وهو الصُّواعُ قِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ الإناءَ الَّذِي يَشْرَبُ المَلِكُ الكَبِيرُ مِنهُ لا يَصْلُحُ أنْ يُجْعَلَ صاعًا، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تُسْقى بِها ويُكالُ بِها أيْضًا وهَذا أقْرَبُ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ، وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ الآنِيَةَ الَّتِي يُسْقى الدَّوابُّ فِيها لا تَكُونُ كَذَلِكَ، والأوْلى أنْ يُقالَ: كانَ ذَلِكَ الإناءُ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ، أمّا إلى هَذا الحَدِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ يُقالُ: آذَنَهُ أيْ أعْلَمَهُ وفي الفَرْقِ بَيْنَ أذَّنَ وبَيْنَ آذَنَ وجْهانِ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أذَّنَ مَعْناهُ أعْلَمَ إعْلامًا بَعْدَ إعْلامٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ تَكْرِيرَ الفِعْلِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعْلامًا واحِدًا مِن قَبِيلِ أنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ فَعَّلَ بِمَعْنى أفْعَلَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: أذَّنْتُ وآذَنْتُ مَعْناهُ أعْلَمْتُ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما، والتَّأْذِينُ مَعْناهُ النِّداءُ والتَّصْوِيتُ بِالإعْلامِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: كُلُّ ما سُيِّرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: العِيرُ الإبِلُ خاصَّةً باطِلٌ، وقِيلَ: العِيرُ الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ
صفحة ١٤٣
تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ: عِيرٌ كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ وجَمْعُها فُعُلٌ كَسَقْفٍ وسُقُفٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ المُرادُ: أصْحابُ العِيرِ كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (وجَعَلَ السِّقايَةَ) عَلى حَذْفِ جَوابِ لَمّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ؛ أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: هَلْ كانَ ذَلِكَ النِّداءُ بِأمْرِ يُوسُفَ أوْ ما كانَ بِأمْرِهِ ؟ فَإنْ كانَ بِأمْرِهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ الحَقِّ مِن عِنْدِ اللَّهِ أنْ يَتَّهِمَ أقْوامًا ويَنْسُبَهم إلى السَّرِقَةِ كَذِبًا وبُهْتانًا ؟ وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّهُ ما كانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ فَهَلّا أنْكَرَهُ، وهَلّا أظْهَرَ بَراءَتَهم عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ.
قُلْنا: العُلَماءُ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أظْهَرَ لِأخِيهِ أنَّهُ يُوسُفُ قالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أحْبِسَكَ هَهُنا، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذِهِ الحِيلَةِ فَإنْ رَضِيتَ بِها فالأمْرُ لَكَ؛ فَرَضِيَ بِأنْ يُقالَ في حَقِّهِ ذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَتَألَّمْ قَلْبُهُ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ ذَنْبًا.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ إنَّكم لَسارِقُونَ يُوسُفَ مِن أبِيهِ، إلّا أنَّهم ما أظْهَرُوا هَذا الكَلامَ، والمَعارِيضُ لا تَكُونُ إلّا كَذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ المُؤَذِّنَ رُبَّما ذَكَرَ ذَلِكَ النِّداءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ كَذِبًا.
الرّابِعُ: لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّهم نادُوا بِذَلِكَ النِّداءِ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلامُ - والأقْرَبُ إلى ظاهِرِ الحالِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا السِّقايَةَ وما وجَدُوها وما كانَ هُناكَ أحَدٌ إلّا هم غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ أخَذُوها ثُمَّ إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا، قالُوا: نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ صُواعَ وصاعَ وصَوْعَ وصُوعَ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّها، والعَيْنُ مُعْجَمَةٌ وغَيْرُ مُعْجَمَةٍ. قالَ بَعْضُهم: جَمْعُ صُواعٍ صِيعانٌ، كَغُرابٍ وغِرْبانٍ، وجَمْعُ صاعٍ أصْواعٌ، كَبابٍ وأبْوابٍ. وقالَ آخَرُونَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الصّاعِ والصُّواعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ أبِي هُرَيْرَةَ: (قالُوا نَفْقِدُ صاعَ المَلِكِ) وقالَ بَعْضُهم: الصُّواعُ اسْمٌ، والسِّقايَةُ وصْفٌ، كَقَوْلِهِمْ: كُوزٌ وسِقاءٌ، فالكُوزُ اسْمٌ، والسِّقاءُ وصْفٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الزَّعِيمُ هو المُؤَذِّنُ الَّذِي أذَّنَ. وتَفْسِيرُ زَعِيمٍ كَفِيلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: الزَّعِيمُ: الكَفِيلُ بِلِسانِ أهْلِ اليَمَنِ.
ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الكِسائِيِّ: زَعَمَتْ بِهِ تَزْعُمُ زَعْمًا وزَعامَةً. أيْ كَفَلَتْ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَفالَةَ كانَتْ صَحِيحَةً في شَرْعِهِمْ، وقَدْ حَكَمَ بِها رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في قَوْلِهِ: «الزَّعِيمُ غارِمٌ»
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ كَفالَةٌ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ ؟
قُلْنا: حِمْلُ بَعِيرٍ مِنَ الطَّعامِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم، فَصَحَّتِ الكَفالَةُ بِهِ، إلّا أنَّ هَذِهِ كَفالَةُ مالٍ لِرَدِّ سَرِقَةٍ، وهو كَفالَةٌ بِما لَمْ يَجِبْ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ لِلسّارِقِ أنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلى رَدِّ السَّرِقَةِ، ولَعَلَّ مِثْلَ هَذِهِ الكَفالَةِ كانَتْ تَصِحُّ عِنْدَهم.
يوسف 12:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا أتَوْهُ بِأخِيهِ بِنْيامِينَ أكْرَمَهم وأضافَهم وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَةٍ ثُمَّ أمَرَ أنْ يَنْزِلَ مِنهم كُلُّ اثْنَيْنِ بَيْتًا، وقالَ: هَذا لا ثانِيَ لَهُ فاتْرُكُوهُ مَعِي فَآواهُ إلَيْهِ، ولَمّا رَأى يُوسُفُ تَأسُّفَهُ عَلى أخٍ لَهُ هَلَكَ؛ قالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ ؟ ولَكِنَّكَ لَمْ يَلِدْكَ
صفحة ١٤٢
يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ؛ فَبَكى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقامَ إلَيْهِ، وعانَقَهُ وقالَ: إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ في المَوْضِعِ الَّذِي كانَ يَأْوِي إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ وهْبٌ: لَمْ يُرِدْ أنَّهُ أخُوهُ مِنَ النَّسَبِ، ولَكِنْ أرادَ بِهِ إنِّي أقُومُ لَكَ مَقامَ أخِيكَ في الإيناسِ لِئَلّا تَسْتَوْحِشَ بِالتَّفَرُّدِ.
والصَّحِيحُ ما عَلَيْهِ سائِرُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ أرادَ تَعْرِيفَ النَّسَبِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى في إزالَةِ الوَحْشَةِ وحُصُولِ الأُنْسِ، ولِأنَّ الأصْلَ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ، فَلا وجْهَ لِصَرْفِهِ عَنْها إلى المَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”تَبْتَئِسْ“ تَفْتَعِلْ مِنَ البُؤْسِ وهو الضَّرَرُ والشِّدَّةُ والِابْتِئاسُ اجْتِلابُ الحُزْنِ والبُؤْسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن إقامَتِهِمْ عَلى حَسَدِنا، والحِرْصِ عَلى انْصِرافِ وجْهِ أبِينا عَنّا.
الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما بَقِيَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ العَداوَةِ، وصارَ صافِيًا مَعَ إخْوَتِهِ، فَأرادَ أنْ يَجْعَلَ قَلْبَ أخِيهِ صافِيًا مَعَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى ما صَنَعُوهُ فِيما تَقَدَّمَ، ولا تَلْتَفِتْ إلى أعْمالِهِمُ المُنْكَرَةِ الَّتِي أقْدَمُوا عَلَيْها.
الثّالِثُ: أنَّهم إنَّما فَعَلُوا بِيُوسُفَ ما فَعَلُوهُ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ عَلى إقْبالِ الأبِ عَلَيْهِ وتَخْصِيصِهِ بِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَخافَ بِنْيامِينُ أنْ يَحْسُدُوهُ بِسَبَبِ أنَّ المَلِكَ خَصَّهُ بِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَأمَّنَهُ مِنهُ وقالَ: لا تَلْتَفِتْ إلى ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ بَيْنِي وبَيْنَكَ.
الرّابِعُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا يُعَيِّرُونَ يُوسُفَ وأخاهُ بِسَبَبِ أنَّ جَدَّهُما أبا أُمِّهِما كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وأنَّ أُمَّ يُوسُفَ أمَرَتْ يُوسُفَ فَسَرَقَ جُونَةً كانَتْ لِأبِيها فِيها أصْنامٌ رَجاءَ أنْ يَتْرُكَ عِبادَتَها إذا فَقَدَها؛ فَقالَ لَهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التَّعْيِيرِ لَنا بِما كانَ عَلَيْهِ جَدُّنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ﴾ وقَدْ مَضى الكَلامُ في الجَهازِ والرَّحْلِ، أمّا السِّقايَةُ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَشْرَبَةٌ يُسْقى بِها وهو الصُّواعُ قِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ الإناءَ الَّذِي يَشْرَبُ المَلِكُ الكَبِيرُ مِنهُ لا يَصْلُحُ أنْ يُجْعَلَ صاعًا، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تُسْقى بِها ويُكالُ بِها أيْضًا وهَذا أقْرَبُ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ، وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ الآنِيَةَ الَّتِي يُسْقى الدَّوابُّ فِيها لا تَكُونُ كَذَلِكَ، والأوْلى أنْ يُقالَ: كانَ ذَلِكَ الإناءُ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ، أمّا إلى هَذا الحَدِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ يُقالُ: آذَنَهُ أيْ أعْلَمَهُ وفي الفَرْقِ بَيْنَ أذَّنَ وبَيْنَ آذَنَ وجْهانِ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أذَّنَ مَعْناهُ أعْلَمَ إعْلامًا بَعْدَ إعْلامٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ تَكْرِيرَ الفِعْلِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعْلامًا واحِدًا مِن قَبِيلِ أنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ فَعَّلَ بِمَعْنى أفْعَلَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: أذَّنْتُ وآذَنْتُ مَعْناهُ أعْلَمْتُ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما، والتَّأْذِينُ مَعْناهُ النِّداءُ والتَّصْوِيتُ بِالإعْلامِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: كُلُّ ما سُيِّرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: العِيرُ الإبِلُ خاصَّةً باطِلٌ، وقِيلَ: العِيرُ الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ
صفحة ١٤٣
تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ: عِيرٌ كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ وجَمْعُها فُعُلٌ كَسَقْفٍ وسُقُفٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ المُرادُ: أصْحابُ العِيرِ كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (وجَعَلَ السِّقايَةَ) عَلى حَذْفِ جَوابِ لَمّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ؛ أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: هَلْ كانَ ذَلِكَ النِّداءُ بِأمْرِ يُوسُفَ أوْ ما كانَ بِأمْرِهِ ؟ فَإنْ كانَ بِأمْرِهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ الحَقِّ مِن عِنْدِ اللَّهِ أنْ يَتَّهِمَ أقْوامًا ويَنْسُبَهم إلى السَّرِقَةِ كَذِبًا وبُهْتانًا ؟ وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّهُ ما كانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ فَهَلّا أنْكَرَهُ، وهَلّا أظْهَرَ بَراءَتَهم عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ.
قُلْنا: العُلَماءُ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أظْهَرَ لِأخِيهِ أنَّهُ يُوسُفُ قالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أحْبِسَكَ هَهُنا، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذِهِ الحِيلَةِ فَإنْ رَضِيتَ بِها فالأمْرُ لَكَ؛ فَرَضِيَ بِأنْ يُقالَ في حَقِّهِ ذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَتَألَّمْ قَلْبُهُ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ ذَنْبًا.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ إنَّكم لَسارِقُونَ يُوسُفَ مِن أبِيهِ، إلّا أنَّهم ما أظْهَرُوا هَذا الكَلامَ، والمَعارِيضُ لا تَكُونُ إلّا كَذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ المُؤَذِّنَ رُبَّما ذَكَرَ ذَلِكَ النِّداءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ كَذِبًا.
الرّابِعُ: لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّهم نادُوا بِذَلِكَ النِّداءِ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلامُ - والأقْرَبُ إلى ظاهِرِ الحالِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا السِّقايَةَ وما وجَدُوها وما كانَ هُناكَ أحَدٌ إلّا هم غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ أخَذُوها ثُمَّ إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا، قالُوا: نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ صُواعَ وصاعَ وصَوْعَ وصُوعَ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّها، والعَيْنُ مُعْجَمَةٌ وغَيْرُ مُعْجَمَةٍ. قالَ بَعْضُهم: جَمْعُ صُواعٍ صِيعانٌ، كَغُرابٍ وغِرْبانٍ، وجَمْعُ صاعٍ أصْواعٌ، كَبابٍ وأبْوابٍ. وقالَ آخَرُونَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الصّاعِ والصُّواعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ أبِي هُرَيْرَةَ: (قالُوا نَفْقِدُ صاعَ المَلِكِ) وقالَ بَعْضُهم: الصُّواعُ اسْمٌ، والسِّقايَةُ وصْفٌ، كَقَوْلِهِمْ: كُوزٌ وسِقاءٌ، فالكُوزُ اسْمٌ، والسِّقاءُ وصْفٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الزَّعِيمُ هو المُؤَذِّنُ الَّذِي أذَّنَ. وتَفْسِيرُ زَعِيمٍ كَفِيلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: الزَّعِيمُ: الكَفِيلُ بِلِسانِ أهْلِ اليَمَنِ.
ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الكِسائِيِّ: زَعَمَتْ بِهِ تَزْعُمُ زَعْمًا وزَعامَةً. أيْ كَفَلَتْ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَفالَةَ كانَتْ صَحِيحَةً في شَرْعِهِمْ، وقَدْ حَكَمَ بِها رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في قَوْلِهِ: «الزَّعِيمُ غارِمٌ»
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ كَفالَةٌ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ ؟
قُلْنا: حِمْلُ بَعِيرٍ مِنَ الطَّعامِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم، فَصَحَّتِ الكَفالَةُ بِهِ، إلّا أنَّ هَذِهِ كَفالَةُ مالٍ لِرَدِّ سَرِقَةٍ، وهو كَفالَةٌ بِما لَمْ يَجِبْ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ لِلسّارِقِ أنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلى رَدِّ السَّرِقَةِ، ولَعَلَّ مِثْلَ هَذِهِ الكَفالَةِ كانَتْ تَصِحُّ عِنْدَهم.
يوسف 12:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا أتَوْهُ بِأخِيهِ بِنْيامِينَ أكْرَمَهم وأضافَهم وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَةٍ ثُمَّ أمَرَ أنْ يَنْزِلَ مِنهم كُلُّ اثْنَيْنِ بَيْتًا، وقالَ: هَذا لا ثانِيَ لَهُ فاتْرُكُوهُ مَعِي فَآواهُ إلَيْهِ، ولَمّا رَأى يُوسُفُ تَأسُّفَهُ عَلى أخٍ لَهُ هَلَكَ؛ قالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ ؟ ولَكِنَّكَ لَمْ يَلِدْكَ
صفحة ١٤٢
يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ؛ فَبَكى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقامَ إلَيْهِ، وعانَقَهُ وقالَ: إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ في المَوْضِعِ الَّذِي كانَ يَأْوِي إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ وهْبٌ: لَمْ يُرِدْ أنَّهُ أخُوهُ مِنَ النَّسَبِ، ولَكِنْ أرادَ بِهِ إنِّي أقُومُ لَكَ مَقامَ أخِيكَ في الإيناسِ لِئَلّا تَسْتَوْحِشَ بِالتَّفَرُّدِ.
والصَّحِيحُ ما عَلَيْهِ سائِرُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ أرادَ تَعْرِيفَ النَّسَبِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى في إزالَةِ الوَحْشَةِ وحُصُولِ الأُنْسِ، ولِأنَّ الأصْلَ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ، فَلا وجْهَ لِصَرْفِهِ عَنْها إلى المَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”تَبْتَئِسْ“ تَفْتَعِلْ مِنَ البُؤْسِ وهو الضَّرَرُ والشِّدَّةُ والِابْتِئاسُ اجْتِلابُ الحُزْنِ والبُؤْسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن إقامَتِهِمْ عَلى حَسَدِنا، والحِرْصِ عَلى انْصِرافِ وجْهِ أبِينا عَنّا.
الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما بَقِيَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ العَداوَةِ، وصارَ صافِيًا مَعَ إخْوَتِهِ، فَأرادَ أنْ يَجْعَلَ قَلْبَ أخِيهِ صافِيًا مَعَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى ما صَنَعُوهُ فِيما تَقَدَّمَ، ولا تَلْتَفِتْ إلى أعْمالِهِمُ المُنْكَرَةِ الَّتِي أقْدَمُوا عَلَيْها.
الثّالِثُ: أنَّهم إنَّما فَعَلُوا بِيُوسُفَ ما فَعَلُوهُ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ عَلى إقْبالِ الأبِ عَلَيْهِ وتَخْصِيصِهِ بِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَخافَ بِنْيامِينُ أنْ يَحْسُدُوهُ بِسَبَبِ أنَّ المَلِكَ خَصَّهُ بِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَأمَّنَهُ مِنهُ وقالَ: لا تَلْتَفِتْ إلى ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ بَيْنِي وبَيْنَكَ.
الرّابِعُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا يُعَيِّرُونَ يُوسُفَ وأخاهُ بِسَبَبِ أنَّ جَدَّهُما أبا أُمِّهِما كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وأنَّ أُمَّ يُوسُفَ أمَرَتْ يُوسُفَ فَسَرَقَ جُونَةً كانَتْ لِأبِيها فِيها أصْنامٌ رَجاءَ أنْ يَتْرُكَ عِبادَتَها إذا فَقَدَها؛ فَقالَ لَهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التَّعْيِيرِ لَنا بِما كانَ عَلَيْهِ جَدُّنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ﴾ وقَدْ مَضى الكَلامُ في الجَهازِ والرَّحْلِ، أمّا السِّقايَةُ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَشْرَبَةٌ يُسْقى بِها وهو الصُّواعُ قِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ الإناءَ الَّذِي يَشْرَبُ المَلِكُ الكَبِيرُ مِنهُ لا يَصْلُحُ أنْ يُجْعَلَ صاعًا، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تُسْقى بِها ويُكالُ بِها أيْضًا وهَذا أقْرَبُ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ، وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ الآنِيَةَ الَّتِي يُسْقى الدَّوابُّ فِيها لا تَكُونُ كَذَلِكَ، والأوْلى أنْ يُقالَ: كانَ ذَلِكَ الإناءُ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ، أمّا إلى هَذا الحَدِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ يُقالُ: آذَنَهُ أيْ أعْلَمَهُ وفي الفَرْقِ بَيْنَ أذَّنَ وبَيْنَ آذَنَ وجْهانِ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أذَّنَ مَعْناهُ أعْلَمَ إعْلامًا بَعْدَ إعْلامٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ تَكْرِيرَ الفِعْلِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعْلامًا واحِدًا مِن قَبِيلِ أنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ فَعَّلَ بِمَعْنى أفْعَلَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: أذَّنْتُ وآذَنْتُ مَعْناهُ أعْلَمْتُ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما، والتَّأْذِينُ مَعْناهُ النِّداءُ والتَّصْوِيتُ بِالإعْلامِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: كُلُّ ما سُيِّرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: العِيرُ الإبِلُ خاصَّةً باطِلٌ، وقِيلَ: العِيرُ الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ
صفحة ١٤٣
تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ: عِيرٌ كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ وجَمْعُها فُعُلٌ كَسَقْفٍ وسُقُفٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ المُرادُ: أصْحابُ العِيرِ كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (وجَعَلَ السِّقايَةَ) عَلى حَذْفِ جَوابِ لَمّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ؛ أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: هَلْ كانَ ذَلِكَ النِّداءُ بِأمْرِ يُوسُفَ أوْ ما كانَ بِأمْرِهِ ؟ فَإنْ كانَ بِأمْرِهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ الحَقِّ مِن عِنْدِ اللَّهِ أنْ يَتَّهِمَ أقْوامًا ويَنْسُبَهم إلى السَّرِقَةِ كَذِبًا وبُهْتانًا ؟ وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّهُ ما كانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ فَهَلّا أنْكَرَهُ، وهَلّا أظْهَرَ بَراءَتَهم عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ.
قُلْنا: العُلَماءُ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أظْهَرَ لِأخِيهِ أنَّهُ يُوسُفُ قالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أحْبِسَكَ هَهُنا، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذِهِ الحِيلَةِ فَإنْ رَضِيتَ بِها فالأمْرُ لَكَ؛ فَرَضِيَ بِأنْ يُقالَ في حَقِّهِ ذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَتَألَّمْ قَلْبُهُ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ ذَنْبًا.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ إنَّكم لَسارِقُونَ يُوسُفَ مِن أبِيهِ، إلّا أنَّهم ما أظْهَرُوا هَذا الكَلامَ، والمَعارِيضُ لا تَكُونُ إلّا كَذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ المُؤَذِّنَ رُبَّما ذَكَرَ ذَلِكَ النِّداءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ كَذِبًا.
الرّابِعُ: لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّهم نادُوا بِذَلِكَ النِّداءِ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلامُ - والأقْرَبُ إلى ظاهِرِ الحالِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا السِّقايَةَ وما وجَدُوها وما كانَ هُناكَ أحَدٌ إلّا هم غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ أخَذُوها ثُمَّ إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا، قالُوا: نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ صُواعَ وصاعَ وصَوْعَ وصُوعَ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّها، والعَيْنُ مُعْجَمَةٌ وغَيْرُ مُعْجَمَةٍ. قالَ بَعْضُهم: جَمْعُ صُواعٍ صِيعانٌ، كَغُرابٍ وغِرْبانٍ، وجَمْعُ صاعٍ أصْواعٌ، كَبابٍ وأبْوابٍ. وقالَ آخَرُونَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الصّاعِ والصُّواعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ أبِي هُرَيْرَةَ: (قالُوا نَفْقِدُ صاعَ المَلِكِ) وقالَ بَعْضُهم: الصُّواعُ اسْمٌ، والسِّقايَةُ وصْفٌ، كَقَوْلِهِمْ: كُوزٌ وسِقاءٌ، فالكُوزُ اسْمٌ، والسِّقاءُ وصْفٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الزَّعِيمُ هو المُؤَذِّنُ الَّذِي أذَّنَ. وتَفْسِيرُ زَعِيمٍ كَفِيلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: الزَّعِيمُ: الكَفِيلُ بِلِسانِ أهْلِ اليَمَنِ.
ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الكِسائِيِّ: زَعَمَتْ بِهِ تَزْعُمُ زَعْمًا وزَعامَةً. أيْ كَفَلَتْ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَفالَةَ كانَتْ صَحِيحَةً في شَرْعِهِمْ، وقَدْ حَكَمَ بِها رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في قَوْلِهِ: «الزَّعِيمُ غارِمٌ»
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ كَفالَةٌ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ ؟
قُلْنا: حِمْلُ بَعِيرٍ مِنَ الطَّعامِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم، فَصَحَّتِ الكَفالَةُ بِهِ، إلّا أنَّ هَذِهِ كَفالَةُ مالٍ لِرَدِّ سَرِقَةٍ، وهو كَفالَةٌ بِما لَمْ يَجِبْ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ لِلسّارِقِ أنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلى رَدِّ السَّرِقَةِ، ولَعَلَّ مِثْلَ هَذِهِ الكَفالَةِ كانَتْ تَصِحُّ عِنْدَهم.
يوسف 12:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا أتَوْهُ بِأخِيهِ بِنْيامِينَ أكْرَمَهم وأضافَهم وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَةٍ ثُمَّ أمَرَ أنْ يَنْزِلَ مِنهم كُلُّ اثْنَيْنِ بَيْتًا، وقالَ: هَذا لا ثانِيَ لَهُ فاتْرُكُوهُ مَعِي فَآواهُ إلَيْهِ، ولَمّا رَأى يُوسُفُ تَأسُّفَهُ عَلى أخٍ لَهُ هَلَكَ؛ قالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ ؟ ولَكِنَّكَ لَمْ يَلِدْكَ
صفحة ١٤٢
يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ؛ فَبَكى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقامَ إلَيْهِ، وعانَقَهُ وقالَ: إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ في المَوْضِعِ الَّذِي كانَ يَأْوِي إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ وهْبٌ: لَمْ يُرِدْ أنَّهُ أخُوهُ مِنَ النَّسَبِ، ولَكِنْ أرادَ بِهِ إنِّي أقُومُ لَكَ مَقامَ أخِيكَ في الإيناسِ لِئَلّا تَسْتَوْحِشَ بِالتَّفَرُّدِ.
والصَّحِيحُ ما عَلَيْهِ سائِرُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ أرادَ تَعْرِيفَ النَّسَبِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى في إزالَةِ الوَحْشَةِ وحُصُولِ الأُنْسِ، ولِأنَّ الأصْلَ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ، فَلا وجْهَ لِصَرْفِهِ عَنْها إلى المَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”تَبْتَئِسْ“ تَفْتَعِلْ مِنَ البُؤْسِ وهو الضَّرَرُ والشِّدَّةُ والِابْتِئاسُ اجْتِلابُ الحُزْنِ والبُؤْسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن إقامَتِهِمْ عَلى حَسَدِنا، والحِرْصِ عَلى انْصِرافِ وجْهِ أبِينا عَنّا.
الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما بَقِيَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ العَداوَةِ، وصارَ صافِيًا مَعَ إخْوَتِهِ، فَأرادَ أنْ يَجْعَلَ قَلْبَ أخِيهِ صافِيًا مَعَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى ما صَنَعُوهُ فِيما تَقَدَّمَ، ولا تَلْتَفِتْ إلى أعْمالِهِمُ المُنْكَرَةِ الَّتِي أقْدَمُوا عَلَيْها.
الثّالِثُ: أنَّهم إنَّما فَعَلُوا بِيُوسُفَ ما فَعَلُوهُ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ عَلى إقْبالِ الأبِ عَلَيْهِ وتَخْصِيصِهِ بِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَخافَ بِنْيامِينُ أنْ يَحْسُدُوهُ بِسَبَبِ أنَّ المَلِكَ خَصَّهُ بِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَأمَّنَهُ مِنهُ وقالَ: لا تَلْتَفِتْ إلى ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ بَيْنِي وبَيْنَكَ.
الرّابِعُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا يُعَيِّرُونَ يُوسُفَ وأخاهُ بِسَبَبِ أنَّ جَدَّهُما أبا أُمِّهِما كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وأنَّ أُمَّ يُوسُفَ أمَرَتْ يُوسُفَ فَسَرَقَ جُونَةً كانَتْ لِأبِيها فِيها أصْنامٌ رَجاءَ أنْ يَتْرُكَ عِبادَتَها إذا فَقَدَها؛ فَقالَ لَهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التَّعْيِيرِ لَنا بِما كانَ عَلَيْهِ جَدُّنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ﴾ وقَدْ مَضى الكَلامُ في الجَهازِ والرَّحْلِ، أمّا السِّقايَةُ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَشْرَبَةٌ يُسْقى بِها وهو الصُّواعُ قِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ الإناءَ الَّذِي يَشْرَبُ المَلِكُ الكَبِيرُ مِنهُ لا يَصْلُحُ أنْ يُجْعَلَ صاعًا، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تُسْقى بِها ويُكالُ بِها أيْضًا وهَذا أقْرَبُ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ، وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ الآنِيَةَ الَّتِي يُسْقى الدَّوابُّ فِيها لا تَكُونُ كَذَلِكَ، والأوْلى أنْ يُقالَ: كانَ ذَلِكَ الإناءُ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ، أمّا إلى هَذا الحَدِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ يُقالُ: آذَنَهُ أيْ أعْلَمَهُ وفي الفَرْقِ بَيْنَ أذَّنَ وبَيْنَ آذَنَ وجْهانِ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أذَّنَ مَعْناهُ أعْلَمَ إعْلامًا بَعْدَ إعْلامٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ تَكْرِيرَ الفِعْلِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعْلامًا واحِدًا مِن قَبِيلِ أنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ فَعَّلَ بِمَعْنى أفْعَلَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: أذَّنْتُ وآذَنْتُ مَعْناهُ أعْلَمْتُ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما، والتَّأْذِينُ مَعْناهُ النِّداءُ والتَّصْوِيتُ بِالإعْلامِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: كُلُّ ما سُيِّرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: العِيرُ الإبِلُ خاصَّةً باطِلٌ، وقِيلَ: العِيرُ الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ
صفحة ١٤٣
تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ: عِيرٌ كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ وجَمْعُها فُعُلٌ كَسَقْفٍ وسُقُفٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ المُرادُ: أصْحابُ العِيرِ كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (وجَعَلَ السِّقايَةَ) عَلى حَذْفِ جَوابِ لَمّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ؛ أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: هَلْ كانَ ذَلِكَ النِّداءُ بِأمْرِ يُوسُفَ أوْ ما كانَ بِأمْرِهِ ؟ فَإنْ كانَ بِأمْرِهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ الحَقِّ مِن عِنْدِ اللَّهِ أنْ يَتَّهِمَ أقْوامًا ويَنْسُبَهم إلى السَّرِقَةِ كَذِبًا وبُهْتانًا ؟ وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّهُ ما كانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ فَهَلّا أنْكَرَهُ، وهَلّا أظْهَرَ بَراءَتَهم عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ.
قُلْنا: العُلَماءُ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أظْهَرَ لِأخِيهِ أنَّهُ يُوسُفُ قالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أحْبِسَكَ هَهُنا، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذِهِ الحِيلَةِ فَإنْ رَضِيتَ بِها فالأمْرُ لَكَ؛ فَرَضِيَ بِأنْ يُقالَ في حَقِّهِ ذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَتَألَّمْ قَلْبُهُ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ ذَنْبًا.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ إنَّكم لَسارِقُونَ يُوسُفَ مِن أبِيهِ، إلّا أنَّهم ما أظْهَرُوا هَذا الكَلامَ، والمَعارِيضُ لا تَكُونُ إلّا كَذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ المُؤَذِّنَ رُبَّما ذَكَرَ ذَلِكَ النِّداءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ كَذِبًا.
الرّابِعُ: لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّهم نادُوا بِذَلِكَ النِّداءِ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلامُ - والأقْرَبُ إلى ظاهِرِ الحالِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا السِّقايَةَ وما وجَدُوها وما كانَ هُناكَ أحَدٌ إلّا هم غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ أخَذُوها ثُمَّ إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا، قالُوا: نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ صُواعَ وصاعَ وصَوْعَ وصُوعَ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّها، والعَيْنُ مُعْجَمَةٌ وغَيْرُ مُعْجَمَةٍ. قالَ بَعْضُهم: جَمْعُ صُواعٍ صِيعانٌ، كَغُرابٍ وغِرْبانٍ، وجَمْعُ صاعٍ أصْواعٌ، كَبابٍ وأبْوابٍ. وقالَ آخَرُونَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الصّاعِ والصُّواعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ أبِي هُرَيْرَةَ: (قالُوا نَفْقِدُ صاعَ المَلِكِ) وقالَ بَعْضُهم: الصُّواعُ اسْمٌ، والسِّقايَةُ وصْفٌ، كَقَوْلِهِمْ: كُوزٌ وسِقاءٌ، فالكُوزُ اسْمٌ، والسِّقاءُ وصْفٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الزَّعِيمُ هو المُؤَذِّنُ الَّذِي أذَّنَ. وتَفْسِيرُ زَعِيمٍ كَفِيلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: الزَّعِيمُ: الكَفِيلُ بِلِسانِ أهْلِ اليَمَنِ.
ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الكِسائِيِّ: زَعَمَتْ بِهِ تَزْعُمُ زَعْمًا وزَعامَةً. أيْ كَفَلَتْ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَفالَةَ كانَتْ صَحِيحَةً في شَرْعِهِمْ، وقَدْ حَكَمَ بِها رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في قَوْلِهِ: «الزَّعِيمُ غارِمٌ»
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ كَفالَةٌ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ ؟
قُلْنا: حِمْلُ بَعِيرٍ مِنَ الطَّعامِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم، فَصَحَّتِ الكَفالَةُ بِهِ، إلّا أنَّ هَذِهِ كَفالَةُ مالٍ لِرَدِّ سَرِقَةٍ، وهو كَفالَةٌ بِما لَمْ يَجِبْ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ لِلسّارِقِ أنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلى رَدِّ السَّرِقَةِ، ولَعَلَّ مِثْلَ هَذِهِ الكَفالَةِ كانَتْ تَصِحُّ عِنْدَهم.
يوسف 12:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
قالَ البَصْرِيُّونَ: الواوُ في (واللَّهِ) بَدَلٌ مِنَ التّاءِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، فَضَعُفَتْ عَنِ التَّصَرُّفِ في سائِرِ الأسْماءِ، وجُعِلَتْ فِيما هو أحَقُّ بِالقَسَمِ وهو اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: حَلَفُوا عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: عَلى أنَّهم ما جاءُوا لِأجْلِ الفَسادِ في الأرْضِ لِأنَّهُ ظَهَرَ مِن أحْوالِهِ امْتِناعُهم مِنَ التَّصَرُّفِ في أمْوالِ النّاسِ بِالكُلِّيَّةِ لا بِالأكْلِ ولا بِإرْسالِ الدَّوابِّ في مَزارِعِ النّاسِ، حَتّى رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ سَدُّوا أفْواهَ دَوابِّهِمْ لِئَلّا تَعْبَثَ في زَرْعٍ، وكانُوا مُواظِبِينَ عَلى أنْواعِ الطّاعاتِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فالفَسادُ في الأرْضِ لا يَلِيقُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهم ما كانُوا سارِقِينَ، وقَدْ حَصَلَ لَهم فِيهِ شاهِدٌ قاطِعٌ، وهو أنَّهم لَمّا وجَدُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ حَمَلُوها مِن بِلادِهِمْ إلى مِصْرَ ولَمْ يَسْتَحِلُّوا أخْذَها، والسّارِقُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ البَتَّةَ ثُمَّ لَمّا بَيَّنُوا بَراءَتَهم عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ قالَ أصْحابُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فَأجابُوا و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ يَسْتَعْبِدُونَ كُلَّ سارِقٍ بِسَرِقَتِهِ، وكانَ اسْتِعْبادُ السّارِقِ في شَرْعِهِمْ يَجْرِي مَجْرى وُجُوبِ القَطْعِ في شَرْعِنا، والمَعْنى جَزاءُ هَذا الجُرْمِ مَن وُجِدَ المَسْرُوقُ في رَحْلِهِ، أيْ ذَلِكَ الشَّخْصُ هو جَزاءُ ذَلِكَ الجُرْمِ، والمَعْنى: أنَّ اسْتِعْبادَهُ هو جَزاءُ ذَلِكَ الجُرْمِ، قالَ الزَّجّاجُ: وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأٌ، و(مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ) خَبَرُهُ. والمَعْنى: جَزاءُ السَّرِقَةِ هو الإنْسانُ الَّذِي وُجِدَ في رَحْلِهِ السَّرِقَةُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ كَما تَقُولُ: جَزاءُ السّارِقِ القَطْعُ فَهو جَزاؤُهُ.
الثّانِي: أنْ يُقالَ: ﴿جَزاؤُهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ جُمْلَةٌ وهي في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ. والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قِيلَ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو، إلّا أنَّهُ أقامَ المُضْمَرَ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في البَيانِ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:
لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الجَزاءِ جَزاءُ الظّالِمِينَ يُرِيدُ إذا سَرَقَ اسْتُرِقَّ، ثُمَّ قِيلَ: هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ أُخْوَةِ يُوسُفَ. وقِيلَ: إنَّهم لَمّا قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ، فَقالَ أصْحابُ يُوسُفَ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ .
يوسف 12:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
قالَ البَصْرِيُّونَ: الواوُ في (واللَّهِ) بَدَلٌ مِنَ التّاءِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، فَضَعُفَتْ عَنِ التَّصَرُّفِ في سائِرِ الأسْماءِ، وجُعِلَتْ فِيما هو أحَقُّ بِالقَسَمِ وهو اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: حَلَفُوا عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: عَلى أنَّهم ما جاءُوا لِأجْلِ الفَسادِ في الأرْضِ لِأنَّهُ ظَهَرَ مِن أحْوالِهِ امْتِناعُهم مِنَ التَّصَرُّفِ في أمْوالِ النّاسِ بِالكُلِّيَّةِ لا بِالأكْلِ ولا بِإرْسالِ الدَّوابِّ في مَزارِعِ النّاسِ، حَتّى رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ سَدُّوا أفْواهَ دَوابِّهِمْ لِئَلّا تَعْبَثَ في زَرْعٍ، وكانُوا مُواظِبِينَ عَلى أنْواعِ الطّاعاتِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فالفَسادُ في الأرْضِ لا يَلِيقُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهم ما كانُوا سارِقِينَ، وقَدْ حَصَلَ لَهم فِيهِ شاهِدٌ قاطِعٌ، وهو أنَّهم لَمّا وجَدُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ حَمَلُوها مِن بِلادِهِمْ إلى مِصْرَ ولَمْ يَسْتَحِلُّوا أخْذَها، والسّارِقُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ البَتَّةَ ثُمَّ لَمّا بَيَّنُوا بَراءَتَهم عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ قالَ أصْحابُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فَأجابُوا و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ يَسْتَعْبِدُونَ كُلَّ سارِقٍ بِسَرِقَتِهِ، وكانَ اسْتِعْبادُ السّارِقِ في شَرْعِهِمْ يَجْرِي مَجْرى وُجُوبِ القَطْعِ في شَرْعِنا، والمَعْنى جَزاءُ هَذا الجُرْمِ مَن وُجِدَ المَسْرُوقُ في رَحْلِهِ، أيْ ذَلِكَ الشَّخْصُ هو جَزاءُ ذَلِكَ الجُرْمِ، والمَعْنى: أنَّ اسْتِعْبادَهُ هو جَزاءُ ذَلِكَ الجُرْمِ، قالَ الزَّجّاجُ: وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأٌ، و(مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ) خَبَرُهُ. والمَعْنى: جَزاءُ السَّرِقَةِ هو الإنْسانُ الَّذِي وُجِدَ في رَحْلِهِ السَّرِقَةُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ كَما تَقُولُ: جَزاءُ السّارِقِ القَطْعُ فَهو جَزاؤُهُ.
الثّانِي: أنْ يُقالَ: ﴿جَزاؤُهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ جُمْلَةٌ وهي في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ. والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قِيلَ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو، إلّا أنَّهُ أقامَ المُضْمَرَ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في البَيانِ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:
لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الجَزاءِ جَزاءُ الظّالِمِينَ يُرِيدُ إذا سَرَقَ اسْتُرِقَّ، ثُمَّ قِيلَ: هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ أُخْوَةِ يُوسُفَ. وقِيلَ: إنَّهم لَمّا قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ، فَقالَ أصْحابُ يُوسُفَ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ .
يوسف 12:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
قالَ البَصْرِيُّونَ: الواوُ في (واللَّهِ) بَدَلٌ مِنَ التّاءِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، فَضَعُفَتْ عَنِ التَّصَرُّفِ في سائِرِ الأسْماءِ، وجُعِلَتْ فِيما هو أحَقُّ بِالقَسَمِ وهو اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: حَلَفُوا عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: عَلى أنَّهم ما جاءُوا لِأجْلِ الفَسادِ في الأرْضِ لِأنَّهُ ظَهَرَ مِن أحْوالِهِ امْتِناعُهم مِنَ التَّصَرُّفِ في أمْوالِ النّاسِ بِالكُلِّيَّةِ لا بِالأكْلِ ولا بِإرْسالِ الدَّوابِّ في مَزارِعِ النّاسِ، حَتّى رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ سَدُّوا أفْواهَ دَوابِّهِمْ لِئَلّا تَعْبَثَ في زَرْعٍ، وكانُوا مُواظِبِينَ عَلى أنْواعِ الطّاعاتِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فالفَسادُ في الأرْضِ لا يَلِيقُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهم ما كانُوا سارِقِينَ، وقَدْ حَصَلَ لَهم فِيهِ شاهِدٌ قاطِعٌ، وهو أنَّهم لَمّا وجَدُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ حَمَلُوها مِن بِلادِهِمْ إلى مِصْرَ ولَمْ يَسْتَحِلُّوا أخْذَها، والسّارِقُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ البَتَّةَ ثُمَّ لَمّا بَيَّنُوا بَراءَتَهم عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ قالَ أصْحابُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فَأجابُوا و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ يَسْتَعْبِدُونَ كُلَّ سارِقٍ بِسَرِقَتِهِ، وكانَ اسْتِعْبادُ السّارِقِ في شَرْعِهِمْ يَجْرِي مَجْرى وُجُوبِ القَطْعِ في شَرْعِنا، والمَعْنى جَزاءُ هَذا الجُرْمِ مَن وُجِدَ المَسْرُوقُ في رَحْلِهِ، أيْ ذَلِكَ الشَّخْصُ هو جَزاءُ ذَلِكَ الجُرْمِ، والمَعْنى: أنَّ اسْتِعْبادَهُ هو جَزاءُ ذَلِكَ الجُرْمِ، قالَ الزَّجّاجُ: وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأٌ، و(مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ) خَبَرُهُ. والمَعْنى: جَزاءُ السَّرِقَةِ هو الإنْسانُ الَّذِي وُجِدَ في رَحْلِهِ السَّرِقَةُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ كَما تَقُولُ: جَزاءُ السّارِقِ القَطْعُ فَهو جَزاؤُهُ.
الثّانِي: أنْ يُقالَ: ﴿جَزاؤُهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ جُمْلَةٌ وهي في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ. والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قِيلَ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو، إلّا أنَّهُ أقامَ المُضْمَرَ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في البَيانِ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:
لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الجَزاءِ جَزاءُ الظّالِمِينَ يُرِيدُ إذا سَرَقَ اسْتُرِقَّ، ثُمَّ قِيلَ: هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ أُخْوَةِ يُوسُفَ. وقِيلَ: إنَّهم لَمّا قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ، فَقالَ أصْحابُ يُوسُفَ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ .
يوسف 12:76
صفحة ١٤٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا أقَرُّوا بِأنَّ مَن وُجِدَ المَسْرُوقُ في رَحْلِهِ فَجَزاؤُهُ أنْ يُسْتَرَقَّ، قالَ لَهُمُ المُؤَذِّنُ: إنَّهُ لا بُدَّ مِن تَفْتِيشِ أمْتِعَتِكم، فانْصَرَفَ بِهِمْ إلى يُوسُفَ ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ لِإزالَةِ التُّهْمَةِ.
والأوْعِيَةُ جَمْعُ الوِعاءِ، وهو كُلُّ ما إذا وُضِعَ فِيهِ شَيْءٌ أحاطَ بِهِ ﴿اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ﴾، وقَرَأ الحَسَنُ: (وُعاءِ أخِيهِ) بِضَمِّ الواوِ وهي لُغَةٌ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: (إعاءِ أخِيهِ) فَقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَّرَ ضَمِيرَ الصُّواعِ مَرّاتٍ ثُمَّ أنَّثَهُ ؟
قُلْنا: قالُوا رَجَعَ ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ إلى السِّقايَةِ وضَمِيرُ المُذَكَّرِ إلى الصُّواعِ أوْ يُقالُ: الصُّواعُ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جائِزًا، أوْ يُقالُ: لَعَلَّ يُوسُفَ كانَ يُسَمِّيهِ سِقايَةً، وعَبِيدَهُ صُواعًا، فَقَدْ وقَعَ فِيما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الكَلامِ سِقايَةً، وفِيما يَتَّصِلُ بِهِمْ صُواعًا.
عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: كانَ لا يَنْظُرُ في وِعاءٍ إلّا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تائِبًا مِمّا قَذَفَهم بِهِ، حَتّى إنَّهُ لَمّا لَمْ يَبْقَ إلّا أخُوهُ، قالَ: ما أرى هَذا قَدْ أخَذَ شَيْئًا، فَقالُوا: لا نَذْهَبُ حَتّى تَتَفَحَّصَ عَنْ حالِهِ أيْضًا، فَلَمّا نَظَرُوا في مَتاعِهِ اسْتَخْرَجُوا الصُّواعَ مِن وِعائِهِ، والقَوْمُ كانُوا قَدْ حَكَمُوا بِأنَّ مَن سَرَقَ يُسْتَرَقُّ، فَأخَذُوا بِرَقَبَتِهِ وجَرَوْا بِهِ إلى دارِ يُوسُفَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى: ومِثْلُ ذَلِكَ الكَيْدِ كِدْنا لِيُوسُفَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الحُكْمِ بِاسْتِرْقاقِ السّارِقِ، أيْ مِثْلُ هَذا الحُكْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ إخْوَةُ يُوسُفَ حَكَمْنا لِيُوسُفَ.
الثّانِي: لَفْظُ (الكَيْدِ) مُشْعِرٌ بِالحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، إلّا أنّا ذَكَرْنا قانُونًا مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ، وهو أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الألْفاظِ تُحْمَلُ عَلى نِهاياتِ الأغْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأغْراضِ، وقَرَّرْنا هَذا الأصْلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ (البَقَرَةِ: ٢٦) فالكَيْدُ: السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ ولا سَبِيلَ لَهُ إلى دَفْعِهِ، فالكَيْدُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالكَيْدِ هَهُنا، فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ سَعَوْا في إبْطالِ أمْرِ يُوسُفَ، واللَّهُ تَعالى نَصَرَهُ وقَوّاهُ وأعْلى أمْرَهُ.
وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِن هَذا الكَيْدِ هو أنَّهُ تَعالى ألْقى في قُلُوبِ إخْوَتِهِ أنْ حَكَمُوا بِأنَّ جَزاءَ السّارِقِ هو أنْ يُسْتَرَقَّ، لا جَرَمَ لَمّا ظَهَرَ الصُّواعُ في رَحْلِهِ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالِاسْتِرْقاقِ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَمَكُّنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إمْساكِ أخِيهِ عِنْدَ نَفْسِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ كانَ حُكْمُ المَلِكِ في السّارِقِ أنْ يُضْرَبَ ويَغْرَمَ ضِعْفَيْ ما سَرَقَ، فَما كانَ يُوسُفُ قادِرًا عَلى حَبْسِ أخِيهِ عِنْدَ نَفْسِهِ بِناءً عَلى دِينِ المَلِكِ وحُكْمِهِ، إلّا أنَّهُ تَعالى كادَ لَهُ ما جَرى عَلى لِسانِ إخْوَتِهِ أنَّ جَزاءَ السّارِقِ هو الِاسْتِرْقاقُ، فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا الكَلامَ تَوَسَّلَ بِهِ إلى أخْذِ أخِيهِ وحَبْسِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ: (دَرَجاتٍ) بِالتَّنْوِينِ غَيْرَ مُضافٍ، والباقُونَ بِالإضافَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ هو أنَّهُ تَعالى يُرِيهِ وُجُوهَ الصَّوابِ في بُلُوغِ
صفحة ١٤٦
المُرادِ، ويَخُصُّهُ بِأنْواعِ العُلُومِ، وأقْسامِ الفَضائِلِ، والمُرادُ هَهُنا هو أنَّهُ تَعالى رَفَعَ دَرَجاتِ يُوسُفَ عَلى إخْوَتِهِ في كُلِّ شَيْءٍ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ المَقاماتِ وأعْلى الدَّرَجاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا هَدى يُوسُفَ إلى هَذِهِ الحِيلَةِ والفِكْرَةِ مَدَحَهُ لِأجْلِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ وأيْضًا وصَفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ (الأنْعامِ: ٨٣) عِنْدَ إيرادِهِ ذِكْرَ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنْ إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، ووَصَفَ هَهُنا يُوسُفَ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ لَمّا هَداهُ إلى هَذِهِ الحِيلَةِ، وكَمْ بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ والمَعْنى أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا عُلَماءَ فُضَلاءَ، إلّا أنَّ يُوسُفَ كانَ زائِدًا عَلَيْهِمْ في العِلْمِ.
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذاتِهِ لا بِالعِلْمِ فَقالُوا: لَوْ كانَ عالِمًا بِالعِلْمِ لَكانَ ذا عِلْمٍ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَحَصَلَ فَوْقَهُ عَلِيمٌ؛ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ وهَذا باطِلٌ.
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا: دَلَّتْ سائِرُ الآياتِ عَلى إثْباتِ العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ (لُقْمانَ: ٣٤) و﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (النِّساءِ: ١٦٦) ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٥٥) ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ (فُصِّلَتْ: ٤٧) وإذا وقَعَ التَّعارُضُ فَنَحْنُ نَحْمِلُ الآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكَ الخَصْمُ بِها عَلى واقِعَةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ خاصَّةً؛ غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ يُوجِبُ تَخْصِيصَ العُمُومِ، إلّا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العالِمَ مُشْتَقٌّ مِنَ العِلْمِ، والمُشْتَقُّ مُرَكَّبٌ، والمُشْتَقُّ مِنهُ مُفْرَدٌ، وحُصُولُ المُرَكَّبِ بِدُونِ حُصُولِ المُفْرَدِ مُحالٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، فَكانَ التَّرْجِيحُ مِن جانِبِنا.
يوسف 12:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَرَجَ الصُّواعُ مِن رَحْلِ أخِي يُوسُفَ نَكَسَ إخْوَتُهُ رُءُوسَهم وقالُوا: هَذِهِ الواقِعَةُ عَجِيبَةٌ أنَّ راحِيلَ ولَدَتْ ولَدَيْنِ لِصَّيْنِ، ثُمَّ قالُوا: يا بَنِي راحِيلَ ما أكْثَرَ البَلاءَ عَلَيْنا مِنكم ! فَقالَ بِنْيامِينُ: ما أكْثَرَ البَلاءَ عَلَيْنا مِنكم ! ذَهَبْتُمْ بِأخِي وضَيَّعْتُمُوهُ في المَفازَةِ، ثُمَّ تَقُولُونَ لِي هَذا الكَلامَ، قالُوا لَهُ: فَكَيْفَ خَرَجَ الصُّواعُ مِن رَحْلِكَ ؟ فَقالَ: وضَعَهُ في رَحْلِي مَن وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم قالُوا لِلْمَلِكِ: إنَّ هَذا الأمْرَ لَيْسَ بِغَرِيبٍ مِنهُ فَإنَّ أخاهُ الَّذِي هَلَكَ كانَ أيْضًا سارِقًا، وكانَ غَرَضُهم مِن هَذا الكَلامِ أنّا لَسْنا عَلى طَرِيقَتِهِ ولا عَلى سِيرَتِهِ، وهو وأخُوهُ مُخْتَصّانِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؛ لِأنَّهُما مِن أُمٍّ أُخْرى، واخْتَلَفُوا في السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أقْوالٍ:
الأوَّلُ:
صفحة ١٤٧
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ جَدُّهُ أبُو أُمِّهِ كافِرًا يَعْبُدُ الأوْثانَ فَأمَرَتْهُ أُمُّهُ بِأنْ يَسْرِقَ تِلْكَ الأوْثانَ ويَكْسِرَها، فَلَعَلَّهُ يَتْرُكُ عِبادَةَ الأوْثانِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَهَذا هو السَّرِقَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَسْرِقُ الطَّعامَ مِن مائِدَةِ أبِيهِ ويَدْفَعُهُ إلى الفُقَراءِ، وقِيلَ: سَرَقَ عَناقًا مِن أبِيهِ ودَفَعَهُ إلى المِسْكِينِ، وقِيلَ: دَجاجَةٌ.
والثّالِثُ: أنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَأرادَتْ أنْ تُمْسِكَهُ عِنْدَ نَفْسِها، وكانَ قَدْ بَقِيَ عِنْدَها مِنطَقَةٌ لِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِها، فَشَدَّتْها عَلى وسَطِ يُوسُفَ، ثُمَّ قالَتْ بِأنَّهُ سَرَقَها، وكانَ مِن حُكْمِهِمْ بِأنَّ مَن سَرَقَ يُسْتَرَقُّ، فَتَوَسَّلَتْ بِهَذِهِ الحِيلَةِ إلى إمْساكِهِ عِنْدَ نَفْسِها.
والرّابِعُ: أنَّهم كَذَبُوا عَلَيْهِ وبَهَتُوهُ وكانَتْ قُلُوبُهم مَمْلُوءَةً بِالغَضَبِ عَلى يُوسُفَ بَعْدَ تِلْكَ الوَقائِعِ، وبَعْدَ انْقِضاءِ تِلْكَ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، وهَذِهِ الواقِعَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قَلْبَ الحاسِدِ لا يَطْهُرُ عَنِ الغِلِّ البَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ يَعُودُ عَلى قَوْلَيْنِ:
قالَ الزَّجّاجُ: فَأسَرَّها إضْمارٌ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، تَفْسِيرُهُ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وإنَّما أُنِّثَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ جُمْلَةٌ أوْ كَلِمَةٌ لِأنَّهم يُسَمُّونَ الطّائِفَةَ مِنَ الكَلامِ كَلِمَةً كَأنَّهُ قالَ: فَأسَرَّ الجُمْلَةَ أوِ الكَلِمَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَأسَرَّ) بِالتَّذْكِيرِ يُرِيدُ القَوْلَ أوِ الكَلامَ، وطَعَنَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في هَذا الوَجْهِ فِيما اسْتَدْرَكَهُ عَلى الزَّجّاجِ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ: الإضْمارُ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ يَكُونُ عَلى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُفَسَّرَ بِمُفْرَدٍ كَقَوْلِنا: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، فَفي نِعْمَ ضَمِيرُ فاعِلِها، ورَجُلًا تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الفاعِلِ المُضْمَرِ.
والآخَرُ أنْ يُفَسَّرَ بِجُمْلَةٍ، وأصْلُ هَذا يَقَعُ في الِابْتِداءِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الأنْبِياءِ: ٩٧) و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ (الإخْلاصِ: ١) والمَعْنى: القِصَّةُ شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، والأمْرُ اللَّهُ أحَدٌ. ثُمَّ إنَّ العَوامِلَ الدّاخِلَةَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ تَدْخُلُ عَلَيْهِ أيْضًا نَحْوَ (إنَّ) كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ (طه: ٧٤) ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ (الحَجِّ: ٤٦) .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: نَفْسُ المُضْمَرِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ في كِلا القِسْمَيْنِ مُتَّصِلٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي حَصَلَ مِنها الإضْمارُ، ولا يَكُونُ خارِجًا عَنْ تِلْكَ الجُمْلَةِ ولا مُبايِنًا لَها، وهَهُنا التَّفْسِيرُ مُنْفَصِلٌ عَنِ الجُمْلَةِ الَّتِي حَصَلَ مِنها الإضْمارُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْسُنَ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ، ولَوْ قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أضْمَرَ هَذا الكَلامَ لَكانَ قَوْلُهُ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ كَذِبًا.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الطَّعْنَ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن حُسْنِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ قُبْحُ قِسْمٍ ثالِثٍ.
وأمّا الثّانِي: فَلِأنّا نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، وبِهَذا التَّفْسِيرِ يَسْقُطُ هَذا السُّؤالُ.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها﴾ عائِدٌ إلى الإجابَةِ كَأنَّهم قالُوا: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ فَأسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في نَفْسِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولَمْ يُبْدِها لَهم في تِلْكَ الحالَةِ إلى وقْتٍ ثانٍ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ إضْمارًا لِلْمَقالَةِ.
والمَعْنى: أسَرَّ يُوسُفُ مَقالَتَهم، والمُرادُ مِنَ المَقالَةِ مُتَعَلِّقُ تِلْكَ المَقالَةِ كَما يُرادُ بِالخَلْقِ المَخْلُوقُ وبِالعِلْمِ المَعْلُومُ، يَعْنِي أسَرَّ يُوسُفُ في نَفْسِهِ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ السَّرِقَةِ، ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم
صفحة ١٤٨
أنَّها كَيْفَ وقَعَتْ، وأنَّهُ لَيْسَ فِيها ما يُوجِبُ الذَّمَّ والطَّعْنَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُ قالَ: عُوقِبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثَ مَرّاتٍ: لِأجْلِ هَمِّهِ بِها عُوقِبَ بِالحَبْسِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (يُوسُفَ: ٤٢) عُوقِبَ بِالحَبْسِ الطَّوِيلِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٧٠) عُوقِبَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ يُوسُفَ أنَّهُ قالَ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: أنْتُمْ شَرٌّ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن ظُلْمِ أخِيكم وعُقُوقِ أبِيكم؛ فَأخَذْتُمْ أخاكم وطَرَحْتُمُوهُ في الجُبِّ، ثُمَّ قُلْتُمْ لِأبِيكم إنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ وأنْتُمْ كاذِبُونَ، ثُمَّ بِعْتُمُوهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ بَعْدَ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ والزَّمانِ المُمْتَدِّ ما زالَ الحِقْدُ والغَضَبُ عَنْ قُلُوبِكم فَرَمَيْتُمُوهُ بِالسَّرِقَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ يُرِيدُ أنَّ سَرِقَةَ يُوسُفَ كانَتْ رِضًا لِلَّهِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في سَرِقَتِهِ لا يُوجِبُ شَيْءٌ مِنها عَوْدَ الذَّمِّ واللَّوْمِ إلَيْهِ، والمَعْنى: واللَّهُ أعْلَمُ بِأنَّ هَذا الَّذِي وصَفْتُمُوهُ بِهِ هَلْ يُوجِبُ عَوْدَ مَذَمَّةٍ إلَيْهِ أمْ لا.
يوسف 12:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم بَعْدَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ أحَبُّوا مُوافَقَتَهُ والعُدُولَ إلى طَرِيقَةِ الشَّفاعَةِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا قَدِ اعْتَرَفُوا أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في السّارِقِ أنْ يُسْتَعْبَدَ، إلّا أنَّ العَفْوَ وأخْذَ الفِداءِ كانَ أيْضًا جائِزًا، فَقالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا أيْ في السِّنِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في القَدْرِ والدِّينِ، وإنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُ ابْنًا لِرَجُلٍ كَبِيرِ القَدْرِ يُوجِبُ العَفْوَ والصَّفْحَ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْبادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عَلى طَرِيقِ الرَّهْنِ حَتّى نُوصِلَ الفِداءَ إلَيْكَ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ.
وثانِيها: إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ إلَيْنا حَيْثُ أكْرَمْتَنا وأعْطَيْتَنا البَذْلَ الكَثِيرَ، وحَصَّلْتَ لَنا مَطْلُوبَنا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ورَدَدْتَ إلَيْنا ثَمَنَ الطَّعامِ.
وثالِثُها: نُقِلَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَدَّ القَحْطُ عَلى القَوْمِ ولَمْ يَجِدُوا شَيْئًا يَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعامَ، وكانُوا يَبِيعُونَ أنْفُسَهم مِنهُ فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِصَيْرُورَةِ أكْثَرِ أهْلِ مِصْرَ عَبِيدًا لَهُ ثُمَّ إنَّهُ أعْتَقَ الكُلَّ، فَلَعَلَّهم قالُوا: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلى عامَّةِ النّاسِ بِالإعْتاقِ فَكُنْ مُحْسِنًا أيْضًا إلى هَذا الإنْسانِ بِإعْتاقِهِ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ، فَقالَ يُوسُفُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ آخُذَ بَرِيئًا بِمُذْنِبٍ، قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ والمَعْنى: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن أخْذِ أحَدٍ بِغَيْرِهِ، فَلَمّا سَقَطَتْ كَلِمَةُ ”مِن“ انْتَصَبَ الفِعْلُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ لَقَدْ تَعَدَّيْتُ وظَلَمْتُ إنْ آذَيْتُ إنْسانًا بِجُرْمٍ صَدَرَ عَنْ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الواقِعَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَزْوِيرٌ وكَذِبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ
صفحة ١٤٩
رِسالَتِهِ الإقْدامُ عَلى هَذا التَّزْوِيرِ والتَّرْوِيجِ وإيذاءِ النّاسِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ لا سِيَّما ويَعْلَمُ أنَّهُ إذا حَبَسَ أخاهُ عِنْدَ نَفْسِهِ بِهَذِهِ التُّهْمَةِ فَإنَّهُ يَعْظُمُ حُزْنُ أبِيهِ ويَشْتَدُّ غَمُّهُ ؟ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ المَعْصُومِ المُبالَغَةُ في التَّزْوِيرِ إلى هَذا الحَدِّ ؟
والجَوابُ: لَعَلَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَلِكَ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ عَلى يَعْقُوبَ، ونَهاهُ عَنِ العَفْوِ والصَّفْحِ وأخْذِ البَدَلِ كَما أمَرَ تَعالى صاحِبَ مُوسى بِقَتْلِ مَن لَوْ بَقِيَ لَطَغى وكَفَرَ.
يوسف 12:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم بَعْدَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ أحَبُّوا مُوافَقَتَهُ والعُدُولَ إلى طَرِيقَةِ الشَّفاعَةِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا قَدِ اعْتَرَفُوا أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في السّارِقِ أنْ يُسْتَعْبَدَ، إلّا أنَّ العَفْوَ وأخْذَ الفِداءِ كانَ أيْضًا جائِزًا، فَقالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا أيْ في السِّنِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في القَدْرِ والدِّينِ، وإنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُ ابْنًا لِرَجُلٍ كَبِيرِ القَدْرِ يُوجِبُ العَفْوَ والصَّفْحَ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْبادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عَلى طَرِيقِ الرَّهْنِ حَتّى نُوصِلَ الفِداءَ إلَيْكَ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ.
وثانِيها: إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ إلَيْنا حَيْثُ أكْرَمْتَنا وأعْطَيْتَنا البَذْلَ الكَثِيرَ، وحَصَّلْتَ لَنا مَطْلُوبَنا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ورَدَدْتَ إلَيْنا ثَمَنَ الطَّعامِ.
وثالِثُها: نُقِلَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَدَّ القَحْطُ عَلى القَوْمِ ولَمْ يَجِدُوا شَيْئًا يَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعامَ، وكانُوا يَبِيعُونَ أنْفُسَهم مِنهُ فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِصَيْرُورَةِ أكْثَرِ أهْلِ مِصْرَ عَبِيدًا لَهُ ثُمَّ إنَّهُ أعْتَقَ الكُلَّ، فَلَعَلَّهم قالُوا: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلى عامَّةِ النّاسِ بِالإعْتاقِ فَكُنْ مُحْسِنًا أيْضًا إلى هَذا الإنْسانِ بِإعْتاقِهِ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ، فَقالَ يُوسُفُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ آخُذَ بَرِيئًا بِمُذْنِبٍ، قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ والمَعْنى: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن أخْذِ أحَدٍ بِغَيْرِهِ، فَلَمّا سَقَطَتْ كَلِمَةُ ”مِن“ انْتَصَبَ الفِعْلُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ لَقَدْ تَعَدَّيْتُ وظَلَمْتُ إنْ آذَيْتُ إنْسانًا بِجُرْمٍ صَدَرَ عَنْ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الواقِعَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَزْوِيرٌ وكَذِبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ
صفحة ١٤٩
رِسالَتِهِ الإقْدامُ عَلى هَذا التَّزْوِيرِ والتَّرْوِيجِ وإيذاءِ النّاسِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ لا سِيَّما ويَعْلَمُ أنَّهُ إذا حَبَسَ أخاهُ عِنْدَ نَفْسِهِ بِهَذِهِ التُّهْمَةِ فَإنَّهُ يَعْظُمُ حُزْنُ أبِيهِ ويَشْتَدُّ غَمُّهُ ؟ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ المَعْصُومِ المُبالَغَةُ في التَّزْوِيرِ إلى هَذا الحَدِّ ؟
والجَوابُ: لَعَلَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَلِكَ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ عَلى يَعْقُوبَ، ونَهاهُ عَنِ العَفْوِ والصَّفْحِ وأخْذِ البَدَلِ كَما أمَرَ تَعالى صاحِبَ مُوسى بِقَتْلِ مَن لَوْ بَقِيَ لَطَغى وكَفَرَ.
يوسف 12:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ (يُوسُفَ: ٧٨) وهو نِهايَةُ ما يُمْكِنُهم بَذْلُهُ فَقالَ يُوسُفُ في جَوابِهِ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ فانْقَطَعَ طَمَعُهم مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في رَدِّهِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ وهو مُبالَغَةٌ في يَأْسِهِمْ مِن رَدِّهِ ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أيْ: تَفَرَّدُوا عَنْ سائِرِ النّاسِ يَتَناجَوْنَ، ولا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ يَتَشاوَرُونَ ويَتَحَيَّلُونَ الرَّأْيَ فِيما وقَعُوا فِيهِ، لِأنَّهم إنَّما أخَذُوا بِنْيامِينَ مِن أبِيهِمْ بَعْدَ المَواثِيقِ المُؤَكَّدَةِ وبَعْدَ أنْ كانُوا مُتَّهَمِينَ في حَقِّ يُوسُفَ، فَلَوْ لَمْ يُعِيدُوهُ إلى أبِيهِمْ؛ لَحَصَلَتْ مِحَنٌ كَثِيرَةٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ لَمْ يَعُودُوا إلى أبِيهِمْ وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَبَقاؤُهُ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أحَدٍ مِن أوْلادِهِ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ.
وثانِيها: أنَّ أهْلَ بَيْتِهِمْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الطَّعامِ أشَدَّ الحاجَةِ.
وثالِثُها: أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ رُبَّما كانَ يَظُنُّ أنَّ أوْلادَهُ هَلَكُوا بِالكُلِّيَّةِ وذَلِكَ غَمٌّ شَدِيدٌ، ولَوْ عادُوا إلى أبِيهِمْ بِدُونِ بِنْيامِينَ لَعَظُمَ حَياؤُهم؛ فَإنَّ ظاهِرَ الأمْرِ يُوهِمُ أنَّهم خانُوهُ في هَذا الِابْنِ كَما أنَّهم خانُوهُ في الِابْنِ الأوَّلِ، ولَكانَ يُوهِمُ أيْضًا أنَّهم ما أقامُوا لِتِلْكَ المَواثِيقِ المُؤَكَّدَةِ وزْنًا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا المَوْضِعَ مَوْضِعُ فِكْرَةٍ وحَيْرَةٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّفاوُضَ والتَّشاوُرَ طَلَبًا لِلْأصْلَحِ الأصْوَبِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (اسْتَيَسُوا) و(حَتّى إذا اسْتَيَسَ الرُّسُلُ) بِغَيْرِ هَمْزٍ.
وفِي يَيْئَسُ لُغَتانِ: يَئِسَ ويَيْأسُ؛ مِثْلُ حَسِبَ ويَحْسَبُ، ومَن قالَ: اسْتَأْيَسَ قَلَبَ العَيْنَ إلى مَوْضِعِ الفاءِ؛ فَصارَ اسْتَعْفَلَ، وأصْلُهُ اسْتَيْأسَ، ثُمَّ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اسْتَيْأسُوا يَئِسُوا، وزِيادَةُ السِّينِ والتّاءِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَعْصَمَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَصُوا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: خَلَصَ الشَّيْءُ يَخْلُصُ خُلُوصًا إذا ذَهَبَ عَنْهُ الشّائِبُ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: خَلَصُوا أيِ انْفَرَدُوا، ولَيْسَ مَعَهم أخُوهم.
والثّانِي: قالَ الباقُونَ: تَمَيَّزُوا عَنِ الأجانِبِ، وهَذا هو الأظْهَرُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿نَجِيًّا﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّجِيُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ يَكُونُ بِمَعْنى النّاجِي كالعَشِيرِ والسَّمِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ والمُسامِرِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾
صفحة ١٥٠
(مَرْيَمَ: ٥٢) وبِمَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي هو التَّناجِي كَما قِيلَ: النَّجْوى بِمَعْنى المُتَناجِينَ، فَعَلى هَذا مَعْنى ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا عَنِ النّاسِ خالِصِينَ لا يُخالِطُهم سِواهم ﴿نَجِيًّا﴾ أيْ مُناجِيًا. رُوِيَ (نَجْوى) أيْ فَوْجًا (نَجِيًّا) أيْ: مُناجِيًا لِمُناجاةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ يُقالَ: إنَّهم تَمَحَّضُوا تَناجِيًا، لِأنَّ مَن كَمُلَ حُصُولُ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ فِيهِ؛ وُصِفَ بِأنَّهُ صارَ غَيْرَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَلَمّا أخَذُوا في التَّناجِي عَلى غايَةِ الجِدِّ؛ صارُوا كَأنَّهم في أنْفُسِهِمْ، صارُوا نَفْسَ التَّناجِي حَقِيقَةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ كَبِيرُهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ، وقِيلَ: كَبِيرُهم في العَقْلِ وهو يَهُودا، وهو الَّذِي نَهاهم عَنْ قَتْلِ يُوسُفَ، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ هَذا الكَبِيرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ غَضِبَ يَهُودا، وكانَ إذا غَضِبَ وصاحَ؛ فَلا تَسْمَعُ صَوْتَهُ حامِلٌ إلّا وضَعَتْ، ويَقُومُ شَعْرُهُ عَلى جَسَدِهِ فَلا يَسْكُنُ حَتّى يَضَعَ بَعْضُ آلِ يَعْقُوبَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقالَ لِبَعْضِ إخْوَتِهِ: اكْفُونِي أسْواقَ أهْلِ مِصْرَ وأنا أكْفِيكُمُ المَلِكَ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ: مِسَّهُ ! فَمَسَّهُ؛ فَذَهَبَ غَضَبُهُ، وهَمَّ أنْ يَصِيحَ فَرَكَضَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ رِجْلَهُ عَلى الأرْضِ وأخَذَ بِمَلابِسِهِ، وجَذَبَهُ فَسَقَطَ، فَعِنْدَهُ قالَ: يا أيُّها العَزِيزُ، فَلَمّا أيِسُوا مِن قَبُولِ الشَّفاعَةِ تَذاكَرُوا وقالُوا: إنَّ أبانا قَدْ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا عَظِيمًا مِنَ اللَّهِ، وأيْضًا نَحْنُ مُتَّهَمُونَ بِواقِعَةِ يُوسُفَ، فَكَيْفَ المَخْلَصُ مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ ؟
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ ما في قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ فِيها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن قَبْلِ هَذا فَرَّطْتُمْ في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ، وهو مِن قَبْلُ، ومَعْناهُ وقَعَ مِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ.
الثّالِثُ: النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أخْذَ أبِيكم مَوْثِقَكم وتَفْرِيطَكم مِن قَبْلُ في يُوسُفَ.
الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى ومِن قَبْلِ هَذا ما فَرَّطْتُمُوهُ أيْ: قَدَّمْتُمُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ مِنَ الخِيانَةِ العَظِيمَةِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ أيْ فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي في الِانْصِرافِ إلَيْهِ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالخُرُوجِ مِنها أوْ بِالِانْتِصافِ مِمَّنْ أخَذَ أخِي أوْ بِخَلاصِهِ مِن يَدِهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِالعَدْلِ والحَقِّ، وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ ظُهُورُ عُذْرٍ يَزُولُ مَعَهُ حَياؤُهُ وخَجَلُهُ مِن أبِيهِ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ انْقِطاعًا إلى اللَّهِ تَعالى في إظْهارِ عُذْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
يوسف 12:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾
صفحة ١٥١
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا تَفَكَّرُوا في الأصْوَبِ ما هو ظَهَرَ لَهم أنَّ الأصْوَبَ هو الرُّجُوعُ، وأنْ يَذْكُرُوا لِأبِيهِمْ كَيْفِيَّةَ الواقِعَةِ عَلى الوَجْهِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ قالَهُ ذَلِكَ الكَبِيرُ الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ قِيلَ: إنَّهُ رُوبِيلُ، وبَقِيَ هو في مِصْرَ وبَعَثَ سائِرَ إخْوَتِهِ إلى الأبِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ سَرَقَ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ، لا سِيَّما وهو قَدْ أجابَ بِالجَوابِ الشّافِي، فَقالَ: الَّذِي جَعَلَ الصُّواعَ في رَحْلِي هو الَّذِي جَعَلَ البِضاعَةَ في رَحْلِكم.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهم شاهَدُوا أنَّ الصُّواعَ كانَ مَوْضُوعًا في مَوْضِعٍ ما كانَ يَدْخُلُهُ أحَدٌ إلّا هم، فَلَمّا شاهَدُوا أنَّهم أخْرَجُوا الصُّواعَ مِن رَحْلِهِ؛ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهُ هو الَّذِي أخَذَ الصُّواعَ.
وأمّا قَوْلُهُ: وضَعَ الصُّواعَ في رَحْلِي مَن وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم، فالفَرْقُ ظاهِرٌ، لِأنَّ هُناكَ لَمّا رَجَعُوا بِالبِضاعَةِ إلَيْهِمُ اعْتَرَفُوا بِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ وضَعُوها في رِحالِهِمْ، وأمّا هَذا الصُّواعُ فَإنَّ أحَدًا لَمْ يَعْتَرِفْ بِأنَّهُ هو الَّذِي وضَعَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ فَظَهَرَ الفَرْقُ، فَلِهَذا السَّبَبِ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهُ سَرَقَ، فَشَهِدُوا بِناءً عَلى هَذا الظَّنِّ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم غَيْرُ قاطِعِينَ بِهَذا الأمْرِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ .
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ في قَوْلِ المَلِكِ وأصْحابِهِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
قالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (هُودٍ: ٨٧) أيْ عِنْدَ نَفْسِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ (الدُّخانِ: ٤٩) أيْ عِنْدَ نَفْسِكَ، وأمّا عِنْدَنا فَلا، فَكَذا هَهُنا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ أنَّ ابْنَكَ ظَهَرَ عَلَيْهِ ما يُشْبِهُ السَّرِقَةَ، ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ يُسَمّى سَرِقَةً، فَإنَّ إطْلاقَ اسْمِ أحَدِ الشَّبِيهَيْنِ عَلى الشَّبِيهِ الآخَرِ جائِزٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (الشُّورى: ٤٠) .
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ القَوْمَ ما كانُوا أنْبِياءَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ المُجازَفَةِ لا سِيَّما وقَدْ شاهَدُوا شَيْئًا يُوهِمُ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كانَ يَقْرَأُ (إنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ) بِالتَّشْدِيدِ، أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ، فَهَذِهِ القِراءَةُ لا حاجَةَ بِها إلى التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ القَوْمَ نَسَبُوهُ إلى السَّرِقَةِ، إلّا أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ أمْثالَ هَذِهِ القِراءاتِ لا تَدْفَعُ السُّؤالَ، لِأنَّ الإشْكالَ إنَّما يُدْفَعُ إذا قُلْنا: القِراءَةُ الأُولى باطِلَةٌ، والقِراءَةُ الحَقَّةُ هي هَذِهِ، أمّا إذا سَلَّمْنا أنَّ القِراءَةَ الأُولى حَقَّةٌ كانَ الإشْكالُ باقِيًا سَواءٌ صَحَّتْ هَذِهِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ أوْ لَمْ تَصِحَّ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى أحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّهادَةَ غَيْرُ العِلْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الشَّهادَةِ مُغايِرَةً لِلْعِلْمِ ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ، وذَلِكَ أيْضًا يَقْتَضِي ما ذَكَرْنا ولَيْسَتِ الشَّهادَةُ أيْضًا عِبارَةً عَنْ قَوْلِهِ: أشْهَدُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: أشْهَدُ إخْبارٌ عَنِ الشَّهادَةِ، والإخْبارُ عَنِ الشَّهادَةِ غَيْرُ الشَّهادَةِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الشَّهادَةُ عِبارَةٌ عَنِ الحُكْمِ الذِّهْنِيِّ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ بِكَلامِ النَّفْسِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنّا قَدْ رَأيْنا أنَّهم أخْرَجُوا الصُّواعَ مِن رَحْلِهِ، وأمّا حَقِيقَةُ الحالِ فَغَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَنا، فَإنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
والثّانِي: قالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: لَعَلَّ الصُّواعَ دُسَّ في مَتاعِهِ
صفحة ١٥٢
بِاللَّيْلِ، فَإنَّ الغَيْبَ اسْمٌ لِلَّيْلِ عَلى بَعْضِ اللُّغاتِ.
والثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ: وما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ، ولَوْ عَلِمْنا ذَلِكَ ما ذَهَبْنا بِهِ إلى المَلِكِ وما أعْطَيْناكَ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ في رَدِّهِ إلَيْكَ.
والرّابِعُ: نُقِلَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: فَهَبْ أنَّهُ سَرَقَ ولَكِنْ كَيْفَ عَرَفَ المَلِكُ أنَّ شَرْعَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَن سَرَقَ يُسْتَرَقُّ ؟ بَلْ أنْتُمْ ذَكَرْتُمُوهُ لَهُ لِغَرَضٍ لَكم، فَقالُوا عِنْدَ هَذا الكَلامِ: إنّا قَدْ ذَكَرْنا لَهُ هَذا الحُكْمَ قَبْلَ وُقُوعِنا في هَذِهِ الواقِعَةِ، وما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ نَقَعُ فِيها، فَقَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى.
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْعى في إخْفاءِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا القَوْلِ ؟
قُلْنا: لَعَلَّهُ كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَخْصُوصًا بِما إذا كانَ المَسْرُوقُ مِنهُ مُسْلِمًا فَلِهَذا أنْكَرَ ذِكْرَ هَذا الحُكْمِ عِنْدَ المَلِكِ الَّذِي ظَنَّهُ كافِرًا.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ .
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا كانُوا مُتَّهَمِينَ بِسَبَبِ واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بالَغُوا في إزالَةِ التُّهْمَةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَقالُوا: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾، والأكْثَرُونَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ مِصْرُ، وقالَ قَوْمٌ: بَلِ المُرادُ مِنهُ قَرْيَةٌ عَلى بابِ مِصْرَ جَرى فِيها حَدِيثُ السَّرِقَةِ والتَّفْتِيشِ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ المُضافُ لِلْإيجازِ والِاخْتِصارِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المَجازِ مَشْهُورٌ في لُغَةِ العَرَبِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ودافَعُ جَوازِ هَذا في اللُّغَةِ كَدافِعِ الضَّرُورِيّاتِ، وجاحِدِ المَحْسُوساتِ.
والثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: المَعْنى: اسْألِ القَرْيَةَ والعِيرَ والجِدارَ والحِيطانَ؛ فَإنَّها تُجِيبُكَ وتَذْكُرُ لَكَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ لِأنَّكَ مِن أكابِرِ أنْبِياءِ اللَّهِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُنْطِقَ اللَّهُ هَذِهِ الجَماداتِ مُعْجِزَةً لَكَ حَتّى تُخْبِرَكَ بِصِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ.
وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ الشَّيْءَ إذا ظَهَرَ ظُهُورًا تامًّا كامِلًا فَقَدْ يُقالُ فِيهِ: سَلِ السَّماءَ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ عَنْهُ، والمُرادُ أنَّهُ بَلَغَ في الظُّهُورِ إلى الغايَةِ الَّتِي ما بَقِيَ لِلشَّكِّ فِيهِ مَجالٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ قَدْ صَحِبَهم قَوْمٌ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ فَقالُوا: سَلْهم عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ.
ثُمَّ إنَّهم لَمّا بالَغُوا في التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ قالُوا: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ يَعْنِي: سَواءٌ نَسَبْتَنا إلى التُّهْمَةِ أوْ لَمْ تَنْسِبْنا إلَيْها فَنَحْنُ صادِقُونَ، ولَيْسَ غَرَضُهم أنْ يُثْبِتُوا صِدْقَ أنْفُسِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لِأنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى إثْباتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، بَلِ الإنْسانُ إذا قَدَّمَ ذِكْرَ الدَّلِيلِ القاطِعِ عَلى صِحَّةِ الشَّيْءِ فَقَدْ يَقُولُ بَعْدَهُ: وأنا صادِقٌ في ذَلِكَ، يَعْنِي: فَتَأمَّلْ فِيما ذَكَرْتُهُ مِنَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ لِتَزُولَ عَنْكَ الشُّبْهَةُ.
يوسف 12:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾
صفحة ١٥١
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا تَفَكَّرُوا في الأصْوَبِ ما هو ظَهَرَ لَهم أنَّ الأصْوَبَ هو الرُّجُوعُ، وأنْ يَذْكُرُوا لِأبِيهِمْ كَيْفِيَّةَ الواقِعَةِ عَلى الوَجْهِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ قالَهُ ذَلِكَ الكَبِيرُ الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ قِيلَ: إنَّهُ رُوبِيلُ، وبَقِيَ هو في مِصْرَ وبَعَثَ سائِرَ إخْوَتِهِ إلى الأبِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ سَرَقَ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ، لا سِيَّما وهو قَدْ أجابَ بِالجَوابِ الشّافِي، فَقالَ: الَّذِي جَعَلَ الصُّواعَ في رَحْلِي هو الَّذِي جَعَلَ البِضاعَةَ في رَحْلِكم.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهم شاهَدُوا أنَّ الصُّواعَ كانَ مَوْضُوعًا في مَوْضِعٍ ما كانَ يَدْخُلُهُ أحَدٌ إلّا هم، فَلَمّا شاهَدُوا أنَّهم أخْرَجُوا الصُّواعَ مِن رَحْلِهِ؛ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهُ هو الَّذِي أخَذَ الصُّواعَ.
وأمّا قَوْلُهُ: وضَعَ الصُّواعَ في رَحْلِي مَن وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم، فالفَرْقُ ظاهِرٌ، لِأنَّ هُناكَ لَمّا رَجَعُوا بِالبِضاعَةِ إلَيْهِمُ اعْتَرَفُوا بِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ وضَعُوها في رِحالِهِمْ، وأمّا هَذا الصُّواعُ فَإنَّ أحَدًا لَمْ يَعْتَرِفْ بِأنَّهُ هو الَّذِي وضَعَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ فَظَهَرَ الفَرْقُ، فَلِهَذا السَّبَبِ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهُ سَرَقَ، فَشَهِدُوا بِناءً عَلى هَذا الظَّنِّ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم غَيْرُ قاطِعِينَ بِهَذا الأمْرِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ .
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ في قَوْلِ المَلِكِ وأصْحابِهِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
قالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (هُودٍ: ٨٧) أيْ عِنْدَ نَفْسِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ (الدُّخانِ: ٤٩) أيْ عِنْدَ نَفْسِكَ، وأمّا عِنْدَنا فَلا، فَكَذا هَهُنا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ أنَّ ابْنَكَ ظَهَرَ عَلَيْهِ ما يُشْبِهُ السَّرِقَةَ، ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ يُسَمّى سَرِقَةً، فَإنَّ إطْلاقَ اسْمِ أحَدِ الشَّبِيهَيْنِ عَلى الشَّبِيهِ الآخَرِ جائِزٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (الشُّورى: ٤٠) .
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ القَوْمَ ما كانُوا أنْبِياءَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ المُجازَفَةِ لا سِيَّما وقَدْ شاهَدُوا شَيْئًا يُوهِمُ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كانَ يَقْرَأُ (إنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ) بِالتَّشْدِيدِ، أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ، فَهَذِهِ القِراءَةُ لا حاجَةَ بِها إلى التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ القَوْمَ نَسَبُوهُ إلى السَّرِقَةِ، إلّا أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ أمْثالَ هَذِهِ القِراءاتِ لا تَدْفَعُ السُّؤالَ، لِأنَّ الإشْكالَ إنَّما يُدْفَعُ إذا قُلْنا: القِراءَةُ الأُولى باطِلَةٌ، والقِراءَةُ الحَقَّةُ هي هَذِهِ، أمّا إذا سَلَّمْنا أنَّ القِراءَةَ الأُولى حَقَّةٌ كانَ الإشْكالُ باقِيًا سَواءٌ صَحَّتْ هَذِهِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ أوْ لَمْ تَصِحَّ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى أحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّهادَةَ غَيْرُ العِلْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الشَّهادَةِ مُغايِرَةً لِلْعِلْمِ ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ، وذَلِكَ أيْضًا يَقْتَضِي ما ذَكَرْنا ولَيْسَتِ الشَّهادَةُ أيْضًا عِبارَةً عَنْ قَوْلِهِ: أشْهَدُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: أشْهَدُ إخْبارٌ عَنِ الشَّهادَةِ، والإخْبارُ عَنِ الشَّهادَةِ غَيْرُ الشَّهادَةِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الشَّهادَةُ عِبارَةٌ عَنِ الحُكْمِ الذِّهْنِيِّ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ بِكَلامِ النَّفْسِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنّا قَدْ رَأيْنا أنَّهم أخْرَجُوا الصُّواعَ مِن رَحْلِهِ، وأمّا حَقِيقَةُ الحالِ فَغَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَنا، فَإنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
والثّانِي: قالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: لَعَلَّ الصُّواعَ دُسَّ في مَتاعِهِ
صفحة ١٥٢
بِاللَّيْلِ، فَإنَّ الغَيْبَ اسْمٌ لِلَّيْلِ عَلى بَعْضِ اللُّغاتِ.
والثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ: وما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ، ولَوْ عَلِمْنا ذَلِكَ ما ذَهَبْنا بِهِ إلى المَلِكِ وما أعْطَيْناكَ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ في رَدِّهِ إلَيْكَ.
والرّابِعُ: نُقِلَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: فَهَبْ أنَّهُ سَرَقَ ولَكِنْ كَيْفَ عَرَفَ المَلِكُ أنَّ شَرْعَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَن سَرَقَ يُسْتَرَقُّ ؟ بَلْ أنْتُمْ ذَكَرْتُمُوهُ لَهُ لِغَرَضٍ لَكم، فَقالُوا عِنْدَ هَذا الكَلامِ: إنّا قَدْ ذَكَرْنا لَهُ هَذا الحُكْمَ قَبْلَ وُقُوعِنا في هَذِهِ الواقِعَةِ، وما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ نَقَعُ فِيها، فَقَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى.
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْعى في إخْفاءِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا القَوْلِ ؟
قُلْنا: لَعَلَّهُ كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَخْصُوصًا بِما إذا كانَ المَسْرُوقُ مِنهُ مُسْلِمًا فَلِهَذا أنْكَرَ ذِكْرَ هَذا الحُكْمِ عِنْدَ المَلِكِ الَّذِي ظَنَّهُ كافِرًا.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ .
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا كانُوا مُتَّهَمِينَ بِسَبَبِ واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بالَغُوا في إزالَةِ التُّهْمَةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَقالُوا: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾، والأكْثَرُونَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ مِصْرُ، وقالَ قَوْمٌ: بَلِ المُرادُ مِنهُ قَرْيَةٌ عَلى بابِ مِصْرَ جَرى فِيها حَدِيثُ السَّرِقَةِ والتَّفْتِيشِ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ المُضافُ لِلْإيجازِ والِاخْتِصارِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المَجازِ مَشْهُورٌ في لُغَةِ العَرَبِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ودافَعُ جَوازِ هَذا في اللُّغَةِ كَدافِعِ الضَّرُورِيّاتِ، وجاحِدِ المَحْسُوساتِ.
والثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: المَعْنى: اسْألِ القَرْيَةَ والعِيرَ والجِدارَ والحِيطانَ؛ فَإنَّها تُجِيبُكَ وتَذْكُرُ لَكَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ لِأنَّكَ مِن أكابِرِ أنْبِياءِ اللَّهِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُنْطِقَ اللَّهُ هَذِهِ الجَماداتِ مُعْجِزَةً لَكَ حَتّى تُخْبِرَكَ بِصِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ.
وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ الشَّيْءَ إذا ظَهَرَ ظُهُورًا تامًّا كامِلًا فَقَدْ يُقالُ فِيهِ: سَلِ السَّماءَ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ عَنْهُ، والمُرادُ أنَّهُ بَلَغَ في الظُّهُورِ إلى الغايَةِ الَّتِي ما بَقِيَ لِلشَّكِّ فِيهِ مَجالٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ قَدْ صَحِبَهم قَوْمٌ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ فَقالُوا: سَلْهم عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ.
ثُمَّ إنَّهم لَمّا بالَغُوا في التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ قالُوا: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ يَعْنِي: سَواءٌ نَسَبْتَنا إلى التُّهْمَةِ أوْ لَمْ تَنْسِبْنا إلَيْها فَنَحْنُ صادِقُونَ، ولَيْسَ غَرَضُهم أنْ يُثْبِتُوا صِدْقَ أنْفُسِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لِأنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى إثْباتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، بَلِ الإنْسانُ إذا قَدَّمَ ذِكْرَ الدَّلِيلِ القاطِعِ عَلى صِحَّةِ الشَّيْءِ فَقَدْ يَقُولُ بَعْدَهُ: وأنا صادِقٌ في ذَلِكَ، يَعْنِي: فَتَأمَّلْ فِيما ذَكَرْتُهُ مِنَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ لِتَزُولَ عَنْكَ الشُّبْهَةُ.
يوسف 12:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ مِن أبْنائِهِ ذَلِكَ الكَلامَ لَمْ يُصَدِّقْهم فِيما ذَكَرُوا كَما في واقِعَةِ
صفحة ١٥٣
يُوسُفَ فَقالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَذَكَرَ هَذا الكَلامَ بِعَيْنِهِ في هَذِهِ الواقِعَةِ إلّا أنَّهُ قالَ في واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٨) وقالَ هَهُنا: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ هَهُنا الكَذِبَ والِاحْتِيالَ كَما في قَوْلِهِ في واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ لَكِنَّهُ عَنى: سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم إخْراجَ بِنْيامِينَ عَنِّي، والمَصِيرَ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ، فَعادَ مِن ذَلِكَ شَرٌّ وضَرَرٌ، وألْحَحْتُمْ عَلَيَّ في إرْسالِهِ مَعَكم، ولَمْ تَعْلَمُوا أنَّ قَضاءَ اللَّهِ إنَّما جاءَ عَلى خِلافِ تَقْدِيرِكم.
وقِيلَ: بَلِ المَعْنى سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا؛ خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أنَّهُ سَرَقَ، وما سَرَقَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: إنَّ رُوبِيلَ لَمّا عَزَمَ عَلى الإقامَةِ بِمِصْرَ أمَرَهُ المَلِكُ أنْ يَذْهَبَ مَعَ إخْوَتِهِ فَقالَ: اتْرُكُونِي، وإلّا صِحْتُ صَيْحَةً لا تَبْقى بِمِصْرَ امْرَأةٌ حامِلٌ إلّا وتَضَعُ حَمْلَها؛ فَقالَ يُوسُفُ: دَعُوهُ، ولَمّا رَجَعَ القَوْمُ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخْبَرُوهُ بِالواقِعَةِ؛ بَكى وقالَ: يا بَنِيَّ لا تَخْرُجُوا مِن عِنْدِي مَرَّةً إلّا ونَقَصَ بَعْضُكم، ذَهَبْتُمْ مَرَّةً فَنَقَصَ يُوسُفُ، وفي الثّانِيَةِ نَقَصَ شَمْعُونُ، وفي هَذِهِ الثّالِثَةِ نَقَصَ رُوبِيلُ وبِنْيامِينُ، ثُمَّ بَكى وقالَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا.
وإنَّما حَكَمَ بِهَذا الحُكْمِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا طالَ حُزْنُهُ وبَلاؤُهُ ومِحْنَتُهُ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى سَيَجْعَلُ لَهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا عَنْ قَرِيبٍ، فَقالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ حُسْنِ الظَّنِّ بِرَحْمَةِ اللَّهِ.
والثّانِي: لَعَلَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَهُ مِن بَعْدِ مِحْنَةِ يُوسُفَ أنَّهُ حَيٌّ أوْ ظَهَرَتْ لَهُ عَلاماتُ ذَلِكَ وإنَّما قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ لِأنَّهم حِينَ ذَهَبُوا بِيُوسُفَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ فَضاعَ يُوسُفُ وبَقِيَ أحَدَ عَشَرَ، ولَمّا أرْسَلَهم إلى مِصْرَ عادُوا تِسْعَةً لِأنَّ بِنْيامِينَ حَبَسَهُ يُوسُفُ، واحْتَبَسَ ذَلِكَ الكَبِيرُ الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ فَلَمّا كانَ الغائِبُونَ ثَلاثَةً لا جَرَمَ قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ يَعْنِي هو العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، الحَكِيمُ فِيها عَلى الوَجْهِ المُطابِقِ لِلْفَضْلِ والإحْسانِ والرَّحْمَةِ والمَصْلَحَةِ.
يوسف 12:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ مِن أبْنائِهِ ذَلِكَ الكَلامَ لَمْ يُصَدِّقْهم فِيما ذَكَرُوا كَما في واقِعَةِ
صفحة ١٥٣
يُوسُفَ فَقالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَذَكَرَ هَذا الكَلامَ بِعَيْنِهِ في هَذِهِ الواقِعَةِ إلّا أنَّهُ قالَ في واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٨) وقالَ هَهُنا: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ هَهُنا الكَذِبَ والِاحْتِيالَ كَما في قَوْلِهِ في واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ لَكِنَّهُ عَنى: سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم إخْراجَ بِنْيامِينَ عَنِّي، والمَصِيرَ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ، فَعادَ مِن ذَلِكَ شَرٌّ وضَرَرٌ، وألْحَحْتُمْ عَلَيَّ في إرْسالِهِ مَعَكم، ولَمْ تَعْلَمُوا أنَّ قَضاءَ اللَّهِ إنَّما جاءَ عَلى خِلافِ تَقْدِيرِكم.
وقِيلَ: بَلِ المَعْنى سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا؛ خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أنَّهُ سَرَقَ، وما سَرَقَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: إنَّ رُوبِيلَ لَمّا عَزَمَ عَلى الإقامَةِ بِمِصْرَ أمَرَهُ المَلِكُ أنْ يَذْهَبَ مَعَ إخْوَتِهِ فَقالَ: اتْرُكُونِي، وإلّا صِحْتُ صَيْحَةً لا تَبْقى بِمِصْرَ امْرَأةٌ حامِلٌ إلّا وتَضَعُ حَمْلَها؛ فَقالَ يُوسُفُ: دَعُوهُ، ولَمّا رَجَعَ القَوْمُ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخْبَرُوهُ بِالواقِعَةِ؛ بَكى وقالَ: يا بَنِيَّ لا تَخْرُجُوا مِن عِنْدِي مَرَّةً إلّا ونَقَصَ بَعْضُكم، ذَهَبْتُمْ مَرَّةً فَنَقَصَ يُوسُفُ، وفي الثّانِيَةِ نَقَصَ شَمْعُونُ، وفي هَذِهِ الثّالِثَةِ نَقَصَ رُوبِيلُ وبِنْيامِينُ، ثُمَّ بَكى وقالَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا.
وإنَّما حَكَمَ بِهَذا الحُكْمِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا طالَ حُزْنُهُ وبَلاؤُهُ ومِحْنَتُهُ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى سَيَجْعَلُ لَهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا عَنْ قَرِيبٍ، فَقالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ حُسْنِ الظَّنِّ بِرَحْمَةِ اللَّهِ.
والثّانِي: لَعَلَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَهُ مِن بَعْدِ مِحْنَةِ يُوسُفَ أنَّهُ حَيٌّ أوْ ظَهَرَتْ لَهُ عَلاماتُ ذَلِكَ وإنَّما قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ لِأنَّهم حِينَ ذَهَبُوا بِيُوسُفَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ فَضاعَ يُوسُفُ وبَقِيَ أحَدَ عَشَرَ، ولَمّا أرْسَلَهم إلى مِصْرَ عادُوا تِسْعَةً لِأنَّ بِنْيامِينَ حَبَسَهُ يُوسُفُ، واحْتَبَسَ ذَلِكَ الكَبِيرُ الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ فَلَمّا كانَ الغائِبُونَ ثَلاثَةً لا جَرَمَ قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ يَعْنِي هو العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، الحَكِيمُ فِيها عَلى الوَجْهِ المُطابِقِ لِلْفَضْلِ والإحْسانِ والرَّحْمَةِ والمَصْلَحَةِ.
يوسف 12:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ مِن أبْنائِهِ ذَلِكَ الكَلامَ لَمْ يُصَدِّقْهم فِيما ذَكَرُوا كَما في واقِعَةِ
صفحة ١٥٣
يُوسُفَ فَقالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَذَكَرَ هَذا الكَلامَ بِعَيْنِهِ في هَذِهِ الواقِعَةِ إلّا أنَّهُ قالَ في واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٨) وقالَ هَهُنا: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ هَهُنا الكَذِبَ والِاحْتِيالَ كَما في قَوْلِهِ في واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ لَكِنَّهُ عَنى: سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم إخْراجَ بِنْيامِينَ عَنِّي، والمَصِيرَ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ، فَعادَ مِن ذَلِكَ شَرٌّ وضَرَرٌ، وألْحَحْتُمْ عَلَيَّ في إرْسالِهِ مَعَكم، ولَمْ تَعْلَمُوا أنَّ قَضاءَ اللَّهِ إنَّما جاءَ عَلى خِلافِ تَقْدِيرِكم.
وقِيلَ: بَلِ المَعْنى سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا؛ خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أنَّهُ سَرَقَ، وما سَرَقَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: إنَّ رُوبِيلَ لَمّا عَزَمَ عَلى الإقامَةِ بِمِصْرَ أمَرَهُ المَلِكُ أنْ يَذْهَبَ مَعَ إخْوَتِهِ فَقالَ: اتْرُكُونِي، وإلّا صِحْتُ صَيْحَةً لا تَبْقى بِمِصْرَ امْرَأةٌ حامِلٌ إلّا وتَضَعُ حَمْلَها؛ فَقالَ يُوسُفُ: دَعُوهُ، ولَمّا رَجَعَ القَوْمُ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخْبَرُوهُ بِالواقِعَةِ؛ بَكى وقالَ: يا بَنِيَّ لا تَخْرُجُوا مِن عِنْدِي مَرَّةً إلّا ونَقَصَ بَعْضُكم، ذَهَبْتُمْ مَرَّةً فَنَقَصَ يُوسُفُ، وفي الثّانِيَةِ نَقَصَ شَمْعُونُ، وفي هَذِهِ الثّالِثَةِ نَقَصَ رُوبِيلُ وبِنْيامِينُ، ثُمَّ بَكى وقالَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا.
وإنَّما حَكَمَ بِهَذا الحُكْمِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا طالَ حُزْنُهُ وبَلاؤُهُ ومِحْنَتُهُ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى سَيَجْعَلُ لَهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا عَنْ قَرِيبٍ، فَقالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ حُسْنِ الظَّنِّ بِرَحْمَةِ اللَّهِ.
والثّانِي: لَعَلَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَهُ مِن بَعْدِ مِحْنَةِ يُوسُفَ أنَّهُ حَيٌّ أوْ ظَهَرَتْ لَهُ عَلاماتُ ذَلِكَ وإنَّما قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ لِأنَّهم حِينَ ذَهَبُوا بِيُوسُفَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ فَضاعَ يُوسُفُ وبَقِيَ أحَدَ عَشَرَ، ولَمّا أرْسَلَهم إلى مِصْرَ عادُوا تِسْعَةً لِأنَّ بِنْيامِينَ حَبَسَهُ يُوسُفُ، واحْتَبَسَ ذَلِكَ الكَبِيرُ الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ فَلَمّا كانَ الغائِبُونَ ثَلاثَةً لا جَرَمَ قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ يَعْنِي هو العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، الحَكِيمُ فِيها عَلى الوَجْهِ المُطابِقِ لِلْفَضْلِ والإحْسانِ والرَّحْمَةِ والمَصْلَحَةِ.
يوسف 12:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾
صفحة ١٥٤
واعْلَمْ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ كَلامَ أبْنائِهِ ضاقَ قَلْبُهُ جِدًّا، وأعْرَضَ عَنْهم وفارَقَهم ثُمَّ بِالآخِرَةِ طَلَبَهم وعادَ إلَيْهِمْ.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ أعْرَضَ عَنْهم، وفَرَّ مِنهم فَهو قَوْلُهُ: ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ضاقَ صَدْرُهُ بِسَبَبِ الكَلامِ الَّذِي سَمِعَهُ مِن أبْنائِهِ في حَقِّ بِنْيامِينَ عَظُمَ أسَفُهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ وإنَّما عَظُمَ حُزْنُهُ عَلى مُفارَقَةِ يُوسُفَ عِنْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ لِوُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الحُزْنَ الجَدِيدَ يُقَوِّي الحُزْنَ القَدِيمَ الكامِنَ، والقِدْحُ إذا وقَعَ عَلى القِدْحِ كانَ أوْجَعَ.
وقالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ:
وقَدْ لامَنِي عِنْدَ القُبُورِ عَلى البُكا رَفِيقِي لِتِذْرافِ الدُّمُوعِ السَّوافِكِ
فَقالَ أتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأيْتَهُ ∗∗∗ لِقَبْرٍ ثَوى بَيْنَ اللِّوى والدَّكادِكِ
فَقُلْتُ لَهُ إنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى ∗∗∗ فَدَعْنِي فَهَذا كُلُّهُ قَبْرُ مالِكِ
وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا رَأى قَبْرًا فَتَجَدَّدَ حُزْنُهُ عَلى أخِيهِ مالِكٍ فَلامُوهُ عَلَيْهِ، فَأجابَ بِأنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى. وقالَ آخَرُ:
فَلَمْ تُنْسِنِي أوْفى المُصِيباتِ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ نَكْءَ القَرْحِ بِالقَرْحِ أوْجَعُ
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ كانا مِن أُمٍّ واحِدَةٍ، وكانَتِ المُشابَهَةُ بَيْنَهُما في الصُّورَةِ والصِّفَةِ أكْمَلَ، فَكانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَسَلّى بِرُؤْيَتِهِ عَنْ رُؤْيَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا وقَعَ ما وقَعَ زالَ ما يُوجِبُ السَّلْوَةَ، فَعَظُمَ الألَمُ والوَجْدُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُصِيبَةَ في يُوسُفَ كانَتْ أصْلَ مَصائِبِهِ الَّتِي عَلَيْها تَرَتَّبَ سائِرُ المَصائِبِ والرَّزايا، وكانَ الأسَفُ عَلَيْهِ أسَفًا عَلى الكُلِّ.
الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ المَصائِبَ الجَدِيدَةَ كانَتْ أسْبابُها جارِيَةً مَجْرى الأُمُورِ الَّتِي يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها والبَحْثُ عَنْها.
وأمّا واقِعَةُ يُوسُفَ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْلَمُ كَذِبَهم في السَّبَبِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، وأمّا السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ فَما كانَ مَعْلُومًا لَهُ، وأيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ في الحَياةِ، وأمّا يُوسُفُ فَما كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ حَيٌّ أوْ مَيِّتٌ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ عَظُمَ وجْدُهُ عَلى مُفارَقَتِهِ وقَوِيَتْ مُصِيبَتُهُ عَلى الجَهْلِ بِحالِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ الجُهّالِ مَن عابَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ قالَ: لِأنَّ هَذا إظْهارٌ لِلْجَزَعِ وجارٍ مَجْرى الشِّكايَةِ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، والعُلَماءُ بَيَّنُوا أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنَّهُ هَذا الجاهِلُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الكَلِمَةَ ثُمَّ عَظُمَ بُكاؤُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ ثُمَّ أمْسَكَ لِسانَهُ عَنِ النِّياحَةِ وذِكْرِ ما لا يَنْبَغِي، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ثُمَّ إنَّهُ ما أظْهَرَ الشِّكايَةَ مَعَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ مُصِيبَتُهُ وقَوِيَتْ مِحْنَتُهُ؛ فَإنَّهُ صَبَرَ وتَجَرَّعَ الغُصَّةَ وما أظْهَرَ الشِّكايَةَ، فَلا جَرَمَ اسْتَوْجَبَ بِهِ المَدْحَ العَظِيمَ والثَّناءَ العَظِيمَ.
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ: هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِيَعْقُوبَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وكَيْفَ حُزْنُهُ ؟
صفحة ١٥٥
قالَ: حُزْنُ سَبْعِينَ ثَكْلى، وهي الَّتِي لَها ولَدٌ واحِدٌ ثُمَّ يَمُوتُ.
قالَ: فَهَلْ لَهُ فِيهِ أجْرٌ ؟ قالَ: نَعَمْ. أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ.
فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ، قالَ: (مَرَّ بِيَعْقُوبَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ إبْراهِيمُ ؟ فَقالَ: أنا ابْنُ ابْنِهِ، والهُمُومُ غَيَّرَتْنِي وذَهَبَتْ بِحُسْنِي وقُوَّتِي، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ”حَتّى مَتى تَشْكُونِي إلى عِبادِي، وعِزَّتِي وجَلالِي لَوْ لَمْ تَشْكُنِي لَأبْدَلْتُكَ لَحْمًا خَيْرًا مِن لَحْمِكَ ودَمًا خَيْرًا مِن دَمِكَ) فَكانَ مِن بَعْدُ يَقُولُ: إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ، وعَنِ النَّبِيِّﷺ أنَّهُ قالَ: «كانَ لِيَعْقُوبَ أخٌ مُواخٍ، فَقالَ لَهُ: ما الَّذِي أذْهَبَ بَصَرَكَ وقَوَّسَ ظَهْرَكَ ؟ فَقالَ: الَّذِي أذْهَبَ بَصَرِي البُكاءُ عَلى يُوسُفَ، وقَوَّسَ ظَهْرِي الحُزْنُ عَلى بِنْيامِينَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أما تَسْتَحِي تَشْكُونِي إلى غَيْرِي ! فَقالَ: إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ، فَقالَ: يا رَبِّ أما تَرْحَمُ الشَّيْخَ الكَبِيرَ، قَوَّسْتَ ظَهْرِي، وأذْهَبْتَ بَصَرِي، فارْدُدْ عَلَيَّ رَيْحانَتَيَّ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ؛ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبُشْرى وقالَ: لَوْ كانا مَيِّتَيْنِ لَنَشَرْتُهُما لَكَ؛ فاصْنَعْ طَعامًا لِلْمَساكِينِ، فَإنَّ أحَبَّ عِبادِي إلَيَّ الأنْبِياءُ والمَساكِينُ، وكانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا أرادَ الغَداءَ نادى مُنادِيهِ: مَن أرادَ الغَداءَ فَلْيَتَغَدَّ مَعَ يَعْقُوبَ، وإذا كانَ صائِمًا نادى مِثْلَهُ عِنْدَ الإفْطارِ» .
ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ حاجِبَيْهِ بِخِرْقَةٍ مِنَ الكِبَرِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: ما هَذا الَّذِي أراهُ بِكَ ؟ قالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أتَشْكُونِي يا يَعْقُوبُ ؟ فَقالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ أخْطَأْتُها؛ فاغْفِرْها لِي.
قُلْنا: إنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِالصَّبْرِ والثَّباتِ وتَرْكِ النِّياحَةِ. ورُوِيَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ دَخَلَ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: جِئْتَ لِتَقْبِضَنِي قَبْلَ أنْ أرى حَبِيبَيَّ ؟ فَقالَ: لا، ولَكِنْ جِئْتُ لِأحْزَنَ لِحُزْنِكَ وأشْجُوَ لَشَجْوِكَ، وأمّا البُكاءُ فَلَيْسَ مِنَ المَعاصِي.
ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَكى عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: «إنَّ القَلْبَ لَيَحْزَنُ، والعَيْنَ تَدْمَعُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» .
وأيْضًا فاسْتِيلاءُ الحُزْنِ عَلى الإنْسانِ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ التَّكْلِيفِ، وأمّا التَّأوُّهُ وإرْسالُ البُكاءِ فَقَدْ يَصِيرُ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ، وأمّا ما ورَدَ في الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْتُمْ فالمُعاتَبَةُ فِيها إنَّما كانَتْ لِأجْلِ أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ.
وأيْضًا فَفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في مَوْضِعِ التَّحَيُّرِ والتَّرَدُّدِ لا بُدَّ وأنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى، فَيَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَعْلَمُ أنَّ يُوسُفَ بَقِيَ حَيًّا أمْ صارَ مَيِّتًا، فَكانَ مُتَوَقِّفًا فِيهِ وبِسَبَبِ تَوَقُّفِهِ كانَ يُكْثِرُ الرُّجُوعَ إلى اللَّهِ تَعالى ويَنْقَطِعُ قَلْبُهُ عَنِ الِالتِفاتِ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إلّا في هَذِهِ الواقِعَةِ، وكانَ أحْوالُهُ في هَذِهِ الواقِعَةِ مُخْتَلِفَةً، فَرُبَّما صارَ في بَعْضِ الأوْقاتِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فانِيًا عَنْ تَذَكُّرِ هَذِهِ الواقِعَةِ، فَكانَ ذِكْرُها كَلا سِواها، فَلِهَذا السَّبَبِ صارَتْ هَذا الواقِعَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ جارِيَةً مَجْرى الإلْقاءِ في النّارِ لِلْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَجْرى الذَّبْحِ لِابْنِهِ الذَّبِيحِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ الأوْلى عِنْدَ نُزُولِ المُصِيبَةِ الشَّدِيدَةِ أنْ يَقُولَ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ حَتّى يَسْتَوْجِبَ الثَّوابَ العَظِيمَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٥٧) .
قُلْنا: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ لَمْ يُعْطِ الِاسْتِرْجاعَ أُمَّةً إلّا هَذِهِ الأُمَّةَ فَأكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ.
وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: (إنّا لِلَّهِ) إشارَةٌ إلى أنّا مَمْلُوكُونَ لِلَّهِ وهو الَّذِي خَلَقَنا وأوْجَدَنا، وقَوْلَهُ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحَشْرِ والقِيامَةِ، ومِنَ المُحالِ أنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، فَمَن عَرَفَ عِنْدَ نُزُولِ بَعْضِ المَصائِبِ بِهِ أنَّهُ لا بُدَّ في العاقِبَةِ مِن رُجُوعِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَهُناكَ تَحْصُلُ السَّلْوَةُ التّامَّةُ عِنْدَ
صفحة ١٥٦
تِلْكَ المُصِيبَةِ، ومِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ غَيْرَ عارِفٍ بِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ نِداءُ الأسَفِ وهو كَقَوْلِهِ:“يا عَجَبًا”والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ يُنادِي الأسَفَ ويَقُولُ: هَذا وقْتُ حُصُولِكَ وأوانُ مَجِيئِكَ وقَدْ قَرَّرْنا هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ (يُوسُفَ: ٣١) والأسَفُ الحُزْنُ عَلى ما فاتَ.
قالَ اللَّيْثُ: إذا جاءَكَ أمْرٌ فَحَزِنْتَ لَهُ ولَمْ تُطِقْهُ فَأنْتَ أسِيفٌ أيْ حَزِينٌ ومُتَأسِّفٌ أيْضًا.
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ (يا أسَفِي) إلّا أنَّ ياءَ الإضافَةِ يَجُوزُ إبْدالُها بِالألِفِ لِخِفَّةِ الألِفِ والفَتْحَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: يا أسَفى عَلى يُوسُفَ غَلَبَهُ البُكاءُ، وعِنْدَ غَلَبَةِ البُكاءِ يَكْثُرُ الماءُ في العَيْنِ فَتَصِيرُ العَيْنُ كَأنَّها ابْيَضَّتْ مِن بَياضِ ذَلِكَ الماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غَلَبَةِ البُكاءِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ تَأْثِيرَ الحُزْنِ في غَلَبَةِ البُكاءِ لا في حُصُولِ العَمى، فَلَوْ حَمَلْنا الِابْيِضاضَ عَلى غَلَبَةِ البُكاءِ كانَ هَذا التَّعْلِيلُ حَسَنًا، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى العَمى لَمْ يَحْسُنْ هَذا التَّعْلِيلُ، فَكانَ ما ذَكَرْناهُ أوْلى، وهَذا التَّفْسِيرُ مَعَ الدَّلِيلِ رَواهُ الواحِدِيُّ في“البَسِيطِ" عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هو العَمى، قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يُبْصِرْ بِهِما سِتَّ سِنِينَ حَتّى كَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَمِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ (يُوسُفَ: ٩٣) .
قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَما كانَ في السِّجْنِ، فَقالَ: إنَّ بَصَرَ أبِيكَ ذَهَبَ مِنَ الحُزْنِ عَلَيْكَ؛ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ وقالَ: لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي ولَمْ أكُ حُزْنًا عَلى أبِي، والقائِلُونَ بِهَذا التَّأْوِيلِ قالُوا: الحُزْنُ الدّائِمُ يُوجِبُ البُكاءَ الدّائِمَ وهو يُوجِبُ العَمى، فالحُزْنُ كانَ سَبَبًا لِلْعَمى بِهَذِهِ الواسِطَةِ، وإنَّما كانَ البُكاءُ الدّائِمُ يُوجِبُ العَمى، لِأنَّهُ يُورِثُ كُدُورَةً في سَوْداءِ العَيْنِ، ومِنهم مَن قالَ: ما عَمِيَ لَكِنَّهُ صارَ بِحَيْثُ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.
قِيلَ: ما جَفَّتْ عَيْنا يَعْقُوبَ مِن وقْتِ فِراقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى حِينِ لِقائِهِ، وتِلْكَ المُدَّةُ ثَمانُونَ عامًا، وما كانَ عَلى وجْهِ الأرْضِ عَبْدٌ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الحُزْنِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ (مِنَ الحُزْنِ) بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ.
قالَ الواحِدِيُّ: واخْتَلَفُوا في الحُزْنِ والحَزَنِ فَقالَ قَوْمٌ: الحُزْنُ: البُكاءُ، والحَزَنُ: ضِدُّ الفَرَحِ، وقالَ قَوْمٌ: هُما لُغَتانِ يُقالُ: أصابَهُ حُزْنٌ شَدِيدٌ، وحَزَنٌ شَدِيدٌ، وهو مَذْهَبُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ، ورَوى يُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، قالَ: إذا كانَ في مَوْضِعِ النَّصْبِ فَتَحُوا الحاءَ والزّايَ كَقَوْلِهِ: ﴿تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ (التَّوْبَةِ: ٩٢) وإذا كانَ في مَوْضِعِ الخَفْضِ أوِ الرَّفْعِ ضَمُّوا الحاءَ كَقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الحُزْنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ قالَ: هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الكاظِمِ، وهو المُمْسِكُ عَلى حُزْنِهِ فَلا يُظْهِرُهُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَكْظُومِ، ومَعْناهُ: المَمْلُوءُ مِنَ الحُزْنِ مَعَ سَدِّ طَرِيقِ نَفَسِهِ، المَصْدُورُ مِن كَظْمِ السِّقاءِ إذا اشْتَدَّ عَلى مَلْئِهِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَمْلُوءٍ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ.
واعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ أعْضاءِ الإنْسانِ هَذِهِ الثَّلاثَةُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّها كانَتْ غَرِيقَةً في الغَمِّ، فاللِّسانُ كانَ
صفحة ١٥٧
مَشْغُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿ياأسَفى﴾ والعَيْنُ بِالبُكاءِ والبَياضِ، والقَلْبُ بِالغَمِّ الشَّدِيدِ الَّذِي يُشْبِهُ الوِعاءَ المَمْلُوءَ الَّذِي شُدَّ ولا يُمْكِنُ خُرُوجُ الماءِ مِنهُ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في وصْفِ ذَلِكَ الغَمِّ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ يُقالُ: ما زِلْتُ أفْعَلُهُ، وما فَتِئْتُ أفْعَلُهُ، وما بَرِحْتُ أفْعَلُهُ، ولا يُتَكَلَّمُ بِهِنَّ إلّا مَعَ الجَحْدِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: ما فَتِيتُ وما فَتِئْتُ لُغَتانِ فَتْيًا وفُتُؤًا إذا نَسِيتَهُ وانْقَطَعْتَ عَنْهُ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: وحَرْفُ النَّفْيِ هَهُنا مُضْمَرٌ عَلى مَعْنى قالُوا: ما تَفْتَؤُ ولا تَفْتَؤُ، وجازَ حَذْفُهُ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ الإثْباتُ؛ لَكانَ بِاللّامِ والنُّونِ نَحْوُ: واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ، فَلَمّا كانَ بِغَيْرِ اللّامِ والنُّونِ؛ عُرِفَ أنَّ كَلِمَةَ لا مُضْمَرَةٌ، وأنْشَدُوا قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا
والمَعْنى: لا أبْرَحُ قاعِدًا، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.
وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: لا تَزالُ تَذْكُرُهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: لا تَفْتُرُ مِن حُبِّهِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الفُتُورَ والفُتُوءَ أخَوَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حَكى الواحِدِيُّ عَنْ أهْلِ المَعانِي أنَّ أصْلَ الحَرَضِ فَسادُ الجِسْمَ والعَقْلِ لِلْحُزْنِ والحُبِّ، وقَوْلُهُ: حَرَّضْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ تَأْوِيلُهُ: أفْسَدْتُهُ، وأحْمَيْتُهُ عَلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ (الأنْفالِ: ٦٥) .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: وصْفُ الرَّجُلِ بِأنَّهُ حَرِضٌ إمّا أنْ يَكُونَ لِإرادَةِ أنَّهُ ذُو حَرَضٍ فَحُذِفَ المُضافُ، أوْ لِإرادَةِ أنَّهُ لَمّا تَناهى في الفَسادِ والضَّعْفِ فَكَأنَّهُ صارَ عَيْنَ الحَرَضِ ونَفْسَ الفَسادِ.
وأمّا الحَرِضُ بِكَسْرِ الرّاءِ فَهو الصِّفَةُ، وجاءَتِ القِراءَةُ بِهِما مَعًا.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ عِباراتٌ:
أحَدُها: الحَرَضُ والحارِضُ هو الفاسِدُ في جِسْمِهِ وعَقْلِهِ.
وثانِيهِما: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الحَرَضِ، فَقالَ: الفاسِدُ الدَّنِفُ.
وثالِثُها: أنَّهُ الَّذِي يَكُونُ لا كالأحْياءِ ولا كالأمْواتِ، وذَكَرَ أبُو رَوْقٍ أنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ قَرَأ: (حَتّى تَكُونَ حُرْضًا) بِضَمِّ الحاءِ وتَسْكِينِ الرّاءِ، قالَ: يَعْنِي مِثْلَ عُودِ الأُشْنانِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ أيْ مِنَ الأمْواتِ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم قالُوا لِأبِيهِمْ: إنَّكَ لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ بِالحُزْنِ والبُكاءِ عَلَيْهِ حَتّى تَصِيرَ بِذَلِكَ إلى مَرَضٍ لا تَنْتَفِعُ بِنَفْسِكَ مَعَهُ، أوْ تَمُوتَ مِنَ الغَمِّ، كَأنَّهم قالُوا: أنْتَ الآنَ في بَلاءٍ شَدِيدٍ، ونَخافُ أنْ يَحْصُلَ ما هو أزْيَدُ مِنهُ وأقْوى، وأرادُوا بِهَذا القَوْلِ مَنعَهُ عَنْ كَثْرَةِ البُكاءِ والأسَفِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ مَعَ أنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ قَطْعًا ؟
قُلْنا: إنَّهم بَنَوْا هَذا الأمْرَ عَلى الظّاهِرِ.
فَإنْ قِيلَ: القائِلُونَ بِهَذا الكَلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ مَن هم ؟
قُلْنا: الأظْهَرُ أنَّ هَؤُلاءِ لَيْسُوا هُمُ الإخْوَةَ الَّذِينَ قَدْ تَوَلّى عَنْهم، بَلِ الجَماعَةَ الَّذِينَ كانُوا في الدّارِ مِن أوْلادِ أوْلادِهِ وخَدَمِهِ.
صفحة ١٥٨
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا الَّذِي أذْكُرُهُ لا أذْكُرُهُ مَعَكم، وإنَّما أذْكُرُهُ في حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، والإنْسانُ إذا بَثَّ شَكْواهُ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ في زُمْرَةِ المُحَقِّقِينَ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وأعُوذُ بِعَفْوِكَ مِن غَضَبِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنكَ» واللَّهُ هو المُوَفِّقُ، والبَثُّ هو التَّفْرِيقُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٤) .
فالحُزْنُ إذا سَتَرَهُ الإنْسانُ كانَ هَمًّا، وإذا ذَكَرَهُ لِغَيْرِهِ كانَ بَثًّا، وقالُوا: البَثُّ أشَدُّ الحُزْنِ، والحُزْنُ أشَدُّ الهَمِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَتى أمْكَنَهُ أنْ يَمْسِكَ لِسانَهُ عَنْ ذِكْرِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحُزْنُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ، وأمّا إذا عَظُمَ وعَجَزَ الإنْسانُ عَنْ ضَبْطِهِ وانْطَلَقَ اللِّسانُ بِذِكْرِهِ شاءَ أمْ أبى، كانَ ذَلِكَ بَثًّا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ صارَ عاجِزًا عَنْهُ، وهو قَدِ اسْتَوْلى عَلى الإنْسانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ لا أذْكُرُ الحُزْنَ العَظِيمَ ولا الحُزْنَ القَلِيلَ إلّا مَعَ اللَّهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (وحَزَنِي) بِفَتْحَتَيْنِ وحُزُنِي بِضَمَّتَيْنِ، قِيلَ: دَخَلَ عَلى يَعْقُوبَ رَجُلٌ وقالَ: يا يَعْقُوبُ ضَعُفَ جِسْمُكَ ونَحُفَ بَدَنُكَ، وما بَلَغْتَ سِنًّا عالِيًا ! فَقالَ: الَّذِي بِي لِكَثْرَةِ غُمُومِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا يَعْقُوبُ أتَشْكُونِي إلى خَلْقِي ؟ فَقالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ أخْطَأْتُها فاغْفِرْها لِي، فَغَفَرَها لَهُ، وكانَ بَعْدَ ذَلِكَ إذا سُئِلَ قالَ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ ورُوِيَ أنَّهُ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّما وجَدْتُ عَلَيْكم لِأنَّكم ذَبَحْتُمْ شاةً فَقامَ بِبابِكم مِسْكِينٌ فَلَمْ تُطْعِمُوهُ، وإنَّ أحَبَّ خَلْقِي إلَيَّ الأنْبِياءُ والمَساكِينُ، فاصْنَعْ طَعامًا وادْعُ إلَيْهِ المَساكِينَ، وقِيلَ: اشْتَرى جارِيَةً مَعَ ولَدِها فَباعَ ولَدَها فَبَكَتْ حَتّى عَمِيَتْ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أعْلَمُ مِن رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ ما لا تَعْلَمُونَ، وهو أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِالفَرَجِ مِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ، فَهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ كانَ يَتَوَقَّعُ وُصُولَ يُوسُفَ إلَيْهِ.
وذَكَرُوا لِسَبَبِ هَذا التَّوَقُّعِ أُمُورًا:
أحَدُها: أنَّ مَلَكَ المَوْتِ أتاهُ فَقالَ لَهُ: يا مَلَكَ المَوْتِ هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ ابْنِي يُوسُفَ ؟ قالَ: لا يا نَبِيَّ اللَّهِ، ثُمَّ أشارَ إلى جانِبِ مِصْرَ وقالَ: اطْلُبْهُ هَهُنا.
وثانِيها: أنَّهُ عَلِمَ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ؛ لِأنَّ أماراتِ الرُّشْدِ والكَمالِ كانَتْ ظاهِرَةً في حَقِّ يُوسُفَ، ورُؤْيا مِثْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تُخْطِئُ.
وثالِثُها: لَعَلَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنَّهُ سَيُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى ما عَيَّنَ الوَقْتَ، فَلِهَذا بَقِيَ في القَلَقِ.
ورابِعُها: قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا أخْبَرَهُ بَنُوهُ بِسِيرَةِ المَلِكِ وكَمالِ حالِهِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ؛ طَمِعَ أنْ يَكُونَ هو يُوسُفَ، وقالَ: يَبْعُدُ أنْ يَظْهَرَ في الكُفّارِ مِثْلُهُ.
وخامِسُها: عَلِمَ قَطْعًا أنَّ بِنْيامِينَ لا يَسْرِقُ، وسَمِعَ أنَّ المَلِكَ ما آذاهُ وما ضَرَبَهُ، فَغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ المَلِكَ هو يُوسُفُ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في المَقامِ الأوَّلِ.
والمَقامُ الثّانِي: أنَّهُ رَجَعَ إلى أوْلادِهِ، وتَكَلَّمَ مَعَهم عَلى سَبِيلِ اللُّطْفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَمِعَ في وِجْدانِ يُوسُفَ بِناءً عَلى الأماراتِ المَذْكُورَةِ قالَ لِبَنِيهِ: تَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ، والتَّحَسُّسُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ وهو شَبِيهٌ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: يُقالُ: تَحَسَّسْتُ عَنْ فُلانٍ، ولا يُقالُ: مِن فُلانٍ، وقِيلَ: هَهُنا ﴿مِن يُوسُفَ﴾؛ لِأنَّهُ أقامَ (مِن) مَقامَ (عَنْ)، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى تَحَسَّسُوا خَبَرًا مِن أخْبارِ يُوسُفَ، واسْتَعْلِمُوا بَعْضَ أخْبارِ يُوسُفَ، فَذُكِرَتْ كَلِمَةُ (مِن) لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّبْعِيضِ، وقُرِئَ (تَجَسَّسُوا) بِالجِيمِ كَما قُرِئَ بِهِما في الحُجُراتِ.
صفحة ١٥٩
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: الرَّوْحُ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ مِن نَسِيمِ الهَواءِ فَيَسْكُنُ إلَيْهِ، وتَرْكِيبُ الرّاءِ والواوِ والحاءِ يُفِيدُ الحَرَكَةَ والِاهْتِزازَ، فَكُلَّما يَهْتَزُّ إنْسانٌ لَهُ ويَلْتَذُّ بِوُجُودِهِ فَهو رَوْحٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَيْئَسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ يُرِيدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وعَنْ قَتادَةَ: مِن فَضْلِ اللَّهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن فَرَجِ اللَّهِ، وهَذِهِ الألْفاظُ مُتَقارِبَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: (مِن رُوحِ اللَّهِ) بِالضَّمِّ أيْ: مِن رَحْمَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ المُؤْمِنَ مِنَ اللَّهِ عَلى خَيْرٍ يَرْجُوهُ في البَلاءِ ويَحْمَدُهُ في الرَّخاءِ.
واعْلَمْ أنَّ اليَأْسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَحْصُلُ إلّا إذا اعْتَقَدَ الإنْسانُ أنَّ الإلَهَ غَيْرُ قادِرٍ عَلى الكَمالِ، أوْ غَيْرُ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، أوْ لَيْسَ بِكَرِيمٍ؛ بَلْ هو بَخِيلٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَإذا كانَ اليَأْسُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أحَدِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها كُفْرٌ؛ ثَبَتَ أنَّ اليَأْسَ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ كافِرًا، واللَّهُ أعْلَمُ، وقَدْ بَقِيَ مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ بُلُوغَ يَعْقُوبَ في حُبِّ يُوسُفَ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن كانَ غافِلًا عَنِ اللَّهِ، فَإنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ أحَبَّهُ، ومَن أحَبَّ اللَّهَ لَمْ يَتَفَرَّغْ قَلْبُهُ لِحُبِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، وأيْضًا القَلْبُ الواحِدُ لا يَتَّسِعُ لِلْحُبِّ المُسْتَغْرِقِ لِشَيْئَيْنِ، فَلَمّا كانَ قَلْبُهُ مُسْتَغْرِقًا في حُبِّ ولَدِهِ امْتُنِعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مُسْتَغْرِقًا في حُبِّ اللَّهِ تَعالى.
والسُّؤالُ الثّانِي: أنَّ عِنْدَ اسْتِيلاءِ الحُزْنِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَشْتَغِلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وبِالتَّفْوِيضِ إلَيْهِ والتَّسْلِيمِ لِقَضائِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ فَذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الدِّينِ والعِلْمِ فَضْلًا عَنْ أكابِرِ الأنْبِياءِ.
والسُّؤالُ الثّالِثُ: لا شَكَّ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ، وكانَ أبُوهُ وجَدُّهُ وعَمُّهُ كُلُّهم مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ المَشْهُورِينَ في جَمِيعِ الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ ثُمَّ وقَعَتْ لَهُ واقِعَةٌ هائِلَةٌ صَعْبَةٌ في أعَزِّ أوْلادِهِ عَلَيْهِ لَمْ تَبْقَ تِلْكَ الواقِعَةُ خَفِيَّةً، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَبْلُغَ في الشُّهْرَةِ إلى حَيْثُ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ لا سِيَّما وقَدِ انْقَضَتِ المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ فِيها، وبَقِيَ يَعْقُوبُ عَلى حُزْنِهِ الشَّدِيدِ وأسَفِهِ العَظِيمِ، وكانَ يُوسُفُ في مِصْرَ، وكانَ يَعْقُوبُ في بَعْضِ بِلادِ الشّامِ قَرِيبًا مِن مِصْرَ، فَمَعَ قُرْبِ المَسافَةِ يَمْتَنِعُ بَقاءُ هَذِهِ الواقِعَةِ مَخْفِيَّةً.
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ لَمْ يَبْعَثْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَدًا إلى يَعْقُوبَ، ويُعْلِمْهُ أنَّهُ في الحَياةِ وفي السَّلامَةِ، ولا يُقالُ: إنَّهُ كانَ يَخافُ إخْوَتَهُ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ أنْ صارَ مَلِكًا قاهِرًا كانَ يُمْكِنُهُ إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإخْوَتُهُ ما كانُوا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ الرَّسُولِ ؟
والسُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ جازَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَضَعَ الصّاعَ في وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ يَسْتَخْرِجَهُ مِنهُ ويُلْصِقَ بِهِ تُهْمَةَ السَّرِقَةِ مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْها.
السُّؤالُ السّادِسُ: كَيْفَ رَغِبَ في إلْصاقِ هَذِهِ التُّهْمَةِ بِهِ وفي حَبْسِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ يَزْدادُ حَزْنُ أبِيهِ ويَقْوى.
صفحة ١٦٠
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ المِحْنَةِ الشَّدِيدَةِ تُزِيلُ عَنِ القَلْبِ كُلَّ ما سِواهُ مِنَ الخَواطِرِ.
ثُمَّ إنَّ صاحِبَ هَذِهِ المِحْنَةِ الشَّدِيدَةِ يَكُونُ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى كَثِيرَ الِاشْتِغالِ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَمالِ الِاسْتِغْراقِ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الدَّواعِيَ الإنْسانِيَّةَ لا تَزُولُ في الحَياةِ العاجِلَةِ، فَتارَةً كانَ يَقُولُ: ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ وتارَةً كانَ يَقُولُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٨) وأمّا بَقِيَّةُ الأسْئِلَةِ فالقاضِي أجابَ عَنْها بِجَوابٍ كُلِّيٍّ حَسَنٍ، فَقالَ: هَذِهِ الوَقائِعُ الَّتِي نُقِلَتْ إلَيْنا إمّا يُمْكِنُ تَخْرِيجُها عَلى الأحْوالِ المُعْتادَةِ أوْ لا يُمْكِنُ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَلا إشْكالَ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَنَقُولُ: كانَ ذَلِكَ الزَّمانُ زَمانَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وخَرْقُ العادَةِ في هَذا الزَّمانِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُقالَ: إنَّ بَلْدَةَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّها كانَتْ قَرِيبَةً مِن بَلْدَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَكِنْ لَمْ يَصِلْ خَبَرُ أحَدِهِما إلى الآخَرِ عَلى سَبِيلِ نَقْضِ العادَةِ.
يوسف 12:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾
صفحة ١٥٤
واعْلَمْ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ كَلامَ أبْنائِهِ ضاقَ قَلْبُهُ جِدًّا، وأعْرَضَ عَنْهم وفارَقَهم ثُمَّ بِالآخِرَةِ طَلَبَهم وعادَ إلَيْهِمْ.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ أعْرَضَ عَنْهم، وفَرَّ مِنهم فَهو قَوْلُهُ: ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ضاقَ صَدْرُهُ بِسَبَبِ الكَلامِ الَّذِي سَمِعَهُ مِن أبْنائِهِ في حَقِّ بِنْيامِينَ عَظُمَ أسَفُهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ وإنَّما عَظُمَ حُزْنُهُ عَلى مُفارَقَةِ يُوسُفَ عِنْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ لِوُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الحُزْنَ الجَدِيدَ يُقَوِّي الحُزْنَ القَدِيمَ الكامِنَ، والقِدْحُ إذا وقَعَ عَلى القِدْحِ كانَ أوْجَعَ.
وقالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ:
وقَدْ لامَنِي عِنْدَ القُبُورِ عَلى البُكا رَفِيقِي لِتِذْرافِ الدُّمُوعِ السَّوافِكِ
فَقالَ أتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأيْتَهُ ∗∗∗ لِقَبْرٍ ثَوى بَيْنَ اللِّوى والدَّكادِكِ
فَقُلْتُ لَهُ إنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى ∗∗∗ فَدَعْنِي فَهَذا كُلُّهُ قَبْرُ مالِكِ
وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا رَأى قَبْرًا فَتَجَدَّدَ حُزْنُهُ عَلى أخِيهِ مالِكٍ فَلامُوهُ عَلَيْهِ، فَأجابَ بِأنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى. وقالَ آخَرُ:
فَلَمْ تُنْسِنِي أوْفى المُصِيباتِ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ نَكْءَ القَرْحِ بِالقَرْحِ أوْجَعُ
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ كانا مِن أُمٍّ واحِدَةٍ، وكانَتِ المُشابَهَةُ بَيْنَهُما في الصُّورَةِ والصِّفَةِ أكْمَلَ، فَكانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَسَلّى بِرُؤْيَتِهِ عَنْ رُؤْيَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا وقَعَ ما وقَعَ زالَ ما يُوجِبُ السَّلْوَةَ، فَعَظُمَ الألَمُ والوَجْدُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُصِيبَةَ في يُوسُفَ كانَتْ أصْلَ مَصائِبِهِ الَّتِي عَلَيْها تَرَتَّبَ سائِرُ المَصائِبِ والرَّزايا، وكانَ الأسَفُ عَلَيْهِ أسَفًا عَلى الكُلِّ.
الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ المَصائِبَ الجَدِيدَةَ كانَتْ أسْبابُها جارِيَةً مَجْرى الأُمُورِ الَّتِي يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها والبَحْثُ عَنْها.
وأمّا واقِعَةُ يُوسُفَ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْلَمُ كَذِبَهم في السَّبَبِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، وأمّا السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ فَما كانَ مَعْلُومًا لَهُ، وأيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ في الحَياةِ، وأمّا يُوسُفُ فَما كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ حَيٌّ أوْ مَيِّتٌ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ عَظُمَ وجْدُهُ عَلى مُفارَقَتِهِ وقَوِيَتْ مُصِيبَتُهُ عَلى الجَهْلِ بِحالِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ الجُهّالِ مَن عابَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ قالَ: لِأنَّ هَذا إظْهارٌ لِلْجَزَعِ وجارٍ مَجْرى الشِّكايَةِ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، والعُلَماءُ بَيَّنُوا أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنَّهُ هَذا الجاهِلُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الكَلِمَةَ ثُمَّ عَظُمَ بُكاؤُهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ ثُمَّ أمْسَكَ لِسانَهُ عَنِ النِّياحَةِ وذِكْرِ ما لا يَنْبَغِي، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ثُمَّ إنَّهُ ما أظْهَرَ الشِّكايَةَ مَعَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ مُصِيبَتُهُ وقَوِيَتْ مِحْنَتُهُ؛ فَإنَّهُ صَبَرَ وتَجَرَّعَ الغُصَّةَ وما أظْهَرَ الشِّكايَةَ، فَلا جَرَمَ اسْتَوْجَبَ بِهِ المَدْحَ العَظِيمَ والثَّناءَ العَظِيمَ.
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ: هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِيَعْقُوبَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وكَيْفَ حُزْنُهُ ؟
صفحة ١٥٥
قالَ: حُزْنُ سَبْعِينَ ثَكْلى، وهي الَّتِي لَها ولَدٌ واحِدٌ ثُمَّ يَمُوتُ.
قالَ: فَهَلْ لَهُ فِيهِ أجْرٌ ؟ قالَ: نَعَمْ. أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ.
فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ، قالَ: (مَرَّ بِيَعْقُوبَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ إبْراهِيمُ ؟ فَقالَ: أنا ابْنُ ابْنِهِ، والهُمُومُ غَيَّرَتْنِي وذَهَبَتْ بِحُسْنِي وقُوَّتِي، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ”حَتّى مَتى تَشْكُونِي إلى عِبادِي، وعِزَّتِي وجَلالِي لَوْ لَمْ تَشْكُنِي لَأبْدَلْتُكَ لَحْمًا خَيْرًا مِن لَحْمِكَ ودَمًا خَيْرًا مِن دَمِكَ) فَكانَ مِن بَعْدُ يَقُولُ: إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ، وعَنِ النَّبِيِّﷺ أنَّهُ قالَ: «كانَ لِيَعْقُوبَ أخٌ مُواخٍ، فَقالَ لَهُ: ما الَّذِي أذْهَبَ بَصَرَكَ وقَوَّسَ ظَهْرَكَ ؟ فَقالَ: الَّذِي أذْهَبَ بَصَرِي البُكاءُ عَلى يُوسُفَ، وقَوَّسَ ظَهْرِي الحُزْنُ عَلى بِنْيامِينَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أما تَسْتَحِي تَشْكُونِي إلى غَيْرِي ! فَقالَ: إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ، فَقالَ: يا رَبِّ أما تَرْحَمُ الشَّيْخَ الكَبِيرَ، قَوَّسْتَ ظَهْرِي، وأذْهَبْتَ بَصَرِي، فارْدُدْ عَلَيَّ رَيْحانَتَيَّ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ؛ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبُشْرى وقالَ: لَوْ كانا مَيِّتَيْنِ لَنَشَرْتُهُما لَكَ؛ فاصْنَعْ طَعامًا لِلْمَساكِينِ، فَإنَّ أحَبَّ عِبادِي إلَيَّ الأنْبِياءُ والمَساكِينُ، وكانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا أرادَ الغَداءَ نادى مُنادِيهِ: مَن أرادَ الغَداءَ فَلْيَتَغَدَّ مَعَ يَعْقُوبَ، وإذا كانَ صائِمًا نادى مِثْلَهُ عِنْدَ الإفْطارِ» .
ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ حاجِبَيْهِ بِخِرْقَةٍ مِنَ الكِبَرِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: ما هَذا الَّذِي أراهُ بِكَ ؟ قالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أتَشْكُونِي يا يَعْقُوبُ ؟ فَقالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ أخْطَأْتُها؛ فاغْفِرْها لِي.
قُلْنا: إنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِالصَّبْرِ والثَّباتِ وتَرْكِ النِّياحَةِ. ورُوِيَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ دَخَلَ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: جِئْتَ لِتَقْبِضَنِي قَبْلَ أنْ أرى حَبِيبَيَّ ؟ فَقالَ: لا، ولَكِنْ جِئْتُ لِأحْزَنَ لِحُزْنِكَ وأشْجُوَ لَشَجْوِكَ، وأمّا البُكاءُ فَلَيْسَ مِنَ المَعاصِي.
ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَكى عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: «إنَّ القَلْبَ لَيَحْزَنُ، والعَيْنَ تَدْمَعُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» .
وأيْضًا فاسْتِيلاءُ الحُزْنِ عَلى الإنْسانِ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ التَّكْلِيفِ، وأمّا التَّأوُّهُ وإرْسالُ البُكاءِ فَقَدْ يَصِيرُ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ، وأمّا ما ورَدَ في الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْتُمْ فالمُعاتَبَةُ فِيها إنَّما كانَتْ لِأجْلِ أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ.
وأيْضًا فَفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في مَوْضِعِ التَّحَيُّرِ والتَّرَدُّدِ لا بُدَّ وأنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى، فَيَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَعْلَمُ أنَّ يُوسُفَ بَقِيَ حَيًّا أمْ صارَ مَيِّتًا، فَكانَ مُتَوَقِّفًا فِيهِ وبِسَبَبِ تَوَقُّفِهِ كانَ يُكْثِرُ الرُّجُوعَ إلى اللَّهِ تَعالى ويَنْقَطِعُ قَلْبُهُ عَنِ الِالتِفاتِ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إلّا في هَذِهِ الواقِعَةِ، وكانَ أحْوالُهُ في هَذِهِ الواقِعَةِ مُخْتَلِفَةً، فَرُبَّما صارَ في بَعْضِ الأوْقاتِ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فانِيًا عَنْ تَذَكُّرِ هَذِهِ الواقِعَةِ، فَكانَ ذِكْرُها كَلا سِواها، فَلِهَذا السَّبَبِ صارَتْ هَذا الواقِعَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ جارِيَةً مَجْرى الإلْقاءِ في النّارِ لِلْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَجْرى الذَّبْحِ لِابْنِهِ الذَّبِيحِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ الأوْلى عِنْدَ نُزُولِ المُصِيبَةِ الشَّدِيدَةِ أنْ يَقُولَ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ حَتّى يَسْتَوْجِبَ الثَّوابَ العَظِيمَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٥٧) .
قُلْنا: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ لَمْ يُعْطِ الِاسْتِرْجاعَ أُمَّةً إلّا هَذِهِ الأُمَّةَ فَأكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ.
وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: (إنّا لِلَّهِ) إشارَةٌ إلى أنّا مَمْلُوكُونَ لِلَّهِ وهو الَّذِي خَلَقَنا وأوْجَدَنا، وقَوْلَهُ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحَشْرِ والقِيامَةِ، ومِنَ المُحالِ أنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، فَمَن عَرَفَ عِنْدَ نُزُولِ بَعْضِ المَصائِبِ بِهِ أنَّهُ لا بُدَّ في العاقِبَةِ مِن رُجُوعِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَهُناكَ تَحْصُلُ السَّلْوَةُ التّامَّةُ عِنْدَ
صفحة ١٥٦
تِلْكَ المُصِيبَةِ، ومِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ غَيْرَ عارِفٍ بِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ نِداءُ الأسَفِ وهو كَقَوْلِهِ:“يا عَجَبًا”والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ يُنادِي الأسَفَ ويَقُولُ: هَذا وقْتُ حُصُولِكَ وأوانُ مَجِيئِكَ وقَدْ قَرَّرْنا هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ (يُوسُفَ: ٣١) والأسَفُ الحُزْنُ عَلى ما فاتَ.
قالَ اللَّيْثُ: إذا جاءَكَ أمْرٌ فَحَزِنْتَ لَهُ ولَمْ تُطِقْهُ فَأنْتَ أسِيفٌ أيْ حَزِينٌ ومُتَأسِّفٌ أيْضًا.
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ (يا أسَفِي) إلّا أنَّ ياءَ الإضافَةِ يَجُوزُ إبْدالُها بِالألِفِ لِخِفَّةِ الألِفِ والفَتْحَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: يا أسَفى عَلى يُوسُفَ غَلَبَهُ البُكاءُ، وعِنْدَ غَلَبَةِ البُكاءِ يَكْثُرُ الماءُ في العَيْنِ فَتَصِيرُ العَيْنُ كَأنَّها ابْيَضَّتْ مِن بَياضِ ذَلِكَ الماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غَلَبَةِ البُكاءِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ تَأْثِيرَ الحُزْنِ في غَلَبَةِ البُكاءِ لا في حُصُولِ العَمى، فَلَوْ حَمَلْنا الِابْيِضاضَ عَلى غَلَبَةِ البُكاءِ كانَ هَذا التَّعْلِيلُ حَسَنًا، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى العَمى لَمْ يَحْسُنْ هَذا التَّعْلِيلُ، فَكانَ ما ذَكَرْناهُ أوْلى، وهَذا التَّفْسِيرُ مَعَ الدَّلِيلِ رَواهُ الواحِدِيُّ في“البَسِيطِ" عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هو العَمى، قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يُبْصِرْ بِهِما سِتَّ سِنِينَ حَتّى كَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَمِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ (يُوسُفَ: ٩٣) .
قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَما كانَ في السِّجْنِ، فَقالَ: إنَّ بَصَرَ أبِيكَ ذَهَبَ مِنَ الحُزْنِ عَلَيْكَ؛ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ وقالَ: لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي ولَمْ أكُ حُزْنًا عَلى أبِي، والقائِلُونَ بِهَذا التَّأْوِيلِ قالُوا: الحُزْنُ الدّائِمُ يُوجِبُ البُكاءَ الدّائِمَ وهو يُوجِبُ العَمى، فالحُزْنُ كانَ سَبَبًا لِلْعَمى بِهَذِهِ الواسِطَةِ، وإنَّما كانَ البُكاءُ الدّائِمُ يُوجِبُ العَمى، لِأنَّهُ يُورِثُ كُدُورَةً في سَوْداءِ العَيْنِ، ومِنهم مَن قالَ: ما عَمِيَ لَكِنَّهُ صارَ بِحَيْثُ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.
قِيلَ: ما جَفَّتْ عَيْنا يَعْقُوبَ مِن وقْتِ فِراقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى حِينِ لِقائِهِ، وتِلْكَ المُدَّةُ ثَمانُونَ عامًا، وما كانَ عَلى وجْهِ الأرْضِ عَبْدٌ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الحُزْنِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ (مِنَ الحُزْنِ) بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ.
قالَ الواحِدِيُّ: واخْتَلَفُوا في الحُزْنِ والحَزَنِ فَقالَ قَوْمٌ: الحُزْنُ: البُكاءُ، والحَزَنُ: ضِدُّ الفَرَحِ، وقالَ قَوْمٌ: هُما لُغَتانِ يُقالُ: أصابَهُ حُزْنٌ شَدِيدٌ، وحَزَنٌ شَدِيدٌ، وهو مَذْهَبُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ، ورَوى يُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، قالَ: إذا كانَ في مَوْضِعِ النَّصْبِ فَتَحُوا الحاءَ والزّايَ كَقَوْلِهِ: ﴿تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ (التَّوْبَةِ: ٩٢) وإذا كانَ في مَوْضِعِ الخَفْضِ أوِ الرَّفْعِ ضَمُّوا الحاءَ كَقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الحُزْنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ قالَ: هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الكاظِمِ، وهو المُمْسِكُ عَلى حُزْنِهِ فَلا يُظْهِرُهُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَكْظُومِ، ومَعْناهُ: المَمْلُوءُ مِنَ الحُزْنِ مَعَ سَدِّ طَرِيقِ نَفَسِهِ، المَصْدُورُ مِن كَظْمِ السِّقاءِ إذا اشْتَدَّ عَلى مَلْئِهِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَمْلُوءٍ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ.
واعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ أعْضاءِ الإنْسانِ هَذِهِ الثَّلاثَةُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّها كانَتْ غَرِيقَةً في الغَمِّ، فاللِّسانُ كانَ
صفحة ١٥٧
مَشْغُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿ياأسَفى﴾ والعَيْنُ بِالبُكاءِ والبَياضِ، والقَلْبُ بِالغَمِّ الشَّدِيدِ الَّذِي يُشْبِهُ الوِعاءَ المَمْلُوءَ الَّذِي شُدَّ ولا يُمْكِنُ خُرُوجُ الماءِ مِنهُ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في وصْفِ ذَلِكَ الغَمِّ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ يُقالُ: ما زِلْتُ أفْعَلُهُ، وما فَتِئْتُ أفْعَلُهُ، وما بَرِحْتُ أفْعَلُهُ، ولا يُتَكَلَّمُ بِهِنَّ إلّا مَعَ الجَحْدِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: ما فَتِيتُ وما فَتِئْتُ لُغَتانِ فَتْيًا وفُتُؤًا إذا نَسِيتَهُ وانْقَطَعْتَ عَنْهُ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: وحَرْفُ النَّفْيِ هَهُنا مُضْمَرٌ عَلى مَعْنى قالُوا: ما تَفْتَؤُ ولا تَفْتَؤُ، وجازَ حَذْفُهُ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ الإثْباتُ؛ لَكانَ بِاللّامِ والنُّونِ نَحْوُ: واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ، فَلَمّا كانَ بِغَيْرِ اللّامِ والنُّونِ؛ عُرِفَ أنَّ كَلِمَةَ لا مُضْمَرَةٌ، وأنْشَدُوا قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا
والمَعْنى: لا أبْرَحُ قاعِدًا، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.
وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: لا تَزالُ تَذْكُرُهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: لا تَفْتُرُ مِن حُبِّهِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الفُتُورَ والفُتُوءَ أخَوَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حَكى الواحِدِيُّ عَنْ أهْلِ المَعانِي أنَّ أصْلَ الحَرَضِ فَسادُ الجِسْمَ والعَقْلِ لِلْحُزْنِ والحُبِّ، وقَوْلُهُ: حَرَّضْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ تَأْوِيلُهُ: أفْسَدْتُهُ، وأحْمَيْتُهُ عَلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ (الأنْفالِ: ٦٥) .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: وصْفُ الرَّجُلِ بِأنَّهُ حَرِضٌ إمّا أنْ يَكُونَ لِإرادَةِ أنَّهُ ذُو حَرَضٍ فَحُذِفَ المُضافُ، أوْ لِإرادَةِ أنَّهُ لَمّا تَناهى في الفَسادِ والضَّعْفِ فَكَأنَّهُ صارَ عَيْنَ الحَرَضِ ونَفْسَ الفَسادِ.
وأمّا الحَرِضُ بِكَسْرِ الرّاءِ فَهو الصِّفَةُ، وجاءَتِ القِراءَةُ بِهِما مَعًا.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ عِباراتٌ:
أحَدُها: الحَرَضُ والحارِضُ هو الفاسِدُ في جِسْمِهِ وعَقْلِهِ.
وثانِيهِما: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الحَرَضِ، فَقالَ: الفاسِدُ الدَّنِفُ.
وثالِثُها: أنَّهُ الَّذِي يَكُونُ لا كالأحْياءِ ولا كالأمْواتِ، وذَكَرَ أبُو رَوْقٍ أنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ قَرَأ: (حَتّى تَكُونَ حُرْضًا) بِضَمِّ الحاءِ وتَسْكِينِ الرّاءِ، قالَ: يَعْنِي مِثْلَ عُودِ الأُشْنانِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ أيْ مِنَ الأمْواتِ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم قالُوا لِأبِيهِمْ: إنَّكَ لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ بِالحُزْنِ والبُكاءِ عَلَيْهِ حَتّى تَصِيرَ بِذَلِكَ إلى مَرَضٍ لا تَنْتَفِعُ بِنَفْسِكَ مَعَهُ، أوْ تَمُوتَ مِنَ الغَمِّ، كَأنَّهم قالُوا: أنْتَ الآنَ في بَلاءٍ شَدِيدٍ، ونَخافُ أنْ يَحْصُلَ ما هو أزْيَدُ مِنهُ وأقْوى، وأرادُوا بِهَذا القَوْلِ مَنعَهُ عَنْ كَثْرَةِ البُكاءِ والأسَفِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ مَعَ أنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ قَطْعًا ؟
قُلْنا: إنَّهم بَنَوْا هَذا الأمْرَ عَلى الظّاهِرِ.
فَإنْ قِيلَ: القائِلُونَ بِهَذا الكَلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ مَن هم ؟
قُلْنا: الأظْهَرُ أنَّ هَؤُلاءِ لَيْسُوا هُمُ الإخْوَةَ الَّذِينَ قَدْ تَوَلّى عَنْهم، بَلِ الجَماعَةَ الَّذِينَ كانُوا في الدّارِ مِن أوْلادِ أوْلادِهِ وخَدَمِهِ.
صفحة ١٥٨
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا الَّذِي أذْكُرُهُ لا أذْكُرُهُ مَعَكم، وإنَّما أذْكُرُهُ في حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، والإنْسانُ إذا بَثَّ شَكْواهُ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ في زُمْرَةِ المُحَقِّقِينَ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وأعُوذُ بِعَفْوِكَ مِن غَضَبِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنكَ» واللَّهُ هو المُوَفِّقُ، والبَثُّ هو التَّفْرِيقُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٤) .
فالحُزْنُ إذا سَتَرَهُ الإنْسانُ كانَ هَمًّا، وإذا ذَكَرَهُ لِغَيْرِهِ كانَ بَثًّا، وقالُوا: البَثُّ أشَدُّ الحُزْنِ، والحُزْنُ أشَدُّ الهَمِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَتى أمْكَنَهُ أنْ يَمْسِكَ لِسانَهُ عَنْ ذِكْرِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحُزْنُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ، وأمّا إذا عَظُمَ وعَجَزَ الإنْسانُ عَنْ ضَبْطِهِ وانْطَلَقَ اللِّسانُ بِذِكْرِهِ شاءَ أمْ أبى، كانَ ذَلِكَ بَثًّا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ صارَ عاجِزًا عَنْهُ، وهو قَدِ اسْتَوْلى عَلى الإنْسانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ لا أذْكُرُ الحُزْنَ العَظِيمَ ولا الحُزْنَ القَلِيلَ إلّا مَعَ اللَّهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (وحَزَنِي) بِفَتْحَتَيْنِ وحُزُنِي بِضَمَّتَيْنِ، قِيلَ: دَخَلَ عَلى يَعْقُوبَ رَجُلٌ وقالَ: يا يَعْقُوبُ ضَعُفَ جِسْمُكَ ونَحُفَ بَدَنُكَ، وما بَلَغْتَ سِنًّا عالِيًا ! فَقالَ: الَّذِي بِي لِكَثْرَةِ غُمُومِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا يَعْقُوبُ أتَشْكُونِي إلى خَلْقِي ؟ فَقالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ أخْطَأْتُها فاغْفِرْها لِي، فَغَفَرَها لَهُ، وكانَ بَعْدَ ذَلِكَ إذا سُئِلَ قالَ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ ورُوِيَ أنَّهُ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّما وجَدْتُ عَلَيْكم لِأنَّكم ذَبَحْتُمْ شاةً فَقامَ بِبابِكم مِسْكِينٌ فَلَمْ تُطْعِمُوهُ، وإنَّ أحَبَّ خَلْقِي إلَيَّ الأنْبِياءُ والمَساكِينُ، فاصْنَعْ طَعامًا وادْعُ إلَيْهِ المَساكِينَ، وقِيلَ: اشْتَرى جارِيَةً مَعَ ولَدِها فَباعَ ولَدَها فَبَكَتْ حَتّى عَمِيَتْ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أعْلَمُ مِن رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ ما لا تَعْلَمُونَ، وهو أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِالفَرَجِ مِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ، فَهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ كانَ يَتَوَقَّعُ وُصُولَ يُوسُفَ إلَيْهِ.
وذَكَرُوا لِسَبَبِ هَذا التَّوَقُّعِ أُمُورًا:
أحَدُها: أنَّ مَلَكَ المَوْتِ أتاهُ فَقالَ لَهُ: يا مَلَكَ المَوْتِ هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ ابْنِي يُوسُفَ ؟ قالَ: لا يا نَبِيَّ اللَّهِ، ثُمَّ أشارَ إلى جانِبِ مِصْرَ وقالَ: اطْلُبْهُ هَهُنا.
وثانِيها: أنَّهُ عَلِمَ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ؛ لِأنَّ أماراتِ الرُّشْدِ والكَمالِ كانَتْ ظاهِرَةً في حَقِّ يُوسُفَ، ورُؤْيا مِثْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تُخْطِئُ.
وثالِثُها: لَعَلَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنَّهُ سَيُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى ما عَيَّنَ الوَقْتَ، فَلِهَذا بَقِيَ في القَلَقِ.
ورابِعُها: قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا أخْبَرَهُ بَنُوهُ بِسِيرَةِ المَلِكِ وكَمالِ حالِهِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ؛ طَمِعَ أنْ يَكُونَ هو يُوسُفَ، وقالَ: يَبْعُدُ أنْ يَظْهَرَ في الكُفّارِ مِثْلُهُ.
وخامِسُها: عَلِمَ قَطْعًا أنَّ بِنْيامِينَ لا يَسْرِقُ، وسَمِعَ أنَّ المَلِكَ ما آذاهُ وما ضَرَبَهُ، فَغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ المَلِكَ هو يُوسُفُ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في المَقامِ الأوَّلِ.
والمَقامُ الثّانِي: أنَّهُ رَجَعَ إلى أوْلادِهِ، وتَكَلَّمَ مَعَهم عَلى سَبِيلِ اللُّطْفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَمِعَ في وِجْدانِ يُوسُفَ بِناءً عَلى الأماراتِ المَذْكُورَةِ قالَ لِبَنِيهِ: تَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ، والتَّحَسُّسُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ وهو شَبِيهٌ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: يُقالُ: تَحَسَّسْتُ عَنْ فُلانٍ، ولا يُقالُ: مِن فُلانٍ، وقِيلَ: هَهُنا ﴿مِن يُوسُفَ﴾؛ لِأنَّهُ أقامَ (مِن) مَقامَ (عَنْ)، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى تَحَسَّسُوا خَبَرًا مِن أخْبارِ يُوسُفَ، واسْتَعْلِمُوا بَعْضَ أخْبارِ يُوسُفَ، فَذُكِرَتْ كَلِمَةُ (مِن) لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّبْعِيضِ، وقُرِئَ (تَجَسَّسُوا) بِالجِيمِ كَما قُرِئَ بِهِما في الحُجُراتِ.
صفحة ١٥٩
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: الرَّوْحُ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ مِن نَسِيمِ الهَواءِ فَيَسْكُنُ إلَيْهِ، وتَرْكِيبُ الرّاءِ والواوِ والحاءِ يُفِيدُ الحَرَكَةَ والِاهْتِزازَ، فَكُلَّما يَهْتَزُّ إنْسانٌ لَهُ ويَلْتَذُّ بِوُجُودِهِ فَهو رَوْحٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَيْئَسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ يُرِيدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وعَنْ قَتادَةَ: مِن فَضْلِ اللَّهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن فَرَجِ اللَّهِ، وهَذِهِ الألْفاظُ مُتَقارِبَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: (مِن رُوحِ اللَّهِ) بِالضَّمِّ أيْ: مِن رَحْمَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ المُؤْمِنَ مِنَ اللَّهِ عَلى خَيْرٍ يَرْجُوهُ في البَلاءِ ويَحْمَدُهُ في الرَّخاءِ.
واعْلَمْ أنَّ اليَأْسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَحْصُلُ إلّا إذا اعْتَقَدَ الإنْسانُ أنَّ الإلَهَ غَيْرُ قادِرٍ عَلى الكَمالِ، أوْ غَيْرُ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، أوْ لَيْسَ بِكَرِيمٍ؛ بَلْ هو بَخِيلٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَإذا كانَ اليَأْسُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أحَدِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها كُفْرٌ؛ ثَبَتَ أنَّ اليَأْسَ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ كافِرًا، واللَّهُ أعْلَمُ، وقَدْ بَقِيَ مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ بُلُوغَ يَعْقُوبَ في حُبِّ يُوسُفَ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن كانَ غافِلًا عَنِ اللَّهِ، فَإنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ أحَبَّهُ، ومَن أحَبَّ اللَّهَ لَمْ يَتَفَرَّغْ قَلْبُهُ لِحُبِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، وأيْضًا القَلْبُ الواحِدُ لا يَتَّسِعُ لِلْحُبِّ المُسْتَغْرِقِ لِشَيْئَيْنِ، فَلَمّا كانَ قَلْبُهُ مُسْتَغْرِقًا في حُبِّ ولَدِهِ امْتُنِعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مُسْتَغْرِقًا في حُبِّ اللَّهِ تَعالى.
والسُّؤالُ الثّانِي: أنَّ عِنْدَ اسْتِيلاءِ الحُزْنِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَشْتَغِلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وبِالتَّفْوِيضِ إلَيْهِ والتَّسْلِيمِ لِقَضائِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ فَذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الدِّينِ والعِلْمِ فَضْلًا عَنْ أكابِرِ الأنْبِياءِ.
والسُّؤالُ الثّالِثُ: لا شَكَّ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ، وكانَ أبُوهُ وجَدُّهُ وعَمُّهُ كُلُّهم مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ المَشْهُورِينَ في جَمِيعِ الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ ثُمَّ وقَعَتْ لَهُ واقِعَةٌ هائِلَةٌ صَعْبَةٌ في أعَزِّ أوْلادِهِ عَلَيْهِ لَمْ تَبْقَ تِلْكَ الواقِعَةُ خَفِيَّةً، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَبْلُغَ في الشُّهْرَةِ إلى حَيْثُ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ لا سِيَّما وقَدِ انْقَضَتِ المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ فِيها، وبَقِيَ يَعْقُوبُ عَلى حُزْنِهِ الشَّدِيدِ وأسَفِهِ العَظِيمِ، وكانَ يُوسُفُ في مِصْرَ، وكانَ يَعْقُوبُ في بَعْضِ بِلادِ الشّامِ قَرِيبًا مِن مِصْرَ، فَمَعَ قُرْبِ المَسافَةِ يَمْتَنِعُ بَقاءُ هَذِهِ الواقِعَةِ مَخْفِيَّةً.
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ لَمْ يَبْعَثْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَدًا إلى يَعْقُوبَ، ويُعْلِمْهُ أنَّهُ في الحَياةِ وفي السَّلامَةِ، ولا يُقالُ: إنَّهُ كانَ يَخافُ إخْوَتَهُ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ أنْ صارَ مَلِكًا قاهِرًا كانَ يُمْكِنُهُ إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإخْوَتُهُ ما كانُوا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ الرَّسُولِ ؟
والسُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ جازَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَضَعَ الصّاعَ في وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ يَسْتَخْرِجَهُ مِنهُ ويُلْصِقَ بِهِ تُهْمَةَ السَّرِقَةِ مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْها.
السُّؤالُ السّادِسُ: كَيْفَ رَغِبَ في إلْصاقِ هَذِهِ التُّهْمَةِ بِهِ وفي حَبْسِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ يَزْدادُ حَزْنُ أبِيهِ ويَقْوى.
صفحة ١٦٠
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ المِحْنَةِ الشَّدِيدَةِ تُزِيلُ عَنِ القَلْبِ كُلَّ ما سِواهُ مِنَ الخَواطِرِ.
ثُمَّ إنَّ صاحِبَ هَذِهِ المِحْنَةِ الشَّدِيدَةِ يَكُونُ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى كَثِيرَ الِاشْتِغالِ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَمالِ الِاسْتِغْراقِ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الدَّواعِيَ الإنْسانِيَّةَ لا تَزُولُ في الحَياةِ العاجِلَةِ، فَتارَةً كانَ يَقُولُ: ﴿ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ وتارَةً كانَ يَقُولُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٨) وأمّا بَقِيَّةُ الأسْئِلَةِ فالقاضِي أجابَ عَنْها بِجَوابٍ كُلِّيٍّ حَسَنٍ، فَقالَ: هَذِهِ الوَقائِعُ الَّتِي نُقِلَتْ إلَيْنا إمّا يُمْكِنُ تَخْرِيجُها عَلى الأحْوالِ المُعْتادَةِ أوْ لا يُمْكِنُ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَلا إشْكالَ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَنَقُولُ: كانَ ذَلِكَ الزَّمانُ زَمانَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وخَرْقُ العادَةِ في هَذا الزَّمانِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُقالَ: إنَّ بَلْدَةَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّها كانَتْ قَرِيبَةً مِن بَلْدَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَكِنْ لَمْ يَصِلْ خَبَرُ أحَدِهِما إلى الآخَرِ عَلى سَبِيلِ نَقْضِ العادَةِ.
يوسف 12:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَهُنا مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا قالَ لِبَنِيهِ: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ قَبِلُوا مِن أبِيهِمْ هَذِهِ الوَصِيَّةَ، فَعادُوا إلى مِصْرَ ودَخَلُوا عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالُوا لَهُ: ﴿ياأيُّها العَزِيزُ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ يَعْقُوبُ أمَرَهم أنْ يَتَحَسَّسُوا أمْرَ يُوسُفَ وأخِيهِ فَلِماذا عَدَلُوا إلى الشَّكْوى وطَلَبُوا إيفاءَ الكَيْلِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ المُتَحَسِّسِينَ يَتَوَسَّلُونَ إلى مَطْلُوبِهِمْ بِجَمِيعِ الطُّرُقِ، والِاعْتِرافُ بِالعَجْزِ، وضِيقُ اليَدِ، ورِقَّةُ الحالِ، وقِلَّةُ المالِ، وشِدَّةُ الحاجَةِ مِمّا يُرَقِّقُ القَلْبَ فَقالُوا: نُجَرِّبُهُ في ذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ، فَإنْ رَقَّ قَلْبُهُ لَنا ذَكَرْنا لَهُ المَقْصُودَ وإلّا سَكَتْنا.
فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمُوا ذِكْرَ هَذِهِ الواقِعَةِ وقالُوا: ﴿ياأيُّها العَزِيزُ﴾ والعَزِيزُ هو المَلِكُ القادِرُ المَنِيعُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ وهو الفَقْرُ والحاجَةُ وكَثْرَةُ العِيالِ وقِلَّةُ الطَّعامِ، وعَنَوْا بِأهْلِهِمْ مَن خَلْفَهم ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
صفحة ١٦١
البَحْثُ الأوَّلُ: مَعْنى الإزْجاءِ في اللُّغَةِ الدَّفْعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِثْلُهُ التَّزْجِيَةُ، يُقالُ: الرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ (النُّورِ: ٤٣) وزَجَّيْتُ فُلانًا بِالقَوْلِ دافَعْتُهُ، وفُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالحِيلَةِ.
والبَحْثُ الثّانِي: إنَّما وصَفُوا تِلْكَ البِضاعَةَ بِأنَّها مُزْجاةٌ، إمّا لِنُقْصانِها أوْ لِرَداءَتِها أوْ لَهُما جَمِيعًا.
والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ، قالَ الحَسَنُ: البِضاعَةُ المُزْجاةُ القَلِيلَةُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها كانَتْ رَدِيئَةً واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الرَّداءَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَتْ دَراهِمَ رَدِيئَةً لا تُقْبَلُ في ثَمَنِ الطَّعامِ، وقِيلَ: خَلِقُ الغِرارَةِ والحَبْلِ وأمْتِعَةٌ رَثَّةٌ، وقِيلَ: مَتاعُ الأعْرابِ الصُّوفُ والسَّمْنُ. وقِيلَ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ، وقِيلَ: الأقِطُ، وقِيلَ: النِّعالُ والأُدْمُ، وقِيلَ: سَوِيقُ المُقْلِ، وقِيلَ: صُوفُ المَعْزِ، وقِيلَ: إنَّ دَراهِمَ مِصْرَ كانَتْ تُنْقَشُ فِيها صُورَةُ يُوسُفَ، والدَّراهِمُ الَّتِي جاءُوا بِها ما كانَ فِيها صُورَةُ يُوسُفَ، فَما كانَتْ مَقْبُولَةً عِنْدَ النّاسِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: في بَيانِ أنَّهُ لِمَ سُمِّيَتِ البِضاعَةُ القَلِيلَةُ الرَّدِيئَةُ مُزْجاةً ؟ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: هي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالقَلِيلِ، والمَعْنى أنّا جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ نُدافِعُ بِها الزَّمانَ، ولَيْسَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ وعَلى هَذا الوَجْهِ فالتَّقْدِيرُ بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٌ بِها الأيّامُ.
الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّما قِيلَ لِلدَّراهِمِ الرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ السَّوْقُ والدَّفْعُ.
الثّالِثُ: بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ أيْ مُؤَخَّرَةٍ مَدْفُوعَةٍ عَنِ الإنْفاقِ لا يُنْفِقُ مِثْلَها إلّا مَنِ اضْطُرَّ واحْتاجَ إلَيْها لِفَقْدِ غَيْرِها مِمّا هو أجْوَدُ مِنها.
الرّابِعُ: قالَ الكَلْبِيُّ: مُزْجاةٌ لُغَةُ العَجَمِ، وقِيلَ: هي مِن لُغَةِ القِبْطِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: لا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ لَفْظٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفُ الِاشْتِقاقِ والتَّصْرِيفِ مَنسُوبًا إلى القِبْطِ.
البَحْثُ الرّابِعُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (مُزْجاةٍ) بِالإمالَةِ، لِأنَّ أصْلَهُ الياءُ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ والتَّفْخِيمِ.
واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ في كَوْنِ البِضاعَةِ مُزْجاةً إمّا لِقِلَّتِها أوْ لِنُقْصانِها أوْ لِمَجْمُوعِها، ولَمّا وصَفُوا شِدَّةَ حالِهِمْ، ووَصَفُوا بِضاعَتَهم بِأنَّها مُزْجاةٌ قالُوا لَهُ: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾، والمُرادُ أنْ يُساهِلَهم إمّا بِأنْ يُقِيمَ النّاقِصَ مَقامَ الزّائِدِ، أوْ يُقِيمَ الرَّدِيءَ مَقامَ الجَيِّدِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾، والمُرادُ المُسامَحَةُ بِما بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ، وأنْ يُسَعِّرَ لَهم بِالرَّدِيءِ كَما يُسَعِّرُ بِالجَيِّدِ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ هَلْ كانَ ذَلِكَ طَلَبًا مِنهم لِلصَّدَقَةِ ؟ فَقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إنَّ الصَّدَقَةَ كانَتْ حَلالًا لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- بِهَذِهِ الآيَةِ.
وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، كَأنَّهم طَلَبُوا القَدْرَ الزّائِدَ عَلى سَبِيلِ الصَّدَقَةِ، وأنْكَرَ الباقُونَ ذَلِكَ وقالُوا: حالُ الأنْبِياءِ وحالُ أوْلادِ الأنْبِياءِ يُنافِي طَلَبَ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهم يَأْنَفُونَ مِنَ الخُضُوعِ لِلْمَخْلُوقِينَ، ويَغْلُبُ عَلَيْهِمُ الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغاثَةُ بِهِ عَمَّنْ سِواهُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: أنَّهُما كَرِها أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ، قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ لا يَتَصَدَّقُ، إنَّما يَتَصَدَّقُ الَّذِي يَبْتَغِي الثَّوابَ، وإنَّما يَقُولُ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي أوْ تَفَضَّلْ، فَعَلى هَذا التَّصَدُّقُ هو إعْطاءُ الصَّدَقَةِ، والمُتَصَدِّقُ المُعْطِي، وأجازَ اللَّيْثُ أنْ يُقالَ لِلسّائِلِ: مُتَصَدِّقٌ، وأباهُ الأكْثَرُونَ.
ورُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ اغْرَوْرَقَتْ عَيْناهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾، وقِيلَ: دَفَعُوا إلَيْهِ كِتابَ يَعْقُوبَ فِيهِ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلِ اللَّهِ، ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ، ابْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إلى عَزِيزِ مِصْرَ، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٌ بِنا البَلاءُ، أمّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَداهُ ورِجْلاهُ ورُمِيَ في النّارِ لِيُحْرَقَ؛ فَنَجّاهُ اللَّهُ، وجَعَلَها بَرْدًا وسَلامًا عَلَيْهِ، وأمّا أبِي فَوُضِعَ السِّكِّينُ عَلى قَفاهُ لِيُقْتَلَ فَفَداهُ اللَّهُ، وأمّا أنا فَكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ
صفحة ١٦٢
أحَبَّ أوْلادِي إلَيَّ، فَذَهَبَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى البَرِّيَّةِ، ثُمَّ أتَوْنِي بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وقالُوا: قَدْ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَذَهَبَتْ عَيْنايَ مِنَ البُكاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ كانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ أخاهُ مِن أُمِّهِ وكُنْتُ أتَسَلّى بِهِ، فَذَهَبُوا بِهِ إلَيْكَ، ثُمَّ رَجَعُوا وقالُوا: إنَّهُ قَدْ سَرَقَ وإنَّكَ حَبَسْتَهُ عِنْدَكَ، وإنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَسْرِقُ ولا نَلِدُ سارِقًا، فَإنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ لَمْ يَتَمالَكْ، وعِيلَ صَبْرُهُ وعَرَّفَهم أنَّهُ يُوسُفُ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ أنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ قِيلَ: إنَّهُ لَمّا قَرَأ كِتابَ أبِيهِ يَعْقُوبَ ارْتَعَدَتْ مَفاصِلُهُ، واقْشَعَرَّ جِلْدُهُ ولانَ قَلْبُهُ وكَثُرَ بُكاؤُهُ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ يُوسُفُ.
وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا رَأى إخْوَتَهُ تَضَرَّعُوا إلَيْهِ ووَصَفُوا ما هم عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الزَّمانِ وقِلَّةِ الحِيلَةِ أدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ فَصَرَّحَ حِينَئِذٍ بِأنَّهُ يُوسُفُ، وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ اسْتِفْهامٌ يُفِيدُ تَعْظِيمَ الواقِعَةِ، ومَعْناهُ: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ في يُوسُفَ ! وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ! وهو كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ وهَلْ تَعْرِفُ مَن خالَفْتَ ؟
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَصْدِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأخِيهِ﴾ فالمُرادُ ما فَعَلُوا بِهِ مِن تَعْرِيضِهِ لِلْغَمِّ بِسَبَبِ إفْرادِهِ عَنْ أخِيهِ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، وأيْضًا كانُوا يُؤْذُونَهُ، ومِن جُمْلَةِ أقْسامِ ذَلِكَ الإيذاءِ قالُوا في حَقِّهِ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ (يُوسُفَ: ٧٧) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ فَهو يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ كَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ حالَ ما كُنْتُمْ في جَهالَةِ الصِّبا أوْ في جَهالَةِ الغُرُورِ، يَعْنِي والآنَ لَسْتُمْ كَذَلِكَ، ونَظِيرُهُ ما يُقالُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ (الِانْفِطارِ: ٦) قِيلَ: إنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذا الوَصْفَ المُعَيَّنَ لِيَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الجَوابِ، وهو أنْ يَقُولَ العَبْدُ: يا رَبِّ غَرَّنِي كَرَمُكَ، فَكَذا هَهُنا إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ إزالَةً لِلْخَجالَةِ عَنْهم وتَخْفِيفًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ إنَّ إخْوَتَهُ قالُوا: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (إنَّكَ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ: (أيِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ) بِفَتْحِ الألْفِ غَيْرَ مَمْدُودَةٍ وبِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو: (آيِنَّكَ) بِمَدِّ الألِفِ وهو رِوايَةُ قالُونَ عَنْ نافِعٍ، والباقُونَ (أئِنَّكَ) بِهَمْزَتَيْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (أوَ أنْتَ يُوسُفُ)، فَحُصِّلَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ مِنَ القُرّاءِ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، ومِنهم مَن قَرَأ بِالخَبَرِ.
أمّا الأوَّلُونَ فَقالُوا: إنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ لَهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ وتَبَسَّمَ فَأبْصَرُوا ثَناياهُ، وكانَتْ كاللُّؤْلُؤِ المَنظُومِ شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، فَقالُوا لَهُ اسْتِفْهامًا: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ قالَ: (أنا يُوسُفُ) وإنَّما أجابَهم عَمّا اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ.
وأمّا مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ فَحُجَّتُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتّى وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، وكانَ في فَرْقِهِ عَلامَةٌ، وكانَ لِيَعْقُوبَ وإسْحاقَ مِثْلُها شِبْهُ الشّامَةِ، فَلَمّا رَفَعَ التّاجَ عَرَفُوهُ بِتِلْكَ العَلامَةِ، فَقالُوا: (إنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ كَثِيرٍ أرادَ الِاسْتِفْهامَ ثُمَّ حَذَفَ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، وأنْتَ مُبْتَدَأٌ، ويُوسُفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما صَرَّحَ بِالِاسْمِ تَعْظِيمًا لِما نَزَلْ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ وما عَوَّضَهُ اللَّهُ مِنَ الظَّفَرِ والنَّصْرِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: أنا الَّذِي ظَلَمْتُمُونِي عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واللَّهُ تَعالى أوْصَلَنِي إلى أعْظَمِ المَناصِبِ، أنا ذَلِكَ العاجِزُ الَّذِي قَصَدْتُمْ قَتْلَهُ وإلْقاءَهُ في البِئْرِ ثُمَّ صِرْتُ كَما تَرَوْنَ، ولِهَذا قالَ: ﴿وهَذا أخِي﴾ مَعَ أنَّهم كانُوا
صفحة ١٦٣
يَعْرِفُونَهُ لِأنَّ مَقْصُودَهُ أنْ يَقُولَ: وهَذا أيْضًا كانَ مَظْلُومًا كَما كُنْتُ ثُمَّ إنَّهُ صارَ مُنْعَمًا عَلَيْهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى كَما تَرَوْنَ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بِكُلِّ عِزٍّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفْرِقَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ مَعْناهُ: مَن يَتَّقِ مَعاصِيَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهم، فَوَضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَّقِينَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَفَ نَفْسَهُ في هَذا المَقامِ الشَّرِيفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا، ولَوْ أنَّهُ أقْدَمَ عَلى ما يَقُولُهُ الحَشْوِيَّةُ في حَقِّزُلَيْخا؛ لَكانَ هَذا القَوْلُ كَذِبًا مِنهُ، وذِكْرُ الكَذِبِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ الَّذِي يُؤْمِنُ فِيهِ الكافِرُ ويَتُوبُ فِيهِ العاصِي لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ: (إنَّهُ مَن يَتَّقِي) بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ، ووَجْهُهُ أنْ يُجْعَلَ ”مَن“ بِمَنزِلَةِ الَّذِي؛ فَلا يُوجِبُ الجَزْمَ، ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ويَصْبِرْ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ الرَّفْعُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ كَما يُخَفَّفُ في عَضْدٍ وشَمْعٍ، والباقُونَ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.
يوسف 12:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَهُنا مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا قالَ لِبَنِيهِ: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ قَبِلُوا مِن أبِيهِمْ هَذِهِ الوَصِيَّةَ، فَعادُوا إلى مِصْرَ ودَخَلُوا عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالُوا لَهُ: ﴿ياأيُّها العَزِيزُ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ يَعْقُوبُ أمَرَهم أنْ يَتَحَسَّسُوا أمْرَ يُوسُفَ وأخِيهِ فَلِماذا عَدَلُوا إلى الشَّكْوى وطَلَبُوا إيفاءَ الكَيْلِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ المُتَحَسِّسِينَ يَتَوَسَّلُونَ إلى مَطْلُوبِهِمْ بِجَمِيعِ الطُّرُقِ، والِاعْتِرافُ بِالعَجْزِ، وضِيقُ اليَدِ، ورِقَّةُ الحالِ، وقِلَّةُ المالِ، وشِدَّةُ الحاجَةِ مِمّا يُرَقِّقُ القَلْبَ فَقالُوا: نُجَرِّبُهُ في ذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ، فَإنْ رَقَّ قَلْبُهُ لَنا ذَكَرْنا لَهُ المَقْصُودَ وإلّا سَكَتْنا.
فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمُوا ذِكْرَ هَذِهِ الواقِعَةِ وقالُوا: ﴿ياأيُّها العَزِيزُ﴾ والعَزِيزُ هو المَلِكُ القادِرُ المَنِيعُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ وهو الفَقْرُ والحاجَةُ وكَثْرَةُ العِيالِ وقِلَّةُ الطَّعامِ، وعَنَوْا بِأهْلِهِمْ مَن خَلْفَهم ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
صفحة ١٦١
البَحْثُ الأوَّلُ: مَعْنى الإزْجاءِ في اللُّغَةِ الدَّفْعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِثْلُهُ التَّزْجِيَةُ، يُقالُ: الرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ (النُّورِ: ٤٣) وزَجَّيْتُ فُلانًا بِالقَوْلِ دافَعْتُهُ، وفُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالحِيلَةِ.
والبَحْثُ الثّانِي: إنَّما وصَفُوا تِلْكَ البِضاعَةَ بِأنَّها مُزْجاةٌ، إمّا لِنُقْصانِها أوْ لِرَداءَتِها أوْ لَهُما جَمِيعًا.
والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ، قالَ الحَسَنُ: البِضاعَةُ المُزْجاةُ القَلِيلَةُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها كانَتْ رَدِيئَةً واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الرَّداءَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَتْ دَراهِمَ رَدِيئَةً لا تُقْبَلُ في ثَمَنِ الطَّعامِ، وقِيلَ: خَلِقُ الغِرارَةِ والحَبْلِ وأمْتِعَةٌ رَثَّةٌ، وقِيلَ: مَتاعُ الأعْرابِ الصُّوفُ والسَّمْنُ. وقِيلَ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ، وقِيلَ: الأقِطُ، وقِيلَ: النِّعالُ والأُدْمُ، وقِيلَ: سَوِيقُ المُقْلِ، وقِيلَ: صُوفُ المَعْزِ، وقِيلَ: إنَّ دَراهِمَ مِصْرَ كانَتْ تُنْقَشُ فِيها صُورَةُ يُوسُفَ، والدَّراهِمُ الَّتِي جاءُوا بِها ما كانَ فِيها صُورَةُ يُوسُفَ، فَما كانَتْ مَقْبُولَةً عِنْدَ النّاسِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: في بَيانِ أنَّهُ لِمَ سُمِّيَتِ البِضاعَةُ القَلِيلَةُ الرَّدِيئَةُ مُزْجاةً ؟ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: هي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالقَلِيلِ، والمَعْنى أنّا جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ نُدافِعُ بِها الزَّمانَ، ولَيْسَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ وعَلى هَذا الوَجْهِ فالتَّقْدِيرُ بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٌ بِها الأيّامُ.
الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّما قِيلَ لِلدَّراهِمِ الرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ السَّوْقُ والدَّفْعُ.
الثّالِثُ: بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ أيْ مُؤَخَّرَةٍ مَدْفُوعَةٍ عَنِ الإنْفاقِ لا يُنْفِقُ مِثْلَها إلّا مَنِ اضْطُرَّ واحْتاجَ إلَيْها لِفَقْدِ غَيْرِها مِمّا هو أجْوَدُ مِنها.
الرّابِعُ: قالَ الكَلْبِيُّ: مُزْجاةٌ لُغَةُ العَجَمِ، وقِيلَ: هي مِن لُغَةِ القِبْطِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: لا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ لَفْظٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفُ الِاشْتِقاقِ والتَّصْرِيفِ مَنسُوبًا إلى القِبْطِ.
البَحْثُ الرّابِعُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (مُزْجاةٍ) بِالإمالَةِ، لِأنَّ أصْلَهُ الياءُ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ والتَّفْخِيمِ.
واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ في كَوْنِ البِضاعَةِ مُزْجاةً إمّا لِقِلَّتِها أوْ لِنُقْصانِها أوْ لِمَجْمُوعِها، ولَمّا وصَفُوا شِدَّةَ حالِهِمْ، ووَصَفُوا بِضاعَتَهم بِأنَّها مُزْجاةٌ قالُوا لَهُ: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾، والمُرادُ أنْ يُساهِلَهم إمّا بِأنْ يُقِيمَ النّاقِصَ مَقامَ الزّائِدِ، أوْ يُقِيمَ الرَّدِيءَ مَقامَ الجَيِّدِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾، والمُرادُ المُسامَحَةُ بِما بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ، وأنْ يُسَعِّرَ لَهم بِالرَّدِيءِ كَما يُسَعِّرُ بِالجَيِّدِ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ هَلْ كانَ ذَلِكَ طَلَبًا مِنهم لِلصَّدَقَةِ ؟ فَقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إنَّ الصَّدَقَةَ كانَتْ حَلالًا لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- بِهَذِهِ الآيَةِ.
وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، كَأنَّهم طَلَبُوا القَدْرَ الزّائِدَ عَلى سَبِيلِ الصَّدَقَةِ، وأنْكَرَ الباقُونَ ذَلِكَ وقالُوا: حالُ الأنْبِياءِ وحالُ أوْلادِ الأنْبِياءِ يُنافِي طَلَبَ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهم يَأْنَفُونَ مِنَ الخُضُوعِ لِلْمَخْلُوقِينَ، ويَغْلُبُ عَلَيْهِمُ الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغاثَةُ بِهِ عَمَّنْ سِواهُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: أنَّهُما كَرِها أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ، قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ لا يَتَصَدَّقُ، إنَّما يَتَصَدَّقُ الَّذِي يَبْتَغِي الثَّوابَ، وإنَّما يَقُولُ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي أوْ تَفَضَّلْ، فَعَلى هَذا التَّصَدُّقُ هو إعْطاءُ الصَّدَقَةِ، والمُتَصَدِّقُ المُعْطِي، وأجازَ اللَّيْثُ أنْ يُقالَ لِلسّائِلِ: مُتَصَدِّقٌ، وأباهُ الأكْثَرُونَ.
ورُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ اغْرَوْرَقَتْ عَيْناهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾، وقِيلَ: دَفَعُوا إلَيْهِ كِتابَ يَعْقُوبَ فِيهِ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلِ اللَّهِ، ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ، ابْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إلى عَزِيزِ مِصْرَ، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٌ بِنا البَلاءُ، أمّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَداهُ ورِجْلاهُ ورُمِيَ في النّارِ لِيُحْرَقَ؛ فَنَجّاهُ اللَّهُ، وجَعَلَها بَرْدًا وسَلامًا عَلَيْهِ، وأمّا أبِي فَوُضِعَ السِّكِّينُ عَلى قَفاهُ لِيُقْتَلَ فَفَداهُ اللَّهُ، وأمّا أنا فَكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ
صفحة ١٦٢
أحَبَّ أوْلادِي إلَيَّ، فَذَهَبَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى البَرِّيَّةِ، ثُمَّ أتَوْنِي بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وقالُوا: قَدْ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَذَهَبَتْ عَيْنايَ مِنَ البُكاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ كانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ أخاهُ مِن أُمِّهِ وكُنْتُ أتَسَلّى بِهِ، فَذَهَبُوا بِهِ إلَيْكَ، ثُمَّ رَجَعُوا وقالُوا: إنَّهُ قَدْ سَرَقَ وإنَّكَ حَبَسْتَهُ عِنْدَكَ، وإنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَسْرِقُ ولا نَلِدُ سارِقًا، فَإنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ لَمْ يَتَمالَكْ، وعِيلَ صَبْرُهُ وعَرَّفَهم أنَّهُ يُوسُفُ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ أنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ قِيلَ: إنَّهُ لَمّا قَرَأ كِتابَ أبِيهِ يَعْقُوبَ ارْتَعَدَتْ مَفاصِلُهُ، واقْشَعَرَّ جِلْدُهُ ولانَ قَلْبُهُ وكَثُرَ بُكاؤُهُ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ يُوسُفُ.
وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا رَأى إخْوَتَهُ تَضَرَّعُوا إلَيْهِ ووَصَفُوا ما هم عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الزَّمانِ وقِلَّةِ الحِيلَةِ أدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ فَصَرَّحَ حِينَئِذٍ بِأنَّهُ يُوسُفُ، وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ اسْتِفْهامٌ يُفِيدُ تَعْظِيمَ الواقِعَةِ، ومَعْناهُ: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ في يُوسُفَ ! وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ! وهو كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ وهَلْ تَعْرِفُ مَن خالَفْتَ ؟
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَصْدِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأخِيهِ﴾ فالمُرادُ ما فَعَلُوا بِهِ مِن تَعْرِيضِهِ لِلْغَمِّ بِسَبَبِ إفْرادِهِ عَنْ أخِيهِ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، وأيْضًا كانُوا يُؤْذُونَهُ، ومِن جُمْلَةِ أقْسامِ ذَلِكَ الإيذاءِ قالُوا في حَقِّهِ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ (يُوسُفَ: ٧٧) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ فَهو يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ كَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ حالَ ما كُنْتُمْ في جَهالَةِ الصِّبا أوْ في جَهالَةِ الغُرُورِ، يَعْنِي والآنَ لَسْتُمْ كَذَلِكَ، ونَظِيرُهُ ما يُقالُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ (الِانْفِطارِ: ٦) قِيلَ: إنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذا الوَصْفَ المُعَيَّنَ لِيَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الجَوابِ، وهو أنْ يَقُولَ العَبْدُ: يا رَبِّ غَرَّنِي كَرَمُكَ، فَكَذا هَهُنا إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ إزالَةً لِلْخَجالَةِ عَنْهم وتَخْفِيفًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ إنَّ إخْوَتَهُ قالُوا: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (إنَّكَ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ: (أيِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ) بِفَتْحِ الألْفِ غَيْرَ مَمْدُودَةٍ وبِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو: (آيِنَّكَ) بِمَدِّ الألِفِ وهو رِوايَةُ قالُونَ عَنْ نافِعٍ، والباقُونَ (أئِنَّكَ) بِهَمْزَتَيْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (أوَ أنْتَ يُوسُفُ)، فَحُصِّلَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ مِنَ القُرّاءِ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، ومِنهم مَن قَرَأ بِالخَبَرِ.
أمّا الأوَّلُونَ فَقالُوا: إنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ لَهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ وتَبَسَّمَ فَأبْصَرُوا ثَناياهُ، وكانَتْ كاللُّؤْلُؤِ المَنظُومِ شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، فَقالُوا لَهُ اسْتِفْهامًا: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ قالَ: (أنا يُوسُفُ) وإنَّما أجابَهم عَمّا اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ.
وأمّا مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ فَحُجَّتُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتّى وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، وكانَ في فَرْقِهِ عَلامَةٌ، وكانَ لِيَعْقُوبَ وإسْحاقَ مِثْلُها شِبْهُ الشّامَةِ، فَلَمّا رَفَعَ التّاجَ عَرَفُوهُ بِتِلْكَ العَلامَةِ، فَقالُوا: (إنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ كَثِيرٍ أرادَ الِاسْتِفْهامَ ثُمَّ حَذَفَ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، وأنْتَ مُبْتَدَأٌ، ويُوسُفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما صَرَّحَ بِالِاسْمِ تَعْظِيمًا لِما نَزَلْ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ وما عَوَّضَهُ اللَّهُ مِنَ الظَّفَرِ والنَّصْرِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: أنا الَّذِي ظَلَمْتُمُونِي عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واللَّهُ تَعالى أوْصَلَنِي إلى أعْظَمِ المَناصِبِ، أنا ذَلِكَ العاجِزُ الَّذِي قَصَدْتُمْ قَتْلَهُ وإلْقاءَهُ في البِئْرِ ثُمَّ صِرْتُ كَما تَرَوْنَ، ولِهَذا قالَ: ﴿وهَذا أخِي﴾ مَعَ أنَّهم كانُوا
صفحة ١٦٣
يَعْرِفُونَهُ لِأنَّ مَقْصُودَهُ أنْ يَقُولَ: وهَذا أيْضًا كانَ مَظْلُومًا كَما كُنْتُ ثُمَّ إنَّهُ صارَ مُنْعَمًا عَلَيْهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى كَما تَرَوْنَ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بِكُلِّ عِزٍّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفْرِقَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ مَعْناهُ: مَن يَتَّقِ مَعاصِيَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهم، فَوَضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَّقِينَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَفَ نَفْسَهُ في هَذا المَقامِ الشَّرِيفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا، ولَوْ أنَّهُ أقْدَمَ عَلى ما يَقُولُهُ الحَشْوِيَّةُ في حَقِّزُلَيْخا؛ لَكانَ هَذا القَوْلُ كَذِبًا مِنهُ، وذِكْرُ الكَذِبِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ الَّذِي يُؤْمِنُ فِيهِ الكافِرُ ويَتُوبُ فِيهِ العاصِي لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ: (إنَّهُ مَن يَتَّقِي) بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ، ووَجْهُهُ أنْ يُجْعَلَ ”مَن“ بِمَنزِلَةِ الَّذِي؛ فَلا يُوجِبُ الجَزْمَ، ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ويَصْبِرْ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ الرَّفْعُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ كَما يُخَفَّفُ في عَضْدٍ وشَمْعٍ، والباقُونَ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.
يوسف 12:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَهُنا مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا قالَ لِبَنِيهِ: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ قَبِلُوا مِن أبِيهِمْ هَذِهِ الوَصِيَّةَ، فَعادُوا إلى مِصْرَ ودَخَلُوا عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالُوا لَهُ: ﴿ياأيُّها العَزِيزُ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ يَعْقُوبُ أمَرَهم أنْ يَتَحَسَّسُوا أمْرَ يُوسُفَ وأخِيهِ فَلِماذا عَدَلُوا إلى الشَّكْوى وطَلَبُوا إيفاءَ الكَيْلِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ المُتَحَسِّسِينَ يَتَوَسَّلُونَ إلى مَطْلُوبِهِمْ بِجَمِيعِ الطُّرُقِ، والِاعْتِرافُ بِالعَجْزِ، وضِيقُ اليَدِ، ورِقَّةُ الحالِ، وقِلَّةُ المالِ، وشِدَّةُ الحاجَةِ مِمّا يُرَقِّقُ القَلْبَ فَقالُوا: نُجَرِّبُهُ في ذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ، فَإنْ رَقَّ قَلْبُهُ لَنا ذَكَرْنا لَهُ المَقْصُودَ وإلّا سَكَتْنا.
فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمُوا ذِكْرَ هَذِهِ الواقِعَةِ وقالُوا: ﴿ياأيُّها العَزِيزُ﴾ والعَزِيزُ هو المَلِكُ القادِرُ المَنِيعُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ وهو الفَقْرُ والحاجَةُ وكَثْرَةُ العِيالِ وقِلَّةُ الطَّعامِ، وعَنَوْا بِأهْلِهِمْ مَن خَلْفَهم ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
صفحة ١٦١
البَحْثُ الأوَّلُ: مَعْنى الإزْجاءِ في اللُّغَةِ الدَّفْعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِثْلُهُ التَّزْجِيَةُ، يُقالُ: الرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ (النُّورِ: ٤٣) وزَجَّيْتُ فُلانًا بِالقَوْلِ دافَعْتُهُ، وفُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالحِيلَةِ.
والبَحْثُ الثّانِي: إنَّما وصَفُوا تِلْكَ البِضاعَةَ بِأنَّها مُزْجاةٌ، إمّا لِنُقْصانِها أوْ لِرَداءَتِها أوْ لَهُما جَمِيعًا.
والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ، قالَ الحَسَنُ: البِضاعَةُ المُزْجاةُ القَلِيلَةُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها كانَتْ رَدِيئَةً واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الرَّداءَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَتْ دَراهِمَ رَدِيئَةً لا تُقْبَلُ في ثَمَنِ الطَّعامِ، وقِيلَ: خَلِقُ الغِرارَةِ والحَبْلِ وأمْتِعَةٌ رَثَّةٌ، وقِيلَ: مَتاعُ الأعْرابِ الصُّوفُ والسَّمْنُ. وقِيلَ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ، وقِيلَ: الأقِطُ، وقِيلَ: النِّعالُ والأُدْمُ، وقِيلَ: سَوِيقُ المُقْلِ، وقِيلَ: صُوفُ المَعْزِ، وقِيلَ: إنَّ دَراهِمَ مِصْرَ كانَتْ تُنْقَشُ فِيها صُورَةُ يُوسُفَ، والدَّراهِمُ الَّتِي جاءُوا بِها ما كانَ فِيها صُورَةُ يُوسُفَ، فَما كانَتْ مَقْبُولَةً عِنْدَ النّاسِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: في بَيانِ أنَّهُ لِمَ سُمِّيَتِ البِضاعَةُ القَلِيلَةُ الرَّدِيئَةُ مُزْجاةً ؟ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: هي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالقَلِيلِ، والمَعْنى أنّا جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ نُدافِعُ بِها الزَّمانَ، ولَيْسَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ وعَلى هَذا الوَجْهِ فالتَّقْدِيرُ بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٌ بِها الأيّامُ.
الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّما قِيلَ لِلدَّراهِمِ الرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ السَّوْقُ والدَّفْعُ.
الثّالِثُ: بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ أيْ مُؤَخَّرَةٍ مَدْفُوعَةٍ عَنِ الإنْفاقِ لا يُنْفِقُ مِثْلَها إلّا مَنِ اضْطُرَّ واحْتاجَ إلَيْها لِفَقْدِ غَيْرِها مِمّا هو أجْوَدُ مِنها.
الرّابِعُ: قالَ الكَلْبِيُّ: مُزْجاةٌ لُغَةُ العَجَمِ، وقِيلَ: هي مِن لُغَةِ القِبْطِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: لا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ لَفْظٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفُ الِاشْتِقاقِ والتَّصْرِيفِ مَنسُوبًا إلى القِبْطِ.
البَحْثُ الرّابِعُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (مُزْجاةٍ) بِالإمالَةِ، لِأنَّ أصْلَهُ الياءُ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ والتَّفْخِيمِ.
واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ في كَوْنِ البِضاعَةِ مُزْجاةً إمّا لِقِلَّتِها أوْ لِنُقْصانِها أوْ لِمَجْمُوعِها، ولَمّا وصَفُوا شِدَّةَ حالِهِمْ، ووَصَفُوا بِضاعَتَهم بِأنَّها مُزْجاةٌ قالُوا لَهُ: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾، والمُرادُ أنْ يُساهِلَهم إمّا بِأنْ يُقِيمَ النّاقِصَ مَقامَ الزّائِدِ، أوْ يُقِيمَ الرَّدِيءَ مَقامَ الجَيِّدِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾، والمُرادُ المُسامَحَةُ بِما بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ، وأنْ يُسَعِّرَ لَهم بِالرَّدِيءِ كَما يُسَعِّرُ بِالجَيِّدِ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ هَلْ كانَ ذَلِكَ طَلَبًا مِنهم لِلصَّدَقَةِ ؟ فَقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إنَّ الصَّدَقَةَ كانَتْ حَلالًا لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- بِهَذِهِ الآيَةِ.
وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، كَأنَّهم طَلَبُوا القَدْرَ الزّائِدَ عَلى سَبِيلِ الصَّدَقَةِ، وأنْكَرَ الباقُونَ ذَلِكَ وقالُوا: حالُ الأنْبِياءِ وحالُ أوْلادِ الأنْبِياءِ يُنافِي طَلَبَ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهم يَأْنَفُونَ مِنَ الخُضُوعِ لِلْمَخْلُوقِينَ، ويَغْلُبُ عَلَيْهِمُ الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغاثَةُ بِهِ عَمَّنْ سِواهُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: أنَّهُما كَرِها أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ، قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ لا يَتَصَدَّقُ، إنَّما يَتَصَدَّقُ الَّذِي يَبْتَغِي الثَّوابَ، وإنَّما يَقُولُ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي أوْ تَفَضَّلْ، فَعَلى هَذا التَّصَدُّقُ هو إعْطاءُ الصَّدَقَةِ، والمُتَصَدِّقُ المُعْطِي، وأجازَ اللَّيْثُ أنْ يُقالَ لِلسّائِلِ: مُتَصَدِّقٌ، وأباهُ الأكْثَرُونَ.
ورُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ اغْرَوْرَقَتْ عَيْناهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾، وقِيلَ: دَفَعُوا إلَيْهِ كِتابَ يَعْقُوبَ فِيهِ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلِ اللَّهِ، ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ، ابْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إلى عَزِيزِ مِصْرَ، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٌ بِنا البَلاءُ، أمّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَداهُ ورِجْلاهُ ورُمِيَ في النّارِ لِيُحْرَقَ؛ فَنَجّاهُ اللَّهُ، وجَعَلَها بَرْدًا وسَلامًا عَلَيْهِ، وأمّا أبِي فَوُضِعَ السِّكِّينُ عَلى قَفاهُ لِيُقْتَلَ فَفَداهُ اللَّهُ، وأمّا أنا فَكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ
صفحة ١٦٢
أحَبَّ أوْلادِي إلَيَّ، فَذَهَبَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى البَرِّيَّةِ، ثُمَّ أتَوْنِي بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وقالُوا: قَدْ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَذَهَبَتْ عَيْنايَ مِنَ البُكاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ كانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ أخاهُ مِن أُمِّهِ وكُنْتُ أتَسَلّى بِهِ، فَذَهَبُوا بِهِ إلَيْكَ، ثُمَّ رَجَعُوا وقالُوا: إنَّهُ قَدْ سَرَقَ وإنَّكَ حَبَسْتَهُ عِنْدَكَ، وإنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَسْرِقُ ولا نَلِدُ سارِقًا، فَإنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ لَمْ يَتَمالَكْ، وعِيلَ صَبْرُهُ وعَرَّفَهم أنَّهُ يُوسُفُ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ أنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ قِيلَ: إنَّهُ لَمّا قَرَأ كِتابَ أبِيهِ يَعْقُوبَ ارْتَعَدَتْ مَفاصِلُهُ، واقْشَعَرَّ جِلْدُهُ ولانَ قَلْبُهُ وكَثُرَ بُكاؤُهُ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ يُوسُفُ.
وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا رَأى إخْوَتَهُ تَضَرَّعُوا إلَيْهِ ووَصَفُوا ما هم عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الزَّمانِ وقِلَّةِ الحِيلَةِ أدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ فَصَرَّحَ حِينَئِذٍ بِأنَّهُ يُوسُفُ، وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ اسْتِفْهامٌ يُفِيدُ تَعْظِيمَ الواقِعَةِ، ومَعْناهُ: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ في يُوسُفَ ! وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ! وهو كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ وهَلْ تَعْرِفُ مَن خالَفْتَ ؟
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَصْدِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأخِيهِ﴾ فالمُرادُ ما فَعَلُوا بِهِ مِن تَعْرِيضِهِ لِلْغَمِّ بِسَبَبِ إفْرادِهِ عَنْ أخِيهِ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، وأيْضًا كانُوا يُؤْذُونَهُ، ومِن جُمْلَةِ أقْسامِ ذَلِكَ الإيذاءِ قالُوا في حَقِّهِ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ (يُوسُفَ: ٧٧) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ فَهو يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ كَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ حالَ ما كُنْتُمْ في جَهالَةِ الصِّبا أوْ في جَهالَةِ الغُرُورِ، يَعْنِي والآنَ لَسْتُمْ كَذَلِكَ، ونَظِيرُهُ ما يُقالُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ (الِانْفِطارِ: ٦) قِيلَ: إنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذا الوَصْفَ المُعَيَّنَ لِيَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الجَوابِ، وهو أنْ يَقُولَ العَبْدُ: يا رَبِّ غَرَّنِي كَرَمُكَ، فَكَذا هَهُنا إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ إزالَةً لِلْخَجالَةِ عَنْهم وتَخْفِيفًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ إنَّ إخْوَتَهُ قالُوا: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (إنَّكَ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ: (أيِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ) بِفَتْحِ الألْفِ غَيْرَ مَمْدُودَةٍ وبِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو: (آيِنَّكَ) بِمَدِّ الألِفِ وهو رِوايَةُ قالُونَ عَنْ نافِعٍ، والباقُونَ (أئِنَّكَ) بِهَمْزَتَيْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (أوَ أنْتَ يُوسُفُ)، فَحُصِّلَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ مِنَ القُرّاءِ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، ومِنهم مَن قَرَأ بِالخَبَرِ.
أمّا الأوَّلُونَ فَقالُوا: إنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ لَهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ وتَبَسَّمَ فَأبْصَرُوا ثَناياهُ، وكانَتْ كاللُّؤْلُؤِ المَنظُومِ شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، فَقالُوا لَهُ اسْتِفْهامًا: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ قالَ: (أنا يُوسُفُ) وإنَّما أجابَهم عَمّا اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ.
وأمّا مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ فَحُجَّتُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتّى وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، وكانَ في فَرْقِهِ عَلامَةٌ، وكانَ لِيَعْقُوبَ وإسْحاقَ مِثْلُها شِبْهُ الشّامَةِ، فَلَمّا رَفَعَ التّاجَ عَرَفُوهُ بِتِلْكَ العَلامَةِ، فَقالُوا: (إنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ كَثِيرٍ أرادَ الِاسْتِفْهامَ ثُمَّ حَذَفَ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، وأنْتَ مُبْتَدَأٌ، ويُوسُفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما صَرَّحَ بِالِاسْمِ تَعْظِيمًا لِما نَزَلْ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ وما عَوَّضَهُ اللَّهُ مِنَ الظَّفَرِ والنَّصْرِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: أنا الَّذِي ظَلَمْتُمُونِي عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واللَّهُ تَعالى أوْصَلَنِي إلى أعْظَمِ المَناصِبِ، أنا ذَلِكَ العاجِزُ الَّذِي قَصَدْتُمْ قَتْلَهُ وإلْقاءَهُ في البِئْرِ ثُمَّ صِرْتُ كَما تَرَوْنَ، ولِهَذا قالَ: ﴿وهَذا أخِي﴾ مَعَ أنَّهم كانُوا
صفحة ١٦٣
يَعْرِفُونَهُ لِأنَّ مَقْصُودَهُ أنْ يَقُولَ: وهَذا أيْضًا كانَ مَظْلُومًا كَما كُنْتُ ثُمَّ إنَّهُ صارَ مُنْعَمًا عَلَيْهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى كَما تَرَوْنَ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بِكُلِّ عِزٍّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفْرِقَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ مَعْناهُ: مَن يَتَّقِ مَعاصِيَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهم، فَوَضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَّقِينَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَفَ نَفْسَهُ في هَذا المَقامِ الشَّرِيفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا، ولَوْ أنَّهُ أقْدَمَ عَلى ما يَقُولُهُ الحَشْوِيَّةُ في حَقِّزُلَيْخا؛ لَكانَ هَذا القَوْلُ كَذِبًا مِنهُ، وذِكْرُ الكَذِبِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ الَّذِي يُؤْمِنُ فِيهِ الكافِرُ ويَتُوبُ فِيهِ العاصِي لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ: (إنَّهُ مَن يَتَّقِي) بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ، ووَجْهُهُ أنْ يُجْعَلَ ”مَن“ بِمَنزِلَةِ الَّذِي؛ فَلا يُوجِبُ الجَزْمَ، ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ويَصْبِرْ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ الرَّفْعُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ كَما يُخَفَّفُ في عَضْدٍ وشَمْعٍ، والباقُونَ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.
يوسف 12:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ لِإخْوَتِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَّ عَلَيْهِ، وأنَّ مَن يَتَّقِ المَعاصِيَ ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ فَإنَّهُ لا يُضَيِّعُهُ اللَّهُ صَدَّقُوهُ فِيهِ، واعْتَرَفُوا لَهُ بِالفَضْلِ والمَزِيَّةِ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: آثَرَكَ إيثارًا، أيْ: فَضَّلَكَ اللَّهُ، وفُلانٌ آثَرَ عَبْدَ فُلانٍ؛ إذا كانَ يُؤْثِرُهُ بِفَضْلِهِ وصِلَتِهِ، والمَعْنى: لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ عَلَيْنا بِالعِلْمِ والحِلْمِ والعَقْلِ والفَضْلِ والحُسْنِ والمُلْكِ، واحْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إخْوَتَهُ ما كانُوا أنْبِياءَ، لِأنَّ جَمِيعَ المَناصِبِ الَّتِي تَكُونُ مُغايِرَةً لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَلَوْ شارَكُوهُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ لَما قالُوا: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَذْهَبُ سُؤالُ مَن يَقُولُ لَعَلَّ المُرادَ كَوْنُهُ زائِدًا عَلَيْهِمْ في المُلْكِ وأحْوالِ الدُّنْيا، وإنْ شارَكُوهُ في النُّبُوَّةِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا لا يُعْبَأُ بِها في جَنْبِ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قِيلَ: الخاطِئُ هو الَّذِي أتى بِالخَطِيئَةِ عَمْدًا، وفُرِّقَ بَيْنَ الخاطِئِ والمُخْطِئِ، فَلِهَذا الفَرْقِ يُقالُ لِمَن يَجْتَهِدُ في الأحْكامِ فَلا يُصِيبُ إنَّهُ مُخْطِئٌ، ولا يُقالُ: إنَّهُ خاطِئٌ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الَّذِي اعْتَذَرُوا مِنهُ هو إقْدامُهم عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ وبَيْعِهِ وتَبْعِيدِهِ عَنِ البَيْتِ والأبِ، وقالَ
صفحة ١٦٤
أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّهم لَمْ يَعْتَذِرُوا إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ مِنهم قَبْلَ البُلُوغِ فَلا يَكُونُ ذَنْبًا فَلا يُعْتَذَرُ مِنهُ، وإنَّما اعْتَذَرُوا مِن حَيْثُ إنَّهم أخْطَئُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ لَمْ يُظْهِرُوا لِأبِيهِمْ ما فَعَلُوهُ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ حَيٌّ وأنَّ الذِّئْبَ لَمْ يَأْكُلْهُ، وهَذا الكَلامُ ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ الأعْمالِ في زَمَنِ الصِّبا لِأنَّهُ مِنَ البَعِيدِ في مِثْلِ يَعْقُوبَ أنْ يَبْعَثَ جَمْعًا مِنَ الصِّبْيانِ غَيْرِ البالِغِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَبْعَثَ مَعَهم رَجُلًا عاقِلًا يَمْنَعُهم عَمّا لا يَنْبَغِي ويَحْمِلُهم عَلى ما يَنْبَغِي.
الوَجْهُ الثّانِي: هَبْ أنَّ الأمْرَ عَلى ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ إلّا أنّا نَقُولُ: غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ لا يَجِبُ الِاعْتِذارُ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَحْسُنُ الِاعْتِذارُ عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ المُذْنِبَ إذا تابَ زالَ عِقابُهُ، ثُمَّ قَدْ يُعِيدُ التَّوْبَةَ والِاعْتِذارَ مَرَّةً أُخْرى، فَعَلِمْنا أنَّ الإنْسانَ أيْضًا قَدْ يَتُوبُ عِنْدَما لا تَكُونُ التَّوْبَةُ واجِبَةً عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وبِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ خاطِئِينَ قالَ يُوسُفُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: التَّثْرِيبُ التَّوْبِيخُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم؛ فَلْيَضْرِبْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْها» أيْ: ولا يُعَيِّرْها بِالزِّنا، فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا تَوْبِيخَ ولا عَيْبَ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكِرْشِ. ومَعْناهُ إزالَةُ الثَّرْبِ كَما أنَّ التَّجْلِيدَ إزالَةُ الجِلْدِ، قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها إلى الشُّيُوخِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإخْوَتِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ وقَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ (يُوسُفَ: ٩٨) ؟
البَحْثُ الثّانِي: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا، وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا أُثَرِّبُكُمُ اليَوْمَ، وهو اليَوْمُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ، فَما ظَنُّكم بِسائِرِ الأيّامَ، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنِّي حَكَمْتُ في هَذا اليَوْمِ بِأنْ لا تَثْرِيبَ مُطْلَقًا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ نَفْيٌ لِلْماهِيَّةِ، ونَفْيُ الماهِيَّةِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ جَمِيعِ أفْرادِ الماهِيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِلنَّفْيِ المُتَناوِلِ لِكُلِّ الأوْقاتِ والأحْوالِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: اليَوْمَ حَكَمْتُ بِهَذا الحُكْمِ العامِّ المُتَناوِلِ لِكُلِّ الأوْقاتِ والأحْوالِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا بَيَّنَّ لَهم أنَّهُ أزالَ عَنْهم مَلامَةَ الدُّنْيا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ عَنْهم عِقابَ الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والمُرادُ مِنهُ الدُّعاءُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كَأنَّهُ لَمّا نَفى التَّثْرِيبَ مُطْلَقًا بَشَّرَهم بِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ ذَنْبَهم في هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا انْكَسَرُوا وخَجِلُوا واعْتَرَفُوا وتابُوا فاللَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم وغَفَرَ ذَنْبَهم، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ الكَعْبَةِ يَوْمَ الفَتْحِ، وقالَ لِقُرَيْشٍ: ”ما تَرَوْنِي فاعِلًا بِكُمْ“ فَقالُوا: نَظُنُّ خَيْرًا أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ وقَدْ قَدَرْتَ، فَقالَ: ”أقُولُ ما قالَ أخِي يُوسُفُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾“» ورُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا جاءَ لِيُسَلِّمَ قالَ لَهُ العَبّاسُ: إذا أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فاتْلُ عَلَيْهِ: ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَفَعَلَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ولِمَن عَلَّمَكَ“»، ورُوِيَ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا عَرَفُوهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ: إنَّكَ تُحْضِرُنا في مائِدَتِكَ بُكْرَةً وعَشِيًّا، ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ
صفحة ١٦٥
لِما صَدَرَ مِنّا مِنَ الإساءَةِ إلَيْكَ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ أهْلَ مِصْرَ وإنْ مُلِّكْتُ فِيهِمْ فَإنَّهم يَنْظُرُونِي بِالعَيْنِ الأُولى، ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبْدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ، ولَقَدْ شَرُفْتُ الآنَ بِإتْيانِكم، وعَظُمْتُ في العُيُونِ لَمّا جِئْتُمْ وعَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي، وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ثُمَّ قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عَرَفَهم يُوسُفُ سَألَهم عَنْ أبِيهِ فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّما عَرَفَ أنَّ إلْقاءَ ذَلِكَ القَمِيصِ عَلى وجْهِهِ يُوجِبُ قُوَّةَ البَصَرِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَوْلا الوَحْيُ لَما عَرَفَ ذَلِكَ، لِأنَّ العَقْلَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ أباهُ ما صارَ أعْمى، إلّا أنَّهُ مِن كَثْرَةِ البُكاءِ وضِيقِ القَلْبِ ضَعُفَ بَصَرُهُ، فَإذا أُلْقِيَ عَلَيْهِ قَمِيصُهُ فَلا بُدَّ أنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ، وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ الفَرَحُ الشَّدِيدُ، وذَلِكَ يُقَوِّي الرُّوحَ ويُزِيلُ الضَّعْفَ عَنِ القُوى، فَحِينَئِذٍ يَقْوى بَصَرُهُ، ويَزُولُ عَنْهُ ذَلِكَ النُّقْصانُ، فَهَذا القَدْرُ مِمّا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالقَلْبِ، فَإنَّ القَوانِينَ الطِّبِّيَّةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى.
وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ يَصِيرُ بَصِيرًا، ويَشْهَدُ لَهُ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ (يُوسُفَ: ٩٦) ويُقالُ: المُرادُ يَأْتِ إلَيَّ وهو بَصِيرٌ، وإنَّما أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقالَ في الباقِينَ: ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا، وقالَ مَسْرُوقٌ: دَخَلَ قَوْمُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِصْرَ، وهم ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ مِن بَيْنِ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، ورُوِيَ أنَّ يَهُودا حَمَلَ الكِتابَ وقالَ: أنا أحْزَنْتُهُ بِحَمْلِ القَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ إلَيْهِ؛ فَأُفْرِحُهُ كَما أحْزَنْتُهُ، وقِيلَ: حَمَلَهُ وهو حافٍ وحاسِرٌ مِن مِصْرَ إلى كَنْعانَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ ثَمانِينَ فَرْسَخًا.
يوسف 12:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ لِإخْوَتِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَّ عَلَيْهِ، وأنَّ مَن يَتَّقِ المَعاصِيَ ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ فَإنَّهُ لا يُضَيِّعُهُ اللَّهُ صَدَّقُوهُ فِيهِ، واعْتَرَفُوا لَهُ بِالفَضْلِ والمَزِيَّةِ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: آثَرَكَ إيثارًا، أيْ: فَضَّلَكَ اللَّهُ، وفُلانٌ آثَرَ عَبْدَ فُلانٍ؛ إذا كانَ يُؤْثِرُهُ بِفَضْلِهِ وصِلَتِهِ، والمَعْنى: لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ عَلَيْنا بِالعِلْمِ والحِلْمِ والعَقْلِ والفَضْلِ والحُسْنِ والمُلْكِ، واحْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إخْوَتَهُ ما كانُوا أنْبِياءَ، لِأنَّ جَمِيعَ المَناصِبِ الَّتِي تَكُونُ مُغايِرَةً لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَلَوْ شارَكُوهُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ لَما قالُوا: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَذْهَبُ سُؤالُ مَن يَقُولُ لَعَلَّ المُرادَ كَوْنُهُ زائِدًا عَلَيْهِمْ في المُلْكِ وأحْوالِ الدُّنْيا، وإنْ شارَكُوهُ في النُّبُوَّةِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا لا يُعْبَأُ بِها في جَنْبِ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قِيلَ: الخاطِئُ هو الَّذِي أتى بِالخَطِيئَةِ عَمْدًا، وفُرِّقَ بَيْنَ الخاطِئِ والمُخْطِئِ، فَلِهَذا الفَرْقِ يُقالُ لِمَن يَجْتَهِدُ في الأحْكامِ فَلا يُصِيبُ إنَّهُ مُخْطِئٌ، ولا يُقالُ: إنَّهُ خاطِئٌ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الَّذِي اعْتَذَرُوا مِنهُ هو إقْدامُهم عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ وبَيْعِهِ وتَبْعِيدِهِ عَنِ البَيْتِ والأبِ، وقالَ
صفحة ١٦٤
أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّهم لَمْ يَعْتَذِرُوا إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ مِنهم قَبْلَ البُلُوغِ فَلا يَكُونُ ذَنْبًا فَلا يُعْتَذَرُ مِنهُ، وإنَّما اعْتَذَرُوا مِن حَيْثُ إنَّهم أخْطَئُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ لَمْ يُظْهِرُوا لِأبِيهِمْ ما فَعَلُوهُ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ حَيٌّ وأنَّ الذِّئْبَ لَمْ يَأْكُلْهُ، وهَذا الكَلامُ ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ الأعْمالِ في زَمَنِ الصِّبا لِأنَّهُ مِنَ البَعِيدِ في مِثْلِ يَعْقُوبَ أنْ يَبْعَثَ جَمْعًا مِنَ الصِّبْيانِ غَيْرِ البالِغِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَبْعَثَ مَعَهم رَجُلًا عاقِلًا يَمْنَعُهم عَمّا لا يَنْبَغِي ويَحْمِلُهم عَلى ما يَنْبَغِي.
الوَجْهُ الثّانِي: هَبْ أنَّ الأمْرَ عَلى ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ إلّا أنّا نَقُولُ: غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ لا يَجِبُ الِاعْتِذارُ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَحْسُنُ الِاعْتِذارُ عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ المُذْنِبَ إذا تابَ زالَ عِقابُهُ، ثُمَّ قَدْ يُعِيدُ التَّوْبَةَ والِاعْتِذارَ مَرَّةً أُخْرى، فَعَلِمْنا أنَّ الإنْسانَ أيْضًا قَدْ يَتُوبُ عِنْدَما لا تَكُونُ التَّوْبَةُ واجِبَةً عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وبِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ خاطِئِينَ قالَ يُوسُفُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: التَّثْرِيبُ التَّوْبِيخُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم؛ فَلْيَضْرِبْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْها» أيْ: ولا يُعَيِّرْها بِالزِّنا، فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا تَوْبِيخَ ولا عَيْبَ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكِرْشِ. ومَعْناهُ إزالَةُ الثَّرْبِ كَما أنَّ التَّجْلِيدَ إزالَةُ الجِلْدِ، قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها إلى الشُّيُوخِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإخْوَتِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ وقَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ (يُوسُفَ: ٩٨) ؟
البَحْثُ الثّانِي: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا، وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا أُثَرِّبُكُمُ اليَوْمَ، وهو اليَوْمُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ، فَما ظَنُّكم بِسائِرِ الأيّامَ، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنِّي حَكَمْتُ في هَذا اليَوْمِ بِأنْ لا تَثْرِيبَ مُطْلَقًا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ نَفْيٌ لِلْماهِيَّةِ، ونَفْيُ الماهِيَّةِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ جَمِيعِ أفْرادِ الماهِيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِلنَّفْيِ المُتَناوِلِ لِكُلِّ الأوْقاتِ والأحْوالِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: اليَوْمَ حَكَمْتُ بِهَذا الحُكْمِ العامِّ المُتَناوِلِ لِكُلِّ الأوْقاتِ والأحْوالِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا بَيَّنَّ لَهم أنَّهُ أزالَ عَنْهم مَلامَةَ الدُّنْيا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ عَنْهم عِقابَ الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والمُرادُ مِنهُ الدُّعاءُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كَأنَّهُ لَمّا نَفى التَّثْرِيبَ مُطْلَقًا بَشَّرَهم بِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ ذَنْبَهم في هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا انْكَسَرُوا وخَجِلُوا واعْتَرَفُوا وتابُوا فاللَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم وغَفَرَ ذَنْبَهم، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ الكَعْبَةِ يَوْمَ الفَتْحِ، وقالَ لِقُرَيْشٍ: ”ما تَرَوْنِي فاعِلًا بِكُمْ“ فَقالُوا: نَظُنُّ خَيْرًا أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ وقَدْ قَدَرْتَ، فَقالَ: ”أقُولُ ما قالَ أخِي يُوسُفُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾“» ورُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا جاءَ لِيُسَلِّمَ قالَ لَهُ العَبّاسُ: إذا أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فاتْلُ عَلَيْهِ: ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَفَعَلَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ولِمَن عَلَّمَكَ“»، ورُوِيَ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا عَرَفُوهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ: إنَّكَ تُحْضِرُنا في مائِدَتِكَ بُكْرَةً وعَشِيًّا، ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ
صفحة ١٦٥
لِما صَدَرَ مِنّا مِنَ الإساءَةِ إلَيْكَ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ أهْلَ مِصْرَ وإنْ مُلِّكْتُ فِيهِمْ فَإنَّهم يَنْظُرُونِي بِالعَيْنِ الأُولى، ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبْدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ، ولَقَدْ شَرُفْتُ الآنَ بِإتْيانِكم، وعَظُمْتُ في العُيُونِ لَمّا جِئْتُمْ وعَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي، وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ثُمَّ قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عَرَفَهم يُوسُفُ سَألَهم عَنْ أبِيهِ فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّما عَرَفَ أنَّ إلْقاءَ ذَلِكَ القَمِيصِ عَلى وجْهِهِ يُوجِبُ قُوَّةَ البَصَرِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَوْلا الوَحْيُ لَما عَرَفَ ذَلِكَ، لِأنَّ العَقْلَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ أباهُ ما صارَ أعْمى، إلّا أنَّهُ مِن كَثْرَةِ البُكاءِ وضِيقِ القَلْبِ ضَعُفَ بَصَرُهُ، فَإذا أُلْقِيَ عَلَيْهِ قَمِيصُهُ فَلا بُدَّ أنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ، وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ الفَرَحُ الشَّدِيدُ، وذَلِكَ يُقَوِّي الرُّوحَ ويُزِيلُ الضَّعْفَ عَنِ القُوى، فَحِينَئِذٍ يَقْوى بَصَرُهُ، ويَزُولُ عَنْهُ ذَلِكَ النُّقْصانُ، فَهَذا القَدْرُ مِمّا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالقَلْبِ، فَإنَّ القَوانِينَ الطِّبِّيَّةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى.
وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ يَصِيرُ بَصِيرًا، ويَشْهَدُ لَهُ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ (يُوسُفَ: ٩٦) ويُقالُ: المُرادُ يَأْتِ إلَيَّ وهو بَصِيرٌ، وإنَّما أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقالَ في الباقِينَ: ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا، وقالَ مَسْرُوقٌ: دَخَلَ قَوْمُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِصْرَ، وهم ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ مِن بَيْنِ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، ورُوِيَ أنَّ يَهُودا حَمَلَ الكِتابَ وقالَ: أنا أحْزَنْتُهُ بِحَمْلِ القَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ إلَيْهِ؛ فَأُفْرِحُهُ كَما أحْزَنْتُهُ، وقِيلَ: حَمَلَهُ وهو حافٍ وحاسِرٌ مِن مِصْرَ إلى كَنْعانَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ ثَمانِينَ فَرْسَخًا.
يوسف 12:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ لِإخْوَتِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَّ عَلَيْهِ، وأنَّ مَن يَتَّقِ المَعاصِيَ ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ فَإنَّهُ لا يُضَيِّعُهُ اللَّهُ صَدَّقُوهُ فِيهِ، واعْتَرَفُوا لَهُ بِالفَضْلِ والمَزِيَّةِ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: آثَرَكَ إيثارًا، أيْ: فَضَّلَكَ اللَّهُ، وفُلانٌ آثَرَ عَبْدَ فُلانٍ؛ إذا كانَ يُؤْثِرُهُ بِفَضْلِهِ وصِلَتِهِ، والمَعْنى: لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ عَلَيْنا بِالعِلْمِ والحِلْمِ والعَقْلِ والفَضْلِ والحُسْنِ والمُلْكِ، واحْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إخْوَتَهُ ما كانُوا أنْبِياءَ، لِأنَّ جَمِيعَ المَناصِبِ الَّتِي تَكُونُ مُغايِرَةً لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَلَوْ شارَكُوهُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ لَما قالُوا: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَذْهَبُ سُؤالُ مَن يَقُولُ لَعَلَّ المُرادَ كَوْنُهُ زائِدًا عَلَيْهِمْ في المُلْكِ وأحْوالِ الدُّنْيا، وإنْ شارَكُوهُ في النُّبُوَّةِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا لا يُعْبَأُ بِها في جَنْبِ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قِيلَ: الخاطِئُ هو الَّذِي أتى بِالخَطِيئَةِ عَمْدًا، وفُرِّقَ بَيْنَ الخاطِئِ والمُخْطِئِ، فَلِهَذا الفَرْقِ يُقالُ لِمَن يَجْتَهِدُ في الأحْكامِ فَلا يُصِيبُ إنَّهُ مُخْطِئٌ، ولا يُقالُ: إنَّهُ خاطِئٌ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الَّذِي اعْتَذَرُوا مِنهُ هو إقْدامُهم عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ وبَيْعِهِ وتَبْعِيدِهِ عَنِ البَيْتِ والأبِ، وقالَ
صفحة ١٦٤
أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّهم لَمْ يَعْتَذِرُوا إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ مِنهم قَبْلَ البُلُوغِ فَلا يَكُونُ ذَنْبًا فَلا يُعْتَذَرُ مِنهُ، وإنَّما اعْتَذَرُوا مِن حَيْثُ إنَّهم أخْطَئُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ لَمْ يُظْهِرُوا لِأبِيهِمْ ما فَعَلُوهُ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ حَيٌّ وأنَّ الذِّئْبَ لَمْ يَأْكُلْهُ، وهَذا الكَلامُ ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ الأعْمالِ في زَمَنِ الصِّبا لِأنَّهُ مِنَ البَعِيدِ في مِثْلِ يَعْقُوبَ أنْ يَبْعَثَ جَمْعًا مِنَ الصِّبْيانِ غَيْرِ البالِغِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَبْعَثَ مَعَهم رَجُلًا عاقِلًا يَمْنَعُهم عَمّا لا يَنْبَغِي ويَحْمِلُهم عَلى ما يَنْبَغِي.
الوَجْهُ الثّانِي: هَبْ أنَّ الأمْرَ عَلى ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ إلّا أنّا نَقُولُ: غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ لا يَجِبُ الِاعْتِذارُ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَحْسُنُ الِاعْتِذارُ عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ المُذْنِبَ إذا تابَ زالَ عِقابُهُ، ثُمَّ قَدْ يُعِيدُ التَّوْبَةَ والِاعْتِذارَ مَرَّةً أُخْرى، فَعَلِمْنا أنَّ الإنْسانَ أيْضًا قَدْ يَتُوبُ عِنْدَما لا تَكُونُ التَّوْبَةُ واجِبَةً عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وبِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ خاطِئِينَ قالَ يُوسُفُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: التَّثْرِيبُ التَّوْبِيخُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم؛ فَلْيَضْرِبْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْها» أيْ: ولا يُعَيِّرْها بِالزِّنا، فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا تَوْبِيخَ ولا عَيْبَ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكِرْشِ. ومَعْناهُ إزالَةُ الثَّرْبِ كَما أنَّ التَّجْلِيدَ إزالَةُ الجِلْدِ، قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها إلى الشُّيُوخِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإخْوَتِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ وقَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ (يُوسُفَ: ٩٨) ؟
البَحْثُ الثّانِي: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا، وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا أُثَرِّبُكُمُ اليَوْمَ، وهو اليَوْمُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ، فَما ظَنُّكم بِسائِرِ الأيّامَ، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنِّي حَكَمْتُ في هَذا اليَوْمِ بِأنْ لا تَثْرِيبَ مُطْلَقًا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ نَفْيٌ لِلْماهِيَّةِ، ونَفْيُ الماهِيَّةِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ جَمِيعِ أفْرادِ الماهِيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِلنَّفْيِ المُتَناوِلِ لِكُلِّ الأوْقاتِ والأحْوالِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: اليَوْمَ حَكَمْتُ بِهَذا الحُكْمِ العامِّ المُتَناوِلِ لِكُلِّ الأوْقاتِ والأحْوالِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا بَيَّنَّ لَهم أنَّهُ أزالَ عَنْهم مَلامَةَ الدُّنْيا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ عَنْهم عِقابَ الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والمُرادُ مِنهُ الدُّعاءُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كَأنَّهُ لَمّا نَفى التَّثْرِيبَ مُطْلَقًا بَشَّرَهم بِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ ذَنْبَهم في هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا انْكَسَرُوا وخَجِلُوا واعْتَرَفُوا وتابُوا فاللَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم وغَفَرَ ذَنْبَهم، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ الكَعْبَةِ يَوْمَ الفَتْحِ، وقالَ لِقُرَيْشٍ: ”ما تَرَوْنِي فاعِلًا بِكُمْ“ فَقالُوا: نَظُنُّ خَيْرًا أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ وقَدْ قَدَرْتَ، فَقالَ: ”أقُولُ ما قالَ أخِي يُوسُفُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾“» ورُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا جاءَ لِيُسَلِّمَ قالَ لَهُ العَبّاسُ: إذا أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فاتْلُ عَلَيْهِ: ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَفَعَلَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ولِمَن عَلَّمَكَ“»، ورُوِيَ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا عَرَفُوهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ: إنَّكَ تُحْضِرُنا في مائِدَتِكَ بُكْرَةً وعَشِيًّا، ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ
صفحة ١٦٥
لِما صَدَرَ مِنّا مِنَ الإساءَةِ إلَيْكَ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ أهْلَ مِصْرَ وإنْ مُلِّكْتُ فِيهِمْ فَإنَّهم يَنْظُرُونِي بِالعَيْنِ الأُولى، ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبْدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ، ولَقَدْ شَرُفْتُ الآنَ بِإتْيانِكم، وعَظُمْتُ في العُيُونِ لَمّا جِئْتُمْ وعَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي، وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ثُمَّ قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عَرَفَهم يُوسُفُ سَألَهم عَنْ أبِيهِ فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّما عَرَفَ أنَّ إلْقاءَ ذَلِكَ القَمِيصِ عَلى وجْهِهِ يُوجِبُ قُوَّةَ البَصَرِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَوْلا الوَحْيُ لَما عَرَفَ ذَلِكَ، لِأنَّ العَقْلَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ أباهُ ما صارَ أعْمى، إلّا أنَّهُ مِن كَثْرَةِ البُكاءِ وضِيقِ القَلْبِ ضَعُفَ بَصَرُهُ، فَإذا أُلْقِيَ عَلَيْهِ قَمِيصُهُ فَلا بُدَّ أنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ، وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ الفَرَحُ الشَّدِيدُ، وذَلِكَ يُقَوِّي الرُّوحَ ويُزِيلُ الضَّعْفَ عَنِ القُوى، فَحِينَئِذٍ يَقْوى بَصَرُهُ، ويَزُولُ عَنْهُ ذَلِكَ النُّقْصانُ، فَهَذا القَدْرُ مِمّا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالقَلْبِ، فَإنَّ القَوانِينَ الطِّبِّيَّةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى.
وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ يَصِيرُ بَصِيرًا، ويَشْهَدُ لَهُ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ (يُوسُفَ: ٩٦) ويُقالُ: المُرادُ يَأْتِ إلَيَّ وهو بَصِيرٌ، وإنَّما أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقالَ في الباقِينَ: ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا، وقالَ مَسْرُوقٌ: دَخَلَ قَوْمُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِصْرَ، وهم ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ مِن بَيْنِ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، ورُوِيَ أنَّ يَهُودا حَمَلَ الكِتابَ وقالَ: أنا أحْزَنْتُهُ بِحَمْلِ القَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ إلَيْهِ؛ فَأُفْرِحُهُ كَما أحْزَنْتُهُ، وقِيلَ: حَمَلَهُ وهو حافٍ وحاسِرٌ مِن مِصْرَ إلى كَنْعانَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ ثَمانِينَ فَرْسَخًا.
يوسف 12:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
يُقالُ: فَصَلَ فُلانٌ مِن عِنْدِ فُلانٍ فُصُولًا إذا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ، وفَصَلَ مِنِّي إلَيْهِ كِتابًا إذا أنْفَذَ بِهِ إلَيْهِ، وفَصَلَ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وإذا كانَ لازِمًا فَمَصْدَرُهُ الفُصُولُ، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا فَمَصْدَرُهُ الفَصْلُ.
قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ مِن مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إلى كَنْعانَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن حَضَرَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ وقَرابَتِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾، ولَمْ يَكُنْ هَذا القَوْلُ مَعَ أوْلادِهِ لِأنَّهم كانُوا غائِبِينَ بِدَلِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ (يُوسُفَ: ٨٧)، واخْتَلَفُوا في قَدْرِ المَسافَةِ فَقِيلَ: مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ أيّامٍ
صفحة ١٦٦
وقِيلَ: ثَمانُونَ فَرْسَخًا.
واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ وُصُولِ تِلْكَ الرّائِحَةِ إلَيْهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَقَتِ القَمِيصَ فَفاحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا، واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، فَمِن ثَمَّ قالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ ورَوى الواحِدِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «أمّا قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ (يُوسُفَ: ٩٣) فَإنَّ نُمْرُوذَ الجَبّارَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطِنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَألْبَسَهُ القَمِيصَ، وأجْلَسَهُ عَلى الطِّنْفَسَةِ وقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، فَكَسا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ القَمِيصَ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، وكَساهُ يَعْقُوبُ يُوسُفَ، فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ، وعَلَّقَها في عُنُقِهِ فَأُلْقِيَ في الجُبِّ والقَمِيصُ في عُنُقِهِ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ والتَّحْقِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أوْصَلَ تِلْكَ الرّائِحَةَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ إظْهارِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ وُصُولَ الرّائِحَةِ إلَيْهِ مِن هَذِهِ المَسافَةِ البَعِيدَةِ أمْرٌ مُناقِضٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً ولا بُدَّ مِن كَوْنِها مُعْجِزَةً لِأحَدِهِما، والأقْرَبُ أنَّهُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخْبَرَ عَنْهُ، ونَسَبُوهُ في هَذا الكَلامِ إلى ما لا يَنْبَغِي، فَظَهَرَ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرَ، فَكانَ مُعْجِزَةً لَهُ.
قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْصَلَ إلَيْهِ رِيحَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ المِحْنَةِ ومَجِيءِ وقْتِ الرَّوْحِ والفَرَحِ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ، ومَنَعَ مِن وُصُولِ خَبَرِهِ إلَيْهِ مَعَ قُرْبِ إحْدى البَلْدَتَيْنِ مِنَ الأُخْرى في مُدَّةِ ثَمانِينَ سَنَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ سَهْلٍ فَهو في زَمانِ المِحْنَةِ صَعْبٌ، وكُلُّ صَعْبٍ فَهو في زَمانِ الإقْبالِ سَهْلٌ.
ومَعْنى (لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ): أشُمُّ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالوُجُودِ لِأنَّهُ وِجْدانٌ لَهُ بِحاسَّةِ الشَّمِّ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: أفْنَدَ الرَّجُلُ إذا حَزِنَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ، وفُنِّدَ إذا جَهِلَ ونُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ: إذا كَثُرَ كَلامُ الرَّجُلِ مِن خَرَفٍ فَهو المُفْنِدُ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ: شَيْخٌ مُفْنِدٌ ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتَ رَأْيٍ حَتّى تُفَنَّدَ في كِبَرِها، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أيْ لَوْلا أنْ تَنْسِبُونِي إلى الخَرَفِ، ولَمّا ذَكَرَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ: ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ .
وفِي الضَّلالِ هَهُنا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالضَّلالِ هَهُنا الشَّقاءَ، يَعْنِي شَقاءَ الدُّنْيا، والمَعْنى: إنَّكَ لَفي شَقائِكَ القَدِيمِ بِما تُكابِدُ مِنَ الأحْزانِ عَلىيُوسُفَ، واحْتَجَّ مُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ (القَمَرِ: ٢٤) يَعْنُونَ لَفي شَقاءِ دُنْيانا، وقالَ قَتادَةُ: لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ، أيْ لَفي حُبِّكَ القَدِيمِ لا تَنْساهُ ولا تَذْهَلُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (يُوسُفَ: ٨) ثُمَّ قالَ قَتادَةُ: قَدْ قالُوا كَلِمَةً غَلِيظَةً ولَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أنْ يَقُولُوها لِنَبِيِّ اللَّهِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّما خاطَبُوهُ بِذَلِكَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ يُوسُفَ قَدْ ماتَ، وقَدْ كانَ يَعْقُوبُ في ولُوعِهِ بِذِكْرِهِ ذاهِبًا عَنِ الرُّشْدِ والصَّوابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ في ”أنْ“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَدْ تُذْكَرُ تارَةً كَما هَهُنا، وقَدْ تُحْذَفُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ (هُودٍ: ٧٤)، والمَذْهَبانِ جَمِيعًا مَوْجُودانِ في أشْعارِ العَرَبِ.
والثّانِي: قالَ البَصْرِيُّونَ: هي مَعَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالفِعْلِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ظَهَرَ أنْ جاءَ البَشِيرُ، أيْ ظَهَرَ مَجِيءُ البَشِيرِ، فَأُضْمِرَ الرّافِعُ، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: البَشِيرُ هو يَهُودا، قالَ: أنا ذَهَبْتُ بِالقَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ وقُلْتُ إنَّ يُوسُفَ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأذْهَبُ اليَوْمَ بِالقَمِيصِ فَأُفْرِحُهُ كَما أحْزَنْتُهُ، قَوْلُهُ: ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ طَرَحَ البَشِيرُ القَمِيصَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ يُقالُ: ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أيْ رَجَعَ بَصِيرًا، ومَعْنى الِارْتِدادِ انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالَةٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أيْ صَيَّرَهُ اللَّهُ بَصِيرًا كَما يُقالُ: طالَتِ النَّخْلَةُ، واللَّهُ تَعالى أطالَها واخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ كانَ قَدْ عَمِيَ بِالكُلِّيَّةِ، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَهُ بَصِيرًا في هَذا الوَقْتِ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ قَدْ ضَعُفَ بَصَرُهُ مِن كَثْرَةِ
صفحة ١٦٧
البُكاءِ وكَثْرَةِ الأحْزانِ، فَلَمّا ألْقَوُا القَمِيصَ عَلى وجْهِهِ، وبُشِّرَ بِحَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَظُمَ فَرَحُهُ، وانْشَرَحَ صَدْرُهُ، وزالَتْ أحْزانُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَوِيَ بَصَرُهُ وزالَ النُّقْصانُ عَنْهُ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، والمُرادُ: عِلْمُهُ بِحَياةِ يُوسُفَ مِن جِهَةِ الرُّؤْيا؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى هو الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٦) رُوِيَ أنَّهُ سَألَ البَشِيرَ، وقالَ: كَيْفَ يُوسُفُ ؟ قالَ: هو مَلِكُ مِصْرَ، قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ ! عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قالَ: عَلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، ثُمَّ إنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ أخَذُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهم في الحالِ، بَلْ وعَدَهم بِأنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في سَبَبِ هَذا المَعْنى عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: والأكْثَرُونَ: أرادَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّ هَذا الوَقْتَ أوْفَقُ الأوْقاتِ لِرَجاءِ الإجابَةِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةٍ أُخْرى: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، لِأنَّها أوْفَقُ الأوْقاتِ لِلْإجابَةِ.
الثّالِثُ: أرادَ أنْ يَعْرِفَ أنَّهم هَلْ تابُوا في الحَقِيقَةِ أمْ لا، وهَلْ حَصَلَتْ تَوْبَتُهم مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ التّامِّ أمْ لا.
الرّابِعُ: اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ أنِّي أُداوِمُ عَلى هَذا الِاسْتِغْفارِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم في كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: قامَ إلى الصَّلاةِ في وقْتٍ فَلَمّا فَرَغَ رَفَعَ يَدَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: ”اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَزَعِي عَلى يُوسُفَ وقِلَّةَ صَبْرِي عَلَيْهِ، واغْفِرْ لِأوْلادِي ما فَعَلُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ“ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ولَهم أجْمَعِينَ.
ورُوِيَ أنَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِيَعْقُوبَ وقَدْ غَلَبَهُمُ الخَوْفُ والبُكاءُ: ما يُغْنِي عَنّا إنْ لَمْ يُغْفَرْ لَنا ؟ فاسْتَقْبَلَ الشَّيْخُ القِبْلَةَ قائِمًا يَدْعُو، وقامَ يُوسُفُ خَلْفَهُ يُؤَمِّنُ، وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ عِشْرِينَ سَنَةً حَتّى قَلَّ صَبْرُهم؛ فَظَنُّوا أنَّها الهَلَكَةُ؛ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ وعَقَدَ مَواثِيقَهم بَعْدَكَ عَلى النُّبُوَّةِ“ وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّتِهِمْ وهو مَشْهُورٌ.
يوسف 12:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
يُقالُ: فَصَلَ فُلانٌ مِن عِنْدِ فُلانٍ فُصُولًا إذا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ، وفَصَلَ مِنِّي إلَيْهِ كِتابًا إذا أنْفَذَ بِهِ إلَيْهِ، وفَصَلَ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وإذا كانَ لازِمًا فَمَصْدَرُهُ الفُصُولُ، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا فَمَصْدَرُهُ الفَصْلُ.
قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ مِن مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إلى كَنْعانَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن حَضَرَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ وقَرابَتِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾، ولَمْ يَكُنْ هَذا القَوْلُ مَعَ أوْلادِهِ لِأنَّهم كانُوا غائِبِينَ بِدَلِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ (يُوسُفَ: ٨٧)، واخْتَلَفُوا في قَدْرِ المَسافَةِ فَقِيلَ: مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ أيّامٍ
صفحة ١٦٦
وقِيلَ: ثَمانُونَ فَرْسَخًا.
واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ وُصُولِ تِلْكَ الرّائِحَةِ إلَيْهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَقَتِ القَمِيصَ فَفاحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا، واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، فَمِن ثَمَّ قالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ ورَوى الواحِدِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «أمّا قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ (يُوسُفَ: ٩٣) فَإنَّ نُمْرُوذَ الجَبّارَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطِنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَألْبَسَهُ القَمِيصَ، وأجْلَسَهُ عَلى الطِّنْفَسَةِ وقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، فَكَسا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ القَمِيصَ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، وكَساهُ يَعْقُوبُ يُوسُفَ، فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ، وعَلَّقَها في عُنُقِهِ فَأُلْقِيَ في الجُبِّ والقَمِيصُ في عُنُقِهِ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ والتَّحْقِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أوْصَلَ تِلْكَ الرّائِحَةَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ إظْهارِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ وُصُولَ الرّائِحَةِ إلَيْهِ مِن هَذِهِ المَسافَةِ البَعِيدَةِ أمْرٌ مُناقِضٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً ولا بُدَّ مِن كَوْنِها مُعْجِزَةً لِأحَدِهِما، والأقْرَبُ أنَّهُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخْبَرَ عَنْهُ، ونَسَبُوهُ في هَذا الكَلامِ إلى ما لا يَنْبَغِي، فَظَهَرَ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرَ، فَكانَ مُعْجِزَةً لَهُ.
قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْصَلَ إلَيْهِ رِيحَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ المِحْنَةِ ومَجِيءِ وقْتِ الرَّوْحِ والفَرَحِ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ، ومَنَعَ مِن وُصُولِ خَبَرِهِ إلَيْهِ مَعَ قُرْبِ إحْدى البَلْدَتَيْنِ مِنَ الأُخْرى في مُدَّةِ ثَمانِينَ سَنَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ سَهْلٍ فَهو في زَمانِ المِحْنَةِ صَعْبٌ، وكُلُّ صَعْبٍ فَهو في زَمانِ الإقْبالِ سَهْلٌ.
ومَعْنى (لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ): أشُمُّ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالوُجُودِ لِأنَّهُ وِجْدانٌ لَهُ بِحاسَّةِ الشَّمِّ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: أفْنَدَ الرَّجُلُ إذا حَزِنَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ، وفُنِّدَ إذا جَهِلَ ونُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ: إذا كَثُرَ كَلامُ الرَّجُلِ مِن خَرَفٍ فَهو المُفْنِدُ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ: شَيْخٌ مُفْنِدٌ ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتَ رَأْيٍ حَتّى تُفَنَّدَ في كِبَرِها، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أيْ لَوْلا أنْ تَنْسِبُونِي إلى الخَرَفِ، ولَمّا ذَكَرَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ: ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ .
وفِي الضَّلالِ هَهُنا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالضَّلالِ هَهُنا الشَّقاءَ، يَعْنِي شَقاءَ الدُّنْيا، والمَعْنى: إنَّكَ لَفي شَقائِكَ القَدِيمِ بِما تُكابِدُ مِنَ الأحْزانِ عَلىيُوسُفَ، واحْتَجَّ مُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ (القَمَرِ: ٢٤) يَعْنُونَ لَفي شَقاءِ دُنْيانا، وقالَ قَتادَةُ: لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ، أيْ لَفي حُبِّكَ القَدِيمِ لا تَنْساهُ ولا تَذْهَلُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (يُوسُفَ: ٨) ثُمَّ قالَ قَتادَةُ: قَدْ قالُوا كَلِمَةً غَلِيظَةً ولَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أنْ يَقُولُوها لِنَبِيِّ اللَّهِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّما خاطَبُوهُ بِذَلِكَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ يُوسُفَ قَدْ ماتَ، وقَدْ كانَ يَعْقُوبُ في ولُوعِهِ بِذِكْرِهِ ذاهِبًا عَنِ الرُّشْدِ والصَّوابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ في ”أنْ“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَدْ تُذْكَرُ تارَةً كَما هَهُنا، وقَدْ تُحْذَفُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ (هُودٍ: ٧٤)، والمَذْهَبانِ جَمِيعًا مَوْجُودانِ في أشْعارِ العَرَبِ.
والثّانِي: قالَ البَصْرِيُّونَ: هي مَعَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالفِعْلِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ظَهَرَ أنْ جاءَ البَشِيرُ، أيْ ظَهَرَ مَجِيءُ البَشِيرِ، فَأُضْمِرَ الرّافِعُ، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: البَشِيرُ هو يَهُودا، قالَ: أنا ذَهَبْتُ بِالقَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ وقُلْتُ إنَّ يُوسُفَ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأذْهَبُ اليَوْمَ بِالقَمِيصِ فَأُفْرِحُهُ كَما أحْزَنْتُهُ، قَوْلُهُ: ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ طَرَحَ البَشِيرُ القَمِيصَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ يُقالُ: ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أيْ رَجَعَ بَصِيرًا، ومَعْنى الِارْتِدادِ انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالَةٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أيْ صَيَّرَهُ اللَّهُ بَصِيرًا كَما يُقالُ: طالَتِ النَّخْلَةُ، واللَّهُ تَعالى أطالَها واخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ كانَ قَدْ عَمِيَ بِالكُلِّيَّةِ، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَهُ بَصِيرًا في هَذا الوَقْتِ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ قَدْ ضَعُفَ بَصَرُهُ مِن كَثْرَةِ
صفحة ١٦٧
البُكاءِ وكَثْرَةِ الأحْزانِ، فَلَمّا ألْقَوُا القَمِيصَ عَلى وجْهِهِ، وبُشِّرَ بِحَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَظُمَ فَرَحُهُ، وانْشَرَحَ صَدْرُهُ، وزالَتْ أحْزانُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَوِيَ بَصَرُهُ وزالَ النُّقْصانُ عَنْهُ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، والمُرادُ: عِلْمُهُ بِحَياةِ يُوسُفَ مِن جِهَةِ الرُّؤْيا؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى هو الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٦) رُوِيَ أنَّهُ سَألَ البَشِيرَ، وقالَ: كَيْفَ يُوسُفُ ؟ قالَ: هو مَلِكُ مِصْرَ، قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ ! عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قالَ: عَلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، ثُمَّ إنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ أخَذُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهم في الحالِ، بَلْ وعَدَهم بِأنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في سَبَبِ هَذا المَعْنى عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: والأكْثَرُونَ: أرادَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّ هَذا الوَقْتَ أوْفَقُ الأوْقاتِ لِرَجاءِ الإجابَةِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةٍ أُخْرى: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، لِأنَّها أوْفَقُ الأوْقاتِ لِلْإجابَةِ.
الثّالِثُ: أرادَ أنْ يَعْرِفَ أنَّهم هَلْ تابُوا في الحَقِيقَةِ أمْ لا، وهَلْ حَصَلَتْ تَوْبَتُهم مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ التّامِّ أمْ لا.
الرّابِعُ: اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ أنِّي أُداوِمُ عَلى هَذا الِاسْتِغْفارِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم في كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: قامَ إلى الصَّلاةِ في وقْتٍ فَلَمّا فَرَغَ رَفَعَ يَدَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: ”اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَزَعِي عَلى يُوسُفَ وقِلَّةَ صَبْرِي عَلَيْهِ، واغْفِرْ لِأوْلادِي ما فَعَلُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ“ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ولَهم أجْمَعِينَ.
ورُوِيَ أنَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِيَعْقُوبَ وقَدْ غَلَبَهُمُ الخَوْفُ والبُكاءُ: ما يُغْنِي عَنّا إنْ لَمْ يُغْفَرْ لَنا ؟ فاسْتَقْبَلَ الشَّيْخُ القِبْلَةَ قائِمًا يَدْعُو، وقامَ يُوسُفُ خَلْفَهُ يُؤَمِّنُ، وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ عِشْرِينَ سَنَةً حَتّى قَلَّ صَبْرُهم؛ فَظَنُّوا أنَّها الهَلَكَةُ؛ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ وعَقَدَ مَواثِيقَهم بَعْدَكَ عَلى النُّبُوَّةِ“ وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّتِهِمْ وهو مَشْهُورٌ.
يوسف 12:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
يُقالُ: فَصَلَ فُلانٌ مِن عِنْدِ فُلانٍ فُصُولًا إذا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ، وفَصَلَ مِنِّي إلَيْهِ كِتابًا إذا أنْفَذَ بِهِ إلَيْهِ، وفَصَلَ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وإذا كانَ لازِمًا فَمَصْدَرُهُ الفُصُولُ، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا فَمَصْدَرُهُ الفَصْلُ.
قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ مِن مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إلى كَنْعانَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن حَضَرَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ وقَرابَتِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾، ولَمْ يَكُنْ هَذا القَوْلُ مَعَ أوْلادِهِ لِأنَّهم كانُوا غائِبِينَ بِدَلِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ (يُوسُفَ: ٨٧)، واخْتَلَفُوا في قَدْرِ المَسافَةِ فَقِيلَ: مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ أيّامٍ
صفحة ١٦٦
وقِيلَ: ثَمانُونَ فَرْسَخًا.
واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ وُصُولِ تِلْكَ الرّائِحَةِ إلَيْهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَقَتِ القَمِيصَ فَفاحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا، واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، فَمِن ثَمَّ قالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ ورَوى الواحِدِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «أمّا قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ (يُوسُفَ: ٩٣) فَإنَّ نُمْرُوذَ الجَبّارَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطِنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَألْبَسَهُ القَمِيصَ، وأجْلَسَهُ عَلى الطِّنْفَسَةِ وقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، فَكَسا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ القَمِيصَ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، وكَساهُ يَعْقُوبُ يُوسُفَ، فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ، وعَلَّقَها في عُنُقِهِ فَأُلْقِيَ في الجُبِّ والقَمِيصُ في عُنُقِهِ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ والتَّحْقِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أوْصَلَ تِلْكَ الرّائِحَةَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ إظْهارِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ وُصُولَ الرّائِحَةِ إلَيْهِ مِن هَذِهِ المَسافَةِ البَعِيدَةِ أمْرٌ مُناقِضٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً ولا بُدَّ مِن كَوْنِها مُعْجِزَةً لِأحَدِهِما، والأقْرَبُ أنَّهُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخْبَرَ عَنْهُ، ونَسَبُوهُ في هَذا الكَلامِ إلى ما لا يَنْبَغِي، فَظَهَرَ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرَ، فَكانَ مُعْجِزَةً لَهُ.
قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْصَلَ إلَيْهِ رِيحَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ المِحْنَةِ ومَجِيءِ وقْتِ الرَّوْحِ والفَرَحِ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ، ومَنَعَ مِن وُصُولِ خَبَرِهِ إلَيْهِ مَعَ قُرْبِ إحْدى البَلْدَتَيْنِ مِنَ الأُخْرى في مُدَّةِ ثَمانِينَ سَنَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ سَهْلٍ فَهو في زَمانِ المِحْنَةِ صَعْبٌ، وكُلُّ صَعْبٍ فَهو في زَمانِ الإقْبالِ سَهْلٌ.
ومَعْنى (لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ): أشُمُّ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالوُجُودِ لِأنَّهُ وِجْدانٌ لَهُ بِحاسَّةِ الشَّمِّ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: أفْنَدَ الرَّجُلُ إذا حَزِنَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ، وفُنِّدَ إذا جَهِلَ ونُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ: إذا كَثُرَ كَلامُ الرَّجُلِ مِن خَرَفٍ فَهو المُفْنِدُ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ: شَيْخٌ مُفْنِدٌ ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتَ رَأْيٍ حَتّى تُفَنَّدَ في كِبَرِها، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أيْ لَوْلا أنْ تَنْسِبُونِي إلى الخَرَفِ، ولَمّا ذَكَرَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ: ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ .
وفِي الضَّلالِ هَهُنا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالضَّلالِ هَهُنا الشَّقاءَ، يَعْنِي شَقاءَ الدُّنْيا، والمَعْنى: إنَّكَ لَفي شَقائِكَ القَدِيمِ بِما تُكابِدُ مِنَ الأحْزانِ عَلىيُوسُفَ، واحْتَجَّ مُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ (القَمَرِ: ٢٤) يَعْنُونَ لَفي شَقاءِ دُنْيانا، وقالَ قَتادَةُ: لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ، أيْ لَفي حُبِّكَ القَدِيمِ لا تَنْساهُ ولا تَذْهَلُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (يُوسُفَ: ٨) ثُمَّ قالَ قَتادَةُ: قَدْ قالُوا كَلِمَةً غَلِيظَةً ولَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أنْ يَقُولُوها لِنَبِيِّ اللَّهِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّما خاطَبُوهُ بِذَلِكَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ يُوسُفَ قَدْ ماتَ، وقَدْ كانَ يَعْقُوبُ في ولُوعِهِ بِذِكْرِهِ ذاهِبًا عَنِ الرُّشْدِ والصَّوابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ في ”أنْ“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَدْ تُذْكَرُ تارَةً كَما هَهُنا، وقَدْ تُحْذَفُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ (هُودٍ: ٧٤)، والمَذْهَبانِ جَمِيعًا مَوْجُودانِ في أشْعارِ العَرَبِ.
والثّانِي: قالَ البَصْرِيُّونَ: هي مَعَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالفِعْلِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ظَهَرَ أنْ جاءَ البَشِيرُ، أيْ ظَهَرَ مَجِيءُ البَشِيرِ، فَأُضْمِرَ الرّافِعُ، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: البَشِيرُ هو يَهُودا، قالَ: أنا ذَهَبْتُ بِالقَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ وقُلْتُ إنَّ يُوسُفَ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأذْهَبُ اليَوْمَ بِالقَمِيصِ فَأُفْرِحُهُ كَما أحْزَنْتُهُ، قَوْلُهُ: ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ طَرَحَ البَشِيرُ القَمِيصَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ يُقالُ: ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أيْ رَجَعَ بَصِيرًا، ومَعْنى الِارْتِدادِ انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالَةٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أيْ صَيَّرَهُ اللَّهُ بَصِيرًا كَما يُقالُ: طالَتِ النَّخْلَةُ، واللَّهُ تَعالى أطالَها واخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ كانَ قَدْ عَمِيَ بِالكُلِّيَّةِ، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَهُ بَصِيرًا في هَذا الوَقْتِ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ قَدْ ضَعُفَ بَصَرُهُ مِن كَثْرَةِ
صفحة ١٦٧
البُكاءِ وكَثْرَةِ الأحْزانِ، فَلَمّا ألْقَوُا القَمِيصَ عَلى وجْهِهِ، وبُشِّرَ بِحَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَظُمَ فَرَحُهُ، وانْشَرَحَ صَدْرُهُ، وزالَتْ أحْزانُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَوِيَ بَصَرُهُ وزالَ النُّقْصانُ عَنْهُ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، والمُرادُ: عِلْمُهُ بِحَياةِ يُوسُفَ مِن جِهَةِ الرُّؤْيا؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى هو الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٦) رُوِيَ أنَّهُ سَألَ البَشِيرَ، وقالَ: كَيْفَ يُوسُفُ ؟ قالَ: هو مَلِكُ مِصْرَ، قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ ! عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قالَ: عَلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، ثُمَّ إنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ أخَذُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهم في الحالِ، بَلْ وعَدَهم بِأنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في سَبَبِ هَذا المَعْنى عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: والأكْثَرُونَ: أرادَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّ هَذا الوَقْتَ أوْفَقُ الأوْقاتِ لِرَجاءِ الإجابَةِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةٍ أُخْرى: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، لِأنَّها أوْفَقُ الأوْقاتِ لِلْإجابَةِ.
الثّالِثُ: أرادَ أنْ يَعْرِفَ أنَّهم هَلْ تابُوا في الحَقِيقَةِ أمْ لا، وهَلْ حَصَلَتْ تَوْبَتُهم مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ التّامِّ أمْ لا.
الرّابِعُ: اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ أنِّي أُداوِمُ عَلى هَذا الِاسْتِغْفارِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم في كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: قامَ إلى الصَّلاةِ في وقْتٍ فَلَمّا فَرَغَ رَفَعَ يَدَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: ”اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَزَعِي عَلى يُوسُفَ وقِلَّةَ صَبْرِي عَلَيْهِ، واغْفِرْ لِأوْلادِي ما فَعَلُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ“ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ولَهم أجْمَعِينَ.
ورُوِيَ أنَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِيَعْقُوبَ وقَدْ غَلَبَهُمُ الخَوْفُ والبُكاءُ: ما يُغْنِي عَنّا إنْ لَمْ يُغْفَرْ لَنا ؟ فاسْتَقْبَلَ الشَّيْخُ القِبْلَةَ قائِمًا يَدْعُو، وقامَ يُوسُفُ خَلْفَهُ يُؤَمِّنُ، وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ عِشْرِينَ سَنَةً حَتّى قَلَّ صَبْرُهم؛ فَظَنُّوا أنَّها الهَلَكَةُ؛ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ وعَقَدَ مَواثِيقَهم بَعْدَكَ عَلى النُّبُوَّةِ“ وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّتِهِمْ وهو مَشْهُورٌ.
يوسف 12:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
يُقالُ: فَصَلَ فُلانٌ مِن عِنْدِ فُلانٍ فُصُولًا إذا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ، وفَصَلَ مِنِّي إلَيْهِ كِتابًا إذا أنْفَذَ بِهِ إلَيْهِ، وفَصَلَ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وإذا كانَ لازِمًا فَمَصْدَرُهُ الفُصُولُ، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا فَمَصْدَرُهُ الفَصْلُ.
قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ مِن مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إلى كَنْعانَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن حَضَرَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ وقَرابَتِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾، ولَمْ يَكُنْ هَذا القَوْلُ مَعَ أوْلادِهِ لِأنَّهم كانُوا غائِبِينَ بِدَلِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ (يُوسُفَ: ٨٧)، واخْتَلَفُوا في قَدْرِ المَسافَةِ فَقِيلَ: مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ أيّامٍ
صفحة ١٦٦
وقِيلَ: ثَمانُونَ فَرْسَخًا.
واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ وُصُولِ تِلْكَ الرّائِحَةِ إلَيْهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَقَتِ القَمِيصَ فَفاحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا، واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، فَمِن ثَمَّ قالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ ورَوى الواحِدِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «أمّا قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ (يُوسُفَ: ٩٣) فَإنَّ نُمْرُوذَ الجَبّارَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطِنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَألْبَسَهُ القَمِيصَ، وأجْلَسَهُ عَلى الطِّنْفَسَةِ وقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، فَكَسا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ القَمِيصَ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، وكَساهُ يَعْقُوبُ يُوسُفَ، فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ، وعَلَّقَها في عُنُقِهِ فَأُلْقِيَ في الجُبِّ والقَمِيصُ في عُنُقِهِ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ والتَّحْقِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أوْصَلَ تِلْكَ الرّائِحَةَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ إظْهارِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ وُصُولَ الرّائِحَةِ إلَيْهِ مِن هَذِهِ المَسافَةِ البَعِيدَةِ أمْرٌ مُناقِضٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً ولا بُدَّ مِن كَوْنِها مُعْجِزَةً لِأحَدِهِما، والأقْرَبُ أنَّهُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخْبَرَ عَنْهُ، ونَسَبُوهُ في هَذا الكَلامِ إلى ما لا يَنْبَغِي، فَظَهَرَ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرَ، فَكانَ مُعْجِزَةً لَهُ.
قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْصَلَ إلَيْهِ رِيحَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ المِحْنَةِ ومَجِيءِ وقْتِ الرَّوْحِ والفَرَحِ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ، ومَنَعَ مِن وُصُولِ خَبَرِهِ إلَيْهِ مَعَ قُرْبِ إحْدى البَلْدَتَيْنِ مِنَ الأُخْرى في مُدَّةِ ثَمانِينَ سَنَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ سَهْلٍ فَهو في زَمانِ المِحْنَةِ صَعْبٌ، وكُلُّ صَعْبٍ فَهو في زَمانِ الإقْبالِ سَهْلٌ.
ومَعْنى (لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ): أشُمُّ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالوُجُودِ لِأنَّهُ وِجْدانٌ لَهُ بِحاسَّةِ الشَّمِّ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: أفْنَدَ الرَّجُلُ إذا حَزِنَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ، وفُنِّدَ إذا جَهِلَ ونُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ: إذا كَثُرَ كَلامُ الرَّجُلِ مِن خَرَفٍ فَهو المُفْنِدُ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ: شَيْخٌ مُفْنِدٌ ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتَ رَأْيٍ حَتّى تُفَنَّدَ في كِبَرِها، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أيْ لَوْلا أنْ تَنْسِبُونِي إلى الخَرَفِ، ولَمّا ذَكَرَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ: ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ .
وفِي الضَّلالِ هَهُنا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالضَّلالِ هَهُنا الشَّقاءَ، يَعْنِي شَقاءَ الدُّنْيا، والمَعْنى: إنَّكَ لَفي شَقائِكَ القَدِيمِ بِما تُكابِدُ مِنَ الأحْزانِ عَلىيُوسُفَ، واحْتَجَّ مُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ (القَمَرِ: ٢٤) يَعْنُونَ لَفي شَقاءِ دُنْيانا، وقالَ قَتادَةُ: لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ، أيْ لَفي حُبِّكَ القَدِيمِ لا تَنْساهُ ولا تَذْهَلُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (يُوسُفَ: ٨) ثُمَّ قالَ قَتادَةُ: قَدْ قالُوا كَلِمَةً غَلِيظَةً ولَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أنْ يَقُولُوها لِنَبِيِّ اللَّهِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّما خاطَبُوهُ بِذَلِكَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ يُوسُفَ قَدْ ماتَ، وقَدْ كانَ يَعْقُوبُ في ولُوعِهِ بِذِكْرِهِ ذاهِبًا عَنِ الرُّشْدِ والصَّوابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ في ”أنْ“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَدْ تُذْكَرُ تارَةً كَما هَهُنا، وقَدْ تُحْذَفُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ (هُودٍ: ٧٤)، والمَذْهَبانِ جَمِيعًا مَوْجُودانِ في أشْعارِ العَرَبِ.
والثّانِي: قالَ البَصْرِيُّونَ: هي مَعَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالفِعْلِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ظَهَرَ أنْ جاءَ البَشِيرُ، أيْ ظَهَرَ مَجِيءُ البَشِيرِ، فَأُضْمِرَ الرّافِعُ، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: البَشِيرُ هو يَهُودا، قالَ: أنا ذَهَبْتُ بِالقَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ وقُلْتُ إنَّ يُوسُفَ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأذْهَبُ اليَوْمَ بِالقَمِيصِ فَأُفْرِحُهُ كَما أحْزَنْتُهُ، قَوْلُهُ: ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ طَرَحَ البَشِيرُ القَمِيصَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ يُقالُ: ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أيْ رَجَعَ بَصِيرًا، ومَعْنى الِارْتِدادِ انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالَةٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أيْ صَيَّرَهُ اللَّهُ بَصِيرًا كَما يُقالُ: طالَتِ النَّخْلَةُ، واللَّهُ تَعالى أطالَها واخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ كانَ قَدْ عَمِيَ بِالكُلِّيَّةِ، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَهُ بَصِيرًا في هَذا الوَقْتِ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ قَدْ ضَعُفَ بَصَرُهُ مِن كَثْرَةِ
صفحة ١٦٧
البُكاءِ وكَثْرَةِ الأحْزانِ، فَلَمّا ألْقَوُا القَمِيصَ عَلى وجْهِهِ، وبُشِّرَ بِحَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَظُمَ فَرَحُهُ، وانْشَرَحَ صَدْرُهُ، وزالَتْ أحْزانُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَوِيَ بَصَرُهُ وزالَ النُّقْصانُ عَنْهُ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، والمُرادُ: عِلْمُهُ بِحَياةِ يُوسُفَ مِن جِهَةِ الرُّؤْيا؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى هو الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٦) رُوِيَ أنَّهُ سَألَ البَشِيرَ، وقالَ: كَيْفَ يُوسُفُ ؟ قالَ: هو مَلِكُ مِصْرَ، قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ ! عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قالَ: عَلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، ثُمَّ إنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ أخَذُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهم في الحالِ، بَلْ وعَدَهم بِأنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في سَبَبِ هَذا المَعْنى عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: والأكْثَرُونَ: أرادَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّ هَذا الوَقْتَ أوْفَقُ الأوْقاتِ لِرَجاءِ الإجابَةِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةٍ أُخْرى: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، لِأنَّها أوْفَقُ الأوْقاتِ لِلْإجابَةِ.
الثّالِثُ: أرادَ أنْ يَعْرِفَ أنَّهم هَلْ تابُوا في الحَقِيقَةِ أمْ لا، وهَلْ حَصَلَتْ تَوْبَتُهم مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ التّامِّ أمْ لا.
الرّابِعُ: اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ أنِّي أُداوِمُ عَلى هَذا الِاسْتِغْفارِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم في كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: قامَ إلى الصَّلاةِ في وقْتٍ فَلَمّا فَرَغَ رَفَعَ يَدَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: ”اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَزَعِي عَلى يُوسُفَ وقِلَّةَ صَبْرِي عَلَيْهِ، واغْفِرْ لِأوْلادِي ما فَعَلُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ“ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ولَهم أجْمَعِينَ.
ورُوِيَ أنَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِيَعْقُوبَ وقَدْ غَلَبَهُمُ الخَوْفُ والبُكاءُ: ما يُغْنِي عَنّا إنْ لَمْ يُغْفَرْ لَنا ؟ فاسْتَقْبَلَ الشَّيْخُ القِبْلَةَ قائِمًا يَدْعُو، وقامَ يُوسُفُ خَلْفَهُ يُؤَمِّنُ، وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ عِشْرِينَ سَنَةً حَتّى قَلَّ صَبْرُهم؛ فَظَنُّوا أنَّها الهَلَكَةُ؛ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ وعَقَدَ مَواثِيقَهم بَعْدَكَ عَلى النُّبُوَّةِ“ وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّتِهِمْ وهو مَشْهُورٌ.
يوسف 12:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
يُقالُ: فَصَلَ فُلانٌ مِن عِنْدِ فُلانٍ فُصُولًا إذا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ، وفَصَلَ مِنِّي إلَيْهِ كِتابًا إذا أنْفَذَ بِهِ إلَيْهِ، وفَصَلَ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وإذا كانَ لازِمًا فَمَصْدَرُهُ الفُصُولُ، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا فَمَصْدَرُهُ الفَصْلُ.
قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ مِن مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إلى كَنْعانَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن حَضَرَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ وقَرابَتِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾، ولَمْ يَكُنْ هَذا القَوْلُ مَعَ أوْلادِهِ لِأنَّهم كانُوا غائِبِينَ بِدَلِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ (يُوسُفَ: ٨٧)، واخْتَلَفُوا في قَدْرِ المَسافَةِ فَقِيلَ: مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ أيّامٍ
صفحة ١٦٦
وقِيلَ: ثَمانُونَ فَرْسَخًا.
واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ وُصُولِ تِلْكَ الرّائِحَةِ إلَيْهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَقَتِ القَمِيصَ فَفاحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا، واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، فَمِن ثَمَّ قالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ ورَوى الواحِدِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «أمّا قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ (يُوسُفَ: ٩٣) فَإنَّ نُمْرُوذَ الجَبّارَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطِنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَألْبَسَهُ القَمِيصَ، وأجْلَسَهُ عَلى الطِّنْفَسَةِ وقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، فَكَسا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ القَمِيصَ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، وكَساهُ يَعْقُوبُ يُوسُفَ، فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ، وعَلَّقَها في عُنُقِهِ فَأُلْقِيَ في الجُبِّ والقَمِيصُ في عُنُقِهِ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ والتَّحْقِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أوْصَلَ تِلْكَ الرّائِحَةَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ إظْهارِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ وُصُولَ الرّائِحَةِ إلَيْهِ مِن هَذِهِ المَسافَةِ البَعِيدَةِ أمْرٌ مُناقِضٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً ولا بُدَّ مِن كَوْنِها مُعْجِزَةً لِأحَدِهِما، والأقْرَبُ أنَّهُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخْبَرَ عَنْهُ، ونَسَبُوهُ في هَذا الكَلامِ إلى ما لا يَنْبَغِي، فَظَهَرَ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرَ، فَكانَ مُعْجِزَةً لَهُ.
قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْصَلَ إلَيْهِ رِيحَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ المِحْنَةِ ومَجِيءِ وقْتِ الرَّوْحِ والفَرَحِ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ، ومَنَعَ مِن وُصُولِ خَبَرِهِ إلَيْهِ مَعَ قُرْبِ إحْدى البَلْدَتَيْنِ مِنَ الأُخْرى في مُدَّةِ ثَمانِينَ سَنَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ سَهْلٍ فَهو في زَمانِ المِحْنَةِ صَعْبٌ، وكُلُّ صَعْبٍ فَهو في زَمانِ الإقْبالِ سَهْلٌ.
ومَعْنى (لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ): أشُمُّ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالوُجُودِ لِأنَّهُ وِجْدانٌ لَهُ بِحاسَّةِ الشَّمِّ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: أفْنَدَ الرَّجُلُ إذا حَزِنَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ، وفُنِّدَ إذا جَهِلَ ونُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ: إذا كَثُرَ كَلامُ الرَّجُلِ مِن خَرَفٍ فَهو المُفْنِدُ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ: شَيْخٌ مُفْنِدٌ ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتَ رَأْيٍ حَتّى تُفَنَّدَ في كِبَرِها، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أيْ لَوْلا أنْ تَنْسِبُونِي إلى الخَرَفِ، ولَمّا ذَكَرَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ: ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ .
وفِي الضَّلالِ هَهُنا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالضَّلالِ هَهُنا الشَّقاءَ، يَعْنِي شَقاءَ الدُّنْيا، والمَعْنى: إنَّكَ لَفي شَقائِكَ القَدِيمِ بِما تُكابِدُ مِنَ الأحْزانِ عَلىيُوسُفَ، واحْتَجَّ مُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ (القَمَرِ: ٢٤) يَعْنُونَ لَفي شَقاءِ دُنْيانا، وقالَ قَتادَةُ: لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ، أيْ لَفي حُبِّكَ القَدِيمِ لا تَنْساهُ ولا تَذْهَلُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (يُوسُفَ: ٨) ثُمَّ قالَ قَتادَةُ: قَدْ قالُوا كَلِمَةً غَلِيظَةً ولَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أنْ يَقُولُوها لِنَبِيِّ اللَّهِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّما خاطَبُوهُ بِذَلِكَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ يُوسُفَ قَدْ ماتَ، وقَدْ كانَ يَعْقُوبُ في ولُوعِهِ بِذِكْرِهِ ذاهِبًا عَنِ الرُّشْدِ والصَّوابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ في ”أنْ“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَدْ تُذْكَرُ تارَةً كَما هَهُنا، وقَدْ تُحْذَفُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ (هُودٍ: ٧٤)، والمَذْهَبانِ جَمِيعًا مَوْجُودانِ في أشْعارِ العَرَبِ.
والثّانِي: قالَ البَصْرِيُّونَ: هي مَعَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالفِعْلِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ظَهَرَ أنْ جاءَ البَشِيرُ، أيْ ظَهَرَ مَجِيءُ البَشِيرِ، فَأُضْمِرَ الرّافِعُ، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: البَشِيرُ هو يَهُودا، قالَ: أنا ذَهَبْتُ بِالقَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ وقُلْتُ إنَّ يُوسُفَ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأذْهَبُ اليَوْمَ بِالقَمِيصِ فَأُفْرِحُهُ كَما أحْزَنْتُهُ، قَوْلُهُ: ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ طَرَحَ البَشِيرُ القَمِيصَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ يُقالُ: ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أيْ رَجَعَ بَصِيرًا، ومَعْنى الِارْتِدادِ انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالَةٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أيْ صَيَّرَهُ اللَّهُ بَصِيرًا كَما يُقالُ: طالَتِ النَّخْلَةُ، واللَّهُ تَعالى أطالَها واخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ كانَ قَدْ عَمِيَ بِالكُلِّيَّةِ، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَهُ بَصِيرًا في هَذا الوَقْتِ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ قَدْ ضَعُفَ بَصَرُهُ مِن كَثْرَةِ
صفحة ١٦٧
البُكاءِ وكَثْرَةِ الأحْزانِ، فَلَمّا ألْقَوُا القَمِيصَ عَلى وجْهِهِ، وبُشِّرَ بِحَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَظُمَ فَرَحُهُ، وانْشَرَحَ صَدْرُهُ، وزالَتْ أحْزانُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَوِيَ بَصَرُهُ وزالَ النُّقْصانُ عَنْهُ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، والمُرادُ: عِلْمُهُ بِحَياةِ يُوسُفَ مِن جِهَةِ الرُّؤْيا؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى هو الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٦) رُوِيَ أنَّهُ سَألَ البَشِيرَ، وقالَ: كَيْفَ يُوسُفُ ؟ قالَ: هو مَلِكُ مِصْرَ، قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ ! عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قالَ: عَلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، ثُمَّ إنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ أخَذُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهم في الحالِ، بَلْ وعَدَهم بِأنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في سَبَبِ هَذا المَعْنى عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: والأكْثَرُونَ: أرادَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّ هَذا الوَقْتَ أوْفَقُ الأوْقاتِ لِرَجاءِ الإجابَةِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةٍ أُخْرى: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، لِأنَّها أوْفَقُ الأوْقاتِ لِلْإجابَةِ.
الثّالِثُ: أرادَ أنْ يَعْرِفَ أنَّهم هَلْ تابُوا في الحَقِيقَةِ أمْ لا، وهَلْ حَصَلَتْ تَوْبَتُهم مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ التّامِّ أمْ لا.
الرّابِعُ: اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ أنِّي أُداوِمُ عَلى هَذا الِاسْتِغْفارِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم في كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: قامَ إلى الصَّلاةِ في وقْتٍ فَلَمّا فَرَغَ رَفَعَ يَدَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: ”اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَزَعِي عَلى يُوسُفَ وقِلَّةَ صَبْرِي عَلَيْهِ، واغْفِرْ لِأوْلادِي ما فَعَلُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ“ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ولَهم أجْمَعِينَ.
ورُوِيَ أنَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِيَعْقُوبَ وقَدْ غَلَبَهُمُ الخَوْفُ والبُكاءُ: ما يُغْنِي عَنّا إنْ لَمْ يُغْفَرْ لَنا ؟ فاسْتَقْبَلَ الشَّيْخُ القِبْلَةَ قائِمًا يَدْعُو، وقامَ يُوسُفُ خَلْفَهُ يُؤَمِّنُ، وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ عِشْرِينَ سَنَةً حَتّى قَلَّ صَبْرُهم؛ فَظَنُّوا أنَّها الهَلَكَةُ؛ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ وعَقَدَ مَواثِيقَهم بَعْدَكَ عَلى النُّبُوَّةِ“ وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّتِهِمْ وهو مَشْهُورٌ.
يوسف 12:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَّهَ إلى أبِيهِ جَهازًا ومِائَتَيْ راحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ، وخَرَجَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ والمَلِكُ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ والعُظَماءِ وأهْلِ مِصْرَ بِأجْمَعِهِمْ تَلَقَّوْا يَعْقُوبَ عَلَيْهِ
صفحة ١٦٨
السَّلامُ وهو يَمْشِي يَتَوَكَّأُ عَلى يَهُودا، فَنَظَرَ إلى الخَيْلِ والنّاسِ فَقالَ: يا يَهُودا هَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ، قالَ: لا، هَذا ولَدُكَ يُوسُفُ، فَذَهَبَ يُوسُفُ يَبْدَأُ بِالسَّلامِ، فَمُنِعَ مِن ذَلِكَ، فَقالَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: السَّلامُ عَلَيْكَ، وقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ ووَلَدَهُ دَخَلُوا مِصْرَ وهُمُ اثْنانِ وسَبْعُونَ، ما بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ وخَرَجُوا مِنها مَعَ مُوسى، والمُقاتِلُونَ مِنهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وخَمْسُمِائَةٍ وبِضْعٌ وسَبْعُونَ رَجُلًا سِوى الصِّبْيانِ والشُّيُوخِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في المُرادِ بِقَوْلِهِ (أبَوَيْهِ) قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أبُوهُ وأُمُّهُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقِيلَ: إنَّ أُمَّهُ كانَتْ باقِيَةً حَيَّةً إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ قَدْ ماتَتْ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياها وأنْشَرَها مِن قَبْرِها حَتّى سَجَدَتْ لَهُ تَحْقِيقًا لِرُؤْيَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ أبُوهُ وخالَتُهُ، لِأنَّ أُمَّهُ ماتَتْ في النِّفاسِ بِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وقِيلَ: بِنْيامِينُ بِالعِبْرانِيَّةِ: ابْنُ الوَجَعِ، ولَمّا ماتَتْ أُمُّهُ تَزَوَّجَ أبُوهُ بِخالَتِهِ، فَسَمّاها اللَّهُ تَعالى بِأحَدِ الأبَوَيْنِ؛ لِأنَّ الرّابَّةَ تُدْعى أُمًّا لِقِيامِها مَقامَ الأُمِّ، أوْ لِأنَّ الخالَةَ أمٌّ كَما أنَّ العَمَّ أبٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٣٣) .
البَحْثُ الثّانِي: آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ ضَمَّهُما إلَيْهِ واعْتَنَقَهُما.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ مِصْرَ ؟
قُلْنا: كَأنَّهُ حِينَ اسْتَقْبَلَهم نَزَلَ بِهِمْ في بَيْتٍ هُناكَ أوْ خَيْمَةٍ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وضَمَّ إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ لَهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ إنَّهُ قالَ هَذا القَوْلَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ مِصْرَ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدِ اسْتَقْبَلَهم، وهَذا هو الَّذِي قَرَّرْناهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ أيْ أقِيمُوا بِها آمِنِينَ، سَمّى الإقامَةَ دُخُولًا لِاقْتِرانِ أحَدِهِما بِالآخَرِ.
البَحْثُ الثّانِي: الِاسْتِثْناءُ وهو قَوْلُ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الأمْنِ لا إلى الدُّخُولِ، والمَعْنى: ادْخُلُوا مِصْرَ آمِنِينَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (الفَتْحِ: ٢٧) وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ إلى الدُّخُولِ عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ إنَّهُ قالَ لَهم هَذا الكَلامَ قَبْلَ أنْ دَخَلُوا مِصْرَ.
البَحْثُ الثّالِثُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿آمِنِينَ﴾ يَعْنِي عَلى أنْفُسِكم وأمْوالِكم وأهْلِيكم لا تَخافُونَ أحَدًا، وكانُوا فِيما سَلَفَ يَخافُونَ مُلُوكَ مِصْرَ، وقِيلَ: آمِنِينَ مِنَ القَحْطِ والشِّدَّةِ والفاقَةِ، وقِيلَ: آمِنِينَ مِن أنْ يَضُرَّهم يُوسُفُ بِالجُرْمِ السّالِفِ.
يوسف 12:100
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: العَرْشُ السَّرِيرُ الرَّفِيعُ قالَ تَعالى: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (النَّمْلِ: ٢٣) والمُرادُ بِالعَرْشِ هَهُنا: السَّرِيرُ الَّذِي كانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ يُوسُفُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ، وذَلِكَ لِأنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أبا يُوسُفَ وحَقُّ الأُبُوَّةِ عَظِيمٌ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضى﴾
صفحة ١٦٩
﴿رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ (الإسْراءِ: ٢٣) فَقَرَنَ حَقَّ الوالِدَيْنِ بِحَقِّ نَفْسِهِ، وأيْضًا أنَّهُ كانَ شَيْخًا، والشّابُّ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْظِيمُ الشَّيْخِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ، ويُوسُفُ وإنْ كانَ نَبِيًّا إلّا أنَّ يَعْقُوبَ كانَ أعْلى حالًا مِنهُ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ جِدَّ يَعْقُوبَ واجْتِهادَهُ في تَكْثِيرِ الطّاعاتِ أكْثَرُ مِن جِدِّ يُوسُفَ، ولَمّا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الجِهاتُ الكَثِيرَةُ، فَلِهَذا يُوجِبُ أنْ يُبالِغَ يُوسُفُ في خِدْمَةِ يَعْقُوبَ، فَكَيْفَ اسْتَجازَ يُوسُفُ أنْ يَسْجُدَ لَهُ يَعْقُوبُ، هَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم خَرُّوا لَهُ أيْ: لِأجْلِ وِجْدانِهِ سَجَدا لِلَّهِ تَعالى، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ سُجُودًا لِلشُّكْرِ، فالمَسْجُودُ لَهُ هو اللَّهُ، إلّا أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ إنَّما كانَ لِأجْلِهِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّهم صَعِدُوا ذَلِكَ السَّرِيرَ، ثُمَّ سَجَدُوا لَهُ، ولَوْ أنَّهم سَجَدُوا لِيُوسُفَ لَسَجَدُوا لَهُ قَبْلَ الصُّعُودِ عَلى السَّرِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ في التَّواضُعِ.
فَإنْ قالُوا: فَهَذا التَّأْوِيلُ لا يُطابِقُ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ والمُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ (يُوسُفَ: ٤) .
قُلْنا: بَلْ هَذا مُطابِقٌ ويَكُونُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ لِأجْلِي أيْ أنَّها سَجَدَتْ لِلَّهِ لِطَلَبِ مَصْلَحَتِي ولِلسَّعْيِ في إعْلاءِ مَنصِبِي، وإذا كانَ هَذا مُحْتَمَلًا سَقَطَ السُّؤالُ.
وعِنْدِي أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ مُتَعَيَّنٌ؛ لِأنَّهُ لا يُسْتَبْعَدُ مِن عَقْلِ يُوسُفَ ودِينِهِ أنْ يَرْضى بِأنْ يَسْجُدَ لَهُ أبُوهُ مَعَ سابِقَتِهِ في حُقُوقِ الوِلادَةِ والشَّيْخُوخَةِ والعِلْمِ والدِّينِ وكَمالِ النُّبُوَّةِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنَّهم جَعَلُوا يُوسُفَ كالقِبْلَةِ وسَجَدُوا لِلَّهِ شُكْرًا لِنِعْمَةِ وِجْدانِهِ، وهَذا التَّأْوِيلُ حَسَنٌ فَإنَّهُ يُقالُ: صَلَّيْتُ لِلْكَعْبَةِ كَما يُقالُ: صَلَّيْتُ إلى الكَعْبَةِ.
قالَ حَسّانُ شِعْرًا:
ما كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ الأمْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هاشِمٍ ثُمَّ مِنها عَنْ أبِي حَسَنِ
ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم ∗∗∗ وأعْرَفَ النّاسِ بِالقُرْآنِ والسُّنَنِ
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: فُلانٌ صَلّى لِلْقِبْلَةِ، وكَذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: سَجَدَ لِلْقِبْلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أيْ جَعَلُوهُ كالقِبْلَةِ ثُمَّ سَجَدُوا لِلَّهِ شُكْرًا لِنِعْمَةِ وِجْدانِهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ قَدْ يُسَمّى التَّواضُعُ سُجُودًا كَقَوْلِهِ:
تَرىَ الأُكْمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
وكانَ المُرادُ هَهُنا التَّواضُعَ إلّا أنَّ هَذا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، والخُرُورُ إلى السَّجْدَةِ مُشْعِرٌ بِالإتْيانِ بِالسَّجْدَةِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الخُرُورَ قَدْ يُعْنى بِهِ المُرُورُ فَقَطْ، قالَ تَعالى: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ (الفُرْقانِ: ٧٣) يَعْنِي لَمْ يَمُرُّوا.
صفحة ١٧٠
الوَجْهُ الرّابِعُ: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وخَرُّوا لَهُ﴾ غَيْرُ عائِدٍ إلى الأبَوَيْنِ لا مَحالَةَ، وإلّا لَقالَ: وخَرُّوا لَهُ ساجِدِينَ، بَلِ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى إخْوَتِهِ، وإلى سائِرِ مَن كانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِأجْلِ التَّهْنِئَةِ، والتَّقْدِيرُ: ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ مُبالَغَةً في تَعْظِيمِهِما، وأمّا الإخْوَةُ وسائِرُ الدّاخِلِينَ فَخَرُّوا لَهُ ساجِدِينَ.
فَإنْ قالُوا: فَهَذا لا يُلائِمُ قَوْلَهُ: ﴿ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ .
قُلْنا: إنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلرُّؤْيا بِحَسَبِ الصُّورَةِ والصِّفَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَسُجُودُ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ تَعْبِيرٌ عَنْ تَعْظِيمِ الأكابِرِ مِنَ النّاسِ لَهُ، ولا شَكَّ أنَّ ذَهابَ يَعْقُوبَ مَعَ أوْلادِهِ مِن كَنْعانَ إلى مِصْرَ لِأجْلِهِ في نِهايَةِ التَّعْظِيمِ لَهُ، فَكَفى هَذا القَدْرُ في صِحَّةِ الرُّؤْيا، فَأمّا أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ مُساوِيًا لِأصْلِ الرُّؤْيا في الصِّفَةِ والصُّورَةِ فَلَمْ يُوجِبْهُ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ.
الوَجْهُ الخامِسُ في الجَوابِ: لَعَلَّ الفِعْلَ الدّالَّ عَلى التَّحِيَّةِ والإكْرامِ في ذَلِكَ الوَقْتِ هو السُّجُودُ، وكانَ مَقْصُودُهم مِنَ السُّجُودِ تَعْظِيمَهُ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ المُبالَغَةَ في التَّعْظِيمِ كانَتْ ألْيَقَ بِيُوسُفَ مِنها بِيَعْقُوبَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ، لَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَسْجُدَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والوَجْهُ السّادِسُ فِيهِ: أنْ يُقالَ: لَعَلَّ إخْوَتَهُ حَمَلَتْهُمُ الأنَفَةُ والِاسْتِعْلاءُ عَلى أنْ لا يَسْجُدُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ، وعَلِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَوَرانِ الفِتَنِ ولِظُهُورِ الأحْقادِ القَدِيمَةِ بَعْدَ كُمُونِها، فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ وعِظَمِ حَقِّهِ بِسَبَبِ الأُبُوَّةِ والشَّيْخُوخَةِ والتَّقَدُّمِ في الدِّينِ والنُّبُوَّةِ والعِلْمِ فَعَلَ ذَلِكَ السُّجُودَ، حَتّى تَصِيرَ مُشاهَدَتُهم لِذَلِكَ سَبَبًا لِزَوالِ الأنَفَةِ والنَّفْرَةِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ألا تَرى أنَّ السُّلْطانَ الكَبِيرَ إذا نَصَّبَ مُحْتَسِبًا فَإذا أرادَ تَرْتِيبَهُ مَكَّنَهُ في إقامَةِ الحِسْبَةِ عَلَيْهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا في أنْ لا يَبْقى في قَلْبِ أحَدٍ مُنازَعَةُ ذَلِكَ المُحْتَسِبِ في إقامَةِ الحِسْبَةِ، فَكَذا هَهُنا.
الوَجْهُ السّابِعُ: لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ يَعْقُوبَ بِتِلْكَ السَّجْدَةِ لِحِكْمَةٍ خَفِيَّةٍ لا يَعْرِفُها إلّا هو كَما أنَّهُ أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ لِحِكْمَةٍ لا يَعْرِفُها إلّا هو، ويُوسُفُ ما كانَ راضِيًا بِذَلِكَ في قَلْبِهِ إلّا أنَّهُ لَمّا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِذَلِكَ سَكَتَ.
ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ يُوسُفَ لَمّا رَأى هَذِهِ الحالَةَ: ﴿وقالَ ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّهُ لَمّا رَأى سُجُودَ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ هالَهُ ذَلِكَ واقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنهُ، وقالَ لِيَعْقُوبَ: هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ، وأقُولُ: هَذا يُقَوِّي الجَوابَ السّابِعَ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: يا أبَتِ لا يَلِيقُ بِمِثْلِكَ عَلى جَلالَتِكَ في العِلْمِ والدِّينِ والنُّبُوَّةِ أنْ تَسْجُدَ لِوَلَدِكَ، إلّا أنَّ هَذا أمْرٌ أُمِرْتَ بِهِ وتَكْلِيفٌ كُلِّفْتَ بِهِ، فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ كَما أنَّ رُؤْيا إبْراهِيمَ ذَبْحَ ولَدِهِ صارَ سَبَبًا لِوُجُوبِ ذَلِكَ الذَّبْحِ عَلَيْهِ في اليَقَظَةِ، فَكَذَلِكَ صارَتْ هَذِهِ الرُّؤْيا الَّتِي رَآها يُوسُفُ وحَكاها لِيَعْقُوبَ سَبَبًا لِوُجُوبِ ذَلِكَ السُّجُودِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَكى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى ذَلِكَ هالَهُ واقْشَعَرَّ جِلْدُهُ ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا، وأقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن تَمامِ تَشْدِيدِ اللَّهِ تَعالى عَلى يَعْقُوبَ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ كُنْتَ دائِمَ الرَّغْبَةِ في وِصالِهِ ودائِمَ الحُزْنِ بِسَبَبِ فِراقِهِ، فَإذا وجَدْتَهُ فاسْجُدْ لَهُ، فَكانَ الأمْرُ بِذَلِكَ السُّجُودِ مِن تَمامِ التَّشْدِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
صفحة ١٧١
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ المُدَّةِ بَيْنَ هَذا الوَقْتِ وبَيْنَ الرُّؤْيا، فَقِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا إنَّما صَحَّتْ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُلْقِيَ في الجُبِّ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وبَقِيَ في العُبُودِيَّةِ والسُّجُونِ ثَمانِينَ سَنَةً، ثُمَّ وصَلَ إلى أبِيهِ وأقارِبِهِ، وعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، فَكانَ عُمُرُهُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ أيْ: إلَيَّ يُقالُ: أحْسَنَ بِي وإلَيَّ.
قالَ كُثَيِّرٌ:
أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
﴿إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ إخْراجَهُ مِنَ البِئْرِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ لِإخْوَتِهِ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ ولَوْ ذَكَرَ واقِعَةَ البِئْرِ لَكانَ ذَلِكَ تَثْرِيبًا لَهم فَكانَ إهْمالُهُ جارِيًا مَجْرى الكَرَمِ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مِنَ البِئْرِ لَمْ يَصِرْ مَلِكًا بَلْ صَيَّرُوهُ عَبْدًا، أمّا لَمّا خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ صَيَّرُوهُ مَلِكًا، فَكانَ هَذا الإخْراجُ أقْرَبَ مِن أنْ يَكُونَ إنْعامًا كامِلًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا أُخْرِجَ مِنَ البِئْرِ وقَعَ في المَضارِّ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ تُهْمَةِ المَرْأةِ، فَلَمّا أُخْرِجَ مِنَ السِّجْنِ وصَلَ إلى أبِيهِ وإخْوَتِهِ وزالَتِ التُّهْمَةُ؛ فَكانَ هَذا أقْرَبَ إلى المَنفَعَةِ.
الرّابِعُ: قالَ الواحِدِيُّ: النِّعْمَةُ في إخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ أعْظَمُ؛ لِأنَّ دُخُولَهُ في السِّجْنِ كانَ بِسَبَبِ ذَنْبٍ هَمَّ بِهِ، وهَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى مَيْلِ الطَّبْعِ ورَغْبَةِ النَّفْسِ، وهَذا وإنْ كانَ في مَحَلِّ العَفْوِ في حَقِّ غَيْرِهِ إلّا أنَّهُ رُبَّما كانَ سَبَبًا لِلْمُؤاخَذَةِ في حَقِّهِ لِأنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: جاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ أيْ مِنَ البِدايَةِ، وقالَ الواحِدِيُّ: البَدْوُ بَسِيطٌ مِنَ الأرْضِ يَظْهَرُ فِيهِ الشَّخْصُ مِن بَعِيدٍ، وأصْلُهُ مِن بَدا يَبْدُو بُدُوًّا، ثُمَّ سُمِّيَ المَكانُ بِاسْمِ المَصْدَرِ فَيُقالُ: بَدْوٌ وحَضَرٌ، وكانَ يَعْقُوبُ ووَلَدُهُ بِأرْضِ كَنْعانَ أهْلَ مَواشٍ وبَرِّيَّةٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ يَعْقُوبُ قَدْ تَحَوَّلَ إلى بَدا، وسَكَنَها، ومِنها قَدِمَ عَلى يُوسُفَ، ولَهُ بِها مَسْجِدٌ تَحْتَ جَبَلِها.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: بَدا اسْمُ مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ، يُقالُ: هو بَيْنَ شَغْبٍ وبَدا، وهُما مَوْضِعانِ ذَكَرَهُما جَمِيعًا كُثَيِّرٌ فَقالَ:
وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ شَغْبًا إلى بَدا إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما
فالبَدْوُ عَلى هَذا القَوْلِ مَعْناهُ قَصْدُ هَذا المَوْضِعِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: بَدا، يُقالُ: بَدا القَوْمُ يَبْدُونَ بَدْوًا إذا أتَوْا بَدا، كَما يُقالُ: غارَ القَوْمُ غَوْرًا إذا أتَوُا الغَوْرَ، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ: وجاءَ بِكم مِن قَصْدِ بَدا، وعَلى هَذا القَوْلِ كانَ يَعْقُوبُ ووَلَدُهُ حَضَرِيِّينَ؛ لِأنَّ البَدْوَ لَمْ يُرِدْ بِهِ البادِيَةَ لَكِنْ عَنى بِهِ قَصْدَ بَدا، إلى هَهُنا كَلامٌ قالَهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ خُرُوجَ العَبْدِ مِنَ
صفحة ١٧٢
السِّجْنِ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾، ومَجِيئَهم مِنَ البَدْوِ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ فِعْلَ العَبْدِ بِعَيْنِهِ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى، وحُمِلَ هَذا عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِإقْدارِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿نَزَغَ﴾ أفْسَدَ بَيْنَنا وأغْوى، وأصْلُهُ مِن نَزَغَ الرّاكِضُ الدّابَّةَ وحَمَلَها عَلى الجَرْيِ. يُقالُ: نَزَغَهُ ونَسَغَهُ إذا نَخَسَهُ.
واعْلَمْ أنَّ الجُبّائِيَّ والكَعْبِيَّ والقاضِيَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أضافَ الإحْسانَ إلى اللَّهِ وأضافَ النَّزْغَ إلى الشَّيْطانِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا مِنَ الرَّحْمَنِ لَوَجَبَ أنْ لا يُنْسَبَ إلّا إلَيْهِ كَما في النِّعَمِ.
والجَوابُ: أنَّ إضافَتَهُ هَذا الفِعْلَ إلى الشَّيْطانِ مَجازٌ، لِأنَّ عِنْدَكُمُ الشَّيْطانَ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الكَلامِ الخَفِيِّ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (إبْراهِيمَ: ٢٢) فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَقْتَضِي إضافَةَ هَذا الفِعْلِ إلى الشَّيْطانِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وأيْضًا فَإنْ كانَ إقْدامُ المَرْءِ عَلى المَعْصِيَةِ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ، فَإقْدامُ الشَّيْطانِ عَلى المَعْصِيَةِ إنْ كانَ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ؛ فَلْيُقَلْ مِثْلُهُ في حَقِّ الإنْسانِ، فَثَبَتَ أنَّ إقْدامَ المَرْءِ عَلى الجَهْلِ والفِسْقِ لَيْسَ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ، ولَيْسَ أيْضًا بِسَبَبِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَمِيلُ طَبْعُهُ إلى اخْتِيارِ الجَهْلِ والفِسْقِ الَّذِي يُوجِبُ وُقُوعَهُ في ذَمِّ الدُّنْيا وعِقابِ الآخِرَةِ، ولَمّا كانَ وُقُوعُهُ في الكُفْرِ والفِسْقِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُوقِعٍ، وقَدْ بَطَلَ القِسْمانِ؛ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ والمَعْنى أنَّ حُصُولَ الِاجْتِماعِ بَيْنَ يُوسُفَ وبَيْنَ أبِيهِ وإخْوَتِهِ مَعَ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ وطِيبِ العَيْشِ وفَراغِ البالِ كانَ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ العُقُولِ إلّا أنَّهُ تَعالى لَطِيفٌ، فَإذا أرادَ حُصُولَ شَيْءٍ سَهَّلَ أسْبابَهُ فَحَصَلَ وإنْ كانَ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الحُصُولِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ أعْنِي أنَّ كَوْنَهُ لَطِيفًا في أفْعالِهِ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ الِاعْتِباراتِ المُمْكِنَةِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، فَيَكُونُ عالِمًا بِالوَجْهِ الَّذِي يُسَهِّلُ تَحْصِيلَ ذَلِكَ الصَّعْبِ، وحَكِيمٌ أيْ مُحْكِمٌ في فِعْلِهِ، حاكِمٌ في قَضائِهِ، حَكِيمٌ في أفْعالِهِ، مُبَرَّأٌ عَنِ العَبَثِ والباطِلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.