Lafzullah

Tafsir Al-Razi — يوسف 12:101 – الرعد 13:30

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. يوسف 12:101
  2. يوسف 12:102
  3. يوسف 12:103
  4. يوسف 12:104
  5. يوسف 12:105
  6. يوسف 12:106
  7. يوسف 12:107
  8. يوسف 12:108
  9. يوسف 12:109
  10. يوسف 12:110
  11. يوسف 12:111
  12. الرعد 13:1
  13. الرعد 13:2
  14. الرعد 13:3
  15. الرعد 13:4
  16. الرعد 13:5
  17. الرعد 13:6
  18. الرعد 13:7
  19. الرعد 13:8
  20. الرعد 13:9
  21. الرعد 13:10
  22. الرعد 13:11
  23. الرعد 13:12
  24. الرعد 13:13
  25. الرعد 13:14
  26. الرعد 13:15
  27. الرعد 13:16
  28. الرعد 13:17
  29. الرعد 13:18
  30. الرعد 13:19
  31. الرعد 13:20
  32. الرعد 13:21
  33. الرعد 13:22
  34. الرعد 13:23
  35. الرعد 13:24
  36. الرعد 13:25
  37. الرعد 13:26
  38. الرعد 13:27
  39. الرعد 13:28
  40. الرعد 13:29
  41. الرعد 13:30

يوسف 12:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِيَدِ يَعْقُوبَ وطافَ بِهِ في خَزائِنِهِ فَأدْخَلَهُ خَزائِنَ صفحة ١٧٣ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وخَزائِنَ الحُلِيِّ وخَزائِنَ الثِّيابِ وخَزائِنَ السِّلاحِ، فَلَمّا أدْخَلَهُ مَخازِنَ القَراطِيسِ قالَ: يا بُنَيَّ، ما أغْفَلَكَ ! عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ ؟ قالَ: نَهانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهُ، قالَ: سَلْهُ عَنِ السَّبَبِ، قالَ: أنْتَ أبْسَطُ إلَيْهِ؛ فَسَألَهُ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ: وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، فَهَلّا خِفْتَنِي ! ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ مَعَهُ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ولَمّا قَرُبَتْ وفاتُهُ أوْصى إلَيْهِ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ إسْحاقَ، فَمَضى بِنَفْسِهِ ودَفَنَهُ، ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ، وعاشَ بَعْدَ أبِيهِ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنّى مُلْكَ الآخِرَةِ فَتَمَنّى المَوْتَ، وقِيلَ: ما تَمَنّاهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ؛ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ طَيِّبًا طاهِرًا، فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في دَفْنِهِ، كُلُّ أحَدٍ يُحِبُّ أنْ يَدْفِنَهُ في مَحَلَّتِهِمْ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ؛ فَرَأوْا أنَّ الأصْلَحَ أنْ يَعْمَلُوا لَهُ صُنْدُوقًا مِن مَرْمَرٍ ويَجْعَلُوهُ فِيهِ، ويَدْفِنُوهُ في النِّيلِ بِمَكانٍ يَمُرُّ الماءُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِتَصِلَ بَرَكَتُهُ إلى كُلِّ أحَدٍ، ووُلِدَ لَهُ إفْرائِيمُ ومِيشا، ووُلِدَ لِإفْرائِيمَ نُونٌ، ولِنُونٍ يُوشَعُ فَتى مُوسى، ثُمَّ دُفِنَ يُوسُفُ هُناكَ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ مُوسى، فَأخْرَجَ عِظامَهُ مِن مِصْرَ، ودَفَنَها عِنْدَ قَبْرِ أبِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَن في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ و﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ إلّا بَعْضُ مُلْكِ الدُّنْيا أوْ بَعْضُ مُلْكِ مِصْرَ وبَعْضُ التَّأْوِيلِ، قالَ الأصَمُّ: إنَّما قالَ: مِنَ المُلْكِ، لِأنَّهُ كانَ ذُو مُلْكٍ فَوْقَهُ. واعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ المَوْجُوداتِ ثَلاثَةٌ: المُؤَثِّرُ الَّذِي لا يَتَأثَّرُ، وهو الإلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، والمُتَأثِّرُ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ وهو عالَمُ الأجْسامِ، فَإنَّها قابِلَةٌ لِلتَّشْكِيلِ والتَّصْوِيرِ والصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ والأعْراضِ المُتَضادَّةِ، فَلا يَكُونُ لَها تَأْثِيرٌ في شَيْءٍ أصْلًا، وهَذانِ القِسْمانِ مُتَباعِدانِ جِدًّا، ويَتَوَسَّطُهُما قِسْمٌ ثالِثٌ، وهو الَّذِي يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ، وهو عالَمُ الأرْواحِ، فَخاصِّيَّةُ جَوْهَرِ الأرْواحِ أنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ والتَّصَرُّفَ عَنْ عالَمِ نُورِ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها إذا أقْبَلَتْ عَلى عالَمِ الأجْسامِ تَصَرَّفَتْ فِيهِ وأثَّرَتْ فِيهِ، فَتَعَلَّقَ الرُّوحُ بِعالَمِ الأجْسامِ بِالتَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ فِيهِ، وتَعَلُّقُهُ بِعالَمِ الإلَهِيّاتِ بِالعِلْمِ والمَعْرِفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِ النَّفْسِ بِعالَمِ الأجْسامِ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِها بِحَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِدَرَجاتِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ في الكَمالِ والنُّقْصانِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ والجَلاءِ والخَفاءِ، امْتُنِعَ أنْ يَحْصُلَ مِنهُما لِلْإنْسانِ إلّا مِقْدارٌ مُتَناهٍ، فَكانَ الحاصِلُ في الحَقِيقَةِ بَعْضًا مِن أبْعاضِ المُلْكِ، وبَعْضًا مِن أبْعاضِ العِلْمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ فِيهِ كَلِمَةَ ”مِن“ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الفاطِرِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما كُنْتُ أدْرِي مَعْنى الفاطِرِ حَتّى احْتَكَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، وأنا ابْتَدَأْتُ حَفْرَها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ الفَطْرِ في اللُّغَةِ الشَّقُّ، يُقالُ: فَطَرَ نابُ البَعِيرِ إذا بَدا وفَطَرْتُ الشَّيْءَ فانْفَطَرَ، أيْ شَقَقْتُهُ فانْشَقَّ، وتَفَطَّرَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ والشَّجَرُ بِالوَرَقِ إذا تَصَدَّعَتْ، هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ صارَ عِبارَةً عَنِ الإيجادِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ حالَ عَدَمِهِ كَأنَّهُ في ظُلْمَةٍ وخَفاءٍ، فَلَمّا دَخَلَ في الوُجُودِ صارَ كَأنَّهُ انْشَقَّ عَنِ العَدَمِ، وخَرَجَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنهُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَكْوِينِ الشَّيْءِ عَنِ العَدَمِ المَحْضِ بِدَلِيلِ الِاشْتِقاقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، إلّا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ﴾ صفحة ١٧٤ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما خَلَقَها مِنَ الدُّخانِ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ (فُصِّلَتْ: ١١) فَدَلَّ عَلى أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ أنَّهُ أحْدَثَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ (الرُّومِ: ٣٠) مَعَ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ النّاسَ مِنَ التُّرابِ. قالَ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ (طه: ٥٥) . وثالِثُها: أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ حُصُولِ مادَّتِهِ وصُورَتِهِ مِثْلُ الكُوزِ، فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ مَوْجُودًا إذا صارَتِ المادَّةُ المَخْصُوصَةُ مَوْصُوفَةً بِالصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ، فَعِنْدَ عَدَمِ الصُّورَةِ ما كانَ ذَلِكَ المَجْمُوعُ مَوْجُودًا، وبِإيجادِ تِلْكَ الصُّورَةِ صارَ مُوجِدًا لِذَلِكَ الكُوزِ، فَعَلِمْنا أنَّ كَوْنَهُ مُوجِدًا لِلْكَوْنِ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُوجِدًا لِمادَّةِ الكُوزِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى مُوجِدًا لِلْأجْزاءِ الَّتِي مِنها تَرَكَّبَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، وإنَّما صارَ إلَيْنا كَوْنُهُ مُوجِدًا لَها بِحَسَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لا بِحَسَبِ لَفْظِ القُرْآنِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُوهِمُ أنَّ تَخْلِيقَ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ عَلى تَخْلِيقِ الأرْضِ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الواوُ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ثُمَّ العَقْلُ يُؤَكِّدُهُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ تَعَيُّنَ المُحِيطِ يُوجِبُ تَعَيُّنَ المَرْكَزِ، وتَعَيُّنُهُ فَإنَّهُ لا يُوجِبُ تَعَيُّنَ المُحِيطِ، لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ بِالمَرْكَزِ الواحِدِ مُحِيطاتٌ لا نِهايَةَ لَها، أمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُحِيطِ الواحِدِ إلّا مَرْكَزٌ واحِدٌ بِعَيْنِهِ. وأيْضًا اللَّفْظُ يُفِيدُ أنَّ السَّماءَ كَثِيرَةٌ والأرْضَ واحِدَةٌ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ (الأنْعامِ: ١) . البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ﴾ وهو نِداءٌ مُضافٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى نِداءٍ ثانٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ والمَعْنى: أنْتَ الَّذِي تَتَوَلّى إصْلاحَ جَمِيعِ مُهِمّاتِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ فَوَصَلَ المُلْكَ الفانِيَ بِالمُلْكِ الباقِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والطّاعَةَ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ العَبْدِ لَكانَ المُتَوَلِّي لِمَصالِحِهِ هو هو، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكى عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَلِهَذا المَعْنى مَن أرادَ الدُّعاءَ فَلا بُدَّ وأنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ذِكْرَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، فَهَهُنا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ أنْ يَذْكُرَ الدُّعاءَ قَدَّمَ عَلَيْهِ الثَّناءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الدُّعاءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ونَظِيرُهُ ما فَعَلَهُ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٧٨)، مِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ (الشُّعَراءِ: ٨٣) ثَناءٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ إلى آخِرِ الكَلامِ دُعاءٌ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ هَلْ هو طَلَبٌ مِنهُ لِلْوَفاةِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَتادَةُ: سَألَ رَبَّهُ اللُّحُوقَ بِهِ ولَمْ يَتَمَنَّ نَبِيٌّ قَطُّ المَوْتَ قَبْلَهُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ صفحة ١٧٥ اللَّهُ عَنْهُما: في رِوايَةِ عَطاءٍ يُرِيدُ: إذا تَوَفَّيْتَنِي فَتَوَفَّنِي عَلى دِينِ الإسْلامِ، فَهَذا طَلَبٌ لِأنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وفاتَهُ عَلى الإسْلامِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الوَفاةَ. واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِلْأمْرَيْنِ، ولا يَبْعُدُ في الرَّجُلِ العاقِلِ إذا كَمُلَ عَقْلُهُ أنْ يَتَمَنّى المَوْتَ ويُعَظِّمَ رَغْبَتَهُ فِيهِ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنها: أنَّ كَمالَ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ عَلى ما بَيَّنّاهُ في أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالإلَهِيّاتِ، وفي أنْ يَكُونَ مَلِكًا ومالِكًا مُتَصَرِّفًا في الجِسْمانِيّاتِ، وذَكَرْنا أنَّ مَراتِبَ التَّفاوُتِ في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والكَمالُ المُطْلَقُ فِيهِما لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وكُلُّ ما دُونَ ذَلِكَ فَهو ناقِصٌ، والنّاقِصُ إذا حَصَلَ لَهُ شُعُورٌ بِنُقْصانِهِ وذاقَ لَذَّةَ الكَمالِ المُطْلَقِ؛ بَقِيَ في القَلَقِ وألَمِ الطَّلَبِ، وإذا كانَ الكَمالُ المُطْلَقُ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وما كانَ حُصُولُهُ لِلْإنْسانِ مُمْتَنِعًا لَزِمَ أنْ يَبْقى الإنْسانُ أبَدًا في قَلَقِ الطَّلَبِ وألَمِ التَّعَبِ، فَإذا عَرَفَ الإنْسانُ هَذِهِ الحالَةَ عَرَفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى دَفْعِ هَذا التَّعَبِ عَنِ النَّفْسِ إلّا بِالمَوْتِ، فَحِينَئِذٍ يَتَمَنّى المَوْتَ. والسَّبَبُ الثّانِي: لِتَمَنِّي المَوْتِ أنَّ الخُطَباءَ والبُلَغاءَ وإنْ أطْنَبُوا في مَذَمَّةِ الدُّنْيا إلّا أنَّ حاصِلَ كَلامِهِمْ يَرْجِعُ إلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ السَّعاداتِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ، مُشْرِفَةٌ عَلى الفَناءِ، والألَمُ الحاصِلُ عِنْدَ زَوالِها أشَدُّ مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ وِجْدانِها. وثانِيها: أنَّها غَيْرُ خالِصَةٍ بَلْ هي مَمْزُوجَةٌ بِالمُنَغِّصاتِ والمُكَدِّراتِ. وثالِثُها: أنَّ الأراذِلَ مِنَ الخَلْقِ يُشارِكُونَ الأفاضِلَ فِيها، بَلْ رُبَّما كانَ حِصَّةُ الأراذِلِ أعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِن حِصَّةِ الأفاضِلِ، فَهَذِهِ الجِهاتُ الثَّلاثَةُ مُنَفِّرَةٌ عَنْ هَذِهِ اللَّذّاتِ، ولَمّا عَرَفَ العاقِلُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَحْصِيلِ هَذِهِ اللَّذّاتِ إلّا مَعَ هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثَةِ المُنَفِّرَةِ، لا جَرَمَ يَتَمَنّى المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنْ هَذِهِ الآفاتِ. والسَّبَبُ الثّالِثُ: وهو الأقْوى عِنْدَ المُحَقِّقِينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةَ لا حَقِيقَةَ لَها، وإنَّما حاصِلُها دَفْعُ الآلامِ، فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ، ولَذَّةُ الوِقاعِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الدَّغْدَغَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن حُصُولِ المَنِيِّ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ. ولَذَّةُ الإمارَةِ والرِّياسَةِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ شَهْوَةِ الِانْتِقامِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، وإذا كانَ حاصِلُ هَذِهِ اللَّذّاتِ لَيْسَ إلّا دَفْعَ الألَمِ لا جَرَمَ صارَتْ عِنْدَ العُقَلاءِ حَقِيرَةً خَسِيسَةً نازِلَةً ناقِصَةً، وحِينَئِذٍ يَتَمَنّى الإنْسانُ المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى هَذِهِ الأحْوالِ الخَسِيسَةِ. والسَّبَبُ الرّابِعُ: أنَّ مَداخِلَ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَلِيلَةٌ، وهي ثَلاثَةُ أنْواعٍ: لَذَّةُ الأكْلِ، ولَذَّةُ الوِقاعِ، ولَذَّةُ الرِّياسَةِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها عُيُوبٌ كَثِيرَةٌ. أمّا لَذَّةُ الأكْلِ فَفِيها عُيُوبٌ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ لَيْسَتْ قَوِيَّةً، فَإنَّ الشُّعُورَ بِألَمِ القُولَنْجِ الشَّدِيدِ -والعِياذُ بِاللَّهِ مِنهُ- أشَدُّ مِنَ الشُّعُورِ بِاللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ أكْلِ الطَّعامِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ اللَّذَّةَ لا يُمْكِنُ بَقاؤُها، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أكَلَ شَبِعَ، وإذا شَبِعَ لَمْ يَبْقَ شَوْقُهُ لِلِالتِذاذِ بِالأكْلِ، فَهَذِهِ اللَّذَّةُ ضَعِيفَةٌ، ومَعَ ضَعْفِها غَيْرُ باقِيَةٍ. وثالِثُها: أنَّها في نَفْسِها خَسِيسَةٌ، فَإنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْطِيبِ ذَلِكَ الطَّعامِ بِالبُزاقِ المُجْتَمِعِ في الفَمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَيْءٌ مُنَفِّرٌ مُسْتَقْذَرٌ، ثَمَّ لَمّا يَصِلُ إلى المَعِدَةِ تَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِحالَةُ إلى الفَسادِ والنَّتْنِ والعُفُونَةِ، وذَلِكَ أيْضًا مُنَفِّرٌ. ورابِعُها: أنَّ جَمِيعَ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةِ مُشارِكَةٌ فِيها، فَإنَّ الرَّوْثَ في مَذاقِ الجُعْلِ كاللَّوْزِينَجِ في مَذاقِ الإنْسانِ، وكَما أنَّ الإنْسانَ يَكْرَهُ تَناوُلَ غِذاءِ الجُعْلِ، فَكَذَلِكَ الجُعْلُ يَكْرَهُ تَناوُلَ غِذاءِ الإنْسانِ، وأمّا اللَّذَّةُ فَمُشْتَرَكَةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ. وخامِسُها: أنَّ الأكْلَ إنَّما يَطِيبُ عِنْدَ اشْتِدادِ الجُوعِ، وتِلْكَ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ، والحاجَةُ نَقْصٌ وافِرٌ. وسادِسُها: أنَّ الأكْلَ يُسْتَحْقَرُ عِنْدَ العُقَلاءِ، قِيلَ: مَن كانَتْ هِمَّتُهُ ما صفحة ١٧٦ يَدْخُلُ في بَطْنِهِ فَقِيمَتُهُ ما يَخْرُجُ مِن بَطْنِهِ، فَهَذا هو الإشارَةُ المُخْتَصَرَةُ في مَعايِبِ الأكْلِ. وأمّا لَذَّةُ النِّكاحِ، فَكُلُّ ما ذَكَرْناهُ في الأكْلِ حاصِلٌ هَهُنا مَعَ أشْياءَ أُخْرى، وهي أنَّ النِّكاحَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الوَلَدِ، وحِينَئِذٍ تَكْثُرُ الأشْخاصُ، فَتَكْثُرُ الحاجَةُ إلى المالِ، فَيَحْتاجُ الإنْسانُ بِسَبَبِها إلى الِاحْتِيالِ في طَلَبِ المالِ بِطُرُقٍ لا نِهايَةَ لَها، ورُبَّما صارَ هالِكًا بِسَبَبِ طَلَبِ المالِ، وأمّا لَذَّةُ الرِّياسَةِ فَعُيُوبُها كَثِيرَةٌ، والَّذِي نَذْكُرُهُ هَهُنا بِسَبَبٍ واحِدٍ، وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَكْرَهُ بِالطَّبْعِ أنْ يَكُونَ خادِمًا مَأْمُورًا، ويُحِبُّ أنْ يَكُونَ مَخْدُومًا آمِرًا، فَإذا سَعى الإنْسانُ في أنْ يَصِيرَ رَئِيسًا آمِرًا كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى مُخالَفَةِ كُلِّ ما سِواهُ، فَكَأنَّهُ يُنازِعُ كُلَّ الخَلْقِ في ذَلِكَ، وهو يُحاوِلُ تَحْصِيلَ تِلْكَ الرِّياسَةِ، وجَمِيعُ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ يُحاوِلُونَ إبْطالَهُ ودَفْعَهُ، ولا شَكَّ أنَّ كَثْرَةَ الأسْبابِ تُوجِبُ قُوَّةَ حُصُولِ الأثَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ حُصُولُ هَذِهِ الرِّياسَةِ كالمُتَعَذَّرِ، ولَوْ حَصَلَ فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى شَرَفِ الزَّوالِ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ بِكُلِّ سَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وكانَ صاحِبُها عِنْدَ حُصُولِها في الخَوْفِ الشَّدِيدِ مِنَ الزَّوالِ، وعِنْدَ زَوالِها في الأسَفِ العَظِيمِ والحُزْنِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّوالِ. واعْلَمْ أنَّ العاقِلَ إذا تَأمَّلَ هَذِهِ المَعانِيَ عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا صَلاحَ لَهُ في طَلَبِ هَذِهِ اللَّذّاتِ والسَّعْيِ في هَذِهِ الخَيْراتِ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ خُلِقَتْ مَجْبُولَةً عَلى طَلَبِها، والعِشْقِ الشَّدِيدِ عَلَيْها، والرَّغْبَةِ التّامَّةِ في الوُصُولِ إلَيْها، وحِينَئِذٍ يَنْعَقِدُ هَهُنا قَيافٍ، وهو أنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ فَإنَّهُ يَكُونُ طالِبًا لِهَذِهِ اللَّذّاتِ، وما دامَ يَطْلُبُها كانَ في عَيْنِ الآفاتِ وفي لُجَّةِ الحَسَراتِ، وهَذا اللّازِمُ مَكْرُوهٌ فالمَلْزُومُ أيْضًا مَكْرُوهٌ، فَحِينَئِذٍ يَتَمَنّى زَوالَ هَذِهِ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ، والسَّبَبُ في الأُمُورِ المُرَغِّبَةِ في المَوْتِ أنَّ مُوجِباتِ هَذِهِ اللَّذَّةِ الجِسْمانِيَّةِ مُتَكَرِّرَةٌ، ولا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها، والتَّكْرِيرُ يُوجِبُ المَلالَةَ، أمّا سَعاداتُ الآخِرَةِ فَهي أنْواعٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. قالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ أنارَ اللَّهُ بُرْهانَهُ: أنا صاحِبُ هَذِهِ الحالَةِ والمُتَوَغِّلُ فِيها، ولَوْ فَتَحْتُ البابَ وبالَغْتُ في عُيُوبِ هَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ فَرُبَّما كَتَبْتُ المُجَلَّداتِ، وما وصَلْتُ إلى القَلِيلِ مِنها، فَلِهَذا السَّبَبِ صِرْتُ مُواظِبًا في أكْثَرِ الأوْقاتِ عَلى ذِكْرِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا في بَيانِ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾، وتَقْرِيرُهُ أنَّ تَحْصِيلَ الإسْلامِ، وإبْقاءَهُ إذا كانَ مِنَ العَبْدِ كانَ طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ فاسِدًا، وتَقْرِيرُهُ كَأنَّهُ يَقُولُ: افْعَلْ يا مَن لا يَفْعَلُ، والمُعْتَزِلَةُ أبَدًا يُشَنِّعُونَ عَلَيْنا ويَقُولُونَ: إذا كانَ الفِعْلُ مِنَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْعَبْدِ: افْعَلْ؛ مَعَ أنَّكَ لَسْتَ فاعِلًا ؟ فَنَحْنُ نَقُولُ هَهُنا أيْضًا: إذا كانَ تَحْصِيلُ الإيمانِ وإبْقاؤُهُ مِنَ العَبْدِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَطْلُبُ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ ؟ قالَ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ: مَعْناهُ: اطْلُبِ اللُّطْفَ لِي في الإقامَةِ عَلى الإسْلامِ إلى أنْ أمُوتَ عَلَيْهِ. فَهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ السُّؤالَ وقَعَ عَلى الإسْلامِ، فَحَمْلُهُ عَلى اللُّطْفِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا كُلُّ ما في المَقْدُورِ مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ، فَكانَ طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ مُحالًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَعْلَمُونَ أنَّهم يَمُوتُونَ لا مَحالَةَ عَلى الإسْلامِ، فَكانَ هَذا الدُّعاءُ حاصِلُهُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ. صفحة ١٧٧ والجَوابُ: أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّ كَمالَ حالِ المُسْلِمِ أنْ يَسْتَسْلِمَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهٍ يَسْتَقِرُّ قَلْبُهُ عَلى ذَلِكَ الإسْلامِ ويَرْضى بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، ويَكُونُ مُطْمَئِنَّ النَّفْسِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ مُنْفَسِحَ القَلْبِ في هَذا البابِ، وهَذِهِ الحالَةُ زائِدَةٌ عَلى الإسْلامِ الَّذِي هو ضِدُّ الكُفْرِ، فالمَطْلُوبُ هَهُنا هو الإسْلامُ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والصَّلاحُ أوَّلُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ، فالواصِلُ إلى الغايَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَطْلُبَ البِدايَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي بِآبائِهِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، والمَعْنى: ألْحِقْنِي بِهِمْ في ثَوابِهِمْ ومَراتِبِهِمْ ودَرَجاتِهِمْ، وهَهُنا مَقامٌ آخَرُ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى لِسانِ أصْحابِ المُكاشَفاتِ، وهو أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إذا أشْرَقَتْ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ واللَّوامِعِ القُدْسِيَّةِ، فَإذا كانَتْ مُتَناسِبَةً مُتَشاكِلَةً انْعَكَسَ النُّورُ الَّذِي في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى بِسَبَبِ تِلْكَ المُلازَمَةِ والمُجانَسَةِ، فَتَعْظُمُ تِلْكَ الأنْوارُ وتَقْوى تِلْكَ الأضْواءُ، ومِثالُ تِلْكَ الأحْوالِ المِرْآةُ الصَّقِيلَةُ الصّافِيَةُ إذا وُضِعَتْ وضْعًا مَتى أشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَيْها انْعَكَسَ الضَّوْءُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى، فَهُناكَ يَقْوى الضَّوْءُ ويَكْمُلُ النُّورُ، ويَنْتَهِي في الإشْراقِ والبَرِيقِ واللَّمَعانِ إلى حَدٍّ لا تُطِيقُهُ العُيُونُ والأبْصارُ الضَّعِيفَةُ، فَكَذا هَهُنا.

يوسف 12:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِيَدِ يَعْقُوبَ وطافَ بِهِ في خَزائِنِهِ فَأدْخَلَهُ خَزائِنَ صفحة ١٧٣ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وخَزائِنَ الحُلِيِّ وخَزائِنَ الثِّيابِ وخَزائِنَ السِّلاحِ، فَلَمّا أدْخَلَهُ مَخازِنَ القَراطِيسِ قالَ: يا بُنَيَّ، ما أغْفَلَكَ ! عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ ؟ قالَ: نَهانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهُ، قالَ: سَلْهُ عَنِ السَّبَبِ، قالَ: أنْتَ أبْسَطُ إلَيْهِ؛ فَسَألَهُ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ: وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، فَهَلّا خِفْتَنِي ! ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ مَعَهُ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ولَمّا قَرُبَتْ وفاتُهُ أوْصى إلَيْهِ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ إسْحاقَ، فَمَضى بِنَفْسِهِ ودَفَنَهُ، ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ، وعاشَ بَعْدَ أبِيهِ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنّى مُلْكَ الآخِرَةِ فَتَمَنّى المَوْتَ، وقِيلَ: ما تَمَنّاهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ؛ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ طَيِّبًا طاهِرًا، فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في دَفْنِهِ، كُلُّ أحَدٍ يُحِبُّ أنْ يَدْفِنَهُ في مَحَلَّتِهِمْ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ؛ فَرَأوْا أنَّ الأصْلَحَ أنْ يَعْمَلُوا لَهُ صُنْدُوقًا مِن مَرْمَرٍ ويَجْعَلُوهُ فِيهِ، ويَدْفِنُوهُ في النِّيلِ بِمَكانٍ يَمُرُّ الماءُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِتَصِلَ بَرَكَتُهُ إلى كُلِّ أحَدٍ، ووُلِدَ لَهُ إفْرائِيمُ ومِيشا، ووُلِدَ لِإفْرائِيمَ نُونٌ، ولِنُونٍ يُوشَعُ فَتى مُوسى، ثُمَّ دُفِنَ يُوسُفُ هُناكَ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ مُوسى، فَأخْرَجَ عِظامَهُ مِن مِصْرَ، ودَفَنَها عِنْدَ قَبْرِ أبِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَن في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ و﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ إلّا بَعْضُ مُلْكِ الدُّنْيا أوْ بَعْضُ مُلْكِ مِصْرَ وبَعْضُ التَّأْوِيلِ، قالَ الأصَمُّ: إنَّما قالَ: مِنَ المُلْكِ، لِأنَّهُ كانَ ذُو مُلْكٍ فَوْقَهُ. واعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ المَوْجُوداتِ ثَلاثَةٌ: المُؤَثِّرُ الَّذِي لا يَتَأثَّرُ، وهو الإلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، والمُتَأثِّرُ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ وهو عالَمُ الأجْسامِ، فَإنَّها قابِلَةٌ لِلتَّشْكِيلِ والتَّصْوِيرِ والصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ والأعْراضِ المُتَضادَّةِ، فَلا يَكُونُ لَها تَأْثِيرٌ في شَيْءٍ أصْلًا، وهَذانِ القِسْمانِ مُتَباعِدانِ جِدًّا، ويَتَوَسَّطُهُما قِسْمٌ ثالِثٌ، وهو الَّذِي يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ، وهو عالَمُ الأرْواحِ، فَخاصِّيَّةُ جَوْهَرِ الأرْواحِ أنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ والتَّصَرُّفَ عَنْ عالَمِ نُورِ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها إذا أقْبَلَتْ عَلى عالَمِ الأجْسامِ تَصَرَّفَتْ فِيهِ وأثَّرَتْ فِيهِ، فَتَعَلَّقَ الرُّوحُ بِعالَمِ الأجْسامِ بِالتَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ فِيهِ، وتَعَلُّقُهُ بِعالَمِ الإلَهِيّاتِ بِالعِلْمِ والمَعْرِفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِ النَّفْسِ بِعالَمِ الأجْسامِ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِها بِحَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِدَرَجاتِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ في الكَمالِ والنُّقْصانِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ والجَلاءِ والخَفاءِ، امْتُنِعَ أنْ يَحْصُلَ مِنهُما لِلْإنْسانِ إلّا مِقْدارٌ مُتَناهٍ، فَكانَ الحاصِلُ في الحَقِيقَةِ بَعْضًا مِن أبْعاضِ المُلْكِ، وبَعْضًا مِن أبْعاضِ العِلْمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ فِيهِ كَلِمَةَ ”مِن“ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الفاطِرِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما كُنْتُ أدْرِي مَعْنى الفاطِرِ حَتّى احْتَكَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، وأنا ابْتَدَأْتُ حَفْرَها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ الفَطْرِ في اللُّغَةِ الشَّقُّ، يُقالُ: فَطَرَ نابُ البَعِيرِ إذا بَدا وفَطَرْتُ الشَّيْءَ فانْفَطَرَ، أيْ شَقَقْتُهُ فانْشَقَّ، وتَفَطَّرَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ والشَّجَرُ بِالوَرَقِ إذا تَصَدَّعَتْ، هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ صارَ عِبارَةً عَنِ الإيجادِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ حالَ عَدَمِهِ كَأنَّهُ في ظُلْمَةٍ وخَفاءٍ، فَلَمّا دَخَلَ في الوُجُودِ صارَ كَأنَّهُ انْشَقَّ عَنِ العَدَمِ، وخَرَجَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنهُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَكْوِينِ الشَّيْءِ عَنِ العَدَمِ المَحْضِ بِدَلِيلِ الِاشْتِقاقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، إلّا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ﴾ صفحة ١٧٤ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما خَلَقَها مِنَ الدُّخانِ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ (فُصِّلَتْ: ١١) فَدَلَّ عَلى أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ أنَّهُ أحْدَثَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ (الرُّومِ: ٣٠) مَعَ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ النّاسَ مِنَ التُّرابِ. قالَ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ (طه: ٥٥) . وثالِثُها: أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ حُصُولِ مادَّتِهِ وصُورَتِهِ مِثْلُ الكُوزِ، فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ مَوْجُودًا إذا صارَتِ المادَّةُ المَخْصُوصَةُ مَوْصُوفَةً بِالصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ، فَعِنْدَ عَدَمِ الصُّورَةِ ما كانَ ذَلِكَ المَجْمُوعُ مَوْجُودًا، وبِإيجادِ تِلْكَ الصُّورَةِ صارَ مُوجِدًا لِذَلِكَ الكُوزِ، فَعَلِمْنا أنَّ كَوْنَهُ مُوجِدًا لِلْكَوْنِ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُوجِدًا لِمادَّةِ الكُوزِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى مُوجِدًا لِلْأجْزاءِ الَّتِي مِنها تَرَكَّبَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، وإنَّما صارَ إلَيْنا كَوْنُهُ مُوجِدًا لَها بِحَسَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لا بِحَسَبِ لَفْظِ القُرْآنِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُوهِمُ أنَّ تَخْلِيقَ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ عَلى تَخْلِيقِ الأرْضِ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الواوُ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ثُمَّ العَقْلُ يُؤَكِّدُهُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ تَعَيُّنَ المُحِيطِ يُوجِبُ تَعَيُّنَ المَرْكَزِ، وتَعَيُّنُهُ فَإنَّهُ لا يُوجِبُ تَعَيُّنَ المُحِيطِ، لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ بِالمَرْكَزِ الواحِدِ مُحِيطاتٌ لا نِهايَةَ لَها، أمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُحِيطِ الواحِدِ إلّا مَرْكَزٌ واحِدٌ بِعَيْنِهِ. وأيْضًا اللَّفْظُ يُفِيدُ أنَّ السَّماءَ كَثِيرَةٌ والأرْضَ واحِدَةٌ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ (الأنْعامِ: ١) . البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ﴾ وهو نِداءٌ مُضافٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى نِداءٍ ثانٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ والمَعْنى: أنْتَ الَّذِي تَتَوَلّى إصْلاحَ جَمِيعِ مُهِمّاتِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ فَوَصَلَ المُلْكَ الفانِيَ بِالمُلْكِ الباقِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والطّاعَةَ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ العَبْدِ لَكانَ المُتَوَلِّي لِمَصالِحِهِ هو هو، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكى عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَلِهَذا المَعْنى مَن أرادَ الدُّعاءَ فَلا بُدَّ وأنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ذِكْرَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، فَهَهُنا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ أنْ يَذْكُرَ الدُّعاءَ قَدَّمَ عَلَيْهِ الثَّناءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الدُّعاءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ونَظِيرُهُ ما فَعَلَهُ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٧٨)، مِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ (الشُّعَراءِ: ٨٣) ثَناءٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ إلى آخِرِ الكَلامِ دُعاءٌ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ هَلْ هو طَلَبٌ مِنهُ لِلْوَفاةِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَتادَةُ: سَألَ رَبَّهُ اللُّحُوقَ بِهِ ولَمْ يَتَمَنَّ نَبِيٌّ قَطُّ المَوْتَ قَبْلَهُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ صفحة ١٧٥ اللَّهُ عَنْهُما: في رِوايَةِ عَطاءٍ يُرِيدُ: إذا تَوَفَّيْتَنِي فَتَوَفَّنِي عَلى دِينِ الإسْلامِ، فَهَذا طَلَبٌ لِأنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وفاتَهُ عَلى الإسْلامِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الوَفاةَ. واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِلْأمْرَيْنِ، ولا يَبْعُدُ في الرَّجُلِ العاقِلِ إذا كَمُلَ عَقْلُهُ أنْ يَتَمَنّى المَوْتَ ويُعَظِّمَ رَغْبَتَهُ فِيهِ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنها: أنَّ كَمالَ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ عَلى ما بَيَّنّاهُ في أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالإلَهِيّاتِ، وفي أنْ يَكُونَ مَلِكًا ومالِكًا مُتَصَرِّفًا في الجِسْمانِيّاتِ، وذَكَرْنا أنَّ مَراتِبَ التَّفاوُتِ في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والكَمالُ المُطْلَقُ فِيهِما لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وكُلُّ ما دُونَ ذَلِكَ فَهو ناقِصٌ، والنّاقِصُ إذا حَصَلَ لَهُ شُعُورٌ بِنُقْصانِهِ وذاقَ لَذَّةَ الكَمالِ المُطْلَقِ؛ بَقِيَ في القَلَقِ وألَمِ الطَّلَبِ، وإذا كانَ الكَمالُ المُطْلَقُ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وما كانَ حُصُولُهُ لِلْإنْسانِ مُمْتَنِعًا لَزِمَ أنْ يَبْقى الإنْسانُ أبَدًا في قَلَقِ الطَّلَبِ وألَمِ التَّعَبِ، فَإذا عَرَفَ الإنْسانُ هَذِهِ الحالَةَ عَرَفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى دَفْعِ هَذا التَّعَبِ عَنِ النَّفْسِ إلّا بِالمَوْتِ، فَحِينَئِذٍ يَتَمَنّى المَوْتَ. والسَّبَبُ الثّانِي: لِتَمَنِّي المَوْتِ أنَّ الخُطَباءَ والبُلَغاءَ وإنْ أطْنَبُوا في مَذَمَّةِ الدُّنْيا إلّا أنَّ حاصِلَ كَلامِهِمْ يَرْجِعُ إلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ السَّعاداتِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ، مُشْرِفَةٌ عَلى الفَناءِ، والألَمُ الحاصِلُ عِنْدَ زَوالِها أشَدُّ مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ وِجْدانِها. وثانِيها: أنَّها غَيْرُ خالِصَةٍ بَلْ هي مَمْزُوجَةٌ بِالمُنَغِّصاتِ والمُكَدِّراتِ. وثالِثُها: أنَّ الأراذِلَ مِنَ الخَلْقِ يُشارِكُونَ الأفاضِلَ فِيها، بَلْ رُبَّما كانَ حِصَّةُ الأراذِلِ أعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِن حِصَّةِ الأفاضِلِ، فَهَذِهِ الجِهاتُ الثَّلاثَةُ مُنَفِّرَةٌ عَنْ هَذِهِ اللَّذّاتِ، ولَمّا عَرَفَ العاقِلُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَحْصِيلِ هَذِهِ اللَّذّاتِ إلّا مَعَ هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثَةِ المُنَفِّرَةِ، لا جَرَمَ يَتَمَنّى المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنْ هَذِهِ الآفاتِ. والسَّبَبُ الثّالِثُ: وهو الأقْوى عِنْدَ المُحَقِّقِينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةَ لا حَقِيقَةَ لَها، وإنَّما حاصِلُها دَفْعُ الآلامِ، فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ، ولَذَّةُ الوِقاعِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الدَّغْدَغَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن حُصُولِ المَنِيِّ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ. ولَذَّةُ الإمارَةِ والرِّياسَةِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ شَهْوَةِ الِانْتِقامِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، وإذا كانَ حاصِلُ هَذِهِ اللَّذّاتِ لَيْسَ إلّا دَفْعَ الألَمِ لا جَرَمَ صارَتْ عِنْدَ العُقَلاءِ حَقِيرَةً خَسِيسَةً نازِلَةً ناقِصَةً، وحِينَئِذٍ يَتَمَنّى الإنْسانُ المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى هَذِهِ الأحْوالِ الخَسِيسَةِ. والسَّبَبُ الرّابِعُ: أنَّ مَداخِلَ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَلِيلَةٌ، وهي ثَلاثَةُ أنْواعٍ: لَذَّةُ الأكْلِ، ولَذَّةُ الوِقاعِ، ولَذَّةُ الرِّياسَةِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها عُيُوبٌ كَثِيرَةٌ. أمّا لَذَّةُ الأكْلِ فَفِيها عُيُوبٌ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ لَيْسَتْ قَوِيَّةً، فَإنَّ الشُّعُورَ بِألَمِ القُولَنْجِ الشَّدِيدِ -والعِياذُ بِاللَّهِ مِنهُ- أشَدُّ مِنَ الشُّعُورِ بِاللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ أكْلِ الطَّعامِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ اللَّذَّةَ لا يُمْكِنُ بَقاؤُها، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أكَلَ شَبِعَ، وإذا شَبِعَ لَمْ يَبْقَ شَوْقُهُ لِلِالتِذاذِ بِالأكْلِ، فَهَذِهِ اللَّذَّةُ ضَعِيفَةٌ، ومَعَ ضَعْفِها غَيْرُ باقِيَةٍ. وثالِثُها: أنَّها في نَفْسِها خَسِيسَةٌ، فَإنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْطِيبِ ذَلِكَ الطَّعامِ بِالبُزاقِ المُجْتَمِعِ في الفَمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَيْءٌ مُنَفِّرٌ مُسْتَقْذَرٌ، ثَمَّ لَمّا يَصِلُ إلى المَعِدَةِ تَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِحالَةُ إلى الفَسادِ والنَّتْنِ والعُفُونَةِ، وذَلِكَ أيْضًا مُنَفِّرٌ. ورابِعُها: أنَّ جَمِيعَ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةِ مُشارِكَةٌ فِيها، فَإنَّ الرَّوْثَ في مَذاقِ الجُعْلِ كاللَّوْزِينَجِ في مَذاقِ الإنْسانِ، وكَما أنَّ الإنْسانَ يَكْرَهُ تَناوُلَ غِذاءِ الجُعْلِ، فَكَذَلِكَ الجُعْلُ يَكْرَهُ تَناوُلَ غِذاءِ الإنْسانِ، وأمّا اللَّذَّةُ فَمُشْتَرَكَةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ. وخامِسُها: أنَّ الأكْلَ إنَّما يَطِيبُ عِنْدَ اشْتِدادِ الجُوعِ، وتِلْكَ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ، والحاجَةُ نَقْصٌ وافِرٌ. وسادِسُها: أنَّ الأكْلَ يُسْتَحْقَرُ عِنْدَ العُقَلاءِ، قِيلَ: مَن كانَتْ هِمَّتُهُ ما صفحة ١٧٦ يَدْخُلُ في بَطْنِهِ فَقِيمَتُهُ ما يَخْرُجُ مِن بَطْنِهِ، فَهَذا هو الإشارَةُ المُخْتَصَرَةُ في مَعايِبِ الأكْلِ. وأمّا لَذَّةُ النِّكاحِ، فَكُلُّ ما ذَكَرْناهُ في الأكْلِ حاصِلٌ هَهُنا مَعَ أشْياءَ أُخْرى، وهي أنَّ النِّكاحَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الوَلَدِ، وحِينَئِذٍ تَكْثُرُ الأشْخاصُ، فَتَكْثُرُ الحاجَةُ إلى المالِ، فَيَحْتاجُ الإنْسانُ بِسَبَبِها إلى الِاحْتِيالِ في طَلَبِ المالِ بِطُرُقٍ لا نِهايَةَ لَها، ورُبَّما صارَ هالِكًا بِسَبَبِ طَلَبِ المالِ، وأمّا لَذَّةُ الرِّياسَةِ فَعُيُوبُها كَثِيرَةٌ، والَّذِي نَذْكُرُهُ هَهُنا بِسَبَبٍ واحِدٍ، وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَكْرَهُ بِالطَّبْعِ أنْ يَكُونَ خادِمًا مَأْمُورًا، ويُحِبُّ أنْ يَكُونَ مَخْدُومًا آمِرًا، فَإذا سَعى الإنْسانُ في أنْ يَصِيرَ رَئِيسًا آمِرًا كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى مُخالَفَةِ كُلِّ ما سِواهُ، فَكَأنَّهُ يُنازِعُ كُلَّ الخَلْقِ في ذَلِكَ، وهو يُحاوِلُ تَحْصِيلَ تِلْكَ الرِّياسَةِ، وجَمِيعُ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ يُحاوِلُونَ إبْطالَهُ ودَفْعَهُ، ولا شَكَّ أنَّ كَثْرَةَ الأسْبابِ تُوجِبُ قُوَّةَ حُصُولِ الأثَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ حُصُولُ هَذِهِ الرِّياسَةِ كالمُتَعَذَّرِ، ولَوْ حَصَلَ فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى شَرَفِ الزَّوالِ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ بِكُلِّ سَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وكانَ صاحِبُها عِنْدَ حُصُولِها في الخَوْفِ الشَّدِيدِ مِنَ الزَّوالِ، وعِنْدَ زَوالِها في الأسَفِ العَظِيمِ والحُزْنِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّوالِ. واعْلَمْ أنَّ العاقِلَ إذا تَأمَّلَ هَذِهِ المَعانِيَ عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا صَلاحَ لَهُ في طَلَبِ هَذِهِ اللَّذّاتِ والسَّعْيِ في هَذِهِ الخَيْراتِ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ خُلِقَتْ مَجْبُولَةً عَلى طَلَبِها، والعِشْقِ الشَّدِيدِ عَلَيْها، والرَّغْبَةِ التّامَّةِ في الوُصُولِ إلَيْها، وحِينَئِذٍ يَنْعَقِدُ هَهُنا قَيافٍ، وهو أنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ فَإنَّهُ يَكُونُ طالِبًا لِهَذِهِ اللَّذّاتِ، وما دامَ يَطْلُبُها كانَ في عَيْنِ الآفاتِ وفي لُجَّةِ الحَسَراتِ، وهَذا اللّازِمُ مَكْرُوهٌ فالمَلْزُومُ أيْضًا مَكْرُوهٌ، فَحِينَئِذٍ يَتَمَنّى زَوالَ هَذِهِ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ، والسَّبَبُ في الأُمُورِ المُرَغِّبَةِ في المَوْتِ أنَّ مُوجِباتِ هَذِهِ اللَّذَّةِ الجِسْمانِيَّةِ مُتَكَرِّرَةٌ، ولا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها، والتَّكْرِيرُ يُوجِبُ المَلالَةَ، أمّا سَعاداتُ الآخِرَةِ فَهي أنْواعٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. قالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ أنارَ اللَّهُ بُرْهانَهُ: أنا صاحِبُ هَذِهِ الحالَةِ والمُتَوَغِّلُ فِيها، ولَوْ فَتَحْتُ البابَ وبالَغْتُ في عُيُوبِ هَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ فَرُبَّما كَتَبْتُ المُجَلَّداتِ، وما وصَلْتُ إلى القَلِيلِ مِنها، فَلِهَذا السَّبَبِ صِرْتُ مُواظِبًا في أكْثَرِ الأوْقاتِ عَلى ذِكْرِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا في بَيانِ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾، وتَقْرِيرُهُ أنَّ تَحْصِيلَ الإسْلامِ، وإبْقاءَهُ إذا كانَ مِنَ العَبْدِ كانَ طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ فاسِدًا، وتَقْرِيرُهُ كَأنَّهُ يَقُولُ: افْعَلْ يا مَن لا يَفْعَلُ، والمُعْتَزِلَةُ أبَدًا يُشَنِّعُونَ عَلَيْنا ويَقُولُونَ: إذا كانَ الفِعْلُ مِنَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْعَبْدِ: افْعَلْ؛ مَعَ أنَّكَ لَسْتَ فاعِلًا ؟ فَنَحْنُ نَقُولُ هَهُنا أيْضًا: إذا كانَ تَحْصِيلُ الإيمانِ وإبْقاؤُهُ مِنَ العَبْدِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَطْلُبُ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ ؟ قالَ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ: مَعْناهُ: اطْلُبِ اللُّطْفَ لِي في الإقامَةِ عَلى الإسْلامِ إلى أنْ أمُوتَ عَلَيْهِ. فَهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ السُّؤالَ وقَعَ عَلى الإسْلامِ، فَحَمْلُهُ عَلى اللُّطْفِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا كُلُّ ما في المَقْدُورِ مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ، فَكانَ طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ مُحالًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَعْلَمُونَ أنَّهم يَمُوتُونَ لا مَحالَةَ عَلى الإسْلامِ، فَكانَ هَذا الدُّعاءُ حاصِلُهُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ. صفحة ١٧٧ والجَوابُ: أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّ كَمالَ حالِ المُسْلِمِ أنْ يَسْتَسْلِمَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهٍ يَسْتَقِرُّ قَلْبُهُ عَلى ذَلِكَ الإسْلامِ ويَرْضى بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، ويَكُونُ مُطْمَئِنَّ النَّفْسِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ مُنْفَسِحَ القَلْبِ في هَذا البابِ، وهَذِهِ الحالَةُ زائِدَةٌ عَلى الإسْلامِ الَّذِي هو ضِدُّ الكُفْرِ، فالمَطْلُوبُ هَهُنا هو الإسْلامُ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والصَّلاحُ أوَّلُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ، فالواصِلُ إلى الغايَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَطْلُبَ البِدايَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي بِآبائِهِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، والمَعْنى: ألْحِقْنِي بِهِمْ في ثَوابِهِمْ ومَراتِبِهِمْ ودَرَجاتِهِمْ، وهَهُنا مَقامٌ آخَرُ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى لِسانِ أصْحابِ المُكاشَفاتِ، وهو أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إذا أشْرَقَتْ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ واللَّوامِعِ القُدْسِيَّةِ، فَإذا كانَتْ مُتَناسِبَةً مُتَشاكِلَةً انْعَكَسَ النُّورُ الَّذِي في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى بِسَبَبِ تِلْكَ المُلازَمَةِ والمُجانَسَةِ، فَتَعْظُمُ تِلْكَ الأنْوارُ وتَقْوى تِلْكَ الأضْواءُ، ومِثالُ تِلْكَ الأحْوالِ المِرْآةُ الصَّقِيلَةُ الصّافِيَةُ إذا وُضِعَتْ وضْعًا مَتى أشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَيْها انْعَكَسَ الضَّوْءُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى، فَهُناكَ يَقْوى الضَّوْءُ ويَكْمُلُ النُّورُ، ويَنْتَهِي في الإشْراقِ والبَرِيقِ واللَّمَعانِ إلى حَدٍّ لا تُطِيقُهُ العُيُونُ والأبْصارُ الضَّعِيفَةُ، فَكَذا هَهُنا.

يوسف 12:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِيَدِ يَعْقُوبَ وطافَ بِهِ في خَزائِنِهِ فَأدْخَلَهُ خَزائِنَ صفحة ١٧٣ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وخَزائِنَ الحُلِيِّ وخَزائِنَ الثِّيابِ وخَزائِنَ السِّلاحِ، فَلَمّا أدْخَلَهُ مَخازِنَ القَراطِيسِ قالَ: يا بُنَيَّ، ما أغْفَلَكَ ! عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ ؟ قالَ: نَهانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهُ، قالَ: سَلْهُ عَنِ السَّبَبِ، قالَ: أنْتَ أبْسَطُ إلَيْهِ؛ فَسَألَهُ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ: وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، فَهَلّا خِفْتَنِي ! ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ مَعَهُ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ولَمّا قَرُبَتْ وفاتُهُ أوْصى إلَيْهِ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ إسْحاقَ، فَمَضى بِنَفْسِهِ ودَفَنَهُ، ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ، وعاشَ بَعْدَ أبِيهِ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنّى مُلْكَ الآخِرَةِ فَتَمَنّى المَوْتَ، وقِيلَ: ما تَمَنّاهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ؛ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ طَيِّبًا طاهِرًا، فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في دَفْنِهِ، كُلُّ أحَدٍ يُحِبُّ أنْ يَدْفِنَهُ في مَحَلَّتِهِمْ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ؛ فَرَأوْا أنَّ الأصْلَحَ أنْ يَعْمَلُوا لَهُ صُنْدُوقًا مِن مَرْمَرٍ ويَجْعَلُوهُ فِيهِ، ويَدْفِنُوهُ في النِّيلِ بِمَكانٍ يَمُرُّ الماءُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِتَصِلَ بَرَكَتُهُ إلى كُلِّ أحَدٍ، ووُلِدَ لَهُ إفْرائِيمُ ومِيشا، ووُلِدَ لِإفْرائِيمَ نُونٌ، ولِنُونٍ يُوشَعُ فَتى مُوسى، ثُمَّ دُفِنَ يُوسُفُ هُناكَ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ مُوسى، فَأخْرَجَ عِظامَهُ مِن مِصْرَ، ودَفَنَها عِنْدَ قَبْرِ أبِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَن في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ و﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ إلّا بَعْضُ مُلْكِ الدُّنْيا أوْ بَعْضُ مُلْكِ مِصْرَ وبَعْضُ التَّأْوِيلِ، قالَ الأصَمُّ: إنَّما قالَ: مِنَ المُلْكِ، لِأنَّهُ كانَ ذُو مُلْكٍ فَوْقَهُ. واعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ المَوْجُوداتِ ثَلاثَةٌ: المُؤَثِّرُ الَّذِي لا يَتَأثَّرُ، وهو الإلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، والمُتَأثِّرُ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ وهو عالَمُ الأجْسامِ، فَإنَّها قابِلَةٌ لِلتَّشْكِيلِ والتَّصْوِيرِ والصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ والأعْراضِ المُتَضادَّةِ، فَلا يَكُونُ لَها تَأْثِيرٌ في شَيْءٍ أصْلًا، وهَذانِ القِسْمانِ مُتَباعِدانِ جِدًّا، ويَتَوَسَّطُهُما قِسْمٌ ثالِثٌ، وهو الَّذِي يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ، وهو عالَمُ الأرْواحِ، فَخاصِّيَّةُ جَوْهَرِ الأرْواحِ أنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ والتَّصَرُّفَ عَنْ عالَمِ نُورِ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها إذا أقْبَلَتْ عَلى عالَمِ الأجْسامِ تَصَرَّفَتْ فِيهِ وأثَّرَتْ فِيهِ، فَتَعَلَّقَ الرُّوحُ بِعالَمِ الأجْسامِ بِالتَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ فِيهِ، وتَعَلُّقُهُ بِعالَمِ الإلَهِيّاتِ بِالعِلْمِ والمَعْرِفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِ النَّفْسِ بِعالَمِ الأجْسامِ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِها بِحَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِدَرَجاتِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ في الكَمالِ والنُّقْصانِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ والجَلاءِ والخَفاءِ، امْتُنِعَ أنْ يَحْصُلَ مِنهُما لِلْإنْسانِ إلّا مِقْدارٌ مُتَناهٍ، فَكانَ الحاصِلُ في الحَقِيقَةِ بَعْضًا مِن أبْعاضِ المُلْكِ، وبَعْضًا مِن أبْعاضِ العِلْمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ فِيهِ كَلِمَةَ ”مِن“ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الفاطِرِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما كُنْتُ أدْرِي مَعْنى الفاطِرِ حَتّى احْتَكَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، وأنا ابْتَدَأْتُ حَفْرَها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ الفَطْرِ في اللُّغَةِ الشَّقُّ، يُقالُ: فَطَرَ نابُ البَعِيرِ إذا بَدا وفَطَرْتُ الشَّيْءَ فانْفَطَرَ، أيْ شَقَقْتُهُ فانْشَقَّ، وتَفَطَّرَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ والشَّجَرُ بِالوَرَقِ إذا تَصَدَّعَتْ، هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ صارَ عِبارَةً عَنِ الإيجادِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ حالَ عَدَمِهِ كَأنَّهُ في ظُلْمَةٍ وخَفاءٍ، فَلَمّا دَخَلَ في الوُجُودِ صارَ كَأنَّهُ انْشَقَّ عَنِ العَدَمِ، وخَرَجَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنهُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَكْوِينِ الشَّيْءِ عَنِ العَدَمِ المَحْضِ بِدَلِيلِ الِاشْتِقاقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، إلّا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ﴾ صفحة ١٧٤ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما خَلَقَها مِنَ الدُّخانِ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ (فُصِّلَتْ: ١١) فَدَلَّ عَلى أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ أنَّهُ أحْدَثَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ (الرُّومِ: ٣٠) مَعَ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ النّاسَ مِنَ التُّرابِ. قالَ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ (طه: ٥٥) . وثالِثُها: أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ حُصُولِ مادَّتِهِ وصُورَتِهِ مِثْلُ الكُوزِ، فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ مَوْجُودًا إذا صارَتِ المادَّةُ المَخْصُوصَةُ مَوْصُوفَةً بِالصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ، فَعِنْدَ عَدَمِ الصُّورَةِ ما كانَ ذَلِكَ المَجْمُوعُ مَوْجُودًا، وبِإيجادِ تِلْكَ الصُّورَةِ صارَ مُوجِدًا لِذَلِكَ الكُوزِ، فَعَلِمْنا أنَّ كَوْنَهُ مُوجِدًا لِلْكَوْنِ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُوجِدًا لِمادَّةِ الكُوزِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى مُوجِدًا لِلْأجْزاءِ الَّتِي مِنها تَرَكَّبَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، وإنَّما صارَ إلَيْنا كَوْنُهُ مُوجِدًا لَها بِحَسَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لا بِحَسَبِ لَفْظِ القُرْآنِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُوهِمُ أنَّ تَخْلِيقَ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ عَلى تَخْلِيقِ الأرْضِ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الواوُ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ثُمَّ العَقْلُ يُؤَكِّدُهُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ تَعَيُّنَ المُحِيطِ يُوجِبُ تَعَيُّنَ المَرْكَزِ، وتَعَيُّنُهُ فَإنَّهُ لا يُوجِبُ تَعَيُّنَ المُحِيطِ، لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ بِالمَرْكَزِ الواحِدِ مُحِيطاتٌ لا نِهايَةَ لَها، أمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُحِيطِ الواحِدِ إلّا مَرْكَزٌ واحِدٌ بِعَيْنِهِ. وأيْضًا اللَّفْظُ يُفِيدُ أنَّ السَّماءَ كَثِيرَةٌ والأرْضَ واحِدَةٌ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ (الأنْعامِ: ١) . البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ﴾ وهو نِداءٌ مُضافٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى نِداءٍ ثانٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ والمَعْنى: أنْتَ الَّذِي تَتَوَلّى إصْلاحَ جَمِيعِ مُهِمّاتِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ فَوَصَلَ المُلْكَ الفانِيَ بِالمُلْكِ الباقِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والطّاعَةَ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ العَبْدِ لَكانَ المُتَوَلِّي لِمَصالِحِهِ هو هو، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكى عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَلِهَذا المَعْنى مَن أرادَ الدُّعاءَ فَلا بُدَّ وأنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ذِكْرَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، فَهَهُنا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ أنْ يَذْكُرَ الدُّعاءَ قَدَّمَ عَلَيْهِ الثَّناءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الدُّعاءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ونَظِيرُهُ ما فَعَلَهُ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٧٨)، مِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ (الشُّعَراءِ: ٨٣) ثَناءٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ إلى آخِرِ الكَلامِ دُعاءٌ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ هَلْ هو طَلَبٌ مِنهُ لِلْوَفاةِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَتادَةُ: سَألَ رَبَّهُ اللُّحُوقَ بِهِ ولَمْ يَتَمَنَّ نَبِيٌّ قَطُّ المَوْتَ قَبْلَهُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ صفحة ١٧٥ اللَّهُ عَنْهُما: في رِوايَةِ عَطاءٍ يُرِيدُ: إذا تَوَفَّيْتَنِي فَتَوَفَّنِي عَلى دِينِ الإسْلامِ، فَهَذا طَلَبٌ لِأنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وفاتَهُ عَلى الإسْلامِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الوَفاةَ. واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِلْأمْرَيْنِ، ولا يَبْعُدُ في الرَّجُلِ العاقِلِ إذا كَمُلَ عَقْلُهُ أنْ يَتَمَنّى المَوْتَ ويُعَظِّمَ رَغْبَتَهُ فِيهِ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنها: أنَّ كَمالَ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ عَلى ما بَيَّنّاهُ في أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالإلَهِيّاتِ، وفي أنْ يَكُونَ مَلِكًا ومالِكًا مُتَصَرِّفًا في الجِسْمانِيّاتِ، وذَكَرْنا أنَّ مَراتِبَ التَّفاوُتِ في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والكَمالُ المُطْلَقُ فِيهِما لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وكُلُّ ما دُونَ ذَلِكَ فَهو ناقِصٌ، والنّاقِصُ إذا حَصَلَ لَهُ شُعُورٌ بِنُقْصانِهِ وذاقَ لَذَّةَ الكَمالِ المُطْلَقِ؛ بَقِيَ في القَلَقِ وألَمِ الطَّلَبِ، وإذا كانَ الكَمالُ المُطْلَقُ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وما كانَ حُصُولُهُ لِلْإنْسانِ مُمْتَنِعًا لَزِمَ أنْ يَبْقى الإنْسانُ أبَدًا في قَلَقِ الطَّلَبِ وألَمِ التَّعَبِ، فَإذا عَرَفَ الإنْسانُ هَذِهِ الحالَةَ عَرَفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى دَفْعِ هَذا التَّعَبِ عَنِ النَّفْسِ إلّا بِالمَوْتِ، فَحِينَئِذٍ يَتَمَنّى المَوْتَ. والسَّبَبُ الثّانِي: لِتَمَنِّي المَوْتِ أنَّ الخُطَباءَ والبُلَغاءَ وإنْ أطْنَبُوا في مَذَمَّةِ الدُّنْيا إلّا أنَّ حاصِلَ كَلامِهِمْ يَرْجِعُ إلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ السَّعاداتِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ، مُشْرِفَةٌ عَلى الفَناءِ، والألَمُ الحاصِلُ عِنْدَ زَوالِها أشَدُّ مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ وِجْدانِها. وثانِيها: أنَّها غَيْرُ خالِصَةٍ بَلْ هي مَمْزُوجَةٌ بِالمُنَغِّصاتِ والمُكَدِّراتِ. وثالِثُها: أنَّ الأراذِلَ مِنَ الخَلْقِ يُشارِكُونَ الأفاضِلَ فِيها، بَلْ رُبَّما كانَ حِصَّةُ الأراذِلِ أعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِن حِصَّةِ الأفاضِلِ، فَهَذِهِ الجِهاتُ الثَّلاثَةُ مُنَفِّرَةٌ عَنْ هَذِهِ اللَّذّاتِ، ولَمّا عَرَفَ العاقِلُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَحْصِيلِ هَذِهِ اللَّذّاتِ إلّا مَعَ هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثَةِ المُنَفِّرَةِ، لا جَرَمَ يَتَمَنّى المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنْ هَذِهِ الآفاتِ. والسَّبَبُ الثّالِثُ: وهو الأقْوى عِنْدَ المُحَقِّقِينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةَ لا حَقِيقَةَ لَها، وإنَّما حاصِلُها دَفْعُ الآلامِ، فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ، ولَذَّةُ الوِقاعِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الدَّغْدَغَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن حُصُولِ المَنِيِّ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ. ولَذَّةُ الإمارَةِ والرِّياسَةِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ شَهْوَةِ الِانْتِقامِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، وإذا كانَ حاصِلُ هَذِهِ اللَّذّاتِ لَيْسَ إلّا دَفْعَ الألَمِ لا جَرَمَ صارَتْ عِنْدَ العُقَلاءِ حَقِيرَةً خَسِيسَةً نازِلَةً ناقِصَةً، وحِينَئِذٍ يَتَمَنّى الإنْسانُ المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى هَذِهِ الأحْوالِ الخَسِيسَةِ. والسَّبَبُ الرّابِعُ: أنَّ مَداخِلَ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَلِيلَةٌ، وهي ثَلاثَةُ أنْواعٍ: لَذَّةُ الأكْلِ، ولَذَّةُ الوِقاعِ، ولَذَّةُ الرِّياسَةِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها عُيُوبٌ كَثِيرَةٌ. أمّا لَذَّةُ الأكْلِ فَفِيها عُيُوبٌ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ لَيْسَتْ قَوِيَّةً، فَإنَّ الشُّعُورَ بِألَمِ القُولَنْجِ الشَّدِيدِ -والعِياذُ بِاللَّهِ مِنهُ- أشَدُّ مِنَ الشُّعُورِ بِاللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ أكْلِ الطَّعامِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ اللَّذَّةَ لا يُمْكِنُ بَقاؤُها، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أكَلَ شَبِعَ، وإذا شَبِعَ لَمْ يَبْقَ شَوْقُهُ لِلِالتِذاذِ بِالأكْلِ، فَهَذِهِ اللَّذَّةُ ضَعِيفَةٌ، ومَعَ ضَعْفِها غَيْرُ باقِيَةٍ. وثالِثُها: أنَّها في نَفْسِها خَسِيسَةٌ، فَإنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْطِيبِ ذَلِكَ الطَّعامِ بِالبُزاقِ المُجْتَمِعِ في الفَمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَيْءٌ مُنَفِّرٌ مُسْتَقْذَرٌ، ثَمَّ لَمّا يَصِلُ إلى المَعِدَةِ تَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِحالَةُ إلى الفَسادِ والنَّتْنِ والعُفُونَةِ، وذَلِكَ أيْضًا مُنَفِّرٌ. ورابِعُها: أنَّ جَمِيعَ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةِ مُشارِكَةٌ فِيها، فَإنَّ الرَّوْثَ في مَذاقِ الجُعْلِ كاللَّوْزِينَجِ في مَذاقِ الإنْسانِ، وكَما أنَّ الإنْسانَ يَكْرَهُ تَناوُلَ غِذاءِ الجُعْلِ، فَكَذَلِكَ الجُعْلُ يَكْرَهُ تَناوُلَ غِذاءِ الإنْسانِ، وأمّا اللَّذَّةُ فَمُشْتَرَكَةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ. وخامِسُها: أنَّ الأكْلَ إنَّما يَطِيبُ عِنْدَ اشْتِدادِ الجُوعِ، وتِلْكَ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ، والحاجَةُ نَقْصٌ وافِرٌ. وسادِسُها: أنَّ الأكْلَ يُسْتَحْقَرُ عِنْدَ العُقَلاءِ، قِيلَ: مَن كانَتْ هِمَّتُهُ ما صفحة ١٧٦ يَدْخُلُ في بَطْنِهِ فَقِيمَتُهُ ما يَخْرُجُ مِن بَطْنِهِ، فَهَذا هو الإشارَةُ المُخْتَصَرَةُ في مَعايِبِ الأكْلِ. وأمّا لَذَّةُ النِّكاحِ، فَكُلُّ ما ذَكَرْناهُ في الأكْلِ حاصِلٌ هَهُنا مَعَ أشْياءَ أُخْرى، وهي أنَّ النِّكاحَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الوَلَدِ، وحِينَئِذٍ تَكْثُرُ الأشْخاصُ، فَتَكْثُرُ الحاجَةُ إلى المالِ، فَيَحْتاجُ الإنْسانُ بِسَبَبِها إلى الِاحْتِيالِ في طَلَبِ المالِ بِطُرُقٍ لا نِهايَةَ لَها، ورُبَّما صارَ هالِكًا بِسَبَبِ طَلَبِ المالِ، وأمّا لَذَّةُ الرِّياسَةِ فَعُيُوبُها كَثِيرَةٌ، والَّذِي نَذْكُرُهُ هَهُنا بِسَبَبٍ واحِدٍ، وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَكْرَهُ بِالطَّبْعِ أنْ يَكُونَ خادِمًا مَأْمُورًا، ويُحِبُّ أنْ يَكُونَ مَخْدُومًا آمِرًا، فَإذا سَعى الإنْسانُ في أنْ يَصِيرَ رَئِيسًا آمِرًا كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى مُخالَفَةِ كُلِّ ما سِواهُ، فَكَأنَّهُ يُنازِعُ كُلَّ الخَلْقِ في ذَلِكَ، وهو يُحاوِلُ تَحْصِيلَ تِلْكَ الرِّياسَةِ، وجَمِيعُ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ يُحاوِلُونَ إبْطالَهُ ودَفْعَهُ، ولا شَكَّ أنَّ كَثْرَةَ الأسْبابِ تُوجِبُ قُوَّةَ حُصُولِ الأثَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ حُصُولُ هَذِهِ الرِّياسَةِ كالمُتَعَذَّرِ، ولَوْ حَصَلَ فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى شَرَفِ الزَّوالِ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ بِكُلِّ سَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وكانَ صاحِبُها عِنْدَ حُصُولِها في الخَوْفِ الشَّدِيدِ مِنَ الزَّوالِ، وعِنْدَ زَوالِها في الأسَفِ العَظِيمِ والحُزْنِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّوالِ. واعْلَمْ أنَّ العاقِلَ إذا تَأمَّلَ هَذِهِ المَعانِيَ عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا صَلاحَ لَهُ في طَلَبِ هَذِهِ اللَّذّاتِ والسَّعْيِ في هَذِهِ الخَيْراتِ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ خُلِقَتْ مَجْبُولَةً عَلى طَلَبِها، والعِشْقِ الشَّدِيدِ عَلَيْها، والرَّغْبَةِ التّامَّةِ في الوُصُولِ إلَيْها، وحِينَئِذٍ يَنْعَقِدُ هَهُنا قَيافٍ، وهو أنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ فَإنَّهُ يَكُونُ طالِبًا لِهَذِهِ اللَّذّاتِ، وما دامَ يَطْلُبُها كانَ في عَيْنِ الآفاتِ وفي لُجَّةِ الحَسَراتِ، وهَذا اللّازِمُ مَكْرُوهٌ فالمَلْزُومُ أيْضًا مَكْرُوهٌ، فَحِينَئِذٍ يَتَمَنّى زَوالَ هَذِهِ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ، والسَّبَبُ في الأُمُورِ المُرَغِّبَةِ في المَوْتِ أنَّ مُوجِباتِ هَذِهِ اللَّذَّةِ الجِسْمانِيَّةِ مُتَكَرِّرَةٌ، ولا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها، والتَّكْرِيرُ يُوجِبُ المَلالَةَ، أمّا سَعاداتُ الآخِرَةِ فَهي أنْواعٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. قالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ أنارَ اللَّهُ بُرْهانَهُ: أنا صاحِبُ هَذِهِ الحالَةِ والمُتَوَغِّلُ فِيها، ولَوْ فَتَحْتُ البابَ وبالَغْتُ في عُيُوبِ هَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ فَرُبَّما كَتَبْتُ المُجَلَّداتِ، وما وصَلْتُ إلى القَلِيلِ مِنها، فَلِهَذا السَّبَبِ صِرْتُ مُواظِبًا في أكْثَرِ الأوْقاتِ عَلى ذِكْرِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا في بَيانِ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾، وتَقْرِيرُهُ أنَّ تَحْصِيلَ الإسْلامِ، وإبْقاءَهُ إذا كانَ مِنَ العَبْدِ كانَ طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ فاسِدًا، وتَقْرِيرُهُ كَأنَّهُ يَقُولُ: افْعَلْ يا مَن لا يَفْعَلُ، والمُعْتَزِلَةُ أبَدًا يُشَنِّعُونَ عَلَيْنا ويَقُولُونَ: إذا كانَ الفِعْلُ مِنَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْعَبْدِ: افْعَلْ؛ مَعَ أنَّكَ لَسْتَ فاعِلًا ؟ فَنَحْنُ نَقُولُ هَهُنا أيْضًا: إذا كانَ تَحْصِيلُ الإيمانِ وإبْقاؤُهُ مِنَ العَبْدِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَطْلُبُ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ ؟ قالَ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ: مَعْناهُ: اطْلُبِ اللُّطْفَ لِي في الإقامَةِ عَلى الإسْلامِ إلى أنْ أمُوتَ عَلَيْهِ. فَهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ السُّؤالَ وقَعَ عَلى الإسْلامِ، فَحَمْلُهُ عَلى اللُّطْفِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا كُلُّ ما في المَقْدُورِ مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ، فَكانَ طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ مُحالًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَعْلَمُونَ أنَّهم يَمُوتُونَ لا مَحالَةَ عَلى الإسْلامِ، فَكانَ هَذا الدُّعاءُ حاصِلُهُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ. صفحة ١٧٧ والجَوابُ: أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّ كَمالَ حالِ المُسْلِمِ أنْ يَسْتَسْلِمَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهٍ يَسْتَقِرُّ قَلْبُهُ عَلى ذَلِكَ الإسْلامِ ويَرْضى بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، ويَكُونُ مُطْمَئِنَّ النَّفْسِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ مُنْفَسِحَ القَلْبِ في هَذا البابِ، وهَذِهِ الحالَةُ زائِدَةٌ عَلى الإسْلامِ الَّذِي هو ضِدُّ الكُفْرِ، فالمَطْلُوبُ هَهُنا هو الإسْلامُ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والصَّلاحُ أوَّلُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ، فالواصِلُ إلى الغايَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَطْلُبَ البِدايَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي بِآبائِهِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، والمَعْنى: ألْحِقْنِي بِهِمْ في ثَوابِهِمْ ومَراتِبِهِمْ ودَرَجاتِهِمْ، وهَهُنا مَقامٌ آخَرُ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى لِسانِ أصْحابِ المُكاشَفاتِ، وهو أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إذا أشْرَقَتْ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ واللَّوامِعِ القُدْسِيَّةِ، فَإذا كانَتْ مُتَناسِبَةً مُتَشاكِلَةً انْعَكَسَ النُّورُ الَّذِي في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى بِسَبَبِ تِلْكَ المُلازَمَةِ والمُجانَسَةِ، فَتَعْظُمُ تِلْكَ الأنْوارُ وتَقْوى تِلْكَ الأضْواءُ، ومِثالُ تِلْكَ الأحْوالِ المِرْآةُ الصَّقِيلَةُ الصّافِيَةُ إذا وُضِعَتْ وضْعًا مَتى أشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَيْها انْعَكَسَ الضَّوْءُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى، فَهُناكَ يَقْوى الضَّوْءُ ويَكْمُلُ النُّورُ، ويَنْتَهِي في الإشْراقِ والبَرِيقِ واللَّمَعانِ إلى حَدٍّ لا تُطِيقُهُ العُيُونُ والأبْصارُ الضَّعِيفَةُ، فَكَذا هَهُنا.

يوسف 12:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِيَدِ يَعْقُوبَ وطافَ بِهِ في خَزائِنِهِ فَأدْخَلَهُ خَزائِنَ صفحة ١٧٣ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وخَزائِنَ الحُلِيِّ وخَزائِنَ الثِّيابِ وخَزائِنَ السِّلاحِ، فَلَمّا أدْخَلَهُ مَخازِنَ القَراطِيسِ قالَ: يا بُنَيَّ، ما أغْفَلَكَ ! عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ ؟ قالَ: نَهانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهُ، قالَ: سَلْهُ عَنِ السَّبَبِ، قالَ: أنْتَ أبْسَطُ إلَيْهِ؛ فَسَألَهُ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ: وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، فَهَلّا خِفْتَنِي ! ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ مَعَهُ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ولَمّا قَرُبَتْ وفاتُهُ أوْصى إلَيْهِ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ إسْحاقَ، فَمَضى بِنَفْسِهِ ودَفَنَهُ، ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ، وعاشَ بَعْدَ أبِيهِ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنّى مُلْكَ الآخِرَةِ فَتَمَنّى المَوْتَ، وقِيلَ: ما تَمَنّاهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ؛ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ طَيِّبًا طاهِرًا، فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في دَفْنِهِ، كُلُّ أحَدٍ يُحِبُّ أنْ يَدْفِنَهُ في مَحَلَّتِهِمْ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ؛ فَرَأوْا أنَّ الأصْلَحَ أنْ يَعْمَلُوا لَهُ صُنْدُوقًا مِن مَرْمَرٍ ويَجْعَلُوهُ فِيهِ، ويَدْفِنُوهُ في النِّيلِ بِمَكانٍ يَمُرُّ الماءُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِتَصِلَ بَرَكَتُهُ إلى كُلِّ أحَدٍ، ووُلِدَ لَهُ إفْرائِيمُ ومِيشا، ووُلِدَ لِإفْرائِيمَ نُونٌ، ولِنُونٍ يُوشَعُ فَتى مُوسى، ثُمَّ دُفِنَ يُوسُفُ هُناكَ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ مُوسى، فَأخْرَجَ عِظامَهُ مِن مِصْرَ، ودَفَنَها عِنْدَ قَبْرِ أبِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَن في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ و﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ إلّا بَعْضُ مُلْكِ الدُّنْيا أوْ بَعْضُ مُلْكِ مِصْرَ وبَعْضُ التَّأْوِيلِ، قالَ الأصَمُّ: إنَّما قالَ: مِنَ المُلْكِ، لِأنَّهُ كانَ ذُو مُلْكٍ فَوْقَهُ. واعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ المَوْجُوداتِ ثَلاثَةٌ: المُؤَثِّرُ الَّذِي لا يَتَأثَّرُ، وهو الإلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، والمُتَأثِّرُ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ وهو عالَمُ الأجْسامِ، فَإنَّها قابِلَةٌ لِلتَّشْكِيلِ والتَّصْوِيرِ والصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ والأعْراضِ المُتَضادَّةِ، فَلا يَكُونُ لَها تَأْثِيرٌ في شَيْءٍ أصْلًا، وهَذانِ القِسْمانِ مُتَباعِدانِ جِدًّا، ويَتَوَسَّطُهُما قِسْمٌ ثالِثٌ، وهو الَّذِي يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ، وهو عالَمُ الأرْواحِ، فَخاصِّيَّةُ جَوْهَرِ الأرْواحِ أنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ والتَّصَرُّفَ عَنْ عالَمِ نُورِ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها إذا أقْبَلَتْ عَلى عالَمِ الأجْسامِ تَصَرَّفَتْ فِيهِ وأثَّرَتْ فِيهِ، فَتَعَلَّقَ الرُّوحُ بِعالَمِ الأجْسامِ بِالتَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ فِيهِ، وتَعَلُّقُهُ بِعالَمِ الإلَهِيّاتِ بِالعِلْمِ والمَعْرِفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِ النَّفْسِ بِعالَمِ الأجْسامِ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِها بِحَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِدَرَجاتِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ في الكَمالِ والنُّقْصانِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ والجَلاءِ والخَفاءِ، امْتُنِعَ أنْ يَحْصُلَ مِنهُما لِلْإنْسانِ إلّا مِقْدارٌ مُتَناهٍ، فَكانَ الحاصِلُ في الحَقِيقَةِ بَعْضًا مِن أبْعاضِ المُلْكِ، وبَعْضًا مِن أبْعاضِ العِلْمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ فِيهِ كَلِمَةَ ”مِن“ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الفاطِرِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما كُنْتُ أدْرِي مَعْنى الفاطِرِ حَتّى احْتَكَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، وأنا ابْتَدَأْتُ حَفْرَها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ الفَطْرِ في اللُّغَةِ الشَّقُّ، يُقالُ: فَطَرَ نابُ البَعِيرِ إذا بَدا وفَطَرْتُ الشَّيْءَ فانْفَطَرَ، أيْ شَقَقْتُهُ فانْشَقَّ، وتَفَطَّرَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ والشَّجَرُ بِالوَرَقِ إذا تَصَدَّعَتْ، هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ صارَ عِبارَةً عَنِ الإيجادِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ حالَ عَدَمِهِ كَأنَّهُ في ظُلْمَةٍ وخَفاءٍ، فَلَمّا دَخَلَ في الوُجُودِ صارَ كَأنَّهُ انْشَقَّ عَنِ العَدَمِ، وخَرَجَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنهُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَكْوِينِ الشَّيْءِ عَنِ العَدَمِ المَحْضِ بِدَلِيلِ الِاشْتِقاقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، إلّا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ﴾ صفحة ١٧٤ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما خَلَقَها مِنَ الدُّخانِ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ (فُصِّلَتْ: ١١) فَدَلَّ عَلى أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ أنَّهُ أحْدَثَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ (الرُّومِ: ٣٠) مَعَ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ النّاسَ مِنَ التُّرابِ. قالَ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ (طه: ٥٥) . وثالِثُها: أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ حُصُولِ مادَّتِهِ وصُورَتِهِ مِثْلُ الكُوزِ، فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ مَوْجُودًا إذا صارَتِ المادَّةُ المَخْصُوصَةُ مَوْصُوفَةً بِالصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ، فَعِنْدَ عَدَمِ الصُّورَةِ ما كانَ ذَلِكَ المَجْمُوعُ مَوْجُودًا، وبِإيجادِ تِلْكَ الصُّورَةِ صارَ مُوجِدًا لِذَلِكَ الكُوزِ، فَعَلِمْنا أنَّ كَوْنَهُ مُوجِدًا لِلْكَوْنِ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُوجِدًا لِمادَّةِ الكُوزِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى مُوجِدًا لِلْأجْزاءِ الَّتِي مِنها تَرَكَّبَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، وإنَّما صارَ إلَيْنا كَوْنُهُ مُوجِدًا لَها بِحَسَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لا بِحَسَبِ لَفْظِ القُرْآنِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُوهِمُ أنَّ تَخْلِيقَ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ عَلى تَخْلِيقِ الأرْضِ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الواوُ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ثُمَّ العَقْلُ يُؤَكِّدُهُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ تَعَيُّنَ المُحِيطِ يُوجِبُ تَعَيُّنَ المَرْكَزِ، وتَعَيُّنُهُ فَإنَّهُ لا يُوجِبُ تَعَيُّنَ المُحِيطِ، لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ بِالمَرْكَزِ الواحِدِ مُحِيطاتٌ لا نِهايَةَ لَها، أمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُحِيطِ الواحِدِ إلّا مَرْكَزٌ واحِدٌ بِعَيْنِهِ. وأيْضًا اللَّفْظُ يُفِيدُ أنَّ السَّماءَ كَثِيرَةٌ والأرْضَ واحِدَةٌ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ (الأنْعامِ: ١) . البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ﴾ وهو نِداءٌ مُضافٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى نِداءٍ ثانٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ والمَعْنى: أنْتَ الَّذِي تَتَوَلّى إصْلاحَ جَمِيعِ مُهِمّاتِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ فَوَصَلَ المُلْكَ الفانِيَ بِالمُلْكِ الباقِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والطّاعَةَ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ العَبْدِ لَكانَ المُتَوَلِّي لِمَصالِحِهِ هو هو، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكى عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَلِهَذا المَعْنى مَن أرادَ الدُّعاءَ فَلا بُدَّ وأنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ذِكْرَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، فَهَهُنا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ أنْ يَذْكُرَ الدُّعاءَ قَدَّمَ عَلَيْهِ الثَّناءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الدُّعاءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ونَظِيرُهُ ما فَعَلَهُ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٧٨)، مِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ (الشُّعَراءِ: ٨٣) ثَناءٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ إلى آخِرِ الكَلامِ دُعاءٌ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ هَلْ هو طَلَبٌ مِنهُ لِلْوَفاةِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَتادَةُ: سَألَ رَبَّهُ اللُّحُوقَ بِهِ ولَمْ يَتَمَنَّ نَبِيٌّ قَطُّ المَوْتَ قَبْلَهُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ صفحة ١٧٥ اللَّهُ عَنْهُما: في رِوايَةِ عَطاءٍ يُرِيدُ: إذا تَوَفَّيْتَنِي فَتَوَفَّنِي عَلى دِينِ الإسْلامِ، فَهَذا طَلَبٌ لِأنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وفاتَهُ عَلى الإسْلامِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الوَفاةَ. واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِلْأمْرَيْنِ، ولا يَبْعُدُ في الرَّجُلِ العاقِلِ إذا كَمُلَ عَقْلُهُ أنْ يَتَمَنّى المَوْتَ ويُعَظِّمَ رَغْبَتَهُ فِيهِ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنها: أنَّ كَمالَ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ عَلى ما بَيَّنّاهُ في أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالإلَهِيّاتِ، وفي أنْ يَكُونَ مَلِكًا ومالِكًا مُتَصَرِّفًا في الجِسْمانِيّاتِ، وذَكَرْنا أنَّ مَراتِبَ التَّفاوُتِ في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والكَمالُ المُطْلَقُ فِيهِما لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وكُلُّ ما دُونَ ذَلِكَ فَهو ناقِصٌ، والنّاقِصُ إذا حَصَلَ لَهُ شُعُورٌ بِنُقْصانِهِ وذاقَ لَذَّةَ الكَمالِ المُطْلَقِ؛ بَقِيَ في القَلَقِ وألَمِ الطَّلَبِ، وإذا كانَ الكَمالُ المُطْلَقُ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وما كانَ حُصُولُهُ لِلْإنْسانِ مُمْتَنِعًا لَزِمَ أنْ يَبْقى الإنْسانُ أبَدًا في قَلَقِ الطَّلَبِ وألَمِ التَّعَبِ، فَإذا عَرَفَ الإنْسانُ هَذِهِ الحالَةَ عَرَفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى دَفْعِ هَذا التَّعَبِ عَنِ النَّفْسِ إلّا بِالمَوْتِ، فَحِينَئِذٍ يَتَمَنّى المَوْتَ. والسَّبَبُ الثّانِي: لِتَمَنِّي المَوْتِ أنَّ الخُطَباءَ والبُلَغاءَ وإنْ أطْنَبُوا في مَذَمَّةِ الدُّنْيا إلّا أنَّ حاصِلَ كَلامِهِمْ يَرْجِعُ إلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ السَّعاداتِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ، مُشْرِفَةٌ عَلى الفَناءِ، والألَمُ الحاصِلُ عِنْدَ زَوالِها أشَدُّ مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ وِجْدانِها. وثانِيها: أنَّها غَيْرُ خالِصَةٍ بَلْ هي مَمْزُوجَةٌ بِالمُنَغِّصاتِ والمُكَدِّراتِ. وثالِثُها: أنَّ الأراذِلَ مِنَ الخَلْقِ يُشارِكُونَ الأفاضِلَ فِيها، بَلْ رُبَّما كانَ حِصَّةُ الأراذِلِ أعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِن حِصَّةِ الأفاضِلِ، فَهَذِهِ الجِهاتُ الثَّلاثَةُ مُنَفِّرَةٌ عَنْ هَذِهِ اللَّذّاتِ، ولَمّا عَرَفَ العاقِلُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَحْصِيلِ هَذِهِ اللَّذّاتِ إلّا مَعَ هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثَةِ المُنَفِّرَةِ، لا جَرَمَ يَتَمَنّى المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنْ هَذِهِ الآفاتِ. والسَّبَبُ الثّالِثُ: وهو الأقْوى عِنْدَ المُحَقِّقِينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةَ لا حَقِيقَةَ لَها، وإنَّما حاصِلُها دَفْعُ الآلامِ، فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ، ولَذَّةُ الوِقاعِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الدَّغْدَغَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن حُصُولِ المَنِيِّ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ. ولَذَّةُ الإمارَةِ والرِّياسَةِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ شَهْوَةِ الِانْتِقامِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، وإذا كانَ حاصِلُ هَذِهِ اللَّذّاتِ لَيْسَ إلّا دَفْعَ الألَمِ لا جَرَمَ صارَتْ عِنْدَ العُقَلاءِ حَقِيرَةً خَسِيسَةً نازِلَةً ناقِصَةً، وحِينَئِذٍ يَتَمَنّى الإنْسانُ المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى هَذِهِ الأحْوالِ الخَسِيسَةِ. والسَّبَبُ الرّابِعُ: أنَّ مَداخِلَ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَلِيلَةٌ، وهي ثَلاثَةُ أنْواعٍ: لَذَّةُ الأكْلِ، ولَذَّةُ الوِقاعِ، ولَذَّةُ الرِّياسَةِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها عُيُوبٌ كَثِيرَةٌ. أمّا لَذَّةُ الأكْلِ فَفِيها عُيُوبٌ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ لَيْسَتْ قَوِيَّةً، فَإنَّ الشُّعُورَ بِألَمِ القُولَنْجِ الشَّدِيدِ -والعِياذُ بِاللَّهِ مِنهُ- أشَدُّ مِنَ الشُّعُورِ بِاللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ أكْلِ الطَّعامِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ اللَّذَّةَ لا يُمْكِنُ بَقاؤُها، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أكَلَ شَبِعَ، وإذا شَبِعَ لَمْ يَبْقَ شَوْقُهُ لِلِالتِذاذِ بِالأكْلِ، فَهَذِهِ اللَّذَّةُ ضَعِيفَةٌ، ومَعَ ضَعْفِها غَيْرُ باقِيَةٍ. وثالِثُها: أنَّها في نَفْسِها خَسِيسَةٌ، فَإنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْطِيبِ ذَلِكَ الطَّعامِ بِالبُزاقِ المُجْتَمِعِ في الفَمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَيْءٌ مُنَفِّرٌ مُسْتَقْذَرٌ، ثَمَّ لَمّا يَصِلُ إلى المَعِدَةِ تَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِحالَةُ إلى الفَسادِ والنَّتْنِ والعُفُونَةِ، وذَلِكَ أيْضًا مُنَفِّرٌ. ورابِعُها: أنَّ جَمِيعَ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةِ مُشارِكَةٌ فِيها، فَإنَّ الرَّوْثَ في مَذاقِ الجُعْلِ كاللَّوْزِينَجِ في مَذاقِ الإنْسانِ، وكَما أنَّ الإنْسانَ يَكْرَهُ تَناوُلَ غِذاءِ الجُعْلِ، فَكَذَلِكَ الجُعْلُ يَكْرَهُ تَناوُلَ غِذاءِ الإنْسانِ، وأمّا اللَّذَّةُ فَمُشْتَرَكَةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ. وخامِسُها: أنَّ الأكْلَ إنَّما يَطِيبُ عِنْدَ اشْتِدادِ الجُوعِ، وتِلْكَ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ، والحاجَةُ نَقْصٌ وافِرٌ. وسادِسُها: أنَّ الأكْلَ يُسْتَحْقَرُ عِنْدَ العُقَلاءِ، قِيلَ: مَن كانَتْ هِمَّتُهُ ما صفحة ١٧٦ يَدْخُلُ في بَطْنِهِ فَقِيمَتُهُ ما يَخْرُجُ مِن بَطْنِهِ، فَهَذا هو الإشارَةُ المُخْتَصَرَةُ في مَعايِبِ الأكْلِ. وأمّا لَذَّةُ النِّكاحِ، فَكُلُّ ما ذَكَرْناهُ في الأكْلِ حاصِلٌ هَهُنا مَعَ أشْياءَ أُخْرى، وهي أنَّ النِّكاحَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الوَلَدِ، وحِينَئِذٍ تَكْثُرُ الأشْخاصُ، فَتَكْثُرُ الحاجَةُ إلى المالِ، فَيَحْتاجُ الإنْسانُ بِسَبَبِها إلى الِاحْتِيالِ في طَلَبِ المالِ بِطُرُقٍ لا نِهايَةَ لَها، ورُبَّما صارَ هالِكًا بِسَبَبِ طَلَبِ المالِ، وأمّا لَذَّةُ الرِّياسَةِ فَعُيُوبُها كَثِيرَةٌ، والَّذِي نَذْكُرُهُ هَهُنا بِسَبَبٍ واحِدٍ، وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَكْرَهُ بِالطَّبْعِ أنْ يَكُونَ خادِمًا مَأْمُورًا، ويُحِبُّ أنْ يَكُونَ مَخْدُومًا آمِرًا، فَإذا سَعى الإنْسانُ في أنْ يَصِيرَ رَئِيسًا آمِرًا كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى مُخالَفَةِ كُلِّ ما سِواهُ، فَكَأنَّهُ يُنازِعُ كُلَّ الخَلْقِ في ذَلِكَ، وهو يُحاوِلُ تَحْصِيلَ تِلْكَ الرِّياسَةِ، وجَمِيعُ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ يُحاوِلُونَ إبْطالَهُ ودَفْعَهُ، ولا شَكَّ أنَّ كَثْرَةَ الأسْبابِ تُوجِبُ قُوَّةَ حُصُولِ الأثَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ حُصُولُ هَذِهِ الرِّياسَةِ كالمُتَعَذَّرِ، ولَوْ حَصَلَ فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى شَرَفِ الزَّوالِ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ بِكُلِّ سَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وكانَ صاحِبُها عِنْدَ حُصُولِها في الخَوْفِ الشَّدِيدِ مِنَ الزَّوالِ، وعِنْدَ زَوالِها في الأسَفِ العَظِيمِ والحُزْنِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّوالِ. واعْلَمْ أنَّ العاقِلَ إذا تَأمَّلَ هَذِهِ المَعانِيَ عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا صَلاحَ لَهُ في طَلَبِ هَذِهِ اللَّذّاتِ والسَّعْيِ في هَذِهِ الخَيْراتِ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ خُلِقَتْ مَجْبُولَةً عَلى طَلَبِها، والعِشْقِ الشَّدِيدِ عَلَيْها، والرَّغْبَةِ التّامَّةِ في الوُصُولِ إلَيْها، وحِينَئِذٍ يَنْعَقِدُ هَهُنا قَيافٍ، وهو أنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ فَإنَّهُ يَكُونُ طالِبًا لِهَذِهِ اللَّذّاتِ، وما دامَ يَطْلُبُها كانَ في عَيْنِ الآفاتِ وفي لُجَّةِ الحَسَراتِ، وهَذا اللّازِمُ مَكْرُوهٌ فالمَلْزُومُ أيْضًا مَكْرُوهٌ، فَحِينَئِذٍ يَتَمَنّى زَوالَ هَذِهِ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ، والسَّبَبُ في الأُمُورِ المُرَغِّبَةِ في المَوْتِ أنَّ مُوجِباتِ هَذِهِ اللَّذَّةِ الجِسْمانِيَّةِ مُتَكَرِّرَةٌ، ولا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها، والتَّكْرِيرُ يُوجِبُ المَلالَةَ، أمّا سَعاداتُ الآخِرَةِ فَهي أنْواعٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. قالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ أنارَ اللَّهُ بُرْهانَهُ: أنا صاحِبُ هَذِهِ الحالَةِ والمُتَوَغِّلُ فِيها، ولَوْ فَتَحْتُ البابَ وبالَغْتُ في عُيُوبِ هَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ فَرُبَّما كَتَبْتُ المُجَلَّداتِ، وما وصَلْتُ إلى القَلِيلِ مِنها، فَلِهَذا السَّبَبِ صِرْتُ مُواظِبًا في أكْثَرِ الأوْقاتِ عَلى ذِكْرِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا في بَيانِ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾، وتَقْرِيرُهُ أنَّ تَحْصِيلَ الإسْلامِ، وإبْقاءَهُ إذا كانَ مِنَ العَبْدِ كانَ طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ فاسِدًا، وتَقْرِيرُهُ كَأنَّهُ يَقُولُ: افْعَلْ يا مَن لا يَفْعَلُ، والمُعْتَزِلَةُ أبَدًا يُشَنِّعُونَ عَلَيْنا ويَقُولُونَ: إذا كانَ الفِعْلُ مِنَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْعَبْدِ: افْعَلْ؛ مَعَ أنَّكَ لَسْتَ فاعِلًا ؟ فَنَحْنُ نَقُولُ هَهُنا أيْضًا: إذا كانَ تَحْصِيلُ الإيمانِ وإبْقاؤُهُ مِنَ العَبْدِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَطْلُبُ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ ؟ قالَ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ: مَعْناهُ: اطْلُبِ اللُّطْفَ لِي في الإقامَةِ عَلى الإسْلامِ إلى أنْ أمُوتَ عَلَيْهِ. فَهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ السُّؤالَ وقَعَ عَلى الإسْلامِ، فَحَمْلُهُ عَلى اللُّطْفِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا كُلُّ ما في المَقْدُورِ مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ، فَكانَ طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ مُحالًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَعْلَمُونَ أنَّهم يَمُوتُونَ لا مَحالَةَ عَلى الإسْلامِ، فَكانَ هَذا الدُّعاءُ حاصِلُهُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ. صفحة ١٧٧ والجَوابُ: أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّ كَمالَ حالِ المُسْلِمِ أنْ يَسْتَسْلِمَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهٍ يَسْتَقِرُّ قَلْبُهُ عَلى ذَلِكَ الإسْلامِ ويَرْضى بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، ويَكُونُ مُطْمَئِنَّ النَّفْسِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ مُنْفَسِحَ القَلْبِ في هَذا البابِ، وهَذِهِ الحالَةُ زائِدَةٌ عَلى الإسْلامِ الَّذِي هو ضِدُّ الكُفْرِ، فالمَطْلُوبُ هَهُنا هو الإسْلامُ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والصَّلاحُ أوَّلُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ، فالواصِلُ إلى الغايَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَطْلُبَ البِدايَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي بِآبائِهِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، والمَعْنى: ألْحِقْنِي بِهِمْ في ثَوابِهِمْ ومَراتِبِهِمْ ودَرَجاتِهِمْ، وهَهُنا مَقامٌ آخَرُ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى لِسانِ أصْحابِ المُكاشَفاتِ، وهو أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إذا أشْرَقَتْ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ واللَّوامِعِ القُدْسِيَّةِ، فَإذا كانَتْ مُتَناسِبَةً مُتَشاكِلَةً انْعَكَسَ النُّورُ الَّذِي في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى بِسَبَبِ تِلْكَ المُلازَمَةِ والمُجانَسَةِ، فَتَعْظُمُ تِلْكَ الأنْوارُ وتَقْوى تِلْكَ الأضْواءُ، ومِثالُ تِلْكَ الأحْوالِ المِرْآةُ الصَّقِيلَةُ الصّافِيَةُ إذا وُضِعَتْ وضْعًا مَتى أشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَيْها انْعَكَسَ الضَّوْءُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى، فَهُناكَ يَقْوى الضَّوْءُ ويَكْمُلُ النُّورُ، ويَنْتَهِي في الإشْراقِ والبَرِيقِ واللَّمَعانِ إلى حَدٍّ لا تُطِيقُهُ العُيُونُ والأبْصارُ الضَّعِيفَةُ، فَكَذا هَهُنا.

يوسف 12:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِيَدِ يَعْقُوبَ وطافَ بِهِ في خَزائِنِهِ فَأدْخَلَهُ خَزائِنَ صفحة ١٧٣ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وخَزائِنَ الحُلِيِّ وخَزائِنَ الثِّيابِ وخَزائِنَ السِّلاحِ، فَلَمّا أدْخَلَهُ مَخازِنَ القَراطِيسِ قالَ: يا بُنَيَّ، ما أغْفَلَكَ ! عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ ؟ قالَ: نَهانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهُ، قالَ: سَلْهُ عَنِ السَّبَبِ، قالَ: أنْتَ أبْسَطُ إلَيْهِ؛ فَسَألَهُ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ: وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، فَهَلّا خِفْتَنِي ! ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ مَعَهُ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ولَمّا قَرُبَتْ وفاتُهُ أوْصى إلَيْهِ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ إسْحاقَ، فَمَضى بِنَفْسِهِ ودَفَنَهُ، ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ، وعاشَ بَعْدَ أبِيهِ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنّى مُلْكَ الآخِرَةِ فَتَمَنّى المَوْتَ، وقِيلَ: ما تَمَنّاهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ؛ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ طَيِّبًا طاهِرًا، فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في دَفْنِهِ، كُلُّ أحَدٍ يُحِبُّ أنْ يَدْفِنَهُ في مَحَلَّتِهِمْ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ؛ فَرَأوْا أنَّ الأصْلَحَ أنْ يَعْمَلُوا لَهُ صُنْدُوقًا مِن مَرْمَرٍ ويَجْعَلُوهُ فِيهِ، ويَدْفِنُوهُ في النِّيلِ بِمَكانٍ يَمُرُّ الماءُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِتَصِلَ بَرَكَتُهُ إلى كُلِّ أحَدٍ، ووُلِدَ لَهُ إفْرائِيمُ ومِيشا، ووُلِدَ لِإفْرائِيمَ نُونٌ، ولِنُونٍ يُوشَعُ فَتى مُوسى، ثُمَّ دُفِنَ يُوسُفُ هُناكَ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ مُوسى، فَأخْرَجَ عِظامَهُ مِن مِصْرَ، ودَفَنَها عِنْدَ قَبْرِ أبِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَن في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ و﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ إلّا بَعْضُ مُلْكِ الدُّنْيا أوْ بَعْضُ مُلْكِ مِصْرَ وبَعْضُ التَّأْوِيلِ، قالَ الأصَمُّ: إنَّما قالَ: مِنَ المُلْكِ، لِأنَّهُ كانَ ذُو مُلْكٍ فَوْقَهُ. واعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ المَوْجُوداتِ ثَلاثَةٌ: المُؤَثِّرُ الَّذِي لا يَتَأثَّرُ، وهو الإلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، والمُتَأثِّرُ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ وهو عالَمُ الأجْسامِ، فَإنَّها قابِلَةٌ لِلتَّشْكِيلِ والتَّصْوِيرِ والصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ والأعْراضِ المُتَضادَّةِ، فَلا يَكُونُ لَها تَأْثِيرٌ في شَيْءٍ أصْلًا، وهَذانِ القِسْمانِ مُتَباعِدانِ جِدًّا، ويَتَوَسَّطُهُما قِسْمٌ ثالِثٌ، وهو الَّذِي يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ، وهو عالَمُ الأرْواحِ، فَخاصِّيَّةُ جَوْهَرِ الأرْواحِ أنَّها تَقْبَلُ الأثَرَ والتَّصَرُّفَ عَنْ عالَمِ نُورِ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّها إذا أقْبَلَتْ عَلى عالَمِ الأجْسامِ تَصَرَّفَتْ فِيهِ وأثَّرَتْ فِيهِ، فَتَعَلَّقَ الرُّوحُ بِعالَمِ الأجْسامِ بِالتَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ فِيهِ، وتَعَلُّقُهُ بِعالَمِ الإلَهِيّاتِ بِالعِلْمِ والمَعْرِفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِ النَّفْسِ بِعالَمِ الأجْسامِ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِها بِحَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِدَرَجاتِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ في الكَمالِ والنُّقْصانِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ والجَلاءِ والخَفاءِ، امْتُنِعَ أنْ يَحْصُلَ مِنهُما لِلْإنْسانِ إلّا مِقْدارٌ مُتَناهٍ، فَكانَ الحاصِلُ في الحَقِيقَةِ بَعْضًا مِن أبْعاضِ المُلْكِ، وبَعْضًا مِن أبْعاضِ العِلْمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ فِيهِ كَلِمَةَ ”مِن“ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الفاطِرِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما كُنْتُ أدْرِي مَعْنى الفاطِرِ حَتّى احْتَكَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، وأنا ابْتَدَأْتُ حَفْرَها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ الفَطْرِ في اللُّغَةِ الشَّقُّ، يُقالُ: فَطَرَ نابُ البَعِيرِ إذا بَدا وفَطَرْتُ الشَّيْءَ فانْفَطَرَ، أيْ شَقَقْتُهُ فانْشَقَّ، وتَفَطَّرَتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ والشَّجَرُ بِالوَرَقِ إذا تَصَدَّعَتْ، هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ صارَ عِبارَةً عَنِ الإيجادِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ حالَ عَدَمِهِ كَأنَّهُ في ظُلْمَةٍ وخَفاءٍ، فَلَمّا دَخَلَ في الوُجُودِ صارَ كَأنَّهُ انْشَقَّ عَنِ العَدَمِ، وخَرَجَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنهُ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَكْوِينِ الشَّيْءِ عَنِ العَدَمِ المَحْضِ بِدَلِيلِ الِاشْتِقاقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، إلّا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ﴾ صفحة ١٧٤ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما خَلَقَها مِنَ الدُّخانِ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ (فُصِّلَتْ: ١١) فَدَلَّ عَلى أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ أنَّهُ أحْدَثَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ. وثانِيها: أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ (الرُّومِ: ٣٠) مَعَ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ النّاسَ مِنَ التُّرابِ. قالَ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ (طه: ٥٥) . وثالِثُها: أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ حُصُولِ مادَّتِهِ وصُورَتِهِ مِثْلُ الكُوزِ، فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ مَوْجُودًا إذا صارَتِ المادَّةُ المَخْصُوصَةُ مَوْصُوفَةً بِالصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ، فَعِنْدَ عَدَمِ الصُّورَةِ ما كانَ ذَلِكَ المَجْمُوعُ مَوْجُودًا، وبِإيجادِ تِلْكَ الصُّورَةِ صارَ مُوجِدًا لِذَلِكَ الكُوزِ، فَعَلِمْنا أنَّ كَوْنَهُ مُوجِدًا لِلْكَوْنِ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُوجِدًا لِمادَّةِ الكُوزِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الفاطِرِ لا يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى مُوجِدًا لِلْأجْزاءِ الَّتِي مِنها تَرَكَّبَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، وإنَّما صارَ إلَيْنا كَوْنُهُ مُوجِدًا لَها بِحَسَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لا بِحَسَبِ لَفْظِ القُرْآنِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُوهِمُ أنَّ تَخْلِيقَ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ عَلى تَخْلِيقِ الأرْضِ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الواوُ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ثُمَّ العَقْلُ يُؤَكِّدُهُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ تَعَيُّنَ المُحِيطِ يُوجِبُ تَعَيُّنَ المَرْكَزِ، وتَعَيُّنُهُ فَإنَّهُ لا يُوجِبُ تَعَيُّنَ المُحِيطِ، لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ بِالمَرْكَزِ الواحِدِ مُحِيطاتٌ لا نِهايَةَ لَها، أمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُحِيطِ الواحِدِ إلّا مَرْكَزٌ واحِدٌ بِعَيْنِهِ. وأيْضًا اللَّفْظُ يُفِيدُ أنَّ السَّماءَ كَثِيرَةٌ والأرْضَ واحِدَةٌ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ (الأنْعامِ: ١) . البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ﴾ وهو نِداءٌ مُضافٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى نِداءٍ ثانٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ والمَعْنى: أنْتَ الَّذِي تَتَوَلّى إصْلاحَ جَمِيعِ مُهِمّاتِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ فَوَصَلَ المُلْكَ الفانِيَ بِالمُلْكِ الباقِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والطّاعَةَ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ العَبْدِ لَكانَ المُتَوَلِّي لِمَصالِحِهِ هو هو، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكى عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَلِهَذا المَعْنى مَن أرادَ الدُّعاءَ فَلا بُدَّ وأنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ذِكْرَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، فَهَهُنا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ أنْ يَذْكُرَ الدُّعاءَ قَدَّمَ عَلَيْهِ الثَّناءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الدُّعاءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، ونَظِيرُهُ ما فَعَلَهُ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٧٨)، مِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ (الشُّعَراءِ: ٨٣) ثَناءٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ إلى آخِرِ الكَلامِ دُعاءٌ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ هَلْ هو طَلَبٌ مِنهُ لِلْوَفاةِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَتادَةُ: سَألَ رَبَّهُ اللُّحُوقَ بِهِ ولَمْ يَتَمَنَّ نَبِيٌّ قَطُّ المَوْتَ قَبْلَهُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ صفحة ١٧٥ اللَّهُ عَنْهُما: في رِوايَةِ عَطاءٍ يُرِيدُ: إذا تَوَفَّيْتَنِي فَتَوَفَّنِي عَلى دِينِ الإسْلامِ، فَهَذا طَلَبٌ لِأنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وفاتَهُ عَلى الإسْلامِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الوَفاةَ. واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِلْأمْرَيْنِ، ولا يَبْعُدُ في الرَّجُلِ العاقِلِ إذا كَمُلَ عَقْلُهُ أنْ يَتَمَنّى المَوْتَ ويُعَظِّمَ رَغْبَتَهُ فِيهِ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنها: أنَّ كَمالَ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ عَلى ما بَيَّنّاهُ في أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالإلَهِيّاتِ، وفي أنْ يَكُونَ مَلِكًا ومالِكًا مُتَصَرِّفًا في الجِسْمانِيّاتِ، وذَكَرْنا أنَّ مَراتِبَ التَّفاوُتِ في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والكَمالُ المُطْلَقُ فِيهِما لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وكُلُّ ما دُونَ ذَلِكَ فَهو ناقِصٌ، والنّاقِصُ إذا حَصَلَ لَهُ شُعُورٌ بِنُقْصانِهِ وذاقَ لَذَّةَ الكَمالِ المُطْلَقِ؛ بَقِيَ في القَلَقِ وألَمِ الطَّلَبِ، وإذا كانَ الكَمالُ المُطْلَقُ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وما كانَ حُصُولُهُ لِلْإنْسانِ مُمْتَنِعًا لَزِمَ أنْ يَبْقى الإنْسانُ أبَدًا في قَلَقِ الطَّلَبِ وألَمِ التَّعَبِ، فَإذا عَرَفَ الإنْسانُ هَذِهِ الحالَةَ عَرَفَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى دَفْعِ هَذا التَّعَبِ عَنِ النَّفْسِ إلّا بِالمَوْتِ، فَحِينَئِذٍ يَتَمَنّى المَوْتَ. والسَّبَبُ الثّانِي: لِتَمَنِّي المَوْتِ أنَّ الخُطَباءَ والبُلَغاءَ وإنْ أطْنَبُوا في مَذَمَّةِ الدُّنْيا إلّا أنَّ حاصِلَ كَلامِهِمْ يَرْجِعُ إلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ السَّعاداتِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ، مُشْرِفَةٌ عَلى الفَناءِ، والألَمُ الحاصِلُ عِنْدَ زَوالِها أشَدُّ مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ وِجْدانِها. وثانِيها: أنَّها غَيْرُ خالِصَةٍ بَلْ هي مَمْزُوجَةٌ بِالمُنَغِّصاتِ والمُكَدِّراتِ. وثالِثُها: أنَّ الأراذِلَ مِنَ الخَلْقِ يُشارِكُونَ الأفاضِلَ فِيها، بَلْ رُبَّما كانَ حِصَّةُ الأراذِلِ أعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِن حِصَّةِ الأفاضِلِ، فَهَذِهِ الجِهاتُ الثَّلاثَةُ مُنَفِّرَةٌ عَنْ هَذِهِ اللَّذّاتِ، ولَمّا عَرَفَ العاقِلُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَحْصِيلِ هَذِهِ اللَّذّاتِ إلّا مَعَ هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثَةِ المُنَفِّرَةِ، لا جَرَمَ يَتَمَنّى المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنْ هَذِهِ الآفاتِ. والسَّبَبُ الثّالِثُ: وهو الأقْوى عِنْدَ المُحَقِّقِينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةَ لا حَقِيقَةَ لَها، وإنَّما حاصِلُها دَفْعُ الآلامِ، فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ، ولَذَّةُ الوِقاعِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الدَّغْدَغَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن حُصُولِ المَنِيِّ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ. ولَذَّةُ الإمارَةِ والرِّياسَةِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ شَهْوَةِ الِانْتِقامِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، وإذا كانَ حاصِلُ هَذِهِ اللَّذّاتِ لَيْسَ إلّا دَفْعَ الألَمِ لا جَرَمَ صارَتْ عِنْدَ العُقَلاءِ حَقِيرَةً خَسِيسَةً نازِلَةً ناقِصَةً، وحِينَئِذٍ يَتَمَنّى الإنْسانُ المَوْتَ لِيَتَخَلَّصَ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى هَذِهِ الأحْوالِ الخَسِيسَةِ. والسَّبَبُ الرّابِعُ: أنَّ مَداخِلَ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَلِيلَةٌ، وهي ثَلاثَةُ أنْواعٍ: لَذَّةُ الأكْلِ، ولَذَّةُ الوِقاعِ، ولَذَّةُ الرِّياسَةِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها عُيُوبٌ كَثِيرَةٌ. أمّا لَذَّةُ الأكْلِ فَفِيها عُيُوبٌ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ لَيْسَتْ قَوِيَّةً، فَإنَّ الشُّعُورَ بِألَمِ القُولَنْجِ الشَّدِيدِ -والعِياذُ بِاللَّهِ مِنهُ- أشَدُّ مِنَ الشُّعُورِ بِاللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ أكْلِ الطَّعامِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ اللَّذَّةَ لا يُمْكِنُ بَقاؤُها، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أكَلَ شَبِعَ، وإذا شَبِعَ لَمْ يَبْقَ شَوْقُهُ لِلِالتِذاذِ بِالأكْلِ، فَهَذِهِ اللَّذَّةُ ضَعِيفَةٌ، ومَعَ ضَعْفِها غَيْرُ باقِيَةٍ. وثالِثُها: أنَّها في نَفْسِها خَسِيسَةٌ، فَإنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْطِيبِ ذَلِكَ الطَّعامِ بِالبُزاقِ المُجْتَمِعِ في الفَمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَيْءٌ مُنَفِّرٌ مُسْتَقْذَرٌ، ثَمَّ لَمّا يَصِلُ إلى المَعِدَةِ تَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِحالَةُ إلى الفَسادِ والنَّتْنِ والعُفُونَةِ، وذَلِكَ أيْضًا مُنَفِّرٌ. ورابِعُها: أنَّ جَمِيعَ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةِ مُشارِكَةٌ فِيها، فَإنَّ الرَّوْثَ في مَذاقِ الجُعْلِ كاللَّوْزِينَجِ في مَذاقِ الإنْسانِ، وكَما أنَّ الإنْسانَ يَكْرَهُ تَناوُلَ غِذاءِ الجُعْلِ، فَكَذَلِكَ الجُعْلُ يَكْرَهُ تَناوُلَ غِذاءِ الإنْسانِ، وأمّا اللَّذَّةُ فَمُشْتَرَكَةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ. وخامِسُها: أنَّ الأكْلَ إنَّما يَطِيبُ عِنْدَ اشْتِدادِ الجُوعِ، وتِلْكَ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ، والحاجَةُ نَقْصٌ وافِرٌ. وسادِسُها: أنَّ الأكْلَ يُسْتَحْقَرُ عِنْدَ العُقَلاءِ، قِيلَ: مَن كانَتْ هِمَّتُهُ ما صفحة ١٧٦ يَدْخُلُ في بَطْنِهِ فَقِيمَتُهُ ما يَخْرُجُ مِن بَطْنِهِ، فَهَذا هو الإشارَةُ المُخْتَصَرَةُ في مَعايِبِ الأكْلِ. وأمّا لَذَّةُ النِّكاحِ، فَكُلُّ ما ذَكَرْناهُ في الأكْلِ حاصِلٌ هَهُنا مَعَ أشْياءَ أُخْرى، وهي أنَّ النِّكاحَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الوَلَدِ، وحِينَئِذٍ تَكْثُرُ الأشْخاصُ، فَتَكْثُرُ الحاجَةُ إلى المالِ، فَيَحْتاجُ الإنْسانُ بِسَبَبِها إلى الِاحْتِيالِ في طَلَبِ المالِ بِطُرُقٍ لا نِهايَةَ لَها، ورُبَّما صارَ هالِكًا بِسَبَبِ طَلَبِ المالِ، وأمّا لَذَّةُ الرِّياسَةِ فَعُيُوبُها كَثِيرَةٌ، والَّذِي نَذْكُرُهُ هَهُنا بِسَبَبٍ واحِدٍ، وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَكْرَهُ بِالطَّبْعِ أنْ يَكُونَ خادِمًا مَأْمُورًا، ويُحِبُّ أنْ يَكُونَ مَخْدُومًا آمِرًا، فَإذا سَعى الإنْسانُ في أنْ يَصِيرَ رَئِيسًا آمِرًا كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى مُخالَفَةِ كُلِّ ما سِواهُ، فَكَأنَّهُ يُنازِعُ كُلَّ الخَلْقِ في ذَلِكَ، وهو يُحاوِلُ تَحْصِيلَ تِلْكَ الرِّياسَةِ، وجَمِيعُ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ يُحاوِلُونَ إبْطالَهُ ودَفْعَهُ، ولا شَكَّ أنَّ كَثْرَةَ الأسْبابِ تُوجِبُ قُوَّةَ حُصُولِ الأثَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ حُصُولُ هَذِهِ الرِّياسَةِ كالمُتَعَذَّرِ، ولَوْ حَصَلَ فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى شَرَفِ الزَّوالِ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ بِكُلِّ سَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وكانَ صاحِبُها عِنْدَ حُصُولِها في الخَوْفِ الشَّدِيدِ مِنَ الزَّوالِ، وعِنْدَ زَوالِها في الأسَفِ العَظِيمِ والحُزْنِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّوالِ. واعْلَمْ أنَّ العاقِلَ إذا تَأمَّلَ هَذِهِ المَعانِيَ عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا صَلاحَ لَهُ في طَلَبِ هَذِهِ اللَّذّاتِ والسَّعْيِ في هَذِهِ الخَيْراتِ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ خُلِقَتْ مَجْبُولَةً عَلى طَلَبِها، والعِشْقِ الشَّدِيدِ عَلَيْها، والرَّغْبَةِ التّامَّةِ في الوُصُولِ إلَيْها، وحِينَئِذٍ يَنْعَقِدُ هَهُنا قَيافٍ، وهو أنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ فَإنَّهُ يَكُونُ طالِبًا لِهَذِهِ اللَّذّاتِ، وما دامَ يَطْلُبُها كانَ في عَيْنِ الآفاتِ وفي لُجَّةِ الحَسَراتِ، وهَذا اللّازِمُ مَكْرُوهٌ فالمَلْزُومُ أيْضًا مَكْرُوهٌ، فَحِينَئِذٍ يَتَمَنّى زَوالَ هَذِهِ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ، والسَّبَبُ في الأُمُورِ المُرَغِّبَةِ في المَوْتِ أنَّ مُوجِباتِ هَذِهِ اللَّذَّةِ الجِسْمانِيَّةِ مُتَكَرِّرَةٌ، ولا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها، والتَّكْرِيرُ يُوجِبُ المَلالَةَ، أمّا سَعاداتُ الآخِرَةِ فَهي أنْواعٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. قالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ أنارَ اللَّهُ بُرْهانَهُ: أنا صاحِبُ هَذِهِ الحالَةِ والمُتَوَغِّلُ فِيها، ولَوْ فَتَحْتُ البابَ وبالَغْتُ في عُيُوبِ هَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ فَرُبَّما كَتَبْتُ المُجَلَّداتِ، وما وصَلْتُ إلى القَلِيلِ مِنها، فَلِهَذا السَّبَبِ صِرْتُ مُواظِبًا في أكْثَرِ الأوْقاتِ عَلى ذِكْرِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا في بَيانِ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾، وتَقْرِيرُهُ أنَّ تَحْصِيلَ الإسْلامِ، وإبْقاءَهُ إذا كانَ مِنَ العَبْدِ كانَ طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ فاسِدًا، وتَقْرِيرُهُ كَأنَّهُ يَقُولُ: افْعَلْ يا مَن لا يَفْعَلُ، والمُعْتَزِلَةُ أبَدًا يُشَنِّعُونَ عَلَيْنا ويَقُولُونَ: إذا كانَ الفِعْلُ مِنَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْعَبْدِ: افْعَلْ؛ مَعَ أنَّكَ لَسْتَ فاعِلًا ؟ فَنَحْنُ نَقُولُ هَهُنا أيْضًا: إذا كانَ تَحْصِيلُ الإيمانِ وإبْقاؤُهُ مِنَ العَبْدِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَطْلُبُ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ ؟ قالَ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ: مَعْناهُ: اطْلُبِ اللُّطْفَ لِي في الإقامَةِ عَلى الإسْلامِ إلى أنْ أمُوتَ عَلَيْهِ. فَهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ السُّؤالَ وقَعَ عَلى الإسْلامِ، فَحَمْلُهُ عَلى اللُّطْفِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا كُلُّ ما في المَقْدُورِ مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ، فَكانَ طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ مُحالًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَعْلَمُونَ أنَّهم يَمُوتُونَ لا مَحالَةَ عَلى الإسْلامِ، فَكانَ هَذا الدُّعاءُ حاصِلُهُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ. صفحة ١٧٧ والجَوابُ: أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّ كَمالَ حالِ المُسْلِمِ أنْ يَسْتَسْلِمَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهٍ يَسْتَقِرُّ قَلْبُهُ عَلى ذَلِكَ الإسْلامِ ويَرْضى بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، ويَكُونُ مُطْمَئِنَّ النَّفْسِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ مُنْفَسِحَ القَلْبِ في هَذا البابِ، وهَذِهِ الحالَةُ زائِدَةٌ عَلى الإسْلامِ الَّذِي هو ضِدُّ الكُفْرِ، فالمَطْلُوبُ هَهُنا هو الإسْلامُ بِهَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والصَّلاحُ أوَّلُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ، فالواصِلُ إلى الغايَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَطْلُبَ البِدايَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي بِآبائِهِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، والمَعْنى: ألْحِقْنِي بِهِمْ في ثَوابِهِمْ ومَراتِبِهِمْ ودَرَجاتِهِمْ، وهَهُنا مَقامٌ آخَرُ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى لِسانِ أصْحابِ المُكاشَفاتِ، وهو أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إذا أشْرَقَتْ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ واللَّوامِعِ القُدْسِيَّةِ، فَإذا كانَتْ مُتَناسِبَةً مُتَشاكِلَةً انْعَكَسَ النُّورُ الَّذِي في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى بِسَبَبِ تِلْكَ المُلازَمَةِ والمُجانَسَةِ، فَتَعْظُمُ تِلْكَ الأنْوارُ وتَقْوى تِلْكَ الأضْواءُ، ومِثالُ تِلْكَ الأحْوالِ المِرْآةُ الصَّقِيلَةُ الصّافِيَةُ إذا وُضِعَتْ وضْعًا مَتى أشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَيْها انْعَكَسَ الضَّوْءُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى، فَهُناكَ يَقْوى الضَّوْءُ ويَكْمُلُ النُّورُ، ويَنْتَهِي في الإشْراقِ والبَرِيقِ واللَّمَعانِ إلى حَدٍّ لا تُطِيقُهُ العُيُونُ والأبْصارُ الضَّعِيفَةُ، فَكَذا هَهُنا.

يوسف 12:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾، و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ ما كُنْتَ عِنْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ أيْ عَزَمُوا عَلى أمْرِهِمْ، وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذا اللَّفْظِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ أيْ بِيُوسُفَ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصِدَ مِن هَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا. بَيانُ أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ أنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- ما طالَعَ الكُتُبَ، ولَمْ يُتَلْمَذْ لِأحَدٍ وما كانَتِ البَلْدَةُ بَلْدَةَ العُلَماءِ، فَإتْيانُهُ بِهَذِهِ القِصَّةِ الطَّوِيلَةِ عَلى وجْهٍ لَمْ يَقَعْ فِيهِ تَحْرِيفٌ ولا غَلَطٌ مِن غَيْرِ مُطالَعَةٍ ولا تَعَلُّمٍ، ومِن غَيْرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ حاضِرًا مَعَهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعْجِزًا وكَيْفَ يَكُونُ مُعْجِزًا وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ في هَذا الكِتابِ مِرارًا ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ وما كُنْتَ هُناكَ، ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- ما كانَ مَعَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ صفحة ١٧٨ اعْلَمْ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ وجَماعَةً مِنَ اليَهُودِ طَلَبُوا هَذِهِ القِصَّةَ مِن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، واعْتَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ إذا ذَكَرَها فَرُبَّما آمَنُوا، فَلَمّا ذَكَرَها أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ (القَصَصِ: ٥٦) قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ، لَأنَّ جَوابَ (لَوْ) لا يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَيْها، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: قُمْتُ لَوْ قُمْتَ. وقالَ الفَرّاءُ في ”المَصادِرِ“: يُقالُ: حَرَصَ يَحْرِصُ حِرْصًا، ولُغَةٌ أُخْرى شاذَّةٌ: حَرَصَ يَحْرِصُ حَرِيصًا. ومَعْنى الحِرْصُ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِأقْصى ما يُمْكِنُ مِنَ الِاجْتِهادِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ مَعْناهُ ظاهِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو تَذْكِرَةٌ لَهم في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والقَصَصِ والتَّكالِيفِ والعِباداتِ، ومَعْناهُ: أنَّ هَذا القُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلى هَذِهِ المَنافِعِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ لا تَطْلُبُ مِنهم مالًا ولا جُعْلًا، فَلَوْ كانُوا عُقَلاءَ لَقَبِلُوا ولَمْ يَتَمَرَّدُوا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ لا عَجَبَ إذا لَمْ يَتَأمَّلُوا في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِكَ، فَإنَّ العالَمَ مَمْلُوءٌ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ إنَّهم يَمُرُّونَ عَلَيْها ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها. واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مِن أُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ، وهي إمّا الأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ، وإمّا الأجْرامُ العُنْصُرِيَّةُ، أمّا الأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ: فَهي قِسْمانِ: إمّا الأفْلاكُ وإمّا الكَواكِبُ، أمّا الأفْلاكُ: فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِمَقادِيرِها المُعَيَّنَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِكَوْنِ بَعْضِها فَوْقَ البَعْضِ أوْ تَحْتَهُ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِأحْوالِ حَرَكاتِها، إمّا بِسَبَبِ أنَّ حَرَكاتِها مَسْبُوقَةٌ بِالعَدَمِ فَلا بُدَّ مِن مُحَرِّكٍ قادِرٍ، وإمّا بِسَبَبِ كَيْفِيَّةِ حَرَكاتِها في سُرْعَتِها وبُطْئِها، وإمّا بِسَبَبِ اخْتِلافِ جِهاتِ تِلْكَ الحَرَكاتِ. وأمّا الأجْرامُ الكَوْكَبِيَّةُ فَتارَةً يُسْتَدَلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِمَقادِيرِها وأحْيازِها وحَرَكاتِها، وتارَةً بِألْوانِها وأضْوائِها، وتارَةً بِتَأْثِيراتِها في حُصُولِ الأضْواءِ والأظْلالِ والظُّلُماتِ والنُّورِ. وأمّا الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ: فَإمّا أنْ تَكُونَ مَأْخُوذَةً مِن بِسائِطَ، وهي عَجائِبُ البَرِّ والبَحْرِ، وإمّا مِنَ المَوالِيدِ وهي أقْسامٌ: أحَدُها: الآثارُ العُلْوِيَّةُ كالرَّعْدِ والبَرْقِ والسَّحابِ والمَطَرِ والثَّلْجِ والهَواءِ وقَوْسِ قُزَحَ. وثانِيها: المَعادِنُ عَلى اخْتِلافِ طَبائِعِها وصِفاتِها وكَيْفِيّاتِها. وثالِثُها: النَّباتُ وخاصِّيَّةُ الخَشَبِ والوَرَقِ والثَّمَرِ واخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِطَبْعٍ خاصٍّ وطَعْمٍ خاصٍّ وخاصِّيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ. ورابِعُها: اخْتِلافُ أحْوالِ الحَيَواناتِ في أشْكالِها وطَبائِعِها وأصْواتِها وخِلْقَتِها. وخامِسُها: تَشْرِيحُ أبْدانِ النّاسِ وتَشْرِيحُ القُوى الإنْسانِيَّةِ، وبَيانُ المَنفَعَةِ الحاصِلَةِ فِيها، فَهَذِهِ مَجامِعُ الدَّلائِلِ. ومِن هَذا البابِ أيْضًا قَصَصُ الأوَّلِينَ وحِكاياتُ الأقْدَمِينَ وأنَّ المُلُوكَ الَّذِينَ اسْتَوْلَوْا عَلى الأرْضِ وخَرَّبُوا البِلادَ وقَهَرُوا العِبادَ ماتُوا ولَمْ يَبْقَ مِنهم في الدُّنْيا خَبَرٌ ولا أثَرٌ، ثُمَّ بَقِيَ الوِزْرُ والعِقابُ عَلَيْهِمْ، هَذا ضَبْطُ أنْواعِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، والكِتابُ المُحْتَوِي عَلى شَرْحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ هو شَرْحُ جُمْلَةِ العالَمِ الأعْلى والعالَمِ الأسْفَلِ، والعَقْلُ البَشَرِيُّ لا يَفِي بِالإحاطَةِ بِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (والأرْضُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ خَبَرُهُ، وقَرَأ السُّدِّيُّ (والأرْضَ) بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ: ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ بِقَوْلِنا: يَطُوفُونَها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (والأرْضُ يَمْشُونَ عَلَيْها) بِرَفْعِ الأرْضِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: صفحة ١٧٩ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥) إلّا أنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ لَهُ شَرِيكًا في المَعْبُودِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُمُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَلْبِيَةِ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: اللَّهُ رَبُّنا وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ المَلائِكَةُ بَناتُهُ، فَلَمْ يُوَحِّدُوا، بَلْ أشْرَكُوا، وقالَ عَبَدَةُ الأصْنامِ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، والأصْنامُ شُفَعاؤُنا عِنْدَهُ، وقالَتِ اليَهُودُ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. وقالَ عَبَدَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، وهَؤُلاءِ أرْبابُنا، وقالَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ ولا شَرِيكَ مَعَهُ. واحْتَجَّتِ الكَرامِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ فَقَطْ، لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّهم مُشْرِكُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنْ مُجَرَّدِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ، وجَوابُهُ مَعْلُومٌ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَنْبَسِطُ عَلَيْهِمْ وتَغْمُرُهم ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً. و(بَغْتَةً) نُصِبَ عَلى الحالِ، يُقالُ: بَغَتَهُمُ الأمْرُ بَغْتًا وبَغْتَةً إذا فاجَأهم مِن حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّعُوا، وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ .

يوسف 12:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾، و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ ما كُنْتَ عِنْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ أيْ عَزَمُوا عَلى أمْرِهِمْ، وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذا اللَّفْظِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ أيْ بِيُوسُفَ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصِدَ مِن هَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا. بَيانُ أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ أنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- ما طالَعَ الكُتُبَ، ولَمْ يُتَلْمَذْ لِأحَدٍ وما كانَتِ البَلْدَةُ بَلْدَةَ العُلَماءِ، فَإتْيانُهُ بِهَذِهِ القِصَّةِ الطَّوِيلَةِ عَلى وجْهٍ لَمْ يَقَعْ فِيهِ تَحْرِيفٌ ولا غَلَطٌ مِن غَيْرِ مُطالَعَةٍ ولا تَعَلُّمٍ، ومِن غَيْرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ حاضِرًا مَعَهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعْجِزًا وكَيْفَ يَكُونُ مُعْجِزًا وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ في هَذا الكِتابِ مِرارًا ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ وما كُنْتَ هُناكَ، ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- ما كانَ مَعَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ صفحة ١٧٨ اعْلَمْ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ وجَماعَةً مِنَ اليَهُودِ طَلَبُوا هَذِهِ القِصَّةَ مِن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، واعْتَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ إذا ذَكَرَها فَرُبَّما آمَنُوا، فَلَمّا ذَكَرَها أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ (القَصَصِ: ٥٦) قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ، لَأنَّ جَوابَ (لَوْ) لا يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَيْها، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: قُمْتُ لَوْ قُمْتَ. وقالَ الفَرّاءُ في ”المَصادِرِ“: يُقالُ: حَرَصَ يَحْرِصُ حِرْصًا، ولُغَةٌ أُخْرى شاذَّةٌ: حَرَصَ يَحْرِصُ حَرِيصًا. ومَعْنى الحِرْصُ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِأقْصى ما يُمْكِنُ مِنَ الِاجْتِهادِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ مَعْناهُ ظاهِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو تَذْكِرَةٌ لَهم في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والقَصَصِ والتَّكالِيفِ والعِباداتِ، ومَعْناهُ: أنَّ هَذا القُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلى هَذِهِ المَنافِعِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ لا تَطْلُبُ مِنهم مالًا ولا جُعْلًا، فَلَوْ كانُوا عُقَلاءَ لَقَبِلُوا ولَمْ يَتَمَرَّدُوا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ لا عَجَبَ إذا لَمْ يَتَأمَّلُوا في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِكَ، فَإنَّ العالَمَ مَمْلُوءٌ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ إنَّهم يَمُرُّونَ عَلَيْها ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها. واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مِن أُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ، وهي إمّا الأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ، وإمّا الأجْرامُ العُنْصُرِيَّةُ، أمّا الأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ: فَهي قِسْمانِ: إمّا الأفْلاكُ وإمّا الكَواكِبُ، أمّا الأفْلاكُ: فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِمَقادِيرِها المُعَيَّنَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِكَوْنِ بَعْضِها فَوْقَ البَعْضِ أوْ تَحْتَهُ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِأحْوالِ حَرَكاتِها، إمّا بِسَبَبِ أنَّ حَرَكاتِها مَسْبُوقَةٌ بِالعَدَمِ فَلا بُدَّ مِن مُحَرِّكٍ قادِرٍ، وإمّا بِسَبَبِ كَيْفِيَّةِ حَرَكاتِها في سُرْعَتِها وبُطْئِها، وإمّا بِسَبَبِ اخْتِلافِ جِهاتِ تِلْكَ الحَرَكاتِ. وأمّا الأجْرامُ الكَوْكَبِيَّةُ فَتارَةً يُسْتَدَلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِمَقادِيرِها وأحْيازِها وحَرَكاتِها، وتارَةً بِألْوانِها وأضْوائِها، وتارَةً بِتَأْثِيراتِها في حُصُولِ الأضْواءِ والأظْلالِ والظُّلُماتِ والنُّورِ. وأمّا الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ: فَإمّا أنْ تَكُونَ مَأْخُوذَةً مِن بِسائِطَ، وهي عَجائِبُ البَرِّ والبَحْرِ، وإمّا مِنَ المَوالِيدِ وهي أقْسامٌ: أحَدُها: الآثارُ العُلْوِيَّةُ كالرَّعْدِ والبَرْقِ والسَّحابِ والمَطَرِ والثَّلْجِ والهَواءِ وقَوْسِ قُزَحَ. وثانِيها: المَعادِنُ عَلى اخْتِلافِ طَبائِعِها وصِفاتِها وكَيْفِيّاتِها. وثالِثُها: النَّباتُ وخاصِّيَّةُ الخَشَبِ والوَرَقِ والثَّمَرِ واخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِطَبْعٍ خاصٍّ وطَعْمٍ خاصٍّ وخاصِّيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ. ورابِعُها: اخْتِلافُ أحْوالِ الحَيَواناتِ في أشْكالِها وطَبائِعِها وأصْواتِها وخِلْقَتِها. وخامِسُها: تَشْرِيحُ أبْدانِ النّاسِ وتَشْرِيحُ القُوى الإنْسانِيَّةِ، وبَيانُ المَنفَعَةِ الحاصِلَةِ فِيها، فَهَذِهِ مَجامِعُ الدَّلائِلِ. ومِن هَذا البابِ أيْضًا قَصَصُ الأوَّلِينَ وحِكاياتُ الأقْدَمِينَ وأنَّ المُلُوكَ الَّذِينَ اسْتَوْلَوْا عَلى الأرْضِ وخَرَّبُوا البِلادَ وقَهَرُوا العِبادَ ماتُوا ولَمْ يَبْقَ مِنهم في الدُّنْيا خَبَرٌ ولا أثَرٌ، ثُمَّ بَقِيَ الوِزْرُ والعِقابُ عَلَيْهِمْ، هَذا ضَبْطُ أنْواعِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، والكِتابُ المُحْتَوِي عَلى شَرْحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ هو شَرْحُ جُمْلَةِ العالَمِ الأعْلى والعالَمِ الأسْفَلِ، والعَقْلُ البَشَرِيُّ لا يَفِي بِالإحاطَةِ بِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (والأرْضُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ خَبَرُهُ، وقَرَأ السُّدِّيُّ (والأرْضَ) بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ: ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ بِقَوْلِنا: يَطُوفُونَها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (والأرْضُ يَمْشُونَ عَلَيْها) بِرَفْعِ الأرْضِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: صفحة ١٧٩ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥) إلّا أنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ لَهُ شَرِيكًا في المَعْبُودِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُمُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَلْبِيَةِ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: اللَّهُ رَبُّنا وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ المَلائِكَةُ بَناتُهُ، فَلَمْ يُوَحِّدُوا، بَلْ أشْرَكُوا، وقالَ عَبَدَةُ الأصْنامِ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، والأصْنامُ شُفَعاؤُنا عِنْدَهُ، وقالَتِ اليَهُودُ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. وقالَ عَبَدَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، وهَؤُلاءِ أرْبابُنا، وقالَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ ولا شَرِيكَ مَعَهُ. واحْتَجَّتِ الكَرامِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ فَقَطْ، لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّهم مُشْرِكُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنْ مُجَرَّدِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ، وجَوابُهُ مَعْلُومٌ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَنْبَسِطُ عَلَيْهِمْ وتَغْمُرُهم ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً. و(بَغْتَةً) نُصِبَ عَلى الحالِ، يُقالُ: بَغَتَهُمُ الأمْرُ بَغْتًا وبَغْتَةً إذا فاجَأهم مِن حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّعُوا، وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ .

يوسف 12:108

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لَهم: هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أدْعُو إلَيْها، والطَّرِيقَةُ الَّتِي أنا عَلَيْها سَبِيلِي وسُنَّتِي ومِنهاجِي، وسُمِّيَ الدِّينُ سَبِيلًا لِأنَّهُ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إلى الثَّوابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (النَّحْلِ: ١٢٥) . واعْلَمْ أنَّ السَّبِيلَ في أصْلِ اللُّغَةِ الطَّرِيقُ، وشَبَّهُوا المُعْتَقَداتِ بِها لَمّا أنَّ الإنْسانَ يَمُرُّ عَلَيْها إلى الجَنَّةِ. ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ وحُجَّةٍ وبُرْهانٍ، أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي إلى سِيرَتِي وطَرِيقَتِي وسِيرَةِ أتْباعِي الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن ذَكَرَ الحُجَّةَ وأجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ؛ فَقَدْ دَعا بِمِقْدارِ وُسْعِهِ إلى اللَّهِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ تَعالى إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ مَعَ هَذا الشَّرْطِ وهو أنْ يَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ مِمّا يَقُولُ وعَلى هُدًى ويَقِينٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو مَحْضُ الغُرُورِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «العُلَماءُ أُمَناءُ الرُّسُلِ عَلى عِبادِ اللَّهِ مِن حَيْثُ يَحْفَظُونَ لِما تَدْعُونَهم إلَيْهِ» وقِيلَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَنْقَطِعَ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ قُلْ: هَذِهِ سَبِيلِي، وقُلْ: سُبْحانَ اللَّهِ؛ تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ، وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ ضِدًّا ونِدًّا وكُفُؤًا ووَلَدًا. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ حِرْفَةَ الكَلامِ وعِلْمَ الأُصُولِ حِرْفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنَّ اللَّهَ ما بَعَثَهم إلى الخَلْقِ إلّا لِأجْلِها.

يوسف 12:109

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: (نُوحِي) بِالنُّونِ، والباقُونَ بِالياءِ ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾، قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورِوايَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ: (تَعْقِلُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ: بِالياءِ عَلى الغائِبِ. واعْلَمْ أنَّ مِن جُمْلَةِ شُبَهِ مُنْكِرِي نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ إرْسالَ رَسُولٍ لَبَعَثَ مَلَكًا، فَقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾، فَلَمّا كانَ الكُلُّ هَكَذا فَكَيْفَ تَعَجَّبُوا في حَقِّكَ يا مُحَمَّدُ ؟ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ ما بَعَثَ رَسُولًا إلى الحَقِّ مِنَ النِّسْوانِ، وأيْضًا لَمْ يَبْعَثْ رَسُولًا مِن أهْلِ البادِيَةِ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن بَدا جَفا، ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ» * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ إلى مَصارِعِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ والمَعْنى دارُ الحالَةِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ لِلنّاسِ حالَتَيْنِ: حالُ الدُّنْيا وحالُ الآخِرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: صَلاةُ الأُولى أيْ: صَلاةُ الفَرِيضَةِ الأُولى، وأمّا بَيانُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الأُولى فَقَدْ ذَكَرْنا دَلائِلَهُ مِرارًا.

يوسف 12:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (كُذِبُوا) بِالتَّخْفِيفِ، وكَسْرِ الذّالِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، ومَعْنى التَّخْفِيفِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الظَّنَّ واقِعٌ بِالقَوْمِ، أيْ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن إيمانِ القَوْمِ فَظَنَّ القَوْمُ أنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوا فِيما وعَدُوا مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ. فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَجْرِ فِيما سَبَقَ ذِكْرُ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ إلَيْهِمْ ؟ قُلْنا: ذِكْرُ الرُّسُلِ يَدُلُّ عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ إنَّ ذِكْرَهم جَرى في قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (يُوسُفَ: ١٠٩) فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ، والظَّنُّ هَهُنا بِمَعْنى التَّوَهُّمِ والحُسْبانِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ ظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا فِيما وُعِدُوا وهَذا التَّأْوِيلُ مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ صفحة ١٨١ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالُوا: وإنَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأجْلِ ضَعْفِ البَشَرِيَّةِ إلّا أنَّهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ بِاللَّهِ الكَذِبَ، بَلْ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِثْلُهُ عَلى الرُّسُلِ ؟ وأمّا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ فَفِيها وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الظَّنَّ بِمَعْنى اليَقِينِ، أيْ وأيْقَنُوا أنَّ الأُمَمَ كَذَّبُوهم تَكْذِيبًا لا يَصْدُرُ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ دَعَوْا عَلَيْهِمْ، فَهُنالِكَ أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ. ووُرُودُ الظَّنِّ بِمَعْنى العِلْمِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٤٦) أيْ يَتَيَقَّنُونَ ذَلِكَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ الظَّنُّ بِمَعْنى الحُسْبانِ، والتَّقْدِيرُ: حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ، فَظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ كَذَّبُوهم وهَذا التَّأْوِيلُ مَنقُولٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وهو أحْسَنُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ أبِي مُلَيْكَةَ نَقَلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: وظَنَّ الرُّسُلُ أنَّهم كُذِبُوا؛ لِأنَّهم كانُوا بَشَرًا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ٢١٤) ؟ قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأنْكَرَتْهُ، وقالَتْ: ما وعَدَ اللَّهُ مُحَمَّدًا -ﷺ- شَيْئًا إلّا وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ سَيُوَفِّيهِ، ولَكِنَّ البَلاءَ لَمْ يَزَلْ بِالأنْبِياءِ حَتّى خافُوا مِن أنْ يُكَذِّبَهُمُ الَّذِينَ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِهِمْ وهَذا الرَّدُّ والتَّأْوِيلُ في غايَةِ الحُسْنِ مِن عائِشَةَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ أيْ لَمّا بَلَغَ الحالُ إلى الحَدِّ المَذْكُورِ ﴿جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: (فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الجِيمِ وفَتْحِ الياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ لِأنَّهُ في المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ إدْغامُ إحْدى النُّونَيْنِ في الأُخْرى، وقَرَأ بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الجِيمِ وسُكُونِ الياءِ، قالَ بَعْضُهم: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ النُّونَ مُتَحَرِّكَةٌ فَلا تُدْغَمُ في السّاكِنِ، ولا يَجُوزُ إدْغامُ النُّونِ في الجِيمِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ وسُكُونِ الياءِ عَلى مَعْنى: ونَحْنُ نَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ حالٍ، ألا تَرى أنَّ القِصَّةَ فِيما مَضى وإنَّما حَكى فِعْلَ الحالِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ (القَصَصِ: ١٥) إشارَةٌ إلى الحاضِرِ والقِصَّةُ ماضِيَةٌ ؟

يوسف 12:111

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الِاعْتِبارَ عِبارَةٌ عَنِ العُبُورِ مِنَ الطَّرَفِ المَعْلُومِ إلى الطَّرَفِ المَجْهُولِ، والمُرادُ مِنهُ التَّأمُّلُ والتَّفَكُّرُ، ووَجْهُ الِاعْتِبارِ بِقَصَصِهِمْ أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى إعْزازِ يُوسُفَ بَعْدَ إلْقائِهِ في الجُبِّ، وإعْلائِهِ بَعْدَ حَبْسِهِ في السِّجْنِ، وتَمْلِيكِهِ مِصْرَ بَعْدَ أنْ كانُوا يَظُنُّونَ بِهِ أنَّهُ عَبْدٌ لَهم، وجَمْعِهِ مَعَ والِدَيْهِ وإخْوَتِهِ عَلى ما أحَبَّ بَعْدَ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، لَقادِرٌ عَلى إعْزازِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ. الثّانِي: أنَّ الإخْبارَ عَنْهُ جارٍ مَجْرى الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ -ﷺ . الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ (يُوسُفَ: ٣) ثُمَّ ذَكَرَ في آخِرِها: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ صفحة ١٨٢ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حُسْنَ هَذِهِ القِصَّةِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ يَحْصُلُ مِنها العِبْرَةُ ومَعْرِفَةُ الحِكْمَةِ والقُدْرَةِ. والمُرادُ مِن قَصَصِهِمْ قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإخْوَتِهِ وأبِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ قَصَصُ الرُّسُلِ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ في القُرْآنِ ذِكْرُ قَصَصِ سائِرِ الرُّسُلِ إلّا أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ قِصَّةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ مَعَ أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- كانُوا ذَوِي عُقُولٍ وأحْلامٍ، وقَدْ كانَ الكَثِيرُ مِنهم لَمْ يَعْتَبِرْ بِذَلِكَ. قُلْنا: إنَّ جَمِيعَهم كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاعْتِبارِ، والمُرادُ مِن وصْفِ هَذِهِ القِصَّةِ بِكَوْنِها عِبْرَةً كَوْنُها بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَعْتَبِرَ بِها العاقِلُ، أوْ نَقُولُ: المُرادُ مِن أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا وتَفَكَّرُوا وتَأمَّلُوا فِيها وانْتَفَعُوا بِمَعْرِفَتِها؛ لِأنَّ (أُولِي الألْبابِ) لَفْظٌ يَدُلُّ عَلى المَدْحِ والثَّناءِ فَلا يَلِيقُ إلّا بِما ذَكَرْناهُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ القِصَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ الَّذِي جاءَ بِهِ وهو مُحَمَّدٌ -ﷺ- لا يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَفْتَرِيَ لِأنَّهُ لَمْ يَقْرَأِ الكُتُبَ ولَمْ يُتَلْمَذْ لِأحَدٍ، ولَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ؛ فَمِنَ المُحالِ أنْ يَفْتَرِيَ هَذِهِ القِصَّةَ بِحَيْثُ تَكُونُ مُطابِقَةً لِما ورَدَ في التَّوْراةِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهُ لَيْسَ يَكْذِبُ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ الكَذِبُ مِنهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ كَوْنَهُ غَيْرَ مُفْتَرًى، فَقالَ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ وهو إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ ورَدَتْ عَلى الوَجْهِ المُوافِقِ لِما في التَّوْراةِ وسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ونُصِبَ تَصْدِيقًا عَلى تَقْدِيرِ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ (الأحْزابِ: ٤٠) قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ رَفْعُهُ في قِياسِ النَّحْوِ عَلى مَعْنى: ولَكِنْ هو تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ: وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ مِن واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أبِيهِ وإخْوَتِهِ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ (الأنْعامِ: ٣٨) فَإنَّ جَعْلَ هَذا الوَصْفِ وصْفًا لِكُلِّ القُرْآنِ ألْيَقُ مِن جَعْلِهِ وصْفًا لِقِصَّةِ يُوسُفَ وحْدَها، ويَكُونُ المُرادُ: ما يَتَضَمَّنُ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ وسائِرِ ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ. قالَ الواحِدِيُّ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ جَمِيعًا: فَهو مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ كَقَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعْرافِ: ١٥٦) يُرِيدُ: كُلُّ شَيْءٍ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٣) . الصِّفَةُ الرّابِعَةُ والخامِسَةُ: كَوْنُها هُدًى في الدُّنْيا وسَبَبًا لِحُصُولِ الرَّحْمَةِ في القِيامَةِ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهِ كَما قَرَّرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢) واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ الأرْبِعاءِ السّابِعِ مِن شَعْبانَ، خُتِمَ بِالخَيْرِ والرِّضْوانِ، سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، وقَدْ كُنْتُ ضَيِّقَ الصَّدْرِ جِدًّا بِسَبَبِ وفاةِ الوَلَدِ الصّالِحِ مُحَمَّدٍ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ والغُفْرانِ وخَصَّهُ بِدَرَجاتِ الفَضْلِ والإحْسانِ، وذَكَرْتُ هَذِهِ الأبْياتَ في مَرْثِيَّتِهِ عَلى صفحة ١٨٣ سَبِيلِ الإيجازِ: فَلَوْ كانَتِ الأقْدارُ مُنْقادَةً لَنا فَدَيْناكَ مِن حِماكَ بِالرُّوحِ والجِسْمِ ولَوْ كانَتِ الأمْلاكُ تُؤْخَذُ رِشْوَةً ∗∗∗ خَضَعْنا لَها بِالرِّقِّ في الحُكْمِ والِاسْمِ ولَكِنَّهُ حُكْمٌ إذا حانَ حِينُهُ ∗∗∗ سَرى مِن مَقَرِّ العَرْشِ في لُجَّةِ اليَمِّ سَأبْكِي عَلَيْكَ العُمْرَ بِالدَّمِ دائِمًا ∗∗∗ ولَمْ أنْحَرِفْ عَنْ ذاكَ في الكَيْفِ والكَمِّ سَلامٌ عَلى قَبْرٍ دُفِنْتَ بِتُرْبِهِ ∗∗∗ وأتْحَفَكَ الرَّحْمَنُ بِالكَرَمِ الجَمِّ وما صَدَّنِي عَنْ جَعْلِ جَفْنِي مَدْفَنًا ∗∗∗ لِجِسْمِكَ إلّا أنَّهُ أبَدًا يَهْمِي وأُقْسِمُ إنْ مَسُّوا رُفاتِي ورِمَّتِي ∗∗∗ أحَسُّوا بِنارِ الحُزْنِ في مَكْمَنِ العَظْمِ حَياتِي ومَوْتِي واحِدٌ بَعْدَ بُعْدِكم ∗∗∗ بَلِ المَوْتُ أوْلى مِن مُداوَمَةِ الغَمِّ رَضِيتُ بِما أمْضى الإلَهُ بِحُكْمِهِ ∗∗∗ لِعِلْمِي بِأنِّي لا يُجاوِزُنِي حُكْمِي وأنا أُوصِي مَن طالَعَ كِتابِي واسْتَفادَ ما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ النَّفِيسَةِ العالِيَةِ أنْ يَخُصَّ ولَدِي ويَخُصَّنِي بِقِراءَةِ الفاتِحَةِ، ويَدْعُوَ لِمَن قَدْ ماتَ في غُرْبَةٍ بَعِيدًا عَنِ الإخْوانِ والأبِ والأُمِّ بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ، فَإنِّي كُنْتُ أيْضًا كَثِيرَ الدُّعاءِ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ في حَقِّي وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا آمِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الرعد 13:1

صفحة ١٨٤ (سُورَةُ الرَّعْدِ) مَدَنِيَّةٌ، وآياتُها: ٤٣، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿المر﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ سُورَةُ الرَّعْدِ أرْبَعُونَ وثَلاثُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ سِوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ (الرَّعْدِ: ٣١) وقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ (الرَّعْدِ: ٤٣) قالَ الأصَمُّ هي مَدَنِيَّةٌ بِالإجْماعِ سِوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ (الرَّعْدِ: ٣١) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿المر﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنّا قَدْ تَكَلَّمْنا في هَذِهِ الألْفاظِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَعْناهُ: أنا اللَّهُ أعْلَمُ، وقالَ في رِوايَةِ عَطاءٍ: أنا اللَّهُ المَلِكُ الرَّحْمَنُ، وقَدْ أمالَها أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما وفَخَّمَها جَماعَةٌ مِنهم عاصِمٌ، وقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ المُسَمّاةِ بِـ (المر) . ثُمَّ قالَ: إنَّها آياتُ الكِتابِ. وهَذا الكِتابُ الَّذِي أعْطاهُ مُحَمَّدًا بِأنْ يُنْزِلَهُ عَلَيْهِ ويَجْعَلَهُ باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ﴾ خَبَرُهُ، ومِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ القِياسِ، فَقالَ: الحُكْمُ المُسْتَنْبَطُ بِالقِياسِ غَيْرُ نازِلٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإلّا لَكانَ مَن لَمْ يَحْكم بِهِ كافِرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ (المائِدَةِ: ٤٤) وبِالإجْماعِ لا يَكْفُرُ، فَثَبَتَ أنَّ الحُكْمَ المُثْبَتَ بِالقِياسِ غَيْرُ نازِلٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ حَقًّا لِأجْلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ لا حَقَّ إلّا ما أنْزَلَهُ اللَّهُ، فَكُلُّ ما لَمْ يُنْزِلْهُ اللَّهُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ حَقًّا، وإذا لَمْ يَكُنْ حَقًّا وجَبَ أنْ يَكُونَ باطِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ (يُونُسَ: ٣٢) ومُثْبِتُو القِياسِ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأنَّ الحُكْمَ المُثْبَتَ بِالقِياسِ نازِلٌ أيْضًا مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ صفحة ١٨٥ لَمّا أمَرَ بِالعَمَلِ بِالقِياسِ كانَ الحُكْمُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القِياسُ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ -ﷺ- هو الحَقُّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى سَبِيلِ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ.

الرعد 13:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اللَّهُ مُبْتَدَأٌ والَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ خَبَرُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ (الرَّعْدِ: ٣) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ صِفَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ الواحِدِيُّ: العَمَدُ: الأساطِينُ، وهو جَمْعُ عِمادٍ، يُقالُ: عِمادٌ وعُمُدٌ، مِثْلُ إهابٍ وأُهُبٍ، وقالَ الفَرّاءُ: العَمَدُ والعُمُدُ جَمْعُ العَمُودِ، مِثْلُ أدِيمٍ وأدَمٍ وأُدُمٍ، وقَضِيمٍ وقَضَمٍ وقُضُمٍ، والعِمادُ والعَمُودُ ما يُعْمَدُ بِهِ الشَّيْءُ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ عَمَدُ قَوْمِهِ إذا كانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فِيما بَيْنَهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ بِأحْوالِ السَّماواتِ وبِأحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ وبِأحْوالِ الأرْضِ وبِأحْوالِ النَّباتِ، أمّا الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمْدٍ تَرَوْنَها، فالمَعْنى: أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ العَظِيمَةَ بَقِيَتْ واقِفَةً في الجَوِّ العالِي، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ بَقاؤُها هُناكَ لِأعْيانِها ولِذَواتِها لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ ولَوْ وجَبَ حُصُولُ جِسْمٍ في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لَوَجَبَ حُصُولُ كُلِّ جِسْمٍ في ذَلِكَ الحَيِّزِ. والثّانِي: أنَّ الخَلاءَ لا نِهايَةَ لَهُ، والأحْيازُ المُعْتَرِضَةُ في ذَلِكَ الخَلاءِ الصِّرْفِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وهي بِأسْرِها مُتَساوِيَةٌ، ولَوْ وجَبَ حُصُولُ جِسْمٍ في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لَوَجَبَ حُصُولُهُ في جَمِيعِ الأحْيازِ ضَرُورَةَ أنَّ الأحْيازَ بِأسْرِها مُتَشابِهَةٌ؛ فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ في أحْيازِها وجِهاتِها لَيْسَ أمْرًا واجِبًا لِذاتِهِ، بَلْ لا بُدَّ مِن مُخَصِّصٍ ومُرَجِّحٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّها بَقِيَتْ بِسِلْسِلَةٍ فَوْقَها ولا عَمَدَ تَحْتَها، وإلّا لَعادَ الكَلامُ في ذَلِكَ الحافِظِ ولَزِمَ المُرُورُ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، وهو مُحالٌ فَثَبَتَ أنْ يُقالَ: الأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ في أحْيازِها العالِيَةِ لِأجْلِ أنَّ مُدَبِّرَ العالَمِ تَعالى وتَقَدَّسَ أوْقَفَها هُناكَ. فَهَذا بُرْهانٌ قاهِرٌ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القاهِرِ القادِرِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الإلَهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا مُخْتَصٍّ بِحَيِّزٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ حاصِلًا في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ في ذَلِكَ الحَيِّزِ لِذاتِهِ ولِعَيْنِهِ لِما بَيَّنّا أنَّ الأحْيازَ بِأسْرِها مُتَساوِيَةٌ؛ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لِذاتِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، وكُلُّ ما حَصَلَ بِالفاعِلِ المُخْتارِ فَهو مُحْدَثٌ فاخْتِصاصُهُ بِالحَيِّزِ المُعَيَّنِ مُحْدَثٌ، وذاتُهُ لا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ وما لا يَخْلُو عَنِ الحادِثِ فَهو حادِثٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ كانَ حاصِلًا في الحَيِّزِ المُعَيَّنِ لَكانَ حادِثًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، وأيْضًا كُلُّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ، فَلَوْ كانَ تَعالى مَوْجُودًا في جِهَةٍ فَوْقِ جِهَةٍ لَكانَ مِن جُمْلَةِ السَّماواتِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ صفحة ١٨٦ فَكُلُّ ما كانَ مُخْتَصًّا بِجِهَةٍ فَوْقَ جِهَةٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى حِفْظِ الإلَهِ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإلَهُ مُنَزَّهًا عَنْ جِهَةِ فَوْقُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَرَوْنَها﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ والمَعْنى: رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ. ثُمَّ قالَ: ﴿تَرَوْنَها﴾ أيْ وأنْتُمْ تَرَوْنَها أيْ مَرْفُوعَةً بِلا عِمادٍ. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ في تَقْرِيرِ الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: رَفَعَ السَّماواتِ تَرَوْنَها بِغَيْرِ عَمَدٍ. واعْلَمْ أنَّهُ إذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ كانَ المَصِيرُ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ غَيْرَ جائِزٍ. والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَرَوْنَها﴾ صِفَةٌ لِلْعَمَدِ، والمَعْنى: بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ، أيْ لِلسَّمَواتِ عَمَدٌ ولَكِنّا لا نَراها، قالُوا: ولَها عَمَدٌ عَلى جَبَلِ قافٍ، وهو جَبَلٌ مِن زَبَرْجَدٍ مُحِيطٌ بِالدُّنْيا، ولَكِنَّكم لا تَرَوْنَها. وهَذا التَّأْوِيلُ في غايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، ولَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرُوهُ لَما ثَبَتَتِ الحُجَّةُ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: إنَّ السَّماواتِ لَمّا كانَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلى جَبَلِ قافٍ فَأيُّ دَلالَةٍ لِثُبُوتِها عَلى وُجُودِ الإلَهِ ؟ وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ أحْسَنُ مِنَ الكُلِّ، وهو أنَّ العِمادَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ إنَّما بَقِيَتْ واقِفَةً في الجَوِّ العالِي بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَكُونُ عَمَدُها هو قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى، فَنَتَجَ أنْ يُقالَ إنَّهُ رَفَعَ السَّماءَ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها، أيْ: لَها عَمَدٌ في الحَقِيقَةِ إلّا أنَّ تِلْكَ العَمَدَ هي قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى وحِفْظُهُ وتَدْبِيرُهُ وإبْقاؤُهُ إيّاها في الجَوِّ العالِي، وأنَّهم لا يَرَوْنَ ذَلِكَ التَّدْبِيرَ، ولا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الإمْساكِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَهُ مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُشاهَدًا مَعْلُومًا، وأنَّ أحَدًا ما رَأى أنَّهُ تَعالى اسْتَقَرَّ عَلى العَرْشِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلَيْهِ ؟ وأيْضًا بِتَقْدِيرِ أنْ يُشاهَدَ كَوْنُهُ مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُشْعِرُ بِكَمالِ حالِهِ وغايَةِ جَلالِهِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى احْتِياجِهِ إلى المَكانِ والحَيِّزِ، وأيْضًا فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ بِهَذِهِ الحالَةِ ثُمَّ صارَ بِهَذِهِ الحالَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّغَيُّرَ. وأيْضًا الِاسْتِواءُ ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُعْوَجًّا مُضْطَرِبًا، ثُمَّ صارَ مُسْتَوِيًا، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ اسْتِواؤُهُ عَلى عالَمِ الأجْسامِ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ والتَّدْبِيرِ والحِفْظِ، يَعْنِي أنَّ مَن فَوْقَ العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى في حِفْظِهِ وفي تَدْبِيرِهِ وفي الِاحْتِياجِ إلَيْهِ. وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ: فَهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ اشْتَمَلَ عَلى نَوْعَيْنِ مِنَ الدَّلالَةِ: النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ القاهِرِ بِحَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ، فَهَذِهِ الأجْرامُ قابِلَةٌ لِلْحَرَكَةِ والسُّكُونِ فاخْتِصاصُها بِالحَرَكَةِ الدّائِمَةِ دُونَ السُّكُونِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ. وأيْضًا أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الحَرَكاتِ مُخْتَصَّةٌ بِكَيْفِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ البُطْءِ والسُّرْعَةِ، فَلا بُدَّ أيْضًا مِن مُخَصِّصٍ لا سِيَّما عِنْدَ مَن يَقُولُ: الحَرَكَةُ البَطِيئَةُ مَعْناها حَرَكاتٌ مَخْلُوطَةٌ بِسَكَناتٍ، وهَذا يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِأنَّها تَتَحَرَّكُ في بَعْضِ الأحْيازِ، وتَسْكُنُ في البَعْضِ، فَحُصُولُ الحَرَكَةِ في ذَلِكَ الحَيِّزِ المُعَيَّنِ والسُّكُونُ في الحَيِّزِ الآخَرِ لا بُدَّ فِيهِ أيْضًا مِن مُرَجِّحٍ. الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ تَقْدِيرَ تِلْكَ الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ بِمَقادِيرَ مَخْصُوصَةٍ عَلى وجْهٍ تَحْصُلُ عَوْداتُها وأدْوارُها مُتَساوِيَةً بِحَسَبِ المُدَّةِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ فَلا بُدَّ مِن مُقَدِّرٍ. صفحة ١٨٧ والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ بَعْضَ تِلْكَ الحَرَكاتِ مَشْرِقِيَّةٌ وبَعْضَها مَغْرِبِيَّةٌ وبَعْضَها مائِلَةٌ إلى الشَّمالِ وبَعْضَها مائِلَةٌ إلى الجَنُوبِ، وهَذا أيْضًا لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرٍ كامِلٍ وحِكْمَةٍ بالِغَةٍ. النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مِائَةٌ وثَمانُونَ مَنزِلًا كُلَّ يَوْمٍ لَها مَنزِلٌ، وذَلِكَ يَتِمُّ في سِتَّةِ أشْهُرٍ، ثُمَّ إنَّها تَعُودُ مَرَّةً أُخْرى إلى واحِدٍ مِنها في سِتَّةِ أشْهُرٍ أُخْرى، وكَذَلِكَ القَمَرُ لَهُ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ هَذا. وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ تَعالى قَدَّرَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ سَيْرًا خاصًّا إلى جِهَةٍ خاصَّةٍ بِمِقْدارٍ خاصٍّ مِنَ السُّرْعَةِ والبُطْءِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ لَها بِحَسَبِ كُلِّ لَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ حالَةٌ أُخْرى ما كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ كَوْنُهُما مُتَحَرِّكَيْنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ اليَوْمِ تَنْقَطِعُ هَذِهِ الحَرَكاتُ، وتَبْطُلُ تِلْكَ السِّيراتُ كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ (التَّكْوِيرِ: ١، ٢) ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ١) ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (الِانْفِطارِ: ١) ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ (القِيامَةِ: ٩) وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ (الأنْعامِ: ٢) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ قالَ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَمَلَ هَذا عَلى تَدْبِيرِ نَوْعٍ آخَرَ مِن أحْوالِ العالَمِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ فَهو يُدَبِّرُهم بِالإيجادِ والإعْدامِ وبِالإحْياءِ والإماتَةِ والإغْناءِ والإفْقارِ، ويَدْخُلُ فِيهِ إنْزالُ الوَحْيِ، وبَعْثَةُ الرُّسُلِ، وتَكْلِيفُ العِبادِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَجِيبٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا العالَمَ المَعْلُومَ مِن أعْلى العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى أنْواعٌ وأجْناسٌ لا يُحِيطُ بِها إلّا اللَّهُ تَعالى. والدَّلِيلُ المَذْكُورُ دَلَّ عَلى أنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِوَضْعِهِ ومَوْضِعِهِ وصِفَتِهِ وطَبِيعَتِهِ وحِلْيَتِهِ، لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِتَدْبِيرِ شَيْءٍ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ شَيْءٌ آخَرُ إلّا البارِي سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، أمّا العاقِلُ فَإنَّهُ إذا تَأمَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ عالَمَ الأجْسامِ وعالَمَ الأرْواحِ، ويُدَبِّرُ الكَبِيرَ كَما يُدَبِّرُ الصَّغِيرَ، فَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، ولا يَمْنَعُهُ تَدْبِيرٌ عَنْ تَدْبِيرٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ غَيْرُ مُشابِهٍ لِلْمُحْدَثاتِ والمُمْكِناتِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى إلَهِيَّتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ. والثّانِي: أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ قِسْمانِ: أحَدُهُما: المَوْجُوداتُ الباقِيَةُ الدّائِمَةُ كالأفْلاكِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الدَّلائِلِ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والثّانِي: المَوْجُوداتُ الحادِثَةُ المُتَغَيِّرَةُ، وهي المَوْتُ بَعْدَ الحَياةِ، والفَقْرُ بَعْدَ الغِنى، والهَرَمُ بَعْدَ الصِّحَّةِ، وكَوْنُ الأحْمَقِ في أهْنَأِ العَيْشِ، والعاقِلِ الذَّكِيِّ في أشَدِّ الأحْوالِ، فَهَذا النَّوْعُ مِنَ المَوْجُوداتِ والأحْوالِ دَلالَتُها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ ظاهِرَةٌ باهِرَةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَحْدُثُ بَعْضُها عَقِيبَ بَعْضٍ عَلى سَبِيلِ التَّمْيِيزِ والتَّفْصِيلِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ المَذْكُورَةَ كَما تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ فَهي أيْضًا تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ وتَدْبِيرِها عَلى عَظَمَتِها وكَثْرَتِها فَلَأنْ يَقْدِرَ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ كانَ أوْلى. يُرْوى أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إنَّهُ صفحة ١٨٨ تَعالى كَيْفَ يُحاسِبُ الخَلْقَ دُفْعَةً واحِدَةً ؟ فَقالَ: كَما يَرْزُقُهُمُ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً، وكَما يَسْمَعُ نِداءَهم ويُجِيبُ دُعاءَهُمُ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى كَما قَدَرَ عَلى إبْقاءِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ والنَّيِّراتِ الكَوْكَبِيَّةِ في الجَوِّ العالِي وإنْ كانَ الخَلْقُ عاجِزِينَ عَنْهُ، وكَما يُمْكِنُهُ أنْ يُدَبِّرَ مِن فَوْقِ العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى بِحَيْثُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، فَكَذَلِكَ يُحاسِبُ الخَلْقَ بِحَيْثُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، ومِنَ الأصْحابِ مَن تَمَسَّكَ بِلَفْظِ اللِّقاءِ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُهُ في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا.

الرعد 13:3

﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ الدَّلائِلَ السَّماوِيَّةَ أرْدَفَها بِتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ الأرْضِيَّةِ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِهِ الأرْضَ وأحْوالَها مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الشَّيْءَ إذا تَزايَدَ حَجْمُهُ ومِقْدارُهُ صارَ كَأنَّ ذَلِكَ الحَجْمَ وذَلِكَ المِقْدارَ يَمْتَدُّ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي جَعَلَ الأرْضَ مُخْتَصَّةً بِذَلِكَ المِقْدارِ المُعَيَّنِ الحاصِلِ لَهُ لا أزْيَدَ ولا أنْقَصَ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كَوْنَ الأرْضِ أزْيَدَ مِقْدارًا مِمّا هو الآنَ وأنْقَصَ مِنهُ أمْرٌ جائِزٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، فاخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ المِقْدارِ المُعَيَّنِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ وتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ. الثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المَدُّ هو البَسْطُ إلى ما لا يُدْرَكُ مُنْتَهاهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ حَجْمَ الأرْضِ حَجْمًا عَظِيمًا لا يَقَعُ البَصَرُ عَلى مُنْتَهاهُ؛ لِأنَّ الأرْضَ لَوْ كانَتْ أصْغَرَ حَجْمًا مِمّا هي الآنَ عَلَيْهِ لَما كَمُلَ الِانْتِفاعُ بِهِ. والثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ: كانَتِ الأرْضُ مُدَوَّرَةً فَمَدَّها ودَحا مِن مَكَّةَ تَحْتَ البَيْتِ فَذَهَبَتْ كَذا وكَذا. وقالَ آخَرُونَ: كانَتْ مُجْتَمِعَةً عِنْدَ البَيْتِ المُقَدَّسِ، فَقالَ لَها: اذْهَبِي كَذا وكَذا. اعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما يَتِمُّ إذا قُلْنا: الأرْضُ مُسَطَّحَةٌ لا كُرَةٌ، وأصْحابُ هَذا القَوْلِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النّازِعاتِ: ٣٠] وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ المُكابَرَةُ فِيهِ؟ فَإنْ قالُوا: وقَوْلُهُ: ﴿مَدَّ الأرْضَ﴾ يُنافِي كَوْنَها كُرَةً، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مَدُّها؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ الأرْضَ جِسْمٌ عَظِيمٌ، والكُرَةُ إذا كانَتْ في غايَةِ الكِبَرِ كانَ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها تُشاهَدُ كالسَّطْحِ، والتَّفاوُتُ الحاصِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّطْحِ لا يَحْصُلُ إلّا في عِلْمِ اللَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ صفحة ٤ [النَّبَأِ: ٧] فَجَعَلَها أوْتادًا مَعَ أنَّ العالَمَ مِنَ النّاسِ يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها فَكَذَلِكَ هاهُنا. والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما ذُكِرَتْ لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، والشَّرْطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مُشاهَدًا مَعْلُومًا حَتّى يَصِحَّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وكَوْنُها مُجْتَمِعَةً تَحْتَ البَيْتِ أمْرٌ غَيْرُ مُشاهَدٍ ولا مَحْسُوسٍ، فَلا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَثَبَتَ أنَّ التَّأْوِيلَ الحَقَّ هو ما ذَكَرْناهُ. * * * والنوع الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ: الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الجِبالِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مِن فَوْقِها ثابِتَةً باقِيَةً في أحْيازِها غَيْرَ مُنْتَقِلَةٍ عَنْ أماكِنِها، يُقالُ: رَسا هَذا الوَتِدُ وأرْسَيْتُهُ، والمُرادُ ما ذَكَرْنا. واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِوُجُودِ الجِبالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ الحَكِيمِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ طَبِيعَةَ الأرْضِ واحِدَةٌ، فَحُصُولُ الجَبَلِ في بَعْضِ جَوانِبِها دُونَ البَعْضِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْلِيقِ القادِرِ الحَكِيمِ. قالَتِ الفَلاسِفَةُ: هَذِهِ الجِبالُ إنَّما تَوَلَّدَتْ؛ لِأنَّ البِحارَ كانَتْ في هَذا الجانِبِ مِنَ العالَمِ، فَكانَتْ تَتَوَلَّدُ في البَحْرِ طِينًا لَزِجًا، ثُمَّ يَقْوى تَأْثِيرُ الشَّمْسِ فِيها فَيَنْقَلِبُ حَجَرًا كَما يُشاهَدُ في كُوزِ الفِقاعِ، ثُمَّ إنَّ الماءَ كانَ يَغُورُ ويَقِلُّ فَيَتَحَجَّرُ البَقِيَّةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَوَلَّدَتْ هَذِهِ الجِبالُ. قالُوا: وإنَّما كانْتِ البِحارُ حاصِلَةً في هَذا الجانِبِ مِنَ العالَمِ؛ لِأنَّ أوْجَ الشَّمْسِ وحَضِيضَها مُتَحَرِّكانِ، فَفي الدَّهْرِ الأقْدَمِ كانَ حَضِيضُ الشَّمْسِ في جانِبِ الشَّمالِ، والشَّمْسُ مَتى كانَتْ في حَضِيضِها كانَتْ أقْرَبَ إلى الأرْضِ، فَكانَ التَّسْخِينُ أقْوى، وشِدَّةُ السُّخُونَةِ تُوجِبُ انْجِذابَ الرُّطُوباتِ، فَحِينَ كانَ الحَضِيضُ في جانِبِ الشَّمالِ كانَتِ البِحارُ في جانِبِ الشَّمالِ، والآنَ لَمّا انْتَقَلَ الأوْجُ إلى جانِبِ الشَّمالِ والحَضِيضُ إلى جانِبِ الجَنُوبِ انْتَقَلَتِ البِحارُ إلى جانِبِ الجَنُوبِ، فَبَقِيَتْ هَذِهِ الجِبالُ في جانِبِ الشَّمالِ، هَذا حاصِلُ كَلامِ القَوْمِ في هَذا البابِ، وهو ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ حُصُولَ الطِّينِ في البَحْرِ أمْرٌ عامٌّ، ووُقُوعَ الشَّمْسِ عَلَيْها أمْرٌ عامٌّ، فَلِمَ يَتَّصِلُ هَذا الجَبَلُ في بَعْضِ الجَوانِبِ دُونَ البَعْضِ ؟ والثّانِي: وهو أنّا نُشاهِدُ في بَعْضِ الجِبالِ كَأنَّ تِلْكَ الأحْجارَ مَوْضُوعَةٌ سافًا فَسافًا، فَكَأنَّ البِناءَ لَبِناتٌ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ويَبْعُدُ حُصُولُ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي ذَكَرُوهُ. والثّالِثُ: أنَّ أوْجَ الشَّمْسِ الآنَ قَرِيبٌ مِن أوَّلِ السَّرَطانِ، فَعَلى هَذا مِنَ الوَقْتِ الَّذِي انْتَقَلَ أوْجُ الشَّمْسِ إلى الجانِبِ الشَّمالِيِّ مَضى قَرِيبٌ مِن تِسْعَةِ آلافِ سَنَةٍ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ: أنَّ الجِبالَ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ كانَتْ في التَّفَتُّتِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَبْقى مِنَ الأحْجارِ شَيْءٌ، لَكِنْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ السَّبَبَ الَّذِي ذَكَرُوهُ ضَعِيفٌ. والوجه الثّانِي مِن الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الجِبالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ذِي الجَلالِ: ما يَحْصُلُ فِيها مِن مَعادِنِ الفِلِزّاتِ السَّبْعَةِ ومَواضِعِ الجَواهِرِ النَّفِيسَةِ، وقَدْ يَحْصُلُ فِيها مَعادِنُ الزّاجاتِ والأمْلاحُ، وقَدْ يَحْصُلُ فِيها مَعادِنُ النِّفْطِ والقِيرِ والكِبْرِيتِ، فَكَوْنُ الأرْضِ واحِدَةً في الطَّبِيعَةِ، وكَوْنُ الجَبَلِ واحِدًا في الطَّبْعِ، وكَوْنُ تَأْثِيرِ الشَّمْسِ واحِدًا في الكُلِّ يَدُلُّ دَلِيلًا ظاهِرًا عَلى أنَّ الكُلَّ بِتَقْدِيرِ قادِرٍ قاهِرٍ مُتَعالٍ عَنْ مُشابَهَةِ المُحْدَثاتِ والمُمْكِناتِ. والوجه الثّالِثُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الجِبالِ: أنَّ بِسَبَبِها تَتَوَلَّدُ الأنْهارُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وذَلِكَ أنَّ الحَجَرَ جِسْمٌ صُلْبٌ فَإذا تَصاعَدَتِ الأبْخِرَةُ مِن قَعْرِ الأرْضِ ووَصَلَتْ إلى الجَبَلِ احْتَبَسَتْ هُناكَ فَلا تَزالُ تَتَكامَلُ، فَيَحْصُلُ تَحْتَ الجَبَلِ مِياهٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ إنَّها لِكَثْرَتِها وقُوَّتِها تَثْقُبُ وتَخْرُجُ وتَسِيلُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَمَنفَعَةُ الجِبالِ في تَوَلُّدِ الأنْهارِ هو مِن هَذا الوجه، ولِهَذا السَّبَبِ فَفي أكْثَرِ الأمْرِ أيْنَما ذَكَرَ اللَّهُ الجِبالَ قَرَنَ بِها ذِكْرَ الأنْهارِ مِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ، ومِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٢٧]. * * * صفحة ٥ والنوع الثّالِثُ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: الِاسْتِدْلالُ بِعَجائِبِ خِلْقَةِ النَّباتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: أنَّ الحَبَّةَ إذا وُضِعَتْ في الأرْضِ وأثَّرَتْ فِيها نَداوَةُ الأرْضِ رَبَتَ وكَبُرَتْ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ يَنْشَقُّ أعْلاها وأسْفَلُها، فَيَخْرُجُ مِنَ الشِّقِّ الأعْلى الشَّجَرَةُ الصّاعِدَةُ في الهَواءِ، ويَخْرُجُ مِنَ الشِّقِّ الأسْفَلِ العُرُوقُ الغائِصَةُ في أسْفَلِ الأرْضِ وهَذا مِنَ العَجائِبِ، لِأنَّ طَبِيعَةَ تِلْكَ الحَبَّةِ واحِدَةٌ وتَأْثِيرُ الطَّبائِعِ والأفْلاكِ والكَواكِبِ فِيها واحِدٌ، ثُمَّ إنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجانِبِ الأعْلى مِن تِلْكَ الحَبَّةِ جِرْمٌ صاعِدٌ إلى الهَواءِ، ومِنَ الجانِبِ الأسْفَلِ مِنهُ جِرْمٌ غائِصٌ في الأرْضِ، ومِنَ المُحالِ أنْ يَتَوَلَّدَ مِنَ الطَّبِيعَةِ الواحِدَةِ طَبِيعَتانِ مُتَضادَّتانِ، فَعَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ تَدْبِيرِ المُدَبِّرِ الحَكِيمِ والمُقَدِّرِ القَدِيمِ، لا بِسَبَبِ الطَّبْعِ والخاصِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّ الشَّجَرَةَ الثّابِتَةَ مِن تِلْكَ الحَبَّةِ بَعْضُها يَكُونُ خَشَبًا وبَعْضُها يَكُونُ نَوْرًا وبَعْضُها يَكُونُ ثَمَرَةً، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الثَّمَرَةَ أيْضًا يَحْصُلُ فِيها أجْسامٌ مُخْتَلِفَةُ الطَّبائِعِ، فالجَوْزُ لَهُ أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ القُشُورِ، فالقِشْرُ الأعْلى وتَحْتَهُ القِشْرَةُ الخَشَبَةُ وتَحْتَهُ القِشْرَةُ المُحِيطَةُ بِاللَّبِنَةِ، وتَحْتَ تِلْكَ القِشْرَةِ قِشْرَةٌ أُخْرى في غايَةِ الرِّقَّةِ تَمْتازُ عَمّا فَوْقَها حالَ كَوْنِ الجَوْزِ رَطْبًا، وأيْضًا فَقَدْ يَحْصُلُ في الثَّمَرَةِ الواحِدَةِ الطِّباعُ المُخْتَلِفَةُ، فالأُتْرُجُّ قِشْرُهُ حارٌّ يابِسٌ، ولَحْمُهُ حارٌّ رَطْبٌ، وحُمّاضُهُ بارِدٌ يابِسٌ، وبَزْرُهُ حارٌّ يابِسٌ، ونَوْرُهُ حارٌّ يابِسٌ، وكَذَلِكَ العِنَبُ قِشْرُهُ وعَجَمُهُ بارِدانِ يابِسانِ، ولَحْمُهُ وماؤُهُ حارّانِ رَطْبانِ، فَتَوَلُّدُ هَذِهِ الطَّبائِعِ المُخْتَلِفَةِ مِنَ الحَبَّةِ الواحِدَةِ مَعَ تَساوِي تَأْثِيراتِ الطَّبائِعِ وتَأْثِيراتِ الأنْجُمِ والأفْلاكِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ تَدْبِيرِ الحَكِيمِ القادِرِ القَدِيمِ. المسألة الثّانِيَةُ: المُرادُ بِزَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ: صِنْفَيْنِ اثْنَيْنِ، والِاخْتِلافُ إمّا مِن حَيْثُ الطَّعْمُ كالحُلْوِ والحامِضِ أوِ الطَّبِيعَةُ كالحارِّ والبارِدِ، أوِ اللَّوْنُ كالأبْيَضِ والأسْوَدِ. فَإنْ قِيلَ: الزَّوْجانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ . قُلْنا: قِيلَ إنَّهُ تَعالى أوَّلَ ما خَلَقَ العالَمَ وخَلَقَ فِيهِ الأشْجارَ خَلَقَ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ اثْنَيْنِ فَقَطْ، فَلَوْ قالَ: خَلَقَ زَوْجَيْنِ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ المُرادَ النوع أوِ الشَّخْصُ، أمّا لَمّا قالَ اثْنَيْنِ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أوَّلَ ما خَلَقَ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ لا أقَلَّ ولا أزْيَدَ. والحاصِلُ أنَّ النّاسَ فِيهِمُ الآنَ كَثْرَةٌ، إلّا أنَّهم لَمّا ابْتَدَءُوا مِن زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ بِالشَّخْصِ هُما آدَمُ وحَوّاءُ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في جَمِيعِ الأشْجارِ والزَّرْعِ، واللَّهُ أعْلَمُ. النوع الرّابِعُ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ الإنْعامَ لا يَكْمُلُ إلّا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وتُعاقُبِهِما، كَما قالَ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسْراءِ: ١٢]، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعْرافِ: ٥٤] وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَقْرِيرِهِ فِيما سَلَفَ مِن هَذا الكِتابِ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: [يُغَشِّي] بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ الغَيْنِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ النَّيِّرَةَ والقَواطِعَ القاهِرَةَ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى في أكْثَرِ الأمْرِ حَيْثُ يَذْكُرُ الدَّلائِلَ المَوْجُودَةَ في العالَمِ السُّفْلِيِّ يَذْكُرُ عَقِبَها: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ بِحَسَبِ المَعْنى، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الفَلاسِفَةَ يُسْنِدُونَ حَوادِثَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الِاخْتِلافاتِ الواقِعَةِ في الأشْكالِ الكَوْكَبِيَّةِ، فَما لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلى دَفْعِ هَذا السُّؤالِ لا يَتِمُّ صفحة ٦ المَقْصُودُ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَجالُ الفِكْرِ باقٍ بَعْدُ، ولا بُدَّ بَعْدَ هَذا المَقامِ مِنَ التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ لِيَتِمَّ الِاسْتِدْلالُ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ هَبْ أنَّكم أسْنَدْتُمْ حَوادِثَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الأحْوالِ الفَلَكِيَّةِ والِاتِّصالاتِ الكَوْكَبِيَّةِ إلّا أنّا أقَمْنا الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى أنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ وطَبْعَهُ ووَضْعَهُ وخاصِّيَّتَهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ المُقَدِّرِ القَدِيمِ والمُدَبِّرِ الحَكِيمِ، فَقَدْ سَقَطَ هَذا السُّؤالُ، وهَذا الجَوابُ قَدْ قَرَّرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذا المَقامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ وقَدْ بَيَّنّا أنَّها كَيْفَ تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَها بِالدَّلائِلِ الأرْضِيَّةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحَوادِثُ الأرْضِيَّةُ لِأجْلِ الأحْوالِ الفَلَكِيَّةِ، كانَ جَوابُنا أنْ نَقُولَ: فَهَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ إلّا أنّا دَلَّلَنا فِيما تَقَدَّمَ عَلى افْتِقارِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ إلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ هَذا السُّؤالُ قادِحًا في غَرَضِنا. والوجه الثّانِي مِنَ الجَوابِ: أنْ نُقِيمَ الدَّلالَةَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُدُوثُ الحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ لِأجْلِ الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ، وذَلِكَ هو المَذْكُورُ في الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، ومَن تَأمَّلَ في هَذِهِ اللَّطائِفِ ووَقَفَ عَلَيْها عَلِمَ أنَّ هَذا الكِتابَ اشْتَمَلَ عَلى عُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.

الرعد 13:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ إقامَةُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُدُوثُ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ لِأجْلِ الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ، والحَرَكاتِ الكَوْكَبِيَّةِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ حَصَلَ في الأرْضِ قِطَعٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالطَّبِيعَةِ والماهِيَّةِ وهي مَعَ ذَلِكَ مُتَجاوِرَةٌ، فَبَعْضُها تَكُونُ سَبَخَةً، وبَعْضُها تَكُونُ رِخْوَةً، وبَعْضُها تَكُونُ صُلْبَةً، وبَعْضُها تَكُونُ مُنْبِتَةً، وبَعْضُها تَكُونُ حَجَرِيَّةً أوْ رَمْلِيَّةً، وبَعْضُها يَكُونُ طِينًا لَزِجًا، ثُمَّ إنَّها مُتَجاوِرَةٌ، وتَأْثِيرُ الشَّمْسِ وسائِرِ الكَواكِبِ في تِلْكَ القِطَعِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ اخْتِلافَها في صِفاتِها بِتَقْدِيرِ العَلِيمِ القَدِيرِ. والثّانِي: أنَّ القِطْعَةَ الواحِدَةَ مِنَ الأرْضِ تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ تَأْثِيرُ الشَّمْسِ فِيها مُتَساوِيًا، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الثِّمارَ تَجِيءُ مُخْتَلِفَةً في الطَّعْمِ واللَّوْنِ والطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ، حَتّى إنَّكَ قَدْ تَأْخُذُ عُنْقُودًا مِنَ العِنَبِ فَيَكُونُ جَمِيعُ حَبّاتِهِ حُلْوَةً نَضِيجَةً إلّا حَبَّةً واحِدَةً، فَإنَّها بَقِيَتْ حامِضَةً يابِسَةً، ونَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَةَ الطِّباعِ والأفْلاكِ لِلْكُلِّ عَلى السَّوِيَّةِ، بَلْ نَقُولُ: هاهُنا ما هو أعْجَبُ مِنهُ، وهو أنَّهُ يُوجَدُ في بَعْضِ أنْواعِ الوَرْدِ ما يَكُونُ أحَدُ وجْهَيْهِ في غايَةِ الحُمْرَةِ، والوجه الثّانِي في غايَةِ السَّوادِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الوَرْدَ يَكُونُ في غايَةِ الرِّقَّةِ والنُّعُومَةِ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يُقالَ: وصَلَ تَأْثِيرُ الشَّمْسِ إلى أحَدِ طَرَفَيْهِ دُونَ الثّانِي، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً صفحة ٧ قَطْعِيَّةً عَلى أنَّ الكُلَّ بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ، لا بِسَبَبِ الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الحُجَّةِ وتَفْسِيرِها وبَيانِها. واعْلَمْ أنَّ بِذِكْرِ هَذا الجَوابِ قَدْ تَمَّتِ الحُجَّةُ فَإنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ السُّفْلِيَّةَ لا بُدَّ لَها مِن مُؤَثِّرٍ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ المُؤَثِّرَ لَيْسَ هو الكَواكِبَ والأفْلاكَ والطَّبائِعَ، فَعِنْدَ هَذا يَجِبُ القَطْعُ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن فاعِلٍ آخَرَ سِوى هَذِهِ الأشْياءِ، وعِنْدَها يَتِمُّ الدَّلِيلُ، ولا يَبْقى بَعْدَهُ لِلْفِكْرِ مَقامٌ البَتَّةَ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ هاهُنا: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّهُ لا دافِعَ لِهَذِهِ الحُجَّةِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ السُّفْلِيَّةَ حَدَثَتْ لا لِمُؤَثِّرٍ البَتَّةَ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَمالِ العَقْلِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِافْتِقارِ الحادِثِ إلى المُحْدِثِ لَمّا كانَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا كانَ عَدَمُ حُصُولِ هَذا العِلْمِ قادِحًا في كَمالِ العَقْلِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَهَذِهِ اللَّطائِفُ نَفِيسَةٌ مِن أسْرارِ عِلْمِ القُرْآنِ، ونَسْألُ اللَّهَ العَظِيمَ أنْ يَجْعَلَ الوُقُوفَ عَلَيْها سَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالرَّحْمَةِ والغُفْرانِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: أرْضٌ قَرِيبَةٌ مِن أرْضٍ أُخْرى واحِدَةٌ طَيِّبَةٌ، وأُخْرى سَبَخَةٌ، وأُخْرى حَرَّةٌ، وأُخْرى رَمْلَةٌ، وأُخْرى تَكُونُ حَصْباءَ، وأُخْرى تَكُونُ حَمْراءَ، وأُخْرى تَكُونُ سَوْداءَ، وبِالجُمْلَةِ فاخْتِلافُ بِقاعِ الأرْضِ في الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ والطِّباعِ والخاصِّيَّةِ أمْرٌ مَعْلُومٌ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ [قِطَعًا مُتَجاوِراتٍ] والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وجَعَلَ في الأرْضِ قِطَعًا مُتَجاوِراتٍ، وأما قوله: ﴿وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ﴾ فَنَقُولُ: الجَنَّةُ البُسْتانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ النَّخْلُ والكَرْمُ والزَّرْعُ وتَحُفُّهُ تِلْكَ الأشْجارُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٢] قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ كُلُّها بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ [وجَنّاتٌ]، والباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الأعْنابِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في رِوايَةِ القَوّاسِ: [صُنْوانٍ] بِضَمِّ الصّادِ والباقُونَ بِكَسْرِ الصّادِ وهُما لُغَتانِ، والصِّنْوانُ جَمْعُ صِنْوٍ مِثْلُ قِنْوانٍ وقِنْوٍ، ويُجْمَعُ عَلى أصْناءٍ مِثْلَ اسْمٍ وأسْماءٍ، فَإذا كَثُرَتْ فَهو الصِّنِيُّ، والصِّنِيُّ بِكَسْرِ الصّادِ وفَتْحِها، والصِّنْوُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ واحِدًا وتَنْبُتَ فِيهِ النَّخْلَتانِ والثَّلاثَةُ فَأكْثَرُ فَكُلُّ واحِدَةٍ صِنْوٌ، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الصِّنْوُ المِثْلُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «ألا إنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ» أيْ مِثْلُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا فَسَّرْنا الصِّنْوَ بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ كانَ المَعْنى: إنَّ النَّخِيلَ مِنها ما يَنْبُتُ مِن أصْلٍ واحِدٍ شَجَرَتانِ وأكْثَرُ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وإذا فَسَّرْناهُ بِالتَّفْسِيرِ الثّانِي كانَ المَعْنى: أنَّ أشْجارَ النَّخِيلِ قَدْ تَكُونُ مُتَماثِلَةً مُتَشابِهَةً، وقَدْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ. ثم قال تَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ [يُسْقى] بِالياءِ عَلى تَقْدِيرِ: يُسْقى كُلُّهُ أوْ لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، والباقُونَ بِالتّاءِ لِقَوْلِهِ: [جَنّاتٍ]، قالَ أبُو عَمْرٍو: ومِمّا يَشْهَدُ لِلتَّأْنِيثِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ [يُفَضِّلُ] بِالياءِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: [ يُدَبِّرُ، ويُفَصِّلُ، ويُغْشِي ] والباقُونَ بِالنُّونِ عَلى تَقْدِيرِ: ونَحْنُ نُفَضِّلُ، و﴿فِي الأُكُلِ﴾ قَوْلانِ: حَكاهُما الواحِدِيُّ؛ حَكى عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ الأُكُلَ الثَّمَرُ الَّذِي يُؤْكَلُ، وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّ الأُكُلَ المُهَيَّأُ لِلْأكْلِ، وأقُولُ: هَذا أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ صفحة ٨ الجَنَّةِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] وهو عامٌّ في جَمِيعِ المَطْعُوماتِ، وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ يَقْرَءانِ ”الأُكْلِ“ ساكِنَةَ الكافِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الكافِ، وهُما لُغَتانِ.

الرعد 13:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . فِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ عَلى ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ ذَكَرَ بَعْدَهُ مَسْألَةَ المَعادِ، فَقالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنْ تَعْجَبْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ بَعْدَ ما كانُوا قَدْ حَكَمُوا عَلَيْكَ أنَّكَ مِنَ الصّادِقِينَ فَهَذا عَجَبٌ. والثّانِي: إنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن عِبادَتِهِمْ ما لا يَمْلِكُ لَهم نَفْعًا ولا ضُرًّا بَعْدَما عَرَفُوا الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ فَهَذا عَجَبٌ. والثّالِثُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ إنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ فَقَدْ عَجِبْتَ في مَوْضِعِ العَجَبِ؛ لِأنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ تَعالى مُدَبِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ وخالِقُ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ، وأنَّهُ هو الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ، وهو الَّذِي سَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ عَلى وفْقِ مَصالِحِ العِبادِ، وهو الَّذِي أظْهَرَ في العالَمِ أنْواعَ العَجائِبِ والغَرائِبِ، فَمَن كانَتْ قُدْرَتُهُ وافِيَةً بِهَذِهِ الأشْياءِ العَظِيمَةِ كَيْفَ لا تَكُونُ وافِيَةً بِإعادَةِ الإنْسانِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الأقْوى الأكْمَلِ، فَأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الأقَلِّ الأضْعَفِ أوْلى، فَهَذا تَقْرِيرُ مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذا الكَلامَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ البَعْثَ والقِيامَةَ فَهو كافِرٌ، وإنَّما لَزِمَ مِن إنْكارِ البَعْثِ الكُفْرُ بِرَبِّهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ إنْكارَ البَعْثِ لا يَتِمُّ إلّا بِإنْكارِ القُدْرَةِ والعِلْمِ والصِّدْقِ، أمّا إنْكارُ القُدْرَةِ، فَكَما إذا قِيلَ: إنَّ إلَهَ العالَمِ مُوجِبٌ بِالذّاتِ لا فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ، فَلا يَقْدِرُ عَلى الإعادَةِ، أوْ قِيلَ: إنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا لَكِنَّهُ لَيْسَ تامَّ القُدْرَةِ، فَلا يُمْكِنُهُ إيجادُ الحَيَوانِ إلّا بِواسِطَةِ الأبَوَيْنِ وتَأْثِيراتِ الطَّبائِعِ والأفْلاكِ. وأمّا إنْكارُ العِلْمِ فَكَما إذا قِيلَ: إنَّهُ تَعالى غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ، فَلا يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ هَذا المُطِيعِ عَنِ العاصِي، وأمّا إنْكارُ الصِّدْقِ فَكَما إذا قِيلَ: إنَّهُ وإنْ أخْبَرَ عَنْهُ لَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ؛ لِأنَّ الكَذِبَ جائِزٌ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ كُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ كُفْرًا ثَبَتَ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ كُفْرٌ بِاللَّهِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المُرادُ بِالأغْلالِ: كُفْرُهم وذِلَّتُهم وانْقِيادُهم لِلْأصْنامِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨] قالَ الشّاعِرُ: لَهم عَنِ الرُّشْدِ أغْلالٌ وأقْيادُ ويُقالُ لِلرَّجُلِ: هَذا غُلٌّ في عُنُقِكَ لِلْعَمَلِ الرَّدِيءِ، مَعْناهُ: أنَّهُ لازِمٌ لَكَ وأنَّكَ مُجازًى عَلَيْهِ بِالعَذابِ، قالَ القاضِي: هَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا إلّا أنَّ حَمْلَ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْلى، وأقُولُ: يُمْكِنُ نُصْرَةُ قَوْلِ الأصَمِّ بِأنَّ صفحة ٩ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ في الحالِ وذَلِكَ غَيْرُ حاصِلٍ، وأنْتُمْ تَحْمِلُونَ اللَّفْظَ عَلى أنَّهُ سَيَحْصُلُ هَذا المَعْنى، ونَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ حاصِلٌ في الحالِ، إلّا أنَّ المُرادَ بِالأغْلالِ ما ذَكَرْناهُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنّا تارِكٌ لِلْحَقِيقَةِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَلِمَ كانَ قَوْلُكم أوْلى مِن قَوْلِنا؟ والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الأغْلالَ في أعْناقِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافِرٍ: ٧١]. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ بِالعَذابِ المُخَلَّدِ المُؤَبَّدِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ العَذابَ المُخَلَّدَ لَيْسَ إلّا لِلْكُفّارِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ يُفِيدُ أنَّهم هُمُ المَوْصُوفُونَ بِالخُلُودِ لا غَيْرُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ الكَبائِرِ لا يُخَلَّدُونَ في النّارِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ المُتَكَلِّمُونَ: العَجَبُ هو الَّذِي لا يُعْرَفُ سَبَبُهُ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَكانَ المُرادُ: وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ عِنْدَكَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَرَأ بَعْضُهم في الآيَةِ الأُخْرى بِإضافَةِ العَجَبِ إلى نَفْسِهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الألْفاظِ يَجِبُ تَنْزِيهُها عَنْ مَبادِئِ الأعْراضِ، ويَجِبُ حَمْلُها عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ فَإنَّ الإنْسانَ إذا تَعَجَّبَ مِنَ الشَّيْءِ أنْكَرَهُ، فَكانَ هَذا مَحْمُولًا عَلى الإنْكارِ. المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وأمْثالُهُ إذا كانَ عَلى صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ في الأوَّلِ والثّانِي فَمِنهم مَن يَجْمَعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ في الحَرْفَيْنِ وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ إلّا أنَّهُ لا يَمُدُّ، وأبُو عَمْرٍو يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ يَمُدُّ فِيها، وحَمْزَةُ وعاصِمٌ بِهَمْزَتَيْنِ في كُلِّ القُرْآنِ، ومِنهم مَن لا يَجْمَعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَنافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ يَسْتَفْهِمُ في الأوَّلِ، ويَقْرَأُ عَلى الخَبَرِ في الثّانِي، وابْنُ عامِرٍ عَلى الخَبَرِ في الأوَّلِ والِاسْتِفْهامِ في الثّانِي، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ مِن وجْهٍ آخَرَ فَنافِعٌ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ، وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِهَمْزَتَيْنِ، أمّا نافِعٌ فَكَذَلِكَ إلّا في الصّافّاتِ وكَذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ إلّا في الواقِعَةِ، وكَذَلِكَ الكِسائِيُّ إلّا في العَنْكَبُوتِ والصّافّاتِ. المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: العامِلُ في ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أئِذا كُنّا تُرابًا نُبْعَثُ ودَلَّ ما بَعْدَهُ عَلى المَحْذُوفِ.

الرعد 13:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ . صفحة ١٠ اعْلَمْ أنَّهُ ﷺ كانَ يُهَدِّدُهم تارَةً بِعَذابِ القِيامَةِ وتارَةً بِعَذابِ الدُّنْيا، والقَوْمُ كُلَّما هَدَّدَهم بِعَذابِ القِيامَةِ أنْكَرُوا القِيامَةَ والبَعْثَ والحَشْرَ والنَّشْرَ، وهو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الآيَةِ الأُولى، وكُلَّما هَدَّدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا قالُوا لَهُ: فَجِئْنا بِهَذا العَذابِ؛ وطَلَبُوا مِنهُ إظْهارَهُ وإنْزالَهُ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ فِيهِ، وإظْهارِ أنَّ الَّذِي يَقُولُهُ كَلامٌ لا أصْلَ لَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ الرَّسُولَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ هاهُنا: نُزُولُ العَذابِ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٢] وإنَّما قالُوا ذَلِكَ طَعْنًا مِنهم فِيما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ، وكانَ ﷺ يَعِدُهم عَلى الإيمانِ بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ وبِحُصُولِ النَّصْرِ والظَّفَرِ في الدُّنْيا، فالقَوْمُ طَلَبُوا مِنهُ نُزُولَ العَذابِ ولَمْ يَطْلُبُوا مِنهُ حُصُولَ النَّصْرِ والظَّفَرِ، فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ ومِنهم مَن فَسَّرَ الحَسَنَةَ هاهُنا بِالإمْهالِ والتَّأْخِيرِ، وإنَّما سَمَّوُا العَذابَ سَيِّئَةً؛ لِأنَّهُ يَسُوءُهم ويُؤْذِيهِمْ. أما قوله: ﴿وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ: العُقُوبَةُ مَثُلَةٌ ومَثْلَةٌ مِثْلَ صَدُقَةٍ وصَدْقَةٍ، فالأُولى لُغَةُ الحِجازِ، والثّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ، فَمَن قالَ: مَثُلَةٌ فَجَمْعُهُ مَثُلاتٌ، ومَن قالَ مَثْلَةٌ فَجَمْعُهُ مَثْلاتٌ ومُثْلاثٌ بِإسْكانِ الثّاءِ. هَكَذا حَكاهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُثْلَةُ العُقُوبَةُ المُبَيِّنَةُ في المُعاقَبِ شَيْئًا، وهو تَغْيِيرٌ تَبْقى الصُّورَةُ مَعَهُ قَبِيحَةً، وهو مِن قَوْلِهِمْ: مَثَّلَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا قَبَّحَ صُورَتَهُ؛ إمّا بِقَطْعِ أُذُنِهِ أوْ أنْفِهِ أوْ سَمْلِ عَيْنَيْهِ أوْ بَقْرِ بَطْنِهِ، فَهَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ يُقالُ لِلْعارِ الباقِي والخِزْيِ اللّازِمِ مُثْلَةٌ. قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا الحَرْفِ مِنَ المِثْلِ الَّذِي هو الشَّبَهُ، ولَمّا كانَ الأصْلُ أنْ يَكُونَ العِقابُ مُشابِهًا لِلْمُعاقَبِ ومُماثِلًا لَهُ، لا جَرَمَ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ [المُثُلاتُ] بِضَمَّتَيْنِ لِإتْباعِ الفاءِ العَيْنَ، [والمَثْلاتُ] بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ، كَما يُقالُ: السَّمُرَةُ، والمُثْلاتُ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ تَخْفِيفُ المُثُلاتِ بِضَمَّتَيْنِ، والمُثْلاتٌ جَمْعُ مُثْلَةٍ كَرُكْبَةٍ ورُكْباتٍ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ: ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ الَّذِي لَمْ نُعاجِلْهم بِهِ، وقَدْ عَلِمُوا ما نَزَلَ مِن عُقُوباتِنا بِالأُمَمِ الخالِيَةِ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِها، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَرْدَعَهم خَوْفُ ذَلِكَ عَنِ الكُفْرِ اعْتِبارًا بِحالِ مَن سَلَفَ. أما قوله: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أيْ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالظُّلْمِ كَما أنَّهُ يُقالُ: رَأيْتُ الأمِيرَ عَلى أكْلِهِ أيْ حالَ اشْتِغالِهِ بِالأكْلِ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى غافِرًا لِلنّاسِ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالظُّلْمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ حالَ اشْتِغالِ الإنْسانِ بِالظُّلْمِ لا يَكُونُ تائِبًا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَغْفِرُ الذَّنْبَ قَبْلَ الِاشْتِغالِ بِالتَّوْبَةِ. ثُمَّ نَقُولُ: تُرِكَ العَمَلُ بِهَذا الدَّلِيلِ في حَقِّ أهْلِ الكُفْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ أهْلِ الكَبِيرَةِ وهو المَطْلُوبُ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ بَلْ ذَكَرَ مَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ الأوَّلُ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ، وأنْ يُحْمَلَ الثّانِي عَلى أحْوالِ الكُفّارِ. صفحة ١١ فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَذُو مَغْفِرَةٍ لِأهْلِ الصَّغائِرِ لِأجْلِ أنَّ عُقُوبَتَهم مُكَفِّرَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ إذا تابُوا، وإنَّهُ تَعالى إنَّما لا يُعَجِّلُ العِقابَ إمْهالًا لَهم في الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، فَإنْ تابُوا فَهو ذُو مَغْفِرَةٍ لَهم ويَكُونُ مِن هَذِهِ المَغْفِرَةِ تَأْخِيرُ العِقابِ إلى الآخِرَةِ، بَلْ نَقُولُ: يَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا تَعْجِيلَ العِقابِ، فالجَوابُ المَذْكُورُ فِيهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى تَأْخِيرِ العِقابِ حَتّى يَنْطَبِقَ الجَوابُ عَلى السُّؤالِ ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ، أنَّهُ تَعالى إنَّما لا يُعَجِّلُ العُقُوبَةَ إمْهالًا لَهم في الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، فَإنْ تابُوا فَهو ذُو مَغْفِرَةٍ، وإنْ عَظُمَ ظُلْمُهم ولَمْ يَتُوبُوا فَهو شَدِيدُ العِقابِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ تَأْخِيرَ العِقابِ لا يُسَمّى مَغْفِرَةً، وإلّا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: الكُفّارُ كُلُّهم مَغْفُورٌ لَهم لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَّرَ عِقابَهم إلى الآخِرَةِ، وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِهَذا والتَّمَدُّحُ إنَّما يَحْصُلُ بِالتَّفَضُّلِ، أمّا بِأداءِ الواجِبِ فَلا تَمَدُّحَ فِيهِ؛ وعِنْدَكم يَجِبُ غُفْرانُ الصَّغائِرِ. وعَنِ الثّالِثِ: أنّا بَيَّنّا أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ المَغْفِرَةِ حالَ الظُّلْمِ، وبَيَّنّا أنَّ حالَ حُصُولِ الظُّلْمِ يَمْنَعُ حُصُولَ التَّوْبَةِ، فَسَقَطَتْ هَذِهِ الأسْئِلَةُ وصَحَّ ما ذَكَرْناهُ.

الرعد 13:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ طَعْنِهِمْ في الحَشْرِ والنَّشْرِ أوَّلًا، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ طَعْنِهِمْ في صِحَّةِ ما يُنْذِرُهم بِهِ مِن نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ثانِيًا، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِأنْ طَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ والبَيِّنَةَ ثالِثًا، وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّهم أنْكَرُوا كَوْنَ القُرْآنِ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ، وقالُوا: هَذا كِتابٌ مِثْلُ سائِرِ الكُتُبِ وإتْيانُ الإنْسانِ بِتَصْنِيفٍ مُعَيَّنٍ وكِتابٍ مُعَيَّنٍ لا يَكُونُ مُعْجِزًا البَتَّةَ، وإنَّما المُعْجِزُ ما يَكُونُ مِثْلَ مُعْجِزاتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مُعْجِزٌ في صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سِوى القُرْآنِ. قالُوا: إنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَصِحُّ إذا طَعَنُوا في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، مَعَ أنَّهُ ما ظَهَرَ عَلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ لامْتَنَعَ أنْ يَقُولُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ لَهُ مُعْجِزٌ سِوى القُرْآنِ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لَعَلَّ المُرادَ مِنهُ طَلَبُ مُعْجِزاتٍ سِوى المُعْجِزاتِ الَّتِي شاهَدُوها مِنهُ ﷺ كَحَنِينِ الجِذْعِ ونُبُوعِ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ وإشْباعِ الخَلْقِ الكَثِيرِ مِنَ الطَّعامِ القَلِيلِ، فَطَلَبُوا مِنهُ مُعْجِزاتٍ قاهِرَةً غَيْرَ هَذِهِ الأُمُورِ: مِثْلَ فَلْقِ البَحْرِ بِالعَصا، وقَلْبِ العَصا ثُعْبانًا. فَإنْ قِيلَ: فَما السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهم وما أعْطاهُمْ؟ قُلْنا: إنَّهُ لَمّا أظْهَرَ المُعْجِزَةَ الواحِدَةَ فَقَدْ تَمَّ الغَرَضُ فَيَكُونُ طَلَبُ الباقِي تَحَكُّمًا وظُهُورُ القُرْآنِ مُعْجِزَةٌ صفحة ١٢ فَما كانَ مَعَ ذَلِكَ حاجَةٌ إلى سائِرِ المُعْجِزاتِ، وأيْضًا فَلَعَلَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهم يُصِرُّونَ عَلى العِنادِ بَعْدَ ظُهُورِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ المُلْتَمَسَةِ، وكانُوا يَصِيرُونَ حِينَئِذٍ مُسْتَوْجِبِينَ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى مَطْلُوبَهم، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنْفالِ: ٢٣] بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُعْطِهِمْ مَطْلُوبَهم لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وأيْضًا فَفَتْحُ هَذا البابِ يُفْضِي إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ. وهو أنَّهُ كُلَّما أتى بِمُعْجِزَةٍ جاءَ واحِدٌ آخَرُ، فَطَلَبَ مِنهُ مُعْجِزَةً أُخْرى، وذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنَّهُ باطِلٌ. الوجه الثّانِي في الجَوابِ: لَعَلَّ الكُفّارَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ قَبْلَ مُشاهَدَةِ سائِرِ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى التَّنْوِينِ في قَوْلِهِ: ﴿هادٍ﴾ وحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ، واخْتَلَفُوا في الوَقْفِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِالوَقْفِ عَلى الياءِ، والباقُونَ: بِغَيْرِ الياءِ، وهو رِوايَةُ ابْنِ فُلَيْحٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ لِلتَّخْفِيفِ. المسألة الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْذِرٌ لِقَوْمِهِ مُبَيِّنٌ لَهم، ولِكُلِّ قَوْمٍ مِن قَبْلِهِ هادٍ ومُنْذِرٌ وداعٍ، وأنَّهُ تَعالى سَوّى بَيْنَ الكُلِّ في إظْهارِ المُعْجِزَةِ إلّا أنَّهُ كانَ لِكُلِّ قَوْمٍ طَرِيقٌ مَخْصُوصٌ لِأجْلِهِ اسْتَحَقَّ التَّخْصِيصَ بِتِلْكَ المُعْجِزَةِ المَخْصُوصَةِ، فَلَمّا كانَ الغالِبُ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو السِّحْرَ جَعَلَ مُعْجِزَتَهُ ما هو أقْرَبُ إلى طَرِيقَتِهِمْ، ولَمّا كانَ الغالِبُ في أيّامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الطِّبَّ، جَعَلَ مُعْجِزَتَهُ ما كانَ مِن جِنْسِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وهو إحْياءُ المَوْتى وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، ولَمّا كانَ الغالِبُ في أيّامِ الرَّسُولِ ﷺ الفَصاحَةَ والبَلاغَةَ جَعَلَ مُعْجِزَتَهُ ما كانَ لائِقًا بِذَلِكَ الزَّمانِ، وهو فَصاحَةُ القُرْآنِ، فَلَمّا كانَ العَرَبُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ مَعَ كَوْنِها ألْيَقَ بِطِباعِهِمْ، فَبِأنْ لا يُؤْمِنُوا عِنْدَ إظْهارِ سائِرِ المُعْجِزاتِ أوْلى، فَهَذا هو الَّذِي قَرَّرَهُ القاضِي، وهو الوجه الصَّحِيحُ الَّذِي يَبْقى الكَلامُ مَعَهُ مُنْتَظِمًا. والوجه الثّانِي: وهو أنَّ المَعْنى أنَّهم لا يَجْحَدُونَ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا فَلا يَضِيقُ قَلْبُكَ بِسَبَبِهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ فَما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُنْذِرَ إلى أنْ يَحْصُلَ الإيمانُ في صُدُورِهِمْ، ولَسْتَ بِقادِرٍ عَلَيْهِمْ، ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قادِرٌ عَلى هِدايَتِهِمْ بِالتَّخْلِيقِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَكُونُ المَعْنى لَيْسَ لَكَ إلّا الإنْذارُ، وأمّا الهِدايَةُ فَمِنَ اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ أهْلَ الظّاهِرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا هاهُنا أقْوالًا: الأوَّلُ: المُنْذِرُ والهادِي شَيْءٌ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ مُنْذِرٌ عَلى حِدَةٍ، ومُعْجِزَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرُ مُعْجِزَةِ الآخَرِ. الثّانِي: المُنْذِرُ مُحَمَّدٌ ﷺ، والهادِي هو اللَّهُ تَعالى، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ. والثّالِثُ: المُنْذِرُ النَّبِيُّ، والهادِي عَلِيٌّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: ”أنا المُنْذِرُ“، ثُمَّ أوْمَأ إلى مَنكِبِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقالَ: ”أنْتَ الهادِي يا عَلِيُّ، بِكَ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ مِن بَعْدِي“» .

الرعد 13:8

صفحة ١٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم طَلَبُوا آياتٍ أُخْرى غَيْرَ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم هَلْ طَلَبُوا الآيَةَ الأُخْرى لِلِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ، أوْ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ؟ وهَلْ يَنْتَفِعُونَ بِظُهُورِ تِلْكَ الآياتِ، أوْ يَزْدادُ إصْرارُهم واسْتِكْبارُهُمْ؟ فَلَوْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ ومَزِيدِ الفائِدَةِ، لَأظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى وما مَنَعَهم عَنْهُ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا لِأجَلِ مَحْضِ العِنادِ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا﴾ [يُونُسَ: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . [الأنْعامِ: ١٠٩] . والثّانِي: أنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ وذَلِكَ لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ بِسَبَبِ أنَّ أجْزاءَ أبْدانِ الحَيَواناتِ عِنْدَ تَفَرُّقِها وتَفَتُّتِها يَخْتَلِطُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ولا يَبْقى الِامْتِيازُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما لا يُبْقِي الِامْتِيازَ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، أمّا في حَقِّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَإنَّهُ يُبْقِي تِلْكَ الأجْزاءَ بِحَيْثُ يَمْتازُ بَعْضُها عَنِ البَعْضِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَهو تَعالى إنَّما يُنْزِلُ العَذابَ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ كَوْنَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ ] إمّا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وإمّا أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، فالمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ أنَّهُ مِن أيِّ الأقْسامِ؛ أهُوَ ذَكَرٌ أمْ أُنْثى، وتامٌّ أوْ ناقِصٌ، وحَسَنٌ أوْ قَبِيحٌ وطَوِيلٌ أوْ قَصِيرٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ فِيهِ. ثم قال: ﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ والغَيْضُ هو النُّقْصانُ سَواءٌ كانَ لازِمًا أوْ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: غاضَ الماءُ وغِضْتُهُ أنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ [هُودٍ: ٤٤] والمُرادُ مِنَ الآيَةِ وما تَغِيضُهُ الأرْحامُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ، وقَوْلُهُ: ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيْ تَأْخُذُهُ زِيادَةً، تَقُولُ: أخَذْتُ مِنهُ حَقِّي وازْدَدْتُ مِنهُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكَهْفِ: ٢٥] ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما تَغِيضُهُ الرَّحِمُ وتَزْدادُهُ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: عَدَدُ الوَلَدِ، فَإنَّ الرَّحِمَ قَدْ يَشْتَمِلُ عَلى واحِدٍ، واثْنَيْنِ، وعَلى ثَلاثَةٍ، وأرْبَعَةٍ، يُرْوى أنَّ شَرِيكًا كانَ رابِعَ أرْبَعَةٍ في بَطْنِ أُمِّهِ. الثّانِي: الوَلَدُ قَدْ يَكُونُ مُخَدَّجًا، وقَدْ يَكُونُ تامًّا. الثّالِثُ: مُدَّةُ وِلادَتِهِ قَدْ تَكُونُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأزْيَدَ عَلَيْها إلى سَنَتَيْنِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وإلى أرْبَعَةٍ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وإلى خَمْسٍ عِنْدَ مالِكٍ، وقِيلَ: إنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ، وهَرِمُ بْنُ حَيّانَ بَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعَ سِنِينَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ هَرِمًا. الرّابِعُ: الدَّمُ فَإنَّهُ تارَةً يَقِلُّ وتارَةً يَكْثُرُ. الخامِسُ: ما يَنْقُصُ بِالسَّقْطِ مِن غَيْرِ أنْ يَتِمَّ وما يَزْدادُ بِالتَّمامِ. السّادِسُ: ما يَنْقُصُ بِظُهُورِ دَمِ الحَيْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا سالَ الدَّمُ في وقْتِ الحَمْلِ ضَعُفَ الوَلَدُ ونَقَصَ، وبِمِقْدارِ حُصُولِ ذَلِكَ النُّقْصانِ يَزْدادُ أيّامَ الحَمْلِ، لِتَصِيرَ هَذِهِ الزِّيادَةُ جابِرَةً لِذَلِكَ النُّقْصانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كُلَّما سالَ الحَيْضُ في وقْتِ صفحة ١٤ الحَمْلِ يَوْمًا زادَ في مُدَّةِ الحَمْلِ يَوْمًا لِيَحْصُلَ بِهِ الجَبْرُ ويَعْتَدِلَ الأمْرُ. السّابِعُ: أنَّ دَمَ الحَيْضِ فَضْلَةٌ تَجْتَمِعُ في بَطْنِ المَرْأةِ، فَإذا امْتَلَأتْ عُرُوقُها مِن تِلْكَ الفَضَلاتِ فاضَتْ وخَرَجَتْ، وسالَتْ مِن دَواخِلِ تِلْكَ العُرُوقِ، ثُمَّ إذا سالَتْ تِلْكَ المَوادُّ امْتَلَأتْ تِلْكَ العُرُوقُ مَرَّةً أُخْرى، هَذا كُلُّهُ إذا قُلْنا: إنَّ كَلِمَةَ ”ما“ مَوْصُولَةٌ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فالمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أُنْثى ويَعْلَمُ غَيْضَ الأرْحامِ وازْدِيادَها، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا مِن أوْقاتِهِ وأحْوالِهِ. وأما قوله تَعالى: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ فَمَعْناهُ: بِقَدَرٍ واحِدٍ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٩] وقَوْلُهُ في أوَّلِ الفُرْقانِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢]. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العِنْدِيَّةِ العِلْمَ ومَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ وكَيْفِيَّتَهُ عَلى الوجه المُفَصَّلِ المُبَيَّنِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّغْيِيرِ في تِلْكَ المَعْلُوماتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العِنْدِيَّةِ أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ كُلَّ حادِثٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِمَشِيئَتِهِ الأزَلِيَّةِ وإرادَتِهِ السَّرْمَدِيَّةِ، وعِنْدَ حُكَماءِ الإسْلامِ أنَّهُ تَعالى وضَعَ أشْياءَ كُلِّيَّةً وأوْدَعَ فِيها قُوًى وخَواصَّ، وحَرَّكَها بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن حَرَكاتِها المُقَدَّرَةِ بِالمَقادِيرِ المَخْصُوصَةِ أحْوالٌ جُزْئِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ ومُناسَباتٌ مَخْصُوصَةٌ مُقَدَّرَةٌ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ أفْعالُ العِبادِ وأحْوالُهم وخَواطِرُهم، وهو مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ عَلِمَ ما غابَ عَنْهُ خَلْقُهُ وما شَهِدُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى هَذا [الغَيْبُ] مَصْدَرٌ يُرِيدُ بِهِ الغائِبَ، [والشَّهادَةُ] أرادَ بِها الشّاهِدَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالغائِبِ والشّاهِدِ، قالَ بَعْضُهم: الغائِبُ هو المَعْلُومُ، والشّاهِدُ هو المَوْجُودُ، وقالَ آخَرُونَ: الغائِبُ ما غابَ عَنِ الحِسِّ، والشّاهِدُ ما حَضَرَ، وقالَ آخَرُونَ: الغائِبُ ما لا يَعْرِفُهُ الخَلْقُ، والشّاهِدُ ما يَعْرِفُهُ الخَلْقُ. ونَقُولُ: المَعْلُوماتُ قِسْمانِ: المَعْدُوماتُ والمَوْجُوداتُ، والمَعْدُوماتُ مِنها مَعْدُوماتٌ يَمْتَنِعُ وُجُودُها ومِنها مَعْدُوماتٌ لا يَمْتَنِعُ وُجُودُها، والمَوْجُوداتُ أيْضًا قِسْمانِ: مَوْجُوداتٌ يَمْتَنِعُ عَدَمُها، ومَوْجُوداتٌ لا يَمْتَنِعُ عَدَمُها، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ لَهُ أحْكامٌ وخَواصُّ، والكُلُّ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى، وحَكى الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ عَنْ أبِي القاسِمِ الأنْصارِيِّ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: أنَّهُ كانَ يَقُولُ: لِلَّهِ تَعالى مَعْلُوماتٌ لا نِهايَةَ لَها، ولَهُ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ المَعْلُوماتِ مَعْلُوماتٌ أُخْرى لا نِهايَةَ لَها؛ لِأنَّ الجَوْهَرَ الفَرْدَ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ في أحْيازٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، ومَوْصُوفًا بِصِفاتٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، وهو تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ الأحْوالِ عَلى التَّفْصِيلِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ داخِلٌ تَحْتِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قَوْلَهُ: ﴿الكَبِيرُ﴾ وهو تَعالى يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا بِحَسَبِ الجُثَّةِ والحَجْمِ والمِقْدارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا بِحَسَبِ القُدْرَةِ والمَقادِيرِ الإلَهِيَّةِ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِأنَّهُ المُتَعالِ، وهو المُتَنَزِّهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مَوْصُوفًا بِالعِلْمِ الكامِلِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ، ومُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وعَلى الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها وعَلى العَذابِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ، وأنَّهُ إنَّما يُؤَخِّرُ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ عِنْدَ قَوْمٍ وبِحَسَبِ المَصْلَحَةِ عِنْدَ آخَرِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ [المُتَعالِي] بِإثْباتِ الياءِ في صفحة ١٥ الوَقْفِ والوَصْلِ عَلى الأصْلِ، والباقُونَ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَتَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ. * * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ بَيانَ كَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَقالَ: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: لَفْظُ [سَواءٌ] يَطْلُبُ اثْنَيْنِ تَقُولُ: سَواءٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ سَواءً مَصْدَرٌ، والمَعْنى: ذُو سَواءٍ كَما تَقُولُ: عَدْلٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو، أيْ ذَوا عَدْلٍ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ سَواءٌ بِمَعْنى مُسْتَوٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، إلّا أنَّ سِيبَوَيْهِ يَسْتَقْبِحُ أنْ يَقُولَ: مُسْتَوٍ زَيْدٌ وعَمْرٌو؛ لِأنَّ أسْماءَ الفاعِلِينَ إذا كانَتْ نَكِراتٍ لا يُبْدَأُ بِها. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: بَلْ هَذا الوجه أوْلى لِأنَّ حَمْلَ الكَلامِ عَلَيْهِ يُغْنِي عَنِ التِزامِ الإضْمارِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ. المسألة الثّانِيَةُ: في المُسْتَخْفِي والسّارِبِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: يُقالُ: أخْفَيْتُ الشَّيْءَ أُخْفِيهِ إخْفاءً، فَخَفِيَ واسْتَخْفى فُلانٌ مِن فُلانٍ، أيْ تَوارى واسْتَتَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ظاهِرٌ بِالنَّهارِ في سَرْبِهِ أيْ طَرِيقِهِ. يُقالُ: خَلا لَهُ سَرْبُهُ، أيْ طَرِيقُهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ سَرَبَتِ الإبِلُ تَسْرُبُ سَرَبًا، أيْ مَضَتْ في الأرْضِ ظاهِرَةً حَيْثُ شاءَتْ، فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَمَعْنى الآيَةِ: سَواءٌ كانَ الإنْسانُ مُسْتَخْفِيًا في الظُّلُماتِ أوْ كانَ ظاهِرًا في الطُّرُقاتِ، فَعِلْمُ اللَّهِ تَعالى مُحِيطٌ بِالكُلِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: سَواءٌ ما أضْمَرَتْهُ القُلُوبُ وأظْهَرَتْهُ الألْسِنَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَواءٌ مَن يُقْدِمُ عَلى القَبائِحِ في ظُلُماتِ اللَّيالِي، ومَن يَأْتِي بِها في النَّهارِ الظّاهِرِ عَلى سَبِيلِ التَّوالِي. والقَوْلُ الثّانِي: نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الأخْفَشِ وقُطْرُبٍ أنَّهُ قالَ: المُسْتَخْفِي الظّاهِرُ والسّارِبُ المُتَوارِي، ومِنهُ يُقالُ: خَفَيْتُ الشَّيْءَ وأخْفَيْتُهُ؛ أيْ أظْهَرْتُهُ. واخْتَفَيْتُ الشَّيْءَ اسْتَخْرَجْتُهُ، ويُسَمّى النَّبّاشُ المُسْتَخْفِي، والسّارِبُ المُتَوارِي، ومِنهُ يُقالُ لِلدّاخِلِ سَرِبًا، والسَّرَبُ الوَحْشُ إذا دَخَلَ في السِّرْبِ أيْ في كِناسِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا الوجه صَحِيحٌ في اللُّغَةِ، إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ هو الوجه الأوَّلُ لِإطْباقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ، وأيْضًا فاللَّيْلُ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِتارِ، والنَّهارُ عَلى الظُّهُورِ والِانْتِشارِ.

الرعد 13:9

صفحة ١٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم طَلَبُوا آياتٍ أُخْرى غَيْرَ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم هَلْ طَلَبُوا الآيَةَ الأُخْرى لِلِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ، أوْ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ؟ وهَلْ يَنْتَفِعُونَ بِظُهُورِ تِلْكَ الآياتِ، أوْ يَزْدادُ إصْرارُهم واسْتِكْبارُهُمْ؟ فَلَوْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ ومَزِيدِ الفائِدَةِ، لَأظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى وما مَنَعَهم عَنْهُ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا لِأجَلِ مَحْضِ العِنادِ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا﴾ [يُونُسَ: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . [الأنْعامِ: ١٠٩] . والثّانِي: أنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ وذَلِكَ لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ بِسَبَبِ أنَّ أجْزاءَ أبْدانِ الحَيَواناتِ عِنْدَ تَفَرُّقِها وتَفَتُّتِها يَخْتَلِطُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ولا يَبْقى الِامْتِيازُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما لا يُبْقِي الِامْتِيازَ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، أمّا في حَقِّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَإنَّهُ يُبْقِي تِلْكَ الأجْزاءَ بِحَيْثُ يَمْتازُ بَعْضُها عَنِ البَعْضِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَهو تَعالى إنَّما يُنْزِلُ العَذابَ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ كَوْنَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ ] إمّا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وإمّا أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، فالمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ أنَّهُ مِن أيِّ الأقْسامِ؛ أهُوَ ذَكَرٌ أمْ أُنْثى، وتامٌّ أوْ ناقِصٌ، وحَسَنٌ أوْ قَبِيحٌ وطَوِيلٌ أوْ قَصِيرٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ فِيهِ. ثم قال: ﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ والغَيْضُ هو النُّقْصانُ سَواءٌ كانَ لازِمًا أوْ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: غاضَ الماءُ وغِضْتُهُ أنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ [هُودٍ: ٤٤] والمُرادُ مِنَ الآيَةِ وما تَغِيضُهُ الأرْحامُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ، وقَوْلُهُ: ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيْ تَأْخُذُهُ زِيادَةً، تَقُولُ: أخَذْتُ مِنهُ حَقِّي وازْدَدْتُ مِنهُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكَهْفِ: ٢٥] ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما تَغِيضُهُ الرَّحِمُ وتَزْدادُهُ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: عَدَدُ الوَلَدِ، فَإنَّ الرَّحِمَ قَدْ يَشْتَمِلُ عَلى واحِدٍ، واثْنَيْنِ، وعَلى ثَلاثَةٍ، وأرْبَعَةٍ، يُرْوى أنَّ شَرِيكًا كانَ رابِعَ أرْبَعَةٍ في بَطْنِ أُمِّهِ. الثّانِي: الوَلَدُ قَدْ يَكُونُ مُخَدَّجًا، وقَدْ يَكُونُ تامًّا. الثّالِثُ: مُدَّةُ وِلادَتِهِ قَدْ تَكُونُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأزْيَدَ عَلَيْها إلى سَنَتَيْنِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وإلى أرْبَعَةٍ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وإلى خَمْسٍ عِنْدَ مالِكٍ، وقِيلَ: إنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ، وهَرِمُ بْنُ حَيّانَ بَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعَ سِنِينَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ هَرِمًا. الرّابِعُ: الدَّمُ فَإنَّهُ تارَةً يَقِلُّ وتارَةً يَكْثُرُ. الخامِسُ: ما يَنْقُصُ بِالسَّقْطِ مِن غَيْرِ أنْ يَتِمَّ وما يَزْدادُ بِالتَّمامِ. السّادِسُ: ما يَنْقُصُ بِظُهُورِ دَمِ الحَيْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا سالَ الدَّمُ في وقْتِ الحَمْلِ ضَعُفَ الوَلَدُ ونَقَصَ، وبِمِقْدارِ حُصُولِ ذَلِكَ النُّقْصانِ يَزْدادُ أيّامَ الحَمْلِ، لِتَصِيرَ هَذِهِ الزِّيادَةُ جابِرَةً لِذَلِكَ النُّقْصانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كُلَّما سالَ الحَيْضُ في وقْتِ صفحة ١٤ الحَمْلِ يَوْمًا زادَ في مُدَّةِ الحَمْلِ يَوْمًا لِيَحْصُلَ بِهِ الجَبْرُ ويَعْتَدِلَ الأمْرُ. السّابِعُ: أنَّ دَمَ الحَيْضِ فَضْلَةٌ تَجْتَمِعُ في بَطْنِ المَرْأةِ، فَإذا امْتَلَأتْ عُرُوقُها مِن تِلْكَ الفَضَلاتِ فاضَتْ وخَرَجَتْ، وسالَتْ مِن دَواخِلِ تِلْكَ العُرُوقِ، ثُمَّ إذا سالَتْ تِلْكَ المَوادُّ امْتَلَأتْ تِلْكَ العُرُوقُ مَرَّةً أُخْرى، هَذا كُلُّهُ إذا قُلْنا: إنَّ كَلِمَةَ ”ما“ مَوْصُولَةٌ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فالمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أُنْثى ويَعْلَمُ غَيْضَ الأرْحامِ وازْدِيادَها، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا مِن أوْقاتِهِ وأحْوالِهِ. وأما قوله تَعالى: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ فَمَعْناهُ: بِقَدَرٍ واحِدٍ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٩] وقَوْلُهُ في أوَّلِ الفُرْقانِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢]. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العِنْدِيَّةِ العِلْمَ ومَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ وكَيْفِيَّتَهُ عَلى الوجه المُفَصَّلِ المُبَيَّنِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّغْيِيرِ في تِلْكَ المَعْلُوماتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العِنْدِيَّةِ أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ كُلَّ حادِثٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِمَشِيئَتِهِ الأزَلِيَّةِ وإرادَتِهِ السَّرْمَدِيَّةِ، وعِنْدَ حُكَماءِ الإسْلامِ أنَّهُ تَعالى وضَعَ أشْياءَ كُلِّيَّةً وأوْدَعَ فِيها قُوًى وخَواصَّ، وحَرَّكَها بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن حَرَكاتِها المُقَدَّرَةِ بِالمَقادِيرِ المَخْصُوصَةِ أحْوالٌ جُزْئِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ ومُناسَباتٌ مَخْصُوصَةٌ مُقَدَّرَةٌ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ أفْعالُ العِبادِ وأحْوالُهم وخَواطِرُهم، وهو مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ عَلِمَ ما غابَ عَنْهُ خَلْقُهُ وما شَهِدُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى هَذا [الغَيْبُ] مَصْدَرٌ يُرِيدُ بِهِ الغائِبَ، [والشَّهادَةُ] أرادَ بِها الشّاهِدَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالغائِبِ والشّاهِدِ، قالَ بَعْضُهم: الغائِبُ هو المَعْلُومُ، والشّاهِدُ هو المَوْجُودُ، وقالَ آخَرُونَ: الغائِبُ ما غابَ عَنِ الحِسِّ، والشّاهِدُ ما حَضَرَ، وقالَ آخَرُونَ: الغائِبُ ما لا يَعْرِفُهُ الخَلْقُ، والشّاهِدُ ما يَعْرِفُهُ الخَلْقُ. ونَقُولُ: المَعْلُوماتُ قِسْمانِ: المَعْدُوماتُ والمَوْجُوداتُ، والمَعْدُوماتُ مِنها مَعْدُوماتٌ يَمْتَنِعُ وُجُودُها ومِنها مَعْدُوماتٌ لا يَمْتَنِعُ وُجُودُها، والمَوْجُوداتُ أيْضًا قِسْمانِ: مَوْجُوداتٌ يَمْتَنِعُ عَدَمُها، ومَوْجُوداتٌ لا يَمْتَنِعُ عَدَمُها، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ لَهُ أحْكامٌ وخَواصُّ، والكُلُّ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى، وحَكى الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ عَنْ أبِي القاسِمِ الأنْصارِيِّ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: أنَّهُ كانَ يَقُولُ: لِلَّهِ تَعالى مَعْلُوماتٌ لا نِهايَةَ لَها، ولَهُ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ المَعْلُوماتِ مَعْلُوماتٌ أُخْرى لا نِهايَةَ لَها؛ لِأنَّ الجَوْهَرَ الفَرْدَ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ في أحْيازٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، ومَوْصُوفًا بِصِفاتٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، وهو تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ الأحْوالِ عَلى التَّفْصِيلِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ داخِلٌ تَحْتِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قَوْلَهُ: ﴿الكَبِيرُ﴾ وهو تَعالى يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا بِحَسَبِ الجُثَّةِ والحَجْمِ والمِقْدارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا بِحَسَبِ القُدْرَةِ والمَقادِيرِ الإلَهِيَّةِ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِأنَّهُ المُتَعالِ، وهو المُتَنَزِّهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مَوْصُوفًا بِالعِلْمِ الكامِلِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ، ومُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وعَلى الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها وعَلى العَذابِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ، وأنَّهُ إنَّما يُؤَخِّرُ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ عِنْدَ قَوْمٍ وبِحَسَبِ المَصْلَحَةِ عِنْدَ آخَرِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ [المُتَعالِي] بِإثْباتِ الياءِ في صفحة ١٥ الوَقْفِ والوَصْلِ عَلى الأصْلِ، والباقُونَ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَتَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ. * * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ بَيانَ كَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَقالَ: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: لَفْظُ [سَواءٌ] يَطْلُبُ اثْنَيْنِ تَقُولُ: سَواءٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ سَواءً مَصْدَرٌ، والمَعْنى: ذُو سَواءٍ كَما تَقُولُ: عَدْلٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو، أيْ ذَوا عَدْلٍ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ سَواءٌ بِمَعْنى مُسْتَوٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، إلّا أنَّ سِيبَوَيْهِ يَسْتَقْبِحُ أنْ يَقُولَ: مُسْتَوٍ زَيْدٌ وعَمْرٌو؛ لِأنَّ أسْماءَ الفاعِلِينَ إذا كانَتْ نَكِراتٍ لا يُبْدَأُ بِها. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: بَلْ هَذا الوجه أوْلى لِأنَّ حَمْلَ الكَلامِ عَلَيْهِ يُغْنِي عَنِ التِزامِ الإضْمارِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ. المسألة الثّانِيَةُ: في المُسْتَخْفِي والسّارِبِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: يُقالُ: أخْفَيْتُ الشَّيْءَ أُخْفِيهِ إخْفاءً، فَخَفِيَ واسْتَخْفى فُلانٌ مِن فُلانٍ، أيْ تَوارى واسْتَتَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ظاهِرٌ بِالنَّهارِ في سَرْبِهِ أيْ طَرِيقِهِ. يُقالُ: خَلا لَهُ سَرْبُهُ، أيْ طَرِيقُهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ سَرَبَتِ الإبِلُ تَسْرُبُ سَرَبًا، أيْ مَضَتْ في الأرْضِ ظاهِرَةً حَيْثُ شاءَتْ، فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَمَعْنى الآيَةِ: سَواءٌ كانَ الإنْسانُ مُسْتَخْفِيًا في الظُّلُماتِ أوْ كانَ ظاهِرًا في الطُّرُقاتِ، فَعِلْمُ اللَّهِ تَعالى مُحِيطٌ بِالكُلِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: سَواءٌ ما أضْمَرَتْهُ القُلُوبُ وأظْهَرَتْهُ الألْسِنَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَواءٌ مَن يُقْدِمُ عَلى القَبائِحِ في ظُلُماتِ اللَّيالِي، ومَن يَأْتِي بِها في النَّهارِ الظّاهِرِ عَلى سَبِيلِ التَّوالِي. والقَوْلُ الثّانِي: نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الأخْفَشِ وقُطْرُبٍ أنَّهُ قالَ: المُسْتَخْفِي الظّاهِرُ والسّارِبُ المُتَوارِي، ومِنهُ يُقالُ: خَفَيْتُ الشَّيْءَ وأخْفَيْتُهُ؛ أيْ أظْهَرْتُهُ. واخْتَفَيْتُ الشَّيْءَ اسْتَخْرَجْتُهُ، ويُسَمّى النَّبّاشُ المُسْتَخْفِي، والسّارِبُ المُتَوارِي، ومِنهُ يُقالُ لِلدّاخِلِ سَرِبًا، والسَّرَبُ الوَحْشُ إذا دَخَلَ في السِّرْبِ أيْ في كِناسِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا الوجه صَحِيحٌ في اللُّغَةِ، إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ هو الوجه الأوَّلُ لِإطْباقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ، وأيْضًا فاللَّيْلُ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِتارِ، والنَّهارُ عَلى الظُّهُورِ والِانْتِشارِ.

الرعد 13:10

صفحة ١٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم طَلَبُوا آياتٍ أُخْرى غَيْرَ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم هَلْ طَلَبُوا الآيَةَ الأُخْرى لِلِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ، أوْ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ؟ وهَلْ يَنْتَفِعُونَ بِظُهُورِ تِلْكَ الآياتِ، أوْ يَزْدادُ إصْرارُهم واسْتِكْبارُهُمْ؟ فَلَوْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ ومَزِيدِ الفائِدَةِ، لَأظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى وما مَنَعَهم عَنْهُ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا لِأجَلِ مَحْضِ العِنادِ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا﴾ [يُونُسَ: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . [الأنْعامِ: ١٠٩] . والثّانِي: أنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ وذَلِكَ لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ بِسَبَبِ أنَّ أجْزاءَ أبْدانِ الحَيَواناتِ عِنْدَ تَفَرُّقِها وتَفَتُّتِها يَخْتَلِطُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ولا يَبْقى الِامْتِيازُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما لا يُبْقِي الِامْتِيازَ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، أمّا في حَقِّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَإنَّهُ يُبْقِي تِلْكَ الأجْزاءَ بِحَيْثُ يَمْتازُ بَعْضُها عَنِ البَعْضِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَهو تَعالى إنَّما يُنْزِلُ العَذابَ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ كَوْنَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ ] إمّا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وإمّا أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، فالمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ أنَّهُ مِن أيِّ الأقْسامِ؛ أهُوَ ذَكَرٌ أمْ أُنْثى، وتامٌّ أوْ ناقِصٌ، وحَسَنٌ أوْ قَبِيحٌ وطَوِيلٌ أوْ قَصِيرٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ فِيهِ. ثم قال: ﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ والغَيْضُ هو النُّقْصانُ سَواءٌ كانَ لازِمًا أوْ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: غاضَ الماءُ وغِضْتُهُ أنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ [هُودٍ: ٤٤] والمُرادُ مِنَ الآيَةِ وما تَغِيضُهُ الأرْحامُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ، وقَوْلُهُ: ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيْ تَأْخُذُهُ زِيادَةً، تَقُولُ: أخَذْتُ مِنهُ حَقِّي وازْدَدْتُ مِنهُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكَهْفِ: ٢٥] ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما تَغِيضُهُ الرَّحِمُ وتَزْدادُهُ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: عَدَدُ الوَلَدِ، فَإنَّ الرَّحِمَ قَدْ يَشْتَمِلُ عَلى واحِدٍ، واثْنَيْنِ، وعَلى ثَلاثَةٍ، وأرْبَعَةٍ، يُرْوى أنَّ شَرِيكًا كانَ رابِعَ أرْبَعَةٍ في بَطْنِ أُمِّهِ. الثّانِي: الوَلَدُ قَدْ يَكُونُ مُخَدَّجًا، وقَدْ يَكُونُ تامًّا. الثّالِثُ: مُدَّةُ وِلادَتِهِ قَدْ تَكُونُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأزْيَدَ عَلَيْها إلى سَنَتَيْنِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وإلى أرْبَعَةٍ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وإلى خَمْسٍ عِنْدَ مالِكٍ، وقِيلَ: إنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ، وهَرِمُ بْنُ حَيّانَ بَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعَ سِنِينَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ هَرِمًا. الرّابِعُ: الدَّمُ فَإنَّهُ تارَةً يَقِلُّ وتارَةً يَكْثُرُ. الخامِسُ: ما يَنْقُصُ بِالسَّقْطِ مِن غَيْرِ أنْ يَتِمَّ وما يَزْدادُ بِالتَّمامِ. السّادِسُ: ما يَنْقُصُ بِظُهُورِ دَمِ الحَيْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا سالَ الدَّمُ في وقْتِ الحَمْلِ ضَعُفَ الوَلَدُ ونَقَصَ، وبِمِقْدارِ حُصُولِ ذَلِكَ النُّقْصانِ يَزْدادُ أيّامَ الحَمْلِ، لِتَصِيرَ هَذِهِ الزِّيادَةُ جابِرَةً لِذَلِكَ النُّقْصانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كُلَّما سالَ الحَيْضُ في وقْتِ صفحة ١٤ الحَمْلِ يَوْمًا زادَ في مُدَّةِ الحَمْلِ يَوْمًا لِيَحْصُلَ بِهِ الجَبْرُ ويَعْتَدِلَ الأمْرُ. السّابِعُ: أنَّ دَمَ الحَيْضِ فَضْلَةٌ تَجْتَمِعُ في بَطْنِ المَرْأةِ، فَإذا امْتَلَأتْ عُرُوقُها مِن تِلْكَ الفَضَلاتِ فاضَتْ وخَرَجَتْ، وسالَتْ مِن دَواخِلِ تِلْكَ العُرُوقِ، ثُمَّ إذا سالَتْ تِلْكَ المَوادُّ امْتَلَأتْ تِلْكَ العُرُوقُ مَرَّةً أُخْرى، هَذا كُلُّهُ إذا قُلْنا: إنَّ كَلِمَةَ ”ما“ مَوْصُولَةٌ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فالمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أُنْثى ويَعْلَمُ غَيْضَ الأرْحامِ وازْدِيادَها، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا مِن أوْقاتِهِ وأحْوالِهِ. وأما قوله تَعالى: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ فَمَعْناهُ: بِقَدَرٍ واحِدٍ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٩] وقَوْلُهُ في أوَّلِ الفُرْقانِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢]. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العِنْدِيَّةِ العِلْمَ ومَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ وكَيْفِيَّتَهُ عَلى الوجه المُفَصَّلِ المُبَيَّنِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّغْيِيرِ في تِلْكَ المَعْلُوماتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العِنْدِيَّةِ أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ كُلَّ حادِثٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِمَشِيئَتِهِ الأزَلِيَّةِ وإرادَتِهِ السَّرْمَدِيَّةِ، وعِنْدَ حُكَماءِ الإسْلامِ أنَّهُ تَعالى وضَعَ أشْياءَ كُلِّيَّةً وأوْدَعَ فِيها قُوًى وخَواصَّ، وحَرَّكَها بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن حَرَكاتِها المُقَدَّرَةِ بِالمَقادِيرِ المَخْصُوصَةِ أحْوالٌ جُزْئِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ ومُناسَباتٌ مَخْصُوصَةٌ مُقَدَّرَةٌ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ أفْعالُ العِبادِ وأحْوالُهم وخَواطِرُهم، وهو مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ عَلِمَ ما غابَ عَنْهُ خَلْقُهُ وما شَهِدُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى هَذا [الغَيْبُ] مَصْدَرٌ يُرِيدُ بِهِ الغائِبَ، [والشَّهادَةُ] أرادَ بِها الشّاهِدَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالغائِبِ والشّاهِدِ، قالَ بَعْضُهم: الغائِبُ هو المَعْلُومُ، والشّاهِدُ هو المَوْجُودُ، وقالَ آخَرُونَ: الغائِبُ ما غابَ عَنِ الحِسِّ، والشّاهِدُ ما حَضَرَ، وقالَ آخَرُونَ: الغائِبُ ما لا يَعْرِفُهُ الخَلْقُ، والشّاهِدُ ما يَعْرِفُهُ الخَلْقُ. ونَقُولُ: المَعْلُوماتُ قِسْمانِ: المَعْدُوماتُ والمَوْجُوداتُ، والمَعْدُوماتُ مِنها مَعْدُوماتٌ يَمْتَنِعُ وُجُودُها ومِنها مَعْدُوماتٌ لا يَمْتَنِعُ وُجُودُها، والمَوْجُوداتُ أيْضًا قِسْمانِ: مَوْجُوداتٌ يَمْتَنِعُ عَدَمُها، ومَوْجُوداتٌ لا يَمْتَنِعُ عَدَمُها، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ لَهُ أحْكامٌ وخَواصُّ، والكُلُّ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى، وحَكى الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ عَنْ أبِي القاسِمِ الأنْصارِيِّ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: أنَّهُ كانَ يَقُولُ: لِلَّهِ تَعالى مَعْلُوماتٌ لا نِهايَةَ لَها، ولَهُ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ المَعْلُوماتِ مَعْلُوماتٌ أُخْرى لا نِهايَةَ لَها؛ لِأنَّ الجَوْهَرَ الفَرْدَ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ في أحْيازٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، ومَوْصُوفًا بِصِفاتٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، وهو تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ الأحْوالِ عَلى التَّفْصِيلِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ داخِلٌ تَحْتِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قَوْلَهُ: ﴿الكَبِيرُ﴾ وهو تَعالى يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا بِحَسَبِ الجُثَّةِ والحَجْمِ والمِقْدارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا بِحَسَبِ القُدْرَةِ والمَقادِيرِ الإلَهِيَّةِ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِأنَّهُ المُتَعالِ، وهو المُتَنَزِّهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مَوْصُوفًا بِالعِلْمِ الكامِلِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ، ومُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وعَلى الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها وعَلى العَذابِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ، وأنَّهُ إنَّما يُؤَخِّرُ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ عِنْدَ قَوْمٍ وبِحَسَبِ المَصْلَحَةِ عِنْدَ آخَرِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ [المُتَعالِي] بِإثْباتِ الياءِ في صفحة ١٥ الوَقْفِ والوَصْلِ عَلى الأصْلِ، والباقُونَ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَتَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ. * * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ بَيانَ كَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَقالَ: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: لَفْظُ [سَواءٌ] يَطْلُبُ اثْنَيْنِ تَقُولُ: سَواءٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ سَواءً مَصْدَرٌ، والمَعْنى: ذُو سَواءٍ كَما تَقُولُ: عَدْلٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو، أيْ ذَوا عَدْلٍ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ سَواءٌ بِمَعْنى مُسْتَوٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، إلّا أنَّ سِيبَوَيْهِ يَسْتَقْبِحُ أنْ يَقُولَ: مُسْتَوٍ زَيْدٌ وعَمْرٌو؛ لِأنَّ أسْماءَ الفاعِلِينَ إذا كانَتْ نَكِراتٍ لا يُبْدَأُ بِها. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: بَلْ هَذا الوجه أوْلى لِأنَّ حَمْلَ الكَلامِ عَلَيْهِ يُغْنِي عَنِ التِزامِ الإضْمارِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ. المسألة الثّانِيَةُ: في المُسْتَخْفِي والسّارِبِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: يُقالُ: أخْفَيْتُ الشَّيْءَ أُخْفِيهِ إخْفاءً، فَخَفِيَ واسْتَخْفى فُلانٌ مِن فُلانٍ، أيْ تَوارى واسْتَتَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ظاهِرٌ بِالنَّهارِ في سَرْبِهِ أيْ طَرِيقِهِ. يُقالُ: خَلا لَهُ سَرْبُهُ، أيْ طَرِيقُهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ سَرَبَتِ الإبِلُ تَسْرُبُ سَرَبًا، أيْ مَضَتْ في الأرْضِ ظاهِرَةً حَيْثُ شاءَتْ، فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَمَعْنى الآيَةِ: سَواءٌ كانَ الإنْسانُ مُسْتَخْفِيًا في الظُّلُماتِ أوْ كانَ ظاهِرًا في الطُّرُقاتِ، فَعِلْمُ اللَّهِ تَعالى مُحِيطٌ بِالكُلِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: سَواءٌ ما أضْمَرَتْهُ القُلُوبُ وأظْهَرَتْهُ الألْسِنَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَواءٌ مَن يُقْدِمُ عَلى القَبائِحِ في ظُلُماتِ اللَّيالِي، ومَن يَأْتِي بِها في النَّهارِ الظّاهِرِ عَلى سَبِيلِ التَّوالِي. والقَوْلُ الثّانِي: نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الأخْفَشِ وقُطْرُبٍ أنَّهُ قالَ: المُسْتَخْفِي الظّاهِرُ والسّارِبُ المُتَوارِي، ومِنهُ يُقالُ: خَفَيْتُ الشَّيْءَ وأخْفَيْتُهُ؛ أيْ أظْهَرْتُهُ. واخْتَفَيْتُ الشَّيْءَ اسْتَخْرَجْتُهُ، ويُسَمّى النَّبّاشُ المُسْتَخْفِي، والسّارِبُ المُتَوارِي، ومِنهُ يُقالُ لِلدّاخِلِ سَرِبًا، والسَّرَبُ الوَحْشُ إذا دَخَلَ في السِّرْبِ أيْ في كِناسِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا الوجه صَحِيحٌ في اللُّغَةِ، إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ هو الوجه الأوَّلُ لِإطْباقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ، وأيْضًا فاللَّيْلُ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِتارِ، والنَّهارُ عَلى الظُّهُورِ والِانْتِشارِ.

الرعد 13:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في ”لَهُ“ عائِدٌ إلى ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ وقِيلَ عَلى اسْمِ اللَّهِ في ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، والمَعْنى: لِلَّهِ مُعَقِّباتٌ، وأمّا المُعَقِّباتُ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مُعْتَقِباتٍ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في القافِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٠] والمُرادُ المُعْتَذِرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن: عَقَبَهُ إذا جاءَ عَلى عَقِبِهِ فاسْمُ المُعَقِّبِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما خَلَفَ يَعْقُبُ ما قَبْلَهُ، صفحة ١٦ والمَعْنى في كِلا الوجه يْنِ واحِدٌ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في المُرادِ بِالمُعَقِّباتِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، وإنَّما صَحَّ وصْفُهم بِالمُعَقِّباتِ، إمّا لِأجْلِ أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ تَعْقُبُ مَلائِكَةَ النَّهارِ وبِالعَكْسِ، وإمّا لِأجْلِ أنَّهم يَتَعَقَّبُونَ أعْمالَ العِبادِ ويَتْبَعُونَها بِالحِفْظِ والكَتْبِ، وكُلُّ مَن عَمِلَ عَمَلًا ثُمَّ عادَ إلَيْهِ فَقَدْ عَقَّبَ، فَعَلى هَذا المُرادُ مِنَ المُعَقِّباتِ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ. رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنِ العَبْدِ كَمْ مَعَهُ مِن مَلَكٍ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَلَكٌ عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ الحَسَناتِ، وهو أمِينٌ عَلى الَّذِي عَلى الشِّمالِ، فَإذا عَمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْرًا، وإذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً قالَ الَّذِي عَلى الشِّمالِ لِصاحِبِ اليَمِينِ: أكْتُبُ؟ فَيَقُولُ: لا لَعَلَّهُ يَتُوبُ، فَإذا قالَ ثَلاثًا، قالَ: نَعَمْ اكْتُبْ أراحَنا اللَّهُ مِنهُ، فَبِئْسَ القَرِينُ ما أقَلَّ مُراقَبَتَهُ لِلَّهِ تَعالى واسْتِحْياءَهُ مِنّا، ومَلَكانِ مِن بَيْنِ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ، فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، ومَلَكٌ قابِضٌ عَلى ناصِيَتِكَ، فَإذا تَواضَعْتَ لِرَبِّكَ رَفَعَكَ، وإنْ تَجَبَّرْتَ قَصَمَكَ، ومَلَكانِ عَلى شَفَتِكَ يَحْفَظانِ عَلَيْكَ الصَّلاةَ عَلَيَّ، ومَلَكٌ عَلى فِيكَ لا يَدْعُ أنْ تَدْخُلَ الحَيَّةُ في فِيكَ، ومَلَكانِ عَلى عَيْنَيْكَ، فَهَؤُلاءِ عَشَرَةُ أمْلاكٍ عَلى كُلِّ آدَمِيٍّ تُبَدَّلُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ بِمَلائِكَةِ النَّهارِ، فَهم عِشْرُونَ مَلَكًا عَلى كُلِّ آدَمِيٍّ» . وعَنْهُ ﷺ: «يَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ» . وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٨] قِيلَ: تَصْعَدُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ، وهي عَشَرَةٌ وتَنْزِلُ مَلائِكَةُ النَّهارِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] صاحِبُ اليَمِينِ يَكْتُبُ الحَسَناتِ، والَّذِي عَنْ يَسارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئاتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والهَوامِّ في نَوْمِهِ ويَقَظَتِهِ. وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: المَلائِكَةُ ذُكُورٌ، فَلِمَ ذَكَرَ في جَمْعِها جَمْعَ الإناثِ وهو المُعَقِّباتُ؟ والجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: المُعَقِّباتُ ذُكْرانٌ جَمْعُ مَلائِكَةٍ مُعَقِّبَةٍ، ثُمَّ جُمِعَتْ مُعَقِّبَةٌ بِمُعَقِّباتٍ، كَما قِيلَ: ابْناواتُ سَعْدٍ ورِجالاتُ بَكْرٍ جَمْعُ رِجالٍ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى التَّذْكِيرِ قَوْلُهُ: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ . والثّانِي وهو قَوْلُ الأخْفَشِ: إنَّما أُنِّثَتْ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنها، نَحْوَ: نَسّابَةٌ، وعَلّامَةٌ، وهو ذَكَرٌ. السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن كَوْنِ أُولَئِكَ المُعَقِّباتِ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ؟ والجَوابُ: أنَّ المُسْتَخْفِيَ بِاللَّيْلِ والسّارِبَ بِالنَّهارِ قَدْ أحاطَ بِهِ هَؤُلاءِ المُعَقِّباتُ، فَيَعُدُّونَ عَلَيْهِ أعْمالَهُ وأقْوالَهُ بِتَمامِها، ولا يَشِذُّ مِن تِلْكَ الأعْمالِ والأقْوالِ مِن حِفْظِهِمْ شَيْءٌ أصْلًا، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ يَحْفَظُونَهُ مِن جَمِيعِ المَهالِكِ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ؛ لِأنَّ السّارِبَ بِالنَّهارِ إذا سَعى في مُهِمّاتِهِ فَإنَّما يَحْذَرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ . والجَوابُ: ذَكَرَ الفَرّاءُ فِيهِ قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ فِيهِ إضْمارًا؛ أيْ ذَلِكَ الحِفْظُ مِن أمْرِ اللَّهِ؛ أيْ مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَحُذِفَ الِاسْمُ وأُبْقِيَ خَبَرُهُ صفحة ١٧ كَما يُكْتَبُ عَلى الكِيسِ ألْفانِ، والمُرادُ الَّذِي فِيهِ ألْفانِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ مَعْناها الباءُ، والتَّقْدِيرُ: يَحْفَظُونَهُ بِأمْرِ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلْمَلائِكَةِ ولا لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ عَلى أنْ يَحْفَظُوا أحَدًا مِن أمْرِ اللَّهِ ومِمّا قَضاهُ عَلَيْهِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الفائِدَةُ في جَعْلِ هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ مُوَكَّلِينَ عَلَيْنا؟ والجَوابُ: أنَّ هَذا الكَلامَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، وذَلِكَ لِأنَّ المُنَجِّمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّدْبِيرَ في كُلِّ يَوْمٍ لِكَوْكَبٍ عَلى حِدَةٍ، وكَذا القَوْلُ في كُلِّ لَيْلَةٍ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الكَواكِبَ لَها أرْواحٌ عِنْدَهم، فَتِلْكَ التَّدْبِيراتُ المُخْتَلِفَةُ في الحَقِيقَةِ لِتِلْكَ الأرْواحِ، وكَذا القَوْلُ في تَدْبِيرِ القَمَرِ والهِيلاجِ والكَدَخْدا عَلى ما يَقُولُهُ المُنَجِّمُونَ، وأمّا أصْحابُ الطَّلْسَماتِ فَهَذا الكَلامُ مَشْهُورٌ في ألْسِنَتِهِمْ ولِذَلِكَ تَراهم يَقُولُونَ: أخْبَرَنِي الطِّباعِيُّ التّامُّ، ومُرادُهم بِالطِّباعِيِّ التّامِّ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ رُوحًا فَلَكِيَّةً يَتَوَلّى إصْلاحَ مُهِمّاتِهِ ودَفْعَ بَلِيّاتِهِ وآفاتِهِ، وإذا كانَ هَذا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الأحْكامِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مَجِيئُهُ مِنَ الشَّرْعِ؟ وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ في جَواهِرِها وطَبائِعِها فَبَعْضُها خِيِّرَةٌ، وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ، وبَعْضُها مُعَزَّةٌ، وبَعْضُها مُذَلَّةٌ، وبَعْضُها قَوِيَّةُ القَهْرِ والسُّلْطانِ، وبَعْضُها ضَعِيفَةٌ سَخِيفَةٌ، وكَما أنَّ الأمْرَ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ كَذَلِكَ، فَكَذا القَوْلُ في الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الأرْواحَ الفَلَكِيَّةَ في كُلِّ بابٍ وكُلِّ صِفَةٍ أقْوى مِنَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وكُلُّ طائِفَةٍ مِنَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ تَكُونُ مُتَشارِكَةً في طَبِيعَةٍ خاصَّةٍ وصْفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، لِما أنَّها تَكُونُ في تَرْبِيَةِ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ مُشاكِلَةً لَها في الطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ، وتَكُونُ تِلْكَ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ كَأنَّها أوْلادٌ لِذَلِكَ الرُّوحِ الفَلَكِيِّ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ الرُّوحُ الفَلَكِيُّ مُعِينًا لَها عَلى مُهِمّاتِها ومُرْشِدًا لَها إلى مَصالِحِها وعاصِمًا لَها عَنْ صُنُوفِ الآفاتِ، فَهَذا كَلامٌ ذَكَرَهٌ مُحَقِّقُو الفَلاسِفَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي ورَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ أمْرٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ الكُلِّ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ اسْتِنْكارُهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ؟ ثُمَّ في اخْتِصاصِ هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ وتَسَلُّطِهِمْ عَلى بَنِي آدَمَ فَوائِدُ كَثِيرَةٌ سِوى الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها مِن قَبْلُ. الأوَّلُ: أنَّ الشَّياطِينَ يَدْعُونَ إلى الشُّرُورِ والمَعاصِي، وهَؤُلاءِ المَلائِكَةِ يَدْعُونَ إلى الخَيْراتِ والطّاعاتِ. والثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: ما مِن عَبْدٍ إلّا ومَعَهُ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والهَوامِّ في نَوْمِهِ ويَقَظَتِهِ. الثّالِثُ: أنّا نَرى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقَعُ في قَلْبِهِ داعٍ قَوِيٌّ مِن غَيْرِ سَبَبٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ بِالآخِرَةِ أنَّ وُقُوعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قَلْبِهِ كانَ سَبَبًا مِن أسْبابِ مَصالِحِهِ وخَيْراتِهِ، وقَدْ يَنْكَشِفُ أيْضًا بِالآخِرَةِ أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِوُقُوعِهِ في آفَةٍ أوْ في مَعْصِيَةٍ، فَيَظْهَرُ أنَّ الدّاعِيَ إلى الأمْرِ الأوَّلِ كانَ مُرِيدًا لِلْخَيْرِ والرّاحَةِ، وإلى الأمْرِ الثّانِي كانَ مُرِيدًا لِلْفَسادِ والمِحْنَةِ، والأوَّلُ هو المَلَكُ الهادِي والثّانِي هو الشَّيْطانُ المُغْوِي. الرّابِعُ: أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ تُحْصِي عَلَيْهِ أعْمالَهُ كانَ إلى الحَذَرِ مِنَ المَعاصِي أقْرَبَ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ يَعْتَقِدُ جَلالَةَ المَلائِكَةِ وعُلُوَّ مَراتِبِهِمْ، فَإذا حاوَلَ الإقْدامَ عَلى مَعْصِيَةٍ واعْتَقَدَ أنَّهم يُشاهِدُونَها زَجَرَهُ الحَياءُ مِنهم عَنِ الإقْدامِ عَلَيْها كَما يَزْجُرُهُ عَنْها إذا حَضَرَهُ مَن يَعِظُهُ مِنَ البَشَرِ، وإذا عَلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ تُحْصِي عَلَيْهِ تِلْكَ الأعْمالَ كانَ ذَلِكَ أيْضًا رادِعًا لَهُ عَنْها، وإذا عَلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ يَكْتُبُونَها كانَ الرَّدْعُ أكْمَلَ. السُّؤالُ الخامِسُ: ما الفائِدَةُ في كَتَبَةِ أعْمالِ العِبادِ؟ قُلْنا هاهُنا مَقاماتٌ: المَقامُ الأوَّلُ: أنَّ تَفْسِيرَ الكِتْبَةِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ مِنَ الكِتْبَةِ. قالَ المُتَكَلِّمُونَ: الفائِدَةُ في تِلْكَ صفحة ١٨ الصُّحُفِ وزْنُها لِيُعْرَفَ رُجْحانُ إحْدى الكِفَّتَيْنِ عَلى الأُخْرى، فَإنَّهُ إذا رُجَحَتْ كِفَّةُ الطّاعاتِ ظَهَرَ لِلْخَلائِقِ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ بِالضِّدِّ فَبِالضِّدِّ، قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ لِأنَّ الأدِلَّةَ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ قَبْلَ مَماتِهِ عِنْدَ المُعايَنَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ مِنَ السُّعَداءِ أوْ مِنَ الأشْقِياءِ فَلا يَتَوَقَّفُ حُصُولُ تِلْكَ المَعْرِفَةِ عَلى المِيزانِ، ثُمَّ أجابَ القاضِي عَنْ هَذا الكَلامِ، وقالَ: لا يَمْتَنِعُ أيْضًا ما رَوَيْنا لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى حُصُولِ سُرُورِهِ عِنْدَ الخُلُقِ العَظِيمِ أنَّهُ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ في الجَنَّةِ، وبِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ في أعْداءِ اللَّهِ. والمَقامُ الثّانِي: وهو قَوْلُ حُكَماءِ الإسْلامِ أنَّ الكِتابَةَ عِبارَةٌ عَنْ نُقُوشٍ مَخْصُوصَةٍ وُضِعَتْ بِالِاصْطِلاحِ لِتَعْرِيفِ المَعانِي المَخْصُوصَةِ، فَلَوْ قَدَّرْنا كَوْنَ تِلْكَ النُّقُوشِ دالَّةً عَلى تِلْكَ المَعانِي لِأعْيانِها وذَواتِها كانَتْ تِلْكَ الكِتْبَةُ أقْوى وأكْمَلَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا أتى بِعَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ كَثِيرَةً مُتَوالِيَةً حَصَلَ في نَفْسِهِ بِسَبَبِ تَكَرُّرِها مَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ راسِخَةٌ، فَإنْ كانَتْ تِلْكَ المَلَكَةُ مَلَكَةً سارَّةً بِالأعْمالِ النّافِعَةِ في السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ عَظُمَ ابْتِهاجُهُ بِها بَعْدَ المَوْتِ؛ وإنْ كانَتْ تِلْكَ المَلَكَةُ مَلَكَةً ضارَّةً في الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ عَظُمَ تَضَرُّرُهُ بِها بَعْدَ المَوْتِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ التَّكْرِيرَ الكَثِيرَ لَمّا كانَ سَبَبًا لِحُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ المُتَكَرِّرَةِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ، وذَلِكَ الأثَرُ وإنْ كانَ غَيْرَ مَحْسُوسٍ إلّا أنَّهُ حاصِلٌ في الحَقِيقَةِ، وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ لَمْحَةٌ ولا حَرَكَةٌ ولا سُكُونٌ، إلّا ويَحْصُلُ مِنهُ في جَوْهَرِ نَفْسِهِ أثَرٌ مِن آثارِ السَّعادَةِ، أوْ آثارِ الشَّقاوَةِ قَلَّ أوْ كَثُرَ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَتَبَةِ الأعْمالِ عِنْدَ هَؤُلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، وهَذا كُلُّهُ إذا فَسَّرْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ بِالمَلائِكَةِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو أيْضًا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ المُرادُ: أنَّهُ يَسْتَوِي في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى السِّرُّ والجَهْرُ، والمُسْتَخْفِي بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، والسّارِبُ بِالنَّهارِ المُسْتَظْهِرُ بِالمُعاوِنِينَ والأنْصارِ وهُمُ المُلُوكُ والأُمَراءُ، فَمَن لَجَأ إلى اللَّيْلِ فَلَنْ يَفُوتَ اللَّهَ أمْرُهُ، ومَن سارَ نَهارًا بِالمُعَقِّباتِ وهُمُ الأحْراسُ والأعْوانُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ لَمْ يَنَجِّهِ أحْراسُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والمُعَقِّبُ العَوْنُ؛ لِأنَّهُ إذا أبْصَرَ هَذا ذاكَ فَلا بُدَّ أنْ يُبْصِرَ ذاكَ هَذا، فَتَصِيرُ بَصِيرَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُعاقِبَةً لِبَصِيرَةِ الآخِرَةِ، فَهَذِهِ المُعَقِّباتُ لا تُخَلِّصُ مِن قَضاءِ اللَّهِ ومِن قَدَرِهِ، وهم إنْ ظَنُّوا أنَّهم يُخَلِّصُونَ مَخْدُومَهم مِن أمْرِ اللَّهِ ومِن قَضائِهِ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَعْثُ السَّلاطِينِ والأُمَراءِ والكُبَراءِ عَلى أنْ يَطْلُبُوا الخَلاصَ مِنَ المَكارِهِ عَنْ حِفْظِ اللَّهِ وعِصْمَتِهِ ولا يُعَوِّلُوا في دَفْعِها عَلى الأعْوانِ والأنْصارِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ . أما قوله تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ فَكَلامُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ لا يُغَيِّرُ ما هم فِيهِ مِنَ النِّعَمِ بِإنْزالِ الِانْتِقامِ إلّا بِأنْ يَكُونَ مِنهُمُ المَعاصِي والفَسادُ، قالَ القاضِي: والظّاهِرُ لا يَحْتَمِلُ إلّا هَذا المَعْنى؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ مِمّا يَفْعَلُهُ تَعالى سِوى العِقابِ إلّا وقَدْ يَبْتَدِئُ بِهِ في الدُّنْيا مِن دُونِ تَغْيِيرٍ يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ فِيما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ بِالنِّعَمِ دِينًا ودُنْيا ويُفَضِّلُ في ذَلِكَ مَن شاءَ عَلى مَن يَشاءُ، فالمُرادُ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى التَّغْيِيرُ بِالهَلاكِ والعِقابِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَبَعْضُهم قالَ هَذا الكَلامَ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: صفحة ١٩ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُنْزِلُ بِهِمْ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ إلّا والمَعْلُومُ مِنهُمُ الإصْرارُ عَلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، حَتّى قالُوا: إذا كانَ المَعْلُومُ أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ أوْ في عَقِبِهِ مَن يُؤْمِنُ، فَإنَّهُ تَعالى لا يُنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ الكَلامُ يَجْرِي عَلى إطْلاقِهِ، والمُرادُ مِنهُ أنَّ كُلَّ قَوْمٍ بالَغُوا في الفَسادِ وغَيَّرُوا طَرِيقَتَهم في إظْهارِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ اللَّهَ يُزِيلُ عَنْهُمُ النِّعَمَ ويُنْزِلُ عَلَيْهِمْ أنْواعًا مِنَ العَذابِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُؤْمِنَ الَّذِي يَكُونُ مُخْتَلِطًا بِأُولَئِكَ الأقْوامِ، فَرُبَّما دَخَلَ في ذَلِكَ العَذابِ، رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا الظّالِمَ، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ، يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِقابٍ» واحْتَجَّ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ والقاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَتَيْنِ: المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى لا يُعاقِبُ أطْفالَ المُشْرِكِينَ بِذُنُوبِ آبائِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمْ يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِن نِعْمَةٍ، فَيُغَيِّرُ اللَّهُ حالَهم مِنَ النِّعْمَةِ إلى العَذابِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالُوا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ إنَّهُ تَعالى يَبْتَدِئُ العَبْدَ بِالضَّلالِ والخِذْلانِ أوَّلَ ما يَبْلُغُ، وذَلِكَ أعْظَمُ مِنَ العِقابِ، مَعَ أنَّهُ ما كانَ مِنهُ تَغْيِيرٌ. والجَوابُ: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ اللَّهِ في التَّغْيِيرِ مُؤَخَّرٌ عَنْ فِعْلِ العَبْدِ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنْسانِ: ٣٠] يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مُؤَخَّرٌ عَنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، فَوَقَعَ التَّعارُضُ. وأما قوله: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ في الفِعْلِ، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا كَفَرَ العَبْدُ فَلا شَكَّ أنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ بِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ في الدُّنْيا والعِقابِ في الآخِرَةِ، فَلَوْ كانَ العَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِتَحْصِيلِ الإيمانِ لَكانَ قادِرًا عَلى رَدِّ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ وإنْ أشْعَرَتْ بِمَذْهَبِهِمْ، إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى مَذْهَبِنا، قالَ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تُغْنِ المُعَقِّباتُ شَيْئًا، وقالَ عَطاءٌ عَنْهُ: لا رادَّ لِعَذابِي ولا ناقِضَ لِحُكْمِي: ﴿وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مَن يَتَوَلّاهم، ويَمْنَعُ قَضاءَ اللَّهِ عَنْهم، والمَعْنى: ما لَهم والٍ يَلِي أمْرَهم، ويَمْنَعُ العَذابَ عَنْهم.

الرعد 13:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهو شَدِيدُ المِحالِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ العِبادَ بِإنْزالِ ما لا مَرَدَّ لَهُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ هَذِهِ الآياتِ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها دَلائِلُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، وأنَّها تُشْبِهُ النِّعَمَ والإحْسانَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وتُشْبِهُ العَذابَ والقَهْرَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ. صفحة ٢٠ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أُمُورًا أرْبَعَةً الأوَّلُ: البَرْقُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُما؛ لِأنَّهُما لَيْسا بِفِعْلِ فاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: إرادَةَ خَوْفٍ وطَمَعٍ أوْ عَلى مَعْنى: إخافَةً وإطْماعًا. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مُنْتَصِبَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ البَرْقِ كَأنَّهُ في نَفْسِهِ خَوْفٌ وطَمَعٌ، والتَّقْدِيرُ: ذا خَوْفٍ وذا طَمَعٍ، أوْ عَلى مَعْنى إيخافًا وإطْماعًا. الثّالِثُ: أنْ يَكُونا حالًا مِنَ المُخاطَبِينَ أيْ خائِفِينَ وطامِعِينَ. المسألة الثّانِيَةُ: في كَوْنِ البَرْقِ خَوْفًا وطَمَعًا وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ عِنْدَ لَمَعانِ البَرْقِ يُخافُ وُقُوعُ الصَّواعِقِ، ويُطْمَعُ في نُزُولِ الغَيْثِ؛ قالَ المُتَنَبِّي: فَتًى كالسَّحابِ الجَوْنِ يَخْشى ويَرْتَجِي يُرَجِّي الحَيا مِنها ويَخْشى الصَّواعِقا الثّانِي: أنَّهُ يَخافُ المَطَرَ مِن لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ كالمُسافِرِ، وكَمَنَ في جِرابِهِ التَّمْرُ والزَّبِيبُ، ويَطْمَعُ فِيهِ مَن لَهُ فِيهِ نَفْعٌ. الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَحْصُلُ في الدُّنْيا، فَهو خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ، وشَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ، فَكَذَلِكَ المَطَرُ خَيْرٌ في حَقِّ مَن يَحْتاجُ إلَيْهِ في أوانِهِ، وشَرٌّ في حَقِّ مَن يَضُرُّهُ ذَلِكَ، إمّا بِحَسَبِ المَكانِ أوْ بِحَسَبِ الزَّمانِ. المسألة الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ حُدُوثَ البَرْقِ دَلِيلٌ عَجِيبٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّ السَّحابَ لا شَكَّ أنَّهُ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن أجْزاءٍ رَطْبَةٍ مائِيَّةٍ، ومِن أجْزاءٍ هَوائِيَّةٍ ونارِيَّةٍ، ولا شَكَّ أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ الأجْزاءُ المائِيَّةُ، والماءُ جِسْمٌ بارِدٌ ورَطْبٌ، والنّارُ جِسْمٌ يابِسٌ، وظُهُورُ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ التّامِّ عَلى خِلافِ العَقْلِ، فَلا بُدَّ مِن صانِعٍ مُخْتارٍ يُظْهِرُ الضِّدَّ مِنَ الضِّدِّ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرِّيحَ احْتَقَنَ في داخِلِ جِرْمِ السَّحابِ واسْتَوْلى البَرْدُ عَلى ظاهِرِهِ فانْجَمَدَ السَّطْحُ الظّاهِرُ مِنهُ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرِّيحَ يُمَزِّقُهُ تَمْزِيقًا عَنِيفًا فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ التَّمْزِيقِ الشَّدِيدِ حَرَكَةٌ عَنِيفَةٌ، والحَرَكَةُ العَنِيفَةُ مُوجِبَةٌ لِلسُّخُونَةِ وهي البَرْقُ؟ والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ عَلى خِلافِ المَعْقُولِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أيْنَما يَحْصُلِ البَرْقُ فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ الرَّعْدُ وهو الصَّوْتُ الحادِثُ مِن تَمَزُّقِ السَّحابِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَحْدُثُ البَرْقُ القَوِيُّ مِن غَيْرِ حُدُوثِ الرَّعْدِ. الثّانِي: أنَّ السُّخُونَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ قُوَّةِ الحَرَكَةِ مُقابِلَةٌ لِلطَّبِيعَةِ المائِيَّةِ المُوجِبَةِ لِلْبَرْدِ، وعِنْدَ حُصُولِ هَذا العارِضِ القَوِيِّ كَيْفَ تَحْدُثُ النّارِيَّةُ؟ بَلْ نَقُولُ: النِّيرانُ العَظِيمَةُ تَنْطَفِئُ بِصَبِّ الماءِ عَلَيْها، والسَّحابُ كُلُّهُ ماءٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَحْدُثَ فِيهِ شُعْلَةٌ ضَعِيفَةٌ نارِيَّةٌ؟ الثّالِثُ: مِن مَذْهَبِكم أنَّ النّارَ الصِّرْفَةَ لا لَوْنَ لَها البَتَّةَ، فَهَبْ أنَّهُ حَصَلَتِ النّارِيَّةُ بِسَبَبِ قُوَّةِ المُحاكَّةِ الحاصِلَةِ بِأجْزاءِ السَّحابِ لَكِنْ مِن أيْنَ حَدَثَ ذَلِكَ اللَّوْنُ الأحْمَرُ؟ فَثَبَتَ أنَّ السَّبَبَ الَّذِي ذَكَرُوهُ ضَعِيفٌ، وأنَّ حُدُوثَ النّارِ الحاصِلَةِ في جِرْمِ السَّحابِ مَعَ كَوْنِهِ ماءً خالِصًا لا يُمْكِنُ إلّا بِقُدْرَةِ القادِرِ الحَكِيمِ. * * * النوع الثّانِي: مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ قالَ صاحِبُ صفحة ٢١ ”الكَشّافِ“: السَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ والواحِدَةُ سَحابَةٌ، والثِّقالُ جَمْعُ ثَقِيلَةٍ؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: سَحابَةٌ ثَقِيلَةٌ وسَحابٌ ثِقالٌ، كَما تَقُولُ: امْرَأةٌ كَرِيمَةٌ ونِساءٌ كِرامٌ وهي الثِّقالُ بِالماءِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا أيْضًا مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأجْزاءَ المائِيَّةَ؛ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها حَدَثَتْ في جَوِّ الهَواءِ، أوْ يُقالُ إنَّها تَصاعَدَتْ مِن وجْهِ الأرْضِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ أنْ يَكُونَ حُدُوثُها بِإحْداثِ مُحْدِثٍ حَكِيمٍ قادِرٍ وهو المَطْلُوبُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ تَصاعَدَتْ مِنَ الأرْضِ، فَلَمّا وصَلَتْ إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ مِنَ الهَواءِ بَرَدَتْ فَثَقُلَتْ فَرَجَعَتْ إلى الأرْضِ فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْطارَ مُخْتَلِفَةٌ فَتارَةً تَكُونُ القَطَراتُ كَبِيرَةً، وتارَةً تَكُونُ صَغِيرَةً، وتارَةً تَكُونُ مُتَقارِبَةً، وأُخْرى تَكُونُ مُتَباعِدَةً، وتارَةً تَدُومُ مُدَّةَ نُزُولِ المَطَرِ زَمانًا طَوِيلًا، وتارَةً قَلِيلًا؛ فاخْتِلافُ الأمْطارِ في هَذِهِ الصِّفاتِ مَعَ أنَّ طَبِيعَةَ الأرْضِ واحِدَةٌ، وطَبِيعَةَ الشَّمْسِ المُسَخِّنَةِ لِلْبُخاراتِ واحِدَةٌ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وأيْضًا فالتَّجْرِبَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ لِلدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ في نُزُولِ الغَيْثِ أثَرًا عَظِيمًا، ولِذَلِكَ كانَتْ صَلاةُ الِاسْتِسْقاءِ مَشْرُوعَةً، فَعَلِمْنا أنَّ المُؤَثِّرَ فِيهِ هو قُدْرَةُ الفاعِلِ لا الطَّبِيعَةُ والخاصِّيَّةُ. * * * النوع الثّالِثُ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: الرَّعْدُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الرَّعْدَ اسْمُ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وهَذا الصَّوْتُ المَسْمُوعُ هو صَوْتُ ذَلِكَ المَلَكِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”«أنَّ اليَهُودَ سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرَّعْدِ ما هُوَ؟ فَقالَ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحابِ مَعَهُ مَخارِيقُ مِن نارٍ يَسُوقُ بِها السَّحابَ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ“ قالُوا: فَما الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟ قالَ: زَجْرُهُ السَّحابَ»، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَلَكٍ، فَعَلى هَذا القَوْلِ الرَّعْدُ هو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالسَّحابِ وصَوْتُهُ تَسْبِيحٌ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ الصَّوْتُ أيْضًا يُسَمّى بِالرَّعْدِ، ويُؤَكِّدُ هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ إذا سَمِعَ الرَّعْدَ قالَ: سُبْحانَ الَّذِي سَبَّحْتَ لَهُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ، فَيَنْطِقُ أحْسَنَ النُّطْقِ، ويَضْحَكُ أحْسَنَ الضَّحِكِ، فَنُطْقُهُ الرَّعْدُ، وضَحِكُهُ البَرْقُ» . واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ: البِنْيَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِحُصُولِ الحَياةِ فَلا يَبْعُدُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَخْلُقَ الحَياةَ والعِلْمَ والقُدْرَةَ والنُّطْقَ في أجْزاءِ السَّحابِ، فَيَكُونُ هَذا الصَّوْتُ المَسْمُوعُ فِعْلًا لَهُ، وكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ ونَحْنُ نَرى أنَّ السَّمَندَلَ يَتَوَلَّدُ في النّارِ، والضَّفادِعَ تَتَوَلَّدُ في الماءِ البارِدِ، والدُّودَةَ العَظِيمَةِ رُبَّما تَتَوَلَّدُ في الثُّلُوجِ القَدِيمَةِ؟ وأيْضًا فَإذا لَمْ يَبْعُدْ تَسْبِيحُ الجِبالِ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا تَسْبِيحُ الحَصى في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ تَسْبِيحُ السَّحابِ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ فَهَذا الشَّيْءُ المُسَمّى بِالرَّعْدِ مَلَكٌ أوْ لَيْسَ بِمَلَكٍ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ لِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ المَلائِكَةَ، فَقالَ: ﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ. والثّانِي: وهو أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ وإنَّما إفْرادُهُ بِالذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحْزابِ: ٧٠]. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الرَّعْدَ اسْمٌ لِهَذا الصَّوْتِ المَخْصُوصِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الرَّعْدَ يُسَبِّحُ اللَّهَ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ والتَّقْدِيسَ وما يَجْرِي مَجْراهُما لَيْسَ إلّا وُجُودَ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ صفحة ٢٢ وتَعالى، فَلَمّا كانَ حُدُوثُ هَذا الصَّوْتِ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ مَوْجُودٍ مُتَعالٍ عَنِ النَّقْصِ والإمْكانِ، كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ تَسْبِيحًا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ٤٤]. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِ الرَّعْدِ مُسَبِّحًا أنَّ مَن يَسْمَعُ الرَّعْدَ فَإنَّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى، فَلِهَذا المَعْنى أُضِيفَ هَذا التَّسْبِيحُ إلَيْهِ. القَوْلُ الرّابِعُ: مِن كَلِماتِ الصُّوفِيَّةِ الرَّعْدُ صَعْقاتُ المَلائِكَةِ، والبَرْقُ زَفَراتُ أفْئِدَتِهِمْ، والمَطَرُ بُكاؤُهم. فَإنْ قِيلَ: وما حَقِيقَةُ الرَّعْدِ؟ قُلْنا: اسْتَقْصَيْنا القَوْلَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩]. أما قوله: ﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَقُولُ: عَنى بِهَؤُلاءِ المَلائِكَةِ أعْوانَ الرَّعْدِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ لَهُ أعْوانًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ أيْ وتُسَبِّحُ المَلائِكَةُ مِن خِيفَةِ اللَّهِ تَعالى وخَشْيَتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّهم خائِفُونَ مِنَ اللَّهِ لا كَخَوْفِ ابْنِ آدَمَ، فَإنَّ أحَدَهم لا يَعْرِفُ مَن عَلى يَمِينِهِ ومَن عَلى يَسارِهِ، ولا يَشْغَلُهُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ طَعامٌ ولا شَرابٌ ولا شَيْءٌ. واعْلَمْ أنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ الحُكَماءِ يَذْكُرُونَ أنَّ هَذِهِ الآثارَ العُلْوِيَّةَ إنَّما تَتِمُّ بِقُوًى رُوحانِيَّةٍ فَلَكِيَّةٍ، فَلِلسَّحابِ رُوحٌ مُعِينٌ مِنَ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ يُدَبِّرُهُ، وكَذا القَوْلُ في الرِّياحِ وفي سائِرِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ، وهَذا عَيْنُ ما نَقَلْناهُ مِن أنَّ الرَّعْدَ اسْمُ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُسَبِّحُ اللَّهَ، فَهَذا الَّذِي قالَهُ المُفَسِّرُونَ بِهَذِهِ العِبارَةِ هو ما ذَكَرَهُ المُحَقِّقُونَ عَنِ الحُكَماءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ الإنْكارُ؟ * * * النوع الرّابِعُ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ﴾ واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الصَّواعِقِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ أخِي لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ أتَيا النَّبِيَّ ﷺ يُخاصِمانِهِ ويُجادِلانِهِ، ويُرِيدانِ الفَتْكَ بِهِ، فَقالَ أرْبَدُ بْنُ رَبِيعَةَ أخُو لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ: أخْبِرْنا عَنْ رَبِّنا أمِن نُحاسٍ هو أمْ مِن حَدِيدٍ؟ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا رَجَعَ أرْبَدُ أرْسَلَ عَلَيْهِ صاعِقَةً فَأحْرَقَتْهُ، ورَمى عامِرًا بِغُدَّةٍ كَغُدَّةِ البَعِيرِ، وماتَ في بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ. واعْلَمْ أنَّ أمْرَ الصّاعِقَةِ عَجِيبٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّها تارَةً تَتَوَلَّدُ مِنَ السَّحابِ، وإذا نَزَلَتْ مِنَ السَّحابِ، فَرُبَّما غاصَتْ في البَحْرِ وأحْرَقَتِ الحِيتانَ في لُجَّةِ البَحْرِ، والحُكَماءُ بالَغُوا في وصْفِ قُوَّتِها، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ النّارَ حارَّةٌ يابِسَةٌ وطَبِيعَتُها ضِدُّ طَبِيعَةِ السَّحابِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ طَبِيعَتُها في الحَرارَةِ واليُبُوسَةِ أضْعَفَ مِن طَبِيعَةِ النِّيرانِ الحادِثَةِ عِنْدَنا عَلى العادَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّها أقْوى نِيرانِ هَذا العالَمِ، فَثَبَتَ أنَّ اخْتِصاصَها بِمَزِيدِ تِلْكَ القُوَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِسَبَبِ تَخْصِيصِ الفاعِلِ المُخْتارِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ الأرْبَعَةَ، قالَ: ﴿وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ دَلائِلَ كَمالِ عِلْمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرَّعْدِ: ٨] وبَيَّنَ دَلائِلَ كَمالِ القُدْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ. ثم قال: ﴿وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ يَعْنِي: هَؤُلاءِ الكُفّارُ مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ الرَّدَّ عَلى الكافِرِ الَّذِي قالَ: أخْبِرْنا عَنْ رَبِّنا أمِن نُحاسٍ أمْ مِن صفحة ٢٣ حَدِيدٍ؟ وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ الرَّدَّ عَلى جِدالِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ وإبْطالِ الحَشْرِ والنَّشْرِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ في طَلَبِ سائِرِ المُعْجِزاتِ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ في اسْتِنْزالِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وفِي هَذِهِ الواوِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها لِلْحالِ، والمَعْنى: فَيُصِيبُ بِالصّاعِقَةِ مَن يَشاءُ في حالِ جِدالِهِ في اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّ أرْبَدَ لَمّا جادَلَ في اللَّهِ أحْرَقَتْهُ الصّاعِقَةُ. والثّانِي: أنَّها واوُ الِاسْتِئْنافِ كَأنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ ذِكْرَ هَذِهِ الدَّلائِلِ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ . ثم قال تَعالى: ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ وفي لَفْظِ المِحالِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المِيمُ زائِدَةٌ وهو مِنَ الحَوْلِ، ونَحْوُهُ مِيمُ مِكانٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: هَذا غَلَطٌ، فَإنَّ الكَلِمَةَ إذا كانَتْ عَلى مِثالِ فِعالٍ أوَّلُهُ مِيمٌ مَكْسُورَةٌ فَهي أصْلِيَّةٌ، نَحْوَ مِهادٍ ومِداسٍ ومِدادٍ، واخْتَلَفُوا مِمّا أُخِذَ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قِيلَ مِن قَوْلِهِمْ: مَحَلَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا سَعى بِهِ إلى السُّلْطانِ وعَرَّضَهُ لِلْهَلاكِ، وتَمَحَّلَ لِكَذا إذا تَكَلَّفَ اسْتِعْمالَ الحِيلَةِ واجْتَهَدَ فِيهِ، فَكانَ المَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ شَدِيدُ المَكْرِ لِأعْدائِهِ يُهْلِكُهم بِطَرِيقٍ لا يَتَوَقَّعُونَهُ. الثّانِي: أنَّ المِحالَ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ، ومِنهُ تُسَمّى السَّنَةُ الصَّعْبَةُ سَنَةَ المَحْلِ وماحَلْتُ فُلانًا مِحالًا، أيْ قاوَمْتُهُ أيُّنا أشَدُّ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ومِحالٌ فِعالٌ مِنَ المَحْلِ وهو الشِّدَّةُ، ولَفْظُ فِعالٍ يَقَعُ عَلى المُجازاةِ والمُقابَلَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى شَدِيدُ المُغالَبَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ هاهُنا عِباراتٌ، فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: شَدِيدُ القُوَّةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: شَدِيدُ العُقُوبَةِ، وقالَ الحَسَنُ: شَدِيدُ النِّقْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَدِيدُ الحَوْلِ. الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ ماحَلَ عَنْ أمْرِهِ أيْ جادَلَ، فَقَوْلُهُ: ﴿شَدِيدُ المِحالِ﴾ أيْ شَدِيدُ الجِدالِ. الرّابِعُ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ: ﴿شَدِيدُ المِحالِ﴾ أيْ شَدِيدُ الحِقْدِ. قالُوا: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الحِقْدَ لا يُمْكِنُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الألْفاظِ إذا ورَدَتْ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّها تَحْصُلُ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى مَبادِئِ الأعْراضِ، فالمُرادُ بِالحِقْدِ هاهُنا هو أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ إيصالَ الشَّرِّ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ يُخْفِي عَنْهُ تِلْكَ الإرادَةَ.

الرعد 13:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهو شَدِيدُ المِحالِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ العِبادَ بِإنْزالِ ما لا مَرَدَّ لَهُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ هَذِهِ الآياتِ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها دَلائِلُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، وأنَّها تُشْبِهُ النِّعَمَ والإحْسانَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وتُشْبِهُ العَذابَ والقَهْرَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ. صفحة ٢٠ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أُمُورًا أرْبَعَةً الأوَّلُ: البَرْقُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُما؛ لِأنَّهُما لَيْسا بِفِعْلِ فاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: إرادَةَ خَوْفٍ وطَمَعٍ أوْ عَلى مَعْنى: إخافَةً وإطْماعًا. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مُنْتَصِبَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ البَرْقِ كَأنَّهُ في نَفْسِهِ خَوْفٌ وطَمَعٌ، والتَّقْدِيرُ: ذا خَوْفٍ وذا طَمَعٍ، أوْ عَلى مَعْنى إيخافًا وإطْماعًا. الثّالِثُ: أنْ يَكُونا حالًا مِنَ المُخاطَبِينَ أيْ خائِفِينَ وطامِعِينَ. المسألة الثّانِيَةُ: في كَوْنِ البَرْقِ خَوْفًا وطَمَعًا وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ عِنْدَ لَمَعانِ البَرْقِ يُخافُ وُقُوعُ الصَّواعِقِ، ويُطْمَعُ في نُزُولِ الغَيْثِ؛ قالَ المُتَنَبِّي: فَتًى كالسَّحابِ الجَوْنِ يَخْشى ويَرْتَجِي يُرَجِّي الحَيا مِنها ويَخْشى الصَّواعِقا الثّانِي: أنَّهُ يَخافُ المَطَرَ مِن لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ كالمُسافِرِ، وكَمَنَ في جِرابِهِ التَّمْرُ والزَّبِيبُ، ويَطْمَعُ فِيهِ مَن لَهُ فِيهِ نَفْعٌ. الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَحْصُلُ في الدُّنْيا، فَهو خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ، وشَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ، فَكَذَلِكَ المَطَرُ خَيْرٌ في حَقِّ مَن يَحْتاجُ إلَيْهِ في أوانِهِ، وشَرٌّ في حَقِّ مَن يَضُرُّهُ ذَلِكَ، إمّا بِحَسَبِ المَكانِ أوْ بِحَسَبِ الزَّمانِ. المسألة الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ حُدُوثَ البَرْقِ دَلِيلٌ عَجِيبٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّ السَّحابَ لا شَكَّ أنَّهُ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن أجْزاءٍ رَطْبَةٍ مائِيَّةٍ، ومِن أجْزاءٍ هَوائِيَّةٍ ونارِيَّةٍ، ولا شَكَّ أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ الأجْزاءُ المائِيَّةُ، والماءُ جِسْمٌ بارِدٌ ورَطْبٌ، والنّارُ جِسْمٌ يابِسٌ، وظُهُورُ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ التّامِّ عَلى خِلافِ العَقْلِ، فَلا بُدَّ مِن صانِعٍ مُخْتارٍ يُظْهِرُ الضِّدَّ مِنَ الضِّدِّ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرِّيحَ احْتَقَنَ في داخِلِ جِرْمِ السَّحابِ واسْتَوْلى البَرْدُ عَلى ظاهِرِهِ فانْجَمَدَ السَّطْحُ الظّاهِرُ مِنهُ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرِّيحَ يُمَزِّقُهُ تَمْزِيقًا عَنِيفًا فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ التَّمْزِيقِ الشَّدِيدِ حَرَكَةٌ عَنِيفَةٌ، والحَرَكَةُ العَنِيفَةُ مُوجِبَةٌ لِلسُّخُونَةِ وهي البَرْقُ؟ والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ عَلى خِلافِ المَعْقُولِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أيْنَما يَحْصُلِ البَرْقُ فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ الرَّعْدُ وهو الصَّوْتُ الحادِثُ مِن تَمَزُّقِ السَّحابِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَحْدُثُ البَرْقُ القَوِيُّ مِن غَيْرِ حُدُوثِ الرَّعْدِ. الثّانِي: أنَّ السُّخُونَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ قُوَّةِ الحَرَكَةِ مُقابِلَةٌ لِلطَّبِيعَةِ المائِيَّةِ المُوجِبَةِ لِلْبَرْدِ، وعِنْدَ حُصُولِ هَذا العارِضِ القَوِيِّ كَيْفَ تَحْدُثُ النّارِيَّةُ؟ بَلْ نَقُولُ: النِّيرانُ العَظِيمَةُ تَنْطَفِئُ بِصَبِّ الماءِ عَلَيْها، والسَّحابُ كُلُّهُ ماءٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَحْدُثَ فِيهِ شُعْلَةٌ ضَعِيفَةٌ نارِيَّةٌ؟ الثّالِثُ: مِن مَذْهَبِكم أنَّ النّارَ الصِّرْفَةَ لا لَوْنَ لَها البَتَّةَ، فَهَبْ أنَّهُ حَصَلَتِ النّارِيَّةُ بِسَبَبِ قُوَّةِ المُحاكَّةِ الحاصِلَةِ بِأجْزاءِ السَّحابِ لَكِنْ مِن أيْنَ حَدَثَ ذَلِكَ اللَّوْنُ الأحْمَرُ؟ فَثَبَتَ أنَّ السَّبَبَ الَّذِي ذَكَرُوهُ ضَعِيفٌ، وأنَّ حُدُوثَ النّارِ الحاصِلَةِ في جِرْمِ السَّحابِ مَعَ كَوْنِهِ ماءً خالِصًا لا يُمْكِنُ إلّا بِقُدْرَةِ القادِرِ الحَكِيمِ. * * * النوع الثّانِي: مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ قالَ صاحِبُ صفحة ٢١ ”الكَشّافِ“: السَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ والواحِدَةُ سَحابَةٌ، والثِّقالُ جَمْعُ ثَقِيلَةٍ؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: سَحابَةٌ ثَقِيلَةٌ وسَحابٌ ثِقالٌ، كَما تَقُولُ: امْرَأةٌ كَرِيمَةٌ ونِساءٌ كِرامٌ وهي الثِّقالُ بِالماءِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا أيْضًا مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأجْزاءَ المائِيَّةَ؛ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها حَدَثَتْ في جَوِّ الهَواءِ، أوْ يُقالُ إنَّها تَصاعَدَتْ مِن وجْهِ الأرْضِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ أنْ يَكُونَ حُدُوثُها بِإحْداثِ مُحْدِثٍ حَكِيمٍ قادِرٍ وهو المَطْلُوبُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ تَصاعَدَتْ مِنَ الأرْضِ، فَلَمّا وصَلَتْ إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ مِنَ الهَواءِ بَرَدَتْ فَثَقُلَتْ فَرَجَعَتْ إلى الأرْضِ فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْطارَ مُخْتَلِفَةٌ فَتارَةً تَكُونُ القَطَراتُ كَبِيرَةً، وتارَةً تَكُونُ صَغِيرَةً، وتارَةً تَكُونُ مُتَقارِبَةً، وأُخْرى تَكُونُ مُتَباعِدَةً، وتارَةً تَدُومُ مُدَّةَ نُزُولِ المَطَرِ زَمانًا طَوِيلًا، وتارَةً قَلِيلًا؛ فاخْتِلافُ الأمْطارِ في هَذِهِ الصِّفاتِ مَعَ أنَّ طَبِيعَةَ الأرْضِ واحِدَةٌ، وطَبِيعَةَ الشَّمْسِ المُسَخِّنَةِ لِلْبُخاراتِ واحِدَةٌ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وأيْضًا فالتَّجْرِبَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ لِلدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ في نُزُولِ الغَيْثِ أثَرًا عَظِيمًا، ولِذَلِكَ كانَتْ صَلاةُ الِاسْتِسْقاءِ مَشْرُوعَةً، فَعَلِمْنا أنَّ المُؤَثِّرَ فِيهِ هو قُدْرَةُ الفاعِلِ لا الطَّبِيعَةُ والخاصِّيَّةُ. * * * النوع الثّالِثُ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: الرَّعْدُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الرَّعْدَ اسْمُ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وهَذا الصَّوْتُ المَسْمُوعُ هو صَوْتُ ذَلِكَ المَلَكِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”«أنَّ اليَهُودَ سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرَّعْدِ ما هُوَ؟ فَقالَ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحابِ مَعَهُ مَخارِيقُ مِن نارٍ يَسُوقُ بِها السَّحابَ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ“ قالُوا: فَما الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟ قالَ: زَجْرُهُ السَّحابَ»، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَلَكٍ، فَعَلى هَذا القَوْلِ الرَّعْدُ هو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالسَّحابِ وصَوْتُهُ تَسْبِيحٌ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ الصَّوْتُ أيْضًا يُسَمّى بِالرَّعْدِ، ويُؤَكِّدُ هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ إذا سَمِعَ الرَّعْدَ قالَ: سُبْحانَ الَّذِي سَبَّحْتَ لَهُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ، فَيَنْطِقُ أحْسَنَ النُّطْقِ، ويَضْحَكُ أحْسَنَ الضَّحِكِ، فَنُطْقُهُ الرَّعْدُ، وضَحِكُهُ البَرْقُ» . واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ: البِنْيَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِحُصُولِ الحَياةِ فَلا يَبْعُدُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَخْلُقَ الحَياةَ والعِلْمَ والقُدْرَةَ والنُّطْقَ في أجْزاءِ السَّحابِ، فَيَكُونُ هَذا الصَّوْتُ المَسْمُوعُ فِعْلًا لَهُ، وكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ ونَحْنُ نَرى أنَّ السَّمَندَلَ يَتَوَلَّدُ في النّارِ، والضَّفادِعَ تَتَوَلَّدُ في الماءِ البارِدِ، والدُّودَةَ العَظِيمَةِ رُبَّما تَتَوَلَّدُ في الثُّلُوجِ القَدِيمَةِ؟ وأيْضًا فَإذا لَمْ يَبْعُدْ تَسْبِيحُ الجِبالِ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا تَسْبِيحُ الحَصى في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ تَسْبِيحُ السَّحابِ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ فَهَذا الشَّيْءُ المُسَمّى بِالرَّعْدِ مَلَكٌ أوْ لَيْسَ بِمَلَكٍ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ لِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ المَلائِكَةَ، فَقالَ: ﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ. والثّانِي: وهو أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ وإنَّما إفْرادُهُ بِالذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحْزابِ: ٧٠]. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الرَّعْدَ اسْمٌ لِهَذا الصَّوْتِ المَخْصُوصِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الرَّعْدَ يُسَبِّحُ اللَّهَ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ والتَّقْدِيسَ وما يَجْرِي مَجْراهُما لَيْسَ إلّا وُجُودَ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ صفحة ٢٢ وتَعالى، فَلَمّا كانَ حُدُوثُ هَذا الصَّوْتِ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ مَوْجُودٍ مُتَعالٍ عَنِ النَّقْصِ والإمْكانِ، كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ تَسْبِيحًا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ٤٤]. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِ الرَّعْدِ مُسَبِّحًا أنَّ مَن يَسْمَعُ الرَّعْدَ فَإنَّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى، فَلِهَذا المَعْنى أُضِيفَ هَذا التَّسْبِيحُ إلَيْهِ. القَوْلُ الرّابِعُ: مِن كَلِماتِ الصُّوفِيَّةِ الرَّعْدُ صَعْقاتُ المَلائِكَةِ، والبَرْقُ زَفَراتُ أفْئِدَتِهِمْ، والمَطَرُ بُكاؤُهم. فَإنْ قِيلَ: وما حَقِيقَةُ الرَّعْدِ؟ قُلْنا: اسْتَقْصَيْنا القَوْلَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩]. أما قوله: ﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَقُولُ: عَنى بِهَؤُلاءِ المَلائِكَةِ أعْوانَ الرَّعْدِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ لَهُ أعْوانًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ أيْ وتُسَبِّحُ المَلائِكَةُ مِن خِيفَةِ اللَّهِ تَعالى وخَشْيَتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّهم خائِفُونَ مِنَ اللَّهِ لا كَخَوْفِ ابْنِ آدَمَ، فَإنَّ أحَدَهم لا يَعْرِفُ مَن عَلى يَمِينِهِ ومَن عَلى يَسارِهِ، ولا يَشْغَلُهُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ طَعامٌ ولا شَرابٌ ولا شَيْءٌ. واعْلَمْ أنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ الحُكَماءِ يَذْكُرُونَ أنَّ هَذِهِ الآثارَ العُلْوِيَّةَ إنَّما تَتِمُّ بِقُوًى رُوحانِيَّةٍ فَلَكِيَّةٍ، فَلِلسَّحابِ رُوحٌ مُعِينٌ مِنَ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ يُدَبِّرُهُ، وكَذا القَوْلُ في الرِّياحِ وفي سائِرِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ، وهَذا عَيْنُ ما نَقَلْناهُ مِن أنَّ الرَّعْدَ اسْمُ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُسَبِّحُ اللَّهَ، فَهَذا الَّذِي قالَهُ المُفَسِّرُونَ بِهَذِهِ العِبارَةِ هو ما ذَكَرَهُ المُحَقِّقُونَ عَنِ الحُكَماءِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ الإنْكارُ؟ * * * النوع الرّابِعُ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ﴾ واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الصَّواعِقِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ أخِي لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ أتَيا النَّبِيَّ ﷺ يُخاصِمانِهِ ويُجادِلانِهِ، ويُرِيدانِ الفَتْكَ بِهِ، فَقالَ أرْبَدُ بْنُ رَبِيعَةَ أخُو لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ: أخْبِرْنا عَنْ رَبِّنا أمِن نُحاسٍ هو أمْ مِن حَدِيدٍ؟ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا رَجَعَ أرْبَدُ أرْسَلَ عَلَيْهِ صاعِقَةً فَأحْرَقَتْهُ، ورَمى عامِرًا بِغُدَّةٍ كَغُدَّةِ البَعِيرِ، وماتَ في بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ. واعْلَمْ أنَّ أمْرَ الصّاعِقَةِ عَجِيبٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّها تارَةً تَتَوَلَّدُ مِنَ السَّحابِ، وإذا نَزَلَتْ مِنَ السَّحابِ، فَرُبَّما غاصَتْ في البَحْرِ وأحْرَقَتِ الحِيتانَ في لُجَّةِ البَحْرِ، والحُكَماءُ بالَغُوا في وصْفِ قُوَّتِها، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ النّارَ حارَّةٌ يابِسَةٌ وطَبِيعَتُها ضِدُّ طَبِيعَةِ السَّحابِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ طَبِيعَتُها في الحَرارَةِ واليُبُوسَةِ أضْعَفَ مِن طَبِيعَةِ النِّيرانِ الحادِثَةِ عِنْدَنا عَلى العادَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّها أقْوى نِيرانِ هَذا العالَمِ، فَثَبَتَ أنَّ اخْتِصاصَها بِمَزِيدِ تِلْكَ القُوَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِسَبَبِ تَخْصِيصِ الفاعِلِ المُخْتارِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ الأرْبَعَةَ، قالَ: ﴿وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ دَلائِلَ كَمالِ عِلْمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرَّعْدِ: ٨] وبَيَّنَ دَلائِلَ كَمالِ القُدْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ. ثم قال: ﴿وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ يَعْنِي: هَؤُلاءِ الكُفّارُ مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ الرَّدَّ عَلى الكافِرِ الَّذِي قالَ: أخْبِرْنا عَنْ رَبِّنا أمِن نُحاسٍ أمْ مِن صفحة ٢٣ حَدِيدٍ؟ وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ الرَّدَّ عَلى جِدالِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ وإبْطالِ الحَشْرِ والنَّشْرِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ في طَلَبِ سائِرِ المُعْجِزاتِ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ في اسْتِنْزالِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وفِي هَذِهِ الواوِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها لِلْحالِ، والمَعْنى: فَيُصِيبُ بِالصّاعِقَةِ مَن يَشاءُ في حالِ جِدالِهِ في اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّ أرْبَدَ لَمّا جادَلَ في اللَّهِ أحْرَقَتْهُ الصّاعِقَةُ. والثّانِي: أنَّها واوُ الِاسْتِئْنافِ كَأنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ ذِكْرَ هَذِهِ الدَّلائِلِ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ . ثم قال تَعالى: ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ وفي لَفْظِ المِحالِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المِيمُ زائِدَةٌ وهو مِنَ الحَوْلِ، ونَحْوُهُ مِيمُ مِكانٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: هَذا غَلَطٌ، فَإنَّ الكَلِمَةَ إذا كانَتْ عَلى مِثالِ فِعالٍ أوَّلُهُ مِيمٌ مَكْسُورَةٌ فَهي أصْلِيَّةٌ، نَحْوَ مِهادٍ ومِداسٍ ومِدادٍ، واخْتَلَفُوا مِمّا أُخِذَ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قِيلَ مِن قَوْلِهِمْ: مَحَلَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا سَعى بِهِ إلى السُّلْطانِ وعَرَّضَهُ لِلْهَلاكِ، وتَمَحَّلَ لِكَذا إذا تَكَلَّفَ اسْتِعْمالَ الحِيلَةِ واجْتَهَدَ فِيهِ، فَكانَ المَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ شَدِيدُ المَكْرِ لِأعْدائِهِ يُهْلِكُهم بِطَرِيقٍ لا يَتَوَقَّعُونَهُ. الثّانِي: أنَّ المِحالَ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ، ومِنهُ تُسَمّى السَّنَةُ الصَّعْبَةُ سَنَةَ المَحْلِ وماحَلْتُ فُلانًا مِحالًا، أيْ قاوَمْتُهُ أيُّنا أشَدُّ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ومِحالٌ فِعالٌ مِنَ المَحْلِ وهو الشِّدَّةُ، ولَفْظُ فِعالٍ يَقَعُ عَلى المُجازاةِ والمُقابَلَةِ، فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى شَدِيدُ المُغالَبَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ هاهُنا عِباراتٌ، فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: شَدِيدُ القُوَّةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: شَدِيدُ العُقُوبَةِ، وقالَ الحَسَنُ: شَدِيدُ النِّقْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَدِيدُ الحَوْلِ. الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ ماحَلَ عَنْ أمْرِهِ أيْ جادَلَ، فَقَوْلُهُ: ﴿شَدِيدُ المِحالِ﴾ أيْ شَدِيدُ الجِدالِ. الرّابِعُ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ: ﴿شَدِيدُ المِحالِ﴾ أيْ شَدِيدُ الحِقْدِ. قالُوا: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الحِقْدَ لا يُمْكِنُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الألْفاظِ إذا ورَدَتْ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّها تَحْصُلُ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى مَبادِئِ الأعْراضِ، فالمُرادُ بِالحِقْدِ هاهُنا هو أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ إيصالَ الشَّرِّ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ يُخْفِي عَنْهُ تِلْكَ الإرادَةَ.

الرعد 13:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ أيْ لِلَّهِ دَعْوَةُ الحَقِّ، وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: في أقْوالِ المُفَسِّرِينَ، وهي أُمُورٌ: أحَدُها: ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ﴿دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وثانِيها: قَوْلُ الحَسَنِ: إنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ، فَدُعاؤُهُ هو الحَقُّ، كَأنَّهُ يُومِئُ إلى أنَّ الِانْقِطاعَ إلَيْهِ في الدُّعاءِ هو الحَقُّ. وثالِثُها: أنَّ عِبادَتَهُ هي الحَقُّ والصِّدْقُ. واعْلَمْ أنَّ الحَقَّ هو المَوْجُودُ، والمَوْجُودُ قِسْمانِ: قِسْمٌ يَقْبَلُ العَدَمَ، وهو حَقٌّ يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ باطِلًا، وقِسْمٌ لا يَقْبَلُ العَدَمَ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ باطِلًا، وذَلِكَ هو الحَقُّ الحَقِيقِيُّ، وإذا كانَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ مَوْجُودًا لا يَقْبَلُ العَدَمَ كانَ أحَقَّ المَوْجُوداتِ بِأنْ يَكُونَ حَقًّا هو هو، وكانَ أحَقُّ الِاعْتِقاداتِ وأحَقُّ الأذْكارِ بِأنْ يَكُونَ حَقًّا هو صفحة ٢٤ اعْتِقادَ ثُبُوتِهِ وذِكْرَ وجُودِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ وُجُودَهُ هو الحَقُّ في المَوْجُوداتِ، واعْتِقادُ وُجُودِهِ هو الحَقُّ في الِاعْتِقاداتِ، وذِكْرُهُ بِالثَّناءِ والإلَهِيَّةِ والكَمالِ هو الحَقُّ في الأذْكارِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ . البحث الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تُضافَ الدَّعْوَةُ إلى الحَقِّ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ، كَما تُضافُ إلَيْهِ الكَلِمَةُ في قَوْلِهِ: [كَلِمَةُ الحَقِّ] والمَقْصُودُ مِنهُ الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ مُخْتَصَّةً بِكَوْنِها حَقَّةً، وكَوْنِها خالِيَةً عَنْ أماراتِ كَوْنِهِ باطِلًا، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى صِفَتِهِ. والثّانِي: أنْ تُضافَ إلى الحَقِّ الَّذِي هو اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى مَعْنى: دَعْوَةُ المَدْعُوِّ الحَقِّ الَّذِي يَسْمَعُ فَيُجِيبُ، وعَنِ الحَسَنِ: الحَقُّ هو اللَّهُ وكُلُّ دُعاءٍ إلَيْهِ فَهو دَعْوَةُ الحَقِّ. ثم قال تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي الآلِهَةَ الَّذِينَ يَدْعُونَهُمُ الكُفّارُ مِن دُونِ اللَّهِ: ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ﴾ مِمّا يَطْلُبُونَهُ إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ باسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ، والماءُ جَمادٌ لا يَشْعُرُ بِبَسْطِ كَفَّيْهِ ولا بِعَطَشِهِ وحاجَتِهِ إلَيْهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يُجِيبَ دُعاءَهُ ويَبْلُغَ فاهُ، فَكَذَلِكَ ما يَدْعُونَهُ جَمادٌ، لا يُحِسُّ بِدُعائِهِمْ ولا يَسْتَطِيعُ إجابَتَهم، ولا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِهِمْ، وقِيلَ شُبِّهُوا في قِلَّةِ فائِدَةِ دُعائِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ، بِمَن أرادَ أنْ يَغْرِفَ الماءَ بِيَدَيْهِ لِيَشْرَبَهُ فَيَبْسُطُها ناشِرًا أصابِعَهُ ولَمْ تَصِلْ كَفّاهُ إلى ذَلِكَ الماءِ ولَمْ يَبْلُغْ مَطْلُوبَهُ مِن شُرْبِهِ، وقُرِئَ [تَدْعُونَ] بِالتّاءِ [كَباسِطٍ كَفَّيْهِ] بِالتَّنْوِينِ، ثم قال: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ إلّا في ضَياعٍ لا مَنفَعَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهم إنْ دَعَوُا اللَّهَ لَمْ يُجِبْهم، وإنْ دَعَوُا الآلِهَةَ لَمْ تَسْتَطِعْ إجابَتَهم.

الرعد 13:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ في المُرادِ بِهَذا السُّجُودِ قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ السُّجُودُ بِمَعْنى وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، وعَلى هَذا الوجه فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّفْظَ وإنْ كانَ عامًّا إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ الخُصُوصُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَبَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ طَوْعًا بِسُهُولَةٍ ونَشاطٍ، ومِنَ المُسْلِمِينَ مَن يَسْجُدُ لِلَّهِ كَرْهًا لِصُعُوبَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ يَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلى أداءِ تِلْكَ الطّاعَةِ شاءَ أمْ أبى. والثّانِي: أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ والمُرادُ مِنهُ أيْضًا العامُّ وعَلى هَذا فَفي الآيَةِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ يَسْجُدُ لِلَّهِ، بَلِ المَلائِكَةُ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ، والمُؤْمِنُونَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ تَعالى، وأمّا الكافِرُونَ فَلا يَسْجُدُونَ. الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ ويَجِبُ عَلى كُلِّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ أنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الوُجُوبِ بِالوُقُوعِ والحُصُولِ. والثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ مِنَ السُّجُودِ التَّعْظِيمُ والِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ، وكُلُّ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ يَعْتَرِفُونَ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [ لُقْمانَ: ٢٥]. وأمّا القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ، فَهو أنَّ السُّجُودَ عِبارَةٌ عَنْ الِانْقِيادِ والخُضُوعِ وعَدَمِ الِامْتِناعِ، وكُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ساجِدٌ لِلَّهِ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ ومَشِيئَتَهُ نافِذَةٌ في الكُلِّ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ ما صفحة ٢٥ سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ هو الَّذِي تَكُونُ ماهِيَّتُهُ قابِلَةً لِلْعَدَمِ والوُجُودِ عَلى السَّوِيَّةِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ رُجْحانُ وجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ أوْ بِالعَكْسِ، إلّا بِتَأْثِيرِ مَوْجُودٍ ومُؤَثِّرٍ، فَيَكُونُ وُجُودُ كُلِّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ بِإيجادِهِ، وعَدَمُ كُلِّ ما سِواهُ بِإعْدامِهِ، فَتَأْثِيرُهُ نافِذٌ في جَمِيعِ المُمْكِناتِ في طَرَفَيِ الإيجادِ والإعْدامِ، وذَلِكَ هو السُّجُودُ وهو التَّواضُعُ والخُضُوعُ والِانْقِيادُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١١٦] وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٨٣]. وأما قوله تَعالى: ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ فالمُرادُ: أنَّ بَعْضَ الحَوادِثِ مِمّا يَمِيلُ الطَّبْعُ إلى حُصُولِهِ كالحَياةِ والغِنى، وبَعْضَها مِمّا يَنْفِرُ الطَّبْعُ عَنْهُ كالمَوْتِ والفَقْرِ والعَمى والحُزْنِ والزِّمانَةِ وجَمِيعِ أصْنافِ المَكْرُوهاتِ، والكُلُّ حاصِلٌ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ، ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى الِامْتِناعِ والمُدافَعَةِ. ثم قال تَعالى: ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كُلُّ شَخْصٍ سَواءٌ كانَ مُؤْمِنًا أوْ كافِرًا، فَإنَّ ظِلَّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ، قالَ مُجاهِدٌ: ظِلُّ المُؤْمِنِ يَسْجُدُ لِلَّهِ طَوْعًا وهو طائِعٌ، وظِلُّ الكافِرِ يَسْجُدُ لِلَّهِ كَرْهًا وهو كارِهٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يَسْجُدُ لِغَيْرِ اللَّهِ وظِلُّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ، وعِنْدَ هَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لِلظِّلالِ عُقُولًا وأفْهامًا تَسْجُدُ بِها وتَخْشَعُ، كَما جَعَلَ اللَّهُ لِلْجِبالِ أفْهامًا حَتّى اشْتَغَلَتْ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ تَعالى، وحَتّى ظَهَرَ أثَرُ التَّجَلِّي فِيها كَما قالَ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣]. والقَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ مِن سُجُودِ الظِّلالِ مَيَلانُها مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ وطُولُها بِسَبَبِ انْحِطاطِ الشَّمْسِ وقِصَرُها بِسَبَبِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، فَهي مُنْقادَةٌ مُسْتَسْلِمَةٌ في طُولِها وقِصَرِها ومَيْلِها مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، وإنَّما خُصِّصَ الغُدُوُّ والآصالُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الظِّلالَ إنَّما تَعْظُمُ وتَكْثُرُ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ.

الرعد 13:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ساجِدٌ لَهُ بِمَعْنى كَوْنِهِ خاضِعًا لَهُ، عادَ إلى الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ، فَقالَ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ ولَمّا كانَ هَذا الجَوابُ جَوابًا يُقِرُّ بِهِ المَسْئُولُ ويَعْتَرِفُ بِهِ ولا يُنْكِرُهُ، أمَرَهُ ﷺ أنْ يَكُونَ هو الذّاكِرَ لِهَذا الجَوابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لا يُنْكِرُونَهُ البَتَّةَ، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الرَّبُّ لِكُلِّ الكائِناتِ قالَ: قُلْ لَهم فَلِمَ اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ، وهي جَماداتٌ، وهي لا تَمْلِكُ لِأنْفُسِها نَفْعًا ولا ضَرًّا؟ ولَمّا كانَتْ عاجِزَةً عَنْ تَحْصِيلِ المَنفَعَةِ لِأنْفُسِها ودَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ أنْفُسِها، فَبِأنْ تَكُونَ عاجِزَةً عَنْ صفحة ٢٦ تَحْصِيلِ المَنفَعَةِ لِغَيْرِها ودَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ غَيْرِها كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَإذا لَمْ تَكُنْ قادِرَةً عَلى ذَلِكَ كانَتْ عِبادَتُها مَحْضَ العَبَثِ والسَّفَهِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الحَجَّةَ الظّاهِرَةَ بَيَّنَ أنَّ الجاهِلَ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَّةِ يَكُونُ كالأعْمى والعالِمَ بِها كالبَصِيرِ، والجَهْلُ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَّةِ كالظُّلُماتِ، والعِلْمُ بِها كالنُّورِ، وكَما أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأعْمى لا يُساوِي البَصِيرَ، والظُّلْمَةَ لا تُساوِي النُّورَ كَذَلِكَ كُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الجاهِلَ بِهَذِهِ الحُجَّةِ لا يُساوِي العالِمَ بِها، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وعَمْرٌو عَنْ عاصِمِ [يَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ] بِالياءِ، لِأنَّها مُقَدَّمَةٌ عَلى اسْمِ الجَمْعِ والباقُونَ بِالتّاءِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا البَيانَ فَقالَ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ لَيْسَ لَها خَلْقٌ يُشْبِهُ خَلْقَ اللَّهِ حَتّى يَقُولُوا إنَّها تُشارِكُ اللَّهَ في الخالِقِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ تُشارِكَهُ في الإلَهِيَّةِ، بَلْ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها فِعْلٌ البَتَّةَ، ولا خَلْقٌ ولا أثَرٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ حُكْمُهم بِكَوْنِها شُرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ مَحْضَ السَّفَهِ والجَهْلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا أنَّ الحَيَواناتِ تَخْلُقُ حَرَكاتٍ وسَكَناتٍ مِثْلَ الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والإنْكارِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ، قالَ القاضِي: نَحْنُ وإنْ قُلْنا: إنَّ العَبْدَ يَفْعَلُ ويُحْدِثُ، إلّا أنّا لا نُطْلِقُ القَوْلَ بِأنَّهُ يَخْلُقُ، ولَوْ أطْلَقْناهُ لَمْ نَقُلْ إنَّهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِ اللَّهِ؛ لِأنَّ أحَدَنا يَفْعَلُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وإنَّما يَفْعَلُ لِجَلْبِ مَنفَعَةٍ ودَفْعِ مَضَرَّةٍ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَثَبَتَ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ خَلْقُهُ كَخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأيْضًا فَهَذا الإلْزامُ لازِمٌ لِلْمُجْبِرَةِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: عَيْنُ ما هو خَلْقُ اللَّهِ تَعالى فَهو كَسْبُ العَبْدِ وفِعْلٌ لَهُ، وهَذا عَيْنُ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ الإلَهَ والعَبْدَ في خَلْقِ تِلْكَ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ الشَّرِيكَيْنِ اللَّذَيْنِ لا مالَ لِأحَدِهِما إلّا ولِلْآخَرِ فِيهِ حَقٌّ، وأيْضًا فَهو تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ عَيْبًا لِلْكُفّارِ وذَمًّا لِطَرِيقَتِهِمْ، ولَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَما بَقِيَ لِهَذا الذَّمِّ فائِدَةٌ، لِأنَّ لِلْكُفّارِ أنْ يَقُولُوا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا خَلَقَ هَذا الكُفْرَ فِينا، فَلِمَ يَذُمُّنا عَلَيْهِ ولا يَنْسُبُنا إلى الجَهْلِ والتَّقْصِيرِ مَعَ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِينا لا بِفِعْلِنا ولا بِاخْتِيارِنا. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّ لَفْظَ الخَلْقِ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الإخْراجِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، أوْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ التَّقْدِيرِ، وعَلى الوجه يْنِ فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ العَبْدُ مُحْدِثًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حادِثًا. أما قوله: والعَبْدُ وإنْ كانَ خالِقًا إلّا أنَّهُ لَيْسَ خَلْقُهُ كَخَلْقِ اللَّهِ. قُلْنا: الخَلْقُ عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ والتَّكْوِينِ والإخْراجِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الحَرَكَةَ الواقِعَةَ بِقُدْرَةِ العَبْدِ لَمّا كانَتْ مِثْلًا لِلْحَرَكَةِ الواقِعَةِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، كانَ أحَدُ المَخْلُوقَيْنِ مِثْلًا لِلْمَخْلُوقِ الثّانِي، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الَّذِي هو مَخْلُوقُ العَبْدِ مِثْلٌ لِما هو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، بَلْ لا شَكَّ في حُصُولِ المُخالَفَةِ في سائِرِ الِاعْتِباراتِ، إلّا أنَّ حُصُولَ المُخالَفَةِ في سائِرِ الوُجُوهِ لا يَقْدَحُ في حُصُولِ المُماثَلَةِ مِن هَذا الوجه وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في الِاسْتِدْلالِ، وأما قوله: هَذا لازِمٌ عَلى المُجْبَرَةِ حَيْثُ قالُوا: إنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَنَقُولُ: هَذا غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ العَبْدِ مِثْلًا لِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، صفحة ٢٧ ونَحْنُ لا نُثْبِتُ لِلْعَبْدِ خَلْقًا البَتَّةَ، فَكَيْفَ يَلْزَمُنا ذَلِكَ؟ وأما قوله: لَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَما حَسُنَ ذَمُّ الكُفّارِ عَلى هَذا المَذْهَبِ. قُلْنا: حاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ لَمّا حَصَلَ المَدْحُ والذَّمُّ وجَبَ أنْ يَكُونَ العَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ، وهو مَنقُوضٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ أبا لَهَبٍ عَلى كُفْرِهِ مَعَ أنَّهُ عالِمٌ مِنهُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ خِلافَ المَعْلُومِ مُحالُ الوُقُوعِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا الوجه في هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا الوجه الثّانِي في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ولا شَكَّ أنَّ فِعْلَ العَبْدِ شَيْءٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خالِقُهُ هو اللَّهَ وسُؤالُهم عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ. والوجه الثّالِثُ: في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ولَيْسَ يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ تَعالى واحِدٌ في أيِّ المَعانِي، ولَمّا كانَ المَذْكُورُ السّابِقُ هو الخالِقِيَّةَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الواحِدَ في الخالِقِيَّةِ، القَهّارَ لِكُلِّ ما سِواهُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ دَلِيلًا أيْضًا عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا. * * * المسألة الثّانِيَةُ: زَعَمَ جَهْمٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ. اعْلَمْ أنَّ هَذا النِّزاعَ لَيْسَ إلّا في اللَّفْظِ، وهو أنَّ هَذا الِاسْمَ هَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ أمْ لا، وزَعَمَ أنَّهُ لا يَقَعُ هَذا الِاسْمُ عَلى اللَّهِ تَعالى، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ شَيْئًا لَوَجَبَ كَوْنُهُ خالِقًا لِنَفْسِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُحالًا، وجَبَ أنْ لا يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ، ولا يُقالُ: هَذا عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ؛ لِأنَّ العامَّ المَخْصُوصَ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ المَخْصُوصُ أقَلَّ مِنَ الباقِي وأخَسَّ مِنهُ، كَما إذا قالَ: أكَلْتُ هَذِهِ الرُّمّانَةَ مَعَ أنَّهُ سَقَطَتْ مِنها حَبّاتٌ ما أكَلَها، وهاهُنا ذاتُ اللَّهِ تَعالى أعْلى المَوْجُوداتِ وأشْرَفُها، فَكَيْفَ يُمْكِنُ ذِكْرُ اللَّفْظِ العامِّ الَّذِي يَتَناوَلُهُ مَعَ كَوْنِ الحكم مَخْصُوصًا في حَقِّهِ؟ والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والمَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ حَقِيقَةٍ فَإنَّها مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِها، فالبارِي تَعالى مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ مِثْلَ مِثْلِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَهَذا تَنْصِيصٌ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ. والحُجَّةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعْرافِ: ١٨٠] دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُدْعى اللَّهُ إلّا بِالأسْماءِ الحُسْنى، ولَفْظُ الأشْياءِ يَتَناوَلُ أخَسَّ المَوْجُوداتِ، فَلا يَكُونُ هَذا اللَّفْظُ مُشْعِرًا بِمَعْنًى حَسَنٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ هَذا اللَّفْظُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ دُعاءُ اللَّهِ تَعالى بِهَذا اللَّفْظِ، والأصْحابُ تَمَسَّكُوا في إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ١٩]. وأجابَ الخَصْمُ عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ سُؤالٌ مَتْرُوكُ الجَوابِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ. * * * المسألة الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ تَعالى عالِمٌ لِذاتِهِ لا بِالعِلْمِ، وقادِرٌ لِذاتِهِ لا بِالقُدْرَةِ. قالُوا: لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِلَّهِ تَعالى عِلْمٌ وقُدْرَةٌ وحَياةٌ، لَكانَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ إمّا أنْ تَحْصُلَ بِخَلْقِ اللَّهِ أوْ لا بِخَلْقِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، والثّانِي: باطِلٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَتَناوَلُ الذّاتَ والصِّفاتَ، حَكَمْنا صفحة ٢٨ بِدُخُولِ التَّخْصِيصِ فِيهِ في حَقِّ ذاتِ اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ أنْ يَبْقى فِيما سِوى الذّاتِ عَلى الأصْلِ، وهو أنْ يَكُونَ تَعالى خالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ سِوى ذاتِهِ تَعالى، فَلَوْ كانَ لِلَّهِ عِلْمٌ وقُدْرَةٌ لَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى خالِقًا لَهُما وهو مُحالٌ، وأيْضًا تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في خَلْقِ القُرْآنِ، قالُوا: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِكُلِّ الأشْياءِ، والقُرْآنُ لَيْسَ هو اللَّهَ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا وأنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ هَذا العُمُومِ. والجَوابُ: أقْصى ما في البابِ أنَّ الصِّيغَةَ عامَّةٌ، إلّا أنّا نُخَصِّصُها في حَقِّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ.

الرعد 13:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ والإيمانَ والكُفْرَ بِالأعْمى والبَصِيرِ والظُّلُماتِ والنُّورِ ضَرَبَ لِلْإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ ومِن حَقِّ الماءِ أنْ يَسْتَقِرَّ في الأوْدِيَةِ المُنْخَفِضَةِ عَنِ الجِبالِ والتِّلالِ بِمِقْدارِ سِعَةِ تِلْكَ الأوْدِيَةِ وصِغَرِها، ومِن حَقِّ الماءِ إذا زادَ عَلى قَدْرِ الأوْدِيَةِ أنْ يَنْبَسِطَ عَلى الأرْضِ، ومِن حَقِّ الزَّبَدِ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ الماءُ فَيَطْفُو ويَرْبُو عَلَيْهِ أنْ يَتَبَدَّدَ في الأطْرافِ ويَبْطُلَ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الزَّبَدُ ما يَجْرِي مَجْرى الغَلَيانِ مِنَ البَياضِ أوْ ما يُحْفَظُ بِالماءِ مِنَ الأجْسامِ الخَفِيفَةِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذا الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا عِنْدَ اشْتِدادِ جَرْيِ الماءِ ذَكَرَ الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا بِالنّارِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ إذا أُذِيبَ بِالنّارِ لِابْتِغاءِ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ البَيْتِ، فَإنَّهُ يَنْفَصِلُ عَنْها نَوْعٌ مِنَ الزَّبَدِ والخَبَثِ، ولا يُنْتَفَعُ بِهِ بَلْ يَضِيعُ ويَبْطُلُ ويَبْقى الخالِصُ، فالحاصِلُ: أنَّ الوادِيَ إذا جَرى طَفا عَلَيْهِ زَبَدٌ، وذَلِكَ الزَّبَدُ يَبْطُلُ ويَبْقى الماءُ، والأجْسادُ السَّبْعَةُ إذا أُذِيبَتْ لِأجْلِ اتِّخاذِ الحُلِيِّ أوْ لِأجْلِ اتِّخاذِ سائِرِ الأمْتِعَةِ انْفَصَلَ عَنْها خَبَثٌ وزَبَدٌ، فَيَبْطُلُ ويَبْقى ذَلِكَ الجَوْهَرُ المُنْتَفَعُ بِهِ، فَكَذا هاهُنا أنْزَلَ مِن سَماءِ الكِبْرِياءِ والجَلالَةِ والإحْسانِ ماءً وهو القُرْآنُ، والأوْدِيَةُ قُلُوبُ العِبادِ وشَبَّهَ القُلُوبَ صفحة ٢٩ بِالأوْدِيَةِ؛ لِأنَّ القُلُوبَ تَسْتَقِرُّ فِيها أنْوارُ عُلُومِ القُرْآنِ، كَما أنَّ الأوْدِيَةَ تَسْتَقِرُّ فِيها المِياهُ النّازِلَةُ مِنَ السَّماءِ، وكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ فَإنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن مِياهِ الأمْطارِ ما يَلِيقُ بِسِعَتِهِ أوْ ضِيقِهِ، فَكَذا هاهُنا كُلُّ قَلْبٍ إنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن أنْوارِ عُلُومِ القُرْآنِ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ القَلْبِ مِن طَهارَتِهِ وخُبْثِهِ وقُوَّةِ فَهْمِهِ وقُصُورِ فَهْمِهِ، وكَما أنَّ الماءَ يَعْلُوهُ زَبَدُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ المُذابَةِ يُخالِطُها خَبَثٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الزَّبَدَ والخَبَثَ يَذْهَبُ ويَضِيعُ ويَبْقى جَوْهَرُ الماءِ وجَوْهَرُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ، كَذا هاهُنا بَياناتُ القُرْآنِ تَخْتَلِطُ بِها شُكُوكٌ وشُبَهاتٌ، ثُمَّ إنَّها بِالآخِرَةِ تَزُولُ وتَضِيعُ ويَبْقى العِلْمُ والدِّينُ والحِكْمَةُ والمُكاشَفَةُ في العاقِبَةِ، فَهَذا هو تَقْرِيرُ هَذا المَثَلِ ووَجْهُ انْطِباقِ المَثَلِ عَلى المُمَثَّلِ بِهِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ سَكَتُوا عَنْ بَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّمْثِيلِ والتَّشْبِيهِ. المسألة الأُولى: في المَباحِثِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ في لَفْظِ الأوْدِيَةِ أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: الأوْدِيَةُ جَمْعُ وادٍ وفي الوادِي قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُنْخَفِضِ عَنِ الجِبالِ والتِّلالِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ السَّيْلُ، هَذا قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ اللُّغَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ: يُسَمّى الماءُ وادِيًا إذا سالَ، قالَ: ومِنهُ سُمِّيَ الوَدْيُ ودْيًا لِخُرُوجِهِ وسَيَلانِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ، فالوادِي اسْمٌ لِلْماءِ السّائِلِ كالمَسِيلِ، والأوَّلُ هو القَوْلُ المَشْهُورُ إلّا أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ مَجازًا فَكانَ التَّقْدِيرُ: سالَتْ مِياهُ الأوْدِيَةِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامُهُ. البحث الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأوْدِيَةُ جَمْعُ وادٍ، ولا نَعْلَمُ فاعِلًا جُمِعَ عَلى أفْعِلَةٍ، قالَ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَعاقُبِ فاعِلٍ وفَعِيلٍ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ كَعالِمٍ وعَلِيمٍ، وشاهِدٍ وشَهِيدٍ، وناصِرٍ ونَصِيرٍ، ثُمَّ إنَّ وزْنَ فاعِلٍ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، وطائِرٍ وأطْيارٍ، ووَزْنُ فَعِيلٍ يُجْمَعُ عَلى أفْعِلَةٍ، كَجَرِيبٍ وأجْرِبَةٍ، ثُمَّ لَمّا حَصَلَتِ المُناسَبَةُ المَذْكُورَةُ بَيْنَ فاعِلٍ وفَعِيلٍ لا جَرَمَ يُجْمَعُ الفاعِلُ جَمْعَ الفَعِيلِ، فَيُقالُ: وادٍ وأوْدِيَةٌ ويُجْمَعُ الفَعِيلُ عَلى جَمْعِ الفاعِلِ، فَيُقالُ: يَتِيمٌ وأيْتامٌ وشَرِيفٌ وأشْرافٌ، هَذا ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقالَ غَيْرُهُ: نَظِيرُ وادٍ وأوْدِيَةٍ، نادٍ وأنْدِيَةٌ لِلْمَجالِسِ. البحث الثّالِثُ: إنَّما ذُكِرَ لَفْظُ أوْدِيَةٍ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ؛ لِأنَّ المَطَرَ لا يَأْتِي إلّا عَلى طَرِيقِ المُناوَبَةِ بَيْنَ البِقاعِ، فَتَسِيلُ بَعْضُ أوْدِيَةِ الأرْضِ دُونَ بَعْضٍ. أما قوله تَعالى: ﴿بِقَدَرِها﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: القَدْرُ والقَدَرُ مَبْلَغُ الشَّيْءِ، يُقالُ: كَمْ قَدْرُ هَذِهِ الدَّراهِمِ، وكَمْ قَدَرُها ومِقْدارُها؟ أيْ: كَمْ تَبْلُغُ في الوَزْنِ، فَما يَكُونُ مُساوِيًا لَها في الوَزْنِ فَهو قَدْرُها. البحث الثّانِي: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ أيْ مِنَ الماءِ، فَإنْ صَغُرَ الوادِي قَلَّ الماءُ، وإنِ اتَّسَعَ الوادِي كَثُرَ الماءُ. أما قوله: ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ أزْبَدَ الوادِي إزْبادًا، والزَّبَدُ الِاسْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿رابِيًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: طافِيًا عالِيًا فَوْقَ الماءِ. وقالَ غَيْرُهُ: زائِدًا بِسَبَبِ انْتِفاخِهِ، يُقالُ: رَبا يَرْبُو إذا زادَ. صفحة ٣٠ أما قوله تَعالى: ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ضَرَبَ المَثَلَ بِالزَّبَدِ الحاصِلِ مِنَ الماءِ، أتْبَعَهُ بِضَرْبِ المَثَلِ بِالزَّبَدِ الحاصِلِ مِنَ النّارِ، وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿يُوقِدُونَ﴾ بِالياءِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿يَنْفَعُ النّاسَ﴾ وأيْضًا فَلَيْسَ هاهُنا مُخاطَبٌ، والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ . [الرَّعْدِ: ١٦] . والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا يُرادُ بِهِ الكافَّةُ، كَأنَّهُ قالَ: ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ أيُّها المُوقِدُونَ. البحث الثّانِي: الإيقادُ عَلى الشَّيْءِ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في النّارِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْقِدْ لِي ياهامانُ عَلى الطِّينِ﴾ [القَصَصِ: ٣٨] . والثّانِي: أنْ يُوقَدَ عَلى الشَّيْءِ ويَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ في النّارِ، فَإنَّ مَن أرادَ تَذْوِيبَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ جَعَلَها في النّارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ هاهُنا: ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ﴾ . البحث الثّالِثُ: في قَوْلِهِ: ﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: الَّذِي يُوقَدُ عَلَيْهِ لِابْتِغاءِ حِلْيَةٍ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، والَّذِي يُوقَدُ عَلَيْهِ لِابْتِغاءِ الأمْتِعَةِ الحَدِيدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ، والأُسْرُبُ يُتَّخَذُ مِنها الأوانِي والأشْياءُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، والمَتاعُ كُلُّ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ وقَوْلُهُ: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ الَّذِي يَحْمِلُهُ السَّيْلُ. ثم قال تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ والمَعْنى كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلْحَقِّ والباطِلِ، ثم قال: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجُفاءُ الرَّمْيُ والِاطِّراحُ، يُقالُ: جَفا الوادِي غُثاءَهُ يَجْفُوهُ جَفاءً إذا رَماهُ، والجُفاءُ اسْمٌ لِلْمُجْتَمِعِ مِنهُ المُنْضَمِّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، ومَوْضِعُ ”جُفاءً“ نَصْبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّ الزَّبَدَ قَدْ يَعْلُو عَلى وجْهِ الماءِ ويَرْبُو ويَنْتَفِخُ إلّا أنَّهُ بِالآخِرَةِ يَضْمَحِلُّ ويَبْقى الجَوْهَرُ الصّافِي مِنَ الماءِ، ومِنَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ، فَكَذَلِكَ الشُّبَهاتُ والخَيالاتُ قَدْ تَقْوى وتَعْظُمُ إلّا أنَّها بِالآخِرَةِ تَبْطُلُ وتَضْمَحِلُّ وتَزُولُ ويَبْقى الحَقُّ ظاهِرًا لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهاتِ، وفي قِراءَةِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ جُفالًا، وعَنْ أبِي حاتِمٍ: لا يُقْرَأُ بِقِراءَةِ رُؤْبَةَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الفارَ. * * * أما قوله تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ ولِلَّذِينِ خَبَرُهُ، وتَقْدِيرُهُ: لَهُمُ الخَصْلَةُ الحُسْنى والحالَةُ الحُسْنى. الثّانِي: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قالَ: الَّذِي يَبْقى هو مَثَلُ المُسْتَجِيبِ والَّذِي يَذْهَبُ جَفاءً مَثَلُ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ بَيَّنَ الوجه في كَوْنِهِ مَثَلًا، وهو أنَّهُ لِمَن يَسْتَجِيبُ الحُسْنى وهو الجَنَّةُ، ولِمَن لا يَسْتَجِيبُ أنْواعُ الحَسْرَةِ والعُقُوبَةِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلَّذِينِ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الِاسْتِجابَةَ الحُسْنى، فَيَكُونُ الحُسْنى صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أحْوالَ السُّعَداءِ وأحْوالَ الأشْقِياءِ، أمّا أحْوالُ السُّعَداءِ، فَهي قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ وبَعْثِ الرُّسُلِ والتِزامِ الشَّرائِعِ الوارِدَةِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ فَلَهُمُ الحُسْنى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَنَّةُ، وقالَ أهْلُ المَعانِي: الحُسْنى هي المَنفَعَةُ العُظْمى في الحُسْنِ، وهي المَنفَعَةُ الخالِصَةُ عَنْ شَوائِبِ المَضَرَّةِ الدّائِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ صفحة ٣١ الِانْقِطاعِ المَقْرُونَةِ بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، ولَمْ يَذْكُرِ الزِّيادَةَ هاهُنا؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ ذَكَرَها في سُورَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [ يُونُسَ: ٢٦] وأمّا أحْوالُ الأشْقِياءِ، فَهي قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ فَلَهم أنْواعٌ أرْبَعَةٌ مِنَ العَذابِ والعُقُوبَةِ. فالنوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ والِافْتِداءُ جَعْلُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بَدَلًا مِنَ الآخَرِ، ومَفْعُولُ ”لافْتَدَوْا بِهِ“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لافْتَدَوْا بِهِ أنْفُسَهم؛ أيْ جَعَلُوهُ فِداءَ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ، والكِنايَةُ في ”بِهِ“ عائِدَةٌ إلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما في الأرْضِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا المَعْنى حَقٌّ؛ لِأنَّ المَحْبُوبَ بِالذّاتِ لِكُلِّ إنْسانٍ هو ذاتُهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَإنَّما يُحِبُّهُ لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى مَصالِحِ ذاتِهِ، فَإذا كانَتِ النَّفْسُ في الضَّرَرِ والألَمِ والتَّعَبِ، وكانَ مالِكًا لِما يُساوِي عالَمَ الأجْسادِ والأرْواحِ فَإنَّهُ يَرْضى بِأنْ يَجْعَلَهُ فِداءً لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المَحْبُوبَ بِالعَرَضِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فِداءً لِما يَكُونُ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ. والنوع الثّانِي: مِن أنْواعِ العَذابِ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم هو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذاكَ لِأنَّ كُفْرَهم أحْبَطَ أعْمالَهم، وأقُولُ: هاهُنا حالَتانِ: فَكُلُّ ما شَغَلَكَ بِاللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ ومَحَبَّتِهِ فَهي الحالَةُ السَّعِيدَةُ الشَّرِيفَةُ العُلْوِيَّةُ القُدُسِيَّةُ، وكُلُّ ما شَغَلَكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَهي الحالَةُ الضّارَّةُ المُؤْذِيَةُ الخَسِيسَةُ، ولا شَكَّ أنَّ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ يَقْبَلانِ الأشَدَّ والأضْعَفَ والأقَلَّ والأزْيَدَ، ولا شَكَّ أنَّ المُواظَبَةَ عَلى الأعْمالِ المُناسِبَةِ لِهَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ قُوَّتَها ورُسُوخَها لِما ثَبَتَ في المَعْقُولاتِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَمّا كانَتْ كَثْرَةُ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ تِلْكَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأفْعالِ حَتّى اللَّمْحَةُ واللَّحْظَةُ والخُطُورُ بِالبالِ والِالتِفاتُ الضَّعِيفُ، فَإنَّهُ يُوجِبُ أثَرًا ما في حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ في النَّفْسِ فَهَذا هو الحِسابُ، وعِنْدَ التَّأمُّلِ في هَذِهِ الفُصُولِ يَتَبَيَّنُ لِلْإنْسانِ صِدْقُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧]. إذا ثَبَتَ هَذا فالسُّعَداءُ هُمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ في الإعْراضِ عَمّا سِوى اللَّهِ وفي الإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ولا جَرَمَ حَصَلَ لَهُمُ الحُسْنى. وأمّا الأشْقِياءُ فَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِرَبِّهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهم سُوءُ الحِسابِ، والمُرادُ بِسُوءِ الحِسابِ أنَّهم أحَبُّوا الدُّنْيا وأعْرَضُوا عَنِ المَوْلى، فَلَمّا ماتُوا بَقُوا مَحْرُومِينَ عَنْ مَعْشُوقِهِمُ الَّذِي هو الدُّنْيا، وبَقُوا مَحْرُومِينَ عَنِ الفَوْزِ بِخِدْمَةِ حَضْرَةِ المَوْلى. والنوع الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنِ الِاسْتِسْعادِ بِخِدْمَةِ حَضْرَةِ المَوْلى عاكِفِينَ عَلى لَذّاتِ الدُّنْيا، فَإذا ماتُوا فارَقُوا مَعْشُوقَهم فَيَحْتَرِقُونَ عَلى مُفارَقَتِها، ولَيْسَ عِنْدَهم شَيْءٌ آخَرُ يَجْبُرُ هَذِهِ المُصِيبَةَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا المَأْوى فَقالَ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ فَهَذا إشارَةٌ إلى المَثَلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وهو أنَّ العالِمَ بِالشَّيْءِ كالبَصِيرِ، والجاهِلَ بِهِ كالأعْمى، ولَيْسَ أحَدُهُما كالآخَرِ؛ لِأنَّ الأعْمى إذا صفحة ٣٢ أخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ قائِدٍ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَقَعُ في البِئْرِ وفي المَهالِكِ، ورُبَّما أفْسَدَ ما كانَ عَلى طَرِيقِهِ مِنَ الأمْتِعَةِ النّافِعَةِ، أمّا البَصِيرُ فَإنَّهُ يَكُونُ آمِنًا مِنَ الهَلاكِ والإهْلاكِ. ثم قال: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ إلّا أرْبابُ الألْبابِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مَن كُلِّ صُورَةٍ مَعْناها، ويَأْخُذُونَ مَن كُلِّ قِشْرَةٍ لُبابَها ويَعْبُرُونَ بِظاهِرِ كُلِّ حَدِيثٍ إلى سِرِّهِ ولُبابِهِ.

الرعد 13:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ والإيمانَ والكُفْرَ بِالأعْمى والبَصِيرِ والظُّلُماتِ والنُّورِ ضَرَبَ لِلْإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ ومِن حَقِّ الماءِ أنْ يَسْتَقِرَّ في الأوْدِيَةِ المُنْخَفِضَةِ عَنِ الجِبالِ والتِّلالِ بِمِقْدارِ سِعَةِ تِلْكَ الأوْدِيَةِ وصِغَرِها، ومِن حَقِّ الماءِ إذا زادَ عَلى قَدْرِ الأوْدِيَةِ أنْ يَنْبَسِطَ عَلى الأرْضِ، ومِن حَقِّ الزَّبَدِ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ الماءُ فَيَطْفُو ويَرْبُو عَلَيْهِ أنْ يَتَبَدَّدَ في الأطْرافِ ويَبْطُلَ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الزَّبَدُ ما يَجْرِي مَجْرى الغَلَيانِ مِنَ البَياضِ أوْ ما يُحْفَظُ بِالماءِ مِنَ الأجْسامِ الخَفِيفَةِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذا الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا عِنْدَ اشْتِدادِ جَرْيِ الماءِ ذَكَرَ الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا بِالنّارِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ إذا أُذِيبَ بِالنّارِ لِابْتِغاءِ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ البَيْتِ، فَإنَّهُ يَنْفَصِلُ عَنْها نَوْعٌ مِنَ الزَّبَدِ والخَبَثِ، ولا يُنْتَفَعُ بِهِ بَلْ يَضِيعُ ويَبْطُلُ ويَبْقى الخالِصُ، فالحاصِلُ: أنَّ الوادِيَ إذا جَرى طَفا عَلَيْهِ زَبَدٌ، وذَلِكَ الزَّبَدُ يَبْطُلُ ويَبْقى الماءُ، والأجْسادُ السَّبْعَةُ إذا أُذِيبَتْ لِأجْلِ اتِّخاذِ الحُلِيِّ أوْ لِأجْلِ اتِّخاذِ سائِرِ الأمْتِعَةِ انْفَصَلَ عَنْها خَبَثٌ وزَبَدٌ، فَيَبْطُلُ ويَبْقى ذَلِكَ الجَوْهَرُ المُنْتَفَعُ بِهِ، فَكَذا هاهُنا أنْزَلَ مِن سَماءِ الكِبْرِياءِ والجَلالَةِ والإحْسانِ ماءً وهو القُرْآنُ، والأوْدِيَةُ قُلُوبُ العِبادِ وشَبَّهَ القُلُوبَ صفحة ٢٩ بِالأوْدِيَةِ؛ لِأنَّ القُلُوبَ تَسْتَقِرُّ فِيها أنْوارُ عُلُومِ القُرْآنِ، كَما أنَّ الأوْدِيَةَ تَسْتَقِرُّ فِيها المِياهُ النّازِلَةُ مِنَ السَّماءِ، وكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ فَإنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن مِياهِ الأمْطارِ ما يَلِيقُ بِسِعَتِهِ أوْ ضِيقِهِ، فَكَذا هاهُنا كُلُّ قَلْبٍ إنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن أنْوارِ عُلُومِ القُرْآنِ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ القَلْبِ مِن طَهارَتِهِ وخُبْثِهِ وقُوَّةِ فَهْمِهِ وقُصُورِ فَهْمِهِ، وكَما أنَّ الماءَ يَعْلُوهُ زَبَدُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ المُذابَةِ يُخالِطُها خَبَثٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الزَّبَدَ والخَبَثَ يَذْهَبُ ويَضِيعُ ويَبْقى جَوْهَرُ الماءِ وجَوْهَرُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ، كَذا هاهُنا بَياناتُ القُرْآنِ تَخْتَلِطُ بِها شُكُوكٌ وشُبَهاتٌ، ثُمَّ إنَّها بِالآخِرَةِ تَزُولُ وتَضِيعُ ويَبْقى العِلْمُ والدِّينُ والحِكْمَةُ والمُكاشَفَةُ في العاقِبَةِ، فَهَذا هو تَقْرِيرُ هَذا المَثَلِ ووَجْهُ انْطِباقِ المَثَلِ عَلى المُمَثَّلِ بِهِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ سَكَتُوا عَنْ بَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّمْثِيلِ والتَّشْبِيهِ. المسألة الأُولى: في المَباحِثِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ في لَفْظِ الأوْدِيَةِ أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: الأوْدِيَةُ جَمْعُ وادٍ وفي الوادِي قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُنْخَفِضِ عَنِ الجِبالِ والتِّلالِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ السَّيْلُ، هَذا قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ اللُّغَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ: يُسَمّى الماءُ وادِيًا إذا سالَ، قالَ: ومِنهُ سُمِّيَ الوَدْيُ ودْيًا لِخُرُوجِهِ وسَيَلانِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ، فالوادِي اسْمٌ لِلْماءِ السّائِلِ كالمَسِيلِ، والأوَّلُ هو القَوْلُ المَشْهُورُ إلّا أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ مَجازًا فَكانَ التَّقْدِيرُ: سالَتْ مِياهُ الأوْدِيَةِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامُهُ. البحث الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأوْدِيَةُ جَمْعُ وادٍ، ولا نَعْلَمُ فاعِلًا جُمِعَ عَلى أفْعِلَةٍ، قالَ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَعاقُبِ فاعِلٍ وفَعِيلٍ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ كَعالِمٍ وعَلِيمٍ، وشاهِدٍ وشَهِيدٍ، وناصِرٍ ونَصِيرٍ، ثُمَّ إنَّ وزْنَ فاعِلٍ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، وطائِرٍ وأطْيارٍ، ووَزْنُ فَعِيلٍ يُجْمَعُ عَلى أفْعِلَةٍ، كَجَرِيبٍ وأجْرِبَةٍ، ثُمَّ لَمّا حَصَلَتِ المُناسَبَةُ المَذْكُورَةُ بَيْنَ فاعِلٍ وفَعِيلٍ لا جَرَمَ يُجْمَعُ الفاعِلُ جَمْعَ الفَعِيلِ، فَيُقالُ: وادٍ وأوْدِيَةٌ ويُجْمَعُ الفَعِيلُ عَلى جَمْعِ الفاعِلِ، فَيُقالُ: يَتِيمٌ وأيْتامٌ وشَرِيفٌ وأشْرافٌ، هَذا ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقالَ غَيْرُهُ: نَظِيرُ وادٍ وأوْدِيَةٍ، نادٍ وأنْدِيَةٌ لِلْمَجالِسِ. البحث الثّالِثُ: إنَّما ذُكِرَ لَفْظُ أوْدِيَةٍ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ؛ لِأنَّ المَطَرَ لا يَأْتِي إلّا عَلى طَرِيقِ المُناوَبَةِ بَيْنَ البِقاعِ، فَتَسِيلُ بَعْضُ أوْدِيَةِ الأرْضِ دُونَ بَعْضٍ. أما قوله تَعالى: ﴿بِقَدَرِها﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: القَدْرُ والقَدَرُ مَبْلَغُ الشَّيْءِ، يُقالُ: كَمْ قَدْرُ هَذِهِ الدَّراهِمِ، وكَمْ قَدَرُها ومِقْدارُها؟ أيْ: كَمْ تَبْلُغُ في الوَزْنِ، فَما يَكُونُ مُساوِيًا لَها في الوَزْنِ فَهو قَدْرُها. البحث الثّانِي: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ أيْ مِنَ الماءِ، فَإنْ صَغُرَ الوادِي قَلَّ الماءُ، وإنِ اتَّسَعَ الوادِي كَثُرَ الماءُ. أما قوله: ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ أزْبَدَ الوادِي إزْبادًا، والزَّبَدُ الِاسْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿رابِيًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: طافِيًا عالِيًا فَوْقَ الماءِ. وقالَ غَيْرُهُ: زائِدًا بِسَبَبِ انْتِفاخِهِ، يُقالُ: رَبا يَرْبُو إذا زادَ. صفحة ٣٠ أما قوله تَعالى: ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ضَرَبَ المَثَلَ بِالزَّبَدِ الحاصِلِ مِنَ الماءِ، أتْبَعَهُ بِضَرْبِ المَثَلِ بِالزَّبَدِ الحاصِلِ مِنَ النّارِ، وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿يُوقِدُونَ﴾ بِالياءِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿يَنْفَعُ النّاسَ﴾ وأيْضًا فَلَيْسَ هاهُنا مُخاطَبٌ، والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ . [الرَّعْدِ: ١٦] . والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا يُرادُ بِهِ الكافَّةُ، كَأنَّهُ قالَ: ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ أيُّها المُوقِدُونَ. البحث الثّانِي: الإيقادُ عَلى الشَّيْءِ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في النّارِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْقِدْ لِي ياهامانُ عَلى الطِّينِ﴾ [القَصَصِ: ٣٨] . والثّانِي: أنْ يُوقَدَ عَلى الشَّيْءِ ويَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ في النّارِ، فَإنَّ مَن أرادَ تَذْوِيبَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ جَعَلَها في النّارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ هاهُنا: ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ﴾ . البحث الثّالِثُ: في قَوْلِهِ: ﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: الَّذِي يُوقَدُ عَلَيْهِ لِابْتِغاءِ حِلْيَةٍ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، والَّذِي يُوقَدُ عَلَيْهِ لِابْتِغاءِ الأمْتِعَةِ الحَدِيدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ، والأُسْرُبُ يُتَّخَذُ مِنها الأوانِي والأشْياءُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، والمَتاعُ كُلُّ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ وقَوْلُهُ: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ الَّذِي يَحْمِلُهُ السَّيْلُ. ثم قال تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ والمَعْنى كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلْحَقِّ والباطِلِ، ثم قال: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجُفاءُ الرَّمْيُ والِاطِّراحُ، يُقالُ: جَفا الوادِي غُثاءَهُ يَجْفُوهُ جَفاءً إذا رَماهُ، والجُفاءُ اسْمٌ لِلْمُجْتَمِعِ مِنهُ المُنْضَمِّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، ومَوْضِعُ ”جُفاءً“ نَصْبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّ الزَّبَدَ قَدْ يَعْلُو عَلى وجْهِ الماءِ ويَرْبُو ويَنْتَفِخُ إلّا أنَّهُ بِالآخِرَةِ يَضْمَحِلُّ ويَبْقى الجَوْهَرُ الصّافِي مِنَ الماءِ، ومِنَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ، فَكَذَلِكَ الشُّبَهاتُ والخَيالاتُ قَدْ تَقْوى وتَعْظُمُ إلّا أنَّها بِالآخِرَةِ تَبْطُلُ وتَضْمَحِلُّ وتَزُولُ ويَبْقى الحَقُّ ظاهِرًا لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهاتِ، وفي قِراءَةِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ جُفالًا، وعَنْ أبِي حاتِمٍ: لا يُقْرَأُ بِقِراءَةِ رُؤْبَةَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الفارَ. * * * أما قوله تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ ولِلَّذِينِ خَبَرُهُ، وتَقْدِيرُهُ: لَهُمُ الخَصْلَةُ الحُسْنى والحالَةُ الحُسْنى. الثّانِي: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قالَ: الَّذِي يَبْقى هو مَثَلُ المُسْتَجِيبِ والَّذِي يَذْهَبُ جَفاءً مَثَلُ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ بَيَّنَ الوجه في كَوْنِهِ مَثَلًا، وهو أنَّهُ لِمَن يَسْتَجِيبُ الحُسْنى وهو الجَنَّةُ، ولِمَن لا يَسْتَجِيبُ أنْواعُ الحَسْرَةِ والعُقُوبَةِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلَّذِينِ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الِاسْتِجابَةَ الحُسْنى، فَيَكُونُ الحُسْنى صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أحْوالَ السُّعَداءِ وأحْوالَ الأشْقِياءِ، أمّا أحْوالُ السُّعَداءِ، فَهي قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ وبَعْثِ الرُّسُلِ والتِزامِ الشَّرائِعِ الوارِدَةِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ فَلَهُمُ الحُسْنى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَنَّةُ، وقالَ أهْلُ المَعانِي: الحُسْنى هي المَنفَعَةُ العُظْمى في الحُسْنِ، وهي المَنفَعَةُ الخالِصَةُ عَنْ شَوائِبِ المَضَرَّةِ الدّائِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ صفحة ٣١ الِانْقِطاعِ المَقْرُونَةِ بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، ولَمْ يَذْكُرِ الزِّيادَةَ هاهُنا؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ ذَكَرَها في سُورَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [ يُونُسَ: ٢٦] وأمّا أحْوالُ الأشْقِياءِ، فَهي قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ فَلَهم أنْواعٌ أرْبَعَةٌ مِنَ العَذابِ والعُقُوبَةِ. فالنوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ والِافْتِداءُ جَعْلُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بَدَلًا مِنَ الآخَرِ، ومَفْعُولُ ”لافْتَدَوْا بِهِ“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لافْتَدَوْا بِهِ أنْفُسَهم؛ أيْ جَعَلُوهُ فِداءَ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ، والكِنايَةُ في ”بِهِ“ عائِدَةٌ إلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما في الأرْضِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا المَعْنى حَقٌّ؛ لِأنَّ المَحْبُوبَ بِالذّاتِ لِكُلِّ إنْسانٍ هو ذاتُهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَإنَّما يُحِبُّهُ لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى مَصالِحِ ذاتِهِ، فَإذا كانَتِ النَّفْسُ في الضَّرَرِ والألَمِ والتَّعَبِ، وكانَ مالِكًا لِما يُساوِي عالَمَ الأجْسادِ والأرْواحِ فَإنَّهُ يَرْضى بِأنْ يَجْعَلَهُ فِداءً لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المَحْبُوبَ بِالعَرَضِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فِداءً لِما يَكُونُ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ. والنوع الثّانِي: مِن أنْواعِ العَذابِ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم هو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذاكَ لِأنَّ كُفْرَهم أحْبَطَ أعْمالَهم، وأقُولُ: هاهُنا حالَتانِ: فَكُلُّ ما شَغَلَكَ بِاللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ ومَحَبَّتِهِ فَهي الحالَةُ السَّعِيدَةُ الشَّرِيفَةُ العُلْوِيَّةُ القُدُسِيَّةُ، وكُلُّ ما شَغَلَكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَهي الحالَةُ الضّارَّةُ المُؤْذِيَةُ الخَسِيسَةُ، ولا شَكَّ أنَّ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ يَقْبَلانِ الأشَدَّ والأضْعَفَ والأقَلَّ والأزْيَدَ، ولا شَكَّ أنَّ المُواظَبَةَ عَلى الأعْمالِ المُناسِبَةِ لِهَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ قُوَّتَها ورُسُوخَها لِما ثَبَتَ في المَعْقُولاتِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَمّا كانَتْ كَثْرَةُ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ تِلْكَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأفْعالِ حَتّى اللَّمْحَةُ واللَّحْظَةُ والخُطُورُ بِالبالِ والِالتِفاتُ الضَّعِيفُ، فَإنَّهُ يُوجِبُ أثَرًا ما في حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ في النَّفْسِ فَهَذا هو الحِسابُ، وعِنْدَ التَّأمُّلِ في هَذِهِ الفُصُولِ يَتَبَيَّنُ لِلْإنْسانِ صِدْقُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧]. إذا ثَبَتَ هَذا فالسُّعَداءُ هُمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ في الإعْراضِ عَمّا سِوى اللَّهِ وفي الإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ولا جَرَمَ حَصَلَ لَهُمُ الحُسْنى. وأمّا الأشْقِياءُ فَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِرَبِّهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهم سُوءُ الحِسابِ، والمُرادُ بِسُوءِ الحِسابِ أنَّهم أحَبُّوا الدُّنْيا وأعْرَضُوا عَنِ المَوْلى، فَلَمّا ماتُوا بَقُوا مَحْرُومِينَ عَنْ مَعْشُوقِهِمُ الَّذِي هو الدُّنْيا، وبَقُوا مَحْرُومِينَ عَنِ الفَوْزِ بِخِدْمَةِ حَضْرَةِ المَوْلى. والنوع الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنِ الِاسْتِسْعادِ بِخِدْمَةِ حَضْرَةِ المَوْلى عاكِفِينَ عَلى لَذّاتِ الدُّنْيا، فَإذا ماتُوا فارَقُوا مَعْشُوقَهم فَيَحْتَرِقُونَ عَلى مُفارَقَتِها، ولَيْسَ عِنْدَهم شَيْءٌ آخَرُ يَجْبُرُ هَذِهِ المُصِيبَةَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا المَأْوى فَقالَ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ فَهَذا إشارَةٌ إلى المَثَلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وهو أنَّ العالِمَ بِالشَّيْءِ كالبَصِيرِ، والجاهِلَ بِهِ كالأعْمى، ولَيْسَ أحَدُهُما كالآخَرِ؛ لِأنَّ الأعْمى إذا صفحة ٣٢ أخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ قائِدٍ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَقَعُ في البِئْرِ وفي المَهالِكِ، ورُبَّما أفْسَدَ ما كانَ عَلى طَرِيقِهِ مِنَ الأمْتِعَةِ النّافِعَةِ، أمّا البَصِيرُ فَإنَّهُ يَكُونُ آمِنًا مِنَ الهَلاكِ والإهْلاكِ. ثم قال: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ إلّا أرْبابُ الألْبابِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مَن كُلِّ صُورَةٍ مَعْناها، ويَأْخُذُونَ مَن كُلِّ قِشْرَةٍ لُبابَها ويَعْبُرُونَ بِظاهِرِ كُلِّ حَدِيثٍ إلى سِرِّهِ ولُبابِهِ.

الرعد 13:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ والإيمانَ والكُفْرَ بِالأعْمى والبَصِيرِ والظُّلُماتِ والنُّورِ ضَرَبَ لِلْإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ ومِن حَقِّ الماءِ أنْ يَسْتَقِرَّ في الأوْدِيَةِ المُنْخَفِضَةِ عَنِ الجِبالِ والتِّلالِ بِمِقْدارِ سِعَةِ تِلْكَ الأوْدِيَةِ وصِغَرِها، ومِن حَقِّ الماءِ إذا زادَ عَلى قَدْرِ الأوْدِيَةِ أنْ يَنْبَسِطَ عَلى الأرْضِ، ومِن حَقِّ الزَّبَدِ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ الماءُ فَيَطْفُو ويَرْبُو عَلَيْهِ أنْ يَتَبَدَّدَ في الأطْرافِ ويَبْطُلَ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الزَّبَدُ ما يَجْرِي مَجْرى الغَلَيانِ مِنَ البَياضِ أوْ ما يُحْفَظُ بِالماءِ مِنَ الأجْسامِ الخَفِيفَةِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذا الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا عِنْدَ اشْتِدادِ جَرْيِ الماءِ ذَكَرَ الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا بِالنّارِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ إذا أُذِيبَ بِالنّارِ لِابْتِغاءِ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ البَيْتِ، فَإنَّهُ يَنْفَصِلُ عَنْها نَوْعٌ مِنَ الزَّبَدِ والخَبَثِ، ولا يُنْتَفَعُ بِهِ بَلْ يَضِيعُ ويَبْطُلُ ويَبْقى الخالِصُ، فالحاصِلُ: أنَّ الوادِيَ إذا جَرى طَفا عَلَيْهِ زَبَدٌ، وذَلِكَ الزَّبَدُ يَبْطُلُ ويَبْقى الماءُ، والأجْسادُ السَّبْعَةُ إذا أُذِيبَتْ لِأجْلِ اتِّخاذِ الحُلِيِّ أوْ لِأجْلِ اتِّخاذِ سائِرِ الأمْتِعَةِ انْفَصَلَ عَنْها خَبَثٌ وزَبَدٌ، فَيَبْطُلُ ويَبْقى ذَلِكَ الجَوْهَرُ المُنْتَفَعُ بِهِ، فَكَذا هاهُنا أنْزَلَ مِن سَماءِ الكِبْرِياءِ والجَلالَةِ والإحْسانِ ماءً وهو القُرْآنُ، والأوْدِيَةُ قُلُوبُ العِبادِ وشَبَّهَ القُلُوبَ صفحة ٢٩ بِالأوْدِيَةِ؛ لِأنَّ القُلُوبَ تَسْتَقِرُّ فِيها أنْوارُ عُلُومِ القُرْآنِ، كَما أنَّ الأوْدِيَةَ تَسْتَقِرُّ فِيها المِياهُ النّازِلَةُ مِنَ السَّماءِ، وكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ فَإنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن مِياهِ الأمْطارِ ما يَلِيقُ بِسِعَتِهِ أوْ ضِيقِهِ، فَكَذا هاهُنا كُلُّ قَلْبٍ إنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن أنْوارِ عُلُومِ القُرْآنِ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ القَلْبِ مِن طَهارَتِهِ وخُبْثِهِ وقُوَّةِ فَهْمِهِ وقُصُورِ فَهْمِهِ، وكَما أنَّ الماءَ يَعْلُوهُ زَبَدُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ المُذابَةِ يُخالِطُها خَبَثٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الزَّبَدَ والخَبَثَ يَذْهَبُ ويَضِيعُ ويَبْقى جَوْهَرُ الماءِ وجَوْهَرُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ، كَذا هاهُنا بَياناتُ القُرْآنِ تَخْتَلِطُ بِها شُكُوكٌ وشُبَهاتٌ، ثُمَّ إنَّها بِالآخِرَةِ تَزُولُ وتَضِيعُ ويَبْقى العِلْمُ والدِّينُ والحِكْمَةُ والمُكاشَفَةُ في العاقِبَةِ، فَهَذا هو تَقْرِيرُ هَذا المَثَلِ ووَجْهُ انْطِباقِ المَثَلِ عَلى المُمَثَّلِ بِهِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ سَكَتُوا عَنْ بَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّمْثِيلِ والتَّشْبِيهِ. المسألة الأُولى: في المَباحِثِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ في لَفْظِ الأوْدِيَةِ أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: الأوْدِيَةُ جَمْعُ وادٍ وفي الوادِي قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الفَضاءِ المُنْخَفِضِ عَنِ الجِبالِ والتِّلالِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ السَّيْلُ، هَذا قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ اللُّغَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ: يُسَمّى الماءُ وادِيًا إذا سالَ، قالَ: ومِنهُ سُمِّيَ الوَدْيُ ودْيًا لِخُرُوجِهِ وسَيَلانِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ، فالوادِي اسْمٌ لِلْماءِ السّائِلِ كالمَسِيلِ، والأوَّلُ هو القَوْلُ المَشْهُورُ إلّا أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ مَجازًا فَكانَ التَّقْدِيرُ: سالَتْ مِياهُ الأوْدِيَةِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامُهُ. البحث الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأوْدِيَةُ جَمْعُ وادٍ، ولا نَعْلَمُ فاعِلًا جُمِعَ عَلى أفْعِلَةٍ، قالَ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَعاقُبِ فاعِلٍ وفَعِيلٍ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ كَعالِمٍ وعَلِيمٍ، وشاهِدٍ وشَهِيدٍ، وناصِرٍ ونَصِيرٍ، ثُمَّ إنَّ وزْنَ فاعِلٍ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، وطائِرٍ وأطْيارٍ، ووَزْنُ فَعِيلٍ يُجْمَعُ عَلى أفْعِلَةٍ، كَجَرِيبٍ وأجْرِبَةٍ، ثُمَّ لَمّا حَصَلَتِ المُناسَبَةُ المَذْكُورَةُ بَيْنَ فاعِلٍ وفَعِيلٍ لا جَرَمَ يُجْمَعُ الفاعِلُ جَمْعَ الفَعِيلِ، فَيُقالُ: وادٍ وأوْدِيَةٌ ويُجْمَعُ الفَعِيلُ عَلى جَمْعِ الفاعِلِ، فَيُقالُ: يَتِيمٌ وأيْتامٌ وشَرِيفٌ وأشْرافٌ، هَذا ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقالَ غَيْرُهُ: نَظِيرُ وادٍ وأوْدِيَةٍ، نادٍ وأنْدِيَةٌ لِلْمَجالِسِ. البحث الثّالِثُ: إنَّما ذُكِرَ لَفْظُ أوْدِيَةٍ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ؛ لِأنَّ المَطَرَ لا يَأْتِي إلّا عَلى طَرِيقِ المُناوَبَةِ بَيْنَ البِقاعِ، فَتَسِيلُ بَعْضُ أوْدِيَةِ الأرْضِ دُونَ بَعْضٍ. أما قوله تَعالى: ﴿بِقَدَرِها﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: القَدْرُ والقَدَرُ مَبْلَغُ الشَّيْءِ، يُقالُ: كَمْ قَدْرُ هَذِهِ الدَّراهِمِ، وكَمْ قَدَرُها ومِقْدارُها؟ أيْ: كَمْ تَبْلُغُ في الوَزْنِ، فَما يَكُونُ مُساوِيًا لَها في الوَزْنِ فَهو قَدْرُها. البحث الثّانِي: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ أيْ مِنَ الماءِ، فَإنْ صَغُرَ الوادِي قَلَّ الماءُ، وإنِ اتَّسَعَ الوادِي كَثُرَ الماءُ. أما قوله: ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ أزْبَدَ الوادِي إزْبادًا، والزَّبَدُ الِاسْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿رابِيًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: طافِيًا عالِيًا فَوْقَ الماءِ. وقالَ غَيْرُهُ: زائِدًا بِسَبَبِ انْتِفاخِهِ، يُقالُ: رَبا يَرْبُو إذا زادَ. صفحة ٣٠ أما قوله تَعالى: ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ضَرَبَ المَثَلَ بِالزَّبَدِ الحاصِلِ مِنَ الماءِ، أتْبَعَهُ بِضَرْبِ المَثَلِ بِالزَّبَدِ الحاصِلِ مِنَ النّارِ، وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿يُوقِدُونَ﴾ بِالياءِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿يَنْفَعُ النّاسَ﴾ وأيْضًا فَلَيْسَ هاهُنا مُخاطَبٌ، والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ . [الرَّعْدِ: ١٦] . والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا يُرادُ بِهِ الكافَّةُ، كَأنَّهُ قالَ: ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ أيُّها المُوقِدُونَ. البحث الثّانِي: الإيقادُ عَلى الشَّيْءِ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في النّارِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْقِدْ لِي ياهامانُ عَلى الطِّينِ﴾ [القَصَصِ: ٣٨] . والثّانِي: أنْ يُوقَدَ عَلى الشَّيْءِ ويَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ في النّارِ، فَإنَّ مَن أرادَ تَذْوِيبَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ جَعَلَها في النّارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ هاهُنا: ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ﴾ . البحث الثّالِثُ: في قَوْلِهِ: ﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: الَّذِي يُوقَدُ عَلَيْهِ لِابْتِغاءِ حِلْيَةٍ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، والَّذِي يُوقَدُ عَلَيْهِ لِابْتِغاءِ الأمْتِعَةِ الحَدِيدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ، والأُسْرُبُ يُتَّخَذُ مِنها الأوانِي والأشْياءُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، والمَتاعُ كُلُّ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ وقَوْلُهُ: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ الَّذِي يَحْمِلُهُ السَّيْلُ. ثم قال تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ والمَعْنى كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلْحَقِّ والباطِلِ، ثم قال: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجُفاءُ الرَّمْيُ والِاطِّراحُ، يُقالُ: جَفا الوادِي غُثاءَهُ يَجْفُوهُ جَفاءً إذا رَماهُ، والجُفاءُ اسْمٌ لِلْمُجْتَمِعِ مِنهُ المُنْضَمِّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، ومَوْضِعُ ”جُفاءً“ نَصْبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّ الزَّبَدَ قَدْ يَعْلُو عَلى وجْهِ الماءِ ويَرْبُو ويَنْتَفِخُ إلّا أنَّهُ بِالآخِرَةِ يَضْمَحِلُّ ويَبْقى الجَوْهَرُ الصّافِي مِنَ الماءِ، ومِنَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ، فَكَذَلِكَ الشُّبَهاتُ والخَيالاتُ قَدْ تَقْوى وتَعْظُمُ إلّا أنَّها بِالآخِرَةِ تَبْطُلُ وتَضْمَحِلُّ وتَزُولُ ويَبْقى الحَقُّ ظاهِرًا لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الشُّبَهاتِ، وفي قِراءَةِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ جُفالًا، وعَنْ أبِي حاتِمٍ: لا يُقْرَأُ بِقِراءَةِ رُؤْبَةَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الفارَ. * * * أما قوله تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ ولِلَّذِينِ خَبَرُهُ، وتَقْدِيرُهُ: لَهُمُ الخَصْلَةُ الحُسْنى والحالَةُ الحُسْنى. الثّانِي: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قالَ: الَّذِي يَبْقى هو مَثَلُ المُسْتَجِيبِ والَّذِي يَذْهَبُ جَفاءً مَثَلُ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ بَيَّنَ الوجه في كَوْنِهِ مَثَلًا، وهو أنَّهُ لِمَن يَسْتَجِيبُ الحُسْنى وهو الجَنَّةُ، ولِمَن لا يَسْتَجِيبُ أنْواعُ الحَسْرَةِ والعُقُوبَةِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلَّذِينِ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الِاسْتِجابَةَ الحُسْنى، فَيَكُونُ الحُسْنى صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أحْوالَ السُّعَداءِ وأحْوالَ الأشْقِياءِ، أمّا أحْوالُ السُّعَداءِ، فَهي قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ وبَعْثِ الرُّسُلِ والتِزامِ الشَّرائِعِ الوارِدَةِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ فَلَهُمُ الحُسْنى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَنَّةُ، وقالَ أهْلُ المَعانِي: الحُسْنى هي المَنفَعَةُ العُظْمى في الحُسْنِ، وهي المَنفَعَةُ الخالِصَةُ عَنْ شَوائِبِ المَضَرَّةِ الدّائِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ صفحة ٣١ الِانْقِطاعِ المَقْرُونَةِ بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، ولَمْ يَذْكُرِ الزِّيادَةَ هاهُنا؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ ذَكَرَها في سُورَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [ يُونُسَ: ٢٦] وأمّا أحْوالُ الأشْقِياءِ، فَهي قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ فَلَهم أنْواعٌ أرْبَعَةٌ مِنَ العَذابِ والعُقُوبَةِ. فالنوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ والِافْتِداءُ جَعْلُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بَدَلًا مِنَ الآخَرِ، ومَفْعُولُ ”لافْتَدَوْا بِهِ“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لافْتَدَوْا بِهِ أنْفُسَهم؛ أيْ جَعَلُوهُ فِداءَ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ، والكِنايَةُ في ”بِهِ“ عائِدَةٌ إلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما في الأرْضِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا المَعْنى حَقٌّ؛ لِأنَّ المَحْبُوبَ بِالذّاتِ لِكُلِّ إنْسانٍ هو ذاتُهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَإنَّما يُحِبُّهُ لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى مَصالِحِ ذاتِهِ، فَإذا كانَتِ النَّفْسُ في الضَّرَرِ والألَمِ والتَّعَبِ، وكانَ مالِكًا لِما يُساوِي عالَمَ الأجْسادِ والأرْواحِ فَإنَّهُ يَرْضى بِأنْ يَجْعَلَهُ فِداءً لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المَحْبُوبَ بِالعَرَضِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فِداءً لِما يَكُونُ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ. والنوع الثّانِي: مِن أنْواعِ العَذابِ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم هو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذاكَ لِأنَّ كُفْرَهم أحْبَطَ أعْمالَهم، وأقُولُ: هاهُنا حالَتانِ: فَكُلُّ ما شَغَلَكَ بِاللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ ومَحَبَّتِهِ فَهي الحالَةُ السَّعِيدَةُ الشَّرِيفَةُ العُلْوِيَّةُ القُدُسِيَّةُ، وكُلُّ ما شَغَلَكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَهي الحالَةُ الضّارَّةُ المُؤْذِيَةُ الخَسِيسَةُ، ولا شَكَّ أنَّ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ يَقْبَلانِ الأشَدَّ والأضْعَفَ والأقَلَّ والأزْيَدَ، ولا شَكَّ أنَّ المُواظَبَةَ عَلى الأعْمالِ المُناسِبَةِ لِهَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ قُوَّتَها ورُسُوخَها لِما ثَبَتَ في المَعْقُولاتِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَمّا كانَتْ كَثْرَةُ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ تِلْكَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأفْعالِ حَتّى اللَّمْحَةُ واللَّحْظَةُ والخُطُورُ بِالبالِ والِالتِفاتُ الضَّعِيفُ، فَإنَّهُ يُوجِبُ أثَرًا ما في حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ في النَّفْسِ فَهَذا هو الحِسابُ، وعِنْدَ التَّأمُّلِ في هَذِهِ الفُصُولِ يَتَبَيَّنُ لِلْإنْسانِ صِدْقُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧]. إذا ثَبَتَ هَذا فالسُّعَداءُ هُمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ في الإعْراضِ عَمّا سِوى اللَّهِ وفي الإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ولا جَرَمَ حَصَلَ لَهُمُ الحُسْنى. وأمّا الأشْقِياءُ فَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِرَبِّهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهم سُوءُ الحِسابِ، والمُرادُ بِسُوءِ الحِسابِ أنَّهم أحَبُّوا الدُّنْيا وأعْرَضُوا عَنِ المَوْلى، فَلَمّا ماتُوا بَقُوا مَحْرُومِينَ عَنْ مَعْشُوقِهِمُ الَّذِي هو الدُّنْيا، وبَقُوا مَحْرُومِينَ عَنِ الفَوْزِ بِخِدْمَةِ حَضْرَةِ المَوْلى. والنوع الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنِ الِاسْتِسْعادِ بِخِدْمَةِ حَضْرَةِ المَوْلى عاكِفِينَ عَلى لَذّاتِ الدُّنْيا، فَإذا ماتُوا فارَقُوا مَعْشُوقَهم فَيَحْتَرِقُونَ عَلى مُفارَقَتِها، ولَيْسَ عِنْدَهم شَيْءٌ آخَرُ يَجْبُرُ هَذِهِ المُصِيبَةَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا المَأْوى فَقالَ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ فَهَذا إشارَةٌ إلى المَثَلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وهو أنَّ العالِمَ بِالشَّيْءِ كالبَصِيرِ، والجاهِلَ بِهِ كالأعْمى، ولَيْسَ أحَدُهُما كالآخَرِ؛ لِأنَّ الأعْمى إذا صفحة ٣٢ أخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ قائِدٍ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَقَعُ في البِئْرِ وفي المَهالِكِ، ورُبَّما أفْسَدَ ما كانَ عَلى طَرِيقِهِ مِنَ الأمْتِعَةِ النّافِعَةِ، أمّا البَصِيرُ فَإنَّهُ يَكُونُ آمِنًا مِنَ الهَلاكِ والإهْلاكِ. ثم قال: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ إلّا أرْبابُ الألْبابِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مَن كُلِّ صُورَةٍ مَعْناها، ويَأْخُذُونَ مَن كُلِّ قِشْرَةٍ لُبابَها ويَعْبُرُونَ بِظاهِرِ كُلِّ حَدِيثٍ إلى سِرِّهِ ولُبابِهِ.

الرعد 13:20

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هَلْ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ صِفَةً لِأُولِي الألْبابِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ خَبَرُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٥] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها جُمْلَةٌ واحِدَةٌ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وشَرْطُها مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ، وجَزاؤُها يَشْتَمِلُ أيْضًا عَلى قُيُودٍ، أمّا القُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ فَهي تِسْعَةٌ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ الَّذِي عاهَدَهم عَلَيْهِ حِينَ كانُوا في صُلْبِ آدَمَ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِعَهْدِ اللَّهِ كُلُّ أمْرٍ قامَ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ وهو مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الأشْياءُ الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها دَلائِلَ عَقْلِيَّةً قاطِعَةً لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والتَّغْيِيرَ. والآخَرُ: الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها الدَّلائِلَ السَّمْعِيَّةَ وبَيَّنَ لَهم تِلْكَ الأحْكامَ، والحاصِلُ أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ كُلُّ ما قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، ويَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العَهْدِ عَلى الحُجَّةِ بَلِ الحَقُّ أنَّهُ لا عَهْدَ أوْكَدُ مِنَ الحُجَّةِ، والدَّلالَةُ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ عَلى الشَّيْءِ، فَإنَّما صفحة ٣٣ يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ وُجُوبُهُ لا بِمُجَرَّدِ اليَمِينِ؛ ولِذَلِكَ رُبَّما يَلْزَمُهُ أنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ إذا كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ، فَلا عَهْدَ أوْكَدُ مِن إلْزامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ العَقْلِ أوْ بِدَلِيلِ السَّمْعِ، ولا يَكُونُ العَبْدُ مُوفِيًا لِلْعَهْدِ إلّا بِأنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ تِلْكَ الأشْياءِ، كَما أنَّ الحالِفَ عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ لا يَكُونُ بارًّا في يَمِينِهِ إلّا إذا فَعَلَ الكُلَّ، ويَدْخُلُ فِيهِ الإتْيانُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الوَفاءُ بِالعُقُودِ في المُعامَلاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أداءُ الأماناتِ، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ الصَّحِيحُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ. * * * القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ -: إنَّ هَذا الكَلامَ قَرِيبٌ مِنَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، فَإنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ قَرِيبٌ مِن عَدَمِ نَقْضِ المِيثاقِ والعَهْدِ، وهَذا مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لَمّا وجَبَ وُجُودُهُ لَزِمَ أنْ يَمْتَنِعَ عَدَمُهُ، فَهَذانِ المَفْهُومانِ مُتَغايِرانِ إلّا أنَّهُما مُتَلازِمانِ فَكَذَلِكَ الوَفاءُ بِالعَهْدِ يَلْزَمُهُ أنْ لا يَنْقُضَ المِيثاقَ. واعْلَمْ أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِن أجَلِّ مَراتِبِ السَّعادَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ ولا دِينَ لِمَن لاَ عَهْدَ لَهُ» والآياتُ الوارِدَةُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المِيثاقَ ما وثَّقَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالحاصِلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما كَلَّفَ اللَّهُ العَبْدَ بِهِ ابْتِداءً، وقَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ إشارَةٌ إلى ما التَزَمَهُ العَبْدُ مِن أنْواعِ الطّاعاتِ بِحَسَبِ اخْتِيارِ نَفْسِهِ كالنَّذْرِ بِالطّاعاتِ والخَيْراتِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ: عَهْدُ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، والمُرادُ بِالمِيثاقِ: المَواثِيقُ المَذْكُورَةُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ ظُهُورِهِ. واعْلَمْ أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ أمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ والشَّرائِعِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن عاهَدَ اللَّهَ فَغَدَرَ، كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ» وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ثَلاثَةٌ أنا خَصْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ ومَن كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ؛ رَجُلٌ أعْطى عَهْدًا ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا اسْتَوْفى عَمَلَهُ وظَلَمَهُ أجْرَهُ، ورَجُلٌ باعَ حُرًّا فاسْتَرَقَّ الحُرَّ وأكَلَ ثَمَنَهُ» وقِيلَ: «كانَ بَيْنَ مُعاوِيَةَ ومَلِكِ الرُّومِ عَهْدٌ فَأرادَ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ ويَنْقُضَ العَهْدَ فَإذا رَجُلٌ عَلى فَرَسٍ، يَقُولُ: وفاءٌ بِالعَهْدِ لا غَدْرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلا يَنْبِذَنَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهُ ولا يَحُلَّها حَتّى يَنْقَضِيَ الأمَدُ ويَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، قالَ: مَن هَذا؟ قالُوا: عَمْرُو بْنُ عُيَيْنَةَ فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ» . * * * القَيْدُ الثّالِثُ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وهاهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ وتَرْكَ نَقْضِ المِيثاقِ اشْتَمَلَ عَلى وُجُوبِ الإتْيانِ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِاحْتِرازِ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ القُيُودِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُما؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ذُكِرَ لِئَلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ أفْرَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ العِبادِ بِالذِّكْرِ. والثّانِي: أنَّهُ تَأْكِيدٌ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ صِلَةُ الرَّحِمِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ثَلاثٌ يَأْتِينَ يَوْمَ القِيامَةِ لَها ذَلَقٌ؛ الرَّحِمُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ قُطِعْتُ، والأمانَةُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ تُرِكْتُ، والنِّعْمَةُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ كُفِرْتُ» . صفحة ٣٤ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ صِلَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومُؤازَرَتُهُ ونُصْرَتُهُ في الجِهادِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: رِعايَةُ جَمِيعِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ لِلْعِبادِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صِلَةُ الرَّحِمِ وصِلَةُ القَرابَةِ الثّابِتَةِ بِسَبَبِ أُخُوَّةِ الإيمانِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحُجُراتِ: ١٠] ويَدْخُلُ في هَذِهِ الصِّلَةِ إمْدادُهم بِإيصالِ الخَيْراتِ، ودَفْعُ الآفاتِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، وعِيادَةُ المَرِيضِ، وشُهُودُ الجَنائِزِ، وإفْشاءُ السَّلامِ عَلى النّاسِ، والتَّبَسُّمُ في وُجُوهِهِمْ، وكَفُّ الأذى عَنْهم، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ حَيَوانٍ حَتّى الهِرَّةُ والدَّجاجَةُ، وعَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ جَماعَةً دَخَلُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتُمْ؟ قالُوا: مِن خُراسانَ، فَقالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مِن حَيْثُ شِئْتُمْ، واعْلَمُوا أنَّ العَبْدَ لَوْ أحْسَنَ كُلَّ الإحْسانِ، وكانَ لَهُ دَجاجَةٌ فَأساءَ إلَيْها لَمْ يَكُنْ مِنَ المُحْسِنِينَ. وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. * * * القَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ وإنْ أتى بِكُلِّ ما قَدَرَ عَلَيْهِ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، وفي الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الخَشْيَةُ مِنَ اللَّهِ والخَوْفُ مِنهُ مُسْتَوْلِيًا عَلى قَلْبِهِ، وهَذِهِ الخَشْيَةُ نَوْعانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ خائِفًا مِن أنْ يَقَعَ زِيادَةٌ أوْ نُقْصانٌ أوْ خَلَلٌ في عِباداتِهِ وطاعاتِهِ، بِحَيْثُ يُوجِبُ فَسادَ العِبادَةِ أوْ يُوجِبُ نُقْصانَ ثَوابِها. والثّانِي: وهو خَوْفُ الجَلالِ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا حَضَرَ عِنْدَ السُّلْطانِ المَهِيبِ القاهِرِ، فَإنَّهُ وإنْ كانَ في عَيْنِ طاعَتِهِ إلّا أنَّهُ لا يَزُولُ عَنْ قَلْبِهِ مَهابَةُ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ والعَظَمَةِ. القَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَيْدَ الرّابِعَ إشارَةٌ إلى الخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، وهَذا القَيْدُ الخامِسُ إشارَةٌ إلى الخَوْفِ والخَشْيَةِ وسُوءِ الحِسابِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ ما ذَكَرْناهُ مِن خَوْفِ الجَلالِ والمَهابَةِ والعَظَمَةِ، وإلّا لَزِمَ التِّكْرارُ. * * * القَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلى فِعْلِ العِباداتِ والصَّبْرُ عَلى ثِقَلِ الأمْراضِ والمَضارِّ والغُمُومِ والأحْزانِ، والصَّبْرُ عَلى تَرْكِ المُشْتَهَياتِ وبِالجُمْلَةِ الصَّبْرُ عَلى تَرْكِ المَعاصِي وعَلى أداءِ الطّاعاتِ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ قَدْ يُقْدِمُ عَلى الصَّبْرِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَصْبِرَ لِيُقالَ ما أكْمَلَ صَبْرَهُ وأشَدَّ قُوَّتَهُ عَلى تَحَمُّلِ النَّوازِلِ. وثانِيها: أنْ يَصْبِرَ لِئَلّا يُعابَ بِسَبَبِ الجَزَعِ. وثالِثُها: أنْ يَصْبِرَ لِئَلّا تَحْصُلَ شَماتَةُ الأعْداءِ. ورابِعُها: أنْ يَصْبِرَ لِعِلْمِهِ بِأنْ لا فائِدَةَ في الجَزَعِ، فالإنْسانُ إذا أتى بِالصَّبْرِ لِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ داخِلًا في كَمالِ النَّفْسِ وسَعادَةِ القَلْبِ، أمّا إذا صَبَرَ عَلى البَلاءِ لِعِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ البَلاءَ قِسْمَةٌ حَكَمَ بِها القَسّامُ العَلّامُ المُنَزَّهُ عَنِ العَيْبِ والباطِلِ والسَّفَهِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القِسْمَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ومَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، ورَضِيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَصَرُّفُ المالِكِ في مِلْكِهِ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ في أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِهِ، أوْ يَصْبِرَ لِأنَّهُ صارَ مُسْتَغْرِقًا في مُشاهَدَةِ المُبْلِي، فَكانَ اسْتِغْراقُهُ في تَجَلِّي نُورِ المُبْلِي أذْهَلَهُ عَنِ التَّألُّمِ بِالبَلاءِ، وهَذا أعْلى مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ هي الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّهُ صَبَرَ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ صَبَرَ لِمُجَرَّدِ ثَوابِهِ وطَلَبِ رِضا اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ العاشِقَ إذا ضَرَبَهُ مَعْشُوقُهُ، فَرُبَّما نَظَرَ العاشِقُ لِذَلِكَ الضّارِبِ وفَرِحَ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَجازِ، يَعْنِي كَما أنَّ العاشِقَ يَرْضى بِذَلِكَ الضَّرْبِ لِالتِذاذِهِ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِ مَعْشُوقِهِ، فَكَذَلِكَ العَبْدُ يَصْبِرُ عَلى البَلاءِ والمِحْنَةِ، ويَرْضى بِهِ صفحة ٣٥ لِاسْتِغْراقِهِ في مَعْرِفَةِ نُورِ الحَقِّ وهَذِهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ. القَيْدُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ، وإنْ كانَتا داخِلَتَيْنِ في الجُمْلَةِ الأُولى، إلّا أنَّهُ تَعالى أفْرَدَها بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِها أشْرَفَ مِن سائِرِ العِباداتِ، وقَدْ سَبَقَ في هَذا الكِتابِ تَفْسِيرُ إقامَةِ الصَّلاةِ، ولا يَمْتَنِعُ إدْخالُ النَّوافِلِ فِيهِ أيْضًا. * * * القَيْدُ الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، فَإنْ لَمْ يُتَّهَمْ بِتَرْكِ أداءِ الزَّكاةِ، فالأوْلى أداؤُها سِرًّا، وإنِ اتُّهِمَ بِتَرْكِ الزَّكاةِ فالأوْلى أداؤُها في العَلانِيَةِ، وقِيلَ السِّرُّ ما يُؤَدِّيهِ بِنَفْسِهِ والعَلانِيَةُ ما يُؤَدِّيهِ إلى الإمامِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ الزَّكاةُ الواجِبَةُ والصَّدَقَةُ الَّتِي يُؤْتى بِها عَلى صِفَةِ التَّطَوُّعِ فَقَوْلُهُ: ﴿سِرًّا﴾ يَرْجِعُ إلى التَّطَوُّعِ وقَوْلُهُ: ﴿وعَلانِيَةً﴾ يَرْجِعُ إلى الزَّكاةِ الواجِبَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ في الإنْفاقِ مِن كُلِّ ما كانَ رِزْقًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا رِزْقَ إلّا الحَلالُ؛ إذْ لَوْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا لَكانَ قَدْ رَغَّبَ تَعالى في إنْفاقِ الحَرامِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. القَيْدُ التّاسِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم إذا أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ دَرَءُوها ودَفَعُوها بِالتَّوْبَةِ، كَما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فاعْمَلْ بِجَنْبِها حَسَنَةً تَمْحُها“». والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهم لا يُقابِلُونَ الشَّرَّ بِالشَّرِّ، بَلْ يُقابِلُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ الوَصُولُ مَن وُصِلَ، ثُمَّ وصَلَ، تِلْكَ المُجازاةُ لَكِنَّهُ مَن قُطِعَ ثُمَّ وصَلَ وعَطَفَ عَلى مَن لَمْ يَصِلْهُ، ولَيْسَ الحَلِيمُ مَن ظُلِمَ ثُمَّ حَلُمَ حَتّى إذا هَيَّجَهُ قَوْمٌ اهْتاجَ، لَكِنَّ الحَلِيمَ مَن قَدَرَ ثُمَّ عَفا، وعَنِ الحَسَنِ: هُمُ الَّذِينَ إذا حُرِمُوا أعْطَوْا وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا، ويُرْوى أنَّ شَقِيقَ بْنَ إبْراهِيمَ البَلْخِيَّ دَخَلَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ مُتَنَكِّرًا، فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتَ؟ فَقالَ: مِن بَلْخَ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ شَقِيقًا؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: كَيْفَ طَرِيقَةُ أصْحابِهِ؟ فَقالَ: إذا مُنِعُوا صَبَرُوا وإنْ أُعْطُوا شَكَرُوا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: طَرِيقَةُ كِلابِنا هَكَذا، فَقالَ: وكَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ؟ فَقالَ: الكامِلُونَ هُمُ الَّذِينَ إذا مُنِعُوا شَكَرُوا وإذا أُعْطُوا آثَرُوا. * * * واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ هَذِهِ القُيُودِ التِّسْعَةِ هي القُيُودُ المَذْكُورَةُ في الشَّرْطِ، أمّا القُيُودُ المَذْكُورَةُ في الجَزاءِ فَهي أرْبَعَةٌ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ أيْ عاقِبَةُ الدّارِ وهي الجَنَّةُ؛ لِأنَّها هي الَّتِي أرادَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُّنْيا ومَرْجِعَ أهْلِها، قالَ الواحِدِيُّ: العُقْبى كالعاقِبَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّورى والقُرْبى والرُّجْعى، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا أيْضًا عَلى فَعْلى كالنَّجْوى والدَّعْوى، وعَلى فِعْلى كالذِّكْرى والضِّيزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا، وهو هاهُنا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى: أُولَئِكَ لَهم أنْ تُعْقُبَ أعْمالَهُمُ الدّارُ الَّتِي هي الجَنَّةُ. القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: جَنّاتُ عَدْنٍ بَدَلٌ مِن عُقْبى والكَلامُ في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَكَرْناهُ مُسْتَقْصًى عِنْدَ صفحة ٣٦ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]، وذَكَرْنا هُناكَ مَذْهَبَ المُفَسِّرِينَ، ومَذْهَبَ أهْلِ اللُّغَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو [يُدْخَلُونَها] بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ عَلى إسْنادِ الدُّخُولِ إلَيْهِمْ. القَيْدُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ عُلَيَّةَ [صَلُحَ] بِضَمِّ اللّامِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: والفَتْحُ أفْصَحُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”مَن“ رَفْعٌ؛ لِأجْلِ العَطْفِ عَلى الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا كَما تَقُولُ: قَدْ دَخَلُوا وزَيْدًا أيْ مَعَ زَيْدٍ. المسألة الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن صَدَقَ بِما صَدَقُوا بِهِ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ إذا لَمْ يَحْصُلْ مَعَها أعْمالٌ صالِحَةٌ، بَلِ الآباءُ والأزْواجُ والذُّرِّيّاتُ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مِن ثَوابِ المُطِيعِ سُرُورَهُ بِحُضُورِ أهْلِهِ مَعَهُ في الجَنَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَدْخُلُونَها كَرامَةً لِلْمُطِيعِ الآتِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولَوْ دَخَلُوها بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ كَرامَةٌ لِلْمُطِيعِ ولا فائِدَةٌ في الوَعْدِ بِهِ، إذْ كُلُّ مَن كانَ مُصْلِحًا في عَمَلِهِ فَهو يَدْخُلُ الجَنَّةَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِشارَةُ المُطِيعِ بِكُلِّ ما يَزِيدُهُ سُرُورًا وبَهْجَةً، فَإذا بَشَّرَ اللَّهُ المُكَلَّفَ بِأنَّهُ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ فَإنَّهُ يَحْضُرُ مَعَهُ آباؤُهُ وأزْواجُهُ وأوْلادُهُ، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَعْظُمُ سُرُورُ المُكَلَّفِ بِذَلِكَ وتَقْوى بَهْجَتُهُ بِهِ، ويُقالُ: إنَّ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ سُرُورِهِمْ أنْ يَجْتَمِعُوا فَيَتَذاكَرُوا أحْوالَهم في الدُّنْيا، ثُمَّ يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى الخَلاصِ مِنها والفَوْزِ بِالجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ إنَّهم يَقُولُونَ: ﴿يالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧]. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأزْواجِهِمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ زَوْجَةٍ وزَوْجَةٍ، ولَعَلَّ الأوْلى مَن ماتَ عَنْها أوْ ماتَتْ عَنْهُ، وما رُوِيَ «عَنْ سَوْدَةَ أنَّهُ لَمّا هَمَّ الرَّسُولُ ﷺ بِطَلاقِها قالَتْ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أُحْشَرُ في زُمْرَةِ نِسائِكَ»، كالدَّلِيلِ عَلى ما ذَكَرْناهُ. والقَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم خَيْمَةٌ مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُها فَرْسَخٌ وعَرْضُها فَرْسَخٌ، لَها ألْفُ بابٍ مَصارِيعُها مِن ذَهَبٍ، يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ مِن كُلِّ بابٍ يَقُولُونَ لَهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ عَلى أمْرِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ البِرِّ كَبابِ الصَّلاةِ وبابِ الزَّكاةِ وبابِ الصَّبْرِ، ويَقُولُونَ: ونِعْمَ ما أعْقَبَكُمُ اللَّهُ بَعْدَ الدّارِ الأُولى. واعْلَمْ أنَّ دُخُولَ المَلائِكَةِ إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوجه الأوَّلِ فَهو مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ المُطِيعِينَ أنَّهم يَدْخُلُونَ جَنَّةَ الخُلْدِ، ويَجْتَمِعُونَ بِآبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ مَعَ جَلالَةِ مَراتِبِهِمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ عِنْدَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ يُكْرِمُونَهم بِالتَّحِيَّةِ صفحة ٣٧ والسَّلامِ ويُبَشِّرُونَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا غَيْرُ ما يَذْكُرُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّ الثَّوابَ مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَداءِ رَأْسَ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ» والخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ هَكَذا كانُوا يَفْعَلُونَ، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوجه الثّانِي فَتَفْسِيرُ الآيَةِ أنَّ المَلائِكَةَ طَوائِفُ، مِنهم رُوحانِيُّونَ، ومِنهم كَرُوبِيُّونَ، فالعَبْدُ إذا راضَ نَفْسَهُ بِأنْواعِ الرِّياضاتِ كالصَّبْرِ والشُّكْرِ والمُراقَبَةِ والمُحاسَبَةِ، ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ جَوْهَرٌ قُدُسِيٌّ ورُوحٌ عُلْوِيٌّ يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ؛ فَعِنْدَ المَوْتِ إذا أشْرَقَتْ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدُسِيَّةُ تَجَلَّتْ فِيها مِن كُلِّ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ ما يُناسِبُها مِنَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ بِها فَيَفِيضُ عَلَيْها مِن مَلائِكَةِ الصَّبْرِ كِمالاتٌ مَخْصُوصَةٌ نَفْسانِيَّةٌ لا تَظْهَرُ إلّا في مَقامِ الصَّبْرِ، ومِن مَلائِكَةِ الشُّكْرِ كِمالاتٌ رُوحانِيَّةٌ لا تَتَجَلّى إلّا مِن مَقامِ الشُّكْرِ وهَكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المَراتِبِ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، فَقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ مَراتِبَ سَعاداتِ البَشَرِ بِدُخُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ والتَّعْظِيمِ، فَكانُوا بِهِ أجَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ البَشَرِ، ولَوْ كانُوا أقَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ البَشَرِ لَما كانَ دُخُولُهم عَلَيْهِمْ لِأجْلِ السَّلامِ والتَّحِيَّةِ مُوجِبًا عُلُوَّ دَرَجاتِهِمْ وشَرَفَ مَراتِبِهِمْ، ألا تَرى أنَّ مَن عادَ مِن سَفَرِهِ إلى بَيْتِهِ، فَإذا قِيلَ في مَعْرِضِ كَمالِ مَرْتَبَتِهِ: إنَّهُ يَزُورُهُ الأمِيرُ والوَزِيرُ والقاضِي والمُفْتِي، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ دَرَجَةَ ذَلِكَ المَزُورِ أقَلُّ وأدْنى مِن دَرَجاتِ الزّائِرِينَ، فَكَذَلِكَ هاهُنا. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: هاهُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ المَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ويَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكم، فَأُضْمِرَ القَوْلُ هاهُنا؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وأما قوله: ﴿بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلامِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنَّما حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ السَّلامَةُ بِواسِطَةِ صَبْرِكم عَلى الطّاعاتِ، وتَرْكِ المُحَرَّماتِ. والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ هَذِهِ الكَراماتِ الَّتِي تَرَوْنَها، وهَذِهِ الخَيْراتِ الَّتِي تُشاهِدُونَها إنَّما حَصَلَتْ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الصَّبْرِ.

الرعد 13:21

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هَلْ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ صِفَةً لِأُولِي الألْبابِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ خَبَرُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٥] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها جُمْلَةٌ واحِدَةٌ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وشَرْطُها مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ، وجَزاؤُها يَشْتَمِلُ أيْضًا عَلى قُيُودٍ، أمّا القُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ فَهي تِسْعَةٌ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ الَّذِي عاهَدَهم عَلَيْهِ حِينَ كانُوا في صُلْبِ آدَمَ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِعَهْدِ اللَّهِ كُلُّ أمْرٍ قامَ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ وهو مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الأشْياءُ الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها دَلائِلَ عَقْلِيَّةً قاطِعَةً لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والتَّغْيِيرَ. والآخَرُ: الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها الدَّلائِلَ السَّمْعِيَّةَ وبَيَّنَ لَهم تِلْكَ الأحْكامَ، والحاصِلُ أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ كُلُّ ما قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، ويَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العَهْدِ عَلى الحُجَّةِ بَلِ الحَقُّ أنَّهُ لا عَهْدَ أوْكَدُ مِنَ الحُجَّةِ، والدَّلالَةُ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ عَلى الشَّيْءِ، فَإنَّما صفحة ٣٣ يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ وُجُوبُهُ لا بِمُجَرَّدِ اليَمِينِ؛ ولِذَلِكَ رُبَّما يَلْزَمُهُ أنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ إذا كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ، فَلا عَهْدَ أوْكَدُ مِن إلْزامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ العَقْلِ أوْ بِدَلِيلِ السَّمْعِ، ولا يَكُونُ العَبْدُ مُوفِيًا لِلْعَهْدِ إلّا بِأنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ تِلْكَ الأشْياءِ، كَما أنَّ الحالِفَ عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ لا يَكُونُ بارًّا في يَمِينِهِ إلّا إذا فَعَلَ الكُلَّ، ويَدْخُلُ فِيهِ الإتْيانُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الوَفاءُ بِالعُقُودِ في المُعامَلاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أداءُ الأماناتِ، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ الصَّحِيحُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ. * * * القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ -: إنَّ هَذا الكَلامَ قَرِيبٌ مِنَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، فَإنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ قَرِيبٌ مِن عَدَمِ نَقْضِ المِيثاقِ والعَهْدِ، وهَذا مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لَمّا وجَبَ وُجُودُهُ لَزِمَ أنْ يَمْتَنِعَ عَدَمُهُ، فَهَذانِ المَفْهُومانِ مُتَغايِرانِ إلّا أنَّهُما مُتَلازِمانِ فَكَذَلِكَ الوَفاءُ بِالعَهْدِ يَلْزَمُهُ أنْ لا يَنْقُضَ المِيثاقَ. واعْلَمْ أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِن أجَلِّ مَراتِبِ السَّعادَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ ولا دِينَ لِمَن لاَ عَهْدَ لَهُ» والآياتُ الوارِدَةُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المِيثاقَ ما وثَّقَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالحاصِلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما كَلَّفَ اللَّهُ العَبْدَ بِهِ ابْتِداءً، وقَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ إشارَةٌ إلى ما التَزَمَهُ العَبْدُ مِن أنْواعِ الطّاعاتِ بِحَسَبِ اخْتِيارِ نَفْسِهِ كالنَّذْرِ بِالطّاعاتِ والخَيْراتِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ: عَهْدُ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، والمُرادُ بِالمِيثاقِ: المَواثِيقُ المَذْكُورَةُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ ظُهُورِهِ. واعْلَمْ أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ أمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ والشَّرائِعِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن عاهَدَ اللَّهَ فَغَدَرَ، كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ» وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ثَلاثَةٌ أنا خَصْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ ومَن كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ؛ رَجُلٌ أعْطى عَهْدًا ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا اسْتَوْفى عَمَلَهُ وظَلَمَهُ أجْرَهُ، ورَجُلٌ باعَ حُرًّا فاسْتَرَقَّ الحُرَّ وأكَلَ ثَمَنَهُ» وقِيلَ: «كانَ بَيْنَ مُعاوِيَةَ ومَلِكِ الرُّومِ عَهْدٌ فَأرادَ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ ويَنْقُضَ العَهْدَ فَإذا رَجُلٌ عَلى فَرَسٍ، يَقُولُ: وفاءٌ بِالعَهْدِ لا غَدْرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلا يَنْبِذَنَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهُ ولا يَحُلَّها حَتّى يَنْقَضِيَ الأمَدُ ويَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، قالَ: مَن هَذا؟ قالُوا: عَمْرُو بْنُ عُيَيْنَةَ فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ» . * * * القَيْدُ الثّالِثُ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وهاهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ وتَرْكَ نَقْضِ المِيثاقِ اشْتَمَلَ عَلى وُجُوبِ الإتْيانِ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِاحْتِرازِ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ القُيُودِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُما؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ذُكِرَ لِئَلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ أفْرَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ العِبادِ بِالذِّكْرِ. والثّانِي: أنَّهُ تَأْكِيدٌ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ صِلَةُ الرَّحِمِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ثَلاثٌ يَأْتِينَ يَوْمَ القِيامَةِ لَها ذَلَقٌ؛ الرَّحِمُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ قُطِعْتُ، والأمانَةُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ تُرِكْتُ، والنِّعْمَةُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ كُفِرْتُ» . صفحة ٣٤ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ صِلَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومُؤازَرَتُهُ ونُصْرَتُهُ في الجِهادِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: رِعايَةُ جَمِيعِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ لِلْعِبادِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صِلَةُ الرَّحِمِ وصِلَةُ القَرابَةِ الثّابِتَةِ بِسَبَبِ أُخُوَّةِ الإيمانِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحُجُراتِ: ١٠] ويَدْخُلُ في هَذِهِ الصِّلَةِ إمْدادُهم بِإيصالِ الخَيْراتِ، ودَفْعُ الآفاتِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، وعِيادَةُ المَرِيضِ، وشُهُودُ الجَنائِزِ، وإفْشاءُ السَّلامِ عَلى النّاسِ، والتَّبَسُّمُ في وُجُوهِهِمْ، وكَفُّ الأذى عَنْهم، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ حَيَوانٍ حَتّى الهِرَّةُ والدَّجاجَةُ، وعَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ جَماعَةً دَخَلُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتُمْ؟ قالُوا: مِن خُراسانَ، فَقالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مِن حَيْثُ شِئْتُمْ، واعْلَمُوا أنَّ العَبْدَ لَوْ أحْسَنَ كُلَّ الإحْسانِ، وكانَ لَهُ دَجاجَةٌ فَأساءَ إلَيْها لَمْ يَكُنْ مِنَ المُحْسِنِينَ. وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. * * * القَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ وإنْ أتى بِكُلِّ ما قَدَرَ عَلَيْهِ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، وفي الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الخَشْيَةُ مِنَ اللَّهِ والخَوْفُ مِنهُ مُسْتَوْلِيًا عَلى قَلْبِهِ، وهَذِهِ الخَشْيَةُ نَوْعانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ خائِفًا مِن أنْ يَقَعَ زِيادَةٌ أوْ نُقْصانٌ أوْ خَلَلٌ في عِباداتِهِ وطاعاتِهِ، بِحَيْثُ يُوجِبُ فَسادَ العِبادَةِ أوْ يُوجِبُ نُقْصانَ ثَوابِها. والثّانِي: وهو خَوْفُ الجَلالِ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا حَضَرَ عِنْدَ السُّلْطانِ المَهِيبِ القاهِرِ، فَإنَّهُ وإنْ كانَ في عَيْنِ طاعَتِهِ إلّا أنَّهُ لا يَزُولُ عَنْ قَلْبِهِ مَهابَةُ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ والعَظَمَةِ. القَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَيْدَ الرّابِعَ إشارَةٌ إلى الخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، وهَذا القَيْدُ الخامِسُ إشارَةٌ إلى الخَوْفِ والخَشْيَةِ وسُوءِ الحِسابِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ ما ذَكَرْناهُ مِن خَوْفِ الجَلالِ والمَهابَةِ والعَظَمَةِ، وإلّا لَزِمَ التِّكْرارُ. * * * القَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلى فِعْلِ العِباداتِ والصَّبْرُ عَلى ثِقَلِ الأمْراضِ والمَضارِّ والغُمُومِ والأحْزانِ، والصَّبْرُ عَلى تَرْكِ المُشْتَهَياتِ وبِالجُمْلَةِ الصَّبْرُ عَلى تَرْكِ المَعاصِي وعَلى أداءِ الطّاعاتِ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ قَدْ يُقْدِمُ عَلى الصَّبْرِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَصْبِرَ لِيُقالَ ما أكْمَلَ صَبْرَهُ وأشَدَّ قُوَّتَهُ عَلى تَحَمُّلِ النَّوازِلِ. وثانِيها: أنْ يَصْبِرَ لِئَلّا يُعابَ بِسَبَبِ الجَزَعِ. وثالِثُها: أنْ يَصْبِرَ لِئَلّا تَحْصُلَ شَماتَةُ الأعْداءِ. ورابِعُها: أنْ يَصْبِرَ لِعِلْمِهِ بِأنْ لا فائِدَةَ في الجَزَعِ، فالإنْسانُ إذا أتى بِالصَّبْرِ لِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ داخِلًا في كَمالِ النَّفْسِ وسَعادَةِ القَلْبِ، أمّا إذا صَبَرَ عَلى البَلاءِ لِعِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ البَلاءَ قِسْمَةٌ حَكَمَ بِها القَسّامُ العَلّامُ المُنَزَّهُ عَنِ العَيْبِ والباطِلِ والسَّفَهِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القِسْمَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ومَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، ورَضِيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَصَرُّفُ المالِكِ في مِلْكِهِ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ في أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِهِ، أوْ يَصْبِرَ لِأنَّهُ صارَ مُسْتَغْرِقًا في مُشاهَدَةِ المُبْلِي، فَكانَ اسْتِغْراقُهُ في تَجَلِّي نُورِ المُبْلِي أذْهَلَهُ عَنِ التَّألُّمِ بِالبَلاءِ، وهَذا أعْلى مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ هي الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّهُ صَبَرَ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ صَبَرَ لِمُجَرَّدِ ثَوابِهِ وطَلَبِ رِضا اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ العاشِقَ إذا ضَرَبَهُ مَعْشُوقُهُ، فَرُبَّما نَظَرَ العاشِقُ لِذَلِكَ الضّارِبِ وفَرِحَ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَجازِ، يَعْنِي كَما أنَّ العاشِقَ يَرْضى بِذَلِكَ الضَّرْبِ لِالتِذاذِهِ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِ مَعْشُوقِهِ، فَكَذَلِكَ العَبْدُ يَصْبِرُ عَلى البَلاءِ والمِحْنَةِ، ويَرْضى بِهِ صفحة ٣٥ لِاسْتِغْراقِهِ في مَعْرِفَةِ نُورِ الحَقِّ وهَذِهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ. القَيْدُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ، وإنْ كانَتا داخِلَتَيْنِ في الجُمْلَةِ الأُولى، إلّا أنَّهُ تَعالى أفْرَدَها بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِها أشْرَفَ مِن سائِرِ العِباداتِ، وقَدْ سَبَقَ في هَذا الكِتابِ تَفْسِيرُ إقامَةِ الصَّلاةِ، ولا يَمْتَنِعُ إدْخالُ النَّوافِلِ فِيهِ أيْضًا. * * * القَيْدُ الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، فَإنْ لَمْ يُتَّهَمْ بِتَرْكِ أداءِ الزَّكاةِ، فالأوْلى أداؤُها سِرًّا، وإنِ اتُّهِمَ بِتَرْكِ الزَّكاةِ فالأوْلى أداؤُها في العَلانِيَةِ، وقِيلَ السِّرُّ ما يُؤَدِّيهِ بِنَفْسِهِ والعَلانِيَةُ ما يُؤَدِّيهِ إلى الإمامِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ الزَّكاةُ الواجِبَةُ والصَّدَقَةُ الَّتِي يُؤْتى بِها عَلى صِفَةِ التَّطَوُّعِ فَقَوْلُهُ: ﴿سِرًّا﴾ يَرْجِعُ إلى التَّطَوُّعِ وقَوْلُهُ: ﴿وعَلانِيَةً﴾ يَرْجِعُ إلى الزَّكاةِ الواجِبَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ في الإنْفاقِ مِن كُلِّ ما كانَ رِزْقًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا رِزْقَ إلّا الحَلالُ؛ إذْ لَوْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا لَكانَ قَدْ رَغَّبَ تَعالى في إنْفاقِ الحَرامِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. القَيْدُ التّاسِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم إذا أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ دَرَءُوها ودَفَعُوها بِالتَّوْبَةِ، كَما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فاعْمَلْ بِجَنْبِها حَسَنَةً تَمْحُها“». والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهم لا يُقابِلُونَ الشَّرَّ بِالشَّرِّ، بَلْ يُقابِلُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ الوَصُولُ مَن وُصِلَ، ثُمَّ وصَلَ، تِلْكَ المُجازاةُ لَكِنَّهُ مَن قُطِعَ ثُمَّ وصَلَ وعَطَفَ عَلى مَن لَمْ يَصِلْهُ، ولَيْسَ الحَلِيمُ مَن ظُلِمَ ثُمَّ حَلُمَ حَتّى إذا هَيَّجَهُ قَوْمٌ اهْتاجَ، لَكِنَّ الحَلِيمَ مَن قَدَرَ ثُمَّ عَفا، وعَنِ الحَسَنِ: هُمُ الَّذِينَ إذا حُرِمُوا أعْطَوْا وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا، ويُرْوى أنَّ شَقِيقَ بْنَ إبْراهِيمَ البَلْخِيَّ دَخَلَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ مُتَنَكِّرًا، فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتَ؟ فَقالَ: مِن بَلْخَ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ شَقِيقًا؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: كَيْفَ طَرِيقَةُ أصْحابِهِ؟ فَقالَ: إذا مُنِعُوا صَبَرُوا وإنْ أُعْطُوا شَكَرُوا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: طَرِيقَةُ كِلابِنا هَكَذا، فَقالَ: وكَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ؟ فَقالَ: الكامِلُونَ هُمُ الَّذِينَ إذا مُنِعُوا شَكَرُوا وإذا أُعْطُوا آثَرُوا. * * * واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ هَذِهِ القُيُودِ التِّسْعَةِ هي القُيُودُ المَذْكُورَةُ في الشَّرْطِ، أمّا القُيُودُ المَذْكُورَةُ في الجَزاءِ فَهي أرْبَعَةٌ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ أيْ عاقِبَةُ الدّارِ وهي الجَنَّةُ؛ لِأنَّها هي الَّتِي أرادَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُّنْيا ومَرْجِعَ أهْلِها، قالَ الواحِدِيُّ: العُقْبى كالعاقِبَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّورى والقُرْبى والرُّجْعى، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا أيْضًا عَلى فَعْلى كالنَّجْوى والدَّعْوى، وعَلى فِعْلى كالذِّكْرى والضِّيزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا، وهو هاهُنا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى: أُولَئِكَ لَهم أنْ تُعْقُبَ أعْمالَهُمُ الدّارُ الَّتِي هي الجَنَّةُ. القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: جَنّاتُ عَدْنٍ بَدَلٌ مِن عُقْبى والكَلامُ في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَكَرْناهُ مُسْتَقْصًى عِنْدَ صفحة ٣٦ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]، وذَكَرْنا هُناكَ مَذْهَبَ المُفَسِّرِينَ، ومَذْهَبَ أهْلِ اللُّغَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو [يُدْخَلُونَها] بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ عَلى إسْنادِ الدُّخُولِ إلَيْهِمْ. القَيْدُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ عُلَيَّةَ [صَلُحَ] بِضَمِّ اللّامِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: والفَتْحُ أفْصَحُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”مَن“ رَفْعٌ؛ لِأجْلِ العَطْفِ عَلى الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا كَما تَقُولُ: قَدْ دَخَلُوا وزَيْدًا أيْ مَعَ زَيْدٍ. المسألة الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن صَدَقَ بِما صَدَقُوا بِهِ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ إذا لَمْ يَحْصُلْ مَعَها أعْمالٌ صالِحَةٌ، بَلِ الآباءُ والأزْواجُ والذُّرِّيّاتُ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مِن ثَوابِ المُطِيعِ سُرُورَهُ بِحُضُورِ أهْلِهِ مَعَهُ في الجَنَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَدْخُلُونَها كَرامَةً لِلْمُطِيعِ الآتِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولَوْ دَخَلُوها بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ كَرامَةٌ لِلْمُطِيعِ ولا فائِدَةٌ في الوَعْدِ بِهِ، إذْ كُلُّ مَن كانَ مُصْلِحًا في عَمَلِهِ فَهو يَدْخُلُ الجَنَّةَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِشارَةُ المُطِيعِ بِكُلِّ ما يَزِيدُهُ سُرُورًا وبَهْجَةً، فَإذا بَشَّرَ اللَّهُ المُكَلَّفَ بِأنَّهُ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ فَإنَّهُ يَحْضُرُ مَعَهُ آباؤُهُ وأزْواجُهُ وأوْلادُهُ، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَعْظُمُ سُرُورُ المُكَلَّفِ بِذَلِكَ وتَقْوى بَهْجَتُهُ بِهِ، ويُقالُ: إنَّ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ سُرُورِهِمْ أنْ يَجْتَمِعُوا فَيَتَذاكَرُوا أحْوالَهم في الدُّنْيا، ثُمَّ يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى الخَلاصِ مِنها والفَوْزِ بِالجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ إنَّهم يَقُولُونَ: ﴿يالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧]. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأزْواجِهِمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ زَوْجَةٍ وزَوْجَةٍ، ولَعَلَّ الأوْلى مَن ماتَ عَنْها أوْ ماتَتْ عَنْهُ، وما رُوِيَ «عَنْ سَوْدَةَ أنَّهُ لَمّا هَمَّ الرَّسُولُ ﷺ بِطَلاقِها قالَتْ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أُحْشَرُ في زُمْرَةِ نِسائِكَ»، كالدَّلِيلِ عَلى ما ذَكَرْناهُ. والقَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم خَيْمَةٌ مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُها فَرْسَخٌ وعَرْضُها فَرْسَخٌ، لَها ألْفُ بابٍ مَصارِيعُها مِن ذَهَبٍ، يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ مِن كُلِّ بابٍ يَقُولُونَ لَهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ عَلى أمْرِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ البِرِّ كَبابِ الصَّلاةِ وبابِ الزَّكاةِ وبابِ الصَّبْرِ، ويَقُولُونَ: ونِعْمَ ما أعْقَبَكُمُ اللَّهُ بَعْدَ الدّارِ الأُولى. واعْلَمْ أنَّ دُخُولَ المَلائِكَةِ إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوجه الأوَّلِ فَهو مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ المُطِيعِينَ أنَّهم يَدْخُلُونَ جَنَّةَ الخُلْدِ، ويَجْتَمِعُونَ بِآبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ مَعَ جَلالَةِ مَراتِبِهِمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ عِنْدَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ يُكْرِمُونَهم بِالتَّحِيَّةِ صفحة ٣٧ والسَّلامِ ويُبَشِّرُونَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا غَيْرُ ما يَذْكُرُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّ الثَّوابَ مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَداءِ رَأْسَ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ» والخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ هَكَذا كانُوا يَفْعَلُونَ، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوجه الثّانِي فَتَفْسِيرُ الآيَةِ أنَّ المَلائِكَةَ طَوائِفُ، مِنهم رُوحانِيُّونَ، ومِنهم كَرُوبِيُّونَ، فالعَبْدُ إذا راضَ نَفْسَهُ بِأنْواعِ الرِّياضاتِ كالصَّبْرِ والشُّكْرِ والمُراقَبَةِ والمُحاسَبَةِ، ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ جَوْهَرٌ قُدُسِيٌّ ورُوحٌ عُلْوِيٌّ يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ؛ فَعِنْدَ المَوْتِ إذا أشْرَقَتْ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدُسِيَّةُ تَجَلَّتْ فِيها مِن كُلِّ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ ما يُناسِبُها مِنَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ بِها فَيَفِيضُ عَلَيْها مِن مَلائِكَةِ الصَّبْرِ كِمالاتٌ مَخْصُوصَةٌ نَفْسانِيَّةٌ لا تَظْهَرُ إلّا في مَقامِ الصَّبْرِ، ومِن مَلائِكَةِ الشُّكْرِ كِمالاتٌ رُوحانِيَّةٌ لا تَتَجَلّى إلّا مِن مَقامِ الشُّكْرِ وهَكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المَراتِبِ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، فَقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ مَراتِبَ سَعاداتِ البَشَرِ بِدُخُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ والتَّعْظِيمِ، فَكانُوا بِهِ أجَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ البَشَرِ، ولَوْ كانُوا أقَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ البَشَرِ لَما كانَ دُخُولُهم عَلَيْهِمْ لِأجْلِ السَّلامِ والتَّحِيَّةِ مُوجِبًا عُلُوَّ دَرَجاتِهِمْ وشَرَفَ مَراتِبِهِمْ، ألا تَرى أنَّ مَن عادَ مِن سَفَرِهِ إلى بَيْتِهِ، فَإذا قِيلَ في مَعْرِضِ كَمالِ مَرْتَبَتِهِ: إنَّهُ يَزُورُهُ الأمِيرُ والوَزِيرُ والقاضِي والمُفْتِي، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ دَرَجَةَ ذَلِكَ المَزُورِ أقَلُّ وأدْنى مِن دَرَجاتِ الزّائِرِينَ، فَكَذَلِكَ هاهُنا. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: هاهُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ المَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ويَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكم، فَأُضْمِرَ القَوْلُ هاهُنا؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وأما قوله: ﴿بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلامِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنَّما حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ السَّلامَةُ بِواسِطَةِ صَبْرِكم عَلى الطّاعاتِ، وتَرْكِ المُحَرَّماتِ. والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ هَذِهِ الكَراماتِ الَّتِي تَرَوْنَها، وهَذِهِ الخَيْراتِ الَّتِي تُشاهِدُونَها إنَّما حَصَلَتْ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الصَّبْرِ.

الرعد 13:22

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هَلْ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ صِفَةً لِأُولِي الألْبابِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ خَبَرُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٥] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها جُمْلَةٌ واحِدَةٌ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وشَرْطُها مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ، وجَزاؤُها يَشْتَمِلُ أيْضًا عَلى قُيُودٍ، أمّا القُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ فَهي تِسْعَةٌ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ الَّذِي عاهَدَهم عَلَيْهِ حِينَ كانُوا في صُلْبِ آدَمَ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِعَهْدِ اللَّهِ كُلُّ أمْرٍ قامَ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ وهو مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الأشْياءُ الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها دَلائِلَ عَقْلِيَّةً قاطِعَةً لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والتَّغْيِيرَ. والآخَرُ: الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها الدَّلائِلَ السَّمْعِيَّةَ وبَيَّنَ لَهم تِلْكَ الأحْكامَ، والحاصِلُ أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ كُلُّ ما قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، ويَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العَهْدِ عَلى الحُجَّةِ بَلِ الحَقُّ أنَّهُ لا عَهْدَ أوْكَدُ مِنَ الحُجَّةِ، والدَّلالَةُ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ عَلى الشَّيْءِ، فَإنَّما صفحة ٣٣ يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ وُجُوبُهُ لا بِمُجَرَّدِ اليَمِينِ؛ ولِذَلِكَ رُبَّما يَلْزَمُهُ أنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ إذا كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ، فَلا عَهْدَ أوْكَدُ مِن إلْزامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ العَقْلِ أوْ بِدَلِيلِ السَّمْعِ، ولا يَكُونُ العَبْدُ مُوفِيًا لِلْعَهْدِ إلّا بِأنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ تِلْكَ الأشْياءِ، كَما أنَّ الحالِفَ عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ لا يَكُونُ بارًّا في يَمِينِهِ إلّا إذا فَعَلَ الكُلَّ، ويَدْخُلُ فِيهِ الإتْيانُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الوَفاءُ بِالعُقُودِ في المُعامَلاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أداءُ الأماناتِ، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ الصَّحِيحُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ. * * * القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ -: إنَّ هَذا الكَلامَ قَرِيبٌ مِنَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، فَإنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ قَرِيبٌ مِن عَدَمِ نَقْضِ المِيثاقِ والعَهْدِ، وهَذا مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لَمّا وجَبَ وُجُودُهُ لَزِمَ أنْ يَمْتَنِعَ عَدَمُهُ، فَهَذانِ المَفْهُومانِ مُتَغايِرانِ إلّا أنَّهُما مُتَلازِمانِ فَكَذَلِكَ الوَفاءُ بِالعَهْدِ يَلْزَمُهُ أنْ لا يَنْقُضَ المِيثاقَ. واعْلَمْ أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِن أجَلِّ مَراتِبِ السَّعادَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ ولا دِينَ لِمَن لاَ عَهْدَ لَهُ» والآياتُ الوارِدَةُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المِيثاقَ ما وثَّقَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالحاصِلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما كَلَّفَ اللَّهُ العَبْدَ بِهِ ابْتِداءً، وقَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ إشارَةٌ إلى ما التَزَمَهُ العَبْدُ مِن أنْواعِ الطّاعاتِ بِحَسَبِ اخْتِيارِ نَفْسِهِ كالنَّذْرِ بِالطّاعاتِ والخَيْراتِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ: عَهْدُ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، والمُرادُ بِالمِيثاقِ: المَواثِيقُ المَذْكُورَةُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ ظُهُورِهِ. واعْلَمْ أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ أمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ والشَّرائِعِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن عاهَدَ اللَّهَ فَغَدَرَ، كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ» وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ثَلاثَةٌ أنا خَصْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ ومَن كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ؛ رَجُلٌ أعْطى عَهْدًا ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا اسْتَوْفى عَمَلَهُ وظَلَمَهُ أجْرَهُ، ورَجُلٌ باعَ حُرًّا فاسْتَرَقَّ الحُرَّ وأكَلَ ثَمَنَهُ» وقِيلَ: «كانَ بَيْنَ مُعاوِيَةَ ومَلِكِ الرُّومِ عَهْدٌ فَأرادَ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ ويَنْقُضَ العَهْدَ فَإذا رَجُلٌ عَلى فَرَسٍ، يَقُولُ: وفاءٌ بِالعَهْدِ لا غَدْرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلا يَنْبِذَنَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهُ ولا يَحُلَّها حَتّى يَنْقَضِيَ الأمَدُ ويَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، قالَ: مَن هَذا؟ قالُوا: عَمْرُو بْنُ عُيَيْنَةَ فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ» . * * * القَيْدُ الثّالِثُ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وهاهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ وتَرْكَ نَقْضِ المِيثاقِ اشْتَمَلَ عَلى وُجُوبِ الإتْيانِ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِاحْتِرازِ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ القُيُودِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُما؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ذُكِرَ لِئَلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ أفْرَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ العِبادِ بِالذِّكْرِ. والثّانِي: أنَّهُ تَأْكِيدٌ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ صِلَةُ الرَّحِمِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ثَلاثٌ يَأْتِينَ يَوْمَ القِيامَةِ لَها ذَلَقٌ؛ الرَّحِمُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ قُطِعْتُ، والأمانَةُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ تُرِكْتُ، والنِّعْمَةُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ كُفِرْتُ» . صفحة ٣٤ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ صِلَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومُؤازَرَتُهُ ونُصْرَتُهُ في الجِهادِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: رِعايَةُ جَمِيعِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ لِلْعِبادِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صِلَةُ الرَّحِمِ وصِلَةُ القَرابَةِ الثّابِتَةِ بِسَبَبِ أُخُوَّةِ الإيمانِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحُجُراتِ: ١٠] ويَدْخُلُ في هَذِهِ الصِّلَةِ إمْدادُهم بِإيصالِ الخَيْراتِ، ودَفْعُ الآفاتِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، وعِيادَةُ المَرِيضِ، وشُهُودُ الجَنائِزِ، وإفْشاءُ السَّلامِ عَلى النّاسِ، والتَّبَسُّمُ في وُجُوهِهِمْ، وكَفُّ الأذى عَنْهم، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ حَيَوانٍ حَتّى الهِرَّةُ والدَّجاجَةُ، وعَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ جَماعَةً دَخَلُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتُمْ؟ قالُوا: مِن خُراسانَ، فَقالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مِن حَيْثُ شِئْتُمْ، واعْلَمُوا أنَّ العَبْدَ لَوْ أحْسَنَ كُلَّ الإحْسانِ، وكانَ لَهُ دَجاجَةٌ فَأساءَ إلَيْها لَمْ يَكُنْ مِنَ المُحْسِنِينَ. وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. * * * القَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ وإنْ أتى بِكُلِّ ما قَدَرَ عَلَيْهِ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، وفي الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الخَشْيَةُ مِنَ اللَّهِ والخَوْفُ مِنهُ مُسْتَوْلِيًا عَلى قَلْبِهِ، وهَذِهِ الخَشْيَةُ نَوْعانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ خائِفًا مِن أنْ يَقَعَ زِيادَةٌ أوْ نُقْصانٌ أوْ خَلَلٌ في عِباداتِهِ وطاعاتِهِ، بِحَيْثُ يُوجِبُ فَسادَ العِبادَةِ أوْ يُوجِبُ نُقْصانَ ثَوابِها. والثّانِي: وهو خَوْفُ الجَلالِ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا حَضَرَ عِنْدَ السُّلْطانِ المَهِيبِ القاهِرِ، فَإنَّهُ وإنْ كانَ في عَيْنِ طاعَتِهِ إلّا أنَّهُ لا يَزُولُ عَنْ قَلْبِهِ مَهابَةُ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ والعَظَمَةِ. القَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَيْدَ الرّابِعَ إشارَةٌ إلى الخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، وهَذا القَيْدُ الخامِسُ إشارَةٌ إلى الخَوْفِ والخَشْيَةِ وسُوءِ الحِسابِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ ما ذَكَرْناهُ مِن خَوْفِ الجَلالِ والمَهابَةِ والعَظَمَةِ، وإلّا لَزِمَ التِّكْرارُ. * * * القَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلى فِعْلِ العِباداتِ والصَّبْرُ عَلى ثِقَلِ الأمْراضِ والمَضارِّ والغُمُومِ والأحْزانِ، والصَّبْرُ عَلى تَرْكِ المُشْتَهَياتِ وبِالجُمْلَةِ الصَّبْرُ عَلى تَرْكِ المَعاصِي وعَلى أداءِ الطّاعاتِ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ قَدْ يُقْدِمُ عَلى الصَّبْرِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَصْبِرَ لِيُقالَ ما أكْمَلَ صَبْرَهُ وأشَدَّ قُوَّتَهُ عَلى تَحَمُّلِ النَّوازِلِ. وثانِيها: أنْ يَصْبِرَ لِئَلّا يُعابَ بِسَبَبِ الجَزَعِ. وثالِثُها: أنْ يَصْبِرَ لِئَلّا تَحْصُلَ شَماتَةُ الأعْداءِ. ورابِعُها: أنْ يَصْبِرَ لِعِلْمِهِ بِأنْ لا فائِدَةَ في الجَزَعِ، فالإنْسانُ إذا أتى بِالصَّبْرِ لِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ داخِلًا في كَمالِ النَّفْسِ وسَعادَةِ القَلْبِ، أمّا إذا صَبَرَ عَلى البَلاءِ لِعِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ البَلاءَ قِسْمَةٌ حَكَمَ بِها القَسّامُ العَلّامُ المُنَزَّهُ عَنِ العَيْبِ والباطِلِ والسَّفَهِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القِسْمَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ومَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، ورَضِيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَصَرُّفُ المالِكِ في مِلْكِهِ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ في أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِهِ، أوْ يَصْبِرَ لِأنَّهُ صارَ مُسْتَغْرِقًا في مُشاهَدَةِ المُبْلِي، فَكانَ اسْتِغْراقُهُ في تَجَلِّي نُورِ المُبْلِي أذْهَلَهُ عَنِ التَّألُّمِ بِالبَلاءِ، وهَذا أعْلى مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ هي الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّهُ صَبَرَ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ صَبَرَ لِمُجَرَّدِ ثَوابِهِ وطَلَبِ رِضا اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ العاشِقَ إذا ضَرَبَهُ مَعْشُوقُهُ، فَرُبَّما نَظَرَ العاشِقُ لِذَلِكَ الضّارِبِ وفَرِحَ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَجازِ، يَعْنِي كَما أنَّ العاشِقَ يَرْضى بِذَلِكَ الضَّرْبِ لِالتِذاذِهِ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِ مَعْشُوقِهِ، فَكَذَلِكَ العَبْدُ يَصْبِرُ عَلى البَلاءِ والمِحْنَةِ، ويَرْضى بِهِ صفحة ٣٥ لِاسْتِغْراقِهِ في مَعْرِفَةِ نُورِ الحَقِّ وهَذِهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ. القَيْدُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ، وإنْ كانَتا داخِلَتَيْنِ في الجُمْلَةِ الأُولى، إلّا أنَّهُ تَعالى أفْرَدَها بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِها أشْرَفَ مِن سائِرِ العِباداتِ، وقَدْ سَبَقَ في هَذا الكِتابِ تَفْسِيرُ إقامَةِ الصَّلاةِ، ولا يَمْتَنِعُ إدْخالُ النَّوافِلِ فِيهِ أيْضًا. * * * القَيْدُ الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، فَإنْ لَمْ يُتَّهَمْ بِتَرْكِ أداءِ الزَّكاةِ، فالأوْلى أداؤُها سِرًّا، وإنِ اتُّهِمَ بِتَرْكِ الزَّكاةِ فالأوْلى أداؤُها في العَلانِيَةِ، وقِيلَ السِّرُّ ما يُؤَدِّيهِ بِنَفْسِهِ والعَلانِيَةُ ما يُؤَدِّيهِ إلى الإمامِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ الزَّكاةُ الواجِبَةُ والصَّدَقَةُ الَّتِي يُؤْتى بِها عَلى صِفَةِ التَّطَوُّعِ فَقَوْلُهُ: ﴿سِرًّا﴾ يَرْجِعُ إلى التَّطَوُّعِ وقَوْلُهُ: ﴿وعَلانِيَةً﴾ يَرْجِعُ إلى الزَّكاةِ الواجِبَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ في الإنْفاقِ مِن كُلِّ ما كانَ رِزْقًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا رِزْقَ إلّا الحَلالُ؛ إذْ لَوْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا لَكانَ قَدْ رَغَّبَ تَعالى في إنْفاقِ الحَرامِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. القَيْدُ التّاسِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم إذا أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ دَرَءُوها ودَفَعُوها بِالتَّوْبَةِ، كَما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فاعْمَلْ بِجَنْبِها حَسَنَةً تَمْحُها“». والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهم لا يُقابِلُونَ الشَّرَّ بِالشَّرِّ، بَلْ يُقابِلُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ الوَصُولُ مَن وُصِلَ، ثُمَّ وصَلَ، تِلْكَ المُجازاةُ لَكِنَّهُ مَن قُطِعَ ثُمَّ وصَلَ وعَطَفَ عَلى مَن لَمْ يَصِلْهُ، ولَيْسَ الحَلِيمُ مَن ظُلِمَ ثُمَّ حَلُمَ حَتّى إذا هَيَّجَهُ قَوْمٌ اهْتاجَ، لَكِنَّ الحَلِيمَ مَن قَدَرَ ثُمَّ عَفا، وعَنِ الحَسَنِ: هُمُ الَّذِينَ إذا حُرِمُوا أعْطَوْا وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا، ويُرْوى أنَّ شَقِيقَ بْنَ إبْراهِيمَ البَلْخِيَّ دَخَلَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ مُتَنَكِّرًا، فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتَ؟ فَقالَ: مِن بَلْخَ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ شَقِيقًا؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: كَيْفَ طَرِيقَةُ أصْحابِهِ؟ فَقالَ: إذا مُنِعُوا صَبَرُوا وإنْ أُعْطُوا شَكَرُوا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: طَرِيقَةُ كِلابِنا هَكَذا، فَقالَ: وكَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ؟ فَقالَ: الكامِلُونَ هُمُ الَّذِينَ إذا مُنِعُوا شَكَرُوا وإذا أُعْطُوا آثَرُوا. * * * واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ هَذِهِ القُيُودِ التِّسْعَةِ هي القُيُودُ المَذْكُورَةُ في الشَّرْطِ، أمّا القُيُودُ المَذْكُورَةُ في الجَزاءِ فَهي أرْبَعَةٌ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ أيْ عاقِبَةُ الدّارِ وهي الجَنَّةُ؛ لِأنَّها هي الَّتِي أرادَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُّنْيا ومَرْجِعَ أهْلِها، قالَ الواحِدِيُّ: العُقْبى كالعاقِبَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّورى والقُرْبى والرُّجْعى، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا أيْضًا عَلى فَعْلى كالنَّجْوى والدَّعْوى، وعَلى فِعْلى كالذِّكْرى والضِّيزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا، وهو هاهُنا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى: أُولَئِكَ لَهم أنْ تُعْقُبَ أعْمالَهُمُ الدّارُ الَّتِي هي الجَنَّةُ. القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: جَنّاتُ عَدْنٍ بَدَلٌ مِن عُقْبى والكَلامُ في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَكَرْناهُ مُسْتَقْصًى عِنْدَ صفحة ٣٦ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]، وذَكَرْنا هُناكَ مَذْهَبَ المُفَسِّرِينَ، ومَذْهَبَ أهْلِ اللُّغَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو [يُدْخَلُونَها] بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ عَلى إسْنادِ الدُّخُولِ إلَيْهِمْ. القَيْدُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ عُلَيَّةَ [صَلُحَ] بِضَمِّ اللّامِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: والفَتْحُ أفْصَحُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”مَن“ رَفْعٌ؛ لِأجْلِ العَطْفِ عَلى الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا كَما تَقُولُ: قَدْ دَخَلُوا وزَيْدًا أيْ مَعَ زَيْدٍ. المسألة الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن صَدَقَ بِما صَدَقُوا بِهِ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ إذا لَمْ يَحْصُلْ مَعَها أعْمالٌ صالِحَةٌ، بَلِ الآباءُ والأزْواجُ والذُّرِّيّاتُ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مِن ثَوابِ المُطِيعِ سُرُورَهُ بِحُضُورِ أهْلِهِ مَعَهُ في الجَنَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَدْخُلُونَها كَرامَةً لِلْمُطِيعِ الآتِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولَوْ دَخَلُوها بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ كَرامَةٌ لِلْمُطِيعِ ولا فائِدَةٌ في الوَعْدِ بِهِ، إذْ كُلُّ مَن كانَ مُصْلِحًا في عَمَلِهِ فَهو يَدْخُلُ الجَنَّةَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِشارَةُ المُطِيعِ بِكُلِّ ما يَزِيدُهُ سُرُورًا وبَهْجَةً، فَإذا بَشَّرَ اللَّهُ المُكَلَّفَ بِأنَّهُ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ فَإنَّهُ يَحْضُرُ مَعَهُ آباؤُهُ وأزْواجُهُ وأوْلادُهُ، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَعْظُمُ سُرُورُ المُكَلَّفِ بِذَلِكَ وتَقْوى بَهْجَتُهُ بِهِ، ويُقالُ: إنَّ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ سُرُورِهِمْ أنْ يَجْتَمِعُوا فَيَتَذاكَرُوا أحْوالَهم في الدُّنْيا، ثُمَّ يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى الخَلاصِ مِنها والفَوْزِ بِالجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ إنَّهم يَقُولُونَ: ﴿يالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧]. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأزْواجِهِمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ زَوْجَةٍ وزَوْجَةٍ، ولَعَلَّ الأوْلى مَن ماتَ عَنْها أوْ ماتَتْ عَنْهُ، وما رُوِيَ «عَنْ سَوْدَةَ أنَّهُ لَمّا هَمَّ الرَّسُولُ ﷺ بِطَلاقِها قالَتْ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أُحْشَرُ في زُمْرَةِ نِسائِكَ»، كالدَّلِيلِ عَلى ما ذَكَرْناهُ. والقَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم خَيْمَةٌ مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُها فَرْسَخٌ وعَرْضُها فَرْسَخٌ، لَها ألْفُ بابٍ مَصارِيعُها مِن ذَهَبٍ، يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ مِن كُلِّ بابٍ يَقُولُونَ لَهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ عَلى أمْرِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ البِرِّ كَبابِ الصَّلاةِ وبابِ الزَّكاةِ وبابِ الصَّبْرِ، ويَقُولُونَ: ونِعْمَ ما أعْقَبَكُمُ اللَّهُ بَعْدَ الدّارِ الأُولى. واعْلَمْ أنَّ دُخُولَ المَلائِكَةِ إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوجه الأوَّلِ فَهو مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ المُطِيعِينَ أنَّهم يَدْخُلُونَ جَنَّةَ الخُلْدِ، ويَجْتَمِعُونَ بِآبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ مَعَ جَلالَةِ مَراتِبِهِمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ عِنْدَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ يُكْرِمُونَهم بِالتَّحِيَّةِ صفحة ٣٧ والسَّلامِ ويُبَشِّرُونَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا غَيْرُ ما يَذْكُرُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّ الثَّوابَ مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَداءِ رَأْسَ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ» والخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ هَكَذا كانُوا يَفْعَلُونَ، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوجه الثّانِي فَتَفْسِيرُ الآيَةِ أنَّ المَلائِكَةَ طَوائِفُ، مِنهم رُوحانِيُّونَ، ومِنهم كَرُوبِيُّونَ، فالعَبْدُ إذا راضَ نَفْسَهُ بِأنْواعِ الرِّياضاتِ كالصَّبْرِ والشُّكْرِ والمُراقَبَةِ والمُحاسَبَةِ، ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ جَوْهَرٌ قُدُسِيٌّ ورُوحٌ عُلْوِيٌّ يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ؛ فَعِنْدَ المَوْتِ إذا أشْرَقَتْ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدُسِيَّةُ تَجَلَّتْ فِيها مِن كُلِّ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ ما يُناسِبُها مِنَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ بِها فَيَفِيضُ عَلَيْها مِن مَلائِكَةِ الصَّبْرِ كِمالاتٌ مَخْصُوصَةٌ نَفْسانِيَّةٌ لا تَظْهَرُ إلّا في مَقامِ الصَّبْرِ، ومِن مَلائِكَةِ الشُّكْرِ كِمالاتٌ رُوحانِيَّةٌ لا تَتَجَلّى إلّا مِن مَقامِ الشُّكْرِ وهَكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المَراتِبِ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، فَقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ مَراتِبَ سَعاداتِ البَشَرِ بِدُخُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ والتَّعْظِيمِ، فَكانُوا بِهِ أجَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ البَشَرِ، ولَوْ كانُوا أقَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ البَشَرِ لَما كانَ دُخُولُهم عَلَيْهِمْ لِأجْلِ السَّلامِ والتَّحِيَّةِ مُوجِبًا عُلُوَّ دَرَجاتِهِمْ وشَرَفَ مَراتِبِهِمْ، ألا تَرى أنَّ مَن عادَ مِن سَفَرِهِ إلى بَيْتِهِ، فَإذا قِيلَ في مَعْرِضِ كَمالِ مَرْتَبَتِهِ: إنَّهُ يَزُورُهُ الأمِيرُ والوَزِيرُ والقاضِي والمُفْتِي، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ دَرَجَةَ ذَلِكَ المَزُورِ أقَلُّ وأدْنى مِن دَرَجاتِ الزّائِرِينَ، فَكَذَلِكَ هاهُنا. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: هاهُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ المَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ويَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكم، فَأُضْمِرَ القَوْلُ هاهُنا؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وأما قوله: ﴿بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلامِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنَّما حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ السَّلامَةُ بِواسِطَةِ صَبْرِكم عَلى الطّاعاتِ، وتَرْكِ المُحَرَّماتِ. والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ هَذِهِ الكَراماتِ الَّتِي تَرَوْنَها، وهَذِهِ الخَيْراتِ الَّتِي تُشاهِدُونَها إنَّما حَصَلَتْ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الصَّبْرِ.

الرعد 13:23

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هَلْ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ صِفَةً لِأُولِي الألْبابِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ خَبَرُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٥] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها جُمْلَةٌ واحِدَةٌ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وشَرْطُها مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ، وجَزاؤُها يَشْتَمِلُ أيْضًا عَلى قُيُودٍ، أمّا القُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ فَهي تِسْعَةٌ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ الَّذِي عاهَدَهم عَلَيْهِ حِينَ كانُوا في صُلْبِ آدَمَ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِعَهْدِ اللَّهِ كُلُّ أمْرٍ قامَ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ وهو مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الأشْياءُ الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها دَلائِلَ عَقْلِيَّةً قاطِعَةً لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والتَّغْيِيرَ. والآخَرُ: الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها الدَّلائِلَ السَّمْعِيَّةَ وبَيَّنَ لَهم تِلْكَ الأحْكامَ، والحاصِلُ أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ كُلُّ ما قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، ويَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العَهْدِ عَلى الحُجَّةِ بَلِ الحَقُّ أنَّهُ لا عَهْدَ أوْكَدُ مِنَ الحُجَّةِ، والدَّلالَةُ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ عَلى الشَّيْءِ، فَإنَّما صفحة ٣٣ يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ وُجُوبُهُ لا بِمُجَرَّدِ اليَمِينِ؛ ولِذَلِكَ رُبَّما يَلْزَمُهُ أنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ إذا كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ، فَلا عَهْدَ أوْكَدُ مِن إلْزامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ العَقْلِ أوْ بِدَلِيلِ السَّمْعِ، ولا يَكُونُ العَبْدُ مُوفِيًا لِلْعَهْدِ إلّا بِأنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ تِلْكَ الأشْياءِ، كَما أنَّ الحالِفَ عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ لا يَكُونُ بارًّا في يَمِينِهِ إلّا إذا فَعَلَ الكُلَّ، ويَدْخُلُ فِيهِ الإتْيانُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الوَفاءُ بِالعُقُودِ في المُعامَلاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أداءُ الأماناتِ، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ الصَّحِيحُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ. * * * القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ -: إنَّ هَذا الكَلامَ قَرِيبٌ مِنَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، فَإنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ قَرِيبٌ مِن عَدَمِ نَقْضِ المِيثاقِ والعَهْدِ، وهَذا مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لَمّا وجَبَ وُجُودُهُ لَزِمَ أنْ يَمْتَنِعَ عَدَمُهُ، فَهَذانِ المَفْهُومانِ مُتَغايِرانِ إلّا أنَّهُما مُتَلازِمانِ فَكَذَلِكَ الوَفاءُ بِالعَهْدِ يَلْزَمُهُ أنْ لا يَنْقُضَ المِيثاقَ. واعْلَمْ أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِن أجَلِّ مَراتِبِ السَّعادَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ ولا دِينَ لِمَن لاَ عَهْدَ لَهُ» والآياتُ الوارِدَةُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المِيثاقَ ما وثَّقَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالحاصِلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما كَلَّفَ اللَّهُ العَبْدَ بِهِ ابْتِداءً، وقَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ إشارَةٌ إلى ما التَزَمَهُ العَبْدُ مِن أنْواعِ الطّاعاتِ بِحَسَبِ اخْتِيارِ نَفْسِهِ كالنَّذْرِ بِالطّاعاتِ والخَيْراتِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ: عَهْدُ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، والمُرادُ بِالمِيثاقِ: المَواثِيقُ المَذْكُورَةُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ ظُهُورِهِ. واعْلَمْ أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ أمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ والشَّرائِعِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن عاهَدَ اللَّهَ فَغَدَرَ، كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ» وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ثَلاثَةٌ أنا خَصْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ ومَن كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ؛ رَجُلٌ أعْطى عَهْدًا ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا اسْتَوْفى عَمَلَهُ وظَلَمَهُ أجْرَهُ، ورَجُلٌ باعَ حُرًّا فاسْتَرَقَّ الحُرَّ وأكَلَ ثَمَنَهُ» وقِيلَ: «كانَ بَيْنَ مُعاوِيَةَ ومَلِكِ الرُّومِ عَهْدٌ فَأرادَ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ ويَنْقُضَ العَهْدَ فَإذا رَجُلٌ عَلى فَرَسٍ، يَقُولُ: وفاءٌ بِالعَهْدِ لا غَدْرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلا يَنْبِذَنَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهُ ولا يَحُلَّها حَتّى يَنْقَضِيَ الأمَدُ ويَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، قالَ: مَن هَذا؟ قالُوا: عَمْرُو بْنُ عُيَيْنَةَ فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ» . * * * القَيْدُ الثّالِثُ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وهاهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ وتَرْكَ نَقْضِ المِيثاقِ اشْتَمَلَ عَلى وُجُوبِ الإتْيانِ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِاحْتِرازِ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ القُيُودِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُما؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ذُكِرَ لِئَلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ أفْرَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ العِبادِ بِالذِّكْرِ. والثّانِي: أنَّهُ تَأْكِيدٌ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ صِلَةُ الرَّحِمِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ثَلاثٌ يَأْتِينَ يَوْمَ القِيامَةِ لَها ذَلَقٌ؛ الرَّحِمُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ قُطِعْتُ، والأمانَةُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ تُرِكْتُ، والنِّعْمَةُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ كُفِرْتُ» . صفحة ٣٤ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ صِلَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومُؤازَرَتُهُ ونُصْرَتُهُ في الجِهادِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: رِعايَةُ جَمِيعِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ لِلْعِبادِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صِلَةُ الرَّحِمِ وصِلَةُ القَرابَةِ الثّابِتَةِ بِسَبَبِ أُخُوَّةِ الإيمانِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحُجُراتِ: ١٠] ويَدْخُلُ في هَذِهِ الصِّلَةِ إمْدادُهم بِإيصالِ الخَيْراتِ، ودَفْعُ الآفاتِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، وعِيادَةُ المَرِيضِ، وشُهُودُ الجَنائِزِ، وإفْشاءُ السَّلامِ عَلى النّاسِ، والتَّبَسُّمُ في وُجُوهِهِمْ، وكَفُّ الأذى عَنْهم، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ حَيَوانٍ حَتّى الهِرَّةُ والدَّجاجَةُ، وعَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ جَماعَةً دَخَلُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتُمْ؟ قالُوا: مِن خُراسانَ، فَقالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مِن حَيْثُ شِئْتُمْ، واعْلَمُوا أنَّ العَبْدَ لَوْ أحْسَنَ كُلَّ الإحْسانِ، وكانَ لَهُ دَجاجَةٌ فَأساءَ إلَيْها لَمْ يَكُنْ مِنَ المُحْسِنِينَ. وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. * * * القَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ وإنْ أتى بِكُلِّ ما قَدَرَ عَلَيْهِ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، وفي الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الخَشْيَةُ مِنَ اللَّهِ والخَوْفُ مِنهُ مُسْتَوْلِيًا عَلى قَلْبِهِ، وهَذِهِ الخَشْيَةُ نَوْعانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ خائِفًا مِن أنْ يَقَعَ زِيادَةٌ أوْ نُقْصانٌ أوْ خَلَلٌ في عِباداتِهِ وطاعاتِهِ، بِحَيْثُ يُوجِبُ فَسادَ العِبادَةِ أوْ يُوجِبُ نُقْصانَ ثَوابِها. والثّانِي: وهو خَوْفُ الجَلالِ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا حَضَرَ عِنْدَ السُّلْطانِ المَهِيبِ القاهِرِ، فَإنَّهُ وإنْ كانَ في عَيْنِ طاعَتِهِ إلّا أنَّهُ لا يَزُولُ عَنْ قَلْبِهِ مَهابَةُ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ والعَظَمَةِ. القَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَيْدَ الرّابِعَ إشارَةٌ إلى الخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، وهَذا القَيْدُ الخامِسُ إشارَةٌ إلى الخَوْفِ والخَشْيَةِ وسُوءِ الحِسابِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ ما ذَكَرْناهُ مِن خَوْفِ الجَلالِ والمَهابَةِ والعَظَمَةِ، وإلّا لَزِمَ التِّكْرارُ. * * * القَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلى فِعْلِ العِباداتِ والصَّبْرُ عَلى ثِقَلِ الأمْراضِ والمَضارِّ والغُمُومِ والأحْزانِ، والصَّبْرُ عَلى تَرْكِ المُشْتَهَياتِ وبِالجُمْلَةِ الصَّبْرُ عَلى تَرْكِ المَعاصِي وعَلى أداءِ الطّاعاتِ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ قَدْ يُقْدِمُ عَلى الصَّبْرِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَصْبِرَ لِيُقالَ ما أكْمَلَ صَبْرَهُ وأشَدَّ قُوَّتَهُ عَلى تَحَمُّلِ النَّوازِلِ. وثانِيها: أنْ يَصْبِرَ لِئَلّا يُعابَ بِسَبَبِ الجَزَعِ. وثالِثُها: أنْ يَصْبِرَ لِئَلّا تَحْصُلَ شَماتَةُ الأعْداءِ. ورابِعُها: أنْ يَصْبِرَ لِعِلْمِهِ بِأنْ لا فائِدَةَ في الجَزَعِ، فالإنْسانُ إذا أتى بِالصَّبْرِ لِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ داخِلًا في كَمالِ النَّفْسِ وسَعادَةِ القَلْبِ، أمّا إذا صَبَرَ عَلى البَلاءِ لِعِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ البَلاءَ قِسْمَةٌ حَكَمَ بِها القَسّامُ العَلّامُ المُنَزَّهُ عَنِ العَيْبِ والباطِلِ والسَّفَهِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القِسْمَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ومَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، ورَضِيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَصَرُّفُ المالِكِ في مِلْكِهِ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ في أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِهِ، أوْ يَصْبِرَ لِأنَّهُ صارَ مُسْتَغْرِقًا في مُشاهَدَةِ المُبْلِي، فَكانَ اسْتِغْراقُهُ في تَجَلِّي نُورِ المُبْلِي أذْهَلَهُ عَنِ التَّألُّمِ بِالبَلاءِ، وهَذا أعْلى مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ هي الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّهُ صَبَرَ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ صَبَرَ لِمُجَرَّدِ ثَوابِهِ وطَلَبِ رِضا اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ العاشِقَ إذا ضَرَبَهُ مَعْشُوقُهُ، فَرُبَّما نَظَرَ العاشِقُ لِذَلِكَ الضّارِبِ وفَرِحَ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَجازِ، يَعْنِي كَما أنَّ العاشِقَ يَرْضى بِذَلِكَ الضَّرْبِ لِالتِذاذِهِ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِ مَعْشُوقِهِ، فَكَذَلِكَ العَبْدُ يَصْبِرُ عَلى البَلاءِ والمِحْنَةِ، ويَرْضى بِهِ صفحة ٣٥ لِاسْتِغْراقِهِ في مَعْرِفَةِ نُورِ الحَقِّ وهَذِهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ. القَيْدُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ، وإنْ كانَتا داخِلَتَيْنِ في الجُمْلَةِ الأُولى، إلّا أنَّهُ تَعالى أفْرَدَها بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِها أشْرَفَ مِن سائِرِ العِباداتِ، وقَدْ سَبَقَ في هَذا الكِتابِ تَفْسِيرُ إقامَةِ الصَّلاةِ، ولا يَمْتَنِعُ إدْخالُ النَّوافِلِ فِيهِ أيْضًا. * * * القَيْدُ الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، فَإنْ لَمْ يُتَّهَمْ بِتَرْكِ أداءِ الزَّكاةِ، فالأوْلى أداؤُها سِرًّا، وإنِ اتُّهِمَ بِتَرْكِ الزَّكاةِ فالأوْلى أداؤُها في العَلانِيَةِ، وقِيلَ السِّرُّ ما يُؤَدِّيهِ بِنَفْسِهِ والعَلانِيَةُ ما يُؤَدِّيهِ إلى الإمامِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ الزَّكاةُ الواجِبَةُ والصَّدَقَةُ الَّتِي يُؤْتى بِها عَلى صِفَةِ التَّطَوُّعِ فَقَوْلُهُ: ﴿سِرًّا﴾ يَرْجِعُ إلى التَّطَوُّعِ وقَوْلُهُ: ﴿وعَلانِيَةً﴾ يَرْجِعُ إلى الزَّكاةِ الواجِبَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ في الإنْفاقِ مِن كُلِّ ما كانَ رِزْقًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا رِزْقَ إلّا الحَلالُ؛ إذْ لَوْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا لَكانَ قَدْ رَغَّبَ تَعالى في إنْفاقِ الحَرامِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. القَيْدُ التّاسِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم إذا أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ دَرَءُوها ودَفَعُوها بِالتَّوْبَةِ، كَما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فاعْمَلْ بِجَنْبِها حَسَنَةً تَمْحُها“». والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهم لا يُقابِلُونَ الشَّرَّ بِالشَّرِّ، بَلْ يُقابِلُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ الوَصُولُ مَن وُصِلَ، ثُمَّ وصَلَ، تِلْكَ المُجازاةُ لَكِنَّهُ مَن قُطِعَ ثُمَّ وصَلَ وعَطَفَ عَلى مَن لَمْ يَصِلْهُ، ولَيْسَ الحَلِيمُ مَن ظُلِمَ ثُمَّ حَلُمَ حَتّى إذا هَيَّجَهُ قَوْمٌ اهْتاجَ، لَكِنَّ الحَلِيمَ مَن قَدَرَ ثُمَّ عَفا، وعَنِ الحَسَنِ: هُمُ الَّذِينَ إذا حُرِمُوا أعْطَوْا وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا، ويُرْوى أنَّ شَقِيقَ بْنَ إبْراهِيمَ البَلْخِيَّ دَخَلَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ مُتَنَكِّرًا، فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتَ؟ فَقالَ: مِن بَلْخَ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ شَقِيقًا؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: كَيْفَ طَرِيقَةُ أصْحابِهِ؟ فَقالَ: إذا مُنِعُوا صَبَرُوا وإنْ أُعْطُوا شَكَرُوا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: طَرِيقَةُ كِلابِنا هَكَذا، فَقالَ: وكَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ؟ فَقالَ: الكامِلُونَ هُمُ الَّذِينَ إذا مُنِعُوا شَكَرُوا وإذا أُعْطُوا آثَرُوا. * * * واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ هَذِهِ القُيُودِ التِّسْعَةِ هي القُيُودُ المَذْكُورَةُ في الشَّرْطِ، أمّا القُيُودُ المَذْكُورَةُ في الجَزاءِ فَهي أرْبَعَةٌ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ أيْ عاقِبَةُ الدّارِ وهي الجَنَّةُ؛ لِأنَّها هي الَّتِي أرادَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُّنْيا ومَرْجِعَ أهْلِها، قالَ الواحِدِيُّ: العُقْبى كالعاقِبَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّورى والقُرْبى والرُّجْعى، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا أيْضًا عَلى فَعْلى كالنَّجْوى والدَّعْوى، وعَلى فِعْلى كالذِّكْرى والضِّيزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا، وهو هاهُنا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى: أُولَئِكَ لَهم أنْ تُعْقُبَ أعْمالَهُمُ الدّارُ الَّتِي هي الجَنَّةُ. القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: جَنّاتُ عَدْنٍ بَدَلٌ مِن عُقْبى والكَلامُ في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَكَرْناهُ مُسْتَقْصًى عِنْدَ صفحة ٣٦ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]، وذَكَرْنا هُناكَ مَذْهَبَ المُفَسِّرِينَ، ومَذْهَبَ أهْلِ اللُّغَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو [يُدْخَلُونَها] بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ عَلى إسْنادِ الدُّخُولِ إلَيْهِمْ. القَيْدُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ عُلَيَّةَ [صَلُحَ] بِضَمِّ اللّامِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: والفَتْحُ أفْصَحُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”مَن“ رَفْعٌ؛ لِأجْلِ العَطْفِ عَلى الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا كَما تَقُولُ: قَدْ دَخَلُوا وزَيْدًا أيْ مَعَ زَيْدٍ. المسألة الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن صَدَقَ بِما صَدَقُوا بِهِ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ إذا لَمْ يَحْصُلْ مَعَها أعْمالٌ صالِحَةٌ، بَلِ الآباءُ والأزْواجُ والذُّرِّيّاتُ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مِن ثَوابِ المُطِيعِ سُرُورَهُ بِحُضُورِ أهْلِهِ مَعَهُ في الجَنَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَدْخُلُونَها كَرامَةً لِلْمُطِيعِ الآتِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولَوْ دَخَلُوها بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ كَرامَةٌ لِلْمُطِيعِ ولا فائِدَةٌ في الوَعْدِ بِهِ، إذْ كُلُّ مَن كانَ مُصْلِحًا في عَمَلِهِ فَهو يَدْخُلُ الجَنَّةَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِشارَةُ المُطِيعِ بِكُلِّ ما يَزِيدُهُ سُرُورًا وبَهْجَةً، فَإذا بَشَّرَ اللَّهُ المُكَلَّفَ بِأنَّهُ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ فَإنَّهُ يَحْضُرُ مَعَهُ آباؤُهُ وأزْواجُهُ وأوْلادُهُ، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَعْظُمُ سُرُورُ المُكَلَّفِ بِذَلِكَ وتَقْوى بَهْجَتُهُ بِهِ، ويُقالُ: إنَّ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ سُرُورِهِمْ أنْ يَجْتَمِعُوا فَيَتَذاكَرُوا أحْوالَهم في الدُّنْيا، ثُمَّ يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى الخَلاصِ مِنها والفَوْزِ بِالجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ إنَّهم يَقُولُونَ: ﴿يالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧]. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأزْواجِهِمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ زَوْجَةٍ وزَوْجَةٍ، ولَعَلَّ الأوْلى مَن ماتَ عَنْها أوْ ماتَتْ عَنْهُ، وما رُوِيَ «عَنْ سَوْدَةَ أنَّهُ لَمّا هَمَّ الرَّسُولُ ﷺ بِطَلاقِها قالَتْ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أُحْشَرُ في زُمْرَةِ نِسائِكَ»، كالدَّلِيلِ عَلى ما ذَكَرْناهُ. والقَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم خَيْمَةٌ مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُها فَرْسَخٌ وعَرْضُها فَرْسَخٌ، لَها ألْفُ بابٍ مَصارِيعُها مِن ذَهَبٍ، يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ مِن كُلِّ بابٍ يَقُولُونَ لَهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ عَلى أمْرِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ البِرِّ كَبابِ الصَّلاةِ وبابِ الزَّكاةِ وبابِ الصَّبْرِ، ويَقُولُونَ: ونِعْمَ ما أعْقَبَكُمُ اللَّهُ بَعْدَ الدّارِ الأُولى. واعْلَمْ أنَّ دُخُولَ المَلائِكَةِ إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوجه الأوَّلِ فَهو مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ المُطِيعِينَ أنَّهم يَدْخُلُونَ جَنَّةَ الخُلْدِ، ويَجْتَمِعُونَ بِآبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ مَعَ جَلالَةِ مَراتِبِهِمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ عِنْدَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ يُكْرِمُونَهم بِالتَّحِيَّةِ صفحة ٣٧ والسَّلامِ ويُبَشِّرُونَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا غَيْرُ ما يَذْكُرُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّ الثَّوابَ مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَداءِ رَأْسَ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ» والخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ هَكَذا كانُوا يَفْعَلُونَ، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوجه الثّانِي فَتَفْسِيرُ الآيَةِ أنَّ المَلائِكَةَ طَوائِفُ، مِنهم رُوحانِيُّونَ، ومِنهم كَرُوبِيُّونَ، فالعَبْدُ إذا راضَ نَفْسَهُ بِأنْواعِ الرِّياضاتِ كالصَّبْرِ والشُّكْرِ والمُراقَبَةِ والمُحاسَبَةِ، ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ جَوْهَرٌ قُدُسِيٌّ ورُوحٌ عُلْوِيٌّ يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ؛ فَعِنْدَ المَوْتِ إذا أشْرَقَتْ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدُسِيَّةُ تَجَلَّتْ فِيها مِن كُلِّ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ ما يُناسِبُها مِنَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ بِها فَيَفِيضُ عَلَيْها مِن مَلائِكَةِ الصَّبْرِ كِمالاتٌ مَخْصُوصَةٌ نَفْسانِيَّةٌ لا تَظْهَرُ إلّا في مَقامِ الصَّبْرِ، ومِن مَلائِكَةِ الشُّكْرِ كِمالاتٌ رُوحانِيَّةٌ لا تَتَجَلّى إلّا مِن مَقامِ الشُّكْرِ وهَكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المَراتِبِ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، فَقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ مَراتِبَ سَعاداتِ البَشَرِ بِدُخُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ والتَّعْظِيمِ، فَكانُوا بِهِ أجَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ البَشَرِ، ولَوْ كانُوا أقَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ البَشَرِ لَما كانَ دُخُولُهم عَلَيْهِمْ لِأجْلِ السَّلامِ والتَّحِيَّةِ مُوجِبًا عُلُوَّ دَرَجاتِهِمْ وشَرَفَ مَراتِبِهِمْ، ألا تَرى أنَّ مَن عادَ مِن سَفَرِهِ إلى بَيْتِهِ، فَإذا قِيلَ في مَعْرِضِ كَمالِ مَرْتَبَتِهِ: إنَّهُ يَزُورُهُ الأمِيرُ والوَزِيرُ والقاضِي والمُفْتِي، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ دَرَجَةَ ذَلِكَ المَزُورِ أقَلُّ وأدْنى مِن دَرَجاتِ الزّائِرِينَ، فَكَذَلِكَ هاهُنا. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: هاهُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ المَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ويَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكم، فَأُضْمِرَ القَوْلُ هاهُنا؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وأما قوله: ﴿بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلامِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنَّما حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ السَّلامَةُ بِواسِطَةِ صَبْرِكم عَلى الطّاعاتِ، وتَرْكِ المُحَرَّماتِ. والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ هَذِهِ الكَراماتِ الَّتِي تَرَوْنَها، وهَذِهِ الخَيْراتِ الَّتِي تُشاهِدُونَها إنَّما حَصَلَتْ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الصَّبْرِ.

الرعد 13:24

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هَلْ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ صِفَةً لِأُولِي الألْبابِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ خَبَرُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٥] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها جُمْلَةٌ واحِدَةٌ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وشَرْطُها مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ، وجَزاؤُها يَشْتَمِلُ أيْضًا عَلى قُيُودٍ، أمّا القُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ فَهي تِسْعَةٌ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ الَّذِي عاهَدَهم عَلَيْهِ حِينَ كانُوا في صُلْبِ آدَمَ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِعَهْدِ اللَّهِ كُلُّ أمْرٍ قامَ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ وهو مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الأشْياءُ الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها دَلائِلَ عَقْلِيَّةً قاطِعَةً لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والتَّغْيِيرَ. والآخَرُ: الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها الدَّلائِلَ السَّمْعِيَّةَ وبَيَّنَ لَهم تِلْكَ الأحْكامَ، والحاصِلُ أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ كُلُّ ما قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، ويَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العَهْدِ عَلى الحُجَّةِ بَلِ الحَقُّ أنَّهُ لا عَهْدَ أوْكَدُ مِنَ الحُجَّةِ، والدَّلالَةُ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ عَلى الشَّيْءِ، فَإنَّما صفحة ٣٣ يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ وُجُوبُهُ لا بِمُجَرَّدِ اليَمِينِ؛ ولِذَلِكَ رُبَّما يَلْزَمُهُ أنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ إذا كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ، فَلا عَهْدَ أوْكَدُ مِن إلْزامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ العَقْلِ أوْ بِدَلِيلِ السَّمْعِ، ولا يَكُونُ العَبْدُ مُوفِيًا لِلْعَهْدِ إلّا بِأنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ تِلْكَ الأشْياءِ، كَما أنَّ الحالِفَ عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ لا يَكُونُ بارًّا في يَمِينِهِ إلّا إذا فَعَلَ الكُلَّ، ويَدْخُلُ فِيهِ الإتْيانُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الوَفاءُ بِالعُقُودِ في المُعامَلاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أداءُ الأماناتِ، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ الصَّحِيحُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ. * * * القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ -: إنَّ هَذا الكَلامَ قَرِيبٌ مِنَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، فَإنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ قَرِيبٌ مِن عَدَمِ نَقْضِ المِيثاقِ والعَهْدِ، وهَذا مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لَمّا وجَبَ وُجُودُهُ لَزِمَ أنْ يَمْتَنِعَ عَدَمُهُ، فَهَذانِ المَفْهُومانِ مُتَغايِرانِ إلّا أنَّهُما مُتَلازِمانِ فَكَذَلِكَ الوَفاءُ بِالعَهْدِ يَلْزَمُهُ أنْ لا يَنْقُضَ المِيثاقَ. واعْلَمْ أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِن أجَلِّ مَراتِبِ السَّعادَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ ولا دِينَ لِمَن لاَ عَهْدَ لَهُ» والآياتُ الوارِدَةُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المِيثاقَ ما وثَّقَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالحاصِلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما كَلَّفَ اللَّهُ العَبْدَ بِهِ ابْتِداءً، وقَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ إشارَةٌ إلى ما التَزَمَهُ العَبْدُ مِن أنْواعِ الطّاعاتِ بِحَسَبِ اخْتِيارِ نَفْسِهِ كالنَّذْرِ بِالطّاعاتِ والخَيْراتِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ: عَهْدُ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، والمُرادُ بِالمِيثاقِ: المَواثِيقُ المَذْكُورَةُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ ظُهُورِهِ. واعْلَمْ أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ أمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ والشَّرائِعِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن عاهَدَ اللَّهَ فَغَدَرَ، كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ» وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ثَلاثَةٌ أنا خَصْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ ومَن كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ؛ رَجُلٌ أعْطى عَهْدًا ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا اسْتَوْفى عَمَلَهُ وظَلَمَهُ أجْرَهُ، ورَجُلٌ باعَ حُرًّا فاسْتَرَقَّ الحُرَّ وأكَلَ ثَمَنَهُ» وقِيلَ: «كانَ بَيْنَ مُعاوِيَةَ ومَلِكِ الرُّومِ عَهْدٌ فَأرادَ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ ويَنْقُضَ العَهْدَ فَإذا رَجُلٌ عَلى فَرَسٍ، يَقُولُ: وفاءٌ بِالعَهْدِ لا غَدْرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلا يَنْبِذَنَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهُ ولا يَحُلَّها حَتّى يَنْقَضِيَ الأمَدُ ويَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، قالَ: مَن هَذا؟ قالُوا: عَمْرُو بْنُ عُيَيْنَةَ فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ» . * * * القَيْدُ الثّالِثُ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وهاهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ وتَرْكَ نَقْضِ المِيثاقِ اشْتَمَلَ عَلى وُجُوبِ الإتْيانِ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِاحْتِرازِ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ القُيُودِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُما؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ذُكِرَ لِئَلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ أفْرَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ العِبادِ بِالذِّكْرِ. والثّانِي: أنَّهُ تَأْكِيدٌ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ صِلَةُ الرَّحِمِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ثَلاثٌ يَأْتِينَ يَوْمَ القِيامَةِ لَها ذَلَقٌ؛ الرَّحِمُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ قُطِعْتُ، والأمانَةُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ تُرِكْتُ، والنِّعْمَةُ تَقُولُ: أيْ رَبِّ كُفِرْتُ» . صفحة ٣٤ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ صِلَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومُؤازَرَتُهُ ونُصْرَتُهُ في الجِهادِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: رِعايَةُ جَمِيعِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ لِلْعِبادِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صِلَةُ الرَّحِمِ وصِلَةُ القَرابَةِ الثّابِتَةِ بِسَبَبِ أُخُوَّةِ الإيمانِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحُجُراتِ: ١٠] ويَدْخُلُ في هَذِهِ الصِّلَةِ إمْدادُهم بِإيصالِ الخَيْراتِ، ودَفْعُ الآفاتِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، وعِيادَةُ المَرِيضِ، وشُهُودُ الجَنائِزِ، وإفْشاءُ السَّلامِ عَلى النّاسِ، والتَّبَسُّمُ في وُجُوهِهِمْ، وكَفُّ الأذى عَنْهم، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ حَيَوانٍ حَتّى الهِرَّةُ والدَّجاجَةُ، وعَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ جَماعَةً دَخَلُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتُمْ؟ قالُوا: مِن خُراسانَ، فَقالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مِن حَيْثُ شِئْتُمْ، واعْلَمُوا أنَّ العَبْدَ لَوْ أحْسَنَ كُلَّ الإحْسانِ، وكانَ لَهُ دَجاجَةٌ فَأساءَ إلَيْها لَمْ يَكُنْ مِنَ المُحْسِنِينَ. وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. * * * القَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ وإنْ أتى بِكُلِّ ما قَدَرَ عَلَيْهِ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، وفي الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الخَشْيَةُ مِنَ اللَّهِ والخَوْفُ مِنهُ مُسْتَوْلِيًا عَلى قَلْبِهِ، وهَذِهِ الخَشْيَةُ نَوْعانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ خائِفًا مِن أنْ يَقَعَ زِيادَةٌ أوْ نُقْصانٌ أوْ خَلَلٌ في عِباداتِهِ وطاعاتِهِ، بِحَيْثُ يُوجِبُ فَسادَ العِبادَةِ أوْ يُوجِبُ نُقْصانَ ثَوابِها. والثّانِي: وهو خَوْفُ الجَلالِ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا حَضَرَ عِنْدَ السُّلْطانِ المَهِيبِ القاهِرِ، فَإنَّهُ وإنْ كانَ في عَيْنِ طاعَتِهِ إلّا أنَّهُ لا يَزُولُ عَنْ قَلْبِهِ مَهابَةُ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ والعَظَمَةِ. القَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَيْدَ الرّابِعَ إشارَةٌ إلى الخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، وهَذا القَيْدُ الخامِسُ إشارَةٌ إلى الخَوْفِ والخَشْيَةِ وسُوءِ الحِسابِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ ما ذَكَرْناهُ مِن خَوْفِ الجَلالِ والمَهابَةِ والعَظَمَةِ، وإلّا لَزِمَ التِّكْرارُ. * * * القَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلى فِعْلِ العِباداتِ والصَّبْرُ عَلى ثِقَلِ الأمْراضِ والمَضارِّ والغُمُومِ والأحْزانِ، والصَّبْرُ عَلى تَرْكِ المُشْتَهَياتِ وبِالجُمْلَةِ الصَّبْرُ عَلى تَرْكِ المَعاصِي وعَلى أداءِ الطّاعاتِ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ قَدْ يُقْدِمُ عَلى الصَّبْرِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَصْبِرَ لِيُقالَ ما أكْمَلَ صَبْرَهُ وأشَدَّ قُوَّتَهُ عَلى تَحَمُّلِ النَّوازِلِ. وثانِيها: أنْ يَصْبِرَ لِئَلّا يُعابَ بِسَبَبِ الجَزَعِ. وثالِثُها: أنْ يَصْبِرَ لِئَلّا تَحْصُلَ شَماتَةُ الأعْداءِ. ورابِعُها: أنْ يَصْبِرَ لِعِلْمِهِ بِأنْ لا فائِدَةَ في الجَزَعِ، فالإنْسانُ إذا أتى بِالصَّبْرِ لِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ داخِلًا في كَمالِ النَّفْسِ وسَعادَةِ القَلْبِ، أمّا إذا صَبَرَ عَلى البَلاءِ لِعِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ البَلاءَ قِسْمَةٌ حَكَمَ بِها القَسّامُ العَلّامُ المُنَزَّهُ عَنِ العَيْبِ والباطِلِ والسَّفَهِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القِسْمَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ومَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، ورَضِيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَصَرُّفُ المالِكِ في مِلْكِهِ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ في أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِهِ، أوْ يَصْبِرَ لِأنَّهُ صارَ مُسْتَغْرِقًا في مُشاهَدَةِ المُبْلِي، فَكانَ اسْتِغْراقُهُ في تَجَلِّي نُورِ المُبْلِي أذْهَلَهُ عَنِ التَّألُّمِ بِالبَلاءِ، وهَذا أعْلى مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ هي الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّهُ صَبَرَ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ صَبَرَ لِمُجَرَّدِ ثَوابِهِ وطَلَبِ رِضا اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ العاشِقَ إذا ضَرَبَهُ مَعْشُوقُهُ، فَرُبَّما نَظَرَ العاشِقُ لِذَلِكَ الضّارِبِ وفَرِحَ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَجازِ، يَعْنِي كَما أنَّ العاشِقَ يَرْضى بِذَلِكَ الضَّرْبِ لِالتِذاذِهِ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِ مَعْشُوقِهِ، فَكَذَلِكَ العَبْدُ يَصْبِرُ عَلى البَلاءِ والمِحْنَةِ، ويَرْضى بِهِ صفحة ٣٥ لِاسْتِغْراقِهِ في مَعْرِفَةِ نُورِ الحَقِّ وهَذِهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ. القَيْدُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ، وإنْ كانَتا داخِلَتَيْنِ في الجُمْلَةِ الأُولى، إلّا أنَّهُ تَعالى أفْرَدَها بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِها أشْرَفَ مِن سائِرِ العِباداتِ، وقَدْ سَبَقَ في هَذا الكِتابِ تَفْسِيرُ إقامَةِ الصَّلاةِ، ولا يَمْتَنِعُ إدْخالُ النَّوافِلِ فِيهِ أيْضًا. * * * القَيْدُ الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، فَإنْ لَمْ يُتَّهَمْ بِتَرْكِ أداءِ الزَّكاةِ، فالأوْلى أداؤُها سِرًّا، وإنِ اتُّهِمَ بِتَرْكِ الزَّكاةِ فالأوْلى أداؤُها في العَلانِيَةِ، وقِيلَ السِّرُّ ما يُؤَدِّيهِ بِنَفْسِهِ والعَلانِيَةُ ما يُؤَدِّيهِ إلى الإمامِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ الزَّكاةُ الواجِبَةُ والصَّدَقَةُ الَّتِي يُؤْتى بِها عَلى صِفَةِ التَّطَوُّعِ فَقَوْلُهُ: ﴿سِرًّا﴾ يَرْجِعُ إلى التَّطَوُّعِ وقَوْلُهُ: ﴿وعَلانِيَةً﴾ يَرْجِعُ إلى الزَّكاةِ الواجِبَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ في الإنْفاقِ مِن كُلِّ ما كانَ رِزْقًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا رِزْقَ إلّا الحَلالُ؛ إذْ لَوْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا لَكانَ قَدْ رَغَّبَ تَعالى في إنْفاقِ الحَرامِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. القَيْدُ التّاسِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم إذا أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ دَرَءُوها ودَفَعُوها بِالتَّوْبَةِ، كَما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ”إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فاعْمَلْ بِجَنْبِها حَسَنَةً تَمْحُها“». والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهم لا يُقابِلُونَ الشَّرَّ بِالشَّرِّ، بَلْ يُقابِلُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ الوَصُولُ مَن وُصِلَ، ثُمَّ وصَلَ، تِلْكَ المُجازاةُ لَكِنَّهُ مَن قُطِعَ ثُمَّ وصَلَ وعَطَفَ عَلى مَن لَمْ يَصِلْهُ، ولَيْسَ الحَلِيمُ مَن ظُلِمَ ثُمَّ حَلُمَ حَتّى إذا هَيَّجَهُ قَوْمٌ اهْتاجَ، لَكِنَّ الحَلِيمَ مَن قَدَرَ ثُمَّ عَفا، وعَنِ الحَسَنِ: هُمُ الَّذِينَ إذا حُرِمُوا أعْطَوْا وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا، ويُرْوى أنَّ شَقِيقَ بْنَ إبْراهِيمَ البَلْخِيَّ دَخَلَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ مُتَنَكِّرًا، فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتَ؟ فَقالَ: مِن بَلْخَ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ شَقِيقًا؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: كَيْفَ طَرِيقَةُ أصْحابِهِ؟ فَقالَ: إذا مُنِعُوا صَبَرُوا وإنْ أُعْطُوا شَكَرُوا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: طَرِيقَةُ كِلابِنا هَكَذا، فَقالَ: وكَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ؟ فَقالَ: الكامِلُونَ هُمُ الَّذِينَ إذا مُنِعُوا شَكَرُوا وإذا أُعْطُوا آثَرُوا. * * * واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ هَذِهِ القُيُودِ التِّسْعَةِ هي القُيُودُ المَذْكُورَةُ في الشَّرْطِ، أمّا القُيُودُ المَذْكُورَةُ في الجَزاءِ فَهي أرْبَعَةٌ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ أيْ عاقِبَةُ الدّارِ وهي الجَنَّةُ؛ لِأنَّها هي الَّتِي أرادَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُّنْيا ومَرْجِعَ أهْلِها، قالَ الواحِدِيُّ: العُقْبى كالعاقِبَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّورى والقُرْبى والرُّجْعى، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا أيْضًا عَلى فَعْلى كالنَّجْوى والدَّعْوى، وعَلى فِعْلى كالذِّكْرى والضِّيزى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا، وهو هاهُنا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى: أُولَئِكَ لَهم أنْ تُعْقُبَ أعْمالَهُمُ الدّارُ الَّتِي هي الجَنَّةُ. القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: جَنّاتُ عَدْنٍ بَدَلٌ مِن عُقْبى والكَلامُ في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَكَرْناهُ مُسْتَقْصًى عِنْدَ صفحة ٣٦ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]، وذَكَرْنا هُناكَ مَذْهَبَ المُفَسِّرِينَ، ومَذْهَبَ أهْلِ اللُّغَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو [يُدْخَلُونَها] بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ عَلى إسْنادِ الدُّخُولِ إلَيْهِمْ. القَيْدُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ عُلَيَّةَ [صَلُحَ] بِضَمِّ اللّامِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: والفَتْحُ أفْصَحُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”مَن“ رَفْعٌ؛ لِأجْلِ العَطْفِ عَلى الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا كَما تَقُولُ: قَدْ دَخَلُوا وزَيْدًا أيْ مَعَ زَيْدٍ. المسألة الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن صَدَقَ بِما صَدَقُوا بِهِ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ إذا لَمْ يَحْصُلْ مَعَها أعْمالٌ صالِحَةٌ، بَلِ الآباءُ والأزْواجُ والذُّرِّيّاتُ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مِن ثَوابِ المُطِيعِ سُرُورَهُ بِحُضُورِ أهْلِهِ مَعَهُ في الجَنَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَدْخُلُونَها كَرامَةً لِلْمُطِيعِ الآتِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولَوْ دَخَلُوها بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ كَرامَةٌ لِلْمُطِيعِ ولا فائِدَةٌ في الوَعْدِ بِهِ، إذْ كُلُّ مَن كانَ مُصْلِحًا في عَمَلِهِ فَهو يَدْخُلُ الجَنَّةَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِشارَةُ المُطِيعِ بِكُلِّ ما يَزِيدُهُ سُرُورًا وبَهْجَةً، فَإذا بَشَّرَ اللَّهُ المُكَلَّفَ بِأنَّهُ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ فَإنَّهُ يَحْضُرُ مَعَهُ آباؤُهُ وأزْواجُهُ وأوْلادُهُ، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَعْظُمُ سُرُورُ المُكَلَّفِ بِذَلِكَ وتَقْوى بَهْجَتُهُ بِهِ، ويُقالُ: إنَّ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ سُرُورِهِمْ أنْ يَجْتَمِعُوا فَيَتَذاكَرُوا أحْوالَهم في الدُّنْيا، ثُمَّ يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى الخَلاصِ مِنها والفَوْزِ بِالجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ إنَّهم يَقُولُونَ: ﴿يالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧]. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأزْواجِهِمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ زَوْجَةٍ وزَوْجَةٍ، ولَعَلَّ الأوْلى مَن ماتَ عَنْها أوْ ماتَتْ عَنْهُ، وما رُوِيَ «عَنْ سَوْدَةَ أنَّهُ لَمّا هَمَّ الرَّسُولُ ﷺ بِطَلاقِها قالَتْ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أُحْشَرُ في زُمْرَةِ نِسائِكَ»، كالدَّلِيلِ عَلى ما ذَكَرْناهُ. والقَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم خَيْمَةٌ مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُها فَرْسَخٌ وعَرْضُها فَرْسَخٌ، لَها ألْفُ بابٍ مَصارِيعُها مِن ذَهَبٍ، يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ مِن كُلِّ بابٍ يَقُولُونَ لَهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ عَلى أمْرِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ البِرِّ كَبابِ الصَّلاةِ وبابِ الزَّكاةِ وبابِ الصَّبْرِ، ويَقُولُونَ: ونِعْمَ ما أعْقَبَكُمُ اللَّهُ بَعْدَ الدّارِ الأُولى. واعْلَمْ أنَّ دُخُولَ المَلائِكَةِ إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوجه الأوَّلِ فَهو مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ المُطِيعِينَ أنَّهم يَدْخُلُونَ جَنَّةَ الخُلْدِ، ويَجْتَمِعُونَ بِآبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ مَعَ جَلالَةِ مَراتِبِهِمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ عِنْدَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ يُكْرِمُونَهم بِالتَّحِيَّةِ صفحة ٣٧ والسَّلامِ ويُبَشِّرُونَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا غَيْرُ ما يَذْكُرُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّ الثَّوابَ مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَداءِ رَأْسَ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ» والخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ هَكَذا كانُوا يَفْعَلُونَ، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى الوجه الثّانِي فَتَفْسِيرُ الآيَةِ أنَّ المَلائِكَةَ طَوائِفُ، مِنهم رُوحانِيُّونَ، ومِنهم كَرُوبِيُّونَ، فالعَبْدُ إذا راضَ نَفْسَهُ بِأنْواعِ الرِّياضاتِ كالصَّبْرِ والشُّكْرِ والمُراقَبَةِ والمُحاسَبَةِ، ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ جَوْهَرٌ قُدُسِيٌّ ورُوحٌ عُلْوِيٌّ يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ؛ فَعِنْدَ المَوْتِ إذا أشْرَقَتْ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدُسِيَّةُ تَجَلَّتْ فِيها مِن كُلِّ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ ما يُناسِبُها مِنَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ بِها فَيَفِيضُ عَلَيْها مِن مَلائِكَةِ الصَّبْرِ كِمالاتٌ مَخْصُوصَةٌ نَفْسانِيَّةٌ لا تَظْهَرُ إلّا في مَقامِ الصَّبْرِ، ومِن مَلائِكَةِ الشُّكْرِ كِمالاتٌ رُوحانِيَّةٌ لا تَتَجَلّى إلّا مِن مَقامِ الشُّكْرِ وهَكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المَراتِبِ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، فَقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ مَراتِبَ سَعاداتِ البَشَرِ بِدُخُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ والتَّعْظِيمِ، فَكانُوا بِهِ أجَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ البَشَرِ، ولَوْ كانُوا أقَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ البَشَرِ لَما كانَ دُخُولُهم عَلَيْهِمْ لِأجْلِ السَّلامِ والتَّحِيَّةِ مُوجِبًا عُلُوَّ دَرَجاتِهِمْ وشَرَفَ مَراتِبِهِمْ، ألا تَرى أنَّ مَن عادَ مِن سَفَرِهِ إلى بَيْتِهِ، فَإذا قِيلَ في مَعْرِضِ كَمالِ مَرْتَبَتِهِ: إنَّهُ يَزُورُهُ الأمِيرُ والوَزِيرُ والقاضِي والمُفْتِي، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ دَرَجَةَ ذَلِكَ المَزُورِ أقَلُّ وأدْنى مِن دَرَجاتِ الزّائِرِينَ، فَكَذَلِكَ هاهُنا. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: هاهُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ المَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ويَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكم، فَأُضْمِرَ القَوْلُ هاهُنا؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وأما قوله: ﴿بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلامِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنَّما حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ السَّلامَةُ بِواسِطَةِ صَبْرِكم عَلى الطّاعاتِ، وتَرْكِ المُحَرَّماتِ. والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ هَذِهِ الكَراماتِ الَّتِي تَرَوْنَها، وهَذِهِ الخَيْراتِ الَّتِي تُشاهِدُونَها إنَّما حَصَلَتْ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الصَّبْرِ.

الرعد 13:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صِفاتِ السُّعَداءِ وذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الأحْوالِ الشَّرِيفَةِ العالِيَةِ أتْبَعَها بِذِكْرِ حالِ الأشْقِياءِ، وذِكْرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الأحْوالِ المُخْزِيَةِ المَكْرُوهَةِ، وأتْبَعَ الوَعْدَ بِالوَعِيدِ والثَّوابَ بِالعِقابِ، لِيَكُونَ البَيانُ كامِلًا فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ عَهْدَ اللَّهِ ما ألْزَمَ عِبادَهُ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ؛ لِأنَّها أوْكَدُ مِن كُلِّ عَهْدٍ وكُلِّ يَمِينٍ، إذِ الأيْمانُ إنَّما تُفِيدُ التَّوْكِيدَ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّها تُوجِبُ الوَفاءَ بِمُقْتَضاها، والمُرادُ مِن نَقْضِ هَذِهِ العُهُودِ أنْ لا يَنْظُرَ المَرْءُ في الأدِلَّةِ أصْلًا، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُهُ العَمَلُ بِمُوجَبِها أوْ بِأنْ يَنْظُرَ فِيها ويَعْلَمَ صِحَّتَها، ثُمَّ يُعانِدَ فَلا يَعْمَلُ بِعَمَلِهِ أوْ بِأنْ يَنْظُرَ في الشُّبْهَةِ فَيَعْتَقِدَ صفحة ٣٨ خِلافَ الحَقِّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ أنْ وثَّقَ اللَّهُ تِلْكَ الأدِلَّةَ وأحْكَمَها؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أقْوى مِمّا دَلَّ اللَّهُ عَلى وُجُوبِهِ في أنَّهُ يَنْفَعُ فِعْلُهُ ويَضُرُّ تَرْكُهُ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ العَهْدُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ المِيثاقِ فَما فائِدَةُ اشْتِراطِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ . قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَهْدِ هو ما كَلَّفَ اللَّهُ العَبْدَ، والمُرادُ بِالمِيثاقِ الأدِلَّةُ المُؤَكَّدَةُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ يُؤَكِّدُ إلَيْكَ العَهْدَ بِدَلائِلَ أُخْرى سَواءٌ كانَتْ تِلْكَ المُؤَكِّدَةُ دَلائِلَ عَقْلِيَّةً أوْ سَمْعِيَّةً. ثم قال تَعالى: ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ وذَلِكَ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ فَجَعَلَ مِن صِفاتِ هَؤُلاءِ القَطْعَ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ الوَصْلِ، والمُرادُ بِهِ قَطْعُ كُلِّ ما أوْجَبَ اللَّهُ وصْلَهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ وصْلُ الرَّسُولِ بِالمُوالاةِ والمُعاوَنَةِ ووَصْلُ المُؤْمِنِينَ، ووَصْلُ الأرْحامِ، ووَصْلُ سائِرِ مَن لَهُ حَقٌّ، ثم قال: ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ وذَلِكَ الفَسادُ هو الدُّعاءُ إلى غَيْرِ دِينِ اللَّهِ وقَدْ يَكُونُ بِالظُّلْمِ في النُّفُوسِ والأمْوالِ وتَخْرِيبِ البِلادِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ واللَّعْنَةُ مِنَ اللَّهِ الإبْعادُ مِن خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى ضِدِّهِما مِن عَذابٍ ونِقْمَةٍ، ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ لِأنَّ المُرادَ جَهَنَّمُ، ولَيْسَ فِيها إلّا ما يَسُوءُ الصّائِرَ إلَيْها.

الرعد 13:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى مَن نَقَضَ عَهْدَ اللَّهِ في قَبُولِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ بِأنَّهم مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا ومُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ كانُوا أعْداءَ اللَّهِ لَما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ النِّعَمِ واللَّذّاتِ في الدُّنْيا، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ وهو أنَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ عَلى البَعْضِ ويُضَيِّقُهُ عَلى البَعْضِ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِالكُفْرِ والإيمانِ، فَقَدْ يُوجَدُ الكافِرُ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ دُونَ المُؤْمِنِ، ويُوجَدُ المُؤْمِنُ مُضَيَّقًا عَلَيْهِ دُونَ الكافِرِ، فالدُّنْيا دارُ امْتِحانٍ. قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى القَدْرِ في اللُّغَةِ: قَطْعُ الشَّيْءِ عَلى مُساواةِ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى [يَقْدِرُ] هاهُنا يُضَيِّقُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطَّلاقِ: ٧] أيْ ضُيِّقَ، ومَعْناهُ: أنَّهُ يُعْطِيهِ بِقَدْرِ كِفايَتِهِ لا يَفْضُلُ عَنْهُ شَيْءٌ. وأما قوله: ﴿وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَهو راجِعٌ إلى مَن بَسَطَ اللَّهُ لَهُ رِزْقَهُ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ الفَرَحَ؛ لِأنَّ الحَياةَ العاجِلَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَةِ كالحَقِيرِ القَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.

الرعد 13:27

صفحة ٣٩ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتَ رَسُولًا فَأْتِنا بِآيَةٍ ومُعْجِزَةٍ قاهِرَةٍ ظاهِرَةٍ مِثْلِ مُعْجِزاتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. فَأجابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ وبَيانُ كَيْفِيَّةِ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْهِ آياتٍ ظاهِرَةً ومُعْجِزاتٍ قاهِرَةً، ولَكِنَّ الإضْلالَ والهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ، فَأضَلَّكم عَنْ تِلْكَ الآياتِ القاهِرَةِ الباهِرَةِ، وهَدى أقْوامًا آخَرِينَ إلَيْها، حَتّى عَرَفُوا بِها صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ في دَعْوى النُّبُوَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلا فائِدَةَ في تَكْثِيرِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ. وثانِيها: أنَّهُ كَلامٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ الآياتِ الباهِرَةَ المُتَكاثِرَةَ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَتْ أكْثَرَ مِن أنْ تَصِيرَ مُشْتَبِهَةً عَلى العاقِلِ، فَلَمّا طَلَبُوا بَعْدَها آياتٍ أُخْرى كانَ مَوْضِعًا لِلتَّعَجُّبِ والِاسْتِنْكارِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: ما أعْظَمَ عِنادَكم ﴿إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ مَن كانَ عَلى صِفَتِكم مِنَ التَّصْمِيمِ وشِدَّةِ الشَّكِيمَةِ عَلى الكُفْرِ فَلا سَبِيلَ إلى اهْتِدائِكم وإنْ أُنْزِلَتْ كُلُّ آيَةٍ ﴿ويَهْدِي﴾ مَن كانَ عَلى خِلافِ صِفَتِكم. وثالِثُها: أنَّهم لَمّا طَلَبُوا سائِرَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: لا فائِدَةَ في ظُهُورِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ، فَإنَّ الإضْلالَ والهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ، فَلَوْ حَصَلَتِ الآياتُ الكَثِيرَةُ ولَمْ تَحْصُلِ الهِدايَةُ فَإنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ بِها، ولَوْ حَصَلَتْ آيَةٌ واحِدَةٌ فَقَطْ وحَصَلَتِ الهِدايَةُ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَحْصُلُ الِانْتِفاعُ بِها، فَلا تَشْتَغِلُوا بِطَلَبِ الآياتِ ولَكِنْ تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ في طَلَبِ الهِداياتِ. ورابِعُها: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ عَنْ رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ عُقُوبَةً لَهُ عَلى كُفْرِهِ، فَلَسْتُمْ مِمَّنْ يُجِيبُهُ اللَّهُ تَعالى إلى ما يَسْألُ لِاسْتِحْقاقِكُمُ العَذابَ الإضْلالَ عَنِ الثَّوابِ ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ يَهْدِي إلى جَنَّتِهِ مَن تابَ وآمَنَ، قالَ: وهَذا يُبَيِّنُ أنَّ الهُدى هو الثَّوابُ مِن حَيْثُ إنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن أنابَ﴾ أيْ تابَ والهُدى الَّذِي يَفْعَلُهُ بِالمُؤْمِنِ هو الثَّوابُ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عَلى إيمانِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يُضِلُّ عَنِ الثَّوابِ بِالعِقابِ، لا عَنِ الدِّينِ بِالكُفْرِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن خالَفَنا، هَذا تَمامُ كَلامِ أبِي عَلِيٍّ وقَوْلُهُ: ﴿أنابَ﴾ أيْ أقْبَلَ إلى الحَقِّ، وحَقِيقَتُهُ دَخَلَ في نَوْبَةِ الخَيْرِ.

الرعد 13:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن أنابَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إذا سَمِعُوا القُرْآنَ خَشَعَتْ قُلُوبُهم واطْمَأنَّتْ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢] والوَجَلُ ضِدَّ الِاطْمِئْنانِ، فَكَيْفَ وصَفَهم هاهُنا بِالِاطْمِئْنانِ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهم إذا ذَكَرُوا العُقُوباتِ ولَمْ يَأْمَنُوا مِن أنْ يُقْدِمُوا عَلى المَعاصِي، فَهُناكَ وصَفَهم بِالوَجَلِ، وإذا ذُكِّرُوا بِوَعْدِهِ بِالثَّوابِ والرَّحْمَةِ، سَكَنَتْ قُلُوبُهم إلى ذَلِكَ، وأحَدُ الأمْرَيْنِ لا يُنافِي الآخَرَ؛ لِأنَّ الوَجَلَ هو بِذِكْرِ العِقابِ والطُّمَأْنِينَةَ بِذِكْرِ الثَّوابِ، ويُوجَدُ الوَجَلُ في حالِ فِكْرِهِمْ في المَعاصِي، وتُوجَدُ الطُّمَأْنِينَةُ عِنْدَ اشْتِغالِهِمْ بِالطّاعاتِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ عِلْمَهم بِكَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا يُوجِبُ حُصُولَ صفحة ٤٠ الطُّمَأْنِينَةِ لَهم في كَوْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، أمّا شَكُّهم في أنَّهم أتَوْا بِالطّاعاتِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ فَيُوجِبُ حُصُولَ الوَجَلِ في قُلُوبِهِمْ. الثّالِثُ: أنَّهُ حَصَلَتْ في قُلُوبِهِمُ الطُّمَأْنِينَةُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى صادِقٌ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صادِقٌ في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، إلّا أنَّهُ حَصَلَ الوَجَلُ والخَوْفُ في قُلُوبِهِمْ أنَّهم هَلْ أتَوْا بِالطّاعَةِ المُوجِبَةِ لِلثَّوابِ أمْ لا، وهَلِ احْتَرَزُوا عَنِ المَعْصِيَةِ المُوجِبَةِ لِلْعِقابِ أمْ لا؟ واعْلَمْ أنَّ لَنا في قَوْلِهِ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ أبْحاثًا دَقِيقَةً غامِضَةً وهي مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَتَأثَّرُ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ، ومَوْجُودٌ يُؤَثِّرُ في شَيْءٍ ويَتَأثَّرُ عَنْ شَيْءٍ، فالمُؤَثِّرُ الَّذِي لا يَتَأثَّرُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُتَأثِّرُ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ هو الجِسْمُ، فَإنَّهُ ذاتٌ قابِلَةٌ لِلصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ والآثارِ المُتَنافِيَةِ، ولَيْسَ لَهُ خاصِّيَّةٌ إلّا القَبُولَ فَقَطْ، وأمّا المَوْجُودُ الَّذِي يُؤَثِّرُ تارَةً ويَتَأثَّرُ أُخْرى، فَهي المَوْجُوداتُ الرُّوحانِيَّةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّها إذا تَوَجَّهَتْ إلى الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ صارَتْ قابِلَةً لِلْآثارِ الفائِضَةِ عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ، وإذا تَوَجَّهَتْ إلى عالَمِ الأجْسامِ اشْتاقَتْ إلى التَّصَرُّفِ فِيها، لِأنَّ عالَمَ الأرْواحِ مُدَبِّرٌ لِعالَمِ الأجْسامِ. وإذا عَرَفْتَ هَذا، فالقَلْبُ كُلَّما تَوَجَّهَ إلى مُطالَعَةِ عالَمِ الأجْسامِ حَصَلَ فِيهِ الِاضْطِرابُ والقَلَقُ والمَيْلُ الشَّدِيدُ إلى الِاسْتِيلاءِ عَلَيْها والتَّصَرُّفِ فِيها، أمّا إذا تَوَجَّهَ القَلْبُ إلى مُطالَعَةِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ حَصَلَ فِيهِ أنْوارُ الصَّمَدِيَّةِ والأضْواءُ الإلَهِيَّةُ، فَهُناكَ يَكُونُ ساكِنًا، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ . الوجه الثّانِي: أنَّ القَلْبَ كُلَّما وصَلَ إلى شَيْءٍ فَإنَّهُ يَطْلُبُ الِانْتِقالَ مِنهُ إلى حالَةٍ أُخْرى أشْرَفَ مِنها؛ لِأنَّهُ لا سَعادَةَ في عالَمِ الأجْسامِ إلّا وفَوْقَها مَرْتَبَةٌ أُخْرى في اللَّذَّةِ والغِبْطَةِ، أمّا إذا انْتَهى القَلْبُ والعَقْلُ إلى الِاسْتِسْعادِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأضْواءِ الصَّمَدِيَّةِ بَقِيَ واسْتَقَرَّ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى الِانْتِقالِ مِنهُ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ دَرَجَةٌ أُخْرى في السَّعادَةِ أعْلى مِنها وأكْمَلُ؛ فَلِهَذا المَعْنى قالَ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ . والوجه الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ: أنَّ الإكْسِيرَ إذا وقَعَتْ مِنهُ ذَرَّةٌ عَلى الجِسْمِ النُّحاسِيِّ انْقَلَبَ ذَهَبًا باقِيًا عَلى كَرِّ الدُّهُورِ والأزْمانِ صابِرًا عَلى الذَّوَبانِ الحاصِلِ بِالنّارِ، فَإكْسِيرُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى إذا وقَعَ في القَلْبِ أوْلى أنْ يَقْلِبَهُ جَوْهَرًا باقِيًا صافِيًا نُورانِيًّا لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ والتَّبَدُّلَ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ .

الرعد 13:29

ثم قال تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في تَفْسِيرِ كَلِمَةِ ”طُوبى“ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها اسْمُ شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «طُوبى شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ غَرَسَها اللَّهُ بِيَدِهِ تُنْبِتُ الحُلِيَّ والحُلَلَ وإنَّ أغْصانَها لِتُرى مِن وراءِ سُورِ الجَنَّةِ» وحَكى أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ أصْلَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ في دارِ النَّبِيِّ ﷺ وفي دارِ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنها غُصْنٌ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّ طُوبى مَصْدَرٌ مِن طابَ، كَبُشْرى وزُلْفى، ومَعْنى طُوبى لَكَ: أصَبْتَ طَيِّبًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ: فَقِيلَ: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ لَهم؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وقِيلَ: نِعْمَ صفحة ٤١ ما لَهم، عَنْ عِكْرِمَةَ. وقِيلَ: غِبْطَةٌ لَهم؛ عَنِ الضَّحّاكِ. وقِيلَ: حُسْنٌ لَهم؛ عَنْ قَتادَةَ. وقِيلَ: خَيْرٌ وكَرامَةٌ؛ عَنْ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ. وقِيلَ: العَيْشُ الطَّيِّبُ لَهم؛ عَنِ الزَّجّاجِ. واعْلَمْ أنَّ المَعانِيَ مُتَقارِبَةٌ والتَّفاوُتُ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ في اللَّفْظِ، والحاصِلُ أنَّهُ مُبالَغَةٌ في نَيْلِ الطَّيِّباتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ اللَّذّاتِ، وتَفْسِيرُهُ أنَّ أطْيَبَ الأشْياءِ في كُلِّ الأُمُورِ حاصِلٌ لَهم. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: طُوبى اسْمُ الجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ، وقِيلَ: اسْمُ الجَنَّةِ بِالهِنْدِيَّةِ، وقِيلَ: البُسْتانُ بِالهِنْدِيَّةِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ إلّا العَرَبِيُّ لا سِيَّما، واشْتِقاقُ هَذا اللَّفْظِ مِنَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ظاهِرٌ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، و﴿طُوبى لَهُمْ﴾ خَبَرُهُ، ومَعْنى طُوبى لَكَ: أيْ أصَبْتَ طَيِّبًا، ومَحَلُّها النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ، كَقَوْلِكَ: طَيِّبًا لَكَ وطَيِّبٌ لَكَ وسَلامًا لَكَ وسَلامٌ لَكَ، والقِراءَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ تَدُلُّكَ عَلى مَحَلِّها، وقَرَأ مَكْوَزَةُ الأعْرابِيُّ ”طِيبى لَهُمْ“. أما قوله: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ فالمُرادُ حُسْنُ المَرْجِعِ والمَقَرِّ. وكُلُّ ذَلِكَ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِأعْظَمِ النَّعِيمِ تَرْغِيبًا في طاعَتِهِ وتَحْذِيرًا عَنِ المَعْصِيَةِ.

الرعد 13:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الكافَ في ”كَذَلِكَ“ لِلتَّشْبِيهِ، فَقِيلَ: وجْهُ التَّشْبِيهِ أرْسَلْناكَ كَما أرْسَلْنا الأنْبِياءَ قَبْلَكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ، وقِيلَ: كَما أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ وأعْطَيْناهم كُتُبًا تُتْلى عَلَيْهِمْ، كَذَلِكَ أعْطَيْناكَ هَذا الكِتابَ وأنْتَ تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ فَماذا اقْتَرَحُوا غَيْرَهُ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ“ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإرْسالِ ”أرْسَلْناكَ“ يَعْنِي أرْسَلْناكَ إرْسالًا لَهُ شَأْنٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ الإرْسالاتِ، ثُمَّ فَسَّرَ كَيْفَ أرْسَلَهُ، فَقالَ: ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أيْ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ تَقَدَّمَتْها أُمَمٌ، فَهي آخِرُ الأُمَمِ وأنْتَ آخِرُ الأنْبِياءِ. أما قوله: ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ فالمُرادُ: لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ الكِتابَ العَظِيمَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أيْ: وحالُ هَؤُلاءِ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ الَّذِي رَحْمَتُهُ وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وما بِهِمْ مِن نِعْمَةٍ فَمِنهُ، وكَفَرُوا بِنِعْمَتِهِ في إرْسالِ مِثْلِكَ إلَيْهِمْ وإنْزالِ هَذا القُرْآنِ المُعْجِزِ عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ هو رَبِّي﴾ الواحِدُ المُتَعالِي عَنِ الشُّرَكاءِ ﴿لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في نُصْرَتِي عَلَيْكم ﴿وإلَيْهِ مَتابِ﴾ فَيُعِينُنِي عَلى مُصابَرَتِكم ومُجاهَدَتِكم، قِيلَ: نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ، وكانَ يَقُولُ: أمّا اللَّهُ فَنَعْرِفُهُ، وأمّا الرَّحْمَنُ فَلا نَعْرِفُهُ إلّا صاحِبَ اليَمامَةِ، يَعَنُونَ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسْراءِ: ١١٠] وكَقَوْلِهِ: صفحة ٤٢ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفُرْقانِ: ٦٠] وقِيلَ: «إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ صالَحَ قُرَيْشًا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ: هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ وقَدْ قاتَلْناكَ فَقَدْ ظَلَمْنا، ولَكِنِ اكْتُبْ: هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَكَتَبَ كَذَلِكَ، ولَمّا كَتَبَ في الكِتابِ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ قالُوا: أمّا الرَّحْمَنُ فَلا نَعْرِفُهُ، وكانُوا يَكْتُبُونَ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”اكْتُبُوا ما تُرِيدُونَ“». واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ إذا حَمَلْناهُ عَلى هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ كانَ مَعْناهُ أنَّهم كَفَرُوا بِإطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلى اللَّهِ تَعالى، لا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ تَعالى، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كَفَرُوا بِاللَّهِ إمّا جَحْدًا لَهُ وإمّا لِإثْباتِهِمُ الشُّرَكاءَ مَعَهُ، قالَ القاضِي: وهَذا القَوْلُ ألْيَقُ بِالظّاهِرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ، وهو المَفْهُومُ مِنَ الرَّحْمَنِ، ولَيْسَ المَفْهُومُ مِنهُ الِاسْمَ كَما لَوْ قالَ قائِلٌ: كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وكَذَّبُوا بِهِ لَكانَ المَفْهُومُ هو دُونَ اسْمِهِ.