Lafzullah

Tafsir Al-Razi — النحل 16:107 – الإسراء 17:34

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. النحل 16:107
  2. النحل 16:108
  3. النحل 16:109
  4. النحل 16:110
  5. النحل 16:111
  6. النحل 16:112
  7. النحل 16:113
  8. النحل 16:114
  9. النحل 16:115
  10. النحل 16:116
  11. النحل 16:117
  12. النحل 16:118
  13. النحل 16:119
  14. النحل 16:120
  15. النحل 16:121
  16. النحل 16:122
  17. النحل 16:123
  18. النحل 16:124
  19. النحل 16:125
  20. النحل 16:126
  21. النحل 16:127
  22. النحل 16:128
  23. الإسراء 17:1
  24. الإسراء 17:2
  25. الإسراء 17:3
  26. الإسراء 17:4
  27. الإسراء 17:5
  28. الإسراء 17:6
  29. الإسراء 17:7
  30. الإسراء 17:8
  31. الإسراء 17:9
  32. الإسراء 17:10
  33. الإسراء 17:11
  34. الإسراء 17:12
  35. الإسراء 17:13
  36. الإسراء 17:14
  37. الإسراء 17:15
  38. الإسراء 17:16
  39. الإسراء 17:17
  40. الإسراء 17:18
  41. الإسراء 17:19
  42. الإسراء 17:20
  43. الإسراء 17:21
  44. الإسراء 17:22
  45. الإسراء 17:23
  46. الإسراء 17:24
  47. الإسراء 17:25
  48. الإسراء 17:26
  49. الإسراء 17:27
  50. الإسراء 17:28
  51. الإسراء 17:29
  52. الإسراء 17:30
  53. الإسراء 17:31
  54. الإسراء 17:32
  55. الإسراء 17:33
  56. الإسراء 17:34

النحل 16:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ تَهْدِيدَ الكافِرِينَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلًا في بَيانِ مَن يَكْفُرُ بِلِسانِهِ لا بِقَلْبِهِ، ومَن يَكْفُرُ بِلِسانِهِ وقَلْبِهِ مَعًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ صفحة ٩٧ والتَّقْدِيرُ: إنَّما يَفْتَرِي مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ، فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. الثّانِي: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو الكاذِبُونَ، والتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ. والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ؛ أعْنِي مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وهو أحْسَنُ الوُجُوهِ عِنْدِي وأبْعَدُها عَنِ التَّعَسُّفِ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ شَرْطًا مُبْتَدَأً، ويُحْذَفُ جَوابُهُ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلى جَوابِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، إلّا مَن أُكْرِهَ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . * * * المسألة الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِالكُفْرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنّا رَوَيْنا أنَّ بِلالًا صَبَرَ عَلى ذَلِكَ العَذابِ، وكانَ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ. رُوِيَ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ مَكَّةَ فُتِنُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهِ، وكانَ فِيهِمْ مَن أُكْرِهَ فَأجْرى كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى لِسانِهِ، مَعَ أنَّهُ كانَ بِقَلْبِهِ مُصِرًّا عَلى الإيمانِ، مِنهم: عَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وخَبّابٌ، وسالِمٌ، عُذِّبُوا، فَأمّا سُمَيَّةُ فَقِيلَ: رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ ووُخِزَتْ في قُبُلِها بِحَرْبَةٍ وقالُوا: إنَّكِ أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ، وقُتِلَتْ، وقُتِلَ ياسِرٌ، وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ قُتِلا في الإسْلامِ، «وأمّا عَمّارٌ فَقَدْ أعْطاهم ما أرادُوا بِلِسانِهِ مُكْرَهًا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَمّارًا كَفَرَ، فَقالَ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مَلِيءٌ إيمانًا مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ ويَقُولُ: ”ما لَكَ ؟ إنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ“»، ومِنهم جَبْرٌ مَوْلى الحَضْرَمِيِّ أكْرَهَهُ سَيِّدُهُ فَكَفَرَ، ثُمَّ أسْلَمَ مَوْلاهُ وأسْلَمَ، وحَسُنَ إسْلامَهُما وهاجَرا. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ﴾ لَيْسَ بِاسْتِثْناءٍ؛ لِأنَّ المُكْرَهَ لَيْسَ بِكافِرٍ فَلا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنَ الكافِرِ، لَكِنَّ المُكْرَهَ لَمّا ظَهَرَ مِنهُ بَعْدَ الإيمانِ ما مِثْلُهُ يَظْهَرُ مِنَ الكافِرِ طَوْعًا صَحَّ هَذا الِاسْتِثْناءُ لِهَذِهِ المُشاكَلَةِ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: يَجِبُ هَهُنا بَيانُ الإكْراهِ الَّذِي عِنْدَهُ يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، وهو أنْ يُعَذِّبَهُ بِعَذابٍ لا طاقَةَ لَهُ بِهِ، مِثْلَ التَّخْوِيفِ بِالقَتْلِ، ومِثْلَ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ والإيلاماتِ القَوِيَّةِ. قالَ مُجاهِدٌ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وخَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وسُمَيَّةٌ. أمّا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَنَعَهُ أبُو طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ قَوْمُهُ، وأُخِذَ الآخَرُونَ، وأُلْبِسُوا دُرُوعَ الحَدِيدِ، ثُمَّ أُجْلِسُوا في الشَّمْسِ فَبَلَغَ مِنهُمُ الجَهْدُ بِحَرِّ الحَدِيدِ والشَّمْسِ، وأتاهم أبُو جَهْلٍ يَشْتِمُهم ويُوَبِّخُهم ويَشْتِمُ سُمَيَّةَ، ثُمَّ طَعَنَ الحَرْبَةَ في فَرْجِها. وقالَ الآخَرُونَ: ما نالُوا مِنهم غَيْرَ بِلالٍ فَإنَّهم جَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُ فَيَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ، حَتّى مَلُّوا فَكَتَّفُوهُ وجَعَلُوا في عُنُقِهِ حَبْلًا مِن لِيفٍ ودَفَعُوهُ إلى صِبْيانِهِمْ يَلْعَبُونِ بِهِ حَتّى مَلُّوهُ فَتَرَكُوهُ. قالَ عَمّارٌ: كُلُّنا تَكَلَّمَ بِالَّذِي أرادُوا غَيْرَ بِلالٍ، فَهانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَتَرَكُوهُ. قالَ خَبّابٌ: لَقَدْ أوْقَدُوا لِي نارًا ما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِي. * * * المسألة الخامِسَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ عِنْدَ ذِكْرِ كَلِمَةِ الكُفْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُبَرِّئَ قَلْبَهُ مِنَ الرِّضا بِهِ وأنْ يَقْتَصِرَ عَلى التَّعْرِيضاتِ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إنَّ مُحَمَّدًا كَذّابٌ، ويَعْنِي عِنْدَ الكُفّارِ، أوْ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا آخَرَ، أوْ يَذْكُرُهُ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَهُنا بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّهُ إذا أعْجَلَهُ مَن أكْرَهَهُ عَنْ إحْضارِ هَذِهِ النِّيَّةِ أوْ لِأنَّهُ لَمّا عَظُمَ خَوْفُهُ زالَ عَنْ قَلْبِهِ ذِكْرُ صفحة ٩٨ هَذِهِ النِّيَّةِ كانَ مَلُومًا، وعَفْوُ اللَّهِ مُتَوَقَّعٌ. البحث الثّانِي: لَوْ ضَيَّقَ المُكْرِهُ الأمْرَ عَلَيْهِ، وشَرَحَ لَهُ كُلَّ أقْسامِ التَّعْرِيضاتِ، وطَلَبَ مِنهُ أنْ يُصَرِّحَ بِأنَّهُ ما أرادَ شَيْئًا مِنها، وما أرادَ إلّا ذَلِكَ المَعْنى، فَهَهُنا يَتَعَيَّنُ إمّا التِزامُ الكَذِبِ، وإمّا تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ. فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُباحُ لَهُ الكَذِبُ هُنا، ومِنهم مَن يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ القاضِي. قالَ: لِأنَّ الكَذِبَ إنَّما يَقْبُحُ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، فَوَجَبَ أنْ يَقْبُحَ عَلى كُلِّ حالٍ، ولَوْ جازَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ القَبِيحِ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ لَمْ يَمْنَعْ أنْ يَفْعَلَ اللَّهُ الكَذِبَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ، وحِينَئِذٍ لا يَفِي وُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى ولا بِوَعِيدِهِ؛ لِاحْتِمالِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ الكَذِبَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ الَّتِي لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ تَعالى. * * * المسألة السّادِسَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنّا رُوِّينا أنَّ بِلالًا صَبَرَ عَلى ذَلِكَ العَذابِ، وكانَ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِئْسَ ما صَنَعْتَ، بَلْ عَظَّمَهُ عَلَيْهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ. وثانِيها: ما رُوِيَ «أنَّ مُسَيْلَمَةَ الكَذّابَ أخَذَ رَجُلَيْنِ، فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: أنْتَ أيْضًا، فَخَلّاهُ، وقالَ لِلَآخَرَ: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: أنا أصَمُّ، فَأعادَ عَلَيْهِ ثَلاثًا، فَأعادَ جَوابَهُ، فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ”أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ، فَهَنِيئًا لَهُ» “ . وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذا الخَبَرِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ سَمّى التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ رُخْصَةً. والثّانِي: أنَّهُ عَظَّمَ حالَ مَن أمْسَكَ عَنْهُ حَتّى قُتِلَ. وثالِثُها: أنَّ بَذْلَ النَّفْسِ في تَقْرِيرِ الحَقِّ أشَقُّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«أفْضَلُ العِباداتِ أحْمَزُها» “ أيْ: أشَقُّها. ورابِعُها: أنَّ الَّذِي أمْسَكَ عَنْ كَلِمَةِ الكُفْرِ طَهَّرَ قَلْبَهُ ولِسانَهُ عَنِ الكُفْرِ. أمّا الَّذِي تَلَفَّظَ بِها فَهَبْ أنَّ قَلْبَهُ طاهِرٌ عَنْهُ إلّا أنَّ لِسانَهُ في الظّاهِرِ قَدْ تَلَطَّخَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حالُ الأوَّلِ أفْضَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلْإكْراهِ مَراتِبَ. المَرْتَبَةُ الأُولى: أنْ يَجِبَ الفِعْلُ المُكْرَهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ما إذا أكْرَهَهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وأكْلِ الخِنْزِيرِ، وأكْلِ المَيْتَةِ فَإذا أكْرَهَهُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَهَهُنا يَجِبُ الأكْلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ صَوْنَ الرُّوحِ عَنِ الفَواتِ واجِبٌ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ في هَذِهِ الصُّورَةِ إلّا بِهَذا الأكْلِ، ولَيْسَ في هَذا الأكْلِ ضَرَرٌ عَلى حَيَوانٍ ولا فِيهِ إهانَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٥] . . المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الفِعْلُ مُباحًا ولا يَصِيرَ واجِبًا، ومِثالُهُ ما إذا أكْرَهَهُ عَلى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ فَهَهُنا يُباحُ لَهُ ولَكِنَّهُ لا يَجِبُ كَما قَرَّرْناهُ. المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: أنْ لا يَجِبَ ولا يُباحَ بَلْ يَحْرُمُ، وهَذا مِثْلُ ما إذا أكْرَهَهُ إنْسانٌ عَلى قَتْلِ إنْسانٍ آخَرَ، أوْ عَلى قَطْعِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، فَهَهُنا يَبْقى الفِعْلُ عَلى الحُرْمَةِ الأصْلِيَّةِ، وهَلْ يَسْقُطُ القَصاصُ عَنِ المُكْرَهِ أمْ لا ؟ قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجِبُ القَصاصُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا عُدْوانًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ القَصاصُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] . والثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّ المُكْرَهَ إذا قَصَدَ قَتْلَهُ فَإنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ ولَوْ بِالقَتْلِ، فَلَمّا كانَ تَوَهُّمُ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ يُوجِبُ إهْدارَ دَمِهِ، فَلَأنْ يَكُونَ عِنْدَ صُدُورِ القَتْلِ مِنهُ حَقِيقَةً يَصِيرُ دَمُهُ مُهْدَرًا كانَ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٩٩ * * * المسألة الثّامِنَةُ: مِنَ الأفْعالِ ما يَقْبَلُ الإكْراهَ عَلَيْهِ كالقَتْلِ والتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، ومِنهُ ما لا يَقْبَلُ الإكْراهَ عَلَيْهِ، قِيلَ: وهو الزِّنا؛ لِأنَّ الإكْراهَ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ انْتِشارِ الآلَةِ، فَحَيْثُ دَخَلَ الزِّنا في الوُجُودِ عُلِمَ أنَّهُ وقَعَ بِالِاخْتِيارِ لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ. * * * المسألة التّاسِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: طَلاقُ المُكْرَهِ لا يَقَعُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَقَعُ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ ذاتِهِ؛ لِأنَّ ذاتَهُ مَوْجُودَةٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى نَفْيِ آثارِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ ولا عِبْرَةَ بِهِ، وأيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» “ وأيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«لا طَلاقَ في إغْلاقٍ» “ أيْ إكْراهٍ، فَإنْ قالُوا: طَلَّقَها، فَتَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٠] . فالجَوابُ لَمّا تَعارَضَتِ الدَّلائِلُ، وجَبَ أنْ يَبْقى ما كانَ عَلى ما كانَ؛ عَلى ما هو قَوْلُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّ الإيمانِ هو القَلْبُ، والَّذِي مَحَلُّهُ القَلْبُ إمّا الِاعْتِقادُ، وإمّا كَلامُ النَّفْسِ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ عِبارَةً؛ إمّا عَنِ المَعْرِفَةِ، وإمّا عَنِ التَّصْدِيقِ بِكَلامِ النَّفْسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيْ: فَتَحَهُ ووَسَّعَهُ لِقَبُولِ الكُفْرِ، وانْتُصِبَ ”صَدْرًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِـ ”شَرَحَ“، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرَهُ، وحَذَفَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّهُ لا يُشْكِلُ بِصَدْرِ غَيْرِهِ، إذِ البَشَرُ لا يَقْدِرُ عَلى شَرْحِ صَدْرِ غَيْرِهِ، فَهو نَكِرَةٌ يُرادُ بِها المَعْرِفَةُ. ثم قال: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، ثُمَّ وصَفَ ذَلِكَ العَذابَ، فَقالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . * * * ثم قال تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ أيْ: رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الِارْتِدادَ وذَلِكَ الإقْدامَ عَلى الكُفْرِ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ، وما عَصَمَهم عَنِ الكُفْرِ. قالَ القاضِي: المُرادُ أنَّ اللَّهَ لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ عِلَّةً وسَبَبًا مُوجِبًا لِإقْدامِهِمْ عَلى ذَلِكَ الِارْتِدادِ، وعَدَمُ الهِدايَةِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ لَيْسَ سَبَبًا لِذَلِكَ الِارْتِدادِ، ولا عِلَّةً لَهُ، بَلْ مُسَبَّبًا عَنْهُ ومَعْلُولًا لَهُ، فَبَطَلَ هَذا التَّأْوِيلُ، ثُمَّ أكَّدَ بَيانَ أنَّهُ تَعالى صَرَفَهم عَنِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ قالَ القاضِي: الطَّبْعُ لَيْسَ يَمْنَعُ مِنَ الإيمانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم، ولَوْ كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الإيمانِ بِهِ لَما اسَّتَحَقُّوا الذَّمَّ بِتَرْكِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أشْرَكَ بَيْنَ السَّمْعِ والبَصَرِ وبَيْنَ القَلْبِ في هَذا الطَّبْعِ، ومَعْلُومٌ مِن حالِ السَّمْعِ والبَصَرِ أنَّ مَعَ فَقْدِهِما قَدْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا فَضْلًا عَنْ طَبْعٍ يَلْحَقُهُما في القَلْبِ. والثّالِثُ: وصَفَهم بِالغَفْلَةِ. ومَن مُنِعَ مِنَ الشَّيْءِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذا الطَّبْعِ السِّمَةُ والعَلامَةُ الَّتِي يَخْلُقُها في القَلْبِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعْنى الطَّبْعِ والخَتْمِ. وأقُولُ: هَذِهِ الكَلِماتُ مَعَ التَّقْرِيراتِ الكَثِيرَةِ، ومَعَ الجَواباتِ القَوِيَّةِ - مَذْكُورَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سائِرِ الآياتِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. صفحة ١٠٠ ثم قال تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ عَمّا يُرادُ بِهِمْ في الآخِرَةِ. ثم قال: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ المُوجِبَ لِهَذا الخُسْرانِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ بِصِفاتٍ سِتَّةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا غَضَبَ اللَّهِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُمُ ﴿اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ . والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى حَرَمَهم مِنَ الهِدايَةِ. والصِّفَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ. والصِّفَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ جَعَلَهم مِنَ الغافِلِينَ عَمّا يُرادُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ لا يَسْعَوْنَ في دَفْعِها، فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ في حَقِّهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ السِّتَّةُ الَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أعْظَمِ الأحْوالِ المانِعَةِ عَنِ الفَوْزِ بِالخَيْراتِ والسَّعاداتِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى إنَّما أدْخَلَ الإنْسانَ الدُّنْيا؛ لِيَكُونَ كالتّاجِرِ الَّذِي يَشْتَرِي بِطاعاتِهِ سَعاداتِ الآخِرَةِ، فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَوانِعُ العَظِيمَةُ عَظُمَ خُسْرانُهُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ خُسْرانِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:108

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ تَهْدِيدَ الكافِرِينَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلًا في بَيانِ مَن يَكْفُرُ بِلِسانِهِ لا بِقَلْبِهِ، ومَن يَكْفُرُ بِلِسانِهِ وقَلْبِهِ مَعًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ صفحة ٩٧ والتَّقْدِيرُ: إنَّما يَفْتَرِي مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ، فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. الثّانِي: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو الكاذِبُونَ، والتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ. والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ؛ أعْنِي مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وهو أحْسَنُ الوُجُوهِ عِنْدِي وأبْعَدُها عَنِ التَّعَسُّفِ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ شَرْطًا مُبْتَدَأً، ويُحْذَفُ جَوابُهُ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلى جَوابِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، إلّا مَن أُكْرِهَ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . * * * المسألة الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِالكُفْرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنّا رَوَيْنا أنَّ بِلالًا صَبَرَ عَلى ذَلِكَ العَذابِ، وكانَ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ. رُوِيَ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ مَكَّةَ فُتِنُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهِ، وكانَ فِيهِمْ مَن أُكْرِهَ فَأجْرى كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى لِسانِهِ، مَعَ أنَّهُ كانَ بِقَلْبِهِ مُصِرًّا عَلى الإيمانِ، مِنهم: عَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وخَبّابٌ، وسالِمٌ، عُذِّبُوا، فَأمّا سُمَيَّةُ فَقِيلَ: رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ ووُخِزَتْ في قُبُلِها بِحَرْبَةٍ وقالُوا: إنَّكِ أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ، وقُتِلَتْ، وقُتِلَ ياسِرٌ، وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ قُتِلا في الإسْلامِ، «وأمّا عَمّارٌ فَقَدْ أعْطاهم ما أرادُوا بِلِسانِهِ مُكْرَهًا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَمّارًا كَفَرَ، فَقالَ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مَلِيءٌ إيمانًا مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ ويَقُولُ: ”ما لَكَ ؟ إنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ“»، ومِنهم جَبْرٌ مَوْلى الحَضْرَمِيِّ أكْرَهَهُ سَيِّدُهُ فَكَفَرَ، ثُمَّ أسْلَمَ مَوْلاهُ وأسْلَمَ، وحَسُنَ إسْلامَهُما وهاجَرا. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ﴾ لَيْسَ بِاسْتِثْناءٍ؛ لِأنَّ المُكْرَهَ لَيْسَ بِكافِرٍ فَلا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنَ الكافِرِ، لَكِنَّ المُكْرَهَ لَمّا ظَهَرَ مِنهُ بَعْدَ الإيمانِ ما مِثْلُهُ يَظْهَرُ مِنَ الكافِرِ طَوْعًا صَحَّ هَذا الِاسْتِثْناءُ لِهَذِهِ المُشاكَلَةِ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: يَجِبُ هَهُنا بَيانُ الإكْراهِ الَّذِي عِنْدَهُ يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، وهو أنْ يُعَذِّبَهُ بِعَذابٍ لا طاقَةَ لَهُ بِهِ، مِثْلَ التَّخْوِيفِ بِالقَتْلِ، ومِثْلَ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ والإيلاماتِ القَوِيَّةِ. قالَ مُجاهِدٌ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وخَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وسُمَيَّةٌ. أمّا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَنَعَهُ أبُو طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ قَوْمُهُ، وأُخِذَ الآخَرُونَ، وأُلْبِسُوا دُرُوعَ الحَدِيدِ، ثُمَّ أُجْلِسُوا في الشَّمْسِ فَبَلَغَ مِنهُمُ الجَهْدُ بِحَرِّ الحَدِيدِ والشَّمْسِ، وأتاهم أبُو جَهْلٍ يَشْتِمُهم ويُوَبِّخُهم ويَشْتِمُ سُمَيَّةَ، ثُمَّ طَعَنَ الحَرْبَةَ في فَرْجِها. وقالَ الآخَرُونَ: ما نالُوا مِنهم غَيْرَ بِلالٍ فَإنَّهم جَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُ فَيَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ، حَتّى مَلُّوا فَكَتَّفُوهُ وجَعَلُوا في عُنُقِهِ حَبْلًا مِن لِيفٍ ودَفَعُوهُ إلى صِبْيانِهِمْ يَلْعَبُونِ بِهِ حَتّى مَلُّوهُ فَتَرَكُوهُ. قالَ عَمّارٌ: كُلُّنا تَكَلَّمَ بِالَّذِي أرادُوا غَيْرَ بِلالٍ، فَهانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَتَرَكُوهُ. قالَ خَبّابٌ: لَقَدْ أوْقَدُوا لِي نارًا ما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِي. * * * المسألة الخامِسَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ عِنْدَ ذِكْرِ كَلِمَةِ الكُفْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُبَرِّئَ قَلْبَهُ مِنَ الرِّضا بِهِ وأنْ يَقْتَصِرَ عَلى التَّعْرِيضاتِ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إنَّ مُحَمَّدًا كَذّابٌ، ويَعْنِي عِنْدَ الكُفّارِ، أوْ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا آخَرَ، أوْ يَذْكُرُهُ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَهُنا بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّهُ إذا أعْجَلَهُ مَن أكْرَهَهُ عَنْ إحْضارِ هَذِهِ النِّيَّةِ أوْ لِأنَّهُ لَمّا عَظُمَ خَوْفُهُ زالَ عَنْ قَلْبِهِ ذِكْرُ صفحة ٩٨ هَذِهِ النِّيَّةِ كانَ مَلُومًا، وعَفْوُ اللَّهِ مُتَوَقَّعٌ. البحث الثّانِي: لَوْ ضَيَّقَ المُكْرِهُ الأمْرَ عَلَيْهِ، وشَرَحَ لَهُ كُلَّ أقْسامِ التَّعْرِيضاتِ، وطَلَبَ مِنهُ أنْ يُصَرِّحَ بِأنَّهُ ما أرادَ شَيْئًا مِنها، وما أرادَ إلّا ذَلِكَ المَعْنى، فَهَهُنا يَتَعَيَّنُ إمّا التِزامُ الكَذِبِ، وإمّا تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ. فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُباحُ لَهُ الكَذِبُ هُنا، ومِنهم مَن يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ القاضِي. قالَ: لِأنَّ الكَذِبَ إنَّما يَقْبُحُ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، فَوَجَبَ أنْ يَقْبُحَ عَلى كُلِّ حالٍ، ولَوْ جازَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ القَبِيحِ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ لَمْ يَمْنَعْ أنْ يَفْعَلَ اللَّهُ الكَذِبَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ، وحِينَئِذٍ لا يَفِي وُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى ولا بِوَعِيدِهِ؛ لِاحْتِمالِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ الكَذِبَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ الَّتِي لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ تَعالى. * * * المسألة السّادِسَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنّا رُوِّينا أنَّ بِلالًا صَبَرَ عَلى ذَلِكَ العَذابِ، وكانَ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِئْسَ ما صَنَعْتَ، بَلْ عَظَّمَهُ عَلَيْهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ. وثانِيها: ما رُوِيَ «أنَّ مُسَيْلَمَةَ الكَذّابَ أخَذَ رَجُلَيْنِ، فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: أنْتَ أيْضًا، فَخَلّاهُ، وقالَ لِلَآخَرَ: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: أنا أصَمُّ، فَأعادَ عَلَيْهِ ثَلاثًا، فَأعادَ جَوابَهُ، فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ”أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ، فَهَنِيئًا لَهُ» “ . وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذا الخَبَرِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ سَمّى التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ رُخْصَةً. والثّانِي: أنَّهُ عَظَّمَ حالَ مَن أمْسَكَ عَنْهُ حَتّى قُتِلَ. وثالِثُها: أنَّ بَذْلَ النَّفْسِ في تَقْرِيرِ الحَقِّ أشَقُّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«أفْضَلُ العِباداتِ أحْمَزُها» “ أيْ: أشَقُّها. ورابِعُها: أنَّ الَّذِي أمْسَكَ عَنْ كَلِمَةِ الكُفْرِ طَهَّرَ قَلْبَهُ ولِسانَهُ عَنِ الكُفْرِ. أمّا الَّذِي تَلَفَّظَ بِها فَهَبْ أنَّ قَلْبَهُ طاهِرٌ عَنْهُ إلّا أنَّ لِسانَهُ في الظّاهِرِ قَدْ تَلَطَّخَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حالُ الأوَّلِ أفْضَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلْإكْراهِ مَراتِبَ. المَرْتَبَةُ الأُولى: أنْ يَجِبَ الفِعْلُ المُكْرَهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ما إذا أكْرَهَهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وأكْلِ الخِنْزِيرِ، وأكْلِ المَيْتَةِ فَإذا أكْرَهَهُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَهَهُنا يَجِبُ الأكْلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ صَوْنَ الرُّوحِ عَنِ الفَواتِ واجِبٌ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ في هَذِهِ الصُّورَةِ إلّا بِهَذا الأكْلِ، ولَيْسَ في هَذا الأكْلِ ضَرَرٌ عَلى حَيَوانٍ ولا فِيهِ إهانَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٥] . . المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الفِعْلُ مُباحًا ولا يَصِيرَ واجِبًا، ومِثالُهُ ما إذا أكْرَهَهُ عَلى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ فَهَهُنا يُباحُ لَهُ ولَكِنَّهُ لا يَجِبُ كَما قَرَّرْناهُ. المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: أنْ لا يَجِبَ ولا يُباحَ بَلْ يَحْرُمُ، وهَذا مِثْلُ ما إذا أكْرَهَهُ إنْسانٌ عَلى قَتْلِ إنْسانٍ آخَرَ، أوْ عَلى قَطْعِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، فَهَهُنا يَبْقى الفِعْلُ عَلى الحُرْمَةِ الأصْلِيَّةِ، وهَلْ يَسْقُطُ القَصاصُ عَنِ المُكْرَهِ أمْ لا ؟ قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجِبُ القَصاصُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا عُدْوانًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ القَصاصُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] . والثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّ المُكْرَهَ إذا قَصَدَ قَتْلَهُ فَإنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ ولَوْ بِالقَتْلِ، فَلَمّا كانَ تَوَهُّمُ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ يُوجِبُ إهْدارَ دَمِهِ، فَلَأنْ يَكُونَ عِنْدَ صُدُورِ القَتْلِ مِنهُ حَقِيقَةً يَصِيرُ دَمُهُ مُهْدَرًا كانَ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٩٩ * * * المسألة الثّامِنَةُ: مِنَ الأفْعالِ ما يَقْبَلُ الإكْراهَ عَلَيْهِ كالقَتْلِ والتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، ومِنهُ ما لا يَقْبَلُ الإكْراهَ عَلَيْهِ، قِيلَ: وهو الزِّنا؛ لِأنَّ الإكْراهَ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ انْتِشارِ الآلَةِ، فَحَيْثُ دَخَلَ الزِّنا في الوُجُودِ عُلِمَ أنَّهُ وقَعَ بِالِاخْتِيارِ لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ. * * * المسألة التّاسِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: طَلاقُ المُكْرَهِ لا يَقَعُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَقَعُ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ ذاتِهِ؛ لِأنَّ ذاتَهُ مَوْجُودَةٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى نَفْيِ آثارِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ ولا عِبْرَةَ بِهِ، وأيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» “ وأيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«لا طَلاقَ في إغْلاقٍ» “ أيْ إكْراهٍ، فَإنْ قالُوا: طَلَّقَها، فَتَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٠] . فالجَوابُ لَمّا تَعارَضَتِ الدَّلائِلُ، وجَبَ أنْ يَبْقى ما كانَ عَلى ما كانَ؛ عَلى ما هو قَوْلُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّ الإيمانِ هو القَلْبُ، والَّذِي مَحَلُّهُ القَلْبُ إمّا الِاعْتِقادُ، وإمّا كَلامُ النَّفْسِ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ عِبارَةً؛ إمّا عَنِ المَعْرِفَةِ، وإمّا عَنِ التَّصْدِيقِ بِكَلامِ النَّفْسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيْ: فَتَحَهُ ووَسَّعَهُ لِقَبُولِ الكُفْرِ، وانْتُصِبَ ”صَدْرًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِـ ”شَرَحَ“، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرَهُ، وحَذَفَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّهُ لا يُشْكِلُ بِصَدْرِ غَيْرِهِ، إذِ البَشَرُ لا يَقْدِرُ عَلى شَرْحِ صَدْرِ غَيْرِهِ، فَهو نَكِرَةٌ يُرادُ بِها المَعْرِفَةُ. ثم قال: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، ثُمَّ وصَفَ ذَلِكَ العَذابَ، فَقالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . * * * ثم قال تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ أيْ: رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الِارْتِدادَ وذَلِكَ الإقْدامَ عَلى الكُفْرِ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ، وما عَصَمَهم عَنِ الكُفْرِ. قالَ القاضِي: المُرادُ أنَّ اللَّهَ لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ عِلَّةً وسَبَبًا مُوجِبًا لِإقْدامِهِمْ عَلى ذَلِكَ الِارْتِدادِ، وعَدَمُ الهِدايَةِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ لَيْسَ سَبَبًا لِذَلِكَ الِارْتِدادِ، ولا عِلَّةً لَهُ، بَلْ مُسَبَّبًا عَنْهُ ومَعْلُولًا لَهُ، فَبَطَلَ هَذا التَّأْوِيلُ، ثُمَّ أكَّدَ بَيانَ أنَّهُ تَعالى صَرَفَهم عَنِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ قالَ القاضِي: الطَّبْعُ لَيْسَ يَمْنَعُ مِنَ الإيمانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم، ولَوْ كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الإيمانِ بِهِ لَما اسَّتَحَقُّوا الذَّمَّ بِتَرْكِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أشْرَكَ بَيْنَ السَّمْعِ والبَصَرِ وبَيْنَ القَلْبِ في هَذا الطَّبْعِ، ومَعْلُومٌ مِن حالِ السَّمْعِ والبَصَرِ أنَّ مَعَ فَقْدِهِما قَدْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا فَضْلًا عَنْ طَبْعٍ يَلْحَقُهُما في القَلْبِ. والثّالِثُ: وصَفَهم بِالغَفْلَةِ. ومَن مُنِعَ مِنَ الشَّيْءِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذا الطَّبْعِ السِّمَةُ والعَلامَةُ الَّتِي يَخْلُقُها في القَلْبِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعْنى الطَّبْعِ والخَتْمِ. وأقُولُ: هَذِهِ الكَلِماتُ مَعَ التَّقْرِيراتِ الكَثِيرَةِ، ومَعَ الجَواباتِ القَوِيَّةِ - مَذْكُورَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سائِرِ الآياتِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. صفحة ١٠٠ ثم قال تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ عَمّا يُرادُ بِهِمْ في الآخِرَةِ. ثم قال: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ المُوجِبَ لِهَذا الخُسْرانِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ بِصِفاتٍ سِتَّةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا غَضَبَ اللَّهِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُمُ ﴿اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ . والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى حَرَمَهم مِنَ الهِدايَةِ. والصِّفَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ. والصِّفَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ جَعَلَهم مِنَ الغافِلِينَ عَمّا يُرادُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ لا يَسْعَوْنَ في دَفْعِها، فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ في حَقِّهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ السِّتَّةُ الَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أعْظَمِ الأحْوالِ المانِعَةِ عَنِ الفَوْزِ بِالخَيْراتِ والسَّعاداتِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى إنَّما أدْخَلَ الإنْسانَ الدُّنْيا؛ لِيَكُونَ كالتّاجِرِ الَّذِي يَشْتَرِي بِطاعاتِهِ سَعاداتِ الآخِرَةِ، فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَوانِعُ العَظِيمَةُ عَظُمَ خُسْرانُهُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ خُسْرانِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:109

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ تَهْدِيدَ الكافِرِينَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلًا في بَيانِ مَن يَكْفُرُ بِلِسانِهِ لا بِقَلْبِهِ، ومَن يَكْفُرُ بِلِسانِهِ وقَلْبِهِ مَعًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ صفحة ٩٧ والتَّقْدِيرُ: إنَّما يَفْتَرِي مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ، فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. الثّانِي: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو الكاذِبُونَ، والتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ. والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ؛ أعْنِي مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وهو أحْسَنُ الوُجُوهِ عِنْدِي وأبْعَدُها عَنِ التَّعَسُّفِ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ شَرْطًا مُبْتَدَأً، ويُحْذَفُ جَوابُهُ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلى جَوابِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، إلّا مَن أُكْرِهَ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . * * * المسألة الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِالكُفْرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنّا رَوَيْنا أنَّ بِلالًا صَبَرَ عَلى ذَلِكَ العَذابِ، وكانَ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ. رُوِيَ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ مَكَّةَ فُتِنُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهِ، وكانَ فِيهِمْ مَن أُكْرِهَ فَأجْرى كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى لِسانِهِ، مَعَ أنَّهُ كانَ بِقَلْبِهِ مُصِرًّا عَلى الإيمانِ، مِنهم: عَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وخَبّابٌ، وسالِمٌ، عُذِّبُوا، فَأمّا سُمَيَّةُ فَقِيلَ: رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ ووُخِزَتْ في قُبُلِها بِحَرْبَةٍ وقالُوا: إنَّكِ أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ، وقُتِلَتْ، وقُتِلَ ياسِرٌ، وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ قُتِلا في الإسْلامِ، «وأمّا عَمّارٌ فَقَدْ أعْطاهم ما أرادُوا بِلِسانِهِ مُكْرَهًا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَمّارًا كَفَرَ، فَقالَ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مَلِيءٌ إيمانًا مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ ويَقُولُ: ”ما لَكَ ؟ إنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ“»، ومِنهم جَبْرٌ مَوْلى الحَضْرَمِيِّ أكْرَهَهُ سَيِّدُهُ فَكَفَرَ، ثُمَّ أسْلَمَ مَوْلاهُ وأسْلَمَ، وحَسُنَ إسْلامَهُما وهاجَرا. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ﴾ لَيْسَ بِاسْتِثْناءٍ؛ لِأنَّ المُكْرَهَ لَيْسَ بِكافِرٍ فَلا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنَ الكافِرِ، لَكِنَّ المُكْرَهَ لَمّا ظَهَرَ مِنهُ بَعْدَ الإيمانِ ما مِثْلُهُ يَظْهَرُ مِنَ الكافِرِ طَوْعًا صَحَّ هَذا الِاسْتِثْناءُ لِهَذِهِ المُشاكَلَةِ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: يَجِبُ هَهُنا بَيانُ الإكْراهِ الَّذِي عِنْدَهُ يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، وهو أنْ يُعَذِّبَهُ بِعَذابٍ لا طاقَةَ لَهُ بِهِ، مِثْلَ التَّخْوِيفِ بِالقَتْلِ، ومِثْلَ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ والإيلاماتِ القَوِيَّةِ. قالَ مُجاهِدٌ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وخَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وسُمَيَّةٌ. أمّا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَنَعَهُ أبُو طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ قَوْمُهُ، وأُخِذَ الآخَرُونَ، وأُلْبِسُوا دُرُوعَ الحَدِيدِ، ثُمَّ أُجْلِسُوا في الشَّمْسِ فَبَلَغَ مِنهُمُ الجَهْدُ بِحَرِّ الحَدِيدِ والشَّمْسِ، وأتاهم أبُو جَهْلٍ يَشْتِمُهم ويُوَبِّخُهم ويَشْتِمُ سُمَيَّةَ، ثُمَّ طَعَنَ الحَرْبَةَ في فَرْجِها. وقالَ الآخَرُونَ: ما نالُوا مِنهم غَيْرَ بِلالٍ فَإنَّهم جَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُ فَيَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ، حَتّى مَلُّوا فَكَتَّفُوهُ وجَعَلُوا في عُنُقِهِ حَبْلًا مِن لِيفٍ ودَفَعُوهُ إلى صِبْيانِهِمْ يَلْعَبُونِ بِهِ حَتّى مَلُّوهُ فَتَرَكُوهُ. قالَ عَمّارٌ: كُلُّنا تَكَلَّمَ بِالَّذِي أرادُوا غَيْرَ بِلالٍ، فَهانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَتَرَكُوهُ. قالَ خَبّابٌ: لَقَدْ أوْقَدُوا لِي نارًا ما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِي. * * * المسألة الخامِسَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ عِنْدَ ذِكْرِ كَلِمَةِ الكُفْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُبَرِّئَ قَلْبَهُ مِنَ الرِّضا بِهِ وأنْ يَقْتَصِرَ عَلى التَّعْرِيضاتِ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إنَّ مُحَمَّدًا كَذّابٌ، ويَعْنِي عِنْدَ الكُفّارِ، أوْ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا آخَرَ، أوْ يَذْكُرُهُ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَهُنا بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّهُ إذا أعْجَلَهُ مَن أكْرَهَهُ عَنْ إحْضارِ هَذِهِ النِّيَّةِ أوْ لِأنَّهُ لَمّا عَظُمَ خَوْفُهُ زالَ عَنْ قَلْبِهِ ذِكْرُ صفحة ٩٨ هَذِهِ النِّيَّةِ كانَ مَلُومًا، وعَفْوُ اللَّهِ مُتَوَقَّعٌ. البحث الثّانِي: لَوْ ضَيَّقَ المُكْرِهُ الأمْرَ عَلَيْهِ، وشَرَحَ لَهُ كُلَّ أقْسامِ التَّعْرِيضاتِ، وطَلَبَ مِنهُ أنْ يُصَرِّحَ بِأنَّهُ ما أرادَ شَيْئًا مِنها، وما أرادَ إلّا ذَلِكَ المَعْنى، فَهَهُنا يَتَعَيَّنُ إمّا التِزامُ الكَذِبِ، وإمّا تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ. فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُباحُ لَهُ الكَذِبُ هُنا، ومِنهم مَن يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ القاضِي. قالَ: لِأنَّ الكَذِبَ إنَّما يَقْبُحُ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، فَوَجَبَ أنْ يَقْبُحَ عَلى كُلِّ حالٍ، ولَوْ جازَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ القَبِيحِ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ لَمْ يَمْنَعْ أنْ يَفْعَلَ اللَّهُ الكَذِبَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ، وحِينَئِذٍ لا يَفِي وُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى ولا بِوَعِيدِهِ؛ لِاحْتِمالِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ الكَذِبَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ الَّتِي لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ تَعالى. * * * المسألة السّادِسَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنّا رُوِّينا أنَّ بِلالًا صَبَرَ عَلى ذَلِكَ العَذابِ، وكانَ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِئْسَ ما صَنَعْتَ، بَلْ عَظَّمَهُ عَلَيْهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ. وثانِيها: ما رُوِيَ «أنَّ مُسَيْلَمَةَ الكَذّابَ أخَذَ رَجُلَيْنِ، فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: أنْتَ أيْضًا، فَخَلّاهُ، وقالَ لِلَآخَرَ: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: أنا أصَمُّ، فَأعادَ عَلَيْهِ ثَلاثًا، فَأعادَ جَوابَهُ، فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ”أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ، فَهَنِيئًا لَهُ» “ . وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذا الخَبَرِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ سَمّى التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ رُخْصَةً. والثّانِي: أنَّهُ عَظَّمَ حالَ مَن أمْسَكَ عَنْهُ حَتّى قُتِلَ. وثالِثُها: أنَّ بَذْلَ النَّفْسِ في تَقْرِيرِ الحَقِّ أشَقُّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«أفْضَلُ العِباداتِ أحْمَزُها» “ أيْ: أشَقُّها. ورابِعُها: أنَّ الَّذِي أمْسَكَ عَنْ كَلِمَةِ الكُفْرِ طَهَّرَ قَلْبَهُ ولِسانَهُ عَنِ الكُفْرِ. أمّا الَّذِي تَلَفَّظَ بِها فَهَبْ أنَّ قَلْبَهُ طاهِرٌ عَنْهُ إلّا أنَّ لِسانَهُ في الظّاهِرِ قَدْ تَلَطَّخَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حالُ الأوَّلِ أفْضَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلْإكْراهِ مَراتِبَ. المَرْتَبَةُ الأُولى: أنْ يَجِبَ الفِعْلُ المُكْرَهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ما إذا أكْرَهَهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وأكْلِ الخِنْزِيرِ، وأكْلِ المَيْتَةِ فَإذا أكْرَهَهُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَهَهُنا يَجِبُ الأكْلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ صَوْنَ الرُّوحِ عَنِ الفَواتِ واجِبٌ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ في هَذِهِ الصُّورَةِ إلّا بِهَذا الأكْلِ، ولَيْسَ في هَذا الأكْلِ ضَرَرٌ عَلى حَيَوانٍ ولا فِيهِ إهانَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٥] . . المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الفِعْلُ مُباحًا ولا يَصِيرَ واجِبًا، ومِثالُهُ ما إذا أكْرَهَهُ عَلى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ فَهَهُنا يُباحُ لَهُ ولَكِنَّهُ لا يَجِبُ كَما قَرَّرْناهُ. المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: أنْ لا يَجِبَ ولا يُباحَ بَلْ يَحْرُمُ، وهَذا مِثْلُ ما إذا أكْرَهَهُ إنْسانٌ عَلى قَتْلِ إنْسانٍ آخَرَ، أوْ عَلى قَطْعِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، فَهَهُنا يَبْقى الفِعْلُ عَلى الحُرْمَةِ الأصْلِيَّةِ، وهَلْ يَسْقُطُ القَصاصُ عَنِ المُكْرَهِ أمْ لا ؟ قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجِبُ القَصاصُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا عُدْوانًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ القَصاصُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] . والثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّ المُكْرَهَ إذا قَصَدَ قَتْلَهُ فَإنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ ولَوْ بِالقَتْلِ، فَلَمّا كانَ تَوَهُّمُ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ يُوجِبُ إهْدارَ دَمِهِ، فَلَأنْ يَكُونَ عِنْدَ صُدُورِ القَتْلِ مِنهُ حَقِيقَةً يَصِيرُ دَمُهُ مُهْدَرًا كانَ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٩٩ * * * المسألة الثّامِنَةُ: مِنَ الأفْعالِ ما يَقْبَلُ الإكْراهَ عَلَيْهِ كالقَتْلِ والتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، ومِنهُ ما لا يَقْبَلُ الإكْراهَ عَلَيْهِ، قِيلَ: وهو الزِّنا؛ لِأنَّ الإكْراهَ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ انْتِشارِ الآلَةِ، فَحَيْثُ دَخَلَ الزِّنا في الوُجُودِ عُلِمَ أنَّهُ وقَعَ بِالِاخْتِيارِ لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ. * * * المسألة التّاسِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: طَلاقُ المُكْرَهِ لا يَقَعُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَقَعُ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ ذاتِهِ؛ لِأنَّ ذاتَهُ مَوْجُودَةٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى نَفْيِ آثارِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ ولا عِبْرَةَ بِهِ، وأيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» “ وأيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«لا طَلاقَ في إغْلاقٍ» “ أيْ إكْراهٍ، فَإنْ قالُوا: طَلَّقَها، فَتَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٠] . فالجَوابُ لَمّا تَعارَضَتِ الدَّلائِلُ، وجَبَ أنْ يَبْقى ما كانَ عَلى ما كانَ؛ عَلى ما هو قَوْلُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّ الإيمانِ هو القَلْبُ، والَّذِي مَحَلُّهُ القَلْبُ إمّا الِاعْتِقادُ، وإمّا كَلامُ النَّفْسِ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ عِبارَةً؛ إمّا عَنِ المَعْرِفَةِ، وإمّا عَنِ التَّصْدِيقِ بِكَلامِ النَّفْسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيْ: فَتَحَهُ ووَسَّعَهُ لِقَبُولِ الكُفْرِ، وانْتُصِبَ ”صَدْرًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِـ ”شَرَحَ“، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرَهُ، وحَذَفَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّهُ لا يُشْكِلُ بِصَدْرِ غَيْرِهِ، إذِ البَشَرُ لا يَقْدِرُ عَلى شَرْحِ صَدْرِ غَيْرِهِ، فَهو نَكِرَةٌ يُرادُ بِها المَعْرِفَةُ. ثم قال: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، ثُمَّ وصَفَ ذَلِكَ العَذابَ، فَقالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . * * * ثم قال تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ أيْ: رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الِارْتِدادَ وذَلِكَ الإقْدامَ عَلى الكُفْرِ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ، وما عَصَمَهم عَنِ الكُفْرِ. قالَ القاضِي: المُرادُ أنَّ اللَّهَ لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ عِلَّةً وسَبَبًا مُوجِبًا لِإقْدامِهِمْ عَلى ذَلِكَ الِارْتِدادِ، وعَدَمُ الهِدايَةِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ لَيْسَ سَبَبًا لِذَلِكَ الِارْتِدادِ، ولا عِلَّةً لَهُ، بَلْ مُسَبَّبًا عَنْهُ ومَعْلُولًا لَهُ، فَبَطَلَ هَذا التَّأْوِيلُ، ثُمَّ أكَّدَ بَيانَ أنَّهُ تَعالى صَرَفَهم عَنِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ قالَ القاضِي: الطَّبْعُ لَيْسَ يَمْنَعُ مِنَ الإيمانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم، ولَوْ كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الإيمانِ بِهِ لَما اسَّتَحَقُّوا الذَّمَّ بِتَرْكِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أشْرَكَ بَيْنَ السَّمْعِ والبَصَرِ وبَيْنَ القَلْبِ في هَذا الطَّبْعِ، ومَعْلُومٌ مِن حالِ السَّمْعِ والبَصَرِ أنَّ مَعَ فَقْدِهِما قَدْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا فَضْلًا عَنْ طَبْعٍ يَلْحَقُهُما في القَلْبِ. والثّالِثُ: وصَفَهم بِالغَفْلَةِ. ومَن مُنِعَ مِنَ الشَّيْءِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذا الطَّبْعِ السِّمَةُ والعَلامَةُ الَّتِي يَخْلُقُها في القَلْبِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعْنى الطَّبْعِ والخَتْمِ. وأقُولُ: هَذِهِ الكَلِماتُ مَعَ التَّقْرِيراتِ الكَثِيرَةِ، ومَعَ الجَواباتِ القَوِيَّةِ - مَذْكُورَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سائِرِ الآياتِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. صفحة ١٠٠ ثم قال تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ عَمّا يُرادُ بِهِمْ في الآخِرَةِ. ثم قال: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ المُوجِبَ لِهَذا الخُسْرانِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ بِصِفاتٍ سِتَّةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا غَضَبَ اللَّهِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُمُ ﴿اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ . والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى حَرَمَهم مِنَ الهِدايَةِ. والصِّفَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ. والصِّفَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ جَعَلَهم مِنَ الغافِلِينَ عَمّا يُرادُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ لا يَسْعَوْنَ في دَفْعِها، فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ في حَقِّهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ السِّتَّةُ الَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أعْظَمِ الأحْوالِ المانِعَةِ عَنِ الفَوْزِ بِالخَيْراتِ والسَّعاداتِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى إنَّما أدْخَلَ الإنْسانَ الدُّنْيا؛ لِيَكُونَ كالتّاجِرِ الَّذِي يَشْتَرِي بِطاعاتِهِ سَعاداتِ الآخِرَةِ، فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَوانِعُ العَظِيمَةُ عَظُمَ خُسْرانُهُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ خُسْرانِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ تَهْدِيدَ الكافِرِينَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلًا في بَيانِ مَن يَكْفُرُ بِلِسانِهِ لا بِقَلْبِهِ، ومَن يَكْفُرُ بِلِسانِهِ وقَلْبِهِ مَعًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ صفحة ٩٧ والتَّقْدِيرُ: إنَّما يَفْتَرِي مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ، فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. الثّانِي: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو الكاذِبُونَ، والتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ. والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ؛ أعْنِي مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وهو أحْسَنُ الوُجُوهِ عِنْدِي وأبْعَدُها عَنِ التَّعَسُّفِ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ شَرْطًا مُبْتَدَأً، ويُحْذَفُ جَوابُهُ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلى جَوابِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، إلّا مَن أُكْرِهَ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . * * * المسألة الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِالكُفْرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنّا رَوَيْنا أنَّ بِلالًا صَبَرَ عَلى ذَلِكَ العَذابِ، وكانَ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ. رُوِيَ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ مَكَّةَ فُتِنُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهِ، وكانَ فِيهِمْ مَن أُكْرِهَ فَأجْرى كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى لِسانِهِ، مَعَ أنَّهُ كانَ بِقَلْبِهِ مُصِرًّا عَلى الإيمانِ، مِنهم: عَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وخَبّابٌ، وسالِمٌ، عُذِّبُوا، فَأمّا سُمَيَّةُ فَقِيلَ: رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ ووُخِزَتْ في قُبُلِها بِحَرْبَةٍ وقالُوا: إنَّكِ أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ، وقُتِلَتْ، وقُتِلَ ياسِرٌ، وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ قُتِلا في الإسْلامِ، «وأمّا عَمّارٌ فَقَدْ أعْطاهم ما أرادُوا بِلِسانِهِ مُكْرَهًا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَمّارًا كَفَرَ، فَقالَ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مَلِيءٌ إيمانًا مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ ويَقُولُ: ”ما لَكَ ؟ إنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ“»، ومِنهم جَبْرٌ مَوْلى الحَضْرَمِيِّ أكْرَهَهُ سَيِّدُهُ فَكَفَرَ، ثُمَّ أسْلَمَ مَوْلاهُ وأسْلَمَ، وحَسُنَ إسْلامَهُما وهاجَرا. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ﴾ لَيْسَ بِاسْتِثْناءٍ؛ لِأنَّ المُكْرَهَ لَيْسَ بِكافِرٍ فَلا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنَ الكافِرِ، لَكِنَّ المُكْرَهَ لَمّا ظَهَرَ مِنهُ بَعْدَ الإيمانِ ما مِثْلُهُ يَظْهَرُ مِنَ الكافِرِ طَوْعًا صَحَّ هَذا الِاسْتِثْناءُ لِهَذِهِ المُشاكَلَةِ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: يَجِبُ هَهُنا بَيانُ الإكْراهِ الَّذِي عِنْدَهُ يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، وهو أنْ يُعَذِّبَهُ بِعَذابٍ لا طاقَةَ لَهُ بِهِ، مِثْلَ التَّخْوِيفِ بِالقَتْلِ، ومِثْلَ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ والإيلاماتِ القَوِيَّةِ. قالَ مُجاهِدٌ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وخَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وسُمَيَّةٌ. أمّا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَنَعَهُ أبُو طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ قَوْمُهُ، وأُخِذَ الآخَرُونَ، وأُلْبِسُوا دُرُوعَ الحَدِيدِ، ثُمَّ أُجْلِسُوا في الشَّمْسِ فَبَلَغَ مِنهُمُ الجَهْدُ بِحَرِّ الحَدِيدِ والشَّمْسِ، وأتاهم أبُو جَهْلٍ يَشْتِمُهم ويُوَبِّخُهم ويَشْتِمُ سُمَيَّةَ، ثُمَّ طَعَنَ الحَرْبَةَ في فَرْجِها. وقالَ الآخَرُونَ: ما نالُوا مِنهم غَيْرَ بِلالٍ فَإنَّهم جَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُ فَيَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ، حَتّى مَلُّوا فَكَتَّفُوهُ وجَعَلُوا في عُنُقِهِ حَبْلًا مِن لِيفٍ ودَفَعُوهُ إلى صِبْيانِهِمْ يَلْعَبُونِ بِهِ حَتّى مَلُّوهُ فَتَرَكُوهُ. قالَ عَمّارٌ: كُلُّنا تَكَلَّمَ بِالَّذِي أرادُوا غَيْرَ بِلالٍ، فَهانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَتَرَكُوهُ. قالَ خَبّابٌ: لَقَدْ أوْقَدُوا لِي نارًا ما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِي. * * * المسألة الخامِسَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ عِنْدَ ذِكْرِ كَلِمَةِ الكُفْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُبَرِّئَ قَلْبَهُ مِنَ الرِّضا بِهِ وأنْ يَقْتَصِرَ عَلى التَّعْرِيضاتِ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إنَّ مُحَمَّدًا كَذّابٌ، ويَعْنِي عِنْدَ الكُفّارِ، أوْ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا آخَرَ، أوْ يَذْكُرُهُ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَهُنا بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّهُ إذا أعْجَلَهُ مَن أكْرَهَهُ عَنْ إحْضارِ هَذِهِ النِّيَّةِ أوْ لِأنَّهُ لَمّا عَظُمَ خَوْفُهُ زالَ عَنْ قَلْبِهِ ذِكْرُ صفحة ٩٨ هَذِهِ النِّيَّةِ كانَ مَلُومًا، وعَفْوُ اللَّهِ مُتَوَقَّعٌ. البحث الثّانِي: لَوْ ضَيَّقَ المُكْرِهُ الأمْرَ عَلَيْهِ، وشَرَحَ لَهُ كُلَّ أقْسامِ التَّعْرِيضاتِ، وطَلَبَ مِنهُ أنْ يُصَرِّحَ بِأنَّهُ ما أرادَ شَيْئًا مِنها، وما أرادَ إلّا ذَلِكَ المَعْنى، فَهَهُنا يَتَعَيَّنُ إمّا التِزامُ الكَذِبِ، وإمّا تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ. فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُباحُ لَهُ الكَذِبُ هُنا، ومِنهم مَن يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ القاضِي. قالَ: لِأنَّ الكَذِبَ إنَّما يَقْبُحُ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، فَوَجَبَ أنْ يَقْبُحَ عَلى كُلِّ حالٍ، ولَوْ جازَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ القَبِيحِ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ لَمْ يَمْنَعْ أنْ يَفْعَلَ اللَّهُ الكَذِبَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ، وحِينَئِذٍ لا يَفِي وُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى ولا بِوَعِيدِهِ؛ لِاحْتِمالِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ الكَذِبَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ الَّتِي لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ تَعالى. * * * المسألة السّادِسَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنّا رُوِّينا أنَّ بِلالًا صَبَرَ عَلى ذَلِكَ العَذابِ، وكانَ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِئْسَ ما صَنَعْتَ، بَلْ عَظَّمَهُ عَلَيْهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ. وثانِيها: ما رُوِيَ «أنَّ مُسَيْلَمَةَ الكَذّابَ أخَذَ رَجُلَيْنِ، فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: أنْتَ أيْضًا، فَخَلّاهُ، وقالَ لِلَآخَرَ: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: أنا أصَمُّ، فَأعادَ عَلَيْهِ ثَلاثًا، فَأعادَ جَوابَهُ، فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ”أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ، فَهَنِيئًا لَهُ» “ . وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذا الخَبَرِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ سَمّى التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ رُخْصَةً. والثّانِي: أنَّهُ عَظَّمَ حالَ مَن أمْسَكَ عَنْهُ حَتّى قُتِلَ. وثالِثُها: أنَّ بَذْلَ النَّفْسِ في تَقْرِيرِ الحَقِّ أشَقُّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«أفْضَلُ العِباداتِ أحْمَزُها» “ أيْ: أشَقُّها. ورابِعُها: أنَّ الَّذِي أمْسَكَ عَنْ كَلِمَةِ الكُفْرِ طَهَّرَ قَلْبَهُ ولِسانَهُ عَنِ الكُفْرِ. أمّا الَّذِي تَلَفَّظَ بِها فَهَبْ أنَّ قَلْبَهُ طاهِرٌ عَنْهُ إلّا أنَّ لِسانَهُ في الظّاهِرِ قَدْ تَلَطَّخَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حالُ الأوَّلِ أفْضَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلْإكْراهِ مَراتِبَ. المَرْتَبَةُ الأُولى: أنْ يَجِبَ الفِعْلُ المُكْرَهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ما إذا أكْرَهَهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وأكْلِ الخِنْزِيرِ، وأكْلِ المَيْتَةِ فَإذا أكْرَهَهُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَهَهُنا يَجِبُ الأكْلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ صَوْنَ الرُّوحِ عَنِ الفَواتِ واجِبٌ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ في هَذِهِ الصُّورَةِ إلّا بِهَذا الأكْلِ، ولَيْسَ في هَذا الأكْلِ ضَرَرٌ عَلى حَيَوانٍ ولا فِيهِ إهانَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٥] . . المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الفِعْلُ مُباحًا ولا يَصِيرَ واجِبًا، ومِثالُهُ ما إذا أكْرَهَهُ عَلى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ فَهَهُنا يُباحُ لَهُ ولَكِنَّهُ لا يَجِبُ كَما قَرَّرْناهُ. المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: أنْ لا يَجِبَ ولا يُباحَ بَلْ يَحْرُمُ، وهَذا مِثْلُ ما إذا أكْرَهَهُ إنْسانٌ عَلى قَتْلِ إنْسانٍ آخَرَ، أوْ عَلى قَطْعِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، فَهَهُنا يَبْقى الفِعْلُ عَلى الحُرْمَةِ الأصْلِيَّةِ، وهَلْ يَسْقُطُ القَصاصُ عَنِ المُكْرَهِ أمْ لا ؟ قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجِبُ القَصاصُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا عُدْوانًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ القَصاصُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] . والثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّ المُكْرَهَ إذا قَصَدَ قَتْلَهُ فَإنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ ولَوْ بِالقَتْلِ، فَلَمّا كانَ تَوَهُّمُ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ يُوجِبُ إهْدارَ دَمِهِ، فَلَأنْ يَكُونَ عِنْدَ صُدُورِ القَتْلِ مِنهُ حَقِيقَةً يَصِيرُ دَمُهُ مُهْدَرًا كانَ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٩٩ * * * المسألة الثّامِنَةُ: مِنَ الأفْعالِ ما يَقْبَلُ الإكْراهَ عَلَيْهِ كالقَتْلِ والتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، ومِنهُ ما لا يَقْبَلُ الإكْراهَ عَلَيْهِ، قِيلَ: وهو الزِّنا؛ لِأنَّ الإكْراهَ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ انْتِشارِ الآلَةِ، فَحَيْثُ دَخَلَ الزِّنا في الوُجُودِ عُلِمَ أنَّهُ وقَعَ بِالِاخْتِيارِ لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ. * * * المسألة التّاسِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: طَلاقُ المُكْرَهِ لا يَقَعُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَقَعُ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ ذاتِهِ؛ لِأنَّ ذاتَهُ مَوْجُودَةٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى نَفْيِ آثارِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ ولا عِبْرَةَ بِهِ، وأيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» “ وأيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«لا طَلاقَ في إغْلاقٍ» “ أيْ إكْراهٍ، فَإنْ قالُوا: طَلَّقَها، فَتَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٠] . فالجَوابُ لَمّا تَعارَضَتِ الدَّلائِلُ، وجَبَ أنْ يَبْقى ما كانَ عَلى ما كانَ؛ عَلى ما هو قَوْلُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّ الإيمانِ هو القَلْبُ، والَّذِي مَحَلُّهُ القَلْبُ إمّا الِاعْتِقادُ، وإمّا كَلامُ النَّفْسِ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ عِبارَةً؛ إمّا عَنِ المَعْرِفَةِ، وإمّا عَنِ التَّصْدِيقِ بِكَلامِ النَّفْسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيْ: فَتَحَهُ ووَسَّعَهُ لِقَبُولِ الكُفْرِ، وانْتُصِبَ ”صَدْرًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِـ ”شَرَحَ“، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرَهُ، وحَذَفَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّهُ لا يُشْكِلُ بِصَدْرِ غَيْرِهِ، إذِ البَشَرُ لا يَقْدِرُ عَلى شَرْحِ صَدْرِ غَيْرِهِ، فَهو نَكِرَةٌ يُرادُ بِها المَعْرِفَةُ. ثم قال: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، ثُمَّ وصَفَ ذَلِكَ العَذابَ، فَقالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . * * * ثم قال تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ أيْ: رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الِارْتِدادَ وذَلِكَ الإقْدامَ عَلى الكُفْرِ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ، وما عَصَمَهم عَنِ الكُفْرِ. قالَ القاضِي: المُرادُ أنَّ اللَّهَ لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ عِلَّةً وسَبَبًا مُوجِبًا لِإقْدامِهِمْ عَلى ذَلِكَ الِارْتِدادِ، وعَدَمُ الهِدايَةِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ لَيْسَ سَبَبًا لِذَلِكَ الِارْتِدادِ، ولا عِلَّةً لَهُ، بَلْ مُسَبَّبًا عَنْهُ ومَعْلُولًا لَهُ، فَبَطَلَ هَذا التَّأْوِيلُ، ثُمَّ أكَّدَ بَيانَ أنَّهُ تَعالى صَرَفَهم عَنِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ قالَ القاضِي: الطَّبْعُ لَيْسَ يَمْنَعُ مِنَ الإيمانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم، ولَوْ كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الإيمانِ بِهِ لَما اسَّتَحَقُّوا الذَّمَّ بِتَرْكِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أشْرَكَ بَيْنَ السَّمْعِ والبَصَرِ وبَيْنَ القَلْبِ في هَذا الطَّبْعِ، ومَعْلُومٌ مِن حالِ السَّمْعِ والبَصَرِ أنَّ مَعَ فَقْدِهِما قَدْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا فَضْلًا عَنْ طَبْعٍ يَلْحَقُهُما في القَلْبِ. والثّالِثُ: وصَفَهم بِالغَفْلَةِ. ومَن مُنِعَ مِنَ الشَّيْءِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذا الطَّبْعِ السِّمَةُ والعَلامَةُ الَّتِي يَخْلُقُها في القَلْبِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعْنى الطَّبْعِ والخَتْمِ. وأقُولُ: هَذِهِ الكَلِماتُ مَعَ التَّقْرِيراتِ الكَثِيرَةِ، ومَعَ الجَواباتِ القَوِيَّةِ - مَذْكُورَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سائِرِ الآياتِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. صفحة ١٠٠ ثم قال تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ عَمّا يُرادُ بِهِمْ في الآخِرَةِ. ثم قال: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ المُوجِبَ لِهَذا الخُسْرانِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ بِصِفاتٍ سِتَّةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا غَضَبَ اللَّهِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُمُ ﴿اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ . والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى حَرَمَهم مِنَ الهِدايَةِ. والصِّفَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ. والصِّفَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ جَعَلَهم مِنَ الغافِلِينَ عَمّا يُرادُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ لا يَسْعَوْنَ في دَفْعِها، فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ في حَقِّهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ السِّتَّةُ الَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أعْظَمِ الأحْوالِ المانِعَةِ عَنِ الفَوْزِ بِالخَيْراتِ والسَّعاداتِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى إنَّما أدْخَلَ الإنْسانَ الدُّنْيا؛ لِيَكُونَ كالتّاجِرِ الَّذِي يَشْتَرِي بِطاعاتِهِ سَعاداتِ الآخِرَةِ، فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَوانِعُ العَظِيمَةُ عَظُمَ خُسْرانُهُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ خُسْرانِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:111

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ . وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وحالَ مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ، فَذَكَرَ بِسَبَبِ الخَوْفِ كَلِمَةَ الكُفْرِ، وحالَ مَن لَمْ يَذْكُرْها، ذَكَرَ بَعْدَهُ حالَ مَن هاجَرَ مِن بَعْدِ ما فُتِنَ، فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”فَتَنُوا“ بِفَتْحِ الفاءِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، والباقُونَ: بِضَمِّ الفاءِ عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. أمّا وجْهُ القِراءَةِ الأُولى فَأُمُورٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أكابِرَ المُشْرِكِينَ وهُمُ الَّذِينَ آذَوْا فُقَراءَ المُسْلِمِينَ لَوْ تابُوا وهاجَرُوا وصَبَرُوا فَإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهم. والثّانِي: أنَّ فَتَنَ وأفْتَنَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما يُقالُ: مانَ وأمانَ بِمَعْنًى واحِدٍ. والثّالِثُ: أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ لَمّا ذَكَرُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ صفحة ١٠١ فَكَأنَّهم فَتَنُوا أنْفُسَهم، وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ فِتْنَةً؛ لِأنَّ الرُّخْصَةَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ ما نَزَلَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وأمّا وجْهُ القِراءَةِ بِفِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ المَفْتُونِينَ هُمُ المُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ حَمَلَهم أقْوِياءُ المُشْرِكِينَ عَلى الرِّدَّةِ والرُّجُوعِ عَنِ الإيمانِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم إذا هاجَرُوا وجاهَدُوا وصَبَرُوا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لَهم تَكَلُّمَهم بِكَلِمَةِ الكُفْرِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفِتْنَةِ هو أنَّهم عُذِّبُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو أنَّهم خُوِّفُوا بِالتَّعْذِيبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أُولَئِكَ المُسْلِمِينَ ارْتَدُّوا. قالَ الحَسَنُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ هاجَرُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا بِمَكَّةَ، فَعَرَضَتْ لَهم فِتْنَةٌ فارْتَدُّوا، وشَكُّوا في الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ إنَّهم أسْلَمُوا وهاجَرُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ارْتَدَّ فَلَمّا كانَ يَوْمُ الفِتْحِ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِ فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ فَأجارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ إنَّما تَصِحُّ لَوْ جَعَلْنا هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةً، أوْ جَعَلْنا هَذِهِ الآيَةَ مِنها مَدَنِيَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ المُعَذَّبِينَ تَكَلَّمُوا بِكَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ يَحْتَمِلُ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نازِلَةً فِيمَن أظْهَرَ الكُفْرَ، فالمُرادُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا إثْمَ فِيهِ، وأنَّ حالَهُ إذا هاجَرَ وجاهَدَ وصَبَرَ كَحالِ مَن لَمْ يُكْرَهْ، وإنْ كانَتْ وارِدَةً فِيمَنِ ارْتَدَّ فالمُرادُ أنَّ التَّوْبَةَ والقِيامَ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ يُزِيلُ ذَلِكَ العِقابَ، ويَحْصُلُ لَهُ الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ، فالهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِها﴾ تَعُودُ إلى الأعْمالِ المَذْكُورَةِ فِيما قَبْلُ، وهي الهِجْرَةُ والجِهادُ والصَّبْرُ. أما قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدَهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى يُعْطِي الرَّحْمَةَ والغُفْرانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي يَعْظُمُ احْتِياجُ الإنْسانِ فِيهِ إلى الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وذَكِّرْهم أوِ اذْكُرْ يَوْمَ كَذا وكَذا؛ لِأنَّ مَعْنى القُرْآنِ العَظَمَةُ والإنْذارُ والتَّذْكِيرُ. البحث الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النَّفْسُ لا تَكُونُ لَها نَفْسٌ أُخْرى، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ ؟ والجَوابُ: النَّفْسُ قَدْ يُرادُ بِهِ بَدَنُ الحَيِّ وقَدْ يُرادُ بِهِ ذاتُ الشَّيْءِ وحَقِيقَتُهُ، فالنَّفْسُ الأُولى هي الجُثَّةُ والبَدَنُ. والثّانِيَةُ عَيْنُها وذاتُها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ ولا يُهِمُّهُ شَأْنُ غَيْرِهِ. قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٧] . وعَنْ بَعْضِهِمْ: تَزْفِرُ جَهَنَّمُ زَفْرَةً لا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا جَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ يَقُولُ: يا رَبِّ نَفْسِي نَفْسِي حَتّى أنَّ إبْراهِيمَ الخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَفْعَلُ ذَلِكَ. ومَعْنى المُجادَلَةِ عَنْها الِاعْتِذارُ عَنْها، كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧ ] . وقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] . ثم قال تَعالى: ﴿وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن صفحة ١٠٢ غَيْرِ بَخْسٍ ولا نُقْصانٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْناهُ لا يُنْقَضُونَ. قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى ما يَدُلُّ عَلى ما نَذْهَبُ إلَيْهِ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ إلى كُلِّ أحَدٍ حَقَّهُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ، ولَوْ أنَّهُ تَعالى أزالَ عِقابَ المُذْنِبِ بِسَبَبِ الشَّفاعَةِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. والجَوابُ: لا نِزاعَ أنَّ ظاهِرَ العُمُوماتِ يَدُلُّ عَلى قَوْلِكم، إلّا أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ التَّمَسُّكَ بِظَواهِرِ العُمُوماتِ لا يُفِيدُ القَطْعَ، وأيْضًا فَظَواهِرُ الوَعِيدِ مُعارَضَةٌ بِظَواهِرِ الوَعْدِ، ثُمَّ بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٨١] أنَّ جانِبَ الوَعْدِ راجِحٌ عَلى جانِبِ الوَعِيدِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:112

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ . وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ هَدَّدَهم أيْضًا بِآفاتِ الدُّنْيا وهو الوُقُوعُ في الجُوعِ والخَوْفِ، كَما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: المَثَلُ قَدْ يُضْرَبُ بِشَيْءٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا أوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا. وقَدْ يُضْرَبُ بِشَيْءٍ مَوْجُودٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذِهِ القَرْيَةُ الَّتِي ضَرَبَ اللَّهُ بِها هَذا المَثَلَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَيْئًا مَفْرُوضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ قَرْيَةً مُعَيَّنَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي: فَتِلْكَ القَرْيَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَكَّةَ أوْ غَيْرَها، والأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها مَكَّةُ، والأقْرَبُ أنَّها غَيْرُ مَكَّةَ؛ لِأنَّها ضُرِبَتْ مَثَلًا لِمَكَّةَ، ومَثَلُ مَكَّةَ يَكُونُ غَيْرَ مَكَّةَ. المسألة الثّالِثَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِهَذِهِ القَرْيَةِ صِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها آمِنَةً، أيْ: ذاتَ أمْنٍ لا يُغارُ عَلَيْهِمْ كَما قالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٧] . والأمْرُ في مَكَّةَ كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانَ يُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. أمّا أهْلُ مَكَّةَ، فَإنَّهم كانُوا أهْلَ حَرَمِ اللَّهِ، والعَرَبُ كانُوا يَحْتَرِمُونَهم ويَخُصُّونَهم بِالتَّعْظِيمِ والتَّكْرِيمِ. واعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ القَرْيَةِ بِالأمْنِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ لِأهْلِها لِأجْلِ أنَّها مَكانُ الأمْنِ وظَرْفٌ لَهُ، والظُّرُوفُ مِنَ الأزْمِنَةِ، والأمْكِنَةِ تُوصَفُ بِما حَلَّها، كَما يُقالُ: طَيَّبٌ وحارٌّ وبارِدٌ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾، قالَ الواحِدِيُّ: مَعْناهُ أنَّها قارَّةٌ ساكِنَةٌ، فَأهْلُها لا يَحْتاجُونَ إلى الِانْتِقالِ عَنْها لِخَوْفٍ أوْ ضِيقٍ. أقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ مِن كَوْنِها مُطْمَئِنَّةً - أنَّهم لا يَحْتاجُونَ إلى الِانْتِقالِ عَنْها بِسَبَبِ الخَوْفِ، فَهَذا هو مَعْنى كَوْنِها آمِنَةً، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّهم لا يَحْتاجُونَ إلى الِانْتِقالِ عَنْها بِسَبَبِ الضِّيقِ، فَهَذا هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ . وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ التَّكْرارُ. صفحة ١٠٣ والجَوابُ: أنَّ العُقَلاءَ قالُوا: ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَةُ قَوْلُهُ: ﴿آمِنَةً﴾ إشارَةٌ إلى الأمْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ إشارَةٌ إلى الصِّحَّةِ؛ لِأنَّ هَواءَ ذَلِكَ البَلَدِ لَمّا كانَ مُلائِمًا لِأمْزِجَتِهِمُ اطْمَأنُّوا إلَيْهِ واسْتَقَرُّوا فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ إشارَةٌ إلى الكِفايَةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وقَوْلُهُ: ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ السَّبَبُ فِيهِ إجابَةُ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو قَوْلُهُ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٧] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القَرْيَةَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ قالَ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ . الأنْعُمُ: جَمْعُ نِعْمَةٍ، مِثْلَ أشَدَّ وشِدَّةٍ؛ أقُولُ هَهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ الأنْعُمَ جَمْعُ قِلَّةٍ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ كَفَرَتْ بِأنْواعٍ قَلِيلَةٍ مِنَ النِّعَمِ فَعَذَبَّها اللَّهُ، وكانَ اللّائِقُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كَفَرُوا بِنِعَمٍ عَظِيمَةٍ لِلَّهِ فاسْتَوْجَبُوا العَذابَ، فَما السَّبَبُ في ذِكْرِ جَمْعِ القِلَّةِ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ التَّنْبِيهُ بِالأدْنى عَلى الأعْلى يَعْنِي: أنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ القَلِيلَةِ لَمّا أوْجَبَ العَذابَ فَكُفْرانُ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ أوْلى بِإيجابِ العَذابِ، وهَذا مِثْلُ أهْلِ مَكَّةَ؛ لِأنَّهم كانُوا في الأمْنِ والطُّمْأنِينَةِ والخِصْبِ، ثُمَّ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالنِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَكَفَرُوا بِهِ وبالَغُوا في إيذائِهِ، فَلا جَرَمَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ البَلاءَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالجُوعِ سَبْعَ سِنِينَ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والعِظامَ والعِلْهِزَ والقَدَّ، أمّا الخَوْفُ فَهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَبْعَثُ إلَيْهِمُ السَّرايا فَيُغِيرُونَ عَلَيْهِمْ. ونُقِلَ أنَّ ابْنَ الرّاوَنْدِيِّ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ الأدِيبِ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ ؟ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا باسَ ولا لِباسَ يا أيُّها النِّسْناسُ، هَبْ أنَّكَ تَشُكُّ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا أما كانَ عَرَبِيًّا ؟ وكانَ مَقْصُودُ ابْنِ الرّاوَنْدِيِّ الطَّعْنَ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّ اللِّباسَ لا يُذاقُ، بَلْ يُلْبَسُ، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: فَكَساهُمُ اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ، أوْ يُقالَ: فَأذاقَهُمُ اللَّهُ طَعْمَ الجُوعِ. وأقُولُ جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ الأحْوالَ الَّتِي حَصَلَتْ لَهم عِنْدَ الجُوعِ نَوْعانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَذُوقَ هو الطَّعامُ، فَلَمّا فَقَدُوا الطَّعامَ صارُوا كَأنَّهم يَذُوقُونَ الجُوعَ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الجُوعَ كانَ شَدِيدًا كامِلًا فَصارَ كَأنَّهُ أحاطَ بِهِمْ مِن كُلِّ الجِهاتِ، فَأشْبَهَ اللِّباسَ. فالحاصِلُ أنَّهُ حَصَلَ في ذَلِكَ الجُوعِ حالَةٌ تُشْبِهُ المَذُوقَ، وحالَةٌ تُشْبِهُ المَلْبُوسَ؛ فاعْتَبَرَ اللَّهُ تَعالى كِلا الِاعْتِبارَيْنِ، فَقالَ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ . والوجه الثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّ اللَّهَ عَرَّفَها لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ إلّا أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِلَفْظِ الإذاقَةِ، وأصْلُ الذَّوْقِ بِالفَمِ، ثُمَّ قَدْ يُسْتَعارُ فَيُوضَعُ مَوْضِعَ التَّعَرُّفِ، وهو الِاخْتِبارُ، تَقُولُ: ناظِرْ فُلانًا وذُقْ ما عِنْدَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ومَن يَذُقِ الدُّنْيا فَإنِّي طَعِمْتُها ∗∗∗ وسِيقَ إلَيْنا عَذْبُها وعَذابُها ولِباسُ الجُوعِ والخَوْفِ هو ما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الضُّمُورِ وشُحُوبِ اللَّوْنِ، ونَهْكَةِ البَدَنِ، وتَغَيُّرِ الحالِ، وكُسُوفِ البالِ، فَكَما تَقُولُ: تَعَرَّفْتُ سُوءَ أثَرِ الخَوْفِ والجُوعِ عَلى فُلانٍ، كَذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ذُقْتُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ عَلى فُلانٍ. والوجه الثّالِثُ: أنْ يُحْمَلَ لَفْظُ اللُّبْسِ عَلى المُماسَّةِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: فَأذاقَها اللَّهُ مَساسَ الجُوعِ والخَوْفِ. صفحة ١٠٤ ثم قال تَعالى: ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: بِفِعْلِهِمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ حِينَ كَذَّبُوهُ، وأخْرَجُوهُ مِن مَكَّةَ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ بِما صَنَعَتْ، ومِثْلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٤] . ولَمْ يَقُلْ قائِلَةٌ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ القَرْيَةَ بِأنَّها مُطْمَئِنَّةٌ يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ، فَكُلُّ هَذِهِ الصِّفاتِ، وإنْ أُجْرِيَتْ بِحَسْبِ اللَّفْظِ عَلى القَرْيَةِ، إلّا أنَّ المُرادَ في الحَقِيقَةِ أهْلُها؛ فَلا جَرَمَ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:113

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَثَلَ ذَكَرَ المُمَثَّلَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي: مِن أنْفُسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَعْنِي الجُوعَ الَّذِي كانَ بِمَكَّةَ. وقِيلَ: القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، وأقُولُ: قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ الجُوعَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ كُفْرِكم فاتْرُكُوا الكُفْرَ حَتّى تَأْكُلُوا؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: فَكُلُوا يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، يُرِيدُ مِنَ الغَنائِمِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: «إنَّ رُؤَساءَ مَكَّةَ كَلَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَهِدُوا وقالُوا: عادَيْتَ الرِّجالَ فَما بالُ النِّسْوانِ والصِّبْيانِ ! وكانَتِ المِيرَةُ قَدْ قُطِعَتْ عَنْهم بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأذِنَ في حَمْلِ الطَّعامِ إلَيْهِمْ فَحُمِلَ إلَيْهِمُ الطَّعامُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا»﴾ والقَوْلُ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي: أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهي المَيْتَةُ والدَّمُ.

النحل 16:114

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَثَلَ ذَكَرَ المُمَثَّلَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي: مِن أنْفُسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَعْنِي الجُوعَ الَّذِي كانَ بِمَكَّةَ. وقِيلَ: القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، وأقُولُ: قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ الجُوعَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ كُفْرِكم فاتْرُكُوا الكُفْرَ حَتّى تَأْكُلُوا؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: فَكُلُوا يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، يُرِيدُ مِنَ الغَنائِمِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: «إنَّ رُؤَساءَ مَكَّةَ كَلَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَهِدُوا وقالُوا: عادَيْتَ الرِّجالَ فَما بالُ النِّسْوانِ والصِّبْيانِ ! وكانَتِ المِيرَةُ قَدْ قُطِعَتْ عَنْهم بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأذِنَ في حَمْلِ الطَّعامِ إلَيْهِمْ فَحُمِلَ إلَيْهِمُ الطَّعامُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا»﴾ والقَوْلُ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي: أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهي المَيْتَةُ والدَّمُ.

النحل 16:115

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى آخِرِها مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، مُفَسَّرَةٌ هُناكَ ولا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وأقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَصَرَ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، وحَصَرَها أيْضًا في هَذِهِ الأرْبَعَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ﴾ [الأنْعامِ: ١٤٥] . صفحة ١٠٥ وهاتانِ السُّورَتانِ مَكِّيَّتانِ، وحَصَرَها أيْضًا في هَذِهِ الأرْبَعَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ ورَدَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وحَصَرَها أيْضًا في سُورَةِ المائِدَةِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ١] . فَأباحَ الكُلَّ إلّا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿عَلَيْكُمُ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى في تِلْكَ السُّورَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ . فَذَكَرَ تِلْكَ الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في تِلْكَ السُّوَرِ الثَّلاثَةِ. ثم قال: ﴿والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٣] . وهَذِهِ الأشْياءُ داخِلَةٌ في المَيْتَةِ، ثم قال: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائِدَةِ: ٣] . وهو أحَدُ الأقْسامِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ . فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ السُّوَرَ الأرْبَعَةَ دالَّةٌ عَلى حَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعِ؛ سُورَتانِ مَكِّيَّتانِ، وسُورَتانِ مَدَنِيَّتانِ، فَإنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ، وسُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِالمَدِينَةِ، فَمَن أنْكَرَ حَصْرَ التَّحْرِيمِ في هَذِهِ الأرْبَعِ إلّا ما خَصَّهُ الإجْماعُ والدَّلائِلُ القاطِعَةُ كانَ في مَحَلِّ أنْ يُخْشى عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ حَصْرَ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعِ كانَ شَرْعًا ثابِتًا في أوَّلِ أمْرِ مَكَّةَ وآخِرِها، وأوَّلِ المَدِينَةِ وآخِرِها، وأنَّهُ تَعالى أعادَ هَذا البَيانَ في هَذِهِ السُّوَرِ الأرْبَعِ قَطْعًا لِلْأعْذارِ وإزالَةً لِلشُّبْهَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:116

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَصَرَ المُحَرَّماتِ في تِلْكَ الأرْبَعِ بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ الحَصْرِ وزَيْفِ طَرِيقَةِ الكُفّارِ في الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ الأرْبَعِ تارَةً، وفي النُّقْصانِ عَنْها أُخْرى، فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ. وكانُوا يَقُولُونَ: ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا، فَقَدْ زادُوا في المُحَرَّماتِ، وزادُوا أيْضًا في المُحَلَّلاتِ، وذَلِكَ لِأنَّهم حَلَّلُوا المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المُحَرَّماتِ هي هَذِهِ الأرْبَعَةُ، وبَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي يَقُولُونَ: إنَّ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ - كَذِبٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى هَذا الكَذِبِ، وأقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذا الحَصْرَ في هَذِهِ السُّوَرِ الأرْبَعِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الزِّيادَةَ عَلَيْها والنُّقْصانَ عَنْها كَذِبٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى ومُوجِبٌ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ - عَلِمْنا أنَّهُ لا مَزِيدَ عَلى هَذا الحَصْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: في انْتِصابِ الكَذِبِ في قَوْلِهِ: ﴿لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَقُولُوا لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ؛ نَظِيرُهُ أنْ يُقالَ: لا تَقُولُوا: لِكَذا كَذا وكَذا. فَإنْ قالُوا: حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ يُؤَدِّي إلى التَّكْرارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ عَيْنُ ذَلِكَ. صفحة ١٠٦ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ كَذِبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَأعادَ قَوْلَهُ: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ لِيَحْصُلَ فِيهِ هَذا البَيانُ الزّائِدُ. ونَظائِرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، وهو أنَّهُ تَعالى يَذْكُرُ كَلامًا ثُمَّ يُعِيدُهُ بِعَيْنِهِ مَعَ فائِدَةٍ زائِدَةٍ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”ما“ مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: ولا تَقُولُوا لِلَّذِي تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ فِيهِ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، وحُذِفَ لَفْظُ ”فِيهِ“ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ مِن فَصِيحِ الكَلامِ وبَلِيغِهِ، كَأنَّ ماهِيَّةَ الكَذِبِ وحَقِيقَتَهُ مَجْهُولَةٌ، وكَلامُهُمُ الكَذِبُ يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الكَذِبِ ويُوَضِّحُ ماهِيَّتَهُ، وهَذا مُبالَغَةٌ في وصْفِ كَلامِهِمْ بِكَوْنِهِ كَذِبًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي العَلاءِ المَعَرِّي: سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ فَباتَ بِرامَةٍ يَصِفُ الكَلالا والمَعْنى: أنْ سَرى ذَلِكَ البَرْقُ يَصِفُ الكَلالَ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ المَعْنى: أنَّهم كانُوا يَنْسِبُونَ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ: إنَّهُ أمَرَنا بِذَلِكَ. وأظُنُّ أنَّ هَذا اللّامَ لَيْسَ لامَ الغَرَضِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الِافْتِراءَ ما كانَ غَرَضًا لَهم، بَلْ كانَ لامَ العاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصِ: ٨] . قالَ الواحِدِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ . بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾؛ لِأنَّ وصْفَهُمُ الكَذِبَ هو افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَفَسَّرَ وصْفَهُمُ الكَذِبَ بِالِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أوْعَدَ المُفْتَرِينَ، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ . ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ما هم فِيهِ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا يَزُولُ عَنْهم مِن قَرِيبٍ، فَقالَ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَتاعُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلْ مَتاعُ كُلِّ الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ ألِيمٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

النحل 16:117

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَصَرَ المُحَرَّماتِ في تِلْكَ الأرْبَعِ بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ الحَصْرِ وزَيْفِ طَرِيقَةِ الكُفّارِ في الزِّيادَةِ عَلى هَذِهِ الأرْبَعِ تارَةً، وفي النُّقْصانِ عَنْها أُخْرى، فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ. وكانُوا يَقُولُونَ: ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا، فَقَدْ زادُوا في المُحَرَّماتِ، وزادُوا أيْضًا في المُحَلَّلاتِ، وذَلِكَ لِأنَّهم حَلَّلُوا المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المُحَرَّماتِ هي هَذِهِ الأرْبَعَةُ، وبَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي يَقُولُونَ: إنَّ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ - كَذِبٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى هَذا الكَذِبِ، وأقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذا الحَصْرَ في هَذِهِ السُّوَرِ الأرْبَعِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الزِّيادَةَ عَلَيْها والنُّقْصانَ عَنْها كَذِبٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى ومُوجِبٌ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ - عَلِمْنا أنَّهُ لا مَزِيدَ عَلى هَذا الحَصْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: في انْتِصابِ الكَذِبِ في قَوْلِهِ: ﴿لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَقُولُوا لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ؛ نَظِيرُهُ أنْ يُقالَ: لا تَقُولُوا: لِكَذا كَذا وكَذا. فَإنْ قالُوا: حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ يُؤَدِّي إلى التَّكْرارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ عَيْنُ ذَلِكَ. صفحة ١٠٦ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ كَذِبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَأعادَ قَوْلَهُ: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ لِيَحْصُلَ فِيهِ هَذا البَيانُ الزّائِدُ. ونَظائِرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، وهو أنَّهُ تَعالى يَذْكُرُ كَلامًا ثُمَّ يُعِيدُهُ بِعَيْنِهِ مَعَ فائِدَةٍ زائِدَةٍ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”ما“ مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: ولا تَقُولُوا لِلَّذِي تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ فِيهِ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، وحُذِفَ لَفْظُ ”فِيهِ“ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ مِن فَصِيحِ الكَلامِ وبَلِيغِهِ، كَأنَّ ماهِيَّةَ الكَذِبِ وحَقِيقَتَهُ مَجْهُولَةٌ، وكَلامُهُمُ الكَذِبُ يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الكَذِبِ ويُوَضِّحُ ماهِيَّتَهُ، وهَذا مُبالَغَةٌ في وصْفِ كَلامِهِمْ بِكَوْنِهِ كَذِبًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي العَلاءِ المَعَرِّي: سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ فَباتَ بِرامَةٍ يَصِفُ الكَلالا والمَعْنى: أنْ سَرى ذَلِكَ البَرْقُ يَصِفُ الكَلالَ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ المَعْنى: أنَّهم كانُوا يَنْسِبُونَ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ: إنَّهُ أمَرَنا بِذَلِكَ. وأظُنُّ أنَّ هَذا اللّامَ لَيْسَ لامَ الغَرَضِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الِافْتِراءَ ما كانَ غَرَضًا لَهم، بَلْ كانَ لامَ العاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصِ: ٨] . قالَ الواحِدِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ . بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾؛ لِأنَّ وصْفَهُمُ الكَذِبَ هو افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَفَسَّرَ وصْفَهُمُ الكَذِبَ بِالِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أوْعَدَ المُفْتَرِينَ، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ . ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ما هم فِيهِ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا يَزُولُ عَنْهم مِن قَرِيبٍ، فَقالَ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مَتاعُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلْ مَتاعُ كُلِّ الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ ألِيمٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

النحل 16:118

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ لِأهْلِ الإسْلامِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ ما خَصَّ اليَهُودَ بِهِ مِنَ المُحَرَّماتِ، فَقالَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ وهو الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ. ثم قال تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ . وتَفْسِيرُهُ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٦٠] .

النحل 16:119

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . صفحة ١٠٧ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ، ومُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ لا يَمْنَعُهم مِنَ التَّوْبَةِ وحُصُولِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. ولَفْظُ السُّوءِ يَتَناوَلُ كُلَّ ما لا يَنْبَغِي، وهو الكُفْرُ والمَعاصِي، وكُلُّ مَن عَمِلَ السُّوءَ فَإنَّما يَفْعَلُهُ بِالجَهالَةِ، أمّا الكُفْرُ فَلِأنَّ أحَدًا لا يَرْضى بِهِ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ كُفْرًا، فَإنَّهُ ما لَمْ يَعْتَقِدْ كَوْنَ ذَلِكَ المَذْهَبِ حَقًّا وصِدْقًا، فَإنَّهُ لا يَخْتارُهُ ولا يَرْتَضِيهِ، وأمّا المَعْصِيَةُ فَما لَمْ تَصِرِ الشَّهْوَةُ غالِبَةً لِلْعَقْلِ والعِلْمِ لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ تِلْكَ المَعْصِيَةُ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن عَمِلَ السُّوءَ فَإنَّما يُقْدِمُ عَلَيْهِ بِسَبِبِ الجَهالَةِ، فَقالَ تَعالى: إنّا قَدْ بالَغْنا في تَهْدِيدِ أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ يُحَلِّلُونَ ويُحَرِّمُونَ بِمُقْتَضى الشَّهْوَةِ والفِرْيَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنّا بَعْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إنَّ رَبَّكَ في حَقِّ الَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِسَبَبِ الجَهالَةِ، ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ، أيْ مِن بَعْدِ تِلْكَ السَّيِّئَةِ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ تِلْكَ الجَهالَةِ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ التَّوْبَةِ عَنْ تِلْكَ السَّيِّئاتِ أصْلَحُوا، أيْ آمَنُوا وأطاعُوا اللَّهَ. ثُمَّ أعادَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ. ثم قال: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لِذَلِكَ السُّوءِ الَّذِي صَدَرَ عَنْهم بِسَبَبِ الجَهالَةِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ قَدْ أقْدَمَ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي دَهْرًا دَهِيرًا وأمَدًا مَدِيدًا، فَإذا تابَ عَنْهُ وآمَنَ وأتى بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ ويُخَلِّصَهُ مِنَ العَذابِ.

النحل 16:120

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَيَّفَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَذاهِبَ المُشْرِكِينَ في أشْياءَ، مِنها قَوْلُهم: بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ لِلَّهِ تَعالى، ومِنها طَعْنُهم في نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهم: لَوْ أرْسَلَ اللَّهُ رَسُولًا لَكانَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ. ومِنها قَوْلُهم بِتَحْلِيلِ أشْياءَ حَرَّمَها اللَّهُ، وتَحْرِيمِ أشْياءَ أباحَها اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا بالَغَ في إبْطالِ مَذاهِبِهِمْ في هَذِهِ الأقْوالِ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَئِيسَ المُوَحِّدِينَ وقُدْوَةَ الأُصُولِيِّينَ، وهو الَّذِي دَعا النّاسَ إلى التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ وإلى الشَّرائِعِ. والمُشْرِكُونَ كانُوا مُفْتَخِرِينَ بِهِ مُعْتَرِفِينَ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ، مُقِرِّينَ بِوُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، لا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وحَكى عَنْهُ طَرِيقَتَهُ في التَّوْحِيدِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ والرُّجُوعِ عَنِ الشِّرْكِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ كانَ أُمَّةً، وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ وحْدَهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ؛ لِكَمالِهِ في صِفاتِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدٍ صفحة ١٠٨ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُؤْمِنًا وحْدَهُ، والنّاسُ كُلُّهم كانُوا كُفّارًا؛ فَلِهَذا المَعْنى كانَ وحْدَهُ أُمَّةً، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ”يَبْعَثُهُ اللَّهُ أُمَّةً وحْدَهُ“» . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أُمَّةٌ فُعْلَةً بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالرُّحْلَةِ والبُغْيَةِ، فالأُمَّةُ هو الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ؛ ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤] . الرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ جُعِلَتْ أُمَّتُهُ مُمْتازِينَ عَمَّنْ سِواهم بِالتَّوْحِيدِ والدِّينِ الحَقِّ، ولَمّا جَرى مَجْرى السَّبَبِ لِحُصُولِ تِلْكَ الأُمَّةِ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالأُمَّةِ؛ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ لَمْ تَبْقَ أرْضٌ إلّا وفِيها أرْبَعَةَ عَشَرَ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أهْلِ الأرْضِ إلّا زَمَنَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ كانَ وحْدَهُ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ قانِتًا لِلَّهِ، والقانِتُ: هو القائِمُ بِما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: مَعْناهُ كَوْنُهُ مُطِيعًا لِلَّهِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ حَنِيفًا، والحَنِيفُ: المائِلُ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ مَيْلًا لا يَزُولُ عَنْهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ أوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ وأقامَ مَناسِكَ الحَجِّ وضَحّى، وهَذِهِ صِفَةُ الحَنِيفِيَّةِ. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ كانَ مِنَ المُوَحِّدِينَ في الصِّغَرِ والكِبَرِ والَّذِي يُقَرِّرُ كَوْنَهُ كَذِلَكَ أنَّ أكْثَرَ هِمَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في تَقْرِيرِ عِلْمِ الأُصُولِ، فَذَكَرَ دَلِيلَ إثْباتِ الصّانِعِ مَعَ مَلِكِ زَمانِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٨] . ثُمَّ أبْطَلَ عِبادَةَ الأصْنامِ والكَواكِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] . ثُمَّ كَسَرَ تِلْكَ الأصْنامَ حَتّى آلَ الأمْرُ إلى أنْ ألْقَوْهُ في النّارِ، ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُرِيَهُ كَيْفِيَّةَ إحْياءِ المَوْتى؛ لِيَحْصُلَ لَهُ مَزِيدُ الطُّمَأْنِينَةِ، ومَن وقَفَ عَلى عِلْمِ القُرْآنِ عَلِمَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ غارِقًا في بَحْرِ التَّوْحِيدِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ، فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداءَهُ فَإذا هو بِقَوْمٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ، فَدَعاهم إلى الطَّعامِ فَأظْهَرُوا أنَّ بِهِمْ عِلَّةَ الجُذامِ، فَقالَ: الآنَ يَجِبُ عَلَيَّ مُؤاكَلَتُكم، فَلَوْلا عِزَّتُكم عَلى اللَّهِ تَعالى لَما ابْتَلاكم بِهَذا البَلاءِ ! . فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ الأنْعُمِ جَمْعُ قِلَّةٍ، ونِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ كَثِيرَةً. فَلِمَ قالَ: ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ كانَ شاكِرًا لِجَمِيعِ نِعَمِ اللَّهِ إنْ كانَتْ قَلِيلَةً، فَكَيْفَ الكَثِيرَةُ ! الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اجْتَباهُ﴾ أيِ: اصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ. والِاجْتِباءُ: هو أنْ تَأْخُذَ الشَّيْءَ بِالكُلِّيَّةِ، وهو افْتِعالٌ مِن جَبَيْتُ، وأصْلُهُ جَمْعُ الماءِ في الحَوْضِ، والجابِيَةُ: هي الحَوْضُ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والتَّرْغِيبِ في الدِّينِ الحَقِّ، والتَّنْفِيرِ عَنِ الدِّينِ الباطِلِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٣] . الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ حَبَّبَهُ إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَكُلُّ أهْلِ الأدْيانِ يُقِرُّونَ بِهِ، أمّا المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى فَظاهِرٌ، وأمّا كُفّارُ قُرَيْشٍ وسائِرُ العَرَبِ فَلا فَخْرَ لَهم إلّا بِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ أجابَ دُعاءَهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . وقالَ صفحة ١٠٩ آخَرُونَ: هو قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الصِّدْقُ، والوَفاءُ والعِبادَةُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وإنَّهُ في الآخِرَةِ في أعْلى مَقاماتِ الصّالِحِينَ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] . فَقالَ هَهُنا: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى أجابَ دُعاءَهُ ثُمَّ إنَّ كَوْنَهُ مِنَ الصّالِحِينَ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ في أعْلى مَقاماتِ الصّالِحِينَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الصِّفاتِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ قالَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ هو بِهِ مُنْفَرِدٌ، بَلِ المَقْصُودُ مِن بَعْثَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إحْياءُ شَرْعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَوَّلَ في إثْباتِ مَذْهَبِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ كانَ المُرادُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ بِناءً عَلى الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتابِعًا لَهُ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾ عَلى هَذا المَعْنى، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها. قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْرَ بِمُتابَعَتِهِ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ وهو أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسَّهُولَةِ وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ. البحث الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَفْظَةُ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِ مَحَلِّهِ والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ - اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ مِن قَبْلُ، فَإنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ دَلَّتْ عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ عَنْ سائِرِ المَدائِحِ الَّتِي مَدَحَهُ اللَّهُ بِها.

النحل 16:121

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَيَّفَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَذاهِبَ المُشْرِكِينَ في أشْياءَ، مِنها قَوْلُهم: بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ لِلَّهِ تَعالى، ومِنها طَعْنُهم في نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهم: لَوْ أرْسَلَ اللَّهُ رَسُولًا لَكانَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ. ومِنها قَوْلُهم بِتَحْلِيلِ أشْياءَ حَرَّمَها اللَّهُ، وتَحْرِيمِ أشْياءَ أباحَها اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا بالَغَ في إبْطالِ مَذاهِبِهِمْ في هَذِهِ الأقْوالِ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَئِيسَ المُوَحِّدِينَ وقُدْوَةَ الأُصُولِيِّينَ، وهو الَّذِي دَعا النّاسَ إلى التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ وإلى الشَّرائِعِ. والمُشْرِكُونَ كانُوا مُفْتَخِرِينَ بِهِ مُعْتَرِفِينَ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ، مُقِرِّينَ بِوُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، لا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وحَكى عَنْهُ طَرِيقَتَهُ في التَّوْحِيدِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ والرُّجُوعِ عَنِ الشِّرْكِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ كانَ أُمَّةً، وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ وحْدَهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ؛ لِكَمالِهِ في صِفاتِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدٍ صفحة ١٠٨ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُؤْمِنًا وحْدَهُ، والنّاسُ كُلُّهم كانُوا كُفّارًا؛ فَلِهَذا المَعْنى كانَ وحْدَهُ أُمَّةً، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ”يَبْعَثُهُ اللَّهُ أُمَّةً وحْدَهُ“» . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أُمَّةٌ فُعْلَةً بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالرُّحْلَةِ والبُغْيَةِ، فالأُمَّةُ هو الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ؛ ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤] . الرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ جُعِلَتْ أُمَّتُهُ مُمْتازِينَ عَمَّنْ سِواهم بِالتَّوْحِيدِ والدِّينِ الحَقِّ، ولَمّا جَرى مَجْرى السَّبَبِ لِحُصُولِ تِلْكَ الأُمَّةِ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالأُمَّةِ؛ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ لَمْ تَبْقَ أرْضٌ إلّا وفِيها أرْبَعَةَ عَشَرَ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أهْلِ الأرْضِ إلّا زَمَنَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ كانَ وحْدَهُ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ قانِتًا لِلَّهِ، والقانِتُ: هو القائِمُ بِما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: مَعْناهُ كَوْنُهُ مُطِيعًا لِلَّهِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ حَنِيفًا، والحَنِيفُ: المائِلُ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ مَيْلًا لا يَزُولُ عَنْهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ أوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ وأقامَ مَناسِكَ الحَجِّ وضَحّى، وهَذِهِ صِفَةُ الحَنِيفِيَّةِ. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ كانَ مِنَ المُوَحِّدِينَ في الصِّغَرِ والكِبَرِ والَّذِي يُقَرِّرُ كَوْنَهُ كَذِلَكَ أنَّ أكْثَرَ هِمَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في تَقْرِيرِ عِلْمِ الأُصُولِ، فَذَكَرَ دَلِيلَ إثْباتِ الصّانِعِ مَعَ مَلِكِ زَمانِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٨] . ثُمَّ أبْطَلَ عِبادَةَ الأصْنامِ والكَواكِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] . ثُمَّ كَسَرَ تِلْكَ الأصْنامَ حَتّى آلَ الأمْرُ إلى أنْ ألْقَوْهُ في النّارِ، ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُرِيَهُ كَيْفِيَّةَ إحْياءِ المَوْتى؛ لِيَحْصُلَ لَهُ مَزِيدُ الطُّمَأْنِينَةِ، ومَن وقَفَ عَلى عِلْمِ القُرْآنِ عَلِمَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ غارِقًا في بَحْرِ التَّوْحِيدِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ، فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداءَهُ فَإذا هو بِقَوْمٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ، فَدَعاهم إلى الطَّعامِ فَأظْهَرُوا أنَّ بِهِمْ عِلَّةَ الجُذامِ، فَقالَ: الآنَ يَجِبُ عَلَيَّ مُؤاكَلَتُكم، فَلَوْلا عِزَّتُكم عَلى اللَّهِ تَعالى لَما ابْتَلاكم بِهَذا البَلاءِ ! . فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ الأنْعُمِ جَمْعُ قِلَّةٍ، ونِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ كَثِيرَةً. فَلِمَ قالَ: ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ كانَ شاكِرًا لِجَمِيعِ نِعَمِ اللَّهِ إنْ كانَتْ قَلِيلَةً، فَكَيْفَ الكَثِيرَةُ ! الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اجْتَباهُ﴾ أيِ: اصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ. والِاجْتِباءُ: هو أنْ تَأْخُذَ الشَّيْءَ بِالكُلِّيَّةِ، وهو افْتِعالٌ مِن جَبَيْتُ، وأصْلُهُ جَمْعُ الماءِ في الحَوْضِ، والجابِيَةُ: هي الحَوْضُ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والتَّرْغِيبِ في الدِّينِ الحَقِّ، والتَّنْفِيرِ عَنِ الدِّينِ الباطِلِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٣] . الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ حَبَّبَهُ إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَكُلُّ أهْلِ الأدْيانِ يُقِرُّونَ بِهِ، أمّا المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى فَظاهِرٌ، وأمّا كُفّارُ قُرَيْشٍ وسائِرُ العَرَبِ فَلا فَخْرَ لَهم إلّا بِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ أجابَ دُعاءَهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . وقالَ صفحة ١٠٩ آخَرُونَ: هو قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الصِّدْقُ، والوَفاءُ والعِبادَةُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وإنَّهُ في الآخِرَةِ في أعْلى مَقاماتِ الصّالِحِينَ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] . فَقالَ هَهُنا: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى أجابَ دُعاءَهُ ثُمَّ إنَّ كَوْنَهُ مِنَ الصّالِحِينَ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ في أعْلى مَقاماتِ الصّالِحِينَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الصِّفاتِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ قالَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ هو بِهِ مُنْفَرِدٌ، بَلِ المَقْصُودُ مِن بَعْثَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إحْياءُ شَرْعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَوَّلَ في إثْباتِ مَذْهَبِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ كانَ المُرادُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ بِناءً عَلى الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتابِعًا لَهُ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾ عَلى هَذا المَعْنى، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها. قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْرَ بِمُتابَعَتِهِ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ وهو أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسَّهُولَةِ وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ. البحث الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَفْظَةُ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِ مَحَلِّهِ والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ - اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ مِن قَبْلُ، فَإنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ دَلَّتْ عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ عَنْ سائِرِ المَدائِحِ الَّتِي مَدَحَهُ اللَّهُ بِها.

النحل 16:122

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَيَّفَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَذاهِبَ المُشْرِكِينَ في أشْياءَ، مِنها قَوْلُهم: بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ لِلَّهِ تَعالى، ومِنها طَعْنُهم في نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهم: لَوْ أرْسَلَ اللَّهُ رَسُولًا لَكانَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ. ومِنها قَوْلُهم بِتَحْلِيلِ أشْياءَ حَرَّمَها اللَّهُ، وتَحْرِيمِ أشْياءَ أباحَها اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا بالَغَ في إبْطالِ مَذاهِبِهِمْ في هَذِهِ الأقْوالِ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَئِيسَ المُوَحِّدِينَ وقُدْوَةَ الأُصُولِيِّينَ، وهو الَّذِي دَعا النّاسَ إلى التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ وإلى الشَّرائِعِ. والمُشْرِكُونَ كانُوا مُفْتَخِرِينَ بِهِ مُعْتَرِفِينَ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ، مُقِرِّينَ بِوُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، لا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وحَكى عَنْهُ طَرِيقَتَهُ في التَّوْحِيدِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ والرُّجُوعِ عَنِ الشِّرْكِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ كانَ أُمَّةً، وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ وحْدَهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ؛ لِكَمالِهِ في صِفاتِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدٍ صفحة ١٠٨ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُؤْمِنًا وحْدَهُ، والنّاسُ كُلُّهم كانُوا كُفّارًا؛ فَلِهَذا المَعْنى كانَ وحْدَهُ أُمَّةً، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ”يَبْعَثُهُ اللَّهُ أُمَّةً وحْدَهُ“» . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أُمَّةٌ فُعْلَةً بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالرُّحْلَةِ والبُغْيَةِ، فالأُمَّةُ هو الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ؛ ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤] . الرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ جُعِلَتْ أُمَّتُهُ مُمْتازِينَ عَمَّنْ سِواهم بِالتَّوْحِيدِ والدِّينِ الحَقِّ، ولَمّا جَرى مَجْرى السَّبَبِ لِحُصُولِ تِلْكَ الأُمَّةِ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالأُمَّةِ؛ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ لَمْ تَبْقَ أرْضٌ إلّا وفِيها أرْبَعَةَ عَشَرَ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أهْلِ الأرْضِ إلّا زَمَنَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ كانَ وحْدَهُ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ قانِتًا لِلَّهِ، والقانِتُ: هو القائِمُ بِما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: مَعْناهُ كَوْنُهُ مُطِيعًا لِلَّهِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ حَنِيفًا، والحَنِيفُ: المائِلُ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ مَيْلًا لا يَزُولُ عَنْهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ أوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ وأقامَ مَناسِكَ الحَجِّ وضَحّى، وهَذِهِ صِفَةُ الحَنِيفِيَّةِ. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ كانَ مِنَ المُوَحِّدِينَ في الصِّغَرِ والكِبَرِ والَّذِي يُقَرِّرُ كَوْنَهُ كَذِلَكَ أنَّ أكْثَرَ هِمَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في تَقْرِيرِ عِلْمِ الأُصُولِ، فَذَكَرَ دَلِيلَ إثْباتِ الصّانِعِ مَعَ مَلِكِ زَمانِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٨] . ثُمَّ أبْطَلَ عِبادَةَ الأصْنامِ والكَواكِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] . ثُمَّ كَسَرَ تِلْكَ الأصْنامَ حَتّى آلَ الأمْرُ إلى أنْ ألْقَوْهُ في النّارِ، ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُرِيَهُ كَيْفِيَّةَ إحْياءِ المَوْتى؛ لِيَحْصُلَ لَهُ مَزِيدُ الطُّمَأْنِينَةِ، ومَن وقَفَ عَلى عِلْمِ القُرْآنِ عَلِمَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ غارِقًا في بَحْرِ التَّوْحِيدِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ، فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداءَهُ فَإذا هو بِقَوْمٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ، فَدَعاهم إلى الطَّعامِ فَأظْهَرُوا أنَّ بِهِمْ عِلَّةَ الجُذامِ، فَقالَ: الآنَ يَجِبُ عَلَيَّ مُؤاكَلَتُكم، فَلَوْلا عِزَّتُكم عَلى اللَّهِ تَعالى لَما ابْتَلاكم بِهَذا البَلاءِ ! . فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ الأنْعُمِ جَمْعُ قِلَّةٍ، ونِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ كَثِيرَةً. فَلِمَ قالَ: ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ كانَ شاكِرًا لِجَمِيعِ نِعَمِ اللَّهِ إنْ كانَتْ قَلِيلَةً، فَكَيْفَ الكَثِيرَةُ ! الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اجْتَباهُ﴾ أيِ: اصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ. والِاجْتِباءُ: هو أنْ تَأْخُذَ الشَّيْءَ بِالكُلِّيَّةِ، وهو افْتِعالٌ مِن جَبَيْتُ، وأصْلُهُ جَمْعُ الماءِ في الحَوْضِ، والجابِيَةُ: هي الحَوْضُ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والتَّرْغِيبِ في الدِّينِ الحَقِّ، والتَّنْفِيرِ عَنِ الدِّينِ الباطِلِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٣] . الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ حَبَّبَهُ إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَكُلُّ أهْلِ الأدْيانِ يُقِرُّونَ بِهِ، أمّا المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى فَظاهِرٌ، وأمّا كُفّارُ قُرَيْشٍ وسائِرُ العَرَبِ فَلا فَخْرَ لَهم إلّا بِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ أجابَ دُعاءَهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . وقالَ صفحة ١٠٩ آخَرُونَ: هو قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الصِّدْقُ، والوَفاءُ والعِبادَةُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وإنَّهُ في الآخِرَةِ في أعْلى مَقاماتِ الصّالِحِينَ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] . فَقالَ هَهُنا: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى أجابَ دُعاءَهُ ثُمَّ إنَّ كَوْنَهُ مِنَ الصّالِحِينَ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ في أعْلى مَقاماتِ الصّالِحِينَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الصِّفاتِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ قالَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ هو بِهِ مُنْفَرِدٌ، بَلِ المَقْصُودُ مِن بَعْثَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إحْياءُ شَرْعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَوَّلَ في إثْباتِ مَذْهَبِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ كانَ المُرادُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ بِناءً عَلى الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتابِعًا لَهُ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾ عَلى هَذا المَعْنى، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها. قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْرَ بِمُتابَعَتِهِ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ وهو أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسَّهُولَةِ وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ. البحث الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَفْظَةُ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِ مَحَلِّهِ والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ - اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ مِن قَبْلُ، فَإنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ دَلَّتْ عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ عَنْ سائِرِ المَدائِحِ الَّتِي مَدَحَهُ اللَّهُ بِها.

النحل 16:123

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَيَّفَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَذاهِبَ المُشْرِكِينَ في أشْياءَ، مِنها قَوْلُهم: بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ لِلَّهِ تَعالى، ومِنها طَعْنُهم في نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهم: لَوْ أرْسَلَ اللَّهُ رَسُولًا لَكانَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ. ومِنها قَوْلُهم بِتَحْلِيلِ أشْياءَ حَرَّمَها اللَّهُ، وتَحْرِيمِ أشْياءَ أباحَها اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا بالَغَ في إبْطالِ مَذاهِبِهِمْ في هَذِهِ الأقْوالِ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَئِيسَ المُوَحِّدِينَ وقُدْوَةَ الأُصُولِيِّينَ، وهو الَّذِي دَعا النّاسَ إلى التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ وإلى الشَّرائِعِ. والمُشْرِكُونَ كانُوا مُفْتَخِرِينَ بِهِ مُعْتَرِفِينَ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ، مُقِرِّينَ بِوُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، لا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وحَكى عَنْهُ طَرِيقَتَهُ في التَّوْحِيدِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ والرُّجُوعِ عَنِ الشِّرْكِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ كانَ أُمَّةً، وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ وحْدَهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ؛ لِكَمالِهِ في صِفاتِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدٍ صفحة ١٠٨ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُؤْمِنًا وحْدَهُ، والنّاسُ كُلُّهم كانُوا كُفّارًا؛ فَلِهَذا المَعْنى كانَ وحْدَهُ أُمَّةً، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ”يَبْعَثُهُ اللَّهُ أُمَّةً وحْدَهُ“» . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أُمَّةٌ فُعْلَةً بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالرُّحْلَةِ والبُغْيَةِ، فالأُمَّةُ هو الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ؛ ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤] . الرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ جُعِلَتْ أُمَّتُهُ مُمْتازِينَ عَمَّنْ سِواهم بِالتَّوْحِيدِ والدِّينِ الحَقِّ، ولَمّا جَرى مَجْرى السَّبَبِ لِحُصُولِ تِلْكَ الأُمَّةِ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالأُمَّةِ؛ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ لَمْ تَبْقَ أرْضٌ إلّا وفِيها أرْبَعَةَ عَشَرَ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أهْلِ الأرْضِ إلّا زَمَنَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ كانَ وحْدَهُ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ قانِتًا لِلَّهِ، والقانِتُ: هو القائِمُ بِما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: مَعْناهُ كَوْنُهُ مُطِيعًا لِلَّهِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ حَنِيفًا، والحَنِيفُ: المائِلُ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ مَيْلًا لا يَزُولُ عَنْهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ أوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ وأقامَ مَناسِكَ الحَجِّ وضَحّى، وهَذِهِ صِفَةُ الحَنِيفِيَّةِ. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ كانَ مِنَ المُوَحِّدِينَ في الصِّغَرِ والكِبَرِ والَّذِي يُقَرِّرُ كَوْنَهُ كَذِلَكَ أنَّ أكْثَرَ هِمَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في تَقْرِيرِ عِلْمِ الأُصُولِ، فَذَكَرَ دَلِيلَ إثْباتِ الصّانِعِ مَعَ مَلِكِ زَمانِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٨] . ثُمَّ أبْطَلَ عِبادَةَ الأصْنامِ والكَواكِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] . ثُمَّ كَسَرَ تِلْكَ الأصْنامَ حَتّى آلَ الأمْرُ إلى أنْ ألْقَوْهُ في النّارِ، ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُرِيَهُ كَيْفِيَّةَ إحْياءِ المَوْتى؛ لِيَحْصُلَ لَهُ مَزِيدُ الطُّمَأْنِينَةِ، ومَن وقَفَ عَلى عِلْمِ القُرْآنِ عَلِمَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ غارِقًا في بَحْرِ التَّوْحِيدِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ، فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداءَهُ فَإذا هو بِقَوْمٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ، فَدَعاهم إلى الطَّعامِ فَأظْهَرُوا أنَّ بِهِمْ عِلَّةَ الجُذامِ، فَقالَ: الآنَ يَجِبُ عَلَيَّ مُؤاكَلَتُكم، فَلَوْلا عِزَّتُكم عَلى اللَّهِ تَعالى لَما ابْتَلاكم بِهَذا البَلاءِ ! . فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ الأنْعُمِ جَمْعُ قِلَّةٍ، ونِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ كَثِيرَةً. فَلِمَ قالَ: ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ كانَ شاكِرًا لِجَمِيعِ نِعَمِ اللَّهِ إنْ كانَتْ قَلِيلَةً، فَكَيْفَ الكَثِيرَةُ ! الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اجْتَباهُ﴾ أيِ: اصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ. والِاجْتِباءُ: هو أنْ تَأْخُذَ الشَّيْءَ بِالكُلِّيَّةِ، وهو افْتِعالٌ مِن جَبَيْتُ، وأصْلُهُ جَمْعُ الماءِ في الحَوْضِ، والجابِيَةُ: هي الحَوْضُ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والتَّرْغِيبِ في الدِّينِ الحَقِّ، والتَّنْفِيرِ عَنِ الدِّينِ الباطِلِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٣] . الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ حَبَّبَهُ إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَكُلُّ أهْلِ الأدْيانِ يُقِرُّونَ بِهِ، أمّا المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى فَظاهِرٌ، وأمّا كُفّارُ قُرَيْشٍ وسائِرُ العَرَبِ فَلا فَخْرَ لَهم إلّا بِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ أجابَ دُعاءَهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . وقالَ صفحة ١٠٩ آخَرُونَ: هو قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الصِّدْقُ، والوَفاءُ والعِبادَةُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وإنَّهُ في الآخِرَةِ في أعْلى مَقاماتِ الصّالِحِينَ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] . فَقالَ هَهُنا: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى أجابَ دُعاءَهُ ثُمَّ إنَّ كَوْنَهُ مِنَ الصّالِحِينَ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ في أعْلى مَقاماتِ الصّالِحِينَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الصِّفاتِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ قالَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ هو بِهِ مُنْفَرِدٌ، بَلِ المَقْصُودُ مِن بَعْثَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إحْياءُ شَرْعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَوَّلَ في إثْباتِ مَذْهَبِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ كانَ المُرادُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ بِناءً عَلى الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتابِعًا لَهُ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾ عَلى هَذا المَعْنى، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها. قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْرَ بِمُتابَعَتِهِ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ وهو أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسَّهُولَةِ وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ. البحث الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَفْظَةُ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِ مَحَلِّهِ والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ - اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ مِن قَبْلُ، فَإنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ دَلَّتْ عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ عَنْ سائِرِ المَدائِحِ الَّتِي مَدَحَهُ اللَّهُ بِها.

النحل 16:124

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِمُتابَعَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتارَ يَوْمَ صفحة ١١٠ الجُمُعَةِ، فَهَذِهِ المُتابَعَةُ إنَّما تَحْصُلُ إذا قُلْنا: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدِ اخْتارَ في شَرْعِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وعِنْدَ هَذا لِسائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلِمَ اخْتارَ اليَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وفي الآيَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: أمَرَهم مُوسى بِالجُمُعَةِ، وقالَ: تَفَرَّغُوا لِلَّهِ في كُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ يَوْمًا واحِدًا وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ لا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا مِن أعْمالِكم، فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لا نُرِيدُ إلّا اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ وهو يَوْمُ السَّبْتِ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى السَّبْتَ لَهم وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ثُمَّ جاءَهم عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْضًا بِالجُمُعَةِ، فَقالَتِ النَّصارى: لا نُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِيدُهم بَعْدَ عِيدِنا واتَّخَذُوا الأحَدَ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ كَتَبَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا فاخْتَلَفُوا فِيهِ، وهَدانا اللَّهُ لَهُ، فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» “ . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ عَلى نَبِيِّهِمْ مُوسى حَيْثُ أمَرَهم بِالجُمُعَةِ فاخْتارُوا السَّبْتَ، فاخْتِلافُهم في السَّبْتِ كانَ اخْتِلافًا عَلى نَبِيِّهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أيْ: لِأجْلِهِ، ولَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ بِالسَّبْتِ، ومِنهم مَن لَمْ يَقُلْ بِهِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ، فَلا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ بِهَذا، بَلِ الصَّحِيحُ ما قَدَّمْناهُ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَلْ في العَقْلِ وجْهٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ أفْضَلُ مِن يَوْمِ السَّبْتِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ المِلَلِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العالَمَ في سِتَّةِ أيّامٍ، وبَدَأ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّكْوِينِ مِن يَوْمِ الأحَدِ، وتَمَّ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَكانَ يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمَ الفَراغِ، فَقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ نُوافِقُ رَبَّنا في تَرْكِ الأعْمالِ، فَعَيَّنُوا السَّبْتَ لِهَذا المَعْنى، وقالَتِ النَّصارى: مَبْدَأُ الخَلْقِ والتَّكْوِينِ هو يَوْمُ الأحَدِ، فَنَجْعَلُ هَذا اليَوْمَ عِيدًا لَنا، فَهَذانَ الوجه انِ مَعْقُولانِ، فَما الوجه في جَعْلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ عِيدًا لَنا ؟ قُلْنا: يَوْمُ الجُمُعَةِ هو يَوْمُ الكَمالِ والتَّمامِ، وحُصُولُ التَّمامِ والكَمالِ يُوجِبُ الفَرَحَ الكامِلَ والسُّرُورَ العَظِيمَ، فَجَعْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ يَوْمَ العِيدِ أوْلى مِن هَذا الوجه، واللَّهُ أعْلَمُ. والقَوْلُ الثّانِي في اخْتِلافِهِمْ في السَّبْتِ: أنَّهم أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ تارَةً، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا في تَحْرِيمِهِ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ. ثم قال تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى سَيَحْكُمُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْمُحِقِّينَ بِالثَّوابِ، ولِلْمُبْطِلِينَ بِالعِقابِ.

النحل 16:125

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ . صفحة ١١١ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِاتِّباعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي أمَرَهُ بِمُتابَعَتِهِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ النّاسَ بِأحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ: وهي الحِكْمَةُ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، والمُجادَلَةُ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الجَدَلَ في آيَةٍ أُخْرى، فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٦] . ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الطُّرُقَ الثَّلاثَةَ وعَطَفَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ - وجَبَ أنْ تَكُونَ طُرُقًا مُتَغايِرَةً مُتَبايِنَةً، وما رَأيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ كَلامًا مُلَخَّصًا مَضْبُوطًا. واعْلَمْ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى المَذْهَبِ والمَقالَةِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلى حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الحُجَّةِ، إمّا تَقْرِيرُ ذَلِكَ المَذْهَبِ وذَلِكَ الِاعْتِقادِ في قُلُوبِ المُسْتَمِعِينَ، وإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ إلْزامَ الخَصْمِ وإفْحامَهُ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَيَنْقَسِمُ أيْضًا إلى قِسْمَيْنِ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ إمّا أنْ تَكُونَ حُجَّةً حَقِيقِيَّةً يَقِينِيَّةً قَطْعِيَّةً، مُبَرَّأةً عَنِ احْتِمالِ النَّقِيضِ، وإمّا أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ حُجَّةً تُفِيدُ الظَّنَّ الظّاهِرَ والإقْناعَ الكامِلَ، فَظَهَرَ بِهَذا التَّقْسِيمِ انْحِصارُ الحُجَجِ في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ: أوَّلُها: الحُجَّةُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْعَقائِدِ اليَقِينِيَّةِ، وذَلِكَ هو المُسَمّى بِالحِكْمَةِ، وهَذِهِ أشْرَفُ الدَّرَجاتِ وأعْلى المَقاماتِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ في صِفَتِها: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩] . وثانِيها: الأماراتُ الظَّنِّيَّةُ والدَّلائِلُ الإقْناعِيَّةُ وهي المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ. وثالِثُها: الدَّلائِلُ الَّتِي يَكُونُ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِها إلْزامَ الخُصُومِ وإفْحامَهم، وذَلِكَ هو الجَدَلُ، ثُمَّ هَذا الجَدَلُ عَلى قِسْمَيْنِ: القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ دَلِيلًا مُرَكَّبًا مِن مُقَدِّماتٍ مُسَلَّمَةٍ في المَشْهُورِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، أوْ مِن مُقَدَّماتٍ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ القائِلِ، وهَذا الجَدَلُ هو الجَدَلُ الواقِعُ عَلى الوجه الأحْسَنِ. القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُوُنَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ مُرَكَّبًا مِن مُقَدِّماتٍ باطِلَةٍ فاسِدَةٍ إلّا أنَّ قائِلَها يُحاوِلُ تَرْوِيجَها عَلى المُسْتَمِعِينَ بِالسَّفاهَةِ والشَّغَبِ والحِيَلِ الباطِلَةِ والطُّرُقِ الفاسِدَةِ، وهَذا القِسْمُ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الفَضْلِ، إنَّما اللّائِقُ بِهِمْ هو القِسْمُ الأوَّلُ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا انْحِصارُ الدَّلائِلِ والحُجَجِ في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أهْلُ العِلْمِ ثَلاثُ طَوائِفَ: الكامِلُونَ الطّالِبُونَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ، والمُكالَمَةُ مَعَ هَؤُلاءِ لا تُمْكِنُ إلّا بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ اليَقِينِيَّةِ وهي الحِكْمَةُ. والقِسْمُ الثّانِي: الَّذِينَ تَغْلِبُ عَلى طِباعِهِمُ المُشاغَبَةُ والمُخاصَمَةُ، لا طَلَبُ المَعْرِفَةِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ، والمُكالَمَةُ اللّائِقَةُ بِهَؤُلاءِ المُجادَلَةُ الَّتِي تُفِيدُ الإفْحامَ والإلْزامَ. وهَذانِ القِسْمانِ هُما الطَّرَفانِ؛ فالأوَّلُ هو طَرَفُ الكَمالِ، والثّانِي طَرَفُ النُّقْصانِ. وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: فَهو الواسِطَةُ، وهُمُ الَّذِينَ ما بَلَغُوا في الكَمالِ إلى حَدِّ الحُكَماءِ المُحَقِّقِينَ، وفي النُّقْصانِ والرَّذالَةِ إلى حَدِّ المُشاغِبِينَ المُخاصِمِينَ، بَلْ هم أقْوامٌ بَقُوا عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ والسَّلامَةِ الخِلْقِيَّةِ، وما بَلَغُوا إلى دَرَجَةِ الِاسْتِعْدادِ لِفَهْمِ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والمَعارِفِ الحُكْمِيَّةِ، والمُكالَمَةُ مَعَ هَؤُلاءِ لا تُمْكِنُ إلّا صفحة ١١٢ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وأدْناها المُجادَلَةُ. وأعْلى مَراتِبِ الخَلائِقِ الحُكَماءُ المُحَقِّقُونَ، وأوْسَطُهم عامَّةُ الخَلْقِ وهم أرْبابُ السَّلامَةِ، وفِيهِمُ الكَثْرَةُ والغَلَبَةُ، وأدْنى المَراتِبِ الَّذِينَ جُبِلُوا عَلى طَبِيعَةِ المُنازَعَةِ والمُخاصَمَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ مَعْناهُ: ادْعُ الأقْوِياءَ الكامِلِينَ إلى الدِّينِ الحَقِّ بِالحِكْمَةِ، وهي البَراهِينُ القَطْعِيَّةُ اليَقِينِيَّةُ - وعَوامَّ الخَلْقِ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وهي الدَّلائِلُ اليَقِينِيَّةُ الإقْناعِيَّةُ الظَّنِّيَّةُ. والتَّكَلُّمُ مَعَ المُشاغِبِينَ بِالجَدَلِ عَلى الطَّرِيقِ الأحْسَنِ الأكْمَلِ. ومِن لَطائِفِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ فَقَصَرَ الدَّعْوَةَ عَلى ذِكْرِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إنْ كانَتْ بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ فَهي الحِكْمَةُ، وإنْ كانَتْ بِالدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ فَهي المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، أمّا الجَدَلُ فَلَيْسَ مِن بابِ الدَّعْوَةِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ غَرَضٌ آخَرُ مُغايِرٌ لِلدَّعْوَةِ وهو الإلْزامُ والإفْحامُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ: ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ والجَدَلِ الأحْسَنِ، بَلْ قَطَعَ الجَدَلَ عَنْ بابِ الدَّعْوَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الدَّعْوَةُ، وإنَّما الغَرَضُ مِنهُ شَيْءٌ آخَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَباحِثَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أدْرَجَ في هَذِهِ الآيَةِ هَذِهِ الأسْرارَ العالِيَةَ الشَّرِيفَةَ، مَعَ أنَّ أْكَثْرَ الخَلْقِ كانُوا غافِلِينَ عَنْها، فَظَهَرَ أنَّ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ لا يَهْتَدِي إلى ما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ إلّا مَن كانَ مِن خَواصِّ أُولِي الأبْصارِ. ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّكَ مُكَلَّفٌ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ، فَأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِكَ، فَهو تَعالى أعْلَمُ بِالضّالِّينَ وأعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ. والَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ جَواهِرَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ، فَبَعْضُها نُفُوسٌ مُشْرِقَةٌ صافِيَةٌ قَلِيلَةُ التَّعَلُّقِ بِالجُسْمانِيّاتِ كَثِيرَةُ الِانْجِذابِ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ. وبَعْضُها مُظْلِمَةٌ كَدِرَةٌ قَوِيَّةُ التَّعَلُّقِ بِالجُسْمانِيّاتِ عَدِيمَةُ الِالتِفاتِ إلى الرُّوحانِيّاتِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الِاسْتِعْداداتُ مِن لَوازِمِ جَواهِرِها، لا جَرَمَ يَمْتَنِعُ انْقِلابُها وزَوالُها؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: اشْتَغِلْ أنْتَ بِالدَّعْوَةِ ولا تَطْمَعُ في حُصُولِ الهِدايَةِ لِلْكُلِّ، فَإنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِضَلالِ النُّفُوسِ الضّالَّةِ الجاهِلَةِ وبِإشْراقِ النُّفُوسِ المُشْرِقَةِ الصّافِيَةِ، فَلِكُلِّ نَفْسٍ فِطْرَةٌ مَخْصُوصَةٌ وماهِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ، كَما قالَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ: ٣٠] . واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:126

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: صفحة ١١٣ القَوْلُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ العامَّةُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى حَمْزَةَ وقَدْ مَثَّلُوا بِهِ قالَ: ”واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ“ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ فَكَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأمْسَكَ عَمّا أرادَ» . وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في رِوايَةِ عَطاءٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والشَّعْبِيِّ. وعَلى هَذا قالُوا: إنَّ سُورَةَ النَّحْلِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ إلّا هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالسَّيْفِ والجِهادِ، حِينَ كانَ المُسْلِمُونَ قَدْ أُمِرُوا بِالقِتالِ مَعَ مَن يُقاتِلُهم ولا يَبْدَءُوا بِالقِتالِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٠] . وفي هَذِهِ الآيَةِ أمَرَ اللَّهُ بِأنْ يُعاقِبُوا بِمِثْلِ ما يُصِيبُهم مِنَ العُقُوبَةِ ولا يَزِيدُوا. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ نَهْيُ المَظْلُومِ عَنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ وابْنِ سِيرِينَ. قالَ ابْنُ سِيرِينَ: إنْ أخَذَ مِنكَ رَجَلٌ شَيْئًا فَخُذْ مِنهُ مِثْلَهُ، وأقُولُ: إنَّ حَمْلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قِصَّةٍ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها يُوجِبُ حُصُولَ سُوءِ التَّرْتِيبِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ يُطْرِقُ الطَّعْنَ إلَيْهِ وهو في غايَةِ البُعْدِ، بَلِ الأصْوَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَدْعُوَ الخَلْقَ إلى الدِّينِ الحَقِّ بِأحَدِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ: وهي الحِكْمَةُ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، والجِدالُ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ تَتَضَمَّنُ أمْرَهم بِالرُّجُوعِ عَنْ دِينِ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ، وبِالإعْراضِ عَنْهُ والحكم عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والضَّلالَةِ، وذَلِكَ مِمّا يُشَوِّشُ القُلُوبَ ويُوحِشُ الصُّدُورَ، ويَحْمِلُ أكْثَرَ المُسْتَمِعِينَ عَلى قَصْدِ ذَلِكَ الدّاعِي بِالقَتْلِ تارَةً، وبِالضَّرْبِ ثانِيًا، وبِالشَّتْمِ ثالِثًا، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المُحِقَّ إذا شاهَدَ تِلْكَ السَّفاهاتِ، وسَمِعَ تِلْكَ المُشاغَباتِ لا بُدَّ وأنْ يَحْمِلَهُ طَبْعُهُ عَلى تَأْدِيبِ أُولَئِكَ السُّفَهاءِ تارَةً بِالقَتْلِ وتارَةً بِالضَّرْبِ، فَعِنْدَ هَذا أمَرَ المُحِقِّينَ في هَذا المَقامِ بِرِعايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ وتَرْكِ الزِّيادَةِ، فَهَذا هو الوجه الصَّحِيحُ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقْدَحُونَ فِيما رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَرَكَ العَزْمَ عَلى المُثْلَةِ، وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ» بِسَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ ؟ قُلْنا: لا حاجَةَ إلى القَدْحِ في تِلْكَ الرِّوايَةِ، لِأنّا نَقُولُ: تِلْكَ الواقِعَةُ داخِلَةٌ في عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، فَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ في تِلْكَ الواقِعَةِ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، إنَّما الَّذِي يُنازَعُ فِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ قَصْرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ سُوءَ التَّرْتِيبِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى. المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِرِعايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ في هَذِهِ الآيَةِ ورَتَّبَ ذَلِكَ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي: إنْ رَغِبْتُمْ في اسْتِيفاءِ القِصاصِ فاقْنَعُوا بِالمِثْلِ ولا تَزِيدُوا عَلَيْهِ، فَإنَّ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ ظُلْمٌ، والظُّلْمُ مَمْنُوعٌ مِنهُ في عَدْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأوْلى لَهُ أنْ لا يَفْعَلَ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ لِلْمَرِيضِ: إنْ كُنْتَ تَأْكُلُ الفاكِهَةَ فَكُلِ التُّفّاحَ، كانَ مَعْناهُ: أنَّ الأوْلى بِكَ أنْ لا تَأْكُلَهُ، فَذَكَرَ تَعالى بِطَرِيقِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ عَلى أنَّ الأوْلى تَرْكُهُ. والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: الِانْتِقالُ مِنَ التَّعْرِيضِ إلى التَّصْرِيحِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ . وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الأوْلى تَرْكُ ذَلِكَ الِانْتِقامِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ أفْضَلُ مِنَ القَسْوَةِ، والإنْفاعَ أفْضَلُ مِنَ الإيلامِ. صفحة ١١٤ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: وهو وُرُودُ الأمْرِ بِالجَزْمِ بِالتَّرْكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ﴾؛ لِأنَّهُ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ أنَّ التَّرْكَ خَيْرٌ وأوْلى، وفي هَذِهِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ صَرَّحَ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ، ولَمّا كانَ الصَّبْرُ في هَذا المَقامِ شاقًّا شَدِيدًا ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يُفِيدُ سُهُولَتَهُ، فَقالَ: ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِتَوْفِيقِهِ ومَعُونَتِهِ، وهَذا هو السَّبَبُ الكُلِّيُّ الأصْلِيُّ المُفِيدُ في حُصُولِ الصَّبْرِ، وفي حُصُولِ جَمِيعِ أنْواعِ الطّاعاتِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ الكُلِّيَّ الأصْلِيَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو السَّبَبُ الجُزْئِيُّ القَرِيبُ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى الِانْتِقامِ، وعَلى إنْزالِ الضَّرَرِ بِالغَيْرِ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ هَيَجانِ الغَضَبِ، وشِدَّةُ الغَضَبِ لا تَحْصُلُ إلّا لِأحَدِ أمْرَيْنِ: أحَدَهُما: فَواتُ نَفْعٍ كانَ حاصِلًا في الماضِي، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: ولا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، ومَعْناهُ: لا تَحْزَنْ بِسَبَبِ فَوْتِ أُولَئِكَ الأصْدِقاءِ. ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى فَوْتِ النَّفْعِ. والسَّبَبُ الثّانِي: لِشِدَّةِ الغَضَبِ تَوَقُّعُ ضَرَرٍ في المُسْتَقْبَلِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾، ومَن وقَفَ عَلى هَذِهِ اللَّطائِفِ عَرَفَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ كَلامٌ أدْخَلُ في الحُسْنِ والضَّبْطِ مِن هَذا الكَلامِ.

النحل 16:127

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: صفحة ١١٣ القَوْلُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ العامَّةُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى حَمْزَةَ وقَدْ مَثَّلُوا بِهِ قالَ: ”واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ“ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ فَكَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأمْسَكَ عَمّا أرادَ» . وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في رِوايَةِ عَطاءٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والشَّعْبِيِّ. وعَلى هَذا قالُوا: إنَّ سُورَةَ النَّحْلِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ إلّا هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالسَّيْفِ والجِهادِ، حِينَ كانَ المُسْلِمُونَ قَدْ أُمِرُوا بِالقِتالِ مَعَ مَن يُقاتِلُهم ولا يَبْدَءُوا بِالقِتالِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٠] . وفي هَذِهِ الآيَةِ أمَرَ اللَّهُ بِأنْ يُعاقِبُوا بِمِثْلِ ما يُصِيبُهم مِنَ العُقُوبَةِ ولا يَزِيدُوا. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ نَهْيُ المَظْلُومِ عَنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ وابْنِ سِيرِينَ. قالَ ابْنُ سِيرِينَ: إنْ أخَذَ مِنكَ رَجَلٌ شَيْئًا فَخُذْ مِنهُ مِثْلَهُ، وأقُولُ: إنَّ حَمْلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قِصَّةٍ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها يُوجِبُ حُصُولَ سُوءِ التَّرْتِيبِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ يُطْرِقُ الطَّعْنَ إلَيْهِ وهو في غايَةِ البُعْدِ، بَلِ الأصْوَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَدْعُوَ الخَلْقَ إلى الدِّينِ الحَقِّ بِأحَدِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ: وهي الحِكْمَةُ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، والجِدالُ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ تَتَضَمَّنُ أمْرَهم بِالرُّجُوعِ عَنْ دِينِ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ، وبِالإعْراضِ عَنْهُ والحكم عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والضَّلالَةِ، وذَلِكَ مِمّا يُشَوِّشُ القُلُوبَ ويُوحِشُ الصُّدُورَ، ويَحْمِلُ أكْثَرَ المُسْتَمِعِينَ عَلى قَصْدِ ذَلِكَ الدّاعِي بِالقَتْلِ تارَةً، وبِالضَّرْبِ ثانِيًا، وبِالشَّتْمِ ثالِثًا، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المُحِقَّ إذا شاهَدَ تِلْكَ السَّفاهاتِ، وسَمِعَ تِلْكَ المُشاغَباتِ لا بُدَّ وأنْ يَحْمِلَهُ طَبْعُهُ عَلى تَأْدِيبِ أُولَئِكَ السُّفَهاءِ تارَةً بِالقَتْلِ وتارَةً بِالضَّرْبِ، فَعِنْدَ هَذا أمَرَ المُحِقِّينَ في هَذا المَقامِ بِرِعايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ وتَرْكِ الزِّيادَةِ، فَهَذا هو الوجه الصَّحِيحُ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقْدَحُونَ فِيما رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَرَكَ العَزْمَ عَلى المُثْلَةِ، وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ» بِسَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ ؟ قُلْنا: لا حاجَةَ إلى القَدْحِ في تِلْكَ الرِّوايَةِ، لِأنّا نَقُولُ: تِلْكَ الواقِعَةُ داخِلَةٌ في عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، فَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ في تِلْكَ الواقِعَةِ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، إنَّما الَّذِي يُنازَعُ فِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ قَصْرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ سُوءَ التَّرْتِيبِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى. المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِرِعايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ في هَذِهِ الآيَةِ ورَتَّبَ ذَلِكَ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي: إنْ رَغِبْتُمْ في اسْتِيفاءِ القِصاصِ فاقْنَعُوا بِالمِثْلِ ولا تَزِيدُوا عَلَيْهِ، فَإنَّ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ ظُلْمٌ، والظُّلْمُ مَمْنُوعٌ مِنهُ في عَدْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأوْلى لَهُ أنْ لا يَفْعَلَ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ لِلْمَرِيضِ: إنْ كُنْتَ تَأْكُلُ الفاكِهَةَ فَكُلِ التُّفّاحَ، كانَ مَعْناهُ: أنَّ الأوْلى بِكَ أنْ لا تَأْكُلَهُ، فَذَكَرَ تَعالى بِطَرِيقِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ عَلى أنَّ الأوْلى تَرْكُهُ. والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: الِانْتِقالُ مِنَ التَّعْرِيضِ إلى التَّصْرِيحِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ . وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الأوْلى تَرْكُ ذَلِكَ الِانْتِقامِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ أفْضَلُ مِنَ القَسْوَةِ، والإنْفاعَ أفْضَلُ مِنَ الإيلامِ. صفحة ١١٤ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: وهو وُرُودُ الأمْرِ بِالجَزْمِ بِالتَّرْكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ﴾؛ لِأنَّهُ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ أنَّ التَّرْكَ خَيْرٌ وأوْلى، وفي هَذِهِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ صَرَّحَ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ، ولَمّا كانَ الصَّبْرُ في هَذا المَقامِ شاقًّا شَدِيدًا ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يُفِيدُ سُهُولَتَهُ، فَقالَ: ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِتَوْفِيقِهِ ومَعُونَتِهِ، وهَذا هو السَّبَبُ الكُلِّيُّ الأصْلِيُّ المُفِيدُ في حُصُولِ الصَّبْرِ، وفي حُصُولِ جَمِيعِ أنْواعِ الطّاعاتِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ الكُلِّيَّ الأصْلِيَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو السَّبَبُ الجُزْئِيُّ القَرِيبُ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى الِانْتِقامِ، وعَلى إنْزالِ الضَّرَرِ بِالغَيْرِ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ هَيَجانِ الغَضَبِ، وشِدَّةُ الغَضَبِ لا تَحْصُلُ إلّا لِأحَدِ أمْرَيْنِ: أحَدَهُما: فَواتُ نَفْعٍ كانَ حاصِلًا في الماضِي، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: ولا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، ومَعْناهُ: لا تَحْزَنْ بِسَبَبِ فَوْتِ أُولَئِكَ الأصْدِقاءِ. ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى فَوْتِ النَّفْعِ. والسَّبَبُ الثّانِي: لِشِدَّةِ الغَضَبِ تَوَقُّعُ ضَرَرٍ في المُسْتَقْبَلِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾، ومَن وقَفَ عَلى هَذِهِ اللَّطائِفِ عَرَفَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ كَلامٌ أدْخَلُ في الحُسْنِ والضَّبْطِ مِن هَذا الكَلامِ.

النحل 16:128

بَقِيَ في لَفْظِ الآيَةِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”ولا تَكُ في ضِيقٍ“ بِكَسْرِ الضّادِ، وفي النَّمْلِ مِثْلُهُ، والباقُونَ: بِفَتْحِ الضّادِ في الحَرْفَيْنِ. أمّا الوجه في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَأُمُورٌ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضِّيقُ بِالكَسْرِ في قِلَّةِ المَعاشِ والمَساكِنِ، وما كانَ في القَلْبِ فَإنَّهُ الضَّيْقُ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: الضِّيقُ بِالكَسْرِ الشِّدَّةُ، والضَّيْقُ بِفَتْحِ الضّادِ الغَمُّ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: ضَيْقٌ تَخْفِيفُ ضَيِّقٍ مِثْلُ هَيْنٍ وهَيِّنٍ ولَيْنٍ ولَيِّنٍ. وبِهَذا الطَّرِيقِ قُلْنا: إنَّهُ تَصِحُّ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ. البحث الثّانِي: قُرِئَ ”ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ“ . البحث الثّالِثُ: هَذا مِن كَلامِ المَقْلُوبِ؛ لِأنَّ الضَّيْقَ صِفَةٌ، والصِّفَةُ تَكُونُ حاصِلَةً في المَوْصُوفِ ولا يَكُونُ المَوْصُوفُ حاصِلًا في الصِّفَةِ، فَكانَ المَعْنى: فَلا يَكُونُ الضَّيْقُ فِيكَ، إلّا أنَّ الفائِدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ هو أنَّ الضَّيْقَ إذا عَظُمَ وقَوِيَ صارَ كالشَّيْءِ المُحِيطِ بِالإنْسانِ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، وصارَ كالقَمِيصِ المُحِيطِ بِهِ، فَكانَتِ الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا اللَّفْظِ هَذا المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ. المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ في المَرْتَبَةِ الأُولى رَغَّبَ في تَرْكِ الِانْتِقامِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، وفي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ عَدَلَ عَنِ الرَّمْزِ إلى التَّصْرِيحِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾، وفي المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ أمَرَنا بِالصَّبْرِ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، وفي هَذِهِ المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ كَأنَّهُ ذَكَرَ الوَعِيدَ في فِعْلِ الِانْتِقامِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ عَنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ في تَرْكِ أصْلِ الِانْتِقامِ، فَإنْ أرَدْتَ أنْ أكُونَ مَعَكَ فَكُنْ مِنَ المُتَّقِينَ ومِنَ المُحْسِنِينَ. ومَن وقَفَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ عَرَفَ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ واللُّطْفِ مَرْتَبَةً فَمَرْتَبَةً، ولَمّا قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الأرْبَعَةَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ واقِعَةً عَلى هَذا الوجه، وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى هَذِهِ اللَّطائِفِ يَعْلَمُ العاقِلُ أنَّ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ مَعِيَّتُهُ بِالرَّحْمَةِ والفَضْلِ والرُّتْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وذَلِكَ صفحة ١١٥ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ لِلْإنْسانِ في هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ؛ أعْنِي التَّعْظِيمَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُ المَشايِخِ، فَقالَ: كَمالُ الطَّرِيقِ صِدْقٌ مَعَ الحَقِّ، وخُلُقٌ مَعَ الخَلْقِ. وقالَ الحُكَماءُ: كَمالُ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وعَنْ هَرِمِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ الوَفاةِ: أوْصِ، فَقالَ: إنَّما الوَصِيَّةُ مِنَ المالِ ولا مالَ لِي، ولَكِنِّي أُوصِيكم بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ. المسألة الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَعْلِيمُ حُسْنِ الأدَبِ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتَرْكِ التَّعَدِّي وطَلَبِ الزِّيادَةِ، ولا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الأشْياءِ بِآيَةِ السَّيْفِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مَشْغُوفُونَ بِتَكْثِيرِ القَوْلِ بِالنَّسْخِ، ولا أرى فِيهِ فائِدَةً، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ لَيْلَةَ الثُّلاثاءِ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ بِزَمانٍ مُعْتَدِلٍ، وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الحَقُّ عَزِيزٌ، والطَّرِيقُ بَعِيدٌ، والمَرْكَبُ ضَعِيفٌ، والقُرْبُ بُعْدٌ، والوَصْلُ هَجْرٌ، والحَقائِقُ مَصُونَةٌ، والمَعانِي في غَيْبِ الغَيْبِ مَحْصُونَةٌ، والأسْرارُ فِيما وراءَ العِزِّ مَخْزُونَةٌ، وبِيَدِ الخَلْقِ القِيلُ والقالُ، والكَمالُ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ ذِي الإكْرامِ والجَلالِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الإسراء 17:1

صفحة ١١٦ (سُورَةُ الإسْراءِ) مَكِّيَّةٌ، إلّا الآياتِ: ٢٦ و٣٢ و٣٣ و٥٧ ومِن آيَةِ ٧٣ إلى غايَةِ آيَةِ ٨٠ فَمَدَنِيَّةٌ وآياتُها: ١١١، نَزَلَتْ بَعْدَ القَصَصِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، غَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٨٠]؛ فَإنَّها مَدَنِيّاتٌ، نَزَلَتْ حِينَ جاءَ وفْدُ ثَقِيفٍ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ: ”سُبْحانَ“ اسْمُ عَلَمٍ لِلتَّسْبِيحِ. يُقالُ: سَبَّحْتُ اللَّهَ تَسْبِيحًا وسُبْحانًا، فالتَّسْبِيحُ هو المَصْدَرُ. وسُبْحانَ اسْمُ عَلَمٍ لِلتَّسْبِيحِ، كَقَوْلِكَ: كَفَّرْتُ اليَمِينَ تَكْفِيرًا وكُفْرانًا، وتَفْسِيرُهُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ سُوءٍ. قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: السَّبْحُ في اللُّغَةِ: التَّباعُدُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٧] . أيْ: تَباعُدًا. فَمَعْنى: سَبِّحِ اللَّهَ تَعالى، أيْ: بَعِّدْهُ ونَزِّهْهُ عَمّا لا يَنْبَغِي، وتَمامُ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ في لَفْظِ التَّسْبِيحِ قَدْ ذَكَرْناها في أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ، وقَدْ جاءَ في لَفْظِ التَّسْبِيحِ مَعانٍ أُخْرى: أحَدُها: أنَّ التَّسْبِيحَ يُذْكَرُ بِمَعْنى الصَّلاةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٤٣] . أيْ: مِنَ المُصَلِّينَ، والسُّبْحَةُ: الصَّلاةُ النّافِلَةُ، وإنَّما قِيلَ لِلْمُصَلِّي مُسَبِّحٌ؛ صفحة ١١٧ لِأنَّهُ مُعَظِّمٌ لِلَّهِ بِالصَّلاةِ ومُنَزِّهٌ لَهُ عَمّا لا يَنْبَغِي. وثانِيها: ورَدَ التَّسْبِيحُ بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [ القَلَمِ: ٢٨] . أيْ: تَسْتَثْنُونَ، وتَأْوِيلُهُ أيْضًا يَعُودُ إلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ بِمَشِيئَتِهِ. وثالِثُها: جاءَ في الحَدِيثِ: ”«لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما أدْرَكَتْ مِن شَيْءٍ» “ قِيلَ: مَعْناهُ نُورُ وجْهِهِ، وقِيلَ: سُبُحاتُ وجْهِهِ نُورُ وجْهِهِ الَّذِي إذا رَآهُ الرّائِي، قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿أسْرى﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أسْرى وسَرى لُغَتانِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسَمِعْتُ الشَّيْخَ الإمامَ الوالِدَ عُمَرَ بْنَ الحُسَيْنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ الإمامَ أبا القاسِمِ سُلَيْمانَ الأنْصارِيَّ قالَ: لَمّا وصَلَ مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الرَّفِيعَةِ في المَعارِجِ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ، بِمَ أُشَرِّفُكَ ؟ قالَ: ”يا رَبِّ بِأنْ تَنْسِبَنِي إلى نَفْسِكَ بِالعُبُودِيَّةِ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿لَيْلًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ. فَإنْ قِيلَ: الإسْراءُ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، فَما مَعْنى ذِكْرِ اللَّيْلِ ؟ قُلْنا: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْلًا﴾ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ تَقْلِيلَ مُدَّةِ الإسْراءِ، وأنَّهُ أسْرى بِهِ في بَعْضِ اللَّيْلِ مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وذَلِكَ أنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ قَدْ دَلَّ عَلى مَعْنى البَعْضِيَّةِ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ اللَّيْلِ؛ قالَ مُقاتِلٌ: كانَ ذَلِكَ اللَّيْلُ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، ونَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ عَنْ أنَسٍ والحَسَنِ: أنَّهُ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ البَعْثَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ اخْتَلَفُوا في المَكانِ الَّذِي أُسْرِيَ بِهِ مِنهُ، فَقِيلَ: هو المَسْجِدُ الحَرامُ بِعَيْنِهِ، وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ لَفْظِ القُرْآنِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«بَيْنا أنا في المَسْجِدِ الحَرامِ في الحِجْرِ عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذْ أتانِي جِبْرِيلُ بِالبُراقِ» “ . وقِيلَ: أُسْرِيَ بِهِ مِن دارِ أُمِّ هانِئِ بِنْتِ أبِي طالِبٍ. والمُرادُ عَلى هَذا القَوْلِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمُ؛ لِإحاطَتِهِ بِالمَسْجِدِ والتِباسِهِ بِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيْتُ المَقْدِسِ، وسُمِّيَ بِالأقْصى لِبُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ قِيلَ: بِالثِّمارِ والأزْهارِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ أنَّهُ مَقَرُّ الأنْبِياءِ ومَهْبِطُ المَلائِكَةِ. واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَمَدْلُولُ قَوْلِهِ: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ أنَّهُ وصَلَ إلى حَدِّ ذَلِكَ المَسْجِدِ، فَأمّا أنَّهُ دَخَلَ ذَلِكَ المَسْجِدَ أمْ لا، فَلَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ يَعْنِي: ما رَأى في تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنَ العَجائِبِ والآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أراهُ إلّا بَعْضَ الآياتِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥] . فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مِعْراجُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفْضَلَ مِن مِعْراجِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قُلْنا: الَّذِي رَآهُ إبْراهِيمُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، والَّذِي رَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بَعْضَ آياتِ اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّ آياتِ اللَّهِ أفْضَلُ. ثم قال: ﴿إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ: أنَّ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ هو السَّمِيعُ لِأقْوالِ مُحَمَّدٍ، البَصِيرُ بِأفْعالِهِ، العالِمُ بِكَوْنِها مُهَذَّبَةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الرِّياءِ، مَقْرُونَةً بِالصِّدْقِ والصَّفاءِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الكَراماتِ، وقِيلَ: المُرادُ سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ لِلرَّسُولِ في هَذا الأمْرِ، بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ في هَذِهِ الواقِعَةِ. صفحة ١١٨ * * * المسألة الثّانِيَةُ: اخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الإسْراءِ، فالأكْثَرُونَ مِن طَوائِفِ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والأقَلُّونَ قالُوا: إنَّهُ ما أُسْرِيَ إلّا بِرُوحِهِ. حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: ذَلِكَ رُؤْيا، وأنَّهُ ما فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما أُسْرِيَ بِرُوحِهِ، وحُكِيَ هَذا القَوْلُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعَنْ مُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذا البابِ يَقَعُ في مَقامَيْنِ: أحَدُهُما: في إثْباتِ الجَوازِ العَقْلِيِّ. الثّانِي: في الوُقُوعِ. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو إثْباتُ الجَوازِ العَقْلِيِّ، فَنَقُولُ: الحَرَكَةُ الواقِعَةُ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ مُمْكِنَةٌ في نَفْسِها. واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الحَرَكَةِ في هَذا الحَدِّ مِنَ السُّرْعَةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، فَنَفْتَقِرُ هَهُنا إلى بَيانِ مُقَدِّمَتَيْنِ: المُقَدِّمَةُ الأُولى: في إثْباتِ أنَّ الحَرَكَةَ الواقِعَةَ إلى هَذا الحَدِّ مُمْكِنَةٌ في نَفْسِها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ يَتَحَرَّكُ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ إلى آخِرِهِ ما يَقْرُبُ مِن نِصْفِ الدَّوْرِ وقَدْ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ نِسْبَةَ القُطْرِ الواحِدِ إلى الدَّوْرِ نِسْبَةُ الواحِدِ إلى ثَلاثَةٍ وسُبْعٍ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ نِسْبَةُ نِصْفِ القُطْرِ إلى نِصْفِ الدَّوْرِ نِسْبَةَ الواحِدِ إلى ثَلاثَةٍ وسُبْعٍ. وبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ارْتَفَعَ مِنمَكَّةَ إلى ما فَوْقَ الفَلَكِ الأعْظَمِ فَهو لَمْ يَتَحَرَّكْ إلّا بِمِقْدارِ نِصْفِ القُطْرِ، فَلَمّا حَصَلَ في ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ حَرَكَةُ نِصْفِ الدَّوْرِ فَكانَ حُصُولُ الحَرَكَةِ بِمِقْدارِ نِصْفِ القُطْرِ أوْلى بِالإمْكانِ؛ فَهَذا بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ الِارْتِقاءَ مِن مَكَّةَ إلى ما فَوْقَ العَرْشِ في مِقْدارِ ثُلُثٍ مِنَ اللَّيْلِ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ حُصُولُهُ في كُلِّ اللَّيْلِ أوْلى بِالإمْكانِ، واللَّهُ أعْلَمُ. الوجه الثّانِي: وهو أنَّهُ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ قُرْصَ الشَّمْسِ يُساوِي كُرَةَ الأرْضِ مِائَةً وسِتِّينَ وكَذا مَرَّةٍ. ثُمَّ إنّا نُشاهِدُ أنَّ طُلُوعَ القُرْصِ يَحْصُلُ في زَمانٍ لَطِيفٍ سَرِيعٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ بُلُوغَ الحَرَكَةِ في السُّرْعَةِ إلى الحَدِّ المَذْكُورِ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ. الوجه الثّالِثُ: أنَّهُ كَما يُسْتَبْعَدُ في العَقْلِ صُعُودُ الجِسْمِ الكَثِيفِ مِن مَرْكَزِ العالَمِ إلى ما فَوْقَ العَرْشِ، فَكَذَلِكَ يُسْتَبْعَدُ نُزُولُ الجِسْمِ اللَّطِيفِ الرُّوحانِيِّ مِن فَوْقِ العَرْشِ إلى مَرْكَزِ العالَمِ، فَإنْ كانَ القَوْلُ بِمِعْراجِ مُحَمَّدٍ ﷺ في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ مُمْتَنِعًا في العُقُولِ، كانَ القَوْلُ بِنُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العَرْشِ إلى مَكَّةَ في اللَّحْظَةِ الواحِدَةِ مُمْتَنِعًا، ولَوْ حَكَمْنا بِهَذا الِامْتِناعِ كانَ ذَلِكَ طَعْنًا في نُبُوَّةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والقَوْلُ بِثُبُوتِ المِعْراجِ فَرْعٌ عَلى تَسْلِيمِ جَوازِ أصْلِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ القائِلِينَ بِامْتِناعِ حُصُولِ حَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ إلى هَذا الحَدِّ، يَلْزَمُهُمُ القَوْلُ بِامْتِناعِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اللَّحْظَةِ مِنَ العَرْشِ إلى مَكَّةَ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا كانَ ما ذَكَرُوهُ أيْضًا باطِلًا. فَإنْ قالُوا: نَحْنُ لا نَقُولُ إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِسْمٌ يَنْتَقِلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وإنَّما نَقُولُ: المُرادُ مِن نُزُولِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو زَوالُ الحُجُبِ الجُسْمانِيَّةِ عَنْ رُوحِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يَظْهَرَ في رُوحِهِ مِنَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ بَعْضُ ما كانَ حاضِرًا مُتَجَلِّيًا في ذاتِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قُلْنا: تَفْسِيرُ الوَحْيِ بِهَذا الوجه هو قَوْلُ الحُكَماءِ، فَأمّا جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ فَهم مُقِرُّونَ بِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ صفحة ١١٩ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِسْمٌ، وأنَّ نُزُولَهُ عِبارَةٌ عَنِ انْتِقالِهِ مِن عالَمِ الأفْلاكِ إلى مَكَّةَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الإلْزامُ المَذْكُورُ قَوِيًّا، «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ المِعْراجِ كَذَّبَهُ الكُلُّ، وذَهَبُوا إلى أبِي بَكْرٍ وقالُوا لَهُ: إنَّ صاحِبَكَ يَقُولُ كَذا وكَذا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنْ كانَ قَدْ قالَ ذَلِكَ فَهو صادِقٌ، ثُمَّ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الرَّسُولُ لَهُ تِلْكَ التَّفاصِيلَ، فَكُلَّما ذَكَرَ شَيْئًا، قالَ أبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ. فَلَمّا تَمَّمَ الكَلامَ قالَ أبُو بَكْرٍ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَقالَ لَهُ الرَّسُولُ: وأنا أشْهَدُ أنَّكَ الصَّدِّيقُ حَقًّا»، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَأنَّهُ قالَ: لَمّا سَلَّمْتُ رِسالَتَهُ فَقَدْ صَدَّقْتُهُ فِيما هو أعْظَمُ مِن هَذا، فَكَيْفَ أُكَذِّبُهُ في هَذا ؟ الوجه الرّابِعُ: أنَّ أكْثَرَ أرْبابِ المِلَلِ والنِّحَلِ يُسَلِّمُونَ وُجُودَ إبْلِيسَ، ويُسَلِّمُونَ أنَّهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى إلْقاءَ الوَسْوَسَةِ في قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، ويُسَلِّمُونَ أنَّهُ يُمْكِنُهُ الِانْتِقالُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لِأجْلِ إلْقاءِ الوَساوِسِ في قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، فَلَمّا سَلَّمُوا جَوازَ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في حَقِّ إبْلِيسَ، فَلَأنْ يُسَلِّمُوا جَوازَ مِثْلِها في حَقِّ أكابِرِ الأنْبِياءِ كانَ أوْلى، وهَذا الإلْزامُ قَوِيٌّ عَلى مَن يُسَلِّمُ أنَّ إبْلِيسَ جِسْمٌ يَنْتَقِلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، أمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِنَ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ الشِّرِّيرَةِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ، فَهَذا الإلْزامُ غَيْرُ وارِدٍ عَلَيْهِمْ، إلّا أنَّ أكْثَرَ أرْبابِ المِلَلِ والنِّحَلِ يُوافِقُونَ عَلى أنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُتَنَقِّلٌ. فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ المَلائِكَةَ والشَّياطِينَ يَصِحُّ في حَقِّهِمْ حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ، ولا يَمْتَنِعُ حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في ذَواتِها، أمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ جِسْمٌ كَثِيفٌ فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ فِيهِ ؟ قُلْنا: نَحْنُ إنَّما اسْتَدْلَلْنا بِأحْوالِ المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ عَلى أنَّ حُصُولَ حَرَكَةٍ مُنْتَهِيَةٍ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ مُمْكِنٌ في نَفْسِ الأمْرِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ لَمّا كانَتْ مُمْكِنَةَ الوُجُودِ في نَفْسِها كانَتْ أيْضًا مُمْكِنَةَ الحُصُولِ في جِسْمِ البَدَنِ الإنْسانِيِّ، فَذاكَ مَقامٌ آخَرُ سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. الوجه الخامِسُ: أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ أنَّ الرِّياحَ كانَتْ تَسِيرُ بِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى المَواضِعِ البَعِيدَةِ في الأوْقاتِ القَلِيلَةِ، قالَ تَعالى في صِفَةِ مَسِيرِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [ سَبَأٍ: ١٢] . بَلْ نَقُولُ: الحِسُّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّياحَ تَنْتَقِلُ عِنْدَ شِدَّةِ هُبُوبِها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ في غايَةِ البُعْدِ في اللَّحْظَةِ الواحِدَةِ، وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ. الوجه السّادِسُ: أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أحْضَرَ عَرْشَ بِلْقِيسَ مِن أقْصى اليَمَنِ إلى أقْصى الشّامِ في مِقْدارِ لَمْحِ البَصَرِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٠] . وإذا كانَ مُمْكِنًا في حَقِ بَعْضِ النّاسِ، عَلِمْنا أنَّهُ في نَفْسِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ. الوجه السّابِعُ: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: الحَيَوانُ إنَّما يُبْصِرُ المُبْصَراتِ لِأجْلِ أنَّ الشُّعاعَ يَخْرُجُ مِن عَيْنَيْهِ ويَتَّصِلُ بِالمُبْصَرِ، ثُمَّ إنّا إذا فَتَحْنا العَيْنَ ونَظَرْنا إلى رَجُلٍ رَأيْناهُ، فَعَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ انْتَقَلَ شُعاعُ العَيْنِ مِن أبْصارِنا إلى رَجُلٍ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ الواقِعَةَ عَلى هَذا الحَدِّ مِنَ السُّرْعَةِ مِنَ المُمْكِناتِ لا مِنَ المُمْتَنِعاتِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ حُصُولَ الحَرَكَةِ المُنْتَهِيَةِ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ. صفحة ١٢٠ المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ أنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ لَمّا كانَتْ مُمْكِنَةَ الوُجُودِ في نَفْسِها وجَبَ أنْ لا يَكُونَ حُصُولُها في جَسَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُمْتَنِعًا، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنّا بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ ماهِيّاتِها، فَلَمّا صَحَّ حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ في حَقِّ بَعْضِ الأجْسامِ وجَبَ إمْكانُ حُصُولِها في سائِرِ الأجْسامِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ بِأنَّ حُصُولَ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ في جَسَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ خالِقَ العالَمِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الحَرَكَةِ البالِغَةِ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ في جَسَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُمْكِنٌ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ المُقَدِّماتِ أنَّ القَوْلَ بِثُبُوتِ هَذا المِعْراجِ أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ. أقْصى ما في البابِ أنَّهُ يَبْقى التَّعَجُّبُ، إلّا أنَّ هَذا التَّعَجُّبَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِهَذا المَقامِ، بَلْ هو حاصِلٌ في جَمِيعِ المُعْجِزاتِ، فانْقِلابُ العَصا ثُعْبانًا تَبْلَعُ سَبْعِينَ ألْفَ حَبْلٍ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، ثُمَّ تَعُودُ في الحالِ عَصًا صَغِيرَةً كَما كانَتْ - أمْرٌ عَجِيبٌ ! وخُرُوجُ النّاقَةِ العَظِيمَةِ مِنَ الجَبَلِ الأصَمِّ، وإظْلالُ الجَبَلِ العَظِيمِ في الهَواءِ عَجِيبٌ، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ مُجَرَّدُ التَّعَجُّبِ يُوجِبُ الإنْكارَ والدَّفْعَ، لَزِمَ الجَزْمُ بِفَسادِ القَوْلِ بِإثْباتِ المُعْجِزاتِ، وإثْباتُ المُعْجِزاتِ فَرْعٌ عَلى تَسْلِيمِ أصْلِ النُّبُوَّةِ، وإنْ كانَ مُجَرَّدُ التَّعَجُّبِ لا يُوجِبُ الإنْكارَ والإبْطالَ، فَكَذا هَهُنا، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في بَيانِ أنَّ القَوْلَ بِالمِعْراجِ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَقامُ الثّانِي: في البحث عَنْ وُقُوعِ المِعْراجِ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أسْرى بِرُوحِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَسَدِهِ مِن مَكَّةَ إلى المَسْجِدِ الأقْصى - القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَهو هَذِهِ الآيَةُ، وتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أنَّ العَبْدَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الجَسَدِ والرُّوحِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإسْراءُ حاصِلًا لِمَجْمُوعِ الجَسَدِ والرُّوحِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدَلالَ مَوْقُوفٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ وحْدَهُ أوِ الجَسَدُ وحْدَهُ أوْ مَجْمُوعُ الجَسَدِ والرُّوحِ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ وحْدَهُ، فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ واحِدٌ باقٍ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ، والأجْزاءُ البَدَنِيَّةُ في التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ والِانْتِقالِ، والباقِي غَيْرُ مُتَبَدِّلٍ، فالإنْسانُ مُغايِرٌ لِهَذا البَدَنِ. وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ عارِفًا بِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ حالَ ما يَكُونُ غافِلًا عَنْ جَمِيعِ أجْزائِهِ البَدَنِيَّةِ، والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِلْمَغْفُولِ عَنْهُ، فالإنْسانُ مُغايِرٌ لِهَذا البَدَنِ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ يَقُولُ بِمُقْتَضى فِطْرَتِهِ السَّلِيمَةِ: يَدِي، ورِجْلِي، ودِماغِي، وقَلْبِي، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ الأعْضاءِ، فَيُضِيفُ كُلَّها إلى ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ. والمُضافُ غَيْرُ المُضافِ إلَيْهِ، فَذاتُهُ المَخْصُوصَةُ وجَبَ أنْ تَكُونَ مُغايِرَةً لِكُلِّ هَذِهِ الأعْضاءِ. فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ يُضِيفُ ذاتَهُ إلى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: ذاتِي ونَفْسِي، فَيَلْزَمُكم أنْ تَكُونَ نَفْسُهُ مُغايِرَةً لِذاتِهِ، وهَذا مُحالٌ. قُلْنا: نَحْنُ لا نَتَمَسَّكُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ حَتّى يَلْزَمَنا ما ذَكَرْتُمُوهُ، بَلْ إنَّما نَتَمَسَّكُ بِمَحْضِ العَقْلِ، فَإنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَوْجُودٌ واحِدٌ. وذَلِكَ الشَّيْءُ الواحِدُ يَأْخُذُ بِآلَةِ اليَدِ، ويُبْصِرُ بِآلَةِ العَيْنِ، ويَسْمَعُ بِآلَةِ الأُذُنِ. فالإنْسانُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهَذِهِ الأعْضاءُ آلاتٌ لَهُ في هَذِهِ الأفْعالِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذِهِ الأعْضاءِ والآلاتِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذِهِ البِنْيَةِ، ولِهَذا الجَسَدِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ المُرادُ مِنَ العَبْدِ جَوْهَرُ الرُّوحِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فَلَمْ * * * صفحة ١٢١ يَبْقَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى حُصُولِ الإسْراءِ بِالجَسَدِ. فَإنْ قالُوا: فالإسْراءِ بِالرُّوحِ لَيْسَ بِأمْرٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ . قُلْنا: هَذا أيْضًا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَصَلَ لِرُوحِهِ مِن أنْواعِ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ ما لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ البَتَّةَ، فَلا جَرَمَ كانَ هَذا الكَلامُ لائِقًا بِهِ. فَهَذا تَقْرِيرُ وجْهِ السُّؤالِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ المِعْراجِ بِالرُّوحِ والجَسَدِ مَعًا. والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ العَبْدِ لا يَتَناوَلُ إلّا مَجْمُوعَ الرُّوحِ والجَسَدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العَلَقِ: ٩ - ١٠ ] . ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنَ العَبْدِ هَهُنا مَجْمُوعُ الرُّوحِ والجَسَدِ. وقالَ أيْضًا في سُورَةِ الجِنِّ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٩] . والمُرادُ مَجْمُوعُ الرُّوحِ والجَسَدِ، فَكَذا هَهُنا. وأمّا الخَبَرُ فَهو الحَدِيثُ المَرْوِيُّ في الصِّحاحِ وهو مَشْهُورٌ، وهو يَدُلُّ عَلى الذَّهابِ مِن مَكَّةَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مِنهُ إلى السَّماواتِ، واحْتَجَّ المُنْكِرُونَ لَهُ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: بِالوُجُوهِ العَقْلِيَّةِ وهي ثَلاثَةٌ: أوَّلُها: أنَّ الحَرَكَةَ البالِغَةَ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ. وثانِيها: أنَّ صُعُودَ الجُرْمِ الثَّقِيلِ إلى السَّماواتِ غَيْرُ مَعْقُولٍ. وثالِثُها: أنَّ صُعُودَهُ إلى السَّماواتِ يُوجِبُ انْخِراقَ الأفْلاكِ، وذَلِكَ مُحالٌ. والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذا المَعْنى لَوْ صَحَّ لَكانَ أعْظَمَ مِن سائِرِ المُعْجِزاتِ، وكانَ يَجِبُ أنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عِنْدَ اجْتِماعِ النّاسِ حَتّى يَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى صِدْقِهِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، فَأمّا أنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ في وقْتٍ لا يَراهُ أحَدٌ ولا يُشاهِدُهُ أحَدٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ عَبَثًا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ. والشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ [الإسْراءِ: ٦٠] . وما تِلْكَ الرُّؤْيا إلّا حَدِيثُ المِعْراجِ، وإنَّما كانَ فِتْنَةً لِلنّاسِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ آمَنَ بِهِ لَمّا سَمِعَ هَذا الكَلامَ كَذَّبَهُ وكَفَرَ بِهِ فَكانَ حَدِيثُ المِعْراجِ سَبَبًا لِفِتْنَةِ النّاسِ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ رُؤْيا رَآهُ في المَنامِ. الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ حَدِيثَ المِعْراجِ اشْتَمَلَ عَلى أشْياءَ بَعِيدَةٍ، مِنها ما رُوِيَ مِن شَقِّ بَطْنِهِ وتَطْهِيرِهِ بِماءِ زَمْزَمَ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الَّذِي يُمْكِنُ غَسْلُهُ بِالماءِ هو النَّجاساتِ العَيْنِيَّةِ ولا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ في تَطْهِيرِ القَلْبِ عَنِ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأخْلاقِ المَذْمُومَةِ، ومِنها ما رُوِيَ مِن رُكُوبِ البُراقِ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَيَّرَهُ مِن هَذا العالَمِ إلى عالَمِ الأفْلاكِ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى البُراقِ، ومِنها ما رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ خَمْسِينَ صَلاةً، ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ مُوسى إلى أنْ عادَ الخَمْسُونَ إلى خَمْسٍ بِسَبَبِ شَفَقَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ القاضِي: وهَذا يَقْتَضِي نَسْخَ الحكم قَبْلَ حُضُورِهِ، وأنَّهُ يُوجِبُ البَداءَ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ الحَدِيثَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَجُوزُ قَبُولُهُ فَكانَ مَرْدُودًا. والجَوابُ عَنِ الوُجُوهِ العَقْلِيَّةِ قَدْ سَبَقَ فَلا نُعِيدُها. والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ . وهَذا كَلامٌ مُجْمَلٌ وفي تَفْصِيلِهِ وشَرْحِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ خَيْراتِ الجَنَّةِ عَظِيمَةٌ، وأهْوالَ النّارِ شَدِيدَةٌ، فَلَوْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما شاهَدَهُما في الدُّنْيا، ثُمَّ شاهَدَهُما في ابْتِداءِ يَوْمِ القِيامَةِ فَرُبَّما رَغَبَ في خَيْراتِ الجَنَّةِ أوْ خافَ مِن أهْوالِ صفحة ١٢٢ النّارِ، أمّا لَمّا شاهَدَهُما في الدُّنْيا في لَيْلَةِ المِعْراجِ فَحِينَئِذٍ لا يَعْظُمُ وقْعُهُما في قَلْبِهِ يَوْمَ القِيامَّةِ فَلا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِهِما، وحِينَئِذٍ يَتَفَرَّغُ لِلشَّفاعَةِ. الثّانِي: لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مُشاهَدَتُهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ لِلْأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ - صارَتْ سَبَبًا لِتَكامُلِ مَصْلَحَتِهِ أوْ مَصْلَحَتِهِمْ. الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّهُ إذا صَعَدَ الفَلَكَ وشاهَدَ أحْوالَ السَّماواتِ والكُرْسِيَّ والعَرْشَ، صارَتْ مُشاهَدَةُ أحْوالِ هَذا العالَمِ وأهْوالِهِ حَقِيرَةً في عَيْنِهِ، فَتَحْصُلُ لَهُ زِيادَةُ قُوَّةٍ في القَلْبِ بِاعْتِبارِها يَكُونُ في شُرُوعِهِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى أكْمَلَ، وقِلَّةُ التِفاتِهِ إلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى أقْوى. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ مَن عايَنَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى في هَذا البابِ - لا يَكُونُ حالُهُ في قُوَّةِ النَّفْسِ وثَباتِ القَلْبِ عَلى احْتِمالِ المَكارِهِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ إلّا أضْعافَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ حالُ مَن لَمْ يُعايِنْ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ الإسْراءِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ وعائِدَةٌ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّعْيِينِ. والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّالِثَةِ: أنّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى تَفْسِيرِ تِلْكَ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ نُبَيِّنُ أنَّ تِلْكَ الرُّؤْيا رُؤْيا عَيانٍ لا رُؤْيا مَنامٍ. والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الرّابِعَةِ: لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ تَعالى في أفْعالِهِ فَهو يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الرّابِعَةُ: أمّا العُرُوجُ إلى السَّماواتِ وإلى ما فَوْقَ العَرْشِ، فَهَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأوَّلِ سُورَةِ ”والنَّجْمِ“، ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الِانْشِقاقِ: ١٩] . وتَفْسِيرُهُما مَذْكُورٌ في مَوْضِعِهِ، وأمّا دَلالَةُ الحَدِيثِ فَكَما سَلَفَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ‎وكِيلًا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيها انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى الحُضُورِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ؛ وانْتِقالُ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ وبِالعَكْسِ يُسَمّى صَنْعَةَ الِالتِفاتِ. المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى إكْرامَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ أسْرى بِهِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أكْرَمَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ بِالكِتابِ الَّذِي آتاهُ، فَقالَ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾؛ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وجَعَلْناهُ﴾ صفحة ١٢٣ ﴿هُدًى﴾ أيْ: يُخْرِجُهم بِواسِطَةِ ذَلِكَ الكِتابِ مِن ظُلُماتِ الجَهْلِ والكُفْرِ إلى نُورِ العِلْمِ والدِّينِ الحَقِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ‎وكِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”ألّا يَتَّخِذُوا“ بِالياءِ خَبَرًا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، والباقُونَ: بِالتّاءِ عَلى الخَطابِ، أيْ قُلْنا لَهم: لا تَتَّخِذُوا. البحث الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿ألّا تَتَّخِذُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ ناصِبَةً لِلْفِعْلِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وجَعَلْناهُ هَدًى لِئَلّا تَتَّخِذُوا. وثانِيها: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ بِمَعْنى ”أيِ“ الَّتِي لِلتَّفْسِيرِ، وانْصَرَفَ الكَلامُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في قِراءَةِ العامَّةِ، كَما انْصَرَفَ مِنها إلى الخِطابِ والأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] . فَكَذَلِكَ انْصَرَفَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَتَّخِذُوا﴾ . وثالِثُها: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ زائِدَةً ويُجْعَلَ ”تَتَّخِذُوا“ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَقُلْنا: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا. البحث الثّالِثُ: قَوْلُهُ (وكِيلًا) أيْ: رَبًّا تَكِلُونَ أُمُورَكم إلَيْهِ. أقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ فِيُ الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَشْرِيفَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالإسْراءِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ تَشْرِيفَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ وصَفَ التَّوْراةَ بِكَوْنِها هُدًى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّوْراةَ إنَّما كانَ هُدًى لِاشْتِمالِهِ عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ وكِيلًا، وذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ، فَرَجَعَ حاصِلُ الكَلامِ بَعْدَ رِعايَةِ هَذِهِ المَراتِبِ أنَّهُ لا مِعْراجَ أعْلى، ولا دَرَجَةَ أشْرَفُ، ولا مَنقَبَةَ أعْظَمُ - مِن أنْ يَصِيرَ المَرْءُ غَرِقًا في بَحْرِ التَّوْحِيدِ، وأنْ لا يُعَوِّلَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا عَلى اللَّهِ، فَإنْ نَطَقَ، نَطَقَ بِذِكْرِ اللَّهِ، وإنْ تَفَكَّرَ، تَفَكَّرَ في دَلائِلِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ طَلَبَ، طَلَبَ مِنَ اللَّهِ، فَيَكُونُ كُلُّهُ لِلَّهِ وبِاللَّهِ، ثم قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ وفي نَصْبِ ”ذُرِّيَّةَ“ وجْهانِ: الوجه الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى النِّداءِ، يَعْنِي: يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: هَذا نِداءٌ. قالَ الواحِدِيُّ: وإنَّما يَصِحُّ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ. قالَ قَتادَةُ: النّاسُ كُلُّهم ذُرِّيَّةُ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ ثَلاثَةُ بَنِينَ: سامٌ، وحامٌ، ويافِثُ. فالنّاسُ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ أُولَئِكَ، فَكانَ قَوْلُهُ: يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ - قائِمًا مَقامَ قَوْلِهِ ”يا أيُّها النّاسُ“ . الوجه الثّانِي: في نَصْبِ قَوْلِهِ ”ذُرِّيَّةَ“ - أنَّ الِاتْخاذَ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النِّساءِ: ١٢٥] . والتَّقْدِيرُ: لا تَتَّخِذُوا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ مِن دُونِي وكِيلًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أثْنى عَلى نُوحٍ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ أيْ: كانَ كَثِيرَ الشُّكْرِ، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا أكَلَ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنِي ولَوْ شاءَ أجاعَنِي“، وإذا شَرِبَ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أسْقانِي ولَوْ شاءَ أظْمَأنِي“، وإذا اكْتَسى قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسانِي ولَوْ شاءَ أعْرانِي“، وإذا احْتَذى قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَذانِي ولَوْ شاءَ أحْفانِي“، وإذا قَضى حاجَتَهُ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أخْرَجَ عَنِّي أذاهُ في عافِيَةٍ ولَوْ شاءَ حَبَسَهُ“»، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ الإفْطارَ عَرَضَ طَعامَهُ عَلى مَن آمَنَ بِهِ، فَإنْ وجَدَهُ مُحْتاجًا آثَرَهُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ما وجْهُ مُلائَمَتِهِ لِما قَبْلَهُ ؟ صفحة ١٢٤ قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا ولا تُشْرِكُوا بِي؛ لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا، وإنَّما يَكُونُ العَبْدُ شَكُورًا لَوْ كانَ مُوَحِّدًا لا يَرى حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ النِّعَمِ إلّا مِن فَضْلِ اللَّهِ؛ وأنْتُمْ ذُرِّيَّةُ قَوْمِهِ فاقْتَدُوا بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، كَما أنَّ آباءَكُمُ اقْتَدَوْا بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ‎وكِيلًا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيها انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى الحُضُورِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ؛ وانْتِقالُ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ وبِالعَكْسِ يُسَمّى صَنْعَةَ الِالتِفاتِ. المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى إكْرامَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ أسْرى بِهِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أكْرَمَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ بِالكِتابِ الَّذِي آتاهُ، فَقالَ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾؛ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وجَعَلْناهُ﴾ صفحة ١٢٣ ﴿هُدًى﴾ أيْ: يُخْرِجُهم بِواسِطَةِ ذَلِكَ الكِتابِ مِن ظُلُماتِ الجَهْلِ والكُفْرِ إلى نُورِ العِلْمِ والدِّينِ الحَقِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ‎وكِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”ألّا يَتَّخِذُوا“ بِالياءِ خَبَرًا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، والباقُونَ: بِالتّاءِ عَلى الخَطابِ، أيْ قُلْنا لَهم: لا تَتَّخِذُوا. البحث الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿ألّا تَتَّخِذُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ ناصِبَةً لِلْفِعْلِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وجَعَلْناهُ هَدًى لِئَلّا تَتَّخِذُوا. وثانِيها: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ بِمَعْنى ”أيِ“ الَّتِي لِلتَّفْسِيرِ، وانْصَرَفَ الكَلامُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في قِراءَةِ العامَّةِ، كَما انْصَرَفَ مِنها إلى الخِطابِ والأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] . فَكَذَلِكَ انْصَرَفَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَتَّخِذُوا﴾ . وثالِثُها: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ زائِدَةً ويُجْعَلَ ”تَتَّخِذُوا“ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَقُلْنا: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا. البحث الثّالِثُ: قَوْلُهُ (وكِيلًا) أيْ: رَبًّا تَكِلُونَ أُمُورَكم إلَيْهِ. أقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ فِيُ الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَشْرِيفَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالإسْراءِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ تَشْرِيفَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ وصَفَ التَّوْراةَ بِكَوْنِها هُدًى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّوْراةَ إنَّما كانَ هُدًى لِاشْتِمالِهِ عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ وكِيلًا، وذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ، فَرَجَعَ حاصِلُ الكَلامِ بَعْدَ رِعايَةِ هَذِهِ المَراتِبِ أنَّهُ لا مِعْراجَ أعْلى، ولا دَرَجَةَ أشْرَفُ، ولا مَنقَبَةَ أعْظَمُ - مِن أنْ يَصِيرَ المَرْءُ غَرِقًا في بَحْرِ التَّوْحِيدِ، وأنْ لا يُعَوِّلَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا عَلى اللَّهِ، فَإنْ نَطَقَ، نَطَقَ بِذِكْرِ اللَّهِ، وإنْ تَفَكَّرَ، تَفَكَّرَ في دَلائِلِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ طَلَبَ، طَلَبَ مِنَ اللَّهِ، فَيَكُونُ كُلُّهُ لِلَّهِ وبِاللَّهِ، ثم قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ وفي نَصْبِ ”ذُرِّيَّةَ“ وجْهانِ: الوجه الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى النِّداءِ، يَعْنِي: يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: هَذا نِداءٌ. قالَ الواحِدِيُّ: وإنَّما يَصِحُّ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ. قالَ قَتادَةُ: النّاسُ كُلُّهم ذُرِّيَّةُ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ ثَلاثَةُ بَنِينَ: سامٌ، وحامٌ، ويافِثُ. فالنّاسُ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ أُولَئِكَ، فَكانَ قَوْلُهُ: يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ - قائِمًا مَقامَ قَوْلِهِ ”يا أيُّها النّاسُ“ . الوجه الثّانِي: في نَصْبِ قَوْلِهِ ”ذُرِّيَّةَ“ - أنَّ الِاتْخاذَ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النِّساءِ: ١٢٥] . والتَّقْدِيرُ: لا تَتَّخِذُوا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ مِن دُونِي وكِيلًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أثْنى عَلى نُوحٍ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ أيْ: كانَ كَثِيرَ الشُّكْرِ، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا أكَلَ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنِي ولَوْ شاءَ أجاعَنِي“، وإذا شَرِبَ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أسْقانِي ولَوْ شاءَ أظْمَأنِي“، وإذا اكْتَسى قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسانِي ولَوْ شاءَ أعْرانِي“، وإذا احْتَذى قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَذانِي ولَوْ شاءَ أحْفانِي“، وإذا قَضى حاجَتَهُ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أخْرَجَ عَنِّي أذاهُ في عافِيَةٍ ولَوْ شاءَ حَبَسَهُ“»، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ الإفْطارَ عَرَضَ طَعامَهُ عَلى مَن آمَنَ بِهِ، فَإنْ وجَدَهُ مُحْتاجًا آثَرَهُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ما وجْهُ مُلائَمَتِهِ لِما قَبْلَهُ ؟ صفحة ١٢٤ قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا ولا تُشْرِكُوا بِي؛ لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا، وإنَّما يَكُونُ العَبْدُ شَكُورًا لَوْ كانَ مُوَحِّدًا لا يَرى حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ النِّعَمِ إلّا مِن فَضْلِ اللَّهِ؛ وأنْتُمْ ذُرِّيَّةُ قَوْمِهِ فاقْتَدُوا بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، كَما أنَّ آباءَكُمُ اقْتَدَوْا بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إنْعامَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ، وبِأنَّهُ جَعَلَ التَّوْراةَ هُدًى لَهم - بَيَّنَ أنَّهم ما اهْتَدَوْا بِهُداهُ، بَلْ وقَعُوا في الفَسادِ، فَقالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: القَضاءُ في اللُّغَةِ: عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الأشْياءِ عَنْ إحْكامٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ. . . . . . . . . . . . فَقَوْلُهُ: ﴿وقَضَيْنا﴾ أيْ: أعْلَمْناهم وأخْبَرْناهم بِذَلِكَ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ. ولَفْظُ ”إلى“ صِلَةٌ لِلْإيحاءِ؛ لِأنَّ مَعْنى ”قَضَيْنا“ أوْحَيْنا إلَيْهِمْ كَذا. وقَوْلُهُ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ يُرِيدُ المَعاصِيَ وخِلافَ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ يَعْنِي: أرْضَ مِصْرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ يَعْنِي: أنَّهُ يَكُونُ اسْتِعْلاؤُكم عَلى النّاسِ بِغَيْرِ الحَقِّ اسْتِعْلاءً عَظِيمًا؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَجَبِّرٍ: قَدْ عَلا وتَعَظَّمَ، ثم قال: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ يَعْنِي أُولى المَرَّتَيْنِ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ الفُسّاقِ في المَرَّةِ الأُولى أرْسَلْنا عَلَيْكم قَوْمًا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، ونَجْدَةٍ وشِدَّةٍ، والبَأْسُ القِتالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] . ومَعْنى بَعَثْنا عَلَيْكم: أرْسَلْنا عَلَيْكم، وخَلَّيْنا بَيْنَكم وبَيْنَهم خاذِلِينَ إيّاكم، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَؤُلاءِ العِبادِ مَن هم ؟ قِيلَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَعَظَّمُوا وتَكَبَّرُوا واسْتَحَلُّوا المَحارِمَ وقَتَلُوا الأنْبِياءَ وسَفَكُوا الدِّماءَ، وذَلِكَ أوَّلُ الفَسادَيْنِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ فَقَتَلَ مِنهم أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ، وذَهَبَ بِالبَقِيَّةِ إلى أرْضِ نَفْسِهِ، فَبَقُوا هُناكَ في الذُّلِّ إلى أنْ قَيَّضَ اللَّهُ مَلِكًا آخَرَ غَزا أهْلَ بابِلَ، واتَّفَقَ أنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَطَلَبَتْ تِلْكَ المَرْأةُ مِن ذَلِكَ المَلِكِ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ ورَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ . صفحة ١٢٥ والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمْ جالُوتَ حَتّى أهْلَكَهم وأبادَهم، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ هو أنَّهُ تَعالى قَوّى طالُوتَ حَتّى حارَبَ جالُوتَ، ونَصَرَ داوُدَ حَتّى قَتَلَ جالُوتَ، فَذاكَ هو عَوْدُ الكَرَّةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ هو أنَّهُ تَعالى ألْقى الرُّعْبَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في قُلُوبِ المَجُوسِ، فَلَمّا كَثُرَتِ المَعاصِي فِيهِمْ أزالَ ذَلِكَ الرُّعْبَ عَنْ قُلُوبِ المَجُوسِ، فَقَصَدُوهم وبالَغُوا في قَتْلِهِمْ وإفْنائِهِمْ وإهْلاكِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ كَثِيرُ غَرَضٍ في مَعْرِفَةِ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأعْيانِهِمْ، بَلِ المَقْصُودُ هو أنَّهم لَمّا أكْثَرُوا مِنَ المَعاصِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أقْوامًا قَتَلُوهم وأفْنَوْهم. ثم قال تَعالى: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الجَوْسُ والجَوَسانُ التَّرَدُّدُ خِلالَ الدِّيارِ والبُيُوتِ في الفَسادِ، والخِلالُ: هو الِانْفِراجُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والدِّيارُ: دِيارُ بَيْتِ المَقْدِسِ، واخْتَلَفَتْ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ ”﴿فَجاسُوا﴾“، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَتَّشُوا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَلَبُوا مَن فِيها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عاثُوا وأفْسَدُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: طافُوا خِلالَ الدِّيارِ هَلْ بَقِيَ أحَدٌ لَمْ يَقْتُلُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: الجَوْسُ هو التَّرَدُّدُ والطَّلَبُ، وذَلِكَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ ما قالُوهُ. ثم قال تَعالى: ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ أيْ: كانَ قَضاءُ اللَّهِ بِذَلِكَ قَضاءً جَزْمًا حَتْمًا لا يَقْبَلُ النَّقْضَ والنَّسْخَ، ثم قال تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ أيْ: أهْلَكْنا أعْداءَكم ورَدَدْنا الدَّوْلَةَ والقُوَّةَ عَلَيْكم، ﴿وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . النَّفِيرُ: العَدَدُ مِنَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِن نَفَرَ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وقَوْمِهِ، والنَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، كالقَدِيرِ والقادِرِ، وذَكَرْنا مَعْنى ”نَفَرَ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٤١] . المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وهَذا القَضاءُ أقَلُّ احْتِمالاتِهِ الحكم الجَزْمُ، والخَبَرُ الحَتْمُ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيُقْدِمُونَ عَلى الفَسادِ والمَعاصِي خَبَرًا جَزْمًا لا يَقْبَلُ النَّسْخَ؛ لِأنَّ القَضاءَ مَعْناهُ الحكم الجَزْمُ عَلى ما شَرَحْناهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ القَضاءَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ، فَقالَ: ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ . إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَدَمُ وُقُوعِ ذَلِكَ الفَسادِ عَنْهم يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى الصِّدْقِ كَذِبًا، وانْقِلابَ حُكْمِهِ الجازِمِ باطِلًا، وانْقِلابَ عِلْمِهِ الحَقِّ جَهْلًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ إقْدامِهِمْ عَلى ذَلِكَ الفَسادِ مُحالًا، فَكانَ إقْدامُهم عَلَيْهِ واجِبًا ضَرُورِيًّا لا يَقْبَلُ النَّسْخَ والرَّفْعَ، مَعَ أنَّهم كُلِّفُوا بِتَرْكِهِ ولُعِنُوا عَلى فِعْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: إنَّ اللَّهَ قَدْ يَأْمُرُ بِشَيْءٍ ويَصُدُّ عَنْهُ، وقَدْ يَنْهى عَنْ شَيْءٍ ويَقْضِي بِتَحْصِيلِهِ، فَهَذا أحَدُ وُجُوهِ الِاسْتِدَلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ. الوجه الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ والمُرادُ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَسَلَّطُوا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والأسْرِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هو الَّذِي بَعَثَهم عَلى بَنِي صفحة ١٢٦ إسْرائِيلَ، ولا شَكَّ أنَّ قَتْلَ بَنِي إسْرائِيلَ، ونَهْبَ أمْوالِهِمْ، وأسْرَ أوْلادِهِمْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الظُّلْمِ الكَثِيرِ والمَعاصِي العَظِيمَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ كُلَّ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ والطّاعَةَ والمَعْصِيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِن ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ هو أنَّهُ تَعالى أمَرَ أُولَئِكَ الأقْوامَ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا ظَهَرَ فِيهِمْ مِنَ الفَسادِ، فَأُضِيفَ ذَلِكَ الفَعْلُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ الأمْرُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وما ألْقَيْنا الخَوْفَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في قُلُوبِهِمْ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ المُرادَ مِن هَذا البَعْثِ التَّخْلِيَةُ وعَدَمُ المَنعِ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الأوَّلَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وإحْراقَ التَّوْراةِ، وقَتْلَ حُفّاظِ التَّوْراةِ - لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ الثّانِي أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ البَعْثَ عَلى الفِعْلِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْوِيَةِ عَلَيْهِ وإلْقاءِ الدَّواعِي القَوِيَّةِ في القَلْبِ، وأمّا التَّخْلِيَةُ فَعِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ المَنعِ، والأوَّلُ فِعْلٌ، والثّانِي تَرْكٌ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالتَّخْلِيَةِ تَفْسِيرٌ لِأحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالآخَرِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ صِحَّةُ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إنْعامَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ، وبِأنَّهُ جَعَلَ التَّوْراةَ هُدًى لَهم - بَيَّنَ أنَّهم ما اهْتَدَوْا بِهُداهُ، بَلْ وقَعُوا في الفَسادِ، فَقالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: القَضاءُ في اللُّغَةِ: عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الأشْياءِ عَنْ إحْكامٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ. . . . . . . . . . . . فَقَوْلُهُ: ﴿وقَضَيْنا﴾ أيْ: أعْلَمْناهم وأخْبَرْناهم بِذَلِكَ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ. ولَفْظُ ”إلى“ صِلَةٌ لِلْإيحاءِ؛ لِأنَّ مَعْنى ”قَضَيْنا“ أوْحَيْنا إلَيْهِمْ كَذا. وقَوْلُهُ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ يُرِيدُ المَعاصِيَ وخِلافَ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ يَعْنِي: أرْضَ مِصْرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ يَعْنِي: أنَّهُ يَكُونُ اسْتِعْلاؤُكم عَلى النّاسِ بِغَيْرِ الحَقِّ اسْتِعْلاءً عَظِيمًا؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَجَبِّرٍ: قَدْ عَلا وتَعَظَّمَ، ثم قال: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ يَعْنِي أُولى المَرَّتَيْنِ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ الفُسّاقِ في المَرَّةِ الأُولى أرْسَلْنا عَلَيْكم قَوْمًا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، ونَجْدَةٍ وشِدَّةٍ، والبَأْسُ القِتالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] . ومَعْنى بَعَثْنا عَلَيْكم: أرْسَلْنا عَلَيْكم، وخَلَّيْنا بَيْنَكم وبَيْنَهم خاذِلِينَ إيّاكم، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَؤُلاءِ العِبادِ مَن هم ؟ قِيلَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَعَظَّمُوا وتَكَبَّرُوا واسْتَحَلُّوا المَحارِمَ وقَتَلُوا الأنْبِياءَ وسَفَكُوا الدِّماءَ، وذَلِكَ أوَّلُ الفَسادَيْنِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ فَقَتَلَ مِنهم أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ، وذَهَبَ بِالبَقِيَّةِ إلى أرْضِ نَفْسِهِ، فَبَقُوا هُناكَ في الذُّلِّ إلى أنْ قَيَّضَ اللَّهُ مَلِكًا آخَرَ غَزا أهْلَ بابِلَ، واتَّفَقَ أنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَطَلَبَتْ تِلْكَ المَرْأةُ مِن ذَلِكَ المَلِكِ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ ورَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ . صفحة ١٢٥ والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمْ جالُوتَ حَتّى أهْلَكَهم وأبادَهم، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ هو أنَّهُ تَعالى قَوّى طالُوتَ حَتّى حارَبَ جالُوتَ، ونَصَرَ داوُدَ حَتّى قَتَلَ جالُوتَ، فَذاكَ هو عَوْدُ الكَرَّةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ هو أنَّهُ تَعالى ألْقى الرُّعْبَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في قُلُوبِ المَجُوسِ، فَلَمّا كَثُرَتِ المَعاصِي فِيهِمْ أزالَ ذَلِكَ الرُّعْبَ عَنْ قُلُوبِ المَجُوسِ، فَقَصَدُوهم وبالَغُوا في قَتْلِهِمْ وإفْنائِهِمْ وإهْلاكِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ كَثِيرُ غَرَضٍ في مَعْرِفَةِ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأعْيانِهِمْ، بَلِ المَقْصُودُ هو أنَّهم لَمّا أكْثَرُوا مِنَ المَعاصِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أقْوامًا قَتَلُوهم وأفْنَوْهم. ثم قال تَعالى: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الجَوْسُ والجَوَسانُ التَّرَدُّدُ خِلالَ الدِّيارِ والبُيُوتِ في الفَسادِ، والخِلالُ: هو الِانْفِراجُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والدِّيارُ: دِيارُ بَيْتِ المَقْدِسِ، واخْتَلَفَتْ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ ”﴿فَجاسُوا﴾“، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَتَّشُوا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَلَبُوا مَن فِيها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عاثُوا وأفْسَدُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: طافُوا خِلالَ الدِّيارِ هَلْ بَقِيَ أحَدٌ لَمْ يَقْتُلُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: الجَوْسُ هو التَّرَدُّدُ والطَّلَبُ، وذَلِكَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ ما قالُوهُ. ثم قال تَعالى: ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ أيْ: كانَ قَضاءُ اللَّهِ بِذَلِكَ قَضاءً جَزْمًا حَتْمًا لا يَقْبَلُ النَّقْضَ والنَّسْخَ، ثم قال تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ أيْ: أهْلَكْنا أعْداءَكم ورَدَدْنا الدَّوْلَةَ والقُوَّةَ عَلَيْكم، ﴿وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . النَّفِيرُ: العَدَدُ مِنَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِن نَفَرَ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وقَوْمِهِ، والنَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، كالقَدِيرِ والقادِرِ، وذَكَرْنا مَعْنى ”نَفَرَ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٤١] . المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وهَذا القَضاءُ أقَلُّ احْتِمالاتِهِ الحكم الجَزْمُ، والخَبَرُ الحَتْمُ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيُقْدِمُونَ عَلى الفَسادِ والمَعاصِي خَبَرًا جَزْمًا لا يَقْبَلُ النَّسْخَ؛ لِأنَّ القَضاءَ مَعْناهُ الحكم الجَزْمُ عَلى ما شَرَحْناهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ القَضاءَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ، فَقالَ: ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ . إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَدَمُ وُقُوعِ ذَلِكَ الفَسادِ عَنْهم يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى الصِّدْقِ كَذِبًا، وانْقِلابَ حُكْمِهِ الجازِمِ باطِلًا، وانْقِلابَ عِلْمِهِ الحَقِّ جَهْلًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ إقْدامِهِمْ عَلى ذَلِكَ الفَسادِ مُحالًا، فَكانَ إقْدامُهم عَلَيْهِ واجِبًا ضَرُورِيًّا لا يَقْبَلُ النَّسْخَ والرَّفْعَ، مَعَ أنَّهم كُلِّفُوا بِتَرْكِهِ ولُعِنُوا عَلى فِعْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: إنَّ اللَّهَ قَدْ يَأْمُرُ بِشَيْءٍ ويَصُدُّ عَنْهُ، وقَدْ يَنْهى عَنْ شَيْءٍ ويَقْضِي بِتَحْصِيلِهِ، فَهَذا أحَدُ وُجُوهِ الِاسْتِدَلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ. الوجه الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ والمُرادُ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَسَلَّطُوا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والأسْرِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هو الَّذِي بَعَثَهم عَلى بَنِي صفحة ١٢٦ إسْرائِيلَ، ولا شَكَّ أنَّ قَتْلَ بَنِي إسْرائِيلَ، ونَهْبَ أمْوالِهِمْ، وأسْرَ أوْلادِهِمْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الظُّلْمِ الكَثِيرِ والمَعاصِي العَظِيمَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ كُلَّ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ والطّاعَةَ والمَعْصِيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِن ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ هو أنَّهُ تَعالى أمَرَ أُولَئِكَ الأقْوامَ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا ظَهَرَ فِيهِمْ مِنَ الفَسادِ، فَأُضِيفَ ذَلِكَ الفَعْلُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ الأمْرُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وما ألْقَيْنا الخَوْفَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في قُلُوبِهِمْ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ المُرادَ مِن هَذا البَعْثِ التَّخْلِيَةُ وعَدَمُ المَنعِ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الأوَّلَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وإحْراقَ التَّوْراةِ، وقَتْلَ حُفّاظِ التَّوْراةِ - لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ الثّانِي أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ البَعْثَ عَلى الفِعْلِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْوِيَةِ عَلَيْهِ وإلْقاءِ الدَّواعِي القَوِيَّةِ في القَلْبِ، وأمّا التَّخْلِيَةُ فَعِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ المَنعِ، والأوَّلُ فِعْلٌ، والثّانِي تَرْكٌ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالتَّخْلِيَةِ تَفْسِيرٌ لِأحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالآخَرِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ صِحَّةُ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إنْعامَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ، وبِأنَّهُ جَعَلَ التَّوْراةَ هُدًى لَهم - بَيَّنَ أنَّهم ما اهْتَدَوْا بِهُداهُ، بَلْ وقَعُوا في الفَسادِ، فَقالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: القَضاءُ في اللُّغَةِ: عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الأشْياءِ عَنْ إحْكامٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ. . . . . . . . . . . . فَقَوْلُهُ: ﴿وقَضَيْنا﴾ أيْ: أعْلَمْناهم وأخْبَرْناهم بِذَلِكَ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ. ولَفْظُ ”إلى“ صِلَةٌ لِلْإيحاءِ؛ لِأنَّ مَعْنى ”قَضَيْنا“ أوْحَيْنا إلَيْهِمْ كَذا. وقَوْلُهُ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ يُرِيدُ المَعاصِيَ وخِلافَ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ يَعْنِي: أرْضَ مِصْرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ يَعْنِي: أنَّهُ يَكُونُ اسْتِعْلاؤُكم عَلى النّاسِ بِغَيْرِ الحَقِّ اسْتِعْلاءً عَظِيمًا؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَجَبِّرٍ: قَدْ عَلا وتَعَظَّمَ، ثم قال: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ يَعْنِي أُولى المَرَّتَيْنِ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ الفُسّاقِ في المَرَّةِ الأُولى أرْسَلْنا عَلَيْكم قَوْمًا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، ونَجْدَةٍ وشِدَّةٍ، والبَأْسُ القِتالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] . ومَعْنى بَعَثْنا عَلَيْكم: أرْسَلْنا عَلَيْكم، وخَلَّيْنا بَيْنَكم وبَيْنَهم خاذِلِينَ إيّاكم، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَؤُلاءِ العِبادِ مَن هم ؟ قِيلَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَعَظَّمُوا وتَكَبَّرُوا واسْتَحَلُّوا المَحارِمَ وقَتَلُوا الأنْبِياءَ وسَفَكُوا الدِّماءَ، وذَلِكَ أوَّلُ الفَسادَيْنِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ فَقَتَلَ مِنهم أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ، وذَهَبَ بِالبَقِيَّةِ إلى أرْضِ نَفْسِهِ، فَبَقُوا هُناكَ في الذُّلِّ إلى أنْ قَيَّضَ اللَّهُ مَلِكًا آخَرَ غَزا أهْلَ بابِلَ، واتَّفَقَ أنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَطَلَبَتْ تِلْكَ المَرْأةُ مِن ذَلِكَ المَلِكِ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ ورَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ . صفحة ١٢٥ والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمْ جالُوتَ حَتّى أهْلَكَهم وأبادَهم، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ هو أنَّهُ تَعالى قَوّى طالُوتَ حَتّى حارَبَ جالُوتَ، ونَصَرَ داوُدَ حَتّى قَتَلَ جالُوتَ، فَذاكَ هو عَوْدُ الكَرَّةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ هو أنَّهُ تَعالى ألْقى الرُّعْبَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في قُلُوبِ المَجُوسِ، فَلَمّا كَثُرَتِ المَعاصِي فِيهِمْ أزالَ ذَلِكَ الرُّعْبَ عَنْ قُلُوبِ المَجُوسِ، فَقَصَدُوهم وبالَغُوا في قَتْلِهِمْ وإفْنائِهِمْ وإهْلاكِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ كَثِيرُ غَرَضٍ في مَعْرِفَةِ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأعْيانِهِمْ، بَلِ المَقْصُودُ هو أنَّهم لَمّا أكْثَرُوا مِنَ المَعاصِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أقْوامًا قَتَلُوهم وأفْنَوْهم. ثم قال تَعالى: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الجَوْسُ والجَوَسانُ التَّرَدُّدُ خِلالَ الدِّيارِ والبُيُوتِ في الفَسادِ، والخِلالُ: هو الِانْفِراجُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والدِّيارُ: دِيارُ بَيْتِ المَقْدِسِ، واخْتَلَفَتْ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ ”﴿فَجاسُوا﴾“، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَتَّشُوا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَلَبُوا مَن فِيها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عاثُوا وأفْسَدُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: طافُوا خِلالَ الدِّيارِ هَلْ بَقِيَ أحَدٌ لَمْ يَقْتُلُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: الجَوْسُ هو التَّرَدُّدُ والطَّلَبُ، وذَلِكَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ ما قالُوهُ. ثم قال تَعالى: ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ أيْ: كانَ قَضاءُ اللَّهِ بِذَلِكَ قَضاءً جَزْمًا حَتْمًا لا يَقْبَلُ النَّقْضَ والنَّسْخَ، ثم قال تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ أيْ: أهْلَكْنا أعْداءَكم ورَدَدْنا الدَّوْلَةَ والقُوَّةَ عَلَيْكم، ﴿وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . النَّفِيرُ: العَدَدُ مِنَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِن نَفَرَ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وقَوْمِهِ، والنَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، كالقَدِيرِ والقادِرِ، وذَكَرْنا مَعْنى ”نَفَرَ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٤١] . المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وهَذا القَضاءُ أقَلُّ احْتِمالاتِهِ الحكم الجَزْمُ، والخَبَرُ الحَتْمُ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيُقْدِمُونَ عَلى الفَسادِ والمَعاصِي خَبَرًا جَزْمًا لا يَقْبَلُ النَّسْخَ؛ لِأنَّ القَضاءَ مَعْناهُ الحكم الجَزْمُ عَلى ما شَرَحْناهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ القَضاءَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ، فَقالَ: ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ . إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَدَمُ وُقُوعِ ذَلِكَ الفَسادِ عَنْهم يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى الصِّدْقِ كَذِبًا، وانْقِلابَ حُكْمِهِ الجازِمِ باطِلًا، وانْقِلابَ عِلْمِهِ الحَقِّ جَهْلًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ إقْدامِهِمْ عَلى ذَلِكَ الفَسادِ مُحالًا، فَكانَ إقْدامُهم عَلَيْهِ واجِبًا ضَرُورِيًّا لا يَقْبَلُ النَّسْخَ والرَّفْعَ، مَعَ أنَّهم كُلِّفُوا بِتَرْكِهِ ولُعِنُوا عَلى فِعْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: إنَّ اللَّهَ قَدْ يَأْمُرُ بِشَيْءٍ ويَصُدُّ عَنْهُ، وقَدْ يَنْهى عَنْ شَيْءٍ ويَقْضِي بِتَحْصِيلِهِ، فَهَذا أحَدُ وُجُوهِ الِاسْتِدَلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ. الوجه الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ والمُرادُ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَسَلَّطُوا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والأسْرِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هو الَّذِي بَعَثَهم عَلى بَنِي صفحة ١٢٦ إسْرائِيلَ، ولا شَكَّ أنَّ قَتْلَ بَنِي إسْرائِيلَ، ونَهْبَ أمْوالِهِمْ، وأسْرَ أوْلادِهِمْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الظُّلْمِ الكَثِيرِ والمَعاصِي العَظِيمَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ كُلَّ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ والطّاعَةَ والمَعْصِيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِن ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ هو أنَّهُ تَعالى أمَرَ أُولَئِكَ الأقْوامَ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا ظَهَرَ فِيهِمْ مِنَ الفَسادِ، فَأُضِيفَ ذَلِكَ الفَعْلُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ الأمْرُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وما ألْقَيْنا الخَوْفَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في قُلُوبِهِمْ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ المُرادَ مِن هَذا البَعْثِ التَّخْلِيَةُ وعَدَمُ المَنعِ. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الأوَّلَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وإحْراقَ التَّوْراةِ، وقَتْلَ حُفّاظِ التَّوْراةِ - لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ الثّانِي أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ البَعْثَ عَلى الفِعْلِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْوِيَةِ عَلَيْهِ وإلْقاءِ الدَّواعِي القَوِيَّةِ في القَلْبِ، وأمّا التَّخْلِيَةُ فَعِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ المَنعِ، والأوَّلُ فِعْلٌ، والثّانِي تَرْكٌ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالتَّخْلِيَةِ تَفْسِيرٌ لِأحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالآخَرِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ صِحَّةُ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم لَمّا عَصَوْا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أقْوامًا قَصَدُوهم بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ، ولَمّا تابُوا أزالَ عَنْهم تِلْكَ المِحْنَةَ وأعادَ عَلَيْهِمُ الدَّوْلَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهم إنْ أطاعُوا فَقَدْ أحْسَنُوا إلى أنْفُسِهِمْ، وإنْ أصَرُّوا عَلى المَعْصِيَةِ فَقَدْ أساءُوا إلى أنْفُسِهِمْ، وقَدْ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ الإحْسانَ إلى النَّفْسِ حَسَنٌ مَطْلُوبٌ، وأنَّ الإساءَةَ إلَيْها قَبِيحَةٌ؛ فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ . المسألة الثّانِيَةُ؛ قالَ الواحِدِيُّ: لا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: وقُلْنا إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم، والمَعْنى: إنْ أحْسَنْتُمْ بِفِعْلِ الطّاعاتِ فَقَدْ أحْسَنْتُمْ إلى أنْفُسِكم مِن حَيْثُ إنَّ بِبَرَكَةِ تِلْكَ الطّاعاتِ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْكم أبْوابَ الخَيْراتِ والبَرَكاتِ، وإنْ أسَأْتُمْ بِفِعْلِ المُحَرَّماتِ أسَأْتُمْ إلى أنْفُسِكم مِن حَيْثُ إنَّ بِشُؤْمِ تِلْكَ المَعاصِي يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْكم أبْوابَ العُقُوباتِ. صفحة ١٢٧ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: إنَّما قالَ: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ لِلتَّقابُلِ، والمَعْنى: فَإلَيْها أوْ فَعَلَيْها مَعَ أنَّ حُرُوفَ الإضافَةِ يَقُومُ بَعْضُها مَقامَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٤ - ٥] أيْ: إلَيْها. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أهْلُ الإشاراتِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى غالِبَةٌ عَلى غَضَبِهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا حَكى عَنْهُمُ الإحْسانَ أعادَهُ مَرَّتَيْنِ فَقالَ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ ولَمّا حَكى عَنْهُمُ الإساءَةَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِها مَرَّةً واحِدَةً فَقالَ: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ ولَوْلا أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ غالِبٌ وإلّا لَما كانَ كَذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ وعْدُ المَرَّةِ الأخِيرَةِ، وهَذِهِ المَرَّةُ الأخِيرَةُ هي إقْدامُهم عَلى قَتْلِ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ الواحِدِيُّ: فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ البابِلِيَّ المَجُوسِيَّ أبْغَضَ خَلْقِهِ إلَيْهِ فَسَبى بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ. أقُولُ: التَّوارِيخُ تَشْهَدُ بِأنَّ بُخْتُنَصَّرَ كانَ قَبْلَ وقْتِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَحْيى وزَكَرِيّا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ المَلِكَ الَّذِي انْتَقَمَ مِنَ اليَهُودِ بِسَبَبِ هَؤُلاءِ مَلِكٌ مِنَ الرُّومِ يُقالُ لَهُ: قُسْطَنْطِينُ المَلِكُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِمْ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ مِن أغْراضِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ بِمَعْرِفَةِ أعْيانِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ بَعَثْناهم لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم وإنَّما حَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥] ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ أيْ: أحْزَنَهُ، وإنَّما عَزا الإساءَةَ إلى الوُجُوهِ؛ لِأنَّ آثارَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ الحاصِلَةِ في القَلْبِ إنَّما تَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ، فَإنْ حَصَلَ الفَرَحُ في القَلْبِ ظَهَرَتِ النَّضْرَةُ والإشْراقُ والإسْفارُ في الوَجْهِ. وإنْ حَصَلَ الحُزْنُ والخَوْفُ في القَلْبِ ظَهَرَ الكُلُوحُ والغَبَرَةُ والسَّوادُ في الوَجْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عُزِيَتِ الإساءَةُ إلى الوُجُوهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ العامَّةُ: لِيَسُوءُوا عَلى صِيغَةِ المُغايَبَةِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهي مُوافِقَةٌ لِلْمَعْنى ولِلَّفْظِ. أمّا المَعْنى فَهو أنَّ المَبْعُوثِينَ هُمُ الَّذِينَ يَسُوءُونَهم في الحَقِيقَةِ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ وأمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّهُ يُوافِقُ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ: ”لِيَسُوءَ“ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الواحِدِ، وذَلِكَ الواحِدُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أحَدَ أشْياءَ ثَلاثَةٍ: إمّا اسْمُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ هو قَوْلُهُ: ثُمَّ رَدَدْنا وأمْدَدْنا، وكُلُّ ذَلِكَ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الواحِدُ هو البَعْثَ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَعَثْنا﴾ والفِعْلُ المُتَقَدِّمُ يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] وقالَ الزَّجّاجُ: لِيَسُوءَ الوَعْدُ وُجُوهَكم، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالنُّونِ وهَذا عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: بَعَثْنا عَلَيْكم وأمْدَدْنا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ يُقالُ: تَبِرَ الشَّيْءُ تَبْرًا إذا هَلَكَ وتَبَّرَهُ أهْلَكَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ جَعَلْتَهُ مُكَسَّرًا ومُفَتَّتًا فَقَدْ تَبَّرْتَهُ، ومِنهُ قِيلَ: تِبْرُ الزُّجاجِ وتِبْرُ الذَّهَبِ لِمُكَسَّرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ١٢٨ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ [نوح: ٢٨] . وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلَوْا﴾ يَحْتَمِلُ ما غَلَبُوا عَلَيْهِ وظَفِرُوا بِهِ، ويَحْتَمِلُ ويُتَبِّرُوا ما دامُوا غالِبِينَ، أيْ: ما دامَ سُلْطانُهم جارِيًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ: ﴿تَتْبِيرًا﴾ ذِكْرٌ لِلْمَصْدَرِ عَلى مَعْنى تَحْقِيقِ الخَبَرِ وإزالَةِ الشَّكِّ في صِدْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] أيْ: حَقًّا، والمَعْنى: ولِيُدَمِّرُوا ويُخَرِّبُوا ما غَلَبُوا عَلَيْهِ.

الإسراء 17:8

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ والمَعْنى: لَعَلَّ رَبَّكم أنْ يَرْحَمَكم ويَعْفُوَ عَنْكم بَعْدَ انْتِقامِهِ مِنكم يا بَنِي إسْرائِيلَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ يَعْنِي: أنَ بَعَثْنا عَلَيْكم مَن بَعَثْنا، فَفَعَلُوا بِكم ما فَعَلُوا عُقُوبَةً لَكم وعِظَةً لِتَنْتَفِعُوا بِهِ وتَزْدَجِرُوا بِهِ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي، ثُمَّ رَحِمَكم فَأزالَ هَذا العَذابَ عَنْكم، فَإنْ عُدْتُمْ مَرَّةً أُخْرى إلى المَعْصِيَةِ عُدْنا إلى صَبِّ البَلاءِ عَلَيْكم في الدُّنْيا مَرَّةً أُخْرى. قالَ القَفّالُ: إنَّما حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى عَذابِ الدُّنْيا لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ خَبَرًا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ أيْ: وإنَّهم قَدْ عادُوا إلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي وهو التَّكْذِيبُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وكِتْمانُ ما ورَدَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَعادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالتَّعْذِيبِ عَلى أيْدِي العَرَبِ. فَجَرى عَلى بَنِي النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ وبَنِي قَيْنُقاعَ ويَهُودِ خَيْبَرَ ما جَرى مِنَ القَتْلِ والجَلاءِ، ثُمَّ الباقُونَ مِنهم مَقْهُورُونَ بِالجِزْيَةِ لا مُلْكَ لَهم ولا سُلْطانَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ والحَصِيرُ فَعِيلٌ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: وجَعَلْنا جَهَنَّمَ حاصِرَةً لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: جَعَلْناها مَوْضِعًا مَحْصُورًا لَهم، والمَعْنى أنَّ عَذابَ الدُّنْيا وإنْ كانَ شَدِيدًا قَوِيًّا إلّا أنَّهُ قَدْ يَتَفَلَّتُ بَعْضُ النّاسِ عَنْهُ، والَّذِي يَقَعُ في ذَلِكَ العَذابِ يَتَخَلَّصُ عَنْهُ، إمّا بِالمَوْتِ وإمّا بِطَرِيقٍ آخَرَ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ حاصِرًا لِلْإنْسانِ مُحِيطًا بِهِ لا رَجاءَ في الخَلاصِ عَنْهُ، فَهَؤُلاءِ الأقْوامُ لَهم مِن عَذابِ الدُّنْيا ما وصَفْناهُ ويَكُونُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ ما يَكُونُ مُحِيطًا بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ ولا يَتَخَلَّصُونَ مِنهُ أبَدًا.

الإسراء 17:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ ما فَعَلَهُ في حَقِّ عِبادِهِ المُخْلِصِينَ وهو الإسْراءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإيتاءُ الكِتابِ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما فَعَلَهُ في حَقِّ العُصاةِ والمُتَمَرِّدِينَ وهو تَسْلِيطُ أنْواعِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ تُوجِبُ كُلَّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ ومَعْصِيَتَهُ تُوجِبُ كُلَّ بَلِيَّةٍ وغَرامَةٍ، لا جَرَمَ أثْنى عَلى القُرْآنِ فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ . صفحة ١٢٩ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا الدِّينِ مُسْتَقِيمًا، وقَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الدِّينَ أقْوَمُ مِن سائِرِ الأدْيانِ. وأقُولُ: قَوْلُنا هَذا الشَّيْءُ أقْوَمُ مِن ذاكَ، إنَّما يَصِحُّ في شَيْئَيْنِ يَشْتَرِكانِ في مَعْنى الِاسْتِقامَةِ، ثُمَّ كانَ حُصُولُ مَعْنى الِاسْتِقامَةِ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ أكْثَرَ وأكْمَلَ مِن حُصُولِهِ في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ، وهَذا مُحالٌ لِأنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا كَوْنُهُ حَقًّا وصِدْقًا، ودُخُولُ التَّفاوُتِ في كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا وصِدْقًا مُحالٌ، فَكانَ وصْفُهُ بِأنَّهُ أقْوَمُ مَجازًا، إلّا أنَّ لَفْظَ الأفْعَلِ قَدْ جاءَ بِمَعْنى الفاعِلِ كَقَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ أيِ: اللَّهُ كَبِيرٌ، وقَوْلِنا: الأشَجُّ والنّاقِصُ أعْدَلا بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلا بَنِي مَرْوانَ، أوْ يُحْمَلُ هَذا اللَّفْظُ عَلى الظّاهِرِ المُتَعارَفِ. واللَّهُ أعْلَمُ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَهْدِي لِلْمِلَّةِ أوِ الشَّرِيعَةِ أوِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ المِلَلِ والشَّرائِعِ والطُّرُقِ، ومِثْلُ هَذِهِ الكِنايَةِ كَثِيرَةُ الِاسْتِعْمالِ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ يُبَشِّرُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ بِالأجْرِ الكَبِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الصِّفَةَ الأُولى لَمّا دَلَّتْ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ هادِيًا إلى الِاعْتِقادِ الأصْوَبِ والعَمَلِ الأصْلَحِ، وجَبَ أنْ يَظْهَرَ لِهَذا الصَّوابِ والصَّلاحِ أثَرٌ، وذَلِكَ هو الأجْرُ الكَبِيرُ لِأنَّ الطَّرِيقَ الأقْوَمَ لا بُدَّ وأنْ يُفِيدَ الرِّبْحَ الأكْبَرَ والنَّفْعَ الأعْظَمَ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الِاعْتِقادَ الأصْوَبَ والعَمَلَ الأصْلَحَ كَما يُوجِبُ لِفاعِلِهِ النَّفْعَ الأكْمَلَ الأعْظَمَ فَكَذَلِكَ تَرْكُهُ يُوجِبُ لِتارِكِهِ الضَّرَرَ الأعْظَمَ الأكْمَلَ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى بَشَّرَ المُؤْمِنِينَ بِنَوْعَيْنِ مِنَ البِشارَةِ بِثَوابِهِمْ وبِعِقابِ أعْدائِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: بَشَّرْتُ زَيْدًا أنَّهُ سَيُعْطى وبِأنَّ عَدُوَّهُ سَيُمْنَعُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ لَفْظُ البِشارَةِ بِالعَذابِ ؟ قُلْنا: مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ في شَرْحِ أحْوالِ اليَهُودِ وهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ الإيمانَ بِالآخِرَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ؟ قُلْنا: عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ أكْثَرَ اليَهُودِ يُنْكِرُونَ الثَّوابَ والعِقابَ الجُسْمانِيَّيْنِ. والثّانِي: أنَّ بَعْضَهم قالَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] فَهم في هَذا القَوْلِ صارُوا كالمُنْكِرِينَ لِلْآخِرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ ما فَعَلَهُ في حَقِّ عِبادِهِ المُخْلِصِينَ وهو الإسْراءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإيتاءُ الكِتابِ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما فَعَلَهُ في حَقِّ العُصاةِ والمُتَمَرِّدِينَ وهو تَسْلِيطُ أنْواعِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ تُوجِبُ كُلَّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ ومَعْصِيَتَهُ تُوجِبُ كُلَّ بَلِيَّةٍ وغَرامَةٍ، لا جَرَمَ أثْنى عَلى القُرْآنِ فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ . صفحة ١٢٩ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا الدِّينِ مُسْتَقِيمًا، وقَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الدِّينَ أقْوَمُ مِن سائِرِ الأدْيانِ. وأقُولُ: قَوْلُنا هَذا الشَّيْءُ أقْوَمُ مِن ذاكَ، إنَّما يَصِحُّ في شَيْئَيْنِ يَشْتَرِكانِ في مَعْنى الِاسْتِقامَةِ، ثُمَّ كانَ حُصُولُ مَعْنى الِاسْتِقامَةِ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ أكْثَرَ وأكْمَلَ مِن حُصُولِهِ في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ، وهَذا مُحالٌ لِأنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا كَوْنُهُ حَقًّا وصِدْقًا، ودُخُولُ التَّفاوُتِ في كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا وصِدْقًا مُحالٌ، فَكانَ وصْفُهُ بِأنَّهُ أقْوَمُ مَجازًا، إلّا أنَّ لَفْظَ الأفْعَلِ قَدْ جاءَ بِمَعْنى الفاعِلِ كَقَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ أيِ: اللَّهُ كَبِيرٌ، وقَوْلِنا: الأشَجُّ والنّاقِصُ أعْدَلا بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلا بَنِي مَرْوانَ، أوْ يُحْمَلُ هَذا اللَّفْظُ عَلى الظّاهِرِ المُتَعارَفِ. واللَّهُ أعْلَمُ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَهْدِي لِلْمِلَّةِ أوِ الشَّرِيعَةِ أوِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ المِلَلِ والشَّرائِعِ والطُّرُقِ، ومِثْلُ هَذِهِ الكِنايَةِ كَثِيرَةُ الِاسْتِعْمالِ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ يُبَشِّرُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ بِالأجْرِ الكَبِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الصِّفَةَ الأُولى لَمّا دَلَّتْ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ هادِيًا إلى الِاعْتِقادِ الأصْوَبِ والعَمَلِ الأصْلَحِ، وجَبَ أنْ يَظْهَرَ لِهَذا الصَّوابِ والصَّلاحِ أثَرٌ، وذَلِكَ هو الأجْرُ الكَبِيرُ لِأنَّ الطَّرِيقَ الأقْوَمَ لا بُدَّ وأنْ يُفِيدَ الرِّبْحَ الأكْبَرَ والنَّفْعَ الأعْظَمَ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الِاعْتِقادَ الأصْوَبَ والعَمَلَ الأصْلَحَ كَما يُوجِبُ لِفاعِلِهِ النَّفْعَ الأكْمَلَ الأعْظَمَ فَكَذَلِكَ تَرْكُهُ يُوجِبُ لِتارِكِهِ الضَّرَرَ الأعْظَمَ الأكْمَلَ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى بَشَّرَ المُؤْمِنِينَ بِنَوْعَيْنِ مِنَ البِشارَةِ بِثَوابِهِمْ وبِعِقابِ أعْدائِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: بَشَّرْتُ زَيْدًا أنَّهُ سَيُعْطى وبِأنَّ عَدُوَّهُ سَيُمْنَعُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ لَفْظُ البِشارَةِ بِالعَذابِ ؟ قُلْنا: مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ في شَرْحِ أحْوالِ اليَهُودِ وهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ الإيمانَ بِالآخِرَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ؟ قُلْنا: عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ أكْثَرَ اليَهُودِ يُنْكِرُونَ الثَّوابَ والعِقابَ الجُسْمانِيَّيْنِ. والثّانِي: أنَّ بَعْضَهم قالَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] فَهم في هَذا القَوْلِ صارُوا كالمُنْكِرِينَ لِلْآخِرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ . وفِي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ النَّظْمِ هو أنَّ الإنْسانَ بَعْدَ أنْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ القُرْآنَ وخَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ والكَرامَةِ الكامِلَةِ، قَدْ يَعْدِلُ عَنِ التَّمَسُّكِ بِشَرائِعِهِ والرُّجُوعِ إلى بَياناتِهِ، ويُقْدِمُ عَلى ما لا فائِدَةَ فِيهِ فَقالَ: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ . البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن دُعاءِ الإنْسانِ بِالشَّرِّ عَلى أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ: النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حَيْثُ قالَ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ وضُرِبَتْ رَقَبَتُهُ، فَكانَ بَعْضُهم يَقُولُ: ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ. وآخَرُونَ يَقُولُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْجَهْلِ واعْتِقادِ أنَّ مُحَمَّدًا كاذِبٌ فِيما يَقُولُ. والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ أنَّهُ في وقْتِ الضَّجَرِ يَلْعَنُ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ووَلَدَهُ ومالَهُ، ولَوِ اسْتُجِيبَ لَهُ في الشَّرِّ كَما يُسْتَجابُ لَهُ في الخَيْرِ لَهَلَكَ. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ إلى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ أسِيرًا فَأقْبَلَ يَئِنُّ بِاللَّيْلِ فَقالَتْ لَهُ: ما لَكَ تَئِنُّ ؟ فَشَكى ألَمَ القَيْدِ فَأرْخَتْ لَهُ مِن كِتافِهِ، فَلَمّا نامَتْ أخْرَجَ يَدَهُ وهَرَبَ، فَلَمّا أصْبَحَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعا بِهِ فَأُعْلِمَ بِشَأْنِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اللَّهُمَّ اقْطَعْ يَدَها“ فَرَفَعَتْ سَوْدَةُ يَدَها تَتَوَقَّعُ أنْ يَقْطَعَ اللَّهُ يَدَها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنِّي سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ دُعائِي عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ عَذابًا مِن أهْلِي رَحْمَةً لِأنِّي بَشَرٌ أغْضَبُ كَما تَغْضَبُونَ، فَلْتَرُدَّ سَوْدَةُ يَدَها“» . والقَوْلُ الثّالِثُ: أقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُبالِغُ في الدُّعاءِ طَلَبًا لِشَيْءٍ يَعْتَقِدُ أنَّ خَيْرَهُ فِيهِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يَكُونُ مَنبَعَ شَرِّهِ وضَرَرِهِ، وهو يُبالِغُ في طَلَبِهِ لِجَهْلِهِ بِحالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وإنَّما يُقْدِمُ عَلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ لِكَوْنِهِ عَجُولًا مُغْتَرًّا بِظَواهِرِ الأُمُورِ غَيْرَ مُتَفَحِّصٍ عَنْ حَقائِقِها وأسْرارِها. البَحْثُ الرّابِعُ: القِياسُ: إثْباتُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْعُ﴾ إلّا أنَّهُ حُذِفَ في المُصْحَفِ مِنَ الكِتابَةِ، لِأنَّهُ لا يَظْهَرُ في اللَّفْظِ، أمّا لَمْ تُحْذَفْ في المَعْنى لِأنَّها في مَوْضِعِ الرَّفْعِ، ونَظِيرُهُ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ [ق: ٤١] ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] ولَوْ كانَ بِالواوِ والياءِ لَكانَ صَوابًا هَذا كَلامُ الفَرّاءِ. وأقُولُ: إنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ عَصَمَ هَذا القُرْآنَ المَجِيدَ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ فَإنَّ إثْباتَ الياءِ والواوِ في أكْثَرِ ألْفاظِ القُرْآنِ وعَدَمَ إثْباتِهِما في هَذِهِ المَواضِعِ المَعْدُودَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ نُقِلَ كَما سُمِعَ، وأنَّ أحَدًا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ بِمِقْدارِ فَهْمِهِ وقُوَّةِ عَقْلِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ وفي هَذا الإنْسانِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا انْتَهَتِ الرُّوحُ إلى سُرَّتِهِ نَظَرَ إلى جَسَدِهِ فَأعْجَبَهُ فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الجِنْسِ، لِأنَّ أحَدًا مِنَ النّاسِ لا يَعْرى عَنْ عَجَلَةٍ، ولَوْ تَرَكَها لَكانَ تَرْكُها أصْلَحَ لَهُ في الدِّينِ والدُّنْيا، وأقُولُ: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو القَوْلَ الأوَّلَ، كانَ المَقْصُودُ عائِدًا إلى صفحة ١٣١ القَوْلِ الثّانِي، لِأنّا إذا حَمَلْنا الإنْسانَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ المَعْنى أنَّ آدَمَ الَّذِي كانَ أصْلَ البَشَرِ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ العَجَلَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ صِفَةً لازِمَةً لِلْكُلِّ، فَكانَ المَقْصُودُ عائِدًا إلى القَوْلِ الثّانِي، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ وُجُوهٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما أوْصَلَ إلى الخَلْقِ مِن نِعَمِ الدِّينِ وهو القُرْآنُ أتْبَعَهُ بِبَيانِ ما أوْصَلَ إلَيْهِمْ مِن نِعَمِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ وكَما أنَّ القُرْآنَ مُمْتَزِجٌ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، فَكَذَلِكَ الدَّهْرُ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّهارِ واللَّيْلِ. فالمُحْكَمُ كالنَّهارِ، والمُتَشابِهُ كاللَّيْلِ، وكَما أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّكْلِيفِ لا يَتِمُّ إلّا بِذِكْرِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، فَكَذَلِكَ الوَقْتُ والزَّمانُ لا يَكْمُلُ الِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِالنَّهارِ واللَّيْلِ. والوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ، وذَلِكَ الأقْوَمُ لَيْسَ إلّا ذِكْرَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، لا جَرَمَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وهو عَجائِبُ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا وصَفَ الإنْسانَ بِكَوْنِهِ عَجُولًا أيْ: مُنْتَقِلًا مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، بَيَّنَ أنَّ كُلَّ أحْوالِ هَذا العالَمِ كَذَلِكَ، وهو الِانْتِقالُ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ وبِالضِّدِّ، وانْتِقالُ نُورِ القَمَرِ مِنَ الزِّيادَةِ إلى النُّقْصانِ وبِالضِّدِّ. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَتَيْنِ نَفْسَ اللَّيْلِ والنَّهارِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُما دَلِيلَيْنِ لِلْخَلْقِ عَلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. أمّا في الدِّينِ: فَلِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُضادٌّ لِلْآخَرِ مُغايِرٌ لَهُ، مَعَ كَوْنِهِما مُتَعاقِبَيْنِ عَلى الدَّوامِ، مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُما غَيْرُ مَوْجُودَيْنِ لِذاتِهِما، بَلْ لا بُدَّ لَهُما مِن فاعِلٍ يُدَبِّرُهُما ويُقَدِّرُهُما بِالمَقادِيرِ المَخْصُوصَةِ، وأمّا في الدُّنْيا: فَلِأنَّ مَصالِحَ الدُّنْيا لا تَتِمُّ إلّا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، فَلَوْلا اللَّيْلُ لَما حَصَلَ السُّكُونُ والرّاحَةُ، ولَوْلا النَّهارُ لَما حَصَلَ الكَسْبُ والتَّصَرُّفُ في وُجُوهِ المَعاشِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ: تَكُونُ الإضافَةُ في آيَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِلتَّبْيِينِ، والتَّقْدِيرُ: فَمَحْوُنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ وجَعَلْنا الآيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ النَّهارِ مُبْصِرَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: نَفْسُ الشَّيْءِ صفحة ١٣٢ وذاتُهُ، فَكَذَلِكَ آيَةُ اللَّيْلِ هي نَفْسُ اللَّيْلِ. ويُقالُ أيْضًا: دَخَلْتُ بِلادَ خُراسانَ أيْ: دَخَلْتُ البِلادَ الَّتِي هي خُراسانُ، فَكَذَلِكَ هَهُنا. القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وجَعَلْنا نُرِي اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ يُرِيدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وهي القَمَرُ، وفي تَفْسِيرِ مَحْوِ القَمَرِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ ما يَظْهَرُ في القَمَرِ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في النُّورِ، فَيَبْدُو في أوَّلِ الأمْرِ في صُورَةِ الهِلالِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَزايَدُ نُورُهُ حَتّى يَصِيرَ بَدْرًا كامِلًا، ثُمَّ يَأْخُذُ في الِانْتِقاصِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وذَلِكَ هو المَحْوُ، إلى أنْ يَعُودَ إلى المَحاقِ. والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِن مَحْوِ القَمَرِ الكَلَفُ الَّذِي يَظْهَرُ في وجْهِهِ يُرْوى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ كانا سَواءً في النُّورِ والضَّوْءِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأمَرَّ جَناحَهُ عَلى وجْهِ القَمَرِ فَطَمَسَ عَنْهُ الضَّوْءَ. ومَعْنى المَحْوِ في اللُّغَةِ: إذْهابُ الأثَرِ، تَقُولُ: مَحَوْتُهُ أمْحُوهُ وانْمَحى وامْتَحى إذا ذَهَبَ أثَرُهُ، وأقُولُ: حَمْلُ المَحْوِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما هو مَذْكُورٌ قَبْلُ، وهو مَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ. وجَعْلُ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً ومَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ إنَّما يُؤَثِّرُ في ابْتِغاءِ فَضْلِ اللَّهِ. إذا حَمَلْنا المَحْوَ عَلى زِيادَةِ نُورِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ، لِأنَّ سَبَبَ حُصُولِ هَذِهِ الحالَةِ يَخْتَلِفُ بِأحْوالِ نُورِ القَمَرِ، وأهْلُ التَّجارِبِ بَيَّنُوا أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ القَمَرِ في مَقادِيرِ النُّورِ لَهُ أثَرٌ عَظِيمٌ في أحْوالِ هَذا العالَمِ ومَصالِحِهِ، مِثْلَ أحْوالِ البِحارِ في المَدِّ والجَزْرِ، ومِثْلَ أحْوالِ التَّجْرِباتِ عَلى ما تَذْكُرُهُ الأطِبّاءُ في كُتُبِهِمْ، وأيْضًا بِسَبَبِ زِيادَةِ نُورِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ يَحْصُلُ الشُّهُورُ، وبِسَبَبِ مُعاوَدَةِ الشُّهُورِ يَحْصُلُ السُّنُونَ العَرَبِيَّةُ المَبْنِيَّةُ عَلى رُؤْيَةِ الأهِلَّةِ كَما قالَ: ﴿ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَ المَحْوِ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوْلى. وأقُولُ أيْضًا: لَوْ حَمَلْنا المَحْوَ عَلى الكَلَفِ الحاصِلِ في وجْهِ القَمَرِ، فَهو أيْضًا بُرْهانٌ عَظِيمٌ قاهِرٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ المُسْلِمِينَ في المَبْدَأِ والمَعادِ، أمّا دَلالَتُهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في المَبْدَأِ، فَلِأنَّ جِرْمَ القَمَرِ جِرْمٌ بَسِيطٌ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَشابِهَ الصِّفاتِ، فَحُصُولُ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ المَحْوِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبِ الطَّبِيعَةِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّ الفاعِلَ المُخْتارَ خَصَّصَ بَعْضَ أجْزائِهِ بِالنُّورِ القَوِيِّ، وبَعْضَ أجْزائِهِ بِالنُّورِ الضَّعِيفِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُدَبِّرَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ لا مُوجَبٌ بِالذّاتِ. وأحْسَنُ ما ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ في الِاعْتِذارِ عَنْهُ، أنَّهُ ارْتَكَزَ في وجْهِ القَمَرِ أجْسامٌ قَلِيلَةُ الضَّوْءِ مِثْلُ ارْتِكازِ الكَواكِبِ في أجْرامِ الأفْلاكِ، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأجْرامُ أقَلَّ ضَوْءٍ مِن جِرْمِ القَمَرِ، لا جَرَمَ شُوهِدَتْ تِلْكَ الأجْرامُ في وجْهِ القَمَرِ كالكَلَفِ في وجْهِ الإنْسانِ، وهَذا لا يُفِيدُ مَقْصُودَ الخَصْمِ، لِأنَّ جِرْمَ القَمَرِ لَمّا كانَ مُتَشابِهَ الأجْزاءِ فَلِمَ ارْتَكَزَتْ تِلْكَ الأجْرامُ الظُّلْمانِيَّةُ في بَعْضِ أجْزاءِ القَمَرِ دُونَ سائِرِ الأجْزاءِ ؟ وبِمِثْلِ هَذا الطَّرِيقِ يَتَمَسَّكُ في أحْوالِ الكَواكِبِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفَلَكَ جِرْمٌ بَسِيطٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ فَلِمَ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ جِرْمِ الكَواكِبِ في بَعْضِ جَوانِبِهِ أوْلى مِن حُصُولِهِ في سائِرِ الجَوانِبِ ؟ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اخْتِصاصَ ذَلِكَ الكَوْكَبِ بِذَلِكَ المَوْضِعِ المُعَيَّنِ مِنَ الفَلَكِ لِأجْلِ تَخْصِيصِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وكُلُّ هَذِهِ الدَّلائِلِ إنَّما يُرادُ مِن تَقْرِيرِها وإيرادِها التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُؤَثِّرَ في العالَمِ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ لا مُوجَبٌ بِالذّاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِها مُبْصِرَةً أيْ: مُضِيئَةً وذَلِكَ لِأنَّ صفحة ١٣٣ الإضاءَةَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الإبْصارِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ الإبْصارِ عَلى الإضاءَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ. والثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ يُقالُ: قَدْ أبْصَرَ النَّهارُ إذا صارَ النّاسُ يُبْصِرُونَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: رَجُلٌ مُخْبِثٌ إذا كانَ أصْحابُهُ خُبَثاءَ، ورَجُلٌ مُضْعِفٌ إذا كانَتْ ذَرارِيهِ ضِعافًا، فَكَذا قَوْلُهُ: ”النَّهارُ مُبْصِرٌ“، أيْ: أهْلُهُ بُصَراءُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مَنافِعَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١] وقالَ أيْضًا: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: لِتُبْصِرُوا كَيْفَ تَتَصَرَّفُونَ في أعْمالِكم ﴿ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الحِسابَ مَبْنِيٌّ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: السّاعاتُ والأيّامُ والشُّهُورُ والسُّنُونَ، فالعَدَدُ لِلسِّنِينَ، والحِسابُ لِما دُونَ السِّنِينَ، وهي الشُّهُورُ والأيّامُ والسّاعاتُ، وبَعْدَ هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعِ لا يَحْصُلُ إلّا التَّكْرارُ كَما أنَّهم رَتَّبُوا العَدَدَ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: الآحادُ والعَشَراتُ والمِئاتُ والأُلُوفُ، ولَيْسَ بَعْدَها إلّا التَّكْرارُ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وهُما مِن وجْهٍ دَلِيلانِ قاطِعانِ عَلى التَّوْحِيدِ، ومِن وجْهٍ آخَرَ نِعْمَتانِ عَظِيمَتانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ الدُّنْيا، فَلَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى حالَهُما وفَصَّلَ ما فِيهِما مِن وُجُوهِ الدَّلالَةِ عَلى الخالِقِ ومِن وُجُوهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ عَلى الخَلْقِ، كانَ ذَلِكَ تَفْصِيلًا نافِعًا وبَيانًا كامِلًا، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ بِكم إلَيْهِ حاجَةٌ في مَصالِحِ دِينِكم ودُنْياكم، فَقَدْ فَصَّلْناهُ وشَرَحْناهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] وإنَّما ذَكَرَ المَصْدَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿تَفْصِيلًا﴾ لِأجْلِ تَأْكِيدِ الكَلامِ وتَقْرِيرِهِ، كَأنَّهُ قالَ: وفَصَّلْناهُ حَقًّا وفَصَّلْناهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ . اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ فَقَدْ صارَ مَذْكُورًا. وكُلَّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن شَرْحِ أحْوالِ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَقَدْ صارَ مَذْكُورًا. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ أُزِيحَتِ الأعْذارُ، وأُزِيلَتِ العِلَلُ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَقَدْ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونَقُولُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ . صفحة ١٣٤ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أوْصَلَ إلى الخَلْقِ أصْنافَ الأشْياءِ النّافِعَةِ لَهم في الدِّينِ والدُّنْيا، مِثْلَ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِما كانَ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ بِأعْظَمِ وُجُوهِ النِّعَمِ. وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ اشْتِغالِهِمْ بِخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ مَسْئُولًا عَنْ أعْمالِهِ وأقْوالِهِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِيَشْتَغِلُوا بِعِبادَتِهِ كَما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَلَمّا شَرَحَ أحْوالَ الشَّمْسِ والقَمَرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، كانَ المَعْنى: إنِّي إنَّما خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ لِتَنْتَفِعُوا بِها فَتَصِيرُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِطاعَتِي وخِدْمَتِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ سَألْتُهُ أنَّهُ هَلْ أتى بِتِلْكَ الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، أوْ تَمَرَّدَ وعَصى وبَغى، فَهَذا هو الوَجْهُ في تَقْرِيرِ النَّظْمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الطّائِرِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ إذا أرادُوا الإقْدامَ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ وأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ يَسُوقُهم إلى خَيْرٍ أوْ إلى شَرٍّ اعْتَبَرُوا أحْوالَ الطَّيْرِ وهو أنَّهُ يَطِيرُ بِنَفْسِهِ، أوْ يَحْتاجُ إلى إزْعاجِهِ، وإذا طارَ فَهَلْ يَطِيرُ مُتَيامِنًا أوْ مُتَياسِرًا أوْ صاعِدًا إلى الجَوِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي كانُوا يَعْتَبِرُونَها ويَسْتَدِلُّونَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى أحْوالِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهم سُمِّي الخَيْرُ والشَّرُّ بِالطّائِرِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ لازِمِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يس: ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩] فَقَوْلُهُ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ أيْ: كُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ في عُنُقِهِ. وتَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الوَجْهِ قِراءَةُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: ”ألْزَمْناهُ طَيْرَهُ في عُنُقِهِ“ . القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الطّائِرُ عِنْدَ العَرَبِ الحَظُّ وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ الفُرْسُ البَخْتَ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الطّائِرِ ما طارَ لَهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتَّحْقِيقُ في هَذا البابِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ وخَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ العَقْلِ والعِلْمِ، والعُمْرِ والرِّزْقِ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. والإنْسانُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَجاوَزَ ذَلِكَ القَدْرَ وأنْ يَنْحَرِفَ عَنْهُ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلى ذَلِكَ القَدْرِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، فَتِلْكَ الأشْياءُ المَقْدُورَةُ كَأنَّها تَطِيرُ إلَيْهِ وتَصِيرُ إلَيْهِ، فَبِهَذا المَعْنى لا يَبْعُدُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الأحْوالِ المُقَدَّرَةِ بِلَفْظِ الطّائِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ أنَّ كُلَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى ومَضى في عِلْمِهِ حُصُولُهُ فَهو لازِمٌ لَهُ واصِلٌ إلَيْهِ غَيْرُ مُنْحَرِفٍ عَنْهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ كُلَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ وحَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ في سابِقِ عِلْمِهِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ مُمْتَنِعُ العَدَمِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ في عُنُقِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ لازِمٌ لَهُ، وما كانَ لازِمًا لِلشَّيْءِ كانَ مُمْتَنِعَ الزَّوالِ عَنْهُ واجِبَ الحُصُولِ لَهُ وهو المَقْصُودُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ الإلْزامَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألْزَمْناهُ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ الإلْزامَ إنَّما صَدَرَ مِنهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦] وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يَظْهَرُ في الأبَدِ إلّا ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ في الأزَلِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ١٣٥ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ كِنايَةٌ عَنِ اللُّزُومِ كَما يُقالُ: جَعَلْتُ هَذا في عُنُقِكِ أيْ: قَلَّدْتُكَ هَذا العَمَلَ وألْزَمْتُكَ الِاحْتِفاظَ بِهِ، ويُقالُ: قَلَّدْتُكَ كَذا وطَوَّقْتُكَ كَذا، أيْ: صَرَفْتُهُ إلَيْكَ وألْزَمْتُهُ إيّاكَ، ومِنهُ قَلَّدَهُ السُّلْطانُ كَذا. أيْ: صارَتِ الوِلايَةُ في لُزُومِها لَهُ في مَوْضِعِ القِلادَةِ ومَكانِ الطَّوْقِ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ يُقَلِّدُ فُلانًا أيْ: جَعَلَ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ كالقِلادَةِ المَرْبُوطَةِ عَلى عُنُقِهِ. قالَ أهْلُ المَعانِي: وإنَّما خَصَّ العُنُقَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْضاءِ بِهَذا المَعْنى لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ إمّا أنْ يَكُونَ خَيْرًا يَزِينُهُ أوْ شَرًّا يَشِينُهُ، وما يَزِينُ يَكُونُ كالطَّوْقِ والحُلِيِّ، والَّذِي يَشِينُ فَهو كالغُلِّ، فَهَهُنا عَمَلُهُ إنْ كانَ مِنَ الخَيْراتِ كانَ زِينَةً لَهُ، وإنْ كانَ مِنَ المَعاصِي كانَ كالغُلِّ عَلى رَقَبَتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ قالَ الحَسَنُ: يا ابْنَ آدَمَ بَسَطْنا لَكَ صَحِيفَةً ووُكِّلَ بِكَ مَلَكانِ فَهُما عَنْ يَمِينِكَ وشِمالِكَ. فَأمّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَناتِكَ، وأمّا الَّذِي عَنْ شِمالِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئاتِكَ، حَتّى إذا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ وجُعِلَتْ مَعَكَ في قَبْرِكَ حَتّى تَخْرُجَ لَكَ يَوْمَ القِيامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ﴾ أيْ: مِن قَبْرِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: نُخْرِجُ لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَرَ كِتابَهُ في الدُّنْيا فَإذا بُعِثَ أُظْهِرَ لَهُ ذَلِكَ وأُخْرِجَ مِنَ السَّتْرِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: ”ويَخْرُجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا“ أيْ: يَخْرُجُ لَهُ الطّائِرُ أيْ: عَمَلُهُ كِتابًا مَنشُورًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ: ”يُلَقّاهُ“ مِن قَوْلِهِمْ: لَقَّيْتُ فُلانًا الشَّيْءَ أيِ اسْتَقْبَلْتُهُ بِهِ. قالَ تَعالى: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] وهو مَنقُولٌ بِالتَّشْدِيدِ مِن لَقَّيْتُ الشَّيْءَ ولَقّانِيهِ زَيْدٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ والتَّقْدِيرُ يُقالُ لَهُ: وهَذا القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ قالَ الحَسَنُ: يَقْرَؤُهُ أُمِّيًّا كانَ أوْ غَيْرَ أُمِّيٍّ، وقالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يُؤْتى بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَحِيفَتِهِ وهو يَقْرَؤُها وحَسَناتُهُ في ظَهْرِها يَغْبِطُهُ النّاسُ عَلَيْها، وسَيِّئاتُهُ في جَوْفِ صَحِيفَتِهِ وهو يَقْرَؤُها، حَتّى إذا ظَنَّ أنَّها أوْبَقَتْهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ”اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْتُها لَكَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ“ فَيَعْظُمُ سُرُورُهُ، ويَصِيرُ مِنَ الَّذِينَ قالَ في حَقِّهِمْ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩] ثُمَّ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أيْ: مُحاسِبًا. قالَ الحَسَنُ: عَدَلَ واللَّهِ في حَقِّكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ. قالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ إنَّكَ قَضَيْتَ أنَّكَ لَسْتَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، فاجْعَلْنِي أُحاسِبُ نَفْسِي فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: هَذِهِ الآيَةُ في غايَةِ الشَّرَفِ، وفِيها أسْرارٌ عَجِيبَةٌ في أبْحاثٍ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ فِعْلَ العَبْدِ كالطَّيْرِ الَّذِي يَطِيرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قَدَّرَ لِكُلِّ أحَدٍ في الأزَلِ مِقْدارًا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي سَبَقَ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ وحُكْمِهِ الأزَلِيِّ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلَيْهِ، فَذَلِكَ الحُكْمُ كَأنَّهُ طائِرٌ يَطِيرُ إلَيْهِ مِنَ الأزَلِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، فَإذا حَضَرَ ذَلِكَ الوَقْتُ وصَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ الطّائِرُ وصُولًا لا خَلاصَ لَهُ البَتَّةَ ولا انْحِرافَ عَنْهُ البَتَّةَ. وإذا عَلِمَ الإنْسانُ في كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ ولَمْحَةٍ وفِكْرَةٍ أنَّهُ كانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ طائِرٍ طَيَّرَهُ اللَّهُ إلَيْهِ عَلى مَنهَجٍ مُعَيَّنٍ وطَرِيقٍ مُعَيَّنٍ، وأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ذَلِكَ الطّائِرُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفَ أنَّ الكِفايَةَ الأبَدِيَّةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالعِنايَةِ الأزَلِيَّةِ. صفحة ١٣٦ والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ إنَّما تَقَدَّرَتْ بِإلْزامِ اللَّهِ تَعالى. وذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ حادِثٍ حادِثًا مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ لِحُصُولِ الحادِثِ المُتَأخِّرِ، فَلَمّا كانَ وضْعُ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ مِنَ اللَّهِ لا جَرَمَ كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، وعِنْدَ هَذا يَتَخَيَّلُ الإنْسانُ طُيُورًا لا نِهايَةَ لَها ولا غايَةَ لِأعْدادِها، فَإنَّهُ تَعالى طَيَّرَها مِن وكْرِ الأزَلِ وظُلُماتِ عالَمِ الغَيْبِ، وأنَّها صارَتْ وطارَتْ طَيَرانًا لا بِدايَةَ لَهُ ولا غايَةَ لَهُ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُتَوَجِّهًا إلى ذَلِكَ الإنْسانِ المُعَيَّنِ في الوَقْتِ المُعَيَّنِ بِالصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ التَّجْرِبَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَكْرارَ الأعْمالِ الِاخْتِيارِيَّةِ تُفِيدُ حُدُوثَ المَلَكَةِ النَّفْسانِيَّةِ الرّاسِخَةِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ، ألا تَرى أنَّ مَن واظَبَ عَلى تَكْرارِ قِراءَةِ دَرْسٍ واحِدٍ صارَ ذَلِكَ الدَّرْسُ مَحْفُوظًا، ومَن واظَبَ عَلى عَمَلٍ واحِدٍ مُدَّةً مَدِيدَةً صارَ ذَلِكَ العَمَلُ مَلَكَةً لَهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا كانَ التَّكْرارُ الكَثِيرُ يُوجِبُ حُصُولَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ ما في جَوْهَرِ النَّفْسِ، فَإنّا لَمّا رَأيْنا أنَّ عِنْدَ تَوالِي القَطَراتِ الكَثِيرَةِ مِنَ الماءِ عَلى الحَجَرِ حَصَلَتِ الثُّقْبَةُ في الحَجَرِ، عَلِمْنا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ القَطَراتِ أثَرًا ما في حُصُولِ ذَلِكَ الثُّقْبِ وإنْ كانَ ضَعِيفًا قَلِيلًا، وإنْ كانَتِ الكِتابَةُ أيْضًا في عُرْفِ النّاسِ عِبارَةً عَنْ نُقُوشٍ مَخْصُوصَةٍ اصْطَلَحَ النّاسُ عَلى جَعْلِها مُعَرِّفاتٍ لِألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، فَعَلى هَذا، دَلالَةُ تِلْكَ النُّقُوشِ عَلى تِلْكَ المَعانِي المَخْصُوصَةِ دَلالَةٌ كائِنَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ واجِبَةُ الثُّبُوتِ، مُمْتَنِعَةُ الزَّوالِ، كانَ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى تِلْكَ النُّقُوشِ أوْلى بِاسْمِ الكِتابِ مِنَ الصَّحِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى النُّقُوشِ الدّالَّةِ بِالوَضْعِ والِاصْطِلاحِ. وإذا عَرَفْتَ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَصْدُرُ مِنَ الإنْسانِ كَثِيرًا كانَ أوْ قَلِيلًا، قَوِيًّا كانَ أوْ ضَعِيفًا، فَإنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ لا مَحالَةَ في جَوْهَرِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الأثَرُ أثَرًا لِجَذْبِ جَوْهَرِ الرُّوحِ مِنَ الخَلْقِ إلى حَضْرَةِ الحَقِّ كانَ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ السَّعاداتِ والكَراماتِ. وإنْ كانَ ذَلِكَ الأثَرُ أثَرًا لِجَذْبِ الرُّوحِ مِن حَضْرَةِ الحَقِّ إلى الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ كانَ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ الشَّقاوَةِ والخِذْلانِ. إلّا أنَّ تِلْكَ الآثارَ تَخْفى ما دامَ الرُّوحُ مُتَعَلِّقًا بِالبَدَنِ، لِأنَّ اشْتِغالَ الرُّوحِ بِتَدْبِيرِ البَدَنِ يَمْنَعُ مِنَ انْكِشافِ هَذِهِ الأحْوالِ وتَجَلِّيها وظُهُورِها، فَإذا انْقَطَعَ تَعَلُّقُ الرُّوحِ عَنْ تَدْبِيرِ البَدَنِ فَهُناكَ تَحْصُلُ القِيامَةُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» “ ومَعْنى كَوْنِ هَذِهِ الحالَةِ قِيامَةً أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ كَأنَّها كانَتْ ساكِنَةً مُسْتَقِرَّةً في هَذا الجَسَدِ السُّفْلِيِّ، فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ، قامَتِ النَّفْسُ وتَوَجَّهَتْ نَحْوَ الصُّعُودِ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِ هَذِهِ الحالَةِ قِيامَةً، ثُمَّ عِنْدَ حُصُولِ القِيامَةِ بِهَذا المَعْنى زالَ الغِطاءُ وانْكَشَفَ الوِطاءُ، وقِيلَ لَهُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ مَعْناهُ: ونُخْرِجُ لَهُ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ القِيامَةِ مِن عُمْقِ البَدَنِ المُظْلِمِ كِتابًا مُشْتَمِلًا عَلى جَمِيعِ تِلْكَ الآثارِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ويَكُونُ هَذا الكِتابُ في هَذا الوَقْتِ مَنشُورًا، لِأنَّ الرُّوحَ حِينَ كانَتْ في البَدَنِ كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ فِيهِ مَخْفِيَّةً فَكانَتْ كالمَطْوِيَّةِ. أمّا بَعْدَ انْقِطاعِ التَّعَلُّقِ الجَسَدانِيِّ ظَهَرَتْ هَذِهِ الأحْوالُ وجَلَتْ وانْكَشَفَتْ فَصارَتْ كَأنَّها مَكْشُوفَةٌ مَنشُورَةٌ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْوِيَّةً، وظاهِرَةٌ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَخْفِيَّةً، وعِنْدَ ذَلِكَ تُشاهِدُ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ جَمِيعَ تِلْكَ الآثارِ مَكْتُوبَةً بِالكِتابَةِ الذّاتِيَّةِ في جَوْهَرِ الرُّوحِ فَيُقالُ لَهُ في تِلْكَ الحالَةِ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ ثُمَّ يُقالُ لَهُ: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فَإنَّ تِلْكَ الآثارَ إنْ كانَتْ مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ صفحة ١٣٧ حَصَلَتِ السَّعادَةُ لا مَحالَةَ، وإنْ كانَتْ مِن مُوجِباتِ الشَّقاوَةِ حَصَلَتِ الشَّقاوَةُ لا مَحالَةَ، فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِحَسَبِ الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ الحَقَّ أنَّ الأحْوالَ الظّاهِرَةَ الَّتِي ورَدَتْ فِيها الرِّواياتُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيها، واحْتِمالُ الآيَةِ لِهَذِهِ المَعانِي الرُّوحانِيَّةِ ظاهِرٌ أيْضًا، والمَنهَجُ القَوِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإقْرارُ بِالكُلِّ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.

الإسراء 17:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ . اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ فَقَدْ صارَ مَذْكُورًا. وكُلَّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن شَرْحِ أحْوالِ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَقَدْ صارَ مَذْكُورًا. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ أُزِيحَتِ الأعْذارُ، وأُزِيلَتِ العِلَلُ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَقَدْ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونَقُولُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ . صفحة ١٣٤ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أوْصَلَ إلى الخَلْقِ أصْنافَ الأشْياءِ النّافِعَةِ لَهم في الدِّينِ والدُّنْيا، مِثْلَ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِما كانَ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ بِأعْظَمِ وُجُوهِ النِّعَمِ. وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ اشْتِغالِهِمْ بِخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ مَسْئُولًا عَنْ أعْمالِهِ وأقْوالِهِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِيَشْتَغِلُوا بِعِبادَتِهِ كَما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَلَمّا شَرَحَ أحْوالَ الشَّمْسِ والقَمَرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، كانَ المَعْنى: إنِّي إنَّما خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ لِتَنْتَفِعُوا بِها فَتَصِيرُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِطاعَتِي وخِدْمَتِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ سَألْتُهُ أنَّهُ هَلْ أتى بِتِلْكَ الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، أوْ تَمَرَّدَ وعَصى وبَغى، فَهَذا هو الوَجْهُ في تَقْرِيرِ النَّظْمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الطّائِرِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ إذا أرادُوا الإقْدامَ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ وأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ يَسُوقُهم إلى خَيْرٍ أوْ إلى شَرٍّ اعْتَبَرُوا أحْوالَ الطَّيْرِ وهو أنَّهُ يَطِيرُ بِنَفْسِهِ، أوْ يَحْتاجُ إلى إزْعاجِهِ، وإذا طارَ فَهَلْ يَطِيرُ مُتَيامِنًا أوْ مُتَياسِرًا أوْ صاعِدًا إلى الجَوِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي كانُوا يَعْتَبِرُونَها ويَسْتَدِلُّونَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى أحْوالِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهم سُمِّي الخَيْرُ والشَّرُّ بِالطّائِرِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ لازِمِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يس: ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩] فَقَوْلُهُ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ أيْ: كُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ في عُنُقِهِ. وتَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الوَجْهِ قِراءَةُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: ”ألْزَمْناهُ طَيْرَهُ في عُنُقِهِ“ . القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الطّائِرُ عِنْدَ العَرَبِ الحَظُّ وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ الفُرْسُ البَخْتَ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الطّائِرِ ما طارَ لَهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتَّحْقِيقُ في هَذا البابِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ وخَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ العَقْلِ والعِلْمِ، والعُمْرِ والرِّزْقِ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. والإنْسانُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَجاوَزَ ذَلِكَ القَدْرَ وأنْ يَنْحَرِفَ عَنْهُ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلى ذَلِكَ القَدْرِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، فَتِلْكَ الأشْياءُ المَقْدُورَةُ كَأنَّها تَطِيرُ إلَيْهِ وتَصِيرُ إلَيْهِ، فَبِهَذا المَعْنى لا يَبْعُدُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الأحْوالِ المُقَدَّرَةِ بِلَفْظِ الطّائِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ أنَّ كُلَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى ومَضى في عِلْمِهِ حُصُولُهُ فَهو لازِمٌ لَهُ واصِلٌ إلَيْهِ غَيْرُ مُنْحَرِفٍ عَنْهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ كُلَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ وحَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ في سابِقِ عِلْمِهِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ مُمْتَنِعُ العَدَمِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ في عُنُقِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ لازِمٌ لَهُ، وما كانَ لازِمًا لِلشَّيْءِ كانَ مُمْتَنِعَ الزَّوالِ عَنْهُ واجِبَ الحُصُولِ لَهُ وهو المَقْصُودُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ الإلْزامَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألْزَمْناهُ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ الإلْزامَ إنَّما صَدَرَ مِنهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦] وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يَظْهَرُ في الأبَدِ إلّا ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ في الأزَلِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ١٣٥ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ كِنايَةٌ عَنِ اللُّزُومِ كَما يُقالُ: جَعَلْتُ هَذا في عُنُقِكِ أيْ: قَلَّدْتُكَ هَذا العَمَلَ وألْزَمْتُكَ الِاحْتِفاظَ بِهِ، ويُقالُ: قَلَّدْتُكَ كَذا وطَوَّقْتُكَ كَذا، أيْ: صَرَفْتُهُ إلَيْكَ وألْزَمْتُهُ إيّاكَ، ومِنهُ قَلَّدَهُ السُّلْطانُ كَذا. أيْ: صارَتِ الوِلايَةُ في لُزُومِها لَهُ في مَوْضِعِ القِلادَةِ ومَكانِ الطَّوْقِ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ يُقَلِّدُ فُلانًا أيْ: جَعَلَ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ كالقِلادَةِ المَرْبُوطَةِ عَلى عُنُقِهِ. قالَ أهْلُ المَعانِي: وإنَّما خَصَّ العُنُقَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْضاءِ بِهَذا المَعْنى لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ إمّا أنْ يَكُونَ خَيْرًا يَزِينُهُ أوْ شَرًّا يَشِينُهُ، وما يَزِينُ يَكُونُ كالطَّوْقِ والحُلِيِّ، والَّذِي يَشِينُ فَهو كالغُلِّ، فَهَهُنا عَمَلُهُ إنْ كانَ مِنَ الخَيْراتِ كانَ زِينَةً لَهُ، وإنْ كانَ مِنَ المَعاصِي كانَ كالغُلِّ عَلى رَقَبَتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ قالَ الحَسَنُ: يا ابْنَ آدَمَ بَسَطْنا لَكَ صَحِيفَةً ووُكِّلَ بِكَ مَلَكانِ فَهُما عَنْ يَمِينِكَ وشِمالِكَ. فَأمّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَناتِكَ، وأمّا الَّذِي عَنْ شِمالِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئاتِكَ، حَتّى إذا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ وجُعِلَتْ مَعَكَ في قَبْرِكَ حَتّى تَخْرُجَ لَكَ يَوْمَ القِيامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ﴾ أيْ: مِن قَبْرِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: نُخْرِجُ لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَرَ كِتابَهُ في الدُّنْيا فَإذا بُعِثَ أُظْهِرَ لَهُ ذَلِكَ وأُخْرِجَ مِنَ السَّتْرِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: ”ويَخْرُجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا“ أيْ: يَخْرُجُ لَهُ الطّائِرُ أيْ: عَمَلُهُ كِتابًا مَنشُورًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ: ”يُلَقّاهُ“ مِن قَوْلِهِمْ: لَقَّيْتُ فُلانًا الشَّيْءَ أيِ اسْتَقْبَلْتُهُ بِهِ. قالَ تَعالى: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] وهو مَنقُولٌ بِالتَّشْدِيدِ مِن لَقَّيْتُ الشَّيْءَ ولَقّانِيهِ زَيْدٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ والتَّقْدِيرُ يُقالُ لَهُ: وهَذا القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ قالَ الحَسَنُ: يَقْرَؤُهُ أُمِّيًّا كانَ أوْ غَيْرَ أُمِّيٍّ، وقالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يُؤْتى بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَحِيفَتِهِ وهو يَقْرَؤُها وحَسَناتُهُ في ظَهْرِها يَغْبِطُهُ النّاسُ عَلَيْها، وسَيِّئاتُهُ في جَوْفِ صَحِيفَتِهِ وهو يَقْرَؤُها، حَتّى إذا ظَنَّ أنَّها أوْبَقَتْهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ”اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْتُها لَكَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ“ فَيَعْظُمُ سُرُورُهُ، ويَصِيرُ مِنَ الَّذِينَ قالَ في حَقِّهِمْ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩] ثُمَّ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أيْ: مُحاسِبًا. قالَ الحَسَنُ: عَدَلَ واللَّهِ في حَقِّكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ. قالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ إنَّكَ قَضَيْتَ أنَّكَ لَسْتَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، فاجْعَلْنِي أُحاسِبُ نَفْسِي فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: هَذِهِ الآيَةُ في غايَةِ الشَّرَفِ، وفِيها أسْرارٌ عَجِيبَةٌ في أبْحاثٍ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ فِعْلَ العَبْدِ كالطَّيْرِ الَّذِي يَطِيرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قَدَّرَ لِكُلِّ أحَدٍ في الأزَلِ مِقْدارًا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي سَبَقَ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ وحُكْمِهِ الأزَلِيِّ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلَيْهِ، فَذَلِكَ الحُكْمُ كَأنَّهُ طائِرٌ يَطِيرُ إلَيْهِ مِنَ الأزَلِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، فَإذا حَضَرَ ذَلِكَ الوَقْتُ وصَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ الطّائِرُ وصُولًا لا خَلاصَ لَهُ البَتَّةَ ولا انْحِرافَ عَنْهُ البَتَّةَ. وإذا عَلِمَ الإنْسانُ في كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ ولَمْحَةٍ وفِكْرَةٍ أنَّهُ كانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ طائِرٍ طَيَّرَهُ اللَّهُ إلَيْهِ عَلى مَنهَجٍ مُعَيَّنٍ وطَرِيقٍ مُعَيَّنٍ، وأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ذَلِكَ الطّائِرُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفَ أنَّ الكِفايَةَ الأبَدِيَّةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالعِنايَةِ الأزَلِيَّةِ. صفحة ١٣٦ والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ إنَّما تَقَدَّرَتْ بِإلْزامِ اللَّهِ تَعالى. وذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ حادِثٍ حادِثًا مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ لِحُصُولِ الحادِثِ المُتَأخِّرِ، فَلَمّا كانَ وضْعُ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ مِنَ اللَّهِ لا جَرَمَ كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، وعِنْدَ هَذا يَتَخَيَّلُ الإنْسانُ طُيُورًا لا نِهايَةَ لَها ولا غايَةَ لِأعْدادِها، فَإنَّهُ تَعالى طَيَّرَها مِن وكْرِ الأزَلِ وظُلُماتِ عالَمِ الغَيْبِ، وأنَّها صارَتْ وطارَتْ طَيَرانًا لا بِدايَةَ لَهُ ولا غايَةَ لَهُ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُتَوَجِّهًا إلى ذَلِكَ الإنْسانِ المُعَيَّنِ في الوَقْتِ المُعَيَّنِ بِالصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ التَّجْرِبَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَكْرارَ الأعْمالِ الِاخْتِيارِيَّةِ تُفِيدُ حُدُوثَ المَلَكَةِ النَّفْسانِيَّةِ الرّاسِخَةِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ، ألا تَرى أنَّ مَن واظَبَ عَلى تَكْرارِ قِراءَةِ دَرْسٍ واحِدٍ صارَ ذَلِكَ الدَّرْسُ مَحْفُوظًا، ومَن واظَبَ عَلى عَمَلٍ واحِدٍ مُدَّةً مَدِيدَةً صارَ ذَلِكَ العَمَلُ مَلَكَةً لَهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا كانَ التَّكْرارُ الكَثِيرُ يُوجِبُ حُصُولَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ ما في جَوْهَرِ النَّفْسِ، فَإنّا لَمّا رَأيْنا أنَّ عِنْدَ تَوالِي القَطَراتِ الكَثِيرَةِ مِنَ الماءِ عَلى الحَجَرِ حَصَلَتِ الثُّقْبَةُ في الحَجَرِ، عَلِمْنا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ القَطَراتِ أثَرًا ما في حُصُولِ ذَلِكَ الثُّقْبِ وإنْ كانَ ضَعِيفًا قَلِيلًا، وإنْ كانَتِ الكِتابَةُ أيْضًا في عُرْفِ النّاسِ عِبارَةً عَنْ نُقُوشٍ مَخْصُوصَةٍ اصْطَلَحَ النّاسُ عَلى جَعْلِها مُعَرِّفاتٍ لِألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، فَعَلى هَذا، دَلالَةُ تِلْكَ النُّقُوشِ عَلى تِلْكَ المَعانِي المَخْصُوصَةِ دَلالَةٌ كائِنَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ واجِبَةُ الثُّبُوتِ، مُمْتَنِعَةُ الزَّوالِ، كانَ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى تِلْكَ النُّقُوشِ أوْلى بِاسْمِ الكِتابِ مِنَ الصَّحِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى النُّقُوشِ الدّالَّةِ بِالوَضْعِ والِاصْطِلاحِ. وإذا عَرَفْتَ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَصْدُرُ مِنَ الإنْسانِ كَثِيرًا كانَ أوْ قَلِيلًا، قَوِيًّا كانَ أوْ ضَعِيفًا، فَإنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ لا مَحالَةَ في جَوْهَرِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الأثَرُ أثَرًا لِجَذْبِ جَوْهَرِ الرُّوحِ مِنَ الخَلْقِ إلى حَضْرَةِ الحَقِّ كانَ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ السَّعاداتِ والكَراماتِ. وإنْ كانَ ذَلِكَ الأثَرُ أثَرًا لِجَذْبِ الرُّوحِ مِن حَضْرَةِ الحَقِّ إلى الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ كانَ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ الشَّقاوَةِ والخِذْلانِ. إلّا أنَّ تِلْكَ الآثارَ تَخْفى ما دامَ الرُّوحُ مُتَعَلِّقًا بِالبَدَنِ، لِأنَّ اشْتِغالَ الرُّوحِ بِتَدْبِيرِ البَدَنِ يَمْنَعُ مِنَ انْكِشافِ هَذِهِ الأحْوالِ وتَجَلِّيها وظُهُورِها، فَإذا انْقَطَعَ تَعَلُّقُ الرُّوحِ عَنْ تَدْبِيرِ البَدَنِ فَهُناكَ تَحْصُلُ القِيامَةُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» “ ومَعْنى كَوْنِ هَذِهِ الحالَةِ قِيامَةً أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ كَأنَّها كانَتْ ساكِنَةً مُسْتَقِرَّةً في هَذا الجَسَدِ السُّفْلِيِّ، فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ، قامَتِ النَّفْسُ وتَوَجَّهَتْ نَحْوَ الصُّعُودِ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِ هَذِهِ الحالَةِ قِيامَةً، ثُمَّ عِنْدَ حُصُولِ القِيامَةِ بِهَذا المَعْنى زالَ الغِطاءُ وانْكَشَفَ الوِطاءُ، وقِيلَ لَهُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ مَعْناهُ: ونُخْرِجُ لَهُ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ القِيامَةِ مِن عُمْقِ البَدَنِ المُظْلِمِ كِتابًا مُشْتَمِلًا عَلى جَمِيعِ تِلْكَ الآثارِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ويَكُونُ هَذا الكِتابُ في هَذا الوَقْتِ مَنشُورًا، لِأنَّ الرُّوحَ حِينَ كانَتْ في البَدَنِ كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ فِيهِ مَخْفِيَّةً فَكانَتْ كالمَطْوِيَّةِ. أمّا بَعْدَ انْقِطاعِ التَّعَلُّقِ الجَسَدانِيِّ ظَهَرَتْ هَذِهِ الأحْوالُ وجَلَتْ وانْكَشَفَتْ فَصارَتْ كَأنَّها مَكْشُوفَةٌ مَنشُورَةٌ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْوِيَّةً، وظاهِرَةٌ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَخْفِيَّةً، وعِنْدَ ذَلِكَ تُشاهِدُ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ جَمِيعَ تِلْكَ الآثارِ مَكْتُوبَةً بِالكِتابَةِ الذّاتِيَّةِ في جَوْهَرِ الرُّوحِ فَيُقالُ لَهُ في تِلْكَ الحالَةِ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ ثُمَّ يُقالُ لَهُ: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فَإنَّ تِلْكَ الآثارَ إنْ كانَتْ مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ صفحة ١٣٧ حَصَلَتِ السَّعادَةُ لا مَحالَةَ، وإنْ كانَتْ مِن مُوجِباتِ الشَّقاوَةِ حَصَلَتِ الشَّقاوَةُ لا مَحالَةَ، فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِحَسَبِ الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ الحَقَّ أنَّ الأحْوالَ الظّاهِرَةَ الَّتِي ورَدَتْ فِيها الرِّواياتُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيها، واحْتِمالُ الآيَةِ لِهَذِهِ المَعانِي الرُّوحانِيَّةِ ظاهِرٌ أيْضًا، والمَنهَجُ القَوِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإقْرارُ بِالكُلِّ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.

الإسراء 17:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ ومَعْناهُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ مُخْتَصٌّ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِعِبارَةٍ أُخْرى أقْرَبَ إلى الأفْهامِ وأبْعَدَ عَنِ الغَلَطِ فَقالَ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ يَعْنِي أنَّ ثَوابَ العَمَلِ الصّالِحِ مُخْتَصٌّ بِفاعِلِهِ ولا يَتَعَدّى مِنهُ إلى غَيْرِهِ ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [النجم: ٣٩ - ٤٠] قالَ الكَعْبِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ وأنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلى عَمَلٍ بِعَيْنِهِ أصْلًا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ إنَّما يَلِيقُ بِالقادِرِ عَلى الفِعْلِ المُتَمَكِّنِ مِنهُ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، أمّا المَجْبُورُ عَلى أحَدِ الطَّرَفَيْنِ المَمْنُوعُ مِنَ الطَّرَفِ الثّانِي فَهَذا لا يَلِيقُ بِهِ * * * المُسالَةُ الثّانِيَةُ أنَّهُ تَعالى أعادَ تَقْرِيرَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ مُخْتَصٌّ بِأثَرٍ عَلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ وزَرَ يَزِرُ فَهو وازِرٌ، ووَزَرَ وِزْرًا وزِرَةً، ومَعْناهُ أثِمَ يَأْثَمُ إثْمًا قالَ وفي تَأْوِيلِ الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّ المُذْنِبَ لا يُؤاخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ وأيْضًا غَيْرُهُ لا يُؤاخَذُ بِذَنْبِهِ بَلْ كُلُّ أحَدٍ مُخْتَصٌّ بِذَنْبِ نَفْسِهِ. والثّانِي: أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ الإنْسانُ بِالإثْمِ لِأنَّ غَيْرَهُ عَمِلَهُ كَما قالَ الكُفّارُ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] . واعْلَمْ أنَّ النّاسَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أحْكامٍ كَثِيرَةٍ الحُكْمُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِكُفْرِ آبائِهِمْ وإلّا لَكانَ الطِّفْلُ مُؤاخَذًا بِذَنْبِ أبِيهِ وذَلِكَ عَلى خِلافِ ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ الحُكْمُ الثّانِي: رَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ ”إنَّ «المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ» “ فَعائِشَةُ طَعَنَتْ في صِحَّةٍ هَذا صفحة ١٣٨ الخَبَرِ واحْتَجَّتْ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ الطَّعْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ فَإنَّ تَعْذِيبَ المَيِّتِ بِسَبَبِ بُكاءِ أهْلِهِ أخْذٌ لِلْإنْسانِ بِجُرْمِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ خِلافُ هَذِهِ الآيَةِ. الحُكْمُ الثّالِثُ: قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الوِزْرَ والإثْمَ لَيْسَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى. وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لامْتَنَعَ أنْ يُؤاخَذَ العَبْدُ بِهِ كَما لا يُؤاخَذُ بِوِزْرِ غَيْرِهِ. وثانِيها: أنَّهُ كانَ يَجِبُ ارْتِفاعُ الوِزْرِ أصْلًا، لِأنَّ الوازِرَ إنَّما يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ إذا كانَ مُخْتارًا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ، ولِهَذا المَعْنى لا يُوصَفُ الصَّبِيُّ بِهَذا. الحُكْمُ الرّابِعُ: أنَّ جَماعَةً مِن قُدَماءَ الفُقَهاءِ امْتَنَعُوا مِن ضَرْبِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ، وقالُوا: لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي مُؤاخَذَةَ الإنْسانِ بِسَبَبِ فِعْلِ الغَيْرِ، وذَلِكَ عَلى مُضادَّةِ هَذِهِ الآيَةِ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المُخْطِئَ لَيْسَ بِمُؤاخَذٍ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فَكَيْفَ يَصِيرُ غَيْرُهُ مُؤاخَذًا بِسَبَبِ ذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ ذَلِكَ تَكْلِيفٌ واقِعٌ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: وُجُوبُ شُكْرِ المُنْعِمِ لا يَثْبُتُ بِالعَقْلِ بَلْ بِالسَّمْعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ الوُجُوبَ لا تَتَقَرَّرُ ماهِيَّتُهُ إلّا بِتَرْتِيبِ العِقابِ عَلى التَّرْكِ، ولا عِقابَ قَبْلَ الشَّرْعِ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَحَقَّقَ الوُجُوبُ قَبْلَ الشَّرْعِ. ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: لَوْ لَمْ يَثْبُتِ الوُجُوبُ العَقْلِيُّ لَمْ يَثْبُتِ الوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ البَتَّةَ، وهَذا باطِلٌ فَذاكَ باطِلٌ، بَيانُ المُلازَمَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا جاءَ المُشَرِّعُ وادَّعى كَوْنَهُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ، فَهَلْ يَجِبُ عَلى المُسْتَمِعِ اسْتِماعُ قَوْلِهِ والتَّأمُّلُ في مُعْجِزاتِهِ أوْ لا يَجِبُ ؟ فَإنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ. وإنْ وجَبَ، فَإمّا أنْ يَجِبَ بِالعَقْلِ أوْ بِالشَّرْعِ فَإنْ وجَبَ بِالعَقْلِ فَقَدْ ثَبَتَ الوُجُوبُ العَقْلِيُّ، وإنْ وجَبَ بِالشَّرْعِ فَهو باطِلٌ، لِأنَّ ذَلِكَ الشَّرْعَ إمّا أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ المُدَّعِي أوْ غَيْرَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ يَرْجِعُ حاصِلُ الكَلامِ إلى أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أنِّي أقُولُ إنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي، وهَذا إثْباتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الشّارِعُ غَيْرَهُ كانَ الكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ: ولَزِمَ إمّا الدَّوْرُ أوِ التَّسَلْسُلُ وهُما مُحالانِ. وثانِيها: أنَّ الشَّرْعَ إذا جاءَ وأوْجَبَ بَعْضَ الأفْعالِ، وحَرَّمَ بَعْضَها فَلا مَعْنى لِلْإيجابِ والتَّحْرِيمِ، إلّا أنْ يَقُولَ: لَوْ تَرَكْتَ كَذا وفَعَلْتَ كَذا لَعاقَبْتُكَ فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنِ العِقابِ أوْ لا يَجِبَ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنِ العِقابِ لَمْ يَتَقَرَّرْ مَعْنى الوُجُوبِ البَتَّةَ، وهَذا باطِلٌ فَذاكَ باطِلٌ، وإنْ وجَبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنِ العِقابِ، فَإمّا أنْ يَجِبَ بِالعَقْلِ أوْ بِالسَّمْعِ، فَإنْ وجَبَ بِالعَقْلِ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ وجَبَ بِالسَّمْعِ لَمْ يَتَقَرَّرْ مَعْنى هَذا الوُجُوبِ إلّا بِسَبَبِ تَرْتِيبِ صفحة ١٣٩ العِقابِ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْفُوَ عَنِ العِقابِ عَلى تَرْكِ الواجِبِ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ ماهِيَّةُ الوُجُوبِ حاصِلَةً مَعَ عَدَمِ العِقابِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ماهِيَّةَ الواجِبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ العِقابِ، وهَذا الخَوْفُ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ، فَثَبَتَ أنَّ ماهِيَّةَ الوُجُوبِ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ، وثَبَتَ أنَّ هَذا الخَوْفَ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ، فَلَزِمَ أنْ يُقالَ: الوُجُوبُ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ. فَإنْ قالُوا: ماهِيَّةُ الوُجُوبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ الذَّمِّ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى إذا عَفا فَقَدْ سَقَطَ الذَّمُّ، فَعَلى هَذا ماهِيَّةُ الوُجُوبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ الذَّمِّ وذَلِكَ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الوُجُوبَ العَقْلِيَّ لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ نُجْرِيَ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها. ونَقُولُ: العَقْلُ هو رَسُولُ اللَّهِ إلى الخَلْقِ، بَلْ هو الرَّسُولُ الَّذِي لَوْلاهُ لَما تَقَرَّرَتْ رِسالَةُ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فالعَقْلُ هو الرَّسُولُ الأصْلِيُّ، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولَ العَقْلِ. والثّانِي: أنْ نُخَصِّصَ عُمُومَ الآيَةِ فَنَقُولُ: المُرادُ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ في الأعْمالِ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ وُجُوبِها إلّا بِالشَّرْعِ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ، وتَخْصِيصُ العُمُومِ وإنْ كانَ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ، وقَدْ بَيَّنّا قِيامَ الدَّلائِلِ الثَّلاثَةِ، عَلى أنّا لَوْ نَفَيْنا الوُجُوبَ العَقْلِيَّ لَزِمَنا نَفْيُ الوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ الَّذِي نَرْتَضِيهِ ونَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ مُجَرَّدَ العَقْلِ سَبَبٌ في أنْ يَجِبَ عَلَيْنا فِعْلُ ما يُنْتَفَعُ بِهِ، وتَرْكُ ما يُتَضَرَّرُ بِهِ، أمّا مُجَرَّدُ العَقْلِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ. وذَلِكَ لِأنّا مَجْبُولُونَ عَلى طَلَبِ النَّفْعِ والِاحْتِرازِ عَنِ الضَّرَرِ، فَلا جَرَمَ كانَ العَقْلُ وحْدَهُ كافِيًا في الوُجُوبِ في حَقِّنا، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ طَلَبِ النَّفْعِ والهَرَبِ مِنَ الضَّرَرِ، فامْتَنَعَ أنْ يَحْكُمَ العَقْلُ عَلَيْهِ بِوُجُوبِ فِعْلٍ أوْ تَرْكِ فِعْلٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ في تَفْسِيرِ هَذا الأمْرِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الأمْرُ بِالفِعْلِ، ثُمَّ إنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بِماذا يَأْمُرُهم فَقالَ الأكْثَرُونَ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهم بِالطّاعاتِ والخَيْراتِ، ثُمَّ إنَّهم يُخالِفُونَ ذَلِكَ الأمْرَ ويَفْسُقُونَ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهم بِالفِسْقِ فَيَفْسُقُونَ، إلّا أنَّ هَذا مَجازٌ ومَعْناهُ أنَّهُ فَتَحَ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ والرّاحاتِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَرَّدُوا وطَغَوْا وبَغَوْا، قالَ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي ما ذَكَرْناهُ، أنَّ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما حُذِفَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَفَسَقُوا﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ يُقالُ: أمَرْتُهُ فَقامَ، وأمَرْتُهُ فَقَرَأ لا يُفْهَمُ مِنهُ، إلّا أنَّ صفحة ١٤٠ المَأْمُورَ بِهِ قِيامٌ أوْ قِراءَةٌ فَكَذا هَهُنا لَمّا قالَ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أمَرْناهم بِالفِسْقِ فَفَسَقُوا لا يُقالُ يُشْكِلُ هَذا بِقَوْلِهِمْ أمَرْتُهُ فَعَصانِي أوْ فَخالَفَنِي؛ فَإنَّ هَذا لا يُفْهَمُ مِنهُ أنِّي أمَرْتُهُ بِالمَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ المَعْصِيَةَ مُنافِيَةٌ لِلْأمْرِ ومُناقِضَةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ أمَرْتُهُ فَفَسَقَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ شَيْءٌ غَيْرُ الفِسْقِ لِأنَّ الفِسْقَ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِضِدِّ المَأْمُورِ بِهِ فَكَوْنُهُ فِسْقًا يُنافِي كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِهِ، كَما أنَّ كَوْنَها مَعْصِيَةً يُنافِي كَوْنَها مَأْمُورًا بِها، فَوَجَبَ أنْ يَدُلَّ هَذا اللَّفْظُ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ بِفِسْقٍ، وهَذا الكَلامُ في غايَةِ الظُّهُورِ فَلا أدْرِي لِمَ أصَرَّ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى قَوْلِهِ مَعَ ظُهُورِ فَسادِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَكَرَهُ الكُلُّ وهو أنَّ المَعْنى: أمَرْناهم بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ وهي الإيمانُ والطّاعَةُ والقَوْمُ خالَفُوا ذَلِكَ الأمْرَ عِنادًا وأقْدَمُوا عَلى الفِسْقِ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (أمَرْنا مُتْرَفِيها) أيْ: أكْثَرْنا فُسّاقَها. قالَ الواحِدِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ أمِرَ القَوْمُ إذا كَثُرُوا. وأمَّرَهُمُ اللَّهُ إذا كَثَّرَهم، وآمَرَهم أيْضًا بِالمَدِّ، رَوى الجَرْمِيُّ عَنْ أبِي زَيْدٍ أمَّرَ اللَّهُ القَوْمَ وآمَرَهم، أيْ: كَثَّرَهم. واحْتَجَّ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ اللُّغَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«خَيْرُ المالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ وسِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ» “ والمَعْنى مُهْرَةٌ قَدْ كَثُرَ نَسْلُها يَقُولُونَ: أمَرَ اللَّهُ المُهْرَةَ أيْ: كَثَّرَ ولَدَها، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ ”أمِرَ“ بِمَعْنى كَثُرَ وقالُوا أمِرَ القَوْمُ إذا كَثُرُوا وآمَرَهُمُ اللَّهُ بِالمَدِّ أيْ: كَثَّرَهم، وحَمَلُوا قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ» “ عَلى أنَّ المُرادَ كَوْنُها مَأْمُورَةً بِتَكْثِيرِ النَّسْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وأمّا المُتْرَفُ: فَمَعْناهُ في اللُّغَةِ المُتَنَعِّمُ الَّذِي قَدْ أبْطَرَتْهُ النِّعْمَةُ وسَعَةُ العَيْشِ ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ أيْ: خَرَجُوا عَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ يُرِيدُ: اسْتَوْجَبَتِ العَذابَ، وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩] وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] فَلَمّا حَكَمَ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أنَّهُ تَعالى لا يُهْلِكُ قَرْيَةً حَتّى يُخالِفُوا أمْرَ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ هَهُنا أنَّهُ يَأْمُرُهم فَإذا خالَفُوا الأمْرَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبُوا الإهْلاكَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ أيْ: أهْلَكْناها إهْلاكَ الِاسْتِئْصالِ. والدَّمارُ هَلاكٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْصالِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ إيصالَ الضَّرَرِ إلَيْهِمُ ابْتِداءً ثُمَّ تَوَسَّلَ إلى إهْلاكِهِمْ بِهَذا الطَّرِيقِ. الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّ المُتْرَفِينَ بِذَلِكَ الأمْرِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهم يَفْسُقُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهُمُ الفِسْقَ. والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ بِالتَّعْذِيبِ والكُفْرِ، ومَتى حَقَّ عَلَيْها القَوْلُ بِذَلِكَ امْتَنَعَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم، لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى الصِّدْقِ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ. قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ سائِرَ الآياتِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَدِئُ بِالتَّعْذِيبِ والإهْلاكِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] فَكُلُّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَدِئُ بِالإضْرارِ، وأيْضًا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى وهو قَوْلُهُ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ومِنَ المُحالِ أنْ يَقَعَ بَيْنَ آياتِ القُرْآنِ تَناقُضٌ، فَثَبَتَ أنَّ الآياتِ الَّتِي تَلَوْناها مُحْكَمَةٌ، وكَذا الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها، فَيَجِبُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ صفحة ١٤١ عَلى تِلْكَ الآياتِ، هَذا ما قالَهُ الكَعْبِيُّ، واعْلَمْ أنَّ أحْسَنَ النّاسِ كَلامًا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وجْهٍ يُوافِقُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ القَفّالُ؛ فَإنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِما يَعْلَمُهُ مِنهُ ما لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، أيْ: لا يَجْعَلُ عِلْمَهُ حُجَّةً عَلى مَن عَلِمَ أنَّهُ إنْ أمَرَهُ عَصاهُ بَلْ يَأْمُرُهُ فَإذا ظَهَرَ عِصْيانُهُ لِلنّاسِ فَحِينَئِذٍ يُعاقِبُهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ مَعْناهُ: وإذا أرَدْنا إمْضاءَ ما سَبَقَ مِنَ القَضاءِ بِإهْلاكِ قَوْمٍ أمَرْنا المُتَنَعِّمِينَ المُتَعَزِّزِينَ الظّانِّينَ أنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم وأنْصارَهم تَرُدُّ عَنْهم بَأْسَنا بِالإيمانِ بِي والعَمَلِ بِشَرائِعِ دِينِي عَلى ما بَلَّغَهم عَنِّي رَسُولِي، فَفَسَقُوا فَحِينَئِذٍ يَحِقُّ عَلَيْهِمُ القَضاءُ السّابِقُ بِإهْلاكِهِمْ لِظُهُورِ مَعاصِيهِمْ فَحِينَئِذٍ دَمَّرْناها، والحاصِلُ أنَّ المَعْنى: وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً بِسَبَبِ عِلْمِنا بِأنَّهم لا يُقْدِمُونَ إلّا عَلى المَعْصِيَةِ لَمْ نَكْتَفِ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ الإهْلاكِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ العِلْمِ، بَلْ أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا، فَإذا ظَهَرَ مِنهم ذَلِكَ الفِسْقُ فَحِينَئِذٍ نُوقِعُ عَلَيْهِمُ العَذابَ المَوْعُودَ بِهِ. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ: وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً بِسَبَبِ ظُهُورِ المَعاصِي مِن أهْلِها لَمْ نُعاجِلْها بِالعَذابِ في أوَّلِ ظُهُورِ المَعاصِي مِنهم، بَلْ أمَرْنا مُتْرَفِيها بِالرُّجُوعِ عَنْ تِلْكَ المَعاصِي، وإنَّما خَصَّ المُتْرَفِينَ بِذَلِكَ الأمْرِ؛ لِأنَّ المُتْرَفَ هو المُتَنَعِّمُ ومَن كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ قِيامُهُ بِالشُّكْرِ أوْجَبَ، فَإذا أمَرَهم بِالتَّوْبَةِ والرُّجُوعِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى مَعَ أنَّهُ تَعالى لا يَقْطَعُ عَنْهم تِلْكَ النِّعَمَ بَلْ يَزِيدُها حالًا بَعْدَ حالٍ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ عِنادُهم وتَمَرُّدُهم وبُعْدُهم عَنِ الرُّجُوعِ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ، فَحِينَئِذٍ يَصُبُّ اللَّهُ البَلاءَ عَلَيْهِمْ صَبًّا، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: وهَذانَ التَّأْوِيلانِ راجِعانِ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عِبادَهُ أنَّهُ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ أُمَّةً ظالِمَةً حَتّى يَعْذِرَ إلَيْهِمْ غايَةَ الإعْذارِ الَّذِي يَقَعُ مِنهُ اليَأْسُ مِن إيمانِهِمْ، كَما قالَ في قَوْمِ نُوحٍ: ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧] وقالَ: ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وقالَ في غَيْرِهِمْ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] فَأخْبَرَ تَعالى أوَّلًا أنَّهُ لا يَظْهَرُ العَذابُ إلّا بَعْدَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ثُمَّ أخْبَرَ ثانِيًا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إذا بَعَثَ الرَّسُولَ أيْضًا فَكَذَّبُوا لَمْ يُعاجِلْهم بِالعَذابِ، بَلْ يُتابِعُ عَلَيْهِمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، فَإنْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الذُّنُوبِ فَهُناكَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ في تَطْبِيقِ الآيَةِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ لَمْ يَتَيَسَّرْ لِأحَدٍ مِن شُيُوخِ المُعْتَزِلَةِ مِثْلُهُ. وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنْ قالَ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ إهْلاكَهم قَبْلَ أنْ يَعْصُوا ويَسْتَحِقُّوا، وذَلِكَ لِأنَّهُ ظُلْمٌ وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ مِنَ الإرادَةِ قُرْبُ تِلْكَ الحالَةِ فَكانَ التَّقْدِيرُ وإذا قَرُبَ وقْتُ إهْلاكِ قَرْيَةٍ أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها وهو كَقَوْلِ القائِلِ: إذا أرادَ المَرِيضُ أنْ يَمُوتَ ازْدادَتْ أمْراضُهُ شِدَّةً، وإذا أرادَ التّاجِرُ أنْ يَفْتَقِرَ أتاهُ الخُسْرانُ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ المَرِيضَ يُرِيدُ أنْ يَمُوتَ، والتّاجِرُ يُرِيدُ أنْ يَفْتَقِرَ وإنَّما يَعْنُونَ أنَّهُ سَيَصِيرُ كَذَلِكَ فَكَذا هَهُنا. واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرْناها في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ، لا شَكَّ أنَّ كُلَّها عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ، أمّا الوَجْهُ الثّانِي والثّالِثُ فَقَدْ بَقِيَ سَلِيمًا عَنِ الطَّعْنِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَشْهُورُ عِنْدَ القُرّاءِ السَّبْعَةِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ بِالتَّخْفِيفِ غَيْرَ مَمْدُودَةِ الألِفِ، ورُوِيَ بِرِوايَةٍ غَيْرِ مَشْهُورَةٍ عَنْ نافِعٍ وابْنِ عَبّاسٍ: ”آمَرْنا“ بِالمَدِّ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو ”أمَّرْنا“ بِالتَّشْدِيدِ فالمَدُّ عَلى الكَثِيرِ يُقالُ: أمِرَ صفحة ١٤٢ القَوْمُ بِكَسْرِ المِيمِ إذا كَثُرُوا وآمَرَهُمُ اللَّهُ بِالمَدِّ، أيْ: كَثَّرَهُمُ اللَّهُ. والتَّشْدِيدُ عَلى التَّسْلِيطِ، أيْ: سَلَّطْنا مُتْرَفِيها، ومَعْناهُ التَّخْلِيَةُ وزَوالُ المَنعِ بِالقَهْرِ. واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو عادَتُنا مَعَ الَّذِينَ يَفْسُقُونَ ويَتَمَرَّدُونَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ الَّذِينَ كانُوا بَعْدَ نُوحٍ، وهم عادٌ وثَمُودُ وغَيْرُهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خاطَبَ رَسُولَهُ بِما يَكُونُ خِطابًا لِغَيْرِهِ ورَدْعًا وزَجْرًا لِلْكُلِّ فَقالَ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ راءٍ لِجَمِيعِ المَرْئِيّاتِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِ الخَلْقِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ فَكانَ قادِرًا عَلى إيصالِ الجَزاءِ إلى كُلِّ أحَدٍ بِقَدْرِ اسْتِحْقاقِهِ. وأيْضًا أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ العَبَثِ والظُّلْمِ. ومَجْمُوعُ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ أعْنِي العِلْمَ التّامَّ، والقُدْرَةَ الكامِلَةَ، والبَراءَةَ عَنِ الظُّلْمِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لِأهْلِ الطّاعَةِ، وخَوْفٌ عَظِيمٌ لِأهْلِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: لَوْ أُلْغِيَتِ الباءُ مِن قَوْلِكَ ”بِرَبِّكَ“ جازَ، وإنَّما يَجُوزُ دُخُولُ الباءِ في المَرْفُوعِ إذا كانَ يُمْدَحُ بِهِ صاحِبُهُ أوْ يُذَمُّ. كَقَوْلِكَ: كَفاكَ بِهِ، وأكْرِمْ بِهِ رَجُلًا، وطابَ بِطَعامِكَ طَعامًا. وجادَ بِثَوْبِكَ ثَوْبًا، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا أوْ ذَمًّا لَمْ يَجُزْ دُخُولُها، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ”قامَ بِأخِيكَ“ وأنْتَ تُرِيدُ قامَ أخُوكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ في تَفْسِيرِ هَذا الأمْرِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الأمْرُ بِالفِعْلِ، ثُمَّ إنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بِماذا يَأْمُرُهم فَقالَ الأكْثَرُونَ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهم بِالطّاعاتِ والخَيْراتِ، ثُمَّ إنَّهم يُخالِفُونَ ذَلِكَ الأمْرَ ويَفْسُقُونَ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهم بِالفِسْقِ فَيَفْسُقُونَ، إلّا أنَّ هَذا مَجازٌ ومَعْناهُ أنَّهُ فَتَحَ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ والرّاحاتِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَرَّدُوا وطَغَوْا وبَغَوْا، قالَ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي ما ذَكَرْناهُ، أنَّ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما حُذِفَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَفَسَقُوا﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ يُقالُ: أمَرْتُهُ فَقامَ، وأمَرْتُهُ فَقَرَأ لا يُفْهَمُ مِنهُ، إلّا أنَّ صفحة ١٤٠ المَأْمُورَ بِهِ قِيامٌ أوْ قِراءَةٌ فَكَذا هَهُنا لَمّا قالَ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أمَرْناهم بِالفِسْقِ فَفَسَقُوا لا يُقالُ يُشْكِلُ هَذا بِقَوْلِهِمْ أمَرْتُهُ فَعَصانِي أوْ فَخالَفَنِي؛ فَإنَّ هَذا لا يُفْهَمُ مِنهُ أنِّي أمَرْتُهُ بِالمَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ المَعْصِيَةَ مُنافِيَةٌ لِلْأمْرِ ومُناقِضَةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ أمَرْتُهُ فَفَسَقَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ شَيْءٌ غَيْرُ الفِسْقِ لِأنَّ الفِسْقَ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِضِدِّ المَأْمُورِ بِهِ فَكَوْنُهُ فِسْقًا يُنافِي كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِهِ، كَما أنَّ كَوْنَها مَعْصِيَةً يُنافِي كَوْنَها مَأْمُورًا بِها، فَوَجَبَ أنْ يَدُلَّ هَذا اللَّفْظُ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ بِفِسْقٍ، وهَذا الكَلامُ في غايَةِ الظُّهُورِ فَلا أدْرِي لِمَ أصَرَّ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى قَوْلِهِ مَعَ ظُهُورِ فَسادِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَكَرَهُ الكُلُّ وهو أنَّ المَعْنى: أمَرْناهم بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ وهي الإيمانُ والطّاعَةُ والقَوْمُ خالَفُوا ذَلِكَ الأمْرَ عِنادًا وأقْدَمُوا عَلى الفِسْقِ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (أمَرْنا مُتْرَفِيها) أيْ: أكْثَرْنا فُسّاقَها. قالَ الواحِدِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ أمِرَ القَوْمُ إذا كَثُرُوا. وأمَّرَهُمُ اللَّهُ إذا كَثَّرَهم، وآمَرَهم أيْضًا بِالمَدِّ، رَوى الجَرْمِيُّ عَنْ أبِي زَيْدٍ أمَّرَ اللَّهُ القَوْمَ وآمَرَهم، أيْ: كَثَّرَهم. واحْتَجَّ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ اللُّغَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«خَيْرُ المالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ وسِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ» “ والمَعْنى مُهْرَةٌ قَدْ كَثُرَ نَسْلُها يَقُولُونَ: أمَرَ اللَّهُ المُهْرَةَ أيْ: كَثَّرَ ولَدَها، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ ”أمِرَ“ بِمَعْنى كَثُرَ وقالُوا أمِرَ القَوْمُ إذا كَثُرُوا وآمَرَهُمُ اللَّهُ بِالمَدِّ أيْ: كَثَّرَهم، وحَمَلُوا قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ» “ عَلى أنَّ المُرادَ كَوْنُها مَأْمُورَةً بِتَكْثِيرِ النَّسْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وأمّا المُتْرَفُ: فَمَعْناهُ في اللُّغَةِ المُتَنَعِّمُ الَّذِي قَدْ أبْطَرَتْهُ النِّعْمَةُ وسَعَةُ العَيْشِ ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ أيْ: خَرَجُوا عَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ يُرِيدُ: اسْتَوْجَبَتِ العَذابَ، وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩] وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] فَلَمّا حَكَمَ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أنَّهُ تَعالى لا يُهْلِكُ قَرْيَةً حَتّى يُخالِفُوا أمْرَ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ هَهُنا أنَّهُ يَأْمُرُهم فَإذا خالَفُوا الأمْرَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبُوا الإهْلاكَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ أيْ: أهْلَكْناها إهْلاكَ الِاسْتِئْصالِ. والدَّمارُ هَلاكٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْصالِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ إيصالَ الضَّرَرِ إلَيْهِمُ ابْتِداءً ثُمَّ تَوَسَّلَ إلى إهْلاكِهِمْ بِهَذا الطَّرِيقِ. الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّ المُتْرَفِينَ بِذَلِكَ الأمْرِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهم يَفْسُقُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهُمُ الفِسْقَ. والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ بِالتَّعْذِيبِ والكُفْرِ، ومَتى حَقَّ عَلَيْها القَوْلُ بِذَلِكَ امْتَنَعَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم، لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى الصِّدْقِ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ. قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ سائِرَ الآياتِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَدِئُ بِالتَّعْذِيبِ والإهْلاكِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] فَكُلُّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَدِئُ بِالإضْرارِ، وأيْضًا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى وهو قَوْلُهُ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ومِنَ المُحالِ أنْ يَقَعَ بَيْنَ آياتِ القُرْآنِ تَناقُضٌ، فَثَبَتَ أنَّ الآياتِ الَّتِي تَلَوْناها مُحْكَمَةٌ، وكَذا الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها، فَيَجِبُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ صفحة ١٤١ عَلى تِلْكَ الآياتِ، هَذا ما قالَهُ الكَعْبِيُّ، واعْلَمْ أنَّ أحْسَنَ النّاسِ كَلامًا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وجْهٍ يُوافِقُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ القَفّالُ؛ فَإنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِما يَعْلَمُهُ مِنهُ ما لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، أيْ: لا يَجْعَلُ عِلْمَهُ حُجَّةً عَلى مَن عَلِمَ أنَّهُ إنْ أمَرَهُ عَصاهُ بَلْ يَأْمُرُهُ فَإذا ظَهَرَ عِصْيانُهُ لِلنّاسِ فَحِينَئِذٍ يُعاقِبُهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ مَعْناهُ: وإذا أرَدْنا إمْضاءَ ما سَبَقَ مِنَ القَضاءِ بِإهْلاكِ قَوْمٍ أمَرْنا المُتَنَعِّمِينَ المُتَعَزِّزِينَ الظّانِّينَ أنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم وأنْصارَهم تَرُدُّ عَنْهم بَأْسَنا بِالإيمانِ بِي والعَمَلِ بِشَرائِعِ دِينِي عَلى ما بَلَّغَهم عَنِّي رَسُولِي، فَفَسَقُوا فَحِينَئِذٍ يَحِقُّ عَلَيْهِمُ القَضاءُ السّابِقُ بِإهْلاكِهِمْ لِظُهُورِ مَعاصِيهِمْ فَحِينَئِذٍ دَمَّرْناها، والحاصِلُ أنَّ المَعْنى: وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً بِسَبَبِ عِلْمِنا بِأنَّهم لا يُقْدِمُونَ إلّا عَلى المَعْصِيَةِ لَمْ نَكْتَفِ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ الإهْلاكِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ العِلْمِ، بَلْ أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا، فَإذا ظَهَرَ مِنهم ذَلِكَ الفِسْقُ فَحِينَئِذٍ نُوقِعُ عَلَيْهِمُ العَذابَ المَوْعُودَ بِهِ. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ: وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً بِسَبَبِ ظُهُورِ المَعاصِي مِن أهْلِها لَمْ نُعاجِلْها بِالعَذابِ في أوَّلِ ظُهُورِ المَعاصِي مِنهم، بَلْ أمَرْنا مُتْرَفِيها بِالرُّجُوعِ عَنْ تِلْكَ المَعاصِي، وإنَّما خَصَّ المُتْرَفِينَ بِذَلِكَ الأمْرِ؛ لِأنَّ المُتْرَفَ هو المُتَنَعِّمُ ومَن كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ قِيامُهُ بِالشُّكْرِ أوْجَبَ، فَإذا أمَرَهم بِالتَّوْبَةِ والرُّجُوعِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى مَعَ أنَّهُ تَعالى لا يَقْطَعُ عَنْهم تِلْكَ النِّعَمَ بَلْ يَزِيدُها حالًا بَعْدَ حالٍ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ عِنادُهم وتَمَرُّدُهم وبُعْدُهم عَنِ الرُّجُوعِ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ، فَحِينَئِذٍ يَصُبُّ اللَّهُ البَلاءَ عَلَيْهِمْ صَبًّا، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: وهَذانَ التَّأْوِيلانِ راجِعانِ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عِبادَهُ أنَّهُ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ أُمَّةً ظالِمَةً حَتّى يَعْذِرَ إلَيْهِمْ غايَةَ الإعْذارِ الَّذِي يَقَعُ مِنهُ اليَأْسُ مِن إيمانِهِمْ، كَما قالَ في قَوْمِ نُوحٍ: ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧] وقالَ: ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وقالَ في غَيْرِهِمْ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] فَأخْبَرَ تَعالى أوَّلًا أنَّهُ لا يَظْهَرُ العَذابُ إلّا بَعْدَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ثُمَّ أخْبَرَ ثانِيًا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إذا بَعَثَ الرَّسُولَ أيْضًا فَكَذَّبُوا لَمْ يُعاجِلْهم بِالعَذابِ، بَلْ يُتابِعُ عَلَيْهِمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، فَإنْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الذُّنُوبِ فَهُناكَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ في تَطْبِيقِ الآيَةِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ لَمْ يَتَيَسَّرْ لِأحَدٍ مِن شُيُوخِ المُعْتَزِلَةِ مِثْلُهُ. وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنْ قالَ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ إهْلاكَهم قَبْلَ أنْ يَعْصُوا ويَسْتَحِقُّوا، وذَلِكَ لِأنَّهُ ظُلْمٌ وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ مِنَ الإرادَةِ قُرْبُ تِلْكَ الحالَةِ فَكانَ التَّقْدِيرُ وإذا قَرُبَ وقْتُ إهْلاكِ قَرْيَةٍ أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها وهو كَقَوْلِ القائِلِ: إذا أرادَ المَرِيضُ أنْ يَمُوتَ ازْدادَتْ أمْراضُهُ شِدَّةً، وإذا أرادَ التّاجِرُ أنْ يَفْتَقِرَ أتاهُ الخُسْرانُ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ المَرِيضَ يُرِيدُ أنْ يَمُوتَ، والتّاجِرُ يُرِيدُ أنْ يَفْتَقِرَ وإنَّما يَعْنُونَ أنَّهُ سَيَصِيرُ كَذَلِكَ فَكَذا هَهُنا. واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرْناها في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ، لا شَكَّ أنَّ كُلَّها عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ، أمّا الوَجْهُ الثّانِي والثّالِثُ فَقَدْ بَقِيَ سَلِيمًا عَنِ الطَّعْنِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَشْهُورُ عِنْدَ القُرّاءِ السَّبْعَةِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ بِالتَّخْفِيفِ غَيْرَ مَمْدُودَةِ الألِفِ، ورُوِيَ بِرِوايَةٍ غَيْرِ مَشْهُورَةٍ عَنْ نافِعٍ وابْنِ عَبّاسٍ: ”آمَرْنا“ بِالمَدِّ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو ”أمَّرْنا“ بِالتَّشْدِيدِ فالمَدُّ عَلى الكَثِيرِ يُقالُ: أمِرَ صفحة ١٤٢ القَوْمُ بِكَسْرِ المِيمِ إذا كَثُرُوا وآمَرَهُمُ اللَّهُ بِالمَدِّ، أيْ: كَثَّرَهُمُ اللَّهُ. والتَّشْدِيدُ عَلى التَّسْلِيطِ، أيْ: سَلَّطْنا مُتْرَفِيها، ومَعْناهُ التَّخْلِيَةُ وزَوالُ المَنعِ بِالقَهْرِ. واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو عادَتُنا مَعَ الَّذِينَ يَفْسُقُونَ ويَتَمَرَّدُونَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ الَّذِينَ كانُوا بَعْدَ نُوحٍ، وهم عادٌ وثَمُودُ وغَيْرُهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خاطَبَ رَسُولَهُ بِما يَكُونُ خِطابًا لِغَيْرِهِ ورَدْعًا وزَجْرًا لِلْكُلِّ فَقالَ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ راءٍ لِجَمِيعِ المَرْئِيّاتِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِ الخَلْقِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ فَكانَ قادِرًا عَلى إيصالِ الجَزاءِ إلى كُلِّ أحَدٍ بِقَدْرِ اسْتِحْقاقِهِ. وأيْضًا أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ العَبَثِ والظُّلْمِ. ومَجْمُوعُ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ أعْنِي العِلْمَ التّامَّ، والقُدْرَةَ الكامِلَةَ، والبَراءَةَ عَنِ الظُّلْمِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لِأهْلِ الطّاعَةِ، وخَوْفٌ عَظِيمٌ لِأهْلِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: لَوْ أُلْغِيَتِ الباءُ مِن قَوْلِكَ ”بِرَبِّكَ“ جازَ، وإنَّما يَجُوزُ دُخُولُ الباءِ في المَرْفُوعِ إذا كانَ يُمْدَحُ بِهِ صاحِبُهُ أوْ يُذَمُّ. كَقَوْلِكَ: كَفاكَ بِهِ، وأكْرِمْ بِهِ رَجُلًا، وطابَ بِطَعامِكَ طَعامًا. وجادَ بِثَوْبِكَ ثَوْبًا، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا أوْ ذَمًّا لَمْ يَجُزْ دُخُولُها، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ”قامَ بِأخِيكَ“ وأنْتَ تُرِيدُ قامَ أخُوكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ الآيَةُ داخِلَةٌ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ ومَعْناهُ: أنَّ الكَمالَ في الدُّنْيا قِسْمانِ: فَمِنهم مَن يُرِيدُ بِالَّذِي يَعْمَلُهُ الدُّنْيا ومَنافِعَها والرِّياسَةَ فِيها، فَهَذا يَأْنَفُ مِنَ الِانْقِيادِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والدُّخُولِ في طاعَتِهِمْ والإجابَةِ لِدَعْوَتِهِمْ؛ إشْفاقًا مِن زَوالِ الرِّياسَةِ عَنْهُ، فَهَذا قَدْ جُعِلَ طائِرُ نَفْسِهِ شُؤْمًا لِأنَّهُ في قَبْضَةِ اللَّهِ تَعالى فَيُؤْتِيهِ اللَّهُ في الدُّنْيا مِنها قَدْرًا لا كَما يَشاءُ ذَلِكَ الإنْسانُ، بَلْ كَما يَشاءُ اللَّهُ إلّا أنَّ عاقِبَتَهُ جَهَنَّمُ يَدْخُلُها فَيَصْلاها بِحَرِّها مَذْمُومًا مَلُومًا مَدْحُورًا مَنفِيًّا صفحة ١٤٣ مَطْرُودًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. وفي لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ فَوائِدُ. الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ العِقابَ عِبارَةٌ عَنْ مَضَرَّةٍ مَقْرُونَةٍ بِالإهانَةِ والذَّمِّ بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ دائِمَةً وخالِيَةً عَنْ شَوْبِ المَنفَعَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها﴾ إشارَةٌ إلى المَضَرَّةِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَذْمُومًا﴾ إشارَةٌ إلى الإهانَةِ والذَّمِّ، وقَوْلُهُ: ﴿مَدْحُورًا﴾ إشارَةٌ إلى البُعْدِ والطَّرْدِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وهي تُفِيدُ كَوْنَ تِلْكَ المَضَرَّةِ خالِيَةً عَنْ شَوْبِ النَّفْعِ والرَّحْمَةِ وتُفِيدُ كَوْنَها دائِمَةً وخالِيَةً عَنِ التَّبَدُّلِ بِالرّاحَةِ والخَلاصِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مِنَ الجُهّالِ مَن إذا ساعَدَتْهُ الدُّنْيا اغْتَرَّ بِها وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ كَرامَتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مُساعَدَةَ الدُّنْيا لا يَنْبَغِي أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى رِضا اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ الدُّنْيا قَدْ تَحْصُلُ مَعَ أنَّ عاقِبَتَها هي المَصِيرُ إلى عَذابِ اللَّهِ وإهانَتِهِ، فَهَذا الإنْسانُ أعْمالُهُ تُشْبِهُ طائِرَ السَّوْءِ في لُزُومِها لَهُ وكَوْنِها سائِقَةً لَهُ إلى أشَدِّ العَذابِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الفَوْزُ بِالدُّنْيا لِكُلِّ أحَدٍ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الكُفّارِ والضُّلّالِ يُعْرِضُونَ عَنِ الدِّينِ في طَلَبِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَبْقُونَ مَحْرُومِينَ عَنِ الدُّنْيا وعَنِ الدِّينِ، وهَذا أيْضًا فِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الضُّلّالِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الدِّينَ لِطَلَبِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ رُبَّما فاتَتْهُمُ الدُّنْيا فَهُمُ الأخْسَرُونَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ فَشَرَطَ تَعالى فِيهِ شُرُوطًا ثَلاثَةً: الشَّرْطُ الأوَّلُ: أنْ يُرِيدَ بِعَمَلِهِ الآخِرَةَ أيْ: ثَوابَ الآخِرَةِ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الإرادَةُ وهَذِهِ النِّيَّةُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ العَمَلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٧] ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» “ ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأعْمالِ اسْتِنارَةُ القَلْبِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ، وهَذا لا يَحْصُلُ إلّا إنْ نَوى بِعَمَلِهِ عُبُودِيَّةَ اللَّهِ تَعالى وطَلَبَ طاعَتِهِ. والشَّرْطُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وسَعى لَها سَعْيَها﴾ وذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ العَمَلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الفَوْزِ بِثَوابِ الآخِرَةِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي بِها يُنالُ ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ مِن بابِ القُرَبِ والطّاعاتِ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالٍ باطِلَةٍ، فَإنَّ الكُفّارَ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِعِبادَةِ الأوْثانِ، ولَهم فِيهِ تَأْوِيلانِ: التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: يَقُولُونَ: إلَهُ العالَمِ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يَقْدِرَ الواحِدُ مِنّا عَلى إظْهارِ عُبُودِيَّتِهِ وخِدْمَتِهِ فَلَيْسَ لَنا هَذا القَدْرُ والدَّرَجَةُ ولَكِنْ غايَةُ قَدْرِنا أنْ نَشْتَغِلَ بِعُبُودِيَّةِ بَعْضِ المُقَرَّبِينَ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى، مِثْلَ أنْ نَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ كَوْكَبٍ أوْ عِبادَةِ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ إنَّ المَلَكَ والكَوْكَبَ يَشْتَغِلُونَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَؤُلاءِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِهَذا الطَّرِيقِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ فاسِدًا في نَفْسِهِ لا جَرَمَ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ بِهِ. والتَّأْوِيلُ الثّانِي لَهم: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ اتَّخَذْنا هَذِهِ التَّماثِيلَ عَلى صُوَرِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، ومُرادُنا مِن عِبادَتِها أنْ تَصِيرَ أُولَئِكَ الأنْبِياءُ والأوْلِياءُ شُفَعاءَ لَنا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وهَذا الطَّرِيقُ أيْضًا فاسِدٌ، وأيْضًا نُقِلَ عَنِ الهِنْدِ: أنَّهم يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ تارَةً وبِإحْراقِ أنْفُسِهِمْ أُخْرى ويُبالِغُونَ في تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، صفحة ١٤٤ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ الطَّرِيقُ فاسِدًا لا جَرَمَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جَمِيعِ فِرَقِ المُبْطِلِينَ الَّذِينَ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِمَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ وأقْوالِهِمُ الفاسِدَةِ وأعْمالِهِمُ المُنْحَرِفَةِ عَنْ قانُونِ الصِّدْقِ والصَّوابِ. والشَّرْطُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وهَذا الشَّرْطُ مُعْتَبَرٌ، لِأنَّ الشَّرْطَ في كَوْنِ أعْمالِ البِرِّ مُوجِبَةً لِلثَّوابِ تَقَدُّمُ الإيمانِ، فَإذا لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ لَمْ يَحْصُلِ المَشْرُوطُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الشَّرائِطِ يَصِيرُ السَّعْيُ مَشْكُورًا والعَمَلُ مَبْرُورًا. واعْلَمْ أنَّ الشُّكْرَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: اعْتِقادُ كَوْنِهِ مُحْسِنًا في تِلْكَ الأعْمالِ، والثَّناءُ عَلَيْهِ بِالقَوْلِ، والإتْيانُ بِأفْعالٍ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُعَظَّمًا عِنْدَ ذَلِكَ الشّاكِرِ، واللَّهُ تَعالى يُعامِلُ المُطِيعِينَ بِهَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكَوْنِهِمْ مُحْسِنِينَ في تِلْكَ الأعْمالِ، وأنَّهُ تَعالى يُثْنِي عَلَيْهِمْ بِكَلامِهِ وأنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم بِمُعامَلاتٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِمْ مُعَظَّمِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ حاصِلًا كانُوا مَشْكُورِينَ عَلى طاعاتِهِمْ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ورَأيْتُ في كُتُبِ المُعْتَزِلَةِ أنَّ جَعْفَرَ بْنَ حَرْبٍ حَضَرَ عِنْدَهُ واحِدٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ وقالَ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى أنّا نَشْكُرُ اللَّهَ عَلى الإيمانِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الإيمانُ حاصِلًا بِإيجادِهِ لامْتَنَعَ أنْ نَشْكُرَهُ عَلَيْهِ، لِأنَّ مَدْحَ الإنْسانِ وشُكْرَهُ عَلى ما لَيْسَ مِن عَمَلِهِ قَبِيحٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] فَعَجَزَ الحاضِرُونَ عَنِ الجَوابِ، فَدَخَلَ ثُمامَةُ بْنُ الأشْرَسِ وقالَ: إنَّما نَمْدَحُ اللَّهَ تَعالى ونَشْكُرُهُ عَلى ما أعْطانا مِنَ القُدْرَةِ والعَقْلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ وإيضاحِ الدَّلائِلِ، واللَّهُ تَعالى يَشْكُرُنا عَلى فِعْلِ الإيمانِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ قالَ فَضَحِكَ جَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ وقالَ: صَعَّبَ المَسْألَةَ فَسَهُلَتْ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَنا: ”مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي يُوجِبُ الفِعْلَ“ كَلامٌ واضِحٌ، لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى المُوجِبَ التّامَّ لِحُصُولِ الإيمانِ فَكانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلشُّكْرِ، ولَمّا حَصَلَ الإيمانُ لِلْعَبْدِ وكانَ الإيمانُ مُوجِبًا لِلسَّعادَةِ التّامَّةِ صارَ العَبْدُ أيْضًا مَشْكُورًا ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.

الإسراء 17:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ الآيَةُ داخِلَةٌ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ ومَعْناهُ: أنَّ الكَمالَ في الدُّنْيا قِسْمانِ: فَمِنهم مَن يُرِيدُ بِالَّذِي يَعْمَلُهُ الدُّنْيا ومَنافِعَها والرِّياسَةَ فِيها، فَهَذا يَأْنَفُ مِنَ الِانْقِيادِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والدُّخُولِ في طاعَتِهِمْ والإجابَةِ لِدَعْوَتِهِمْ؛ إشْفاقًا مِن زَوالِ الرِّياسَةِ عَنْهُ، فَهَذا قَدْ جُعِلَ طائِرُ نَفْسِهِ شُؤْمًا لِأنَّهُ في قَبْضَةِ اللَّهِ تَعالى فَيُؤْتِيهِ اللَّهُ في الدُّنْيا مِنها قَدْرًا لا كَما يَشاءُ ذَلِكَ الإنْسانُ، بَلْ كَما يَشاءُ اللَّهُ إلّا أنَّ عاقِبَتَهُ جَهَنَّمُ يَدْخُلُها فَيَصْلاها بِحَرِّها مَذْمُومًا مَلُومًا مَدْحُورًا مَنفِيًّا صفحة ١٤٣ مَطْرُودًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. وفي لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ فَوائِدُ. الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ العِقابَ عِبارَةٌ عَنْ مَضَرَّةٍ مَقْرُونَةٍ بِالإهانَةِ والذَّمِّ بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ دائِمَةً وخالِيَةً عَنْ شَوْبِ المَنفَعَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها﴾ إشارَةٌ إلى المَضَرَّةِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَذْمُومًا﴾ إشارَةٌ إلى الإهانَةِ والذَّمِّ، وقَوْلُهُ: ﴿مَدْحُورًا﴾ إشارَةٌ إلى البُعْدِ والطَّرْدِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وهي تُفِيدُ كَوْنَ تِلْكَ المَضَرَّةِ خالِيَةً عَنْ شَوْبِ النَّفْعِ والرَّحْمَةِ وتُفِيدُ كَوْنَها دائِمَةً وخالِيَةً عَنِ التَّبَدُّلِ بِالرّاحَةِ والخَلاصِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مِنَ الجُهّالِ مَن إذا ساعَدَتْهُ الدُّنْيا اغْتَرَّ بِها وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ كَرامَتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مُساعَدَةَ الدُّنْيا لا يَنْبَغِي أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى رِضا اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ الدُّنْيا قَدْ تَحْصُلُ مَعَ أنَّ عاقِبَتَها هي المَصِيرُ إلى عَذابِ اللَّهِ وإهانَتِهِ، فَهَذا الإنْسانُ أعْمالُهُ تُشْبِهُ طائِرَ السَّوْءِ في لُزُومِها لَهُ وكَوْنِها سائِقَةً لَهُ إلى أشَدِّ العَذابِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الفَوْزُ بِالدُّنْيا لِكُلِّ أحَدٍ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الكُفّارِ والضُّلّالِ يُعْرِضُونَ عَنِ الدِّينِ في طَلَبِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَبْقُونَ مَحْرُومِينَ عَنِ الدُّنْيا وعَنِ الدِّينِ، وهَذا أيْضًا فِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الضُّلّالِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الدِّينَ لِطَلَبِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ رُبَّما فاتَتْهُمُ الدُّنْيا فَهُمُ الأخْسَرُونَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ فَشَرَطَ تَعالى فِيهِ شُرُوطًا ثَلاثَةً: الشَّرْطُ الأوَّلُ: أنْ يُرِيدَ بِعَمَلِهِ الآخِرَةَ أيْ: ثَوابَ الآخِرَةِ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الإرادَةُ وهَذِهِ النِّيَّةُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ العَمَلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٧] ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» “ ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأعْمالِ اسْتِنارَةُ القَلْبِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ، وهَذا لا يَحْصُلُ إلّا إنْ نَوى بِعَمَلِهِ عُبُودِيَّةَ اللَّهِ تَعالى وطَلَبَ طاعَتِهِ. والشَّرْطُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وسَعى لَها سَعْيَها﴾ وذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ العَمَلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الفَوْزِ بِثَوابِ الآخِرَةِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي بِها يُنالُ ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ مِن بابِ القُرَبِ والطّاعاتِ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالٍ باطِلَةٍ، فَإنَّ الكُفّارَ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِعِبادَةِ الأوْثانِ، ولَهم فِيهِ تَأْوِيلانِ: التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: يَقُولُونَ: إلَهُ العالَمِ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يَقْدِرَ الواحِدُ مِنّا عَلى إظْهارِ عُبُودِيَّتِهِ وخِدْمَتِهِ فَلَيْسَ لَنا هَذا القَدْرُ والدَّرَجَةُ ولَكِنْ غايَةُ قَدْرِنا أنْ نَشْتَغِلَ بِعُبُودِيَّةِ بَعْضِ المُقَرَّبِينَ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى، مِثْلَ أنْ نَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ كَوْكَبٍ أوْ عِبادَةِ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ إنَّ المَلَكَ والكَوْكَبَ يَشْتَغِلُونَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَؤُلاءِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِهَذا الطَّرِيقِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ فاسِدًا في نَفْسِهِ لا جَرَمَ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ بِهِ. والتَّأْوِيلُ الثّانِي لَهم: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ اتَّخَذْنا هَذِهِ التَّماثِيلَ عَلى صُوَرِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، ومُرادُنا مِن عِبادَتِها أنْ تَصِيرَ أُولَئِكَ الأنْبِياءُ والأوْلِياءُ شُفَعاءَ لَنا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وهَذا الطَّرِيقُ أيْضًا فاسِدٌ، وأيْضًا نُقِلَ عَنِ الهِنْدِ: أنَّهم يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ تارَةً وبِإحْراقِ أنْفُسِهِمْ أُخْرى ويُبالِغُونَ في تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، صفحة ١٤٤ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ الطَّرِيقُ فاسِدًا لا جَرَمَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جَمِيعِ فِرَقِ المُبْطِلِينَ الَّذِينَ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِمَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ وأقْوالِهِمُ الفاسِدَةِ وأعْمالِهِمُ المُنْحَرِفَةِ عَنْ قانُونِ الصِّدْقِ والصَّوابِ. والشَّرْطُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وهَذا الشَّرْطُ مُعْتَبَرٌ، لِأنَّ الشَّرْطَ في كَوْنِ أعْمالِ البِرِّ مُوجِبَةً لِلثَّوابِ تَقَدُّمُ الإيمانِ، فَإذا لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ لَمْ يَحْصُلِ المَشْرُوطُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الشَّرائِطِ يَصِيرُ السَّعْيُ مَشْكُورًا والعَمَلُ مَبْرُورًا. واعْلَمْ أنَّ الشُّكْرَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: اعْتِقادُ كَوْنِهِ مُحْسِنًا في تِلْكَ الأعْمالِ، والثَّناءُ عَلَيْهِ بِالقَوْلِ، والإتْيانُ بِأفْعالٍ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُعَظَّمًا عِنْدَ ذَلِكَ الشّاكِرِ، واللَّهُ تَعالى يُعامِلُ المُطِيعِينَ بِهَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكَوْنِهِمْ مُحْسِنِينَ في تِلْكَ الأعْمالِ، وأنَّهُ تَعالى يُثْنِي عَلَيْهِمْ بِكَلامِهِ وأنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم بِمُعامَلاتٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِمْ مُعَظَّمِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ حاصِلًا كانُوا مَشْكُورِينَ عَلى طاعاتِهِمْ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ورَأيْتُ في كُتُبِ المُعْتَزِلَةِ أنَّ جَعْفَرَ بْنَ حَرْبٍ حَضَرَ عِنْدَهُ واحِدٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ وقالَ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى أنّا نَشْكُرُ اللَّهَ عَلى الإيمانِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الإيمانُ حاصِلًا بِإيجادِهِ لامْتَنَعَ أنْ نَشْكُرَهُ عَلَيْهِ، لِأنَّ مَدْحَ الإنْسانِ وشُكْرَهُ عَلى ما لَيْسَ مِن عَمَلِهِ قَبِيحٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] فَعَجَزَ الحاضِرُونَ عَنِ الجَوابِ، فَدَخَلَ ثُمامَةُ بْنُ الأشْرَسِ وقالَ: إنَّما نَمْدَحُ اللَّهَ تَعالى ونَشْكُرُهُ عَلى ما أعْطانا مِنَ القُدْرَةِ والعَقْلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ وإيضاحِ الدَّلائِلِ، واللَّهُ تَعالى يَشْكُرُنا عَلى فِعْلِ الإيمانِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ قالَ فَضَحِكَ جَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ وقالَ: صَعَّبَ المَسْألَةَ فَسَهُلَتْ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَنا: ”مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي يُوجِبُ الفِعْلَ“ كَلامٌ واضِحٌ، لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى المُوجِبَ التّامَّ لِحُصُولِ الإيمانِ فَكانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلشُّكْرِ، ولَمّا حَصَلَ الإيمانُ لِلْعَبْدِ وكانَ الإيمانُ مُوجِبًا لِلسَّعادَةِ التّامَّةِ صارَ العَبْدُ أيْضًا مَشْكُورًا ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.

الإسراء 17:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ الآيَةُ داخِلَةٌ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ ومَعْناهُ: أنَّ الكَمالَ في الدُّنْيا قِسْمانِ: فَمِنهم مَن يُرِيدُ بِالَّذِي يَعْمَلُهُ الدُّنْيا ومَنافِعَها والرِّياسَةَ فِيها، فَهَذا يَأْنَفُ مِنَ الِانْقِيادِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والدُّخُولِ في طاعَتِهِمْ والإجابَةِ لِدَعْوَتِهِمْ؛ إشْفاقًا مِن زَوالِ الرِّياسَةِ عَنْهُ، فَهَذا قَدْ جُعِلَ طائِرُ نَفْسِهِ شُؤْمًا لِأنَّهُ في قَبْضَةِ اللَّهِ تَعالى فَيُؤْتِيهِ اللَّهُ في الدُّنْيا مِنها قَدْرًا لا كَما يَشاءُ ذَلِكَ الإنْسانُ، بَلْ كَما يَشاءُ اللَّهُ إلّا أنَّ عاقِبَتَهُ جَهَنَّمُ يَدْخُلُها فَيَصْلاها بِحَرِّها مَذْمُومًا مَلُومًا مَدْحُورًا مَنفِيًّا صفحة ١٤٣ مَطْرُودًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. وفي لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ فَوائِدُ. الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ العِقابَ عِبارَةٌ عَنْ مَضَرَّةٍ مَقْرُونَةٍ بِالإهانَةِ والذَّمِّ بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ دائِمَةً وخالِيَةً عَنْ شَوْبِ المَنفَعَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها﴾ إشارَةٌ إلى المَضَرَّةِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَذْمُومًا﴾ إشارَةٌ إلى الإهانَةِ والذَّمِّ، وقَوْلُهُ: ﴿مَدْحُورًا﴾ إشارَةٌ إلى البُعْدِ والطَّرْدِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وهي تُفِيدُ كَوْنَ تِلْكَ المَضَرَّةِ خالِيَةً عَنْ شَوْبِ النَّفْعِ والرَّحْمَةِ وتُفِيدُ كَوْنَها دائِمَةً وخالِيَةً عَنِ التَّبَدُّلِ بِالرّاحَةِ والخَلاصِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مِنَ الجُهّالِ مَن إذا ساعَدَتْهُ الدُّنْيا اغْتَرَّ بِها وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ كَرامَتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مُساعَدَةَ الدُّنْيا لا يَنْبَغِي أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى رِضا اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ الدُّنْيا قَدْ تَحْصُلُ مَعَ أنَّ عاقِبَتَها هي المَصِيرُ إلى عَذابِ اللَّهِ وإهانَتِهِ، فَهَذا الإنْسانُ أعْمالُهُ تُشْبِهُ طائِرَ السَّوْءِ في لُزُومِها لَهُ وكَوْنِها سائِقَةً لَهُ إلى أشَدِّ العَذابِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الفَوْزُ بِالدُّنْيا لِكُلِّ أحَدٍ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الكُفّارِ والضُّلّالِ يُعْرِضُونَ عَنِ الدِّينِ في طَلَبِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَبْقُونَ مَحْرُومِينَ عَنِ الدُّنْيا وعَنِ الدِّينِ، وهَذا أيْضًا فِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الضُّلّالِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الدِّينَ لِطَلَبِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ رُبَّما فاتَتْهُمُ الدُّنْيا فَهُمُ الأخْسَرُونَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ فَشَرَطَ تَعالى فِيهِ شُرُوطًا ثَلاثَةً: الشَّرْطُ الأوَّلُ: أنْ يُرِيدَ بِعَمَلِهِ الآخِرَةَ أيْ: ثَوابَ الآخِرَةِ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الإرادَةُ وهَذِهِ النِّيَّةُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ العَمَلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٧] ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» “ ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأعْمالِ اسْتِنارَةُ القَلْبِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ، وهَذا لا يَحْصُلُ إلّا إنْ نَوى بِعَمَلِهِ عُبُودِيَّةَ اللَّهِ تَعالى وطَلَبَ طاعَتِهِ. والشَّرْطُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وسَعى لَها سَعْيَها﴾ وذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ العَمَلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الفَوْزِ بِثَوابِ الآخِرَةِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي بِها يُنالُ ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ مِن بابِ القُرَبِ والطّاعاتِ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالٍ باطِلَةٍ، فَإنَّ الكُفّارَ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِعِبادَةِ الأوْثانِ، ولَهم فِيهِ تَأْوِيلانِ: التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: يَقُولُونَ: إلَهُ العالَمِ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يَقْدِرَ الواحِدُ مِنّا عَلى إظْهارِ عُبُودِيَّتِهِ وخِدْمَتِهِ فَلَيْسَ لَنا هَذا القَدْرُ والدَّرَجَةُ ولَكِنْ غايَةُ قَدْرِنا أنْ نَشْتَغِلَ بِعُبُودِيَّةِ بَعْضِ المُقَرَّبِينَ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى، مِثْلَ أنْ نَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ كَوْكَبٍ أوْ عِبادَةِ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ إنَّ المَلَكَ والكَوْكَبَ يَشْتَغِلُونَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَؤُلاءِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِهَذا الطَّرِيقِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ فاسِدًا في نَفْسِهِ لا جَرَمَ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ بِهِ. والتَّأْوِيلُ الثّانِي لَهم: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ اتَّخَذْنا هَذِهِ التَّماثِيلَ عَلى صُوَرِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، ومُرادُنا مِن عِبادَتِها أنْ تَصِيرَ أُولَئِكَ الأنْبِياءُ والأوْلِياءُ شُفَعاءَ لَنا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وهَذا الطَّرِيقُ أيْضًا فاسِدٌ، وأيْضًا نُقِلَ عَنِ الهِنْدِ: أنَّهم يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ تارَةً وبِإحْراقِ أنْفُسِهِمْ أُخْرى ويُبالِغُونَ في تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، صفحة ١٤٤ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ الطَّرِيقُ فاسِدًا لا جَرَمَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جَمِيعِ فِرَقِ المُبْطِلِينَ الَّذِينَ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِمَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ وأقْوالِهِمُ الفاسِدَةِ وأعْمالِهِمُ المُنْحَرِفَةِ عَنْ قانُونِ الصِّدْقِ والصَّوابِ. والشَّرْطُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وهَذا الشَّرْطُ مُعْتَبَرٌ، لِأنَّ الشَّرْطَ في كَوْنِ أعْمالِ البِرِّ مُوجِبَةً لِلثَّوابِ تَقَدُّمُ الإيمانِ، فَإذا لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ لَمْ يَحْصُلِ المَشْرُوطُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الشَّرائِطِ يَصِيرُ السَّعْيُ مَشْكُورًا والعَمَلُ مَبْرُورًا. واعْلَمْ أنَّ الشُّكْرَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: اعْتِقادُ كَوْنِهِ مُحْسِنًا في تِلْكَ الأعْمالِ، والثَّناءُ عَلَيْهِ بِالقَوْلِ، والإتْيانُ بِأفْعالٍ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُعَظَّمًا عِنْدَ ذَلِكَ الشّاكِرِ، واللَّهُ تَعالى يُعامِلُ المُطِيعِينَ بِهَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكَوْنِهِمْ مُحْسِنِينَ في تِلْكَ الأعْمالِ، وأنَّهُ تَعالى يُثْنِي عَلَيْهِمْ بِكَلامِهِ وأنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم بِمُعامَلاتٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِمْ مُعَظَّمِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ حاصِلًا كانُوا مَشْكُورِينَ عَلى طاعاتِهِمْ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ورَأيْتُ في كُتُبِ المُعْتَزِلَةِ أنَّ جَعْفَرَ بْنَ حَرْبٍ حَضَرَ عِنْدَهُ واحِدٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ وقالَ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى أنّا نَشْكُرُ اللَّهَ عَلى الإيمانِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الإيمانُ حاصِلًا بِإيجادِهِ لامْتَنَعَ أنْ نَشْكُرَهُ عَلَيْهِ، لِأنَّ مَدْحَ الإنْسانِ وشُكْرَهُ عَلى ما لَيْسَ مِن عَمَلِهِ قَبِيحٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] فَعَجَزَ الحاضِرُونَ عَنِ الجَوابِ، فَدَخَلَ ثُمامَةُ بْنُ الأشْرَسِ وقالَ: إنَّما نَمْدَحُ اللَّهَ تَعالى ونَشْكُرُهُ عَلى ما أعْطانا مِنَ القُدْرَةِ والعَقْلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ وإيضاحِ الدَّلائِلِ، واللَّهُ تَعالى يَشْكُرُنا عَلى فِعْلِ الإيمانِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ قالَ فَضَحِكَ جَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ وقالَ: صَعَّبَ المَسْألَةَ فَسَهُلَتْ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَنا: ”مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي يُوجِبُ الفِعْلَ“ كَلامٌ واضِحٌ، لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى المُوجِبَ التّامَّ لِحُصُولِ الإيمانِ فَكانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلشُّكْرِ، ولَمّا حَصَلَ الإيمانُ لِلْعَبْدِ وكانَ الإيمانُ مُوجِبًا لِلسَّعادَةِ التّامَّةِ صارَ العَبْدُ أيْضًا مَشْكُورًا ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.

الإسراء 17:21

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن أتى بِفِعْلٍ فَإمّا أنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الفِعْلِ تَحْصِيلَ خَيْراتِ الدُّنْيا، أوْ تَحْصِيلَ خَيْراتِ الآخِرَةِ، أوْ يَقْصِدَ بِهِ مَجْمُوعَهُما، أوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ واحِدًا مِنهُما، هَذا هو التَّقْسِيمُ الصَّحِيحُ، أمّا إنْ قَصَدَ بِهِ تَحْصِيلَ الدُّنْيا فَقَطْ أوْ تَحْصِيلَ الآخِرَةِ فَقَطْ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ. أمّا القِسْمُ الثّالِثُ: فَهو يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ طَلَبُ الآخِرَةِ راجِحًا أوْ مَرْجُوحًا، أوْ يَكُونَ الطَّلَبانِ مُتَعادِلَيْنِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو أنْ يَكُونَ طَلَبُ الآخِرَةِ راجِحًا، فَهَلْ يَكُونُ هَذا العَمَلُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ؟ فِيهِ بَحْثٌ، يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكى عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«أنا أغْنى الأغْنِياءِ عَنِ الشِّرْكِ مَن عَمِلَ عَمَلًا أشَرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشَرِيكَهُ» “ وأيْضًا فَطَلَبُ رِضْوانِ اللَّهِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا بِكَوْنِهِ باعِثًا عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ أوْ داعِيًا إلَيْهِ، وإمّا أنْ يُقالَ: ما كانَ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ البَعْثِ والدُّعاءِ، لِأنَّ الحُكْمَ إذا حَصَلَ مُسْنَدًا إلى سَبَبٍ تامٍّ كامِلٍ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ صفحة ١٤٥ مَدْخَلٌ فِيهِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الحامِلُ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ والدّاعِي إلَيْهِ ذَلِكَ المَجْمُوعَ، وذَلِكَ المَجْمُوعُ لَيْسَ هو طَلَبَ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ المَجْمُوعَ الحاصِلَ مِنَ الشَّيْءِ ومِن غَيْرِهِ يَجِبُ كَوْنُهُ مُغايِرًا لِكُلِّ واحِدٍ مِن جُزْئَيْهِ فَهَذا القِسْمُ التَحَقَ بِالقِسْمِ الَّذِي كانَ الدّاعِي إلَيْهِ مُغايِرًا لِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَقْبُولًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ لَمّا كانَ طَلَبُ الآخِرَةِ راجِحًا عَلى طَلَبِ الدُّنْيا تَعارَضَ المِثْلُ بِالمِثْلِ فَيَبْقى القَدْرُ الزّائِدُ داعِيَةً خالِصَةً لِطَلَبِ الآخِرَةِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَقْبُولًا، وأمّا إذا كانَ طَلَبُ الدُّنْيا وطَلَبُ الآخِرَةِ مُتَعادِلَيْنِ، أوْ كانَ طَلَبُ الدُّنْيا راجِحًا فَهَذا قَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ إلّا أنَّهُ عَلى كُلِّ حالٍ خَيْرٌ مِمّا إذا كانَ طَلَبُ الدُّنْيا خالِيًا بِالكُلِّيَّةِ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ. وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنْ يُقالَ إنَّهُ أقْدَمَ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ مِن غَيْرِ داعٍ فَهَذا بِناءً عَلى أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ مِنَ القادِرِ هَلْ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي أمْ لا ؟ فالَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّهُ مُتَوَقِّفٌ قالُوا: هَذا القِسْمُ مُمْتَنِعُ الحُصُولِ، والَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ قالُوا: هَذا الفِعْلُ لا أثَرَ لَهُ في الباطِنِ وهو مُحَرَّمٌ في الظّاهِرِ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ: ﴿نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ أيْ: أنَّهُ تَعالى يَمُدُّ الفَرِيقَيْنِ بِالأمْوالِ ويُوَسِّعُ عَلَيْهِما في الرِّزْقِ مِثْلَ الأمْوالِ والأوْلادِ وغَيْرِهِما مِن أسْبابِ العِزِّ والزِّينَةِ في الدُّنْيا، لِأنَّ عَطاءَنا لَيْسَ يَضِيقُ عَنْ أحَدٍ مُؤْمِنًا كانَ أوْ كافِرًا لِأنَّ الكُلَّ مَخْلُوقُونَ في دارِ العَمَلِ، فَوَجَبَ إزاحَةُ العُذْرِ وإزالَةُ العِلَّةِ عَنِ الكُلِّ وإيصالُ مَتاعِ الدُّنْيا إلى الكُلِّ عَلى القَدْرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الصَّلاحُ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ عَطاءَهُ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، أيْ: غَيْرَ مَمْنُوعٍ يُقالُ حَظَرَهُ يَحْظُرُهُ، وكُلُّ مَن حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ فَقَدْ حَظَرَهُ عَلَيْكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: المَعْنى: انْظُرْ إلى عَطائِنا المُباحِ إلى الفَرِيقَيْنِ في الدُّنْيا، كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ فَأوْصَلْناهُ إلى مُؤْمِنٍ وقَبَضْناهُ عَنْ مُؤْمِنٍ آخَرَ، وأوْصَلْناهُ إلى كافِرٍ، وقَبَضْناهُ عَنْ كافِرٍ آخَرَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في هَذا التَّفاوُتِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] وقالَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ والمَعْنى: أنَّ تَفاضُلَ الخَلْقِ في دَرَجاتِ مَنافِعِ الدُّنْيا مَحْسُوسٌ، فَتَفاضُلُهم في دَرَجاتِ مَنافِعِ الآخِرَةِ أكْبَرُ وأعْظَمُ، فَإنَّ نِسْبَةَ التَّفاضُلِ في دَرَجاتِ الآخِرَةِ إلى التَّفاضُلِ في دَرَجاتِ الدُّنْيا كَنِسْبَةِ الآخِرَةِ إلى الدُّنْيا، فَإذا كانَ الإنْسانُ تَشْتَدُّ رَغْبَتُهُ في طَلَبِ فَضِيلَةِ الدُّنْيا فَبِأنْ تَقْوى رَغْبَتُهُ في طَلَبِ فَضِيلَةِ الآخِرَةِ أوْلى. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ الآخِرَةَ أعْظَمُ وأشْرَفُ مِنَ الدُّنْيا، والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، والكافِرِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ، فَيَظْهَرُ فَضْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] .

الإسراء 17:22

صفحة ١٤٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ وجْهِ النَّظْمِ. فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ النّاسَ فَرِيقانِ مِنهم مَن يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا فَقَطْ وهم أهْلُ العِقابِ والعَذابِ، ومِنهم مَن يُرِيدُ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ وهم أهْلُ الثَّوابِ. ثُمَّ شَرَطَ ذَلِكَ بِشَرائِطَ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: إرادَةُ الآخِرَةِ. وثانِيها: أنْ يَعْمَلَ عَمَلًا ويَسْعى سَعْيًا مُوافِقًا لِطَلَبِ الآخِرَةِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا لا جَرَمَ فَصَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ المُجْمَلاتِ فَبَدَأ أوَّلًا بِشَرْحِ حَقِيقَةِ الإيمانِ، وأشْرَفُ أجْزاءِ الإيمانِ هو التَّوْحِيدُ ونَفْيُ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ فَقالَ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ سائِرَ الأعْمالِ الَّتِي يَكُونُ المُقْدِمُ عَلَيْها والمُشْتَغِلُ بِها ساعِيًا سَعْيًا يَلِيقُ بِطَلَبِ الآخِرَةِ، وصارَ مِنَ الَّذِينَ سَعِدَ طائِرُهم وحَسُنَ بَخْتُهم وكَمُلَتْ أحْوالُهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا في الظّاهِرِ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولَكِنْ في المَعْنى عامٌّ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْإنْسانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها الإنْسانُ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وهَذا الِاحْتِمالُ عِنْدِي أوْلى، لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ [الإسراء: ٢٣] وهَذا لا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّ أبَوَيْهِ ما بَلَغا الكِبَرَ عِنْدَهُ فَعَلِمْنا أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا هو نَوْعُ الإنْسانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ كانَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكَ كاذِبٌ والكاذِبَ يَسْتَوْجِبُ الذَّمَّ والخِذْلانَ. الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ لا إلَهَ ولا مُدَبِّرَ ولا مُقَدِّرَ إلّا الواحِدُ الأحَدُ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ جَمِيعُ النِّعَمِ حاصِلَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَمَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَقَدْ أضافَ بَعْضَ تِلْكَ النِّعَمِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّ الحَقَّ أنَّ كُلَّها مِنَ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ، لِأنَّ الخالِقَ تَعالى اسْتَحَقَّ الشُّكْرَ بِإعْطاءِ تِلْكَ النِّعَمِ فَلَمّا جَحَدَ كَوْنَها مِنَ اللَّهِ، فَقَدْ قابَلَ إحْسانَ اللَّهِ تَعالى بِالإساءَةِ والجُحُودِ والكُفْرانِ فاسْتَوْجَبَ الذَّمَّ وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَسْتَحِقُّ الخِذْلانَ، لِأنَّهُ لَمّا أثْبَتَ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعالى اسْتَحَقَّ أنْ يُفَوَّضَ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ الشَّرِيكِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ الشَّرِيكُ مَعْدُومًا بَقِيَ بِلا ناصِرٍ ولا حافِظٍ ولا مُعِينٍ. وذَلِكَ عَيْنُ الخِذْلانِ. الثّالِثُ: أنَّ الكَمالَ في الوَحْدَةِ والنُّقْصانَ في الكَثْرَةِ، فَمَن أثْبَتَ الشَّرِيكَ فَقَدْ وقَعَ في جانِبِ النُّقْصانِ واسْتَوْجَبَ الذَّمَّ والخِذْلانَ، واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّ لَفْظُ الآيَةِ عَلى أنَّ المُشْرِكَ مَذْمُومٌ مَخْذُولٌ وجَبَ بِحُكْمِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المُوَحِّدُ مَمْدُوحًا مَنصُورًا. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ”القُعُودُ“ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْناهُ: المُكْثُ أيْ: فَتَمْكُثَ في النّاسِ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في لِسانِ العَرَبِ والفُرْسِ في هَذا المَعْنى، فَإذا سَألَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ ما يَصْنَعُ فُلانٌ في تِلْكَ البَلْدَةِ ؟ فَيَقُولُ المُجِيبُ: هو قاعِدٌ بِأسْوَأِ حالٍ مَعْناهُ: المُكْثُ سَواءً كانَ قائِمًا أوْ جالِسًا. الثّانِي: إنَّ مِن شَأْنِ المَذْمُومِ المَخْذُولِ أنْ يَقْعُدَ نادِمًا مُتَفَكِّرًا عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. الثّالِثُ: أنَّ المُتَمَكِّنَ مِن تَحْصِيلِ الخَيْراتِ يَسْعى في تَحْصِيلِها، والسَّعْيُ إنَّما يَتَأتّى بِالقِيامِ، وأمّا العاجِزُ عَنْ تَحْصِيلِها فَإنَّهُ لا يَسْعى بَلْ يَبْقى جالِسًا قاعِدًا عَنِ الطَّلَبِ فَلَمّا كانَ القِيامُ عَلى الرَّجُلِ أحَدَ الأُمُورِ الَّتِي بِها يَتِمُّ الفَوْزُ بِالخَيْراتِ، وكانَ القُعُودُ والجُلُوسُ عَلامَةً عَلى عَدَمِ تِلْكَ المَكِنَةِ والقُدْرَةِ لا جَرَمَ جُعِلَ القِيامُ كِنايَةً عَنِ القُدْرَةِ عَلى تَحْصِيلِ الخَيْراتِ. والقُعُودُ كِنايَةٌ عَنِ العَجْزِ والضَّعْفِ. صفحة ١٤٧ المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿فَتَقْعُدَ﴾ انْتَصَبَ لِأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ الفاءِ جَوابًا لِلنَّهْيِ وانْتِصابُهُ بِإضْمارِ ”أنْ“ كَقَوْلِكَ لا تَنْقَطِعْ عَنّا فَنَجْفُوَكَ، والتَّقْدِيرُ: لا يَكُنْ مِنكَ انْقِطاعٌ فَيَحْصُلُ أنْ نَجْفُوَكَ فَما بَعْدَ الفاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِحَرْفِ الفاءِ الَّتِي هي حَرْفُ العَطْفِ. وإنَّما سَمّاهُ النَّحْوِيُّونَ جَوابًا لِكَوْنِهِ مُشابِهًا لِلْجَزاءِ في أنَّ الثّانِيَ مُسَبَّبٌ عَنِ الأوَّلِ، ألا تَرى أنَّ المَعْنى إنِ انْقَطَعَتْ جَفْوَتُكَ كَذَلِكَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إنْ جَعَلْتَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ قَعَدْتَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا.

الإسراء 17:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى ما هو الرَّكْنُ الأعْظَمُ في الإيمانِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما هو مِن شَعائِرِ الإيمانِ وشَرائِطِهِ وهي أنْواعٌ: النَّوْعُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنْ يَكُونَ مُحْتَرِزًا عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: القَضاءُ مَعْناهُ الحُكْمُ الجَزْمُ البَتُّ الَّذِي لا يَقْبَلُ النَّسْخَ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الواحِدَ مِنّا إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّهُ قَضى عَلَيْهِ، أمّا إذا أمَرَهُ أمْرًا جَزْمًا وحَكَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الحُكْمِ عَلى سَبِيلِ البَتِّ والقَطْعِ، فَهَهُنا يُقالُ: قَضى عَلَيْهِ، ولَفْظُ القَضاءِ في أصْلِ اللُّغَةِ يَرْجِعُ إلى إتْمامِ الشَّيْءِ وانْقِطاعِهِ. ورَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: في هَذِهِ الآيَةِ كانَ الأصْلُ: ”ووَصّى رَبُّكَ“ فالتَصَقَتْ إحْدى الواوَيْنِ بِالصّادِ فَقُرِئَ: ”وقَضى رَبُّكَ“ ثُمَّ قالَ: ولَوْ كانَ عَلى القَضاءِ ما عَصى اللَّهَ أحَدٌ قَطُّ، لِأنَّ خِلافَ قَضاءِ اللَّهِ مُمْتَنِعٌ، هَكَذا رَواهُ عَنْهُ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهو قِراءَةُ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّهُ يَفْتَحُ بابَ أنَّ التَّحْرِيفَ والتَّغْيِيرَ قَدْ تَطَرَّقَ إلى القُرْآنِ، ولَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لارْتَفَعَ الأمانُ عَنِ القُرْآنِ وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حَجَّةً ولا شَكَّ أنَّهُ طَعْنٌ عَظِيمٌ في الدِّينِ. البَحْثُ الثّانِي: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وتَدُلُّ عَلى المَنعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى وهَذا هو الحَقُّ، وذَلِكَ لِأنَّ العِبادَةَ عِبارَةٌ عَنِ الفِعْلِ المُشْتَمِلِ عَلى نِهايَةِ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ، ونِهايَةُ الإنْعامِ عِبارَةٌ عَنْ إعْطاءِ الوُجُودِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والشَّهْوَةِ والعَقْلِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّ المُعْطِيَ لِهَذِهِ الأشْياءِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرُهُ، وإذا كانَ المُنْعِمُ بِجَمِيعِ النِّعَمِ هو اللَّهَ لا غَيْرَهُ، لا جَرَمَ كانَ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو اللَّهَ تَعالى لا غَيْرَهُ، فَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ . * صفحة ١٤٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلْأوّابِينَ غَفُورًا﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالأمْرِ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ، وبَيانُ المُناسِبَةِ بَيْنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ الأمْرِ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ السَّبَبَ الحَقِيقِيَّ لِوُجُودِ الإنْسانِ هو تَخْلِيقُ اللَّهِ تَعالى وإيجادُهُ، والسَّبَبُ الظّاهِرِيُّ هو الأبَوانِ، فَأمَرَ بِتَعْظِيمِ السَّبَبِ الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالأمْرِ بِتَعْظِيمِ السَّبَبِ الظّاهِرِيِّ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَوْجُودَ إمّا قَدِيمٌ وإمّا مُحْدَثٌ، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ مُعامَلَةُ الإنْسانِ مَعَ الإلَهِ القَدِيمِ بِالتَّعْظِيمِ والعُبُودِيَّةِ، ومَعَ المُحْدَثِ بِإظْهارِ الشَّفَقَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» “ وأحَقُّ الخَلْقِ بِصَرْفِ الشَّفَقَةِ إلَيْهِ هو الأبَوانِ لِكَثْرَةِ إنْعامِهِما عَلى الإنْسانِ فَقَوْلُهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الِاشْتِغالَ بِشُكْرِ المُنْعِمِ واجِبٌ، ثُمَّ المُنْعِمُ الحَقِيقِيُّ هو الخالِقُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقَدْ يَكُونُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ مُنْعِمًا عَلَيْكَ، وشُكْرُهُ أيْضًا واجِبٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ يَشْكُرِ النّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ» “ ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلائِقِ نِعْمَةٌ عَلى الإنْسانِ مِثْلَ ما لِلْوالِدَيْنِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الوَلَدَ قِطْعَةٌ مِنَ الوالِدَيْنِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» “ . وثانِيها: أنَّ شَفَقَةَ الأبَوَيْنِ عَلى الوَلَدِ عَظِيمَةٌ وجِدَّهُما في إيصالِ الخَيْرِ إلى الوَلَدِ كالأمْرِ الطَّبِيعِيِّ واحْتِرازَهُما عَنْ إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ كالأمْرِ الطَّبِيعِيِّ، ومَتى كانْتِ الدَّواعِي إلى إيصالِ الخَيْرِ مُتَوَفِّرَةً، والصَّوارِفُ عَنْهُ زائِلَةً لا جَرَمَ كَثُرَ إيصالُ الخَيْرِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نِعَمُ الوالِدَيْنِ عَلى الوَلَدِ كَثِيرَةً أكْثَرَ مِن كُلِّ نِعْمَةٍ تَصِلُ مِن إنْسانٍ إلى إنْسانٍ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ حالَ ما يَكُونُ في غايَةِ الضَّعْفِ ونِهايَةِ العَجْزِ يَكُونُ في إنْعامِ الأبَوَيْنِ فَأصْنافُ نِعَمِهِما في ذَلِكَ الوَقْتِ واصِلَةٌ إلَيْهِ، وأصْنافُ رَحْمَةِ ذَلِكَ الوَلَدِ واصِلَةٌ إلى الوالِدَيْنِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الإنْعامَ إذا كانَ واقِعًا عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ مَوْقِعُهُ عَظِيمًا. ورابِعُها: أنَّ إيصالَ الخَيْرِ إلى الغَيْرِ قَدْ يَكُونُ لِداعِيَةِ إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِ، وقَدْ يَمْتَزِجُ بِهَذا الغَرَضِ سائِرُ الأغْراضِ، وإيصالُ الخَيْرِ إلى الوَلَدِ لَيْسَ لِهَذا الغَرَضِ فَقَطْ. فَكانَ الإنْعامُ فِيهِ أتَمَّ وأكْمَلَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ نِعْمَةٌ عَلى غَيْرِهِ مِثْلَ ما لِلْوالِدَيْنِ عَلى الوَلَدِ، فَبَدَأ اللَّهُ تَعالى بِشُكْرِ نِعْمَةِ الخالِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِشُكْرِ نِعْمَةِ الوالِدَيْنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ والسَّبَبُ فِيهِ ما بَيَّنّا أنَّ أعْظَمَ النِّعَمِ بَعْدَ إنْعامِ الإلَهِ الخالِقِ نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: الوالِدانِ إنَّما طَلَبا تَحْصِيلَ اللَّذَّةِ لِنَفْسَيْهِما فَلَزِمَ مِنهُ دُخُولُ الوَلَدِ في الوُجُودِ وحُصُولُهُ في عالَمِ الآفاتِ والمَخافاتِ، فَأيُّ إنْعامٍ لِلْأبَوَيْنِ عَلى الوَلَدِ ؟ حُكِيَ أنَّ واحِدًا مِنَ المُتَّسِمِينَ بِالحِكْمَةِ كانَ يَضْرِبُ أباهُ ويَقُولُ: هو الَّذِي أدْخَلَنِي في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ وعَرَّضَنِي لِلْمَوْتِ والفَقْرِ والعَمى والزَّمانَةِ، وقِيلَ لِأبِي العَلاءِ المَعَرِّي: ماذا نَكْتُبُ عَلى قَبْرِكَ ؟ قالَ اكْتُبُوا عَلَيْهِ: صفحة ١٤٩ هَذا جَناهُ أبِي عَلَيَّ وما جَنَيْتُ عَلى أحَدِ وقالَ في تَرْكِ التَّزَوُّجِ والوَلَدِ: وتَرَكْتُ أوْلادِي وهم في نِعْمَةِ الـ ∗∗∗ ـعَدَمِ الَّتِي سَبَقَتْ نَعِيمَ العاجِلِ ولَوَ انَّهم وُلِدُوا لَعانَوْا شِدَّةً ∗∗∗ تَرْمِي بِهِمْ في مُوبِقاتِ الآجِلِ وقِيلَ لِلْإسْكَنْدَرِ: أُسْتاذُكَ أعْظَمُ مِنَّةً عَلَيْكَ أمْ والِدُكَ ؟ فَقالَ: الأُسْتاذُ أعْظَمُ مِنَّةً، لِأنَّهُ تَحَمَّلَ أنْواعَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ عِنْدَ تَعْلِيمِي، أرْتَعَنِي في نُورِ العِلْمِ، وأمّا الوالِدُ فَإنَّهُ طَلَبَ تَحْصِيلَ لَذَّةِ الوِقاعِ لِنَفْسِهِ، وأخْرَجَنِي إلى آفاتِ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ. ومِنَ الكَلِماتِ المَشْهُورَةِ المَأْثُورَةِ: خَيْرُ الآباءِ مَن عَلَّمَكَ. والجَوابُ: هَبْ أنَّهُما في أوَّلِ الأمْرِ طَلَبا لَذَّةَ الوِقاعِ إلّا أنَّ الِاهْتِمامَ بِإيصالِ الخَيْراتِ، وفي دَفْعِ الآفاتِ مِن أوَّلِ دُخُولِهِ في الوُجُودِ إلى وقْتِ بُلُوغِهِ الكِبَرَ ألَيْسَ أنَّهُ أعْظَمُ مِن جَمِيعِ ما يُتَخَيَّلُ مِن جِهاتِ الخَيْراتِ والمَبَرّاتِ، فَسَقَطَتْ هَذِهِ الشُّبُهاتُ. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وأنْ تُحْسِنُوا، أوْ يُقالُ: وقَضى ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ في ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾ بِالإحْسانِ لِأنَّ المَصْدَرَ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ صِلَتُهُ ثُمَّ لَمْ يُذْكُرْ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَصْدَرَ لا يَجُوزُ أنْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ صِلَتُهُ. وقالَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“: الباءُ في ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾ مِن صِلَةِ الإحْسانِ وقُدِّمَتْ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ بِزَيْدٍ فامْرُرْ، وهَذا المِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ غَيْرُ مُطابِقٍ، لِأنَّ المَطْلُوبَ تَقْدِيمُ صِلَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، والمِثالُ المَذْكُورُ لَيْسَ كَذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القَفّالُ: لَفْظُ الإحْسانِ قَدْ يُوصَلُ بِحَرْفِ الباءِ تارَةً، وبِحَرْفِ ”إلى“ أُخْرى، وكَذَلِكَ الإساءَةُ، يُقالُ: أحْسَنْتُ بِهِ وإلَيْهِ. وأسَأْتُ بِهِ وإلَيْهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠] وقالَ القائِلُ: أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ وأقُولُ لَفْظُ الآيَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ كَثِيرَةٍ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الأعْمالِ الَّتِي بِواسِطَتِها يَحْصُلُ الفَوْزُ بِسَعادَةِ الآخِرَةِ فَذَكَرَ مِن جُمْلَتِها البِرَّ بِالوالِدَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الطّاعَةَ مِن أصُولِ الطّاعاتِ الَّتِي تُفِيدُ سَعادَةَ الآخِرَةِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وثَنّى بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وثَلَّثَ بِالبِرِّ بِالوالِدَيْنِ وهَذِهِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ ومُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في تَعْظِيمِ هَذِهِ الطّاعَةِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: وإحْسانًا بِالوالِدَيْنِ، بَلْ قالَ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ فَتَقْدِيمُ ذِكْرِهِما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ. ورابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿إحْسانًا﴾ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ، والتَّنْكِيرُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، والمَعْنى: وقَضى رَبُّكَ أنْ تُحْسِنُوا إلى الوالِدَيْنِ إحْسانًا عَظِيمًا كامِلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ إحْسانُهُما إلَيْكَ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ العَظِيمَةَ وجَبَ أنْ يَكُونَ إحْسانُكَ إلَيْهِما كَذَلِكَ، ثُمَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ فَلا تَحْصُلُ المُكافَأةُ، لِأنَّ إنْعامَهُما عَلَيْكَ كانَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ، وفي الأمْثالِ المَشْهُورَةِ أنَّ البادِيَ بِالبِرِّ لا يُكافَأُ. صفحة ١٥٠ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ ”إمّا“ لَفْظَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن لَفْظَتَيْنِ: إنْ، وما. أمّا كَلِمَةُ ”إنْ“ فَهي لِلشَّرْطِ، وأمّا كَلِمَةُ ”ما“ فَهي أيْضًا لِلشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] فَلَمّا جَمَعَ بَيْنَ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ أفادَ التَّأْكِيدَ في مَعْنى الِاشْتِراطِ، إلّا أنَّ عَلامَةَ الجَزْمِ لَمْ تَظْهَرْ مَعَ نُونِ التَّوْكِيدِ، لِأنَّ الفِعْلَ يُبْنى مَعَ نُونِ التَّأْكِيدِ وأقُولُ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ نُونَ التَّأْكِيدِ إنَّما يَلِيقُ بِالمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ اللّائِقُ بِهِ تَأْكِيدَ ذَلِكَ الحُكْمِ المَذْكُورِ وتَقْرِيرِهِ وإثْباتِهِ عَلى أقْوى الوُجُوهِ، إلّا أنَّ هَذا المَعْنى لا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ، لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: الشَّيْءُ إمّا كَذا وإمّا كَذا، فالمَطْلُوبُ مِنهُ تَرْدِيدُ الحُكْمِ بَيْنَ ذَيْنِكَ الشَّيْئَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ لا يَلِيقُ بِهِ التَّقْرِيرُ والتَّأْكِيدُ فَكَيْفَ يَلِيقُ الجَمْعُ بَيْنَ كَلِمَةِ إمّا وبَيْنَ نُونِ التَّأْكِيدِ ؟ وجَوابُهُ: أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا الحُكْمَ المُتَقَرِّرَ المُتَأكِّدَ إمّا أنْ يَقَعَ وإمّا أنْ لا يَقَعَ. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الأكْثَرُونَ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ فِعْلٌ وفاعِلُهُ هو قَوْلُهُ: ﴿أحَدُهُما﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كِلاهُما﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ: ضَرَبَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو: ولَوْ أسْنَدَ قَوْلَهُ: ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كِلاهُما﴾ جازَ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ، تَقُولُ قالَ رَجُلٌ، وقالَ رَجُلانِ، وقالَتِ الرِّجالُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يَبْلُغانِ“ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿أحَدُهُما﴾ بَدَلٌ مِن ألِفِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى الوالِدَيْنِ (وكِلاهُما) عَطْفٌ عَلى (أحَدُهُما) فاعِلًا أوْ بَدَلًا. فَإنْ قِيلَ: لَوْ قِيلَ إمّا يَبْلُغانِ كِلاهُما كانَ كِلاهُما تَوْكِيدًا لا بَدَلًا، فَلِمَ زَعَمْتُمْ أنَّهُ بَدَلٌ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِلِاثْنَيْنِ فانْتَظَمَ في حُكْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ في كَوْنِهِ بَدَلًا. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿أحَدُهُما﴾ بَدَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كِلاهُما﴾ تَوْكِيدٌ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَطْفًا لِلتَّوْكِيدِ عَلى البَدَلِ ؟ قُلْنا: العَطْفُ يَقْتَضِي المُشارَكَةَ فَجُعِلَ أحَدُهُما بَدَلًا والآخَرُ تَوْكِيدًا خِلافَ الأصْلِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو الهَيْثَمِ الرّازِيُّ، وأبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ، وأبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ: إنَّ (كِلا) اسْمٌ مُفْرَدٌ يُفِيدُ مَعْنى التَّثْنِيَةِ ووَزْنُهُ ”فِعَلْ“ ولامُهُ مُعْتَلٌّ بِمَنزِلَةِ لامِ حِجًى ورِضًى، وهي كَلِمَةٌ وُضِعَتْ عَلى هَذِهِ الخِلْقَةِ يُؤَكَّدُ بِها الِاثْنانِ خاصَّةً ولا تَكُونُ إلّا مُضافَةً. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّها لَوْ كانَتْ تَثْنِيَةً لَوَجَبَ أنْ يُقالَ في النَّصْبِ والخَفْضِ مَرَرْتُ بِكِلَيِ الرَّجُلَيْنِ بِكَسْرِ الياءِ كَما تَقُولُ: بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ ”ومِن ثُلْثَيِ اللَّيْلِ“ . ”ويا صاحِبَيِ السِّجْنِ“، ”وطَرَفَيِ النَّهارِ“ ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ تَثْنِيَةً بَلْ هي لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ وُضِعَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّثْنِيَةِ كَما أنَّ لَفْظَةَ ”كُلٍّ“ اسْمٌ واحِدٌ مَوْضُوعٌ لِلْجَماعَةِ، فَإذَنْ أخْبَرْتَ عَنْ لَفْظِهِ كَما تُخْبِرُ عَنِ الواحِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] وكَذَلِكَ إذا أخْبَرْتَ عَنْ كِلا أخْبَرْتَ عَنْ واحِدٍ فَقُلْتَ كِلا إخْوَتِكَ كانَ قائِمًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ [الكهف: ٣٣] ولَمْ يَقُلْ آتَتا. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ مَعْناهُ: أنَّهُما يَبْلُغانِ إلى حالَةِ الضَّعْفِ والعَجْزِ فَيَصِيرانِ عِنْدَكَ في آخِرِ العُمُرِ كَما كُنْتَ عِنْدَهُما في أوَّلِ العُمُرِ. صفحة ١٥١ * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الجُمْلَةَ فَعِنْدَ هَذا الذِّكْرِ كَلَّفَ الإنْسانَ في حَقِّ الوالِدَيْنِ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِ سَبْعُ لُغاتٍ: كَسْرُ الفاءِ وضَمِّها وفَتْحِها، وكُلُّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِتَنْوِينٍ وبِغَيْرِ تَنْوِينٍ فَهَذِهِ سِتَّةٌ واللُّغَةُ السّابِعَةُ أُفِّي بِالياءِ قالَ الأخْفَشُ: كَأنَّهُ أضافَ هَذا القَوْلَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: قَوْلِي هَذا، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ مِن لُغاتِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ ثَلاثَةً زائِدَةً عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ: ”إفَّ“ بِكَسْرِ الألِفِ وفَتْحِ الفاءِ وأُفَّهْ بِضَمِّ الألْفِ وإدْخالِ الهاءِ و”أُفْ“ بِضَمِّ الألْفِ وتَسْكِينِ الفاءِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ونافِعٌ وحَفْصٌ: بِكَسْرِ الفاءِ والتَّنْوِينِ، والباقُونَ: بِكَسْرِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وكُلُّها لُغاتٌ، وعَلى هَذا الخِلافِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٧] وفي الأحْقافِ: ﴿أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] وأقُولُ: البَحْثُ المُشْكِلُ هَهُنا أنّا لَمّا نَقَلْنا عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ اللُّغاتِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَما السَّبَبُ في أنَّهم تَرَكُوا أكْثَرَ تِلْكَ اللُّغاتِ في قِراءَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، واقْتَصَرُوا عَلى وُجُوهٍ قَلِيلَةٍ مِنها ؟ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: جَعَلَ فُلانٌ يَتَأفَّفُ مِن رِيحٍ وجَدَها، مَعْناهُ يَقُولُ: أُفٍّ أُفٍّ. الثّانِي: قالَ الأصْمَعِيُّ: الأُفُّ وسَخُ الأُذُنِ والتُفُّ وسَخُ الظُّفُرِ؛ يُقالُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِقْذارِ الشَّيْءِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلُوا عِنْدَ كُلِّ ما يَتَأذَّوْنَ بِهِ. الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم أُفٍّ مَعْناهُ قِلَّةٌ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأفِيفِ وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ وتُفٍّ إتْباعٌ لَهُ، كَقَوْلِهِمْ: شَيْطانٌ لَيْطانٌ خَبِيثٌ نَبِيثٌ. الرّابِعُ: رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الأُفُّ الضَّجَرُ. الخامِسُ: قالَ القُتَبِيُّ: أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ أنَّهُ إذا سَقَطَ عَلَيْكَ تُرابٌ أوْ رَمادٌ نَفَخْتَ فِيهِ لِتُزِيلَهُ والصَّوْتُ الحاصِلُ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ هو قَوْلُكَ ”أُفٍّ“، ثُمَّ إنَّهم تَوَسَّعُوا فَذَكَرُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ عِنْدَ كُلِّ مَكْرُوهٍ يَصِلُ إلَيْهِمْ. السّادِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”أُفٍّ“ مَعْناهُ النَّتَنُ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، لِأنَّهُ قالَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ أيْ: لا تَتَقَذَّرْهُما كَما أنَّهُما لَمْ يَتَقَذَّراكَ حِينَ كُنْتَ تَخْرى أوْ تَبُولُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ إذا وجَدْتَ مِنهُما رائِحَةً تُؤْذِيكَ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ.

الإسراء 17:24

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُ القائِلِ: لا تَقُلْ لِفُلانٍ أُفٍّ، مَثَلٌ يُضْرَبُ لِلْمَنعِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ وأذِيَّةٍ وإنْ خَفَّ وقَلَّ. واخْتَلَفَ الأُصُولِيُّونَ في أنَّ دَلالَةَ هَذا الَّفْظِ عَلى المَنعِ مِن سائِرِ أنْواعِ الإيذاءِ دَلالَةٌ لَفْظِيَّةٌ أوْ دَلالَةٌ مَفْهُومَةٌ بِمُقْتَضى القِياسِ. قالَ بَعْضُهم: إنَّها دَلالَةٌ لَفْظِيَّةٌ، لِأنَّ أهْلَ العُرْفِ إذا قالُوا: لا تَقُلْ لِفُلانٍ أُفٍّ عَنَوْا بِهِ أنَّهُ لا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الإيذاءِ والإيحاشِ، وجَرى هَذا مَجْرى قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ نَقِيرًا ولا قِطْمِيرًا في أنَّهُ بِحَسَبِ العُرْفِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا اللَّفْظَ إنَّما يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن سائِرِ أنْواعِ الإيذاءِ بِحَسَبِ القِياسِ الجَلِيِّ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الشَّرْعَ إذا نَصَّ عَلى حُكْمِ صُورَةٍ وسَكَتَ عَنْ حُكْمِ صُورَةٍ أُخْرى، فَإذا أرَدْنا إلْحاقَ الصُّورَةِ المَسْكُوتِ عَنْ حُكْمِها بِالصُّورَةِ المَذْكُورِ حُكْمُها فَهَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ثُبُوتُ ذَلِكَ الحُكْمِ في مَحَلِّ السُّكُوتِ أوْلى مِن ثُبُوتِهِ في مَحَلِّ الذِّكْرِ مِثْلَ هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإنَّ اللَّفْظَ إنَّما دَلَّ عَلى المَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ، والضَّرْبُ أوْلى بِالمَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في مَحَلِّ السُّكُوتِ مُساوِيًا لِلْحُكْمِ في مَحَلِّ الذِّكْرِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ الأُصُولِيُّونَ القِياسُ في مَعْنى الأصْلِ، وضَرَبُوا لِهَذا مَثَلًا وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ صفحة ١٥٢ السَّلامُ: ”«مَن أعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِن عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الباقِي» “ فَإنَّ الحُكْمَ في الأمَةِ والعَبْدِ مُتَساوِيانِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في مَحَلِّ السُّكُوتِ أخْفى مِنَ الحُكْمِ في مَحَلِّ الذِّكْرِ وهو أكْبَرُ القِياساتِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ إنَّما يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الضَّرْبِ بِواسِطَةِ القِياسِ الجَلِيِّ الَّذِي يَكُونُ مِن بابِ الِاسْتِدْلالِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ التَّأْفِيفَ غَيْرُ الضَّرْبِ، فالمَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ لا يَكُونُ مَنعًا مِنَ الضَّرْبِ، وأيْضًا المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ لا يَسْتَلْزِمُ المَنعَ مِنَ الضَّرْبِ عَقْلًا، لِأنَّ المَلِكَ الكَبِيرَ إذا أخَذَ مَلِكًا عَظِيمًا كانَ عَدُوًّا لَهُ، فَقَدْ يَقُولُ لِلْجَلّادِ إيّاكَ وأنْ تَسْتَخِفَّ بِهِ أوْ تُشافِهَهُ بِكَلِمَةٍ مُوحِشَةٍ لَكِنِ اضْرِبْ رَقَبَتَهُ، وإذا كانَ هَذا مَعْقُولًا في الجُمْلَةِ عَلِمْنا أنَّ المَنعَ مِنَ التَّأْفِيفِ مُغايِرٌ لِلْمَنعِ مِنَ الضَّرْبِ وغَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمَنعِ مِنَ الضَّرْبِ عَقْلًا في الجُمْلَةِ، إلّا أنّا عَلِمْنا في هَذِهِ الصُّورَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ فَكانَتْ دَلالَةُ المَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ عَلى المَنعِ مِنَ الضَّرْبِ مِن بابِ القِياسِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، واللَّهُ أعْلَمُ. النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى العِبادَ بِها في حَقِّ الأبَوَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ. قالَ تَعالى: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] . فَإنْ قِيلَ: المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الِانْتِهارِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلَمّا قَدَّمَ المَنعَ مِنَ التَّأْفِيفِ كانَ ذِكْرُ المَنعِ مِنَ الِانْتِهارِ بَعْدَهُ عَبَثًا. أمّا لَوْ فَرَضْنا أنَّهُ قَدَّمَ المَنعَ مِنَ الِانْتِهارِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالمَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ كانَ مُفِيدًا حَسَنًا، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ المَنعِ مِنَ الِانْتِهارِ المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ، فَما السَّبَبُ في رِعايَةِ هَذا التَّرْتِيبِ ؟ قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ المَنعُ مِن إظْهارِ الضَّجَرِ بِالقَلِيلِ أوِ الكَثِيرِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ المَنعُ مِن إظْهارِ المُخالَفَةِ في القَوْلِ عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ عَلَيْهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ. النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ الإنْسانَ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنْ ذِكْرِ القَوْلِ المُؤْذِي المُوحِشِ. والنَّهْيُ عَنِ القَوْلِ المُؤْذِي لا يَكُونُ أمْرًا بِالقَوْلِ الطَّيِّبِ، لا جَرَمَ أرْدَفَهُ بِأنْ أمَرَهُ بِالقَوْلِ الحَسَنِ والكَلامِ الطَّيِّبِ فَقالَ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ والمُرادُ مِنهُ أنْ يُخاطِبَهُ بِالكَلامِ المَقْرُونِ بِأماراتِ التَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو أنْ يَقُولَ لَهُ: يا أبَتاهُ يا أُمّاهُ، وسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ عَنِ القَوْلِ الكَرِيمِ فَقالَ: هو قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ، وعَنْ عَطاءٍ أنْ يُقالَ: هو أنْ تَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِشَرْطِ أنْ لا تَرْفَعَ عَلَيْهِما صَوْتَكَ ولا تَشُدَّ إلَيْهِما نَظَرَكَ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ يُنافِيانِ القَوْلَ الكَرِيمَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْظَمَ النّاسِ حِلْمًا وكَرَمًا وأدَبًا، فَكَيْفَ قالَ لِأبِيهِ يا آزَرُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: (وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرُ) بِالضَّمِّ: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] فَخاطَبَهُ بِالِاسْمِ وهو إيذاءٌ، ثُمَّ نَسَبَهُ ونَسَبَ قَوْمَهُ إلى الضَّلالِ وهو أعْظَمُ أنْواعِ الإيذاءِ ؟ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعالى مُقَدَّمٌ عَلى حَقِّ الأبَوَيْنِ، فَإقْدامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذَلِكَ الإيذاءِ إنَّما كانَ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلى حَقِّ الأبَوَيْنِ. النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّواضُعِ، وذَكَرَ صفحة ١٥٣ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَقْرِيرِهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ ضَمَّ فَرْخِهِ إلَيْهِ لِلتَّرْبِيَةِ خَفَضَ لَهُ جَناحَهُ، ولِهَذا السَّبَبِ صارَ خَفْضُ الجَناحِ كِنايَةً عَنْ حُسْنِ التَّرْبِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ لِلْوَلَدِ: اكْفُلْ والِدَيْكَ بِأنْ تَضُمَّهُما إلى نَفْسِكَ كَما فَعَلا ذَلِكَ بِكَ حالَ صِغَرِكَ. والثّانِي: أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ الطَّيَرانَ والِارْتِفاعَ نَشَرَ جَناحَهُ وإذا أرادَ تَرْكَ الطَّيَرانِ وتَرْكَ الِارْتِفاعِ خَفَضَ جَناحَهُ. فَصارَ خَفْضُ الجَناحِ كِنايَةً عَنْ فِعْلِ التَّواضُعِ مِن هَذا الوَجْهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أضافَ الجَناحَ إلى الذُّلِّ، والذُّلُّ لا جَناحَ لَهُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ أُضِيفَ الجَناحُ إلى الذُّلِّ كَما يُقالُ: حاتِمُ الجُودِ فَكَما أنَّ المُرادَ هُناكَ حاتِمٌ الجَوادُ فَكَذَلِكَ هَهُنا المُرادُ: واخْفِضْ لَهُما جَناحَكَ الذَّلِيلَ، أيِ المَذْلُولَ. والثّانِي: أنَّ مَدارَ الِاسْتِعارَةِ عَلى الخَيالاتِ فَهَهُنا تَخَيَّلَ لِلذُّلِّ جَناحًا وأثْبَتَ لِذَلِكَ الجَناحِ ضَعْفًا تَكْمِيلًا لِأمْرِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ كَما قالَ لَبِيدٌ: إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها فَأثْبَتَ لِلشَّمالِ يَدًا ووَضَعَ زِمامَها في يَدِ الشَّمالِ فَكَذا هَهُنا. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ مَعْناهُ: لِيَكُنْ خَفْضُ جَناحِكَ لَهُما بِسَبَبِ فَرْطِ رَحْمَتِكَ لَهُما وعَطْفِكَ عَلَيْهِما بِسَبَبِ كِبَرِهِما وضَعْفِهِما. والنَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ في تَعْلِيمِ البِرِّ بِالوالِدَيْنِ عَلى تَعْلِيمِ الأقْوالِ بَلْ أضافَ إلَيْهِ تَعْلِيمَ الأفْعالِ وهو أنْ يَدْعُوَ لَهُما بِالرَّحْمَةِ فَيَقُولُ: ﴿رَبِّي ارْحَمْهُما﴾ ولَفْظُ الرَّحْمَةِ جامِعٌ لِكُلِّ الخَيْراتِ في الدِّينِ والدُّنْيا. ثُمَّ يَقُولُ: ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ يُعَيِّنُ: رَبِّ افْعَلْ بِهِما هَذا النَّوْعَ مِنَ الإحْسانِ كَما أحْسَنا إلَيَّ في تَرْبِيَتِهِما إيّايَ، والتَّرْبِيَةُ هي التَّنْمِيَةُ، وهي مِن قَوْلِهِمْ رَبا الشَّيْءُ إذا انْتَفَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحج: ٥] . البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فَلا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ إذا كانا مُشْرِكَيْنِ، ولا يَقُولَ: رَبِّ ارْحَمْهُما. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، ولَكِنَّها مَخْصُوصَةٌ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، وهَذا أوْلى مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّ التَّخْصِيصَ أوْلى مِنَ النَّسْخِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ لا نَسْخَ ولا تَخْصِيصَ لِأنَّ الوالِدَيْنِ إذا كانا كافِرَيْنِ فَلَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُما بِالهِدايَةِ والإرْشادِ، وأنْ يَطْلُبَ الرَّحْمَةَ لَهُما بَعْدَ حُصُولِ الإيمانِ. البَحْثُ الثّالِثُ: ظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ أمْرٌ وظاهِرُ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ هَذا القَوْلِ مَرَّةً واحِدَةً، سُئِلَ سُفْيانُ: كَمْ يَدْعُو الإنْسانُ لِوالِدَيْهِ ؟ أفِي اليَوْمِ مَرَّةً أوْ في الشَّهْرِ أوْ في السَّنَةِ ؟ فَقالَ: نَرْجُو أنْ يُجَزِئَهُ إذا دَعا لَهُما في أواخِرِ التَّشَهُّداتِ كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَكانُوا يَرَوْنَ أنَّ التَّشَهُّدَ يُجْزِي عَنِ الصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وكَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فَهم يُكَرِّرُونَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ. صفحة ١٥٤ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ والمَعْنى أنّا قَدْ أمَرْناكم في هَذِهِ الآيَةِ بِإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى وبِالإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ، ولا يَخْفى عَلى اللَّهِ ما تُضْمِرُونَهُ في أنْفُسِكم مِنَ الإخْلاصِ في الطّاعَةِ وعَدَمِ الإخْلاصِ فِيها، فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما في نُفُوسِكم بَلْ هو أعْلَمُ بِتِلْكَ الأحْوالِ مِنكم بِها، لِأنَّ عُلُومَ البَشَرِ قَدْ يَخْتَلِطُ بِها السَّهْوُ والنِّسْيانُ وعَدَمُ الإحاطَةِ بِالكُلِّ، فَأمّا عِلْمُ اللَّهِ فَمُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِكُلِّ ما في قُلُوبِكم، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّحْذِيرُ عَنْ تَرْكِ الإخْلاصِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ بُرَآءَ عَنْ جِهاتِ الفَسادِ في أحْوالِ قُلُوبِكم كُنْتُمْ أوّابِينَ، أيْ: رَجّاعِينَ إلى اللَّهِ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ في كُلِّ الأعْمالِ، وسُنَّةُ اللَّهِ وحُكْمُهُ في الأوّابِينَ أنَّهُ غَفُورٌ لَهم يُكَفِّرُ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ، والأوّابُ هو الَّذِي مِن عادَتِهِ ودَيْدَنِهِ الرُّجُوعُ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى والِالتِجاءُ إلى فَضْلِهِ ولا يَلْتَجِئُ إلى شَفاعَةِ شَفِيعٍ كَما يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ جَمادًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ يَشْفَعُ لَهم، ولَفْظُ الأوّابِ عَلى وزْنِ فَعّالٍ، وهو يُفِيدُ المُداوَمَةَ والكَثْرَةَ كَقَوْلِهِمْ: قَتّالٌ وضَرّابٌ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الآيَةَ الأُولى لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ تَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ ثُمَّ إنَّ الوَلَدَ قَدْ يَظْهَرُ مِنهُ نادِرَةٌ مُخِلَّةٌ بِتَعْظِيمِهِما فَقالَ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأحْوالِ قُلُوبِكم، فَإنْ كانَتْ تِلْكَ الهَفْوَةُ لَيْسَتْ لِأجْلِ العُقُوقِ بَلْ ظَهَرَتْ بِمُقْتَضى الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ كانَتْ في مَحَلِّ الغُفْرانِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:25

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُ القائِلِ: لا تَقُلْ لِفُلانٍ أُفٍّ، مَثَلٌ يُضْرَبُ لِلْمَنعِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ وأذِيَّةٍ وإنْ خَفَّ وقَلَّ. واخْتَلَفَ الأُصُولِيُّونَ في أنَّ دَلالَةَ هَذا الَّفْظِ عَلى المَنعِ مِن سائِرِ أنْواعِ الإيذاءِ دَلالَةٌ لَفْظِيَّةٌ أوْ دَلالَةٌ مَفْهُومَةٌ بِمُقْتَضى القِياسِ. قالَ بَعْضُهم: إنَّها دَلالَةٌ لَفْظِيَّةٌ، لِأنَّ أهْلَ العُرْفِ إذا قالُوا: لا تَقُلْ لِفُلانٍ أُفٍّ عَنَوْا بِهِ أنَّهُ لا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الإيذاءِ والإيحاشِ، وجَرى هَذا مَجْرى قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ نَقِيرًا ولا قِطْمِيرًا في أنَّهُ بِحَسَبِ العُرْفِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا اللَّفْظَ إنَّما يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن سائِرِ أنْواعِ الإيذاءِ بِحَسَبِ القِياسِ الجَلِيِّ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الشَّرْعَ إذا نَصَّ عَلى حُكْمِ صُورَةٍ وسَكَتَ عَنْ حُكْمِ صُورَةٍ أُخْرى، فَإذا أرَدْنا إلْحاقَ الصُّورَةِ المَسْكُوتِ عَنْ حُكْمِها بِالصُّورَةِ المَذْكُورِ حُكْمُها فَهَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ثُبُوتُ ذَلِكَ الحُكْمِ في مَحَلِّ السُّكُوتِ أوْلى مِن ثُبُوتِهِ في مَحَلِّ الذِّكْرِ مِثْلَ هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإنَّ اللَّفْظَ إنَّما دَلَّ عَلى المَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ، والضَّرْبُ أوْلى بِالمَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في مَحَلِّ السُّكُوتِ مُساوِيًا لِلْحُكْمِ في مَحَلِّ الذِّكْرِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ الأُصُولِيُّونَ القِياسُ في مَعْنى الأصْلِ، وضَرَبُوا لِهَذا مَثَلًا وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ صفحة ١٥٢ السَّلامُ: ”«مَن أعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِن عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الباقِي» “ فَإنَّ الحُكْمَ في الأمَةِ والعَبْدِ مُتَساوِيانِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في مَحَلِّ السُّكُوتِ أخْفى مِنَ الحُكْمِ في مَحَلِّ الذِّكْرِ وهو أكْبَرُ القِياساتِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ إنَّما يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الضَّرْبِ بِواسِطَةِ القِياسِ الجَلِيِّ الَّذِي يَكُونُ مِن بابِ الِاسْتِدْلالِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ التَّأْفِيفَ غَيْرُ الضَّرْبِ، فالمَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ لا يَكُونُ مَنعًا مِنَ الضَّرْبِ، وأيْضًا المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ لا يَسْتَلْزِمُ المَنعَ مِنَ الضَّرْبِ عَقْلًا، لِأنَّ المَلِكَ الكَبِيرَ إذا أخَذَ مَلِكًا عَظِيمًا كانَ عَدُوًّا لَهُ، فَقَدْ يَقُولُ لِلْجَلّادِ إيّاكَ وأنْ تَسْتَخِفَّ بِهِ أوْ تُشافِهَهُ بِكَلِمَةٍ مُوحِشَةٍ لَكِنِ اضْرِبْ رَقَبَتَهُ، وإذا كانَ هَذا مَعْقُولًا في الجُمْلَةِ عَلِمْنا أنَّ المَنعَ مِنَ التَّأْفِيفِ مُغايِرٌ لِلْمَنعِ مِنَ الضَّرْبِ وغَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمَنعِ مِنَ الضَّرْبِ عَقْلًا في الجُمْلَةِ، إلّا أنّا عَلِمْنا في هَذِهِ الصُّورَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ فَكانَتْ دَلالَةُ المَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ عَلى المَنعِ مِنَ الضَّرْبِ مِن بابِ القِياسِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، واللَّهُ أعْلَمُ. النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى العِبادَ بِها في حَقِّ الأبَوَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ. قالَ تَعالى: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] . فَإنْ قِيلَ: المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الِانْتِهارِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلَمّا قَدَّمَ المَنعَ مِنَ التَّأْفِيفِ كانَ ذِكْرُ المَنعِ مِنَ الِانْتِهارِ بَعْدَهُ عَبَثًا. أمّا لَوْ فَرَضْنا أنَّهُ قَدَّمَ المَنعَ مِنَ الِانْتِهارِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالمَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ كانَ مُفِيدًا حَسَنًا، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ المَنعِ مِنَ الِانْتِهارِ المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ، فَما السَّبَبُ في رِعايَةِ هَذا التَّرْتِيبِ ؟ قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ المَنعُ مِن إظْهارِ الضَّجَرِ بِالقَلِيلِ أوِ الكَثِيرِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ المَنعُ مِن إظْهارِ المُخالَفَةِ في القَوْلِ عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ عَلَيْهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ. النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ الإنْسانَ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنْ ذِكْرِ القَوْلِ المُؤْذِي المُوحِشِ. والنَّهْيُ عَنِ القَوْلِ المُؤْذِي لا يَكُونُ أمْرًا بِالقَوْلِ الطَّيِّبِ، لا جَرَمَ أرْدَفَهُ بِأنْ أمَرَهُ بِالقَوْلِ الحَسَنِ والكَلامِ الطَّيِّبِ فَقالَ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ والمُرادُ مِنهُ أنْ يُخاطِبَهُ بِالكَلامِ المَقْرُونِ بِأماراتِ التَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو أنْ يَقُولَ لَهُ: يا أبَتاهُ يا أُمّاهُ، وسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ عَنِ القَوْلِ الكَرِيمِ فَقالَ: هو قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ، وعَنْ عَطاءٍ أنْ يُقالَ: هو أنْ تَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِشَرْطِ أنْ لا تَرْفَعَ عَلَيْهِما صَوْتَكَ ولا تَشُدَّ إلَيْهِما نَظَرَكَ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ يُنافِيانِ القَوْلَ الكَرِيمَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْظَمَ النّاسِ حِلْمًا وكَرَمًا وأدَبًا، فَكَيْفَ قالَ لِأبِيهِ يا آزَرُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: (وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرُ) بِالضَّمِّ: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] فَخاطَبَهُ بِالِاسْمِ وهو إيذاءٌ، ثُمَّ نَسَبَهُ ونَسَبَ قَوْمَهُ إلى الضَّلالِ وهو أعْظَمُ أنْواعِ الإيذاءِ ؟ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعالى مُقَدَّمٌ عَلى حَقِّ الأبَوَيْنِ، فَإقْدامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذَلِكَ الإيذاءِ إنَّما كانَ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلى حَقِّ الأبَوَيْنِ. النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّواضُعِ، وذَكَرَ صفحة ١٥٣ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَقْرِيرِهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ ضَمَّ فَرْخِهِ إلَيْهِ لِلتَّرْبِيَةِ خَفَضَ لَهُ جَناحَهُ، ولِهَذا السَّبَبِ صارَ خَفْضُ الجَناحِ كِنايَةً عَنْ حُسْنِ التَّرْبِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ لِلْوَلَدِ: اكْفُلْ والِدَيْكَ بِأنْ تَضُمَّهُما إلى نَفْسِكَ كَما فَعَلا ذَلِكَ بِكَ حالَ صِغَرِكَ. والثّانِي: أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ الطَّيَرانَ والِارْتِفاعَ نَشَرَ جَناحَهُ وإذا أرادَ تَرْكَ الطَّيَرانِ وتَرْكَ الِارْتِفاعِ خَفَضَ جَناحَهُ. فَصارَ خَفْضُ الجَناحِ كِنايَةً عَنْ فِعْلِ التَّواضُعِ مِن هَذا الوَجْهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أضافَ الجَناحَ إلى الذُّلِّ، والذُّلُّ لا جَناحَ لَهُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ أُضِيفَ الجَناحُ إلى الذُّلِّ كَما يُقالُ: حاتِمُ الجُودِ فَكَما أنَّ المُرادَ هُناكَ حاتِمٌ الجَوادُ فَكَذَلِكَ هَهُنا المُرادُ: واخْفِضْ لَهُما جَناحَكَ الذَّلِيلَ، أيِ المَذْلُولَ. والثّانِي: أنَّ مَدارَ الِاسْتِعارَةِ عَلى الخَيالاتِ فَهَهُنا تَخَيَّلَ لِلذُّلِّ جَناحًا وأثْبَتَ لِذَلِكَ الجَناحِ ضَعْفًا تَكْمِيلًا لِأمْرِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ كَما قالَ لَبِيدٌ: إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها فَأثْبَتَ لِلشَّمالِ يَدًا ووَضَعَ زِمامَها في يَدِ الشَّمالِ فَكَذا هَهُنا. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ مَعْناهُ: لِيَكُنْ خَفْضُ جَناحِكَ لَهُما بِسَبَبِ فَرْطِ رَحْمَتِكَ لَهُما وعَطْفِكَ عَلَيْهِما بِسَبَبِ كِبَرِهِما وضَعْفِهِما. والنَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ في تَعْلِيمِ البِرِّ بِالوالِدَيْنِ عَلى تَعْلِيمِ الأقْوالِ بَلْ أضافَ إلَيْهِ تَعْلِيمَ الأفْعالِ وهو أنْ يَدْعُوَ لَهُما بِالرَّحْمَةِ فَيَقُولُ: ﴿رَبِّي ارْحَمْهُما﴾ ولَفْظُ الرَّحْمَةِ جامِعٌ لِكُلِّ الخَيْراتِ في الدِّينِ والدُّنْيا. ثُمَّ يَقُولُ: ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ يُعَيِّنُ: رَبِّ افْعَلْ بِهِما هَذا النَّوْعَ مِنَ الإحْسانِ كَما أحْسَنا إلَيَّ في تَرْبِيَتِهِما إيّايَ، والتَّرْبِيَةُ هي التَّنْمِيَةُ، وهي مِن قَوْلِهِمْ رَبا الشَّيْءُ إذا انْتَفَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحج: ٥] . البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فَلا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ إذا كانا مُشْرِكَيْنِ، ولا يَقُولَ: رَبِّ ارْحَمْهُما. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، ولَكِنَّها مَخْصُوصَةٌ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، وهَذا أوْلى مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّ التَّخْصِيصَ أوْلى مِنَ النَّسْخِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ لا نَسْخَ ولا تَخْصِيصَ لِأنَّ الوالِدَيْنِ إذا كانا كافِرَيْنِ فَلَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُما بِالهِدايَةِ والإرْشادِ، وأنْ يَطْلُبَ الرَّحْمَةَ لَهُما بَعْدَ حُصُولِ الإيمانِ. البَحْثُ الثّالِثُ: ظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ أمْرٌ وظاهِرُ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ هَذا القَوْلِ مَرَّةً واحِدَةً، سُئِلَ سُفْيانُ: كَمْ يَدْعُو الإنْسانُ لِوالِدَيْهِ ؟ أفِي اليَوْمِ مَرَّةً أوْ في الشَّهْرِ أوْ في السَّنَةِ ؟ فَقالَ: نَرْجُو أنْ يُجَزِئَهُ إذا دَعا لَهُما في أواخِرِ التَّشَهُّداتِ كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَكانُوا يَرَوْنَ أنَّ التَّشَهُّدَ يُجْزِي عَنِ الصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وكَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فَهم يُكَرِّرُونَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ. صفحة ١٥٤ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ والمَعْنى أنّا قَدْ أمَرْناكم في هَذِهِ الآيَةِ بِإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى وبِالإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ، ولا يَخْفى عَلى اللَّهِ ما تُضْمِرُونَهُ في أنْفُسِكم مِنَ الإخْلاصِ في الطّاعَةِ وعَدَمِ الإخْلاصِ فِيها، فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما في نُفُوسِكم بَلْ هو أعْلَمُ بِتِلْكَ الأحْوالِ مِنكم بِها، لِأنَّ عُلُومَ البَشَرِ قَدْ يَخْتَلِطُ بِها السَّهْوُ والنِّسْيانُ وعَدَمُ الإحاطَةِ بِالكُلِّ، فَأمّا عِلْمُ اللَّهِ فَمُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِكُلِّ ما في قُلُوبِكم، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّحْذِيرُ عَنْ تَرْكِ الإخْلاصِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ بُرَآءَ عَنْ جِهاتِ الفَسادِ في أحْوالِ قُلُوبِكم كُنْتُمْ أوّابِينَ، أيْ: رَجّاعِينَ إلى اللَّهِ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ في كُلِّ الأعْمالِ، وسُنَّةُ اللَّهِ وحُكْمُهُ في الأوّابِينَ أنَّهُ غَفُورٌ لَهم يُكَفِّرُ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ، والأوّابُ هو الَّذِي مِن عادَتِهِ ودَيْدَنِهِ الرُّجُوعُ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى والِالتِجاءُ إلى فَضْلِهِ ولا يَلْتَجِئُ إلى شَفاعَةِ شَفِيعٍ كَما يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ جَمادًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ يَشْفَعُ لَهم، ولَفْظُ الأوّابِ عَلى وزْنِ فَعّالٍ، وهو يُفِيدُ المُداوَمَةَ والكَثْرَةَ كَقَوْلِهِمْ: قَتّالٌ وضَرّابٌ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الآيَةَ الأُولى لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ تَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ ثُمَّ إنَّ الوَلَدَ قَدْ يَظْهَرُ مِنهُ نادِرَةٌ مُخِلَّةٌ بِتَعْظِيمِهِما فَقالَ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأحْوالِ قُلُوبِكم، فَإنْ كانَتْ تِلْكَ الهَفْوَةُ لَيْسَتْ لِأجْلِ العُقُوقِ بَلْ ظَهَرَتْ بِمُقْتَضى الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ كانَتْ في مَحَلِّ الغُفْرانِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والطّاعَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآتِ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُؤْتِيَ أقارِبَهُ الحُقُوقَ الَّتِي وجَبَتْ لَهم في الفَيْءِ والغَنِيمَةِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ أيْضًا إخْراجَ حَقِّ المَساكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ أيْضًا مِن هَذَيْنِ المِثالَيْنِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُلِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] والمَعْنى: أنَّكَ بَعْدَ فَراغِكَ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ، يَجِبُ أنْ تَشْتَغِلَ بِبِرِّ سائِرِ الأقارِبِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، ثُمَّ بِإصْلاحِ أحْوالِ المَساكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ مُجْمَلٌ ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الحَقَّ ما هو ؟ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يَجِبُ الإنْفاقُ إلّا عَلى الوَلَدِ والوالِدَيْنِ، وقالَ قَوْمٌ: يَجِبُ الإنْفاقُ عَلى المَحارِمِ بِقَدْرِ صفحة ١٥٥ الحاجَةِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ المَحارِمِ كَأبْناءِ العَمِّ فَلا حَقَّ لَهم إلّا المُوادَّةُ والزِّيارَةُ وحُسْنُ المُعاشَرَةِ والمُؤالَفَةُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. أمّا المِسْكِينُ وابْنُ السَّبِيلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ وصْفُهُما في سُورَةِ التَّوْبَةِ في تَفْسِيرِ آيَةِ الزَّكاةِ. ويَجِبُ أنْ يُدْفَعَ إلى المِسْكِينِ ما يَفِي بِقُوتِهِ وقُوتِ عِيالِهِ، وأنْ يُدْفَعَ إلى ابْنِ السَّبِيلِ ما يَكْفِيهِ مِن زادِهِ وراحِلَتِهِ إلى أنْ يَبْلُغَ مَقْصِدَهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ والتَّبْذِيرُ في اللُّغَةِ إفْسادُ المالِ وإنْفاقُهُ في السَّرَفِ. قالَ عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ: كُنْتُ أطُوفُ في المَساجِدِ مَعَ مُجاهِدٍ حَوْلَ الكَعْبَةِ فَرَفَعَ رَأسَهُ إلى أبِي قُبَيْسٍ وقالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا أنْفَقَ مِثْلَ هَذا في طاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُسْرِفِينَ، ولَوْ أنْفَقَ دِرْهَمًا واحِدًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ كانَ مِنَ المُسْرِفِينَ. وأنْفَقَ بَعْضُهم نَفَقَةً في خَيْرٍ فَأكْثَرَ فَقِيلَ لَهُ لا خَيْرَ في السَّرَفِ فَقالَ: لا سَرَفَ في الخَيْرِ، وعَنْعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَعْدٍ وهو يَتَوَضَّأُ فَقالَ: ما هَذا السَّرَفُ يا سَعْدُ ؟ فَقالَ: أوَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قالَ: نَعَمْ: وإنْ كُنْتَ عَلى نَهْرٍ جارٍ»، ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى قُبْحِ التَّبْذِيرِ بِإضافَتِهِ إيّاهُ إلى أفْعالِ الشَّياطِينِ فَقالَ: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ والمُرادُ مِن هَذِهِ الأُخُوَّةِ التَّشَبُّهُ بِهِمْ في هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ يُسَمُّونَ المُلازِمَ لِلشَّيْءِ أخًا لَهُ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ أخُو الكَرَمِ والجُودِ، وأخُو السَّفَرِ إذا كانَ مُواظِبًا عَلى هَذِهِ الأعْمالِ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أيْ: قُرَناءَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وقالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: قُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ صِفَةَ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] ومَعْنى كَوْنِ الشَّيْطانِ كَفُورًا لِرَبِّهِ، هو أنَّهُ يَسْتَعْمِلُ بَدَنَهُ في المَعاصِي والإفْسادِ في الأرْضِ، والإضْلالِ لِلنّاسِ. وكَذَلِكَ كُلُّ مَن رَزَقَهُ اللَّهَ تَعالى مالًا أوْ جاهًا فَصَرَفَهُ إلى غَيْرِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى كانَ كَفُورًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ: أنَّ المُبَذِّرِينَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، بِمَعْنى كَوْنِهِمْ مُوافِقِينَ لِلشَّياطِينِ في الصِّفَةِ والفِعْلِ، ثُمَّ الشَّيْطانُ كَفُورٌ لِرَبِّهِ فَيَلْزَمُ كَوْنُ المُبَذِّرِ أيْضًا كَفُورًا لِرَبِّهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَرَجَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وفْقِ عادَةِ العَرَبِ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَجْمَعُونَ الأمْوالَ بِالنَّهْبِ والغارَةِ ثُمَّ كانُوا يُنْفِقُونَها في طَلَبِ الخُيَلاءِ والتَّفاخُرِ، وكانَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا النّاسَ عَنِ الإسْلامِ وتَوْهِينِ أهْلِهِ وإعانَةِ أعْدائِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ أعْمالِهِمْ في هَذا البابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ والمَعْنى: أنَّكَ إنْ أعْرَضْتَ عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَياءً مِنَ التَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ بِسَبَبِ الفَقْرِ والقِلَّةِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ أيْ: سَهْلًا لَيِّنًا، وقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ كِنايَةٌ عَنِ الفَقْرِ، لِأنَّ فاقِدَ المالِ يَطْلُبُ رَحْمَةَ اللَّهِ وإحْسانَهُ. فَلَمّا كانَ فَقْدُ المالِ سَبَبًا لِهَذا الطَّلَبِ ولِهَذا الِابْتِغاءِ أطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ فَسَمّى الفَقْرَ بِابْتِغاءِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنَّ عِنْدَ حُصُولِ الفَقْرِ والقِلَّةِ لا تَتْرُكْ تَعَهُّدَهم بِالقَوْلِ الجَمِيلِ والكَلامِ الحَسَنِ، بَلْ تَعِدُهم بِالوَعْدِ الجَمِيلِ وتَذْكُرُ لَهُمُ العُذْرَ وهو حُصُولُ القِلَّةِ وعَدَمِ المالِ، أوْ تَقُولُ لَهم: اللَّهُ يُسَهِّلُ، وفي تَفْسِيرِ القَوْلِ المَيْسُورِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: القَوْلُ المَيْسُورُ هو الرَّدُّ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ. والثّانِي: القَوْلُ المَيْسُورُ اللَّيِّنُ السَّهْلُ قالَ الكِسائِيُّ: يَسَّرْتُ أُيَسِّرُ لَهُ القَوْلَ أيْ: لَيَّنْتُهُ لَهُ. الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: القَوْلُ المَيْسُورُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣] قالُوا: والمَيْسُورُ هو المَعْرُوفُ، لِأنَّ القَوْلَ المُتَعارَفَ لا يُحْوِجُ إلى تَكَلُّفٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والطّاعَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآتِ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُؤْتِيَ أقارِبَهُ الحُقُوقَ الَّتِي وجَبَتْ لَهم في الفَيْءِ والغَنِيمَةِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ أيْضًا إخْراجَ حَقِّ المَساكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ أيْضًا مِن هَذَيْنِ المِثالَيْنِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُلِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] والمَعْنى: أنَّكَ بَعْدَ فَراغِكَ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ، يَجِبُ أنْ تَشْتَغِلَ بِبِرِّ سائِرِ الأقارِبِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، ثُمَّ بِإصْلاحِ أحْوالِ المَساكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ مُجْمَلٌ ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الحَقَّ ما هو ؟ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يَجِبُ الإنْفاقُ إلّا عَلى الوَلَدِ والوالِدَيْنِ، وقالَ قَوْمٌ: يَجِبُ الإنْفاقُ عَلى المَحارِمِ بِقَدْرِ صفحة ١٥٥ الحاجَةِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ المَحارِمِ كَأبْناءِ العَمِّ فَلا حَقَّ لَهم إلّا المُوادَّةُ والزِّيارَةُ وحُسْنُ المُعاشَرَةِ والمُؤالَفَةُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. أمّا المِسْكِينُ وابْنُ السَّبِيلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ وصْفُهُما في سُورَةِ التَّوْبَةِ في تَفْسِيرِ آيَةِ الزَّكاةِ. ويَجِبُ أنْ يُدْفَعَ إلى المِسْكِينِ ما يَفِي بِقُوتِهِ وقُوتِ عِيالِهِ، وأنْ يُدْفَعَ إلى ابْنِ السَّبِيلِ ما يَكْفِيهِ مِن زادِهِ وراحِلَتِهِ إلى أنْ يَبْلُغَ مَقْصِدَهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ والتَّبْذِيرُ في اللُّغَةِ إفْسادُ المالِ وإنْفاقُهُ في السَّرَفِ. قالَ عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ: كُنْتُ أطُوفُ في المَساجِدِ مَعَ مُجاهِدٍ حَوْلَ الكَعْبَةِ فَرَفَعَ رَأسَهُ إلى أبِي قُبَيْسٍ وقالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا أنْفَقَ مِثْلَ هَذا في طاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُسْرِفِينَ، ولَوْ أنْفَقَ دِرْهَمًا واحِدًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ كانَ مِنَ المُسْرِفِينَ. وأنْفَقَ بَعْضُهم نَفَقَةً في خَيْرٍ فَأكْثَرَ فَقِيلَ لَهُ لا خَيْرَ في السَّرَفِ فَقالَ: لا سَرَفَ في الخَيْرِ، وعَنْعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَعْدٍ وهو يَتَوَضَّأُ فَقالَ: ما هَذا السَّرَفُ يا سَعْدُ ؟ فَقالَ: أوَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قالَ: نَعَمْ: وإنْ كُنْتَ عَلى نَهْرٍ جارٍ»، ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى قُبْحِ التَّبْذِيرِ بِإضافَتِهِ إيّاهُ إلى أفْعالِ الشَّياطِينِ فَقالَ: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ والمُرادُ مِن هَذِهِ الأُخُوَّةِ التَّشَبُّهُ بِهِمْ في هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ يُسَمُّونَ المُلازِمَ لِلشَّيْءِ أخًا لَهُ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ أخُو الكَرَمِ والجُودِ، وأخُو السَّفَرِ إذا كانَ مُواظِبًا عَلى هَذِهِ الأعْمالِ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أيْ: قُرَناءَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وقالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: قُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ صِفَةَ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] ومَعْنى كَوْنِ الشَّيْطانِ كَفُورًا لِرَبِّهِ، هو أنَّهُ يَسْتَعْمِلُ بَدَنَهُ في المَعاصِي والإفْسادِ في الأرْضِ، والإضْلالِ لِلنّاسِ. وكَذَلِكَ كُلُّ مَن رَزَقَهُ اللَّهَ تَعالى مالًا أوْ جاهًا فَصَرَفَهُ إلى غَيْرِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى كانَ كَفُورًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ: أنَّ المُبَذِّرِينَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، بِمَعْنى كَوْنِهِمْ مُوافِقِينَ لِلشَّياطِينِ في الصِّفَةِ والفِعْلِ، ثُمَّ الشَّيْطانُ كَفُورٌ لِرَبِّهِ فَيَلْزَمُ كَوْنُ المُبَذِّرِ أيْضًا كَفُورًا لِرَبِّهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَرَجَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وفْقِ عادَةِ العَرَبِ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَجْمَعُونَ الأمْوالَ بِالنَّهْبِ والغارَةِ ثُمَّ كانُوا يُنْفِقُونَها في طَلَبِ الخُيَلاءِ والتَّفاخُرِ، وكانَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا النّاسَ عَنِ الإسْلامِ وتَوْهِينِ أهْلِهِ وإعانَةِ أعْدائِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ أعْمالِهِمْ في هَذا البابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ والمَعْنى: أنَّكَ إنْ أعْرَضْتَ عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَياءً مِنَ التَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ بِسَبَبِ الفَقْرِ والقِلَّةِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ أيْ: سَهْلًا لَيِّنًا، وقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ كِنايَةٌ عَنِ الفَقْرِ، لِأنَّ فاقِدَ المالِ يَطْلُبُ رَحْمَةَ اللَّهِ وإحْسانَهُ. فَلَمّا كانَ فَقْدُ المالِ سَبَبًا لِهَذا الطَّلَبِ ولِهَذا الِابْتِغاءِ أطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ فَسَمّى الفَقْرَ بِابْتِغاءِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنَّ عِنْدَ حُصُولِ الفَقْرِ والقِلَّةِ لا تَتْرُكْ تَعَهُّدَهم بِالقَوْلِ الجَمِيلِ والكَلامِ الحَسَنِ، بَلْ تَعِدُهم بِالوَعْدِ الجَمِيلِ وتَذْكُرُ لَهُمُ العُذْرَ وهو حُصُولُ القِلَّةِ وعَدَمِ المالِ، أوْ تَقُولُ لَهم: اللَّهُ يُسَهِّلُ، وفي تَفْسِيرِ القَوْلِ المَيْسُورِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: القَوْلُ المَيْسُورُ هو الرَّدُّ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ. والثّانِي: القَوْلُ المَيْسُورُ اللَّيِّنُ السَّهْلُ قالَ الكِسائِيُّ: يَسَّرْتُ أُيَسِّرُ لَهُ القَوْلَ أيْ: لَيَّنْتُهُ لَهُ. الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: القَوْلُ المَيْسُورُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣] قالُوا: والمَيْسُورُ هو المَعْرُوفُ، لِأنَّ القَوْلَ المُتَعارَفَ لا يُحْوِجُ إلى تَكَلُّفٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والطّاعَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآتِ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُؤْتِيَ أقارِبَهُ الحُقُوقَ الَّتِي وجَبَتْ لَهم في الفَيْءِ والغَنِيمَةِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ أيْضًا إخْراجَ حَقِّ المَساكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ أيْضًا مِن هَذَيْنِ المِثالَيْنِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُلِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] والمَعْنى: أنَّكَ بَعْدَ فَراغِكَ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ، يَجِبُ أنْ تَشْتَغِلَ بِبِرِّ سائِرِ الأقارِبِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، ثُمَّ بِإصْلاحِ أحْوالِ المَساكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ مُجْمَلٌ ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الحَقَّ ما هو ؟ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يَجِبُ الإنْفاقُ إلّا عَلى الوَلَدِ والوالِدَيْنِ، وقالَ قَوْمٌ: يَجِبُ الإنْفاقُ عَلى المَحارِمِ بِقَدْرِ صفحة ١٥٥ الحاجَةِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ المَحارِمِ كَأبْناءِ العَمِّ فَلا حَقَّ لَهم إلّا المُوادَّةُ والزِّيارَةُ وحُسْنُ المُعاشَرَةِ والمُؤالَفَةُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. أمّا المِسْكِينُ وابْنُ السَّبِيلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ وصْفُهُما في سُورَةِ التَّوْبَةِ في تَفْسِيرِ آيَةِ الزَّكاةِ. ويَجِبُ أنْ يُدْفَعَ إلى المِسْكِينِ ما يَفِي بِقُوتِهِ وقُوتِ عِيالِهِ، وأنْ يُدْفَعَ إلى ابْنِ السَّبِيلِ ما يَكْفِيهِ مِن زادِهِ وراحِلَتِهِ إلى أنْ يَبْلُغَ مَقْصِدَهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ والتَّبْذِيرُ في اللُّغَةِ إفْسادُ المالِ وإنْفاقُهُ في السَّرَفِ. قالَ عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ: كُنْتُ أطُوفُ في المَساجِدِ مَعَ مُجاهِدٍ حَوْلَ الكَعْبَةِ فَرَفَعَ رَأسَهُ إلى أبِي قُبَيْسٍ وقالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا أنْفَقَ مِثْلَ هَذا في طاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُسْرِفِينَ، ولَوْ أنْفَقَ دِرْهَمًا واحِدًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ كانَ مِنَ المُسْرِفِينَ. وأنْفَقَ بَعْضُهم نَفَقَةً في خَيْرٍ فَأكْثَرَ فَقِيلَ لَهُ لا خَيْرَ في السَّرَفِ فَقالَ: لا سَرَفَ في الخَيْرِ، وعَنْعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَعْدٍ وهو يَتَوَضَّأُ فَقالَ: ما هَذا السَّرَفُ يا سَعْدُ ؟ فَقالَ: أوَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قالَ: نَعَمْ: وإنْ كُنْتَ عَلى نَهْرٍ جارٍ»، ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى قُبْحِ التَّبْذِيرِ بِإضافَتِهِ إيّاهُ إلى أفْعالِ الشَّياطِينِ فَقالَ: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ والمُرادُ مِن هَذِهِ الأُخُوَّةِ التَّشَبُّهُ بِهِمْ في هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ يُسَمُّونَ المُلازِمَ لِلشَّيْءِ أخًا لَهُ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ أخُو الكَرَمِ والجُودِ، وأخُو السَّفَرِ إذا كانَ مُواظِبًا عَلى هَذِهِ الأعْمالِ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أيْ: قُرَناءَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وقالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: قُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ صِفَةَ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] ومَعْنى كَوْنِ الشَّيْطانِ كَفُورًا لِرَبِّهِ، هو أنَّهُ يَسْتَعْمِلُ بَدَنَهُ في المَعاصِي والإفْسادِ في الأرْضِ، والإضْلالِ لِلنّاسِ. وكَذَلِكَ كُلُّ مَن رَزَقَهُ اللَّهَ تَعالى مالًا أوْ جاهًا فَصَرَفَهُ إلى غَيْرِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى كانَ كَفُورًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ: أنَّ المُبَذِّرِينَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، بِمَعْنى كَوْنِهِمْ مُوافِقِينَ لِلشَّياطِينِ في الصِّفَةِ والفِعْلِ، ثُمَّ الشَّيْطانُ كَفُورٌ لِرَبِّهِ فَيَلْزَمُ كَوْنُ المُبَذِّرِ أيْضًا كَفُورًا لِرَبِّهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَرَجَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وفْقِ عادَةِ العَرَبِ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَجْمَعُونَ الأمْوالَ بِالنَّهْبِ والغارَةِ ثُمَّ كانُوا يُنْفِقُونَها في طَلَبِ الخُيَلاءِ والتَّفاخُرِ، وكانَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا النّاسَ عَنِ الإسْلامِ وتَوْهِينِ أهْلِهِ وإعانَةِ أعْدائِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ أعْمالِهِمْ في هَذا البابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ والمَعْنى: أنَّكَ إنْ أعْرَضْتَ عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَياءً مِنَ التَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ بِسَبَبِ الفَقْرِ والقِلَّةِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ أيْ: سَهْلًا لَيِّنًا، وقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ كِنايَةٌ عَنِ الفَقْرِ، لِأنَّ فاقِدَ المالِ يَطْلُبُ رَحْمَةَ اللَّهِ وإحْسانَهُ. فَلَمّا كانَ فَقْدُ المالِ سَبَبًا لِهَذا الطَّلَبِ ولِهَذا الِابْتِغاءِ أطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ فَسَمّى الفَقْرَ بِابْتِغاءِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنَّ عِنْدَ حُصُولِ الفَقْرِ والقِلَّةِ لا تَتْرُكْ تَعَهُّدَهم بِالقَوْلِ الجَمِيلِ والكَلامِ الحَسَنِ، بَلْ تَعِدُهم بِالوَعْدِ الجَمِيلِ وتَذْكُرُ لَهُمُ العُذْرَ وهو حُصُولُ القِلَّةِ وعَدَمِ المالِ، أوْ تَقُولُ لَهم: اللَّهُ يُسَهِّلُ، وفي تَفْسِيرِ القَوْلِ المَيْسُورِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: القَوْلُ المَيْسُورُ هو الرَّدُّ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ. والثّانِي: القَوْلُ المَيْسُورُ اللَّيِّنُ السَّهْلُ قالَ الكِسائِيُّ: يَسَّرْتُ أُيَسِّرُ لَهُ القَوْلَ أيْ: لَيَّنْتُهُ لَهُ. الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: القَوْلُ المَيْسُورُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣] قالُوا: والمَيْسُورُ هو المَعْرُوفُ، لِأنَّ القَوْلَ المُتَعارَفَ لا يُحْوِجُ إلى تَكَلُّفٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالإنْفاقِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَّمَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أدَبَ الإنْفاقِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَرَحَ وصْفَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ في الإنْفاقِ في سُورَةِ الفُرْقانِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فَهَهُنا أمَرَ رَسُولَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الوَصْفِ فَقالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ أيْ: لا تُمْسِكْ عَنِ الإنْفاقِ بِحَيْثُ تُضَيِّقُ عَلى نَفْسِكَ وأهْلِكَ في وُجُوهِ صِلَةِ الرَّحِمِ وسَبِيلِ الخَيْراتِ، والمَعْنى: لا تَجْعَلْ يَدَكَ في انْقِباضِها كالمَغْلُولَةِ المَمْنُوعَةِ مِنَ الِانْبِساطِ: ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ أيْ: ولا تَتَوَسَّعْ في الإنْفاقِ تَوَسُّعًا مُفْرِطًا بِحَيْثُ لا يَبْقى في يَدِكَ شَيْءٌ. وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ الحُكَماءَ ذَكَرُوا في كُتُبِ ”الأخْلاقِ“ أنَّ لِكُلِّ خُلُقٍ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ وهُما مَذْمُومانِ، فالبُخْلُ إفْراطٌ في الإمْساكِ، والتَّبْذِيرُ إفْراطٌ في الإنْفاقِ وهُما مَذْمُومانِ، والخُلُقُ الفاضِلُ هو العَدْلُ والوَسَطُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ أمّا تَفْسِيرُ (تَقْعُدَ)، فَقَدْ سَبَقَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وأمّا كَوْنُهُ مَلُومًا فَلِأنَّهُ يَلُومُ نَفْسَهُ. وأصْحابُهُ أيْضًا يَلُومُونَهُ عَلى تَضْيِيعِ المالِ بِالكُلِّيَّةِ وإبْقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ في الضُّرِّ والمِحْنَةِ، وأمّا كَوْنُهُ مَحْسُورًا فَقالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ لِلْبَعِيرِ: هو مَحْسُورٌ إذا انْقَطَعَ سَيْرُهُ وحَسَرْتُ الدّابَّةَ إذا سَيَّرَها حَتّى يَنْقَطِعَ سَيْرُها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] وجَمْعُ الحَسِيرِ حَسْرى مِثْلُ قَتْلى وصَرْعى، وقالَ القَفّالُ: المَقْصُودُ تَشْبِيهُ حالِ مَن أنْفَقَ كُلَّ مالِهِ ونَفَقاتِهِ بِمَنِ انْقَطَعَ في سَفَرِهِ بِسَبَبِ انْقِطاعِ مَطِيَّتِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ المِقْدارَ مِنَ المالِ كَأنَّهُ مَطِيَّةٌ يَحْمِلُ الإنْسانَ ويُبَلِّغُهُ إلى آخِرِ الشَّهْرِ أوِ السَّنَةِ، كَما أنَّ ذَلِكَ البَعِيرَ يَحْمِلُهُ ويُبَلِّغُهُ إلى آخِرِ المَنزِلِ فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ البَعِيرُ بَقِيَ في وسَطِ الطَّرِيقِ عاجِزًا مُتَحَيِّرًا، فَكَذَلِكَ إذا أنْفَقَ الإنْسانُ مِقْدارَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في مُدَّةِ شَهْرٍ بَقِيَ في وسَطِ ذَلِكَ الشَّهْرِ عاجِزًا مُتَحَيِّرًا، ومَن فَعَلَ هَذا لَحِقَهُ اللَّوْمُ مِن أهْلِهِ والمُحْتاجِينَ إلى إنْفاقِهِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ سُوءِ تَدْبِيرِهِ وتَرْكِ الحَزْمِ في مُهِمّاتِ مَعاشِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ عَرَّفَ رَسُولَهُ ﷺ كَوْنَهُ رَبًّا. والرَّبُّ هو الَّذِي يُرَبِّي المَرْبُوبَ ويَقُومُ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ ودَفْعِ حاجاتِهِ عَلى مِقْدارِ الصَّلاحِ والصَّوابِ فَيُوَسِّعُ الرِّزْقَ عَلى البَعْضِ ويُضَيِّقُهُ عَلى البَعْضِ. والقَدْرُ في اللُّغَةِ التَّضْيِيقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ: ضَيَّقَ وإنَّما وسَّعَ عَلى البَعْضِ لِأنَّ ذَلِكَ هو الصَّلاحُ لَهم قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأنَّ مَصْلَحَةَ كُلِّ إنْسانٍ في أنْ لا صفحة ١٥٧ يُعْطِيَهُ إلّا ذَلِكَ القَدْرَ، فالتَّفاوُتُ في أرْزاقِ العِبادِ لَيْسَ لِأجْلِ البُخْلِ، بَلْ لِأجْلِ رِعايَةِ المَصالِحِ.

الإسراء 17:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالإنْفاقِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَّمَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أدَبَ الإنْفاقِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَرَحَ وصْفَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ في الإنْفاقِ في سُورَةِ الفُرْقانِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فَهَهُنا أمَرَ رَسُولَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الوَصْفِ فَقالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ أيْ: لا تُمْسِكْ عَنِ الإنْفاقِ بِحَيْثُ تُضَيِّقُ عَلى نَفْسِكَ وأهْلِكَ في وُجُوهِ صِلَةِ الرَّحِمِ وسَبِيلِ الخَيْراتِ، والمَعْنى: لا تَجْعَلْ يَدَكَ في انْقِباضِها كالمَغْلُولَةِ المَمْنُوعَةِ مِنَ الِانْبِساطِ: ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ أيْ: ولا تَتَوَسَّعْ في الإنْفاقِ تَوَسُّعًا مُفْرِطًا بِحَيْثُ لا يَبْقى في يَدِكَ شَيْءٌ. وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ الحُكَماءَ ذَكَرُوا في كُتُبِ ”الأخْلاقِ“ أنَّ لِكُلِّ خُلُقٍ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ وهُما مَذْمُومانِ، فالبُخْلُ إفْراطٌ في الإمْساكِ، والتَّبْذِيرُ إفْراطٌ في الإنْفاقِ وهُما مَذْمُومانِ، والخُلُقُ الفاضِلُ هو العَدْلُ والوَسَطُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ أمّا تَفْسِيرُ (تَقْعُدَ)، فَقَدْ سَبَقَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وأمّا كَوْنُهُ مَلُومًا فَلِأنَّهُ يَلُومُ نَفْسَهُ. وأصْحابُهُ أيْضًا يَلُومُونَهُ عَلى تَضْيِيعِ المالِ بِالكُلِّيَّةِ وإبْقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ في الضُّرِّ والمِحْنَةِ، وأمّا كَوْنُهُ مَحْسُورًا فَقالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ لِلْبَعِيرِ: هو مَحْسُورٌ إذا انْقَطَعَ سَيْرُهُ وحَسَرْتُ الدّابَّةَ إذا سَيَّرَها حَتّى يَنْقَطِعَ سَيْرُها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] وجَمْعُ الحَسِيرِ حَسْرى مِثْلُ قَتْلى وصَرْعى، وقالَ القَفّالُ: المَقْصُودُ تَشْبِيهُ حالِ مَن أنْفَقَ كُلَّ مالِهِ ونَفَقاتِهِ بِمَنِ انْقَطَعَ في سَفَرِهِ بِسَبَبِ انْقِطاعِ مَطِيَّتِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ المِقْدارَ مِنَ المالِ كَأنَّهُ مَطِيَّةٌ يَحْمِلُ الإنْسانَ ويُبَلِّغُهُ إلى آخِرِ الشَّهْرِ أوِ السَّنَةِ، كَما أنَّ ذَلِكَ البَعِيرَ يَحْمِلُهُ ويُبَلِّغُهُ إلى آخِرِ المَنزِلِ فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ البَعِيرُ بَقِيَ في وسَطِ الطَّرِيقِ عاجِزًا مُتَحَيِّرًا، فَكَذَلِكَ إذا أنْفَقَ الإنْسانُ مِقْدارَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في مُدَّةِ شَهْرٍ بَقِيَ في وسَطِ ذَلِكَ الشَّهْرِ عاجِزًا مُتَحَيِّرًا، ومَن فَعَلَ هَذا لَحِقَهُ اللَّوْمُ مِن أهْلِهِ والمُحْتاجِينَ إلى إنْفاقِهِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ سُوءِ تَدْبِيرِهِ وتَرْكِ الحَزْمِ في مُهِمّاتِ مَعاشِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ عَرَّفَ رَسُولَهُ ﷺ كَوْنَهُ رَبًّا. والرَّبُّ هو الَّذِي يُرَبِّي المَرْبُوبَ ويَقُومُ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ ودَفْعِ حاجاتِهِ عَلى مِقْدارِ الصَّلاحِ والصَّوابِ فَيُوَسِّعُ الرِّزْقَ عَلى البَعْضِ ويُضَيِّقُهُ عَلى البَعْضِ. والقَدْرُ في اللُّغَةِ التَّضْيِيقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ: ضَيَّقَ وإنَّما وسَّعَ عَلى البَعْضِ لِأنَّ ذَلِكَ هو الصَّلاحُ لَهم قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأنَّ مَصْلَحَةَ كُلِّ إنْسانٍ في أنْ لا صفحة ١٥٧ يُعْطِيَهُ إلّا ذَلِكَ القَدْرَ، فالتَّفاوُتُ في أرْزاقِ العِبادِ لَيْسَ لِأجْلِ البُخْلِ، بَلْ لِأجْلِ رِعايَةِ المَصالِحِ.

الإسراء 17:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ . هَذا هو النَّوْعُ الخامِسُ مِنَ الطّاعاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ وُجُوهٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ هو المُتَكَفِّلُ بِأرْزاقِ العِبادِ حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ . الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلَّمَ كَيْفِيَّةَ البِرِّ بِالوالِدَيْنِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفِيَّةَ البِرِّ بِالأوْلادِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنَّ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ بِالأبْرارِ إنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم بَرُّوا الآباءَ والأبْناءَ وإنَّما وجَبَ بِرُّ الآباءِ مُكافَأةً عَلى ما صَدَرَ مِنهُما مِن أنْواعِ البِرِّ بِالأوْلادِ. وإنَّما وجَبَ البِرُّ بِالأوْلادِ لِأنَّهم في غايَةِ الضَّعْفِ ولا كافِلَ لَهم غَيْرُ الوالِدَيْنِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ امْتِناعَ الأوْلادِ مِنَ البِرِّ بِالآباءِ يُوجِبُ خَرابَ العالَمِ، لِأنَّ الآباءَ إذا عَلِمُوا ذَلِكَ قَلَّتْ رَغْبَتُهم في تَرْبِيَةِ الأوْلادِ، فَيَلْزَمُ خَرابُ العالَمِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْناهُ، فَثَبَتَ أنَّ عِمارَةَ العالَمِ إنَّما تَحْصُلُ إذا حَصَلَتِ المَبَرَّةُ بَيْنَ الآباءِ والأوْلادِ مِنَ الجانِبَيْنِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَتْلَ الأوْلادِ إنْ كانَ لِخَوْفِ الفَقْرِ فَهو سُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ، وإنْ كانَ لِأجْلِ الغَيْرَةِ عَلى البَناتِ فَهو سَعْيٌ في تَخْرِيبِ العالَمِ، فالأوَّلُ ضِدُّ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وكِلاهُما مَذْمُومٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَرابَةَ الأوْلادِ قَرابَةُ الجُزْئِيَّةِ والبَعْضِيَّةِ، وهي مِن أعْظَمِ المُوجِباتِ لِلْمَحَبَّةِ. فَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ المُحِبَّةُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى غِلَظٍ شَدِيدٍ في الرُّوحِ، وقَسْوَةٍ في القَلْبِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، فَرَغَّبَ اللَّهُ في الإحْسانِ إلى الأوْلادِ إزالَةً لِهَذِهِ الخَصْلَةِ الذَّمِيمَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العَرَبُ كانُوا يَقْتُلُونَ البَناتَ لِعَجْزِ البَناتِ عَنِ الكَسْبِ، وقُدْرَةِ البَنِينَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى النَّهْبِ والغارَةِ، وأيْضًا كانُوا يَخافُونَ أنَّ فَقْرَها يُنَفِّرُ كُفُؤَها عَنِ الرَّغْبَةِ فِيها فَيَحْتاجُونَ إلى إنْكاحِها مِن غَيْرِ الأكْفاءِ، وفي ذَلِكَ عارٌ شَدِيدٌ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ وهَذا لَفْظٌ عامٌّ لِلذُّكُورِ والإناثِ، والمَعْنى: أنَّ المُوجِبَ لِلرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ هو كَوْنُهُ ولَدًا، وهَذا المَعْنى وصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الذُّكُورِ وبَيْنَ الإناثِ. وأمّا ما يُخافُ مِنَ الفَقْرِ مِنَ البَناتِ فَقَدْ يُخافُ مِثْلُهُ في الذُّكُورِ في حالِ الصِّغَرِ، وقَدْ يُخافُ أيْضًا في العاجِزِينَ مِنَ البَنِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ يَعْنِي: أنَّ الأرْزاقَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى فَكَما أنَّهُ تَعالى فَتَحَ أبْوابَ الرِّزْقِ عَلى الرِّجالِ، فَكَذَلِكَ يَفْتَحُ أبْوابَ الرِّزْقِ عَلى النِّساءِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الجُمْهُورُ قَرَءُوا ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أيْ: إثْمًا كَبِيرًا يُقالُ خَطِئَ يَخْطَأُ خِطْئًا مِثْلَ صفحة ١٥٨ يَأْثَمُ إثْمًا؛ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] أيْ: آثِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (خَطَأً) بِالفَتْحِ يُقالُ: أخْطَأ يُخْطِئُ إخْطاءً وخَطَأً إذا أتى بِما لا يَنْبَغِي مِن غَيْرِ قَصْدٍ، ويَكُونُ الخَطَأُ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ قَتْلَهم لَيْسَ بِصَوابٍ. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”خِطاءً“ بِكَسْرِ الخاءِ مَمْدُودَةً ولَعَلَّهُما لُغَتانِ مِثْلَ دَفْعٍ ودِفاعٍ ولُبْسٍ ولِباسٍ.

الإسراء 17:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالأشْياءِ الخَمْسَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى شَيْئَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، أتْبَعَها بِذِكْرِ النَّهْيِ عَنْ أشْياءَ: أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى نَهى عَنِ الزِّنا فَقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ قالَ القَفّالُ: إذا قِيلَ لِلْإنْسانِ لا تَقْرَبُوا هَذا، فَهَذا آكَدُ مِن أنْ يَقُولَ لَهُ لا تَفْعَلْهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ هَذا النَّهْيَ بِكَوْنِهِ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا. واعْلَمْ أنَّ النّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَعالى إذا أمَرَ بِشَيْءٍ أوْ نَهى عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ أوْ نَهى عَنْهُ لِوَجْهٍ عائِدٍ إلَيْهِ أمْ لا ؟ فَقالَ القائِلُونَ بِتَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ: الأمْرُ كَذَلِكَ. وقالَ المُنْكِرُونَ لِتَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. احْتَجَّ القائِلُونَ بِتَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ قالُوا: إنَّهُ تَعالى نَهى عَنِ الزِّنا، وعَلَّلَ ذَلِكَ النَّهْيَ بِكَوْنِهِ فاحِشَةً فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ فاحِشَةً عِبارَةً عَنْ كَوْنِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ، وإلّا لَزِمَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: كَوْنُهُ فاحِشَةً وصْفٌ حاصِلٌ لَهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ زِنًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأشْياءَ تَحْسُنُ وتَقْبُحُ لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْها في أنْفُسِها، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ نَهْيَ اللَّهِ تَعالى عَنْها مُعَلَّلٌ بِوُقُوعِها في أنْفُسِها عَلى تِلْكَ الوُجُوهِ. وهَذا الِاسْتِدْلالُ قَرِيبٌ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ مَصْلَحَةً أوْ مَفْسَدَةً أمْرٌ ثابِتٌ لِذاتِهِ لا بِالشَّرْعِ، فَإنَّ تَناوُلَ الغِذاءِ المُوافِقِ مَصْلَحَةٌ، والضَّرْبَ المُؤْلِمَ مَفْسَدَةٌ، وكَوْنُهُ كَذَلِكَ أمْرٌ ثابِتٌ بِالعَقْلِ لا بِالشَّرْعِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: تَكالِيفُ اللَّهِ تَعالى واقِعَةٌ عَلى وفْقِ مَصالِحِ العالَمِ في المَعاشِ والمَعادِ فَهَذا هو الكَلامُ الظّاهِرِيُّ، وفِيهِ مُشْكِلاتٌ هائِلَةٌ ومَباحِثُ عَمِيقَةٌ نَسْألُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِبُلُوغِ الغايَةِ فِيها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الزِّنا اشْتَمَلَ عَلى أنْواعٍ مِنَ المَفاسِدِ: أوَّلُها: اخْتِلاطُ الأنْسابِ واشْتِباهُها فَلا يَعْرِفُ الإنْسانُ أنَّ الوَلَدَ الَّذِي أتَتْ بِهِ الزّانِيَةُ أهُوَ مِنهُ أوْ مِن غَيْرِهِ، فَلا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ ولا يَسْتَمِرُّ في تَعَهُّدِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ ضَياعَ الأوْلادِ، وذَلِكَ يُوجِبُ انْقِطاعَ النَّسْلِ وخَرابَ العالَمِ. وثانِيها: أنَّهُ إذا لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ لِأجْلِهِ يَكُونُ هَذا الرَّجُلُ أوْلى بِهَذِهِ المَرْأةِ مِن غَيْرِهِ لَمْ يَبْقَ في حُصُولِ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ إلّا التَّواثُبُ والتَّقاتُلُ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى فَتْحِ بابِ الهَرَجِ والمَرَجِ والمُقاتَلَةِ، وكَمْ سَمِعْنا وُقُوعَ القَتْلِ الذَّرِيعِ بِسَبَبِ إقْدامِ المَرْأةِ الواحِدَةِ عَلى الزِّنا. وثالِثُها: أنَّ المَرْأةَ إذا باشَرَتِ الزِّنا وتَمَرَّنَتْ عَلَيْهِ يَسْتَقْذِرُها كُلُّ طَبْعٍ سَلِيمٍ وكُلُّ خاطِرٍ مُسْتَقِيمٍ، وحِينَئِذٍ لا تَحْصُلُ الأُلْفَةُ والمَحَبَّةُ ولا يَتِمُّ السَّكَنُ والِازْدِواجُ، ولِذَلِكَ فَإنَّ المَرْأةَ إذا اشْتَهَرَتْ بِالزِّنا تَنْفِرُ عَنْ مُقارَنَتِها طِباعُ أكْثَرِ الخَلْقِ. ورابِعُها: أنَّهُ إذا انْفَتَحَ بابُ الزِّنا فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِرَجُلٍ اخْتِصاصٌ بِامْرَأةٍ، وكُلُّ رَجُلٍ يُمْكِنُهُ التَّواثُبُ عَلى كُلِّ امْرَأةٍ شاءَتْ وأرادَتْ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَ نَوْعِ الإنْسانِ وبَيْنَ سائِرِ البَهائِمِ صفحة ١٥٩ فَرْقٌ في هَذا البابِ. وخامِسُها: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ المَرْأةِ مُجَرَّدَ قَضاءِ الشَّهْوَةِ بَلْ أنْ تَصِيرَ شَرِيكَةً لِلرَّجُلِ في تَرْتِيبِ المَنزِلِ وإعْدادِ مُهِمّاتِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ والمَلْبُوسِ، وأنْ تَكُونَ رَبَّةَ البَيْتِ وحافِظَةً لِلْبابِ وأنْ تَكُونَ قائِمَةً بِأُمُورِ الأوْلادِ والعَبِيدِ، وهَذِهِ المُهِمّاتُ لا تَتِمُّ إلّا إذا كانَتْ مَقْصُورَةَ الهِمَّةِ عَلى هَذا الرَّجُلِ الواحِدِ مُنْقَطِعَةَ الطَّمَعِ عَنْ سائِرِ الرِّجالِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحْرِيمِ الزِّنا وسَدِّ هَذا البابِ بِالكُلِّيَّةِ. وسادِسُها: أنَّ الوَطْءَ يُوجِبُ الذُّلَّ الشَّدِيدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ أعْظَمَ أنْواعِ الشَّتْمِ عِنْدَ النّاسِ ذِكْرُ ألْفاظِ الوِقاعِ، ولَوْلا أنَّ الوَطْءَ يُوجِبُ الذُّلَّ، وإلّا لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ جَمِيعَ العُقَلاءِ لا يُقْدِمُونَ عَلى الوَطْءِ إلّا في المَواضِعِ المَسْتُورَةِ، وفي الأوْقاتِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ، وأنَّ جَمِيعَ العُقَلاءِ يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ ذِكْرِ أزْواجِ بَناتِهِمْ وأخَواتِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ لَمّا يُقْدِمُونَ عَلى وطْئِهِنَّ، ولَوْلا أنَّ الوَطْءَ ذُلٌّ، وإلّا لَما كانَ كَذَلِكَ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا كانَ الوَطْءُ ذُلًّا كانَ السَّعْيُ في تَقْلِيلِهِ مُوافِقًا لِلْعُقُولِ، فاقْتِصارُ المَرْأةِ الواحِدَةِ عَلى الرَّجُلِ الواحِدِ سَعْيٌ في تَقْلِيلِ ذَلِكَ العَمَلِ، وأيْضًا ما فِيهِ مِنَ الذُّلِّ يَصِيرُ مَجْبُورًا بِالمَنافِعِ الحاصِلَةِ في النِّكاحِ، أمّا الزِّنا فَإنَّهُ فَتْحُ بابٍ لِذَلِكَ العَمَلِ القَبِيحِ ولَمْ يَصِرْ مَجْبُورًا بِشَيْءٍ مِنَ المَنافِعِ فَوَجَبَ بَقاؤُهُ عَلى أصْلِ المَنعِ والحَجْرِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ العُقُولَ السَّلِيمَةَ تَقْضِي عَلى الزِّنا بِالقُبْحِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ الزِّنا بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: كَوْنِهِ فاحِشَةً، ومَقْتًا في آيَةٍ أُخْرى، وساءَ سَبِيلًا: أمّا كَوْنُهُ فاحِشَةً: فَهو إشارَةٌ إلى اشْتِمالِهِ عَلى فَسادِ الأنْسابِ المُوجِبَةِ لِخَرابِ العالَمِ وإلى اشْتِمالِهِ عَلى التَّقاتُلِ والتَّواثُبِ عَلى الفُرُوجِ وهو أيْضًا يُوجِبُ خَرابَ العالَمِ. وأمّا المَقْتُ: فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الزّانِيَةَ تَصِيرُ مَمْقُوتَةً مَكْرُوهَةً، وذَلِكَ يُوجِبُ عَدَمَ حُصُولِ السَّكَنِ والِازْدِواجِ وأنْ لا يَعْتَمِدَ الإنْسانُ عَلَيْها في شَيْءٍ مِن مُهِمّاتِهِ ومَصالِحِهِ. وأمّا أنَّهُ ساءَ سَبِيلًا: فَهو ما ذَكَرْنا أنَّهُ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ البَهائِمِ في عَدَمِ اخْتِصاصِ الذُّكْرانِ بِالإناثِ، وأيْضًا يَبْقى ذُلُّ هَذا العَمَلِ وعَيْبُهُ وعارُهُ عَلى المَرْأةِ مِن غَيْرِ أنْ يَصِيرَ مَجْبُورًا بِشَيْءٍ مِنَ المَنافِعِ، فَقَدْ ذَكَرْنا في قُبْحِ الزِّنا سِتَّةَ أوْجُهٍ؛ واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ألْفاظًا ثَلاثَةً، فَحَمَلْنا كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ عَلى وجْهَيْنِ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ السِّتَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

الإسراء 17:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ . هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ أكْبَرَ الكَبائِرِ بَعْدَ الكُفْرِ بِاللَّهِ القَتْلُ، فَما السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ النَّهْيِ عَنِ الزِّنا وثانِيًا بِذِكْرِ النَّهْيِ عَنِ القَتْلِ. وجَوابُهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ فَتْحَ بابِ الزِّنا يَمْنَعُ مِن دُخُولِ الإنْسانِ في الوُجُودِ، والقَتْلُ عِبارَةٌ عَنْ إبْطالِ الإنْسانِ بَعْدَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ. ودُخُولُهُ في الوُجُودِ مُقَدَّمٌ عَلى إبْطالِهِ وإعْدامِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى صفحة ١٦٠ الزِّنا أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ القَتْلَ ثانِيًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الأصْلَ في القَتْلِ هو الحُرْمَةُ المُغَلَّظَةُ، والحِلُّ إنَّما يَثْبُتُ بِسَبَبٍ عارِضِيٍّ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ نَهى اللَّهُ عَنِ القَتْلِ مُطْلَقًا بِناءً عَلى حُكْمِ الأصْلِ، ثُمَّ اسْتَثْنى عَنْهُ الحالَةَ الَّتِي يَحْصُلُ فِيها حِلُّ القَتْلِ وهو عِنْدُ حُصُولِ الأسْبابِ العَرَضِيَّةِ فَقالَ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ فَنَفْتَقِرُ هَهُنا إلى بَيانِ أنَّ الأصْلَ في القَتْلِ التَّحْرِيمُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ القَتْلَ ضَرَرٌ والأصْلَ في المَضارِّ الحُرْمَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ . و”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» “ . الثّانِي: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الآدَمِيُّ بُنْيانُ الرَّبِّ مَلْعُونٌ مَن هَدَمَ بُنْيانَ الرَّبِّ» “ . الثّالِثُ: أنَّ الآدَمِيَّ خُلِقَ لِلِاشْتِغالِ بِالعِبادَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» “ والِاشْتِغالُ بِالعِبادَةِ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ عَدَمِ القَتْلِ. الرّابِعُ: أنَّ القَتْلَ إفْسادٌ فَوَجَبَ أنْ يُحَرَّمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُفْسِدُوا﴾ [الأعراف: ٥٦] . الخامِسُ: أنَّهُ إذا تَعارَضَ دَلِيلُ تَحْرِيمِ القَتْلِ ودَلِيلُ إباحَتِهِ فَقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ جانِبَ الحُرْمَةِ راجِحٌ، ولَوْلا أنَّ مُقْتَضى الأصْلِ هو التَّحْرِيمُ وإلّا لَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لا لِمُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ. السّادِسُ: أنّا إذا لَمْ نَعْرِفْ في الإنْسانِ صِفَةً مِنَ الصِّفاتِ إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ إنْسانًا عاقِلًا حَكَمْنا فِيهِ بِتَحْرِيمِ قَتْلِهِ، وما لَمْ نَعْرِفْ شَيْئًا زائِدًا عَلى كَوْنِهِ إنْسانًا لَمْ نَحْكم فِيهِ بِحِلِّ دَمِهِ، ولَوْلا أنَّ أصْلَ الإنْسانِيَّةِ يَقْتَضِي حُرْمَةَ القَتْلِ وإلّا لَما كانَ كَذَلِكَ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الأصْلَ في القَتْلِ هو التَّحْرِيمُ. وأنَّ حِلَّهُ لا يَثْبُتُ إلّا بِأسْبابٍ عَرَضِيَّةٍ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ الأصْلَ في القَتْلِ هو التَّحْرِيمُ فَقالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا﴾ نَهْيٌ وتَحْرِيمٌ، وقَوْلُهُ: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾ إعادَةٌ لِذِكْرِ التَّحْرِيمِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ثُمَّ اسْتَثْنى عَنْهُ الأسْبابَ العَرَضِيَّةَ الِاتِّفاقِيَّةَ فَقالَ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ ثُمَّ هَهُنا طَرِيقانِ: الطَّرِيقُ الأوَّلُ: أنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ مُجْمَلٌ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الحَقَّ ما هو وكَيْفَ هو ؟ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ أيْ: في اسْتِيفاءِ القِصاصِ مِنَ القاتِلِ، وهَذا الكَلامُ يَصْلُحُ جَعْلُهُ بَيانًا لِذَلِكَ المُجْمَلِ، وتَقْرِيرَهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ وذَلِكَ الحَقُّ هو أنَّ مَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا في اسْتِيفاءِ القِصاصِ. وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَقِّ هَذِهِ الصُّورَةَ فَقَطْ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا عِنْدَ القِصاصِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَكُونُ الآيَةُ نَصًّا صَرِيحًا في تَحْرِيمِ القَتْلِ إلّا بِهَذا السَّبَبِ الواحِدِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى الحُرْمَةِ فِيما سِوى هَذِهِ الصُّورَةِ الواحِدَةِ. والطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ: دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحَقَّ هو أحَدُ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ، وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وقَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» “ . واعْلَمْ أنَّ هَذا الخَبَرَ مِن بابِ الآحادِ. فَإنْ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ كانَتِ الآيَةُ صَرِيحَةً في أنَّهُ لا يَحِلُّ القَتْلُ إلّا بِهَذا السَّبَبِ الواحِدِ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذا الخَبَرُ مُخَصِّصًا لِهَذِهِ الآيَةِ ويَصِيرُ ذَلِكَ فَرْعًا لِقَوْلِنا: إنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذا صفحة ١٦١ الخَبَرُ مُفَسِّرًا لِلْحَقِّ المَذْكُورِ في الآيَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَصِيرُ هَذا فَرْعًا عَلى مَسْألَةِ جَوازِ تَخْصِيصِ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ. فَلْتَكُنْ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ مَعْلُومَةً. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا سَبَبَ لِحِلِّ القَتْلِ إلّا قَتْلُ المَظْلُومِ، وظاهِرُ الخَبَرِ يَقْتَضِي ضَمَّ شَيْئَيْنِ آخَرَيْنِ إلَيْهِ: وهو الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ، والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، ودَلَّتْ آيَةٌ أُخْرى عَلى حُصُولِ سَبَبٍ رابِعٍ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] ودَلَّتْ آيَةٌ أُخْرى عَلى حُصُولِ سَبَبٍ خامِسٍ وهو الكُفْرُ. قالَ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وقالَ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] . والفُقَهاءُ تَكَلَّمُوا واخْتَلَفُوا في أشْياءَ أُخْرى فَمِنها: أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ هَلْ يُقْتَلُ أمْ لا ؟ فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُقْتَلُ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يُقْتَلُ. وثانِيها: أنَّ فِعْلَ اللِّواطِ هَلْ يُوجِبُ القَتْلَ ؟ فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ يُوجِبُ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لا يُوجِبُ. وثالِثُها: أنَّ السّاحِرَ إذا قالَ: قَتَلْتُ بِسِحْرِي فُلانًا فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ يُوجِبُ القَتْلَ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لا يُوجِبُ. ورابِعُها: أنَّ القَتْلَ بِالمُثَقَّلِ هَلْ يُوجِبُ القِصاصَ ؟ فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ يُوجِبُ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لا يُوجِبُ. وخامِسُها: أنَّ الِامْتِناعَ مِن أداءِ الزَّكاةِ هَلْ يُوجِبُ القَتْلَ أمْ لا ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ في زَمانِ أبِي بَكْرٍ. وسادِسُها: أنَّ إتْيانَ البَهِيمَةِ هَلْ يُوجِبُ القَتْلَ ؟ فَعِنْدَ أكْثَرِ الفُقَهاءِ لا يُوجِبُ، وعِنْدَ قَوْمٍ يُوجِبُ. حُجَّةُ القائِلِينَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ القَتْلُ في هَذِهِ الصُّوَرِ هو أنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في مَنعِ القَتْلِ عَلى الإطْلاقِ، إلّا لِسَبَبٍ واحِدٍ وهو قَتْلُ المَظْلُومِ، فَفِيما عَدا هَذا السَّبَبِ الواحِدِ، وجَبَ البَقاءُ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، ثُمَّ قالُوا: وهَذا النَّصُّ قَدْ تَأكَّدَ بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ المُوجِبَةِ لِحُرْمَةِ الدَّمِ عَلى الإطْلاقِ، فَتَرْكُ العَمَلِ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ لا يَكُونُ إلّا لِمُعارِضٍ، وذَلِكَ المُعارِضُ إمّا أنْ يَكُونَ نَصًّا مُتَواتِرًا أوْ نَصًّا مِن بابِ الآحادِ أوْ يَكُونَ قِياسًا، أمّا النَّصُّ المُتَواتِرُ فَمَفْقُودٌ، وإلّا لَما بَقِيَ الخِلافُ، وأمّا النَّصُّ مِن بابِ الآحادِ فَهو مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ النُّصُوصِ المُتَواتِرَةِ الكَثِيرَةِ، وأمّا القِياسُ فَلا يُعارِضُ النَّصَّ. فَثَبَتَ بِمُقْتَضى هَذا الأصْلِ القَوِيِّ القاهِرِ أنَّ الأصْلَ في الدِّماءِ الحُرْمَةُ إلّا في الصُّوَرِ المَعْدُودَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ﴾ فِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أثْبَتَ لِوَلِيِّ الدَّمِ سُلْطانًا، فَأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ السَّلْطَنَةَ تَحْصُلُ في ماذا فَلَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ دَلالَةٌ عَلَيْهِ ثُمَّ هَهُنا طَرِيقانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ عُرِفَ أنَّ تِلْكَ السَّلْطَنَةَ إنَّما حَصَلَتْ في اسْتِيفاءِ القَتْلِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُسْرِفَ الظّالِمُ في ذَلِكَ القَتْلِ، لِأنَّ ذَلِكَ المَقْتُولَ مَنصُورٌ بِواسِطَةِ إثْباتِ هَذِهِ السَّلْطَنَةِ لِوَلِيِّهِ. والثّانِي: أنَّ تِلْكَ السَّلْطَنَةَ مُجْمَلَةٌ ثُمَّ صارَتْ مُفَسَّرَةً بِالآيَةِ والخَبَرِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ هو كَوْنُ المُكَلَّفِ مُخَيَّرًا بَيْنَ القِصاصِ وبَيْنَ الدِّيَةِ. وأمّا الخَبَرُ فَهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ الفَتْحِ: ”«مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَأهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ» “ وعَلى هَذا الطَّرِيقِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ لَمّا حَصَلَتْ لَهُ سَلْطَنَةُ اسْتِيفاءِ القِصاصِ إنْ شاءَ، صفحة ١٦٢ وسَلْطَنَةُ اسْتِيفاءِ الدِّيَةِ إنْ شاءَ. قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ مَعْناهُ أنَّ الأوْلى أنْ لا يُقْدِمَ عَلى اسْتِيفاءِ القَتْلِ وأنْ يَكْتَفِيَ بِأخْذِ الدِّيَةِ أوْ يَمِيلَ إلى العَفْوِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَفْظَةُ ”في“ مَحْمُولَةٌ عَلى الباءِ، والمَعْنى: فَلا يَصِيرُ مُسْرِفًا بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ ويَصِيرُ مَعْناهُ التَّرْغِيبَ في العَفْوِ والِاكْتِفاءِ بِالدِّيَةِ كَما قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] . البَحْثُ الثّانِي: أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ ذَكَرَ كَوْنَهُ مَظْلُومًا بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ، وصِيغَةُ التَّنْكِيرِ عَلى ما عُرِفَ تَدُلُّ عَلى الكَمالِ، فالإنْسانُ المَقْتُولُ ما لَمْ يَكُنْ كامِلًا في وصْفِ المَظْلُومِيَّةِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذا النَّصِّ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ المُسْلِمَ إذا قَتَلَ الذِّمِّيَّ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، بِدَلِيلِ أنَّ الذِّمِّيَّ مُشْرِكٌ والمُشْرِكُ يَحِلُّ دَمُهُ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ مُشْرِكٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] حَكَمَ بِأنَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ في حَقِّ البَعْضِ، فَلَوْ كانَ كُفْرُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ شَيْئًا مُغايِرًا لِلشِّرْكِ لَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مَغْفُورًا في حَقِّ بَعْضِ النّاسِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا لَمْ يَصِرْ مَغْفُورًا في حَقِّ أحَدٍ دَلَّ عَلى أنَّ كُفْرَهم شِرْكٌ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَقَ دْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [البقرة: ٧٣] فَهَذا التَّثْلِيثُ الَّذِي قالَ بِهِ هَؤُلاءِ إمّا أنْ يَكُونَ تَثْلِيثًا في الصِّفاتِ وهو باطِلٌ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الحَقُّ وهو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَلا يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَثْلِيثًا لِلْكُفْرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ تَثْلِيثًا في الذَّواتِ، وذَلِكَ هو الحَقُّ ولا شَكَّ أنَّ القائِلَ بِهِ مُشْرِكٌ، فَثَبَتَ أنَّ الذِّمِّيَّ مُشْرِكٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المُشْرِكَ يَجِبُ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ومُقْتَضى هَذا الدَّلِيلِ إباحَةُ دَمِ الذِّمِّيِّ فَإنْ لَمْ تَثْبُتِ الإباحَةُ فَلا أقَلَّ مِن حُصُولِ شُبْهَةِ الإباحَةِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ كامِلًا في المَظْلُومِيَّةِ فَلَمْ يَنْدَرِجْ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ وأمّا الحُرُّ إذا قَتَلَ عَبْدًا فَهو داخِلٌ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وتِلْكَ الآيَةُ أخَصُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِها في مَسْألَةِ أنَّ مُوجَبَ العَمْدِ هو القِصاصُ ولا في مَسْألَةِ أنَّهُ يَجِبُ قَتْلُ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، ولا في مَسْألَةِ أنَّهُ يَجِبُ قَتْلُ الحُرِّ بِالعَبْدِ، واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ هو أنْ يَقْتُلَ القاتِلَ وغَيْرَ القاتِلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الواحِدَ مِنهم إذا قَتَلَ واحِدًا مِن قَبِيلَةٍ شَرِيفَةٍ فَأوْلِياءُ ذَلِكَ المَقْتُولِ كانُوا يَقْتُلُونَ خَلْقًا مِنَ القَبِيلَةِ الدَّنِيئَةِ فَنَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأمَرَ بِالِاقْتِصارِ عَلى قَتْلِ القاتِلِ وحْدَهُ. الثّانِي: هو أنْ لا يَرْضى بِقَتْلِ القاتِلِ فَإنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَقْصِدُونَ أشْرافَ قَبِيلَةِ القاتِلِ ثُمَّ كانُوا يَقْتُلُونَ مِنهم قَوْمًا مُعَيَّنِينَ ويَتْرُكُونَ القاتِلَ. والثّالِثُ: هو أنْ لا يَكْتَفِيَ بِقَتْلِ القاتِلِ بَلْ يُمَثِّلُ بِهِ ويَقْطَعُ أعْضاءَهُ. قالَ القَفّالُ: ولا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ جُمْلَةَ هَذِهِ المَعانِي مُشْتَرِكَةٌ في كَوْنِها إسْرافًا. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ الأكْثَرُونَ: ”فَلا يُسْرِفْ“ بِالياءِ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: فَلا يَنْبَغِي أنْ يُسْرِفَ الوَلِيُّ في القَتْلِ. الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقاتِلِ الظّالِمِ ابْتِداءً، أيْ: فَلا يَنْبَغِي أنْ يُسْرِفَ ذَلِكَ الظّالِمُ، وإسْرافُهُ عِبارَةٌ صفحة ١٦٣ عَنْ إقْدامِهِ عَلى ذَلِكَ القَتْلِ الظُّلْمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”فَلا تُسْرِفْ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُبْتَدِئِ القاتِلِ ظُلْمًا كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تُسْرِفْ أيُّها الإنْسانُ، وذَلِكَ الإسْرافُ هو إقْدامُهُ عَلى ذَلِكَ القَتْلِ الَّذِي هو ظُلْمٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: لا تَفْعَلْ فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُ مَظْلُومًا اسْتَوْفى القِصاصَ مِنكَ. والآخَرُ: أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْوَلِيِّ فَيَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا تُسْرِفْ في القَتْلِ أيُّها الوَلِيُّ، أيِ اكْتَفِ بِاسْتِيفاءِ القِصاصِ ولا تَطْلُبِ الزِّيادَةَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ لِلظّالِمِ المُبْتَدِئِ بِذَلِكَ القَتْلِ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ لا تَفْعَلْ ذَلِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ المَقْتُولَ يَكُونُ مَنصُورًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا نُصْرَتُهُ في الدُّنْيا فَبِقَتْلِ قاتِلِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِكَثْرَةِ الثَّوابِ لَهُ وكَثْرَةِ العِقابِ لِقاتِلِهِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الوَلِيَّ يَكُونُ مَنصُورًا في قَتْلِ ذَلِكَ القاتِلِ الظّالِمِ فَلْيَكْتَفِ بِهَذا القَدْرِ فَإنَّهُ يَكُونُ مَنصُورًا فِيهِ ولا يَنْبَغِي أنْ يَطْمَعَ في الزِّيادَةِ مِنهُ، لِأنَّ مَن يَكُونُ مَنصُورًا مِن عِنْدِ اللَّهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ طَلَبُ الزِّيادَةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا القاتِلَ الظّالِمَ يَنْبَغِي أنْ يَكْتَفِيَ بِاسْتِيفاءِ القِصاصِ وأنْ لا يَطْلُبَ الزِّيادَةَ. واعْلَمْ أنَّ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ والثّانِي ظَهَرَ أنَّ المَقْتُولَ ووَلِيَّ دَمِهِ يَكُوَنانِ مَنصُورَيْنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وايْمُ اللَّهِ لَيَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمُ ابْنُ أبِي سُفْيانَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ وقالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما نُصِرَ مُعاوِيَةُ عَلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.

الإسراء 17:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها في هَذِهِ الآياتِ. اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ الزِّنا يُوجِبُ اخْتِلاطَ الأنْسابِ. وذَلِكَ يُوجِبُ مَنعَ الِاهْتِمامِ بِتَرْبِيَةِ الأوْلادِ وذَلِكَ يُوجِبُ انْقِطاعَ النَّسْلِ، وذَلِكَ يُوجِبُ المَنعَ مِن دُخُولِ النّاسِ في الوُجُودِ، وأمّا القَتْلُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ النّاسِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في الوُجُودِ، فَثَبَتَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الزِّنا والنَّهْيَ عَنِ القَتْلِ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى النَّهْيِ عَنْ إتْلافِ النُّفُوسِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ أتْبَعَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ إتْلافِ الأمْوالِ، لِأنَّ أعَزَّ الأشْياءِ بَعْدَ النُّفُوسِ الأمْوالُ، وأحَقَّ النّاسِ بِالنَّهْيِ عَنْ إتْلافِ أمْوالِهِمْ هو اليَتِيمُ، لِأنَّهُ لِصِغَرِهِ وضَعْفِهِ وكَمالِ عَجْزِهِ يَعْظُمُ ضَرَرُهُ بِإتْلافِ مالِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالنَّهْيِ عَنْ إتْلافِ أمْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: إلّا بِالتَّصَرُّفِ الَّذِي يُنَمِّيهِ ويُكْثِرُهُ. الثّانِي: المُرادُ هو أنْ تَأْكُلَ مَعَهُ إذا احْتَجْتَ إلَيْهِ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا احْتاجَ أكَلَ بِالمَعْرُوفِ فَإذا أيْسَرَ قَضاهُ، فَإنْ لَمْ يُوسِرْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ الوَلِيَّ إنَّما تَبْقى وِلايَتُهُ عَلى اليَتِيمِ إلى أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ وهو بُلُوغُ النِّكاحِ، كَما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى صفحة ١٦٤ فِي آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] والمُرادُ بِالأشُدِّ بُلُوغُهُ إلى حَيْثُ يُمْكِنُهُ بِسَبَبِ عَقْلِهِ ورُشْدِهِ القِيامُ بِمَصالِحِ مالِهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَزُولُ وِلايَةُ غَيْرِهِ عَنْهُ وذَلِكَ حَدُّ البُلُوغِ، فَأمّا إذا بَلَغَ غَيْرَ كامِلِ العَقْلِ لَمْ تَزُلِ الوِلايَةُ عَنْهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. وبُلُوغُ العَقْلِ هو أنْ يَكْمُلَ عَقْلُهُ وقُواهُ الحِسِّيَّةُ والحَرَكِيَّةُ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِخَمْسَةِ أشْياءَ أوَّلًا، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ وهي النَّهْيُ عَنِ الزِّنا، وعَنِ القَتْلِ إلّا بِالحَقِّ، وعَنْ قُرْبانِ مالِ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِهَذِهِ الأوامِرِ الثَّلاثَةِ فالأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ كُلَّ عَقْدٍ تَقَدَّمَ لِأجْلِ تَوْثِيقِ الأمْرِ وتَوْكِيدِهِ فَهو عَهْدٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَدَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ كُلُّ عَقْدٍ مِنَ العُقُودِ كَعَقْدِ البَيْعِ والشَّرِكَةِ، وعَقْدِ اليَمِينِ والنَّذْرِ، وعَقْدِ الصُّلْحِ، وعَقْدِ النِّكاحِ. وحاصِلُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ عَقْدٍ وعَهْدٍ جَرى بَيْنَ إنْسانَيْنِ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِما الوَفاءُ بِمُقْتَضى ذَلِكَ العَقْدِ والعَهْدِ، إلّا إذا دَلَّ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ فَمُقْتَضاهُ الحُكْمُ بِصِحَّةِ كُلِّ بَيْعٍ وقَعَ التَّراضِي بِهِ وبِصِحَّةِ كُلِّ شَرِكَةٍ وقَعَ التَّراضِي بِها، ويُؤَكَّدُ هَذا النَّصُّ بِسائِرِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الوَفاءِ بِالعُهُودِ والعُقُودِ كَقَوْلِهِ: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا عَنْ طِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» “ وقَوْلِهِ: ”إذا اخْتَلَفَ الجِنْسانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ“ وقَوْلِهِ: ”«مَنِ اشْتَرى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ فَهو بِالخِيارِ إذا رَآهُ» “ فَجَمِيعُ هَذِهِ الآياتِ والأخْبارِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في البَيُوعاتِ والعُهُودِ والعُقُودِ الصِّحَّةُ ووُجُوبُ الِالتِزامِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ وجَدْنا نَصًّا أخَصَّ مِن هَذِهِ النُّصُوصِ يَدُلُّ عَلى البُطْلانِ والفَسادِ قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا قَضَيْنا بِالصِّحَّةِ في الكُلِّ، وأمّا تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ فَقَدْ أبْطَلْناهُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ تَصِيرُ أبْوابُ المُعامَلاتِ عَلى طُولِها وإطْنابِها مَضْبُوطَةً مَعْلُومَةً بِهَذِهِ الآيَةِ الواحِدَةِ، ويَكُونُ المُكَلَّفُ آمِنَ القَلْبِ مُطَمْئِنَّ النَّفْسِ في العَمَلِ، لِأنَّهُ لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلى صِحَّتِها فَلَيْسَ بَعْدَ بَيانِ اللَّهِ بَيانٌ، وتَصِيرُ الشَّرِيعَةُ مَضْبُوطَةً مَعْلُومَةً. صفحة ١٦٥ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يُرادَ صاحِبُ العُهَدِ كانَ مَسْئُولًا فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . وثانِيها: أنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا أيْ: مَطْلُوبًا يُطْلَبُ مِنَ المَعاهِدِ أنْ لا يُضَيِّعَهُ ويَفِيَ بِهِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ هَذا تَخْيِيلًا كَأنَّهُ يُقالُ لِلْعَهْدِ لِمَ نُكِثْتَ ؟ وهَلّا وُفِّيَ بِكَ تَبْكِيتًا لِلنّاكِثِ كَما يُقالُ لِلْمَوْءُودَةِ: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩] وكَقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ فالمُخاطَبَةُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإنْكارُ عَلى غَيْرِهِ. النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأوامِرِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ إتْمامُ الكَيْلِ وذِكْرُ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ في نُقْصانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [ المُطَفِّفِينَ: ١: ٣ ] . النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأوامِرِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ فالآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في إتْمامِ الكَيْلِ، وهَذِهِ الآيَةُ في إتْمامِ الوَزْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] . واعْلَمْ أنَّ التَّفاوُتَ الحاصِلَ بِسَبَبِ نُقْصانِ الكَيْلِ والوَزْنِ قَلِيلٌ. والوَعِيدَ الحاصِلَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ عَظِيمٌ، فَوَجَبَ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنهُ، وإنَّما عَظُمَ الوَعِيدُ فِيهِ لِأنَّ جَمِيعَ النّاسِ مُحْتاجُونَ إلى المُعاوَضاتِ والبَيْعِ والشِّراءِ، وقَدْ يَكُونُ الإنْسانُ غافِلًا لا يَهْتَدِي إلى حِفْظِ مالِهِ، فالشّارِعُ بالَغَ في المَنعِ مِنَ التَّطْفِيفِ والنُّقْصانِ، سَعْيًا في إبْقاءِ الأمْوالِ عَلى المُلّاكِ، ومَنعًا مِن تَلْطِيخِ النَّفْسِ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ المِقْدارِ الحَقِيرِ، والقِسْطاسُ في مَعْنى المِيزانِ إلّا أنَّهُ في العُرْفِ أكْبَرُ مِنهُ، ولِهَذا اشْتُهِرَ في ألْسِنَةِ العامَّةِ أنَّهُ القَبّانُ. وقِيلَ أنَّهُ بِلِسانِ الرُّومِ أوِ السُّرْيانِيِّ. والأصَحُّ أنَّهُ لُغَةُ العَرَبِ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القِسْطِ، وهو الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الِاسْتِقامَةُ والِاعْتِدالُ، وبِالجُمْلَةِ فَمَعْناهُ المُعْتَدِلُ الَّذِي لا يَمِيلُ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، وأجْمَعُوا عَلى جَوازِ اللُّغَتَيْنِ فِيهِ، ضَمُّ القافِ وكَسْرُها، فالكَسْرُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ والباقُونَ بِالضَّمِّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أيِ الإيفاءُ بِالتَّمامِ والكَمالِ خَيْرٌ مِنَ التَّطْفِيفِ القَلِيلِ مِن حَيْثُ أنَّ الإنْسانَ يَتَخَلَّصُ بِواسِطَتِهِ عَنِ الذِّكْرِ القَبِيحِ في الدُّنْيا والعِقابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ: ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ والتَّأْوِيلُ ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ الأمْرُ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤] ﴿وخَيْرٌ أمَلًا﴾ [الكهف: ٤٤] وإنَّما حَكَمَ تَعالى بِأنَّ عاقِبَةَ هَذا الأمْرِ أحْسَنُ العَواقِبِ، لِأنَّهُ في الدُّنْيا إذا اشْتُهِرَ بِالِاحْتِرازِ عَنِ التَّطْفِيفِ عَوَّلَ النّاسُ عَلَيْهِ ومالَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ وحَصَلَ لَهُ الِاسْتِغْناءُ في الزَّمانِ القَلِيلِ، وكَمْ قَدْ رَأيْنا مِنَ الفُقَراءِ لَمّا اشْتُهِرُوا عِنْدَ النّاسِ بِالأمانَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ الخِيانَةِ أقْبَلَتِ القُلُوبُ عَلَيْهِمْ وحَصَلَتِ الأمْوالُ الكَثِيرَةُ لَهم في المَدَّةِ القَلِيلَةِ. وأمّا في الآخِرَةِ فالفَوْزُ بِالثَّوابِ العَظِيمِ والخَلاصُ مِنَ العِقابِ الألِيمِ.