Tafsir Al-Razi — الإسراء 17:35 – الإسراء 17:77
المحتويات
- الإسراء 17:35
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:37
- الإسراء 17:38
- الإسراء 17:39
- الإسراء 17:40
- الإسراء 17:41
- الإسراء 17:42
- الإسراء 17:43
- الإسراء 17:44
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:46
- الإسراء 17:47
- الإسراء 17:48
- الإسراء 17:49
- الإسراء 17:50
- الإسراء 17:51
- الإسراء 17:52
- الإسراء 17:53
- الإسراء 17:54
- الإسراء 17:55
- الإسراء 17:56
- الإسراء 17:57
- الإسراء 17:58
- الإسراء 17:59
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:61
- الإسراء 17:62
- الإسراء 17:63
- الإسراء 17:64
- الإسراء 17:65
- الإسراء 17:66
- الإسراء 17:67
- الإسراء 17:68
- الإسراء 17:69
- الإسراء 17:70
- الإسراء 17:71
- الإسراء 17:72
- الإسراء 17:73
- الإسراء 17:74
- الإسراء 17:75
- الإسراء 17:76
- الإسراء 17:77
الإسراء 17:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها في هَذِهِ الآياتِ.
اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ الزِّنا يُوجِبُ اخْتِلاطَ الأنْسابِ. وذَلِكَ يُوجِبُ مَنعَ الِاهْتِمامِ بِتَرْبِيَةِ الأوْلادِ وذَلِكَ يُوجِبُ انْقِطاعَ النَّسْلِ، وذَلِكَ يُوجِبُ المَنعَ مِن دُخُولِ النّاسِ في الوُجُودِ، وأمّا القَتْلُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ النّاسِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في الوُجُودِ، فَثَبَتَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الزِّنا والنَّهْيَ عَنِ القَتْلِ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى النَّهْيِ عَنْ إتْلافِ النُّفُوسِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ أتْبَعَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ إتْلافِ الأمْوالِ، لِأنَّ أعَزَّ الأشْياءِ بَعْدَ النُّفُوسِ الأمْوالُ، وأحَقَّ النّاسِ بِالنَّهْيِ عَنْ إتْلافِ أمْوالِهِمْ هو اليَتِيمُ، لِأنَّهُ لِصِغَرِهِ وضَعْفِهِ وكَمالِ عَجْزِهِ يَعْظُمُ ضَرَرُهُ بِإتْلافِ مالِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالنَّهْيِ عَنْ إتْلافِ أمْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: إلّا بِالتَّصَرُّفِ الَّذِي يُنَمِّيهِ ويُكْثِرُهُ.
الثّانِي: المُرادُ هو أنْ تَأْكُلَ مَعَهُ إذا احْتَجْتَ إلَيْهِ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا احْتاجَ أكَلَ بِالمَعْرُوفِ فَإذا أيْسَرَ قَضاهُ، فَإنْ لَمْ يُوسِرْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ الوَلِيَّ إنَّما تَبْقى وِلايَتُهُ عَلى اليَتِيمِ إلى أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ وهو بُلُوغُ النِّكاحِ، كَما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى
صفحة ١٦٤
فِي آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] والمُرادُ بِالأشُدِّ بُلُوغُهُ إلى حَيْثُ يُمْكِنُهُ بِسَبَبِ عَقْلِهِ ورُشْدِهِ القِيامُ بِمَصالِحِ مالِهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَزُولُ وِلايَةُ غَيْرِهِ عَنْهُ وذَلِكَ حَدُّ البُلُوغِ، فَأمّا إذا بَلَغَ غَيْرَ كامِلِ العَقْلِ لَمْ تَزُلِ الوِلايَةُ عَنْهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. وبُلُوغُ العَقْلِ هو أنْ يَكْمُلَ عَقْلُهُ وقُواهُ الحِسِّيَّةُ والحَرَكِيَّةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِخَمْسَةِ أشْياءَ أوَّلًا، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ وهي النَّهْيُ عَنِ الزِّنا، وعَنِ القَتْلِ إلّا بِالحَقِّ، وعَنْ قُرْبانِ مالِ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِهَذِهِ الأوامِرِ الثَّلاثَةِ فالأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ عَقْدٍ تَقَدَّمَ لِأجْلِ تَوْثِيقِ الأمْرِ وتَوْكِيدِهِ فَهو عَهْدٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَدَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ كُلُّ عَقْدٍ مِنَ العُقُودِ كَعَقْدِ البَيْعِ والشَّرِكَةِ، وعَقْدِ اليَمِينِ والنَّذْرِ، وعَقْدِ الصُّلْحِ، وعَقْدِ النِّكاحِ. وحاصِلُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ عَقْدٍ وعَهْدٍ جَرى بَيْنَ إنْسانَيْنِ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِما الوَفاءُ بِمُقْتَضى ذَلِكَ العَقْدِ والعَهْدِ، إلّا إذا دَلَّ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ فَمُقْتَضاهُ الحُكْمُ بِصِحَّةِ كُلِّ بَيْعٍ وقَعَ التَّراضِي بِهِ وبِصِحَّةِ كُلِّ شَرِكَةٍ وقَعَ التَّراضِي بِها، ويُؤَكَّدُ هَذا النَّصُّ بِسائِرِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الوَفاءِ بِالعُهُودِ والعُقُودِ كَقَوْلِهِ: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا عَنْ طِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» “ وقَوْلِهِ: ”إذا اخْتَلَفَ الجِنْسانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ“ وقَوْلِهِ: ”«مَنِ اشْتَرى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ فَهو بِالخِيارِ إذا رَآهُ» “ فَجَمِيعُ هَذِهِ الآياتِ والأخْبارِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في البَيُوعاتِ والعُهُودِ والعُقُودِ الصِّحَّةُ ووُجُوبُ الِالتِزامِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ وجَدْنا نَصًّا أخَصَّ مِن هَذِهِ النُّصُوصِ يَدُلُّ عَلى البُطْلانِ والفَسادِ قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا قَضَيْنا بِالصِّحَّةِ في الكُلِّ، وأمّا تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ فَقَدْ أبْطَلْناهُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ تَصِيرُ أبْوابُ المُعامَلاتِ عَلى طُولِها وإطْنابِها مَضْبُوطَةً مَعْلُومَةً بِهَذِهِ الآيَةِ الواحِدَةِ، ويَكُونُ المُكَلَّفُ آمِنَ القَلْبِ مُطَمْئِنَّ النَّفْسِ في العَمَلِ، لِأنَّهُ لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلى صِحَّتِها فَلَيْسَ بَعْدَ بَيانِ اللَّهِ بَيانٌ، وتَصِيرُ الشَّرِيعَةُ مَضْبُوطَةً مَعْلُومَةً.
صفحة ١٦٥
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يُرادَ صاحِبُ العُهَدِ كانَ مَسْئُولًا فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
وثانِيها: أنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا أيْ: مَطْلُوبًا يُطْلَبُ مِنَ المَعاهِدِ أنْ لا يُضَيِّعَهُ ويَفِيَ بِهِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ هَذا تَخْيِيلًا كَأنَّهُ يُقالُ لِلْعَهْدِ لِمَ نُكِثْتَ ؟ وهَلّا وُفِّيَ بِكَ تَبْكِيتًا لِلنّاكِثِ كَما يُقالُ لِلْمَوْءُودَةِ: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩] وكَقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ فالمُخاطَبَةُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإنْكارُ عَلى غَيْرِهِ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأوامِرِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ إتْمامُ الكَيْلِ وذِكْرُ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ في نُقْصانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [ المُطَفِّفِينَ: ١: ٣ ] .
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأوامِرِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ فالآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في إتْمامِ الكَيْلِ، وهَذِهِ الآيَةُ في إتْمامِ الوَزْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] .
واعْلَمْ أنَّ التَّفاوُتَ الحاصِلَ بِسَبَبِ نُقْصانِ الكَيْلِ والوَزْنِ قَلِيلٌ. والوَعِيدَ الحاصِلَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ عَظِيمٌ، فَوَجَبَ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنهُ، وإنَّما عَظُمَ الوَعِيدُ فِيهِ لِأنَّ جَمِيعَ النّاسِ مُحْتاجُونَ إلى المُعاوَضاتِ والبَيْعِ والشِّراءِ، وقَدْ يَكُونُ الإنْسانُ غافِلًا لا يَهْتَدِي إلى حِفْظِ مالِهِ، فالشّارِعُ بالَغَ في المَنعِ مِنَ التَّطْفِيفِ والنُّقْصانِ، سَعْيًا في إبْقاءِ الأمْوالِ عَلى المُلّاكِ، ومَنعًا مِن تَلْطِيخِ النَّفْسِ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ المِقْدارِ الحَقِيرِ، والقِسْطاسُ في مَعْنى المِيزانِ إلّا أنَّهُ في العُرْفِ أكْبَرُ مِنهُ، ولِهَذا اشْتُهِرَ في ألْسِنَةِ العامَّةِ أنَّهُ القَبّانُ. وقِيلَ أنَّهُ بِلِسانِ الرُّومِ أوِ السُّرْيانِيِّ. والأصَحُّ أنَّهُ لُغَةُ العَرَبِ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القِسْطِ، وهو الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الِاسْتِقامَةُ والِاعْتِدالُ، وبِالجُمْلَةِ فَمَعْناهُ المُعْتَدِلُ الَّذِي لا يَمِيلُ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، وأجْمَعُوا عَلى جَوازِ اللُّغَتَيْنِ فِيهِ، ضَمُّ القافِ وكَسْرُها، فالكَسْرُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ والباقُونَ بِالضَّمِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أيِ الإيفاءُ بِالتَّمامِ والكَمالِ خَيْرٌ مِنَ التَّطْفِيفِ القَلِيلِ مِن حَيْثُ أنَّ الإنْسانَ يَتَخَلَّصُ بِواسِطَتِهِ عَنِ الذِّكْرِ القَبِيحِ في الدُّنْيا والعِقابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ: ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ والتَّأْوِيلُ ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ الأمْرُ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤] ﴿وخَيْرٌ أمَلًا﴾ [الكهف: ٤٤] وإنَّما حَكَمَ تَعالى بِأنَّ عاقِبَةَ هَذا الأمْرِ أحْسَنُ العَواقِبِ، لِأنَّهُ في الدُّنْيا إذا اشْتُهِرَ بِالِاحْتِرازِ عَنِ التَّطْفِيفِ عَوَّلَ النّاسُ عَلَيْهِ ومالَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ وحَصَلَ لَهُ الِاسْتِغْناءُ في الزَّمانِ القَلِيلِ، وكَمْ قَدْ رَأيْنا مِنَ الفُقَراءِ لَمّا اشْتُهِرُوا عِنْدَ النّاسِ بِالأمانَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ الخِيانَةِ أقْبَلَتِ القُلُوبُ عَلَيْهِمْ وحَصَلَتِ الأمْوالُ الكَثِيرَةُ لَهم في المَدَّةِ القَلِيلَةِ. وأمّا في الآخِرَةِ فالفَوْزُ بِالثَّوابِ العَظِيمِ والخَلاصُ مِنَ العِقابِ الألِيمِ.
الإسراء 17:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ .
صفحة ١٦٦
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ الأوامِرَ الثَّلاثَةَ، عادَ بَعْدَهُ إلى ذِكْرِ النَّواهِي فَنَهى عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿تَقْفُ﴾ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: قَفَوْتُ أثَرَ فُلانٍ أقْفُو قَفْوًا وقُفُوًّا إذا اتَّبَعْتَ أثَرَهُ، وسُمِّيَتْ قافِيَةُ الشِّعْرِ قافِيَةً لِأنَّها تَقْفُو البَيْتَ، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ المَشْهُورَةُ بِالقافَةِ، لِأنَّهم يَتْبَعُونَ آثارَ أقْدامِ النّاسِ ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى أحْوالِ الإنْسانِ، وقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا﴾ [الحديد: ٢٧] وسُمِّي القَفا قَفًا لِأنَّهُ مُؤَخَّرُ بَدَنِ الإنْسانِ كَأنَّهُ شَيْءٌ يَتْبَعُهُ ويَقْفُوهُ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْفُ﴾ أيْ: ولا تَتْبَعْ ولا تَقْتَفِ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى النَّهْيِ عَنِ الحُكْمِ بِما لا يَكُونُ مَعْلُومًا، وهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ يَنْدَرِجُ تَحْتَها أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَمَلَهُ عَلى واحِدٍ مِن تِلْكَ الأنْواعِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ نَهْيُ المُشْرِكِينَ عَنِ المَذاهِبِ الَّتِي كانُوا يَعْتَقِدُونَها في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِ أسْلافِهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى نَسَبَهم في تِلْكَ العَقائِدِ إلى اتِّباعِ الهَوى فَقالَ: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] وقالَ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] وحُكِيَ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] وقالَ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ [النحل: ١١٦] الآيَةَ وقالَ: ﴿هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
والقَوْلُ الثّانِي: نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ المُرادَ مِنهُ شَهادَةُ الزُّورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَشْهَدْ إلّا بِما رَأتْهُ عَيْناكَ وسَمِعَتْهُ أُذُناكَ ووَعاهُ قَلْبُكَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ مِنهُ: النَّهْيُ عَنِ القَذْفِ ورَمْيِ المُحْصَنِينَ والمُحْصَناتِ بِالأكاذِيبِ، وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ جارِيَةً بِذَلِكَ يَذْكُرُونَها في الهِجاءِ ويُبالِغُونَ فِيهِ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: المُرادُ مِنهُ النَّهْيُ عَنِ الكَذِبِ. قالَ قَتادَةُ: لا تَقُلْ سَمِعْتُ ولَمْ تَسْمَعْ ورَأيْتُ ولَمْ تَرَ وعَلِمْتُ ولَمْ تَعْلَمْ.
والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّ القَفْوَ هو البُهْتُ وأصْلُهُ مِنَ القَفا، كَأنَّهُ قَوْلٌ يُقالُ خَلْفَهُ وهو في مَعْنى الغِيبَةِ وهو ذِكْرُ الرَّجُلِ في غِيبَتِهِ بِما يَسُوءُهُ. وفي بَعْضِ الأخْبارِ مَن قَفا مُسْلِمًا بِما لَيْسَ فِيهِ حَبَسَهُ اللَّهُ في رَدْغَةِ الخَبالِ، واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ يَتَناوَلُ الكُلَّ فَلا مَعْنى لِلتَّقْلِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: القِياسُ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ والظَّنُّ مُغايِرٌ لِلْعِلْمِ، فالحُكْمُ في دِينِ اللَّهِ بِالقِياسِ حُكْمٌ بِغَيْرِ المَعْلُومِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ .
أُجِيبَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الحُكْمَ في الدِّينِ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ جائِزٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ:
صفحة ١٦٧
أحَدُها: أنَّ العَمَلَ بِالفَتْوى عَمَلٌ بِالظَّنِّ وهو جائِزٌ.
وثانِيها: العَمَلُ بِالشَّهادَةِ عَمَلٌ بِالظَّنِّ وأنَّهُ جائِزٌ.
وثالِثُها: الِاجْتِهادُ في طَلَبِ القِبْلَةِ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ وأنَّهُ جائِزٌ.
ورابِعُها: قِيَمُ المُتْلَفاتِ وأُرُوشُ الجِناياتِ لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالظَّنِّ وأنَّهُ جائِزٌ.
وخامِسُها: الفَصْدُ والحِجامَةُ وسائِرُ المُعالَجاتِ بِناءً عَلى الظَّنِّ وأنَّهُ جائِزٌ.
وسادِسُها: كَوْنُ هَذِهِ الذَّبِيحَةِ ذَبِيحَةً لِلْمُسْلِمِ مَظْنُونٌ لا مَعْلُومٌ، وبِناءُ الحُكْمِ عَلَيْهِ جائِزٌ.
وسابِعُها: قالَ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ [النساء: ٣٥] وحُصُولُ ذَلِكَ الشِّقاقِ مَظْنُونٌ لا مَعْلُومٌ.
وثامِنُها: الحُكْمُ عَلى الشَّخْصِ المُعَيَّنِ بِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا مَظْنُونٌ ثُمَّ نَبْنِي عَلى هَذا الظَّنِّ أحْكامًا كَثِيرَةً مِثْلَ حُصُولِ التَّوارُثِ ومِثْلَ الدَّفْنِ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِما.
وتاسِعُها: جَمِيعُ الأعْمالِ المُعْتَبَرَةِ في الدُّنْيا مِنَ الأسْفارِ، وطَلَبِ الأرْباحِ والمُعامَلاتِ إلى الآجالِ المَخْصُوصَةِ والِاعْتِمادِ عَلى صَداقَةِ الأصْدِقاءِ وعَداوَةِ الأعْداءِ كُلُّها مَظْنُونَةٌ، وبِناءُ الأمْرِ عَلى تِلْكَ الظُّنُونِ جائِزٌ.
وعاشِرُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ» “ وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ الظَّنَّ مُعْتَبَرٌ في هَذِهِ الأنْواعِ العَشَرَةِ فَبَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ بِناءُ الأمْرِ عَلى الظَّنِّ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ الظَّنَّ قَدْ يُسَمّى بِالعِلْمِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ إنَّما يُمْكِنُ العِلْمُ بِأيْمانِهِنَّ بِناءً عَلى إقْرارِهِنَّ، وذَلِكَ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ، فَهَهُنا اللَّهُ تَعالى سَمّى الظَّنَّ عِلْمًا.
والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ لَمّا دَلَّ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ بِالقِياسِ، وكانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ ظَنُّ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ في هَذِهِ السُّورَةِ يُساوِي حُكْمَهُ في مَحَلِّ النَّصِّ، فَأنْتُمْ مُكَلَّفُونَ بِالعَمَلِ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الظَّنِّ، فَهَهُنا الظَّنُّ وقَعَ في طَرِيقِ الحُكْمِ، فَأمّا ذَلِكَ الحُكْمُ فَهو مَعْلُومٌ مُتَيَقَّنٌ.
أجابَ نُفاةُ القِياسِ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ في الصُّوَرِ العَشَرَةِ المَذْكُورَةِ، فَيَبْقى هَذا العُمُومُ فِيما وراءَ هَذِهِ الصُّوَرِ حُجَّةً، ثُمَّ نَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصُّوَرِ العَشْرِ وبَيْنَ مَحَلِّ النِّزاعِ أنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ العَشْرَ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّ تِلْكَ الأحْكامِ أحْكامٌ مُخْتَصَّةٌ بِأشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإنَّ الواقِعَةَ الَّتِي يَرْجِعُ فِيها الإنْسانُ المُعَيَّنُ إلى المَعْنى المُعَيَّنِ واقِعَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِذَلِكَ الشَّخْصِ المُعَيَّنِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في الشَّهادَةِ وفي طَلَبِ القِبْلَةِ وفي سائِرِ الصُّوَرِ. والتَّنْصِيصُ عَلى وقائِعِ الأشْخاصِ المُعَيَّنِينَ في الأوْقاتِ المُعَيَّنَةِ يَجْرِي مَجْرى التَّنْصِيصِ عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ اكْتَفَيْنا بِالظَّنِّ. أمّا الأحْكامُ المُثْبَتَةُ بِالأقْيِسَةِ فَهي أحْكامٌ كُلِّيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في وقائِعَ كُلِّيَّةٍ وهي مَضْبُوطَةٌ قَلِيلَةٌ، والتَّنْصِيصُ عَلَيْها مُمْكِنٌ ولِذَلِكَ فَإنَّ الفُقَهاءَ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الأحْكامَ بِطَرِيقِ القِياسِ ضَبَطُوها وذَكَرُوها في كُتُبِهِمْ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: التَّنْصِيصُ عَلى الأحْكامِ في الصُّوَرِ العَشْرِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلا جَرَمَ اكْتَفى الشّارِعُ فِيها بِالظَّنِّ، أمّا المَسائِلُ المُثْبَتَةُ بِالطُّرُقِ القِياسِيَّةِ التَّنْصِيصُ عَلَيْها مُمْكِنٌ فَلَمْ يَجُزِ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالظَّنِّ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
وأمّا الجَوابُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُمُ الظَّنُّ قَدْ يُسَمّى عِلْمًا فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ هَذا مَظْنُونٌ وغَيْرُ مَعْلُومٍ، وهَذا مَعْلُومٌ وغَيْرُ مَظْنُونٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المُغايَرَةِ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٦٨
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨] نَفْيُ العِلْمِ، وإثْباتٌ لِلظَّنِّ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المُغايَرَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] فالمُؤْمِنُ هو المُقِرُّ، وذَلِكَ الإقْرارُ هو العِلْمُ.
وأمّا الجَوابُ الثّالِثُ: فَهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ذَلِكَ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ بِدَلِيلٍ قاطِعٍ وذَلِكَ باطِلٌ لَأنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ إمّا أنْ تَكُونَ عَقْلِيَّةً أوْ نَقْلِيَّةً، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ القِياسَ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ لا يَجِبُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ حُجَّةً، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا نِزاعَ أنْ يَصِحَّ مِنَ الشَّرْعِ أنْ يَقُولَ: نَهَيْتُكم عَنِ الرُّجُوعِ إلى القِياسِ ولَوْ كانَ كَوْنُهُ حُجَّةً أمْرًا عَقْلِيًّا مَحْضًا لامْتَنَعَ ذَلِكَ. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّ الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ في كَوْنِ القِياسِ حُجَّةً إنَّما يَكُونُ قَطْعِيًّا لَوْ كانَ مَنقُولًا نَقْلًا مُتَواتِرًا وكانَتْ دَلالَتُهُ عَلى ثُبُوتِ هَذا المَطْلُوبِ دَلالَةً قَطْعِيَّةً غَيْرَ مُحْتَمِلَةٍ النَّقِيضَ ولَوْ حَصَلَ مِثْلُ هَذا الدَّلِيلِ لَوَصَلَ إلى الكُلِّ ولَعَرَفَهُ الكُلُّ ولارْتَفَعَ الخِلافُ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ في هَذِهِ المَسْألَةِ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ قاطِعٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في إثْباتِ كَوْنِ القِياسِ حُجَّةً دَلِيلٌ قاطِعٌ البَتَّةَ، فَبَطَلَ قَوْلُكم: كَوْنُ الحُكْمِ المُثْبَتِ بِالقِياسِ حُجَّةً مَعْلُومٌ لا مَظْنُونٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ. وأحْسَنُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ عَنْهُ إنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي عَوَّلْتُمْ عَلَيْها تَمَسُّكٌ بِعامٍّ مَخْصُوصٍ، والتَّمَسُّكُ بِالعامِّ المَخْصُوصِ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ، فَلَوْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّنِّ غَيْرُ جائِزٍ لَدَلَّتْ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ جائِزٍ، فالقَوْلُ بِكَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةً يُفْضِي ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ فَكانَ تَناقُضًا فَسَقَطَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ولِلْمُجِيبِ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولُ: نَعْلَمُ بِالتَّواتُرِ الظّاهِرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ التَّمَسُّكَ بِآياتِ القُرْآنِ حُجَّةٌ في الشَّرِيعَةِ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ هَذا الجَوابِ بِأنَّ كَوْنَ العامِّ المَخْصُوصِ حُجَّةً غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالتَّواتُرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ العُلُومَ إمّا مُسْتَفادَةٌ مِنَ الحَواسِّ، أوْ مِنَ العُقُولِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَ شَيْئًا ورَآهُ فَإنَّهُ يَرْوِيهِ ويُخْبِرُ عَنْهُ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو العُلُومُ المُسْتَفادَةُ مِنَ العَقْلِ وهي قِسْمانِ: البَدِيهِيَّةُ والكَسْبِيَّةُ، وإلى العُلُومِ العَقْلِيَّةِ الإشارَةُ بِذِكْرِ الفُؤادِ.
البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الجَوارِحَ مَسْئُولَةٌ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ صاحِبَ السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ هو المَسْئُولُ لِأنَّ السُّؤالَ لا يَصِحُّ إلّا مِمَّنْ كانَ عاقِلًا، وهَذِهِ الجَوارِحُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلِ العاقِلُ الفاهِمُ هو الإنْسانُ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] والمُرادُ أهْلُها يُقالُ لَهُ لِمَ سَمِعْتَ ما لا يَحِلُّ لَكَ سَماعُهُ ؟ ولِمَ نَظَرْتَ إلى ما لا يَحِلُّ لَكَ النَّظَرُ إلَيْهِ، ولِمَ عَزَمْتَ عَلى ما لا يَحِلُّ لَكَ العَزْمُ عَلَيْهِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ تَقْرِيرَ الآيَةِ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كُلُّهم مَسْئُولُونَ عَنِ السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ فَيُقالُ لَهُمُ: اسْتَعْمَلْتُمُ السَّمْعَ في ماذا ؟ أفِي الطّاعَةِ أوْ في المَعْصِيَةِ ؟ وكَذَلِكَ القَوْلُ في بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الحَواسَّ آلاتُ النَّفْسِ، والنَّفْسُ كالأمِيرِ لَها والمُسْتَعْمِلُ لَها في مَصالِحِها فَإنِ اسْتَعْمَلَتْها النَّفْسُ في الخَيْراتِ اسْتَوْجَبَتِ الثَّوابَ، وإنِ اسْتَعْمَلَتْها في المَعاصِي اسْتَحَقَّتِ العِقابَ.
صفحة ١٦٩
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالقُرْآنِ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الحَياةَ في الأعْضاءِ ثُمَّ إنَّها تَشْهَدُ عَلى الإنْسانِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] ولِذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ في هَذِهِ الأعْضاءِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُوَجِّهُ السُّؤالَ عَلَيْها.
الإسراء 17:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها في هَذِهِ الآياتِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرَحُ شِدَّةُ الفَرَحِ يُقالُ: مَرِحَ يَمْرَحُ مَرَحًا فَهو مَرِحٌ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَمْشِيَ الإنْسانُ مَشْيًا يَدُلُّ عَلى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا تَمْشِ في الأرْضِ مُخْتالًا فَخُورًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ في سُورَةِ لُقْمانَ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] وقالَ أيْضًا فِيها: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الأخْفَشُ: ولَوْ قُرِئَ: ”مَرِحًا“ بِالكَسْرِ كانَ أحْسَنَ في القِراءَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَرَحًا مَصْدَرٌ ومَرِحًا اسْمُ الفاعِلِ وكِلاهُما جائِزٌ، إلّا أنَّ المَصْدَرَ أحْسَنُ هَهُنا وأوْكَدُ، تَقُولُ جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا وراكِضًا فَرَكْضًا أوْكَدُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَوْكِيدِ الفِعْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ النَّهْيَ عَنِ الخُيَلاءِ والتَّكَبُّرِ فَقالَ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ والمُرادُ مِنَ الخَرْقِ هَهُنا نَقْبُ الأرْضِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المَشْيَ إنَّما يَتِمُّ بِالِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ حالَ الِانْخِفاضِ لا تَقْدِرُ عَلى خَرْقِ الأرْضِ ونَقْبِها، وحالَ الِارْتِفاعِ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ تَصِلَ إلى رُءُوسِ الجِبالِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِهِ ضَعِيفًا عاجِزًا فَلا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ.
الثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ تَحْتَكَ الأرْضَ الَّتِي لا تَقْدِرُ عَلى خَرْقِها، وفَوْقَكَ الجِبالَ الَّتِي لا تَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْها، فَأنْتَ مُحاطٌ بِكَ مِن فَوْقِكَ وتَحْتِكَ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الجَمادِ، وأنْتَ أضْعَفُ مِنهُما بِكَثِيرٍ، والضَّعِيفُ المَحْصُورُ لا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: تَواضَعْ ولا تَتَكَبَّرْ فَإنَّكَ خَلْقٌ ضَعِيفٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ المَحْصُورِ بَيْنَ حِجارَةٍ وتُرابٍ فَلا تَفْعَلْ فِعْلَ المُقْتَدِرِ القَوِيِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأكْثَرُونَ قَرَءُوا ”سَيِّئُهُ“ بِضَمِّ الهاءِ والهَمْزَةِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”سَيِّئَةً“ مَنصُوبَةً أمّا وجْهُ قِراءَةِ الأكْثَرِينَ فَظاهِرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَبْلَ هَذا أشْياءَ أمَرَ بِبَعْضِها ونَهى عَنْ بَعْضِها، فَلَوْ حَكَمَ عَلى الكُلِّ بِكَوْنِهِ سَيِّئَةً لَزِمَ كَوْنُ المَأْمُورِ بِهِ سَيِّئَةً وذَلِكَ لا يَجُوزُ، أمّا إذا قَرَأْناهُ بِالإضافَةِ كانَ المَعْنى أنَّ ما كانَ مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ سَيِّئَةً فَهو مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللَّهِ واسْتَقامَ الكَلامُ.
صفحة ١٧٠
والوَجْهُ الثّانِي: أنّا لَوْ حَكَمْنا عَلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِكَوْنِهِ سَيِّئَةً لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّها مَكْرُوهَةٌ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَكْرُوهًا﴾ أمّا إذا قَرَأْناهُ بِصِيغَةِ الإضافَةِ كانَ المَعْنى أنَّ سَيِّئَ تِلْكَ الأقْسامِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ الكَلامُ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو: فِيها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ ثُمَّ قالَ: (كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئَةً) والمُرادُ هَذِهِ الأشْياءُ الأخِيرَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ أيْ: كُلُّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ فِيما تَقَدَّمَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مَكْرُوهًا﴾ فَذَكَرُوا في تَصْحِيحِهِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئَةً وكانَ مَكْرُوهًا.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السَّيِّئَةُ في حُكْمِ الأسْماءِ بِمَنزِلَةِ الذَّنْبِ والإثْمِ زالَ عَنْهُ حُكْمُ الصِّفاتِ فَلا اعْتِبارَ بِتَأْنِيثِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ مَن قَرَأ سَيِّئَةً ومَن قَرَأ سَيِّئُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: الزِّنا سَيِّئَةٌ كَما تَقُولُ السَّرِقَةُ سَيِّئَةٌ، فَلا تُفَرِّقُ بَيْنَ إسْنادِها إلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ.
الثّالِثُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: كُلُّ ذَلِكَ كانَ مَكْرُوهًا وسَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ السَّيِّئَةَ هي الذَّنْبُ وهو مُذَكَّرٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والمَكْرُوهُ لا يَكُونُ مُرادًا لَهُ، فَهَذِهِ الأعْمالُ غَيْرُ مُرادَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَبَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: كُلُّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ فَهو مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى. وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَخْلُوقَةً لَهُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى لَكانَتْ مُرادَةً لَهُ لا يُقالُ: المُرادُ مِن كَوْنِها مَكْرُوهَةً أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْها، وأيْضًا مَعْنى كَوْنِها مَكْرُوهَةً أنَّ اللَّهَ تَعالى كَرِهَ وُقُوعَها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذا لا يَمْنَعُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ وُجُودَها، لِأنَّ الجَوابَ عَنِ الأوَّلِ أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا فَكَوْنُها سَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مَنهِيًّا عَنْها فَلَوْ حَمَلْنا المَكْرُوهَ عَلى النَّهْيِ لَزِمَ التَّكْرارُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْرِضِ الزَّجْرِ عَنْ هَذِهِ الأفْعالِ، ولا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَكْرَهُ وُقُوعَها، هَذا تَمامُ هَذا الِاسْتِدْلالِ.
والجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِنَ المَكْرُوهِ المَنهِيِّ عَنْهُ ولا بَأْسَ بِالتَّكْرِيرِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا فَكَذَلِكَ أيْضًا مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ كارِهًا. وقالَ أصْحابُنا: الكَراهِيَةُ في حَقِّهِ تَعالى مَحْمُولَةٌ إمّا عَلى النَّهْيِ أوْ عَلى إرادَةِ العَدَمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها في هَذِهِ الآياتِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرَحُ شِدَّةُ الفَرَحِ يُقالُ: مَرِحَ يَمْرَحُ مَرَحًا فَهو مَرِحٌ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَمْشِيَ الإنْسانُ مَشْيًا يَدُلُّ عَلى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا تَمْشِ في الأرْضِ مُخْتالًا فَخُورًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ في سُورَةِ لُقْمانَ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] وقالَ أيْضًا فِيها: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الأخْفَشُ: ولَوْ قُرِئَ: ”مَرِحًا“ بِالكَسْرِ كانَ أحْسَنَ في القِراءَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَرَحًا مَصْدَرٌ ومَرِحًا اسْمُ الفاعِلِ وكِلاهُما جائِزٌ، إلّا أنَّ المَصْدَرَ أحْسَنُ هَهُنا وأوْكَدُ، تَقُولُ جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا وراكِضًا فَرَكْضًا أوْكَدُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَوْكِيدِ الفِعْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ النَّهْيَ عَنِ الخُيَلاءِ والتَّكَبُّرِ فَقالَ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ والمُرادُ مِنَ الخَرْقِ هَهُنا نَقْبُ الأرْضِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المَشْيَ إنَّما يَتِمُّ بِالِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ حالَ الِانْخِفاضِ لا تَقْدِرُ عَلى خَرْقِ الأرْضِ ونَقْبِها، وحالَ الِارْتِفاعِ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ تَصِلَ إلى رُءُوسِ الجِبالِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِهِ ضَعِيفًا عاجِزًا فَلا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ.
الثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ تَحْتَكَ الأرْضَ الَّتِي لا تَقْدِرُ عَلى خَرْقِها، وفَوْقَكَ الجِبالَ الَّتِي لا تَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْها، فَأنْتَ مُحاطٌ بِكَ مِن فَوْقِكَ وتَحْتِكَ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الجَمادِ، وأنْتَ أضْعَفُ مِنهُما بِكَثِيرٍ، والضَّعِيفُ المَحْصُورُ لا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: تَواضَعْ ولا تَتَكَبَّرْ فَإنَّكَ خَلْقٌ ضَعِيفٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ المَحْصُورِ بَيْنَ حِجارَةٍ وتُرابٍ فَلا تَفْعَلْ فِعْلَ المُقْتَدِرِ القَوِيِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأكْثَرُونَ قَرَءُوا ”سَيِّئُهُ“ بِضَمِّ الهاءِ والهَمْزَةِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”سَيِّئَةً“ مَنصُوبَةً أمّا وجْهُ قِراءَةِ الأكْثَرِينَ فَظاهِرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَبْلَ هَذا أشْياءَ أمَرَ بِبَعْضِها ونَهى عَنْ بَعْضِها، فَلَوْ حَكَمَ عَلى الكُلِّ بِكَوْنِهِ سَيِّئَةً لَزِمَ كَوْنُ المَأْمُورِ بِهِ سَيِّئَةً وذَلِكَ لا يَجُوزُ، أمّا إذا قَرَأْناهُ بِالإضافَةِ كانَ المَعْنى أنَّ ما كانَ مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ سَيِّئَةً فَهو مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللَّهِ واسْتَقامَ الكَلامُ.
صفحة ١٧٠
والوَجْهُ الثّانِي: أنّا لَوْ حَكَمْنا عَلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِكَوْنِهِ سَيِّئَةً لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّها مَكْرُوهَةٌ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَكْرُوهًا﴾ أمّا إذا قَرَأْناهُ بِصِيغَةِ الإضافَةِ كانَ المَعْنى أنَّ سَيِّئَ تِلْكَ الأقْسامِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ الكَلامُ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو: فِيها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ ثُمَّ قالَ: (كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئَةً) والمُرادُ هَذِهِ الأشْياءُ الأخِيرَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ أيْ: كُلُّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ فِيما تَقَدَّمَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مَكْرُوهًا﴾ فَذَكَرُوا في تَصْحِيحِهِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئَةً وكانَ مَكْرُوهًا.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السَّيِّئَةُ في حُكْمِ الأسْماءِ بِمَنزِلَةِ الذَّنْبِ والإثْمِ زالَ عَنْهُ حُكْمُ الصِّفاتِ فَلا اعْتِبارَ بِتَأْنِيثِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ مَن قَرَأ سَيِّئَةً ومَن قَرَأ سَيِّئُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: الزِّنا سَيِّئَةٌ كَما تَقُولُ السَّرِقَةُ سَيِّئَةٌ، فَلا تُفَرِّقُ بَيْنَ إسْنادِها إلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ.
الثّالِثُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: كُلُّ ذَلِكَ كانَ مَكْرُوهًا وسَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ السَّيِّئَةَ هي الذَّنْبُ وهو مُذَكَّرٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والمَكْرُوهُ لا يَكُونُ مُرادًا لَهُ، فَهَذِهِ الأعْمالُ غَيْرُ مُرادَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَبَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: كُلُّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ فَهو مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى. وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَخْلُوقَةً لَهُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى لَكانَتْ مُرادَةً لَهُ لا يُقالُ: المُرادُ مِن كَوْنِها مَكْرُوهَةً أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْها، وأيْضًا مَعْنى كَوْنِها مَكْرُوهَةً أنَّ اللَّهَ تَعالى كَرِهَ وُقُوعَها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذا لا يَمْنَعُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ وُجُودَها، لِأنَّ الجَوابَ عَنِ الأوَّلِ أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا فَكَوْنُها سَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مَنهِيًّا عَنْها فَلَوْ حَمَلْنا المَكْرُوهَ عَلى النَّهْيِ لَزِمَ التَّكْرارُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْرِضِ الزَّجْرِ عَنْ هَذِهِ الأفْعالِ، ولا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَكْرَهُ وُقُوعَها، هَذا تَمامُ هَذا الِاسْتِدْلالِ.
والجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِنَ المَكْرُوهِ المَنهِيِّ عَنْهُ ولا بَأْسَ بِالتَّكْرِيرِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا فَكَذَلِكَ أيْضًا مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ كارِهًا. وقالَ أصْحابُنا: الكَراهِيَةُ في حَقِّهِ تَعالى مَحْمُولَةٌ إمّا عَلى النَّهْيِ أوْ عَلى إرادَةِ العَدَمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ .
صفحة ١٧١
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ خَمْسَةً وعِشْرِينَ نَوْعًا مِنَ التَّكالِيفِ:
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] مُشْتَمِلٌ عَلى تَكْلِيفَيْنِ: الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، والنَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَكانَ المَجْمُوعُ ثَلاثَةً. وقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] هو الرّابِعُ، ثُمَّ ذَكَرَ في شَرْحِ ذَلِكَ الإحْسانِ خَمْسَةً أُخْرى وهي: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] فَيَكُونُ المَجْمُوعُ تِسْعَةً، ثُمَّ قالَ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو ثَلاثَةٌ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ اثْنَيْ عَشَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] فَيَصِيرُ ثَلاثَةَ عَشَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ وهو الرّابِعَ عَشَرَ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٨ - ٢٩] إلى آخَرِ الآيَةِ وهو الخامِسَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] وهو السّادِسَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ وهو السّابِعَ عَشَرَ ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ وهو الثّامِنَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] وهو التّاسِعَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤] وهو العِشْرُونَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ وهو الحادِي والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] وهو الثّانِي والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وهو الثّالِثُ والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وهو الرّابِعُ والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وهو الخامِسُ والعِشْرُونَ، فَهَذِهِ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ نَوْعًا مِنَ التَّكالِيفِ بَعْضُها أوامِرُ وبَعْضُها نَواهٍ جَمَعَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ وجَعَلَ فاتِحَتَها قَوْلَهُ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] وخاتِمَتَها قَوْلَهُ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى؛ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ وسَمّاها حِكْمَةً، وإنَّما سَمّاها بِهَذا الِاسْمِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وأنْواعِ الطّاعاتِ والخَيْراتِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، والعُقُولُ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها. فالآتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ لا يَكُونُ داعِيًا إلى دِينِ الشَّيْطانِ بَلِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ تَشْهَدُ بِأنَّهُ يَكُونُ داعِيًا إلى دِينِ الرَّحْمَنِ، وتَمامُ تَقْرِيرِ هَذا ما نَذْكُرُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] .
وثانِيها: أنَّ الأحْكامَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ شَرائِعُ واجِبَةُ الرِّعايَةِ في جَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ ولا تَقْبَلُ النَّسْخَ والإبْطالَ، فَكانَتْ مُحْكَمَةً وحِكْمَةً مِن هَذا الِاعْتِبارِ.
وثالِثُها: أنَّ الحِكْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ والخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فالأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ عِبارَةٌ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ وسائِرُ التَّكالِيفِ عِبارَةٌ عَنْ تَعْلِيمِ الخَيْراتِ حَتّى يُواظِبَ الإنْسانُ عَلَيْها ولا يَنْحَرِفَ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ عَيْنُ الحِكْمَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
أوَّلُها: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ قالَ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] .
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: مِن فَوائِدِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى بَدَأ في هَذِهِ التَّكالِيفِ بِالأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، والنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ
صفحة ١٧٢
وخَتَمَها بِعَيْنِ هَذا المَعْنى، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أوَّلَ كُلِّ عَمَلٍ وقَوْلٍ وفِكْرٍ وذِكْرٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، وآخِرَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ التَّكالِيفِ هو مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ والِاسْتِغْراقُ فِيهِ، فَهَذا التَّكْرِيرُ حَسَنٌ مَوْقِعُهُ لِهَذِهِ الفائِدَةِ العَظِيمَةِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ صاحَبُهُ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، وذَكَرَ في الآيَةِ الأخِيرَةِ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ أنْ يُلْقِيَ صاحِبَهُ في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا، فاللَّوْمُ والخِذْلانُ يَحْصُلُ في الدُّنْيا، وإلْقاؤُهُ في جَهَنَّمَ يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ الفَرْقَ بَيْنَ المَذْمُومِ المَخْذُولِ، وبَيْنَ المَلُومِ المَدْحُورِ. فَنَقُولُ: أمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَذْمُومِ وبَيْنَ المَلُومِ، فَهو أنَّ كَوْنَهُ مَذْمُومًا مَعْناهُ: أنْ يُذْكَرَ لَهُ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ قَبِيحٌ ومُنْكَرٌ، فَهَذا مَعْنى كَوْنِهِ مَذْمُومًا، وإذا ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ فَبَعْدَ ذَلِكَ يُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ ؟ وما الَّذِي حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ وما اسْتَفَدْتَ مِن هَذا العَمَلِ إلّا إلْحاقَ الضَّرَرِ بِنَفْسِكَ، وهَذا هو اللَّوْمُ. فَثَبَتَ أنَّ أوَّلَ الأمْرِ هو أنْ يَصِيرَ مَذْمُومًا، وآخِرَهُ أنْ يَصِيرَ مَلُومًا، وأمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَخْذُولِ وبَيْنَ المَدْحُورِ فَهو أنَّ المَخْذُولَ عِبارَةٌ عَنِ الضَّعِيفِ يُقالُ: تَخاذَلَتْ أعْضاؤُهُ أيْ: ضَعُفَتْ، وأمّا المَدْحُورُ فَهو المَطْرُودُ. والطَّرْدُ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] فَكَوْنُهُ مَخْذُولًا عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ إعانَتِهِ وتَفْوِيضِهِ إلى نَفْسِهِ، وكَوْنُهُ مَدْحُورًا عِبارَةٌ عَنْ إهانَتِهِ والِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ أوَّلَ الأمْرِ أنْ يَصِيرَ مَخْذُولًا، وآخِرَهُ أنْ يَصِيرَ مَدْحُورًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَبَّهَ عَلى فَسادِ طَرِيقَةِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا ونَظِيرًا نَبَّهَ عَلى طَرِيقَةِ مَن أثْبَتَ لَهُ الوَلَدَ وعَلى كَمالِ جَهْلِ هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهي أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الوَلَدَ قِسْمانِ؛ فَأشْرَفُ القِسْمَيْنِ البَنُونَ، وأخَسُّهُما البَناتُ. ثُمَّ إنَّهم أثْبَتُوا البَنِينَ لِأنْفُسِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِنِهايَةِ عَجْزِهِمْ ونَقْصِهِمْ وأثْبَتُوا البَناتَ لِلَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو المَوْصُوفُ بِالكَمالِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ والجَلالِ الَّذِي لا غايَةَ لَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ جَهْلِ القائِلِ بِهَذا القَوْلِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكُمْ﴾ يُقالُ أصْفاهُ بِالشَّيْءِ إذا آثَرَ بِهِ، ويُقالُ لِلضِّياعِ الَّتِي يَسْتَخِصُّها السُّلْطانُ لِخاصِّهِ: الصَّوافِي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكُمْ﴾ أفَخَصَّكم، وقالَ المُفَضَّلُ: أخْلَصَكم. قالَ النَّحْوِيُّونَ هَذِهِ الهَمْزَةُ هَمْزَةٌ تَدُلُّ عَلى الإنْكارِ عَلى صِيغَةِ السُّؤالِ عَنْ مَذْهَبٍ ظاهِرِ الفَسادِ لا جَوابَ لِصاحِبِهِ إلّا بِما فِيهِ أعْظَمُ الفَضِيحَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ وبَيانُ هَذا التَّعْظِيمِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ قَدِيمًا واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ. وذَلِكَ عَظِيمٌ مِنَ القَوْلِ ومُنْكَرٌ مِنَ الكَلامِ.
والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الوَلَدِ فَقَدْ جَعَلْتُمْ أشْرَفَ القِسْمَيْنِ لِأنْفُسِكم وأخَسَّ القِسْمَيْنِ لِلَّهِ. وهَذا أيْضًا جَهْلٌ عَظِيمٌ.
الإسراء 17:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ .
صفحة ١٧١
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ خَمْسَةً وعِشْرِينَ نَوْعًا مِنَ التَّكالِيفِ:
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] مُشْتَمِلٌ عَلى تَكْلِيفَيْنِ: الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، والنَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَكانَ المَجْمُوعُ ثَلاثَةً. وقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] هو الرّابِعُ، ثُمَّ ذَكَرَ في شَرْحِ ذَلِكَ الإحْسانِ خَمْسَةً أُخْرى وهي: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] فَيَكُونُ المَجْمُوعُ تِسْعَةً، ثُمَّ قالَ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو ثَلاثَةٌ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ اثْنَيْ عَشَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] فَيَصِيرُ ثَلاثَةَ عَشَرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ وهو الرّابِعَ عَشَرَ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٨ - ٢٩] إلى آخَرِ الآيَةِ وهو الخامِسَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] وهو السّادِسَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ وهو السّابِعَ عَشَرَ ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ وهو الثّامِنَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] وهو التّاسِعَ عَشَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤] وهو العِشْرُونَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ وهو الحادِي والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] وهو الثّانِي والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وهو الثّالِثُ والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وهو الرّابِعُ والعِشْرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وهو الخامِسُ والعِشْرُونَ، فَهَذِهِ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ نَوْعًا مِنَ التَّكالِيفِ بَعْضُها أوامِرُ وبَعْضُها نَواهٍ جَمَعَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ وجَعَلَ فاتِحَتَها قَوْلَهُ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] وخاتِمَتَها قَوْلَهُ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى؛ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ وسَمّاها حِكْمَةً، وإنَّما سَمّاها بِهَذا الِاسْمِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وأنْواعِ الطّاعاتِ والخَيْراتِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، والعُقُولُ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها. فالآتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ لا يَكُونُ داعِيًا إلى دِينِ الشَّيْطانِ بَلِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ تَشْهَدُ بِأنَّهُ يَكُونُ داعِيًا إلى دِينِ الرَّحْمَنِ، وتَمامُ تَقْرِيرِ هَذا ما نَذْكُرُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] .
وثانِيها: أنَّ الأحْكامَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ شَرائِعُ واجِبَةُ الرِّعايَةِ في جَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ ولا تَقْبَلُ النَّسْخَ والإبْطالَ، فَكانَتْ مُحْكَمَةً وحِكْمَةً مِن هَذا الِاعْتِبارِ.
وثالِثُها: أنَّ الحِكْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ والخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فالأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ عِبارَةٌ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ وسائِرُ التَّكالِيفِ عِبارَةٌ عَنْ تَعْلِيمِ الخَيْراتِ حَتّى يُواظِبَ الإنْسانُ عَلَيْها ولا يَنْحَرِفَ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ عَيْنُ الحِكْمَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
أوَّلُها: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ قالَ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] .
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: مِن فَوائِدِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى بَدَأ في هَذِهِ التَّكالِيفِ بِالأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، والنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ
صفحة ١٧٢
وخَتَمَها بِعَيْنِ هَذا المَعْنى، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أوَّلَ كُلِّ عَمَلٍ وقَوْلٍ وفِكْرٍ وذِكْرٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، وآخِرَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ التَّكالِيفِ هو مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ والِاسْتِغْراقُ فِيهِ، فَهَذا التَّكْرِيرُ حَسَنٌ مَوْقِعُهُ لِهَذِهِ الفائِدَةِ العَظِيمَةِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ صاحَبُهُ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، وذَكَرَ في الآيَةِ الأخِيرَةِ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ أنْ يُلْقِيَ صاحِبَهُ في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا، فاللَّوْمُ والخِذْلانُ يَحْصُلُ في الدُّنْيا، وإلْقاؤُهُ في جَهَنَّمَ يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ الفَرْقَ بَيْنَ المَذْمُومِ المَخْذُولِ، وبَيْنَ المَلُومِ المَدْحُورِ. فَنَقُولُ: أمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَذْمُومِ وبَيْنَ المَلُومِ، فَهو أنَّ كَوْنَهُ مَذْمُومًا مَعْناهُ: أنْ يُذْكَرَ لَهُ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ قَبِيحٌ ومُنْكَرٌ، فَهَذا مَعْنى كَوْنِهِ مَذْمُومًا، وإذا ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ فَبَعْدَ ذَلِكَ يُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ ؟ وما الَّذِي حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ وما اسْتَفَدْتَ مِن هَذا العَمَلِ إلّا إلْحاقَ الضَّرَرِ بِنَفْسِكَ، وهَذا هو اللَّوْمُ. فَثَبَتَ أنَّ أوَّلَ الأمْرِ هو أنْ يَصِيرَ مَذْمُومًا، وآخِرَهُ أنْ يَصِيرَ مَلُومًا، وأمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَخْذُولِ وبَيْنَ المَدْحُورِ فَهو أنَّ المَخْذُولَ عِبارَةٌ عَنِ الضَّعِيفِ يُقالُ: تَخاذَلَتْ أعْضاؤُهُ أيْ: ضَعُفَتْ، وأمّا المَدْحُورُ فَهو المَطْرُودُ. والطَّرْدُ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] فَكَوْنُهُ مَخْذُولًا عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ إعانَتِهِ وتَفْوِيضِهِ إلى نَفْسِهِ، وكَوْنُهُ مَدْحُورًا عِبارَةٌ عَنْ إهانَتِهِ والِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ أوَّلَ الأمْرِ أنْ يَصِيرَ مَخْذُولًا، وآخِرَهُ أنْ يَصِيرَ مَدْحُورًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَبَّهَ عَلى فَسادِ طَرِيقَةِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا ونَظِيرًا نَبَّهَ عَلى طَرِيقَةِ مَن أثْبَتَ لَهُ الوَلَدَ وعَلى كَمالِ جَهْلِ هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهي أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الوَلَدَ قِسْمانِ؛ فَأشْرَفُ القِسْمَيْنِ البَنُونَ، وأخَسُّهُما البَناتُ. ثُمَّ إنَّهم أثْبَتُوا البَنِينَ لِأنْفُسِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِنِهايَةِ عَجْزِهِمْ ونَقْصِهِمْ وأثْبَتُوا البَناتَ لِلَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو المَوْصُوفُ بِالكَمالِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ والجَلالِ الَّذِي لا غايَةَ لَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ جَهْلِ القائِلِ بِهَذا القَوْلِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكُمْ﴾ يُقالُ أصْفاهُ بِالشَّيْءِ إذا آثَرَ بِهِ، ويُقالُ لِلضِّياعِ الَّتِي يَسْتَخِصُّها السُّلْطانُ لِخاصِّهِ: الصَّوافِي. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكُمْ﴾ أفَخَصَّكم، وقالَ المُفَضَّلُ: أخْلَصَكم. قالَ النَّحْوِيُّونَ هَذِهِ الهَمْزَةُ هَمْزَةٌ تَدُلُّ عَلى الإنْكارِ عَلى صِيغَةِ السُّؤالِ عَنْ مَذْهَبٍ ظاهِرِ الفَسادِ لا جَوابَ لِصاحِبِهِ إلّا بِما فِيهِ أعْظَمُ الفَضِيحَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ وبَيانُ هَذا التَّعْظِيمِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ قَدِيمًا واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ. وذَلِكَ عَظِيمٌ مِنَ القَوْلِ ومُنْكَرٌ مِنَ الكَلامِ.
والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الوَلَدِ فَقَدْ جَعَلْتُمْ أشْرَفَ القِسْمَيْنِ لِأنْفُسِكم وأخَسَّ القِسْمَيْنِ لِلَّهِ. وهَذا أيْضًا جَهْلٌ عَظِيمٌ.
الإسراء 17:41
صفحة ١٧٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ التَّصْرِيفَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ الشَّيْءِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، نَحْوَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وتَصْرِيفِ الأُمُورِ، هَذا هو الأصْلُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ جَعَلَ لَفْظَ التَّصْرِيفِ كِنايَةً عَنِ التَّبْيِينِ، لِأنَّ مَن حاوَلَ بَيانَ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَصْرِفُ كَلامَهُ مِن نَوْعٍ إلى نَوْعٍ آخَرَ ومِن مِثالٍ إلى مِثالٍ آخَرَ لِيُكْمِلَ الإيضاحَ ويُقَوِّيَ البَيانَ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ أيْ: بَيَّنّا ومَفْعُولُ التَّصْرِيفِ مَحْذُوفٌ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ ضُرُوبًا مِن كُلِّ مَثَلٍ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ لَفْظَةُ ”في“ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] أيْ: أصْلِحْ لِي ذَرِّيَّتِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما، والمَعْنى: لِيَتَذَكَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”لِيَذْكُرُوا“ ساكِنَةَ الذّالِ مَضْمُومَةَ الكافِ، وفي سُورَةِ الفُرْقانِ مِثْلُهُ مِنَ الذِّكْرِ قالَ الواحِدِيُّ: والتَّذَكُّرُ هَهُنا أشْبَهُ مِنَ الذِّكْرِ، لِأنَّ المُرادَ مِنهُ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الذِّكْرَ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ النِّسْيانِ. ثُمَّ قالَ: وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ فَفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الذِّكْرَ قَدْ جاءَ بِمَعْنى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] والمَعْنى: وافْهَمُوا ما فِيهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: صَرَّفْنا هَذِهِ الدَّلائِلَ في هَذا القُرْآنِ لِيَذْكُرُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ فَإنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ قَدْ يُؤَدِّي إلى تَأثُّرِ القَلْبِ بِمَعْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ، وإنَّما أكْثَرَ فِيهِ مِن ذِكْرِ الدَّلائِلِ لِأنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهم فَهْمَها والإيمانَ بِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ أفْعالَهُ لِأغْراضٍ حَكِيمَةٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ سَواءٌ آمَنُوا أوْ كَفَرُوا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأصَمُّ: شَبَّهَهم بِالدَّوابِّ النّافِرَةِ، أيْ: ما ازْدادُوا مِنَ الحَقِّ إلّا بُعْدًا وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أرادَ الإيمانَ مِنَ الكُفّارِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأنَّ تَصْرِيفَ القُرْآنِ لا يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا، فَلَوْ أرادَ الإيمانَ مِنهم لَما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ما يَزِيدُهم نَفْرَةً ونَبْوَةً عَنْهُ، لِأنَّ الحَكِيمَ إذا أرادَ تَحْصِيلَ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ وعَلِمَ أنَّ الفِعْلَ الفُلانِيَّ يَصِيرُ سَبَبًا لِمَزِيدِ النَّفْرَةِ والنَّبْوَةِ عَنْهُ، فَإنَّهُ عِنْدَما يُحاوِلُ تَحْصِيلَ ذَلِكَ المَقْصُودِ يَحْتَرِزُ عَمّا يُوجِبُ مَزِيدَ النَّفْرَةِ والنَّبْوَةِ. فَلَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذا التَّصْرِيفَ يَزِيدُهم نُفُورًا، عَلِمْنا أنَّهُ ما أرادَ الإيمانَ مِنهم. واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ وجْهانِ:
صفحة ١٧٤
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ هو أنّا لَوْ فَرَضْنا وُجُودَ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى لَغَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى دَلِيلِ التَّمانُعِ وقَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، فَقالَ اللَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأصْنامُ كَما تَقُولُونَ مِن أنَّها تُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ زُلْفى لَطَلَبَتْ لِأنْفُسِها أيْضًا قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى وسَبِيلًا إلَيْهِ ولَطَلَبَتْ لِأنْفُسِها المَراتِبَ العالِيَةَ والدَّرَجاتِ الشَّرِيفَةَ مِنَ الأحْوالِ الرَّفِيعَةِ، فَلَمّا لَمْ تَقْدِرْ أنْ تَتَّخِذَ لِأنْفُسِها سَبِيلًا إلى اللَّهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تُقَرِّبَكم إلى اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”كَما يَقُولُونَ“ و”عَمّا يَقُولُونَ“ و”يُسَبِّحُ“ بِالياءِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى كَما يَقُولُ المُشْرِكُونَ مِن إثْباتِ الآلِهَةِ مِن دُونِهِ فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ كُلَّها بِالتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في الأوَّلِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وفي الثّانِي والثّالِثِ بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ الأوَّلَيْنِ بِالياءِ، والأخِيرَ بِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو الأوَّلَ والأخِيرَ بِالتّاءِ والأوْسَطَ بِالياءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشُّرَكاءِ. وعَلى أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الآلِهَةِ قَوْلٌ باطِلٌ، أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى تَنْزِيهِهِ عَنْ هَذا القَوْلِ الباطِلِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَعالى﴾ والمُرادُ مِن هَذا التَّعالِي الِارْتِفاعُ وهو العُلُوُّ، وظاهِرٌ أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعالِي لَيْسَ هو التَّعالِي في المَكانِ والجِهَةِ، لِأنَّ التَّعالِيَ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ والنَّقائِصِ والآفاتِ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِالتَّعالِي بِالمَكانِ والجِهَةِ، فَعَلِمْنا أنَّ لَفْظَ التَّعالِي في حَقِّ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُفَسَّرٍ بِالعُلُوِّ بِحَسَبِ المَكانِ والجِهَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَعَلَ العُلُوَّ مَصْدَرَ التَّعالِي فَقالَ تَعالى: ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ تَعالى تَعالِيًا كَبِيرًا إلّا أنَّ نَظِيرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] .
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في وصْفِ ذَلِكَ العُلُوِّ بِالكَبِيرِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ ذاتِهِ وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وبَيْنَ ثُبُوتِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ مُنافاةٌ بَلَغَتْ في القُوَّةِ والكَمالِ إلى حَيْثُ لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْها، لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الواجِبِ لِذاتِهِ والمُمْكِنِ لِذاتِهِ، وبَيْنَ القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وبَيْنَ الغَنِيِّ والمُحْتاجِ مُنافاةٌ لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْها فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ العُلُوَّ بِالكَبِيرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الحَيَّ المُكَلَّفَ يُسَبِّحُ لِلَّهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: بِالقَوْلِ كَقَوْلِهِ بِاللِّسانِ سُبْحانَ اللَّهِ.
والثّانِي: بِدَلالَةِ أحْوالِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيسِهِ وعِزَّتِهِ، فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُكَلَّفًا مِثْلَ البَهائِمِ، ومَن لا يَكُونُ حَيًّا مِثْلَ الجَماداتِ فَهي إنَّما تُسَبِّحُ لِلَّهِ تَعالى بِالطَّرِيقِ الثّانِي، لِأنَّ التَّسْبِيحَ بِالطَّرِيقِ الأوَّلِ لا يَحْصُلُ إلّا
صفحة ١٧٥
مَعَ الفَهْمِ والعِلْمِ والإدْراكِ والنُّطْقِ وكُلُّ ذَلِكَ في الجَمادِ مُحالٌ، فَلَمْ يَبْقَ حُصُولُ التَّسْبِيحِ في حَقِّهِ إلّا بِالطَّرِيقِ الثّانِي.
واعْلَمْ أنّا لَوْ جَوَّزْنا في الجَمادِ أنْ يَكُونَ عالِمًا مُتَكَلِّمًا لَعَجَزْنا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا قادِرًا عَلى كَوْنِهِ حَيًّا وحِينَئِذٍ يَفْسَدُ عَلَيْنا بابُ العِلْمِ بِكَوْنِهِ حَيًّا وذَلِكَ كُفْرٌ فَإنَّهُ يُقالُ: إذا جازَ في الجَماداتِ أنْ تَكُونَ عالِمَةً بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وتُسَبِّحُهُ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ بِأحْياءٍ فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ عالِمًا قادِرًا مُتَكَلِّمًا كَوْنُهُ حَيًّا فَلَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا قادِرًا كَوْنُهُ حَيًّا وذَلِكَ جَهْلٌ وكُفْرٌ، لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مَن لَيْسَ بِحَيٍّ لَمْ يَكُنْ عالِمًا قادِرًا مُتَكَلِّمًا، هَذا هو القَوْلُ الَّذِي أطْبَقَ العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الجَماداتِ وأنْواعَ النَّباتِ والحَيَوانِ كُلَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنْ قالُوا: دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى كَوْنِها مُسَبِّحَةً لِلَّهِ تَعالى ولا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذا التَّسْبِيحِ بِكَوْنِها دَلائِلَ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ تَسْبِيحَ هَذِهِ الأشْياءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا. ودَلالَتُها عَلى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ مَعْلُومٌ، والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ فَدَلَّ عَلى أنَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى وأنَّ تَسْبِيحَها غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ مُغايِرًا لِكَوْنِها دالَّةً عَلى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّكَ إذا أخَذْتَ تُفّاحَةً واحِدَةً فَتِلْكَ التُّفّاحَةُ مُرَكَّبَةٌ مَن عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الأجْزاءِ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ دَلِيلٌ تامٌّ مُسْتَقِلٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ صِفاتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنَ الطَّبْعِ والطَّعْمِ واللَّوْنِ والرّائِحَةِ والحَيِّزِ والجِهَةِ، واخْتِصاصُ ذَلِكَ الجَوْهَرِ الفَرْدِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الجائِزاتِ فَلا يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ إلّا بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قادِرٍ حَكِيمٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ التُّفّاحَةِ دَلِيلٌ تامٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ وكُلَّ صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ الواحِدِ فَهو أيْضًا دَلِيلٌ تامٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، ثُمَّ عَدَدُ تِلْكَ الأجْزاءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وأحْوالُ تِلْكَ الصِّفاتِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ .
والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ الكُفّارَ وإنْ كانُوا يُقِرُّونَ بِألْسِنَتِهِمْ بِإثْباتِ إلَهِ العالَمِ إلّا أنَّهم ما كانُوا يَتَفَكَّرُونَ في أنْواعِ الدَّلائِلِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ هَذا المَعْنى.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِألْسِنَتِهِمْ بِإثْباتِ إلَهِ العالَمِ إلّا أنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ. ولِذَلِكَ فَإنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ فَكانَ المُرادُ ذَلِكَ. وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ فَهم ما كانُوا عالِمِينَ بِهَذا الدَّلِيلِ فَلَمّا ذُكِرَ هَذا الدَّلِيلُ قالَ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ فَتَسْبِيحُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذا الدَّلِيلِ وقُوَّتِهِ وأنْتُمْ لا تَفْقَهُونَ هَذا الدَّلِيلَ ولا تَعْرِفُونَهُ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ القَوْمَ كانُوا غافِلِينَ عَنْ أكْثَرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ذَلِكَ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فَذِكْرُ الحَلِيمِ
صفحة ١٧٦
والغَفُورِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهم بِحَيْثُ لا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ جُرْمٌ عَظِيمٌ صَدَرَ عَنْهم وهَذا إنَّما يَكُونُ جُرْمًا إذا كانَ المُرادُ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ كَوْنَها دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، ثُمَّ إنَّهم لِغَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ ما عَرَفُوا وجْهَ دَلالَةِ تِلْكَ الدَّلائِلِ. أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذا التَّسْبِيحَ عَلى أنَّ هَذِهِ الجَماداتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ بِأقْوالِها وألْفاظِها لَمْ يَكُنْ عَدَمُ الفِقْهِ لِتِلْكَ التَّسْبِيحاتِ جُرْمًا ولا ذَنْبًا، وإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جُرْمًا ولا ذَنْبًا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ لائِقًا بِهَذا المَوْضِعِ، فَهَذا وجْهٌ قَوِيٌّ في نُصْرَةِ القَوْلِ الَّذِي اخْتَرْناهُ. واعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ هَذِهِ الجَماداتِ والحَيَواناتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ بِألْفاظِها أضافُوا إلى كُلِّ حَيَوانٍ نَوْعًا آخَرَ مِنَ التَّسْبِيحِ. وقالُوا: إنَّها إذا ذُبِحَتْ لَمْ تُسَبِّحْ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّ الجَماداتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ، فَإذا كانَ كَوْنُهُ جَمادًا لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مُسَبِّحًا، فَكَيْفَ صارَ ذَبْحُ الحَيَوانِ مانِعًا لَهُ مِنَ التَّسْبِيحِ، وقالُوا أيْضًا: إنَّ غُصْنَ الشَّجَرَةِ إذا كُسِرَ لَمْ يُسَبِّحْ، وإذا كانَ كَوْنُهُ جَمادًا لَمْ يَمْنَعْ مِن كَوْنِهِ مُسَبِّحًا فَكَسْرُهُ كَيْفَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ ضَعِيفَةٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ تَصْرِيحٌ بِإضافَةِ التَّسْبِيحِ إلى السَّماواتِ والأرْضِ وإلى المُكَلَّفِينَ الحاصِلِينَ فِيهِنَّ وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ المُضافَ إلى الجَماداتِ لَيْسَ إلّا بِمَعْنى الدَّلالَةِ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى، وإطْلاقُ لَفْظِ التَّسْبِيحِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ، وأمّا التَّسْبِيحُ الصّادِرُ عَنِ المُكَلَّفِينَ وهو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ، فَهَذا حَقِيقَةٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿تُسَبِّحُ﴾ لَفْظًا واحِدًا قَدِ اسْتُعْمِلَ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا، وأنَّهُ باطِلٌ عَلى ما ثَبَتَ دَلِيلُهُ في أُصُولِ الفِقْهِ، فالأوْلى أنْ يُحْمَلَ هَذا التَّسْبِيحُ عَلى الوَجْهِ المَجازِيِّ في حَقِّ الجَماداتِ لا في حَقِّ العُقَلاءِ لِئَلّا يَلْزَمَ ذَلِكَ المَحْذُورُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:42
صفحة ١٧٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ التَّصْرِيفَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ الشَّيْءِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، نَحْوَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وتَصْرِيفِ الأُمُورِ، هَذا هو الأصْلُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ جَعَلَ لَفْظَ التَّصْرِيفِ كِنايَةً عَنِ التَّبْيِينِ، لِأنَّ مَن حاوَلَ بَيانَ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَصْرِفُ كَلامَهُ مِن نَوْعٍ إلى نَوْعٍ آخَرَ ومِن مِثالٍ إلى مِثالٍ آخَرَ لِيُكْمِلَ الإيضاحَ ويُقَوِّيَ البَيانَ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ أيْ: بَيَّنّا ومَفْعُولُ التَّصْرِيفِ مَحْذُوفٌ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ ضُرُوبًا مِن كُلِّ مَثَلٍ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ لَفْظَةُ ”في“ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] أيْ: أصْلِحْ لِي ذَرِّيَّتِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما، والمَعْنى: لِيَتَذَكَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”لِيَذْكُرُوا“ ساكِنَةَ الذّالِ مَضْمُومَةَ الكافِ، وفي سُورَةِ الفُرْقانِ مِثْلُهُ مِنَ الذِّكْرِ قالَ الواحِدِيُّ: والتَّذَكُّرُ هَهُنا أشْبَهُ مِنَ الذِّكْرِ، لِأنَّ المُرادَ مِنهُ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الذِّكْرَ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ النِّسْيانِ. ثُمَّ قالَ: وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ فَفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الذِّكْرَ قَدْ جاءَ بِمَعْنى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] والمَعْنى: وافْهَمُوا ما فِيهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: صَرَّفْنا هَذِهِ الدَّلائِلَ في هَذا القُرْآنِ لِيَذْكُرُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ فَإنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ قَدْ يُؤَدِّي إلى تَأثُّرِ القَلْبِ بِمَعْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ، وإنَّما أكْثَرَ فِيهِ مِن ذِكْرِ الدَّلائِلِ لِأنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهم فَهْمَها والإيمانَ بِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ أفْعالَهُ لِأغْراضٍ حَكِيمَةٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ سَواءٌ آمَنُوا أوْ كَفَرُوا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأصَمُّ: شَبَّهَهم بِالدَّوابِّ النّافِرَةِ، أيْ: ما ازْدادُوا مِنَ الحَقِّ إلّا بُعْدًا وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أرادَ الإيمانَ مِنَ الكُفّارِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأنَّ تَصْرِيفَ القُرْآنِ لا يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا، فَلَوْ أرادَ الإيمانَ مِنهم لَما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ما يَزِيدُهم نَفْرَةً ونَبْوَةً عَنْهُ، لِأنَّ الحَكِيمَ إذا أرادَ تَحْصِيلَ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ وعَلِمَ أنَّ الفِعْلَ الفُلانِيَّ يَصِيرُ سَبَبًا لِمَزِيدِ النَّفْرَةِ والنَّبْوَةِ عَنْهُ، فَإنَّهُ عِنْدَما يُحاوِلُ تَحْصِيلَ ذَلِكَ المَقْصُودِ يَحْتَرِزُ عَمّا يُوجِبُ مَزِيدَ النَّفْرَةِ والنَّبْوَةِ. فَلَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذا التَّصْرِيفَ يَزِيدُهم نُفُورًا، عَلِمْنا أنَّهُ ما أرادَ الإيمانَ مِنهم. واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ وجْهانِ:
صفحة ١٧٤
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ هو أنّا لَوْ فَرَضْنا وُجُودَ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى لَغَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى دَلِيلِ التَّمانُعِ وقَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، فَقالَ اللَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأصْنامُ كَما تَقُولُونَ مِن أنَّها تُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ زُلْفى لَطَلَبَتْ لِأنْفُسِها أيْضًا قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى وسَبِيلًا إلَيْهِ ولَطَلَبَتْ لِأنْفُسِها المَراتِبَ العالِيَةَ والدَّرَجاتِ الشَّرِيفَةَ مِنَ الأحْوالِ الرَّفِيعَةِ، فَلَمّا لَمْ تَقْدِرْ أنْ تَتَّخِذَ لِأنْفُسِها سَبِيلًا إلى اللَّهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تُقَرِّبَكم إلى اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”كَما يَقُولُونَ“ و”عَمّا يَقُولُونَ“ و”يُسَبِّحُ“ بِالياءِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى كَما يَقُولُ المُشْرِكُونَ مِن إثْباتِ الآلِهَةِ مِن دُونِهِ فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ كُلَّها بِالتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في الأوَّلِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وفي الثّانِي والثّالِثِ بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ الأوَّلَيْنِ بِالياءِ، والأخِيرَ بِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو الأوَّلَ والأخِيرَ بِالتّاءِ والأوْسَطَ بِالياءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشُّرَكاءِ. وعَلى أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الآلِهَةِ قَوْلٌ باطِلٌ، أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى تَنْزِيهِهِ عَنْ هَذا القَوْلِ الباطِلِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَعالى﴾ والمُرادُ مِن هَذا التَّعالِي الِارْتِفاعُ وهو العُلُوُّ، وظاهِرٌ أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعالِي لَيْسَ هو التَّعالِي في المَكانِ والجِهَةِ، لِأنَّ التَّعالِيَ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ والنَّقائِصِ والآفاتِ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِالتَّعالِي بِالمَكانِ والجِهَةِ، فَعَلِمْنا أنَّ لَفْظَ التَّعالِي في حَقِّ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُفَسَّرٍ بِالعُلُوِّ بِحَسَبِ المَكانِ والجِهَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَعَلَ العُلُوَّ مَصْدَرَ التَّعالِي فَقالَ تَعالى: ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ تَعالى تَعالِيًا كَبِيرًا إلّا أنَّ نَظِيرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] .
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في وصْفِ ذَلِكَ العُلُوِّ بِالكَبِيرِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ ذاتِهِ وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وبَيْنَ ثُبُوتِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ مُنافاةٌ بَلَغَتْ في القُوَّةِ والكَمالِ إلى حَيْثُ لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْها، لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الواجِبِ لِذاتِهِ والمُمْكِنِ لِذاتِهِ، وبَيْنَ القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وبَيْنَ الغَنِيِّ والمُحْتاجِ مُنافاةٌ لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْها فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ العُلُوَّ بِالكَبِيرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الحَيَّ المُكَلَّفَ يُسَبِّحُ لِلَّهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: بِالقَوْلِ كَقَوْلِهِ بِاللِّسانِ سُبْحانَ اللَّهِ.
والثّانِي: بِدَلالَةِ أحْوالِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيسِهِ وعِزَّتِهِ، فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُكَلَّفًا مِثْلَ البَهائِمِ، ومَن لا يَكُونُ حَيًّا مِثْلَ الجَماداتِ فَهي إنَّما تُسَبِّحُ لِلَّهِ تَعالى بِالطَّرِيقِ الثّانِي، لِأنَّ التَّسْبِيحَ بِالطَّرِيقِ الأوَّلِ لا يَحْصُلُ إلّا
صفحة ١٧٥
مَعَ الفَهْمِ والعِلْمِ والإدْراكِ والنُّطْقِ وكُلُّ ذَلِكَ في الجَمادِ مُحالٌ، فَلَمْ يَبْقَ حُصُولُ التَّسْبِيحِ في حَقِّهِ إلّا بِالطَّرِيقِ الثّانِي.
واعْلَمْ أنّا لَوْ جَوَّزْنا في الجَمادِ أنْ يَكُونَ عالِمًا مُتَكَلِّمًا لَعَجَزْنا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا قادِرًا عَلى كَوْنِهِ حَيًّا وحِينَئِذٍ يَفْسَدُ عَلَيْنا بابُ العِلْمِ بِكَوْنِهِ حَيًّا وذَلِكَ كُفْرٌ فَإنَّهُ يُقالُ: إذا جازَ في الجَماداتِ أنْ تَكُونَ عالِمَةً بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وتُسَبِّحُهُ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ بِأحْياءٍ فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ عالِمًا قادِرًا مُتَكَلِّمًا كَوْنُهُ حَيًّا فَلَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا قادِرًا كَوْنُهُ حَيًّا وذَلِكَ جَهْلٌ وكُفْرٌ، لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مَن لَيْسَ بِحَيٍّ لَمْ يَكُنْ عالِمًا قادِرًا مُتَكَلِّمًا، هَذا هو القَوْلُ الَّذِي أطْبَقَ العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الجَماداتِ وأنْواعَ النَّباتِ والحَيَوانِ كُلَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنْ قالُوا: دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى كَوْنِها مُسَبِّحَةً لِلَّهِ تَعالى ولا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذا التَّسْبِيحِ بِكَوْنِها دَلائِلَ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ تَسْبِيحَ هَذِهِ الأشْياءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا. ودَلالَتُها عَلى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ مَعْلُومٌ، والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ فَدَلَّ عَلى أنَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى وأنَّ تَسْبِيحَها غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ مُغايِرًا لِكَوْنِها دالَّةً عَلى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّكَ إذا أخَذْتَ تُفّاحَةً واحِدَةً فَتِلْكَ التُّفّاحَةُ مُرَكَّبَةٌ مَن عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الأجْزاءِ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ دَلِيلٌ تامٌّ مُسْتَقِلٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ صِفاتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنَ الطَّبْعِ والطَّعْمِ واللَّوْنِ والرّائِحَةِ والحَيِّزِ والجِهَةِ، واخْتِصاصُ ذَلِكَ الجَوْهَرِ الفَرْدِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الجائِزاتِ فَلا يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ إلّا بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قادِرٍ حَكِيمٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ التُّفّاحَةِ دَلِيلٌ تامٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ وكُلَّ صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ الواحِدِ فَهو أيْضًا دَلِيلٌ تامٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، ثُمَّ عَدَدُ تِلْكَ الأجْزاءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وأحْوالُ تِلْكَ الصِّفاتِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ .
والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ الكُفّارَ وإنْ كانُوا يُقِرُّونَ بِألْسِنَتِهِمْ بِإثْباتِ إلَهِ العالَمِ إلّا أنَّهم ما كانُوا يَتَفَكَّرُونَ في أنْواعِ الدَّلائِلِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ هَذا المَعْنى.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِألْسِنَتِهِمْ بِإثْباتِ إلَهِ العالَمِ إلّا أنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ. ولِذَلِكَ فَإنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ فَكانَ المُرادُ ذَلِكَ. وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ فَهم ما كانُوا عالِمِينَ بِهَذا الدَّلِيلِ فَلَمّا ذُكِرَ هَذا الدَّلِيلُ قالَ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ فَتَسْبِيحُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذا الدَّلِيلِ وقُوَّتِهِ وأنْتُمْ لا تَفْقَهُونَ هَذا الدَّلِيلَ ولا تَعْرِفُونَهُ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ القَوْمَ كانُوا غافِلِينَ عَنْ أكْثَرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ذَلِكَ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فَذِكْرُ الحَلِيمِ
صفحة ١٧٦
والغَفُورِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهم بِحَيْثُ لا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ جُرْمٌ عَظِيمٌ صَدَرَ عَنْهم وهَذا إنَّما يَكُونُ جُرْمًا إذا كانَ المُرادُ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ كَوْنَها دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، ثُمَّ إنَّهم لِغَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ ما عَرَفُوا وجْهَ دَلالَةِ تِلْكَ الدَّلائِلِ. أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذا التَّسْبِيحَ عَلى أنَّ هَذِهِ الجَماداتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ بِأقْوالِها وألْفاظِها لَمْ يَكُنْ عَدَمُ الفِقْهِ لِتِلْكَ التَّسْبِيحاتِ جُرْمًا ولا ذَنْبًا، وإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جُرْمًا ولا ذَنْبًا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ لائِقًا بِهَذا المَوْضِعِ، فَهَذا وجْهٌ قَوِيٌّ في نُصْرَةِ القَوْلِ الَّذِي اخْتَرْناهُ. واعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ هَذِهِ الجَماداتِ والحَيَواناتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ بِألْفاظِها أضافُوا إلى كُلِّ حَيَوانٍ نَوْعًا آخَرَ مِنَ التَّسْبِيحِ. وقالُوا: إنَّها إذا ذُبِحَتْ لَمْ تُسَبِّحْ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّ الجَماداتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ، فَإذا كانَ كَوْنُهُ جَمادًا لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مُسَبِّحًا، فَكَيْفَ صارَ ذَبْحُ الحَيَوانِ مانِعًا لَهُ مِنَ التَّسْبِيحِ، وقالُوا أيْضًا: إنَّ غُصْنَ الشَّجَرَةِ إذا كُسِرَ لَمْ يُسَبِّحْ، وإذا كانَ كَوْنُهُ جَمادًا لَمْ يَمْنَعْ مِن كَوْنِهِ مُسَبِّحًا فَكَسْرُهُ كَيْفَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ ضَعِيفَةٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ تَصْرِيحٌ بِإضافَةِ التَّسْبِيحِ إلى السَّماواتِ والأرْضِ وإلى المُكَلَّفِينَ الحاصِلِينَ فِيهِنَّ وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ المُضافَ إلى الجَماداتِ لَيْسَ إلّا بِمَعْنى الدَّلالَةِ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى، وإطْلاقُ لَفْظِ التَّسْبِيحِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ، وأمّا التَّسْبِيحُ الصّادِرُ عَنِ المُكَلَّفِينَ وهو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ، فَهَذا حَقِيقَةٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿تُسَبِّحُ﴾ لَفْظًا واحِدًا قَدِ اسْتُعْمِلَ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا، وأنَّهُ باطِلٌ عَلى ما ثَبَتَ دَلِيلُهُ في أُصُولِ الفِقْهِ، فالأوْلى أنْ يُحْمَلَ هَذا التَّسْبِيحُ عَلى الوَجْهِ المَجازِيِّ في حَقِّ الجَماداتِ لا في حَقِّ العُقَلاءِ لِئَلّا يَلْزَمَ ذَلِكَ المَحْذُورُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:43
صفحة ١٧٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ التَّصْرِيفَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ الشَّيْءِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، نَحْوَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وتَصْرِيفِ الأُمُورِ، هَذا هو الأصْلُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ جَعَلَ لَفْظَ التَّصْرِيفِ كِنايَةً عَنِ التَّبْيِينِ، لِأنَّ مَن حاوَلَ بَيانَ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَصْرِفُ كَلامَهُ مِن نَوْعٍ إلى نَوْعٍ آخَرَ ومِن مِثالٍ إلى مِثالٍ آخَرَ لِيُكْمِلَ الإيضاحَ ويُقَوِّيَ البَيانَ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ أيْ: بَيَّنّا ومَفْعُولُ التَّصْرِيفِ مَحْذُوفٌ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ ضُرُوبًا مِن كُلِّ مَثَلٍ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ لَفْظَةُ ”في“ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] أيْ: أصْلِحْ لِي ذَرِّيَّتِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما، والمَعْنى: لِيَتَذَكَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”لِيَذْكُرُوا“ ساكِنَةَ الذّالِ مَضْمُومَةَ الكافِ، وفي سُورَةِ الفُرْقانِ مِثْلُهُ مِنَ الذِّكْرِ قالَ الواحِدِيُّ: والتَّذَكُّرُ هَهُنا أشْبَهُ مِنَ الذِّكْرِ، لِأنَّ المُرادَ مِنهُ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الذِّكْرَ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ النِّسْيانِ. ثُمَّ قالَ: وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ فَفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الذِّكْرَ قَدْ جاءَ بِمَعْنى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] والمَعْنى: وافْهَمُوا ما فِيهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: صَرَّفْنا هَذِهِ الدَّلائِلَ في هَذا القُرْآنِ لِيَذْكُرُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ فَإنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ قَدْ يُؤَدِّي إلى تَأثُّرِ القَلْبِ بِمَعْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ، وإنَّما أكْثَرَ فِيهِ مِن ذِكْرِ الدَّلائِلِ لِأنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهم فَهْمَها والإيمانَ بِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ أفْعالَهُ لِأغْراضٍ حَكِيمَةٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ سَواءٌ آمَنُوا أوْ كَفَرُوا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأصَمُّ: شَبَّهَهم بِالدَّوابِّ النّافِرَةِ، أيْ: ما ازْدادُوا مِنَ الحَقِّ إلّا بُعْدًا وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أرادَ الإيمانَ مِنَ الكُفّارِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأنَّ تَصْرِيفَ القُرْآنِ لا يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا، فَلَوْ أرادَ الإيمانَ مِنهم لَما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ما يَزِيدُهم نَفْرَةً ونَبْوَةً عَنْهُ، لِأنَّ الحَكِيمَ إذا أرادَ تَحْصِيلَ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ وعَلِمَ أنَّ الفِعْلَ الفُلانِيَّ يَصِيرُ سَبَبًا لِمَزِيدِ النَّفْرَةِ والنَّبْوَةِ عَنْهُ، فَإنَّهُ عِنْدَما يُحاوِلُ تَحْصِيلَ ذَلِكَ المَقْصُودِ يَحْتَرِزُ عَمّا يُوجِبُ مَزِيدَ النَّفْرَةِ والنَّبْوَةِ. فَلَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذا التَّصْرِيفَ يَزِيدُهم نُفُورًا، عَلِمْنا أنَّهُ ما أرادَ الإيمانَ مِنهم. واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ وجْهانِ:
صفحة ١٧٤
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ هو أنّا لَوْ فَرَضْنا وُجُودَ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى لَغَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى دَلِيلِ التَّمانُعِ وقَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، فَقالَ اللَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأصْنامُ كَما تَقُولُونَ مِن أنَّها تُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ زُلْفى لَطَلَبَتْ لِأنْفُسِها أيْضًا قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى وسَبِيلًا إلَيْهِ ولَطَلَبَتْ لِأنْفُسِها المَراتِبَ العالِيَةَ والدَّرَجاتِ الشَّرِيفَةَ مِنَ الأحْوالِ الرَّفِيعَةِ، فَلَمّا لَمْ تَقْدِرْ أنْ تَتَّخِذَ لِأنْفُسِها سَبِيلًا إلى اللَّهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تُقَرِّبَكم إلى اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”كَما يَقُولُونَ“ و”عَمّا يَقُولُونَ“ و”يُسَبِّحُ“ بِالياءِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى كَما يَقُولُ المُشْرِكُونَ مِن إثْباتِ الآلِهَةِ مِن دُونِهِ فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ كُلَّها بِالتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في الأوَّلِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وفي الثّانِي والثّالِثِ بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ الأوَّلَيْنِ بِالياءِ، والأخِيرَ بِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو الأوَّلَ والأخِيرَ بِالتّاءِ والأوْسَطَ بِالياءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشُّرَكاءِ. وعَلى أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الآلِهَةِ قَوْلٌ باطِلٌ، أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى تَنْزِيهِهِ عَنْ هَذا القَوْلِ الباطِلِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَعالى﴾ والمُرادُ مِن هَذا التَّعالِي الِارْتِفاعُ وهو العُلُوُّ، وظاهِرٌ أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعالِي لَيْسَ هو التَّعالِي في المَكانِ والجِهَةِ، لِأنَّ التَّعالِيَ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ والنَّقائِصِ والآفاتِ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِالتَّعالِي بِالمَكانِ والجِهَةِ، فَعَلِمْنا أنَّ لَفْظَ التَّعالِي في حَقِّ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُفَسَّرٍ بِالعُلُوِّ بِحَسَبِ المَكانِ والجِهَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَعَلَ العُلُوَّ مَصْدَرَ التَّعالِي فَقالَ تَعالى: ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ تَعالى تَعالِيًا كَبِيرًا إلّا أنَّ نَظِيرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] .
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في وصْفِ ذَلِكَ العُلُوِّ بِالكَبِيرِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ ذاتِهِ وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وبَيْنَ ثُبُوتِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ مُنافاةٌ بَلَغَتْ في القُوَّةِ والكَمالِ إلى حَيْثُ لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْها، لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الواجِبِ لِذاتِهِ والمُمْكِنِ لِذاتِهِ، وبَيْنَ القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وبَيْنَ الغَنِيِّ والمُحْتاجِ مُنافاةٌ لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْها فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ العُلُوَّ بِالكَبِيرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الحَيَّ المُكَلَّفَ يُسَبِّحُ لِلَّهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: بِالقَوْلِ كَقَوْلِهِ بِاللِّسانِ سُبْحانَ اللَّهِ.
والثّانِي: بِدَلالَةِ أحْوالِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيسِهِ وعِزَّتِهِ، فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُكَلَّفًا مِثْلَ البَهائِمِ، ومَن لا يَكُونُ حَيًّا مِثْلَ الجَماداتِ فَهي إنَّما تُسَبِّحُ لِلَّهِ تَعالى بِالطَّرِيقِ الثّانِي، لِأنَّ التَّسْبِيحَ بِالطَّرِيقِ الأوَّلِ لا يَحْصُلُ إلّا
صفحة ١٧٥
مَعَ الفَهْمِ والعِلْمِ والإدْراكِ والنُّطْقِ وكُلُّ ذَلِكَ في الجَمادِ مُحالٌ، فَلَمْ يَبْقَ حُصُولُ التَّسْبِيحِ في حَقِّهِ إلّا بِالطَّرِيقِ الثّانِي.
واعْلَمْ أنّا لَوْ جَوَّزْنا في الجَمادِ أنْ يَكُونَ عالِمًا مُتَكَلِّمًا لَعَجَزْنا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا قادِرًا عَلى كَوْنِهِ حَيًّا وحِينَئِذٍ يَفْسَدُ عَلَيْنا بابُ العِلْمِ بِكَوْنِهِ حَيًّا وذَلِكَ كُفْرٌ فَإنَّهُ يُقالُ: إذا جازَ في الجَماداتِ أنْ تَكُونَ عالِمَةً بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وتُسَبِّحُهُ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ بِأحْياءٍ فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ عالِمًا قادِرًا مُتَكَلِّمًا كَوْنُهُ حَيًّا فَلَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا قادِرًا كَوْنُهُ حَيًّا وذَلِكَ جَهْلٌ وكُفْرٌ، لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مَن لَيْسَ بِحَيٍّ لَمْ يَكُنْ عالِمًا قادِرًا مُتَكَلِّمًا، هَذا هو القَوْلُ الَّذِي أطْبَقَ العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الجَماداتِ وأنْواعَ النَّباتِ والحَيَوانِ كُلَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنْ قالُوا: دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى كَوْنِها مُسَبِّحَةً لِلَّهِ تَعالى ولا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذا التَّسْبِيحِ بِكَوْنِها دَلائِلَ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ تَسْبِيحَ هَذِهِ الأشْياءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا. ودَلالَتُها عَلى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ مَعْلُومٌ، والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ فَدَلَّ عَلى أنَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى وأنَّ تَسْبِيحَها غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ مُغايِرًا لِكَوْنِها دالَّةً عَلى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّكَ إذا أخَذْتَ تُفّاحَةً واحِدَةً فَتِلْكَ التُّفّاحَةُ مُرَكَّبَةٌ مَن عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الأجْزاءِ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ دَلِيلٌ تامٌّ مُسْتَقِلٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ صِفاتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنَ الطَّبْعِ والطَّعْمِ واللَّوْنِ والرّائِحَةِ والحَيِّزِ والجِهَةِ، واخْتِصاصُ ذَلِكَ الجَوْهَرِ الفَرْدِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الجائِزاتِ فَلا يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ إلّا بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قادِرٍ حَكِيمٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ التُّفّاحَةِ دَلِيلٌ تامٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ وكُلَّ صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ الواحِدِ فَهو أيْضًا دَلِيلٌ تامٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، ثُمَّ عَدَدُ تِلْكَ الأجْزاءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وأحْوالُ تِلْكَ الصِّفاتِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ .
والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ الكُفّارَ وإنْ كانُوا يُقِرُّونَ بِألْسِنَتِهِمْ بِإثْباتِ إلَهِ العالَمِ إلّا أنَّهم ما كانُوا يَتَفَكَّرُونَ في أنْواعِ الدَّلائِلِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ هَذا المَعْنى.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِألْسِنَتِهِمْ بِإثْباتِ إلَهِ العالَمِ إلّا أنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ. ولِذَلِكَ فَإنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ فَكانَ المُرادُ ذَلِكَ. وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ فَهم ما كانُوا عالِمِينَ بِهَذا الدَّلِيلِ فَلَمّا ذُكِرَ هَذا الدَّلِيلُ قالَ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ فَتَسْبِيحُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذا الدَّلِيلِ وقُوَّتِهِ وأنْتُمْ لا تَفْقَهُونَ هَذا الدَّلِيلَ ولا تَعْرِفُونَهُ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ القَوْمَ كانُوا غافِلِينَ عَنْ أكْثَرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ذَلِكَ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فَذِكْرُ الحَلِيمِ
صفحة ١٧٦
والغَفُورِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهم بِحَيْثُ لا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ جُرْمٌ عَظِيمٌ صَدَرَ عَنْهم وهَذا إنَّما يَكُونُ جُرْمًا إذا كانَ المُرادُ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ كَوْنَها دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، ثُمَّ إنَّهم لِغَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ ما عَرَفُوا وجْهَ دَلالَةِ تِلْكَ الدَّلائِلِ. أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذا التَّسْبِيحَ عَلى أنَّ هَذِهِ الجَماداتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ بِأقْوالِها وألْفاظِها لَمْ يَكُنْ عَدَمُ الفِقْهِ لِتِلْكَ التَّسْبِيحاتِ جُرْمًا ولا ذَنْبًا، وإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جُرْمًا ولا ذَنْبًا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ لائِقًا بِهَذا المَوْضِعِ، فَهَذا وجْهٌ قَوِيٌّ في نُصْرَةِ القَوْلِ الَّذِي اخْتَرْناهُ. واعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ هَذِهِ الجَماداتِ والحَيَواناتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ بِألْفاظِها أضافُوا إلى كُلِّ حَيَوانٍ نَوْعًا آخَرَ مِنَ التَّسْبِيحِ. وقالُوا: إنَّها إذا ذُبِحَتْ لَمْ تُسَبِّحْ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّ الجَماداتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ، فَإذا كانَ كَوْنُهُ جَمادًا لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مُسَبِّحًا، فَكَيْفَ صارَ ذَبْحُ الحَيَوانِ مانِعًا لَهُ مِنَ التَّسْبِيحِ، وقالُوا أيْضًا: إنَّ غُصْنَ الشَّجَرَةِ إذا كُسِرَ لَمْ يُسَبِّحْ، وإذا كانَ كَوْنُهُ جَمادًا لَمْ يَمْنَعْ مِن كَوْنِهِ مُسَبِّحًا فَكَسْرُهُ كَيْفَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ ضَعِيفَةٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ تَصْرِيحٌ بِإضافَةِ التَّسْبِيحِ إلى السَّماواتِ والأرْضِ وإلى المُكَلَّفِينَ الحاصِلِينَ فِيهِنَّ وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ المُضافَ إلى الجَماداتِ لَيْسَ إلّا بِمَعْنى الدَّلالَةِ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى، وإطْلاقُ لَفْظِ التَّسْبِيحِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ، وأمّا التَّسْبِيحُ الصّادِرُ عَنِ المُكَلَّفِينَ وهو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ، فَهَذا حَقِيقَةٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿تُسَبِّحُ﴾ لَفْظًا واحِدًا قَدِ اسْتُعْمِلَ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا، وأنَّهُ باطِلٌ عَلى ما ثَبَتَ دَلِيلُهُ في أُصُولِ الفِقْهِ، فالأوْلى أنْ يُحْمَلَ هَذا التَّسْبِيحُ عَلى الوَجْهِ المَجازِيِّ في حَقِّ الجَماداتِ لا في حَقِّ العُقَلاءِ لِئَلّا يَلْزَمَ ذَلِكَ المَحْذُورُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:44
صفحة ١٧٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ التَّصْرِيفَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ الشَّيْءِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، نَحْوَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وتَصْرِيفِ الأُمُورِ، هَذا هو الأصْلُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ جَعَلَ لَفْظَ التَّصْرِيفِ كِنايَةً عَنِ التَّبْيِينِ، لِأنَّ مَن حاوَلَ بَيانَ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَصْرِفُ كَلامَهُ مِن نَوْعٍ إلى نَوْعٍ آخَرَ ومِن مِثالٍ إلى مِثالٍ آخَرَ لِيُكْمِلَ الإيضاحَ ويُقَوِّيَ البَيانَ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ أيْ: بَيَّنّا ومَفْعُولُ التَّصْرِيفِ مَحْذُوفٌ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ ضُرُوبًا مِن كُلِّ مَثَلٍ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ لَفْظَةُ ”في“ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] أيْ: أصْلِحْ لِي ذَرِّيَّتِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما، والمَعْنى: لِيَتَذَكَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”لِيَذْكُرُوا“ ساكِنَةَ الذّالِ مَضْمُومَةَ الكافِ، وفي سُورَةِ الفُرْقانِ مِثْلُهُ مِنَ الذِّكْرِ قالَ الواحِدِيُّ: والتَّذَكُّرُ هَهُنا أشْبَهُ مِنَ الذِّكْرِ، لِأنَّ المُرادَ مِنهُ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الذِّكْرَ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ النِّسْيانِ. ثُمَّ قالَ: وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ فَفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الذِّكْرَ قَدْ جاءَ بِمَعْنى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] والمَعْنى: وافْهَمُوا ما فِيهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: صَرَّفْنا هَذِهِ الدَّلائِلَ في هَذا القُرْآنِ لِيَذْكُرُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ فَإنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ قَدْ يُؤَدِّي إلى تَأثُّرِ القَلْبِ بِمَعْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ، وإنَّما أكْثَرَ فِيهِ مِن ذِكْرِ الدَّلائِلِ لِأنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهم فَهْمَها والإيمانَ بِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ أفْعالَهُ لِأغْراضٍ حَكِيمَةٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ سَواءٌ آمَنُوا أوْ كَفَرُوا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأصَمُّ: شَبَّهَهم بِالدَّوابِّ النّافِرَةِ، أيْ: ما ازْدادُوا مِنَ الحَقِّ إلّا بُعْدًا وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أرادَ الإيمانَ مِنَ الكُفّارِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأنَّ تَصْرِيفَ القُرْآنِ لا يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا، فَلَوْ أرادَ الإيمانَ مِنهم لَما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ما يَزِيدُهم نَفْرَةً ونَبْوَةً عَنْهُ، لِأنَّ الحَكِيمَ إذا أرادَ تَحْصِيلَ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ وعَلِمَ أنَّ الفِعْلَ الفُلانِيَّ يَصِيرُ سَبَبًا لِمَزِيدِ النَّفْرَةِ والنَّبْوَةِ عَنْهُ، فَإنَّهُ عِنْدَما يُحاوِلُ تَحْصِيلَ ذَلِكَ المَقْصُودِ يَحْتَرِزُ عَمّا يُوجِبُ مَزِيدَ النَّفْرَةِ والنَّبْوَةِ. فَلَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذا التَّصْرِيفَ يَزِيدُهم نُفُورًا، عَلِمْنا أنَّهُ ما أرادَ الإيمانَ مِنهم. واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ وجْهانِ:
صفحة ١٧٤
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ هو أنّا لَوْ فَرَضْنا وُجُودَ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى لَغَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى دَلِيلِ التَّمانُعِ وقَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، فَقالَ اللَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأصْنامُ كَما تَقُولُونَ مِن أنَّها تُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ زُلْفى لَطَلَبَتْ لِأنْفُسِها أيْضًا قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى وسَبِيلًا إلَيْهِ ولَطَلَبَتْ لِأنْفُسِها المَراتِبَ العالِيَةَ والدَّرَجاتِ الشَّرِيفَةَ مِنَ الأحْوالِ الرَّفِيعَةِ، فَلَمّا لَمْ تَقْدِرْ أنْ تَتَّخِذَ لِأنْفُسِها سَبِيلًا إلى اللَّهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تُقَرِّبَكم إلى اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”كَما يَقُولُونَ“ و”عَمّا يَقُولُونَ“ و”يُسَبِّحُ“ بِالياءِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى كَما يَقُولُ المُشْرِكُونَ مِن إثْباتِ الآلِهَةِ مِن دُونِهِ فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ كُلَّها بِالتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في الأوَّلِ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وفي الثّانِي والثّالِثِ بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ الأوَّلَيْنِ بِالياءِ، والأخِيرَ بِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو الأوَّلَ والأخِيرَ بِالتّاءِ والأوْسَطَ بِالياءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشُّرَكاءِ. وعَلى أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الآلِهَةِ قَوْلٌ باطِلٌ، أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى تَنْزِيهِهِ عَنْ هَذا القَوْلِ الباطِلِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَعالى﴾ والمُرادُ مِن هَذا التَّعالِي الِارْتِفاعُ وهو العُلُوُّ، وظاهِرٌ أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعالِي لَيْسَ هو التَّعالِي في المَكانِ والجِهَةِ، لِأنَّ التَّعالِيَ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ والنَّقائِصِ والآفاتِ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِالتَّعالِي بِالمَكانِ والجِهَةِ، فَعَلِمْنا أنَّ لَفْظَ التَّعالِي في حَقِّ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُفَسَّرٍ بِالعُلُوِّ بِحَسَبِ المَكانِ والجِهَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَعَلَ العُلُوَّ مَصْدَرَ التَّعالِي فَقالَ تَعالى: ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ تَعالى تَعالِيًا كَبِيرًا إلّا أنَّ نَظِيرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] .
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في وصْفِ ذَلِكَ العُلُوِّ بِالكَبِيرِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ ذاتِهِ وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وبَيْنَ ثُبُوتِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ مُنافاةٌ بَلَغَتْ في القُوَّةِ والكَمالِ إلى حَيْثُ لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْها، لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الواجِبِ لِذاتِهِ والمُمْكِنِ لِذاتِهِ، وبَيْنَ القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وبَيْنَ الغَنِيِّ والمُحْتاجِ مُنافاةٌ لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْها فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ العُلُوَّ بِالكَبِيرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الحَيَّ المُكَلَّفَ يُسَبِّحُ لِلَّهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: بِالقَوْلِ كَقَوْلِهِ بِاللِّسانِ سُبْحانَ اللَّهِ.
والثّانِي: بِدَلالَةِ أحْوالِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيسِهِ وعِزَّتِهِ، فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُكَلَّفًا مِثْلَ البَهائِمِ، ومَن لا يَكُونُ حَيًّا مِثْلَ الجَماداتِ فَهي إنَّما تُسَبِّحُ لِلَّهِ تَعالى بِالطَّرِيقِ الثّانِي، لِأنَّ التَّسْبِيحَ بِالطَّرِيقِ الأوَّلِ لا يَحْصُلُ إلّا
صفحة ١٧٥
مَعَ الفَهْمِ والعِلْمِ والإدْراكِ والنُّطْقِ وكُلُّ ذَلِكَ في الجَمادِ مُحالٌ، فَلَمْ يَبْقَ حُصُولُ التَّسْبِيحِ في حَقِّهِ إلّا بِالطَّرِيقِ الثّانِي.
واعْلَمْ أنّا لَوْ جَوَّزْنا في الجَمادِ أنْ يَكُونَ عالِمًا مُتَكَلِّمًا لَعَجَزْنا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا قادِرًا عَلى كَوْنِهِ حَيًّا وحِينَئِذٍ يَفْسَدُ عَلَيْنا بابُ العِلْمِ بِكَوْنِهِ حَيًّا وذَلِكَ كُفْرٌ فَإنَّهُ يُقالُ: إذا جازَ في الجَماداتِ أنْ تَكُونَ عالِمَةً بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وتُسَبِّحُهُ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ بِأحْياءٍ فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ عالِمًا قادِرًا مُتَكَلِّمًا كَوْنُهُ حَيًّا فَلَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا قادِرًا كَوْنُهُ حَيًّا وذَلِكَ جَهْلٌ وكُفْرٌ، لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مَن لَيْسَ بِحَيٍّ لَمْ يَكُنْ عالِمًا قادِرًا مُتَكَلِّمًا، هَذا هو القَوْلُ الَّذِي أطْبَقَ العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الجَماداتِ وأنْواعَ النَّباتِ والحَيَوانِ كُلَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنْ قالُوا: دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى كَوْنِها مُسَبِّحَةً لِلَّهِ تَعالى ولا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذا التَّسْبِيحِ بِكَوْنِها دَلائِلَ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ تَسْبِيحَ هَذِهِ الأشْياءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا. ودَلالَتُها عَلى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ مَعْلُومٌ، والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ فَدَلَّ عَلى أنَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى وأنَّ تَسْبِيحَها غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ مُغايِرًا لِكَوْنِها دالَّةً عَلى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّكَ إذا أخَذْتَ تُفّاحَةً واحِدَةً فَتِلْكَ التُّفّاحَةُ مُرَكَّبَةٌ مَن عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الأجْزاءِ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ دَلِيلٌ تامٌّ مُسْتَقِلٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ صِفاتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنَ الطَّبْعِ والطَّعْمِ واللَّوْنِ والرّائِحَةِ والحَيِّزِ والجِهَةِ، واخْتِصاصُ ذَلِكَ الجَوْهَرِ الفَرْدِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الجائِزاتِ فَلا يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ إلّا بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قادِرٍ حَكِيمٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ التُّفّاحَةِ دَلِيلٌ تامٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ وكُلَّ صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ الواحِدِ فَهو أيْضًا دَلِيلٌ تامٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، ثُمَّ عَدَدُ تِلْكَ الأجْزاءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وأحْوالُ تِلْكَ الصِّفاتِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ .
والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ الكُفّارَ وإنْ كانُوا يُقِرُّونَ بِألْسِنَتِهِمْ بِإثْباتِ إلَهِ العالَمِ إلّا أنَّهم ما كانُوا يَتَفَكَّرُونَ في أنْواعِ الدَّلائِلِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ هَذا المَعْنى.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِألْسِنَتِهِمْ بِإثْباتِ إلَهِ العالَمِ إلّا أنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ. ولِذَلِكَ فَإنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ فَكانَ المُرادُ ذَلِكَ. وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ فَهم ما كانُوا عالِمِينَ بِهَذا الدَّلِيلِ فَلَمّا ذُكِرَ هَذا الدَّلِيلُ قالَ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ فَتَسْبِيحُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذا الدَّلِيلِ وقُوَّتِهِ وأنْتُمْ لا تَفْقَهُونَ هَذا الدَّلِيلَ ولا تَعْرِفُونَهُ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ القَوْمَ كانُوا غافِلِينَ عَنْ أكْثَرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ذَلِكَ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فَذِكْرُ الحَلِيمِ
صفحة ١٧٦
والغَفُورِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهم بِحَيْثُ لا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ جُرْمٌ عَظِيمٌ صَدَرَ عَنْهم وهَذا إنَّما يَكُونُ جُرْمًا إذا كانَ المُرادُ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ كَوْنَها دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، ثُمَّ إنَّهم لِغَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ ما عَرَفُوا وجْهَ دَلالَةِ تِلْكَ الدَّلائِلِ. أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذا التَّسْبِيحَ عَلى أنَّ هَذِهِ الجَماداتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ بِأقْوالِها وألْفاظِها لَمْ يَكُنْ عَدَمُ الفِقْهِ لِتِلْكَ التَّسْبِيحاتِ جُرْمًا ولا ذَنْبًا، وإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جُرْمًا ولا ذَنْبًا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ لائِقًا بِهَذا المَوْضِعِ، فَهَذا وجْهٌ قَوِيٌّ في نُصْرَةِ القَوْلِ الَّذِي اخْتَرْناهُ. واعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ هَذِهِ الجَماداتِ والحَيَواناتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ بِألْفاظِها أضافُوا إلى كُلِّ حَيَوانٍ نَوْعًا آخَرَ مِنَ التَّسْبِيحِ. وقالُوا: إنَّها إذا ذُبِحَتْ لَمْ تُسَبِّحْ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّ الجَماداتِ تُسَبِّحُ اللَّهَ، فَإذا كانَ كَوْنُهُ جَمادًا لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مُسَبِّحًا، فَكَيْفَ صارَ ذَبْحُ الحَيَوانِ مانِعًا لَهُ مِنَ التَّسْبِيحِ، وقالُوا أيْضًا: إنَّ غُصْنَ الشَّجَرَةِ إذا كُسِرَ لَمْ يُسَبِّحْ، وإذا كانَ كَوْنُهُ جَمادًا لَمْ يَمْنَعْ مِن كَوْنِهِ مُسَبِّحًا فَكَسْرُهُ كَيْفَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ ضَعِيفَةٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ تَصْرِيحٌ بِإضافَةِ التَّسْبِيحِ إلى السَّماواتِ والأرْضِ وإلى المُكَلَّفِينَ الحاصِلِينَ فِيهِنَّ وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ المُضافَ إلى الجَماداتِ لَيْسَ إلّا بِمَعْنى الدَّلالَةِ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى، وإطْلاقُ لَفْظِ التَّسْبِيحِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ، وأمّا التَّسْبِيحُ الصّادِرُ عَنِ المُكَلَّفِينَ وهو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ، فَهَذا حَقِيقَةٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿تُسَبِّحُ﴾ لَفْظًا واحِدًا قَدِ اسْتُعْمِلَ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا، وأنَّهُ باطِلٌ عَلى ما ثَبَتَ دَلِيلُهُ في أُصُولِ الفِقْهِ، فالأوْلى أنْ يُحْمَلَ هَذا التَّسْبِيحُ عَلى الوَجْهِ المَجازِيِّ في حَقِّ الجَماداتِ لا في حَقِّ العُقَلاءِ لِئَلّا يَلْزَمَ ذَلِكَ المَحْذُورُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في المَسائِلِ الإلَهِيَّةِ تَكَلَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا قَرَأ القُرْآنَ عَلى النّاسِ. رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ كُلَّما قَرَأ القُرْآنَ قامَ عَنْ يَمِينِهِ رَجُلانِ، وعَنْ يَسارِهِ آخَرانِ مَن ولَدِ قُصَيٍّ يُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويَخْلِطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ»، وعَنْ أسْماءَ «أنَّهُ ﷺ كانَ جالِسًا ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ إذْ أقْبَلَتِ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ
صفحة ١٧٧
ومَعَها فِهْرٌ تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي تَقُولُ:
مُذَمَّمًا أتَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ عَصَيْنا
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَعَها فِهْرٌ أخْشاها عَلَيْكَ، فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ فَجاءَتْ فَما رَأتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَتْ: إنَّ قُرَيْشًا قَدْ عَلِمَتْ أنِّي ابْنَةُ سَيِّدِها وأنَّ صاحِبَكَ هَجانِي فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ ما هَجاكِ» . ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ: «أنَّ أبا سُفْيانَ والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ وأبا جَهْلٍ وغَيْرَهم كانُوا يُجالِسُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَسْتَمِعُونَ إلى حَدِيثِهِ، فَقالَ النَّضْرُ يَوْمًا: ما أدْرِي ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ غَيْرَ أنِّي أرى شَفَتَيْهِ تَتَحَرَّكُ بِشَيْءٍ. وقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأرى بَعْضَ ما يَقُولُهُ حَقًّا، وقالَ أبُو جَهْلٍ: هو مَجْنُونٌ. وقالَ أبُو لَهَبٍ هو كاهِنٌ. وقالَ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى هو شاعِرٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أرادَ تِلاوَةَ القُرْآنِ قَرَأ قَبْلَها ثَلاثَةَ آياتٍ وهي قَوْلُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وفي النَّحْلِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨] وفي حم الجاثِيَةِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ»﴾ [الجاثية: ٢٣] إلى آخَرِ الآيَةِ فَكانَ اللَّهُ تَعالى يَحْجُبُهُ بِبَرَكاتِ هَذِهِ الآياتِ عَنْ عُيُونِ المُشْرِكِينَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ حِجابًا ساتِرًا.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الحِجابَ حِجابٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في عُيُونِهِمْ بِحَيْثُ يَمْنَعُهم ذَلِكَ الحِجابُ عَنْ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ الحِجابُ شَيْءٌ لا يَراهُ أحَدٌ فَكانَ مَسْتُورًا مِن هَذا الوَجْهِ، احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحاسَّةُ سَلِيمَةً ويَكُونُ المَرْئِيُّ حاضِرًا مَعَ أنَّهُ لا يَراهُ ذَلِكَ الإنْسانُ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في عَيْنَيْهِ مانِعًا يَمْنَعُهُ عَنْ رُؤْيَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ حاضِرًا وكانَتْ حَواسُّ الكُفّارِ سَلِيمَةً، ثُمَّ إنَّهم ما كانُوا يَرَوْنَهُ، وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا مَسْتُورًا، والحِجابُ المَسْتُورُ لا مَعْنى لَهُ إلّا المَعْنى الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في عُيُونِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ المَعْنى مانِعًا لَهم مِن أنْ يَرَوْهُ ويُبْصِرُوهُ.
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّهُ كَما يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لابِنٌ وتامِرٌ بِمَعْنى ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ فَكَذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ”مَسْتُورًا“ مَعْناهُ ذُو سِتْرٍ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مَرْطُوبٌ أيْ: ذُو رُطُوبَةٍ ولا يُقالُ رَطِيبَةٌ ويُقالُ مَكانٌ مَهُولٌ أيْ: فِيهِ هَوْلٌ ولا يُقالُ: هِلْتُ المَكانَ بِمَعْنى جَعَلْتُ فِيهِ الهَوْلَ، ويُقالُ: جارِيَةٌ مَغْنُوجَةٌ ذاتُ غُنْجٍ ولا يُقالُ غَنَجْتُها.
والوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ قالَ الأخْفَشُ: المَسْتُورُ هَهُنا بِمَعْنى السّاتِرِ، فَإنَّ الفاعِلَ قَدْ يَجِيءُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ كَما يُقالُ: إنَّكَ لَمَشْئُومٌ عَلَيْنا ومَيْمُونٌ وإنَّما هو شائِمٌ ويامِنٌ، لِأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ شَأَّمَهم ويَمَّنَهم، هَذا قَوْلُ الأخْفَشِ: وتابَعَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنهم طَعَنَ في هَذا القَوْلِ، والحَقُّ هو الجَوابُ الأوَّلُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الحِجابِ الطَّبْعُ الَّذِي عَلى قُلُوبِهِمْ، والطَّبْعُ والمَنعُ الَّذِي مَنَعَهم عَنْ أنْ يُدْرِكُوا لَطائِفَ القُرْآنِ ومَحاسِنَهُ وفَوائِدَهُ، فالمُرادُ مِنَ الحِجابِ المَسْتُورِ ذَلِكَ الطَّبْعُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةٌ بِعَيْنِها في
صفحة ١٧٨
سُورَةِ الأنْعامِ وذَكَرْنا اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِها وذَكَرْنا سُؤالاتِ المُعْتَزِلَةِ ولا بَأْسَ بِإعادَةِ بَعْضِها قالَ الأصْحابُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ قُلُوبَهم في الأكِنَّةِ. والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو ما سَتَرَ الشَّيْءَ مِثْلَ كِنانِ النَّبْلِ وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: لِئَلّا يَفْقَهُوهُ. وجَعَلَ في آذانِهِمْ وقْرًا. ومَعْلُومٌ أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ سامِعِينَ فاهِمِينَ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ مَنعُهم عَنِ الإيمانِ ومَنعُهم عَنْ سَماعِ القُرْآنِ بِحَيْثُ لا يَقِفُونَ عَلى أسْرارِهِ ولا يَفْهَمُونَ دَقائِقَهُ وحَقائِقَهُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ بَلِ المُرادُ مِنهُ وُجُوهٌ أُخْرى:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: كانُوا يَطْلُبُونَ مَوْضِعَهُ في اللَّيالِي لِيَنْتَهُوا إلَيْهِ ويُؤْذُونَهُ، ويَسْتَدِلُّونَ عَلى مَبِيتِهِ بِاسْتِماعِ قِراءَتِهِ فَأمَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِن شَرِّهِمْ، وذَكَرَ لَهُ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا لا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ مَعَهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَشْغَلُهم عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ وفي آذانِهِمْ ما يَمْنَعُ مِن سَماعِ صَوْتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرَضًا شاغِلًا يَمْنَعُهم مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ والتَّفَرُّغِ لَهُ، لا أنَّهُ حَصَلَ هُناكَ كَنٌّ لِلْقَلْبِ ووَقْرٌ في الأُذُنِ.
الثّانِي: قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ القَوْمَ لِشِدَّةِ امْتِناعِهِمْ عَنْ قَبُولِ دَلائِلِ مُحَمَّدٍ ﷺ صارُوا كَأنَّهُ حَصَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ تِلْكَ الدَّلائِلِ حِجابٌ مانِعٌ وساتِرٌ، وإنَّما نَسَبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الحِجابَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا خَلّاهم مَعَ أنْفُسِهِمْ وما مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ صارَتْ تِلْكَ التَّخْلِيَةُ كَأنَّها هي السَّبَبُ لِوُقُوعِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ، وهَذا مِثْلُ أنَّ السَّيِّدَ إذا لَمْ يُراقِبْ أحْوالَ عَبْدِهِ فَإذا ساءَتْ سِيرَتُهُ فالسَّيِّدُ يَقُولُ: أنا الَّذِي ألْقَيْتُكَ في هَذِهِ الحالَةِ بِسَبَبِ أنِّي خَلَّيْتُكَ مَعَ رَأْيِكَ وما راقَبْتُ أحْوالَكَ.
الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَذَلَهم بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ الألْطافَ الدّاعِيَةَ لَهم إلى الإيمانِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ فِعْلُ الحِجابِ السّاتِرِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مَعَ كَلِماتٍ أُخْرى ذَكَرْناها في سُورَةِ الأنْعامِ وأجَبْنا عَنْها، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّ القَوْمَ كانُوا عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ عَلى حالَتَيْنِ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ما لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى بَقُوا مَبْهُوتِينَ مُتَحَيِّرِينَ لا يَفْهَمُونَ مِنهُ شَيْئًا، وإذا سَمِعُوا آيَةً فِيها ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى وذَمُّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ولَّوْا نُفُورًا وتَرَكُوا ذَلِكَ المَجْلِسَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المَصْدَرُ والمَعْنى ولَّوْا نافِرِينَ نُفُورًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ (نُفُورًا) جَمْعَ نافِرٍ مِثْلَ شُهُودٍ وشاهِدٍ ورُكُوعٍ وراكِعٍ وسُجُودٍ وساجِدٍ وقُعُودٍ وقاعِدٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ أيْ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالوَجْهِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ وهو الهُزُؤُ والتَّكْذِيبُ. و”بِهِ“ في مَوْضِعِ الحالِ، كَما تَقُولُ: مُسْتَمِعِينَ بِالهُزُؤِ و﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ﴾ نُصِبَ بِـ (أعْلَمُ) أيْ: أعْلَمُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ بِما بِهِ يَسْتَمِعُونَ ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ أيْ: وبِما يَتَناجَوْنَ بِهِ إذْ هم ذُو نَجْوى: ﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا أنْ يَتَّخِذَ طَعامًا ويَدْعُوَ إلَيْهِ أشْرافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَفَعَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ ودَخَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهم إلى التَّوْحِيدِ وقالَ: قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى تُطِيعَكُمُ العَرَبُ وتَدِينَ لَكُمُ العَجَمُ فَأبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ، وكانُوا عِنْدَ اسْتِماعِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ القُرْآنَ والدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى يَقُولُونَ: بَيْنَهم مُتَناجِينَ هو ساحِرٌ وهو مَسْحُورٌ» وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ .
فَإنْ قِيلَ: إنَّهم لَمْ يَتَّبِعُوا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولُوا: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ؟
صفحة ١٧٩
قُلْنا: مَعْناهُ أنَّكم إنِ اتَّبَعْتُمُوهُ فَقَدِ اتَّبَعْتُمْ رَجُلًا مَسْحُورًا، والمَسْحُورُ الَّذِي قَدْ سُحِرَ فاخْتَلَطَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وزالَ عَنْ حَدِّ الِاسْتِواءِ. هَذا هو القَوْلُ الصَّحِيحُ، وقالَ بَعْضُهم: المَسْحُورُ هو الَّذِي أُفْسِدَ. يُقالُ: طَعامٌ مَسْحُورٌ إذا أُفْسِدَ عَمَلُهُ، وأرْضٌ مَسْحُورَةٌ أصابَها مِنَ المَطَرِ أكْثَرُ مِمّا يَنْبَغِي فَأفْسَدَها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُرِيدُ بَشَرًا ذا سَحْرِ أيْ: ذا رِئَةٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولا أدْرِي ما الَّذِي حَمَلَهُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المُسْتَكْرَهِ مَعَ أنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿مَسْحُورًا﴾ أيْ: مَخْدُوعًا لِأنَّ السِّحْرَ حِيلَةٌ وخَدِيعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَعَلَّمُ مِن بَعْضِ النّاسِ هَذِهِ الكَلِماتِ وأُولَئِكَ النّاسُ يَخْدَعُونَهُ بِهَذِهِ الكَلِماتِ وهَذِهِ الحِكاياتِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ مَسْحُورٌ أيْ: مَخْدُوعٌ، وأيْضًا كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الشَّيْطانَ يَتَخَيَّلُ لَهُ فَيَظُنُّ أنَّهُ مَلَكٌ فَقالُوا: إنَّهُ مَخْدُوعٌ مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: كُلُّ أحَدٍ شَبَّهَكَ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَقالُوا: إنَّهُ كاهِنٌ وساحِرٌ وشاعِرٌ ومُعَلَّمٌ ومَجْنُونٌ، فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ والطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والحَقِّ.
الإسراء 17:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في المَسائِلِ الإلَهِيَّةِ تَكَلَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا قَرَأ القُرْآنَ عَلى النّاسِ. رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ كُلَّما قَرَأ القُرْآنَ قامَ عَنْ يَمِينِهِ رَجُلانِ، وعَنْ يَسارِهِ آخَرانِ مَن ولَدِ قُصَيٍّ يُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويَخْلِطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ»، وعَنْ أسْماءَ «أنَّهُ ﷺ كانَ جالِسًا ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ إذْ أقْبَلَتِ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ
صفحة ١٧٧
ومَعَها فِهْرٌ تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي تَقُولُ:
مُذَمَّمًا أتَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ عَصَيْنا
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَعَها فِهْرٌ أخْشاها عَلَيْكَ، فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ فَجاءَتْ فَما رَأتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَتْ: إنَّ قُرَيْشًا قَدْ عَلِمَتْ أنِّي ابْنَةُ سَيِّدِها وأنَّ صاحِبَكَ هَجانِي فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ ما هَجاكِ» . ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ: «أنَّ أبا سُفْيانَ والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ وأبا جَهْلٍ وغَيْرَهم كانُوا يُجالِسُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَسْتَمِعُونَ إلى حَدِيثِهِ، فَقالَ النَّضْرُ يَوْمًا: ما أدْرِي ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ غَيْرَ أنِّي أرى شَفَتَيْهِ تَتَحَرَّكُ بِشَيْءٍ. وقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأرى بَعْضَ ما يَقُولُهُ حَقًّا، وقالَ أبُو جَهْلٍ: هو مَجْنُونٌ. وقالَ أبُو لَهَبٍ هو كاهِنٌ. وقالَ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى هو شاعِرٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أرادَ تِلاوَةَ القُرْآنِ قَرَأ قَبْلَها ثَلاثَةَ آياتٍ وهي قَوْلُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وفي النَّحْلِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨] وفي حم الجاثِيَةِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ»﴾ [الجاثية: ٢٣] إلى آخَرِ الآيَةِ فَكانَ اللَّهُ تَعالى يَحْجُبُهُ بِبَرَكاتِ هَذِهِ الآياتِ عَنْ عُيُونِ المُشْرِكِينَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ حِجابًا ساتِرًا.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الحِجابَ حِجابٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في عُيُونِهِمْ بِحَيْثُ يَمْنَعُهم ذَلِكَ الحِجابُ عَنْ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ الحِجابُ شَيْءٌ لا يَراهُ أحَدٌ فَكانَ مَسْتُورًا مِن هَذا الوَجْهِ، احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحاسَّةُ سَلِيمَةً ويَكُونُ المَرْئِيُّ حاضِرًا مَعَ أنَّهُ لا يَراهُ ذَلِكَ الإنْسانُ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في عَيْنَيْهِ مانِعًا يَمْنَعُهُ عَنْ رُؤْيَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ حاضِرًا وكانَتْ حَواسُّ الكُفّارِ سَلِيمَةً، ثُمَّ إنَّهم ما كانُوا يَرَوْنَهُ، وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا مَسْتُورًا، والحِجابُ المَسْتُورُ لا مَعْنى لَهُ إلّا المَعْنى الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في عُيُونِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ المَعْنى مانِعًا لَهم مِن أنْ يَرَوْهُ ويُبْصِرُوهُ.
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّهُ كَما يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لابِنٌ وتامِرٌ بِمَعْنى ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ فَكَذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ”مَسْتُورًا“ مَعْناهُ ذُو سِتْرٍ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مَرْطُوبٌ أيْ: ذُو رُطُوبَةٍ ولا يُقالُ رَطِيبَةٌ ويُقالُ مَكانٌ مَهُولٌ أيْ: فِيهِ هَوْلٌ ولا يُقالُ: هِلْتُ المَكانَ بِمَعْنى جَعَلْتُ فِيهِ الهَوْلَ، ويُقالُ: جارِيَةٌ مَغْنُوجَةٌ ذاتُ غُنْجٍ ولا يُقالُ غَنَجْتُها.
والوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ قالَ الأخْفَشُ: المَسْتُورُ هَهُنا بِمَعْنى السّاتِرِ، فَإنَّ الفاعِلَ قَدْ يَجِيءُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ كَما يُقالُ: إنَّكَ لَمَشْئُومٌ عَلَيْنا ومَيْمُونٌ وإنَّما هو شائِمٌ ويامِنٌ، لِأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ شَأَّمَهم ويَمَّنَهم، هَذا قَوْلُ الأخْفَشِ: وتابَعَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنهم طَعَنَ في هَذا القَوْلِ، والحَقُّ هو الجَوابُ الأوَّلُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الحِجابِ الطَّبْعُ الَّذِي عَلى قُلُوبِهِمْ، والطَّبْعُ والمَنعُ الَّذِي مَنَعَهم عَنْ أنْ يُدْرِكُوا لَطائِفَ القُرْآنِ ومَحاسِنَهُ وفَوائِدَهُ، فالمُرادُ مِنَ الحِجابِ المَسْتُورِ ذَلِكَ الطَّبْعُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةٌ بِعَيْنِها في
صفحة ١٧٨
سُورَةِ الأنْعامِ وذَكَرْنا اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِها وذَكَرْنا سُؤالاتِ المُعْتَزِلَةِ ولا بَأْسَ بِإعادَةِ بَعْضِها قالَ الأصْحابُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ قُلُوبَهم في الأكِنَّةِ. والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو ما سَتَرَ الشَّيْءَ مِثْلَ كِنانِ النَّبْلِ وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: لِئَلّا يَفْقَهُوهُ. وجَعَلَ في آذانِهِمْ وقْرًا. ومَعْلُومٌ أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ سامِعِينَ فاهِمِينَ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ مَنعُهم عَنِ الإيمانِ ومَنعُهم عَنْ سَماعِ القُرْآنِ بِحَيْثُ لا يَقِفُونَ عَلى أسْرارِهِ ولا يَفْهَمُونَ دَقائِقَهُ وحَقائِقَهُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ بَلِ المُرادُ مِنهُ وُجُوهٌ أُخْرى:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: كانُوا يَطْلُبُونَ مَوْضِعَهُ في اللَّيالِي لِيَنْتَهُوا إلَيْهِ ويُؤْذُونَهُ، ويَسْتَدِلُّونَ عَلى مَبِيتِهِ بِاسْتِماعِ قِراءَتِهِ فَأمَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِن شَرِّهِمْ، وذَكَرَ لَهُ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا لا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ مَعَهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَشْغَلُهم عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ وفي آذانِهِمْ ما يَمْنَعُ مِن سَماعِ صَوْتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرَضًا شاغِلًا يَمْنَعُهم مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ والتَّفَرُّغِ لَهُ، لا أنَّهُ حَصَلَ هُناكَ كَنٌّ لِلْقَلْبِ ووَقْرٌ في الأُذُنِ.
الثّانِي: قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ القَوْمَ لِشِدَّةِ امْتِناعِهِمْ عَنْ قَبُولِ دَلائِلِ مُحَمَّدٍ ﷺ صارُوا كَأنَّهُ حَصَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ تِلْكَ الدَّلائِلِ حِجابٌ مانِعٌ وساتِرٌ، وإنَّما نَسَبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الحِجابَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا خَلّاهم مَعَ أنْفُسِهِمْ وما مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ صارَتْ تِلْكَ التَّخْلِيَةُ كَأنَّها هي السَّبَبُ لِوُقُوعِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ، وهَذا مِثْلُ أنَّ السَّيِّدَ إذا لَمْ يُراقِبْ أحْوالَ عَبْدِهِ فَإذا ساءَتْ سِيرَتُهُ فالسَّيِّدُ يَقُولُ: أنا الَّذِي ألْقَيْتُكَ في هَذِهِ الحالَةِ بِسَبَبِ أنِّي خَلَّيْتُكَ مَعَ رَأْيِكَ وما راقَبْتُ أحْوالَكَ.
الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَذَلَهم بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ الألْطافَ الدّاعِيَةَ لَهم إلى الإيمانِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ فِعْلُ الحِجابِ السّاتِرِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مَعَ كَلِماتٍ أُخْرى ذَكَرْناها في سُورَةِ الأنْعامِ وأجَبْنا عَنْها، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّ القَوْمَ كانُوا عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ عَلى حالَتَيْنِ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ما لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى بَقُوا مَبْهُوتِينَ مُتَحَيِّرِينَ لا يَفْهَمُونَ مِنهُ شَيْئًا، وإذا سَمِعُوا آيَةً فِيها ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى وذَمُّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ولَّوْا نُفُورًا وتَرَكُوا ذَلِكَ المَجْلِسَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المَصْدَرُ والمَعْنى ولَّوْا نافِرِينَ نُفُورًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ (نُفُورًا) جَمْعَ نافِرٍ مِثْلَ شُهُودٍ وشاهِدٍ ورُكُوعٍ وراكِعٍ وسُجُودٍ وساجِدٍ وقُعُودٍ وقاعِدٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ أيْ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالوَجْهِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ وهو الهُزُؤُ والتَّكْذِيبُ. و”بِهِ“ في مَوْضِعِ الحالِ، كَما تَقُولُ: مُسْتَمِعِينَ بِالهُزُؤِ و﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ﴾ نُصِبَ بِـ (أعْلَمُ) أيْ: أعْلَمُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ بِما بِهِ يَسْتَمِعُونَ ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ أيْ: وبِما يَتَناجَوْنَ بِهِ إذْ هم ذُو نَجْوى: ﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا أنْ يَتَّخِذَ طَعامًا ويَدْعُوَ إلَيْهِ أشْرافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَفَعَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ ودَخَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهم إلى التَّوْحِيدِ وقالَ: قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى تُطِيعَكُمُ العَرَبُ وتَدِينَ لَكُمُ العَجَمُ فَأبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ، وكانُوا عِنْدَ اسْتِماعِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ القُرْآنَ والدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى يَقُولُونَ: بَيْنَهم مُتَناجِينَ هو ساحِرٌ وهو مَسْحُورٌ» وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ .
فَإنْ قِيلَ: إنَّهم لَمْ يَتَّبِعُوا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولُوا: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ؟
صفحة ١٧٩
قُلْنا: مَعْناهُ أنَّكم إنِ اتَّبَعْتُمُوهُ فَقَدِ اتَّبَعْتُمْ رَجُلًا مَسْحُورًا، والمَسْحُورُ الَّذِي قَدْ سُحِرَ فاخْتَلَطَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وزالَ عَنْ حَدِّ الِاسْتِواءِ. هَذا هو القَوْلُ الصَّحِيحُ، وقالَ بَعْضُهم: المَسْحُورُ هو الَّذِي أُفْسِدَ. يُقالُ: طَعامٌ مَسْحُورٌ إذا أُفْسِدَ عَمَلُهُ، وأرْضٌ مَسْحُورَةٌ أصابَها مِنَ المَطَرِ أكْثَرُ مِمّا يَنْبَغِي فَأفْسَدَها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُرِيدُ بَشَرًا ذا سَحْرِ أيْ: ذا رِئَةٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولا أدْرِي ما الَّذِي حَمَلَهُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المُسْتَكْرَهِ مَعَ أنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿مَسْحُورًا﴾ أيْ: مَخْدُوعًا لِأنَّ السِّحْرَ حِيلَةٌ وخَدِيعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَعَلَّمُ مِن بَعْضِ النّاسِ هَذِهِ الكَلِماتِ وأُولَئِكَ النّاسُ يَخْدَعُونَهُ بِهَذِهِ الكَلِماتِ وهَذِهِ الحِكاياتِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ مَسْحُورٌ أيْ: مَخْدُوعٌ، وأيْضًا كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الشَّيْطانَ يَتَخَيَّلُ لَهُ فَيَظُنُّ أنَّهُ مَلَكٌ فَقالُوا: إنَّهُ مَخْدُوعٌ مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: كُلُّ أحَدٍ شَبَّهَكَ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَقالُوا: إنَّهُ كاهِنٌ وساحِرٌ وشاعِرٌ ومُعَلَّمٌ ومَجْنُونٌ، فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ والطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والحَقِّ.
الإسراء 17:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في المَسائِلِ الإلَهِيَّةِ تَكَلَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا قَرَأ القُرْآنَ عَلى النّاسِ. رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ كُلَّما قَرَأ القُرْآنَ قامَ عَنْ يَمِينِهِ رَجُلانِ، وعَنْ يَسارِهِ آخَرانِ مَن ولَدِ قُصَيٍّ يُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويَخْلِطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ»، وعَنْ أسْماءَ «أنَّهُ ﷺ كانَ جالِسًا ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ إذْ أقْبَلَتِ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ
صفحة ١٧٧
ومَعَها فِهْرٌ تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي تَقُولُ:
مُذَمَّمًا أتَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ عَصَيْنا
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَعَها فِهْرٌ أخْشاها عَلَيْكَ، فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ فَجاءَتْ فَما رَأتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَتْ: إنَّ قُرَيْشًا قَدْ عَلِمَتْ أنِّي ابْنَةُ سَيِّدِها وأنَّ صاحِبَكَ هَجانِي فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ ما هَجاكِ» . ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ: «أنَّ أبا سُفْيانَ والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ وأبا جَهْلٍ وغَيْرَهم كانُوا يُجالِسُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَسْتَمِعُونَ إلى حَدِيثِهِ، فَقالَ النَّضْرُ يَوْمًا: ما أدْرِي ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ غَيْرَ أنِّي أرى شَفَتَيْهِ تَتَحَرَّكُ بِشَيْءٍ. وقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأرى بَعْضَ ما يَقُولُهُ حَقًّا، وقالَ أبُو جَهْلٍ: هو مَجْنُونٌ. وقالَ أبُو لَهَبٍ هو كاهِنٌ. وقالَ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى هو شاعِرٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أرادَ تِلاوَةَ القُرْآنِ قَرَأ قَبْلَها ثَلاثَةَ آياتٍ وهي قَوْلُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وفي النَّحْلِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨] وفي حم الجاثِيَةِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ»﴾ [الجاثية: ٢٣] إلى آخَرِ الآيَةِ فَكانَ اللَّهُ تَعالى يَحْجُبُهُ بِبَرَكاتِ هَذِهِ الآياتِ عَنْ عُيُونِ المُشْرِكِينَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ حِجابًا ساتِرًا.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الحِجابَ حِجابٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في عُيُونِهِمْ بِحَيْثُ يَمْنَعُهم ذَلِكَ الحِجابُ عَنْ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ الحِجابُ شَيْءٌ لا يَراهُ أحَدٌ فَكانَ مَسْتُورًا مِن هَذا الوَجْهِ، احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحاسَّةُ سَلِيمَةً ويَكُونُ المَرْئِيُّ حاضِرًا مَعَ أنَّهُ لا يَراهُ ذَلِكَ الإنْسانُ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في عَيْنَيْهِ مانِعًا يَمْنَعُهُ عَنْ رُؤْيَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ حاضِرًا وكانَتْ حَواسُّ الكُفّارِ سَلِيمَةً، ثُمَّ إنَّهم ما كانُوا يَرَوْنَهُ، وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا مَسْتُورًا، والحِجابُ المَسْتُورُ لا مَعْنى لَهُ إلّا المَعْنى الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في عُيُونِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ المَعْنى مانِعًا لَهم مِن أنْ يَرَوْهُ ويُبْصِرُوهُ.
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّهُ كَما يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لابِنٌ وتامِرٌ بِمَعْنى ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ فَكَذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ”مَسْتُورًا“ مَعْناهُ ذُو سِتْرٍ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مَرْطُوبٌ أيْ: ذُو رُطُوبَةٍ ولا يُقالُ رَطِيبَةٌ ويُقالُ مَكانٌ مَهُولٌ أيْ: فِيهِ هَوْلٌ ولا يُقالُ: هِلْتُ المَكانَ بِمَعْنى جَعَلْتُ فِيهِ الهَوْلَ، ويُقالُ: جارِيَةٌ مَغْنُوجَةٌ ذاتُ غُنْجٍ ولا يُقالُ غَنَجْتُها.
والوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ قالَ الأخْفَشُ: المَسْتُورُ هَهُنا بِمَعْنى السّاتِرِ، فَإنَّ الفاعِلَ قَدْ يَجِيءُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ كَما يُقالُ: إنَّكَ لَمَشْئُومٌ عَلَيْنا ومَيْمُونٌ وإنَّما هو شائِمٌ ويامِنٌ، لِأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ شَأَّمَهم ويَمَّنَهم، هَذا قَوْلُ الأخْفَشِ: وتابَعَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنهم طَعَنَ في هَذا القَوْلِ، والحَقُّ هو الجَوابُ الأوَّلُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الحِجابِ الطَّبْعُ الَّذِي عَلى قُلُوبِهِمْ، والطَّبْعُ والمَنعُ الَّذِي مَنَعَهم عَنْ أنْ يُدْرِكُوا لَطائِفَ القُرْآنِ ومَحاسِنَهُ وفَوائِدَهُ، فالمُرادُ مِنَ الحِجابِ المَسْتُورِ ذَلِكَ الطَّبْعُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةٌ بِعَيْنِها في
صفحة ١٧٨
سُورَةِ الأنْعامِ وذَكَرْنا اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِها وذَكَرْنا سُؤالاتِ المُعْتَزِلَةِ ولا بَأْسَ بِإعادَةِ بَعْضِها قالَ الأصْحابُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ قُلُوبَهم في الأكِنَّةِ. والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو ما سَتَرَ الشَّيْءَ مِثْلَ كِنانِ النَّبْلِ وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: لِئَلّا يَفْقَهُوهُ. وجَعَلَ في آذانِهِمْ وقْرًا. ومَعْلُومٌ أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ سامِعِينَ فاهِمِينَ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ مَنعُهم عَنِ الإيمانِ ومَنعُهم عَنْ سَماعِ القُرْآنِ بِحَيْثُ لا يَقِفُونَ عَلى أسْرارِهِ ولا يَفْهَمُونَ دَقائِقَهُ وحَقائِقَهُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ بَلِ المُرادُ مِنهُ وُجُوهٌ أُخْرى:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: كانُوا يَطْلُبُونَ مَوْضِعَهُ في اللَّيالِي لِيَنْتَهُوا إلَيْهِ ويُؤْذُونَهُ، ويَسْتَدِلُّونَ عَلى مَبِيتِهِ بِاسْتِماعِ قِراءَتِهِ فَأمَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِن شَرِّهِمْ، وذَكَرَ لَهُ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا لا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ مَعَهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَشْغَلُهم عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ وفي آذانِهِمْ ما يَمْنَعُ مِن سَماعِ صَوْتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرَضًا شاغِلًا يَمْنَعُهم مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ والتَّفَرُّغِ لَهُ، لا أنَّهُ حَصَلَ هُناكَ كَنٌّ لِلْقَلْبِ ووَقْرٌ في الأُذُنِ.
الثّانِي: قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ القَوْمَ لِشِدَّةِ امْتِناعِهِمْ عَنْ قَبُولِ دَلائِلِ مُحَمَّدٍ ﷺ صارُوا كَأنَّهُ حَصَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ تِلْكَ الدَّلائِلِ حِجابٌ مانِعٌ وساتِرٌ، وإنَّما نَسَبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الحِجابَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا خَلّاهم مَعَ أنْفُسِهِمْ وما مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ صارَتْ تِلْكَ التَّخْلِيَةُ كَأنَّها هي السَّبَبُ لِوُقُوعِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ، وهَذا مِثْلُ أنَّ السَّيِّدَ إذا لَمْ يُراقِبْ أحْوالَ عَبْدِهِ فَإذا ساءَتْ سِيرَتُهُ فالسَّيِّدُ يَقُولُ: أنا الَّذِي ألْقَيْتُكَ في هَذِهِ الحالَةِ بِسَبَبِ أنِّي خَلَّيْتُكَ مَعَ رَأْيِكَ وما راقَبْتُ أحْوالَكَ.
الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَذَلَهم بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ الألْطافَ الدّاعِيَةَ لَهم إلى الإيمانِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ فِعْلُ الحِجابِ السّاتِرِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مَعَ كَلِماتٍ أُخْرى ذَكَرْناها في سُورَةِ الأنْعامِ وأجَبْنا عَنْها، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّ القَوْمَ كانُوا عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ عَلى حالَتَيْنِ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ما لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى بَقُوا مَبْهُوتِينَ مُتَحَيِّرِينَ لا يَفْهَمُونَ مِنهُ شَيْئًا، وإذا سَمِعُوا آيَةً فِيها ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى وذَمُّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ولَّوْا نُفُورًا وتَرَكُوا ذَلِكَ المَجْلِسَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المَصْدَرُ والمَعْنى ولَّوْا نافِرِينَ نُفُورًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ (نُفُورًا) جَمْعَ نافِرٍ مِثْلَ شُهُودٍ وشاهِدٍ ورُكُوعٍ وراكِعٍ وسُجُودٍ وساجِدٍ وقُعُودٍ وقاعِدٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ أيْ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالوَجْهِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ وهو الهُزُؤُ والتَّكْذِيبُ. و”بِهِ“ في مَوْضِعِ الحالِ، كَما تَقُولُ: مُسْتَمِعِينَ بِالهُزُؤِ و﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ﴾ نُصِبَ بِـ (أعْلَمُ) أيْ: أعْلَمُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ بِما بِهِ يَسْتَمِعُونَ ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ أيْ: وبِما يَتَناجَوْنَ بِهِ إذْ هم ذُو نَجْوى: ﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا أنْ يَتَّخِذَ طَعامًا ويَدْعُوَ إلَيْهِ أشْرافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَفَعَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ ودَخَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهم إلى التَّوْحِيدِ وقالَ: قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى تُطِيعَكُمُ العَرَبُ وتَدِينَ لَكُمُ العَجَمُ فَأبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ، وكانُوا عِنْدَ اسْتِماعِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ القُرْآنَ والدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى يَقُولُونَ: بَيْنَهم مُتَناجِينَ هو ساحِرٌ وهو مَسْحُورٌ» وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ .
فَإنْ قِيلَ: إنَّهم لَمْ يَتَّبِعُوا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولُوا: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ؟
صفحة ١٧٩
قُلْنا: مَعْناهُ أنَّكم إنِ اتَّبَعْتُمُوهُ فَقَدِ اتَّبَعْتُمْ رَجُلًا مَسْحُورًا، والمَسْحُورُ الَّذِي قَدْ سُحِرَ فاخْتَلَطَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وزالَ عَنْ حَدِّ الِاسْتِواءِ. هَذا هو القَوْلُ الصَّحِيحُ، وقالَ بَعْضُهم: المَسْحُورُ هو الَّذِي أُفْسِدَ. يُقالُ: طَعامٌ مَسْحُورٌ إذا أُفْسِدَ عَمَلُهُ، وأرْضٌ مَسْحُورَةٌ أصابَها مِنَ المَطَرِ أكْثَرُ مِمّا يَنْبَغِي فَأفْسَدَها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُرِيدُ بَشَرًا ذا سَحْرِ أيْ: ذا رِئَةٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولا أدْرِي ما الَّذِي حَمَلَهُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المُسْتَكْرَهِ مَعَ أنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿مَسْحُورًا﴾ أيْ: مَخْدُوعًا لِأنَّ السِّحْرَ حِيلَةٌ وخَدِيعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَعَلَّمُ مِن بَعْضِ النّاسِ هَذِهِ الكَلِماتِ وأُولَئِكَ النّاسُ يَخْدَعُونَهُ بِهَذِهِ الكَلِماتِ وهَذِهِ الحِكاياتِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ مَسْحُورٌ أيْ: مَخْدُوعٌ، وأيْضًا كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الشَّيْطانَ يَتَخَيَّلُ لَهُ فَيَظُنُّ أنَّهُ مَلَكٌ فَقالُوا: إنَّهُ مَخْدُوعٌ مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: كُلُّ أحَدٍ شَبَّهَكَ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَقالُوا: إنَّهُ كاهِنٌ وساحِرٌ وشاعِرٌ ومُعَلَّمٌ ومَجْنُونٌ، فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ والطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والحَقِّ.
الإسراء 17:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في المَسائِلِ الإلَهِيَّةِ تَكَلَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا قَرَأ القُرْآنَ عَلى النّاسِ. رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ كُلَّما قَرَأ القُرْآنَ قامَ عَنْ يَمِينِهِ رَجُلانِ، وعَنْ يَسارِهِ آخَرانِ مَن ولَدِ قُصَيٍّ يُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويَخْلِطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ»، وعَنْ أسْماءَ «أنَّهُ ﷺ كانَ جالِسًا ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ إذْ أقْبَلَتِ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ
صفحة ١٧٧
ومَعَها فِهْرٌ تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي تَقُولُ:
مُذَمَّمًا أتَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ عَصَيْنا
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَعَها فِهْرٌ أخْشاها عَلَيْكَ، فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ فَجاءَتْ فَما رَأتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَتْ: إنَّ قُرَيْشًا قَدْ عَلِمَتْ أنِّي ابْنَةُ سَيِّدِها وأنَّ صاحِبَكَ هَجانِي فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ ما هَجاكِ» . ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ: «أنَّ أبا سُفْيانَ والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ وأبا جَهْلٍ وغَيْرَهم كانُوا يُجالِسُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَسْتَمِعُونَ إلى حَدِيثِهِ، فَقالَ النَّضْرُ يَوْمًا: ما أدْرِي ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ غَيْرَ أنِّي أرى شَفَتَيْهِ تَتَحَرَّكُ بِشَيْءٍ. وقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأرى بَعْضَ ما يَقُولُهُ حَقًّا، وقالَ أبُو جَهْلٍ: هو مَجْنُونٌ. وقالَ أبُو لَهَبٍ هو كاهِنٌ. وقالَ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى هو شاعِرٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أرادَ تِلاوَةَ القُرْآنِ قَرَأ قَبْلَها ثَلاثَةَ آياتٍ وهي قَوْلُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وفي النَّحْلِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨] وفي حم الجاثِيَةِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ»﴾ [الجاثية: ٢٣] إلى آخَرِ الآيَةِ فَكانَ اللَّهُ تَعالى يَحْجُبُهُ بِبَرَكاتِ هَذِهِ الآياتِ عَنْ عُيُونِ المُشْرِكِينَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ حِجابًا ساتِرًا.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الحِجابَ حِجابٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في عُيُونِهِمْ بِحَيْثُ يَمْنَعُهم ذَلِكَ الحِجابُ عَنْ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ الحِجابُ شَيْءٌ لا يَراهُ أحَدٌ فَكانَ مَسْتُورًا مِن هَذا الوَجْهِ، احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحاسَّةُ سَلِيمَةً ويَكُونُ المَرْئِيُّ حاضِرًا مَعَ أنَّهُ لا يَراهُ ذَلِكَ الإنْسانُ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في عَيْنَيْهِ مانِعًا يَمْنَعُهُ عَنْ رُؤْيَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ حاضِرًا وكانَتْ حَواسُّ الكُفّارِ سَلِيمَةً، ثُمَّ إنَّهم ما كانُوا يَرَوْنَهُ، وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا مَسْتُورًا، والحِجابُ المَسْتُورُ لا مَعْنى لَهُ إلّا المَعْنى الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في عُيُونِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ المَعْنى مانِعًا لَهم مِن أنْ يَرَوْهُ ويُبْصِرُوهُ.
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّهُ كَما يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لابِنٌ وتامِرٌ بِمَعْنى ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ فَكَذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ”مَسْتُورًا“ مَعْناهُ ذُو سِتْرٍ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مَرْطُوبٌ أيْ: ذُو رُطُوبَةٍ ولا يُقالُ رَطِيبَةٌ ويُقالُ مَكانٌ مَهُولٌ أيْ: فِيهِ هَوْلٌ ولا يُقالُ: هِلْتُ المَكانَ بِمَعْنى جَعَلْتُ فِيهِ الهَوْلَ، ويُقالُ: جارِيَةٌ مَغْنُوجَةٌ ذاتُ غُنْجٍ ولا يُقالُ غَنَجْتُها.
والوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ قالَ الأخْفَشُ: المَسْتُورُ هَهُنا بِمَعْنى السّاتِرِ، فَإنَّ الفاعِلَ قَدْ يَجِيءُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ كَما يُقالُ: إنَّكَ لَمَشْئُومٌ عَلَيْنا ومَيْمُونٌ وإنَّما هو شائِمٌ ويامِنٌ، لِأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ شَأَّمَهم ويَمَّنَهم، هَذا قَوْلُ الأخْفَشِ: وتابَعَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنهم طَعَنَ في هَذا القَوْلِ، والحَقُّ هو الجَوابُ الأوَّلُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الحِجابِ الطَّبْعُ الَّذِي عَلى قُلُوبِهِمْ، والطَّبْعُ والمَنعُ الَّذِي مَنَعَهم عَنْ أنْ يُدْرِكُوا لَطائِفَ القُرْآنِ ومَحاسِنَهُ وفَوائِدَهُ، فالمُرادُ مِنَ الحِجابِ المَسْتُورِ ذَلِكَ الطَّبْعُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةٌ بِعَيْنِها في
صفحة ١٧٨
سُورَةِ الأنْعامِ وذَكَرْنا اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِها وذَكَرْنا سُؤالاتِ المُعْتَزِلَةِ ولا بَأْسَ بِإعادَةِ بَعْضِها قالَ الأصْحابُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ قُلُوبَهم في الأكِنَّةِ. والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو ما سَتَرَ الشَّيْءَ مِثْلَ كِنانِ النَّبْلِ وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: لِئَلّا يَفْقَهُوهُ. وجَعَلَ في آذانِهِمْ وقْرًا. ومَعْلُومٌ أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ سامِعِينَ فاهِمِينَ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ مَنعُهم عَنِ الإيمانِ ومَنعُهم عَنْ سَماعِ القُرْآنِ بِحَيْثُ لا يَقِفُونَ عَلى أسْرارِهِ ولا يَفْهَمُونَ دَقائِقَهُ وحَقائِقَهُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ بَلِ المُرادُ مِنهُ وُجُوهٌ أُخْرى:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: كانُوا يَطْلُبُونَ مَوْضِعَهُ في اللَّيالِي لِيَنْتَهُوا إلَيْهِ ويُؤْذُونَهُ، ويَسْتَدِلُّونَ عَلى مَبِيتِهِ بِاسْتِماعِ قِراءَتِهِ فَأمَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِن شَرِّهِمْ، وذَكَرَ لَهُ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا لا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ مَعَهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَشْغَلُهم عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ وفي آذانِهِمْ ما يَمْنَعُ مِن سَماعِ صَوْتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرَضًا شاغِلًا يَمْنَعُهم مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ والتَّفَرُّغِ لَهُ، لا أنَّهُ حَصَلَ هُناكَ كَنٌّ لِلْقَلْبِ ووَقْرٌ في الأُذُنِ.
الثّانِي: قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ القَوْمَ لِشِدَّةِ امْتِناعِهِمْ عَنْ قَبُولِ دَلائِلِ مُحَمَّدٍ ﷺ صارُوا كَأنَّهُ حَصَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ تِلْكَ الدَّلائِلِ حِجابٌ مانِعٌ وساتِرٌ، وإنَّما نَسَبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الحِجابَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا خَلّاهم مَعَ أنْفُسِهِمْ وما مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ صارَتْ تِلْكَ التَّخْلِيَةُ كَأنَّها هي السَّبَبُ لِوُقُوعِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ، وهَذا مِثْلُ أنَّ السَّيِّدَ إذا لَمْ يُراقِبْ أحْوالَ عَبْدِهِ فَإذا ساءَتْ سِيرَتُهُ فالسَّيِّدُ يَقُولُ: أنا الَّذِي ألْقَيْتُكَ في هَذِهِ الحالَةِ بِسَبَبِ أنِّي خَلَّيْتُكَ مَعَ رَأْيِكَ وما راقَبْتُ أحْوالَكَ.
الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَذَلَهم بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ الألْطافَ الدّاعِيَةَ لَهم إلى الإيمانِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ فِعْلُ الحِجابِ السّاتِرِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مَعَ كَلِماتٍ أُخْرى ذَكَرْناها في سُورَةِ الأنْعامِ وأجَبْنا عَنْها، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّ القَوْمَ كانُوا عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ عَلى حالَتَيْنِ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ما لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى بَقُوا مَبْهُوتِينَ مُتَحَيِّرِينَ لا يَفْهَمُونَ مِنهُ شَيْئًا، وإذا سَمِعُوا آيَةً فِيها ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى وذَمُّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ولَّوْا نُفُورًا وتَرَكُوا ذَلِكَ المَجْلِسَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المَصْدَرُ والمَعْنى ولَّوْا نافِرِينَ نُفُورًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ (نُفُورًا) جَمْعَ نافِرٍ مِثْلَ شُهُودٍ وشاهِدٍ ورُكُوعٍ وراكِعٍ وسُجُودٍ وساجِدٍ وقُعُودٍ وقاعِدٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ أيْ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالوَجْهِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ وهو الهُزُؤُ والتَّكْذِيبُ. و”بِهِ“ في مَوْضِعِ الحالِ، كَما تَقُولُ: مُسْتَمِعِينَ بِالهُزُؤِ و﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ﴾ نُصِبَ بِـ (أعْلَمُ) أيْ: أعْلَمُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ بِما بِهِ يَسْتَمِعُونَ ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ أيْ: وبِما يَتَناجَوْنَ بِهِ إذْ هم ذُو نَجْوى: ﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا أنْ يَتَّخِذَ طَعامًا ويَدْعُوَ إلَيْهِ أشْرافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَفَعَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ ودَخَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهم إلى التَّوْحِيدِ وقالَ: قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى تُطِيعَكُمُ العَرَبُ وتَدِينَ لَكُمُ العَجَمُ فَأبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ، وكانُوا عِنْدَ اسْتِماعِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ القُرْآنَ والدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى يَقُولُونَ: بَيْنَهم مُتَناجِينَ هو ساحِرٌ وهو مَسْحُورٌ» وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ .
فَإنْ قِيلَ: إنَّهم لَمْ يَتَّبِعُوا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولُوا: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ؟
صفحة ١٧٩
قُلْنا: مَعْناهُ أنَّكم إنِ اتَّبَعْتُمُوهُ فَقَدِ اتَّبَعْتُمْ رَجُلًا مَسْحُورًا، والمَسْحُورُ الَّذِي قَدْ سُحِرَ فاخْتَلَطَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وزالَ عَنْ حَدِّ الِاسْتِواءِ. هَذا هو القَوْلُ الصَّحِيحُ، وقالَ بَعْضُهم: المَسْحُورُ هو الَّذِي أُفْسِدَ. يُقالُ: طَعامٌ مَسْحُورٌ إذا أُفْسِدَ عَمَلُهُ، وأرْضٌ مَسْحُورَةٌ أصابَها مِنَ المَطَرِ أكْثَرُ مِمّا يَنْبَغِي فَأفْسَدَها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُرِيدُ بَشَرًا ذا سَحْرِ أيْ: ذا رِئَةٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولا أدْرِي ما الَّذِي حَمَلَهُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المُسْتَكْرَهِ مَعَ أنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿مَسْحُورًا﴾ أيْ: مَخْدُوعًا لِأنَّ السِّحْرَ حِيلَةٌ وخَدِيعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَعَلَّمُ مِن بَعْضِ النّاسِ هَذِهِ الكَلِماتِ وأُولَئِكَ النّاسُ يَخْدَعُونَهُ بِهَذِهِ الكَلِماتِ وهَذِهِ الحِكاياتِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ مَسْحُورٌ أيْ: مَخْدُوعٌ، وأيْضًا كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الشَّيْطانَ يَتَخَيَّلُ لَهُ فَيَظُنُّ أنَّهُ مَلَكٌ فَقالُوا: إنَّهُ مَخْدُوعٌ مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: كُلُّ أحَدٍ شَبَّهَكَ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَقالُوا: إنَّهُ كاهِنٌ وساحِرٌ وشاعِرٌ ومُعَلَّمٌ ومَجْنُونٌ، فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ والطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والحَقِّ.
الإسراء 17:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا في الإلَهِيّاتِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ شُبُهاتِهِمْ في النُّبُوّاتِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ شُبَهاتِ القَوْمِ في إنْكارِ المَعادِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا كَثِيرًا أنَّ مَدارَ القُرْآنِ عَلى المَسائِلِ الأرْبَعَةِ وهي: الإلَهِيّاتُ والنُّبُوّاتُ والمَعادُ والقَضاءُ والقَدَرُ، وأيْضًا أنَّ القَوْمَ وصَفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا فاسِدَ العَقْلِ، فَذَكَرُوا مِن جُمْلَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ عَقْلِهِ أنَّهُ يَدَّعِي أنَّ الإنْسانَ بَعْدَما يَصِيرُ عِظامًا ورُفاتًا فَإنَّهُ يَعُودُ حَيًّا عاقِلًا كَما كانَ، فَذَكَرُوا هَذا الكَلامَ رِوايَةً عَنْهُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ مُخْتَلَّ العَقْلِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّفْتُ كَسْرُ الشَّيْءِ بِيَدِكَ، تَقُولُ: رَفَتُّهُ أرْفِتُهُ بِالكَسْرِ كَما يُرْفَتُ المَدَرُ والعَظْمُ البالِي، والرُّفاتُ الأجْزاءُ المُتَفَتِّتَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُكْسَرُ. يُقالُ: رَفَتَ عِظامَ الجَزُورِ رَفْتًا إذا كَسَرَها، ويُقالُ لِلتِّينِ: الرُّفَتُ لِأنَّهُ دُقاقُ الزَّرْعِ. قالَ الأخْفَشُ: رَفَتَ رَفْتًا، فَهو مَرْفُوتٌ نَحْوَ حَطَمَ حَطْمًا فَهو مَحْطُومٌ والرُّفاتُ والحُطامُ الِاسْمُ، كالجُذاذِ والرُّضاضِ والفُتاتِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ. أمّا تَقْرِيرُ شُبْهَةِ القَوْمِ: فَهي أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ جَفَّتْ أعْضاؤُهُ وتَناثَرَتْ وتَفَرَّقَتْ في حَوالَيِ العالَمِ فاخْتَلَطَ بِتِلْكَ الأجْزاءِ سائِرُ أجْزاءِ العالَمِ. أمّا الأجْزاءُ المائِيَّةُ في البَدَنِ فَتَخْتَلِطُ بِمِياهِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ التُّرابِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِتُرابِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ الهَوائِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِهَواءِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ النّارِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِنارِ العالَمِ وإذا صارَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ اجْتِماعُها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى. وكَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُ الحَياةِ
صفحة ١٨٠
إلَيْها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى ! فَهَذا هو تَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ.
والجَوابُ عَنْها: أنَّ هَذا الإشْكالَ لا يَتِمُّ إلّا بِالقَدْحِ في كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ وفي كَمالِ قُدْرَتِهِ. أمّا إذا سَلَّمْنا كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَحِينَئِذٍ هَذِهِ الأجْزاءُ وإنِ اخْتَلَطَتْ بِأجْزاءِ العالَمِ إلّا أنَّها مُتَمايِزَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ولَمّا سَلَّمْنا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ التَّأْلِيفِ والتَّرْكِيبِ والحَياةِ والعَقْلِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ بِأعْيانِها، فَثَبَتَ أنّا مَتى سَلَّمْنا كَمالَ عِلْمِ اللَّهِ وكَمالَ قُدْرَتِهِ زالَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِالكُلِّيَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ فالمَعْنى أنَّ القَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَرُدَّهم إلى حالِ الحَياةِ بَعْدَ أنْ صارُوا عِظامًا ورُفاتًا. وهي وإنْ كانَتْ صِفَةً مُنافِيَةً لِقَبُولِ الحَياةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لَكِنْ قَدَّرُوا انْتِهاءَ هَذِهِ الأجْسامِ بَعْدَ المَوْتِ إلى صِفَةٍ أُخْرى أشَدَّ مُنافاةً لِقَبُولِ الحَياةِ مِن كَوْنِها عِظامًا ورُفاتًا مِثْلَ أنْ تَصِيرَ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، فَإنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الحَجَرِيَّةِ والحَدِيدِيَّةِ وبَيْنَ قَبُولِ الحَياةِ أشَدُّ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ العَظْمِيَّةِ وبَيْنَ قَبُولِ الحَياةِ، وذَلِكَ أنَّ العَظْمَ قَدْ كانَ جُزْأً مِن بَدَنِ الحَيِّ. أمّا الحِجارَةُ والحَدِيدُ فَما كانا البَتَّةَ مَوْصُوفَيْنِ بِالحَياةِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ تَصِيرَ أبْدانُ النّاسِ مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ الحَجَرِيَّةِ والحَدِيدِيَّةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ الحَياةَ إلَيْها ويَجْعَلُها حَيًّا عاقِلًا كَما كانَ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا القَبُولُ حاصِلًا لَما حَصَلَ العَقْلُ والحَياةُ لَها في أوَّلِ الأمْرِ. وإلَهُ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَلا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ أجْزاءُ بَدَنِ زَيْدٍ المُطِيعِ بِأجْزاءِ بَدَنِ عَمْرٍو العاصِي. وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ عَوْدَ الحَياةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ وثَبَتَ أنَّ إلَهَ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، كانَ عَوْدُ الحَياةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ مُمْكِنًا قَطْعًا، سَواءٌ صارَتْ عِظامًا ورُفاتًا أوْ صارَتْ شَيْئًا أبْعَدَ مِنَ العَظْمِ في قَبُولِ الحَياةِ وهي أنْ تَصِيرَ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ القاطِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الأمْرَ بَلِ المُرادُ أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ لَما أعْجَزْتُمُ اللَّهَ تَعالى عَنِ الإعادَةِ، وذَلِكَ كَقَوْلِ القائِلِ لِلرَّجُلِ: أتَطْمَعُ فِيَّ وأنا فُلانٌ فَيَقُولُ: كُنْ مَن شِئْتَ كُنِ ابْنَ الخَلِيفَةِ، فَسَأطْلُبُ مِنكَ حَقِّي.
فَإنْ قِيلَ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ ؟
قُلْنا: المُرادُ أنَّ كَوْنَ الحَجَرِ والحَدِيدِ قابِلًا لِلْحَياةِ أمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، فَقِيلَ لَهم: فافْرِضُوا شَيْئًا آخَرَ أبْعَدَ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ مِنَ الحَجَرِ والحَدِيدِ بِحَيْثُ يَسْتَبْعِدُ عَقْلُكم كَوْنَهُ قابِلًا لِلْحَياةِ وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَتَعَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، لِأنَّ المُرادَ أنَّ أبْدانَ النّاسِ وإنِ انْتَهَتْ بَعْدَ مَوْتِها إلى أيِّ صِفَةٍ فُرِضَتْ وأيِّ حالَةٍ قُدِّرَتْ وإنْ كانَتْ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى إعادَةِ الحَياةِ إلَيْها، وإذا كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِنهُ المَوْتُ، يَعْنِي لَوْ صارَتْ أبْدانُكم نَفْسَ المَوْتِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ الحَياةَ إلَيْها، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: لَوْ كَنْتَ عَيْنَ الحَياةِ فاللَّهُ يُمِيتُكُ ولَوْ كَنْتَ عَيْنَ الغِنى فَإنَّ اللَّهَ يُفْقِرُكَ، فَهَذا قَدْ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أمّا في نَفْسِ الأمْرِ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ أبْدانَ النّاسِ أجْسامٌ والمَوْتَ عَرَضٌ والجِسْمَ لا يَنْقَلِبُ عَرَضًا ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَنْقَلِبَ عَرَضًا فالمَوْتُ لا يَقْبَلُ الحَياةَ لِأنَّ أحَدَ الضِّدَّيْنِ يَمْتَنِعُ اتِّصافُهُ بِالضِّدِّ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي السَّماءَ والأرْضَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ لَهم: كُونُوا حِجارَةً أوْ
صفحة ١٨١
حَدِيدًا أوْ شَيْئًا أبْعَدَ في قَبُولِ الحَياةِ مِن هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ فَإنَّ إعادَةَ الحَياةِ إلَيْهِ مُمْكِنَةٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: مَن هَذا الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إعادَةِ الحَياةِ إلَيْهِ ؟ قالَ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ: الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ؛ يَعْنِي أنَّ القَوْلَ بِصِحَّةِ الإعادَةِ فَرْعٌ عَلى تَسْلِيمِ أنَّ خالِقَ الحَيَواناتِ هو اللَّهُ تَعالى.
فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّ تِلْكَ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ وإلَهُ العالَمِ قادِرٌ لِذاتِهِ عالِمٌ لِذاتِهِ فَلا يَبْطُلُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ البَتَّةَ، فالقادِرُ عَلى الِابْتِداءِ يَجِبُ أنْ يَبْقى قادِرًا عَلى الإعادَةِ، وهَذا كَلامٌ تامٌّ وبُرْهانٌ قَوِيٌّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ يُقالُ: أنَغَضَ فُلانٌ رَأْسَهُ يُنْغِضُهُ إنْغاضًا إذا حَرَّكَهُ إلى فَوْقُ وإلى أسْفَلُ وسُمِّيَ الظَّلِيمُ نَغْضًا لِأنَّهُ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إنْكارًا لَهُ قَدْ أنْغَضَ رَأْسَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ يَعْنِي يُحَرِّكُونَها عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِبْعادِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ فاسِدٌ لِأنَّهم حَكَمُوا بِامْتِناعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ بِناءً عَلى الشُّبْهَةِ الَّتِي حَكَيْناها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِالبُرْهانِ الباهِرِ كَوْنَهُ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ، فَقَوْلُهم ”مَتى هو“ كَلامٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالبَحْثِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ كَوْنُهُ مُمْكِنَ الوُجُودِ في نَفْسِهِ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِإمْكانِهِ، فَأمّا أنَّهُ مَتى يُوجَدُ فَذاكَ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ مِن طَرِيقِ العَقْلِ، بَلْ إنَّما يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ فَإنْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ عُرِفَ وإلّا فَلا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في القُرْآنِ أنَّهُ لا يُطْلِعُ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ عَلى وقْتِهِ المُعَيَّنِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وقالَ: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] فَلا جَرَمَ. قالَ تَعالى: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ مَعْناهُ أنَّهُ قَرِيبٌ.
فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يَكُونُ قَرِيبًا وقَدِ انْقَرَضَ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ ولَمْ يَظْهَرْ ؟
قُلْنا: إذا كانَ ما مَضى أكْثَرَ مِمّا بَقِيَ كانَ الباقِي قَرِيبًا قَلِيلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ بِدَلِيلِ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كُلُّهُ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ، ثُمَّ نَقُولُ انْتَصَبَ يَوْمًا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ قَرِيبًا، والمَعْنى عَسى أنْ يَكُونَ البَعْثُ يَوْمَ يَدْعُوكم أيْ: بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْحَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] يُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ يُنادِي أيَّتُها الأجْسادُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبِإذْنِهِ وتَكْوِينِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: تُجِيبُونَ والِاسْتِجابَةُ مُوافَقَةُ الدّاعِي فِيما دَعا إلَيْهِ وهي الإجابَةُ إلّا أنَّ الِاسْتِجابَةَ تَقْتَضِي طَلَبَ المُوافَقَةِ فَهي أوْكَدُ مِنَ الإجابَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ ويَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ وقالَ قَتادَةُ بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ، وتَوْجِيهُ هَذا القَوْلِ أنَّهم لَمّا أجابُوا بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ كانَ ذَلِكَ مَعْرِفَةً مِنهم وطاعَةً ولَكِنَّهم لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ. فَلِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمِدُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الحَمْدُ، وقالَ أهْلُ المَعانِي: تَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ. أيْ: تَسْتَجِيبُونَ حامِدِينَ كَما يُقالُ: جاءَ بِغَضَبِهِ أيْ: جاءَ غَضْبانَ ورَكِبَ الأمِيرُ بِسَيْفِهِ أيْ: وسَيْفُهُ مَعَهُ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: بِحَمْدِهِ حالٌ مِنهم أيْ: حامِدِينَ، وهَذا مُبالَغَةٌ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِعَمَلٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ سَتَأْتِي بِهِ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ، أيْ:
صفحة ١٨٢
سَتَنْتَهِي إلى حالَةٍ تَحْمَدُ اللَّهَ وتَشْكُرُهُ عَلى أنِ اكْتُفِيَ مِنكَ بِذَلِكَ العَمَلِ وهَذا يُذْكَرُ في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ يس: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] فَظَنُّهم بِأنَّ هَذا لُبْثٌ قَلِيلٌ عائِدٌ إلى لُبْثِهِمْ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ تَقْرِيبُ وقْتِ البَعْثِ فَكَأنَّكَ بِالدُّنْيا لَمْ تَكُنْ وبِالآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ فَهَذا يَرْجِعُ إلى اسْتِقْلالِ مُدَّةِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا، وقِيلَ المُرادُ اسْتِقْلالُ لُبْثِهِمْ في عَرْصَةِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الدُّخُولَ في النّارِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في بَرْزَخِ القِيامَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكَلامَ مَعَ الكُفّارِ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ فَهو خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ لا مَعَ الكافِرِينَ لِأنَّ هَذا الكَلامَ هو اللّائِقُ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ بِحَمْدِهِ، ويَحْمَدُونَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، والثّانِي ظاهِرُ الِاحْتِمالِ.
الإسراء 17:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا في الإلَهِيّاتِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ شُبُهاتِهِمْ في النُّبُوّاتِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ شُبَهاتِ القَوْمِ في إنْكارِ المَعادِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا كَثِيرًا أنَّ مَدارَ القُرْآنِ عَلى المَسائِلِ الأرْبَعَةِ وهي: الإلَهِيّاتُ والنُّبُوّاتُ والمَعادُ والقَضاءُ والقَدَرُ، وأيْضًا أنَّ القَوْمَ وصَفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا فاسِدَ العَقْلِ، فَذَكَرُوا مِن جُمْلَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ عَقْلِهِ أنَّهُ يَدَّعِي أنَّ الإنْسانَ بَعْدَما يَصِيرُ عِظامًا ورُفاتًا فَإنَّهُ يَعُودُ حَيًّا عاقِلًا كَما كانَ، فَذَكَرُوا هَذا الكَلامَ رِوايَةً عَنْهُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ مُخْتَلَّ العَقْلِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّفْتُ كَسْرُ الشَّيْءِ بِيَدِكَ، تَقُولُ: رَفَتُّهُ أرْفِتُهُ بِالكَسْرِ كَما يُرْفَتُ المَدَرُ والعَظْمُ البالِي، والرُّفاتُ الأجْزاءُ المُتَفَتِّتَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُكْسَرُ. يُقالُ: رَفَتَ عِظامَ الجَزُورِ رَفْتًا إذا كَسَرَها، ويُقالُ لِلتِّينِ: الرُّفَتُ لِأنَّهُ دُقاقُ الزَّرْعِ. قالَ الأخْفَشُ: رَفَتَ رَفْتًا، فَهو مَرْفُوتٌ نَحْوَ حَطَمَ حَطْمًا فَهو مَحْطُومٌ والرُّفاتُ والحُطامُ الِاسْمُ، كالجُذاذِ والرُّضاضِ والفُتاتِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ. أمّا تَقْرِيرُ شُبْهَةِ القَوْمِ: فَهي أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ جَفَّتْ أعْضاؤُهُ وتَناثَرَتْ وتَفَرَّقَتْ في حَوالَيِ العالَمِ فاخْتَلَطَ بِتِلْكَ الأجْزاءِ سائِرُ أجْزاءِ العالَمِ. أمّا الأجْزاءُ المائِيَّةُ في البَدَنِ فَتَخْتَلِطُ بِمِياهِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ التُّرابِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِتُرابِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ الهَوائِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِهَواءِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ النّارِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِنارِ العالَمِ وإذا صارَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ اجْتِماعُها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى. وكَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُ الحَياةِ
صفحة ١٨٠
إلَيْها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى ! فَهَذا هو تَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ.
والجَوابُ عَنْها: أنَّ هَذا الإشْكالَ لا يَتِمُّ إلّا بِالقَدْحِ في كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ وفي كَمالِ قُدْرَتِهِ. أمّا إذا سَلَّمْنا كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَحِينَئِذٍ هَذِهِ الأجْزاءُ وإنِ اخْتَلَطَتْ بِأجْزاءِ العالَمِ إلّا أنَّها مُتَمايِزَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ولَمّا سَلَّمْنا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ التَّأْلِيفِ والتَّرْكِيبِ والحَياةِ والعَقْلِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ بِأعْيانِها، فَثَبَتَ أنّا مَتى سَلَّمْنا كَمالَ عِلْمِ اللَّهِ وكَمالَ قُدْرَتِهِ زالَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِالكُلِّيَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ فالمَعْنى أنَّ القَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَرُدَّهم إلى حالِ الحَياةِ بَعْدَ أنْ صارُوا عِظامًا ورُفاتًا. وهي وإنْ كانَتْ صِفَةً مُنافِيَةً لِقَبُولِ الحَياةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لَكِنْ قَدَّرُوا انْتِهاءَ هَذِهِ الأجْسامِ بَعْدَ المَوْتِ إلى صِفَةٍ أُخْرى أشَدَّ مُنافاةً لِقَبُولِ الحَياةِ مِن كَوْنِها عِظامًا ورُفاتًا مِثْلَ أنْ تَصِيرَ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، فَإنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الحَجَرِيَّةِ والحَدِيدِيَّةِ وبَيْنَ قَبُولِ الحَياةِ أشَدُّ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ العَظْمِيَّةِ وبَيْنَ قَبُولِ الحَياةِ، وذَلِكَ أنَّ العَظْمَ قَدْ كانَ جُزْأً مِن بَدَنِ الحَيِّ. أمّا الحِجارَةُ والحَدِيدُ فَما كانا البَتَّةَ مَوْصُوفَيْنِ بِالحَياةِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ تَصِيرَ أبْدانُ النّاسِ مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ الحَجَرِيَّةِ والحَدِيدِيَّةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ الحَياةَ إلَيْها ويَجْعَلُها حَيًّا عاقِلًا كَما كانَ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا القَبُولُ حاصِلًا لَما حَصَلَ العَقْلُ والحَياةُ لَها في أوَّلِ الأمْرِ. وإلَهُ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَلا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ أجْزاءُ بَدَنِ زَيْدٍ المُطِيعِ بِأجْزاءِ بَدَنِ عَمْرٍو العاصِي. وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ عَوْدَ الحَياةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ وثَبَتَ أنَّ إلَهَ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، كانَ عَوْدُ الحَياةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ مُمْكِنًا قَطْعًا، سَواءٌ صارَتْ عِظامًا ورُفاتًا أوْ صارَتْ شَيْئًا أبْعَدَ مِنَ العَظْمِ في قَبُولِ الحَياةِ وهي أنْ تَصِيرَ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ القاطِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الأمْرَ بَلِ المُرادُ أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ لَما أعْجَزْتُمُ اللَّهَ تَعالى عَنِ الإعادَةِ، وذَلِكَ كَقَوْلِ القائِلِ لِلرَّجُلِ: أتَطْمَعُ فِيَّ وأنا فُلانٌ فَيَقُولُ: كُنْ مَن شِئْتَ كُنِ ابْنَ الخَلِيفَةِ، فَسَأطْلُبُ مِنكَ حَقِّي.
فَإنْ قِيلَ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ ؟
قُلْنا: المُرادُ أنَّ كَوْنَ الحَجَرِ والحَدِيدِ قابِلًا لِلْحَياةِ أمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، فَقِيلَ لَهم: فافْرِضُوا شَيْئًا آخَرَ أبْعَدَ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ مِنَ الحَجَرِ والحَدِيدِ بِحَيْثُ يَسْتَبْعِدُ عَقْلُكم كَوْنَهُ قابِلًا لِلْحَياةِ وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَتَعَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، لِأنَّ المُرادَ أنَّ أبْدانَ النّاسِ وإنِ انْتَهَتْ بَعْدَ مَوْتِها إلى أيِّ صِفَةٍ فُرِضَتْ وأيِّ حالَةٍ قُدِّرَتْ وإنْ كانَتْ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى إعادَةِ الحَياةِ إلَيْها، وإذا كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِنهُ المَوْتُ، يَعْنِي لَوْ صارَتْ أبْدانُكم نَفْسَ المَوْتِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ الحَياةَ إلَيْها، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: لَوْ كَنْتَ عَيْنَ الحَياةِ فاللَّهُ يُمِيتُكُ ولَوْ كَنْتَ عَيْنَ الغِنى فَإنَّ اللَّهَ يُفْقِرُكَ، فَهَذا قَدْ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أمّا في نَفْسِ الأمْرِ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ أبْدانَ النّاسِ أجْسامٌ والمَوْتَ عَرَضٌ والجِسْمَ لا يَنْقَلِبُ عَرَضًا ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَنْقَلِبَ عَرَضًا فالمَوْتُ لا يَقْبَلُ الحَياةَ لِأنَّ أحَدَ الضِّدَّيْنِ يَمْتَنِعُ اتِّصافُهُ بِالضِّدِّ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي السَّماءَ والأرْضَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ لَهم: كُونُوا حِجارَةً أوْ
صفحة ١٨١
حَدِيدًا أوْ شَيْئًا أبْعَدَ في قَبُولِ الحَياةِ مِن هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ فَإنَّ إعادَةَ الحَياةِ إلَيْهِ مُمْكِنَةٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: مَن هَذا الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إعادَةِ الحَياةِ إلَيْهِ ؟ قالَ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ: الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ؛ يَعْنِي أنَّ القَوْلَ بِصِحَّةِ الإعادَةِ فَرْعٌ عَلى تَسْلِيمِ أنَّ خالِقَ الحَيَواناتِ هو اللَّهُ تَعالى.
فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّ تِلْكَ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ وإلَهُ العالَمِ قادِرٌ لِذاتِهِ عالِمٌ لِذاتِهِ فَلا يَبْطُلُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ البَتَّةَ، فالقادِرُ عَلى الِابْتِداءِ يَجِبُ أنْ يَبْقى قادِرًا عَلى الإعادَةِ، وهَذا كَلامٌ تامٌّ وبُرْهانٌ قَوِيٌّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ يُقالُ: أنَغَضَ فُلانٌ رَأْسَهُ يُنْغِضُهُ إنْغاضًا إذا حَرَّكَهُ إلى فَوْقُ وإلى أسْفَلُ وسُمِّيَ الظَّلِيمُ نَغْضًا لِأنَّهُ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إنْكارًا لَهُ قَدْ أنْغَضَ رَأْسَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ يَعْنِي يُحَرِّكُونَها عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِبْعادِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ فاسِدٌ لِأنَّهم حَكَمُوا بِامْتِناعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ بِناءً عَلى الشُّبْهَةِ الَّتِي حَكَيْناها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِالبُرْهانِ الباهِرِ كَوْنَهُ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ، فَقَوْلُهم ”مَتى هو“ كَلامٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالبَحْثِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ كَوْنُهُ مُمْكِنَ الوُجُودِ في نَفْسِهِ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِإمْكانِهِ، فَأمّا أنَّهُ مَتى يُوجَدُ فَذاكَ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ مِن طَرِيقِ العَقْلِ، بَلْ إنَّما يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ فَإنْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ عُرِفَ وإلّا فَلا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في القُرْآنِ أنَّهُ لا يُطْلِعُ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ عَلى وقْتِهِ المُعَيَّنِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وقالَ: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] فَلا جَرَمَ. قالَ تَعالى: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ مَعْناهُ أنَّهُ قَرِيبٌ.
فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يَكُونُ قَرِيبًا وقَدِ انْقَرَضَ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ ولَمْ يَظْهَرْ ؟
قُلْنا: إذا كانَ ما مَضى أكْثَرَ مِمّا بَقِيَ كانَ الباقِي قَرِيبًا قَلِيلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ بِدَلِيلِ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كُلُّهُ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ، ثُمَّ نَقُولُ انْتَصَبَ يَوْمًا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ قَرِيبًا، والمَعْنى عَسى أنْ يَكُونَ البَعْثُ يَوْمَ يَدْعُوكم أيْ: بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْحَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] يُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ يُنادِي أيَّتُها الأجْسادُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبِإذْنِهِ وتَكْوِينِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: تُجِيبُونَ والِاسْتِجابَةُ مُوافَقَةُ الدّاعِي فِيما دَعا إلَيْهِ وهي الإجابَةُ إلّا أنَّ الِاسْتِجابَةَ تَقْتَضِي طَلَبَ المُوافَقَةِ فَهي أوْكَدُ مِنَ الإجابَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ ويَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ وقالَ قَتادَةُ بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ، وتَوْجِيهُ هَذا القَوْلِ أنَّهم لَمّا أجابُوا بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ كانَ ذَلِكَ مَعْرِفَةً مِنهم وطاعَةً ولَكِنَّهم لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ. فَلِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمِدُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الحَمْدُ، وقالَ أهْلُ المَعانِي: تَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ. أيْ: تَسْتَجِيبُونَ حامِدِينَ كَما يُقالُ: جاءَ بِغَضَبِهِ أيْ: جاءَ غَضْبانَ ورَكِبَ الأمِيرُ بِسَيْفِهِ أيْ: وسَيْفُهُ مَعَهُ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: بِحَمْدِهِ حالٌ مِنهم أيْ: حامِدِينَ، وهَذا مُبالَغَةٌ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِعَمَلٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ سَتَأْتِي بِهِ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ، أيْ:
صفحة ١٨٢
سَتَنْتَهِي إلى حالَةٍ تَحْمَدُ اللَّهَ وتَشْكُرُهُ عَلى أنِ اكْتُفِيَ مِنكَ بِذَلِكَ العَمَلِ وهَذا يُذْكَرُ في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ يس: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] فَظَنُّهم بِأنَّ هَذا لُبْثٌ قَلِيلٌ عائِدٌ إلى لُبْثِهِمْ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ تَقْرِيبُ وقْتِ البَعْثِ فَكَأنَّكَ بِالدُّنْيا لَمْ تَكُنْ وبِالآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ فَهَذا يَرْجِعُ إلى اسْتِقْلالِ مُدَّةِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا، وقِيلَ المُرادُ اسْتِقْلالُ لُبْثِهِمْ في عَرْصَةِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الدُّخُولَ في النّارِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في بَرْزَخِ القِيامَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكَلامَ مَعَ الكُفّارِ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ فَهو خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ لا مَعَ الكافِرِينَ لِأنَّ هَذا الكَلامَ هو اللّائِقُ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ بِحَمْدِهِ، ويَحْمَدُونَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، والثّانِي ظاهِرُ الِاحْتِمالِ.
الإسراء 17:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا في الإلَهِيّاتِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ شُبُهاتِهِمْ في النُّبُوّاتِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ شُبَهاتِ القَوْمِ في إنْكارِ المَعادِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا كَثِيرًا أنَّ مَدارَ القُرْآنِ عَلى المَسائِلِ الأرْبَعَةِ وهي: الإلَهِيّاتُ والنُّبُوّاتُ والمَعادُ والقَضاءُ والقَدَرُ، وأيْضًا أنَّ القَوْمَ وصَفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا فاسِدَ العَقْلِ، فَذَكَرُوا مِن جُمْلَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ عَقْلِهِ أنَّهُ يَدَّعِي أنَّ الإنْسانَ بَعْدَما يَصِيرُ عِظامًا ورُفاتًا فَإنَّهُ يَعُودُ حَيًّا عاقِلًا كَما كانَ، فَذَكَرُوا هَذا الكَلامَ رِوايَةً عَنْهُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ مُخْتَلَّ العَقْلِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّفْتُ كَسْرُ الشَّيْءِ بِيَدِكَ، تَقُولُ: رَفَتُّهُ أرْفِتُهُ بِالكَسْرِ كَما يُرْفَتُ المَدَرُ والعَظْمُ البالِي، والرُّفاتُ الأجْزاءُ المُتَفَتِّتَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُكْسَرُ. يُقالُ: رَفَتَ عِظامَ الجَزُورِ رَفْتًا إذا كَسَرَها، ويُقالُ لِلتِّينِ: الرُّفَتُ لِأنَّهُ دُقاقُ الزَّرْعِ. قالَ الأخْفَشُ: رَفَتَ رَفْتًا، فَهو مَرْفُوتٌ نَحْوَ حَطَمَ حَطْمًا فَهو مَحْطُومٌ والرُّفاتُ والحُطامُ الِاسْمُ، كالجُذاذِ والرُّضاضِ والفُتاتِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ. أمّا تَقْرِيرُ شُبْهَةِ القَوْمِ: فَهي أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ جَفَّتْ أعْضاؤُهُ وتَناثَرَتْ وتَفَرَّقَتْ في حَوالَيِ العالَمِ فاخْتَلَطَ بِتِلْكَ الأجْزاءِ سائِرُ أجْزاءِ العالَمِ. أمّا الأجْزاءُ المائِيَّةُ في البَدَنِ فَتَخْتَلِطُ بِمِياهِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ التُّرابِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِتُرابِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ الهَوائِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِهَواءِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ النّارِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِنارِ العالَمِ وإذا صارَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ اجْتِماعُها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى. وكَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُ الحَياةِ
صفحة ١٨٠
إلَيْها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى ! فَهَذا هو تَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ.
والجَوابُ عَنْها: أنَّ هَذا الإشْكالَ لا يَتِمُّ إلّا بِالقَدْحِ في كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ وفي كَمالِ قُدْرَتِهِ. أمّا إذا سَلَّمْنا كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَحِينَئِذٍ هَذِهِ الأجْزاءُ وإنِ اخْتَلَطَتْ بِأجْزاءِ العالَمِ إلّا أنَّها مُتَمايِزَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ولَمّا سَلَّمْنا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ التَّأْلِيفِ والتَّرْكِيبِ والحَياةِ والعَقْلِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ بِأعْيانِها، فَثَبَتَ أنّا مَتى سَلَّمْنا كَمالَ عِلْمِ اللَّهِ وكَمالَ قُدْرَتِهِ زالَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِالكُلِّيَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ فالمَعْنى أنَّ القَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَرُدَّهم إلى حالِ الحَياةِ بَعْدَ أنْ صارُوا عِظامًا ورُفاتًا. وهي وإنْ كانَتْ صِفَةً مُنافِيَةً لِقَبُولِ الحَياةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لَكِنْ قَدَّرُوا انْتِهاءَ هَذِهِ الأجْسامِ بَعْدَ المَوْتِ إلى صِفَةٍ أُخْرى أشَدَّ مُنافاةً لِقَبُولِ الحَياةِ مِن كَوْنِها عِظامًا ورُفاتًا مِثْلَ أنْ تَصِيرَ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، فَإنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الحَجَرِيَّةِ والحَدِيدِيَّةِ وبَيْنَ قَبُولِ الحَياةِ أشَدُّ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ العَظْمِيَّةِ وبَيْنَ قَبُولِ الحَياةِ، وذَلِكَ أنَّ العَظْمَ قَدْ كانَ جُزْأً مِن بَدَنِ الحَيِّ. أمّا الحِجارَةُ والحَدِيدُ فَما كانا البَتَّةَ مَوْصُوفَيْنِ بِالحَياةِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ تَصِيرَ أبْدانُ النّاسِ مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ الحَجَرِيَّةِ والحَدِيدِيَّةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ الحَياةَ إلَيْها ويَجْعَلُها حَيًّا عاقِلًا كَما كانَ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا القَبُولُ حاصِلًا لَما حَصَلَ العَقْلُ والحَياةُ لَها في أوَّلِ الأمْرِ. وإلَهُ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَلا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ أجْزاءُ بَدَنِ زَيْدٍ المُطِيعِ بِأجْزاءِ بَدَنِ عَمْرٍو العاصِي. وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ عَوْدَ الحَياةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ وثَبَتَ أنَّ إلَهَ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، كانَ عَوْدُ الحَياةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ مُمْكِنًا قَطْعًا، سَواءٌ صارَتْ عِظامًا ورُفاتًا أوْ صارَتْ شَيْئًا أبْعَدَ مِنَ العَظْمِ في قَبُولِ الحَياةِ وهي أنْ تَصِيرَ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ القاطِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الأمْرَ بَلِ المُرادُ أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ لَما أعْجَزْتُمُ اللَّهَ تَعالى عَنِ الإعادَةِ، وذَلِكَ كَقَوْلِ القائِلِ لِلرَّجُلِ: أتَطْمَعُ فِيَّ وأنا فُلانٌ فَيَقُولُ: كُنْ مَن شِئْتَ كُنِ ابْنَ الخَلِيفَةِ، فَسَأطْلُبُ مِنكَ حَقِّي.
فَإنْ قِيلَ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ ؟
قُلْنا: المُرادُ أنَّ كَوْنَ الحَجَرِ والحَدِيدِ قابِلًا لِلْحَياةِ أمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، فَقِيلَ لَهم: فافْرِضُوا شَيْئًا آخَرَ أبْعَدَ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ مِنَ الحَجَرِ والحَدِيدِ بِحَيْثُ يَسْتَبْعِدُ عَقْلُكم كَوْنَهُ قابِلًا لِلْحَياةِ وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَتَعَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، لِأنَّ المُرادَ أنَّ أبْدانَ النّاسِ وإنِ انْتَهَتْ بَعْدَ مَوْتِها إلى أيِّ صِفَةٍ فُرِضَتْ وأيِّ حالَةٍ قُدِّرَتْ وإنْ كانَتْ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى إعادَةِ الحَياةِ إلَيْها، وإذا كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِنهُ المَوْتُ، يَعْنِي لَوْ صارَتْ أبْدانُكم نَفْسَ المَوْتِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ الحَياةَ إلَيْها، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: لَوْ كَنْتَ عَيْنَ الحَياةِ فاللَّهُ يُمِيتُكُ ولَوْ كَنْتَ عَيْنَ الغِنى فَإنَّ اللَّهَ يُفْقِرُكَ، فَهَذا قَدْ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أمّا في نَفْسِ الأمْرِ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ أبْدانَ النّاسِ أجْسامٌ والمَوْتَ عَرَضٌ والجِسْمَ لا يَنْقَلِبُ عَرَضًا ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَنْقَلِبَ عَرَضًا فالمَوْتُ لا يَقْبَلُ الحَياةَ لِأنَّ أحَدَ الضِّدَّيْنِ يَمْتَنِعُ اتِّصافُهُ بِالضِّدِّ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي السَّماءَ والأرْضَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ لَهم: كُونُوا حِجارَةً أوْ
صفحة ١٨١
حَدِيدًا أوْ شَيْئًا أبْعَدَ في قَبُولِ الحَياةِ مِن هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ فَإنَّ إعادَةَ الحَياةِ إلَيْهِ مُمْكِنَةٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: مَن هَذا الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إعادَةِ الحَياةِ إلَيْهِ ؟ قالَ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ: الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ؛ يَعْنِي أنَّ القَوْلَ بِصِحَّةِ الإعادَةِ فَرْعٌ عَلى تَسْلِيمِ أنَّ خالِقَ الحَيَواناتِ هو اللَّهُ تَعالى.
فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّ تِلْكَ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ وإلَهُ العالَمِ قادِرٌ لِذاتِهِ عالِمٌ لِذاتِهِ فَلا يَبْطُلُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ البَتَّةَ، فالقادِرُ عَلى الِابْتِداءِ يَجِبُ أنْ يَبْقى قادِرًا عَلى الإعادَةِ، وهَذا كَلامٌ تامٌّ وبُرْهانٌ قَوِيٌّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ يُقالُ: أنَغَضَ فُلانٌ رَأْسَهُ يُنْغِضُهُ إنْغاضًا إذا حَرَّكَهُ إلى فَوْقُ وإلى أسْفَلُ وسُمِّيَ الظَّلِيمُ نَغْضًا لِأنَّهُ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إنْكارًا لَهُ قَدْ أنْغَضَ رَأْسَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ يَعْنِي يُحَرِّكُونَها عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِبْعادِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ فاسِدٌ لِأنَّهم حَكَمُوا بِامْتِناعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ بِناءً عَلى الشُّبْهَةِ الَّتِي حَكَيْناها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِالبُرْهانِ الباهِرِ كَوْنَهُ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ، فَقَوْلُهم ”مَتى هو“ كَلامٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالبَحْثِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ كَوْنُهُ مُمْكِنَ الوُجُودِ في نَفْسِهِ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِإمْكانِهِ، فَأمّا أنَّهُ مَتى يُوجَدُ فَذاكَ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ مِن طَرِيقِ العَقْلِ، بَلْ إنَّما يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ فَإنْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ عُرِفَ وإلّا فَلا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في القُرْآنِ أنَّهُ لا يُطْلِعُ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ عَلى وقْتِهِ المُعَيَّنِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وقالَ: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] فَلا جَرَمَ. قالَ تَعالى: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ مَعْناهُ أنَّهُ قَرِيبٌ.
فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يَكُونُ قَرِيبًا وقَدِ انْقَرَضَ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ ولَمْ يَظْهَرْ ؟
قُلْنا: إذا كانَ ما مَضى أكْثَرَ مِمّا بَقِيَ كانَ الباقِي قَرِيبًا قَلِيلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ بِدَلِيلِ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كُلُّهُ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ، ثُمَّ نَقُولُ انْتَصَبَ يَوْمًا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ قَرِيبًا، والمَعْنى عَسى أنْ يَكُونَ البَعْثُ يَوْمَ يَدْعُوكم أيْ: بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْحَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] يُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ يُنادِي أيَّتُها الأجْسادُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبِإذْنِهِ وتَكْوِينِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: تُجِيبُونَ والِاسْتِجابَةُ مُوافَقَةُ الدّاعِي فِيما دَعا إلَيْهِ وهي الإجابَةُ إلّا أنَّ الِاسْتِجابَةَ تَقْتَضِي طَلَبَ المُوافَقَةِ فَهي أوْكَدُ مِنَ الإجابَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ ويَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ وقالَ قَتادَةُ بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ، وتَوْجِيهُ هَذا القَوْلِ أنَّهم لَمّا أجابُوا بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ كانَ ذَلِكَ مَعْرِفَةً مِنهم وطاعَةً ولَكِنَّهم لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ. فَلِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمِدُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الحَمْدُ، وقالَ أهْلُ المَعانِي: تَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ. أيْ: تَسْتَجِيبُونَ حامِدِينَ كَما يُقالُ: جاءَ بِغَضَبِهِ أيْ: جاءَ غَضْبانَ ورَكِبَ الأمِيرُ بِسَيْفِهِ أيْ: وسَيْفُهُ مَعَهُ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: بِحَمْدِهِ حالٌ مِنهم أيْ: حامِدِينَ، وهَذا مُبالَغَةٌ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِعَمَلٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ سَتَأْتِي بِهِ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ، أيْ:
صفحة ١٨٢
سَتَنْتَهِي إلى حالَةٍ تَحْمَدُ اللَّهَ وتَشْكُرُهُ عَلى أنِ اكْتُفِيَ مِنكَ بِذَلِكَ العَمَلِ وهَذا يُذْكَرُ في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ يس: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] فَظَنُّهم بِأنَّ هَذا لُبْثٌ قَلِيلٌ عائِدٌ إلى لُبْثِهِمْ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ تَقْرِيبُ وقْتِ البَعْثِ فَكَأنَّكَ بِالدُّنْيا لَمْ تَكُنْ وبِالآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ فَهَذا يَرْجِعُ إلى اسْتِقْلالِ مُدَّةِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا، وقِيلَ المُرادُ اسْتِقْلالُ لُبْثِهِمْ في عَرْصَةِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الدُّخُولَ في النّارِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في بَرْزَخِ القِيامَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكَلامَ مَعَ الكُفّارِ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ فَهو خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ لا مَعَ الكافِرِينَ لِأنَّ هَذا الكَلامَ هو اللّائِقُ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ بِحَمْدِهِ، ويَحْمَدُونَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، والثّانِي ظاهِرُ الِاحْتِمالِ.
الإسراء 17:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا في الإلَهِيّاتِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ شُبُهاتِهِمْ في النُّبُوّاتِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ شُبَهاتِ القَوْمِ في إنْكارِ المَعادِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا كَثِيرًا أنَّ مَدارَ القُرْآنِ عَلى المَسائِلِ الأرْبَعَةِ وهي: الإلَهِيّاتُ والنُّبُوّاتُ والمَعادُ والقَضاءُ والقَدَرُ، وأيْضًا أنَّ القَوْمَ وصَفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا فاسِدَ العَقْلِ، فَذَكَرُوا مِن جُمْلَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ عَقْلِهِ أنَّهُ يَدَّعِي أنَّ الإنْسانَ بَعْدَما يَصِيرُ عِظامًا ورُفاتًا فَإنَّهُ يَعُودُ حَيًّا عاقِلًا كَما كانَ، فَذَكَرُوا هَذا الكَلامَ رِوايَةً عَنْهُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ مُخْتَلَّ العَقْلِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّفْتُ كَسْرُ الشَّيْءِ بِيَدِكَ، تَقُولُ: رَفَتُّهُ أرْفِتُهُ بِالكَسْرِ كَما يُرْفَتُ المَدَرُ والعَظْمُ البالِي، والرُّفاتُ الأجْزاءُ المُتَفَتِّتَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُكْسَرُ. يُقالُ: رَفَتَ عِظامَ الجَزُورِ رَفْتًا إذا كَسَرَها، ويُقالُ لِلتِّينِ: الرُّفَتُ لِأنَّهُ دُقاقُ الزَّرْعِ. قالَ الأخْفَشُ: رَفَتَ رَفْتًا، فَهو مَرْفُوتٌ نَحْوَ حَطَمَ حَطْمًا فَهو مَحْطُومٌ والرُّفاتُ والحُطامُ الِاسْمُ، كالجُذاذِ والرُّضاضِ والفُتاتِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ. أمّا تَقْرِيرُ شُبْهَةِ القَوْمِ: فَهي أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ جَفَّتْ أعْضاؤُهُ وتَناثَرَتْ وتَفَرَّقَتْ في حَوالَيِ العالَمِ فاخْتَلَطَ بِتِلْكَ الأجْزاءِ سائِرُ أجْزاءِ العالَمِ. أمّا الأجْزاءُ المائِيَّةُ في البَدَنِ فَتَخْتَلِطُ بِمِياهِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ التُّرابِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِتُرابِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ الهَوائِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِهَواءِ العالَمِ، وأمّا الأجْزاءُ النّارِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِنارِ العالَمِ وإذا صارَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ اجْتِماعُها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى. وكَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُ الحَياةِ
صفحة ١٨٠
إلَيْها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى ! فَهَذا هو تَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ.
والجَوابُ عَنْها: أنَّ هَذا الإشْكالَ لا يَتِمُّ إلّا بِالقَدْحِ في كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ وفي كَمالِ قُدْرَتِهِ. أمّا إذا سَلَّمْنا كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَحِينَئِذٍ هَذِهِ الأجْزاءُ وإنِ اخْتَلَطَتْ بِأجْزاءِ العالَمِ إلّا أنَّها مُتَمايِزَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ولَمّا سَلَّمْنا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ التَّأْلِيفِ والتَّرْكِيبِ والحَياةِ والعَقْلِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ بِأعْيانِها، فَثَبَتَ أنّا مَتى سَلَّمْنا كَمالَ عِلْمِ اللَّهِ وكَمالَ قُدْرَتِهِ زالَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِالكُلِّيَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ فالمَعْنى أنَّ القَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَرُدَّهم إلى حالِ الحَياةِ بَعْدَ أنْ صارُوا عِظامًا ورُفاتًا. وهي وإنْ كانَتْ صِفَةً مُنافِيَةً لِقَبُولِ الحَياةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لَكِنْ قَدَّرُوا انْتِهاءَ هَذِهِ الأجْسامِ بَعْدَ المَوْتِ إلى صِفَةٍ أُخْرى أشَدَّ مُنافاةً لِقَبُولِ الحَياةِ مِن كَوْنِها عِظامًا ورُفاتًا مِثْلَ أنْ تَصِيرَ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، فَإنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الحَجَرِيَّةِ والحَدِيدِيَّةِ وبَيْنَ قَبُولِ الحَياةِ أشَدُّ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ العَظْمِيَّةِ وبَيْنَ قَبُولِ الحَياةِ، وذَلِكَ أنَّ العَظْمَ قَدْ كانَ جُزْأً مِن بَدَنِ الحَيِّ. أمّا الحِجارَةُ والحَدِيدُ فَما كانا البَتَّةَ مَوْصُوفَيْنِ بِالحَياةِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ تَصِيرَ أبْدانُ النّاسِ مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ الحَجَرِيَّةِ والحَدِيدِيَّةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ الحَياةَ إلَيْها ويَجْعَلُها حَيًّا عاقِلًا كَما كانَ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا القَبُولُ حاصِلًا لَما حَصَلَ العَقْلُ والحَياةُ لَها في أوَّلِ الأمْرِ. وإلَهُ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَلا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ أجْزاءُ بَدَنِ زَيْدٍ المُطِيعِ بِأجْزاءِ بَدَنِ عَمْرٍو العاصِي. وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ عَوْدَ الحَياةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ وثَبَتَ أنَّ إلَهَ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، كانَ عَوْدُ الحَياةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ مُمْكِنًا قَطْعًا، سَواءٌ صارَتْ عِظامًا ورُفاتًا أوْ صارَتْ شَيْئًا أبْعَدَ مِنَ العَظْمِ في قَبُولِ الحَياةِ وهي أنْ تَصِيرَ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ القاطِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الأمْرَ بَلِ المُرادُ أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ لَما أعْجَزْتُمُ اللَّهَ تَعالى عَنِ الإعادَةِ، وذَلِكَ كَقَوْلِ القائِلِ لِلرَّجُلِ: أتَطْمَعُ فِيَّ وأنا فُلانٌ فَيَقُولُ: كُنْ مَن شِئْتَ كُنِ ابْنَ الخَلِيفَةِ، فَسَأطْلُبُ مِنكَ حَقِّي.
فَإنْ قِيلَ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ ؟
قُلْنا: المُرادُ أنَّ كَوْنَ الحَجَرِ والحَدِيدِ قابِلًا لِلْحَياةِ أمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، فَقِيلَ لَهم: فافْرِضُوا شَيْئًا آخَرَ أبْعَدَ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ مِنَ الحَجَرِ والحَدِيدِ بِحَيْثُ يَسْتَبْعِدُ عَقْلُكم كَوْنَهُ قابِلًا لِلْحَياةِ وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَتَعَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، لِأنَّ المُرادَ أنَّ أبْدانَ النّاسِ وإنِ انْتَهَتْ بَعْدَ مَوْتِها إلى أيِّ صِفَةٍ فُرِضَتْ وأيِّ حالَةٍ قُدِّرَتْ وإنْ كانَتْ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى إعادَةِ الحَياةِ إلَيْها، وإذا كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِنهُ المَوْتُ، يَعْنِي لَوْ صارَتْ أبْدانُكم نَفْسَ المَوْتِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ الحَياةَ إلَيْها، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: لَوْ كَنْتَ عَيْنَ الحَياةِ فاللَّهُ يُمِيتُكُ ولَوْ كَنْتَ عَيْنَ الغِنى فَإنَّ اللَّهَ يُفْقِرُكَ، فَهَذا قَدْ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أمّا في نَفْسِ الأمْرِ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ أبْدانَ النّاسِ أجْسامٌ والمَوْتَ عَرَضٌ والجِسْمَ لا يَنْقَلِبُ عَرَضًا ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَنْقَلِبَ عَرَضًا فالمَوْتُ لا يَقْبَلُ الحَياةَ لِأنَّ أحَدَ الضِّدَّيْنِ يَمْتَنِعُ اتِّصافُهُ بِالضِّدِّ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي السَّماءَ والأرْضَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ لَهم: كُونُوا حِجارَةً أوْ
صفحة ١٨١
حَدِيدًا أوْ شَيْئًا أبْعَدَ في قَبُولِ الحَياةِ مِن هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ فَإنَّ إعادَةَ الحَياةِ إلَيْهِ مُمْكِنَةٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: مَن هَذا الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إعادَةِ الحَياةِ إلَيْهِ ؟ قالَ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ: الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ؛ يَعْنِي أنَّ القَوْلَ بِصِحَّةِ الإعادَةِ فَرْعٌ عَلى تَسْلِيمِ أنَّ خالِقَ الحَيَواناتِ هو اللَّهُ تَعالى.
فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّ تِلْكَ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ وإلَهُ العالَمِ قادِرٌ لِذاتِهِ عالِمٌ لِذاتِهِ فَلا يَبْطُلُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ البَتَّةَ، فالقادِرُ عَلى الِابْتِداءِ يَجِبُ أنْ يَبْقى قادِرًا عَلى الإعادَةِ، وهَذا كَلامٌ تامٌّ وبُرْهانٌ قَوِيٌّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ يُقالُ: أنَغَضَ فُلانٌ رَأْسَهُ يُنْغِضُهُ إنْغاضًا إذا حَرَّكَهُ إلى فَوْقُ وإلى أسْفَلُ وسُمِّيَ الظَّلِيمُ نَغْضًا لِأنَّهُ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إنْكارًا لَهُ قَدْ أنْغَضَ رَأْسَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ يَعْنِي يُحَرِّكُونَها عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِبْعادِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ فاسِدٌ لِأنَّهم حَكَمُوا بِامْتِناعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ بِناءً عَلى الشُّبْهَةِ الَّتِي حَكَيْناها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِالبُرْهانِ الباهِرِ كَوْنَهُ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ، فَقَوْلُهم ”مَتى هو“ كَلامٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالبَحْثِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ كَوْنُهُ مُمْكِنَ الوُجُودِ في نَفْسِهِ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِإمْكانِهِ، فَأمّا أنَّهُ مَتى يُوجَدُ فَذاكَ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ مِن طَرِيقِ العَقْلِ، بَلْ إنَّما يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ فَإنْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ عُرِفَ وإلّا فَلا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في القُرْآنِ أنَّهُ لا يُطْلِعُ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ عَلى وقْتِهِ المُعَيَّنِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وقالَ: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] فَلا جَرَمَ. قالَ تَعالى: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ مَعْناهُ أنَّهُ قَرِيبٌ.
فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يَكُونُ قَرِيبًا وقَدِ انْقَرَضَ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ ولَمْ يَظْهَرْ ؟
قُلْنا: إذا كانَ ما مَضى أكْثَرَ مِمّا بَقِيَ كانَ الباقِي قَرِيبًا قَلِيلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ بِدَلِيلِ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كُلُّهُ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ، ثُمَّ نَقُولُ انْتَصَبَ يَوْمًا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ قَرِيبًا، والمَعْنى عَسى أنْ يَكُونَ البَعْثُ يَوْمَ يَدْعُوكم أيْ: بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْحَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] يُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ يُنادِي أيَّتُها الأجْسادُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبِإذْنِهِ وتَكْوِينِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: تُجِيبُونَ والِاسْتِجابَةُ مُوافَقَةُ الدّاعِي فِيما دَعا إلَيْهِ وهي الإجابَةُ إلّا أنَّ الِاسْتِجابَةَ تَقْتَضِي طَلَبَ المُوافَقَةِ فَهي أوْكَدُ مِنَ الإجابَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ ويَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ وقالَ قَتادَةُ بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ، وتَوْجِيهُ هَذا القَوْلِ أنَّهم لَمّا أجابُوا بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ كانَ ذَلِكَ مَعْرِفَةً مِنهم وطاعَةً ولَكِنَّهم لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ. فَلِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمِدُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الحَمْدُ، وقالَ أهْلُ المَعانِي: تَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ. أيْ: تَسْتَجِيبُونَ حامِدِينَ كَما يُقالُ: جاءَ بِغَضَبِهِ أيْ: جاءَ غَضْبانَ ورَكِبَ الأمِيرُ بِسَيْفِهِ أيْ: وسَيْفُهُ مَعَهُ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: بِحَمْدِهِ حالٌ مِنهم أيْ: حامِدِينَ، وهَذا مُبالَغَةٌ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِعَمَلٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ سَتَأْتِي بِهِ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ، أيْ:
صفحة ١٨٢
سَتَنْتَهِي إلى حالَةٍ تَحْمَدُ اللَّهَ وتَشْكُرُهُ عَلى أنِ اكْتُفِيَ مِنكَ بِذَلِكَ العَمَلِ وهَذا يُذْكَرُ في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ يس: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] فَظَنُّهم بِأنَّ هَذا لُبْثٌ قَلِيلٌ عائِدٌ إلى لُبْثِهِمْ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ تَقْرِيبُ وقْتِ البَعْثِ فَكَأنَّكَ بِالدُّنْيا لَمْ تَكُنْ وبِالآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ فَهَذا يَرْجِعُ إلى اسْتِقْلالِ مُدَّةِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا، وقِيلَ المُرادُ اسْتِقْلالُ لُبْثِهِمْ في عَرْصَةِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الدُّخُولَ في النّارِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في بَرْزَخِ القِيامَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكَلامَ مَعَ الكُفّارِ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ فَهو خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ لا مَعَ الكافِرِينَ لِأنَّ هَذا الكَلامَ هو اللّائِقُ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ بِحَمْدِهِ، ويَحْمَدُونَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، والثّانِي ظاهِرُ الِاحْتِمالِ.
الإسراء 17:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ العِبادِ في أكْثَرِ آياتِ القُرْآنِ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] وقالَ: ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] وقالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الحُجَّةَ اليَقِينِيَّةَ في إبْطالِ الشِّرْكِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] وذَكَرَ الحُجَّةَ اليَقِينِيَّةَ في صِحَّةِ المَعادِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] قالَ في هَذِهِ الآيَةِ وقُلْ يا مُحَمَّدُ لِعِبادِي إذا أرَدْتُمْ إيرادَ الحُجَّةِ عَلى المُخالِفِينَ فاذْكُرُوا تِلْكَ الدَّلائِلَ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ. وهو أنْ لا يَكُونَ ذِكْرُ الحُجَّةِ مَخْلُوطًا بِالشَّتْمِ والسَّبِّ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ الحُجَّةِ لَوِ اخْتَلَطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ السَّبِّ والشَّتْمِ لَقابَلُوكم بِمِثْلِهِ كَما قالَ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ويَزْدادُ الغَضَبُ وتَتَكامَلُ النَّفْرَةُ ويَمْتَنِعُ حُصُولُ المَقْصُودِ، أمّا إذا وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الحُجَّةِ بِالطَّرِيقِ
صفحة ١٨٣
الأحْسَنِ الخالِي عَنِ الشَّتْمِ والإيذاءِ أثَّرَ في القَلْبِ تَأْثِيرًا شَدِيدًا فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى وجْهِ المَنفَعَةِ في هَذا الطَّرِيقِ فَقالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ جامِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ: مَتى صارَتِ الحُجَّةُ مَرَّةً مَمْزُوجَةً بِالبَذاءَةِ صارَتْ سَبَبًا لِثَوَرانِ الفِتْنَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ والمَعْنى: أنَّ العَداوَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَ الشَّيْطانِ وبَيْنَ الإنْسانِ عَداوَةٌ قَدِيمَةٌ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] وقالَ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] وقالَ: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وقالَ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنّا إنَّما نَتَكَلَّمُ الآنَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ﴾ المُرادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم، والمُرادُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ الإنْجاءُ مِن كَفّارِ مَكَّةَ وأذاهم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكم. ثُمَّ قالَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا وكَفِيلًا فاشْتَغِلْ أنْتَ بِالدَّعْوَةِ ولا شَيْءَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ فَإنْ شاءَ اللَّهُ هِدايَتَهم هَداهم، وإلّا فَلا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ الكُفّارُ، وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ الدَّعْوَةُ، فَلا يَبْعُدُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ أنْ يُخاطَبُوا بِالخِطابِ الحَسَنِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَذْبِ قُلُوبِهِمْ ومَيْلِ طِباعِهِمْ إلى قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لِعِبادِي الَّذِينَ أقَرُّوا بِكَوْنِهِمْ عِبادًا لِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ. وذَلِكَ لِأنّا قَبْلَ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ أحْسَنُ مِن إثْباتِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ، ووَصْفَهُ بِالقُدْرَةِ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ بَعْدَ المَوْتِ أحْسَنُ مِن وصْفِهِ بِالعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ، وعَرَّفَهم أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يُصِرُّوا عَلى تِلْكَ المَذاهِبِ الباطِلَةِ تَعَصُّبًا لِلْأسْلافِ، لِأنَّ الحامِلَ عَلى مِثْلِ هَذا التَّعَصُّبِ هو الشَّيْطانُ، والشَّيْطانُ عَدُوٌّ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ إلى قَوْلِهِ ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِأنْ يُوَفِّقَكم لِلْإيمانِ والهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ. وإنْ يَشَأْ يُمِتْكم، عَلى الكُفْرِ فَيُعَذِّبْكم، إلّا أنَّ تِلْكَ المَشِيئَةَ غائِبَةٌ عَنْكم فاجْتَهِدُوا أنْتُمْ في طَلَبِ الدِّينِ الحَقِّ، ولا تُصِرُّوا عَلى الباطِلِ والجَهْلِ لِئَلّا تَصِيرُوا مَحْرُومِينَ عَنِ السَّعاداتِ الأبَدِيَّةِ والخَيْراتِ السَّرْمَدِيَّةِ، ثُمَّ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ: لا تُشَدِّدِ الأمْرَ عَلَيْهِمْ ولا تُغْلِظْ لَهم في القَوْلِ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ هَذِهِ الكَلِماتِ: إظْهارُ اللِّينِ والرِّفْقِ لَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ فَإنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في القَلْبِ ويُفِيدُ حُصُولَ المَقْصُودِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِمَعْنى أنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْكم ولا عَلى أحْوالِكم بَلْ عِلْمُهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ ومُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ ذَواتِ الأرَضِينَ والسَّماواتِ فَيَعْلَمُ حالَ كُلِّ واحِدٍ ويَعْلَمُ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ فَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتى مُوسى التَّوْراةَ وداوُدَ الزَّبُورَ وعِيسى الإنْجِيلَ، فَلَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يُؤْتِيَ مُحَمَّدًا القُرْآنَ ولَمْ يَبْعُدْ أنْ يُفَضِّلَهُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ.
صفحة ١٨٤
فَإنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في تَخْصِيصِ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا المَقامِ بِالذِّكْرِ.
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ يَعْنِي أنَّ داوُدَ كانَ مَلِكًا عَظِيمًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ ما آتاهُ مِنَ المُلْكِ وذَكَرَ ما آتاهُ مِنَ الكِتابِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّفْضِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، المُرادُ مِنهُ التَّفْضِيلُ بِالعِلْمِ والدِّينِ لا بِالمالِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ في تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ أنَّهُ تَعالى كَتَبَ في الزَّبُورِ أنَّ مُحَمَّدًا خاتَمُ النَّبِيِّينَ وأنَّ أُمَّتَهُ خَيْرُ الأُمَمِ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وهْمُ مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا عُرِّفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ .
قُلْنا: التَّنْكِيرُ هَهُنا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِهِ، لِأنَّ الزَّبُورَ عِبارَةٌ عَنِ المَزْبُورِ فَكانَ مَعْناهُ الكِتابَ فَكانَ مَعْنى التَّنْكِيرِ أنَّهُ كامِلٌ في كَوْنِهِ كِتابًا.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ ما كانُوا أهْلَ نَظَرٍ وجَدَلٍ بَلْ كانُوا يَرْجِعُونَ إلى اليَهُودِ في اسْتِخْراجِ الشُّبُهاتِ واليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُوسى ولا كِتابَ بَعْدَ التَّوْراةِ فَنَقَضَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ كَلامَهم بِإنْزالِ الزَّبُورِ عَلى داوُدَ، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”زُبُورًا“ بِضَمِّ الزّايِ، وذَكَرْنا وجْهَ ذَلِكَ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ.
الإسراء 17:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ العِبادِ في أكْثَرِ آياتِ القُرْآنِ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] وقالَ: ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] وقالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الحُجَّةَ اليَقِينِيَّةَ في إبْطالِ الشِّرْكِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] وذَكَرَ الحُجَّةَ اليَقِينِيَّةَ في صِحَّةِ المَعادِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] قالَ في هَذِهِ الآيَةِ وقُلْ يا مُحَمَّدُ لِعِبادِي إذا أرَدْتُمْ إيرادَ الحُجَّةِ عَلى المُخالِفِينَ فاذْكُرُوا تِلْكَ الدَّلائِلَ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ. وهو أنْ لا يَكُونَ ذِكْرُ الحُجَّةِ مَخْلُوطًا بِالشَّتْمِ والسَّبِّ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ الحُجَّةِ لَوِ اخْتَلَطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ السَّبِّ والشَّتْمِ لَقابَلُوكم بِمِثْلِهِ كَما قالَ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ويَزْدادُ الغَضَبُ وتَتَكامَلُ النَّفْرَةُ ويَمْتَنِعُ حُصُولُ المَقْصُودِ، أمّا إذا وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الحُجَّةِ بِالطَّرِيقِ
صفحة ١٨٣
الأحْسَنِ الخالِي عَنِ الشَّتْمِ والإيذاءِ أثَّرَ في القَلْبِ تَأْثِيرًا شَدِيدًا فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى وجْهِ المَنفَعَةِ في هَذا الطَّرِيقِ فَقالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ جامِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ: مَتى صارَتِ الحُجَّةُ مَرَّةً مَمْزُوجَةً بِالبَذاءَةِ صارَتْ سَبَبًا لِثَوَرانِ الفِتْنَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ والمَعْنى: أنَّ العَداوَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَ الشَّيْطانِ وبَيْنَ الإنْسانِ عَداوَةٌ قَدِيمَةٌ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] وقالَ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] وقالَ: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وقالَ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنّا إنَّما نَتَكَلَّمُ الآنَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ﴾ المُرادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم، والمُرادُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ الإنْجاءُ مِن كَفّارِ مَكَّةَ وأذاهم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكم. ثُمَّ قالَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا وكَفِيلًا فاشْتَغِلْ أنْتَ بِالدَّعْوَةِ ولا شَيْءَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ فَإنْ شاءَ اللَّهُ هِدايَتَهم هَداهم، وإلّا فَلا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ الكُفّارُ، وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ الدَّعْوَةُ، فَلا يَبْعُدُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ أنْ يُخاطَبُوا بِالخِطابِ الحَسَنِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَذْبِ قُلُوبِهِمْ ومَيْلِ طِباعِهِمْ إلى قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لِعِبادِي الَّذِينَ أقَرُّوا بِكَوْنِهِمْ عِبادًا لِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ. وذَلِكَ لِأنّا قَبْلَ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ أحْسَنُ مِن إثْباتِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ، ووَصْفَهُ بِالقُدْرَةِ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ بَعْدَ المَوْتِ أحْسَنُ مِن وصْفِهِ بِالعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ، وعَرَّفَهم أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يُصِرُّوا عَلى تِلْكَ المَذاهِبِ الباطِلَةِ تَعَصُّبًا لِلْأسْلافِ، لِأنَّ الحامِلَ عَلى مِثْلِ هَذا التَّعَصُّبِ هو الشَّيْطانُ، والشَّيْطانُ عَدُوٌّ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ إلى قَوْلِهِ ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِأنْ يُوَفِّقَكم لِلْإيمانِ والهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ. وإنْ يَشَأْ يُمِتْكم، عَلى الكُفْرِ فَيُعَذِّبْكم، إلّا أنَّ تِلْكَ المَشِيئَةَ غائِبَةٌ عَنْكم فاجْتَهِدُوا أنْتُمْ في طَلَبِ الدِّينِ الحَقِّ، ولا تُصِرُّوا عَلى الباطِلِ والجَهْلِ لِئَلّا تَصِيرُوا مَحْرُومِينَ عَنِ السَّعاداتِ الأبَدِيَّةِ والخَيْراتِ السَّرْمَدِيَّةِ، ثُمَّ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ: لا تُشَدِّدِ الأمْرَ عَلَيْهِمْ ولا تُغْلِظْ لَهم في القَوْلِ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ هَذِهِ الكَلِماتِ: إظْهارُ اللِّينِ والرِّفْقِ لَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ فَإنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في القَلْبِ ويُفِيدُ حُصُولَ المَقْصُودِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِمَعْنى أنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْكم ولا عَلى أحْوالِكم بَلْ عِلْمُهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ ومُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ ذَواتِ الأرَضِينَ والسَّماواتِ فَيَعْلَمُ حالَ كُلِّ واحِدٍ ويَعْلَمُ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ فَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتى مُوسى التَّوْراةَ وداوُدَ الزَّبُورَ وعِيسى الإنْجِيلَ، فَلَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يُؤْتِيَ مُحَمَّدًا القُرْآنَ ولَمْ يَبْعُدْ أنْ يُفَضِّلَهُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ.
صفحة ١٨٤
فَإنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في تَخْصِيصِ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا المَقامِ بِالذِّكْرِ.
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ يَعْنِي أنَّ داوُدَ كانَ مَلِكًا عَظِيمًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ ما آتاهُ مِنَ المُلْكِ وذَكَرَ ما آتاهُ مِنَ الكِتابِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّفْضِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، المُرادُ مِنهُ التَّفْضِيلُ بِالعِلْمِ والدِّينِ لا بِالمالِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ في تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ أنَّهُ تَعالى كَتَبَ في الزَّبُورِ أنَّ مُحَمَّدًا خاتَمُ النَّبِيِّينَ وأنَّ أُمَّتَهُ خَيْرُ الأُمَمِ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وهْمُ مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا عُرِّفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ .
قُلْنا: التَّنْكِيرُ هَهُنا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِهِ، لِأنَّ الزَّبُورَ عِبارَةٌ عَنِ المَزْبُورِ فَكانَ مَعْناهُ الكِتابَ فَكانَ مَعْنى التَّنْكِيرِ أنَّهُ كامِلٌ في كَوْنِهِ كِتابًا.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ ما كانُوا أهْلَ نَظَرٍ وجَدَلٍ بَلْ كانُوا يَرْجِعُونَ إلى اليَهُودِ في اسْتِخْراجِ الشُّبُهاتِ واليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُوسى ولا كِتابَ بَعْدَ التَّوْراةِ فَنَقَضَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ كَلامَهم بِإنْزالِ الزَّبُورِ عَلى داوُدَ، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”زُبُورًا“ بِضَمِّ الزّايِ، وذَكَرْنا وجْهَ ذَلِكَ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ.
الإسراء 17:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ العِبادِ في أكْثَرِ آياتِ القُرْآنِ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] وقالَ: ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] وقالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الحُجَّةَ اليَقِينِيَّةَ في إبْطالِ الشِّرْكِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] وذَكَرَ الحُجَّةَ اليَقِينِيَّةَ في صِحَّةِ المَعادِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] قالَ في هَذِهِ الآيَةِ وقُلْ يا مُحَمَّدُ لِعِبادِي إذا أرَدْتُمْ إيرادَ الحُجَّةِ عَلى المُخالِفِينَ فاذْكُرُوا تِلْكَ الدَّلائِلَ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ. وهو أنْ لا يَكُونَ ذِكْرُ الحُجَّةِ مَخْلُوطًا بِالشَّتْمِ والسَّبِّ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ الحُجَّةِ لَوِ اخْتَلَطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ السَّبِّ والشَّتْمِ لَقابَلُوكم بِمِثْلِهِ كَما قالَ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ويَزْدادُ الغَضَبُ وتَتَكامَلُ النَّفْرَةُ ويَمْتَنِعُ حُصُولُ المَقْصُودِ، أمّا إذا وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الحُجَّةِ بِالطَّرِيقِ
صفحة ١٨٣
الأحْسَنِ الخالِي عَنِ الشَّتْمِ والإيذاءِ أثَّرَ في القَلْبِ تَأْثِيرًا شَدِيدًا فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى وجْهِ المَنفَعَةِ في هَذا الطَّرِيقِ فَقالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ جامِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ: مَتى صارَتِ الحُجَّةُ مَرَّةً مَمْزُوجَةً بِالبَذاءَةِ صارَتْ سَبَبًا لِثَوَرانِ الفِتْنَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ والمَعْنى: أنَّ العَداوَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَ الشَّيْطانِ وبَيْنَ الإنْسانِ عَداوَةٌ قَدِيمَةٌ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] وقالَ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] وقالَ: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وقالَ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنّا إنَّما نَتَكَلَّمُ الآنَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ﴾ المُرادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم، والمُرادُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ الإنْجاءُ مِن كَفّارِ مَكَّةَ وأذاهم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكم. ثُمَّ قالَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا وكَفِيلًا فاشْتَغِلْ أنْتَ بِالدَّعْوَةِ ولا شَيْءَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ فَإنْ شاءَ اللَّهُ هِدايَتَهم هَداهم، وإلّا فَلا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ الكُفّارُ، وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ الدَّعْوَةُ، فَلا يَبْعُدُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ أنْ يُخاطَبُوا بِالخِطابِ الحَسَنِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَذْبِ قُلُوبِهِمْ ومَيْلِ طِباعِهِمْ إلى قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لِعِبادِي الَّذِينَ أقَرُّوا بِكَوْنِهِمْ عِبادًا لِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ. وذَلِكَ لِأنّا قَبْلَ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ أحْسَنُ مِن إثْباتِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ، ووَصْفَهُ بِالقُدْرَةِ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ بَعْدَ المَوْتِ أحْسَنُ مِن وصْفِهِ بِالعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ، وعَرَّفَهم أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يُصِرُّوا عَلى تِلْكَ المَذاهِبِ الباطِلَةِ تَعَصُّبًا لِلْأسْلافِ، لِأنَّ الحامِلَ عَلى مِثْلِ هَذا التَّعَصُّبِ هو الشَّيْطانُ، والشَّيْطانُ عَدُوٌّ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ إلى قَوْلِهِ ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِأنْ يُوَفِّقَكم لِلْإيمانِ والهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ. وإنْ يَشَأْ يُمِتْكم، عَلى الكُفْرِ فَيُعَذِّبْكم، إلّا أنَّ تِلْكَ المَشِيئَةَ غائِبَةٌ عَنْكم فاجْتَهِدُوا أنْتُمْ في طَلَبِ الدِّينِ الحَقِّ، ولا تُصِرُّوا عَلى الباطِلِ والجَهْلِ لِئَلّا تَصِيرُوا مَحْرُومِينَ عَنِ السَّعاداتِ الأبَدِيَّةِ والخَيْراتِ السَّرْمَدِيَّةِ، ثُمَّ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ: لا تُشَدِّدِ الأمْرَ عَلَيْهِمْ ولا تُغْلِظْ لَهم في القَوْلِ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ هَذِهِ الكَلِماتِ: إظْهارُ اللِّينِ والرِّفْقِ لَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ فَإنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في القَلْبِ ويُفِيدُ حُصُولَ المَقْصُودِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِمَعْنى أنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْكم ولا عَلى أحْوالِكم بَلْ عِلْمُهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ ومُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ ذَواتِ الأرَضِينَ والسَّماواتِ فَيَعْلَمُ حالَ كُلِّ واحِدٍ ويَعْلَمُ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ فَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتى مُوسى التَّوْراةَ وداوُدَ الزَّبُورَ وعِيسى الإنْجِيلَ، فَلَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يُؤْتِيَ مُحَمَّدًا القُرْآنَ ولَمْ يَبْعُدْ أنْ يُفَضِّلَهُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ.
صفحة ١٨٤
فَإنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في تَخْصِيصِ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا المَقامِ بِالذِّكْرِ.
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ يَعْنِي أنَّ داوُدَ كانَ مَلِكًا عَظِيمًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ ما آتاهُ مِنَ المُلْكِ وذَكَرَ ما آتاهُ مِنَ الكِتابِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّفْضِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، المُرادُ مِنهُ التَّفْضِيلُ بِالعِلْمِ والدِّينِ لا بِالمالِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ في تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ أنَّهُ تَعالى كَتَبَ في الزَّبُورِ أنَّ مُحَمَّدًا خاتَمُ النَّبِيِّينَ وأنَّ أُمَّتَهُ خَيْرُ الأُمَمِ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وهْمُ مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا عُرِّفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ .
قُلْنا: التَّنْكِيرُ هَهُنا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِهِ، لِأنَّ الزَّبُورَ عِبارَةٌ عَنِ المَزْبُورِ فَكانَ مَعْناهُ الكِتابَ فَكانَ مَعْنى التَّنْكِيرِ أنَّهُ كامِلٌ في كَوْنِهِ كِتابًا.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ ما كانُوا أهْلَ نَظَرٍ وجَدَلٍ بَلْ كانُوا يَرْجِعُونَ إلى اليَهُودِ في اسْتِخْراجِ الشُّبُهاتِ واليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُوسى ولا كِتابَ بَعْدَ التَّوْراةِ فَنَقَضَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ كَلامَهم بِإنْزالِ الزَّبُورِ عَلى داوُدَ، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”زُبُورًا“ بِضَمِّ الزّايِ، وذَكَرْنا وجْهَ ذَلِكَ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ.
الإسراء 17:56
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ لَيْسَ لَنا أهْلِيَّةَ أنْ نَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَنَحْنُ نَعْبُدُ بَعْضَ المُقَرَّبِينَ مِن عِبادِ اللَّهِ وهُمُ المَلائِكَةُ، ثُمَّ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا لِذَلِكَ المَلَكِ الَّذِي عَبَدُوهُ تِمْثالًا وصُورَةً واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِهِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، واللَّهُ تَعالى احْتَجَّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ ولَيْسَ المُرادُ الأصْنامَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ وابْتِغاءُ الوَسِيلَةِ إلى اللَّهِ تَعالى لا يَلِيقُ بِالأصْنامِ البَتَّةَ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْمًا عَبَدُوا المَلائِكَةَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ عَبَدُوا المَسِيحَ وعُزَيْرًا، وقِيلَ: إنَّ قَوْمًا عَبَدُوا نَفَرًا مِنَ الجِنِّ فَأسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ، وبَقِيَ أُولَئِكَ النّاسُ مُتَمَسِّكِينَ
صفحة ١٨٥
بِعِبادَتِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَوْضِعٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ورَدَ فِيهِ لَفْظُ (زَعَمَ) فَهو كَذَبَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى احْتَجَّ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ هَؤُلاءِ أنَّ الإلَهَ المَعْبُودَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إزالَةِ الضَّرَرِ وإيصالِ المَنفَعَةِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي يَعْبُدُونَها وهي المَلائِكَةُ والجِنُّ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ ولا عَلى تَحْصِيلِ النَّفْعِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّها لَيْسَتْ آلِهَةً.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الدَّلِيلُ إنَّما يَتِمُّ إذا دَلَّلْتُمْ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى كَشْفِ الضُّرِّ ولا عَلى تَحْصِيلِ النَّفْعِ فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ حَتّى يَتِمَّ دَلِيلُكم ؟ فَإنْ قُلْتُمْ: لِأنّا نَرى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ كانُوا يَتَضَرَّعُونَ إلَيْها فَلا تَحْصُلُ الإجابَةُ. قُلْنا مُعارَضَةً لِذَلِكَ: قَدْ نَرى أيْضًا أنَّ المُسْلِمِينَ يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى فَلا تَحْصُلُ الإجابَةُ، والمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إنَّ القَدْرَ الحاصِلَ مِن كَشْفِ الضُّرِّ وتَحْصِيلِ النَّفْعِ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنَ المَلائِكَةِ، وأُولَئِكَ الكُفّارُ يَقُولُونَ إنَّهُ يَحْصُلُ مِنَ المَلائِكَةِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالدَّلِيلُ غَيْرُ تامٍّ.
والجَوابُ: أنَّ الدَّلِيلَ تامٌّ كامِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ عِبادُ اللَّهِ، وخالِقُ المَلائِكَةِ، وخالِقُ العالَمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أقْدَرَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأقْوى مِنهم، وأكْمَلَ حالًا مِنهم.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَمالُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مَعْلُومٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وكَمالُ قُدْرَةِ المَلائِكَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ ولا مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، بَلِ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ أنَّ قُدْرَتَهم بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى قَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ، لِأنَّ كَوْنَ اللَّهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ مَعْلُومٌ، وكَوْنَ المَلائِكَةِ كَذَلِكَ مَجْهُولٌ، والأخْذُ بِالمَعْلُومِ أوْلى، وأمّا أصْحابُنا المُتَكَلِّمُونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَلَهم في هَذا البابِ طَرِيقَةٌ أُخْرى وهو أنَّهم يُقِيمُونَ بِالحُجَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أنَّهُ لا مُوجِدَ إلّا اللَّهُ تَعالى ولا مُخْرِجَ لِشَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ إلّا اللَّهُ تَعالى.
وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ أنَّهُ لا ضارَّ ولا نافِعَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ لا تَتِمُّ لِلْمُعْتَزِلَةِ لِأنَّهم لَمّا جَوَّزُوا كَوْنَ العَبْدِ مُوجِدًا لِأفْعالِهِ امْتَنَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ وخَلْقِ الجِسْمِ. وإذا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَتِمَّ لَهم هَذا الدَّلِيلُ فَهَذا هو ذِكْرُ الدَّلِيلِ القاطِعِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ والتَّحْوِيلُ عِبارَةٌ عَنِ النَّقْلِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومَكانٍ إلى مَكانٍ يُقالُ: حَوَّلَهُ فَتَحَوَّلَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ قَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ﴾ فِعْلُ الآدَمِيِّينَ العابِدِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ فِعْلُ المَعْبُودِينَ ومَعْناهُ أُولَئِكَ المَعْبُودِينَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، فَإنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ المَلائِكَةَ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالعَجْزِ والحاجَةِ، واللَّهُ تَعالى أغْنى الأغْنِياءِ فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ أوْلى.
فَإنْ قالُوا: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَلائِكَةَ مُحْتاجُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ وخائِفُونَ مِن عَذابِهِ، فَنَقُولُ: هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، أوْ يُقالَ: مُمْكِنَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ كانُوا
صفحة ١٨٦
مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ عِبادُ اللَّهِ ومُحْتاجُونَ إلَيْهِ، وأمّا الثّانِي فَهو يُوجِبُ القَوْلَ بِكَوْنِ المَلائِكَةِ مُحْتاجِينَ في ذَواتِها وفي كَمالاتِها إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] وتَعَلُّقُ هَذا الكَلامِ بِما سَبَقَ هو أنَّ الَّذِينَ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهم وهُمُ الأنْبِياءُ لا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ تَعالى ولا يَبْتَغُونَ الوَسِيلَةَ إلّا إلَيْهِ، فَأنْتُمْ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ أحَقُّ فَلا تَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِأنْ قالُوا: المَلائِكَةُ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فَلا يَخافُونَ عَذابَهُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا غَيْرُ لائِقٍ بِالمَلائِكَةِ وإنَّما هو لائِقٌ بِالأنْبِياءِ.
قُلْنا: المَلائِكَةُ يَخافُونَ عَذابَ اللَّهِ لَوْ أقْدَمُوا عَلى الذَّنْبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ فالمُرادُ أنَّ مِن حَقِّهِ أنْ يُحْذَرَ، فَإنْ لَمْ يَحْذَرْهُ بَعْضُ النّاسِ لِجَهْلِهِ فَهو لا يَخْرُجُ مِن كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَجِبُ الحَذَرُ عَنْهُ.
الإسراء 17:57
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ لَيْسَ لَنا أهْلِيَّةَ أنْ نَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَنَحْنُ نَعْبُدُ بَعْضَ المُقَرَّبِينَ مِن عِبادِ اللَّهِ وهُمُ المَلائِكَةُ، ثُمَّ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا لِذَلِكَ المَلَكِ الَّذِي عَبَدُوهُ تِمْثالًا وصُورَةً واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِهِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، واللَّهُ تَعالى احْتَجَّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ ولَيْسَ المُرادُ الأصْنامَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ وابْتِغاءُ الوَسِيلَةِ إلى اللَّهِ تَعالى لا يَلِيقُ بِالأصْنامِ البَتَّةَ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْمًا عَبَدُوا المَلائِكَةَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ عَبَدُوا المَسِيحَ وعُزَيْرًا، وقِيلَ: إنَّ قَوْمًا عَبَدُوا نَفَرًا مِنَ الجِنِّ فَأسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ، وبَقِيَ أُولَئِكَ النّاسُ مُتَمَسِّكِينَ
صفحة ١٨٥
بِعِبادَتِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَوْضِعٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ورَدَ فِيهِ لَفْظُ (زَعَمَ) فَهو كَذَبَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى احْتَجَّ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ هَؤُلاءِ أنَّ الإلَهَ المَعْبُودَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إزالَةِ الضَّرَرِ وإيصالِ المَنفَعَةِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي يَعْبُدُونَها وهي المَلائِكَةُ والجِنُّ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ ولا عَلى تَحْصِيلِ النَّفْعِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّها لَيْسَتْ آلِهَةً.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الدَّلِيلُ إنَّما يَتِمُّ إذا دَلَّلْتُمْ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى كَشْفِ الضُّرِّ ولا عَلى تَحْصِيلِ النَّفْعِ فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ حَتّى يَتِمَّ دَلِيلُكم ؟ فَإنْ قُلْتُمْ: لِأنّا نَرى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ كانُوا يَتَضَرَّعُونَ إلَيْها فَلا تَحْصُلُ الإجابَةُ. قُلْنا مُعارَضَةً لِذَلِكَ: قَدْ نَرى أيْضًا أنَّ المُسْلِمِينَ يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى فَلا تَحْصُلُ الإجابَةُ، والمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إنَّ القَدْرَ الحاصِلَ مِن كَشْفِ الضُّرِّ وتَحْصِيلِ النَّفْعِ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنَ المَلائِكَةِ، وأُولَئِكَ الكُفّارُ يَقُولُونَ إنَّهُ يَحْصُلُ مِنَ المَلائِكَةِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالدَّلِيلُ غَيْرُ تامٍّ.
والجَوابُ: أنَّ الدَّلِيلَ تامٌّ كامِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ عِبادُ اللَّهِ، وخالِقُ المَلائِكَةِ، وخالِقُ العالَمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أقْدَرَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأقْوى مِنهم، وأكْمَلَ حالًا مِنهم.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَمالُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مَعْلُومٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وكَمالُ قُدْرَةِ المَلائِكَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ ولا مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، بَلِ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ أنَّ قُدْرَتَهم بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى قَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ، لِأنَّ كَوْنَ اللَّهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ مَعْلُومٌ، وكَوْنَ المَلائِكَةِ كَذَلِكَ مَجْهُولٌ، والأخْذُ بِالمَعْلُومِ أوْلى، وأمّا أصْحابُنا المُتَكَلِّمُونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَلَهم في هَذا البابِ طَرِيقَةٌ أُخْرى وهو أنَّهم يُقِيمُونَ بِالحُجَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أنَّهُ لا مُوجِدَ إلّا اللَّهُ تَعالى ولا مُخْرِجَ لِشَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ إلّا اللَّهُ تَعالى.
وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ أنَّهُ لا ضارَّ ولا نافِعَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ لا تَتِمُّ لِلْمُعْتَزِلَةِ لِأنَّهم لَمّا جَوَّزُوا كَوْنَ العَبْدِ مُوجِدًا لِأفْعالِهِ امْتَنَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ وخَلْقِ الجِسْمِ. وإذا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَتِمَّ لَهم هَذا الدَّلِيلُ فَهَذا هو ذِكْرُ الدَّلِيلِ القاطِعِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ والتَّحْوِيلُ عِبارَةٌ عَنِ النَّقْلِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومَكانٍ إلى مَكانٍ يُقالُ: حَوَّلَهُ فَتَحَوَّلَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ قَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ﴾ فِعْلُ الآدَمِيِّينَ العابِدِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ فِعْلُ المَعْبُودِينَ ومَعْناهُ أُولَئِكَ المَعْبُودِينَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، فَإنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ المَلائِكَةَ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالعَجْزِ والحاجَةِ، واللَّهُ تَعالى أغْنى الأغْنِياءِ فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ أوْلى.
فَإنْ قالُوا: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَلائِكَةَ مُحْتاجُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ وخائِفُونَ مِن عَذابِهِ، فَنَقُولُ: هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، أوْ يُقالَ: مُمْكِنَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ كانُوا
صفحة ١٨٦
مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ عِبادُ اللَّهِ ومُحْتاجُونَ إلَيْهِ، وأمّا الثّانِي فَهو يُوجِبُ القَوْلَ بِكَوْنِ المَلائِكَةِ مُحْتاجِينَ في ذَواتِها وفي كَمالاتِها إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] وتَعَلُّقُ هَذا الكَلامِ بِما سَبَقَ هو أنَّ الَّذِينَ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهم وهُمُ الأنْبِياءُ لا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ تَعالى ولا يَبْتَغُونَ الوَسِيلَةَ إلّا إلَيْهِ، فَأنْتُمْ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ أحَقُّ فَلا تَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِأنْ قالُوا: المَلائِكَةُ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فَلا يَخافُونَ عَذابَهُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا غَيْرُ لائِقٍ بِالمَلائِكَةِ وإنَّما هو لائِقٌ بِالأنْبِياءِ.
قُلْنا: المَلائِكَةُ يَخافُونَ عَذابَ اللَّهِ لَوْ أقْدَمُوا عَلى الذَّنْبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ فالمُرادُ أنَّ مِن حَقِّهِ أنْ يُحْذَرَ، فَإنْ لَمْ يَحْذَرْهُ بَعْضُ النّاسِ لِجَهْلِهِ فَهو لا يَخْرُجُ مِن كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَجِبُ الحَذَرُ عَنْهُ.
الإسراء 17:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] بَيَّنَ أنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ مَعَ أهْلِها فَلا بُدَّ وأنْ يَرْجِعَ حالُها إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا الإهْلاكَ وإمّا التَّعْذِيبَ قالَ مُقاتِلٌ: أمّا الصّالِحَةُ فَبِالمَوْتِ، وأمّا الطّالِحَةُ فَبِالعَذابِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ قُرى الكُفّارِ، ولا بُدَّ أنْ تَكُونَ عاقِبَتُها أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الِاسْتِئْصالُ بِالكُلِّيَّةِ وهو المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ أوْ بِعَذابٍ شَدِيدٍ دُونَ ذَلِكَ مِن قَتْلِ كُبَرائِهِمْ وتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبْيِ واغْتِنامِ الأمْوالِ وأخْذِ الجِزْيَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الحُكْمَ حُكْمٌ مَجْزُومٌ بِهِ واقِعٌ فَقالَ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ .
صفحة ١٨٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ وأتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ مَسْألَةِ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ اقْتَرَحُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إظْهارَ مُعْجِزاتٍ عَظِيمَةٍ قاهِرَةٍ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ ما طَلَبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ القَوْمَ قالُوا: إنَّكَ تَزْعُمُ أنَّهُ كانَ قَبْلَكَ أنْبِياءُ فَمِنهم: مَن سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ ومِنهم مَن كانَ يُحْيِي المَوْتى فَأْتِنا بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ المُعْجِزاتِ. فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا الجَوابِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، لَكِنَّ إنْزالَ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ أنَّ فِيهِمْ مَن سَيُؤْمِنُ أوْ يُؤْمِنُ أوْلادُهم، فَلِهَذا السَّبَبِ ما أجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى مَطْلُوبِهِمْ وما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ. رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُزِيلَ لَهُمُ الجِبالَ حَتّى يَزْرَعُوا تِلْكَ الأراضِيَ، فَطَلَبَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنْ شِئْتَ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَكِنْ بِشَرْطِ أنَّهم إنْ كَفَرُوا أهْلَكْتُهم، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: ”لا أُرِيدُ ذَلِكَ بَلْ تَتَأنّى بِهِمْ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا الجَوابِ أنّا لا نُظْهِرُ هَذِهِ المُعْجِزاتِ لِأنَّ آباءَكُمُ الَّذِينَ رَأوْها لَمْ يُؤْمِنُوا بِها وأنْتُمْ مُقَلِّدُونَ لَهم، فَلَوْ رَأيْتُمُوها أنْتُمْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِها أيْضًا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الأوَّلِينَ شاهَدُوا هَذِهِ المُعْجِزاتِ وكَذَّبُوا بِها، فَعَلِمَ اللَّهُ مِنكم أيْضًا أنَّكم لَوْ شاهَدْتُمُوها لَكَذَّبْتُمْ فَكانَ إظْهارُها عَبَثًا، والعَبَثُ لا يَفْعَلُهُ الحَكِيمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ المَعْنى أنَّ الآيَةَ الَّتِي التَمَسُوها هي مِثْلُ آيَةِ ثَمُودَ وقَدْ آتَيْناها ثَمُودَ واضِحَةً بَيِّنَةً ثُمَّ كَفَرُوا بِها فاسْتَحَقُّوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ فَكَيْفَ يَتَمَنّاها هَؤُلاءِ عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والتَّحَكُّمِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
البَحْثُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿مُبْصِرَةً﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ ”مُبْصِرَةً“ أيْ: مُضِيئَةً قالَ تَعالى ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] أيْ: مُضِيئًا.
والثّانِي: ”مُبْصِرَةً“ أيْ: ذاتَ إبْصارٍ أيْ: فِيها إبْصارٌ مَن تَأمَّلَها يُبْصِرُ بِها رُشْدَهُ ويَسْتَدِلُّ بِها عَلى صِدْقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِهِمْ بِها وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ ”ظَلَمُوا بِها“ أيْ: جَحَدُوا بِأنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ قِيلَ لا آيَةَ إلّا وتَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ بِها عِنْدَ التَّكْذِيبِ إمّا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ أوْ مِن عَذابِ الآخِرَةِ
فَإنْ قِيلَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن إظْهارِ الآياتِ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى صِدْقِ المُدَّعِي فَكَيْفَ حَصَرَ المَقْصُودَ مِن إظْهارِها في التَّخْوِيفِ.
قُلْنا المَقْصُودُ أنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ إذا أظْهَرَ الآيَةَ فَإذا سَمِعَ الخَلْقُ أنَّهُ أظْهَرَ آيَةً فَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ تِلْكَ
صفحة ١٨٨
الآيَةَ مُعْجِزَةٌ أوْ مَخُوفَةٌ إلّا إنَّهم يُجَوِّزُونَ كَوْنَها مُعْجِزَةً وبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً فَلَوْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيها ولَمْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى الصِّدْقِ لاسْتَحَقُّوا العِقابَ الشَّدِيدَ فَهَذا هو الخَوْفُ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ في تِلْكَ المُعْجِزاتِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طالَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ إظْهارَها لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجُرْأةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالطَّعْنِ فِيهِ وأنْ يَقُولُوا لَهُ: لَوْ كُنْتَ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لَأتَيْتَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحْناها مِنكَ، كَما أتى بِها مُوسى وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَعِنْدَ هَذا قَوّى اللَّهُ قَلَبَهُ وبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ تَعالى يَنْصُرُهُ ويُؤَيِّدُهُ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ حِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ مُحِيطَةٌ بِالنّاسِ فَهم في قَبْضَتِهِ وقُدْرَتِهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، والمَقْصُودُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ: نَنْصُرُكَ ونُقَوِّيكَ حَتّى تُبَلِّغَ رِسالَتَنا وتُظْهِرَ دِينَنا. قالَ الحَسَنُ: حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْ يَقْتُلُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ أهْلُ مَكَّةَ، وإحاطَةُ اللَّهِ بِهِمْ هو أنَّهُ تَعالى يَفْتَحُها لِلْمُؤْمِنِينَ فَكانَ المَعْنى: وإذْ بَشَّرْناكَ بِأنَّ اللَّهَ أحاطَ بِأهْلِ مَكَّةَ بِمَعْنى أنَّهُ يَغْلِبُهم ويَقْهَرُهم ويُظْهِرُ دَوْلَتَكَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وقالَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ لَمّا كانَ كُلُّ ما يُخْبِرُ اللَّهُ عَنْ وُقُوعِهِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ، فَكانَ مِن هَذا الِاعْتِبارِ كالواقِعِ فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ ورُوِيَ أنَّهُ «لَمّا تَزاحَفَ الفَرِيقانِ يَوْمَ بَدْرٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في العَرِيشِ مَعَ أبِي بَكْرٍ كانَ يَدْعُو ويَقُولُ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ عَهْدَكَ ووَعْدَكَ لِي“ ثُمَّ خَرَجَ، وعَلَيْهِ الدِّرْعُ يُحَرِّضُ النّاسَ ويَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ»﴾ . [القمر: ٤٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ وفي هَذِهِ الرُّؤْيا أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ أرى مُحَمَّدًا في المَنامِ مَصارِعَ كَفّارِ قُرَيْشٍ فَحِينَ ورَدَ ماءَ بَدْرٍ قالَ: ”«واللَّهِ كَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ“ ثُمَّ أخَذَ يَقُولُ: ”هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ“» فَلَمّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ جَعَلُوا رُؤْياهُ سُخْرِيَةً، وكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِما وُعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ رُؤْياهُ الَّتِي رَآها أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ وأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ، فَلَمّا مُنِعَ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ كانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لِبَعْضِ القَوْمِ، وقالَ عُمَرُ لِأبِي بَكْرٍ ألَيْسَ قَدْ أخْبَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنّا نَدْخُلُ البَيْتَ ونَطُوفُ بِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ أنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ في هَذِهِ السَّنَةِ فَسَنَفْعَلُ ذَلِكَ في سَنَةٍ أُخْرى، فَلَمّا جاءَ العامُ المُقْبِلُ دَخَلَها، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] اعْتَرَضُوا عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَقالُوا: هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وهاتانِ الواقِعَتانِ مَدَنِيَّتانِ، وهَذا السُّؤالُ ضَعِيفٌ لِأنَّ هاتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ أمّا رُؤْيَتُهُما في المَنامِ فَلا يَبْعُدُ حُصُولُها في مَكَّةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ»، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والإشْكالُ المَذْكُورُ عائِدٌ فِيهِ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وما كانَ
صفحة ١٨٩
لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ مِنبَرٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَرى بِمَكَّةَ أنَّ لَهُ بِالمَدِينَةِ مِنبَرًا يَتَداوَلُهُ بَنُو أُمَيَّةَ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو الأصَحُّ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِها ما أراهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ الإسْراءِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيا فَقالَ الأكْثَرُونَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ والرُّؤْيا في اللُّغَةِ، يُقالُ رَأيْتُ بِعَيْنِي رُؤْيَةً ورُؤْيا، وقالَ الأقَلُّونَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِصَّةَ الإسْراءِ إنَّما حَصَلَتْ في المَنامِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ باطِلٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ذَكَرَ لَهم قِصَّةَ الإسْراءِ كَذَّبُوهُ وكَفَرَ بِهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ وازْدادَ المُخْلِصُونَ إيمانًا فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ امْتِحانًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ وهَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ وقِيلَ المَعْنى: والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فالأكْثَرُونَ قالُوا: إنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ المَذْكُورَةُ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] وكانَتْ هَذِهِ الفِتْنَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زَعَمَ صاحِبُكم بِأنَّ نارَ جَهَنَّمَ تَحْرِقُ الحَجَرَ حَيْثُ قالَ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] ثُمَّ يَقُولُ: بِأنَّ في النّارِ شَجَرًا والنّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ تُولَدُ فِيها الشَّجَرُ.
والثّانِي: قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: ما نَعْلَمُ الزَّقُّومَ إلّا التَّمْرَ والزُّبْدَ فَتَزَقَّمُوا مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى حِينَ عَجِبُوا أنْ يَكُونَ في النّارِ شَجَرٌ: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] الآياتِ.
فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ في القُرْآنِ لَعْنُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ.
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ لَعْنُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَها.
الثّانِي: العَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ ضارٍّ إنَّهُ مَلْعُونٌ.
والثّالِثُ: أنَّ اللَّعْنَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو التَّبْعِيدُ فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ مُبْعَدَةً عَنْ جَمِيعِ صِفاتِ الخَيْرِ سُمِّيَتْ مَلْعُونَةً.
القَوْلُ الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الشَّجَرَةُ بَنُو أُمَيَّةَ يَعْنِي الحَكَمَ بْنَ أبِي العاصِ، قالَ: «ورَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ أنَّ ولَدَ مَرْوانَ يَتَداوَلُونَ مِنبَرَهُ فَقَصَّ رُؤْياهُ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وقَدْ خَلا في بَيْتِهِ مَعَهُما فَلَمّا تَفَرَّقُوا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَكَمَ يُخْبِرُ بِرُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، واتَّهَمَ عُمَرَ في إفْشاءِ سَرِّهِ، ثُمَّ ظَهَرَ أنَّ الحَكَمَ كانَ يَتَسَمَّعُ إلَيْهِمْ فَنَفاهُ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ .
قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ القِصَّةُ كانَتْ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ فَيَبْعُدُ هَذا التَّفْسِيرُ إلّا أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُ عائِشَةَ لِمَرْوانَ: لَعَنَ اللَّهُ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ فَأنْتَ بَعْضُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ هي اليَهُودُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٨] .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الإتْيانَ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ فَأجابَ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إظْهارِها لِأنَّها لَوْ ظَهَرَتْ ولَمْ تُؤْمِنُوا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْكم عَذابَ الِاسْتِئْصالِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ وأيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذا الكَلامِ بِذِكْرِ الرُّؤْيا الَّتِي صارَتْ فِتْنَةً لِلنّاسِ وبِذِكْرِ الشَّجَرَةِ الَّتِي صارَتْ فِتْنَةً لِلنّاسِ.
صفحة ١٩٠
قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمّا طَلَبُوا هَذِهِ المُعْجِزاتِ ثُمَّ إنَّكَ لَمْ تُظْهِرْها صارَ عَدَمُ ظُهُورِها شُبْهَةً لَهم في أنَّكَ لَسْتَ بِصادِقٍ في دَعْوى النُّبُوَّةِ إلّا أنَّ وُقُوعَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ لا يُوهِنُ أمْرَكَ ولا يَصِيرُ سَبَبًا لِضِعْفِ حالِكَ، ألا تَرى أنَّ ذِكْرَ تِلْكَ الرُّؤْيا صارَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ العَظِيمَةِ في القُلُوبِ ثُمَّ إنَّ قُوَّةَ تِلْكَ الشُّبُهاتِ ما أوْجَبَتْ ضَعْفًا في أمْرِكَ ولا فُتُورًا في اجْتِماعِ المُحِقِّينَ عَلَيْكَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ عَدَمِ ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ لا تُوجِبُ فُتُورًا في حالِكَ، ولا ضَعْفًا في أمْرِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُ سَبَبٍ آخَرَ في أنَّهُ تَعالى ما أظْهَرَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، وذَلِكَ لِأنَّ هَؤُلاءِ خُوِّفُوا بِمَخاوِفِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وبِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ فَما زادَهم هَذا التَّخْوِيفُ إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ والطُّغْيانِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ لَهم تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها ولا يَزْدادُونَ إلّا تَمادِيًا في الجَهْلِ والعِنادِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وجَبَ في الحِكْمَةِ أنْ لا يُظْهِرَ اللَّهُ لَهم ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] بَيَّنَ أنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ مَعَ أهْلِها فَلا بُدَّ وأنْ يَرْجِعَ حالُها إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا الإهْلاكَ وإمّا التَّعْذِيبَ قالَ مُقاتِلٌ: أمّا الصّالِحَةُ فَبِالمَوْتِ، وأمّا الطّالِحَةُ فَبِالعَذابِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ قُرى الكُفّارِ، ولا بُدَّ أنْ تَكُونَ عاقِبَتُها أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الِاسْتِئْصالُ بِالكُلِّيَّةِ وهو المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ أوْ بِعَذابٍ شَدِيدٍ دُونَ ذَلِكَ مِن قَتْلِ كُبَرائِهِمْ وتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبْيِ واغْتِنامِ الأمْوالِ وأخْذِ الجِزْيَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الحُكْمَ حُكْمٌ مَجْزُومٌ بِهِ واقِعٌ فَقالَ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ .
صفحة ١٨٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ وأتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ مَسْألَةِ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ اقْتَرَحُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إظْهارَ مُعْجِزاتٍ عَظِيمَةٍ قاهِرَةٍ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ ما طَلَبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ القَوْمَ قالُوا: إنَّكَ تَزْعُمُ أنَّهُ كانَ قَبْلَكَ أنْبِياءُ فَمِنهم: مَن سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ ومِنهم مَن كانَ يُحْيِي المَوْتى فَأْتِنا بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ المُعْجِزاتِ. فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا الجَوابِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، لَكِنَّ إنْزالَ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ أنَّ فِيهِمْ مَن سَيُؤْمِنُ أوْ يُؤْمِنُ أوْلادُهم، فَلِهَذا السَّبَبِ ما أجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى مَطْلُوبِهِمْ وما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ. رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُزِيلَ لَهُمُ الجِبالَ حَتّى يَزْرَعُوا تِلْكَ الأراضِيَ، فَطَلَبَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنْ شِئْتَ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَكِنْ بِشَرْطِ أنَّهم إنْ كَفَرُوا أهْلَكْتُهم، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: ”لا أُرِيدُ ذَلِكَ بَلْ تَتَأنّى بِهِمْ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا الجَوابِ أنّا لا نُظْهِرُ هَذِهِ المُعْجِزاتِ لِأنَّ آباءَكُمُ الَّذِينَ رَأوْها لَمْ يُؤْمِنُوا بِها وأنْتُمْ مُقَلِّدُونَ لَهم، فَلَوْ رَأيْتُمُوها أنْتُمْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِها أيْضًا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الأوَّلِينَ شاهَدُوا هَذِهِ المُعْجِزاتِ وكَذَّبُوا بِها، فَعَلِمَ اللَّهُ مِنكم أيْضًا أنَّكم لَوْ شاهَدْتُمُوها لَكَذَّبْتُمْ فَكانَ إظْهارُها عَبَثًا، والعَبَثُ لا يَفْعَلُهُ الحَكِيمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ المَعْنى أنَّ الآيَةَ الَّتِي التَمَسُوها هي مِثْلُ آيَةِ ثَمُودَ وقَدْ آتَيْناها ثَمُودَ واضِحَةً بَيِّنَةً ثُمَّ كَفَرُوا بِها فاسْتَحَقُّوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ فَكَيْفَ يَتَمَنّاها هَؤُلاءِ عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والتَّحَكُّمِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
البَحْثُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿مُبْصِرَةً﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ ”مُبْصِرَةً“ أيْ: مُضِيئَةً قالَ تَعالى ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] أيْ: مُضِيئًا.
والثّانِي: ”مُبْصِرَةً“ أيْ: ذاتَ إبْصارٍ أيْ: فِيها إبْصارٌ مَن تَأمَّلَها يُبْصِرُ بِها رُشْدَهُ ويَسْتَدِلُّ بِها عَلى صِدْقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِهِمْ بِها وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ ”ظَلَمُوا بِها“ أيْ: جَحَدُوا بِأنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ قِيلَ لا آيَةَ إلّا وتَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ بِها عِنْدَ التَّكْذِيبِ إمّا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ أوْ مِن عَذابِ الآخِرَةِ
فَإنْ قِيلَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن إظْهارِ الآياتِ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى صِدْقِ المُدَّعِي فَكَيْفَ حَصَرَ المَقْصُودَ مِن إظْهارِها في التَّخْوِيفِ.
قُلْنا المَقْصُودُ أنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ إذا أظْهَرَ الآيَةَ فَإذا سَمِعَ الخَلْقُ أنَّهُ أظْهَرَ آيَةً فَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ تِلْكَ
صفحة ١٨٨
الآيَةَ مُعْجِزَةٌ أوْ مَخُوفَةٌ إلّا إنَّهم يُجَوِّزُونَ كَوْنَها مُعْجِزَةً وبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً فَلَوْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيها ولَمْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى الصِّدْقِ لاسْتَحَقُّوا العِقابَ الشَّدِيدَ فَهَذا هو الخَوْفُ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ في تِلْكَ المُعْجِزاتِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طالَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ إظْهارَها لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجُرْأةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالطَّعْنِ فِيهِ وأنْ يَقُولُوا لَهُ: لَوْ كُنْتَ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لَأتَيْتَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحْناها مِنكَ، كَما أتى بِها مُوسى وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَعِنْدَ هَذا قَوّى اللَّهُ قَلَبَهُ وبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ تَعالى يَنْصُرُهُ ويُؤَيِّدُهُ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ حِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ مُحِيطَةٌ بِالنّاسِ فَهم في قَبْضَتِهِ وقُدْرَتِهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، والمَقْصُودُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ: نَنْصُرُكَ ونُقَوِّيكَ حَتّى تُبَلِّغَ رِسالَتَنا وتُظْهِرَ دِينَنا. قالَ الحَسَنُ: حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْ يَقْتُلُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ أهْلُ مَكَّةَ، وإحاطَةُ اللَّهِ بِهِمْ هو أنَّهُ تَعالى يَفْتَحُها لِلْمُؤْمِنِينَ فَكانَ المَعْنى: وإذْ بَشَّرْناكَ بِأنَّ اللَّهَ أحاطَ بِأهْلِ مَكَّةَ بِمَعْنى أنَّهُ يَغْلِبُهم ويَقْهَرُهم ويُظْهِرُ دَوْلَتَكَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وقالَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ لَمّا كانَ كُلُّ ما يُخْبِرُ اللَّهُ عَنْ وُقُوعِهِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ، فَكانَ مِن هَذا الِاعْتِبارِ كالواقِعِ فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ ورُوِيَ أنَّهُ «لَمّا تَزاحَفَ الفَرِيقانِ يَوْمَ بَدْرٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في العَرِيشِ مَعَ أبِي بَكْرٍ كانَ يَدْعُو ويَقُولُ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ عَهْدَكَ ووَعْدَكَ لِي“ ثُمَّ خَرَجَ، وعَلَيْهِ الدِّرْعُ يُحَرِّضُ النّاسَ ويَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ»﴾ . [القمر: ٤٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ وفي هَذِهِ الرُّؤْيا أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ أرى مُحَمَّدًا في المَنامِ مَصارِعَ كَفّارِ قُرَيْشٍ فَحِينَ ورَدَ ماءَ بَدْرٍ قالَ: ”«واللَّهِ كَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ“ ثُمَّ أخَذَ يَقُولُ: ”هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ“» فَلَمّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ جَعَلُوا رُؤْياهُ سُخْرِيَةً، وكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِما وُعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ رُؤْياهُ الَّتِي رَآها أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ وأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ، فَلَمّا مُنِعَ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ كانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لِبَعْضِ القَوْمِ، وقالَ عُمَرُ لِأبِي بَكْرٍ ألَيْسَ قَدْ أخْبَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنّا نَدْخُلُ البَيْتَ ونَطُوفُ بِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ أنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ في هَذِهِ السَّنَةِ فَسَنَفْعَلُ ذَلِكَ في سَنَةٍ أُخْرى، فَلَمّا جاءَ العامُ المُقْبِلُ دَخَلَها، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] اعْتَرَضُوا عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَقالُوا: هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وهاتانِ الواقِعَتانِ مَدَنِيَّتانِ، وهَذا السُّؤالُ ضَعِيفٌ لِأنَّ هاتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ أمّا رُؤْيَتُهُما في المَنامِ فَلا يَبْعُدُ حُصُولُها في مَكَّةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ»، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والإشْكالُ المَذْكُورُ عائِدٌ فِيهِ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وما كانَ
صفحة ١٨٩
لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ مِنبَرٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَرى بِمَكَّةَ أنَّ لَهُ بِالمَدِينَةِ مِنبَرًا يَتَداوَلُهُ بَنُو أُمَيَّةَ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو الأصَحُّ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِها ما أراهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ الإسْراءِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيا فَقالَ الأكْثَرُونَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ والرُّؤْيا في اللُّغَةِ، يُقالُ رَأيْتُ بِعَيْنِي رُؤْيَةً ورُؤْيا، وقالَ الأقَلُّونَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِصَّةَ الإسْراءِ إنَّما حَصَلَتْ في المَنامِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ باطِلٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ذَكَرَ لَهم قِصَّةَ الإسْراءِ كَذَّبُوهُ وكَفَرَ بِهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ وازْدادَ المُخْلِصُونَ إيمانًا فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ امْتِحانًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ وهَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ وقِيلَ المَعْنى: والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فالأكْثَرُونَ قالُوا: إنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ المَذْكُورَةُ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] وكانَتْ هَذِهِ الفِتْنَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زَعَمَ صاحِبُكم بِأنَّ نارَ جَهَنَّمَ تَحْرِقُ الحَجَرَ حَيْثُ قالَ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] ثُمَّ يَقُولُ: بِأنَّ في النّارِ شَجَرًا والنّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ تُولَدُ فِيها الشَّجَرُ.
والثّانِي: قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: ما نَعْلَمُ الزَّقُّومَ إلّا التَّمْرَ والزُّبْدَ فَتَزَقَّمُوا مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى حِينَ عَجِبُوا أنْ يَكُونَ في النّارِ شَجَرٌ: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] الآياتِ.
فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ في القُرْآنِ لَعْنُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ.
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ لَعْنُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَها.
الثّانِي: العَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ ضارٍّ إنَّهُ مَلْعُونٌ.
والثّالِثُ: أنَّ اللَّعْنَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو التَّبْعِيدُ فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ مُبْعَدَةً عَنْ جَمِيعِ صِفاتِ الخَيْرِ سُمِّيَتْ مَلْعُونَةً.
القَوْلُ الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الشَّجَرَةُ بَنُو أُمَيَّةَ يَعْنِي الحَكَمَ بْنَ أبِي العاصِ، قالَ: «ورَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ أنَّ ولَدَ مَرْوانَ يَتَداوَلُونَ مِنبَرَهُ فَقَصَّ رُؤْياهُ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وقَدْ خَلا في بَيْتِهِ مَعَهُما فَلَمّا تَفَرَّقُوا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَكَمَ يُخْبِرُ بِرُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، واتَّهَمَ عُمَرَ في إفْشاءِ سَرِّهِ، ثُمَّ ظَهَرَ أنَّ الحَكَمَ كانَ يَتَسَمَّعُ إلَيْهِمْ فَنَفاهُ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ .
قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ القِصَّةُ كانَتْ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ فَيَبْعُدُ هَذا التَّفْسِيرُ إلّا أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُ عائِشَةَ لِمَرْوانَ: لَعَنَ اللَّهُ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ فَأنْتَ بَعْضُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ هي اليَهُودُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٨] .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الإتْيانَ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ فَأجابَ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إظْهارِها لِأنَّها لَوْ ظَهَرَتْ ولَمْ تُؤْمِنُوا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْكم عَذابَ الِاسْتِئْصالِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ وأيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذا الكَلامِ بِذِكْرِ الرُّؤْيا الَّتِي صارَتْ فِتْنَةً لِلنّاسِ وبِذِكْرِ الشَّجَرَةِ الَّتِي صارَتْ فِتْنَةً لِلنّاسِ.
صفحة ١٩٠
قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمّا طَلَبُوا هَذِهِ المُعْجِزاتِ ثُمَّ إنَّكَ لَمْ تُظْهِرْها صارَ عَدَمُ ظُهُورِها شُبْهَةً لَهم في أنَّكَ لَسْتَ بِصادِقٍ في دَعْوى النُّبُوَّةِ إلّا أنَّ وُقُوعَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ لا يُوهِنُ أمْرَكَ ولا يَصِيرُ سَبَبًا لِضِعْفِ حالِكَ، ألا تَرى أنَّ ذِكْرَ تِلْكَ الرُّؤْيا صارَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ العَظِيمَةِ في القُلُوبِ ثُمَّ إنَّ قُوَّةَ تِلْكَ الشُّبُهاتِ ما أوْجَبَتْ ضَعْفًا في أمْرِكَ ولا فُتُورًا في اجْتِماعِ المُحِقِّينَ عَلَيْكَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ عَدَمِ ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ لا تُوجِبُ فُتُورًا في حالِكَ، ولا ضَعْفًا في أمْرِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُ سَبَبٍ آخَرَ في أنَّهُ تَعالى ما أظْهَرَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، وذَلِكَ لِأنَّ هَؤُلاءِ خُوِّفُوا بِمَخاوِفِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وبِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ فَما زادَهم هَذا التَّخْوِيفُ إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ والطُّغْيانِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ لَهم تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها ولا يَزْدادُونَ إلّا تَمادِيًا في الجَهْلِ والعِنادِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وجَبَ في الحِكْمَةِ أنْ لا يُظْهِرَ اللَّهُ لَهم ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] بَيَّنَ أنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ مَعَ أهْلِها فَلا بُدَّ وأنْ يَرْجِعَ حالُها إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا الإهْلاكَ وإمّا التَّعْذِيبَ قالَ مُقاتِلٌ: أمّا الصّالِحَةُ فَبِالمَوْتِ، وأمّا الطّالِحَةُ فَبِالعَذابِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ قُرى الكُفّارِ، ولا بُدَّ أنْ تَكُونَ عاقِبَتُها أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الِاسْتِئْصالُ بِالكُلِّيَّةِ وهو المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ أوْ بِعَذابٍ شَدِيدٍ دُونَ ذَلِكَ مِن قَتْلِ كُبَرائِهِمْ وتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبْيِ واغْتِنامِ الأمْوالِ وأخْذِ الجِزْيَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الحُكْمَ حُكْمٌ مَجْزُومٌ بِهِ واقِعٌ فَقالَ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ .
صفحة ١٨٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ وأتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ مَسْألَةِ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ اقْتَرَحُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إظْهارَ مُعْجِزاتٍ عَظِيمَةٍ قاهِرَةٍ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ ما طَلَبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ القَوْمَ قالُوا: إنَّكَ تَزْعُمُ أنَّهُ كانَ قَبْلَكَ أنْبِياءُ فَمِنهم: مَن سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ ومِنهم مَن كانَ يُحْيِي المَوْتى فَأْتِنا بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ المُعْجِزاتِ. فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا الجَوابِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، لَكِنَّ إنْزالَ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ أنَّ فِيهِمْ مَن سَيُؤْمِنُ أوْ يُؤْمِنُ أوْلادُهم، فَلِهَذا السَّبَبِ ما أجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى مَطْلُوبِهِمْ وما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ. رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُزِيلَ لَهُمُ الجِبالَ حَتّى يَزْرَعُوا تِلْكَ الأراضِيَ، فَطَلَبَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنْ شِئْتَ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَكِنْ بِشَرْطِ أنَّهم إنْ كَفَرُوا أهْلَكْتُهم، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: ”لا أُرِيدُ ذَلِكَ بَلْ تَتَأنّى بِهِمْ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا الجَوابِ أنّا لا نُظْهِرُ هَذِهِ المُعْجِزاتِ لِأنَّ آباءَكُمُ الَّذِينَ رَأوْها لَمْ يُؤْمِنُوا بِها وأنْتُمْ مُقَلِّدُونَ لَهم، فَلَوْ رَأيْتُمُوها أنْتُمْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِها أيْضًا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الأوَّلِينَ شاهَدُوا هَذِهِ المُعْجِزاتِ وكَذَّبُوا بِها، فَعَلِمَ اللَّهُ مِنكم أيْضًا أنَّكم لَوْ شاهَدْتُمُوها لَكَذَّبْتُمْ فَكانَ إظْهارُها عَبَثًا، والعَبَثُ لا يَفْعَلُهُ الحَكِيمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ المَعْنى أنَّ الآيَةَ الَّتِي التَمَسُوها هي مِثْلُ آيَةِ ثَمُودَ وقَدْ آتَيْناها ثَمُودَ واضِحَةً بَيِّنَةً ثُمَّ كَفَرُوا بِها فاسْتَحَقُّوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ فَكَيْفَ يَتَمَنّاها هَؤُلاءِ عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والتَّحَكُّمِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
البَحْثُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿مُبْصِرَةً﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ ”مُبْصِرَةً“ أيْ: مُضِيئَةً قالَ تَعالى ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] أيْ: مُضِيئًا.
والثّانِي: ”مُبْصِرَةً“ أيْ: ذاتَ إبْصارٍ أيْ: فِيها إبْصارٌ مَن تَأمَّلَها يُبْصِرُ بِها رُشْدَهُ ويَسْتَدِلُّ بِها عَلى صِدْقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِهِمْ بِها وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ ”ظَلَمُوا بِها“ أيْ: جَحَدُوا بِأنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ قِيلَ لا آيَةَ إلّا وتَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ بِها عِنْدَ التَّكْذِيبِ إمّا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ أوْ مِن عَذابِ الآخِرَةِ
فَإنْ قِيلَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن إظْهارِ الآياتِ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى صِدْقِ المُدَّعِي فَكَيْفَ حَصَرَ المَقْصُودَ مِن إظْهارِها في التَّخْوِيفِ.
قُلْنا المَقْصُودُ أنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ إذا أظْهَرَ الآيَةَ فَإذا سَمِعَ الخَلْقُ أنَّهُ أظْهَرَ آيَةً فَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ تِلْكَ
صفحة ١٨٨
الآيَةَ مُعْجِزَةٌ أوْ مَخُوفَةٌ إلّا إنَّهم يُجَوِّزُونَ كَوْنَها مُعْجِزَةً وبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً فَلَوْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيها ولَمْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى الصِّدْقِ لاسْتَحَقُّوا العِقابَ الشَّدِيدَ فَهَذا هو الخَوْفُ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ في تِلْكَ المُعْجِزاتِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طالَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ إظْهارَها لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجُرْأةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالطَّعْنِ فِيهِ وأنْ يَقُولُوا لَهُ: لَوْ كُنْتَ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لَأتَيْتَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحْناها مِنكَ، كَما أتى بِها مُوسى وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَعِنْدَ هَذا قَوّى اللَّهُ قَلَبَهُ وبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ تَعالى يَنْصُرُهُ ويُؤَيِّدُهُ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ حِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ مُحِيطَةٌ بِالنّاسِ فَهم في قَبْضَتِهِ وقُدْرَتِهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، والمَقْصُودُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ: نَنْصُرُكَ ونُقَوِّيكَ حَتّى تُبَلِّغَ رِسالَتَنا وتُظْهِرَ دِينَنا. قالَ الحَسَنُ: حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْ يَقْتُلُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ أهْلُ مَكَّةَ، وإحاطَةُ اللَّهِ بِهِمْ هو أنَّهُ تَعالى يَفْتَحُها لِلْمُؤْمِنِينَ فَكانَ المَعْنى: وإذْ بَشَّرْناكَ بِأنَّ اللَّهَ أحاطَ بِأهْلِ مَكَّةَ بِمَعْنى أنَّهُ يَغْلِبُهم ويَقْهَرُهم ويُظْهِرُ دَوْلَتَكَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وقالَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ لَمّا كانَ كُلُّ ما يُخْبِرُ اللَّهُ عَنْ وُقُوعِهِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ، فَكانَ مِن هَذا الِاعْتِبارِ كالواقِعِ فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ ورُوِيَ أنَّهُ «لَمّا تَزاحَفَ الفَرِيقانِ يَوْمَ بَدْرٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في العَرِيشِ مَعَ أبِي بَكْرٍ كانَ يَدْعُو ويَقُولُ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ عَهْدَكَ ووَعْدَكَ لِي“ ثُمَّ خَرَجَ، وعَلَيْهِ الدِّرْعُ يُحَرِّضُ النّاسَ ويَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ»﴾ . [القمر: ٤٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ وفي هَذِهِ الرُّؤْيا أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ أرى مُحَمَّدًا في المَنامِ مَصارِعَ كَفّارِ قُرَيْشٍ فَحِينَ ورَدَ ماءَ بَدْرٍ قالَ: ”«واللَّهِ كَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ“ ثُمَّ أخَذَ يَقُولُ: ”هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ“» فَلَمّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ جَعَلُوا رُؤْياهُ سُخْرِيَةً، وكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِما وُعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ رُؤْياهُ الَّتِي رَآها أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ وأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ، فَلَمّا مُنِعَ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ كانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لِبَعْضِ القَوْمِ، وقالَ عُمَرُ لِأبِي بَكْرٍ ألَيْسَ قَدْ أخْبَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنّا نَدْخُلُ البَيْتَ ونَطُوفُ بِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ أنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ في هَذِهِ السَّنَةِ فَسَنَفْعَلُ ذَلِكَ في سَنَةٍ أُخْرى، فَلَمّا جاءَ العامُ المُقْبِلُ دَخَلَها، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] اعْتَرَضُوا عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَقالُوا: هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وهاتانِ الواقِعَتانِ مَدَنِيَّتانِ، وهَذا السُّؤالُ ضَعِيفٌ لِأنَّ هاتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ أمّا رُؤْيَتُهُما في المَنامِ فَلا يَبْعُدُ حُصُولُها في مَكَّةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ»، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والإشْكالُ المَذْكُورُ عائِدٌ فِيهِ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وما كانَ
صفحة ١٨٩
لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ مِنبَرٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَرى بِمَكَّةَ أنَّ لَهُ بِالمَدِينَةِ مِنبَرًا يَتَداوَلُهُ بَنُو أُمَيَّةَ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو الأصَحُّ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِها ما أراهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ الإسْراءِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيا فَقالَ الأكْثَرُونَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ والرُّؤْيا في اللُّغَةِ، يُقالُ رَأيْتُ بِعَيْنِي رُؤْيَةً ورُؤْيا، وقالَ الأقَلُّونَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِصَّةَ الإسْراءِ إنَّما حَصَلَتْ في المَنامِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ باطِلٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ذَكَرَ لَهم قِصَّةَ الإسْراءِ كَذَّبُوهُ وكَفَرَ بِهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ وازْدادَ المُخْلِصُونَ إيمانًا فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ امْتِحانًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ وهَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ وقِيلَ المَعْنى: والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فالأكْثَرُونَ قالُوا: إنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ المَذْكُورَةُ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] وكانَتْ هَذِهِ الفِتْنَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زَعَمَ صاحِبُكم بِأنَّ نارَ جَهَنَّمَ تَحْرِقُ الحَجَرَ حَيْثُ قالَ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] ثُمَّ يَقُولُ: بِأنَّ في النّارِ شَجَرًا والنّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ تُولَدُ فِيها الشَّجَرُ.
والثّانِي: قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: ما نَعْلَمُ الزَّقُّومَ إلّا التَّمْرَ والزُّبْدَ فَتَزَقَّمُوا مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى حِينَ عَجِبُوا أنْ يَكُونَ في النّارِ شَجَرٌ: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] الآياتِ.
فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ في القُرْآنِ لَعْنُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ.
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ لَعْنُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَها.
الثّانِي: العَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ ضارٍّ إنَّهُ مَلْعُونٌ.
والثّالِثُ: أنَّ اللَّعْنَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو التَّبْعِيدُ فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ مُبْعَدَةً عَنْ جَمِيعِ صِفاتِ الخَيْرِ سُمِّيَتْ مَلْعُونَةً.
القَوْلُ الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الشَّجَرَةُ بَنُو أُمَيَّةَ يَعْنِي الحَكَمَ بْنَ أبِي العاصِ، قالَ: «ورَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ أنَّ ولَدَ مَرْوانَ يَتَداوَلُونَ مِنبَرَهُ فَقَصَّ رُؤْياهُ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وقَدْ خَلا في بَيْتِهِ مَعَهُما فَلَمّا تَفَرَّقُوا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَكَمَ يُخْبِرُ بِرُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، واتَّهَمَ عُمَرَ في إفْشاءِ سَرِّهِ، ثُمَّ ظَهَرَ أنَّ الحَكَمَ كانَ يَتَسَمَّعُ إلَيْهِمْ فَنَفاهُ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ .
قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ القِصَّةُ كانَتْ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ فَيَبْعُدُ هَذا التَّفْسِيرُ إلّا أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُ عائِشَةَ لِمَرْوانَ: لَعَنَ اللَّهُ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ فَأنْتَ بَعْضُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ هي اليَهُودُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٨] .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الإتْيانَ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ فَأجابَ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إظْهارِها لِأنَّها لَوْ ظَهَرَتْ ولَمْ تُؤْمِنُوا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْكم عَذابَ الِاسْتِئْصالِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ وأيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذا الكَلامِ بِذِكْرِ الرُّؤْيا الَّتِي صارَتْ فِتْنَةً لِلنّاسِ وبِذِكْرِ الشَّجَرَةِ الَّتِي صارَتْ فِتْنَةً لِلنّاسِ.
صفحة ١٩٠
قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمّا طَلَبُوا هَذِهِ المُعْجِزاتِ ثُمَّ إنَّكَ لَمْ تُظْهِرْها صارَ عَدَمُ ظُهُورِها شُبْهَةً لَهم في أنَّكَ لَسْتَ بِصادِقٍ في دَعْوى النُّبُوَّةِ إلّا أنَّ وُقُوعَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ لا يُوهِنُ أمْرَكَ ولا يَصِيرُ سَبَبًا لِضِعْفِ حالِكَ، ألا تَرى أنَّ ذِكْرَ تِلْكَ الرُّؤْيا صارَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ العَظِيمَةِ في القُلُوبِ ثُمَّ إنَّ قُوَّةَ تِلْكَ الشُّبُهاتِ ما أوْجَبَتْ ضَعْفًا في أمْرِكَ ولا فُتُورًا في اجْتِماعِ المُحِقِّينَ عَلَيْكَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ عَدَمِ ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ لا تُوجِبُ فُتُورًا في حالِكَ، ولا ضَعْفًا في أمْرِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُ سَبَبٍ آخَرَ في أنَّهُ تَعالى ما أظْهَرَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، وذَلِكَ لِأنَّ هَؤُلاءِ خُوِّفُوا بِمَخاوِفِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وبِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ فَما زادَهم هَذا التَّخْوِيفُ إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ والطُّغْيانِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ لَهم تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها ولا يَزْدادُونَ إلّا تَمادِيًا في الجَهْلِ والعِنادِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وجَبَ في الحِكْمَةِ أنْ لا يُظْهِرَ اللَّهُ لَهم ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] بَيَّنَ أنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ مَعَ أهْلِها فَلا بُدَّ وأنْ يَرْجِعَ حالُها إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا الإهْلاكَ وإمّا التَّعْذِيبَ قالَ مُقاتِلٌ: أمّا الصّالِحَةُ فَبِالمَوْتِ، وأمّا الطّالِحَةُ فَبِالعَذابِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ قُرى الكُفّارِ، ولا بُدَّ أنْ تَكُونَ عاقِبَتُها أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الِاسْتِئْصالُ بِالكُلِّيَّةِ وهو المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ أوْ بِعَذابٍ شَدِيدٍ دُونَ ذَلِكَ مِن قَتْلِ كُبَرائِهِمْ وتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبْيِ واغْتِنامِ الأمْوالِ وأخْذِ الجِزْيَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الحُكْمَ حُكْمٌ مَجْزُومٌ بِهِ واقِعٌ فَقالَ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ .
صفحة ١٨٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ وأتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ مَسْألَةِ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ اقْتَرَحُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إظْهارَ مُعْجِزاتٍ عَظِيمَةٍ قاهِرَةٍ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ ما طَلَبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ القَوْمَ قالُوا: إنَّكَ تَزْعُمُ أنَّهُ كانَ قَبْلَكَ أنْبِياءُ فَمِنهم: مَن سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ ومِنهم مَن كانَ يُحْيِي المَوْتى فَأْتِنا بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ المُعْجِزاتِ. فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا الجَوابِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، لَكِنَّ إنْزالَ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ أنَّ فِيهِمْ مَن سَيُؤْمِنُ أوْ يُؤْمِنُ أوْلادُهم، فَلِهَذا السَّبَبِ ما أجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى مَطْلُوبِهِمْ وما أظْهَرَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ. رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُزِيلَ لَهُمُ الجِبالَ حَتّى يَزْرَعُوا تِلْكَ الأراضِيَ، فَطَلَبَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنْ شِئْتَ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَكِنْ بِشَرْطِ أنَّهم إنْ كَفَرُوا أهْلَكْتُهم، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: ”لا أُرِيدُ ذَلِكَ بَلْ تَتَأنّى بِهِمْ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا الجَوابِ أنّا لا نُظْهِرُ هَذِهِ المُعْجِزاتِ لِأنَّ آباءَكُمُ الَّذِينَ رَأوْها لَمْ يُؤْمِنُوا بِها وأنْتُمْ مُقَلِّدُونَ لَهم، فَلَوْ رَأيْتُمُوها أنْتُمْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِها أيْضًا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الأوَّلِينَ شاهَدُوا هَذِهِ المُعْجِزاتِ وكَذَّبُوا بِها، فَعَلِمَ اللَّهُ مِنكم أيْضًا أنَّكم لَوْ شاهَدْتُمُوها لَكَذَّبْتُمْ فَكانَ إظْهارُها عَبَثًا، والعَبَثُ لا يَفْعَلُهُ الحَكِيمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ المَعْنى أنَّ الآيَةَ الَّتِي التَمَسُوها هي مِثْلُ آيَةِ ثَمُودَ وقَدْ آتَيْناها ثَمُودَ واضِحَةً بَيِّنَةً ثُمَّ كَفَرُوا بِها فاسْتَحَقُّوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ فَكَيْفَ يَتَمَنّاها هَؤُلاءِ عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ والتَّحَكُّمِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
البَحْثُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿مُبْصِرَةً﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ ”مُبْصِرَةً“ أيْ: مُضِيئَةً قالَ تَعالى ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] أيْ: مُضِيئًا.
والثّانِي: ”مُبْصِرَةً“ أيْ: ذاتَ إبْصارٍ أيْ: فِيها إبْصارٌ مَن تَأمَّلَها يُبْصِرُ بِها رُشْدَهُ ويَسْتَدِلُّ بِها عَلى صِدْقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِهِمْ بِها وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ ”ظَلَمُوا بِها“ أيْ: جَحَدُوا بِأنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ قِيلَ لا آيَةَ إلّا وتَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ بِها عِنْدَ التَّكْذِيبِ إمّا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ أوْ مِن عَذابِ الآخِرَةِ
فَإنْ قِيلَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن إظْهارِ الآياتِ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى صِدْقِ المُدَّعِي فَكَيْفَ حَصَرَ المَقْصُودَ مِن إظْهارِها في التَّخْوِيفِ.
قُلْنا المَقْصُودُ أنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ إذا أظْهَرَ الآيَةَ فَإذا سَمِعَ الخَلْقُ أنَّهُ أظْهَرَ آيَةً فَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ تِلْكَ
صفحة ١٨٨
الآيَةَ مُعْجِزَةٌ أوْ مَخُوفَةٌ إلّا إنَّهم يُجَوِّزُونَ كَوْنَها مُعْجِزَةً وبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً فَلَوْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيها ولَمْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى الصِّدْقِ لاسْتَحَقُّوا العِقابَ الشَّدِيدَ فَهَذا هو الخَوْفُ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ في تِلْكَ المُعْجِزاتِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طالَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ إظْهارَها لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجُرْأةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالطَّعْنِ فِيهِ وأنْ يَقُولُوا لَهُ: لَوْ كُنْتَ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لَأتَيْتَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحْناها مِنكَ، كَما أتى بِها مُوسى وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَعِنْدَ هَذا قَوّى اللَّهُ قَلَبَهُ وبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ تَعالى يَنْصُرُهُ ويُؤَيِّدُهُ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ حِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ مُحِيطَةٌ بِالنّاسِ فَهم في قَبْضَتِهِ وقُدْرَتِهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، والمَقْصُودُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ: نَنْصُرُكَ ونُقَوِّيكَ حَتّى تُبَلِّغَ رِسالَتَنا وتُظْهِرَ دِينَنا. قالَ الحَسَنُ: حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْ يَقْتُلُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ أهْلُ مَكَّةَ، وإحاطَةُ اللَّهِ بِهِمْ هو أنَّهُ تَعالى يَفْتَحُها لِلْمُؤْمِنِينَ فَكانَ المَعْنى: وإذْ بَشَّرْناكَ بِأنَّ اللَّهَ أحاطَ بِأهْلِ مَكَّةَ بِمَعْنى أنَّهُ يَغْلِبُهم ويَقْهَرُهم ويُظْهِرُ دَوْلَتَكَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وقالَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ لَمّا كانَ كُلُّ ما يُخْبِرُ اللَّهُ عَنْ وُقُوعِهِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ، فَكانَ مِن هَذا الِاعْتِبارِ كالواقِعِ فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ ورُوِيَ أنَّهُ «لَمّا تَزاحَفَ الفَرِيقانِ يَوْمَ بَدْرٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في العَرِيشِ مَعَ أبِي بَكْرٍ كانَ يَدْعُو ويَقُولُ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ عَهْدَكَ ووَعْدَكَ لِي“ ثُمَّ خَرَجَ، وعَلَيْهِ الدِّرْعُ يُحَرِّضُ النّاسَ ويَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ»﴾ . [القمر: ٤٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ وفي هَذِهِ الرُّؤْيا أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ أرى مُحَمَّدًا في المَنامِ مَصارِعَ كَفّارِ قُرَيْشٍ فَحِينَ ورَدَ ماءَ بَدْرٍ قالَ: ”«واللَّهِ كَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ“ ثُمَّ أخَذَ يَقُولُ: ”هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ“» فَلَمّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ جَعَلُوا رُؤْياهُ سُخْرِيَةً، وكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِما وُعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ رُؤْياهُ الَّتِي رَآها أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ وأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ، فَلَمّا مُنِعَ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ كانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لِبَعْضِ القَوْمِ، وقالَ عُمَرُ لِأبِي بَكْرٍ ألَيْسَ قَدْ أخْبَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنّا نَدْخُلُ البَيْتَ ونَطُوفُ بِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ أنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ في هَذِهِ السَّنَةِ فَسَنَفْعَلُ ذَلِكَ في سَنَةٍ أُخْرى، فَلَمّا جاءَ العامُ المُقْبِلُ دَخَلَها، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] اعْتَرَضُوا عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَقالُوا: هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وهاتانِ الواقِعَتانِ مَدَنِيَّتانِ، وهَذا السُّؤالُ ضَعِيفٌ لِأنَّ هاتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ أمّا رُؤْيَتُهُما في المَنامِ فَلا يَبْعُدُ حُصُولُها في مَكَّةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ»، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والإشْكالُ المَذْكُورُ عائِدٌ فِيهِ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وما كانَ
صفحة ١٨٩
لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ مِنبَرٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَرى بِمَكَّةَ أنَّ لَهُ بِالمَدِينَةِ مِنبَرًا يَتَداوَلُهُ بَنُو أُمَيَّةَ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو الأصَحُّ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِها ما أراهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ الإسْراءِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيا فَقالَ الأكْثَرُونَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ والرُّؤْيا في اللُّغَةِ، يُقالُ رَأيْتُ بِعَيْنِي رُؤْيَةً ورُؤْيا، وقالَ الأقَلُّونَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِصَّةَ الإسْراءِ إنَّما حَصَلَتْ في المَنامِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ باطِلٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ذَكَرَ لَهم قِصَّةَ الإسْراءِ كَذَّبُوهُ وكَفَرَ بِهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ وازْدادَ المُخْلِصُونَ إيمانًا فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ امْتِحانًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ وهَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ وقِيلَ المَعْنى: والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فالأكْثَرُونَ قالُوا: إنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ المَذْكُورَةُ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] وكانَتْ هَذِهِ الفِتْنَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زَعَمَ صاحِبُكم بِأنَّ نارَ جَهَنَّمَ تَحْرِقُ الحَجَرَ حَيْثُ قالَ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] ثُمَّ يَقُولُ: بِأنَّ في النّارِ شَجَرًا والنّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ تُولَدُ فِيها الشَّجَرُ.
والثّانِي: قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: ما نَعْلَمُ الزَّقُّومَ إلّا التَّمْرَ والزُّبْدَ فَتَزَقَّمُوا مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى حِينَ عَجِبُوا أنْ يَكُونَ في النّارِ شَجَرٌ: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] الآياتِ.
فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ في القُرْآنِ لَعْنُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ.
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ لَعْنُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَها.
الثّانِي: العَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ ضارٍّ إنَّهُ مَلْعُونٌ.
والثّالِثُ: أنَّ اللَّعْنَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو التَّبْعِيدُ فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ مُبْعَدَةً عَنْ جَمِيعِ صِفاتِ الخَيْرِ سُمِّيَتْ مَلْعُونَةً.
القَوْلُ الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الشَّجَرَةُ بَنُو أُمَيَّةَ يَعْنِي الحَكَمَ بْنَ أبِي العاصِ، قالَ: «ورَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ أنَّ ولَدَ مَرْوانَ يَتَداوَلُونَ مِنبَرَهُ فَقَصَّ رُؤْياهُ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وقَدْ خَلا في بَيْتِهِ مَعَهُما فَلَمّا تَفَرَّقُوا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَكَمَ يُخْبِرُ بِرُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، واتَّهَمَ عُمَرَ في إفْشاءِ سَرِّهِ، ثُمَّ ظَهَرَ أنَّ الحَكَمَ كانَ يَتَسَمَّعُ إلَيْهِمْ فَنَفاهُ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ .
قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ القِصَّةُ كانَتْ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ فَيَبْعُدُ هَذا التَّفْسِيرُ إلّا أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُ عائِشَةَ لِمَرْوانَ: لَعَنَ اللَّهُ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ فَأنْتَ بَعْضُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ هي اليَهُودُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٨] .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الإتْيانَ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ فَأجابَ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إظْهارِها لِأنَّها لَوْ ظَهَرَتْ ولَمْ تُؤْمِنُوا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْكم عَذابَ الِاسْتِئْصالِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ وأيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذا الكَلامِ بِذِكْرِ الرُّؤْيا الَّتِي صارَتْ فِتْنَةً لِلنّاسِ وبِذِكْرِ الشَّجَرَةِ الَّتِي صارَتْ فِتْنَةً لِلنّاسِ.
صفحة ١٩٠
قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمّا طَلَبُوا هَذِهِ المُعْجِزاتِ ثُمَّ إنَّكَ لَمْ تُظْهِرْها صارَ عَدَمُ ظُهُورِها شُبْهَةً لَهم في أنَّكَ لَسْتَ بِصادِقٍ في دَعْوى النُّبُوَّةِ إلّا أنَّ وُقُوعَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ لا يُوهِنُ أمْرَكَ ولا يَصِيرُ سَبَبًا لِضِعْفِ حالِكَ، ألا تَرى أنَّ ذِكْرَ تِلْكَ الرُّؤْيا صارَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ العَظِيمَةِ في القُلُوبِ ثُمَّ إنَّ قُوَّةَ تِلْكَ الشُّبُهاتِ ما أوْجَبَتْ ضَعْفًا في أمْرِكَ ولا فُتُورًا في اجْتِماعِ المُحِقِّينَ عَلَيْكَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ عَدَمِ ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ لا تُوجِبُ فُتُورًا في حالِكَ، ولا ضَعْفًا في أمْرِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُ سَبَبٍ آخَرَ في أنَّهُ تَعالى ما أظْهَرَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، وذَلِكَ لِأنَّ هَؤُلاءِ خُوِّفُوا بِمَخاوِفِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وبِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ فَما زادَهم هَذا التَّخْوِيفُ إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ والطُّغْيانِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ لَهم تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها ولا يَزْدادُونَ إلّا تَمادِيًا في الجَهْلِ والعِنادِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وجَبَ في الحِكْمَةِ أنْ لا يُظْهِرَ اللَّهُ لَهم ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ في مِحْنَةٍ عَظِيمَةٍ مِن قَوْمِهِ وأهْلِ زَمانِهِ، بَيَّنَ أنَّ حالَ الأنْبِياءِ مَعَ أهْلِ زَمانِهِمْ كَذَلِكَ. ألا تَرى أنَّ أوَّلَ الأوْلِياءِ هو آدَمُ، ثُمَّ إنَّهُ كانَ في مِحْنَةٍ شَدِيدَةٍ مِن إبْلِيسَ.
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ إنَّما نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعانَدُوهُ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ الِاقْتِراحاتِ الباطِلَةَ لِأمْرَيْنِ: الكِبْرُ والحَسَدُ، أمّا الكِبْرُ فَلِأنَّ تَكَبُّرَهم كانَ يَمْنَعُهم مِنَ الِانْقِيادِ، وأمّا الحَسَدُ فَلِأنَّهم كانُوا يَحْسُدُونَهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجَةِ العالِيَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الكِبْرَ والحَسَدَ هُما اللَّذانِ حَمَلا إبْلِيسَ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الإيمانِ والدُّخُولِ في الكُفْرِ، فَهَذِهِ بَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ ومِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْخَلْقِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٦٠] بَيَّنَ ما هو السَّبَبُ لِحُصُولِ هَذا الطُّغْيانِ وهو قَوْلُ إبْلِيسَ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ فَلِأجْلِ هَذا المَقْصُودِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّةَ إبْلِيسَ وآدَمَ، فَهَذا هو الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في سُوَرٍ سَبْعَةٍ، وهي: البَقَرَةُ والأعْرافُ والحِجْرُ وهَذِهِ السُّورَةُ والكَهْفُ وطَهَ وصَ، والكَلامُ المُسْتَقْصى فِيها قَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ والأعْرافِ والحِجْرِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ ولا بَأْسَ بِتَعْدِيدِ بَعْضِ المَسائِلِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ أهم جَمِيعُ المَلائِكَةِ أمْ مَلائِكَةُ الأرْضِ عَلى التَّخْصِيصِ ؟ فَظاهِرُ لَفْظِ المَلائِكَةِ يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ في صِفَةِ مَلائِكَةِ السَّماواتِ ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] يُوجِبُ خُرُوجَ مَلائِكَةِ السَّماواتِ مِن هَذا العُمُومِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ السَّجْدَةِ وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ أوِ التَّحِيَّةُ، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ
صفحة ٤
فَآدَمُ كانَ هو المَسْجُودَ لَهُ أوْ يُقالُ كانَ المَسْجُودُ لَهُ هو اللَّهَ تَعالى، وآدَمُ كانَ قِبْلَةً لِلسُّجُودِ ؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ إبْلِيسَ هَلْ هو مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا ؟ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَأمْرُ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ كَيْفَ يَتَناوَلُهُ ؟
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ كانَ إبْلِيسُ كافِرًا مِن أوَّلِ الأمْرِ أوْ يُقالُ إنَّما كَفَرَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المَلائِكَةُ سَجَدُوا لِآدَمَ مِن أوَّلِ ما كَمُلَتْ حَياتُهُ أوْ بَعْدِ ذَلِكَ ؟
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: شُبْهَةُ إبْلِيسَ في الِامْتِناعِ مِنَ السُّجُودِ أهْوَ قَوْلُهُ ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ أوْ غَيْرُهُ ؟
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ، إلّا أنَّهُ وقَعَ في الكُفْرِ بِسَبَبِ الكِبْرِ والحَسَدِ، ومِنهم مَن أنْكَرَ وقالَ ما عَرَفَ اللَّهَ البَتَّةَ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ما سَبَبُ حِكْمَةِ إمْهالِ إبْلِيسَ وتَسْلِيطِهِ عَلى الخَلْقِ بِالوَسْوَسَةِ ؟
ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ إبْلِيسَ نَوْعًا واحِدًا مِنَ العَمَلِ ونَوْعَيْنِ مِنَ القَوْلِ، أمّا العَمَلُ فَهو أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لِآدَمَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ﴾ وأمّا النَّوْعانِ مِنَ القَوْلِ:
فَأوَّلُهُما قَوْلُهُ ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ مَعْناهُ أنَّ أصْلِي أشْرَفُ مِن أصْلِهِ فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أنا أشْرَفُ مِنهُ، والأشْرَفُ يَقْبُحُ في العُقُولِ أمْرُهُ بِخِدْمَةِ الأدْنى.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلامِهِ: قَوْلُهُ ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ مَعْناهُ أخْبِرْنِي، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا [البَحْثَ] في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَوْلُهُ ﴿هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ، لِمَ فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ وأنا خَيْرٌ مِنهُ ؟ ثُمَّ اخْتَصَرَ الكَلامَ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا.
الثّانِي: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ هَذا مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ، والَّذِي مَعَ صِلَتِهِ خَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ أخْبِرْنِي أهَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ! وذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِصْغارِ والِاسْتِحْقارِ، وإنَّما حُذِفَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ حُصُولَهُ في قَوْلِهِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ أغْنى عَنْ تَكْرارِهِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هَذا مَفْعُولُ أرَأيْتَ لِأنَّ الكافَ جاءَتْ لِمُجَرَّدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَها، كَأنَّهُ قالَ عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ والإنْكارِ أبْصَرْتَ أوْ عَلِمْتَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، بِمَعْنى لَوْ أبْصَرْتَهُ أوْ عَلِمْتَهُ لَكانَ يَجِبُ أنْ لا تُكَرِّمَهُ عَلَيَّ، هَذا هو حَقِيقَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً [عَنْهُ] ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالحَذْفِ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِإثْباتِهِ في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ.
البَحْثُ الثّانِي: في الِاحْتِناكِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الأخْذِ بِالكُلِّيَّةِ، يُقالُ: احْتَنَكَ فُلانٌ ما عِنْدَ فُلانٍ مِن مالٍ إذا اسْتَقْصاهُ وأخَذَهُ بِالكُلِّيَّةِ، واحْتَنَكَ الجَرادُ الزَّرْعَ إذا أكَلَهُ بِالكُلِّيَّةِ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ العَرَبِ حَنَّكَ الدّابَّةَ يُحَنِّكُها، إذا جَعَلَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُها بِهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِاحْتِناكُ افْتِعالٌ مِنَ الحَنَكِ كَأنَّهم يَمْلِكُهم كَما يَمْلِكُ الفارِسُ فَرَسَهُ بِلِجامِهِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مَعْنى الآيَةِ لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي لَأقُودَنَّهم إلى المَعاصِي كَما تُقادُ الدّابَّةُ بِحَبْلِها.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ
صفحة ٥
﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ ظَنَّ إبْلِيسُ هَذا الظَّنَّ الصّادِقَ بِذُرِّيَّةِ آدَمَ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سَمِعَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَعَرَفَ هَذِهِ الأحْوالَ.
الثّانِي: أنَّهُ وسْوَسَ إلى آدَمَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا، فَقالَ الظّاهِرُ أنَّ أوْلادَهُ يَكُونُونَ مِثْلَهُ في ضَعْفِ العَزْمِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَرَفَ أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن قُوَّةٍ بَهِيمِيَّةٍ شَهْوانِيَّةٍ، وقُوَّةٍ سَبُعِيَّةٍ غَضَبِيَّةٍ، وقُوَّةٍ وهْمِيَّةٍ شَيْطانِيَّةٍ، وقُوَّةٍ عَقْلِيَّةٍ مَلَكِيَّةٍ، وعَرَفَ أنَّ القُوى الثَّلاثَ أعْنِي الشَّهْوانِيَّةَ والغَضَبِيَّةَ والوَهْمِيَّةَ تَكُونُ هي المُسْتَوْلِيَةُ في أوَّلِ الخِلْقَةِ، ثُمَّ إنَّ القُوَّةَ العَقْلِيَّةَ إنَّما تَكْمُلُ في آخِرِ الأمْرِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ما ذَكَرَهُ إبْلِيسُ لازِمًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْلِيسَ ذَلِكَ حَكى عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ اذْهَبْ، وهَذا لَيْسَ مِنَ الذَّهابِ الَّذِي هو نَقِيضُ المَجِيءِ وإنَّما مَعْناهُ امْضِ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، والمَقْصُودُ التَّخْلِيَةُ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ.
ثُمَّ قالَ ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ الأوْلى أنْ يُقالَ: فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُهم جَزاءً مَوْفُورًا، لِيَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجِعًا إلى قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَبِعَكَ﴾ ؟ . قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُهم وجَزاؤُكم ثُمَّ غُلِّبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِ فَقِيلَ جَزاؤُكم.
والثّانِي: يَجُوزُ أنَّ يَكُونَ هَذا الخِطابُ مَعَ الغائِبِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ﷺ قالَ: («مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» ) فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجَدُ فَيَحْصُلُ لِإبْلِيسَ مِثْلُ وِزْرِ ذَلِكَ العامِلِ.
فَلَمّا كانَ إبْلِيسُ هو الأصْلَ في كُلِّ المَعاصِي صارَ المُخاطَبُ بِالوَعِيدِ هو إبْلِيسُ، ثُمَّ قالَ ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ تَجِيءُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، أمّا المُتَعَدِّي فَيُقالُ: وفَرْتُهُ أفِرُهُ وفْرًا وفِرَةً فَهو مَوْفُورٌ [و] مُوَفَّرٌ، قالَ زُهَيْرٌ
ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
واللّازِمُ كَقَوْلِهِ: وفَرَ المالُ يَفِرُ وُفُورًا فَهو وافِرٌ، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ: يَكُونُ المَعْنى جَزاءً مَوْفُورًا مُوَفَّرًا.
وعَلى الثّانِي: يَكُونُ المَعْنى جَزاءً مَوْفُورًا وافِرًا، وانْتَصَبَ قَوْلُهُ ﴿جَزاءً﴾ عَلى المَصْدَرِ.
الإسراء 17:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ في مِحْنَةٍ عَظِيمَةٍ مِن قَوْمِهِ وأهْلِ زَمانِهِ، بَيَّنَ أنَّ حالَ الأنْبِياءِ مَعَ أهْلِ زَمانِهِمْ كَذَلِكَ. ألا تَرى أنَّ أوَّلَ الأوْلِياءِ هو آدَمُ، ثُمَّ إنَّهُ كانَ في مِحْنَةٍ شَدِيدَةٍ مِن إبْلِيسَ.
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ إنَّما نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعانَدُوهُ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ الِاقْتِراحاتِ الباطِلَةَ لِأمْرَيْنِ: الكِبْرُ والحَسَدُ، أمّا الكِبْرُ فَلِأنَّ تَكَبُّرَهم كانَ يَمْنَعُهم مِنَ الِانْقِيادِ، وأمّا الحَسَدُ فَلِأنَّهم كانُوا يَحْسُدُونَهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجَةِ العالِيَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الكِبْرَ والحَسَدَ هُما اللَّذانِ حَمَلا إبْلِيسَ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الإيمانِ والدُّخُولِ في الكُفْرِ، فَهَذِهِ بَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ ومِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْخَلْقِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٦٠] بَيَّنَ ما هو السَّبَبُ لِحُصُولِ هَذا الطُّغْيانِ وهو قَوْلُ إبْلِيسَ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ فَلِأجْلِ هَذا المَقْصُودِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّةَ إبْلِيسَ وآدَمَ، فَهَذا هو الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في سُوَرٍ سَبْعَةٍ، وهي: البَقَرَةُ والأعْرافُ والحِجْرُ وهَذِهِ السُّورَةُ والكَهْفُ وطَهَ وصَ، والكَلامُ المُسْتَقْصى فِيها قَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ والأعْرافِ والحِجْرِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ ولا بَأْسَ بِتَعْدِيدِ بَعْضِ المَسائِلِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ أهم جَمِيعُ المَلائِكَةِ أمْ مَلائِكَةُ الأرْضِ عَلى التَّخْصِيصِ ؟ فَظاهِرُ لَفْظِ المَلائِكَةِ يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ في صِفَةِ مَلائِكَةِ السَّماواتِ ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] يُوجِبُ خُرُوجَ مَلائِكَةِ السَّماواتِ مِن هَذا العُمُومِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ السَّجْدَةِ وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ أوِ التَّحِيَّةُ، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ
صفحة ٤
فَآدَمُ كانَ هو المَسْجُودَ لَهُ أوْ يُقالُ كانَ المَسْجُودُ لَهُ هو اللَّهَ تَعالى، وآدَمُ كانَ قِبْلَةً لِلسُّجُودِ ؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ إبْلِيسَ هَلْ هو مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا ؟ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَأمْرُ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ كَيْفَ يَتَناوَلُهُ ؟
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ كانَ إبْلِيسُ كافِرًا مِن أوَّلِ الأمْرِ أوْ يُقالُ إنَّما كَفَرَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المَلائِكَةُ سَجَدُوا لِآدَمَ مِن أوَّلِ ما كَمُلَتْ حَياتُهُ أوْ بَعْدِ ذَلِكَ ؟
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: شُبْهَةُ إبْلِيسَ في الِامْتِناعِ مِنَ السُّجُودِ أهْوَ قَوْلُهُ ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ أوْ غَيْرُهُ ؟
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ، إلّا أنَّهُ وقَعَ في الكُفْرِ بِسَبَبِ الكِبْرِ والحَسَدِ، ومِنهم مَن أنْكَرَ وقالَ ما عَرَفَ اللَّهَ البَتَّةَ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ما سَبَبُ حِكْمَةِ إمْهالِ إبْلِيسَ وتَسْلِيطِهِ عَلى الخَلْقِ بِالوَسْوَسَةِ ؟
ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ إبْلِيسَ نَوْعًا واحِدًا مِنَ العَمَلِ ونَوْعَيْنِ مِنَ القَوْلِ، أمّا العَمَلُ فَهو أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لِآدَمَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ﴾ وأمّا النَّوْعانِ مِنَ القَوْلِ:
فَأوَّلُهُما قَوْلُهُ ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ مَعْناهُ أنَّ أصْلِي أشْرَفُ مِن أصْلِهِ فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أنا أشْرَفُ مِنهُ، والأشْرَفُ يَقْبُحُ في العُقُولِ أمْرُهُ بِخِدْمَةِ الأدْنى.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلامِهِ: قَوْلُهُ ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ مَعْناهُ أخْبِرْنِي، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا [البَحْثَ] في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَوْلُهُ ﴿هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ، لِمَ فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ وأنا خَيْرٌ مِنهُ ؟ ثُمَّ اخْتَصَرَ الكَلامَ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا.
الثّانِي: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ هَذا مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ، والَّذِي مَعَ صِلَتِهِ خَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ أخْبِرْنِي أهَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ! وذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِصْغارِ والِاسْتِحْقارِ، وإنَّما حُذِفَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ حُصُولَهُ في قَوْلِهِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ أغْنى عَنْ تَكْرارِهِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هَذا مَفْعُولُ أرَأيْتَ لِأنَّ الكافَ جاءَتْ لِمُجَرَّدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَها، كَأنَّهُ قالَ عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ والإنْكارِ أبْصَرْتَ أوْ عَلِمْتَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، بِمَعْنى لَوْ أبْصَرْتَهُ أوْ عَلِمْتَهُ لَكانَ يَجِبُ أنْ لا تُكَرِّمَهُ عَلَيَّ، هَذا هو حَقِيقَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً [عَنْهُ] ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالحَذْفِ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِإثْباتِهِ في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ.
البَحْثُ الثّانِي: في الِاحْتِناكِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الأخْذِ بِالكُلِّيَّةِ، يُقالُ: احْتَنَكَ فُلانٌ ما عِنْدَ فُلانٍ مِن مالٍ إذا اسْتَقْصاهُ وأخَذَهُ بِالكُلِّيَّةِ، واحْتَنَكَ الجَرادُ الزَّرْعَ إذا أكَلَهُ بِالكُلِّيَّةِ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ العَرَبِ حَنَّكَ الدّابَّةَ يُحَنِّكُها، إذا جَعَلَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُها بِهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِاحْتِناكُ افْتِعالٌ مِنَ الحَنَكِ كَأنَّهم يَمْلِكُهم كَما يَمْلِكُ الفارِسُ فَرَسَهُ بِلِجامِهِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مَعْنى الآيَةِ لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي لَأقُودَنَّهم إلى المَعاصِي كَما تُقادُ الدّابَّةُ بِحَبْلِها.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ
صفحة ٥
﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ ظَنَّ إبْلِيسُ هَذا الظَّنَّ الصّادِقَ بِذُرِّيَّةِ آدَمَ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سَمِعَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَعَرَفَ هَذِهِ الأحْوالَ.
الثّانِي: أنَّهُ وسْوَسَ إلى آدَمَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا، فَقالَ الظّاهِرُ أنَّ أوْلادَهُ يَكُونُونَ مِثْلَهُ في ضَعْفِ العَزْمِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَرَفَ أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن قُوَّةٍ بَهِيمِيَّةٍ شَهْوانِيَّةٍ، وقُوَّةٍ سَبُعِيَّةٍ غَضَبِيَّةٍ، وقُوَّةٍ وهْمِيَّةٍ شَيْطانِيَّةٍ، وقُوَّةٍ عَقْلِيَّةٍ مَلَكِيَّةٍ، وعَرَفَ أنَّ القُوى الثَّلاثَ أعْنِي الشَّهْوانِيَّةَ والغَضَبِيَّةَ والوَهْمِيَّةَ تَكُونُ هي المُسْتَوْلِيَةُ في أوَّلِ الخِلْقَةِ، ثُمَّ إنَّ القُوَّةَ العَقْلِيَّةَ إنَّما تَكْمُلُ في آخِرِ الأمْرِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ما ذَكَرَهُ إبْلِيسُ لازِمًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْلِيسَ ذَلِكَ حَكى عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ اذْهَبْ، وهَذا لَيْسَ مِنَ الذَّهابِ الَّذِي هو نَقِيضُ المَجِيءِ وإنَّما مَعْناهُ امْضِ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، والمَقْصُودُ التَّخْلِيَةُ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ.
ثُمَّ قالَ ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ الأوْلى أنْ يُقالَ: فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُهم جَزاءً مَوْفُورًا، لِيَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجِعًا إلى قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَبِعَكَ﴾ ؟ . قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُهم وجَزاؤُكم ثُمَّ غُلِّبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِ فَقِيلَ جَزاؤُكم.
والثّانِي: يَجُوزُ أنَّ يَكُونَ هَذا الخِطابُ مَعَ الغائِبِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ﷺ قالَ: («مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» ) فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجَدُ فَيَحْصُلُ لِإبْلِيسَ مِثْلُ وِزْرِ ذَلِكَ العامِلِ.
فَلَمّا كانَ إبْلِيسُ هو الأصْلَ في كُلِّ المَعاصِي صارَ المُخاطَبُ بِالوَعِيدِ هو إبْلِيسُ، ثُمَّ قالَ ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ تَجِيءُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، أمّا المُتَعَدِّي فَيُقالُ: وفَرْتُهُ أفِرُهُ وفْرًا وفِرَةً فَهو مَوْفُورٌ [و] مُوَفَّرٌ، قالَ زُهَيْرٌ
ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
واللّازِمُ كَقَوْلِهِ: وفَرَ المالُ يَفِرُ وُفُورًا فَهو وافِرٌ، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ: يَكُونُ المَعْنى جَزاءً مَوْفُورًا مُوَفَّرًا.
وعَلى الثّانِي: يَكُونُ المَعْنى جَزاءً مَوْفُورًا وافِرًا، وانْتَصَبَ قَوْلُهُ ﴿جَزاءً﴾ عَلى المَصْدَرِ.
الإسراء 17:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾
صفحة ٦
اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ الإمْهالَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِأجْلِ أنْ يَحْتَنِكَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ أشْياءَ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبْ﴾ ومَعْناهُ: أمْهَلْتُكَ هَذِهِ المُدَّةَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ يُقالُ أفَزَّهُ الخَوْفُ واسْتَفَزَّهُ أيْ أزْعَجَهُ واسْتَخَفَّهُ، وصَوْتُهُ دُعاؤُهُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أرادَ بِصَوْتِكَ: الغِناءَ واللَّهْوَ واللَّعِبَ، ومَعْنى صِيغَةِ الأمْرِ هُنا التَّهْدِيدُ كَما يُقالُ: اجْهَدْ جُهْدَكَ فَسَتَرى ما يَنْزِلُ بِكَ.
وثالِثُها: ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿وأجْلِبْ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مِنَ الجَلَبَةِ وهو الصِّياحُ ورُبَّما قالُوا الجَلَبُ كَما قالُوا الغَلَبَةُ والغَلَبُ والشَّفَقَةُ والشَّفَقُ، وقالَ اللَّيْثُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أجَلَبُوا وجَلَبُوا مِنَ الصِّياحِ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ في فَعَلَ وأفْعَلَ، أجْلَبَ عَلى العَدُوِّ إجْلابًا إذا جَمَعَ عَلَيْهِ الخُيُولَ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ هم يَجْلِبُونَ عَلَيْهِ بِمَعْنى أنَّهم يُعِينُونَ عَلَيْهِ.
والرّابِعُ: رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: أجْلَبَ الرَّجُلُ عَلى الرَّجُلِ إذا تَوَعَّدَهُ الشَّرَّ وجَمَعَ عَلَيْهِ الجَمْعَ، فَقَوْلُهُ: وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ مَعْناهُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ: صِحْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ، وعَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مَكايِدِكَ وتَكُونُ الباءُ في قَوْلِهِ: بِخَيْلِكَ زائِدَةً عَلى هَذا القَوْلِ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ السِّكِّيتِ مَعْناهُ أعِنْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ، ومَفْعُولُ الإجْلابِ عَلى هَذا القَوْلِ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ يَسْتَعِينُ عَلى إغْوائِهِمْ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ، وهَذا أيْضًا يَقْرُبُ مِن قَوْلِ ابْنِ الأعْرابِيِّ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الخَيْلِ والرَّجِلِ، فَرَوى أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ”كُلُّ راكِبٍ أوْ راجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو مِن خَيْلِ إبْلِيسَ وجُنُودِهِ“، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ راكِبٍ وماشٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ خَيْلُهُ ورَجِلُهُ كُلُّ مَن شارَكَهُ في الدُّعاءِ إلى المَعْصِيَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِإبْلِيسَ جُنْدٌ مِنَ الشَّياطِينِ بَعْضُهم راكِبٌ وبَعْضُهم راجِلٌ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ المُجِدِّ في الأمْرِ جِئْتَنا بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ، والخَيْلُ تَقَعُ عَلى الفِرْسانِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» “ وقَدْ تَقَعُ عَلى الأفْراسِ خاصَّةً، والمُرادُ هَهُنا الأوَّلُ، والرَّجْلُ جَمْعُ راجِلٍ كَما قالُوا تاجِرٌ وتَجْرٌ وصاحِبٌ وصَحْبٌ وراكِبٌ ورَكْبٌ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ورَجِلِكَ بِكَسْرِ الجِيمِ وغَيْرُهُ بِالضَّمِّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ رَجُلٌ ورَجِلٌ بِمَعْنًى واحِدٍ ومِثْلُهُ حَدُثٌ وحَدِثٌ ونَدُسٌ ونَدِسٌ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أخْبَرَنا ثَعْلَبٌ عَنِ الفَرّاءِ قالَ: يُقالُ رَجُلٌ ورَجِلٌ ورَجْلانُ بِمَعْنًى واحِدٍ.
والنَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِإبْلِيسَ قَوْلُهُ: ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ﴾ نَقُولُ: أمّا المُشارَكَةُ في الأمْوالِ فَهي عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ تَصَرُّفٍ قَبِيحٍ في المالِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ القَبِيحُ بِسَبَبِ أخْذِهِ مِن غَيْرِ حَقِّهِ أوْ وضْعِهِ في غَيْرِ حَقِّهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الرِّبا والغَصْبُ والسَّرِقَةُ والمُعامَلاتُ الفاسِدَةُ، وهَكَذا قالَهُ القاضِي وهو ضَبْطٌ حَسَنٌ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا، قالَ قَتادَةُ: المُشارَكَةُ في الأمْوالِ هي أنْ جَعَلُوا بَحِيرَةً وسائِبَةً، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي عِبارَةٌ عَنْ تَبْتِيكِهِمْ آذانَ الأنْعامِ، وقِيلَ هي أنْ جَعَلُوا مِن أمْوالِهِمْ شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ (الأنْعامِ: ١٣٦) والأصْوَبُ ما قالَهُ القاضِي، وأمّا المُشارَكَةُ في الأوْلادِ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّها الدُّعاءُ إلى الزِّنا، وزَيَّفَ الأصَمُّ ذَلِكَ بِأنْ قالَ إنَّهُ لا ذَمَّ عَلى الوَلَدِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ وشارِكْهم في طَرِيقِ تَحْصِيلِ الوَلَدِ وذَلِكَ بِالدُّعاءِ إلى الزِّنا.
وثانِيها: أنْ يُسَمُّوا أوْلادَهم بِعَبْدِ اللّاتِ وعَبْدِ العُزّى.
وثالِثُها: أنْ يُرَغِّبُوا أوْلادَهم في الأدْيانِ الباطِلَةِ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ وغَيْرِهِما.
ورابِعُها: إقْدامُهم عَلى قَتْلِ الأوْلادِ ووَأْدِهِمْ.
وخامِسُها: تَرْغِيبُهم في حِفْظِ الأشْعارِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الفُحْشِ وتَرْغِيبِهِمْ في القَتْلِ والقِتالِ والحِرَفِ الخَبِيثَةِ الخَسِيسَةِ، والضّابِطُ أنْ يُقالَ إنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ مِنَ المَرْءِ في ولَدِهِ عَلى وجْهٍ يُؤَدِّي إلى ارْتِكابِ مُنْكَرٍ أوْ
صفحة ٧
قَبِيحٍ فَهو داخِلٌ فِيهِ.
الإسراء 17:65
والنَّوْعُ الخامِسُ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِإبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ مَقْصُودُ الشَّيْطانِ التَّرْغِيبَ في الِاعْتِقادِ الباطِلِ والعَمَلِ الباطِلِ والتَّنْفِيرِ عَنِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ والعَمَلِ الحَقِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّرْغِيبَ في الشَّيْءِ لا يُمْكِنُ إلّا بِأنْ يُقَرَّرَ عِنْدَهُ أنَّهُ لا ضَرَرَ البَتَّةَ في فِعْلِهِ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُفِيدُ المَنافِعَ العَظِيمَةَ، والتَّنْفِيرُ عَنِ الشَّيْءِ لا يُمْكِنُ إلّا بِأنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في فِعْلِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَيُفِيدُ المَضارَّ العَظِيمَةَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الشَّيْطانَ إذا دَعا إلى المَعْصِيَةِ فَلا بُدَّ وأنْ يُقَرِّرَ أوَّلًا أنَّهُ لا مَضَرَّةَ في فِعْلِهِ البَتَّةَ، وذَلِكَ إنَّما يُمْكِنُ إذا قالَ لا مَعادَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ، ولا حَياةَ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يُقَرِّرُ عِنْدَهُ أنَّهُ لا مَضَرَّةَ البَتَّةَ في فِعْلِ هَذِهِ المَعاصِي، وإذا فَرَغَ عَنْ هَذا المَقامِ قَرَّرَ عِنْدَهُ أنَّ هَذا الفِعْلَ يُفِيدُ أنْواعًا مِنَ اللَّذَّةِ والسُّرُورِ ولا حَياةَ لِلْإنْسانِ في هَذِهِ الدُّنْيا إلّا بِهِ، فَتَفْوِيتُها غَبْنٌ وخُسْرانٌ كَما قالَ الشّاعِرُ:
خُذُوا بِنَصِيبٍ مِن سُرُورٍ ولَذَّةٍ فَكُلٌّ وإنْ طالَ المَدى يَتَصَرَّمُ
فَهَذا هو طَرِيقُ الدَّعْوَةِ إلى المَعْصِيَةِ، وأمّا طَرِيقُ التَّنْفِيرِ عَنِ الطّاعَةِ فَهو أنْ يُقَرِّرَ أوَّلًا عِنْدَهُ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَقُولَ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا ثَوابَ ولا عَذابَ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ العِباداتِ لا فائِدَةَ فِيها لِلْعابِدِ والمَعْبُودِ فَكانَتْ عَبَثًا مَحْضًا فَبِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ يُقَرِّرُ الشَّيْطانُ عِنْدَ الإنْسانِ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها، وإذا فَرَغَ عَنْ هَذا المَقامِ قالَ إنَّها تُوجِبُ التَّعَبَ والمِحْنَةَ وذَلِكَ أعْظَمُ المَضارِّ، فَهَذِهِ مَجامِعُ تَلْبِيسِ الشَّيْطانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ، قالَ المُفَسِّرُونَ قَوْلُهُ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ أيْ بِأنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ، وقالَ آخَرُونَ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ بِتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ، وقالَ آخَرُونَ ﴿وعِدْهُمْ﴾ بِالأمانِي الباطِلَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ لِآدَمَ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ (الأعْرافِ: ٢٠) وقالَ آخَرُونَ: وعِدْهم بِشَفاعَةِ الأصْنامِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبِالأنْسابِ الشَّرِيفَةِ وإيثارِ العاجِلِ عَلى الآجِلِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الأقْسامُ كَثِيرَةٌ وكُلُّها داخِلَةٌ في الضَّبْطِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وإنْ أرَدْتَ الِاسْتِقْصاءَ في هَذا البابِ فَطالِعْ كِتابَ (ذَمِّ الغُرُورَ) مِن كِتابِ (إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ) لِلشَّيْخِ الغَزالِيِّ حَتّى يُحِيطَ عَقْلُكَ بِمَجامِعِ تَلْبِيسِ إبْلِيسَ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَكُونُ زاجِرًا عَنْ قَبُولِ وعْدِهِ فَقالَ: ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ إنَّما يَدْعُو إلى أحَدِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: قَضاءُ الشَّهْوَةِ، وإمْضاءُ الغَضَبِ، وطَلَبُ الرِّياسَةِ، وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ، ولا يَدْعُو البَتَّةَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولا إلى خِدْمَتِهِ، وتِلْكَ الأشْياءُ الثَّلاثَةُ مَعْنَوِيَّةٌ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ:
أحَدُها: أنَّها في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ لَذّاتٍ بَلْ هي خَلاصٌ عَنِ الآلامِ.
وثانِيها: وإنْ كانَتْ لَذّاتٍ لَكِنَّها لَذّاتٌ خَسِيسَةٌ مُشْتَرَكٌ فِيها بَيْنَ الكِلابِ والدِّيدانِ والخَنافِسِ وغَيْرِها.
وثالِثُها: أنَّها سَرِيعَةُ الذَّهابِ والِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ.
ورابِعُها: أنَّها لا تَحْصُلُ إلّا بِمَتاعِبَ كَثِيرَةٍ ومَشاقٍّ عَظِيمَةٍ.
وخامِسُها: أنَّ لَذّاتِ البَطْنِ والفَرْجِ لا تَتِمُّ إلّا بِمُزاوَلَةِ رُطُوباتٍ عَفِنَةٍ مُسْتَقْذَرَةٍ.
وسادِسُها: أنَّها غَيْرُ باقِيَةٍ بَلْ يَتْبَعُها المَوْتُ والهِرَمُ والفَقْرُ والحَسْرَةُ عَلى الفَوْتِ والخَوْفُ مِنَ المَوْتِ. فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ المَطالِبُ وإنْ كانَتْ لَذِيذَةً بِحَسَبِ الظّاهِرِ إلّا أنَّها مَمْزُوجَةٌ بِهَذِهِ الآفاتِ العَظِيمَةِ والمُخالَفاتِ الجَسِيمَةِ، كانَ التَّرْغِيبُ فِيها تَغْرِيرًا، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لَهُ افْعَلْ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
صفحة ٨
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ كُلُّ عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وهَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، قالَ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْنى مِنهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مَن يَتْبَعُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ (الحِجْرِ: ٤٢) ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لِإبْلِيسَ وجُنُودِهِ عَلى تَصْرِيعِ النّاسِ وتَخْبِيطِ عُقُولِهِمْ وأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ إلّا عَلى قَدْرِ الوَسْوَسَةِ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ (إبْراهِيمَ: ٢٢) . وأيْضًا فَلَوْ قَدَرَ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ لَكانَ يَجِبُ أنْ يَتَخَبَّطَ أهْلَ الفَضْلِ وأهْلَ العِلْمِ دُونَ سائِرِ النّاسِ لِيَكُونَ ضَرَرُهُ أعْظَمَ. ثُمَّ قالَ: وإنَّما يَزُولُ عَقْلُهُ لا مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ لَكِنْ لِغَلَبَةِ الأخْلاطِ الفاسِدَةِ ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أحَدُ أسْبابِ ذَلِكَ المَرَضِ اعْتِقادَ أنَّ الشَّيْطانَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبُ الخَوْفُ فَيَحْدُثُ ذَلِكَ المَرَضُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي﴾ أهْلُ الفَضْلِ والعِلْمِ والإيمانِ لِما بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِأهْلِ الإيمانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ (النَّحْلِ: ١٠٠) .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا مَكَّنَ إبْلِيسَ مِن أنْ يَأْتِيَ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ في بابِ الوَسْوَسَةِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ في قَلْبِ الإنْسانِ، قالَ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ ومَعْناهُ أنَّ الشَّيْطانَ وإنْ كانَ قادِرًا فاللَّهُ تَعالى أقْدَرُ مِنهُ وأرْحَمُ بِعِبادِهِ مِنَ الكُلِّ فَهو تَعالى يَدْفَعُ عَنْهُ كَيْدَ الشَّيْطانِ ويَعْصِمُهُ مِن إضْلالِهِ وإغْوائِهِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْصُومَ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى وأنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَحْتَرِزَ بِنَفْسِهِ عَنْ مَواقِعِ الضَّلالَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الإقْدامُ عَلى الحَقِّ والإحْجامُ عَنِ الباطِلِ إنَّما يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ مِن نَفْسِهِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: وكَفى الإنْسانُ نَفْسَهُ في الِاحْتِرازِ عَنِ الشَّيْطانِ، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ﴾ عَلِمْنا أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ المُحَقِّقُونَ: لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ عالِمًا بِأنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ هو إلَهُ العالَمِ أوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ؟ فَإنْ عَلِمَ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ فَكَيْفَ لَمْ يَصِرْ هَذا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَعْصِيَةِ مَعَ أنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ؟ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ هَذا القائِلَ هو إلَهُ العالَمِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ .
والجَوابُ: لَعَلَّهُ كانَ شاكًّا في الكُلِّ أوْ كانَ يَقُولُ في كُلِّ قَسَمٍ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ.
والسُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى أنْظَرَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ومَكَّنَهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ ؟ والحَكِيمُ إذا أرادَ أمْرًا وعَلِمَ أنَّ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ يَمْنَعُ مِن حُصُولِهِ فَإنَّهُ لا يَسْعى في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المانِعِ ؟ .
والجَوابُ: أمّا مَذْهَبُنا فَظاهِرٌ في هَذا البابِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَلَهم قَوْلانِ: قالَ الجُبّائِيُّ: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عِنْدَ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ يَكْفُرُونَ بِتَقْدِيرِ أنْ لا يُوجَدَ إبْلِيسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في وُجُودِهِ
صفحة ٩
مَزِيدُ مَفْسَدَةٍ، وقالَ أبُو هاشِمٍ: لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِن وُجُودِهِ مَزِيدُ مَفْسَدَةٍ، إلّا أنَّهُ تَعالى أبْقاهُ تَشْدِيدًا لِلتَّكْلِيفِ عَلى الخَلْقِ لِيَسْتَحِقُّوا بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّشْدِيدِ مَزِيدَ الثَّوابِ، وهَذانَ الوَجْهانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في سُورَةِ الأعْرافِ والحِجْرِ، وبالَغْنا في الكَشْفِ عَنْهُما، واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ تَقْرِيرُ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، فَإذا امْتَدَّ الكَلامُ في فَصْلٍ مِنَ الفُصُولِ عادَ الكَلامُ بَعْدَهُ إلى ذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والمَذْكُورُ هَهُنا الوُجُوهُ المُسْتَنْبَطَةُ مَنِ الإنْعاماتِ في أحْوالِ رُكُوبِ البَحْرِ.
فالنَّوْعُ الأوَّلُ: كَيْفِيَّةُ حَرَكَةِ الفُلْكِ عَلى وجْهِ البَحْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ والإزْجاءُ سَوْقُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] والمَعْنى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُسَيِّرُ الفُلْكَ عَلى وجْهِ البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في طَلَبِ التِّجارَةِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكُمُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ بِكُمْ﴾ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، والمُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ مَنافِعُ الدُّنْيا ومَصالِحُها.
والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ والمُرادُ مِنَ الضُّرِّ، الخَوْفُ الشَّدِيدُ كَخَوْفِ الغَرَقِ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ في تِلْكَ الحالَةِ لا يَتَضَرَّعُ إلى الصَّنَمِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والمَلَكِ والفُلْكِ، وإنَّما يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ والبَحْرِ وأخْرَجَكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والإخْلاصِ ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ لِنِعَمِ اللَّهِ بِسَبَبِ أنَّ عِنْدَ الشِّدَّةِ يَتَمَسَّكُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وعِنْدَ الرَّخاءِ والرّاحَةِ يُعْرِضُ عَنْهُ ويَتَمَسَّكُ بِغَيْرِهِ.
والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الخَسْفُ والخُسُوفُ هو دُخُولُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ. يُقالُ: عَيْنٌ خاسِفَةٌ وهي الَّتِي غابَتْ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وعَيْنٌ مِنَ الماءِ خاسِفَةٌ أيْ غائِرَةُ الماءِ، وخَسَفَتِ الشَّمْسُ أيِ احْتَجَبَتْ وكَأنَّها وقَعَتْ تَحْتَ حِجابٍ أوْ دَخَلَتْ في جُحْرٍ. فَقَوْلُهُ:
صفحة ١٠
﴿أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ أيْ يُغَيِّبُكم في جانِبِ البَرِّ وهو الأرْضُ، وإنَّما قالَ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ لِأنَّهُ ذَكَرَ البَحْرَ في الآيَةِ الأُولى فَهو جانِبٌ، والبَرُّ جانِبٌ، أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى أنْ يُغَيِّبَهم في الماءِ فَهو قادِرٌ أيْضًا عَلى أنْ يُغَيِّبَهم في الأرْضِ، فالغَرَقُ تَغْيِيبٌ تَحْتَ الماءِ كَما أنَّ الخَسْفَ تَغْيِيبٌ تَحْتَ التُّرابِ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم كانُوا خائِفِينَ مِن هَوْلِ البَحْرِ، فَلَمّا نَجّاهم مِنهُ آمَنُوا، فَقالَ: هَبْ أنَّكم نَجَوْتُمْ مِن هَوْلِ البَحْرِ فَكَيْفَ أمِنتُمْ مِن هَوْلِ البَرِّ ؟ فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْكم آفاتِ البَرِّ مِن جانِبِ التَّحْتِ أوْ مِن جانِبِ الفَوْقِ، أمّا مِن جانِبِ التَّحْتِ فَبِالخَسْفِ. وأمّا مِن جانِبِ الفَوْقِ فَبِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ فَكَما لا يَتَضَرَّعُونَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ رُكُوبِ البَحْرِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ لا يَتَضَرَّعُوا إلّا إلَيْهِ في كُلِّ الأحْوالِ. ومَعْنى الحَصَبِ في اللُّغَةِ: الرَّمْيُ، يُقالُ: حَصَبْتُ أحْصِبُ حَصْبًا إذا رَمَيْتَ والحَصَبُ المَرْمِيُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُلْقَوْنَ فِيها، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حاصِبًا﴾ أيْ عَذابًا يَحْصِبُهم، أيْ يَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ، ويُقالُ لِلرِّيحِ الَّتِي تَحْمِلُ التُّرابَ والحَصْباءَ حاصِبٌ، والسَّحابُ الَّذِي يَرْمِي بِالثَّلْجِ والبَرَدِ يُسَمّى حاصِبًا لِأنَّهُ يَرْمِي بِهِما رَمْيًا، وقالَ الزَّجّاجُ: الحاصِبُ: التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، والحاصِبُ عَلى هَذا ذُو الحَصْباءِ مِثْلُ اللّابِنِ والتّامِرِ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ يَعْنِي لا تَجِدُوا ناصِرًا يَنْصُرُكم ويَصُونُكم مِن عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ أيْ في البَحْرِ تارَةً أُخْرى وقَوْلُهُ: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ القاصِفُ الكاسِرُ يُقالُ: قَصَفَ الشَّيْءَ يَقْصِفُهُ قَصْفًا إذا كَسَرَهُ بِشِدَّةٍ، والقاصِفُ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي تَكْسِرُ الشَّجَرَ، وأرادَ هَهُنا رِيحًا شَدِيدَةً تَقْصِفُ الفُلْكَ وتُغْرِقُهم وقَوْلُهُ: ﴿فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لا تَجِدُوا مَن يُتْبِعُنا بِإنْكارِ ما نَزَلْ بِكم بِأنْ يَصْرِفَهُ عَنْكم، وتَبِيعٌ بِمَعْنى تابِعٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ألْفاظٍ خَمْسَةٍ: وهي قَوْلِهِ: (أنْ نَخْسِفَ) (أوْ نُرْسِلَ) (أوْ نُعِيدُكم) (فَنُرْسِلَ) (فَنُغْرِقَكم) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو جَمِيعَ هَذِهِ الخَمْسَةِ بِالنُّونِ، والباقُونَ بِالياءِ، فَمَن قَرَأ بِالياءِ فَلِأنَّ ما قَبْلَهُ عَلى الواحِدِ الغائِبِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ (الإسْراءِ: ٦٧) ومَن قَرَأ بِالنُّونِ فَلِأنَّ هَذا البَحْرَ مِنَ الكَلامِ قَدْ يَنْقَطِعُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ وهو سَهْلٌ لِأنَّ المَعْنى واحِدٌ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ جاءَ ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢] فانْتَقَلَ مِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ وكَذَلِكَ هَهُنا يَجُوزُ أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والمَعْنى واحِدٌ والكُلُّ جائِزٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ تَقْرِيرُ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، فَإذا امْتَدَّ الكَلامُ في فَصْلٍ مِنَ الفُصُولِ عادَ الكَلامُ بَعْدَهُ إلى ذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والمَذْكُورُ هَهُنا الوُجُوهُ المُسْتَنْبَطَةُ مَنِ الإنْعاماتِ في أحْوالِ رُكُوبِ البَحْرِ.
فالنَّوْعُ الأوَّلُ: كَيْفِيَّةُ حَرَكَةِ الفُلْكِ عَلى وجْهِ البَحْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ والإزْجاءُ سَوْقُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] والمَعْنى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُسَيِّرُ الفُلْكَ عَلى وجْهِ البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في طَلَبِ التِّجارَةِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكُمُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ بِكُمْ﴾ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، والمُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ مَنافِعُ الدُّنْيا ومَصالِحُها.
والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ والمُرادُ مِنَ الضُّرِّ، الخَوْفُ الشَّدِيدُ كَخَوْفِ الغَرَقِ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ في تِلْكَ الحالَةِ لا يَتَضَرَّعُ إلى الصَّنَمِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والمَلَكِ والفُلْكِ، وإنَّما يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ والبَحْرِ وأخْرَجَكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والإخْلاصِ ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ لِنِعَمِ اللَّهِ بِسَبَبِ أنَّ عِنْدَ الشِّدَّةِ يَتَمَسَّكُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وعِنْدَ الرَّخاءِ والرّاحَةِ يُعْرِضُ عَنْهُ ويَتَمَسَّكُ بِغَيْرِهِ.
والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الخَسْفُ والخُسُوفُ هو دُخُولُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ. يُقالُ: عَيْنٌ خاسِفَةٌ وهي الَّتِي غابَتْ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وعَيْنٌ مِنَ الماءِ خاسِفَةٌ أيْ غائِرَةُ الماءِ، وخَسَفَتِ الشَّمْسُ أيِ احْتَجَبَتْ وكَأنَّها وقَعَتْ تَحْتَ حِجابٍ أوْ دَخَلَتْ في جُحْرٍ. فَقَوْلُهُ:
صفحة ١٠
﴿أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ أيْ يُغَيِّبُكم في جانِبِ البَرِّ وهو الأرْضُ، وإنَّما قالَ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ لِأنَّهُ ذَكَرَ البَحْرَ في الآيَةِ الأُولى فَهو جانِبٌ، والبَرُّ جانِبٌ، أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى أنْ يُغَيِّبَهم في الماءِ فَهو قادِرٌ أيْضًا عَلى أنْ يُغَيِّبَهم في الأرْضِ، فالغَرَقُ تَغْيِيبٌ تَحْتَ الماءِ كَما أنَّ الخَسْفَ تَغْيِيبٌ تَحْتَ التُّرابِ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم كانُوا خائِفِينَ مِن هَوْلِ البَحْرِ، فَلَمّا نَجّاهم مِنهُ آمَنُوا، فَقالَ: هَبْ أنَّكم نَجَوْتُمْ مِن هَوْلِ البَحْرِ فَكَيْفَ أمِنتُمْ مِن هَوْلِ البَرِّ ؟ فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْكم آفاتِ البَرِّ مِن جانِبِ التَّحْتِ أوْ مِن جانِبِ الفَوْقِ، أمّا مِن جانِبِ التَّحْتِ فَبِالخَسْفِ. وأمّا مِن جانِبِ الفَوْقِ فَبِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ فَكَما لا يَتَضَرَّعُونَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ رُكُوبِ البَحْرِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ لا يَتَضَرَّعُوا إلّا إلَيْهِ في كُلِّ الأحْوالِ. ومَعْنى الحَصَبِ في اللُّغَةِ: الرَّمْيُ، يُقالُ: حَصَبْتُ أحْصِبُ حَصْبًا إذا رَمَيْتَ والحَصَبُ المَرْمِيُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُلْقَوْنَ فِيها، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حاصِبًا﴾ أيْ عَذابًا يَحْصِبُهم، أيْ يَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ، ويُقالُ لِلرِّيحِ الَّتِي تَحْمِلُ التُّرابَ والحَصْباءَ حاصِبٌ، والسَّحابُ الَّذِي يَرْمِي بِالثَّلْجِ والبَرَدِ يُسَمّى حاصِبًا لِأنَّهُ يَرْمِي بِهِما رَمْيًا، وقالَ الزَّجّاجُ: الحاصِبُ: التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، والحاصِبُ عَلى هَذا ذُو الحَصْباءِ مِثْلُ اللّابِنِ والتّامِرِ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ يَعْنِي لا تَجِدُوا ناصِرًا يَنْصُرُكم ويَصُونُكم مِن عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ أيْ في البَحْرِ تارَةً أُخْرى وقَوْلُهُ: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ القاصِفُ الكاسِرُ يُقالُ: قَصَفَ الشَّيْءَ يَقْصِفُهُ قَصْفًا إذا كَسَرَهُ بِشِدَّةٍ، والقاصِفُ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي تَكْسِرُ الشَّجَرَ، وأرادَ هَهُنا رِيحًا شَدِيدَةً تَقْصِفُ الفُلْكَ وتُغْرِقُهم وقَوْلُهُ: ﴿فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لا تَجِدُوا مَن يُتْبِعُنا بِإنْكارِ ما نَزَلْ بِكم بِأنْ يَصْرِفَهُ عَنْكم، وتَبِيعٌ بِمَعْنى تابِعٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ألْفاظٍ خَمْسَةٍ: وهي قَوْلِهِ: (أنْ نَخْسِفَ) (أوْ نُرْسِلَ) (أوْ نُعِيدُكم) (فَنُرْسِلَ) (فَنُغْرِقَكم) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو جَمِيعَ هَذِهِ الخَمْسَةِ بِالنُّونِ، والباقُونَ بِالياءِ، فَمَن قَرَأ بِالياءِ فَلِأنَّ ما قَبْلَهُ عَلى الواحِدِ الغائِبِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ (الإسْراءِ: ٦٧) ومَن قَرَأ بِالنُّونِ فَلِأنَّ هَذا البَحْرَ مِنَ الكَلامِ قَدْ يَنْقَطِعُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ وهو سَهْلٌ لِأنَّ المَعْنى واحِدٌ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ جاءَ ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢] فانْتَقَلَ مِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ وكَذَلِكَ هَهُنا يَجُوزُ أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والمَعْنى واحِدٌ والكُلُّ جائِزٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ تَقْرِيرُ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، فَإذا امْتَدَّ الكَلامُ في فَصْلٍ مِنَ الفُصُولِ عادَ الكَلامُ بَعْدَهُ إلى ذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والمَذْكُورُ هَهُنا الوُجُوهُ المُسْتَنْبَطَةُ مَنِ الإنْعاماتِ في أحْوالِ رُكُوبِ البَحْرِ.
فالنَّوْعُ الأوَّلُ: كَيْفِيَّةُ حَرَكَةِ الفُلْكِ عَلى وجْهِ البَحْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ والإزْجاءُ سَوْقُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] والمَعْنى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُسَيِّرُ الفُلْكَ عَلى وجْهِ البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في طَلَبِ التِّجارَةِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكُمُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ بِكُمْ﴾ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، والمُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ مَنافِعُ الدُّنْيا ومَصالِحُها.
والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ والمُرادُ مِنَ الضُّرِّ، الخَوْفُ الشَّدِيدُ كَخَوْفِ الغَرَقِ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ في تِلْكَ الحالَةِ لا يَتَضَرَّعُ إلى الصَّنَمِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والمَلَكِ والفُلْكِ، وإنَّما يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ والبَحْرِ وأخْرَجَكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والإخْلاصِ ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ لِنِعَمِ اللَّهِ بِسَبَبِ أنَّ عِنْدَ الشِّدَّةِ يَتَمَسَّكُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وعِنْدَ الرَّخاءِ والرّاحَةِ يُعْرِضُ عَنْهُ ويَتَمَسَّكُ بِغَيْرِهِ.
والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الخَسْفُ والخُسُوفُ هو دُخُولُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ. يُقالُ: عَيْنٌ خاسِفَةٌ وهي الَّتِي غابَتْ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وعَيْنٌ مِنَ الماءِ خاسِفَةٌ أيْ غائِرَةُ الماءِ، وخَسَفَتِ الشَّمْسُ أيِ احْتَجَبَتْ وكَأنَّها وقَعَتْ تَحْتَ حِجابٍ أوْ دَخَلَتْ في جُحْرٍ. فَقَوْلُهُ:
صفحة ١٠
﴿أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ أيْ يُغَيِّبُكم في جانِبِ البَرِّ وهو الأرْضُ، وإنَّما قالَ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ لِأنَّهُ ذَكَرَ البَحْرَ في الآيَةِ الأُولى فَهو جانِبٌ، والبَرُّ جانِبٌ، أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى أنْ يُغَيِّبَهم في الماءِ فَهو قادِرٌ أيْضًا عَلى أنْ يُغَيِّبَهم في الأرْضِ، فالغَرَقُ تَغْيِيبٌ تَحْتَ الماءِ كَما أنَّ الخَسْفَ تَغْيِيبٌ تَحْتَ التُّرابِ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم كانُوا خائِفِينَ مِن هَوْلِ البَحْرِ، فَلَمّا نَجّاهم مِنهُ آمَنُوا، فَقالَ: هَبْ أنَّكم نَجَوْتُمْ مِن هَوْلِ البَحْرِ فَكَيْفَ أمِنتُمْ مِن هَوْلِ البَرِّ ؟ فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْكم آفاتِ البَرِّ مِن جانِبِ التَّحْتِ أوْ مِن جانِبِ الفَوْقِ، أمّا مِن جانِبِ التَّحْتِ فَبِالخَسْفِ. وأمّا مِن جانِبِ الفَوْقِ فَبِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ فَكَما لا يَتَضَرَّعُونَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ رُكُوبِ البَحْرِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ لا يَتَضَرَّعُوا إلّا إلَيْهِ في كُلِّ الأحْوالِ. ومَعْنى الحَصَبِ في اللُّغَةِ: الرَّمْيُ، يُقالُ: حَصَبْتُ أحْصِبُ حَصْبًا إذا رَمَيْتَ والحَصَبُ المَرْمِيُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُلْقَوْنَ فِيها، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حاصِبًا﴾ أيْ عَذابًا يَحْصِبُهم، أيْ يَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ، ويُقالُ لِلرِّيحِ الَّتِي تَحْمِلُ التُّرابَ والحَصْباءَ حاصِبٌ، والسَّحابُ الَّذِي يَرْمِي بِالثَّلْجِ والبَرَدِ يُسَمّى حاصِبًا لِأنَّهُ يَرْمِي بِهِما رَمْيًا، وقالَ الزَّجّاجُ: الحاصِبُ: التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، والحاصِبُ عَلى هَذا ذُو الحَصْباءِ مِثْلُ اللّابِنِ والتّامِرِ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ يَعْنِي لا تَجِدُوا ناصِرًا يَنْصُرُكم ويَصُونُكم مِن عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ أيْ في البَحْرِ تارَةً أُخْرى وقَوْلُهُ: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ القاصِفُ الكاسِرُ يُقالُ: قَصَفَ الشَّيْءَ يَقْصِفُهُ قَصْفًا إذا كَسَرَهُ بِشِدَّةٍ، والقاصِفُ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي تَكْسِرُ الشَّجَرَ، وأرادَ هَهُنا رِيحًا شَدِيدَةً تَقْصِفُ الفُلْكَ وتُغْرِقُهم وقَوْلُهُ: ﴿فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لا تَجِدُوا مَن يُتْبِعُنا بِإنْكارِ ما نَزَلْ بِكم بِأنْ يَصْرِفَهُ عَنْكم، وتَبِيعٌ بِمَعْنى تابِعٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ألْفاظٍ خَمْسَةٍ: وهي قَوْلِهِ: (أنْ نَخْسِفَ) (أوْ نُرْسِلَ) (أوْ نُعِيدُكم) (فَنُرْسِلَ) (فَنُغْرِقَكم) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو جَمِيعَ هَذِهِ الخَمْسَةِ بِالنُّونِ، والباقُونَ بِالياءِ، فَمَن قَرَأ بِالياءِ فَلِأنَّ ما قَبْلَهُ عَلى الواحِدِ الغائِبِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ (الإسْراءِ: ٦٧) ومَن قَرَأ بِالنُّونِ فَلِأنَّ هَذا البَحْرَ مِنَ الكَلامِ قَدْ يَنْقَطِعُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ وهو سَهْلٌ لِأنَّ المَعْنى واحِدٌ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ جاءَ ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢] فانْتَقَلَ مِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ وكَذَلِكَ هَهُنا يَجُوزُ أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والمَعْنى واحِدٌ والكُلُّ جائِزٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ تَقْرِيرُ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، فَإذا امْتَدَّ الكَلامُ في فَصْلٍ مِنَ الفُصُولِ عادَ الكَلامُ بَعْدَهُ إلى ذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والمَذْكُورُ هَهُنا الوُجُوهُ المُسْتَنْبَطَةُ مَنِ الإنْعاماتِ في أحْوالِ رُكُوبِ البَحْرِ.
فالنَّوْعُ الأوَّلُ: كَيْفِيَّةُ حَرَكَةِ الفُلْكِ عَلى وجْهِ البَحْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ والإزْجاءُ سَوْقُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] والمَعْنى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُسَيِّرُ الفُلْكَ عَلى وجْهِ البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في طَلَبِ التِّجارَةِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكُمُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ بِكُمْ﴾ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، والمُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ مَنافِعُ الدُّنْيا ومَصالِحُها.
والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ والمُرادُ مِنَ الضُّرِّ، الخَوْفُ الشَّدِيدُ كَخَوْفِ الغَرَقِ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ في تِلْكَ الحالَةِ لا يَتَضَرَّعُ إلى الصَّنَمِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والمَلَكِ والفُلْكِ، وإنَّما يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ والبَحْرِ وأخْرَجَكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والإخْلاصِ ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ لِنِعَمِ اللَّهِ بِسَبَبِ أنَّ عِنْدَ الشِّدَّةِ يَتَمَسَّكُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وعِنْدَ الرَّخاءِ والرّاحَةِ يُعْرِضُ عَنْهُ ويَتَمَسَّكُ بِغَيْرِهِ.
والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الخَسْفُ والخُسُوفُ هو دُخُولُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ. يُقالُ: عَيْنٌ خاسِفَةٌ وهي الَّتِي غابَتْ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وعَيْنٌ مِنَ الماءِ خاسِفَةٌ أيْ غائِرَةُ الماءِ، وخَسَفَتِ الشَّمْسُ أيِ احْتَجَبَتْ وكَأنَّها وقَعَتْ تَحْتَ حِجابٍ أوْ دَخَلَتْ في جُحْرٍ. فَقَوْلُهُ:
صفحة ١٠
﴿أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ أيْ يُغَيِّبُكم في جانِبِ البَرِّ وهو الأرْضُ، وإنَّما قالَ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ لِأنَّهُ ذَكَرَ البَحْرَ في الآيَةِ الأُولى فَهو جانِبٌ، والبَرُّ جانِبٌ، أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى أنْ يُغَيِّبَهم في الماءِ فَهو قادِرٌ أيْضًا عَلى أنْ يُغَيِّبَهم في الأرْضِ، فالغَرَقُ تَغْيِيبٌ تَحْتَ الماءِ كَما أنَّ الخَسْفَ تَغْيِيبٌ تَحْتَ التُّرابِ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم كانُوا خائِفِينَ مِن هَوْلِ البَحْرِ، فَلَمّا نَجّاهم مِنهُ آمَنُوا، فَقالَ: هَبْ أنَّكم نَجَوْتُمْ مِن هَوْلِ البَحْرِ فَكَيْفَ أمِنتُمْ مِن هَوْلِ البَرِّ ؟ فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْكم آفاتِ البَرِّ مِن جانِبِ التَّحْتِ أوْ مِن جانِبِ الفَوْقِ، أمّا مِن جانِبِ التَّحْتِ فَبِالخَسْفِ. وأمّا مِن جانِبِ الفَوْقِ فَبِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ فَكَما لا يَتَضَرَّعُونَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ رُكُوبِ البَحْرِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ لا يَتَضَرَّعُوا إلّا إلَيْهِ في كُلِّ الأحْوالِ. ومَعْنى الحَصَبِ في اللُّغَةِ: الرَّمْيُ، يُقالُ: حَصَبْتُ أحْصِبُ حَصْبًا إذا رَمَيْتَ والحَصَبُ المَرْمِيُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُلْقَوْنَ فِيها، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حاصِبًا﴾ أيْ عَذابًا يَحْصِبُهم، أيْ يَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ، ويُقالُ لِلرِّيحِ الَّتِي تَحْمِلُ التُّرابَ والحَصْباءَ حاصِبٌ، والسَّحابُ الَّذِي يَرْمِي بِالثَّلْجِ والبَرَدِ يُسَمّى حاصِبًا لِأنَّهُ يَرْمِي بِهِما رَمْيًا، وقالَ الزَّجّاجُ: الحاصِبُ: التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، والحاصِبُ عَلى هَذا ذُو الحَصْباءِ مِثْلُ اللّابِنِ والتّامِرِ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ يَعْنِي لا تَجِدُوا ناصِرًا يَنْصُرُكم ويَصُونُكم مِن عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ أيْ في البَحْرِ تارَةً أُخْرى وقَوْلُهُ: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ القاصِفُ الكاسِرُ يُقالُ: قَصَفَ الشَّيْءَ يَقْصِفُهُ قَصْفًا إذا كَسَرَهُ بِشِدَّةٍ، والقاصِفُ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي تَكْسِرُ الشَّجَرَ، وأرادَ هَهُنا رِيحًا شَدِيدَةً تَقْصِفُ الفُلْكَ وتُغْرِقُهم وقَوْلُهُ: ﴿فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لا تَجِدُوا مَن يُتْبِعُنا بِإنْكارِ ما نَزَلْ بِكم بِأنْ يَصْرِفَهُ عَنْكم، وتَبِيعٌ بِمَعْنى تابِعٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ألْفاظٍ خَمْسَةٍ: وهي قَوْلِهِ: (أنْ نَخْسِفَ) (أوْ نُرْسِلَ) (أوْ نُعِيدُكم) (فَنُرْسِلَ) (فَنُغْرِقَكم) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو جَمِيعَ هَذِهِ الخَمْسَةِ بِالنُّونِ، والباقُونَ بِالياءِ، فَمَن قَرَأ بِالياءِ فَلِأنَّ ما قَبْلَهُ عَلى الواحِدِ الغائِبِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ (الإسْراءِ: ٦٧) ومَن قَرَأ بِالنُّونِ فَلِأنَّ هَذا البَحْرَ مِنَ الكَلامِ قَدْ يَنْقَطِعُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ وهو سَهْلٌ لِأنَّ المَعْنى واحِدٌ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ جاءَ ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢] فانْتَقَلَ مِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ وكَذَلِكَ هَهُنا يَجُوزُ أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والمَعْنى واحِدٌ والكُلُّ جائِزٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى جَلِيلَةٍ رَفِيعَةٍ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإنْسانِ وهي الأشْياءُ الَّتِي بِها فُضِّلَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أنْواعٍ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ جَوْهَرٌ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّفْسِ، والبَدَنِ، فالنَّفْسُ
صفحة ١١
الإنْسانِيَّةُ أشْرَفُ النُّفُوسِ المَوْجُودَةِ في العالَمِ السُّفْلِيِّ، وبَدَنُهُ أشْرَفُ الأجْسامِ المَوْجُودَةِ في العالَمِ السُّفْلِيِّ. وتَقْرِيرُ هَذِهِ الفَضِيلَةِ في النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ هي أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ قُواها الأصْلِيَّةُ ثَلاثٌ. وهي الِاغْتِذاءُ والنُّمُوُّ والتَّوْلِيدُ، والنَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ لَها قُوَّتانِ الحَساسَةُ سَواءٌ كانَتْ ظاهِرَةً أوْ باطِنَةً، والحَرَكَةُ بِالِاخْتِيارِ، فَهَذِهِ القُوى الخَمْسَةُ أعْنِي الِاغْتِذاءَ والنُّمُوَّ والتَّوْلِيدَ والحِسَّ والحَرَكَةَ حاصِلَةٌ لِلنَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِقُوَّةٍ أُخْرى وهي القُوَّةُ العاقِلَةُ المُدْرِكَةُ لِحَقائِقِ الأشْياءِ كَما هي، وهي الَّتِي يَتَجَلّى فِيها نُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ويُشْرِقُ فِيها ضَوْءُ كِبْرِيائِهِ وهو الَّذِي يَطَّلِعُ عَلى أسْرارِ عالَمَيِ الخَلْقِ والأمْرِ ويُحِيطُ بِأقْسامِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ مِنَ الأرْواحِ والأجْسامِ كَما هي، وهَذِهِ القُوَّةُ مِن تَلْقِيحِ الجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ والأرْواحِ المُجَرَّدَةِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ القُوَّةُ لا نِسْبَةَ لَها في الشَّرَفِ والفَضْلِ إلى تِلْكَ القُوى النَّباتِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ أشَرُفُ النُّفُوسِ المَوْجُودَةِ في هَذا العالَمِ وإنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ فَضائِلَ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ ونُقْصاناتِ القُوى الجِسْمِيَّةِ، فَتَأمَّلَ ما كَتَبْناهُ في هَذا الكِتابِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (النُّورِ: ٣٥) فَإنّا ذَكَرْنا هُناكَ عِشْرِينَ وجْهًا في بَيانِ أنَّ القُوَّةَ العَقْلِيَّةَ أجَلُّ وأعْلى مِنَ القُوَّةِ الجِسْمِيَّةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وأمّا بَيانُ أنَّ البَدَنَ الإنْسانِيَّ أشْرَفُ أجْسامِ هَذا العالَمِ، فالمُفَسِّرُونَ إنَّما ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ هَذا النَّوْعَ مِنَ الفَضائِلِ وذَكَرُوا أشْياءَ:
أحَدُها: رَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَأْكُلُ بِفِيهِ إلّا ابْنَ آدَمَ فَإنَّهُ يَأْكُلُ بِيَدَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ الرَّشِيدَ أُحْضِرَتْ عِنْدَهُ أطْعِمَةٌ فَدَعا بِالمَلاعِقِ وعِنْدَهُ أبُو يُوسُفَ، فَقالَ لَهُ: جاءَ في التَّفْسِيرِ عَنْ جِدِّكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ جَعَلْنا لَهم أصابِعَ يَأْكُلُونَ بِها فَرَدَّ المَلاعِقَ وأكَلَ بِأصابِعِهِ.
وثانِيها: قالَ الضَّحّاكُ: بِالنُّطْقِ والتَّمْيِيزِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ مَن عَرَفَ شَيْئًا فَإمّا أنَّ يَعْجَزَ عَنْ تَعْرِيفِ غَيْرِهِ كَوْنُهُ عارِفًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ أوْ يَقْدِرَ عَلى هَذا التَّعْرِيفِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو حالُ جُمْلَةِ الحَيَواناتِ سِوى الإنْسانِ، فَإنَّهُ إذا حَصَلَ في باطِنِها ألَمٌ أوْ لَذَّةٌ فَإنَّها تَعْجَزُ عَنْ تَعْرِيفِ غَيْرِها تِلْكَ الأحْوالِ تَعْرِيفًا تامًّا وافِيًا.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو الإنْسانُ، فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ تَعْرِيفُ غَيْرِهِ كُلَّ ما عَرَفَهُ ووَقَفَ عَلَيْهِ وأحاطَ بِهِ، فَكَوْنُهُ قادِرًا عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّعْرِيفِ هو المُرادُ بِكَوْنِهِ ناطِقًا، وبِهَذا البَيانِ ظَهَرَ أنَّ الإنْسانَ الأخْرَسَ داخِلٌ في هَذا الوَصْفِ، لِأنَّهُ وإنْ عَجَزَ عَنْ تَعْرِيفِ غَيْرِهِ ما في قَلْبِهِ بِطَرِيقِ اللِّسانِ، فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإشارَةِ وبِطْرِيقِ الكِتابَةِ وغَيْرِهِما، ولا يَدْخُلُ فِيهِ البَبْغاءُ؛ لِأنَّهُ وإنْ قَدَرَ عَلى تَعْرِيفاتٍ قَلِيلَةٍ، فَلا قُدْرَةَ لَهُ عَلى تَعْرِيفِ جَمِيعِ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ.
وثالِثُها: قالَ عَطاءٌ: بِامْتِدادِ القامَةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ غَيْرُ تامٍّ لِأنَّ الأشْجارَ أطْوَلُ مِن قامَةِ الإنْسانِ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ شَرْطٌ، وهو طُولُ القامَةِ مَعَ اسْتِكْمالِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ، والقُوى الحِسِّيَّةِ والحَرَكِيَّةِ.
ورابِعُها: قالَ بَيانٌ: بِحُسْنِ الصُّورَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ (غافِرٍ: ٦٤) لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى خِلْقَةَ الإنْسانِ قالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وقالَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البَقَرَةِ: ١٣٨) وإنْ شِئْتَ فَتَأمَّلَ عُضْوًا واحِدًا مِن أعْضاءِ الإنْسانِ وهو العَيْنُ فَخَلَقَ الحَدَقَةَ سَوْداءَ ثُمَّ أحاطَ بِذَلِكَ السَّوادِ بَياضَ العَيْنِ ثُمَّ أحاطَ بِذَلِكَ البَياضِ سَوادَ الأشْفارِ ثُمَّ أحاطَ بِذَلِكَ السَّوادِ بَياضَ الأجْفانِ ثُمَّ خَلَقَ فَوْقَ بَياضِ
صفحة ١٢
الجَفْنِ سَوادَ الحاجِبَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ فَوْقَ ذَلِكَ السَّوادِ بَياضَ الجَبْهَةِ ثُمَّ خَلَقَ فَوْقَ بَياضِ الجَبْهَةِ سَوادَ الشَّعْرِ، ولْيَكُنْ هَذا المِثالُ الواحِدُ أُنْمُوذَجًا لَكَ في هَذا البابِ.
وخامِسُها: قالَ بَعْضُهم: مِن كَراماتِ الآدَمِيِّ أنْ آتاهُ اللَّهُ الخَطَّ. وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّ العِلْمَ الَّذِي يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى اسْتِنْباطِهِ يَكُونُ قَلِيلًا. أمّا إذا اسْتَنْبَطَ الإنْسانُ عِلْمًا وأوْدَعَهُ في الكِتابِ، وجاءَ الإنْسانُ الثّانِي واسْتَعانَ بِذَلِكَ الكِتابِ وضَمَّ إلَيْهِ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ أشْياءَ أُخْرى ثُمَّ لا يَزالُونَ يَتَعاقَبُونَ، ويَضُمُّ كُلُّ مُتَأخِّرٍ مَباحِثَ كَثِيرَةً إلى عِلْمِ المُتَقَدِّمِينَ كَثُرَتِ العُلُومُ وقَوِيَتِ الفَضائِلُ والمَعارِفُ وانْتَهَتِ المَباحِثُ العَقْلِيَّةُ والمَطالِبُ الشَّرْعِيَّةُ إلى أقْصى الغاياتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا البابَ لا يَتَأتّى إلّا بِواسِطَةِ الخَطِّ والكَتَبَةِ، ولِهَذِهِ الفَضِيلَةِ الكامِلَةِ قالَ تَعالى: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣] .
وسادِسُها: أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ إمّا بَسائِطُ وإمّا مُرَكَّباتٌ، أمّا البَسائِطُ فَهي الأرْضُ والماءُ والهَواءُ والنّارُ. والإنْسانُ يَنْتَفِعُ بِكُلِّ هَذِهِ الأرْبَعِ، أمّا الأرْضُ فَهي لَنا كالأُمِّ الحاضِنَةِ. قالَ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ (طه: ٥٥) وقَدْ سَمّاها اللَّهُ تَعالى بِأسْماءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، وهي الفِراشُ والمَهْدُ، والمِهادُ، وأمّا الماءُ فانْتِفاعُنا بِهِ في الشُّرْبِ والزِّراعَةِ والحِراثَةِ ظاهِرٌ، وأيْضًا سَخَّرَ البَحْرَ لِنَأْكُلَ مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا، ونَسْتَخْرِجَ مِنهُ حِلْيَةً نَلْبَسُها ونَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ، وأمّا الهَواءُ فَهو مادَّةُ حَياتِنا، ولَوْلا هُبُوبُ الرِّياحِ لاسْتَوْلى النَّتَنُ عَلى هَذِهِ المَعْمُورَةِ، وأمّا النّارُ فَبِها طَبْخُ الأغْذِيَةِ والأشْرِبَةِ ونُضْجُها، وهي قائِمَةٌ مَقامَ الشَّمْسِ والقَمَرِ في اللَّيالِي المُظْلِمَةِ، وهي الدّافِعَةُ لِضَرَرِ البَرْدِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
ومَن يُرِدْ في الشِّتاءِ فاكِهَةً فَإنَّ نارَ الشِّتاءِ فاكِهَتُهُ
وأمّا المُرَكَّباتُ فَهي إمّا الآثارُ العُلْوِيَّةُ، وإمّا المَعادِنُ والنَّباتُ، وأمّا الحَيَوانُ والإنْسانُ كالمُسْتَوْلِي عَلى هَذِهِ الأقْسامِ والمُنْتَفِعِ بِها والمُسْتَسْخِرِ لِكُلِّ أقْسامِها فَهَذا العالَمُ بِأسْرِهِ جارٍ مَجْرى قَرْيَةٍ مَعْمُورَةٍ أوْ خانٍ مُعَدٍّ، وجَمِيعُ مَنافِعِها ومَصالِحِها مَصْرُوفَةٌ إلى الإنْسانِ فِيهِ كالرَّئِيسِ المَخْدُومِ والمَلِكِ المُطاعِ، وسائِرُ الحَيَواناتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كالعَبِيدِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَخْصُوصًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِمَزِيدِ التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
وسابِعُها: أنَّ المَخْلُوقاتِ تَنْقَسِمُ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: إلى ما حَصَلَتْ لَهُ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ الحِكَمِيَّةُ ولَمْ تَحْصُلْ لَهُ القُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ وهُمُ المَلائِكَةُ، وإلى ما يَكُونُ بِالعَكْسِ وهُمُ البَهائِمُ، وإلى ما خَلا عَنِ القِسْمَيْنِ وهو النَّباتُ والجَماداتُ، وإلى ما حَصَلَ النَّوْعانِ فِيهِ وهو الإنْسانُ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ لِكَوْنِهِ مُسْتَجْمِعًا لِلْقُوَّةِ العَقْلِيَّةِ القُدْسِيَّةِ المَحْضَةِ، ولِلْقُوى الشَّهْوانِيَّةِ البَهِيمِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ والسَّبُعِيَّةِ يَكُونُ أفْضَلَ مِنَ البَهِيمِيَّةِ ومِنَ السَّبُعِيَّةِ، ولا شَكَّ أيْضًا أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الأجْسامِ الخالِيَةِ عَنِ القُوَّتَيْنِ مِثْلَ النَّباتِ والمَعادِنِ والجَماداتِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَ الإنْسانَ عَلى أكْثَرِ أقْسامِ المَخْلُوقاتِ. بَقِيَ هَهُنا بَحْثٌ في أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ أمِ البَشَرَ ؟ والمَعْنى أنَّ الجَوْهَرَ البَسِيطَ المَوْصُوفَ بِالقُوَّةِ العَقْلِيَّةِ القُدْسِيَّةِ المَحْضَةِ أفْضَلُ أمِ البَشَرَ المُسْتَجْمِعَ لِهاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ ؟ وذَلِكَ بَحْثٌ آخَرُ.
وثامِنُها: المَوْجُودُ إمّا أنْ يَكُونَ أزَلِيًّا وأبَدِيًّا مَعًا وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإمّا أنْ يَكُونَ لا أزَلِيًّا ولا أبَدِيًّا وهو عالَمُ الدُّنْيا مَعَ كُلِّ ما فِيهِ مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وهَذا أخَسُّ الأقْسامِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أزَلِيًّا لا أبَدِيًّا وهو المُمْتَنِعُ الوُجُودِ لِأنَّ ما ثَبَتَ قِدَمُهُ امْتَنَعَ عَدَمُهُ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ أزَلِيًّا ولَكِنَّهُ يَكُونُ أبَدِيًّا، وهو الإنْسانُ والمَلَكُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القِسْمَ أشْرَفُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي والثّالِثِ وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الإنْسانِ أشْرَفَ مِن أكْثَرِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى.
وتاسِعُها: العالَمُ العِلْوِيُّ أشْرَفُ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ، ورُوحُ
صفحة ١٣
الإنْسانِ مِن جِنْسِ الأرْواحِ العُلْوِيَّةِ والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ فَلَيْسَ في مَوْجُوداتِ العالَمِ السُّفْلِيِّ شَيْءٌ حَصَلَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ إلّا الإنْسانَ فَوَجَبَ كَوْنُ الإنْسانِ أشْرَفَ مَوْجُوداتِ العالَمِ السُّفْلِيِّ.
وعاشِرُها: أشْرَفُ المَوْجُوداتِ هو اللَّهُ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَوْجُودٍ كانَ قُرْبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أتَمَّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ، لَكِنَّ أقْرَبَ مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ مِنَ اللَّهِ هو الإنْسانُ بِسَبَبِ أنَّ قَلْبَهُ مُسْتَنِيرٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولِسانَهُ مُشَرَّفٌ بِذِكْرِ اللَّهِ وجَوارِحَهُ وأعْضاؤَهُ مُكَرَّمَةٌ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ الجَزْمُ بِأنَّ أشْرَفَ مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ هو الإنْسانُ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَوْجُودٌ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ لِلْإنْسانِ مِنَ المَراتِبِ العالِيَةِ والصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ فَهي إنَّما حَصَلَتْ بِإحْسانِ اللَّهِ تَعالى وإنْعامِهِ فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ ومِن تَمامِ كَرامَتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى أنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَهُ في أوَّلِ الأمْرِ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ أكْرَمُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ (العَلَقِ: ١) ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّكْرِيمِ عِنْدَ تَرْبِيَتِهِ لِلْإنْسانِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالكَرَمِ في آخِرِ أحْوالِ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ (الِانْفِطارِ: ٦) وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا نِهايَةَ لِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى ولِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ مَعَ الإنْسانِ واللَّهُ أعْلَمُ.
والوَجْهُ الحادِي عَشَرَ: قالَ بَعْضُهم: هَذا التَّكْرِيمُ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وخَلَقَ غَيْرَهُ بِطَرِيقِ كُنْ فَيَكُونُ. ومَن كانَ مَخْلُوقًا بِيَدِ اللَّهِ كانَتِ العِنايَةُ بِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ، وكانَ أكْرَمَ وأكْمَلَ ولَمّا جَعَلَنا مِن أوْلادِهِ وجَبَ كَوْنُ بَنِي آدَمَ أكْرَمَ وأكْمَلَ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ المَدائِحِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في البَرِّ عَلى الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والإبِلِ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ، وهَذا أيْضًا مِن مُؤَكِّداتِ التَّكْرِيمِ المَذْكُورِ أوَّلًا، لِأنَّهُ تَعالى سَخَّرَ هَذِهِ الدَّوابَّ لَهُ حَتّى يَرْكَبَها ويَحْمِلَ عَلَيْها ويَغْزُوَ ويُقاتِلَ ويَذُبَّ عَنْ نَفْسِهِ، وكَذَلِكَ تَسْخِيرُ اللَّهِ تَعالى المِياهَ والسُّفُنَ وغَيْرَها لِيَرْكَبَها ويَنْقِلَ عَلَيْها ويَتَكَسَّبَ بِها مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ ابْنُ آدَمَ، كُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ في هَذا العالَمِ كالرَّئِيسِ المَتْبُوعِ والمَلِكِ المُطاعِ، وكُلُّ ما سِواهُ فَهو رَعِيَّتُهُ وتَبَعٌ لَهُ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ المَدائِحِ قَوْلُهُ: ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الأغْذِيَةَ إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، وكِلا القِسْمَيْنِ إنَّما يَتَغَذّى الإنْسانُ مِنهُ بِألْطَفِ أنْواعِها وأشْرَفِ أقْسامِها بَعْدَ التَّنْقِيَةِ التّامَّةِ والطَّبْخِ الكامِلِ والنُّضْجِ البالِغِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَحْصُلُ إلّا لِلْإنْسانِ.
النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ وقالَ في آخِرِها: ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ ولا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ هَذا التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ وإلّا لَزِمَ التَّكْرارُ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى فَضَّلَ الإنْسانَ عَلى سائِرِ الحَيَواناتِ بِأُمُورٍ خَلْقِيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ ذاتِيَّةٍ مِثْلَ العَقْلِ والنُّطْقِ والخَطِّ والصُّورَةِ الحَسَنَةِ والقامَةِ المَدِيدَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَرَضَهُ بِواسِطَةِ ذَلِكَ العَقْلِ والفَهْمِ لِاكْتِسابِ العَقائِدِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، فالأوَّلُ هو التَّكْرِيمُ والثّانِي هو التَّفْضِيلُ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: وفَضَّلْناهم عَلى الكُلِّ بَلْ قالَ:
صفحة ١٤
﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ لا يَكُونُ الإنْسانُ مُفَضَّلًا عَلَيْهِ، وكُلُّ مَن أثْبَتَ هَذا القِسْمَ قالَ: إنَّهُ هو المَلائِكَةُ، فَلَزِمَ القَوْلُ بِأنَّ الإنْسانَ لَيْسَ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ بَلِ المَلَكُ أفْضَلُ مِنَ الإنْسانِ، وهَذا القَوْلُ مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ الزَّجّاجِ عَلى ما رَواهُ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مُشْتَمِلٌ عَلى بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةُ ؟ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ المَسْألَةِ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (البَقَرَةِ: ٣٤) .
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ عَوامَّ المَلائِكَةِ وعَوامَّ المُؤْمِنِينَ أيُّهُما أفْضَلُ ؟ مِنهم مَن قالَ بِتَفْضِيلِ المُؤْمِنِينَ عَلى المَلائِكَةِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: قالَتِ المَلائِكَةُ رَبَّنا إنَّكَ أعْطَيْتَ بَنِي آدَمَ الدُّنْيا يَأْكُلُونَ فِيها ويَتَنَعَّمُونَ ولَمْ تُعْطِنا ذَلِكَ فَأعْطِنا ذاكَ في الآخِرَةِ، فَقالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لا أجْعَلُ ذَرِّيَّةَ مَن خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَن قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكانَ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ، هَكَذا أوْرَدَهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ فَقَدْ عَوَّلُوا عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهو في الحَقِيقَةِ تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الخِطابِ لِأنَّ تَقْرِيرَ الدَّلِيلِ أنْ يُقالَ: إنَّ تَخْصِيصَ الكَثِيرِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحالَ في القَلِيلِ بِالضِّدِّ، وذَلِكَ تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الخِطابِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْواعَ كَراماتِ الإنْسانِ في الدُّنْيا ذَكَرَ أحْوالَ دَرَجاتِهِ في الآخِرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وفِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ يَدْعُوا بِالياءِ والنُّونِ ويُدْعى كُلُّ أُناسٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ يَدْعُو كُلُّ أُناسٍ، قالَ الفَرّاءُ وأهْلُ العَرَبِيَّةِ لا يَعْرِفُونَ وجْهًا لِهَذِهِ القِراءَةِ المَنقُولَةِ عَنِ الحَسَنِ ولَعَلَّهُ قَرَأ يُدْعى بِفَتْحَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالضَّمِّ فَظَنَّ الرّاوِي أنَّهُ قَرَأ يَدْعُو.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ يَوْمَ نَدْعُوا نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ وفَضَّلْناهم لِأنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ فَيُقالُ: المُرادُ ونُفَضِّلُهم بِما نُعْطِيهِمْ مِنَ الكَرامَةِ والثَّوابِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِإمامِهِمْ﴾ الإمامُ في اللُّغَةِ كُلُّ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ قَوْمٌ كانُوا عَلى هُدًى أوْ ضَلالَةٍ فالنَّبِيُّ إمامُ أُمَّتِهِ، والخَلِيفَةُ إمامُ رَعِيَّتِهِ، والقُرْآنُ إمامُ المُسْلِمِينَ وإمامُ القَوْمِ هو الَّذِي يُقْتَدى بِهِ في الصَّلاةِ وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الإمامِ هَهُنا أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إمامُهم نَبِيُّهم رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ
صفحة ١٥
النَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يُنادى يَوْمَ القِيامَةِ يا أمَةَ إبْراهِيمَ يا أمَةَ مُوسى يا أمَةَ عِيسى يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ فَيَقُومُ أهْلُ الحَقِّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الأنْبِياءَ فَيَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ ثُمَّ يُنادى يا أتْباعَ فِرْعَوْنَ يا أتْباعَ نَمْرُودَ يا أتْباعَ فُلانٍ وفُلانٍ مِن رُؤَساءِ الضَّلالِ وأكابِرِ الكُفْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالباءُ في قَوْلِهِ بِإمامِهِمْ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ يَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ تَبَعًا وشِيعَةً لِأمامِهِمْ كَما تَقُولُ أدْعُوكَ بِاسْمِكَ.
والثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وذَلِكَ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ يَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ مُخْتَلِطِينَ بِإمامِهِمْ أيْ يُدْعَوْنَ وإمامُهم فِيهِمْ نَحْوَ رَكْبٍ بِجُنُودِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ: بِإمامِهِمْ أيْ بِكِتابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُنادى في القِيامَةِ يا أهْلَ القُرْآنِ يا أهْلَ التَّوْراةِ يا أهْلَ الإنْجِيلِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ بِكِتابِهِمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهم وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ وأبِي العالِيَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا الكِتابَ يُسَمّى إمامًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ (يس: ١٢) فَسَمّى اللَّهُ تَعالى هَذا الكِتابَ إمامًا، وتَقْدِيرُ الباءِ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى مَعَ، أيْ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ ومَعَهم كِتابُهم كَقَوْلِكَ ادْفَعْهُ إلَيْهِ بِرُمَّتِهِ أيْ ومَعَهُ رُمَّتُهُ.
القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الإمامَ جَمْعُ أُمٍّ، وأنَّ النّاسَ يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ وأنَّ الحِكْمَةَ في الدُّعاءِ بِالأُمَّهاتِ دُونَ الآباءِ رِعايَةُ حَقِّ عِيسى وإظْهارُ شَرَفِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ وأنْ لا يَفْتَضِحَ أوْلادُ الزِّنا ثُمَّ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ولَيْتَ شِعْرِي أيُّهُما أبْدَعُ أصِحَّةُ لَفْظِهِ أمْ بَيانُ حِكْمَتِهِ !
والقَوْلُ الخامِسُ: أقُولُ في اللَّفْظِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّ أنْواعَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والفاسِدَةِ كَثِيرَةٌ والمُسْتَوْلِي عَلى كُلِّ إنْسانٍ نَوْعٌ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ فَمِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الغَضَبَ ومِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ شَهْوَةَ النُّقُودِ أوْ شَهْوَةَ الضِّياعِ ومِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الحِقْدَ والحَسَدَ وفي جانِبِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ مِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ العِفَّةَ أوِ الشَّجاعَةَ أوِ الكَرَمَ أوْ طَلَبَ العِلْمِ والزُّهْدَ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدّاعِي إلى الأفْعالِ الظّاهِرَةِ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ الباطِنَةِ فَذَلِكَ الخُلُقُ الباطِنُ كالإمامِ لَهُ والمَلِكِ المُطاعِ والرَّئِيسِ المَتْبُوعِ فَيَوْمَ القِيامَةِ إنَّما يَظْهَرُ الثَّوابُ والعِقابُ بِناءً عَلى الأفْعالِ النّاشِئَةِ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ فَهَذا الِاحْتِمالُ خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ إنَّما قالَ أُولَئِكَ لِأنَّ مَن أُوتِيَ في مَعْنى الجَمْعِ، والفَتِيلُ القِشْرَةُ الَّتِي في شَقِّ النَّواةِ وسُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهُ إذا أرادَ الإنْسانُ اسْتِخْراجَهُ انْفَتَلَ وهَذا يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْءِ الحَقِيرِ التّافِهِ ومِثْلُهُ القِطْمِيرُ والنَّقِيرُ في ضَرْبِ المَثَلِ بِهِ والمَعْنى لا يَنْقُصُونَ مِنَ الثَّوابِ بِمِقْدارِ فَتِيلٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ (طه: ١١٢) ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الفَتِيلُ هو الوَسَخُ الَّذِي يَظْهَرُ بِفَتْلِ الإنْسانِ إبْهامَهُ بِسَبّابَتِهِ وهو فَعِيلٌ مِنَ الفَتْلِ بِمَعْنى مَفْتُولٌ فَإنْ قِيلَ لِمَ خَصَّ أصْحابَ اليَمِينِ بِقِراءَةِ كِتابِهِمْ مَعَ أنَّ أصْحابَ الشِّمالِ يَقْرَءُونَهُ أيْضًا، قُلْنا الفَرْقُ أنَّ أصْحابَ الشِّمالِ إذا طالَعُوا كِتابَهم وجَدُوهُ مُشْتَمِلًا عَلى المُهْلِكاتِ العَظِيمَةِ والقَبائِحِ الكامِلَةِ والمَخازِي الشَّدِيدَةِ، فَيَسْتَوْلِي الخَوْفُ والدَّهْشَةُ عَلى قُلُوبِهِمْ ويَثْقُلُ لِسانُهم فَيَعْجِزُوا عَنِ القِراءَةِ، وأمّا أصْحابُ اليَمِينِ فَأمْرُهم عَلى عَكْسِ ذَلِكَ لا جَرَمَ أنَّهم يَقْرَءُونَ كِتابَهم عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وأثْبَتِها، ثُمَّ لا يَكْتَفُونَ بِقِراءَتِهِمْ وحْدَهم بَلْ يَقُولُ القارِئُ لِأهْلِ الحَشْرِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ (الحّاقَّةِ: ١٩) فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ونَصْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى بِالإمالَةِ
صفحة ١٦
والكَسْرِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى بِالفَتْحِ، وقَرَأ بِالفَتْحِ والتَّفْخِيمِ فِيهِما ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في رِوايَةٍ بِالإمالَةِ فِيهِما، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الوَجْهُ في تَصْحِيحِ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو أنَّ المُرادَ بِالأعْمى في الكَلِمَةِ الأُولى كَوْنُهُ في نَفْسِهِ أعْمى وبِهَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الكَلِمَةُ تامَّةً فَتَقْبَلُ الإمالَةَ، وأمّا في الكَلِمَةِ الثّانِيَةِ فالمُرادُ مِنَ الأعْمى أفْعَلُ التَّفْضِيلِ فَكانَتْ بِمَعْنى ”أفْعَلُ مِن“، وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ لَفْظَةُ أعْمى تامَّةً فَلَمْ تَقْبَلِ الإمالَةَ، والحاصِلُ أنَّ إدْخالَ الإمالَةِ في الأُولى دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ وتَرْكُها في الثّانِيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ عَمى البَصَرِ بَلِ المُرادُ مِنهُ عَمى القَلْبِ، أمّا قَوْلُهُ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ أيْضًا عَمى القَلْبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ عِكْرِمَةُ: جاءَ نَفَرٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَسَألَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: اقْرَأْ ما قَبْلَها فَقَرَأ ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿تَفْضِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن كانَ أعْمى في هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي قَدْ رَأى وعايَنَ فَهو في أمْرِ الآخِرَةِ الَّتِي لَمْ يَرَ ولَمْ يُعايِنْ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ في هَذِهِ إشارَةٌ إلى النِّعَمِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وثانِيًا: رَوى أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَمّا يُرى مِن قُدْرَتِي في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والبِحارِ والجِبالِ والنّاسِ والدَّوابِّ فَهو عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا وأبْعَدُ عَنْ تَحْصِيلِ العِلْمِ بِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ: فَمَن كانَ في هَذِهِ إشارَةٌ إلى الدُّنْيا، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فالمُرادُ مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ النِّعَمِ والدَّلائِلِ فَبِأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ أعْمى القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ أحْوالِ الآخِرَةِ أوْلى، فالعَمى في المَرَّتَيْنِ حَصَلَ في الدُّنْيا.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: مَن كانَ في الدُّنْيا ضالًّا كافِرًا فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا؛ لِأنَّهُ في الدُّنْيا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وفي الآخِرَةِ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وفي الدُّنْيا يَهْتَدِي إلى التَّخَلُّصِ مِن أبْوابِ الآفاتِ وفي الآخِرَةِ لا يَهْتَدِي إلى ذَلِكَ البَتَّةَ.
ورابِعُها: أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ العَمى الثّانِي عَلى الجَهْلِ بِاللَّهِ لِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ يَعْرِفُونَ اللَّهَ بِالضَّرُورَةِ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ العَمى عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ أيْ: ومَن كانَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ.
وخامِسُها: أنَّ الَّذِينَ حَصَلَ لَهم عَمى القَلْبِ في الدُّنْيا إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ الحالَةُ لَهم لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلى تَحْصِيلِ الدُّنْيا وابْتِهاجِهِمْ بِلَذّاتِها وطَيِّباتِها فَهَذِهِ الرَّغْبَةُ تَزْدادُ في الآخِرَةِ وتَعْظُمُ هُناكَ حَسْرَتُها عَلى فَواتِ الدُّنْيا ولَيْسَ مَعَهم شَيْءٌ مِن أنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَبْقَوْنَ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ وحَسْرَةٍ عَظِيمَةٍ، فَذاكَ هو المُرادُ مِنَ العَمى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ يُحْمَلَ العَمى الثّانِي عَلى عَمى العَيْنِ والبَصَرِ فَمَن كانَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ حُشِرَ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى العَيْنِ والبَصَرِ كَما قالَ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ (طه: ١٢٤) وقالَ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] وهَذا العَمى زِيادَةٌ في عُقُوبَتِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْواعَ كَراماتِ الإنْسانِ في الدُّنْيا ذَكَرَ أحْوالَ دَرَجاتِهِ في الآخِرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وفِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ يَدْعُوا بِالياءِ والنُّونِ ويُدْعى كُلُّ أُناسٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ يَدْعُو كُلُّ أُناسٍ، قالَ الفَرّاءُ وأهْلُ العَرَبِيَّةِ لا يَعْرِفُونَ وجْهًا لِهَذِهِ القِراءَةِ المَنقُولَةِ عَنِ الحَسَنِ ولَعَلَّهُ قَرَأ يُدْعى بِفَتْحَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالضَّمِّ فَظَنَّ الرّاوِي أنَّهُ قَرَأ يَدْعُو.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ يَوْمَ نَدْعُوا نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ وفَضَّلْناهم لِأنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ فَيُقالُ: المُرادُ ونُفَضِّلُهم بِما نُعْطِيهِمْ مِنَ الكَرامَةِ والثَّوابِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِإمامِهِمْ﴾ الإمامُ في اللُّغَةِ كُلُّ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ قَوْمٌ كانُوا عَلى هُدًى أوْ ضَلالَةٍ فالنَّبِيُّ إمامُ أُمَّتِهِ، والخَلِيفَةُ إمامُ رَعِيَّتِهِ، والقُرْآنُ إمامُ المُسْلِمِينَ وإمامُ القَوْمِ هو الَّذِي يُقْتَدى بِهِ في الصَّلاةِ وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الإمامِ هَهُنا أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إمامُهم نَبِيُّهم رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ
صفحة ١٥
النَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يُنادى يَوْمَ القِيامَةِ يا أمَةَ إبْراهِيمَ يا أمَةَ مُوسى يا أمَةَ عِيسى يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ فَيَقُومُ أهْلُ الحَقِّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الأنْبِياءَ فَيَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ ثُمَّ يُنادى يا أتْباعَ فِرْعَوْنَ يا أتْباعَ نَمْرُودَ يا أتْباعَ فُلانٍ وفُلانٍ مِن رُؤَساءِ الضَّلالِ وأكابِرِ الكُفْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالباءُ في قَوْلِهِ بِإمامِهِمْ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ يَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ تَبَعًا وشِيعَةً لِأمامِهِمْ كَما تَقُولُ أدْعُوكَ بِاسْمِكَ.
والثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وذَلِكَ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ يَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ مُخْتَلِطِينَ بِإمامِهِمْ أيْ يُدْعَوْنَ وإمامُهم فِيهِمْ نَحْوَ رَكْبٍ بِجُنُودِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ: بِإمامِهِمْ أيْ بِكِتابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُنادى في القِيامَةِ يا أهْلَ القُرْآنِ يا أهْلَ التَّوْراةِ يا أهْلَ الإنْجِيلِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ بِكِتابِهِمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهم وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ وأبِي العالِيَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا الكِتابَ يُسَمّى إمامًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ (يس: ١٢) فَسَمّى اللَّهُ تَعالى هَذا الكِتابَ إمامًا، وتَقْدِيرُ الباءِ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى مَعَ، أيْ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ ومَعَهم كِتابُهم كَقَوْلِكَ ادْفَعْهُ إلَيْهِ بِرُمَّتِهِ أيْ ومَعَهُ رُمَّتُهُ.
القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الإمامَ جَمْعُ أُمٍّ، وأنَّ النّاسَ يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ وأنَّ الحِكْمَةَ في الدُّعاءِ بِالأُمَّهاتِ دُونَ الآباءِ رِعايَةُ حَقِّ عِيسى وإظْهارُ شَرَفِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ وأنْ لا يَفْتَضِحَ أوْلادُ الزِّنا ثُمَّ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ولَيْتَ شِعْرِي أيُّهُما أبْدَعُ أصِحَّةُ لَفْظِهِ أمْ بَيانُ حِكْمَتِهِ !
والقَوْلُ الخامِسُ: أقُولُ في اللَّفْظِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّ أنْواعَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والفاسِدَةِ كَثِيرَةٌ والمُسْتَوْلِي عَلى كُلِّ إنْسانٍ نَوْعٌ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ فَمِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الغَضَبَ ومِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ شَهْوَةَ النُّقُودِ أوْ شَهْوَةَ الضِّياعِ ومِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الحِقْدَ والحَسَدَ وفي جانِبِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ مِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ العِفَّةَ أوِ الشَّجاعَةَ أوِ الكَرَمَ أوْ طَلَبَ العِلْمِ والزُّهْدَ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدّاعِي إلى الأفْعالِ الظّاهِرَةِ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ الباطِنَةِ فَذَلِكَ الخُلُقُ الباطِنُ كالإمامِ لَهُ والمَلِكِ المُطاعِ والرَّئِيسِ المَتْبُوعِ فَيَوْمَ القِيامَةِ إنَّما يَظْهَرُ الثَّوابُ والعِقابُ بِناءً عَلى الأفْعالِ النّاشِئَةِ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ فَهَذا الِاحْتِمالُ خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ إنَّما قالَ أُولَئِكَ لِأنَّ مَن أُوتِيَ في مَعْنى الجَمْعِ، والفَتِيلُ القِشْرَةُ الَّتِي في شَقِّ النَّواةِ وسُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهُ إذا أرادَ الإنْسانُ اسْتِخْراجَهُ انْفَتَلَ وهَذا يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْءِ الحَقِيرِ التّافِهِ ومِثْلُهُ القِطْمِيرُ والنَّقِيرُ في ضَرْبِ المَثَلِ بِهِ والمَعْنى لا يَنْقُصُونَ مِنَ الثَّوابِ بِمِقْدارِ فَتِيلٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ (طه: ١١٢) ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الفَتِيلُ هو الوَسَخُ الَّذِي يَظْهَرُ بِفَتْلِ الإنْسانِ إبْهامَهُ بِسَبّابَتِهِ وهو فَعِيلٌ مِنَ الفَتْلِ بِمَعْنى مَفْتُولٌ فَإنْ قِيلَ لِمَ خَصَّ أصْحابَ اليَمِينِ بِقِراءَةِ كِتابِهِمْ مَعَ أنَّ أصْحابَ الشِّمالِ يَقْرَءُونَهُ أيْضًا، قُلْنا الفَرْقُ أنَّ أصْحابَ الشِّمالِ إذا طالَعُوا كِتابَهم وجَدُوهُ مُشْتَمِلًا عَلى المُهْلِكاتِ العَظِيمَةِ والقَبائِحِ الكامِلَةِ والمَخازِي الشَّدِيدَةِ، فَيَسْتَوْلِي الخَوْفُ والدَّهْشَةُ عَلى قُلُوبِهِمْ ويَثْقُلُ لِسانُهم فَيَعْجِزُوا عَنِ القِراءَةِ، وأمّا أصْحابُ اليَمِينِ فَأمْرُهم عَلى عَكْسِ ذَلِكَ لا جَرَمَ أنَّهم يَقْرَءُونَ كِتابَهم عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وأثْبَتِها، ثُمَّ لا يَكْتَفُونَ بِقِراءَتِهِمْ وحْدَهم بَلْ يَقُولُ القارِئُ لِأهْلِ الحَشْرِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ (الحّاقَّةِ: ١٩) فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ونَصْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى بِالإمالَةِ
صفحة ١٦
والكَسْرِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى بِالفَتْحِ، وقَرَأ بِالفَتْحِ والتَّفْخِيمِ فِيهِما ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في رِوايَةٍ بِالإمالَةِ فِيهِما، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الوَجْهُ في تَصْحِيحِ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو أنَّ المُرادَ بِالأعْمى في الكَلِمَةِ الأُولى كَوْنُهُ في نَفْسِهِ أعْمى وبِهَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الكَلِمَةُ تامَّةً فَتَقْبَلُ الإمالَةَ، وأمّا في الكَلِمَةِ الثّانِيَةِ فالمُرادُ مِنَ الأعْمى أفْعَلُ التَّفْضِيلِ فَكانَتْ بِمَعْنى ”أفْعَلُ مِن“، وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ لَفْظَةُ أعْمى تامَّةً فَلَمْ تَقْبَلِ الإمالَةَ، والحاصِلُ أنَّ إدْخالَ الإمالَةِ في الأُولى دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ وتَرْكُها في الثّانِيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ عَمى البَصَرِ بَلِ المُرادُ مِنهُ عَمى القَلْبِ، أمّا قَوْلُهُ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ أيْضًا عَمى القَلْبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ عِكْرِمَةُ: جاءَ نَفَرٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَسَألَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: اقْرَأْ ما قَبْلَها فَقَرَأ ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿تَفْضِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن كانَ أعْمى في هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي قَدْ رَأى وعايَنَ فَهو في أمْرِ الآخِرَةِ الَّتِي لَمْ يَرَ ولَمْ يُعايِنْ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ في هَذِهِ إشارَةٌ إلى النِّعَمِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وثانِيًا: رَوى أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَمّا يُرى مِن قُدْرَتِي في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والبِحارِ والجِبالِ والنّاسِ والدَّوابِّ فَهو عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا وأبْعَدُ عَنْ تَحْصِيلِ العِلْمِ بِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ: فَمَن كانَ في هَذِهِ إشارَةٌ إلى الدُّنْيا، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فالمُرادُ مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ النِّعَمِ والدَّلائِلِ فَبِأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ أعْمى القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ أحْوالِ الآخِرَةِ أوْلى، فالعَمى في المَرَّتَيْنِ حَصَلَ في الدُّنْيا.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: مَن كانَ في الدُّنْيا ضالًّا كافِرًا فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا؛ لِأنَّهُ في الدُّنْيا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وفي الآخِرَةِ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وفي الدُّنْيا يَهْتَدِي إلى التَّخَلُّصِ مِن أبْوابِ الآفاتِ وفي الآخِرَةِ لا يَهْتَدِي إلى ذَلِكَ البَتَّةَ.
ورابِعُها: أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ العَمى الثّانِي عَلى الجَهْلِ بِاللَّهِ لِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ يَعْرِفُونَ اللَّهَ بِالضَّرُورَةِ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ العَمى عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ أيْ: ومَن كانَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ.
وخامِسُها: أنَّ الَّذِينَ حَصَلَ لَهم عَمى القَلْبِ في الدُّنْيا إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ الحالَةُ لَهم لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلى تَحْصِيلِ الدُّنْيا وابْتِهاجِهِمْ بِلَذّاتِها وطَيِّباتِها فَهَذِهِ الرَّغْبَةُ تَزْدادُ في الآخِرَةِ وتَعْظُمُ هُناكَ حَسْرَتُها عَلى فَواتِ الدُّنْيا ولَيْسَ مَعَهم شَيْءٌ مِن أنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَبْقَوْنَ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ وحَسْرَةٍ عَظِيمَةٍ، فَذاكَ هو المُرادُ مِنَ العَمى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ يُحْمَلَ العَمى الثّانِي عَلى عَمى العَيْنِ والبَصَرِ فَمَن كانَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ حُشِرَ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى العَيْنِ والبَصَرِ كَما قالَ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ (طه: ١٢٤) وقالَ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] وهَذا العَمى زِيادَةٌ في عُقُوبَتِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أقْسامَ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ وأتْبَعَها بِذِكْرِ دَرَجاتِ الخَلْقِ في الآخِرَةِ وشَرَحَ أحْوالَ السُّعَداءِ أرْدَفَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى تَحْذِيرِ السُّعَداءِ مِنَ الِاغْتِرارِ بِوَساوِسِ أرْبابِ الضَّلالِ والِانْخِداعِ بِكَلامِهِمُ المُشْتَمِلِ عَلى المَكْرِ والتَّلْبِيسِ فَقالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في «وفْدِ ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ شَطَطًا، وقالُوا: مَتِّعْنا بِاللّاتِ سَنَةً وحَرِّمْ وادِينا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ شَجَرَها وطَيْرَها ووَحْشَها فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُجِبْهم فَكَرَّرُوا ذَلِكَ الِالتِماسَ، وقالُوا إنّا نُحِبُّ أنْ تَعْرِفَ العَرَبُ فَضْلَنا عَلَيْهِمْ، فَإنْ كَرِهْتَ ما نَقُولُ وخَشِيتَ أنْ تَقُولَ العَرَبُ أعْطَيْتَهم ما لَمْ تُعْطِنا، فَقُلِ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ، فَأمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهم وداخَلَهُمُ الطَّمَعُ، فَصاحَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ وقالَ: أما تَرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أمْسَكَ عَنِ الكَلامِ كَراهِيَةً لَمّا تَذْكُرُونَهُ» ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهم «جاءُوا بِكاتِبِهِمْ فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذا كِتابٌ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى ثَقِيفٍ لا يُعَشَّرُونَ ولا يُحْشَرُونَ، فَقالُوا: ولا يُجْبَوْنَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالُوا لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ ولا يُجْبَوْنَ والكاتِبُ يَنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وسَلَّ سَيْفَهُ، وقالَ: أسْعَرْتُمْ قَلْبَ نَبِيِّنا يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أسْعَرَ اللَّهُ قُلُوبَكم نارًا. فَقالُوا لَسْنا نُكَلِّمُكَ إنَّما نُكَلِّمُ مُحَمَّدًا»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ إنَّما وقَعَتْ بِالمَدِينَةِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا إنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ. ورُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لَهُ: اجْعَلْ آيَةَ رَحْمَةٍ آيَةَ عَذابٍ وآيَةَ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ حَتّى نُؤْمِنَ بِكَ» . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ: «الكُفّارُ أخَذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ فَقالُوا: كُفَّ يا مُحَمَّدُ عَنْ ذَمِّ آلِهَتِنا وشَتْمِها فَلَوْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا كانَ فُلانٌ وفُلانٌ بِهَذا الأمْرِ أحَقَّ مِنكَ فَوَقَعَ في قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ يَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ»، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ فَتَمْنَعُهُ قُرَيْشٌ ويَقُولُونَ لا نَدَعُكَ حَتّى تَسْتَلِمَ آلِهَتَنا فَوَقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ كَراهِيَةٍ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ مَعْنى الكَلامِ كادُوا يَفْتِنُونَكَ، ودَخَلَتْ إنَّ واللّامُ لِلتَّأْكِيدِ، وإنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ
صفحة ١٨
الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والمَعْنى: إنَّ الشَّأْنَ (أنَّهم) قارَبُوا أنْ يَفْتِنُوكَ أيْ: يَخْدَعُوكَ، فاتِنِينَ [ و] أصْلُ الفِتْنَةِ: الِاخْتِبارُ يُقالُ فَتَنَ الصّائِغُ الذَّهَبَ إذا أدْخَلَهُ النّارَ وأذابَهُ لِتَمْيِيزِ جِيدِهِ مِن رَدِيئِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلُوهُ في كُلِّ مَن أزالَ الشَّيْءَ عَنْ حَدِّهِ وجِهَتِهِ فَقالُوا فَتَنَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: يُزِيُلُونَكَ ويَصْرِفُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ يَعْنِي القُرْآنَ، والمَعْنى: عَنْ حُكْمِهِ وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوهُ مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ أيْ: غَيْرَ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ وهو قَوْلُهم: قُلِ اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أيْ لَوْ فَعَلْتَ ما أرادُوا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وأظْهَرُوا لِلنّاسِ أنَّكَ مُوافِقٌ لَهم عَلى كَوْنِهِمْ وراضٍ بِشِرْكِهِمْ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ أيْ عَلى الحَقِّ بِعِصْمَتِنا إيّاكَ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ أيْ تَمِيلُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، وقَوْلُهُ: ﴿شَيْئًا﴾ عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ أيْ رُكُونًا قَلِيلًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَيْثُ سَكَتَ عَنْ جَوابِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» “ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ التَّوَعُّدِ فَقالَ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ، يُرِيدُ عَذابَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ، والضِّعْفُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَضُمَّ إلى الشَّيْءِ مِثْلَهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِوَكِيلِهِ أعْطِ فُلانًا شَيْئًا فَأعْطاهُ دِرْهَمًا فَقالَ أضْعِفْهُ، كانَ المَعْنى ضُمَّ إلى ذَلِكَ الدِّرْهَمِ مِثْلَهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّما حَسُنَ إضْمارُ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ لِما تَقَدَّمَ في القُرْآنِ مِن وصْفِ العَذابِ بِالضِّعْفِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ (ص: ٦١) وقالَ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعْرافِ: ٣٨) وحاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ لَوْ مَكَّنْتَ خَواطِرَ الشَّيْطانِ مِن قَلْبِكَ وعَقَدْتَ عَلى الرُّكُونِ إلَيْهِ هِمَّتَكَ لاسْتَحْقَقْتَ بِذَلِكَ تَضْعِيفَ العَذابِ عَلَيْكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَصارَ عَذابُكَ مِثْلَيْ عَذابِ المُشْرِكِ في الدُّنْيا ومِثْلَيْ عَذابِهِ في الآخِرَةِ، والسَّبَبُ في تَضْعِيفِ هَذا العَذابِ أنَّ أقْسامَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أكْثَرُ، فَكانَتْ ذُنُوبُهم أعْظَمَ فَكانَتِ العُقُوبَةُ المُسْتَحَقَّةُ عَلَيْها أكْثَرَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (الأحْزابِ: ٣٠) فَإنْ قِيلَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَمُوجَبُ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ رَضِيَ بِما قالُوهُ لَكانَ وِزْرُهُ مِثْلَ وِزْرِ كُلِّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الكُفّارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عِقابُهُ زائِدًا عَلى الضِّعْفِ، قُلْنا: إثْباتُ الضِّعْفِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ عَلَيْهِ إلّا بِالبِناءِ عَلى دَلِيلِ الخِطابِ وهو حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَعْنِي إذا أذَقْناكَ العَذابَ المُضاعَفَ لَمْ تَجِدْ أحَدًا يُخَلِّصُكَ مِن عَذابِنا وعِقابِنا واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ عَنْهم مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَرُبَ مِن أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ، والفِرْيَةُ عَلى اللَّهِ مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ.
والثّانِي: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى ثَبَّتَهُ وعَصَمَهُ لَقَرُبَ مِن أنْ يَرْكَنَ إلى دِينِهِمْ ويَمِيلَ إلى مَذْهَبِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْلا سَبْقُ جُرْمٍ وجِنايَةٍ وإلّا فَلا حاجَةَ إلى ذِكْرِ هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ فَكانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ قَرُبَ وُقُوعُهُ في الفِتْنَةِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ في تِلْكَ الفِتْنَةِ، فَإنّا إذا قُلْنا كادَ الأمِيرُ أنْ يَضْرِبَ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ضَرَبَهُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ لَوْلا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، تَقُولُ لَوْلا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ، مَعْناهُ أنَّ وُجُودَ عَلِيٍّ مَنَعَ مِن حُصُولِ الهَلاكِ لِعُمْرَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ مَعْناهُ
صفحة ١٩
أنَّهُ حَصَلَ تَثْبِيتُ اللَّهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ مانِعًا مِن حُصُولِ ذَلِكَ الرُّكُونِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ عَلى المَعْصِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الإقْدامِ عَلَيْها والدَّلِيلُ عَلَيْهِ آياتٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ (الحاقَّةِ: ٤٦) ومِنها قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (الزُّمَرِ: ٦٥) ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ (الأحْزابِ: ١) واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّهُ لا عِصْمَةَ عَنِ المَعاصِي إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ قالُوا إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَوْلا تَثْبِيتُ اللَّهِ تَعالى لَهُ لَمالَ إلى طَرِيقَةِ الكُفّارِ ولا شَكَّ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ أقْوى مِن غَيْرِهِ في قُوَّةِ الدِّينِ وصَفاءِ اليَقِينِ فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ بَقاءَهُ مَعْصُومًا عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى وإغاثَتِهِ كانَ حُصُولُ هَذا المَعْنى في حَقِّ غَيْرِهِ أوْلى، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ بِهَذا التَّثْبِيتِ الألْطافُ الصّارِفَةُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ وهي ما خَطَرَ بِبالِهِ مِن ذِكْرِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، ومِن ذِكْرِ أنَّ كَوْنَهُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ هَذا التَّثْبِيتَ عِبارَةٌ عَنْ فِعْلٍ فَعَلَهُ اللَّهُ يَمْنَعُ الرَّسُولَ مِنَ الوُقُوعِ في ذَلِكَ العَمَلِ المَحْذُورِ، فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يُوجَدِ المُقْتَضى لِلْإقْدامِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ المَحْذُورِ في حَقِّ الرَّسُولِ لَما كانَ إلى إيجادِ هَذا المانِعِ حاجَةٌ، وحَيْثُ وقَعَتِ الحاجَةُ إلى تَحْصِيلِ هَذا المانِعِ عَلِمْنا أنَّ المُقْتَضى قَدْ حَصَلَ في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ هَذا المانِعَ الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ المُقْتَضى مِنَ العَمَلِ وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا قُلْنا إنَّ القُدْرَةَ مَعَ الدّاعِي تُوجِبُ الفِعْلَ، فَإذا حَصَلَتْ داعِيَةٌ أُخْرى مُعارِضَةٌ لِلدّاعِيَةِ الأُولى اخْتَلَّ المُؤَثِّرُ فامْتَنَعَ الفِعْلُ ونَحْنُ لا نُرِيدُ إلّا إثْباتَ هَذا المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَدْ ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الوُجُوهَ المَذْكُورَةَ، ويُمْكِنُ أيْضًا تَأْوِيلُها مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ يُضافُ نُزُولُها فِيهِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْعَوْنَ في إبْطالِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأقْصى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَتارَةً كانُوا يَقُولُونَ: إنْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا عَبَدْنا إلَهَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ (الكافِرُونَ: ١) وقَوْلَهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القَلَمِ: ٩) وعَرَضُوا عَلَيْهِ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ والنِّسْوانَ الجَمِيلَةَ لِيَتْرُكَ ادِّعاءَ النُّبُوَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ (الحِجْرِ: ٨٨) ودَعَوْهُ إلى طَرْدِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نَفْسِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٥٢) فَيَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في هَذا البابِ وذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ دِينِهِ وأنْ يُزِيلُوهُ عَنْ مَنهَجِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُثَبِّتُهُ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ والمَنهَجِ المُسْتَقِيمِ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ فَلا حاجَةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ إلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ الرِّواياتِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أقْسامَ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ وأتْبَعَها بِذِكْرِ دَرَجاتِ الخَلْقِ في الآخِرَةِ وشَرَحَ أحْوالَ السُّعَداءِ أرْدَفَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى تَحْذِيرِ السُّعَداءِ مِنَ الِاغْتِرارِ بِوَساوِسِ أرْبابِ الضَّلالِ والِانْخِداعِ بِكَلامِهِمُ المُشْتَمِلِ عَلى المَكْرِ والتَّلْبِيسِ فَقالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في «وفْدِ ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ شَطَطًا، وقالُوا: مَتِّعْنا بِاللّاتِ سَنَةً وحَرِّمْ وادِينا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ شَجَرَها وطَيْرَها ووَحْشَها فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُجِبْهم فَكَرَّرُوا ذَلِكَ الِالتِماسَ، وقالُوا إنّا نُحِبُّ أنْ تَعْرِفَ العَرَبُ فَضْلَنا عَلَيْهِمْ، فَإنْ كَرِهْتَ ما نَقُولُ وخَشِيتَ أنْ تَقُولَ العَرَبُ أعْطَيْتَهم ما لَمْ تُعْطِنا، فَقُلِ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ، فَأمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهم وداخَلَهُمُ الطَّمَعُ، فَصاحَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ وقالَ: أما تَرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أمْسَكَ عَنِ الكَلامِ كَراهِيَةً لَمّا تَذْكُرُونَهُ» ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهم «جاءُوا بِكاتِبِهِمْ فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذا كِتابٌ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى ثَقِيفٍ لا يُعَشَّرُونَ ولا يُحْشَرُونَ، فَقالُوا: ولا يُجْبَوْنَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالُوا لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ ولا يُجْبَوْنَ والكاتِبُ يَنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وسَلَّ سَيْفَهُ، وقالَ: أسْعَرْتُمْ قَلْبَ نَبِيِّنا يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أسْعَرَ اللَّهُ قُلُوبَكم نارًا. فَقالُوا لَسْنا نُكَلِّمُكَ إنَّما نُكَلِّمُ مُحَمَّدًا»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ إنَّما وقَعَتْ بِالمَدِينَةِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا إنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ. ورُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لَهُ: اجْعَلْ آيَةَ رَحْمَةٍ آيَةَ عَذابٍ وآيَةَ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ حَتّى نُؤْمِنَ بِكَ» . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ: «الكُفّارُ أخَذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ فَقالُوا: كُفَّ يا مُحَمَّدُ عَنْ ذَمِّ آلِهَتِنا وشَتْمِها فَلَوْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا كانَ فُلانٌ وفُلانٌ بِهَذا الأمْرِ أحَقَّ مِنكَ فَوَقَعَ في قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ يَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ»، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ فَتَمْنَعُهُ قُرَيْشٌ ويَقُولُونَ لا نَدَعُكَ حَتّى تَسْتَلِمَ آلِهَتَنا فَوَقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ كَراهِيَةٍ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ مَعْنى الكَلامِ كادُوا يَفْتِنُونَكَ، ودَخَلَتْ إنَّ واللّامُ لِلتَّأْكِيدِ، وإنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ
صفحة ١٨
الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والمَعْنى: إنَّ الشَّأْنَ (أنَّهم) قارَبُوا أنْ يَفْتِنُوكَ أيْ: يَخْدَعُوكَ، فاتِنِينَ [ و] أصْلُ الفِتْنَةِ: الِاخْتِبارُ يُقالُ فَتَنَ الصّائِغُ الذَّهَبَ إذا أدْخَلَهُ النّارَ وأذابَهُ لِتَمْيِيزِ جِيدِهِ مِن رَدِيئِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلُوهُ في كُلِّ مَن أزالَ الشَّيْءَ عَنْ حَدِّهِ وجِهَتِهِ فَقالُوا فَتَنَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: يُزِيُلُونَكَ ويَصْرِفُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ يَعْنِي القُرْآنَ، والمَعْنى: عَنْ حُكْمِهِ وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوهُ مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ أيْ: غَيْرَ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ وهو قَوْلُهم: قُلِ اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أيْ لَوْ فَعَلْتَ ما أرادُوا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وأظْهَرُوا لِلنّاسِ أنَّكَ مُوافِقٌ لَهم عَلى كَوْنِهِمْ وراضٍ بِشِرْكِهِمْ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ أيْ عَلى الحَقِّ بِعِصْمَتِنا إيّاكَ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ أيْ تَمِيلُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، وقَوْلُهُ: ﴿شَيْئًا﴾ عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ أيْ رُكُونًا قَلِيلًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَيْثُ سَكَتَ عَنْ جَوابِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» “ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ التَّوَعُّدِ فَقالَ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ، يُرِيدُ عَذابَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ، والضِّعْفُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَضُمَّ إلى الشَّيْءِ مِثْلَهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِوَكِيلِهِ أعْطِ فُلانًا شَيْئًا فَأعْطاهُ دِرْهَمًا فَقالَ أضْعِفْهُ، كانَ المَعْنى ضُمَّ إلى ذَلِكَ الدِّرْهَمِ مِثْلَهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّما حَسُنَ إضْمارُ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ لِما تَقَدَّمَ في القُرْآنِ مِن وصْفِ العَذابِ بِالضِّعْفِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ (ص: ٦١) وقالَ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعْرافِ: ٣٨) وحاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ لَوْ مَكَّنْتَ خَواطِرَ الشَّيْطانِ مِن قَلْبِكَ وعَقَدْتَ عَلى الرُّكُونِ إلَيْهِ هِمَّتَكَ لاسْتَحْقَقْتَ بِذَلِكَ تَضْعِيفَ العَذابِ عَلَيْكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَصارَ عَذابُكَ مِثْلَيْ عَذابِ المُشْرِكِ في الدُّنْيا ومِثْلَيْ عَذابِهِ في الآخِرَةِ، والسَّبَبُ في تَضْعِيفِ هَذا العَذابِ أنَّ أقْسامَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أكْثَرُ، فَكانَتْ ذُنُوبُهم أعْظَمَ فَكانَتِ العُقُوبَةُ المُسْتَحَقَّةُ عَلَيْها أكْثَرَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (الأحْزابِ: ٣٠) فَإنْ قِيلَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَمُوجَبُ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ رَضِيَ بِما قالُوهُ لَكانَ وِزْرُهُ مِثْلَ وِزْرِ كُلِّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الكُفّارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عِقابُهُ زائِدًا عَلى الضِّعْفِ، قُلْنا: إثْباتُ الضِّعْفِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ عَلَيْهِ إلّا بِالبِناءِ عَلى دَلِيلِ الخِطابِ وهو حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَعْنِي إذا أذَقْناكَ العَذابَ المُضاعَفَ لَمْ تَجِدْ أحَدًا يُخَلِّصُكَ مِن عَذابِنا وعِقابِنا واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ عَنْهم مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَرُبَ مِن أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ، والفِرْيَةُ عَلى اللَّهِ مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ.
والثّانِي: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى ثَبَّتَهُ وعَصَمَهُ لَقَرُبَ مِن أنْ يَرْكَنَ إلى دِينِهِمْ ويَمِيلَ إلى مَذْهَبِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْلا سَبْقُ جُرْمٍ وجِنايَةٍ وإلّا فَلا حاجَةَ إلى ذِكْرِ هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ فَكانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ قَرُبَ وُقُوعُهُ في الفِتْنَةِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ في تِلْكَ الفِتْنَةِ، فَإنّا إذا قُلْنا كادَ الأمِيرُ أنْ يَضْرِبَ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ضَرَبَهُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ لَوْلا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، تَقُولُ لَوْلا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ، مَعْناهُ أنَّ وُجُودَ عَلِيٍّ مَنَعَ مِن حُصُولِ الهَلاكِ لِعُمْرَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ مَعْناهُ
صفحة ١٩
أنَّهُ حَصَلَ تَثْبِيتُ اللَّهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ مانِعًا مِن حُصُولِ ذَلِكَ الرُّكُونِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ عَلى المَعْصِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الإقْدامِ عَلَيْها والدَّلِيلُ عَلَيْهِ آياتٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ (الحاقَّةِ: ٤٦) ومِنها قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (الزُّمَرِ: ٦٥) ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ (الأحْزابِ: ١) واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّهُ لا عِصْمَةَ عَنِ المَعاصِي إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ قالُوا إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَوْلا تَثْبِيتُ اللَّهِ تَعالى لَهُ لَمالَ إلى طَرِيقَةِ الكُفّارِ ولا شَكَّ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ أقْوى مِن غَيْرِهِ في قُوَّةِ الدِّينِ وصَفاءِ اليَقِينِ فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ بَقاءَهُ مَعْصُومًا عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى وإغاثَتِهِ كانَ حُصُولُ هَذا المَعْنى في حَقِّ غَيْرِهِ أوْلى، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ بِهَذا التَّثْبِيتِ الألْطافُ الصّارِفَةُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ وهي ما خَطَرَ بِبالِهِ مِن ذِكْرِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، ومِن ذِكْرِ أنَّ كَوْنَهُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ هَذا التَّثْبِيتَ عِبارَةٌ عَنْ فِعْلٍ فَعَلَهُ اللَّهُ يَمْنَعُ الرَّسُولَ مِنَ الوُقُوعِ في ذَلِكَ العَمَلِ المَحْذُورِ، فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يُوجَدِ المُقْتَضى لِلْإقْدامِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ المَحْذُورِ في حَقِّ الرَّسُولِ لَما كانَ إلى إيجادِ هَذا المانِعِ حاجَةٌ، وحَيْثُ وقَعَتِ الحاجَةُ إلى تَحْصِيلِ هَذا المانِعِ عَلِمْنا أنَّ المُقْتَضى قَدْ حَصَلَ في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ هَذا المانِعَ الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ المُقْتَضى مِنَ العَمَلِ وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا قُلْنا إنَّ القُدْرَةَ مَعَ الدّاعِي تُوجِبُ الفِعْلَ، فَإذا حَصَلَتْ داعِيَةٌ أُخْرى مُعارِضَةٌ لِلدّاعِيَةِ الأُولى اخْتَلَّ المُؤَثِّرُ فامْتَنَعَ الفِعْلُ ونَحْنُ لا نُرِيدُ إلّا إثْباتَ هَذا المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَدْ ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الوُجُوهَ المَذْكُورَةَ، ويُمْكِنُ أيْضًا تَأْوِيلُها مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ يُضافُ نُزُولُها فِيهِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْعَوْنَ في إبْطالِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأقْصى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَتارَةً كانُوا يَقُولُونَ: إنْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا عَبَدْنا إلَهَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ (الكافِرُونَ: ١) وقَوْلَهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القَلَمِ: ٩) وعَرَضُوا عَلَيْهِ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ والنِّسْوانَ الجَمِيلَةَ لِيَتْرُكَ ادِّعاءَ النُّبُوَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ (الحِجْرِ: ٨٨) ودَعَوْهُ إلى طَرْدِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نَفْسِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٥٢) فَيَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في هَذا البابِ وذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ دِينِهِ وأنْ يُزِيلُوهُ عَنْ مَنهَجِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُثَبِّتُهُ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ والمَنهَجِ المُسْتَقِيمِ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ فَلا حاجَةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ إلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ الرِّواياتِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أقْسامَ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ وأتْبَعَها بِذِكْرِ دَرَجاتِ الخَلْقِ في الآخِرَةِ وشَرَحَ أحْوالَ السُّعَداءِ أرْدَفَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى تَحْذِيرِ السُّعَداءِ مِنَ الِاغْتِرارِ بِوَساوِسِ أرْبابِ الضَّلالِ والِانْخِداعِ بِكَلامِهِمُ المُشْتَمِلِ عَلى المَكْرِ والتَّلْبِيسِ فَقالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في «وفْدِ ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ شَطَطًا، وقالُوا: مَتِّعْنا بِاللّاتِ سَنَةً وحَرِّمْ وادِينا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ شَجَرَها وطَيْرَها ووَحْشَها فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُجِبْهم فَكَرَّرُوا ذَلِكَ الِالتِماسَ، وقالُوا إنّا نُحِبُّ أنْ تَعْرِفَ العَرَبُ فَضْلَنا عَلَيْهِمْ، فَإنْ كَرِهْتَ ما نَقُولُ وخَشِيتَ أنْ تَقُولَ العَرَبُ أعْطَيْتَهم ما لَمْ تُعْطِنا، فَقُلِ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ، فَأمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهم وداخَلَهُمُ الطَّمَعُ، فَصاحَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ وقالَ: أما تَرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أمْسَكَ عَنِ الكَلامِ كَراهِيَةً لَمّا تَذْكُرُونَهُ» ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهم «جاءُوا بِكاتِبِهِمْ فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذا كِتابٌ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى ثَقِيفٍ لا يُعَشَّرُونَ ولا يُحْشَرُونَ، فَقالُوا: ولا يُجْبَوْنَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالُوا لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ ولا يُجْبَوْنَ والكاتِبُ يَنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وسَلَّ سَيْفَهُ، وقالَ: أسْعَرْتُمْ قَلْبَ نَبِيِّنا يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أسْعَرَ اللَّهُ قُلُوبَكم نارًا. فَقالُوا لَسْنا نُكَلِّمُكَ إنَّما نُكَلِّمُ مُحَمَّدًا»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ إنَّما وقَعَتْ بِالمَدِينَةِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا إنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ. ورُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لَهُ: اجْعَلْ آيَةَ رَحْمَةٍ آيَةَ عَذابٍ وآيَةَ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ حَتّى نُؤْمِنَ بِكَ» . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ: «الكُفّارُ أخَذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ فَقالُوا: كُفَّ يا مُحَمَّدُ عَنْ ذَمِّ آلِهَتِنا وشَتْمِها فَلَوْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا كانَ فُلانٌ وفُلانٌ بِهَذا الأمْرِ أحَقَّ مِنكَ فَوَقَعَ في قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ يَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ»، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ فَتَمْنَعُهُ قُرَيْشٌ ويَقُولُونَ لا نَدَعُكَ حَتّى تَسْتَلِمَ آلِهَتَنا فَوَقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ كَراهِيَةٍ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ مَعْنى الكَلامِ كادُوا يَفْتِنُونَكَ، ودَخَلَتْ إنَّ واللّامُ لِلتَّأْكِيدِ، وإنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ
صفحة ١٨
الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والمَعْنى: إنَّ الشَّأْنَ (أنَّهم) قارَبُوا أنْ يَفْتِنُوكَ أيْ: يَخْدَعُوكَ، فاتِنِينَ [ و] أصْلُ الفِتْنَةِ: الِاخْتِبارُ يُقالُ فَتَنَ الصّائِغُ الذَّهَبَ إذا أدْخَلَهُ النّارَ وأذابَهُ لِتَمْيِيزِ جِيدِهِ مِن رَدِيئِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلُوهُ في كُلِّ مَن أزالَ الشَّيْءَ عَنْ حَدِّهِ وجِهَتِهِ فَقالُوا فَتَنَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: يُزِيُلُونَكَ ويَصْرِفُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ يَعْنِي القُرْآنَ، والمَعْنى: عَنْ حُكْمِهِ وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوهُ مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ أيْ: غَيْرَ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ وهو قَوْلُهم: قُلِ اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أيْ لَوْ فَعَلْتَ ما أرادُوا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وأظْهَرُوا لِلنّاسِ أنَّكَ مُوافِقٌ لَهم عَلى كَوْنِهِمْ وراضٍ بِشِرْكِهِمْ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ أيْ عَلى الحَقِّ بِعِصْمَتِنا إيّاكَ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ أيْ تَمِيلُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، وقَوْلُهُ: ﴿شَيْئًا﴾ عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ أيْ رُكُونًا قَلِيلًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَيْثُ سَكَتَ عَنْ جَوابِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» “ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ التَّوَعُّدِ فَقالَ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ، يُرِيدُ عَذابَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ، والضِّعْفُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَضُمَّ إلى الشَّيْءِ مِثْلَهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِوَكِيلِهِ أعْطِ فُلانًا شَيْئًا فَأعْطاهُ دِرْهَمًا فَقالَ أضْعِفْهُ، كانَ المَعْنى ضُمَّ إلى ذَلِكَ الدِّرْهَمِ مِثْلَهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّما حَسُنَ إضْمارُ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ لِما تَقَدَّمَ في القُرْآنِ مِن وصْفِ العَذابِ بِالضِّعْفِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ (ص: ٦١) وقالَ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعْرافِ: ٣٨) وحاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ لَوْ مَكَّنْتَ خَواطِرَ الشَّيْطانِ مِن قَلْبِكَ وعَقَدْتَ عَلى الرُّكُونِ إلَيْهِ هِمَّتَكَ لاسْتَحْقَقْتَ بِذَلِكَ تَضْعِيفَ العَذابِ عَلَيْكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَصارَ عَذابُكَ مِثْلَيْ عَذابِ المُشْرِكِ في الدُّنْيا ومِثْلَيْ عَذابِهِ في الآخِرَةِ، والسَّبَبُ في تَضْعِيفِ هَذا العَذابِ أنَّ أقْسامَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أكْثَرُ، فَكانَتْ ذُنُوبُهم أعْظَمَ فَكانَتِ العُقُوبَةُ المُسْتَحَقَّةُ عَلَيْها أكْثَرَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (الأحْزابِ: ٣٠) فَإنْ قِيلَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَمُوجَبُ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ رَضِيَ بِما قالُوهُ لَكانَ وِزْرُهُ مِثْلَ وِزْرِ كُلِّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الكُفّارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عِقابُهُ زائِدًا عَلى الضِّعْفِ، قُلْنا: إثْباتُ الضِّعْفِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ عَلَيْهِ إلّا بِالبِناءِ عَلى دَلِيلِ الخِطابِ وهو حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَعْنِي إذا أذَقْناكَ العَذابَ المُضاعَفَ لَمْ تَجِدْ أحَدًا يُخَلِّصُكَ مِن عَذابِنا وعِقابِنا واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ عَنْهم مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَرُبَ مِن أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ، والفِرْيَةُ عَلى اللَّهِ مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ.
والثّانِي: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى ثَبَّتَهُ وعَصَمَهُ لَقَرُبَ مِن أنْ يَرْكَنَ إلى دِينِهِمْ ويَمِيلَ إلى مَذْهَبِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْلا سَبْقُ جُرْمٍ وجِنايَةٍ وإلّا فَلا حاجَةَ إلى ذِكْرِ هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ فَكانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ قَرُبَ وُقُوعُهُ في الفِتْنَةِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ في تِلْكَ الفِتْنَةِ، فَإنّا إذا قُلْنا كادَ الأمِيرُ أنْ يَضْرِبَ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ضَرَبَهُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ لَوْلا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، تَقُولُ لَوْلا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ، مَعْناهُ أنَّ وُجُودَ عَلِيٍّ مَنَعَ مِن حُصُولِ الهَلاكِ لِعُمْرَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ مَعْناهُ
صفحة ١٩
أنَّهُ حَصَلَ تَثْبِيتُ اللَّهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ مانِعًا مِن حُصُولِ ذَلِكَ الرُّكُونِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ عَلى المَعْصِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الإقْدامِ عَلَيْها والدَّلِيلُ عَلَيْهِ آياتٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ (الحاقَّةِ: ٤٦) ومِنها قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (الزُّمَرِ: ٦٥) ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ (الأحْزابِ: ١) واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّهُ لا عِصْمَةَ عَنِ المَعاصِي إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ قالُوا إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَوْلا تَثْبِيتُ اللَّهِ تَعالى لَهُ لَمالَ إلى طَرِيقَةِ الكُفّارِ ولا شَكَّ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ أقْوى مِن غَيْرِهِ في قُوَّةِ الدِّينِ وصَفاءِ اليَقِينِ فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ بَقاءَهُ مَعْصُومًا عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى وإغاثَتِهِ كانَ حُصُولُ هَذا المَعْنى في حَقِّ غَيْرِهِ أوْلى، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ بِهَذا التَّثْبِيتِ الألْطافُ الصّارِفَةُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ وهي ما خَطَرَ بِبالِهِ مِن ذِكْرِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، ومِن ذِكْرِ أنَّ كَوْنَهُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ هَذا التَّثْبِيتَ عِبارَةٌ عَنْ فِعْلٍ فَعَلَهُ اللَّهُ يَمْنَعُ الرَّسُولَ مِنَ الوُقُوعِ في ذَلِكَ العَمَلِ المَحْذُورِ، فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يُوجَدِ المُقْتَضى لِلْإقْدامِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ المَحْذُورِ في حَقِّ الرَّسُولِ لَما كانَ إلى إيجادِ هَذا المانِعِ حاجَةٌ، وحَيْثُ وقَعَتِ الحاجَةُ إلى تَحْصِيلِ هَذا المانِعِ عَلِمْنا أنَّ المُقْتَضى قَدْ حَصَلَ في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ هَذا المانِعَ الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ المُقْتَضى مِنَ العَمَلِ وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا قُلْنا إنَّ القُدْرَةَ مَعَ الدّاعِي تُوجِبُ الفِعْلَ، فَإذا حَصَلَتْ داعِيَةٌ أُخْرى مُعارِضَةٌ لِلدّاعِيَةِ الأُولى اخْتَلَّ المُؤَثِّرُ فامْتَنَعَ الفِعْلُ ونَحْنُ لا نُرِيدُ إلّا إثْباتَ هَذا المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَدْ ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الوُجُوهَ المَذْكُورَةَ، ويُمْكِنُ أيْضًا تَأْوِيلُها مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ يُضافُ نُزُولُها فِيهِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْعَوْنَ في إبْطالِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأقْصى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَتارَةً كانُوا يَقُولُونَ: إنْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا عَبَدْنا إلَهَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ (الكافِرُونَ: ١) وقَوْلَهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القَلَمِ: ٩) وعَرَضُوا عَلَيْهِ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ والنِّسْوانَ الجَمِيلَةَ لِيَتْرُكَ ادِّعاءَ النُّبُوَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ (الحِجْرِ: ٨٨) ودَعَوْهُ إلى طَرْدِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نَفْسِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٥٢) فَيَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في هَذا البابِ وذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ دِينِهِ وأنْ يُزِيلُوهُ عَنْ مَنهَجِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُثَبِّتُهُ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ والمَنهَجِ المُسْتَقِيمِ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ فَلا حاجَةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ إلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ الرِّواياتِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:76
﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ مَكَّةَ هَمُّوا بِإخْراجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ، ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ ما أُمْهِلُوا، ولَكِنَّ اللَّهَ مَنَعَهم مِن إخْراجِهِ، حَتّى أمَرَهُ اللَّهُ بِالخُرُوجِ، ثُمَّ إنَّهُ قَلَّ لَبْثُهم بَعْدَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن
صفحة ٢٠
مَكَّةَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ يَوْمَ بَدْرٍ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ حَسَدَتْهُ اليَهُودُ وكَرِهُوا قُرْبَهُ مِنهم فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ إنَّ الأنْبِياءَ إنَّما بُعِثُوا بِالشّامِ وهي بِلادٌ مُقَدَّسَةٌ وكانَتْ مَسْكَنَ إبْراهِيمَ فَلَوْ خَرَجْتَ إلى الشّامِ آمَنّا بِكَ واتَّبَعْناكَ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَمْنَعُكَ مِنَ الخُرُوجِ إلّا خَوْفُ الرُّومِ فَإنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فاللَّهُ مانِعُكَ مِنهم. فَعَسْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ، قِيلَ بِذِي الحُلَيْفَةِ حَتّى يَجْتَمِعَ إلَيْهِ أصْحابُهُ ويَراهُ النّاسُ عازِمًا عَلى الخُرُوجِ إلى الشّامِ لِحِرْصِهِ عَلى دُخُولِ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَرَجَعَ.
فالقَوْلُ الأوَّلُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ وهو الوَجْهُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ فَإنْ صَحَّ القَوْلُ الثّانِي كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، والأرْضُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مَكَّةُ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي المَدِينَةُ، وكَثُرَ في التَّنْزِيلِ ذِكْرُ الأرْضِ والمُرادُ مِنها مَكانٌ مَخْصُوصٌ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ (المائِدَةِ: ٣٣) يَعْنِي مِن مَواضِعِهِمْ وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٠) يَعْنِي الأرْضَ الَّتِي كانَ قَصَدَها لِطَلَبِ المِيرَةِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ (مُحَمَّدٍ: ١٣) يَعْنِي مَكَّةَ والمُرادُ أهْلُها، فَذَكَرَ أنَّهم أخْرَجُوهُ، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها﴾ فَكَيْفَ [ يُمْكِنُ ] الجَمْعُ بَيْنَهُما عَلى قَوْلِ مَن قالَ الأرْضُ في هَذِهِ الآيَةِ مَكَّةُ ؟ قُلْنا: إنَّهم هَمُّوا بِإخْراجِهِ وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما خَرَجَ بِسَبَبِ إخْراجِهِمْ وإنَّما خَرَجَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَزالَ التَّناقُضُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو عَنْ عاصِمٍ ”خَلْفَكَ“ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ والباقُونَ ”خِلافَكَ“، زَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ خِلافَكَ في مَعْنى خَلْفَكَ ورَوى ذَلِكَ يُونُسُ عَنْ عِيسى وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٨١) .
وقالَ الشّاعِرُ:
عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَ
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”لا يَلْبَثُونَ“ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ”لا يَلْبَثُوا“ عَلى إعْمالِ إذَنْ، فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ القِراءَتَيْنِ ؟ قُلْنا: أمّا السّابِقَةُ فَقَدْ عُطِفَ فِيها الفِعْلُ عَلى الفِعْلِ وهو مَرْفُوعٌ لِوُقُوعِهِ خَبَرَ كادَ، والفِعْلُ في خَبَرِ كادَ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْمِ، وأمّا قِراءَةُ أُبَيٍّ فَفِيها الجُمْلَةُ بِرَأْسِها الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّ قَوْمٍ أخْرَجُوا نَبِيَّهم مِن ظَهْرانَيْهِمْ فَسُنَّةُ اللَّهِ أنْ يُهْلِكَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿سُنَّةَ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ أيْ سَنَنّا ذَلِكَ سُنَّةً فِيمَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّ ما أجْرى اللَّهُ تَعالى بِهِ العادَةَ لَمْ يَتَهَيَّأْ لِأحَدٍ أنْ يَقْلِبَ تِلْكَ العادَةَ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ حادِثٍ بِوَقْتِهِ المُعَيَّنِ وصِفَتِهِ المُعَيَّنَةِ لَيْسَ أمْرًا ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ وإلّا لَزِمَ أنْ يَدُومَ أبَدًا عَلى تِلْكَ الحالَةِ وأنْ لا يَتَمَيَّزَ الشَّيْءُ عَمّا يُماثِلُهُ في تِلْكَ الصِّفاتِ، بَلْ إنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ بِتَخْصِيصِ المُخَصَّصِ وذَلِكَ التَّخْصِيصُ هو أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ثُمَّ تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ بِتَحْصِيلِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ بِحُصُولِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ ثُمَّ نَقُولُ هَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ الَّتِي هي المُؤَثِّرَةُ في حُصُولِ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ إنْ كانَتْ حادِثَةً افْتَقَرَ حُدُوثُها إلى تَخْصِيصٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَتْ قَدِيمَةً فالقَدِيمُ يَمْتَنِعُ تَغَيُّرُهُ لِأنَّ ما ثَبَتَ قِدَمُهُ امْتَنَعَ عَدَمُهُ، ولَمّا كانَ التَّغَيُّرُ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ المُؤَثِّرَةِ في ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ مُمْتَنِعًا كانَ التَّغَيُّرُ في تِلْكَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ مُمْتَنِعًا فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ .
الإسراء 17:77
﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ مَكَّةَ هَمُّوا بِإخْراجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ، ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ ما أُمْهِلُوا، ولَكِنَّ اللَّهَ مَنَعَهم مِن إخْراجِهِ، حَتّى أمَرَهُ اللَّهُ بِالخُرُوجِ، ثُمَّ إنَّهُ قَلَّ لَبْثُهم بَعْدَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن
صفحة ٢٠
مَكَّةَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ يَوْمَ بَدْرٍ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ حَسَدَتْهُ اليَهُودُ وكَرِهُوا قُرْبَهُ مِنهم فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ إنَّ الأنْبِياءَ إنَّما بُعِثُوا بِالشّامِ وهي بِلادٌ مُقَدَّسَةٌ وكانَتْ مَسْكَنَ إبْراهِيمَ فَلَوْ خَرَجْتَ إلى الشّامِ آمَنّا بِكَ واتَّبَعْناكَ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَمْنَعُكَ مِنَ الخُرُوجِ إلّا خَوْفُ الرُّومِ فَإنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فاللَّهُ مانِعُكَ مِنهم. فَعَسْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ، قِيلَ بِذِي الحُلَيْفَةِ حَتّى يَجْتَمِعَ إلَيْهِ أصْحابُهُ ويَراهُ النّاسُ عازِمًا عَلى الخُرُوجِ إلى الشّامِ لِحِرْصِهِ عَلى دُخُولِ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَرَجَعَ.
فالقَوْلُ الأوَّلُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ وهو الوَجْهُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ فَإنْ صَحَّ القَوْلُ الثّانِي كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، والأرْضُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مَكَّةُ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي المَدِينَةُ، وكَثُرَ في التَّنْزِيلِ ذِكْرُ الأرْضِ والمُرادُ مِنها مَكانٌ مَخْصُوصٌ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ (المائِدَةِ: ٣٣) يَعْنِي مِن مَواضِعِهِمْ وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٠) يَعْنِي الأرْضَ الَّتِي كانَ قَصَدَها لِطَلَبِ المِيرَةِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ (مُحَمَّدٍ: ١٣) يَعْنِي مَكَّةَ والمُرادُ أهْلُها، فَذَكَرَ أنَّهم أخْرَجُوهُ، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها﴾ فَكَيْفَ [ يُمْكِنُ ] الجَمْعُ بَيْنَهُما عَلى قَوْلِ مَن قالَ الأرْضُ في هَذِهِ الآيَةِ مَكَّةُ ؟ قُلْنا: إنَّهم هَمُّوا بِإخْراجِهِ وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما خَرَجَ بِسَبَبِ إخْراجِهِمْ وإنَّما خَرَجَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَزالَ التَّناقُضُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو عَنْ عاصِمٍ ”خَلْفَكَ“ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ والباقُونَ ”خِلافَكَ“، زَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ خِلافَكَ في مَعْنى خَلْفَكَ ورَوى ذَلِكَ يُونُسُ عَنْ عِيسى وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٨١) .
وقالَ الشّاعِرُ:
عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَ
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”لا يَلْبَثُونَ“ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ”لا يَلْبَثُوا“ عَلى إعْمالِ إذَنْ، فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ القِراءَتَيْنِ ؟ قُلْنا: أمّا السّابِقَةُ فَقَدْ عُطِفَ فِيها الفِعْلُ عَلى الفِعْلِ وهو مَرْفُوعٌ لِوُقُوعِهِ خَبَرَ كادَ، والفِعْلُ في خَبَرِ كادَ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْمِ، وأمّا قِراءَةُ أُبَيٍّ فَفِيها الجُمْلَةُ بِرَأْسِها الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّ قَوْمٍ أخْرَجُوا نَبِيَّهم مِن ظَهْرانَيْهِمْ فَسُنَّةُ اللَّهِ أنْ يُهْلِكَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿سُنَّةَ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ أيْ سَنَنّا ذَلِكَ سُنَّةً فِيمَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّ ما أجْرى اللَّهُ تَعالى بِهِ العادَةَ لَمْ يَتَهَيَّأْ لِأحَدٍ أنْ يَقْلِبَ تِلْكَ العادَةَ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ حادِثٍ بِوَقْتِهِ المُعَيَّنِ وصِفَتِهِ المُعَيَّنَةِ لَيْسَ أمْرًا ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ وإلّا لَزِمَ أنْ يَدُومَ أبَدًا عَلى تِلْكَ الحالَةِ وأنْ لا يَتَمَيَّزَ الشَّيْءُ عَمّا يُماثِلُهُ في تِلْكَ الصِّفاتِ، بَلْ إنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ بِتَخْصِيصِ المُخَصَّصِ وذَلِكَ التَّخْصِيصُ هو أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ثُمَّ تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ بِتَحْصِيلِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ بِحُصُولِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ ثُمَّ نَقُولُ هَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ الَّتِي هي المُؤَثِّرَةُ في حُصُولِ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ إنْ كانَتْ حادِثَةً افْتَقَرَ حُدُوثُها إلى تَخْصِيصٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَتْ قَدِيمَةً فالقَدِيمُ يَمْتَنِعُ تَغَيُّرُهُ لِأنَّ ما ثَبَتَ قِدَمُهُ امْتَنَعَ عَدَمُهُ، ولَمّا كانَ التَّغَيُّرُ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ المُؤَثِّرَةِ في ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ مُمْتَنِعًا كانَ التَّغَيُّرُ في تِلْكَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ مُمْتَنِعًا فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ .