Tafsir Al-Razi — الإسراء 17:78 – الإسراء 17:111
المحتويات
- الإسراء 17:78
- الإسراء 17:79
- الإسراء 17:80
- الإسراء 17:81
- الإسراء 17:82
- الإسراء 17:83
- الإسراء 17:84
- الإسراء 17:85
- الإسراء 17:86
- الإسراء 17:87
- الإسراء 17:88
- الإسراء 17:89
- الإسراء 17:90
- الإسراء 17:91
- الإسراء 17:92
- الإسراء 17:93
- الإسراء 17:94
- الإسراء 17:95
- الإسراء 17:96
- الإسراء 17:97
- الإسراء 17:98
- الإسراء 17:99
- الإسراء 17:100
- الإسراء 17:101
- الإسراء 17:102
- الإسراء 17:103
- الإسراء 17:104
- الإسراء 17:105
- الإسراء 17:106
- الإسراء 17:107
- الإسراء 17:108
- الإسراء 17:109
- الإسراء 17:110
- الإسراء 17:111
الإسراء 17:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أمْرَ الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ أرْدَفَها بِذِكْرِ الأمْرِ بِالطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ، وأشْرَفُ الطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ الصَّلاةُ فَلِهَذا السَّبَبِ أمْرَ بِها.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ أمَرَهُ تَعالى بِالإقْبالِ عَلى عِبادَتِهِ لِكَيْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ لا تُبالِ بِسَعْيِهِمْ في إخْراجِكَ مِن بَلْدَتِكَ ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ واشْتَغِلْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وداوِمْ عَلى أداءِ الصَّلَواتِ فَإنَّهُ تَعالى يَدْفَعُ مَكْرَهم وشَرَّهم عَنْكَ ويَجْعَلُ يَدَكَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ودِينَكَ غالِبًا عَلى أدْيانِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ (طه: ١٣٠) وقالَ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ (الحِجْرِ: ٩٩) .
والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا لَهُ اذْهَبْ إلى الشّامِ فَإنَّهُ مَسْكَنُ الأنْبِياءِ عَزَمَ ﷺ عَلى الذَّهابِ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ المَعْبُودُ واحِدٌ في كُلِّ البِلادِ وما النُّصْرَةُ والدَّوْلَةُ إلّا بِتَأْيِيدِهِ ونُصْرَتِهِ فَداوِمْ عَلى الصَّلَواتِ وارْجِعْ إلى مَقَرِّكَ ومَسْكَنِكَ، وإذا دَخَلْتَهُ ورَجَعْتَ إلَيْهِ فَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي في هَذا البَلَدِ سُلْطانًا نَصِيرًا في تَقْرِيرِ دِينِكَ وإظْهارِ شَرْعِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ والمُفَسِّرُونَ في مَعْنى دُلُوكِ الشَّمْسِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ دُلُوكَها غُرُوبُها وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، فَنَقَلَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: غُرُوبُها، ورَوى زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: غُرُوبُها، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ دُلُوكَ الشَّمْسِ هو زَوالُها عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وهو اخْتِيارُ الأكْثَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: رَوى الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ قالَ: ”«طَعِمَ عِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» “ .
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ فَصَلّى بِيَ الظَّهْرَ» “ .
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ مَعْنى الدُّلُوكِ في كَلامِ العَرَبِ الزَّوالُ ولِذَلِكَ
صفحة ٢٢
قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ دالِكَةٌ، وقِيلَ لَها إذا أفَلَتْ دالِكَةٌ لِأنَّها في الحالَتَيْنِ زائِلَةٌ، هَكَذا قالَهُ الأزْهَرِيُّ، وقالَ القَفّالُ: أصْلُ الدُّلُوكِ المَيْلُ، يُقالُ: مالَتِ الشَّمْسُ لِلزَّوالِ، ويُقالُ: مالَتْ لِلْغُرُوبِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدُّلُوكِ هَهُنا الزَّوالُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ إقامَةَ الصَّلاةِ بِالدُّلُوكِ، والدُّلُوكُ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والزَّوالِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أوَّلُ ما حَصَلَ المَيْلُ والزَّوالُ تَعَلَّقَ بِهِ هَذا الحُكْمُ فَلَمّا حَصَلَ هَذا المَعْنى حالَ مَيْلِها مِن كَبِدِ السَّماءِ وجَبَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الصَّلاةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الدُّلُوكِ في هَذِهِ الآيَةِ مَيْلُها عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وهَذِهِ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ في هَذا البابِ اسْتَنْبَطْتُها بِناءً عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّ الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والزَّوالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قالَ الأزْهَرِيُّ: الأوْلى حَمْلُ الدُّلُوكِ عَلى الزَّوالِ في نِصْفِ النَّهارِ، والمَعْنى ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيْ أدِمْها مِن وقْتِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الظَّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعَشاءُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ فَإذا حَمَلْنا الدُّلُوكَ عَلى الزَّوالِ دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ في هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الغُرُوبِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إلّا ثَلاثُ صَلَواتٍ وهي المَغْرِبُ والعِشاءُ والفَجْرُ، وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما يَكُونُ أكْثَرَ فائِدَةً أوْلى فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدُّلُوكِ الزَّوالَ، واحْتَجَّ الفَرّاءُ عَلى قَوْلِهِ الدُّلُوكُ هو الغُرُوبُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ وقَفَتْ حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
وبَراحُ اسْمُ الشَّمْسِ أيْ حَتّى غابَتْ، واحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا أفَلاكُّهُنَّ الدَّوالِكُ
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ لِأنَّ عِنْدَنا الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والتَّغَيُّرِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ في الغُرُوبِ فَكانَ الغُرُوبُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الدُّلُوكِ، فَكانَ وُقُوعُ لَفْظِ الدُّلُوكِ عَلى الغُرُوبِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ عَلى الزَّوالِ كَما أنَّ وُقُوعَ لَفْظِ الحَيَوانِ عَلى الإنْسانِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ عَلى الفَرَسِ، ومِنهم مَنِ احْتَجَّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الدُّلُوكَ اشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ لِأنَّ الإنْسانَ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها وهَذا إنَّما يَصِحُّ في الوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها ومَعْلُومٌ أنَّها عِنْدَ كَوْنِها في وسَطِ السَّماءِ لا يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها، أمّا عِنْدَ قُرْبِها مِنَ الغُرُوبِ فَيُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها [ و] عِنْدَما يَنْظُرُ الإنْسانُ إلَيْها في ذَلِكَ الوَقْتِ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الدُّلُوكِ مُخْتَصٌّ بِالغُرُوبِ. والجَوابُ أنَّ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّبْيِينِ عِنْدَ كَوْنِها في وسَطِ السَّماءِ أتَمُّ فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ بِأنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ الزَّوالِ مِن وسَطِ السَّماءِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ ”﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾“ لامُ الأجَلِ والسَّبَبُ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلاةَ إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ غَسَقُ اللَّيْلِ سَوادُهُ وظُلْمَتُهُ، قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ: الِاسْمُ، بِفَتْحِ السِّينِ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ: دُخُولُ أوَّلِهِ، وأتَيْتُهُ حِينَ غَسَقَ اللَّيْلُ، أيْ حِينَ يَخْتَلِطُ ويَسُدُّ المَناظِرَ، وأصْلُ هَذا الحَرْفِ مِنَ السَّيَلانِ يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ. وهو هَمَلانُ العَيْنِ بِالماءِ، والغاسِقُ السّائِلُ، ومِن هَذا يُقالُ لِما يَسِيلُ مِن أهْلِ النّارِ: الغَسّاقُ، فَمَعْنى غَسَقَ اللَّيْلُ أيِ انْصَبَّ بِظَلامِهِ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ كَأنَّها تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: ما غَسَقُ اللَّيْلِ ؟ قالَ أوَّلُهُ حِينَ يَدْخُلُ. وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ: قالَ: دُخُولُ اللَّيْلِ
صفحة ٢٣
بِظُلْمَتِهِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: غَسَقُ اللَّيْلِ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ عِنْدَ تَراكُمِ الظُّلْمَةِ واشْتِدادِها، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا امْتَلَأتْ دَمْعًا، وغَسَقَتِ الجِراحَةُ إذا امْتَلَأتْ دَمًا، قالَ: لِأنّا لَوْ حَمَلْنا الغَسَقُ عَلى هَذا المَعْنى دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الأرْبَعُ فِيهِ وهي الظُّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَوْ حَمَلْنا الغَسَقَ عَلى ظُهُورِ أوَّلِ الظُّلْمَةِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إلّا الظَّهْرُ والمَغْرِبُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ أوْلى، واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِحْثٌ شَرِيفٌ، فَإنْ فَسَّرْنا الغَسَقَ بِظُهُورِ أوَّلِ الظُّلْمَةِ كانَ الغَسَقُ عِبارَةٌ عَنْ أوَّلِ المَغْرِبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَذْكُورُ في الآيَةِ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ وقْتَ الزَّوالِ ووَقْتَ أوَّلِ المَغْرِبِ ووَقْتَ الفَجْرِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الزَّوالُ وقْتًا لِلظُّهْرِ والعَصْرِ فَيَكُونُ هَذا الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ، وأنَّ يَكُونَ أوَّلُ المَغْرِبِ وقْتًا لِلْمَغْرِبِ والعِشاءِ فَيَكُونُ هَذا الوَقْتُ مُشْتَرِكًا أيْضًا بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ فَهَذا يَقْتَضِي جَوازَ الجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ وبَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ مُطْلَقًا إلّا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الجَمْعَ في الحَضَرِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ لا يَجُوزُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ جائِزًا بِعُذْرِ السَّفَرِ وعُذْرِ المَطَرِ وغَيْرِهِ، أمّا إنْ فَسَّرْنا الغَسَقَ بِالظُّلْمَةِ المُتَراكِمَةِ فَنَقُولُ: الظُّلْمَةُ المُتَراكِمَةُ إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأبْيَضِ، وكَلِمَةُ إلى لِانْتِهاءِ الغايَةِ والحُكْمُ المَمْدُودُ إلى غايَةٍ يَكُونُ مَشْرُوعًا قَبْلَ حُصُولِ تِلْكَ الغايَةِ فَوَجَبَ جَوازُ إقامَةِ الصَّلَواتِ كُلِّها قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأبْيَضِ وهَذا إنَّما يَصِحُّ إذا قُلْنا إنَّها تَجِبُ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأحْمَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ”﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾“ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ صَلاةُ الصُّبْحِ، وانْتِصابُهُ بِالعَطْفِ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ ”﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾“ والتَّقْدِيرُ أقِمِ الصَّلاةَ وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ وفِيهِ فَوائِدُ:
الأُولى: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ القُرْآنَ إلى الفَجْرِ، والتَّقْدِيرُ أقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ فَوَجَبَ أنْ تَتَعَلَّقَ القِراءَةُ بِحُصُولِ الفَجْرِ، وفي أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ قَدْ حَصَلَ الفَجْرُ؛ لِأنَّ الفَجْرَ سُمِّي فَجْرًا لِانْفِجارِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَنْ نُورِ الصَّباحِ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَمُقْتَضى هَذا اللَّفْظِ وُجُوبُ إقامَةِ صَلاةِ الفَجْرِ مِن أوَّلِ طُلُوعِهِ إلّا أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذا الوُجُوبَ غَيْرُ حاصِلٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى النَّدْبُ لِأنَّ الوُجُوبَ عِبارَةٌ عَنْ رُجْحانِ مانِعٍ مِنَ التَّرْكِ فَإذا مَنَعَ مانِعٌ مِن تَحْقُّقِ الوُجُوبِ وجَبَ أنْ يَرْتَفِعَ المَنعُ مِنَ التَّرْكِ وأنْ يَبْقى أصْلُ الرُّجْحانِ حَتّى تُنْقَلَ مُخالَفَةُ الدَّلِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّ إقامَةَ الفَجْرِ في أوَّلِ الوَقْتِ أفْضَلُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ مِنَ التَّنْوِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الفُقَهاءَ بَيَّنُوا أنَّ السُّنَّةَ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ في هَذِهِ الصَّلاةِ أطْوَلَ مِنَ القِراءَةِ في سائِرِ الصَّلَواتِ فالمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ”وقُرْآنَ الفَجْرِ“ الحَثُّ عَلى أنَّ تَطْوِيلَ القِراءَةِ في هَذِهِ الصَّلاةِ مَطْلُوبٌ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أكْمَلَ مِن غَيْرِهِ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ وصَفَ قُرْآنَ الفَجْرِ بِكَوْنِهِ مَشْهُودًا. قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ ومَلائِكَةَ النَّهارِ يَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ خَلْفَ الإمامِ تَنْزِلُ مَلائِكَةُ النَّهارِ عَلَيْهِمْ وهم في صَلاةِ الغَداةِ وقَبْلَ أنْ تَعْرُجَ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ فَإذا فَرَغَ الإمامُ مِن صِلاتِهِ عَرَجَتْ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَكَثَتْ مَلائِكَةُ النَّهارِ ثُمَّ إنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ إذا صَعَدَتْ قالَتْ: يا رَبِّ إنّا تَرَكْنا عِبادَكَ يُصَلُّونَ لَكَ وتَقُولُ مَلائِكَةُ النَّهارِ رَبَّنا أتَيْنا عِبادَكَ وهم يُصْلُونَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ اشْهَدُوا أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم. وأقُولُ هَذا أيْضًا دَلِيلٌ قَوِيٌّ في أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ مِنَ التَّنْوِيرِ لِأنَّ الإنْسانَ إذا شَرَعَ فِيها مِن أوَّلِ الصُّبْحِ فَفي ذَلِكَ الوَقْتِ الظُّلْمَةُ باقِيَةٌ فَتَكُونُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ حاضِرِينَ ثُمَّ إذا امْتَدَّتِ الصَّلاةُ بِسَبَبِ تَرْتِيلِ القِراءَةِ وتَكْثِيرِها زالَتِ الظُّلْمَةُ وظَهَرَ الضَّوْءُ وحَضَرَتْ مَلائِكَةُ النَّهارِ فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَحْضُرُ في هَذِهِ الصَّلاةِ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ أمّا إذا ابْتَدَأ بِهَذِهِ الصَّلاةِ في وقْتِ التَّنْوِيرِ فَهُناكَ ما بَقِيَتْ
صفحة ٢٤
الظُّلْمَةُ فَلَمْ يَبْقَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أحَدٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّيْلِ فَلا يَحْصُلُ المَعْنى المَذْكُورُ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (إنَّهُ كانَ مَشْهُودًا) دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ وعِنْدِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (إنَّهُ كانَ مَشْهُودًا) احْتِمالٌ آخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كُلَّما كانَتِ الحَوادِثُ الحادِثَةُ أعْظَمَ وأكْمَلَ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أكْمَلَ فالإنْسانُ إذا شَرَعَ في أداءِ صَلاةِ الصُّبْحِ مِن أوَّلِ هَذا الوَقْتِ كانَتِ الظُّلْمَةُ القَوِيَّةُ باقِيَةً في العالَمِ، فَإذا امْتَدَّتِ القِراءَةُ في أثْناءِ هَذا الوَقْتِ يَنْقَلِبُ العالَمُ مِنَ الظُّلْمَةِ إلى الضَّوْءِ، والظُّلْمَةُ مُناسِبَةٌ لِلْمَوْتِ والعَدَمِ، والضَّوْءُ مُناسِبٌ لِلْحَياةِ والوُجُودِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإنْسانُ لَمّا قامَ مِن مَنامِهِ فَكَأنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُشاهِدُ في أثْناءِ صِلاتِهِ انْقِلابَ كُلِّيَّةِ هَذا العالَمِ مِنَ الظُّلْمَةِ إلى الضَّوْءِ ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ السُّكُونِ إلى الحَرَكَةِ ومِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذِهِ الحالَةُ حالَةٌ عَجِيبَةٌ تَشْهَدُ العُقُولُ والأرْواحُ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذا التَّقْلِيبِ والتَّحْوِيلِ والتَّبْدِيلِ إلّا الخالِقُ المُدَبِّرُ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُوَّةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ وحِينَئِذٍ يَسْتَنِيرُ العَقْلُ بِنُورِ هَذِهِ المَعْرِفَةِ ويَنْفَتِحُ عَلى العَقْلِ والرُّوحِ أبْوابُ المُكاشَفاتِ الرُّوحانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ فَتَصِيرُ الصَّلاةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ أعْمالِ الجَوارِحِ مَشْهُودًا عَلَيْها بِهَذِهِ المُكاشَفاتِ الإلَهِيَّةِ المُقَدَّسَةِ ولِذَلِكَ فَكُلُّ مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ وطَبْعٌ مُسْتَقِيمٌ إذا قامَ مِن مَنامِهِ وأدّى صَلاةَ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ واعْتَبَرَ اخْتِلافَ أحْوالِ العالَمِ مِنَ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ إلى النُّورِ ومِنَ السُّكُونِ إلى الحَرَكَةِ فَإنَّهُ يَجِدُ في قَلْبِهِ رَوْحًا وراحَةً ومَزِيدًا في نُورِ المَعْرِفَةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وظَهَرَ أنَّ هَذا الِاعْتِبارَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ أداءِ صَلاةِ الفَجْرِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيسِ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
وفِي الآيَةِ احْتِمالٌ ثالِثٌ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ التَّرْغِيبَ في أنْ تُؤَدّى هَذِهِ الصَّلاةُ بِالجَماعَةِ، ويَكُونُ المَعْنى كَوْنُهُ مَشْهُودًا بِالجَماعَةِ الكَثِيرَةِ، ومَزِيدُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنّا بَيَّنّا أنَّ تَأْثِيرَ هَذِهِ الصَّلاةِ في تَصْفِيَةِ القَلْبِ وفي تَنْوِيرِهِ أكْثَرُ مِن تَأْثِيرِ سائِرِ الصَّلَواتِ، فَإذا حَضَرَ جَمْعٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في المَسْجِدِ لِأداءِ هَذِهِ العِبادَةِ اسْتَنارَ قَلْبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم ثُمَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاجْتِماعِ كَأنَّهُ يَنْعَكِسُ نُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ونُورُ طاعَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن قَلْبِ كُلِّ واحِدٍ إلى قَلْبِ الآخَرِ فَتَصِيرُ أرْواحُهم كالمَرايا المُشْرِقَةِ المُتَقابِلَةِ إذا وقَعَتْ عَلَيْها أنْوارُ الشَّمْسِ فَإنَّهُ يَنْعَكِسُ النُّورُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ المَرايا إلى الأُخْرى فَكَذا في هَذِهِ الصُّورَةِ، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ كُلَّ مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ وأدّى هَذِهِ الصَّلاةَ في هَذا الوَقْتِ بِالجَماعَةِ وجَدَ مِن قَلْبِهِ فُسْحَةً ونُورًا وراحَةً.
الفائِدَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ في كَوْنِهِ مَشْهُودًا هو أنَّ الإنْسانَ لَمّا نامَ طُولَ اللَّيْلِ فَصارَ كالغافِلِ في هَذِهِ المُدَّةِ عَنْ مُراقَبَةِ أحْوالِ الدُّنْيا فَزالَتْ صُورَةُ الحَوادِثِ الجُسْمانِيَّةِ عَنْ لَوْحِ خَيالِهِ وفِكْرِهِ وعَقْلِهِ وصارَتْ هَذِهِ الألْواحُ كَألْواحٍ سُطِّرَتْ فِيها نُقُوشٌ فاسِدَةٌ ثُمَّ غُسِلَتْ وأُزِيلَتْ تِلْكَ النُّقُوشُ عَنْها، فَفي أوَّلِ وقْتِ القِيامِ مِنَ المَنامِ صارَتْ ألْواحُ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وخَيالِهِ مُطَهَّرَةً عَنِ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ الباطِلَةِ. فَإذا تَسارَعَ الإنْسانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وقِراءَةِ الكَلَمّاتِ الدّالَّةِ عَلى تَنْزِيهِهِ والإقْدامِ عَلى الأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى انْتَقَشَ في لَوْحِ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وخَيالِهِ هَذِهِ النُّقُوشُ الطّاهِرَةُ المُقَدَّسَةُ، ثُمَّ إنَّ حُصُولَ هَذِهِ النُّقُوشِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِحْكامِ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ، وهي النُّقُوشُ المُتَوَلِّدَةُ مِنَ المَيْلِ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَتَرَشَّحُ المَيْلُ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ ويَضْعُفُ المَيْلُ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ هَذِهِ الحِكْمَةُ إنَّما تَحْصُلُ إذا شَرَعَ الإنْسانُ في الصَّلاةِ مِن أوَّلِ قِيامِهِ مِنَ النَّوْمِ عِنْدَ التَّغْلِيسِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ وقَعُوا في أمْراضِ القُلُوبِ وهي حُبُّ
صفحة ٢٥
الدُّنْيا والحِرْصُ والحَسَدُ والتَّفاخُرُ والتَّكاثُرُ وهَذِهِ الدُّنْيا مِثْلُ دارِ المَرْضى إذا كانَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ المَرْضى، والأنْبِياءُ كالأطِبّاءِ الحاذِقِينَ، والمَرِيضُ رُبَّما قَدْ قَوِيَ مَرَضُهُ فَلا يَعُودُ إلى الصِّحَّةِ إلّا بِمُعالَجاتٍ قَوِيَّةٍ ورُبَّما كانَ المَرِيضُ جاهِلًا فَلا يَنْقادُ لِلطَّبِيبِ ويُخالِفُهُ في أكْثَرِ الأمْرِ، إلّا أنَّ الطَّبِيبَ إذا كانَ مُشْفِقًا حاذِقًا فَإنَّهُ يَسْعى في إزالَةِ ذَلِكَ المَرَضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إزالَتِهِ فَإنَّهُ يَسْعى في تَقْلِيلِهِ وتَخْفِيفِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَرَضُ حُبِّ الدُّنْيا مُسْتَوْلٍ عَلى الخَلْقِ ولا عِلاجَ لَهُ إلّا بِالدَّعْوَةِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ وهَذا عِلاجٌ شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ، وقَلَّ مَن يَقْبَلُهُ ويَنْقادُ لَهُ، لا جَرَمَ [ أنَّ ] الأنْبِياءَ اجْتَهَدُوا في تَقْلِيلِ هَذا المَرَضِ وحَمْلِ الخَلْقِ عَلى الشُّرُوعِ في الطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ مِن أوَّلِ وقْتِ القِيامِ مِنَ النَّوْمِ مِمّا يَنْفَعُ في إزالَةِ هَذا المَرَضِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْناهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والإشارَةِ أرْدَفَهُ بِالحَثِّ عَلى صَلاةِ اللَّيْلِ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: التَّهَجُّدُ عِبارَةٌ عَنْ صَلاةِ اللَّيْلِ فَقَوْلُهُ فَتَهَجَّدْ بِهِ أيْ بِالقُرْآنِ كَما قالَ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٢) إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٤) .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: الهُجُودُ في اللُّغَةِ النَّوْمُ وهو مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ في الشِّعْرِ يُقالُ: أهْجَدْتُهُ وهَجَّدْتُهُ أيْ أنَمْتُهُ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
هَجِّدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى
كَأنَّهُ قالَ: نَوِّمْنا فَإنَّ السُّرى قَدْ طالَ عَلَيْنا حَتّى غَلَبَنا النَّوْمُ، ورَوى أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الهاجِدُ النّائِمُ والهاجِدُ المُصَلِّي بِاللَّيْلِ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ كَأنَّهُ قالَ هَجَدَ الرَّجُلُ إذا صَلّى مِنَ اللَّيْلِ وهَجَدَ إذا نامَ بِاللَّيْلِ فَعِنْدَ هَؤُلاءِ هَذا اللَّفْظُ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا الأزْهَرِيُّ فَإنَّهُ تَوَسَّطَ في تَفْسِيرِ هَذا اللَّفْظِ وقالَ: المَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ هو النّائِمُ، ثُمَّ رَأيْنا أنَّ في الشَّرْعِ يُقالُ لِمَن قامَ مِنَ النَّوْمِ إلى الصَّلاةِ إنَّهُ مُتَهَجِّدٌ فَوَجَبَ أنَّ يُحْمَلَ هَذا عَلى أنَّهُ سُمِّيَ مُتَهَجِّدًا لِإلْقائِهِ الهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ كَما قِيلَ لِلْعابِدِ مُتَحَنِّثٌ لِإلْقائِهِ الحِنْثَ عَنْ نَفْسِهِ وهو الإثْمُ، ويُقالُ فُلانٌ رَجُلٌ مُتَحَرِّجٌ ومُتَأثِّمٌ ومُتَحَوِّبٌ أيْ: يُلْقِي الحَرَجَ والإثْمَ والحُوبَ عَنْ نَفْسِهِ، وأقُولُ فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتْرُكُ لَذَّةَ النَّوْمِ ويَتَحَمَّلُ مَشَقَّةَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ لِيَطِيبَ رُقادُهُ وهُجُودُهُ عِنْدَ المَوْتِ، فَلَمّا كانَ غَرَضُهُ مِن تَرْكِ هَذا الهُجُودِ أنْ يَصِلَ إلى الهُجُودِ اللَّذِيذِ عِنْدَ المَوْتِ كانَ هَذا القِيامُ طَلَبًا لِذَلِكَ الهُجُودِ فَسُمِّيَ تَهَجُّدًا لِهَذا السَّبَبِ.
وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو ما رُوِيَ أنَّ الحَجّاجَ بْنَ عَمْرٍو المازِنِيَّ قالَ: أيَحْسَبُ أحَدُكم إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلّى حَتّى يُصْبِحَ أنَّهُ قَدْ تَهَجَّدَ إنَّما التَّهَجُّدُ الصَّلاةُ بَعْدَ الرُّقادِ ثُمَّ صَلاةٌ أُخْرى بَعْدَ رَقْدَةٍ ثُمَّ صَلاةٌ أُخْرى بَعْدَ رَقْدَةٍ هَكَذا كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ كُلَّما صَلّى الإنْسانُ طَلَبَ هُجُودًا ورُقادًا فَلا يَبْعُدُ أنَّهُ سُمِّيَ تَهَجُّدًا لِهَذا السَّبَبِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (مِنَ) في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: قُمْ مِنَ اللَّيْلِ أيْ في بَعْضِ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، وقَوْلُهُ: (بِهِ) أيْ بِالقُرْآنِ، والمُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى القُرْآنِ.
صفحة ٢٦
البَحْثُ الرّابِعُ: مَعْنى النّافِلَةِ في اللُّغَةِ ما كانَ زِيادَةً عَلى الأصْلِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ (الأنْفالِ: ١) ومَعْناها أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ الزِّيادَةُ، وفي تَفْسِيرِ كَوْنِها زِيادَةً قَوْلانِ مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ هَلْ كانَتْ واجِبَةً عَلى النَّبِيِّ ﷺ أمْ لا فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّها كانَتْ واجِبَةً عَلَيْهِ ثُمَّ نُسِخَتْ فَصارَتْ نافِلَةً، أيْ تَطَوُّعًا وزِيادَةً عَلى الفَرائِضِ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ في تَفْسِيرِ كَوْنِها (نافِلَةً) وجْهًا حَسَنًا قالا: إنَّهُ تَعالى غَفَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَكُلُّ طاعَةٍ يَأْتِي بِها سِوى المَكْتُوبَةِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ تَأْثِيرُها في كَفّارَةِ الذُّنُوبِ البَتَّةَ بَلْ يَكُونُ تَأْثِيرُها في زِيادَةِ الدَّرَجاتِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ، وكانَ المَقْصُودُ مِن تِلْكَ العِبادَةِ زِيادَةَ الثَّوابِ فَلِهَذا سُمِّيَتْ نافِلَةً، بِخِلافِ الأُمَّةِ فَإنَّ لَهم ذُنُوبًا مُحْتاجَةً إلى الكَفّاراتِ فَهَذِهِ الطّاعَةُ مُحْتاجُونَ إلَيْها لِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ والسَّيِّئاتِ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الطّاعاتِ إنَّما تَكُونُ زَوائِدَ ونَوافِلَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ لا في حَقِّ غَيْرِهِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ يَعْنِي أنَّها زَوائِدُ ونَوافِلُ في حَقِّكَ لا في حَقِّ غَيْرِكَ، وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ واجِبَةً عَلى النَّبِيِّ ﷺ قالُوا مَعْنى كَوْنِها نافِلَةً لَهُ عَلى التَّخْصِيصِ أنَّها فَرِيضَةٌ عَلَيْكَ زائِدَةٌ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ خُصِّصْتَ بِها مِن بَيْنِ أُمَّتِكَ ويُمْكِنُ نُصْرَةُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ قَوْلَهُ ”﴿فَتَهَجَّدْ﴾“ أمْرٌ وصِيغَةُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَوَجَبَ كَوْنُ هَذا التَّهَجُّدُ واجِبًا، فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ ”نافِلَةً لَكَ“ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ لَزِمَ التَّعارُضُ وهو خِلافُ الأصْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْنى كَوْنِها نافِلَةً لَهُ ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِ وُجُوبِها زائِدًا عَلى وُجُوبِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ واللَّهُ أعْلَمُ.
البَحْثُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ وإنْ كانَ ظاهِرُ الأمْرِ فِيهِ مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّهُ في المَعْنى عامٌّ في حَقِّ الأُمَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ ”﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾“ فَبَيَّنَ أنَّ الأمْرَ بِالتَّهَجُّدِ مَخْصُوصٌ بِالرَّسُولِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالصَّلاةِ الخَمْسِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلّا لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِ الأمْرِ بِالتَّهَجُّدِ بِهَذا القَيْدِ فائِدَةً أصْلًا واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ كَلِمَةَ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، قالَ أهْلُ المَعانِي: لِأنَّ لَفْظَةَ عَسى تُفِيدُ الإطْماعَ، ومَن أطْمَعَ إنْسانًا في شَيْءٍ ثُمَّ حَرَمَهُ كانَ عارًا واللَّهُ تَعالى أكْرَمُ مِن أنْ يُطْمِعَ أحَدًا في شَيْءٍ ثُمَّ لا يُعْطِيهِ ذَلِكَ
* * *
وقَوْلُهُ: ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ مَحْمُودًا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ يَبْعَثُكَ أيْ: يَبْعَثُكَ مَحْمُودًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَقامِ وهو ظاهِرٌ.
البَحْثُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الشَّفاعَةُ، قالَ الواحِدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّهُ مَقامُ الشَّفاعَةِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ ”«هُوَ المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» “ وأقُولُ: اللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَصِيرُ مَحْمُودًا إذا حَمِدَهُ حامِدٌ، والحَمْدُ إنَّما يَكُونُ عَلى الإنْعامِ فَهَذا المَقامُ المَحْمُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَقامًا أنْعَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ عَلى قَوْمٍ فَحَمِدُوهُ عَلى ذَلِكَ الإنْعامِ، وذَلِكَ الإنْعامُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو تَبْلِيغُ الدِّينِ وتَعْلِيمُ الشَّرْعِ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا في الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ تَطْمِيعٌ وتَطْمِيعُ الإنْسانِ في الشَّيْءِ الَّذِي وعَدَهُ في الحالِ مُحالٌ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإنْعامُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَصِيرُ مَحْمُودًا إنْعامًا سَيَصِلُ مِنهُ حَصَلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّاسِ وما ذاكَ إلّا شَفاعَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ لَفْظَ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى وأيْضًا التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ مَقامًا مَحْمُودًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَلِكَ المَقامِ حَمْدٌ بالِغٌ عَظِيمٌ كامِلٌ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ حَمْدَ
صفحة ٢٧
الإنْسانِ عَلى سَعْيِهِ في التَّخْلِيصِ عَنِ العِقابِ أعْظَمُ مِن حَمْدِهِ في السَّعْيِ في زِيادَةٍ مِنَ الثَّوابِ لا حاجَةَ بِهِ إلَيْها لِأنَّ احْتِياجَ الإنْسانِ إلى دَفْعِ الآلامِ العَظِيمَةِ عَنِ النَّفْسِ فَوْقَ احْتِياجِهِ إلى تَحْصِيلِ المَنافِعِ الزّائِدَةِ الَّتِي لا حاجَةَ بِهِ إلى تَحْصِيلِها وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ هو الشَّفاعَةُ في إسْقاطِ العِقابِ عَلى ما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِهَذا المَعْنى إشْعارًا قَوِيًّا ثُمَّ ورَدَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى وجَبَ حَلُّ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ الدُّعاءُ المَشْهُورُ وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ يَغْبِطُهُ بِهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، واتَّفَقَ النّاسُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ حُذَيْفَةُ: ”يُجْمَعُ النّاسُ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَلْجَأ ولا مَنجا مِنكَ إلّا إلَيْكَ تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ“ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وأقُولُ القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ سَعْيَهُ في الشَّفاعَةِ يُفِيدُهُ إقْدامُ النّاسِ عَلى حَمْدِهِ فَيَصِيرُ مَحْمُودًا، وأمّا ذِكْرُ هَذا الدُّعاءِ فَلا يُفِيدُ إلّا الثَّوابَ أمّا الحَمْدُ فَلا، فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنَّ يُقالَ إنَّهُ تَعالى يَحْمَدُهُ عَلى هَذا القَوْلِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الحَمْدَ في اللُّغَةِ مُخْتَصٌّ بِالثَّناءِ المَذْكُورِ في مُقابَلَةِ الإنْعامِ فَقَطْ، فَإنْ ورَدَ لَفْظُ الحَمْدِ في غَيْرِ هَذا المَعْنى فَعَلى سَبِيلِ المَجازِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ مَقامٌ تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في القَوْلِ الثّانِي.
القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ”يُقْعِدُ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلى العَرْشِ“ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ، ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِ هَذا التَّفْسِيرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ضِدُّ الإجْلاسِ يُقالُ بَعَثْتُ النّازِلَ والقاعِدَ فانْبَعَثَ، ويُقالُ بَعْثَ اللَّهُ المَيِّتَ أيْ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرٌ لِلضِّدِّ بِالضِّدِّ وهو فاسِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ مَقامًا مَحْمُودًا ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا، والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعَ القُعُودِ.
والثّالِثُ: لَوْ كانَ تَعالى جالِسًا عَلى العَرْشِ بِحَيْثُ يَجْلِسُ عِنْدَهُ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ.
والرّابِعُ: يُقالُ إنَّ جُلُوسَهُ مَعَ اللَّهِ عَلى العَرْشِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ إعْزازٍ لِأنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ والحَمْقى يَقُولُونَ في كُلِّ أهْلِ الجَنَّةِ إنَّهم يَزُورُونَ اللَّهَ تَعالى وإنَّهم يَجْلِسُونَ مَعَهُ وإنَّهُ تَعالى يَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها في الدُّنْيا، وإذا كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ حاصِلَةً عِنْدَهم لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِها مَزِيدُ شَرَفٍ ورُتْبَةٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ السُّلْطانُ بَعَثَ فُلانًا فُهِمَ مِنهُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلى قَوْمٍ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِمْ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا القَوْلَ كَلامٌ رَذْلٌ ساقِطٌ لا يَمِيلُ إلَيْهِ إلّا إنْسانٌ قَلِيلُ العَقْلِ عَدِيمُ الدِّينِ واللَّهُ أعْلَمُ
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ سَعْيُ كُفّارِ مَكَّةَ في إخْراجِهِ مِنها.
والثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَهُ الأوْلى لَكَ أنَّ تَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ واشْتَغِلْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ولا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ الجُهّالِ فَإنَّهُ تَعالى ناصِرُكَ ومُعِينُكَ ثُمَّ عادَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ إلى شَرْحِ تِلْكَ الواقِعَةِ فَإنْ فَسَّرْنا تِلْكَ الآيَةَ أنَّ المُرادَ مِنها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أرادُوا إخْراجَهُ مِن مَكَّةَ كانَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ وقالَ لَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وهو المَدِينَةُ ﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ وهو مَكَّةُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وإنْ فَسَّرْنا تِلْكَ الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ مِنها أنَّ اليَهُودَ حَمَلُوهُ عَلى الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ والذَّهابِ إلى الشّامِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها
صفحة ٢٨
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَرْجِعَ إلَيْها كانَ المُرادُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِنْدَ العَوْدِ إلى المَدِينَةِ قالَ: ﴿رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وهو المَدِينَةُ ﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يَعْنِي أخْرِجْنِي مِنها إلى مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ أيِ:افْتَحْها لِي.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وهو أكْمَلُ مِمّا سَبَقَ: أنَّ المُرادَ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في الصَّلاةِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنها مَعَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ وحُضُورِ ذِكْرِكَ والقِيامِ بِلَوازِمِ شُكْرِكَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو أكْمَلُ مِمّا سَبَقَ أنِ المُرادَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في القِيامِ بِمُهِمّاتِ أداءِ دَيْنِكَ وشَرِيعَتِكَ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنها بَعْدَ الفَراغِ مِنها إخْراجًا لا يَبْقى عَلَيَّ مِنها تَبِعَةً رِبْقِيَّةً.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو أعْلى مِمّا سَبَقَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ تَوْحِيدِكِ وتَنْزِيهِكِ وقُدْسِكَ ثُمَّ أخْرِجْنِي مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى ضِياءِ مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ ومِنَ التَّأمُّلِ في آثارِ حُدُوثِ المُحْدَثاتِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ المُنَزَّهِ عَنِ التَّكْثِيراتِ والتَّغَيُّراتِ.
والقَوْلُ الخامِسُ: أدْخِلْنِي في كُلِّ ما تُدْخِلُنِي فِيهِ مَعَ الصِّدْقِ في عُبُودِيَّتِكَ والِاسْتِغْراقِ بِمَعْرِفَتِكَ وأخْرِجْنِي عَنْ كُلِّ ما تُخْرِجُنِي عَنْهُ مَعَ الصِّدْقِ في العُبُودِيَّةِ والمَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَكُونَ صِدْقُ العُبُودِيَّةِ حاصِلًا في كُلِّ دُخُولٍ وخُرُوجٍ وحَرَكَةٍ وسُكُونٍ.
والقَوْلُ السّادِسُ: أدْخِلْنِي القَبْرَ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مِنهُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
البَحْثُ الثّانِي: ”مُدْخَلَ“ بِضَمِّ المِيمِ مَصْدَرٌ كالإدْخالِ يُقالُ أدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا كَما قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ (المُؤْمِنُونَ: ٢٩) ومَعْنى إضافَةِ المُدْخَلِ والمُخْرَجِ إلى الصِّدْقِ مَدْحُهُما كَأنَّهُ سَألَ اللَّهَ تَعالى إدْخالًا حَسَنًا وإخْراجًا حَسَنًا لا يَرى فِيهِما ما يَكْرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ حُجَّةً بَيِّنَةً ظاهِرَةً تَنْصُرُنِي بِها عَلى جَمِيعِ مَن خالَفَنِي، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَهُ التَّقْوِيَةَ عَلى مَن خالَفَهُ بِالحُجَّةِ وبِالقَهْرِ والقُدْرَةِ وقَدْ أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنَ النّاسِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ (المائِدَةِ: ٦٧) وقالَ: ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (المُجادَلَةِ: ٢٢) وقالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٣) ولَمّا سَألَ اللَّهَ النُّصْرَةَ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أنَّهُ أجابَ دُعاءَهُ فَقالَ: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ وهو دِينُهُ وشَرْعُهُ ﴿وزَهَقَ الباطِلُ﴾ وهو كُلُّ ما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ والشَّرائِعِ، وزَهَقَ: بَطَلَ واضْمَحَلَّ، وأصْلُهُ مِن زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ أيْ هَلَكَتْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”«أنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ فَجَعَلَ الصَّنَمُ يَنْكَبُّ عَلى وجْهِهِ» “ . وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ يَعْنِي أنَّ الباطِلَ وإنِ اتَّفَقَتْ لَهُ دَوْلَةٌ وصَوْلَةٌ إلّا أنَّها لا تَبْقى بَلْ تَزُولُ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أمْرَ الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ أرْدَفَها بِذِكْرِ الأمْرِ بِالطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ، وأشْرَفُ الطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ الصَّلاةُ فَلِهَذا السَّبَبِ أمْرَ بِها.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ أمَرَهُ تَعالى بِالإقْبالِ عَلى عِبادَتِهِ لِكَيْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ لا تُبالِ بِسَعْيِهِمْ في إخْراجِكَ مِن بَلْدَتِكَ ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ واشْتَغِلْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وداوِمْ عَلى أداءِ الصَّلَواتِ فَإنَّهُ تَعالى يَدْفَعُ مَكْرَهم وشَرَّهم عَنْكَ ويَجْعَلُ يَدَكَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ودِينَكَ غالِبًا عَلى أدْيانِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ (طه: ١٣٠) وقالَ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ (الحِجْرِ: ٩٩) .
والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا لَهُ اذْهَبْ إلى الشّامِ فَإنَّهُ مَسْكَنُ الأنْبِياءِ عَزَمَ ﷺ عَلى الذَّهابِ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ المَعْبُودُ واحِدٌ في كُلِّ البِلادِ وما النُّصْرَةُ والدَّوْلَةُ إلّا بِتَأْيِيدِهِ ونُصْرَتِهِ فَداوِمْ عَلى الصَّلَواتِ وارْجِعْ إلى مَقَرِّكَ ومَسْكَنِكَ، وإذا دَخَلْتَهُ ورَجَعْتَ إلَيْهِ فَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي في هَذا البَلَدِ سُلْطانًا نَصِيرًا في تَقْرِيرِ دِينِكَ وإظْهارِ شَرْعِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ والمُفَسِّرُونَ في مَعْنى دُلُوكِ الشَّمْسِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ دُلُوكَها غُرُوبُها وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، فَنَقَلَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: غُرُوبُها، ورَوى زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: غُرُوبُها، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ دُلُوكَ الشَّمْسِ هو زَوالُها عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وهو اخْتِيارُ الأكْثَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: رَوى الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ قالَ: ”«طَعِمَ عِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» “ .
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ فَصَلّى بِيَ الظَّهْرَ» “ .
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ مَعْنى الدُّلُوكِ في كَلامِ العَرَبِ الزَّوالُ ولِذَلِكَ
صفحة ٢٢
قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ دالِكَةٌ، وقِيلَ لَها إذا أفَلَتْ دالِكَةٌ لِأنَّها في الحالَتَيْنِ زائِلَةٌ، هَكَذا قالَهُ الأزْهَرِيُّ، وقالَ القَفّالُ: أصْلُ الدُّلُوكِ المَيْلُ، يُقالُ: مالَتِ الشَّمْسُ لِلزَّوالِ، ويُقالُ: مالَتْ لِلْغُرُوبِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدُّلُوكِ هَهُنا الزَّوالُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ إقامَةَ الصَّلاةِ بِالدُّلُوكِ، والدُّلُوكُ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والزَّوالِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أوَّلُ ما حَصَلَ المَيْلُ والزَّوالُ تَعَلَّقَ بِهِ هَذا الحُكْمُ فَلَمّا حَصَلَ هَذا المَعْنى حالَ مَيْلِها مِن كَبِدِ السَّماءِ وجَبَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الصَّلاةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الدُّلُوكِ في هَذِهِ الآيَةِ مَيْلُها عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وهَذِهِ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ في هَذا البابِ اسْتَنْبَطْتُها بِناءً عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّ الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والزَّوالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قالَ الأزْهَرِيُّ: الأوْلى حَمْلُ الدُّلُوكِ عَلى الزَّوالِ في نِصْفِ النَّهارِ، والمَعْنى ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيْ أدِمْها مِن وقْتِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الظَّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعَشاءُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ فَإذا حَمَلْنا الدُّلُوكَ عَلى الزَّوالِ دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ في هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الغُرُوبِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إلّا ثَلاثُ صَلَواتٍ وهي المَغْرِبُ والعِشاءُ والفَجْرُ، وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما يَكُونُ أكْثَرَ فائِدَةً أوْلى فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدُّلُوكِ الزَّوالَ، واحْتَجَّ الفَرّاءُ عَلى قَوْلِهِ الدُّلُوكُ هو الغُرُوبُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ وقَفَتْ حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
وبَراحُ اسْمُ الشَّمْسِ أيْ حَتّى غابَتْ، واحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا أفَلاكُّهُنَّ الدَّوالِكُ
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ لِأنَّ عِنْدَنا الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والتَّغَيُّرِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ في الغُرُوبِ فَكانَ الغُرُوبُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الدُّلُوكِ، فَكانَ وُقُوعُ لَفْظِ الدُّلُوكِ عَلى الغُرُوبِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ عَلى الزَّوالِ كَما أنَّ وُقُوعَ لَفْظِ الحَيَوانِ عَلى الإنْسانِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ عَلى الفَرَسِ، ومِنهم مَنِ احْتَجَّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الدُّلُوكَ اشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ لِأنَّ الإنْسانَ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها وهَذا إنَّما يَصِحُّ في الوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها ومَعْلُومٌ أنَّها عِنْدَ كَوْنِها في وسَطِ السَّماءِ لا يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها، أمّا عِنْدَ قُرْبِها مِنَ الغُرُوبِ فَيُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها [ و] عِنْدَما يَنْظُرُ الإنْسانُ إلَيْها في ذَلِكَ الوَقْتِ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الدُّلُوكِ مُخْتَصٌّ بِالغُرُوبِ. والجَوابُ أنَّ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّبْيِينِ عِنْدَ كَوْنِها في وسَطِ السَّماءِ أتَمُّ فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ بِأنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ الزَّوالِ مِن وسَطِ السَّماءِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ ”﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾“ لامُ الأجَلِ والسَّبَبُ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلاةَ إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ غَسَقُ اللَّيْلِ سَوادُهُ وظُلْمَتُهُ، قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ: الِاسْمُ، بِفَتْحِ السِّينِ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ: دُخُولُ أوَّلِهِ، وأتَيْتُهُ حِينَ غَسَقَ اللَّيْلُ، أيْ حِينَ يَخْتَلِطُ ويَسُدُّ المَناظِرَ، وأصْلُ هَذا الحَرْفِ مِنَ السَّيَلانِ يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ. وهو هَمَلانُ العَيْنِ بِالماءِ، والغاسِقُ السّائِلُ، ومِن هَذا يُقالُ لِما يَسِيلُ مِن أهْلِ النّارِ: الغَسّاقُ، فَمَعْنى غَسَقَ اللَّيْلُ أيِ انْصَبَّ بِظَلامِهِ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ كَأنَّها تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: ما غَسَقُ اللَّيْلِ ؟ قالَ أوَّلُهُ حِينَ يَدْخُلُ. وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ: قالَ: دُخُولُ اللَّيْلِ
صفحة ٢٣
بِظُلْمَتِهِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: غَسَقُ اللَّيْلِ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ عِنْدَ تَراكُمِ الظُّلْمَةِ واشْتِدادِها، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا امْتَلَأتْ دَمْعًا، وغَسَقَتِ الجِراحَةُ إذا امْتَلَأتْ دَمًا، قالَ: لِأنّا لَوْ حَمَلْنا الغَسَقُ عَلى هَذا المَعْنى دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الأرْبَعُ فِيهِ وهي الظُّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَوْ حَمَلْنا الغَسَقَ عَلى ظُهُورِ أوَّلِ الظُّلْمَةِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إلّا الظَّهْرُ والمَغْرِبُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ أوْلى، واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِحْثٌ شَرِيفٌ، فَإنْ فَسَّرْنا الغَسَقَ بِظُهُورِ أوَّلِ الظُّلْمَةِ كانَ الغَسَقُ عِبارَةٌ عَنْ أوَّلِ المَغْرِبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَذْكُورُ في الآيَةِ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ وقْتَ الزَّوالِ ووَقْتَ أوَّلِ المَغْرِبِ ووَقْتَ الفَجْرِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الزَّوالُ وقْتًا لِلظُّهْرِ والعَصْرِ فَيَكُونُ هَذا الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ، وأنَّ يَكُونَ أوَّلُ المَغْرِبِ وقْتًا لِلْمَغْرِبِ والعِشاءِ فَيَكُونُ هَذا الوَقْتُ مُشْتَرِكًا أيْضًا بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ فَهَذا يَقْتَضِي جَوازَ الجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ وبَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ مُطْلَقًا إلّا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الجَمْعَ في الحَضَرِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ لا يَجُوزُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ جائِزًا بِعُذْرِ السَّفَرِ وعُذْرِ المَطَرِ وغَيْرِهِ، أمّا إنْ فَسَّرْنا الغَسَقَ بِالظُّلْمَةِ المُتَراكِمَةِ فَنَقُولُ: الظُّلْمَةُ المُتَراكِمَةُ إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأبْيَضِ، وكَلِمَةُ إلى لِانْتِهاءِ الغايَةِ والحُكْمُ المَمْدُودُ إلى غايَةٍ يَكُونُ مَشْرُوعًا قَبْلَ حُصُولِ تِلْكَ الغايَةِ فَوَجَبَ جَوازُ إقامَةِ الصَّلَواتِ كُلِّها قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأبْيَضِ وهَذا إنَّما يَصِحُّ إذا قُلْنا إنَّها تَجِبُ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأحْمَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ”﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾“ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ صَلاةُ الصُّبْحِ، وانْتِصابُهُ بِالعَطْفِ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ ”﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾“ والتَّقْدِيرُ أقِمِ الصَّلاةَ وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ وفِيهِ فَوائِدُ:
الأُولى: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ القُرْآنَ إلى الفَجْرِ، والتَّقْدِيرُ أقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ فَوَجَبَ أنْ تَتَعَلَّقَ القِراءَةُ بِحُصُولِ الفَجْرِ، وفي أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ قَدْ حَصَلَ الفَجْرُ؛ لِأنَّ الفَجْرَ سُمِّي فَجْرًا لِانْفِجارِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَنْ نُورِ الصَّباحِ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَمُقْتَضى هَذا اللَّفْظِ وُجُوبُ إقامَةِ صَلاةِ الفَجْرِ مِن أوَّلِ طُلُوعِهِ إلّا أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذا الوُجُوبَ غَيْرُ حاصِلٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى النَّدْبُ لِأنَّ الوُجُوبَ عِبارَةٌ عَنْ رُجْحانِ مانِعٍ مِنَ التَّرْكِ فَإذا مَنَعَ مانِعٌ مِن تَحْقُّقِ الوُجُوبِ وجَبَ أنْ يَرْتَفِعَ المَنعُ مِنَ التَّرْكِ وأنْ يَبْقى أصْلُ الرُّجْحانِ حَتّى تُنْقَلَ مُخالَفَةُ الدَّلِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّ إقامَةَ الفَجْرِ في أوَّلِ الوَقْتِ أفْضَلُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ مِنَ التَّنْوِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الفُقَهاءَ بَيَّنُوا أنَّ السُّنَّةَ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ في هَذِهِ الصَّلاةِ أطْوَلَ مِنَ القِراءَةِ في سائِرِ الصَّلَواتِ فالمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ”وقُرْآنَ الفَجْرِ“ الحَثُّ عَلى أنَّ تَطْوِيلَ القِراءَةِ في هَذِهِ الصَّلاةِ مَطْلُوبٌ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أكْمَلَ مِن غَيْرِهِ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ وصَفَ قُرْآنَ الفَجْرِ بِكَوْنِهِ مَشْهُودًا. قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ ومَلائِكَةَ النَّهارِ يَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ خَلْفَ الإمامِ تَنْزِلُ مَلائِكَةُ النَّهارِ عَلَيْهِمْ وهم في صَلاةِ الغَداةِ وقَبْلَ أنْ تَعْرُجَ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ فَإذا فَرَغَ الإمامُ مِن صِلاتِهِ عَرَجَتْ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَكَثَتْ مَلائِكَةُ النَّهارِ ثُمَّ إنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ إذا صَعَدَتْ قالَتْ: يا رَبِّ إنّا تَرَكْنا عِبادَكَ يُصَلُّونَ لَكَ وتَقُولُ مَلائِكَةُ النَّهارِ رَبَّنا أتَيْنا عِبادَكَ وهم يُصْلُونَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ اشْهَدُوا أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم. وأقُولُ هَذا أيْضًا دَلِيلٌ قَوِيٌّ في أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ مِنَ التَّنْوِيرِ لِأنَّ الإنْسانَ إذا شَرَعَ فِيها مِن أوَّلِ الصُّبْحِ فَفي ذَلِكَ الوَقْتِ الظُّلْمَةُ باقِيَةٌ فَتَكُونُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ حاضِرِينَ ثُمَّ إذا امْتَدَّتِ الصَّلاةُ بِسَبَبِ تَرْتِيلِ القِراءَةِ وتَكْثِيرِها زالَتِ الظُّلْمَةُ وظَهَرَ الضَّوْءُ وحَضَرَتْ مَلائِكَةُ النَّهارِ فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَحْضُرُ في هَذِهِ الصَّلاةِ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ أمّا إذا ابْتَدَأ بِهَذِهِ الصَّلاةِ في وقْتِ التَّنْوِيرِ فَهُناكَ ما بَقِيَتْ
صفحة ٢٤
الظُّلْمَةُ فَلَمْ يَبْقَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أحَدٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّيْلِ فَلا يَحْصُلُ المَعْنى المَذْكُورُ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (إنَّهُ كانَ مَشْهُودًا) دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ وعِنْدِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (إنَّهُ كانَ مَشْهُودًا) احْتِمالٌ آخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كُلَّما كانَتِ الحَوادِثُ الحادِثَةُ أعْظَمَ وأكْمَلَ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أكْمَلَ فالإنْسانُ إذا شَرَعَ في أداءِ صَلاةِ الصُّبْحِ مِن أوَّلِ هَذا الوَقْتِ كانَتِ الظُّلْمَةُ القَوِيَّةُ باقِيَةً في العالَمِ، فَإذا امْتَدَّتِ القِراءَةُ في أثْناءِ هَذا الوَقْتِ يَنْقَلِبُ العالَمُ مِنَ الظُّلْمَةِ إلى الضَّوْءِ، والظُّلْمَةُ مُناسِبَةٌ لِلْمَوْتِ والعَدَمِ، والضَّوْءُ مُناسِبٌ لِلْحَياةِ والوُجُودِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإنْسانُ لَمّا قامَ مِن مَنامِهِ فَكَأنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُشاهِدُ في أثْناءِ صِلاتِهِ انْقِلابَ كُلِّيَّةِ هَذا العالَمِ مِنَ الظُّلْمَةِ إلى الضَّوْءِ ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ السُّكُونِ إلى الحَرَكَةِ ومِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذِهِ الحالَةُ حالَةٌ عَجِيبَةٌ تَشْهَدُ العُقُولُ والأرْواحُ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذا التَّقْلِيبِ والتَّحْوِيلِ والتَّبْدِيلِ إلّا الخالِقُ المُدَبِّرُ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُوَّةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ وحِينَئِذٍ يَسْتَنِيرُ العَقْلُ بِنُورِ هَذِهِ المَعْرِفَةِ ويَنْفَتِحُ عَلى العَقْلِ والرُّوحِ أبْوابُ المُكاشَفاتِ الرُّوحانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ فَتَصِيرُ الصَّلاةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ أعْمالِ الجَوارِحِ مَشْهُودًا عَلَيْها بِهَذِهِ المُكاشَفاتِ الإلَهِيَّةِ المُقَدَّسَةِ ولِذَلِكَ فَكُلُّ مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ وطَبْعٌ مُسْتَقِيمٌ إذا قامَ مِن مَنامِهِ وأدّى صَلاةَ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ واعْتَبَرَ اخْتِلافَ أحْوالِ العالَمِ مِنَ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ إلى النُّورِ ومِنَ السُّكُونِ إلى الحَرَكَةِ فَإنَّهُ يَجِدُ في قَلْبِهِ رَوْحًا وراحَةً ومَزِيدًا في نُورِ المَعْرِفَةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وظَهَرَ أنَّ هَذا الِاعْتِبارَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ أداءِ صَلاةِ الفَجْرِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيسِ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
وفِي الآيَةِ احْتِمالٌ ثالِثٌ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ التَّرْغِيبَ في أنْ تُؤَدّى هَذِهِ الصَّلاةُ بِالجَماعَةِ، ويَكُونُ المَعْنى كَوْنُهُ مَشْهُودًا بِالجَماعَةِ الكَثِيرَةِ، ومَزِيدُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنّا بَيَّنّا أنَّ تَأْثِيرَ هَذِهِ الصَّلاةِ في تَصْفِيَةِ القَلْبِ وفي تَنْوِيرِهِ أكْثَرُ مِن تَأْثِيرِ سائِرِ الصَّلَواتِ، فَإذا حَضَرَ جَمْعٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في المَسْجِدِ لِأداءِ هَذِهِ العِبادَةِ اسْتَنارَ قَلْبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم ثُمَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاجْتِماعِ كَأنَّهُ يَنْعَكِسُ نُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ونُورُ طاعَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن قَلْبِ كُلِّ واحِدٍ إلى قَلْبِ الآخَرِ فَتَصِيرُ أرْواحُهم كالمَرايا المُشْرِقَةِ المُتَقابِلَةِ إذا وقَعَتْ عَلَيْها أنْوارُ الشَّمْسِ فَإنَّهُ يَنْعَكِسُ النُّورُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ المَرايا إلى الأُخْرى فَكَذا في هَذِهِ الصُّورَةِ، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ كُلَّ مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ وأدّى هَذِهِ الصَّلاةَ في هَذا الوَقْتِ بِالجَماعَةِ وجَدَ مِن قَلْبِهِ فُسْحَةً ونُورًا وراحَةً.
الفائِدَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ في كَوْنِهِ مَشْهُودًا هو أنَّ الإنْسانَ لَمّا نامَ طُولَ اللَّيْلِ فَصارَ كالغافِلِ في هَذِهِ المُدَّةِ عَنْ مُراقَبَةِ أحْوالِ الدُّنْيا فَزالَتْ صُورَةُ الحَوادِثِ الجُسْمانِيَّةِ عَنْ لَوْحِ خَيالِهِ وفِكْرِهِ وعَقْلِهِ وصارَتْ هَذِهِ الألْواحُ كَألْواحٍ سُطِّرَتْ فِيها نُقُوشٌ فاسِدَةٌ ثُمَّ غُسِلَتْ وأُزِيلَتْ تِلْكَ النُّقُوشُ عَنْها، فَفي أوَّلِ وقْتِ القِيامِ مِنَ المَنامِ صارَتْ ألْواحُ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وخَيالِهِ مُطَهَّرَةً عَنِ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ الباطِلَةِ. فَإذا تَسارَعَ الإنْسانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وقِراءَةِ الكَلَمّاتِ الدّالَّةِ عَلى تَنْزِيهِهِ والإقْدامِ عَلى الأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى انْتَقَشَ في لَوْحِ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وخَيالِهِ هَذِهِ النُّقُوشُ الطّاهِرَةُ المُقَدَّسَةُ، ثُمَّ إنَّ حُصُولَ هَذِهِ النُّقُوشِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِحْكامِ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ، وهي النُّقُوشُ المُتَوَلِّدَةُ مِنَ المَيْلِ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَتَرَشَّحُ المَيْلُ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ ويَضْعُفُ المَيْلُ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ هَذِهِ الحِكْمَةُ إنَّما تَحْصُلُ إذا شَرَعَ الإنْسانُ في الصَّلاةِ مِن أوَّلِ قِيامِهِ مِنَ النَّوْمِ عِنْدَ التَّغْلِيسِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ وقَعُوا في أمْراضِ القُلُوبِ وهي حُبُّ
صفحة ٢٥
الدُّنْيا والحِرْصُ والحَسَدُ والتَّفاخُرُ والتَّكاثُرُ وهَذِهِ الدُّنْيا مِثْلُ دارِ المَرْضى إذا كانَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ المَرْضى، والأنْبِياءُ كالأطِبّاءِ الحاذِقِينَ، والمَرِيضُ رُبَّما قَدْ قَوِيَ مَرَضُهُ فَلا يَعُودُ إلى الصِّحَّةِ إلّا بِمُعالَجاتٍ قَوِيَّةٍ ورُبَّما كانَ المَرِيضُ جاهِلًا فَلا يَنْقادُ لِلطَّبِيبِ ويُخالِفُهُ في أكْثَرِ الأمْرِ، إلّا أنَّ الطَّبِيبَ إذا كانَ مُشْفِقًا حاذِقًا فَإنَّهُ يَسْعى في إزالَةِ ذَلِكَ المَرَضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إزالَتِهِ فَإنَّهُ يَسْعى في تَقْلِيلِهِ وتَخْفِيفِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَرَضُ حُبِّ الدُّنْيا مُسْتَوْلٍ عَلى الخَلْقِ ولا عِلاجَ لَهُ إلّا بِالدَّعْوَةِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ وهَذا عِلاجٌ شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ، وقَلَّ مَن يَقْبَلُهُ ويَنْقادُ لَهُ، لا جَرَمَ [ أنَّ ] الأنْبِياءَ اجْتَهَدُوا في تَقْلِيلِ هَذا المَرَضِ وحَمْلِ الخَلْقِ عَلى الشُّرُوعِ في الطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ مِن أوَّلِ وقْتِ القِيامِ مِنَ النَّوْمِ مِمّا يَنْفَعُ في إزالَةِ هَذا المَرَضِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْناهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والإشارَةِ أرْدَفَهُ بِالحَثِّ عَلى صَلاةِ اللَّيْلِ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: التَّهَجُّدُ عِبارَةٌ عَنْ صَلاةِ اللَّيْلِ فَقَوْلُهُ فَتَهَجَّدْ بِهِ أيْ بِالقُرْآنِ كَما قالَ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٢) إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٤) .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: الهُجُودُ في اللُّغَةِ النَّوْمُ وهو مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ في الشِّعْرِ يُقالُ: أهْجَدْتُهُ وهَجَّدْتُهُ أيْ أنَمْتُهُ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
هَجِّدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى
كَأنَّهُ قالَ: نَوِّمْنا فَإنَّ السُّرى قَدْ طالَ عَلَيْنا حَتّى غَلَبَنا النَّوْمُ، ورَوى أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الهاجِدُ النّائِمُ والهاجِدُ المُصَلِّي بِاللَّيْلِ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ كَأنَّهُ قالَ هَجَدَ الرَّجُلُ إذا صَلّى مِنَ اللَّيْلِ وهَجَدَ إذا نامَ بِاللَّيْلِ فَعِنْدَ هَؤُلاءِ هَذا اللَّفْظُ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا الأزْهَرِيُّ فَإنَّهُ تَوَسَّطَ في تَفْسِيرِ هَذا اللَّفْظِ وقالَ: المَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ هو النّائِمُ، ثُمَّ رَأيْنا أنَّ في الشَّرْعِ يُقالُ لِمَن قامَ مِنَ النَّوْمِ إلى الصَّلاةِ إنَّهُ مُتَهَجِّدٌ فَوَجَبَ أنَّ يُحْمَلَ هَذا عَلى أنَّهُ سُمِّيَ مُتَهَجِّدًا لِإلْقائِهِ الهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ كَما قِيلَ لِلْعابِدِ مُتَحَنِّثٌ لِإلْقائِهِ الحِنْثَ عَنْ نَفْسِهِ وهو الإثْمُ، ويُقالُ فُلانٌ رَجُلٌ مُتَحَرِّجٌ ومُتَأثِّمٌ ومُتَحَوِّبٌ أيْ: يُلْقِي الحَرَجَ والإثْمَ والحُوبَ عَنْ نَفْسِهِ، وأقُولُ فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتْرُكُ لَذَّةَ النَّوْمِ ويَتَحَمَّلُ مَشَقَّةَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ لِيَطِيبَ رُقادُهُ وهُجُودُهُ عِنْدَ المَوْتِ، فَلَمّا كانَ غَرَضُهُ مِن تَرْكِ هَذا الهُجُودِ أنْ يَصِلَ إلى الهُجُودِ اللَّذِيذِ عِنْدَ المَوْتِ كانَ هَذا القِيامُ طَلَبًا لِذَلِكَ الهُجُودِ فَسُمِّيَ تَهَجُّدًا لِهَذا السَّبَبِ.
وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو ما رُوِيَ أنَّ الحَجّاجَ بْنَ عَمْرٍو المازِنِيَّ قالَ: أيَحْسَبُ أحَدُكم إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلّى حَتّى يُصْبِحَ أنَّهُ قَدْ تَهَجَّدَ إنَّما التَّهَجُّدُ الصَّلاةُ بَعْدَ الرُّقادِ ثُمَّ صَلاةٌ أُخْرى بَعْدَ رَقْدَةٍ ثُمَّ صَلاةٌ أُخْرى بَعْدَ رَقْدَةٍ هَكَذا كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ كُلَّما صَلّى الإنْسانُ طَلَبَ هُجُودًا ورُقادًا فَلا يَبْعُدُ أنَّهُ سُمِّيَ تَهَجُّدًا لِهَذا السَّبَبِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (مِنَ) في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: قُمْ مِنَ اللَّيْلِ أيْ في بَعْضِ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، وقَوْلُهُ: (بِهِ) أيْ بِالقُرْآنِ، والمُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى القُرْآنِ.
صفحة ٢٦
البَحْثُ الرّابِعُ: مَعْنى النّافِلَةِ في اللُّغَةِ ما كانَ زِيادَةً عَلى الأصْلِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ (الأنْفالِ: ١) ومَعْناها أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ الزِّيادَةُ، وفي تَفْسِيرِ كَوْنِها زِيادَةً قَوْلانِ مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ هَلْ كانَتْ واجِبَةً عَلى النَّبِيِّ ﷺ أمْ لا فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّها كانَتْ واجِبَةً عَلَيْهِ ثُمَّ نُسِخَتْ فَصارَتْ نافِلَةً، أيْ تَطَوُّعًا وزِيادَةً عَلى الفَرائِضِ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ في تَفْسِيرِ كَوْنِها (نافِلَةً) وجْهًا حَسَنًا قالا: إنَّهُ تَعالى غَفَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَكُلُّ طاعَةٍ يَأْتِي بِها سِوى المَكْتُوبَةِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ تَأْثِيرُها في كَفّارَةِ الذُّنُوبِ البَتَّةَ بَلْ يَكُونُ تَأْثِيرُها في زِيادَةِ الدَّرَجاتِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ، وكانَ المَقْصُودُ مِن تِلْكَ العِبادَةِ زِيادَةَ الثَّوابِ فَلِهَذا سُمِّيَتْ نافِلَةً، بِخِلافِ الأُمَّةِ فَإنَّ لَهم ذُنُوبًا مُحْتاجَةً إلى الكَفّاراتِ فَهَذِهِ الطّاعَةُ مُحْتاجُونَ إلَيْها لِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ والسَّيِّئاتِ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الطّاعاتِ إنَّما تَكُونُ زَوائِدَ ونَوافِلَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ لا في حَقِّ غَيْرِهِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ يَعْنِي أنَّها زَوائِدُ ونَوافِلُ في حَقِّكَ لا في حَقِّ غَيْرِكَ، وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ واجِبَةً عَلى النَّبِيِّ ﷺ قالُوا مَعْنى كَوْنِها نافِلَةً لَهُ عَلى التَّخْصِيصِ أنَّها فَرِيضَةٌ عَلَيْكَ زائِدَةٌ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ خُصِّصْتَ بِها مِن بَيْنِ أُمَّتِكَ ويُمْكِنُ نُصْرَةُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ قَوْلَهُ ”﴿فَتَهَجَّدْ﴾“ أمْرٌ وصِيغَةُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَوَجَبَ كَوْنُ هَذا التَّهَجُّدُ واجِبًا، فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ ”نافِلَةً لَكَ“ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ لَزِمَ التَّعارُضُ وهو خِلافُ الأصْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْنى كَوْنِها نافِلَةً لَهُ ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِ وُجُوبِها زائِدًا عَلى وُجُوبِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ واللَّهُ أعْلَمُ.
البَحْثُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ وإنْ كانَ ظاهِرُ الأمْرِ فِيهِ مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّهُ في المَعْنى عامٌّ في حَقِّ الأُمَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ ”﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾“ فَبَيَّنَ أنَّ الأمْرَ بِالتَّهَجُّدِ مَخْصُوصٌ بِالرَّسُولِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالصَّلاةِ الخَمْسِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلّا لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِ الأمْرِ بِالتَّهَجُّدِ بِهَذا القَيْدِ فائِدَةً أصْلًا واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ كَلِمَةَ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، قالَ أهْلُ المَعانِي: لِأنَّ لَفْظَةَ عَسى تُفِيدُ الإطْماعَ، ومَن أطْمَعَ إنْسانًا في شَيْءٍ ثُمَّ حَرَمَهُ كانَ عارًا واللَّهُ تَعالى أكْرَمُ مِن أنْ يُطْمِعَ أحَدًا في شَيْءٍ ثُمَّ لا يُعْطِيهِ ذَلِكَ
* * *
وقَوْلُهُ: ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ مَحْمُودًا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ يَبْعَثُكَ أيْ: يَبْعَثُكَ مَحْمُودًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَقامِ وهو ظاهِرٌ.
البَحْثُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الشَّفاعَةُ، قالَ الواحِدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّهُ مَقامُ الشَّفاعَةِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ ”«هُوَ المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» “ وأقُولُ: اللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَصِيرُ مَحْمُودًا إذا حَمِدَهُ حامِدٌ، والحَمْدُ إنَّما يَكُونُ عَلى الإنْعامِ فَهَذا المَقامُ المَحْمُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَقامًا أنْعَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ عَلى قَوْمٍ فَحَمِدُوهُ عَلى ذَلِكَ الإنْعامِ، وذَلِكَ الإنْعامُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو تَبْلِيغُ الدِّينِ وتَعْلِيمُ الشَّرْعِ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا في الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ تَطْمِيعٌ وتَطْمِيعُ الإنْسانِ في الشَّيْءِ الَّذِي وعَدَهُ في الحالِ مُحالٌ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإنْعامُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَصِيرُ مَحْمُودًا إنْعامًا سَيَصِلُ مِنهُ حَصَلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّاسِ وما ذاكَ إلّا شَفاعَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ لَفْظَ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى وأيْضًا التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ مَقامًا مَحْمُودًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَلِكَ المَقامِ حَمْدٌ بالِغٌ عَظِيمٌ كامِلٌ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ حَمْدَ
صفحة ٢٧
الإنْسانِ عَلى سَعْيِهِ في التَّخْلِيصِ عَنِ العِقابِ أعْظَمُ مِن حَمْدِهِ في السَّعْيِ في زِيادَةٍ مِنَ الثَّوابِ لا حاجَةَ بِهِ إلَيْها لِأنَّ احْتِياجَ الإنْسانِ إلى دَفْعِ الآلامِ العَظِيمَةِ عَنِ النَّفْسِ فَوْقَ احْتِياجِهِ إلى تَحْصِيلِ المَنافِعِ الزّائِدَةِ الَّتِي لا حاجَةَ بِهِ إلى تَحْصِيلِها وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ هو الشَّفاعَةُ في إسْقاطِ العِقابِ عَلى ما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِهَذا المَعْنى إشْعارًا قَوِيًّا ثُمَّ ورَدَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى وجَبَ حَلُّ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ الدُّعاءُ المَشْهُورُ وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ يَغْبِطُهُ بِهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، واتَّفَقَ النّاسُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ حُذَيْفَةُ: ”يُجْمَعُ النّاسُ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَلْجَأ ولا مَنجا مِنكَ إلّا إلَيْكَ تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ“ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وأقُولُ القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ سَعْيَهُ في الشَّفاعَةِ يُفِيدُهُ إقْدامُ النّاسِ عَلى حَمْدِهِ فَيَصِيرُ مَحْمُودًا، وأمّا ذِكْرُ هَذا الدُّعاءِ فَلا يُفِيدُ إلّا الثَّوابَ أمّا الحَمْدُ فَلا، فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنَّ يُقالَ إنَّهُ تَعالى يَحْمَدُهُ عَلى هَذا القَوْلِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الحَمْدَ في اللُّغَةِ مُخْتَصٌّ بِالثَّناءِ المَذْكُورِ في مُقابَلَةِ الإنْعامِ فَقَطْ، فَإنْ ورَدَ لَفْظُ الحَمْدِ في غَيْرِ هَذا المَعْنى فَعَلى سَبِيلِ المَجازِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ مَقامٌ تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في القَوْلِ الثّانِي.
القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ”يُقْعِدُ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلى العَرْشِ“ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ، ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِ هَذا التَّفْسِيرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ضِدُّ الإجْلاسِ يُقالُ بَعَثْتُ النّازِلَ والقاعِدَ فانْبَعَثَ، ويُقالُ بَعْثَ اللَّهُ المَيِّتَ أيْ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرٌ لِلضِّدِّ بِالضِّدِّ وهو فاسِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ مَقامًا مَحْمُودًا ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا، والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعَ القُعُودِ.
والثّالِثُ: لَوْ كانَ تَعالى جالِسًا عَلى العَرْشِ بِحَيْثُ يَجْلِسُ عِنْدَهُ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ.
والرّابِعُ: يُقالُ إنَّ جُلُوسَهُ مَعَ اللَّهِ عَلى العَرْشِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ إعْزازٍ لِأنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ والحَمْقى يَقُولُونَ في كُلِّ أهْلِ الجَنَّةِ إنَّهم يَزُورُونَ اللَّهَ تَعالى وإنَّهم يَجْلِسُونَ مَعَهُ وإنَّهُ تَعالى يَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها في الدُّنْيا، وإذا كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ حاصِلَةً عِنْدَهم لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِها مَزِيدُ شَرَفٍ ورُتْبَةٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ السُّلْطانُ بَعَثَ فُلانًا فُهِمَ مِنهُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلى قَوْمٍ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِمْ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا القَوْلَ كَلامٌ رَذْلٌ ساقِطٌ لا يَمِيلُ إلَيْهِ إلّا إنْسانٌ قَلِيلُ العَقْلِ عَدِيمُ الدِّينِ واللَّهُ أعْلَمُ
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ سَعْيُ كُفّارِ مَكَّةَ في إخْراجِهِ مِنها.
والثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَهُ الأوْلى لَكَ أنَّ تَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ واشْتَغِلْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ولا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ الجُهّالِ فَإنَّهُ تَعالى ناصِرُكَ ومُعِينُكَ ثُمَّ عادَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ إلى شَرْحِ تِلْكَ الواقِعَةِ فَإنْ فَسَّرْنا تِلْكَ الآيَةَ أنَّ المُرادَ مِنها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أرادُوا إخْراجَهُ مِن مَكَّةَ كانَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ وقالَ لَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وهو المَدِينَةُ ﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ وهو مَكَّةُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وإنْ فَسَّرْنا تِلْكَ الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ مِنها أنَّ اليَهُودَ حَمَلُوهُ عَلى الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ والذَّهابِ إلى الشّامِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها
صفحة ٢٨
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَرْجِعَ إلَيْها كانَ المُرادُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِنْدَ العَوْدِ إلى المَدِينَةِ قالَ: ﴿رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وهو المَدِينَةُ ﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يَعْنِي أخْرِجْنِي مِنها إلى مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ أيِ:افْتَحْها لِي.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وهو أكْمَلُ مِمّا سَبَقَ: أنَّ المُرادَ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في الصَّلاةِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنها مَعَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ وحُضُورِ ذِكْرِكَ والقِيامِ بِلَوازِمِ شُكْرِكَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو أكْمَلُ مِمّا سَبَقَ أنِ المُرادَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في القِيامِ بِمُهِمّاتِ أداءِ دَيْنِكَ وشَرِيعَتِكَ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنها بَعْدَ الفَراغِ مِنها إخْراجًا لا يَبْقى عَلَيَّ مِنها تَبِعَةً رِبْقِيَّةً.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو أعْلى مِمّا سَبَقَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ تَوْحِيدِكِ وتَنْزِيهِكِ وقُدْسِكَ ثُمَّ أخْرِجْنِي مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى ضِياءِ مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ ومِنَ التَّأمُّلِ في آثارِ حُدُوثِ المُحْدَثاتِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ المُنَزَّهِ عَنِ التَّكْثِيراتِ والتَّغَيُّراتِ.
والقَوْلُ الخامِسُ: أدْخِلْنِي في كُلِّ ما تُدْخِلُنِي فِيهِ مَعَ الصِّدْقِ في عُبُودِيَّتِكَ والِاسْتِغْراقِ بِمَعْرِفَتِكَ وأخْرِجْنِي عَنْ كُلِّ ما تُخْرِجُنِي عَنْهُ مَعَ الصِّدْقِ في العُبُودِيَّةِ والمَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَكُونَ صِدْقُ العُبُودِيَّةِ حاصِلًا في كُلِّ دُخُولٍ وخُرُوجٍ وحَرَكَةٍ وسُكُونٍ.
والقَوْلُ السّادِسُ: أدْخِلْنِي القَبْرَ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مِنهُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
البَحْثُ الثّانِي: ”مُدْخَلَ“ بِضَمِّ المِيمِ مَصْدَرٌ كالإدْخالِ يُقالُ أدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا كَما قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ (المُؤْمِنُونَ: ٢٩) ومَعْنى إضافَةِ المُدْخَلِ والمُخْرَجِ إلى الصِّدْقِ مَدْحُهُما كَأنَّهُ سَألَ اللَّهَ تَعالى إدْخالًا حَسَنًا وإخْراجًا حَسَنًا لا يَرى فِيهِما ما يَكْرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ حُجَّةً بَيِّنَةً ظاهِرَةً تَنْصُرُنِي بِها عَلى جَمِيعِ مَن خالَفَنِي، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَهُ التَّقْوِيَةَ عَلى مَن خالَفَهُ بِالحُجَّةِ وبِالقَهْرِ والقُدْرَةِ وقَدْ أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنَ النّاسِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ (المائِدَةِ: ٦٧) وقالَ: ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (المُجادَلَةِ: ٢٢) وقالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٣) ولَمّا سَألَ اللَّهَ النُّصْرَةَ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أنَّهُ أجابَ دُعاءَهُ فَقالَ: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ وهو دِينُهُ وشَرْعُهُ ﴿وزَهَقَ الباطِلُ﴾ وهو كُلُّ ما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ والشَّرائِعِ، وزَهَقَ: بَطَلَ واضْمَحَلَّ، وأصْلُهُ مِن زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ أيْ هَلَكَتْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”«أنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ فَجَعَلَ الصَّنَمُ يَنْكَبُّ عَلى وجْهِهِ» “ . وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ يَعْنِي أنَّ الباطِلَ وإنِ اتَّفَقَتْ لَهُ دَوْلَةٌ وصَوْلَةٌ إلّا أنَّها لا تَبْقى بَلْ تَزُولُ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أمْرَ الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ أرْدَفَها بِذِكْرِ الأمْرِ بِالطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ، وأشْرَفُ الطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ الصَّلاةُ فَلِهَذا السَّبَبِ أمْرَ بِها.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ أمَرَهُ تَعالى بِالإقْبالِ عَلى عِبادَتِهِ لِكَيْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ لا تُبالِ بِسَعْيِهِمْ في إخْراجِكَ مِن بَلْدَتِكَ ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ واشْتَغِلْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وداوِمْ عَلى أداءِ الصَّلَواتِ فَإنَّهُ تَعالى يَدْفَعُ مَكْرَهم وشَرَّهم عَنْكَ ويَجْعَلُ يَدَكَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ودِينَكَ غالِبًا عَلى أدْيانِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ (طه: ١٣٠) وقالَ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ (الحِجْرِ: ٩٩) .
والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا لَهُ اذْهَبْ إلى الشّامِ فَإنَّهُ مَسْكَنُ الأنْبِياءِ عَزَمَ ﷺ عَلى الذَّهابِ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ المَعْبُودُ واحِدٌ في كُلِّ البِلادِ وما النُّصْرَةُ والدَّوْلَةُ إلّا بِتَأْيِيدِهِ ونُصْرَتِهِ فَداوِمْ عَلى الصَّلَواتِ وارْجِعْ إلى مَقَرِّكَ ومَسْكَنِكَ، وإذا دَخَلْتَهُ ورَجَعْتَ إلَيْهِ فَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي في هَذا البَلَدِ سُلْطانًا نَصِيرًا في تَقْرِيرِ دِينِكَ وإظْهارِ شَرْعِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ والمُفَسِّرُونَ في مَعْنى دُلُوكِ الشَّمْسِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ دُلُوكَها غُرُوبُها وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، فَنَقَلَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: غُرُوبُها، ورَوى زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: غُرُوبُها، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ دُلُوكَ الشَّمْسِ هو زَوالُها عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وهو اخْتِيارُ الأكْثَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: رَوى الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ قالَ: ”«طَعِمَ عِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» “ .
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ فَصَلّى بِيَ الظَّهْرَ» “ .
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ مَعْنى الدُّلُوكِ في كَلامِ العَرَبِ الزَّوالُ ولِذَلِكَ
صفحة ٢٢
قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ دالِكَةٌ، وقِيلَ لَها إذا أفَلَتْ دالِكَةٌ لِأنَّها في الحالَتَيْنِ زائِلَةٌ، هَكَذا قالَهُ الأزْهَرِيُّ، وقالَ القَفّالُ: أصْلُ الدُّلُوكِ المَيْلُ، يُقالُ: مالَتِ الشَّمْسُ لِلزَّوالِ، ويُقالُ: مالَتْ لِلْغُرُوبِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدُّلُوكِ هَهُنا الزَّوالُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ إقامَةَ الصَّلاةِ بِالدُّلُوكِ، والدُّلُوكُ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والزَّوالِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أوَّلُ ما حَصَلَ المَيْلُ والزَّوالُ تَعَلَّقَ بِهِ هَذا الحُكْمُ فَلَمّا حَصَلَ هَذا المَعْنى حالَ مَيْلِها مِن كَبِدِ السَّماءِ وجَبَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الصَّلاةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الدُّلُوكِ في هَذِهِ الآيَةِ مَيْلُها عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وهَذِهِ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ في هَذا البابِ اسْتَنْبَطْتُها بِناءً عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّ الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والزَّوالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قالَ الأزْهَرِيُّ: الأوْلى حَمْلُ الدُّلُوكِ عَلى الزَّوالِ في نِصْفِ النَّهارِ، والمَعْنى ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيْ أدِمْها مِن وقْتِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الظَّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعَشاءُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ فَإذا حَمَلْنا الدُّلُوكَ عَلى الزَّوالِ دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ في هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الغُرُوبِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إلّا ثَلاثُ صَلَواتٍ وهي المَغْرِبُ والعِشاءُ والفَجْرُ، وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما يَكُونُ أكْثَرَ فائِدَةً أوْلى فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدُّلُوكِ الزَّوالَ، واحْتَجَّ الفَرّاءُ عَلى قَوْلِهِ الدُّلُوكُ هو الغُرُوبُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ وقَفَتْ حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
وبَراحُ اسْمُ الشَّمْسِ أيْ حَتّى غابَتْ، واحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا أفَلاكُّهُنَّ الدَّوالِكُ
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ لِأنَّ عِنْدَنا الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والتَّغَيُّرِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ في الغُرُوبِ فَكانَ الغُرُوبُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الدُّلُوكِ، فَكانَ وُقُوعُ لَفْظِ الدُّلُوكِ عَلى الغُرُوبِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ عَلى الزَّوالِ كَما أنَّ وُقُوعَ لَفْظِ الحَيَوانِ عَلى الإنْسانِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ عَلى الفَرَسِ، ومِنهم مَنِ احْتَجَّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الدُّلُوكَ اشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ لِأنَّ الإنْسانَ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها وهَذا إنَّما يَصِحُّ في الوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها ومَعْلُومٌ أنَّها عِنْدَ كَوْنِها في وسَطِ السَّماءِ لا يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها، أمّا عِنْدَ قُرْبِها مِنَ الغُرُوبِ فَيُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها [ و] عِنْدَما يَنْظُرُ الإنْسانُ إلَيْها في ذَلِكَ الوَقْتِ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الدُّلُوكِ مُخْتَصٌّ بِالغُرُوبِ. والجَوابُ أنَّ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّبْيِينِ عِنْدَ كَوْنِها في وسَطِ السَّماءِ أتَمُّ فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ بِأنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ الزَّوالِ مِن وسَطِ السَّماءِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ ”﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾“ لامُ الأجَلِ والسَّبَبُ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلاةَ إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ غَسَقُ اللَّيْلِ سَوادُهُ وظُلْمَتُهُ، قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ: الِاسْمُ، بِفَتْحِ السِّينِ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ: دُخُولُ أوَّلِهِ، وأتَيْتُهُ حِينَ غَسَقَ اللَّيْلُ، أيْ حِينَ يَخْتَلِطُ ويَسُدُّ المَناظِرَ، وأصْلُ هَذا الحَرْفِ مِنَ السَّيَلانِ يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ. وهو هَمَلانُ العَيْنِ بِالماءِ، والغاسِقُ السّائِلُ، ومِن هَذا يُقالُ لِما يَسِيلُ مِن أهْلِ النّارِ: الغَسّاقُ، فَمَعْنى غَسَقَ اللَّيْلُ أيِ انْصَبَّ بِظَلامِهِ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ كَأنَّها تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: ما غَسَقُ اللَّيْلِ ؟ قالَ أوَّلُهُ حِينَ يَدْخُلُ. وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ: قالَ: دُخُولُ اللَّيْلِ
صفحة ٢٣
بِظُلْمَتِهِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: غَسَقُ اللَّيْلِ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ عِنْدَ تَراكُمِ الظُّلْمَةِ واشْتِدادِها، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا امْتَلَأتْ دَمْعًا، وغَسَقَتِ الجِراحَةُ إذا امْتَلَأتْ دَمًا، قالَ: لِأنّا لَوْ حَمَلْنا الغَسَقُ عَلى هَذا المَعْنى دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الأرْبَعُ فِيهِ وهي الظُّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَوْ حَمَلْنا الغَسَقَ عَلى ظُهُورِ أوَّلِ الظُّلْمَةِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إلّا الظَّهْرُ والمَغْرِبُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ أوْلى، واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِحْثٌ شَرِيفٌ، فَإنْ فَسَّرْنا الغَسَقَ بِظُهُورِ أوَّلِ الظُّلْمَةِ كانَ الغَسَقُ عِبارَةٌ عَنْ أوَّلِ المَغْرِبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَذْكُورُ في الآيَةِ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ وقْتَ الزَّوالِ ووَقْتَ أوَّلِ المَغْرِبِ ووَقْتَ الفَجْرِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الزَّوالُ وقْتًا لِلظُّهْرِ والعَصْرِ فَيَكُونُ هَذا الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ، وأنَّ يَكُونَ أوَّلُ المَغْرِبِ وقْتًا لِلْمَغْرِبِ والعِشاءِ فَيَكُونُ هَذا الوَقْتُ مُشْتَرِكًا أيْضًا بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ فَهَذا يَقْتَضِي جَوازَ الجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ وبَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ مُطْلَقًا إلّا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الجَمْعَ في الحَضَرِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ لا يَجُوزُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ جائِزًا بِعُذْرِ السَّفَرِ وعُذْرِ المَطَرِ وغَيْرِهِ، أمّا إنْ فَسَّرْنا الغَسَقَ بِالظُّلْمَةِ المُتَراكِمَةِ فَنَقُولُ: الظُّلْمَةُ المُتَراكِمَةُ إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأبْيَضِ، وكَلِمَةُ إلى لِانْتِهاءِ الغايَةِ والحُكْمُ المَمْدُودُ إلى غايَةٍ يَكُونُ مَشْرُوعًا قَبْلَ حُصُولِ تِلْكَ الغايَةِ فَوَجَبَ جَوازُ إقامَةِ الصَّلَواتِ كُلِّها قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأبْيَضِ وهَذا إنَّما يَصِحُّ إذا قُلْنا إنَّها تَجِبُ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأحْمَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ”﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾“ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ صَلاةُ الصُّبْحِ، وانْتِصابُهُ بِالعَطْفِ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ ”﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾“ والتَّقْدِيرُ أقِمِ الصَّلاةَ وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ وفِيهِ فَوائِدُ:
الأُولى: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ القُرْآنَ إلى الفَجْرِ، والتَّقْدِيرُ أقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ فَوَجَبَ أنْ تَتَعَلَّقَ القِراءَةُ بِحُصُولِ الفَجْرِ، وفي أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ قَدْ حَصَلَ الفَجْرُ؛ لِأنَّ الفَجْرَ سُمِّي فَجْرًا لِانْفِجارِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَنْ نُورِ الصَّباحِ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَمُقْتَضى هَذا اللَّفْظِ وُجُوبُ إقامَةِ صَلاةِ الفَجْرِ مِن أوَّلِ طُلُوعِهِ إلّا أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذا الوُجُوبَ غَيْرُ حاصِلٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى النَّدْبُ لِأنَّ الوُجُوبَ عِبارَةٌ عَنْ رُجْحانِ مانِعٍ مِنَ التَّرْكِ فَإذا مَنَعَ مانِعٌ مِن تَحْقُّقِ الوُجُوبِ وجَبَ أنْ يَرْتَفِعَ المَنعُ مِنَ التَّرْكِ وأنْ يَبْقى أصْلُ الرُّجْحانِ حَتّى تُنْقَلَ مُخالَفَةُ الدَّلِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّ إقامَةَ الفَجْرِ في أوَّلِ الوَقْتِ أفْضَلُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ مِنَ التَّنْوِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الفُقَهاءَ بَيَّنُوا أنَّ السُّنَّةَ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ في هَذِهِ الصَّلاةِ أطْوَلَ مِنَ القِراءَةِ في سائِرِ الصَّلَواتِ فالمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ”وقُرْآنَ الفَجْرِ“ الحَثُّ عَلى أنَّ تَطْوِيلَ القِراءَةِ في هَذِهِ الصَّلاةِ مَطْلُوبٌ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أكْمَلَ مِن غَيْرِهِ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ وصَفَ قُرْآنَ الفَجْرِ بِكَوْنِهِ مَشْهُودًا. قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ ومَلائِكَةَ النَّهارِ يَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ خَلْفَ الإمامِ تَنْزِلُ مَلائِكَةُ النَّهارِ عَلَيْهِمْ وهم في صَلاةِ الغَداةِ وقَبْلَ أنْ تَعْرُجَ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ فَإذا فَرَغَ الإمامُ مِن صِلاتِهِ عَرَجَتْ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَكَثَتْ مَلائِكَةُ النَّهارِ ثُمَّ إنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ إذا صَعَدَتْ قالَتْ: يا رَبِّ إنّا تَرَكْنا عِبادَكَ يُصَلُّونَ لَكَ وتَقُولُ مَلائِكَةُ النَّهارِ رَبَّنا أتَيْنا عِبادَكَ وهم يُصْلُونَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ اشْهَدُوا أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم. وأقُولُ هَذا أيْضًا دَلِيلٌ قَوِيٌّ في أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ مِنَ التَّنْوِيرِ لِأنَّ الإنْسانَ إذا شَرَعَ فِيها مِن أوَّلِ الصُّبْحِ فَفي ذَلِكَ الوَقْتِ الظُّلْمَةُ باقِيَةٌ فَتَكُونُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ حاضِرِينَ ثُمَّ إذا امْتَدَّتِ الصَّلاةُ بِسَبَبِ تَرْتِيلِ القِراءَةِ وتَكْثِيرِها زالَتِ الظُّلْمَةُ وظَهَرَ الضَّوْءُ وحَضَرَتْ مَلائِكَةُ النَّهارِ فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَحْضُرُ في هَذِهِ الصَّلاةِ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ أمّا إذا ابْتَدَأ بِهَذِهِ الصَّلاةِ في وقْتِ التَّنْوِيرِ فَهُناكَ ما بَقِيَتْ
صفحة ٢٤
الظُّلْمَةُ فَلَمْ يَبْقَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أحَدٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّيْلِ فَلا يَحْصُلُ المَعْنى المَذْكُورُ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (إنَّهُ كانَ مَشْهُودًا) دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ وعِنْدِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (إنَّهُ كانَ مَشْهُودًا) احْتِمالٌ آخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كُلَّما كانَتِ الحَوادِثُ الحادِثَةُ أعْظَمَ وأكْمَلَ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أكْمَلَ فالإنْسانُ إذا شَرَعَ في أداءِ صَلاةِ الصُّبْحِ مِن أوَّلِ هَذا الوَقْتِ كانَتِ الظُّلْمَةُ القَوِيَّةُ باقِيَةً في العالَمِ، فَإذا امْتَدَّتِ القِراءَةُ في أثْناءِ هَذا الوَقْتِ يَنْقَلِبُ العالَمُ مِنَ الظُّلْمَةِ إلى الضَّوْءِ، والظُّلْمَةُ مُناسِبَةٌ لِلْمَوْتِ والعَدَمِ، والضَّوْءُ مُناسِبٌ لِلْحَياةِ والوُجُودِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإنْسانُ لَمّا قامَ مِن مَنامِهِ فَكَأنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُشاهِدُ في أثْناءِ صِلاتِهِ انْقِلابَ كُلِّيَّةِ هَذا العالَمِ مِنَ الظُّلْمَةِ إلى الضَّوْءِ ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ السُّكُونِ إلى الحَرَكَةِ ومِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذِهِ الحالَةُ حالَةٌ عَجِيبَةٌ تَشْهَدُ العُقُولُ والأرْواحُ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذا التَّقْلِيبِ والتَّحْوِيلِ والتَّبْدِيلِ إلّا الخالِقُ المُدَبِّرُ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُوَّةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ وحِينَئِذٍ يَسْتَنِيرُ العَقْلُ بِنُورِ هَذِهِ المَعْرِفَةِ ويَنْفَتِحُ عَلى العَقْلِ والرُّوحِ أبْوابُ المُكاشَفاتِ الرُّوحانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ فَتَصِيرُ الصَّلاةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ أعْمالِ الجَوارِحِ مَشْهُودًا عَلَيْها بِهَذِهِ المُكاشَفاتِ الإلَهِيَّةِ المُقَدَّسَةِ ولِذَلِكَ فَكُلُّ مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ وطَبْعٌ مُسْتَقِيمٌ إذا قامَ مِن مَنامِهِ وأدّى صَلاةَ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ واعْتَبَرَ اخْتِلافَ أحْوالِ العالَمِ مِنَ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ إلى النُّورِ ومِنَ السُّكُونِ إلى الحَرَكَةِ فَإنَّهُ يَجِدُ في قَلْبِهِ رَوْحًا وراحَةً ومَزِيدًا في نُورِ المَعْرِفَةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وظَهَرَ أنَّ هَذا الِاعْتِبارَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ أداءِ صَلاةِ الفَجْرِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيسِ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
وفِي الآيَةِ احْتِمالٌ ثالِثٌ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ التَّرْغِيبَ في أنْ تُؤَدّى هَذِهِ الصَّلاةُ بِالجَماعَةِ، ويَكُونُ المَعْنى كَوْنُهُ مَشْهُودًا بِالجَماعَةِ الكَثِيرَةِ، ومَزِيدُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنّا بَيَّنّا أنَّ تَأْثِيرَ هَذِهِ الصَّلاةِ في تَصْفِيَةِ القَلْبِ وفي تَنْوِيرِهِ أكْثَرُ مِن تَأْثِيرِ سائِرِ الصَّلَواتِ، فَإذا حَضَرَ جَمْعٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في المَسْجِدِ لِأداءِ هَذِهِ العِبادَةِ اسْتَنارَ قَلْبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم ثُمَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاجْتِماعِ كَأنَّهُ يَنْعَكِسُ نُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ونُورُ طاعَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن قَلْبِ كُلِّ واحِدٍ إلى قَلْبِ الآخَرِ فَتَصِيرُ أرْواحُهم كالمَرايا المُشْرِقَةِ المُتَقابِلَةِ إذا وقَعَتْ عَلَيْها أنْوارُ الشَّمْسِ فَإنَّهُ يَنْعَكِسُ النُّورُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ المَرايا إلى الأُخْرى فَكَذا في هَذِهِ الصُّورَةِ، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ كُلَّ مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ وأدّى هَذِهِ الصَّلاةَ في هَذا الوَقْتِ بِالجَماعَةِ وجَدَ مِن قَلْبِهِ فُسْحَةً ونُورًا وراحَةً.
الفائِدَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ في كَوْنِهِ مَشْهُودًا هو أنَّ الإنْسانَ لَمّا نامَ طُولَ اللَّيْلِ فَصارَ كالغافِلِ في هَذِهِ المُدَّةِ عَنْ مُراقَبَةِ أحْوالِ الدُّنْيا فَزالَتْ صُورَةُ الحَوادِثِ الجُسْمانِيَّةِ عَنْ لَوْحِ خَيالِهِ وفِكْرِهِ وعَقْلِهِ وصارَتْ هَذِهِ الألْواحُ كَألْواحٍ سُطِّرَتْ فِيها نُقُوشٌ فاسِدَةٌ ثُمَّ غُسِلَتْ وأُزِيلَتْ تِلْكَ النُّقُوشُ عَنْها، فَفي أوَّلِ وقْتِ القِيامِ مِنَ المَنامِ صارَتْ ألْواحُ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وخَيالِهِ مُطَهَّرَةً عَنِ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ الباطِلَةِ. فَإذا تَسارَعَ الإنْسانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وقِراءَةِ الكَلَمّاتِ الدّالَّةِ عَلى تَنْزِيهِهِ والإقْدامِ عَلى الأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى انْتَقَشَ في لَوْحِ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وخَيالِهِ هَذِهِ النُّقُوشُ الطّاهِرَةُ المُقَدَّسَةُ، ثُمَّ إنَّ حُصُولَ هَذِهِ النُّقُوشِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِحْكامِ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ، وهي النُّقُوشُ المُتَوَلِّدَةُ مِنَ المَيْلِ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَتَرَشَّحُ المَيْلُ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ ويَضْعُفُ المَيْلُ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ هَذِهِ الحِكْمَةُ إنَّما تَحْصُلُ إذا شَرَعَ الإنْسانُ في الصَّلاةِ مِن أوَّلِ قِيامِهِ مِنَ النَّوْمِ عِنْدَ التَّغْلِيسِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ وقَعُوا في أمْراضِ القُلُوبِ وهي حُبُّ
صفحة ٢٥
الدُّنْيا والحِرْصُ والحَسَدُ والتَّفاخُرُ والتَّكاثُرُ وهَذِهِ الدُّنْيا مِثْلُ دارِ المَرْضى إذا كانَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ المَرْضى، والأنْبِياءُ كالأطِبّاءِ الحاذِقِينَ، والمَرِيضُ رُبَّما قَدْ قَوِيَ مَرَضُهُ فَلا يَعُودُ إلى الصِّحَّةِ إلّا بِمُعالَجاتٍ قَوِيَّةٍ ورُبَّما كانَ المَرِيضُ جاهِلًا فَلا يَنْقادُ لِلطَّبِيبِ ويُخالِفُهُ في أكْثَرِ الأمْرِ، إلّا أنَّ الطَّبِيبَ إذا كانَ مُشْفِقًا حاذِقًا فَإنَّهُ يَسْعى في إزالَةِ ذَلِكَ المَرَضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إزالَتِهِ فَإنَّهُ يَسْعى في تَقْلِيلِهِ وتَخْفِيفِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَرَضُ حُبِّ الدُّنْيا مُسْتَوْلٍ عَلى الخَلْقِ ولا عِلاجَ لَهُ إلّا بِالدَّعْوَةِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ وهَذا عِلاجٌ شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ، وقَلَّ مَن يَقْبَلُهُ ويَنْقادُ لَهُ، لا جَرَمَ [ أنَّ ] الأنْبِياءَ اجْتَهَدُوا في تَقْلِيلِ هَذا المَرَضِ وحَمْلِ الخَلْقِ عَلى الشُّرُوعِ في الطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ مِن أوَّلِ وقْتِ القِيامِ مِنَ النَّوْمِ مِمّا يَنْفَعُ في إزالَةِ هَذا المَرَضِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْناهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والإشارَةِ أرْدَفَهُ بِالحَثِّ عَلى صَلاةِ اللَّيْلِ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: التَّهَجُّدُ عِبارَةٌ عَنْ صَلاةِ اللَّيْلِ فَقَوْلُهُ فَتَهَجَّدْ بِهِ أيْ بِالقُرْآنِ كَما قالَ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٢) إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٤) .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: الهُجُودُ في اللُّغَةِ النَّوْمُ وهو مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ في الشِّعْرِ يُقالُ: أهْجَدْتُهُ وهَجَّدْتُهُ أيْ أنَمْتُهُ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
هَجِّدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى
كَأنَّهُ قالَ: نَوِّمْنا فَإنَّ السُّرى قَدْ طالَ عَلَيْنا حَتّى غَلَبَنا النَّوْمُ، ورَوى أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الهاجِدُ النّائِمُ والهاجِدُ المُصَلِّي بِاللَّيْلِ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ كَأنَّهُ قالَ هَجَدَ الرَّجُلُ إذا صَلّى مِنَ اللَّيْلِ وهَجَدَ إذا نامَ بِاللَّيْلِ فَعِنْدَ هَؤُلاءِ هَذا اللَّفْظُ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا الأزْهَرِيُّ فَإنَّهُ تَوَسَّطَ في تَفْسِيرِ هَذا اللَّفْظِ وقالَ: المَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ هو النّائِمُ، ثُمَّ رَأيْنا أنَّ في الشَّرْعِ يُقالُ لِمَن قامَ مِنَ النَّوْمِ إلى الصَّلاةِ إنَّهُ مُتَهَجِّدٌ فَوَجَبَ أنَّ يُحْمَلَ هَذا عَلى أنَّهُ سُمِّيَ مُتَهَجِّدًا لِإلْقائِهِ الهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ كَما قِيلَ لِلْعابِدِ مُتَحَنِّثٌ لِإلْقائِهِ الحِنْثَ عَنْ نَفْسِهِ وهو الإثْمُ، ويُقالُ فُلانٌ رَجُلٌ مُتَحَرِّجٌ ومُتَأثِّمٌ ومُتَحَوِّبٌ أيْ: يُلْقِي الحَرَجَ والإثْمَ والحُوبَ عَنْ نَفْسِهِ، وأقُولُ فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتْرُكُ لَذَّةَ النَّوْمِ ويَتَحَمَّلُ مَشَقَّةَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ لِيَطِيبَ رُقادُهُ وهُجُودُهُ عِنْدَ المَوْتِ، فَلَمّا كانَ غَرَضُهُ مِن تَرْكِ هَذا الهُجُودِ أنْ يَصِلَ إلى الهُجُودِ اللَّذِيذِ عِنْدَ المَوْتِ كانَ هَذا القِيامُ طَلَبًا لِذَلِكَ الهُجُودِ فَسُمِّيَ تَهَجُّدًا لِهَذا السَّبَبِ.
وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو ما رُوِيَ أنَّ الحَجّاجَ بْنَ عَمْرٍو المازِنِيَّ قالَ: أيَحْسَبُ أحَدُكم إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلّى حَتّى يُصْبِحَ أنَّهُ قَدْ تَهَجَّدَ إنَّما التَّهَجُّدُ الصَّلاةُ بَعْدَ الرُّقادِ ثُمَّ صَلاةٌ أُخْرى بَعْدَ رَقْدَةٍ ثُمَّ صَلاةٌ أُخْرى بَعْدَ رَقْدَةٍ هَكَذا كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ كُلَّما صَلّى الإنْسانُ طَلَبَ هُجُودًا ورُقادًا فَلا يَبْعُدُ أنَّهُ سُمِّيَ تَهَجُّدًا لِهَذا السَّبَبِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (مِنَ) في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: قُمْ مِنَ اللَّيْلِ أيْ في بَعْضِ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، وقَوْلُهُ: (بِهِ) أيْ بِالقُرْآنِ، والمُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى القُرْآنِ.
صفحة ٢٦
البَحْثُ الرّابِعُ: مَعْنى النّافِلَةِ في اللُّغَةِ ما كانَ زِيادَةً عَلى الأصْلِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ (الأنْفالِ: ١) ومَعْناها أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ الزِّيادَةُ، وفي تَفْسِيرِ كَوْنِها زِيادَةً قَوْلانِ مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ هَلْ كانَتْ واجِبَةً عَلى النَّبِيِّ ﷺ أمْ لا فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّها كانَتْ واجِبَةً عَلَيْهِ ثُمَّ نُسِخَتْ فَصارَتْ نافِلَةً، أيْ تَطَوُّعًا وزِيادَةً عَلى الفَرائِضِ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ في تَفْسِيرِ كَوْنِها (نافِلَةً) وجْهًا حَسَنًا قالا: إنَّهُ تَعالى غَفَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَكُلُّ طاعَةٍ يَأْتِي بِها سِوى المَكْتُوبَةِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ تَأْثِيرُها في كَفّارَةِ الذُّنُوبِ البَتَّةَ بَلْ يَكُونُ تَأْثِيرُها في زِيادَةِ الدَّرَجاتِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ، وكانَ المَقْصُودُ مِن تِلْكَ العِبادَةِ زِيادَةَ الثَّوابِ فَلِهَذا سُمِّيَتْ نافِلَةً، بِخِلافِ الأُمَّةِ فَإنَّ لَهم ذُنُوبًا مُحْتاجَةً إلى الكَفّاراتِ فَهَذِهِ الطّاعَةُ مُحْتاجُونَ إلَيْها لِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ والسَّيِّئاتِ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الطّاعاتِ إنَّما تَكُونُ زَوائِدَ ونَوافِلَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ لا في حَقِّ غَيْرِهِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ يَعْنِي أنَّها زَوائِدُ ونَوافِلُ في حَقِّكَ لا في حَقِّ غَيْرِكَ، وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ واجِبَةً عَلى النَّبِيِّ ﷺ قالُوا مَعْنى كَوْنِها نافِلَةً لَهُ عَلى التَّخْصِيصِ أنَّها فَرِيضَةٌ عَلَيْكَ زائِدَةٌ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ خُصِّصْتَ بِها مِن بَيْنِ أُمَّتِكَ ويُمْكِنُ نُصْرَةُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ قَوْلَهُ ”﴿فَتَهَجَّدْ﴾“ أمْرٌ وصِيغَةُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَوَجَبَ كَوْنُ هَذا التَّهَجُّدُ واجِبًا، فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ ”نافِلَةً لَكَ“ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ لَزِمَ التَّعارُضُ وهو خِلافُ الأصْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْنى كَوْنِها نافِلَةً لَهُ ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِ وُجُوبِها زائِدًا عَلى وُجُوبِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ واللَّهُ أعْلَمُ.
البَحْثُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ وإنْ كانَ ظاهِرُ الأمْرِ فِيهِ مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّهُ في المَعْنى عامٌّ في حَقِّ الأُمَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ ”﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾“ فَبَيَّنَ أنَّ الأمْرَ بِالتَّهَجُّدِ مَخْصُوصٌ بِالرَّسُولِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالصَّلاةِ الخَمْسِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلّا لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِ الأمْرِ بِالتَّهَجُّدِ بِهَذا القَيْدِ فائِدَةً أصْلًا واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ كَلِمَةَ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، قالَ أهْلُ المَعانِي: لِأنَّ لَفْظَةَ عَسى تُفِيدُ الإطْماعَ، ومَن أطْمَعَ إنْسانًا في شَيْءٍ ثُمَّ حَرَمَهُ كانَ عارًا واللَّهُ تَعالى أكْرَمُ مِن أنْ يُطْمِعَ أحَدًا في شَيْءٍ ثُمَّ لا يُعْطِيهِ ذَلِكَ
* * *
وقَوْلُهُ: ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ مَحْمُودًا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ يَبْعَثُكَ أيْ: يَبْعَثُكَ مَحْمُودًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَقامِ وهو ظاهِرٌ.
البَحْثُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الشَّفاعَةُ، قالَ الواحِدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّهُ مَقامُ الشَّفاعَةِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ ”«هُوَ المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» “ وأقُولُ: اللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَصِيرُ مَحْمُودًا إذا حَمِدَهُ حامِدٌ، والحَمْدُ إنَّما يَكُونُ عَلى الإنْعامِ فَهَذا المَقامُ المَحْمُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَقامًا أنْعَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ عَلى قَوْمٍ فَحَمِدُوهُ عَلى ذَلِكَ الإنْعامِ، وذَلِكَ الإنْعامُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو تَبْلِيغُ الدِّينِ وتَعْلِيمُ الشَّرْعِ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا في الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ تَطْمِيعٌ وتَطْمِيعُ الإنْسانِ في الشَّيْءِ الَّذِي وعَدَهُ في الحالِ مُحالٌ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإنْعامُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَصِيرُ مَحْمُودًا إنْعامًا سَيَصِلُ مِنهُ حَصَلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّاسِ وما ذاكَ إلّا شَفاعَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ لَفْظَ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى وأيْضًا التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ مَقامًا مَحْمُودًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَلِكَ المَقامِ حَمْدٌ بالِغٌ عَظِيمٌ كامِلٌ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ حَمْدَ
صفحة ٢٧
الإنْسانِ عَلى سَعْيِهِ في التَّخْلِيصِ عَنِ العِقابِ أعْظَمُ مِن حَمْدِهِ في السَّعْيِ في زِيادَةٍ مِنَ الثَّوابِ لا حاجَةَ بِهِ إلَيْها لِأنَّ احْتِياجَ الإنْسانِ إلى دَفْعِ الآلامِ العَظِيمَةِ عَنِ النَّفْسِ فَوْقَ احْتِياجِهِ إلى تَحْصِيلِ المَنافِعِ الزّائِدَةِ الَّتِي لا حاجَةَ بِهِ إلى تَحْصِيلِها وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ هو الشَّفاعَةُ في إسْقاطِ العِقابِ عَلى ما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِهَذا المَعْنى إشْعارًا قَوِيًّا ثُمَّ ورَدَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى وجَبَ حَلُّ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ الدُّعاءُ المَشْهُورُ وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ يَغْبِطُهُ بِهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، واتَّفَقَ النّاسُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ حُذَيْفَةُ: ”يُجْمَعُ النّاسُ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَلْجَأ ولا مَنجا مِنكَ إلّا إلَيْكَ تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ“ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وأقُولُ القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ سَعْيَهُ في الشَّفاعَةِ يُفِيدُهُ إقْدامُ النّاسِ عَلى حَمْدِهِ فَيَصِيرُ مَحْمُودًا، وأمّا ذِكْرُ هَذا الدُّعاءِ فَلا يُفِيدُ إلّا الثَّوابَ أمّا الحَمْدُ فَلا، فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنَّ يُقالَ إنَّهُ تَعالى يَحْمَدُهُ عَلى هَذا القَوْلِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الحَمْدَ في اللُّغَةِ مُخْتَصٌّ بِالثَّناءِ المَذْكُورِ في مُقابَلَةِ الإنْعامِ فَقَطْ، فَإنْ ورَدَ لَفْظُ الحَمْدِ في غَيْرِ هَذا المَعْنى فَعَلى سَبِيلِ المَجازِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ مَقامٌ تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في القَوْلِ الثّانِي.
القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ”يُقْعِدُ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلى العَرْشِ“ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ، ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِ هَذا التَّفْسِيرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ضِدُّ الإجْلاسِ يُقالُ بَعَثْتُ النّازِلَ والقاعِدَ فانْبَعَثَ، ويُقالُ بَعْثَ اللَّهُ المَيِّتَ أيْ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرٌ لِلضِّدِّ بِالضِّدِّ وهو فاسِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ مَقامًا مَحْمُودًا ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا، والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعَ القُعُودِ.
والثّالِثُ: لَوْ كانَ تَعالى جالِسًا عَلى العَرْشِ بِحَيْثُ يَجْلِسُ عِنْدَهُ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ.
والرّابِعُ: يُقالُ إنَّ جُلُوسَهُ مَعَ اللَّهِ عَلى العَرْشِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ إعْزازٍ لِأنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ والحَمْقى يَقُولُونَ في كُلِّ أهْلِ الجَنَّةِ إنَّهم يَزُورُونَ اللَّهَ تَعالى وإنَّهم يَجْلِسُونَ مَعَهُ وإنَّهُ تَعالى يَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها في الدُّنْيا، وإذا كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ حاصِلَةً عِنْدَهم لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِها مَزِيدُ شَرَفٍ ورُتْبَةٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ السُّلْطانُ بَعَثَ فُلانًا فُهِمَ مِنهُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلى قَوْمٍ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِمْ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا القَوْلَ كَلامٌ رَذْلٌ ساقِطٌ لا يَمِيلُ إلَيْهِ إلّا إنْسانٌ قَلِيلُ العَقْلِ عَدِيمُ الدِّينِ واللَّهُ أعْلَمُ
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ سَعْيُ كُفّارِ مَكَّةَ في إخْراجِهِ مِنها.
والثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَهُ الأوْلى لَكَ أنَّ تَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ واشْتَغِلْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ولا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ الجُهّالِ فَإنَّهُ تَعالى ناصِرُكَ ومُعِينُكَ ثُمَّ عادَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ إلى شَرْحِ تِلْكَ الواقِعَةِ فَإنْ فَسَّرْنا تِلْكَ الآيَةَ أنَّ المُرادَ مِنها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أرادُوا إخْراجَهُ مِن مَكَّةَ كانَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ وقالَ لَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وهو المَدِينَةُ ﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ وهو مَكَّةُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وإنْ فَسَّرْنا تِلْكَ الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ مِنها أنَّ اليَهُودَ حَمَلُوهُ عَلى الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ والذَّهابِ إلى الشّامِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها
صفحة ٢٨
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَرْجِعَ إلَيْها كانَ المُرادُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِنْدَ العَوْدِ إلى المَدِينَةِ قالَ: ﴿رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وهو المَدِينَةُ ﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يَعْنِي أخْرِجْنِي مِنها إلى مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ أيِ:افْتَحْها لِي.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وهو أكْمَلُ مِمّا سَبَقَ: أنَّ المُرادَ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في الصَّلاةِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنها مَعَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ وحُضُورِ ذِكْرِكَ والقِيامِ بِلَوازِمِ شُكْرِكَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو أكْمَلُ مِمّا سَبَقَ أنِ المُرادَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في القِيامِ بِمُهِمّاتِ أداءِ دَيْنِكَ وشَرِيعَتِكَ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنها بَعْدَ الفَراغِ مِنها إخْراجًا لا يَبْقى عَلَيَّ مِنها تَبِعَةً رِبْقِيَّةً.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو أعْلى مِمّا سَبَقَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ تَوْحِيدِكِ وتَنْزِيهِكِ وقُدْسِكَ ثُمَّ أخْرِجْنِي مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى ضِياءِ مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ ومِنَ التَّأمُّلِ في آثارِ حُدُوثِ المُحْدَثاتِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ المُنَزَّهِ عَنِ التَّكْثِيراتِ والتَّغَيُّراتِ.
والقَوْلُ الخامِسُ: أدْخِلْنِي في كُلِّ ما تُدْخِلُنِي فِيهِ مَعَ الصِّدْقِ في عُبُودِيَّتِكَ والِاسْتِغْراقِ بِمَعْرِفَتِكَ وأخْرِجْنِي عَنْ كُلِّ ما تُخْرِجُنِي عَنْهُ مَعَ الصِّدْقِ في العُبُودِيَّةِ والمَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَكُونَ صِدْقُ العُبُودِيَّةِ حاصِلًا في كُلِّ دُخُولٍ وخُرُوجٍ وحَرَكَةٍ وسُكُونٍ.
والقَوْلُ السّادِسُ: أدْخِلْنِي القَبْرَ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مِنهُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
البَحْثُ الثّانِي: ”مُدْخَلَ“ بِضَمِّ المِيمِ مَصْدَرٌ كالإدْخالِ يُقالُ أدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا كَما قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ (المُؤْمِنُونَ: ٢٩) ومَعْنى إضافَةِ المُدْخَلِ والمُخْرَجِ إلى الصِّدْقِ مَدْحُهُما كَأنَّهُ سَألَ اللَّهَ تَعالى إدْخالًا حَسَنًا وإخْراجًا حَسَنًا لا يَرى فِيهِما ما يَكْرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ حُجَّةً بَيِّنَةً ظاهِرَةً تَنْصُرُنِي بِها عَلى جَمِيعِ مَن خالَفَنِي، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَهُ التَّقْوِيَةَ عَلى مَن خالَفَهُ بِالحُجَّةِ وبِالقَهْرِ والقُدْرَةِ وقَدْ أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنَ النّاسِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ (المائِدَةِ: ٦٧) وقالَ: ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (المُجادَلَةِ: ٢٢) وقالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٣) ولَمّا سَألَ اللَّهَ النُّصْرَةَ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أنَّهُ أجابَ دُعاءَهُ فَقالَ: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ وهو دِينُهُ وشَرْعُهُ ﴿وزَهَقَ الباطِلُ﴾ وهو كُلُّ ما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ والشَّرائِعِ، وزَهَقَ: بَطَلَ واضْمَحَلَّ، وأصْلُهُ مِن زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ أيْ هَلَكَتْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”«أنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ فَجَعَلَ الصَّنَمُ يَنْكَبُّ عَلى وجْهِهِ» “ . وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ يَعْنِي أنَّ الباطِلَ وإنِ اتَّفَقَتْ لَهُ دَوْلَةٌ وصَوْلَةٌ إلّا أنَّها لا تَبْقى بَلْ تَزُولُ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أمْرَ الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ أرْدَفَها بِذِكْرِ الأمْرِ بِالطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ، وأشْرَفُ الطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ الصَّلاةُ فَلِهَذا السَّبَبِ أمْرَ بِها.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ أمَرَهُ تَعالى بِالإقْبالِ عَلى عِبادَتِهِ لِكَيْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ لا تُبالِ بِسَعْيِهِمْ في إخْراجِكَ مِن بَلْدَتِكَ ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ واشْتَغِلْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وداوِمْ عَلى أداءِ الصَّلَواتِ فَإنَّهُ تَعالى يَدْفَعُ مَكْرَهم وشَرَّهم عَنْكَ ويَجْعَلُ يَدَكَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ودِينَكَ غالِبًا عَلى أدْيانِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ (طه: ١٣٠) وقالَ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ (الحِجْرِ: ٩٩) .
والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا لَهُ اذْهَبْ إلى الشّامِ فَإنَّهُ مَسْكَنُ الأنْبِياءِ عَزَمَ ﷺ عَلى الذَّهابِ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ المَعْبُودُ واحِدٌ في كُلِّ البِلادِ وما النُّصْرَةُ والدَّوْلَةُ إلّا بِتَأْيِيدِهِ ونُصْرَتِهِ فَداوِمْ عَلى الصَّلَواتِ وارْجِعْ إلى مَقَرِّكَ ومَسْكَنِكَ، وإذا دَخَلْتَهُ ورَجَعْتَ إلَيْهِ فَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي في هَذا البَلَدِ سُلْطانًا نَصِيرًا في تَقْرِيرِ دِينِكَ وإظْهارِ شَرْعِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ والمُفَسِّرُونَ في مَعْنى دُلُوكِ الشَّمْسِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ دُلُوكَها غُرُوبُها وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، فَنَقَلَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: غُرُوبُها، ورَوى زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قالَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ: غُرُوبُها، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ دُلُوكَ الشَّمْسِ هو زَوالُها عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وهو اخْتِيارُ الأكْثَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: رَوى الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ قالَ: ”«طَعِمَ عِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» “ .
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ فَصَلّى بِيَ الظَّهْرَ» “ .
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ مَعْنى الدُّلُوكِ في كَلامِ العَرَبِ الزَّوالُ ولِذَلِكَ
صفحة ٢٢
قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ دالِكَةٌ، وقِيلَ لَها إذا أفَلَتْ دالِكَةٌ لِأنَّها في الحالَتَيْنِ زائِلَةٌ، هَكَذا قالَهُ الأزْهَرِيُّ، وقالَ القَفّالُ: أصْلُ الدُّلُوكِ المَيْلُ، يُقالُ: مالَتِ الشَّمْسُ لِلزَّوالِ، ويُقالُ: مالَتْ لِلْغُرُوبِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدُّلُوكِ هَهُنا الزَّوالُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ إقامَةَ الصَّلاةِ بِالدُّلُوكِ، والدُّلُوكُ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والزَّوالِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أوَّلُ ما حَصَلَ المَيْلُ والزَّوالُ تَعَلَّقَ بِهِ هَذا الحُكْمُ فَلَمّا حَصَلَ هَذا المَعْنى حالَ مَيْلِها مِن كَبِدِ السَّماءِ وجَبَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الصَّلاةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الدُّلُوكِ في هَذِهِ الآيَةِ مَيْلُها عَنْ كَبِدِ السَّماءِ وهَذِهِ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ في هَذا البابِ اسْتَنْبَطْتُها بِناءً عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّ الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والزَّوالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قالَ الأزْهَرِيُّ: الأوْلى حَمْلُ الدُّلُوكِ عَلى الزَّوالِ في نِصْفِ النَّهارِ، والمَعْنى ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيْ أدِمْها مِن وقْتِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الظَّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعَشاءُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ فَإذا حَمَلْنا الدُّلُوكَ عَلى الزَّوالِ دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ في هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الغُرُوبِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إلّا ثَلاثُ صَلَواتٍ وهي المَغْرِبُ والعِشاءُ والفَجْرُ، وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما يَكُونُ أكْثَرَ فائِدَةً أوْلى فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدُّلُوكِ الزَّوالَ، واحْتَجَّ الفَرّاءُ عَلى قَوْلِهِ الدُّلُوكُ هو الغُرُوبُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ وقَفَتْ حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
وبَراحُ اسْمُ الشَّمْسِ أيْ حَتّى غابَتْ، واحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا أفَلاكُّهُنَّ الدَّوالِكُ
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ لِأنَّ عِنْدَنا الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والتَّغَيُّرِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ في الغُرُوبِ فَكانَ الغُرُوبُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الدُّلُوكِ، فَكانَ وُقُوعُ لَفْظِ الدُّلُوكِ عَلى الغُرُوبِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ عَلى الزَّوالِ كَما أنَّ وُقُوعَ لَفْظِ الحَيَوانِ عَلى الإنْسانِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ عَلى الفَرَسِ، ومِنهم مَنِ احْتَجَّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الدُّلُوكَ اشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ لِأنَّ الإنْسانَ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها وهَذا إنَّما يَصِحُّ في الوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها ومَعْلُومٌ أنَّها عِنْدَ كَوْنِها في وسَطِ السَّماءِ لا يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها، أمّا عِنْدَ قُرْبِها مِنَ الغُرُوبِ فَيُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها [ و] عِنْدَما يَنْظُرُ الإنْسانُ إلَيْها في ذَلِكَ الوَقْتِ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الدُّلُوكِ مُخْتَصٌّ بِالغُرُوبِ. والجَوابُ أنَّ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّبْيِينِ عِنْدَ كَوْنِها في وسَطِ السَّماءِ أتَمُّ فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ بِأنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ الزَّوالِ مِن وسَطِ السَّماءِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ ”﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾“ لامُ الأجَلِ والسَّبَبُ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلاةَ إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ غَسَقُ اللَّيْلِ سَوادُهُ وظُلْمَتُهُ، قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ: الِاسْمُ، بِفَتْحِ السِّينِ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ: دُخُولُ أوَّلِهِ، وأتَيْتُهُ حِينَ غَسَقَ اللَّيْلُ، أيْ حِينَ يَخْتَلِطُ ويَسُدُّ المَناظِرَ، وأصْلُ هَذا الحَرْفِ مِنَ السَّيَلانِ يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ. وهو هَمَلانُ العَيْنِ بِالماءِ، والغاسِقُ السّائِلُ، ومِن هَذا يُقالُ لِما يَسِيلُ مِن أهْلِ النّارِ: الغَسّاقُ، فَمَعْنى غَسَقَ اللَّيْلُ أيِ انْصَبَّ بِظَلامِهِ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ كَأنَّها تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: ما غَسَقُ اللَّيْلِ ؟ قالَ أوَّلُهُ حِينَ يَدْخُلُ. وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ: قالَ: دُخُولُ اللَّيْلِ
صفحة ٢٣
بِظُلْمَتِهِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: غَسَقُ اللَّيْلِ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ عِنْدَ تَراكُمِ الظُّلْمَةِ واشْتِدادِها، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا امْتَلَأتْ دَمْعًا، وغَسَقَتِ الجِراحَةُ إذا امْتَلَأتْ دَمًا، قالَ: لِأنّا لَوْ حَمَلْنا الغَسَقُ عَلى هَذا المَعْنى دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الأرْبَعُ فِيهِ وهي الظُّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَوْ حَمَلْنا الغَسَقَ عَلى ظُهُورِ أوَّلِ الظُّلْمَةِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إلّا الظَّهْرُ والمَغْرِبُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ أوْلى، واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِحْثٌ شَرِيفٌ، فَإنْ فَسَّرْنا الغَسَقَ بِظُهُورِ أوَّلِ الظُّلْمَةِ كانَ الغَسَقُ عِبارَةٌ عَنْ أوَّلِ المَغْرِبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَذْكُورُ في الآيَةِ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ وقْتَ الزَّوالِ ووَقْتَ أوَّلِ المَغْرِبِ ووَقْتَ الفَجْرِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الزَّوالُ وقْتًا لِلظُّهْرِ والعَصْرِ فَيَكُونُ هَذا الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ، وأنَّ يَكُونَ أوَّلُ المَغْرِبِ وقْتًا لِلْمَغْرِبِ والعِشاءِ فَيَكُونُ هَذا الوَقْتُ مُشْتَرِكًا أيْضًا بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ فَهَذا يَقْتَضِي جَوازَ الجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ وبَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ مُطْلَقًا إلّا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الجَمْعَ في الحَضَرِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ لا يَجُوزُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ جائِزًا بِعُذْرِ السَّفَرِ وعُذْرِ المَطَرِ وغَيْرِهِ، أمّا إنْ فَسَّرْنا الغَسَقَ بِالظُّلْمَةِ المُتَراكِمَةِ فَنَقُولُ: الظُّلْمَةُ المُتَراكِمَةُ إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأبْيَضِ، وكَلِمَةُ إلى لِانْتِهاءِ الغايَةِ والحُكْمُ المَمْدُودُ إلى غايَةٍ يَكُونُ مَشْرُوعًا قَبْلَ حُصُولِ تِلْكَ الغايَةِ فَوَجَبَ جَوازُ إقامَةِ الصَّلَواتِ كُلِّها قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأبْيَضِ وهَذا إنَّما يَصِحُّ إذا قُلْنا إنَّها تَجِبُ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الأحْمَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ”﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾“ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ صَلاةُ الصُّبْحِ، وانْتِصابُهُ بِالعَطْفِ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ ”﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾“ والتَّقْدِيرُ أقِمِ الصَّلاةَ وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ وفِيهِ فَوائِدُ:
الأُولى: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ القُرْآنَ إلى الفَجْرِ، والتَّقْدِيرُ أقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ فَوَجَبَ أنْ تَتَعَلَّقَ القِراءَةُ بِحُصُولِ الفَجْرِ، وفي أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ قَدْ حَصَلَ الفَجْرُ؛ لِأنَّ الفَجْرَ سُمِّي فَجْرًا لِانْفِجارِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَنْ نُورِ الصَّباحِ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَمُقْتَضى هَذا اللَّفْظِ وُجُوبُ إقامَةِ صَلاةِ الفَجْرِ مِن أوَّلِ طُلُوعِهِ إلّا أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذا الوُجُوبَ غَيْرُ حاصِلٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى النَّدْبُ لِأنَّ الوُجُوبَ عِبارَةٌ عَنْ رُجْحانِ مانِعٍ مِنَ التَّرْكِ فَإذا مَنَعَ مانِعٌ مِن تَحْقُّقِ الوُجُوبِ وجَبَ أنْ يَرْتَفِعَ المَنعُ مِنَ التَّرْكِ وأنْ يَبْقى أصْلُ الرُّجْحانِ حَتّى تُنْقَلَ مُخالَفَةُ الدَّلِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّ إقامَةَ الفَجْرِ في أوَّلِ الوَقْتِ أفْضَلُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ مِنَ التَّنْوِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الفُقَهاءَ بَيَّنُوا أنَّ السُّنَّةَ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ في هَذِهِ الصَّلاةِ أطْوَلَ مِنَ القِراءَةِ في سائِرِ الصَّلَواتِ فالمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ”وقُرْآنَ الفَجْرِ“ الحَثُّ عَلى أنَّ تَطْوِيلَ القِراءَةِ في هَذِهِ الصَّلاةِ مَطْلُوبٌ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أكْمَلَ مِن غَيْرِهِ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ وصَفَ قُرْآنَ الفَجْرِ بِكَوْنِهِ مَشْهُودًا. قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ ومَلائِكَةَ النَّهارِ يَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ خَلْفَ الإمامِ تَنْزِلُ مَلائِكَةُ النَّهارِ عَلَيْهِمْ وهم في صَلاةِ الغَداةِ وقَبْلَ أنْ تَعْرُجَ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ فَإذا فَرَغَ الإمامُ مِن صِلاتِهِ عَرَجَتْ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَكَثَتْ مَلائِكَةُ النَّهارِ ثُمَّ إنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ إذا صَعَدَتْ قالَتْ: يا رَبِّ إنّا تَرَكْنا عِبادَكَ يُصَلُّونَ لَكَ وتَقُولُ مَلائِكَةُ النَّهارِ رَبَّنا أتَيْنا عِبادَكَ وهم يُصْلُونَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ اشْهَدُوا أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم. وأقُولُ هَذا أيْضًا دَلِيلٌ قَوِيٌّ في أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ مِنَ التَّنْوِيرِ لِأنَّ الإنْسانَ إذا شَرَعَ فِيها مِن أوَّلِ الصُّبْحِ فَفي ذَلِكَ الوَقْتِ الظُّلْمَةُ باقِيَةٌ فَتَكُونُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ حاضِرِينَ ثُمَّ إذا امْتَدَّتِ الصَّلاةُ بِسَبَبِ تَرْتِيلِ القِراءَةِ وتَكْثِيرِها زالَتِ الظُّلْمَةُ وظَهَرَ الضَّوْءُ وحَضَرَتْ مَلائِكَةُ النَّهارِ فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَحْضُرُ في هَذِهِ الصَّلاةِ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ أمّا إذا ابْتَدَأ بِهَذِهِ الصَّلاةِ في وقْتِ التَّنْوِيرِ فَهُناكَ ما بَقِيَتْ
صفحة ٢٤
الظُّلْمَةُ فَلَمْ يَبْقَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أحَدٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّيْلِ فَلا يَحْصُلُ المَعْنى المَذْكُورُ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (إنَّهُ كانَ مَشْهُودًا) دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ وعِنْدِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (إنَّهُ كانَ مَشْهُودًا) احْتِمالٌ آخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كُلَّما كانَتِ الحَوادِثُ الحادِثَةُ أعْظَمَ وأكْمَلَ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أكْمَلَ فالإنْسانُ إذا شَرَعَ في أداءِ صَلاةِ الصُّبْحِ مِن أوَّلِ هَذا الوَقْتِ كانَتِ الظُّلْمَةُ القَوِيَّةُ باقِيَةً في العالَمِ، فَإذا امْتَدَّتِ القِراءَةُ في أثْناءِ هَذا الوَقْتِ يَنْقَلِبُ العالَمُ مِنَ الظُّلْمَةِ إلى الضَّوْءِ، والظُّلْمَةُ مُناسِبَةٌ لِلْمَوْتِ والعَدَمِ، والضَّوْءُ مُناسِبٌ لِلْحَياةِ والوُجُودِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإنْسانُ لَمّا قامَ مِن مَنامِهِ فَكَأنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُشاهِدُ في أثْناءِ صِلاتِهِ انْقِلابَ كُلِّيَّةِ هَذا العالَمِ مِنَ الظُّلْمَةِ إلى الضَّوْءِ ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ السُّكُونِ إلى الحَرَكَةِ ومِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذِهِ الحالَةُ حالَةٌ عَجِيبَةٌ تَشْهَدُ العُقُولُ والأرْواحُ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذا التَّقْلِيبِ والتَّحْوِيلِ والتَّبْدِيلِ إلّا الخالِقُ المُدَبِّرُ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُوَّةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ وحِينَئِذٍ يَسْتَنِيرُ العَقْلُ بِنُورِ هَذِهِ المَعْرِفَةِ ويَنْفَتِحُ عَلى العَقْلِ والرُّوحِ أبْوابُ المُكاشَفاتِ الرُّوحانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ فَتَصِيرُ الصَّلاةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ أعْمالِ الجَوارِحِ مَشْهُودًا عَلَيْها بِهَذِهِ المُكاشَفاتِ الإلَهِيَّةِ المُقَدَّسَةِ ولِذَلِكَ فَكُلُّ مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ وطَبْعٌ مُسْتَقِيمٌ إذا قامَ مِن مَنامِهِ وأدّى صَلاةَ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ واعْتَبَرَ اخْتِلافَ أحْوالِ العالَمِ مِنَ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ إلى النُّورِ ومِنَ السُّكُونِ إلى الحَرَكَةِ فَإنَّهُ يَجِدُ في قَلْبِهِ رَوْحًا وراحَةً ومَزِيدًا في نُورِ المَعْرِفَةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ وظَهَرَ أنَّ هَذا الِاعْتِبارَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ أداءِ صَلاةِ الفَجْرِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيسِ فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
وفِي الآيَةِ احْتِمالٌ ثالِثٌ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ التَّرْغِيبَ في أنْ تُؤَدّى هَذِهِ الصَّلاةُ بِالجَماعَةِ، ويَكُونُ المَعْنى كَوْنُهُ مَشْهُودًا بِالجَماعَةِ الكَثِيرَةِ، ومَزِيدُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنّا بَيَّنّا أنَّ تَأْثِيرَ هَذِهِ الصَّلاةِ في تَصْفِيَةِ القَلْبِ وفي تَنْوِيرِهِ أكْثَرُ مِن تَأْثِيرِ سائِرِ الصَّلَواتِ، فَإذا حَضَرَ جَمْعٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في المَسْجِدِ لِأداءِ هَذِهِ العِبادَةِ اسْتَنارَ قَلْبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم ثُمَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاجْتِماعِ كَأنَّهُ يَنْعَكِسُ نُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ونُورُ طاعَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن قَلْبِ كُلِّ واحِدٍ إلى قَلْبِ الآخَرِ فَتَصِيرُ أرْواحُهم كالمَرايا المُشْرِقَةِ المُتَقابِلَةِ إذا وقَعَتْ عَلَيْها أنْوارُ الشَّمْسِ فَإنَّهُ يَنْعَكِسُ النُّورُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ المَرايا إلى الأُخْرى فَكَذا في هَذِهِ الصُّورَةِ، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ كُلَّ مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ وأدّى هَذِهِ الصَّلاةَ في هَذا الوَقْتِ بِالجَماعَةِ وجَدَ مِن قَلْبِهِ فُسْحَةً ونُورًا وراحَةً.
الفائِدَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ في كَوْنِهِ مَشْهُودًا هو أنَّ الإنْسانَ لَمّا نامَ طُولَ اللَّيْلِ فَصارَ كالغافِلِ في هَذِهِ المُدَّةِ عَنْ مُراقَبَةِ أحْوالِ الدُّنْيا فَزالَتْ صُورَةُ الحَوادِثِ الجُسْمانِيَّةِ عَنْ لَوْحِ خَيالِهِ وفِكْرِهِ وعَقْلِهِ وصارَتْ هَذِهِ الألْواحُ كَألْواحٍ سُطِّرَتْ فِيها نُقُوشٌ فاسِدَةٌ ثُمَّ غُسِلَتْ وأُزِيلَتْ تِلْكَ النُّقُوشُ عَنْها، فَفي أوَّلِ وقْتِ القِيامِ مِنَ المَنامِ صارَتْ ألْواحُ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وخَيالِهِ مُطَهَّرَةً عَنِ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ الباطِلَةِ. فَإذا تَسارَعَ الإنْسانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وقِراءَةِ الكَلَمّاتِ الدّالَّةِ عَلى تَنْزِيهِهِ والإقْدامِ عَلى الأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى انْتَقَشَ في لَوْحِ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وخَيالِهِ هَذِهِ النُّقُوشُ الطّاهِرَةُ المُقَدَّسَةُ، ثُمَّ إنَّ حُصُولَ هَذِهِ النُّقُوشِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِحْكامِ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ، وهي النُّقُوشُ المُتَوَلِّدَةُ مِنَ المَيْلِ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَتَرَشَّحُ المَيْلُ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ ويَضْعُفُ المَيْلُ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ هَذِهِ الحِكْمَةُ إنَّما تَحْصُلُ إذا شَرَعَ الإنْسانُ في الصَّلاةِ مِن أوَّلِ قِيامِهِ مِنَ النَّوْمِ عِنْدَ التَّغْلِيسِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ وقَعُوا في أمْراضِ القُلُوبِ وهي حُبُّ
صفحة ٢٥
الدُّنْيا والحِرْصُ والحَسَدُ والتَّفاخُرُ والتَّكاثُرُ وهَذِهِ الدُّنْيا مِثْلُ دارِ المَرْضى إذا كانَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ المَرْضى، والأنْبِياءُ كالأطِبّاءِ الحاذِقِينَ، والمَرِيضُ رُبَّما قَدْ قَوِيَ مَرَضُهُ فَلا يَعُودُ إلى الصِّحَّةِ إلّا بِمُعالَجاتٍ قَوِيَّةٍ ورُبَّما كانَ المَرِيضُ جاهِلًا فَلا يَنْقادُ لِلطَّبِيبِ ويُخالِفُهُ في أكْثَرِ الأمْرِ، إلّا أنَّ الطَّبِيبَ إذا كانَ مُشْفِقًا حاذِقًا فَإنَّهُ يَسْعى في إزالَةِ ذَلِكَ المَرَضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إزالَتِهِ فَإنَّهُ يَسْعى في تَقْلِيلِهِ وتَخْفِيفِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَرَضُ حُبِّ الدُّنْيا مُسْتَوْلٍ عَلى الخَلْقِ ولا عِلاجَ لَهُ إلّا بِالدَّعْوَةِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ وهَذا عِلاجٌ شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ، وقَلَّ مَن يَقْبَلُهُ ويَنْقادُ لَهُ، لا جَرَمَ [ أنَّ ] الأنْبِياءَ اجْتَهَدُوا في تَقْلِيلِ هَذا المَرَضِ وحَمْلِ الخَلْقِ عَلى الشُّرُوعِ في الطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ مِن أوَّلِ وقْتِ القِيامِ مِنَ النَّوْمِ مِمّا يَنْفَعُ في إزالَةِ هَذا المَرَضِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْناهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والإشارَةِ أرْدَفَهُ بِالحَثِّ عَلى صَلاةِ اللَّيْلِ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: التَّهَجُّدُ عِبارَةٌ عَنْ صَلاةِ اللَّيْلِ فَقَوْلُهُ فَتَهَجَّدْ بِهِ أيْ بِالقُرْآنِ كَما قالَ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٢) إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٤) .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: الهُجُودُ في اللُّغَةِ النَّوْمُ وهو مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ في الشِّعْرِ يُقالُ: أهْجَدْتُهُ وهَجَّدْتُهُ أيْ أنَمْتُهُ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
هَجِّدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى
كَأنَّهُ قالَ: نَوِّمْنا فَإنَّ السُّرى قَدْ طالَ عَلَيْنا حَتّى غَلَبَنا النَّوْمُ، ورَوى أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الهاجِدُ النّائِمُ والهاجِدُ المُصَلِّي بِاللَّيْلِ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ كَأنَّهُ قالَ هَجَدَ الرَّجُلُ إذا صَلّى مِنَ اللَّيْلِ وهَجَدَ إذا نامَ بِاللَّيْلِ فَعِنْدَ هَؤُلاءِ هَذا اللَّفْظُ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا الأزْهَرِيُّ فَإنَّهُ تَوَسَّطَ في تَفْسِيرِ هَذا اللَّفْظِ وقالَ: المَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ هو النّائِمُ، ثُمَّ رَأيْنا أنَّ في الشَّرْعِ يُقالُ لِمَن قامَ مِنَ النَّوْمِ إلى الصَّلاةِ إنَّهُ مُتَهَجِّدٌ فَوَجَبَ أنَّ يُحْمَلَ هَذا عَلى أنَّهُ سُمِّيَ مُتَهَجِّدًا لِإلْقائِهِ الهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ كَما قِيلَ لِلْعابِدِ مُتَحَنِّثٌ لِإلْقائِهِ الحِنْثَ عَنْ نَفْسِهِ وهو الإثْمُ، ويُقالُ فُلانٌ رَجُلٌ مُتَحَرِّجٌ ومُتَأثِّمٌ ومُتَحَوِّبٌ أيْ: يُلْقِي الحَرَجَ والإثْمَ والحُوبَ عَنْ نَفْسِهِ، وأقُولُ فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتْرُكُ لَذَّةَ النَّوْمِ ويَتَحَمَّلُ مَشَقَّةَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ لِيَطِيبَ رُقادُهُ وهُجُودُهُ عِنْدَ المَوْتِ، فَلَمّا كانَ غَرَضُهُ مِن تَرْكِ هَذا الهُجُودِ أنْ يَصِلَ إلى الهُجُودِ اللَّذِيذِ عِنْدَ المَوْتِ كانَ هَذا القِيامُ طَلَبًا لِذَلِكَ الهُجُودِ فَسُمِّيَ تَهَجُّدًا لِهَذا السَّبَبِ.
وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو ما رُوِيَ أنَّ الحَجّاجَ بْنَ عَمْرٍو المازِنِيَّ قالَ: أيَحْسَبُ أحَدُكم إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلّى حَتّى يُصْبِحَ أنَّهُ قَدْ تَهَجَّدَ إنَّما التَّهَجُّدُ الصَّلاةُ بَعْدَ الرُّقادِ ثُمَّ صَلاةٌ أُخْرى بَعْدَ رَقْدَةٍ ثُمَّ صَلاةٌ أُخْرى بَعْدَ رَقْدَةٍ هَكَذا كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ كُلَّما صَلّى الإنْسانُ طَلَبَ هُجُودًا ورُقادًا فَلا يَبْعُدُ أنَّهُ سُمِّيَ تَهَجُّدًا لِهَذا السَّبَبِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (مِنَ) في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: قُمْ مِنَ اللَّيْلِ أيْ في بَعْضِ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، وقَوْلُهُ: (بِهِ) أيْ بِالقُرْآنِ، والمُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى القُرْآنِ.
صفحة ٢٦
البَحْثُ الرّابِعُ: مَعْنى النّافِلَةِ في اللُّغَةِ ما كانَ زِيادَةً عَلى الأصْلِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ (الأنْفالِ: ١) ومَعْناها أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ الزِّيادَةُ، وفي تَفْسِيرِ كَوْنِها زِيادَةً قَوْلانِ مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ هَلْ كانَتْ واجِبَةً عَلى النَّبِيِّ ﷺ أمْ لا فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّها كانَتْ واجِبَةً عَلَيْهِ ثُمَّ نُسِخَتْ فَصارَتْ نافِلَةً، أيْ تَطَوُّعًا وزِيادَةً عَلى الفَرائِضِ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ في تَفْسِيرِ كَوْنِها (نافِلَةً) وجْهًا حَسَنًا قالا: إنَّهُ تَعالى غَفَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَكُلُّ طاعَةٍ يَأْتِي بِها سِوى المَكْتُوبَةِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ تَأْثِيرُها في كَفّارَةِ الذُّنُوبِ البَتَّةَ بَلْ يَكُونُ تَأْثِيرُها في زِيادَةِ الدَّرَجاتِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ، وكانَ المَقْصُودُ مِن تِلْكَ العِبادَةِ زِيادَةَ الثَّوابِ فَلِهَذا سُمِّيَتْ نافِلَةً، بِخِلافِ الأُمَّةِ فَإنَّ لَهم ذُنُوبًا مُحْتاجَةً إلى الكَفّاراتِ فَهَذِهِ الطّاعَةُ مُحْتاجُونَ إلَيْها لِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ والسَّيِّئاتِ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الطّاعاتِ إنَّما تَكُونُ زَوائِدَ ونَوافِلَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ لا في حَقِّ غَيْرِهِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ يَعْنِي أنَّها زَوائِدُ ونَوافِلُ في حَقِّكَ لا في حَقِّ غَيْرِكَ، وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ واجِبَةً عَلى النَّبِيِّ ﷺ قالُوا مَعْنى كَوْنِها نافِلَةً لَهُ عَلى التَّخْصِيصِ أنَّها فَرِيضَةٌ عَلَيْكَ زائِدَةٌ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ خُصِّصْتَ بِها مِن بَيْنِ أُمَّتِكَ ويُمْكِنُ نُصْرَةُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ قَوْلَهُ ”﴿فَتَهَجَّدْ﴾“ أمْرٌ وصِيغَةُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَوَجَبَ كَوْنُ هَذا التَّهَجُّدُ واجِبًا، فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ ”نافِلَةً لَكَ“ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ لَزِمَ التَّعارُضُ وهو خِلافُ الأصْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْنى كَوْنِها نافِلَةً لَهُ ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِ وُجُوبِها زائِدًا عَلى وُجُوبِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ واللَّهُ أعْلَمُ.
البَحْثُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ وإنْ كانَ ظاهِرُ الأمْرِ فِيهِ مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّهُ في المَعْنى عامٌّ في حَقِّ الأُمَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ ”﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾“ فَبَيَّنَ أنَّ الأمْرَ بِالتَّهَجُّدِ مَخْصُوصٌ بِالرَّسُولِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالصَّلاةِ الخَمْسِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلّا لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِ الأمْرِ بِالتَّهَجُّدِ بِهَذا القَيْدِ فائِدَةً أصْلًا واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ كَلِمَةَ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، قالَ أهْلُ المَعانِي: لِأنَّ لَفْظَةَ عَسى تُفِيدُ الإطْماعَ، ومَن أطْمَعَ إنْسانًا في شَيْءٍ ثُمَّ حَرَمَهُ كانَ عارًا واللَّهُ تَعالى أكْرَمُ مِن أنْ يُطْمِعَ أحَدًا في شَيْءٍ ثُمَّ لا يُعْطِيهِ ذَلِكَ
* * *
وقَوْلُهُ: ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ مَحْمُودًا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ يَبْعَثُكَ أيْ: يَبْعَثُكَ مَحْمُودًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَقامِ وهو ظاهِرٌ.
البَحْثُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الشَّفاعَةُ، قالَ الواحِدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّهُ مَقامُ الشَّفاعَةِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ ”«هُوَ المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» “ وأقُولُ: اللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَصِيرُ مَحْمُودًا إذا حَمِدَهُ حامِدٌ، والحَمْدُ إنَّما يَكُونُ عَلى الإنْعامِ فَهَذا المَقامُ المَحْمُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَقامًا أنْعَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ عَلى قَوْمٍ فَحَمِدُوهُ عَلى ذَلِكَ الإنْعامِ، وذَلِكَ الإنْعامُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو تَبْلِيغُ الدِّينِ وتَعْلِيمُ الشَّرْعِ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا في الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ تَطْمِيعٌ وتَطْمِيعُ الإنْسانِ في الشَّيْءِ الَّذِي وعَدَهُ في الحالِ مُحالٌ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإنْعامُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَصِيرُ مَحْمُودًا إنْعامًا سَيَصِلُ مِنهُ حَصَلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّاسِ وما ذاكَ إلّا شَفاعَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ لَفْظَ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى وأيْضًا التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ مَقامًا مَحْمُودًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَلِكَ المَقامِ حَمْدٌ بالِغٌ عَظِيمٌ كامِلٌ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ حَمْدَ
صفحة ٢٧
الإنْسانِ عَلى سَعْيِهِ في التَّخْلِيصِ عَنِ العِقابِ أعْظَمُ مِن حَمْدِهِ في السَّعْيِ في زِيادَةٍ مِنَ الثَّوابِ لا حاجَةَ بِهِ إلَيْها لِأنَّ احْتِياجَ الإنْسانِ إلى دَفْعِ الآلامِ العَظِيمَةِ عَنِ النَّفْسِ فَوْقَ احْتِياجِهِ إلى تَحْصِيلِ المَنافِعِ الزّائِدَةِ الَّتِي لا حاجَةَ بِهِ إلى تَحْصِيلِها وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ هو الشَّفاعَةُ في إسْقاطِ العِقابِ عَلى ما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِهَذا المَعْنى إشْعارًا قَوِيًّا ثُمَّ ورَدَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى وجَبَ حَلُّ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ الدُّعاءُ المَشْهُورُ وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ يَغْبِطُهُ بِهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، واتَّفَقَ النّاسُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ حُذَيْفَةُ: ”يُجْمَعُ النّاسُ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَلْجَأ ولا مَنجا مِنكَ إلّا إلَيْكَ تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ“ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وأقُولُ القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ سَعْيَهُ في الشَّفاعَةِ يُفِيدُهُ إقْدامُ النّاسِ عَلى حَمْدِهِ فَيَصِيرُ مَحْمُودًا، وأمّا ذِكْرُ هَذا الدُّعاءِ فَلا يُفِيدُ إلّا الثَّوابَ أمّا الحَمْدُ فَلا، فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنَّ يُقالَ إنَّهُ تَعالى يَحْمَدُهُ عَلى هَذا القَوْلِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الحَمْدَ في اللُّغَةِ مُخْتَصٌّ بِالثَّناءِ المَذْكُورِ في مُقابَلَةِ الإنْعامِ فَقَطْ، فَإنْ ورَدَ لَفْظُ الحَمْدِ في غَيْرِ هَذا المَعْنى فَعَلى سَبِيلِ المَجازِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ مَقامٌ تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في القَوْلِ الثّانِي.
القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ”يُقْعِدُ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلى العَرْشِ“ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ، ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِ هَذا التَّفْسِيرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ضِدُّ الإجْلاسِ يُقالُ بَعَثْتُ النّازِلَ والقاعِدَ فانْبَعَثَ، ويُقالُ بَعْثَ اللَّهُ المَيِّتَ أيْ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرٌ لِلضِّدِّ بِالضِّدِّ وهو فاسِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ مَقامًا مَحْمُودًا ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا، والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعَ القُعُودِ.
والثّالِثُ: لَوْ كانَ تَعالى جالِسًا عَلى العَرْشِ بِحَيْثُ يَجْلِسُ عِنْدَهُ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ.
والرّابِعُ: يُقالُ إنَّ جُلُوسَهُ مَعَ اللَّهِ عَلى العَرْشِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ إعْزازٍ لِأنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ والحَمْقى يَقُولُونَ في كُلِّ أهْلِ الجَنَّةِ إنَّهم يَزُورُونَ اللَّهَ تَعالى وإنَّهم يَجْلِسُونَ مَعَهُ وإنَّهُ تَعالى يَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها في الدُّنْيا، وإذا كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ حاصِلَةً عِنْدَهم لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِها مَزِيدُ شَرَفٍ ورُتْبَةٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ السُّلْطانُ بَعَثَ فُلانًا فُهِمَ مِنهُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلى قَوْمٍ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِمْ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا القَوْلَ كَلامٌ رَذْلٌ ساقِطٌ لا يَمِيلُ إلَيْهِ إلّا إنْسانٌ قَلِيلُ العَقْلِ عَدِيمُ الدِّينِ واللَّهُ أعْلَمُ
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ سَعْيُ كُفّارِ مَكَّةَ في إخْراجِهِ مِنها.
والثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَهُ الأوْلى لَكَ أنَّ تَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ واشْتَغِلْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ولا تَلْتَفِتْ إلى هَؤُلاءِ الجُهّالِ فَإنَّهُ تَعالى ناصِرُكَ ومُعِينُكَ ثُمَّ عادَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ إلى شَرْحِ تِلْكَ الواقِعَةِ فَإنْ فَسَّرْنا تِلْكَ الآيَةَ أنَّ المُرادَ مِنها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أرادُوا إخْراجَهُ مِن مَكَّةَ كانَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ وقالَ لَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وهو المَدِينَةُ ﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ وهو مَكَّةُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وإنْ فَسَّرْنا تِلْكَ الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ مِنها أنَّ اليَهُودَ حَمَلُوهُ عَلى الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ والذَّهابِ إلى الشّامِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها
صفحة ٢٨
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَرْجِعَ إلَيْها كانَ المُرادُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِنْدَ العَوْدِ إلى المَدِينَةِ قالَ: ﴿رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وهو المَدِينَةُ ﴿وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يَعْنِي أخْرِجْنِي مِنها إلى مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ أيِ:افْتَحْها لِي.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وهو أكْمَلُ مِمّا سَبَقَ: أنَّ المُرادَ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في الصَّلاةِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنها مَعَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ وحُضُورِ ذِكْرِكَ والقِيامِ بِلَوازِمِ شُكْرِكَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو أكْمَلُ مِمّا سَبَقَ أنِ المُرادَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في القِيامِ بِمُهِمّاتِ أداءِ دَيْنِكَ وشَرِيعَتِكَ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنها بَعْدَ الفَراغِ مِنها إخْراجًا لا يَبْقى عَلَيَّ مِنها تَبِعَةً رِبْقِيَّةً.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو أعْلى مِمّا سَبَقَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ تَوْحِيدِكِ وتَنْزِيهِكِ وقُدْسِكَ ثُمَّ أخْرِجْنِي مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى ضِياءِ مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ ومِنَ التَّأمُّلِ في آثارِ حُدُوثِ المُحْدَثاتِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ المُنَزَّهِ عَنِ التَّكْثِيراتِ والتَّغَيُّراتِ.
والقَوْلُ الخامِسُ: أدْخِلْنِي في كُلِّ ما تُدْخِلُنِي فِيهِ مَعَ الصِّدْقِ في عُبُودِيَّتِكَ والِاسْتِغْراقِ بِمَعْرِفَتِكَ وأخْرِجْنِي عَنْ كُلِّ ما تُخْرِجُنِي عَنْهُ مَعَ الصِّدْقِ في العُبُودِيَّةِ والمَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَكُونَ صِدْقُ العُبُودِيَّةِ حاصِلًا في كُلِّ دُخُولٍ وخُرُوجٍ وحَرَكَةٍ وسُكُونٍ.
والقَوْلُ السّادِسُ: أدْخِلْنِي القَبْرَ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مِنهُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
البَحْثُ الثّانِي: ”مُدْخَلَ“ بِضَمِّ المِيمِ مَصْدَرٌ كالإدْخالِ يُقالُ أدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا كَما قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ (المُؤْمِنُونَ: ٢٩) ومَعْنى إضافَةِ المُدْخَلِ والمُخْرَجِ إلى الصِّدْقِ مَدْحُهُما كَأنَّهُ سَألَ اللَّهَ تَعالى إدْخالًا حَسَنًا وإخْراجًا حَسَنًا لا يَرى فِيهِما ما يَكْرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أيْ حُجَّةً بَيِّنَةً ظاهِرَةً تَنْصُرُنِي بِها عَلى جَمِيعِ مَن خالَفَنِي، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَهُ التَّقْوِيَةَ عَلى مَن خالَفَهُ بِالحُجَّةِ وبِالقَهْرِ والقُدْرَةِ وقَدْ أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنَ النّاسِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ (المائِدَةِ: ٦٧) وقالَ: ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (المُجادَلَةِ: ٢٢) وقالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٣) ولَمّا سَألَ اللَّهَ النُّصْرَةَ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أنَّهُ أجابَ دُعاءَهُ فَقالَ: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ وهو دِينُهُ وشَرْعُهُ ﴿وزَهَقَ الباطِلُ﴾ وهو كُلُّ ما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ والشَّرائِعِ، وزَهَقَ: بَطَلَ واضْمَحَلَّ، وأصْلُهُ مِن زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ أيْ هَلَكَتْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”«أنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ فَجَعَلَ الصَّنَمُ يَنْكَبُّ عَلى وجْهِهِ» “ . وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ يَعْنِي أنَّ الباطِلَ وإنِ اتَّفَقَتْ لَهُ دَوْلَةٌ وصَوْلَةٌ إلّا أنَّها لا تَبْقى بَلْ تَزُولُ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في شَرْحِ الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والحَشْرِ والمَعادِ والبَعْثِ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالأمْرِ بِالصَّلاةِ ونَبَّهَ عَلى ما فِيها مِنَ الأسْرارِ، وإنَّما ذَكَرَ كُلَّ ذَلِكَ في القُرْآنِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ
صفحة ٢٩
شِفاءً ورَحْمَةً فَقالَ: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ﴾ ولَفْظَةُ مَن هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ هي لِلْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ (الحَجِّ: ٣٠) والمَعْنى: ونُنَزِّلُ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو قُرْآنٌ ما هو شِفاءٌ، فَجَمِيعُ القُرْآنِ شِفاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، واعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ مِنَ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ، وشِفاءٌ أيْضًا مِنَ الأمْراضِ الجُسْمانِيَّةِ، أمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ فَظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْراضَ الرُّوحانِيَّةَ نَوْعانِ: الِاعْتِقاداتُ الباطِلَةُ والأخْلاقُ المَذْمُومَةُ، أمّا الِاعْتِقاداتُ الباطِلَةُ فَأشَدُّها فَسادًا الِاعْتِقاداتُ الفاسِدَةُ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ والقَضاءِ والقَدَرِ، والقُرْآنُ كِتابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ المَذْهَبِ الحَقِّ في هَذِهِ المَطالِبِ، وإبْطالِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ فِيها، ولَمّا كانَ أقْوى الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ هو الخَطَأ في هَذِهِ المَطالِبِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى الدَّلائِلِ الكاشِفَةِ عَمّا في هَذِهِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ مِنَ العُيُوبِ الباطِنَةِ لا جَرَمَ كانَ القُرْآنُ شِفاءً مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ المَرَضِ الرُّوحانِيِّ، وأمّا الأخْلاقُ المَذْمُومَةُ فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَفْصِيلِها وتَعْرِيفِ ما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والإرْشادِ إلى الأخْلاقِ الفاضِلَةِ الكامِلَةِ والأعْمالِ المَحْمُودَةِ فَكانَ القُرْآنُ شِفاءً مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ المَرَضِ فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ مِن جَمِيعِ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ، وأمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ الأمْراضِ الجُسْمانِيَّةِ فَلِأنَّ التَّبَرُّكَ بِقِراءَتِهِ يَدْفَعُ كَثِيرًا مِنَ الأمْراضِ، ولَمّا اعْتَرَفَ الجُمْهُورُ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الطَّلْسَماتِ بِأنَّ لِقِراءَةِ الرُّقى المَجْهُولَةِ والعَزائِمِ الَّتِي لا يُفْهَمُ مِنها شَيْءٌ آثارًا عَظِيمَةً في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، فَلِأنْ تَكُونَ قِراءَةُ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُشْتَمِلِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ وتَعْظِيمِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وتَحْقِيرِ المَرَدَةِ والشَّياطِينِ سَبَبًا لِحُصُولِ النَّفْعِ في الدِّينِ والدُّنْيا كانَ أوْلى، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«مَن لَمْ يَسْتَشْفِ بِالقُرْآنِ فَلا شَفاهُ اللَّهُ تَعالى» “ وأمّا كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فاعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مَرِيضَةٌ بِسَبَبِ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأخْلاقِ الفاسِدَةِ، والقُرْآنُ قِسْمانِ بَعْضُهُما يُفِيدُ الخَلاصَ عَنْ شُبَهاتِ الضّالِّينَ وتَمْوِيهاتِ المُبْطِلِينَ وهو الشِّفاءُ، وبَعْضُهُما يُفِيدُ تَعْلِيمَ كَيْفِيَّةِ اكْتِسابِ العُلُومِ العالِيَةِ، والأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي بِها يَصِلُ الإنْسانُ إلى جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِاخْتِلاطِ بِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وهو الرَّحْمَةُ، ولَمّا كانَ إزالَةُ المَرَضِ مُقَدَّمَةً عَلى السَّعْيِ في تَكْمِيلِ مُوجِباتِ الصِّحَّةِ لا جَرَمَ بَدَأ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ الشِّفاءِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الرَّحْمَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَ القُرْآنِ شِفاءً ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بَيَّنَ كَوْنَهُ سَبَبًا لِلْخَسارِ والضَّلالِ في حَقِّ الظّالِمِينَ والمُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ سَماعَ القُرْآنِ يَزِيدُهم غَيْظًا وغَضَبًا وحِقْدًا وحَسَدًا وهَذِهِ الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ تَدْعُوهم إلى الأعْمالِ الباطِلَةِ وتَزِيدُ في تَقْوِيَةِ تِلْكَ الأخْلاقِ الفاسِدَةِ في جَواهِرِ نُفُوسِهِمْ ثُمَّ لا يَزالُ الخُلُقُ الخَبِيثُ النَّفْسانِيُّ يَحْمِلُ عَلى الأعْمالِ الفاسِدَةِ، والإتْيانُ بِتِلْكَ الأعْمالِ يُقَوِّي تِلْكَ الأخْلاقَ فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَصِيرُ القُرْآنُ سَبَبًا لِتَزايُدِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ في دَرَجاتِ الخِزْيِ والضَّلالِ والفَسادِ والنَّكالِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ السَّبَبَ الأصْلِيَّ في وُقُوعِ هَؤُلاءِ الجاهِلِينَ الضّالِّينَ في أوْدِيَةِ الضَّلالِ ومَقاماتِ الخِزْيِ والنَّكالِ وهو حُبُّ الدُّنْيا والرَّغْبَةُ في المالِ والجاهِ واعْتِقادُهم أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ جِدِّهِمْ واجْتِهادِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ الإنْسانَ هَهُنا هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وهَذا بَعِيدٌ، بَلِ المُرادُ أنَّ نَوْعَ الإنْسانِ مِن شَأْنِهِ أنَّهُ إذا فازَ بِمَقْصُودِهِ ووَصَلَ إلى مَطْلُوبِهِ اغْتَرَّ وصارَ غافِلًا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى مُتَمَرِّدًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ (العَلَقِ: ٦) .
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ أعَرَضَ أيْ ولّى ظَهْرَهُ أيْ عَرْضَهُ إلى ناحِيَةٍ ونَأى بِجانِبِهِ أيْ تَباعَدَ، ومَعْنى النَّأْيِ في
صفحة ٣٠
اللُّغَةِ: البُعْدُ والإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ أنْ يُوَلِّيَهُ عَرْضَ وجْهِهِ، والنَّأْيُ بِالجانِبِ أنْ يَلْوِيَ عَنْهُ عِطْفَهُ ويُوَلِّيَهُ ظَهْرَهُ، وأرادَ الِاسْتِكْبارَ لِأنَّ ذَلِكَ عادَةُ المُتَكَبِّرِينَ، وفي قَوْلِهِ نَأى قِراءاتٌ:
إحْداها: وهي قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ النُّونِ والهَمْزَةِ وفي حم السَّجْدَةِ مِثْلُهُ وهي اللُّغَةُ الغالِبَةُ، والنَّأْيُ البُعْدُ يُقالُ: نَأى أيْ بَعُدَ.
وثانِيها: قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ناءٍ ولَهُ وجْهانِ تَقْدِيمُ اللّامِ عَلى العَيْنِ كَقَوْلِهِمْ راءٍ في رَأى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَأى بِمَعْنى نَهَضَ.
وثالِثُها: قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِإمالَةِ الفَتْحَتَيْنِ وذَلِكَ لِأنَّهم أمالُوا الهَمْزَةَ مِن نَأى ثُمَّ كَسَرُوا النُّونَ إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ مِثْلُ رَأى.
ورابِعُها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ونُصَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ وحَمْزَةَ نَئِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الأصْلِ في فَتْحِ النُّونِ وإمالَةِ الهَمْزَةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ أيْ إذا مَسَّهُ فَقْرٌ أوْ مَرَضٌ أوْ نازِلَةٌ مِنَ النَّوازِلِ كانَ يَئُوسًا شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٧) والحاصِلُ أنَّهُ إنْ فازَ بِالنِّعْمَةِ والدَّوْلَةِ اغْتَرَّ بِها فَنَسِيَ ذِكْرَ اللَّهِ، وإنْ بَقِيَ في الحِرْمانِ عَنِ الدُّنْيا اسْتَوْلى عَلَيْهِ الأسَفُ والحُزْنُ ولَمْ يَتَفَرَّغْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَهَذا المِسْكِينُ مَحْرُومٌ أبَدًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِي﴾ (الفَجْرِ: ١٥) إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبِّي أهانَنِي﴾ (الفَجْرِ: ١٦) وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (المَعارِجِ: ١٩ ٢٠) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ والمَذْهَبُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يُقالُ هَذا طَرِيقٌ ذُو شَواكِلَ أيْ يَتَشَعَّبُ مِنهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ ثُمَّ الَّذِي يُقَوِّي عِنْدِي أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَفْعَلُ عَلى وفْقِ ما شاكَلَ جَوْهَرَ نَفْسِهِ ومُقْتَضى رُوحِهِ، فَإنْ كانَتْ نَفْسُهُ نَفْسًا مُشْرِقَةً خَيِّرَةً طاهِرَةً عُلْوِيَّةً صَدَرَتْ عَنْهُ أفْعالٌ فاضِلَةٌ كَرِيمَةٌ وإنْ كانَتْ نَفْسُهُ نَفْسًا كَدِرَةً نَذْلَةً خَبِيثَةً مُضِلَّةً ظَلْمانِيَّةً صَدَرَتْ عَنْهُ أفْعالٌ خَسِيسَةٌ فاسِدَةٌ، وأقُولُ: العُقَلاءُ اخْتَلَفُوا في أنَّ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ البَشَرِيَّةَ هَلْ هي مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ أمْ لا ؟ مِنهم مَن قالَ: إنَّها مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ وإنَّ اخْتِلافَ أفْعالِها وأحْوالِها لِأجْلِ اخْتِلافِ جَواهِرِها وماهِيّاتِها، ومِنهم مَن قالَ إنَّها مُتَساوِيَةٌ في الماهِيَّةِ، واخْتِلافُ أفْعالِها لِأجْلِ اخْتِلافِ أمْزِجَتِها. والمُخْتارُ عِنْدِي هو القِسْمُ الأوَّلُ والقُرْآنُ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ القُرْآنَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ يُفِيدُ الشِّفاءَ والرَّحْمَةَ، وبِالنِّسْبَةِ إلى أقْوامٍ آخَرِينَ يُفِيدُ الخَسارَةَ والخِزْيَ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ ومَعْناهُ أنَّ اللّائِقَ بِتِلْكَ النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ أنْ يَظْهَرَ فِيها مِنَ القُرْآنِ آثارُ الذَّكاءِ والكَمالِ، وبِتِلْكَ النُّفُوسِ الكَدِرَةِ أنْ يَظْهَرَ فِيها مِنَ القُرْآنِ آثارُ الخِزْيِ والضَّلالِ كَما أنَّ الشَّمْسَ تَعْقِدُ المِلْحَ وتُلَيِّنُ الدُّهْنَ وتُبَيِّضُ ثَوْبَ القَصّارِ وتُسَوِّدُ وجْهَهُ. وهَذا الكَلامُ إنَّما يَتِمُّ المَقْصُودُ مِنهُ إذا كانَتِ الأرْواحُ والنُّفُوسُ مُخْتَلِفَةً بِماهِيّاتِها فَبَعْضُها مُشْرِقَةٌ صافِيَةٌ يَظْهَرُ فِيها مِنَ القُرْآنِ نُورٌ عَلى نُورٍ وبَعْضُها كَدِرَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ يَظْهَرُ فِيها مِنَ القُرْآنِ ضَلالٌ عَلى ضَلالٍ ونَكالٌ عَلى نَكالٍ.
الإسراء 17:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في شَرْحِ الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والحَشْرِ والمَعادِ والبَعْثِ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالأمْرِ بِالصَّلاةِ ونَبَّهَ عَلى ما فِيها مِنَ الأسْرارِ، وإنَّما ذَكَرَ كُلَّ ذَلِكَ في القُرْآنِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ
صفحة ٢٩
شِفاءً ورَحْمَةً فَقالَ: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ﴾ ولَفْظَةُ مَن هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ هي لِلْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ (الحَجِّ: ٣٠) والمَعْنى: ونُنَزِّلُ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو قُرْآنٌ ما هو شِفاءٌ، فَجَمِيعُ القُرْآنِ شِفاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، واعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ مِنَ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ، وشِفاءٌ أيْضًا مِنَ الأمْراضِ الجُسْمانِيَّةِ، أمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ فَظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْراضَ الرُّوحانِيَّةَ نَوْعانِ: الِاعْتِقاداتُ الباطِلَةُ والأخْلاقُ المَذْمُومَةُ، أمّا الِاعْتِقاداتُ الباطِلَةُ فَأشَدُّها فَسادًا الِاعْتِقاداتُ الفاسِدَةُ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ والقَضاءِ والقَدَرِ، والقُرْآنُ كِتابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ المَذْهَبِ الحَقِّ في هَذِهِ المَطالِبِ، وإبْطالِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ فِيها، ولَمّا كانَ أقْوى الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ هو الخَطَأ في هَذِهِ المَطالِبِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى الدَّلائِلِ الكاشِفَةِ عَمّا في هَذِهِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ مِنَ العُيُوبِ الباطِنَةِ لا جَرَمَ كانَ القُرْآنُ شِفاءً مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ المَرَضِ الرُّوحانِيِّ، وأمّا الأخْلاقُ المَذْمُومَةُ فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَفْصِيلِها وتَعْرِيفِ ما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والإرْشادِ إلى الأخْلاقِ الفاضِلَةِ الكامِلَةِ والأعْمالِ المَحْمُودَةِ فَكانَ القُرْآنُ شِفاءً مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ المَرَضِ فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ مِن جَمِيعِ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ، وأمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ الأمْراضِ الجُسْمانِيَّةِ فَلِأنَّ التَّبَرُّكَ بِقِراءَتِهِ يَدْفَعُ كَثِيرًا مِنَ الأمْراضِ، ولَمّا اعْتَرَفَ الجُمْهُورُ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الطَّلْسَماتِ بِأنَّ لِقِراءَةِ الرُّقى المَجْهُولَةِ والعَزائِمِ الَّتِي لا يُفْهَمُ مِنها شَيْءٌ آثارًا عَظِيمَةً في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، فَلِأنْ تَكُونَ قِراءَةُ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُشْتَمِلِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ وتَعْظِيمِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وتَحْقِيرِ المَرَدَةِ والشَّياطِينِ سَبَبًا لِحُصُولِ النَّفْعِ في الدِّينِ والدُّنْيا كانَ أوْلى، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«مَن لَمْ يَسْتَشْفِ بِالقُرْآنِ فَلا شَفاهُ اللَّهُ تَعالى» “ وأمّا كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فاعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مَرِيضَةٌ بِسَبَبِ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأخْلاقِ الفاسِدَةِ، والقُرْآنُ قِسْمانِ بَعْضُهُما يُفِيدُ الخَلاصَ عَنْ شُبَهاتِ الضّالِّينَ وتَمْوِيهاتِ المُبْطِلِينَ وهو الشِّفاءُ، وبَعْضُهُما يُفِيدُ تَعْلِيمَ كَيْفِيَّةِ اكْتِسابِ العُلُومِ العالِيَةِ، والأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي بِها يَصِلُ الإنْسانُ إلى جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِاخْتِلاطِ بِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وهو الرَّحْمَةُ، ولَمّا كانَ إزالَةُ المَرَضِ مُقَدَّمَةً عَلى السَّعْيِ في تَكْمِيلِ مُوجِباتِ الصِّحَّةِ لا جَرَمَ بَدَأ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ الشِّفاءِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الرَّحْمَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَ القُرْآنِ شِفاءً ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بَيَّنَ كَوْنَهُ سَبَبًا لِلْخَسارِ والضَّلالِ في حَقِّ الظّالِمِينَ والمُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ سَماعَ القُرْآنِ يَزِيدُهم غَيْظًا وغَضَبًا وحِقْدًا وحَسَدًا وهَذِهِ الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ تَدْعُوهم إلى الأعْمالِ الباطِلَةِ وتَزِيدُ في تَقْوِيَةِ تِلْكَ الأخْلاقِ الفاسِدَةِ في جَواهِرِ نُفُوسِهِمْ ثُمَّ لا يَزالُ الخُلُقُ الخَبِيثُ النَّفْسانِيُّ يَحْمِلُ عَلى الأعْمالِ الفاسِدَةِ، والإتْيانُ بِتِلْكَ الأعْمالِ يُقَوِّي تِلْكَ الأخْلاقَ فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَصِيرُ القُرْآنُ سَبَبًا لِتَزايُدِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ في دَرَجاتِ الخِزْيِ والضَّلالِ والفَسادِ والنَّكالِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ السَّبَبَ الأصْلِيَّ في وُقُوعِ هَؤُلاءِ الجاهِلِينَ الضّالِّينَ في أوْدِيَةِ الضَّلالِ ومَقاماتِ الخِزْيِ والنَّكالِ وهو حُبُّ الدُّنْيا والرَّغْبَةُ في المالِ والجاهِ واعْتِقادُهم أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ جِدِّهِمْ واجْتِهادِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ الإنْسانَ هَهُنا هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وهَذا بَعِيدٌ، بَلِ المُرادُ أنَّ نَوْعَ الإنْسانِ مِن شَأْنِهِ أنَّهُ إذا فازَ بِمَقْصُودِهِ ووَصَلَ إلى مَطْلُوبِهِ اغْتَرَّ وصارَ غافِلًا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى مُتَمَرِّدًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ (العَلَقِ: ٦) .
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ أعَرَضَ أيْ ولّى ظَهْرَهُ أيْ عَرْضَهُ إلى ناحِيَةٍ ونَأى بِجانِبِهِ أيْ تَباعَدَ، ومَعْنى النَّأْيِ في
صفحة ٣٠
اللُّغَةِ: البُعْدُ والإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ أنْ يُوَلِّيَهُ عَرْضَ وجْهِهِ، والنَّأْيُ بِالجانِبِ أنْ يَلْوِيَ عَنْهُ عِطْفَهُ ويُوَلِّيَهُ ظَهْرَهُ، وأرادَ الِاسْتِكْبارَ لِأنَّ ذَلِكَ عادَةُ المُتَكَبِّرِينَ، وفي قَوْلِهِ نَأى قِراءاتٌ:
إحْداها: وهي قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ النُّونِ والهَمْزَةِ وفي حم السَّجْدَةِ مِثْلُهُ وهي اللُّغَةُ الغالِبَةُ، والنَّأْيُ البُعْدُ يُقالُ: نَأى أيْ بَعُدَ.
وثانِيها: قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ناءٍ ولَهُ وجْهانِ تَقْدِيمُ اللّامِ عَلى العَيْنِ كَقَوْلِهِمْ راءٍ في رَأى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَأى بِمَعْنى نَهَضَ.
وثالِثُها: قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِإمالَةِ الفَتْحَتَيْنِ وذَلِكَ لِأنَّهم أمالُوا الهَمْزَةَ مِن نَأى ثُمَّ كَسَرُوا النُّونَ إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ مِثْلُ رَأى.
ورابِعُها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ونُصَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ وحَمْزَةَ نَئِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الأصْلِ في فَتْحِ النُّونِ وإمالَةِ الهَمْزَةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ أيْ إذا مَسَّهُ فَقْرٌ أوْ مَرَضٌ أوْ نازِلَةٌ مِنَ النَّوازِلِ كانَ يَئُوسًا شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٧) والحاصِلُ أنَّهُ إنْ فازَ بِالنِّعْمَةِ والدَّوْلَةِ اغْتَرَّ بِها فَنَسِيَ ذِكْرَ اللَّهِ، وإنْ بَقِيَ في الحِرْمانِ عَنِ الدُّنْيا اسْتَوْلى عَلَيْهِ الأسَفُ والحُزْنُ ولَمْ يَتَفَرَّغْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَهَذا المِسْكِينُ مَحْرُومٌ أبَدًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِي﴾ (الفَجْرِ: ١٥) إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبِّي أهانَنِي﴾ (الفَجْرِ: ١٦) وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (المَعارِجِ: ١٩ ٢٠) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ والمَذْهَبُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يُقالُ هَذا طَرِيقٌ ذُو شَواكِلَ أيْ يَتَشَعَّبُ مِنهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ ثُمَّ الَّذِي يُقَوِّي عِنْدِي أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَفْعَلُ عَلى وفْقِ ما شاكَلَ جَوْهَرَ نَفْسِهِ ومُقْتَضى رُوحِهِ، فَإنْ كانَتْ نَفْسُهُ نَفْسًا مُشْرِقَةً خَيِّرَةً طاهِرَةً عُلْوِيَّةً صَدَرَتْ عَنْهُ أفْعالٌ فاضِلَةٌ كَرِيمَةٌ وإنْ كانَتْ نَفْسُهُ نَفْسًا كَدِرَةً نَذْلَةً خَبِيثَةً مُضِلَّةً ظَلْمانِيَّةً صَدَرَتْ عَنْهُ أفْعالٌ خَسِيسَةٌ فاسِدَةٌ، وأقُولُ: العُقَلاءُ اخْتَلَفُوا في أنَّ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ البَشَرِيَّةَ هَلْ هي مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ أمْ لا ؟ مِنهم مَن قالَ: إنَّها مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ وإنَّ اخْتِلافَ أفْعالِها وأحْوالِها لِأجْلِ اخْتِلافِ جَواهِرِها وماهِيّاتِها، ومِنهم مَن قالَ إنَّها مُتَساوِيَةٌ في الماهِيَّةِ، واخْتِلافُ أفْعالِها لِأجْلِ اخْتِلافِ أمْزِجَتِها. والمُخْتارُ عِنْدِي هو القِسْمُ الأوَّلُ والقُرْآنُ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ القُرْآنَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ يُفِيدُ الشِّفاءَ والرَّحْمَةَ، وبِالنِّسْبَةِ إلى أقْوامٍ آخَرِينَ يُفِيدُ الخَسارَةَ والخِزْيَ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ ومَعْناهُ أنَّ اللّائِقَ بِتِلْكَ النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ أنْ يَظْهَرَ فِيها مِنَ القُرْآنِ آثارُ الذَّكاءِ والكَمالِ، وبِتِلْكَ النُّفُوسِ الكَدِرَةِ أنْ يَظْهَرَ فِيها مِنَ القُرْآنِ آثارُ الخِزْيِ والضَّلالِ كَما أنَّ الشَّمْسَ تَعْقِدُ المِلْحَ وتُلَيِّنُ الدُّهْنَ وتُبَيِّضُ ثَوْبَ القَصّارِ وتُسَوِّدُ وجْهَهُ. وهَذا الكَلامُ إنَّما يَتِمُّ المَقْصُودُ مِنهُ إذا كانَتِ الأرْواحُ والنُّفُوسُ مُخْتَلِفَةً بِماهِيّاتِها فَبَعْضُها مُشْرِقَةٌ صافِيَةٌ يَظْهَرُ فِيها مِنَ القُرْآنِ نُورٌ عَلى نُورٍ وبَعْضُها كَدِرَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ يَظْهَرُ فِيها مِنَ القُرْآنِ ضَلالٌ عَلى ضَلالٍ ونَكالٌ عَلى نَكالٍ.
الإسراء 17:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في شَرْحِ الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والحَشْرِ والمَعادِ والبَعْثِ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالأمْرِ بِالصَّلاةِ ونَبَّهَ عَلى ما فِيها مِنَ الأسْرارِ، وإنَّما ذَكَرَ كُلَّ ذَلِكَ في القُرْآنِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ
صفحة ٢٩
شِفاءً ورَحْمَةً فَقالَ: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ﴾ ولَفْظَةُ مَن هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ هي لِلْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ (الحَجِّ: ٣٠) والمَعْنى: ونُنَزِّلُ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو قُرْآنٌ ما هو شِفاءٌ، فَجَمِيعُ القُرْآنِ شِفاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، واعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ مِنَ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ، وشِفاءٌ أيْضًا مِنَ الأمْراضِ الجُسْمانِيَّةِ، أمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ فَظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْراضَ الرُّوحانِيَّةَ نَوْعانِ: الِاعْتِقاداتُ الباطِلَةُ والأخْلاقُ المَذْمُومَةُ، أمّا الِاعْتِقاداتُ الباطِلَةُ فَأشَدُّها فَسادًا الِاعْتِقاداتُ الفاسِدَةُ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ والقَضاءِ والقَدَرِ، والقُرْآنُ كِتابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ المَذْهَبِ الحَقِّ في هَذِهِ المَطالِبِ، وإبْطالِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ فِيها، ولَمّا كانَ أقْوى الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ هو الخَطَأ في هَذِهِ المَطالِبِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى الدَّلائِلِ الكاشِفَةِ عَمّا في هَذِهِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ مِنَ العُيُوبِ الباطِنَةِ لا جَرَمَ كانَ القُرْآنُ شِفاءً مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ المَرَضِ الرُّوحانِيِّ، وأمّا الأخْلاقُ المَذْمُومَةُ فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَفْصِيلِها وتَعْرِيفِ ما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والإرْشادِ إلى الأخْلاقِ الفاضِلَةِ الكامِلَةِ والأعْمالِ المَحْمُودَةِ فَكانَ القُرْآنُ شِفاءً مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ المَرَضِ فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ مِن جَمِيعِ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ، وأمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ الأمْراضِ الجُسْمانِيَّةِ فَلِأنَّ التَّبَرُّكَ بِقِراءَتِهِ يَدْفَعُ كَثِيرًا مِنَ الأمْراضِ، ولَمّا اعْتَرَفَ الجُمْهُورُ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الطَّلْسَماتِ بِأنَّ لِقِراءَةِ الرُّقى المَجْهُولَةِ والعَزائِمِ الَّتِي لا يُفْهَمُ مِنها شَيْءٌ آثارًا عَظِيمَةً في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، فَلِأنْ تَكُونَ قِراءَةُ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُشْتَمِلِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ وتَعْظِيمِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وتَحْقِيرِ المَرَدَةِ والشَّياطِينِ سَبَبًا لِحُصُولِ النَّفْعِ في الدِّينِ والدُّنْيا كانَ أوْلى، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«مَن لَمْ يَسْتَشْفِ بِالقُرْآنِ فَلا شَفاهُ اللَّهُ تَعالى» “ وأمّا كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فاعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مَرِيضَةٌ بِسَبَبِ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأخْلاقِ الفاسِدَةِ، والقُرْآنُ قِسْمانِ بَعْضُهُما يُفِيدُ الخَلاصَ عَنْ شُبَهاتِ الضّالِّينَ وتَمْوِيهاتِ المُبْطِلِينَ وهو الشِّفاءُ، وبَعْضُهُما يُفِيدُ تَعْلِيمَ كَيْفِيَّةِ اكْتِسابِ العُلُومِ العالِيَةِ، والأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي بِها يَصِلُ الإنْسانُ إلى جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِاخْتِلاطِ بِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وهو الرَّحْمَةُ، ولَمّا كانَ إزالَةُ المَرَضِ مُقَدَّمَةً عَلى السَّعْيِ في تَكْمِيلِ مُوجِباتِ الصِّحَّةِ لا جَرَمَ بَدَأ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ الشِّفاءِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الرَّحْمَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَ القُرْآنِ شِفاءً ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بَيَّنَ كَوْنَهُ سَبَبًا لِلْخَسارِ والضَّلالِ في حَقِّ الظّالِمِينَ والمُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ سَماعَ القُرْآنِ يَزِيدُهم غَيْظًا وغَضَبًا وحِقْدًا وحَسَدًا وهَذِهِ الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ تَدْعُوهم إلى الأعْمالِ الباطِلَةِ وتَزِيدُ في تَقْوِيَةِ تِلْكَ الأخْلاقِ الفاسِدَةِ في جَواهِرِ نُفُوسِهِمْ ثُمَّ لا يَزالُ الخُلُقُ الخَبِيثُ النَّفْسانِيُّ يَحْمِلُ عَلى الأعْمالِ الفاسِدَةِ، والإتْيانُ بِتِلْكَ الأعْمالِ يُقَوِّي تِلْكَ الأخْلاقَ فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَصِيرُ القُرْآنُ سَبَبًا لِتَزايُدِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ في دَرَجاتِ الخِزْيِ والضَّلالِ والفَسادِ والنَّكالِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ السَّبَبَ الأصْلِيَّ في وُقُوعِ هَؤُلاءِ الجاهِلِينَ الضّالِّينَ في أوْدِيَةِ الضَّلالِ ومَقاماتِ الخِزْيِ والنَّكالِ وهو حُبُّ الدُّنْيا والرَّغْبَةُ في المالِ والجاهِ واعْتِقادُهم أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ جِدِّهِمْ واجْتِهادِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ الإنْسانَ هَهُنا هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وهَذا بَعِيدٌ، بَلِ المُرادُ أنَّ نَوْعَ الإنْسانِ مِن شَأْنِهِ أنَّهُ إذا فازَ بِمَقْصُودِهِ ووَصَلَ إلى مَطْلُوبِهِ اغْتَرَّ وصارَ غافِلًا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى مُتَمَرِّدًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ (العَلَقِ: ٦) .
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ أعَرَضَ أيْ ولّى ظَهْرَهُ أيْ عَرْضَهُ إلى ناحِيَةٍ ونَأى بِجانِبِهِ أيْ تَباعَدَ، ومَعْنى النَّأْيِ في
صفحة ٣٠
اللُّغَةِ: البُعْدُ والإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ أنْ يُوَلِّيَهُ عَرْضَ وجْهِهِ، والنَّأْيُ بِالجانِبِ أنْ يَلْوِيَ عَنْهُ عِطْفَهُ ويُوَلِّيَهُ ظَهْرَهُ، وأرادَ الِاسْتِكْبارَ لِأنَّ ذَلِكَ عادَةُ المُتَكَبِّرِينَ، وفي قَوْلِهِ نَأى قِراءاتٌ:
إحْداها: وهي قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ النُّونِ والهَمْزَةِ وفي حم السَّجْدَةِ مِثْلُهُ وهي اللُّغَةُ الغالِبَةُ، والنَّأْيُ البُعْدُ يُقالُ: نَأى أيْ بَعُدَ.
وثانِيها: قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ناءٍ ولَهُ وجْهانِ تَقْدِيمُ اللّامِ عَلى العَيْنِ كَقَوْلِهِمْ راءٍ في رَأى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَأى بِمَعْنى نَهَضَ.
وثالِثُها: قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِإمالَةِ الفَتْحَتَيْنِ وذَلِكَ لِأنَّهم أمالُوا الهَمْزَةَ مِن نَأى ثُمَّ كَسَرُوا النُّونَ إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ مِثْلُ رَأى.
ورابِعُها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ونُصَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ وحَمْزَةَ نَئِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الأصْلِ في فَتْحِ النُّونِ وإمالَةِ الهَمْزَةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ أيْ إذا مَسَّهُ فَقْرٌ أوْ مَرَضٌ أوْ نازِلَةٌ مِنَ النَّوازِلِ كانَ يَئُوسًا شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٧) والحاصِلُ أنَّهُ إنْ فازَ بِالنِّعْمَةِ والدَّوْلَةِ اغْتَرَّ بِها فَنَسِيَ ذِكْرَ اللَّهِ، وإنْ بَقِيَ في الحِرْمانِ عَنِ الدُّنْيا اسْتَوْلى عَلَيْهِ الأسَفُ والحُزْنُ ولَمْ يَتَفَرَّغْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَهَذا المِسْكِينُ مَحْرُومٌ أبَدًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِي﴾ (الفَجْرِ: ١٥) إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبِّي أهانَنِي﴾ (الفَجْرِ: ١٦) وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (المَعارِجِ: ١٩ ٢٠) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ والمَذْهَبُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يُقالُ هَذا طَرِيقٌ ذُو شَواكِلَ أيْ يَتَشَعَّبُ مِنهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ ثُمَّ الَّذِي يُقَوِّي عِنْدِي أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَفْعَلُ عَلى وفْقِ ما شاكَلَ جَوْهَرَ نَفْسِهِ ومُقْتَضى رُوحِهِ، فَإنْ كانَتْ نَفْسُهُ نَفْسًا مُشْرِقَةً خَيِّرَةً طاهِرَةً عُلْوِيَّةً صَدَرَتْ عَنْهُ أفْعالٌ فاضِلَةٌ كَرِيمَةٌ وإنْ كانَتْ نَفْسُهُ نَفْسًا كَدِرَةً نَذْلَةً خَبِيثَةً مُضِلَّةً ظَلْمانِيَّةً صَدَرَتْ عَنْهُ أفْعالٌ خَسِيسَةٌ فاسِدَةٌ، وأقُولُ: العُقَلاءُ اخْتَلَفُوا في أنَّ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ البَشَرِيَّةَ هَلْ هي مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ أمْ لا ؟ مِنهم مَن قالَ: إنَّها مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ وإنَّ اخْتِلافَ أفْعالِها وأحْوالِها لِأجْلِ اخْتِلافِ جَواهِرِها وماهِيّاتِها، ومِنهم مَن قالَ إنَّها مُتَساوِيَةٌ في الماهِيَّةِ، واخْتِلافُ أفْعالِها لِأجْلِ اخْتِلافِ أمْزِجَتِها. والمُخْتارُ عِنْدِي هو القِسْمُ الأوَّلُ والقُرْآنُ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ القُرْآنَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ يُفِيدُ الشِّفاءَ والرَّحْمَةَ، وبِالنِّسْبَةِ إلى أقْوامٍ آخَرِينَ يُفِيدُ الخَسارَةَ والخِزْيَ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ ومَعْناهُ أنَّ اللّائِقَ بِتِلْكَ النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ أنْ يَظْهَرَ فِيها مِنَ القُرْآنِ آثارُ الذَّكاءِ والكَمالِ، وبِتِلْكَ النُّفُوسِ الكَدِرَةِ أنْ يَظْهَرَ فِيها مِنَ القُرْآنِ آثارُ الخِزْيِ والضَّلالِ كَما أنَّ الشَّمْسَ تَعْقِدُ المِلْحَ وتُلَيِّنُ الدُّهْنَ وتُبَيِّضُ ثَوْبَ القَصّارِ وتُسَوِّدُ وجْهَهُ. وهَذا الكَلامُ إنَّما يَتِمُّ المَقْصُودُ مِنهُ إذا كانَتِ الأرْواحُ والنُّفُوسُ مُخْتَلِفَةً بِماهِيّاتِها فَبَعْضُها مُشْرِقَةٌ صافِيَةٌ يَظْهَرُ فِيها مِنَ القُرْآنِ نُورٌ عَلى نُورٍ وبَعْضُها كَدِرَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ يَظْهَرُ فِيها مِنَ القُرْآنِ ضَلالٌ عَلى ضَلالٍ ونَكالٌ عَلى نَكالٍ.
الإسراء 17:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ وذَكَرْنا أنَّ المُرادَ مِنهُ مُشاكَلَةُ الأرْواحِ لِلْأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْها وجَبَ البَحْثُ هَهُنا عَنْ ماهِيَّةِ الرُّوحِ وحَقِيقَتِهِ فَلِذَلِكَ سَألُوا عَنِ الرُّوحِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِلْمُفَسِّرِينَ في الرُّوحِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ أظْهَرُها أنَّ المُرادَ مِنهُ الرُّوحُ الَّذِي
صفحة ٣١
هُوَ سَبَبُ الحَياةِ، رُوِيَ «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِقُرَيْشٍ: اسْألُوا مُحَمَّدًا عَنْ ثَلاثٍ فَإنْ أخْبَرَكم بِاثْنَتَيْنِ وأمْسَكَ عَنِ الثّالِثَةِ فَهو نَبِيٌّ: اسْألُوهُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرَّوْحِ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: غَدًا أُخْبِرُكم ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ فانْقَطَعَ عَنْهُ الوَحْيُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَزَلَ الوَحْيُ بَعْدَهُ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ( الكَهْفِ: ٢٣ - ٢٤) ثُمَّ فَسَّرَ لَهم قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ وقِصَّةَ ذِي القَرْنَيْنِ وأبْهَمَ قِصَّةَ الرُّوحِ ونَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي»﴾ وبَيَّنَ أنَّ عُقُولَ الخَلْقِ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الرُّوحِ فَقالَ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ الرُّوحَ لَيْسَ أعْظَمَ شَأْنًا ولا أعْلى مَكانًا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَإذا كانَتْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى مُمْكِنَةً بَلْ حاصِلَةً فَأيُّ مانِعٍ يَمْنَعُ مِن مَعْرِفَةِ الرُّوحِ.
وثانِيها: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنْ أجابَ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ ولَمْ يُجِبْ عَنِ الرُّوحِ فَهو نَبِيٌّ، وهَذا كَلامٌ بَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ لِأنَّ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ وقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ لَيْسَتْ إلّا حِكايَةً مِنَ الحِكاياتِ وذِكْرُ الحِكايَةِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى النُّبُوَّةِ، وأيْضًا فالحِكايَةُ الَّتِي يَذْكُرُها إمّا أنْ تُعْتَبَرَ قَبْلَ العِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ أوْ بَعْدَ العِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ، فَإنْ كانَ قَبْلَ العِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ كَذَّبُوهُ فِيها وإنْ كانَ بَعْدَ العِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ فَحِينَئِذٍ صارَتْ نُبُوَّتُهُ مَعْلُومَةً قَبْلَ ذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِ هَذِهِ الحِكايَةِ، وأمّا عَدَمُ الجَوابِ عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ فَهَذا يَبْعُدُ جَعْلُهُ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ.
وثالِثُها: أنَّ مَسْألَةَ الرُّوحِ يَعْرِفُها أصاغِرُ الفَلاسِفَةِ وأراذِلُ المُتَكَلِّمِينَ فَلَوْ قالَ الرَّسُولُ ﷺ إنِّي لا أعْرِفُها لَأوْرَثَ ذَلِكَ ما يُوجِبُ التَّحْقِيرَ والتَّنْفِيرَ فَإنَّ الجَهْلَ بِمِثْلِ هَذِهِ المَسْألَةِ يُفِيدُ تَحْقِيرَ أيِّ إنْسانٍ كانَ فَكَيْفَ الرَّسُولُ الَّذِي هو أعْلَمُ العُلَماءِ وأفْضَلُ الفُضَلاءِ.
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّهِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ (الرَّحْمَنِ: ١) ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النِّساءِ: ١١٣) وقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤) وقالَ في صِفَةِ القُرْآنِ: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنْعامِ: ٥٩)، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ فَمَن كانَ هَذا حالُهُ وصِفَتُهُ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنَّ يَقُولَ أنا لا أعْرِفُ هَذِهِ المَسْألَةَ مَعَ أنَّها مِنَ المَسائِلِ المَشْهُورَةِ المَذْكُورَةِ بَيْنَ جُمْهُورِ الخَلْقِ، بَلِ المُخْتارُ عِنْدَنا أنَّهم سَألُوهُ عَنِ الرُّوحِ وأنَّهُ ﷺ أجابَ عَنْهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ أنَّهم سَألُوهُ عَنِ الرُّوحِ، والسُّؤالُ عَنِ الرُّوحِ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ:
أحَدُها: أنْ يُقالَ ماهِيَّةُ الرُّوحِ أهْوَ مُتَحَيَّزٌ أوْ حالٌّ في المُتَحَيَّزِ أوْ مَوْجُودٌ غَيْرُ مُتَحَيَّزٍ ولا حالٌّ في التَّحَيُّزِ.
وثانِيها: أنْ يُقالَ الرُّوحُ قَدِيمَةٌ أوْ حادِثَةٌ.
وثالِثُها: أنْ يُقالَ الأرْواحُ هَلْ تَبْقى بَعْدَ مَوْتِ الأجْسامِ أوْ تَفْنى.
ورابِعُها: أنْ يُقالَ ما حَقِيقَةُ سَعادَةِ الأرْواحِ وشَقاوَتِها، وبِالجُمْلَةِ فالمَباحِثُ المُتَعَلِّقَةُ بِالرُّوحِ كَثِيرَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَنْ هَذِهِ المَسائِلِ سَألُوا أوْ عَنْ غَيْرِها إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لَهُ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ قَوْلَهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ وهَذا الجَوابُ لا يَلِيقُ إلّا بِمَسْألَتَيْنِ مِنَ المَسائِلِ الَّتِي ذَكَرْناها:
إحْداهُما: السُّؤالُ عَنْ ماهِيَّةِ الرُّوحِ والثّانِيَةُ عَنْ قِدَمِها وحُدُوثِها.
أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: فَهم قالُوا ما حَقِيقَةُ الرُّوحِ وماهِيَّتُهُ ؟ أهْوَ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ مَوْجُودَةٍ في داخِلِ هَذا البَدَنِ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ امْتِزاجِ الطَّبائِعِ والأخْلاطِ، أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ نَفْسِ هَذا المِزاجِ والتَّرْكِيبِ أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ عَرَضٍ آخَرَ قائِمٍ بِهَذِهِ الأجْسامِ، أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ يُغايِرُ هَذِهِ الأجْسامَ والأعْراضَ ؟ فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ مُغايِرٌ لِهَذِهِ الأجْسامِ ولِهَذِهِ الأعْراضِ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأجْسامَ أشْياءُ تَحْدُثُ مِنَ امْتِزاجِ الأخْلاطِ والعَناصِرِ، وأمّا الرُّوحُ فَإنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هو جَوْهَرٌ بَسِيطٌ مُجَرَّدٌ لا يَحْدُثُ إلّا بِمُحْدَثِ قَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (النَّحْلِ: ٤٠)
صفحة ٣٢
فَقالُوا لِمَ كانَ شَيْئًا مُغايِرًا لِهَذِهِ الأجْسامِ ولِهَذِهِ الأعْراضِ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ يَحْدُثُ بِأمْرِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ وتَأْثِيرِهِ في إفادَةِ الحَياةِ لِهَذا الجَسَدِ، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِحَقِيقَتِهِ المَخْصُوصَةِ نَفْيُهُ فَإنَّ أكْثَرَ حَقائِقِ الأشْياءِ وماهِيّاتِها مَجْهُولَةٌ، فَإنّا نَعْلَمُ أنَّ السَّكَنْجَبِينَ لَهُ خاصِّيَّةٌ تَقْتَضِي قَطْعَ الصَّفْراءِ، فَأمّا إذا أرَدْنا أنْ نَعْرِفَ ماهِيَّةَ تِلْكَ الخاصِّيَّةِ وحَقِيقَتَها المَخْصُوصَةَ فَذاكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَثَبَتَ أنَّ أكْثَرَ الماهِيّاتِ والحَقائِقِ مَجْهُولَةٌ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِها مَجْهُولَةً نَفْيُها فَكَذَلِكَ هَهُنا وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ .
وأمّا البَحْثُ الثّانِي: فَهو أنَّ لَفْظَ الأمْرِ قَدْ جاءَ بِمَعْنى الفِعْلِ قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (هُودٍ: ٩٧) وقالَ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ (هُودٍ: ٨٢) أيْ فِعْلُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ أيْ مِن فِعْلِ رَبِّي، وهَذا الجَوابُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَألُوهُ أنَّ الرُّوحَ قَدِيمَةٌ أوْ حادِثَةٌ فَقالَ بَلْ هي حادِثَةٌ وإنَّما حَصَلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى حُدُوثِ الرُّوحِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ يَعْنِي أنَّ الأرْواحَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ تَكُونُ خالِيَةً عَنِ العُلُومِ والمَعارِفِ ثُمَّ يَحْصُلُ فِيها العُلُومُ والمَعارِفُ فَهي لا تَزالُ تَكُونُ في التَّغْيِيرِ مِن حالٍ إلى حالٍ وفي التَّبْدِيلِ مِن نُقْصانٍ إلى كَمالٍ، والتَّغْيِيرُ والتَّبْدِيلُ مِن أماراتِ الحُدُوثِ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَألُوهُ أنَّ الرُّوحَ هَلْ هي حادِثَةٌ فَأجابَ بِأنَّها حادِثَةٌ واقِعَةٌ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى حُدُوثِ الأرْواحِ بِتَغَيُّرِها مِن حالٍ إلى حالٍ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ فَهَذا ما نَقُولُهُ في هَذا البابِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ذَكَرِ سائِرِ الأقْوالِ المَقُولَةِ في نَفْسِ الرُّوحِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا أقْوالًا أُخْرى سِوى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الرُّوحِ هو القُرْآنُ قالُوا وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى القُرْآنَ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ رُوحًا واللّائِقُ بِالرُّوحِ المَسْئُولِ عَنْهُ في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَ إلّا القُرْآنَ فَلا بُدَّ مِن تَقْرِيرِ مَقامَيْنِ:
المَقامُ الأوَّلُ: تَسْمِيَةُ اللَّهِ القُرْآنَ بِالرُّوحِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ (الشُّورى: ٥٢) وقَوْلُهُ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ (النَّحْلِ: ٢) وأيْضًا السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالرُّوحِ أنَّ بِالقُرْآنِ تَحْصُلُ حَياةَ الأرْواحِ والعُقُولِ؛ لِأنَّ بِهِ تَحْصُلُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةُ مَلائِكَتِهِ ومَعْرِفَةُ كُتُبِهِ ورُسُلِهِ والأرْواحُ إنَّما تَحْيا بِهَذِهِ المَعارِفِ، وتَمامُ تَقْرِيرِ هَذا المَوْضِعِ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ (النَّحْلِ: ٢)، وأمّا بَيانُ المَقامِ الثّانِي وهو أنَّ الرُّوحَ اللّائِقَ بِهَذا المَوْضِعِ هو القُرْآنُ لِأنَّهُ تَقَدَّمَهُ قَوْلُهُ: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسْراءِ: ٨٢) والَّذِي تَأخَّرَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ (الإسْراءِ: ٨٦) إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسْراءِ: ٨٨) فَلَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ في وصْفِ القُرْآنِ وما بَعْدَها كَذَلِكَ وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الرُّوحِ القُرْآنَ حَتّى تَكُونَ آياتُ القُرْآنِ كُلُّها مُتَناسِبَةً مُتَناسِقَةً، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ اسْتَعْظَمُوا أمْرَ القُرْآنِ فَسَألُوا أنَّهُ مِن جِنْسِ الشِّعْرِ أوْ مِن جِنْسِ الكَهانَةِ فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ كَلامِ البَشَرِ وإنَّما هو كَلامٌ ظَهَرَ بِأمْرِ اللَّهِ ووَحْيِهِ وتَنْزِيلِهِ فَقالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ أيِ القُرْآنُ ظَهَرَ بِأمْرِ رَبِّي، ولَيْسَ مِن جِنْسِ كَلامِ البَشَرِ، القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الرُّوحَ المَسْئُولَ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَلَكٌ مِن مَلائِكَةِ السَّماواتِ وهو أعْظَمُهم قَدْرًا وقُوَّةً وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ (النَّبَأِ: ٣٨) ونَقَلُوا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: هو مَلَكٌ لَهُ سَبْعُونَ ألْفَ وجْهٍ، لِكُلِّ وجْهٍ سَبْعُونَ ألْفَ وجْهٍ، لِكُلِّ وجْهٍ سَبْعُونَ ألْفَ لِسانٍ، لِكُلِّ لِسانٍ سَبْعُونَ ألْفَ لُغَةٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى بِتِلْكَ اللُّغاتِ كُلِّها ويَخْلُقُ
صفحة ٣٣
اللَّهُ مِن كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا يَطِيرُ مَعَ المَلائِكَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالُوا: ولَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعالى خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الرُّوحِ غَيْرَ العَرْشِ ولَوْ شاءَ أنْ يَبْتَلِعَ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرْضِينَ السَّبْعَ ومَن فِيهِنَّ بِلُقْمَةٍ واحِدَةٍ لِفَعَلَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّفْصِيلَ لَمّا عَرَفَهُ عَلِيٌّ، فالنَّبِيُّ أوْلى أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهُ فَلِمَ لَمْ يُخْبِرْهم بِهِ، وأيْضًا أنَّ عَلِيًّا ما كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَهَذا التَّفْصِيلُ ما عَرَفَهُ إلّا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَلِمَ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ الشَّرْحَ والبَيانَ لِعَلِيٍّ ولَمْ يَذْكُرْهُ لِغَيْرِهِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ المَلَكَ إنْ كانَ حَيَوانًا واحِدًا وعاقِلًا واحِدًا لَمْ يَكُنْ في تَكْثِيرِ تِلْكَ اللُّغاتِ فائِدَةٌ وإنْ كانَ المُتَكَلِّمُ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ اللُّغاتِ حَيَوانًا آخَرَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَلَكًا واحِدًا بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مَجْمُوعَ مَلائِكَةٍ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذا شَيْءٌ مَجْهُولُ الوُجُودِ فَكَيْفَ يُسْألُ عَنْهُ، أمّا الرُّوحُ الَّذِي هو سَبَبُ الحَياةِ فَهو شَيْءٌ تَتَوَفَّرُ دَواعِي العُقَلاءِ عَلى مَعْرِفَتِهِ فَصَرْفُ هَذا السُّؤالِ إلَيْهِ أوْلى.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ هَذا الرُّوحَ جِبْرِيلُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى سَمّى جِبْرِيلَ بِالرُّوحِ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ (الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤) وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ ( مَرْيَمَ: ١٧) ويُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ (في جِبْرِيلَ) وقالَ (حِكايَةً عَنْ) جِبْرِيلَ: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ (مَرْيَمَ: ٦٤) فَسَألُوا الرَّسُولَ كَيْفَ جِبْرِيلُ في نَفْسِهِ وكَيْفَ قِيامُهُ بِتَبْلِيغِ الوَحْيِ إلَيْهِ.
والقَوْلُ الخامِسُ: قالَ مُجاهِدٌ: الرُّوحُ خَلْقٌ لَيْسُوا مِنَ المَلائِكَةِ عَلى صُورَةِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ ولَهم أيْدٍ وأرْجُلٍ ورُءُوسٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: يُشْبِهُونَ النّاسَ ولَيْسُوا بِالنّاسِ، ولَمْ أجِدْ في القُرْآنِ ولا في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ شَيْئًا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ في إثْباتِ هَذا القَوْلِ وأيْضًا فَهَذا شَيْءٌ مَجْهُولٌ فَيَبْعُدُ صَرْفُ هَذا السُّؤالِ إلَيْهِ، فَحاصِلُ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ الرُّوحِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ هَذِهِ الأقْوالُ الخَمْسَةُ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في شَرْحِ مَذاهِبِ النّاسِ في حَقِيقَةِ الإنْسانِ، اعْلَمْ أنَّ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ حاصِلٌ بِأنَّ هَهُنا شَيْئًا إلَيْهِ يُشِيرُ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ أنا، وإذا قالَ الإنْسانُ: عَلِمْتُ وفَهِمْتُ وأبْصَرْتُ وسَمِعْتُ وذُقْتُ وشَمَمْتُ ولَمَسْتُ وغَضِبْتُ فالمُشارُ إلَيْهِ لِكُلِّ أحَدٍ بِقُولِهِ أنا إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا أوْ عَرَضًا أوْ مَجْمُوعَ الجِسْمِ والعَرَضِ أوْ شَيْئًا مُغايِرًا لِلْجِسْمِ والعَرَضِ أوْ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ الثّالِثِ فَهَذا ضَبْطٌ مَعْقُولٌ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ الإنْسانَ جِسْمٌ فَذَلِكَ الجِسْمُ إمّا أنْ يَكُونَ هو هَذِهِ البِنْيَةَ أوْ جِسْمًا داخِلًا في هَذِهِ البِنْيَةِ أوْ جِسْمًا خارِجًا عَنْها، أمّا القائِلُونَ بِأنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنْ هَذِهِ البِنْيَةِ المَحْسُوسَةِ وعَنْ هَذا الجِسْمِ المَحْسُوسِ فَهم جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: الإنْسانُ لا يَحْتاجُ تَعْرِيفُهُ إلى ذِكْرِ حَدٍّ أوْ رَسْمٍ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ: الإنْسانُ هو الجِسْمُ المَبْنِيُّ بِهَذِهِ البِنْيَةِ المَحْسُوسَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَنا باطِلٌ وتَقْرِيرُهُ أنَّهم قالُوا: الإنْسانُ هو هَذا الجِسْمُ المَحْسُوسُ، فَإذا أبْطَلْنا كَوْنَ الإنْسانِ عِبارَةً عَنْ هَذا الجِسْمِ وأبْطَلْنا كَوْنَ الإنْسانِ مَحْسُوسًا فَقَدْ بَطَلَ كَلامُهم بِالكُلِّيَّةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ عِبارَةً [ عَنْ ] هَذا الجِسْمِ وُجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ العِلْمَ البَدِيهِيَّ حاصِلٌ بِأنَّ أجْزاءَ هَذِهِ الجُثَّةِ مُتَبَدِّلَةٌ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ تارَةً بِحَسَبِ النُّمُوِ والذُّبُولِ، وتارَةً بِحَسَبِ السِّمَنِ والهُزالِ، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّ المُتَبَدِّلَ المُتَغَيِّرَ مُغايِرٌ لِلثّابِتِ الباقِي، ويَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الثَّلاثَةِ العِلْمُ القَطْعِيُّ بِأنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الجُثَّةِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الإنْسانَ حالَ ما يَكُونُ مُشْتَغِلَ الفِكْرِ مُتَوَجِّهَ الهِمَّةِ نَحْوَ أمْرٍ مُعَيَّنٍ مَخْصُوصٍ فَإنَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ يَكُونُ غافِلًا عَنْ جَمِيعِ أجْزاءِ بَدَنِهِ وعَنْ أعْضائِهِ وأبْعاضِهِ مَجْمُوعِها ومُفَصَّلِها وهو في تِلْكَ الحالَةِ
صفحة ٣٤
غَيْرُ غافِلٍ عَنْ نَفْسِهِ المُعَيَّنَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ قَدْ يَقُولُ: غَضِبْتُ واشْتَهَيْتُ وسَمِعْتُ كَلامَكُ وأبْصَرْتُ وجْهَكَ، وتاءُ الضَّمِيرِ كِنايَةٌ عَنْ نَفْسِهِ فَهو في تِلْكَ الحالَةِ عالِمٌ بِنَفْسِهِ المَخْصُوصَةِ وغافِلٌ عَنْ جُمْلَةِ بَدَنِهِ وعَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن أعْضائِهِ وأبْعاضِهِ و[ يَكُونُ ] المَعْلُومُ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فالإنْسانُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِجُمْلَةِ هَذا البَدَنِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِن أعْضائِهِ وأبْعاضِهِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُحَكِّمُ عَقْلَهُ بِإضافَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ إلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ رَأْسِي وعَيْنِي ويَدِي ورِجْلِي ولِسانِي وقَلْبِي، والمُضافُ غَيْرُ المُضافِ إلَيْهِ فَوَجَبَ أنَّ يَكُونَ الشَّيْءُ الَّذِي هو الإنْسانُ مُغايِرًا لِجُمْلَةِ هَذا البَدَنِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ، فَإنْ قالُوا: قَدْ يَقُولُ نَفْسِي وذاتِي فَيُضِيفُ النَّفْسَ والذّاتَ إلى نَفْسِهِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ وذاتُهُ مُغايِرَةً لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، قُلْنا: قَدْ يُرادُ بِهِ هَذا البَدَنُ المَخْصُوصُ وقَدْ يُرادُ بِنَفْسِ الشَّيْءِ وذاتِهِ الحَقِيقَةُ المَخْصُوصَةُ الَّتِي يُشِيرُ إلَيْها كُلُّ أحَدٍ بُقُولِهِ أنا، فَإذا قالَ نَفْسِي وذاتِي فَإنْ كانَ المُرادُ البَدَنَ فَعِنْدَنا أنَّهُ مُغايِرٌ لِجَوْهَرِ الإنْسانِ، أمّا إذا أُرِيدَ بِالنَّفْسِ والذّاتِ المَخْصُوصَةِ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: أنا، فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الإنْسانَ يُمْكِنُهُ أنْ يُضِيفَ ذَلِكَ الشَّيْءَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ إنْسانِي وذَلِكَ لِأنَّ عَيْنَ الإنْسانِ ذاتُهُ فَكَيْفَ يُضِيفُهُ مَرَّةً أُخْرى إلى ذاتِهِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ كُلَّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الإنْسانَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ هَذا الجِسْمِ وسَيَأْتِي تَقْرِيرُ تِلْكَ الدَّلائِلِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ حَيًّا حالَ ما يَكُونُ البَدَنُ مَيِّتًا فَوَجَبَ كَوْنُ الإنْسانِ مُغايِرًا لِهَذا البَدَنِ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٦٩) فَهَذا النَّصُّ صَرِيحٌ في أنَّ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ أحْياءٌ والحِسُّ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الجَسَدَ مَيِّتٌ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ (غافِرٍ: ٤٦) وقَوْلَهُ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ (نُوحٍ: ٢٥) يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ يَحْيا بَعْدَ المَوْتِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«أنْبِياءُ اللَّهِ لا يَمُوتُونَ ولَكِنْ يُنْقَلُونَ مِن دارٍ إلى دارٍ» “ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”«القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» “ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» “ كُلُّ هَذِهِ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ يَبْقى بَعْدَ مَوْتِ الجَسَدِ، وبَدِيهَةُ العَقْلِ والفِطْرَةِ شاهِدانِ بِأنَّ هَذا الجَسَدَ مَيِّتٌ، ولَوْ جَوَّزْنا كَوْنَهُ حَيًّا جازَ مِثْلُهُ في جَمِيعِ الجَماداتِ، وذَلِكَ عَيْنُ السَّفْسَطَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ وكانَ الجَسَدُ مَيِّتًا لَزِمَ أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ غَيْرُ هَذا الجَسَدِ.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في خُطْبَةٍ طَوِيلَةٍ لَهُ ”«حَتّى إذا حُمِلَ المَيِّتُ عَلى نَعْشِهِ رَفْرَفَ رُوحُهُ فَوْقَ النَّعْشِ، ويَقُولُ يا أهْلِي ويا ولَدِي لا تَلْعَبَّنَ بِكُمُ الدُّنْيا كَما لَعِبَتْ بِي، جَمَعْتُ المالَ مِن حِلِّهِ وغَيْرِ حِلِّهِ فالغِنى لِغَيْرِي والتَّبِعَةُ عَلَيَّ فاحْذَرُوا مِثْلَ ما حَلَّ بِي» “ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ بِأنَّ حالَ ما يَكُونُ الجَسَدُ مَحْمُولًا عَلى النَّعْشِ بَقِيَ هُناكَ شَيْءٌ يُنادِي ويَقُولُ: يا أهْلِي ويا ولَدِي جَمَعْتُ المالَ مِن حِلِّهِ وغَيْرِ حِلِّهِ ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِي كانَ الأهْلُ أهْلًا لَهُ وكانَ جامِعًا لِلْمالِ مِنَ الحَرامِ والحَلالِ والَّذِي بَقِيَ في رَقَبَتِهِ الوَبالُ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ الإنْسانُ فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ في الوَقْتِ الَّذِي كانَ فِيهِ الجَسَدُ مَيِّتًا مَحْمُولًا كانَ ذَلِكَ الإنْسانُ حَيًّا باقِيًا
صفحة ٣٥
فاهِمًا، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا الجَسَدِ ولِهَذا الهَيْكَلِ.
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (الفَجْرِ: ٢٨) والخِطابُ بِقَوْلِهِ ارْجِعِي إنَّما هو مُتَوَجِّهٌ عَلَيْها حالَ المَوْتُ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَرْجِعُ إلى اللَّهِ بَعْدَ مَوْتِ الجَسَدِ يَكُونُ حَيًّا راضِيًا عَنِ اللَّهِ ويَكُونُ راضِيًا عَنْهُ اللَّهُ، والَّذِي يَكُونُ راضِيًا لَيْسَ إلّا الإنْسانُ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ بَقِيَ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِ الجَسَدِ والحَيُّ غَيْرُ المَيِّتِ فالإنْسانُ مُغايِرٌ لِهَذا الجَسَدِ.
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنْعامِ: ٦١)، ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ (الأنْعامِ: ٦٢) أثْبَتَ كَوْنَهم مَرْدُودِينَ إلى اللَّهِ الَّذِي هو مَوْلاهم حالَ كَوْنِ الجَسَدِ مَيِّتًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَرْدُودُ إلى اللَّهِ مُغايِرًا لِذَلِكَ الجَسَدِ المَيِّتِ.
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: نَرى جَمِيعَ فِرَقِ الدُّنْيا مِنَ الهِنْدِ والرُّومِ والعَرَبِ والعَجَمِ وجَمِيعِ أرْبابِ المِلَلِ والنِّحَلِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ والمُسْلِمِينَ وسائِرِ فِرَقِ العالَمِ وطَوائِفِهِمْ يَتَصَدَّقُونَ عَنْ مَوْتاهم ويَدْعُونَ لَهم بِالخَيْرِ ويَذْهَبُونَ إلى زِياراتِهِمْ، ولَوْلا أنَّهم بَعْدَ مَوْتِ الجَسَدِ بَقُوا أحْياءً لَكانَ التَّصَدُّقُ عَنْهم عَبَثًا، والدُّعاءُ لَهم عَبَثًا، ولَكانَ الذَّهابُ إلى زِيارَتِهِمْ عَبَثًا، فالإطْباقُ عَلى هَذِهِ الصَّدَقَةِ وعَلى هَذا الدُّعاءِ وعَلى هَذِهِ الزِّيارَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِطْرَتَهُمُ الأصْلِيَّةَ السَّلِيمَةَ شاهِدَةٌ بِأنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ غَيْرَ هَذا الجَسَدِ، وأنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لا يَمُوتُ، بَلِ [ الَّذِي ] يَمُوتُ هَذا الجَسَدُ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَرى أباهُ أوِ ابْنَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ في المَنامِ ويَقُولُ لَهُ اذْهَبْ إلى المَوْضِعِ الفُلانِيِّ فَإنَّ فِيهِ ذَهَبًا دَفَنْتُهُ لَكَ وقَدْ يَراهُ فَيُوصِيهِ بِقَضاءِ دَيْنٍ عَنْهُ ثُمَّ عِنْدَ اليَقَظَةِ إذا فَتَّشَ كانَ كَما رَآهُ في النَّوْمِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، ولَوْلا أنَّ الإنْسانَ يَبْقى بَعْدَ المَوْتِ لَما كانَ كَذَلِكَ، ولَمّا دَلَّ هَذا الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإنْسانَ يَبْقى بَعْدَ المَوْتِ ودَلَّ الحِسُّ عَلى أنَّ الجَسَدَ مَيِّتٌ كانَ الإنْسانُ مُغايِرًا لِهَذا الجَسَدِ المَيِّتِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الإنْسانَ إذا ضاعَ عُضْوٌ مِن أعْضائِهِ مِثْلَ أنْ تُقْطَعَ يَداهُ أوْ رِجْلاهُ أوْ تُقْلَعَ عَيْناهُ أوْ تُقْطَعُ أُذُناهُ إلى غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ فَإنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ يَجِدُ مِن قَلْبِهِ وعَقْلِهِ أنَّهُ هو عَيْنُ ذَلِكَ الإنْسانِ ولَمْ يَقَعْ في عَيْنِ ذَلِكَ الإنْسانِ تَفاوُتٌ حَتّى أنَّهُ يَقُولُ أنا ذَلِكَ الإنْسانُ الَّذِي كُنْتُ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ يَقُولُ إنَّهم قَطَعُوا يَدِي ورِجْلِي، وذَلِكَ بُرْهانٌ يَقِينِيٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذِهِ الأعْضاءِ والأبْعاضِ وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ الإنْسانُ عِبارَةٌ عَنْ هَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ القُرْآنَ والأحادِيثَ يَدُلّانِ عَلى أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ قَدْ مَسَخَهُمُ اللَّهُ وجَعَلَهم في صُورَةِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ هَلْ بَقِيَ حالَ ذَلِكَ المَسْخِ أوْ لَمْ يَبْقَ ؟ فَإنْ لَمْ يَبْقَ كانَ هَذا إماتَةً لِذَلِكَ الإنْسانِ وخَلْقًا لِذَلِكَ الخِنْزِيرِ ولَيْسَ هَذا مِنَ المَسْخِ في شَيْءٍ، وإنْ قُلْنا إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ بَقِيَ حالَ حُصُولِ ذَلِكَ المَسْخِ فَنَقُولُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ: ذَلِكَ الإنْسانُ باقٍ وتِلْكَ البِنْيَةُ وذَلِكَ الهَيْكَلُ غَيْرُ باقٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإنْسانُ شَيْئًا مُغايِرًا لِتِلْكَ البِنْيَةِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَرى جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في صُورَةِ دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ وكانَ يَرى إبْلِيسَ في صُورَةِ الشَّيْخِ النَّجْدِيِّ فَهَهُنا بِنْيَةُ الإنْسانِ وهَيْكَلُهُ وشَكْلُهُ حاصِلٌ مَعَ أنَّ حَقِيقَةَ الإنْسانِ
صفحة ٣٦
غَيْرُ حاصِلَةٍ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ البِنْيَةِ وهَذا الهَيْكَلِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الحُجَّةِ والَّتِي قَبْلَها أنَّهُ حَصَلَتْ صُورَةُ هَذِهِ البِنْيَةِ مَعَ عَدَمِ هَذِهِ البِنْيَةِ وهَذا الهَيْكَلِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الزّانِي يَزْنِي بِفَرْجِهِ فَيُضْرَبُ عَلى ظَهْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ شَيْئًا آخَرَ سِوى الفَرْجِ وسِوى الظَّهْرِ، ويُقالُ إنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يَسْتَعْمِلُ الفَرْجَ في عَمَلٍ والظَّهْرَ في عَمَلٍ آخَرَ، فَيَكُونُ المُتَلَذِّذُ والمُتَألِّمُ هو ذَلِكَ الشَّيْءُ إلّا أنَّهُ تَحْصُلَ تِلْكَ اللَّذَّةُ بِواسِطَةِ ذَلِكَ العُضْوِ ويَتَألَّمُ بِواسِطَةِ الضَّرْبِ عَلى هَذا العُضْوِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنِّي إذا تَكَلَّمْتُ مَعَ زَيْدٍ وقُلْتُ لَهُ افْعَلْ كَذا أوْ لا تَفْعَلْ كَذا فالمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ والمَأْمُورُ والمَنهِيُّ لَيْسَ هو جَبْهَةَ زَيْدٍ ولا حَدَقَتَهُ ولا أنْفَهُ ولا فَمَهُ ولا شَيْئًا مِن أعْضائِهِ بِعَيْنِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ والمَنهِيُّ والمُخاطَبُ شَيْئًا مُغايِرًا لِهَذِهِ الأعْضاءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَأْمُورَ والمَنهِيَّ غَيْرُ هَذا الجَسَدِ فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ المَأْمُورُ والمَنهِيُّ جُمْلَةُ هَذا البَدَنِ لا شَيْءٌ مِن أعْضائِهِ وأبْعاضِهِ ؟ قُلْنا: بِوَجْهِ التَّكْلِيفِ عَلى الجُمْلَةِ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ فاهِمَةً عالِمَةً فَنَقُولُ لَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ فاهِمَةً عالِمَةً فَإمّا أنْ يَقُومَ بِمَجْمُوعِ البَدَنِ عِلْمٌ واحِدٌ أوْ يَقُومَ بِكُلِّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ عِلْمٌ عَلى حِدَةٍ، والأوَّلُ يَقْتَضِي قِيامَ العَرَضِ بِالمَحالِّ الكَثِيرَةِ وهو مُحالٌ، والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ عالِمًا فاهِمًا مُدْرِكًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ حاصِلٌ بِأنَّ الجُزْءَ المُعَيَّنَ مِنَ البَدَنِ لَيْسَ عالِمًا فاهِمًا مُدْرِكًا بِالِاسْتِقْلالِ فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ.
الحُجَّةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الإنْسانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا، والعِلْمُ لا يَحْصُلُ إلّا في القَلْبِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ عِبارَةً عَنِ الشَّيْءِ المَوْجُودِ في القَلْبِ وإذا ثَبَتَ هَذا بَطَلَ القَوْلُ بِأنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنْ هَذا الهَيْكَلِ، وهَذِهِ الجُثَّةِ إنَّما قُلْنا إنَّ الإنْسانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا لِأنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ، والفاعِلُ المُخْتارُ هو الَّذِي يَفْعَلُ بِواسِطَةِ القَلْبِ والِاخْتِيارِ وهُما مَشْرُوطانِ بِالعِلْمِ لِأنَّ ما لا يَكُونُ مَقْصُودًا امْتَنَعَ القَصْدُ إلى تَكْوِينِهِ فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالأشْياءِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ العِلْمَ لا يُوجَدُ إلّا في القَلْبِ لِلْبُرْهانِ والقُرْآنِ، أمّا البُرْهانُ فَلِأنّا نَجِدُ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنّا نَجِدُ عُلُومَنا مِن ناحِيَةِ القَلْبِ، وأمّا القُرْآنُ فَآياتٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ (الأعْرافِ: ١٧٩) وقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ (المُجادَلَةِ: ٢٢) وقَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ ( الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤) وإذا ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا، وثَبَتَ أنَّ العِلْمَ لَيْسَ إلّا في القَلْبِ أوْ شَيْءٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالقَلْبِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّهُ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: الإنْسانُ هو هَذا الجَسَدُ وهَذا الهَيْكَلُ.
وأمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو بَيانُ أنَّ الإنْسانَ غَيْرُ مَحْسُوسٍ، وهو أنَّ حَقِيقَةَ الإنْسانِ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِلسَّطْحِ واللَّوْنِ وكُلِّ ما هو مَرْئِيٌّ، فَهو إمّا السَّطْحُ وإمّا اللَّوْنُ وهُما مُقَدِّمَتانِ قَطْعِيَّتانِ ويُنْتِجُ هَذا القِياسُ أنَّ حَقِيقَةَ الإنْسانِ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ ولا مَحْسُوسَةٍ وهَذا بُرْهانٌ يَقِينِيٌّ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في شَرْحِ مَذاهِبِ القائِلِينَ بِأنَّ الإنْسانَ جِسْمٌ مَوْجُودٌ في داخِلِ البَدَنِ، اعْلَمْ أنَّ الأجْسامَ المَوْجُودَةَ في هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ إمّا أنْ تَكُونَ أحَدَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ أوْ ما يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِنَ امْتِزاجِها، ويَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في البَدَنِ الإنْسانِيِّ جِسْمٌ عُنْصُرِيٌّ خالِصٌ بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الحاصِلُ جِسْمًا مُتَوَلِّدًا مِنَ
صفحة ٣٧
امْتِزاجاتِ هَذِهِ الأرْبَعَةِ فَنَقُولُ: أمّا الجِسْمُ الَّذِي تَغْلِبُ عَلَيْهِ الأرْضِيَّةُ فَهو الأعْضاءُ الصُّلْبَةُ الكَثِيفَةُ كالعَظْمِ والغُضْرُوفِ والعَصَبِ والوَتَرِ والرِّباطِ والشَّحْمِ واللَّحْمِ والجِلْدِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ الَّذِينَ قالُوا: الإنْسانُ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا الجَسَدِ بِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ عُضْوٍ مُعَيَّنٍ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأعْضاءَ كَثِيفَةٌ ثَقِيلَةٌ ظُلْمانِيَّةٌ فَلا جَرَمَ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ بِأنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنْ أحَدِ هَذِهِ الأعْضاءِ، وأمّا الجِسْمُ الَّذِي تَغْلِبُ عَلَيْهِ المائِيَّةُ فَهو الأخْلاطُ الأرْبَعَةُ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في شَيْءٍ مِنها إنَّهُ الإنْسانُ إلّا في الدَّمِ، فَإنَّ مِنهم مَن قالَ إنَّهُ هو الرُّوحُ بِدَلِيلِ أنَّهُ إذا خَرَجَ لَزِمَ المَوْتُ، أمّا الجِسْمُ الَّذِي تَغْلِبُ عَلَيْهِ الهَوائِيَّةُ والنّارِيَّةُ فَهو الأرْواحُ وهي نَوْعانِ:
أحَدُهُما: أجْسامٌ هَوائِيَّةٌ مَخْلُوطَةٌ بِالحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ مُتَوَلِّدَةٌ إمّا في القَلْبِ أوْ في الدِّماغِ، وقالُوا إنَّها هي الرُّوحُ وإنَّها هي الإنْسانُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن يَقُولُ: الإنْسانُ هو الرُّوحُ الَّذِي في القَلْبِ، ومِنهم مَن يَقُولُ إنَّهُ جُزْءٌ لا يَتَجَزَّأُ في الدِّماغِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: الرُّوحُ عِبارَةٌ عَنْ أجْزاءٍ نارِيَّةٍ مُخْتَلِطَةٍ بِهَذِهِ الأرْواحِ القَلْبِيَّةِ والدِّماغِيَّةِ وتِلْكَ الأجْزاءُ النّارِيَّةُ وهي المُسَمّاةُ بِالحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وهي الإنْسانُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: الرُّوحُ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ نُورانِيَّةٍ سَماوِيَّةٍ لَطِيفَةٍ، والجَوْهَرُ عَلى طَبِيعَةِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، وهي لا تَقْبَلُ التَّحَلُّلَ والتَّبَدُّلَ ولا التَّفَرُّقَ ولا التَّمَزُّقَ فَإذا تَكَوَّنَ البَدَنُ وتَمَّ اسْتِعْدادُهُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ [الحجر: ٢٩] نَفَذَتْ تِلْكَ الأجْسامُ الشَّرِيفَةُ السَّماوِيَّةُ الإلَهِيَّةُ في داخِلِ أعْضاءِ البَدَنِ نَفاذَ النّارِ في الفَحْمِ ونَفاذَ دُهْنِ السِّمْسِمِ في السِّمْسِمِ، ونَفاذَ ماءِ الوَرْدِ في جِسْمِ الوَرْدِ، ونَفاذُ تِلْكَ الأجْسامِ السَّماوِيَّةِ في جَوْهَرِ البَدَنِ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ (الحِجْرِ: ٢٩) ثُمَّ إنَّ البَدَنَ ما دامَ يَبْقى سَلِيمًا قابِلًا لِنَفاذِ تِلْكَ الأجْسامِ الشَّرِيفَةِ بَقِيَ حَيًّا، فَإذا تَوَلَّدَتْ في البَدَنِ أخْلاطٌ غَلِيظَةٌ مَنَعَتْ تِلْكَ الأخْلاطُ الغَلِيظَةُ مِن سَرَيانِ تِلْكَ الأجْسامِ الشَّرِيفَةِ فِيها فانْفَصَلَتْ عَنْ هَذا البَدَنِ فَحِينَئِذٍ يَعْرِضُ المَوْتُ، فَهَذا مَذْهَبٌ قَوِيٌّ شَرِيفٌ يَجِبُ التَّأمُّلُ فِيهِ فَإنَّهُ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِما ورَدَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مِن أحْوالِ الحَياةِ والمَوْتِ، فَهَذا تَفْصِيلُ مَذاهِبِ القائِلِينَ بِأنَّ الإنْسانَ جِسْمٌ مَوْجُودٌ في داخِلِ البَدَنِ، وأمّا أنَّ الإنْسانَ جِسْمٌ مَوْجُودٌ خارِجَ البَدَنِ فَلا أعْرِفُ أحَدًا ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ.
أمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: الإنْسانُ عَرَضٌ حالٌّ في البَدَنِ، فَهَذا لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإنْسانَ جَوْهَرٌ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والتَّدَبُّرِ والتَّصَرُّفِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ جَوْهَرًا والجَوْهَرُ لا يَكُونُ عَرَضًا بَلِ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ بِهِ كُلُّ عاقِلٍ هو أنَّ الإنْسانَ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِأعْراضٍ مَخْصُوصَةٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلِلنّاسِ فِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ العَناصِرَ الأرْبَعَةَ إذا امْتَزَجَتْ وانْكَسَرَتْ سَوْرَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها بِسَوْرَةِ الآخَرِ حَصَلَتْ كَيْفِيَّةٌ مُعْتَدِلَةٌ هي المِزاجُ، ومَراتِبُ هَذا المَزْجِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ فَبَعْضُها هي الإنْسانِيَّةُ وبَعْضُها هي الفَرَسِيَّةُ، فالإنْسانِيَّةُ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ مَوْصُوفَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ عَنِ امْتِزاجاتِ أجْزاءِ العَناصِرِ بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأطِبّاءِ ومُنْكِرِي بَقاءِ النَّفْسِ وقَوْلُ أبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ مَخْصُوصَةٍ بِشَرْطِ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ الحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ، والحَياةُ عَرَضٌ قائِمٌ بِالجِسْمِ، وهَؤُلاءِ أنْكَرُوا الرُّوحَ والنَّفْسَ وقالُوا لَيْسَ هَهُنا إلّا أجْسامٌ مُؤْتَلِفَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِهَذِهِ الأعْراضِ المَخْصُوصَةِ وهي الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ، وهَذا مَذْهَبُ أكْثَرِ شُيُوخِ المُعْتَزِلَةِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ مَوْصُوفَةٍ بِالحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ، والإنْسانُ إنَّما يَمْتازُ عَنْ سائِرِ الحَيَواناتِ بِشَكْلِ جَسَدِهِ وهَيْئَةِ أعْضائِهِ وأجْزائِهِ إلّا أنَّ هَذا مُشْكِلٌ فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ يَتَشَبَّهُونَ بِصُوَرِ النّاسِ فَهَهُنا صُورَةُ الإنْسانِ حاصِلَةٌ مَعَ عَدَمِ الإنْسانِيَّةِ، وفي صُورَةِ المَسْخِ مَعْنى الإنْسانِيَّةِ حاصِلٌ مَعَ أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ غَيْرُ حاصِلَةٍ
صفحة ٣٨
فَقَدْ بَطَلَ اعْتِبارُ هَذا الشَّكْلِ في حُصُولِ مَعْنى الإنْسانِيَّةِ طَرْدًا وعَكْسًا.
(أمّا القِسْمُ الثّالِثُ): وهو أنْ يُقالَ الإنْسانُ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيَّةٍ فَهو قَوْلُ أكْثَرِ الإلَهِيِّينَ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِبَقاءِ النَّفْسِ المُثْبِتِينَ لِلنَّفْسِ مَعادًا رُوحانِيًّا وثَوابًا وعِقابًا وحِسابًا رُوحانِيًّا، وذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ مِثْلُ الشَّيْخِ أبِي القاسِمِ الرّاغِبِ الأصْفَهانِيِّ والشَّيْخِ أبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ - رَحِمَهُما اللَّهُ -، ومِن قُدَماءِ المُعْتَزِلَةِ مَعْمَرُ بْنُ عَبّادٍ السُّلَمِيُّ، ومِنَ الشِّيعَةِ المُلَقَّبُ عِنْدَهم بِالشَّيْخِ المُفِيدِ، ومِنَ الكَرامِيَّةِ جَماعَةٌ، واعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِإثْباتِ النَّفْسِ فَرِيقانِ:
الأوَّلُ: وهُمُ المُحَقِّقُونَ مِنهم مَن قالَ: الإنْسانُ عِبارَةٌ عَنْ هَذا الجَوْهَرِ المَخْصُوصِ، وهَذا البَدَنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإنْسانُ غَيْرُ مَوْجُودٍ في داخِلِ العالَمِ ولا في خارِجِهِ، وغَيْرُ مُتَّصِلٍ في داخِلِ العالَمِ ولا في خارِجِهِ، وغَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالعالَمِ ولا مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، ولَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ والتَّصَرُّفِ، كَما أنَّ إلَهَ العالَمِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالعالَمِ إلّا عَلى سَبِيلِ التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ.
والفَرِيقُ الثّانِي: الَّذِينَ قالُوا: النَّفْسُ إذا تَعَلَّقَتْ بِالبَدَنِ اتَّحَدَتْ بِالبَدَنِ فَصارَتِ النَّفْسُ عَيْنَ البَدَنِ والبَدَنُ عَيْنَ النَّفْسِ، ومَجْمُوعُهُما عِنْدَ الِاتِّحادِ هو الإنْسانُ فَإذا جاءَ وقْتُ المَوْتِ بَطَلَ هَذا الِاتِّحادُ وبَقِيَتِ النَّفْسُ وفَسَدَ البَدَنُ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَذاهِبِ النّاسِ في الإنْسانِ، وكانَ ثابِتُ بْنُ قُرَّةَ يُثْبِتُ النَّفْسَ ويَقُولُ إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِأجْسامٍ سَماوِيَّةٍ نُورانِيَّةٍ لَطِيفَةٍ غَيْرِ قابِلَةٍ لِلْكَوْنِ والفَسادِ والتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ وأنْ تِلْكَ الأجْسامَ تَكُونُ سارِيَةً في البَدَنِ وما دامَ يَبْقى ذَلِكَ السَّرَيانُ بَقِيَتِ النَّفْسُ مُدَبِّرَةً لِلْبَدَنِ فَإذا انْفَصَلَتْ تِلْكَ الأجْسامُ اللَّطِيفَةُ عَنْ جَوْهَرِ البَدَنِ انْقَطَعَ تَعَلُّقُ النَّفْسِ عَنِ البَدَنِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في دَلائِلِ مُثْبِتِي النَّفْسِ مِن ناحِيَةِ العَقْلِ، احْتَجَّ القَوْمُ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ بَعْضُها قَوِيٌ وبَعْضُها ضَعِيفٌ، والوُجُوهُ القَوِيَّةُ بَعْضُها قَطْعِيَّةٌ وبَعْضُها إقْناعِيَّةٌ، فَلْنَذْكُرِ الوُجُوهَ القَطْعِيَّةَ.
الحُجَّةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ جَوْهَرٌ فَإمّا أنْ يَكُونَ جَوْهَرًا مُتَحَيِّزًا أوْ غَيْرَ مُتَحَيِّزٍ، والأوَّلُ باطِلٌ فَتَعَيَّنَ الثّانِي، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جَوْهَرًا مُتَحَيِّزًا أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ كَوْنُهُ مُتَحَيِّزًا غَيْرَ تِلْكَ الذّاتِ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ كُلُّ ما عَلِمَ الإنْسانُ ذاتَهُ المَخْصُوصَةَ وجَبَ أنْ يَعْلَمَ كَوْنَهُ مُتَحَيِّزًا بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الإنْسانُ جَوْهَرًا مُتَحَيِّزًا فَنَفْتَقِرُ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ إلى مُقَدِّماتٍ ثَلاثَةٍ:
المُقَدِّمَةُ الأُولى: لَوْ كانَ الإنْسانُ جَوْهَرًا مُتَحَيِّزًا لَكانَ كَوْنُهُ مُتَحَيِّزًا عَيْنَ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ تَحَيُّزُهُ صِفَةً قائِمَةً لَكانَ ذَلِكَ المَحَلُّ مِن حَيْثُ هو مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا أوْ لا يَكُونَ والقِسْمانِ باطِلانِ، فَبَطَلَ القَوْلُ بِكَوْنِ التَّحَيُّزِ صِفَةً قائِمَةً بِالمَحَلِّ إنَّما قُلْنا إنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَحَلَّ التَّحَيُّزِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ كَوْنُ الشَّيْءِ الواحِدِ مُتَحَيِّزًا مَرَّتَيْنِ ولِأنَّهُ يَلْزَمُ اجْتِماعُ المِثْلَيْنِ، ولِأنَّهُ لَيْسَ جَعْلُ أحَدِهِما ذاتًا والآخِرِ صِفَةً أوْلى مِنَ العَكْسِ ولِأنَّ التَّحَيُّزَ الثّانِيَ إنْ كانَ عَيْنَ الذّاتِ فَهو المَقْصُودُ وإنْ كانَ صِفَةً لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّ التَّحَيُّزِ غَيْرَ مُتَحَيِّزٍ لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّحَيُّزِ هو الذَّهابُ في الجِهاتِ والِامْتِدادُ فِيها، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالجِهاتِ وحُصُولُهُ فِيها لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ مُحالٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لَوْ كانَ الإنْسانُ جَوْهَرًا مُتَحَيِّزًا لَكانَ تَحَيُّزُهُ غَيْرَ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ.
المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ كانَ تَحَيُّزُ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ عَيْنَ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ لَكانَ مَتى عَرَفَ ذاتَهُ المَخْصُوصَةَ فَقَدْ عَرَفَ كَوْنَها مُتَحَيِّزَةً، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ صارَتْ ذاتُهُ المَخْصُوصَةُ مَعْلُومَةً وصارَ تَحَيُّزُهُ مَجْهُولًا لَزِمَ اجْتِماعُ النَّفْيِ والإثْباتِ في الشَّيْءِ الواحِدِ وهو مُحالٌ.
صفحة ٣٩
المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: أنّا قَدْ نَعْرِفُ ذاتَنا حالَ كَوْنِنا جاهِلِينَ بِالتَّحَيُّزِ والِامْتِدادِ في الجِهاتِ الثَّلاثَةِ وذَلِكَ ظاهِرٌ عِنْدَ الِاخْتِبارِ والِامْتِحانِ فَإنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُشْتَغِلًا بِشَيْءٍ مِنَ المُهِمّاتِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ لِمَ فَعَلْتَ كَذا ولِمَ خالَفْتَ أمْرِي وإنِّي أُبالِغُ في تَأْدِيبِكَ وضَرْبِكَ، فَعِنْدَما يَقُولُ لِمَ خالَفْتَ أمْرِي يَكُونُ عالِمًا بِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ إذْ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذاتَهُ المَخْصُوصَةَ لامْتَنَعَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ خالَفَهُ ولامْتَنَعَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَلى عَزْمِ أنْ يُؤَدِّبَهُ ويَضْرِبَهُ فَفي هَذِهِ الحالَةِ يَعْلَمُ ذاتَهُ المَخْصُوصَةَ مَعَ أنَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ حَقِيقَةُ التَّحَيُّزِ والِامْتِدادِ في الجِهاتِ والحُصُولِ في الحَيِّزِ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ لَوْ كانَ ذاتُ الإنْسانِ جَوْهَرًا مُتَحَيِّزًا لَكانَ تَحَيُّزُهُ عَيْنَ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ كُلُّ ما عُلِمَ ذاتُهُ المَخْصُوصَةُ فَقَدْ عُلِمَ التَّحَيُّزُ وثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ ذاتُ الإنْسانِ لَيْسَ جَوْهَرًا مُتَحَيِّزًا وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، فَإنْ قالُوا هَذا مُعارَضٌ بِأنَّهُ لَوْ كانَ جَوْهَرًا مُجَرَّدًا لَكانَ كُلُّ مَن عَرَفَ ذاتَ نَفْسِهِ عَرَفَ كَوْنَهُ جَوْهَرًا مُجَرَّدًا ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، قُلْنا الفَرْقُ ظاهِرٌ لِأنَّ كَوْنَهُ مُجَرَّدًا مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالًّا في المُتَحَيِّزِ وهَذا السَّلْبُ لَيْسَ عَيْنَ تِلْكَ الذّاتِ المَخْصُوصَةِ لِأنَّ السَّلْبَ لَيْسَ عَيْنَ الثُّبُوتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الذّاتُ المَخْصُوصَةُ مَعْلُومَةً وأنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّلْبُ مَعْلُومًا بِخِلافِ كَوْنِهِ مُتَحَيِّزًا فَإنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ تَقْدِيرَ كَوْنِ الإنْسانِ جَوْهَرًا مُتَحَيِّزًا يَكُونُ تَحَيُّزُهُ عَيْنَ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ ذاتُهُ مَعْلُومَةً ويَكُونُ تَحَيُّزُهُ مَجْهُولًا فَظَهَرَ الفَرْقُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: النَّفْسُ واحِدَةٌ ومَتى كانَتْ واحِدَةً وجَبَ أنْ تَكُونَ مُغايِرَةً لِهَذا البَدَنِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهَذِهِ الحُجَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى مُقَدِّماتٍ:
المُقَدِّمَةُ الأُولى: هي قَوْلُنا النَّفْسُ واحِدَةٌ ولَنا هَهُنا مَقامانِ تارَةً نَدَّعِي العِلْمَ البَدِيهِيَّ فِيهِ وأُخْرى نُقِيمُ البُرْهانَ عَلى صِحَّتِهِ.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو ادِّعاءُ البَدِيهِيَّةِ فَنَقُولُ المُرادُ مِنَ النَّفْسِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ بِقُولِهِ أنا، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ إذا أشارَ إلى ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ بِقَوْلِهِ أنا كانَ ذَلِكَ المُشارُ إلَيْهِ واحِدًا غَيْرَ مُتَعَدِّدٍ فَإنْ قِيلَ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ لِكُلِّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ أنا وإنْ كانَ واحِدًا إلّا أنَّ ذَلِكَ الواحِدُ يَكُونُ مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ كَثِيرَةٍ قُلْنا إنَّهُ لا حاجَةَ لَنا في هَذا المَقامِ إلى دَفْعِ هَذا السُّؤالِ بَلْ نَقُولُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ أنا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ فَأمّا أنَّ ذَلِكَ الواحِدَ هَلْ هو واحِدٌ مُرَكَّبٌ مِن أشْياءَ كَثِيرَةٍ أوْ هو واحِدٌ في نَفْسِهِ واحِدٌ في حَقِيقَتِهِ فَهَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ في هَذا المَقامِ.
أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو مَقامُ الِاسْتِدْلالِ. فالَّذِي يَدُلُّ عَلى وحْدَةِ النَّفْسِ وُجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ الغَضَبَ حالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تَحْدُثُ عِنْدَ إرادَةِ دَفْعِ المُنافِرِ، والشَّهْوَةُ حالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تَحْدُثُ عِنْدَ طَلَبِ المُلايِمِ مَشْرُوطًا بِالشُّعُورِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُلايِمًا ومُنافِرًا، فالقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ الَّتِي هي قُوَّةٌ دافِعَةٌ لِلْمُنافِرِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَها شُعُورٌ بِكَوْنِهِ مُنافِرًا امْتَنَعَ انْبِعاثُها لِدَفْعِ ذَلِكَ المُنافِرِ عَلى سَبِيلِ القَصْدِ والِاخْتِيارِ لِأنَّ القَصْدَ إلى الجَذْبِ تارَةً وإلى الدَّفْعِ أُخْرى مَشْرُوطٌ بِالشُّعُورِ بِالشَّيْءِ، فالشَّيْءُ المَحْكُومُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ دافِعًا لِلْمُنافِرِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَهُ شُعُورٌ بِكَوْنِهِ مُنافِرًا فالَّذِي يَغْضَبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هو بِعَيْنِهِ مُدْرِكًا، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ اليَقِينِيِّ مُبايَنَةٌ حاصِلَةٌ في ذَواتٍ مُتَبايِنَةٍ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنّا إذا فَرَضْنا جَوْهَرَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلًّا بِفِعْلِهِ الخاصِّ امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ اشْتِغالُ أحَدِهِما بِفِعْلِهِ الخاصِّ مانِعًا لِلْآخَرِ مِنَ اشْتِغالِهِ بِفِعْلِهِ الخاصِّ بِهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ لَوْ كانَ مَحَلُّ الإدْراكِ والفِكْرِ جَوْهَرًا ومَحَلُّ الغَضَبِ جَوْهَرًا آخَرَ ومَحَلُّ الشَّهْوَةِ جَوْهَرًا ثالِثًا وجَبَ أنْ لا يَكُونَ اشْتِغالُ
صفحة ٤٠
القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ بِفِعْلِها مانِعًا لِلْقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِفِعْلِها ولا بِالعَكْسِ لَكِنَّ الثّانِيَ باطِلٌ فَإنَّ اشْتِغالَ الإنْسانِ بِالشَّهْوَةِ وانْصِبابَهُ إلَيْها يَمْنَعُهُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالغَضَبِ وانْصِبابِهِ إلَيْهِ وبِالعَكْسِ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ لَيْسَتْ مَبادِئَ مُسْتَقِلَّةً بَلْ هي صِفاتٌ مُخْتَلِفَةٌ بِجَوْهَرٍ واحِدٍ فَلا جَرَمَ كانَ اشْتِغالُ ذَلِكَ الجَوْهَرِ بِأحَدِ هَذِهِ الأفْعالِ عائِقًا لَهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالفِعْلِ الآخَرِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنّا إذا أدْرَكْنا أشْياءَ فَقَدْ يَكُونُ الإدْراكُ سَبَبًا لِحُصُولِ الشَّهْوَةِ وقَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِحُصُولِ الغَضَبِ فَلَوْ كانَ الجَوْهَرُ المُدْرَكُ مُغايِرًا لِلَّذِي يَغْضَبُ والَّذِي يَشْتَهِي فَحِينَ أدْرَكَ الجَوْهَرَ المُدْرَكَ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ الجَوْهَرِ المُشْتَهى مِن ذَلِكَ الإدْراكِ أثَرٌ ولا خَبَرٌ فَوَجَبَ أنْ لا يَتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ الإدْراكِ لا حُصُولُ الشَّهْوَةِ ولا حُصُولُ الغَضَبِ وحَيْثُ حَصَلَ هَذا التَّرْتِيبُ والِاسْتِلْزامُ عَلِمْنا أنَّ صاحِبَ الإدْراكِ بِعَيْنِهِ هو صاحِبُ الشَّهْوَةِ بِعَيْنِها وصاحِبُ الغَضَبِ بِعَيْنِهِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ حَقِيقَةَ الحَيَوانِ أنَّهُ جِسْمٌ ذُو نَفْسٍ حَسّاسَةٍ مُتَحَرِّكَةٍ بِالإرادَةِ فالنَّفْسُ لا يُمْكِنُها أنْ تَتَحَرَّكَ بِالإرادَةِ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِي ولا مَعْنى لِلدّاعِي إلّا الشُّعُورُ بِخَيْرٍ يَرْغَبُ في جَذْبِهِ أوْ بِشَرٍّ يَرْغَبُ في دَفْعِهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُتَحَرِّكُ بِالإرادَةِ هو بِعَيْنِهِ مُدْرِكًا لِلْخَيْرِ والشَّرِّ والمَلَذِّ والمُؤْذِي والنّافِعِ والضّارِّ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ شَيْءٌ واحِدٌ، وثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ هو المُبْصِرُ والسّامِعُ والشّامُّ والذّائِقُ واللّامِسُ والمُتَخَيِّلُ والمُتَفَكِّرُ والمُتَذَكِّرُ والمُشْتَهِي والغاضِبُ وهو المَوْصُوفُ بِجَمِيعِ الإدْراكاتِ وهو المَوْصُوفُ بِجَمِيعِ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ والحَرَكاتِ الإرادِيَّةِ.
وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ أنَّهُ لَمّا كانَتِ النَّفْسُ شَيْئًا واحِدًا وجَبَ أنْ لا تَكُونَ النَّفْسُ في هَذا البَدَنِ ولا شَيْئًا مِن أجْزائِهِ فَنَقُولُ: أمّا بَيانُ أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ النَّفْسِ عِبارَةً عَنْ جُمْلَةِ هَذا البَدَنِ، وكَذا القُوَّةُ السّامِعَةُ وكَذا سائِرُ القُوى كالتَّخَيُّلِ والتَّذَكُّرِ والتَّفَكُّرِ، والعِلْمُ بِأنَّ هَذِهِ القُوى غَيْرُ سارِيَةٍ في جُمْلَةِ أجْزاءِ البَدَنِ عِلْمٌ بَدِيهِيٌّ بَلْ هو مِن أقْوى العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وأمّا بَيانُ أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ النَّفْسُ جُزْءًا مِن أجْزاءِ هَذا البَدَنِ فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ في البَدَنِ جُزْءٌ واحِدٌ وهو بِعَيْنِهِ مَوْصُوفٌ بِالإبْصارِ والسَّماعِ والفِكْرِ والذِّكْرِ بَلِ الَّذِي يَتَبادَرُ إلى الخاطِرِ أنَّ الإبْصارَ مَخْصُوصٌ بِالعَيْنِ لا بِسائِرِ الأعْضاءِ، والسَّماعَ مَخْصُوصٌ بِالأُذُنِ لا بِسائِرِ الأعْضاءِ، والصَّوْتَ مَخْصُوصٌ بِالحَلْقِ لا بِسائِرِ الأعْضاءِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في سائِرِ الإدْراكاتِ وسائِرِ الأفْعالِ فَأمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ حَصَلَ في البَدَنِ جُزْءٌ واحِدٌ مَوْصُوفٌ بِكُلِّ هَذِهِ الإدْراكاتِ وبِكُلِّ هَذِهِ الأفْعالِ فالعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ شَيْءٌ واحِدٌ مَوْصُوفٌ بِجُمْلَةِ هَذِهِ الإدْراكاتِ وبِجُمْلَةِ هَذِهِ الأفْعالِ، وثَبَتَ بِالبَدِيهِيَّةِ أنَّ جُمْلَةَ البَدَنِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وثَبَتَ أيْضًا أنَّ شَيْئًا مِن أجْزاءِ البَدَنِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ اليَقِينُ بِأنَّ النَّفْسَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا البَدَنِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ وهو المَطْلُوبُ، ولْنُقَرِّرْ هَذا البُرْهانَ بِعِبارَةٍ أُخْرى فَنَقُولُ: إنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنّا إذا أبْصَرْنا شَيْئًا عَرَفْناهُ وإذا عَرَفْناهُ اشْتَهَيْناهُ وإذا اشْتَهَيْناهُ حَرَّكْنا أبْدانَنا إلى القُرْبِ مِنهُ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ الَّذِي أبْصَرَ هو الَّذِي عَرَفَ وأنَّ الَّذِي عَرَفَ هو الَّذِي اشْتَهى وأنَّ الَّذِي اشْتَهى هو الَّذِي حَرَّكَ إلى القُرْبِ مِنهُ فَيَلْزَمُ القَطْعُ بِأنَّ المُبْصِرَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ والعارِفَ بِهِ والمُشْتَهِيَ والمُتَحَرِّكَ إلى القُرْبِ مِنهُ شَيْءٌ واحِدٌ إذْ لَوْ كانَ المُبْصِرُ شَيْئًا والعارِفُ شَيْئًا ثانِيًا والمُشْتَهِي شَيْئًا ثالِثًا والمُتَحَرِّكُ شَيْئًا رابِعًا لَكانَ الَّذِي أبْصَرَ لَمْ يَعْرِفْ، والَّذِي عَرَفَ لَمْ يَشْتَهِ، والَّذِي اشْتَهى لَمْ يَتَحَرَّكْ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مُبْصِرًا لِشَيْءٍ لا يَقْتَضِي
صفحة ٤١
صَيْرُورَةَ شَيْءٍ آخَرَ عالِمًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في سائِرِ المَراتِبِ وأيْضًا فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الرّائِيَ لِلْمَرْئِيّاتِ لَمّا كانَ رَآها فَقَدْ عَرَفَها ولَمّا عَرَفَها فَقَدِ اشْتَهاها ولَمّا اشْتَهاها طَلَبَها وحَرَّكَ الأعْضاءَ إلى القُرْبِ مِنها، ونَعْلَمُ أيْضًا بِالضَّرُورَةِ أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ وبِهَذا العِلْمِ وبِهَذِهِ الشَّهْوَةِ وبِهَذا التَّحَرُّكِ هو لا غَيْرُهُ، وأيْضًا العُقَلاءُ قالُوا: الحَيَوانُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ حَسّاسًا مُتَحَرِّكًا بِالإرادَةِ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يُحِسَّ بِشَيْءٍ لَمْ يَشْعُرْ بِكَوْنِهِ مُلائِمًا أوْ بِكَوْنِهِ مُنافِرًا، وإذا لَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُهُ مُرِيدًا لِلْجَذْبِ أوِ الدَّفْعِ فَثَبَتَ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَكُونُ مُتَحَرِّكًا بِالإرادَةِ فَإنَّهُ بِعَيْنِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَسّاسًا، فَثَبَتَ أنَّ المُدْرِكَ لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ يُدْرِكُ بِجَمِيعِ أصْنافِ الإدْراكاتِ، وأنَّ المُباشِرَ لِجَمِيعِ التَّحْرِيكاتِ الِاخْتِيارِيَّةِ شَيْءٌ واحِدٌ، وأيْضًا فَلِأنّا إذا تَكَلَّمْنا بِكَلامٍ نَقْصِدُ مِنهُ تَفْهِيمَ الغَيْرِ (عَقَلْنا) مَعانِي تِلْكَ الكَلَمّاتِ ثُمَّ لَمّا عَقَلْناها أرَدْنا تَعْرِيفَ غَيْرِنا تِلْكَ المَعانِيَ ولَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ الإرادَةُ في قُلُوبِنا حاوَلْنا إدْخالَ تِلْكَ الحُرُوفِ والأصْواتِ في الوُجُودِ لِنَتَوَسَّلَ بِها إلى تَعْرِيفِ غَيْرِنا تِلْكَ المَعانِيَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ كانَ مَحْمَلُ العِلْمِ والإرادَةِ ومَحَلُّ تِلْكَ الحُرُوفِ والأصْواتِ جِسْمًا واحِدًا لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّ مَحَلَّ العُلُومِ والإراداتِ هو الحَنْجَرَةُ واللَّهاةُ واللِّسانُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ قُلْنا: مَحَلُّ العُلُومِ والإراداتِ هو القَلْبُ لَزِمَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَحَلُّ الصَّوْتِ هو القَلْبَ وذَلِكَ أيْضًا باطِلٌ بِالضَّرُورَةِ، وإنْ قُلْنا مَحَلُّ الكَلامِ هو الحَنْجَرَةُ واللَّهاةُ واللِّسانُ، ومَحَلُّ العُلُومِ والإراداتِ هو القَلْبُ، ومَحَلُّ القُدْرَةِ هو الأعْصابُ والأوْتارُ والعَضَلاتُ، كُنّا قَدْ وُزَّعْنا هَذِهِ الأُمُورَ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ لَكِنّا أبْطَلْنا ذَلِكَ، وبَيَّنّا أنَّ المُدْرِكَ لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ والمُحَرِّكَ لِجَمِيعِ الأعْضاءِ بِكُلِّ أنْواعِ التَّحْرِيكاتِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا واحِدًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ في الإدْراكِ والقُدْرَةِ عَلى التَّحْرِيكِ [ أنَّهُ ] شَيْءٌ سِوى هَذا البَدَنِ وسِوى أجْزاءِ هَذا البَدَنِ وأنَّ هَذِهِ الأعْضاءَ جارِيَةٌ مَجْرى الآلاتِ والأدَواتِ فَكَما أنَّ الإنْسانَ يَعْقِلُ أفْعالًا مُخْتَلِفَةً بِواسِطَةِ آلاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَكَذَلِكَ النَّفْسُ تُبْصِرُ بِالعَيْنِ وتَسْمَعُ بِالأُذُنِ وتَتَفَكَّرُ بِالدِّماغِ وتَعْقِلُ بِالقَلْبِ، فَهَذِهِ الأعْضاءُ آلاتُ النَّفْسِ وأدَواتٌ لَها، والنَّفْسُ جَوْهَرٌ مُغايِرٌ لَها مُفارِقٌ عَنْها بِالذّاتِ مُتَعَلِّقٌ بِها تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ وهَذا البُرْهانُ بُرْهانٌ شَرِيفٌ يَقِينِيٌّ في ثُبُوتِ هَذا المَطْلُوبِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: لَوْ كانَ الإنْسانُ عِبارَةً عَنْ هَذا الجَسَدِ لَكانَ إمّا أنْ يَقُومَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ حَياةٌ وعِلْمٌ وقُدْرَةٌ عَلى حِدَةٍ، وإمّا أنْ يَقُومَ بِمَجْمُوعِ الأجْزاءِ حَياةٌ وعِلْمٌ وقُدْرَةٌ، والقَسَمانِ باطِلانِ فَبَطَلَ القَوْلُ بِكَوْنِ الإنْسانِ عِبارَةً عَنْ هَذا الجَسَدِ، وأمّا بُطْلانُ القِسْمِ الأوَّلِ فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ الجَسَدِ حَيًّا عالِمًا قادِرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الإنْسانُ الواحِدُ حَيَوانًا واحِدًا بَلْ أحْياءً عالِمِينَ قادِرِينَ وحِينَئِذٍ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ الإنْسانِ الواحِدِ وبَيْنَ أشْخاصٍ كَثِيرِينَ مِنَ النّاسِ ورَبْطِ بَعْضِهِمْ بِالبَعْضِ بِالتَّسَلْسُلِ لَكِنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ فَسادَ هَذا الكَلامِ لِأنِّي أجِدُ ذاتِي ذاتًا واحِدَةً لا حَيَواناتٍ كَثِيرِينَ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ هَذا الجَسَدِ حَيَوانًا واحِدًا عَلى حِدَةٍ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما خَبَرٌ عَنْ حالِ صاحِبِهِ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ هَذا أنْ يَتَحَرَّكَ إلى هَذا الجانِبِ ويُرِيدَ الجُزْءُ الأخَرُ أنْ يَتَحَرَّكَ إلى الجانِبِ الآخَرِ فَحِينَئِذٍ يَقَعُ التَّدافُعُ بَيْنَ أجْزاءِ بَدَنِ الإنْسانِ الواحِدِ كَما يَقَعُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ، وفَسادُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، وأمّا بُطْلانُ القِسْمِ الثّانِي فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي قِيامَ الصِّفَةِ الواحِدَةِ بِالمَحالِّ الكَثِيرَةِ، وذَلِكَ مَعْلُومُ البُطْلانِ بِالضَّرُورَةِ ولِأنَّهُ لَوْ جازَ حُلُولُ الصِّفَةِ الواحِدَةِ في المَحالِّ الكَثِيرَةِ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا حُصُولُ الجِسْمِ الواحِدِ في الأحْيازِ الكَثِيرَةِ ولِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَحْصُلَ الصِّفَةُ الواحِدَةُ في المَحالِّ المُتَعَدِّدَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ حَيًّا عاقِلًا
صفحة ٤٢
عالِمًا فَيَتَجَرَّدُ الأمْرُ إلى كَوْنِ هَذِهِ الجُثَّةِ الواحِدَةِ أُناسًا كَثِيرِينَ، ولَمّا ظَهَرَ فَسادُ القِسْمَيْنِ ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ هو هَذِهِ الجُثَّةَ، فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَقُومَ الحَياةُ الواحِدَةُ بِالجُزْءِ الواحِدِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الحَياةَ تَقْتَضِي صَيْرُورَةَ جُمْلَةِ الأجْزاءِ أحْياءً قُلْنا هَذا باطِلٌ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحَياةِ إلّا الحَيِيَّةُ، ولا مَعْنى لِلْعِلْمِ إلّا العالِمِيَّةُ، وبِتَقْدِيرِ أنْ نُساعِدَ عَلى أنَّ الحَياةَ مَعْنى يُوجِبُ الحَيِيَّةَ والعِلْمَ مَعْنى يُوجِبُ العالِمِيَّةَ إلّا أنّا نَقُولُ إنْ حَصَلَ في مَجْمُوعِ جُثَّةٍ مَجْمُوعُ حَياةٍ واحِدَةٍ وعالِمِيَّةٍ واحِدَةٍ فَقَدْ حَصَلَتِ الصِّفَةُ الواحِدَةُ في المَحالِّ الكَثِيرَةِ وهو مُحالٌ، وإنْ حَصَلَ في كُلِّ جُزْءٍ وجُثَّةٍ حَياةٌ عَلى حِدَةٍ وعالِمِيَّةٌ عَلى حِدَةٍ عادَ ما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ الإنْسانِ الواحِدِ أُناسًا كَثِيرِينَ وهو مُحالٌ.
المُقَدِّمَةُ الرّابِعَةُ: أنّا لَمّا تَأمَّلْنا في أحْوالِ النَّفْسِ رَأيْنا أحْوالَها بِالضِّدِّ مِن أحْوالِ الجِسْمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْسَ لَيْسَتْ جِسْمًا، وتَقْرِيرُ هَذِهِ المُنافاةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ جِسْمٍ حَصَلَتْ فِيهِ صُورَةٌ فَإنَّهُ لا يَقْبَلُ صُورَةً أُخْرى مِن جِنْسِ الصُّورَةِ الأُولى إلّا بَعْدَ زَوالِ الصُّورَةِ الأُولى زَوالًا تامًّا مِثالُهُ: أنَّ الشَّمْعَ إذا حَصَلَ فِيهِ شَكْلُ التَّثْلِيثِ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ شَكْلُ التَّرْبِيعِ والتَّدْوِيرِ إلّا بَعْدَ زَوالِ الشَّكْلِ الأوَّلِ عَنْهُ، نَعَمْ إنّا وجَدْنا الحالَ في تَصَوُّرِ النَّفْسِ بِصُوَرِ المَعْقُولاتِ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ فَإنَّ النَّفْسَ الَّتِي لَمْ تَقْبَلْ صُورَةً عَقْلِيَّةً البَتَّةَ يَبْعُدُ قَبُولُها شَيْئًا مِنَ الصُّوَرِ العَقْلِيَّةِ فَإذا قَبِلَتْ صُورَةً واحِدَةً صارَ قَبُولُها لِلصُّورَةِ الثّانِيَةِ أسْهَلَ، ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ لا تَزالُ تَقْبَلُ صُورَةً بَعْدَ صُورَةٍ مِن غَيْرِ أنْ تَضْعُفَ البَتَّةَ بَلْ كُلَّما كانَ قَبُولُها لِلصُّوَرِ أكْثَرَ صارَ قَبُولُها لِلصُّوَرِ الآتِيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أسْهَلَ وأسْرَعَ، ولِهَذا السَّبَبِ يَزْدادُ الإنْسانُ فَهْمًا وإدْراكًا كُلَّما ازْدادَ تَخَرُّجًا وارْتِباطًا في العُلُومِ فَثَبَتَ أنَّ قَبُولَ النَّفْسِ لِلصُّوَرِ العَقْلِيَّةِ عَلى خِلافِ قَبُولِ الجِسْمِ لِلصُّورَةِ وذَلِكَ يُوهِمُ أنَّ النَّفْسَ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ.
والثّانِي: أنَّ المُواظَبَةَ عَلى الأفْكارِ الدَّقِيقَةِ لَها أثَرٌ في النَّفْسِ وأثَرٌ في البَدَنِ، أمّا أثَرُها في النَّفْسِ فَهو تَأْثِيرُها في إخْراجِ النَّفْسِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ في التَّعَقُّلاتِ والإدْراكاتِ وكُلَّما كانَتِ الأفْكارُ أكْثَرَ كانَ حُصُولُ هَذِهِ الأحْوالِ أكْمَلَ وذَلِكَ غايَةُ كَمالِها ونِهايَةُ شَرَفِها وجَلالَتِها، وأمّا أثَرُها في البَدَنِ فَهو أنَّها تُوجِبُ اسْتِيلاءَ اليُبْسِ عَلى البَدَنِ واسْتِيلاءَ الذُّبُولِ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحالَةُ لَوِ اسْتَمَرَّتْ لانْتَقَلَتْ إلى المالِيخُولِيا وسَوْقِ المَوْتِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الأفْكارَ تُوجِبُ حَياةَ النَّفْسِ وشَرَفَها وتُوجِبُ نُقْصانَ البَدَنِ ومَوْتِهِ، فَلَوْ كانَتِ النَّفْسُ هي البَدَنَ لَصارَ الشَّيْءُ الواحِدُ سَبَبًا لِكَمالِهِ ونُقْصانِهِ مَعًا ولِحَياتِهِ ومَوْتِهِ مَعًا، وأنَّهُ مُحالٌ.
والثّالِثُ: أنّا إذا شاهَدْنا أنَّهُ رُبَّما كانَ بَدَنُ الإنْسانِ ضَعِيفًا نَحِيفًا، فَإذا لاحَ لَهُ نُورٌ مِنَ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ وتُجْلى لَهُ سِرٌّ مِن أسْرارِ عالَمِ الغَيْبِ حَصَلَ لِذَلِكَ الإنْسانِ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ وسَلْطَنَةٌ قَوِيَّةٌ، ولَمْ يَعْبَأْ بِحُضُورِ أكابِرِ السَّلاطِينِ ولَمْ يُقِمْ لَهم وزْنًا ولَوْلا أنَّ النَّفْسَ شَيْءٌ سِوى البَدَنِ لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ أصْحابَ الرِّياضاتِ والمُجاهَداتِ كُلَّما أمْعَنُوا في قَهْرِ القُوى البَدَنِيَّةِ وتَجْوِيعِ الجَسَدِ قَوِيَتْ قُواهُمُ الرُّوحانِيَّةُ وأشْرَقَتْ أسْرارُهم بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ وكُلَّما أمْعَنَ الإنْسانُ في الأكْلِ والشُّرْبِ وقَضاءِ الشَّهْوَةِ الجَسَدانِيَّةِ صارَ كالبَهِيمَةِ وبَقِيَ مَحْرُومًا عَنْ آثارِ النُّطْقِ والعَقْلِ والمَعْرِفَةِ ولَوْلا أنَّ النَّفْسَ غَيْرُ البَدَنِ لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
الخامِسُ: أنّا نَرى أنَّ النَّفْسَ تَفْعَلُ أفاعِيلَها بِآلاتٍ بَدَنِيَّةٍ فَإنَّها تُبْصِرُ بِالعَيْنِ وتَسْمَعُ بِالأُذُنِ وتَأْخُذُ بِاليَدِ وتَمْشِي بِالرِّجِلِ، أمّا إذا آلَ الأمْرُ إلى العَقْلِ والإدْراكِ فَإنَّها مُسْتَقِلَّةٌ بِذاتِها في هَذا الفِعْلِ مِن غَيْرِ إعانَةِ شَيْءٍ مِنَ الآلاتِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُبْصِرَ شَيْئًا إذا أغْمَضَ عَيْنَيْهِ وأنْ لا يَسْمَعَ صَوْتًا إذا سَدَّ أُذُنَيْهِ، كَما لا يُمْكِنُهُ البَتَّةَ أنْ يُزِيلَ عَنْ قَلْبِهِ العِلْمَ بِما كانَ عالِمًا بِهِ فَعَلِمْنا أنَّ النَّفْسَ غَنِيَّةٌ بِذاتِها في العُلُومِ والمَعارِفِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الخَمْسَةُ أماراتٌ قَوِيَّةٌ في أنَّ النَّفْسَ
صفحة ٤٣
لَيْسَتْ بِجِسْمٍ، وفي المَسْألَةِ الأُولى كَثِيرٌ مِن دَلائِلِ المُتَقَدِّمِينَ ذَكَرْناها في كُتُبِنا الحِكْمِيَّةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في إثْباتِ أنَّ النَّفْسَ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ مِنَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ.
الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ (الحَشْرِ: ١٩) ومَعْلُومٌ أنَّ أحَدًا مِنَ العُقَلاءِ لا يَنْسى هَذا الهَيْكَلَ المُشاهَدَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النَّفْسَ الَّتِي يَنْساها الإنْسانُ عِنْدَ فَرْطِ الجَهْلِ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ هَذا البَدَنِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ (الأنْعامِ: ٩٣) وهَذا صَرِيحٌ أنَّ النَّفْسَ غَيْرُ البَدَنِ وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مَراتِبَ الخِلْقَةِ الجُسْمانِيَّةِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٢) إلى قَوْلِهِ: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) ولا شَكَّ أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ المَراتِبِ اخْتِلافاتٌ واقِعَةٌ في الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَذْكُرَ نَفْخَ الرُّوحِ قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالرُّوحِ جِنْسٌ مُغايِرٌ لِما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّغَيُّراتِ الواقِعَةِ في الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِلْبَدَنِ فَإنْ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكم لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وكَلِمَةُ مِن لِلتَّبْعِيضِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ بَعْضٌ مِن أبْعاضِ الطِّينِ، قُلْنا: كَلِمَةُ ”مِن“ أصْلُها لِابْتِداءِ الغايَةِ كَقَوْلِكَ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى الكُوفَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ تَخْلِيقِ الإنْسانِ حاصِلًا مِن هَذِهِ السُّلالَةِ ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ لِأنَّهُ تَعالى يُسَوِّي المِزاجَ أوَّلًا ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ فَيَكُونُ ابْتِداءُ تَخْلِيقِهِ مِنَ السُّلالَةِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ (الحِجْرِ: ٢٩) مَيَّزَ تَعالى بَيْنَ البَشَرِيَّةِ وبَيْنَ نَفْخِ الرُّوحِ فالتَّسْوِيَةُ عِبارَةٌ عَنْ تَخْلِيقِ الأبْعاضِ والأعْضاءِ وتَعْدِيلِ المِزاجِ والأشْباحِ، فَلَمّا مَيَّزَ نَفْخَ الرُّوحِ عَنْ تَسْوِيَةِ الأعْضاءِ ثُمَّ أضافَ الرُّوحَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رُوحِي﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ مَعْنًى مُغايِرٌ لِجَوْهَرِ الجَسَدِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ (الشَّمْسِ: ٨) وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في وُجُودِ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ بِالإدْراكِ والتَّحْرِيكِ حَقًّا لِأنَّ الإلْهامَ عِبارَةٌ عَنِ الإدْراكِ، وأمّا الفُجُورُ والتَّقْوى فَهو فِعْلٌ، وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ واحِدٌ وهو مَوْصُوفٌ أيْضًا بِالإدْراكِ والتَّحْرِيكِ ومَوْصُوفٌ أيْضًا بِفِعْلِ الفُجُورِ تارَةً وفِعْلِ التَّقْوى تارَةً أُخْرى، ومَعْلُومٌ أنَّ جُمْلَةَ البَدَنِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ جَوْهَرٍ آخَرَ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِكُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنْسانِ: ٢) فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ واحِدٌ وذَلِكَ الشَّيْءُ هو المُبْتَلى بِالتَّكالِيفِ الإلَهِيَّةِ والأُمُورِ الرَّبّانِيَّةِ وهو المَوْصُوفُ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ، ومَجْمُوعُ البَدَنِ لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَيْسَ عُضْوًا مِن أعْضاءِ البَدَنِ كَذَلِكَ، فالنَّفْسُ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِجُمْلَةِ البَدَنِ ومُغايِرٌ لِأجْزاءِ البَدَنِ وهو مَوْصُوفٌ بِكُلِّ هَذِهِ الصِّفاتِ، واعْلَمْ أنَّ الأحادِيثَ
صفحة ٤٤
الوارِدَةَ في صِفَةِ الأرْواحِ قَبْلَ تَعَلُّقِها بِالأجْسادِ وبَعْدَ انْفِصالِها مِنَ الأجْسادِ كَثِيرَةٌ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْسَ شَيْءٌ غَيْرُ هَذا الجَسَدِ، والعَجَبُ مِمَّنْ يَقْرَأُ هَذِهِ الآياتِ الكَثِيرَةَ ويَرْوِي هَذِهِ الأخْبارَ الكَثِيرَةَ ثُمَّ يَقُولُ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وما كانَ يَعْرِفُ الرُّوحَ وهَذا مِنَ العَجائِبِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في دَلالَةِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ أنَّ الرُّوحَ لَوْ كانَ جِسْمًا مُنْتَقِلًا مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ ومِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ لَكانَ مُساوِيًا لِلْبَدَنِ في كَوْنِهِ مُتَوَلِّدًا مِن أجْسامٍ اتَّصَفَتْ بِصِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ أُخْرى فَإذا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّوحِ وجَبَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُ جِسْمٌ كانَ كَذا ثُمَّ صارَ كَذا حَتّى صارَ رُوحًا مِثْلَ ما ذَكَرَ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ البَدَنِ أنَّهُ كانَ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً فَلَمّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] بِمَعْنى أنَّهُ لا يَحْدُثُ ولا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (النَّحْلِ: ٤٠) دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ جَوْهَرٌ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأجْسامِ بَلْ هو جَوْهَرٌ قُدْسِيٌّ مُجَرَّدٌ، واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ العارِفِينَ المُكاشِفِينَ مِن أصْحابِ الرِّياضِيّاتِ وأرْبابِ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ مُصِرُّونَ عَلى هَذا القَوْلِ جازِمُونَ بِهَذا المَذْهَبِ، قالَ الواسِطِيُّ: خَلَقَ اللَّهُ الأرْواحَ مِن بَيْنِ الجَمالِ والبَهاءِ فَلَوْلا أنَّهُ سَتَرَها لَسَجَدَ لَها كُلُّ كافِرٍ، وأمّا بَيانُ أنَّ تَعَلُّقَهُ الأوَّلَ بِالقَلْبِ ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَصِلُ تَأْثِيرُهُ إلى جُمْلَةِ الأعْضاءِ فَقَدْ شَرَحْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ١٩٣) واحْتَجَّ المُنْكِرُونَ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: لَوْ كانَتْ مُساوِيَةً لِذاتِ اللَّهِ في كَوْنِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا عَرَضٍ لَكانَتْ مُساوِيَةً لَهُ في تَمامِ الماهِيَّةِ وذَلِكَ مُحالٌ.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ (عَبَسَ: ٢١) وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ مِنَ النُّطْفَةِ، وأنَّهُ يَمُوتُ ويَدْخُلُ القَبْرَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُخْرِجُهُ مِنَ القَبْرِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الإنْسانُ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الجُثَّةِ لَمْ تَكُنِ الأحْوالُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ صَحِيحَةً.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٦٩) إلى قَوْلِهِ: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٧٠) وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لِأنَّ الأرْزاقَ والفَرَحَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ.
الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المُساواةَ في أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ مُساواةٌ في صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ، والمُساواةُ في الصِّفَةِ السَّلْبِيَّةِ لا تُوجِبُ المُماثَلَةَ، واعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِنَ الجُهّالِ يَظُنُّونَ أنَّهُ لَمّا كانَ الرُّوحُ مَوْجُودًا لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَثَلًا لِلْإلَهِ أوْ جُزْءًا لِلْإلَهِ وذَلِكَ جَهْلٌ فاحِشٌ وغَلَطٌ قَبِيحٌ، وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُساواةَ في السُّلُوبِ لَوْ أوْجَبَتِ المُماثَلَةَ لَوَجَبَ القَوْلُ بِاسْتِواءِ كُلِّ المُخْتَلِفاتِ وأنَّ كُلَّ ماهِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَلا بُدَّ أنْ يَشْتَرِكا في سَلْبِ كُلِّ ما عَداهُما، فَلْتَكُنْ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ مَعْلُومَةً فَإنَّها مَغْلَطَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْجُهّالِ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ الإنْسانُ في العُرْفِ والظّاهِرِ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الجُثَّةِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الإنْسانِ في العُرْفِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّ الرِّزْقَ المَذْكُورَ في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى ما يُقَوِّي حالَهم ويُكْمِلُ كَمالَهم وهو مَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَحَبَّتُهُ بَلْ نَقُولُ هَذا مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا؛ لِأنَّ أبْدانَهم قَدْ بَلِيَتْ تَحْتَ التُّرابِ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ إنَّ أرْواحَهم تَأْوِي إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ العَرْشِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ غَيْرُ البَدَنِ ولْيَكُنْ هَذا آخِرَ كَلامِنا في هَذا البابِ ولْنَرْجِعْ إلى عِلْمِ التَّفْسِيرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ وعَلى قَوْلِنا قَدْ ذَكَرْنا فِيهِ احْتِمالَيْنِ، أمّا المُفَسِّرُونَ فَقالُوا إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ قالُوا نَحْنُ مُخْتَصُّونَ بِهَذا الخِطابِ أمْ أنْتَ مَعَنا ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«بَلْ نَحْنُ وأنْتُمْ لَمْ نُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا» “ فَقالُوا: ما أعْجَبَ شَأْنَكَ يا مُحَمَّدُ ساعَةً تَقُولُ:
صفحة ٤٥
﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وساعَةً تَقُولُ هَذا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ (لُقْمانَ: ٢٧) إلى آخِرِهِ وما ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِلازِمٍ لِأنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ، كَثِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فالعُلُومُ الحاصِلَةُ عِنْدَ النّاسِ قَلِيلَةٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ وبِالنِّسْبَةِ إلى حَقائِقِ الأشْياءِ، ولَكِنَّها كَثِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّهَواتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ.
الإسراء 17:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ ما آتاهم ﴿مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ شاءَ أنْ يَأْخُذَ مِنهم ذَلِكَ القَلِيلَ أيْضًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَمْحُوَ حِفْظَهُ مِنَ القُلُوبِ وكِتابَتَهُ مِنَ الكُتُبِ، وهَذا وإنْ كانَ أمْرًا مُخالِفًا لِلْعادَةِ إلّا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقالَ والَّذِي يَقْدِرُ عَلى إزالَتِهِ والذَّهابِ بِهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بَعِيدٌ لِأنَّ المُرادَ بِهَذا الإذْهابِ إزالَةُ العِلْمِ بِهِ عَنِ القُلُوبِ وإزالَةُ النُّقُوشِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ عَنِ المُصْحَفِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ كَوْنَ ذَلِكَ المَعْلُومِ المَدْلُولِ مُحْدَثًا، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ أيْ لا تَجِدُ مَن تَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ في رَدِّ شَيْءٍ مِنهُ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ إلّا أنْ يَرْحَمَكَ رَبُّكَ فَيَرُدَّهُ عَلَيْكَ، أوْ يَكُونَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِمَعْنى: ولَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّكَ تَرَكَتْهُ غَيْرَ مَذْهُوبٍ بِهِ، وهَذا امْتِنانٌ مِنَ اللَّهِ بِبَقاءِ القُرْآنِ، عَلى أنَّهُ تَعالى مَنَّ عَلى جَمِيعِ العُلَماءِ بِنَوْعَيْنِ مِنَ المِنَّةِ:
أحَدُهُما: تَسْهِيلُ ذَلِكَ العِلْمِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: إبْقاءُ حِفْظِهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا بِسَبَبِ إبْقاءِ العِلْمِ والقُرْآنِ عَلَيْكَ.
الثّانِي: المُرادُ أنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا بِسَبَبِ أنَّهُ جَعَلَكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ وخَتَمَ بِكَ النَّبِيِّينَ وأعْطاكَ المَقامَ المَحْمُودَ فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ أنْعَمَ عَلَيْكَ أيْضًا بِإبْقاءِ العِلْمِ والقُرْآنِ عَلَيْكَ.
الإسراء 17:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ ما آتاهم ﴿مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ شاءَ أنْ يَأْخُذَ مِنهم ذَلِكَ القَلِيلَ أيْضًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَمْحُوَ حِفْظَهُ مِنَ القُلُوبِ وكِتابَتَهُ مِنَ الكُتُبِ، وهَذا وإنْ كانَ أمْرًا مُخالِفًا لِلْعادَةِ إلّا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقالَ والَّذِي يَقْدِرُ عَلى إزالَتِهِ والذَّهابِ بِهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بَعِيدٌ لِأنَّ المُرادَ بِهَذا الإذْهابِ إزالَةُ العِلْمِ بِهِ عَنِ القُلُوبِ وإزالَةُ النُّقُوشِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ عَنِ المُصْحَفِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ كَوْنَ ذَلِكَ المَعْلُومِ المَدْلُولِ مُحْدَثًا، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ أيْ لا تَجِدُ مَن تَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ في رَدِّ شَيْءٍ مِنهُ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ إلّا أنْ يَرْحَمَكَ رَبُّكَ فَيَرُدَّهُ عَلَيْكَ، أوْ يَكُونَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِمَعْنى: ولَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّكَ تَرَكَتْهُ غَيْرَ مَذْهُوبٍ بِهِ، وهَذا امْتِنانٌ مِنَ اللَّهِ بِبَقاءِ القُرْآنِ، عَلى أنَّهُ تَعالى مَنَّ عَلى جَمِيعِ العُلَماءِ بِنَوْعَيْنِ مِنَ المِنَّةِ:
أحَدُهُما: تَسْهِيلُ ذَلِكَ العِلْمِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: إبْقاءُ حِفْظِهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا بِسَبَبِ إبْقاءِ العِلْمِ والقُرْآنِ عَلَيْكَ.
الثّانِي: المُرادُ أنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا بِسَبَبِ أنَّهُ جَعَلَكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ وخَتَمَ بِكَ النَّبِيِّينَ وأعْطاكَ المَقامَ المَحْمُودَ فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ أنْعَمَ عَلَيْكَ أيْضًا بِإبْقاءِ العِلْمِ والقُرْآنِ عَلَيْكَ.
الإسراء 17:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٣) بالَغْنا في بَيانِ إعْجازِ القُرْآنِ، ولِلنّاسِ فِيهِ قَوْلانِ مِنهم مَن قالَ: القُرْآنُ مُعْجِزٌ في
صفحة ٤٦
نَفْسِهِ، ومِنهم مَن قالَ إنَّهُ لَيْسَ في نَفْسِهِ مُعْجِزًا إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا صَرَفَ دَواعِيَهم عَنِ الإثْباتِ بِمُعارَضَتِهِ مَعَ أنَّ تِلْكَ الدَّواعِيَ كانَتْ قَوِيَّةً كانَتْ هَذِهِ الصِّرْفَةُ مُعْجِزَةً، والمُخْتارُ عِنْدَنا في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ القُرْآنُ في نَفْسِهِ إمّا أنْ يَكُونَ مُعْجِزًا أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ مُعْجِزًا فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا بَلْ كانُوا قادِرِينَ عَلى الإتْيانِ بِمُعارَضَتِهِ وكانَتِ الدَّواعِي مُتَوَفِّرَةً عَلى الإتْيانِ بِهَذِهِ المُعارَضَةِ وما كانَ لَهم عَنْها صارِفٌ ومانِعٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانَ الإتْيانُ بِمُعارَضَتِهِ واجِبًا لازِمًا فَعَدَمُ الإتْيانِ بِهَذِهِ المُعارَضَةِ مَعَ التَّقْدِيراتِ المَذْكُورَةِ يَكُونُ نَقْضًا لِلْعادَةِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، فَهَذا هو الطَّرِيقُ الَّذِي نَخْتارُهُ في هَذا البابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَجْزُ الإنْسانِ عَنْ مُعارَضَتِهِ فَكَيْفَ عَرَفْتُمْ عَجْزَ الجِنِّ عَنْ مُعارَضَتِهِ ؟ وأيْضًا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ هَذا الكَلامَ نَظْمُ الجِنِّ ألْقَوْهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وخَصُّوهُ بِهِ عَلى سَبِيلِ السَّعْيِ في إضْلالِ الخَلْقِ فَعَلى هَذا إنَّما تَعْرِفُونَ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ في قَوْلِهِ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ الجِنِّ بَلْ هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الدَّوْرُ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنَّ يَقُولَ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِأنّا نَقُولُ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى وُقُوعِ التَّحَدِّي مَعَ الجِنِّ، وإنَّما يَحْسُنُ هَذا التَّحَدِّي لَوْ كانُوا فُصَحاءَ بُلَغاءَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِاحْتِمالُ المَذْكُورُ قائِمًا.
أجابَ العُلَماءُ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّ عَجْزَ البَشَرِ عَنْ مُعارَضَتِهِ يَكْفِي في إثْباتِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ لَوَجَبَ في حِكْمَةِ اللَّهِ أنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ التَّلْبِيسَ وحَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ دَلَّ عَلى عَدَمِهِ وعَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ أجابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِالأجْوِبَةِ الشّافِيَةِ الكافِيَةِ في آخِرِ سُورَةِ الشُّعَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٢٢) وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الأجْوِبَةَ هُناكَ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ لِأنَّ التَّحَدِّيَ بِالقَدِيمِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها أيْضًا بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
الإسراء 17:89
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾
وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ وقَعَ التَّحَدِّي بِكُلِّ القُرْآنِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَقَعَ التَّحَدِّي أيْضًا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ (هُودٍ: ١٣) ووَقَعَ التَّحَدِّي بِالسُّورَةِ الواحِدَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ووَقَعَ التَّحَدِّي بِكَلامٍ مِن سُورَةٍ واحِدَةٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (الطَّوْرِ: ٣٤) فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّحَدِّيَ كَما شَرَحْناهُ، ثُمَّ إنَّهم مَعَ ظُهُورِ عَجْزِهِمْ في جَمِيعِ هَذِهِ المَراتِبِ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أنّا أخْبَرْناهم بِأنَّ الَّذِينَ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ كَيْفَ ابْتَلاهم بِأنْواعِ البَلاءِ، وشَرَحْنا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مِرارًا وأطْوارًا ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ - يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ - لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا البَيانِ بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ونَفى الشُّرَكاءَ والأضْدادَ في هَذا القُرْآنِ مِرارًا كَثِيرَةً، وذَكَرَ شُبَهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ والمَعادِ مِرارًا وأطْوارًا، وأجابَ عَنْها ثُمَّ أرْدَفَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والمُعادِ،
صفحة ٤٧
ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِسَماعِها بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ وإنْكارِ النُّبُوَّةِ.
﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ يُرِيدُ (أبى) أكْثَرُ أهْلِ مَكَّةَ ﴿إلّا كُفُورًا﴾ أيْ جُحُودًا لِلْحَقِّ، وذَلِكَ أنَّهم أنْكَرُوا ما لا حاجَةَ إلى إظْهارِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا ؟ قُلْنا: لَفْظُ أبى يُفِيدُ النَّفْيَ كَأنَّهُ قِيلَ فَلَمْ يَرْضَوْا إلّا كُفُورًا.
الإسراء 17:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا وظَهَرَ هَذا المُعْجِزُ عَلى وفْقِ دَعْوى مُحَمَّدٍ ﷺ فَحِينَئِذٍ تَمَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا؛ لِأنّا نَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا ادَّعى النُّبُوَّةَ وظَهَرَ المُعْجِزُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صادِقٌ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا تَواتُرُ المُعْجِزاتِ الكَثِيرَةِ وتَوالِيها لِأنّا لَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لَلَزِمَ أنْ لا يَنْتَهِيَ الأمْرُ فِيهِ إلى مَقْطَعٍ، وكُلَّما أتى الرَّسُولُ بِمُعْجِزٍ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ مُعْجِزًا آخَرَ ولا يَنْتَهِي الأمْرُ فِيهِ إلى حَدٍّ يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ عِنادُ المُعانِدِينَ وتَغَلُّبُ الجاهِلِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ ظَهَرَ كَوْنُ القُرْآنِ مُعْجِزًا التَمَسُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ سِتَّةَ أنْواعٍ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ كَما حُكِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ أرْسَلُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ وهم جُلُوسٌ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَأتاهم فَقالُوا يا مُحَمَّدُ إنَّ أرْضَ مَكَّةَ ضَيِّقَةٌ فَسَيِّرْ جِبالَها لِنَنْتَفِعَ فِيها، وفَجِّرْ لَنا فِيها يَنْبُوعًا أيْ: نَهْرًا وعُيُونًا نَزْرَعُ فِيها، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: أوْ يَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرُ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: أوْ يَكُونُ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أيْ: مِن ذَهَبٍ فَيُغْنِيكَ عَنّا، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أما تَسْتَطِيعُ أنْ تَأْتِيَ قَوْمَكَ بِما يَسْألُونَكَ، فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ، قالُوا: فَإذا كُنْتَ لا تَسْتَطِيعُ الخَيْرَ فاسْتَطِعِ الشَّرَّ فَأسْقِطِ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أيْ: قِطَعًا بِالعَذابِ، - وقَوْلُهُ: كَما زَعَمْتَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ١)، ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (الِانْفِطارِ: ١) - فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وأُمُّهُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،: لا والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا أُومِنُ بِكَ حَتّى تَشُدَّ سُلَّمًا فَتَصْعَدَ فِيهِ ونَحْنُ نَنْظُرُ إلَيْكَ فَتَأْتِي بِأرْبَعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ
صفحة ٤٨
بِالرِّسالَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا أدْرِي أنُؤْمِنُ بِكَ أمْ لا» ! “ فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ كَما رَواها ابْنُ عَبّاسٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْواعًا مِنَ المُعْجِزاتِ:
أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَفْجُرَ“ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الفاءِ وضَمِّ الجِيمِ مُخَفَّفَةً، واخْتارَهُ أبُو حاتِمٍ، قالَ: لِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في الثّانِيَةِ مُشَدِّدَةً لِأجْلِ الأنْهارِ، لِأنَّها جَمْعٌ، يُقالُ فَجَّرْتُ الماءَ فَجْرًا وفَجَّرْتُهُ تَفْجِيرًا، فَمَن ثَقَّلَ أرادَ بِهِ كَثْرَةَ الأشْجارِ مِنَ اليَنْبُوعِ وهو وإنْ كانَ واحِدًا فَلِكَثْرَةِ الِانْفِجارِ فِيهِ يَحْسُنُ أنْ يُثَقَّلَ كَما تَقُولُ ضَرْبَ زَيْدٌ إذا كَثُرَ الضَّرْبُ مِنهُ فَيَكْثُرُ فِعْلُهُ، وإنْ كانَ الفاعِلُ واحِدًا، ومَن خَفَّفَ فَلِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ، وقَوْلُهُ يَنْبُوعًا، يَعْنِي: عَيْنًا يَنْبُعُ الماءُ مِنهُ، تَقُولُ نَبَعَ الماءُ يَنْبُعُ نَبْعًا ونُبُوعًا ونَبْعًا، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، قالَ القَوْمُ: أزِلْ عَنّا جِبالَ مَكَّةَ، وفَجِّرْ لَنا اليَنْبُوعَ لِيَسْهُلَ عَلَيْنا أمْرُ الزِّراعَةِ والحِراثَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهم قالُوا هَبْ أنَّكَ لا تُفَجِّرُ هَذِهِ الأنْهارَ لِأجْلِنا فَفَجِّرْها مِن أجْلِكَ.
وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”كِسَفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ هَهُنا وفي سائِرِ القُرْآنِ بِسُكُونِها، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هَهُنا، وفي الرُّومِ بِفَتْحِ السِّينِ، وفي باقِي القُرْآنِ بِسُكُونِها؛ وقَرَأ حَفْصٌ في سائِرِ القُرْآنِ بِالفَتْحِ إلّا في الرُّومِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ في الرُّومِ بِفَتْحِ السِّينِ، وفي سائِرِ القُرْآنِ بِسُكُونِ السِّينِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كِسَفًا، فِيهِ وجْهانِ مِنَ القِراءَةِ: سُكُونُ السِّينِ، وفَتْحُها، قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ كَسَفْتُ الثَّوْبَ أكْسِفُهُ كَسْفًا إذا قَطَعْتَهُ قَطْعًا، وقالَ اللَّيْثُ: الكَسْفُ: قَطْعُ العُرْقُوبِ، والكِسْفَةُ: القِطْعَةُ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِبَزّازٍ: أعْطِنِي كِسْفَةً: يُرِيدُ قِطْعَةً، فَمَن قَرَأ بِسُكُونِ السِّينِ احْتَمَلَ قَوْلُهُ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ كِسْفَةٍ مِثَلَ: دِمْنَةٍ ودِمْنٍ وسِدْرَةٍ وسِدْرٍ.
وثانِيها: قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا كانَ المَصْدَرُ الكِسْفَ، فالكِسْفُ الشَّيْءُ المَقْطُوعُ كَما تَقُولُ في الطَّحْنِ والطَّبْخِ السَّقْيَ، ويُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ (الطَّوْرِ: ٤٤) .
وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: كِسْفًا كَأنَّهُ قالَ أوْ يُسْقِطُها طَبْقًا عَلَيْنا واشْتِقاقُهُ مِن كَسَفْتُ الشَّيْءَ إذا غَطَّيْتَهُ، وأمّا فَتْحُ السِّينِ فَهو جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلَ قِطْعَةٍ وقِطَعٍ وسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا كَأنَّهُ قِيلَ أوْ تُسْقِطُ السَّماءَ عَلَيْنا مُقَطَّعَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ عِكْرِمَةُ: كَما زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنَّكَ نَبِيٌّ فَأسْقِطِ السَّماءَ عَلَيْنا.
والثّانِي: قالَ آخَرُونَ كَما زَعَمْتَ أنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ.
الثّالِثُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ (الإسْراءِ: ٦٨) فَقِيلَ اجْعَلِ السَّماءَ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً كالحاصِبِ وأسْقِطْها عَلَيْنا.
ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ وفي لَفْظِ القَبِيلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: القَبِيلُ بِمَعْنى المُقابِلِ كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ، وهَذا القَوْلُ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ (الأنْعامِ: ١١١) .
والقَوْلُ الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ. قالَ اللَّيْثُ: وكُلُّ جُنْدٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ قَبِيلٌ وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧] .
القَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهُ قَبِيلًا مَعْناهُ هَهُنا ضامِنًا وكَفِيلًا، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ قَبِلْتُ بِهِ أقْبَلُ كَقَوْلِكَ كَفَلْتُ بِهِ أكْفُلُ، وعَلى
صفحة ٤٩
هَذا القَوْلِ فَهو واحِدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النِّساءِ: ٦٩) .
والقَوْلُ الرّابِعُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ المُعايَنَةُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ (الفُرْقانِ: ٢١) .
وخامِسُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كُنّا لا نَدْرِي ما الزُّخْرُفُ حَتّى رَأيْتُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ) قالَ الزَّجّاجُ: الزُّخْرُفُ الزِّينَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ (يُونُسَ: ٢٤) أيْ أخَذَتْ كَمالَ زِينَتِها؛ ولا شَيْءَ في تَحْسِينِ البَيْتِ وتَزْيِينِهِ كالذَّهَبِ.
وسادِسُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ رَقَيْتُ وأنا أرْقى رُقًى ورُقِيًّا وأنْشَدَ:
أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رُقى الدَّرَجْ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
وقَوْلُهُ في السَّماءِ أيْ في مَعارِجِ السَّماءِ فَحَذَفَ المُضافَ، يُقالُ رَقى المُسْلِمُ ورُقِيِّ الدَّرَجَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ أيْ لَنْ نُؤْمِنَ لِأجْلِ رُقِيِّكَ: ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ فِيهِ تَصْدِيقُكَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ﴾ حَتّى تَضَعَ عَلى السَّماءِ سُلَّمًا ثُمَّ تَرْقى فِيهِ وأنا أنْظُرُ حَتّى تَأْتِيَها ثُمَّ تَأْتِي مَعَكَ بِصَكٍّ مَنشُورٍ مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
المَبْحَثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى مِن قَوْلِ الكُفّارِ قَوْلَهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ وكُلُّ ذَلِكَ كَلامُ القَوْمِ، وإنّا لا نَجِدُ بَيْنَ تِلْكَ الكَلِماتِ وبَيْنَ سائِرِ آياتِ القُرْآنِ تَفاوُتًا في النَّظْمِ، فَصَحَّ بِهَذا صِحَّةَ ما قالَهُ الكُفّارُ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، والجَوابُ: أنَّ هَذا القُرْآنَ قَلِيلٌ لا يَظْهَرُ فِيهِ التَّفاوُتُ بَيْنَ مَراتِبِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ فَزالَ هَذا السُّؤالُ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآياتُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ المَجِيءَ والذَّهابَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ لِأنَّ كَلِمَةَ سُبْحانَ لِلتَّنْزِيهِ عَمّا لا يَنْبَغِي، وقَوْلُهُ سُبْحانَ رَبِّي تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ شَيْءٍ لا يَلِيقُ بِهِ أوْ نُسِبَ إلَيْهِ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ولَيْسَ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ شَيْءٌ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ إلّا قَوْلُهم أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنِ الإتْيانِ والمَجِيءِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجِيءُ ويَذْهَبُ، فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ المُتَحَكِّمُونَ في اقْتِراحِ الأشْياءِ ؟ قُلْنا: القَوْمُ لَمْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ، وإنَّما قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا فاطْلُبْ مِنَ اللَّهِ أنْ يُشَرِّفَكَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ فالقَوْمُ تَحَكَّمُوا عَلى الرَّسُولِ وما تَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ فَلا يَلِيقُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ عَلى هَذا المَعْنى فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى قَوْلِهِمْ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنْ يُقالَ: إمّا أنْ يَكُونَ مُرادُكم مِن هَذا الِاقْتِراحِ أنَّكم طَلَبْتُمُ الإتْيانَ مِن عِنْدِ نَفْسِي بِهَذِهِ الأشْياءِ أوْ طَلَبْتُمْ مِنِّي أنْ أطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارَها عَلى يَدَيَّ لِتَدُلَّ عَلى كَوْنِي رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنِّي بَشَرٌ والبَشَرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنِّي قَدْ أتَيْتُكم بِمُعْجِزَةٍ واحِدَةٍ وهي القُرْآنُ والدَّلالَةِ عَلى كَوْنِها مُعْجِزَةً، فَطَلَبُ هَذِهِ المُعْجِزاتِ طَلَبٌ لِما لا حاجَةَ إلَيْهِ ولا ضَرُورَةَ فَكَأنَّ طَلَبَها يَجْرِي مَجْرى التَّعَنُّتِ والتَّحَكُّمِ وأنا عَبْدٌ مَأْمُورٌ لَيْسَ لِي أنْ أتَحَكَّمَ عَلى اللَّهِ فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ جَوابٌ كافٍ في هَذا البابِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ كَوْنَهم عَلى الضَّلالِ في الإلَهِيّاتِ،
صفحة ٥٠
وفِي النُّبُوّاتِ، أمّا في الإلَهِيّاتِ فَيَدُلُّ عَلى ضَلالِهِمْ قَوْلُهُ ”سُبْحانَ رَبِّي“ أيْ: سُبْحانَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ إتْيانٌ ومَجِيءٌ وذَهابٌ وأمّا في النُّبُوّاتِ فَيَدُلُّ عَلى ضَلالِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ.
الإسراء 17:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا وظَهَرَ هَذا المُعْجِزُ عَلى وفْقِ دَعْوى مُحَمَّدٍ ﷺ فَحِينَئِذٍ تَمَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا؛ لِأنّا نَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا ادَّعى النُّبُوَّةَ وظَهَرَ المُعْجِزُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صادِقٌ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا تَواتُرُ المُعْجِزاتِ الكَثِيرَةِ وتَوالِيها لِأنّا لَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لَلَزِمَ أنْ لا يَنْتَهِيَ الأمْرُ فِيهِ إلى مَقْطَعٍ، وكُلَّما أتى الرَّسُولُ بِمُعْجِزٍ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ مُعْجِزًا آخَرَ ولا يَنْتَهِي الأمْرُ فِيهِ إلى حَدٍّ يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ عِنادُ المُعانِدِينَ وتَغَلُّبُ الجاهِلِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ ظَهَرَ كَوْنُ القُرْآنِ مُعْجِزًا التَمَسُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ سِتَّةَ أنْواعٍ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ كَما حُكِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ أرْسَلُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ وهم جُلُوسٌ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَأتاهم فَقالُوا يا مُحَمَّدُ إنَّ أرْضَ مَكَّةَ ضَيِّقَةٌ فَسَيِّرْ جِبالَها لِنَنْتَفِعَ فِيها، وفَجِّرْ لَنا فِيها يَنْبُوعًا أيْ: نَهْرًا وعُيُونًا نَزْرَعُ فِيها، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: أوْ يَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرُ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: أوْ يَكُونُ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أيْ: مِن ذَهَبٍ فَيُغْنِيكَ عَنّا، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أما تَسْتَطِيعُ أنْ تَأْتِيَ قَوْمَكَ بِما يَسْألُونَكَ، فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ، قالُوا: فَإذا كُنْتَ لا تَسْتَطِيعُ الخَيْرَ فاسْتَطِعِ الشَّرَّ فَأسْقِطِ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أيْ: قِطَعًا بِالعَذابِ، - وقَوْلُهُ: كَما زَعَمْتَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ١)، ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (الِانْفِطارِ: ١) - فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وأُمُّهُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،: لا والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا أُومِنُ بِكَ حَتّى تَشُدَّ سُلَّمًا فَتَصْعَدَ فِيهِ ونَحْنُ نَنْظُرُ إلَيْكَ فَتَأْتِي بِأرْبَعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ
صفحة ٤٨
بِالرِّسالَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا أدْرِي أنُؤْمِنُ بِكَ أمْ لا» ! “ فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ كَما رَواها ابْنُ عَبّاسٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْواعًا مِنَ المُعْجِزاتِ:
أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَفْجُرَ“ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الفاءِ وضَمِّ الجِيمِ مُخَفَّفَةً، واخْتارَهُ أبُو حاتِمٍ، قالَ: لِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في الثّانِيَةِ مُشَدِّدَةً لِأجْلِ الأنْهارِ، لِأنَّها جَمْعٌ، يُقالُ فَجَّرْتُ الماءَ فَجْرًا وفَجَّرْتُهُ تَفْجِيرًا، فَمَن ثَقَّلَ أرادَ بِهِ كَثْرَةَ الأشْجارِ مِنَ اليَنْبُوعِ وهو وإنْ كانَ واحِدًا فَلِكَثْرَةِ الِانْفِجارِ فِيهِ يَحْسُنُ أنْ يُثَقَّلَ كَما تَقُولُ ضَرْبَ زَيْدٌ إذا كَثُرَ الضَّرْبُ مِنهُ فَيَكْثُرُ فِعْلُهُ، وإنْ كانَ الفاعِلُ واحِدًا، ومَن خَفَّفَ فَلِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ، وقَوْلُهُ يَنْبُوعًا، يَعْنِي: عَيْنًا يَنْبُعُ الماءُ مِنهُ، تَقُولُ نَبَعَ الماءُ يَنْبُعُ نَبْعًا ونُبُوعًا ونَبْعًا، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، قالَ القَوْمُ: أزِلْ عَنّا جِبالَ مَكَّةَ، وفَجِّرْ لَنا اليَنْبُوعَ لِيَسْهُلَ عَلَيْنا أمْرُ الزِّراعَةِ والحِراثَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهم قالُوا هَبْ أنَّكَ لا تُفَجِّرُ هَذِهِ الأنْهارَ لِأجْلِنا فَفَجِّرْها مِن أجْلِكَ.
وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”كِسَفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ هَهُنا وفي سائِرِ القُرْآنِ بِسُكُونِها، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هَهُنا، وفي الرُّومِ بِفَتْحِ السِّينِ، وفي باقِي القُرْآنِ بِسُكُونِها؛ وقَرَأ حَفْصٌ في سائِرِ القُرْآنِ بِالفَتْحِ إلّا في الرُّومِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ في الرُّومِ بِفَتْحِ السِّينِ، وفي سائِرِ القُرْآنِ بِسُكُونِ السِّينِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كِسَفًا، فِيهِ وجْهانِ مِنَ القِراءَةِ: سُكُونُ السِّينِ، وفَتْحُها، قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ كَسَفْتُ الثَّوْبَ أكْسِفُهُ كَسْفًا إذا قَطَعْتَهُ قَطْعًا، وقالَ اللَّيْثُ: الكَسْفُ: قَطْعُ العُرْقُوبِ، والكِسْفَةُ: القِطْعَةُ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِبَزّازٍ: أعْطِنِي كِسْفَةً: يُرِيدُ قِطْعَةً، فَمَن قَرَأ بِسُكُونِ السِّينِ احْتَمَلَ قَوْلُهُ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ كِسْفَةٍ مِثَلَ: دِمْنَةٍ ودِمْنٍ وسِدْرَةٍ وسِدْرٍ.
وثانِيها: قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا كانَ المَصْدَرُ الكِسْفَ، فالكِسْفُ الشَّيْءُ المَقْطُوعُ كَما تَقُولُ في الطَّحْنِ والطَّبْخِ السَّقْيَ، ويُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ (الطَّوْرِ: ٤٤) .
وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: كِسْفًا كَأنَّهُ قالَ أوْ يُسْقِطُها طَبْقًا عَلَيْنا واشْتِقاقُهُ مِن كَسَفْتُ الشَّيْءَ إذا غَطَّيْتَهُ، وأمّا فَتْحُ السِّينِ فَهو جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلَ قِطْعَةٍ وقِطَعٍ وسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا كَأنَّهُ قِيلَ أوْ تُسْقِطُ السَّماءَ عَلَيْنا مُقَطَّعَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ عِكْرِمَةُ: كَما زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنَّكَ نَبِيٌّ فَأسْقِطِ السَّماءَ عَلَيْنا.
والثّانِي: قالَ آخَرُونَ كَما زَعَمْتَ أنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ.
الثّالِثُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ (الإسْراءِ: ٦٨) فَقِيلَ اجْعَلِ السَّماءَ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً كالحاصِبِ وأسْقِطْها عَلَيْنا.
ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ وفي لَفْظِ القَبِيلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: القَبِيلُ بِمَعْنى المُقابِلِ كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ، وهَذا القَوْلُ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ (الأنْعامِ: ١١١) .
والقَوْلُ الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ. قالَ اللَّيْثُ: وكُلُّ جُنْدٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ قَبِيلٌ وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧] .
القَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهُ قَبِيلًا مَعْناهُ هَهُنا ضامِنًا وكَفِيلًا، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ قَبِلْتُ بِهِ أقْبَلُ كَقَوْلِكَ كَفَلْتُ بِهِ أكْفُلُ، وعَلى
صفحة ٤٩
هَذا القَوْلِ فَهو واحِدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النِّساءِ: ٦٩) .
والقَوْلُ الرّابِعُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ المُعايَنَةُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ (الفُرْقانِ: ٢١) .
وخامِسُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كُنّا لا نَدْرِي ما الزُّخْرُفُ حَتّى رَأيْتُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ) قالَ الزَّجّاجُ: الزُّخْرُفُ الزِّينَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ (يُونُسَ: ٢٤) أيْ أخَذَتْ كَمالَ زِينَتِها؛ ولا شَيْءَ في تَحْسِينِ البَيْتِ وتَزْيِينِهِ كالذَّهَبِ.
وسادِسُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ رَقَيْتُ وأنا أرْقى رُقًى ورُقِيًّا وأنْشَدَ:
أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رُقى الدَّرَجْ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
وقَوْلُهُ في السَّماءِ أيْ في مَعارِجِ السَّماءِ فَحَذَفَ المُضافَ، يُقالُ رَقى المُسْلِمُ ورُقِيِّ الدَّرَجَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ أيْ لَنْ نُؤْمِنَ لِأجْلِ رُقِيِّكَ: ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ فِيهِ تَصْدِيقُكَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ﴾ حَتّى تَضَعَ عَلى السَّماءِ سُلَّمًا ثُمَّ تَرْقى فِيهِ وأنا أنْظُرُ حَتّى تَأْتِيَها ثُمَّ تَأْتِي مَعَكَ بِصَكٍّ مَنشُورٍ مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
المَبْحَثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى مِن قَوْلِ الكُفّارِ قَوْلَهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ وكُلُّ ذَلِكَ كَلامُ القَوْمِ، وإنّا لا نَجِدُ بَيْنَ تِلْكَ الكَلِماتِ وبَيْنَ سائِرِ آياتِ القُرْآنِ تَفاوُتًا في النَّظْمِ، فَصَحَّ بِهَذا صِحَّةَ ما قالَهُ الكُفّارُ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، والجَوابُ: أنَّ هَذا القُرْآنَ قَلِيلٌ لا يَظْهَرُ فِيهِ التَّفاوُتُ بَيْنَ مَراتِبِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ فَزالَ هَذا السُّؤالُ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآياتُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ المَجِيءَ والذَّهابَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ لِأنَّ كَلِمَةَ سُبْحانَ لِلتَّنْزِيهِ عَمّا لا يَنْبَغِي، وقَوْلُهُ سُبْحانَ رَبِّي تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ شَيْءٍ لا يَلِيقُ بِهِ أوْ نُسِبَ إلَيْهِ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ولَيْسَ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ شَيْءٌ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ إلّا قَوْلُهم أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنِ الإتْيانِ والمَجِيءِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجِيءُ ويَذْهَبُ، فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ المُتَحَكِّمُونَ في اقْتِراحِ الأشْياءِ ؟ قُلْنا: القَوْمُ لَمْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ، وإنَّما قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا فاطْلُبْ مِنَ اللَّهِ أنْ يُشَرِّفَكَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ فالقَوْمُ تَحَكَّمُوا عَلى الرَّسُولِ وما تَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ فَلا يَلِيقُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ عَلى هَذا المَعْنى فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى قَوْلِهِمْ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنْ يُقالَ: إمّا أنْ يَكُونَ مُرادُكم مِن هَذا الِاقْتِراحِ أنَّكم طَلَبْتُمُ الإتْيانَ مِن عِنْدِ نَفْسِي بِهَذِهِ الأشْياءِ أوْ طَلَبْتُمْ مِنِّي أنْ أطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارَها عَلى يَدَيَّ لِتَدُلَّ عَلى كَوْنِي رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنِّي بَشَرٌ والبَشَرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنِّي قَدْ أتَيْتُكم بِمُعْجِزَةٍ واحِدَةٍ وهي القُرْآنُ والدَّلالَةِ عَلى كَوْنِها مُعْجِزَةً، فَطَلَبُ هَذِهِ المُعْجِزاتِ طَلَبٌ لِما لا حاجَةَ إلَيْهِ ولا ضَرُورَةَ فَكَأنَّ طَلَبَها يَجْرِي مَجْرى التَّعَنُّتِ والتَّحَكُّمِ وأنا عَبْدٌ مَأْمُورٌ لَيْسَ لِي أنْ أتَحَكَّمَ عَلى اللَّهِ فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ جَوابٌ كافٍ في هَذا البابِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ كَوْنَهم عَلى الضَّلالِ في الإلَهِيّاتِ،
صفحة ٥٠
وفِي النُّبُوّاتِ، أمّا في الإلَهِيّاتِ فَيَدُلُّ عَلى ضَلالِهِمْ قَوْلُهُ ”سُبْحانَ رَبِّي“ أيْ: سُبْحانَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ إتْيانٌ ومَجِيءٌ وذَهابٌ وأمّا في النُّبُوّاتِ فَيَدُلُّ عَلى ضَلالِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ.
الإسراء 17:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا وظَهَرَ هَذا المُعْجِزُ عَلى وفْقِ دَعْوى مُحَمَّدٍ ﷺ فَحِينَئِذٍ تَمَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا؛ لِأنّا نَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا ادَّعى النُّبُوَّةَ وظَهَرَ المُعْجِزُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صادِقٌ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا تَواتُرُ المُعْجِزاتِ الكَثِيرَةِ وتَوالِيها لِأنّا لَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لَلَزِمَ أنْ لا يَنْتَهِيَ الأمْرُ فِيهِ إلى مَقْطَعٍ، وكُلَّما أتى الرَّسُولُ بِمُعْجِزٍ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ مُعْجِزًا آخَرَ ولا يَنْتَهِي الأمْرُ فِيهِ إلى حَدٍّ يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ عِنادُ المُعانِدِينَ وتَغَلُّبُ الجاهِلِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ ظَهَرَ كَوْنُ القُرْآنِ مُعْجِزًا التَمَسُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ سِتَّةَ أنْواعٍ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ كَما حُكِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ أرْسَلُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ وهم جُلُوسٌ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَأتاهم فَقالُوا يا مُحَمَّدُ إنَّ أرْضَ مَكَّةَ ضَيِّقَةٌ فَسَيِّرْ جِبالَها لِنَنْتَفِعَ فِيها، وفَجِّرْ لَنا فِيها يَنْبُوعًا أيْ: نَهْرًا وعُيُونًا نَزْرَعُ فِيها، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: أوْ يَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرُ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: أوْ يَكُونُ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أيْ: مِن ذَهَبٍ فَيُغْنِيكَ عَنّا، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أما تَسْتَطِيعُ أنْ تَأْتِيَ قَوْمَكَ بِما يَسْألُونَكَ، فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ، قالُوا: فَإذا كُنْتَ لا تَسْتَطِيعُ الخَيْرَ فاسْتَطِعِ الشَّرَّ فَأسْقِطِ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أيْ: قِطَعًا بِالعَذابِ، - وقَوْلُهُ: كَما زَعَمْتَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ١)، ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (الِانْفِطارِ: ١) - فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وأُمُّهُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،: لا والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا أُومِنُ بِكَ حَتّى تَشُدَّ سُلَّمًا فَتَصْعَدَ فِيهِ ونَحْنُ نَنْظُرُ إلَيْكَ فَتَأْتِي بِأرْبَعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ
صفحة ٤٨
بِالرِّسالَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا أدْرِي أنُؤْمِنُ بِكَ أمْ لا» ! “ فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ كَما رَواها ابْنُ عَبّاسٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْواعًا مِنَ المُعْجِزاتِ:
أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَفْجُرَ“ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الفاءِ وضَمِّ الجِيمِ مُخَفَّفَةً، واخْتارَهُ أبُو حاتِمٍ، قالَ: لِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في الثّانِيَةِ مُشَدِّدَةً لِأجْلِ الأنْهارِ، لِأنَّها جَمْعٌ، يُقالُ فَجَّرْتُ الماءَ فَجْرًا وفَجَّرْتُهُ تَفْجِيرًا، فَمَن ثَقَّلَ أرادَ بِهِ كَثْرَةَ الأشْجارِ مِنَ اليَنْبُوعِ وهو وإنْ كانَ واحِدًا فَلِكَثْرَةِ الِانْفِجارِ فِيهِ يَحْسُنُ أنْ يُثَقَّلَ كَما تَقُولُ ضَرْبَ زَيْدٌ إذا كَثُرَ الضَّرْبُ مِنهُ فَيَكْثُرُ فِعْلُهُ، وإنْ كانَ الفاعِلُ واحِدًا، ومَن خَفَّفَ فَلِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ، وقَوْلُهُ يَنْبُوعًا، يَعْنِي: عَيْنًا يَنْبُعُ الماءُ مِنهُ، تَقُولُ نَبَعَ الماءُ يَنْبُعُ نَبْعًا ونُبُوعًا ونَبْعًا، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، قالَ القَوْمُ: أزِلْ عَنّا جِبالَ مَكَّةَ، وفَجِّرْ لَنا اليَنْبُوعَ لِيَسْهُلَ عَلَيْنا أمْرُ الزِّراعَةِ والحِراثَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهم قالُوا هَبْ أنَّكَ لا تُفَجِّرُ هَذِهِ الأنْهارَ لِأجْلِنا فَفَجِّرْها مِن أجْلِكَ.
وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”كِسَفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ هَهُنا وفي سائِرِ القُرْآنِ بِسُكُونِها، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هَهُنا، وفي الرُّومِ بِفَتْحِ السِّينِ، وفي باقِي القُرْآنِ بِسُكُونِها؛ وقَرَأ حَفْصٌ في سائِرِ القُرْآنِ بِالفَتْحِ إلّا في الرُّومِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ في الرُّومِ بِفَتْحِ السِّينِ، وفي سائِرِ القُرْآنِ بِسُكُونِ السِّينِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كِسَفًا، فِيهِ وجْهانِ مِنَ القِراءَةِ: سُكُونُ السِّينِ، وفَتْحُها، قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ كَسَفْتُ الثَّوْبَ أكْسِفُهُ كَسْفًا إذا قَطَعْتَهُ قَطْعًا، وقالَ اللَّيْثُ: الكَسْفُ: قَطْعُ العُرْقُوبِ، والكِسْفَةُ: القِطْعَةُ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِبَزّازٍ: أعْطِنِي كِسْفَةً: يُرِيدُ قِطْعَةً، فَمَن قَرَأ بِسُكُونِ السِّينِ احْتَمَلَ قَوْلُهُ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ كِسْفَةٍ مِثَلَ: دِمْنَةٍ ودِمْنٍ وسِدْرَةٍ وسِدْرٍ.
وثانِيها: قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا كانَ المَصْدَرُ الكِسْفَ، فالكِسْفُ الشَّيْءُ المَقْطُوعُ كَما تَقُولُ في الطَّحْنِ والطَّبْخِ السَّقْيَ، ويُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ (الطَّوْرِ: ٤٤) .
وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: كِسْفًا كَأنَّهُ قالَ أوْ يُسْقِطُها طَبْقًا عَلَيْنا واشْتِقاقُهُ مِن كَسَفْتُ الشَّيْءَ إذا غَطَّيْتَهُ، وأمّا فَتْحُ السِّينِ فَهو جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلَ قِطْعَةٍ وقِطَعٍ وسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا كَأنَّهُ قِيلَ أوْ تُسْقِطُ السَّماءَ عَلَيْنا مُقَطَّعَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ عِكْرِمَةُ: كَما زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنَّكَ نَبِيٌّ فَأسْقِطِ السَّماءَ عَلَيْنا.
والثّانِي: قالَ آخَرُونَ كَما زَعَمْتَ أنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ.
الثّالِثُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ (الإسْراءِ: ٦٨) فَقِيلَ اجْعَلِ السَّماءَ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً كالحاصِبِ وأسْقِطْها عَلَيْنا.
ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ وفي لَفْظِ القَبِيلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: القَبِيلُ بِمَعْنى المُقابِلِ كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ، وهَذا القَوْلُ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ (الأنْعامِ: ١١١) .
والقَوْلُ الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ. قالَ اللَّيْثُ: وكُلُّ جُنْدٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ قَبِيلٌ وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧] .
القَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهُ قَبِيلًا مَعْناهُ هَهُنا ضامِنًا وكَفِيلًا، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ قَبِلْتُ بِهِ أقْبَلُ كَقَوْلِكَ كَفَلْتُ بِهِ أكْفُلُ، وعَلى
صفحة ٤٩
هَذا القَوْلِ فَهو واحِدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النِّساءِ: ٦٩) .
والقَوْلُ الرّابِعُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ المُعايَنَةُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ (الفُرْقانِ: ٢١) .
وخامِسُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كُنّا لا نَدْرِي ما الزُّخْرُفُ حَتّى رَأيْتُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ) قالَ الزَّجّاجُ: الزُّخْرُفُ الزِّينَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ (يُونُسَ: ٢٤) أيْ أخَذَتْ كَمالَ زِينَتِها؛ ولا شَيْءَ في تَحْسِينِ البَيْتِ وتَزْيِينِهِ كالذَّهَبِ.
وسادِسُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ رَقَيْتُ وأنا أرْقى رُقًى ورُقِيًّا وأنْشَدَ:
أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رُقى الدَّرَجْ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
وقَوْلُهُ في السَّماءِ أيْ في مَعارِجِ السَّماءِ فَحَذَفَ المُضافَ، يُقالُ رَقى المُسْلِمُ ورُقِيِّ الدَّرَجَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ أيْ لَنْ نُؤْمِنَ لِأجْلِ رُقِيِّكَ: ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ فِيهِ تَصْدِيقُكَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ﴾ حَتّى تَضَعَ عَلى السَّماءِ سُلَّمًا ثُمَّ تَرْقى فِيهِ وأنا أنْظُرُ حَتّى تَأْتِيَها ثُمَّ تَأْتِي مَعَكَ بِصَكٍّ مَنشُورٍ مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
المَبْحَثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى مِن قَوْلِ الكُفّارِ قَوْلَهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ وكُلُّ ذَلِكَ كَلامُ القَوْمِ، وإنّا لا نَجِدُ بَيْنَ تِلْكَ الكَلِماتِ وبَيْنَ سائِرِ آياتِ القُرْآنِ تَفاوُتًا في النَّظْمِ، فَصَحَّ بِهَذا صِحَّةَ ما قالَهُ الكُفّارُ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، والجَوابُ: أنَّ هَذا القُرْآنَ قَلِيلٌ لا يَظْهَرُ فِيهِ التَّفاوُتُ بَيْنَ مَراتِبِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ فَزالَ هَذا السُّؤالُ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآياتُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ المَجِيءَ والذَّهابَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ لِأنَّ كَلِمَةَ سُبْحانَ لِلتَّنْزِيهِ عَمّا لا يَنْبَغِي، وقَوْلُهُ سُبْحانَ رَبِّي تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ شَيْءٍ لا يَلِيقُ بِهِ أوْ نُسِبَ إلَيْهِ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ولَيْسَ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ شَيْءٌ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ إلّا قَوْلُهم أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنِ الإتْيانِ والمَجِيءِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجِيءُ ويَذْهَبُ، فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ المُتَحَكِّمُونَ في اقْتِراحِ الأشْياءِ ؟ قُلْنا: القَوْمُ لَمْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ، وإنَّما قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا فاطْلُبْ مِنَ اللَّهِ أنْ يُشَرِّفَكَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ فالقَوْمُ تَحَكَّمُوا عَلى الرَّسُولِ وما تَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ فَلا يَلِيقُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ عَلى هَذا المَعْنى فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى قَوْلِهِمْ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنْ يُقالَ: إمّا أنْ يَكُونَ مُرادُكم مِن هَذا الِاقْتِراحِ أنَّكم طَلَبْتُمُ الإتْيانَ مِن عِنْدِ نَفْسِي بِهَذِهِ الأشْياءِ أوْ طَلَبْتُمْ مِنِّي أنْ أطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارَها عَلى يَدَيَّ لِتَدُلَّ عَلى كَوْنِي رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنِّي بَشَرٌ والبَشَرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنِّي قَدْ أتَيْتُكم بِمُعْجِزَةٍ واحِدَةٍ وهي القُرْآنُ والدَّلالَةِ عَلى كَوْنِها مُعْجِزَةً، فَطَلَبُ هَذِهِ المُعْجِزاتِ طَلَبٌ لِما لا حاجَةَ إلَيْهِ ولا ضَرُورَةَ فَكَأنَّ طَلَبَها يَجْرِي مَجْرى التَّعَنُّتِ والتَّحَكُّمِ وأنا عَبْدٌ مَأْمُورٌ لَيْسَ لِي أنْ أتَحَكَّمَ عَلى اللَّهِ فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ جَوابٌ كافٍ في هَذا البابِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ كَوْنَهم عَلى الضَّلالِ في الإلَهِيّاتِ،
صفحة ٥٠
وفِي النُّبُوّاتِ، أمّا في الإلَهِيّاتِ فَيَدُلُّ عَلى ضَلالِهِمْ قَوْلُهُ ”سُبْحانَ رَبِّي“ أيْ: سُبْحانَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ إتْيانٌ ومَجِيءٌ وذَهابٌ وأمّا في النُّبُوّاتِ فَيَدُلُّ عَلى ضَلالِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ.
الإسراء 17:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا وظَهَرَ هَذا المُعْجِزُ عَلى وفْقِ دَعْوى مُحَمَّدٍ ﷺ فَحِينَئِذٍ تَمَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا؛ لِأنّا نَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا ادَّعى النُّبُوَّةَ وظَهَرَ المُعْجِزُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صادِقٌ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا تَواتُرُ المُعْجِزاتِ الكَثِيرَةِ وتَوالِيها لِأنّا لَوْ فَتَحْنا هَذا البابَ لَلَزِمَ أنْ لا يَنْتَهِيَ الأمْرُ فِيهِ إلى مَقْطَعٍ، وكُلَّما أتى الرَّسُولُ بِمُعْجِزٍ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ مُعْجِزًا آخَرَ ولا يَنْتَهِي الأمْرُ فِيهِ إلى حَدٍّ يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ عِنادُ المُعانِدِينَ وتَغَلُّبُ الجاهِلِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ ظَهَرَ كَوْنُ القُرْآنِ مُعْجِزًا التَمَسُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ سِتَّةَ أنْواعٍ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ كَما حُكِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ أرْسَلُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ وهم جُلُوسٌ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَأتاهم فَقالُوا يا مُحَمَّدُ إنَّ أرْضَ مَكَّةَ ضَيِّقَةٌ فَسَيِّرْ جِبالَها لِنَنْتَفِعَ فِيها، وفَجِّرْ لَنا فِيها يَنْبُوعًا أيْ: نَهْرًا وعُيُونًا نَزْرَعُ فِيها، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: أوْ يَكُونُ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرُ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: أوْ يَكُونُ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أيْ: مِن ذَهَبٍ فَيُغْنِيكَ عَنّا، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أما تَسْتَطِيعُ أنْ تَأْتِيَ قَوْمَكَ بِما يَسْألُونَكَ، فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ، قالُوا: فَإذا كُنْتَ لا تَسْتَطِيعُ الخَيْرَ فاسْتَطِعِ الشَّرَّ فَأسْقِطِ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أيْ: قِطَعًا بِالعَذابِ، - وقَوْلُهُ: كَما زَعَمْتَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ١)، ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (الِانْفِطارِ: ١) - فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وأُمُّهُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،: لا والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا أُومِنُ بِكَ حَتّى تَشُدَّ سُلَّمًا فَتَصْعَدَ فِيهِ ونَحْنُ نَنْظُرُ إلَيْكَ فَتَأْتِي بِأرْبَعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ
صفحة ٤٨
بِالرِّسالَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا أدْرِي أنُؤْمِنُ بِكَ أمْ لا» ! “ فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ كَما رَواها ابْنُ عَبّاسٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْواعًا مِنَ المُعْجِزاتِ:
أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَفْجُرَ“ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الفاءِ وضَمِّ الجِيمِ مُخَفَّفَةً، واخْتارَهُ أبُو حاتِمٍ، قالَ: لِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في الثّانِيَةِ مُشَدِّدَةً لِأجْلِ الأنْهارِ، لِأنَّها جَمْعٌ، يُقالُ فَجَّرْتُ الماءَ فَجْرًا وفَجَّرْتُهُ تَفْجِيرًا، فَمَن ثَقَّلَ أرادَ بِهِ كَثْرَةَ الأشْجارِ مِنَ اليَنْبُوعِ وهو وإنْ كانَ واحِدًا فَلِكَثْرَةِ الِانْفِجارِ فِيهِ يَحْسُنُ أنْ يُثَقَّلَ كَما تَقُولُ ضَرْبَ زَيْدٌ إذا كَثُرَ الضَّرْبُ مِنهُ فَيَكْثُرُ فِعْلُهُ، وإنْ كانَ الفاعِلُ واحِدًا، ومَن خَفَّفَ فَلِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ، وقَوْلُهُ يَنْبُوعًا، يَعْنِي: عَيْنًا يَنْبُعُ الماءُ مِنهُ، تَقُولُ نَبَعَ الماءُ يَنْبُعُ نَبْعًا ونُبُوعًا ونَبْعًا، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، قالَ القَوْمُ: أزِلْ عَنّا جِبالَ مَكَّةَ، وفَجِّرْ لَنا اليَنْبُوعَ لِيَسْهُلَ عَلَيْنا أمْرُ الزِّراعَةِ والحِراثَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهم قالُوا هَبْ أنَّكَ لا تُفَجِّرُ هَذِهِ الأنْهارَ لِأجْلِنا فَفَجِّرْها مِن أجْلِكَ.
وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”كِسَفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ هَهُنا وفي سائِرِ القُرْآنِ بِسُكُونِها، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هَهُنا، وفي الرُّومِ بِفَتْحِ السِّينِ، وفي باقِي القُرْآنِ بِسُكُونِها؛ وقَرَأ حَفْصٌ في سائِرِ القُرْآنِ بِالفَتْحِ إلّا في الرُّومِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ في الرُّومِ بِفَتْحِ السِّينِ، وفي سائِرِ القُرْآنِ بِسُكُونِ السِّينِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كِسَفًا، فِيهِ وجْهانِ مِنَ القِراءَةِ: سُكُونُ السِّينِ، وفَتْحُها، قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ كَسَفْتُ الثَّوْبَ أكْسِفُهُ كَسْفًا إذا قَطَعْتَهُ قَطْعًا، وقالَ اللَّيْثُ: الكَسْفُ: قَطْعُ العُرْقُوبِ، والكِسْفَةُ: القِطْعَةُ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِبَزّازٍ: أعْطِنِي كِسْفَةً: يُرِيدُ قِطْعَةً، فَمَن قَرَأ بِسُكُونِ السِّينِ احْتَمَلَ قَوْلُهُ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ كِسْفَةٍ مِثَلَ: دِمْنَةٍ ودِمْنٍ وسِدْرَةٍ وسِدْرٍ.
وثانِيها: قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا كانَ المَصْدَرُ الكِسْفَ، فالكِسْفُ الشَّيْءُ المَقْطُوعُ كَما تَقُولُ في الطَّحْنِ والطَّبْخِ السَّقْيَ، ويُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ (الطَّوْرِ: ٤٤) .
وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: كِسْفًا كَأنَّهُ قالَ أوْ يُسْقِطُها طَبْقًا عَلَيْنا واشْتِقاقُهُ مِن كَسَفْتُ الشَّيْءَ إذا غَطَّيْتَهُ، وأمّا فَتْحُ السِّينِ فَهو جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلَ قِطْعَةٍ وقِطَعٍ وسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا كَأنَّهُ قِيلَ أوْ تُسْقِطُ السَّماءَ عَلَيْنا مُقَطَّعَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ عِكْرِمَةُ: كَما زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنَّكَ نَبِيٌّ فَأسْقِطِ السَّماءَ عَلَيْنا.
والثّانِي: قالَ آخَرُونَ كَما زَعَمْتَ أنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ.
الثّالِثُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ (الإسْراءِ: ٦٨) فَقِيلَ اجْعَلِ السَّماءَ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً كالحاصِبِ وأسْقِطْها عَلَيْنا.
ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ وفي لَفْظِ القَبِيلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: القَبِيلُ بِمَعْنى المُقابِلِ كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ، وهَذا القَوْلُ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ (الأنْعامِ: ١١١) .
والقَوْلُ الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ. قالَ اللَّيْثُ: وكُلُّ جُنْدٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ قَبِيلٌ وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧] .
القَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهُ قَبِيلًا مَعْناهُ هَهُنا ضامِنًا وكَفِيلًا، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ قَبِلْتُ بِهِ أقْبَلُ كَقَوْلِكَ كَفَلْتُ بِهِ أكْفُلُ، وعَلى
صفحة ٤٩
هَذا القَوْلِ فَهو واحِدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النِّساءِ: ٦٩) .
والقَوْلُ الرّابِعُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ المُعايَنَةُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ (الفُرْقانِ: ٢١) .
وخامِسُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كُنّا لا نَدْرِي ما الزُّخْرُفُ حَتّى رَأيْتُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ) قالَ الزَّجّاجُ: الزُّخْرُفُ الزِّينَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ (يُونُسَ: ٢٤) أيْ أخَذَتْ كَمالَ زِينَتِها؛ ولا شَيْءَ في تَحْسِينِ البَيْتِ وتَزْيِينِهِ كالذَّهَبِ.
وسادِسُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ رَقَيْتُ وأنا أرْقى رُقًى ورُقِيًّا وأنْشَدَ:
أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رُقى الدَّرَجْ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
وقَوْلُهُ في السَّماءِ أيْ في مَعارِجِ السَّماءِ فَحَذَفَ المُضافَ، يُقالُ رَقى المُسْلِمُ ورُقِيِّ الدَّرَجَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ أيْ لَنْ نُؤْمِنَ لِأجْلِ رُقِيِّكَ: ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ فِيهِ تَصْدِيقُكَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ﴾ حَتّى تَضَعَ عَلى السَّماءِ سُلَّمًا ثُمَّ تَرْقى فِيهِ وأنا أنْظُرُ حَتّى تَأْتِيَها ثُمَّ تَأْتِي مَعَكَ بِصَكٍّ مَنشُورٍ مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ اقْتِراحَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
المَبْحَثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى مِن قَوْلِ الكُفّارِ قَوْلَهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ وكُلُّ ذَلِكَ كَلامُ القَوْمِ، وإنّا لا نَجِدُ بَيْنَ تِلْكَ الكَلِماتِ وبَيْنَ سائِرِ آياتِ القُرْآنِ تَفاوُتًا في النَّظْمِ، فَصَحَّ بِهَذا صِحَّةَ ما قالَهُ الكُفّارُ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، والجَوابُ: أنَّ هَذا القُرْآنَ قَلِيلٌ لا يَظْهَرُ فِيهِ التَّفاوُتُ بَيْنَ مَراتِبِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ فَزالَ هَذا السُّؤالُ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآياتُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ المَجِيءَ والذَّهابَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ لِأنَّ كَلِمَةَ سُبْحانَ لِلتَّنْزِيهِ عَمّا لا يَنْبَغِي، وقَوْلُهُ سُبْحانَ رَبِّي تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ شَيْءٍ لا يَلِيقُ بِهِ أوْ نُسِبَ إلَيْهِ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ولَيْسَ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ شَيْءٌ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ إلّا قَوْلُهم أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنِ الإتْيانِ والمَجِيءِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجِيءُ ويَذْهَبُ، فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ المُتَحَكِّمُونَ في اقْتِراحِ الأشْياءِ ؟ قُلْنا: القَوْمُ لَمْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ، وإنَّما قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا فاطْلُبْ مِنَ اللَّهِ أنْ يُشَرِّفَكَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ فالقَوْمُ تَحَكَّمُوا عَلى الرَّسُولِ وما تَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ فَلا يَلِيقُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ عَلى هَذا المَعْنى فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى قَوْلِهِمْ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنْ يُقالَ: إمّا أنْ يَكُونَ مُرادُكم مِن هَذا الِاقْتِراحِ أنَّكم طَلَبْتُمُ الإتْيانَ مِن عِنْدِ نَفْسِي بِهَذِهِ الأشْياءِ أوْ طَلَبْتُمْ مِنِّي أنْ أطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارَها عَلى يَدَيَّ لِتَدُلَّ عَلى كَوْنِي رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنِّي بَشَرٌ والبَشَرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنِّي قَدْ أتَيْتُكم بِمُعْجِزَةٍ واحِدَةٍ وهي القُرْآنُ والدَّلالَةِ عَلى كَوْنِها مُعْجِزَةً، فَطَلَبُ هَذِهِ المُعْجِزاتِ طَلَبٌ لِما لا حاجَةَ إلَيْهِ ولا ضَرُورَةَ فَكَأنَّ طَلَبَها يَجْرِي مَجْرى التَّعَنُّتِ والتَّحَكُّمِ وأنا عَبْدٌ مَأْمُورٌ لَيْسَ لِي أنْ أتَحَكَّمَ عَلى اللَّهِ فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ جَوابٌ كافٍ في هَذا البابِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ كَوْنَهم عَلى الضَّلالِ في الإلَهِيّاتِ،
صفحة ٥٠
وفِي النُّبُوّاتِ، أمّا في الإلَهِيّاتِ فَيَدُلُّ عَلى ضَلالِهِمْ قَوْلُهُ ”سُبْحانَ رَبِّي“ أيْ: سُبْحانَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ إتْيانٌ ومَجِيءٌ وذَهابٌ وأمّا في النُّبُوّاتِ فَيَدُلُّ عَلى ضَلالِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ.
الإسراء 17:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبْهَةَ القَوْمِ في اقْتِراحِ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةِ وأجابَ عَنْها حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْقِ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ بَلِ اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أرْسَلَ رَسُولًا إلى الخَلْقِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مَلَكًا رَسُولًا إلى الخَلْقِ، فالخَلْقُ إنَّما يُؤْمِنُونَ بِكَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِأجْلِ قِيامِ المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى صِدْقِهِ وذَلِكَ المُعْجِزُ هو الَّذِي يَهْدِيهِمْ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ المَلَكِ في ادِّعاءِ رِسالَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ هو المُعْجِزُ فَقَطْ فَهَذا المُعْجِزُ سَواءٌ ظَهَرَ عَلى يَدِ المَلَكِ أوْ عَلى يَدِ البَشَرِ وجَبَ الإقْرارُ بِرِسالَتِهِ فَثَبَتَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم بِأنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ تَحَكُّمًا فاسِدًا وتَعَنُّتًا باطِلًا.
الوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الأجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ هو أنَّ أهْلَ الأرْضِ لَوْ كانُوا مَلائِكَةً لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُهم مِنَ المَلائِكَةِ لَأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمِيلُ أمّا لَوْ كانَ أهْلُ الأرْضِ مِنَ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُهم مِنَ البَشَرِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ .
الوَجْهُ الثّالِثُ: مِنَ الأجْوِبَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أظْهَرَ المُعْجِزَةَ عَلى وفْقِ دَعْوايَ كانَ ذَلِكَ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كَوْنِي صادِقًا ومَن شَهِدَ اللَّهُ عَلى صِدْقِهِ فَهو صادِقٌ فَبَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ بِأنَّ الرَّسُولَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا إنْسانًا تَحَكُّمٌ فاسِدٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأجْوِبَةَ الثَّلاثَةَ أرْدَفَها بِما يَجْرِي مَجْرى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يَعْنِي يَعْلَمُ ظَواهِرَهم وبَواطِنَهم ويَعْلَمُ مِن قُلُوبِهِمْ أنَّهم لا يَذْكُرُونَ هَذِهِ الشُّبَهاتِ إلّا لِمَحْضِ الحَسَدِ وحُبِّ الرِّياسَةِ والِاسْتِنْكافِ مِنَ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ.
الإسراء 17:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبْهَةَ القَوْمِ في اقْتِراحِ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةِ وأجابَ عَنْها حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْقِ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ بَلِ اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أرْسَلَ رَسُولًا إلى الخَلْقِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مَلَكًا رَسُولًا إلى الخَلْقِ، فالخَلْقُ إنَّما يُؤْمِنُونَ بِكَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِأجْلِ قِيامِ المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى صِدْقِهِ وذَلِكَ المُعْجِزُ هو الَّذِي يَهْدِيهِمْ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ المَلَكِ في ادِّعاءِ رِسالَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ هو المُعْجِزُ فَقَطْ فَهَذا المُعْجِزُ سَواءٌ ظَهَرَ عَلى يَدِ المَلَكِ أوْ عَلى يَدِ البَشَرِ وجَبَ الإقْرارُ بِرِسالَتِهِ فَثَبَتَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم بِأنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ تَحَكُّمًا فاسِدًا وتَعَنُّتًا باطِلًا.
الوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الأجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ هو أنَّ أهْلَ الأرْضِ لَوْ كانُوا مَلائِكَةً لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُهم مِنَ المَلائِكَةِ لَأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمِيلُ أمّا لَوْ كانَ أهْلُ الأرْضِ مِنَ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُهم مِنَ البَشَرِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ .
الوَجْهُ الثّالِثُ: مِنَ الأجْوِبَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أظْهَرَ المُعْجِزَةَ عَلى وفْقِ دَعْوايَ كانَ ذَلِكَ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كَوْنِي صادِقًا ومَن شَهِدَ اللَّهُ عَلى صِدْقِهِ فَهو صادِقٌ فَبَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ بِأنَّ الرَّسُولَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا إنْسانًا تَحَكُّمٌ فاسِدٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأجْوِبَةَ الثَّلاثَةَ أرْدَفَها بِما يَجْرِي مَجْرى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يَعْنِي يَعْلَمُ ظَواهِرَهم وبَواطِنَهم ويَعْلَمُ مِن قُلُوبِهِمْ أنَّهم لا يَذْكُرُونَ هَذِهِ الشُّبَهاتِ إلّا لِمَحْضِ الحَسَدِ وحُبِّ الرِّياسَةِ والِاسْتِنْكافِ مِنَ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ.
الإسراء 17:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبْهَةَ القَوْمِ في اقْتِراحِ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةِ وأجابَ عَنْها حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْقِ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ بَلِ اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أرْسَلَ رَسُولًا إلى الخَلْقِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مَلَكًا رَسُولًا إلى الخَلْقِ، فالخَلْقُ إنَّما يُؤْمِنُونَ بِكَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِأجْلِ قِيامِ المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى صِدْقِهِ وذَلِكَ المُعْجِزُ هو الَّذِي يَهْدِيهِمْ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ المَلَكِ في ادِّعاءِ رِسالَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ هو المُعْجِزُ فَقَطْ فَهَذا المُعْجِزُ سَواءٌ ظَهَرَ عَلى يَدِ المَلَكِ أوْ عَلى يَدِ البَشَرِ وجَبَ الإقْرارُ بِرِسالَتِهِ فَثَبَتَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم بِأنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ تَحَكُّمًا فاسِدًا وتَعَنُّتًا باطِلًا.
الوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الأجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ هو أنَّ أهْلَ الأرْضِ لَوْ كانُوا مَلائِكَةً لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُهم مِنَ المَلائِكَةِ لَأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمِيلُ أمّا لَوْ كانَ أهْلُ الأرْضِ مِنَ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُهم مِنَ البَشَرِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ .
الوَجْهُ الثّالِثُ: مِنَ الأجْوِبَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أظْهَرَ المُعْجِزَةَ عَلى وفْقِ دَعْوايَ كانَ ذَلِكَ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كَوْنِي صادِقًا ومَن شَهِدَ اللَّهُ عَلى صِدْقِهِ فَهو صادِقٌ فَبَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ بِأنَّ الرَّسُولَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا إنْسانًا تَحَكُّمٌ فاسِدٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأجْوِبَةَ الثَّلاثَةَ أرْدَفَها بِما يَجْرِي مَجْرى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يَعْنِي يَعْلَمُ ظَواهِرَهم وبَواطِنَهم ويَعْلَمُ مِن قُلُوبِهِمْ أنَّهم لا يَذْكُرُونَ هَذِهِ الشُّبَهاتِ إلّا لِمَحْضِ الحَسَدِ وحُبِّ الرِّياسَةِ والِاسْتِنْكافِ مِنَ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ.
الإسراء 17:97
صفحة ٥١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِ القَوْمِ في إنْكارِ النُّبُوَّةِ وأرْدَفَها بِالوَعِيدِ الإجْمالِيِّ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ فالمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ، وهو أنَّ الَّذِينَ سَبَقَ لَهم حُكْمُ اللَّهِ بِالإيمانِ والهِدايَةِ وجَبَ أنْ يَصِيرُوا مُؤْمِنِينَ، ومَن سَبَقَ لَهم حُكْمُ اللَّهِ بِالضَّلالِ والجَهْلِ اسْتَحالَ أنْ يَنْقَلِبُوا عَنْ ذَلِكَ الضَّلالِ واسْتَحالَ أنْ يُوجَدَ مَن يَصْرِفُهم عَنْ ذَلِكَ الضَّلالِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ في الهُدى والضَّلالِ، والمُعْتَزِلَةُ حَمَلُوا هَذا الإضْلالَ تارَةً عَلى الإضْلالِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ وتارَةً عَلى مَنعِ الألْطافِ وتارَةً عَلى التَّخْلِيَةِ وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالمَنعِ وهَذِهِ المَباحِثُ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يُمْكِنُهُمُ المَشْيُ عَلى وُجُوهِهِمْ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: إنَّهم يُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ (القَمَرِ: ٤٨) .
الثّانِي: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ ؟ قالَ: " إنَّ الَّذِي يُمْشِيهِمْ عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ»، قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: الكُفّارُ أرْواحُهم شَدِيدَةُ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها ولَيْسَ لَها تَعَلُّقٌ بِعالَمِ الأبْرارِ وحَضْرَةِ الإلَهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَلَمّا كانَتْ وُجُوهُ قُلُوبِهِمْ وأرْواحِهِمْ مُتَوَجِّهَةً إلى الدُّنْيا لا جَرَمَ كانَ حَشْرُهم عَلى وُجُوهِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ فاعْلَمْ أنَّ واحِدًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ (الكَهْفِ: ٥٣) وقالَ: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٢) وقالَ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٣) وقالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ (النَّحْلِ: ١١١) وقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ (الأنْعامِ: ٢٣) فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّهم يَرَوْنَ ويَسْمَعُونَ ويَتَكَلَّمُونَ فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ أجابَ ابْنُ عَبّاسٍ وتَلامِذَتُهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُمْيًا لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهم، صُمًّا لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَسُرُّهم، بُكْمًا لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ.
الثّانِي: قالَ في رِوايَةِ عَطاءٍ: عُمْيًا عَنِ النَّظَرِ إلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ، بُكْمًا عَنْ مُخاطَبَةِ اللَّهِ ومُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، صُمًّا عَنْ ثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلى أوْلِيائِهِ.
الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ حِينَ يُقالُ لَهم: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠٨) يَصِيرُونَ عُمْيًا بُكْمًا صُمًّا، أمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَهم يَرَوْنَ ويَسْمَعُونَ ويَنْطِقُونَ.
الرّابِعُ: أنَّهم يَكُونُونَ رائِينَ سامِعِينَ ناطِقِينَ في المَوْقِفِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما قَدَرُوا عَلى أنْ يُطالِعُوا كُتُبَهم ولا أنْ يَسْمَعُوا إلْزامَ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إلّا أنَّهم إذا أخَذُوا يَذْهَبُونَ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ جَعَلَهُمُ اللَّهُ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، والجَوابُ: أنَّ الآياتِ السّابِقَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم في النّارِ يُبْصِرُونَ ويَسْمَعُونَ ويَصِيحُونَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ فَظاهِرٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: الخَبْوُ سُكُونُ النّارِ، يُقالُ: خَبَتِ النّارُ تَخْبُو إذا سَكَنَ لَهَبُها، ومَعْنى خَبَتْ سَكَنَتْ وطُفِئَتْ يُقالُ في مَصْدَرِهِ الخَبْوُ وأخْبَأها المُخَبِّئُ إخْباءً أيْ أخْمَدَها ثُمَّ قالَ: ﴿زِدْناهم سَعِيرًا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زِدْناهم سَعِيرًا أيْ تَلَهُّبًا.
البَحْثُ الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّهُ تَعالى لا يُخَفِّفُ عَنْهُمُ العَذابَ وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ يَخِفُّ في ذَلِكَ الوَقْتِ، قُلْنا: كُلَّما خَبَتْ يَقْتَضِي سُكُونَ لَهَبِ النّارِ، أما لا يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهُ يَخِفُّ
صفحة ٥٢
العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ أنْ تَكُونَ الحالَةُ الثّانِيَةُ أزْيَدَ مِنَ الحالَةِ الأُولى، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الحالَةُ الأُولى بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ تَخْفِيفًا، والجَوابُ: الزِّيادَةُ حَصَلَتْ في الحالَةِ الأوْلى أخَفَّ مِن حُصُولِها في الحالَةِ الثّانِيَةِ فَكانَ العَذابُ شَدِيدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَمّا عَظُمَ العَذابُ صارَ التَّفاوُتُ الحاصِلُ في أوْقاتِهِ غَيْرَ مَشْعُورٍ بِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنْواعَ هَذا الوَعِيدِ قالَ ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا﴾ والباءُ في قَوْلِهِ: بِأنَّهم كَفَرُوا باءُ السَّبَبِيَّةِ وهو حُجَّةٌ لِمَن يَقُولُ: العَمَلُ عِلَّةُ الجَزاءِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الإسراء 17:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبَهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ عادَ إلى حِكايَةِ شُبْهَةِ مُنْكِرِي الحَشْرِ والنَّشْرِ لِيُجِيبَ عَنْها، وتِلْكَ الشُّبْهَةُ هي أنَّ الإنْسانَ بَعْدَ أنْ يَصِيرَ رُفاتًا ورَمِيمًا يَبْعُدُ أنْ يَعُودَ هو بِعَيْنِهِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَقْدِرَ عَلى إعادَتِهِمْ بِأعْيانِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَهم ثانِيًا فَعَبَّرَ عَنْ خَلْقِهِمْ ثانِيًا بِلَفْظِ المَثَلِ كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ أنَّ الإعادَةَ مِثْلُ الِابْتِداءِ.
القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ عَبِيدًا آخَرِينَ يُوَحِّدُونَهُ ويُقِرُّونَ بِكَمالِ حِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ ويَتْرُكُونَ ذِكْرَ هَذِهِ الشُّبَهاتِ الفاسِدَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (إبْراهِيمَ: ١٩) وقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٩) قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِالدَّلِيلِ المَذْكُورِ أنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ أرْدَفَهُ بِأنَّ لِوُقُوعِهِ ودُخُولِهِ في الوُجُودِ وقْتًا مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ أيْ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ أبَوْا إلّا الكُفْرَ والنُّفُورَ والجُحُودَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ طَلَبُوا
صفحة ٥٣
إجْراءَ الأنْهارِ والعُيُونِ في بَلْدَتِهِمْ لِتَكْثُرَ أمْوالُهم وتَتَّسِعَ عَلَيْهِمْ مَعِيشَتُهم فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهم أنَّهم لَوْ مَلَكُوا خَزائِنَ رَحْمَةِ اللَّهِ لَبَقُوا عَلى بُخْلِهِمْ وشُحِّهِمْ ولَما أقْدَمُوا عَلى إيصالِ النَّفْعِ إلى أحَدٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا فائِدَةَ في إسْعافِهِمْ بِهَذا المَطْلُوبِ الَّذِي التَمَسُوهُ فَهَذا هو الكَلامُ في وجْهِ النَّظْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْتُمْ﴾ فِيهِ بَحْثٌ يَتَعَلَّقُ بِالنَّحْوِ وبَحْثٌ آخَرُ يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ البَيانِ، أمّا البَحْثُ النَّحْوِيُّ: فَهو أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ مِن شَأْنِها أنْ تَخْتَصَّ بِالفِعْلِ لَأنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، والِاسْمُ يَدُلُّ عَلى الذَّواتِ، والفِعْلُ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الآثارِ والأحْوالِ والمُنْتَفِي هو الأحْوالُ والآثارُ لا الذَّواتُ فَثَبَتَ أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ مُخْتَصَّةٌ بِالأفْعالِ وأنْشَدُوا قَوْلَ المُتَلَمِّسِ:
لَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي نَصَبْتُ لَهم فَوْقَ العَرانِينِ مَأْتَمًا
والمَعْنى لَوْ أرادَ غَيْرُ أخْوالِي، وأمّا البَحْثُ المُتَعَلِّقُ بِعِلْمِ البَيانِ فَهو أنَّ التَّقْدِيمَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِهَذِهِ الحالَةِ الخَسِيسَةِ والشُّحِّ الكامِلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خَزائِنُ فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَكانَ المَعْنى أنَّكم لَوْ مَلَكْتُمْ مِنَ الخَيْرِ والنِّعَمِ خَزائِنَ لا نِهايَةَ لَها لَبَقِيتُمْ عَلى الشُّحِّ وهَذا مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في وصْفِهِمْ بِهَذا الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ أيْ بَخِيلًا، يُقالُ قَتَرَ يَقْتِرُ قَتْرًا وأقْتَرَ إقْتارًا وقَتَّرَ تَقْتِيرًا إذا قَصَّرَ في الإنْفاقِ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ دَخَلَ في الإنْسانِ الجَوادُ الكَرِيمُ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ البُخْلُ لِأنَّهُ خُلِقَ مُحْتاجًا والمُحْتاجُ لا بُدَّ أنْ يُحِبَّ ما بِهِ يَدْفَعُ الحاجَةَ وأنْ يُمْسِكَهُ لِنَفْسِهِ إلّا أنَّهُ قَدْ يَجُودُ بِهِ لِأسْبابٍ مِن خارِجٍ، فَثَبَتَ أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ البُخْلُ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَبْذُلُ لِطَلَبِ الثَّناءِ والحَمْدِ ولِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الواجِبِ فَهو في الحَقِيقَةِ ما أنْفَقَ إلّا لِيَأْخُذَ العِوَضَ فَهو في الحَقِيقَةِ بَخِيلٌ.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهَذا الإنْسانِ المَعْهُودُ السّابِقُ: وهُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ .
الإسراء 17:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبَهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ عادَ إلى حِكايَةِ شُبْهَةِ مُنْكِرِي الحَشْرِ والنَّشْرِ لِيُجِيبَ عَنْها، وتِلْكَ الشُّبْهَةُ هي أنَّ الإنْسانَ بَعْدَ أنْ يَصِيرَ رُفاتًا ورَمِيمًا يَبْعُدُ أنْ يَعُودَ هو بِعَيْنِهِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَقْدِرَ عَلى إعادَتِهِمْ بِأعْيانِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَهم ثانِيًا فَعَبَّرَ عَنْ خَلْقِهِمْ ثانِيًا بِلَفْظِ المَثَلِ كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ أنَّ الإعادَةَ مِثْلُ الِابْتِداءِ.
القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ عَبِيدًا آخَرِينَ يُوَحِّدُونَهُ ويُقِرُّونَ بِكَمالِ حِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ ويَتْرُكُونَ ذِكْرَ هَذِهِ الشُّبَهاتِ الفاسِدَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (إبْراهِيمَ: ١٩) وقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٩) قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِالدَّلِيلِ المَذْكُورِ أنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ أرْدَفَهُ بِأنَّ لِوُقُوعِهِ ودُخُولِهِ في الوُجُودِ وقْتًا مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ أيْ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ أبَوْا إلّا الكُفْرَ والنُّفُورَ والجُحُودَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ طَلَبُوا
صفحة ٥٣
إجْراءَ الأنْهارِ والعُيُونِ في بَلْدَتِهِمْ لِتَكْثُرَ أمْوالُهم وتَتَّسِعَ عَلَيْهِمْ مَعِيشَتُهم فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهم أنَّهم لَوْ مَلَكُوا خَزائِنَ رَحْمَةِ اللَّهِ لَبَقُوا عَلى بُخْلِهِمْ وشُحِّهِمْ ولَما أقْدَمُوا عَلى إيصالِ النَّفْعِ إلى أحَدٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا فائِدَةَ في إسْعافِهِمْ بِهَذا المَطْلُوبِ الَّذِي التَمَسُوهُ فَهَذا هو الكَلامُ في وجْهِ النَّظْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْتُمْ﴾ فِيهِ بَحْثٌ يَتَعَلَّقُ بِالنَّحْوِ وبَحْثٌ آخَرُ يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ البَيانِ، أمّا البَحْثُ النَّحْوِيُّ: فَهو أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ مِن شَأْنِها أنْ تَخْتَصَّ بِالفِعْلِ لَأنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، والِاسْمُ يَدُلُّ عَلى الذَّواتِ، والفِعْلُ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الآثارِ والأحْوالِ والمُنْتَفِي هو الأحْوالُ والآثارُ لا الذَّواتُ فَثَبَتَ أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ مُخْتَصَّةٌ بِالأفْعالِ وأنْشَدُوا قَوْلَ المُتَلَمِّسِ:
لَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي نَصَبْتُ لَهم فَوْقَ العَرانِينِ مَأْتَمًا
والمَعْنى لَوْ أرادَ غَيْرُ أخْوالِي، وأمّا البَحْثُ المُتَعَلِّقُ بِعِلْمِ البَيانِ فَهو أنَّ التَّقْدِيمَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِهَذِهِ الحالَةِ الخَسِيسَةِ والشُّحِّ الكامِلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خَزائِنُ فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَكانَ المَعْنى أنَّكم لَوْ مَلَكْتُمْ مِنَ الخَيْرِ والنِّعَمِ خَزائِنَ لا نِهايَةَ لَها لَبَقِيتُمْ عَلى الشُّحِّ وهَذا مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في وصْفِهِمْ بِهَذا الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ أيْ بَخِيلًا، يُقالُ قَتَرَ يَقْتِرُ قَتْرًا وأقْتَرَ إقْتارًا وقَتَّرَ تَقْتِيرًا إذا قَصَّرَ في الإنْفاقِ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ دَخَلَ في الإنْسانِ الجَوادُ الكَرِيمُ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ البُخْلُ لِأنَّهُ خُلِقَ مُحْتاجًا والمُحْتاجُ لا بُدَّ أنْ يُحِبَّ ما بِهِ يَدْفَعُ الحاجَةَ وأنْ يُمْسِكَهُ لِنَفْسِهِ إلّا أنَّهُ قَدْ يَجُودُ بِهِ لِأسْبابٍ مِن خارِجٍ، فَثَبَتَ أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ البُخْلُ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَبْذُلُ لِطَلَبِ الثَّناءِ والحَمْدِ ولِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الواجِبِ فَهو في الحَقِيقَةِ ما أنْفَقَ إلّا لِيَأْخُذَ العِوَضَ فَهو في الحَقِيقَةِ بَخِيلٌ.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهَذا الإنْسانِ المَعْهُودُ السّابِقُ: وهُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ .
الإسراء 17:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبَهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ عادَ إلى حِكايَةِ شُبْهَةِ مُنْكِرِي الحَشْرِ والنَّشْرِ لِيُجِيبَ عَنْها، وتِلْكَ الشُّبْهَةُ هي أنَّ الإنْسانَ بَعْدَ أنْ يَصِيرَ رُفاتًا ورَمِيمًا يَبْعُدُ أنْ يَعُودَ هو بِعَيْنِهِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَقْدِرَ عَلى إعادَتِهِمْ بِأعْيانِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَهم ثانِيًا فَعَبَّرَ عَنْ خَلْقِهِمْ ثانِيًا بِلَفْظِ المَثَلِ كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ أنَّ الإعادَةَ مِثْلُ الِابْتِداءِ.
القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ عَبِيدًا آخَرِينَ يُوَحِّدُونَهُ ويُقِرُّونَ بِكَمالِ حِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ ويَتْرُكُونَ ذِكْرَ هَذِهِ الشُّبَهاتِ الفاسِدَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (إبْراهِيمَ: ١٩) وقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٩) قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِالدَّلِيلِ المَذْكُورِ أنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ أرْدَفَهُ بِأنَّ لِوُقُوعِهِ ودُخُولِهِ في الوُجُودِ وقْتًا مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ أيْ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ أبَوْا إلّا الكُفْرَ والنُّفُورَ والجُحُودَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ طَلَبُوا
صفحة ٥٣
إجْراءَ الأنْهارِ والعُيُونِ في بَلْدَتِهِمْ لِتَكْثُرَ أمْوالُهم وتَتَّسِعَ عَلَيْهِمْ مَعِيشَتُهم فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهم أنَّهم لَوْ مَلَكُوا خَزائِنَ رَحْمَةِ اللَّهِ لَبَقُوا عَلى بُخْلِهِمْ وشُحِّهِمْ ولَما أقْدَمُوا عَلى إيصالِ النَّفْعِ إلى أحَدٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا فائِدَةَ في إسْعافِهِمْ بِهَذا المَطْلُوبِ الَّذِي التَمَسُوهُ فَهَذا هو الكَلامُ في وجْهِ النَّظْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْتُمْ﴾ فِيهِ بَحْثٌ يَتَعَلَّقُ بِالنَّحْوِ وبَحْثٌ آخَرُ يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ البَيانِ، أمّا البَحْثُ النَّحْوِيُّ: فَهو أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ مِن شَأْنِها أنْ تَخْتَصَّ بِالفِعْلِ لَأنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، والِاسْمُ يَدُلُّ عَلى الذَّواتِ، والفِعْلُ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الآثارِ والأحْوالِ والمُنْتَفِي هو الأحْوالُ والآثارُ لا الذَّواتُ فَثَبَتَ أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ مُخْتَصَّةٌ بِالأفْعالِ وأنْشَدُوا قَوْلَ المُتَلَمِّسِ:
لَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي نَصَبْتُ لَهم فَوْقَ العَرانِينِ مَأْتَمًا
والمَعْنى لَوْ أرادَ غَيْرُ أخْوالِي، وأمّا البَحْثُ المُتَعَلِّقُ بِعِلْمِ البَيانِ فَهو أنَّ التَّقْدِيمَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِهَذِهِ الحالَةِ الخَسِيسَةِ والشُّحِّ الكامِلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خَزائِنُ فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَكانَ المَعْنى أنَّكم لَوْ مَلَكْتُمْ مِنَ الخَيْرِ والنِّعَمِ خَزائِنَ لا نِهايَةَ لَها لَبَقِيتُمْ عَلى الشُّحِّ وهَذا مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في وصْفِهِمْ بِهَذا الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ أيْ بَخِيلًا، يُقالُ قَتَرَ يَقْتِرُ قَتْرًا وأقْتَرَ إقْتارًا وقَتَّرَ تَقْتِيرًا إذا قَصَّرَ في الإنْفاقِ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ دَخَلَ في الإنْسانِ الجَوادُ الكَرِيمُ فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ البُخْلُ لِأنَّهُ خُلِقَ مُحْتاجًا والمُحْتاجُ لا بُدَّ أنْ يُحِبَّ ما بِهِ يَدْفَعُ الحاجَةَ وأنْ يُمْسِكَهُ لِنَفْسِهِ إلّا أنَّهُ قَدْ يَجُودُ بِهِ لِأسْبابٍ مِن خارِجٍ، فَثَبَتَ أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ البُخْلُ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَبْذُلُ لِطَلَبِ الثَّناءِ والحَمْدِ ولِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الواجِبِ فَهو في الحَقِيقَةِ ما أنْفَقَ إلّا لِيَأْخُذَ العِوَضَ فَهو في الحَقِيقَةِ بَخِيلٌ.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهَذا الإنْسانِ المَعْهُودُ السّابِقُ: وهُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ .
الإسراء 17:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٥٤
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أيْضًا الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ حَتّى تَأْتِيَنا بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ فَقالَ تَعالى: (إنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ) مُعْجِزاتٍ مُساوِيَةً لِهَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي طَلَبْتُمُوها بَلْ أقْوى مِنها وأعْظَمَ فَلَوْ حَصَلَ في عِلْمِنا أنَّ جَعْلَها في زَمانِكم مَصْلَحَةٌ لَفَعَلْناها كَما فَعَلْنا في حَقِّ مُوسى فَدَلَّ هَذا عَلى أنّا إنَّما لَمْ نَفْعَلْها في زَمانِكم لِعِلْمِنا أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في فِعْلِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ أشْياءَ كَثِيرَةً مِن مُعْجِزاتِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ العُقْدَةَ مِن لِسانِهِ، قِيلَ في التَّفْسِيرِ ذَهَبَتِ العُجْمَةُ وصارَ فَصِيحًا.
وثانِيها: انْقِلابُ العَصا حَيَّةً.
وثالِثُها: تَلْقَفُ الحَيَّةُ حِبالَهم وعِصِيَّهم مَعَ كَثْرَتِها.
ورابِعُها: اليَدُ البَيْضاءُ.
وخَمْسَةٌ أُخَرُ وهي: الطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ.
والعاشِرُ: شَقُّ البَحْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ (البَقَرَةِ: ٥٠) .
والحادِيَ عَشَرَ: الحَجَرُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ (الأعْرافِ: ١٦٠) .
الثّانِيَ عَشَرَ: إظْلالُ الجَبَلِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] .
والثّالِثَ عَشَرَ: إنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ.
والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ (الأعْرافِ: ١٣٠) .
والسّادِسَ عَشَرَ: الطَّمْسُ عَلى أمْوالِهِمْ مِنَ النَّحْلِ والدَّقِيقِ والأطْعِمَةِ والدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ سَألَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ في مَسْألَةِ التِّسْعِ: حَلَّ عُقْدَةِ اللِّسانِ والطَّمْسَ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هَكَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ الفَقِيهُ، ثُمَّ قالَ: يا غُلامُ أخْرِجْ ذَلِكَ الجِرابَ فَأخْرَجَهُ فَنَفَضَهُ فَإذا فِيهِ بَيْضٌ مَكْسُورٌ نِصْفَيْنِ وجَوْزٌ مَكْسُورٌ وفُولٌ وحِمَّصٌ وعَدَسٌ كُلُّها حِجارَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ السِّتَّةَ عَشَرَ لِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ وتَخْصِيصُ التِّسْعَةِ بِالذِّكْرِ لا يَقْدَحُ فِيهِ ثُبُوتُ الزّائِدِ عَلَيْهِ لِأنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ بَلْ نَقُولُ إنَّما يُتَمَسَّكُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ نَقُولُ: أمّا هَذِهِ التِّسْعَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى سَبْعَةٍ مِنها وهي العَصا واليَدُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وبَقِيَ الِاثْنانِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلٌ آخَرُ فِيهِما، ولَمّا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأحْوالُ مُسْتَنِدَةً إلى حُجَّةٍ ظَنِّيَّةٍ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ يَقِينِيَّةٍ لا جَرَمَ تُرِكَتْ تِلْكَ الرِّواياتُ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أقْوالٌ أجْوَدُها ما رَوى صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ أنَّهُ قالَ: «إنَّ يَهُودِيًّا قالَ لِصاحِبِهِ اذْهَبْ بِنا إلى هَذا النَّبِيِّ نَسْألُهُ عَنْ تِسْعِ آياتٍ فَذَهَبا إلى النَّبِيِّ ﷺ وسَألاهُ عَنْها فَقالَ: هُنَّ أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتُلُوا ولا تَسْحَرُوا ولا تَأْكُلُوا الرِّبا ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنَةَ ولا تُوَلُّوا الفِرارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةَ اليَهُودِ أنْ تَعْدِلُوا في السَّبْتِ فَقامَ اليَهُودِيّانِ فَقَبَّلا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ وقالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ نَبِيٌّ ولَوْلا نَخافُ القَتْلَ وإلّا اتَّبَعْناكَ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهُمْ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ دَخَلَ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ - إذْ جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ فاسْألْهم - وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَيْسَ المَطْلُوبُ مِن سُؤالِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسْتَفِيدَ هَذا العِلْمَ مِنهم بَلِ المَقْصُودُ أنَّ يَظْهَرَ لِعامَّةِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ صِدْقُ ما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ، فَيَكُونُ هَذا السُّؤالُ سُؤالُ اسْتِشْهادٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ سَلْهم عَنْ فِرْعَوْنَ، وقُلْ لَهُ
صفحة ٥٥
أرْسِلْ مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ سَلْهم أنْ يُوافِقُوكَ والتَمِسْ مِنهُمُ الإيمانَ الصّالِحَ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فالتَّقْدِيرُ: فَقُلْنا لَهُ سَلْهم أنْ يُعاضِدُوكَ وتَكُونَ قُلُوبُهم وأيْدِيهِمْ مَعَكَ.
البَحْثُ الثّانِي: أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَسْألَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعْناهُ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ والَّذِينَ جاءَهم مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ إلّا أنَّ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا كانُوا أوْلادَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُوسى حَسُنَتْ هَذِهِ الكِنايَةُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِمُوسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ وفي لَفْظِ المَسْحُورِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ بِمَعْنى السّاحِرِ كالمَشْئُومِ والمَيْمُونِ وذَكَرْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] .
الثّانِي: أنَّهُ مَفْعُولٌ مِنَ السِّحْرِ، أيْ أنَّ النّاسَ سَحَرُوكَ وخَبَلُوكَ فَتَقُولُ هَذِهِ الكَلَمّاتِ لِهَذا السَّبَبِ.
الثّالِثُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ مَعْناهُ أُعْطِيتَ عِلْمَ السِّحْرِ، فَهَذِهِ العَجائِبُ الَّتِي تَأْتِي بِها مِن ذَلِكَ السِّحْرِ ثُمَّ أجابَهُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ الكِسائِيُّ عَلِمْتُ بِضَمِّ التّاءِ أيْ: عَلِمْتُ أنَّها مِن عِلْمِ اللَّهِ فَإنْ عَلِمْتَ وأقْرَرْتَ وإلّا هَلَكْتَ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، وضَمُّ التّاءَ قِراءَةُ عَلِيٍّ، وفَتْحُها قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: واللَّهِ ما عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ ولَكِنْ مُوسى هو الَّذِي عَلِمَ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ (النَّمْلِ: ١٤) عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ كانُوا قَدْ عَرَفُوا صِحَّةَ أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ في القِراءَةِ الفَتْحُ؛ لِأنَّ عِلْمَ فِرْعَوْنَ بِأنَّها آياتٌ نازِلَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْكَدُ في الحُجَّةِ، فاحْتِجاجُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى فِرْعَوْنَ بِعِلْمِ فِرْعَوْنَ أوْكَدُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِعِلْمِ نَفْسِهِ، وأجابَ النّاصِرُونَ لِقِراءَةِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ دَلِيلِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَيْقَنُوا شَيْئًا ما، فَأمّا أنَّهُمُ اسْتَيْقَنُوا كَوْنَ هَذِهِ الآياتِ نازِلَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وأجابُوا عَنِ الوَجْهِ الثّانِي بِأنَّ فِرْعَوْنَ قالَ ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٧) قالَ مُوسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ فَكَأنَّهُ نَفى ذَلِكَ وقالَ لَقَدْ عَلِمْتَ صِحَّةَ ما أتَيْتُ بِهِ عِلْمًا صَحِيحًا عِلْمَ العُقَلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولا تَشُكَّ في ذَلِكَ بِسَبَبِ سَفاهَتِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: التَّقْدِيرُ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ الآياتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأقْوامِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَصائِرَ﴾ أيْ حُجَجًا بَيِّنَةً كَأنَّها بَصائِرُ العُقُولِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ المُعْجِزَةَ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَعَلَهُ فاعِلُهُ لِغَرَضِ تَصْدِيقِ المُدَّعى، ومُعْجِزاتُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِأنَّها كانَتْ أفْعالًا خارِقَةً لِلْعادَةِ، وصَرائِحُ العُقُولِ تَشْهَدُ بِأنَّ قَلْبَ العَصا حَيَّةً مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الحَيَّةَ تَلَقَّفَتْ حِبالَ السَّحَرَةِ وعِصِيَّهم عَلى كَثْرَتِها ثُمَّ عادَتْ عَصًا كَما كانَتْ فَأصْنافُ تِلْكَ الأفْعالِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ إلّا اللَّهُ، وكَذا القَوْلُ في فَرْقِ البَحْرِ وإظْلالِ الجَبَلِ فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ ما أنْزَلَها إلّا رَبُّ السَّماواتِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِتَدُلَّ عَلى صِدْقِ مُوسى في دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالَ كَوْنِها بَصائِرَ أيْ دالَّةً عَلى صِدْقِ مُوسى في دَعْواهُ، وهَذِهِ الدَّقائِقُ لا يُمْكِنُ فَهْمُها مِنَ القُرْآنِ إلّا بَعْدَ إتْقانِ عِلْمِ الأُصُولِ، وأقُولُ: يَبْعُدُ أنْ يَصِيرَ غَيْرُ عِلْمِ الأُصُولِ العَقْلِيِّ قاهِرًا في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ مُوسى قالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ
صفحة ٥٦
قالَ لِمُوسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ فَعارَضَهُ مُوسى وقالَ لَهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَثْبُورُ المَلْعُونُ المَحْبُوسُ عَنِ الخَيْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا أيْ: ما مَنَعَكَ مِنهُ وما صَرَفَكَ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ ثَبَرْتُ فُلانًا عَنِ الشَّيْءِ أثْبُرُهُ أيْ: رَدَدْتُهُ عَنْهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هالِكًا، وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ ثُبِرَ الرَّجُلُ فَهو مَثْبُورٌ إذا هَلَكَ، والثُّبُورُ الهَلاكُ، ومِن مَعْرُوفِ الكَلامِ فُلانٌ يَدْعُو بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ تَنالُهُ، وقالَ تَعالى: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٤) واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا وصَفَ مُوسى بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا أجابَهُ مُوسى بِأنَّكَ مَثْبُورٌ، يَعْنِي: هَذِهِ الآياتُ ظاهِرَةٌ، وهَذِهِ المُعْجِزاتُ قاهِرَةٌ ولا يَرْتابُ العاقِلُ في أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ وفي أنَّهُ تَعالى إنَّما أظْهَرَها لِأجْلِ تَصْدِيقِي وأنْتَ تُنْكِرُها فَلا يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الإنْكارِ إلّا الحَسَدُ والعِنادُ والغَيُّ والجَهْلُ وحُبُّ الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ عاقِبَتُهُ الدَّمارُ والثُّبُورُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُخْرِجَهم - يَعْنِي مُوسى وقَوْمَهُ بَنِي إسْرائِيلَ -، ومَعْنى تَفْسِيرِ الِاسْتِفْزازِ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ، قالَ الزَّجّاجُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اسْتِفْزازِهِمْ إخْراجَهم مِنهم بِالقَتْلِ أوْ بِالتَّنْحِيَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ المَعْنى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ (فاطِرٍ: ٤٣) أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُخْرِجَ مُوسى مِن أرْضِ مِصْرَ لِتَخْلُصَ لَهُ تِلْكَ البِلادُ، واللَّهُ تَعالى أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وجَعَلَ مُلْكَ مِصْرَ خالِصَةً لِمُوسى ولِقَوْمِهِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اسْكُنُوا الأرْضَ خالِصَةً لَكم خالِيَةً مِن عَدُوِّكم قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ يُرِيدُ القِيامَةَ ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ مِن هَهُنا وهَهُنا، واللَّفِيفُ الجَمْعُ العَظِيمُ مِن أخْلاطٍ شَتّى مِنَ الشَّرِيفِ والدَّنِيءِ والمُطِيعِ والعاصِي والقَوِيِّ والضَّعِيفِ، وكُلُّ شَيْءٍ خَلَطْتَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ لَفَفْتَهُ، ومِنهُ قِيلَ: لَفَفْتُ الجُيُوشَ إذا ضَرَبْتَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وقَوْلُهُ التَفَّتِ الزُّحُوفُ ومِنهُ التَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ، والمَعْنى جِئْنا بِكم مِن قُبُورِكم إلى المَحْشَرِ أخْلاطًا يَعْنِي جَمِيعَ الخَلْقِ المُسْلِمَ والكافِرَ والبَرَّ والفاجِرَ.
الإسراء 17:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٥٤
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أيْضًا الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ حَتّى تَأْتِيَنا بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ فَقالَ تَعالى: (إنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ) مُعْجِزاتٍ مُساوِيَةً لِهَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي طَلَبْتُمُوها بَلْ أقْوى مِنها وأعْظَمَ فَلَوْ حَصَلَ في عِلْمِنا أنَّ جَعْلَها في زَمانِكم مَصْلَحَةٌ لَفَعَلْناها كَما فَعَلْنا في حَقِّ مُوسى فَدَلَّ هَذا عَلى أنّا إنَّما لَمْ نَفْعَلْها في زَمانِكم لِعِلْمِنا أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في فِعْلِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ أشْياءَ كَثِيرَةً مِن مُعْجِزاتِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ العُقْدَةَ مِن لِسانِهِ، قِيلَ في التَّفْسِيرِ ذَهَبَتِ العُجْمَةُ وصارَ فَصِيحًا.
وثانِيها: انْقِلابُ العَصا حَيَّةً.
وثالِثُها: تَلْقَفُ الحَيَّةُ حِبالَهم وعِصِيَّهم مَعَ كَثْرَتِها.
ورابِعُها: اليَدُ البَيْضاءُ.
وخَمْسَةٌ أُخَرُ وهي: الطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ.
والعاشِرُ: شَقُّ البَحْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ (البَقَرَةِ: ٥٠) .
والحادِيَ عَشَرَ: الحَجَرُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ (الأعْرافِ: ١٦٠) .
الثّانِيَ عَشَرَ: إظْلالُ الجَبَلِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] .
والثّالِثَ عَشَرَ: إنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ.
والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ (الأعْرافِ: ١٣٠) .
والسّادِسَ عَشَرَ: الطَّمْسُ عَلى أمْوالِهِمْ مِنَ النَّحْلِ والدَّقِيقِ والأطْعِمَةِ والدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ سَألَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ في مَسْألَةِ التِّسْعِ: حَلَّ عُقْدَةِ اللِّسانِ والطَّمْسَ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هَكَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ الفَقِيهُ، ثُمَّ قالَ: يا غُلامُ أخْرِجْ ذَلِكَ الجِرابَ فَأخْرَجَهُ فَنَفَضَهُ فَإذا فِيهِ بَيْضٌ مَكْسُورٌ نِصْفَيْنِ وجَوْزٌ مَكْسُورٌ وفُولٌ وحِمَّصٌ وعَدَسٌ كُلُّها حِجارَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ السِّتَّةَ عَشَرَ لِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ وتَخْصِيصُ التِّسْعَةِ بِالذِّكْرِ لا يَقْدَحُ فِيهِ ثُبُوتُ الزّائِدِ عَلَيْهِ لِأنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ بَلْ نَقُولُ إنَّما يُتَمَسَّكُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ نَقُولُ: أمّا هَذِهِ التِّسْعَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى سَبْعَةٍ مِنها وهي العَصا واليَدُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وبَقِيَ الِاثْنانِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلٌ آخَرُ فِيهِما، ولَمّا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأحْوالُ مُسْتَنِدَةً إلى حُجَّةٍ ظَنِّيَّةٍ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ يَقِينِيَّةٍ لا جَرَمَ تُرِكَتْ تِلْكَ الرِّواياتُ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أقْوالٌ أجْوَدُها ما رَوى صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ أنَّهُ قالَ: «إنَّ يَهُودِيًّا قالَ لِصاحِبِهِ اذْهَبْ بِنا إلى هَذا النَّبِيِّ نَسْألُهُ عَنْ تِسْعِ آياتٍ فَذَهَبا إلى النَّبِيِّ ﷺ وسَألاهُ عَنْها فَقالَ: هُنَّ أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتُلُوا ولا تَسْحَرُوا ولا تَأْكُلُوا الرِّبا ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنَةَ ولا تُوَلُّوا الفِرارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةَ اليَهُودِ أنْ تَعْدِلُوا في السَّبْتِ فَقامَ اليَهُودِيّانِ فَقَبَّلا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ وقالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ نَبِيٌّ ولَوْلا نَخافُ القَتْلَ وإلّا اتَّبَعْناكَ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهُمْ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ دَخَلَ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ - إذْ جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ فاسْألْهم - وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَيْسَ المَطْلُوبُ مِن سُؤالِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسْتَفِيدَ هَذا العِلْمَ مِنهم بَلِ المَقْصُودُ أنَّ يَظْهَرَ لِعامَّةِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ صِدْقُ ما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ، فَيَكُونُ هَذا السُّؤالُ سُؤالُ اسْتِشْهادٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ سَلْهم عَنْ فِرْعَوْنَ، وقُلْ لَهُ
صفحة ٥٥
أرْسِلْ مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ سَلْهم أنْ يُوافِقُوكَ والتَمِسْ مِنهُمُ الإيمانَ الصّالِحَ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فالتَّقْدِيرُ: فَقُلْنا لَهُ سَلْهم أنْ يُعاضِدُوكَ وتَكُونَ قُلُوبُهم وأيْدِيهِمْ مَعَكَ.
البَحْثُ الثّانِي: أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَسْألَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعْناهُ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ والَّذِينَ جاءَهم مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ إلّا أنَّ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا كانُوا أوْلادَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُوسى حَسُنَتْ هَذِهِ الكِنايَةُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِمُوسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ وفي لَفْظِ المَسْحُورِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ بِمَعْنى السّاحِرِ كالمَشْئُومِ والمَيْمُونِ وذَكَرْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] .
الثّانِي: أنَّهُ مَفْعُولٌ مِنَ السِّحْرِ، أيْ أنَّ النّاسَ سَحَرُوكَ وخَبَلُوكَ فَتَقُولُ هَذِهِ الكَلَمّاتِ لِهَذا السَّبَبِ.
الثّالِثُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ مَعْناهُ أُعْطِيتَ عِلْمَ السِّحْرِ، فَهَذِهِ العَجائِبُ الَّتِي تَأْتِي بِها مِن ذَلِكَ السِّحْرِ ثُمَّ أجابَهُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ الكِسائِيُّ عَلِمْتُ بِضَمِّ التّاءِ أيْ: عَلِمْتُ أنَّها مِن عِلْمِ اللَّهِ فَإنْ عَلِمْتَ وأقْرَرْتَ وإلّا هَلَكْتَ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، وضَمُّ التّاءَ قِراءَةُ عَلِيٍّ، وفَتْحُها قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: واللَّهِ ما عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ ولَكِنْ مُوسى هو الَّذِي عَلِمَ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ (النَّمْلِ: ١٤) عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ كانُوا قَدْ عَرَفُوا صِحَّةَ أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ في القِراءَةِ الفَتْحُ؛ لِأنَّ عِلْمَ فِرْعَوْنَ بِأنَّها آياتٌ نازِلَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْكَدُ في الحُجَّةِ، فاحْتِجاجُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى فِرْعَوْنَ بِعِلْمِ فِرْعَوْنَ أوْكَدُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِعِلْمِ نَفْسِهِ، وأجابَ النّاصِرُونَ لِقِراءَةِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ دَلِيلِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَيْقَنُوا شَيْئًا ما، فَأمّا أنَّهُمُ اسْتَيْقَنُوا كَوْنَ هَذِهِ الآياتِ نازِلَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وأجابُوا عَنِ الوَجْهِ الثّانِي بِأنَّ فِرْعَوْنَ قالَ ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٧) قالَ مُوسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ فَكَأنَّهُ نَفى ذَلِكَ وقالَ لَقَدْ عَلِمْتَ صِحَّةَ ما أتَيْتُ بِهِ عِلْمًا صَحِيحًا عِلْمَ العُقَلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولا تَشُكَّ في ذَلِكَ بِسَبَبِ سَفاهَتِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: التَّقْدِيرُ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ الآياتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأقْوامِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَصائِرَ﴾ أيْ حُجَجًا بَيِّنَةً كَأنَّها بَصائِرُ العُقُولِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ المُعْجِزَةَ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَعَلَهُ فاعِلُهُ لِغَرَضِ تَصْدِيقِ المُدَّعى، ومُعْجِزاتُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِأنَّها كانَتْ أفْعالًا خارِقَةً لِلْعادَةِ، وصَرائِحُ العُقُولِ تَشْهَدُ بِأنَّ قَلْبَ العَصا حَيَّةً مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الحَيَّةَ تَلَقَّفَتْ حِبالَ السَّحَرَةِ وعِصِيَّهم عَلى كَثْرَتِها ثُمَّ عادَتْ عَصًا كَما كانَتْ فَأصْنافُ تِلْكَ الأفْعالِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ إلّا اللَّهُ، وكَذا القَوْلُ في فَرْقِ البَحْرِ وإظْلالِ الجَبَلِ فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ ما أنْزَلَها إلّا رَبُّ السَّماواتِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِتَدُلَّ عَلى صِدْقِ مُوسى في دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالَ كَوْنِها بَصائِرَ أيْ دالَّةً عَلى صِدْقِ مُوسى في دَعْواهُ، وهَذِهِ الدَّقائِقُ لا يُمْكِنُ فَهْمُها مِنَ القُرْآنِ إلّا بَعْدَ إتْقانِ عِلْمِ الأُصُولِ، وأقُولُ: يَبْعُدُ أنْ يَصِيرَ غَيْرُ عِلْمِ الأُصُولِ العَقْلِيِّ قاهِرًا في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ مُوسى قالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ
صفحة ٥٦
قالَ لِمُوسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ فَعارَضَهُ مُوسى وقالَ لَهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَثْبُورُ المَلْعُونُ المَحْبُوسُ عَنِ الخَيْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا أيْ: ما مَنَعَكَ مِنهُ وما صَرَفَكَ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ ثَبَرْتُ فُلانًا عَنِ الشَّيْءِ أثْبُرُهُ أيْ: رَدَدْتُهُ عَنْهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هالِكًا، وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ ثُبِرَ الرَّجُلُ فَهو مَثْبُورٌ إذا هَلَكَ، والثُّبُورُ الهَلاكُ، ومِن مَعْرُوفِ الكَلامِ فُلانٌ يَدْعُو بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ تَنالُهُ، وقالَ تَعالى: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٤) واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا وصَفَ مُوسى بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا أجابَهُ مُوسى بِأنَّكَ مَثْبُورٌ، يَعْنِي: هَذِهِ الآياتُ ظاهِرَةٌ، وهَذِهِ المُعْجِزاتُ قاهِرَةٌ ولا يَرْتابُ العاقِلُ في أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ وفي أنَّهُ تَعالى إنَّما أظْهَرَها لِأجْلِ تَصْدِيقِي وأنْتَ تُنْكِرُها فَلا يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الإنْكارِ إلّا الحَسَدُ والعِنادُ والغَيُّ والجَهْلُ وحُبُّ الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ عاقِبَتُهُ الدَّمارُ والثُّبُورُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُخْرِجَهم - يَعْنِي مُوسى وقَوْمَهُ بَنِي إسْرائِيلَ -، ومَعْنى تَفْسِيرِ الِاسْتِفْزازِ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ، قالَ الزَّجّاجُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اسْتِفْزازِهِمْ إخْراجَهم مِنهم بِالقَتْلِ أوْ بِالتَّنْحِيَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ المَعْنى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ (فاطِرٍ: ٤٣) أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُخْرِجَ مُوسى مِن أرْضِ مِصْرَ لِتَخْلُصَ لَهُ تِلْكَ البِلادُ، واللَّهُ تَعالى أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وجَعَلَ مُلْكَ مِصْرَ خالِصَةً لِمُوسى ولِقَوْمِهِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اسْكُنُوا الأرْضَ خالِصَةً لَكم خالِيَةً مِن عَدُوِّكم قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ يُرِيدُ القِيامَةَ ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ مِن هَهُنا وهَهُنا، واللَّفِيفُ الجَمْعُ العَظِيمُ مِن أخْلاطٍ شَتّى مِنَ الشَّرِيفِ والدَّنِيءِ والمُطِيعِ والعاصِي والقَوِيِّ والضَّعِيفِ، وكُلُّ شَيْءٍ خَلَطْتَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ لَفَفْتَهُ، ومِنهُ قِيلَ: لَفَفْتُ الجُيُوشَ إذا ضَرَبْتَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وقَوْلُهُ التَفَّتِ الزُّحُوفُ ومِنهُ التَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ، والمَعْنى جِئْنا بِكم مِن قُبُورِكم إلى المَحْشَرِ أخْلاطًا يَعْنِي جَمِيعَ الخَلْقِ المُسْلِمَ والكافِرَ والبَرَّ والفاجِرَ.
الإسراء 17:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٥٤
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أيْضًا الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ حَتّى تَأْتِيَنا بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ فَقالَ تَعالى: (إنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ) مُعْجِزاتٍ مُساوِيَةً لِهَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي طَلَبْتُمُوها بَلْ أقْوى مِنها وأعْظَمَ فَلَوْ حَصَلَ في عِلْمِنا أنَّ جَعْلَها في زَمانِكم مَصْلَحَةٌ لَفَعَلْناها كَما فَعَلْنا في حَقِّ مُوسى فَدَلَّ هَذا عَلى أنّا إنَّما لَمْ نَفْعَلْها في زَمانِكم لِعِلْمِنا أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في فِعْلِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ أشْياءَ كَثِيرَةً مِن مُعْجِزاتِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ العُقْدَةَ مِن لِسانِهِ، قِيلَ في التَّفْسِيرِ ذَهَبَتِ العُجْمَةُ وصارَ فَصِيحًا.
وثانِيها: انْقِلابُ العَصا حَيَّةً.
وثالِثُها: تَلْقَفُ الحَيَّةُ حِبالَهم وعِصِيَّهم مَعَ كَثْرَتِها.
ورابِعُها: اليَدُ البَيْضاءُ.
وخَمْسَةٌ أُخَرُ وهي: الطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ.
والعاشِرُ: شَقُّ البَحْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ (البَقَرَةِ: ٥٠) .
والحادِيَ عَشَرَ: الحَجَرُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ (الأعْرافِ: ١٦٠) .
الثّانِيَ عَشَرَ: إظْلالُ الجَبَلِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] .
والثّالِثَ عَشَرَ: إنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ.
والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ (الأعْرافِ: ١٣٠) .
والسّادِسَ عَشَرَ: الطَّمْسُ عَلى أمْوالِهِمْ مِنَ النَّحْلِ والدَّقِيقِ والأطْعِمَةِ والدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ سَألَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ في مَسْألَةِ التِّسْعِ: حَلَّ عُقْدَةِ اللِّسانِ والطَّمْسَ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هَكَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ الفَقِيهُ، ثُمَّ قالَ: يا غُلامُ أخْرِجْ ذَلِكَ الجِرابَ فَأخْرَجَهُ فَنَفَضَهُ فَإذا فِيهِ بَيْضٌ مَكْسُورٌ نِصْفَيْنِ وجَوْزٌ مَكْسُورٌ وفُولٌ وحِمَّصٌ وعَدَسٌ كُلُّها حِجارَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ السِّتَّةَ عَشَرَ لِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ وتَخْصِيصُ التِّسْعَةِ بِالذِّكْرِ لا يَقْدَحُ فِيهِ ثُبُوتُ الزّائِدِ عَلَيْهِ لِأنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ بَلْ نَقُولُ إنَّما يُتَمَسَّكُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ نَقُولُ: أمّا هَذِهِ التِّسْعَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى سَبْعَةٍ مِنها وهي العَصا واليَدُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وبَقِيَ الِاثْنانِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلٌ آخَرُ فِيهِما، ولَمّا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأحْوالُ مُسْتَنِدَةً إلى حُجَّةٍ ظَنِّيَّةٍ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ يَقِينِيَّةٍ لا جَرَمَ تُرِكَتْ تِلْكَ الرِّواياتُ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أقْوالٌ أجْوَدُها ما رَوى صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ أنَّهُ قالَ: «إنَّ يَهُودِيًّا قالَ لِصاحِبِهِ اذْهَبْ بِنا إلى هَذا النَّبِيِّ نَسْألُهُ عَنْ تِسْعِ آياتٍ فَذَهَبا إلى النَّبِيِّ ﷺ وسَألاهُ عَنْها فَقالَ: هُنَّ أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتُلُوا ولا تَسْحَرُوا ولا تَأْكُلُوا الرِّبا ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنَةَ ولا تُوَلُّوا الفِرارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةَ اليَهُودِ أنْ تَعْدِلُوا في السَّبْتِ فَقامَ اليَهُودِيّانِ فَقَبَّلا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ وقالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ نَبِيٌّ ولَوْلا نَخافُ القَتْلَ وإلّا اتَّبَعْناكَ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهُمْ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ دَخَلَ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ - إذْ جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ فاسْألْهم - وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَيْسَ المَطْلُوبُ مِن سُؤالِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسْتَفِيدَ هَذا العِلْمَ مِنهم بَلِ المَقْصُودُ أنَّ يَظْهَرَ لِعامَّةِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ صِدْقُ ما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ، فَيَكُونُ هَذا السُّؤالُ سُؤالُ اسْتِشْهادٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ سَلْهم عَنْ فِرْعَوْنَ، وقُلْ لَهُ
صفحة ٥٥
أرْسِلْ مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ سَلْهم أنْ يُوافِقُوكَ والتَمِسْ مِنهُمُ الإيمانَ الصّالِحَ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فالتَّقْدِيرُ: فَقُلْنا لَهُ سَلْهم أنْ يُعاضِدُوكَ وتَكُونَ قُلُوبُهم وأيْدِيهِمْ مَعَكَ.
البَحْثُ الثّانِي: أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَسْألَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعْناهُ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ والَّذِينَ جاءَهم مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ إلّا أنَّ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا كانُوا أوْلادَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُوسى حَسُنَتْ هَذِهِ الكِنايَةُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِمُوسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ وفي لَفْظِ المَسْحُورِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ بِمَعْنى السّاحِرِ كالمَشْئُومِ والمَيْمُونِ وذَكَرْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] .
الثّانِي: أنَّهُ مَفْعُولٌ مِنَ السِّحْرِ، أيْ أنَّ النّاسَ سَحَرُوكَ وخَبَلُوكَ فَتَقُولُ هَذِهِ الكَلَمّاتِ لِهَذا السَّبَبِ.
الثّالِثُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ مَعْناهُ أُعْطِيتَ عِلْمَ السِّحْرِ، فَهَذِهِ العَجائِبُ الَّتِي تَأْتِي بِها مِن ذَلِكَ السِّحْرِ ثُمَّ أجابَهُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ الكِسائِيُّ عَلِمْتُ بِضَمِّ التّاءِ أيْ: عَلِمْتُ أنَّها مِن عِلْمِ اللَّهِ فَإنْ عَلِمْتَ وأقْرَرْتَ وإلّا هَلَكْتَ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، وضَمُّ التّاءَ قِراءَةُ عَلِيٍّ، وفَتْحُها قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: واللَّهِ ما عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ ولَكِنْ مُوسى هو الَّذِي عَلِمَ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ (النَّمْلِ: ١٤) عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ كانُوا قَدْ عَرَفُوا صِحَّةَ أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ في القِراءَةِ الفَتْحُ؛ لِأنَّ عِلْمَ فِرْعَوْنَ بِأنَّها آياتٌ نازِلَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْكَدُ في الحُجَّةِ، فاحْتِجاجُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى فِرْعَوْنَ بِعِلْمِ فِرْعَوْنَ أوْكَدُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِعِلْمِ نَفْسِهِ، وأجابَ النّاصِرُونَ لِقِراءَةِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ دَلِيلِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَيْقَنُوا شَيْئًا ما، فَأمّا أنَّهُمُ اسْتَيْقَنُوا كَوْنَ هَذِهِ الآياتِ نازِلَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وأجابُوا عَنِ الوَجْهِ الثّانِي بِأنَّ فِرْعَوْنَ قالَ ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٧) قالَ مُوسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ فَكَأنَّهُ نَفى ذَلِكَ وقالَ لَقَدْ عَلِمْتَ صِحَّةَ ما أتَيْتُ بِهِ عِلْمًا صَحِيحًا عِلْمَ العُقَلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولا تَشُكَّ في ذَلِكَ بِسَبَبِ سَفاهَتِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: التَّقْدِيرُ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ الآياتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأقْوامِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَصائِرَ﴾ أيْ حُجَجًا بَيِّنَةً كَأنَّها بَصائِرُ العُقُولِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ المُعْجِزَةَ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَعَلَهُ فاعِلُهُ لِغَرَضِ تَصْدِيقِ المُدَّعى، ومُعْجِزاتُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِأنَّها كانَتْ أفْعالًا خارِقَةً لِلْعادَةِ، وصَرائِحُ العُقُولِ تَشْهَدُ بِأنَّ قَلْبَ العَصا حَيَّةً مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الحَيَّةَ تَلَقَّفَتْ حِبالَ السَّحَرَةِ وعِصِيَّهم عَلى كَثْرَتِها ثُمَّ عادَتْ عَصًا كَما كانَتْ فَأصْنافُ تِلْكَ الأفْعالِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ إلّا اللَّهُ، وكَذا القَوْلُ في فَرْقِ البَحْرِ وإظْلالِ الجَبَلِ فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ ما أنْزَلَها إلّا رَبُّ السَّماواتِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِتَدُلَّ عَلى صِدْقِ مُوسى في دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالَ كَوْنِها بَصائِرَ أيْ دالَّةً عَلى صِدْقِ مُوسى في دَعْواهُ، وهَذِهِ الدَّقائِقُ لا يُمْكِنُ فَهْمُها مِنَ القُرْآنِ إلّا بَعْدَ إتْقانِ عِلْمِ الأُصُولِ، وأقُولُ: يَبْعُدُ أنْ يَصِيرَ غَيْرُ عِلْمِ الأُصُولِ العَقْلِيِّ قاهِرًا في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ مُوسى قالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ
صفحة ٥٦
قالَ لِمُوسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ فَعارَضَهُ مُوسى وقالَ لَهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَثْبُورُ المَلْعُونُ المَحْبُوسُ عَنِ الخَيْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا أيْ: ما مَنَعَكَ مِنهُ وما صَرَفَكَ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ ثَبَرْتُ فُلانًا عَنِ الشَّيْءِ أثْبُرُهُ أيْ: رَدَدْتُهُ عَنْهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هالِكًا، وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ ثُبِرَ الرَّجُلُ فَهو مَثْبُورٌ إذا هَلَكَ، والثُّبُورُ الهَلاكُ، ومِن مَعْرُوفِ الكَلامِ فُلانٌ يَدْعُو بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ تَنالُهُ، وقالَ تَعالى: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٤) واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا وصَفَ مُوسى بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا أجابَهُ مُوسى بِأنَّكَ مَثْبُورٌ، يَعْنِي: هَذِهِ الآياتُ ظاهِرَةٌ، وهَذِهِ المُعْجِزاتُ قاهِرَةٌ ولا يَرْتابُ العاقِلُ في أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ وفي أنَّهُ تَعالى إنَّما أظْهَرَها لِأجْلِ تَصْدِيقِي وأنْتَ تُنْكِرُها فَلا يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الإنْكارِ إلّا الحَسَدُ والعِنادُ والغَيُّ والجَهْلُ وحُبُّ الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ عاقِبَتُهُ الدَّمارُ والثُّبُورُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُخْرِجَهم - يَعْنِي مُوسى وقَوْمَهُ بَنِي إسْرائِيلَ -، ومَعْنى تَفْسِيرِ الِاسْتِفْزازِ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ، قالَ الزَّجّاجُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اسْتِفْزازِهِمْ إخْراجَهم مِنهم بِالقَتْلِ أوْ بِالتَّنْحِيَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ المَعْنى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ (فاطِرٍ: ٤٣) أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُخْرِجَ مُوسى مِن أرْضِ مِصْرَ لِتَخْلُصَ لَهُ تِلْكَ البِلادُ، واللَّهُ تَعالى أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وجَعَلَ مُلْكَ مِصْرَ خالِصَةً لِمُوسى ولِقَوْمِهِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اسْكُنُوا الأرْضَ خالِصَةً لَكم خالِيَةً مِن عَدُوِّكم قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ يُرِيدُ القِيامَةَ ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ مِن هَهُنا وهَهُنا، واللَّفِيفُ الجَمْعُ العَظِيمُ مِن أخْلاطٍ شَتّى مِنَ الشَّرِيفِ والدَّنِيءِ والمُطِيعِ والعاصِي والقَوِيِّ والضَّعِيفِ، وكُلُّ شَيْءٍ خَلَطْتَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ لَفَفْتَهُ، ومِنهُ قِيلَ: لَفَفْتُ الجُيُوشَ إذا ضَرَبْتَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وقَوْلُهُ التَفَّتِ الزُّحُوفُ ومِنهُ التَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ، والمَعْنى جِئْنا بِكم مِن قُبُورِكم إلى المَحْشَرِ أخْلاطًا يَعْنِي جَمِيعَ الخَلْقِ المُسْلِمَ والكافِرَ والبَرَّ والفاجِرَ.
الإسراء 17:104
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٥٤
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أيْضًا الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ حَتّى تَأْتِيَنا بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ فَقالَ تَعالى: (إنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ) مُعْجِزاتٍ مُساوِيَةً لِهَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي طَلَبْتُمُوها بَلْ أقْوى مِنها وأعْظَمَ فَلَوْ حَصَلَ في عِلْمِنا أنَّ جَعْلَها في زَمانِكم مَصْلَحَةٌ لَفَعَلْناها كَما فَعَلْنا في حَقِّ مُوسى فَدَلَّ هَذا عَلى أنّا إنَّما لَمْ نَفْعَلْها في زَمانِكم لِعِلْمِنا أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في فِعْلِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ أشْياءَ كَثِيرَةً مِن مُعْجِزاتِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ العُقْدَةَ مِن لِسانِهِ، قِيلَ في التَّفْسِيرِ ذَهَبَتِ العُجْمَةُ وصارَ فَصِيحًا.
وثانِيها: انْقِلابُ العَصا حَيَّةً.
وثالِثُها: تَلْقَفُ الحَيَّةُ حِبالَهم وعِصِيَّهم مَعَ كَثْرَتِها.
ورابِعُها: اليَدُ البَيْضاءُ.
وخَمْسَةٌ أُخَرُ وهي: الطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ.
والعاشِرُ: شَقُّ البَحْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ (البَقَرَةِ: ٥٠) .
والحادِيَ عَشَرَ: الحَجَرُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ (الأعْرافِ: ١٦٠) .
الثّانِيَ عَشَرَ: إظْلالُ الجَبَلِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] .
والثّالِثَ عَشَرَ: إنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ.
والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ (الأعْرافِ: ١٣٠) .
والسّادِسَ عَشَرَ: الطَّمْسُ عَلى أمْوالِهِمْ مِنَ النَّحْلِ والدَّقِيقِ والأطْعِمَةِ والدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ سَألَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ في مَسْألَةِ التِّسْعِ: حَلَّ عُقْدَةِ اللِّسانِ والطَّمْسَ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هَكَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ الفَقِيهُ، ثُمَّ قالَ: يا غُلامُ أخْرِجْ ذَلِكَ الجِرابَ فَأخْرَجَهُ فَنَفَضَهُ فَإذا فِيهِ بَيْضٌ مَكْسُورٌ نِصْفَيْنِ وجَوْزٌ مَكْسُورٌ وفُولٌ وحِمَّصٌ وعَدَسٌ كُلُّها حِجارَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ السِّتَّةَ عَشَرَ لِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ وتَخْصِيصُ التِّسْعَةِ بِالذِّكْرِ لا يَقْدَحُ فِيهِ ثُبُوتُ الزّائِدِ عَلَيْهِ لِأنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ بَلْ نَقُولُ إنَّما يُتَمَسَّكُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ نَقُولُ: أمّا هَذِهِ التِّسْعَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى سَبْعَةٍ مِنها وهي العَصا واليَدُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وبَقِيَ الِاثْنانِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلٌ آخَرُ فِيهِما، ولَمّا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأحْوالُ مُسْتَنِدَةً إلى حُجَّةٍ ظَنِّيَّةٍ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ يَقِينِيَّةٍ لا جَرَمَ تُرِكَتْ تِلْكَ الرِّواياتُ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أقْوالٌ أجْوَدُها ما رَوى صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ أنَّهُ قالَ: «إنَّ يَهُودِيًّا قالَ لِصاحِبِهِ اذْهَبْ بِنا إلى هَذا النَّبِيِّ نَسْألُهُ عَنْ تِسْعِ آياتٍ فَذَهَبا إلى النَّبِيِّ ﷺ وسَألاهُ عَنْها فَقالَ: هُنَّ أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتُلُوا ولا تَسْحَرُوا ولا تَأْكُلُوا الرِّبا ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنَةَ ولا تُوَلُّوا الفِرارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةَ اليَهُودِ أنْ تَعْدِلُوا في السَّبْتِ فَقامَ اليَهُودِيّانِ فَقَبَّلا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ وقالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ نَبِيٌّ ولَوْلا نَخافُ القَتْلَ وإلّا اتَّبَعْناكَ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهُمْ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ دَخَلَ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ - إذْ جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ فاسْألْهم - وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَيْسَ المَطْلُوبُ مِن سُؤالِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسْتَفِيدَ هَذا العِلْمَ مِنهم بَلِ المَقْصُودُ أنَّ يَظْهَرَ لِعامَّةِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ صِدْقُ ما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ، فَيَكُونُ هَذا السُّؤالُ سُؤالُ اسْتِشْهادٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ سَلْهم عَنْ فِرْعَوْنَ، وقُلْ لَهُ
صفحة ٥٥
أرْسِلْ مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ سَلْهم أنْ يُوافِقُوكَ والتَمِسْ مِنهُمُ الإيمانَ الصّالِحَ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فالتَّقْدِيرُ: فَقُلْنا لَهُ سَلْهم أنْ يُعاضِدُوكَ وتَكُونَ قُلُوبُهم وأيْدِيهِمْ مَعَكَ.
البَحْثُ الثّانِي: أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَسْألَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعْناهُ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ والَّذِينَ جاءَهم مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ إلّا أنَّ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا كانُوا أوْلادَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُوسى حَسُنَتْ هَذِهِ الكِنايَةُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِمُوسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ وفي لَفْظِ المَسْحُورِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ بِمَعْنى السّاحِرِ كالمَشْئُومِ والمَيْمُونِ وذَكَرْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] .
الثّانِي: أنَّهُ مَفْعُولٌ مِنَ السِّحْرِ، أيْ أنَّ النّاسَ سَحَرُوكَ وخَبَلُوكَ فَتَقُولُ هَذِهِ الكَلَمّاتِ لِهَذا السَّبَبِ.
الثّالِثُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ مَعْناهُ أُعْطِيتَ عِلْمَ السِّحْرِ، فَهَذِهِ العَجائِبُ الَّتِي تَأْتِي بِها مِن ذَلِكَ السِّحْرِ ثُمَّ أجابَهُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ الكِسائِيُّ عَلِمْتُ بِضَمِّ التّاءِ أيْ: عَلِمْتُ أنَّها مِن عِلْمِ اللَّهِ فَإنْ عَلِمْتَ وأقْرَرْتَ وإلّا هَلَكْتَ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، وضَمُّ التّاءَ قِراءَةُ عَلِيٍّ، وفَتْحُها قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: واللَّهِ ما عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ ولَكِنْ مُوسى هو الَّذِي عَلِمَ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ (النَّمْلِ: ١٤) عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ كانُوا قَدْ عَرَفُوا صِحَّةَ أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ في القِراءَةِ الفَتْحُ؛ لِأنَّ عِلْمَ فِرْعَوْنَ بِأنَّها آياتٌ نازِلَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْكَدُ في الحُجَّةِ، فاحْتِجاجُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى فِرْعَوْنَ بِعِلْمِ فِرْعَوْنَ أوْكَدُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِعِلْمِ نَفْسِهِ، وأجابَ النّاصِرُونَ لِقِراءَةِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ دَلِيلِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَيْقَنُوا شَيْئًا ما، فَأمّا أنَّهُمُ اسْتَيْقَنُوا كَوْنَ هَذِهِ الآياتِ نازِلَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وأجابُوا عَنِ الوَجْهِ الثّانِي بِأنَّ فِرْعَوْنَ قالَ ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٧) قالَ مُوسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ فَكَأنَّهُ نَفى ذَلِكَ وقالَ لَقَدْ عَلِمْتَ صِحَّةَ ما أتَيْتُ بِهِ عِلْمًا صَحِيحًا عِلْمَ العُقَلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولا تَشُكَّ في ذَلِكَ بِسَبَبِ سَفاهَتِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: التَّقْدِيرُ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ الآياتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأقْوامِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَصائِرَ﴾ أيْ حُجَجًا بَيِّنَةً كَأنَّها بَصائِرُ العُقُولِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ المُعْجِزَةَ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَعَلَهُ فاعِلُهُ لِغَرَضِ تَصْدِيقِ المُدَّعى، ومُعْجِزاتُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِأنَّها كانَتْ أفْعالًا خارِقَةً لِلْعادَةِ، وصَرائِحُ العُقُولِ تَشْهَدُ بِأنَّ قَلْبَ العَصا حَيَّةً مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الحَيَّةَ تَلَقَّفَتْ حِبالَ السَّحَرَةِ وعِصِيَّهم عَلى كَثْرَتِها ثُمَّ عادَتْ عَصًا كَما كانَتْ فَأصْنافُ تِلْكَ الأفْعالِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ إلّا اللَّهُ، وكَذا القَوْلُ في فَرْقِ البَحْرِ وإظْلالِ الجَبَلِ فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ ما أنْزَلَها إلّا رَبُّ السَّماواتِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِتَدُلَّ عَلى صِدْقِ مُوسى في دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالَ كَوْنِها بَصائِرَ أيْ دالَّةً عَلى صِدْقِ مُوسى في دَعْواهُ، وهَذِهِ الدَّقائِقُ لا يُمْكِنُ فَهْمُها مِنَ القُرْآنِ إلّا بَعْدَ إتْقانِ عِلْمِ الأُصُولِ، وأقُولُ: يَبْعُدُ أنْ يَصِيرَ غَيْرُ عِلْمِ الأُصُولِ العَقْلِيِّ قاهِرًا في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ مُوسى قالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ
صفحة ٥٦
قالَ لِمُوسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ فَعارَضَهُ مُوسى وقالَ لَهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَثْبُورُ المَلْعُونُ المَحْبُوسُ عَنِ الخَيْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا أيْ: ما مَنَعَكَ مِنهُ وما صَرَفَكَ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ ثَبَرْتُ فُلانًا عَنِ الشَّيْءِ أثْبُرُهُ أيْ: رَدَدْتُهُ عَنْهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هالِكًا، وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ ثُبِرَ الرَّجُلُ فَهو مَثْبُورٌ إذا هَلَكَ، والثُّبُورُ الهَلاكُ، ومِن مَعْرُوفِ الكَلامِ فُلانٌ يَدْعُو بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ تَنالُهُ، وقالَ تَعالى: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٤) واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا وصَفَ مُوسى بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا أجابَهُ مُوسى بِأنَّكَ مَثْبُورٌ، يَعْنِي: هَذِهِ الآياتُ ظاهِرَةٌ، وهَذِهِ المُعْجِزاتُ قاهِرَةٌ ولا يَرْتابُ العاقِلُ في أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ وفي أنَّهُ تَعالى إنَّما أظْهَرَها لِأجْلِ تَصْدِيقِي وأنْتَ تُنْكِرُها فَلا يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الإنْكارِ إلّا الحَسَدُ والعِنادُ والغَيُّ والجَهْلُ وحُبُّ الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ عاقِبَتُهُ الدَّمارُ والثُّبُورُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُخْرِجَهم - يَعْنِي مُوسى وقَوْمَهُ بَنِي إسْرائِيلَ -، ومَعْنى تَفْسِيرِ الِاسْتِفْزازِ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ، قالَ الزَّجّاجُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اسْتِفْزازِهِمْ إخْراجَهم مِنهم بِالقَتْلِ أوْ بِالتَّنْحِيَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ المَعْنى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ (فاطِرٍ: ٤٣) أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُخْرِجَ مُوسى مِن أرْضِ مِصْرَ لِتَخْلُصَ لَهُ تِلْكَ البِلادُ، واللَّهُ تَعالى أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وجَعَلَ مُلْكَ مِصْرَ خالِصَةً لِمُوسى ولِقَوْمِهِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اسْكُنُوا الأرْضَ خالِصَةً لَكم خالِيَةً مِن عَدُوِّكم قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ يُرِيدُ القِيامَةَ ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ مِن هَهُنا وهَهُنا، واللَّفِيفُ الجَمْعُ العَظِيمُ مِن أخْلاطٍ شَتّى مِنَ الشَّرِيفِ والدَّنِيءِ والمُطِيعِ والعاصِي والقَوِيِّ والضَّعِيفِ، وكُلُّ شَيْءٍ خَلَطْتَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ لَفَفْتَهُ، ومِنهُ قِيلَ: لَفَفْتُ الجُيُوشَ إذا ضَرَبْتَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وقَوْلُهُ التَفَّتِ الزُّحُوفُ ومِنهُ التَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ، والمَعْنى جِئْنا بِكم مِن قُبُورِكم إلى المَحْشَرِ أخْلاطًا يَعْنِي جَمِيعَ الخَلْقِ المُسْلِمَ والكافِرَ والبَرَّ والفاجِرَ.
الإسراء 17:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ قاهِرٌ دالٌّ عَلى الصِّدْقِ في قَوْلِهِ:
صفحة ٥٧
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ (الإسْراءِ: ٨٨) ثُمَّ حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِهَذا المُعْجِزِ بَلْ طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى إظْهارِ سائِرِ المُعْجِزاتِ وبَيَّنَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِنها أنَّ قَوْمَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - آتاهُمُ اللَّهُ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَلَمّا جَحَدُوا بِها أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَوْ آتى قَوْمَ مُحَمَّدٍ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ثُمَّ كَفَرُوا بِها وجَبَ إنْزالُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ بِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في الحِكْمَةِ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ والَّذِي لا يُؤْمِنُ فَسَيَظْهَرُ مِن نَسْلِهِ مَن يَصِيرُ مُؤْمِنًا، ولَمّا تَمَّ هَذا الجَوابُ عادَ إلى تَعْظِيمِ حالِ القُرْآنِ وجَلالَةِ دَرَجَتِهِ فَقالَ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ ما أرَدْنا بِإنْزالِهِ إلّا تَقْرِيرَ الحَقِّ والصِّدْقِ وكَما أرَدْنا هَذا المَعْنى فَكَذَلِكَ وقَعَ هَذا المَعْنى وحَصَلَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ كَما أنَّ الباطِلَ هو الزّائِلُ الذّاهِبُ، وهَذا الكِتابُ الكَرِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى أشْياءَ لا تَزُولُ وذَلِكَ لِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ وعَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وتَقْرِيرِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقْبَلُ الزَّوالَ ومُشْتَمِلٌ أيْضًا عَلى شَرِيعَةٍ باقِيَةٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها النَّسْخُ والنَّقْضُ والتَّحْرِيفُ، وأيْضًا فَهَذا الكِتابُ كِتابٌ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ عَنْ تَحْرِيفِ الزّائِغَيْنِ وتَبْدِيلِ الجاهِلِينَ كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩) فَكانَ هَذا الكِتابُ حَقًّا مِن كُلِّ الوُجُوهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّهُ ما أُنْزِلَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ سِوى إظْهارِ الحَقِّ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما قَصَدَ بِإنْزالِهِ إضْلالَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ ولا إغْوائِهِ ولا مَنعِهِ عَنْ دِينِ اللَّهِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْزالَ غَيْرُ النُّزُولِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ غَيْرَ المَخْلُوقِ وأنْ يَكُونَ التَّكْوِينُ غَيْرَ المُكَوَّنِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَما تَقُولُ نَزَلَ بِعِدَّتِهِ وخَرَجَ بِسِلاحِهِ، والمَعْنى أنْزَلْنا القُرْآنَ مَعَ الحَقِّ، وقَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنَّ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَزَلَ بِالحَقِّ كَما تَقُولُ نَزَلْتُ بِزَيْدٍ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، الحَقُّ مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ أيْ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ ويَتَمَرَّدُونَ عَنْ قَبُولِ دِينِكَ لا شَيْءَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ فَإنِّي ما أرْسَلْتُكَ إلّا مُبَشِّرًا لِلْمُطِيعِينَ ونَذِيرًا لِلْجاحِدِينَ، فَإنْ قَبِلُوا الدِّينَ الحَقَّ انْتَفَعُوا بِهِ وإلّا فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ شَيْءٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزٌ إلّا أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ دُفْعَةً واحِدَةً لِيَظْهَرَ فِيهِ وجْهُ الإعْجازِ فَجَعَلُوا إتْيانَ الرَّسُولِ بِهَذا القُرْآنِ مُتَفَرِّقًا شُبْهَةً في أنَّهُ يَتَفَكَّرُ في فَصْلٍ فَصْلٍ ويَقْرَأُهُ عَلى النّاسِ فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما فَرَّقَهُ لِيَكُونَ حِفْظُهُ أسْهَلَ ولِتَكُونَ الإحاطَةُ والوُقُوفُ عَلى دَقائِقِهِ وحَقائِقِهِ أسْهَلَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ نَزَلَ القُرْآنُ كُلُّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ مِنَ السَّماءِ العُلْيا إلى السَّماءِ السُّفْلى، ثُمَّ فُصِّلَ في السِّنِينَ الَّتِي نَزَلَ فِيها، قالَقَتادَةُ: كانَ بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً، والمَعْنى قَطَّعْناهُ آيَةً آيَةً وسُورَةً سُورَةً ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ - عَلى مَهَلٍ وتَؤَدَةٍ أيْ لا عَلى فَوْرَةٍ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ مَكَثَ ومَكُثَ يَمْكُثُ، والفَتْحُ قِراءَةُ عاصِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٢) .
صفحة ٥٨
البَحْثُ الثّالِثُ: الِاخْتِيارُ عِنْدَ الأئِمَّةِ فَرَقْناهُ بِالتَّخْفِيفِ، وفَسَّرَهُ أبُو عَمْرٍو: بَيَّنّاهُ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: التَّخْفِيفُ أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّ تَفْسِيرَهُ بَيَّنّاهُ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى إلّا أنَّهُ أُنْزِلَ مُتَفَرِّقًا فالفَرْقُ يَتَضَمَّنُ التَّبْيِينَ، ويُؤَكِّدُهُ ما رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: فَرَّقْتُ أُفَرِّقُ بَيْنَ الكَلامِ وفَرَّقْتُ بَيْنَ الأجْسامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: ”«البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا» “ ولَمْ يَقُلْ يَفْتَرِقا والتَّفَرُّقُ مُطاوِعُ التَّفْرِيقِ والِافْتِراقُ مُطاوِعُ الفَرْقِ ثُمَّ قالَ: ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ أيْ عَلى الحَدِّ المَذْكُورِ والصِّفَةِ المَذْكُورَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ يُخاطِبُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةَ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ والإنْكارِ، أيْ أنَّهُ تَعالى أوْضَحَ البَيِّناتِ والدَّلائِلَ وأزاحَ الأعْذارَ فاخْتارُوا ما تُرِيدُونَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ، قالَ مُجاهِدٌ: هم ناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ حِينَ سَمِعُوا ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ خَرُّوا سُجَّدًا، مِنهم زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ثُمَّ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الذَّقَنُ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ وكُلَّما يَبْتَدِئُ الإنْسانُ بِالخُرُورِ إلى السُّجُودِ فَأقْرَبُ الأشْياءِ مِنَ الجَبْهَةِ إلى الأرْضِ الذَّقَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأذْقانَ كِنايَةٌ عَنِ اللِّحى والإنْسانُ إذا بالَغَ عِنْدَ السُّجُودِ في الخُضُوعِ والخُشُوعِ رُبَّما مَسَحَ لِحْيَتَهُ عَلى التُّرابِ، فَإنَّ اللِّحْيَةَ يُبالَغُ في تَنْظِيفِها فَإذا عَفَّرَها الإنْسانُ بِالتُّرابِ فَقَدْ أتى بِغايَةِ التَّعْظِيمِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ إذا اسْتَوْلى عَلَيْهِ خَوْفُ اللَّهِ تَعالى فَرُبَّما سَقَطَ عَلى الأرْضِ في مَعْرِضِ السُّجُودِ كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ خُرُورُهُ عَلى الذَّقَنِ في مَوْضِعِ السُّجُودِ فَقَوْلُهُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ ولَهِهِ وخَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ، ثُمَّ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمْ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ولَمْ يَقُلْ يَسْجُدُونَ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا اللَّفْظِ مُسارَعَتُهم إلى ذَلِكَ حَتّى أنَّهم يَسْقُطُونَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَلى الأذْقانِ ؟ والجَوابُ: العَرَبُ تَقُولُ إذا خَرَّ الرَّجُلُ فَوَقَعَ عَلى وجْهِهِ خَرَّ لِلذَّقَنِ واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ والمَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ في سُجُودِهِمْ: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ أيْ يُنَزِّهُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ أيْ بِإنْزالِ القُرْآنِ وبَعْثِ مُحَمَّدٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّ الوَعْدَ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ سَبَقَ في كِتابِهِمْ فَهم كانُوا يَنْتَظِرُونَ إنْجازَ ذَلِكَ الوَعْدِ ثُمَّ قالَ: ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ والفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ اخْتِلافُ الحالَيْنِ وهُما خَرُورُهم لِلسُّجُودِ، وفي حالِ كَوْنِهِمْ باكِينَ عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُ القَوْلِ دَلالَةً عَلى تَكْرارِ الفِعْلِ مِنهم وقَوْلُهُ: ﴿يَبْكُونَ﴾ مَعْناهُ الحالُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ أيْ تَواضُعًا، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ تَحْقِيرِهِمْ والِازْدِراءِ بِشَأْنِهِمْ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وامْتِناعِهِمْ مِنهُ، وأنَّهم وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم.
الإسراء 17:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ قاهِرٌ دالٌّ عَلى الصِّدْقِ في قَوْلِهِ:
صفحة ٥٧
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ (الإسْراءِ: ٨٨) ثُمَّ حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِهَذا المُعْجِزِ بَلْ طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى إظْهارِ سائِرِ المُعْجِزاتِ وبَيَّنَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِنها أنَّ قَوْمَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - آتاهُمُ اللَّهُ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَلَمّا جَحَدُوا بِها أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَوْ آتى قَوْمَ مُحَمَّدٍ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ثُمَّ كَفَرُوا بِها وجَبَ إنْزالُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ بِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في الحِكْمَةِ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ والَّذِي لا يُؤْمِنُ فَسَيَظْهَرُ مِن نَسْلِهِ مَن يَصِيرُ مُؤْمِنًا، ولَمّا تَمَّ هَذا الجَوابُ عادَ إلى تَعْظِيمِ حالِ القُرْآنِ وجَلالَةِ دَرَجَتِهِ فَقالَ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ ما أرَدْنا بِإنْزالِهِ إلّا تَقْرِيرَ الحَقِّ والصِّدْقِ وكَما أرَدْنا هَذا المَعْنى فَكَذَلِكَ وقَعَ هَذا المَعْنى وحَصَلَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ كَما أنَّ الباطِلَ هو الزّائِلُ الذّاهِبُ، وهَذا الكِتابُ الكَرِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى أشْياءَ لا تَزُولُ وذَلِكَ لِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ وعَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وتَقْرِيرِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقْبَلُ الزَّوالَ ومُشْتَمِلٌ أيْضًا عَلى شَرِيعَةٍ باقِيَةٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها النَّسْخُ والنَّقْضُ والتَّحْرِيفُ، وأيْضًا فَهَذا الكِتابُ كِتابٌ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ عَنْ تَحْرِيفِ الزّائِغَيْنِ وتَبْدِيلِ الجاهِلِينَ كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩) فَكانَ هَذا الكِتابُ حَقًّا مِن كُلِّ الوُجُوهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّهُ ما أُنْزِلَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ سِوى إظْهارِ الحَقِّ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما قَصَدَ بِإنْزالِهِ إضْلالَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ ولا إغْوائِهِ ولا مَنعِهِ عَنْ دِينِ اللَّهِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْزالَ غَيْرُ النُّزُولِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ غَيْرَ المَخْلُوقِ وأنْ يَكُونَ التَّكْوِينُ غَيْرَ المُكَوَّنِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَما تَقُولُ نَزَلَ بِعِدَّتِهِ وخَرَجَ بِسِلاحِهِ، والمَعْنى أنْزَلْنا القُرْآنَ مَعَ الحَقِّ، وقَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنَّ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَزَلَ بِالحَقِّ كَما تَقُولُ نَزَلْتُ بِزَيْدٍ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، الحَقُّ مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ أيْ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ ويَتَمَرَّدُونَ عَنْ قَبُولِ دِينِكَ لا شَيْءَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ فَإنِّي ما أرْسَلْتُكَ إلّا مُبَشِّرًا لِلْمُطِيعِينَ ونَذِيرًا لِلْجاحِدِينَ، فَإنْ قَبِلُوا الدِّينَ الحَقَّ انْتَفَعُوا بِهِ وإلّا فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ شَيْءٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزٌ إلّا أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ دُفْعَةً واحِدَةً لِيَظْهَرَ فِيهِ وجْهُ الإعْجازِ فَجَعَلُوا إتْيانَ الرَّسُولِ بِهَذا القُرْآنِ مُتَفَرِّقًا شُبْهَةً في أنَّهُ يَتَفَكَّرُ في فَصْلٍ فَصْلٍ ويَقْرَأُهُ عَلى النّاسِ فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما فَرَّقَهُ لِيَكُونَ حِفْظُهُ أسْهَلَ ولِتَكُونَ الإحاطَةُ والوُقُوفُ عَلى دَقائِقِهِ وحَقائِقِهِ أسْهَلَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ نَزَلَ القُرْآنُ كُلُّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ مِنَ السَّماءِ العُلْيا إلى السَّماءِ السُّفْلى، ثُمَّ فُصِّلَ في السِّنِينَ الَّتِي نَزَلَ فِيها، قالَقَتادَةُ: كانَ بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً، والمَعْنى قَطَّعْناهُ آيَةً آيَةً وسُورَةً سُورَةً ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ - عَلى مَهَلٍ وتَؤَدَةٍ أيْ لا عَلى فَوْرَةٍ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ مَكَثَ ومَكُثَ يَمْكُثُ، والفَتْحُ قِراءَةُ عاصِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٢) .
صفحة ٥٨
البَحْثُ الثّالِثُ: الِاخْتِيارُ عِنْدَ الأئِمَّةِ فَرَقْناهُ بِالتَّخْفِيفِ، وفَسَّرَهُ أبُو عَمْرٍو: بَيَّنّاهُ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: التَّخْفِيفُ أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّ تَفْسِيرَهُ بَيَّنّاهُ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى إلّا أنَّهُ أُنْزِلَ مُتَفَرِّقًا فالفَرْقُ يَتَضَمَّنُ التَّبْيِينَ، ويُؤَكِّدُهُ ما رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: فَرَّقْتُ أُفَرِّقُ بَيْنَ الكَلامِ وفَرَّقْتُ بَيْنَ الأجْسامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: ”«البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا» “ ولَمْ يَقُلْ يَفْتَرِقا والتَّفَرُّقُ مُطاوِعُ التَّفْرِيقِ والِافْتِراقُ مُطاوِعُ الفَرْقِ ثُمَّ قالَ: ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ أيْ عَلى الحَدِّ المَذْكُورِ والصِّفَةِ المَذْكُورَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ يُخاطِبُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةَ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ والإنْكارِ، أيْ أنَّهُ تَعالى أوْضَحَ البَيِّناتِ والدَّلائِلَ وأزاحَ الأعْذارَ فاخْتارُوا ما تُرِيدُونَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ، قالَ مُجاهِدٌ: هم ناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ حِينَ سَمِعُوا ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ خَرُّوا سُجَّدًا، مِنهم زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ثُمَّ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الذَّقَنُ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ وكُلَّما يَبْتَدِئُ الإنْسانُ بِالخُرُورِ إلى السُّجُودِ فَأقْرَبُ الأشْياءِ مِنَ الجَبْهَةِ إلى الأرْضِ الذَّقَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأذْقانَ كِنايَةٌ عَنِ اللِّحى والإنْسانُ إذا بالَغَ عِنْدَ السُّجُودِ في الخُضُوعِ والخُشُوعِ رُبَّما مَسَحَ لِحْيَتَهُ عَلى التُّرابِ، فَإنَّ اللِّحْيَةَ يُبالَغُ في تَنْظِيفِها فَإذا عَفَّرَها الإنْسانُ بِالتُّرابِ فَقَدْ أتى بِغايَةِ التَّعْظِيمِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ إذا اسْتَوْلى عَلَيْهِ خَوْفُ اللَّهِ تَعالى فَرُبَّما سَقَطَ عَلى الأرْضِ في مَعْرِضِ السُّجُودِ كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ خُرُورُهُ عَلى الذَّقَنِ في مَوْضِعِ السُّجُودِ فَقَوْلُهُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ ولَهِهِ وخَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ، ثُمَّ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمْ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ولَمْ يَقُلْ يَسْجُدُونَ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا اللَّفْظِ مُسارَعَتُهم إلى ذَلِكَ حَتّى أنَّهم يَسْقُطُونَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَلى الأذْقانِ ؟ والجَوابُ: العَرَبُ تَقُولُ إذا خَرَّ الرَّجُلُ فَوَقَعَ عَلى وجْهِهِ خَرَّ لِلذَّقَنِ واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ والمَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ في سُجُودِهِمْ: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ أيْ يُنَزِّهُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ أيْ بِإنْزالِ القُرْآنِ وبَعْثِ مُحَمَّدٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّ الوَعْدَ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ سَبَقَ في كِتابِهِمْ فَهم كانُوا يَنْتَظِرُونَ إنْجازَ ذَلِكَ الوَعْدِ ثُمَّ قالَ: ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ والفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ اخْتِلافُ الحالَيْنِ وهُما خَرُورُهم لِلسُّجُودِ، وفي حالِ كَوْنِهِمْ باكِينَ عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُ القَوْلِ دَلالَةً عَلى تَكْرارِ الفِعْلِ مِنهم وقَوْلُهُ: ﴿يَبْكُونَ﴾ مَعْناهُ الحالُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ أيْ تَواضُعًا، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ تَحْقِيرِهِمْ والِازْدِراءِ بِشَأْنِهِمْ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وامْتِناعِهِمْ مِنهُ، وأنَّهم وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم.
الإسراء 17:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ قاهِرٌ دالٌّ عَلى الصِّدْقِ في قَوْلِهِ:
صفحة ٥٧
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ (الإسْراءِ: ٨٨) ثُمَّ حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِهَذا المُعْجِزِ بَلْ طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى إظْهارِ سائِرِ المُعْجِزاتِ وبَيَّنَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِنها أنَّ قَوْمَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - آتاهُمُ اللَّهُ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَلَمّا جَحَدُوا بِها أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَوْ آتى قَوْمَ مُحَمَّدٍ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ثُمَّ كَفَرُوا بِها وجَبَ إنْزالُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ بِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في الحِكْمَةِ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ والَّذِي لا يُؤْمِنُ فَسَيَظْهَرُ مِن نَسْلِهِ مَن يَصِيرُ مُؤْمِنًا، ولَمّا تَمَّ هَذا الجَوابُ عادَ إلى تَعْظِيمِ حالِ القُرْآنِ وجَلالَةِ دَرَجَتِهِ فَقالَ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ ما أرَدْنا بِإنْزالِهِ إلّا تَقْرِيرَ الحَقِّ والصِّدْقِ وكَما أرَدْنا هَذا المَعْنى فَكَذَلِكَ وقَعَ هَذا المَعْنى وحَصَلَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ كَما أنَّ الباطِلَ هو الزّائِلُ الذّاهِبُ، وهَذا الكِتابُ الكَرِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى أشْياءَ لا تَزُولُ وذَلِكَ لِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ وعَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وتَقْرِيرِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقْبَلُ الزَّوالَ ومُشْتَمِلٌ أيْضًا عَلى شَرِيعَةٍ باقِيَةٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها النَّسْخُ والنَّقْضُ والتَّحْرِيفُ، وأيْضًا فَهَذا الكِتابُ كِتابٌ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ عَنْ تَحْرِيفِ الزّائِغَيْنِ وتَبْدِيلِ الجاهِلِينَ كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩) فَكانَ هَذا الكِتابُ حَقًّا مِن كُلِّ الوُجُوهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّهُ ما أُنْزِلَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ سِوى إظْهارِ الحَقِّ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما قَصَدَ بِإنْزالِهِ إضْلالَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ ولا إغْوائِهِ ولا مَنعِهِ عَنْ دِينِ اللَّهِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْزالَ غَيْرُ النُّزُولِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ غَيْرَ المَخْلُوقِ وأنْ يَكُونَ التَّكْوِينُ غَيْرَ المُكَوَّنِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَما تَقُولُ نَزَلَ بِعِدَّتِهِ وخَرَجَ بِسِلاحِهِ، والمَعْنى أنْزَلْنا القُرْآنَ مَعَ الحَقِّ، وقَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنَّ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَزَلَ بِالحَقِّ كَما تَقُولُ نَزَلْتُ بِزَيْدٍ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، الحَقُّ مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ أيْ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ ويَتَمَرَّدُونَ عَنْ قَبُولِ دِينِكَ لا شَيْءَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ فَإنِّي ما أرْسَلْتُكَ إلّا مُبَشِّرًا لِلْمُطِيعِينَ ونَذِيرًا لِلْجاحِدِينَ، فَإنْ قَبِلُوا الدِّينَ الحَقَّ انْتَفَعُوا بِهِ وإلّا فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ شَيْءٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزٌ إلّا أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ دُفْعَةً واحِدَةً لِيَظْهَرَ فِيهِ وجْهُ الإعْجازِ فَجَعَلُوا إتْيانَ الرَّسُولِ بِهَذا القُرْآنِ مُتَفَرِّقًا شُبْهَةً في أنَّهُ يَتَفَكَّرُ في فَصْلٍ فَصْلٍ ويَقْرَأُهُ عَلى النّاسِ فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما فَرَّقَهُ لِيَكُونَ حِفْظُهُ أسْهَلَ ولِتَكُونَ الإحاطَةُ والوُقُوفُ عَلى دَقائِقِهِ وحَقائِقِهِ أسْهَلَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ نَزَلَ القُرْآنُ كُلُّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ مِنَ السَّماءِ العُلْيا إلى السَّماءِ السُّفْلى، ثُمَّ فُصِّلَ في السِّنِينَ الَّتِي نَزَلَ فِيها، قالَقَتادَةُ: كانَ بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً، والمَعْنى قَطَّعْناهُ آيَةً آيَةً وسُورَةً سُورَةً ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ - عَلى مَهَلٍ وتَؤَدَةٍ أيْ لا عَلى فَوْرَةٍ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ مَكَثَ ومَكُثَ يَمْكُثُ، والفَتْحُ قِراءَةُ عاصِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٢) .
صفحة ٥٨
البَحْثُ الثّالِثُ: الِاخْتِيارُ عِنْدَ الأئِمَّةِ فَرَقْناهُ بِالتَّخْفِيفِ، وفَسَّرَهُ أبُو عَمْرٍو: بَيَّنّاهُ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: التَّخْفِيفُ أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّ تَفْسِيرَهُ بَيَّنّاهُ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى إلّا أنَّهُ أُنْزِلَ مُتَفَرِّقًا فالفَرْقُ يَتَضَمَّنُ التَّبْيِينَ، ويُؤَكِّدُهُ ما رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: فَرَّقْتُ أُفَرِّقُ بَيْنَ الكَلامِ وفَرَّقْتُ بَيْنَ الأجْسامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: ”«البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا» “ ولَمْ يَقُلْ يَفْتَرِقا والتَّفَرُّقُ مُطاوِعُ التَّفْرِيقِ والِافْتِراقُ مُطاوِعُ الفَرْقِ ثُمَّ قالَ: ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ أيْ عَلى الحَدِّ المَذْكُورِ والصِّفَةِ المَذْكُورَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ يُخاطِبُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةَ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ والإنْكارِ، أيْ أنَّهُ تَعالى أوْضَحَ البَيِّناتِ والدَّلائِلَ وأزاحَ الأعْذارَ فاخْتارُوا ما تُرِيدُونَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ، قالَ مُجاهِدٌ: هم ناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ حِينَ سَمِعُوا ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ خَرُّوا سُجَّدًا، مِنهم زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ثُمَّ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الذَّقَنُ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ وكُلَّما يَبْتَدِئُ الإنْسانُ بِالخُرُورِ إلى السُّجُودِ فَأقْرَبُ الأشْياءِ مِنَ الجَبْهَةِ إلى الأرْضِ الذَّقَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأذْقانَ كِنايَةٌ عَنِ اللِّحى والإنْسانُ إذا بالَغَ عِنْدَ السُّجُودِ في الخُضُوعِ والخُشُوعِ رُبَّما مَسَحَ لِحْيَتَهُ عَلى التُّرابِ، فَإنَّ اللِّحْيَةَ يُبالَغُ في تَنْظِيفِها فَإذا عَفَّرَها الإنْسانُ بِالتُّرابِ فَقَدْ أتى بِغايَةِ التَّعْظِيمِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ إذا اسْتَوْلى عَلَيْهِ خَوْفُ اللَّهِ تَعالى فَرُبَّما سَقَطَ عَلى الأرْضِ في مَعْرِضِ السُّجُودِ كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ خُرُورُهُ عَلى الذَّقَنِ في مَوْضِعِ السُّجُودِ فَقَوْلُهُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ ولَهِهِ وخَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ، ثُمَّ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمْ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ولَمْ يَقُلْ يَسْجُدُونَ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا اللَّفْظِ مُسارَعَتُهم إلى ذَلِكَ حَتّى أنَّهم يَسْقُطُونَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَلى الأذْقانِ ؟ والجَوابُ: العَرَبُ تَقُولُ إذا خَرَّ الرَّجُلُ فَوَقَعَ عَلى وجْهِهِ خَرَّ لِلذَّقَنِ واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ والمَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ في سُجُودِهِمْ: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ أيْ يُنَزِّهُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ أيْ بِإنْزالِ القُرْآنِ وبَعْثِ مُحَمَّدٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّ الوَعْدَ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ سَبَقَ في كِتابِهِمْ فَهم كانُوا يَنْتَظِرُونَ إنْجازَ ذَلِكَ الوَعْدِ ثُمَّ قالَ: ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ والفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ اخْتِلافُ الحالَيْنِ وهُما خَرُورُهم لِلسُّجُودِ، وفي حالِ كَوْنِهِمْ باكِينَ عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُ القَوْلِ دَلالَةً عَلى تَكْرارِ الفِعْلِ مِنهم وقَوْلُهُ: ﴿يَبْكُونَ﴾ مَعْناهُ الحالُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ أيْ تَواضُعًا، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ تَحْقِيرِهِمْ والِازْدِراءِ بِشَأْنِهِمْ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وامْتِناعِهِمْ مِنهُ، وأنَّهم وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم.
الإسراء 17:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ قاهِرٌ دالٌّ عَلى الصِّدْقِ في قَوْلِهِ:
صفحة ٥٧
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ (الإسْراءِ: ٨٨) ثُمَّ حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِهَذا المُعْجِزِ بَلْ طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى إظْهارِ سائِرِ المُعْجِزاتِ وبَيَّنَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِنها أنَّ قَوْمَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - آتاهُمُ اللَّهُ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَلَمّا جَحَدُوا بِها أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَوْ آتى قَوْمَ مُحَمَّدٍ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ثُمَّ كَفَرُوا بِها وجَبَ إنْزالُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ بِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في الحِكْمَةِ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ والَّذِي لا يُؤْمِنُ فَسَيَظْهَرُ مِن نَسْلِهِ مَن يَصِيرُ مُؤْمِنًا، ولَمّا تَمَّ هَذا الجَوابُ عادَ إلى تَعْظِيمِ حالِ القُرْآنِ وجَلالَةِ دَرَجَتِهِ فَقالَ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ ما أرَدْنا بِإنْزالِهِ إلّا تَقْرِيرَ الحَقِّ والصِّدْقِ وكَما أرَدْنا هَذا المَعْنى فَكَذَلِكَ وقَعَ هَذا المَعْنى وحَصَلَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ كَما أنَّ الباطِلَ هو الزّائِلُ الذّاهِبُ، وهَذا الكِتابُ الكَرِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى أشْياءَ لا تَزُولُ وذَلِكَ لِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ وعَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وتَقْرِيرِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقْبَلُ الزَّوالَ ومُشْتَمِلٌ أيْضًا عَلى شَرِيعَةٍ باقِيَةٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها النَّسْخُ والنَّقْضُ والتَّحْرِيفُ، وأيْضًا فَهَذا الكِتابُ كِتابٌ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ عَنْ تَحْرِيفِ الزّائِغَيْنِ وتَبْدِيلِ الجاهِلِينَ كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩) فَكانَ هَذا الكِتابُ حَقًّا مِن كُلِّ الوُجُوهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّهُ ما أُنْزِلَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ سِوى إظْهارِ الحَقِّ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما قَصَدَ بِإنْزالِهِ إضْلالَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ ولا إغْوائِهِ ولا مَنعِهِ عَنْ دِينِ اللَّهِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْزالَ غَيْرُ النُّزُولِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ غَيْرَ المَخْلُوقِ وأنْ يَكُونَ التَّكْوِينُ غَيْرَ المُكَوَّنِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَما تَقُولُ نَزَلَ بِعِدَّتِهِ وخَرَجَ بِسِلاحِهِ، والمَعْنى أنْزَلْنا القُرْآنَ مَعَ الحَقِّ، وقَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنَّ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَزَلَ بِالحَقِّ كَما تَقُولُ نَزَلْتُ بِزَيْدٍ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، الحَقُّ مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ أيْ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ ويَتَمَرَّدُونَ عَنْ قَبُولِ دِينِكَ لا شَيْءَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ فَإنِّي ما أرْسَلْتُكَ إلّا مُبَشِّرًا لِلْمُطِيعِينَ ونَذِيرًا لِلْجاحِدِينَ، فَإنْ قَبِلُوا الدِّينَ الحَقَّ انْتَفَعُوا بِهِ وإلّا فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ شَيْءٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزٌ إلّا أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ دُفْعَةً واحِدَةً لِيَظْهَرَ فِيهِ وجْهُ الإعْجازِ فَجَعَلُوا إتْيانَ الرَّسُولِ بِهَذا القُرْآنِ مُتَفَرِّقًا شُبْهَةً في أنَّهُ يَتَفَكَّرُ في فَصْلٍ فَصْلٍ ويَقْرَأُهُ عَلى النّاسِ فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما فَرَّقَهُ لِيَكُونَ حِفْظُهُ أسْهَلَ ولِتَكُونَ الإحاطَةُ والوُقُوفُ عَلى دَقائِقِهِ وحَقائِقِهِ أسْهَلَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ نَزَلَ القُرْآنُ كُلُّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ مِنَ السَّماءِ العُلْيا إلى السَّماءِ السُّفْلى، ثُمَّ فُصِّلَ في السِّنِينَ الَّتِي نَزَلَ فِيها، قالَقَتادَةُ: كانَ بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً، والمَعْنى قَطَّعْناهُ آيَةً آيَةً وسُورَةً سُورَةً ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ - عَلى مَهَلٍ وتَؤَدَةٍ أيْ لا عَلى فَوْرَةٍ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ مَكَثَ ومَكُثَ يَمْكُثُ، والفَتْحُ قِراءَةُ عاصِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٢) .
صفحة ٥٨
البَحْثُ الثّالِثُ: الِاخْتِيارُ عِنْدَ الأئِمَّةِ فَرَقْناهُ بِالتَّخْفِيفِ، وفَسَّرَهُ أبُو عَمْرٍو: بَيَّنّاهُ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: التَّخْفِيفُ أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّ تَفْسِيرَهُ بَيَّنّاهُ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى إلّا أنَّهُ أُنْزِلَ مُتَفَرِّقًا فالفَرْقُ يَتَضَمَّنُ التَّبْيِينَ، ويُؤَكِّدُهُ ما رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: فَرَّقْتُ أُفَرِّقُ بَيْنَ الكَلامِ وفَرَّقْتُ بَيْنَ الأجْسامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: ”«البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا» “ ولَمْ يَقُلْ يَفْتَرِقا والتَّفَرُّقُ مُطاوِعُ التَّفْرِيقِ والِافْتِراقُ مُطاوِعُ الفَرْقِ ثُمَّ قالَ: ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ أيْ عَلى الحَدِّ المَذْكُورِ والصِّفَةِ المَذْكُورَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ يُخاطِبُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةَ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ والإنْكارِ، أيْ أنَّهُ تَعالى أوْضَحَ البَيِّناتِ والدَّلائِلَ وأزاحَ الأعْذارَ فاخْتارُوا ما تُرِيدُونَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ، قالَ مُجاهِدٌ: هم ناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ حِينَ سَمِعُوا ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ خَرُّوا سُجَّدًا، مِنهم زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ثُمَّ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الذَّقَنُ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ وكُلَّما يَبْتَدِئُ الإنْسانُ بِالخُرُورِ إلى السُّجُودِ فَأقْرَبُ الأشْياءِ مِنَ الجَبْهَةِ إلى الأرْضِ الذَّقَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأذْقانَ كِنايَةٌ عَنِ اللِّحى والإنْسانُ إذا بالَغَ عِنْدَ السُّجُودِ في الخُضُوعِ والخُشُوعِ رُبَّما مَسَحَ لِحْيَتَهُ عَلى التُّرابِ، فَإنَّ اللِّحْيَةَ يُبالَغُ في تَنْظِيفِها فَإذا عَفَّرَها الإنْسانُ بِالتُّرابِ فَقَدْ أتى بِغايَةِ التَّعْظِيمِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ إذا اسْتَوْلى عَلَيْهِ خَوْفُ اللَّهِ تَعالى فَرُبَّما سَقَطَ عَلى الأرْضِ في مَعْرِضِ السُّجُودِ كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ خُرُورُهُ عَلى الذَّقَنِ في مَوْضِعِ السُّجُودِ فَقَوْلُهُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ ولَهِهِ وخَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ، ثُمَّ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمْ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ولَمْ يَقُلْ يَسْجُدُونَ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا اللَّفْظِ مُسارَعَتُهم إلى ذَلِكَ حَتّى أنَّهم يَسْقُطُونَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَلى الأذْقانِ ؟ والجَوابُ: العَرَبُ تَقُولُ إذا خَرَّ الرَّجُلُ فَوَقَعَ عَلى وجْهِهِ خَرَّ لِلذَّقَنِ واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ والمَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ في سُجُودِهِمْ: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ أيْ يُنَزِّهُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ أيْ بِإنْزالِ القُرْآنِ وبَعْثِ مُحَمَّدٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّ الوَعْدَ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ سَبَقَ في كِتابِهِمْ فَهم كانُوا يَنْتَظِرُونَ إنْجازَ ذَلِكَ الوَعْدِ ثُمَّ قالَ: ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ والفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ اخْتِلافُ الحالَيْنِ وهُما خَرُورُهم لِلسُّجُودِ، وفي حالِ كَوْنِهِمْ باكِينَ عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُ القَوْلِ دَلالَةً عَلى تَكْرارِ الفِعْلِ مِنهم وقَوْلُهُ: ﴿يَبْكُونَ﴾ مَعْناهُ الحالُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ أيْ تَواضُعًا، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ تَحْقِيرِهِمْ والِازْدِراءِ بِشَأْنِهِمْ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وامْتِناعِهِمْ مِنهُ، وأنَّهم وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم.
الإسراء 17:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ قاهِرٌ دالٌّ عَلى الصِّدْقِ في قَوْلِهِ:
صفحة ٥٧
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ (الإسْراءِ: ٨٨) ثُمَّ حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِهَذا المُعْجِزِ بَلْ طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى إظْهارِ سائِرِ المُعْجِزاتِ وبَيَّنَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِنها أنَّ قَوْمَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - آتاهُمُ اللَّهُ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَلَمّا جَحَدُوا بِها أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَوْ آتى قَوْمَ مُحَمَّدٍ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ثُمَّ كَفَرُوا بِها وجَبَ إنْزالُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ بِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في الحِكْمَةِ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ والَّذِي لا يُؤْمِنُ فَسَيَظْهَرُ مِن نَسْلِهِ مَن يَصِيرُ مُؤْمِنًا، ولَمّا تَمَّ هَذا الجَوابُ عادَ إلى تَعْظِيمِ حالِ القُرْآنِ وجَلالَةِ دَرَجَتِهِ فَقالَ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ ما أرَدْنا بِإنْزالِهِ إلّا تَقْرِيرَ الحَقِّ والصِّدْقِ وكَما أرَدْنا هَذا المَعْنى فَكَذَلِكَ وقَعَ هَذا المَعْنى وحَصَلَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ كَما أنَّ الباطِلَ هو الزّائِلُ الذّاهِبُ، وهَذا الكِتابُ الكَرِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى أشْياءَ لا تَزُولُ وذَلِكَ لِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ وعَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وتَقْرِيرِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقْبَلُ الزَّوالَ ومُشْتَمِلٌ أيْضًا عَلى شَرِيعَةٍ باقِيَةٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها النَّسْخُ والنَّقْضُ والتَّحْرِيفُ، وأيْضًا فَهَذا الكِتابُ كِتابٌ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ عَنْ تَحْرِيفِ الزّائِغَيْنِ وتَبْدِيلِ الجاهِلِينَ كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩) فَكانَ هَذا الكِتابُ حَقًّا مِن كُلِّ الوُجُوهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّهُ ما أُنْزِلَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ سِوى إظْهارِ الحَقِّ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما قَصَدَ بِإنْزالِهِ إضْلالَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ ولا إغْوائِهِ ولا مَنعِهِ عَنْ دِينِ اللَّهِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْزالَ غَيْرُ النُّزُولِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ غَيْرَ المَخْلُوقِ وأنْ يَكُونَ التَّكْوِينُ غَيْرَ المُكَوَّنِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَما تَقُولُ نَزَلَ بِعِدَّتِهِ وخَرَجَ بِسِلاحِهِ، والمَعْنى أنْزَلْنا القُرْآنَ مَعَ الحَقِّ، وقَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنَّ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَزَلَ بِالحَقِّ كَما تَقُولُ نَزَلْتُ بِزَيْدٍ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، الحَقُّ مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ أيْ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ ويَتَمَرَّدُونَ عَنْ قَبُولِ دِينِكَ لا شَيْءَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ فَإنِّي ما أرْسَلْتُكَ إلّا مُبَشِّرًا لِلْمُطِيعِينَ ونَذِيرًا لِلْجاحِدِينَ، فَإنْ قَبِلُوا الدِّينَ الحَقَّ انْتَفَعُوا بِهِ وإلّا فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ شَيْءٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزٌ إلّا أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ دُفْعَةً واحِدَةً لِيَظْهَرَ فِيهِ وجْهُ الإعْجازِ فَجَعَلُوا إتْيانَ الرَّسُولِ بِهَذا القُرْآنِ مُتَفَرِّقًا شُبْهَةً في أنَّهُ يَتَفَكَّرُ في فَصْلٍ فَصْلٍ ويَقْرَأُهُ عَلى النّاسِ فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما فَرَّقَهُ لِيَكُونَ حِفْظُهُ أسْهَلَ ولِتَكُونَ الإحاطَةُ والوُقُوفُ عَلى دَقائِقِهِ وحَقائِقِهِ أسْهَلَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ نَزَلَ القُرْآنُ كُلُّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ مِنَ السَّماءِ العُلْيا إلى السَّماءِ السُّفْلى، ثُمَّ فُصِّلَ في السِّنِينَ الَّتِي نَزَلَ فِيها، قالَقَتادَةُ: كانَ بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً، والمَعْنى قَطَّعْناهُ آيَةً آيَةً وسُورَةً سُورَةً ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ - عَلى مَهَلٍ وتَؤَدَةٍ أيْ لا عَلى فَوْرَةٍ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ مَكَثَ ومَكُثَ يَمْكُثُ، والفَتْحُ قِراءَةُ عاصِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٢) .
صفحة ٥٨
البَحْثُ الثّالِثُ: الِاخْتِيارُ عِنْدَ الأئِمَّةِ فَرَقْناهُ بِالتَّخْفِيفِ، وفَسَّرَهُ أبُو عَمْرٍو: بَيَّنّاهُ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: التَّخْفِيفُ أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّ تَفْسِيرَهُ بَيَّنّاهُ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى إلّا أنَّهُ أُنْزِلَ مُتَفَرِّقًا فالفَرْقُ يَتَضَمَّنُ التَّبْيِينَ، ويُؤَكِّدُهُ ما رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: فَرَّقْتُ أُفَرِّقُ بَيْنَ الكَلامِ وفَرَّقْتُ بَيْنَ الأجْسامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: ”«البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا» “ ولَمْ يَقُلْ يَفْتَرِقا والتَّفَرُّقُ مُطاوِعُ التَّفْرِيقِ والِافْتِراقُ مُطاوِعُ الفَرْقِ ثُمَّ قالَ: ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ أيْ عَلى الحَدِّ المَذْكُورِ والصِّفَةِ المَذْكُورَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ يُخاطِبُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةَ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ والإنْكارِ، أيْ أنَّهُ تَعالى أوْضَحَ البَيِّناتِ والدَّلائِلَ وأزاحَ الأعْذارَ فاخْتارُوا ما تُرِيدُونَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ، قالَ مُجاهِدٌ: هم ناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ حِينَ سَمِعُوا ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ خَرُّوا سُجَّدًا، مِنهم زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ثُمَّ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الذَّقَنُ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ وكُلَّما يَبْتَدِئُ الإنْسانُ بِالخُرُورِ إلى السُّجُودِ فَأقْرَبُ الأشْياءِ مِنَ الجَبْهَةِ إلى الأرْضِ الذَّقَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأذْقانَ كِنايَةٌ عَنِ اللِّحى والإنْسانُ إذا بالَغَ عِنْدَ السُّجُودِ في الخُضُوعِ والخُشُوعِ رُبَّما مَسَحَ لِحْيَتَهُ عَلى التُّرابِ، فَإنَّ اللِّحْيَةَ يُبالَغُ في تَنْظِيفِها فَإذا عَفَّرَها الإنْسانُ بِالتُّرابِ فَقَدْ أتى بِغايَةِ التَّعْظِيمِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ إذا اسْتَوْلى عَلَيْهِ خَوْفُ اللَّهِ تَعالى فَرُبَّما سَقَطَ عَلى الأرْضِ في مَعْرِضِ السُّجُودِ كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ خُرُورُهُ عَلى الذَّقَنِ في مَوْضِعِ السُّجُودِ فَقَوْلُهُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ ولَهِهِ وخَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ، ثُمَّ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمْ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ولَمْ يَقُلْ يَسْجُدُونَ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا اللَّفْظِ مُسارَعَتُهم إلى ذَلِكَ حَتّى أنَّهم يَسْقُطُونَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَلى الأذْقانِ ؟ والجَوابُ: العَرَبُ تَقُولُ إذا خَرَّ الرَّجُلُ فَوَقَعَ عَلى وجْهِهِ خَرَّ لِلذَّقَنِ واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ والمَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ في سُجُودِهِمْ: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ أيْ يُنَزِّهُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ أيْ بِإنْزالِ القُرْآنِ وبَعْثِ مُحَمَّدٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّ الوَعْدَ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ سَبَقَ في كِتابِهِمْ فَهم كانُوا يَنْتَظِرُونَ إنْجازَ ذَلِكَ الوَعْدِ ثُمَّ قالَ: ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ والفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ اخْتِلافُ الحالَيْنِ وهُما خَرُورُهم لِلسُّجُودِ، وفي حالِ كَوْنِهِمْ باكِينَ عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُ القَوْلِ دَلالَةً عَلى تَكْرارِ الفِعْلِ مِنهم وقَوْلُهُ: ﴿يَبْكُونَ﴾ مَعْناهُ الحالُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ أيْ تَواضُعًا، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ تَحْقِيرِهِمْ والِازْدِراءِ بِشَأْنِهِمْ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وامْتِناعِهِمْ مِنهُ، وأنَّهم وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم.
الإسراء 17:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾
صفحة ٥٩
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المُرادُ بِهِما الِاسْمُ لا المُسَمّى والواوُ لِلتَّخْيِيرِ بِمَعْنى: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ أيْ: سَمُّوا بِهَذا الِاسْمِ أوْ بِهَذا أوِ اذْكُرُوا إمّا هَذا وإمّا هَذا، والتَّنْوِينُ في ”أيًّا“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ و”ما“ صِلَةٌ لِلْإبْهامِ المُؤَكِّدِ لِما في أيْ، والتَّقْدِيرُ أيُّ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ سَمَّيْتُمْ وذَكَرْتُمْ ﴿فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ﴾ لَيْسَ بِراجِعٍ إلى أحَدِ الِاسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ ولَكِنْ إلى مُسَمّاهُما وهو ذاتُهُ عَزَّ وعَلا، والمَعْنى: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا﴾ فَهو حَسَنٌ فَوَضَعَ مَوْضِعَهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ لِأنَّهُ إذا حَسُنَتْ أسْماؤُهُ فَقَدْ حَسُنَ هَذانِ الِاسْمانِ لِأنَّهُما مِنها، ومَعْنى حُسْنُ أسْماءِ اللَّهِ كَوْنُها مُفِيدَةً لِمَعانِي التَّحْمِيدِ والتَّقْدِيسِ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في هَذا البابِ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] فادْعُوهُ بِها، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لَوْ كانَ تَعالى هو الخالِقُ لِلظُّلْمِ والجَوْرِ لَصَحَّ أنْ يُقالَ يا ظالِمُ وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ ما ثَبَتَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن كَوْنِ أسْمائِهِ بِأسْرِها حَسَنَةً، والجَوابُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَوْ كانَ خالِقًا لِأفْعالِ العِبادِ لَصَحَّ وصْفُهُ بِأنَّهُ ظالِمٌ وجائِرٌ كَما أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ خالِقًا لِلْحَرَكَةِ والسُّكُونِ والسَّوادِ والبَياضِ أنْ يُقالَ يا مُتَحَرِّكُ ويا ساكِنُ ويا أسْوَدُ ويا أبْيَضُ فَإنْ قالُوا: فَيَلْزَمُ جَوازُ أنْ يُقالَ يا خالِقَ الظُّلْمِ والجَوْرِ، قُلْنا: فَيَلْزَمُكم أنْ تَقُولُوا يا خالِقَ العَذِراتِ والدِّيدانِ والخَنافِسِ، وكَما أنَّكم تَقُولُونَ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ في نَفْسِ الأمْرِ ولَكِنَّ الأدَبَ أنْ يُقالَ يا خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ فَكَذا قَوْلُنا هُنا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالقِراءَةِ فَإذا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوهُ وسَبُّوا مَن جاءَ بِهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فَيَسْمَعُ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ: ﴿ولا تُخافِتْ بِها﴾ فَلا تُسْمِعُ أصْحابَكَ، وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا» .
القَوْلُ الثّانِي: «رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طافَ بِاللَّيْلِ عَلى دُورِ الصَّحابَةِ، وكانَ أبُو بَكْرٍ يُخْفِي صَوْتَهُ بِالقِراءَةِ في صِلاتِهِ وكانَ عُمَرُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَلَمّا جاءَ النَّهارُ وجاءَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ لِمَ تُخْفِي صَوْتَكَ ؟ فَقالَ: أُناجِي رَبِّي، وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، وقالَ لِعُمَرَ لِمَ تَرْفَعُ صَوْتَكَ ؟ فَقالَ: أزْجُرُ الشَّيْطانَ وأُوقِظُ الوَسَنانَ، فَأمْرَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ أنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ قَلِيلًا، وعُمَرَ أنْ يُخْفِضَ صَوْتَهُ قَلِيلًا» .
القَوْلُ الثّالِثُ: مَعْناهُ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ كُلِّها ﴿ولا تُخافِتْ بِها﴾ كُلِّها، وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِأنْ تَجْهَرَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وتُخافِتَ بِصَلاةِ النَّهارِ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ: الدُّعاءُ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وأبِي هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٍ، قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - هي في الدُّعاءِ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما ذَلِكَ في الدُّعاءِ والمَسْألَةِ لا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فَتَذْكُرَ ذُنُوبَكَ فَيُسْمَعَ ذَلِكَ فَتُعَيَّرَ بِها، فالجَهْرُ بِالدُّعاءِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، والمُبالَغَةُ في الإسْرارِ غَيْرُ جائِزَةٍ، والمُسْتَحَبُّ مِن ذَلِكَ التَّوَسُّطُ وهو أنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَمْ يُخافِتْ مَن أسْمَعَ أُذُنَيْهِ.
والقَوْلُ الخامِسُ: قالَ الحَسَنُ: لا تُراءِ بِعَلانِيَتِها ولا تُسِئْ بِسِرِّيَّتِها.
البَحْثُ الثّانِي: الصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الأفْعالِ والأذْكارِ والجَهْرُ والمُخافَتَةُ مِن عَوارِضِ الصَّوْتِ،
صفحة ٦٠
فالمُرادُ هَهُنا مِنَ الصَّلَواتِ بَعْضُ أجْزاءِ ماهِيَّةِ الصَّلاةِ وهو الأذْكارُ والقُرْآنُ وهو مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الكُلِّ لِإرادَةِ الجُزْءِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: يُقالُ خَفَتَ صَوْتُهُ يَخْفِتُ خَفْتًا وخُفُوتًا إذا ضَعُفَ وسَكَنَ، وصَوْتٌ خَفِيتٌ أيْ خَفِيضٌ، ومِنهُ يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا ماتَ قَدْ خَفَتَ أيِ انْقَطَعَ كَلامُهُ، وخَفَتَ الزَّرْعُ إذا ذَبُلَ، وخَفَتَ الرَّجُلُ يُخافِتُ بِقِراءَتِهِ إذا لَمْ يُبَيِّنْ قِراءَتَهُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وقَدْ تَخافَتَ القَوْمُ إذا تَسارُّوا بَيْنَهم، وأقُولُ: ثَبَتَ في كُتُبِ الأخْلاقِ أنَّ كِلا طَرَفَيِ الأُمُورِ ذَمِيمٌ والعَدْلُ هو رِعايَةُ الوَسَطِ ولِهَذا المَعْنى مَدَحَ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ (البَقَرَةِ: ١٤٣) وقالَ في مَدْحِ المُؤْمِنِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ (الفُرْقانِ: ٦٧) وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَقالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ (الإسْراءِ: ٢٩) فَكَذا هَهُنا نَهى عَنِ الطَّرَفَيْنِ وهو الجَهْرُ والمُخافَتَةُ وأمَرَ بِالتَّوَسُّطِ بَيْنَهُما فَقالَ: ﴿وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ومِنهم مَن قالَ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ (الأعْرافِ: ٥٥) وهو بَعِيدٌ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُنادى إلّا بِأسْمائِهِ الحُسْنى عَلَّمَهُ كَيْفِيَّةَ التَّحْمِيدِ فَقالَ: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ فَذَكَرَ هَهُنا مِن صِفاتِ التَّنْزِيهِ والجَلالِ وهي السُّلُوبُ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الصِّفاتِ: أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الوَلَدَ هو الشَّيْءُ المُتَوَلِّدُ مِن جُزْءٍ مِن أجْزاءِ شَيْءٍ آخَرَ فَكُلُّ مَن لَهُ ولَدٌ فَهو مُرَكَّبٌ مِنَ الأجْزاءِ، والمُرَكَّبُ مُحْدَثٌ، والمُحْدَثُ مُحْتاجٌ لا يَقْدِرُ عَلى كَمالِ الإنْعامِ فَلا يَسْتَحِقُّ كَمالَ الحَمْدِ.
الثّانِي: أنَّ كُلَّ مَن لَهُ ولَدٌ فَإنَّهُ يُمْسِكُ جَمِيعَ النِّعَمِ لِوَلِدِهِ فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ أفاضَ كُلَّ تِلْكَ النِّعَمِ عَلى عَبِيدِهِ.
الثّالِثُ: أنَّ الوَلَدَ هو الَّذِي يَقُومُ مَقامَ الوالِدِ بَعْدَ انْقِضائِهِ وفَنائِهِ فَلَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ مُنْقَضِيًا ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى كَمالِ الإنْعامِ في كُلِّ الأوْقاتِ فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ عَلى الإطْلاقِ.
والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ والسَّبَبُ في اعْتِبارِ هَذِهِ الصِّفَةِ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ شَرِيكٌ فَحِينَئِذٍ لا يُعْرَفُ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ والشُّكْرِ.
والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ والسَّبَبُ في اعْتِبارِ هَذِهِ الصِّفَةِ أنَّهُ لَوْ جازَ عَلَيْهِ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ لَمْ يَجِبْ شُكْرُهُ لِتَجْوِيزِ أنَّ غَيْرَهُ حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ الإنْعامِ أوْ مَنَعَهُ مِنهُ، أمّا إذا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ وعَنِ الشَّرِيكِ وكانَ مُنَزَّهًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ ولِيٌّ يَلِي أمْرَهُ كانَ مُسْتَوْجِبًا لِأعْظَمِ أنْواعِ الحَمْدِ ومُسْتَحِقًّا لِأجَلِّ أقْسامِ الشُّكْرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ومَعْناهُ أنَّ التَّحْمِيدَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالتَّكْبِيرِ، ويَحْتَمِلُ أنْواعًا مِنَ المَعانِي:
أوَّلُها: تَكْبِيرُهُ في ذاتِهِ وهو أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
وثانِيها: تَكْبِيرُهُ في صِفاتِهِ وذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ كُلَّ ما كانَ صِفَةً لَهُ فَهو مِن صِفاتِ الجَلالِ والعِزِّ والعَظَمَةِ والكَمالِ وهو مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ صِفاتِ النَّقائِصِ.
وثالِثُها: أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ مُتَعَلِّقٌ بِما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ المَعْلُوماتِ، وقُدْرَتُهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ المَقْدُوراتِ والمُمْكِناتِ.
ورابِعُها: أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ كَما تَقَدَّسَتْ ذاتُهُ عَنِ الحُدُوثِ وتَنَزَّهَتْ عَنِ التَّغَيُّرِ والزَّوالِ والتَّحَوُّلِ والِانْتِقالِ فَكَذَلِكَ صِفاتُهُ أزَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ سَرْمَدِيَّةٌ مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والزَّوالِ والتَّحَوُّلِ والِانْتِقالِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن تَكْبِيرِ اللَّهِ تَكْبِيرُهُ في أفْعالِهِ وعِنْدَ هَذا تَخْتَلِفُ أهْلُ الجَبْرِ والقَدَرِ، فَقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: إنّا نَحْمَدُ اللَّهَ ونَكْبُرُهُ ونُعَظِّمُهُ عَنْ أنْ يَجْرِيَ في سُلْطانِهِ شَيْءٌ لا عَلى وفْقِ حُكْمِهِ وإرادَتِهِ فالكُلُّ واقِعٌ بِقَضاءِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنّا نُكَبِّرُ اللَّهَ ونُعَظِّمُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِهَذِهِ القَبائِحِ والفَواحِشِ بَلْ نَعْتَقِدُ أنَّ حِكْمَتَهُ تَقْتَضِي التَّنْزِيهَ والتَّقْدِيسَ عَنْها وعَنْ إرادَتِها وسَمِعْتُ
صفحة ٦١
أنَّ الأُسْتاذَ أبا إسْحاقَ الإسْفِرايِينِيَّ كانَ جالِسًا في دارِ الصّاحِبِ بْنِ عَبّادٍ فَدَخَلَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ بْنُ أحْمَدَ الهَمْدانِيُّ فَلَمّا رَآهُ قالَ: سُبْحانَ مَن تَنَزَّهَ عَنِ الفَحْشاءِ، فَقالَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ: سُبْحانَ مَن لا يُجْرِي في مُلْكِهِ إلّا ما يَشاءُ.
النَّوْعُ الرّابِعُ: تَكْبِيرُ اللَّهِ في أحْكامِهِ وهو أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ مَلِكٌ مُطاعٌ ولَهُ الأمْرُ والنَّهْيُ والرَّفْعُ والخَفْضُ وأنَّهُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أحْكامِهِ يُعِزُّ مَن يَشاءُ ويُذِلُّ مَن يَشاءُ.
النَّوْعُ الخامِسُ: تَكْبِيرُ اللَّهِ في أسْمائِهِ وهو أنْ لا يُذْكَرَ إلّا بِأسْمائِهِ الحُسْنى ولا يُوصَفَ إلّا بِصِفاتِهِ المُقَدَّسَةِ العالِيَةِ المُنَزَّهَةِ.
النَّوْعُ السّادِسُ: مِنَ التَّكْبِيرِ هو أنَّ الإنْسانَ بَعْدَ أنْ يَبْلُغَ في التَّكْبِيرِ والتَّعْظِيمِ والتَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ مِقْدارَ عَقْلِهِ وفَهْمِهِ وخاطِرِهِ يَعْتَرِفُ أنَّ عَقْلَهُ وفَهْمَهُ لا يَفِي بِمَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ، ولِسانَهُ لا يَفِي بِشُكْرِهِ، وجَوارِحَهُ وأعْضاؤَهُ لا تَفِي بِخِدْمَتِهِ فَكَبَّرَ اللَّهَ عَنْ أنْ يَكُونَ تَكْبِيرُهُ وافِيًا بِكُنْهِ مَجْدِهِ وعِزَّتِهِ، وهَذا أقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ العَبْدُ الضَّعِيفُ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّعْظِيمِ ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى الرَّحْمَةَ قَبْلَ المَوْتِ وعِنْدَ المَوْتِ وبَعْدَ المَوْتِ إنَّهُ الكَرِيمُ الرَّحِيمُ وبِاللَّهِ العِصْمَةُ والتَّوْفِيقُ وحَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ -: ”تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الثُّلاثاءِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ يَوْمَ العِشْرِينَ مِن شَهْرِ المُحَرَّمِ في بَلْدَةِ غِزْنِينَ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ والصَّلاةُ عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلِّمْ تَسْلِيمًا“ .
الإسراء 17:111
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾
صفحة ٥٩
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المُرادُ بِهِما الِاسْمُ لا المُسَمّى والواوُ لِلتَّخْيِيرِ بِمَعْنى: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ أيْ: سَمُّوا بِهَذا الِاسْمِ أوْ بِهَذا أوِ اذْكُرُوا إمّا هَذا وإمّا هَذا، والتَّنْوِينُ في ”أيًّا“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ و”ما“ صِلَةٌ لِلْإبْهامِ المُؤَكِّدِ لِما في أيْ، والتَّقْدِيرُ أيُّ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ سَمَّيْتُمْ وذَكَرْتُمْ ﴿فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ﴾ لَيْسَ بِراجِعٍ إلى أحَدِ الِاسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ ولَكِنْ إلى مُسَمّاهُما وهو ذاتُهُ عَزَّ وعَلا، والمَعْنى: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا﴾ فَهو حَسَنٌ فَوَضَعَ مَوْضِعَهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ لِأنَّهُ إذا حَسُنَتْ أسْماؤُهُ فَقَدْ حَسُنَ هَذانِ الِاسْمانِ لِأنَّهُما مِنها، ومَعْنى حُسْنُ أسْماءِ اللَّهِ كَوْنُها مُفِيدَةً لِمَعانِي التَّحْمِيدِ والتَّقْدِيسِ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في هَذا البابِ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] فادْعُوهُ بِها، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لَوْ كانَ تَعالى هو الخالِقُ لِلظُّلْمِ والجَوْرِ لَصَحَّ أنْ يُقالَ يا ظالِمُ وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ ما ثَبَتَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن كَوْنِ أسْمائِهِ بِأسْرِها حَسَنَةً، والجَوابُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَوْ كانَ خالِقًا لِأفْعالِ العِبادِ لَصَحَّ وصْفُهُ بِأنَّهُ ظالِمٌ وجائِرٌ كَما أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ خالِقًا لِلْحَرَكَةِ والسُّكُونِ والسَّوادِ والبَياضِ أنْ يُقالَ يا مُتَحَرِّكُ ويا ساكِنُ ويا أسْوَدُ ويا أبْيَضُ فَإنْ قالُوا: فَيَلْزَمُ جَوازُ أنْ يُقالَ يا خالِقَ الظُّلْمِ والجَوْرِ، قُلْنا: فَيَلْزَمُكم أنْ تَقُولُوا يا خالِقَ العَذِراتِ والدِّيدانِ والخَنافِسِ، وكَما أنَّكم تَقُولُونَ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ في نَفْسِ الأمْرِ ولَكِنَّ الأدَبَ أنْ يُقالَ يا خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ فَكَذا قَوْلُنا هُنا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالقِراءَةِ فَإذا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوهُ وسَبُّوا مَن جاءَ بِهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فَيَسْمَعُ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ: ﴿ولا تُخافِتْ بِها﴾ فَلا تُسْمِعُ أصْحابَكَ، وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا» .
القَوْلُ الثّانِي: «رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طافَ بِاللَّيْلِ عَلى دُورِ الصَّحابَةِ، وكانَ أبُو بَكْرٍ يُخْفِي صَوْتَهُ بِالقِراءَةِ في صِلاتِهِ وكانَ عُمَرُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَلَمّا جاءَ النَّهارُ وجاءَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ لِمَ تُخْفِي صَوْتَكَ ؟ فَقالَ: أُناجِي رَبِّي، وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، وقالَ لِعُمَرَ لِمَ تَرْفَعُ صَوْتَكَ ؟ فَقالَ: أزْجُرُ الشَّيْطانَ وأُوقِظُ الوَسَنانَ، فَأمْرَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ أنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ قَلِيلًا، وعُمَرَ أنْ يُخْفِضَ صَوْتَهُ قَلِيلًا» .
القَوْلُ الثّالِثُ: مَعْناهُ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ كُلِّها ﴿ولا تُخافِتْ بِها﴾ كُلِّها، وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِأنْ تَجْهَرَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وتُخافِتَ بِصَلاةِ النَّهارِ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ: الدُّعاءُ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وأبِي هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٍ، قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - هي في الدُّعاءِ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما ذَلِكَ في الدُّعاءِ والمَسْألَةِ لا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فَتَذْكُرَ ذُنُوبَكَ فَيُسْمَعَ ذَلِكَ فَتُعَيَّرَ بِها، فالجَهْرُ بِالدُّعاءِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، والمُبالَغَةُ في الإسْرارِ غَيْرُ جائِزَةٍ، والمُسْتَحَبُّ مِن ذَلِكَ التَّوَسُّطُ وهو أنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَمْ يُخافِتْ مَن أسْمَعَ أُذُنَيْهِ.
والقَوْلُ الخامِسُ: قالَ الحَسَنُ: لا تُراءِ بِعَلانِيَتِها ولا تُسِئْ بِسِرِّيَّتِها.
البَحْثُ الثّانِي: الصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الأفْعالِ والأذْكارِ والجَهْرُ والمُخافَتَةُ مِن عَوارِضِ الصَّوْتِ،
صفحة ٦٠
فالمُرادُ هَهُنا مِنَ الصَّلَواتِ بَعْضُ أجْزاءِ ماهِيَّةِ الصَّلاةِ وهو الأذْكارُ والقُرْآنُ وهو مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الكُلِّ لِإرادَةِ الجُزْءِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: يُقالُ خَفَتَ صَوْتُهُ يَخْفِتُ خَفْتًا وخُفُوتًا إذا ضَعُفَ وسَكَنَ، وصَوْتٌ خَفِيتٌ أيْ خَفِيضٌ، ومِنهُ يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا ماتَ قَدْ خَفَتَ أيِ انْقَطَعَ كَلامُهُ، وخَفَتَ الزَّرْعُ إذا ذَبُلَ، وخَفَتَ الرَّجُلُ يُخافِتُ بِقِراءَتِهِ إذا لَمْ يُبَيِّنْ قِراءَتَهُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وقَدْ تَخافَتَ القَوْمُ إذا تَسارُّوا بَيْنَهم، وأقُولُ: ثَبَتَ في كُتُبِ الأخْلاقِ أنَّ كِلا طَرَفَيِ الأُمُورِ ذَمِيمٌ والعَدْلُ هو رِعايَةُ الوَسَطِ ولِهَذا المَعْنى مَدَحَ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ (البَقَرَةِ: ١٤٣) وقالَ في مَدْحِ المُؤْمِنِينَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ (الفُرْقانِ: ٦٧) وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَقالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ (الإسْراءِ: ٢٩) فَكَذا هَهُنا نَهى عَنِ الطَّرَفَيْنِ وهو الجَهْرُ والمُخافَتَةُ وأمَرَ بِالتَّوَسُّطِ بَيْنَهُما فَقالَ: ﴿وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ومِنهم مَن قالَ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ (الأعْرافِ: ٥٥) وهو بَعِيدٌ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُنادى إلّا بِأسْمائِهِ الحُسْنى عَلَّمَهُ كَيْفِيَّةَ التَّحْمِيدِ فَقالَ: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ فَذَكَرَ هَهُنا مِن صِفاتِ التَّنْزِيهِ والجَلالِ وهي السُّلُوبُ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الصِّفاتِ: أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الوَلَدَ هو الشَّيْءُ المُتَوَلِّدُ مِن جُزْءٍ مِن أجْزاءِ شَيْءٍ آخَرَ فَكُلُّ مَن لَهُ ولَدٌ فَهو مُرَكَّبٌ مِنَ الأجْزاءِ، والمُرَكَّبُ مُحْدَثٌ، والمُحْدَثُ مُحْتاجٌ لا يَقْدِرُ عَلى كَمالِ الإنْعامِ فَلا يَسْتَحِقُّ كَمالَ الحَمْدِ.
الثّانِي: أنَّ كُلَّ مَن لَهُ ولَدٌ فَإنَّهُ يُمْسِكُ جَمِيعَ النِّعَمِ لِوَلِدِهِ فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ أفاضَ كُلَّ تِلْكَ النِّعَمِ عَلى عَبِيدِهِ.
الثّالِثُ: أنَّ الوَلَدَ هو الَّذِي يَقُومُ مَقامَ الوالِدِ بَعْدَ انْقِضائِهِ وفَنائِهِ فَلَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ مُنْقَضِيًا ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى كَمالِ الإنْعامِ في كُلِّ الأوْقاتِ فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ عَلى الإطْلاقِ.
والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ والسَّبَبُ في اعْتِبارِ هَذِهِ الصِّفَةِ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ شَرِيكٌ فَحِينَئِذٍ لا يُعْرَفُ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ والشُّكْرِ.
والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ والسَّبَبُ في اعْتِبارِ هَذِهِ الصِّفَةِ أنَّهُ لَوْ جازَ عَلَيْهِ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ لَمْ يَجِبْ شُكْرُهُ لِتَجْوِيزِ أنَّ غَيْرَهُ حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ الإنْعامِ أوْ مَنَعَهُ مِنهُ، أمّا إذا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ وعَنِ الشَّرِيكِ وكانَ مُنَزَّهًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ ولِيٌّ يَلِي أمْرَهُ كانَ مُسْتَوْجِبًا لِأعْظَمِ أنْواعِ الحَمْدِ ومُسْتَحِقًّا لِأجَلِّ أقْسامِ الشُّكْرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ومَعْناهُ أنَّ التَّحْمِيدَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالتَّكْبِيرِ، ويَحْتَمِلُ أنْواعًا مِنَ المَعانِي:
أوَّلُها: تَكْبِيرُهُ في ذاتِهِ وهو أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
وثانِيها: تَكْبِيرُهُ في صِفاتِهِ وذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ كُلَّ ما كانَ صِفَةً لَهُ فَهو مِن صِفاتِ الجَلالِ والعِزِّ والعَظَمَةِ والكَمالِ وهو مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ صِفاتِ النَّقائِصِ.
وثالِثُها: أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ مُتَعَلِّقٌ بِما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ المَعْلُوماتِ، وقُدْرَتُهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ المَقْدُوراتِ والمُمْكِناتِ.
ورابِعُها: أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ كَما تَقَدَّسَتْ ذاتُهُ عَنِ الحُدُوثِ وتَنَزَّهَتْ عَنِ التَّغَيُّرِ والزَّوالِ والتَّحَوُّلِ والِانْتِقالِ فَكَذَلِكَ صِفاتُهُ أزَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ سَرْمَدِيَّةٌ مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والزَّوالِ والتَّحَوُّلِ والِانْتِقالِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن تَكْبِيرِ اللَّهِ تَكْبِيرُهُ في أفْعالِهِ وعِنْدَ هَذا تَخْتَلِفُ أهْلُ الجَبْرِ والقَدَرِ، فَقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: إنّا نَحْمَدُ اللَّهَ ونَكْبُرُهُ ونُعَظِّمُهُ عَنْ أنْ يَجْرِيَ في سُلْطانِهِ شَيْءٌ لا عَلى وفْقِ حُكْمِهِ وإرادَتِهِ فالكُلُّ واقِعٌ بِقَضاءِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنّا نُكَبِّرُ اللَّهَ ونُعَظِّمُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِهَذِهِ القَبائِحِ والفَواحِشِ بَلْ نَعْتَقِدُ أنَّ حِكْمَتَهُ تَقْتَضِي التَّنْزِيهَ والتَّقْدِيسَ عَنْها وعَنْ إرادَتِها وسَمِعْتُ
صفحة ٦١
أنَّ الأُسْتاذَ أبا إسْحاقَ الإسْفِرايِينِيَّ كانَ جالِسًا في دارِ الصّاحِبِ بْنِ عَبّادٍ فَدَخَلَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ بْنُ أحْمَدَ الهَمْدانِيُّ فَلَمّا رَآهُ قالَ: سُبْحانَ مَن تَنَزَّهَ عَنِ الفَحْشاءِ، فَقالَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ: سُبْحانَ مَن لا يُجْرِي في مُلْكِهِ إلّا ما يَشاءُ.
النَّوْعُ الرّابِعُ: تَكْبِيرُ اللَّهِ في أحْكامِهِ وهو أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ مَلِكٌ مُطاعٌ ولَهُ الأمْرُ والنَّهْيُ والرَّفْعُ والخَفْضُ وأنَّهُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أحْكامِهِ يُعِزُّ مَن يَشاءُ ويُذِلُّ مَن يَشاءُ.
النَّوْعُ الخامِسُ: تَكْبِيرُ اللَّهِ في أسْمائِهِ وهو أنْ لا يُذْكَرَ إلّا بِأسْمائِهِ الحُسْنى ولا يُوصَفَ إلّا بِصِفاتِهِ المُقَدَّسَةِ العالِيَةِ المُنَزَّهَةِ.
النَّوْعُ السّادِسُ: مِنَ التَّكْبِيرِ هو أنَّ الإنْسانَ بَعْدَ أنْ يَبْلُغَ في التَّكْبِيرِ والتَّعْظِيمِ والتَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ مِقْدارَ عَقْلِهِ وفَهْمِهِ وخاطِرِهِ يَعْتَرِفُ أنَّ عَقْلَهُ وفَهْمَهُ لا يَفِي بِمَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ، ولِسانَهُ لا يَفِي بِشُكْرِهِ، وجَوارِحَهُ وأعْضاؤَهُ لا تَفِي بِخِدْمَتِهِ فَكَبَّرَ اللَّهَ عَنْ أنْ يَكُونَ تَكْبِيرُهُ وافِيًا بِكُنْهِ مَجْدِهِ وعِزَّتِهِ، وهَذا أقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ العَبْدُ الضَّعِيفُ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّعْظِيمِ ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى الرَّحْمَةَ قَبْلَ المَوْتِ وعِنْدَ المَوْتِ وبَعْدَ المَوْتِ إنَّهُ الكَرِيمُ الرَّحِيمُ وبِاللَّهِ العِصْمَةُ والتَّوْفِيقُ وحَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ -: ”تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الثُّلاثاءِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ يَوْمَ العِشْرِينَ مِن شَهْرِ المُحَرَّمِ في بَلْدَةِ غِزْنِينَ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ والصَّلاةُ عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلِّمْ تَسْلِيمًا“ .