Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الكهف 18:1 – الكهف 18:36

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الكهف 18:1
  2. الكهف 18:2
  3. الكهف 18:3
  4. الكهف 18:4
  5. الكهف 18:5
  6. الكهف 18:6
  7. الكهف 18:7
  8. الكهف 18:8
  9. الكهف 18:9
  10. الكهف 18:10
  11. الكهف 18:11
  12. الكهف 18:12
  13. الكهف 18:13
  14. الكهف 18:14
  15. الكهف 18:15
  16. الكهف 18:16
  17. الكهف 18:17
  18. الكهف 18:18
  19. الكهف 18:19
  20. الكهف 18:20
  21. الكهف 18:21
  22. الكهف 18:22
  23. الكهف 18:23
  24. الكهف 18:24
  25. الكهف 18:25
  26. الكهف 18:26
  27. الكهف 18:27
  28. الكهف 18:28
  29. الكهف 18:29
  30. الكهف 18:30
  31. الكهف 18:31
  32. الكهف 18:32
  33. الكهف 18:33
  34. الكهف 18:34
  35. الكهف 18:35
  36. الكهف 18:36

الكهف 18:1

صفحة ٦٢ (سُورَةُ الكَهْفِ) مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ سُورَةُ الكَهْفِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّها مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ مِنها فِيهِما ذِكْرُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الفَزارِيِّ وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ ”«ألا أدُلُّكم عَلى سُورَةٍ شَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حِينَ نَزَلَتْ ؟ هي سُورَةُ الكَهْفِ» “ . ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ في حَقائِقِ قَوْلِنا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَقَدْ سَبَقَ، والَّذِي أقُولُهُ هَهُنا: إنَّ التَّسْبِيحَ أيْنَما جاءَ فَإنَّما جاءَ مُقَدَّمًا عَلى التَّحْمِيدِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: ”سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ“ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ ذَكَرَ التَّسْبِيحَ عِنْدَما أخْبَرَ أنَّهُ أسْرى بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (الإسْراءِ: ١) وذَكَرَ التَّحْمِيدَ عِنْدَما ذَكَرَ أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ وفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ التَّسْبِيحَ أوَّلُ الأمْرِ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، والتَّحْمِيدُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ أوَّلَ الأمْرِ هو كَوْنُهُ كامِلًا في ذاتِهِ، ونِهايَةَ الأمْرِ كَوْنُهُ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ الِابْتِداءُ في الذِّكْرِ بِقَوْلِنا سُبْحانَ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَقامَ التَّسْبِيحِ مَبْدَأٌ ومَقامَ التَّحْمِيدِ نِهايَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ عِنْدَ الإسْراءِ لَفْظَ التَّسْبِيحِ وعِنْدَ إنْزالِ الكِتابِ لَفْظَ التَّحْمِيدِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإسْراءَ بِهِ أوَّلُ دَرَجاتِ كَمالِهِ وإنْزالَ الكِتابِ غايَةُ دَرَجاتِ كَمالِهِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ لِأنَّ الإسْراءَ بِهِ إلى المِعْراجِ يَقْتَضِي حُصُولَ الكَمالِ لَهُ، وإنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي صفحة ٦٣ كَوْنَهُ مُكَمِّلًا لِلْأرْواحِ البَشَرِيَّةِ وناقِلًا لَها مِن حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ إلى أعْلى دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الثّانِيَ أكْمَلُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أعْلى مَقاماتِ العِبادِ مَقامًا أنْ يَصِيرَ (العَبْدُ) عالِمًا في ذاتِهِ مُعَلِّمًا لِغَيْرِهِ ولِهَذا رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«مَن تَعَلَّمَ وعَلَّمَ فَذاكَ يُدْعى عَظِيمًا في السَّماواتِ» “ . الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الإسْراءَ عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِ ذاتِهِ مِن تَحْتُ إلى فَوْقُ، وإنْزالُ الكِتابِ عَلَيْهِ عِبارَةٌ عَنْ إنْزالِ نُورِ الوَحْيِ عَلَيْهِ مِن فَوْقُ إلى تَحْتُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الثّانِيَ أكْمَلُ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَنافِعَ الإسْراءِ بِهِ كانَتْ مَقْصُورَةً عَلَيْهِ ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ هُنالِكَ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ (الإسْراءِ: ١) ومَنافِعُ إنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ مُتَعَدِّيَةٌ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ والفَوائِدُ المُتَعَدِّيَةُ أفْضَلُ مِنَ القاصِرَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ اسْتَدَلُّوا بِلَفْظِ الإسْراءِ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وبِلَفْظِ الإنْزالِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِجِهَةِ فَوْقُ، والجَوابُ عَنْهُ مَذْكُورٌ بِالتَّمامِ في سُورَةِ الأعْرافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ (الأعْرافِ: ٥٤) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْزالُ الكِتابِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ ونِعْمَةٌ عَلَيْنا، أمّا كَوْنُهُ نِعْمَةً عَلَيْهِ فَلِأنَّهُ تَعالى أطْلَعَهُ بِواسِطَةِ هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ عَلى أسْرارِ عُلُومِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ وصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ وأسْرارِ أحْوالِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وأحْوالِ القَضاءِ والقَدَرِ، وتَعَلُّقِ أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ بِأحْوالِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وتُعَلُّقِ أحْوالِ عالَمِ الآخِرَةِ بِعالَمِ الدُّنْيا، وكَيْفِيَّةِ نُزُولِ القَضاءِ مِن عالَمِ الغَيْبِ، وكَيْفِيَّةِ ارْتِباطِ عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ بِعالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، وتَصْيِيرِ النَّفْسِ كالمِرْآةِ الَّتِي يَتَجَلّى فِيها عالَمُ المَلَكُوتِ ويَنْكَشِفُ فِيها قُدْسُ اللّاهُوتِ، فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وأمّا كَوْنُ هَذا الكِتابِ نِعْمَةً عَلَيْنا فَلِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّكالِيفِ والأحْكامِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والثَّوابِ والعِقابِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو كِتابٌ كامِلٌ في أقْصى الدَّرَجاتِ فَكُلُّ واحِدٍ يَنْتَفِعُ بِهِ بِمِقْدارِ طاقَتِهِ وفَهْمِهِ فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ عَلى الرَّسُولِ وعَلى جَمِيعِ أُمَّتِهِ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّحْمِيدِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ الكِتابَ بِوَصْفَيْنِ فَقالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الشَّيْءَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كامِلًا في ذاتِهِ ثُمَّ يَكُونَ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ تامًّا في ذاتِهِ ثُمَّ يَكُونَ فَوْقَ التَّمامِ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ كَمالَ الغَيْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، وقَوْلِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ لِأنَّ القَيِّمَ عِبارَةٌ عَنِ القائِمِ بِمَصالِحِ الغَيْرِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في صِفَةِ الكِتابِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢) فَقَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ في نَفْسِهِ بالِغًا في الصِّحَّةِ وعَدَمِ الإخْلالِ إلى حَيْثُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَرْتابَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: (﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سَبَبًا لِهِدايَةِ الخَلْقِ وإكْمالِ حالِهِمْ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ قائِمٌ مُقامَ قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ قائِمٌ مُقامَ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهَذِهِ أسْرارٌ لَطِيفَةٌ. صفحة ٦٤ البَحْثُ الثّانِي: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: العِوَجُ في المَعانِي كالعِوَجِ في الأعْيانِ، والمُرادُ مِنهُ وُجُوهٌ: أحَدُها: نَفْيُ التَّناقُضِ عَنْ آياتِهِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النِّساءِ: ٨٢) . وثانِيها: أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَ اللَّهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والأحْكامِ والتَّكالِيفِ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ ولا خَلَلَ في شَيْءٍ مِنها البَتَّةَ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ كَأنَّهُ خَرَجَ مِن عالَمِ الغَيْبِ مُتَوَجِّهًا إلى عالَمِ الآخِرَةِ وإلى حَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ وهَذِهِ الدُّنْيا كَأنَّها رِباطٌ بُنِيَ عَلى طَرِيقِ عالَمِ القِيامَةِ حَتّى أنَّ المُسافِرَ إذا نَزَلَ فِيهِ اشْتَغَلَ بِالمُهِمّاتِ الَّتِي يَجِبُ رِعايَتُها في هَذا السَّفَرِ ثُمَّ يَرْتَحِلُ مِنهُ مُتَوَجِّهًا إلى عالَمِ الآخِرَةِ فَكُلُّ ما دَعاهُ في الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ ومِنَ الجُسْمانِيّاتِ إلى الرُّوحانِيّاتِ ومِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ومِنَ اللَّذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ الجَسَدانِيَّةِ إلى الِاسْتِنارَةِ بِالأنْوارِ الصَّمَدانِيَّةِ فَثَبَتَ أنَّهُ مُبَرَّأٌ عَنِ العِوَجِ والِانْحِرافِ والباطِلِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ . الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِلْكِتابِ وهي قَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ مُسْتَقِيمًا وهَذا عِنْدِي مُشْكِلٌ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِنَفْيِ الِاعْوِجاجِ إلّا حُصُولُ الِاسْتِقامَةِ فَتَفْسِيرُ القَيِّمِ بِالمُسْتَقِيمِ يُوجِبُ التَّكْرارَ وأنَّهُ باطِلٌ، بَلِ الحَقُّ ما ذَكَرْناهُ وأنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ أنَّهُ سَبَبٌ لِهِدايَةِ الخَلْقِ وأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى مَن يَكُونُ قَيِّمًا لِلْأطْفالِ، فالأرْواحُ البَشَرِيَّةُ كالأطْفالِ، والقُرْآنُ كالقَيِّمِ الشَّفِيقِ القائِمِ بِمَصالِحِهِمْ. البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الواحِدِيُّ: جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا هَذا مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا الكَلامِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، وقَوْلَهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، وكَوْنُهُ كامِلًا في ذاتِهِ مُتَقَدِّمٌ بِالطَّبْعِ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ فَظَهَرَ أنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فاسِدٌ يَمْتَنِعُ العَقْلُ مِنَ الذَّهابِ إلَيْهِ. البَحْثُ الرّابِعُ: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ لا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ الكِتابِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَ﴾ فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَجَعْلُهُ حالًا مِنَ الكِتابِ يُوجِبُ الفَصْلَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ بِبَعْضِ الصِّلَةِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، قالَ: ولَمّا بَطَلَ هَذا وجَبَ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ وجَعَلَهُ ﴿قَيِّمًا﴾ . الوَجْهُ الثّانِي: قالَ الأصْفَهانِيُّ: الَّذِي نَرى فِيهِ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ حالٌ وقَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ حالٌ أُخْرى وهُما حالانِ مُتَوالِيانِ والتَّقْدِيرُ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ غَيْرَ مَجْعُولٍ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ لِأنَّ مَعْنى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ أنَّهُ جَعَلَهُ مُسْتَقِيمًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ وجَعَلَهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ . الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ قائِمًا بِمَصالِحِ العِبادِ وأحْكامِ الدِّينِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما لِأجْلِهِ أنْزَلَهُ فَقالَ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ وأنْذَرَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ (النَّبَأِ: ٤٠) إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى أحَدِهِما وأصْلُهُ ﴿لِيُنْذِرَ﴾ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ كَما قالَ في ضِدِّهِ: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ والبَأْسُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] وقَدْ بَؤُسَ العَذابُ وبَؤُسَ الرَّجُلُ صفحة ٦٥ بَأْسًا وبَآسَةً، وقَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ صادِرًا مِن عِنْدِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: وفي (لَدُنْ) لُغاتٌ، يُقالُ: لَدُنْ ولَدى ولَدُ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَ: وهي لا تَتَمَكَّنُ تَمَكُّنَ (عِنْدَ) لِأنَّكَ تَقُولُ: هَذا القَوْلُ صَوابٌ عِنْدِي، ولا تَقُولُ صَوابٌ لَدُنِّي، وتَقُولُ: عِنْدِي مالٌ عَظِيمٌ والمالُ غائِبٌ عَنْكَ، ولَدُنِّي لِما يَلِيكَ لا غَيْرَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِسُكُونِ الدّالِ مَعَ إشْمامِ الضَّمِّ وكَسْرِ النُّونِ والهاءِ، وهي لُغَةُ بَنِي كِلابٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ إنْذارُ المُذْنِبِينَ وبِشارَةُ المُطِيعِينَ، ولَمّا كانَ دَفْعُ الضَّرَرِ أهَمَّ عِنْدَ (ذَوِي) العُقُولِ مِن إيصالِ النَّفْعِ لا جَرَمَ قُدِّمَ الإنْذارُ عَلى التَّبْشِيرِ في اللَّفْظِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ (ويُبَشِّرَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ يَعْنِي خالِدِينَ، وهو حالٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا﴾ . قالَ القاضِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في مَسائِلَ: أحَدُها: أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِالإنْزالِ والنُّزُولِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُحْدَثاتِ، فَإنَّ القَدِيمَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ. الثّانِي: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا والكَتْبُ هو الجَمْعُ، وهو سُمِّيَ كِتابًا لِكَوْنِهِ مَجْمُوعًا مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وما صَحَّ فِيهِ التَّرْكِيبُ والتَّأْلِيفُ فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الحَمْدَ لِنَفْسِهِ عَلى إنْزالِ الكِتابِ، والحَمْدُ إنَّما يُسْتَحَقُّ عَلى النِّعْمَةِ، والنِّعْمَةُ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ. الرّابِعُ: أنَّهُ وصَفَ الكِتابَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُعْوَجٍّ، وبِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ والقَدِيمُ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ. وثانِيها: مَسْألَةُ خَلْقِ الأعْمالِ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى قَوْلِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: نَفْسُ الأمْرِ بِالحَمْدِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ فِعْلٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالكِتابِ إذِ الِانْتِفاعُ بِهِ إنَّما يَحْصُلُ إذا قَدَرَ عَلى أنْ يَفْعَلَ ما دَلَّ الكِتابُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ فِعْلُهُ، ويَتْرُكَ ما دَلَّ الكِتابُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَرْكُهُ، وهو إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ لَوْ كانَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِعِوَجِ الكِتابِ أثَرٌ في اعْوِجاجِ فِعْلِهِ، ولَمْ يَكُنْ لِكَوْنِ الكِتابِ قَيِّمًا أثَرٌ في اسْتِقامَةِ فِعْلِهِ، أمّا إذا كانَ العَبْدُ قادِرًا عَلى الفِعْلِ مُخْتارًا فِيهِ بَقِيَ لِعِوَجِ الكِتابِ واسْتِقامَتِهِ أثَرٌ في فِعْلِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ أنْزَلَ بَعْضَ الكِتابِ لِيَكُونَ سَبَبًا لِكُفْرِ البَعْضِ، وأنْزَلَ الباقِيَ لِيُؤْمِنَ البَعْضُ الآخَرُ، فَمِن أيْنَ أنَّ الكِتابَ قَيِّمٌ لا عِوَجَ فِيهِ ؟ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِيهِ عِوَجٌ لَما زادَ عَلى ذَلِكَ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهُ -ﷺ- إنْذارَ الكُلِّ وتَبْشِيرَ الكُلِّ، وبِتَقْدِيرِ أنَّهُ يَكُونُ خالِقُ الكُفْرِ والإيمانِ هو اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْقَ لِلْإنْذارِ والتَّبْشِيرِ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ الإيمانَ فِيهِ حَصَلَ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ، وإذا خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِ حَصَلَ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ، فَبَقِيَ الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ عَلى الكُفْرِ والإيمانِ جارِيًا مَجْرى الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ عَلى كَوْنِهِ طَوِيلًا قَصِيرًا وأسْوَدَ وأبْيَضَ مِمّا لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ. والرّابِعُ: وصْفُهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ فَإنْ كانَ ما وقَعَ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى فَلا عَمَلَ لَهُمُ البَتَّةَ. الخامِسُ: إيجابُهُ لَهُمُ الأجْرَ الحَسَنَ عَلى ما عَمِلُوا، فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَلا إيجابَ ولا اسْتِحْقاقَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: قَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ أفْعالَهُ لِأغْراضٍ صَحِيحَةٍ وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِالغَرَضِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ قَدْ تَكَرَّرَتْ في هَذا الكِتابِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

الكهف 18:2

صفحة ٦٢ (سُورَةُ الكَهْفِ) مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ سُورَةُ الكَهْفِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّها مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ مِنها فِيهِما ذِكْرُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الفَزارِيِّ وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ ”«ألا أدُلُّكم عَلى سُورَةٍ شَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حِينَ نَزَلَتْ ؟ هي سُورَةُ الكَهْفِ» “ . ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ في حَقائِقِ قَوْلِنا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَقَدْ سَبَقَ، والَّذِي أقُولُهُ هَهُنا: إنَّ التَّسْبِيحَ أيْنَما جاءَ فَإنَّما جاءَ مُقَدَّمًا عَلى التَّحْمِيدِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: ”سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ“ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ ذَكَرَ التَّسْبِيحَ عِنْدَما أخْبَرَ أنَّهُ أسْرى بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (الإسْراءِ: ١) وذَكَرَ التَّحْمِيدَ عِنْدَما ذَكَرَ أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ وفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ التَّسْبِيحَ أوَّلُ الأمْرِ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، والتَّحْمِيدُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ أوَّلَ الأمْرِ هو كَوْنُهُ كامِلًا في ذاتِهِ، ونِهايَةَ الأمْرِ كَوْنُهُ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ الِابْتِداءُ في الذِّكْرِ بِقَوْلِنا سُبْحانَ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَقامَ التَّسْبِيحِ مَبْدَأٌ ومَقامَ التَّحْمِيدِ نِهايَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ عِنْدَ الإسْراءِ لَفْظَ التَّسْبِيحِ وعِنْدَ إنْزالِ الكِتابِ لَفْظَ التَّحْمِيدِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإسْراءَ بِهِ أوَّلُ دَرَجاتِ كَمالِهِ وإنْزالَ الكِتابِ غايَةُ دَرَجاتِ كَمالِهِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ لِأنَّ الإسْراءَ بِهِ إلى المِعْراجِ يَقْتَضِي حُصُولَ الكَمالِ لَهُ، وإنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي صفحة ٦٣ كَوْنَهُ مُكَمِّلًا لِلْأرْواحِ البَشَرِيَّةِ وناقِلًا لَها مِن حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ إلى أعْلى دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الثّانِيَ أكْمَلُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أعْلى مَقاماتِ العِبادِ مَقامًا أنْ يَصِيرَ (العَبْدُ) عالِمًا في ذاتِهِ مُعَلِّمًا لِغَيْرِهِ ولِهَذا رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«مَن تَعَلَّمَ وعَلَّمَ فَذاكَ يُدْعى عَظِيمًا في السَّماواتِ» “ . الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الإسْراءَ عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِ ذاتِهِ مِن تَحْتُ إلى فَوْقُ، وإنْزالُ الكِتابِ عَلَيْهِ عِبارَةٌ عَنْ إنْزالِ نُورِ الوَحْيِ عَلَيْهِ مِن فَوْقُ إلى تَحْتُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الثّانِيَ أكْمَلُ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَنافِعَ الإسْراءِ بِهِ كانَتْ مَقْصُورَةً عَلَيْهِ ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ هُنالِكَ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ (الإسْراءِ: ١) ومَنافِعُ إنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ مُتَعَدِّيَةٌ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ والفَوائِدُ المُتَعَدِّيَةُ أفْضَلُ مِنَ القاصِرَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ اسْتَدَلُّوا بِلَفْظِ الإسْراءِ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وبِلَفْظِ الإنْزالِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِجِهَةِ فَوْقُ، والجَوابُ عَنْهُ مَذْكُورٌ بِالتَّمامِ في سُورَةِ الأعْرافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ (الأعْرافِ: ٥٤) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْزالُ الكِتابِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ ونِعْمَةٌ عَلَيْنا، أمّا كَوْنُهُ نِعْمَةً عَلَيْهِ فَلِأنَّهُ تَعالى أطْلَعَهُ بِواسِطَةِ هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ عَلى أسْرارِ عُلُومِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ وصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ وأسْرارِ أحْوالِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وأحْوالِ القَضاءِ والقَدَرِ، وتَعَلُّقِ أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ بِأحْوالِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وتُعَلُّقِ أحْوالِ عالَمِ الآخِرَةِ بِعالَمِ الدُّنْيا، وكَيْفِيَّةِ نُزُولِ القَضاءِ مِن عالَمِ الغَيْبِ، وكَيْفِيَّةِ ارْتِباطِ عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ بِعالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، وتَصْيِيرِ النَّفْسِ كالمِرْآةِ الَّتِي يَتَجَلّى فِيها عالَمُ المَلَكُوتِ ويَنْكَشِفُ فِيها قُدْسُ اللّاهُوتِ، فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وأمّا كَوْنُ هَذا الكِتابِ نِعْمَةً عَلَيْنا فَلِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّكالِيفِ والأحْكامِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والثَّوابِ والعِقابِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو كِتابٌ كامِلٌ في أقْصى الدَّرَجاتِ فَكُلُّ واحِدٍ يَنْتَفِعُ بِهِ بِمِقْدارِ طاقَتِهِ وفَهْمِهِ فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ عَلى الرَّسُولِ وعَلى جَمِيعِ أُمَّتِهِ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّحْمِيدِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ الكِتابَ بِوَصْفَيْنِ فَقالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الشَّيْءَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كامِلًا في ذاتِهِ ثُمَّ يَكُونَ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ تامًّا في ذاتِهِ ثُمَّ يَكُونَ فَوْقَ التَّمامِ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ كَمالَ الغَيْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، وقَوْلِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ لِأنَّ القَيِّمَ عِبارَةٌ عَنِ القائِمِ بِمَصالِحِ الغَيْرِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في صِفَةِ الكِتابِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢) فَقَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ في نَفْسِهِ بالِغًا في الصِّحَّةِ وعَدَمِ الإخْلالِ إلى حَيْثُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَرْتابَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: (﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سَبَبًا لِهِدايَةِ الخَلْقِ وإكْمالِ حالِهِمْ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ قائِمٌ مُقامَ قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ قائِمٌ مُقامَ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهَذِهِ أسْرارٌ لَطِيفَةٌ. صفحة ٦٤ البَحْثُ الثّانِي: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: العِوَجُ في المَعانِي كالعِوَجِ في الأعْيانِ، والمُرادُ مِنهُ وُجُوهٌ: أحَدُها: نَفْيُ التَّناقُضِ عَنْ آياتِهِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النِّساءِ: ٨٢) . وثانِيها: أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَ اللَّهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والأحْكامِ والتَّكالِيفِ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ ولا خَلَلَ في شَيْءٍ مِنها البَتَّةَ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ كَأنَّهُ خَرَجَ مِن عالَمِ الغَيْبِ مُتَوَجِّهًا إلى عالَمِ الآخِرَةِ وإلى حَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ وهَذِهِ الدُّنْيا كَأنَّها رِباطٌ بُنِيَ عَلى طَرِيقِ عالَمِ القِيامَةِ حَتّى أنَّ المُسافِرَ إذا نَزَلَ فِيهِ اشْتَغَلَ بِالمُهِمّاتِ الَّتِي يَجِبُ رِعايَتُها في هَذا السَّفَرِ ثُمَّ يَرْتَحِلُ مِنهُ مُتَوَجِّهًا إلى عالَمِ الآخِرَةِ فَكُلُّ ما دَعاهُ في الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ ومِنَ الجُسْمانِيّاتِ إلى الرُّوحانِيّاتِ ومِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ومِنَ اللَّذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ الجَسَدانِيَّةِ إلى الِاسْتِنارَةِ بِالأنْوارِ الصَّمَدانِيَّةِ فَثَبَتَ أنَّهُ مُبَرَّأٌ عَنِ العِوَجِ والِانْحِرافِ والباطِلِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ . الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِلْكِتابِ وهي قَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ مُسْتَقِيمًا وهَذا عِنْدِي مُشْكِلٌ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِنَفْيِ الِاعْوِجاجِ إلّا حُصُولُ الِاسْتِقامَةِ فَتَفْسِيرُ القَيِّمِ بِالمُسْتَقِيمِ يُوجِبُ التَّكْرارَ وأنَّهُ باطِلٌ، بَلِ الحَقُّ ما ذَكَرْناهُ وأنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ أنَّهُ سَبَبٌ لِهِدايَةِ الخَلْقِ وأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى مَن يَكُونُ قَيِّمًا لِلْأطْفالِ، فالأرْواحُ البَشَرِيَّةُ كالأطْفالِ، والقُرْآنُ كالقَيِّمِ الشَّفِيقِ القائِمِ بِمَصالِحِهِمْ. البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الواحِدِيُّ: جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا هَذا مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا الكَلامِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، وقَوْلَهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، وكَوْنُهُ كامِلًا في ذاتِهِ مُتَقَدِّمٌ بِالطَّبْعِ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ فَظَهَرَ أنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فاسِدٌ يَمْتَنِعُ العَقْلُ مِنَ الذَّهابِ إلَيْهِ. البَحْثُ الرّابِعُ: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ لا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ الكِتابِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَ﴾ فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَجَعْلُهُ حالًا مِنَ الكِتابِ يُوجِبُ الفَصْلَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ بِبَعْضِ الصِّلَةِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، قالَ: ولَمّا بَطَلَ هَذا وجَبَ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ وجَعَلَهُ ﴿قَيِّمًا﴾ . الوَجْهُ الثّانِي: قالَ الأصْفَهانِيُّ: الَّذِي نَرى فِيهِ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ حالٌ وقَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ حالٌ أُخْرى وهُما حالانِ مُتَوالِيانِ والتَّقْدِيرُ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ غَيْرَ مَجْعُولٍ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ لِأنَّ مَعْنى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ أنَّهُ جَعَلَهُ مُسْتَقِيمًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ وجَعَلَهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ . الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ قائِمًا بِمَصالِحِ العِبادِ وأحْكامِ الدِّينِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما لِأجْلِهِ أنْزَلَهُ فَقالَ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ وأنْذَرَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ (النَّبَأِ: ٤٠) إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى أحَدِهِما وأصْلُهُ ﴿لِيُنْذِرَ﴾ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ كَما قالَ في ضِدِّهِ: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ والبَأْسُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] وقَدْ بَؤُسَ العَذابُ وبَؤُسَ الرَّجُلُ صفحة ٦٥ بَأْسًا وبَآسَةً، وقَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ صادِرًا مِن عِنْدِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: وفي (لَدُنْ) لُغاتٌ، يُقالُ: لَدُنْ ولَدى ولَدُ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَ: وهي لا تَتَمَكَّنُ تَمَكُّنَ (عِنْدَ) لِأنَّكَ تَقُولُ: هَذا القَوْلُ صَوابٌ عِنْدِي، ولا تَقُولُ صَوابٌ لَدُنِّي، وتَقُولُ: عِنْدِي مالٌ عَظِيمٌ والمالُ غائِبٌ عَنْكَ، ولَدُنِّي لِما يَلِيكَ لا غَيْرَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِسُكُونِ الدّالِ مَعَ إشْمامِ الضَّمِّ وكَسْرِ النُّونِ والهاءِ، وهي لُغَةُ بَنِي كِلابٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ إنْذارُ المُذْنِبِينَ وبِشارَةُ المُطِيعِينَ، ولَمّا كانَ دَفْعُ الضَّرَرِ أهَمَّ عِنْدَ (ذَوِي) العُقُولِ مِن إيصالِ النَّفْعِ لا جَرَمَ قُدِّمَ الإنْذارُ عَلى التَّبْشِيرِ في اللَّفْظِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ (ويُبَشِّرَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ يَعْنِي خالِدِينَ، وهو حالٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا﴾ . قالَ القاضِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في مَسائِلَ: أحَدُها: أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِالإنْزالِ والنُّزُولِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُحْدَثاتِ، فَإنَّ القَدِيمَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ. الثّانِي: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا والكَتْبُ هو الجَمْعُ، وهو سُمِّيَ كِتابًا لِكَوْنِهِ مَجْمُوعًا مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وما صَحَّ فِيهِ التَّرْكِيبُ والتَّأْلِيفُ فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الحَمْدَ لِنَفْسِهِ عَلى إنْزالِ الكِتابِ، والحَمْدُ إنَّما يُسْتَحَقُّ عَلى النِّعْمَةِ، والنِّعْمَةُ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ. الرّابِعُ: أنَّهُ وصَفَ الكِتابَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُعْوَجٍّ، وبِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ والقَدِيمُ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ. وثانِيها: مَسْألَةُ خَلْقِ الأعْمالِ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى قَوْلِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: نَفْسُ الأمْرِ بِالحَمْدِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ فِعْلٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالكِتابِ إذِ الِانْتِفاعُ بِهِ إنَّما يَحْصُلُ إذا قَدَرَ عَلى أنْ يَفْعَلَ ما دَلَّ الكِتابُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ فِعْلُهُ، ويَتْرُكَ ما دَلَّ الكِتابُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَرْكُهُ، وهو إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ لَوْ كانَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِعِوَجِ الكِتابِ أثَرٌ في اعْوِجاجِ فِعْلِهِ، ولَمْ يَكُنْ لِكَوْنِ الكِتابِ قَيِّمًا أثَرٌ في اسْتِقامَةِ فِعْلِهِ، أمّا إذا كانَ العَبْدُ قادِرًا عَلى الفِعْلِ مُخْتارًا فِيهِ بَقِيَ لِعِوَجِ الكِتابِ واسْتِقامَتِهِ أثَرٌ في فِعْلِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ أنْزَلَ بَعْضَ الكِتابِ لِيَكُونَ سَبَبًا لِكُفْرِ البَعْضِ، وأنْزَلَ الباقِيَ لِيُؤْمِنَ البَعْضُ الآخَرُ، فَمِن أيْنَ أنَّ الكِتابَ قَيِّمٌ لا عِوَجَ فِيهِ ؟ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِيهِ عِوَجٌ لَما زادَ عَلى ذَلِكَ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهُ -ﷺ- إنْذارَ الكُلِّ وتَبْشِيرَ الكُلِّ، وبِتَقْدِيرِ أنَّهُ يَكُونُ خالِقُ الكُفْرِ والإيمانِ هو اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْقَ لِلْإنْذارِ والتَّبْشِيرِ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ الإيمانَ فِيهِ حَصَلَ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ، وإذا خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِ حَصَلَ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ، فَبَقِيَ الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ عَلى الكُفْرِ والإيمانِ جارِيًا مَجْرى الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ عَلى كَوْنِهِ طَوِيلًا قَصِيرًا وأسْوَدَ وأبْيَضَ مِمّا لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ. والرّابِعُ: وصْفُهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ فَإنْ كانَ ما وقَعَ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى فَلا عَمَلَ لَهُمُ البَتَّةَ. الخامِسُ: إيجابُهُ لَهُمُ الأجْرَ الحَسَنَ عَلى ما عَمِلُوا، فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَلا إيجابَ ولا اسْتِحْقاقَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: قَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ أفْعالَهُ لِأغْراضٍ صَحِيحَةٍ وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِالغَرَضِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ قَدْ تَكَرَّرَتْ في هَذا الكِتابِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

الكهف 18:3

صفحة ٦٢ (سُورَةُ الكَهْفِ) مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ سُورَةُ الكَهْفِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّها مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ مِنها فِيهِما ذِكْرُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الفَزارِيِّ وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ ”«ألا أدُلُّكم عَلى سُورَةٍ شَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حِينَ نَزَلَتْ ؟ هي سُورَةُ الكَهْفِ» “ . ﷽ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ في حَقائِقِ قَوْلِنا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَقَدْ سَبَقَ، والَّذِي أقُولُهُ هَهُنا: إنَّ التَّسْبِيحَ أيْنَما جاءَ فَإنَّما جاءَ مُقَدَّمًا عَلى التَّحْمِيدِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: ”سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ“ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ ذَكَرَ التَّسْبِيحَ عِنْدَما أخْبَرَ أنَّهُ أسْرى بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (الإسْراءِ: ١) وذَكَرَ التَّحْمِيدَ عِنْدَما ذَكَرَ أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ وفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ التَّسْبِيحَ أوَّلُ الأمْرِ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، والتَّحْمِيدُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ أوَّلَ الأمْرِ هو كَوْنُهُ كامِلًا في ذاتِهِ، ونِهايَةَ الأمْرِ كَوْنُهُ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ الِابْتِداءُ في الذِّكْرِ بِقَوْلِنا سُبْحانَ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَقامَ التَّسْبِيحِ مَبْدَأٌ ومَقامَ التَّحْمِيدِ نِهايَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ عِنْدَ الإسْراءِ لَفْظَ التَّسْبِيحِ وعِنْدَ إنْزالِ الكِتابِ لَفْظَ التَّحْمِيدِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإسْراءَ بِهِ أوَّلُ دَرَجاتِ كَمالِهِ وإنْزالَ الكِتابِ غايَةُ دَرَجاتِ كَمالِهِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ لِأنَّ الإسْراءَ بِهِ إلى المِعْراجِ يَقْتَضِي حُصُولَ الكَمالِ لَهُ، وإنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي صفحة ٦٣ كَوْنَهُ مُكَمِّلًا لِلْأرْواحِ البَشَرِيَّةِ وناقِلًا لَها مِن حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ إلى أعْلى دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الثّانِيَ أكْمَلُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أعْلى مَقاماتِ العِبادِ مَقامًا أنْ يَصِيرَ (العَبْدُ) عالِمًا في ذاتِهِ مُعَلِّمًا لِغَيْرِهِ ولِهَذا رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«مَن تَعَلَّمَ وعَلَّمَ فَذاكَ يُدْعى عَظِيمًا في السَّماواتِ» “ . الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الإسْراءَ عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِ ذاتِهِ مِن تَحْتُ إلى فَوْقُ، وإنْزالُ الكِتابِ عَلَيْهِ عِبارَةٌ عَنْ إنْزالِ نُورِ الوَحْيِ عَلَيْهِ مِن فَوْقُ إلى تَحْتُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الثّانِيَ أكْمَلُ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَنافِعَ الإسْراءِ بِهِ كانَتْ مَقْصُورَةً عَلَيْهِ ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ هُنالِكَ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ (الإسْراءِ: ١) ومَنافِعُ إنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ مُتَعَدِّيَةٌ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ والفَوائِدُ المُتَعَدِّيَةُ أفْضَلُ مِنَ القاصِرَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ اسْتَدَلُّوا بِلَفْظِ الإسْراءِ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وبِلَفْظِ الإنْزالِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِجِهَةِ فَوْقُ، والجَوابُ عَنْهُ مَذْكُورٌ بِالتَّمامِ في سُورَةِ الأعْرافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ (الأعْرافِ: ٥٤) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْزالُ الكِتابِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ ونِعْمَةٌ عَلَيْنا، أمّا كَوْنُهُ نِعْمَةً عَلَيْهِ فَلِأنَّهُ تَعالى أطْلَعَهُ بِواسِطَةِ هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ عَلى أسْرارِ عُلُومِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ وصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ وأسْرارِ أحْوالِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وأحْوالِ القَضاءِ والقَدَرِ، وتَعَلُّقِ أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ بِأحْوالِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وتُعَلُّقِ أحْوالِ عالَمِ الآخِرَةِ بِعالَمِ الدُّنْيا، وكَيْفِيَّةِ نُزُولِ القَضاءِ مِن عالَمِ الغَيْبِ، وكَيْفِيَّةِ ارْتِباطِ عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ بِعالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، وتَصْيِيرِ النَّفْسِ كالمِرْآةِ الَّتِي يَتَجَلّى فِيها عالَمُ المَلَكُوتِ ويَنْكَشِفُ فِيها قُدْسُ اللّاهُوتِ، فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وأمّا كَوْنُ هَذا الكِتابِ نِعْمَةً عَلَيْنا فَلِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّكالِيفِ والأحْكامِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والثَّوابِ والعِقابِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو كِتابٌ كامِلٌ في أقْصى الدَّرَجاتِ فَكُلُّ واحِدٍ يَنْتَفِعُ بِهِ بِمِقْدارِ طاقَتِهِ وفَهْمِهِ فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ عَلى الرَّسُولِ وعَلى جَمِيعِ أُمَّتِهِ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّحْمِيدِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ الكِتابَ بِوَصْفَيْنِ فَقالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الشَّيْءَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كامِلًا في ذاتِهِ ثُمَّ يَكُونَ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ تامًّا في ذاتِهِ ثُمَّ يَكُونَ فَوْقَ التَّمامِ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ كَمالَ الغَيْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، وقَوْلِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ لِأنَّ القَيِّمَ عِبارَةٌ عَنِ القائِمِ بِمَصالِحِ الغَيْرِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في صِفَةِ الكِتابِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢) فَقَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ في نَفْسِهِ بالِغًا في الصِّحَّةِ وعَدَمِ الإخْلالِ إلى حَيْثُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَرْتابَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: (﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سَبَبًا لِهِدايَةِ الخَلْقِ وإكْمالِ حالِهِمْ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ قائِمٌ مُقامَ قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ قائِمٌ مُقامَ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهَذِهِ أسْرارٌ لَطِيفَةٌ. صفحة ٦٤ البَحْثُ الثّانِي: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: العِوَجُ في المَعانِي كالعِوَجِ في الأعْيانِ، والمُرادُ مِنهُ وُجُوهٌ: أحَدُها: نَفْيُ التَّناقُضِ عَنْ آياتِهِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النِّساءِ: ٨٢) . وثانِيها: أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَ اللَّهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والأحْكامِ والتَّكالِيفِ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ ولا خَلَلَ في شَيْءٍ مِنها البَتَّةَ. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ كَأنَّهُ خَرَجَ مِن عالَمِ الغَيْبِ مُتَوَجِّهًا إلى عالَمِ الآخِرَةِ وإلى حَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ وهَذِهِ الدُّنْيا كَأنَّها رِباطٌ بُنِيَ عَلى طَرِيقِ عالَمِ القِيامَةِ حَتّى أنَّ المُسافِرَ إذا نَزَلَ فِيهِ اشْتَغَلَ بِالمُهِمّاتِ الَّتِي يَجِبُ رِعايَتُها في هَذا السَّفَرِ ثُمَّ يَرْتَحِلُ مِنهُ مُتَوَجِّهًا إلى عالَمِ الآخِرَةِ فَكُلُّ ما دَعاهُ في الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ ومِنَ الجُسْمانِيّاتِ إلى الرُّوحانِيّاتِ ومِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ ومِنَ اللَّذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ الجَسَدانِيَّةِ إلى الِاسْتِنارَةِ بِالأنْوارِ الصَّمَدانِيَّةِ فَثَبَتَ أنَّهُ مُبَرَّأٌ عَنِ العِوَجِ والِانْحِرافِ والباطِلِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ . الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِلْكِتابِ وهي قَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ مُسْتَقِيمًا وهَذا عِنْدِي مُشْكِلٌ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِنَفْيِ الِاعْوِجاجِ إلّا حُصُولُ الِاسْتِقامَةِ فَتَفْسِيرُ القَيِّمِ بِالمُسْتَقِيمِ يُوجِبُ التَّكْرارَ وأنَّهُ باطِلٌ، بَلِ الحَقُّ ما ذَكَرْناهُ وأنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ أنَّهُ سَبَبٌ لِهِدايَةِ الخَلْقِ وأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى مَن يَكُونُ قَيِّمًا لِلْأطْفالِ، فالأرْواحُ البَشَرِيَّةُ كالأطْفالِ، والقُرْآنُ كالقَيِّمِ الشَّفِيقِ القائِمِ بِمَصالِحِهِمْ. البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الواحِدِيُّ: جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا هَذا مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وأقُولُ: قَدْ بَيَّنّا ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا الكَلامِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، وقَوْلَهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، وكَوْنُهُ كامِلًا في ذاتِهِ مُتَقَدِّمٌ بِالطَّبْعِ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ فَظَهَرَ أنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فاسِدٌ يَمْتَنِعُ العَقْلُ مِنَ الذَّهابِ إلَيْهِ. البَحْثُ الرّابِعُ: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ لا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ الكِتابِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَ﴾ فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَجَعْلُهُ حالًا مِنَ الكِتابِ يُوجِبُ الفَصْلَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ بِبَعْضِ الصِّلَةِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، قالَ: ولَمّا بَطَلَ هَذا وجَبَ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ وجَعَلَهُ ﴿قَيِّمًا﴾ . الوَجْهُ الثّانِي: قالَ الأصْفَهانِيُّ: الَّذِي نَرى فِيهِ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ حالٌ وقَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ حالٌ أُخْرى وهُما حالانِ مُتَوالِيانِ والتَّقْدِيرُ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ غَيْرَ مَجْعُولٍ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ لِأنَّ مَعْنى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ أنَّهُ جَعَلَهُ مُسْتَقِيمًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ وجَعَلَهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ . الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ قائِمًا بِمَصالِحِ العِبادِ وأحْكامِ الدِّينِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما لِأجْلِهِ أنْزَلَهُ فَقالَ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ وأنْذَرَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ (النَّبَأِ: ٤٠) إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى أحَدِهِما وأصْلُهُ ﴿لِيُنْذِرَ﴾ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ كَما قالَ في ضِدِّهِ: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ والبَأْسُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] وقَدْ بَؤُسَ العَذابُ وبَؤُسَ الرَّجُلُ صفحة ٦٥ بَأْسًا وبَآسَةً، وقَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ صادِرًا مِن عِنْدِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: وفي (لَدُنْ) لُغاتٌ، يُقالُ: لَدُنْ ولَدى ولَدُ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَ: وهي لا تَتَمَكَّنُ تَمَكُّنَ (عِنْدَ) لِأنَّكَ تَقُولُ: هَذا القَوْلُ صَوابٌ عِنْدِي، ولا تَقُولُ صَوابٌ لَدُنِّي، وتَقُولُ: عِنْدِي مالٌ عَظِيمٌ والمالُ غائِبٌ عَنْكَ، ولَدُنِّي لِما يَلِيكَ لا غَيْرَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِسُكُونِ الدّالِ مَعَ إشْمامِ الضَّمِّ وكَسْرِ النُّونِ والهاءِ، وهي لُغَةُ بَنِي كِلابٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ إنْذارُ المُذْنِبِينَ وبِشارَةُ المُطِيعِينَ، ولَمّا كانَ دَفْعُ الضَّرَرِ أهَمَّ عِنْدَ (ذَوِي) العُقُولِ مِن إيصالِ النَّفْعِ لا جَرَمَ قُدِّمَ الإنْذارُ عَلى التَّبْشِيرِ في اللَّفْظِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ (ويُبَشِّرَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ يَعْنِي خالِدِينَ، وهو حالٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا﴾ . قالَ القاضِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في مَسائِلَ: أحَدُها: أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِالإنْزالِ والنُّزُولِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُحْدَثاتِ، فَإنَّ القَدِيمَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ. الثّانِي: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا والكَتْبُ هو الجَمْعُ، وهو سُمِّيَ كِتابًا لِكَوْنِهِ مَجْمُوعًا مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وما صَحَّ فِيهِ التَّرْكِيبُ والتَّأْلِيفُ فَهو مُحْدَثٌ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الحَمْدَ لِنَفْسِهِ عَلى إنْزالِ الكِتابِ، والحَمْدُ إنَّما يُسْتَحَقُّ عَلى النِّعْمَةِ، والنِّعْمَةُ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ. الرّابِعُ: أنَّهُ وصَفَ الكِتابَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُعْوَجٍّ، وبِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ والقَدِيمُ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ. وثانِيها: مَسْألَةُ خَلْقِ الأعْمالِ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى قَوْلِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: نَفْسُ الأمْرِ بِالحَمْدِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ فِعْلٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالكِتابِ إذِ الِانْتِفاعُ بِهِ إنَّما يَحْصُلُ إذا قَدَرَ عَلى أنْ يَفْعَلَ ما دَلَّ الكِتابُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ فِعْلُهُ، ويَتْرُكَ ما دَلَّ الكِتابُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَرْكُهُ، وهو إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ لَوْ كانَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِعِوَجِ الكِتابِ أثَرٌ في اعْوِجاجِ فِعْلِهِ، ولَمْ يَكُنْ لِكَوْنِ الكِتابِ قَيِّمًا أثَرٌ في اسْتِقامَةِ فِعْلِهِ، أمّا إذا كانَ العَبْدُ قادِرًا عَلى الفِعْلِ مُخْتارًا فِيهِ بَقِيَ لِعِوَجِ الكِتابِ واسْتِقامَتِهِ أثَرٌ في فِعْلِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ أنْزَلَ بَعْضَ الكِتابِ لِيَكُونَ سَبَبًا لِكُفْرِ البَعْضِ، وأنْزَلَ الباقِيَ لِيُؤْمِنَ البَعْضُ الآخَرُ، فَمِن أيْنَ أنَّ الكِتابَ قَيِّمٌ لا عِوَجَ فِيهِ ؟ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِيهِ عِوَجٌ لَما زادَ عَلى ذَلِكَ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهُ -ﷺ- إنْذارَ الكُلِّ وتَبْشِيرَ الكُلِّ، وبِتَقْدِيرِ أنَّهُ يَكُونُ خالِقُ الكُفْرِ والإيمانِ هو اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْقَ لِلْإنْذارِ والتَّبْشِيرِ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ الإيمانَ فِيهِ حَصَلَ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ، وإذا خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِ حَصَلَ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ، فَبَقِيَ الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ عَلى الكُفْرِ والإيمانِ جارِيًا مَجْرى الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ عَلى كَوْنِهِ طَوِيلًا قَصِيرًا وأسْوَدَ وأبْيَضَ مِمّا لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ. والرّابِعُ: وصْفُهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ فَإنْ كانَ ما وقَعَ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى فَلا عَمَلَ لَهُمُ البَتَّةَ. الخامِسُ: إيجابُهُ لَهُمُ الأجْرَ الحَسَنَ عَلى ما عَمِلُوا، فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَلا إيجابَ ولا اسْتِحْقاقَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: قَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ أفْعالَهُ لِأغْراضٍ صَحِيحَةٍ وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِالغَرَضِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ قَدْ تَكَرَّرَتْ في هَذا الكِتابِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

الكهف 18:4

صفحة ٦٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ والمَعْطُوفُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فالأوَّلُ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ مَنِ اسْتَحَقَّ العَذابَ، والثّانِي خاصٌّ بِمَن أثْبَتَ لِلَّهِ ولَدًا، وعادَةُ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِأنَّهُ إذا ذَكَرَ قَضِيَّةً كُلِّيَّةً عَطَفَ عَلَيْها بَعْضَ جُزْئِيّاتِها تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِ أعْظَمَ جُزْئِيّاتِ ذَلِكَ الكُلِّيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ (البَقَرَةِ: ٩٨) فَكَذا هَهُنا العَطْفُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أقْبَحَ أنْواعِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ إثْباتُ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ أثْبَتُوا الوَلَدَ لِلَّهِ تَعالى ثَلاثُ طَوائِفَ: أحَدُها: كُفّارُ العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وثانِيها: النَّصارى حَيْثُ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. وثالِثُها: اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. والكَلامُ في أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ كُفْرٌ عَظِيمٌ، ويَلْزَمُ مِنهُ مُحالاتٌ عَظِيمَةٌ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنْعامِ: ١٠٠) وتَمامُهُ مَذْكُورٌ في سُورَةِ مَرْيَمَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أنْكَرَ عَلى القائِلِينَ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: اتِّخاذُ اللَّهِ ولَدًا مُحالٌ في نَفْسِهِ، فَكَيْفَ قِيلَ: ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ؟ قُلْنا: انْتِفاءُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِلْجَهْلِ بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ مُحالٌ لا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِهِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١١٧) واعْلَمْ أنَّ نُفاةَ القِياسِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ في الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ باطِلٌ، والقَوْلُ بِالقِياسِ الظَّنِّيِّ قَوْلٌ في الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَكُونُ باطِلًا، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسْراءِ: ٣٦) وقَوْلُهُ: ﴿ولا لِآبائِهِمْ﴾ أيْ ولا أحَدٌ مِن أسْلافِهِمْ، وهَذا مُبالَغَةٌ في كَوْنِ تِلْكَ المَقالَةِ باطِلَةً فاسِدَةً. النَّوْعُ الثّانِي: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ في إبْطالِهِ، قَوْلُهُ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قُرِئَ: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وبِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى التَّمْيِيزِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: كَبُرَتِ المَقالَةُ أوِ الكَلِمَةُ جازَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّها كَبُرَتْ كَذِبًا أوْ جَهْلًا أوِ افْتِراءً، فَلَمّا قُلْتَ: كَلِمَةً مَيَّزْتَها مِن مُحْتَمَلاتِها، فانْتَصَبَتْ عَلى التَّمْيِيزِ، والتَّقْدِيرُ: كَبُرَتِ الكَلِمَةُ كَلِمَةً فَحَصَلَ فِيهِ الإضْمارُ، أمّا مَن رَفَعَ فَلَمْ يُضْمِرْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: عَظُمَ فُلانٌ، فَلِذَلِكَ قالَ النَّحْوِيُّونَ والنَّصْبُ أقْوى وأبْلَغُ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أكْبَرَها كَلِمَةً. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ أيْ كَبُرَتِ الكَلِمَةُ، والمُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ فَصارَتْ مُضْمَرَةً في كَبُرَتْ، وسُمِّيَتْ كَلِمَةً كَما يُسَمُّونَ القَصِيدَةَ كَلِمَةً. البَحْثُ الثّالِثُ: احْتَجَّ النَّظّامُ في إثْباتِ قَوْلِهِ: أنَّ الكَلامَ جِسْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الكَلِمَةَ بِأنَّها تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ والخُرُوجُ عِبارَةٌ عَنِ الحَرَكَةِ والحَرَكَةُ لا تَصِحُّ إلّا عَلى الأجْسامِ. والجَوابُ: أنَّ الحُرُوفَ إنَّما تَحْدُثُ بِسَبَبِ خُرُوجِ النَّفَسِ عَنِ الحَلْقِ، فَلَمّا كانَ خُرُوجُ النَّفَسِ سَبَبًا لِحُدُوثِ الكَلِمَةِ أُطْلِقَ لَفْظُ الخُرُوجِ عَلى الكَلِمَةِ. صفحة ٦٧ البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مُسْتَكْرَهٌ جِدًّا عِنْدَ العَقْلِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا الَّذِي يَقُولُونَهُ لا يَحْكُمُ بِهِ عَقْلُهم وفِكْرُهُمُ البَتَّةَ، لِكَوْنِهِ في غايَةِ الفَسادِ والبُطْلانِ، فَكَأنَّهُ شَيْءٌ يَجْرِي بِهِ لِسانُهم عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهم مَعَ أنَّها قَوْلُهم عُقُولُهم وفِكْرُهم تَأْباها وتَنْفِرُ عَنْها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، واعْلَمْ أنَّ النّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا في حَقِيقَةِ الكَذِبِ، فَعِنْدَنا أنَّهُ الخَبَرُ الَّذِي لا يُطابِقُ المُخْبَرَ عَنْهُ سَواءٌ اعْتَقَدَ المُخْبِرُ أنَّهُ مُطابِقٌ أمْ لا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: شَرْطُ كَوْنِهِ كَذِبًا أنْ لا يُطابِقَ المُخْبَرَ عَنْهُ مَعَ عِلْمِ قائِلِهِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ، وهَذا القَيْدُ عِنْدَنا باطِلٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّهُ تَعالى وصَفَ قَوْلَهم بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ بِكَوْنِهِ كَذِبًا، مَعَ أنَّ الكَثِيرَ مِنهم يَقُولُ ذَلِكَ، ولا يَعْلَمُ كَوْنَهُ باطِلًا، فَعَلِمْنا أنَّ كُلَّ خَبَرٍ لا يُطابِقُ المُخْبَرَ عَنْهُ فَهو كَذِبٌ سَواءٌ عَلِمَ القائِلُ بِكَوْنِهِ مُطابِقًا أوْ لَمْ يَعْلَمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: المَقْصُودُ مِنهُ أنْ يُقالَ لِلرَّسُولِ: لا يَعْظُمُ حُزْنُكَ وأسَفُكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَإنّا بَعَثْناكَ مُنْذِرًا ومُبَشِّرًا، فَأمّا تَحْصِيلُ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ فَلا قُدْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، والغَرَضُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ -ﷺ - عَنْهُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ اللَّيْثُ: بَخَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ إذا قَتَلَها غَيْظًا مِن شَدَّةِ وجْدِهِ بِالشَّيْءِ، وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: أصْلُ البَخْعِ الجَهْدُ، يُقالُ: بَخَعْتُ لَكَ نَفْسِي أيْ جَهَدْتُها، وفي حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها ذَكَرَتْ عُمَرَ، فَقالَتْ: بَخَعَ الأرْضَ أيْ جَهَدَها، حَتّى أخَذَ ما فِيها مِن أمْوالِ المُلُوكِ، وقالَ الكِسائِيُّ: بَخَعْتُ الأرْضَ بِالزِّراعَةِ إذا جَعَلْتَها ضَعِيفَةً بِسَبَبِ مُتابَعَةِ الحِراثَةِ، وبَخَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ إذا نَهَكَها، وعَلى هَذا مَعْنى: ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ ناهِكُها وجاهِدُها حَتّى تُهْلِكَها، ولَكِنَّ أهْلَ التَّأْوِيلِ كُلَّهم قالُوا: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها، والأصْلُ ما ذَكَرْناهُ، هَكَذا قالَ الواحِدِيُّ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِهِمْ، يُقالُ: ماتَ فُلانٌ عَلى أثَرِ فُلانٍ أيْ بَعْدَهُ، وأصْلُ هَذا أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ بَقِيَتْ عَلاماتُهُ وآثارُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً، ثُمَّ إنَّها تَنْمَحِي وتُبْطِلُهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَإذا كانَ مَوْتُهُ قَرِيبًا مِن مَوْتِ الأوَّلِ كانَ مَوْتُهُ حاصِلًا حالَ بَقاءِ آثارِ الأوَّلِ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: ماتَ فُلانٌ عَلى أثَرِ فُلانٍ. البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ المُرادُ بِالحَدِيثِ القُرْآنُ، قالَ القاضِي: وهَذا يَقْتَضِي وصْفَ القُرْآنِ بِأنَّهُ حَدِيثٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ قَدِيمٌ، وجَوابُهُ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الألْفاظِ وهي حادِثَةٌ. البَحْثُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿أسَفًا﴾ الأسَفُ المُبالَغَةُ في الحُزْنِ، وذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ وفي انْتِصابِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ ودَلَّ ما قَبْلَهُ مِنَ الكَلامِ عَلى أنَّهُ يَأْسَفُ. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِلْأسَفِ، كَقَوْلِكَ: جِئْتُكَ ابْتِغاءَ الخَيْرِ. والثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿أسَفًا﴾ مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. البَحْثُ السّادِسُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ ومَعْناهُ التَّأْخِيرُ.

الكهف 18:5

صفحة ٦٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ والمَعْطُوفُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فالأوَّلُ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ مَنِ اسْتَحَقَّ العَذابَ، والثّانِي خاصٌّ بِمَن أثْبَتَ لِلَّهِ ولَدًا، وعادَةُ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِأنَّهُ إذا ذَكَرَ قَضِيَّةً كُلِّيَّةً عَطَفَ عَلَيْها بَعْضَ جُزْئِيّاتِها تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِ أعْظَمَ جُزْئِيّاتِ ذَلِكَ الكُلِّيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ (البَقَرَةِ: ٩٨) فَكَذا هَهُنا العَطْفُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أقْبَحَ أنْواعِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ إثْباتُ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ أثْبَتُوا الوَلَدَ لِلَّهِ تَعالى ثَلاثُ طَوائِفَ: أحَدُها: كُفّارُ العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وثانِيها: النَّصارى حَيْثُ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. وثالِثُها: اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. والكَلامُ في أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ كُفْرٌ عَظِيمٌ، ويَلْزَمُ مِنهُ مُحالاتٌ عَظِيمَةٌ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنْعامِ: ١٠٠) وتَمامُهُ مَذْكُورٌ في سُورَةِ مَرْيَمَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أنْكَرَ عَلى القائِلِينَ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: اتِّخاذُ اللَّهِ ولَدًا مُحالٌ في نَفْسِهِ، فَكَيْفَ قِيلَ: ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ؟ قُلْنا: انْتِفاءُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِلْجَهْلِ بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ مُحالٌ لا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِهِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١١٧) واعْلَمْ أنَّ نُفاةَ القِياسِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ في الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ باطِلٌ، والقَوْلُ بِالقِياسِ الظَّنِّيِّ قَوْلٌ في الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَكُونُ باطِلًا، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسْراءِ: ٣٦) وقَوْلُهُ: ﴿ولا لِآبائِهِمْ﴾ أيْ ولا أحَدٌ مِن أسْلافِهِمْ، وهَذا مُبالَغَةٌ في كَوْنِ تِلْكَ المَقالَةِ باطِلَةً فاسِدَةً. النَّوْعُ الثّانِي: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ في إبْطالِهِ، قَوْلُهُ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قُرِئَ: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وبِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى التَّمْيِيزِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: كَبُرَتِ المَقالَةُ أوِ الكَلِمَةُ جازَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّها كَبُرَتْ كَذِبًا أوْ جَهْلًا أوِ افْتِراءً، فَلَمّا قُلْتَ: كَلِمَةً مَيَّزْتَها مِن مُحْتَمَلاتِها، فانْتَصَبَتْ عَلى التَّمْيِيزِ، والتَّقْدِيرُ: كَبُرَتِ الكَلِمَةُ كَلِمَةً فَحَصَلَ فِيهِ الإضْمارُ، أمّا مَن رَفَعَ فَلَمْ يُضْمِرْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: عَظُمَ فُلانٌ، فَلِذَلِكَ قالَ النَّحْوِيُّونَ والنَّصْبُ أقْوى وأبْلَغُ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أكْبَرَها كَلِمَةً. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ أيْ كَبُرَتِ الكَلِمَةُ، والمُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ فَصارَتْ مُضْمَرَةً في كَبُرَتْ، وسُمِّيَتْ كَلِمَةً كَما يُسَمُّونَ القَصِيدَةَ كَلِمَةً. البَحْثُ الثّالِثُ: احْتَجَّ النَّظّامُ في إثْباتِ قَوْلِهِ: أنَّ الكَلامَ جِسْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الكَلِمَةَ بِأنَّها تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ والخُرُوجُ عِبارَةٌ عَنِ الحَرَكَةِ والحَرَكَةُ لا تَصِحُّ إلّا عَلى الأجْسامِ. والجَوابُ: أنَّ الحُرُوفَ إنَّما تَحْدُثُ بِسَبَبِ خُرُوجِ النَّفَسِ عَنِ الحَلْقِ، فَلَمّا كانَ خُرُوجُ النَّفَسِ سَبَبًا لِحُدُوثِ الكَلِمَةِ أُطْلِقَ لَفْظُ الخُرُوجِ عَلى الكَلِمَةِ. صفحة ٦٧ البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مُسْتَكْرَهٌ جِدًّا عِنْدَ العَقْلِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا الَّذِي يَقُولُونَهُ لا يَحْكُمُ بِهِ عَقْلُهم وفِكْرُهُمُ البَتَّةَ، لِكَوْنِهِ في غايَةِ الفَسادِ والبُطْلانِ، فَكَأنَّهُ شَيْءٌ يَجْرِي بِهِ لِسانُهم عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهم مَعَ أنَّها قَوْلُهم عُقُولُهم وفِكْرُهم تَأْباها وتَنْفِرُ عَنْها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، واعْلَمْ أنَّ النّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا في حَقِيقَةِ الكَذِبِ، فَعِنْدَنا أنَّهُ الخَبَرُ الَّذِي لا يُطابِقُ المُخْبَرَ عَنْهُ سَواءٌ اعْتَقَدَ المُخْبِرُ أنَّهُ مُطابِقٌ أمْ لا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: شَرْطُ كَوْنِهِ كَذِبًا أنْ لا يُطابِقَ المُخْبَرَ عَنْهُ مَعَ عِلْمِ قائِلِهِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ، وهَذا القَيْدُ عِنْدَنا باطِلٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّهُ تَعالى وصَفَ قَوْلَهم بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ بِكَوْنِهِ كَذِبًا، مَعَ أنَّ الكَثِيرَ مِنهم يَقُولُ ذَلِكَ، ولا يَعْلَمُ كَوْنَهُ باطِلًا، فَعَلِمْنا أنَّ كُلَّ خَبَرٍ لا يُطابِقُ المُخْبَرَ عَنْهُ فَهو كَذِبٌ سَواءٌ عَلِمَ القائِلُ بِكَوْنِهِ مُطابِقًا أوْ لَمْ يَعْلَمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: المَقْصُودُ مِنهُ أنْ يُقالَ لِلرَّسُولِ: لا يَعْظُمُ حُزْنُكَ وأسَفُكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَإنّا بَعَثْناكَ مُنْذِرًا ومُبَشِّرًا، فَأمّا تَحْصِيلُ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ فَلا قُدْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، والغَرَضُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ -ﷺ - عَنْهُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ اللَّيْثُ: بَخَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ إذا قَتَلَها غَيْظًا مِن شَدَّةِ وجْدِهِ بِالشَّيْءِ، وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: أصْلُ البَخْعِ الجَهْدُ، يُقالُ: بَخَعْتُ لَكَ نَفْسِي أيْ جَهَدْتُها، وفي حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها ذَكَرَتْ عُمَرَ، فَقالَتْ: بَخَعَ الأرْضَ أيْ جَهَدَها، حَتّى أخَذَ ما فِيها مِن أمْوالِ المُلُوكِ، وقالَ الكِسائِيُّ: بَخَعْتُ الأرْضَ بِالزِّراعَةِ إذا جَعَلْتَها ضَعِيفَةً بِسَبَبِ مُتابَعَةِ الحِراثَةِ، وبَخَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ إذا نَهَكَها، وعَلى هَذا مَعْنى: ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ ناهِكُها وجاهِدُها حَتّى تُهْلِكَها، ولَكِنَّ أهْلَ التَّأْوِيلِ كُلَّهم قالُوا: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها، والأصْلُ ما ذَكَرْناهُ، هَكَذا قالَ الواحِدِيُّ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِهِمْ، يُقالُ: ماتَ فُلانٌ عَلى أثَرِ فُلانٍ أيْ بَعْدَهُ، وأصْلُ هَذا أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ بَقِيَتْ عَلاماتُهُ وآثارُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً، ثُمَّ إنَّها تَنْمَحِي وتُبْطِلُهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَإذا كانَ مَوْتُهُ قَرِيبًا مِن مَوْتِ الأوَّلِ كانَ مَوْتُهُ حاصِلًا حالَ بَقاءِ آثارِ الأوَّلِ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: ماتَ فُلانٌ عَلى أثَرِ فُلانٍ. البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ المُرادُ بِالحَدِيثِ القُرْآنُ، قالَ القاضِي: وهَذا يَقْتَضِي وصْفَ القُرْآنِ بِأنَّهُ حَدِيثٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ قَدِيمٌ، وجَوابُهُ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الألْفاظِ وهي حادِثَةٌ. البَحْثُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿أسَفًا﴾ الأسَفُ المُبالَغَةُ في الحُزْنِ، وذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ وفي انْتِصابِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ ودَلَّ ما قَبْلَهُ مِنَ الكَلامِ عَلى أنَّهُ يَأْسَفُ. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِلْأسَفِ، كَقَوْلِكَ: جِئْتُكَ ابْتِغاءَ الخَيْرِ. والثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿أسَفًا﴾ مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. البَحْثُ السّادِسُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ ومَعْناهُ التَّأْخِيرُ.

الكهف 18:6

صفحة ٦٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ والمَعْطُوفُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فالأوَّلُ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ مَنِ اسْتَحَقَّ العَذابَ، والثّانِي خاصٌّ بِمَن أثْبَتَ لِلَّهِ ولَدًا، وعادَةُ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِأنَّهُ إذا ذَكَرَ قَضِيَّةً كُلِّيَّةً عَطَفَ عَلَيْها بَعْضَ جُزْئِيّاتِها تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِ أعْظَمَ جُزْئِيّاتِ ذَلِكَ الكُلِّيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ (البَقَرَةِ: ٩٨) فَكَذا هَهُنا العَطْفُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أقْبَحَ أنْواعِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ إثْباتُ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ أثْبَتُوا الوَلَدَ لِلَّهِ تَعالى ثَلاثُ طَوائِفَ: أحَدُها: كُفّارُ العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وثانِيها: النَّصارى حَيْثُ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. وثالِثُها: اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. والكَلامُ في أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ كُفْرٌ عَظِيمٌ، ويَلْزَمُ مِنهُ مُحالاتٌ عَظِيمَةٌ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنْعامِ: ١٠٠) وتَمامُهُ مَذْكُورٌ في سُورَةِ مَرْيَمَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أنْكَرَ عَلى القائِلِينَ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: اتِّخاذُ اللَّهِ ولَدًا مُحالٌ في نَفْسِهِ، فَكَيْفَ قِيلَ: ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ؟ قُلْنا: انْتِفاءُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِلْجَهْلِ بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ مُحالٌ لا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِهِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١١٧) واعْلَمْ أنَّ نُفاةَ القِياسِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ في الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ باطِلٌ، والقَوْلُ بِالقِياسِ الظَّنِّيِّ قَوْلٌ في الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَكُونُ باطِلًا، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسْراءِ: ٣٦) وقَوْلُهُ: ﴿ولا لِآبائِهِمْ﴾ أيْ ولا أحَدٌ مِن أسْلافِهِمْ، وهَذا مُبالَغَةٌ في كَوْنِ تِلْكَ المَقالَةِ باطِلَةً فاسِدَةً. النَّوْعُ الثّانِي: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ في إبْطالِهِ، قَوْلُهُ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قُرِئَ: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وبِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى التَّمْيِيزِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: كَبُرَتِ المَقالَةُ أوِ الكَلِمَةُ جازَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّها كَبُرَتْ كَذِبًا أوْ جَهْلًا أوِ افْتِراءً، فَلَمّا قُلْتَ: كَلِمَةً مَيَّزْتَها مِن مُحْتَمَلاتِها، فانْتَصَبَتْ عَلى التَّمْيِيزِ، والتَّقْدِيرُ: كَبُرَتِ الكَلِمَةُ كَلِمَةً فَحَصَلَ فِيهِ الإضْمارُ، أمّا مَن رَفَعَ فَلَمْ يُضْمِرْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: عَظُمَ فُلانٌ، فَلِذَلِكَ قالَ النَّحْوِيُّونَ والنَّصْبُ أقْوى وأبْلَغُ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أكْبَرَها كَلِمَةً. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ أيْ كَبُرَتِ الكَلِمَةُ، والمُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ فَصارَتْ مُضْمَرَةً في كَبُرَتْ، وسُمِّيَتْ كَلِمَةً كَما يُسَمُّونَ القَصِيدَةَ كَلِمَةً. البَحْثُ الثّالِثُ: احْتَجَّ النَّظّامُ في إثْباتِ قَوْلِهِ: أنَّ الكَلامَ جِسْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الكَلِمَةَ بِأنَّها تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ والخُرُوجُ عِبارَةٌ عَنِ الحَرَكَةِ والحَرَكَةُ لا تَصِحُّ إلّا عَلى الأجْسامِ. والجَوابُ: أنَّ الحُرُوفَ إنَّما تَحْدُثُ بِسَبَبِ خُرُوجِ النَّفَسِ عَنِ الحَلْقِ، فَلَمّا كانَ خُرُوجُ النَّفَسِ سَبَبًا لِحُدُوثِ الكَلِمَةِ أُطْلِقَ لَفْظُ الخُرُوجِ عَلى الكَلِمَةِ. صفحة ٦٧ البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مُسْتَكْرَهٌ جِدًّا عِنْدَ العَقْلِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا الَّذِي يَقُولُونَهُ لا يَحْكُمُ بِهِ عَقْلُهم وفِكْرُهُمُ البَتَّةَ، لِكَوْنِهِ في غايَةِ الفَسادِ والبُطْلانِ، فَكَأنَّهُ شَيْءٌ يَجْرِي بِهِ لِسانُهم عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهم مَعَ أنَّها قَوْلُهم عُقُولُهم وفِكْرُهم تَأْباها وتَنْفِرُ عَنْها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، واعْلَمْ أنَّ النّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا في حَقِيقَةِ الكَذِبِ، فَعِنْدَنا أنَّهُ الخَبَرُ الَّذِي لا يُطابِقُ المُخْبَرَ عَنْهُ سَواءٌ اعْتَقَدَ المُخْبِرُ أنَّهُ مُطابِقٌ أمْ لا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: شَرْطُ كَوْنِهِ كَذِبًا أنْ لا يُطابِقَ المُخْبَرَ عَنْهُ مَعَ عِلْمِ قائِلِهِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ، وهَذا القَيْدُ عِنْدَنا باطِلٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّهُ تَعالى وصَفَ قَوْلَهم بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ بِكَوْنِهِ كَذِبًا، مَعَ أنَّ الكَثِيرَ مِنهم يَقُولُ ذَلِكَ، ولا يَعْلَمُ كَوْنَهُ باطِلًا، فَعَلِمْنا أنَّ كُلَّ خَبَرٍ لا يُطابِقُ المُخْبَرَ عَنْهُ فَهو كَذِبٌ سَواءٌ عَلِمَ القائِلُ بِكَوْنِهِ مُطابِقًا أوْ لَمْ يَعْلَمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: المَقْصُودُ مِنهُ أنْ يُقالَ لِلرَّسُولِ: لا يَعْظُمُ حُزْنُكَ وأسَفُكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَإنّا بَعَثْناكَ مُنْذِرًا ومُبَشِّرًا، فَأمّا تَحْصِيلُ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ فَلا قُدْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، والغَرَضُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ -ﷺ - عَنْهُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ اللَّيْثُ: بَخَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ إذا قَتَلَها غَيْظًا مِن شَدَّةِ وجْدِهِ بِالشَّيْءِ، وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: أصْلُ البَخْعِ الجَهْدُ، يُقالُ: بَخَعْتُ لَكَ نَفْسِي أيْ جَهَدْتُها، وفي حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها ذَكَرَتْ عُمَرَ، فَقالَتْ: بَخَعَ الأرْضَ أيْ جَهَدَها، حَتّى أخَذَ ما فِيها مِن أمْوالِ المُلُوكِ، وقالَ الكِسائِيُّ: بَخَعْتُ الأرْضَ بِالزِّراعَةِ إذا جَعَلْتَها ضَعِيفَةً بِسَبَبِ مُتابَعَةِ الحِراثَةِ، وبَخَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ إذا نَهَكَها، وعَلى هَذا مَعْنى: ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ ناهِكُها وجاهِدُها حَتّى تُهْلِكَها، ولَكِنَّ أهْلَ التَّأْوِيلِ كُلَّهم قالُوا: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها، والأصْلُ ما ذَكَرْناهُ، هَكَذا قالَ الواحِدِيُّ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِهِمْ، يُقالُ: ماتَ فُلانٌ عَلى أثَرِ فُلانٍ أيْ بَعْدَهُ، وأصْلُ هَذا أنَّ الإنْسانَ إذا ماتَ بَقِيَتْ عَلاماتُهُ وآثارُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً، ثُمَّ إنَّها تَنْمَحِي وتُبْطِلُهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَإذا كانَ مَوْتُهُ قَرِيبًا مِن مَوْتِ الأوَّلِ كانَ مَوْتُهُ حاصِلًا حالَ بَقاءِ آثارِ الأوَّلِ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: ماتَ فُلانٌ عَلى أثَرِ فُلانٍ. البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ المُرادُ بِالحَدِيثِ القُرْآنُ، قالَ القاضِي: وهَذا يَقْتَضِي وصْفَ القُرْآنِ بِأنَّهُ حَدِيثٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ قَدِيمٌ، وجَوابُهُ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الألْفاظِ وهي حادِثَةٌ. البَحْثُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿أسَفًا﴾ الأسَفُ المُبالَغَةُ في الحُزْنِ، وذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ وفي انْتِصابِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ ودَلَّ ما قَبْلَهُ مِنَ الكَلامِ عَلى أنَّهُ يَأْسَفُ. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِلْأسَفِ، كَقَوْلِكَ: جِئْتُكَ ابْتِغاءَ الخَيْرِ. والثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿أسَفًا﴾ مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. البَحْثُ السّادِسُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ ومَعْناهُ التَّأْخِيرُ.

الكهف 18:7

صفحة ٦٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: وجْهُ النَّظْمِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنِّي خَلَقْتُ الأرْضَ وزَيَّنْتُها وأخْرَجْتُ مِنها أنْواعَ المَنافِعِ والمَصالِحِ، والمَقْصُودُ مِن خَلْقِها بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ ابْتِلاءُ الخَلْقِ بِهَذِهِ التَّكالِيفِ، ثُمَّ إنَّهم يَكْفُرُونَ ويَتَمَرَّدُونَ مَعَ ذَلِكَ فَلا أقْطَعُ عَنْهم مَوادَّ هَذِهِ النِّعَمِ. فَأنْتَ أيْضًا يا مُحَمَّدُ يَنْبَغِي أنْ لا تَنْتَهِيَ في الحُزْنِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ إلى أنْ تَتْرُكَ الِاشْتِغالَ بِدَعْوَتِهِمْ إلى الدِّينِ الحَقِّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الزِّينَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: النَّباتُ والشَّجَرُ وضَمَّ بَعْضُهم إلَيْهِ الذَّهَبَ والفِضَّةَ والمَعادِنَ، وضَمَّ بَعْضُهم إلى سائِرِ الحَيَواناتِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ النّاسُ فَهم زِينَةُ الأرْضِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَيْسَ بِالأرْضِ إلّا المَوالِيدُ الثَّلاثَةُ وهي المَعادِنُ والنَّباتُ والحَيَوانُ، وأشْرَفُ أنْواعِ الحَيَوانِ الإنْسانُ، وقالَ القاضِي: الأوْلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في هَذِهِ الزِّينَةِ المُكَلَّفُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ فَمَن يَبْلُوهُ يَجِبُ أنْ لا يَدْخُلَ في ذَلِكَ، فَأمّا سائِرُ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَإنَّهم يَدْخُلُونَ فِيهِ كَدُخُولِ سائِرِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿زِينَةً لَها﴾ أيْ لِلْأرْضِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما يُحَسَّنُ بِهِ الأرْضُ زِينَةً لِلْأرْضِ كَما جَعَلَ اللَّهُ السَّماءَ مُزَيَّنَةً بِزِينَةِ الكَواكِبِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ إلى أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الحَوادِثَ إلّا عِنْدَ دُخُولِها في الوُجُودِ، فَعَلى هَذا الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ عَلى اللَّهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ قَبْلَ وُقُوعِها لَكانَ كُلُّ ما عَلِمَ وُقُوعَهُ واجِبَ الوُقُوعِ، وكُلُّ ما عَلِمَ عَدَمَهُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا فالَّذِي عَلِمَ وُقُوعَهُ يَجِبُ كَوْنُهُ فاعِلًا لَهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّرْكِ، والَّذِي عَلِمَ عَدَمَهُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الفِعْلِ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ قادِرًا عَلى شَيْءٍ أصْلًا بَلْ يَكُونُ مُوجِبًا بِالذّاتِ، وأيْضًا فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ لا عَلى الفِعْلِ ولا عَلى التَّرْكِ؛ لِأنَّ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ امْتَنَعَ مِنَ العَبْدِ تَرْكُهُ وما عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَهُ امْتَنَعَ مِنهُ فِعْلُهُ، فالقَوْلُ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها يَقْدَحُ في الرُّبُوبِيَّةِ وفي العُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما يَعْلَمُ الأشْياءَ عِنْدَ وُقُوعِها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ جائِزٌ عَلَيْهِ، وعِنْدَ هَذا قالَ: يَجْرِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ عَلى ظاهِرِهِ، وأمّا جُمْهُورُ عُلَماءِ الإسْلامِ فَقَدِ اسْتَبْعَدُوا هَذا القَوْلَ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، فالِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ مُحالانِ عَلَيْهِ، وأيْنَما ورَدَتْ هَذِهِ الألْفاظُ، فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةً لَوْ صَدَرَتْ تِلْكَ المُعامَلَةُ عَنْ غَيْرِهِ لَكانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مِرارًا كَثِيرَةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ هو أنَّهُ يَبْلُوهم لِيُبْصِرَهم أيُّهم أطْوَعُ لِلَّهِ وأشَدُّ اسْتِمْرارًا عَلى خِدْمَتِهِ؛ لِأنَّ مَن هَذا حالُهُ هو الَّذِي يَفُوزُ بِالجَنَّةِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَلَّفَ لِأجْلِ ذَلِكَ لا لِأجْلِ أنْ يُعْصى، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: خَلَقَ بَعْضَهم لِلنّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ تَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وأصْحابُنا قالُوا: هَذا مُحالٌ لِأنَّ التَّعْلِيلَ بِالغَرَضِ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ مَن لا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الغَرَضِ إلّا بِتِلْكَ الواسِطَةِ، وهَذا يَقْتَضِي العَجْزَ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ. صفحة ٦٩ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أيَهُمُّ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ إلّا أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى لِنَخْتَبِرَ ونَمْتَحِنَ هَذا أحْسَنُ عَمَلًا أمْ ذاكَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما زَيَّنَ الأرْضَ لِأجْلِ الِامْتِحانِ والِابْتِلاءِ، لا لِأجْلِ أنْ يَبْقى الإنْسانُ فِيها مُتَنَعِّمًا أبَدًا، لِأنَّهُ يُزَهِّدُ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها﴾ الآيَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٢٦) وقَوْلُهُ: ﴿فَيَذَرُها قاعًا﴾ (طَه: ١٠٦) الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٣) الآيَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المُجازاةِ بَعْدَ فَناءِ ما عَلى الأرْضِ، وتَخْصِيصُ الإبْطالِ والإهْلاكِ بِما عَلى الأرْضِ يُوهِمُ بَقاءَ الأرْضِ إلّا أنَّ سائِرَ الآياتِ دَلَّتْ عَلى أنَّ الأرْضَ أيْضًا لا تَبْقى وهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٤٨) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّعِيدُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الطَّرِيقُ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الصَّعِيدِ في آيَةِ التَّيَمُّمِ، وأمّا الجُرُزُ، فَقالَ الفَرّاءُ: الجُرُزُ الأرْضُ الَّتِي لا نَباتَ عَلَيْها، يُقالُ: جَرَزَتِ الأرْضُ فَهي مَجْرُوزَةٌ، وجَرَزَها الجَرادُ والشّاءُ والإبِلُ إذا أكَلَتْ ما عَلَيْها، وامْرَأةٌ جَرُوزٌ إذا كانَتْ أكُولًا، وسَيْفٌ جُرازٌ إذا كانَ مُسْتَأْصِلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ (السَّجْدَةِ: ٢٧) .

الكهف 18:8

صفحة ٦٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: وجْهُ النَّظْمِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنِّي خَلَقْتُ الأرْضَ وزَيَّنْتُها وأخْرَجْتُ مِنها أنْواعَ المَنافِعِ والمَصالِحِ، والمَقْصُودُ مِن خَلْقِها بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ ابْتِلاءُ الخَلْقِ بِهَذِهِ التَّكالِيفِ، ثُمَّ إنَّهم يَكْفُرُونَ ويَتَمَرَّدُونَ مَعَ ذَلِكَ فَلا أقْطَعُ عَنْهم مَوادَّ هَذِهِ النِّعَمِ. فَأنْتَ أيْضًا يا مُحَمَّدُ يَنْبَغِي أنْ لا تَنْتَهِيَ في الحُزْنِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ إلى أنْ تَتْرُكَ الِاشْتِغالَ بِدَعْوَتِهِمْ إلى الدِّينِ الحَقِّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الزِّينَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: النَّباتُ والشَّجَرُ وضَمَّ بَعْضُهم إلَيْهِ الذَّهَبَ والفِضَّةَ والمَعادِنَ، وضَمَّ بَعْضُهم إلى سائِرِ الحَيَواناتِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ النّاسُ فَهم زِينَةُ الأرْضِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَيْسَ بِالأرْضِ إلّا المَوالِيدُ الثَّلاثَةُ وهي المَعادِنُ والنَّباتُ والحَيَوانُ، وأشْرَفُ أنْواعِ الحَيَوانِ الإنْسانُ، وقالَ القاضِي: الأوْلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في هَذِهِ الزِّينَةِ المُكَلَّفُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ فَمَن يَبْلُوهُ يَجِبُ أنْ لا يَدْخُلَ في ذَلِكَ، فَأمّا سائِرُ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَإنَّهم يَدْخُلُونَ فِيهِ كَدُخُولِ سائِرِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿زِينَةً لَها﴾ أيْ لِلْأرْضِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما يُحَسَّنُ بِهِ الأرْضُ زِينَةً لِلْأرْضِ كَما جَعَلَ اللَّهُ السَّماءَ مُزَيَّنَةً بِزِينَةِ الكَواكِبِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ إلى أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الحَوادِثَ إلّا عِنْدَ دُخُولِها في الوُجُودِ، فَعَلى هَذا الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ عَلى اللَّهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ قَبْلَ وُقُوعِها لَكانَ كُلُّ ما عَلِمَ وُقُوعَهُ واجِبَ الوُقُوعِ، وكُلُّ ما عَلِمَ عَدَمَهُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا فالَّذِي عَلِمَ وُقُوعَهُ يَجِبُ كَوْنُهُ فاعِلًا لَهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّرْكِ، والَّذِي عَلِمَ عَدَمَهُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الفِعْلِ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ قادِرًا عَلى شَيْءٍ أصْلًا بَلْ يَكُونُ مُوجِبًا بِالذّاتِ، وأيْضًا فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ لا عَلى الفِعْلِ ولا عَلى التَّرْكِ؛ لِأنَّ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ امْتَنَعَ مِنَ العَبْدِ تَرْكُهُ وما عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَهُ امْتَنَعَ مِنهُ فِعْلُهُ، فالقَوْلُ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها يَقْدَحُ في الرُّبُوبِيَّةِ وفي العُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما يَعْلَمُ الأشْياءَ عِنْدَ وُقُوعِها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ جائِزٌ عَلَيْهِ، وعِنْدَ هَذا قالَ: يَجْرِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ عَلى ظاهِرِهِ، وأمّا جُمْهُورُ عُلَماءِ الإسْلامِ فَقَدِ اسْتَبْعَدُوا هَذا القَوْلَ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، فالِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ مُحالانِ عَلَيْهِ، وأيْنَما ورَدَتْ هَذِهِ الألْفاظُ، فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةً لَوْ صَدَرَتْ تِلْكَ المُعامَلَةُ عَنْ غَيْرِهِ لَكانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مِرارًا كَثِيرَةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ هو أنَّهُ يَبْلُوهم لِيُبْصِرَهم أيُّهم أطْوَعُ لِلَّهِ وأشَدُّ اسْتِمْرارًا عَلى خِدْمَتِهِ؛ لِأنَّ مَن هَذا حالُهُ هو الَّذِي يَفُوزُ بِالجَنَّةِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَلَّفَ لِأجْلِ ذَلِكَ لا لِأجْلِ أنْ يُعْصى، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: خَلَقَ بَعْضَهم لِلنّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ تَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وأصْحابُنا قالُوا: هَذا مُحالٌ لِأنَّ التَّعْلِيلَ بِالغَرَضِ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ مَن لا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الغَرَضِ إلّا بِتِلْكَ الواسِطَةِ، وهَذا يَقْتَضِي العَجْزَ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ. صفحة ٦٩ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أيَهُمُّ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ إلّا أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى لِنَخْتَبِرَ ونَمْتَحِنَ هَذا أحْسَنُ عَمَلًا أمْ ذاكَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما زَيَّنَ الأرْضَ لِأجْلِ الِامْتِحانِ والِابْتِلاءِ، لا لِأجْلِ أنْ يَبْقى الإنْسانُ فِيها مُتَنَعِّمًا أبَدًا، لِأنَّهُ يُزَهِّدُ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها﴾ الآيَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٢٦) وقَوْلُهُ: ﴿فَيَذَرُها قاعًا﴾ (طَه: ١٠٦) الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٣) الآيَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المُجازاةِ بَعْدَ فَناءِ ما عَلى الأرْضِ، وتَخْصِيصُ الإبْطالِ والإهْلاكِ بِما عَلى الأرْضِ يُوهِمُ بَقاءَ الأرْضِ إلّا أنَّ سائِرَ الآياتِ دَلَّتْ عَلى أنَّ الأرْضَ أيْضًا لا تَبْقى وهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٤٨) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّعِيدُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الطَّرِيقُ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الصَّعِيدِ في آيَةِ التَّيَمُّمِ، وأمّا الجُرُزُ، فَقالَ الفَرّاءُ: الجُرُزُ الأرْضُ الَّتِي لا نَباتَ عَلَيْها، يُقالُ: جَرَزَتِ الأرْضُ فَهي مَجْرُوزَةٌ، وجَرَزَها الجَرادُ والشّاءُ والإبِلُ إذا أكَلَتْ ما عَلَيْها، وامْرَأةٌ جَرُوزٌ إذا كانَتْ أكُولًا، وسَيْفٌ جُرازٌ إذا كانَ مُسْتَأْصِلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ (السَّجْدَةِ: ٢٧) .

الكهف 18:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ تَعَجَّبُوا مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وسَألُوا عَنْها الرَّسُولَ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، فَقالَ تَعالى: أمْ حَسِبْتَ أنَّهم كانُوا عَجَبًا مِن آياتِنا فَقَطْ، فَلا تَحْسَبَنَّ ذَلِكَ فَإنَّ آياتِنا كُلَّها عَجَبٌ، فَإنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ يُزَيِّنُ الأرْضَ بِأنْواعِ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، ثُمَّ يَجْعَلُها بَعْدَ ذَلِكَ صَعِيدًا جُرُزًا خالِيَةً عَنِ الكُلِّ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ مِن قُدْرَتِهِ وحِفْظِهِ ورَحْمَتِهِ حِفْظَ طائِفَةٍ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وأكْثَرَ في النَّوْمِ، هَذا هو الوَجْهُ في تَقْرِيرِ النَّظْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ (الإسْراءِ: ٨٥) وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ القِصَّةِ مَشْرُوحًا، فَقالَ: «كانَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ مِن شَياطِينِ قُرَيْشٍ، وكانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَنْصُبُ لَهُ العَداوَةَ، وكانَ قَدْ قَدِمَ الحَيْرَةَ وتَعَلَّمَ بِها أحادِيثَ رُسْتُمَ وإسْفَنْدِيارَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إذا جَلَسَ مَجْلِسًا ذَكَرَ فِيهِ اللَّهَ وحَدَّثَ قَوْمَهَ ما أصابَ مَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، وكانَ النَّضْرُ يَخْلُفُهُ في مَجْلِسِهِ إذا قامَ، فَقالَ: أنا واللَّهِ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أحْسَنُ حَدِيثًا مِنهُ، فَهَلُمُّوا فَأنا أُحَدِّثُكم بِأحْسَنَ مِن حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهم عَنْ مُلُوكِ فارِسَ، ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ وبَعَثُوا مَعَهُ عُتْبَةَ بْنَ صفحة ٧٠ أبِي مُعَيْطٍ» إلى أحْبارِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، وقالُوا لَهُما: سَلُوهم عَنْ مُحَمَّدٍ وصِفَتِهِ وأخْبِرُوهم بِقَوْلِهِ فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى قَدِما إلى المَدِينَةِ، فَسَألُوا أحْبارَ اليَهُودِ عَنْ أحْوالِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَّهْرِ الأوَّلِ ما كانَ مِن أمْرِهِمْ فَإنَّ حَدِيثَهم عَجَبٌ، وعَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ، وسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وما هو ؟ فَإنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَهو مُتَقَوِّلٌ، فَلَمّا قَدِمَ النَّضْرُ وصاحِبُهُ مَكَّةَ، قالا: قَدْ جِئْناكم بِفَصْلِ ما بَيْنَنا وبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وأخْبَرُوا بِما قالَهُ اليَهُودُ فَجاءُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وسَألُوهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ”أُخْبِرُكم بِما سَألْتُمْ عَنْهُ غَدًا“ ولَمْ يَسْتَثْنِ، فانْصَرَفُوا عَنْهُ ومَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيما يَذْكُرُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتّى أرْجَفَ أهْلُ مَكَّةَ بِهِ، وقالُوا: وعَدَنا مُحَمَّدٌ غَدًا واليَوْمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ جاءَهُ جِبْرِيلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسُورَةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وفِيها مُعاتَبَةُ اللَّهِ إيّاهُ عَلى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وفِيها خَبَرُ أُولَئِكَ الفِتْيَةِ، وخَبَرُ الرَّجُلِ الطَّوّافِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكَهْفُ: الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ فَإذا صَغُرَ فَهو الغارُ، وفي الرَّقِيمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ القُرْآنِ أعْلَمُهُ إلّا أرْبَعَةً: غِسْلِينَ وحَنانًا والأوّاهُ والرَّقِيمُ. الثّانِي: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّقِيمِ، فَقالَ: زَعَمَ كَعْبٌ أنَّها القَرْيَةُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. الثّالِثُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: الرَّقِيمُ لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ، وقِيلَ مِن رَصاصٍ كُتِبَ فِيهِ أسْماؤُهم وقِصَّتُهم، وشُدَّ ذَلِكَ اللَّوْحُ عَلى بابِ الكَهْفِ، وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ المَعانِي والعَرَبِيَّةِ، قالُوا: الرَّقِيمُ الكِتابُ، والأصْلُ فِيهِ المَرْقُومُ، ثُمَّ نُقِلَ إلى فَعِيلٍ، والرَّقْمُ الكِتابَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ٩) أيْ مَكْتُوبٌ، قالَ الفَرّاءُ: الرَّقِيمُ لَوْحٌ كانَ فِيهِ أسْماؤُهم وصِفاتُهم، ونَظُنُّ أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ رَقِيمًا؛ لِأنَّ أسْماءَهم كانَتْ مَرْقُومَةً فِيهِ، وقِيلَ: النّاسُ رَقَمُوا حَدِيثَهم نَقْرًا في جانِبِ الجَبَلِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ المُرادُ أحَسِبْتَ أنَّ واقِعَتَهم كانَتْ عَجِيبَةً في أحْوالِ مَخْلُوقاتِنا ؟ فَلا تَحْسَبْ ذَلِكَ، فَإنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ لَيْسَتْ عَجِيبَةً في جانِبِ مَخْلُوقاتِنا، والعَجَبُ هَهُنا مَصْدَرٌ سُمِّيَ المَفْعُولَ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: كانُوا مَعْجُوبًا مِنهم، فَسُمُّوا بِالمَصْدَرِ والمَفْعُولُ بِهِ مِن هَذا يُسْتَعْمَلُ بِاسْمِ المَصْدَرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إذْ هُنا مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ عَلى تَقْدِيرِ: أمْ حَسِبْتَ إذْ أوى الفِتْيَةُ لِأنَّهُ كانَ بَيْنَ النَّبِيِّ وبَيْنَهم مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ، فَلَمْ يَتَعَلَّقِ الحُسْبانُ بِذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي أوَوْا فِيهِ إلى الكَهْفِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ أوى، ومَعْنى أوى الفِتْيَةُ في الكَهْفِ صارُوا إلَيْهِ وجَعَلُوهُ مَأْواهم، قالَ: فَقالُوا: ﴿رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أيْ رَحْمَةً مِن خَزائِنِ رَحْمَتِكَ وجَلائِلِ فَضْلِكَ وإحْسانِكَ وهي الهِدايَةُ بِالمَعْرِفَةِ والصَّبْرِ والرِّزْقِ والأمْنِ مِنَ الأعْداءِ، وقَوْلُهُ: مِن لَدُنْكَ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهي الَّتِي تَكُونُ لائِقَةً بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وواسِعِ جُودِهِ، وهَيِّئْ لَنا أيْ أصْلِحْ مِن قَوْلِكَ هَيَّأْتُ الأمْرَ فَتَهَيَّأ ﴿مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ الرَّشَدُ والرَّشادُ نَقِيضُ الضَّلالِ، وفي تَفْسِيرِ اللَّفْظِ وجْهانِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ وهَيِّئْ لَنا أمْرًا ذا رَشَدٍ حَتّى نَكُونَ بِسَبَبِهِ راشِدِينَ مُهْتَدِينَ. الثّانِي: اجْعَلْ أمْرَنا رَشَدًا كُلَّهُ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ رَشَدًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ أنَمْناهم وتَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ حِجابًا يَمْنَعُ مِن أنْ تَصِلَ إلى أسْماعِهِمُ الأصْواتُ المُوقِظَةُ، والتَّقْدِيرُ: ضَرَبْنا عَلَيْهِمْ حِجابًا إلّا أنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ الَّذِي هو الحِجابُ، كَما يُقالُ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ يُرِيدُونَ بَنى عَلَيْها القُبَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ، وهو ظَرْفُ المَكانِ، وقَوْلُهُ: سِنِينَ عَدَدًا ظَرْفُ الزَّمانِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَدَدًا﴾ بَحْثانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: ذِكْرُ العَدَدِ هَهُنا يُفِيدُ كَثْرَةَ السِّنِينَ، وكَذَلِكَ كَلُّ شَيْءٍ مِمّا يُعَدُّ إذا ذُكِرَ فِيهِ العَدَدُ ووُصِفَ بِهِ أُرِيدَ كَثْرَتُهُ؛ لِأنَّهُ إذا قَلَّ فُهِمَ مِقْدارُهُ بِدُونِ صفحة ٧١ التَّعْدِيدِ، أمّا إذا أُكْثِرَ فَهُناكَ يُحْتاجُ إلى التَّعْدِيدِ، فَإذا قُلْتَ: أقَمْتُ أيّامًا عَدَدًا أرَدْتَ بِهِ الكَثْرَةَ. البَحْثُ الثّانِي: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: عَدَدًا وجْهانِ: أحَدُهُما: نَعْتٌ لِسِنِينَ، المَعْنى: سِنِينَ ذاتَ عَدَدٍ، أيْ مَعْدُودَةٌ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وقَوْلُ الزَّجّاجِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ في الآيَةِ ضَرْبانِ مِنَ التَّقْدِيرِ: أحَدُهُما: حَذْفُ المُضافِ. والثّانِي: تَسْمِيَةُ المَفْعُولِ بِاسْمِ المَصْدَرِ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: تُعَدُّ عَدًّا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ يُرِيدُ مِن بَعْدِ نَوْمِهِمْ يَعْنِي أيْقَظْناهم بَعْدَ نَوْمِهِمْ

الكهف 18:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ تَعَجَّبُوا مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وسَألُوا عَنْها الرَّسُولَ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، فَقالَ تَعالى: أمْ حَسِبْتَ أنَّهم كانُوا عَجَبًا مِن آياتِنا فَقَطْ، فَلا تَحْسَبَنَّ ذَلِكَ فَإنَّ آياتِنا كُلَّها عَجَبٌ، فَإنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ يُزَيِّنُ الأرْضَ بِأنْواعِ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، ثُمَّ يَجْعَلُها بَعْدَ ذَلِكَ صَعِيدًا جُرُزًا خالِيَةً عَنِ الكُلِّ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ مِن قُدْرَتِهِ وحِفْظِهِ ورَحْمَتِهِ حِفْظَ طائِفَةٍ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وأكْثَرَ في النَّوْمِ، هَذا هو الوَجْهُ في تَقْرِيرِ النَّظْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ (الإسْراءِ: ٨٥) وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ القِصَّةِ مَشْرُوحًا، فَقالَ: «كانَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ مِن شَياطِينِ قُرَيْشٍ، وكانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَنْصُبُ لَهُ العَداوَةَ، وكانَ قَدْ قَدِمَ الحَيْرَةَ وتَعَلَّمَ بِها أحادِيثَ رُسْتُمَ وإسْفَنْدِيارَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إذا جَلَسَ مَجْلِسًا ذَكَرَ فِيهِ اللَّهَ وحَدَّثَ قَوْمَهَ ما أصابَ مَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، وكانَ النَّضْرُ يَخْلُفُهُ في مَجْلِسِهِ إذا قامَ، فَقالَ: أنا واللَّهِ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أحْسَنُ حَدِيثًا مِنهُ، فَهَلُمُّوا فَأنا أُحَدِّثُكم بِأحْسَنَ مِن حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهم عَنْ مُلُوكِ فارِسَ، ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ وبَعَثُوا مَعَهُ عُتْبَةَ بْنَ صفحة ٧٠ أبِي مُعَيْطٍ» إلى أحْبارِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، وقالُوا لَهُما: سَلُوهم عَنْ مُحَمَّدٍ وصِفَتِهِ وأخْبِرُوهم بِقَوْلِهِ فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى قَدِما إلى المَدِينَةِ، فَسَألُوا أحْبارَ اليَهُودِ عَنْ أحْوالِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَّهْرِ الأوَّلِ ما كانَ مِن أمْرِهِمْ فَإنَّ حَدِيثَهم عَجَبٌ، وعَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ، وسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وما هو ؟ فَإنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَهو مُتَقَوِّلٌ، فَلَمّا قَدِمَ النَّضْرُ وصاحِبُهُ مَكَّةَ، قالا: قَدْ جِئْناكم بِفَصْلِ ما بَيْنَنا وبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وأخْبَرُوا بِما قالَهُ اليَهُودُ فَجاءُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وسَألُوهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ”أُخْبِرُكم بِما سَألْتُمْ عَنْهُ غَدًا“ ولَمْ يَسْتَثْنِ، فانْصَرَفُوا عَنْهُ ومَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيما يَذْكُرُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتّى أرْجَفَ أهْلُ مَكَّةَ بِهِ، وقالُوا: وعَدَنا مُحَمَّدٌ غَدًا واليَوْمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ جاءَهُ جِبْرِيلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسُورَةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وفِيها مُعاتَبَةُ اللَّهِ إيّاهُ عَلى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وفِيها خَبَرُ أُولَئِكَ الفِتْيَةِ، وخَبَرُ الرَّجُلِ الطَّوّافِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكَهْفُ: الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ فَإذا صَغُرَ فَهو الغارُ، وفي الرَّقِيمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ القُرْآنِ أعْلَمُهُ إلّا أرْبَعَةً: غِسْلِينَ وحَنانًا والأوّاهُ والرَّقِيمُ. الثّانِي: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّقِيمِ، فَقالَ: زَعَمَ كَعْبٌ أنَّها القَرْيَةُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. الثّالِثُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: الرَّقِيمُ لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ، وقِيلَ مِن رَصاصٍ كُتِبَ فِيهِ أسْماؤُهم وقِصَّتُهم، وشُدَّ ذَلِكَ اللَّوْحُ عَلى بابِ الكَهْفِ، وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ المَعانِي والعَرَبِيَّةِ، قالُوا: الرَّقِيمُ الكِتابُ، والأصْلُ فِيهِ المَرْقُومُ، ثُمَّ نُقِلَ إلى فَعِيلٍ، والرَّقْمُ الكِتابَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ٩) أيْ مَكْتُوبٌ، قالَ الفَرّاءُ: الرَّقِيمُ لَوْحٌ كانَ فِيهِ أسْماؤُهم وصِفاتُهم، ونَظُنُّ أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ رَقِيمًا؛ لِأنَّ أسْماءَهم كانَتْ مَرْقُومَةً فِيهِ، وقِيلَ: النّاسُ رَقَمُوا حَدِيثَهم نَقْرًا في جانِبِ الجَبَلِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ المُرادُ أحَسِبْتَ أنَّ واقِعَتَهم كانَتْ عَجِيبَةً في أحْوالِ مَخْلُوقاتِنا ؟ فَلا تَحْسَبْ ذَلِكَ، فَإنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ لَيْسَتْ عَجِيبَةً في جانِبِ مَخْلُوقاتِنا، والعَجَبُ هَهُنا مَصْدَرٌ سُمِّيَ المَفْعُولَ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: كانُوا مَعْجُوبًا مِنهم، فَسُمُّوا بِالمَصْدَرِ والمَفْعُولُ بِهِ مِن هَذا يُسْتَعْمَلُ بِاسْمِ المَصْدَرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إذْ هُنا مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ عَلى تَقْدِيرِ: أمْ حَسِبْتَ إذْ أوى الفِتْيَةُ لِأنَّهُ كانَ بَيْنَ النَّبِيِّ وبَيْنَهم مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ، فَلَمْ يَتَعَلَّقِ الحُسْبانُ بِذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي أوَوْا فِيهِ إلى الكَهْفِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ أوى، ومَعْنى أوى الفِتْيَةُ في الكَهْفِ صارُوا إلَيْهِ وجَعَلُوهُ مَأْواهم، قالَ: فَقالُوا: ﴿رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أيْ رَحْمَةً مِن خَزائِنِ رَحْمَتِكَ وجَلائِلِ فَضْلِكَ وإحْسانِكَ وهي الهِدايَةُ بِالمَعْرِفَةِ والصَّبْرِ والرِّزْقِ والأمْنِ مِنَ الأعْداءِ، وقَوْلُهُ: مِن لَدُنْكَ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهي الَّتِي تَكُونُ لائِقَةً بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وواسِعِ جُودِهِ، وهَيِّئْ لَنا أيْ أصْلِحْ مِن قَوْلِكَ هَيَّأْتُ الأمْرَ فَتَهَيَّأ ﴿مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ الرَّشَدُ والرَّشادُ نَقِيضُ الضَّلالِ، وفي تَفْسِيرِ اللَّفْظِ وجْهانِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ وهَيِّئْ لَنا أمْرًا ذا رَشَدٍ حَتّى نَكُونَ بِسَبَبِهِ راشِدِينَ مُهْتَدِينَ. الثّانِي: اجْعَلْ أمْرَنا رَشَدًا كُلَّهُ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ رَشَدًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ أنَمْناهم وتَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ حِجابًا يَمْنَعُ مِن أنْ تَصِلَ إلى أسْماعِهِمُ الأصْواتُ المُوقِظَةُ، والتَّقْدِيرُ: ضَرَبْنا عَلَيْهِمْ حِجابًا إلّا أنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ الَّذِي هو الحِجابُ، كَما يُقالُ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ يُرِيدُونَ بَنى عَلَيْها القُبَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ، وهو ظَرْفُ المَكانِ، وقَوْلُهُ: سِنِينَ عَدَدًا ظَرْفُ الزَّمانِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَدَدًا﴾ بَحْثانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: ذِكْرُ العَدَدِ هَهُنا يُفِيدُ كَثْرَةَ السِّنِينَ، وكَذَلِكَ كَلُّ شَيْءٍ مِمّا يُعَدُّ إذا ذُكِرَ فِيهِ العَدَدُ ووُصِفَ بِهِ أُرِيدَ كَثْرَتُهُ؛ لِأنَّهُ إذا قَلَّ فُهِمَ مِقْدارُهُ بِدُونِ صفحة ٧١ التَّعْدِيدِ، أمّا إذا أُكْثِرَ فَهُناكَ يُحْتاجُ إلى التَّعْدِيدِ، فَإذا قُلْتَ: أقَمْتُ أيّامًا عَدَدًا أرَدْتَ بِهِ الكَثْرَةَ. البَحْثُ الثّانِي: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: عَدَدًا وجْهانِ: أحَدُهُما: نَعْتٌ لِسِنِينَ، المَعْنى: سِنِينَ ذاتَ عَدَدٍ، أيْ مَعْدُودَةٌ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وقَوْلُ الزَّجّاجِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ في الآيَةِ ضَرْبانِ مِنَ التَّقْدِيرِ: أحَدُهُما: حَذْفُ المُضافِ. والثّانِي: تَسْمِيَةُ المَفْعُولِ بِاسْمِ المَصْدَرِ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: تُعَدُّ عَدًّا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ يُرِيدُ مِن بَعْدِ نَوْمِهِمْ يَعْنِي أيْقَظْناهم بَعْدَ نَوْمِهِمْ

الكهف 18:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ تَعَجَّبُوا مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وسَألُوا عَنْها الرَّسُولَ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، فَقالَ تَعالى: أمْ حَسِبْتَ أنَّهم كانُوا عَجَبًا مِن آياتِنا فَقَطْ، فَلا تَحْسَبَنَّ ذَلِكَ فَإنَّ آياتِنا كُلَّها عَجَبٌ، فَإنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ يُزَيِّنُ الأرْضَ بِأنْواعِ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، ثُمَّ يَجْعَلُها بَعْدَ ذَلِكَ صَعِيدًا جُرُزًا خالِيَةً عَنِ الكُلِّ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ مِن قُدْرَتِهِ وحِفْظِهِ ورَحْمَتِهِ حِفْظَ طائِفَةٍ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وأكْثَرَ في النَّوْمِ، هَذا هو الوَجْهُ في تَقْرِيرِ النَّظْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ (الإسْراءِ: ٨٥) وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ القِصَّةِ مَشْرُوحًا، فَقالَ: «كانَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ مِن شَياطِينِ قُرَيْشٍ، وكانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَنْصُبُ لَهُ العَداوَةَ، وكانَ قَدْ قَدِمَ الحَيْرَةَ وتَعَلَّمَ بِها أحادِيثَ رُسْتُمَ وإسْفَنْدِيارَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إذا جَلَسَ مَجْلِسًا ذَكَرَ فِيهِ اللَّهَ وحَدَّثَ قَوْمَهَ ما أصابَ مَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، وكانَ النَّضْرُ يَخْلُفُهُ في مَجْلِسِهِ إذا قامَ، فَقالَ: أنا واللَّهِ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أحْسَنُ حَدِيثًا مِنهُ، فَهَلُمُّوا فَأنا أُحَدِّثُكم بِأحْسَنَ مِن حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهم عَنْ مُلُوكِ فارِسَ، ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ وبَعَثُوا مَعَهُ عُتْبَةَ بْنَ صفحة ٧٠ أبِي مُعَيْطٍ» إلى أحْبارِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، وقالُوا لَهُما: سَلُوهم عَنْ مُحَمَّدٍ وصِفَتِهِ وأخْبِرُوهم بِقَوْلِهِ فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى قَدِما إلى المَدِينَةِ، فَسَألُوا أحْبارَ اليَهُودِ عَنْ أحْوالِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَّهْرِ الأوَّلِ ما كانَ مِن أمْرِهِمْ فَإنَّ حَدِيثَهم عَجَبٌ، وعَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ، وسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وما هو ؟ فَإنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَهو مُتَقَوِّلٌ، فَلَمّا قَدِمَ النَّضْرُ وصاحِبُهُ مَكَّةَ، قالا: قَدْ جِئْناكم بِفَصْلِ ما بَيْنَنا وبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وأخْبَرُوا بِما قالَهُ اليَهُودُ فَجاءُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وسَألُوهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ”أُخْبِرُكم بِما سَألْتُمْ عَنْهُ غَدًا“ ولَمْ يَسْتَثْنِ، فانْصَرَفُوا عَنْهُ ومَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيما يَذْكُرُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتّى أرْجَفَ أهْلُ مَكَّةَ بِهِ، وقالُوا: وعَدَنا مُحَمَّدٌ غَدًا واليَوْمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ جاءَهُ جِبْرِيلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسُورَةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وفِيها مُعاتَبَةُ اللَّهِ إيّاهُ عَلى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وفِيها خَبَرُ أُولَئِكَ الفِتْيَةِ، وخَبَرُ الرَّجُلِ الطَّوّافِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكَهْفُ: الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ فَإذا صَغُرَ فَهو الغارُ، وفي الرَّقِيمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ القُرْآنِ أعْلَمُهُ إلّا أرْبَعَةً: غِسْلِينَ وحَنانًا والأوّاهُ والرَّقِيمُ. الثّانِي: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّقِيمِ، فَقالَ: زَعَمَ كَعْبٌ أنَّها القَرْيَةُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. الثّالِثُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: الرَّقِيمُ لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ، وقِيلَ مِن رَصاصٍ كُتِبَ فِيهِ أسْماؤُهم وقِصَّتُهم، وشُدَّ ذَلِكَ اللَّوْحُ عَلى بابِ الكَهْفِ، وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ المَعانِي والعَرَبِيَّةِ، قالُوا: الرَّقِيمُ الكِتابُ، والأصْلُ فِيهِ المَرْقُومُ، ثُمَّ نُقِلَ إلى فَعِيلٍ، والرَّقْمُ الكِتابَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ٩) أيْ مَكْتُوبٌ، قالَ الفَرّاءُ: الرَّقِيمُ لَوْحٌ كانَ فِيهِ أسْماؤُهم وصِفاتُهم، ونَظُنُّ أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ رَقِيمًا؛ لِأنَّ أسْماءَهم كانَتْ مَرْقُومَةً فِيهِ، وقِيلَ: النّاسُ رَقَمُوا حَدِيثَهم نَقْرًا في جانِبِ الجَبَلِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ المُرادُ أحَسِبْتَ أنَّ واقِعَتَهم كانَتْ عَجِيبَةً في أحْوالِ مَخْلُوقاتِنا ؟ فَلا تَحْسَبْ ذَلِكَ، فَإنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ لَيْسَتْ عَجِيبَةً في جانِبِ مَخْلُوقاتِنا، والعَجَبُ هَهُنا مَصْدَرٌ سُمِّيَ المَفْعُولَ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: كانُوا مَعْجُوبًا مِنهم، فَسُمُّوا بِالمَصْدَرِ والمَفْعُولُ بِهِ مِن هَذا يُسْتَعْمَلُ بِاسْمِ المَصْدَرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إذْ هُنا مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ عَلى تَقْدِيرِ: أمْ حَسِبْتَ إذْ أوى الفِتْيَةُ لِأنَّهُ كانَ بَيْنَ النَّبِيِّ وبَيْنَهم مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ، فَلَمْ يَتَعَلَّقِ الحُسْبانُ بِذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي أوَوْا فِيهِ إلى الكَهْفِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ أوى، ومَعْنى أوى الفِتْيَةُ في الكَهْفِ صارُوا إلَيْهِ وجَعَلُوهُ مَأْواهم، قالَ: فَقالُوا: ﴿رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أيْ رَحْمَةً مِن خَزائِنِ رَحْمَتِكَ وجَلائِلِ فَضْلِكَ وإحْسانِكَ وهي الهِدايَةُ بِالمَعْرِفَةِ والصَّبْرِ والرِّزْقِ والأمْنِ مِنَ الأعْداءِ، وقَوْلُهُ: مِن لَدُنْكَ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهي الَّتِي تَكُونُ لائِقَةً بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وواسِعِ جُودِهِ، وهَيِّئْ لَنا أيْ أصْلِحْ مِن قَوْلِكَ هَيَّأْتُ الأمْرَ فَتَهَيَّأ ﴿مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ الرَّشَدُ والرَّشادُ نَقِيضُ الضَّلالِ، وفي تَفْسِيرِ اللَّفْظِ وجْهانِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ وهَيِّئْ لَنا أمْرًا ذا رَشَدٍ حَتّى نَكُونَ بِسَبَبِهِ راشِدِينَ مُهْتَدِينَ. الثّانِي: اجْعَلْ أمْرَنا رَشَدًا كُلَّهُ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ رَشَدًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ أنَمْناهم وتَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ حِجابًا يَمْنَعُ مِن أنْ تَصِلَ إلى أسْماعِهِمُ الأصْواتُ المُوقِظَةُ، والتَّقْدِيرُ: ضَرَبْنا عَلَيْهِمْ حِجابًا إلّا أنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ الَّذِي هو الحِجابُ، كَما يُقالُ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ يُرِيدُونَ بَنى عَلَيْها القُبَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ، وهو ظَرْفُ المَكانِ، وقَوْلُهُ: سِنِينَ عَدَدًا ظَرْفُ الزَّمانِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَدَدًا﴾ بَحْثانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: ذِكْرُ العَدَدِ هَهُنا يُفِيدُ كَثْرَةَ السِّنِينَ، وكَذَلِكَ كَلُّ شَيْءٍ مِمّا يُعَدُّ إذا ذُكِرَ فِيهِ العَدَدُ ووُصِفَ بِهِ أُرِيدَ كَثْرَتُهُ؛ لِأنَّهُ إذا قَلَّ فُهِمَ مِقْدارُهُ بِدُونِ صفحة ٧١ التَّعْدِيدِ، أمّا إذا أُكْثِرَ فَهُناكَ يُحْتاجُ إلى التَّعْدِيدِ، فَإذا قُلْتَ: أقَمْتُ أيّامًا عَدَدًا أرَدْتَ بِهِ الكَثْرَةَ. البَحْثُ الثّانِي: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: عَدَدًا وجْهانِ: أحَدُهُما: نَعْتٌ لِسِنِينَ، المَعْنى: سِنِينَ ذاتَ عَدَدٍ، أيْ مَعْدُودَةٌ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وقَوْلُ الزَّجّاجِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ في الآيَةِ ضَرْبانِ مِنَ التَّقْدِيرِ: أحَدُهُما: حَذْفُ المُضافِ. والثّانِي: تَسْمِيَةُ المَفْعُولِ بِاسْمِ المَصْدَرِ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: تُعَدُّ عَدًّا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ يُرِيدُ مِن بَعْدِ نَوْمِهِمْ يَعْنِي أيْقَظْناهم بَعْدَ نَوْمِهِمْ

الكهف 18:12

وقَوْلُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ﴾ اللّامُ لامُ الغَرَضِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى إنَّما بَعَثَهم لِيَحْصُلَ لَهُ هَذا العِلْمُ، وعِنْدَ هَذا يُرْجَعُ إلى أنَّهُ تَعالى، هَلْ يَعْلَمُ الحَوادِثَ قَبْلَ وُقُوعِها أمْ لا ؟ فَقالَ هِشامٌ: لا يَعْلَمُها إلّا عِنْدَ حُدُوثِها، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ سَبَقَ، ونَظائِرُ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ مِنها ما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ، ومِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٤٣) وفي آلِ عِمْرانَ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٤٢) وقَوْلُهُ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ (الكَهْفِ: ٧) وقَوْلُهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ (مُحَمَّدٍ: ٣١) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (أيُّ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و(أحْصى) خَبَرُهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَجْمُوعِها مُتَعَلِّقُ العِلْمِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُ قَوْلِهِ: (لِنَعْلَمَ) في لَفْظَةِ (أيُّ) بَلْ بَقِيَتْ عَلى ارْتِفاعِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: اذْهَبْ فاعْلَمْ أيُّهم قامَ، قالَ تَعالى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ (القَلَمِ: ٤٠) وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ (مَرْيَمَ: ٦٩) وقُرِئَ لِيُعْلَمَ عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ إثْباتُ العِلْمِ المُتَجَدِّدِ لِلَّهِ، بَلِ المَقْصُودُ أنّا بَعَثْناهم لِيَحْصُلَ هَذا العِلْمُ لِبَعْضِ الخَلْقِ. والثّانِيَةُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجِبُ ظُهُورُ النَّصْبِ في لَفْظَةِ أيْ، لَكِنْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإشْكالُ بَعْدُ باقٍ، لِأنَّ ارْتِفاعَ لَفْظَةِ (أيُّ) بِالِابْتِداءِ لا بِإسْنادٍ يُعْلَمُ إلَيْهِ، ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ، فَيَقُولَ: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ اجْتِماعُ عامِلَيْنِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ العَوامِلَ النَّحْوِيَّةَ عَلاماتٌ ومُعَرِّفاتٌ، ولا يَمْتَنِعُ اجْتِماعُ المُعَرِّفاتِ الكَثِيرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في الحِزْبَيْنِ فَقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما: المُرادُ بِالحِزْبَيْنِ المُلُوكُ الَّذِينَ تَداوَلُوا المَدِينَةَ مَلِكًا بَعْدَ مَلِكٍ، فالمُلُوكَ حِزْبٌ وأصْحابُ الكَهْفِ حِزْبٌ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: الحِزْبانِ مِن هَذِهِ الفِتْيَةِ؛ لِأنَّ أصْحابَ الكَهْفِ لَمّا انْتَبَهُوا اخْتَلَفُوا في أنَّهم كَمْ نامُوا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ (الكَهْفِ: ١٩) فالحِزْبانِ هُما هَذانِ، وكانَ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا أنَّ لُبْثَهم قَدْ تَطاوَلَ. القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّ طائِفَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِ أصْحابِ الكَهْفِ اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ قَوْلُهُ: أحْصى لَيْسَ مِن بابِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ هَذا البِناءَ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَأمّا قَوْلُهم: ما أعْطاهُ لِلدِّرْهَمِ، وما أوْلاهُ لِلْمَعْرُوفِ، وأعْدى مِنَ الجَرَبِ، وأفْلَسُ مِنَ ابْنِ المُدْلِقِ، فَمِنَ الشَّواذِّ والشّاذُّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، بَلِ الصَّوابُ: أنَّ ”أحْصى“ فِعْلٌ ماضٍ وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والمُبْتَدَأُ صفحة ٧٢ والخَبَرُ مَفْعُولُ نَعْلَمُ، و”أمَدًا“ مَفْعُولٌ بِهِ لَأحْصى، و”ما“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِما لَبِثُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ أحْصى أمَدًا لِلُبْثِهِمْ، وحاصِلُ الكَلامِ: لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى أمَدَ ذَلِكَ اللُّبْثِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ﴾ (المُجادَلَةِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (الجِنِّ: ٢٨) . * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا الصُّوفِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالكَراماتِ، وهو اسْتِدْلالٌ ظاهِرٌ، ونَذْكُرُ هَذِهِ المَسْألَةَ هَهُنا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، فَنَقُولُ قَبْلَ الخَوْضِ في الدَّلِيلِ عَلى جَوازِ الكَراماتِ: نَفْتَقِرُ إلى تَقْدِيمِ مُقَدِّمَتَيْنِ: المُقَدِّمَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ الوَلِيَّ ما هو فَنَقُولُ: هَهُنا وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ فَعِيلًا مُبالَغَةً مِنَ الفاعِلِ كالعَلِيمِ والقَدِيرِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ مِن تَوالَتْ طاعاتُهُ مِن غَيْرِ تَخَلُّلِ مَعْصِيَةٍ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ بِمَعْنى مَقْتُولٍ ومَجْرُوحٍ، وهو الَّذِي يَتَوَلّى الحَقُّ سُبْحانَهُ حِفْظَهُ وحِراسَتَهُ عَلى التَّوالِي عَنْ كُلِّ أنْواعِ المَعاصِي ويُدِيمُ تَوْفِيقَهُ عَلى الطّاعاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْمَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٥٧) وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ (الأعْرافِ: ١٩٦) وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٦) وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ (مُحَمَّدٍ: ١١) وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ (المائِدَةِ: ٥٥) وأقُولُ: الوَلِيُّ هو القَرِيبُ في اللُّغَةِ، فَإذا كانَ العَبْدُ قَرِيبًا مِن حَضْرَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ طاعاتِهِ وكَثْرَةِ إخْلاصِهِ، وكانَ الرَّبُّ قَرِيبًا مِنهُ بِرَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، فَهُناكَ حَصَلَتِ الوِلايَةُ. المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: إذا ظَهَرَ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ عَلى الإنْسانِ، فَذاكَ إمّا أنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالدَّعْوى أوْ لا مَعَ الدَّعْوى، والقِسْمُ الأوَّلُ وهو أنْ يَكُونَ مَعَ الدَّعْوى فَتِلْكَ الدَّعْوى إمّا أنْ تَكُونَ دَعْوى الإلَهِيَّةِ أوْ دَعْوى النُّبُوَّةِ أوْ دَعْوى الوِلايَةِ أوْ دَعْوى السِّحْرِ وطاعَةِ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: القِسْمُ الأوَّلُ: ادَّعاءُ الإلَهِيَّةِ، وجَوَّزَ أصْحابُنا ظُهُورَ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِهِ مِن غَيْرِ مُعارَضَةٍ كَما نُقِلَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، وكانَتْ تَظْهَرُ خَوارِقُ العاداتِ عَلى يَدِهِ، وكَما نُقِلْ ذَلِكَ أيْضًا في حَقِّ الدَّجّالِ، قالَ أصْحابُنا: وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ شَكْلَهُ وخِلْقَتَهُ تَدُلُّ عَلى كَذِبِهِ، فَظُهُورُ الخَوارِقِ عَلى يَدِهِ لا يُفْضِي إلى التَّلْبِيسِ. والقِسْمُ الثّانِي: وهو ادِّعاءُ النُّبُوَّةِ، فَهَذا القِسْمُ عَلى قِسْمَيْنِ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُدَّعِي صادِقًا أوْ كاذِبًا، فَإنْ كانَ صادِقًا وجَبَ ظُهُورُ الخَوارِقِ عَلى يَدِهِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ كُلِّ مَن أقَرَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، وإنْ كانَ كاذِبًا لَمْ يَجُزْ ظُهُورُ الخَوارِقِ عَلى يَدِهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَظْهَرَ وجَبَ حُصُولُ المُعارَضَةِ. وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو ادِّعاءُ الوِلايَةِ والقائِلُونَ بِكَراماتِ الأوْلِياءِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يَدَّعِيَ الكَراماتِ، ثُمَّ إنَّها تَحْصُلُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ أمْ لا ؟ وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ: وهو ادِّعاءُ السِّحْرِ وطاعَةِ الشَّيْطانِ، فَعِنْدَ أصْحابِنا يَجُوزُ ظُهُورُ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِهِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا يَجُوزُ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ تَظْهَرَ خَوارِقُ العاداتِ عَلى يَدِ إنْسانٍ مِن غَيْرِ شَيْءٍ مِنَ الدَّعاوى، فَذَلِكَ الإنْسانُ إمّا أنْ يَكُونَ صالِحًا مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ خَبِيثًا مُذْنِبًا. والأوَّلُ هو القَوْلُ بِكَراماتِ الأوْلِياءِ، وقَدِ اتَّفَقَ أصْحابُنا عَلى جَوازِهِ، وأنْكَرَها المُعْتَزِلَةُ إلّا أبا الحُسَيْنِ البَصْرِيَّ وصاحِبُهُ مَحْمُودٌ الخَوارِزْمِيُّ. وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو أنْ تَظْهَرَ خَوارِقُ العاداتِ عَلى بَعْضِ مَن كانَ مَرْدُودًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا هو المُسَمّى بِالِاسْتِدْراجِ، فَهَذا تَفْصِيلُ الكَلامِ في هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ، إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى جَوازِ كَراماتِ الأوْلِياءِ القُرْآنُ والأخْبارُ والآثارُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فالمُعْتَمَدُ فِيهِ عِنْدَنا آياتٌ: صفحة ٧٣ الحُجَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، وقَدْ شَرَحْناها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ فَلا نُعِيدُها. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ أصْحابِ الكَهْفِ وبَقاؤُهم في النَّوْمِ أحْياءً سالِمِينَ عَنِ الآفاتِ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ، وأنَّهُ تَعالى كانَ يَعْصِمُهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، كَما قالَ: ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾ (الكَهْفِ: ١٨) إلى قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ﴾ (الكَهْفِ: ١٧) ومِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (النَّمْلِ: ٤٠) وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ هو سُلَيْمانُ، فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ، أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنْ قالَ: لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِمْ أوْ في ذَلِكَ الزَّمانِ نَبِيٌّ يَصِيرُ ذَلِكَ عِلْمًا لَهُ لِما فِيهِ مِن نَقْضِ العادَةِ كَسائِرِ المُعْجِزاتِ، قُلْنا: إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ مُعْجِزَةً لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ إقْدامَهم عَلى النَّوْمِ أمْرٌ غَيْرُ خارِقٍ لِلْعادَةِ حَتّى يُجْعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً؛ لِأنَّ النّاسَ لا يُصَدِّقُونَهُ في هَذِهِ الواقِعَةِ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ كَوْنَهم صادِقِينَ في هَذِهِ الدَّعْوى إلّا إذا بَقُوا طُولَ هَذِهِ المُدَّةِ، وعَرَفُوا أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جاءُوا في هَذا الوَقْتِ هُمُ الَّذِينَ نامُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاثِمِائَةِ سِنِينَ وتِسْعِ سِنِينَ، وكُلُّ هَذِهِ الشَّرائِطِ لَمْ تُوجَدْ فامْتَنَعَ جَعْلُ هَذِهِ الواقِعَةِ مُعْجِزَةً لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تُجْعَلَ كَرامَةً لِلْأوْلِياءِ وإحْسانًا إلَيْهِمْ، أمّا الأخْبارُ فَكَثِيرَةٌ: الخَبَرُ الأوَّلُ: ما أُخْرِجَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصَبِيٌّ في زَمَنِ جُرَيْجٍ النّاسِكِ وصَبِيٌّ آخَرُ، أمّا عِيسى فَقَدْ عَرَفْتُمُوهُ، وأمّا جُرَيْجٌ فَكانَ رَجُلًا عابِدًا بِبَنِي إسْرائِيلَ وكانَتْ لَهُ أُمٌّ فَكانَ يَوْمًا يُصَلِّي، إذِ اشْتاقَتْ إلَيْهِ أُمُّهُ، فَقالَتْ: يا جُرَيْجُ، فَقالَ: يا رَبِّ الصَّلاةُ خَيْرٌ أمْ رُؤْيَتُها ؟ ثُمَّ صَلّى فَدَعَتْهُ ثانِيًا، فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتّى قالَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وكانَ يُصَلِّي ويَدَعُها، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أُمِّهِ قالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتّى تُرِيَهُ المُومِساتِ، وكانَتْ زانِيَةٌ هُناكَ، فَقالَتْ لَهم: أنا أفْتِنُ جُرَيْجًا حَتّى يَزْنِيَ فَأتَتْهُ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلى شَيْءٍ، وكانَ هُناكَ راعٍ يَأْوِي بِاللَّيْلِ إلى أصْلِ صَوْمَعَتِهِ، فَلَمّا أعْياها راوَدَتِ الرّاعِيَ عَلى نَفْسِها، فَأتاها فَوَلَدَتْ، ثُمَّ قالَتْ: ولَدِي هَذا مِن جُرَيْجٍ، فَأتاها بَنُو إسْرائِيلَ، وكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وشَتَمُوهُ، فَصَلّى ودَعا، ثُمَّ نَخَسَ الغُلامَ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى النَّبِيِّ -ﷺ- حِينَ قالَ بِيَدِهِ يا غُلامُ مَن أبُوكَ ؟ فَقالَ: الرّاعِي فَنَدِمَ القَوْمُ عَلى ما كانَ مِنهم واعْتَذَرُوا إلَيْهِ، وقالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ فَأبى عَلَيْهِمْ، وبَناها كَما كانَتْ، وأمّا الصَّبِيُّ الآخَرُ فَإنَّ امْرَأةً كانَ مَعَها صَبِيٌّ لَها تُرْضِعُهُ، إذْ مَرَّ بِها شابٌّ جَمِيلٌ ذُو شارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذا، فَقالَ الصَّبِيُّ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ مَرَّتْ بِها امْرَأةٌ ذَكَرُوا أنَّها سَرَقَتْ وزَنَتْ وعُوقِبَتْ، فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذا، فَقالَ الصَّبِيُّ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَقالَتْ لَهُ أُمُّهُ في ذَلِكَ: فَقالَ إنَّ الشّابَّ كانَ جَبّارًا مِنَ الجَبابِرَةِ، فَكَرِهْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَهُ، وإنَّ هَذِهِ قِيلَ: إنَّها زَنَتْ ولَمْ تَزِنْ، وقِيلَ: إنَّها سَرَقَتْ ولَمْ تَسْرِقْ، وهي تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ» . الخَبَرُ الثّانِي: وهو خَبَرُ الغارِ وهو مَشْهُورٌ في ”الصِّحاحِ“ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «انْطَلَقَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم، فَأواهُمُ المَبِيتُ إلى غارٍ، فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ وسَدَّتْ عَلَيْهِمْ بابَ الغارِ، فَقالُوا: واللَّهِ لا يُنْجِيكم مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ إلّا أنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصالِحِ أعْمالِكم، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: كانَ لِي أبَوانِ شَيْخانِ كَبِيرانِ، وكُنْتُ لا أغْبِقُ قَبْلَهُما، فَناما في ظِلِّ شَجَرَةٍ يَوْمًا فَلَمْ أبْرَحْ عَنْهُما، وحَلَبْتُ لَهُما غَبُوقَهُما، فَجِئْتُهُما بِهِ، فَوَجَدْتُهُما نائِمِينَ فَكَرِهْتُ أنْ أُوقِظَهُما وكَرِهْتُ أنْ أُغْبِقَ قَبْلَهُما، فَقُمْتُ والقَدَحُ في يَدِي أنْتَظِرُ اسْتِيقاظَهُما حَتّى ظَهَرَ الفَجْرُ فاسْتَيْقَظا، فَشَرِبا غَبُوقَهُما، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ هَذا ابْتِغاءَ وجْهِكَ، فافْرُجْ عَنّا صفحة ٧٤ ما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فانْفَرَجَتِ انْفِراجًا لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنهُ، ثُمَّ قالَ الآخَرُ: كانَتْ لِي ابْنَةَ عَمٍّ وكانَتْ أحَبَّ النّاسِ إلَيَّ، فَراوَدْتُها عَنْ نَفْسِها فامْتَنَعَتْ حَتّى ألَمَّتْ بِها سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجاءَتْنِي وأعْطَيْتُها مالًا عَظِيمًا عَلى أنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَ نَفْسِها، فَلَمّا قَدِرْتُ عَلَيْها، قالَتْ: لا يَجُوزُ لَكَ أنْ تَفُكَّ الخاتَمَ إلّا بِحَقِّها، فَتَحَرَّجْتُ مِن ذَلِكَ العَمَلِ وتَرَكْتُها وتَرَكْتُ المالَ مَعَها، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا ما نَحْنُ فِيهِ، فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنهُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ قالَ الثّالِثُ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَراءَ فَأعْطَيْتُهم أُجُورَهم غَيْرَ رَجُلٍ واحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أجْرَهُ حَتّى كَثُرَتْ مِنهُ الأمْوالُ، فَجاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، وقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ أدِّ إلَيَّ أُجْرَتِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ ما تَرى مِن أُجْرَتِكَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ والرَّقِيقِ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ أتَسْتَهْزِئُ بِي ؟ فَقُلْتُ: إنِّي لا أسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأخَذَ ذَلِكَ كُلَّهُ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا ما نَحْنُ فِيهِ، فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ عَنِ الغارِ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ» . وهَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الخَبَرُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ -ﷺ-: «رُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يَؤْبَهُ لَهُ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ لَأبَرَّهُ» ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ وشَيْءٍ فِيما يُقْسِمُ بِهِ عَلى اللَّهِ. الخَبَرُ الرّابِعُ: رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: «بَيْنا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْها، فالتَفَتَتْ إلَيْهِ البَقَرَةُ، فَقالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذا، وإنَّما خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ، فَقالَ النّاسُ: سُبْحانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَتَكَلَّمُ، فَقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: آمَنتُ بِهَذا أنا وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما» . الخَبَرُ الخامِسُ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قالَ: «بَيْنَما رَجُلٌ يَسْمَعُ رَعْدًا أوْ صَوْتًا في السَّحابِ: أنِ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، قالَ: فَعَدَوْتُ إلى تِلْكَ الحَدِيقَةِ، فَإذا رَجُلٌ قائِمٌ فِيها، فَقُلْتُ لَهُ: ما اسْمُكَ ؟ قالَ: فُلانُ بْنُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ، قُلْتُ: فَما تَصْنَعُ بِحَدِيقَتِكَ هَذِهِ إذا صَرَمْتَها ؟ قالَ: ولِمَ تَسْألُ عَنْ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: لِأنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ أنِ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، قالَ: أمّا إذْ قُلْتَ: فَإنِّي أجْعَلُها أثْلاثًا، فَأجْعَلُ لِنَفْسِي وأهْلِي ثُلْثًا، وأجْعَلُ لِلْمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ثُلْثًا، وأُنْفِقُ عَلَيْها ثُلْثًا» . أمّا الآثارُ: فَلْنَبْدَأْ بِما نُقِلَ أنَّهُ ظَهَرَ عَنِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ مِنَ الكَراماتِ، ثُمَّ بِما ظَهَرَ عَنْ سائِرِ الصَّحابَةِ. أمّا أبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَمِن كَراماتِهِ أنَّهُ لَمّا حُمِلَتْ جِنازَتُهُ إلى بابِ قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- ونُودِيَ السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا أبُو بَكْرٍ بِالبابِ، فَإذا البابُ قَدِ انْفَتَحَ، وإذا بِهاتِفٍ يَهْتِفُ مِنَ القَبْرِ: أدْخِلُوا الحَبِيبَ إلى الحَبِيبِ. وأمّا عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَدْ ظَهَرَتْ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِن كَراماتِهِ، وأحَدُها ما رُوِيَ أنَّهُ بَعَثَ جَيْشًا وأمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُدْعى سارِيَةَ بْنَ الحُصَيْنِ، فَبَيْنا عُمَرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَخْطُبُ جَعَلَ يَصِيحُ في خُطْبَتِهِ، وهو عَلى المِنبَرِ: يا سارِيَةُ الجَبَلَ الجَبَلَ، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: فَكَتَبْتُ تارِيخَ تِلْكَ الكَلِمَةِ، فَقَدِمَ رَسُولُ مَقْدِمِ الجَيْشِ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ غَزَوْنا يَوْمَ الجُمُعَةِ في وقْتِ الخُطْبَةِ، فَهَزَمُونا فَإذا بِإنْسانٍ يَصِيحُ يا سارِيَةُ الجَبَلَ الجَبَلَ، فَأسْنَدْنا ظُهُورَنا إلى الجَبَلِ، فَهَزَمَ اللَّهُ الكُفّارَ وظَفِرْنا بِالغَنائِمِ العَظِيمَةِ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ الصَّوْتِ، قُلْتُ: سَمِعْتُ بَعْضَ المُذَكِّرِينَ قالَ: كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ -ﷺ- لِأنَّهُ «قالَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ أنْتُما مِنِّي بِمَنزِلَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ»، فَلَمّا كانَ عُمَرُ بِمَنزِلَةِ البَصَرِ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ-، لا جَرَمَ قَدِرَ عَلى أنْ يَرى مِن ذَلِكَ البُعْدِ العَظِيمِ. الثّانِي: رُوِيَ أنَّ نِيلَ مِصْرَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَقِفُ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً واحِدَةً، وكانَ لا يَجْرِي حَتّى يُلْقى فِيهِ صفحة ٧٥ جارِيَةٌ واحِدَةٌ حَسْناءُ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَتَبَ عَمْرُو بْنُ العاصِ بِهَذِهِ الواقِعَةِ إلى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ عَلى خَزَفَةٍ: أيُّها النِّيلُ إنْ كُنْتَ تَجْرِي بِأمْرِ اللَّهِ فاجْرِ، وإنْ كُنْتَ تَجْرِي بِأمْرِكَ، فَلا حاجَةَ بِنا إلَيْكَ! فَأُلْقِيَتْ تِلْكَ الخَزَفَةُ في النِّيلِ فَجَرى ولَمْ يَقِفْ بَعْدَ ذَلِكَ. الثّالِثُ: وقَعَتِ الزَّلْزَلَةُ في المَدِينَةِ فَضَرَبَ عُمَرُ الدِّرَّةَ عَلى الأرْضِ، وقالَ: اسْكُنِي بِإذْنِ اللَّهِ، فَسَكَنَتْ وما حَدَثَتِ الزَّلْزَلَةُ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. الرّابِعُ: وقَعَتِ النّارُ في بَعْضِ دَوْرِ المَدِينَةِ فَكَتَبَ عُمَرُ عَلى خَزَفَةٍ: يا نارُ اسْكُنِي بِإذْنِ اللَّهِ، فَألْقَوْها في النّارِ فانْطَفَأتْ في الحالِ. الخامِسُ: رُوِيَ أنَّ رَسُولَ مَلِكِ الرُّومِ جاءَ إلى عُمَرَ فَطَلَبَ دارَهُ فَظَنَّ أنَّ دارَهُ مِثْلُ قُصُورِ المُلُوكِ، فَقالُوا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وإنَّما هو في الصَّحْراءِ يَضْرِبُ اللَّبِنَ، فَلَمّا ذَهَبَ إلى الصَّحْراءِ رَأى عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وضَعَ دِرَّتَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، ونامَ عَلى التُّرابِ، فَعَجِبَ الرَّسُولُ مِن ذَلِكَ، وقالَ: إنَّ أهْلَ الشَّرْقِ والغَرْبِ يَخافُونَ مِن هَذا الإنْسانِ وهو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ! ثُمَّ قالَ في نَفْسِهِ: إنِّي وجَدْتُهُ خالِيًا فَأقْتُلُهُ وأُخَلِّصُ النّاسَ مِنهُ. فَلَمّا رَفَعَ السَّيْفَ أخْرَجَ اللَّهُ مِنَ الأرْضِ أسَدَيْنِ فَقَصَداهُ، فَخافَ وألْقى السَّيْفَ مِن يَدِهِ، وانْتَبَهَ عُمَرُ ولَمْ يَرَ شَيْئًا، فَسَألَهُ عَنِ الحالِ، فَذَكَرَ لَهُ الواقِعَةَ وأسْلَمَ، وأقُولُ: هَذِهِ الوَقائِعُ رُوِيَتْ بِالآحادِ، وهَهُنا ما هو مَعْلُومٌ بِالتَّواتُرِ وهو أنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ عَنْ زِينَةِ الدُّنْيا واحْتِرازِهِ عَنِ التَّكَلُّفاتِ والتَّهْوِيلاتِ ساسَ الشَّرْقَ والغَرْبَ وقَلَبَ المَمالِكَ والدُّوَلَ لَوْ نَظَرْتَ في كُتُبِ التَّوارِيخِ عَلِمْتُ أنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِأحَدٍ مِن أوَّلِ عَهْدِ آدَمَ إلى الآنِ ما تَيَسَّرَ لَهُ، فَإنَّهُ مَعَ غايَةِ بُعْدِهِ عَنِ التَّكَلُّفاتِ، كَيْفَ قَدَرَ عَلى تِلْكَ السِّياساتِ ؟ ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْظَمِ الكَراماتِ. وأمّا عُثْمانُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرَوى أنَسٌ قالَ: سِرْتُ في الطَّرِيقِ، فَرَفَعْتُ عَيْنِي إلى امْرَأةٍ ثُمَّ دَخَلْتُ عَلى عُثْمانَ، فَقالَ: ما لِي أراكم تَدْخُلُونَ عَلَيَّ وآثارُ الزِّنا ظاهِرَةٌ عَلَيْكم ؟ فَقُلْتُ: أجاءَ الوَحْيُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقالَ: لا، ولَكِنْ فِراسَةٌ صادِقَةٌ. الثّانِي: أنَّهُ لَمّا طُعِنَ بِالسَّيْفِ، فَأوَّلُ قَطْرَةٍ مِن دَمِهِ سَقَطَتْ وقَعَتْ عَلى المُصْحَفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . (البَقَرَةِ: ١٣٧) . الثّالِثُ: أنَّ جَهْجاهًا الغِفارِيَّ انْتَزَعَ العَصا مِن يَدِ عُثْمانَ وكَسَرَها عَلى رُكْبَتِهِ، فَوَقَعَتِ الأكَلَةُ في رُكْبَتِهِ. وأمّا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ فَيُرْوى أنَّ واحِدًا مِن مُحِبِّيهِ سَرَقَ وكانَ عَبْدًا أسْوَدَ، فَأُتِيَ بِهِ إلى عَلِيٍّ، فَقالَ لَهُ: أسَرَقْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَطَعَ يَدَهُ فانْصَرَفَ مِن عِنْدِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَقِيَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ وابْنُ الكَرّا، فَقالَ ابْنُ الكَرّا: مَن قَطَعَ يَدَكَ ؟ فَقالَ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، ويَعْسُوبُ المُسْلِمِينَ، وخَتَنُ الرَّسُولِ، وزَوْجُ البَتُولِ، فَقالَ: قَطَعَ يَدَكَ وتَمْدَحُهُ ؟ فَقالَ: ولِمَ لا أمْدَحُهُ، وقَدْ قَطَعَ يَدِي بِحَقٍّ، وخَلَّصَنِي مِنَ النّارِ ؟ ! فَسَمِعَ سَلْمانُ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ بِهِ عَلِيًّا فَدَعا الأسْوَدَ، ووَضَعَ يَدَهُ عَلى ساعِدِهِ، وغَطّاهُ بِمَندِيلٍ، ودَعا بِدَعَواتٍ، فَسَمِعْنا صَوْتًا مِنَ السَّماءِ: ارْفَعِ الرِّداءَ عَنِ اليَدِ، فَرَفَعْناهُ، فَإذا اليَدُ قَدْ بَرَأتْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وجَمِيلِ صُنْعِهِ. أمّا سائِرُ الصَّحابَةِ فَأحْوالُهم في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، فَنَذْكُرُ مِنها شَيْئًا قَلِيلًا. الأوَّلُ: رَوى مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ سَفِينَةَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قالَ: رَكِبْتُ البَحْرَ فانْكَسَرَتْ سَفِينَتِي الَّتِي كُنْتُ فِيها فَرَكِبْتُ لَوْحًا مِن ألْواحِها، فَطَرَحَنِي اللَّوْحُ في خَيْسَةٍ فِيها أسَدٌ، فَخَرَجَ الأسَدُ إلَيَّ يُرِيدُنِي، فَقُلْتُ: يا أبا الحارِثِ أنا مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَتَقَدَّمْ ودَلَّنِي عَلى الطَّرِيقِ، ثُمَّ هَمْهَمَ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوَدِّعُنِي ورَجَعَ. الثّانِي: رَوى ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ أنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ ورَجُلًا آخَرَ مِنَ الأنْصارِ تَحَدَّثا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في حاجَةٍ لَهُما حَتّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ زَمانٌ، ثُمَّ خَرَجا مِن عِنْدِهِ وكانَتِ اللَّيْلَةُ شَدِيدَةَ الظُّلْمَةِ، وفي يَدِ كُلٍّ واحِدٍ مِنهُما عَصا، فَأضاءَتْ عَصا أحَدِهِما لَهُما حَتّى مَشَيا في ضَوْئِها، فَلَمّا انْفَرَقَ بَيْنَهُما الطَّرِيقُ أضاءَتْ لِلْآخَرِ عَصاهُ، فَمَشى في ضَوْئِها حَتّى بَلَغَ مَنزِلَهُ. الثّالِثُ: قالُوا لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: إنَّ في عَسْكَرِكَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ، فَرَكِبَ فَرَسَهُ لَيْلَةً فَطافَ بِالعَسْكَرِ، فَلَقِيَ رَجُلًا عَلى فَرَسٍ ومَعَهُ زِقُّ خَمْرٍ، فَقالَ ما هَذا ؟ قالَ: خَلٌّ، فَقالَ خالِدٌ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ خَلًّا. فَذَهَبَ الرَّجُلُ إلى صفحة ٧٦ أصْحابِهِ، فَقالَ: أتَيْتُكم بِخَمْرٍ ما شَرِبَتِ العَرَبُ مِثْلَها، فَلَمّا فَتَحُوا فَإذا هو خَلٌّ، فَقالُوا: واللَّهِ ما جِئْتَنا إلّا بِخَلٍّ ؟ فَقالَ: هَذا واللَّهِ دُعاءُ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ. الرّابِعُ: الواقِعَةُ المَشْهُورَةُ وهي أنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ أكَلَ كَفًّا مِنَ السُّمِّ عَلى اسْمِ اللَّهِ وما ضَرَّهُ. الخامِسُ: رُوِيَ أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ في بَعْضِ أسْفارِهِ، فَلَقِيَ جَماعَةً وقَفُوا عَلى الطَّرِيقِ مِن خَوْفِ السَّبُعِ، فَطَرَدَ السَّبُعَ مِن طَرِيقِهِمْ، ثُمَّ قالَ: إنَّما يُسَلَّطُ عَلى ابْنِ آدَمَ ما يَخافُهُ، ولَوْ أنَّهُ لَمْ يَخَفْ غَيْرَ اللَّهِ لَما سُلِّطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. السّادِسُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ» في غَزاةٍ فَحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ المَطْلُوبِ قِطْعَةٌ مِنَ البَحْرِ، فَدَعا بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ، ومَشَوْا عَلى الماءِ، وفي كُتُبِ الصُّوفِيَّةِ مِن هَذا البابِ رِواياتٌ مُتَجاوِزَةٌ عَنِ الحَدِّ والحَصْرِ، فَمَن أرادَها طالَعَها. وأمّا الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ القَطْعِيَّةُ عَلى جَوازِ الكَراماتِ، فَمِن وُجُوهٍ: الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ العَبْدَ ولِيُّ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ (يُونُسَ: ٦٢) والرَّبُّ ولِيُّ العَبْدِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٥٧) وقالَ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ (الأعْرافِ: ١٩٦) وقالَ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ (المائِدَةِ: ٥٥) وقالَ: ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٦) وقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (مُحَمَّدٍ: ١١) فَثَبَتَ أنَّ الرَّبَّ ولِيُّ العَبْدِ وأنَّ العَبْدَ ولِيُّ الرَّبِّ، وأيْضًا الرَّبُّ حَبِيبُ العَبْدِ والعَبْدُ حَبِيبُ الرَّبِّ، قالَ تَعالى: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ (المائِدَةِ: ٥٤) وقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٥) وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٢) وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العَبْدُ إذا بَلَغَ في الطّاعَةِ إلى حَيْثُ يَفْعَلُ كُلَّ ما أمَرَهُ اللَّهُ وكُلَّ ما فِيهِ رِضاهُ وتَرَكَ كُلَّ ما نَهى اللَّهُ وزَجَرَ عَنْهُ، فَكَيْفَ يَبْعُدُ أنْ يَفْعَلَ الرَّبُّ الرَّحِيمُ الكَرِيمُ مَرَّةً واحِدَةً ما يُرِيدُهُ العَبْدُ ؟ بَلْ هو أوْلى لِأنَّ العَبْدَ مَعَ لُؤْمِهِ وعَجْزِهِ لَمّا فَعَلَ كُلَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ ويَأْمُرُهُ بِهِ، فَلَأنْ يَفْعَلَ الرَّبُّ الرَّحِيمُ مَرَّةً واحِدَةً ما أرادَهُ العَبْدُ كانَ أوْلى، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٤٠) . الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: لَوِ امْتَنَعَ إظْهارُ الكَرامَةِ لَكانَ ذَلِكَ، إمّا لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ أهْلًا لَأنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ المُؤْمِنَ لَيْسَ أهْلًا لِأنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ هَذِهِ العَطِيَّةَ، والأوَّلُ قَدْحٌ فَيُقَدِّرُهُ اللَّهُ وهو كُفْرٌ، والثّانِي باطِلٌ فَإنَّ مَعْرِفَةَ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ وأسْمائِهِ ومَحَبَّةَ اللَّهِ وطاعاتَهُ والمُواظَبَةَ عَلى ذِكْرِ تَقْدِيسِهِ وتَمْجِيدِهِ وتَهْلِيلِهِ أشْرَفُ مِن إعْطاءِ رَغِيفٍ واحِدٍ في مَفازَةٍ أوْ تَسْخِيرِ حَيَّةٍ أوْ أسَدٍ، فَلَمّا أعْطى المَعْرِفَةَ والمَحَبَّةَ والذِّكْرَ والشُّكْرَ مِن غَيْرِ سُؤالٍ فَلَأنْ يُعْطِيَهُ رَغِيفًا في مَفازَةٍ فَأيُّ بُعْدٍ فِيهِ ؟ الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: قالَ النَّبِيُّ -ﷺ- حِكايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ: «”ما تَقَرَّبَ عَبْدٌ إلَيَّ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، ولا يَزالُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا ولِسانًا وقَلْبًا ويَدًا ورِجْلًا، بِي يَسْمَعُ وبِي يُبْصِرُ وبِي يَنْطِقُ وبِي يَمْشِي“» وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في سَمْعِهِمْ نَصِيبٌ لِغَيْرِ اللَّهِ ولا في بَصَرِهِمْ ولا في سائِرِ أعْضائِهِمْ، إذْ لَوْ بَقِيَ هُناكَ نَصِيبٌ لِغَيْرِ اللَّهِ لَما قالَ: أنا سَمْعُهُ وبَصَرُهُ، إذا ثَبَتَ هَذا، فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ هَذا المَقامَ أشْرَفُ مِن تَسْخِيرِ الحَيَّةِ والسَّبُعِ وإعْطاءِ الرَّغِيفِ وعُنْقُودٍ مِنَ العِنَبِ أوْ شَرْبَةٍ مِنَ الماءِ، فَلَمّا أوْصَلَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ عَبْدَهُ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يُعْطِيَهُ رَغِيفًا واحِدًا أوْ شَرْبَةَ ماءٍ في مَفازَةٍ ؟ الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حاكِيًا عَنْ رَبِّ العِزَّةِ: «”مَن آذى لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ“» فَجَعَلَ إيذاءَ الوَلِيِّ قائِمًا مَقامَ إيذائِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ (الفَتْحِ: ١٠) وقالَ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ (الأحْزابِ: ٣٦) وقالَ: صفحة ٧٧ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ (الأحْزابِ: ٥٧) فَجَعَلَ بَيْعَةَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- بَيْعَةً مَعَ اللَّهِ، ورِضاءَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- رِضاءَ اللَّهِ، وإيذاءَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- إيذاءَ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ دَرَجَةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- أعْلى الدَّرَجاتِ إلى أبْلَغِ الغاياتِ فَكَذا هَهُنا لَمّا قالَ: «”مَن آذى لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ“» دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ إيذاءَ الوَلِيِّ قائِمًا مَقامَ إيذاءِ نَفْسِهِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِالخَبَرِ المَشْهُورِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: «مَرِضْتَ فَلَمْ تَعُدْنِي، اسْتَسْقَيْتُكَ فَما سَقَيْتَنِي، اسْتَطْعَمْتُكَ فَما أطْعَمْتَنِي، فَيَقُولُ: يا رَبِّ كَيْفَ أفْعَلُ هَذا وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ ؟ فَيَقُولُ: إنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أما عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» وكَذا في السَّقْيِ والإطْعامِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ يَبْلُغُونَ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ كِسْرَةَ خُبْزٍ أوْ شَرْبَةَ ماءٍ أوْ يُسَخِّرَ لَهُ كَلْبًا أوْ ورْدًا. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنّا نُشاهِدُ في العُرْفِ أنَّ مَن خَصَّهُ المَلِكُ بِالخِدْمَةِ الخاصَّةِ وأذِنَ لَهُ في الدُّخُولِ عَلَيْهِ في مَجْلِسِ الأُنْسِ، فَقَدْ يَخُصُّهُ أيْضًا بِأنْ يُقَدِّرَهُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَلِ العَقْلُ السَّلِيمُ يَشْهَدُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ ذَلِكَ القُرْبُ، فَإنَّهُ يَتْبَعُهُ هَذِهِ المَناصِبُ، فَجَعَلَ القُرْبَ أصْلًا والمَنصِبَ تَبَعًا، وأعْظَمُ المُلُوكِ هو رَبُّ العالَمِينَ، فَإذا شَرَّفَ عَبْدًا بِأنَّهُ أوْصَلَهُ إلى عَتَباتِ خِدْمَتِهِ ودَرَجاتِ كَرامَتِهِ، وأوْقَفَهُ عَلى أسْرارِ مَعْرِفَتِهِ، ورَفَعَ حُجُبَ البُعْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وأجْلَسَهُ عَلى بِساطِ قُرْبِهِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يُظْهِرَ بَعْضَ تِلْكَ الكَراماتِ في هَذا العالَمِ مَعَ أنَّ كُلَّ هَذا العالَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَرَّةٍ مِن تِلْكَ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والمَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ كالعَدَمِ المَحْضِ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: لا شَكَّ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِلْأفْعالِ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، ولا شَكَّ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لِلرَّوْحِ كالرُّوحِ لِلْبَدَنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ (النَّحْلِ: ٢) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي“» ولِهَذا المَعْنى نَرى أنَّ كُلَّ مَن كانَ أكْثَرَ عِلْمًا بِأحْوالِ عالَمِ الغَيْبِ كانَ أقْوى قَلْبًا وأقَلَّ ضَعْفًا، ولِهَذا قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: واللَّهِ ما قَلَعْتُ بابَ خَيْبَرَ بِقُوَّةٍ جَسَدانِيَّةٍ، ولَكِنْ بِقُوَّةٍ رَبّانِيَّةٍ. وذَلِكَ لِأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ انْقَطَعَ نَظَرُهُ عَنْ عالَمِ الأجْسادِ وأشْرَقَتِ المَلائِكَةُ بِأنْوارِ عالَمِ الكِبْرِياءِ، فَتَقَوّى رُوحُهُ وتَشَبَّهَ بِجَواهِرِ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ، وتَلَأْلَأتْ فِيهِ أضْواءُ عالَمِ القُدُسِ والعَظَمَةِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ مِنَ القُدْرَةِ ما قَدَرَ بِها عَلى ما لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وكَذَلِكَ العَبْدُ إذا واظَبَ عَلى الطّاعاتِ بَلَغَ إلى المَقامِ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا، فَإذا صارَ نُورُ جَلالِ اللَّهِ سَمْعًا لَهُ سَمِعَ القَرِيبَ والبَعِيدَ، وإذا صارَ ذَلِكَ النُّورُ بَصَرًا لَهُ رَأى القَرِيبَ والبَعِيدَ، وإذا صارَ ذَلِكَ النُّورُ يَدًا لَهُ قَدَرَ عَلى التَّصَرُّفِ في الصَّعْبِ والسَّهْلِ والبَعِيدِ والقَرِيبِ. الحُجَّةُ السّابِعَةُ: وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ الحِكْمِيَّةُ، وهي أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأجْسامِ الكائِنَةِ الفاسِدَةِ المُتَعَرِّضَةِ لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ، بَلْ هو مِن جِنْسِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ وسُكّانِ عالَمِ السَّماواتِ ونَوْعِ المُقَدَّسِينَ المُطَهَّرِينَ، إلّا أنَّهُ لَمّا تَعَلَّقَ بِهَذا البَدَنِ واسْتَغْرَقَ في تَدْبِيرِهِ صارَ في ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ إلى حَيْثُ نَسِيَ الوَطَنَ الأوَّلَ والمَسْكَنَ المُتَقَدِّمَ، وصارَ بِالكُلِّيَّةِ مُتَشَبِّهًا بِهَذا الجِسْمِ الفاسِدِ، فَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ وذَهَبَتْ مُكْنَتُهُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأفْعالِ، أمّا إذا اسْتَأْنَسَتْ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ، وقَلَّ انْغِماسُها في تَدْبِيرِ صفحة ٧٨ هَذا البَدَنِ، وأشْرَقَتْ عَلَيْها أنْوارُ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ العَرْشِيَّةِ المُقَدَّسَةِ، وفاضَتْ عَلَيْها مِن تِلْكَ الأنْوارِ قَوِيَتْ عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ مِثْلَ قُوَّةِ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ، وذَلِكَ هو الكَراماتُ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ مَذْهَبَنا: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ فَفِيها القَوِيَّةُ والضَّعِيفَةُ، وفِيها النُّورانِيَّةُ والكَدِرَةُ، وفِيها الحُرَّةُ والنَّذْلَةُ، والأرْواحُ الفَلَكِيَّةُ أيْضًا كَذَلِكَ، ألا تَرى إلى جِبْرِيلَ كَيْفَ قالَ اللَّهُ في وصْفِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ (التَّكْوِيرِ:١٩ - ٢١) وقالَ في قَوْمٍ آخَرِينَ مِنَ المَلائِكَةِ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ ( النَّجْمِ: ٢٦) فَكَذا هَهُنا فَإذا اتَّفَقَ في نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ كَوْنُها قَوِيَّةً القُوَّةَ القُدُسِيَّةَ العُنْصُرِيَّةَ، مُشْرِقَةَ الجَوْهَرِ عُلْوِيَّةَ الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ انْضافَ إلَيْها أنْواعُ الرِّياضاتِ الَّتِي تُزِيلُ عَنْ وجْهِها غُبْرَةَ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ أشْرَقَتْ وتَلَأْلَأتْ وقَوِيَتْ عَلى التَّصَرُّفِ في هَيُولِيِّ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ بِإعانَةِ نُورِ مَعْرِفَةِ الحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ، وتَقْوِيَةِ أضْواءِ حَضْرَةِ الجَلالِ والعِزَّةِ، ولْنَقْبِضْ هَهُنا عَنانَ البَيانِ، فَإنَّ وراءَها أسْرارًا دَقِيقَةً وأحْوالًا عَمِيقَةً مَن لَمْ يَصِلْ إلَيْها لَمْ يُصَدِّقْ بِها، ونَسْألُ اللَّهَ الإعانَةَ عَلى إدْراكِ الخَيْراتِ. * * * واحْتَجَّ المُنْكِرُونَ لِلْكَراماتِ بِوُجُوهٍ: الشُّبْهَةُ الأُولى: -وهِيَ الَّتِي عَلَيْها يُعَوِّلُونَ وبِها يُضِلُّونَ- أنَّ ظُهُورَ الخارِقِ لِلْعادَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ دَلِيلًا عَلى النُّبُوَّةِ، فَلَوْ حَصَلَ لِغَيْرِ نَبِيٍّ لَبَطَلَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ؛ لِأنَّ حُصُولَ الدَّلِيلِ مَعَ عَدَمِ المَدْلُولِ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ دَلِيلًا، وذَلِكَ باطِلٌ. والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: «”لَنْ يَتَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ“» قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ بِأداءِ الفَرائِضِ أعْظَمُ مِنَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِأداءِ النَّوافِلِ، ثُمَّ إنَّ المُتَقَرِّبَ إلَيْهِ بِأداءِ الفَرائِضِ لا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الكَراماتِ، فالمُتَقَرِّبُ إلَيْهِ بِأداءِ النَّوافِلِ أوْلى أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ. الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ (النَّحْلِ: ٧) والقَوْلُ بِأنَّ الوَلِيَّ يَنْتَقِلُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ -لا عَلى الوَجْهِ- طَعْنٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وأيْضًا أنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- لَمْ يَصِلْ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ إلّا في أيّامٍ كَثِيرَةٍ مَعَ التَّعَبِ الشَّدِيدِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الوَلِيَّ يَنْتَقِلُ مِن بَلَدِ نَفْسِهِ إلى الحَجِّ في يَوْمٍ واحِدٍ. الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قالُوا: هَذا الوَلِيُّ الَّذِي تَظْهَرُ عَلَيْهِ الكَراماتُ إذا ادَّعى عَلى إنْسانٍ دِرْهَمًا فَهَلْ نُطالِبُهُ بِالبَيِّنَةِ أمْ لا ؟ فَإنْ طالَبْناهُ بِالبَيِّنَةِ كانَ عَبَثًا لِأنَّ ظُهُورَ الكَراماتِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَكْذِبُ، ومَعَ قِيامِ الدَّلِيلِ القاطِعِ كَيْفَ يُطْلَبُ الدَّلِيلُ الظَّنِّيُّ ؟ وإنْ لَمْ نُطالِبْهُ بِها ؟ فَقَدْ تَرَكْنا قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”البَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي“» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالكَرامَةِ باطِلٌ. الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: إذا جازَ ظُهُورُ الكَرامَةِ عَلى بَعْضِ الأوْلِياءِ جازَ ظُهُورُها عَلى الباقِينَ، فَإذا كَثُرَتِ الكَراماتُ حَتّى خَرَقَتِ العادَةَ جَرَتْ وفْقًا لِلْعادَةِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في المُعْجِزَةِ والكَرامَةِ. والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى: أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ دَعْوى الوِلايَةِ ؟ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ: أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَرْقُ بَيْنَ المُعْجِزاتِ والكَراماتِ أنَّ المُعْجِزَةَ تَكُونُ مَسْبُوقَةً بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، والكَرامَةُ لا تَكُونُ مَسْبُوقَةً بِدَعْوى الوِلايَةِ، والسَّبَبُ في هَذا الفَرْقِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إنَّما بُعِثُوا إلى الخَلْقِ لِيَصِيرُوا دُعاةً لِلْخَلْقِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ ومِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطّاعَةِ، فَلَوْ لَمْ تَظْهَرْ دَعْوى النُّبُوَّةِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وإذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ بَقُوا عَلى الكُفْرِ، وإذا ادَّعَوُا النُّبُوَّةَ وأظْهَرُوا المُعْجِزَةَ آمَنَ القَوْمُ بِهِمْ، فَإقْدامُ الأنْبِياءِ عَلى دَعْوى النُّبُوَّةِ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمَ النَّفْسِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلى الخَلْقِ حَتّى يَنْتَقِلُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، أمّا ثُبُوتُ الوِلايَةِ لِلْوَلِيِّ فَلَيْسَ الجَهْلُ بِها كُفْرًا ولا مَعْرِفَتُها إيمانًا، فَكانَ دَعْوى الوِلايَةِ طَلَبًا لِشَهْوَةِ النَّفْسِ، فَعَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ يَجِبُ عَلَيْهِ إظْهارُ دَعْوى النُّبُوَّةِ صفحة ٧٩ والوَلِيُّ لا يَجُوزُ لَهُ دَعْوى الوِلايَةِ فَظَهَرَ الفَرْقُ، أمّا الَّذِينَ قالُوا: يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ دَعْوى الوِلايَةِ، فَقَدْ ذَكَرُوا الفَرْقَ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والكَرامَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ظُهُورَ الفِعْلِ الخارِقِ لِلْعادَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الإنْسانِ مُبَرَّءًا عَنِ المَعْصِيَةِ، ثُمَّ إنِ اقْتَرَنَ هَذا الفِعْلُ بِادِّعاءِ النُّبُوَّةِ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا في دَعْوى النُّبُوَّةِ، وإنِ اقْتَرَنَ بِادِّعاءِ الوِلايَةِ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا في دَعْوى الوِلايَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ لا يَكُونُ ظُهُورُ الكَرامَةِ عَلى الأوْلِياءِ طَعْنًا في مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- يَدَّعِي المُعْجِزَةَ ويَقْطَعُ بِها، والوَلِيُّ إذا ادَّعى الكَرامَةَ لا يَقْطَعُ بِها؛ لِأنَّ المُعْجِزَةَ يَجِبُ ظُهُورُها، أمّا الكَرامَةُ، فَلا يَجِبُ ظُهُورُها. الثّالِثُ: أنَّهُ يَجِبُ نَفْيُ المُعارَضَةِ عَنِ المُعْجِزَةِ، ولا يُجِبْ نَفْيُها عَنِ الكَرامَةِ. الرّابِعُ: أنّا لا نُجَوِّزُ ظُهُورَ الكَرامَةِ عَلى الوَلِيِّ عِنْدَ ادِّعاءِ الوِلايَةِ إلّا إذا أقَرَّ عِنْدَ تِلْكَ الدَّعْوى بِكَوْنِهِ عَلى دِينِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ صارَتْ تِلْكَ الكَرامَةُ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ ومُؤَكِّدَةً لِرِسالَتِهِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ ظُهُورُ الكَرامَةِ طاعِنًا في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ بَلْ يَصِيرُ مُقَوِّيًا لَها. والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ: أنَّ التَّقَرُّبَ بِالفَرائِضِ وحْدَها أكْمَلُ مِنَ التَّقَرُّبِ بِالنَّوافِلِ، أمّا الوَلِيُّ فَإنَّما يَكُونُ ولِيًّا إذا كانَ آتِيًا بِالفَرائِضِ والنَّوافِلِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَكُونُ حالُهُ أتَمَّ مِن حالِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى الفَرائِضِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ. والجَوابُ عَلى الشُّبْهَةِ الثّالِثَةِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْهُودِ المُتَعارَفِ، وكَراماتُ الأوْلِياءِ أحْوالٌ نادِرَةٌ، فَتَصِيرُ كالمُسْتَثْناةِ عَنْ ذَلِكَ العُمُومِ، وهَذا هو ”الجَوابُ“ عَنِ الشُّبْهَةِ الرّابِعَةِ، وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «البَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي» . والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الخامِسَةِ: أنَّ المُطِيعِينَ فِيهِمْ قِلَّةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سَبَأٍ: ١٣) وكَما قالَ إبْلِيسُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ (الأعْرافِ: ١٧) وإذا حَصَلَتِ القِلَّةُ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الكَراماتِ في الأوْقاتِ النّادِرَةِ قادِحًا في كَوْنِها عَلى خِلافِ العادَةِ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في الفَرْقِ بَيْنَ الكَراماتِ والِاسْتِدْراجِ، اعْلَمْ أنَّ مَن أرادَ شَيْئًا فَأعْطاهُ اللَّهُ مُرادَهُ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ العَبْدِ وجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَتِ العَطِيَّةُ عَلى وفْقِ العادَةِ أوْ لَمْ تَكُنْ عَلى وفْقِ العادَةِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ إكْرامًا لِلْعَبْدِ، وقَدْ يَكُونُ اسْتِدْراجًا لَهُ، ولِهَذا الِاسْتِدْراجِ أسْماءٌ كَثِيرَةٌ مِنَ القُرْآنِ: أحَدُها: الِاسْتِدْراجُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (القَلَمِ: ٤٤) ومَعْنى الِاسْتِدْراجِ أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ في الدُّنْيا لِيَزْدادَ غَيُّهُ وضَلالُهُ وجَهْلُهُ وعِنادُهُ، فَيَزْدادَ كُلَّ يَوْمٍ بُعْدًا مِنَ اللَّهِ وتَحْقِيقُهُ: أنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ، فَإذا مالَ قَلْبُ العَبْدِ إلى الدُّنْيا، ثُمَّ أعْطاهُ اللَّهُ مُرادَهُ، فَحِينَئِذٍ يَصِلُ الطّالِبُ إلى المَطْلُوبِ، وذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ اللَّذَّةِ، وحُصُولُ اللَّذَّةِ يَزِيدُ في المَيْلِ، وحُصُولُ المَيْلِ يُوجِبُ مَزِيدَ السَّعْيِ، ولا يَزالُ يَتَأدّى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ وتَتَقَوّى كُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاشْتِغالَ بِهَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ مانِعٌ عَنْ مَقاماتِ المُكاشَفاتِ ودَرَجاتِ المَعارِفِ، فَلا جَرَمَ يَزْدادُ بُعْدُهُ عَنِ اللَّهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً إلى أنْ يَتَكامَلَ، فَهَذا هو الِاسْتِدْراجُ. وثانِيها: المَكْرُ قالَ تَعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ (الأعْرافِ: ٩٩)، ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٥٤) وقالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (النَّمْلِ: ٥٠) . وثالِثُها: الكَيْدُ قالَ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ (النِّساءِ: ١٤٢) وقالَ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٩) . ورابِعُها: الإمْلاءُ، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ (آلِ صفحة ٨٠ عِمْرانَ: ١٧٨) . وخامِسُها: الإهْلاكُ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٤٤) وقالَ في فِرْعَوْنَ: ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ (القَصَصِ: ٤٠) فَظَهَرَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّ الإيصالَ إلى المُراداتِ لا يَدُلُّ عَلى كَمالِ الدَّرَجاتِ والفَوْزِ بِالخَيْراتِ، بَقِيَ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ الفَرْقَ بَيْنَ الكَراماتِ وبَيْنَ الِاسْتِدْراجاتِ، فَنَقُولُ: إنَّ صاحِبَ الكَرامَةِ لا يَسْتَأْنِسُ بِتِلْكَ الكَرامَةِ بَلْ عِنْدَ ظُهُورِ الكَرامَةِ يَصِيرُ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أشَدَّ، وحَذَرُهُ مِن قَهْرِ اللَّهِ أقْوى، فَإنَّهُ يَخافُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِدْراجِ، وأمّا صاحِبُ الِاسْتِدْراجِ فَإنَّهُ يَسْتَأْنِسُ بِذَلِكَ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَيْهِ، ويَظُنُّ أنَّهُ إنَّما وجَدَ تِلْكَ الكَرامَةَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُسْتَحِقًّا لَها وحِينَئِذٍ يَسْتَحْقِرُ غَيْرَهُ ويَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ، ويَحْصُلُ لَهُ أمْنٌ مِن مَكْرِ اللَّهِ وعِقابِهِ ولا يَخافُ سُوءَ العاقِبَةِ، فَإذا ظَهَرَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ عَلى صاحِبِ الكَرامَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها كانَتِ اسْتِدْراجًا لا كَرامَةً، فَلِهَذا المَعْنى قالَ المُحَقِّقُونَ: أكْثَرُ ما اتَّفَقَ مِنَ الِانْقِطاعِ عَنْ حَضْرَةِ اللَّهِ إنَّما وقَعَ في مَقامِ الكَراماتِ فَلا جَرَمَ تَرى المُحَقِّقِينَ يَخافُونَ مِنَ الكَراماتِ، كَما يَخافُونَ مِن أنْواعِ البَلاءِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِئْناسَ بِالكَرامَةِ قاطِعٌ عَنِ الطَّرِيقِ وُجُوهٌ: الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ هَذا الغُرُورَ إنَّما يَحْصُلُ إذا اعْتَقَدَ الرَّجُلُ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِهَذِهِ الكَرامَةِ؛ لِأنْ بِتَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لَها امْتَنَعَ حُصُولُ الفَرَحِ بِها، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فَرَحُهُ بِكَرَمِ المَوْلى وفَضْلِهِ أكْبَرَ مِن فَرَحِهِ بِنَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الفَرَحَ بِالكَرامَةِ أكْثَرُ مِن فَرَحِهِ بِنَفْسِهِ، وثَبَتَ أنَّ الفَرَحَ بِالكَرامَةِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا اعْتَقَدَ أنَّهُ أهْلٌ ومُسْتَحِقٌّ لَها، وهَذا عُيْنُ الجَهْلِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ (البَقَرَةِ: ٣٢) وقالَ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (الأنْعامِ: ٩١) وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ اليَقِينِيِّ أنَّهُ لا حَقَّ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ عَلى الحَقِّ فَكَيْفَ يَحْصُلُ ظَنُّ الِاسْتِحْقاقِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الكَراماتِ أشْياءُ مُغايِرَةٌ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ، فالفَرَحُ بِالكَرامَةِ فَرَحٌ بِغَيْرِ الحَقِّ، والفَرَحُ بِغَيْرِ الحَقِّ حِجابٌ عَنِ الحَقِّ، والمَحْجُوبُ عَنِ الحَقِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ الفَرَحُ والسُّرُورُ ؟ الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ صارَ مُسْتَحِقًّا لِلْكَرامَةِ بِسَبَبِ عَمَلِهِ حَصَلَ لِعَمَلِهِ وقْعٌ عَظِيمٌ في قَلْبِهِ، ومَن كانَ لِعَمَلِهِ وقْعٌ عِنْدَهُ كانَ جاهِلًا، ولَوْ عَرَفَ رَبَّهُ لَعَلِمَ أنَّ كُلَّ طاعاتِ الخَلْقِ في جَنْبِ جَلالِ اللَّهِ تَقْصِيرٌ، وكُلَّ شُكْرِهِمْ في جَنْبِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ قُصُورٌ، وكُلَّ مَعارِفِهِمْ وعُلُومِهِمْ فَهي في مُقابَلَةِ عِزَّتِهِ حَيْرَةٌ وجَهْلٌ، رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّهُ قَرَأ المُقْرِئُ في مَجْلِسِ الأُسْتاذِ أبِي عَلِيٍّ الدَّقّاقِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطِرٍ: ١٠) فَقالَ: عَلامَةُ أنَّ الحَقَّ رَفَعَ عَمَلَكَ أنْ لا يُبْقِيَ (ذِكْرَهُ) عِنْدَكَ، فَإنْ بَقِيَ عَمَلُكَ في نَظَرِكَ فَهو مَدْفُوعٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ مَعَكَ فَهو مَرْفُوعٌ مَقْبُولٌ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ صاحِبَ الكَرامَةِ إنَّما وجَدَ الكَرامَةَ لِإظْهارِ الذُّلِّ والتَّواضُعِ في حَضْرَةِ اللَّهِ، فَإذا تَرَفَّعَ وتَجَبَّرَ وتَكَبَّرَ بِسَبَبِ تِلْكَ الكَراماتِ، فَهَذا طَرِيقُ ثُبُوتِهِ يُؤَدِّيهِ إلى عَدَمِهِ، فَكانَ مَرْدُودًا، ولِهَذا المَعْنى لَمّا ذَكَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَناقِبَ نَفْسِهِ وفَضائِلَها كانَ يَقُولُ في آخِرِ كُلِّ واحِدٍ مِنها، ولا فَخْرَ، يَعْنِي لا أفْتَخِرُ بِهَذِهِ الكَراماتِ، وإنَّما أفْتَخِرُ بِالمُكْرِمِ والمُعْطِي. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ ظاهِرَ الكَراماتِ في حَقِّ إبْلِيسَ وفي حَقِّ بَلْعامَ كانَ عَظِيمًا ثُمَّ قِيلَ لِإبْلِيسَ: وكانَ مِنَ الكافِرِينَ، وقِيلَ لِبَلْعامَ: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ، وقِيلَ لِعُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ: صفحة ٨١ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ (الجُمُعَةِ: ٥) وقِيلَ أيْضًا في حَقِّهِمْ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٩) فَبَيَّنَ أنَّ وُقُوعَهم في الظُّلُماتِ والضَّلالاتِ كانَ بِسَبَبِ فَرَحِهِمْ بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ والزُّهْدِ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّ الكَرامَةَ غَيْرُ المُكَرَّمِ، وكُلُّ ما هو غَيْرُ المُكَرَّمِ، فَهو ذَلِيلٌ وكُلُّ مَن تَعَزَّزَ بِالذَّلِيلِ فَهو ذَلِيلٌ، ولِهَذا المَعْنى قالَ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فالِاسْتِغْناءُ بِالفَقِيرِ فَقْرٌ، والتَّقَوِّي بِالعاجِزِ عَجْزٌ، والِاسْتِكْمالُ بِالنّاقِصِ نُقْصانٌ، والفَرَحُ بِالمُحْدَثِ بَلَهٌ، والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الحَقِّ خَلاصٌ، فَثَبَتَ أنَّ الفَقِيرَ إذا ابْتَهَجَ بِالكَرامَةِ سَقَطَ عَنْ دَرَجَتِهِ، أمّا إذا كانَ لا يُشاهِدُ في الكَراماتِ إلّا المُكْرِمَ، ولا في الإعْزازِ إلّا المُعِزَّ، ولا في الخَلْقِ إلّا الخالِقَ، فَهُناكَ يَحِقُّ الوُصُولُ. الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّ الِافْتِخارَ بِالنَّفْسِ وبِصِفاتِها مِن صِفاتِ إبْلِيسَ وفِرْعَوْنَ، قالَ إبْلِيسُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ (الأعْرافِ: ١٢) وقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٥١) وكُلُّ مَنِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ أوِ النُّبُوَّةَ بِالكَذِبِ، فَلَيْسَ لَهُ غَرَضٌ إلّا تَزْيِينَ النَّفْسِ وتَقْوِيَةَ الحِرْصِ والعَجَبِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ثَلاثٌ مُهْلِكاتٌ، وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: وإعْجابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ“ . الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (الأعْرافِ: ١٤٤) ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ (الحِجْرِ: ٩٩) فَلَمّا أعْطاهُ اللَّهُ العَطِيَّةَ الكُبْرى أمَرَهُ بِالِاشْتِغالِ بِخِدْمَةِ المُعْطِي لا بِالفَرَحِ بِالعَطِيَّةِ. الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمّا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا تَرَكَ المُلْكَ، ولا شَكَّ أنَّ وِجْدانَ المُلْكِ الَّذِي يَعُمُّ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ مِنَ الكَراماتِ، بَلْ مِنَ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ إنَّهُ -ﷺ- تَرَكَ ذَلِكَ المُلْكَ واخْتارَ العُبُودِيَّةَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ عَبْدًا كانَ افْتِخارُهُ بِمَوْلاهُ، وإذا كانَ مَلَكًا كانَ افْتِخارُهُ بِعَبِيدِهِ، فَلَمّا اخْتارَ العُبُودِيَّةَ لا جَرَمَ جَعَلَ السُّنَّةَ الَّتِي في التَّحِيّاتِ الَّتِي رَواها ابْنُ مَسْعُودٍ ”وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ“، وقِيلَ في المِعْراجِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ (الإسْراءِ: ١) . الحُجَّةُ العاشِرَةُ: أنَّ مُحِبَّ المَوْلى غَيْرٌ، ومُحِبَّ ما لِلْمَوْلى غَيْرٌ، فَمِن أحَبَّ المَوْلى لَمْ يَفْرَحْ بِغَيْرِ المَوْلى ولَمْ يَسْتَأْنِسْ بِغَيْرِ المَوْلى، فالِاسْتِئْناسُ بِغَيْرِ المَوْلى والفَرَحُ بِغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ مُحِبًّا لِلْمَوْلى، بَلْ كانَ مُحِبًّا لِنَصِيبِ نَفْسِهِ، ونَصِيبُ النَّفْسِ إنَّما يُطْلَبُ لِلنَّفْسِ، فَهَذا الشَّخْصُ ما أحَبَّ إلّا نَفْسَهُ، وما كانَ المَوْلى مَحْبُوبًا لَهُ بَلْ جَعَلَ المَوْلى وسِيلَةً إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ. والصَّنَمُ الأكْبَرُ هو النَّفْسُ كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ (الجاثِيَةِ: ٢٣) فَهَذا الإنْسانُ عابِدٌ لِلصَّنَمِ الأكْبَرِ حَتّى أنَّ المُحَقِّقِينَ قالُوا: لا مَضَرَّةَ في عِبادَةِ شَيْءٍ مِنَ الأصْنامِ مِثْلُ المُضِرَّةِ الحاصِلَةِ في عِبادَةِ النَّفْسِ، ولا خَوْفَ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ كالخَوْفِ مِنَ الفَرَحِ بِالكَراماتِ. الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ ولَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ صفحة ٨٢ مِن هَذِهِ الأفْعالِ والأحْوالِ. * * * المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في أنَّ الوَلِيَّ هَلْ يَعْرِفُ كَوْنَهُ ولِيًّا ؟ قالَ الأُسْتاذُ أبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكَ: لا يَجُوزُ، وقالَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ، وتِلْمِيذُهُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ، وحُجَّةُ المانِعِينَ وجُوهٌ: الحُجَّةُ الأُولى: لَوْ عَرَفَ الرَّجُلُ كَوْنَهُ ولِيًّا لَحَصَلَ لَهُ الأمْنُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ (يُونُسَ: ٦٢) لَكِنَّ حُصُولَ الأمْنِ غَيْرُ جائِزٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ (الأعْرافِ: ٩٩) واليَأْسُ أيْضًا غَيْرُ جائِزٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٧) ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ (الحِجْرِ: ٥٦) والمَعْنى فِيهِ أنَّ الأمْنَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ العَجْزِ، واليَأْسُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ البُخْلِ، واعْتِقادُ العَجْزِ والبُخْلِ في حَقِّ اللَّهِ كُفْرٌ، فَلا جَرَمَ كانَ حُصُولُ الأمْنِ والقُنُوطِ كُفْرًا. الثّانِي: أنَّ الطّاعاتِ وإنْ كَثُرَتْ إلّا أنَّ قَهْرَ الحَقِّ أعْظَمُ، ومَعَ كَوْنِ القَهْرِ غالِبًا لا يَحْصُلُ الأمْنُ. الثّالِثُ: أنَّ الأمْنَ يَقْتَضِي زَوالَ العُبُودِيَّةِ وتَرْكُ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ يُوجِبُ العَداوَةَ، والأمْنَ يَقْتَضِي تَرْكَ الخَوْفِ. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ المُخْلِصِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ قِيلَ: رَغَبًا في ثَوابِنا ورَهَبًا مِن عِقابِنا، وقِيلَ: رَغَبًا في فَضْلِنا، ورَهَبًا مِن عَدْلِنا، وقِيلَ: رَغَبًا في وِصالِنا، ورَهَبًا مِن فِراقِنا. والأحْسَنُ أنْ يُقالَ: رَغَبًا فِينا، ورَهَبًا مِنّا. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: -عَلى أنَّ الوَلِيَّ لا يَعْرِفُ كَوْنَهُ ولِيًّا- أنَّ الوَلِيَّ إنَّما يَصِيرُ ولِيًّا لِأجْلِ أنَّ الحَقَّ يُحِبُّهُ، لا لِأجْلِ أنَّهُ يُحِبُّ الحَقَّ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في العَدُوِّ، ثُمَّ إنَّ مَحَبَّةَ الحَقِّ وعَداوَتَهُ سِرّانِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِما أحَدٌ، فَطاعاتُ العِبادِ ومَعاصِيهِمْ لا تُؤَثِّرُ في مَحَبَّةِ الحَقِّ وعَداوَتِهِ؛ لِأنَّ الطّاعاتِ والمَعاصِيَ مُحْدَثَةٌ، وصِفاتُ الحَقِّ قَدِيمَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والمُحْدَثُ المُتَناهِي لا يَصِيرُ غالِبًا لِلْقَدِيمِ غَيْرِ المُتَناهِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَرُبَّما كانَ العَبْدُ في الحالِ في عَيْنِ المَعْصِيَةِ إلّا أنَّ نَصِيبَهُ مِنَ الأزَلِ عَيْنُ المَحَبَّةِ، ورُبَّما كانَ العَبْدُ في الحالِ في عَيْنِ الطّاعَةِ، ولَكِنَّ نَصِيبَهُ مِنَ الأزَلِ عَيْنُ العَداوَةِ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ: أنَّ مَحَبَّتَهُ وعَداوَتَهُ صِفَةٌ، وصِفَةُ الحَقِّ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، ومَن كانَتْ مَحَبَّتُهُ لا لِعِلَّةٍ، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصِيرَ عَدُوًّا بِعِلَّةِ المَعْصِيَةِ، ومَن كانَتْ عُدَواتُهُ لا لِعِلَّةٍ يَمْتَنِعُ أنْ يَصِيرَ مُحِبًّا لِعِلَّةِ الطّاعَةِ، ولَمّا كانَتْ مَحَبَّةُ الحَقِّ وعَداوَتُهُ سِرَّيْنِ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِما، لا جَرَمَ قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ (المائِدَةِ: ١١٦) الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: -عَلى أنَّ الوَلِيَّ لا يَعْرِفُ كَوْنَهُ ولِيًّا- أنَّ الحُكْمَ بِكَوْنِهِ ولِيًّا وبِكَوْنِهِ مِن أهْلِ الثَّوابِ والجَنَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلى الخاتِمَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ (الأنْعامِ: ١٦٠) ولَمْ يَقُلْ مَن عَمِلَ حَسَنَةً فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ مُسْتَفادٌ مِنَ الخاتِمَةِ لا مِن أوَّلِ العَمَلِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ مَضى عُمْرَهُ في الكُفْرِ ثُمَّ أسْلَمَ في آخِرِ الأمْرِ كانَ مِن أهْلِ الثَّوابِ وبِالضِّدِّ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِالخاتِمَةِ لا بِأوَّلِ العَمَلِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنْفالِ: ٣٨) فَثَبَتَ أنَّ العِبْرَةَ في الوِلايَةِ والعَداوَةِ وكَوْنُهُ مِن أهْلِ الثَّوابِ أوْ مِن أهْلِ العِقابِ بِالخاتِمَةِ، فَظَهَرَ أنَّ الخاتِمَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لِأحَدٍ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ الوَلِيَّ لا يَعْلَمُ كَوْنَهُ ولِيًّا، أمّا الَّذِينَ قالُوا إنَّ الوَلِيَّ قَدْ يَعْرِفُ كَوْنَهُ ولِيًّا، فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ الوِلايَةَ لَها رُكْنانِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ في الظّاهِرِ مُنْقادًا لِلشَّرِيعَةِ. الثّانِي: كَوْنُهُ في الباطِنِ مُسْتَغْرِقًا في نُورِ الحَقِيقَةِ، فَإذا حَصَلَ الأمْرانِ وعَرَفَ الإنْسانُ حُصُولَهُما صفحة ٨٣ عَرَفَ لا مَحالَةَ كَوْنَهُ ولِيًّا، أمّا الِانْقِيادُ في الظّاهِرِ لِلشَّرِيعَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا اسْتِغْراقُ الباطِنِ في نُورِ الحَقِيقَةِ فَهو أنْ يَكُونَ فَرَحُهُ بِطاعَةِ اللَّهِ واسْتِئْناسُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ، وأنْ لا يَكُونَ لَهُ اسْتِقْرارٌ مَعَ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ. والجَوابُ: أنَّ تَداخُلَ الأغْلاطِ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ غامِضَةُ والقَضاءُ عَسِرٌ، والتَّجْرِبَةُ خَطَرٌ، والجَزْمُ غُرُورٌ، ودُونَ الوُصُولِ إلى عالَمِ الرُّبُوبِيَّةِ أسْتارٌ، تارَةً مِنَ النِّيرانِ، وأُخْرى مِنَ الأنْوارِ، واللَّهُ العالِمُ بِحَقائِقِ الأسْرارِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.

الكهف 18:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن قَبْلُ جُمْلَةً مَن واقِعَتِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ أيْ عَلى وجْهِ الصِّدْقِ: ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ كانُوا جَماعَةً مِنَ الشُّبّانِ آمَنُوا بِاللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى في صِفاتِهِمْ: ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ألْهَمْناها الصَّبْرَ وثَبَّتْناها: ﴿إذْ قامُوا﴾ وفي هَذا القِيامِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا عُظَماءَ مَدِينَتِهِمْ فَخَرَجُوا فاجْتَمَعُوا وراءَ المَدِينَةِ مِن غَيْرِ مِيعادٍ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم أكْبَرُ القَوْمِ: إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا ما أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَجِدُهُ، قالُوا ما تَجِدُ ؟ قالَ: أجِدُ في نَفْسِي أنَّ رَبِّي رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم قامُوا بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِهِمْ دِقْيانُوسَ الجَبّارِ، وقالُوا: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الطَّواغِيتِ، فَثَبَّتَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ، وعَصَمَهم حَتّى عَصَوْا ذَلِكَ الجَبّارَ، وأقَرُّوا بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، وصَرَّحُوا بِالبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: -وهُوَ قَوْلُ عَطاءٍ ومُقاتِلٍ - أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ قِيامِهِمْ مِنَ النَّوْمِ، وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ اسْتَأْنَفَ قِصَّتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ مَعْنى الشَّطَطِ في اللُّغَةِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ قَدْ أشَطَّ في السَّوْمِ إذْ جاوَزَ الحَدَّ، ولَمْ يُسْمَعْ إلّا أشَطَّ يُشِطُّ إشْطاطًا وشَطَطًا، وحَكى الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ إذا جاوَزَ الحَدَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ (ص: ٢٢) وأصْلُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: شَطَّتِ الدّارُ إذا بَعُدَتْ، فالشَّطَطُ البُعْدُ عَنِ الحَقِّ، وهو هَهُنا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى لَقَدْ قُلْنا إذًا قَوْلًا شَطَطًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ هَذا مِن قَوْلِ أصْحابِ الكَهْفِ، ويَعْنُونَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ دِقْيانُوسَ عَبَدُوا الأصْنامَ (لَوْلا يَأْتُونَ -هَلّا يَأْتُونَ- عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ) بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، صفحة ٨٤ ومَعْنى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى عِبادَةِ الآلِهَةِ، ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ عَدَمَ البَيِّنَةِ بِعَدَمِ الدَّلائِلِ عَلى ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ ويَسْتَدِلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ عَلى عَدَمِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْها فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ طَرِيقَةٌ قَوِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يَعْنِي أنَّ الحُكْمَ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ظُلْمٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ وكَذِبٌ عَلَيْهِ، وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ.

الكهف 18:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن قَبْلُ جُمْلَةً مَن واقِعَتِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ أيْ عَلى وجْهِ الصِّدْقِ: ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ كانُوا جَماعَةً مِنَ الشُّبّانِ آمَنُوا بِاللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى في صِفاتِهِمْ: ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ألْهَمْناها الصَّبْرَ وثَبَّتْناها: ﴿إذْ قامُوا﴾ وفي هَذا القِيامِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا عُظَماءَ مَدِينَتِهِمْ فَخَرَجُوا فاجْتَمَعُوا وراءَ المَدِينَةِ مِن غَيْرِ مِيعادٍ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم أكْبَرُ القَوْمِ: إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا ما أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَجِدُهُ، قالُوا ما تَجِدُ ؟ قالَ: أجِدُ في نَفْسِي أنَّ رَبِّي رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم قامُوا بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِهِمْ دِقْيانُوسَ الجَبّارِ، وقالُوا: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الطَّواغِيتِ، فَثَبَّتَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ، وعَصَمَهم حَتّى عَصَوْا ذَلِكَ الجَبّارَ، وأقَرُّوا بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، وصَرَّحُوا بِالبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: -وهُوَ قَوْلُ عَطاءٍ ومُقاتِلٍ - أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ قِيامِهِمْ مِنَ النَّوْمِ، وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ اسْتَأْنَفَ قِصَّتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ مَعْنى الشَّطَطِ في اللُّغَةِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ قَدْ أشَطَّ في السَّوْمِ إذْ جاوَزَ الحَدَّ، ولَمْ يُسْمَعْ إلّا أشَطَّ يُشِطُّ إشْطاطًا وشَطَطًا، وحَكى الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ إذا جاوَزَ الحَدَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ (ص: ٢٢) وأصْلُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: شَطَّتِ الدّارُ إذا بَعُدَتْ، فالشَّطَطُ البُعْدُ عَنِ الحَقِّ، وهو هَهُنا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى لَقَدْ قُلْنا إذًا قَوْلًا شَطَطًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ هَذا مِن قَوْلِ أصْحابِ الكَهْفِ، ويَعْنُونَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ دِقْيانُوسَ عَبَدُوا الأصْنامَ (لَوْلا يَأْتُونَ -هَلّا يَأْتُونَ- عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ) بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، صفحة ٨٤ ومَعْنى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى عِبادَةِ الآلِهَةِ، ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ عَدَمَ البَيِّنَةِ بِعَدَمِ الدَّلائِلِ عَلى ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ ويَسْتَدِلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ عَلى عَدَمِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْها فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ طَرِيقَةٌ قَوِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يَعْنِي أنَّ الحُكْمَ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ظُلْمٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ وكَذِبٌ عَلَيْهِ، وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ.

الكهف 18:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن قَبْلُ جُمْلَةً مَن واقِعَتِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ أيْ عَلى وجْهِ الصِّدْقِ: ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ كانُوا جَماعَةً مِنَ الشُّبّانِ آمَنُوا بِاللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى في صِفاتِهِمْ: ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ألْهَمْناها الصَّبْرَ وثَبَّتْناها: ﴿إذْ قامُوا﴾ وفي هَذا القِيامِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا عُظَماءَ مَدِينَتِهِمْ فَخَرَجُوا فاجْتَمَعُوا وراءَ المَدِينَةِ مِن غَيْرِ مِيعادٍ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم أكْبَرُ القَوْمِ: إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا ما أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَجِدُهُ، قالُوا ما تَجِدُ ؟ قالَ: أجِدُ في نَفْسِي أنَّ رَبِّي رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم قامُوا بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِهِمْ دِقْيانُوسَ الجَبّارِ، وقالُوا: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الطَّواغِيتِ، فَثَبَّتَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ، وعَصَمَهم حَتّى عَصَوْا ذَلِكَ الجَبّارَ، وأقَرُّوا بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، وصَرَّحُوا بِالبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: -وهُوَ قَوْلُ عَطاءٍ ومُقاتِلٍ - أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ قِيامِهِمْ مِنَ النَّوْمِ، وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ اسْتَأْنَفَ قِصَّتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ مَعْنى الشَّطَطِ في اللُّغَةِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ قَدْ أشَطَّ في السَّوْمِ إذْ جاوَزَ الحَدَّ، ولَمْ يُسْمَعْ إلّا أشَطَّ يُشِطُّ إشْطاطًا وشَطَطًا، وحَكى الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ إذا جاوَزَ الحَدَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ (ص: ٢٢) وأصْلُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: شَطَّتِ الدّارُ إذا بَعُدَتْ، فالشَّطَطُ البُعْدُ عَنِ الحَقِّ، وهو هَهُنا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى لَقَدْ قُلْنا إذًا قَوْلًا شَطَطًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ هَذا مِن قَوْلِ أصْحابِ الكَهْفِ، ويَعْنُونَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ دِقْيانُوسَ عَبَدُوا الأصْنامَ (لَوْلا يَأْتُونَ -هَلّا يَأْتُونَ- عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ) بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، صفحة ٨٤ ومَعْنى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى عِبادَةِ الآلِهَةِ، ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ عَدَمَ البَيِّنَةِ بِعَدَمِ الدَّلائِلِ عَلى ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ ويَسْتَدِلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ عَلى عَدَمِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْها فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ طَرِيقَةٌ قَوِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يَعْنِي أنَّ الحُكْمَ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ظُلْمٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ وكَذِبٌ عَلَيْهِ، وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ.

الكهف 18:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرفَقًا﴾ ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ واعْتَزَلْتُمُ الشَّيْءَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ إلّا اللَّهَ فَإنَّكم لَمْ تَعْتَزِلُوا عِبادَةَ اللَّهِ: ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو جَوابُ إذْ، كَما تَقُولُ: إذْ فَعَلْتَ كَذا فافْعَلْ كَذا، ومَعْناهُ: اذْهَبُوا إلَيْهِ واجْعَلُوهُ مَأْواكم: ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يَبْسُطُها عَلَيْكم: ﴿ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرفَقًا﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ مَرْفِقًا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، والباقُونَ مِرْفَقًا بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ واشْتِقاقُهُما مِنَ الِارْتِفاقِ، وكانَ الكِسائِيُّ يُنْكِرُ في مِرْفَقِ الإنْسانِ الَّذِي في اليَدِ إلّا كَسْرَ المِيمِ وفَتْحَ الفاءِ، والفَرّاءُ يُجِيزُهُ في الأمْرِ وفي اليَدِ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ إلّا أنَّ الفَتْحَ أقْيَسُ والكَسْرَ أكْثَرُ، وقِيلَ: المِرْفَقُ ما ارْتَفَقْتَ بِهِ، والمَرْفِقُ بِالفَتْحِ المُرافِقُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ تَزْوَرُّ ساكِنَةَ الزّايِ المُعْجَمَةِ مُشَدَّدَةَ الرّاءِ مِثْلَ تَحْمَرُّ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تَزاوَرُ بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ، والباقُونَ تَزّاوَرُ بِالتَّشْدِيدِ والألِفِ، والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، والتَّزاوُرُ هو المَيْلُ والِانْحِرافُ، ومِنهُ زارَهُ إذا مالَ إلَيْهِ والزُّورُ المَيْلُ عَنِ الصِّدْقِ، وأمّا التَّشْدِيدُ فَأصْلُهُ تَتَزاوَرُ سَكَنَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ، وأُدْغِمَتْ في الزّايِ، وأمّا التَّخْفِيفُ فَهو تَفاعَلَ مِنَ الزَّوْرِ وأمّا تَزْوَرُّ فَهو مِنَ الِازْوِرارِ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ أيْ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ تَرى الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِها تَمِيلُ عَنْ كَهْفِهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن خُوطِبَ بِهَذا يَرى هَذا المَعْنى ولَكِنَّ العادَةَ في المُخاطَبَةِ تَكُونُ عَلى هَذا النَّحْوِ، ومَعْناهُ: أنَّكَ لَوْ رَأيْتَهُ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ أيْ جِهَةَ اليَمِينِ وأصْلُهُ أنَّ ذاتَ صِفَةٌ أُقِيمَتْ مُقامَ المَوْصُوفِ، لِأنَّها صفحة ٨٥ تَأْنِيثُ ”ذُو“ في قَوْلِهِمْ: رَجُلُ ذُو مالٍ، وامْرَأةٌ ذاتُ مالٍ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قِيلَ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ جِهَةَ ذاتَ اليَمِينِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: قَرَضْتُ المَكانَ أيْ عَدَلْتُ عَنْهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَرْضُ في أشْياءَ فَمِنها القَطْعُ، وكَذَلِكَ السَّيْرُ في البِلادِ أيْ إذا قَطَعَها. تَقُولُ لِصاحِبِكَ: هَلْ ورَدْتَ مَكانَ كَذا ؟ فَيَقُولُ المُجِيبُ: إنَّما قَرَضْتُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ تَعْدِلُ عَنْ سَمْتِ رُءُوسِهِمْ إلى جِهَةِ الشِّمالِ. البَحْثُ الثّانِي: لِلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ بابَ ذَلِكَ الكَهْفِ كانَ مَفْتُوحًا إلى جانِبِ الشِّمالِ، فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ كانَتْ عَلى يَمِينِ الكَهْفِ، وإذا غَرَبَتْ كانَتْ عَلى شِمالِهِ، فَضَوْءُ الشَّمْسِ ما كانَ يَصِلُ إلى داخِلِ الكَهْفِ، وكانَ الهَواءُ الطَّيِّبُ والنَّسِيمُ المُوافِقُ يَصِلُ، والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى صانَ أصْحابَ الكَهْفِ مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ ضَوْءُ الشَّمْسِ، وإلّا لَفَسَدَتْ أجْسامُهم فَهي مَصُونَةٌ عَنِ العُفُونَةِ والفَسادِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ، وإنَّما المُرادُ أنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ مَنَعَ اللَّهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنَ الوُقُوعِ، وكَذا القَوْلُ حالَ غُرُوبِها، وكانَ ذَلِكَ فِعْلًا خارِقًا لِلْعادَةِ وكَرامَةً عَظِيمَةً خَصَّ اللَّهُ بِها أصْحابَ الكَهْفِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ قالَ: ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ أصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ لَكانَ ذَلِكَ أمْرًا مُعْتادًا مَأْلُوفًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ، وأمّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي كانَ ذَلِكَ كَرامَةً عَجِيبَةً، فَكانَتْ مِن آياتِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ يَنالُهم فِيهِ بَرْدُ الرِّيحِ ونَسِيمُ الهَواءِ، قالَ: ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ الكَهْفِ، والفَجْوَةُ مُتَّسَعٌ في مَكانٍ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَمْعُها فَجَواتٌ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «”فَإذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ“»، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ يَمْنَعُ وُصُولَ ضَوْءِ الشَّمْسِ بِقُدْرَتِهِ، قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ذَلِكَ أيْ ذَلِكَ التَّزاوُرُ والمَيْلُ، والَّذِينَ لَمْ يَقُولُوا بِهِ، قالُوا: المُرادُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أيْ ذَلِكَ الحِفْظُ الَّذِي حَفِظَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ الغارِ تِلْكَ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى عَجائِبِ قُدْرَتِهِ وبَدائِعِ حِكْمَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَما أنَّ بَقاءَهم هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ مَصُونًا عَنِ المَوْتِ والهَلاكِ مِن تَدْبِيراتِهِ ولُطْفِهِ وكَرَمِهِ، فَكَذَلِكَ رُجُوعُهم أوَّلًا عَنِ الكُفْرِ ورَغْبَتُهم في الإيمانِ كانَ بِإعانَةِ اللَّهِ ولُطْفِهِ، فَقالَ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ مِثْلُ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ كَدِقْيانُوسَ الكافِرِ وأصْحابِهِ، ومُناظَراتُ أهْلِ الجَبْرِ والقَدَرِ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْلُومَةٌ.

الكهف 18:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرفَقًا﴾ ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ واعْتَزَلْتُمُ الشَّيْءَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ إلّا اللَّهَ فَإنَّكم لَمْ تَعْتَزِلُوا عِبادَةَ اللَّهِ: ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو جَوابُ إذْ، كَما تَقُولُ: إذْ فَعَلْتَ كَذا فافْعَلْ كَذا، ومَعْناهُ: اذْهَبُوا إلَيْهِ واجْعَلُوهُ مَأْواكم: ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يَبْسُطُها عَلَيْكم: ﴿ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرفَقًا﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ مَرْفِقًا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، والباقُونَ مِرْفَقًا بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ واشْتِقاقُهُما مِنَ الِارْتِفاقِ، وكانَ الكِسائِيُّ يُنْكِرُ في مِرْفَقِ الإنْسانِ الَّذِي في اليَدِ إلّا كَسْرَ المِيمِ وفَتْحَ الفاءِ، والفَرّاءُ يُجِيزُهُ في الأمْرِ وفي اليَدِ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ إلّا أنَّ الفَتْحَ أقْيَسُ والكَسْرَ أكْثَرُ، وقِيلَ: المِرْفَقُ ما ارْتَفَقْتَ بِهِ، والمَرْفِقُ بِالفَتْحِ المُرافِقُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ تَزْوَرُّ ساكِنَةَ الزّايِ المُعْجَمَةِ مُشَدَّدَةَ الرّاءِ مِثْلَ تَحْمَرُّ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تَزاوَرُ بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ، والباقُونَ تَزّاوَرُ بِالتَّشْدِيدِ والألِفِ، والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، والتَّزاوُرُ هو المَيْلُ والِانْحِرافُ، ومِنهُ زارَهُ إذا مالَ إلَيْهِ والزُّورُ المَيْلُ عَنِ الصِّدْقِ، وأمّا التَّشْدِيدُ فَأصْلُهُ تَتَزاوَرُ سَكَنَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ، وأُدْغِمَتْ في الزّايِ، وأمّا التَّخْفِيفُ فَهو تَفاعَلَ مِنَ الزَّوْرِ وأمّا تَزْوَرُّ فَهو مِنَ الِازْوِرارِ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ أيْ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ تَرى الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِها تَمِيلُ عَنْ كَهْفِهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن خُوطِبَ بِهَذا يَرى هَذا المَعْنى ولَكِنَّ العادَةَ في المُخاطَبَةِ تَكُونُ عَلى هَذا النَّحْوِ، ومَعْناهُ: أنَّكَ لَوْ رَأيْتَهُ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ أيْ جِهَةَ اليَمِينِ وأصْلُهُ أنَّ ذاتَ صِفَةٌ أُقِيمَتْ مُقامَ المَوْصُوفِ، لِأنَّها صفحة ٨٥ تَأْنِيثُ ”ذُو“ في قَوْلِهِمْ: رَجُلُ ذُو مالٍ، وامْرَأةٌ ذاتُ مالٍ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قِيلَ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ جِهَةَ ذاتَ اليَمِينِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: قَرَضْتُ المَكانَ أيْ عَدَلْتُ عَنْهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَرْضُ في أشْياءَ فَمِنها القَطْعُ، وكَذَلِكَ السَّيْرُ في البِلادِ أيْ إذا قَطَعَها. تَقُولُ لِصاحِبِكَ: هَلْ ورَدْتَ مَكانَ كَذا ؟ فَيَقُولُ المُجِيبُ: إنَّما قَرَضْتُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ تَعْدِلُ عَنْ سَمْتِ رُءُوسِهِمْ إلى جِهَةِ الشِّمالِ. البَحْثُ الثّانِي: لِلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ بابَ ذَلِكَ الكَهْفِ كانَ مَفْتُوحًا إلى جانِبِ الشِّمالِ، فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ كانَتْ عَلى يَمِينِ الكَهْفِ، وإذا غَرَبَتْ كانَتْ عَلى شِمالِهِ، فَضَوْءُ الشَّمْسِ ما كانَ يَصِلُ إلى داخِلِ الكَهْفِ، وكانَ الهَواءُ الطَّيِّبُ والنَّسِيمُ المُوافِقُ يَصِلُ، والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى صانَ أصْحابَ الكَهْفِ مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ ضَوْءُ الشَّمْسِ، وإلّا لَفَسَدَتْ أجْسامُهم فَهي مَصُونَةٌ عَنِ العُفُونَةِ والفَسادِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ، وإنَّما المُرادُ أنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ مَنَعَ اللَّهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنَ الوُقُوعِ، وكَذا القَوْلُ حالَ غُرُوبِها، وكانَ ذَلِكَ فِعْلًا خارِقًا لِلْعادَةِ وكَرامَةً عَظِيمَةً خَصَّ اللَّهُ بِها أصْحابَ الكَهْفِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ قالَ: ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ أصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ لَكانَ ذَلِكَ أمْرًا مُعْتادًا مَأْلُوفًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ، وأمّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي كانَ ذَلِكَ كَرامَةً عَجِيبَةً، فَكانَتْ مِن آياتِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ يَنالُهم فِيهِ بَرْدُ الرِّيحِ ونَسِيمُ الهَواءِ، قالَ: ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ الكَهْفِ، والفَجْوَةُ مُتَّسَعٌ في مَكانٍ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَمْعُها فَجَواتٌ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «”فَإذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ“»، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ يَمْنَعُ وُصُولَ ضَوْءِ الشَّمْسِ بِقُدْرَتِهِ، قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ذَلِكَ أيْ ذَلِكَ التَّزاوُرُ والمَيْلُ، والَّذِينَ لَمْ يَقُولُوا بِهِ، قالُوا: المُرادُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أيْ ذَلِكَ الحِفْظُ الَّذِي حَفِظَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ الغارِ تِلْكَ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى عَجائِبِ قُدْرَتِهِ وبَدائِعِ حِكْمَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَما أنَّ بَقاءَهم هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ مَصُونًا عَنِ المَوْتِ والهَلاكِ مِن تَدْبِيراتِهِ ولُطْفِهِ وكَرَمِهِ، فَكَذَلِكَ رُجُوعُهم أوَّلًا عَنِ الكُفْرِ ورَغْبَتُهم في الإيمانِ كانَ بِإعانَةِ اللَّهِ ولُطْفِهِ، فَقالَ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ مِثْلُ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ كَدِقْيانُوسَ الكافِرِ وأصْحابِهِ، ومُناظَراتُ أهْلِ الجَبْرِ والقَدَرِ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْلُومَةٌ.

الكهف 18:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وتَحْسَبُهُمْ﴾ عَلى ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ أيْ لَوْ رَأيْتَهم لِحَسِبْتَهم ﴿أيْقاظًا﴾ وهو جَمْعُ يَقِظٍ ويَقْظانَ، قالَهُ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ، وأنْشَدُوا لِرُؤْبَةَ: ووَجَدُوا إخْوانَهم أيْقاظًا صفحة ٨٦ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: نَجْدٌ ونُجْدانٌ وأنْجادٌ، وهم رُقُودٌ أيْ نائِمُونَ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ المَفْعُولُ بِهِ، كَما يُقالُ: قَوْمٌ رُكُوعٌ وقُعُودٌ وسُجُودٌ يُوصَفُ الجَمْعُ بِالمَصْدَرِ، ومَن قالَ: إنَّهُ جَمْعُ راقِدٍ، فَقَدْ أبْعَدَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُجْمَعْ فاعِلٌ عَلى فُعُولٍ، قالَ الواحِدِيُّ: وإنَّما يُحْسَبُونَ ﴿أيْقاظًا﴾ لِأنَّ أعْيُنَهم مُفَتَّحَةٌ، وهم نِيامٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ يُظَنُّ أنَّهم أيْقاظٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ واخْتَلَفُوا في مِقْدارِ مُدَّةِ التَّقْلِيبِ، فَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ لَهم في كُلِّ عامٍ تَقْلِيبَتَيْنِ، وعَنْ مُجاهِدٍ يَمْكُثُونَ عَلى أيْمانِهِمْ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُقْلَبُونَ عَلى شَمائِلِهِمْ، فَيَمْكُثُونَ رُقُودًا تِسْعَ سِنِينَ، وقِيلَ: لَهم تَقْلِيبَةٌ واحِدَةٌ في يَوْمِ عاشُوراءَ، وأقُولُ: هَذِهِ التَّقْدِيراتُ لا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلَيْها، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وما جاءَ فِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: فائِدَةُ تَقْلِيبِهِمْ لِئَلّا تَأْكُلَ الأرْضُ لُحُومَهم ولا تُبْلِيَهم. وأقُولُ: هَذا عَجِيبٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ حَياتَهم مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وأكْثَرَ، فَلِمَ لا يَقْدِرُ عَلى حِفْظِ أجْسادِهِمْ أيْضًا مِن غَيْرِ تَقْلِيبٍ ؟ . وقَوْلُهُ: ﴿ذاتَ﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿ونُقَلِّبُهُمْ﴾ في ناحِيَةِ ﴿اليَمِينِ﴾ أوْ عَلى ناحِيَةِ ﴿اليَمِينِ﴾ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: إنَّهم هَرَبُوا لَيْلًا مِن مَلِكِهِمْ، فَمَرُّوا بِراعٍ مَعَهُ كَلْبٌ فَتَبِعَهم عَلى دِينِهِمْ ومَعَهُ كَلْبُهُ، وقالَ كَعْبٌ: مَرُّوا بِكَلْبٍ، فَنَبَحَ عَلَيْهِمْ فَطَرَدُوهُ، فَعادَ فَفَعَلُوا مِرارًا، فَقالَ لَهُمُ الكَلْبُ: ما تُرِيدُونَ مِنِّي لا تَخْشَوْا جانِبِي، أنا أُحِبُّ أحِبّاءَ اللَّهِ فَنامُوا حَتّى أحْرُسَكم، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كانَ ذَلِكَ كَلْبَ صَيْدِهِمْ، ومَعْنى: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ أيْ يُلْقِيهِما عَلى الأرْضِ مَبْسُوطَتَيْنِ غَيْرَ مَقْبُوضَتَيْنِ، ومِنهُ الحَدِيثُ في الصَّلاةِ: «”أنَّهُ نَهى عَنِ افْتِراشِ السَّبُعِ“» وقالَ: «”لا تَفْتَرِشْ ذِراعَيْكَ افْتِراشَ السَّبُعِ“» قَوْلُهُ: ﴿بِالوَصِيدِ﴾ يَعْنِي فِناءَ الكَهْفِ، قالَ الزَّجّاجُ: الوَصِيدُ فِناءُ البَيْتِ وفِناءُ الدّارِ، وجَمْعُهُ وصائِدُ ووُصُدٌ، وقالَ يُونُسُ والأخْفَشُ والفَرّاءُ: الوَصِيدُ والأصِيدُ لُغَتانِ مِثْلَ الوِكافِ والإكافِ، وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿بِالوَصِيدِ﴾ البابُ، والكَهْفُ لا يَكُونُ لَهُ بابٌ ولا عَتَبَةٌ، وإنَّما أرادَ أنَّ الكَلْبَ مِنهُ بِمَوْضِعِ العَتَبَةِ مِنَ البَيْتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ أشْرَفْتَ عَلَيْهِمْ، يُقالُ: اطَّلَعْتُ عَلَيْهِمْ أيْ أشْرَفْتُ عَلَيْهِمْ، ويُقالُ: أطْلَعْتُ فُلانًا عَلى الشَّيْءِ فاطَّلَعَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ قَوْلُهُ: ﴿فِرارًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى ولَّيْتَ مِنهم فَرَرْتَ: ﴿ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ أيْ فَزَعًا وخَوْفًا، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: طالَتْ شُعُورُهم وأظْفارُهم وبَقِيَتْ أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً وهم نِيامٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَوْ رَآهُمُ الرّائِي لَهَرَبَ مِنهم مَرْعُوبًا، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى جَعَلَهم بِحَيْثُ كُلُّ مَن رَآهم فَزِعَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَأمّا تَفْصِيلُ سَبَبِ الرُّعْبِ فاللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، وهَذا هو الأصَحُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ لَمُلِّئْتَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ والهَمْزَةِ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِ اللّامِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى واحِدٌ إلّا أنَّ في التَّشْدِيدِ مُبالَغَةً، قالَ الأخْفَشُ: الخَفِيفَةُ أجْوَدُ في كَلامِ العَرَبِ، يُقالُ: مَلَأْتَنِي رُعْبًا، ولا يَكادُونَ يَعْرِفُونَ مَلَّأْتَنِي، ويَدُلُّ عَلى هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالِهِمْ كَقَوْلِهِ: فَيَمْلَأُ بَيْتَنا أقِطًا وسَمْنًا صفحة ٨٧ وقَوْلِ الآخَرِ: ومِن مالِئٍ عَيْنَيْهِ مِن شَيْءِ غَيْرِهِ ∗∗∗ إذا راحَ نَحْوَ الجَمْرَةِ البِيضِ كالدُّمى وقالَ الآخَرُ: لا تَمْلَأِ الدَّلْوَ وعَرْقٌ فِيها وقالَ الآخَرُ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي وقَدْ جاءَ التَّثْقِيلُ أيْضًا، وأنْشَدُوا لِلْمُخَبَّلِ السَّعْدِيِّ: وإذا قَتَلَ النُّعْمانُ بِالنّاسِ مُحْرِمًا ∗∗∗ فَمُلِّأ مِن عَوْفِ بْنِ كَعْبٍ سَلاسِلُهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ رُعْبًا بِضَمِّ العَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالإسْكانِ.

الكهف 18:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: وكَما زِدْناهم هُدًى: ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ وأنَمْناهم وأبْقَيْناهم أحْياءً لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ونُقَلِّبُهم، فَكَذَلِكَ بَعَثْناهم أيْ أحْيَيْناهم مِن تِلْكَ النَّوْمَةِ الَّتِي تُشْبِهُ المَوْتَ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم تَساؤُلَ تَنازُعٍ واخْتِلافٍ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن بَعْثِهِمْ أنْ يَتَساءَلُوا ويَتَنازَعُوا ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم إذا تَساءَلُوا انْكَشَفَ لَهم مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أُمُورٌ عَجِيبَةٌ وأحْوالٌ غَرِيبَةٌ، وذَلِكَ الِانْكِشافُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ لِذاتِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ كَمْ مِقْدارُ لُبْثِنا في هَذا الكَهْفِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً وبَعَثَهُمُ اللَّهُ في آخِرِ النَّهارِ؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: لَبِثْنا يَوْمًا فَلَمّا رَأوُا الشَّمْسَ باقِيَةً، قالُوا: أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَئِيسُهم يَمْلِيخا رَدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمّا نَظَرَ إلى أشْعارِهِمْ وأظْفارِهِمْ وبَشَرَةِ وُجُوهِهِمْ رَأى فِيها آثارَ التَّغَيُّرِ الشَّدِيدِ، فَعَلِمَ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ لا يَحْصُلُ إلّا في الأيّامِ صفحة ٨٨ الطَّوِيلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِوَرْقِكم ساكِنَةَ الرّاءِ مَفْتُوحَةَ الواوِ، ومِنهم مَن قَرَأها مَكْسُورَةَ الواوِ ساكِنَةَ الرّاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِوَرِقِكم بِكَسْرِ الرّاءِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ كَسَرَ الواوَ، وأسْكَنَ الرّاءَ، وأدْغَمَ القافَ في الكافِ، وهَذا غَيْرُ جائِزٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى هَذِهِ، والوَرِقُ اسْمٌ لِلْفِضَّةِ سَواءٌ كانَتْ مَضْرُوبَةً أمْ لا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّ عَرْفَجَةَ اتَّخَذَ أنْفًا مِن ورِقٍ، وفِيهِ لُغاتٌ: ورِقٌّ ووَرْقٌ ووِرْقٌ مِثْلَ كَبِدٍ وكَبْدٍ وكِبْدٍ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، قالَ الفَرّاءُ: وكَسْرُ الواوِ أرْدَؤُها، ويُقالُ أيْضًا لِلْوَرِقِ: الرِّقَّةُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: أصْلُهُ: ورِقٌ مِثْلَ صِلَةٍ وعِدَةٍ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ مَعَهم دَراهِمُ عَلَيْها صُورَةُ المَلِكِ الَّذِي كانَ في زَمانِهِمْ، يَعْنِي بِالمَدِينَةِ الَّتِي يُقالُ لَها اليَوْمَ: طَرَسُوسُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّعْيَ في إمْساكِ الزّادِ أمْرٌ مُهِمٌّ مَشْرُوعٌ؛ وأنَّهُ لا يُبْطِلُ التَّوَكُّلَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما حَلَّ مِنَ الذَّبائِحِ؛ لِأنَّ عامَّةَ أهْلِ بَلَدِهِمْ كانُوا مَجُوسًا، وفِيهِمْ قَوْمٌ يُخْفُونَ إيمانَهم، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مَلِكُهم ظالِمًا، فَقَوْلُهم: ﴿أزْكى طَعامًا﴾ يُرِيدُونَ أيُّها أبْعَدُ عَنِ الغَصْبِ، وقِيلَ: أيُّها أطْيَبُ وألَذُّ، وقِيلَ: أيُّها أرْخَصُ، قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أيُّها﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿أزْكى﴾ خَبَرُهُ و﴿طَعامًا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَتَلَطَّفْ﴾ أيْ يَكُونُ ذَلِكَ في سِرٍّ وكِتْمانٍ يَعْنِي دُخُولَ المَدِينَةِ وشِراءَ الطَّعامِ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ أيْ لا يُخْبِرَنَّ بِمَكانِكم أحَدًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطَّلِعُوا ويُشْرِفُوا عَلى مَكانِكم أوْ عَلى أنْفُسِكم مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتَهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتَ فَوْقَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (الصَّفِّ: ١٤) أيْ عالِينَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٣) أيْ لِيُعْلِيَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يَقْتُلُوكم، والرَّجْمُ بِمَعْنى القَتْلِ كَثِيرٌ في التَّنْزِيلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ (هُودٍ: ٩١) وقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ (الدُّخانِ: ٢٠) وأصْلُهُ الرَّمْيُ، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ، والرَّجْمُ أخْبَثُ أنْواعِ القَتْلِ: ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ أيْ يَرُدُّوكم إلى دِينِهِمْ ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ أيْ إذا رَجَعْتُمْ إلى دِينِهِمْ لَنْ تَسْعَدُوا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿إذًا أبَدًا﴾ يَدُلُّ عَلى الشَّرْطِ؛ أيْ ولَنْ تُفْلِحُوا إنْ رَجَعْتُمْ إلى مِلَّتِهِمْ أبَدًا، قالَ القاضِي: ما عَلى المُؤْمِنِ الفارِّ بِدِينِهِ أعْظَمُ مِن هَذَيْنِ، فَأحَدُهُما فِيهِ هَلاكُ النَّفْسِ وهو الرَّجْمُ الَّذِي هو أخْبَثُ أنْواعِ القَتْلِ، والآخَرُ هَلاكُ الدِّينِ بِأنْ يُرَدُّوا إلى الكُفْرِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهم لَوْ أُكْرِهُوا عَلى الكُفْرِ حَتّى إنَّهم أظْهَرُوا الكُفْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَضَرَّةٌ، فَكَيْفَ قالُوا: ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لَوْ رَدُّوا هَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ بَقُوا مُظْهِرِينَ لِذَلِكَ الكُفْرِ مُدَّةً، فَإنَّهُ يَمِيلُ قَلْبُهم إلى ذَلِكَ الكُفْرِ ويَصِيرُونَ كافِرِينَ في الحَقِيقَةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ قائِمٌ فَكانَ خَوْفُهم مِنهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الكهف 18:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: وكَما زِدْناهم هُدًى: ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ وأنَمْناهم وأبْقَيْناهم أحْياءً لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ونُقَلِّبُهم، فَكَذَلِكَ بَعَثْناهم أيْ أحْيَيْناهم مِن تِلْكَ النَّوْمَةِ الَّتِي تُشْبِهُ المَوْتَ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم تَساؤُلَ تَنازُعٍ واخْتِلافٍ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن بَعْثِهِمْ أنْ يَتَساءَلُوا ويَتَنازَعُوا ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم إذا تَساءَلُوا انْكَشَفَ لَهم مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أُمُورٌ عَجِيبَةٌ وأحْوالٌ غَرِيبَةٌ، وذَلِكَ الِانْكِشافُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ لِذاتِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ كَمْ مِقْدارُ لُبْثِنا في هَذا الكَهْفِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً وبَعَثَهُمُ اللَّهُ في آخِرِ النَّهارِ؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: لَبِثْنا يَوْمًا فَلَمّا رَأوُا الشَّمْسَ باقِيَةً، قالُوا: أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَئِيسُهم يَمْلِيخا رَدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمّا نَظَرَ إلى أشْعارِهِمْ وأظْفارِهِمْ وبَشَرَةِ وُجُوهِهِمْ رَأى فِيها آثارَ التَّغَيُّرِ الشَّدِيدِ، فَعَلِمَ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ لا يَحْصُلُ إلّا في الأيّامِ صفحة ٨٨ الطَّوِيلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِوَرْقِكم ساكِنَةَ الرّاءِ مَفْتُوحَةَ الواوِ، ومِنهم مَن قَرَأها مَكْسُورَةَ الواوِ ساكِنَةَ الرّاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِوَرِقِكم بِكَسْرِ الرّاءِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ كَسَرَ الواوَ، وأسْكَنَ الرّاءَ، وأدْغَمَ القافَ في الكافِ، وهَذا غَيْرُ جائِزٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى هَذِهِ، والوَرِقُ اسْمٌ لِلْفِضَّةِ سَواءٌ كانَتْ مَضْرُوبَةً أمْ لا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّ عَرْفَجَةَ اتَّخَذَ أنْفًا مِن ورِقٍ، وفِيهِ لُغاتٌ: ورِقٌّ ووَرْقٌ ووِرْقٌ مِثْلَ كَبِدٍ وكَبْدٍ وكِبْدٍ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، قالَ الفَرّاءُ: وكَسْرُ الواوِ أرْدَؤُها، ويُقالُ أيْضًا لِلْوَرِقِ: الرِّقَّةُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: أصْلُهُ: ورِقٌ مِثْلَ صِلَةٍ وعِدَةٍ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ مَعَهم دَراهِمُ عَلَيْها صُورَةُ المَلِكِ الَّذِي كانَ في زَمانِهِمْ، يَعْنِي بِالمَدِينَةِ الَّتِي يُقالُ لَها اليَوْمَ: طَرَسُوسُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّعْيَ في إمْساكِ الزّادِ أمْرٌ مُهِمٌّ مَشْرُوعٌ؛ وأنَّهُ لا يُبْطِلُ التَّوَكُّلَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما حَلَّ مِنَ الذَّبائِحِ؛ لِأنَّ عامَّةَ أهْلِ بَلَدِهِمْ كانُوا مَجُوسًا، وفِيهِمْ قَوْمٌ يُخْفُونَ إيمانَهم، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مَلِكُهم ظالِمًا، فَقَوْلُهم: ﴿أزْكى طَعامًا﴾ يُرِيدُونَ أيُّها أبْعَدُ عَنِ الغَصْبِ، وقِيلَ: أيُّها أطْيَبُ وألَذُّ، وقِيلَ: أيُّها أرْخَصُ، قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أيُّها﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿أزْكى﴾ خَبَرُهُ و﴿طَعامًا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَتَلَطَّفْ﴾ أيْ يَكُونُ ذَلِكَ في سِرٍّ وكِتْمانٍ يَعْنِي دُخُولَ المَدِينَةِ وشِراءَ الطَّعامِ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ أيْ لا يُخْبِرَنَّ بِمَكانِكم أحَدًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطَّلِعُوا ويُشْرِفُوا عَلى مَكانِكم أوْ عَلى أنْفُسِكم مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتَهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتَ فَوْقَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (الصَّفِّ: ١٤) أيْ عالِينَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٣) أيْ لِيُعْلِيَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يَقْتُلُوكم، والرَّجْمُ بِمَعْنى القَتْلِ كَثِيرٌ في التَّنْزِيلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ (هُودٍ: ٩١) وقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ (الدُّخانِ: ٢٠) وأصْلُهُ الرَّمْيُ، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ، والرَّجْمُ أخْبَثُ أنْواعِ القَتْلِ: ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ أيْ يَرُدُّوكم إلى دِينِهِمْ ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ أيْ إذا رَجَعْتُمْ إلى دِينِهِمْ لَنْ تَسْعَدُوا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿إذًا أبَدًا﴾ يَدُلُّ عَلى الشَّرْطِ؛ أيْ ولَنْ تُفْلِحُوا إنْ رَجَعْتُمْ إلى مِلَّتِهِمْ أبَدًا، قالَ القاضِي: ما عَلى المُؤْمِنِ الفارِّ بِدِينِهِ أعْظَمُ مِن هَذَيْنِ، فَأحَدُهُما فِيهِ هَلاكُ النَّفْسِ وهو الرَّجْمُ الَّذِي هو أخْبَثُ أنْواعِ القَتْلِ، والآخَرُ هَلاكُ الدِّينِ بِأنْ يُرَدُّوا إلى الكُفْرِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهم لَوْ أُكْرِهُوا عَلى الكُفْرِ حَتّى إنَّهم أظْهَرُوا الكُفْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَضَرَّةٌ، فَكَيْفَ قالُوا: ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لَوْ رَدُّوا هَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ بَقُوا مُظْهِرِينَ لِذَلِكَ الكُفْرِ مُدَّةً، فَإنَّهُ يَمِيلُ قَلْبُهم إلى ذَلِكَ الكُفْرِ ويَصِيرُونَ كافِرِينَ في الحَقِيقَةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ قائِمٌ فَكانَ خَوْفُهم مِنهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الكهف 18:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: وكَما زِدْناهم هُدًى: ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ وأنَمْناهم وأبْقَيْناهم أحْياءً لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ونُقَلِّبُهم، فَكَذَلِكَ بَعَثْناهم أيْ أحْيَيْناهم مِن تِلْكَ النَّوْمَةِ الَّتِي تُشْبِهُ المَوْتَ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم تَساؤُلَ تَنازُعٍ واخْتِلافٍ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن بَعْثِهِمْ أنْ يَتَساءَلُوا ويَتَنازَعُوا ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم إذا تَساءَلُوا انْكَشَفَ لَهم مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أُمُورٌ عَجِيبَةٌ وأحْوالٌ غَرِيبَةٌ، وذَلِكَ الِانْكِشافُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ لِذاتِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ كَمْ مِقْدارُ لُبْثِنا في هَذا الكَهْفِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً وبَعَثَهُمُ اللَّهُ في آخِرِ النَّهارِ؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: لَبِثْنا يَوْمًا فَلَمّا رَأوُا الشَّمْسَ باقِيَةً، قالُوا: أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَئِيسُهم يَمْلِيخا رَدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمّا نَظَرَ إلى أشْعارِهِمْ وأظْفارِهِمْ وبَشَرَةِ وُجُوهِهِمْ رَأى فِيها آثارَ التَّغَيُّرِ الشَّدِيدِ، فَعَلِمَ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ لا يَحْصُلُ إلّا في الأيّامِ صفحة ٨٨ الطَّوِيلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِوَرْقِكم ساكِنَةَ الرّاءِ مَفْتُوحَةَ الواوِ، ومِنهم مَن قَرَأها مَكْسُورَةَ الواوِ ساكِنَةَ الرّاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِوَرِقِكم بِكَسْرِ الرّاءِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ كَسَرَ الواوَ، وأسْكَنَ الرّاءَ، وأدْغَمَ القافَ في الكافِ، وهَذا غَيْرُ جائِزٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى هَذِهِ، والوَرِقُ اسْمٌ لِلْفِضَّةِ سَواءٌ كانَتْ مَضْرُوبَةً أمْ لا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّ عَرْفَجَةَ اتَّخَذَ أنْفًا مِن ورِقٍ، وفِيهِ لُغاتٌ: ورِقٌّ ووَرْقٌ ووِرْقٌ مِثْلَ كَبِدٍ وكَبْدٍ وكِبْدٍ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، قالَ الفَرّاءُ: وكَسْرُ الواوِ أرْدَؤُها، ويُقالُ أيْضًا لِلْوَرِقِ: الرِّقَّةُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: أصْلُهُ: ورِقٌ مِثْلَ صِلَةٍ وعِدَةٍ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ مَعَهم دَراهِمُ عَلَيْها صُورَةُ المَلِكِ الَّذِي كانَ في زَمانِهِمْ، يَعْنِي بِالمَدِينَةِ الَّتِي يُقالُ لَها اليَوْمَ: طَرَسُوسُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّعْيَ في إمْساكِ الزّادِ أمْرٌ مُهِمٌّ مَشْرُوعٌ؛ وأنَّهُ لا يُبْطِلُ التَّوَكُّلَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما حَلَّ مِنَ الذَّبائِحِ؛ لِأنَّ عامَّةَ أهْلِ بَلَدِهِمْ كانُوا مَجُوسًا، وفِيهِمْ قَوْمٌ يُخْفُونَ إيمانَهم، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مَلِكُهم ظالِمًا، فَقَوْلُهم: ﴿أزْكى طَعامًا﴾ يُرِيدُونَ أيُّها أبْعَدُ عَنِ الغَصْبِ، وقِيلَ: أيُّها أطْيَبُ وألَذُّ، وقِيلَ: أيُّها أرْخَصُ، قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أيُّها﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿أزْكى﴾ خَبَرُهُ و﴿طَعامًا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَتَلَطَّفْ﴾ أيْ يَكُونُ ذَلِكَ في سِرٍّ وكِتْمانٍ يَعْنِي دُخُولَ المَدِينَةِ وشِراءَ الطَّعامِ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ أيْ لا يُخْبِرَنَّ بِمَكانِكم أحَدًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطَّلِعُوا ويُشْرِفُوا عَلى مَكانِكم أوْ عَلى أنْفُسِكم مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتَهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتَ فَوْقَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (الصَّفِّ: ١٤) أيْ عالِينَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٣) أيْ لِيُعْلِيَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يَقْتُلُوكم، والرَّجْمُ بِمَعْنى القَتْلِ كَثِيرٌ في التَّنْزِيلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ (هُودٍ: ٩١) وقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ (الدُّخانِ: ٢٠) وأصْلُهُ الرَّمْيُ، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ، والرَّجْمُ أخْبَثُ أنْواعِ القَتْلِ: ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ أيْ يَرُدُّوكم إلى دِينِهِمْ ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ أيْ إذا رَجَعْتُمْ إلى دِينِهِمْ لَنْ تَسْعَدُوا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿إذًا أبَدًا﴾ يَدُلُّ عَلى الشَّرْطِ؛ أيْ ولَنْ تُفْلِحُوا إنْ رَجَعْتُمْ إلى مِلَّتِهِمْ أبَدًا، قالَ القاضِي: ما عَلى المُؤْمِنِ الفارِّ بِدِينِهِ أعْظَمُ مِن هَذَيْنِ، فَأحَدُهُما فِيهِ هَلاكُ النَّفْسِ وهو الرَّجْمُ الَّذِي هو أخْبَثُ أنْواعِ القَتْلِ، والآخَرُ هَلاكُ الدِّينِ بِأنْ يُرَدُّوا إلى الكُفْرِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهم لَوْ أُكْرِهُوا عَلى الكُفْرِ حَتّى إنَّهم أظْهَرُوا الكُفْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَضَرَّةٌ، فَكَيْفَ قالُوا: ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لَوْ رَدُّوا هَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ بَقُوا مُظْهِرِينَ لِذَلِكَ الكُفْرِ مُدَّةً، فَإنَّهُ يَمِيلُ قَلْبُهم إلى ذَلِكَ الكُفْرِ ويَصِيرُونَ كافِرِينَ في الحَقِيقَةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ قائِمٌ فَكانَ خَوْفُهم مِنهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الكهف 18:22

صفحة ٨٩ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَعْنى كَما زِدْناهم هُدًى ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ وأنَمْناهم وقَلَّبْناهم وبَعَثْناهم لِما فِيها مِنَ الحِكَمِ الظّاهِرَةِ، فَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ أيْ أطْلَعْنا غَيْرَهم عَلى أحْوالِهِمْ، يُقالُ: عَثَرْتُ عَلى كَذا أيْ عَلِمْتُهُ، وقالُوا: إنَّ أصْلَ هَذا أنَّ مَن كانَ غافِلًا عَنْ شَيْءٍ فَعَثَرَ بِهِ نَظَرَ إلَيْهِ فَعَرَفَهُ، فَكانَ العِثارُ سَبَبًا لِحُصُولِ العِلْمِ والتَّبَيُّنِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ عَرَفَ النّاسُ واقِعَةَ أصْحابِ الكَهْفِ عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ طالَتْ شُعُورُهم وأظْفارُهم طُولًا مُخالِفًا لِلْعادَةِ، وظَهَرَتْ في بَشَرَةِ وُجُوهِهِمْ آثارٌ عَجِيبَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُدَّتَهم قَدْ طالَتْ طُولًا خارِجًا عَنِ العادَةِ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمّا دَخَلَ إلى السُّوقِ لِيَشْتَرِيَ الطَّعامَ وأخْرَجَ الدَّراهِمَ لِثَمَنِ الطَّعامِ، قالَ صاحِبُ الطَّعامِ: هَذِهِ النُّقُودُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ في هَذا اليَوْمِ، وإنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ هَذا الوَقْتِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ودَهْرٍ داهِرٍ، فَلَعَلَّكَ وجَدْتَ كَنْزًا، واخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ، وحَمَلُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ إلى مَلِكِ البَلَدِ، فَقالَ المَلِكُ: مِن أيْنَ وجَدْتَ هَذِهِ الدَّراهِمَ ؟ فَقالَ: بِعْتُ بِها أمْسِ شَيْئًا مِنَ التَّمْرِ، وخَرَجْنا فِرارًا مِنَ المَلِكِ دِقْيانُوسَ، فَعَرَفَ ذَلِكَ المَلِكُ أنَّهُ ما وجَدَ كَنْزًا، وأنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يَعْنِي أنّا إنَّما أطْلَعْنا القَوْمَ عَلى أحْوالِهِمْ لِيَعْلَمَ القَوْمُ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ. رُوِيَ أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ مِمَّنْ يُنْكِرُ البَعْثَ إلّا أنَّهُ كانَ مَعَ كُفْرِهِ مُنْصِفًا، فَجَعَلَ اللَّهُ أمْرَ الفِتْيَةِ دَلِيلًا لِلْمَلِكِ، وقِيلَ: بَلِ اخْتَلَفَتِ الأُمَّةُ في ذَلِكَ الزَّمانِ فَقالَ بَعْضُهم: الجَسَدُ والرُّوحُ يُبْعَثانِ جَمِيعًا، وقالَ آخَرُونَ: الرُّوحُ تُبْعَثُ، وأمّا الجَسَدُ فَتَأْكُلُهُ الأرْضُ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَلِكَ كانَ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ أنْ يُظْهِرَ لَهُ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى ما هو الحَقُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أمْرِ أصْحابِ أهْلِ الكَهْفِ، فاسْتَدَلَّ ذَلِكَ المَلِكُ بِواقِعَتِهِمْ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ لِلْأجْسادِ؛ لِأنَّ انْتِباهَهم بَعْدَ ذَلِكَ النَّوْمِ الطَّوِيلِ يُشْبِهُ مَن يَمُوتُ ثُمَّ يُبْعَثُ فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأعْثَرْنا أيْ أعْثَرْناهم عَلَيْهِمْ حِينَ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا التَّنازُعِ، فَقِيلَ: كانُوا يَتَنازَعُونَ في صِحَّةِ البَعْثِ، فالقائِلُونَ بِهِ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الواقِعَةِ عَلى صِحَّتِهِ، وقالُوا كَما قَدِرَ اللَّهُ عَلى حِفْظِ أجْسادِهِمْ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ، فَكَذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى حَشْرِ الأجْسادِ بَعْدَ مَوْتِها، وقِيلَ: إنَّ المَلِكَ وقَوْمَهُ لَمّا رَأوْا أصْحابَ الكَهْفِ ووَقَفُوا عَلى أحْوالِهِمْ عادَ القَوْمُ إلى كَهْفِهِمْ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ. فَعِنْدَ هَذا اخْتَلَفَ النّاسُ: فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهم نِيامٌ كالكَرَّةِ الأُولى. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الآنَ ماتُوا. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ بَعْضَهم قالَ: الأوْلى أنْ يُسَدَّ بابُ الكَهْفِ لِئَلّا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ ولا يَقِفَ عَلى أحْوالِهِمْ إنْسانٌ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الأوْلى أنْ يُبْنى عَلى بابِ الكَهْفِ مَسْجِدٌ، وهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ مُعْتَرِفِينَ بِالعِبادَةِ والصَّلاةِ. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ قالُوا: إنَّهم كانُوا عَلى دِينِنا، فَنَتَّخِذُ عَلَيْهِمْ بُنْيانًا، والمُسْلِمُونَ قالُوا: كانُوا عَلى دِينِنا فَنَتَّخِذُ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا. والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّهم تَنازَعُوا في قَدْرِ مُكْثِهِمْ. والسّادِسُ: أنَّهم تَنازَعُوا في عَدَدِهِمْ وأسْمائِهِمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ وهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن كَلامِ المُتَنازِعِينَ كَأنَّهم لَمّا تَذاكَرُوا أمْرَهم وتَناقَلُوا الكَلامَ في أسْمائِهِمْ وأحْوالِهِمْ ومُدَّةِ لُبْثِهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَهْتَدُوا إلى حَقِيقَةِ ذَلِكَ، قالُوا: رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ. الثّانِي: أنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُهُ؛ رَدًّا لِلْخائِضِينَ في حَدِيثِهِمْ مِن صفحة ٩٠ أُولَئِكَ المُتَنازِعِينَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ﴾ قِيلَ المُرادُ بِهِ المَلِكُ المُسْلِمُ، وقِيلَ: أوْلِياءُ أصْحابِ الكَهْفِ، وقِيلَ: رُؤَساءُ البَلَدِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ نَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ ونَسْتَبْقِي آثارَ أصْحابِ الكَهْفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَسْجِدِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ عائِدٌ إلى المُتَنازِعِينَ. رُوِيَ أنَّ السَّيِّدَ والعاقِبَ وأصْحابَهُما مِن أهْلِ نَجْرانَ كانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَجَرى ذِكْرُ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ السَّيِّدُ وكانَ يَعْقُوبِيًّا: كانُوا ثَلاثَةً رابِعُهم كَلْبُهم، وقالَ العاقِبُ وكانَ نُسْطُورِيًّا: كانُوا خَمْسَةً سادِسُهم كَلْبُهم، وقالَ المُسْلِمُونَ: كانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهم، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هَذا الأخِيرُ هو الحَقُّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وثامِنُهُمْ﴾ هي الواوُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، كَما تَدْخُلُ عَلى الواقِعَةِ حالًا عَنِ المَعْرِفَةِ في نَحْوِ قَوْلِكَ: جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ، ومَرَرْتُ بِزَيْدٍ وفي يَدِهِ سَيْفٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ (الحِجْرِ: ٤) وفائِدَتُها تَوْكِيدُ ثُبُوتِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، فَكانَتْ هَذِهِ الواوُ دالَّةً عَلى صِدْقِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهم كانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهم، وأنَّهم قالُوا قَوْلًا مُتَقَرِّرًا مُتَحَقِّقًا عَنْ ثَباتٍ وعِلْمٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ. الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: إنَّهُ تَعالى خَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِهَذا الحَرْفِ الزّائِدِ، وهو الواوُ، فَوَجَبَ أنْ تَحْصُلَ بِهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ صَوْنًا لِلَّفْظِ عَنِ التَّعْطِيلِ، وكُلُّ مَن أثْبَتَ هَذِهِ الفائِدَةَ الزّائِدَةَ قالَ: المُرادُ مِنها تَخْصِيصُ هَذا القَوْلِ بِالإثْباتِ والتَّصْحِيحِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أتْبَعَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ وتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالوَصْفِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحالَ في الباقِي بِخِلافِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصُ بِالظَّنِّ الباطِلِ هو القَوْلانِ الأوَّلانِ، وأنْ يَكُونَ القَوْلُ الثّالِثُ مُخالِفًا لَهُما في كَوْنِهِما رَجْمًا بِالظَّنِّ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى قَوْلَهم: ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ فَإتْباعُ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِكَوْنِهِما رَجْمًا بِالغَيْبِ وإتْباعُ هَذا القَوْلِ الثّالِثِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ مُمْتازٌ عَنِ القَوْلَيْنِ الأوَّلِينَ بِمَزِيدِ القُوَّةِ والصِّحَّةِ. والوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ حَصَلَ العِلْمُ بِعِدَّتِهِمْ لِذَلِكَ القَلِيلِ، وكُلُّ مَن قالَ مِنَ المُسْلِمِينَ قَوْلًا في هَذا البابِ قالُوا: إنَّهم كانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهم، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ القَلِيلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ، كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: كانُوا سَبْعَةً وأسْماؤُهم هَذا: يَمْلِيخا، مَكْسَلْمِينا، مسلثينا وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ كانُوا أصْحابَ يَمِينِ المَلِكِ، وكانَ عَنْ يَسارِهِ: مرنوسُ، ودرنوسُ، وسادنوسُ، وكانَ المَلِكُ يَسْتَشِيرُ هَؤُلاءِ السِّتَّةَ في مُهِمّاتِهِ. والسّابِعُ: هو الرّاعِي الَّذِي وافَقَهم لَمّا هَرَبُوا مِن مَلِكِهِمْ، واسْمُ كَلْبِهِمْ قِطْمِيرٌ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَقُولُ: أنا مِن ذَلِكَ العَدَدِ القَلِيلِ، وكانَ يَقُولُ: إنَّهم سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم. الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى الأقْوالَ فَقَدْ حَكى كُلَّ ما قِيلَ مِنَ الحَقِّ والباطِلِ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأقْوالَ الباطِلَةَ ولَمْ يَذْكُرْ ما هو الحَقُّ، فَثَبَتَ أنَّ جُمْلَةَ الأقْوالِ الحَقَّةِ والباطِلَةِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الثَّلاثَةَ، ثُمَّ خَصَّ صفحة ٩١ الأوَّلِينَ بِأنَّهُما رَجْمٌ بِالغَيْبِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحَقُّ هو هَذا الثّالِثَ. الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ فَمَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُناظَرَةِ مَعَهم، وعَنِ اسْتِفْتائِهِمْ في هَذا البابِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ لَوْ عَلَّمَهُ حُكْمَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ ويَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ العِلْمُ بِذَلِكَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ولا يَحْصُلَ لِلنَّبِيِّ، فَعَلِمْنا أنَّ العِلْمَ بِهَذِهِ الواقِعَةِ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ العِلْمُ إلّا بِهَذا الوَحْيِ؛ لِأنَّ الأصْلَ فِيما سِواهُ العَدَمُ، وأنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكانَ الحَقُّ هو قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ وإنْ كانَ بَعْضُها أضْعَفَ مِن بَعْضٍ إلّا أنَّهُ لَمّا تَقَوّى بَعْضُها بِبَعْضٍ حَصَلَ فِيهِ كَمالٌ وتَمامٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * بَقِيَ في الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: في الآيَةِ حَذْفٌ؛ والتَّقْدِيرُ: سَيَقُولُونَ هم ثَلاثَةٌ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. البَحْثُ الثّانِي: خُصَّ القَوْلُ الأوَّلُ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، وهو قَوْلُهُ: سَيَقُولُونَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ يُوجِبُ دُخُولَ القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ فِيهِ. البَحْثُ الثّالِثُ: الرَّجْمُ هو الرَّمْيُ، والغَيْبُ ما غابَ عَنِ الإنْسانِ فَقَوْلُهُ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ مَعْناهُ أنْ يَرى ما غابَ عَنْهُ ولا يَعْرِفُهُ بِالحَقِيقَةِ، يُقالُ: فُلانٌ يَرْمِي بِالكَلامِ رَمْيًا، أيْ يَتَكَلَّمُ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ. البَحْثُ الرّابِعُ: ذَكَرُوا في فائِدَةِ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِن سائِرِ الأقْوالِ. وثانِيها: أنَّ السَّبْعَةَ عِنْدَ العَرَبِ أصْلٌ في المُبالَغَةِ في العَدَدِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (التَّوْبَةِ: ٨٠) وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإذا وصَلُوا إلى الثَّمانِيَةِ ذَكَرُوا لَفْظًا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، فَقالُوا: وثَمانِيَةٌ، فَجاءَ هَذا الكَلامُ عَلى هَذا القانُونِ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ نَظِيرُهُ في ثَلاثِ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ (التَّوْبَةِ: ١١٢) لِأنَّ هَذا هو العَدَدُ الثّامِنُ مِنَ الأعْدادِ المُتَقَدِّمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ (الزُّمَرِ: ٧٣) لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ (التَّحْرِيمِ: ٥) هو العَدَدُ الثّامِنُ مِمّا تَقَدَّمَ، والنّاسُ يُسَمُّونَ هَذِهِ الواوَ واوَ الثَّمانِيَةِ، ومَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، قالَ القَفّالُ: وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ (الحَشْرِ: ٢٣) ولَمْ يَذْكُرِ الواوَ في النَّعْتِ الثّامِنِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ وهَذا هو الحَقُّ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِتَفاصِيلِ كائِناتِ العالَمِ والحَوادِثِ الَّتِي حَدَثَتْ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وإلّا عِنْدَ مَن أخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنا مِن أُولَئِكَ القَلِيلِ، قالَ القاضِي: إنْ كانَ قَدْ عَرَفَهُ بِبَيانِ الرَّسُولِ صَحَّ، وإنْ كانَ قَدْ تَعَلَّقَ فِيهِ بِحَرْفِ الواوِ فَضَعِيفٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الوُجُوهُ السَّبْعَةُ المَذْكُورَةُ، وإنْ كانَتْ لا تُفِيدُ الجَزْمَ إلّا أنَّها تُفِيدُ الظَّنَّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ أتْبَعَهُ بِأنْ نَهى رَسُولَهُ عَنْ شَيْئَيْنِ: عَنِ المِراءِ والِاسْتِفْتاءِ، أمّا النَّهْيُ عَنِ المِراءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا﴾ والمُرادُ مِنَ المِراءِ الظّاهِرِ أنْ لا يُكَذِّبَهم في تَعْيِينِ ذَلِكَ العَدَدِ، بَلْ يَقُولُ: هَذا التَّعْيِينُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ وتَرْكُ القَطْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٤٦) وأمّا النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِفْتاءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهم عِلْمٌ في هَذا البابِ وجَبَ المَنعُ مِنَ اسْتِفْتائِهِمْ، واعْلَمْ أنَّ نُفاةَ القِياسِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ صفحة ٩٢ قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ وُضِعَ الرَّجْمُ فِيهِ مَوْضِعَ الظَّنِّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ظَنًّا بِالغَيْبِ؛ لِأنَّهم أكْثَرُوا أنْ يَقُولُوا: رَجْمٌ بِالظَّنِّ مَكانَ قَوْلِهِمْ: ظَنٌّ، حَتّى لَمْ يَبْقَ عِنْدَهم فَرْقٌ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ أيِ المَظْنُونِ هَكَذا، قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالظَّنِّ مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِفْتاءِ هَؤُلاءِ الظّانِّينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الفَتْوى بِالمَظْنُونِ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ اللَّهِ، وجَوابُ مُثْبِتِي القِياسِ عَنْهُ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا.

الكهف 18:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ -ﷺ- عَنِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أُجِيبُكم عَنْها غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، اعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا الكَلامِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كانَ عالِمًا بِأنَّهُ إذا أخْبَرَ عَنْ أنَّهُ سَيَفْعَلُ الفِعْلَ الفُلانِيَّ غَدًا فَرُبَّما جاءَتْهُ الوَفاةُ قَبْلَ الغَدِ، ورُبَّما عاقَهُ عائِقٌ آخَرُ عَنِ الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ غَدًا، وإذا كانَ كُلُّ هَذِهِ الأُمُورِ مُحْتَمَلًا، فَلَوْ لَمْ يَقِلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ رُبَّما خَرَجَ الكَلامُ مُخالِفًا لِما عَلَيْهِ الوُجُودُ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّنْفِيرَ عَنْهُ، وعَنْ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمّا إذا قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ كانَ مُحْتَرِزًا عَنْ هَذا المَحْذُورِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ مِنَ البَعِيدِ أنْ يَعِدَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَقُلْ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى فَوائِدَ كَثِيرَةٍ وأحْكامٍ جَمَّةٍ، فَيَبْعُدُ قَصْرُها عَلى هَذا السَّبَبِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ الأوْلى أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ إلّا أنَّهُ رُبَّما اتَّفَقَ لَهُ أنَّهُ نَسِيَ هَذا الكَلامَ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ فَكانَ ذَلِكَ مِن بابِ تَرْكِ الأوْلى والأفْضَلِ. وأنْ يُجابَ عَنِ الثّانِي: أنَّ اشْتِمالَهُ عَلى الفَوائِدِ الكَثِيرَةِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ سَبَبُ نُزُولِهِ واحِدًا مِنها. صفحة ٩٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ أنَّهُ شاءَ اللَّهُ ماذا، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أنْ يَأْذَنَ لَكَ في ذَلِكَ القَوْلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَكَ أنْ تُخْبِرَ عَنْ نَفْسِكَ أنَّكَ تَفْعَلُ الفِعْلَ الفُلانِيَّ إلّا إذا أذِنَ اللَّهُ لَكَ في ذَلِكَ الإخْبارِ. القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ إلّا أنْ تَقُولَ: (إنْ شاءَ اللَّهُ) والسَّبَبُ في أنَّهُ لا بُدَّ مِن ذِكْرِ هَذا القَوْلِ هو أنَّ الإنْسانَ إذا قالَ: سَأفْعَلُ الفِعْلَ الفُلانِيَّ غَدًا، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَمُوتَ قَبْلَ مَجِيءِ الغَدِ، ولَمْ يَبْعُدْ أيْضًا لَوْ بَقِيَ حَيًّا أنْ يَعُوقَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ شَيْءٌ مِنَ العَوائِقِ، فَإذا كانَ لَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ صارَ كاذِبًا في ذَلِكَ الوَعْدِ، والكَذِبُ مُنْفَرِدٌ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أوْجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: (إنْ شاءَ اللَّهُ) حَتّى أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِذَلِكَ المَوْعُودِ لَمْ يَصِرْ كاذِبًا فَلَمْ يَحْصُلِ التَّنْفِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ والطّاعَةَ مِنَ العَبْدِ، والعَبْدُ يُرِيدُ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ لِنَفْسِهِ، فَيَقَعُ مُرادُ العَبْدِ ولا يَقَعُ مُرادُ اللَّهِ، فَتَكُونُ إرادَةُ العَبْدِ غالِبَةً وإرادَةُ اللَّهِ تَعالى مَغْلُوبَةً، وأمّا عِنْدَنا فَكُلُّ ما أرادَ اللَّهُ تَعالى فَهو واقِعٌ فَهو تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ ويُرِيدُ الإيمانَ مِنَ المُؤْمِنِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فَإرادَةُ اللَّهِ تَعالى غالِبَةٌ، وإرادَةُ العَبْدِ مَغْلُوبَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قالَ العَبْدُ: لَأفْعَلَنَّ كَذا غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، واللَّهُ إنَّما يَدْفَعُ عَنْهُ الكَذِبَ إذا كانَتْ إرادَةُ اللَّهِ غالِبَةً عَلى إرادَةِ العَبْدِ، فَإنَّ عَلى هَذا القَوْلِ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أنَّ العَبْدَ قالَ: أنا أفْعَلُ الفِعْلَ الفُلانِيَّ إلّا إذا كانَتْ إرادَةُ اللَّهِ بِخِلافِهِ، فَأنا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا أفْعَلُ؛ لِأنَّ إرادَةَ اللَّهِ غالِبَةٌ عَلى إرادَتِي فَعِنْدَ قِيامِ المانِعِ الغالِبِ لا أقْوى عَلى الفِعْلِ، أمّا بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ إرادَةُ اللَّهِ تَعالى مَغْلُوبَةً، فَإنَّها لا تُصْلَحُ عُذْرًا في هَذا البابِ؛ لِأنَّ المَغْلُوبَ لا يَمْنَعُ الغالِبَ إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ إذا قالَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا، ثُمَّ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ دافِعًا لِلْحِنْثِ، فَلا يَكُونُ دافِعًا لِلْحِنْثِ إلّا إذا كانَتْ إرادَةُ اللَّهِ غالِبَةً، فَلَمّا حَصَلَ دَفْعُ الحِنْثِ بِالإجْماعِ وجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى غالِبَةً، وأنَّهُ لا يَحْصُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، وأصْحابُنا أكَّدُوا هَذا الكَلامَ في صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وهو أنَّ الرَّجُلَ إذا كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ دَيْنٌ وكانَ ذَلِكَ المَدْيُونُ قادِرًا عَلى أداءِ الدَّيْنِ، فَقالَ: واللَّهِ لَأقْضِيَنَّ هَذا الدَّيْنَ غَدًا، ثُمَّ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَإذا جاءَ الغَدُ ولَمْ يَقْضِ هَذا الدَّيْنَ لَمْ يَحْنَثْ، وعَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُ قَضاءَ الدَّيْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: (إنْ شاءَ اللَّهُ) تَعْلِيقٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ عَلى شَرْطٍ واقِعٍ فَوَجَبَ أنْ يَحْنَثَ، ولَمّا أجْمَعُوا عَلى أنْ لا يَحْنَثَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ الفِعْلَ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ قَدْ أمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَغَّبَ فِيهِ وزَجَرَ عَنِ الإخْلالِ بِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قَدْ يَنْهى عَنِ الشَّيْءِ ويُرِيدُهُ، وقَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ ولا يُرِيدُهُ وهو المَطْلُوبُ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ قالُوا: إذا قالَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ أنْتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ قُلْنا: السَّبَبُ هو أنَّهُ لَمّا عَلَّقَ وُقُوعَ الطَّلاقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ لَمْ يَقَعْ، إلّا إذا عَرَفْنا وُقُوعَ الطَّلاقِ ولا نَعْرِفُ وُقُوعَ الطَّلاقِ إلّا إذا عَرَفْنا أوَّلًا حُصُولَ هَذِهِ المَشِيئَةِ، لَكِنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى غَيْبٌ فَلا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بِحُصُولِها إلّا إذا عَلِمْنا أنَّ مُتَعَلَّقَ المَشِيئَةِ قَدْ وقَعَ وحَصَلَ، وهو الطَّلاقُ، فَعَلى هَذا الطَّرِيقِ لا نَعْرِفُ حُصُولَ المَشِيئَةِ إلّا إذا عَرَفْنا وُقُوعَ الطَّلاقِ، ولا نَعْرِفُ وُقُوعَ الطَّلاقِ إلّا إذا عَرَفْنا وُقُوعَ المَشِيئَةِ، فَيَتَوَقَّفُ العِلْمُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى العِلْمِ بِالآخِرَةِ، وهو دَوْرٌ والدَّوْرُ باطِلٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: الطَّلاقُ غَيْرُ واقِعٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالُوا: الشَّيْءُ الَّذِي سَيَفْعَلُهُ الفاعِلُ غَدًا سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى في الحالِ بِأنَّهُ شَيْءٌ لِقَوْلِهِ: صفحة ٩٤ ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي سَيَفْعَلُهُ الفاعِلُ غَدًا، فَهو مَعْدُومٌ في الحالِ، فَوَجَبَ تَسْمِيَةُ المَعْدُومِ بِأنَّهُ شَيْءٌ. والجَوابُ: أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لا يُفِيدُ إلّا أنَّ المَعْدُومَ مُسَمًّى بِكَوْنِهِ شَيْئًا، وعِنْدَنا أنَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّ الَّذِي سَيَصِيرُ شَيْئًا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ بِكَوْنِهِ شَيْئًا في الحالِ، كَما أنَّهُ قالَ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ (النَّحْلِ: ١) والمُرادُ سَيَأْتِي أمْرُ اللَّهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامٌ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ إذا نَسِيَ أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلْيَذْكُرْهُ إذا تَذَكَّرَهُ، وعِنْدَ هَذا اخْتَلَفُوا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ لَمْ يَحْصُلِ التَّذَكُّرُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ كَفى في دَفْعِ الحِنْثِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بَعْدَ سَنَةٍ أوْ شَهْرٍ أوْ أُسْبُوعٍ أوْ يَوْمٍ، وعَنْ طاوُسٍ: أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الِاسْتِثْناءِ في مَجْلِسِهِ، وعَنْ عَطاءٍ يَسْتَثْنِي عَلى مِقْدارِ حَلْبِ النّاقَةِ الغَزِيرَةِ، وعِنْدَ عامَّةِ الفُقَهاءِ: أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ في الأحْكامِ ما لَمْ يَكُنْ مَوْصُولًا، واحْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ هو يَتَناوَلُ كُلَّ الأوْقاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ في أيِّ وقْتٍ حَصَلَ هَذا التَّذَكُّرُ، وكُلُّ مَن قالَ: وجَبَ هَذا الذِّكْرُ، قالَ: إنَّهُ إنَّما وجَبَ لِدَفْعِ الحِنْثِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ. واعْلَمْ أنَّ اسْتِدْلالَ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- ظاهِرٌ في أنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، أمّا الفُقَهاءُ فَقالُوا: إنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَسْتَقِرَّ شَيْءٌ مِنَ العُقُودِ والأيْمانِ، يُحْكى أنَّهُ بَلَغَ المَنصُورَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- خالَفَ ابْنَ عَبّاسٍ في الِاسْتِثْناءِ المُنْفَصِلِ فاسْتَحْضَرَهُ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذا يَرْجِعُ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ تَأْخُذُ البَيْعَةَ بِالأيْمانِ، أتَفْرِضُ أنْ يَخْرُجُوا مِن عِنْدِكَ فَيَسْتَثْنُوا فَيَخْرُجُوا عَلَيْكَ ؟ فاسْتَحْسَنَ المَنصُورُ كَلامَهُ ورَضِيَ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ يَرْجِعُ إلى تَخْصِيصِ النَّصِّ بِالقِياسِ وفِيهِ ما فِيهِ. وأيْضًا فَلَوْ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ بِلِسانِهِ بِحَيْثُ لا يَسْمَعُهُ أحَدٌ فَهو مُعْتَبَرٌ، ودافِعٌ لِلْحِنْثِ بِالإجْماعِ، مَعَ أنَّ المَحْذُورَ الَّذِي ذَكَرْتُمْ حاصِلٌ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي عَوَّلُوا عَلَيْهِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، والأوْلى أنْ يَحْتَجُّوا في وُجُوبِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا بِأنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ الوَفاءِ بِالعَقْدِ والعَهْدِ، قالَ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ (المائِدَةِ: ١) وقالَ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ (الإسْراءِ: ٣٤) فالآتِي بِالعَهْدِ يَجِبُ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِمُقْتَضاهُ لِأجْلِ هَذِهِ الآياتِ خالَفْنا هَذا الدَّلِيلَ فِيما إذا كانَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مَعَ المُسْتَثْنى مِنهُ كالكَلامِ الواحِدِ بِدَلِيلِ أنَّ لَفْظَ الِاسْتِثْناءِ وحْدَهُ لا يُفِيدُ شَيْئًا، فَهو جارٍ مَجْرى نِصْفِ اللَّفْظَةِ الواحِدَةِ، فَجُمْلَةُ الكَلامِ كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ المُفِيدَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَعِنْدَ ذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ عَرَفْنا أنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ بِخِلافِ ما إذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، فَإنَّهُ حَصَلَ الِالتِزامُ التّامُّ بِالكَلامِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِذَلِكَ المُلْتَزَمِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، بَلْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ: فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: واذْكُرْ رَبَّكَ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ إذا نَسِيتَ كَلِمَةَ الِاسْتِثْناءِ، والمُرادُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وثانِيها: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا اعْتَراكَ النِّسْيانُ لِيُذَكِّرَكَ المَنسِيَّ. وثالِثُها: حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى أداءِ الصَّلاةِ المَنسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِها، وهَذا القَوْلُ بِما فِيهِ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ بِعِيدٌ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ يُفِيدُ إتْمامَ الكَلامِ في هَذِهِ القَضِيَّةِ، وجَعْلُهُ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا يُوجِبُ صَيْرُورَةَ الكَلامِ مُبْتَدَأً مُنْقَطِعًا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ

الكهف 18:24

ثُمَّ قالَ صفحة ٩٥ تَعالى: ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ تَرْكَ قَوْلِهِ: (إنْ شاءَ اللَّهُ) لَيْسَ بِحَسَنٍ وذِكْرُهُ أحْسَنُ مِن تَرْكِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. الثّانِي: إذا وعَدَهم بِشَيْءٍ، وقالَ مَعَهُ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ: عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِشَيْءٍ أحْسَنَ وأكْمَلَ مِمّا وعَدْتُكم بِهِ. والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ إشارَةٌ إلى نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ، ومَعْناهُ: لَعَلَّ اللَّهَ يُؤْتِينِي مِنَ البَيِّناتِ والدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ أنِّي نَبِيٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ صادِقُ القَوْلِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ ما هو أعْظَمُ في الدَّلالَةِ وأقْرَبُ رَشَدًا مِن نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ. وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَيْثُ آتاهُ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ والإخْبارِ بِالغُيُوبِ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ آخِرُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ القَوْمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وكَذا إلى أنْ قالَ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ أيْ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ قالُوا ذَلِكَ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ وهَذا يُشْبِهُ الرَّدَّ عَلى الكَلامِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ ويُؤَكِّدُهُ أيْضًا ما رُوِيَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وقالُوا ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ أخْبَرَ عَنْ كَمِّيَّةِ تِلْكَ المُدَّةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ فَهو كَلامٌ قَدْ تَقَدَّمَ، وقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ما يُوجِبُ انْقِطاعَ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يُوجِبُ أنَّ ما قَبْلَهُ حِكايَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أرادَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فارْجِعُوا إلى خَبَرِ اللَّهِ دُونَ ما يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ثَلاثَمِائَةِ سِنِينَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ والباقُونَ بِالتَّنْوِينِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سِنِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ لَمْ يُعْرَفْ أنَّها أيّامٌ أمْ شُهُورٌ أمْ سُنُونَ، فَلَمّا قالَ: سِنِينَ صارَ هَذا بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ فَكانَ هَذا عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ لَبِثُوا سِنِينَ ثَلَثَمِائَةٍ، وأمّا وجْهُ قِراءَةِ حَمْزَةَ، فَهو أنَّ الواجِبَ في الإضافَةِ: ثَلاثُ مِائَةٍ سَنَةٍ إلّا أنَّهُ يَجُوزُ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ الواحِدِ في التَّمْيِيزِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ (الكَهْفِ: ١٠٣) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ المَعْنى وازْدادُوا تِسْعَ سِنِينَ فَإنْ قالُوا: لِمَ لَمْ يَقُلْ ثَلاثَ مِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ ؟ وما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ؟ قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: كانَتِ المُدَّةُ ثَلاثَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ وثَلَثَمِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ مِنَ القَمَرِيَّةِ، وهَذا مُشْكِلٌ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ بِالحِسابِ هَذا القَوْلُ، ويُمْكِنْ أنْ يُقالَ: لَعَلَّهم لَمّا اسْتَكْمَلُوا ثَلاثَ مِائَةِ سَنَةٍ قَرُبَ أمْرُهم مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ اتَّفَقَ ما أوْجَبَ بَقاءَهم في النَّوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمِقْدارِ هَذِهِ المُدَّةِ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيها، وإنَّما كانَ أوْلى بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ؛ لِأنَّهُ مُوجِدٌ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ومُدَبِّرٌ لِلْعالَمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِغَيْبِ صفحة ٩٦ السَّماواتِ والأرْضِ فَيَكُونُ عالِمًا بِهَذِهِ الواقِعَةِ لا مَحالَةَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ وهَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ في التَّعَجُّبِ، والمَعْنى ما أبْصَرَهُ وما أسْمَعُهُ، وقَدْ بالَغْنا في تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّعَجُّبِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٧٥) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ما لِأصْحابِ الكَهْفِ مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى حِفْظَهم في ذَلِكَ النَّوْمِ الطَّوِيلِ. الثّانِي: لَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُخْتَلِفِينَ في مُدَّةِ لُبْثِ أهْلِ الكَهْفِ ولِيٌّ مِن دُونِ اللَّهِ يَتَوَلّى أمْرَهم، ويُقِيمُ لَهم تَدْبِيرَ أنْفُسِهِمْ، فَإذا كانُوا مُحْتاجِينَ إلى تَدْبِيرِ اللَّهِ وحِفْظِهِ، فَكَيْفَ يَعْلَمُونَ هَذِهِ الواقِعَةَ مِن غَيْرِ إعْلامِهِ ؟ . الثّالِثُ: أنَّ بَعْضَ القَوْمِ لَمّا ذَكَرُوا في هَذا البابِ أقْوالًا عَلى خِلافِ قَوْلِ اللَّهِ فَقَدِ اسْتَوْجَبُوا العِقابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ يَمْنَعُ اللَّهَ مِن إنْزالِ العِقابِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ أنَّ لُبْثَهم هو هَذا المِقْدارُ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ قَوْلًا بِخِلافِهِ، والأصْلُ أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا كانا لِشَرِيكَيْنِ، فَإنَّ الِاعْتِراضَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ يَكْثُرُ، ويَصِيرُ ذَلِكَ مانِعًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن إمْضاءِ الأمْرِ عَلى وفْقِ ما يُرِيدُهُ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ (الأنْبِياءِ: ٢٢) فاللَّهُ تَعالى نَفى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ولا تُشْرِكْ بِالتّاءِ والجَزْمِ عَلى النَّهْيِ والخِطابِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ والمَعْنى ولا تَسْألْ أحَدًا عَمّا أخْبَرَكَ اللَّهُ بِهِ مِن عِدَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، واقْتَصِرْ عَلى حُكْمِهِ وبَيانِهِ ولا تُشْرِكْ أحَدًا في طَلَبِ مَعْرِفَةِ تِلْكَ الواقِعَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ والرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في زَمانِ أصْحابِ الكَهْفِ وفي مَكانِهِمْ، أمّا الزَّمانُ الَّذِي حَصَلُوا فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ مُوسى ذَكَرَهم في التَّوْراةِ، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ اليَهُودَ سَألُوا عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ قَبْلَ المَسِيحِ، وأخْبَرَ المَسِيحُ بِخَبَرِهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا في الوَقْتِ الَّذِي بَيْنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- . وقِيلَ: إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ بَعْدَ المَسِيحِ، وحَكى القَفّالُ هَذا القَوْلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّهم لَمْ يَمُوتُوا ولا يَمُوتُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا مَكانُ هَذا الكَهْفِ، فَحَكى القَفّالُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسى الخَوارِزْمِيِّ المُنَجِّمِ أنَّ الواثِقَ أنْفَذَهُ -لِيَعْرِفَ حالَ أصْحابِ الكَهْفِ- إلى الرُّومِ، قالَ: فَوَجَّهَ مِلْكُ الرُّومِ مَعِي أقْوامًا إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُقالُ: إنَّهم فِيهِ، قالَ: وإنَّ الرَّجُلَ المُوَكَّلَ بِذَلِكَ المَوْضِعِ فَزَّعَنِي مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ، قالَ: فَدَخَلْتُ ورَأيْتُ الشُّعُورَ عَلى صُدُورِهِمْ، قالَ: وعَرَفْتُ أنَّهُ تَمْوِيهٌ واحْتِيالٌ، وأنَّ النّاسَ كانُوا قَدْ عالَجُوا تِلْكَ الجُثَثَ بِالأدْوِيَةِ المُجَفِّفَةِ لِأبْدانِ المَوْتى لِتَصُونَها عَنِ البِلى، مِثْلَ التَّلْطِيخِ بِالصَّبْرِ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: والَّذِي عِنْدَنا لا يُعْرَفُ أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ هو مَوْضِعُ أصْحابِ الكَهْفِ أوْ مَوْضِعٌ آخَرُ، والَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ وجَبَ القَطْعُ بِهِ، ولا عِبْرَةَ بِقَوْلِ أهْلِ الرُّومِ: أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ هو مَوْضِعُ أصْحابِ الكَهْفِ، وذُكِرَ في الكَشّافِ عَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ غَزا الرُّومَ، فَمَرَّ بِالكَهْفِ، فَقالَ: لَوْ كُشِفَ لَنا عَنْ هَؤُلاءِ فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ اللَّهُ مَن هو خَيْرٌ مِنكَ، فَقالَ: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا، فَقالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لا أنْتَهِي حَتّى أعْلَمَ حالَهَمْ، فَبَعَثَ أُناسًا فَقالَ لَهم: اذْهَبُوا فانْظُرُوا فَلَمّا دَخَلُوا الكَهْفَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأحْرَقَتْهم، وأقُولُ: العِلْمُ بِذَلِكَ الزَّمانِ وبِذَلِكَ المَكانِ لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجالٌ، وإنَّما يُسْتَفادُ ذَلِكَ مِن نَصٍّ، وذَلِكَ مَفْقُودٌ فَثَبَتَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلَيْهِ. صفحة ٩٧ المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَدارَ القَوْلِ بِإثْباتِ البَعْثِ والقِيامَةِ عَلى أُصُولٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ما كانَ مُمْكِنَ الحُصُولِ في بَعْضِ الأوْقاتِ كانَ مُمْكِنَ الحُصُولِ في سائِرِ الأوْقاتِ، فَإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ الأُصُولُ الثَّلاثَةُ ثَبَتَ القَوْلُ بِإمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ قادِرٌ عَلى الكُلِّ، وثَبَتَ أنَّ بَقاءَ الإنْسانِ حَيًّا في النَّوْمِ مُدَّةَ يَوْمٍ مُمْكِنٌ، فَكَذَلِكَ بَقاؤُهُ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا بِمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَحْفَظُهُ ويَصُونُهُ عَنِ الآفَةِ. وأمّا الفَلاسِفَةُ فَإنَّهم يَقُولُونَ أيْضًا: لا يَبْعُدُ وُقُوعُ أشْكالٍ فَلَكِيَّةٍ غَرِيبَةٍ تُوجِبُ في هَيُولِي عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ حُصُولَ أحْوالٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ، وأقُولُ: هَذِهِ السُّوَرُ الثَّلاثَةُ المُتَعاقِبَةُ اشْتَمَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى حُصُولِ حالَةٍ عَجِيبَةٍ نادِرَةٍ في هَذا العالَمِ، فَسُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ اشْتَمَلَتْ عَلى الإسْراءِ بِجَسَدِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ وهو حالَةٌ عَجِيبَةٌ، وهَذِهِ السُّورَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى بَقاءِ القَوْمِ في النَّوْمِ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وأزْيَدَ، وهو أيْضًا حالَةٌ عَجِيبَةٌ، وسُورَةُ مَرْيَمَ اشْتَمَلَتْ عَلى حُدُوثِ الوَلَدِ لا مِنَ الأبِ وهو أيْضًا حالَةٌ عَجِيبَةٌ، والمُعْتَمَدُ في بَيانِ إمْكانِ كُلِّ هَذِهِ العَجائِبِ والغَرائِبِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثَةِ المُتَوالِيَةِ هو الطَّرِيقَةُ الَّتِي ذَكَرْناها. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المَعْنى مِنَ المُمْكِناتِ أنَّ أبا عَلِيٍّ ابْنَ سِينا ذَكَرَ في بابِ الزَّمانِ مِن كِتابِ الشِّفاءِ أنَّ أرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمَ ذَكَرَ أنَّهُ عَرَضَ لِقَوْمٍ مِنَ المُتَألِّهِينَ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِحالَةِ أصْحابِ الكَهْفِ، ثُمَّ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَدُلُّ التّارِيخُ عَلى أنَّهم كانُوا قَبْلَ أصْحابِ الكَهْفِ.

الكهف 18:25

ثُمَّ قالَ صفحة ٩٥ تَعالى: ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ تَرْكَ قَوْلِهِ: (إنْ شاءَ اللَّهُ) لَيْسَ بِحَسَنٍ وذِكْرُهُ أحْسَنُ مِن تَرْكِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. الثّانِي: إذا وعَدَهم بِشَيْءٍ، وقالَ مَعَهُ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ: عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِشَيْءٍ أحْسَنَ وأكْمَلَ مِمّا وعَدْتُكم بِهِ. والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ إشارَةٌ إلى نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ، ومَعْناهُ: لَعَلَّ اللَّهَ يُؤْتِينِي مِنَ البَيِّناتِ والدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ أنِّي نَبِيٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ صادِقُ القَوْلِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ ما هو أعْظَمُ في الدَّلالَةِ وأقْرَبُ رَشَدًا مِن نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ. وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَيْثُ آتاهُ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ والإخْبارِ بِالغُيُوبِ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ آخِرُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ القَوْمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وكَذا إلى أنْ قالَ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ أيْ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ قالُوا ذَلِكَ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ وهَذا يُشْبِهُ الرَّدَّ عَلى الكَلامِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ ويُؤَكِّدُهُ أيْضًا ما رُوِيَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وقالُوا ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ أخْبَرَ عَنْ كَمِّيَّةِ تِلْكَ المُدَّةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ فَهو كَلامٌ قَدْ تَقَدَّمَ، وقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ما يُوجِبُ انْقِطاعَ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يُوجِبُ أنَّ ما قَبْلَهُ حِكايَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أرادَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فارْجِعُوا إلى خَبَرِ اللَّهِ دُونَ ما يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ثَلاثَمِائَةِ سِنِينَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ والباقُونَ بِالتَّنْوِينِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سِنِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ لَمْ يُعْرَفْ أنَّها أيّامٌ أمْ شُهُورٌ أمْ سُنُونَ، فَلَمّا قالَ: سِنِينَ صارَ هَذا بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ فَكانَ هَذا عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ لَبِثُوا سِنِينَ ثَلَثَمِائَةٍ، وأمّا وجْهُ قِراءَةِ حَمْزَةَ، فَهو أنَّ الواجِبَ في الإضافَةِ: ثَلاثُ مِائَةٍ سَنَةٍ إلّا أنَّهُ يَجُوزُ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ الواحِدِ في التَّمْيِيزِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ (الكَهْفِ: ١٠٣) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ المَعْنى وازْدادُوا تِسْعَ سِنِينَ فَإنْ قالُوا: لِمَ لَمْ يَقُلْ ثَلاثَ مِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ ؟ وما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ؟ قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: كانَتِ المُدَّةُ ثَلاثَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ وثَلَثَمِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ مِنَ القَمَرِيَّةِ، وهَذا مُشْكِلٌ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ بِالحِسابِ هَذا القَوْلُ، ويُمْكِنْ أنْ يُقالَ: لَعَلَّهم لَمّا اسْتَكْمَلُوا ثَلاثَ مِائَةِ سَنَةٍ قَرُبَ أمْرُهم مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ اتَّفَقَ ما أوْجَبَ بَقاءَهم في النَّوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمِقْدارِ هَذِهِ المُدَّةِ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيها، وإنَّما كانَ أوْلى بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ؛ لِأنَّهُ مُوجِدٌ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ومُدَبِّرٌ لِلْعالَمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِغَيْبِ صفحة ٩٦ السَّماواتِ والأرْضِ فَيَكُونُ عالِمًا بِهَذِهِ الواقِعَةِ لا مَحالَةَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ وهَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ في التَّعَجُّبِ، والمَعْنى ما أبْصَرَهُ وما أسْمَعُهُ، وقَدْ بالَغْنا في تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّعَجُّبِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٧٥) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ما لِأصْحابِ الكَهْفِ مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى حِفْظَهم في ذَلِكَ النَّوْمِ الطَّوِيلِ. الثّانِي: لَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُخْتَلِفِينَ في مُدَّةِ لُبْثِ أهْلِ الكَهْفِ ولِيٌّ مِن دُونِ اللَّهِ يَتَوَلّى أمْرَهم، ويُقِيمُ لَهم تَدْبِيرَ أنْفُسِهِمْ، فَإذا كانُوا مُحْتاجِينَ إلى تَدْبِيرِ اللَّهِ وحِفْظِهِ، فَكَيْفَ يَعْلَمُونَ هَذِهِ الواقِعَةَ مِن غَيْرِ إعْلامِهِ ؟ . الثّالِثُ: أنَّ بَعْضَ القَوْمِ لَمّا ذَكَرُوا في هَذا البابِ أقْوالًا عَلى خِلافِ قَوْلِ اللَّهِ فَقَدِ اسْتَوْجَبُوا العِقابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ يَمْنَعُ اللَّهَ مِن إنْزالِ العِقابِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ أنَّ لُبْثَهم هو هَذا المِقْدارُ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ قَوْلًا بِخِلافِهِ، والأصْلُ أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا كانا لِشَرِيكَيْنِ، فَإنَّ الِاعْتِراضَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ يَكْثُرُ، ويَصِيرُ ذَلِكَ مانِعًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن إمْضاءِ الأمْرِ عَلى وفْقِ ما يُرِيدُهُ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ (الأنْبِياءِ: ٢٢) فاللَّهُ تَعالى نَفى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ولا تُشْرِكْ بِالتّاءِ والجَزْمِ عَلى النَّهْيِ والخِطابِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ والمَعْنى ولا تَسْألْ أحَدًا عَمّا أخْبَرَكَ اللَّهُ بِهِ مِن عِدَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، واقْتَصِرْ عَلى حُكْمِهِ وبَيانِهِ ولا تُشْرِكْ أحَدًا في طَلَبِ مَعْرِفَةِ تِلْكَ الواقِعَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ والرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في زَمانِ أصْحابِ الكَهْفِ وفي مَكانِهِمْ، أمّا الزَّمانُ الَّذِي حَصَلُوا فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ مُوسى ذَكَرَهم في التَّوْراةِ، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ اليَهُودَ سَألُوا عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ قَبْلَ المَسِيحِ، وأخْبَرَ المَسِيحُ بِخَبَرِهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا في الوَقْتِ الَّذِي بَيْنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- . وقِيلَ: إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ بَعْدَ المَسِيحِ، وحَكى القَفّالُ هَذا القَوْلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّهم لَمْ يَمُوتُوا ولا يَمُوتُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا مَكانُ هَذا الكَهْفِ، فَحَكى القَفّالُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسى الخَوارِزْمِيِّ المُنَجِّمِ أنَّ الواثِقَ أنْفَذَهُ -لِيَعْرِفَ حالَ أصْحابِ الكَهْفِ- إلى الرُّومِ، قالَ: فَوَجَّهَ مِلْكُ الرُّومِ مَعِي أقْوامًا إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُقالُ: إنَّهم فِيهِ، قالَ: وإنَّ الرَّجُلَ المُوَكَّلَ بِذَلِكَ المَوْضِعِ فَزَّعَنِي مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ، قالَ: فَدَخَلْتُ ورَأيْتُ الشُّعُورَ عَلى صُدُورِهِمْ، قالَ: وعَرَفْتُ أنَّهُ تَمْوِيهٌ واحْتِيالٌ، وأنَّ النّاسَ كانُوا قَدْ عالَجُوا تِلْكَ الجُثَثَ بِالأدْوِيَةِ المُجَفِّفَةِ لِأبْدانِ المَوْتى لِتَصُونَها عَنِ البِلى، مِثْلَ التَّلْطِيخِ بِالصَّبْرِ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: والَّذِي عِنْدَنا لا يُعْرَفُ أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ هو مَوْضِعُ أصْحابِ الكَهْفِ أوْ مَوْضِعٌ آخَرُ، والَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ وجَبَ القَطْعُ بِهِ، ولا عِبْرَةَ بِقَوْلِ أهْلِ الرُّومِ: أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ هو مَوْضِعُ أصْحابِ الكَهْفِ، وذُكِرَ في الكَشّافِ عَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ غَزا الرُّومَ، فَمَرَّ بِالكَهْفِ، فَقالَ: لَوْ كُشِفَ لَنا عَنْ هَؤُلاءِ فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ اللَّهُ مَن هو خَيْرٌ مِنكَ، فَقالَ: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا، فَقالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لا أنْتَهِي حَتّى أعْلَمَ حالَهَمْ، فَبَعَثَ أُناسًا فَقالَ لَهم: اذْهَبُوا فانْظُرُوا فَلَمّا دَخَلُوا الكَهْفَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأحْرَقَتْهم، وأقُولُ: العِلْمُ بِذَلِكَ الزَّمانِ وبِذَلِكَ المَكانِ لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجالٌ، وإنَّما يُسْتَفادُ ذَلِكَ مِن نَصٍّ، وذَلِكَ مَفْقُودٌ فَثَبَتَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلَيْهِ. صفحة ٩٧ المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَدارَ القَوْلِ بِإثْباتِ البَعْثِ والقِيامَةِ عَلى أُصُولٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ما كانَ مُمْكِنَ الحُصُولِ في بَعْضِ الأوْقاتِ كانَ مُمْكِنَ الحُصُولِ في سائِرِ الأوْقاتِ، فَإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ الأُصُولُ الثَّلاثَةُ ثَبَتَ القَوْلُ بِإمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ قادِرٌ عَلى الكُلِّ، وثَبَتَ أنَّ بَقاءَ الإنْسانِ حَيًّا في النَّوْمِ مُدَّةَ يَوْمٍ مُمْكِنٌ، فَكَذَلِكَ بَقاؤُهُ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا بِمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَحْفَظُهُ ويَصُونُهُ عَنِ الآفَةِ. وأمّا الفَلاسِفَةُ فَإنَّهم يَقُولُونَ أيْضًا: لا يَبْعُدُ وُقُوعُ أشْكالٍ فَلَكِيَّةٍ غَرِيبَةٍ تُوجِبُ في هَيُولِي عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ حُصُولَ أحْوالٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ، وأقُولُ: هَذِهِ السُّوَرُ الثَّلاثَةُ المُتَعاقِبَةُ اشْتَمَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى حُصُولِ حالَةٍ عَجِيبَةٍ نادِرَةٍ في هَذا العالَمِ، فَسُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ اشْتَمَلَتْ عَلى الإسْراءِ بِجَسَدِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ وهو حالَةٌ عَجِيبَةٌ، وهَذِهِ السُّورَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى بَقاءِ القَوْمِ في النَّوْمِ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وأزْيَدَ، وهو أيْضًا حالَةٌ عَجِيبَةٌ، وسُورَةُ مَرْيَمَ اشْتَمَلَتْ عَلى حُدُوثِ الوَلَدِ لا مِنَ الأبِ وهو أيْضًا حالَةٌ عَجِيبَةٌ، والمُعْتَمَدُ في بَيانِ إمْكانِ كُلِّ هَذِهِ العَجائِبِ والغَرائِبِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثَةِ المُتَوالِيَةِ هو الطَّرِيقَةُ الَّتِي ذَكَرْناها. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المَعْنى مِنَ المُمْكِناتِ أنَّ أبا عَلِيٍّ ابْنَ سِينا ذَكَرَ في بابِ الزَّمانِ مِن كِتابِ الشِّفاءِ أنَّ أرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمَ ذَكَرَ أنَّهُ عَرَضَ لِقَوْمٍ مِنَ المُتَألِّهِينَ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِحالَةِ أصْحابِ الكَهْفِ، ثُمَّ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَدُلُّ التّارِيخُ عَلى أنَّهم كانُوا قَبْلَ أصْحابِ الكَهْفِ.

الكهف 18:26

ثُمَّ قالَ صفحة ٩٥ تَعالى: ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ تَرْكَ قَوْلِهِ: (إنْ شاءَ اللَّهُ) لَيْسَ بِحَسَنٍ وذِكْرُهُ أحْسَنُ مِن تَرْكِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. الثّانِي: إذا وعَدَهم بِشَيْءٍ، وقالَ مَعَهُ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ: عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِشَيْءٍ أحْسَنَ وأكْمَلَ مِمّا وعَدْتُكم بِهِ. والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ إشارَةٌ إلى نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ، ومَعْناهُ: لَعَلَّ اللَّهَ يُؤْتِينِي مِنَ البَيِّناتِ والدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ أنِّي نَبِيٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ صادِقُ القَوْلِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ ما هو أعْظَمُ في الدَّلالَةِ وأقْرَبُ رَشَدًا مِن نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ. وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَيْثُ آتاهُ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ والإخْبارِ بِالغُيُوبِ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ آخِرُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ القَوْمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وكَذا إلى أنْ قالَ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ أيْ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ قالُوا ذَلِكَ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ وهَذا يُشْبِهُ الرَّدَّ عَلى الكَلامِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ ويُؤَكِّدُهُ أيْضًا ما رُوِيَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وقالُوا ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ أخْبَرَ عَنْ كَمِّيَّةِ تِلْكَ المُدَّةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ فَهو كَلامٌ قَدْ تَقَدَّمَ، وقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ما يُوجِبُ انْقِطاعَ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يُوجِبُ أنَّ ما قَبْلَهُ حِكايَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أرادَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فارْجِعُوا إلى خَبَرِ اللَّهِ دُونَ ما يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ثَلاثَمِائَةِ سِنِينَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ والباقُونَ بِالتَّنْوِينِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سِنِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ لَمْ يُعْرَفْ أنَّها أيّامٌ أمْ شُهُورٌ أمْ سُنُونَ، فَلَمّا قالَ: سِنِينَ صارَ هَذا بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ فَكانَ هَذا عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ لَبِثُوا سِنِينَ ثَلَثَمِائَةٍ، وأمّا وجْهُ قِراءَةِ حَمْزَةَ، فَهو أنَّ الواجِبَ في الإضافَةِ: ثَلاثُ مِائَةٍ سَنَةٍ إلّا أنَّهُ يَجُوزُ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ الواحِدِ في التَّمْيِيزِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ (الكَهْفِ: ١٠٣) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ المَعْنى وازْدادُوا تِسْعَ سِنِينَ فَإنْ قالُوا: لِمَ لَمْ يَقُلْ ثَلاثَ مِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ ؟ وما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ؟ قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: كانَتِ المُدَّةُ ثَلاثَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ وثَلَثَمِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ مِنَ القَمَرِيَّةِ، وهَذا مُشْكِلٌ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ بِالحِسابِ هَذا القَوْلُ، ويُمْكِنْ أنْ يُقالَ: لَعَلَّهم لَمّا اسْتَكْمَلُوا ثَلاثَ مِائَةِ سَنَةٍ قَرُبَ أمْرُهم مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ اتَّفَقَ ما أوْجَبَ بَقاءَهم في النَّوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمِقْدارِ هَذِهِ المُدَّةِ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيها، وإنَّما كانَ أوْلى بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ؛ لِأنَّهُ مُوجِدٌ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ومُدَبِّرٌ لِلْعالَمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِغَيْبِ صفحة ٩٦ السَّماواتِ والأرْضِ فَيَكُونُ عالِمًا بِهَذِهِ الواقِعَةِ لا مَحالَةَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ وهَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ في التَّعَجُّبِ، والمَعْنى ما أبْصَرَهُ وما أسْمَعُهُ، وقَدْ بالَغْنا في تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّعَجُّبِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٧٥) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ما لِأصْحابِ الكَهْفِ مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى حِفْظَهم في ذَلِكَ النَّوْمِ الطَّوِيلِ. الثّانِي: لَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُخْتَلِفِينَ في مُدَّةِ لُبْثِ أهْلِ الكَهْفِ ولِيٌّ مِن دُونِ اللَّهِ يَتَوَلّى أمْرَهم، ويُقِيمُ لَهم تَدْبِيرَ أنْفُسِهِمْ، فَإذا كانُوا مُحْتاجِينَ إلى تَدْبِيرِ اللَّهِ وحِفْظِهِ، فَكَيْفَ يَعْلَمُونَ هَذِهِ الواقِعَةَ مِن غَيْرِ إعْلامِهِ ؟ . الثّالِثُ: أنَّ بَعْضَ القَوْمِ لَمّا ذَكَرُوا في هَذا البابِ أقْوالًا عَلى خِلافِ قَوْلِ اللَّهِ فَقَدِ اسْتَوْجَبُوا العِقابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ يَمْنَعُ اللَّهَ مِن إنْزالِ العِقابِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ أنَّ لُبْثَهم هو هَذا المِقْدارُ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ قَوْلًا بِخِلافِهِ، والأصْلُ أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا كانا لِشَرِيكَيْنِ، فَإنَّ الِاعْتِراضَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ يَكْثُرُ، ويَصِيرُ ذَلِكَ مانِعًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن إمْضاءِ الأمْرِ عَلى وفْقِ ما يُرِيدُهُ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ (الأنْبِياءِ: ٢٢) فاللَّهُ تَعالى نَفى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ولا تُشْرِكْ بِالتّاءِ والجَزْمِ عَلى النَّهْيِ والخِطابِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ والمَعْنى ولا تَسْألْ أحَدًا عَمّا أخْبَرَكَ اللَّهُ بِهِ مِن عِدَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، واقْتَصِرْ عَلى حُكْمِهِ وبَيانِهِ ولا تُشْرِكْ أحَدًا في طَلَبِ مَعْرِفَةِ تِلْكَ الواقِعَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ والرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في زَمانِ أصْحابِ الكَهْفِ وفي مَكانِهِمْ، أمّا الزَّمانُ الَّذِي حَصَلُوا فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ مُوسى ذَكَرَهم في التَّوْراةِ، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ اليَهُودَ سَألُوا عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ قَبْلَ المَسِيحِ، وأخْبَرَ المَسِيحُ بِخَبَرِهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا في الوَقْتِ الَّذِي بَيْنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- . وقِيلَ: إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ بَعْدَ المَسِيحِ، وحَكى القَفّالُ هَذا القَوْلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّهم لَمْ يَمُوتُوا ولا يَمُوتُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا مَكانُ هَذا الكَهْفِ، فَحَكى القَفّالُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسى الخَوارِزْمِيِّ المُنَجِّمِ أنَّ الواثِقَ أنْفَذَهُ -لِيَعْرِفَ حالَ أصْحابِ الكَهْفِ- إلى الرُّومِ، قالَ: فَوَجَّهَ مِلْكُ الرُّومِ مَعِي أقْوامًا إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُقالُ: إنَّهم فِيهِ، قالَ: وإنَّ الرَّجُلَ المُوَكَّلَ بِذَلِكَ المَوْضِعِ فَزَّعَنِي مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ، قالَ: فَدَخَلْتُ ورَأيْتُ الشُّعُورَ عَلى صُدُورِهِمْ، قالَ: وعَرَفْتُ أنَّهُ تَمْوِيهٌ واحْتِيالٌ، وأنَّ النّاسَ كانُوا قَدْ عالَجُوا تِلْكَ الجُثَثَ بِالأدْوِيَةِ المُجَفِّفَةِ لِأبْدانِ المَوْتى لِتَصُونَها عَنِ البِلى، مِثْلَ التَّلْطِيخِ بِالصَّبْرِ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: والَّذِي عِنْدَنا لا يُعْرَفُ أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ هو مَوْضِعُ أصْحابِ الكَهْفِ أوْ مَوْضِعٌ آخَرُ، والَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ وجَبَ القَطْعُ بِهِ، ولا عِبْرَةَ بِقَوْلِ أهْلِ الرُّومِ: أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ هو مَوْضِعُ أصْحابِ الكَهْفِ، وذُكِرَ في الكَشّافِ عَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ غَزا الرُّومَ، فَمَرَّ بِالكَهْفِ، فَقالَ: لَوْ كُشِفَ لَنا عَنْ هَؤُلاءِ فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ اللَّهُ مَن هو خَيْرٌ مِنكَ، فَقالَ: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا، فَقالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لا أنْتَهِي حَتّى أعْلَمَ حالَهَمْ، فَبَعَثَ أُناسًا فَقالَ لَهم: اذْهَبُوا فانْظُرُوا فَلَمّا دَخَلُوا الكَهْفَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأحْرَقَتْهم، وأقُولُ: العِلْمُ بِذَلِكَ الزَّمانِ وبِذَلِكَ المَكانِ لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجالٌ، وإنَّما يُسْتَفادُ ذَلِكَ مِن نَصٍّ، وذَلِكَ مَفْقُودٌ فَثَبَتَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلَيْهِ. صفحة ٩٧ المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَدارَ القَوْلِ بِإثْباتِ البَعْثِ والقِيامَةِ عَلى أُصُولٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ. وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ما كانَ مُمْكِنَ الحُصُولِ في بَعْضِ الأوْقاتِ كانَ مُمْكِنَ الحُصُولِ في سائِرِ الأوْقاتِ، فَإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ الأُصُولُ الثَّلاثَةُ ثَبَتَ القَوْلُ بِإمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ قادِرٌ عَلى الكُلِّ، وثَبَتَ أنَّ بَقاءَ الإنْسانِ حَيًّا في النَّوْمِ مُدَّةَ يَوْمٍ مُمْكِنٌ، فَكَذَلِكَ بَقاؤُهُ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا بِمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَحْفَظُهُ ويَصُونُهُ عَنِ الآفَةِ. وأمّا الفَلاسِفَةُ فَإنَّهم يَقُولُونَ أيْضًا: لا يَبْعُدُ وُقُوعُ أشْكالٍ فَلَكِيَّةٍ غَرِيبَةٍ تُوجِبُ في هَيُولِي عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ حُصُولَ أحْوالٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ، وأقُولُ: هَذِهِ السُّوَرُ الثَّلاثَةُ المُتَعاقِبَةُ اشْتَمَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى حُصُولِ حالَةٍ عَجِيبَةٍ نادِرَةٍ في هَذا العالَمِ، فَسُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ اشْتَمَلَتْ عَلى الإسْراءِ بِجَسَدِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ وهو حالَةٌ عَجِيبَةٌ، وهَذِهِ السُّورَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى بَقاءِ القَوْمِ في النَّوْمِ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وأزْيَدَ، وهو أيْضًا حالَةٌ عَجِيبَةٌ، وسُورَةُ مَرْيَمَ اشْتَمَلَتْ عَلى حُدُوثِ الوَلَدِ لا مِنَ الأبِ وهو أيْضًا حالَةٌ عَجِيبَةٌ، والمُعْتَمَدُ في بَيانِ إمْكانِ كُلِّ هَذِهِ العَجائِبِ والغَرائِبِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثَةِ المُتَوالِيَةِ هو الطَّرِيقَةُ الَّتِي ذَكَرْناها. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المَعْنى مِنَ المُمْكِناتِ أنَّ أبا عَلِيٍّ ابْنَ سِينا ذَكَرَ في بابِ الزَّمانِ مِن كِتابِ الشِّفاءِ أنَّ أرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمَ ذَكَرَ أنَّهُ عَرَضَ لِقَوْمٍ مِنَ المُتَألِّهِينَ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِحالَةِ أصْحابِ الكَهْفِ، ثُمَّ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَدُلُّ التّارِيخُ عَلى أنَّهم كانُوا قَبْلَ أصْحابِ الكَهْفِ.

الكهف 18:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ اعْلَمْ أنَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى قِصَّةِ مُوسى والخَضِرِ كَلامٌ واحِدٌ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ أنَّ أكابِرَ كُفّارِ قُرَيْشٍ احْتَجُّوا، وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إنْ أرَدْتَ أنْ نُؤْمِنَ بِكَ فاطْرُدْ مِن عِنْدِكَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ، واللَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ ومَنَعَهُ عَنْهُ، وأطْنَبَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الآياتِ في بَيانِ أنَّ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ والتَمَسُوهُ مَطْلُوبٌ فاسِدٌ واقْتِراحٌ باطِلٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ الأصْلَ في هَذا البابِ شَيْئًا واحِدًا، وهو أنْ يُواظِبَ عَلى تِلاوَةِ الكِتابِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ وعَلى العَمَلِ بِهِ وأنْ لا يَلْتَفِتَ إلى اقْتِراحِ المُقْتَرِحِينَ وتَعَنُّتِ المُتَعَنِّتِينَ، فَقالَ: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسْألَةٌ وهي: إنَّ قَوْلَهُ: (اتْلُ) يَتَناوَلُ القِراءَةَ ويَتَناوَلُ الِاتِّباعَ، فَيَكُونُ المَعْنى: الزَمْ قِراءَةَ الكِتابِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ والزَمِ العَمَلَ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ يَمْتَنِعُ تَطَرُّقُ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِها في إثْباتِ أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ مَعْناهُ: الزَمِ العَمَلَ بِمُقْتَضى هَذا الكِتابِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ العَمَلِ بِمُقْتَضى ظاهِرِهِ، صفحة ٩٨ فَإنْ قِيلَ: فَيَجِبُ ألّا يَتَطَرَّقَ النَّسْخُ إلَيْهِ، قُلْنا: هَذا هو مَذْهَبُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ فَلَيْسَ يَبْعُدُ، وأيْضًا فالنَّسْخُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِتَبْدِيلٍ؛ لِأنَّ المَنسُوخَ ثابِتٌ في وقْتِهِ إلى وقْتِ طَرَيانِ النّاسِخِ، فالنّاسِخُ كالغايَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَبْدِيلًا ؟ أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُلْتَحَدَ هو المَلْجَأُ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: هو مِن لَحَدَ وألْحَدَ إذا مالَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ﴾ (النَّحْلِ: ١٠٣) والمُلْحِدُ المائِلُ عَنِ الدِّينِ، والمَعْنى: ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مَلْجَأً في البَيانِ والرَّشادِ. ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ اعْلَمْ أنَّ أكابِرَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا، وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إنْ أرَدْتَ أنْ نُؤْمِنَ بِكَ فاطْرُدْ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ مِن عِنْدِكَ، فَإذا حَضَرْنا لَمْ يَحْضُرُوا، وتُعَيِّنُ لَهم وقْتًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ عِنْدَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٥٢) الآيَةَ، فَبَيَّنَ فِيها أنَّهُ لا يَجُوزُ طَرْدُهم بَلْ تُجالِسُهم وتُوافِقُهم وتُعَظِّمُ شَأْنَهم، ولا تَلْتَفِتُ إلى أقْوالِ أُولَئِكَ الكُفّارِ ولا تُقِيمُ لَهم في نَظَرِكَ وزْنًا سَواءٌ غابُوا أوْ حَضَرُوا، وهَذِهِ القِصَّةُ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها وكَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُسْتَقِلٌّ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ سَبَقَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ (الأنْعامِ: ٥٢) فَفي تِلْكَ الآيَةِ نُهِيَ الرَّسُولُ -ﷺ- عَنْ طَرْدِهِمْ وفي هَذِهِ الآيَةِ أمَرَهُ بِمُجالَسَتِهِمْ والمُصابَرَةِ مَعَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أصْلُ الصَّبْرِ الحَبْسُ، ومِنهُ نَهى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ المَصْبُورَةِ، وهي البَهِيمَةُ تُحْبَسُ فَتُرْمى، أمّا قَوْلُهُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالغُدْوَةِ بِضَمِّ الغَيْنِ، والباقُونَ بِالغَداةِ، وكِلاهُما لُغَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ كَوْنُهم مُواظِبِينَ عَلى هَذا العَمَلِ في كُلِّ الأوْقاتِ، كَقَوْلِ القائِلِ: لَيْسَ لِفُلانٍ عَمَلٌ بِالغَداةِ والعَشِيِّ إلّا شَتْمَ النّاسِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ. الثّالِثُ: المُرادُ أنَّ الغَداةَ هي الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَقِلُ الإنْسانُ فِيهِ مِنَ النَّوْمِ إلى اليَقَظَةِ، وهَذا الِانْتِقالُ شَبِيهٌ بِالِانْتِقالِ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ، والعَشِيُّ هو الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَقِلُ الإنْسانُ فِيهِ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ومِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ، والإنْسانُ العاقِلُ يَكُونُ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ كَثِيرَ الذِّكْرِ لِلَّهِ عَظِيمَ الشُّكْرِ لِآلاءِ اللَّهِ ونَعْمائِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ يُقالُ: عَداهُ إذا جاوَزَهُ ومِنهُ قَوْلُهم: عَدا طَوْرَهُ وجاءَ القَوْمُ عَدا زَيْدًا، وإنَّما عُدِّيَ بِلَفْظَةِ عَنْ؛ لِأنَّها تُفِيدُ المُباعَدَةَ، فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ تِلْكَ المُباعَدَةِ، وقُرِئَ: (ولا تُعَدِّ عَيْنَيْكَ) ولا تُعَدِّ عَيْنَيْكَ مِن أعْداهُ وعَدّاهُ نَقْلًا بِالهَمْزَةِ وتَثْقِيلِ الحَشْوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ شِعْرًا: فَعَدِّ عَمّا تَرى إذْ لا ارْتِجاعَ لَهُ والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى نَهى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أنْ يَزْدَرِيَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ وأنْ تَنْبُوَ عَيْناهُ عَنْهم، لِأجْلِ رَغْبَتِهِ في مُجالَسَةِ الأغْنِياءِ وحُسْنِ صُورَتِهِمْ، وقَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ نُصِبَ في مَوْضِعِ الحالِ، يَعْنِي: أنَّكَ (إنْ) فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إقْدامُكَ عَلَيْهِ إلّا لِرَغْبَتِكَ في زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا * * * ولَمّا بالَغَ في أمْرِهِ بِمُجالَسَةِ الفُقَراءِ مِنَ المُسْلِمِينَ بالَغَ في النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى أقْوالِ الأغْنِياءِ والمُتَكَبِّرِينَ، فَقالَ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٩٩ المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَخْلُقُ الجَهْلَ والغَفْلَةَ في قُلُوبِ الجُهّالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أغْفَلْنا﴾ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ أنّا وجَدْنا قَلْبَهُ غافِلًا، ولَيْسَ المُرادُ خَلْقَ الغَفْلَةِ فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الزَّبِيدِيِّ أنَّهُ قالَ لِبَنِي سُلَيْمٍ: قاتَلْناكم فَما أجَبْناكم، وسَألْناكم فَما أبْخَلْناكم، وهَجَوْناكم فَما أفْحَمْناكم، أيْ ما وجَدْناكم جُبَناءَ ولا بُخَلاءَ ولا مُفْحَمِينَ، ثُمَّ نَقُولُ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ولَوْ كانَ تَعالى خَلَقَ الغَفْلَةَ في قَلْبِهِ لَما صَحَّ ذَلِكَ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ هو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ قَلْبَهُ غافِلًا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا فاتَّبَعَ هَواهُ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ مِن أفْعالِ المُطاوَعَةِ، وهي إنَّما تُعْطَفُ بِالفاءِ لا بِالواوِ، ويُقالُ: كَسَرْتُهُ فانْكَسَرَ، ودَفَعْتُهُ فانْدَفَعَ، ولا يُقالُ: وانْكَسَرَ وانْدَفَعَ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ ولَوْ كانَ تَعالى أغْفَلَ في الحَقِيقَةِ قَلْبَهُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُضافَ ذَلِكَ إلى اتِّباعِهِ هَواهُ. والجَوابُ: قَوْلُهُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أغْفَلْنا﴾ أيْ وجَدْناهُ غافِلًا، ولَيْسَ المُرادُ تَحْصِيلَ الغَفْلَةِ فِيهِ. قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الِاشْتِراكَ خِلافُ الأصْلِ فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ وزْنَ الأفْعالِ حَقِيقَةٌ في أحَدِهِما مَجازٌ في الآخَرِ، وجَعْلُهُ حَقِيقَةً في التَّكْوِينِ مَجازًا في الوِجْدانِ أوْلى مِنَ العَكْسِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَجِيءَ بِناءِ الأفْعالِ بِمَعْنى التَّكْوِينِ أكْثَرُ مِن مَجِيئِهِ بِمَعْنى الوِجْدانِ والكَثْرَةُ دَلِيلُ الرُّجْحانِ. وثانِيها: أنَّ مُبادَرَةَ الفَهْمِ مِن هَذا البِناءِ إلى التَّكْوِينِ أكْثَرُ مِن مُبادَرَتِهِ إلى الوِجْدانِ ومُبادَرَةُ الفَهْمِ دَلِيلُ الرُّجْحانِ. وثالِثُها: أنّا إنْ جَعَلْناهُ حَقِيقَةً في التَّكْوِينِ أمْكَنَ جَعْلُهُ مَجازًا في الوِجْدانِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ تابِعٌ لِحُصُولِ المَعْلُومِ، فَجَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في المَتْبُوعِ ومَجازًا في التَّبَعِ مُوافِقٌ لِلْمَعْقُولِ، أمّا لَوْ جَعَلْناهُ حَقِيقَةً في الوِجْدانِ مَجازًا في الإيجادِ لَزِمَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً في التَّبَعِ مَجازًا في الأصْلِ وأنَّهُ عَكْسُ المَعْقُولِ فَثَبَتَ أنَّ الأصْلَ جَعْلُ هَذا البِناءِ حَقِيقَةً في الإيجادِ لا في الوِجْدانِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ: إنّا نُسَلِّمُ كَوْنَ اللَّفْظِ مُشْتَرِكًا بِالنِّسْبَةِ إلى الإيجادِ وإلى الوِجْدانِ، إلّا أنّا نَقُولُ يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿أغْفَلْنا﴾ عَلى إيجادِ الغَفْلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُ العَبْدِ مُوجِدًا لِلْغَفْلَةِ في نَفْسِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ إذا حاوَلَ إيجادَ الغَفْلَةِ، فَإمّا أنْ يُحاوِلَ إيجادَ مُطْلَقِ الغَفْلَةِ أوْ يُحاوِلَ إيجادَ الغَفْلَةِ عَنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَمْ يَكُنْ بِأنْ تَحْصُلَ لَهُ الغَفْلَةُ عَنْ هَذا الشَّيْءِ أوْلى بِأنْ تَحْصُلَ لَهُ الغَفْلَةُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ؛ لِأنَّ الطَّبِيعَةَ المُشْتَرَكَ فِيها بَيْنَ الأنْواعِ الكَثِيرَةِ تَكُونُ نِسْبَتُها إلى كُلِّ تِلْكَ الأنْواعِ عَلى السَّوِيَّةِ، أمّا الثّانِي فَهو أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْ كَذا عِبارَةٌ عَنْ غَفْلَةٍ لا تَمْتازُ عَنْ سائِرِ أقْسامِ الغَفَلاتِ إلّا بِكَوْنِها مُنْتَسِبَةً إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ المُعَيَّنِ بِعَيْنِهِ، فَعَلى هَذا لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْصِدَ إلى إيجادِ الغَفْلَةِ عَنْ كَذا إلّا إذا تَصَوَّرَ أنَّ تِلْكَ الغَفْلَةَ غَفْلَةٌ عَنْ كَذا، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَصَوَّرَ كَوْنَ تِلْكَ الغَفْلَةِ غَفْلَةً عَنْ كَذا إلّا إذا تَصَوَّرَ كَذا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِنِسْبَةِ أمْرٍ إلى أمْرٍ آخَرَ مَشْرُوطٌ بِتَصَوُّرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُنْتَسِبِينَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ القَصْدُ إلى إيجادِ الغَفْلَةِ عَنْ كَذا إلّا مَعَ الشُّعُورِ بِكَذا، لَكِنَّ الغَفْلَةَ عَنْ كَذا ضِدُّ الشُّعُورِ بِكَذا؛ فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ إيجادُ هَذِهِ الغَفْلَةِ إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ وذَلِكَ مُحالٌ، والمَوْقُوفُ عَلى المُحالِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ قادِرٍ عَلى إيجادِ الغَفْلَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خالِقُ الغَفَلاتِ ومُوجِدُها في العِبادِ هو اللَّهَ، وهَذِهِ نُكْتَةٌ قاطِعَةٌ في صفحة ١٠٠ إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ هو إيجادُ الغَفْلَةِ لا وِجْدانُها، أمّا حَدِيثُ المَدْحِ والذَّمِّ، فَقَدْ عارَضْناهُ مِرارًا وأطْوارًا بِالعِلْمِ والدّاعِي، أمّا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكَهْفِ: ١٢٥) فالبَحْثُ عَنْهُ سَيَأْتِي -إنْ شاءَ اللَّهُ- تَعالى، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ لَوْ كانَ المُرادُ إيجادَ الغَفْلَةِ لَوَجَبَ ذِكْرُ الفاءِ، لا ذِكْرُ الواوِ، فَنَقُولُ: هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ خَلْقُ الغَفْلَةِ في القَلْبِ مِن لَوازِمِهِ حُصُولُ اتِّباعِ الهَوى، كَما أنَّ الكَسْرَ مِن لَوازِمِهِ حُصُولُ الِانْكِسارِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن حُصُولِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ حُصُولُ مُتابَعَةِ الهَوى لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ غافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَتَّبِعُ الهَوى، بَلْ يَبْقى مُتَوَقِّفًا لا يُنافِي مَقامَ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ والخَوْفِ مِنَ الكُلِّ فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ، وذَكَرَ القَفّالُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ وُجُوهًا أُخْرى: فَأحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّ عَلَيْهِمُ الدُّنْيا صَبًّا، وأدّى ذَلِكَ إلى رُسُوخِ الغَفْلَةِ في قُلُوبِهِمْ، صَحَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ تَعالى حَصَّلَ الغَفْلَةَ في قُلُوبِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ (نُوحٍ: ٦) . والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أغْفَلْنا﴾ أيْ تَرَكْناهُ غافِلًا، فَلَمْ نَسِمْهُ بِسِمَةِ أهْلِ الطَّهارَةِ والتَّقْوى، وهو مِن قَوْلِهِمْ: بَعِيرٌ غُفْلٌ أيْ لا سِمَةَ عَلَيْهِ. وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: أغْفَلْنا قَلْبَهُ أيْ خَلّاهُ مَعَ الشَّيْطانِ، ولَمْ يَمْنَعِ الشَّيْطانَ مِنهُ. فَيُقالُ في الوَجْهِ الأوَّلِ: أنَّ فَتْحَ بابِ لَذّاتِ الدُّنْيا عَلَيْهِ هَلْ يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الغَفْلَةِ في قَلْبِهِ أوْ لا يُؤَثِّرُ، فَإنْ أثَّرَ كانَ أثَرُ إيصالِ اللَّذّاتِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ الغَفْلَةِ في قَلْبِهِ، وذَلِكَ عَيْنُ القَوْلِ بِأنَّهُ تَعالى فَعَلَ ما يُوجِبُ حُصُولَ الغَفْلَةِ في قَلْبِهِ، وإنْ كانَ لا تَأْثِيرَ لَهُ في حُصُولِ هَذِهِ الغَفْلَةِ بَطَلَ إسْنادُهُ إلَيْهِ. وقَدْ يُقالُ في الوَجْهِ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: أغْفَلْنا قَلْبَهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: سَوَّدْنا قَلْبَهُ وبَيَّضْنا وجْهَهُ، ولا يُفِيدُ إلّا ما ذَكَرْناهُ. ويُقالُ في الوَجْهِ الثّالِثِ: إنْ كانَ لِتِلْكَ التَّخْلِيَةِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الغَفْلَةِ فَقَدْ صَحَّ قَوْلُنا، وإلّا بَطَلَ اسْتِنادُ تِلْكَ الغَفْلَةِ إلى اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ شَرَّ أحْوالِ الإنْسانِ أنْ يَكُونَ قَلْبُهُ خالِيًا عَنْ ذِكْرِ الحَقِّ، ويَكُونَ مَمْلُوءًا مِنَ الهَوى الدّاعِي إلى الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ: أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ نُورٌ وذِكْرَ غَيْرِهِ ظُلْمَةٌ؛ لِأنَّ الوُجُودَ طَبِيعَةُ النُّورِ والعَدَمَ مَنبَعُ الظُّلْمَةِ، والحَقَّ تَعالى واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَكانَ النُّورُ الحَقُّ هو اللَّهَ، وما سِوى اللَّهِ فَهو مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ. والإمْكانُ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ، فَكانَ مَنبَعَ الظُّلْمَةِ، فالقَلْبُ إذا أشْرَقَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، فَقَدْ حَصَلَ فِيهِ النُّورُ والضَّوْءُ والإشْراقُ، وإذا تَوَجَّهَ القَلْبُ إلى الخَلْقِ فَقَدْ حَصَلَ فِيهِ الظُّلْمُ والظُّلْمَةُ بَلِ الظُّلُماتُ، فَلِهَذا السَّبَبِ إذا أعْرَضَ القَلْبُ عَنِ الحَقِّ، وأقْبَلَ عَلى الخَلْقِ فَهو الظُّلْمَةُ الخالِصَةُ التّامَّةُ، فالإعْراضُ عَنِ الحَقِّ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ والإقْبالُ عَلى الخَلْقِ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: ﴿فُرُطًا﴾ أيْ مُجاوِزًا لِلْحَدِّ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ فُرُطٌ، إذا كانَ مُتَقَدِّمًا الخَيْلَ، قالَ اللَّيْثُ: الفُرُطُ الأمْرُ الَّذِي يُفْرَطُ فِيهِ، يُقالُ: كُلُّ أمْرِ فُلانٍ فُرُطٌ، وأنْشَدَ شِعْرًا: لَقَدْ كَلَّفَنِي شَطَطا وأمْرًا خائِبًا فُرُطا أيْ مُضَيَّعًا، فَقَوْلُهُ: وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا؛ مَعْناهُ: أنَّ الأمْرَ الَّذِي يَلْزَمُهُ الحِفْظُ لَهُ والِاهْتِمامُ بِهِ، وهو أمْرُ دِينِهِ، يَكُونُ مَخْصُوصًا بِإيقاعِ التَّفْرِيطِ والتَّقْصِيرِ فِيهِ، وهَذِهِ الحالَةُ صِفَةُ مَن لا يَنْظُرُ لِدِينِهِ، وإنَّما عَمَلُهُ لِدُنْياهُ، فَبَيَّنَ تَعالى مِن حالِ الغافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ التّابِعِينَ لِهَواهم أنَّهم مُقَصِّرُونَ في مُهِمّاتِهِمْ مُعْرِضُونَ عَمّا وجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّدَبُّرِ صفحة ١٠١ فِي الآياتِ والتَّحَفُّظِ بِمُهِمّاتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ أُولَئِكَ الفُقَراءَ بِالمُواظَبَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ والإعْراضِ عَنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ ووَصَفَ هَؤُلاءِ الأغْنِياءَ بِالإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، والإقْبالِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ بِمُجالَسَةِ أُولَئِكَ والمُباعَدَةِ عَنْ هَؤُلاءِ، رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كُنْتُ جالِسًا في عِصابَةٍ مِن ضُعَفاءِ المُهاجِرِينَ، وإنَّ بَعْضَهم لَيَسْتُرُ بَعْضًا مِنَ العُرْيِ، وقارِئٌ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقالَ: ماذا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ كانَ واحِدٌ يَقْرَأُ مِن كِتابِ اللَّهِ ونَحْنُ نَسْتَمِعُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِن أُمَّتِي مَن أُمِرْتُ إلى أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ“ ثُمَّ جَلَسَ وسَطَنا، وقالَ: ”أبْشِرُوا يا صَعالِيكَ المُهاجِرِينَ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ، تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِياءِ بِمِقْدارِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ» “ .

الكهف 18:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ اعْلَمْ أنَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى قِصَّةِ مُوسى والخَضِرِ كَلامٌ واحِدٌ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ أنَّ أكابِرَ كُفّارِ قُرَيْشٍ احْتَجُّوا، وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إنْ أرَدْتَ أنْ نُؤْمِنَ بِكَ فاطْرُدْ مِن عِنْدِكَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ، واللَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ ومَنَعَهُ عَنْهُ، وأطْنَبَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الآياتِ في بَيانِ أنَّ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ والتَمَسُوهُ مَطْلُوبٌ فاسِدٌ واقْتِراحٌ باطِلٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ الأصْلَ في هَذا البابِ شَيْئًا واحِدًا، وهو أنْ يُواظِبَ عَلى تِلاوَةِ الكِتابِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ وعَلى العَمَلِ بِهِ وأنْ لا يَلْتَفِتَ إلى اقْتِراحِ المُقْتَرِحِينَ وتَعَنُّتِ المُتَعَنِّتِينَ، فَقالَ: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسْألَةٌ وهي: إنَّ قَوْلَهُ: (اتْلُ) يَتَناوَلُ القِراءَةَ ويَتَناوَلُ الِاتِّباعَ، فَيَكُونُ المَعْنى: الزَمْ قِراءَةَ الكِتابِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ والزَمِ العَمَلَ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ يَمْتَنِعُ تَطَرُّقُ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِها في إثْباتِ أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ مَعْناهُ: الزَمِ العَمَلَ بِمُقْتَضى هَذا الكِتابِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ العَمَلِ بِمُقْتَضى ظاهِرِهِ، صفحة ٩٨ فَإنْ قِيلَ: فَيَجِبُ ألّا يَتَطَرَّقَ النَّسْخُ إلَيْهِ، قُلْنا: هَذا هو مَذْهَبُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ فَلَيْسَ يَبْعُدُ، وأيْضًا فالنَّسْخُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِتَبْدِيلٍ؛ لِأنَّ المَنسُوخَ ثابِتٌ في وقْتِهِ إلى وقْتِ طَرَيانِ النّاسِخِ، فالنّاسِخُ كالغايَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَبْدِيلًا ؟ أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُلْتَحَدَ هو المَلْجَأُ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: هو مِن لَحَدَ وألْحَدَ إذا مالَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ﴾ (النَّحْلِ: ١٠٣) والمُلْحِدُ المائِلُ عَنِ الدِّينِ، والمَعْنى: ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مَلْجَأً في البَيانِ والرَّشادِ. ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ اعْلَمْ أنَّ أكابِرَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا، وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إنْ أرَدْتَ أنْ نُؤْمِنَ بِكَ فاطْرُدْ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ مِن عِنْدِكَ، فَإذا حَضَرْنا لَمْ يَحْضُرُوا، وتُعَيِّنُ لَهم وقْتًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ عِنْدَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٥٢) الآيَةَ، فَبَيَّنَ فِيها أنَّهُ لا يَجُوزُ طَرْدُهم بَلْ تُجالِسُهم وتُوافِقُهم وتُعَظِّمُ شَأْنَهم، ولا تَلْتَفِتُ إلى أقْوالِ أُولَئِكَ الكُفّارِ ولا تُقِيمُ لَهم في نَظَرِكَ وزْنًا سَواءٌ غابُوا أوْ حَضَرُوا، وهَذِهِ القِصَّةُ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها وكَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُسْتَقِلٌّ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ سَبَقَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ (الأنْعامِ: ٥٢) فَفي تِلْكَ الآيَةِ نُهِيَ الرَّسُولُ -ﷺ- عَنْ طَرْدِهِمْ وفي هَذِهِ الآيَةِ أمَرَهُ بِمُجالَسَتِهِمْ والمُصابَرَةِ مَعَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أصْلُ الصَّبْرِ الحَبْسُ، ومِنهُ نَهى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ المَصْبُورَةِ، وهي البَهِيمَةُ تُحْبَسُ فَتُرْمى، أمّا قَوْلُهُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالغُدْوَةِ بِضَمِّ الغَيْنِ، والباقُونَ بِالغَداةِ، وكِلاهُما لُغَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ كَوْنُهم مُواظِبِينَ عَلى هَذا العَمَلِ في كُلِّ الأوْقاتِ، كَقَوْلِ القائِلِ: لَيْسَ لِفُلانٍ عَمَلٌ بِالغَداةِ والعَشِيِّ إلّا شَتْمَ النّاسِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ. الثّالِثُ: المُرادُ أنَّ الغَداةَ هي الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَقِلُ الإنْسانُ فِيهِ مِنَ النَّوْمِ إلى اليَقَظَةِ، وهَذا الِانْتِقالُ شَبِيهٌ بِالِانْتِقالِ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ، والعَشِيُّ هو الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَقِلُ الإنْسانُ فِيهِ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ومِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ، والإنْسانُ العاقِلُ يَكُونُ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ كَثِيرَ الذِّكْرِ لِلَّهِ عَظِيمَ الشُّكْرِ لِآلاءِ اللَّهِ ونَعْمائِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ يُقالُ: عَداهُ إذا جاوَزَهُ ومِنهُ قَوْلُهم: عَدا طَوْرَهُ وجاءَ القَوْمُ عَدا زَيْدًا، وإنَّما عُدِّيَ بِلَفْظَةِ عَنْ؛ لِأنَّها تُفِيدُ المُباعَدَةَ، فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ تِلْكَ المُباعَدَةِ، وقُرِئَ: (ولا تُعَدِّ عَيْنَيْكَ) ولا تُعَدِّ عَيْنَيْكَ مِن أعْداهُ وعَدّاهُ نَقْلًا بِالهَمْزَةِ وتَثْقِيلِ الحَشْوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ شِعْرًا: فَعَدِّ عَمّا تَرى إذْ لا ارْتِجاعَ لَهُ والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى نَهى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أنْ يَزْدَرِيَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ وأنْ تَنْبُوَ عَيْناهُ عَنْهم، لِأجْلِ رَغْبَتِهِ في مُجالَسَةِ الأغْنِياءِ وحُسْنِ صُورَتِهِمْ، وقَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ نُصِبَ في مَوْضِعِ الحالِ، يَعْنِي: أنَّكَ (إنْ) فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إقْدامُكَ عَلَيْهِ إلّا لِرَغْبَتِكَ في زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا * * * ولَمّا بالَغَ في أمْرِهِ بِمُجالَسَةِ الفُقَراءِ مِنَ المُسْلِمِينَ بالَغَ في النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى أقْوالِ الأغْنِياءِ والمُتَكَبِّرِينَ، فَقالَ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٩٩ المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَخْلُقُ الجَهْلَ والغَفْلَةَ في قُلُوبِ الجُهّالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أغْفَلْنا﴾ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ أنّا وجَدْنا قَلْبَهُ غافِلًا، ولَيْسَ المُرادُ خَلْقَ الغَفْلَةِ فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الزَّبِيدِيِّ أنَّهُ قالَ لِبَنِي سُلَيْمٍ: قاتَلْناكم فَما أجَبْناكم، وسَألْناكم فَما أبْخَلْناكم، وهَجَوْناكم فَما أفْحَمْناكم، أيْ ما وجَدْناكم جُبَناءَ ولا بُخَلاءَ ولا مُفْحَمِينَ، ثُمَّ نَقُولُ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ولَوْ كانَ تَعالى خَلَقَ الغَفْلَةَ في قَلْبِهِ لَما صَحَّ ذَلِكَ. الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ هو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ قَلْبَهُ غافِلًا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا فاتَّبَعَ هَواهُ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ مِن أفْعالِ المُطاوَعَةِ، وهي إنَّما تُعْطَفُ بِالفاءِ لا بِالواوِ، ويُقالُ: كَسَرْتُهُ فانْكَسَرَ، ودَفَعْتُهُ فانْدَفَعَ، ولا يُقالُ: وانْكَسَرَ وانْدَفَعَ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ ولَوْ كانَ تَعالى أغْفَلَ في الحَقِيقَةِ قَلْبَهُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُضافَ ذَلِكَ إلى اتِّباعِهِ هَواهُ. والجَوابُ: قَوْلُهُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أغْفَلْنا﴾ أيْ وجَدْناهُ غافِلًا، ولَيْسَ المُرادُ تَحْصِيلَ الغَفْلَةِ فِيهِ. قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الِاشْتِراكَ خِلافُ الأصْلِ فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ وزْنَ الأفْعالِ حَقِيقَةٌ في أحَدِهِما مَجازٌ في الآخَرِ، وجَعْلُهُ حَقِيقَةً في التَّكْوِينِ مَجازًا في الوِجْدانِ أوْلى مِنَ العَكْسِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَجِيءَ بِناءِ الأفْعالِ بِمَعْنى التَّكْوِينِ أكْثَرُ مِن مَجِيئِهِ بِمَعْنى الوِجْدانِ والكَثْرَةُ دَلِيلُ الرُّجْحانِ. وثانِيها: أنَّ مُبادَرَةَ الفَهْمِ مِن هَذا البِناءِ إلى التَّكْوِينِ أكْثَرُ مِن مُبادَرَتِهِ إلى الوِجْدانِ ومُبادَرَةُ الفَهْمِ دَلِيلُ الرُّجْحانِ. وثالِثُها: أنّا إنْ جَعَلْناهُ حَقِيقَةً في التَّكْوِينِ أمْكَنَ جَعْلُهُ مَجازًا في الوِجْدانِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ تابِعٌ لِحُصُولِ المَعْلُومِ، فَجَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في المَتْبُوعِ ومَجازًا في التَّبَعِ مُوافِقٌ لِلْمَعْقُولِ، أمّا لَوْ جَعَلْناهُ حَقِيقَةً في الوِجْدانِ مَجازًا في الإيجادِ لَزِمَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً في التَّبَعِ مَجازًا في الأصْلِ وأنَّهُ عَكْسُ المَعْقُولِ فَثَبَتَ أنَّ الأصْلَ جَعْلُ هَذا البِناءِ حَقِيقَةً في الإيجادِ لا في الوِجْدانِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ: إنّا نُسَلِّمُ كَوْنَ اللَّفْظِ مُشْتَرِكًا بِالنِّسْبَةِ إلى الإيجادِ وإلى الوِجْدانِ، إلّا أنّا نَقُولُ يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿أغْفَلْنا﴾ عَلى إيجادِ الغَفْلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُ العَبْدِ مُوجِدًا لِلْغَفْلَةِ في نَفْسِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ إذا حاوَلَ إيجادَ الغَفْلَةِ، فَإمّا أنْ يُحاوِلَ إيجادَ مُطْلَقِ الغَفْلَةِ أوْ يُحاوِلَ إيجادَ الغَفْلَةِ عَنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَمْ يَكُنْ بِأنْ تَحْصُلَ لَهُ الغَفْلَةُ عَنْ هَذا الشَّيْءِ أوْلى بِأنْ تَحْصُلَ لَهُ الغَفْلَةُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ؛ لِأنَّ الطَّبِيعَةَ المُشْتَرَكَ فِيها بَيْنَ الأنْواعِ الكَثِيرَةِ تَكُونُ نِسْبَتُها إلى كُلِّ تِلْكَ الأنْواعِ عَلى السَّوِيَّةِ، أمّا الثّانِي فَهو أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْ كَذا عِبارَةٌ عَنْ غَفْلَةٍ لا تَمْتازُ عَنْ سائِرِ أقْسامِ الغَفَلاتِ إلّا بِكَوْنِها مُنْتَسِبَةً إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ المُعَيَّنِ بِعَيْنِهِ، فَعَلى هَذا لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْصِدَ إلى إيجادِ الغَفْلَةِ عَنْ كَذا إلّا إذا تَصَوَّرَ أنَّ تِلْكَ الغَفْلَةَ غَفْلَةٌ عَنْ كَذا، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَصَوَّرَ كَوْنَ تِلْكَ الغَفْلَةِ غَفْلَةً عَنْ كَذا إلّا إذا تَصَوَّرَ كَذا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِنِسْبَةِ أمْرٍ إلى أمْرٍ آخَرَ مَشْرُوطٌ بِتَصَوُّرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُنْتَسِبِينَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ القَصْدُ إلى إيجادِ الغَفْلَةِ عَنْ كَذا إلّا مَعَ الشُّعُورِ بِكَذا، لَكِنَّ الغَفْلَةَ عَنْ كَذا ضِدُّ الشُّعُورِ بِكَذا؛ فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ إيجادُ هَذِهِ الغَفْلَةِ إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ وذَلِكَ مُحالٌ، والمَوْقُوفُ عَلى المُحالِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ قادِرٍ عَلى إيجادِ الغَفْلَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خالِقُ الغَفَلاتِ ومُوجِدُها في العِبادِ هو اللَّهَ، وهَذِهِ نُكْتَةٌ قاطِعَةٌ في صفحة ١٠٠ إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ هو إيجادُ الغَفْلَةِ لا وِجْدانُها، أمّا حَدِيثُ المَدْحِ والذَّمِّ، فَقَدْ عارَضْناهُ مِرارًا وأطْوارًا بِالعِلْمِ والدّاعِي، أمّا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكَهْفِ: ١٢٥) فالبَحْثُ عَنْهُ سَيَأْتِي -إنْ شاءَ اللَّهُ- تَعالى، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ لَوْ كانَ المُرادُ إيجادَ الغَفْلَةِ لَوَجَبَ ذِكْرُ الفاءِ، لا ذِكْرُ الواوِ، فَنَقُولُ: هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ خَلْقُ الغَفْلَةِ في القَلْبِ مِن لَوازِمِهِ حُصُولُ اتِّباعِ الهَوى، كَما أنَّ الكَسْرَ مِن لَوازِمِهِ حُصُولُ الِانْكِسارِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن حُصُولِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ حُصُولُ مُتابَعَةِ الهَوى لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ غافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَتَّبِعُ الهَوى، بَلْ يَبْقى مُتَوَقِّفًا لا يُنافِي مَقامَ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ والخَوْفِ مِنَ الكُلِّ فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ، وذَكَرَ القَفّالُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ وُجُوهًا أُخْرى: فَأحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّ عَلَيْهِمُ الدُّنْيا صَبًّا، وأدّى ذَلِكَ إلى رُسُوخِ الغَفْلَةِ في قُلُوبِهِمْ، صَحَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ تَعالى حَصَّلَ الغَفْلَةَ في قُلُوبِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ (نُوحٍ: ٦) . والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أغْفَلْنا﴾ أيْ تَرَكْناهُ غافِلًا، فَلَمْ نَسِمْهُ بِسِمَةِ أهْلِ الطَّهارَةِ والتَّقْوى، وهو مِن قَوْلِهِمْ: بَعِيرٌ غُفْلٌ أيْ لا سِمَةَ عَلَيْهِ. وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: أغْفَلْنا قَلْبَهُ أيْ خَلّاهُ مَعَ الشَّيْطانِ، ولَمْ يَمْنَعِ الشَّيْطانَ مِنهُ. فَيُقالُ في الوَجْهِ الأوَّلِ: أنَّ فَتْحَ بابِ لَذّاتِ الدُّنْيا عَلَيْهِ هَلْ يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الغَفْلَةِ في قَلْبِهِ أوْ لا يُؤَثِّرُ، فَإنْ أثَّرَ كانَ أثَرُ إيصالِ اللَّذّاتِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ الغَفْلَةِ في قَلْبِهِ، وذَلِكَ عَيْنُ القَوْلِ بِأنَّهُ تَعالى فَعَلَ ما يُوجِبُ حُصُولَ الغَفْلَةِ في قَلْبِهِ، وإنْ كانَ لا تَأْثِيرَ لَهُ في حُصُولِ هَذِهِ الغَفْلَةِ بَطَلَ إسْنادُهُ إلَيْهِ. وقَدْ يُقالُ في الوَجْهِ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: أغْفَلْنا قَلْبَهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: سَوَّدْنا قَلْبَهُ وبَيَّضْنا وجْهَهُ، ولا يُفِيدُ إلّا ما ذَكَرْناهُ. ويُقالُ في الوَجْهِ الثّالِثِ: إنْ كانَ لِتِلْكَ التَّخْلِيَةِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الغَفْلَةِ فَقَدْ صَحَّ قَوْلُنا، وإلّا بَطَلَ اسْتِنادُ تِلْكَ الغَفْلَةِ إلى اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ شَرَّ أحْوالِ الإنْسانِ أنْ يَكُونَ قَلْبُهُ خالِيًا عَنْ ذِكْرِ الحَقِّ، ويَكُونَ مَمْلُوءًا مِنَ الهَوى الدّاعِي إلى الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ: أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ نُورٌ وذِكْرَ غَيْرِهِ ظُلْمَةٌ؛ لِأنَّ الوُجُودَ طَبِيعَةُ النُّورِ والعَدَمَ مَنبَعُ الظُّلْمَةِ، والحَقَّ تَعالى واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَكانَ النُّورُ الحَقُّ هو اللَّهَ، وما سِوى اللَّهِ فَهو مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ. والإمْكانُ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ، فَكانَ مَنبَعَ الظُّلْمَةِ، فالقَلْبُ إذا أشْرَقَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، فَقَدْ حَصَلَ فِيهِ النُّورُ والضَّوْءُ والإشْراقُ، وإذا تَوَجَّهَ القَلْبُ إلى الخَلْقِ فَقَدْ حَصَلَ فِيهِ الظُّلْمُ والظُّلْمَةُ بَلِ الظُّلُماتُ، فَلِهَذا السَّبَبِ إذا أعْرَضَ القَلْبُ عَنِ الحَقِّ، وأقْبَلَ عَلى الخَلْقِ فَهو الظُّلْمَةُ الخالِصَةُ التّامَّةُ، فالإعْراضُ عَنِ الحَقِّ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ والإقْبالُ عَلى الخَلْقِ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: ﴿فُرُطًا﴾ أيْ مُجاوِزًا لِلْحَدِّ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ فُرُطٌ، إذا كانَ مُتَقَدِّمًا الخَيْلَ، قالَ اللَّيْثُ: الفُرُطُ الأمْرُ الَّذِي يُفْرَطُ فِيهِ، يُقالُ: كُلُّ أمْرِ فُلانٍ فُرُطٌ، وأنْشَدَ شِعْرًا: لَقَدْ كَلَّفَنِي شَطَطا وأمْرًا خائِبًا فُرُطا أيْ مُضَيَّعًا، فَقَوْلُهُ: وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا؛ مَعْناهُ: أنَّ الأمْرَ الَّذِي يَلْزَمُهُ الحِفْظُ لَهُ والِاهْتِمامُ بِهِ، وهو أمْرُ دِينِهِ، يَكُونُ مَخْصُوصًا بِإيقاعِ التَّفْرِيطِ والتَّقْصِيرِ فِيهِ، وهَذِهِ الحالَةُ صِفَةُ مَن لا يَنْظُرُ لِدِينِهِ، وإنَّما عَمَلُهُ لِدُنْياهُ، فَبَيَّنَ تَعالى مِن حالِ الغافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ التّابِعِينَ لِهَواهم أنَّهم مُقَصِّرُونَ في مُهِمّاتِهِمْ مُعْرِضُونَ عَمّا وجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّدَبُّرِ صفحة ١٠١ فِي الآياتِ والتَّحَفُّظِ بِمُهِمّاتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ أُولَئِكَ الفُقَراءَ بِالمُواظَبَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ والإعْراضِ عَنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ ووَصَفَ هَؤُلاءِ الأغْنِياءَ بِالإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، والإقْبالِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ بِمُجالَسَةِ أُولَئِكَ والمُباعَدَةِ عَنْ هَؤُلاءِ، رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كُنْتُ جالِسًا في عِصابَةٍ مِن ضُعَفاءِ المُهاجِرِينَ، وإنَّ بَعْضَهم لَيَسْتُرُ بَعْضًا مِنَ العُرْيِ، وقارِئٌ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقالَ: ماذا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ كانَ واحِدٌ يَقْرَأُ مِن كِتابِ اللَّهِ ونَحْنُ نَسْتَمِعُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِن أُمَّتِي مَن أُمِرْتُ إلى أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ“ ثُمَّ جَلَسَ وسَطَنا، وقالَ: ”أبْشِرُوا يا صَعالِيكَ المُهاجِرِينَ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ، تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِياءِ بِمِقْدارِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ» “ .

الكهف 18:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ لا يَلْتَفِتَ إلى أُولَئِكَ الأغْنِياءِ الَّذِينَ قالُوا إنْ طَرَدْتَ الفُقَراءَ آمَنّا بِكَ، قالَ بَعْدَهُ: ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ: إنَّ هَذا الدِّينَ الحَقَّ إنَّما أتى مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنْ قَبِلْتُمُوهُ عادَ النَّفْعُ إلَيْكم، وإنْ لَمْ تَقْبَلُوهُ عادَ الضَّرَرُ إلَيْكم، ولا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ بِالفَقْرِ والغِنى والقُبْحِ والحُسْنِ والخُمُولِ والشُّهْرَةِ. الوَجْهُ الثّانِي في تَقْرِيرِ النَّظْمِ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الحَقَّ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والحَقُّ الَّذِي جاءَنِي مِن عِنْدِهِ أنْ أصْبِرَ نَفْسِيَ مَعَ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ ولا أطْرُدَهم، ولا ألْتَفِتَ إلى الرُّؤَساءِ وأهْلِ الدُّنْيا. والوَجْهُ الثّالِثُ في تَقْرِيرِ النَّظْمِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ هو أنَّ الحَقَّ الَّذِي جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَأْذَنْ في طَرْدِ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا؛ لِأجْلِ أنْ يَدْخُلَ في الإيمانِ جَمْعٌ مِنَ الكُفّارِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الأهَمِّ عَلى المُهِمِّ، فَطَرْدُ أُولَئِكَ الفُقَراءِ لا يُوجِبُ إلّا سُقُوطَ حُرْمَتِهِمْ وهَذا ضَرَرٌ قَلِيلٌ، أمّا عَدَمُ طَرْدِهِمْ فَإنَّهُ يُوجِبُ بَقاءَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ، وهَذا ضَرَرٌ عَظِيمٌ ؟ قُلْنا: أمّا عَدَمُ طَرْدِهِمْ فَإنَّهُ يُوجِبُ بَقاءَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ فَمُسَلَّمٌ إلّا أنَّ مَن تَرَكَ الإيمانَ لِأجْلِ الحَذَرِ مِن مُجالَسَةِ الفُقَراءِ فَإيمانُهُ لَيْسَ بِإيمانٍ بَلْ هو نِفاقٌ قَبِيحٌ، فَوَجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى إيمانِ مَن هَذا حالُهُ وصِفَتُهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ الأمْرَ في الإيمانِ والكُفْرِ والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ مُفَوَّضٌ إلى العَبْدِ واخْتِيارِهِ، فَمَن أنْكَرَ ذَلِكَ فَقَدْ خالَفَ صَرِيحَ القُرْآنِ، ولَقَدْ سَألَنِي بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقُلْتُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في صفحة ١٠٢ أنَّ حُصُولَ الإيمانِ، وحُصُولَ الكُفْرِ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ مَشِيئَةِ الإيمانِ وحُصُولِ مَشِيئَةِ الكُفْرِ وصَرِيحُ العَقْلِ أيْضًا يَدُلُّ لَهُ، فَإنَّ العَقْلَ الِاخْتِيارِيَّ يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ بِدُونِ القَصْدِ إلَيْهِ وبِدُونِ الِاخْتِيارِ لَهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حُصُولُ ذَلِكَ القَصْدِ والِاخْتِيارِ إنْ كانَ بِقَصْدٍ آخَرَ يَتَقَدَّمُهُ واخْتِيارٍ آخَرَ يَتَقَدَّمُهُ لَزِمَهُ أنْ يَكُونَ كُلُّ قَصْدٍ واخْتِيارٍ مَسْبُوقًا بِقَصْدٍ آخَرَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ وهو مُحالٌ، فَوَجَبَ انْتِهاءُ تِلْكَ القُصُودِ وتِلْكَ الِاخْتِياراتِ إلى قَصْدٍ واخْتِيارٍ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في العَبْدِ عَلى سَبِيلِ الضَّرُورَةِ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ القَصْدِ الضَّرُورِيِّ، والِاخْتِيارُ الضَّرُورِيُّ يُوجِبِ الفِعْلَ، فالإنْسانُ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ إنْ لَمْ تَحْصُلْ في قَلْبِهِ تِلْكَ المَشِيئَةُ الجازِمَةُ الخالِيَةُ عَنِ المُعارِضِ لَمْ يَتَرَتَّبِ الفِعْلُ، وإذا حَصَلَتْ تِلْكَ المَشِيئَةُ الجازِمَةُ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ يَجِبُ تَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلَيْهِ، فَلا حُصُولُ المَشِيئَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ، ولا حُصُولُ الفِعْلِ مُتَرَتِّبٌ عَلى المَشِيئَةِ، فالإنْسانُ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ، ولَقَدْ قَرَّرَ الشَّيْخُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هَذا المَعْنى في بابِ التَّوَكُّلِ مِن كِتابِ إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ، فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: إنِّي أجِدُ في نَفْسِي وِجْدانًا ضَرُورِيًّا أنِّي إنْ شِئْتُ الفِعْلَ قَدَرْتُ عَلى الفِعْلِ، وإنْ شِئْتُ التَّرْكَ قَدَرْتُ عَلى التَّرْكِ، فالفِعْلُ والتَّرْكُ بِي لا بِغَيْرِي، وأجابَ عَنْهُ، وقالَ: هَبْ أنَّكَ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ هَذا المَعْنى ولَكِنْ هَلْ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ أنَّكَ إنْ شِئْتَ مَشِيئَةَ الفِعْلِ حَصَلَتْ تِلْكَ المَشِيئَةُ، وإنْ لَمْ تَشَأْ تِلْكَ المَشِيئَةَ لَمْ تَحْصُلْ، بَلِ العَقْلُ يَشْهَدُ بِأنَّهُ يَشاءُ الفِعْلَ لا بِسَبْقِ مَشِيئَةٍ أُخْرى عَلى تِلْكَ المَشِيئَةِ، وإذا شاءَ الفِعْلَ وجَبَ حُصُولُ الفِعْلِ مِن غَيْرِ مُكْنَةٍ واخْتِيارٍ في هَذا المَقامِ فَحُصُولُ المَشِيئَةِ في القَلْبِ أمْرٌ لازِمٌ وتَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلى حُصُولِ المَشِيئَةِ أيْضًا أمْرٌ لازِمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ فِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ عَنِ الفاعِلِ بِدُونِ القَصْدِ والدّاعِي مُحالٌ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لا لِمَعْنى الطَّلَبِ في كِتابِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الصِّيغَةُ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ ولَيْسَتْ بِتَخْيِيرٍ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَنْتَفِعُ بِإيمانِ المُؤْمِنِينَ ولا يَسْتَضِرُّ بِكُفْرِ الكافِرِينَ، بَلْ نَفْعُ الإيمانِ يَعُودُ عَلَيْهِمْ، وضَرَرُ الكُفْرِ يَعُودُ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ (الإسْراءِ: ٧) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الكُفْرَ والإيمانَ والباطِلَ والحَقَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ والأعْمالِ الباطِلَةِ، وبِذِكْرِ الوَعْدِ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، أمّا الوَعِيدُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ يَقُولُ أعْتَدْنا لِمَن ظَلَمَ نَفْسَهُ ووَضَعَ العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، والأنَفَةَ في غَيْرِ مَحَلِّها، فَعِنْدَما اسْتَحْسَنَ بِهَواهُ وأنِفَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ؛ لِأجْلِ أنَّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فُقَراءُ ومَساكِينُ، فَهَذا كُلُّهُ ظُلْمٌ ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَأخْبَرَ تَعالى: أنَّهُ أعَدَّ لِهَؤُلاءِ الأقْوامِ نارًا وهي الجَحِيمُ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى تِلْكَ النّارَ بِصِفَتَيْنِ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ والسُّرادِقُ هو الحُجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ، فَأثْبَتَ لِلنّارِ شَيْئًا شَبِيهًا بِذَلِكَ يُحِيطُ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، والمُرادُ: أنَّهُ لا مُخَلِّصَ لَهم مِنها ولا فُرْجَةَ يَتَفَرَّجُونَ بِالنَّظَرِ إلى ما وراءَها مِن غَيْرِ النّارِ، بَلْ هي مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِن هَذا السُّرادِقِ الدُّخّانُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ (المُرْسَلاتِ: ٣٠) وقالُوا: هَذِهِ الإحاطَةُ بِهِمْ إنَّما تَكُونُ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النّارَ، فَيَغْشاهم هَذا الدُّخانُ ويُحِيطُ بِهِمْ كالسُّرادِقِ حَوْلَ الفُسْطاطِ. صفحة ١٠٣ والصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِهَذِهِ النّارِ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ قِيلَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: إنَّهُ دَرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ دَخَلَ بَيْتَ المالِ وأخْرَجَ نُفاثَةً كانَتْ فِيهِ وأوْقَدَ عَلَيْها النّارَ حَتّى تَلَأْلَأتْ، ثُمَّ قالَ: هَذا هو المُهْلُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: كُلُّ شَيْءٍ أذَبْتَهُ مِن ذَهَبٍ أوْ نُحاسٍ أوْ فِضَّةٍ فَهو المُهْلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الصَّدِيدُ والقَيْحُ، وقِيلَ: إنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ القَطْرانِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الِاسْتِغاثَةُ؛ لِأنَّهم إذا طَلَبُوا ماءً لِلشُّرْبِ، فَيُعْطَوْنَ هَذا المُهْلَ. قالَ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ (الغاشِيَةِ:٤ - ٥) ويُحْتَمَلُ أنْ يَسْتَغِيثُوا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ، فَيَطْلُبُوا ماءً يَصُبُّونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ لِلتَّبْرِيدِ، فَيُعْطَوْنَ هَذا الماءَ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ ( الأعْرافِ: ٥٠) وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ (إبْراهِيمَ: ٥٠) فَإذا اسْتَغاثُوا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ صُبَّ عَلَيْهِمُ القَطْرانُ الَّذِي يَعُمُّ كُلَّ أبْدانِهِمْ كالقَمِيصِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، كَقَوْلِهِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ أيْ أنَّ الماءَ الَّذِي هو كالمُهْلِ بِئْسَ الشَّرابُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِشُرْبِ الشَّرابِ تَسْكِينُ الحَرارَةِ، وهَذا يَبْلُغُ في احْتِراقِ الأجْسامِ مَبْلَغًا عَظِيمًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ قالَ قائِلُونَ: ساءَتِ النّارُ مَنزِلًا ومُجْتَمَعًا لِلرُّفْقَةِ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَجْتَمِعُونَ رُفَقاءَ كَأهْلِ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النِّساءِ: ٦٩) وأمّا رُفَقاءُ النّارِ فَهُمُ الكُفّارُ والشَّياطِينُ، والمَعْنى: بِئْسَ الرُّفَقاءُ هَؤُلاءِ، وبِئْسَ مَوْضِعُ التَّرافُقِ النّارُ، كَما أنَّهُ نِعْمَ الرُّفَقاءُ أهْلُ الجَنَّةِ ونِعْمَ مَوْضِعُ الرُّفَقاءِ الجَنَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: مُرْتَفَقًا أيْ مُتَّكَأً، وسُمِّيَ المِرْفَقُ مِرْفَقًا؛ لِأنَّهُ يُتَّكَأُ عَلَيْهِ، فالِاتْكاءُ إنَّما يَكُونُ لِلِاسْتِراحَةِ، والمُرْتَفَقُ مَوْضِعُ الِاسْتِراحَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الكهف 18:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ المُبْطِلِينَ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ المُحِقِّينَ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايِرَةَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّهُ يَسْتَوْجِبُ المُؤْمِنُ بِحُسْنِ عَمَلِهِ عَلى اللَّهِ أجْرًا، وعِنْدَ أصْحابِنا ذَلِكَ الِاسْتِيجابُ حَصَلَ بِحُكْمِ الوَعْدِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لِذاتِ الفِعْلِ، وهو باطِلٌ؛ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وهي مُوجِبَةٌ لِلشُّكْرِ والعُبُودِيَّةِ، فَلا يَصِيرُ الشُّكْرُ والعُبُودِيَّةُ مُوَجِبَيْنِ لِثَوابٍ آخَرَ؛ لِأنَّ أداءَ صفحة ١٠٤ الواجِبِ لا يُوجِبُ شَيْئًا آخَرَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلَخْ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ كَرَّرَ إنَّ تَأْكِيدًا لِلْأعْمالِ والجَزاءِ عَلَيْها. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أُولَئِكَ خَبَرُ إنَّ، وإنّا لا نُضِيعُ اعْتِراضٌ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (إنّا لا نُضِيعُ) و(أُولَئِكَ) خَبَرَيْنِ مَعًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أُولَئِكَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا بَيانًا لِلْأجْرِ المُبْهَمِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ الأجْرَ المُبْهَمَ أرْدَفَهُ بِالتَّفْصِيلِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: صِفَةُ مَكانِهِمْ وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ والعَدْنُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الإقامَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ إقامَةٍ، كَما يُقالُ: هَذِهِ دارُ إقامَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَدْنُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الجَنَّةِ وهو وسَطُها وأشْرَفُ أماكِنِها، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا فِيهِ فِيما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ﴾ لَفْظُ جَمْعٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما قالَهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٤٦) ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ نَصِيبَ كَلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ جَنَّةٌ عَلى حِدَةٍ، وذُكِرَ أنَّ مِن صِفاتِ تِلْكَ الجَنّاتِ أنَّ الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِها، وذَلِكَ لِأنَّ أفْضَلَ المَساكِنِ في الدُّنْيا البَساتِينُ الَّتِي يَجْرِي فِيها الأنْهارُ. وثانِيها: أنَّ لِباسَ أهْلِ الدُّنْيا إمّا لِباسُ التَّحَلِّي، وإمّا لِباسُ التَّسَتُّرِ، أمّا لِباسُ التَّحَلِّي، فَقالَ تَعالى في صِفَتِهِ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يُحَلِّيهِمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ أوْ تُحَلِّيهِمُ المَلائِكَةُ، وقالَ بَعْضُهم عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم ثَلاثَةُ أسْوِرَةٍ؛ سِوارٌ مِن ذَهَبٍ لِأجْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وسِوارٌ مِن فِضَّةٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ (الإنْسانِ: ٢١) وسِوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ (الحَجِّ: ٢٣)، وأمّا لِباسُ التَّسَتُّرِ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ والمُرادُ مِن سُنْدُسِ الآخِرَةِ وإسْتَبْرَقِ الآخِرَةِ، والأوَّلُ هو الدِّيباجُ الرَّقِيقُ، وهو الخَزُّ، والثّانِي هو الدِّيباجُ الصَّفِيقُ وقِيلَ: أصْلُهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وهو اسْتَبْرَهْ، أيْ غَلِيظٌ، فَإنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ تَعالى قالَ في الحُلِيِّ: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وقالَ في السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ: ويَلْبَسُونَ، فَأضافَ اللُّبْسَ إلَيْهِمْ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللُّبْسُ إشارَةً إلى ما اسْتَوْجَبُوهُ بِعَمَلِهِمْ، وأنْ يَكُونَ الحُلِيُّ إشارَةً إلى ما تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمِ ابْتِداءً مِن زَوائِدِ الكَرَمِ. وثالِثُها: كَيْفِيَّةُ جُلُوسِهِمْ فَقالَ في صِفَتِها: مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ، قالُوا: الأرائِكُ جَمْعُ أرِيكَةٍ وهي سَرِيرٌ في حَجْلَةٍ، أمّا السَّرِيرُ وحْدَهُ فَلا يُسَمّى أرِيكَةً، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ قالَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ والمُرادُ أنْ يَكُونَ هَذا في مُقابَلَةِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .

الكهف 18:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ المُبْطِلِينَ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ المُحِقِّينَ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايِرَةَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّهُ يَسْتَوْجِبُ المُؤْمِنُ بِحُسْنِ عَمَلِهِ عَلى اللَّهِ أجْرًا، وعِنْدَ أصْحابِنا ذَلِكَ الِاسْتِيجابُ حَصَلَ بِحُكْمِ الوَعْدِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لِذاتِ الفِعْلِ، وهو باطِلٌ؛ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وهي مُوجِبَةٌ لِلشُّكْرِ والعُبُودِيَّةِ، فَلا يَصِيرُ الشُّكْرُ والعُبُودِيَّةُ مُوَجِبَيْنِ لِثَوابٍ آخَرَ؛ لِأنَّ أداءَ صفحة ١٠٤ الواجِبِ لا يُوجِبُ شَيْئًا آخَرَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلَخْ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ كَرَّرَ إنَّ تَأْكِيدًا لِلْأعْمالِ والجَزاءِ عَلَيْها. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أُولَئِكَ خَبَرُ إنَّ، وإنّا لا نُضِيعُ اعْتِراضٌ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (إنّا لا نُضِيعُ) و(أُولَئِكَ) خَبَرَيْنِ مَعًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أُولَئِكَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا بَيانًا لِلْأجْرِ المُبْهَمِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ الأجْرَ المُبْهَمَ أرْدَفَهُ بِالتَّفْصِيلِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: صِفَةُ مَكانِهِمْ وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ والعَدْنُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الإقامَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ إقامَةٍ، كَما يُقالُ: هَذِهِ دارُ إقامَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَدْنُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الجَنَّةِ وهو وسَطُها وأشْرَفُ أماكِنِها، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا فِيهِ فِيما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ﴾ لَفْظُ جَمْعٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما قالَهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٤٦) ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ نَصِيبَ كَلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ جَنَّةٌ عَلى حِدَةٍ، وذُكِرَ أنَّ مِن صِفاتِ تِلْكَ الجَنّاتِ أنَّ الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِها، وذَلِكَ لِأنَّ أفْضَلَ المَساكِنِ في الدُّنْيا البَساتِينُ الَّتِي يَجْرِي فِيها الأنْهارُ. وثانِيها: أنَّ لِباسَ أهْلِ الدُّنْيا إمّا لِباسُ التَّحَلِّي، وإمّا لِباسُ التَّسَتُّرِ، أمّا لِباسُ التَّحَلِّي، فَقالَ تَعالى في صِفَتِهِ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يُحَلِّيهِمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ أوْ تُحَلِّيهِمُ المَلائِكَةُ، وقالَ بَعْضُهم عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم ثَلاثَةُ أسْوِرَةٍ؛ سِوارٌ مِن ذَهَبٍ لِأجْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وسِوارٌ مِن فِضَّةٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ (الإنْسانِ: ٢١) وسِوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ (الحَجِّ: ٢٣)، وأمّا لِباسُ التَّسَتُّرِ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ والمُرادُ مِن سُنْدُسِ الآخِرَةِ وإسْتَبْرَقِ الآخِرَةِ، والأوَّلُ هو الدِّيباجُ الرَّقِيقُ، وهو الخَزُّ، والثّانِي هو الدِّيباجُ الصَّفِيقُ وقِيلَ: أصْلُهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وهو اسْتَبْرَهْ، أيْ غَلِيظٌ، فَإنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ تَعالى قالَ في الحُلِيِّ: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وقالَ في السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ: ويَلْبَسُونَ، فَأضافَ اللُّبْسَ إلَيْهِمْ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللُّبْسُ إشارَةً إلى ما اسْتَوْجَبُوهُ بِعَمَلِهِمْ، وأنْ يَكُونَ الحُلِيُّ إشارَةً إلى ما تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمِ ابْتِداءً مِن زَوائِدِ الكَرَمِ. وثالِثُها: كَيْفِيَّةُ جُلُوسِهِمْ فَقالَ في صِفَتِها: مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ، قالُوا: الأرائِكُ جَمْعُ أرِيكَةٍ وهي سَرِيرٌ في حَجْلَةٍ، أمّا السَّرِيرُ وحْدَهُ فَلا يُسَمّى أرِيكَةً، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ قالَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ والمُرادُ أنْ يَكُونَ هَذا في مُقابَلَةِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .

الكهف 18:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.