Tafsir Al-Razi — طه 20:117 – الأنبياء 21:36
المحتويات
- طه 20:117
- طه 20:118
- طه 20:119
- طه 20:120
- طه 20:121
- طه 20:122
- طه 20:123
- طه 20:124
- طه 20:125
- طه 20:126
- طه 20:127
- طه 20:128
- طه 20:129
- طه 20:130
- طه 20:131
- طه 20:132
- طه 20:133
- طه 20:134
- طه 20:135
- الأنبياء 21:1
- الأنبياء 21:2
- الأنبياء 21:3
- الأنبياء 21:4
- الأنبياء 21:5
- الأنبياء 21:6
- الأنبياء 21:7
- الأنبياء 21:8
- الأنبياء 21:9
- الأنبياء 21:10
- الأنبياء 21:11
- الأنبياء 21:12
- الأنبياء 21:13
- الأنبياء 21:14
- الأنبياء 21:15
- الأنبياء 21:16
- الأنبياء 21:17
- الأنبياء 21:18
- الأنبياء 21:19
- الأنبياء 21:20
- الأنبياء 21:21
- الأنبياء 21:22
- الأنبياء 21:23
- الأنبياء 21:24
- الأنبياء 21:25
- الأنبياء 21:26
- الأنبياء 21:27
- الأنبياء 21:28
- الأنبياء 21:29
- الأنبياء 21:30
- الأنبياء 21:31
- الأنبياء 21:32
- الأنبياء 21:33
- الأنبياء 21:34
- الأنبياء 21:35
- الأنبياء 21:36
طه 20:117
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو المَرَّةُ السّادِسَةُ مِن قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في القُرْآنِ: أوَّلُها في سُورَةِ البَقَرَةِ ثُمَّ في الأعْرافِ
صفحة ١٠٧
ثُمَّ في الحِجْرِ ثُمَّ في الإسْراءِ ثُمَّ في الكَهْفِ، ثُمَّ هَهُنا. واعْلَمْ أنَّ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] ثُمَّ إنَّهُ عَظَّمَ أمْرَ القُرْآنِ وبالَغَ فِيهِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ إنْجازًا لِلْوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ . وثانِيها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ أرْدَفَهُ بِقِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ طاعَةَ بَنِي آدَمَ لِلشَّيْطانِ وتَرْكَهُمُ التَّحَفُّظَ مِن وساوِسِهِ أمْرٌ قَدِيمٌ، فَإنّا قَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ، أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَرَّفْنا لَهُمُ الوَعِيدَ وبالَغْنا في تَنْبِيهِهِ حَيْثُ قُلْنا: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ نَسِيَ وتَرَكَ ذَلِكَ العَهْدَ، فَأمْرُ البَشَرِ في تَرْكِ التَّحَفُّظِ مِنَ الشَّيْطانِ أمْرٌ قَدِيمٌ. وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ بَعْدَما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ وبالَغَ في تَجْدِيدِ العَهْدِ وتَحْذِيرِهِ مِنَ العَدُوِّ نَسِيَ، فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى ضَعْفِ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ عَنِ التَّحَفُّظِ فَيَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى الِاسْتِعانَةِ بِرَبِّهِ في أنْ يُوَفِّقَهُ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ ويُجَنِّبَهُ عَنِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ. ورابِعُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ في الجِدِّ في أمْرِ الدِّينِ بِحَيْثُ زادَ عَلى قَدْرِ الواجِبِ، فَلَمّا وصَفَهُ بِالإفْراطِ وصَفَ آدَمَ بِالتَّفْرِيطِ في ذَلِكَ فَإنَّهُ تَساهَلَ في ذَلِكَ ولَمْ يَتَحَفَّظْ حَتّى نَسِيَ، فَوَصَفَ الأوَّلَ بِالتَّفْرِيطِ والآخَرَ بِالإفْراطِ لِيُعْلِمَ أنَّ البَشَرَ لا يَنْفَكُّ عَنْ نَوْعِ زَلَّةٍ. وخامِسُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ ضاقَ قَلْبُهُ وقالَ في نَفْسِهِ: لَوْلا أنِّي أقْدَمْتُ عَلى ما لا يَنْبَغِي وإلّا لَما نُهِيتُ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ: إنْ كُنْتَ فَعَلْتَ ما نُهِيتَ عَنْهُ فَإنَّما فَعَلْتَهُ حِرْصًا مِنكَ عَلى العِبادَةِ، وحِفْظًا لِأداءِ الوَحْيِ وإنَّ أباكَ أقْدَمَ عَلى ما لا يَنْبَغِي لِلتَّساهُلِ وتَرَكَ التَّحَفُّظَ فَكانَ أمْرُكَ أحْسَنَ مِن أمْرِهِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ﴾ فَلا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِالعَهْدِ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ نَهْيٌ مِنهُ كَما يُقالُ في أوامِرِ المُلُوكِ ووَصاياهم أشارَ المَلِكُ إلَيْهِ وعَهِدَ إلَيْهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: عَهِدْنا إلَيْهِ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ولا يَقْرَبَها، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وُجُوهٌ، أحَدُها: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَرَّفْنا لَهُمُ الوَعِيدَ في القُرْآنِ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ عَهِدْنا إلَيْهِ أنْ لا يَأْكُلَ مِنها. وثالِثُها: أيْ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَسِيَ﴾ فَقَدْ تَكَلَّمْنا فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونُعِيدُ هَهُنا مِنهُ شَيْئًا قَلِيلًا، وفي النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ ما هو نَقِيضُ الذِّكْرِ، وإنَّما عُوتِبَ عَلى تَرْكِ التَّحَفُّظِ والمُبالَغَةِ في الضَّبْطِ حَتّى تَوَلَّدَ مِنهُ النِّسْيانُ، وكانَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: واللَّهِ ما عَصى قَطُّ إلّا بِنِسْيانٍ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّسْيانِ التَّرْكُ وأنَّهُ تَرَكَ ما عُهِدَ إلَيْهِ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنِ الشَّجَرَةِ وأكَلَ مِن ثَمَرَتِها، وقُرِئَ (فَنُسِّيَ) أيْ فَنَسّاهُ الشَّيْطانُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وأنْ يُقالَ: أقْدَمَ عَلَيْها مَعَ التَّأْوِيلِ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الوُجُودُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العِلْمِ ومِنهُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وأنْ يَكُونَ نَقِيضَ العَدَمِ كَأنَّهُ قالَ: وعَدِمْنا لَهُ عَزْمًا.
البَحْثُ الثّانِي: العَزْمُ هو التَّصْمِيمُ والتَّصَلُّبُ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ يَحْتَمِلُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى القِيامِ عَلى المَعْصِيَةِ فَيَكُونُ إلى المَدْحِ أقْرَبَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى تَرْكِ المَعْصِيَةِ، أوْ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى التَّحَفُّظِ والِاحْتِرازِ عَنِ الغَفْلَةِ، أوْ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى الِاحْتِياطِ في كَيْفِيَّةِ الِاجْتِهادِ إذا قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أخْطَأ بِالِاجْتِهادِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾
صفحة ١٠٨
فَهَذا يَشْتَمِلُ عَلى مَسائِلَ: إحْداها: أنَّ المَأْمُورِينَ كُلُّ المَلائِكَةِ أوْ بَعْضُهم. وثانِيَتُها: أنَّهُ ما مَعْنى السُّجُودِ. وثالِثَتُها: أنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا ؟ وإنْ لَمْ يَكُنْ فَكَيْفَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ وبِأيِّ شَيْءٍ صارَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ؟ . ورابِعَتُها: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ أفْضَلُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ أمْ لا ؟ . وخامِسَتُها: أنَّ قَوْلَهُ في صِفَةِ إبْلِيسَ أنَّهُ أبى كَيْفَ لَزِمَ الكُفْرَ مِن ذَلِكَ الإباءِ وأنَّهُ هَلْ كانَ كافِرًا ابْتِداءً أوْ كَفَرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسائِلَ مَرَّتْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: ما سَبَبُ تِلْكَ العَداوَةِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ إبْلِيسَ كانَ حَسُودًا فَلَمّا رَأى آثارَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَدَهُ فَصارَ عَدُوًّا لَهُ. وثانِيها: أنَّ آدَمَ كانَ شابًّا عالِمًا لِقَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها، وإبْلِيسَ كانَ شَيْخًا جاهِلًا لِأنَّهُ أثْبَتَ فَضْلَهُ بِفَضِيلَةِ أصْلِهِ وذَلِكَ جَهْلٌ، والشَّيْخُ الجاهِلُ أبَدًا يَكُونُ عَدُوًّا لِلشّابِّ العالِمِ. وثالِثُها: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ وآدَمَ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ والتُّرابِ فَبَيْنَ أصْلَيْهِما عَداوَةٌ فَبَقِيَتْ تِلْكَ العَداوَةُ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ﴾ مَعَ أنَّ المُخْرِجَ لَهُما مِنَ الجَنَّةِ هو اللَّهُ تَعالى ؟ الجَوابُ: لَمّا كانَ بِوَسْوَسَتِهِ هو الَّذِي فَعَلَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الخُرُوجُ صَحَّ ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ أُسْنِدَ إلى آدَمَ وحْدَهُ فِعْلُ الشَّقاءِ دُونَ حَوّاءَ مَعَ اشْتِراكِهِما في الفِعْلِ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ في ضِمْنِ شَقاءِ الرَّجُلِ وهو قَيِّمُ أهْلِهِ وأمِيرُهم شَقاءَهم، كَما أنَّ في ضِمْنِ سَعادَتِهِ سَعادَتَهم، فاخْتَصَّ الكَلامُ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ دُونَها مَعَ المُحافَظَةِ عَلى رِعايَةِ الفاصِلَةِ. الثّانِي: أُرِيدَ بِالشَّقاءِ التَّعَبُ في طَلَبِ القُوتِ وذَلِكَ عَلى الرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ، ورُوِيَ أنَّهُ أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ وكانَ يَحْرُثُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ وأنَّكَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ ووَجْهُ الفَتْحِ العَطْفُ عَلى أنْ لا تَجُوعَ فِيها، فَإنْ قِيلَ: ”أنْ“ لا تَدْخُلُ عَلى أنَّ فَلا يُقالُ: أنْ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ والواوُ نائِبَةٌ عَنْ أنَّ وقائِمَةٌ مَقامَها فَلِمَ أُدْخِلَتْ عَلَيْها ؟ قُلْنا: الواوُ لَمْ تُوضَعْ لِتَكُونَ أبَدًا نائِبَةً عَنْ أنَّ، إنَّما هي نائِبَةٌ عَنْ كُلِّ عامِلٍ، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ حَرْفًا مَوْضُوعًا لِلتَّحْقِيقِ خاصَّةً كانَ لَمْ يَمْتَنِعِ اجْتِماعُهُما كَما امْتَنَعَ اجْتِماعُ أنْ وأنَّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الشِّبَعُ والرِّيُّ والكُسْوَةُ والِاكْتِنانُ في الظِّلِّ هي الأقْطابُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ الإنْسانِ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى حُصُولَ هَذِهِ الأشْياءِ لَهُ في الجَنَّةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الكَسْبِ والطَّلَبِ وذَكَرَها بِلَفْظِ النَّفْيِ لِأضْدادِها الَّتِي هي الجُوعُ والعُرْيُ والظَّمَأُ والضُّحى لِيَطْرُقَ سَمْعُهُ شَيْئًا مِن أصْنافِ الشِّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ مِنها حَتّى يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي يُوقِعُهُ فِيها، وهَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها كَأنَّها تَفْسِيرُ الشَّقاءِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَشْقى﴾ .
طه 20:118
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو المَرَّةُ السّادِسَةُ مِن قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في القُرْآنِ: أوَّلُها في سُورَةِ البَقَرَةِ ثُمَّ في الأعْرافِ
صفحة ١٠٧
ثُمَّ في الحِجْرِ ثُمَّ في الإسْراءِ ثُمَّ في الكَهْفِ، ثُمَّ هَهُنا. واعْلَمْ أنَّ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] ثُمَّ إنَّهُ عَظَّمَ أمْرَ القُرْآنِ وبالَغَ فِيهِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ إنْجازًا لِلْوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ . وثانِيها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ أرْدَفَهُ بِقِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ طاعَةَ بَنِي آدَمَ لِلشَّيْطانِ وتَرْكَهُمُ التَّحَفُّظَ مِن وساوِسِهِ أمْرٌ قَدِيمٌ، فَإنّا قَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ، أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَرَّفْنا لَهُمُ الوَعِيدَ وبالَغْنا في تَنْبِيهِهِ حَيْثُ قُلْنا: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ نَسِيَ وتَرَكَ ذَلِكَ العَهْدَ، فَأمْرُ البَشَرِ في تَرْكِ التَّحَفُّظِ مِنَ الشَّيْطانِ أمْرٌ قَدِيمٌ. وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ بَعْدَما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ وبالَغَ في تَجْدِيدِ العَهْدِ وتَحْذِيرِهِ مِنَ العَدُوِّ نَسِيَ، فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى ضَعْفِ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ عَنِ التَّحَفُّظِ فَيَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى الِاسْتِعانَةِ بِرَبِّهِ في أنْ يُوَفِّقَهُ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ ويُجَنِّبَهُ عَنِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ. ورابِعُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ في الجِدِّ في أمْرِ الدِّينِ بِحَيْثُ زادَ عَلى قَدْرِ الواجِبِ، فَلَمّا وصَفَهُ بِالإفْراطِ وصَفَ آدَمَ بِالتَّفْرِيطِ في ذَلِكَ فَإنَّهُ تَساهَلَ في ذَلِكَ ولَمْ يَتَحَفَّظْ حَتّى نَسِيَ، فَوَصَفَ الأوَّلَ بِالتَّفْرِيطِ والآخَرَ بِالإفْراطِ لِيُعْلِمَ أنَّ البَشَرَ لا يَنْفَكُّ عَنْ نَوْعِ زَلَّةٍ. وخامِسُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ ضاقَ قَلْبُهُ وقالَ في نَفْسِهِ: لَوْلا أنِّي أقْدَمْتُ عَلى ما لا يَنْبَغِي وإلّا لَما نُهِيتُ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ: إنْ كُنْتَ فَعَلْتَ ما نُهِيتَ عَنْهُ فَإنَّما فَعَلْتَهُ حِرْصًا مِنكَ عَلى العِبادَةِ، وحِفْظًا لِأداءِ الوَحْيِ وإنَّ أباكَ أقْدَمَ عَلى ما لا يَنْبَغِي لِلتَّساهُلِ وتَرَكَ التَّحَفُّظَ فَكانَ أمْرُكَ أحْسَنَ مِن أمْرِهِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ﴾ فَلا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِالعَهْدِ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ نَهْيٌ مِنهُ كَما يُقالُ في أوامِرِ المُلُوكِ ووَصاياهم أشارَ المَلِكُ إلَيْهِ وعَهِدَ إلَيْهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: عَهِدْنا إلَيْهِ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ولا يَقْرَبَها، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وُجُوهٌ، أحَدُها: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَرَّفْنا لَهُمُ الوَعِيدَ في القُرْآنِ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ عَهِدْنا إلَيْهِ أنْ لا يَأْكُلَ مِنها. وثالِثُها: أيْ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَسِيَ﴾ فَقَدْ تَكَلَّمْنا فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونُعِيدُ هَهُنا مِنهُ شَيْئًا قَلِيلًا، وفي النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ ما هو نَقِيضُ الذِّكْرِ، وإنَّما عُوتِبَ عَلى تَرْكِ التَّحَفُّظِ والمُبالَغَةِ في الضَّبْطِ حَتّى تَوَلَّدَ مِنهُ النِّسْيانُ، وكانَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: واللَّهِ ما عَصى قَطُّ إلّا بِنِسْيانٍ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّسْيانِ التَّرْكُ وأنَّهُ تَرَكَ ما عُهِدَ إلَيْهِ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنِ الشَّجَرَةِ وأكَلَ مِن ثَمَرَتِها، وقُرِئَ (فَنُسِّيَ) أيْ فَنَسّاهُ الشَّيْطانُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وأنْ يُقالَ: أقْدَمَ عَلَيْها مَعَ التَّأْوِيلِ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الوُجُودُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العِلْمِ ومِنهُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وأنْ يَكُونَ نَقِيضَ العَدَمِ كَأنَّهُ قالَ: وعَدِمْنا لَهُ عَزْمًا.
البَحْثُ الثّانِي: العَزْمُ هو التَّصْمِيمُ والتَّصَلُّبُ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ يَحْتَمِلُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى القِيامِ عَلى المَعْصِيَةِ فَيَكُونُ إلى المَدْحِ أقْرَبَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى تَرْكِ المَعْصِيَةِ، أوْ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى التَّحَفُّظِ والِاحْتِرازِ عَنِ الغَفْلَةِ، أوْ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى الِاحْتِياطِ في كَيْفِيَّةِ الِاجْتِهادِ إذا قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أخْطَأ بِالِاجْتِهادِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾
صفحة ١٠٨
فَهَذا يَشْتَمِلُ عَلى مَسائِلَ: إحْداها: أنَّ المَأْمُورِينَ كُلُّ المَلائِكَةِ أوْ بَعْضُهم. وثانِيَتُها: أنَّهُ ما مَعْنى السُّجُودِ. وثالِثَتُها: أنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا ؟ وإنْ لَمْ يَكُنْ فَكَيْفَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ وبِأيِّ شَيْءٍ صارَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ؟ . ورابِعَتُها: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ أفْضَلُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ أمْ لا ؟ . وخامِسَتُها: أنَّ قَوْلَهُ في صِفَةِ إبْلِيسَ أنَّهُ أبى كَيْفَ لَزِمَ الكُفْرَ مِن ذَلِكَ الإباءِ وأنَّهُ هَلْ كانَ كافِرًا ابْتِداءً أوْ كَفَرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسائِلَ مَرَّتْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: ما سَبَبُ تِلْكَ العَداوَةِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ إبْلِيسَ كانَ حَسُودًا فَلَمّا رَأى آثارَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَدَهُ فَصارَ عَدُوًّا لَهُ. وثانِيها: أنَّ آدَمَ كانَ شابًّا عالِمًا لِقَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها، وإبْلِيسَ كانَ شَيْخًا جاهِلًا لِأنَّهُ أثْبَتَ فَضْلَهُ بِفَضِيلَةِ أصْلِهِ وذَلِكَ جَهْلٌ، والشَّيْخُ الجاهِلُ أبَدًا يَكُونُ عَدُوًّا لِلشّابِّ العالِمِ. وثالِثُها: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ وآدَمَ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ والتُّرابِ فَبَيْنَ أصْلَيْهِما عَداوَةٌ فَبَقِيَتْ تِلْكَ العَداوَةُ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ﴾ مَعَ أنَّ المُخْرِجَ لَهُما مِنَ الجَنَّةِ هو اللَّهُ تَعالى ؟ الجَوابُ: لَمّا كانَ بِوَسْوَسَتِهِ هو الَّذِي فَعَلَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الخُرُوجُ صَحَّ ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ أُسْنِدَ إلى آدَمَ وحْدَهُ فِعْلُ الشَّقاءِ دُونَ حَوّاءَ مَعَ اشْتِراكِهِما في الفِعْلِ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ في ضِمْنِ شَقاءِ الرَّجُلِ وهو قَيِّمُ أهْلِهِ وأمِيرُهم شَقاءَهم، كَما أنَّ في ضِمْنِ سَعادَتِهِ سَعادَتَهم، فاخْتَصَّ الكَلامُ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ دُونَها مَعَ المُحافَظَةِ عَلى رِعايَةِ الفاصِلَةِ. الثّانِي: أُرِيدَ بِالشَّقاءِ التَّعَبُ في طَلَبِ القُوتِ وذَلِكَ عَلى الرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ، ورُوِيَ أنَّهُ أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ وكانَ يَحْرُثُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ وأنَّكَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ ووَجْهُ الفَتْحِ العَطْفُ عَلى أنْ لا تَجُوعَ فِيها، فَإنْ قِيلَ: ”أنْ“ لا تَدْخُلُ عَلى أنَّ فَلا يُقالُ: أنْ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ والواوُ نائِبَةٌ عَنْ أنَّ وقائِمَةٌ مَقامَها فَلِمَ أُدْخِلَتْ عَلَيْها ؟ قُلْنا: الواوُ لَمْ تُوضَعْ لِتَكُونَ أبَدًا نائِبَةً عَنْ أنَّ، إنَّما هي نائِبَةٌ عَنْ كُلِّ عامِلٍ، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ حَرْفًا مَوْضُوعًا لِلتَّحْقِيقِ خاصَّةً كانَ لَمْ يَمْتَنِعِ اجْتِماعُهُما كَما امْتَنَعَ اجْتِماعُ أنْ وأنَّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الشِّبَعُ والرِّيُّ والكُسْوَةُ والِاكْتِنانُ في الظِّلِّ هي الأقْطابُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ الإنْسانِ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى حُصُولَ هَذِهِ الأشْياءِ لَهُ في الجَنَّةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الكَسْبِ والطَّلَبِ وذَكَرَها بِلَفْظِ النَّفْيِ لِأضْدادِها الَّتِي هي الجُوعُ والعُرْيُ والظَّمَأُ والضُّحى لِيَطْرُقَ سَمْعُهُ شَيْئًا مِن أصْنافِ الشِّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ مِنها حَتّى يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي يُوقِعُهُ فِيها، وهَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها كَأنَّها تَفْسِيرُ الشَّقاءِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَشْقى﴾ .
طه 20:119
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو المَرَّةُ السّادِسَةُ مِن قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في القُرْآنِ: أوَّلُها في سُورَةِ البَقَرَةِ ثُمَّ في الأعْرافِ
صفحة ١٠٧
ثُمَّ في الحِجْرِ ثُمَّ في الإسْراءِ ثُمَّ في الكَهْفِ، ثُمَّ هَهُنا. واعْلَمْ أنَّ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] ثُمَّ إنَّهُ عَظَّمَ أمْرَ القُرْآنِ وبالَغَ فِيهِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ إنْجازًا لِلْوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ . وثانِيها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ أرْدَفَهُ بِقِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ طاعَةَ بَنِي آدَمَ لِلشَّيْطانِ وتَرْكَهُمُ التَّحَفُّظَ مِن وساوِسِهِ أمْرٌ قَدِيمٌ، فَإنّا قَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ، أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَرَّفْنا لَهُمُ الوَعِيدَ وبالَغْنا في تَنْبِيهِهِ حَيْثُ قُلْنا: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ نَسِيَ وتَرَكَ ذَلِكَ العَهْدَ، فَأمْرُ البَشَرِ في تَرْكِ التَّحَفُّظِ مِنَ الشَّيْطانِ أمْرٌ قَدِيمٌ. وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ بَعْدَما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ وبالَغَ في تَجْدِيدِ العَهْدِ وتَحْذِيرِهِ مِنَ العَدُوِّ نَسِيَ، فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى ضَعْفِ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ عَنِ التَّحَفُّظِ فَيَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى الِاسْتِعانَةِ بِرَبِّهِ في أنْ يُوَفِّقَهُ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ ويُجَنِّبَهُ عَنِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ. ورابِعُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ في الجِدِّ في أمْرِ الدِّينِ بِحَيْثُ زادَ عَلى قَدْرِ الواجِبِ، فَلَمّا وصَفَهُ بِالإفْراطِ وصَفَ آدَمَ بِالتَّفْرِيطِ في ذَلِكَ فَإنَّهُ تَساهَلَ في ذَلِكَ ولَمْ يَتَحَفَّظْ حَتّى نَسِيَ، فَوَصَفَ الأوَّلَ بِالتَّفْرِيطِ والآخَرَ بِالإفْراطِ لِيُعْلِمَ أنَّ البَشَرَ لا يَنْفَكُّ عَنْ نَوْعِ زَلَّةٍ. وخامِسُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ ضاقَ قَلْبُهُ وقالَ في نَفْسِهِ: لَوْلا أنِّي أقْدَمْتُ عَلى ما لا يَنْبَغِي وإلّا لَما نُهِيتُ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ: إنْ كُنْتَ فَعَلْتَ ما نُهِيتَ عَنْهُ فَإنَّما فَعَلْتَهُ حِرْصًا مِنكَ عَلى العِبادَةِ، وحِفْظًا لِأداءِ الوَحْيِ وإنَّ أباكَ أقْدَمَ عَلى ما لا يَنْبَغِي لِلتَّساهُلِ وتَرَكَ التَّحَفُّظَ فَكانَ أمْرُكَ أحْسَنَ مِن أمْرِهِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ﴾ فَلا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِالعَهْدِ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ نَهْيٌ مِنهُ كَما يُقالُ في أوامِرِ المُلُوكِ ووَصاياهم أشارَ المَلِكُ إلَيْهِ وعَهِدَ إلَيْهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: عَهِدْنا إلَيْهِ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ولا يَقْرَبَها، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وُجُوهٌ، أحَدُها: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَرَّفْنا لَهُمُ الوَعِيدَ في القُرْآنِ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ عَهِدْنا إلَيْهِ أنْ لا يَأْكُلَ مِنها. وثالِثُها: أيْ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَسِيَ﴾ فَقَدْ تَكَلَّمْنا فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونُعِيدُ هَهُنا مِنهُ شَيْئًا قَلِيلًا، وفي النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ ما هو نَقِيضُ الذِّكْرِ، وإنَّما عُوتِبَ عَلى تَرْكِ التَّحَفُّظِ والمُبالَغَةِ في الضَّبْطِ حَتّى تَوَلَّدَ مِنهُ النِّسْيانُ، وكانَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: واللَّهِ ما عَصى قَطُّ إلّا بِنِسْيانٍ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّسْيانِ التَّرْكُ وأنَّهُ تَرَكَ ما عُهِدَ إلَيْهِ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنِ الشَّجَرَةِ وأكَلَ مِن ثَمَرَتِها، وقُرِئَ (فَنُسِّيَ) أيْ فَنَسّاهُ الشَّيْطانُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وأنْ يُقالَ: أقْدَمَ عَلَيْها مَعَ التَّأْوِيلِ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الوُجُودُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العِلْمِ ومِنهُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وأنْ يَكُونَ نَقِيضَ العَدَمِ كَأنَّهُ قالَ: وعَدِمْنا لَهُ عَزْمًا.
البَحْثُ الثّانِي: العَزْمُ هو التَّصْمِيمُ والتَّصَلُّبُ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ يَحْتَمِلُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى القِيامِ عَلى المَعْصِيَةِ فَيَكُونُ إلى المَدْحِ أقْرَبَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى تَرْكِ المَعْصِيَةِ، أوْ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى التَّحَفُّظِ والِاحْتِرازِ عَنِ الغَفْلَةِ، أوْ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى الِاحْتِياطِ في كَيْفِيَّةِ الِاجْتِهادِ إذا قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أخْطَأ بِالِاجْتِهادِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾
صفحة ١٠٨
فَهَذا يَشْتَمِلُ عَلى مَسائِلَ: إحْداها: أنَّ المَأْمُورِينَ كُلُّ المَلائِكَةِ أوْ بَعْضُهم. وثانِيَتُها: أنَّهُ ما مَعْنى السُّجُودِ. وثالِثَتُها: أنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا ؟ وإنْ لَمْ يَكُنْ فَكَيْفَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ وبِأيِّ شَيْءٍ صارَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ؟ . ورابِعَتُها: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ أفْضَلُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ أمْ لا ؟ . وخامِسَتُها: أنَّ قَوْلَهُ في صِفَةِ إبْلِيسَ أنَّهُ أبى كَيْفَ لَزِمَ الكُفْرَ مِن ذَلِكَ الإباءِ وأنَّهُ هَلْ كانَ كافِرًا ابْتِداءً أوْ كَفَرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسائِلَ مَرَّتْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: ما سَبَبُ تِلْكَ العَداوَةِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ إبْلِيسَ كانَ حَسُودًا فَلَمّا رَأى آثارَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَدَهُ فَصارَ عَدُوًّا لَهُ. وثانِيها: أنَّ آدَمَ كانَ شابًّا عالِمًا لِقَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها، وإبْلِيسَ كانَ شَيْخًا جاهِلًا لِأنَّهُ أثْبَتَ فَضْلَهُ بِفَضِيلَةِ أصْلِهِ وذَلِكَ جَهْلٌ، والشَّيْخُ الجاهِلُ أبَدًا يَكُونُ عَدُوًّا لِلشّابِّ العالِمِ. وثالِثُها: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ وآدَمَ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ والتُّرابِ فَبَيْنَ أصْلَيْهِما عَداوَةٌ فَبَقِيَتْ تِلْكَ العَداوَةُ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ﴾ مَعَ أنَّ المُخْرِجَ لَهُما مِنَ الجَنَّةِ هو اللَّهُ تَعالى ؟ الجَوابُ: لَمّا كانَ بِوَسْوَسَتِهِ هو الَّذِي فَعَلَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الخُرُوجُ صَحَّ ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ أُسْنِدَ إلى آدَمَ وحْدَهُ فِعْلُ الشَّقاءِ دُونَ حَوّاءَ مَعَ اشْتِراكِهِما في الفِعْلِ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ في ضِمْنِ شَقاءِ الرَّجُلِ وهو قَيِّمُ أهْلِهِ وأمِيرُهم شَقاءَهم، كَما أنَّ في ضِمْنِ سَعادَتِهِ سَعادَتَهم، فاخْتَصَّ الكَلامُ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ دُونَها مَعَ المُحافَظَةِ عَلى رِعايَةِ الفاصِلَةِ. الثّانِي: أُرِيدَ بِالشَّقاءِ التَّعَبُ في طَلَبِ القُوتِ وذَلِكَ عَلى الرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ، ورُوِيَ أنَّهُ أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ وكانَ يَحْرُثُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ وأنَّكَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ ووَجْهُ الفَتْحِ العَطْفُ عَلى أنْ لا تَجُوعَ فِيها، فَإنْ قِيلَ: ”أنْ“ لا تَدْخُلُ عَلى أنَّ فَلا يُقالُ: أنْ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ والواوُ نائِبَةٌ عَنْ أنَّ وقائِمَةٌ مَقامَها فَلِمَ أُدْخِلَتْ عَلَيْها ؟ قُلْنا: الواوُ لَمْ تُوضَعْ لِتَكُونَ أبَدًا نائِبَةً عَنْ أنَّ، إنَّما هي نائِبَةٌ عَنْ كُلِّ عامِلٍ، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ حَرْفًا مَوْضُوعًا لِلتَّحْقِيقِ خاصَّةً كانَ لَمْ يَمْتَنِعِ اجْتِماعُهُما كَما امْتَنَعَ اجْتِماعُ أنْ وأنَّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الشِّبَعُ والرِّيُّ والكُسْوَةُ والِاكْتِنانُ في الظِّلِّ هي الأقْطابُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ الإنْسانِ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى حُصُولَ هَذِهِ الأشْياءِ لَهُ في الجَنَّةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الكَسْبِ والطَّلَبِ وذَكَرَها بِلَفْظِ النَّفْيِ لِأضْدادِها الَّتِي هي الجُوعُ والعُرْيُ والظَّمَأُ والضُّحى لِيَطْرُقَ سَمْعُهُ شَيْئًا مِن أصْنافِ الشِّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ مِنها حَتّى يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي يُوقِعُهُ فِيها، وهَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها كَأنَّها تَفْسِيرُ الشَّقاءِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَشْقى﴾ .
طه 20:120
صفحة ١٠٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ ياآدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾
. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّهُ عَظَّمَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ جَعَلَهُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ عَرَّفَهُ شِدَّةَ عَداوَةِ إبْلِيسَ لَهُ ولِزَوْجِهِ وأنَّهُ لِعَداوَتِهِ يَدْعُوهم إلى المَعْصِيَةِ الَّتِي إذا وقَعَتْ زالَتْ تِلْكَ النِّعَمُ بِأسْرِها، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ اتَّفَقَ مِنهُ ومِن حَوّاءَ الإقْدامُ عَلى الزَّلَّةِ ما اتَّفَقَ، والعَجَبُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: ”لَوْ أنَّ أحْلامَ بَنِي آدَمَ إلى قِيامِ السّاعَةِ وُضِعَتْ في كِفَّةِ مِيزانٍ ووُضِعَ حُلْمُ آدَمَ في الأُخْرى لَرَجَحَ حُلْمُهُ بِأحْلامِهِمْ“ ولَكِنَّ المُكادَحَةَ مَعَ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنَعَةٌ، واعْلَمْ أنَّ واقِعَةَ آدَمَ عَجِيبَةٌ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى رَغَّبَهُ في دَوامِ الرّاحَةِ وانْتِظامِ المَعِيشَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ ورَغَّبَهُ إبْلِيسُ أيْضًا في دَوامِ الرّاحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ وفي انْتِظامِ المَعِيشَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ فَكانَ الشَّيْءُ الَّذِي رَغَّبَ اللَّهُ آدَمَ فِيهِ هو الَّذِي رَغَّبَهُ إبْلِيسُ فِيهِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى وقَّفَ ذَلِكَ عَلى الِاحْتِراسِ عَنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وإبْلِيسَ وقَّفَهُ عَلى الإقْدامِ عَلَيْها، ثُمَّ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَمالِ عَقْلِهِ وعِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْلاهُ وناصِرُهُ ومُرَبِّيهِ أعْلَمَهُ بِأنَّ إبْلِيسَ عَدُوُّهُ حَيْثُ امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ وعَرَّضَ نَفْسَهُ لِلَّعْنَةِ بِسَبَبِ عَداوَتِهِ، كَيْفَ قَبِلَ في الواقِعَةِ الواحِدَةِ والمَقْصُودِ الواحِدِ قَوْلَ إبْلِيسَ مَعَ عِلْمِهِ بِكَمالِ عَداوَتِهِ لَهُ وأعْرَضَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ هو النّاصِرُ والمُرَبِّي. ومَن تَأمَّلَ في هَذا البابِ طالَ تَعَجُّبُهُ وعَرَفَ آخِرِ الأمْرِ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا دافِعَ لِقَضاءِ اللَّهِ ولا مانِعَ مِنهُ، وأنَّ الدَّلِيلَ وإنْ كانَ في غايَةِ الظُّهُورِ ونِهايَةِ القُوَّةِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ النَّفْعُ بِهِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وقَدَّرَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّهُ كَيْفَ وسْوَسَ، وبِماذا وسْوَسَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَدّى وسْوَسَ تارَةً بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ وأُخْرى بِإلى ؟ قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ﴾ مَعْناهُ لِأجْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ﴾ مَعْناهُ أنْهى إلَيْهِ الوَسْوَسَةَ كَقَوْلِهِ حَدَّثَ لَهُ وأسَرَّ إلَيْهِ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الوَسْوَسَةَ كانَتْ بِتَطْمِيعِهِ في أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ أضافَ الشَّجَرَةَ إلى الخُلْدِ وهو الخُلُودُ لِأنَّ مَن أكَلَ مِنها صارَ مُخَلَّدًا بِزَعْمِهِ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ أيْ مَن أكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ دامَ مُلْكُهُ، قالَ القاضِي: لَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّ آدَمَ قَبِلَ ذَلِكَ مِنهُ، بَلْ لَوَ وُجِدَتْ هَذِهِ الوَسْوَسَةُ حالَ كَوْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا لاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبِلَ ذَلِكَ مِنهُ، لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَحْصُلَ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ وحالِ المُجازاةِ فَتْرَةٌ بِالمَوْتِ، وبِالمَعْنى فَآدَمُ لَمّا كانَ نَبِيًّا امْتَنَعَ أنْ لا يَعْلَمَ ذَلِكَ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ هَذِهِ الفَتْرَةِ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ وحالِ المُجازاةِ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لا حاجَةَ إلى الفَتْرَةِ أصْلًا، وإنْ كانَ ولا بُدَّ فَيَكْفِي حُصُولُ الفَتْرَةِ بِغَشْيٍ أوْ نَوْمٍ خَفِيفٍ، ثُمَّ إنْ كانَ ولا بُدَّ مِن حُصُولِ الفَتْرَةِ بِالمَوْتِ فَلِمَ قُلْتَ: النَّبِيُّ لا بُدَّ وأنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ، ألَيْسَ قَوْمٌ مِنكم يَقُولُونَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَألَ الرُّؤْيَةَ لِأنَّهُ ما كانَ يَعْرِفُ امْتِناعَها عَلى اللَّهِ تَعالى فَإذا جازَ ذَلِكَ الجَهْلُ فَلِمَ لا يَجُوزُ هَذا الجَهْلُ، ثُمَّ ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ آدَمَ كانَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَإنَّ مَذْهَبَنا أنَّ واقِعَةَ الزَّلَّةِ إنَّما حَصَلَتْ قَبْلَ رِسالَتِهِ لا بَعْدَها، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبِلَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِ الوَسْوَسَةِ ﴿فَأكَلا مِنها﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ كَقَوْلِهِمْ: ”زَنى ماعِزٌ فَرُجِمَ“، ”وسَها رَسُولُ اللَّهِ
صفحة ١١٠
فَسَجَدَ“ فَإنَّ هَذِهِ الفاءَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجْمَ كالمُسَبَّبِ لِلزِّنا والسُّجُودَ كالمُسَبَّبِ لِلسَّهْوِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ الأكْلُ كالمُعَلَّلِ بِاسْتِماعِ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ وإنَّما يَحْصُلُ هَذا التَّعْلِيلُ لَوْ قَبِلَ آدَمُ ذَلِكَ مِنهُ، فَإنَّهُ لَوْ رَدَّ قَوْلَهُ لَما أقْدَمَ عَلى الأكْلِ بِناءً عَلى قَوْلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبِلَ ذَلِكَ مِن إبْلِيسَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّهُما لَمّا أكَلا بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَرِيا مِنَ النُّورِ الَّذِي كانَ اللَّهُ ألْبَسَهُما حَتّى بَدَتْ فُرُوجُهُما، وإنَّما جَمَعَ فَقِيلَ سَوْآتُهُما كَما قالَ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] فَإنْ قِيلَ: هَلْ كانَ ظُهُورُ سَوْآتِهِما كالجَزاءِ عَلى مَعْصِيَتِهِما ؟ قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ كالمُعَلَّقِ عَلى ذَلِكَ الأكْلِ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ عِقابًا عَلَيْهِ، بَلْ إنَّما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرى.
طه 20:121
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: طَفِقَ يَفْعَلُ كَذا مِثْلُ جَعَلَ يَفْعَلُ وأخَذَ وأنْشَأ وحُكْمُها حُكْمُ كادَ في وُقُوعِ الخَبَرِ فِعْلًا مُضارِعًا وبَيْنَها وبَيْنَهُ مَسافَةٌ قَصِيرَةٌ، وهي لِلشُّرُوعِ في أوَّلِ الأمْرِ، وكادَ لِمُقارَبَتِهِ والدُّنُوِّ مِنهُ.
البَحْثُ الثّانِي: قُرِئَ يَخِصِّفانِ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ مِن خَصَفَ النَّعْلَ، وهو أنْ يَخْرِزَ عَلَيْها الخِصافَ أيْ يُلْزِقانِ الوَرَقَةَ عَلى سَوْآتِهِما لِلسَّتْرِ وهو ورَقُ التِّينِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذا في صُدُورِ الكَبِيرَةِ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ العاصِيَ اسْمٌ لِلذَّمِّ فَلا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى صاحِبِ الكَبِيرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النِّساءِ: ١٤] ولا مَعْنى لِصاحِبِ الكَبِيرَةِ إلّا مَن فَعَلَ فِعْلًا يُعاقَبُ عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الغَوايَةَ والضَّلالَةَ اسْمانِ مُتَرادِفانِ والغَيَّ ضِدُّ الرُّشْدِ ومِثْلُ هَذا الِاسْمِ لا يَتَناوَلُ إلّا الفاسِقَ المُنْهَمِكَ في فِسْقِهِ. أجابَ قَوْمٌ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ فَقالُوا: المَعْصِيَةُ مُخالَفَةُ الأمْرِ، والأمْرُ قَدْ يَكُونُ بِالواجِبِ والنَّدْبِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: أشَرْتُ عَلَيْهِ في أمْرِ ولَدِهِ في كَذا فَعَصانِي، وأمَرْتُهُ بِشُرْبِ الدَّواءِ فَعَصانِي، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ إطْلاقُ اسْمِ العِصْيانِ عَلى آدَمَ لا لِكَوْنِهِ تارِكًا لِلْواجِبِ بَلْ لِكَوْنِهِ تارِكًا لِلْمَندُوبِ، فَأجابَ المُسْتَدِلُّ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ بِأنّا بَيَّنّا أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العاصِيَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ، والعُرْفُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ فَوَجَبَ تَخْصِيصُ اسْمِ العاصِي بِتارِكِ الواجِبِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ تارِكُ المَندُوبِ عاصِيًا لَوَجَبَ وصْفُ الأنْبِياءِ بِأسْرِهِمْ بِأنَّهم عُصاةٌ في كُلِّ حالٍ لِأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِن تَرْكِ المَندُوبِ، فَإنْ قِيلَ: وصْفُ تارِكِ المَندُوبِ بِأنَّهُ عاصٍ مَجازٌ والمَجازُ لا يَطَّرِدُ، قُلْنا: لَمّا سَلَّمْتَ كَوْنَهُ مَجازًا فالأصْلُ عَدَمُهُ، أمّا قَوْلُهُ: أشَرْتُ عَلَيْهِ في أمْرِ ولَدِهِ في كَذا فَعَصانِي وأمَرْتُهُ بِشُرْبِ الدَّواءِ فَعَصانِي، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا الِاسْتِعْمالَ مَرْوِيٌّ عَنِ العَرَبِ، ولَئِنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ ولَكِنَّهم إنَّما يُطْلِقُونَ ذَلِكَ إذا جَزَمُوا عَلى المُسْتَشِيرِ بِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ وأنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِذَلِكَ الفِعْلِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنى الإيجابِ حاصِلًا وإنْ لَمْ يَكُنِ الوُجُوبُ حاصِلًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ العِصْيانِ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ إلّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الإيجابِ، لَكِنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ الإيجابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقْتَضِي الوُجُوبَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ لَفْظِ العِصْيانِ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ لِكَوْنِهِ تارِكًا لِلْواجِبِ، ومِنَ النّاسِ مَن سَلَّمَ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِنهُ لَكِنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَعْصِيَةَ كانَتْ مِنَ الصَّغائِرِ لا مِنَ الكَبائِرِ، وهَذا قَوْلُ عامَّةِ المُعْتَزِلَةِ وهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ اسْمَ العاصِي اسْمٌ لِلذَّمِّ، ولِأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ العِقابَ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالصَّغِيرَةِ، وأجابَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ بِأنَّهُ عَصى في مَصالِحَ الدُّنْيا لا فِيما يَتَّصِلُ بِالتَّكالِيفِ وكَذَلِكَ القَوْلُ في غَوى، وهَذا أيْضًا بِعِيدٌ لِأنَّ مَصالِحَ الدُّنْيا تَكُونُ مُباحَةً، ومَن يَفْعَلُها لا يُوصَفُ بِالعِصْيانِ الَّذِي هو اسْمٌ لِلذَّمِّ ولا يُقالُ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾
صفحة ١١١
وأمّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ فَأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ خابَ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أكَلَ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ لِيَصِيرَ مُلْكُهُ دائِمًا ثُمَّ لَمّا أكَلَ زالَ فَلَمّا خابَ سَعْيُهُ وما نَجَحَ قِيلَ إنَّهُ غَوى، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الغَيَّ ضِدُّ الرُّشْدِ، والرُّشْدُ هو أنْ يُتَوَصَّلَ بِشَيْءٍ إلى شَيْءٍ يُوَصِّلُ إلى المَقْصُودِ فَمَن تَوَصَّلَ بِشَيْءٍ إلى شَيْءٍ فَحَصَلَ لَهُ ضِدُّ مَقْصُودِهِ كانَ ذَلِكَ غَيًّا. وثانِيها: قالَ بَعْضُهم: غَوى أيْ بَشِمَ مِن كَثْرَةِ الأكْلِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هَذا وإنْ صَحَّ عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الياءَ المَكْسُورَ ما قَبْلَها ألِفًا، فَيَقُولُ في فَنِيَ وبَقِيَ فَنا وبَقا، وهم بَنُو طَيِّئٍ، فَهو تَفْسِيرٌ خَبِيثٌ، واعْلَمْ أنَّ الأوْلى عِنْدِي في هَذا البابِ والأحْسَمَ لِلشَّغَبِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَهُنا بَحْثٌ لا بُدَّ مِنهُ وهو أنْ ظاهِرَ القُرْآنِ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّ آدَمَ عَصى وغَوى لَكِنْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ آدَمَ كانَ عاصِيًا غاوِيًا، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا أُمُورٌ:
أحَدُها: قالَ العُتْبِيُّ: يُقالُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبًا وخاطَهُ قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا يُقالُ: خائِطٌ ولا خَيّاطٌ حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الزَّلَّةَ لَمْ تَصْدُرْ عَنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ. وثانِيها: أنَّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ إنَّما وقَعَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لَمْ يَجُزْ بَعْدَ أنْ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ وشَرَّفَهُ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ كَما لا يُقالُ لِمَن أسْلَمَ بَعْدَ الكُفْرِ إنَّهُ كافِرٌ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ كافِرًا، بَلْ وبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الواقِعَةُ وقَعَتْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَجُزْ أيْضًا أنْ يُقالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تابَ عَنْها، كَما أنَّ الرَّجُلَ المُسْلِمَ إذا شَرِبَ الخَمْرَ أوْ زَنى ثُمَّ تابَ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ لا يُقالُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّهُ شارِبُ خَمْرٍ أوْ زانٍ فَكَذا هَهُنا. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَنا: عاصٍ وغاوٍ يُوهِمُ كَوْنَهُ عاصِيًا في أكْثَرِ الأشْياءِ وغاوِيًا عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ تَرِدْ هاتانِ اللَّفْظَتانِ في القُرْآنِ مُطْلَقَتَيْنِ بَلْ مَقْرُونَتَيْنِ بِالقِصَّةِ الَّتِي عَصى فِيها فَكَأنَّهُ قالَ: عَصى في كَيْتَ وكَيْتَ وذَلِكَ لا يُوهِمُ التَّوَهُّمَ الباطِلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ. ورابِعُها: أنَّهُ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَجُوزُ مِن غَيْرِهِ، كَما يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ في عَبِيدِهِ ووَلَدِهِ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ مِن إطْلاقِ القَوْلِ ما لا يَجُوزُ لِغَيْرِ السَّيِّدِ في عَبْدِهِ ووَلَدِهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ فالمَعْنى ثُمَّ اصْطَفاهُ فَتابَ عَلَيْهِ أيْ عادَ عَلَيْهِ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ وهَداهُ رُشْدَهُ حَتّى رَجَعَ إلى النَّدَمِ والِاسْتِغْفارِ وقَبِلَ اللَّهُ مِنهُ ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَوْ جُمِعَ بُكاءُ أهْلِ الدُّنْيا إلى بُكاءِ داوُدَ كانَ بُكاؤُهُ أكْثَرَ، ولَوْ جُمِعَ كُلُّ ذَلِكَ إلى بُكاءِ نُوحٍ لَكانَ بُكاءُ نُوحٍ أكْثَرَ، وإنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِنَوْحِهِ عَلى نَفْسِهِ، ولَوْ جُمِعَ كُلُّ ذَلِكَ إلى بُكاءِ آدَمَ لَكانَ بُكاءُ آدَمَ عَلى خَطِيئَتِهِ أكْثَرَ» “ وقالَ وهْبٌ: إنَّهُ لَمّا كَثُرَ بُكاؤُهُ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي إنَّكَ خَيْرُ الغافِرِينَ“ فَقالَها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قالَ: قُلْ ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ“ ثُمَّ قالَ قُلْ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَذِهِ الكَلِماتُ هي الَّتِي تَلَقّاها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن رَبِّهِ.
طه 20:122
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: طَفِقَ يَفْعَلُ كَذا مِثْلُ جَعَلَ يَفْعَلُ وأخَذَ وأنْشَأ وحُكْمُها حُكْمُ كادَ في وُقُوعِ الخَبَرِ فِعْلًا مُضارِعًا وبَيْنَها وبَيْنَهُ مَسافَةٌ قَصِيرَةٌ، وهي لِلشُّرُوعِ في أوَّلِ الأمْرِ، وكادَ لِمُقارَبَتِهِ والدُّنُوِّ مِنهُ.
البَحْثُ الثّانِي: قُرِئَ يَخِصِّفانِ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ مِن خَصَفَ النَّعْلَ، وهو أنْ يَخْرِزَ عَلَيْها الخِصافَ أيْ يُلْزِقانِ الوَرَقَةَ عَلى سَوْآتِهِما لِلسَّتْرِ وهو ورَقُ التِّينِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذا في صُدُورِ الكَبِيرَةِ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ العاصِيَ اسْمٌ لِلذَّمِّ فَلا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى صاحِبِ الكَبِيرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النِّساءِ: ١٤] ولا مَعْنى لِصاحِبِ الكَبِيرَةِ إلّا مَن فَعَلَ فِعْلًا يُعاقَبُ عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الغَوايَةَ والضَّلالَةَ اسْمانِ مُتَرادِفانِ والغَيَّ ضِدُّ الرُّشْدِ ومِثْلُ هَذا الِاسْمِ لا يَتَناوَلُ إلّا الفاسِقَ المُنْهَمِكَ في فِسْقِهِ. أجابَ قَوْمٌ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ فَقالُوا: المَعْصِيَةُ مُخالَفَةُ الأمْرِ، والأمْرُ قَدْ يَكُونُ بِالواجِبِ والنَّدْبِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: أشَرْتُ عَلَيْهِ في أمْرِ ولَدِهِ في كَذا فَعَصانِي، وأمَرْتُهُ بِشُرْبِ الدَّواءِ فَعَصانِي، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ إطْلاقُ اسْمِ العِصْيانِ عَلى آدَمَ لا لِكَوْنِهِ تارِكًا لِلْواجِبِ بَلْ لِكَوْنِهِ تارِكًا لِلْمَندُوبِ، فَأجابَ المُسْتَدِلُّ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ بِأنّا بَيَّنّا أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العاصِيَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ، والعُرْفُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ فَوَجَبَ تَخْصِيصُ اسْمِ العاصِي بِتارِكِ الواجِبِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ تارِكُ المَندُوبِ عاصِيًا لَوَجَبَ وصْفُ الأنْبِياءِ بِأسْرِهِمْ بِأنَّهم عُصاةٌ في كُلِّ حالٍ لِأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِن تَرْكِ المَندُوبِ، فَإنْ قِيلَ: وصْفُ تارِكِ المَندُوبِ بِأنَّهُ عاصٍ مَجازٌ والمَجازُ لا يَطَّرِدُ، قُلْنا: لَمّا سَلَّمْتَ كَوْنَهُ مَجازًا فالأصْلُ عَدَمُهُ، أمّا قَوْلُهُ: أشَرْتُ عَلَيْهِ في أمْرِ ولَدِهِ في كَذا فَعَصانِي وأمَرْتُهُ بِشُرْبِ الدَّواءِ فَعَصانِي، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا الِاسْتِعْمالَ مَرْوِيٌّ عَنِ العَرَبِ، ولَئِنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ ولَكِنَّهم إنَّما يُطْلِقُونَ ذَلِكَ إذا جَزَمُوا عَلى المُسْتَشِيرِ بِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ وأنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِذَلِكَ الفِعْلِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنى الإيجابِ حاصِلًا وإنْ لَمْ يَكُنِ الوُجُوبُ حاصِلًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ العِصْيانِ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ إلّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الإيجابِ، لَكِنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ الإيجابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقْتَضِي الوُجُوبَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ لَفْظِ العِصْيانِ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ لِكَوْنِهِ تارِكًا لِلْواجِبِ، ومِنَ النّاسِ مَن سَلَّمَ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِنهُ لَكِنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَعْصِيَةَ كانَتْ مِنَ الصَّغائِرِ لا مِنَ الكَبائِرِ، وهَذا قَوْلُ عامَّةِ المُعْتَزِلَةِ وهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ اسْمَ العاصِي اسْمٌ لِلذَّمِّ، ولِأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ العِقابَ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالصَّغِيرَةِ، وأجابَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ بِأنَّهُ عَصى في مَصالِحَ الدُّنْيا لا فِيما يَتَّصِلُ بِالتَّكالِيفِ وكَذَلِكَ القَوْلُ في غَوى، وهَذا أيْضًا بِعِيدٌ لِأنَّ مَصالِحَ الدُّنْيا تَكُونُ مُباحَةً، ومَن يَفْعَلُها لا يُوصَفُ بِالعِصْيانِ الَّذِي هو اسْمٌ لِلذَّمِّ ولا يُقالُ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾
صفحة ١١١
وأمّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ فَأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ خابَ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أكَلَ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ لِيَصِيرَ مُلْكُهُ دائِمًا ثُمَّ لَمّا أكَلَ زالَ فَلَمّا خابَ سَعْيُهُ وما نَجَحَ قِيلَ إنَّهُ غَوى، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الغَيَّ ضِدُّ الرُّشْدِ، والرُّشْدُ هو أنْ يُتَوَصَّلَ بِشَيْءٍ إلى شَيْءٍ يُوَصِّلُ إلى المَقْصُودِ فَمَن تَوَصَّلَ بِشَيْءٍ إلى شَيْءٍ فَحَصَلَ لَهُ ضِدُّ مَقْصُودِهِ كانَ ذَلِكَ غَيًّا. وثانِيها: قالَ بَعْضُهم: غَوى أيْ بَشِمَ مِن كَثْرَةِ الأكْلِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هَذا وإنْ صَحَّ عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الياءَ المَكْسُورَ ما قَبْلَها ألِفًا، فَيَقُولُ في فَنِيَ وبَقِيَ فَنا وبَقا، وهم بَنُو طَيِّئٍ، فَهو تَفْسِيرٌ خَبِيثٌ، واعْلَمْ أنَّ الأوْلى عِنْدِي في هَذا البابِ والأحْسَمَ لِلشَّغَبِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَهُنا بَحْثٌ لا بُدَّ مِنهُ وهو أنْ ظاهِرَ القُرْآنِ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّ آدَمَ عَصى وغَوى لَكِنْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ آدَمَ كانَ عاصِيًا غاوِيًا، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا أُمُورٌ:
أحَدُها: قالَ العُتْبِيُّ: يُقالُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبًا وخاطَهُ قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا يُقالُ: خائِطٌ ولا خَيّاطٌ حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الزَّلَّةَ لَمْ تَصْدُرْ عَنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ. وثانِيها: أنَّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ إنَّما وقَعَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لَمْ يَجُزْ بَعْدَ أنْ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ وشَرَّفَهُ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ كَما لا يُقالُ لِمَن أسْلَمَ بَعْدَ الكُفْرِ إنَّهُ كافِرٌ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ كافِرًا، بَلْ وبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الواقِعَةُ وقَعَتْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَجُزْ أيْضًا أنْ يُقالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تابَ عَنْها، كَما أنَّ الرَّجُلَ المُسْلِمَ إذا شَرِبَ الخَمْرَ أوْ زَنى ثُمَّ تابَ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ لا يُقالُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّهُ شارِبُ خَمْرٍ أوْ زانٍ فَكَذا هَهُنا. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَنا: عاصٍ وغاوٍ يُوهِمُ كَوْنَهُ عاصِيًا في أكْثَرِ الأشْياءِ وغاوِيًا عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ تَرِدْ هاتانِ اللَّفْظَتانِ في القُرْآنِ مُطْلَقَتَيْنِ بَلْ مَقْرُونَتَيْنِ بِالقِصَّةِ الَّتِي عَصى فِيها فَكَأنَّهُ قالَ: عَصى في كَيْتَ وكَيْتَ وذَلِكَ لا يُوهِمُ التَّوَهُّمَ الباطِلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ. ورابِعُها: أنَّهُ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَجُوزُ مِن غَيْرِهِ، كَما يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ في عَبِيدِهِ ووَلَدِهِ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ مِن إطْلاقِ القَوْلِ ما لا يَجُوزُ لِغَيْرِ السَّيِّدِ في عَبْدِهِ ووَلَدِهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ فالمَعْنى ثُمَّ اصْطَفاهُ فَتابَ عَلَيْهِ أيْ عادَ عَلَيْهِ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ وهَداهُ رُشْدَهُ حَتّى رَجَعَ إلى النَّدَمِ والِاسْتِغْفارِ وقَبِلَ اللَّهُ مِنهُ ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَوْ جُمِعَ بُكاءُ أهْلِ الدُّنْيا إلى بُكاءِ داوُدَ كانَ بُكاؤُهُ أكْثَرَ، ولَوْ جُمِعَ كُلُّ ذَلِكَ إلى بُكاءِ نُوحٍ لَكانَ بُكاءُ نُوحٍ أكْثَرَ، وإنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِنَوْحِهِ عَلى نَفْسِهِ، ولَوْ جُمِعَ كُلُّ ذَلِكَ إلى بُكاءِ آدَمَ لَكانَ بُكاءُ آدَمَ عَلى خَطِيئَتِهِ أكْثَرَ» “ وقالَ وهْبٌ: إنَّهُ لَمّا كَثُرَ بُكاؤُهُ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي إنَّكَ خَيْرُ الغافِرِينَ“ فَقالَها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قالَ: قُلْ ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ“ ثُمَّ قالَ قُلْ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَذِهِ الكَلِماتُ هي الَّتِي تَلَقّاها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن رَبِّهِ.
طه 20:123
صفحة ١١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ .
اعْلَمْ أنَّ عَلى أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ سُؤالًا وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اهْبِطا﴾، إمّا أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ شَخْصَيْنِ أوْ أكْثَرَ فَإنْ كانَ خِطابًا لِشَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ وهو خِطابُ الجَمْعِ وإنْ كانَ خِطابًا لِأكْثَرَ مِن شَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿اهْبِطا﴾ ؟ وذَكَرُوا في جَوابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الخِطابُ لِآدَمَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ ولِإبْلِيسَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ فَلِكَوْنِهِما جِنْسَيْنِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطا﴾ ولِأجْلِ اشْتِمالِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِنْسَيْنِ عَلى الكَثْرَةِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ . ثانِيها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمّا كانَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ أصْلًا لِلْبَشَرِ والسَّبَبِ اللَّذَيْنِ مِنهُما تَفَرَّعُوا جُعِلا كَأنَّهُما البَشَرُ أنْفُسُهم فَخُوطِبا مُخاطَبَتَهم فَقالَ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَماعَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فَقالَ القاضِي: يَكْفِي في تَوْفِيَةِ هَذا الظّاهِرِ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ والشَّياطِينُ أعْداءً لِلنّاسِ والنّاسُ أعْداءً لَهم، فَإذا انْضافَ إلى ذَلِكَ عَداوَةُ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ لِبَعْضٍ لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ في الكَلامِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ الذُّرِّيَّةُ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالهُدى، فَقالَ بَعْضُهم: الرُّسُلُ، وبَعْضُهم قالَ: الآخَرُ والأدِلَّةُ، وبَعْضُهم قالَ: القُرْآنُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالهُدى الَّذِي ضَمِنَ اللَّهُ عَلى اتِّباعِهِ ذَلِكَ اتِّباعُ الأدِلَّةِ، واتِّباعُها لا يَتَكامَلُ إلّا بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها وبِأنْ يَعْمَلَ بِها، ومِن هَذا حالُهُ فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ لا يَضِلَّ ولا يَشْقى، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَضِلُّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ. وثانِيها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الآخِرَةِ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِيهِ إلى الجَنَّةِ ويُمَكِّنُهُ فِيها. وثالِثُها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الدُّنْيا فَإنْ قِيلَ: المُتَّبِعُ لِهُدى اللَّهِ قَدْ يَلْحَقُهُ الشَّقاءُ في الدُّنْيا، قُلْنا: المُرادُ لا يَضِلُّ في الدِّينِ ولا يَشْقى بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَإنْ حَصَلَ الشَّقاءُ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلا بَأْسَ، ولَمّا وعَدَ اللَّهُ تَعالى مَن يَتَّبِعُ الهُدى أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ فِيمَن أعْرَضَ، فَقالَ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ والذِّكْرُ يَقَعُ عَلى القُرْآنِ وعَلى سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأدِلَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فالضَّنْكُ أصْلُهُ الضِّيقُ والشِّدَّةُ وهو مَصْدَرٌ ثُمَّ يُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: مَنزِلٌ ضَنْكٌ، وعَيْشٌ ضَنْكٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَعِيشَةٌ ذاتُ ضَنْكٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الضِّيقَ المُتَوَعَّدَ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ في الدِّينِ أوْ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ. أمّا الأوَّلُ: فَقالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمَ لِتَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ يَعِيشُ في الدُّنْيا عَيْشًا طَيِّبًا كَما قالَ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] والكافِرُ بِاللَّهِ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا طالِبًا لِلزِّيادَةِ أبَدًا فَعِيشَتُهُ ضَنْكٌ
صفحة ١١٣
وحالَتُهُ مُظْلِمَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ الكَفَرَةِ مَن ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ لِكُفْرِهِ قالَ تَعالى: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٦١] وقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائِدَةِ: ٦٦] وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٩٦] وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١٠ - ١٢] وقالَ: ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجِنِّ: ١٦] . وأمّا الثّانِي: وهو عَذابُ القَبْرِ، فَهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ عَذابَ القَبْرِ لِلْكافِرِ قالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا» “ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى المَخْزُومِيِّ، والمُرادُ ضَغْطَةُ القَبْرِ تَخْتَلِفُ فِيها أضْلاعُهُ. وأمّا الثّالِثُ: وهو الضِّيقُ في الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ، فَإنَّ طَعامَهم فِيها الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ، وشَرابَهُمُ الحَمِيمُ والغِسْلِينُ فَلا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ. وأمّا الرّابِعُ: وهو الضِّيقُ في أحْوالِ الدِّينِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنها، سُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا رَأيْتُمْ أهْلَ البَلاءِ فاسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ» “، فَقالَ: أهْلُ البَلاءِ هم أهْلُ الغَفَلاتِ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَعُقُوبَتُهم أنْ يَرُدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْفُسِهِمْ، وأيُّ مَعِيشَةٍ أضْيَقُ وأشَدُّ مِن أنْ يُرَدَّ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ، وعَنْ عَطاءٍ قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي مَعِيشَةُ الكافِرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوقِنٍ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وأمّا الخامِسُ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ الضِّيقُ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«عُقُوبَةُ المَعْصِيَةِ ثَلاثَةٌ: ضِيقُ المَعِيشَةِ، والعُسْرُ في الشِّدَّةِ، وأنْ لا يَتَوَصَّلَ إلى قُوَّتِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى» “ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسْراءِ: ٩٧] وكَما فُسِّرَتِ الزُّرْقَةُ بِالعَمى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ يُحْشَرُ بَصِيرًا فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ والكَلامُ فِيهِ وعَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿زُرْقًا﴾ . وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، وهي رِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ في القِيامَةِ لا بُدَّ أنْ يُعْلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ حَتّى يَتَمَيَّزَ لَهُمُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ومَن هَذا حالُهُ لا يُوصَفُ بِذَلِكَ إلّا مَجازًا، والمُرادُ بِهِ أنَّهُ كانَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ولا يَلِيقُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في حالِ الدُّنْيا. أقُولُ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاعْتِراضَ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ ذَلِكَ العَمى بِما أنَّ المُكَلَّفَ نَسِيَ الدَّلائِلَ في الدُّنْيا فَلَوْ كانَ العَمى الحاصِلُ في الآخِرَةِ بَيْنَ ذَلِكَ النِّسْيانِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، كَما أنَّهُ ما كانَ لَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ الجَوابِ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ مَأْخُوذٌ مِن أمْرٍ آخَرَ وهو أنَّ الأرْواحَ الجاهِلَةَ في الدُّنْيا المُفارَقِةَ عَنْ أبْدانِها عَلى جَهالَتِها تَبْقى عَلى تِلْكَ الجَهالَةِ في الآخِرَةِ وأنَّ تِلْكَ الجَهالَةَ تَصِيرُ هُناكَ سَبَبًا لِأعْظَمِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ. وبَيْنَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وبَيْنَ طَرِيقَةِ القاضِي المَبْنِيَّةِ عَلى أُصُولِ الِاعْتِزالِ بَوْنٌ شَدِيدٌ. وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن حَشْرِهِ أعْمى أنَّهُ لا يَهْتَدِي يَوْمَ القِيامَةِ إلى طَرِيقٍ يَنالُ مِنهُ خَيْرًا بَلْ يَبْقى واقِفًا مُتَحَيِّرًا كالأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ فَفي تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ بِهِ هَذا
صفحة ١١٤
العَمى جَزاءً عَلى تَرْكِهِ اتِّباعَ الهُدى والإعْراضِ عَنْهُ. والثّانِي: هو أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها جاهِلَةً ضالَّةً عَنِ الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ بَقِيَتْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ وعَظُمَتِ الآلامُ الرُّوحانِيَّةُ، فَلِهَذا عَلَّلَ اللَّهُ تَعالى حُصُولَ العَمى في الآخِرَةِ بِالإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ في الدُّنْيا، ومَن فَسَّرَ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ بِالضِّيقِ في الدُّنْيا، قالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ في الدُّنْيا فَلَهُ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ في الدُّنْيا والعَمى في الآخِرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَبَعْضُهم قالَ: أشْرَكَ وكَفَرَ، وبَعْضُهم قالَ: أسْرَفَ في أنْ عَصى اللَّهَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: أسْرَفَ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجْزِي مَن هَذا حالُهُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ والعَمى وبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى؛ أمّا الأشَدُّ فَلِعِظَمِهِ، وأمّا الأبْقى فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
طه 20:124
صفحة ١١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ .
اعْلَمْ أنَّ عَلى أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ سُؤالًا وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اهْبِطا﴾، إمّا أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ شَخْصَيْنِ أوْ أكْثَرَ فَإنْ كانَ خِطابًا لِشَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ وهو خِطابُ الجَمْعِ وإنْ كانَ خِطابًا لِأكْثَرَ مِن شَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿اهْبِطا﴾ ؟ وذَكَرُوا في جَوابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الخِطابُ لِآدَمَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ ولِإبْلِيسَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ فَلِكَوْنِهِما جِنْسَيْنِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطا﴾ ولِأجْلِ اشْتِمالِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِنْسَيْنِ عَلى الكَثْرَةِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ . ثانِيها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمّا كانَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ أصْلًا لِلْبَشَرِ والسَّبَبِ اللَّذَيْنِ مِنهُما تَفَرَّعُوا جُعِلا كَأنَّهُما البَشَرُ أنْفُسُهم فَخُوطِبا مُخاطَبَتَهم فَقالَ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَماعَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فَقالَ القاضِي: يَكْفِي في تَوْفِيَةِ هَذا الظّاهِرِ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ والشَّياطِينُ أعْداءً لِلنّاسِ والنّاسُ أعْداءً لَهم، فَإذا انْضافَ إلى ذَلِكَ عَداوَةُ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ لِبَعْضٍ لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ في الكَلامِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ الذُّرِّيَّةُ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالهُدى، فَقالَ بَعْضُهم: الرُّسُلُ، وبَعْضُهم قالَ: الآخَرُ والأدِلَّةُ، وبَعْضُهم قالَ: القُرْآنُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالهُدى الَّذِي ضَمِنَ اللَّهُ عَلى اتِّباعِهِ ذَلِكَ اتِّباعُ الأدِلَّةِ، واتِّباعُها لا يَتَكامَلُ إلّا بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها وبِأنْ يَعْمَلَ بِها، ومِن هَذا حالُهُ فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ لا يَضِلَّ ولا يَشْقى، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَضِلُّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ. وثانِيها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الآخِرَةِ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِيهِ إلى الجَنَّةِ ويُمَكِّنُهُ فِيها. وثالِثُها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الدُّنْيا فَإنْ قِيلَ: المُتَّبِعُ لِهُدى اللَّهِ قَدْ يَلْحَقُهُ الشَّقاءُ في الدُّنْيا، قُلْنا: المُرادُ لا يَضِلُّ في الدِّينِ ولا يَشْقى بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَإنْ حَصَلَ الشَّقاءُ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلا بَأْسَ، ولَمّا وعَدَ اللَّهُ تَعالى مَن يَتَّبِعُ الهُدى أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ فِيمَن أعْرَضَ، فَقالَ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ والذِّكْرُ يَقَعُ عَلى القُرْآنِ وعَلى سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأدِلَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فالضَّنْكُ أصْلُهُ الضِّيقُ والشِّدَّةُ وهو مَصْدَرٌ ثُمَّ يُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: مَنزِلٌ ضَنْكٌ، وعَيْشٌ ضَنْكٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَعِيشَةٌ ذاتُ ضَنْكٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الضِّيقَ المُتَوَعَّدَ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ في الدِّينِ أوْ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ. أمّا الأوَّلُ: فَقالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمَ لِتَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ يَعِيشُ في الدُّنْيا عَيْشًا طَيِّبًا كَما قالَ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] والكافِرُ بِاللَّهِ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا طالِبًا لِلزِّيادَةِ أبَدًا فَعِيشَتُهُ ضَنْكٌ
صفحة ١١٣
وحالَتُهُ مُظْلِمَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ الكَفَرَةِ مَن ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ لِكُفْرِهِ قالَ تَعالى: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٦١] وقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائِدَةِ: ٦٦] وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٩٦] وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١٠ - ١٢] وقالَ: ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجِنِّ: ١٦] . وأمّا الثّانِي: وهو عَذابُ القَبْرِ، فَهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ عَذابَ القَبْرِ لِلْكافِرِ قالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا» “ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى المَخْزُومِيِّ، والمُرادُ ضَغْطَةُ القَبْرِ تَخْتَلِفُ فِيها أضْلاعُهُ. وأمّا الثّالِثُ: وهو الضِّيقُ في الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ، فَإنَّ طَعامَهم فِيها الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ، وشَرابَهُمُ الحَمِيمُ والغِسْلِينُ فَلا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ. وأمّا الرّابِعُ: وهو الضِّيقُ في أحْوالِ الدِّينِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنها، سُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا رَأيْتُمْ أهْلَ البَلاءِ فاسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ» “، فَقالَ: أهْلُ البَلاءِ هم أهْلُ الغَفَلاتِ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَعُقُوبَتُهم أنْ يَرُدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْفُسِهِمْ، وأيُّ مَعِيشَةٍ أضْيَقُ وأشَدُّ مِن أنْ يُرَدَّ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ، وعَنْ عَطاءٍ قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي مَعِيشَةُ الكافِرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوقِنٍ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وأمّا الخامِسُ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ الضِّيقُ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«عُقُوبَةُ المَعْصِيَةِ ثَلاثَةٌ: ضِيقُ المَعِيشَةِ، والعُسْرُ في الشِّدَّةِ، وأنْ لا يَتَوَصَّلَ إلى قُوَّتِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى» “ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسْراءِ: ٩٧] وكَما فُسِّرَتِ الزُّرْقَةُ بِالعَمى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ يُحْشَرُ بَصِيرًا فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ والكَلامُ فِيهِ وعَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿زُرْقًا﴾ . وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، وهي رِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ في القِيامَةِ لا بُدَّ أنْ يُعْلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ حَتّى يَتَمَيَّزَ لَهُمُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ومَن هَذا حالُهُ لا يُوصَفُ بِذَلِكَ إلّا مَجازًا، والمُرادُ بِهِ أنَّهُ كانَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ولا يَلِيقُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في حالِ الدُّنْيا. أقُولُ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاعْتِراضَ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ ذَلِكَ العَمى بِما أنَّ المُكَلَّفَ نَسِيَ الدَّلائِلَ في الدُّنْيا فَلَوْ كانَ العَمى الحاصِلُ في الآخِرَةِ بَيْنَ ذَلِكَ النِّسْيانِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، كَما أنَّهُ ما كانَ لَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ الجَوابِ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ مَأْخُوذٌ مِن أمْرٍ آخَرَ وهو أنَّ الأرْواحَ الجاهِلَةَ في الدُّنْيا المُفارَقِةَ عَنْ أبْدانِها عَلى جَهالَتِها تَبْقى عَلى تِلْكَ الجَهالَةِ في الآخِرَةِ وأنَّ تِلْكَ الجَهالَةَ تَصِيرُ هُناكَ سَبَبًا لِأعْظَمِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ. وبَيْنَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وبَيْنَ طَرِيقَةِ القاضِي المَبْنِيَّةِ عَلى أُصُولِ الِاعْتِزالِ بَوْنٌ شَدِيدٌ. وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن حَشْرِهِ أعْمى أنَّهُ لا يَهْتَدِي يَوْمَ القِيامَةِ إلى طَرِيقٍ يَنالُ مِنهُ خَيْرًا بَلْ يَبْقى واقِفًا مُتَحَيِّرًا كالأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ فَفي تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ بِهِ هَذا
صفحة ١١٤
العَمى جَزاءً عَلى تَرْكِهِ اتِّباعَ الهُدى والإعْراضِ عَنْهُ. والثّانِي: هو أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها جاهِلَةً ضالَّةً عَنِ الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ بَقِيَتْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ وعَظُمَتِ الآلامُ الرُّوحانِيَّةُ، فَلِهَذا عَلَّلَ اللَّهُ تَعالى حُصُولَ العَمى في الآخِرَةِ بِالإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ في الدُّنْيا، ومَن فَسَّرَ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ بِالضِّيقِ في الدُّنْيا، قالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ في الدُّنْيا فَلَهُ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ في الدُّنْيا والعَمى في الآخِرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَبَعْضُهم قالَ: أشْرَكَ وكَفَرَ، وبَعْضُهم قالَ: أسْرَفَ في أنْ عَصى اللَّهَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: أسْرَفَ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجْزِي مَن هَذا حالُهُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ والعَمى وبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى؛ أمّا الأشَدُّ فَلِعِظَمِهِ، وأمّا الأبْقى فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
طه 20:125
صفحة ١١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ .
اعْلَمْ أنَّ عَلى أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ سُؤالًا وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اهْبِطا﴾، إمّا أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ شَخْصَيْنِ أوْ أكْثَرَ فَإنْ كانَ خِطابًا لِشَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ وهو خِطابُ الجَمْعِ وإنْ كانَ خِطابًا لِأكْثَرَ مِن شَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿اهْبِطا﴾ ؟ وذَكَرُوا في جَوابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الخِطابُ لِآدَمَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ ولِإبْلِيسَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ فَلِكَوْنِهِما جِنْسَيْنِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطا﴾ ولِأجْلِ اشْتِمالِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِنْسَيْنِ عَلى الكَثْرَةِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ . ثانِيها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمّا كانَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ أصْلًا لِلْبَشَرِ والسَّبَبِ اللَّذَيْنِ مِنهُما تَفَرَّعُوا جُعِلا كَأنَّهُما البَشَرُ أنْفُسُهم فَخُوطِبا مُخاطَبَتَهم فَقالَ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَماعَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فَقالَ القاضِي: يَكْفِي في تَوْفِيَةِ هَذا الظّاهِرِ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ والشَّياطِينُ أعْداءً لِلنّاسِ والنّاسُ أعْداءً لَهم، فَإذا انْضافَ إلى ذَلِكَ عَداوَةُ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ لِبَعْضٍ لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ في الكَلامِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ الذُّرِّيَّةُ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالهُدى، فَقالَ بَعْضُهم: الرُّسُلُ، وبَعْضُهم قالَ: الآخَرُ والأدِلَّةُ، وبَعْضُهم قالَ: القُرْآنُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالهُدى الَّذِي ضَمِنَ اللَّهُ عَلى اتِّباعِهِ ذَلِكَ اتِّباعُ الأدِلَّةِ، واتِّباعُها لا يَتَكامَلُ إلّا بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها وبِأنْ يَعْمَلَ بِها، ومِن هَذا حالُهُ فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ لا يَضِلَّ ولا يَشْقى، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَضِلُّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ. وثانِيها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الآخِرَةِ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِيهِ إلى الجَنَّةِ ويُمَكِّنُهُ فِيها. وثالِثُها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الدُّنْيا فَإنْ قِيلَ: المُتَّبِعُ لِهُدى اللَّهِ قَدْ يَلْحَقُهُ الشَّقاءُ في الدُّنْيا، قُلْنا: المُرادُ لا يَضِلُّ في الدِّينِ ولا يَشْقى بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَإنْ حَصَلَ الشَّقاءُ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلا بَأْسَ، ولَمّا وعَدَ اللَّهُ تَعالى مَن يَتَّبِعُ الهُدى أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ فِيمَن أعْرَضَ، فَقالَ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ والذِّكْرُ يَقَعُ عَلى القُرْآنِ وعَلى سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأدِلَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فالضَّنْكُ أصْلُهُ الضِّيقُ والشِّدَّةُ وهو مَصْدَرٌ ثُمَّ يُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: مَنزِلٌ ضَنْكٌ، وعَيْشٌ ضَنْكٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَعِيشَةٌ ذاتُ ضَنْكٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الضِّيقَ المُتَوَعَّدَ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ في الدِّينِ أوْ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ. أمّا الأوَّلُ: فَقالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمَ لِتَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ يَعِيشُ في الدُّنْيا عَيْشًا طَيِّبًا كَما قالَ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] والكافِرُ بِاللَّهِ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا طالِبًا لِلزِّيادَةِ أبَدًا فَعِيشَتُهُ ضَنْكٌ
صفحة ١١٣
وحالَتُهُ مُظْلِمَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ الكَفَرَةِ مَن ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ لِكُفْرِهِ قالَ تَعالى: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٦١] وقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائِدَةِ: ٦٦] وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٩٦] وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١٠ - ١٢] وقالَ: ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجِنِّ: ١٦] . وأمّا الثّانِي: وهو عَذابُ القَبْرِ، فَهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ عَذابَ القَبْرِ لِلْكافِرِ قالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا» “ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى المَخْزُومِيِّ، والمُرادُ ضَغْطَةُ القَبْرِ تَخْتَلِفُ فِيها أضْلاعُهُ. وأمّا الثّالِثُ: وهو الضِّيقُ في الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ، فَإنَّ طَعامَهم فِيها الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ، وشَرابَهُمُ الحَمِيمُ والغِسْلِينُ فَلا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ. وأمّا الرّابِعُ: وهو الضِّيقُ في أحْوالِ الدِّينِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنها، سُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا رَأيْتُمْ أهْلَ البَلاءِ فاسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ» “، فَقالَ: أهْلُ البَلاءِ هم أهْلُ الغَفَلاتِ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَعُقُوبَتُهم أنْ يَرُدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْفُسِهِمْ، وأيُّ مَعِيشَةٍ أضْيَقُ وأشَدُّ مِن أنْ يُرَدَّ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ، وعَنْ عَطاءٍ قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي مَعِيشَةُ الكافِرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوقِنٍ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وأمّا الخامِسُ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ الضِّيقُ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«عُقُوبَةُ المَعْصِيَةِ ثَلاثَةٌ: ضِيقُ المَعِيشَةِ، والعُسْرُ في الشِّدَّةِ، وأنْ لا يَتَوَصَّلَ إلى قُوَّتِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى» “ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسْراءِ: ٩٧] وكَما فُسِّرَتِ الزُّرْقَةُ بِالعَمى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ يُحْشَرُ بَصِيرًا فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ والكَلامُ فِيهِ وعَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿زُرْقًا﴾ . وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، وهي رِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ في القِيامَةِ لا بُدَّ أنْ يُعْلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ حَتّى يَتَمَيَّزَ لَهُمُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ومَن هَذا حالُهُ لا يُوصَفُ بِذَلِكَ إلّا مَجازًا، والمُرادُ بِهِ أنَّهُ كانَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ولا يَلِيقُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في حالِ الدُّنْيا. أقُولُ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاعْتِراضَ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ ذَلِكَ العَمى بِما أنَّ المُكَلَّفَ نَسِيَ الدَّلائِلَ في الدُّنْيا فَلَوْ كانَ العَمى الحاصِلُ في الآخِرَةِ بَيْنَ ذَلِكَ النِّسْيانِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، كَما أنَّهُ ما كانَ لَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ الجَوابِ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ مَأْخُوذٌ مِن أمْرٍ آخَرَ وهو أنَّ الأرْواحَ الجاهِلَةَ في الدُّنْيا المُفارَقِةَ عَنْ أبْدانِها عَلى جَهالَتِها تَبْقى عَلى تِلْكَ الجَهالَةِ في الآخِرَةِ وأنَّ تِلْكَ الجَهالَةَ تَصِيرُ هُناكَ سَبَبًا لِأعْظَمِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ. وبَيْنَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وبَيْنَ طَرِيقَةِ القاضِي المَبْنِيَّةِ عَلى أُصُولِ الِاعْتِزالِ بَوْنٌ شَدِيدٌ. وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن حَشْرِهِ أعْمى أنَّهُ لا يَهْتَدِي يَوْمَ القِيامَةِ إلى طَرِيقٍ يَنالُ مِنهُ خَيْرًا بَلْ يَبْقى واقِفًا مُتَحَيِّرًا كالأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ فَفي تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ بِهِ هَذا
صفحة ١١٤
العَمى جَزاءً عَلى تَرْكِهِ اتِّباعَ الهُدى والإعْراضِ عَنْهُ. والثّانِي: هو أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها جاهِلَةً ضالَّةً عَنِ الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ بَقِيَتْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ وعَظُمَتِ الآلامُ الرُّوحانِيَّةُ، فَلِهَذا عَلَّلَ اللَّهُ تَعالى حُصُولَ العَمى في الآخِرَةِ بِالإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ في الدُّنْيا، ومَن فَسَّرَ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ بِالضِّيقِ في الدُّنْيا، قالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ في الدُّنْيا فَلَهُ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ في الدُّنْيا والعَمى في الآخِرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَبَعْضُهم قالَ: أشْرَكَ وكَفَرَ، وبَعْضُهم قالَ: أسْرَفَ في أنْ عَصى اللَّهَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: أسْرَفَ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجْزِي مَن هَذا حالُهُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ والعَمى وبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى؛ أمّا الأشَدُّ فَلِعِظَمِهِ، وأمّا الأبْقى فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
طه 20:126
صفحة ١١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ .
اعْلَمْ أنَّ عَلى أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ سُؤالًا وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اهْبِطا﴾، إمّا أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ شَخْصَيْنِ أوْ أكْثَرَ فَإنْ كانَ خِطابًا لِشَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ وهو خِطابُ الجَمْعِ وإنْ كانَ خِطابًا لِأكْثَرَ مِن شَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿اهْبِطا﴾ ؟ وذَكَرُوا في جَوابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الخِطابُ لِآدَمَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ ولِإبْلِيسَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ فَلِكَوْنِهِما جِنْسَيْنِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطا﴾ ولِأجْلِ اشْتِمالِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِنْسَيْنِ عَلى الكَثْرَةِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ . ثانِيها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمّا كانَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ أصْلًا لِلْبَشَرِ والسَّبَبِ اللَّذَيْنِ مِنهُما تَفَرَّعُوا جُعِلا كَأنَّهُما البَشَرُ أنْفُسُهم فَخُوطِبا مُخاطَبَتَهم فَقالَ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَماعَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فَقالَ القاضِي: يَكْفِي في تَوْفِيَةِ هَذا الظّاهِرِ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ والشَّياطِينُ أعْداءً لِلنّاسِ والنّاسُ أعْداءً لَهم، فَإذا انْضافَ إلى ذَلِكَ عَداوَةُ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ لِبَعْضٍ لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ في الكَلامِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ الذُّرِّيَّةُ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالهُدى، فَقالَ بَعْضُهم: الرُّسُلُ، وبَعْضُهم قالَ: الآخَرُ والأدِلَّةُ، وبَعْضُهم قالَ: القُرْآنُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالهُدى الَّذِي ضَمِنَ اللَّهُ عَلى اتِّباعِهِ ذَلِكَ اتِّباعُ الأدِلَّةِ، واتِّباعُها لا يَتَكامَلُ إلّا بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها وبِأنْ يَعْمَلَ بِها، ومِن هَذا حالُهُ فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ لا يَضِلَّ ولا يَشْقى، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَضِلُّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ. وثانِيها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الآخِرَةِ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِيهِ إلى الجَنَّةِ ويُمَكِّنُهُ فِيها. وثالِثُها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الدُّنْيا فَإنْ قِيلَ: المُتَّبِعُ لِهُدى اللَّهِ قَدْ يَلْحَقُهُ الشَّقاءُ في الدُّنْيا، قُلْنا: المُرادُ لا يَضِلُّ في الدِّينِ ولا يَشْقى بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَإنْ حَصَلَ الشَّقاءُ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلا بَأْسَ، ولَمّا وعَدَ اللَّهُ تَعالى مَن يَتَّبِعُ الهُدى أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ فِيمَن أعْرَضَ، فَقالَ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ والذِّكْرُ يَقَعُ عَلى القُرْآنِ وعَلى سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأدِلَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فالضَّنْكُ أصْلُهُ الضِّيقُ والشِّدَّةُ وهو مَصْدَرٌ ثُمَّ يُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: مَنزِلٌ ضَنْكٌ، وعَيْشٌ ضَنْكٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَعِيشَةٌ ذاتُ ضَنْكٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الضِّيقَ المُتَوَعَّدَ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ في الدِّينِ أوْ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ. أمّا الأوَّلُ: فَقالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمَ لِتَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ يَعِيشُ في الدُّنْيا عَيْشًا طَيِّبًا كَما قالَ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] والكافِرُ بِاللَّهِ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا طالِبًا لِلزِّيادَةِ أبَدًا فَعِيشَتُهُ ضَنْكٌ
صفحة ١١٣
وحالَتُهُ مُظْلِمَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ الكَفَرَةِ مَن ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ لِكُفْرِهِ قالَ تَعالى: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٦١] وقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائِدَةِ: ٦٦] وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٩٦] وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١٠ - ١٢] وقالَ: ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجِنِّ: ١٦] . وأمّا الثّانِي: وهو عَذابُ القَبْرِ، فَهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ عَذابَ القَبْرِ لِلْكافِرِ قالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا» “ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى المَخْزُومِيِّ، والمُرادُ ضَغْطَةُ القَبْرِ تَخْتَلِفُ فِيها أضْلاعُهُ. وأمّا الثّالِثُ: وهو الضِّيقُ في الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ، فَإنَّ طَعامَهم فِيها الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ، وشَرابَهُمُ الحَمِيمُ والغِسْلِينُ فَلا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ. وأمّا الرّابِعُ: وهو الضِّيقُ في أحْوالِ الدِّينِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنها، سُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا رَأيْتُمْ أهْلَ البَلاءِ فاسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ» “، فَقالَ: أهْلُ البَلاءِ هم أهْلُ الغَفَلاتِ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَعُقُوبَتُهم أنْ يَرُدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْفُسِهِمْ، وأيُّ مَعِيشَةٍ أضْيَقُ وأشَدُّ مِن أنْ يُرَدَّ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ، وعَنْ عَطاءٍ قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي مَعِيشَةُ الكافِرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوقِنٍ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وأمّا الخامِسُ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ الضِّيقُ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«عُقُوبَةُ المَعْصِيَةِ ثَلاثَةٌ: ضِيقُ المَعِيشَةِ، والعُسْرُ في الشِّدَّةِ، وأنْ لا يَتَوَصَّلَ إلى قُوَّتِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى» “ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسْراءِ: ٩٧] وكَما فُسِّرَتِ الزُّرْقَةُ بِالعَمى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ يُحْشَرُ بَصِيرًا فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ والكَلامُ فِيهِ وعَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿زُرْقًا﴾ . وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، وهي رِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ في القِيامَةِ لا بُدَّ أنْ يُعْلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ حَتّى يَتَمَيَّزَ لَهُمُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ومَن هَذا حالُهُ لا يُوصَفُ بِذَلِكَ إلّا مَجازًا، والمُرادُ بِهِ أنَّهُ كانَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ولا يَلِيقُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في حالِ الدُّنْيا. أقُولُ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاعْتِراضَ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ ذَلِكَ العَمى بِما أنَّ المُكَلَّفَ نَسِيَ الدَّلائِلَ في الدُّنْيا فَلَوْ كانَ العَمى الحاصِلُ في الآخِرَةِ بَيْنَ ذَلِكَ النِّسْيانِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، كَما أنَّهُ ما كانَ لَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ الجَوابِ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ مَأْخُوذٌ مِن أمْرٍ آخَرَ وهو أنَّ الأرْواحَ الجاهِلَةَ في الدُّنْيا المُفارَقِةَ عَنْ أبْدانِها عَلى جَهالَتِها تَبْقى عَلى تِلْكَ الجَهالَةِ في الآخِرَةِ وأنَّ تِلْكَ الجَهالَةَ تَصِيرُ هُناكَ سَبَبًا لِأعْظَمِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ. وبَيْنَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وبَيْنَ طَرِيقَةِ القاضِي المَبْنِيَّةِ عَلى أُصُولِ الِاعْتِزالِ بَوْنٌ شَدِيدٌ. وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن حَشْرِهِ أعْمى أنَّهُ لا يَهْتَدِي يَوْمَ القِيامَةِ إلى طَرِيقٍ يَنالُ مِنهُ خَيْرًا بَلْ يَبْقى واقِفًا مُتَحَيِّرًا كالأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ فَفي تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ بِهِ هَذا
صفحة ١١٤
العَمى جَزاءً عَلى تَرْكِهِ اتِّباعَ الهُدى والإعْراضِ عَنْهُ. والثّانِي: هو أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها جاهِلَةً ضالَّةً عَنِ الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ بَقِيَتْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ وعَظُمَتِ الآلامُ الرُّوحانِيَّةُ، فَلِهَذا عَلَّلَ اللَّهُ تَعالى حُصُولَ العَمى في الآخِرَةِ بِالإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ في الدُّنْيا، ومَن فَسَّرَ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ بِالضِّيقِ في الدُّنْيا، قالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ في الدُّنْيا فَلَهُ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ في الدُّنْيا والعَمى في الآخِرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَبَعْضُهم قالَ: أشْرَكَ وكَفَرَ، وبَعْضُهم قالَ: أسْرَفَ في أنْ عَصى اللَّهَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: أسْرَفَ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجْزِي مَن هَذا حالُهُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ والعَمى وبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى؛ أمّا الأشَدُّ فَلِعِظَمِهِ، وأمّا الأبْقى فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
طه 20:127
صفحة ١١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ .
اعْلَمْ أنَّ عَلى أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ سُؤالًا وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اهْبِطا﴾، إمّا أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ شَخْصَيْنِ أوْ أكْثَرَ فَإنْ كانَ خِطابًا لِشَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ وهو خِطابُ الجَمْعِ وإنْ كانَ خِطابًا لِأكْثَرَ مِن شَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿اهْبِطا﴾ ؟ وذَكَرُوا في جَوابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الخِطابُ لِآدَمَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ ولِإبْلِيسَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ فَلِكَوْنِهِما جِنْسَيْنِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطا﴾ ولِأجْلِ اشْتِمالِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِنْسَيْنِ عَلى الكَثْرَةِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ . ثانِيها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمّا كانَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ أصْلًا لِلْبَشَرِ والسَّبَبِ اللَّذَيْنِ مِنهُما تَفَرَّعُوا جُعِلا كَأنَّهُما البَشَرُ أنْفُسُهم فَخُوطِبا مُخاطَبَتَهم فَقالَ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَماعَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فَقالَ القاضِي: يَكْفِي في تَوْفِيَةِ هَذا الظّاهِرِ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ والشَّياطِينُ أعْداءً لِلنّاسِ والنّاسُ أعْداءً لَهم، فَإذا انْضافَ إلى ذَلِكَ عَداوَةُ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ لِبَعْضٍ لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ في الكَلامِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ الذُّرِّيَّةُ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالهُدى، فَقالَ بَعْضُهم: الرُّسُلُ، وبَعْضُهم قالَ: الآخَرُ والأدِلَّةُ، وبَعْضُهم قالَ: القُرْآنُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالهُدى الَّذِي ضَمِنَ اللَّهُ عَلى اتِّباعِهِ ذَلِكَ اتِّباعُ الأدِلَّةِ، واتِّباعُها لا يَتَكامَلُ إلّا بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها وبِأنْ يَعْمَلَ بِها، ومِن هَذا حالُهُ فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ لا يَضِلَّ ولا يَشْقى، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَضِلُّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ. وثانِيها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الآخِرَةِ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِيهِ إلى الجَنَّةِ ويُمَكِّنُهُ فِيها. وثالِثُها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الدُّنْيا فَإنْ قِيلَ: المُتَّبِعُ لِهُدى اللَّهِ قَدْ يَلْحَقُهُ الشَّقاءُ في الدُّنْيا، قُلْنا: المُرادُ لا يَضِلُّ في الدِّينِ ولا يَشْقى بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَإنْ حَصَلَ الشَّقاءُ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلا بَأْسَ، ولَمّا وعَدَ اللَّهُ تَعالى مَن يَتَّبِعُ الهُدى أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ فِيمَن أعْرَضَ، فَقالَ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ والذِّكْرُ يَقَعُ عَلى القُرْآنِ وعَلى سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأدِلَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فالضَّنْكُ أصْلُهُ الضِّيقُ والشِّدَّةُ وهو مَصْدَرٌ ثُمَّ يُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: مَنزِلٌ ضَنْكٌ، وعَيْشٌ ضَنْكٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَعِيشَةٌ ذاتُ ضَنْكٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الضِّيقَ المُتَوَعَّدَ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ في الدِّينِ أوْ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ. أمّا الأوَّلُ: فَقالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمَ لِتَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ يَعِيشُ في الدُّنْيا عَيْشًا طَيِّبًا كَما قالَ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] والكافِرُ بِاللَّهِ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا طالِبًا لِلزِّيادَةِ أبَدًا فَعِيشَتُهُ ضَنْكٌ
صفحة ١١٣
وحالَتُهُ مُظْلِمَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ الكَفَرَةِ مَن ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ لِكُفْرِهِ قالَ تَعالى: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٦١] وقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائِدَةِ: ٦٦] وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٩٦] وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١٠ - ١٢] وقالَ: ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجِنِّ: ١٦] . وأمّا الثّانِي: وهو عَذابُ القَبْرِ، فَهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ عَذابَ القَبْرِ لِلْكافِرِ قالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا» “ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى المَخْزُومِيِّ، والمُرادُ ضَغْطَةُ القَبْرِ تَخْتَلِفُ فِيها أضْلاعُهُ. وأمّا الثّالِثُ: وهو الضِّيقُ في الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ، فَإنَّ طَعامَهم فِيها الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ، وشَرابَهُمُ الحَمِيمُ والغِسْلِينُ فَلا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ. وأمّا الرّابِعُ: وهو الضِّيقُ في أحْوالِ الدِّينِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنها، سُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا رَأيْتُمْ أهْلَ البَلاءِ فاسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ» “، فَقالَ: أهْلُ البَلاءِ هم أهْلُ الغَفَلاتِ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَعُقُوبَتُهم أنْ يَرُدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْفُسِهِمْ، وأيُّ مَعِيشَةٍ أضْيَقُ وأشَدُّ مِن أنْ يُرَدَّ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ، وعَنْ عَطاءٍ قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي مَعِيشَةُ الكافِرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوقِنٍ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وأمّا الخامِسُ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ الضِّيقُ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«عُقُوبَةُ المَعْصِيَةِ ثَلاثَةٌ: ضِيقُ المَعِيشَةِ، والعُسْرُ في الشِّدَّةِ، وأنْ لا يَتَوَصَّلَ إلى قُوَّتِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى» “ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسْراءِ: ٩٧] وكَما فُسِّرَتِ الزُّرْقَةُ بِالعَمى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ يُحْشَرُ بَصِيرًا فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ والكَلامُ فِيهِ وعَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿زُرْقًا﴾ . وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، وهي رِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ في القِيامَةِ لا بُدَّ أنْ يُعْلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ حَتّى يَتَمَيَّزَ لَهُمُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ومَن هَذا حالُهُ لا يُوصَفُ بِذَلِكَ إلّا مَجازًا، والمُرادُ بِهِ أنَّهُ كانَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ولا يَلِيقُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في حالِ الدُّنْيا. أقُولُ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاعْتِراضَ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ ذَلِكَ العَمى بِما أنَّ المُكَلَّفَ نَسِيَ الدَّلائِلَ في الدُّنْيا فَلَوْ كانَ العَمى الحاصِلُ في الآخِرَةِ بَيْنَ ذَلِكَ النِّسْيانِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، كَما أنَّهُ ما كانَ لَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ الجَوابِ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ مَأْخُوذٌ مِن أمْرٍ آخَرَ وهو أنَّ الأرْواحَ الجاهِلَةَ في الدُّنْيا المُفارَقِةَ عَنْ أبْدانِها عَلى جَهالَتِها تَبْقى عَلى تِلْكَ الجَهالَةِ في الآخِرَةِ وأنَّ تِلْكَ الجَهالَةَ تَصِيرُ هُناكَ سَبَبًا لِأعْظَمِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ. وبَيْنَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وبَيْنَ طَرِيقَةِ القاضِي المَبْنِيَّةِ عَلى أُصُولِ الِاعْتِزالِ بَوْنٌ شَدِيدٌ. وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن حَشْرِهِ أعْمى أنَّهُ لا يَهْتَدِي يَوْمَ القِيامَةِ إلى طَرِيقٍ يَنالُ مِنهُ خَيْرًا بَلْ يَبْقى واقِفًا مُتَحَيِّرًا كالأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ فَفي تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ بِهِ هَذا
صفحة ١١٤
العَمى جَزاءً عَلى تَرْكِهِ اتِّباعَ الهُدى والإعْراضِ عَنْهُ. والثّانِي: هو أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها جاهِلَةً ضالَّةً عَنِ الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ بَقِيَتْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ وعَظُمَتِ الآلامُ الرُّوحانِيَّةُ، فَلِهَذا عَلَّلَ اللَّهُ تَعالى حُصُولَ العَمى في الآخِرَةِ بِالإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ في الدُّنْيا، ومَن فَسَّرَ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ بِالضِّيقِ في الدُّنْيا، قالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ في الدُّنْيا فَلَهُ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ في الدُّنْيا والعَمى في الآخِرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَبَعْضُهم قالَ: أشْرَكَ وكَفَرَ، وبَعْضُهم قالَ: أسْرَفَ في أنْ عَصى اللَّهَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: أسْرَفَ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجْزِي مَن هَذا حالُهُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ والعَمى وبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى؛ أمّا الأشَدُّ فَلِعِظَمِهِ، وأمّا الأبْقى فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
طه 20:128
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾
. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ كَيْفَ يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أتْبَعَهُ بِما يَعْتَبِرُ [ بِهِ ] المُكَلَّفُ مِنَ الأحْوالِ الواقِعَةِ في الدُّنْيا بِمَن كَذَّبَ الرُّسُلَ فَقالَ: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ والقِراءَةُ العامَّةُ أفَلَمْ يَهْدِ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتُ وفاعِلُهُ هو قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ قالَ القَفّالُ: جَعَلَ كَثْرَةَ ما أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ مُبَيَّنًا لَهم، كَما جَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ واعِظًا لَهم وزاجِرًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: أفَلَمْ نَهْدِ لَهم بِالنُّونِ، قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي أفَلَمْ نُبَيِّنْ لَهم بَيانًا يَهْتَدُونَ بِهِ لَوْ تَدَبَّرُوا وتَفَكَّرُوا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ فالمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في كَثْرَةِ مَن أهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ أنَّ قُرَيْشًا يُشاهِدُونَ تِلْكَ الآياتِ العَظِيمَةَ الدّالَّةَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ، وما حَلَّ بِهِمْ مِن ضُرُوبِ الهَلاكِ، ولِلْمُشاهَدَةِ في ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِبارِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وبَيَّنَ أنَّ في تِلْكَ الآياتِ آياتٌ لِأُولِي النُّهى، أيْ لِأهْلِ العُقُولِ والأقْرَبُ أنَّ لِلنُّهْيَةِ مَزِيَّةً عَلى العَقْلِ، والنُّهى لا يُقالُ إلّا فِيمَن لَهُ عَقْلٌ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ القَبائِحِ، كَما أنَّ لِقَوْلِنا أُولُو العَزْمِ مَزِيَّةً عَلى أُولِي الحَزْمِ، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: أهْلُ الوَرَعِ وأهْلُ التَّقْوى، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ لا يُنَزَّلُ العَذابُ مُعَجَّلًا عَلى مَن كَذَّبَ وكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ وأجَلٌ مُسَمًّى لَكانَ لِزامًا، ولا شُبْهَةَ في أنَّ الكَلِمَةَ هي إخْبارُ اللَّهِ تَعالى مَلائِكَتَهُ، وكَتْبُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: أنَّ أُمَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كَذَّبُوا فَسَيُؤَخَّرُونَ ولا يُفْعَلُ بِهِمْ ما يُفْعَلُ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الِاسْتِئْصالِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ؟ ﷺ، قالَ بَعْضُهم: لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ،
صفحة ١١٥
وقالَ آخَرُونَ: عَلِمَ أنَّ في نَسْلِهِمْ مَن يُؤْمِنُ ولَوْ أنْزَلَ بِهِمُ العَذابَ لَعَمَّهُمُ الهَلاكُ، وقالَ آخَرُونَ: المَصْلَحَةُ فِيهِ خَفِيَّةٌ لا يَعْلَمُها إلّا هو، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: لَهُ بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِفَضْلِهِ ومَن شاءَ بِعَذابِهِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، إذْ لَوْ كانَ فِعْلُهُ لِعِلَّةٍ لَكانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ إنْ كانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ قِدَمُ الفِعْلِ، وإنْ كانَتْ حادِثَةً افْتَقَرَتْ إلى عِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَلِهَذا قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: كُلُّ شَيْءٍ صَنِيعُهُ لا لِعِلَّةٍ، وأمّا الأجَلُ المُسَمّى فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى في الدُّنْيا لِذَلِكَ العَذابِ وهو يَوْمُ بَدْرٍ. والثّانِي: ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى في الآخِرَةِ لِذَلِكَ العَذابِ، وهَذا أقْرَبُ، ويَكُونُ المُرادُ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ تَتَضَمَّنُ تَأْخِيرَ العَذابِ إلى الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القَمَرِ: ٤٦] لَكانَ العِقابُ لازِمًا لَهم فِيما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرَّسُولِ وأذِيَّتِهِمْ لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ نَبِيَّهُ بِأنَّهُ لا يُهْلِكُ أحَدًا قَبْلَ اسْتِيفاءِ أجَلِهِ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَكْرَهُهُ مِن أقْوالِهِمْ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ أوْ شاعِرٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَكْذِيبَهم لَهُ فِيما يَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا تَرْكَهُمُ القَبُولَ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يَغُمُّهُ ويُؤْذِيهِ، فَرَغَّبَهُ تَعالى في الصَّبْرِ وبَعَثَهُ عَلى الإدامَةِ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى وإبْلاغِ ما حُمِّلَ مِنَ الرِّسالَةِ وأنْ لا يَكُونَ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ صارِفًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٥] وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وأنْتَ حامِدٌ لِرَبِّكَ عَلى أنْ وفَّقَكَ لِلتَّسْبِيحِ وأعانَكَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أمَرَ عَقِيبَ الصَّبْرِ بِالتَّسْبِيحِ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى يُفِيدُ السَّلْوَةَ والرّاحَةَ، إذْ لا راحَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في التَّسْبِيحِ عَلى وجْهَيْنِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الصَّلاةُ، وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ لا أزْيَدَ ولا أنْقَصَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ فِيهِ، فَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هو صَلاةُ الفَجْرِ، وقَبْلَ غُرُوبِها هو الظُّهْرُ والعَصْرُ لِأنَّهُما جَمِيعًا قَبْلَ الغُرُوبِ، ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحِ المَغْرِبُ والعِشاءُ الأخِيرَةُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ كالتَّوْكِيدِ لِلصَّلاتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ في طَرَفَيِ النَّهارِ وهُما صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ المَغْرِبِ، كَما اخْتَصَّتْ في قَوْلِهِ: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٨] بِالتَّوْكِيدِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ وزِيادَةٍ، أمّا دَلالَتُها عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَلِأنَّ الزَّمانَ إمّا أنْ يَكُونَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ قَبْلَ غُرُوبِها، فاللَّيْلُ والنَّهارُ داخِلانِ في هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ، فَأوْقاتُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ دَخَلَتْ فِيهِما، بَقِيَ قَوْلُهُ: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ وأطْرافُ النَّهارِ لِلنَّوافِلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى أقَلِّ مِنَ الخَمْسِ، فَقَوْلُهُ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلْفَجْرِ، وقَبْلَ غُرُوبِها لِلْعَصْرِ، ومِن آناءِ اللَّيْلِ لِلْمَغْرِبِ والعَتَمَةِ، فَيَبْقى الظُّهْرُ خارِجًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى وبِالِاعْتِبارِ أوْلى. هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا التَّسْبِيحَ عَلى الصَّلاةِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى التَّنْزِيهِ والإجْلالِ، والمَعْنى اشْتَغِلْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الأوْقاتِ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ وإلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى صَبَّرَهُ أوَّلًا عَلى ما يَقُولُونَ مِن تَكْذِيبِهِ ومِن إظْهارِ الشِّرْكِ والكُفْرِ،
صفحة ١١٦
والَّذِي يَلِيقُ بِذَلِكَ أنْ يَأْمُرَ بِتَنْزِيهِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ حَتّى يَكُونَ دائِمًا مُظْهِرًا لِذَلِكَ وداعِيًا إلَيْهِ فَلِذَلِكَ قالَ ما يَجْمَعُ كُلَّ الأوْقاتِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أفْضَلُ الذِّكْرِ ما كانَ بِاللَّيْلِ لِأنَّ الجَمْعِيَّةَ فِيهِ أكْثَرُ؛ وذَلِكَ لِسُكُونِ النّاسِ وهَدْءِ حَرَكاتِهِمْ وتَعْطِيلِ الحَواسِّ عَنِ الحَرَكاتِ وعَنِ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٦] وقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] ولِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ السُّكُونِ والرّاحَةِ فَإذا صُرِفَ إلى العِبادَةِ كانَتْ عَلى الأنْفُسِ أشَقَّ ولِلْبَدَنِ أتْعَبَ فَكانَتْ أدْخَلَ في اسْتِحْقاقِ الأجْرِ والفَضْلِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النَّهارُ لَهُ طَرَفانِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ بَلِ الأوْلى أنْ يَقُولَ كَما قالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هُودٍ: ١١٤] ؟
وجَوابُهُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ فَسَقَطَ السُّؤالُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ في كُلِّ نَهارٍ ويَعُودُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: أنَّ هَذا كَما يَقُولُ المَلِكُ الكَبِيرُ: يا فُلانُ اشْتَغِلْ بِالخِدْمَةِ فَلَعَلَّكَ تَنْتَفِعُ بِهِ، ويَكُونُ المُرادُ إنِّي أُوصِلُكَ إلى دَرَجَةٍ عالِيَةٍ في النِّعْمَةِ، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضُّحى: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٦] وثانِيها: لَعَلَّكَ تَرْضى ما تَنالُ مِنَ الثَّوابِ. وثالِثُها: لَعَلَّكَ تَرْضى ما تَنالُ مِنَ الشَّفاعَةِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وعاصِمٌ: لَعَلَّكَ تُرْضى بِضَمِّ التّاءِ، والمَعْنى لا يَخْتَلِفُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أرْضاهُ فَقَدْ رَضِيَهُ وإذا رَضِيَهُ فَقَدْ أرْضاهُ.
طه 20:129
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾
. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ كَيْفَ يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أتْبَعَهُ بِما يَعْتَبِرُ [ بِهِ ] المُكَلَّفُ مِنَ الأحْوالِ الواقِعَةِ في الدُّنْيا بِمَن كَذَّبَ الرُّسُلَ فَقالَ: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ والقِراءَةُ العامَّةُ أفَلَمْ يَهْدِ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتُ وفاعِلُهُ هو قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ قالَ القَفّالُ: جَعَلَ كَثْرَةَ ما أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ مُبَيَّنًا لَهم، كَما جَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ واعِظًا لَهم وزاجِرًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: أفَلَمْ نَهْدِ لَهم بِالنُّونِ، قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي أفَلَمْ نُبَيِّنْ لَهم بَيانًا يَهْتَدُونَ بِهِ لَوْ تَدَبَّرُوا وتَفَكَّرُوا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ فالمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في كَثْرَةِ مَن أهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ أنَّ قُرَيْشًا يُشاهِدُونَ تِلْكَ الآياتِ العَظِيمَةَ الدّالَّةَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ، وما حَلَّ بِهِمْ مِن ضُرُوبِ الهَلاكِ، ولِلْمُشاهَدَةِ في ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِبارِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وبَيَّنَ أنَّ في تِلْكَ الآياتِ آياتٌ لِأُولِي النُّهى، أيْ لِأهْلِ العُقُولِ والأقْرَبُ أنَّ لِلنُّهْيَةِ مَزِيَّةً عَلى العَقْلِ، والنُّهى لا يُقالُ إلّا فِيمَن لَهُ عَقْلٌ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ القَبائِحِ، كَما أنَّ لِقَوْلِنا أُولُو العَزْمِ مَزِيَّةً عَلى أُولِي الحَزْمِ، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: أهْلُ الوَرَعِ وأهْلُ التَّقْوى، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ لا يُنَزَّلُ العَذابُ مُعَجَّلًا عَلى مَن كَذَّبَ وكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ وأجَلٌ مُسَمًّى لَكانَ لِزامًا، ولا شُبْهَةَ في أنَّ الكَلِمَةَ هي إخْبارُ اللَّهِ تَعالى مَلائِكَتَهُ، وكَتْبُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: أنَّ أُمَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كَذَّبُوا فَسَيُؤَخَّرُونَ ولا يُفْعَلُ بِهِمْ ما يُفْعَلُ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الِاسْتِئْصالِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ؟ ﷺ، قالَ بَعْضُهم: لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ،
صفحة ١١٥
وقالَ آخَرُونَ: عَلِمَ أنَّ في نَسْلِهِمْ مَن يُؤْمِنُ ولَوْ أنْزَلَ بِهِمُ العَذابَ لَعَمَّهُمُ الهَلاكُ، وقالَ آخَرُونَ: المَصْلَحَةُ فِيهِ خَفِيَّةٌ لا يَعْلَمُها إلّا هو، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: لَهُ بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِفَضْلِهِ ومَن شاءَ بِعَذابِهِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، إذْ لَوْ كانَ فِعْلُهُ لِعِلَّةٍ لَكانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ إنْ كانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ قِدَمُ الفِعْلِ، وإنْ كانَتْ حادِثَةً افْتَقَرَتْ إلى عِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَلِهَذا قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: كُلُّ شَيْءٍ صَنِيعُهُ لا لِعِلَّةٍ، وأمّا الأجَلُ المُسَمّى فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى في الدُّنْيا لِذَلِكَ العَذابِ وهو يَوْمُ بَدْرٍ. والثّانِي: ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى في الآخِرَةِ لِذَلِكَ العَذابِ، وهَذا أقْرَبُ، ويَكُونُ المُرادُ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ تَتَضَمَّنُ تَأْخِيرَ العَذابِ إلى الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القَمَرِ: ٤٦] لَكانَ العِقابُ لازِمًا لَهم فِيما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرَّسُولِ وأذِيَّتِهِمْ لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ نَبِيَّهُ بِأنَّهُ لا يُهْلِكُ أحَدًا قَبْلَ اسْتِيفاءِ أجَلِهِ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَكْرَهُهُ مِن أقْوالِهِمْ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ أوْ شاعِرٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَكْذِيبَهم لَهُ فِيما يَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا تَرْكَهُمُ القَبُولَ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يَغُمُّهُ ويُؤْذِيهِ، فَرَغَّبَهُ تَعالى في الصَّبْرِ وبَعَثَهُ عَلى الإدامَةِ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى وإبْلاغِ ما حُمِّلَ مِنَ الرِّسالَةِ وأنْ لا يَكُونَ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ صارِفًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٥] وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وأنْتَ حامِدٌ لِرَبِّكَ عَلى أنْ وفَّقَكَ لِلتَّسْبِيحِ وأعانَكَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أمَرَ عَقِيبَ الصَّبْرِ بِالتَّسْبِيحِ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى يُفِيدُ السَّلْوَةَ والرّاحَةَ، إذْ لا راحَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في التَّسْبِيحِ عَلى وجْهَيْنِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الصَّلاةُ، وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ لا أزْيَدَ ولا أنْقَصَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ فِيهِ، فَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هو صَلاةُ الفَجْرِ، وقَبْلَ غُرُوبِها هو الظُّهْرُ والعَصْرُ لِأنَّهُما جَمِيعًا قَبْلَ الغُرُوبِ، ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحِ المَغْرِبُ والعِشاءُ الأخِيرَةُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ كالتَّوْكِيدِ لِلصَّلاتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ في طَرَفَيِ النَّهارِ وهُما صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ المَغْرِبِ، كَما اخْتَصَّتْ في قَوْلِهِ: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٨] بِالتَّوْكِيدِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ وزِيادَةٍ، أمّا دَلالَتُها عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَلِأنَّ الزَّمانَ إمّا أنْ يَكُونَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ قَبْلَ غُرُوبِها، فاللَّيْلُ والنَّهارُ داخِلانِ في هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ، فَأوْقاتُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ دَخَلَتْ فِيهِما، بَقِيَ قَوْلُهُ: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ وأطْرافُ النَّهارِ لِلنَّوافِلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى أقَلِّ مِنَ الخَمْسِ، فَقَوْلُهُ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلْفَجْرِ، وقَبْلَ غُرُوبِها لِلْعَصْرِ، ومِن آناءِ اللَّيْلِ لِلْمَغْرِبِ والعَتَمَةِ، فَيَبْقى الظُّهْرُ خارِجًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى وبِالِاعْتِبارِ أوْلى. هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا التَّسْبِيحَ عَلى الصَّلاةِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى التَّنْزِيهِ والإجْلالِ، والمَعْنى اشْتَغِلْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الأوْقاتِ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ وإلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى صَبَّرَهُ أوَّلًا عَلى ما يَقُولُونَ مِن تَكْذِيبِهِ ومِن إظْهارِ الشِّرْكِ والكُفْرِ،
صفحة ١١٦
والَّذِي يَلِيقُ بِذَلِكَ أنْ يَأْمُرَ بِتَنْزِيهِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ حَتّى يَكُونَ دائِمًا مُظْهِرًا لِذَلِكَ وداعِيًا إلَيْهِ فَلِذَلِكَ قالَ ما يَجْمَعُ كُلَّ الأوْقاتِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أفْضَلُ الذِّكْرِ ما كانَ بِاللَّيْلِ لِأنَّ الجَمْعِيَّةَ فِيهِ أكْثَرُ؛ وذَلِكَ لِسُكُونِ النّاسِ وهَدْءِ حَرَكاتِهِمْ وتَعْطِيلِ الحَواسِّ عَنِ الحَرَكاتِ وعَنِ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٦] وقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] ولِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ السُّكُونِ والرّاحَةِ فَإذا صُرِفَ إلى العِبادَةِ كانَتْ عَلى الأنْفُسِ أشَقَّ ولِلْبَدَنِ أتْعَبَ فَكانَتْ أدْخَلَ في اسْتِحْقاقِ الأجْرِ والفَضْلِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النَّهارُ لَهُ طَرَفانِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ بَلِ الأوْلى أنْ يَقُولَ كَما قالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هُودٍ: ١١٤] ؟
وجَوابُهُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ فَسَقَطَ السُّؤالُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ في كُلِّ نَهارٍ ويَعُودُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: أنَّ هَذا كَما يَقُولُ المَلِكُ الكَبِيرُ: يا فُلانُ اشْتَغِلْ بِالخِدْمَةِ فَلَعَلَّكَ تَنْتَفِعُ بِهِ، ويَكُونُ المُرادُ إنِّي أُوصِلُكَ إلى دَرَجَةٍ عالِيَةٍ في النِّعْمَةِ، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضُّحى: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٦] وثانِيها: لَعَلَّكَ تَرْضى ما تَنالُ مِنَ الثَّوابِ. وثالِثُها: لَعَلَّكَ تَرْضى ما تَنالُ مِنَ الشَّفاعَةِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وعاصِمٌ: لَعَلَّكَ تُرْضى بِضَمِّ التّاءِ، والمَعْنى لا يَخْتَلِفُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أرْضاهُ فَقَدْ رَضِيَهُ وإذا رَضِيَهُ فَقَدْ أرْضاهُ.
طه 20:130
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾
. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ كَيْفَ يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أتْبَعَهُ بِما يَعْتَبِرُ [ بِهِ ] المُكَلَّفُ مِنَ الأحْوالِ الواقِعَةِ في الدُّنْيا بِمَن كَذَّبَ الرُّسُلَ فَقالَ: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ والقِراءَةُ العامَّةُ أفَلَمْ يَهْدِ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتُ وفاعِلُهُ هو قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ قالَ القَفّالُ: جَعَلَ كَثْرَةَ ما أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ مُبَيَّنًا لَهم، كَما جَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ واعِظًا لَهم وزاجِرًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: أفَلَمْ نَهْدِ لَهم بِالنُّونِ، قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي أفَلَمْ نُبَيِّنْ لَهم بَيانًا يَهْتَدُونَ بِهِ لَوْ تَدَبَّرُوا وتَفَكَّرُوا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ فالمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في كَثْرَةِ مَن أهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ أنَّ قُرَيْشًا يُشاهِدُونَ تِلْكَ الآياتِ العَظِيمَةَ الدّالَّةَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ، وما حَلَّ بِهِمْ مِن ضُرُوبِ الهَلاكِ، ولِلْمُشاهَدَةِ في ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِبارِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وبَيَّنَ أنَّ في تِلْكَ الآياتِ آياتٌ لِأُولِي النُّهى، أيْ لِأهْلِ العُقُولِ والأقْرَبُ أنَّ لِلنُّهْيَةِ مَزِيَّةً عَلى العَقْلِ، والنُّهى لا يُقالُ إلّا فِيمَن لَهُ عَقْلٌ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ القَبائِحِ، كَما أنَّ لِقَوْلِنا أُولُو العَزْمِ مَزِيَّةً عَلى أُولِي الحَزْمِ، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: أهْلُ الوَرَعِ وأهْلُ التَّقْوى، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ لا يُنَزَّلُ العَذابُ مُعَجَّلًا عَلى مَن كَذَّبَ وكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ وأجَلٌ مُسَمًّى لَكانَ لِزامًا، ولا شُبْهَةَ في أنَّ الكَلِمَةَ هي إخْبارُ اللَّهِ تَعالى مَلائِكَتَهُ، وكَتْبُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: أنَّ أُمَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كَذَّبُوا فَسَيُؤَخَّرُونَ ولا يُفْعَلُ بِهِمْ ما يُفْعَلُ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الِاسْتِئْصالِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ؟ ﷺ، قالَ بَعْضُهم: لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ،
صفحة ١١٥
وقالَ آخَرُونَ: عَلِمَ أنَّ في نَسْلِهِمْ مَن يُؤْمِنُ ولَوْ أنْزَلَ بِهِمُ العَذابَ لَعَمَّهُمُ الهَلاكُ، وقالَ آخَرُونَ: المَصْلَحَةُ فِيهِ خَفِيَّةٌ لا يَعْلَمُها إلّا هو، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: لَهُ بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِفَضْلِهِ ومَن شاءَ بِعَذابِهِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، إذْ لَوْ كانَ فِعْلُهُ لِعِلَّةٍ لَكانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ إنْ كانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ قِدَمُ الفِعْلِ، وإنْ كانَتْ حادِثَةً افْتَقَرَتْ إلى عِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَلِهَذا قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: كُلُّ شَيْءٍ صَنِيعُهُ لا لِعِلَّةٍ، وأمّا الأجَلُ المُسَمّى فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى في الدُّنْيا لِذَلِكَ العَذابِ وهو يَوْمُ بَدْرٍ. والثّانِي: ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى في الآخِرَةِ لِذَلِكَ العَذابِ، وهَذا أقْرَبُ، ويَكُونُ المُرادُ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ تَتَضَمَّنُ تَأْخِيرَ العَذابِ إلى الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القَمَرِ: ٤٦] لَكانَ العِقابُ لازِمًا لَهم فِيما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرَّسُولِ وأذِيَّتِهِمْ لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ نَبِيَّهُ بِأنَّهُ لا يُهْلِكُ أحَدًا قَبْلَ اسْتِيفاءِ أجَلِهِ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَكْرَهُهُ مِن أقْوالِهِمْ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ أوْ شاعِرٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَكْذِيبَهم لَهُ فِيما يَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا تَرْكَهُمُ القَبُولَ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يَغُمُّهُ ويُؤْذِيهِ، فَرَغَّبَهُ تَعالى في الصَّبْرِ وبَعَثَهُ عَلى الإدامَةِ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى وإبْلاغِ ما حُمِّلَ مِنَ الرِّسالَةِ وأنْ لا يَكُونَ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ صارِفًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٥] وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وأنْتَ حامِدٌ لِرَبِّكَ عَلى أنْ وفَّقَكَ لِلتَّسْبِيحِ وأعانَكَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أمَرَ عَقِيبَ الصَّبْرِ بِالتَّسْبِيحِ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى يُفِيدُ السَّلْوَةَ والرّاحَةَ، إذْ لا راحَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في التَّسْبِيحِ عَلى وجْهَيْنِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الصَّلاةُ، وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ لا أزْيَدَ ولا أنْقَصَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ فِيهِ، فَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هو صَلاةُ الفَجْرِ، وقَبْلَ غُرُوبِها هو الظُّهْرُ والعَصْرُ لِأنَّهُما جَمِيعًا قَبْلَ الغُرُوبِ، ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحِ المَغْرِبُ والعِشاءُ الأخِيرَةُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ كالتَّوْكِيدِ لِلصَّلاتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ في طَرَفَيِ النَّهارِ وهُما صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ المَغْرِبِ، كَما اخْتَصَّتْ في قَوْلِهِ: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٨] بِالتَّوْكِيدِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ وزِيادَةٍ، أمّا دَلالَتُها عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَلِأنَّ الزَّمانَ إمّا أنْ يَكُونَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ قَبْلَ غُرُوبِها، فاللَّيْلُ والنَّهارُ داخِلانِ في هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ، فَأوْقاتُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ دَخَلَتْ فِيهِما، بَقِيَ قَوْلُهُ: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ وأطْرافُ النَّهارِ لِلنَّوافِلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى أقَلِّ مِنَ الخَمْسِ، فَقَوْلُهُ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلْفَجْرِ، وقَبْلَ غُرُوبِها لِلْعَصْرِ، ومِن آناءِ اللَّيْلِ لِلْمَغْرِبِ والعَتَمَةِ، فَيَبْقى الظُّهْرُ خارِجًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى وبِالِاعْتِبارِ أوْلى. هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا التَّسْبِيحَ عَلى الصَّلاةِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى التَّنْزِيهِ والإجْلالِ، والمَعْنى اشْتَغِلْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الأوْقاتِ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ وإلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى صَبَّرَهُ أوَّلًا عَلى ما يَقُولُونَ مِن تَكْذِيبِهِ ومِن إظْهارِ الشِّرْكِ والكُفْرِ،
صفحة ١١٦
والَّذِي يَلِيقُ بِذَلِكَ أنْ يَأْمُرَ بِتَنْزِيهِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ حَتّى يَكُونَ دائِمًا مُظْهِرًا لِذَلِكَ وداعِيًا إلَيْهِ فَلِذَلِكَ قالَ ما يَجْمَعُ كُلَّ الأوْقاتِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أفْضَلُ الذِّكْرِ ما كانَ بِاللَّيْلِ لِأنَّ الجَمْعِيَّةَ فِيهِ أكْثَرُ؛ وذَلِكَ لِسُكُونِ النّاسِ وهَدْءِ حَرَكاتِهِمْ وتَعْطِيلِ الحَواسِّ عَنِ الحَرَكاتِ وعَنِ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٦] وقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] ولِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ السُّكُونِ والرّاحَةِ فَإذا صُرِفَ إلى العِبادَةِ كانَتْ عَلى الأنْفُسِ أشَقَّ ولِلْبَدَنِ أتْعَبَ فَكانَتْ أدْخَلَ في اسْتِحْقاقِ الأجْرِ والفَضْلِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النَّهارُ لَهُ طَرَفانِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ بَلِ الأوْلى أنْ يَقُولَ كَما قالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هُودٍ: ١١٤] ؟
وجَوابُهُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ فَسَقَطَ السُّؤالُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ في كُلِّ نَهارٍ ويَعُودُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: أنَّ هَذا كَما يَقُولُ المَلِكُ الكَبِيرُ: يا فُلانُ اشْتَغِلْ بِالخِدْمَةِ فَلَعَلَّكَ تَنْتَفِعُ بِهِ، ويَكُونُ المُرادُ إنِّي أُوصِلُكَ إلى دَرَجَةٍ عالِيَةٍ في النِّعْمَةِ، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضُّحى: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٦] وثانِيها: لَعَلَّكَ تَرْضى ما تَنالُ مِنَ الثَّوابِ. وثالِثُها: لَعَلَّكَ تَرْضى ما تَنالُ مِنَ الشَّفاعَةِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وعاصِمٌ: لَعَلَّكَ تُرْضى بِضَمِّ التّاءِ، والمَعْنى لا يَخْتَلِفُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أرْضاهُ فَقَدْ رَضِيَهُ وإذا رَضِيَهُ فَقَدْ أرْضاهُ.
طه 20:131
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾
. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ كَيْفَ يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أتْبَعَهُ بِما يَعْتَبِرُ [ بِهِ ] المُكَلَّفُ مِنَ الأحْوالِ الواقِعَةِ في الدُّنْيا بِمَن كَذَّبَ الرُّسُلَ فَقالَ: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ والقِراءَةُ العامَّةُ أفَلَمْ يَهْدِ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتُ وفاعِلُهُ هو قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ قالَ القَفّالُ: جَعَلَ كَثْرَةَ ما أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ مُبَيَّنًا لَهم، كَما جَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ واعِظًا لَهم وزاجِرًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: أفَلَمْ نَهْدِ لَهم بِالنُّونِ، قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي أفَلَمْ نُبَيِّنْ لَهم بَيانًا يَهْتَدُونَ بِهِ لَوْ تَدَبَّرُوا وتَفَكَّرُوا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ فالمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في كَثْرَةِ مَن أهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ أنَّ قُرَيْشًا يُشاهِدُونَ تِلْكَ الآياتِ العَظِيمَةَ الدّالَّةَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ، وما حَلَّ بِهِمْ مِن ضُرُوبِ الهَلاكِ، ولِلْمُشاهَدَةِ في ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِبارِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وبَيَّنَ أنَّ في تِلْكَ الآياتِ آياتٌ لِأُولِي النُّهى، أيْ لِأهْلِ العُقُولِ والأقْرَبُ أنَّ لِلنُّهْيَةِ مَزِيَّةً عَلى العَقْلِ، والنُّهى لا يُقالُ إلّا فِيمَن لَهُ عَقْلٌ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ القَبائِحِ، كَما أنَّ لِقَوْلِنا أُولُو العَزْمِ مَزِيَّةً عَلى أُولِي الحَزْمِ، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: أهْلُ الوَرَعِ وأهْلُ التَّقْوى، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ لا يُنَزَّلُ العَذابُ مُعَجَّلًا عَلى مَن كَذَّبَ وكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ وأجَلٌ مُسَمًّى لَكانَ لِزامًا، ولا شُبْهَةَ في أنَّ الكَلِمَةَ هي إخْبارُ اللَّهِ تَعالى مَلائِكَتَهُ، وكَتْبُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: أنَّ أُمَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كَذَّبُوا فَسَيُؤَخَّرُونَ ولا يُفْعَلُ بِهِمْ ما يُفْعَلُ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الِاسْتِئْصالِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ؟ ﷺ، قالَ بَعْضُهم: لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ،
صفحة ١١٥
وقالَ آخَرُونَ: عَلِمَ أنَّ في نَسْلِهِمْ مَن يُؤْمِنُ ولَوْ أنْزَلَ بِهِمُ العَذابَ لَعَمَّهُمُ الهَلاكُ، وقالَ آخَرُونَ: المَصْلَحَةُ فِيهِ خَفِيَّةٌ لا يَعْلَمُها إلّا هو، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: لَهُ بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِفَضْلِهِ ومَن شاءَ بِعَذابِهِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، إذْ لَوْ كانَ فِعْلُهُ لِعِلَّةٍ لَكانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ إنْ كانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ قِدَمُ الفِعْلِ، وإنْ كانَتْ حادِثَةً افْتَقَرَتْ إلى عِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَلِهَذا قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: كُلُّ شَيْءٍ صَنِيعُهُ لا لِعِلَّةٍ، وأمّا الأجَلُ المُسَمّى فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى في الدُّنْيا لِذَلِكَ العَذابِ وهو يَوْمُ بَدْرٍ. والثّانِي: ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى في الآخِرَةِ لِذَلِكَ العَذابِ، وهَذا أقْرَبُ، ويَكُونُ المُرادُ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ تَتَضَمَّنُ تَأْخِيرَ العَذابِ إلى الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القَمَرِ: ٤٦] لَكانَ العِقابُ لازِمًا لَهم فِيما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرَّسُولِ وأذِيَّتِهِمْ لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ نَبِيَّهُ بِأنَّهُ لا يُهْلِكُ أحَدًا قَبْلَ اسْتِيفاءِ أجَلِهِ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَكْرَهُهُ مِن أقْوالِهِمْ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ أوْ شاعِرٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَكْذِيبَهم لَهُ فِيما يَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا تَرْكَهُمُ القَبُولَ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يَغُمُّهُ ويُؤْذِيهِ، فَرَغَّبَهُ تَعالى في الصَّبْرِ وبَعَثَهُ عَلى الإدامَةِ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى وإبْلاغِ ما حُمِّلَ مِنَ الرِّسالَةِ وأنْ لا يَكُونَ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ صارِفًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٥] وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وأنْتَ حامِدٌ لِرَبِّكَ عَلى أنْ وفَّقَكَ لِلتَّسْبِيحِ وأعانَكَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أمَرَ عَقِيبَ الصَّبْرِ بِالتَّسْبِيحِ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى يُفِيدُ السَّلْوَةَ والرّاحَةَ، إذْ لا راحَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في التَّسْبِيحِ عَلى وجْهَيْنِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الصَّلاةُ، وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ لا أزْيَدَ ولا أنْقَصَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: دَخَلَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ فِيهِ، فَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هو صَلاةُ الفَجْرِ، وقَبْلَ غُرُوبِها هو الظُّهْرُ والعَصْرُ لِأنَّهُما جَمِيعًا قَبْلَ الغُرُوبِ، ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحِ المَغْرِبُ والعِشاءُ الأخِيرَةُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ كالتَّوْكِيدِ لِلصَّلاتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ في طَرَفَيِ النَّهارِ وهُما صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ المَغْرِبِ، كَما اخْتَصَّتْ في قَوْلِهِ: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٨] بِالتَّوْكِيدِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ وزِيادَةٍ، أمّا دَلالَتُها عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَلِأنَّ الزَّمانَ إمّا أنْ يَكُونَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ قَبْلَ غُرُوبِها، فاللَّيْلُ والنَّهارُ داخِلانِ في هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ، فَأوْقاتُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ دَخَلَتْ فِيهِما، بَقِيَ قَوْلُهُ: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ وأطْرافُ النَّهارِ لِلنَّوافِلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى أقَلِّ مِنَ الخَمْسِ، فَقَوْلُهُ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلْفَجْرِ، وقَبْلَ غُرُوبِها لِلْعَصْرِ، ومِن آناءِ اللَّيْلِ لِلْمَغْرِبِ والعَتَمَةِ، فَيَبْقى الظُّهْرُ خارِجًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى وبِالِاعْتِبارِ أوْلى. هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا التَّسْبِيحَ عَلى الصَّلاةِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى التَّنْزِيهِ والإجْلالِ، والمَعْنى اشْتَغِلْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الأوْقاتِ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ وإلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى صَبَّرَهُ أوَّلًا عَلى ما يَقُولُونَ مِن تَكْذِيبِهِ ومِن إظْهارِ الشِّرْكِ والكُفْرِ،
صفحة ١١٦
والَّذِي يَلِيقُ بِذَلِكَ أنْ يَأْمُرَ بِتَنْزِيهِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ حَتّى يَكُونَ دائِمًا مُظْهِرًا لِذَلِكَ وداعِيًا إلَيْهِ فَلِذَلِكَ قالَ ما يَجْمَعُ كُلَّ الأوْقاتِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أفْضَلُ الذِّكْرِ ما كانَ بِاللَّيْلِ لِأنَّ الجَمْعِيَّةَ فِيهِ أكْثَرُ؛ وذَلِكَ لِسُكُونِ النّاسِ وهَدْءِ حَرَكاتِهِمْ وتَعْطِيلِ الحَواسِّ عَنِ الحَرَكاتِ وعَنِ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٦] وقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] ولِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ السُّكُونِ والرّاحَةِ فَإذا صُرِفَ إلى العِبادَةِ كانَتْ عَلى الأنْفُسِ أشَقَّ ولِلْبَدَنِ أتْعَبَ فَكانَتْ أدْخَلَ في اسْتِحْقاقِ الأجْرِ والفَضْلِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النَّهارُ لَهُ طَرَفانِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ بَلِ الأوْلى أنْ يَقُولَ كَما قالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هُودٍ: ١١٤] ؟
وجَوابُهُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ فَسَقَطَ السُّؤالُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ في كُلِّ نَهارٍ ويَعُودُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: أنَّ هَذا كَما يَقُولُ المَلِكُ الكَبِيرُ: يا فُلانُ اشْتَغِلْ بِالخِدْمَةِ فَلَعَلَّكَ تَنْتَفِعُ بِهِ، ويَكُونُ المُرادُ إنِّي أُوصِلُكَ إلى دَرَجَةٍ عالِيَةٍ في النِّعْمَةِ، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضُّحى: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٦] وثانِيها: لَعَلَّكَ تَرْضى ما تَنالُ مِنَ الثَّوابِ. وثالِثُها: لَعَلَّكَ تَرْضى ما تَنالُ مِنَ الشَّفاعَةِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وعاصِمٌ: لَعَلَّكَ تُرْضى بِضَمِّ التّاءِ، والمَعْنى لا يَخْتَلِفُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أرْضاهُ فَقَدْ رَضِيَهُ وإذا رَضِيَهُ فَقَدْ أرْضاهُ.
طه 20:132
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾
. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما يَقُولُونَ، وأمَرَهُ بِأنْ يَعْدِلَ إلى التَّسْبِيحِ أتْبَعَ ذَلِكَ
صفحة ١١٧
بِنَهْيِهِ عَنْ مَدِّ عَيْنَيْهِ إلى ما مَتَّعَ بِهِ القَوْمَ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ نَظَرُ العَيْنِ وهَؤُلاءِ قالُوا: مَدُّ النَّظَرِ تَطْوِيلُهُ وأنْ لا يَكادَ يَرُدَّهُ اسْتِحْسانًا لِلْمَنظُورِ إلَيْهِ إعْجابًا بِهِ كَما فَعَلَ نَظّارَةُ قارُونَ حَيْثُ قالُوا: ﴿يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القَصَصِ: ٧٩] حَتّى واجَهَهم أُولُو العِلْمِ والإيمانِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [القَصَصِ: ٨٠] وفِيهِ أنَّ النَّظَرَ غَيْرَ المَمْدُودِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وذَلِكَ كَما إذا نَظَرَ الإنْسانُ إلى شَيْءٍ مَرَّةً ثُمَّ غَضَّ، ولَمّا كانَ النَّظَرُ إلى الزَّخارِفِ كالمَرْكُوزِ في الطِّباعِ قِيلَ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيْ لا تَفْعَلْ ما أنْتَ مُعْتادٌ لَهُ. ولَقَدْ شَدَّدَ المُتَّقُونَ في وُجُوبِ غَضِّ البَصَرِ عَنْ أبْنِيَةِ الظَّلَمَةِ وعُدَدِ الفَسَقَةِ في اللِّباسِ والمَرْكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا هَذِهِ الأشْياءَ لِعُيُونِ النَّظّارَةِ، فالنّاظِرُ إلَيْها مُحَصِّلٌ لِغَرَضِهِمْ وكالمُقَوِّي لَهم عَلى اتِّخاذِها. القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لَيْسَ هو النَّظَرَ، بَلْ هو الأسَفُ أيْ لا تَأْسَفْ عَلى ما فاتَكَ مِمّا نالُوهُ مِن حَظِّ الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو رافِعٍ: ”«نَزَلَ ضَيْفٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَنِي إلى يَهُودِيٍّ لِبَيْعٍ أوْ سَلَفٍ، فَقالَ: واللَّهِ لا أفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِرَهْنٍ، فَأخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ فَأمَرَنِي أنْ أذْهَبَ بِدِرْعِهِ إلَيْهِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ»﴾ ) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أمْوالِكم ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وإلى أعْمالِكم» ”وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: الدُّنْيا دارُ مَن لا دارَ لَهُ ومالُ مَن لا مالَ لَهُ ولَها يَجْمَعُ مَن لا عَقْلَ لَهُ. وعَنِ الحَسَنِ: لَوْلا حُمْقُ النّاسِ لَخَرِبَتِ الدُّنْيا، وعَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: لا تَتَّخِذُوا الدُّنْيا رَبًّا فَتَتَّخِذَكم لَها عَبِيدًا. وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ كانَ إذا رَأى ما عِنْدَ السَّلاطِينِ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: الصَّلاةَ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ. أمّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ [ أيْ ] ألْذَذْنا بِهِ، والإمْتاعُ الإلْذاذُ بِما يُدْرَكُ مِنَ المَناظِرِ الحَسَنَةِ ويُسْمَعُ مِنَ الأصْواتِ المُطْرِبَةِ ويُشَمُّ مِنَ الرَّوائِحِ الطَّيِّبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَلابِسِ والمَناكَحِ، يُقالُ: أمْتَعَهُ إمْتاعًا ومَتَّعَهُ تَمْتِيعًا، والتَّفْعِيلُ يَقْتَضِي التَّكْثِيرَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ أيْ أشْكالًا وأشْباهًا مِنَ الكُفّارِ وهي مِنَ المُزاوَجَةِ بَيْنَ الأشْياءِ وهي المُشاكَلَةُ، وذَلِكَ لِأنَّهم أشْكالٌ في الذَّهابِ عَنِ الصَّوابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أصْنافًا مِنهم، وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: رِجالًا مِنهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَفي انْتِصابِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: عَلى الذَّمِّ وهو النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ عَلى تَضْمِينِ مَتَّعْنا مَعْنى أعْطَيْنا وكَوْنِهِ مَفْعُولًا ثانِيًا لَهُ أوْ عَلى إبْدالِهِ مِن مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ أوْ عَلى إبْدالِهِ مِن أزْواجًا عَلى تَقْدِيرِ ذَوِي، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى الزَّهْرَةِ فِيمَن حَرَّكَ، قُلْنا: مَعْنى الزَّهْرَةِ بِعَيْنِهِ وهو الزِّينَةُ والبَهْجَةُ كَما جاءَ في الجَهْرَةِ، قُرِئَ: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً، وأنْ يَكُونَ جَمْعُ زاهِرٍ وصْفًا لَهم بِأنَّهم زَهْرَةُ هَذِهِ الدُّنْيا لِصَفاءِ ألْوانِهِمْ وتَهَلُّلِ وُجُوهِهِمْ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ الصُّلَحاءُ مِن شُحُوبِ الألْوانِ والتَّقَشُّفِ في الثِّيابِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
أحَدُها: لِنُعَذِّبَهم بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٥] . وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إضْلالًا مِنِّي لَهم. وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا عِنْدَ حُضُورِها والإقْبالَ إلى اللَّهِ أشَدُّ مِن ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ حُضُورِها، ولِذَلِكَ كانَ رُجُوعُ الفُقَراءِ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ أكْثَرَ مِن تَضَرُّعِ الأغْنِياءِ، ولِأنَّ عَلى مَن أُوتِيَ الدُّنْيا ضُرُوبًا مِنَ التَّكْلِيفِ لَوْلاها لَما لَزِمَتْهم تِلْكَ التَّكالِيفُ، ولِأنَّ القادِرَ عَلى المَعاصِي يَكُونُ الِاجْتِنابُ
صفحة ١١٨
عَنِ المَعاصِي أشَقَّ عَلَيْهِ مِنَ العاجِزِ الفَقِيرِ، فَمِن هَذِهِ الجِهاتِ تَكُونُ الزِّيادَةُ في الدُّنْيا تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ أنَّ مَطْلُوبَكَ الَّذِي تَجِدُهُ مِنَ الثَّوابِ خَيْرٌ مِن مَطْلُوبِهِمْ وأبْقى لِأنَّهُ يَدُومُ ولا يَنْقَطِعُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ ما أُوتُوهُ مِنَ الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُوتِيتَهُ مِن يَسِيرِ الدُّنْيا إذا قَرَنْتَهُ بِالطّاعَةِ خَيْرٌ لَكَ مِن حَيْثُ العاقِبَةِ وأبْقى، فَذَكَرَ الرِّزْقَ في الدُّنْيا ووَصَفَهُ بِحُسْنِ عاقَبَتِهِ إذا رَضِيَ بِهِ وصَبَرَ عَلَيْهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُعْطِيَ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى أقارِبِهِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى كُلِّ أهْلِ دِينِهِ، وهَذا أقْرَبُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٥] وإنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن يَضُمُّهُ المَسْكَنُ، إذِ التَّنْبِيهُ عَلى الصَّلاةِ والأمْرُ بِها في أوْقاتِها مُمْكِنٌ فِيهِمْ دُونَ سائِرِ الأُمَّةِ، يَعْنى كَما أمَرْناكَ بِالصَّلاةِ فَأْمُرْ أنْتَ قَوْمَكَ بِها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ فالمُرادُ كَما تَأْمُرُهم فَحافِظْ عَلَيْها فِعْلًا، فَإنَّ الوَعْظَ بِلِسانِ الفِعْلِ أتَمُّ مِنهُ بِلِسانِ القَوْلِ، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يَذْهَبُ إلى فاطِمَةَ وعَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ كُلَّ صَباحٍ ويَقُولُ:“ الصَّلاةَ ”وكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أشْهُرًا»، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَأْمُرُهم بِذَلِكَ لِمَنافِعِهِمْ وأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ المَنافِعِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى إنَّما يُرِيدُ مِنهُ ومِنهُمُ العِبادَةُ ولا يُرِيدُ مِنهُ أنْ يَرْزُقَهُ كَما تُرِيدُ السّادَةُ مِنَ العَبِيدِ الخَراجَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٦] . وثانِيها: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾ لِنَفْسِكَ ولا لِأهْلِكَ بَلْ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ونَرْزُقُ أهْلَكَ، فَفَرِّغْ بالَكَ لِأمْرِ الآخِرَةِ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ النّاسِ: مَن كانَ في عَمَلِ اللَّهِ كانَ اللَّهُ في عَمَلِهِ. وثالِثُها: المَعْنى أنّا لَمّا أمَرْناكَ بِالصَّلاةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأنّا نَنْتَفِعُ بِصَلاتِكَ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾ بَلْ نَحْنُ نَرْزُقُكَ في الدُّنْيا بِوُجُوهِ النِّعَمِ وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ:“ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ بِأهْلِهِ ضِيقٌ أوْ شِدَّةٌ أمَرَهم بِالصَّلاةِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ» ”.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ رُخْصَةٌ في تَرْكِ التَّكَسُّبِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ المُتَّقِينَ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النُّورِ: ٣٧]، أمّا قَوْلُهُ: والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى فالمُرادُ والعاقِبَةُ الجَمِيلَةُ لِأهْلِ التَّقْوى يَعْنِي تَقْوى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ حَكى عَنْهم شُبْهَتَهم، فَكَأنَّهُ مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وهي قَوْلُهم: ﴿لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أُوهِمُوا بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يُكَلِّفُهُمُ الإيمانَ مِن غَيْرِ آيَةٍ، وقالُوا في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥] وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ ما في القُرْآنِ إذا وافَقَ ما في كُتُبِهِمْ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالدِّراسَةِ والتَّعَلُّمِ وما رَأى أُسْتاذًا البَتَّةَ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا. وثانِيها: أنَّ بَيِّنَةَ ما في الصُّحُفِ الأُولى ما فِيها مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِنَبُّوتِهِ وبَعْثَتِهِ. وثالِثُها: ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ والقَفّالُ [ أنَّ ] المَعْنى: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ مِن أنْباءِ الأُمَمِ الَّتِي أهْلَكْناهم لَمّا سَألُوا الآياتِ وكَفَرُوا بِها كَيْفَ عاجَلْناهم بِالعُقُوبَةِ فَماذا يُؤَمِّنُهم أنْ يَكُونَ حالُهم في سُؤالِ الآياتِ كَحالِ أُولَئِكَ، وإنَّما أتاهم هَذا البَيانُ في القُرْآنِ، فَلِهَذا وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ: ﴿بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى البَيِّنَةِ لِأنَّها في مَعْنى البُرْهانِ والدَّلِيلِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أزاحَ لَهم كُلَّ عُذْرٍ وعِلَّةٍ في التَّكْلِيفِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ والمُرادُ كانَ لَهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَيَكُونَ عُذْرًا لَهم، فَأمّا الآنُ وقَدْ أرْسَلْناكَ وبَيَّنّا عَلى لِسانِكَ لَهم ما
صفحة ١١٩
عَلَيْهِمْ وما لَهم فَلا حُجَّةَ لَهُمُ البَتَّةَ بَلِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ. ومَعْنى: ﴿مِن قَبْلِ﴾ يَحْتَمِلُ مِن قَبْلِ إرْسالِهِ ويَحْتَمِلُ مِن قَبْلِ ما أظْهَرَهُ مِنَ البَيِّناتِ فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا﴾ والهالِكُ لا يَصِحُّ أنْ يَقُولَ ؟ قُلْنا: المَعْنى لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِعَذابِ الآخِرَةِ، رُوِيَ أنَّ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «يَحْتَجُّ عَلى اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الهالِكُ في الفَتْرَةِ يَقُولُ: لَمْ يَأْتِنِي رَسُولٌ وإلّا كُنْتُ أطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ، وتَلا قَوْلَهُ: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ والمَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ يَقُولُ: لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أنْتُفِعُ بِهِ، ويَقُولُ الصَّبِيُّ: كُنْتُ صَغِيرًا لا أعْقِلُ، فَتُرْفَعُ لَهم نارٌ، ويُقالُ لَهم: ادْخُلُوها فَيَدْخُلُها مَن كانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ شَقِيٌّ ويَبْقى مَن في عِلْمِهِ أنَّهُ سَعِيدٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَهم: ”عَصَيْتُمُ اليَوْمَ فَكَيْفَ بِرُسُلِي لَوْ أتَوْكم» “ والقاضِي طَعَنَ في الخَبَرِ وقالَ: لا يَحْسُنُ العِقابُ عَلى مَن لا يَعْقِلُ.
* * *
واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ فِعْلِ اللُّطْفِ إذِ المُرادُ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِالمُكَلَّفِينَ ما يُؤْمِنُونَ عِنْدَهُ ولَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا هَلّا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنا لِنُؤْمِنَ ؟ وهَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتْبَعَ آياتِكَ ؟ وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمُ الرَّسُولَ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ حُجَّةٌ، فَصَحَّ أنَّهُ إنَّما يَكُونُ حُجَّةً لَهم إذا كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ عِنْدَهُ إذا أطاعُوهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ الِاحْتِجاجَ مِن عِبادِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣] كَما ظَنَّهُ أهْلُ الجَبْرِ مِن أنَّ ما هو جَوْرٌ مِنّا يَكُونُ عَدْلًا مِنهُ بَلْ تَأْوِيلُهُ: أنَّهُ لا يَقَعُ مِنهُ إلّا العَدْلُ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ الحُجَّةَ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ لَكانَ لَهم فِيهِ أعْظَمُ حُجَّةً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الوُجُوبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالشَّرْعِ إذْ لَوْ تَحَقَّقَ العِقابُ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ لَكانَ العِقابُ حاصِلًا قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ السُّورَةَ بِضَرْبٍ مِنَ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أيْ كُلٌّ مِنّا ومِنكم مُنْتَظِرٌ عاقِبَةَ أمْرِهِ وهَذا الِانْتِظارُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المَوْتِ، إمّا بِسَبَبِ الأمْرِ بِالجِهادِ أوْ بِسَبَبِ ظُهُورِ الدَّوْلَةِ والقُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِالمَوْتِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يَنْتَظِرُ مَوْتَ صاحِبِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ المَوْتِ وهو ظُهُورُ أمْرِ الثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّهُ يَتَمَيَّزُ في الآخِرَةِ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِما يَظْهَرُ عَلى المُحِقِّ مِن أنْواعِ كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى المُبْطِلِ مِن أنْواعِ إهانَتِهِ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ إلَيْهِ، ولَيْسَ هو بِمَعْنى الشَّكِّ والتَّرْدِيدِ، بَلْ هو عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ والزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
طه 20:133
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾
. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما يَقُولُونَ، وأمَرَهُ بِأنْ يَعْدِلَ إلى التَّسْبِيحِ أتْبَعَ ذَلِكَ
صفحة ١١٧
بِنَهْيِهِ عَنْ مَدِّ عَيْنَيْهِ إلى ما مَتَّعَ بِهِ القَوْمَ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ نَظَرُ العَيْنِ وهَؤُلاءِ قالُوا: مَدُّ النَّظَرِ تَطْوِيلُهُ وأنْ لا يَكادَ يَرُدَّهُ اسْتِحْسانًا لِلْمَنظُورِ إلَيْهِ إعْجابًا بِهِ كَما فَعَلَ نَظّارَةُ قارُونَ حَيْثُ قالُوا: ﴿يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القَصَصِ: ٧٩] حَتّى واجَهَهم أُولُو العِلْمِ والإيمانِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [القَصَصِ: ٨٠] وفِيهِ أنَّ النَّظَرَ غَيْرَ المَمْدُودِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وذَلِكَ كَما إذا نَظَرَ الإنْسانُ إلى شَيْءٍ مَرَّةً ثُمَّ غَضَّ، ولَمّا كانَ النَّظَرُ إلى الزَّخارِفِ كالمَرْكُوزِ في الطِّباعِ قِيلَ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيْ لا تَفْعَلْ ما أنْتَ مُعْتادٌ لَهُ. ولَقَدْ شَدَّدَ المُتَّقُونَ في وُجُوبِ غَضِّ البَصَرِ عَنْ أبْنِيَةِ الظَّلَمَةِ وعُدَدِ الفَسَقَةِ في اللِّباسِ والمَرْكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا هَذِهِ الأشْياءَ لِعُيُونِ النَّظّارَةِ، فالنّاظِرُ إلَيْها مُحَصِّلٌ لِغَرَضِهِمْ وكالمُقَوِّي لَهم عَلى اتِّخاذِها. القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لَيْسَ هو النَّظَرَ، بَلْ هو الأسَفُ أيْ لا تَأْسَفْ عَلى ما فاتَكَ مِمّا نالُوهُ مِن حَظِّ الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو رافِعٍ: ”«نَزَلَ ضَيْفٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَنِي إلى يَهُودِيٍّ لِبَيْعٍ أوْ سَلَفٍ، فَقالَ: واللَّهِ لا أفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِرَهْنٍ، فَأخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ فَأمَرَنِي أنْ أذْهَبَ بِدِرْعِهِ إلَيْهِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ»﴾ ) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أمْوالِكم ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وإلى أعْمالِكم» ”وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: الدُّنْيا دارُ مَن لا دارَ لَهُ ومالُ مَن لا مالَ لَهُ ولَها يَجْمَعُ مَن لا عَقْلَ لَهُ. وعَنِ الحَسَنِ: لَوْلا حُمْقُ النّاسِ لَخَرِبَتِ الدُّنْيا، وعَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: لا تَتَّخِذُوا الدُّنْيا رَبًّا فَتَتَّخِذَكم لَها عَبِيدًا. وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ كانَ إذا رَأى ما عِنْدَ السَّلاطِينِ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: الصَّلاةَ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ. أمّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ [ أيْ ] ألْذَذْنا بِهِ، والإمْتاعُ الإلْذاذُ بِما يُدْرَكُ مِنَ المَناظِرِ الحَسَنَةِ ويُسْمَعُ مِنَ الأصْواتِ المُطْرِبَةِ ويُشَمُّ مِنَ الرَّوائِحِ الطَّيِّبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَلابِسِ والمَناكَحِ، يُقالُ: أمْتَعَهُ إمْتاعًا ومَتَّعَهُ تَمْتِيعًا، والتَّفْعِيلُ يَقْتَضِي التَّكْثِيرَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ أيْ أشْكالًا وأشْباهًا مِنَ الكُفّارِ وهي مِنَ المُزاوَجَةِ بَيْنَ الأشْياءِ وهي المُشاكَلَةُ، وذَلِكَ لِأنَّهم أشْكالٌ في الذَّهابِ عَنِ الصَّوابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أصْنافًا مِنهم، وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: رِجالًا مِنهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَفي انْتِصابِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: عَلى الذَّمِّ وهو النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ عَلى تَضْمِينِ مَتَّعْنا مَعْنى أعْطَيْنا وكَوْنِهِ مَفْعُولًا ثانِيًا لَهُ أوْ عَلى إبْدالِهِ مِن مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ أوْ عَلى إبْدالِهِ مِن أزْواجًا عَلى تَقْدِيرِ ذَوِي، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى الزَّهْرَةِ فِيمَن حَرَّكَ، قُلْنا: مَعْنى الزَّهْرَةِ بِعَيْنِهِ وهو الزِّينَةُ والبَهْجَةُ كَما جاءَ في الجَهْرَةِ، قُرِئَ: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً، وأنْ يَكُونَ جَمْعُ زاهِرٍ وصْفًا لَهم بِأنَّهم زَهْرَةُ هَذِهِ الدُّنْيا لِصَفاءِ ألْوانِهِمْ وتَهَلُّلِ وُجُوهِهِمْ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ الصُّلَحاءُ مِن شُحُوبِ الألْوانِ والتَّقَشُّفِ في الثِّيابِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
أحَدُها: لِنُعَذِّبَهم بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٥] . وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إضْلالًا مِنِّي لَهم. وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا عِنْدَ حُضُورِها والإقْبالَ إلى اللَّهِ أشَدُّ مِن ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ حُضُورِها، ولِذَلِكَ كانَ رُجُوعُ الفُقَراءِ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ أكْثَرَ مِن تَضَرُّعِ الأغْنِياءِ، ولِأنَّ عَلى مَن أُوتِيَ الدُّنْيا ضُرُوبًا مِنَ التَّكْلِيفِ لَوْلاها لَما لَزِمَتْهم تِلْكَ التَّكالِيفُ، ولِأنَّ القادِرَ عَلى المَعاصِي يَكُونُ الِاجْتِنابُ
صفحة ١١٨
عَنِ المَعاصِي أشَقَّ عَلَيْهِ مِنَ العاجِزِ الفَقِيرِ، فَمِن هَذِهِ الجِهاتِ تَكُونُ الزِّيادَةُ في الدُّنْيا تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ أنَّ مَطْلُوبَكَ الَّذِي تَجِدُهُ مِنَ الثَّوابِ خَيْرٌ مِن مَطْلُوبِهِمْ وأبْقى لِأنَّهُ يَدُومُ ولا يَنْقَطِعُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ ما أُوتُوهُ مِنَ الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُوتِيتَهُ مِن يَسِيرِ الدُّنْيا إذا قَرَنْتَهُ بِالطّاعَةِ خَيْرٌ لَكَ مِن حَيْثُ العاقِبَةِ وأبْقى، فَذَكَرَ الرِّزْقَ في الدُّنْيا ووَصَفَهُ بِحُسْنِ عاقَبَتِهِ إذا رَضِيَ بِهِ وصَبَرَ عَلَيْهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُعْطِيَ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى أقارِبِهِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى كُلِّ أهْلِ دِينِهِ، وهَذا أقْرَبُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٥] وإنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن يَضُمُّهُ المَسْكَنُ، إذِ التَّنْبِيهُ عَلى الصَّلاةِ والأمْرُ بِها في أوْقاتِها مُمْكِنٌ فِيهِمْ دُونَ سائِرِ الأُمَّةِ، يَعْنى كَما أمَرْناكَ بِالصَّلاةِ فَأْمُرْ أنْتَ قَوْمَكَ بِها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ فالمُرادُ كَما تَأْمُرُهم فَحافِظْ عَلَيْها فِعْلًا، فَإنَّ الوَعْظَ بِلِسانِ الفِعْلِ أتَمُّ مِنهُ بِلِسانِ القَوْلِ، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يَذْهَبُ إلى فاطِمَةَ وعَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ كُلَّ صَباحٍ ويَقُولُ:“ الصَّلاةَ ”وكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أشْهُرًا»، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَأْمُرُهم بِذَلِكَ لِمَنافِعِهِمْ وأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ المَنافِعِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى إنَّما يُرِيدُ مِنهُ ومِنهُمُ العِبادَةُ ولا يُرِيدُ مِنهُ أنْ يَرْزُقَهُ كَما تُرِيدُ السّادَةُ مِنَ العَبِيدِ الخَراجَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٦] . وثانِيها: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾ لِنَفْسِكَ ولا لِأهْلِكَ بَلْ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ونَرْزُقُ أهْلَكَ، فَفَرِّغْ بالَكَ لِأمْرِ الآخِرَةِ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ النّاسِ: مَن كانَ في عَمَلِ اللَّهِ كانَ اللَّهُ في عَمَلِهِ. وثالِثُها: المَعْنى أنّا لَمّا أمَرْناكَ بِالصَّلاةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأنّا نَنْتَفِعُ بِصَلاتِكَ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾ بَلْ نَحْنُ نَرْزُقُكَ في الدُّنْيا بِوُجُوهِ النِّعَمِ وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ:“ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ بِأهْلِهِ ضِيقٌ أوْ شِدَّةٌ أمَرَهم بِالصَّلاةِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ» ”.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ رُخْصَةٌ في تَرْكِ التَّكَسُّبِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ المُتَّقِينَ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النُّورِ: ٣٧]، أمّا قَوْلُهُ: والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى فالمُرادُ والعاقِبَةُ الجَمِيلَةُ لِأهْلِ التَّقْوى يَعْنِي تَقْوى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ حَكى عَنْهم شُبْهَتَهم، فَكَأنَّهُ مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وهي قَوْلُهم: ﴿لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أُوهِمُوا بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يُكَلِّفُهُمُ الإيمانَ مِن غَيْرِ آيَةٍ، وقالُوا في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥] وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ ما في القُرْآنِ إذا وافَقَ ما في كُتُبِهِمْ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالدِّراسَةِ والتَّعَلُّمِ وما رَأى أُسْتاذًا البَتَّةَ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا. وثانِيها: أنَّ بَيِّنَةَ ما في الصُّحُفِ الأُولى ما فِيها مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِنَبُّوتِهِ وبَعْثَتِهِ. وثالِثُها: ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ والقَفّالُ [ أنَّ ] المَعْنى: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ مِن أنْباءِ الأُمَمِ الَّتِي أهْلَكْناهم لَمّا سَألُوا الآياتِ وكَفَرُوا بِها كَيْفَ عاجَلْناهم بِالعُقُوبَةِ فَماذا يُؤَمِّنُهم أنْ يَكُونَ حالُهم في سُؤالِ الآياتِ كَحالِ أُولَئِكَ، وإنَّما أتاهم هَذا البَيانُ في القُرْآنِ، فَلِهَذا وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ: ﴿بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى البَيِّنَةِ لِأنَّها في مَعْنى البُرْهانِ والدَّلِيلِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أزاحَ لَهم كُلَّ عُذْرٍ وعِلَّةٍ في التَّكْلِيفِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ والمُرادُ كانَ لَهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَيَكُونَ عُذْرًا لَهم، فَأمّا الآنُ وقَدْ أرْسَلْناكَ وبَيَّنّا عَلى لِسانِكَ لَهم ما
صفحة ١١٩
عَلَيْهِمْ وما لَهم فَلا حُجَّةَ لَهُمُ البَتَّةَ بَلِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ. ومَعْنى: ﴿مِن قَبْلِ﴾ يَحْتَمِلُ مِن قَبْلِ إرْسالِهِ ويَحْتَمِلُ مِن قَبْلِ ما أظْهَرَهُ مِنَ البَيِّناتِ فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا﴾ والهالِكُ لا يَصِحُّ أنْ يَقُولَ ؟ قُلْنا: المَعْنى لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِعَذابِ الآخِرَةِ، رُوِيَ أنَّ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «يَحْتَجُّ عَلى اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الهالِكُ في الفَتْرَةِ يَقُولُ: لَمْ يَأْتِنِي رَسُولٌ وإلّا كُنْتُ أطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ، وتَلا قَوْلَهُ: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ والمَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ يَقُولُ: لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أنْتُفِعُ بِهِ، ويَقُولُ الصَّبِيُّ: كُنْتُ صَغِيرًا لا أعْقِلُ، فَتُرْفَعُ لَهم نارٌ، ويُقالُ لَهم: ادْخُلُوها فَيَدْخُلُها مَن كانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ شَقِيٌّ ويَبْقى مَن في عِلْمِهِ أنَّهُ سَعِيدٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَهم: ”عَصَيْتُمُ اليَوْمَ فَكَيْفَ بِرُسُلِي لَوْ أتَوْكم» “ والقاضِي طَعَنَ في الخَبَرِ وقالَ: لا يَحْسُنُ العِقابُ عَلى مَن لا يَعْقِلُ.
* * *
واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ فِعْلِ اللُّطْفِ إذِ المُرادُ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِالمُكَلَّفِينَ ما يُؤْمِنُونَ عِنْدَهُ ولَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا هَلّا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنا لِنُؤْمِنَ ؟ وهَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتْبَعَ آياتِكَ ؟ وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمُ الرَّسُولَ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ حُجَّةٌ، فَصَحَّ أنَّهُ إنَّما يَكُونُ حُجَّةً لَهم إذا كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ عِنْدَهُ إذا أطاعُوهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ الِاحْتِجاجَ مِن عِبادِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣] كَما ظَنَّهُ أهْلُ الجَبْرِ مِن أنَّ ما هو جَوْرٌ مِنّا يَكُونُ عَدْلًا مِنهُ بَلْ تَأْوِيلُهُ: أنَّهُ لا يَقَعُ مِنهُ إلّا العَدْلُ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ الحُجَّةَ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ لَكانَ لَهم فِيهِ أعْظَمُ حُجَّةً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الوُجُوبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالشَّرْعِ إذْ لَوْ تَحَقَّقَ العِقابُ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ لَكانَ العِقابُ حاصِلًا قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ السُّورَةَ بِضَرْبٍ مِنَ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أيْ كُلٌّ مِنّا ومِنكم مُنْتَظِرٌ عاقِبَةَ أمْرِهِ وهَذا الِانْتِظارُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المَوْتِ، إمّا بِسَبَبِ الأمْرِ بِالجِهادِ أوْ بِسَبَبِ ظُهُورِ الدَّوْلَةِ والقُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِالمَوْتِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يَنْتَظِرُ مَوْتَ صاحِبِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ المَوْتِ وهو ظُهُورُ أمْرِ الثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّهُ يَتَمَيَّزُ في الآخِرَةِ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِما يَظْهَرُ عَلى المُحِقِّ مِن أنْواعِ كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى المُبْطِلِ مِن أنْواعِ إهانَتِهِ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ إلَيْهِ، ولَيْسَ هو بِمَعْنى الشَّكِّ والتَّرْدِيدِ، بَلْ هو عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ والزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
طه 20:134
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾
. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما يَقُولُونَ، وأمَرَهُ بِأنْ يَعْدِلَ إلى التَّسْبِيحِ أتْبَعَ ذَلِكَ
صفحة ١١٧
بِنَهْيِهِ عَنْ مَدِّ عَيْنَيْهِ إلى ما مَتَّعَ بِهِ القَوْمَ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ نَظَرُ العَيْنِ وهَؤُلاءِ قالُوا: مَدُّ النَّظَرِ تَطْوِيلُهُ وأنْ لا يَكادَ يَرُدَّهُ اسْتِحْسانًا لِلْمَنظُورِ إلَيْهِ إعْجابًا بِهِ كَما فَعَلَ نَظّارَةُ قارُونَ حَيْثُ قالُوا: ﴿يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القَصَصِ: ٧٩] حَتّى واجَهَهم أُولُو العِلْمِ والإيمانِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [القَصَصِ: ٨٠] وفِيهِ أنَّ النَّظَرَ غَيْرَ المَمْدُودِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وذَلِكَ كَما إذا نَظَرَ الإنْسانُ إلى شَيْءٍ مَرَّةً ثُمَّ غَضَّ، ولَمّا كانَ النَّظَرُ إلى الزَّخارِفِ كالمَرْكُوزِ في الطِّباعِ قِيلَ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيْ لا تَفْعَلْ ما أنْتَ مُعْتادٌ لَهُ. ولَقَدْ شَدَّدَ المُتَّقُونَ في وُجُوبِ غَضِّ البَصَرِ عَنْ أبْنِيَةِ الظَّلَمَةِ وعُدَدِ الفَسَقَةِ في اللِّباسِ والمَرْكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا هَذِهِ الأشْياءَ لِعُيُونِ النَّظّارَةِ، فالنّاظِرُ إلَيْها مُحَصِّلٌ لِغَرَضِهِمْ وكالمُقَوِّي لَهم عَلى اتِّخاذِها. القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لَيْسَ هو النَّظَرَ، بَلْ هو الأسَفُ أيْ لا تَأْسَفْ عَلى ما فاتَكَ مِمّا نالُوهُ مِن حَظِّ الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو رافِعٍ: ”«نَزَلَ ضَيْفٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَنِي إلى يَهُودِيٍّ لِبَيْعٍ أوْ سَلَفٍ، فَقالَ: واللَّهِ لا أفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِرَهْنٍ، فَأخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ فَأمَرَنِي أنْ أذْهَبَ بِدِرْعِهِ إلَيْهِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ»﴾ ) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أمْوالِكم ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وإلى أعْمالِكم» ”وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: الدُّنْيا دارُ مَن لا دارَ لَهُ ومالُ مَن لا مالَ لَهُ ولَها يَجْمَعُ مَن لا عَقْلَ لَهُ. وعَنِ الحَسَنِ: لَوْلا حُمْقُ النّاسِ لَخَرِبَتِ الدُّنْيا، وعَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: لا تَتَّخِذُوا الدُّنْيا رَبًّا فَتَتَّخِذَكم لَها عَبِيدًا. وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ كانَ إذا رَأى ما عِنْدَ السَّلاطِينِ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: الصَّلاةَ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ. أمّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ [ أيْ ] ألْذَذْنا بِهِ، والإمْتاعُ الإلْذاذُ بِما يُدْرَكُ مِنَ المَناظِرِ الحَسَنَةِ ويُسْمَعُ مِنَ الأصْواتِ المُطْرِبَةِ ويُشَمُّ مِنَ الرَّوائِحِ الطَّيِّبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَلابِسِ والمَناكَحِ، يُقالُ: أمْتَعَهُ إمْتاعًا ومَتَّعَهُ تَمْتِيعًا، والتَّفْعِيلُ يَقْتَضِي التَّكْثِيرَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ أيْ أشْكالًا وأشْباهًا مِنَ الكُفّارِ وهي مِنَ المُزاوَجَةِ بَيْنَ الأشْياءِ وهي المُشاكَلَةُ، وذَلِكَ لِأنَّهم أشْكالٌ في الذَّهابِ عَنِ الصَّوابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أصْنافًا مِنهم، وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: رِجالًا مِنهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَفي انْتِصابِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: عَلى الذَّمِّ وهو النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ عَلى تَضْمِينِ مَتَّعْنا مَعْنى أعْطَيْنا وكَوْنِهِ مَفْعُولًا ثانِيًا لَهُ أوْ عَلى إبْدالِهِ مِن مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ أوْ عَلى إبْدالِهِ مِن أزْواجًا عَلى تَقْدِيرِ ذَوِي، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى الزَّهْرَةِ فِيمَن حَرَّكَ، قُلْنا: مَعْنى الزَّهْرَةِ بِعَيْنِهِ وهو الزِّينَةُ والبَهْجَةُ كَما جاءَ في الجَهْرَةِ، قُرِئَ: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً، وأنْ يَكُونَ جَمْعُ زاهِرٍ وصْفًا لَهم بِأنَّهم زَهْرَةُ هَذِهِ الدُّنْيا لِصَفاءِ ألْوانِهِمْ وتَهَلُّلِ وُجُوهِهِمْ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ الصُّلَحاءُ مِن شُحُوبِ الألْوانِ والتَّقَشُّفِ في الثِّيابِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
أحَدُها: لِنُعَذِّبَهم بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٥] . وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إضْلالًا مِنِّي لَهم. وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا عِنْدَ حُضُورِها والإقْبالَ إلى اللَّهِ أشَدُّ مِن ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ حُضُورِها، ولِذَلِكَ كانَ رُجُوعُ الفُقَراءِ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ أكْثَرَ مِن تَضَرُّعِ الأغْنِياءِ، ولِأنَّ عَلى مَن أُوتِيَ الدُّنْيا ضُرُوبًا مِنَ التَّكْلِيفِ لَوْلاها لَما لَزِمَتْهم تِلْكَ التَّكالِيفُ، ولِأنَّ القادِرَ عَلى المَعاصِي يَكُونُ الِاجْتِنابُ
صفحة ١١٨
عَنِ المَعاصِي أشَقَّ عَلَيْهِ مِنَ العاجِزِ الفَقِيرِ، فَمِن هَذِهِ الجِهاتِ تَكُونُ الزِّيادَةُ في الدُّنْيا تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ أنَّ مَطْلُوبَكَ الَّذِي تَجِدُهُ مِنَ الثَّوابِ خَيْرٌ مِن مَطْلُوبِهِمْ وأبْقى لِأنَّهُ يَدُومُ ولا يَنْقَطِعُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ ما أُوتُوهُ مِنَ الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُوتِيتَهُ مِن يَسِيرِ الدُّنْيا إذا قَرَنْتَهُ بِالطّاعَةِ خَيْرٌ لَكَ مِن حَيْثُ العاقِبَةِ وأبْقى، فَذَكَرَ الرِّزْقَ في الدُّنْيا ووَصَفَهُ بِحُسْنِ عاقَبَتِهِ إذا رَضِيَ بِهِ وصَبَرَ عَلَيْهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُعْطِيَ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى أقارِبِهِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى كُلِّ أهْلِ دِينِهِ، وهَذا أقْرَبُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٥] وإنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن يَضُمُّهُ المَسْكَنُ، إذِ التَّنْبِيهُ عَلى الصَّلاةِ والأمْرُ بِها في أوْقاتِها مُمْكِنٌ فِيهِمْ دُونَ سائِرِ الأُمَّةِ، يَعْنى كَما أمَرْناكَ بِالصَّلاةِ فَأْمُرْ أنْتَ قَوْمَكَ بِها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ فالمُرادُ كَما تَأْمُرُهم فَحافِظْ عَلَيْها فِعْلًا، فَإنَّ الوَعْظَ بِلِسانِ الفِعْلِ أتَمُّ مِنهُ بِلِسانِ القَوْلِ، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يَذْهَبُ إلى فاطِمَةَ وعَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ كُلَّ صَباحٍ ويَقُولُ:“ الصَّلاةَ ”وكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أشْهُرًا»، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَأْمُرُهم بِذَلِكَ لِمَنافِعِهِمْ وأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ المَنافِعِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى إنَّما يُرِيدُ مِنهُ ومِنهُمُ العِبادَةُ ولا يُرِيدُ مِنهُ أنْ يَرْزُقَهُ كَما تُرِيدُ السّادَةُ مِنَ العَبِيدِ الخَراجَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٦] . وثانِيها: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾ لِنَفْسِكَ ولا لِأهْلِكَ بَلْ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ونَرْزُقُ أهْلَكَ، فَفَرِّغْ بالَكَ لِأمْرِ الآخِرَةِ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ النّاسِ: مَن كانَ في عَمَلِ اللَّهِ كانَ اللَّهُ في عَمَلِهِ. وثالِثُها: المَعْنى أنّا لَمّا أمَرْناكَ بِالصَّلاةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأنّا نَنْتَفِعُ بِصَلاتِكَ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾ بَلْ نَحْنُ نَرْزُقُكَ في الدُّنْيا بِوُجُوهِ النِّعَمِ وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ:“ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ بِأهْلِهِ ضِيقٌ أوْ شِدَّةٌ أمَرَهم بِالصَّلاةِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ» ”.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ رُخْصَةٌ في تَرْكِ التَّكَسُّبِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ المُتَّقِينَ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النُّورِ: ٣٧]، أمّا قَوْلُهُ: والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى فالمُرادُ والعاقِبَةُ الجَمِيلَةُ لِأهْلِ التَّقْوى يَعْنِي تَقْوى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ حَكى عَنْهم شُبْهَتَهم، فَكَأنَّهُ مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وهي قَوْلُهم: ﴿لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أُوهِمُوا بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يُكَلِّفُهُمُ الإيمانَ مِن غَيْرِ آيَةٍ، وقالُوا في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥] وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ ما في القُرْآنِ إذا وافَقَ ما في كُتُبِهِمْ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالدِّراسَةِ والتَّعَلُّمِ وما رَأى أُسْتاذًا البَتَّةَ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا. وثانِيها: أنَّ بَيِّنَةَ ما في الصُّحُفِ الأُولى ما فِيها مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِنَبُّوتِهِ وبَعْثَتِهِ. وثالِثُها: ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ والقَفّالُ [ أنَّ ] المَعْنى: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ مِن أنْباءِ الأُمَمِ الَّتِي أهْلَكْناهم لَمّا سَألُوا الآياتِ وكَفَرُوا بِها كَيْفَ عاجَلْناهم بِالعُقُوبَةِ فَماذا يُؤَمِّنُهم أنْ يَكُونَ حالُهم في سُؤالِ الآياتِ كَحالِ أُولَئِكَ، وإنَّما أتاهم هَذا البَيانُ في القُرْآنِ، فَلِهَذا وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ: ﴿بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى البَيِّنَةِ لِأنَّها في مَعْنى البُرْهانِ والدَّلِيلِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أزاحَ لَهم كُلَّ عُذْرٍ وعِلَّةٍ في التَّكْلِيفِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ والمُرادُ كانَ لَهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَيَكُونَ عُذْرًا لَهم، فَأمّا الآنُ وقَدْ أرْسَلْناكَ وبَيَّنّا عَلى لِسانِكَ لَهم ما
صفحة ١١٩
عَلَيْهِمْ وما لَهم فَلا حُجَّةَ لَهُمُ البَتَّةَ بَلِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ. ومَعْنى: ﴿مِن قَبْلِ﴾ يَحْتَمِلُ مِن قَبْلِ إرْسالِهِ ويَحْتَمِلُ مِن قَبْلِ ما أظْهَرَهُ مِنَ البَيِّناتِ فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا﴾ والهالِكُ لا يَصِحُّ أنْ يَقُولَ ؟ قُلْنا: المَعْنى لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِعَذابِ الآخِرَةِ، رُوِيَ أنَّ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «يَحْتَجُّ عَلى اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الهالِكُ في الفَتْرَةِ يَقُولُ: لَمْ يَأْتِنِي رَسُولٌ وإلّا كُنْتُ أطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ، وتَلا قَوْلَهُ: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ والمَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ يَقُولُ: لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أنْتُفِعُ بِهِ، ويَقُولُ الصَّبِيُّ: كُنْتُ صَغِيرًا لا أعْقِلُ، فَتُرْفَعُ لَهم نارٌ، ويُقالُ لَهم: ادْخُلُوها فَيَدْخُلُها مَن كانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ شَقِيٌّ ويَبْقى مَن في عِلْمِهِ أنَّهُ سَعِيدٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَهم: ”عَصَيْتُمُ اليَوْمَ فَكَيْفَ بِرُسُلِي لَوْ أتَوْكم» “ والقاضِي طَعَنَ في الخَبَرِ وقالَ: لا يَحْسُنُ العِقابُ عَلى مَن لا يَعْقِلُ.
* * *
واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ فِعْلِ اللُّطْفِ إذِ المُرادُ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِالمُكَلَّفِينَ ما يُؤْمِنُونَ عِنْدَهُ ولَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا هَلّا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنا لِنُؤْمِنَ ؟ وهَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتْبَعَ آياتِكَ ؟ وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمُ الرَّسُولَ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ حُجَّةٌ، فَصَحَّ أنَّهُ إنَّما يَكُونُ حُجَّةً لَهم إذا كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ عِنْدَهُ إذا أطاعُوهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ الِاحْتِجاجَ مِن عِبادِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣] كَما ظَنَّهُ أهْلُ الجَبْرِ مِن أنَّ ما هو جَوْرٌ مِنّا يَكُونُ عَدْلًا مِنهُ بَلْ تَأْوِيلُهُ: أنَّهُ لا يَقَعُ مِنهُ إلّا العَدْلُ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ الحُجَّةَ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ لَكانَ لَهم فِيهِ أعْظَمُ حُجَّةً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الوُجُوبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالشَّرْعِ إذْ لَوْ تَحَقَّقَ العِقابُ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ لَكانَ العِقابُ حاصِلًا قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ السُّورَةَ بِضَرْبٍ مِنَ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أيْ كُلٌّ مِنّا ومِنكم مُنْتَظِرٌ عاقِبَةَ أمْرِهِ وهَذا الِانْتِظارُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المَوْتِ، إمّا بِسَبَبِ الأمْرِ بِالجِهادِ أوْ بِسَبَبِ ظُهُورِ الدَّوْلَةِ والقُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِالمَوْتِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يَنْتَظِرُ مَوْتَ صاحِبِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ المَوْتِ وهو ظُهُورُ أمْرِ الثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّهُ يَتَمَيَّزُ في الآخِرَةِ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِما يَظْهَرُ عَلى المُحِقِّ مِن أنْواعِ كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى المُبْطِلِ مِن أنْواعِ إهانَتِهِ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ إلَيْهِ، ولَيْسَ هو بِمَعْنى الشَّكِّ والتَّرْدِيدِ، بَلْ هو عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ والزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
طه 20:135
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾
. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما يَقُولُونَ، وأمَرَهُ بِأنْ يَعْدِلَ إلى التَّسْبِيحِ أتْبَعَ ذَلِكَ
صفحة ١١٧
بِنَهْيِهِ عَنْ مَدِّ عَيْنَيْهِ إلى ما مَتَّعَ بِهِ القَوْمَ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ نَظَرُ العَيْنِ وهَؤُلاءِ قالُوا: مَدُّ النَّظَرِ تَطْوِيلُهُ وأنْ لا يَكادَ يَرُدَّهُ اسْتِحْسانًا لِلْمَنظُورِ إلَيْهِ إعْجابًا بِهِ كَما فَعَلَ نَظّارَةُ قارُونَ حَيْثُ قالُوا: ﴿يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القَصَصِ: ٧٩] حَتّى واجَهَهم أُولُو العِلْمِ والإيمانِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [القَصَصِ: ٨٠] وفِيهِ أنَّ النَّظَرَ غَيْرَ المَمْدُودِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وذَلِكَ كَما إذا نَظَرَ الإنْسانُ إلى شَيْءٍ مَرَّةً ثُمَّ غَضَّ، ولَمّا كانَ النَّظَرُ إلى الزَّخارِفِ كالمَرْكُوزِ في الطِّباعِ قِيلَ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيْ لا تَفْعَلْ ما أنْتَ مُعْتادٌ لَهُ. ولَقَدْ شَدَّدَ المُتَّقُونَ في وُجُوبِ غَضِّ البَصَرِ عَنْ أبْنِيَةِ الظَّلَمَةِ وعُدَدِ الفَسَقَةِ في اللِّباسِ والمَرْكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا هَذِهِ الأشْياءَ لِعُيُونِ النَّظّارَةِ، فالنّاظِرُ إلَيْها مُحَصِّلٌ لِغَرَضِهِمْ وكالمُقَوِّي لَهم عَلى اتِّخاذِها. القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لَيْسَ هو النَّظَرَ، بَلْ هو الأسَفُ أيْ لا تَأْسَفْ عَلى ما فاتَكَ مِمّا نالُوهُ مِن حَظِّ الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو رافِعٍ: ”«نَزَلَ ضَيْفٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَنِي إلى يَهُودِيٍّ لِبَيْعٍ أوْ سَلَفٍ، فَقالَ: واللَّهِ لا أفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِرَهْنٍ، فَأخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ فَأمَرَنِي أنْ أذْهَبَ بِدِرْعِهِ إلَيْهِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ»﴾ ) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أمْوالِكم ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وإلى أعْمالِكم» ”وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: الدُّنْيا دارُ مَن لا دارَ لَهُ ومالُ مَن لا مالَ لَهُ ولَها يَجْمَعُ مَن لا عَقْلَ لَهُ. وعَنِ الحَسَنِ: لَوْلا حُمْقُ النّاسِ لَخَرِبَتِ الدُّنْيا، وعَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: لا تَتَّخِذُوا الدُّنْيا رَبًّا فَتَتَّخِذَكم لَها عَبِيدًا. وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ كانَ إذا رَأى ما عِنْدَ السَّلاطِينِ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: الصَّلاةَ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ. أمّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ [ أيْ ] ألْذَذْنا بِهِ، والإمْتاعُ الإلْذاذُ بِما يُدْرَكُ مِنَ المَناظِرِ الحَسَنَةِ ويُسْمَعُ مِنَ الأصْواتِ المُطْرِبَةِ ويُشَمُّ مِنَ الرَّوائِحِ الطَّيِّبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَلابِسِ والمَناكَحِ، يُقالُ: أمْتَعَهُ إمْتاعًا ومَتَّعَهُ تَمْتِيعًا، والتَّفْعِيلُ يَقْتَضِي التَّكْثِيرَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ أيْ أشْكالًا وأشْباهًا مِنَ الكُفّارِ وهي مِنَ المُزاوَجَةِ بَيْنَ الأشْياءِ وهي المُشاكَلَةُ، وذَلِكَ لِأنَّهم أشْكالٌ في الذَّهابِ عَنِ الصَّوابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أصْنافًا مِنهم، وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: رِجالًا مِنهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَفي انْتِصابِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ. أحَدُها: عَلى الذَّمِّ وهو النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ عَلى تَضْمِينِ مَتَّعْنا مَعْنى أعْطَيْنا وكَوْنِهِ مَفْعُولًا ثانِيًا لَهُ أوْ عَلى إبْدالِهِ مِن مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ أوْ عَلى إبْدالِهِ مِن أزْواجًا عَلى تَقْدِيرِ ذَوِي، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى الزَّهْرَةِ فِيمَن حَرَّكَ، قُلْنا: مَعْنى الزَّهْرَةِ بِعَيْنِهِ وهو الزِّينَةُ والبَهْجَةُ كَما جاءَ في الجَهْرَةِ، قُرِئَ: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً، وأنْ يَكُونَ جَمْعُ زاهِرٍ وصْفًا لَهم بِأنَّهم زَهْرَةُ هَذِهِ الدُّنْيا لِصَفاءِ ألْوانِهِمْ وتَهَلُّلِ وُجُوهِهِمْ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ الصُّلَحاءُ مِن شُحُوبِ الألْوانِ والتَّقَشُّفِ في الثِّيابِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
أحَدُها: لِنُعَذِّبَهم بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٥] . وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إضْلالًا مِنِّي لَهم. وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا عِنْدَ حُضُورِها والإقْبالَ إلى اللَّهِ أشَدُّ مِن ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ حُضُورِها، ولِذَلِكَ كانَ رُجُوعُ الفُقَراءِ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ أكْثَرَ مِن تَضَرُّعِ الأغْنِياءِ، ولِأنَّ عَلى مَن أُوتِيَ الدُّنْيا ضُرُوبًا مِنَ التَّكْلِيفِ لَوْلاها لَما لَزِمَتْهم تِلْكَ التَّكالِيفُ، ولِأنَّ القادِرَ عَلى المَعاصِي يَكُونُ الِاجْتِنابُ
صفحة ١١٨
عَنِ المَعاصِي أشَقَّ عَلَيْهِ مِنَ العاجِزِ الفَقِيرِ، فَمِن هَذِهِ الجِهاتِ تَكُونُ الزِّيادَةُ في الدُّنْيا تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ، ثُمَّ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ أنَّ مَطْلُوبَكَ الَّذِي تَجِدُهُ مِنَ الثَّوابِ خَيْرٌ مِن مَطْلُوبِهِمْ وأبْقى لِأنَّهُ يَدُومُ ولا يَنْقَطِعُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ ما أُوتُوهُ مِنَ الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُوتِيتَهُ مِن يَسِيرِ الدُّنْيا إذا قَرَنْتَهُ بِالطّاعَةِ خَيْرٌ لَكَ مِن حَيْثُ العاقِبَةِ وأبْقى، فَذَكَرَ الرِّزْقَ في الدُّنْيا ووَصَفَهُ بِحُسْنِ عاقَبَتِهِ إذا رَضِيَ بِهِ وصَبَرَ عَلَيْهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُعْطِيَ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى أقارِبِهِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى كُلِّ أهْلِ دِينِهِ، وهَذا أقْرَبُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٥] وإنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن يَضُمُّهُ المَسْكَنُ، إذِ التَّنْبِيهُ عَلى الصَّلاةِ والأمْرُ بِها في أوْقاتِها مُمْكِنٌ فِيهِمْ دُونَ سائِرِ الأُمَّةِ، يَعْنى كَما أمَرْناكَ بِالصَّلاةِ فَأْمُرْ أنْتَ قَوْمَكَ بِها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ فالمُرادُ كَما تَأْمُرُهم فَحافِظْ عَلَيْها فِعْلًا، فَإنَّ الوَعْظَ بِلِسانِ الفِعْلِ أتَمُّ مِنهُ بِلِسانِ القَوْلِ، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يَذْهَبُ إلى فاطِمَةَ وعَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ كُلَّ صَباحٍ ويَقُولُ:“ الصَّلاةَ ”وكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أشْهُرًا»، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَأْمُرُهم بِذَلِكَ لِمَنافِعِهِمْ وأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ المَنافِعِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى إنَّما يُرِيدُ مِنهُ ومِنهُمُ العِبادَةُ ولا يُرِيدُ مِنهُ أنْ يَرْزُقَهُ كَما تُرِيدُ السّادَةُ مِنَ العَبِيدِ الخَراجَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٦] . وثانِيها: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾ لِنَفْسِكَ ولا لِأهْلِكَ بَلْ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ونَرْزُقُ أهْلَكَ، فَفَرِّغْ بالَكَ لِأمْرِ الآخِرَةِ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ النّاسِ: مَن كانَ في عَمَلِ اللَّهِ كانَ اللَّهُ في عَمَلِهِ. وثالِثُها: المَعْنى أنّا لَمّا أمَرْناكَ بِالصَّلاةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأنّا نَنْتَفِعُ بِصَلاتِكَ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾ بَلْ نَحْنُ نَرْزُقُكَ في الدُّنْيا بِوُجُوهِ النِّعَمِ وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ:“ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ بِأهْلِهِ ضِيقٌ أوْ شِدَّةٌ أمَرَهم بِالصَّلاةِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ» ”.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ رُخْصَةٌ في تَرْكِ التَّكَسُّبِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ المُتَّقِينَ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النُّورِ: ٣٧]، أمّا قَوْلُهُ: والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى فالمُرادُ والعاقِبَةُ الجَمِيلَةُ لِأهْلِ التَّقْوى يَعْنِي تَقْوى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ حَكى عَنْهم شُبْهَتَهم، فَكَأنَّهُ مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وهي قَوْلُهم: ﴿لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أُوهِمُوا بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يُكَلِّفُهُمُ الإيمانَ مِن غَيْرِ آيَةٍ، وقالُوا في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥] وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ ما في القُرْآنِ إذا وافَقَ ما في كُتُبِهِمْ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالدِّراسَةِ والتَّعَلُّمِ وما رَأى أُسْتاذًا البَتَّةَ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا. وثانِيها: أنَّ بَيِّنَةَ ما في الصُّحُفِ الأُولى ما فِيها مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِنَبُّوتِهِ وبَعْثَتِهِ. وثالِثُها: ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ والقَفّالُ [ أنَّ ] المَعْنى: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ مِن أنْباءِ الأُمَمِ الَّتِي أهْلَكْناهم لَمّا سَألُوا الآياتِ وكَفَرُوا بِها كَيْفَ عاجَلْناهم بِالعُقُوبَةِ فَماذا يُؤَمِّنُهم أنْ يَكُونَ حالُهم في سُؤالِ الآياتِ كَحالِ أُولَئِكَ، وإنَّما أتاهم هَذا البَيانُ في القُرْآنِ، فَلِهَذا وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ: ﴿بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى البَيِّنَةِ لِأنَّها في مَعْنى البُرْهانِ والدَّلِيلِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أزاحَ لَهم كُلَّ عُذْرٍ وعِلَّةٍ في التَّكْلِيفِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ والمُرادُ كانَ لَهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَيَكُونَ عُذْرًا لَهم، فَأمّا الآنُ وقَدْ أرْسَلْناكَ وبَيَّنّا عَلى لِسانِكَ لَهم ما
صفحة ١١٩
عَلَيْهِمْ وما لَهم فَلا حُجَّةَ لَهُمُ البَتَّةَ بَلِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ. ومَعْنى: ﴿مِن قَبْلِ﴾ يَحْتَمِلُ مِن قَبْلِ إرْسالِهِ ويَحْتَمِلُ مِن قَبْلِ ما أظْهَرَهُ مِنَ البَيِّناتِ فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا﴾ والهالِكُ لا يَصِحُّ أنْ يَقُولَ ؟ قُلْنا: المَعْنى لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِعَذابِ الآخِرَةِ، رُوِيَ أنَّ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «يَحْتَجُّ عَلى اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الهالِكُ في الفَتْرَةِ يَقُولُ: لَمْ يَأْتِنِي رَسُولٌ وإلّا كُنْتُ أطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ، وتَلا قَوْلَهُ: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ والمَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ يَقُولُ: لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أنْتُفِعُ بِهِ، ويَقُولُ الصَّبِيُّ: كُنْتُ صَغِيرًا لا أعْقِلُ، فَتُرْفَعُ لَهم نارٌ، ويُقالُ لَهم: ادْخُلُوها فَيَدْخُلُها مَن كانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ شَقِيٌّ ويَبْقى مَن في عِلْمِهِ أنَّهُ سَعِيدٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَهم: ”عَصَيْتُمُ اليَوْمَ فَكَيْفَ بِرُسُلِي لَوْ أتَوْكم» “ والقاضِي طَعَنَ في الخَبَرِ وقالَ: لا يَحْسُنُ العِقابُ عَلى مَن لا يَعْقِلُ.
* * *
واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ فِعْلِ اللُّطْفِ إذِ المُرادُ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِالمُكَلَّفِينَ ما يُؤْمِنُونَ عِنْدَهُ ولَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا هَلّا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنا لِنُؤْمِنَ ؟ وهَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتْبَعَ آياتِكَ ؟ وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمُ الرَّسُولَ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ حُجَّةٌ، فَصَحَّ أنَّهُ إنَّما يَكُونُ حُجَّةً لَهم إذا كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ عِنْدَهُ إذا أطاعُوهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ الِاحْتِجاجَ مِن عِبادِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣] كَما ظَنَّهُ أهْلُ الجَبْرِ مِن أنَّ ما هو جَوْرٌ مِنّا يَكُونُ عَدْلًا مِنهُ بَلْ تَأْوِيلُهُ: أنَّهُ لا يَقَعُ مِنهُ إلّا العَدْلُ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ الحُجَّةَ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ لَكانَ لَهم فِيهِ أعْظَمُ حُجَّةً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الوُجُوبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالشَّرْعِ إذْ لَوْ تَحَقَّقَ العِقابُ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ لَكانَ العِقابُ حاصِلًا قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ السُّورَةَ بِضَرْبٍ مِنَ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أيْ كُلٌّ مِنّا ومِنكم مُنْتَظِرٌ عاقِبَةَ أمْرِهِ وهَذا الِانْتِظارُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المَوْتِ، إمّا بِسَبَبِ الأمْرِ بِالجِهادِ أوْ بِسَبَبِ ظُهُورِ الدَّوْلَةِ والقُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِالمَوْتِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يَنْتَظِرُ مَوْتَ صاحِبِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ المَوْتِ وهو ظُهُورُ أمْرِ الثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّهُ يَتَمَيَّزُ في الآخِرَةِ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِما يَظْهَرُ عَلى المُحِقِّ مِن أنْواعِ كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى المُبْطِلِ مِن أنْواعِ إهانَتِهِ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ إلَيْهِ، ولَيْسَ هو بِمَعْنى الشَّكِّ والتَّرْدِيدِ، بَلْ هو عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ والزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنبياء 21:1
صفحة ١٢٠
[ سُورَةُ الأنْبِياءِ ]
مِائَةٌ واثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهم وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾
﷽
﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهم وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القُرْبُ لا يُعْقَلُ إلّا في المَكانِ والزَّمانِ، والقُرْبُ المَكانِيُّ هَهُنا مُمْتَنَعٌ فَتَعَيَّنَ القُرْبُ الزَّمانِيُّ، والمَعْنى اقْتَرَبَ لِلنّاسِ وقْتُ حِسابِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ كَيْفَ وُصِفَ بِالِاقْتِرابِ، وقَدْ عَبَرَ بَعْدَ هَذا القَوْلِ قَرِيبٌ مِن سِتِّمِائَةِ عامٍ والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مُقْتَرِبٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحَجِّ: ٤٧]، وثانِيها: أنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ وإنْ طالَتْ أوْقاتُ تَرَقُّبِهِ، وإنَّما البَعِيدُ هو الَّذِي انْقَرَضَ، قالَ الشّاعِرُ:
فَلا زالَ ما تَهْواهُ أقْرَبَ مِن غَدٍ ولا زالَ ما تَخْشاهُ أبْعَدَ مِن أمْسِ
وثالِثُها: أنَّ المُعامَلَةَ إذا كانَتْ مُؤَجَّلَةً إلى سَنَةٍ ثُمَّ انْقَضى مِنها شَهْرٌ، فَإنَّهُ لا يُقالُ اقْتَرَبَ الأجَلُ أمّا إذا كانَ الماضِي أكْثَرَ مِنَ الباقِي فَإنَّهُ يُقالُ: اقْتَرَبَ الأجَلُ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ العُلَماءُ: إنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى قُرْبِ
صفحة ١٢١
القِيامَةِ، ولِهَذا الوَجْهِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» “ وهَذا الوَجْهُ قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَتَمَ بِهِ النُّبُوَّةَ، كُلُّ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ الباقِيَ مِن مُدَّةِ التَّكْلِيفِ أقَلُّ مِنَ الماضِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذا الِاقْتِرابَ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى تَلافِي الذُّنُوبِ والتَّحَرُّزِ عَنْها خَوْفًا مِن ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما لَمْ يُعَيِّنِ الوَقْتَ لِأجْلِ أنَّ كِتْمانَهُ أصْلَحُ، كَما أنَّ كِتْمانَ وقْتِ المَوْتِ أصْلَحُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الفائِدَةُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ الحِسابِ أنَّ الحِسابَ هو الكاشِفُ عَنْ حالِ المَرْءِ فالخَوْفُ مِن ذِكْرِهِ أعْظَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنّاسِ مَن لَهُ مَدْخَلٌ في الحِسابِ وهُمُ المُكَلَّفُونَ دُونَ مَن لا مَدْخَلَ لَهُ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالنّاسِ المُشْرِكُونَ. وهَذا مِن إطْلاقِ اسْمِ الجِنْسِ عَلى بَعْضِهِ لِلدَّلِيلِ القائِمِ وهو ما يَتْلُوهُ مِن صِفاتِ المُشْرِكِينَ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأمْرَيْنِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ، أمّا الغَفْلَةُ فالمَعْنى أنَّهم غافِلُونَ عَنْ حِسابِهِمْ ساهُونَ لا يَتَفَكَّرُونَ في عاقِبَتِهِمْ مَعَ اقْتِضاءِ عُقُولِهِمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن جَزاءِ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، ثُمَّ إذا انْتَبَهُوا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ ورَقْدَةِ الجَهالَةِ مِمّا يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ أعْرَضُوا وسَدُّوا أسْماعَهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (مُحْدَثٌ) بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْمَحَلِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بَيانًا لِكَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُجَدِّدُ لَهُمُ الذِّكْرَ وقْتًا فَوَقْتًا ويُظْهِرُ لَهُمُ الآيَةَ بَعْدَ الآيَةِ والسُّورَةَ بَعْدَ السُّورَةِ لِيُكَرِّرَ عَلى أسْماعِهِمُ التَّنْبِيهَ والمَوْعِظَةَ لَعَلَّهم يَتَّعِظُونَ، فَما يَزِيدُهم ذَلِكَ إلّا لَعِبًا واسْتِسْخارًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: القُرْآنُ ذِكْرٌ والذِّكْرُ مُحْدَثٌ فالقُرْآنُ مُحْدَثٌ، بَيانُ أنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ القُرْآنِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧] وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وقَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحِجْرِ: ٩] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] وقَوْلُهُ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠] وبَيانُ أنَّ الذِّكْرَ مُحْدَثٌ قَوْلُهُ في هَذا المَوْضِعِ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ وقَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] ثُمَّ قالُوا: فَصارَ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ المَنصُوصَتَيْنِ كالنَّصِّ في أنَّ القُرْآنَ مُحْدَثٌ، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧] وقَوْلُهُ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠] إشارَةٌ إلى المُرَكَّبِ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ فَإذا ضَمَمْنا إلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ لَزِمَ حُدُوثُ المُرَكَّبِ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ وذَلِكَ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ بَلْ حُدُوثُهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وإنَّما النِّزاعُ في قِدَمِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنًى آخَرَ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ لا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ كُلِّ ما كانَ ذِكْرًا بَلْ عَلى ذِكْرِ ما مُحْدَثٌ كَما أنَّ قَوْلَ القائِلِ لا يَدْخُلُ هَذِهِ البَلْدَةَ رَجُلٌ فاضِلٌ إلّا يُبْغِضُونَهُ، فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ رَجُلٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فاضِلًا بَلْ
صفحة ١٢٢
عَلى أنَّ في الرِّجالِ مَن هو فاضِلٌ وإذا كانَ كَذَلِكَ فالآيَةُ لا تَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ مُحْدَثٌ فَيَصِيرُ نَظْمُ الكَلامِ هَكَذا: القُرْآنُ ذِكْرٌ وبَعْضُ الذِّكْرِ مُحْدَثٌ وهَذا لا يُنْتَجُ شَيْئًا، كَما أنَّ قَوْلَ القائِلِ: الإنْسانُ حَيَوانٌ وبَعْضُ الحَيَوانِ فَرَسٌ لا يُنْتَجُ شَيْئًا فَظَهَرَ أنَّ الَّذِي ظَنُّوهُ قاطِعًا لا يُفِيدُ ظَنًّا ضَعِيفًا فَضْلًا عَنِ القَطْعِ.
الأنبياء 21:2
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ ذَلِكَ ذَمٌّ لِلْكُفّارِ وزَجْرٌ لِغَيْرِهِمْ عَنْ مِثْلِهِ؛ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِما يُسْمَعُ لا يَكُونُ إلّا بِما يَرْجِعُ إلى القَلْبِ مِن تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وإذا كانُوا عِنْدَ اسْتِماعِهِ لاعِبِينَ حَصَلُوا عَلى مُجَرَّدِ الِاسْتِماعِ الَّذِي قَدْ تُشارِكُ البَهِيمَةُ فِيهِ الإنْسانَ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَمَّهم بِقَوْلِهِ: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ واللّاهِيَةُ مِن لَهى عَنْهُ إذا ذَهَلَ وغَفَلَ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّعِبَ مُقَدَّمًا عَلى اللَّهْوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٦] تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اشْتِغالَهم بِاللَّعِبِ الَّذِي مَعْناهُ السُّخْرِيَةُ، والِاسْتِهْزاءُ مُعَلَّلٌ بِاللَّهْوِ الَّذِي مَعْناهُ الذُّهُولُ والغَفْلَةُ، فَإنَّهم أقْدَمُوا عَلى اللَّعِبِ لِلَهْوِهِمْ وذُهُولِهِمْ عَنِ الحَقِّ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ حالانِ مُتَرادِفانِ أوْ مُتَداخِلانِ، ومَن قَرَأ لاهِيَةٌ بِالرَّفْعِ فالحالُ واحِدَةٌ لِأنَّ لاهِيَةً قُلُوبُهم خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِقَوْلِهِ: (وهم) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: النَّجْوى وهي اسْمٌ مِنَ التَّناجِي لا تَكُونُ إلّا خُفْيَةً فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾، الجَوابُ: مَعْناهُ بالَغُوا في إخْفائِها وجَعَلُوها بِحَيْثُ لا يَفْطُنُ أحَدٌ لِتَناجِيهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، الجَوابُ: أبْدَلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَن أسَرُّوا إشْعارًا بِأنَّهم هُمُ المَوْسُومُونَ بِالظُّلْمِ الفاحِشِ فِيما أسَرُّوا بِهِ أوْ جاءَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ هو مَنصُوبُ المَحَلِّ عَلى الذَّمِّ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ والمَعْنى وهَؤُلاءِ أسَرُّوا النَّجْوى فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلى فِعْلِهِمْ بِأنَّهُ ظُلْمٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ هَذا الكَلامُ كُلُّهُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَدَلًا مِنَ النَّجْوى أيْ وأسَرُّوا هَذا الحَدِيثَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وأسَرُّوا النَّجْوى وقالُوا هَذا الكَلامَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أسَرُّوا هَذا الحَدِيثَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ ذَلِكَ شُبْهَةَ التَّشاوُرِ فِيما بَيْنَهم والتَّحاوُرِ في طَلَبِ الطَّرِيقِ إلى هَدْمِ أمْرِهِ، وعادَةُ المُتَشاوِرِينَ أنْ يَجْتَهِدُوا في كِتْمانِ سِرِّهِمْ عَنْ أعْدائِهِمْ. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُسِرُّوا نَجْواهم بِذَلِكَ ثُمَّ يَقُولُوا لِرَسُولِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ إنْ كانَ ما تَدْعُونَهُ حَقًّا فَأخْبِرُونا بِما أسْرَرْناهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم. والثّانِي: أنَّ الَّذِي أتى بِهِ سِحْرٌ، وكِلا الطَّعْنَيْنِ فاسِدٌ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ النُّبُوَّةَ تَقِفُ صِحَّتُها عَلى المُعْجِزاتِ والدَّلائِلِ لا عَلى الصُّوَرِ، إذْ لَوْ بَعَثَ المَلَكَ إلَيْهِمْ لَما عُلِمَ كَوْنُهُ نَبِيًّا لِصُورَتِهِ، وإنَّما كانَ يُعْلَمُ بِالعِلْمِ فَإذا ظَهَرَ ذَلِكَ عَلى مَن هو بَشَرٌ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، بَلِ الأوْلى أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ إلى البَشَرِ بَشَرًا لِأنَّ المَرْءَ إلى القَبُولِ مِن أشْكالِهِ أقْرَبُ
صفحة ١٢٣
وهُوَ بِهِ آنَسُ. وأمّا الثّانِي: وهو أنَّ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ سِحْرٌ وأنَّهم يَرَوْنَ كَوْنَهُ سِحْرًا فَجَهْلٌ أيْضًا، لِأنَّ كُلَّ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ ظاهِرُ الحالِ لا تَمْوِيهَ فِيهِ ولا تَلْبِيسَ فِيهِ، فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَحَدّاهم بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ وهم أرْبابُ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، وكانُوا في نِهايَةِ الحِرْصِ عَلى إبْطالِ أمْرِهِ، وأقْوى الأُمُورِ في إبْطالِ أمْرِهِ مُعارَضَةُ القُرْآنِ، فَلَوْ قَدِرُوا عَلى المُعارَضَةِ لامْتَنَعَ أنْ لا يَأْتُوا بِها لِأنَّ الفِعْلَ عِنْدَ تَوافُرِ الدَّواعِي وارْتِفاعِ الصّارِفِ واجِبُ الوُقُوعِ، فَلَمّا لَمْ يَأْتُوا بِها دَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ مُعْجِزَةٌ وأنَّهم عَرَفُوا حالَهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ سَحِرٌ، والحالُ عَلى ما ذَكَرْناهُ ؟ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِصِدْقِهِ، إلّا أنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ عَلى ضُعَفائِهِمْ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ وإنْ كانُوا فِيهِ مُكابِرِينَ.
الأنبياء 21:3
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ ذَلِكَ ذَمٌّ لِلْكُفّارِ وزَجْرٌ لِغَيْرِهِمْ عَنْ مِثْلِهِ؛ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِما يُسْمَعُ لا يَكُونُ إلّا بِما يَرْجِعُ إلى القَلْبِ مِن تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وإذا كانُوا عِنْدَ اسْتِماعِهِ لاعِبِينَ حَصَلُوا عَلى مُجَرَّدِ الِاسْتِماعِ الَّذِي قَدْ تُشارِكُ البَهِيمَةُ فِيهِ الإنْسانَ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَمَّهم بِقَوْلِهِ: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ واللّاهِيَةُ مِن لَهى عَنْهُ إذا ذَهَلَ وغَفَلَ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّعِبَ مُقَدَّمًا عَلى اللَّهْوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٦] تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اشْتِغالَهم بِاللَّعِبِ الَّذِي مَعْناهُ السُّخْرِيَةُ، والِاسْتِهْزاءُ مُعَلَّلٌ بِاللَّهْوِ الَّذِي مَعْناهُ الذُّهُولُ والغَفْلَةُ، فَإنَّهم أقْدَمُوا عَلى اللَّعِبِ لِلَهْوِهِمْ وذُهُولِهِمْ عَنِ الحَقِّ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ حالانِ مُتَرادِفانِ أوْ مُتَداخِلانِ، ومَن قَرَأ لاهِيَةٌ بِالرَّفْعِ فالحالُ واحِدَةٌ لِأنَّ لاهِيَةً قُلُوبُهم خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِقَوْلِهِ: (وهم) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: النَّجْوى وهي اسْمٌ مِنَ التَّناجِي لا تَكُونُ إلّا خُفْيَةً فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾، الجَوابُ: مَعْناهُ بالَغُوا في إخْفائِها وجَعَلُوها بِحَيْثُ لا يَفْطُنُ أحَدٌ لِتَناجِيهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، الجَوابُ: أبْدَلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَن أسَرُّوا إشْعارًا بِأنَّهم هُمُ المَوْسُومُونَ بِالظُّلْمِ الفاحِشِ فِيما أسَرُّوا بِهِ أوْ جاءَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، أوْ هو مَنصُوبُ المَحَلِّ عَلى الذَّمِّ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ والمَعْنى وهَؤُلاءِ أسَرُّوا النَّجْوى فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلى فِعْلِهِمْ بِأنَّهُ ظُلْمٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ هَذا الكَلامُ كُلُّهُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَدَلًا مِنَ النَّجْوى أيْ وأسَرُّوا هَذا الحَدِيثَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وأسَرُّوا النَّجْوى وقالُوا هَذا الكَلامَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أسَرُّوا هَذا الحَدِيثَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ ذَلِكَ شُبْهَةَ التَّشاوُرِ فِيما بَيْنَهم والتَّحاوُرِ في طَلَبِ الطَّرِيقِ إلى هَدْمِ أمْرِهِ، وعادَةُ المُتَشاوِرِينَ أنْ يَجْتَهِدُوا في كِتْمانِ سِرِّهِمْ عَنْ أعْدائِهِمْ. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُسِرُّوا نَجْواهم بِذَلِكَ ثُمَّ يَقُولُوا لِرَسُولِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ إنْ كانَ ما تَدْعُونَهُ حَقًّا فَأخْبِرُونا بِما أسْرَرْناهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم. والثّانِي: أنَّ الَّذِي أتى بِهِ سِحْرٌ، وكِلا الطَّعْنَيْنِ فاسِدٌ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ النُّبُوَّةَ تَقِفُ صِحَّتُها عَلى المُعْجِزاتِ والدَّلائِلِ لا عَلى الصُّوَرِ، إذْ لَوْ بَعَثَ المَلَكَ إلَيْهِمْ لَما عُلِمَ كَوْنُهُ نَبِيًّا لِصُورَتِهِ، وإنَّما كانَ يُعْلَمُ بِالعِلْمِ فَإذا ظَهَرَ ذَلِكَ عَلى مَن هو بَشَرٌ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، بَلِ الأوْلى أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ إلى البَشَرِ بَشَرًا لِأنَّ المَرْءَ إلى القَبُولِ مِن أشْكالِهِ أقْرَبُ
صفحة ١٢٣
وهُوَ بِهِ آنَسُ. وأمّا الثّانِي: وهو أنَّ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ سِحْرٌ وأنَّهم يَرَوْنَ كَوْنَهُ سِحْرًا فَجَهْلٌ أيْضًا، لِأنَّ كُلَّ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ ظاهِرُ الحالِ لا تَمْوِيهَ فِيهِ ولا تَلْبِيسَ فِيهِ، فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَحَدّاهم بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ وهم أرْبابُ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، وكانُوا في نِهايَةِ الحِرْصِ عَلى إبْطالِ أمْرِهِ، وأقْوى الأُمُورِ في إبْطالِ أمْرِهِ مُعارَضَةُ القُرْآنِ، فَلَوْ قَدِرُوا عَلى المُعارَضَةِ لامْتَنَعَ أنْ لا يَأْتُوا بِها لِأنَّ الفِعْلَ عِنْدَ تَوافُرِ الدَّواعِي وارْتِفاعِ الصّارِفِ واجِبُ الوُقُوعِ، فَلَمّا لَمْ يَأْتُوا بِها دَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ مُعْجِزَةٌ وأنَّهم عَرَفُوا حالَهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ سَحِرٌ، والحالُ عَلى ما ذَكَرْناهُ ؟ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِصِدْقِهِ، إلّا أنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ عَلى ضُعَفائِهِمْ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ وإنْ كانُوا فِيهِ مُكابِرِينَ.
الأنبياء 21:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (قالَ رَبِّي) حِكايَةً لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ قُلْ بِضَمِّ القافِ وحَذْفِ الألِفِ وسُكُونِ اللّامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ هَذا الكَلامَ عَقِيبَ ما حَكى عَنْهم وجَبَ أنْ يَكُونَ كالجَوابِ لِما قالُوهُ، فَكَأنَّهُ قالَ إنَّكم وإنْ أخْفَيْتُمْ قَوْلَكم وطَعْنَكم فَإنَّ رَبِّي عالِمٌ بِذَلِكَ وإنَّهُ مِن وراءِ عُقُوبَتِهِ، فَتَوَعَّدُوا بِذَلِكَ لِكَيْ لا يَعُودُوا إلى مِثْلِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا قِيلَ لَهُ يَعْلَمُ السِّرَّ لِقَوْلِهِ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ قُلْتُ: القَوْلُ عامٌّ يَشْمَلُ السِّرَّ والجَهْرَ فَكَأنَّ في العِلْمِ بِهِ العِلْمُ بِالسِّرِّ وزِيادَةٌ، فَكانَ آكَدَ في بَيانِ الِاطِّلاعِ عَلى نَجْواهم مِن أنْ يَقُولَ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [طه: ٧] كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ آكَدُ مِن أنْ يَقُولَ يَعْلَمُ سِرَّهم، فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ تَرَكَ الآكَدَ في سُورَةِ الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفُرْقانِ: ٦] قُلْتُ: لَيْسَ بِواجِبٍ أنْ يَجِيءَ بِالآكَدِ في قَوْلِهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ولَكِنْ يَجِيءُ بِالتَّوْكِيدِ مَرَّةً، وبِالآكَدِ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ الفَرْقُ أنَّهُ قَدَّمَ هَهُنا أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى، فَكَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقُولَ: إنَّ رَبِّي يَعْلَمُ ما أسَرُّوهُ، فَوَضَعَ القَوْلَ مَوْضِعَ ذَلِكَ لِلْمُبالِغَةِ، وثَمَّةَ قَصَدَ وصْفَ ذاتِهِ بِأنْ قالَ: ﴿أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفُرْقانِ: ٦] فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائِدَةِ: ١٠٩]، ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ [سَبَأٍ: ٣] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قَدَّمَ السَّمِيعَ عَلى العَلِيمِ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن سَماعِ الكَلامِ أوَّلًا ثُمَّ مِن حُصُولِ العِلْمِ بِمَعْناهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ
صفحة ١٢٤
تَعالى عادَ إلى حِكايَةِ قَوْلِهِمُ المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ فَحَكى عَنْهم ثَمَّ هَذِهِ الأقْوالَ الخَمْسَةَ فَتَرْتِيبُ كَلامِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: نَدَّعِي أنَّ كَوْنَهُ بَشَرًا مانِعٌ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا لِلَّهِ تَعالى. سَلَّمْنا أنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ، ولَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إمّا أنْ يُساعِدَ عَلى أنَّ فَصاحَةَ القُرْآنِ خارِجَةٌ عَنْ مَقْدُورِ البَشَرِ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سِحْرًا وإنْ لَمْ يُساعِدْ عَلَيْهِ فَإنِ ادَّعَيْنا كَوْنَهُ في نِهايَةِ الرَّكاكَةِ قُلْنا: إنَّها أضْغاثُ أحْلامٍ، وإنِ ادَّعَيْنا أنَّهُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الرَّكاكَةِ والفَصاحَةِ قُلْنا: إنَّهُ افْتِراءٌ، وإنِ ادَّعَيْنا أنَّهُ كَلامٌ فَصِيحٌ قُلْنا: إنَّهُ مِن جِنْسِ فَصاحَةِ سائِرِ الشُّعَراءِ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ فَإنَّهُ لا يَثْبُتُ كَوْنُهُ مُعْجِزًا، ولَمّا فَرَغُوا مِن تَعْدِيدِ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ قالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً جَلِيَّةً لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ كالآياتِ المَنقُولَةِ عَنْ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ الأخِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم في العُتُوِّ أشَدُّ مِنَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا عَلى أنْبِيائِهِمُ الآياتِ وعَهِدُوا أنَّهم يُؤْمِنُونَ عِنْدَها، فَلَمّا جاءَتْهم نَكَثُوا وخالَفُوا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، فَلَوْ أعْطَيْناهم ما يَقْتَرِحُونَ لَكانُوا أشَدَّ نَكْثًا. قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّهم لَمْ يُجابُوا لِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى أنَّ مَن كَذَّبَ بَعْدَ الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحَهُ مِنَ الآياتِ فَلا بُدَّ مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ وقَدْ مَضى حُكْمُهُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّةً بِخِلافِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْهم.
الأنبياء 21:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (قالَ رَبِّي) حِكايَةً لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ قُلْ بِضَمِّ القافِ وحَذْفِ الألِفِ وسُكُونِ اللّامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ هَذا الكَلامَ عَقِيبَ ما حَكى عَنْهم وجَبَ أنْ يَكُونَ كالجَوابِ لِما قالُوهُ، فَكَأنَّهُ قالَ إنَّكم وإنْ أخْفَيْتُمْ قَوْلَكم وطَعْنَكم فَإنَّ رَبِّي عالِمٌ بِذَلِكَ وإنَّهُ مِن وراءِ عُقُوبَتِهِ، فَتَوَعَّدُوا بِذَلِكَ لِكَيْ لا يَعُودُوا إلى مِثْلِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا قِيلَ لَهُ يَعْلَمُ السِّرَّ لِقَوْلِهِ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ قُلْتُ: القَوْلُ عامٌّ يَشْمَلُ السِّرَّ والجَهْرَ فَكَأنَّ في العِلْمِ بِهِ العِلْمُ بِالسِّرِّ وزِيادَةٌ، فَكانَ آكَدَ في بَيانِ الِاطِّلاعِ عَلى نَجْواهم مِن أنْ يَقُولَ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [طه: ٧] كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ آكَدُ مِن أنْ يَقُولَ يَعْلَمُ سِرَّهم، فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ تَرَكَ الآكَدَ في سُورَةِ الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفُرْقانِ: ٦] قُلْتُ: لَيْسَ بِواجِبٍ أنْ يَجِيءَ بِالآكَدِ في قَوْلِهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ولَكِنْ يَجِيءُ بِالتَّوْكِيدِ مَرَّةً، وبِالآكَدِ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ الفَرْقُ أنَّهُ قَدَّمَ هَهُنا أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى، فَكَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقُولَ: إنَّ رَبِّي يَعْلَمُ ما أسَرُّوهُ، فَوَضَعَ القَوْلَ مَوْضِعَ ذَلِكَ لِلْمُبالِغَةِ، وثَمَّةَ قَصَدَ وصْفَ ذاتِهِ بِأنْ قالَ: ﴿أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفُرْقانِ: ٦] فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائِدَةِ: ١٠٩]، ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ [سَبَأٍ: ٣] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قَدَّمَ السَّمِيعَ عَلى العَلِيمِ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن سَماعِ الكَلامِ أوَّلًا ثُمَّ مِن حُصُولِ العِلْمِ بِمَعْناهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ
صفحة ١٢٤
تَعالى عادَ إلى حِكايَةِ قَوْلِهِمُ المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ فَحَكى عَنْهم ثَمَّ هَذِهِ الأقْوالَ الخَمْسَةَ فَتَرْتِيبُ كَلامِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: نَدَّعِي أنَّ كَوْنَهُ بَشَرًا مانِعٌ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا لِلَّهِ تَعالى. سَلَّمْنا أنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ، ولَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إمّا أنْ يُساعِدَ عَلى أنَّ فَصاحَةَ القُرْآنِ خارِجَةٌ عَنْ مَقْدُورِ البَشَرِ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سِحْرًا وإنْ لَمْ يُساعِدْ عَلَيْهِ فَإنِ ادَّعَيْنا كَوْنَهُ في نِهايَةِ الرَّكاكَةِ قُلْنا: إنَّها أضْغاثُ أحْلامٍ، وإنِ ادَّعَيْنا أنَّهُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الرَّكاكَةِ والفَصاحَةِ قُلْنا: إنَّهُ افْتِراءٌ، وإنِ ادَّعَيْنا أنَّهُ كَلامٌ فَصِيحٌ قُلْنا: إنَّهُ مِن جِنْسِ فَصاحَةِ سائِرِ الشُّعَراءِ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ فَإنَّهُ لا يَثْبُتُ كَوْنُهُ مُعْجِزًا، ولَمّا فَرَغُوا مِن تَعْدِيدِ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ قالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً جَلِيَّةً لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ كالآياتِ المَنقُولَةِ عَنْ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ الأخِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم في العُتُوِّ أشَدُّ مِنَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا عَلى أنْبِيائِهِمُ الآياتِ وعَهِدُوا أنَّهم يُؤْمِنُونَ عِنْدَها، فَلَمّا جاءَتْهم نَكَثُوا وخالَفُوا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، فَلَوْ أعْطَيْناهم ما يَقْتَرِحُونَ لَكانُوا أشَدَّ نَكْثًا. قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّهم لَمْ يُجابُوا لِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى أنَّ مَن كَذَّبَ بَعْدَ الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحَهُ مِنَ الآياتِ فَلا بُدَّ مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ وقَدْ مَضى حُكْمُهُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّةً بِخِلافِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْهم.
الأنبياء 21:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (قالَ رَبِّي) حِكايَةً لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ قُلْ بِضَمِّ القافِ وحَذْفِ الألِفِ وسُكُونِ اللّامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ هَذا الكَلامَ عَقِيبَ ما حَكى عَنْهم وجَبَ أنْ يَكُونَ كالجَوابِ لِما قالُوهُ، فَكَأنَّهُ قالَ إنَّكم وإنْ أخْفَيْتُمْ قَوْلَكم وطَعْنَكم فَإنَّ رَبِّي عالِمٌ بِذَلِكَ وإنَّهُ مِن وراءِ عُقُوبَتِهِ، فَتَوَعَّدُوا بِذَلِكَ لِكَيْ لا يَعُودُوا إلى مِثْلِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا قِيلَ لَهُ يَعْلَمُ السِّرَّ لِقَوْلِهِ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ قُلْتُ: القَوْلُ عامٌّ يَشْمَلُ السِّرَّ والجَهْرَ فَكَأنَّ في العِلْمِ بِهِ العِلْمُ بِالسِّرِّ وزِيادَةٌ، فَكانَ آكَدَ في بَيانِ الِاطِّلاعِ عَلى نَجْواهم مِن أنْ يَقُولَ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [طه: ٧] كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ آكَدُ مِن أنْ يَقُولَ يَعْلَمُ سِرَّهم، فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ تَرَكَ الآكَدَ في سُورَةِ الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفُرْقانِ: ٦] قُلْتُ: لَيْسَ بِواجِبٍ أنْ يَجِيءَ بِالآكَدِ في قَوْلِهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ولَكِنْ يَجِيءُ بِالتَّوْكِيدِ مَرَّةً، وبِالآكَدِ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ الفَرْقُ أنَّهُ قَدَّمَ هَهُنا أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى، فَكَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقُولَ: إنَّ رَبِّي يَعْلَمُ ما أسَرُّوهُ، فَوَضَعَ القَوْلَ مَوْضِعَ ذَلِكَ لِلْمُبالِغَةِ، وثَمَّةَ قَصَدَ وصْفَ ذاتِهِ بِأنْ قالَ: ﴿أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفُرْقانِ: ٦] فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائِدَةِ: ١٠٩]، ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ [سَبَأٍ: ٣] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قَدَّمَ السَّمِيعَ عَلى العَلِيمِ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن سَماعِ الكَلامِ أوَّلًا ثُمَّ مِن حُصُولِ العِلْمِ بِمَعْناهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ
صفحة ١٢٤
تَعالى عادَ إلى حِكايَةِ قَوْلِهِمُ المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ فَحَكى عَنْهم ثَمَّ هَذِهِ الأقْوالَ الخَمْسَةَ فَتَرْتِيبُ كَلامِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: نَدَّعِي أنَّ كَوْنَهُ بَشَرًا مانِعٌ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا لِلَّهِ تَعالى. سَلَّمْنا أنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ، ولَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إمّا أنْ يُساعِدَ عَلى أنَّ فَصاحَةَ القُرْآنِ خارِجَةٌ عَنْ مَقْدُورِ البَشَرِ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سِحْرًا وإنْ لَمْ يُساعِدْ عَلَيْهِ فَإنِ ادَّعَيْنا كَوْنَهُ في نِهايَةِ الرَّكاكَةِ قُلْنا: إنَّها أضْغاثُ أحْلامٍ، وإنِ ادَّعَيْنا أنَّهُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الرَّكاكَةِ والفَصاحَةِ قُلْنا: إنَّهُ افْتِراءٌ، وإنِ ادَّعَيْنا أنَّهُ كَلامٌ فَصِيحٌ قُلْنا: إنَّهُ مِن جِنْسِ فَصاحَةِ سائِرِ الشُّعَراءِ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ فَإنَّهُ لا يَثْبُتُ كَوْنُهُ مُعْجِزًا، ولَمّا فَرَغُوا مِن تَعْدِيدِ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ قالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً جَلِيَّةً لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ كالآياتِ المَنقُولَةِ عَنْ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ الأخِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم في العُتُوِّ أشَدُّ مِنَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا عَلى أنْبِيائِهِمُ الآياتِ وعَهِدُوا أنَّهم يُؤْمِنُونَ عِنْدَها، فَلَمّا جاءَتْهم نَكَثُوا وخالَفُوا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، فَلَوْ أعْطَيْناهم ما يَقْتَرِحُونَ لَكانُوا أشَدَّ نَكْثًا. قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّهم لَمْ يُجابُوا لِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى أنَّ مَن كَذَّبَ بَعْدَ الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحَهُ مِنَ الآياتِ فَلا بُدَّ مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ وقَدْ مَضى حُكْمُهُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّةً بِخِلافِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْهم.
الأنبياء 21:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾ ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ سُؤالِهِمُ الأوَّلِ وهو قَوْلُهم: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٣] بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في الرُّسُلِ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِن كَوْنِهِمْ رُسُلًا لِلْآياتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ فَإذا صَحَّ ذَلِكَ فِيهِمْ فَقَدْ ظَهَرَ عَلى مُحَمَّدٍ مِثْلُ آياتِهِمْ فَلا مَقالَ عَلَيْهِ في كَوْنِهِ بَشَرًا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى أمَرَهم أنْ يَسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، وهم أهْلُ الكِتابِ حَتّى يُعْلِمُوهم أنَّ رُسُلَ اللَّهِ المُوحى إلَيْهِمْ كانُوا بَشَرًا ولَمْ يَكُونُوا مَلائِكَةً، وإنَّما أحالَهم عَلى هَؤُلاءِ لِأنَّهم كانُوا يُتابِعُونَ المُشْرِكِينَ في مُعاداةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ تَعالى: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] فَإنْ
صفحة ١٢٥
قِيلَ: إذا لَمْ يُوثَقُ بِاليَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهم بِأنْ يَسْألُوهم عَنِ الرُّسُلِ، قُلْنا: إذا تَواتَرَ خَبَرُهم وبَلَغَ حَدَّ الضَّرُورَةِ جازَ ذَلِكَ، كَما قَدْ يُعْمَلُ بِخَبَرِ الكُفّارِ إذا تَواتَرَ، مِثْلَ ما يُعْمَلُ بِخَبَرِ المُؤْمِنِينَ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِأهْلِ الذِّكْرِ أهْلُ القُرْآنِ وهو بَعِيدٌ لِأنَّهم كانُوا طاعِنِينَ في القُرْآنِ وفي الرَّسُولِ ﷺ، فَأمّا تَعَلُّقُ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ لِلْعامِّيِّ أنْ يَرْجِعَ إلى فُتْيا العُلَماءِ وفي أنَّ لِلْمُجْتَهِدِ أنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ مُشافِهٌ وهي وارِدَةٌ في الواقِعَةِ المَخْصُوصَةِ ومُتَعَلِّقَةٌ بِاليَهُودِ والنَّصارى عَلى التَّعْيِينِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الرُّسُلَ قَبْلَهُ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ صِفَةُ جَسَدٍ والمَعْنى وما جَعَلْنا الأنْبِياءَ ذَوِي جَسَدٍ غَيْرَ طاعِمِينَ.
البَحْثُ الثّانِي: وحَّدَ الجَسَدَ لِإرادَةِ الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ ذَوِي ضَرْبٍ مِنَ الأجْسادِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧] فَأجابَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ في الرُّسُلِ مِن قَبْلُ وأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ بَلْ جَسَدًا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ولا يَخْلُدُونَ في الدُّنْيا بَلْ يَمُوتُونَ كَغَيْرِهِمْ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي صارُوا بِهِ رُسُلًا غَيْرُ ذَلِكَ وهو ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ وبَراءَتُهم عَنِ الصِّفاتِ القادِحَةِ في التَّبْلِيغِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعْرافِ: ١٥٥] والأصْلُ في الوَعْدِ ومِن قَوْمِهِ ومِنهُ صَدَقُوهُمُ المَقالَ: ﴿ومَن نَشاءُ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَقَدَّمَ وعْدُهُ جَلَّ جَلالُهُ بِأنَّهُ إنَّما يَهْلِكُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ دُونَ نَفْسِ الرُّسُلِ ودُونَ مَن صَدَّقَ بِهِمْ، وجَعَلَ الوَفاءَ بِما وعَدَ صِدْقًا مِن حَيْثُ يَكْشِفُ عَنِ الصِّدْقِ ومَعْنى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ أيْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ ولَيْسَ المُرادُ عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا مَضى وتَقَدَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ عَظِيمَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَلِذَلِكَ قالَ فِيهِ: ﴿ذِكْرُكُمْ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذِكْرُكم: شَرَفُكم وصِيتُكم، كَما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] . وثانِيها: المُرادُ فِيهِ تَذْكِرَةٌ لَكم لِتَحْذَرُوا ما لا يَحِلُّ وتَرْغَبُوا فِيما يَجِبُ، ويَكُونُ المُرادُ بِالذِّكْرِ الوَعْدَ والوَعِيدَ، كَما قالَ: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٥] . وثالِثُها: المُرادُ ذِكْرُ دِينِكم ما يَلْزَمُ وما لا يَلْزَمُ لِتَفُوزُوا بِالجَنَّةِ إذا تَمَسَّكْتُمْ بِهِ وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ كالبَعْثِ عَلى التَّدَبُّرِ في القُرْآنِ لِأنَّهم كانُوا غُفَلاءَ لِأنَّ الخَوْضَ مِن لَوازِمِ الغَفْلَةِ، والتَّدَبُّرَ دافِعٌ لِذَلِكَ الخَوْضِ، ودَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ مِن لَوازِمِ الفِعْلِ فَمَن لَمْ يَتَدَبَّرْ فَكَأنَّهُ خَرَجَ عَنِ العَقْلِ.
الأنبياء 21:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾ ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ سُؤالِهِمُ الأوَّلِ وهو قَوْلُهم: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٣] بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في الرُّسُلِ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِن كَوْنِهِمْ رُسُلًا لِلْآياتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ فَإذا صَحَّ ذَلِكَ فِيهِمْ فَقَدْ ظَهَرَ عَلى مُحَمَّدٍ مِثْلُ آياتِهِمْ فَلا مَقالَ عَلَيْهِ في كَوْنِهِ بَشَرًا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى أمَرَهم أنْ يَسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، وهم أهْلُ الكِتابِ حَتّى يُعْلِمُوهم أنَّ رُسُلَ اللَّهِ المُوحى إلَيْهِمْ كانُوا بَشَرًا ولَمْ يَكُونُوا مَلائِكَةً، وإنَّما أحالَهم عَلى هَؤُلاءِ لِأنَّهم كانُوا يُتابِعُونَ المُشْرِكِينَ في مُعاداةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ تَعالى: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] فَإنْ
صفحة ١٢٥
قِيلَ: إذا لَمْ يُوثَقُ بِاليَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهم بِأنْ يَسْألُوهم عَنِ الرُّسُلِ، قُلْنا: إذا تَواتَرَ خَبَرُهم وبَلَغَ حَدَّ الضَّرُورَةِ جازَ ذَلِكَ، كَما قَدْ يُعْمَلُ بِخَبَرِ الكُفّارِ إذا تَواتَرَ، مِثْلَ ما يُعْمَلُ بِخَبَرِ المُؤْمِنِينَ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِأهْلِ الذِّكْرِ أهْلُ القُرْآنِ وهو بَعِيدٌ لِأنَّهم كانُوا طاعِنِينَ في القُرْآنِ وفي الرَّسُولِ ﷺ، فَأمّا تَعَلُّقُ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ لِلْعامِّيِّ أنْ يَرْجِعَ إلى فُتْيا العُلَماءِ وفي أنَّ لِلْمُجْتَهِدِ أنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ مُشافِهٌ وهي وارِدَةٌ في الواقِعَةِ المَخْصُوصَةِ ومُتَعَلِّقَةٌ بِاليَهُودِ والنَّصارى عَلى التَّعْيِينِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الرُّسُلَ قَبْلَهُ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ صِفَةُ جَسَدٍ والمَعْنى وما جَعَلْنا الأنْبِياءَ ذَوِي جَسَدٍ غَيْرَ طاعِمِينَ.
البَحْثُ الثّانِي: وحَّدَ الجَسَدَ لِإرادَةِ الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ ذَوِي ضَرْبٍ مِنَ الأجْسادِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧] فَأجابَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ في الرُّسُلِ مِن قَبْلُ وأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ بَلْ جَسَدًا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ولا يَخْلُدُونَ في الدُّنْيا بَلْ يَمُوتُونَ كَغَيْرِهِمْ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي صارُوا بِهِ رُسُلًا غَيْرُ ذَلِكَ وهو ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ وبَراءَتُهم عَنِ الصِّفاتِ القادِحَةِ في التَّبْلِيغِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعْرافِ: ١٥٥] والأصْلُ في الوَعْدِ ومِن قَوْمِهِ ومِنهُ صَدَقُوهُمُ المَقالَ: ﴿ومَن نَشاءُ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَقَدَّمَ وعْدُهُ جَلَّ جَلالُهُ بِأنَّهُ إنَّما يَهْلِكُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ دُونَ نَفْسِ الرُّسُلِ ودُونَ مَن صَدَّقَ بِهِمْ، وجَعَلَ الوَفاءَ بِما وعَدَ صِدْقًا مِن حَيْثُ يَكْشِفُ عَنِ الصِّدْقِ ومَعْنى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ أيْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ ولَيْسَ المُرادُ عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا مَضى وتَقَدَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ عَظِيمَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَلِذَلِكَ قالَ فِيهِ: ﴿ذِكْرُكُمْ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذِكْرُكم: شَرَفُكم وصِيتُكم، كَما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] . وثانِيها: المُرادُ فِيهِ تَذْكِرَةٌ لَكم لِتَحْذَرُوا ما لا يَحِلُّ وتَرْغَبُوا فِيما يَجِبُ، ويَكُونُ المُرادُ بِالذِّكْرِ الوَعْدَ والوَعِيدَ، كَما قالَ: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٥] . وثالِثُها: المُرادُ ذِكْرُ دِينِكم ما يَلْزَمُ وما لا يَلْزَمُ لِتَفُوزُوا بِالجَنَّةِ إذا تَمَسَّكْتُمْ بِهِ وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ كالبَعْثِ عَلى التَّدَبُّرِ في القُرْآنِ لِأنَّهم كانُوا غُفَلاءَ لِأنَّ الخَوْضَ مِن لَوازِمِ الغَفْلَةِ، والتَّدَبُّرَ دافِعٌ لِذَلِكَ الخَوْضِ، ودَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ مِن لَوازِمِ الفِعْلِ فَمَن لَمْ يَتَدَبَّرْ فَكَأنَّهُ خَرَجَ عَنِ العَقْلِ.
الأنبياء 21:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾ ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ سُؤالِهِمُ الأوَّلِ وهو قَوْلُهم: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٣] بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في الرُّسُلِ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِن كَوْنِهِمْ رُسُلًا لِلْآياتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ فَإذا صَحَّ ذَلِكَ فِيهِمْ فَقَدْ ظَهَرَ عَلى مُحَمَّدٍ مِثْلُ آياتِهِمْ فَلا مَقالَ عَلَيْهِ في كَوْنِهِ بَشَرًا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى أمَرَهم أنْ يَسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، وهم أهْلُ الكِتابِ حَتّى يُعْلِمُوهم أنَّ رُسُلَ اللَّهِ المُوحى إلَيْهِمْ كانُوا بَشَرًا ولَمْ يَكُونُوا مَلائِكَةً، وإنَّما أحالَهم عَلى هَؤُلاءِ لِأنَّهم كانُوا يُتابِعُونَ المُشْرِكِينَ في مُعاداةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ تَعالى: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] فَإنْ
صفحة ١٢٥
قِيلَ: إذا لَمْ يُوثَقُ بِاليَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهم بِأنْ يَسْألُوهم عَنِ الرُّسُلِ، قُلْنا: إذا تَواتَرَ خَبَرُهم وبَلَغَ حَدَّ الضَّرُورَةِ جازَ ذَلِكَ، كَما قَدْ يُعْمَلُ بِخَبَرِ الكُفّارِ إذا تَواتَرَ، مِثْلَ ما يُعْمَلُ بِخَبَرِ المُؤْمِنِينَ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِأهْلِ الذِّكْرِ أهْلُ القُرْآنِ وهو بَعِيدٌ لِأنَّهم كانُوا طاعِنِينَ في القُرْآنِ وفي الرَّسُولِ ﷺ، فَأمّا تَعَلُّقُ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ لِلْعامِّيِّ أنْ يَرْجِعَ إلى فُتْيا العُلَماءِ وفي أنَّ لِلْمُجْتَهِدِ أنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ مُشافِهٌ وهي وارِدَةٌ في الواقِعَةِ المَخْصُوصَةِ ومُتَعَلِّقَةٌ بِاليَهُودِ والنَّصارى عَلى التَّعْيِينِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الرُّسُلَ قَبْلَهُ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ صِفَةُ جَسَدٍ والمَعْنى وما جَعَلْنا الأنْبِياءَ ذَوِي جَسَدٍ غَيْرَ طاعِمِينَ.
البَحْثُ الثّانِي: وحَّدَ الجَسَدَ لِإرادَةِ الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ ذَوِي ضَرْبٍ مِنَ الأجْسادِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧] فَأجابَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ في الرُّسُلِ مِن قَبْلُ وأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ بَلْ جَسَدًا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ولا يَخْلُدُونَ في الدُّنْيا بَلْ يَمُوتُونَ كَغَيْرِهِمْ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي صارُوا بِهِ رُسُلًا غَيْرُ ذَلِكَ وهو ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ وبَراءَتُهم عَنِ الصِّفاتِ القادِحَةِ في التَّبْلِيغِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعْرافِ: ١٥٥] والأصْلُ في الوَعْدِ ومِن قَوْمِهِ ومِنهُ صَدَقُوهُمُ المَقالَ: ﴿ومَن نَشاءُ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَقَدَّمَ وعْدُهُ جَلَّ جَلالُهُ بِأنَّهُ إنَّما يَهْلِكُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ دُونَ نَفْسِ الرُّسُلِ ودُونَ مَن صَدَّقَ بِهِمْ، وجَعَلَ الوَفاءَ بِما وعَدَ صِدْقًا مِن حَيْثُ يَكْشِفُ عَنِ الصِّدْقِ ومَعْنى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ أيْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ ولَيْسَ المُرادُ عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا مَضى وتَقَدَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ عَظِيمَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَلِذَلِكَ قالَ فِيهِ: ﴿ذِكْرُكُمْ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذِكْرُكم: شَرَفُكم وصِيتُكم، كَما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] . وثانِيها: المُرادُ فِيهِ تَذْكِرَةٌ لَكم لِتَحْذَرُوا ما لا يَحِلُّ وتَرْغَبُوا فِيما يَجِبُ، ويَكُونُ المُرادُ بِالذِّكْرِ الوَعْدَ والوَعِيدَ، كَما قالَ: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٥] . وثالِثُها: المُرادُ ذِكْرُ دِينِكم ما يَلْزَمُ وما لا يَلْزَمُ لِتَفُوزُوا بِالجَنَّةِ إذا تَمَسَّكْتُمْ بِهِ وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ كالبَعْثِ عَلى التَّدَبُّرِ في القُرْآنِ لِأنَّهم كانُوا غُفَلاءَ لِأنَّ الخَوْضَ مِن لَوازِمِ الغَفْلَةِ، والتَّدَبُّرَ دافِعٌ لِذَلِكَ الخَوْضِ، ودَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ مِن لَوازِمِ الفِعْلِ فَمَن لَمْ يَتَدَبَّرْ فَكَأنَّهُ خَرَجَ عَنِ العَقْلِ.
الأنبياء 21:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾ ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ سُؤالِهِمُ الأوَّلِ وهو قَوْلُهم: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٣] بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في الرُّسُلِ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِن كَوْنِهِمْ رُسُلًا لِلْآياتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ فَإذا صَحَّ ذَلِكَ فِيهِمْ فَقَدْ ظَهَرَ عَلى مُحَمَّدٍ مِثْلُ آياتِهِمْ فَلا مَقالَ عَلَيْهِ في كَوْنِهِ بَشَرًا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى أمَرَهم أنْ يَسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، وهم أهْلُ الكِتابِ حَتّى يُعْلِمُوهم أنَّ رُسُلَ اللَّهِ المُوحى إلَيْهِمْ كانُوا بَشَرًا ولَمْ يَكُونُوا مَلائِكَةً، وإنَّما أحالَهم عَلى هَؤُلاءِ لِأنَّهم كانُوا يُتابِعُونَ المُشْرِكِينَ في مُعاداةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ تَعالى: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] فَإنْ
صفحة ١٢٥
قِيلَ: إذا لَمْ يُوثَقُ بِاليَهُودِ والنَّصارى، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهم بِأنْ يَسْألُوهم عَنِ الرُّسُلِ، قُلْنا: إذا تَواتَرَ خَبَرُهم وبَلَغَ حَدَّ الضَّرُورَةِ جازَ ذَلِكَ، كَما قَدْ يُعْمَلُ بِخَبَرِ الكُفّارِ إذا تَواتَرَ، مِثْلَ ما يُعْمَلُ بِخَبَرِ المُؤْمِنِينَ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِأهْلِ الذِّكْرِ أهْلُ القُرْآنِ وهو بَعِيدٌ لِأنَّهم كانُوا طاعِنِينَ في القُرْآنِ وفي الرَّسُولِ ﷺ، فَأمّا تَعَلُّقُ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ لِلْعامِّيِّ أنْ يَرْجِعَ إلى فُتْيا العُلَماءِ وفي أنَّ لِلْمُجْتَهِدِ أنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ مُشافِهٌ وهي وارِدَةٌ في الواقِعَةِ المَخْصُوصَةِ ومُتَعَلِّقَةٌ بِاليَهُودِ والنَّصارى عَلى التَّعْيِينِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الرُّسُلَ قَبْلَهُ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ صِفَةُ جَسَدٍ والمَعْنى وما جَعَلْنا الأنْبِياءَ ذَوِي جَسَدٍ غَيْرَ طاعِمِينَ.
البَحْثُ الثّانِي: وحَّدَ الجَسَدَ لِإرادَةِ الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ ذَوِي ضَرْبٍ مِنَ الأجْسادِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧] فَأجابَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ في الرُّسُلِ مِن قَبْلُ وأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ بَلْ جَسَدًا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ولا يَخْلُدُونَ في الدُّنْيا بَلْ يَمُوتُونَ كَغَيْرِهِمْ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي صارُوا بِهِ رُسُلًا غَيْرُ ذَلِكَ وهو ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ وبَراءَتُهم عَنِ الصِّفاتِ القادِحَةِ في التَّبْلِيغِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعْرافِ: ١٥٥] والأصْلُ في الوَعْدِ ومِن قَوْمِهِ ومِنهُ صَدَقُوهُمُ المَقالَ: ﴿ومَن نَشاءُ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَقَدَّمَ وعْدُهُ جَلَّ جَلالُهُ بِأنَّهُ إنَّما يَهْلِكُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ دُونَ نَفْسِ الرُّسُلِ ودُونَ مَن صَدَّقَ بِهِمْ، وجَعَلَ الوَفاءَ بِما وعَدَ صِدْقًا مِن حَيْثُ يَكْشِفُ عَنِ الصِّدْقِ ومَعْنى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ أيْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ ولَيْسَ المُرادُ عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا مَضى وتَقَدَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ عَظِيمَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَلِذَلِكَ قالَ فِيهِ: ﴿ذِكْرُكُمْ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذِكْرُكم: شَرَفُكم وصِيتُكم، كَما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] . وثانِيها: المُرادُ فِيهِ تَذْكِرَةٌ لَكم لِتَحْذَرُوا ما لا يَحِلُّ وتَرْغَبُوا فِيما يَجِبُ، ويَكُونُ المُرادُ بِالذِّكْرِ الوَعْدَ والوَعِيدَ، كَما قالَ: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٥] . وثالِثُها: المُرادُ ذِكْرُ دِينِكم ما يَلْزَمُ وما لا يَلْزَمُ لِتَفُوزُوا بِالجَنَّةِ إذا تَمَسَّكْتُمْ بِهِ وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ كالبَعْثِ عَلى التَّدَبُّرِ في القُرْآنِ لِأنَّهم كانُوا غُفَلاءَ لِأنَّ الخَوْضَ مِن لَوازِمِ الغَفْلَةِ، والتَّدَبُّرَ دافِعٌ لِذَلِكَ الخَوْضِ، ودَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ مِن لَوازِمِ الفِعْلِ فَمَن لَمْ يَتَدَبَّرْ فَكَأنَّهُ خَرَجَ عَنِ العَقْلِ.
الأنبياء 21:11
صفحة ١٢٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ وكانَتْ تِلْكَ الِاعْتِراضاتُ ظاهِرَةَ السُّقُوطِ لِأنَّ شَرائِطَ الإعْجازِ لَمّا تَمَّتْ في القُرْآنِ ظَهَرَ حِينَئِذٍ لِكُلِّ عاقِلٍ كَوْنُهُ مُعْجِزًا، وعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ اشْتِغالَهم بِإيرادِ تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ كانَ لِأجْلِ حُبِّ الدُّنْيا وحُبِّ الرِّياسَةِ فِيها فَبالَغَ سُبْحانَهُ في زَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ القَصْمُ أفْظَعُ الكَسْرِ وهو الكَسْرُ الَّذِي يُبَيِّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ بِخِلافِ القَصْمِ، وذَكَرَ القَرْيَةَ وأنَّها ظالِمَةٌ وأرادَ أهْلَها تَوَسُّعًا لِدَلالَةِ العَقْلِ عَلى أنَّها لا تَكُونُ ظالِمَةً ولا مُكَلَّفَةً، ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أهْلَكْنا قَوْمًا وأنْشَأْنا قَوْمًا آخَرِينَ وقالَ: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأهْلِها الَّذِينَ كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ فَكَذَّبُوهم ولَوْلا هَذِهِ الدَّلائِلُ لَما جازَ مِنهُ سُبْحانَهُ ذِكْرُ المَجازِ لِأنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مُوهِمًا لِلْكَذِبِ، واخْتَلَفُوا في هَذا الإهْلاكِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِنهُ القَتْلُ بِالسُّيُوفِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ حَضُورُ، وهي وسَحُولُ قَرْيَتانِ بِاليَمَنِ يُنْسَبُ إلَيْهِما الثِّيابُ. وفي الحَدِيثِ: ”«كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَوْبَيْنِ سَحُولِيَّيْنِ» “ ورُوِيَ: ”حَضُورِيَّيْنِ“، ”بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ كَما سَلَّطَهُ عَلى أهْلِ بَيْتِ المُقَدَّسِ فاسْتَأْصَلَهم“ ورُوِيَ: ”أنَّهُ لَمّا أخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ يا لِثاراتِ الأنْبِياءِ فَنَدِمُوا واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ“، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا أقْرَبُ لِأنَّ إضافَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ مِن إضافَتِهِ إلى القاتِلِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى عَذابِ القَتْلِ فَما الدَّلِيلُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ حَضُورَ بِأنَّها إحْدى القُرى الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ فالمَعْنى لَمّا عَلِمُوا شِدَّةَ عَذابِنا وبَطْشِنا عِلْمَ حِسٍّ ومُشاهَدَةٍ رَكَضُوا في دِيارِهِمْ، والرَّكْضُ ضَرْبُ الدّابَّةِ بِالرِّجْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا رَكِبُوا دَوابَّهم يَرْكُضُونَها هارِبِينَ مُنْهَزِمِينَ مِن قَرْيَتِهِمْ لَمّا أدْرَكَتْهم مُقَدِّمَةُ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يُشَبَّهُوا في سُرْعَةِ عَدْوِهِمْ عَلى أرْجُلِهِمْ بِالرّاكِبِينَ الرّاكِضِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَوْلُ مَحْذُوفٌ، فَإنْ قُلْتَ: مَنِ القائِلُ ؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المَلائِكَةِ ومِن ثَمَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَكُونُوا خُلَقاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُقَلْ، أوْ يَقُولَهُ رَبُّ العِزَّةِ ويُسْمِعَهُ مَلائِكَتَهُ لِيَنْفَعَهم في دِينِهِمْ أوْ يُلْهِمَهم ذَلِكَ فَيُحَدِّثُونَ بِهِ نُفُوسَهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكُمْ﴾ أيْ مِنَ العَيْشِ والرَّفاهِيَةِ والحالِ النّاعِمَةِ، والإتْرافُ إبْطارُ النِّعْمَةِ وهي التَّرَفُّهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ فَهو تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أيِ ارْجِعُوا إلى نِعَمِكم ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ غَدًا عَمّا جَرى عَلَيْكم ونَزَلَ بِأمْوالِكم ومَساكِنِكم فَتُجِيبُوا السّائِلَ عَنْ عِلْمٍ ومُشاهَدَةٍ. وثانِيها: ارْجِعُوا كَما كُنْتُمْ في مَجالِسِكم حَتّى تَسْألَكم عَبِيدُكم ومَن يَنْفُذُ فِيهِ أمْرُكم ونَهْيُكم ويَقُولُ لَكم: بِمَ تَأْمُرُونَ وماذا تَرْسُمُونَ كَعادَةِ المَخْدُومِينَ. وثالِثُها: تَسْألُكُمُ النّاسُ في أنْدِيَتِكم لِتُعاوِنُوهم في نَوازِلِ الخُطُوبِ، ويَسْتَشِيرُونَكم في المُهِمّاتِ، ويَسْتَعِينُونَ بِآرائِكم. ورابِعُها: يَسْألُكُمُ الوافِدُونَ عَلَيْكم والطّامِعُونَ فِيكم إمّا لِأنَّهم كانُوا أسْخِياءَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ وطَلَبَ الثَّناءِ، أوْ كانُوا بُخَلاءَ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَهَكُّمًا إلى تَهَكُّمٍ وتَوْبِيخًا إلى تَوْبِيخٍ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: تِلْكَ إشارَةٌ إلى ﴿ياوَيْلَنا﴾ لِأنَّها دَعْوى كَأنَّهُ قِيلَ فَما زالَتْ تِلْكَ الدَّعْوى دَعْواهم،
صفحة ١٢٧
والدَّعْوى بِمَعْنى الدَّعْوَةِ قالَ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يُونُسَ: ١٠] فَإنْ قُلْتَ: لِمَ سُمِّيَتْ دَعْوى ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا دَعَوْا بِالوَيْلِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا﴾ أيْ يا ويْلُ احْضُرْ فَهَذا وقْتُكُ، وتِلْكَ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ اسْمًا أوْ خَبَرًا وكَذَلِكَ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزالُوا يُكَرِّرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافِرٍ: ٨٥] أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ فالحَصِيدُ الزَّرْعُ المَحْصُودُ أيْ جَعَلْناهم مِثْلَ الحَصِيدِ، شَبَّهَهم بِهِ في اسْتِئْصالِهِمْ، كَما تَقُولُ: جَعَلْناهم رَمادًا أيْ مِثْلَ الرَّمادِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْصِبُ جَعَلَ ثَلاثَةَ مَفاعِيلَ ؟ قُلْتُ: حُكْمُ الِاثْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ حُكْمُ الواحِدِ والمَعْنى جَعَلْناهم جامِعِينَ لِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ، والمُرادُ أنَّهم أُهْلِكُوا بِذَلِكَ العَذابِ حَتّى لَمْ يَبْقَ لَهم حِسٌّ ولا حَرَكَةٌ وجَفُّوا كَما يَجِفُّ الحَصِيدُ، وخَمَدُوا كَما تَخْمُدُ النّارُ.
الأنبياء 21:12
صفحة ١٢٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ وكانَتْ تِلْكَ الِاعْتِراضاتُ ظاهِرَةَ السُّقُوطِ لِأنَّ شَرائِطَ الإعْجازِ لَمّا تَمَّتْ في القُرْآنِ ظَهَرَ حِينَئِذٍ لِكُلِّ عاقِلٍ كَوْنُهُ مُعْجِزًا، وعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ اشْتِغالَهم بِإيرادِ تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ كانَ لِأجْلِ حُبِّ الدُّنْيا وحُبِّ الرِّياسَةِ فِيها فَبالَغَ سُبْحانَهُ في زَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ القَصْمُ أفْظَعُ الكَسْرِ وهو الكَسْرُ الَّذِي يُبَيِّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ بِخِلافِ القَصْمِ، وذَكَرَ القَرْيَةَ وأنَّها ظالِمَةٌ وأرادَ أهْلَها تَوَسُّعًا لِدَلالَةِ العَقْلِ عَلى أنَّها لا تَكُونُ ظالِمَةً ولا مُكَلَّفَةً، ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أهْلَكْنا قَوْمًا وأنْشَأْنا قَوْمًا آخَرِينَ وقالَ: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأهْلِها الَّذِينَ كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ فَكَذَّبُوهم ولَوْلا هَذِهِ الدَّلائِلُ لَما جازَ مِنهُ سُبْحانَهُ ذِكْرُ المَجازِ لِأنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مُوهِمًا لِلْكَذِبِ، واخْتَلَفُوا في هَذا الإهْلاكِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِنهُ القَتْلُ بِالسُّيُوفِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ حَضُورُ، وهي وسَحُولُ قَرْيَتانِ بِاليَمَنِ يُنْسَبُ إلَيْهِما الثِّيابُ. وفي الحَدِيثِ: ”«كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَوْبَيْنِ سَحُولِيَّيْنِ» “ ورُوِيَ: ”حَضُورِيَّيْنِ“، ”بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ كَما سَلَّطَهُ عَلى أهْلِ بَيْتِ المُقَدَّسِ فاسْتَأْصَلَهم“ ورُوِيَ: ”أنَّهُ لَمّا أخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ يا لِثاراتِ الأنْبِياءِ فَنَدِمُوا واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ“، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا أقْرَبُ لِأنَّ إضافَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ مِن إضافَتِهِ إلى القاتِلِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى عَذابِ القَتْلِ فَما الدَّلِيلُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ حَضُورَ بِأنَّها إحْدى القُرى الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ فالمَعْنى لَمّا عَلِمُوا شِدَّةَ عَذابِنا وبَطْشِنا عِلْمَ حِسٍّ ومُشاهَدَةٍ رَكَضُوا في دِيارِهِمْ، والرَّكْضُ ضَرْبُ الدّابَّةِ بِالرِّجْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا رَكِبُوا دَوابَّهم يَرْكُضُونَها هارِبِينَ مُنْهَزِمِينَ مِن قَرْيَتِهِمْ لَمّا أدْرَكَتْهم مُقَدِّمَةُ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يُشَبَّهُوا في سُرْعَةِ عَدْوِهِمْ عَلى أرْجُلِهِمْ بِالرّاكِبِينَ الرّاكِضِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَوْلُ مَحْذُوفٌ، فَإنْ قُلْتَ: مَنِ القائِلُ ؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المَلائِكَةِ ومِن ثَمَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَكُونُوا خُلَقاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُقَلْ، أوْ يَقُولَهُ رَبُّ العِزَّةِ ويُسْمِعَهُ مَلائِكَتَهُ لِيَنْفَعَهم في دِينِهِمْ أوْ يُلْهِمَهم ذَلِكَ فَيُحَدِّثُونَ بِهِ نُفُوسَهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكُمْ﴾ أيْ مِنَ العَيْشِ والرَّفاهِيَةِ والحالِ النّاعِمَةِ، والإتْرافُ إبْطارُ النِّعْمَةِ وهي التَّرَفُّهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ فَهو تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أيِ ارْجِعُوا إلى نِعَمِكم ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ غَدًا عَمّا جَرى عَلَيْكم ونَزَلَ بِأمْوالِكم ومَساكِنِكم فَتُجِيبُوا السّائِلَ عَنْ عِلْمٍ ومُشاهَدَةٍ. وثانِيها: ارْجِعُوا كَما كُنْتُمْ في مَجالِسِكم حَتّى تَسْألَكم عَبِيدُكم ومَن يَنْفُذُ فِيهِ أمْرُكم ونَهْيُكم ويَقُولُ لَكم: بِمَ تَأْمُرُونَ وماذا تَرْسُمُونَ كَعادَةِ المَخْدُومِينَ. وثالِثُها: تَسْألُكُمُ النّاسُ في أنْدِيَتِكم لِتُعاوِنُوهم في نَوازِلِ الخُطُوبِ، ويَسْتَشِيرُونَكم في المُهِمّاتِ، ويَسْتَعِينُونَ بِآرائِكم. ورابِعُها: يَسْألُكُمُ الوافِدُونَ عَلَيْكم والطّامِعُونَ فِيكم إمّا لِأنَّهم كانُوا أسْخِياءَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ وطَلَبَ الثَّناءِ، أوْ كانُوا بُخَلاءَ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَهَكُّمًا إلى تَهَكُّمٍ وتَوْبِيخًا إلى تَوْبِيخٍ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: تِلْكَ إشارَةٌ إلى ﴿ياوَيْلَنا﴾ لِأنَّها دَعْوى كَأنَّهُ قِيلَ فَما زالَتْ تِلْكَ الدَّعْوى دَعْواهم،
صفحة ١٢٧
والدَّعْوى بِمَعْنى الدَّعْوَةِ قالَ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يُونُسَ: ١٠] فَإنْ قُلْتَ: لِمَ سُمِّيَتْ دَعْوى ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا دَعَوْا بِالوَيْلِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا﴾ أيْ يا ويْلُ احْضُرْ فَهَذا وقْتُكُ، وتِلْكَ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ اسْمًا أوْ خَبَرًا وكَذَلِكَ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزالُوا يُكَرِّرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافِرٍ: ٨٥] أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ فالحَصِيدُ الزَّرْعُ المَحْصُودُ أيْ جَعَلْناهم مِثْلَ الحَصِيدِ، شَبَّهَهم بِهِ في اسْتِئْصالِهِمْ، كَما تَقُولُ: جَعَلْناهم رَمادًا أيْ مِثْلَ الرَّمادِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْصِبُ جَعَلَ ثَلاثَةَ مَفاعِيلَ ؟ قُلْتُ: حُكْمُ الِاثْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ حُكْمُ الواحِدِ والمَعْنى جَعَلْناهم جامِعِينَ لِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ، والمُرادُ أنَّهم أُهْلِكُوا بِذَلِكَ العَذابِ حَتّى لَمْ يَبْقَ لَهم حِسٌّ ولا حَرَكَةٌ وجَفُّوا كَما يَجِفُّ الحَصِيدُ، وخَمَدُوا كَما تَخْمُدُ النّارُ.
الأنبياء 21:13
صفحة ١٢٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ وكانَتْ تِلْكَ الِاعْتِراضاتُ ظاهِرَةَ السُّقُوطِ لِأنَّ شَرائِطَ الإعْجازِ لَمّا تَمَّتْ في القُرْآنِ ظَهَرَ حِينَئِذٍ لِكُلِّ عاقِلٍ كَوْنُهُ مُعْجِزًا، وعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ اشْتِغالَهم بِإيرادِ تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ كانَ لِأجْلِ حُبِّ الدُّنْيا وحُبِّ الرِّياسَةِ فِيها فَبالَغَ سُبْحانَهُ في زَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ القَصْمُ أفْظَعُ الكَسْرِ وهو الكَسْرُ الَّذِي يُبَيِّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ بِخِلافِ القَصْمِ، وذَكَرَ القَرْيَةَ وأنَّها ظالِمَةٌ وأرادَ أهْلَها تَوَسُّعًا لِدَلالَةِ العَقْلِ عَلى أنَّها لا تَكُونُ ظالِمَةً ولا مُكَلَّفَةً، ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أهْلَكْنا قَوْمًا وأنْشَأْنا قَوْمًا آخَرِينَ وقالَ: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأهْلِها الَّذِينَ كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ فَكَذَّبُوهم ولَوْلا هَذِهِ الدَّلائِلُ لَما جازَ مِنهُ سُبْحانَهُ ذِكْرُ المَجازِ لِأنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مُوهِمًا لِلْكَذِبِ، واخْتَلَفُوا في هَذا الإهْلاكِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِنهُ القَتْلُ بِالسُّيُوفِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ حَضُورُ، وهي وسَحُولُ قَرْيَتانِ بِاليَمَنِ يُنْسَبُ إلَيْهِما الثِّيابُ. وفي الحَدِيثِ: ”«كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَوْبَيْنِ سَحُولِيَّيْنِ» “ ورُوِيَ: ”حَضُورِيَّيْنِ“، ”بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ كَما سَلَّطَهُ عَلى أهْلِ بَيْتِ المُقَدَّسِ فاسْتَأْصَلَهم“ ورُوِيَ: ”أنَّهُ لَمّا أخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ يا لِثاراتِ الأنْبِياءِ فَنَدِمُوا واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ“، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا أقْرَبُ لِأنَّ إضافَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ مِن إضافَتِهِ إلى القاتِلِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى عَذابِ القَتْلِ فَما الدَّلِيلُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ حَضُورَ بِأنَّها إحْدى القُرى الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ فالمَعْنى لَمّا عَلِمُوا شِدَّةَ عَذابِنا وبَطْشِنا عِلْمَ حِسٍّ ومُشاهَدَةٍ رَكَضُوا في دِيارِهِمْ، والرَّكْضُ ضَرْبُ الدّابَّةِ بِالرِّجْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا رَكِبُوا دَوابَّهم يَرْكُضُونَها هارِبِينَ مُنْهَزِمِينَ مِن قَرْيَتِهِمْ لَمّا أدْرَكَتْهم مُقَدِّمَةُ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يُشَبَّهُوا في سُرْعَةِ عَدْوِهِمْ عَلى أرْجُلِهِمْ بِالرّاكِبِينَ الرّاكِضِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَوْلُ مَحْذُوفٌ، فَإنْ قُلْتَ: مَنِ القائِلُ ؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المَلائِكَةِ ومِن ثَمَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَكُونُوا خُلَقاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُقَلْ، أوْ يَقُولَهُ رَبُّ العِزَّةِ ويُسْمِعَهُ مَلائِكَتَهُ لِيَنْفَعَهم في دِينِهِمْ أوْ يُلْهِمَهم ذَلِكَ فَيُحَدِّثُونَ بِهِ نُفُوسَهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكُمْ﴾ أيْ مِنَ العَيْشِ والرَّفاهِيَةِ والحالِ النّاعِمَةِ، والإتْرافُ إبْطارُ النِّعْمَةِ وهي التَّرَفُّهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ فَهو تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أيِ ارْجِعُوا إلى نِعَمِكم ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ غَدًا عَمّا جَرى عَلَيْكم ونَزَلَ بِأمْوالِكم ومَساكِنِكم فَتُجِيبُوا السّائِلَ عَنْ عِلْمٍ ومُشاهَدَةٍ. وثانِيها: ارْجِعُوا كَما كُنْتُمْ في مَجالِسِكم حَتّى تَسْألَكم عَبِيدُكم ومَن يَنْفُذُ فِيهِ أمْرُكم ونَهْيُكم ويَقُولُ لَكم: بِمَ تَأْمُرُونَ وماذا تَرْسُمُونَ كَعادَةِ المَخْدُومِينَ. وثالِثُها: تَسْألُكُمُ النّاسُ في أنْدِيَتِكم لِتُعاوِنُوهم في نَوازِلِ الخُطُوبِ، ويَسْتَشِيرُونَكم في المُهِمّاتِ، ويَسْتَعِينُونَ بِآرائِكم. ورابِعُها: يَسْألُكُمُ الوافِدُونَ عَلَيْكم والطّامِعُونَ فِيكم إمّا لِأنَّهم كانُوا أسْخِياءَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ وطَلَبَ الثَّناءِ، أوْ كانُوا بُخَلاءَ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَهَكُّمًا إلى تَهَكُّمٍ وتَوْبِيخًا إلى تَوْبِيخٍ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: تِلْكَ إشارَةٌ إلى ﴿ياوَيْلَنا﴾ لِأنَّها دَعْوى كَأنَّهُ قِيلَ فَما زالَتْ تِلْكَ الدَّعْوى دَعْواهم،
صفحة ١٢٧
والدَّعْوى بِمَعْنى الدَّعْوَةِ قالَ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يُونُسَ: ١٠] فَإنْ قُلْتَ: لِمَ سُمِّيَتْ دَعْوى ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا دَعَوْا بِالوَيْلِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا﴾ أيْ يا ويْلُ احْضُرْ فَهَذا وقْتُكُ، وتِلْكَ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ اسْمًا أوْ خَبَرًا وكَذَلِكَ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزالُوا يُكَرِّرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافِرٍ: ٨٥] أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ فالحَصِيدُ الزَّرْعُ المَحْصُودُ أيْ جَعَلْناهم مِثْلَ الحَصِيدِ، شَبَّهَهم بِهِ في اسْتِئْصالِهِمْ، كَما تَقُولُ: جَعَلْناهم رَمادًا أيْ مِثْلَ الرَّمادِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْصِبُ جَعَلَ ثَلاثَةَ مَفاعِيلَ ؟ قُلْتُ: حُكْمُ الِاثْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ حُكْمُ الواحِدِ والمَعْنى جَعَلْناهم جامِعِينَ لِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ، والمُرادُ أنَّهم أُهْلِكُوا بِذَلِكَ العَذابِ حَتّى لَمْ يَبْقَ لَهم حِسٌّ ولا حَرَكَةٌ وجَفُّوا كَما يَجِفُّ الحَصِيدُ، وخَمَدُوا كَما تَخْمُدُ النّارُ.
الأنبياء 21:14
صفحة ١٢٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ وكانَتْ تِلْكَ الِاعْتِراضاتُ ظاهِرَةَ السُّقُوطِ لِأنَّ شَرائِطَ الإعْجازِ لَمّا تَمَّتْ في القُرْآنِ ظَهَرَ حِينَئِذٍ لِكُلِّ عاقِلٍ كَوْنُهُ مُعْجِزًا، وعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ اشْتِغالَهم بِإيرادِ تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ كانَ لِأجْلِ حُبِّ الدُّنْيا وحُبِّ الرِّياسَةِ فِيها فَبالَغَ سُبْحانَهُ في زَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ القَصْمُ أفْظَعُ الكَسْرِ وهو الكَسْرُ الَّذِي يُبَيِّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ بِخِلافِ القَصْمِ، وذَكَرَ القَرْيَةَ وأنَّها ظالِمَةٌ وأرادَ أهْلَها تَوَسُّعًا لِدَلالَةِ العَقْلِ عَلى أنَّها لا تَكُونُ ظالِمَةً ولا مُكَلَّفَةً، ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أهْلَكْنا قَوْمًا وأنْشَأْنا قَوْمًا آخَرِينَ وقالَ: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأهْلِها الَّذِينَ كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ فَكَذَّبُوهم ولَوْلا هَذِهِ الدَّلائِلُ لَما جازَ مِنهُ سُبْحانَهُ ذِكْرُ المَجازِ لِأنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مُوهِمًا لِلْكَذِبِ، واخْتَلَفُوا في هَذا الإهْلاكِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِنهُ القَتْلُ بِالسُّيُوفِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ حَضُورُ، وهي وسَحُولُ قَرْيَتانِ بِاليَمَنِ يُنْسَبُ إلَيْهِما الثِّيابُ. وفي الحَدِيثِ: ”«كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَوْبَيْنِ سَحُولِيَّيْنِ» “ ورُوِيَ: ”حَضُورِيَّيْنِ“، ”بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ كَما سَلَّطَهُ عَلى أهْلِ بَيْتِ المُقَدَّسِ فاسْتَأْصَلَهم“ ورُوِيَ: ”أنَّهُ لَمّا أخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ يا لِثاراتِ الأنْبِياءِ فَنَدِمُوا واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ“، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا أقْرَبُ لِأنَّ إضافَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ مِن إضافَتِهِ إلى القاتِلِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى عَذابِ القَتْلِ فَما الدَّلِيلُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ حَضُورَ بِأنَّها إحْدى القُرى الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ فالمَعْنى لَمّا عَلِمُوا شِدَّةَ عَذابِنا وبَطْشِنا عِلْمَ حِسٍّ ومُشاهَدَةٍ رَكَضُوا في دِيارِهِمْ، والرَّكْضُ ضَرْبُ الدّابَّةِ بِالرِّجْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا رَكِبُوا دَوابَّهم يَرْكُضُونَها هارِبِينَ مُنْهَزِمِينَ مِن قَرْيَتِهِمْ لَمّا أدْرَكَتْهم مُقَدِّمَةُ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يُشَبَّهُوا في سُرْعَةِ عَدْوِهِمْ عَلى أرْجُلِهِمْ بِالرّاكِبِينَ الرّاكِضِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَوْلُ مَحْذُوفٌ، فَإنْ قُلْتَ: مَنِ القائِلُ ؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المَلائِكَةِ ومِن ثَمَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَكُونُوا خُلَقاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُقَلْ، أوْ يَقُولَهُ رَبُّ العِزَّةِ ويُسْمِعَهُ مَلائِكَتَهُ لِيَنْفَعَهم في دِينِهِمْ أوْ يُلْهِمَهم ذَلِكَ فَيُحَدِّثُونَ بِهِ نُفُوسَهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكُمْ﴾ أيْ مِنَ العَيْشِ والرَّفاهِيَةِ والحالِ النّاعِمَةِ، والإتْرافُ إبْطارُ النِّعْمَةِ وهي التَّرَفُّهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ فَهو تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أيِ ارْجِعُوا إلى نِعَمِكم ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ غَدًا عَمّا جَرى عَلَيْكم ونَزَلَ بِأمْوالِكم ومَساكِنِكم فَتُجِيبُوا السّائِلَ عَنْ عِلْمٍ ومُشاهَدَةٍ. وثانِيها: ارْجِعُوا كَما كُنْتُمْ في مَجالِسِكم حَتّى تَسْألَكم عَبِيدُكم ومَن يَنْفُذُ فِيهِ أمْرُكم ونَهْيُكم ويَقُولُ لَكم: بِمَ تَأْمُرُونَ وماذا تَرْسُمُونَ كَعادَةِ المَخْدُومِينَ. وثالِثُها: تَسْألُكُمُ النّاسُ في أنْدِيَتِكم لِتُعاوِنُوهم في نَوازِلِ الخُطُوبِ، ويَسْتَشِيرُونَكم في المُهِمّاتِ، ويَسْتَعِينُونَ بِآرائِكم. ورابِعُها: يَسْألُكُمُ الوافِدُونَ عَلَيْكم والطّامِعُونَ فِيكم إمّا لِأنَّهم كانُوا أسْخِياءَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ وطَلَبَ الثَّناءِ، أوْ كانُوا بُخَلاءَ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَهَكُّمًا إلى تَهَكُّمٍ وتَوْبِيخًا إلى تَوْبِيخٍ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: تِلْكَ إشارَةٌ إلى ﴿ياوَيْلَنا﴾ لِأنَّها دَعْوى كَأنَّهُ قِيلَ فَما زالَتْ تِلْكَ الدَّعْوى دَعْواهم،
صفحة ١٢٧
والدَّعْوى بِمَعْنى الدَّعْوَةِ قالَ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يُونُسَ: ١٠] فَإنْ قُلْتَ: لِمَ سُمِّيَتْ دَعْوى ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا دَعَوْا بِالوَيْلِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا﴾ أيْ يا ويْلُ احْضُرْ فَهَذا وقْتُكُ، وتِلْكَ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ اسْمًا أوْ خَبَرًا وكَذَلِكَ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزالُوا يُكَرِّرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافِرٍ: ٨٥] أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ فالحَصِيدُ الزَّرْعُ المَحْصُودُ أيْ جَعَلْناهم مِثْلَ الحَصِيدِ، شَبَّهَهم بِهِ في اسْتِئْصالِهِمْ، كَما تَقُولُ: جَعَلْناهم رَمادًا أيْ مِثْلَ الرَّمادِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْصِبُ جَعَلَ ثَلاثَةَ مَفاعِيلَ ؟ قُلْتُ: حُكْمُ الِاثْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ حُكْمُ الواحِدِ والمَعْنى جَعَلْناهم جامِعِينَ لِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ، والمُرادُ أنَّهم أُهْلِكُوا بِذَلِكَ العَذابِ حَتّى لَمْ يَبْقَ لَهم حِسٌّ ولا حَرَكَةٌ وجَفُّوا كَما يَجِفُّ الحَصِيدُ، وخَمَدُوا كَما تَخْمُدُ النّارُ.
الأنبياء 21:15
صفحة ١٢٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ وكانَتْ تِلْكَ الِاعْتِراضاتُ ظاهِرَةَ السُّقُوطِ لِأنَّ شَرائِطَ الإعْجازِ لَمّا تَمَّتْ في القُرْآنِ ظَهَرَ حِينَئِذٍ لِكُلِّ عاقِلٍ كَوْنُهُ مُعْجِزًا، وعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ اشْتِغالَهم بِإيرادِ تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ كانَ لِأجْلِ حُبِّ الدُّنْيا وحُبِّ الرِّياسَةِ فِيها فَبالَغَ سُبْحانَهُ في زَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ القَصْمُ أفْظَعُ الكَسْرِ وهو الكَسْرُ الَّذِي يُبَيِّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ بِخِلافِ القَصْمِ، وذَكَرَ القَرْيَةَ وأنَّها ظالِمَةٌ وأرادَ أهْلَها تَوَسُّعًا لِدَلالَةِ العَقْلِ عَلى أنَّها لا تَكُونُ ظالِمَةً ولا مُكَلَّفَةً، ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أهْلَكْنا قَوْمًا وأنْشَأْنا قَوْمًا آخَرِينَ وقالَ: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأهْلِها الَّذِينَ كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ فَكَذَّبُوهم ولَوْلا هَذِهِ الدَّلائِلُ لَما جازَ مِنهُ سُبْحانَهُ ذِكْرُ المَجازِ لِأنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مُوهِمًا لِلْكَذِبِ، واخْتَلَفُوا في هَذا الإهْلاكِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِنهُ القَتْلُ بِالسُّيُوفِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ حَضُورُ، وهي وسَحُولُ قَرْيَتانِ بِاليَمَنِ يُنْسَبُ إلَيْهِما الثِّيابُ. وفي الحَدِيثِ: ”«كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَوْبَيْنِ سَحُولِيَّيْنِ» “ ورُوِيَ: ”حَضُورِيَّيْنِ“، ”بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ كَما سَلَّطَهُ عَلى أهْلِ بَيْتِ المُقَدَّسِ فاسْتَأْصَلَهم“ ورُوِيَ: ”أنَّهُ لَمّا أخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ يا لِثاراتِ الأنْبِياءِ فَنَدِمُوا واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ“، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا أقْرَبُ لِأنَّ إضافَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ مِن إضافَتِهِ إلى القاتِلِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى عَذابِ القَتْلِ فَما الدَّلِيلُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ حَضُورَ بِأنَّها إحْدى القُرى الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ فالمَعْنى لَمّا عَلِمُوا شِدَّةَ عَذابِنا وبَطْشِنا عِلْمَ حِسٍّ ومُشاهَدَةٍ رَكَضُوا في دِيارِهِمْ، والرَّكْضُ ضَرْبُ الدّابَّةِ بِالرِّجْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا رَكِبُوا دَوابَّهم يَرْكُضُونَها هارِبِينَ مُنْهَزِمِينَ مِن قَرْيَتِهِمْ لَمّا أدْرَكَتْهم مُقَدِّمَةُ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يُشَبَّهُوا في سُرْعَةِ عَدْوِهِمْ عَلى أرْجُلِهِمْ بِالرّاكِبِينَ الرّاكِضِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَوْلُ مَحْذُوفٌ، فَإنْ قُلْتَ: مَنِ القائِلُ ؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المَلائِكَةِ ومِن ثَمَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَكُونُوا خُلَقاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُقَلْ، أوْ يَقُولَهُ رَبُّ العِزَّةِ ويُسْمِعَهُ مَلائِكَتَهُ لِيَنْفَعَهم في دِينِهِمْ أوْ يُلْهِمَهم ذَلِكَ فَيُحَدِّثُونَ بِهِ نُفُوسَهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكُمْ﴾ أيْ مِنَ العَيْشِ والرَّفاهِيَةِ والحالِ النّاعِمَةِ، والإتْرافُ إبْطارُ النِّعْمَةِ وهي التَّرَفُّهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ فَهو تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أيِ ارْجِعُوا إلى نِعَمِكم ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ غَدًا عَمّا جَرى عَلَيْكم ونَزَلَ بِأمْوالِكم ومَساكِنِكم فَتُجِيبُوا السّائِلَ عَنْ عِلْمٍ ومُشاهَدَةٍ. وثانِيها: ارْجِعُوا كَما كُنْتُمْ في مَجالِسِكم حَتّى تَسْألَكم عَبِيدُكم ومَن يَنْفُذُ فِيهِ أمْرُكم ونَهْيُكم ويَقُولُ لَكم: بِمَ تَأْمُرُونَ وماذا تَرْسُمُونَ كَعادَةِ المَخْدُومِينَ. وثالِثُها: تَسْألُكُمُ النّاسُ في أنْدِيَتِكم لِتُعاوِنُوهم في نَوازِلِ الخُطُوبِ، ويَسْتَشِيرُونَكم في المُهِمّاتِ، ويَسْتَعِينُونَ بِآرائِكم. ورابِعُها: يَسْألُكُمُ الوافِدُونَ عَلَيْكم والطّامِعُونَ فِيكم إمّا لِأنَّهم كانُوا أسْخِياءَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ وطَلَبَ الثَّناءِ، أوْ كانُوا بُخَلاءَ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَهَكُّمًا إلى تَهَكُّمٍ وتَوْبِيخًا إلى تَوْبِيخٍ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: تِلْكَ إشارَةٌ إلى ﴿ياوَيْلَنا﴾ لِأنَّها دَعْوى كَأنَّهُ قِيلَ فَما زالَتْ تِلْكَ الدَّعْوى دَعْواهم،
صفحة ١٢٧
والدَّعْوى بِمَعْنى الدَّعْوَةِ قالَ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يُونُسَ: ١٠] فَإنْ قُلْتَ: لِمَ سُمِّيَتْ دَعْوى ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا دَعَوْا بِالوَيْلِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا﴾ أيْ يا ويْلُ احْضُرْ فَهَذا وقْتُكُ، وتِلْكَ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ اسْمًا أوْ خَبَرًا وكَذَلِكَ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزالُوا يُكَرِّرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافِرٍ: ٨٥] أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ فالحَصِيدُ الزَّرْعُ المَحْصُودُ أيْ جَعَلْناهم مِثْلَ الحَصِيدِ، شَبَّهَهم بِهِ في اسْتِئْصالِهِمْ، كَما تَقُولُ: جَعَلْناهم رَمادًا أيْ مِثْلَ الرَّمادِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْصِبُ جَعَلَ ثَلاثَةَ مَفاعِيلَ ؟ قُلْتُ: حُكْمُ الِاثْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ حُكْمُ الواحِدِ والمَعْنى جَعَلْناهم جامِعِينَ لِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ، والمُرادُ أنَّهم أُهْلِكُوا بِذَلِكَ العَذابِ حَتّى لَمْ يَبْقَ لَهم حِسٌّ ولا حَرَكَةٌ وجَفُّوا كَما يَجِفُّ الحَصِيدُ، وخَمَدُوا كَما تَخْمُدُ النّارُ.
الأنبياء 21:16
صفحة ١٢٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ وكانَتْ تِلْكَ الِاعْتِراضاتُ ظاهِرَةَ السُّقُوطِ لِأنَّ شَرائِطَ الإعْجازِ لَمّا تَمَّتْ في القُرْآنِ ظَهَرَ حِينَئِذٍ لِكُلِّ عاقِلٍ كَوْنُهُ مُعْجِزًا، وعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ اشْتِغالَهم بِإيرادِ تِلْكَ الِاعْتِراضاتِ كانَ لِأجْلِ حُبِّ الدُّنْيا وحُبِّ الرِّياسَةِ فِيها فَبالَغَ سُبْحانَهُ في زَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ القَصْمُ أفْظَعُ الكَسْرِ وهو الكَسْرُ الَّذِي يُبَيِّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ بِخِلافِ القَصْمِ، وذَكَرَ القَرْيَةَ وأنَّها ظالِمَةٌ وأرادَ أهْلَها تَوَسُّعًا لِدَلالَةِ العَقْلِ عَلى أنَّها لا تَكُونُ ظالِمَةً ولا مُكَلَّفَةً، ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أهْلَكْنا قَوْمًا وأنْشَأْنا قَوْمًا آخَرِينَ وقالَ: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأهْلِها الَّذِينَ كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ فَكَذَّبُوهم ولَوْلا هَذِهِ الدَّلائِلُ لَما جازَ مِنهُ سُبْحانَهُ ذِكْرُ المَجازِ لِأنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مُوهِمًا لِلْكَذِبِ، واخْتَلَفُوا في هَذا الإهْلاكِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِنهُ القَتْلُ بِالسُّيُوفِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ حَضُورُ، وهي وسَحُولُ قَرْيَتانِ بِاليَمَنِ يُنْسَبُ إلَيْهِما الثِّيابُ. وفي الحَدِيثِ: ”«كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَوْبَيْنِ سَحُولِيَّيْنِ» “ ورُوِيَ: ”حَضُورِيَّيْنِ“، ”بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ كَما سَلَّطَهُ عَلى أهْلِ بَيْتِ المُقَدَّسِ فاسْتَأْصَلَهم“ ورُوِيَ: ”أنَّهُ لَمّا أخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ يا لِثاراتِ الأنْبِياءِ فَنَدِمُوا واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ“، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا أقْرَبُ لِأنَّ إضافَةَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ مِن إضافَتِهِ إلى القاتِلِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى عَذابِ القَتْلِ فَما الدَّلِيلُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ حَضُورَ بِأنَّها إحْدى القُرى الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ فالمَعْنى لَمّا عَلِمُوا شِدَّةَ عَذابِنا وبَطْشِنا عِلْمَ حِسٍّ ومُشاهَدَةٍ رَكَضُوا في دِيارِهِمْ، والرَّكْضُ ضَرْبُ الدّابَّةِ بِالرِّجْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا رَكِبُوا دَوابَّهم يَرْكُضُونَها هارِبِينَ مُنْهَزِمِينَ مِن قَرْيَتِهِمْ لَمّا أدْرَكَتْهم مُقَدِّمَةُ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يُشَبَّهُوا في سُرْعَةِ عَدْوِهِمْ عَلى أرْجُلِهِمْ بِالرّاكِبِينَ الرّاكِضِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَوْلُ مَحْذُوفٌ، فَإنْ قُلْتَ: مَنِ القائِلُ ؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المَلائِكَةِ ومِن ثَمَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَكُونُوا خُلَقاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُقَلْ، أوْ يَقُولَهُ رَبُّ العِزَّةِ ويُسْمِعَهُ مَلائِكَتَهُ لِيَنْفَعَهم في دِينِهِمْ أوْ يُلْهِمَهم ذَلِكَ فَيُحَدِّثُونَ بِهِ نُفُوسَهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكُمْ﴾ أيْ مِنَ العَيْشِ والرَّفاهِيَةِ والحالِ النّاعِمَةِ، والإتْرافُ إبْطارُ النِّعْمَةِ وهي التَّرَفُّهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ فَهو تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أيِ ارْجِعُوا إلى نِعَمِكم ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ غَدًا عَمّا جَرى عَلَيْكم ونَزَلَ بِأمْوالِكم ومَساكِنِكم فَتُجِيبُوا السّائِلَ عَنْ عِلْمٍ ومُشاهَدَةٍ. وثانِيها: ارْجِعُوا كَما كُنْتُمْ في مَجالِسِكم حَتّى تَسْألَكم عَبِيدُكم ومَن يَنْفُذُ فِيهِ أمْرُكم ونَهْيُكم ويَقُولُ لَكم: بِمَ تَأْمُرُونَ وماذا تَرْسُمُونَ كَعادَةِ المَخْدُومِينَ. وثالِثُها: تَسْألُكُمُ النّاسُ في أنْدِيَتِكم لِتُعاوِنُوهم في نَوازِلِ الخُطُوبِ، ويَسْتَشِيرُونَكم في المُهِمّاتِ، ويَسْتَعِينُونَ بِآرائِكم. ورابِعُها: يَسْألُكُمُ الوافِدُونَ عَلَيْكم والطّامِعُونَ فِيكم إمّا لِأنَّهم كانُوا أسْخِياءَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ وطَلَبَ الثَّناءِ، أوْ كانُوا بُخَلاءَ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَهَكُّمًا إلى تَهَكُّمٍ وتَوْبِيخًا إلى تَوْبِيخٍ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: تِلْكَ إشارَةٌ إلى ﴿ياوَيْلَنا﴾ لِأنَّها دَعْوى كَأنَّهُ قِيلَ فَما زالَتْ تِلْكَ الدَّعْوى دَعْواهم،
صفحة ١٢٧
والدَّعْوى بِمَعْنى الدَّعْوَةِ قالَ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يُونُسَ: ١٠] فَإنْ قُلْتَ: لِمَ سُمِّيَتْ دَعْوى ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا دَعَوْا بِالوَيْلِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا﴾ أيْ يا ويْلُ احْضُرْ فَهَذا وقْتُكُ، وتِلْكَ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ اسْمًا أوْ خَبَرًا وكَذَلِكَ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزالُوا يُكَرِّرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافِرٍ: ٨٥] أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ فالحَصِيدُ الزَّرْعُ المَحْصُودُ أيْ جَعَلْناهم مِثْلَ الحَصِيدِ، شَبَّهَهم بِهِ في اسْتِئْصالِهِمْ، كَما تَقُولُ: جَعَلْناهم رَمادًا أيْ مِثْلَ الرَّمادِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْصِبُ جَعَلَ ثَلاثَةَ مَفاعِيلَ ؟ قُلْتُ: حُكْمُ الِاثْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ حُكْمُ الواحِدِ والمَعْنى جَعَلْناهم جامِعِينَ لِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ، والمُرادُ أنَّهم أُهْلِكُوا بِذَلِكَ العَذابِ حَتّى لَمْ يَبْقَ لَهم حِسٌّ ولا حَرَكَةٌ وجَفُّوا كَما يَجِفُّ الحَصِيدُ، وخَمَدُوا كَما تَخْمُدُ النّارُ.
الأنبياء 21:17
: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ فِيهِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ إهْلاكَ أهْلِ القَرْيَةِ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَدْلًا مِنهُ ومُجازاةً عَلى ما فَعَلُوا فَقالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ أيْ وما سَوَّيْنا هَذا السَّقْفَ المَرْفُوعَ وهَذا المِهادَ المَوْضُوعَ وما بَيْنَهُما مِنَ العَجائِبِ والغَرائِبِ كَما تُسَوِّي الجَبابِرَةُ سُقُوفَهم وفُرُشَهم لِلَّهْوِ واللَّعِبِ، وإنَّما سَوَّيْناهم لِفَوائِدَ دِينِيَّةٍ ودُنْيَوِيَّةٍ؛ أمّا الدِّينِيَّةُ فَلْيَتَفَكَّرِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١]، وأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَلِما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَنافِعِ الَّتِي لا تُعَدُّ ولا تُحْصى وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدُّخانِ: ٣٩] . والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ مِنهُ تَقْرِيرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والرَّدُّ عَلى مُنْكِرِيهِ لِأنَّهُ أظْهَرَ المُعْجِزَةَ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ مُحَمَّدٌ كاذِبًا كانَ إظْهارُ المُعْجِزَةِ عَلَيْهِ مِن بابِ اللَّعِبِ وذَلِكَ مَنفِيٌّ عَنْهُ، وإنْ كانَ صادِقًا فَهو المَطْلُوبُ، وحِينَئِذٍ يَفْسُدُ كُلُّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ المَطاعِنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّعِبَ لَيْسَ مِن قِبَلِهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ لاعِبًا، فَإنَّ اللّاعِبَ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِفاعِلِ اللَّعِبِ، فَنَفْيُ الِاسْمِ المَوْضُوعِ لِلْفِعْلِ يَقْتَضِي نَفْيَ الفِعْلِ. والجَوابُ: يَبْطُلُ ذَلِكَ بِمَسْألَةِ الدّاعِي عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ مَعْناهُ مِن جِهَةِ قُدْرَتِنا، وقِيلَ: اللَّهْوُ الوَلَدُ بِلُغَةِ اليَمَنِ وقِيلَ: المَرْأةُ وقِيلَ: مِن لَدُنّا أيْ مِنَ المَلائِكَةِ لا مِنَ الإنْسِ رَدًّا لِمَن قالَ بِوِلادَةِ المَسِيحِ وعُزَيْرٍ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ﴾ إضْرابٌ عَنِ اتِّخاذِ اللَّهْوِ واللَّعِبِ وتَنْزِيهٌ مِنهُ لِذاتِهِ كَأنَّهُ قالَ: سُبْحانَنا
صفحة ١٢٨
أنْ نَتَّخِذَ اللَّهْوَ واللَّعِبَ بَلْ مِن عادَتِنا ومُوجِبِ حِكْمَتِنا أنْ نَغْلِبَ اللَّعِبَ بِالجِدِّ ونَدْحَضَ الباطِلَ بِالحَقِّ، واسْتَعارَ لِذَلِكَ القَذْفَ والدَّمْغَ تَصْوِيرًا لِإبْطالِهِ فَجَعَلَهُ كَأنَّهُ جِرْمٌ صُلْبٌ كالصَّخْرَةِ مَثَلًا قَذَفَ بِهِ عَلى جِرْمٍ رَخْوٍ فَدَمَغَهُ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ يَعْنِي مَن تَمَسَّكَ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ ونَسَبَ القُرْآنَ إلى أنَّهُ سِحْرٌ وأضْغاثُ أحْلامٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأباطِيلِ، وهو الَّذِي عَناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَصِفُونَ﴾ .
الأنبياء 21:18
: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ فِيهِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ إهْلاكَ أهْلِ القَرْيَةِ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَدْلًا مِنهُ ومُجازاةً عَلى ما فَعَلُوا فَقالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ أيْ وما سَوَّيْنا هَذا السَّقْفَ المَرْفُوعَ وهَذا المِهادَ المَوْضُوعَ وما بَيْنَهُما مِنَ العَجائِبِ والغَرائِبِ كَما تُسَوِّي الجَبابِرَةُ سُقُوفَهم وفُرُشَهم لِلَّهْوِ واللَّعِبِ، وإنَّما سَوَّيْناهم لِفَوائِدَ دِينِيَّةٍ ودُنْيَوِيَّةٍ؛ أمّا الدِّينِيَّةُ فَلْيَتَفَكَّرِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١]، وأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَلِما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَنافِعِ الَّتِي لا تُعَدُّ ولا تُحْصى وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدُّخانِ: ٣٩] . والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ مِنهُ تَقْرِيرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والرَّدُّ عَلى مُنْكِرِيهِ لِأنَّهُ أظْهَرَ المُعْجِزَةَ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ مُحَمَّدٌ كاذِبًا كانَ إظْهارُ المُعْجِزَةِ عَلَيْهِ مِن بابِ اللَّعِبِ وذَلِكَ مَنفِيٌّ عَنْهُ، وإنْ كانَ صادِقًا فَهو المَطْلُوبُ، وحِينَئِذٍ يَفْسُدُ كُلُّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ المَطاعِنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّعِبَ لَيْسَ مِن قِبَلِهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ لاعِبًا، فَإنَّ اللّاعِبَ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِفاعِلِ اللَّعِبِ، فَنَفْيُ الِاسْمِ المَوْضُوعِ لِلْفِعْلِ يَقْتَضِي نَفْيَ الفِعْلِ. والجَوابُ: يَبْطُلُ ذَلِكَ بِمَسْألَةِ الدّاعِي عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ مَعْناهُ مِن جِهَةِ قُدْرَتِنا، وقِيلَ: اللَّهْوُ الوَلَدُ بِلُغَةِ اليَمَنِ وقِيلَ: المَرْأةُ وقِيلَ: مِن لَدُنّا أيْ مِنَ المَلائِكَةِ لا مِنَ الإنْسِ رَدًّا لِمَن قالَ بِوِلادَةِ المَسِيحِ وعُزَيْرٍ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ﴾ إضْرابٌ عَنِ اتِّخاذِ اللَّهْوِ واللَّعِبِ وتَنْزِيهٌ مِنهُ لِذاتِهِ كَأنَّهُ قالَ: سُبْحانَنا
صفحة ١٢٨
أنْ نَتَّخِذَ اللَّهْوَ واللَّعِبَ بَلْ مِن عادَتِنا ومُوجِبِ حِكْمَتِنا أنْ نَغْلِبَ اللَّعِبَ بِالجِدِّ ونَدْحَضَ الباطِلَ بِالحَقِّ، واسْتَعارَ لِذَلِكَ القَذْفَ والدَّمْغَ تَصْوِيرًا لِإبْطالِهِ فَجَعَلَهُ كَأنَّهُ جِرْمٌ صُلْبٌ كالصَّخْرَةِ مَثَلًا قَذَفَ بِهِ عَلى جِرْمٍ رَخْوٍ فَدَمَغَهُ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ يَعْنِي مَن تَمَسَّكَ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ ونَسَبَ القُرْآنَ إلى أنَّهُ سِحْرٌ وأضْغاثُ أحْلامٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأباطِيلِ، وهو الَّذِي عَناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَصِفُونَ﴾ .
الأنبياء 21:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا نَفى اللَّعِبَ عَنْ نَفْسِهِ، ونَفِيُ اللَّعِبِ لا يَصِحُّ إلّا بِنَفْيِ الحاجَةِ، ونَفْيُ الحاجَةِ لا يَصِحُّ إلّا بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ، لا جَرَمَ عَقَّبَ تِلْكَ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِدَلالَةِ ذَلِكَ عَلى كَمالِ المُلْكِ والقُدْرَةِ. الثّانِي: وهو الأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى كَلامَ الطّاعِنِينَ في النُّبُوّاتِ وأجابَ عَنْها وبَيَّنَ أنَّ غَرَضَهم مِن تِلْكَ المَطاعِنِ التَّمَرُّدُ وعَدَمُ الِانْقِيادِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ طاعَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ هو المالِكُ لِجَمِيعِ المُحْدَثاتِ والمَخْلُوقاتِ، ولِأجْلِ أنَّ المَلائِكَةَ مَعَ جَلالَتِهِمْ مُطِيعُونَ لَهُ خائِفُونَ مِنهُ فالبَشَرُ مَعَ نِهايَةِ الضَّعْفِ أوْلى أنْ يُطِيعُوهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ المُكَلَّفِينَ في السَّماءِ والأرْضِ فَهم عَبِيدُهُ وهو الخالِقُ لَهم والمُنْعِمُ عَلَيْهِمْ بِأصْنافِ النِّعَمِ، فَيَجِبُ عَلى الكُلِّ طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لِحُكْمِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلالَةُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ بِإجْماعِ الأُمَّةِ ولِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأنَّهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وهَذا لا يَلِيقُ بِالبَشَرِ، وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانِ والجِهَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: المَلائِكَةُ مَعَ كَمالِ شَرَفِهِمْ ونِهايَةِ جَلالَتِهِمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ طاعَتِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالبَشَرِ الضَّعِيفِ التَّمَرُّدُ عَنْ طاعَتِهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ولا يَتْعَبُونَ ولا يَعْيَوْنَ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ الِاسْتِحْسارُ مُبالَغَةٌ في الحُسُورِ فَكانَ الأبْلَغُ في وصْفِهِمْ أنْ يَنْفِيَ عَنْهم أدْنى الحُسُورِ، قُلْتُ في الِاسْتِحْسارِ بَيانُ أنَّ ما هم فِيهِ يُوجِبُ غايَةَ الحُسُورِ وأقْصاهُ وأنَّهم أحِقّاءُ لِتِلْكَ العِباداتِ الشّاقَّةِ بِأنْ يَسْتَحْسِرُوا فِيما يَفْعَلُونَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ تَسْبِيحَهم مُتَّصِلٌ دائِمٌ في جَمِيعِ أوْقاتِهِمْ لا يَتَخَلَّلُهُ فَتْرَةٌ بِفَراغٍ أوْ بِشُغْلٍ آخَرَ، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قالَ: قُلْتُ لِكَعْبٍ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطِرٍ: ١] أفَلا تَكُونُ تِلْكَ الرِّسالَةُ مانِعَةً لَهم عَنْ هَذا التَّسْبِيحِ، وأيْضًا قالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦١]
صفحة ١٢٩
فَكَيْفَ يَشْتَغِلُونَ بِاللَّعْنِ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ ؟ أجابَ كَعْبُ الأحْبارِ فَقالَ: التَّسْبِيحُ لَهم كالتَّنَفُّسِ لَنا فَكَما أنَّ اشْتِغالَنا بِالتَّنَفُّسِ لا يَمْنَعُنا مِنَ الكَلامِ فَكَذا اشْتِغالُهم بِالتَّسْبِيحِ لا يَمْنَعُهم مِن سائِرِ الأعْمالِ، فَإنْ قِيلَ هَذا القِياسُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالتَّنَفُّسِ إنَّما لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الكَلامِ، لِأنَّ آلَةَ التَّنَفُّسِ غَيْرُ آلَةِ الكَلامِ، أمّا التَّسْبِيحُ واللَّعْنُ فَهُما مِن جِنْسِ الكَلامِ فاجْتِماعُهُما مُحالٌ، والجَوابُ: أيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهم ألْسِنَةً كَثِيرَةً بِبَعْضِها يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وبِبَعْضِها يَلْعَنُونَ أعْداءَ اللَّهِ، أوْ يُقالُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ أنَّهم لا يَفْتُرُونَ عَنِ العَزْمِ عَلى أدائِهِ في أوْقاتِهِ اللّائِقَةِ بِهِ كَما يُقالُ: إنَّ فُلانًا يُواظِبُ عَلى الجَماعاتِ لا يَفْتُرُ عَنْها لا يُرادُ بِهِ أنَّهُ أبَدًا مُشْتَغِلٌ بِها بَلْ يُرادُ بِهِ أنَّهُ مُواظِبٌ عَلى العَزْمِ عَلى أدائِها في أوْقاتِها.
الأنبياء 21:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا نَفى اللَّعِبَ عَنْ نَفْسِهِ، ونَفِيُ اللَّعِبِ لا يَصِحُّ إلّا بِنَفْيِ الحاجَةِ، ونَفْيُ الحاجَةِ لا يَصِحُّ إلّا بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ، لا جَرَمَ عَقَّبَ تِلْكَ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِدَلالَةِ ذَلِكَ عَلى كَمالِ المُلْكِ والقُدْرَةِ. الثّانِي: وهو الأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى كَلامَ الطّاعِنِينَ في النُّبُوّاتِ وأجابَ عَنْها وبَيَّنَ أنَّ غَرَضَهم مِن تِلْكَ المَطاعِنِ التَّمَرُّدُ وعَدَمُ الِانْقِيادِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ طاعَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ هو المالِكُ لِجَمِيعِ المُحْدَثاتِ والمَخْلُوقاتِ، ولِأجْلِ أنَّ المَلائِكَةَ مَعَ جَلالَتِهِمْ مُطِيعُونَ لَهُ خائِفُونَ مِنهُ فالبَشَرُ مَعَ نِهايَةِ الضَّعْفِ أوْلى أنْ يُطِيعُوهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ المُكَلَّفِينَ في السَّماءِ والأرْضِ فَهم عَبِيدُهُ وهو الخالِقُ لَهم والمُنْعِمُ عَلَيْهِمْ بِأصْنافِ النِّعَمِ، فَيَجِبُ عَلى الكُلِّ طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لِحُكْمِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلالَةُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ بِإجْماعِ الأُمَّةِ ولِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأنَّهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وهَذا لا يَلِيقُ بِالبَشَرِ، وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانِ والجِهَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: المَلائِكَةُ مَعَ كَمالِ شَرَفِهِمْ ونِهايَةِ جَلالَتِهِمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ طاعَتِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالبَشَرِ الضَّعِيفِ التَّمَرُّدُ عَنْ طاعَتِهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ولا يَتْعَبُونَ ولا يَعْيَوْنَ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ الِاسْتِحْسارُ مُبالَغَةٌ في الحُسُورِ فَكانَ الأبْلَغُ في وصْفِهِمْ أنْ يَنْفِيَ عَنْهم أدْنى الحُسُورِ، قُلْتُ في الِاسْتِحْسارِ بَيانُ أنَّ ما هم فِيهِ يُوجِبُ غايَةَ الحُسُورِ وأقْصاهُ وأنَّهم أحِقّاءُ لِتِلْكَ العِباداتِ الشّاقَّةِ بِأنْ يَسْتَحْسِرُوا فِيما يَفْعَلُونَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ تَسْبِيحَهم مُتَّصِلٌ دائِمٌ في جَمِيعِ أوْقاتِهِمْ لا يَتَخَلَّلُهُ فَتْرَةٌ بِفَراغٍ أوْ بِشُغْلٍ آخَرَ، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قالَ: قُلْتُ لِكَعْبٍ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطِرٍ: ١] أفَلا تَكُونُ تِلْكَ الرِّسالَةُ مانِعَةً لَهم عَنْ هَذا التَّسْبِيحِ، وأيْضًا قالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦١]
صفحة ١٢٩
فَكَيْفَ يَشْتَغِلُونَ بِاللَّعْنِ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ ؟ أجابَ كَعْبُ الأحْبارِ فَقالَ: التَّسْبِيحُ لَهم كالتَّنَفُّسِ لَنا فَكَما أنَّ اشْتِغالَنا بِالتَّنَفُّسِ لا يَمْنَعُنا مِنَ الكَلامِ فَكَذا اشْتِغالُهم بِالتَّسْبِيحِ لا يَمْنَعُهم مِن سائِرِ الأعْمالِ، فَإنْ قِيلَ هَذا القِياسُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالتَّنَفُّسِ إنَّما لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الكَلامِ، لِأنَّ آلَةَ التَّنَفُّسِ غَيْرُ آلَةِ الكَلامِ، أمّا التَّسْبِيحُ واللَّعْنُ فَهُما مِن جِنْسِ الكَلامِ فاجْتِماعُهُما مُحالٌ، والجَوابُ: أيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهم ألْسِنَةً كَثِيرَةً بِبَعْضِها يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وبِبَعْضِها يَلْعَنُونَ أعْداءَ اللَّهِ، أوْ يُقالُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ أنَّهم لا يَفْتُرُونَ عَنِ العَزْمِ عَلى أدائِهِ في أوْقاتِهِ اللّائِقَةِ بِهِ كَما يُقالُ: إنَّ فُلانًا يُواظِبُ عَلى الجَماعاتِ لا يَفْتُرُ عَنْها لا يُرادُ بِهِ أنَّهُ أبَدًا مُشْتَغِلٌ بِها بَلْ يُرادُ بِهِ أنَّهُ مُواظِبٌ عَلى العَزْمِ عَلى أدائِها في أوْقاتِها.
الأنبياء 21:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَهُنا كانَ في النُّبُوّاتِ وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الكَلامِ سُؤالًا وجَوابًا، وأمّا هَذِهِ الآياتُ فَإنَّها في بَيانِ التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الأضْدادِ والأنْدادِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أمْ هَهُنا هي المُنْقَطِعَةُ الكائِنَةُ بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ قَدْ أذِنَتْ بِالإضْرابِ عَمّا قَبْلَها والإنْكارِ لِما بَعْدَها، والمُنْكَرُ هو اتِّخاذُهم آلِهَةً مِنَ الأرْضِ يُنْشِرُونَ المَوْتى، ولَعَمْرِي إنَّ مِن أعْظَمِ المُنْكَراتِ أنْ يُنْشِرَ المَوْتى بَعْضَ المَواتِ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ آلِهَةٍ يُنْشِرُونَ وما كانُوا يَدَّعُونَ ذَلِكَ لِآلِهَتِهِمْ بَلْ كانُوا في نِهايَةِ البُعْدِ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوى، فَإنَّهم كانُوا مَعَ إقْرارِهِمْ بِاللَّهِ وبِأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، ويَقُولُونَ: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ فَكَيْفَ يَدَّعُونَهُ لِلْجَمادِ الَّذِي لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ البَتَّةَ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم لَمّا اشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها ولا بُدَّ لِلْعِبادَةِ مِن فائِدَةٍ هي الثَّوابُ، فَإقْدامُهم عَلى عِبادَتِها يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الإقْرارَ بِكَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ والثَّوابِ والعِقابِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ والتَّجْهِيلِ، يَعْنِي إذا كانُوا غَيْرَ قادِرِينَ عَلى أنْ يُحْيُوا ويُمِيتُوا ويَضُرُّوا ويَنْفَعُوا فَأيُّ عَقْلٍ يُجَوِّزُ اتِّخاذَهم آلِهَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ كَقَوْلِكَ: فُلانٌ مِن مَكَّةَ أوْ مِنَ المَدِينَةِ، تُرِيدُ مَكِّيٌّ أوْ مَدَنِيٌّ إذْ مَعْنى
صفحة ١٣٠
نِسْبَتِها إلى الأرْضِ الإيذانُ بِأنَّها الأصْنامُ الَّتِي تُعْبَدُ في الأرْضِ لِأنَّ الآلِهَةَ عَلى ضَرْبَيْنِ: أرْضِيَّةٌ وسَماوِيَّةٌ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ آلِهَةٌ مِن جِنْسِ الأرْضِ، لِأنَّها إمّا أنْ تَكُونَ مَنحُوتَةً مِن بَعْضِ الحِجارَةِ أوْ مَعْمُولَةً مِن بَعْضِ جَواهِرِ الأرْضِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النُّكْتَةُ في ﴿هم يُنْشِرُونَ﴾ مَعْنى الخُصُوصِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ لا يَقْدِرُ عَلى الإنْشارِ إلّا هم وحْدَهم.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ الحَسَنُ (يَنْشُرُونَ) وهُما لُغَتانِ أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى ونَشَرَها.
الأنبياء 21:22
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ النَّحْوِ إلّا هَهُنا بِمَعْنى غَيْرُ، أيْ لَوْ كانَ يَتَوَلّاهُما ويُدَبِّرُ أُمُورَهُما شَيْءٌ غَيْرُ الواحِدِ الَّذِي هو فاطِرُهُما لَفَسَدَتا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ لَكانَ المَعْنى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ لَيْسَ مَعَهُمُ اللَّهُ لَفَسَدَتا، وهَذا يُوجِبُ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ مَعَهُمُ اللَّهُ أنْ لا يَحْصُلَ الفَسادُ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ فَسَواءٌ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَهم أوْ كانَ فالفَسادُ لازِمٌ. ولَمّا بَطَلَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُتَكَلِّمُونَ: القَوْلُ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ يُفْضِي إلى المُحالِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ مُحالًا، إنَّما قُلْنا إنَّهُ يُفْضِي إلى المُحالِ لِأنّا لَوْ فَرَضْنا وُجُودَ إلَهَيْنِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قادِرًا عَلى تَحْرِيكِ زَيْدٍ وتَسْكِينِهِ، فَلَوْ فَرَضْنا أنَّ أحَدَهُما أرادَ تَحْرِيكَهُ والآخَرَ تَسْكِينَهُ فَإمّا أنْ يَقَعَ المَرادانِ وهو مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، أوْ لا يَقَعَ واحِدٌ مِنهُما وهو مُحالٌ لِأنَّ المانِعَ مِن وُجُودِ مُرادِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرادُ الآخَرِ، فَلا يَمْتَنِعُ مُرادُ هَذا إلّا عِنْدَ وُجُودِ مُرادِ ذَلِكَ وبِالعَكْسِ، فَلَوِ امْتَنَعا مَعًا لَوُجِدا مَعًا وذَلِكَ مُحالٌ، أوْ يَقَعُ مُرادُ أحَدِهِما دُونَ الثّانِي وذَلِكَ مُحالٌ أيْضًا لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ امْتَنَعَ كَوْنُ أحَدِهِما أقْدَرَ مِنَ الآخَرِ بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَسْتَوِيا في القُدْرَةِ، وإذا اسْتَوَيا في القُدْرَةِ اسْتَحالَ أنْ يَصِيرَ مُرادُ أحَدِهِما أوْلى بِالوُقُوعِ مِن مُرادِ الثّانِي وإلّا لَزِمَ تَرْجِيحُ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ. وثانِيهِما: أنَّهُ إذا وقَعَ مُرادُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ فالَّذِي وقَعَ مُرادُهُ يَكُونُ قادِرًا والَّذِي لَمْ يَقَعْ مُرادُهُ يَكُونُ عاجِزًا والعَجْزُ نَقْصٌ وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ. فَإنْ قِيلَ: الفَسادُ إنَّما يَلْزَمُ عِنْدَ اخْتِلافِهِما في الإرادَةِ وأنْتُمْ لا تَدَّعُونَ وُجُوبَ اخْتِلافِهِما في الإرادَةِ بَلْ أقْصى ما تَدَّعُونَهُ أنَّ اخْتِلافَهُما في الإرادَةِ مُمْكِنٌ، فَإذا كانَ الفَسادُ مَبْنِيًّا عَلى الِاخْتِلافِ في الإرادَةِ وهَذا الِاخْتِلافُ مُمْكِنٌ والمَبْنِيُّ عَلى المُمْكِنِ مُمْكِنٌ فَكانَ الفَسادُ مُمْكِنًا لا واقِعًا فَكَيْفَ جَزَمَ اللَّهُ تَعالى بِوُقُوعِ الفَسادِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَعَلَّهُ سُبْحانَهُ أجْرى المُمْكِنَ مَجْرى الواقِعِ بِناءً عَلى الظّاهِرِ مِن حَيْثُ إنَّ الرَّعِيَّةَ تَفْسَدُ بِتَدْبِيرِ المَلِكَيْنِ لِما يَحْدُثُ بَيْنَهُما مِنَ التَّغالُبِ. والثّانِي: وهو الأقْوى أنْ نُبَيِّنَ لُزُومَ الفَسادِ لا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ بَلْ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَنَقُولُ: لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ لَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ فَيُفْضِي إلى وُقُوعِ مَقْدُورٍ مِن قادِرَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ مِن وجْهٍ واحِدٍ وهو مُحالٌ لِأنَّ اسْتِنادَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ لِإمْكانِهِ فَإذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلًّا بِالإيجادِ فالفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعَ هَذا يَكُونُ واجِبَ الوُقُوعِ فَيَسْتَحِيلُ إسْنادُهُ إلى هَذا لِكَوْنِهِ حاصِلًا مِنهُما
صفحة ١٣١
جَمِيعًا فَيَلْزَمُ اسْتِغْناؤُهُ عَنْهُما مَعًا واحْتِياجُهُ إلَيْهِما مَعًا وذَلِكَ مُحالٌ. وهَذِهِ حُجَّةٌ تامَّةٌ في مَسْألَةِ التَّوْحِيدِ، فَنَقُولُ: القَوْلُ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ يُفْضِي إلى امْتِناعِ وُقُوعِ المَقْدُورِ لِواحِدٍ مِنهُما، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَقَعَ البَتَّةَ وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ وُقُوعُ الفَسادِ قَطْعًا، أوْ نَقُولُ: لَوْ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ فَإمّا أنْ يَتَّفِقا أوْ يَخْتَلِفا، فَإنِ اتَّفَقا عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ فَذَلِكَ الواحِدُ مَقْدُورٌ لَهُما ومُرادٌ لَهُما فَيَلْزَمُ وُقُوعُهُ بِهِما وهو مُحالٌ، وإنِ اخْتَلَفا فَإمّا أنْ يَقَعَ المُرادانِ أوْ لا يَقَعَ واحِدٌ مِنهُما أوْ يَقَعَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ والكُلُّ مُحالٌ فَثَبَتَ أنَّ الفَسادَ لازِمٌ عَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ، فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَّفِقا عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ ولا يَلْزَمُ الفَسادُ لِأنَّ الفَسادَ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ أرادَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يُوجِدَهُ هو وهَذا اخْتِلافٌ، أمّا إذا أرادَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَكُونَ المُوجِدُ لَهُ أحَدَهُما بِعَيْنِهِ فَهُناكَ لا يَلْزَمُ وُقُوعُ مَخْلُوقٍ بَيْنَ خالِقَيْنِ، قُلْتُ: كَوْنُهُ مُوجِدًا لَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ نَفْسَ القُدْرَةِ والإرادَةِ أوْ نَفْسَ ذَلِكَ الأثَرِ أوْ أمْرًا ثالِثًا، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَزِمَ الِاشْتِراكُ في القُدْرَةِ والإرادَةِ والِاشْتِراكِ في المُوجِدِ، وإنْ كانَ الثّانِي فَلَيْسَ وُقُوعُ ذَلِكَ الأثَرِ بِقُدْرَةِ أحَدِهِما وإرادَتِهِ أوْلى مِن وُقُوعِهِ بِقُدْرَةِ الثّانِي؛ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما إرادَةً مُسْتَقِلَّةً بِالتَّأْثِيرِ، وإنْ كانَ الثّالِثَ وهو أنْ يَكُونَ المُوجِدُ لَهُ أمْرًا ثالِثًا فَذَلِكَ الثّالِثُ إنْ كانَ قَدِيمًا اسْتَحالَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقَ الإرادَةِ، وإنْ كانَ حادِثًا فَهو نَفْسُ الأثَرِ، ويَصِيرُ هَذا القِسْمُ هو القِسْمُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرْناهُ. واعْلَمْ أنَّكَ لَمّا وقَفْتَ عَلى حَقِيقَةِ هَذِهِ الدَّلالَةِ عَرَفْتَ أنَّ جَمِيعَ ما في هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ مِنَ المُحْدَثاتِ والمَخْلُوقاتِ فَهو دَلِيلُ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بَلْ وُجُودُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ دَلِيلٌ تامٌّ عَلى التَّوْحِيدِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّاهُ. وهَذِهِ الدَّلالَةُ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَهُنا أدِلَّةً أُخْرى عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
أحَدُها وهو الأقْوى: أنْ يُقالَ: لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ واجِبَيِ الوُجُودِ لِذاتَيْهِما فَلا بُدَّ وأنْ يَشْتَرِكا في الوُجُودِ ولا بُدَّ وأنْ يَمْتازَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِنَفْسِهِ وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا مِمّا بِهِ يُشارِكُ الآخَرَ ومِمّا بِهِ امْتازَ عَنْهُ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ وجُزْؤُهُ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ. هَذا خُلْفٌ، فَإذِنْ واجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ إلّا الواحِدُ وكُلُّ ما عَداهُ فَهو مُمْكِنٌ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ وكُلُّ مُفْتَقِرٍ في وُجُودِهِ إلى الغَيْرِ فَهو مُحْدَثٌ فَكُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُحْدَثٌ، ويُمْكِنُ جَعْلُ هَذِهِ الدَّلالَةِ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنّا إنَّما دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ مَوْجُودَيْنِ واجِبَيْنِ أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُما واجِبًا وإذا لَمْ يُوجَدِ الواجِبُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن هَذِهِ المُمْكِناتِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الفَسادُ فَثَبَتَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن وُجُودِ إلَهَيْنِ وُقُوعُ الفَسادِ في كُلِّ العالَمِ. وثانِيها: أنّا لَوْ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشارِكًا لِلْآخَرِ في الإلَهِيَّةِ، ولا بُدَّ وأنْ يَتَمَيَّزَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرٍ ما وإلّا لَما حَصَلَ التَّعَدُّدُ، فَما بِهِ المُمايَزَةُ إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةَ كَمالٍ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ صِفَةَ كَمالٍ فالخالِي عَنْهُ يَكُونُ خالِيًا عَنِ الكَمالِ فَيَكُونُ ناقِصًا والنّاقِصُ لا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَةَ كَمالٍ فالمَوْصُوفُ بِهِ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِما لا يَكُونُ صِفَةَ كَمالٍ فَيَكُونُ ناقِصًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ما بِهِ المُمايَزَةُ إنْ كانَ مُعْتَبَرًا في تَحَقُّقِ الإلَهِيَّةِ فالخالِي عَنْهُ لا يَكُونُ إلَهًا وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا في الإلَهِيَّةِ لَمْ يَكُنِ الِاتِّصافُ بِهِ واجِبًا فَيَفْتَقِرُ إلى المُخَصَّصِ فالمَوْصُوفُ بِهِ مُفْتَقِرٌ ومُحْتاجٌ. وثالِثُها: أنْ يُقالَ: لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ لَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الغَيْرُ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما، لَكِنَّ الِامْتِيازَ في عُقُولِنا لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّبايُنِ في المَكانِ أوْ في الزَّمانِ أوْ في الوُجُوبِ والإمْكانِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى الإلَهِ مُحالٌ فَيَمْتَنِعُ حُصُولُ الِامْتِيازِ. ورابِعُها: أنَّ أحَدَ الإلَهَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ كافِيًا في تَدْبِيرِ العالَمِ أوْ لا يَكُونَ فَإنْ كانَ كافِيًا كانَ الثّانِي ضائِعًا غَيْرَ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، وذَلِكَ نَقْصٌ والنّاقِصُ لا
صفحة ١٣٢
يَكُونُ إلَهًا. وخامِسُها: أنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي احْتِياجَ المُحْدَثِ إلى الفاعِلِ ولا امْتِناعَ في كَوْنِ الفاعِلِ الواحِدِ مُدَبِّرًا لِكُلِّ العالَمِ، فَأمّا ما وراءَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَدَدٌ أوْلى مِن عَدَدٍ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى وُجُودِ أعْدادٍ لا نِهايَةَ لَها وذَلِكَ مُحالٌ فالقَوْلُ بِوُجُودِ الآلِهَةِ مُحالٌ. وسادِسُها: أنَّ أحَدَ الإلَهَيْنِ إمّا أنْ يَقْدِرَ عَلى أنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَدُلُّ عَلى غَيْرِهِ أوْ لا يَقْدِرَ عَلَيْهِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ دَلِيلَ الصّانِعِ لَيْسَ إلّا بِالمُحْدَثاتِ ولَيْسَ في حُدُوثِ المُحْدَثاتِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ أحَدِهِما دُونَ الثّانِي، والتّالِي مُحالٌ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى كَوْنِهِ عاجِزًا عَنْ تَعْرِيفِ نَفْسِهِ عَلى التَّعْيِينِ، والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا. وسابِعُها: أنَّ أحَدَ الإلَهَيْنِ إمّا أنْ يَقْدِرَ عَلى أنْ يَسْتُرَ شَيْئًا مِن أفْعالِهِ عَنِ الآخَرِ أوْ لا يَقْدِرَ، فَإنْ قَدَرَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ المَسْتُورُ عَنْهُ جاهِلًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ لَزِمَ كَوْنُهُ عاجِزًا. وثامِنُها: لَوْ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ لَكانَ مَجْمُوعُ قُدْرَتَيْهِما بَيْنَهُما أقْوى مِن قُدْرَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وحْدَهُ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القُدْرَتَيْنِ مُتَناهِيًا والمَجْمُوعُ ضِعْفُ المُتَناهِي فَيَكُونُ الكُلُّ مُتَناهِيًا. وتاسِعُها: العَدَدُ ناقِصٌ لِاحْتِياجِهِ إلى الواحِدِ، والواحِدُ الَّذِي يُوجَدُ مِن جِنْسِهِ عَدَدٌ ناقِصٌ ناقِصٌ، لِأنَّ العَدَدَ أزْيَدُ مِنهُ، والنّاقِصُ لا يَكُونُ إلَهًا فالإلَهُ واحِدٌ لا مَحالَةَ. وعاشِرُها: أنّا لَوْ فَرَضْنا مَعْدُومًا مُمْكِنَ الوُجُودِ ثُمَّ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ واحِدٌ مِنهُما عَلى إيجادِهِ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عاجِزًا والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ قَدَرَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ فَهَذا الآخَرُ يَكُونُ إلَهًا، وإنْ قَدِرا جَمِيعًا فَإمّا أنْ يُوجِداهُ بِالتَّعاوُنِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُحْتاجًا إلى إعانَةِ الآخَرِ، وإنْ قَدَرَ كُلُّ واحِدٍ عَلى إيجادِهِ بِالِاسْتِقْلالِ فَإذا أوْجَدَهُ أحَدُهُما فَإمّا أنْ يَبْقى الثّانِي قادِرًا عَلَيْهِ وهو مُحالٌ لِأنَّ إيجادَ المَوْجُودِ مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الأوَّلُ قَدْ أزالَ قُدْرَةَ الثّانِي وعَجْزَهُ فَيَكُونُ مَقْهُورًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ فَلا يَكُونُ إلَهًا. فَإنْ قِيلَ الواجِدُ إذا أوْجَدَ مَقْدُورَهُ فَقَدْ زالَتْ قُدْرَتُهُ عَنْهُ فَيَلْزَمُكُمُ العَجْزُ، قُلْنا: الواحِدُ إذا أوْجَدَهُ فَقَدْ نَفَذَتْ قُدْرَتُهُ فَنَفاذُ القُدْرَةِ لا يَكُونُ عَجْزًا، أمّا الشَّرِيكُ فَإنَّهُ لَمّا نَفَذَتْ قُدْرَتُهُ لَمْ يَبْقَ لِشَرِيكِهِ قُدْرَةٌ البَتَّةَ بَلْ زالَتْ قُدْرَتُهُ بِسَبَبِ قُدْرَةِ الأوَّلِ فَيَكُونُ تَعْجِيزًا. الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ نُقَرِّرَ هَذِهِ الدَّلالَةَ عَلى وجْهٍ آخَرَ وهو أنْ نُعَيِّنَ جِسْمًا ونَقُولَ هَلْ يَقْدِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى خَلْقِ الحَرَكَةِ فِيهِ بَدَلًا عَنِ السُّكُونِ وبِالعَكْسِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ كانَ عاجِزًا وإنْ قَدَرَ فَنَسُوقُ الدَّلالَةَ إلى أنْ نَقُولَ: إذا خَلَقَ أحَدُهُما فِيهِ حَرَكَةً امْتَنَعَ عَلى الثّانِي خَلْقُ السُّكُونِ، فالأوَّلُ أزالَ قُدْرَةَ الثّانِي وعَجَّزَهُ فَلا يَكُونُ إلَهًا، وهَذانَ الوَجْهانِ يُفِيدانِ العَجْزَ نَظَرًا إلى قُدْرَتَيْهِما، والدَّلالَةُ الأُولى إنَّما تُفِيدُ العَجْزَ بِالنَّظَرِ إلى إرادَتَيْهِما. وثانِي عَشَرَها: أنَّهُما لَمّا كانا عالِمَيْنِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كانَ عِلْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ مَعْلُومِ الآخَرِ فَوَجَبَ تَماثُلُ عِلْمَيْهِما، والذّاتُ القابِلَةُ لِأحَدِ المِثْلَيْنِ قابِلَةٌ لِلْمِثْلِ الآخَرِ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَعَ جَوازِ اتِّصافِهِ بِصِفَةِ الآخَرِ عَلى البَدَلِ يَسْتَدْعِي مُخَصِّصًا يُخَصِّصُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَبْدًا فَقِيرًا ناقِصًا. وثالِثَ عَشَرَها: أنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ ونَقْصٌ في الشّاهِدِ، والفَرْدانِيَّةُ والتَّوَحُّدُ صِفَةُ كَمالٍ، ونَرى المُلُوكَ يَكْرَهُونَ الشَّرِكَةَ في المُلْكِ الحَقِيرِ المُخْتَصَرِ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، ونَرى أنَّهُ كُلَّما كانَ المُلْكُ أعْظَمَ كانَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الشَّرِكَةِ أشَدَّ، فَما ظَنُّكَ بِمُلْكِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومَلَكُوتِهِ، فَلَوْ أرادَ أحَدُهُما اسْتِخْلاصَ المُلْكِ لِنَفْسِهِ فَإنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كانَ المَغْلُوبُ فَقِيرًا عاجِزًا فَلا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ كانَ في أشَدِّ الغَمِّ والكَراهِيَةِ فَلا يَكُونُ إلَهًا. ورابِعَ عَشَرَها: أنّا لَوْ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ لَكانَ إمّا أنْ يَحْتاجَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ أوْ يَسْتَغْنِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ أوْ يَحْتاجَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ والآخَرُ يَسْتَغْنِي عَنْهُ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ناقِصًا لِأنَّ المُحْتاجَ ناقِصٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ، والمُسْتَغْنى عَنْهُ ناقِصٌ، ألا تَرى أنَّ البَلَدَ إذا كانَ لَهُ رَئِيسٌ والنّاسُ يُحَصِّلُونَ مَصالِحَ البَلَدِ
صفحة ١٣٣
مِن غَيْرِ رُجُوعٍ مِنهم إلَيْهِ ومِن غَيْرِ التِفاتٍ مِنهم إلَيْهِ عُدَّ ذَلِكَ الرَّئِيسُ ناقِصًا، فالإلَهُ هو الَّذِي يُسْتَغْنى بِهِ ولا يُسْتَغْنى عَنْهُ، وإنِ احْتاجَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ كانَ المُحْتاجُ ناقِصًا والمُحْتاجُ إلَيْهِ هو الإلَهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ظَنِّيَّةٌ إقْناعِيَّةٌ والِاعْتِمادَ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ، أمّا الدَّلائِلُ السَّمْعِيَّةُ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ [الحَدِيدِ: ٣] فالأوَّلُ هو الفَرْدُ السّابِقُ، ولِذَلِكَ لَوْ قالَ: أوَّلُ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ فَهو حُرٌّ فَلَوِ اشْتَرى أوَّلًا عَبْدَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ لِأنَّ شَرْطَ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ فَرْدًا وهَذا لَيْسَ بِفَرْدٍ، فَلَوِ اشْتَرى بَعْدَ ذَلِكَ واحِدًا لَمْ يَحْنَثْ أيْضًا لِأنَّ شَرْطَ الفَرْدِ أنْ يَكُونَ سابِقًا وهَذا لَيْسَ بِسابِقٍ، فَلَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ أوَّلًا وجَبَ أنْ يَكُونَ فَرْدًا سابِقًا فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] فالنَّصُّ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ أحَدٌ سِواهُ عالِمًا بِالغَيْبِ ولَوْ كانَ لَهُ شَرِيكٌ لَكانَ عالِمًا بِالغَيْبِ وهو خِلافُ النَّصِّ. وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِكَلِمَةِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] في سَبْعَةٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا مِن كِتابِهِ، وصَرَّحَ بِالوَحْدانِيَّةِ في مَواضِعَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ: ١] وكُلُّ ذَلِكَ صَرِيحٌ في البابِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ حُكْمٌ بِهَلاكِ كُلِّ ما سِواهُ، ومَن عُدِمَ بَعْدَ وجُودِهِ لا يَكُونُ قَدِيمًا، ومَن لا يَكُونُ قَدِيمًا لا يَكُونُ إلَهًا. وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩١] وقَوْلِهِ: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٤٢] . وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يُونُسَ: ١٠٧] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٨] . وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٤٦] وهَذا الحَصْرُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ. وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٢] فَلَوْ وُجِدَ الشَّرِيكُ لَمْ يَكُنْ خالِقًا فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ. واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَسْألَةٍ لا تَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ صِدْقِ الرُّسُلِ عَلَيْها فَإنَّهُ يُمْكِنُ إثْباتُها بِالسَّمْعِ، والوَحْدانِيَّةُ لا تَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ صِدْقِ الرُّسُلِ عَلَيْها، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ إثْباتُها بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ مَن طَعَنَ في دَلالَةِ التَّمانُعِ فَسَرَّ الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ لَوْ كانَ في السَّماءِ والأرْضِ آلِهَةٌ تَقُولُ بِإلَهِيَّتِها عَبَدَةُ الأوْثانِ لَزِمَ فَسادُ العالَمِ لِأنَّها جَماداتٌ لا تَقْدِرُ عَلى تَدْبِيرِ العالَمِ فَيَلْزَمُ فَسادُ العالَمِ، قالُوا وهَذا أوْلى لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا فَوَجَبَ أنْ يَخْتَصَّ الدَّلِيلُ بِهِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ القاطِعَةَ عَلى التَّوْحِيدِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ هو مُنَزَّهٌ لِأجْلِ هَذِهِ الأدِلَّةِ عَنْ وصْفِهِمْ بِأنَّ مَعَهُ إلَهًا، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالتَّسْبِيحِ إنَّما يَنْفَعُ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا وعَلى أنَّ طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ طَرِيقَةٌ مَهْجُورَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أيُّ فائِدَةٍ لِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ولِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ؟ وجَوابُهُ أنَّ هَذِهِ المُناظَرَةَ إنَّما وقَعَتْ مَعَ عَبْدَةِ الأصْنامِ، إلّا أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى يَعُمُّ جَمِيعَ المُخالِفِينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ العامِّ نَبَّهَ
صفحة ١٣٤
عَلى نُكْتَةٍ خاصَّةٍ بِعَبَدَةِ الأصْنامِ، وهي أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَجْعَلَ الجَمادَ الَّذِي لا يَعْقِلُ ولا يُحِسُّ شَرِيكًا في الإلَهِيَّةِ لِخالِقِ العَرْشِ العَظِيمِ ومُوجِدِ السَّماواتِ والأرَضِينَ ومُدَبِّرِ الخَلائِقِ مِنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ واللَّوْحِ والقَلَمِ والذّاتِ والصِّفاتِ والجَمادِ والنَّباتِ وأنْواعِ الحَيَواناتِ أجْمَعِينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى بَحْثَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُسْألُ عَنْ شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ ولا يُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ. والثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ مَسْؤُولُونَ عَنْ أفْعالِهِمْ. أمّا البَحْثُ الأوَّلُ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ عُمْدَةَ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا لَيْسَتْ إلّا طَلَبَ اللَّمِّيَّةِ في أفْعالِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الثَّنَوِيَّةَ والمَجُوسَ وهُمُ الَّذِينَ أثْبَتُوا الشَّرِيكَ لِلَّهِ تَعالى قالُوا: رَأيْنا في العالَمِ خَيْرًا وشَرًّا ولَذَّةً وألَمًا وحَياةً ومَوْتًا وصِحَّةً وسَقَمًا وغِنًى وفَقْرًا، وفاعِلُ الخَيْرِ خَيِّرٌ وفاعِلٌ الشَّرِّ شِرِّيرٌ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الواحِدُ خَيِّرًا وشِرِّيرًا مَعًا، فَلا بُدَّ مِن فاعِلَيْنِ لِيَكُونَ أحَدُهُما فاعِلًا لِلْخَيْرِ والآخَرُ فاعِلًا لِلشَّرِّ. ويَرْجِعُ حاصِلُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ إلى أنَّ مُدَبِّرَ العالَمِ لَوْ كانَ واحِدًا لَما خَصَّ هَذا بِالحَياةِ والصِّحَّةِ والغِنى، وخَصَّ ذَلِكَ بِالمَوْتِ والألَمِ والفَقْرِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى طَلَبِ اللَّمِّيَّةِ في أفْعالِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ مَدارُ أمْرِ القائِلِينَ بِالشَّرِيكِ عَلى طَلَبِ اللَّمِّيَّةِ لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى التَّوْحِيدِ ذَكَرَ ما هو النُّكْتَةُ الأصْلِيَّةُ في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ القائِلِينَ بِالشَّرِيكِ؛ لِأنَّ التَّرْتِيبَ الجَيِّدَ في المُناظَرَةِ أنْ يَقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ المُثْبِتِ لِلْمَطْلُوبِ ثُمَّ يَذْكُرَ بَعْدَهُ ما هو الجَوابُ عَنْ شُبْهَةِ الخَصْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ أمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَإنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ شَيْءٍ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ لَكانَتْ عِلِّيَّةُ تِلْكَ العِلَّةِ مُعَلَّلَةً بِعِلَّةٍ أُخْرى ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ فَلا بُدَّ في قَطْعِ التَّسَلْسُلِ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ما يَكُونُ غَنِيًّا عَنِ العِلَّةِ وأوْلى الأشْياءِ بِذَلِكَ ذاتُ اللَّهِ تَعالى وصِفاتُهُ، وكَما أنَّ ذاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الِافْتِقارِ إلى المُؤَثِّرِ والعِلَّةِ، وصِفاتَهُ مُبَرَّأةٌ عَنِ الِافْتِقارِ إلى المُبْدِعِ والمُخَصِّصِ فَكَذا فاعِلِيَّتُهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّسَةً عَنِ الِاسْتِنادِ إلى المُوجِبِ والمُؤَثِّرِ. وثانِيها: أنَّ فاعِلِيَّتَهُ لَوْ كانَتْ مُعَلَّلَةً بِعِلَّةٍ لَكانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ واجِبَةً أوْ مُمْكِنَةً فَإنْ كانَتْ واجِبَةً لَزِمَ مِن وُجُوبِها وُجُوبُ كَوْنِهِ فاعِلًا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُوجِبًا بِالذّاتِ لا فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ، وإنْ كانَتْ مُمْكِنَةً كانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى أيْضًا فَتَفْتَقِرُ فاعِلِيَّتُهُ لِتِلْكَ العِلَّةِ إلى عِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ عِلَّةَ فاعِلِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعالَمِ إنْ كانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ أنْ تَكُونَ فاعِلِيَّتُهُ لِلْعالَمِ قَدِيمَةً فَيَلْزَمُ قَدِمُ العالَمِ، وإنْ كانَتْ مُحْدَثَةً افْتَقَرَ إلى عِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ. ورابِعُها: أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِن تَحْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ بِدُونِ تِلْكَ الواسِطَةِ أوْ لا يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ. فَإنْ كانَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ كانَ تَوَسُّطُ تِلْكَ الواسِطَةِ عَبَثًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنهُ كانَ عاجِزًا والعَجْزُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، أمّا العَجْزُ عَلَيْنا فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَلِذَلِكَ كانَتْ أفْعالُنا مُعَلَّلَةً بِالأغْراضِ، وكُلُّ ذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وخامِسُها: أنَّهُ لَوْ كانَ فِعْلُهُ مُعَلَّلًا بِغَرَضٍ لَكانَ ذَلِكَ الغَرَضُ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى العِبادِ والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أنَّ الغَرَضَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العِبادِ، ولا غَرَضَ لِلْعِبادِ إلّا حُصُولُ اللَّذّاتِ وعَدَمُ حُصُولِ الآلامِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِها ابْتِداءً مِن غَيْرِ شَيْءٍ مِنَ الوَسائِطِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَفْعَلَ شَيْئًا لِأجْلِ
صفحة ١٣٥
شَيْءٍ. وسادِسُها: هو أنَّهُ لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لَكانَ وُجُودُ ذَلِكَ الغَرَضِ وعَدَمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى السَّواءِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ عَلى السَّواءِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ غَرَضًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى السَّواءِ لَزِمَ كَوْنُهُ تَعالى ناقِصًا بِذاتِهِ كامِلًا بِغَيْرِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَإنْ قُلْتَ: وُجُودُ ذَلِكَ الغَرَضِ وعَدَمُهُ وإنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّواءِ، أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ فالوُجُودُ أوْلى مِنَ العَدَمِ، قُلْنا: تَحْصِيلُ تِلْكَ الأوْلَوِيَّةِ لِلْعَبْدِ وعَدَمُ تَحْصِيلِها لَهُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّوِيَّةِ أوْ لا عَلى السَّوِيَّةِ، ويَعُودُ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ. وسابِعُها: وهو أنَّ المَوْجُودَ إمّا هو سُبْحانَهُ أوْ مُلْكُهُ، ومُلْكُهُ ومَن تَصَرَّفَ في مُلْكِ نَفْسِهِ لا يُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ. وثامِنُها: وهو أنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ ؟ فَهَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ حَيْثُ يَحْتَمِلُ أنْ يَقْدِرَ السّائِلُ عَلى مَنعِ المَسْؤُولِ مِنهُ عَنْ فِعْلِهِ وذَلِكَ مِنَ العَبْدِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَإنَّهُ لَوْ فَعَلَ أيَّ فِعْلٍ شاءَ فالعَبْدُ كَيْفَ يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ إمّا بِأنْ يُهَدِّدَهُ بِالعِقابِ والإيلامِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، أوْ بِأنْ يُهَدِّدَهُ بِاسْتِحْقاقِ الذَّمِّ والخُرُوجِ عَنِ الحِكْمَةِ والِاتِّصافِ بِالسَّفاهَةِ عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ وذَلِكَ أيْضًا مُحالٌ، لِأنَّ اسْتِحْقاقَهُ لِلْمَدْحِ واتِّصافَهُ بِصِفاتِ الحِكْمَةِ والجَلالِ أُمُورٌ ذاتِيَّةٌ لَهُ، وما ثَبَتَ لِلشَّيْءِ لِذاتِهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَبَدَّلَ لِأجْلِ تَبَدُّلِ الصِّفاتِ العَرَضِيَّةِ الخارِجِيَّةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلَّهِ في أفْعالِهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ ؟ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ صُنْعُهُ ولا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم سَلَّمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ ولَكِنَّهم بَنَوْا ذَلِكَ عَلى أصْلٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِقُبْحِ القَبائِحِ، وعالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَفْعَلَ القَبِيحَ، وإذا عَرَفْنا ذَلِكَ عَرَفْنا إجْمالًا أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى فَهو حِكْمَةٌ وصَوابٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ لِلَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذا.
* * *
أمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُكَلَّفِينَ مَسْؤُولِينَ عَنْ أفْعالِهِمْ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الكَلامَ في هَذا السُّؤالِ إمّا في الإمْكانِ العَقْلِيِّ أوْ في الوُقُوعِ السَّمْعِيِّ، أمّا الإمْكانُ العَقْلِيُّ فالخِلافُ فِيهِ مَعَ مُنْكِرِي التَّكالِيفِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: قالُوا: التَّكْلِيفُ إمّا أنْ يَتَوَجَّهَ عَلى العَبْدِ حالَ اسْتِواءِ داعِيَتِهِ إلى الفِعْلِ والتَّرْكِ، أوْ حالَ رُجْحانِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ حالَ الِاسْتِواءِ يَمْتَنِعُ التَّرْجِيحُ، وحالَ امْتِناعِ التَّرْجِيحِ يَكُونُ التَّكْلِيفُ بِالتَّرْجِيحِ تَكْلِيفًا بِالمُحالِ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّ حالَ الرُّجْحانِ يَكُونُ الرّاجِحُ واجِبَ الوُقُوعِ والمَرْجُوحُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، والتَّكْلِيفُ بِإيقاعِ ما يَكُونُ واجِبَ الوُقُوعِ عَبَثٌ، وبِإيقاعِ ما هو مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ. وثانِيها: قالُوا: كُلُّ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِهِ عَبَثًا، وكُلُّ ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَهُ كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِهِ تَكْلِيفًا بِما لا يُطاقُ. وثالِثُها: قالُوا: سُؤالُ العَبْدِ إمّا أنْ يَكُونَ لِفائِدَةٍ أوْ لا لِفائِدَةٍ، فَإنْ كانَ لِفائِدَةٍ فَتِلْكَ الفائِدَةُ إنْ عادَتْ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ مُحْتاجًا وهو مُحالٌ، وإنْ عادَتْ إلى العَبْدِ فَهو مُحالٌ، لِأنَّ سُؤالَهُ لَمّا كانَ سَبَبًا لِتَوْجِيهِ العِقابِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ هَذا نَفْعًا عائِدًا إلى العَبْدِ بَلْ ضَرَرًا عائِدًا إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في السُّؤالِ فائِدَةٌ كانَ عَبَثًا وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى الحَكِيمِ، بَلْ كانَ إضْرارًا وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى الرَّحِيمِ. والجَوابُ عَنْها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ غَرَضَكم مِن إيرادِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ النّافِيَةِ لِلتَّكْلِيفِ أنْ تُلْزِمُونا نَفْيَ التَّكْلِيفِ فَكَأنَّكم تُكَلِّفُونا بِنَفْيِ التَّكْلِيفِ وهو مُتَناقِضٌ. والثّانِي: وهو أنَّ مَدارَ كَلامِكم في هَذِهِ الشُّبُهاتِ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ التَّكالِيفَ كُلَّها تَكالِيفٌ بِما لا يُطاقُ فَلا يَجُوزُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يُوجِبَها عَلى العِبادِ فَيَرْجِعُ حاصِلُ هَذِهِ الشُّبُهاتِ إلى أنَّهُ يُقالُ لَهُ تَعالى: لِمَ
صفحة ١٣٦
كَلَّفْتَ عِبادَكَ، إلّا أنَّ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ كالأصْلِ والقاعِدَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ فَتَأمَّلْ في هَذِهِ الدَّقائِقِ العَجِيبَةِ لِتَقِفَ عَلى طَرَفٍ مِن أسْرارِ عِلْمِ القُرْآنِ، وأمّا الوُقُوعُ السَّمْعِيُّ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ وإنْ كانَ مُتَأكَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٩٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٤] إلّا أنَّهُ يُناقِضُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] والجَوابُ: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ وفِيهِ مَقاماتٌ فَيَصْرِفُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ السَّلْبِ والإيجابِ إلى مَقامٍ آخَرَ دَفْعًا لِلتَّناقُضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ هو الخالِقُ لِلْحَسَنِ والقَبِيحِ لَوَجَبَ أنْ يُسْألَ عَمّا يَفْعَلُ، بَلْ كانَ يُذَمُّ بِما حَقُّهُ الذَّمُّ، كَما يُحْمَدُ بِما حَقُّهُ المَدْحُ. وثانِيها: أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ لا يُسْألَ عَنِ الأُمُورِ إذا كانَ لا فاعِلَ سِواهُ. وثالِثُها: أنَّهُ كانَ لا يَجُوزُ أنْ يُسْألُوا عَنْ عَمَلِهِمْ إذْ لا عَمَلَ لَهم. ورابِعُها: أنَّ أعْمالَهم لا يُمْكِنُهم أنْ يَعْدِلُوا عَنْها مِن حَيْثُ خَلَقَها وأوْجَدَها فِيهِمْ. وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ بِأنَّهُ يَقْبَلُ حُجَّةَ العِبادِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٥] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ لَهم عَلَيْهِ الحُجَّةَ قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] ونَظائِرُ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ وكُلُّها تَدُلُّ عَلى أنَّ حُجَّةَ العَبْدِ مُتَوَجِّهَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وسادِسُها: قالَ ثُمامَةُ: إذا وقَفَ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ما حَمَلَكَ عَلى مَعْصِيَتِي ؟ فَيَقُولُ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ: يا رَبِّ إنَّكَ خَلَقْتَنِي كافِرًا وأمَرْتَنِي بِما لا أقْدِرُ عَلَيْهِ وحُلْتَ بَيْنِي وبَيْنَهُ. ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ يَكُونُ صادِقًا، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائِدَةِ: ١١٩] فَوَجَبَ أنْ يَنْفَعَهُ هَذا الكَلامُ فَقِيلَ لَهُ: ومَن يَدَعُهُ يَقُولُ هَذا الكَلامَ أوْ يَحْتَجُّ ؟ فَقالَ ثُمامَةُ: ألَيْسَ إذا مَنَعَهُ اللَّهُ الكَلامَ والحُجَّةَ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ مَنَعَهُ مِمّا لَوْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنهُ لانْقَطَعَ في يَدِهِ، وهَذا نِهايَةُ الِانْقِطاعِ. والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّها مُعارَضَةٌ بِمَسْألَةِ الدّاعِي ومَسْألَةِ العِلْمِ ثُمَّ بِالوُجُوهِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي بَيَّنّا فِيها أنَّهُ يَسْتَحِيلُ طَلَبُ لَمِيَّةِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ.
الأنبياء 21:23
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ النَّحْوِ إلّا هَهُنا بِمَعْنى غَيْرُ، أيْ لَوْ كانَ يَتَوَلّاهُما ويُدَبِّرُ أُمُورَهُما شَيْءٌ غَيْرُ الواحِدِ الَّذِي هو فاطِرُهُما لَفَسَدَتا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ لَكانَ المَعْنى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ لَيْسَ مَعَهُمُ اللَّهُ لَفَسَدَتا، وهَذا يُوجِبُ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ مَعَهُمُ اللَّهُ أنْ لا يَحْصُلَ الفَسادُ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ فَسَواءٌ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَهم أوْ كانَ فالفَسادُ لازِمٌ. ولَمّا بَطَلَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُتَكَلِّمُونَ: القَوْلُ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ يُفْضِي إلى المُحالِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ مُحالًا، إنَّما قُلْنا إنَّهُ يُفْضِي إلى المُحالِ لِأنّا لَوْ فَرَضْنا وُجُودَ إلَهَيْنِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قادِرًا عَلى تَحْرِيكِ زَيْدٍ وتَسْكِينِهِ، فَلَوْ فَرَضْنا أنَّ أحَدَهُما أرادَ تَحْرِيكَهُ والآخَرَ تَسْكِينَهُ فَإمّا أنْ يَقَعَ المَرادانِ وهو مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، أوْ لا يَقَعَ واحِدٌ مِنهُما وهو مُحالٌ لِأنَّ المانِعَ مِن وُجُودِ مُرادِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرادُ الآخَرِ، فَلا يَمْتَنِعُ مُرادُ هَذا إلّا عِنْدَ وُجُودِ مُرادِ ذَلِكَ وبِالعَكْسِ، فَلَوِ امْتَنَعا مَعًا لَوُجِدا مَعًا وذَلِكَ مُحالٌ، أوْ يَقَعُ مُرادُ أحَدِهِما دُونَ الثّانِي وذَلِكَ مُحالٌ أيْضًا لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ امْتَنَعَ كَوْنُ أحَدِهِما أقْدَرَ مِنَ الآخَرِ بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَسْتَوِيا في القُدْرَةِ، وإذا اسْتَوَيا في القُدْرَةِ اسْتَحالَ أنْ يَصِيرَ مُرادُ أحَدِهِما أوْلى بِالوُقُوعِ مِن مُرادِ الثّانِي وإلّا لَزِمَ تَرْجِيحُ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ. وثانِيهِما: أنَّهُ إذا وقَعَ مُرادُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ فالَّذِي وقَعَ مُرادُهُ يَكُونُ قادِرًا والَّذِي لَمْ يَقَعْ مُرادُهُ يَكُونُ عاجِزًا والعَجْزُ نَقْصٌ وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ. فَإنْ قِيلَ: الفَسادُ إنَّما يَلْزَمُ عِنْدَ اخْتِلافِهِما في الإرادَةِ وأنْتُمْ لا تَدَّعُونَ وُجُوبَ اخْتِلافِهِما في الإرادَةِ بَلْ أقْصى ما تَدَّعُونَهُ أنَّ اخْتِلافَهُما في الإرادَةِ مُمْكِنٌ، فَإذا كانَ الفَسادُ مَبْنِيًّا عَلى الِاخْتِلافِ في الإرادَةِ وهَذا الِاخْتِلافُ مُمْكِنٌ والمَبْنِيُّ عَلى المُمْكِنِ مُمْكِنٌ فَكانَ الفَسادُ مُمْكِنًا لا واقِعًا فَكَيْفَ جَزَمَ اللَّهُ تَعالى بِوُقُوعِ الفَسادِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَعَلَّهُ سُبْحانَهُ أجْرى المُمْكِنَ مَجْرى الواقِعِ بِناءً عَلى الظّاهِرِ مِن حَيْثُ إنَّ الرَّعِيَّةَ تَفْسَدُ بِتَدْبِيرِ المَلِكَيْنِ لِما يَحْدُثُ بَيْنَهُما مِنَ التَّغالُبِ. والثّانِي: وهو الأقْوى أنْ نُبَيِّنَ لُزُومَ الفَسادِ لا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ بَلْ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَنَقُولُ: لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ لَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ فَيُفْضِي إلى وُقُوعِ مَقْدُورٍ مِن قادِرَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ مِن وجْهٍ واحِدٍ وهو مُحالٌ لِأنَّ اسْتِنادَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ لِإمْكانِهِ فَإذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلًّا بِالإيجادِ فالفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعَ هَذا يَكُونُ واجِبَ الوُقُوعِ فَيَسْتَحِيلُ إسْنادُهُ إلى هَذا لِكَوْنِهِ حاصِلًا مِنهُما
صفحة ١٣١
جَمِيعًا فَيَلْزَمُ اسْتِغْناؤُهُ عَنْهُما مَعًا واحْتِياجُهُ إلَيْهِما مَعًا وذَلِكَ مُحالٌ. وهَذِهِ حُجَّةٌ تامَّةٌ في مَسْألَةِ التَّوْحِيدِ، فَنَقُولُ: القَوْلُ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ يُفْضِي إلى امْتِناعِ وُقُوعِ المَقْدُورِ لِواحِدٍ مِنهُما، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَقَعَ البَتَّةَ وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ وُقُوعُ الفَسادِ قَطْعًا، أوْ نَقُولُ: لَوْ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ فَإمّا أنْ يَتَّفِقا أوْ يَخْتَلِفا، فَإنِ اتَّفَقا عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ فَذَلِكَ الواحِدُ مَقْدُورٌ لَهُما ومُرادٌ لَهُما فَيَلْزَمُ وُقُوعُهُ بِهِما وهو مُحالٌ، وإنِ اخْتَلَفا فَإمّا أنْ يَقَعَ المُرادانِ أوْ لا يَقَعَ واحِدٌ مِنهُما أوْ يَقَعَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ والكُلُّ مُحالٌ فَثَبَتَ أنَّ الفَسادَ لازِمٌ عَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ، فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَّفِقا عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ ولا يَلْزَمُ الفَسادُ لِأنَّ الفَسادَ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ أرادَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يُوجِدَهُ هو وهَذا اخْتِلافٌ، أمّا إذا أرادَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَكُونَ المُوجِدُ لَهُ أحَدَهُما بِعَيْنِهِ فَهُناكَ لا يَلْزَمُ وُقُوعُ مَخْلُوقٍ بَيْنَ خالِقَيْنِ، قُلْتُ: كَوْنُهُ مُوجِدًا لَهُ، إمّا أنْ يَكُونَ نَفْسَ القُدْرَةِ والإرادَةِ أوْ نَفْسَ ذَلِكَ الأثَرِ أوْ أمْرًا ثالِثًا، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَزِمَ الِاشْتِراكُ في القُدْرَةِ والإرادَةِ والِاشْتِراكِ في المُوجِدِ، وإنْ كانَ الثّانِي فَلَيْسَ وُقُوعُ ذَلِكَ الأثَرِ بِقُدْرَةِ أحَدِهِما وإرادَتِهِ أوْلى مِن وُقُوعِهِ بِقُدْرَةِ الثّانِي؛ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما إرادَةً مُسْتَقِلَّةً بِالتَّأْثِيرِ، وإنْ كانَ الثّالِثَ وهو أنْ يَكُونَ المُوجِدُ لَهُ أمْرًا ثالِثًا فَذَلِكَ الثّالِثُ إنْ كانَ قَدِيمًا اسْتَحالَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقَ الإرادَةِ، وإنْ كانَ حادِثًا فَهو نَفْسُ الأثَرِ، ويَصِيرُ هَذا القِسْمُ هو القِسْمُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرْناهُ. واعْلَمْ أنَّكَ لَمّا وقَفْتَ عَلى حَقِيقَةِ هَذِهِ الدَّلالَةِ عَرَفْتَ أنَّ جَمِيعَ ما في هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ مِنَ المُحْدَثاتِ والمَخْلُوقاتِ فَهو دَلِيلُ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بَلْ وُجُودُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ دَلِيلٌ تامٌّ عَلى التَّوْحِيدِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّاهُ. وهَذِهِ الدَّلالَةُ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَهُنا أدِلَّةً أُخْرى عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
أحَدُها وهو الأقْوى: أنْ يُقالَ: لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ واجِبَيِ الوُجُودِ لِذاتَيْهِما فَلا بُدَّ وأنْ يَشْتَرِكا في الوُجُودِ ولا بُدَّ وأنْ يَمْتازَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِنَفْسِهِ وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا مِمّا بِهِ يُشارِكُ الآخَرَ ومِمّا بِهِ امْتازَ عَنْهُ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ وجُزْؤُهُ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ. هَذا خُلْفٌ، فَإذِنْ واجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ إلّا الواحِدُ وكُلُّ ما عَداهُ فَهو مُمْكِنٌ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ وكُلُّ مُفْتَقِرٍ في وُجُودِهِ إلى الغَيْرِ فَهو مُحْدَثٌ فَكُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُحْدَثٌ، ويُمْكِنُ جَعْلُ هَذِهِ الدَّلالَةِ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنّا إنَّما دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ مَوْجُودَيْنِ واجِبَيْنِ أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُما واجِبًا وإذا لَمْ يُوجَدِ الواجِبُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن هَذِهِ المُمْكِناتِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الفَسادُ فَثَبَتَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن وُجُودِ إلَهَيْنِ وُقُوعُ الفَسادِ في كُلِّ العالَمِ. وثانِيها: أنّا لَوْ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشارِكًا لِلْآخَرِ في الإلَهِيَّةِ، ولا بُدَّ وأنْ يَتَمَيَّزَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرٍ ما وإلّا لَما حَصَلَ التَّعَدُّدُ، فَما بِهِ المُمايَزَةُ إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةَ كَمالٍ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ صِفَةَ كَمالٍ فالخالِي عَنْهُ يَكُونُ خالِيًا عَنِ الكَمالِ فَيَكُونُ ناقِصًا والنّاقِصُ لا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَةَ كَمالٍ فالمَوْصُوفُ بِهِ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِما لا يَكُونُ صِفَةَ كَمالٍ فَيَكُونُ ناقِصًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ما بِهِ المُمايَزَةُ إنْ كانَ مُعْتَبَرًا في تَحَقُّقِ الإلَهِيَّةِ فالخالِي عَنْهُ لا يَكُونُ إلَهًا وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا في الإلَهِيَّةِ لَمْ يَكُنِ الِاتِّصافُ بِهِ واجِبًا فَيَفْتَقِرُ إلى المُخَصَّصِ فالمَوْصُوفُ بِهِ مُفْتَقِرٌ ومُحْتاجٌ. وثالِثُها: أنْ يُقالَ: لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ لَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الغَيْرُ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما، لَكِنَّ الِامْتِيازَ في عُقُولِنا لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّبايُنِ في المَكانِ أوْ في الزَّمانِ أوْ في الوُجُوبِ والإمْكانِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى الإلَهِ مُحالٌ فَيَمْتَنِعُ حُصُولُ الِامْتِيازِ. ورابِعُها: أنَّ أحَدَ الإلَهَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ كافِيًا في تَدْبِيرِ العالَمِ أوْ لا يَكُونَ فَإنْ كانَ كافِيًا كانَ الثّانِي ضائِعًا غَيْرَ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، وذَلِكَ نَقْصٌ والنّاقِصُ لا
صفحة ١٣٢
يَكُونُ إلَهًا. وخامِسُها: أنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي احْتِياجَ المُحْدَثِ إلى الفاعِلِ ولا امْتِناعَ في كَوْنِ الفاعِلِ الواحِدِ مُدَبِّرًا لِكُلِّ العالَمِ، فَأمّا ما وراءَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَدَدٌ أوْلى مِن عَدَدٍ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى وُجُودِ أعْدادٍ لا نِهايَةَ لَها وذَلِكَ مُحالٌ فالقَوْلُ بِوُجُودِ الآلِهَةِ مُحالٌ. وسادِسُها: أنَّ أحَدَ الإلَهَيْنِ إمّا أنْ يَقْدِرَ عَلى أنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَدُلُّ عَلى غَيْرِهِ أوْ لا يَقْدِرَ عَلَيْهِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ دَلِيلَ الصّانِعِ لَيْسَ إلّا بِالمُحْدَثاتِ ولَيْسَ في حُدُوثِ المُحْدَثاتِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ أحَدِهِما دُونَ الثّانِي، والتّالِي مُحالٌ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى كَوْنِهِ عاجِزًا عَنْ تَعْرِيفِ نَفْسِهِ عَلى التَّعْيِينِ، والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا. وسابِعُها: أنَّ أحَدَ الإلَهَيْنِ إمّا أنْ يَقْدِرَ عَلى أنْ يَسْتُرَ شَيْئًا مِن أفْعالِهِ عَنِ الآخَرِ أوْ لا يَقْدِرَ، فَإنْ قَدَرَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ المَسْتُورُ عَنْهُ جاهِلًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ لَزِمَ كَوْنُهُ عاجِزًا. وثامِنُها: لَوْ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ لَكانَ مَجْمُوعُ قُدْرَتَيْهِما بَيْنَهُما أقْوى مِن قُدْرَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وحْدَهُ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القُدْرَتَيْنِ مُتَناهِيًا والمَجْمُوعُ ضِعْفُ المُتَناهِي فَيَكُونُ الكُلُّ مُتَناهِيًا. وتاسِعُها: العَدَدُ ناقِصٌ لِاحْتِياجِهِ إلى الواحِدِ، والواحِدُ الَّذِي يُوجَدُ مِن جِنْسِهِ عَدَدٌ ناقِصٌ ناقِصٌ، لِأنَّ العَدَدَ أزْيَدُ مِنهُ، والنّاقِصُ لا يَكُونُ إلَهًا فالإلَهُ واحِدٌ لا مَحالَةَ. وعاشِرُها: أنّا لَوْ فَرَضْنا مَعْدُومًا مُمْكِنَ الوُجُودِ ثُمَّ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ واحِدٌ مِنهُما عَلى إيجادِهِ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عاجِزًا والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ قَدَرَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ فَهَذا الآخَرُ يَكُونُ إلَهًا، وإنْ قَدِرا جَمِيعًا فَإمّا أنْ يُوجِداهُ بِالتَّعاوُنِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُحْتاجًا إلى إعانَةِ الآخَرِ، وإنْ قَدَرَ كُلُّ واحِدٍ عَلى إيجادِهِ بِالِاسْتِقْلالِ فَإذا أوْجَدَهُ أحَدُهُما فَإمّا أنْ يَبْقى الثّانِي قادِرًا عَلَيْهِ وهو مُحالٌ لِأنَّ إيجادَ المَوْجُودِ مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الأوَّلُ قَدْ أزالَ قُدْرَةَ الثّانِي وعَجْزَهُ فَيَكُونُ مَقْهُورًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ فَلا يَكُونُ إلَهًا. فَإنْ قِيلَ الواجِدُ إذا أوْجَدَ مَقْدُورَهُ فَقَدْ زالَتْ قُدْرَتُهُ عَنْهُ فَيَلْزَمُكُمُ العَجْزُ، قُلْنا: الواحِدُ إذا أوْجَدَهُ فَقَدْ نَفَذَتْ قُدْرَتُهُ فَنَفاذُ القُدْرَةِ لا يَكُونُ عَجْزًا، أمّا الشَّرِيكُ فَإنَّهُ لَمّا نَفَذَتْ قُدْرَتُهُ لَمْ يَبْقَ لِشَرِيكِهِ قُدْرَةٌ البَتَّةَ بَلْ زالَتْ قُدْرَتُهُ بِسَبَبِ قُدْرَةِ الأوَّلِ فَيَكُونُ تَعْجِيزًا. الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ نُقَرِّرَ هَذِهِ الدَّلالَةَ عَلى وجْهٍ آخَرَ وهو أنْ نُعَيِّنَ جِسْمًا ونَقُولَ هَلْ يَقْدِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى خَلْقِ الحَرَكَةِ فِيهِ بَدَلًا عَنِ السُّكُونِ وبِالعَكْسِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ كانَ عاجِزًا وإنْ قَدَرَ فَنَسُوقُ الدَّلالَةَ إلى أنْ نَقُولَ: إذا خَلَقَ أحَدُهُما فِيهِ حَرَكَةً امْتَنَعَ عَلى الثّانِي خَلْقُ السُّكُونِ، فالأوَّلُ أزالَ قُدْرَةَ الثّانِي وعَجَّزَهُ فَلا يَكُونُ إلَهًا، وهَذانَ الوَجْهانِ يُفِيدانِ العَجْزَ نَظَرًا إلى قُدْرَتَيْهِما، والدَّلالَةُ الأُولى إنَّما تُفِيدُ العَجْزَ بِالنَّظَرِ إلى إرادَتَيْهِما. وثانِي عَشَرَها: أنَّهُما لَمّا كانا عالِمَيْنِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كانَ عِلْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ مَعْلُومِ الآخَرِ فَوَجَبَ تَماثُلُ عِلْمَيْهِما، والذّاتُ القابِلَةُ لِأحَدِ المِثْلَيْنِ قابِلَةٌ لِلْمِثْلِ الآخَرِ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَعَ جَوازِ اتِّصافِهِ بِصِفَةِ الآخَرِ عَلى البَدَلِ يَسْتَدْعِي مُخَصِّصًا يُخَصِّصُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَبْدًا فَقِيرًا ناقِصًا. وثالِثَ عَشَرَها: أنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ ونَقْصٌ في الشّاهِدِ، والفَرْدانِيَّةُ والتَّوَحُّدُ صِفَةُ كَمالٍ، ونَرى المُلُوكَ يَكْرَهُونَ الشَّرِكَةَ في المُلْكِ الحَقِيرِ المُخْتَصَرِ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، ونَرى أنَّهُ كُلَّما كانَ المُلْكُ أعْظَمَ كانَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الشَّرِكَةِ أشَدَّ، فَما ظَنُّكَ بِمُلْكِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومَلَكُوتِهِ، فَلَوْ أرادَ أحَدُهُما اسْتِخْلاصَ المُلْكِ لِنَفْسِهِ فَإنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كانَ المَغْلُوبُ فَقِيرًا عاجِزًا فَلا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ كانَ في أشَدِّ الغَمِّ والكَراهِيَةِ فَلا يَكُونُ إلَهًا. ورابِعَ عَشَرَها: أنّا لَوْ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ لَكانَ إمّا أنْ يَحْتاجَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ أوْ يَسْتَغْنِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ أوْ يَحْتاجَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ والآخَرُ يَسْتَغْنِي عَنْهُ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ناقِصًا لِأنَّ المُحْتاجَ ناقِصٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ، والمُسْتَغْنى عَنْهُ ناقِصٌ، ألا تَرى أنَّ البَلَدَ إذا كانَ لَهُ رَئِيسٌ والنّاسُ يُحَصِّلُونَ مَصالِحَ البَلَدِ
صفحة ١٣٣
مِن غَيْرِ رُجُوعٍ مِنهم إلَيْهِ ومِن غَيْرِ التِفاتٍ مِنهم إلَيْهِ عُدَّ ذَلِكَ الرَّئِيسُ ناقِصًا، فالإلَهُ هو الَّذِي يُسْتَغْنى بِهِ ولا يُسْتَغْنى عَنْهُ، وإنِ احْتاجَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ كانَ المُحْتاجُ ناقِصًا والمُحْتاجُ إلَيْهِ هو الإلَهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ظَنِّيَّةٌ إقْناعِيَّةٌ والِاعْتِمادَ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ، أمّا الدَّلائِلُ السَّمْعِيَّةُ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ [الحَدِيدِ: ٣] فالأوَّلُ هو الفَرْدُ السّابِقُ، ولِذَلِكَ لَوْ قالَ: أوَّلُ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ فَهو حُرٌّ فَلَوِ اشْتَرى أوَّلًا عَبْدَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ لِأنَّ شَرْطَ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ فَرْدًا وهَذا لَيْسَ بِفَرْدٍ، فَلَوِ اشْتَرى بَعْدَ ذَلِكَ واحِدًا لَمْ يَحْنَثْ أيْضًا لِأنَّ شَرْطَ الفَرْدِ أنْ يَكُونَ سابِقًا وهَذا لَيْسَ بِسابِقٍ، فَلَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ أوَّلًا وجَبَ أنْ يَكُونَ فَرْدًا سابِقًا فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] فالنَّصُّ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ أحَدٌ سِواهُ عالِمًا بِالغَيْبِ ولَوْ كانَ لَهُ شَرِيكٌ لَكانَ عالِمًا بِالغَيْبِ وهو خِلافُ النَّصِّ. وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِكَلِمَةِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] في سَبْعَةٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا مِن كِتابِهِ، وصَرَّحَ بِالوَحْدانِيَّةِ في مَواضِعَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ: ١] وكُلُّ ذَلِكَ صَرِيحٌ في البابِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ حُكْمٌ بِهَلاكِ كُلِّ ما سِواهُ، ومَن عُدِمَ بَعْدَ وجُودِهِ لا يَكُونُ قَدِيمًا، ومَن لا يَكُونُ قَدِيمًا لا يَكُونُ إلَهًا. وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩١] وقَوْلِهِ: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٤٢] . وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يُونُسَ: ١٠٧] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٨] . وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٤٦] وهَذا الحَصْرُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ. وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٢] فَلَوْ وُجِدَ الشَّرِيكُ لَمْ يَكُنْ خالِقًا فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ. واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَسْألَةٍ لا تَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ صِدْقِ الرُّسُلِ عَلَيْها فَإنَّهُ يُمْكِنُ إثْباتُها بِالسَّمْعِ، والوَحْدانِيَّةُ لا تَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ صِدْقِ الرُّسُلِ عَلَيْها، فَلا جَرَمَ يُمْكِنُ إثْباتُها بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ مَن طَعَنَ في دَلالَةِ التَّمانُعِ فَسَرَّ الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ لَوْ كانَ في السَّماءِ والأرْضِ آلِهَةٌ تَقُولُ بِإلَهِيَّتِها عَبَدَةُ الأوْثانِ لَزِمَ فَسادُ العالَمِ لِأنَّها جَماداتٌ لا تَقْدِرُ عَلى تَدْبِيرِ العالَمِ فَيَلْزَمُ فَسادُ العالَمِ، قالُوا وهَذا أوْلى لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا فَوَجَبَ أنْ يَخْتَصَّ الدَّلِيلُ بِهِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ القاطِعَةَ عَلى التَّوْحِيدِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ هو مُنَزَّهٌ لِأجْلِ هَذِهِ الأدِلَّةِ عَنْ وصْفِهِمْ بِأنَّ مَعَهُ إلَهًا، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالتَّسْبِيحِ إنَّما يَنْفَعُ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا وعَلى أنَّ طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ طَرِيقَةٌ مَهْجُورَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أيُّ فائِدَةٍ لِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ولِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ؟ وجَوابُهُ أنَّ هَذِهِ المُناظَرَةَ إنَّما وقَعَتْ مَعَ عَبْدَةِ الأصْنامِ، إلّا أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى يَعُمُّ جَمِيعَ المُخالِفِينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ العامِّ نَبَّهَ
صفحة ١٣٤
عَلى نُكْتَةٍ خاصَّةٍ بِعَبَدَةِ الأصْنامِ، وهي أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَجْعَلَ الجَمادَ الَّذِي لا يَعْقِلُ ولا يُحِسُّ شَرِيكًا في الإلَهِيَّةِ لِخالِقِ العَرْشِ العَظِيمِ ومُوجِدِ السَّماواتِ والأرَضِينَ ومُدَبِّرِ الخَلائِقِ مِنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ واللَّوْحِ والقَلَمِ والذّاتِ والصِّفاتِ والجَمادِ والنَّباتِ وأنْواعِ الحَيَواناتِ أجْمَعِينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى بَحْثَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُسْألُ عَنْ شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ ولا يُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ. والثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ مَسْؤُولُونَ عَنْ أفْعالِهِمْ. أمّا البَحْثُ الأوَّلُ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ عُمْدَةَ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا لَيْسَتْ إلّا طَلَبَ اللَّمِّيَّةِ في أفْعالِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الثَّنَوِيَّةَ والمَجُوسَ وهُمُ الَّذِينَ أثْبَتُوا الشَّرِيكَ لِلَّهِ تَعالى قالُوا: رَأيْنا في العالَمِ خَيْرًا وشَرًّا ولَذَّةً وألَمًا وحَياةً ومَوْتًا وصِحَّةً وسَقَمًا وغِنًى وفَقْرًا، وفاعِلُ الخَيْرِ خَيِّرٌ وفاعِلٌ الشَّرِّ شِرِّيرٌ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الواحِدُ خَيِّرًا وشِرِّيرًا مَعًا، فَلا بُدَّ مِن فاعِلَيْنِ لِيَكُونَ أحَدُهُما فاعِلًا لِلْخَيْرِ والآخَرُ فاعِلًا لِلشَّرِّ. ويَرْجِعُ حاصِلُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ إلى أنَّ مُدَبِّرَ العالَمِ لَوْ كانَ واحِدًا لَما خَصَّ هَذا بِالحَياةِ والصِّحَّةِ والغِنى، وخَصَّ ذَلِكَ بِالمَوْتِ والألَمِ والفَقْرِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى طَلَبِ اللَّمِّيَّةِ في أفْعالِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ مَدارُ أمْرِ القائِلِينَ بِالشَّرِيكِ عَلى طَلَبِ اللَّمِّيَّةِ لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى التَّوْحِيدِ ذَكَرَ ما هو النُّكْتَةُ الأصْلِيَّةُ في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ القائِلِينَ بِالشَّرِيكِ؛ لِأنَّ التَّرْتِيبَ الجَيِّدَ في المُناظَرَةِ أنْ يَقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ المُثْبِتِ لِلْمَطْلُوبِ ثُمَّ يَذْكُرَ بَعْدَهُ ما هو الجَوابُ عَنْ شُبْهَةِ الخَصْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ أمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَإنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ شَيْءٍ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ لَكانَتْ عِلِّيَّةُ تِلْكَ العِلَّةِ مُعَلَّلَةً بِعِلَّةٍ أُخْرى ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ فَلا بُدَّ في قَطْعِ التَّسَلْسُلِ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ما يَكُونُ غَنِيًّا عَنِ العِلَّةِ وأوْلى الأشْياءِ بِذَلِكَ ذاتُ اللَّهِ تَعالى وصِفاتُهُ، وكَما أنَّ ذاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الِافْتِقارِ إلى المُؤَثِّرِ والعِلَّةِ، وصِفاتَهُ مُبَرَّأةٌ عَنِ الِافْتِقارِ إلى المُبْدِعِ والمُخَصِّصِ فَكَذا فاعِلِيَّتُهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّسَةً عَنِ الِاسْتِنادِ إلى المُوجِبِ والمُؤَثِّرِ. وثانِيها: أنَّ فاعِلِيَّتَهُ لَوْ كانَتْ مُعَلَّلَةً بِعِلَّةٍ لَكانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ واجِبَةً أوْ مُمْكِنَةً فَإنْ كانَتْ واجِبَةً لَزِمَ مِن وُجُوبِها وُجُوبُ كَوْنِهِ فاعِلًا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُوجِبًا بِالذّاتِ لا فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ، وإنْ كانَتْ مُمْكِنَةً كانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى أيْضًا فَتَفْتَقِرُ فاعِلِيَّتُهُ لِتِلْكَ العِلَّةِ إلى عِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ عِلَّةَ فاعِلِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعالَمِ إنْ كانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ أنْ تَكُونَ فاعِلِيَّتُهُ لِلْعالَمِ قَدِيمَةً فَيَلْزَمُ قَدِمُ العالَمِ، وإنْ كانَتْ مُحْدَثَةً افْتَقَرَ إلى عِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ. ورابِعُها: أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِن تَحْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ بِدُونِ تِلْكَ الواسِطَةِ أوْ لا يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ. فَإنْ كانَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ كانَ تَوَسُّطُ تِلْكَ الواسِطَةِ عَبَثًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنهُ كانَ عاجِزًا والعَجْزُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، أمّا العَجْزُ عَلَيْنا فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَلِذَلِكَ كانَتْ أفْعالُنا مُعَلَّلَةً بِالأغْراضِ، وكُلُّ ذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وخامِسُها: أنَّهُ لَوْ كانَ فِعْلُهُ مُعَلَّلًا بِغَرَضٍ لَكانَ ذَلِكَ الغَرَضُ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى العِبادِ والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أنَّ الغَرَضَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العِبادِ، ولا غَرَضَ لِلْعِبادِ إلّا حُصُولُ اللَّذّاتِ وعَدَمُ حُصُولِ الآلامِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِها ابْتِداءً مِن غَيْرِ شَيْءٍ مِنَ الوَسائِطِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَفْعَلَ شَيْئًا لِأجْلِ
صفحة ١٣٥
شَيْءٍ. وسادِسُها: هو أنَّهُ لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لَكانَ وُجُودُ ذَلِكَ الغَرَضِ وعَدَمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى السَّواءِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ عَلى السَّواءِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ غَرَضًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى السَّواءِ لَزِمَ كَوْنُهُ تَعالى ناقِصًا بِذاتِهِ كامِلًا بِغَيْرِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَإنْ قُلْتَ: وُجُودُ ذَلِكَ الغَرَضِ وعَدَمُهُ وإنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّواءِ، أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ فالوُجُودُ أوْلى مِنَ العَدَمِ، قُلْنا: تَحْصِيلُ تِلْكَ الأوْلَوِيَّةِ لِلْعَبْدِ وعَدَمُ تَحْصِيلِها لَهُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّوِيَّةِ أوْ لا عَلى السَّوِيَّةِ، ويَعُودُ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ. وسابِعُها: وهو أنَّ المَوْجُودَ إمّا هو سُبْحانَهُ أوْ مُلْكُهُ، ومُلْكُهُ ومَن تَصَرَّفَ في مُلْكِ نَفْسِهِ لا يُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ. وثامِنُها: وهو أنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ ؟ فَهَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ حَيْثُ يَحْتَمِلُ أنْ يَقْدِرَ السّائِلُ عَلى مَنعِ المَسْؤُولِ مِنهُ عَنْ فِعْلِهِ وذَلِكَ مِنَ العَبْدِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَإنَّهُ لَوْ فَعَلَ أيَّ فِعْلٍ شاءَ فالعَبْدُ كَيْفَ يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ إمّا بِأنْ يُهَدِّدَهُ بِالعِقابِ والإيلامِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، أوْ بِأنْ يُهَدِّدَهُ بِاسْتِحْقاقِ الذَّمِّ والخُرُوجِ عَنِ الحِكْمَةِ والِاتِّصافِ بِالسَّفاهَةِ عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ وذَلِكَ أيْضًا مُحالٌ، لِأنَّ اسْتِحْقاقَهُ لِلْمَدْحِ واتِّصافَهُ بِصِفاتِ الحِكْمَةِ والجَلالِ أُمُورٌ ذاتِيَّةٌ لَهُ، وما ثَبَتَ لِلشَّيْءِ لِذاتِهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَبَدَّلَ لِأجْلِ تَبَدُّلِ الصِّفاتِ العَرَضِيَّةِ الخارِجِيَّةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلَّهِ في أفْعالِهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ ؟ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ صُنْعُهُ ولا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم سَلَّمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ ولَكِنَّهم بَنَوْا ذَلِكَ عَلى أصْلٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِقُبْحِ القَبائِحِ، وعالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَفْعَلَ القَبِيحَ، وإذا عَرَفْنا ذَلِكَ عَرَفْنا إجْمالًا أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى فَهو حِكْمَةٌ وصَوابٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ لِلَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذا.
* * *
أمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُكَلَّفِينَ مَسْؤُولِينَ عَنْ أفْعالِهِمْ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الكَلامَ في هَذا السُّؤالِ إمّا في الإمْكانِ العَقْلِيِّ أوْ في الوُقُوعِ السَّمْعِيِّ، أمّا الإمْكانُ العَقْلِيُّ فالخِلافُ فِيهِ مَعَ مُنْكِرِي التَّكالِيفِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: قالُوا: التَّكْلِيفُ إمّا أنْ يَتَوَجَّهَ عَلى العَبْدِ حالَ اسْتِواءِ داعِيَتِهِ إلى الفِعْلِ والتَّرْكِ، أوْ حالَ رُجْحانِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ حالَ الِاسْتِواءِ يَمْتَنِعُ التَّرْجِيحُ، وحالَ امْتِناعِ التَّرْجِيحِ يَكُونُ التَّكْلِيفُ بِالتَّرْجِيحِ تَكْلِيفًا بِالمُحالِ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّ حالَ الرُّجْحانِ يَكُونُ الرّاجِحُ واجِبَ الوُقُوعِ والمَرْجُوحُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، والتَّكْلِيفُ بِإيقاعِ ما يَكُونُ واجِبَ الوُقُوعِ عَبَثٌ، وبِإيقاعِ ما هو مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ. وثانِيها: قالُوا: كُلُّ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِهِ عَبَثًا، وكُلُّ ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَهُ كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِهِ تَكْلِيفًا بِما لا يُطاقُ. وثالِثُها: قالُوا: سُؤالُ العَبْدِ إمّا أنْ يَكُونَ لِفائِدَةٍ أوْ لا لِفائِدَةٍ، فَإنْ كانَ لِفائِدَةٍ فَتِلْكَ الفائِدَةُ إنْ عادَتْ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ مُحْتاجًا وهو مُحالٌ، وإنْ عادَتْ إلى العَبْدِ فَهو مُحالٌ، لِأنَّ سُؤالَهُ لَمّا كانَ سَبَبًا لِتَوْجِيهِ العِقابِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ هَذا نَفْعًا عائِدًا إلى العَبْدِ بَلْ ضَرَرًا عائِدًا إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في السُّؤالِ فائِدَةٌ كانَ عَبَثًا وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى الحَكِيمِ، بَلْ كانَ إضْرارًا وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى الرَّحِيمِ. والجَوابُ عَنْها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ غَرَضَكم مِن إيرادِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ النّافِيَةِ لِلتَّكْلِيفِ أنْ تُلْزِمُونا نَفْيَ التَّكْلِيفِ فَكَأنَّكم تُكَلِّفُونا بِنَفْيِ التَّكْلِيفِ وهو مُتَناقِضٌ. والثّانِي: وهو أنَّ مَدارَ كَلامِكم في هَذِهِ الشُّبُهاتِ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ التَّكالِيفَ كُلَّها تَكالِيفٌ بِما لا يُطاقُ فَلا يَجُوزُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يُوجِبَها عَلى العِبادِ فَيَرْجِعُ حاصِلُ هَذِهِ الشُّبُهاتِ إلى أنَّهُ يُقالُ لَهُ تَعالى: لِمَ
صفحة ١٣٦
كَلَّفْتَ عِبادَكَ، إلّا أنَّ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ كالأصْلِ والقاعِدَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ فَتَأمَّلْ في هَذِهِ الدَّقائِقِ العَجِيبَةِ لِتَقِفَ عَلى طَرَفٍ مِن أسْرارِ عِلْمِ القُرْآنِ، وأمّا الوُقُوعُ السَّمْعِيُّ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ وإنْ كانَ مُتَأكَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٩٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٤] إلّا أنَّهُ يُناقِضُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] والجَوابُ: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ وفِيهِ مَقاماتٌ فَيَصْرِفُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ السَّلْبِ والإيجابِ إلى مَقامٍ آخَرَ دَفْعًا لِلتَّناقُضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ هو الخالِقُ لِلْحَسَنِ والقَبِيحِ لَوَجَبَ أنْ يُسْألَ عَمّا يَفْعَلُ، بَلْ كانَ يُذَمُّ بِما حَقُّهُ الذَّمُّ، كَما يُحْمَدُ بِما حَقُّهُ المَدْحُ. وثانِيها: أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ لا يُسْألَ عَنِ الأُمُورِ إذا كانَ لا فاعِلَ سِواهُ. وثالِثُها: أنَّهُ كانَ لا يَجُوزُ أنْ يُسْألُوا عَنْ عَمَلِهِمْ إذْ لا عَمَلَ لَهم. ورابِعُها: أنَّ أعْمالَهم لا يُمْكِنُهم أنْ يَعْدِلُوا عَنْها مِن حَيْثُ خَلَقَها وأوْجَدَها فِيهِمْ. وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ بِأنَّهُ يَقْبَلُ حُجَّةَ العِبادِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٥] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ لَهم عَلَيْهِ الحُجَّةَ قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] ونَظائِرُ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ وكُلُّها تَدُلُّ عَلى أنَّ حُجَّةَ العَبْدِ مُتَوَجِّهَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وسادِسُها: قالَ ثُمامَةُ: إذا وقَفَ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ما حَمَلَكَ عَلى مَعْصِيَتِي ؟ فَيَقُولُ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ: يا رَبِّ إنَّكَ خَلَقْتَنِي كافِرًا وأمَرْتَنِي بِما لا أقْدِرُ عَلَيْهِ وحُلْتَ بَيْنِي وبَيْنَهُ. ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ يَكُونُ صادِقًا، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائِدَةِ: ١١٩] فَوَجَبَ أنْ يَنْفَعَهُ هَذا الكَلامُ فَقِيلَ لَهُ: ومَن يَدَعُهُ يَقُولُ هَذا الكَلامَ أوْ يَحْتَجُّ ؟ فَقالَ ثُمامَةُ: ألَيْسَ إذا مَنَعَهُ اللَّهُ الكَلامَ والحُجَّةَ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ مَنَعَهُ مِمّا لَوْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنهُ لانْقَطَعَ في يَدِهِ، وهَذا نِهايَةُ الِانْقِطاعِ. والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّها مُعارَضَةٌ بِمَسْألَةِ الدّاعِي ومَسْألَةِ العِلْمِ ثُمَّ بِالوُجُوهِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي بَيَّنّا فِيها أنَّهُ يَسْتَحِيلُ طَلَبُ لَمِيَّةِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ.
الأنبياء 21:24
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ، أيْ وصَفْتُمُ اللَّهَ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا فَهاتُوا بُرْهانَكم عَلى ذَلِكَ. أمّا مِن جِهَةِ العَقْلِ أوْ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ أوَّلًا وقَرَّرَ الأصْلَ الَّذِي عَلَيْهِ تَخْرُجُ شُبُهاتُ القائِلِينَ بِالتَّثْنِيَةِ ثانِيًا، أخَذَ يُطالِبُهم بِذِكْرِ شُبْهَتِهِمْ ثالِثًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ وفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ﴾ أيْ هَذا هو الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مَن مَعِيَ: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ أيِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مَن تَقَدَّمَنِي مِنَ الأنْبِياءِ وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ والصُّحُفُ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها أنِّي أذِنْتُ بِأنْ تَتَّخِذُوا إلَهًا مِن دُونِي بَلْ لَيْسَ فِيها إلّا: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ كَما قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ القَفّالِ والزَّجّاجِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ والسُّدِّيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ صِفَةٌ لِلْقُرْآنِ، فَإنَّهُ كَما يَشْتَمِلُ عَلى أحْوالِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَكَذا يَشْتَمِلُ عَلى أحْوالِ الأُمَمِ
صفحة ١٣٧
الماضِيَةِ. الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ وهو أنَّ المَعْنى قُلْ لَهم: هَذا الكِتابُ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلى بَيانِ أحْوالِ مَن مَعِيَ مِنَ المُخالِفِينَ والمُوافِقِينَ وعَلى بَيانِ أحْوالِ مَن قَبْلِي مِنَ المُخالِفِينَ والمُوافِقِينَ فاخْتارُوا لِأنْفُسِكم، كَأنَّ الغَرَضَ مِنهُ التَّهْدِيدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ: (هَذا ذِكْرٌ مَن مَعِيَ وذِكْرٌ مَن قَبْلِي) بِالتَّنْوِينِ، ومَن مَفْعُولٌ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ [البَلَدِ: ١٤ - ١٥ ] وهو الأصْلُ والإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢] وقُرِئَ: مِن مَعِي ومِن قَبْلِي، بِكَسْرِ مِيمِ مَن عَلى تَرْكِ الإضافَةِ في هَذِهِ القِراءَةِ، وإدْخالُ الجارِّ عَلى مَعَ غَرِيبٌ والعُذْرُ فِيهِ أنَّهُ اسْمٌ هو ظَرْفٌ نَحْوُ قَبْلَ وبَعْدَ فَدَخَلَ مِن عَلَيْهِ كَما يَدْخُلُ عَلى أخَواتِهِ وقُرِئَ: ذِكْرٌ مَعِيَ وذِكْرٌ قَبْلِي.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ وطالَبَهم بِالدَّلالَةِ عَلى ما ادَّعُوهُ وبَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهُمُ البَتَّةَ عَلَيْهِ لا مِن جِهَةِ العَقْلِ ولا مِن جِهَةِ السَّمْعِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ وُقُوعَهم في هَذا المَذْهَبِ الباطِلِ لَيْسَ لِأجْلِ دَلِيلٍ ساقَهم إلَيْهِ، بَلْ ذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم ما هو أصْلُ الشَّرِّ والفَسادِ كُلُّهُ وهو عَدَمُ العِلْمِ، ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلى عَدَمِ العِلْمِ الإعْراضُ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وطَلَبِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ عَلى تَوَسُّطِ التَّوْكِيدِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ، والمَعْنى أنَّ إعْراضَهم بِسَبَبِ الجَهْلِ هو الحَقُّ لا الباطِلُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ (يُوحِي ونُوحِي) قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ، وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها مِن آياتِ التَّوْحِيدِ.
الأنبياء 21:25
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ، أيْ وصَفْتُمُ اللَّهَ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا فَهاتُوا بُرْهانَكم عَلى ذَلِكَ. أمّا مِن جِهَةِ العَقْلِ أوْ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ أوَّلًا وقَرَّرَ الأصْلَ الَّذِي عَلَيْهِ تَخْرُجُ شُبُهاتُ القائِلِينَ بِالتَّثْنِيَةِ ثانِيًا، أخَذَ يُطالِبُهم بِذِكْرِ شُبْهَتِهِمْ ثالِثًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ وفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ﴾ أيْ هَذا هو الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مَن مَعِيَ: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ أيِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مَن تَقَدَّمَنِي مِنَ الأنْبِياءِ وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ والصُّحُفُ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها أنِّي أذِنْتُ بِأنْ تَتَّخِذُوا إلَهًا مِن دُونِي بَلْ لَيْسَ فِيها إلّا: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ كَما قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ القَفّالِ والزَّجّاجِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ والسُّدِّيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ صِفَةٌ لِلْقُرْآنِ، فَإنَّهُ كَما يَشْتَمِلُ عَلى أحْوالِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَكَذا يَشْتَمِلُ عَلى أحْوالِ الأُمَمِ
صفحة ١٣٧
الماضِيَةِ. الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ وهو أنَّ المَعْنى قُلْ لَهم: هَذا الكِتابُ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلى بَيانِ أحْوالِ مَن مَعِيَ مِنَ المُخالِفِينَ والمُوافِقِينَ وعَلى بَيانِ أحْوالِ مَن قَبْلِي مِنَ المُخالِفِينَ والمُوافِقِينَ فاخْتارُوا لِأنْفُسِكم، كَأنَّ الغَرَضَ مِنهُ التَّهْدِيدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ: (هَذا ذِكْرٌ مَن مَعِيَ وذِكْرٌ مَن قَبْلِي) بِالتَّنْوِينِ، ومَن مَفْعُولٌ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ [البَلَدِ: ١٤ - ١٥ ] وهو الأصْلُ والإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢] وقُرِئَ: مِن مَعِي ومِن قَبْلِي، بِكَسْرِ مِيمِ مَن عَلى تَرْكِ الإضافَةِ في هَذِهِ القِراءَةِ، وإدْخالُ الجارِّ عَلى مَعَ غَرِيبٌ والعُذْرُ فِيهِ أنَّهُ اسْمٌ هو ظَرْفٌ نَحْوُ قَبْلَ وبَعْدَ فَدَخَلَ مِن عَلَيْهِ كَما يَدْخُلُ عَلى أخَواتِهِ وقُرِئَ: ذِكْرٌ مَعِيَ وذِكْرٌ قَبْلِي.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ وطالَبَهم بِالدَّلالَةِ عَلى ما ادَّعُوهُ وبَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهُمُ البَتَّةَ عَلَيْهِ لا مِن جِهَةِ العَقْلِ ولا مِن جِهَةِ السَّمْعِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ وُقُوعَهم في هَذا المَذْهَبِ الباطِلِ لَيْسَ لِأجْلِ دَلِيلٍ ساقَهم إلَيْهِ، بَلْ ذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم ما هو أصْلُ الشَّرِّ والفَسادِ كُلُّهُ وهو عَدَمُ العِلْمِ، ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلى عَدَمِ العِلْمِ الإعْراضُ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وطَلَبِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ عَلى تَوَسُّطِ التَّوْكِيدِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ، والمَعْنى أنَّ إعْراضَهم بِسَبَبِ الجَهْلِ هو الحَقُّ لا الباطِلُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ (يُوحِي ونُوحِي) قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ، وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها مِن آياتِ التَّوْحِيدِ.
الأنبياء 21:26
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ، أيْ وصَفْتُمُ اللَّهَ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا فَهاتُوا بُرْهانَكم عَلى ذَلِكَ. أمّا مِن جِهَةِ العَقْلِ أوْ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ أوَّلًا وقَرَّرَ الأصْلَ الَّذِي عَلَيْهِ تَخْرُجُ شُبُهاتُ القائِلِينَ بِالتَّثْنِيَةِ ثانِيًا، أخَذَ يُطالِبُهم بِذِكْرِ شُبْهَتِهِمْ ثالِثًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ وفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ﴾ أيْ هَذا هو الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مَن مَعِيَ: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ أيِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مَن تَقَدَّمَنِي مِنَ الأنْبِياءِ وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ والصُّحُفُ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها أنِّي أذِنْتُ بِأنْ تَتَّخِذُوا إلَهًا مِن دُونِي بَلْ لَيْسَ فِيها إلّا: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ كَما قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ القَفّالِ والزَّجّاجِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ والسُّدِّيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ صِفَةٌ لِلْقُرْآنِ، فَإنَّهُ كَما يَشْتَمِلُ عَلى أحْوالِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَكَذا يَشْتَمِلُ عَلى أحْوالِ الأُمَمِ
صفحة ١٣٧
الماضِيَةِ. الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ وهو أنَّ المَعْنى قُلْ لَهم: هَذا الكِتابُ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلى بَيانِ أحْوالِ مَن مَعِيَ مِنَ المُخالِفِينَ والمُوافِقِينَ وعَلى بَيانِ أحْوالِ مَن قَبْلِي مِنَ المُخالِفِينَ والمُوافِقِينَ فاخْتارُوا لِأنْفُسِكم، كَأنَّ الغَرَضَ مِنهُ التَّهْدِيدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ: (هَذا ذِكْرٌ مَن مَعِيَ وذِكْرٌ مَن قَبْلِي) بِالتَّنْوِينِ، ومَن مَفْعُولٌ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ [البَلَدِ: ١٤ - ١٥ ] وهو الأصْلُ والإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢] وقُرِئَ: مِن مَعِي ومِن قَبْلِي، بِكَسْرِ مِيمِ مَن عَلى تَرْكِ الإضافَةِ في هَذِهِ القِراءَةِ، وإدْخالُ الجارِّ عَلى مَعَ غَرِيبٌ والعُذْرُ فِيهِ أنَّهُ اسْمٌ هو ظَرْفٌ نَحْوُ قَبْلَ وبَعْدَ فَدَخَلَ مِن عَلَيْهِ كَما يَدْخُلُ عَلى أخَواتِهِ وقُرِئَ: ذِكْرٌ مَعِيَ وذِكْرٌ قَبْلِي.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ وطالَبَهم بِالدَّلالَةِ عَلى ما ادَّعُوهُ وبَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهُمُ البَتَّةَ عَلَيْهِ لا مِن جِهَةِ العَقْلِ ولا مِن جِهَةِ السَّمْعِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ وُقُوعَهم في هَذا المَذْهَبِ الباطِلِ لَيْسَ لِأجْلِ دَلِيلٍ ساقَهم إلَيْهِ، بَلْ ذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم ما هو أصْلُ الشَّرِّ والفَسادِ كُلُّهُ وهو عَدَمُ العِلْمِ، ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلى عَدَمِ العِلْمِ الإعْراضُ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وطَلَبِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ عَلى تَوَسُّطِ التَّوْكِيدِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ، والمَعْنى أنَّ إعْراضَهم بِسَبَبِ الجَهْلِ هو الحَقُّ لا الباطِلُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ (يُوحِي ونُوحِي) قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ، وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها مِن آياتِ التَّوْحِيدِ.
الأنبياء 21:27
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ، أيْ وصَفْتُمُ اللَّهَ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا فَهاتُوا بُرْهانَكم عَلى ذَلِكَ. أمّا مِن جِهَةِ العَقْلِ أوْ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ أوَّلًا وقَرَّرَ الأصْلَ الَّذِي عَلَيْهِ تَخْرُجُ شُبُهاتُ القائِلِينَ بِالتَّثْنِيَةِ ثانِيًا، أخَذَ يُطالِبُهم بِذِكْرِ شُبْهَتِهِمْ ثالِثًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ وفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ﴾ أيْ هَذا هو الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مَن مَعِيَ: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ أيِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مَن تَقَدَّمَنِي مِنَ الأنْبِياءِ وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ والصُّحُفُ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها أنِّي أذِنْتُ بِأنْ تَتَّخِذُوا إلَهًا مِن دُونِي بَلْ لَيْسَ فِيها إلّا: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ كَما قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ القَفّالِ والزَّجّاجِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ والسُّدِّيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ صِفَةٌ لِلْقُرْآنِ، فَإنَّهُ كَما يَشْتَمِلُ عَلى أحْوالِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَكَذا يَشْتَمِلُ عَلى أحْوالِ الأُمَمِ
صفحة ١٣٧
الماضِيَةِ. الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ وهو أنَّ المَعْنى قُلْ لَهم: هَذا الكِتابُ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلى بَيانِ أحْوالِ مَن مَعِيَ مِنَ المُخالِفِينَ والمُوافِقِينَ وعَلى بَيانِ أحْوالِ مَن قَبْلِي مِنَ المُخالِفِينَ والمُوافِقِينَ فاخْتارُوا لِأنْفُسِكم، كَأنَّ الغَرَضَ مِنهُ التَّهْدِيدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ: (هَذا ذِكْرٌ مَن مَعِيَ وذِكْرٌ مَن قَبْلِي) بِالتَّنْوِينِ، ومَن مَفْعُولٌ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ [البَلَدِ: ١٤ - ١٥ ] وهو الأصْلُ والإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢] وقُرِئَ: مِن مَعِي ومِن قَبْلِي، بِكَسْرِ مِيمِ مَن عَلى تَرْكِ الإضافَةِ في هَذِهِ القِراءَةِ، وإدْخالُ الجارِّ عَلى مَعَ غَرِيبٌ والعُذْرُ فِيهِ أنَّهُ اسْمٌ هو ظَرْفٌ نَحْوُ قَبْلَ وبَعْدَ فَدَخَلَ مِن عَلَيْهِ كَما يَدْخُلُ عَلى أخَواتِهِ وقُرِئَ: ذِكْرٌ مَعِيَ وذِكْرٌ قَبْلِي.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ وطالَبَهم بِالدَّلالَةِ عَلى ما ادَّعُوهُ وبَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهُمُ البَتَّةَ عَلَيْهِ لا مِن جِهَةِ العَقْلِ ولا مِن جِهَةِ السَّمْعِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ وُقُوعَهم في هَذا المَذْهَبِ الباطِلِ لَيْسَ لِأجْلِ دَلِيلٍ ساقَهم إلَيْهِ، بَلْ ذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم ما هو أصْلُ الشَّرِّ والفَسادِ كُلُّهُ وهو عَدَمُ العِلْمِ، ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلى عَدَمِ العِلْمِ الإعْراضُ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وطَلَبِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ عَلى تَوَسُّطِ التَّوْكِيدِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ، والمَعْنى أنَّ إعْراضَهم بِسَبَبِ الجَهْلِ هو الحَقُّ لا الباطِلُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ (يُوحِي ونُوحِي) قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ، وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها مِن آياتِ التَّوْحِيدِ.
الأنبياء 21:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ الباهِرَةِ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ والضِّدِّ والنِّدِّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَراءَتِهِ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ فَقالَ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ نَزَلَتْ في خُزاعَةَ حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ وأضافُوا إلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى صاهَرَ الجِنَّ عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾
صفحة ١٣٨
[الصّافّاتِ: ١٥٨] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ فَلَوْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ لَأشْبَهَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ لا بُدَّ وأنْ يُخالِفَهُ مِن وجْهٍ آخَرَ وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَيَقَعُ التَّرْكِيبُ في ذاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فاتِّخاذُهُ لِلْوَلَدِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُمْكِنًا غَيْرَ واجِبٍ، وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الإلَهِيَّةِ ويُدْخِلُهُ في حَدِّ العُبُودِيَّةِ، ولِذَلِكَ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الوَلَدِ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم عِبادٌ والعُبُودِيَّةُ تُنافِي الوِلادَةَ إلّا أنَّهم مُكْرَمُونَ مُفَضَّلُونَ عَلى سائِرِ العِبادِ وقُرِئَ: (مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ) مِن سابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ، والمَعْنى أنَّهم يَتْبَعُونَهُ في قَوْلِهِ ولا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ فَلا يَسْبِقُ قَوْلُهم قَوْلَهُ، وكَما أنَّ قَوْلَهم تابِعٌ لِقَوْلِهِ فَعَمَلُهم أيْضًا كَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرِهِ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا ما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ لِهَذِهِ الطّاعَةِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا عَلِمُوا كَوْنَهُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ عَلِمُوا كَوْنَهُ عالِمًا بِظَواهِرِهِمْ هم وبَواطِنِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى نِهايَةِ الخُضُوعِ وكَمالِ العُبُودِيَّةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْلَمُ ما قَدَّمُوا وما أخَّرُوا مِن أعْمالِهِمْ. وثانِيها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الآخِرَةُ وما خَلْفَهُمُ الدُّنْيا وقِيلَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ ما كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهم وما يَكُونُ بَعْدَ خَلْقِهِمْ، وحَقِيقَةُ المَعْنى أنَّهم يَتَقَلَّبُونَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ في مَلَكُوتِهِ وهو مُحِيطٌ بِهِمْ، وإذا كانَتْ هَذِهِ حالَتَهم فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ وكَيْفَ يَتَقَدَّمُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى فَيَشْفَعُونَ لِمَن لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعالى لَهُ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ لِمَن هو عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيٌّ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المَفْعُولِ، ومُشْفِقُونَ خائِفُونَ ولا يَأْمَنُونَ مَكْرَهُ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ ساقِطًا كالحِلْسِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى» “ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ فالمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن يَقُولُ مِنَ المَلائِكَةِ ذَلِكَ القَوْلَ فَإنّا نُجازِي ذَلِكَ القائِلَ بِهَذا الجَزاءِ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ أوْ ما قالُوهُ وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الصِّفاتُ تَدُلُّ عَلى العُبُودِيَّةِ وتُنافِي الوِلادَةَ لِوُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّهم لَمّا بالَغُوا في الطّاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَقُولُونَ قَوْلًا ولا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا بِأمْرِهِ فَهَذِهِ صِفاتٌ لِلْعَبِيدِ لا صِفاتُ الأوْلادِ. وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِأسْرارِ المَلائِكَةِ وهم لا يَعْلَمُونَ أسْرارَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ الإلَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو لا هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ هي نَفْسُ ما ذَكَرَهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] . وثالِثُها: أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى ومَن يَكُنْ إلَهًا أوْ ولَدًا لِلْإلَهِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّهم عَلى نِهايَةِ الإشْفاقِ والوَجَلِ وذَلِكَ لَيْسَ إلّا مِن صِفاتِ العَبِيدِ. وخامِسُها: نَبَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ عَلى أنَّ حالَهم حالُ سائِرِ العَبِيدِ المُكَلَّفِينَ في الوَعْدِ والوَعِيدِ فَكَيْفَ يَصِحُّ كَوْنُهم آلِهَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ في الآخِرَةِ لا تَكُونُ لِأهْلِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ لا يُقالُ في أهْلِ الكَبائِرِ إنَّ اللَّهَ يَرْتَضِيهِمْ. والجَوابُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
صفحة ١٣٩
عَنْهُما والضَّحّاكُ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لَنا في إثْباتِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَقَدِ ارْتَضاهُ تَعالى في ذَلِكَ ومَتى صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ ارْتَضاهُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ ارْتَضاهُ اللَّهُ لِأنَّ المُرَكَّبَ مَتى صَدَقَ فَقَدْ صَدَقَ لا مَحالَةَ كُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ قَدِ ارْتَضاهُ وجَبَ انْدِراجُهُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ فَثَبَتَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لَنا عَلى ما قَرَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: تَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَلائِكَةِ مُكَلَّفِينَ مِن حَيْثُ قالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ومِن حَيْثُ الوَعِيدُ. وثانِيها: تَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مَعْصُومُونَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ . وثالِثُها: قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ظالِمٍ يَجْزِيهِ اللَّهُ جَهَنَّمَ كَما تَوَعَّدَ المَلائِكَةَ بِهِ وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ لِأهْلِ الكَبائِرِ في الآخِرَةِ، والجَوابُ: أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا العُمُومَ مُشْعِرٌ بِالوَعِيدِ وهو مُعارَضٌ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ.
الأنبياء 21:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ الباهِرَةِ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ والضِّدِّ والنِّدِّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَراءَتِهِ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ فَقالَ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ نَزَلَتْ في خُزاعَةَ حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ وأضافُوا إلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى صاهَرَ الجِنَّ عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾
صفحة ١٣٨
[الصّافّاتِ: ١٥٨] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ فَلَوْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ لَأشْبَهَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ لا بُدَّ وأنْ يُخالِفَهُ مِن وجْهٍ آخَرَ وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَيَقَعُ التَّرْكِيبُ في ذاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فاتِّخاذُهُ لِلْوَلَدِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُمْكِنًا غَيْرَ واجِبٍ، وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الإلَهِيَّةِ ويُدْخِلُهُ في حَدِّ العُبُودِيَّةِ، ولِذَلِكَ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الوَلَدِ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم عِبادٌ والعُبُودِيَّةُ تُنافِي الوِلادَةَ إلّا أنَّهم مُكْرَمُونَ مُفَضَّلُونَ عَلى سائِرِ العِبادِ وقُرِئَ: (مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ) مِن سابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ، والمَعْنى أنَّهم يَتْبَعُونَهُ في قَوْلِهِ ولا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ فَلا يَسْبِقُ قَوْلُهم قَوْلَهُ، وكَما أنَّ قَوْلَهم تابِعٌ لِقَوْلِهِ فَعَمَلُهم أيْضًا كَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرِهِ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا ما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ لِهَذِهِ الطّاعَةِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا عَلِمُوا كَوْنَهُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ عَلِمُوا كَوْنَهُ عالِمًا بِظَواهِرِهِمْ هم وبَواطِنِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى نِهايَةِ الخُضُوعِ وكَمالِ العُبُودِيَّةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْلَمُ ما قَدَّمُوا وما أخَّرُوا مِن أعْمالِهِمْ. وثانِيها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الآخِرَةُ وما خَلْفَهُمُ الدُّنْيا وقِيلَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ ما كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهم وما يَكُونُ بَعْدَ خَلْقِهِمْ، وحَقِيقَةُ المَعْنى أنَّهم يَتَقَلَّبُونَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ في مَلَكُوتِهِ وهو مُحِيطٌ بِهِمْ، وإذا كانَتْ هَذِهِ حالَتَهم فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ وكَيْفَ يَتَقَدَّمُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى فَيَشْفَعُونَ لِمَن لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعالى لَهُ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ لِمَن هو عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيٌّ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المَفْعُولِ، ومُشْفِقُونَ خائِفُونَ ولا يَأْمَنُونَ مَكْرَهُ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ ساقِطًا كالحِلْسِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى» “ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ فالمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن يَقُولُ مِنَ المَلائِكَةِ ذَلِكَ القَوْلَ فَإنّا نُجازِي ذَلِكَ القائِلَ بِهَذا الجَزاءِ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ أوْ ما قالُوهُ وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الصِّفاتُ تَدُلُّ عَلى العُبُودِيَّةِ وتُنافِي الوِلادَةَ لِوُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّهم لَمّا بالَغُوا في الطّاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَقُولُونَ قَوْلًا ولا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا بِأمْرِهِ فَهَذِهِ صِفاتٌ لِلْعَبِيدِ لا صِفاتُ الأوْلادِ. وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِأسْرارِ المَلائِكَةِ وهم لا يَعْلَمُونَ أسْرارَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ الإلَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو لا هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ هي نَفْسُ ما ذَكَرَهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] . وثالِثُها: أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى ومَن يَكُنْ إلَهًا أوْ ولَدًا لِلْإلَهِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّهم عَلى نِهايَةِ الإشْفاقِ والوَجَلِ وذَلِكَ لَيْسَ إلّا مِن صِفاتِ العَبِيدِ. وخامِسُها: نَبَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ عَلى أنَّ حالَهم حالُ سائِرِ العَبِيدِ المُكَلَّفِينَ في الوَعْدِ والوَعِيدِ فَكَيْفَ يَصِحُّ كَوْنُهم آلِهَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ في الآخِرَةِ لا تَكُونُ لِأهْلِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ لا يُقالُ في أهْلِ الكَبائِرِ إنَّ اللَّهَ يَرْتَضِيهِمْ. والجَوابُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
صفحة ١٣٩
عَنْهُما والضَّحّاكُ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لَنا في إثْباتِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَقَدِ ارْتَضاهُ تَعالى في ذَلِكَ ومَتى صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ ارْتَضاهُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ ارْتَضاهُ اللَّهُ لِأنَّ المُرَكَّبَ مَتى صَدَقَ فَقَدْ صَدَقَ لا مَحالَةَ كُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ قَدِ ارْتَضاهُ وجَبَ انْدِراجُهُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ فَثَبَتَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لَنا عَلى ما قَرَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: تَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَلائِكَةِ مُكَلَّفِينَ مِن حَيْثُ قالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ومِن حَيْثُ الوَعِيدُ. وثانِيها: تَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مَعْصُومُونَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ . وثالِثُها: قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ظالِمٍ يَجْزِيهِ اللَّهُ جَهَنَّمَ كَما تَوَعَّدَ المَلائِكَةَ بِهِ وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ لِأهْلِ الكَبائِرِ في الآخِرَةِ، والجَوابُ: أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا العُمُومَ مُشْعِرٌ بِالوَعِيدِ وهو مُعارَضٌ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ.
الأنبياء 21:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرَعَ الآنَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهَذِهِ الدَّلائِلُ أيْضًا دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ، لِأنَّها دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّرْتِيبِ العَجِيبِ في العالَمِ، ووُجُودُ الإلَهَيْنِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الفَسادِ. فَهَذِهِ الدَّلائِلُ تَدُلُّ مِن جِهَةٍ عَلى التَّوْحِيدِ فَتَكُونُ كالتَّوْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ، وفِيها أيْضًا رَدٌّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ مِن حَيْثُ إنَّ الإلَهَ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشَّرِيفَةِ كَيْفَ يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يَعْدِلَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ حَجَرٍ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَهُنا سِتَّةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ألَمْ يَرَ بِغَيْرِ الواوِ والباقُونَ بِالواوِ، وإدْخالُ الواوِ يَدُلُّ عَلى العَطْفِ لِهَذا القَوْلِ عَلى أمْرٍ تَقَدَّمَهُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ رَتَقًا بِفَتْحِ التّاءِ، وكِلاهُما في مَعْنى المَفْعُولِ كالخُلْفِ والنَّقْضِ
صفحة ١٤٠
أيْ كانَتا مَرْتُوقَتَيْنِ، فَإنْ قُلْتَ الرَّتْقَ صالِحٌ أنْ يَقَعَ مَوْقِعَ مَرْتُوقَتَيْنِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَما بالُ الرَّتْقِ ؟ قُلْتُ: هو عَلى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ أيْ كانَتا شَيْئًا رَتْقًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المُرادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، إمّا الرُّؤْيَةُ، وإمّا العِلْمُ، والأوَّلُ مُشْكِلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ القَوْمَ ما رَأوْهُما كَذَلِكَ البَتَّةَ، وأما ثانِيًا فَلِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكَهْفِ: ٥١]، وأمّا العِلْمُ فَمُشْكِلٌ؛ لِأنَّ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْفَتْقِ والرَّتْقِ في أنْفُسِها، فالحُكْمُ عَلَيْها بِالرَّتْقِ أوَّلًا وبِالفَتْقِ ثانِيًا لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا السَّمْعُ، والمُناظَرَةُ مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الرِّسالَةَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِمِثْلِ هَذا الِاسْتِدْلالِ ؟ والجَوابُ: المُرادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ هو العِلْمُ وما ذَكَرُوهُ مِنَ السُّؤالِ فَدْفُعُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنّا نُثْبِتُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسائِرِ المُعْجِزاتِ ثُمَّ نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ نَجْعَلُهُ دَلِيلًا عَلى حُصُولِ النِّظامِ في العالَمِ وانْتِفاءِ الفَسادِ عَنْهُ وذَلِكَ يُؤَكِّدُ الدَّلالَةَ المَذْكُورَةَ في التَّوْحِيدِ. وثانِيًا: أنْ يُحْمَلَ الرَّتْقُ والفَتْقُ عَلى إمْكانِ الرَّتْقِ والفَتْقِ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأنَّ الأجْسامَ يَصِحُّ عَلَيْها الِاجْتِماعُ والِافْتِراقُ فاخْتِصاصُها بِالِاجْتِماعِ دُونَ الِافْتِراقِ أوْ بِالعَكْسِ يَسْتَدْعِي مُخَصِّصًا. وثالِثُها: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ فَإنَّهُ جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ جَوْهَرَةً، ثُمَّ نَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها وفَتَقَ بَيْنَها، وكانَ بَيْنَ عَبَدَةِ الأوْثانِ وبَيْنَ اليَهُودِ نَوْعُ صَداقَةٍ بِسَبَبِ الِاشْتِراكِ في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فاحْتَجَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الحُجَّةِ بِناءً عَلى أنَّهم يَقْبَلُونَ قَوْلَ اليَهُودِ في ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ كانَتا رَتْقًا ولَمْ يَقُلْ كُنَّ رَتْقًا لِأنَّ السَّماواتِ لَفْظُ الجَمْعِ، والمُرادُ بِهِ الواحِدُ الدّالُّ عَلى الجِنْسِ، قالَ الأخْفَشُ: السَّماواتُ نَوْعٌ والأرْضُ نَوْعٌ، ومِثْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرٍ: ٤١] ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم أصْلَحْنا بَيْنَ القَوْمَيْنِ، ومَرَّتْ بِنا غَنَمانِ أسْوَدانِ، لِأنَّ هَذا القَطِيعَ غَنَمٌ وذَلِكَ غَنَمٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الرَّتْقُ في اللُّغَةِ السَّدُّ، يُقالُ: رَتَقْتُ الشَّيْءَ فارْتَتَقَ، والفَتْقُ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُلْتَصِقَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الرَّتْقُ مَصْدَرٌ والمَعْنى كانَتا ذَواتَيْ رَتْقٍ، قالَ المُفَضَّلُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ كانَتا رَتْقَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨] لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ جَسَدٌ كَذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ كُلُّ واحِدٍ رَتْقٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِنَ الرَّتْقِ والفَتْقِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ورِوايَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ المَعْنى كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما ورَفَعَ السَّماءَ إلى حَيْثُ هي وأقَرَّ الأرْضَ، وهَذا القَوْلُ يُوجِبُ أنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا فَصَلَ بَيْنَهُما تَرَكَ الأرْضَ حَيْثُ هي وأصْعَدَ الأجْزاءَ السَّماوِيَّةَ، قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ مُلْتَصِقَتَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا تَوَسَّطَتْهُما فَفَتَقَهُما بِها. وثانِيها: وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ ومُجاهِدٍ أنَّ المَعْنى كانَتِ السَّماواتُ مُرْتَفِعَةً فَجُعِلَتْ سَبْعَ سَماواتٍ وكَذَلِكَ الأرَضُونَ. وثالِثُها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا بِالِاسْتِواءِ والصَّلابَةِ فَفَتَقَ اللَّهُ السَّماءَ بِالمَطَرِ والأرْضَ بِالنَّباتِ والشَّجَرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطّارِقِ:١١ - ١٢] ورَجَّحُوا هَذا الوَجْهَ عَلى سائِرِ الوُجُوهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا ولِلْماءِ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ المُرادُ ما ذَكَرْنا. فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ مَرْجُوحٌ لِأنَّ المَطَرَ لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماواتِ بَلْ
صفحة ١٤١
مِن سَماءٍ واحِدَةٍ وهي سَماءُ الدُّنْيا، قُلْنا: إنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الجَمْعِ لِأنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنها سَماءٌ، كَما يُقالُ: ثَوْبٌ أخْلاقٌ وبُرْمَةٌ أعْشارٌ. واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَجُوزُ حَمْلُ الرُّؤْيَةِ عَلى الإبْصارِ. ورابِعُها: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفَتْقِ الإيجادُ والإظْهارُ كَقَوْلِهِ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ١٤] وكَقَوْلِهِ: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٦] فَأخْبَرَ عَنِ الإيجادِ بِلَفْظِ الفَتْقِ وعَنِ الحالِ قَبْلَ الإيجادِ بِلَفْظِ الرَّتْقِ. أقُولُ: وتَحْقِيقُهُ أنَّ العَدَمَ نَفْيٌ مَحْضٌ، فَلَيْسَ فِيهِ ذَواتٌ مُمَيَّزَةٌ وأعْيانٌ مُتَبايِنَةٌ، بَلْ كَأنَّهُ أمْرٌ واحِدٌ مُتَّصِلٌ مُتَشابِهٌ، فَإذا وُجِدَتِ الحَقائِقُ فَعِنْدَ الوُجُودِ والتَّكَوُّنِ يَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ ويَنْفَصِلُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ حَسُنَ جَعْلُ الرَّتْقِ مَجازًا عَنِ العَدَمِ والفَتْقِ عَنِ الوُجُودِ. وخامِسُها: أنَّ اللَّيْلَ سابِقٌ عَلى النَّهارِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] وكانَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مُظْلِمَةً أوَّلًا فَفَتَقَهُما اللَّهُ تَعالى بِإظْهارِ النَّهارِ المُبْصِرِ، فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ الأقاوِيلِ ألْيَقُ بِالظّاهِرِ ؟ قُلْنا: الظّاهِرُ يَقْتَضِي أنَّ السَّماءَ عَلى ما هي عَلَيْهِ، والأرْضَ عَلى ما هي عَلَيْهِ كانَتا رَتْقًا، ولا يَجُوزُ كَوْنُهُما كَذَلِكَ إلّا وهُما مَوْجُودانِ، والرَّتْقُ ضِدُّ الفَتْقِ فَإذا كانَ الفَتْقُ هو المُفارَقَةَ فالرَّتْقُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو المُلازَمَةَ، وبِهَذا الطَّرِيقِ صارَ الوَجْهُ الرّابِعُ والخامِسُ مَرْجُوحًا، ويَصِيرُ الوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى الوُجُوهِ ويَتْلُوهُ الوَجْهُ الثّانِي، وهو أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ رَتْقًا فَفَتَقَهُما بِأنْ جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما سَبْعًا، ويَتْلُوهُ الثّالِثُ وهو أنَّهُما كانا صُلْبَيْنِ مِن غَيْرِ فُطُورٍ وفَرْجٍ، فَفَتَقَهُما لِيَنْزِلَ المَطَرُ مِنَ السَّماءِ، ويَظْهَرَ النَّباتُ عَلى الأرْضِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: دَلالَةُ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ وعَلى وحْدانِيَّتِهِ ظاهِرَةٌ، لِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، والأقْرَبُ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَهُما رَتْقًا لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ لِلْمَلائِكَةِ، ثُمَّ لَمّا أسْكَنَ اللَّهُ الأرْضَ أهْلَها جَعَلَهُما فَتْقًا لِما فِيهِ مِن مَنافِعِ العِبادِ.
* * *
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ: وجَعَلْنا لا يَخْلُو إمّا أنْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ، فَإنْ تَعَدّى إلى واحِدٍ فالمَعْنى خَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ [النُّورِ: ٤٥] أوْ كَأنَّما خَلَقْناهُ مِنَ الماءِ لِفَرْطِ احْتِياجِهِ إلَيْهِ وحُبِّهِ لَهُ وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٧] وإنْ تَعَدّى إلى اثْنَيْنِ فالمَعْنى صَيَّرْنا كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ بِسَبَبٍ مِنَ الماءِ لا بُدَّ لَهُ مِنهُ ومِن هَذا نَحْوُ مِن في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما أنا مِن دَدٍ ولا الدَدُ مِنِّي» “ وقُرِئَ حَيًّا وهو المَفْعُولُ الثّانِي.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ كَيْفَ قالَ: وخَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ، وقَدْ قالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧] وجاءَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ المَلائِكَةَ مِنَ النُّورِ وقالَ تَعالى في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ [المائِدَةِ: ١١٠] وقالَ في حَقِّ آدَمَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] والجَوابُ: اللَّفْظُ وإنْ كانَ عامًّا إلّا أنَّ القَرِينَةَ المُخَصِّصَةَ قائِمَةٌ، فَإنَّ الدَّلِيلَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى المَقْصُودِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ تَخْرُجُ عَنْهُ المَلائِكَةُ والجِنُّ وآدَمُ وقِصَّةُ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لِأنَّ الكُفّارَ لَمْ يَرَوْا شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ الحَيَوانُ فَقَطْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّباتُ والشَّجَرُ لِأنَّهُ مِنَ الماءِ صارَ نامِيًا وصارَ فِيهِ الرُّطُوبَةُ والخُضْرَةُ والنُّورُ والثَّمَرُ، وهَذا
صفحة ١٤٢
القَوْلُ ألْيَقُ بِالمَعْنى المَقْصُودِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَفَتَقْنا السَّماءَ لِإنْزالِ المَطَرِ وجَعَلْنا مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ في الأرْضِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ حَيًّا. حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ النَّباتَ لا يُسَمّى حَيًّا، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الرُّومِ: ٥٠] أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنِبِياءِ: ٣٠] فالمُرادُ أفَلا يُؤْمِنُونَ بِأنْ يَتَدَبَّرُوا هَذِهِ الأدِلَّةَ فَيَعْلَمُوا بِها الخالِقَ الَّذِي لا يُشْبِهُ غَيْرَهُ ويَتْرُكُوا طَرِيقَةَ الشِّرْكِ.
الأنبياء 21:31
النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنْ تَمِيدَ بِهِمْ كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ أوْ لِئَلّا تَمِيدَ بِهِمْ، فَحَذَفَ لا واللّامَ الأُولى، وإنَّما جازَ حَذْفُ لا لِعَدَمِ الِالتِباسِ كَما تَرى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّواسِي الجِبالُ، والرّاسِي هو الدّاخِلُ في الأرْضِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ الأرْضَ بُسِطَتْ عَلى الماءِ فَكانَتْ تَنْكَفِئُ بِأهْلِها كَما تَنْكَفِئُ السَّفِينَةُ، لِأنَّها بُسِطَتْ عَلى الماءِ فَأرْساها اللَّهُ تَعالى بِالجِبالِ الثِّقالِ.
* * *
النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفَجُّ الطَّرِيقُ الواسِعُ، فَإنْ قُلْتَ في الفِجاجِ مَعْنى الوَصْفِ فَما لَها قُدِّمَتْ عَلى السُّبُلِ ولَمْ تُؤَخَّرْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نُوحٍ: ٢٠] قُلْتُ لَمْ تُقَدَّمْ وهي صِفَةٌ، ولَكِنَّها جُعِلَتْ حالًا كَقَوْلِهِ:
لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَدِيمُ
والفَرْقُ مِن جِهَةِ المَعْنى أنَّ قَوْلَهُ سُبُلًا فِجاجًا، إعْلامٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ فِيها طُرُقًا واسِعَةً، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فِجاجًا سُبُلًا﴾ فَهو إعْلامٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ حِينَ خَلَقَها جَعَلَها عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، فَهَذِهِ الآيَةُ بَيانٌ لِما أُبْهِمَ في الآيَةِ الأُولى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ ﴿فِيها﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عائِدَةٌ إلى الجِبالِ، أيْ وجَعَلْنا في الجِبالِ الَّتِي هي رَواسِي فِجاجًا سُبُلًا، أيْ طُرُقًا واسِعَةً، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والضَّحّاكِ ورِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَتِ الجِبالُ مُنْضَمَّةً فَلَمّا أغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ فَرَّقَها فِجاجًا وجَعَلَ فِيها طُرُقًا. الثّانِي: أنَّها عائِدَةٌ إلى الأرْضِ، أيْ وجَعَلْنا في الأرْضِ فِجاجًا وهي المَسالِكُ والطُّرُقُ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ مَعْناهُ لِكَيْ يَهْتَدُوا إذِ الشَّكُّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في يَهْتَدُونَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: لِيَهْتَدُوا إلى البِلادِ. والثّانِي: لِيَهْتَدُوا إلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِالِاسْتِدْلالِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ وهَذا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ الِاهْتِداءَ. والكَلامُ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ الِاهْتِداءَ إلى البِلادِ والِاهْتِداءَ إلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى يَشْتَرِكانِ في مَفْهُومٍ واحِدٍ وهو أصْلُ الِاهْتِداءِ فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلى ذَلِكَ المُشْتَرِكِ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ الآيَةُ مُتَناوِلَةً لِلْأمْرَيْنِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ اللَّفْظِ المُشْتَرِكِ مُسْتَعْمَلًا في مَفْهُومَيْهِ مَعًا.
الأنبياء 21:32
النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: سَمّى السَّماءَ سَقْفًا لِأنَّها لِلْأرْضِ كالسَّقْفِ لِلْبَيْتِ.
صفحة ١٤٣
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المَحْفُوظِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ الوُقُوعِ والسُّقُوطِ الَّذَيْنِ يَجْرِي مِثْلُهُما عَلى سائِرِ السُّقُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [الحَجِّ: ٦٥] وقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرٍ: ٤١] وقالَ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] . الثّانِي: مَحْفُوظًا مِنَ الشَّياطِينِ، قالَ تَعالى: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحِجْرِ: ١٧] ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالمَلائِكَةِ مِنَ الشَّياطِينِ. والثّانِي: أنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّياطِينِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى لِأنَّ حَمْلَ الآياتِ عَلَيْهِ مِمّا يَزِيدُ هَذِهِ النِّعْمَةَ عِظَمًا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كالمُتَكَفِّلِ بِحِفْظِهِ وسُقُوطِهِ عَلى المُكَلَّفِينَ بِخِلافِ القَوْلِ الثّانِي لِأنَّهُ لا يَخافُ عَلى السَّماءِ مِنِ اسْتِراقِ سَمْعِ الجِنِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ مَعْناهُ عَمّا وضَعَ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ الأدِلَّةِ والعِبَرِ في حَرَكاتِها وكَيْفِيَّةِ حَرَكاتِها وجِهاتِ حَرَكاتِها ومَطالِعِها ومَغارِبِها واتِّصالاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ وانْفِصالاتِها عَلى الحِسابِ القَوِيمِ والتَّرْتِيبِ العَجِيبِ الدّالِّ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ عَنْ آيَتِها عَلى التَّوْحِيدِ والمُرادُ الجِنْسُ أيْ هم مُتَفَطِّنُونَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ كالِاسْتِضاءَةِ بِقَمَرِها والِاهْتِداءِ بِكَواكِبِها، وحَياةِ الأرْضِ بِأمْطارِها وهم عَنْ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً عَلى وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ مُعْرِضُونَ.
* * *
النَّوْعُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ فَصَّلَ تِلْكَ الآياتِ هَهُنا لِأنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ ولَمْ يَخْلُقِ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِيَظْهَرَ بِهِما اللَّيْلُ والنَّهارُ ويَظْهَرَ بِهِما مِنَ المَنافِعِ بِتَعاقُبِ الحَرِّ والبَرْدِ لَمْ تَتَكامَلْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ بَلْ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ حَرَكاتِها في أفْلاكِها، فَلِهَذا قالَ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: قَدْ ثَبَتَ بِالأرْصادِ أنَّ لِلْكَواكِبِ حَرَكاتٍ مُخْتَلِفَةً فَمِنها حَرَكَةٌ تَشْمَلُها بِأسْرِها آخِذَةٌ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ وهي حَرَكَةُ الشَّمْسِ اليَوْمِيَّةُ، ثُمَّ قالَ جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ وأصْحابُ الهَيْئَةِ: وهَهُنا حَرَكَةٌ أُخْرى مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ قالُوا وهي ظاهِرَةٌ في السَّبْعَةِ السَّيّارَةِ خَفِيَّةٌ في الثّابِتَةِ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْها بِأنّا وجَدْنا الكَواكِبَ السَّيّارَةَ كُلَّما كانَ مِنها أسْرَعُ حَرَكَةً إذا قارَنَ ما هو أبْطَأُ حَرَكَةً فَإنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَقَدَّمُهُ نَحْوَ المَشْرِقِ وهَذا في القَمَرِ ظاهِرٌ جِدًّا فَإنَّهُ يَظْهَرُ بَعْدَ الِاجْتِماعِ بِيَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ مِن ناحِيَةِ المَغْرِبِ عَلى بُعْدٍ مِنَ الشَّمْسِ ثُمَّ يَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ بُعْدًا مِنها إلى أنْ يُقابِلَها عَلى قَرِيبٍ مِن نِصْفِ الشَّهْرِ، وكُلُّ كَوْكَبٍ كانَ شَرْقِيًّا مِنهُ عَلى طَرِيقَتِهِ في مَمَرِّ البُرُوجِ يَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ قُرْبًا مِنهُ، ثُمَّ إذا أدْرَكَهُ سَتَرَهُ بِطَرَفِهِ الشَّرْقِيِّ وتَنْكَسِفُ تِلْكَ الكَواكِبُ عَنْهُ بِطَرَفِهِ الغَرْبِيِّ فَعَرَفْنا أنَّ لِهَذِهِ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، وكَذَلِكَ وجَدْنا لِلْكَواكِبِ الثّابِتَةِ حَرَكَةً بَطِيئَةً عَلى تَوالِي البُرُوجِ فَعَرَفْنا أنَّ لَها حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ. هَذا ما قالُوهُ ونَحْنُ خالَفْناهم فِيهِ، وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الشَّمْسَ مَثَلًا لَوْ كانَتْ مُتَحَرِّكَةً بِذاتِها مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ حَرَكَةً بَطِيئَةً ولا شَكَّ أنَّها مُتَحَرِّكَةٌ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لَزِمَ كَوْنُ الجِرْمِ الواحِدِ مُتَحَرِّكًا حَرَكَتَيْنِ إلى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ دَفْعَةً واحِدَةً وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الحَرَكَةَ إلى الجِهَةِ تَقْتَضِي حُصُولَ
صفحة ١٤٤
المُتَحَرِّكِ في الجِهَةِ المُنْتَقِلِ إلَيْها فَلَوْ تَحَرَّكَ الجِسْمُ الواحِدُ دَفْعَةً واحِدَةً إلى جِهَتَيْنِ لَزِمَ حُصُولُهُ دَفْعَةً واحِدَةً في مَكانَيْنِ وهو مُحالٌ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الشَّمْسُ حالَ حَرَكَتِها إلى الجانِبِ الشَّرْقِيِّ تَنْقَطِعُ حَرَكَتُها إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ وبِالعَكْسِ، وأيْضًا فَما ذَكَرْتُمُوهُ يَنْتَقِضُ بِحَرَكَةِ الرَّحى إلى جانِبٍ والنَّمْلَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْها تَتَحَرَّكُ إلى خِلافِ ذَلِكَ الجانِبِ، قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَلا يَسْتَقِيمُ عَلى أُصُولِكم لِأنَّ حَرَكاتِ الأفْلاكِ مَصُونَةٌ عَنِ الِانْقِطاعِ عِنْدَكم، وأمّا الثّانِي فَهو مِثالٌ مُحْتَمَلٌ وما ذَكَرْناهُ بُرْهانٌ قاطِعٌ فَلا يَتَعارَضانِ، أمّا الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ عَلى أنَّ لِلْكَواكِبِ حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ فَهو ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ يُقالُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ مُتَحَرِّكَةٌ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ إلّا أنَّ بَعْضَها أبْطَأُ مِنَ البَعْضِ فَيَتَخَلَّفُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّخَلُّفِ فَيُظَنُّ أنَّها تَتَحَرَّكُ إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ، مَثَلًا الفَلَكُ الأعْظَمُ اسْتِدارَتُهُ مِن أوَّلِ اليَوْمِ الأوَّلِ إلى أوَّلِ اليَوْمِ الثّانِي دَوْرَةٌ تامَّةٌ، وفَلَكُ الثَّوابِتِ اسْتِدارَتُهُ مِن أوَّلِ اليَوْمِ الأوَّلِ إلى أوَّلِ اليَوْمِ الثّانِي دَوْرَةٌ تامَّةٌ إلّا مِقْدارَ ثانِيَةٍ فَيُظَنُّ أنَّ فَلَكَ الثَّوابِتِ تَحَرَّكَ مِنَ الجِهَةِ الأُخْرى مِقْدارَ ثانِيَةٍ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَخَلَّفَ بِمِقْدارِ ثانِيَةٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَجَمِيعُ الجِهاتِ شَرْقِيَّةٌ وأسْرَعُها الحَرَكَةُ اليَوْمِيَّةِ، ثُمَّ يَلِيها في السُّرْعَةِ فَلَكُ الثَّوابِتِ ثُمَّ يَلِيها زُحَلُ وهَكَذا إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى فَلَكِ القَمَرِ فَهو أبْطَأُ الأفْلاكِ حَرَكَةً، وهَذا الَّذِي قُلْناهُ مَعَ ما يَشْهَدُ لَهُ البُرْهانُ المَذْكُورُ فَهو أقْرَبُ إلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ، فَإنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ نِهايَةُ الحَرَكَةِ الفَلَكَ المُحِيطَ وهو الفَلَكُ الأعْظَمُ ونِهايَةُ السُّكُونِ الجِرْمَ الَّذِي هو في غايَةِ البُعْدِ وهو الأرْضُ، ثُمَّ إنَّ كُلَّ ما كانَ أقْرَبَ إلى الفَلَكِ المُحِيطِ كانَ أسْرَعَ حَرَكَةً وما كانَ مِنهُ أبْعَدَ كانَ أبْطَأ فَهَذا ما نَقُولُهُ في حَرَكاتِ الأفْلاكِ في أطْوالِها وأمّا حَرَكاتُها في عُرُوضِها فَظاهِرَةٌ وذَلِكَ بِسَبَبِ اخْتِلافِ مُيُولِها إلى الشَّمالِ والجَنُوبِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْكَواكِبِ حَرَكَةٌ في المَيْلِ لَكانَ التَّأْثِيرُ مَخْصُوصًا بِبُقْعَةٍ واحِدَةٍ، فَكانَ سائِرُ الجَوانِبُ تَخْلُو عَنِ المَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنهُ، وكانَ الَّذِي يَقْرُبُ مِنهُ مُتَشابِهُ الأحْوالِ وكانَتِ القُوَّةُ هُناكَ لِكَيْفِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَإنْ كانَتْ حارَّةً أفْنَتِ الرُّطُوباتِ فَأحالَتْها كُلَّها إلى النّارِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ فَيَكُونُ المَوْضِعُ المُحاذِي لِمَمَرِّ الكَواكِبِ عَلى كَيْفِيَّةٍ، وخَطُّ ما لا يُحاذِيهِ عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى، وخَطُّ المُتَوَسِّطِ بَيْنَهُما عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى فَيَكُونُ في مَوْضِعٍ شِتاءٌ دائِمٌ ويَكُونُ فِيهِ الهَواءُ والعَجاجَةُ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ صَيْفٌ دائِمٌ يُوجِبُ الِاحْتِراقَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ رَبِيعٌ أوْ خَرِيفٌ لا يَتِمُّ فِيهِ النُّضْجُ ولَوْ لَمْ تَكُنْ عَوْداتٍ مُتَتالِيَةً، وكانَ الكَوْكَبُ يَتَحَرَّكُ بَطِيئًا لَكانَ المَيْلُ قَلِيلَ المَنفَعَةِ والتَّأْثِيرُ شَدِيدَ الإفْراطِ، وكانَ يَعْرِضُ قَرِيبًا مِمّا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَيْلٌ، ولَوْ كانَتِ الكَواكِبُ أسْرَعَ حَرَكَةً مِن هَذِهِ لَما كَمُلَتِ المَنافِعُ وما تَمَّتْ، وأمّا إذا كانَ هُناكَ مَيْلٌ يَحْفَظُ الحَرَكَةَ في جِهَةٍ مُدَّةً ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى جِهَةٍ أُخْرى بِمِقْدارِ الحاجَةِ ويَبْقى في كُلِّ جِهَةٍ بُرْهَةً تَمَّ بِذَلِكَ تَأْثِيرُهُ بِحَيْثُ يَبْقى مَصُونًا عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ. وبِالجُمْلَةِ فالعُقُولُ لا تَقِفُ إلّا عَلى القَلِيلِ مِن أسْرارِ المَخْلُوقاتِ فَسُبْحانَ الخالِقِ المُدَبِّرِ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُدْرَةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ إلّا ويَدْخُلُ في الكَلامِ مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ النُّجُومُ لِيُثْبِتَ مَعْنى الجَمْعِ ومَعْنى الكُلِّ فَصارَتِ النُّجُومُ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً أوَّلًا فَإنَّها مَذْكُورَةٌ لِعَوْدِ هَذا الضَّمِيرِ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفَلَكُ في كَلامِ العَرَبِ كُلُّ شَيْءٍ دائِرٍ وجَمْعُهُ أفْلاكٌ، واخْتَلَفَ العُقَلاءُ فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: الفَلَكُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وإنَّما هو مَدارُ هَذِهِ النُّجُومِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: بَلْ هي أجْسامٌ تَدُورُ النُّجُومُ
صفحة ١٤٥
عَلَيْها، وهَذا أقْرَبُ إلى ظاهِرِ القُرْآنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّتِهِ فَقالَ بَعْضُهم: الفَلَكُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَجْرِي الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ فِيهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ماءٌ مَجْمُوعٌ تَجْرِي فِيهِ الكَواكِبُ، واحْتَجَّ بِأنَّ السِّباحَةَ لا تَكُونُ إلّا في الماءِ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّهُ يُقالُ في الفَرَسِ الَّذِي يَمُدُّ يَدَيْهِ في الجَرْيِ سابِحٌ، وقالَ جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ وأصْحابُ الهَيْئَةِ: إنَّها أجْرامٌ صُلْبَةٌ لا ثَقِيلَةٌ ولا خَفِيفَةٌ، غَيْرُ قابِلَةٍ لِلْخَرْقِ والِالتِئامِ والنُّمُوِّ والذُّبُولِ، فَأمّا الكَلامُ عَلى الفَلاسِفَةِ فَهو مَذْكُورٌ في الكُتُبِ اللّائِقَةِ بِهِ، والحَقُّ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ صِفاتِ السَّماواتِ إلّا بِالخَبَرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في حَرَكاتِ الكَواكِبِ، والوُجُوهُ المُمْكِنَةُ فِيها ثَلاثَةٌ، فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ ساكِنًا والكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ فِيهِ كَحَرَكَةِ السَّمَكِ في الماءِ الرّاكِدِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا والكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ فِيهِ أيْضًا إمّا مُخالِفًا لِجِهَةِ حَرَكَتِهِ أوْ مُوافِقًا لِجِهَتِهِ إمّا بِحَرَكَةٍ مُساوِيَةٍ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ في السُّرْعَةِ والبُطْءِ أوْ مُخالِفَةٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا والكَوْكَبُ ساكِنًا، أمّا الرَّأْيُ الأوَّلُ فَقالَتِ الفَلاسِفَةُ: إنَّهُ باطِلٌ لِأنَّهُ يُوجِبُ خَرْقَ الأفْلاكِ وهو مُحالٌ، وأمّا الرَّأْيُ الثّانِي فَحَرَكَةُ الكَواكِبِ إنْ فُرِضَتْ مُخالِفَةٌ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ فَذاكَ أيْضًا يُوجِبُ الخَرْقَ، وإنْ كانَتْ حَرَكَتُها إلى جِهَةِ الفَلَكِ فَإنْ كانَتْ مُخالِفَةً لَها في السُّرْعَةِ والبُطْءِ لَزِمَ الِانْخِراقُ، وإنِ اسْتَوَيا في الجِهَةِ والسُّرْعَةِ والبُطْءِ فالخَرْقُ أيْضًا لازِمٌ؛ لِأنَّ الكَواكِبَ تَتَحَرَّكُ بِالعَرْضِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ فَتَبْقى حَرَكَتُهُ الذّاتِيَّةُ زائِدَةٌ فَيَلْزَمُ الخَرْقُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الثّالِثُ وهو أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ مَغْرُوزًا في الفَلَكِ واقِفًا فِيهِ والفَلَكُ يَتَحَرَّكُ فَيَتَحَرَّكُ الكَوْكَبُ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ، واعْلَمْ أنَّ مَدارَ هَذا الكَلامِ عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ عَلى الأفْلاكِ وهو باطِلٌ بَلِ الحَقُّ أنَّ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مُمْكِنَةٌ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ واقِفَةً والكَواكِبُ تَكُونُ جارِيَةً فِيها كَما تَسْبَحُ السَّمَكَةُ في الماءِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كُلٌّ) التَّنْوِينُ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ كُلُّهم في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا عَلى كَوْنِ الكَواكِبِ أحْياءً ناطِقَةً بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ قالَ: والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ لا يَكُونُ إلّا لِلْعُقَلاءِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، والجَوابُ: إنَّما جَعَلَ واوَ الضَّمِيرِ لِلْعُقَلاءِ لِلْوَصْفِ بِفِعْلِهِمْ وهو السِّباحَةُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: الجُمْلَةُ ما مَحَلُّها ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أوْ لا مَحَلَّ لَها لِاسْتِئْنافِها، فَإنْ قُلْتَ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَمَرَيْنِ فَلَكٌ عَلى حِدَةٍ فَكَيْفَ قِيلَ جَمِيعُهم يَسْبَحُونَ في فَلَكٍ ؟ قُلْتُ: هَذا كَقَوْلِهِمْ كَساهُمُ الأمِيرُ حُلَّةً وقَلَّدَهم سَيْفًا أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم.
الأنبياء 21:33
النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: سَمّى السَّماءَ سَقْفًا لِأنَّها لِلْأرْضِ كالسَّقْفِ لِلْبَيْتِ.
صفحة ١٤٣
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المَحْفُوظِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ الوُقُوعِ والسُّقُوطِ الَّذَيْنِ يَجْرِي مِثْلُهُما عَلى سائِرِ السُّقُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [الحَجِّ: ٦٥] وقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرٍ: ٤١] وقالَ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] . الثّانِي: مَحْفُوظًا مِنَ الشَّياطِينِ، قالَ تَعالى: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحِجْرِ: ١٧] ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالمَلائِكَةِ مِنَ الشَّياطِينِ. والثّانِي: أنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّياطِينِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى لِأنَّ حَمْلَ الآياتِ عَلَيْهِ مِمّا يَزِيدُ هَذِهِ النِّعْمَةَ عِظَمًا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كالمُتَكَفِّلِ بِحِفْظِهِ وسُقُوطِهِ عَلى المُكَلَّفِينَ بِخِلافِ القَوْلِ الثّانِي لِأنَّهُ لا يَخافُ عَلى السَّماءِ مِنِ اسْتِراقِ سَمْعِ الجِنِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ مَعْناهُ عَمّا وضَعَ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ الأدِلَّةِ والعِبَرِ في حَرَكاتِها وكَيْفِيَّةِ حَرَكاتِها وجِهاتِ حَرَكاتِها ومَطالِعِها ومَغارِبِها واتِّصالاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ وانْفِصالاتِها عَلى الحِسابِ القَوِيمِ والتَّرْتِيبِ العَجِيبِ الدّالِّ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ عَنْ آيَتِها عَلى التَّوْحِيدِ والمُرادُ الجِنْسُ أيْ هم مُتَفَطِّنُونَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ كالِاسْتِضاءَةِ بِقَمَرِها والِاهْتِداءِ بِكَواكِبِها، وحَياةِ الأرْضِ بِأمْطارِها وهم عَنْ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً عَلى وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ مُعْرِضُونَ.
* * *
النَّوْعُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ فَصَّلَ تِلْكَ الآياتِ هَهُنا لِأنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ ولَمْ يَخْلُقِ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِيَظْهَرَ بِهِما اللَّيْلُ والنَّهارُ ويَظْهَرَ بِهِما مِنَ المَنافِعِ بِتَعاقُبِ الحَرِّ والبَرْدِ لَمْ تَتَكامَلْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ بَلْ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ حَرَكاتِها في أفْلاكِها، فَلِهَذا قالَ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: قَدْ ثَبَتَ بِالأرْصادِ أنَّ لِلْكَواكِبِ حَرَكاتٍ مُخْتَلِفَةً فَمِنها حَرَكَةٌ تَشْمَلُها بِأسْرِها آخِذَةٌ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ وهي حَرَكَةُ الشَّمْسِ اليَوْمِيَّةُ، ثُمَّ قالَ جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ وأصْحابُ الهَيْئَةِ: وهَهُنا حَرَكَةٌ أُخْرى مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ قالُوا وهي ظاهِرَةٌ في السَّبْعَةِ السَّيّارَةِ خَفِيَّةٌ في الثّابِتَةِ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْها بِأنّا وجَدْنا الكَواكِبَ السَّيّارَةَ كُلَّما كانَ مِنها أسْرَعُ حَرَكَةً إذا قارَنَ ما هو أبْطَأُ حَرَكَةً فَإنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَقَدَّمُهُ نَحْوَ المَشْرِقِ وهَذا في القَمَرِ ظاهِرٌ جِدًّا فَإنَّهُ يَظْهَرُ بَعْدَ الِاجْتِماعِ بِيَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ مِن ناحِيَةِ المَغْرِبِ عَلى بُعْدٍ مِنَ الشَّمْسِ ثُمَّ يَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ بُعْدًا مِنها إلى أنْ يُقابِلَها عَلى قَرِيبٍ مِن نِصْفِ الشَّهْرِ، وكُلُّ كَوْكَبٍ كانَ شَرْقِيًّا مِنهُ عَلى طَرِيقَتِهِ في مَمَرِّ البُرُوجِ يَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ قُرْبًا مِنهُ، ثُمَّ إذا أدْرَكَهُ سَتَرَهُ بِطَرَفِهِ الشَّرْقِيِّ وتَنْكَسِفُ تِلْكَ الكَواكِبُ عَنْهُ بِطَرَفِهِ الغَرْبِيِّ فَعَرَفْنا أنَّ لِهَذِهِ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، وكَذَلِكَ وجَدْنا لِلْكَواكِبِ الثّابِتَةِ حَرَكَةً بَطِيئَةً عَلى تَوالِي البُرُوجِ فَعَرَفْنا أنَّ لَها حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ. هَذا ما قالُوهُ ونَحْنُ خالَفْناهم فِيهِ، وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الشَّمْسَ مَثَلًا لَوْ كانَتْ مُتَحَرِّكَةً بِذاتِها مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ حَرَكَةً بَطِيئَةً ولا شَكَّ أنَّها مُتَحَرِّكَةٌ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لَزِمَ كَوْنُ الجِرْمِ الواحِدِ مُتَحَرِّكًا حَرَكَتَيْنِ إلى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ دَفْعَةً واحِدَةً وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الحَرَكَةَ إلى الجِهَةِ تَقْتَضِي حُصُولَ
صفحة ١٤٤
المُتَحَرِّكِ في الجِهَةِ المُنْتَقِلِ إلَيْها فَلَوْ تَحَرَّكَ الجِسْمُ الواحِدُ دَفْعَةً واحِدَةً إلى جِهَتَيْنِ لَزِمَ حُصُولُهُ دَفْعَةً واحِدَةً في مَكانَيْنِ وهو مُحالٌ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الشَّمْسُ حالَ حَرَكَتِها إلى الجانِبِ الشَّرْقِيِّ تَنْقَطِعُ حَرَكَتُها إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ وبِالعَكْسِ، وأيْضًا فَما ذَكَرْتُمُوهُ يَنْتَقِضُ بِحَرَكَةِ الرَّحى إلى جانِبٍ والنَّمْلَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْها تَتَحَرَّكُ إلى خِلافِ ذَلِكَ الجانِبِ، قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَلا يَسْتَقِيمُ عَلى أُصُولِكم لِأنَّ حَرَكاتِ الأفْلاكِ مَصُونَةٌ عَنِ الِانْقِطاعِ عِنْدَكم، وأمّا الثّانِي فَهو مِثالٌ مُحْتَمَلٌ وما ذَكَرْناهُ بُرْهانٌ قاطِعٌ فَلا يَتَعارَضانِ، أمّا الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ عَلى أنَّ لِلْكَواكِبِ حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ فَهو ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ يُقالُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ مُتَحَرِّكَةٌ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ إلّا أنَّ بَعْضَها أبْطَأُ مِنَ البَعْضِ فَيَتَخَلَّفُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّخَلُّفِ فَيُظَنُّ أنَّها تَتَحَرَّكُ إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ، مَثَلًا الفَلَكُ الأعْظَمُ اسْتِدارَتُهُ مِن أوَّلِ اليَوْمِ الأوَّلِ إلى أوَّلِ اليَوْمِ الثّانِي دَوْرَةٌ تامَّةٌ، وفَلَكُ الثَّوابِتِ اسْتِدارَتُهُ مِن أوَّلِ اليَوْمِ الأوَّلِ إلى أوَّلِ اليَوْمِ الثّانِي دَوْرَةٌ تامَّةٌ إلّا مِقْدارَ ثانِيَةٍ فَيُظَنُّ أنَّ فَلَكَ الثَّوابِتِ تَحَرَّكَ مِنَ الجِهَةِ الأُخْرى مِقْدارَ ثانِيَةٍ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَخَلَّفَ بِمِقْدارِ ثانِيَةٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَجَمِيعُ الجِهاتِ شَرْقِيَّةٌ وأسْرَعُها الحَرَكَةُ اليَوْمِيَّةِ، ثُمَّ يَلِيها في السُّرْعَةِ فَلَكُ الثَّوابِتِ ثُمَّ يَلِيها زُحَلُ وهَكَذا إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى فَلَكِ القَمَرِ فَهو أبْطَأُ الأفْلاكِ حَرَكَةً، وهَذا الَّذِي قُلْناهُ مَعَ ما يَشْهَدُ لَهُ البُرْهانُ المَذْكُورُ فَهو أقْرَبُ إلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ، فَإنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ نِهايَةُ الحَرَكَةِ الفَلَكَ المُحِيطَ وهو الفَلَكُ الأعْظَمُ ونِهايَةُ السُّكُونِ الجِرْمَ الَّذِي هو في غايَةِ البُعْدِ وهو الأرْضُ، ثُمَّ إنَّ كُلَّ ما كانَ أقْرَبَ إلى الفَلَكِ المُحِيطِ كانَ أسْرَعَ حَرَكَةً وما كانَ مِنهُ أبْعَدَ كانَ أبْطَأ فَهَذا ما نَقُولُهُ في حَرَكاتِ الأفْلاكِ في أطْوالِها وأمّا حَرَكاتُها في عُرُوضِها فَظاهِرَةٌ وذَلِكَ بِسَبَبِ اخْتِلافِ مُيُولِها إلى الشَّمالِ والجَنُوبِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْكَواكِبِ حَرَكَةٌ في المَيْلِ لَكانَ التَّأْثِيرُ مَخْصُوصًا بِبُقْعَةٍ واحِدَةٍ، فَكانَ سائِرُ الجَوانِبُ تَخْلُو عَنِ المَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنهُ، وكانَ الَّذِي يَقْرُبُ مِنهُ مُتَشابِهُ الأحْوالِ وكانَتِ القُوَّةُ هُناكَ لِكَيْفِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَإنْ كانَتْ حارَّةً أفْنَتِ الرُّطُوباتِ فَأحالَتْها كُلَّها إلى النّارِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ فَيَكُونُ المَوْضِعُ المُحاذِي لِمَمَرِّ الكَواكِبِ عَلى كَيْفِيَّةٍ، وخَطُّ ما لا يُحاذِيهِ عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى، وخَطُّ المُتَوَسِّطِ بَيْنَهُما عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى فَيَكُونُ في مَوْضِعٍ شِتاءٌ دائِمٌ ويَكُونُ فِيهِ الهَواءُ والعَجاجَةُ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ صَيْفٌ دائِمٌ يُوجِبُ الِاحْتِراقَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ رَبِيعٌ أوْ خَرِيفٌ لا يَتِمُّ فِيهِ النُّضْجُ ولَوْ لَمْ تَكُنْ عَوْداتٍ مُتَتالِيَةً، وكانَ الكَوْكَبُ يَتَحَرَّكُ بَطِيئًا لَكانَ المَيْلُ قَلِيلَ المَنفَعَةِ والتَّأْثِيرُ شَدِيدَ الإفْراطِ، وكانَ يَعْرِضُ قَرِيبًا مِمّا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَيْلٌ، ولَوْ كانَتِ الكَواكِبُ أسْرَعَ حَرَكَةً مِن هَذِهِ لَما كَمُلَتِ المَنافِعُ وما تَمَّتْ، وأمّا إذا كانَ هُناكَ مَيْلٌ يَحْفَظُ الحَرَكَةَ في جِهَةٍ مُدَّةً ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى جِهَةٍ أُخْرى بِمِقْدارِ الحاجَةِ ويَبْقى في كُلِّ جِهَةٍ بُرْهَةً تَمَّ بِذَلِكَ تَأْثِيرُهُ بِحَيْثُ يَبْقى مَصُونًا عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ. وبِالجُمْلَةِ فالعُقُولُ لا تَقِفُ إلّا عَلى القَلِيلِ مِن أسْرارِ المَخْلُوقاتِ فَسُبْحانَ الخالِقِ المُدَبِّرِ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُدْرَةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ إلّا ويَدْخُلُ في الكَلامِ مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ النُّجُومُ لِيُثْبِتَ مَعْنى الجَمْعِ ومَعْنى الكُلِّ فَصارَتِ النُّجُومُ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً أوَّلًا فَإنَّها مَذْكُورَةٌ لِعَوْدِ هَذا الضَّمِيرِ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفَلَكُ في كَلامِ العَرَبِ كُلُّ شَيْءٍ دائِرٍ وجَمْعُهُ أفْلاكٌ، واخْتَلَفَ العُقَلاءُ فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: الفَلَكُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وإنَّما هو مَدارُ هَذِهِ النُّجُومِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: بَلْ هي أجْسامٌ تَدُورُ النُّجُومُ
صفحة ١٤٥
عَلَيْها، وهَذا أقْرَبُ إلى ظاهِرِ القُرْآنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّتِهِ فَقالَ بَعْضُهم: الفَلَكُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَجْرِي الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ فِيهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ماءٌ مَجْمُوعٌ تَجْرِي فِيهِ الكَواكِبُ، واحْتَجَّ بِأنَّ السِّباحَةَ لا تَكُونُ إلّا في الماءِ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّهُ يُقالُ في الفَرَسِ الَّذِي يَمُدُّ يَدَيْهِ في الجَرْيِ سابِحٌ، وقالَ جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ وأصْحابُ الهَيْئَةِ: إنَّها أجْرامٌ صُلْبَةٌ لا ثَقِيلَةٌ ولا خَفِيفَةٌ، غَيْرُ قابِلَةٍ لِلْخَرْقِ والِالتِئامِ والنُّمُوِّ والذُّبُولِ، فَأمّا الكَلامُ عَلى الفَلاسِفَةِ فَهو مَذْكُورٌ في الكُتُبِ اللّائِقَةِ بِهِ، والحَقُّ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ صِفاتِ السَّماواتِ إلّا بِالخَبَرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في حَرَكاتِ الكَواكِبِ، والوُجُوهُ المُمْكِنَةُ فِيها ثَلاثَةٌ، فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ ساكِنًا والكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ فِيهِ كَحَرَكَةِ السَّمَكِ في الماءِ الرّاكِدِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا والكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ فِيهِ أيْضًا إمّا مُخالِفًا لِجِهَةِ حَرَكَتِهِ أوْ مُوافِقًا لِجِهَتِهِ إمّا بِحَرَكَةٍ مُساوِيَةٍ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ في السُّرْعَةِ والبُطْءِ أوْ مُخالِفَةٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا والكَوْكَبُ ساكِنًا، أمّا الرَّأْيُ الأوَّلُ فَقالَتِ الفَلاسِفَةُ: إنَّهُ باطِلٌ لِأنَّهُ يُوجِبُ خَرْقَ الأفْلاكِ وهو مُحالٌ، وأمّا الرَّأْيُ الثّانِي فَحَرَكَةُ الكَواكِبِ إنْ فُرِضَتْ مُخالِفَةٌ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ فَذاكَ أيْضًا يُوجِبُ الخَرْقَ، وإنْ كانَتْ حَرَكَتُها إلى جِهَةِ الفَلَكِ فَإنْ كانَتْ مُخالِفَةً لَها في السُّرْعَةِ والبُطْءِ لَزِمَ الِانْخِراقُ، وإنِ اسْتَوَيا في الجِهَةِ والسُّرْعَةِ والبُطْءِ فالخَرْقُ أيْضًا لازِمٌ؛ لِأنَّ الكَواكِبَ تَتَحَرَّكُ بِالعَرْضِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ فَتَبْقى حَرَكَتُهُ الذّاتِيَّةُ زائِدَةٌ فَيَلْزَمُ الخَرْقُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الثّالِثُ وهو أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ مَغْرُوزًا في الفَلَكِ واقِفًا فِيهِ والفَلَكُ يَتَحَرَّكُ فَيَتَحَرَّكُ الكَوْكَبُ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ، واعْلَمْ أنَّ مَدارَ هَذا الكَلامِ عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ عَلى الأفْلاكِ وهو باطِلٌ بَلِ الحَقُّ أنَّ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مُمْكِنَةٌ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ واقِفَةً والكَواكِبُ تَكُونُ جارِيَةً فِيها كَما تَسْبَحُ السَّمَكَةُ في الماءِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كُلٌّ) التَّنْوِينُ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ كُلُّهم في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا عَلى كَوْنِ الكَواكِبِ أحْياءً ناطِقَةً بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ قالَ: والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ لا يَكُونُ إلّا لِلْعُقَلاءِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، والجَوابُ: إنَّما جَعَلَ واوَ الضَّمِيرِ لِلْعُقَلاءِ لِلْوَصْفِ بِفِعْلِهِمْ وهو السِّباحَةُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: الجُمْلَةُ ما مَحَلُّها ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أوْ لا مَحَلَّ لَها لِاسْتِئْنافِها، فَإنْ قُلْتَ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَمَرَيْنِ فَلَكٌ عَلى حِدَةٍ فَكَيْفَ قِيلَ جَمِيعُهم يَسْبَحُونَ في فَلَكٍ ؟ قُلْتُ: هَذا كَقَوْلِهِمْ كَساهُمُ الأمِيرُ حُلَّةً وقَلَّدَهم سَيْفًا أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم.
الأنبياء 21:34
النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: سَمّى السَّماءَ سَقْفًا لِأنَّها لِلْأرْضِ كالسَّقْفِ لِلْبَيْتِ.
صفحة ١٤٣
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المَحْفُوظِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ الوُقُوعِ والسُّقُوطِ الَّذَيْنِ يَجْرِي مِثْلُهُما عَلى سائِرِ السُّقُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [الحَجِّ: ٦٥] وقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرٍ: ٤١] وقالَ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] . الثّانِي: مَحْفُوظًا مِنَ الشَّياطِينِ، قالَ تَعالى: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحِجْرِ: ١٧] ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالمَلائِكَةِ مِنَ الشَّياطِينِ. والثّانِي: أنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّياطِينِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى لِأنَّ حَمْلَ الآياتِ عَلَيْهِ مِمّا يَزِيدُ هَذِهِ النِّعْمَةَ عِظَمًا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كالمُتَكَفِّلِ بِحِفْظِهِ وسُقُوطِهِ عَلى المُكَلَّفِينَ بِخِلافِ القَوْلِ الثّانِي لِأنَّهُ لا يَخافُ عَلى السَّماءِ مِنِ اسْتِراقِ سَمْعِ الجِنِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ مَعْناهُ عَمّا وضَعَ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ الأدِلَّةِ والعِبَرِ في حَرَكاتِها وكَيْفِيَّةِ حَرَكاتِها وجِهاتِ حَرَكاتِها ومَطالِعِها ومَغارِبِها واتِّصالاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ وانْفِصالاتِها عَلى الحِسابِ القَوِيمِ والتَّرْتِيبِ العَجِيبِ الدّالِّ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ عَنْ آيَتِها عَلى التَّوْحِيدِ والمُرادُ الجِنْسُ أيْ هم مُتَفَطِّنُونَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ كالِاسْتِضاءَةِ بِقَمَرِها والِاهْتِداءِ بِكَواكِبِها، وحَياةِ الأرْضِ بِأمْطارِها وهم عَنْ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً عَلى وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ مُعْرِضُونَ.
* * *
النَّوْعُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ فَصَّلَ تِلْكَ الآياتِ هَهُنا لِأنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ ولَمْ يَخْلُقِ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِيَظْهَرَ بِهِما اللَّيْلُ والنَّهارُ ويَظْهَرَ بِهِما مِنَ المَنافِعِ بِتَعاقُبِ الحَرِّ والبَرْدِ لَمْ تَتَكامَلْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ بَلْ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ حَرَكاتِها في أفْلاكِها، فَلِهَذا قالَ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: قَدْ ثَبَتَ بِالأرْصادِ أنَّ لِلْكَواكِبِ حَرَكاتٍ مُخْتَلِفَةً فَمِنها حَرَكَةٌ تَشْمَلُها بِأسْرِها آخِذَةٌ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ وهي حَرَكَةُ الشَّمْسِ اليَوْمِيَّةُ، ثُمَّ قالَ جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ وأصْحابُ الهَيْئَةِ: وهَهُنا حَرَكَةٌ أُخْرى مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ قالُوا وهي ظاهِرَةٌ في السَّبْعَةِ السَّيّارَةِ خَفِيَّةٌ في الثّابِتَةِ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْها بِأنّا وجَدْنا الكَواكِبَ السَّيّارَةَ كُلَّما كانَ مِنها أسْرَعُ حَرَكَةً إذا قارَنَ ما هو أبْطَأُ حَرَكَةً فَإنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَقَدَّمُهُ نَحْوَ المَشْرِقِ وهَذا في القَمَرِ ظاهِرٌ جِدًّا فَإنَّهُ يَظْهَرُ بَعْدَ الِاجْتِماعِ بِيَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ مِن ناحِيَةِ المَغْرِبِ عَلى بُعْدٍ مِنَ الشَّمْسِ ثُمَّ يَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ بُعْدًا مِنها إلى أنْ يُقابِلَها عَلى قَرِيبٍ مِن نِصْفِ الشَّهْرِ، وكُلُّ كَوْكَبٍ كانَ شَرْقِيًّا مِنهُ عَلى طَرِيقَتِهِ في مَمَرِّ البُرُوجِ يَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ قُرْبًا مِنهُ، ثُمَّ إذا أدْرَكَهُ سَتَرَهُ بِطَرَفِهِ الشَّرْقِيِّ وتَنْكَسِفُ تِلْكَ الكَواكِبُ عَنْهُ بِطَرَفِهِ الغَرْبِيِّ فَعَرَفْنا أنَّ لِهَذِهِ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، وكَذَلِكَ وجَدْنا لِلْكَواكِبِ الثّابِتَةِ حَرَكَةً بَطِيئَةً عَلى تَوالِي البُرُوجِ فَعَرَفْنا أنَّ لَها حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ. هَذا ما قالُوهُ ونَحْنُ خالَفْناهم فِيهِ، وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الشَّمْسَ مَثَلًا لَوْ كانَتْ مُتَحَرِّكَةً بِذاتِها مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ حَرَكَةً بَطِيئَةً ولا شَكَّ أنَّها مُتَحَرِّكَةٌ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لَزِمَ كَوْنُ الجِرْمِ الواحِدِ مُتَحَرِّكًا حَرَكَتَيْنِ إلى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ دَفْعَةً واحِدَةً وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الحَرَكَةَ إلى الجِهَةِ تَقْتَضِي حُصُولَ
صفحة ١٤٤
المُتَحَرِّكِ في الجِهَةِ المُنْتَقِلِ إلَيْها فَلَوْ تَحَرَّكَ الجِسْمُ الواحِدُ دَفْعَةً واحِدَةً إلى جِهَتَيْنِ لَزِمَ حُصُولُهُ دَفْعَةً واحِدَةً في مَكانَيْنِ وهو مُحالٌ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الشَّمْسُ حالَ حَرَكَتِها إلى الجانِبِ الشَّرْقِيِّ تَنْقَطِعُ حَرَكَتُها إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ وبِالعَكْسِ، وأيْضًا فَما ذَكَرْتُمُوهُ يَنْتَقِضُ بِحَرَكَةِ الرَّحى إلى جانِبٍ والنَّمْلَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْها تَتَحَرَّكُ إلى خِلافِ ذَلِكَ الجانِبِ، قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَلا يَسْتَقِيمُ عَلى أُصُولِكم لِأنَّ حَرَكاتِ الأفْلاكِ مَصُونَةٌ عَنِ الِانْقِطاعِ عِنْدَكم، وأمّا الثّانِي فَهو مِثالٌ مُحْتَمَلٌ وما ذَكَرْناهُ بُرْهانٌ قاطِعٌ فَلا يَتَعارَضانِ، أمّا الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ عَلى أنَّ لِلْكَواكِبِ حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ فَهو ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ يُقالُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ مُتَحَرِّكَةٌ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ إلّا أنَّ بَعْضَها أبْطَأُ مِنَ البَعْضِ فَيَتَخَلَّفُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّخَلُّفِ فَيُظَنُّ أنَّها تَتَحَرَّكُ إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ، مَثَلًا الفَلَكُ الأعْظَمُ اسْتِدارَتُهُ مِن أوَّلِ اليَوْمِ الأوَّلِ إلى أوَّلِ اليَوْمِ الثّانِي دَوْرَةٌ تامَّةٌ، وفَلَكُ الثَّوابِتِ اسْتِدارَتُهُ مِن أوَّلِ اليَوْمِ الأوَّلِ إلى أوَّلِ اليَوْمِ الثّانِي دَوْرَةٌ تامَّةٌ إلّا مِقْدارَ ثانِيَةٍ فَيُظَنُّ أنَّ فَلَكَ الثَّوابِتِ تَحَرَّكَ مِنَ الجِهَةِ الأُخْرى مِقْدارَ ثانِيَةٍ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَخَلَّفَ بِمِقْدارِ ثانِيَةٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَجَمِيعُ الجِهاتِ شَرْقِيَّةٌ وأسْرَعُها الحَرَكَةُ اليَوْمِيَّةِ، ثُمَّ يَلِيها في السُّرْعَةِ فَلَكُ الثَّوابِتِ ثُمَّ يَلِيها زُحَلُ وهَكَذا إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى فَلَكِ القَمَرِ فَهو أبْطَأُ الأفْلاكِ حَرَكَةً، وهَذا الَّذِي قُلْناهُ مَعَ ما يَشْهَدُ لَهُ البُرْهانُ المَذْكُورُ فَهو أقْرَبُ إلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ، فَإنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ نِهايَةُ الحَرَكَةِ الفَلَكَ المُحِيطَ وهو الفَلَكُ الأعْظَمُ ونِهايَةُ السُّكُونِ الجِرْمَ الَّذِي هو في غايَةِ البُعْدِ وهو الأرْضُ، ثُمَّ إنَّ كُلَّ ما كانَ أقْرَبَ إلى الفَلَكِ المُحِيطِ كانَ أسْرَعَ حَرَكَةً وما كانَ مِنهُ أبْعَدَ كانَ أبْطَأ فَهَذا ما نَقُولُهُ في حَرَكاتِ الأفْلاكِ في أطْوالِها وأمّا حَرَكاتُها في عُرُوضِها فَظاهِرَةٌ وذَلِكَ بِسَبَبِ اخْتِلافِ مُيُولِها إلى الشَّمالِ والجَنُوبِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْكَواكِبِ حَرَكَةٌ في المَيْلِ لَكانَ التَّأْثِيرُ مَخْصُوصًا بِبُقْعَةٍ واحِدَةٍ، فَكانَ سائِرُ الجَوانِبُ تَخْلُو عَنِ المَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنهُ، وكانَ الَّذِي يَقْرُبُ مِنهُ مُتَشابِهُ الأحْوالِ وكانَتِ القُوَّةُ هُناكَ لِكَيْفِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَإنْ كانَتْ حارَّةً أفْنَتِ الرُّطُوباتِ فَأحالَتْها كُلَّها إلى النّارِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ فَيَكُونُ المَوْضِعُ المُحاذِي لِمَمَرِّ الكَواكِبِ عَلى كَيْفِيَّةٍ، وخَطُّ ما لا يُحاذِيهِ عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى، وخَطُّ المُتَوَسِّطِ بَيْنَهُما عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى فَيَكُونُ في مَوْضِعٍ شِتاءٌ دائِمٌ ويَكُونُ فِيهِ الهَواءُ والعَجاجَةُ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ صَيْفٌ دائِمٌ يُوجِبُ الِاحْتِراقَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ رَبِيعٌ أوْ خَرِيفٌ لا يَتِمُّ فِيهِ النُّضْجُ ولَوْ لَمْ تَكُنْ عَوْداتٍ مُتَتالِيَةً، وكانَ الكَوْكَبُ يَتَحَرَّكُ بَطِيئًا لَكانَ المَيْلُ قَلِيلَ المَنفَعَةِ والتَّأْثِيرُ شَدِيدَ الإفْراطِ، وكانَ يَعْرِضُ قَرِيبًا مِمّا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَيْلٌ، ولَوْ كانَتِ الكَواكِبُ أسْرَعَ حَرَكَةً مِن هَذِهِ لَما كَمُلَتِ المَنافِعُ وما تَمَّتْ، وأمّا إذا كانَ هُناكَ مَيْلٌ يَحْفَظُ الحَرَكَةَ في جِهَةٍ مُدَّةً ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى جِهَةٍ أُخْرى بِمِقْدارِ الحاجَةِ ويَبْقى في كُلِّ جِهَةٍ بُرْهَةً تَمَّ بِذَلِكَ تَأْثِيرُهُ بِحَيْثُ يَبْقى مَصُونًا عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ. وبِالجُمْلَةِ فالعُقُولُ لا تَقِفُ إلّا عَلى القَلِيلِ مِن أسْرارِ المَخْلُوقاتِ فَسُبْحانَ الخالِقِ المُدَبِّرِ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُدْرَةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ إلّا ويَدْخُلُ في الكَلامِ مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ النُّجُومُ لِيُثْبِتَ مَعْنى الجَمْعِ ومَعْنى الكُلِّ فَصارَتِ النُّجُومُ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً أوَّلًا فَإنَّها مَذْكُورَةٌ لِعَوْدِ هَذا الضَّمِيرِ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفَلَكُ في كَلامِ العَرَبِ كُلُّ شَيْءٍ دائِرٍ وجَمْعُهُ أفْلاكٌ، واخْتَلَفَ العُقَلاءُ فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: الفَلَكُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وإنَّما هو مَدارُ هَذِهِ النُّجُومِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: بَلْ هي أجْسامٌ تَدُورُ النُّجُومُ
صفحة ١٤٥
عَلَيْها، وهَذا أقْرَبُ إلى ظاهِرِ القُرْآنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّتِهِ فَقالَ بَعْضُهم: الفَلَكُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَجْرِي الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ فِيهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ماءٌ مَجْمُوعٌ تَجْرِي فِيهِ الكَواكِبُ، واحْتَجَّ بِأنَّ السِّباحَةَ لا تَكُونُ إلّا في الماءِ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّهُ يُقالُ في الفَرَسِ الَّذِي يَمُدُّ يَدَيْهِ في الجَرْيِ سابِحٌ، وقالَ جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ وأصْحابُ الهَيْئَةِ: إنَّها أجْرامٌ صُلْبَةٌ لا ثَقِيلَةٌ ولا خَفِيفَةٌ، غَيْرُ قابِلَةٍ لِلْخَرْقِ والِالتِئامِ والنُّمُوِّ والذُّبُولِ، فَأمّا الكَلامُ عَلى الفَلاسِفَةِ فَهو مَذْكُورٌ في الكُتُبِ اللّائِقَةِ بِهِ، والحَقُّ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ صِفاتِ السَّماواتِ إلّا بِالخَبَرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في حَرَكاتِ الكَواكِبِ، والوُجُوهُ المُمْكِنَةُ فِيها ثَلاثَةٌ، فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ ساكِنًا والكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ فِيهِ كَحَرَكَةِ السَّمَكِ في الماءِ الرّاكِدِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا والكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ فِيهِ أيْضًا إمّا مُخالِفًا لِجِهَةِ حَرَكَتِهِ أوْ مُوافِقًا لِجِهَتِهِ إمّا بِحَرَكَةٍ مُساوِيَةٍ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ في السُّرْعَةِ والبُطْءِ أوْ مُخالِفَةٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا والكَوْكَبُ ساكِنًا، أمّا الرَّأْيُ الأوَّلُ فَقالَتِ الفَلاسِفَةُ: إنَّهُ باطِلٌ لِأنَّهُ يُوجِبُ خَرْقَ الأفْلاكِ وهو مُحالٌ، وأمّا الرَّأْيُ الثّانِي فَحَرَكَةُ الكَواكِبِ إنْ فُرِضَتْ مُخالِفَةٌ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ فَذاكَ أيْضًا يُوجِبُ الخَرْقَ، وإنْ كانَتْ حَرَكَتُها إلى جِهَةِ الفَلَكِ فَإنْ كانَتْ مُخالِفَةً لَها في السُّرْعَةِ والبُطْءِ لَزِمَ الِانْخِراقُ، وإنِ اسْتَوَيا في الجِهَةِ والسُّرْعَةِ والبُطْءِ فالخَرْقُ أيْضًا لازِمٌ؛ لِأنَّ الكَواكِبَ تَتَحَرَّكُ بِالعَرْضِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ فَتَبْقى حَرَكَتُهُ الذّاتِيَّةُ زائِدَةٌ فَيَلْزَمُ الخَرْقُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الثّالِثُ وهو أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ مَغْرُوزًا في الفَلَكِ واقِفًا فِيهِ والفَلَكُ يَتَحَرَّكُ فَيَتَحَرَّكُ الكَوْكَبُ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ، واعْلَمْ أنَّ مَدارَ هَذا الكَلامِ عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ عَلى الأفْلاكِ وهو باطِلٌ بَلِ الحَقُّ أنَّ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مُمْكِنَةٌ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ واقِفَةً والكَواكِبُ تَكُونُ جارِيَةً فِيها كَما تَسْبَحُ السَّمَكَةُ في الماءِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كُلٌّ) التَّنْوِينُ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ كُلُّهم في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا عَلى كَوْنِ الكَواكِبِ أحْياءً ناطِقَةً بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ قالَ: والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ لا يَكُونُ إلّا لِلْعُقَلاءِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، والجَوابُ: إنَّما جَعَلَ واوَ الضَّمِيرِ لِلْعُقَلاءِ لِلْوَصْفِ بِفِعْلِهِمْ وهو السِّباحَةُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: الجُمْلَةُ ما مَحَلُّها ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أوْ لا مَحَلَّ لَها لِاسْتِئْنافِها، فَإنْ قُلْتَ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَمَرَيْنِ فَلَكٌ عَلى حِدَةٍ فَكَيْفَ قِيلَ جَمِيعُهم يَسْبَحُونَ في فَلَكٍ ؟ قُلْتُ: هَذا كَقَوْلِهِمْ كَساهُمُ الأمِيرُ حُلَّةً وقَلَّدَهم سَيْفًا أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم.
الأنبياء 21:35
صفحة ١٤٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِالأشْياءِ السِّتَّةِ الَّتِي شَرَحْناها في الفَصْلِ المُتَقَدِّمِ وكانَتْ تِلْكَ الأشْياءُ مِن أُصُولِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَذِهِ الدُّنْيا جَعَلَها كَذَلِكَ لا لِتَبْقى وتَدُومَ أوْ يَبْقى فِيها مَن خُلِقَتِ الدُّنْيا لَهُ، بَلْ خَلَقَها سُبْحانَهُ وتَعالى لِلِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ولِكَيْ يُتَوَصَّلَ بِها إلى الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الخُلُودِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: أنَّ أُناسًا كانُوا يَقُولُونَ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لا يَمُوتُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وثانِيها: كانُوا يُقَدِّرُونَ أنَّهُ سَيَمُوتُ فَيَشْمَتُونَ بِمَوْتِهِ فَنَفى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الشَّماتَةَ بِهَذا أيْ قَضى اللَّهُ تَعالى أنْ لا يُخَلِّدَ في الدُّنْيا بَشَرًا فَلا أنْتَ ولا هم إلّا عُرْضَةٌ لِلْمَوْتِ أفَإنْ مِتَّ أنْتَ أيَبْقى هَؤُلاءِ ؟ لا، وفي مَعْناهُ قَوْلُ القائِلِ:
فَقُلْ لِلشّامِتِينَ بِنا أفِيقُوا سَيَلْقى الشّامِتُونَ كَما لَقِينا
وثالِثُها: يَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاتَمُ الأنْبِياءِ جازَ أنْ يُقَدِّرَ مُقَدِّرٌ أنَّهُ لا يَمُوتُ إذْ لَوْ ماتَ لَتَغَيَّرَ شَرْعُهُ، فَنَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ حالَهُ كَحالِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في المَوْتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا العُمُومَ مَخْصُوصٌ فَإنَّهُ تَعالى نَفْسٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] مَعَ أنَّ المَوْتَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ وكَذا الجَماداتِ لَها نُفُوسٌ وهي لا تَمُوتُ، والعامُّ المَخْصُوصُ حُجَّةٌ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ فِيما عَدا هَذِهِ الأشْياءِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ الفَلاسِفَةِ في أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ والعُقُولَ المُفارِقَةَ والنُّفُوسَ الفَلَكِيَّةَ لا تَمُوتُ. والثّانِي: الذَّوْقُ هَهُنا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ المَوْتَ لَيْسَ مِن جِنْسِ المَطْعُومِ حَتّى يُذاقَ بَلِ الذَّوْقُ إدْراكٌ خاصٌّ فَيَجُوزُ جَعْلُهُ مَجازًا عَنْ أصْلِ الإدْراكِ، وأمّا المَوْتُ فالمُرادُ مِنهُ هَهُنا مُقَدِّماتُهُ مِنَ الآلامِ العَظِيمَةِ لِأنَّ المَوْتَ قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ يَمْتَنِعُ إدْراكُهُ وحالَ وُجُودِهِ يَصِيرُ الشَّخْصُ مَيِّتًا والمَيِّتُ لا يُدْرِكُ شَيْئًا. والثّالِثُ: الإضافَةُ في ذائِقَةِ المَوْتِ في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ لِأنَّهُ لِما يُسْتَقْبَلُ كَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائِدَةِ: ١]، و﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائِدَةِ: ٩٥] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الِابْتِلاءُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا مَعَ التَّكْلِيفِ، فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّكْلِيفِ وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَقْتَصِرْ بِالمُكَلَّفِ عَلى ما أمَرَ ونَهى وإنْ كانَ فِيهِ صُعُوبَةٌ بَلِ ابْتَلاهُ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: ما سَمّاهُ خَيْرًا وهو نِعَمُ الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ واللَّذَّةِ والسُّرُورِ والتَّمْكِينِ مِنَ المُراداتِ. والثّانِي: ما سَمّاهُ شَرًّا وهو المَضارُّ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنَ الفَقْرِ والآلامِ وسائِرِ الشَّدائِدِ النّازِلَةِ بِالمُكَلَّفِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ العَبْدَ مَعَ التَّكْلِيفِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، لِكَيْ يَشْكُرَ عَلى المِنَحِ ويَصْبِرَ في المِحَنِ، فَيَعْظُمَ ثَوابُهُ إذا قامَ بِما يَلْزَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما سَمّى ذَلِكَ ابْتِلاءً وهو عالِمٌ بِما سَيَكُونُ مِن أعْمالِ العالَمِينَ قَبْلَ وُجُودِهِمْ لِأنَّهُ في
صفحة ١٤٧
صُورَةِ الِاخْتِبارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فِتْنَةً﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَبْلُوكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّتِ التَّناسُخِيَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ فَإنَّ الرُّجُوعَ إلى مَوْضِعٍ مَسْبُوقٍ بِالكَوْنِ فِيهِ. والجَوابُ: أنَّهُ مَذْكُورٌ مَجازًا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أنَّهم يُرْجَعُونَ إلى حُكْمِهِ ومُحاسَبَتِهِ ومُجازاتِهِ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ بُطْلانَ قَوْلِهِمْ في نَفْيِ البَعْثِ والمَعادِ، واسْتَدَلَّتِ التَّناسُخِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ الرُّجُوعَ إلى مَوْضِعٍ مَسْبُوقٍ بِالكَوْنِ فِيهِ، وقَدْ كُنّا مَوْجُودِينَ قَبْلَ دُخُولِنا في هَذا العالَمِ، واسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِأنّا أجْسامٌ، فَرُجُوعُنا إلى اللَّهِ تَعالى يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ تَعالى جِسْمًا. والجَوابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلٍ، مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وكانَ أبُو سُفْيانَ مَعَ أبِي جَهْلٍ، «فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: وما تُنْكِرُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا في بَنِي عَبْدِ مَنافٍ ! فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُما فَقالَ لِأبِي جَهْلٍ: ما أراكَ تَنْتَهِي حَتّى يَنْزِلَ بِكَ ما نَزَلَ بِعَمِّكَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأمّا أنْتَ يا أبا سُفْيانَ: فَإنَّما قُلْتَ ما قُلْتَ حَمِيَّةً»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ فَسَّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ والذِّكْرُ يَكُونُ بِخَيْرٍ وبِخِلافِهِ، فَإذا دَلَّتِ الحالُ عَلى أحَدِهِما أُطْلِقَ ولَمْ يُقَيَّدْ كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ سَمِعْتُ فُلانًا يَذْكُرُكَ، فَإنْ كانَ الذّاكِرُ صَدِيقًا فَهو ثَناءٌ، وإنْ كانَ عَدُوًّا فَهو ذَمٌّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٦٠] والمَعْنى أنَّهُ يُبْطِلُ كَوْنَها مَعْبُودَةً ويُقَبِّحُ عِبادَتَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهم يَعِيبُونَ عَلَيْهِ ذِكْرَ آلِهَتِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ، مَعَ أنَّهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي هو المُنْعِمُ الخالِقُ المُحْيِي المُمِيتُ ﴿كافِرُونَ﴾ ولا فِعْلَ أقْبَحُ مِن ذَلِكَ، فَيَكُونُ الهُزُؤُ واللَّعِبُ والذَّمُّ عَلَيْهِمْ يَعُودُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ القُرْآنُ والكُتُبُ، والمَعْنى في إعادَتِهِمْ أنَّ الأُولى إشارَةٌ إلى القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ الفِعْلَ، والثّانِيَةَ إبانَةٌ لِاخْتِصاصِهِمْ بِهِ، وأيْضًا فَإنَّ في إعادَتِها تَأْكِيدًا وتَعْظِيمًا لِفِعْلِهِمْ.
الأنبياء 21:36
صفحة ١٤٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِالأشْياءِ السِّتَّةِ الَّتِي شَرَحْناها في الفَصْلِ المُتَقَدِّمِ وكانَتْ تِلْكَ الأشْياءُ مِن أُصُولِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَذِهِ الدُّنْيا جَعَلَها كَذَلِكَ لا لِتَبْقى وتَدُومَ أوْ يَبْقى فِيها مَن خُلِقَتِ الدُّنْيا لَهُ، بَلْ خَلَقَها سُبْحانَهُ وتَعالى لِلِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ولِكَيْ يُتَوَصَّلَ بِها إلى الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الخُلُودِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: أنَّ أُناسًا كانُوا يَقُولُونَ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لا يَمُوتُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وثانِيها: كانُوا يُقَدِّرُونَ أنَّهُ سَيَمُوتُ فَيَشْمَتُونَ بِمَوْتِهِ فَنَفى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الشَّماتَةَ بِهَذا أيْ قَضى اللَّهُ تَعالى أنْ لا يُخَلِّدَ في الدُّنْيا بَشَرًا فَلا أنْتَ ولا هم إلّا عُرْضَةٌ لِلْمَوْتِ أفَإنْ مِتَّ أنْتَ أيَبْقى هَؤُلاءِ ؟ لا، وفي مَعْناهُ قَوْلُ القائِلِ:
فَقُلْ لِلشّامِتِينَ بِنا أفِيقُوا سَيَلْقى الشّامِتُونَ كَما لَقِينا
وثالِثُها: يَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاتَمُ الأنْبِياءِ جازَ أنْ يُقَدِّرَ مُقَدِّرٌ أنَّهُ لا يَمُوتُ إذْ لَوْ ماتَ لَتَغَيَّرَ شَرْعُهُ، فَنَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ حالَهُ كَحالِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في المَوْتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا العُمُومَ مَخْصُوصٌ فَإنَّهُ تَعالى نَفْسٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] مَعَ أنَّ المَوْتَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ وكَذا الجَماداتِ لَها نُفُوسٌ وهي لا تَمُوتُ، والعامُّ المَخْصُوصُ حُجَّةٌ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ فِيما عَدا هَذِهِ الأشْياءِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ الفَلاسِفَةِ في أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ والعُقُولَ المُفارِقَةَ والنُّفُوسَ الفَلَكِيَّةَ لا تَمُوتُ. والثّانِي: الذَّوْقُ هَهُنا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ المَوْتَ لَيْسَ مِن جِنْسِ المَطْعُومِ حَتّى يُذاقَ بَلِ الذَّوْقُ إدْراكٌ خاصٌّ فَيَجُوزُ جَعْلُهُ مَجازًا عَنْ أصْلِ الإدْراكِ، وأمّا المَوْتُ فالمُرادُ مِنهُ هَهُنا مُقَدِّماتُهُ مِنَ الآلامِ العَظِيمَةِ لِأنَّ المَوْتَ قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ يَمْتَنِعُ إدْراكُهُ وحالَ وُجُودِهِ يَصِيرُ الشَّخْصُ مَيِّتًا والمَيِّتُ لا يُدْرِكُ شَيْئًا. والثّالِثُ: الإضافَةُ في ذائِقَةِ المَوْتِ في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ لِأنَّهُ لِما يُسْتَقْبَلُ كَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائِدَةِ: ١]، و﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائِدَةِ: ٩٥] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الِابْتِلاءُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا مَعَ التَّكْلِيفِ، فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّكْلِيفِ وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَقْتَصِرْ بِالمُكَلَّفِ عَلى ما أمَرَ ونَهى وإنْ كانَ فِيهِ صُعُوبَةٌ بَلِ ابْتَلاهُ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: ما سَمّاهُ خَيْرًا وهو نِعَمُ الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ واللَّذَّةِ والسُّرُورِ والتَّمْكِينِ مِنَ المُراداتِ. والثّانِي: ما سَمّاهُ شَرًّا وهو المَضارُّ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنَ الفَقْرِ والآلامِ وسائِرِ الشَّدائِدِ النّازِلَةِ بِالمُكَلَّفِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ العَبْدَ مَعَ التَّكْلِيفِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، لِكَيْ يَشْكُرَ عَلى المِنَحِ ويَصْبِرَ في المِحَنِ، فَيَعْظُمَ ثَوابُهُ إذا قامَ بِما يَلْزَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما سَمّى ذَلِكَ ابْتِلاءً وهو عالِمٌ بِما سَيَكُونُ مِن أعْمالِ العالَمِينَ قَبْلَ وُجُودِهِمْ لِأنَّهُ في
صفحة ١٤٧
صُورَةِ الِاخْتِبارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فِتْنَةً﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَبْلُوكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّتِ التَّناسُخِيَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ فَإنَّ الرُّجُوعَ إلى مَوْضِعٍ مَسْبُوقٍ بِالكَوْنِ فِيهِ. والجَوابُ: أنَّهُ مَذْكُورٌ مَجازًا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أنَّهم يُرْجَعُونَ إلى حُكْمِهِ ومُحاسَبَتِهِ ومُجازاتِهِ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ بُطْلانَ قَوْلِهِمْ في نَفْيِ البَعْثِ والمَعادِ، واسْتَدَلَّتِ التَّناسُخِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ الرُّجُوعَ إلى مَوْضِعٍ مَسْبُوقٍ بِالكَوْنِ فِيهِ، وقَدْ كُنّا مَوْجُودِينَ قَبْلَ دُخُولِنا في هَذا العالَمِ، واسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِأنّا أجْسامٌ، فَرُجُوعُنا إلى اللَّهِ تَعالى يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ تَعالى جِسْمًا. والجَوابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلٍ، مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وكانَ أبُو سُفْيانَ مَعَ أبِي جَهْلٍ، «فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: وما تُنْكِرُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا في بَنِي عَبْدِ مَنافٍ ! فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُما فَقالَ لِأبِي جَهْلٍ: ما أراكَ تَنْتَهِي حَتّى يَنْزِلَ بِكَ ما نَزَلَ بِعَمِّكَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأمّا أنْتَ يا أبا سُفْيانَ: فَإنَّما قُلْتَ ما قُلْتَ حَمِيَّةً»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ فَسَّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ والذِّكْرُ يَكُونُ بِخَيْرٍ وبِخِلافِهِ، فَإذا دَلَّتِ الحالُ عَلى أحَدِهِما أُطْلِقَ ولَمْ يُقَيَّدْ كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ سَمِعْتُ فُلانًا يَذْكُرُكَ، فَإنْ كانَ الذّاكِرُ صَدِيقًا فَهو ثَناءٌ، وإنْ كانَ عَدُوًّا فَهو ذَمٌّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٦٠] والمَعْنى أنَّهُ يُبْطِلُ كَوْنَها مَعْبُودَةً ويُقَبِّحُ عِبادَتَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهم يَعِيبُونَ عَلَيْهِ ذِكْرَ آلِهَتِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ، مَعَ أنَّهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي هو المُنْعِمُ الخالِقُ المُحْيِي المُمِيتُ ﴿كافِرُونَ﴾ ولا فِعْلَ أقْبَحُ مِن ذَلِكَ، فَيَكُونُ الهُزُؤُ واللَّعِبُ والذَّمُّ عَلَيْهِمْ يَعُودُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ القُرْآنُ والكُتُبُ، والمَعْنى في إعادَتِهِمْ أنَّ الأُولى إشارَةٌ إلى القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ الفِعْلَ، والثّانِيَةَ إبانَةٌ لِاخْتِصاصِهِمْ بِهِ، وأيْضًا فَإنَّ في إعادَتِها تَأْكِيدًا وتَعْظِيمًا لِفِعْلِهِمْ.