Tafsir Al-Razi — المؤمنون 23:59 – المؤمنون 23:118
المحتويات
- المؤمنون 23:59
- المؤمنون 23:60
- المؤمنون 23:61
- المؤمنون 23:62
- المؤمنون 23:63
- المؤمنون 23:64
- المؤمنون 23:65
- المؤمنون 23:66
- المؤمنون 23:67
- المؤمنون 23:68
- المؤمنون 23:69
- المؤمنون 23:70
- المؤمنون 23:71
- المؤمنون 23:72
- المؤمنون 23:73
- المؤمنون 23:74
- المؤمنون 23:75
- المؤمنون 23:76
- المؤمنون 23:77
- المؤمنون 23:78
- المؤمنون 23:79
- المؤمنون 23:80
- المؤمنون 23:81
- المؤمنون 23:82
- المؤمنون 23:83
- المؤمنون 23:84
- المؤمنون 23:85
- المؤمنون 23:86
- المؤمنون 23:87
- المؤمنون 23:88
- المؤمنون 23:89
- المؤمنون 23:90
- المؤمنون 23:91
- المؤمنون 23:92
- المؤمنون 23:93
- المؤمنون 23:94
- المؤمنون 23:95
- المؤمنون 23:96
- المؤمنون 23:97
- المؤمنون 23:98
- المؤمنون 23:99
- المؤمنون 23:100
- المؤمنون 23:101
- المؤمنون 23:102
- المؤمنون 23:103
- المؤمنون 23:104
- المؤمنون 23:105
- المؤمنون 23:106
- المؤمنون 23:107
- المؤمنون 23:108
- المؤمنون 23:109
- المؤمنون 23:110
- المؤمنون 23:111
- المؤمنون 23:112
- المؤمنون 23:113
- المؤمنون 23:114
- المؤمنون 23:115
- المؤمنون 23:116
- المؤمنون 23:117
- المؤمنون 23:118
المؤمنون 23:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ بَيَّنَ بَعْدَهُ صِفاتِ مَن يُسارِعُ في الخَيْراتِ ويَشْعُرُ بِذَلِكَ، وهي أرْبَعَةٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَتَضَمَّنُ الخَشْيَةَ مَعَ زِيادَةِ رِقَّةٍ وضَعْفٍ، فَمِنهم مَن قالَ: جَمَعَ بَيْنَهُما لِلتَّأْكِيدِ، ومِنهم مَن حَمَلَ الخَشْيَةَ عَلى العَذابِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِنهم مَن حَمَلَ الإشْفاقَ عَلى أثَرِهِ، وهو الدَّوامُ في الطّاعَةِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ دائِمُونَ في طاعَتِهِ، جادُّونَ في طَلَبِ مَرْضاتِهِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ مَن بَلَغَ في الخَشْيَةِ إلى حَدِّ الإشْفاقِ وهو كَمالُ الخَشْيَةِ، كانَ في نِهايَةِ الخَوْفِ مِن سُخْطِ اللَّهِ عاجِلًا، ومِن عِقابِهِ آجِلًا، فَكانَ في نِهايَةِ الِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ آياتِ اللَّهِ تَعالى هي المَخْلُوقاتُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ، والإيمانُ بِها هو التَّصْدِيقُ بِها، والتَّصْدِيقُ بِها إنْ كانَ بِوُجُودِها فَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وصاحِبُ هَذا التَّصْدِيقِ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، وإنْ كانَ بِكَوْنِها آياتٍ ودَلائِلَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَذَلِكَ مِمّا لا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِالنَّظَرِ والفِكْرِ، وصاحِبُهُ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ عارِفًا بِوُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ، وإذا حَصَلَتِ المَعْرِفَةُ بِالقَلْبِ حَصَلَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ ظاهِرًا وذَلِكَ هو الإيمانُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ بَلِ المُرادُ مِنهُ نَفْيُ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وهو أنْ يَكُونَ مُخْلِصًا في العِبادَةِ لا يَقْدُمُ عَلَيْها إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبِ رِضْوانِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ مَعْناهُ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا، فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ حَقٍّ يَلْزَمُ إيتاؤُهُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى: كالزَّكاةِ والكَفّارَةِ وغَيْرِهِما، أوْ مِن حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ: كالوَدائِعِ والدُّيُونِ وأصْنافِ الإنْصافِ والعَدْلِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَنْفَعُ إذا فَعَلُوهُ وقُلُوبُهم وجِلَةٌ؛ لِأنَّ مَن يَقْدُمُ عَلى العِبادَةِ وهو وجِلٌ مِن تَقْصِيرِهِ وإخْلالِهِ بِنُقْصانٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ لِأجْلِ ذَلِكَ الوَجِلِ مُجْتَهِدًا في أنْ يُوَفِّيَها حَقَّها في الأداءِ. «وسَألَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أهُوَ الَّذِي يَزْنِي ويَشْرَبُ الخَمْرَ ويَسْرِقُ وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا يا ابْنَةَ
صفحة ٩٤
الصِّدِّيقِ، ولَكِنْ هو الرَّجُلُ يُصَلِّي ويَصُومُ ويَتَصَدَّقُ، وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى“».
واعْلَمْ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ الصِّفاتِ في نِهايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ المُوجِبِ لِلِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ عَلى تَرْكِ الرِّياءِ في الطّاعاتِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ عَلى أنَّ المُسْتَجْمِعَ لِتِلْكَ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ يَأْتِي بِالطّاعاتِ مَعَ الوَجَلِ والخَوْفِ مِنَ التَّقْصِيرِ، وذَلِكَ هو نِهايَةُ مَقاماتِ الصَّدِّيقِينَ، رَزَقَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ الوُصُولَ إلَيْها.
فَإنْ قِيلَ: أفَتَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ يَرْجِعُ إلى ”يُؤْتُونَ“، أوْ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِصالِ؟ قُلْنا: بَلِ الأوْلى أنْ يَرْجِعَ إلى الكُلِّ؛ لِأنَّ العَطِيَّةَ لَيْسَتْ بِذَلِكَ أوْلى مِن سائِرِ الأعْمالِ، إذِ المُرادُ أنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ عَلى وجَلٍ مِن تَقْصِيرِهِ، فَيَكُونُ مُبالِغًا في تَوْفِيَتِهِ حَقَّهُ، فَأمّا إذا قُرِئَ (والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما أتَوْا) فالقَوْلُ فِيهِ أظْهَرُ؛ إذِ المُرادُ بِذَلِكَ: أيُّ شَيْءٍ أتَوْهُ وفَعَلُوهُ مِن تَحَرُّزٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ وإقْدامٍ عَلى إيمانٍ وعَمَلٍ، فَإنَّهم يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مَعَ الوَجَلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ الوَجَلِ، وهي عِلْمُهم بِأنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، أيْ: لِلْمُجازاةِ والمُساءَلَةِ ونَشْرِ الصُّحُفِ وتَتَبُّعِ الأعْمالِ، وأنَّ هُناكَ لا تَنْفَعُ النَّدامَةُ، فَلَيْسَ إلّا الحُكْمُ القاطِعُ مِن جِهَةِ مالِكِ المُلْكِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها لِئَلّا تَفُوتَ عَنْ وقْتِها، ولِكَيْلا تَفُوتَهم دُونَ الِاخْتِرامِ.
والثّانِي: أنَّهم يَتَعَجَّلُونَ في الدُّنْيا أنْواعَ النَّفْعِ ووُجُوهَ الإكْرامِ، كَما قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٨]. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٧] لِأنَّهم إذا سُورِعَ لَهم بِها فَقَدْ سارَعُوا في نَيْلِها وتَعَجَّلُوها، وهَذا الوجه أحْسَنُ طِباقًا لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتَ ما نُفِيَ عَنِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقُرِئَ ”يُسْرِعُونَ في الخَيْراتِ“.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ فالمَعْنى فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، أوْ وهم لَها سابِقُونَ؛ أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والمَعْنى: وهم لَها، كَما يُقالُ: أنْتَ لَها وهي لَكَ، ثُمَّ قالَ: (سابِقُونَ) أيْ: وهم سابِقُونَ.
المؤمنون 23:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ بَيَّنَ بَعْدَهُ صِفاتِ مَن يُسارِعُ في الخَيْراتِ ويَشْعُرُ بِذَلِكَ، وهي أرْبَعَةٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَتَضَمَّنُ الخَشْيَةَ مَعَ زِيادَةِ رِقَّةٍ وضَعْفٍ، فَمِنهم مَن قالَ: جَمَعَ بَيْنَهُما لِلتَّأْكِيدِ، ومِنهم مَن حَمَلَ الخَشْيَةَ عَلى العَذابِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِنهم مَن حَمَلَ الإشْفاقَ عَلى أثَرِهِ، وهو الدَّوامُ في الطّاعَةِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ دائِمُونَ في طاعَتِهِ، جادُّونَ في طَلَبِ مَرْضاتِهِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ مَن بَلَغَ في الخَشْيَةِ إلى حَدِّ الإشْفاقِ وهو كَمالُ الخَشْيَةِ، كانَ في نِهايَةِ الخَوْفِ مِن سُخْطِ اللَّهِ عاجِلًا، ومِن عِقابِهِ آجِلًا، فَكانَ في نِهايَةِ الِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ آياتِ اللَّهِ تَعالى هي المَخْلُوقاتُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ، والإيمانُ بِها هو التَّصْدِيقُ بِها، والتَّصْدِيقُ بِها إنْ كانَ بِوُجُودِها فَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وصاحِبُ هَذا التَّصْدِيقِ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، وإنْ كانَ بِكَوْنِها آياتٍ ودَلائِلَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَذَلِكَ مِمّا لا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِالنَّظَرِ والفِكْرِ، وصاحِبُهُ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ عارِفًا بِوُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ، وإذا حَصَلَتِ المَعْرِفَةُ بِالقَلْبِ حَصَلَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ ظاهِرًا وذَلِكَ هو الإيمانُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ بَلِ المُرادُ مِنهُ نَفْيُ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وهو أنْ يَكُونَ مُخْلِصًا في العِبادَةِ لا يَقْدُمُ عَلَيْها إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبِ رِضْوانِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ مَعْناهُ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا، فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ حَقٍّ يَلْزَمُ إيتاؤُهُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى: كالزَّكاةِ والكَفّارَةِ وغَيْرِهِما، أوْ مِن حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ: كالوَدائِعِ والدُّيُونِ وأصْنافِ الإنْصافِ والعَدْلِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَنْفَعُ إذا فَعَلُوهُ وقُلُوبُهم وجِلَةٌ؛ لِأنَّ مَن يَقْدُمُ عَلى العِبادَةِ وهو وجِلٌ مِن تَقْصِيرِهِ وإخْلالِهِ بِنُقْصانٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ لِأجْلِ ذَلِكَ الوَجِلِ مُجْتَهِدًا في أنْ يُوَفِّيَها حَقَّها في الأداءِ. «وسَألَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أهُوَ الَّذِي يَزْنِي ويَشْرَبُ الخَمْرَ ويَسْرِقُ وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا يا ابْنَةَ
صفحة ٩٤
الصِّدِّيقِ، ولَكِنْ هو الرَّجُلُ يُصَلِّي ويَصُومُ ويَتَصَدَّقُ، وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى“».
واعْلَمْ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ الصِّفاتِ في نِهايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ المُوجِبِ لِلِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ عَلى تَرْكِ الرِّياءِ في الطّاعاتِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ عَلى أنَّ المُسْتَجْمِعَ لِتِلْكَ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ يَأْتِي بِالطّاعاتِ مَعَ الوَجَلِ والخَوْفِ مِنَ التَّقْصِيرِ، وذَلِكَ هو نِهايَةُ مَقاماتِ الصَّدِّيقِينَ، رَزَقَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ الوُصُولَ إلَيْها.
فَإنْ قِيلَ: أفَتَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ يَرْجِعُ إلى ”يُؤْتُونَ“، أوْ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِصالِ؟ قُلْنا: بَلِ الأوْلى أنْ يَرْجِعَ إلى الكُلِّ؛ لِأنَّ العَطِيَّةَ لَيْسَتْ بِذَلِكَ أوْلى مِن سائِرِ الأعْمالِ، إذِ المُرادُ أنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ عَلى وجَلٍ مِن تَقْصِيرِهِ، فَيَكُونُ مُبالِغًا في تَوْفِيَتِهِ حَقَّهُ، فَأمّا إذا قُرِئَ (والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما أتَوْا) فالقَوْلُ فِيهِ أظْهَرُ؛ إذِ المُرادُ بِذَلِكَ: أيُّ شَيْءٍ أتَوْهُ وفَعَلُوهُ مِن تَحَرُّزٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ وإقْدامٍ عَلى إيمانٍ وعَمَلٍ، فَإنَّهم يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مَعَ الوَجَلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ الوَجَلِ، وهي عِلْمُهم بِأنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، أيْ: لِلْمُجازاةِ والمُساءَلَةِ ونَشْرِ الصُّحُفِ وتَتَبُّعِ الأعْمالِ، وأنَّ هُناكَ لا تَنْفَعُ النَّدامَةُ، فَلَيْسَ إلّا الحُكْمُ القاطِعُ مِن جِهَةِ مالِكِ المُلْكِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها لِئَلّا تَفُوتَ عَنْ وقْتِها، ولِكَيْلا تَفُوتَهم دُونَ الِاخْتِرامِ.
والثّانِي: أنَّهم يَتَعَجَّلُونَ في الدُّنْيا أنْواعَ النَّفْعِ ووُجُوهَ الإكْرامِ، كَما قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٨]. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٧] لِأنَّهم إذا سُورِعَ لَهم بِها فَقَدْ سارَعُوا في نَيْلِها وتَعَجَّلُوها، وهَذا الوجه أحْسَنُ طِباقًا لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتَ ما نُفِيَ عَنِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقُرِئَ ”يُسْرِعُونَ في الخَيْراتِ“.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ فالمَعْنى فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، أوْ وهم لَها سابِقُونَ؛ أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والمَعْنى: وهم لَها، كَما يُقالُ: أنْتَ لَها وهي لَكَ، ثُمَّ قالَ: (سابِقُونَ) أيْ: وهم سابِقُونَ.
المؤمنون 23:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ بَيَّنَ بَعْدَهُ صِفاتِ مَن يُسارِعُ في الخَيْراتِ ويَشْعُرُ بِذَلِكَ، وهي أرْبَعَةٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَتَضَمَّنُ الخَشْيَةَ مَعَ زِيادَةِ رِقَّةٍ وضَعْفٍ، فَمِنهم مَن قالَ: جَمَعَ بَيْنَهُما لِلتَّأْكِيدِ، ومِنهم مَن حَمَلَ الخَشْيَةَ عَلى العَذابِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِنهم مَن حَمَلَ الإشْفاقَ عَلى أثَرِهِ، وهو الدَّوامُ في الطّاعَةِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ دائِمُونَ في طاعَتِهِ، جادُّونَ في طَلَبِ مَرْضاتِهِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ مَن بَلَغَ في الخَشْيَةِ إلى حَدِّ الإشْفاقِ وهو كَمالُ الخَشْيَةِ، كانَ في نِهايَةِ الخَوْفِ مِن سُخْطِ اللَّهِ عاجِلًا، ومِن عِقابِهِ آجِلًا، فَكانَ في نِهايَةِ الِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ آياتِ اللَّهِ تَعالى هي المَخْلُوقاتُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ، والإيمانُ بِها هو التَّصْدِيقُ بِها، والتَّصْدِيقُ بِها إنْ كانَ بِوُجُودِها فَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وصاحِبُ هَذا التَّصْدِيقِ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، وإنْ كانَ بِكَوْنِها آياتٍ ودَلائِلَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَذَلِكَ مِمّا لا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِالنَّظَرِ والفِكْرِ، وصاحِبُهُ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ عارِفًا بِوُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ، وإذا حَصَلَتِ المَعْرِفَةُ بِالقَلْبِ حَصَلَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ ظاهِرًا وذَلِكَ هو الإيمانُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ بَلِ المُرادُ مِنهُ نَفْيُ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وهو أنْ يَكُونَ مُخْلِصًا في العِبادَةِ لا يَقْدُمُ عَلَيْها إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبِ رِضْوانِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ مَعْناهُ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا، فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ حَقٍّ يَلْزَمُ إيتاؤُهُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى: كالزَّكاةِ والكَفّارَةِ وغَيْرِهِما، أوْ مِن حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ: كالوَدائِعِ والدُّيُونِ وأصْنافِ الإنْصافِ والعَدْلِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَنْفَعُ إذا فَعَلُوهُ وقُلُوبُهم وجِلَةٌ؛ لِأنَّ مَن يَقْدُمُ عَلى العِبادَةِ وهو وجِلٌ مِن تَقْصِيرِهِ وإخْلالِهِ بِنُقْصانٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ لِأجْلِ ذَلِكَ الوَجِلِ مُجْتَهِدًا في أنْ يُوَفِّيَها حَقَّها في الأداءِ. «وسَألَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أهُوَ الَّذِي يَزْنِي ويَشْرَبُ الخَمْرَ ويَسْرِقُ وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا يا ابْنَةَ
صفحة ٩٤
الصِّدِّيقِ، ولَكِنْ هو الرَّجُلُ يُصَلِّي ويَصُومُ ويَتَصَدَّقُ، وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى“».
واعْلَمْ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ الصِّفاتِ في نِهايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ المُوجِبِ لِلِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ عَلى تَرْكِ الرِّياءِ في الطّاعاتِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ عَلى أنَّ المُسْتَجْمِعَ لِتِلْكَ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ يَأْتِي بِالطّاعاتِ مَعَ الوَجَلِ والخَوْفِ مِنَ التَّقْصِيرِ، وذَلِكَ هو نِهايَةُ مَقاماتِ الصَّدِّيقِينَ، رَزَقَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ الوُصُولَ إلَيْها.
فَإنْ قِيلَ: أفَتَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ يَرْجِعُ إلى ”يُؤْتُونَ“، أوْ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِصالِ؟ قُلْنا: بَلِ الأوْلى أنْ يَرْجِعَ إلى الكُلِّ؛ لِأنَّ العَطِيَّةَ لَيْسَتْ بِذَلِكَ أوْلى مِن سائِرِ الأعْمالِ، إذِ المُرادُ أنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ عَلى وجَلٍ مِن تَقْصِيرِهِ، فَيَكُونُ مُبالِغًا في تَوْفِيَتِهِ حَقَّهُ، فَأمّا إذا قُرِئَ (والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما أتَوْا) فالقَوْلُ فِيهِ أظْهَرُ؛ إذِ المُرادُ بِذَلِكَ: أيُّ شَيْءٍ أتَوْهُ وفَعَلُوهُ مِن تَحَرُّزٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ وإقْدامٍ عَلى إيمانٍ وعَمَلٍ، فَإنَّهم يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مَعَ الوَجَلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ الوَجَلِ، وهي عِلْمُهم بِأنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، أيْ: لِلْمُجازاةِ والمُساءَلَةِ ونَشْرِ الصُّحُفِ وتَتَبُّعِ الأعْمالِ، وأنَّ هُناكَ لا تَنْفَعُ النَّدامَةُ، فَلَيْسَ إلّا الحُكْمُ القاطِعُ مِن جِهَةِ مالِكِ المُلْكِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها لِئَلّا تَفُوتَ عَنْ وقْتِها، ولِكَيْلا تَفُوتَهم دُونَ الِاخْتِرامِ.
والثّانِي: أنَّهم يَتَعَجَّلُونَ في الدُّنْيا أنْواعَ النَّفْعِ ووُجُوهَ الإكْرامِ، كَما قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٨]. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٧] لِأنَّهم إذا سُورِعَ لَهم بِها فَقَدْ سارَعُوا في نَيْلِها وتَعَجَّلُوها، وهَذا الوجه أحْسَنُ طِباقًا لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتَ ما نُفِيَ عَنِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقُرِئَ ”يُسْرِعُونَ في الخَيْراتِ“.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ فالمَعْنى فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، أوْ وهم لَها سابِقُونَ؛ أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والمَعْنى: وهم لَها، كَما يُقالُ: أنْتَ لَها وهي لَكَ، ثُمَّ قالَ: (سابِقُونَ) أيْ: وهم سابِقُونَ.
المؤمنون 23:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ ذَكَرَ حُكْمَيْنِ مِن أحْكامِ أعْمالِ العِبادِ
صفحة ٩٥
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ وفي الوُسْعِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ الطّاقَةُ، عَنِ المُفَضَّلِ. والثّانِي: أنَّهُ دُونَ الطّاقَةِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ الوُسْعَ إنَّما سُمِّيَ وُسْعًا؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ولا يَصْعُبُ ولا يَضِيقُ، فَبَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ يُكَلَّفُوا أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا. قالَ مُقاتِلٌ: مَن لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا فَلْيُصَلِّ جالِسًا، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ جالِسًا فَلْيُومِ إيماءً؛ لِأنّا لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ في نَفْيِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكَهْفِ: ٤٩].
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ الكِتابَ بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ البَيانُ، فَإنَّ الكِتابَ لا يَنْطِقُ لَكِنَّهُ يُعْرِبُ بِما فِيهِ كَما يُعْرِبُ ويَنْطِقُ النّاطِقُ إذا كانَ مُحِقًّا، فَإنْ قِيلَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكِتابُ إمّا أنْ يَكُونُوا مُحِيلِينَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى أوْ مُجَوِّزِينَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإنْ أحالُوهُ عَلَيْهِ فَإنَّهم يُصَدِّقُونَهُ في كُلِّ ما يَقُولُ، سَواءٌ وُجِدَ الكِتابُ أوْ لَمْ يُوجَدْ، وإنْ جَوَّزُوهُ عَلَيْهِ لَمْ يَثِقُوا بِذَلِكَ الكِتابِ؛ لِتَجْوِيزِهِمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَتَبَ فِيهِ خِلافَ ما حَصَلَ، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ الكِتابِ. قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، وعَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ مِنَ المَلائِكَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكَهْفِ: ٤٩] فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الظُّلْمُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالزِّيادَةِ في العِقابِ أوْ بِالنُّقْصانِ مِنَ الثَّوابِ، أوْ بِأنْ يُعَذَّبَ عَلى ما لَمْ يَعْلَمْ، أوْ بِأنْ يُكَلِّفَهم ما لا يُطِيقُونَ، فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لِفِعْلِهِ، وإلّا لَكانَ تَعْذِيبُهُ عَلَيْهِ ظُلْمًا ودالَّةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُكَلِّفُ ما لا يُطاقُ. والجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كَلَّفَ أبا لَهَبٍ أنْ يُؤْمِنَ، والإيمانُ يَقْتَضِي تَصْدِيقَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ومِمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ، فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَيَلْزَمُكم كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ وهُمُ الَّذِينَ يَلِيقُ بِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالمُؤْمِنِينَ؛ إذِ المُرادُ: في غَمْرَةٍ مِن هَذا الَّذِي بَيَّناهُ في القُرْآنِ، أوْ مِن هَذا الكِتابِ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ، أوْ مِن هَذا الَّذِي هو وصْفُ المُشْفِقِينَ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ؛ أيْ: أعْمالٌ سِوى ذَلِكَ؛ أيْ: سِوى جَهْلِهِمْ وكُفْرِهِمْ. ثم قال بَعْضُهُمْ: أرادَ أعْمالَهم في الحالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أرادَ المُسْتَقْبَلَ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ إلى الِاسْتِقْبالِ أقْرَبُ، وإنَّما قالَ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ لِأنَّها مُثْبَتَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِ اللَّهِ وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَوَجَبَ أنْ يَعْمَلُوها لِيَدْخُلُوا بِها النّارَ لِما سَبَقَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ الشَّقاوَةِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن صِفاتِ المُشْفِقِينَ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ وصْفِهِمْ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ ونِهايَتُهُ ما أتى بِهِ هَؤُلاءِ المُشْفِقُونَ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ﴾ يَحْفَظُ أعْمالَهم ﴿يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بَلْ نُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ثَوابَ كُلِّ أعْمالِهِمْ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ هو أيْضًا وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: وهم مَعَ ذَلِكَ الوَجَلِ والخَوْفِ كالمُتَحَيِّرِينَ في جَعْلِ أعْمالِهِمْ مَقْبُولَةً أوْ مَرْدُودَةً، ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ: لَهم أيْضًا مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ؛ إمّا أعْمالًا قَدْ عَمِلُوها في الماضِي أوْ سَيَعْمَلُونَها في المُسْتَقْبَلِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ رَجَعَ بِقَوْلِهِ:
صفحة ٩٦
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ إلى وصْفِ الكُفّارِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما يَتَّصِلُ بِهِ مِن ذِكْرِ المُشْفِقِينَ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعُدَ مِنهُ، خُصُوصًا وقَدْ يُرَغَّبُ المَرْءُ في فِعْلِ الخَيْرِ بِأنْ يُذَكَّرَ أنَّ أعْمالَهُ مَحْفُوظَةٌ، كَما قَدْ يُحَذَّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وقَدْ يُوصَفُ المَرْءُ لِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِ عَمَلِهِ أوْ رَدِّهِ، وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ. فَإنْ قِيلَ: فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) وهو إشارَةٌ إلى ماذا؟ قُلْنا: هو إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ مَعَ أنَّهُما مُسْتَوْلِيانِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (حَتّى) هَذِهِ هي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ [فِي] أنَّ الضَّمِيرَ في ”مُتْرَفِيهِمْ“ راجِعٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العَذابَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ، وفي هَذا العَذابِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أرادَ بِالعَذابِ ما نَزَلَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَذابُ الآخِرَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ المُنَعَّمِينَ مِنهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ يَجْأرُونَ؛ أيْ: يَرْتَفِعُ صَوْتُهم بِالِاسْتِغاثَةِ والضَّجِيجِ لِشِدَّةِ ما هم عَلَيْهِ، ويُقالُ لَهم عَلى وجْهِ التَّبْكِيتِ: ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ فَلا يُدْفَعُ عَنْكم ما يُرِيدُ إنْزالَهُ بِكُمْ، دَلَّ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهم سَيَنْتَهُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، وهو كالباعِثِ لَهم في الدُّنْيا عَلى تَرْكِ الكُفْرِ والإقْدامِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، فَإنَّهُمُ الآنَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
المؤمنون 23:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ ذَكَرَ حُكْمَيْنِ مِن أحْكامِ أعْمالِ العِبادِ
صفحة ٩٥
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ وفي الوُسْعِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ الطّاقَةُ، عَنِ المُفَضَّلِ. والثّانِي: أنَّهُ دُونَ الطّاقَةِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ الوُسْعَ إنَّما سُمِّيَ وُسْعًا؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ولا يَصْعُبُ ولا يَضِيقُ، فَبَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ يُكَلَّفُوا أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا. قالَ مُقاتِلٌ: مَن لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا فَلْيُصَلِّ جالِسًا، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ جالِسًا فَلْيُومِ إيماءً؛ لِأنّا لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ في نَفْيِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكَهْفِ: ٤٩].
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ الكِتابَ بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ البَيانُ، فَإنَّ الكِتابَ لا يَنْطِقُ لَكِنَّهُ يُعْرِبُ بِما فِيهِ كَما يُعْرِبُ ويَنْطِقُ النّاطِقُ إذا كانَ مُحِقًّا، فَإنْ قِيلَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكِتابُ إمّا أنْ يَكُونُوا مُحِيلِينَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى أوْ مُجَوِّزِينَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإنْ أحالُوهُ عَلَيْهِ فَإنَّهم يُصَدِّقُونَهُ في كُلِّ ما يَقُولُ، سَواءٌ وُجِدَ الكِتابُ أوْ لَمْ يُوجَدْ، وإنْ جَوَّزُوهُ عَلَيْهِ لَمْ يَثِقُوا بِذَلِكَ الكِتابِ؛ لِتَجْوِيزِهِمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَتَبَ فِيهِ خِلافَ ما حَصَلَ، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ الكِتابِ. قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، وعَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ مِنَ المَلائِكَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكَهْفِ: ٤٩] فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الظُّلْمُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالزِّيادَةِ في العِقابِ أوْ بِالنُّقْصانِ مِنَ الثَّوابِ، أوْ بِأنْ يُعَذَّبَ عَلى ما لَمْ يَعْلَمْ، أوْ بِأنْ يُكَلِّفَهم ما لا يُطِيقُونَ، فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لِفِعْلِهِ، وإلّا لَكانَ تَعْذِيبُهُ عَلَيْهِ ظُلْمًا ودالَّةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُكَلِّفُ ما لا يُطاقُ. والجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كَلَّفَ أبا لَهَبٍ أنْ يُؤْمِنَ، والإيمانُ يَقْتَضِي تَصْدِيقَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ومِمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ، فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَيَلْزَمُكم كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ وهُمُ الَّذِينَ يَلِيقُ بِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالمُؤْمِنِينَ؛ إذِ المُرادُ: في غَمْرَةٍ مِن هَذا الَّذِي بَيَّناهُ في القُرْآنِ، أوْ مِن هَذا الكِتابِ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ، أوْ مِن هَذا الَّذِي هو وصْفُ المُشْفِقِينَ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ؛ أيْ: أعْمالٌ سِوى ذَلِكَ؛ أيْ: سِوى جَهْلِهِمْ وكُفْرِهِمْ. ثم قال بَعْضُهُمْ: أرادَ أعْمالَهم في الحالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أرادَ المُسْتَقْبَلَ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ إلى الِاسْتِقْبالِ أقْرَبُ، وإنَّما قالَ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ لِأنَّها مُثْبَتَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِ اللَّهِ وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَوَجَبَ أنْ يَعْمَلُوها لِيَدْخُلُوا بِها النّارَ لِما سَبَقَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ الشَّقاوَةِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن صِفاتِ المُشْفِقِينَ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ وصْفِهِمْ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ ونِهايَتُهُ ما أتى بِهِ هَؤُلاءِ المُشْفِقُونَ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ﴾ يَحْفَظُ أعْمالَهم ﴿يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بَلْ نُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ثَوابَ كُلِّ أعْمالِهِمْ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ هو أيْضًا وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: وهم مَعَ ذَلِكَ الوَجَلِ والخَوْفِ كالمُتَحَيِّرِينَ في جَعْلِ أعْمالِهِمْ مَقْبُولَةً أوْ مَرْدُودَةً، ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ: لَهم أيْضًا مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ؛ إمّا أعْمالًا قَدْ عَمِلُوها في الماضِي أوْ سَيَعْمَلُونَها في المُسْتَقْبَلِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ رَجَعَ بِقَوْلِهِ:
صفحة ٩٦
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ إلى وصْفِ الكُفّارِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما يَتَّصِلُ بِهِ مِن ذِكْرِ المُشْفِقِينَ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعُدَ مِنهُ، خُصُوصًا وقَدْ يُرَغَّبُ المَرْءُ في فِعْلِ الخَيْرِ بِأنْ يُذَكَّرَ أنَّ أعْمالَهُ مَحْفُوظَةٌ، كَما قَدْ يُحَذَّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وقَدْ يُوصَفُ المَرْءُ لِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِ عَمَلِهِ أوْ رَدِّهِ، وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ. فَإنْ قِيلَ: فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) وهو إشارَةٌ إلى ماذا؟ قُلْنا: هو إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ مَعَ أنَّهُما مُسْتَوْلِيانِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (حَتّى) هَذِهِ هي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ [فِي] أنَّ الضَّمِيرَ في ”مُتْرَفِيهِمْ“ راجِعٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العَذابَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ، وفي هَذا العَذابِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أرادَ بِالعَذابِ ما نَزَلَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَذابُ الآخِرَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ المُنَعَّمِينَ مِنهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ يَجْأرُونَ؛ أيْ: يَرْتَفِعُ صَوْتُهم بِالِاسْتِغاثَةِ والضَّجِيجِ لِشِدَّةِ ما هم عَلَيْهِ، ويُقالُ لَهم عَلى وجْهِ التَّبْكِيتِ: ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ فَلا يُدْفَعُ عَنْكم ما يُرِيدُ إنْزالَهُ بِكُمْ، دَلَّ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهم سَيَنْتَهُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، وهو كالباعِثِ لَهم في الدُّنْيا عَلى تَرْكِ الكُفْرِ والإقْدامِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، فَإنَّهُمُ الآنَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
المؤمنون 23:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ ذَكَرَ حُكْمَيْنِ مِن أحْكامِ أعْمالِ العِبادِ
صفحة ٩٥
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ وفي الوُسْعِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ الطّاقَةُ، عَنِ المُفَضَّلِ. والثّانِي: أنَّهُ دُونَ الطّاقَةِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ الوُسْعَ إنَّما سُمِّيَ وُسْعًا؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ولا يَصْعُبُ ولا يَضِيقُ، فَبَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ يُكَلَّفُوا أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا. قالَ مُقاتِلٌ: مَن لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا فَلْيُصَلِّ جالِسًا، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ جالِسًا فَلْيُومِ إيماءً؛ لِأنّا لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ في نَفْيِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكَهْفِ: ٤٩].
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ الكِتابَ بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ البَيانُ، فَإنَّ الكِتابَ لا يَنْطِقُ لَكِنَّهُ يُعْرِبُ بِما فِيهِ كَما يُعْرِبُ ويَنْطِقُ النّاطِقُ إذا كانَ مُحِقًّا، فَإنْ قِيلَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكِتابُ إمّا أنْ يَكُونُوا مُحِيلِينَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى أوْ مُجَوِّزِينَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإنْ أحالُوهُ عَلَيْهِ فَإنَّهم يُصَدِّقُونَهُ في كُلِّ ما يَقُولُ، سَواءٌ وُجِدَ الكِتابُ أوْ لَمْ يُوجَدْ، وإنْ جَوَّزُوهُ عَلَيْهِ لَمْ يَثِقُوا بِذَلِكَ الكِتابِ؛ لِتَجْوِيزِهِمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَتَبَ فِيهِ خِلافَ ما حَصَلَ، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ الكِتابِ. قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، وعَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ مِنَ المَلائِكَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكَهْفِ: ٤٩] فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الظُّلْمُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالزِّيادَةِ في العِقابِ أوْ بِالنُّقْصانِ مِنَ الثَّوابِ، أوْ بِأنْ يُعَذَّبَ عَلى ما لَمْ يَعْلَمْ، أوْ بِأنْ يُكَلِّفَهم ما لا يُطِيقُونَ، فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لِفِعْلِهِ، وإلّا لَكانَ تَعْذِيبُهُ عَلَيْهِ ظُلْمًا ودالَّةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُكَلِّفُ ما لا يُطاقُ. والجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كَلَّفَ أبا لَهَبٍ أنْ يُؤْمِنَ، والإيمانُ يَقْتَضِي تَصْدِيقَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ومِمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ، فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَيَلْزَمُكم كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ وهُمُ الَّذِينَ يَلِيقُ بِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالمُؤْمِنِينَ؛ إذِ المُرادُ: في غَمْرَةٍ مِن هَذا الَّذِي بَيَّناهُ في القُرْآنِ، أوْ مِن هَذا الكِتابِ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ، أوْ مِن هَذا الَّذِي هو وصْفُ المُشْفِقِينَ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ؛ أيْ: أعْمالٌ سِوى ذَلِكَ؛ أيْ: سِوى جَهْلِهِمْ وكُفْرِهِمْ. ثم قال بَعْضُهُمْ: أرادَ أعْمالَهم في الحالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أرادَ المُسْتَقْبَلَ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ إلى الِاسْتِقْبالِ أقْرَبُ، وإنَّما قالَ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ لِأنَّها مُثْبَتَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِ اللَّهِ وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَوَجَبَ أنْ يَعْمَلُوها لِيَدْخُلُوا بِها النّارَ لِما سَبَقَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ الشَّقاوَةِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن صِفاتِ المُشْفِقِينَ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ وصْفِهِمْ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ ونِهايَتُهُ ما أتى بِهِ هَؤُلاءِ المُشْفِقُونَ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ﴾ يَحْفَظُ أعْمالَهم ﴿يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بَلْ نُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ثَوابَ كُلِّ أعْمالِهِمْ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ هو أيْضًا وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: وهم مَعَ ذَلِكَ الوَجَلِ والخَوْفِ كالمُتَحَيِّرِينَ في جَعْلِ أعْمالِهِمْ مَقْبُولَةً أوْ مَرْدُودَةً، ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ: لَهم أيْضًا مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ؛ إمّا أعْمالًا قَدْ عَمِلُوها في الماضِي أوْ سَيَعْمَلُونَها في المُسْتَقْبَلِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ رَجَعَ بِقَوْلِهِ:
صفحة ٩٦
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ إلى وصْفِ الكُفّارِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما يَتَّصِلُ بِهِ مِن ذِكْرِ المُشْفِقِينَ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعُدَ مِنهُ، خُصُوصًا وقَدْ يُرَغَّبُ المَرْءُ في فِعْلِ الخَيْرِ بِأنْ يُذَكَّرَ أنَّ أعْمالَهُ مَحْفُوظَةٌ، كَما قَدْ يُحَذَّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وقَدْ يُوصَفُ المَرْءُ لِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِ عَمَلِهِ أوْ رَدِّهِ، وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ. فَإنْ قِيلَ: فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) وهو إشارَةٌ إلى ماذا؟ قُلْنا: هو إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ مَعَ أنَّهُما مُسْتَوْلِيانِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (حَتّى) هَذِهِ هي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ [فِي] أنَّ الضَّمِيرَ في ”مُتْرَفِيهِمْ“ راجِعٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العَذابَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ، وفي هَذا العَذابِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أرادَ بِالعَذابِ ما نَزَلَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَذابُ الآخِرَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ المُنَعَّمِينَ مِنهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ يَجْأرُونَ؛ أيْ: يَرْتَفِعُ صَوْتُهم بِالِاسْتِغاثَةِ والضَّجِيجِ لِشِدَّةِ ما هم عَلَيْهِ، ويُقالُ لَهم عَلى وجْهِ التَّبْكِيتِ: ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ فَلا يُدْفَعُ عَنْكم ما يُرِيدُ إنْزالَهُ بِكُمْ، دَلَّ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهم سَيَنْتَهُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، وهو كالباعِثِ لَهم في الدُّنْيا عَلى تَرْكِ الكُفْرِ والإقْدامِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، فَإنَّهُمُ الآنَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
المؤمنون 23:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ ذَكَرَ حُكْمَيْنِ مِن أحْكامِ أعْمالِ العِبادِ
صفحة ٩٥
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ وفي الوُسْعِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ الطّاقَةُ، عَنِ المُفَضَّلِ. والثّانِي: أنَّهُ دُونَ الطّاقَةِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ الوُسْعَ إنَّما سُمِّيَ وُسْعًا؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ولا يَصْعُبُ ولا يَضِيقُ، فَبَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ يُكَلَّفُوا أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا. قالَ مُقاتِلٌ: مَن لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا فَلْيُصَلِّ جالِسًا، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ جالِسًا فَلْيُومِ إيماءً؛ لِأنّا لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ في نَفْيِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكَهْفِ: ٤٩].
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ الكِتابَ بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ البَيانُ، فَإنَّ الكِتابَ لا يَنْطِقُ لَكِنَّهُ يُعْرِبُ بِما فِيهِ كَما يُعْرِبُ ويَنْطِقُ النّاطِقُ إذا كانَ مُحِقًّا، فَإنْ قِيلَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكِتابُ إمّا أنْ يَكُونُوا مُحِيلِينَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى أوْ مُجَوِّزِينَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإنْ أحالُوهُ عَلَيْهِ فَإنَّهم يُصَدِّقُونَهُ في كُلِّ ما يَقُولُ، سَواءٌ وُجِدَ الكِتابُ أوْ لَمْ يُوجَدْ، وإنْ جَوَّزُوهُ عَلَيْهِ لَمْ يَثِقُوا بِذَلِكَ الكِتابِ؛ لِتَجْوِيزِهِمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَتَبَ فِيهِ خِلافَ ما حَصَلَ، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ الكِتابِ. قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، وعَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ مِنَ المَلائِكَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكَهْفِ: ٤٩] فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الظُّلْمُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالزِّيادَةِ في العِقابِ أوْ بِالنُّقْصانِ مِنَ الثَّوابِ، أوْ بِأنْ يُعَذَّبَ عَلى ما لَمْ يَعْلَمْ، أوْ بِأنْ يُكَلِّفَهم ما لا يُطِيقُونَ، فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لِفِعْلِهِ، وإلّا لَكانَ تَعْذِيبُهُ عَلَيْهِ ظُلْمًا ودالَّةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُكَلِّفُ ما لا يُطاقُ. والجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كَلَّفَ أبا لَهَبٍ أنْ يُؤْمِنَ، والإيمانُ يَقْتَضِي تَصْدِيقَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ومِمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ، فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَيَلْزَمُكم كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ وهُمُ الَّذِينَ يَلِيقُ بِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالمُؤْمِنِينَ؛ إذِ المُرادُ: في غَمْرَةٍ مِن هَذا الَّذِي بَيَّناهُ في القُرْآنِ، أوْ مِن هَذا الكِتابِ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ، أوْ مِن هَذا الَّذِي هو وصْفُ المُشْفِقِينَ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ؛ أيْ: أعْمالٌ سِوى ذَلِكَ؛ أيْ: سِوى جَهْلِهِمْ وكُفْرِهِمْ. ثم قال بَعْضُهُمْ: أرادَ أعْمالَهم في الحالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أرادَ المُسْتَقْبَلَ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ إلى الِاسْتِقْبالِ أقْرَبُ، وإنَّما قالَ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ لِأنَّها مُثْبَتَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِ اللَّهِ وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَوَجَبَ أنْ يَعْمَلُوها لِيَدْخُلُوا بِها النّارَ لِما سَبَقَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ الشَّقاوَةِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن صِفاتِ المُشْفِقِينَ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ وصْفِهِمْ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ ونِهايَتُهُ ما أتى بِهِ هَؤُلاءِ المُشْفِقُونَ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ﴾ يَحْفَظُ أعْمالَهم ﴿يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بَلْ نُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ثَوابَ كُلِّ أعْمالِهِمْ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ هو أيْضًا وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: وهم مَعَ ذَلِكَ الوَجَلِ والخَوْفِ كالمُتَحَيِّرِينَ في جَعْلِ أعْمالِهِمْ مَقْبُولَةً أوْ مَرْدُودَةً، ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ: لَهم أيْضًا مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ؛ إمّا أعْمالًا قَدْ عَمِلُوها في الماضِي أوْ سَيَعْمَلُونَها في المُسْتَقْبَلِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ رَجَعَ بِقَوْلِهِ:
صفحة ٩٦
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ إلى وصْفِ الكُفّارِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما يَتَّصِلُ بِهِ مِن ذِكْرِ المُشْفِقِينَ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعُدَ مِنهُ، خُصُوصًا وقَدْ يُرَغَّبُ المَرْءُ في فِعْلِ الخَيْرِ بِأنْ يُذَكَّرَ أنَّ أعْمالَهُ مَحْفُوظَةٌ، كَما قَدْ يُحَذَّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وقَدْ يُوصَفُ المَرْءُ لِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِ عَمَلِهِ أوْ رَدِّهِ، وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ. فَإنْ قِيلَ: فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) وهو إشارَةٌ إلى ماذا؟ قُلْنا: هو إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ مَعَ أنَّهُما مُسْتَوْلِيانِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (حَتّى) هَذِهِ هي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ [فِي] أنَّ الضَّمِيرَ في ”مُتْرَفِيهِمْ“ راجِعٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العَذابَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ، وفي هَذا العَذابِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أرادَ بِالعَذابِ ما نَزَلَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَذابُ الآخِرَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ المُنَعَّمِينَ مِنهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ يَجْأرُونَ؛ أيْ: يَرْتَفِعُ صَوْتُهم بِالِاسْتِغاثَةِ والضَّجِيجِ لِشِدَّةِ ما هم عَلَيْهِ، ويُقالُ لَهم عَلى وجْهِ التَّبْكِيتِ: ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ فَلا يُدْفَعُ عَنْكم ما يُرِيدُ إنْزالَهُ بِكُمْ، دَلَّ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهم سَيَنْتَهُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، وهو كالباعِثِ لَهم في الدُّنْيا عَلى تَرْكِ الكُفْرِ والإقْدامِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، فَإنَّهُمُ الآنَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
المؤمنون 23:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ فِيما قَبْلُ أنَّهُ لا يَنْصُرُ أُولَئِكَ الكُفّارَ أتْبَعَهُ بِعِلَّةِ ذَلِكَ، وهي أنَّهُ مَتى تُلِيَتْ آياتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أتَوْا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَنْكِصُونَ، وهَذا مَثَلٌ يُضْرَبُ فِيمَن تَباعَدَ عَنِ الحَقِّ كُلَّ
صفحة ٩٧
التَّباعُدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ أيْ: تَنْفِرُونَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ وعَمَّنْ يَتْلُوها، كَما يَذْهَبُ النّاكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ بِالرُّجُوعِ إلى ورائِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ والهاءُ في (بِهِ) إلى ماذا تَعُودُ؟ فِيهِ وُجُوهٌ.
أوَّلُها: إلى البَيْتِ العَتِيقِ أوِ الحَرَمِ، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَظْهَرُ عَلَيْنا أحَدٌ؛ لِأنّا أهْلُ الحَرَمِ. والَّذِي يُسَوِّغُ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم مَفْخَرَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ.
وثانِيها: المُرادُ مُسْتَكْبِرِينَ بِهَذا التَّراجُعِ والتَّباعُدِ.
وثالِثُها: أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ (سامِرًا) أيْ يَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وهَذا هو الأمْرُ الثّالِثُ الَّذِي يَأْتُونَ بِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرَ القُرْآنِ وتَسْمِيَتَهُ سِحْرًا وشِعْرًا، وسَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَهْجُرُونَ، والسّامِرُ نَحْوُ الحاضِرِ في الإطْلاقِ عَلى الجَمْعِ، وقُرِئَ (سَمَرًا) و(سامِرًا يَهْجُرُونَ) مِن أهْجَرَ في مَنطِقِهِ: إذا أفْحَشَ، والهَجْرُ بِالفَتْحِ: الهَذَيانُ، والهُجْرُ بِالضَّمِّ الفُحْشُ، أوْ مِن هَجَّرَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في هَجَرَ: إذا هَذى. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأُمُورِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ.
أحَدُها: أنْ لا يَتَأمَّلُوا في دَلِيلِ ثُبُوتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النِّساءِ: ٨٢] فَبَيَّنَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي هو القُرْآنُ كانَ مَعْرُوفًا لَهُمْ، وقَدْ مُكِّنُوا مِنَ التَّأمُّلِ فِيهِ مِن حَيْثُ كانَ مُبايِنًا لِكَلامِ العَرَبِ في الفَصاحَةِ، ومُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ في طُولِ عُمْرِهِ، ومِن حَيْثُ يُنَبِّهُ عَلى ما يَلْزَمُهم مِن مَعْرِفَةِ الصّانِعِ ومَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلِمَ لا يَتَدَبَّرُونَ فِيهِ لِيَتْرُكُوا الباطِلَ ويَرْجِعُوا إلى الحَقِّ؟
وثانِيها: أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ أمْرٌ عَلى خِلافِ العادَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالتَّواتُرِ أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تَتَواتَرُ عَلى الأُمَمِ وتَظْهَرُ المُعْجِزاتُ عَلَيْها، وكانَتِ الأُمَمُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ناجٍ، وبَيْنَ مُكَذِّبٍ هالِكٍ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أفَما دَعاهم ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ؟
وثالِثُها: أنْ لا يَكُونُوا عالِمِينَ بِدِيانَتِهِ وحُسْنِ خِصالِهِ قَبْلَ ادِّعائِهِ لِلنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم عَرَفُوا مِنهُ قَبْلَ ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ كَوْنَهُ في نِهايَةِ الأمانَةِ والصِّدْقِ، وغايَةِ الفِرارِ مِنَ الكَذِبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فَكَيْفَ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى تَسْمِيَتِهِ بِالأمِينِ؟
ورابِعُها: أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ الجُنُونَ فَيَقُولُونَ: إنَّما حَمَلَهُ عَلى ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ جُنُونُهُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ وهَذا أيْضًا ظاهِرُ الفَسادِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ أعْقَلُ النّاسِ، والمَجْنُونُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ والشَّرائِعِ الكامِلَةِ، ولَقَدْ كانَ مِنَ المُبْغِضِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن سَمّاهُ بِذَلِكَ. وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم نَسَبُوهُ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ يَطْمَعُ في انْقِيادِهِمْ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ مِن أبْعَدِ الأُمُورِ عِنْدَهم فَنَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ لِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إيهامًا لِعَوامِّهِمْ لِكَيْ لا يَنْقادُوا لَهُ، فَأوْرَدُوا ذَلِكَ مَوْرِدَ الِاسْتِحْقارِ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ عَدَّ هَذِهِ الوُجُوهَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِها قالَ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ مِن حَيْثُ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ومِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّهم لَوْ أقَرُّوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَزالَتْ مَناصِبُهم ولاخْتَلَّتْ رِياساتُهم، فَلِذَلِكَ كَرِهُوهُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّهم لا يَكْرَهُونَ الحَقَّ، قُلْنا: كانَ فِيهِمْ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ، وأنْ يَقُولُوا: تَرَكَ دِينَ آبائِهِ، لا كَراهَةً لِلْحَقِّ كَما حُكِيَ عَنْ أبِي طالِبٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الحَقَّ لا يَتَّبِعُ الهَوى، بَلِ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَطْرَحَ الهَوى ويَتَّبِعَ الحَقَّ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ اتِّباعَ الهَوى يُؤَدِّي إلى الفَسادِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ في اتِّخاذِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، لَكِنْ لَوْ
صفحة ٩٨
صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢].
والثّانِي: أنَّ أهْواءَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهُما مَنشَأُ المَفْسَدَةِ، والحَقُّ هو الإسْلامُ، فَلَوِ اتَّبَعَ الإسْلامُ قَوْلَهم لَعَلِمَ اللَّهُ حُصُولَ المَفاسِدِ عِنْدَ بَقاءِ هَذا العالَمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْرِيبَ العالَمِ وإفْناءَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ آراءَهم كانَتْ مُتَناقِضَةً، فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ ولاخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. عَنِ القَفّالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ والأدِلَّةُ، وقِيلَ: بَلْ شَرَفُهم وفَخْرُهم بِالرَّسُولِ، وكِلا القَوْلَيْنِ مُتَقارِبٌ؛ لِأنَّ في مَجِيءِ الرَّسُولِ بَيانَ الأدِلَّةِ، وفي مَجِيءِ الأدِلَّةِ بَيانُ الرَّسُولِ، فَأحَدُهُما مَقْرُونٌ بِالآخَرِ، وقِيلَ: الذِّكْرُ هو الوَعْظُ والتَّحْذِيرُ، وقِيلَ: هو الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٨، ١٦٩] وقُرِئَ: (بِذِكْراهُمْ) ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَطْمَعُ فِيهِمْ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنُّفْرَةِ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ وقُرِئَ (خَراجًا) قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، والوجه أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ، كَقَوْلِكَ: خَراجُ القَرْيَةِ، وخَرْجُ الكُرْدَةِ، زِيادَةُ اللَّفْظِ لِزِيادَةِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ حَسُنَتْ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي أمْ تَسْألُهم عَلى هِدايَتِهِمْ قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، فالكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخَلْقِ خَيْرٌ. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ التُّهْمَةَ بَعِيدَةٌ عَنْهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْفِرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ لِأجْلِها. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّهم غَيْرُ مَعْذُورِينَ البَتَّةَ وأنَّهم مَحْجُوجُونَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ العِبادِ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ نِعَمِهِ ورِزْقِهِ، ولا يُساوِيهِ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ .
المؤمنون 23:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ فِيما قَبْلُ أنَّهُ لا يَنْصُرُ أُولَئِكَ الكُفّارَ أتْبَعَهُ بِعِلَّةِ ذَلِكَ، وهي أنَّهُ مَتى تُلِيَتْ آياتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أتَوْا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَنْكِصُونَ، وهَذا مَثَلٌ يُضْرَبُ فِيمَن تَباعَدَ عَنِ الحَقِّ كُلَّ
صفحة ٩٧
التَّباعُدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ أيْ: تَنْفِرُونَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ وعَمَّنْ يَتْلُوها، كَما يَذْهَبُ النّاكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ بِالرُّجُوعِ إلى ورائِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ والهاءُ في (بِهِ) إلى ماذا تَعُودُ؟ فِيهِ وُجُوهٌ.
أوَّلُها: إلى البَيْتِ العَتِيقِ أوِ الحَرَمِ، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَظْهَرُ عَلَيْنا أحَدٌ؛ لِأنّا أهْلُ الحَرَمِ. والَّذِي يُسَوِّغُ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم مَفْخَرَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ.
وثانِيها: المُرادُ مُسْتَكْبِرِينَ بِهَذا التَّراجُعِ والتَّباعُدِ.
وثالِثُها: أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ (سامِرًا) أيْ يَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وهَذا هو الأمْرُ الثّالِثُ الَّذِي يَأْتُونَ بِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرَ القُرْآنِ وتَسْمِيَتَهُ سِحْرًا وشِعْرًا، وسَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَهْجُرُونَ، والسّامِرُ نَحْوُ الحاضِرِ في الإطْلاقِ عَلى الجَمْعِ، وقُرِئَ (سَمَرًا) و(سامِرًا يَهْجُرُونَ) مِن أهْجَرَ في مَنطِقِهِ: إذا أفْحَشَ، والهَجْرُ بِالفَتْحِ: الهَذَيانُ، والهُجْرُ بِالضَّمِّ الفُحْشُ، أوْ مِن هَجَّرَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في هَجَرَ: إذا هَذى. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأُمُورِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ.
أحَدُها: أنْ لا يَتَأمَّلُوا في دَلِيلِ ثُبُوتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النِّساءِ: ٨٢] فَبَيَّنَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي هو القُرْآنُ كانَ مَعْرُوفًا لَهُمْ، وقَدْ مُكِّنُوا مِنَ التَّأمُّلِ فِيهِ مِن حَيْثُ كانَ مُبايِنًا لِكَلامِ العَرَبِ في الفَصاحَةِ، ومُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ في طُولِ عُمْرِهِ، ومِن حَيْثُ يُنَبِّهُ عَلى ما يَلْزَمُهم مِن مَعْرِفَةِ الصّانِعِ ومَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلِمَ لا يَتَدَبَّرُونَ فِيهِ لِيَتْرُكُوا الباطِلَ ويَرْجِعُوا إلى الحَقِّ؟
وثانِيها: أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ أمْرٌ عَلى خِلافِ العادَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالتَّواتُرِ أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تَتَواتَرُ عَلى الأُمَمِ وتَظْهَرُ المُعْجِزاتُ عَلَيْها، وكانَتِ الأُمَمُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ناجٍ، وبَيْنَ مُكَذِّبٍ هالِكٍ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أفَما دَعاهم ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ؟
وثالِثُها: أنْ لا يَكُونُوا عالِمِينَ بِدِيانَتِهِ وحُسْنِ خِصالِهِ قَبْلَ ادِّعائِهِ لِلنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم عَرَفُوا مِنهُ قَبْلَ ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ كَوْنَهُ في نِهايَةِ الأمانَةِ والصِّدْقِ، وغايَةِ الفِرارِ مِنَ الكَذِبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فَكَيْفَ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى تَسْمِيَتِهِ بِالأمِينِ؟
ورابِعُها: أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ الجُنُونَ فَيَقُولُونَ: إنَّما حَمَلَهُ عَلى ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ جُنُونُهُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ وهَذا أيْضًا ظاهِرُ الفَسادِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ أعْقَلُ النّاسِ، والمَجْنُونُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ والشَّرائِعِ الكامِلَةِ، ولَقَدْ كانَ مِنَ المُبْغِضِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن سَمّاهُ بِذَلِكَ. وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم نَسَبُوهُ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ يَطْمَعُ في انْقِيادِهِمْ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ مِن أبْعَدِ الأُمُورِ عِنْدَهم فَنَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ لِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إيهامًا لِعَوامِّهِمْ لِكَيْ لا يَنْقادُوا لَهُ، فَأوْرَدُوا ذَلِكَ مَوْرِدَ الِاسْتِحْقارِ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ عَدَّ هَذِهِ الوُجُوهَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِها قالَ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ مِن حَيْثُ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ومِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّهم لَوْ أقَرُّوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَزالَتْ مَناصِبُهم ولاخْتَلَّتْ رِياساتُهم، فَلِذَلِكَ كَرِهُوهُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّهم لا يَكْرَهُونَ الحَقَّ، قُلْنا: كانَ فِيهِمْ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ، وأنْ يَقُولُوا: تَرَكَ دِينَ آبائِهِ، لا كَراهَةً لِلْحَقِّ كَما حُكِيَ عَنْ أبِي طالِبٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الحَقَّ لا يَتَّبِعُ الهَوى، بَلِ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَطْرَحَ الهَوى ويَتَّبِعَ الحَقَّ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ اتِّباعَ الهَوى يُؤَدِّي إلى الفَسادِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ في اتِّخاذِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، لَكِنْ لَوْ
صفحة ٩٨
صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢].
والثّانِي: أنَّ أهْواءَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهُما مَنشَأُ المَفْسَدَةِ، والحَقُّ هو الإسْلامُ، فَلَوِ اتَّبَعَ الإسْلامُ قَوْلَهم لَعَلِمَ اللَّهُ حُصُولَ المَفاسِدِ عِنْدَ بَقاءِ هَذا العالَمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْرِيبَ العالَمِ وإفْناءَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ آراءَهم كانَتْ مُتَناقِضَةً، فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ ولاخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. عَنِ القَفّالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ والأدِلَّةُ، وقِيلَ: بَلْ شَرَفُهم وفَخْرُهم بِالرَّسُولِ، وكِلا القَوْلَيْنِ مُتَقارِبٌ؛ لِأنَّ في مَجِيءِ الرَّسُولِ بَيانَ الأدِلَّةِ، وفي مَجِيءِ الأدِلَّةِ بَيانُ الرَّسُولِ، فَأحَدُهُما مَقْرُونٌ بِالآخَرِ، وقِيلَ: الذِّكْرُ هو الوَعْظُ والتَّحْذِيرُ، وقِيلَ: هو الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٨، ١٦٩] وقُرِئَ: (بِذِكْراهُمْ) ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَطْمَعُ فِيهِمْ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنُّفْرَةِ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ وقُرِئَ (خَراجًا) قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، والوجه أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ، كَقَوْلِكَ: خَراجُ القَرْيَةِ، وخَرْجُ الكُرْدَةِ، زِيادَةُ اللَّفْظِ لِزِيادَةِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ حَسُنَتْ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي أمْ تَسْألُهم عَلى هِدايَتِهِمْ قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، فالكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخَلْقِ خَيْرٌ. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ التُّهْمَةَ بَعِيدَةٌ عَنْهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْفِرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ لِأجْلِها. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّهم غَيْرُ مَعْذُورِينَ البَتَّةَ وأنَّهم مَحْجُوجُونَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ العِبادِ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ نِعَمِهِ ورِزْقِهِ، ولا يُساوِيهِ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ .
المؤمنون 23:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ فِيما قَبْلُ أنَّهُ لا يَنْصُرُ أُولَئِكَ الكُفّارَ أتْبَعَهُ بِعِلَّةِ ذَلِكَ، وهي أنَّهُ مَتى تُلِيَتْ آياتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أتَوْا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَنْكِصُونَ، وهَذا مَثَلٌ يُضْرَبُ فِيمَن تَباعَدَ عَنِ الحَقِّ كُلَّ
صفحة ٩٧
التَّباعُدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ أيْ: تَنْفِرُونَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ وعَمَّنْ يَتْلُوها، كَما يَذْهَبُ النّاكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ بِالرُّجُوعِ إلى ورائِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ والهاءُ في (بِهِ) إلى ماذا تَعُودُ؟ فِيهِ وُجُوهٌ.
أوَّلُها: إلى البَيْتِ العَتِيقِ أوِ الحَرَمِ، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَظْهَرُ عَلَيْنا أحَدٌ؛ لِأنّا أهْلُ الحَرَمِ. والَّذِي يُسَوِّغُ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم مَفْخَرَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ.
وثانِيها: المُرادُ مُسْتَكْبِرِينَ بِهَذا التَّراجُعِ والتَّباعُدِ.
وثالِثُها: أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ (سامِرًا) أيْ يَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وهَذا هو الأمْرُ الثّالِثُ الَّذِي يَأْتُونَ بِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرَ القُرْآنِ وتَسْمِيَتَهُ سِحْرًا وشِعْرًا، وسَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَهْجُرُونَ، والسّامِرُ نَحْوُ الحاضِرِ في الإطْلاقِ عَلى الجَمْعِ، وقُرِئَ (سَمَرًا) و(سامِرًا يَهْجُرُونَ) مِن أهْجَرَ في مَنطِقِهِ: إذا أفْحَشَ، والهَجْرُ بِالفَتْحِ: الهَذَيانُ، والهُجْرُ بِالضَّمِّ الفُحْشُ، أوْ مِن هَجَّرَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في هَجَرَ: إذا هَذى. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأُمُورِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ.
أحَدُها: أنْ لا يَتَأمَّلُوا في دَلِيلِ ثُبُوتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النِّساءِ: ٨٢] فَبَيَّنَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي هو القُرْآنُ كانَ مَعْرُوفًا لَهُمْ، وقَدْ مُكِّنُوا مِنَ التَّأمُّلِ فِيهِ مِن حَيْثُ كانَ مُبايِنًا لِكَلامِ العَرَبِ في الفَصاحَةِ، ومُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ في طُولِ عُمْرِهِ، ومِن حَيْثُ يُنَبِّهُ عَلى ما يَلْزَمُهم مِن مَعْرِفَةِ الصّانِعِ ومَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلِمَ لا يَتَدَبَّرُونَ فِيهِ لِيَتْرُكُوا الباطِلَ ويَرْجِعُوا إلى الحَقِّ؟
وثانِيها: أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ أمْرٌ عَلى خِلافِ العادَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالتَّواتُرِ أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تَتَواتَرُ عَلى الأُمَمِ وتَظْهَرُ المُعْجِزاتُ عَلَيْها، وكانَتِ الأُمَمُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ناجٍ، وبَيْنَ مُكَذِّبٍ هالِكٍ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أفَما دَعاهم ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ؟
وثالِثُها: أنْ لا يَكُونُوا عالِمِينَ بِدِيانَتِهِ وحُسْنِ خِصالِهِ قَبْلَ ادِّعائِهِ لِلنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم عَرَفُوا مِنهُ قَبْلَ ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ كَوْنَهُ في نِهايَةِ الأمانَةِ والصِّدْقِ، وغايَةِ الفِرارِ مِنَ الكَذِبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فَكَيْفَ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى تَسْمِيَتِهِ بِالأمِينِ؟
ورابِعُها: أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ الجُنُونَ فَيَقُولُونَ: إنَّما حَمَلَهُ عَلى ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ جُنُونُهُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ وهَذا أيْضًا ظاهِرُ الفَسادِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ أعْقَلُ النّاسِ، والمَجْنُونُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ والشَّرائِعِ الكامِلَةِ، ولَقَدْ كانَ مِنَ المُبْغِضِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن سَمّاهُ بِذَلِكَ. وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم نَسَبُوهُ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ يَطْمَعُ في انْقِيادِهِمْ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ مِن أبْعَدِ الأُمُورِ عِنْدَهم فَنَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ لِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إيهامًا لِعَوامِّهِمْ لِكَيْ لا يَنْقادُوا لَهُ، فَأوْرَدُوا ذَلِكَ مَوْرِدَ الِاسْتِحْقارِ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ عَدَّ هَذِهِ الوُجُوهَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِها قالَ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ مِن حَيْثُ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ومِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّهم لَوْ أقَرُّوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَزالَتْ مَناصِبُهم ولاخْتَلَّتْ رِياساتُهم، فَلِذَلِكَ كَرِهُوهُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّهم لا يَكْرَهُونَ الحَقَّ، قُلْنا: كانَ فِيهِمْ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ، وأنْ يَقُولُوا: تَرَكَ دِينَ آبائِهِ، لا كَراهَةً لِلْحَقِّ كَما حُكِيَ عَنْ أبِي طالِبٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الحَقَّ لا يَتَّبِعُ الهَوى، بَلِ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَطْرَحَ الهَوى ويَتَّبِعَ الحَقَّ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ اتِّباعَ الهَوى يُؤَدِّي إلى الفَسادِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ في اتِّخاذِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، لَكِنْ لَوْ
صفحة ٩٨
صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢].
والثّانِي: أنَّ أهْواءَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهُما مَنشَأُ المَفْسَدَةِ، والحَقُّ هو الإسْلامُ، فَلَوِ اتَّبَعَ الإسْلامُ قَوْلَهم لَعَلِمَ اللَّهُ حُصُولَ المَفاسِدِ عِنْدَ بَقاءِ هَذا العالَمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْرِيبَ العالَمِ وإفْناءَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ آراءَهم كانَتْ مُتَناقِضَةً، فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ ولاخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. عَنِ القَفّالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ والأدِلَّةُ، وقِيلَ: بَلْ شَرَفُهم وفَخْرُهم بِالرَّسُولِ، وكِلا القَوْلَيْنِ مُتَقارِبٌ؛ لِأنَّ في مَجِيءِ الرَّسُولِ بَيانَ الأدِلَّةِ، وفي مَجِيءِ الأدِلَّةِ بَيانُ الرَّسُولِ، فَأحَدُهُما مَقْرُونٌ بِالآخَرِ، وقِيلَ: الذِّكْرُ هو الوَعْظُ والتَّحْذِيرُ، وقِيلَ: هو الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٨، ١٦٩] وقُرِئَ: (بِذِكْراهُمْ) ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَطْمَعُ فِيهِمْ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنُّفْرَةِ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ وقُرِئَ (خَراجًا) قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، والوجه أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ، كَقَوْلِكَ: خَراجُ القَرْيَةِ، وخَرْجُ الكُرْدَةِ، زِيادَةُ اللَّفْظِ لِزِيادَةِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ حَسُنَتْ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي أمْ تَسْألُهم عَلى هِدايَتِهِمْ قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، فالكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخَلْقِ خَيْرٌ. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ التُّهْمَةَ بَعِيدَةٌ عَنْهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْفِرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ لِأجْلِها. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّهم غَيْرُ مَعْذُورِينَ البَتَّةَ وأنَّهم مَحْجُوجُونَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ العِبادِ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ نِعَمِهِ ورِزْقِهِ، ولا يُساوِيهِ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ .
المؤمنون 23:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ فِيما قَبْلُ أنَّهُ لا يَنْصُرُ أُولَئِكَ الكُفّارَ أتْبَعَهُ بِعِلَّةِ ذَلِكَ، وهي أنَّهُ مَتى تُلِيَتْ آياتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أتَوْا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَنْكِصُونَ، وهَذا مَثَلٌ يُضْرَبُ فِيمَن تَباعَدَ عَنِ الحَقِّ كُلَّ
صفحة ٩٧
التَّباعُدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ أيْ: تَنْفِرُونَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ وعَمَّنْ يَتْلُوها، كَما يَذْهَبُ النّاكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ بِالرُّجُوعِ إلى ورائِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ والهاءُ في (بِهِ) إلى ماذا تَعُودُ؟ فِيهِ وُجُوهٌ.
أوَّلُها: إلى البَيْتِ العَتِيقِ أوِ الحَرَمِ، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَظْهَرُ عَلَيْنا أحَدٌ؛ لِأنّا أهْلُ الحَرَمِ. والَّذِي يُسَوِّغُ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم مَفْخَرَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ.
وثانِيها: المُرادُ مُسْتَكْبِرِينَ بِهَذا التَّراجُعِ والتَّباعُدِ.
وثالِثُها: أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ (سامِرًا) أيْ يَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وهَذا هو الأمْرُ الثّالِثُ الَّذِي يَأْتُونَ بِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرَ القُرْآنِ وتَسْمِيَتَهُ سِحْرًا وشِعْرًا، وسَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَهْجُرُونَ، والسّامِرُ نَحْوُ الحاضِرِ في الإطْلاقِ عَلى الجَمْعِ، وقُرِئَ (سَمَرًا) و(سامِرًا يَهْجُرُونَ) مِن أهْجَرَ في مَنطِقِهِ: إذا أفْحَشَ، والهَجْرُ بِالفَتْحِ: الهَذَيانُ، والهُجْرُ بِالضَّمِّ الفُحْشُ، أوْ مِن هَجَّرَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في هَجَرَ: إذا هَذى. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأُمُورِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ.
أحَدُها: أنْ لا يَتَأمَّلُوا في دَلِيلِ ثُبُوتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النِّساءِ: ٨٢] فَبَيَّنَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي هو القُرْآنُ كانَ مَعْرُوفًا لَهُمْ، وقَدْ مُكِّنُوا مِنَ التَّأمُّلِ فِيهِ مِن حَيْثُ كانَ مُبايِنًا لِكَلامِ العَرَبِ في الفَصاحَةِ، ومُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ في طُولِ عُمْرِهِ، ومِن حَيْثُ يُنَبِّهُ عَلى ما يَلْزَمُهم مِن مَعْرِفَةِ الصّانِعِ ومَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلِمَ لا يَتَدَبَّرُونَ فِيهِ لِيَتْرُكُوا الباطِلَ ويَرْجِعُوا إلى الحَقِّ؟
وثانِيها: أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ أمْرٌ عَلى خِلافِ العادَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالتَّواتُرِ أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تَتَواتَرُ عَلى الأُمَمِ وتَظْهَرُ المُعْجِزاتُ عَلَيْها، وكانَتِ الأُمَمُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ناجٍ، وبَيْنَ مُكَذِّبٍ هالِكٍ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أفَما دَعاهم ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ؟
وثالِثُها: أنْ لا يَكُونُوا عالِمِينَ بِدِيانَتِهِ وحُسْنِ خِصالِهِ قَبْلَ ادِّعائِهِ لِلنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم عَرَفُوا مِنهُ قَبْلَ ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ كَوْنَهُ في نِهايَةِ الأمانَةِ والصِّدْقِ، وغايَةِ الفِرارِ مِنَ الكَذِبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فَكَيْفَ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى تَسْمِيَتِهِ بِالأمِينِ؟
ورابِعُها: أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ الجُنُونَ فَيَقُولُونَ: إنَّما حَمَلَهُ عَلى ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ جُنُونُهُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ وهَذا أيْضًا ظاهِرُ الفَسادِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ أعْقَلُ النّاسِ، والمَجْنُونُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ والشَّرائِعِ الكامِلَةِ، ولَقَدْ كانَ مِنَ المُبْغِضِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن سَمّاهُ بِذَلِكَ. وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم نَسَبُوهُ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ يَطْمَعُ في انْقِيادِهِمْ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ مِن أبْعَدِ الأُمُورِ عِنْدَهم فَنَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ لِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إيهامًا لِعَوامِّهِمْ لِكَيْ لا يَنْقادُوا لَهُ، فَأوْرَدُوا ذَلِكَ مَوْرِدَ الِاسْتِحْقارِ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ عَدَّ هَذِهِ الوُجُوهَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِها قالَ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ مِن حَيْثُ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ومِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّهم لَوْ أقَرُّوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَزالَتْ مَناصِبُهم ولاخْتَلَّتْ رِياساتُهم، فَلِذَلِكَ كَرِهُوهُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّهم لا يَكْرَهُونَ الحَقَّ، قُلْنا: كانَ فِيهِمْ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ، وأنْ يَقُولُوا: تَرَكَ دِينَ آبائِهِ، لا كَراهَةً لِلْحَقِّ كَما حُكِيَ عَنْ أبِي طالِبٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الحَقَّ لا يَتَّبِعُ الهَوى، بَلِ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَطْرَحَ الهَوى ويَتَّبِعَ الحَقَّ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ اتِّباعَ الهَوى يُؤَدِّي إلى الفَسادِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ في اتِّخاذِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، لَكِنْ لَوْ
صفحة ٩٨
صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢].
والثّانِي: أنَّ أهْواءَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهُما مَنشَأُ المَفْسَدَةِ، والحَقُّ هو الإسْلامُ، فَلَوِ اتَّبَعَ الإسْلامُ قَوْلَهم لَعَلِمَ اللَّهُ حُصُولَ المَفاسِدِ عِنْدَ بَقاءِ هَذا العالَمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْرِيبَ العالَمِ وإفْناءَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ آراءَهم كانَتْ مُتَناقِضَةً، فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ ولاخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. عَنِ القَفّالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ والأدِلَّةُ، وقِيلَ: بَلْ شَرَفُهم وفَخْرُهم بِالرَّسُولِ، وكِلا القَوْلَيْنِ مُتَقارِبٌ؛ لِأنَّ في مَجِيءِ الرَّسُولِ بَيانَ الأدِلَّةِ، وفي مَجِيءِ الأدِلَّةِ بَيانُ الرَّسُولِ، فَأحَدُهُما مَقْرُونٌ بِالآخَرِ، وقِيلَ: الذِّكْرُ هو الوَعْظُ والتَّحْذِيرُ، وقِيلَ: هو الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٨، ١٦٩] وقُرِئَ: (بِذِكْراهُمْ) ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَطْمَعُ فِيهِمْ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنُّفْرَةِ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ وقُرِئَ (خَراجًا) قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، والوجه أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ، كَقَوْلِكَ: خَراجُ القَرْيَةِ، وخَرْجُ الكُرْدَةِ، زِيادَةُ اللَّفْظِ لِزِيادَةِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ حَسُنَتْ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي أمْ تَسْألُهم عَلى هِدايَتِهِمْ قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، فالكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخَلْقِ خَيْرٌ. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ التُّهْمَةَ بَعِيدَةٌ عَنْهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْفِرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ لِأجْلِها. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّهم غَيْرُ مَعْذُورِينَ البَتَّةَ وأنَّهم مَحْجُوجُونَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ العِبادِ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ نِعَمِهِ ورِزْقِهِ، ولا يُساوِيهِ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ .
المؤمنون 23:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ فِيما قَبْلُ أنَّهُ لا يَنْصُرُ أُولَئِكَ الكُفّارَ أتْبَعَهُ بِعِلَّةِ ذَلِكَ، وهي أنَّهُ مَتى تُلِيَتْ آياتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أتَوْا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَنْكِصُونَ، وهَذا مَثَلٌ يُضْرَبُ فِيمَن تَباعَدَ عَنِ الحَقِّ كُلَّ
صفحة ٩٧
التَّباعُدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ أيْ: تَنْفِرُونَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ وعَمَّنْ يَتْلُوها، كَما يَذْهَبُ النّاكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ بِالرُّجُوعِ إلى ورائِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ والهاءُ في (بِهِ) إلى ماذا تَعُودُ؟ فِيهِ وُجُوهٌ.
أوَّلُها: إلى البَيْتِ العَتِيقِ أوِ الحَرَمِ، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَظْهَرُ عَلَيْنا أحَدٌ؛ لِأنّا أهْلُ الحَرَمِ. والَّذِي يُسَوِّغُ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم مَفْخَرَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ.
وثانِيها: المُرادُ مُسْتَكْبِرِينَ بِهَذا التَّراجُعِ والتَّباعُدِ.
وثالِثُها: أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ (سامِرًا) أيْ يَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وهَذا هو الأمْرُ الثّالِثُ الَّذِي يَأْتُونَ بِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرَ القُرْآنِ وتَسْمِيَتَهُ سِحْرًا وشِعْرًا، وسَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَهْجُرُونَ، والسّامِرُ نَحْوُ الحاضِرِ في الإطْلاقِ عَلى الجَمْعِ، وقُرِئَ (سَمَرًا) و(سامِرًا يَهْجُرُونَ) مِن أهْجَرَ في مَنطِقِهِ: إذا أفْحَشَ، والهَجْرُ بِالفَتْحِ: الهَذَيانُ، والهُجْرُ بِالضَّمِّ الفُحْشُ، أوْ مِن هَجَّرَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في هَجَرَ: إذا هَذى. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأُمُورِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ.
أحَدُها: أنْ لا يَتَأمَّلُوا في دَلِيلِ ثُبُوتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النِّساءِ: ٨٢] فَبَيَّنَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي هو القُرْآنُ كانَ مَعْرُوفًا لَهُمْ، وقَدْ مُكِّنُوا مِنَ التَّأمُّلِ فِيهِ مِن حَيْثُ كانَ مُبايِنًا لِكَلامِ العَرَبِ في الفَصاحَةِ، ومُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ في طُولِ عُمْرِهِ، ومِن حَيْثُ يُنَبِّهُ عَلى ما يَلْزَمُهم مِن مَعْرِفَةِ الصّانِعِ ومَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلِمَ لا يَتَدَبَّرُونَ فِيهِ لِيَتْرُكُوا الباطِلَ ويَرْجِعُوا إلى الحَقِّ؟
وثانِيها: أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ أمْرٌ عَلى خِلافِ العادَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالتَّواتُرِ أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تَتَواتَرُ عَلى الأُمَمِ وتَظْهَرُ المُعْجِزاتُ عَلَيْها، وكانَتِ الأُمَمُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ناجٍ، وبَيْنَ مُكَذِّبٍ هالِكٍ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أفَما دَعاهم ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ؟
وثالِثُها: أنْ لا يَكُونُوا عالِمِينَ بِدِيانَتِهِ وحُسْنِ خِصالِهِ قَبْلَ ادِّعائِهِ لِلنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم عَرَفُوا مِنهُ قَبْلَ ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ كَوْنَهُ في نِهايَةِ الأمانَةِ والصِّدْقِ، وغايَةِ الفِرارِ مِنَ الكَذِبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فَكَيْفَ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى تَسْمِيَتِهِ بِالأمِينِ؟
ورابِعُها: أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ الجُنُونَ فَيَقُولُونَ: إنَّما حَمَلَهُ عَلى ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ جُنُونُهُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ وهَذا أيْضًا ظاهِرُ الفَسادِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ أعْقَلُ النّاسِ، والمَجْنُونُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ والشَّرائِعِ الكامِلَةِ، ولَقَدْ كانَ مِنَ المُبْغِضِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن سَمّاهُ بِذَلِكَ. وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم نَسَبُوهُ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ يَطْمَعُ في انْقِيادِهِمْ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ مِن أبْعَدِ الأُمُورِ عِنْدَهم فَنَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ لِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إيهامًا لِعَوامِّهِمْ لِكَيْ لا يَنْقادُوا لَهُ، فَأوْرَدُوا ذَلِكَ مَوْرِدَ الِاسْتِحْقارِ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ عَدَّ هَذِهِ الوُجُوهَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِها قالَ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ مِن حَيْثُ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ومِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّهم لَوْ أقَرُّوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَزالَتْ مَناصِبُهم ولاخْتَلَّتْ رِياساتُهم، فَلِذَلِكَ كَرِهُوهُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّهم لا يَكْرَهُونَ الحَقَّ، قُلْنا: كانَ فِيهِمْ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ، وأنْ يَقُولُوا: تَرَكَ دِينَ آبائِهِ، لا كَراهَةً لِلْحَقِّ كَما حُكِيَ عَنْ أبِي طالِبٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الحَقَّ لا يَتَّبِعُ الهَوى، بَلِ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَطْرَحَ الهَوى ويَتَّبِعَ الحَقَّ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ اتِّباعَ الهَوى يُؤَدِّي إلى الفَسادِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ في اتِّخاذِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، لَكِنْ لَوْ
صفحة ٩٨
صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢].
والثّانِي: أنَّ أهْواءَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهُما مَنشَأُ المَفْسَدَةِ، والحَقُّ هو الإسْلامُ، فَلَوِ اتَّبَعَ الإسْلامُ قَوْلَهم لَعَلِمَ اللَّهُ حُصُولَ المَفاسِدِ عِنْدَ بَقاءِ هَذا العالَمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْرِيبَ العالَمِ وإفْناءَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ آراءَهم كانَتْ مُتَناقِضَةً، فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ ولاخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. عَنِ القَفّالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ والأدِلَّةُ، وقِيلَ: بَلْ شَرَفُهم وفَخْرُهم بِالرَّسُولِ، وكِلا القَوْلَيْنِ مُتَقارِبٌ؛ لِأنَّ في مَجِيءِ الرَّسُولِ بَيانَ الأدِلَّةِ، وفي مَجِيءِ الأدِلَّةِ بَيانُ الرَّسُولِ، فَأحَدُهُما مَقْرُونٌ بِالآخَرِ، وقِيلَ: الذِّكْرُ هو الوَعْظُ والتَّحْذِيرُ، وقِيلَ: هو الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٨، ١٦٩] وقُرِئَ: (بِذِكْراهُمْ) ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَطْمَعُ فِيهِمْ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنُّفْرَةِ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ وقُرِئَ (خَراجًا) قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، والوجه أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ، كَقَوْلِكَ: خَراجُ القَرْيَةِ، وخَرْجُ الكُرْدَةِ، زِيادَةُ اللَّفْظِ لِزِيادَةِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ حَسُنَتْ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي أمْ تَسْألُهم عَلى هِدايَتِهِمْ قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، فالكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخَلْقِ خَيْرٌ. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ التُّهْمَةَ بَعِيدَةٌ عَنْهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْفِرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ لِأجْلِها. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّهم غَيْرُ مَعْذُورِينَ البَتَّةَ وأنَّهم مَحْجُوجُونَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ العِبادِ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ نِعَمِهِ ورِزْقِهِ، ولا يُساوِيهِ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ .
المؤمنون 23:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ فِيما قَبْلُ أنَّهُ لا يَنْصُرُ أُولَئِكَ الكُفّارَ أتْبَعَهُ بِعِلَّةِ ذَلِكَ، وهي أنَّهُ مَتى تُلِيَتْ آياتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أتَوْا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَنْكِصُونَ، وهَذا مَثَلٌ يُضْرَبُ فِيمَن تَباعَدَ عَنِ الحَقِّ كُلَّ
صفحة ٩٧
التَّباعُدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ أيْ: تَنْفِرُونَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ وعَمَّنْ يَتْلُوها، كَما يَذْهَبُ النّاكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ بِالرُّجُوعِ إلى ورائِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ والهاءُ في (بِهِ) إلى ماذا تَعُودُ؟ فِيهِ وُجُوهٌ.
أوَّلُها: إلى البَيْتِ العَتِيقِ أوِ الحَرَمِ، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَظْهَرُ عَلَيْنا أحَدٌ؛ لِأنّا أهْلُ الحَرَمِ. والَّذِي يُسَوِّغُ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم مَفْخَرَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ.
وثانِيها: المُرادُ مُسْتَكْبِرِينَ بِهَذا التَّراجُعِ والتَّباعُدِ.
وثالِثُها: أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ (سامِرًا) أيْ يَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وهَذا هو الأمْرُ الثّالِثُ الَّذِي يَأْتُونَ بِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرَ القُرْآنِ وتَسْمِيَتَهُ سِحْرًا وشِعْرًا، وسَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَهْجُرُونَ، والسّامِرُ نَحْوُ الحاضِرِ في الإطْلاقِ عَلى الجَمْعِ، وقُرِئَ (سَمَرًا) و(سامِرًا يَهْجُرُونَ) مِن أهْجَرَ في مَنطِقِهِ: إذا أفْحَشَ، والهَجْرُ بِالفَتْحِ: الهَذَيانُ، والهُجْرُ بِالضَّمِّ الفُحْشُ، أوْ مِن هَجَّرَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في هَجَرَ: إذا هَذى. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأُمُورِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ.
أحَدُها: أنْ لا يَتَأمَّلُوا في دَلِيلِ ثُبُوتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النِّساءِ: ٨٢] فَبَيَّنَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي هو القُرْآنُ كانَ مَعْرُوفًا لَهُمْ، وقَدْ مُكِّنُوا مِنَ التَّأمُّلِ فِيهِ مِن حَيْثُ كانَ مُبايِنًا لِكَلامِ العَرَبِ في الفَصاحَةِ، ومُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ في طُولِ عُمْرِهِ، ومِن حَيْثُ يُنَبِّهُ عَلى ما يَلْزَمُهم مِن مَعْرِفَةِ الصّانِعِ ومَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلِمَ لا يَتَدَبَّرُونَ فِيهِ لِيَتْرُكُوا الباطِلَ ويَرْجِعُوا إلى الحَقِّ؟
وثانِيها: أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ أمْرٌ عَلى خِلافِ العادَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالتَّواتُرِ أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تَتَواتَرُ عَلى الأُمَمِ وتَظْهَرُ المُعْجِزاتُ عَلَيْها، وكانَتِ الأُمَمُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ناجٍ، وبَيْنَ مُكَذِّبٍ هالِكٍ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أفَما دَعاهم ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ؟
وثالِثُها: أنْ لا يَكُونُوا عالِمِينَ بِدِيانَتِهِ وحُسْنِ خِصالِهِ قَبْلَ ادِّعائِهِ لِلنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم عَرَفُوا مِنهُ قَبْلَ ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ كَوْنَهُ في نِهايَةِ الأمانَةِ والصِّدْقِ، وغايَةِ الفِرارِ مِنَ الكَذِبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فَكَيْفَ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى تَسْمِيَتِهِ بِالأمِينِ؟
ورابِعُها: أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ الجُنُونَ فَيَقُولُونَ: إنَّما حَمَلَهُ عَلى ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ جُنُونُهُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ وهَذا أيْضًا ظاهِرُ الفَسادِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ أعْقَلُ النّاسِ، والمَجْنُونُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ والشَّرائِعِ الكامِلَةِ، ولَقَدْ كانَ مِنَ المُبْغِضِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن سَمّاهُ بِذَلِكَ. وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم نَسَبُوهُ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ يَطْمَعُ في انْقِيادِهِمْ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ مِن أبْعَدِ الأُمُورِ عِنْدَهم فَنَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ لِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إيهامًا لِعَوامِّهِمْ لِكَيْ لا يَنْقادُوا لَهُ، فَأوْرَدُوا ذَلِكَ مَوْرِدَ الِاسْتِحْقارِ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ عَدَّ هَذِهِ الوُجُوهَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِها قالَ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ مِن حَيْثُ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ومِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّهم لَوْ أقَرُّوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَزالَتْ مَناصِبُهم ولاخْتَلَّتْ رِياساتُهم، فَلِذَلِكَ كَرِهُوهُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّهم لا يَكْرَهُونَ الحَقَّ، قُلْنا: كانَ فِيهِمْ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ، وأنْ يَقُولُوا: تَرَكَ دِينَ آبائِهِ، لا كَراهَةً لِلْحَقِّ كَما حُكِيَ عَنْ أبِي طالِبٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الحَقَّ لا يَتَّبِعُ الهَوى، بَلِ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَطْرَحَ الهَوى ويَتَّبِعَ الحَقَّ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ اتِّباعَ الهَوى يُؤَدِّي إلى الفَسادِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ في اتِّخاذِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، لَكِنْ لَوْ
صفحة ٩٨
صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢].
والثّانِي: أنَّ أهْواءَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهُما مَنشَأُ المَفْسَدَةِ، والحَقُّ هو الإسْلامُ، فَلَوِ اتَّبَعَ الإسْلامُ قَوْلَهم لَعَلِمَ اللَّهُ حُصُولَ المَفاسِدِ عِنْدَ بَقاءِ هَذا العالَمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْرِيبَ العالَمِ وإفْناءَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ آراءَهم كانَتْ مُتَناقِضَةً، فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ ولاخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. عَنِ القَفّالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ والأدِلَّةُ، وقِيلَ: بَلْ شَرَفُهم وفَخْرُهم بِالرَّسُولِ، وكِلا القَوْلَيْنِ مُتَقارِبٌ؛ لِأنَّ في مَجِيءِ الرَّسُولِ بَيانَ الأدِلَّةِ، وفي مَجِيءِ الأدِلَّةِ بَيانُ الرَّسُولِ، فَأحَدُهُما مَقْرُونٌ بِالآخَرِ، وقِيلَ: الذِّكْرُ هو الوَعْظُ والتَّحْذِيرُ، وقِيلَ: هو الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٨، ١٦٩] وقُرِئَ: (بِذِكْراهُمْ) ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَطْمَعُ فِيهِمْ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنُّفْرَةِ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ وقُرِئَ (خَراجًا) قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، والوجه أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ، كَقَوْلِكَ: خَراجُ القَرْيَةِ، وخَرْجُ الكُرْدَةِ، زِيادَةُ اللَّفْظِ لِزِيادَةِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ حَسُنَتْ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي أمْ تَسْألُهم عَلى هِدايَتِهِمْ قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، فالكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخَلْقِ خَيْرٌ. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ التُّهْمَةَ بَعِيدَةٌ عَنْهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْفِرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ لِأجْلِها. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّهم غَيْرُ مَعْذُورِينَ البَتَّةَ وأنَّهم مَحْجُوجُونَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ العِبادِ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ نِعَمِهِ ورِزْقِهِ، ولا يُساوِيهِ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ .
المؤمنون 23:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ فِيما قَبْلُ أنَّهُ لا يَنْصُرُ أُولَئِكَ الكُفّارَ أتْبَعَهُ بِعِلَّةِ ذَلِكَ، وهي أنَّهُ مَتى تُلِيَتْ آياتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أتَوْا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَنْكِصُونَ، وهَذا مَثَلٌ يُضْرَبُ فِيمَن تَباعَدَ عَنِ الحَقِّ كُلَّ
صفحة ٩٧
التَّباعُدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ أيْ: تَنْفِرُونَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ وعَمَّنْ يَتْلُوها، كَما يَذْهَبُ النّاكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ بِالرُّجُوعِ إلى ورائِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ والهاءُ في (بِهِ) إلى ماذا تَعُودُ؟ فِيهِ وُجُوهٌ.
أوَّلُها: إلى البَيْتِ العَتِيقِ أوِ الحَرَمِ، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَظْهَرُ عَلَيْنا أحَدٌ؛ لِأنّا أهْلُ الحَرَمِ. والَّذِي يُسَوِّغُ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم مَفْخَرَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ.
وثانِيها: المُرادُ مُسْتَكْبِرِينَ بِهَذا التَّراجُعِ والتَّباعُدِ.
وثالِثُها: أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ (سامِرًا) أيْ يَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وهَذا هو الأمْرُ الثّالِثُ الَّذِي يَأْتُونَ بِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرَ القُرْآنِ وتَسْمِيَتَهُ سِحْرًا وشِعْرًا، وسَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَهْجُرُونَ، والسّامِرُ نَحْوُ الحاضِرِ في الإطْلاقِ عَلى الجَمْعِ، وقُرِئَ (سَمَرًا) و(سامِرًا يَهْجُرُونَ) مِن أهْجَرَ في مَنطِقِهِ: إذا أفْحَشَ، والهَجْرُ بِالفَتْحِ: الهَذَيانُ، والهُجْرُ بِالضَّمِّ الفُحْشُ، أوْ مِن هَجَّرَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في هَجَرَ: إذا هَذى. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأُمُورِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ.
أحَدُها: أنْ لا يَتَأمَّلُوا في دَلِيلِ ثُبُوتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النِّساءِ: ٨٢] فَبَيَّنَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي هو القُرْآنُ كانَ مَعْرُوفًا لَهُمْ، وقَدْ مُكِّنُوا مِنَ التَّأمُّلِ فِيهِ مِن حَيْثُ كانَ مُبايِنًا لِكَلامِ العَرَبِ في الفَصاحَةِ، ومُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ في طُولِ عُمْرِهِ، ومِن حَيْثُ يُنَبِّهُ عَلى ما يَلْزَمُهم مِن مَعْرِفَةِ الصّانِعِ ومَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلِمَ لا يَتَدَبَّرُونَ فِيهِ لِيَتْرُكُوا الباطِلَ ويَرْجِعُوا إلى الحَقِّ؟
وثانِيها: أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ أمْرٌ عَلى خِلافِ العادَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالتَّواتُرِ أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تَتَواتَرُ عَلى الأُمَمِ وتَظْهَرُ المُعْجِزاتُ عَلَيْها، وكانَتِ الأُمَمُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ناجٍ، وبَيْنَ مُكَذِّبٍ هالِكٍ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أفَما دَعاهم ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ؟
وثالِثُها: أنْ لا يَكُونُوا عالِمِينَ بِدِيانَتِهِ وحُسْنِ خِصالِهِ قَبْلَ ادِّعائِهِ لِلنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم عَرَفُوا مِنهُ قَبْلَ ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ كَوْنَهُ في نِهايَةِ الأمانَةِ والصِّدْقِ، وغايَةِ الفِرارِ مِنَ الكَذِبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فَكَيْفَ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى تَسْمِيَتِهِ بِالأمِينِ؟
ورابِعُها: أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ الجُنُونَ فَيَقُولُونَ: إنَّما حَمَلَهُ عَلى ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ جُنُونُهُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ وهَذا أيْضًا ظاهِرُ الفَسادِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ أعْقَلُ النّاسِ، والمَجْنُونُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ والشَّرائِعِ الكامِلَةِ، ولَقَدْ كانَ مِنَ المُبْغِضِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن سَمّاهُ بِذَلِكَ. وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم نَسَبُوهُ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ يَطْمَعُ في انْقِيادِهِمْ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ مِن أبْعَدِ الأُمُورِ عِنْدَهم فَنَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ لِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إيهامًا لِعَوامِّهِمْ لِكَيْ لا يَنْقادُوا لَهُ، فَأوْرَدُوا ذَلِكَ مَوْرِدَ الِاسْتِحْقارِ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ عَدَّ هَذِهِ الوُجُوهَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِها قالَ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ مِن حَيْثُ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ومِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّهم لَوْ أقَرُّوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَزالَتْ مَناصِبُهم ولاخْتَلَّتْ رِياساتُهم، فَلِذَلِكَ كَرِهُوهُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّهم لا يَكْرَهُونَ الحَقَّ، قُلْنا: كانَ فِيهِمْ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ، وأنْ يَقُولُوا: تَرَكَ دِينَ آبائِهِ، لا كَراهَةً لِلْحَقِّ كَما حُكِيَ عَنْ أبِي طالِبٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الحَقَّ لا يَتَّبِعُ الهَوى، بَلِ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَطْرَحَ الهَوى ويَتَّبِعَ الحَقَّ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ اتِّباعَ الهَوى يُؤَدِّي إلى الفَسادِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ في اتِّخاذِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، لَكِنْ لَوْ
صفحة ٩٨
صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢].
والثّانِي: أنَّ أهْواءَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهُما مَنشَأُ المَفْسَدَةِ، والحَقُّ هو الإسْلامُ، فَلَوِ اتَّبَعَ الإسْلامُ قَوْلَهم لَعَلِمَ اللَّهُ حُصُولَ المَفاسِدِ عِنْدَ بَقاءِ هَذا العالَمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْرِيبَ العالَمِ وإفْناءَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ آراءَهم كانَتْ مُتَناقِضَةً، فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ ولاخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. عَنِ القَفّالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ والأدِلَّةُ، وقِيلَ: بَلْ شَرَفُهم وفَخْرُهم بِالرَّسُولِ، وكِلا القَوْلَيْنِ مُتَقارِبٌ؛ لِأنَّ في مَجِيءِ الرَّسُولِ بَيانَ الأدِلَّةِ، وفي مَجِيءِ الأدِلَّةِ بَيانُ الرَّسُولِ، فَأحَدُهُما مَقْرُونٌ بِالآخَرِ، وقِيلَ: الذِّكْرُ هو الوَعْظُ والتَّحْذِيرُ، وقِيلَ: هو الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٨، ١٦٩] وقُرِئَ: (بِذِكْراهُمْ) ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَطْمَعُ فِيهِمْ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنُّفْرَةِ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ وقُرِئَ (خَراجًا) قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، والوجه أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ، كَقَوْلِكَ: خَراجُ القَرْيَةِ، وخَرْجُ الكُرْدَةِ، زِيادَةُ اللَّفْظِ لِزِيادَةِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ حَسُنَتْ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي أمْ تَسْألُهم عَلى هِدايَتِهِمْ قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، فالكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخَلْقِ خَيْرٌ. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ التُّهْمَةَ بَعِيدَةٌ عَنْهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْفِرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ لِأجْلِها. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّهم غَيْرُ مَعْذُورِينَ البَتَّةَ وأنَّهم مَحْجُوجُونَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ العِبادِ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ نِعَمِهِ ورِزْقِهِ، ولا يُساوِيهِ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ .
المؤمنون 23:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ القَوْمِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لِأنَّ ما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ فَهو في بابِ الِاسْتِقامَةِ أبْلَغُ مِنَ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ أيْ: لَعادِلُونَ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الِاسْتِقامَةِ واحِدَةٌ وما يُخالِفُهُ فَكَثِيرٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: المُرادُ ضَرَرُ الجُوعِ وسائِرُ مَضارِّ الدُّنْيا.
وثانِيها: المُرادُ ضَرَرُ القَتْلِ والسَّبْيِ.
وثالِثُها: أنَّهُ ضَرَرُ الآخِرَةِ وعَذابُها، فَبَيَّنَ أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في التَّمَرُّدِ والعِنادِ المَبْلَغَ الَّذِي لا مَرْجِعَ فِيهِ إلى دارِ الدُّنْيا، وأنَّهم ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨] لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
صفحة ٩٩
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فالمَعْنى لَتَمادَوْا في ضَلالِهِمْ وهم مُتَحَيِّرُونَ.
المؤمنون 23:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ القَوْمِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لِأنَّ ما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ فَهو في بابِ الِاسْتِقامَةِ أبْلَغُ مِنَ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ أيْ: لَعادِلُونَ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الِاسْتِقامَةِ واحِدَةٌ وما يُخالِفُهُ فَكَثِيرٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: المُرادُ ضَرَرُ الجُوعِ وسائِرُ مَضارِّ الدُّنْيا.
وثانِيها: المُرادُ ضَرَرُ القَتْلِ والسَّبْيِ.
وثالِثُها: أنَّهُ ضَرَرُ الآخِرَةِ وعَذابُها، فَبَيَّنَ أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في التَّمَرُّدِ والعِنادِ المَبْلَغَ الَّذِي لا مَرْجِعَ فِيهِ إلى دارِ الدُّنْيا، وأنَّهم ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨] لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
صفحة ٩٩
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فالمَعْنى لَتَمادَوْا في ضَلالِهِمْ وهم مُتَحَيِّرُونَ.
المؤمنون 23:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ القَوْمِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لِأنَّ ما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ فَهو في بابِ الِاسْتِقامَةِ أبْلَغُ مِنَ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ أيْ: لَعادِلُونَ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الِاسْتِقامَةِ واحِدَةٌ وما يُخالِفُهُ فَكَثِيرٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: المُرادُ ضَرَرُ الجُوعِ وسائِرُ مَضارِّ الدُّنْيا.
وثانِيها: المُرادُ ضَرَرُ القَتْلِ والسَّبْيِ.
وثالِثُها: أنَّهُ ضَرَرُ الآخِرَةِ وعَذابُها، فَبَيَّنَ أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في التَّمَرُّدِ والعِنادِ المَبْلَغَ الَّذِي لا مَرْجِعَ فِيهِ إلى دارِ الدُّنْيا، وأنَّهم ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨] لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
صفحة ٩٩
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فالمَعْنى لَتَمادَوْا في ضَلالِهِمْ وهم مُتَحَيِّرُونَ.
المؤمنون 23:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مَنَعَ المِيرَةَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ والجِيَفَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، ثُمَّ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ، فادْعُ اللَّهَ يَكْشِفُ عَنّا هَذا القَحْطَ. فَدَعا فَكُشِفَ عَنْهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ»، والمَعْنى أخَذْناهم بِالجُوعِ فَما أطاعُوا.
وثانِيها: هو الَّذِي نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مَعَ شِدَّتِهِ ما دَعاهم إلى الإيمانِ. عَنِ الأصَمِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مَن عُذِّبَ مِنَ الأُمَمِ الخَوالِي ﴿فَما اسْتَكانُوا﴾ أيْ: مُشْرِكِي العَرَبِ لِرَبِّهِمْ. عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّ شِدَّةَ الدُّنْيا أقْرَبُ إلى المُكَلَّفِ مِن شِدَّةِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ شِدَّةُ الدُّنْيا فَشِدَّةُ الآخِرَةِ كَذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَوْ ﴿رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨].
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
والثّانِي: إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يُبْلِسُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٢] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٥] والإبْلاسُ اليَأْسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وقِيلَ: السُّكُونُ مَعَ التَّحْسِيرِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما وزْنُ اسْتَكانَ؟ الجَوابُ: اسْتَفْعَلَ، مِنَ الكَوْنِ؛ أيِ: انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ، كَما قِيلَ: اسْتَحالَ: إذا انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ افْتَعَلَ، مِنَ السُّكُونِ، أُشْبِعَتْ فَتْحَةُ عَيْنِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جاءَ ﴿اسْتَكانُوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي و﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ؟ الجَوابُ: لِأنَّ المَعْنى امْتَحَنّاهم فَما وجَدْنا مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةً، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ. وقُرِئَ ”فَتَّحْنا“.
السُّؤالُ الثّالِثُ: العَطْفُ لا يَحْسُنُ إلّا مَعَ المُجانَسَةِ، فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مُبالَغَةَ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الإعْراضِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ
صفحة ١٠٠
ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: وهو الَّذِي أعْطاكم هَذِهِ الأشْياءَ ووَقَفَكم عَلَيْها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ عادِمِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحْقافِ: ٢٦] تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حِرْمانَ أُولَئِكَ الكُفّارِ ووِجْدانَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عَظِيمَ نِعَمِهِ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: بِإعْطاءِ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وخَصَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مَوْقُوفٌ عَلَيْها، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يَقِلُّ مِنهُمُ الشّاكِرُونَ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهم شُكْرًا وإنَّ قَلَّ، لَكِنَّهُ كَما يُقالُ لِلْكَفُورِ الجاحِدِ لِلنِّعْمَةِ: ما أقَلَّ شُكْرَ فُلانٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”خَلَقَكُمْ“ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ويُحْتَمَلُ بَسَطَكم فِيها ذُرِّيَّةً، بَعْضَكم مِن بَعْضٍ حَتّى كَثُرْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَنَقُولُ: هو الَّذِي جَعَلَكم في الأرْضِ مُتَناسِلِينَ، ويَحْشُرُكم يَوْمَ القِيامَةِ إلى دارٍ لا حاكِمَ فِيها سِواهُ، فَجَعَلَ حَشْرَهَمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ حَشْرًا إلَيْهِ لا بِمَعْنى المَكانِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: نِعْمَةُ الحَياةِ وإنْ كانَتْ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ فَهي مُنْقَطِعَةٌ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ أنْعَمَ بِها فالمَقْصُودُ مِنها الِانْتِقالُ إلى دارِ الثَّوابِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ ووَجْهُ النِّعْمَةِ بِذَلِكَ مَعْلُومٌ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَذَّرَ مِن تَرْكِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأُمُورِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ دَلالَةُ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ ”أفَلا يَعْقِلُونَ“.
المؤمنون 23:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مَنَعَ المِيرَةَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ والجِيَفَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، ثُمَّ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ، فادْعُ اللَّهَ يَكْشِفُ عَنّا هَذا القَحْطَ. فَدَعا فَكُشِفَ عَنْهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ»، والمَعْنى أخَذْناهم بِالجُوعِ فَما أطاعُوا.
وثانِيها: هو الَّذِي نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مَعَ شِدَّتِهِ ما دَعاهم إلى الإيمانِ. عَنِ الأصَمِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مَن عُذِّبَ مِنَ الأُمَمِ الخَوالِي ﴿فَما اسْتَكانُوا﴾ أيْ: مُشْرِكِي العَرَبِ لِرَبِّهِمْ. عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّ شِدَّةَ الدُّنْيا أقْرَبُ إلى المُكَلَّفِ مِن شِدَّةِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ شِدَّةُ الدُّنْيا فَشِدَّةُ الآخِرَةِ كَذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَوْ ﴿رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨].
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
والثّانِي: إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يُبْلِسُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٢] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٥] والإبْلاسُ اليَأْسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وقِيلَ: السُّكُونُ مَعَ التَّحْسِيرِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما وزْنُ اسْتَكانَ؟ الجَوابُ: اسْتَفْعَلَ، مِنَ الكَوْنِ؛ أيِ: انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ، كَما قِيلَ: اسْتَحالَ: إذا انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ افْتَعَلَ، مِنَ السُّكُونِ، أُشْبِعَتْ فَتْحَةُ عَيْنِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جاءَ ﴿اسْتَكانُوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي و﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ؟ الجَوابُ: لِأنَّ المَعْنى امْتَحَنّاهم فَما وجَدْنا مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةً، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ. وقُرِئَ ”فَتَّحْنا“.
السُّؤالُ الثّالِثُ: العَطْفُ لا يَحْسُنُ إلّا مَعَ المُجانَسَةِ، فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مُبالَغَةَ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الإعْراضِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ
صفحة ١٠٠
ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: وهو الَّذِي أعْطاكم هَذِهِ الأشْياءَ ووَقَفَكم عَلَيْها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ عادِمِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحْقافِ: ٢٦] تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حِرْمانَ أُولَئِكَ الكُفّارِ ووِجْدانَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عَظِيمَ نِعَمِهِ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: بِإعْطاءِ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وخَصَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مَوْقُوفٌ عَلَيْها، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يَقِلُّ مِنهُمُ الشّاكِرُونَ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهم شُكْرًا وإنَّ قَلَّ، لَكِنَّهُ كَما يُقالُ لِلْكَفُورِ الجاحِدِ لِلنِّعْمَةِ: ما أقَلَّ شُكْرَ فُلانٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”خَلَقَكُمْ“ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ويُحْتَمَلُ بَسَطَكم فِيها ذُرِّيَّةً، بَعْضَكم مِن بَعْضٍ حَتّى كَثُرْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَنَقُولُ: هو الَّذِي جَعَلَكم في الأرْضِ مُتَناسِلِينَ، ويَحْشُرُكم يَوْمَ القِيامَةِ إلى دارٍ لا حاكِمَ فِيها سِواهُ، فَجَعَلَ حَشْرَهَمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ حَشْرًا إلَيْهِ لا بِمَعْنى المَكانِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: نِعْمَةُ الحَياةِ وإنْ كانَتْ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ فَهي مُنْقَطِعَةٌ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ أنْعَمَ بِها فالمَقْصُودُ مِنها الِانْتِقالُ إلى دارِ الثَّوابِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ ووَجْهُ النِّعْمَةِ بِذَلِكَ مَعْلُومٌ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَذَّرَ مِن تَرْكِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأُمُورِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ دَلالَةُ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ ”أفَلا يَعْقِلُونَ“.
المؤمنون 23:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مَنَعَ المِيرَةَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ والجِيَفَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، ثُمَّ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ، فادْعُ اللَّهَ يَكْشِفُ عَنّا هَذا القَحْطَ. فَدَعا فَكُشِفَ عَنْهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ»، والمَعْنى أخَذْناهم بِالجُوعِ فَما أطاعُوا.
وثانِيها: هو الَّذِي نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مَعَ شِدَّتِهِ ما دَعاهم إلى الإيمانِ. عَنِ الأصَمِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مَن عُذِّبَ مِنَ الأُمَمِ الخَوالِي ﴿فَما اسْتَكانُوا﴾ أيْ: مُشْرِكِي العَرَبِ لِرَبِّهِمْ. عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّ شِدَّةَ الدُّنْيا أقْرَبُ إلى المُكَلَّفِ مِن شِدَّةِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ شِدَّةُ الدُّنْيا فَشِدَّةُ الآخِرَةِ كَذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَوْ ﴿رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨].
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
والثّانِي: إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يُبْلِسُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٢] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٥] والإبْلاسُ اليَأْسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وقِيلَ: السُّكُونُ مَعَ التَّحْسِيرِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما وزْنُ اسْتَكانَ؟ الجَوابُ: اسْتَفْعَلَ، مِنَ الكَوْنِ؛ أيِ: انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ، كَما قِيلَ: اسْتَحالَ: إذا انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ افْتَعَلَ، مِنَ السُّكُونِ، أُشْبِعَتْ فَتْحَةُ عَيْنِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جاءَ ﴿اسْتَكانُوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي و﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ؟ الجَوابُ: لِأنَّ المَعْنى امْتَحَنّاهم فَما وجَدْنا مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةً، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ. وقُرِئَ ”فَتَّحْنا“.
السُّؤالُ الثّالِثُ: العَطْفُ لا يَحْسُنُ إلّا مَعَ المُجانَسَةِ، فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مُبالَغَةَ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الإعْراضِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ
صفحة ١٠٠
ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: وهو الَّذِي أعْطاكم هَذِهِ الأشْياءَ ووَقَفَكم عَلَيْها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ عادِمِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحْقافِ: ٢٦] تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حِرْمانَ أُولَئِكَ الكُفّارِ ووِجْدانَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عَظِيمَ نِعَمِهِ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: بِإعْطاءِ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وخَصَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مَوْقُوفٌ عَلَيْها، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يَقِلُّ مِنهُمُ الشّاكِرُونَ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهم شُكْرًا وإنَّ قَلَّ، لَكِنَّهُ كَما يُقالُ لِلْكَفُورِ الجاحِدِ لِلنِّعْمَةِ: ما أقَلَّ شُكْرَ فُلانٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”خَلَقَكُمْ“ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ويُحْتَمَلُ بَسَطَكم فِيها ذُرِّيَّةً، بَعْضَكم مِن بَعْضٍ حَتّى كَثُرْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَنَقُولُ: هو الَّذِي جَعَلَكم في الأرْضِ مُتَناسِلِينَ، ويَحْشُرُكم يَوْمَ القِيامَةِ إلى دارٍ لا حاكِمَ فِيها سِواهُ، فَجَعَلَ حَشْرَهَمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ حَشْرًا إلَيْهِ لا بِمَعْنى المَكانِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: نِعْمَةُ الحَياةِ وإنْ كانَتْ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ فَهي مُنْقَطِعَةٌ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ أنْعَمَ بِها فالمَقْصُودُ مِنها الِانْتِقالُ إلى دارِ الثَّوابِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ ووَجْهُ النِّعْمَةِ بِذَلِكَ مَعْلُومٌ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَذَّرَ مِن تَرْكِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأُمُورِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ دَلالَةُ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ ”أفَلا يَعْقِلُونَ“.
المؤمنون 23:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مَنَعَ المِيرَةَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ والجِيَفَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، ثُمَّ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ، فادْعُ اللَّهَ يَكْشِفُ عَنّا هَذا القَحْطَ. فَدَعا فَكُشِفَ عَنْهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ»، والمَعْنى أخَذْناهم بِالجُوعِ فَما أطاعُوا.
وثانِيها: هو الَّذِي نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مَعَ شِدَّتِهِ ما دَعاهم إلى الإيمانِ. عَنِ الأصَمِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مَن عُذِّبَ مِنَ الأُمَمِ الخَوالِي ﴿فَما اسْتَكانُوا﴾ أيْ: مُشْرِكِي العَرَبِ لِرَبِّهِمْ. عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّ شِدَّةَ الدُّنْيا أقْرَبُ إلى المُكَلَّفِ مِن شِدَّةِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ شِدَّةُ الدُّنْيا فَشِدَّةُ الآخِرَةِ كَذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَوْ ﴿رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨].
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
والثّانِي: إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يُبْلِسُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٢] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٥] والإبْلاسُ اليَأْسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وقِيلَ: السُّكُونُ مَعَ التَّحْسِيرِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما وزْنُ اسْتَكانَ؟ الجَوابُ: اسْتَفْعَلَ، مِنَ الكَوْنِ؛ أيِ: انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ، كَما قِيلَ: اسْتَحالَ: إذا انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ افْتَعَلَ، مِنَ السُّكُونِ، أُشْبِعَتْ فَتْحَةُ عَيْنِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جاءَ ﴿اسْتَكانُوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي و﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ؟ الجَوابُ: لِأنَّ المَعْنى امْتَحَنّاهم فَما وجَدْنا مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةً، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ. وقُرِئَ ”فَتَّحْنا“.
السُّؤالُ الثّالِثُ: العَطْفُ لا يَحْسُنُ إلّا مَعَ المُجانَسَةِ، فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مُبالَغَةَ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الإعْراضِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ
صفحة ١٠٠
ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: وهو الَّذِي أعْطاكم هَذِهِ الأشْياءَ ووَقَفَكم عَلَيْها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ عادِمِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحْقافِ: ٢٦] تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حِرْمانَ أُولَئِكَ الكُفّارِ ووِجْدانَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عَظِيمَ نِعَمِهِ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: بِإعْطاءِ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وخَصَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مَوْقُوفٌ عَلَيْها، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يَقِلُّ مِنهُمُ الشّاكِرُونَ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهم شُكْرًا وإنَّ قَلَّ، لَكِنَّهُ كَما يُقالُ لِلْكَفُورِ الجاحِدِ لِلنِّعْمَةِ: ما أقَلَّ شُكْرَ فُلانٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”خَلَقَكُمْ“ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ويُحْتَمَلُ بَسَطَكم فِيها ذُرِّيَّةً، بَعْضَكم مِن بَعْضٍ حَتّى كَثُرْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَنَقُولُ: هو الَّذِي جَعَلَكم في الأرْضِ مُتَناسِلِينَ، ويَحْشُرُكم يَوْمَ القِيامَةِ إلى دارٍ لا حاكِمَ فِيها سِواهُ، فَجَعَلَ حَشْرَهَمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ حَشْرًا إلَيْهِ لا بِمَعْنى المَكانِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: نِعْمَةُ الحَياةِ وإنْ كانَتْ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ فَهي مُنْقَطِعَةٌ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ أنْعَمَ بِها فالمَقْصُودُ مِنها الِانْتِقالُ إلى دارِ الثَّوابِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ ووَجْهُ النِّعْمَةِ بِذَلِكَ مَعْلُومٌ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَذَّرَ مِن تَرْكِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأُمُورِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ دَلالَةُ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ ”أفَلا يَعْقِلُونَ“.
المؤمنون 23:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مَنَعَ المِيرَةَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ والجِيَفَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، ثُمَّ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ، فادْعُ اللَّهَ يَكْشِفُ عَنّا هَذا القَحْطَ. فَدَعا فَكُشِفَ عَنْهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ»، والمَعْنى أخَذْناهم بِالجُوعِ فَما أطاعُوا.
وثانِيها: هو الَّذِي نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مَعَ شِدَّتِهِ ما دَعاهم إلى الإيمانِ. عَنِ الأصَمِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مَن عُذِّبَ مِنَ الأُمَمِ الخَوالِي ﴿فَما اسْتَكانُوا﴾ أيْ: مُشْرِكِي العَرَبِ لِرَبِّهِمْ. عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّ شِدَّةَ الدُّنْيا أقْرَبُ إلى المُكَلَّفِ مِن شِدَّةِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ شِدَّةُ الدُّنْيا فَشِدَّةُ الآخِرَةِ كَذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَوْ ﴿رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨].
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
والثّانِي: إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يُبْلِسُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٢] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٥] والإبْلاسُ اليَأْسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وقِيلَ: السُّكُونُ مَعَ التَّحْسِيرِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما وزْنُ اسْتَكانَ؟ الجَوابُ: اسْتَفْعَلَ، مِنَ الكَوْنِ؛ أيِ: انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ، كَما قِيلَ: اسْتَحالَ: إذا انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ افْتَعَلَ، مِنَ السُّكُونِ، أُشْبِعَتْ فَتْحَةُ عَيْنِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جاءَ ﴿اسْتَكانُوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي و﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ؟ الجَوابُ: لِأنَّ المَعْنى امْتَحَنّاهم فَما وجَدْنا مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةً، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ. وقُرِئَ ”فَتَّحْنا“.
السُّؤالُ الثّالِثُ: العَطْفُ لا يَحْسُنُ إلّا مَعَ المُجانَسَةِ، فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مُبالَغَةَ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الإعْراضِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ
صفحة ١٠٠
ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: وهو الَّذِي أعْطاكم هَذِهِ الأشْياءَ ووَقَفَكم عَلَيْها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ عادِمِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحْقافِ: ٢٦] تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حِرْمانَ أُولَئِكَ الكُفّارِ ووِجْدانَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عَظِيمَ نِعَمِهِ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: بِإعْطاءِ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وخَصَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مَوْقُوفٌ عَلَيْها، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يَقِلُّ مِنهُمُ الشّاكِرُونَ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهم شُكْرًا وإنَّ قَلَّ، لَكِنَّهُ كَما يُقالُ لِلْكَفُورِ الجاحِدِ لِلنِّعْمَةِ: ما أقَلَّ شُكْرَ فُلانٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”خَلَقَكُمْ“ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ويُحْتَمَلُ بَسَطَكم فِيها ذُرِّيَّةً، بَعْضَكم مِن بَعْضٍ حَتّى كَثُرْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَنَقُولُ: هو الَّذِي جَعَلَكم في الأرْضِ مُتَناسِلِينَ، ويَحْشُرُكم يَوْمَ القِيامَةِ إلى دارٍ لا حاكِمَ فِيها سِواهُ، فَجَعَلَ حَشْرَهَمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ حَشْرًا إلَيْهِ لا بِمَعْنى المَكانِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: نِعْمَةُ الحَياةِ وإنْ كانَتْ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ فَهي مُنْقَطِعَةٌ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ أنْعَمَ بِها فالمَقْصُودُ مِنها الِانْتِقالُ إلى دارِ الثَّوابِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ ووَجْهُ النِّعْمَةِ بِذَلِكَ مَعْلُومٌ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَذَّرَ مِن تَرْكِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأُمُورِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ دَلالَةُ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ ”أفَلا يَعْقِلُونَ“.
المؤمنون 23:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أوْضَحَ القَوْلَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم إنَّما أنْكَرُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِلْأوَّلِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ عَنْهم مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو مَشْهُورٌ.
وثانِيهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الوَعْدَ كَما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ وقَعَ قَدِيمًا مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَعَ طُولِ العَهْدِ، فَظَنُّوا أنَّ الإعادَةَ
صفحة ١٠١
تَكُونُ في دارِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالُوا: لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، والأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ، والأسْطارُ جَمْعُ سَطْرٍ؛ أيْ: ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ الرَّدَّ عَلى مُنْكِرِي الإعادَةِ، وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الرَّدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: نَعْبُدُ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ زُلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الإعادَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلْأرْضِ ولِمَن فِيها مِنَ الأحْياءِ، وخالِقًا لِحَياتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ وغَيْرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يُعِيدَهم بَعْدَ أنْ أفْناهم. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ عِبادَةِ الأوْثانِ، مِن حَيْثُ إنَّ عِبادَةَ مَن خَلَقَكم وخَلَقَ الأرْضَ وكُلَّ ما فِيها مِنَ النِّعَمِ هي الواجِبَةُ دُونَ عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ التَّرْغِيبُ في التَّدَبُّرِ لِيَعْلَمُوا بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى الأمْرَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّقاءَ عَذابِ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والِاعْتِرافِ بِجَوازِ الإعادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ أوَّلًا والسَّماءَ ثانِيًا عَمَّمَ الحُكْمَ هاهُنا، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ في المَلَكُوتِ المُلْكُ والمِلْكُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يُقالُ: أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ. يَعْنِي وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنّى تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والخادِعُ هو الشَّيْطانُ والهَوى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ قَدْ بالَغَ في الحِجِاجِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ وغَيْرِها وهم مَعَ ذَلِكَ كاذِبُونَ، وذَلِكَ كالتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (أتَيْتُهُمْ) و(أتَيْتَهُمْ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قُرِئَ (قُلْ لِلَّهِ) في الجَوابِ الأوَّلِ بِاللّامِ لا غَيْرُ، وقُرِئَ (اللَّهُ) في الأخِيرَيْنِ بِغَيْرِ اللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ، وبِاللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ، فَما الفَرْقُ؟ الجَوابُ: لا فَرْقَ في المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ، ولِمَن هُوَ؟ في مَعْنًى واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) وفِيهِ تَناقُضٌ؟ الجَوابُ: لا تَناقُضَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ والبَعْثِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُورِدُ مِن ذَلِكَ.
المؤمنون 23:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أوْضَحَ القَوْلَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم إنَّما أنْكَرُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِلْأوَّلِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ عَنْهم مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو مَشْهُورٌ.
وثانِيهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الوَعْدَ كَما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ وقَعَ قَدِيمًا مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَعَ طُولِ العَهْدِ، فَظَنُّوا أنَّ الإعادَةَ
صفحة ١٠١
تَكُونُ في دارِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالُوا: لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، والأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ، والأسْطارُ جَمْعُ سَطْرٍ؛ أيْ: ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ الرَّدَّ عَلى مُنْكِرِي الإعادَةِ، وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الرَّدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: نَعْبُدُ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ زُلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الإعادَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلْأرْضِ ولِمَن فِيها مِنَ الأحْياءِ، وخالِقًا لِحَياتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ وغَيْرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يُعِيدَهم بَعْدَ أنْ أفْناهم. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ عِبادَةِ الأوْثانِ، مِن حَيْثُ إنَّ عِبادَةَ مَن خَلَقَكم وخَلَقَ الأرْضَ وكُلَّ ما فِيها مِنَ النِّعَمِ هي الواجِبَةُ دُونَ عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ التَّرْغِيبُ في التَّدَبُّرِ لِيَعْلَمُوا بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى الأمْرَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّقاءَ عَذابِ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والِاعْتِرافِ بِجَوازِ الإعادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ أوَّلًا والسَّماءَ ثانِيًا عَمَّمَ الحُكْمَ هاهُنا، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ في المَلَكُوتِ المُلْكُ والمِلْكُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يُقالُ: أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ. يَعْنِي وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنّى تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والخادِعُ هو الشَّيْطانُ والهَوى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ قَدْ بالَغَ في الحِجِاجِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ وغَيْرِها وهم مَعَ ذَلِكَ كاذِبُونَ، وذَلِكَ كالتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (أتَيْتُهُمْ) و(أتَيْتَهُمْ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قُرِئَ (قُلْ لِلَّهِ) في الجَوابِ الأوَّلِ بِاللّامِ لا غَيْرُ، وقُرِئَ (اللَّهُ) في الأخِيرَيْنِ بِغَيْرِ اللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ، وبِاللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ، فَما الفَرْقُ؟ الجَوابُ: لا فَرْقَ في المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ، ولِمَن هُوَ؟ في مَعْنًى واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) وفِيهِ تَناقُضٌ؟ الجَوابُ: لا تَناقُضَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ والبَعْثِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُورِدُ مِن ذَلِكَ.
المؤمنون 23:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أوْضَحَ القَوْلَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم إنَّما أنْكَرُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِلْأوَّلِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ عَنْهم مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو مَشْهُورٌ.
وثانِيهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الوَعْدَ كَما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ وقَعَ قَدِيمًا مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَعَ طُولِ العَهْدِ، فَظَنُّوا أنَّ الإعادَةَ
صفحة ١٠١
تَكُونُ في دارِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالُوا: لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، والأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ، والأسْطارُ جَمْعُ سَطْرٍ؛ أيْ: ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ الرَّدَّ عَلى مُنْكِرِي الإعادَةِ، وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الرَّدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: نَعْبُدُ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ زُلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الإعادَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلْأرْضِ ولِمَن فِيها مِنَ الأحْياءِ، وخالِقًا لِحَياتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ وغَيْرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يُعِيدَهم بَعْدَ أنْ أفْناهم. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ عِبادَةِ الأوْثانِ، مِن حَيْثُ إنَّ عِبادَةَ مَن خَلَقَكم وخَلَقَ الأرْضَ وكُلَّ ما فِيها مِنَ النِّعَمِ هي الواجِبَةُ دُونَ عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ التَّرْغِيبُ في التَّدَبُّرِ لِيَعْلَمُوا بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى الأمْرَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّقاءَ عَذابِ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والِاعْتِرافِ بِجَوازِ الإعادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ أوَّلًا والسَّماءَ ثانِيًا عَمَّمَ الحُكْمَ هاهُنا، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ في المَلَكُوتِ المُلْكُ والمِلْكُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يُقالُ: أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ. يَعْنِي وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنّى تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والخادِعُ هو الشَّيْطانُ والهَوى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ قَدْ بالَغَ في الحِجِاجِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ وغَيْرِها وهم مَعَ ذَلِكَ كاذِبُونَ، وذَلِكَ كالتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (أتَيْتُهُمْ) و(أتَيْتَهُمْ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قُرِئَ (قُلْ لِلَّهِ) في الجَوابِ الأوَّلِ بِاللّامِ لا غَيْرُ، وقُرِئَ (اللَّهُ) في الأخِيرَيْنِ بِغَيْرِ اللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ، وبِاللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ، فَما الفَرْقُ؟ الجَوابُ: لا فَرْقَ في المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ، ولِمَن هُوَ؟ في مَعْنًى واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) وفِيهِ تَناقُضٌ؟ الجَوابُ: لا تَناقُضَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ والبَعْثِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُورِدُ مِن ذَلِكَ.
المؤمنون 23:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أوْضَحَ القَوْلَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم إنَّما أنْكَرُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِلْأوَّلِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ عَنْهم مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو مَشْهُورٌ.
وثانِيهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الوَعْدَ كَما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ وقَعَ قَدِيمًا مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَعَ طُولِ العَهْدِ، فَظَنُّوا أنَّ الإعادَةَ
صفحة ١٠١
تَكُونُ في دارِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالُوا: لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، والأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ، والأسْطارُ جَمْعُ سَطْرٍ؛ أيْ: ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ الرَّدَّ عَلى مُنْكِرِي الإعادَةِ، وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الرَّدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: نَعْبُدُ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ زُلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الإعادَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلْأرْضِ ولِمَن فِيها مِنَ الأحْياءِ، وخالِقًا لِحَياتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ وغَيْرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يُعِيدَهم بَعْدَ أنْ أفْناهم. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ عِبادَةِ الأوْثانِ، مِن حَيْثُ إنَّ عِبادَةَ مَن خَلَقَكم وخَلَقَ الأرْضَ وكُلَّ ما فِيها مِنَ النِّعَمِ هي الواجِبَةُ دُونَ عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ التَّرْغِيبُ في التَّدَبُّرِ لِيَعْلَمُوا بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى الأمْرَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّقاءَ عَذابِ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والِاعْتِرافِ بِجَوازِ الإعادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ أوَّلًا والسَّماءَ ثانِيًا عَمَّمَ الحُكْمَ هاهُنا، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ في المَلَكُوتِ المُلْكُ والمِلْكُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يُقالُ: أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ. يَعْنِي وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنّى تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والخادِعُ هو الشَّيْطانُ والهَوى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ قَدْ بالَغَ في الحِجِاجِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ وغَيْرِها وهم مَعَ ذَلِكَ كاذِبُونَ، وذَلِكَ كالتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (أتَيْتُهُمْ) و(أتَيْتَهُمْ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قُرِئَ (قُلْ لِلَّهِ) في الجَوابِ الأوَّلِ بِاللّامِ لا غَيْرُ، وقُرِئَ (اللَّهُ) في الأخِيرَيْنِ بِغَيْرِ اللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ، وبِاللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ، فَما الفَرْقُ؟ الجَوابُ: لا فَرْقَ في المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ، ولِمَن هُوَ؟ في مَعْنًى واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) وفِيهِ تَناقُضٌ؟ الجَوابُ: لا تَناقُضَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ والبَعْثِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُورِدُ مِن ذَلِكَ.
المؤمنون 23:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أوْضَحَ القَوْلَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم إنَّما أنْكَرُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِلْأوَّلِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ عَنْهم مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو مَشْهُورٌ.
وثانِيهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الوَعْدَ كَما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ وقَعَ قَدِيمًا مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَعَ طُولِ العَهْدِ، فَظَنُّوا أنَّ الإعادَةَ
صفحة ١٠١
تَكُونُ في دارِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالُوا: لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، والأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ، والأسْطارُ جَمْعُ سَطْرٍ؛ أيْ: ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ الرَّدَّ عَلى مُنْكِرِي الإعادَةِ، وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الرَّدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: نَعْبُدُ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ زُلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الإعادَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلْأرْضِ ولِمَن فِيها مِنَ الأحْياءِ، وخالِقًا لِحَياتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ وغَيْرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يُعِيدَهم بَعْدَ أنْ أفْناهم. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ عِبادَةِ الأوْثانِ، مِن حَيْثُ إنَّ عِبادَةَ مَن خَلَقَكم وخَلَقَ الأرْضَ وكُلَّ ما فِيها مِنَ النِّعَمِ هي الواجِبَةُ دُونَ عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ التَّرْغِيبُ في التَّدَبُّرِ لِيَعْلَمُوا بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى الأمْرَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّقاءَ عَذابِ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والِاعْتِرافِ بِجَوازِ الإعادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ أوَّلًا والسَّماءَ ثانِيًا عَمَّمَ الحُكْمَ هاهُنا، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ في المَلَكُوتِ المُلْكُ والمِلْكُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يُقالُ: أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ. يَعْنِي وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنّى تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والخادِعُ هو الشَّيْطانُ والهَوى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ قَدْ بالَغَ في الحِجِاجِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ وغَيْرِها وهم مَعَ ذَلِكَ كاذِبُونَ، وذَلِكَ كالتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (أتَيْتُهُمْ) و(أتَيْتَهُمْ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قُرِئَ (قُلْ لِلَّهِ) في الجَوابِ الأوَّلِ بِاللّامِ لا غَيْرُ، وقُرِئَ (اللَّهُ) في الأخِيرَيْنِ بِغَيْرِ اللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ، وبِاللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ، فَما الفَرْقُ؟ الجَوابُ: لا فَرْقَ في المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ، ولِمَن هُوَ؟ في مَعْنًى واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) وفِيهِ تَناقُضٌ؟ الجَوابُ: لا تَناقُضَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ والبَعْثِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُورِدُ مِن ذَلِكَ.
المؤمنون 23:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أوْضَحَ القَوْلَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم إنَّما أنْكَرُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِلْأوَّلِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ عَنْهم مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو مَشْهُورٌ.
وثانِيهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الوَعْدَ كَما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ وقَعَ قَدِيمًا مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَعَ طُولِ العَهْدِ، فَظَنُّوا أنَّ الإعادَةَ
صفحة ١٠١
تَكُونُ في دارِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالُوا: لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، والأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ، والأسْطارُ جَمْعُ سَطْرٍ؛ أيْ: ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ الرَّدَّ عَلى مُنْكِرِي الإعادَةِ، وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الرَّدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: نَعْبُدُ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ زُلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الإعادَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلْأرْضِ ولِمَن فِيها مِنَ الأحْياءِ، وخالِقًا لِحَياتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ وغَيْرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يُعِيدَهم بَعْدَ أنْ أفْناهم. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ عِبادَةِ الأوْثانِ، مِن حَيْثُ إنَّ عِبادَةَ مَن خَلَقَكم وخَلَقَ الأرْضَ وكُلَّ ما فِيها مِنَ النِّعَمِ هي الواجِبَةُ دُونَ عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ التَّرْغِيبُ في التَّدَبُّرِ لِيَعْلَمُوا بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى الأمْرَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّقاءَ عَذابِ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والِاعْتِرافِ بِجَوازِ الإعادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ أوَّلًا والسَّماءَ ثانِيًا عَمَّمَ الحُكْمَ هاهُنا، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ في المَلَكُوتِ المُلْكُ والمِلْكُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يُقالُ: أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ. يَعْنِي وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنّى تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والخادِعُ هو الشَّيْطانُ والهَوى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ قَدْ بالَغَ في الحِجِاجِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ وغَيْرِها وهم مَعَ ذَلِكَ كاذِبُونَ، وذَلِكَ كالتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (أتَيْتُهُمْ) و(أتَيْتَهُمْ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قُرِئَ (قُلْ لِلَّهِ) في الجَوابِ الأوَّلِ بِاللّامِ لا غَيْرُ، وقُرِئَ (اللَّهُ) في الأخِيرَيْنِ بِغَيْرِ اللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ، وبِاللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ، فَما الفَرْقُ؟ الجَوابُ: لا فَرْقَ في المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ، ولِمَن هُوَ؟ في مَعْنًى واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) وفِيهِ تَناقُضٌ؟ الجَوابُ: لا تَناقُضَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ والبَعْثِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُورِدُ مِن ذَلِكَ.
المؤمنون 23:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أوْضَحَ القَوْلَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم إنَّما أنْكَرُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِلْأوَّلِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ عَنْهم مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو مَشْهُورٌ.
وثانِيهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الوَعْدَ كَما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ وقَعَ قَدِيمًا مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَعَ طُولِ العَهْدِ، فَظَنُّوا أنَّ الإعادَةَ
صفحة ١٠١
تَكُونُ في دارِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالُوا: لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، والأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ، والأسْطارُ جَمْعُ سَطْرٍ؛ أيْ: ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ الرَّدَّ عَلى مُنْكِرِي الإعادَةِ، وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الرَّدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: نَعْبُدُ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ زُلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الإعادَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلْأرْضِ ولِمَن فِيها مِنَ الأحْياءِ، وخالِقًا لِحَياتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ وغَيْرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يُعِيدَهم بَعْدَ أنْ أفْناهم. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ عِبادَةِ الأوْثانِ، مِن حَيْثُ إنَّ عِبادَةَ مَن خَلَقَكم وخَلَقَ الأرْضَ وكُلَّ ما فِيها مِنَ النِّعَمِ هي الواجِبَةُ دُونَ عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ التَّرْغِيبُ في التَّدَبُّرِ لِيَعْلَمُوا بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى الأمْرَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّقاءَ عَذابِ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والِاعْتِرافِ بِجَوازِ الإعادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ أوَّلًا والسَّماءَ ثانِيًا عَمَّمَ الحُكْمَ هاهُنا، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ في المَلَكُوتِ المُلْكُ والمِلْكُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يُقالُ: أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ. يَعْنِي وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنّى تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والخادِعُ هو الشَّيْطانُ والهَوى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ قَدْ بالَغَ في الحِجِاجِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ وغَيْرِها وهم مَعَ ذَلِكَ كاذِبُونَ، وذَلِكَ كالتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (أتَيْتُهُمْ) و(أتَيْتَهُمْ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قُرِئَ (قُلْ لِلَّهِ) في الجَوابِ الأوَّلِ بِاللّامِ لا غَيْرُ، وقُرِئَ (اللَّهُ) في الأخِيرَيْنِ بِغَيْرِ اللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ، وبِاللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ، فَما الفَرْقُ؟ الجَوابُ: لا فَرْقَ في المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ، ولِمَن هُوَ؟ في مَعْنًى واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) وفِيهِ تَناقُضٌ؟ الجَوابُ: لا تَناقُضَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ والبَعْثِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُورِدُ مِن ذَلِكَ.
المؤمنون 23:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أوْضَحَ القَوْلَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم إنَّما أنْكَرُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِلْأوَّلِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ عَنْهم مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو مَشْهُورٌ.
وثانِيهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الوَعْدَ كَما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ وقَعَ قَدِيمًا مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَعَ طُولِ العَهْدِ، فَظَنُّوا أنَّ الإعادَةَ
صفحة ١٠١
تَكُونُ في دارِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالُوا: لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، والأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ، والأسْطارُ جَمْعُ سَطْرٍ؛ أيْ: ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ الرَّدَّ عَلى مُنْكِرِي الإعادَةِ، وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الرَّدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: نَعْبُدُ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ زُلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الإعادَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلْأرْضِ ولِمَن فِيها مِنَ الأحْياءِ، وخالِقًا لِحَياتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ وغَيْرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يُعِيدَهم بَعْدَ أنْ أفْناهم. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ عِبادَةِ الأوْثانِ، مِن حَيْثُ إنَّ عِبادَةَ مَن خَلَقَكم وخَلَقَ الأرْضَ وكُلَّ ما فِيها مِنَ النِّعَمِ هي الواجِبَةُ دُونَ عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ التَّرْغِيبُ في التَّدَبُّرِ لِيَعْلَمُوا بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى الأمْرَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّقاءَ عَذابِ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والِاعْتِرافِ بِجَوازِ الإعادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ أوَّلًا والسَّماءَ ثانِيًا عَمَّمَ الحُكْمَ هاهُنا، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ في المَلَكُوتِ المُلْكُ والمِلْكُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يُقالُ: أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ. يَعْنِي وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنّى تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والخادِعُ هو الشَّيْطانُ والهَوى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ قَدْ بالَغَ في الحِجِاجِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ وغَيْرِها وهم مَعَ ذَلِكَ كاذِبُونَ، وذَلِكَ كالتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (أتَيْتُهُمْ) و(أتَيْتَهُمْ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قُرِئَ (قُلْ لِلَّهِ) في الجَوابِ الأوَّلِ بِاللّامِ لا غَيْرُ، وقُرِئَ (اللَّهُ) في الأخِيرَيْنِ بِغَيْرِ اللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ، وبِاللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ، فَما الفَرْقُ؟ الجَوابُ: لا فَرْقَ في المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ، ولِمَن هُوَ؟ في مَعْنًى واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) وفِيهِ تَناقُضٌ؟ الجَوابُ: لا تَناقُضَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ والبَعْثِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُورِدُ مِن ذَلِكَ.
المؤمنون 23:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أوْضَحَ القَوْلَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم إنَّما أنْكَرُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِلْأوَّلِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ عَنْهم مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو مَشْهُورٌ.
وثانِيهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الوَعْدَ كَما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ وقَعَ قَدِيمًا مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَعَ طُولِ العَهْدِ، فَظَنُّوا أنَّ الإعادَةَ
صفحة ١٠١
تَكُونُ في دارِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالُوا: لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، والأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ، والأسْطارُ جَمْعُ سَطْرٍ؛ أيْ: ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ الرَّدَّ عَلى مُنْكِرِي الإعادَةِ، وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الرَّدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: نَعْبُدُ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ زُلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الإعادَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلْأرْضِ ولِمَن فِيها مِنَ الأحْياءِ، وخالِقًا لِحَياتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ وغَيْرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يُعِيدَهم بَعْدَ أنْ أفْناهم. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ عِبادَةِ الأوْثانِ، مِن حَيْثُ إنَّ عِبادَةَ مَن خَلَقَكم وخَلَقَ الأرْضَ وكُلَّ ما فِيها مِنَ النِّعَمِ هي الواجِبَةُ دُونَ عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ التَّرْغِيبُ في التَّدَبُّرِ لِيَعْلَمُوا بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى الأمْرَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّقاءَ عَذابِ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والِاعْتِرافِ بِجَوازِ الإعادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ أوَّلًا والسَّماءَ ثانِيًا عَمَّمَ الحُكْمَ هاهُنا، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ في المَلَكُوتِ المُلْكُ والمِلْكُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يُقالُ: أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ. يَعْنِي وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنّى تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والخادِعُ هو الشَّيْطانُ والهَوى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ قَدْ بالَغَ في الحِجِاجِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ وغَيْرِها وهم مَعَ ذَلِكَ كاذِبُونَ، وذَلِكَ كالتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (أتَيْتُهُمْ) و(أتَيْتَهُمْ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قُرِئَ (قُلْ لِلَّهِ) في الجَوابِ الأوَّلِ بِاللّامِ لا غَيْرُ، وقُرِئَ (اللَّهُ) في الأخِيرَيْنِ بِغَيْرِ اللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ، وبِاللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ، فَما الفَرْقُ؟ الجَوابُ: لا فَرْقَ في المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ، ولِمَن هُوَ؟ في مَعْنًى واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) وفِيهِ تَناقُضٌ؟ الجَوابُ: لا تَناقُضَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ والبَعْثِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُورِدُ مِن ذَلِكَ.
المؤمنون 23:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أوْضَحَ القَوْلَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم إنَّما أنْكَرُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِلْأوَّلِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ عَنْهم مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو مَشْهُورٌ.
وثانِيهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الوَعْدَ كَما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ وقَعَ قَدِيمًا مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَعَ طُولِ العَهْدِ، فَظَنُّوا أنَّ الإعادَةَ
صفحة ١٠١
تَكُونُ في دارِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالُوا: لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، والأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ، والأسْطارُ جَمْعُ سَطْرٍ؛ أيْ: ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ الرَّدَّ عَلى مُنْكِرِي الإعادَةِ، وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الرَّدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: نَعْبُدُ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ زُلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الإعادَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلْأرْضِ ولِمَن فِيها مِنَ الأحْياءِ، وخالِقًا لِحَياتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ وغَيْرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يُعِيدَهم بَعْدَ أنْ أفْناهم. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ عِبادَةِ الأوْثانِ، مِن حَيْثُ إنَّ عِبادَةَ مَن خَلَقَكم وخَلَقَ الأرْضَ وكُلَّ ما فِيها مِنَ النِّعَمِ هي الواجِبَةُ دُونَ عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ التَّرْغِيبُ في التَّدَبُّرِ لِيَعْلَمُوا بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى الأمْرَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّقاءَ عَذابِ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والِاعْتِرافِ بِجَوازِ الإعادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ أوَّلًا والسَّماءَ ثانِيًا عَمَّمَ الحُكْمَ هاهُنا، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ في المَلَكُوتِ المُلْكُ والمِلْكُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يُقالُ: أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ. يَعْنِي وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنّى تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والخادِعُ هو الشَّيْطانُ والهَوى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ قَدْ بالَغَ في الحِجِاجِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ وغَيْرِها وهم مَعَ ذَلِكَ كاذِبُونَ، وذَلِكَ كالتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (أتَيْتُهُمْ) و(أتَيْتَهُمْ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قُرِئَ (قُلْ لِلَّهِ) في الجَوابِ الأوَّلِ بِاللّامِ لا غَيْرُ، وقُرِئَ (اللَّهُ) في الأخِيرَيْنِ بِغَيْرِ اللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ، وبِاللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ، فَما الفَرْقُ؟ الجَوابُ: لا فَرْقَ في المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ، ولِمَن هُوَ؟ في مَعْنًى واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) وفِيهِ تَناقُضٌ؟ الجَوابُ: لا تَناقُضَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ والبَعْثِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُورِدُ مِن ذَلِكَ.
المؤمنون 23:91
صفحة ١٠٢
﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ادَّعى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ وهو كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن قَوْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَإنَّ جَمْعًا مِنهم كانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ وهو قَوْلُهم بِاتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إبْطالَ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ الدَّلِيلَ المُعْتَمَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ والمَعْنى لانْفَرَدَ عَلى [ذَلِكَ] كُلُّ واحِدٍ مِنَ الآلِهَةِ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَهُ واسْتَبَدَّ بِهِ، ولَرَأيْتُمْ مُلْكَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُتَمَيِّزًا عَنْ مُلْكِ الآخَرِ، ولَغَلَبَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، كَما تَرَوْنَ حالَ مُلُوكِ الدُّنْيا؛ مَمالِكُهم مُتَمَيِّزَةٌ وهم مُتَغالِبُونَ، وحَيْثُ لَمْ تَرَوْا أثَرَ التَّمايُزِ في المَمالِكِ والتَّغالُبِ، فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. فَإنْ قِيلَ: ”إذًا“ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى كَلامٍ هو جَزاءٌ وجَوابٌ، فَكَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: (لَذَهَبَ) جَزاءً وجَوابًا؟ ولَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ؟ قُلْنا: الشَّرْطُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن إثْباتِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فَقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ، وبِالرَّفْعِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَغَيْرُهُ وإنْ عَلِمَ الشَّهادَةَ فَلَنْ يَعْلَمَ مَعَها الغَيْبَ، والشَّهادَةُ الَّتِي يَعْلَمُها لا يَتَكامَلُ بِها النَّفْعُ إلّا مَعَ العِلْمِ بِالغَيْبِ، وذَلِكَ كالوَعِيدِ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِ وأنْ يَدْعُوَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما والنُّونُ مُؤَكِّدَتانِ، أيْ: إنْ كانَ ولا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِّي ما تَعِدُهم مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَلا تَجْعَلْنِي قَرِينًا لَهم ولا تُعَذِّبْنِي بِعَذابِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ نَبِيَّهُ المَعْصُومَ مَعَ الظّالِمِينَ حَتّى يَطْلُبَ أنْ لا يَجْعَلَهُ مَعَهُمْ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَسْألَ العَبْدُ رَبَّهُ ما عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ، وأنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ؛ إظْهارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وتَواضُعًا لِرَبِّهِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الحَسَنِ في قَوْلِ الصِّدِّيقِ: وُلِّيتُكم ولَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ خَيْرُهُمْ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَهْضِمُ نَفْسَهُ. وإنَّما ذَكَرَ ”رَبِّ“ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً قَبْلَ الشَّرْطِ ومَرَّةً قَبْلَ الجَزاءِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ الوَعْدَ بِالعَذابِ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْجازِ ما وعَدَ. ويَحْتَمِلُ عَذابًا في الدُّنْيا مُؤَخَّرًا
صفحة ١٠٣
عَنْ أيّامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهُمْ: هو في أهْلِ البَغْيِ، وبَعْضُهم: في الكُفّارِ الَّذِينَ قُوتِلُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ عَذابُ الآخِرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّ الأوْلى بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعامِلَ بِهِ الكُفّارَ، فَأُمِرَ بِاحْتِمالِ ما يَكُونُ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ وضُرُوبِ الأذى، وأنْ يَدْفَعَهُ بِالكَلامِ الجَمِيلِ كالسَّلامِ وبَيانِ الأدِلَّةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا لَمْ يَقْطَعْ نِعَمَهُ عَنْهُمْ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ مُواظِبًا عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، لِما فِيهِ مِنَ التَّفْضِيلِ، والمَعْنى الصَّفْحُ عَنْ إساءَتِهِمْ، ومُقابَلَتُها بِما أمْكَنَ مِنَ الإحْسانِ، حَتّى إذا اجْتَمَعَ الصَّفْحُ والإحْسانُ وبَذْلَ الطّاقَةِ فِيهِ، كانَتْ حَسَنَةً مُضاعَفَةً بِإزاءِ السَّيِّئَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: مُحْكَمَةٌ؛ لِأنَّ المُداراةَ مَحْثُوثٌ عَلَيْها ما لَمْ تُؤَدِّ إلى نُقْصانِ دِينٍ أوْ مُرُوءَةٍ.
المؤمنون 23:92
صفحة ١٠٢
﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ادَّعى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ وهو كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن قَوْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَإنَّ جَمْعًا مِنهم كانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ وهو قَوْلُهم بِاتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إبْطالَ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ الدَّلِيلَ المُعْتَمَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ والمَعْنى لانْفَرَدَ عَلى [ذَلِكَ] كُلُّ واحِدٍ مِنَ الآلِهَةِ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَهُ واسْتَبَدَّ بِهِ، ولَرَأيْتُمْ مُلْكَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُتَمَيِّزًا عَنْ مُلْكِ الآخَرِ، ولَغَلَبَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، كَما تَرَوْنَ حالَ مُلُوكِ الدُّنْيا؛ مَمالِكُهم مُتَمَيِّزَةٌ وهم مُتَغالِبُونَ، وحَيْثُ لَمْ تَرَوْا أثَرَ التَّمايُزِ في المَمالِكِ والتَّغالُبِ، فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. فَإنْ قِيلَ: ”إذًا“ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى كَلامٍ هو جَزاءٌ وجَوابٌ، فَكَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: (لَذَهَبَ) جَزاءً وجَوابًا؟ ولَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ؟ قُلْنا: الشَّرْطُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن إثْباتِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فَقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ، وبِالرَّفْعِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَغَيْرُهُ وإنْ عَلِمَ الشَّهادَةَ فَلَنْ يَعْلَمَ مَعَها الغَيْبَ، والشَّهادَةُ الَّتِي يَعْلَمُها لا يَتَكامَلُ بِها النَّفْعُ إلّا مَعَ العِلْمِ بِالغَيْبِ، وذَلِكَ كالوَعِيدِ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِ وأنْ يَدْعُوَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما والنُّونُ مُؤَكِّدَتانِ، أيْ: إنْ كانَ ولا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِّي ما تَعِدُهم مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَلا تَجْعَلْنِي قَرِينًا لَهم ولا تُعَذِّبْنِي بِعَذابِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ نَبِيَّهُ المَعْصُومَ مَعَ الظّالِمِينَ حَتّى يَطْلُبَ أنْ لا يَجْعَلَهُ مَعَهُمْ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَسْألَ العَبْدُ رَبَّهُ ما عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ، وأنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ؛ إظْهارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وتَواضُعًا لِرَبِّهِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الحَسَنِ في قَوْلِ الصِّدِّيقِ: وُلِّيتُكم ولَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ خَيْرُهُمْ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَهْضِمُ نَفْسَهُ. وإنَّما ذَكَرَ ”رَبِّ“ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً قَبْلَ الشَّرْطِ ومَرَّةً قَبْلَ الجَزاءِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ الوَعْدَ بِالعَذابِ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْجازِ ما وعَدَ. ويَحْتَمِلُ عَذابًا في الدُّنْيا مُؤَخَّرًا
صفحة ١٠٣
عَنْ أيّامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهُمْ: هو في أهْلِ البَغْيِ، وبَعْضُهم: في الكُفّارِ الَّذِينَ قُوتِلُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ عَذابُ الآخِرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّ الأوْلى بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعامِلَ بِهِ الكُفّارَ، فَأُمِرَ بِاحْتِمالِ ما يَكُونُ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ وضُرُوبِ الأذى، وأنْ يَدْفَعَهُ بِالكَلامِ الجَمِيلِ كالسَّلامِ وبَيانِ الأدِلَّةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا لَمْ يَقْطَعْ نِعَمَهُ عَنْهُمْ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ مُواظِبًا عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، لِما فِيهِ مِنَ التَّفْضِيلِ، والمَعْنى الصَّفْحُ عَنْ إساءَتِهِمْ، ومُقابَلَتُها بِما أمْكَنَ مِنَ الإحْسانِ، حَتّى إذا اجْتَمَعَ الصَّفْحُ والإحْسانُ وبَذْلَ الطّاقَةِ فِيهِ، كانَتْ حَسَنَةً مُضاعَفَةً بِإزاءِ السَّيِّئَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: مُحْكَمَةٌ؛ لِأنَّ المُداراةَ مَحْثُوثٌ عَلَيْها ما لَمْ تُؤَدِّ إلى نُقْصانِ دِينٍ أوْ مُرُوءَةٍ.
المؤمنون 23:93
صفحة ١٠٢
﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ادَّعى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ وهو كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن قَوْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَإنَّ جَمْعًا مِنهم كانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ وهو قَوْلُهم بِاتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إبْطالَ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ الدَّلِيلَ المُعْتَمَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ والمَعْنى لانْفَرَدَ عَلى [ذَلِكَ] كُلُّ واحِدٍ مِنَ الآلِهَةِ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَهُ واسْتَبَدَّ بِهِ، ولَرَأيْتُمْ مُلْكَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُتَمَيِّزًا عَنْ مُلْكِ الآخَرِ، ولَغَلَبَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، كَما تَرَوْنَ حالَ مُلُوكِ الدُّنْيا؛ مَمالِكُهم مُتَمَيِّزَةٌ وهم مُتَغالِبُونَ، وحَيْثُ لَمْ تَرَوْا أثَرَ التَّمايُزِ في المَمالِكِ والتَّغالُبِ، فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. فَإنْ قِيلَ: ”إذًا“ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى كَلامٍ هو جَزاءٌ وجَوابٌ، فَكَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: (لَذَهَبَ) جَزاءً وجَوابًا؟ ولَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ؟ قُلْنا: الشَّرْطُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن إثْباتِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فَقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ، وبِالرَّفْعِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَغَيْرُهُ وإنْ عَلِمَ الشَّهادَةَ فَلَنْ يَعْلَمَ مَعَها الغَيْبَ، والشَّهادَةُ الَّتِي يَعْلَمُها لا يَتَكامَلُ بِها النَّفْعُ إلّا مَعَ العِلْمِ بِالغَيْبِ، وذَلِكَ كالوَعِيدِ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِ وأنْ يَدْعُوَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما والنُّونُ مُؤَكِّدَتانِ، أيْ: إنْ كانَ ولا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِّي ما تَعِدُهم مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَلا تَجْعَلْنِي قَرِينًا لَهم ولا تُعَذِّبْنِي بِعَذابِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ نَبِيَّهُ المَعْصُومَ مَعَ الظّالِمِينَ حَتّى يَطْلُبَ أنْ لا يَجْعَلَهُ مَعَهُمْ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَسْألَ العَبْدُ رَبَّهُ ما عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ، وأنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ؛ إظْهارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وتَواضُعًا لِرَبِّهِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الحَسَنِ في قَوْلِ الصِّدِّيقِ: وُلِّيتُكم ولَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ خَيْرُهُمْ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَهْضِمُ نَفْسَهُ. وإنَّما ذَكَرَ ”رَبِّ“ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً قَبْلَ الشَّرْطِ ومَرَّةً قَبْلَ الجَزاءِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ الوَعْدَ بِالعَذابِ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْجازِ ما وعَدَ. ويَحْتَمِلُ عَذابًا في الدُّنْيا مُؤَخَّرًا
صفحة ١٠٣
عَنْ أيّامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهُمْ: هو في أهْلِ البَغْيِ، وبَعْضُهم: في الكُفّارِ الَّذِينَ قُوتِلُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ عَذابُ الآخِرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّ الأوْلى بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعامِلَ بِهِ الكُفّارَ، فَأُمِرَ بِاحْتِمالِ ما يَكُونُ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ وضُرُوبِ الأذى، وأنْ يَدْفَعَهُ بِالكَلامِ الجَمِيلِ كالسَّلامِ وبَيانِ الأدِلَّةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا لَمْ يَقْطَعْ نِعَمَهُ عَنْهُمْ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ مُواظِبًا عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، لِما فِيهِ مِنَ التَّفْضِيلِ، والمَعْنى الصَّفْحُ عَنْ إساءَتِهِمْ، ومُقابَلَتُها بِما أمْكَنَ مِنَ الإحْسانِ، حَتّى إذا اجْتَمَعَ الصَّفْحُ والإحْسانُ وبَذْلَ الطّاقَةِ فِيهِ، كانَتْ حَسَنَةً مُضاعَفَةً بِإزاءِ السَّيِّئَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: مُحْكَمَةٌ؛ لِأنَّ المُداراةَ مَحْثُوثٌ عَلَيْها ما لَمْ تُؤَدِّ إلى نُقْصانِ دِينٍ أوْ مُرُوءَةٍ.
المؤمنون 23:94
صفحة ١٠٢
﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ادَّعى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ وهو كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن قَوْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَإنَّ جَمْعًا مِنهم كانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ وهو قَوْلُهم بِاتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إبْطالَ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ الدَّلِيلَ المُعْتَمَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ والمَعْنى لانْفَرَدَ عَلى [ذَلِكَ] كُلُّ واحِدٍ مِنَ الآلِهَةِ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَهُ واسْتَبَدَّ بِهِ، ولَرَأيْتُمْ مُلْكَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُتَمَيِّزًا عَنْ مُلْكِ الآخَرِ، ولَغَلَبَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، كَما تَرَوْنَ حالَ مُلُوكِ الدُّنْيا؛ مَمالِكُهم مُتَمَيِّزَةٌ وهم مُتَغالِبُونَ، وحَيْثُ لَمْ تَرَوْا أثَرَ التَّمايُزِ في المَمالِكِ والتَّغالُبِ، فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. فَإنْ قِيلَ: ”إذًا“ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى كَلامٍ هو جَزاءٌ وجَوابٌ، فَكَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: (لَذَهَبَ) جَزاءً وجَوابًا؟ ولَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ؟ قُلْنا: الشَّرْطُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن إثْباتِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فَقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ، وبِالرَّفْعِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَغَيْرُهُ وإنْ عَلِمَ الشَّهادَةَ فَلَنْ يَعْلَمَ مَعَها الغَيْبَ، والشَّهادَةُ الَّتِي يَعْلَمُها لا يَتَكامَلُ بِها النَّفْعُ إلّا مَعَ العِلْمِ بِالغَيْبِ، وذَلِكَ كالوَعِيدِ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِ وأنْ يَدْعُوَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما والنُّونُ مُؤَكِّدَتانِ، أيْ: إنْ كانَ ولا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِّي ما تَعِدُهم مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَلا تَجْعَلْنِي قَرِينًا لَهم ولا تُعَذِّبْنِي بِعَذابِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ نَبِيَّهُ المَعْصُومَ مَعَ الظّالِمِينَ حَتّى يَطْلُبَ أنْ لا يَجْعَلَهُ مَعَهُمْ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَسْألَ العَبْدُ رَبَّهُ ما عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ، وأنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ؛ إظْهارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وتَواضُعًا لِرَبِّهِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الحَسَنِ في قَوْلِ الصِّدِّيقِ: وُلِّيتُكم ولَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ خَيْرُهُمْ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَهْضِمُ نَفْسَهُ. وإنَّما ذَكَرَ ”رَبِّ“ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً قَبْلَ الشَّرْطِ ومَرَّةً قَبْلَ الجَزاءِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ الوَعْدَ بِالعَذابِ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْجازِ ما وعَدَ. ويَحْتَمِلُ عَذابًا في الدُّنْيا مُؤَخَّرًا
صفحة ١٠٣
عَنْ أيّامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهُمْ: هو في أهْلِ البَغْيِ، وبَعْضُهم: في الكُفّارِ الَّذِينَ قُوتِلُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ عَذابُ الآخِرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّ الأوْلى بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعامِلَ بِهِ الكُفّارَ، فَأُمِرَ بِاحْتِمالِ ما يَكُونُ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ وضُرُوبِ الأذى، وأنْ يَدْفَعَهُ بِالكَلامِ الجَمِيلِ كالسَّلامِ وبَيانِ الأدِلَّةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا لَمْ يَقْطَعْ نِعَمَهُ عَنْهُمْ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ مُواظِبًا عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، لِما فِيهِ مِنَ التَّفْضِيلِ، والمَعْنى الصَّفْحُ عَنْ إساءَتِهِمْ، ومُقابَلَتُها بِما أمْكَنَ مِنَ الإحْسانِ، حَتّى إذا اجْتَمَعَ الصَّفْحُ والإحْسانُ وبَذْلَ الطّاقَةِ فِيهِ، كانَتْ حَسَنَةً مُضاعَفَةً بِإزاءِ السَّيِّئَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: مُحْكَمَةٌ؛ لِأنَّ المُداراةَ مَحْثُوثٌ عَلَيْها ما لَمْ تُؤَدِّ إلى نُقْصانِ دِينٍ أوْ مُرُوءَةٍ.
المؤمنون 23:95
صفحة ١٠٢
﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ادَّعى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ وهو كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن قَوْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَإنَّ جَمْعًا مِنهم كانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ وهو قَوْلُهم بِاتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إبْطالَ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ الدَّلِيلَ المُعْتَمَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ والمَعْنى لانْفَرَدَ عَلى [ذَلِكَ] كُلُّ واحِدٍ مِنَ الآلِهَةِ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَهُ واسْتَبَدَّ بِهِ، ولَرَأيْتُمْ مُلْكَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُتَمَيِّزًا عَنْ مُلْكِ الآخَرِ، ولَغَلَبَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، كَما تَرَوْنَ حالَ مُلُوكِ الدُّنْيا؛ مَمالِكُهم مُتَمَيِّزَةٌ وهم مُتَغالِبُونَ، وحَيْثُ لَمْ تَرَوْا أثَرَ التَّمايُزِ في المَمالِكِ والتَّغالُبِ، فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. فَإنْ قِيلَ: ”إذًا“ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى كَلامٍ هو جَزاءٌ وجَوابٌ، فَكَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: (لَذَهَبَ) جَزاءً وجَوابًا؟ ولَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ؟ قُلْنا: الشَّرْطُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن إثْباتِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فَقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ، وبِالرَّفْعِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَغَيْرُهُ وإنْ عَلِمَ الشَّهادَةَ فَلَنْ يَعْلَمَ مَعَها الغَيْبَ، والشَّهادَةُ الَّتِي يَعْلَمُها لا يَتَكامَلُ بِها النَّفْعُ إلّا مَعَ العِلْمِ بِالغَيْبِ، وذَلِكَ كالوَعِيدِ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِ وأنْ يَدْعُوَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما والنُّونُ مُؤَكِّدَتانِ، أيْ: إنْ كانَ ولا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِّي ما تَعِدُهم مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَلا تَجْعَلْنِي قَرِينًا لَهم ولا تُعَذِّبْنِي بِعَذابِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ نَبِيَّهُ المَعْصُومَ مَعَ الظّالِمِينَ حَتّى يَطْلُبَ أنْ لا يَجْعَلَهُ مَعَهُمْ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَسْألَ العَبْدُ رَبَّهُ ما عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ، وأنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ؛ إظْهارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وتَواضُعًا لِرَبِّهِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الحَسَنِ في قَوْلِ الصِّدِّيقِ: وُلِّيتُكم ولَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ خَيْرُهُمْ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَهْضِمُ نَفْسَهُ. وإنَّما ذَكَرَ ”رَبِّ“ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً قَبْلَ الشَّرْطِ ومَرَّةً قَبْلَ الجَزاءِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ الوَعْدَ بِالعَذابِ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْجازِ ما وعَدَ. ويَحْتَمِلُ عَذابًا في الدُّنْيا مُؤَخَّرًا
صفحة ١٠٣
عَنْ أيّامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهُمْ: هو في أهْلِ البَغْيِ، وبَعْضُهم: في الكُفّارِ الَّذِينَ قُوتِلُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ عَذابُ الآخِرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّ الأوْلى بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعامِلَ بِهِ الكُفّارَ، فَأُمِرَ بِاحْتِمالِ ما يَكُونُ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ وضُرُوبِ الأذى، وأنْ يَدْفَعَهُ بِالكَلامِ الجَمِيلِ كالسَّلامِ وبَيانِ الأدِلَّةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا لَمْ يَقْطَعْ نِعَمَهُ عَنْهُمْ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ مُواظِبًا عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، لِما فِيهِ مِنَ التَّفْضِيلِ، والمَعْنى الصَّفْحُ عَنْ إساءَتِهِمْ، ومُقابَلَتُها بِما أمْكَنَ مِنَ الإحْسانِ، حَتّى إذا اجْتَمَعَ الصَّفْحُ والإحْسانُ وبَذْلَ الطّاقَةِ فِيهِ، كانَتْ حَسَنَةً مُضاعَفَةً بِإزاءِ السَّيِّئَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: مُحْكَمَةٌ؛ لِأنَّ المُداراةَ مَحْثُوثٌ عَلَيْها ما لَمْ تُؤَدِّ إلى نُقْصانِ دِينٍ أوْ مُرُوءَةٍ.
المؤمنون 23:96
صفحة ١٠٢
﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ادَّعى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ وهو كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن قَوْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَإنَّ جَمْعًا مِنهم كانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ وهو قَوْلُهم بِاتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إبْطالَ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ الدَّلِيلَ المُعْتَمَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ والمَعْنى لانْفَرَدَ عَلى [ذَلِكَ] كُلُّ واحِدٍ مِنَ الآلِهَةِ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَهُ واسْتَبَدَّ بِهِ، ولَرَأيْتُمْ مُلْكَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُتَمَيِّزًا عَنْ مُلْكِ الآخَرِ، ولَغَلَبَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، كَما تَرَوْنَ حالَ مُلُوكِ الدُّنْيا؛ مَمالِكُهم مُتَمَيِّزَةٌ وهم مُتَغالِبُونَ، وحَيْثُ لَمْ تَرَوْا أثَرَ التَّمايُزِ في المَمالِكِ والتَّغالُبِ، فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. فَإنْ قِيلَ: ”إذًا“ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى كَلامٍ هو جَزاءٌ وجَوابٌ، فَكَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: (لَذَهَبَ) جَزاءً وجَوابًا؟ ولَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ؟ قُلْنا: الشَّرْطُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن إثْباتِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فَقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ، وبِالرَّفْعِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَغَيْرُهُ وإنْ عَلِمَ الشَّهادَةَ فَلَنْ يَعْلَمَ مَعَها الغَيْبَ، والشَّهادَةُ الَّتِي يَعْلَمُها لا يَتَكامَلُ بِها النَّفْعُ إلّا مَعَ العِلْمِ بِالغَيْبِ، وذَلِكَ كالوَعِيدِ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِ وأنْ يَدْعُوَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما والنُّونُ مُؤَكِّدَتانِ، أيْ: إنْ كانَ ولا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِّي ما تَعِدُهم مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَلا تَجْعَلْنِي قَرِينًا لَهم ولا تُعَذِّبْنِي بِعَذابِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ نَبِيَّهُ المَعْصُومَ مَعَ الظّالِمِينَ حَتّى يَطْلُبَ أنْ لا يَجْعَلَهُ مَعَهُمْ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَسْألَ العَبْدُ رَبَّهُ ما عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ، وأنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ؛ إظْهارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وتَواضُعًا لِرَبِّهِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الحَسَنِ في قَوْلِ الصِّدِّيقِ: وُلِّيتُكم ولَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ خَيْرُهُمْ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَهْضِمُ نَفْسَهُ. وإنَّما ذَكَرَ ”رَبِّ“ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً قَبْلَ الشَّرْطِ ومَرَّةً قَبْلَ الجَزاءِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ الوَعْدَ بِالعَذابِ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْجازِ ما وعَدَ. ويَحْتَمِلُ عَذابًا في الدُّنْيا مُؤَخَّرًا
صفحة ١٠٣
عَنْ أيّامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهُمْ: هو في أهْلِ البَغْيِ، وبَعْضُهم: في الكُفّارِ الَّذِينَ قُوتِلُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ عَذابُ الآخِرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّ الأوْلى بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعامِلَ بِهِ الكُفّارَ، فَأُمِرَ بِاحْتِمالِ ما يَكُونُ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ وضُرُوبِ الأذى، وأنْ يَدْفَعَهُ بِالكَلامِ الجَمِيلِ كالسَّلامِ وبَيانِ الأدِلَّةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا لَمْ يَقْطَعْ نِعَمَهُ عَنْهُمْ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ مُواظِبًا عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، لِما فِيهِ مِنَ التَّفْضِيلِ، والمَعْنى الصَّفْحُ عَنْ إساءَتِهِمْ، ومُقابَلَتُها بِما أمْكَنَ مِنَ الإحْسانِ، حَتّى إذا اجْتَمَعَ الصَّفْحُ والإحْسانُ وبَذْلَ الطّاقَةِ فِيهِ، كانَتْ حَسَنَةً مُضاعَفَةً بِإزاءِ السَّيِّئَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: مُحْكَمَةٌ؛ لِأنَّ المُداراةَ مَحْثُوثٌ عَلَيْها ما لَمْ تُؤَدِّ إلى نُقْصانِ دِينٍ أوْ مُرُوءَةٍ.
المؤمنون 23:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أدَّبَ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ أتْبَعَهُ بِما بِهِ يَقْوى عَلى ذَلِكَ، وهو الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ مِن أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، والهَمَزاتُ جَمْعُ الهَمْزَةِ، وهو الدَّفْعُ والتَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ، وهو كالهَزِّ والأزِّ، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ، وهَمَزاتُهُ هو كَيْدُهُ بِالوَسْوَسَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ في الرَّسُولِ بِوَجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: بِالوَسْوَسَةِ، والآخَرُ بِأنْ يَبْعَثَ أعْداءَهُ عَلى إيذائِهِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَكِيدُهم بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن يَنْقَطِعُ إلى اللَّهِ تَعالى ويَسْألُهُ أنْ يُعِيذَهُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَذَكِّرًا مُتَيَقِّظًا فِيما يَأْتِي ويَذَرُ، فَيَكُونُ نَفْسُ هَذا الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى داعِيَةً إلى التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ وزاجِرًا عَنِ المَعْصِيَةِ، قالَ الحَسَنُ: «كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ بَعْدَ اسْتِفْتاحِ الصَّلاةِ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ثَلاثًا، اللَّهُ أكْبَرُ. ثَلاثًا، اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ هَمْزِهِ ونَفْثِهِ ونَفْخِهِ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما هَمْزُهُ؟ قالَ: المَوْتَةُ الَّتِي تَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ -أيْ: الجُنُونُ الَّذِي يَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ- قِيلَ: فَما نَفْثُهُ؟ قالَ: الشِّعْرُ. قِيلَ: فَما نَفْخُهُ؟ قالَ: الكِبْرُ“».
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَحْضُرُونِ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ؛ لِكَيْ يَكُونَ مُتَذَكِّرًا فَيَقِلَّ سَهْوُهُ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن نَفْسِ حُضُورِهِمْ؛ لِأنَّهُ الدّاعِي إلى وسْوَسَتِهِمْ، كَما يَقُولُ المَرْءُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن خُصُومَتِكَ، بَلْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِن لِقائِكَ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَدِ «اشْتَكى إلَيْهِ رَجُلٌ أرَقًا يَجِدُهُ فَقالَ: ”إذا أرَدْتَ النَّوْمَ فَقُلْ: أعُوذُ بِاللَّهِ وبِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ ومِن شَرِّ عِبادِهِ
صفحة ١٠٤
ومِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضُرُونِ» “.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ (حَتّى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَصِفُونَ) أيْ: لا يَزالُونَ عَلى سُوءِ الذِّكْرِ إلى هَذا الوَقْتِ، والآيَةُ فاصِلَةٌ بَيْنَهُما عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ، والتَّأْكِيدُ لِلْإغْضاءِ عَنْهم مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَلى الشَّيْطانِ أنْ يَسْتَزِلَّهُ عَنِ الحِلْمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقالَ: مَن لَمْ يُزَكِّ ولَمْ يَحُجَّ سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فَقالَ واحِدٌ: إنَّما يَسْألُ ذَلِكَ الكُفّارُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنا أقْرَأُ عَلَيْكَ بِهِ قُرْآنًا ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا حَضَرَ الإنْسانَ المَوْتُ جُمِعَ كُلُّ شَيْءٍ كانَ يَمْنَعُهُ مِن حَقِّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعِنْدَهُ يَقُولُ: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ» “ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ، إذا عَرَفَ المُؤْمِنُ مَنزِلَتَهُ في الجَنَّةِ، فَإذا شاهَدَها لا يَتَمَنّى أكْثَرَ مِنها، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ أدْوَنُهم ثَوابًا يَغْتَمُّ بِفَقْدِ ما يَفْقِدُ مِن مَنزِلَةِ غَيْرِهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ فَهو إخْبارٌ عَنْ حالِ الحَياةِ في الدُّنْيا لا عَنْ حالِ الثَّوابِ، فَلا يَلْزَمُ عَلى ما ذَكَرْنا.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في وقْتِ مَسْألَةِ الرَّجْعَةِ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يَسْألُ في حالِ المُعايَنَةِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَها يُضْطَرُّ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وإلى أنَّهُ كانَ عاصِيًا، ويَصِيرُ مُلْجَأً إلى أنَّهُ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ بِأنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ رامَهُ لَمُنِعَ مِنهُ، ومَن هَذا حالُهُ يَصِيرُ كالمَمْنُوعِ مِنَ القَبائِحِ بِهَذا الإلْجاءِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْألُ الرَّجْعَةَ، ويَقُولُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ النّارِ في الآخِرَةِ، ولَعَلَّ هَذا القائِلَ إنَّما تَرَكَ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ لِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ عَنْ أهْلِ النّارِ في الآخِرَةِ أنَّهم يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ، لَكِنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونُوا سائِلِينَ الرَّجْعَةَ في حالِ المُعايَنَةِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ فَعَلَّقَ قَوْلَهم هَذا بِحالِ حُضُورِ المَوْتِ، وهو حالُ المُعايِنَةِ، فَلا وجْهَ لِتَرْكِ هَذا الظّاهِرِ.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ارْجِعُونِ﴾ مَنِ المُرادُ بِهِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ الأرْواحَ وهم جَماعَةٌ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (رَبِّ) بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ: يا رَبِّ، وإنَّما ذَكَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَما يُخاطِبُ العَظِيمُ بِلَفْظِهِ فَيَقُولُ: فَعَلْنا وصَنَعْنا، وقالَ الشّاعِرُ:
فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ
ومَن يَقُولُ بِالأوَّلِ يَجْعَلُ ذِكْرَ الرَّبِّ لِلْقَسَمِ، فَكَأنَّهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ قالَ: بِحَقِّ الرَّبِّ ارْجِعُونِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ وقَدْ عَلِمُوا صِحَّةَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، ومِنَ الدِّينِ أنْ لا رَجْعَةَ؟ الجَوابُ: أنَّهُ وإنْ كانَ كَذَلِكَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْألُوهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ المسألة تَحْسُنُ وإنْ عَلِمَ أنَّهُ
صفحة ١٠٥
لا يَقَعُ، فَأمّا إرادَتُهُ لِلرَّجْعَةِ فَلا يَمْتَنِعُ أيْضًا عَلى سَبِيلِ ما يَفْعَلُهُ المُتَمَنِّي.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا﴾ أفَيَجُوزُ أنْ يَسْألَ الرَّجْعَةَ مَعَ الشَّكِّ؟ الجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ بِـ (لَعَلَّ) الشَّكَّ؛ فَإنَّهُ في هَذا الوَقْتِ باذِلٌ لِلْجُهْدِ في العَزْمِ عَلى الطّاعَةِ، إنْ أُعْطِيَ ما سَألَ، بَلْ هو مِثْلُ مَن قَصَّرَ في حَقِّ نَفْسِهِ وعَرَفَ سُوءَ عاقِبَةِ ذَلِكَ التَّقْصِيرِ فَيَقُولُ: مَكِّنُونِي مِنَ التَّدارُكِ لَعَلِّي أتَدارَكُ، فَيَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ مَعَ كَوْنِهِ جازِمًا بِأنَّهُ سَيَتَدارَكُ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّ الأمْرَ المُسْتَقْبَلَ إذا لَمْ يَعْرِفُوهُ أوْرَدُوا الكَلامَ المَوْضُوعَ لِلتَّرَجِّي والظَّنِّ دُونَ اليَقِينِ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨].
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (فِيما تَرَكْتُ )؟ الجَوابُ: قالَ بَعْضُهُمْ: فِيما خَلَّفْتُ مِنَ المالِ؛ لِيَصِيرَ عِنْدَ الرَّجْعَةِ مُؤَدِّيًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنهُ، والمَعْقُولُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرَكْتُ﴾ التَّرِكَةُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ أعْمَلُ صالِحًا فِيما قَصَّرْتُ فَيَدْخُلُ فِيهِ العِباداتُ البَدَنِيَّةُ والمالِيَّةُ والحُقُوقُ، وهَذا أقْرَبُ، كَأنَّهم تَمَنَّوُا الرَّجْعَةَ لِيُصْلِحُوا ما أفْسَدُوهُ، ويُطِيعُوا في كُلِّ ما عَصَوْا.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (كَلّا )؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ كالجَوابِ لَهم في المَنعِ مِمّا طَلَبُوا، كَما يُقالُ لِطالِبِ الأمْرِ المُسْتَبْعَدِ: هَيْهاتَ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”«إذا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: نُرْجِعُكَ إلى دارِ الدُّنْيا؟ فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ؟ لا بَلْ قُدُومًا عَلى اللَّهِ، وأمّا الكافِرُ فَيُقالُ لَهُ: نُرْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: ارْجِعُونِ. فَيُقالُ لَهُ: إلى أيِّ شَيْءٍ تَرْغَبُ؛ إلى جَمْعِ المالِ أوْ غَرْسِ الغِراسِ أوْ بِناءِ البُنْيانِ أوْ شَقِّ الأنْهارِ؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ، فَيَقُولُ الجَبّارُ: كَلّا» “ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الإخْبارِ بِأنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، وأنَّ هَذا الخَبَرَ حَقٌّ، فَكَأنَّهُ قالَ: حَقًّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها، والأقْرَبُ الأوَّلُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُخَلِّيها ولا يَسْكُتُ عَنْها؛ لِاسْتِيلاءِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّهُ قائِلُها وحْدَهُ ولا يُجابُ إلَيْها ولا يُسْمَعُ مِنهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فالبَرْزَخُ هو الحاجِزُ والمانِعُ، كَقَوْلِهِ في البَحْرَيْنِ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٠] أيْ: فَهَؤُلاءِ صائِرُونَ إلى حالَةٍ مانِعَةٍ مِنَ التَّلافِي حاجِزَةٍ عَنِ الِاجْتِماعِ وذَلِكَ هو المَوْتُ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم يَرْجِعُونَ يَوْمَ البَعْثِ، إنَّما هو إقْناطٌ كُلِّيٌّ لِما عُلِمَ أنَّهُ لا رَجْعَةَ يَوْمَ البَعْثِ إلّا إلى الآخِرَةِ.
المؤمنون 23:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أدَّبَ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ أتْبَعَهُ بِما بِهِ يَقْوى عَلى ذَلِكَ، وهو الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ مِن أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، والهَمَزاتُ جَمْعُ الهَمْزَةِ، وهو الدَّفْعُ والتَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ، وهو كالهَزِّ والأزِّ، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ، وهَمَزاتُهُ هو كَيْدُهُ بِالوَسْوَسَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ في الرَّسُولِ بِوَجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: بِالوَسْوَسَةِ، والآخَرُ بِأنْ يَبْعَثَ أعْداءَهُ عَلى إيذائِهِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَكِيدُهم بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن يَنْقَطِعُ إلى اللَّهِ تَعالى ويَسْألُهُ أنْ يُعِيذَهُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَذَكِّرًا مُتَيَقِّظًا فِيما يَأْتِي ويَذَرُ، فَيَكُونُ نَفْسُ هَذا الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى داعِيَةً إلى التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ وزاجِرًا عَنِ المَعْصِيَةِ، قالَ الحَسَنُ: «كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ بَعْدَ اسْتِفْتاحِ الصَّلاةِ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ثَلاثًا، اللَّهُ أكْبَرُ. ثَلاثًا، اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ هَمْزِهِ ونَفْثِهِ ونَفْخِهِ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما هَمْزُهُ؟ قالَ: المَوْتَةُ الَّتِي تَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ -أيْ: الجُنُونُ الَّذِي يَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ- قِيلَ: فَما نَفْثُهُ؟ قالَ: الشِّعْرُ. قِيلَ: فَما نَفْخُهُ؟ قالَ: الكِبْرُ“».
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَحْضُرُونِ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ؛ لِكَيْ يَكُونَ مُتَذَكِّرًا فَيَقِلَّ سَهْوُهُ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن نَفْسِ حُضُورِهِمْ؛ لِأنَّهُ الدّاعِي إلى وسْوَسَتِهِمْ، كَما يَقُولُ المَرْءُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن خُصُومَتِكَ، بَلْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِن لِقائِكَ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَدِ «اشْتَكى إلَيْهِ رَجُلٌ أرَقًا يَجِدُهُ فَقالَ: ”إذا أرَدْتَ النَّوْمَ فَقُلْ: أعُوذُ بِاللَّهِ وبِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ ومِن شَرِّ عِبادِهِ
صفحة ١٠٤
ومِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضُرُونِ» “.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ (حَتّى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَصِفُونَ) أيْ: لا يَزالُونَ عَلى سُوءِ الذِّكْرِ إلى هَذا الوَقْتِ، والآيَةُ فاصِلَةٌ بَيْنَهُما عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ، والتَّأْكِيدُ لِلْإغْضاءِ عَنْهم مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَلى الشَّيْطانِ أنْ يَسْتَزِلَّهُ عَنِ الحِلْمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقالَ: مَن لَمْ يُزَكِّ ولَمْ يَحُجَّ سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فَقالَ واحِدٌ: إنَّما يَسْألُ ذَلِكَ الكُفّارُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنا أقْرَأُ عَلَيْكَ بِهِ قُرْآنًا ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا حَضَرَ الإنْسانَ المَوْتُ جُمِعَ كُلُّ شَيْءٍ كانَ يَمْنَعُهُ مِن حَقِّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعِنْدَهُ يَقُولُ: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ» “ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ، إذا عَرَفَ المُؤْمِنُ مَنزِلَتَهُ في الجَنَّةِ، فَإذا شاهَدَها لا يَتَمَنّى أكْثَرَ مِنها، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ أدْوَنُهم ثَوابًا يَغْتَمُّ بِفَقْدِ ما يَفْقِدُ مِن مَنزِلَةِ غَيْرِهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ فَهو إخْبارٌ عَنْ حالِ الحَياةِ في الدُّنْيا لا عَنْ حالِ الثَّوابِ، فَلا يَلْزَمُ عَلى ما ذَكَرْنا.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في وقْتِ مَسْألَةِ الرَّجْعَةِ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يَسْألُ في حالِ المُعايَنَةِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَها يُضْطَرُّ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وإلى أنَّهُ كانَ عاصِيًا، ويَصِيرُ مُلْجَأً إلى أنَّهُ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ بِأنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ رامَهُ لَمُنِعَ مِنهُ، ومَن هَذا حالُهُ يَصِيرُ كالمَمْنُوعِ مِنَ القَبائِحِ بِهَذا الإلْجاءِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْألُ الرَّجْعَةَ، ويَقُولُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ النّارِ في الآخِرَةِ، ولَعَلَّ هَذا القائِلَ إنَّما تَرَكَ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ لِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ عَنْ أهْلِ النّارِ في الآخِرَةِ أنَّهم يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ، لَكِنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونُوا سائِلِينَ الرَّجْعَةَ في حالِ المُعايَنَةِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ فَعَلَّقَ قَوْلَهم هَذا بِحالِ حُضُورِ المَوْتِ، وهو حالُ المُعايِنَةِ، فَلا وجْهَ لِتَرْكِ هَذا الظّاهِرِ.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ارْجِعُونِ﴾ مَنِ المُرادُ بِهِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ الأرْواحَ وهم جَماعَةٌ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (رَبِّ) بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ: يا رَبِّ، وإنَّما ذَكَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَما يُخاطِبُ العَظِيمُ بِلَفْظِهِ فَيَقُولُ: فَعَلْنا وصَنَعْنا، وقالَ الشّاعِرُ:
فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ
ومَن يَقُولُ بِالأوَّلِ يَجْعَلُ ذِكْرَ الرَّبِّ لِلْقَسَمِ، فَكَأنَّهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ قالَ: بِحَقِّ الرَّبِّ ارْجِعُونِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ وقَدْ عَلِمُوا صِحَّةَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، ومِنَ الدِّينِ أنْ لا رَجْعَةَ؟ الجَوابُ: أنَّهُ وإنْ كانَ كَذَلِكَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْألُوهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ المسألة تَحْسُنُ وإنْ عَلِمَ أنَّهُ
صفحة ١٠٥
لا يَقَعُ، فَأمّا إرادَتُهُ لِلرَّجْعَةِ فَلا يَمْتَنِعُ أيْضًا عَلى سَبِيلِ ما يَفْعَلُهُ المُتَمَنِّي.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا﴾ أفَيَجُوزُ أنْ يَسْألَ الرَّجْعَةَ مَعَ الشَّكِّ؟ الجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ بِـ (لَعَلَّ) الشَّكَّ؛ فَإنَّهُ في هَذا الوَقْتِ باذِلٌ لِلْجُهْدِ في العَزْمِ عَلى الطّاعَةِ، إنْ أُعْطِيَ ما سَألَ، بَلْ هو مِثْلُ مَن قَصَّرَ في حَقِّ نَفْسِهِ وعَرَفَ سُوءَ عاقِبَةِ ذَلِكَ التَّقْصِيرِ فَيَقُولُ: مَكِّنُونِي مِنَ التَّدارُكِ لَعَلِّي أتَدارَكُ، فَيَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ مَعَ كَوْنِهِ جازِمًا بِأنَّهُ سَيَتَدارَكُ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّ الأمْرَ المُسْتَقْبَلَ إذا لَمْ يَعْرِفُوهُ أوْرَدُوا الكَلامَ المَوْضُوعَ لِلتَّرَجِّي والظَّنِّ دُونَ اليَقِينِ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨].
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (فِيما تَرَكْتُ )؟ الجَوابُ: قالَ بَعْضُهُمْ: فِيما خَلَّفْتُ مِنَ المالِ؛ لِيَصِيرَ عِنْدَ الرَّجْعَةِ مُؤَدِّيًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنهُ، والمَعْقُولُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرَكْتُ﴾ التَّرِكَةُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ أعْمَلُ صالِحًا فِيما قَصَّرْتُ فَيَدْخُلُ فِيهِ العِباداتُ البَدَنِيَّةُ والمالِيَّةُ والحُقُوقُ، وهَذا أقْرَبُ، كَأنَّهم تَمَنَّوُا الرَّجْعَةَ لِيُصْلِحُوا ما أفْسَدُوهُ، ويُطِيعُوا في كُلِّ ما عَصَوْا.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (كَلّا )؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ كالجَوابِ لَهم في المَنعِ مِمّا طَلَبُوا، كَما يُقالُ لِطالِبِ الأمْرِ المُسْتَبْعَدِ: هَيْهاتَ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”«إذا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: نُرْجِعُكَ إلى دارِ الدُّنْيا؟ فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ؟ لا بَلْ قُدُومًا عَلى اللَّهِ، وأمّا الكافِرُ فَيُقالُ لَهُ: نُرْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: ارْجِعُونِ. فَيُقالُ لَهُ: إلى أيِّ شَيْءٍ تَرْغَبُ؛ إلى جَمْعِ المالِ أوْ غَرْسِ الغِراسِ أوْ بِناءِ البُنْيانِ أوْ شَقِّ الأنْهارِ؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ، فَيَقُولُ الجَبّارُ: كَلّا» “ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الإخْبارِ بِأنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، وأنَّ هَذا الخَبَرَ حَقٌّ، فَكَأنَّهُ قالَ: حَقًّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها، والأقْرَبُ الأوَّلُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُخَلِّيها ولا يَسْكُتُ عَنْها؛ لِاسْتِيلاءِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّهُ قائِلُها وحْدَهُ ولا يُجابُ إلَيْها ولا يُسْمَعُ مِنهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فالبَرْزَخُ هو الحاجِزُ والمانِعُ، كَقَوْلِهِ في البَحْرَيْنِ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٠] أيْ: فَهَؤُلاءِ صائِرُونَ إلى حالَةٍ مانِعَةٍ مِنَ التَّلافِي حاجِزَةٍ عَنِ الِاجْتِماعِ وذَلِكَ هو المَوْتُ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم يَرْجِعُونَ يَوْمَ البَعْثِ، إنَّما هو إقْناطٌ كُلِّيٌّ لِما عُلِمَ أنَّهُ لا رَجْعَةَ يَوْمَ البَعْثِ إلّا إلى الآخِرَةِ.
المؤمنون 23:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أدَّبَ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ أتْبَعَهُ بِما بِهِ يَقْوى عَلى ذَلِكَ، وهو الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ مِن أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، والهَمَزاتُ جَمْعُ الهَمْزَةِ، وهو الدَّفْعُ والتَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ، وهو كالهَزِّ والأزِّ، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ، وهَمَزاتُهُ هو كَيْدُهُ بِالوَسْوَسَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ في الرَّسُولِ بِوَجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: بِالوَسْوَسَةِ، والآخَرُ بِأنْ يَبْعَثَ أعْداءَهُ عَلى إيذائِهِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَكِيدُهم بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن يَنْقَطِعُ إلى اللَّهِ تَعالى ويَسْألُهُ أنْ يُعِيذَهُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَذَكِّرًا مُتَيَقِّظًا فِيما يَأْتِي ويَذَرُ، فَيَكُونُ نَفْسُ هَذا الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى داعِيَةً إلى التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ وزاجِرًا عَنِ المَعْصِيَةِ، قالَ الحَسَنُ: «كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ بَعْدَ اسْتِفْتاحِ الصَّلاةِ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ثَلاثًا، اللَّهُ أكْبَرُ. ثَلاثًا، اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ هَمْزِهِ ونَفْثِهِ ونَفْخِهِ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما هَمْزُهُ؟ قالَ: المَوْتَةُ الَّتِي تَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ -أيْ: الجُنُونُ الَّذِي يَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ- قِيلَ: فَما نَفْثُهُ؟ قالَ: الشِّعْرُ. قِيلَ: فَما نَفْخُهُ؟ قالَ: الكِبْرُ“».
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَحْضُرُونِ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ؛ لِكَيْ يَكُونَ مُتَذَكِّرًا فَيَقِلَّ سَهْوُهُ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن نَفْسِ حُضُورِهِمْ؛ لِأنَّهُ الدّاعِي إلى وسْوَسَتِهِمْ، كَما يَقُولُ المَرْءُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن خُصُومَتِكَ، بَلْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِن لِقائِكَ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَدِ «اشْتَكى إلَيْهِ رَجُلٌ أرَقًا يَجِدُهُ فَقالَ: ”إذا أرَدْتَ النَّوْمَ فَقُلْ: أعُوذُ بِاللَّهِ وبِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ ومِن شَرِّ عِبادِهِ
صفحة ١٠٤
ومِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضُرُونِ» “.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ (حَتّى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَصِفُونَ) أيْ: لا يَزالُونَ عَلى سُوءِ الذِّكْرِ إلى هَذا الوَقْتِ، والآيَةُ فاصِلَةٌ بَيْنَهُما عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ، والتَّأْكِيدُ لِلْإغْضاءِ عَنْهم مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَلى الشَّيْطانِ أنْ يَسْتَزِلَّهُ عَنِ الحِلْمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقالَ: مَن لَمْ يُزَكِّ ولَمْ يَحُجَّ سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فَقالَ واحِدٌ: إنَّما يَسْألُ ذَلِكَ الكُفّارُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنا أقْرَأُ عَلَيْكَ بِهِ قُرْآنًا ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا حَضَرَ الإنْسانَ المَوْتُ جُمِعَ كُلُّ شَيْءٍ كانَ يَمْنَعُهُ مِن حَقِّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعِنْدَهُ يَقُولُ: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ» “ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ، إذا عَرَفَ المُؤْمِنُ مَنزِلَتَهُ في الجَنَّةِ، فَإذا شاهَدَها لا يَتَمَنّى أكْثَرَ مِنها، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ أدْوَنُهم ثَوابًا يَغْتَمُّ بِفَقْدِ ما يَفْقِدُ مِن مَنزِلَةِ غَيْرِهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ فَهو إخْبارٌ عَنْ حالِ الحَياةِ في الدُّنْيا لا عَنْ حالِ الثَّوابِ، فَلا يَلْزَمُ عَلى ما ذَكَرْنا.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في وقْتِ مَسْألَةِ الرَّجْعَةِ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يَسْألُ في حالِ المُعايَنَةِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَها يُضْطَرُّ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وإلى أنَّهُ كانَ عاصِيًا، ويَصِيرُ مُلْجَأً إلى أنَّهُ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ بِأنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ رامَهُ لَمُنِعَ مِنهُ، ومَن هَذا حالُهُ يَصِيرُ كالمَمْنُوعِ مِنَ القَبائِحِ بِهَذا الإلْجاءِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْألُ الرَّجْعَةَ، ويَقُولُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ النّارِ في الآخِرَةِ، ولَعَلَّ هَذا القائِلَ إنَّما تَرَكَ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ لِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ عَنْ أهْلِ النّارِ في الآخِرَةِ أنَّهم يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ، لَكِنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونُوا سائِلِينَ الرَّجْعَةَ في حالِ المُعايَنَةِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ فَعَلَّقَ قَوْلَهم هَذا بِحالِ حُضُورِ المَوْتِ، وهو حالُ المُعايِنَةِ، فَلا وجْهَ لِتَرْكِ هَذا الظّاهِرِ.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ارْجِعُونِ﴾ مَنِ المُرادُ بِهِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ الأرْواحَ وهم جَماعَةٌ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (رَبِّ) بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ: يا رَبِّ، وإنَّما ذَكَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَما يُخاطِبُ العَظِيمُ بِلَفْظِهِ فَيَقُولُ: فَعَلْنا وصَنَعْنا، وقالَ الشّاعِرُ:
فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ
ومَن يَقُولُ بِالأوَّلِ يَجْعَلُ ذِكْرَ الرَّبِّ لِلْقَسَمِ، فَكَأنَّهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ قالَ: بِحَقِّ الرَّبِّ ارْجِعُونِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ وقَدْ عَلِمُوا صِحَّةَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، ومِنَ الدِّينِ أنْ لا رَجْعَةَ؟ الجَوابُ: أنَّهُ وإنْ كانَ كَذَلِكَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْألُوهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ المسألة تَحْسُنُ وإنْ عَلِمَ أنَّهُ
صفحة ١٠٥
لا يَقَعُ، فَأمّا إرادَتُهُ لِلرَّجْعَةِ فَلا يَمْتَنِعُ أيْضًا عَلى سَبِيلِ ما يَفْعَلُهُ المُتَمَنِّي.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا﴾ أفَيَجُوزُ أنْ يَسْألَ الرَّجْعَةَ مَعَ الشَّكِّ؟ الجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ بِـ (لَعَلَّ) الشَّكَّ؛ فَإنَّهُ في هَذا الوَقْتِ باذِلٌ لِلْجُهْدِ في العَزْمِ عَلى الطّاعَةِ، إنْ أُعْطِيَ ما سَألَ، بَلْ هو مِثْلُ مَن قَصَّرَ في حَقِّ نَفْسِهِ وعَرَفَ سُوءَ عاقِبَةِ ذَلِكَ التَّقْصِيرِ فَيَقُولُ: مَكِّنُونِي مِنَ التَّدارُكِ لَعَلِّي أتَدارَكُ، فَيَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ مَعَ كَوْنِهِ جازِمًا بِأنَّهُ سَيَتَدارَكُ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّ الأمْرَ المُسْتَقْبَلَ إذا لَمْ يَعْرِفُوهُ أوْرَدُوا الكَلامَ المَوْضُوعَ لِلتَّرَجِّي والظَّنِّ دُونَ اليَقِينِ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨].
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (فِيما تَرَكْتُ )؟ الجَوابُ: قالَ بَعْضُهُمْ: فِيما خَلَّفْتُ مِنَ المالِ؛ لِيَصِيرَ عِنْدَ الرَّجْعَةِ مُؤَدِّيًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنهُ، والمَعْقُولُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرَكْتُ﴾ التَّرِكَةُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ أعْمَلُ صالِحًا فِيما قَصَّرْتُ فَيَدْخُلُ فِيهِ العِباداتُ البَدَنِيَّةُ والمالِيَّةُ والحُقُوقُ، وهَذا أقْرَبُ، كَأنَّهم تَمَنَّوُا الرَّجْعَةَ لِيُصْلِحُوا ما أفْسَدُوهُ، ويُطِيعُوا في كُلِّ ما عَصَوْا.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (كَلّا )؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ كالجَوابِ لَهم في المَنعِ مِمّا طَلَبُوا، كَما يُقالُ لِطالِبِ الأمْرِ المُسْتَبْعَدِ: هَيْهاتَ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”«إذا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: نُرْجِعُكَ إلى دارِ الدُّنْيا؟ فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ؟ لا بَلْ قُدُومًا عَلى اللَّهِ، وأمّا الكافِرُ فَيُقالُ لَهُ: نُرْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: ارْجِعُونِ. فَيُقالُ لَهُ: إلى أيِّ شَيْءٍ تَرْغَبُ؛ إلى جَمْعِ المالِ أوْ غَرْسِ الغِراسِ أوْ بِناءِ البُنْيانِ أوْ شَقِّ الأنْهارِ؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ، فَيَقُولُ الجَبّارُ: كَلّا» “ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الإخْبارِ بِأنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، وأنَّ هَذا الخَبَرَ حَقٌّ، فَكَأنَّهُ قالَ: حَقًّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها، والأقْرَبُ الأوَّلُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُخَلِّيها ولا يَسْكُتُ عَنْها؛ لِاسْتِيلاءِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّهُ قائِلُها وحْدَهُ ولا يُجابُ إلَيْها ولا يُسْمَعُ مِنهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فالبَرْزَخُ هو الحاجِزُ والمانِعُ، كَقَوْلِهِ في البَحْرَيْنِ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٠] أيْ: فَهَؤُلاءِ صائِرُونَ إلى حالَةٍ مانِعَةٍ مِنَ التَّلافِي حاجِزَةٍ عَنِ الِاجْتِماعِ وذَلِكَ هو المَوْتُ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم يَرْجِعُونَ يَوْمَ البَعْثِ، إنَّما هو إقْناطٌ كُلِّيٌّ لِما عُلِمَ أنَّهُ لا رَجْعَةَ يَوْمَ البَعْثِ إلّا إلى الآخِرَةِ.
المؤمنون 23:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أدَّبَ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ أتْبَعَهُ بِما بِهِ يَقْوى عَلى ذَلِكَ، وهو الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ مِن أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، والهَمَزاتُ جَمْعُ الهَمْزَةِ، وهو الدَّفْعُ والتَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ، وهو كالهَزِّ والأزِّ، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ، وهَمَزاتُهُ هو كَيْدُهُ بِالوَسْوَسَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ في الرَّسُولِ بِوَجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: بِالوَسْوَسَةِ، والآخَرُ بِأنْ يَبْعَثَ أعْداءَهُ عَلى إيذائِهِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَكِيدُهم بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن يَنْقَطِعُ إلى اللَّهِ تَعالى ويَسْألُهُ أنْ يُعِيذَهُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَذَكِّرًا مُتَيَقِّظًا فِيما يَأْتِي ويَذَرُ، فَيَكُونُ نَفْسُ هَذا الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى داعِيَةً إلى التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ وزاجِرًا عَنِ المَعْصِيَةِ، قالَ الحَسَنُ: «كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ بَعْدَ اسْتِفْتاحِ الصَّلاةِ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ثَلاثًا، اللَّهُ أكْبَرُ. ثَلاثًا، اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ هَمْزِهِ ونَفْثِهِ ونَفْخِهِ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما هَمْزُهُ؟ قالَ: المَوْتَةُ الَّتِي تَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ -أيْ: الجُنُونُ الَّذِي يَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ- قِيلَ: فَما نَفْثُهُ؟ قالَ: الشِّعْرُ. قِيلَ: فَما نَفْخُهُ؟ قالَ: الكِبْرُ“».
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَحْضُرُونِ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ؛ لِكَيْ يَكُونَ مُتَذَكِّرًا فَيَقِلَّ سَهْوُهُ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن نَفْسِ حُضُورِهِمْ؛ لِأنَّهُ الدّاعِي إلى وسْوَسَتِهِمْ، كَما يَقُولُ المَرْءُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن خُصُومَتِكَ، بَلْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِن لِقائِكَ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَدِ «اشْتَكى إلَيْهِ رَجُلٌ أرَقًا يَجِدُهُ فَقالَ: ”إذا أرَدْتَ النَّوْمَ فَقُلْ: أعُوذُ بِاللَّهِ وبِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ ومِن شَرِّ عِبادِهِ
صفحة ١٠٤
ومِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضُرُونِ» “.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ (حَتّى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَصِفُونَ) أيْ: لا يَزالُونَ عَلى سُوءِ الذِّكْرِ إلى هَذا الوَقْتِ، والآيَةُ فاصِلَةٌ بَيْنَهُما عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ، والتَّأْكِيدُ لِلْإغْضاءِ عَنْهم مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَلى الشَّيْطانِ أنْ يَسْتَزِلَّهُ عَنِ الحِلْمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقالَ: مَن لَمْ يُزَكِّ ولَمْ يَحُجَّ سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فَقالَ واحِدٌ: إنَّما يَسْألُ ذَلِكَ الكُفّارُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنا أقْرَأُ عَلَيْكَ بِهِ قُرْآنًا ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا حَضَرَ الإنْسانَ المَوْتُ جُمِعَ كُلُّ شَيْءٍ كانَ يَمْنَعُهُ مِن حَقِّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعِنْدَهُ يَقُولُ: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ» “ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ، إذا عَرَفَ المُؤْمِنُ مَنزِلَتَهُ في الجَنَّةِ، فَإذا شاهَدَها لا يَتَمَنّى أكْثَرَ مِنها، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ أدْوَنُهم ثَوابًا يَغْتَمُّ بِفَقْدِ ما يَفْقِدُ مِن مَنزِلَةِ غَيْرِهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ فَهو إخْبارٌ عَنْ حالِ الحَياةِ في الدُّنْيا لا عَنْ حالِ الثَّوابِ، فَلا يَلْزَمُ عَلى ما ذَكَرْنا.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في وقْتِ مَسْألَةِ الرَّجْعَةِ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يَسْألُ في حالِ المُعايَنَةِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَها يُضْطَرُّ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وإلى أنَّهُ كانَ عاصِيًا، ويَصِيرُ مُلْجَأً إلى أنَّهُ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ بِأنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ رامَهُ لَمُنِعَ مِنهُ، ومَن هَذا حالُهُ يَصِيرُ كالمَمْنُوعِ مِنَ القَبائِحِ بِهَذا الإلْجاءِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْألُ الرَّجْعَةَ، ويَقُولُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ النّارِ في الآخِرَةِ، ولَعَلَّ هَذا القائِلَ إنَّما تَرَكَ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ لِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ عَنْ أهْلِ النّارِ في الآخِرَةِ أنَّهم يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ، لَكِنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونُوا سائِلِينَ الرَّجْعَةَ في حالِ المُعايَنَةِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ فَعَلَّقَ قَوْلَهم هَذا بِحالِ حُضُورِ المَوْتِ، وهو حالُ المُعايِنَةِ، فَلا وجْهَ لِتَرْكِ هَذا الظّاهِرِ.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ارْجِعُونِ﴾ مَنِ المُرادُ بِهِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ الأرْواحَ وهم جَماعَةٌ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (رَبِّ) بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ: يا رَبِّ، وإنَّما ذَكَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَما يُخاطِبُ العَظِيمُ بِلَفْظِهِ فَيَقُولُ: فَعَلْنا وصَنَعْنا، وقالَ الشّاعِرُ:
فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ
ومَن يَقُولُ بِالأوَّلِ يَجْعَلُ ذِكْرَ الرَّبِّ لِلْقَسَمِ، فَكَأنَّهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ قالَ: بِحَقِّ الرَّبِّ ارْجِعُونِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ وقَدْ عَلِمُوا صِحَّةَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، ومِنَ الدِّينِ أنْ لا رَجْعَةَ؟ الجَوابُ: أنَّهُ وإنْ كانَ كَذَلِكَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْألُوهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ المسألة تَحْسُنُ وإنْ عَلِمَ أنَّهُ
صفحة ١٠٥
لا يَقَعُ، فَأمّا إرادَتُهُ لِلرَّجْعَةِ فَلا يَمْتَنِعُ أيْضًا عَلى سَبِيلِ ما يَفْعَلُهُ المُتَمَنِّي.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا﴾ أفَيَجُوزُ أنْ يَسْألَ الرَّجْعَةَ مَعَ الشَّكِّ؟ الجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ بِـ (لَعَلَّ) الشَّكَّ؛ فَإنَّهُ في هَذا الوَقْتِ باذِلٌ لِلْجُهْدِ في العَزْمِ عَلى الطّاعَةِ، إنْ أُعْطِيَ ما سَألَ، بَلْ هو مِثْلُ مَن قَصَّرَ في حَقِّ نَفْسِهِ وعَرَفَ سُوءَ عاقِبَةِ ذَلِكَ التَّقْصِيرِ فَيَقُولُ: مَكِّنُونِي مِنَ التَّدارُكِ لَعَلِّي أتَدارَكُ، فَيَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ مَعَ كَوْنِهِ جازِمًا بِأنَّهُ سَيَتَدارَكُ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّ الأمْرَ المُسْتَقْبَلَ إذا لَمْ يَعْرِفُوهُ أوْرَدُوا الكَلامَ المَوْضُوعَ لِلتَّرَجِّي والظَّنِّ دُونَ اليَقِينِ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨].
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (فِيما تَرَكْتُ )؟ الجَوابُ: قالَ بَعْضُهُمْ: فِيما خَلَّفْتُ مِنَ المالِ؛ لِيَصِيرَ عِنْدَ الرَّجْعَةِ مُؤَدِّيًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنهُ، والمَعْقُولُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرَكْتُ﴾ التَّرِكَةُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ أعْمَلُ صالِحًا فِيما قَصَّرْتُ فَيَدْخُلُ فِيهِ العِباداتُ البَدَنِيَّةُ والمالِيَّةُ والحُقُوقُ، وهَذا أقْرَبُ، كَأنَّهم تَمَنَّوُا الرَّجْعَةَ لِيُصْلِحُوا ما أفْسَدُوهُ، ويُطِيعُوا في كُلِّ ما عَصَوْا.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (كَلّا )؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ كالجَوابِ لَهم في المَنعِ مِمّا طَلَبُوا، كَما يُقالُ لِطالِبِ الأمْرِ المُسْتَبْعَدِ: هَيْهاتَ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”«إذا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: نُرْجِعُكَ إلى دارِ الدُّنْيا؟ فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ؟ لا بَلْ قُدُومًا عَلى اللَّهِ، وأمّا الكافِرُ فَيُقالُ لَهُ: نُرْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: ارْجِعُونِ. فَيُقالُ لَهُ: إلى أيِّ شَيْءٍ تَرْغَبُ؛ إلى جَمْعِ المالِ أوْ غَرْسِ الغِراسِ أوْ بِناءِ البُنْيانِ أوْ شَقِّ الأنْهارِ؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ، فَيَقُولُ الجَبّارُ: كَلّا» “ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الإخْبارِ بِأنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، وأنَّ هَذا الخَبَرَ حَقٌّ، فَكَأنَّهُ قالَ: حَقًّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها، والأقْرَبُ الأوَّلُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُخَلِّيها ولا يَسْكُتُ عَنْها؛ لِاسْتِيلاءِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّهُ قائِلُها وحْدَهُ ولا يُجابُ إلَيْها ولا يُسْمَعُ مِنهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فالبَرْزَخُ هو الحاجِزُ والمانِعُ، كَقَوْلِهِ في البَحْرَيْنِ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٠] أيْ: فَهَؤُلاءِ صائِرُونَ إلى حالَةٍ مانِعَةٍ مِنَ التَّلافِي حاجِزَةٍ عَنِ الِاجْتِماعِ وذَلِكَ هو المَوْتُ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم يَرْجِعُونَ يَوْمَ البَعْثِ، إنَّما هو إقْناطٌ كُلِّيٌّ لِما عُلِمَ أنَّهُ لا رَجْعَةَ يَوْمَ البَعْثِ إلّا إلى الآخِرَةِ.
المؤمنون 23:101
صفحة ١٠٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ذَكَرَ أحْوالَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، أحَدُها: أنَّ الصُّورَ آلَةٌ إذا نُفِخَ فِيها يَظْهَرُ صَوْتٌ عَظِيمٌ، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلامَةً لِخَرابِ الدُّنْيا ولِإعادَةِ الأمْواتِ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّورِ مَجْمُوعُ الصُّوَرِ، والمَعْنى: فَإذا نُفِخَ في الصُّوَرِ أرْواحُها. وهو قَوْلُ الحَسَنِ، فَكانَ يَقْرَأُ بِفَتْحِ الواوِ، والفَتْحُ والكَسْرُ عَنْ أبِي رَزِينٍ، وهو حُجَّةٌ لِمَن فَسَّرَ الصُّورَ بِجَمْعِ صُورَةٍ. وثالِثُها: أنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ مِنهُ البَعْثُ والحَشْرُ، والأوَّلُ أوْلى لِلْخَبَرِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ نَفْخَ الرُّوحِ والإحْياءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَكَرَّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أعادَهم فالأنْسابُ ثابِتَةٌ؛ لِأنَّ المُعادَ هو الوَلَدُ والوالِدُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ النَّسَبِ في الحَقِيقَةِ بَلِ المُرادُ نَفْيُ حُكْمِهِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ مِن حَقِّ النَّسَبِ أنْ يَقَعَ بِهِ التَّعاطُفُ والتَّراحُمُ كَما يُقالُ في الدُّنْيا: أسْألُكَ بِاللَّهِ والرَّحِمِ أنْ تَفْعَلَ كَذا. فَنَفى سُبْحانَهُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ النّارِ يَكُونُ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الِالتِفاتِ إلى النَّسَبِ، وهَكَذا الحالُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الرَّجُلَ مَتى وقَعَ في الأمْرِ العَظِيمِ مِنَ الآلامِ يَنْسى ولَدَهُ ووالِدَهُ.
وثانِيها: أنَّ مِن حَقِّ النَّسَبِ أنْ يَحْصُلَ بِهِ التَّفاخُرُ في الدُّنْيا، وأنْ يَسْألَ بَعْضُهم عَنْ كَيْفِيَّةِ نَسَبِ البَعْضِ، وفي الآخِرَةِ لا يَتَفَرَّغُونَ لِذَلِكَ.
وثالِثُها: أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ اسْتِعارَةً عَنِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ فَكُلُّ امْرِئٍ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ عَنْ بَنِيهِ وأخِيهِ وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، فَكَيْفَ بِسائِرِ الأُمُورِ؟! قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُؤْخَذُ العَبْدُ والأمَةُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ويُنادِي مُنادٍ: ألا إنَّ هَذا فُلانٌ، فَمَن لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إلى حَقِّهِ، فَتَفْرَحُ المَرْأةُ حِينَئِذٍ أنْ يَثْبُتَ لَها حَقٌّ عَلى أُمِّها أوْ أُخْتِها أوْ أبِيها أوْ أخِيها أوِ ابْنِها أوْ زَوْجِها ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ .
وعَنْ قَتادَةَ: لا شَيْءَ أبْغَضُ إلى الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنْ يَرى مَن يَعْرِفُهُ مَخافَةَ أنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ تَلا ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] وعَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أما نَتَعارَفُ يَوْمَ القِيامَةِ، أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ثَلاثُ مَواطِنَ تَذْهَلُ فِيها كُلُّ نَفْسٍ: حِينَ يُرْمى إلى كُلِّ إنْسانٍ كِتابُهُ، وعِنْدَ المَوازِينِ، وعَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» “ وطَعَنَ بَعْضُ المُلْحِدَةِ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] يُناقِضُ قَوْلَهُ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٧] وقَوْلَهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يُونُسَ: ٤٥]. الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ فَفِيهِ أزْمِنَةٌ وأحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ فَيَتَعارَفُونَ ويَتَساءَلُونَ في بَعْضِها، ويَتَحَيَّرُونَ في بَعْضِها لِشِدَّةِ الفَزَعِ.
وثانِيها: أنَّهُ إذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ شُغِلُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنِ التَّساؤُلِ، فَإذا نُفِخَ فِيهِ أُخْرى أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ وقالُوا: ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢].
وثالِثُها: المُرادُ: لا يَتَساءَلُونَ بِحُقُوقِ النَّسَبِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَتَساءَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْكُفّارِ وذَلِكَ لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ.
صفحة ١٠٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٥٠] فَهو صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ بَيَّنَ أنَّ بَعْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ تَكُونُ المُحاسَبَةُ، وشَرْحُ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وقِيلَ: لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَيْسَ في الآخِرَةِ إلّا ثِقَلُ المَوازِينِ وخِفَّتُها، وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُكَلَّفٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ الفَلاحِ أوْ مِن أهْلِ النّارِ، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ فِيهِمْ مَن لا يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ والعِقابَ أوْ مَن يَتَساوى لَهُ الثَّوابُ والعِقابُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ شَرَحَ حالَ السُّعَداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وفي المَوازِينِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مِنَ العَدْلِ.
وثانِيها: أنَّ المَوازِينَ هي الأعْمالُ الحَسَنَةُ فَمَن أتى بِما لَهُ قَدْرٌ وخَطَرٌ فَهو الفائِزُ الظّافِرُ، ومَن أتى بِما لا وزْنَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النُّورِ: ٣٩] فَهو خالِدٌ في جَهَنَّمَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَوازِينُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهي المَوْزُوناتُ مِنَ الأعْمالِ، أيِ: الصّالِحاتِ الَّتِي لَها وزْنٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٥] أيْ قَدْرًا.
وثالِثُها: أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ يُوزَنُ فِيهِ الحَسَناتُ في أحْسَنِ صُورَةٍ، والسَّيِّئاتُ في أقْبَحِ صُورَةٍ، فَمَن ثَقُلَتْ حَسَناتُهُ سِيقَ إلى الجَنَّةِ ومَن ثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ فَإلى النّارِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وأمّا الأشْقِياءُ فَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: غُبِنُوها بِأنْ صارَتْ مَنازِلُهم لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: امْتَنَعَ انْتِفاعُهم بِأنْفُسِهِمْ لِكَوْنِهِمْ في العَذابِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ودَلالَتُهُ عَلى خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ بَيِّنَةٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ“ بَدَلٌ مِن ”خَسِرُوا أنْفُسَهم“ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِأُولَئِكَ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وثالِثُها قَوْلُهُ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أيْ تَضْرِبُ وتَأْكُلُ لُحُومَهم وجُلُودَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: اللَّفْحُ والنَّفْخُ واحِدٌ إلّا أنَّ اللَّفْحَ أشَدُّ تَأْثِيرًا.
ورابِعُها قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها كالِحُونَ﴾ والكُلُوحُ أنْ تَتَقَلَّصَ الشَّفَتانِ ويَتَباعَدا عَنِ الأسْنانِ، كَما تَرى الرُّءُوسَ المَشْوِيَّةَ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«تَشْوِيهِ النّارُ فَتَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ العُلْيا حَتّى تَبْلُغَ وسَطَ رَأْسِهِ، وتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلى حَتّى تَبْلُغَ سُرَّتَهُ» “، وقُرِئَ ”كَلِحُونَ“، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ عَذابَهَمْ، حَكى ما يُقالُ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّكم كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِها مَعَ وُضُوحِها، فَلا جَرَمَ صِرْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، ولَوْ كانَ فِعْلُ العِبادِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما صَحَّ ذَلِكَ. والجَوابُ: أنَّ القادِرَ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ إنْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ لا لِمُرَجِّحٍ البَتَّةَ كانَ صُدُورُها عَنْهُ اتِّفاقِيًّا لا اخْتِيارِيًّا، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ العِقابَ، وإنْ كانَ لِمُرَجِّحٍ، فَذاكَ المُرَجِّحُ لَيْسَ مِن فِعْلِهِ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ صُدُورُ تِلْكَ الطّاعَةِ عَنْهُ اضْطِرارِيًّا لا اخْتِيارِيًّا، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الثَّوابَ.
المؤمنون 23:102
صفحة ١٠٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ذَكَرَ أحْوالَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، أحَدُها: أنَّ الصُّورَ آلَةٌ إذا نُفِخَ فِيها يَظْهَرُ صَوْتٌ عَظِيمٌ، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلامَةً لِخَرابِ الدُّنْيا ولِإعادَةِ الأمْواتِ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّورِ مَجْمُوعُ الصُّوَرِ، والمَعْنى: فَإذا نُفِخَ في الصُّوَرِ أرْواحُها. وهو قَوْلُ الحَسَنِ، فَكانَ يَقْرَأُ بِفَتْحِ الواوِ، والفَتْحُ والكَسْرُ عَنْ أبِي رَزِينٍ، وهو حُجَّةٌ لِمَن فَسَّرَ الصُّورَ بِجَمْعِ صُورَةٍ. وثالِثُها: أنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ مِنهُ البَعْثُ والحَشْرُ، والأوَّلُ أوْلى لِلْخَبَرِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ نَفْخَ الرُّوحِ والإحْياءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَكَرَّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أعادَهم فالأنْسابُ ثابِتَةٌ؛ لِأنَّ المُعادَ هو الوَلَدُ والوالِدُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ النَّسَبِ في الحَقِيقَةِ بَلِ المُرادُ نَفْيُ حُكْمِهِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ مِن حَقِّ النَّسَبِ أنْ يَقَعَ بِهِ التَّعاطُفُ والتَّراحُمُ كَما يُقالُ في الدُّنْيا: أسْألُكَ بِاللَّهِ والرَّحِمِ أنْ تَفْعَلَ كَذا. فَنَفى سُبْحانَهُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ النّارِ يَكُونُ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الِالتِفاتِ إلى النَّسَبِ، وهَكَذا الحالُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الرَّجُلَ مَتى وقَعَ في الأمْرِ العَظِيمِ مِنَ الآلامِ يَنْسى ولَدَهُ ووالِدَهُ.
وثانِيها: أنَّ مِن حَقِّ النَّسَبِ أنْ يَحْصُلَ بِهِ التَّفاخُرُ في الدُّنْيا، وأنْ يَسْألَ بَعْضُهم عَنْ كَيْفِيَّةِ نَسَبِ البَعْضِ، وفي الآخِرَةِ لا يَتَفَرَّغُونَ لِذَلِكَ.
وثالِثُها: أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ اسْتِعارَةً عَنِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ فَكُلُّ امْرِئٍ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ عَنْ بَنِيهِ وأخِيهِ وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، فَكَيْفَ بِسائِرِ الأُمُورِ؟! قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُؤْخَذُ العَبْدُ والأمَةُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ويُنادِي مُنادٍ: ألا إنَّ هَذا فُلانٌ، فَمَن لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إلى حَقِّهِ، فَتَفْرَحُ المَرْأةُ حِينَئِذٍ أنْ يَثْبُتَ لَها حَقٌّ عَلى أُمِّها أوْ أُخْتِها أوْ أبِيها أوْ أخِيها أوِ ابْنِها أوْ زَوْجِها ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ .
وعَنْ قَتادَةَ: لا شَيْءَ أبْغَضُ إلى الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنْ يَرى مَن يَعْرِفُهُ مَخافَةَ أنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ تَلا ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] وعَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أما نَتَعارَفُ يَوْمَ القِيامَةِ، أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ثَلاثُ مَواطِنَ تَذْهَلُ فِيها كُلُّ نَفْسٍ: حِينَ يُرْمى إلى كُلِّ إنْسانٍ كِتابُهُ، وعِنْدَ المَوازِينِ، وعَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» “ وطَعَنَ بَعْضُ المُلْحِدَةِ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] يُناقِضُ قَوْلَهُ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٧] وقَوْلَهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يُونُسَ: ٤٥]. الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ فَفِيهِ أزْمِنَةٌ وأحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ فَيَتَعارَفُونَ ويَتَساءَلُونَ في بَعْضِها، ويَتَحَيَّرُونَ في بَعْضِها لِشِدَّةِ الفَزَعِ.
وثانِيها: أنَّهُ إذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ شُغِلُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنِ التَّساؤُلِ، فَإذا نُفِخَ فِيهِ أُخْرى أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ وقالُوا: ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢].
وثالِثُها: المُرادُ: لا يَتَساءَلُونَ بِحُقُوقِ النَّسَبِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَتَساءَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْكُفّارِ وذَلِكَ لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ.
صفحة ١٠٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٥٠] فَهو صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ بَيَّنَ أنَّ بَعْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ تَكُونُ المُحاسَبَةُ، وشَرْحُ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وقِيلَ: لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَيْسَ في الآخِرَةِ إلّا ثِقَلُ المَوازِينِ وخِفَّتُها، وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُكَلَّفٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ الفَلاحِ أوْ مِن أهْلِ النّارِ، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ فِيهِمْ مَن لا يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ والعِقابَ أوْ مَن يَتَساوى لَهُ الثَّوابُ والعِقابُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ شَرَحَ حالَ السُّعَداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وفي المَوازِينِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مِنَ العَدْلِ.
وثانِيها: أنَّ المَوازِينَ هي الأعْمالُ الحَسَنَةُ فَمَن أتى بِما لَهُ قَدْرٌ وخَطَرٌ فَهو الفائِزُ الظّافِرُ، ومَن أتى بِما لا وزْنَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النُّورِ: ٣٩] فَهو خالِدٌ في جَهَنَّمَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَوازِينُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهي المَوْزُوناتُ مِنَ الأعْمالِ، أيِ: الصّالِحاتِ الَّتِي لَها وزْنٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٥] أيْ قَدْرًا.
وثالِثُها: أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ يُوزَنُ فِيهِ الحَسَناتُ في أحْسَنِ صُورَةٍ، والسَّيِّئاتُ في أقْبَحِ صُورَةٍ، فَمَن ثَقُلَتْ حَسَناتُهُ سِيقَ إلى الجَنَّةِ ومَن ثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ فَإلى النّارِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وأمّا الأشْقِياءُ فَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: غُبِنُوها بِأنْ صارَتْ مَنازِلُهم لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: امْتَنَعَ انْتِفاعُهم بِأنْفُسِهِمْ لِكَوْنِهِمْ في العَذابِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ودَلالَتُهُ عَلى خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ بَيِّنَةٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ“ بَدَلٌ مِن ”خَسِرُوا أنْفُسَهم“ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِأُولَئِكَ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وثالِثُها قَوْلُهُ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أيْ تَضْرِبُ وتَأْكُلُ لُحُومَهم وجُلُودَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: اللَّفْحُ والنَّفْخُ واحِدٌ إلّا أنَّ اللَّفْحَ أشَدُّ تَأْثِيرًا.
ورابِعُها قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها كالِحُونَ﴾ والكُلُوحُ أنْ تَتَقَلَّصَ الشَّفَتانِ ويَتَباعَدا عَنِ الأسْنانِ، كَما تَرى الرُّءُوسَ المَشْوِيَّةَ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«تَشْوِيهِ النّارُ فَتَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ العُلْيا حَتّى تَبْلُغَ وسَطَ رَأْسِهِ، وتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلى حَتّى تَبْلُغَ سُرَّتَهُ» “، وقُرِئَ ”كَلِحُونَ“، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ عَذابَهَمْ، حَكى ما يُقالُ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّكم كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِها مَعَ وُضُوحِها، فَلا جَرَمَ صِرْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، ولَوْ كانَ فِعْلُ العِبادِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما صَحَّ ذَلِكَ. والجَوابُ: أنَّ القادِرَ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ إنْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ لا لِمُرَجِّحٍ البَتَّةَ كانَ صُدُورُها عَنْهُ اتِّفاقِيًّا لا اخْتِيارِيًّا، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ العِقابَ، وإنْ كانَ لِمُرَجِّحٍ، فَذاكَ المُرَجِّحُ لَيْسَ مِن فِعْلِهِ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ صُدُورُ تِلْكَ الطّاعَةِ عَنْهُ اضْطِرارِيًّا لا اخْتِيارِيًّا، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الثَّوابَ.
المؤمنون 23:103
صفحة ١٠٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ذَكَرَ أحْوالَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، أحَدُها: أنَّ الصُّورَ آلَةٌ إذا نُفِخَ فِيها يَظْهَرُ صَوْتٌ عَظِيمٌ، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلامَةً لِخَرابِ الدُّنْيا ولِإعادَةِ الأمْواتِ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّورِ مَجْمُوعُ الصُّوَرِ، والمَعْنى: فَإذا نُفِخَ في الصُّوَرِ أرْواحُها. وهو قَوْلُ الحَسَنِ، فَكانَ يَقْرَأُ بِفَتْحِ الواوِ، والفَتْحُ والكَسْرُ عَنْ أبِي رَزِينٍ، وهو حُجَّةٌ لِمَن فَسَّرَ الصُّورَ بِجَمْعِ صُورَةٍ. وثالِثُها: أنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ مِنهُ البَعْثُ والحَشْرُ، والأوَّلُ أوْلى لِلْخَبَرِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ نَفْخَ الرُّوحِ والإحْياءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَكَرَّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أعادَهم فالأنْسابُ ثابِتَةٌ؛ لِأنَّ المُعادَ هو الوَلَدُ والوالِدُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ النَّسَبِ في الحَقِيقَةِ بَلِ المُرادُ نَفْيُ حُكْمِهِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ مِن حَقِّ النَّسَبِ أنْ يَقَعَ بِهِ التَّعاطُفُ والتَّراحُمُ كَما يُقالُ في الدُّنْيا: أسْألُكَ بِاللَّهِ والرَّحِمِ أنْ تَفْعَلَ كَذا. فَنَفى سُبْحانَهُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ النّارِ يَكُونُ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الِالتِفاتِ إلى النَّسَبِ، وهَكَذا الحالُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الرَّجُلَ مَتى وقَعَ في الأمْرِ العَظِيمِ مِنَ الآلامِ يَنْسى ولَدَهُ ووالِدَهُ.
وثانِيها: أنَّ مِن حَقِّ النَّسَبِ أنْ يَحْصُلَ بِهِ التَّفاخُرُ في الدُّنْيا، وأنْ يَسْألَ بَعْضُهم عَنْ كَيْفِيَّةِ نَسَبِ البَعْضِ، وفي الآخِرَةِ لا يَتَفَرَّغُونَ لِذَلِكَ.
وثالِثُها: أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ اسْتِعارَةً عَنِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ فَكُلُّ امْرِئٍ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ عَنْ بَنِيهِ وأخِيهِ وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، فَكَيْفَ بِسائِرِ الأُمُورِ؟! قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُؤْخَذُ العَبْدُ والأمَةُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ويُنادِي مُنادٍ: ألا إنَّ هَذا فُلانٌ، فَمَن لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إلى حَقِّهِ، فَتَفْرَحُ المَرْأةُ حِينَئِذٍ أنْ يَثْبُتَ لَها حَقٌّ عَلى أُمِّها أوْ أُخْتِها أوْ أبِيها أوْ أخِيها أوِ ابْنِها أوْ زَوْجِها ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ .
وعَنْ قَتادَةَ: لا شَيْءَ أبْغَضُ إلى الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنْ يَرى مَن يَعْرِفُهُ مَخافَةَ أنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ تَلا ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] وعَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أما نَتَعارَفُ يَوْمَ القِيامَةِ، أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ثَلاثُ مَواطِنَ تَذْهَلُ فِيها كُلُّ نَفْسٍ: حِينَ يُرْمى إلى كُلِّ إنْسانٍ كِتابُهُ، وعِنْدَ المَوازِينِ، وعَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» “ وطَعَنَ بَعْضُ المُلْحِدَةِ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] يُناقِضُ قَوْلَهُ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٧] وقَوْلَهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يُونُسَ: ٤٥]. الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ فَفِيهِ أزْمِنَةٌ وأحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ فَيَتَعارَفُونَ ويَتَساءَلُونَ في بَعْضِها، ويَتَحَيَّرُونَ في بَعْضِها لِشِدَّةِ الفَزَعِ.
وثانِيها: أنَّهُ إذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ شُغِلُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنِ التَّساؤُلِ، فَإذا نُفِخَ فِيهِ أُخْرى أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ وقالُوا: ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢].
وثالِثُها: المُرادُ: لا يَتَساءَلُونَ بِحُقُوقِ النَّسَبِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَتَساءَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْكُفّارِ وذَلِكَ لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ.
صفحة ١٠٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٥٠] فَهو صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ بَيَّنَ أنَّ بَعْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ تَكُونُ المُحاسَبَةُ، وشَرْحُ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وقِيلَ: لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَيْسَ في الآخِرَةِ إلّا ثِقَلُ المَوازِينِ وخِفَّتُها، وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُكَلَّفٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ الفَلاحِ أوْ مِن أهْلِ النّارِ، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ فِيهِمْ مَن لا يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ والعِقابَ أوْ مَن يَتَساوى لَهُ الثَّوابُ والعِقابُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ شَرَحَ حالَ السُّعَداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وفي المَوازِينِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مِنَ العَدْلِ.
وثانِيها: أنَّ المَوازِينَ هي الأعْمالُ الحَسَنَةُ فَمَن أتى بِما لَهُ قَدْرٌ وخَطَرٌ فَهو الفائِزُ الظّافِرُ، ومَن أتى بِما لا وزْنَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النُّورِ: ٣٩] فَهو خالِدٌ في جَهَنَّمَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَوازِينُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهي المَوْزُوناتُ مِنَ الأعْمالِ، أيِ: الصّالِحاتِ الَّتِي لَها وزْنٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٥] أيْ قَدْرًا.
وثالِثُها: أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ يُوزَنُ فِيهِ الحَسَناتُ في أحْسَنِ صُورَةٍ، والسَّيِّئاتُ في أقْبَحِ صُورَةٍ، فَمَن ثَقُلَتْ حَسَناتُهُ سِيقَ إلى الجَنَّةِ ومَن ثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ فَإلى النّارِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وأمّا الأشْقِياءُ فَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: غُبِنُوها بِأنْ صارَتْ مَنازِلُهم لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: امْتَنَعَ انْتِفاعُهم بِأنْفُسِهِمْ لِكَوْنِهِمْ في العَذابِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ودَلالَتُهُ عَلى خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ بَيِّنَةٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ“ بَدَلٌ مِن ”خَسِرُوا أنْفُسَهم“ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِأُولَئِكَ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وثالِثُها قَوْلُهُ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أيْ تَضْرِبُ وتَأْكُلُ لُحُومَهم وجُلُودَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: اللَّفْحُ والنَّفْخُ واحِدٌ إلّا أنَّ اللَّفْحَ أشَدُّ تَأْثِيرًا.
ورابِعُها قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها كالِحُونَ﴾ والكُلُوحُ أنْ تَتَقَلَّصَ الشَّفَتانِ ويَتَباعَدا عَنِ الأسْنانِ، كَما تَرى الرُّءُوسَ المَشْوِيَّةَ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«تَشْوِيهِ النّارُ فَتَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ العُلْيا حَتّى تَبْلُغَ وسَطَ رَأْسِهِ، وتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلى حَتّى تَبْلُغَ سُرَّتَهُ» “، وقُرِئَ ”كَلِحُونَ“، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ عَذابَهَمْ، حَكى ما يُقالُ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّكم كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِها مَعَ وُضُوحِها، فَلا جَرَمَ صِرْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، ولَوْ كانَ فِعْلُ العِبادِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما صَحَّ ذَلِكَ. والجَوابُ: أنَّ القادِرَ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ إنْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ لا لِمُرَجِّحٍ البَتَّةَ كانَ صُدُورُها عَنْهُ اتِّفاقِيًّا لا اخْتِيارِيًّا، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ العِقابَ، وإنْ كانَ لِمُرَجِّحٍ، فَذاكَ المُرَجِّحُ لَيْسَ مِن فِعْلِهِ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ صُدُورُ تِلْكَ الطّاعَةِ عَنْهُ اضْطِرارِيًّا لا اخْتِيارِيًّا، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الثَّوابَ.
المؤمنون 23:104
صفحة ١٠٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ذَكَرَ أحْوالَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، أحَدُها: أنَّ الصُّورَ آلَةٌ إذا نُفِخَ فِيها يَظْهَرُ صَوْتٌ عَظِيمٌ، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلامَةً لِخَرابِ الدُّنْيا ولِإعادَةِ الأمْواتِ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّورِ مَجْمُوعُ الصُّوَرِ، والمَعْنى: فَإذا نُفِخَ في الصُّوَرِ أرْواحُها. وهو قَوْلُ الحَسَنِ، فَكانَ يَقْرَأُ بِفَتْحِ الواوِ، والفَتْحُ والكَسْرُ عَنْ أبِي رَزِينٍ، وهو حُجَّةٌ لِمَن فَسَّرَ الصُّورَ بِجَمْعِ صُورَةٍ. وثالِثُها: أنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ مِنهُ البَعْثُ والحَشْرُ، والأوَّلُ أوْلى لِلْخَبَرِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ نَفْخَ الرُّوحِ والإحْياءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَكَرَّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أعادَهم فالأنْسابُ ثابِتَةٌ؛ لِأنَّ المُعادَ هو الوَلَدُ والوالِدُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ النَّسَبِ في الحَقِيقَةِ بَلِ المُرادُ نَفْيُ حُكْمِهِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ مِن حَقِّ النَّسَبِ أنْ يَقَعَ بِهِ التَّعاطُفُ والتَّراحُمُ كَما يُقالُ في الدُّنْيا: أسْألُكَ بِاللَّهِ والرَّحِمِ أنْ تَفْعَلَ كَذا. فَنَفى سُبْحانَهُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ النّارِ يَكُونُ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الِالتِفاتِ إلى النَّسَبِ، وهَكَذا الحالُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الرَّجُلَ مَتى وقَعَ في الأمْرِ العَظِيمِ مِنَ الآلامِ يَنْسى ولَدَهُ ووالِدَهُ.
وثانِيها: أنَّ مِن حَقِّ النَّسَبِ أنْ يَحْصُلَ بِهِ التَّفاخُرُ في الدُّنْيا، وأنْ يَسْألَ بَعْضُهم عَنْ كَيْفِيَّةِ نَسَبِ البَعْضِ، وفي الآخِرَةِ لا يَتَفَرَّغُونَ لِذَلِكَ.
وثالِثُها: أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ اسْتِعارَةً عَنِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ فَكُلُّ امْرِئٍ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ عَنْ بَنِيهِ وأخِيهِ وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، فَكَيْفَ بِسائِرِ الأُمُورِ؟! قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُؤْخَذُ العَبْدُ والأمَةُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ويُنادِي مُنادٍ: ألا إنَّ هَذا فُلانٌ، فَمَن لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إلى حَقِّهِ، فَتَفْرَحُ المَرْأةُ حِينَئِذٍ أنْ يَثْبُتَ لَها حَقٌّ عَلى أُمِّها أوْ أُخْتِها أوْ أبِيها أوْ أخِيها أوِ ابْنِها أوْ زَوْجِها ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ .
وعَنْ قَتادَةَ: لا شَيْءَ أبْغَضُ إلى الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنْ يَرى مَن يَعْرِفُهُ مَخافَةَ أنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ تَلا ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] وعَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أما نَتَعارَفُ يَوْمَ القِيامَةِ، أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ثَلاثُ مَواطِنَ تَذْهَلُ فِيها كُلُّ نَفْسٍ: حِينَ يُرْمى إلى كُلِّ إنْسانٍ كِتابُهُ، وعِنْدَ المَوازِينِ، وعَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» “ وطَعَنَ بَعْضُ المُلْحِدَةِ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] يُناقِضُ قَوْلَهُ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٧] وقَوْلَهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يُونُسَ: ٤٥]. الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ فَفِيهِ أزْمِنَةٌ وأحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ فَيَتَعارَفُونَ ويَتَساءَلُونَ في بَعْضِها، ويَتَحَيَّرُونَ في بَعْضِها لِشِدَّةِ الفَزَعِ.
وثانِيها: أنَّهُ إذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ شُغِلُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنِ التَّساؤُلِ، فَإذا نُفِخَ فِيهِ أُخْرى أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ وقالُوا: ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢].
وثالِثُها: المُرادُ: لا يَتَساءَلُونَ بِحُقُوقِ النَّسَبِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَتَساءَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْكُفّارِ وذَلِكَ لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ.
صفحة ١٠٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٥٠] فَهو صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ بَيَّنَ أنَّ بَعْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ تَكُونُ المُحاسَبَةُ، وشَرْحُ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وقِيلَ: لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَيْسَ في الآخِرَةِ إلّا ثِقَلُ المَوازِينِ وخِفَّتُها، وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُكَلَّفٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ الفَلاحِ أوْ مِن أهْلِ النّارِ، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ فِيهِمْ مَن لا يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ والعِقابَ أوْ مَن يَتَساوى لَهُ الثَّوابُ والعِقابُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ شَرَحَ حالَ السُّعَداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وفي المَوازِينِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مِنَ العَدْلِ.
وثانِيها: أنَّ المَوازِينَ هي الأعْمالُ الحَسَنَةُ فَمَن أتى بِما لَهُ قَدْرٌ وخَطَرٌ فَهو الفائِزُ الظّافِرُ، ومَن أتى بِما لا وزْنَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النُّورِ: ٣٩] فَهو خالِدٌ في جَهَنَّمَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَوازِينُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهي المَوْزُوناتُ مِنَ الأعْمالِ، أيِ: الصّالِحاتِ الَّتِي لَها وزْنٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٥] أيْ قَدْرًا.
وثالِثُها: أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ يُوزَنُ فِيهِ الحَسَناتُ في أحْسَنِ صُورَةٍ، والسَّيِّئاتُ في أقْبَحِ صُورَةٍ، فَمَن ثَقُلَتْ حَسَناتُهُ سِيقَ إلى الجَنَّةِ ومَن ثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ فَإلى النّارِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وأمّا الأشْقِياءُ فَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: غُبِنُوها بِأنْ صارَتْ مَنازِلُهم لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: امْتَنَعَ انْتِفاعُهم بِأنْفُسِهِمْ لِكَوْنِهِمْ في العَذابِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ودَلالَتُهُ عَلى خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ بَيِّنَةٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ“ بَدَلٌ مِن ”خَسِرُوا أنْفُسَهم“ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِأُولَئِكَ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وثالِثُها قَوْلُهُ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أيْ تَضْرِبُ وتَأْكُلُ لُحُومَهم وجُلُودَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: اللَّفْحُ والنَّفْخُ واحِدٌ إلّا أنَّ اللَّفْحَ أشَدُّ تَأْثِيرًا.
ورابِعُها قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها كالِحُونَ﴾ والكُلُوحُ أنْ تَتَقَلَّصَ الشَّفَتانِ ويَتَباعَدا عَنِ الأسْنانِ، كَما تَرى الرُّءُوسَ المَشْوِيَّةَ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«تَشْوِيهِ النّارُ فَتَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ العُلْيا حَتّى تَبْلُغَ وسَطَ رَأْسِهِ، وتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلى حَتّى تَبْلُغَ سُرَّتَهُ» “، وقُرِئَ ”كَلِحُونَ“، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ عَذابَهَمْ، حَكى ما يُقالُ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّكم كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِها مَعَ وُضُوحِها، فَلا جَرَمَ صِرْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، ولَوْ كانَ فِعْلُ العِبادِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما صَحَّ ذَلِكَ. والجَوابُ: أنَّ القادِرَ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ إنْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ لا لِمُرَجِّحٍ البَتَّةَ كانَ صُدُورُها عَنْهُ اتِّفاقِيًّا لا اخْتِيارِيًّا، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ العِقابَ، وإنْ كانَ لِمُرَجِّحٍ، فَذاكَ المُرَجِّحُ لَيْسَ مِن فِعْلِهِ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ صُدُورُ تِلْكَ الطّاعَةِ عَنْهُ اضْطِرارِيًّا لا اخْتِيارِيًّا، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الثَّوابَ.
المؤمنون 23:105
صفحة ١٠٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ذَكَرَ أحْوالَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، أحَدُها: أنَّ الصُّورَ آلَةٌ إذا نُفِخَ فِيها يَظْهَرُ صَوْتٌ عَظِيمٌ، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلامَةً لِخَرابِ الدُّنْيا ولِإعادَةِ الأمْواتِ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّورِ مَجْمُوعُ الصُّوَرِ، والمَعْنى: فَإذا نُفِخَ في الصُّوَرِ أرْواحُها. وهو قَوْلُ الحَسَنِ، فَكانَ يَقْرَأُ بِفَتْحِ الواوِ، والفَتْحُ والكَسْرُ عَنْ أبِي رَزِينٍ، وهو حُجَّةٌ لِمَن فَسَّرَ الصُّورَ بِجَمْعِ صُورَةٍ. وثالِثُها: أنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ مِنهُ البَعْثُ والحَشْرُ، والأوَّلُ أوْلى لِلْخَبَرِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ نَفْخَ الرُّوحِ والإحْياءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَكَرَّرُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أعادَهم فالأنْسابُ ثابِتَةٌ؛ لِأنَّ المُعادَ هو الوَلَدُ والوالِدُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ النَّسَبِ في الحَقِيقَةِ بَلِ المُرادُ نَفْيُ حُكْمِهِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ مِن حَقِّ النَّسَبِ أنْ يَقَعَ بِهِ التَّعاطُفُ والتَّراحُمُ كَما يُقالُ في الدُّنْيا: أسْألُكَ بِاللَّهِ والرَّحِمِ أنْ تَفْعَلَ كَذا. فَنَفى سُبْحانَهُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ النّارِ يَكُونُ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الِالتِفاتِ إلى النَّسَبِ، وهَكَذا الحالُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الرَّجُلَ مَتى وقَعَ في الأمْرِ العَظِيمِ مِنَ الآلامِ يَنْسى ولَدَهُ ووالِدَهُ.
وثانِيها: أنَّ مِن حَقِّ النَّسَبِ أنْ يَحْصُلَ بِهِ التَّفاخُرُ في الدُّنْيا، وأنْ يَسْألَ بَعْضُهم عَنْ كَيْفِيَّةِ نَسَبِ البَعْضِ، وفي الآخِرَةِ لا يَتَفَرَّغُونَ لِذَلِكَ.
وثالِثُها: أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ اسْتِعارَةً عَنِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ فَكُلُّ امْرِئٍ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ عَنْ بَنِيهِ وأخِيهِ وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، فَكَيْفَ بِسائِرِ الأُمُورِ؟! قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُؤْخَذُ العَبْدُ والأمَةُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ويُنادِي مُنادٍ: ألا إنَّ هَذا فُلانٌ، فَمَن لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إلى حَقِّهِ، فَتَفْرَحُ المَرْأةُ حِينَئِذٍ أنْ يَثْبُتَ لَها حَقٌّ عَلى أُمِّها أوْ أُخْتِها أوْ أبِيها أوْ أخِيها أوِ ابْنِها أوْ زَوْجِها ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ .
وعَنْ قَتادَةَ: لا شَيْءَ أبْغَضُ إلى الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنْ يَرى مَن يَعْرِفُهُ مَخافَةَ أنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ تَلا ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] وعَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أما نَتَعارَفُ يَوْمَ القِيامَةِ، أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ثَلاثُ مَواطِنَ تَذْهَلُ فِيها كُلُّ نَفْسٍ: حِينَ يُرْمى إلى كُلِّ إنْسانٍ كِتابُهُ، وعِنْدَ المَوازِينِ، وعَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» “ وطَعَنَ بَعْضُ المُلْحِدَةِ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] يُناقِضُ قَوْلَهُ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٧] وقَوْلَهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يُونُسَ: ٤٥]. الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ فَفِيهِ أزْمِنَةٌ وأحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ فَيَتَعارَفُونَ ويَتَساءَلُونَ في بَعْضِها، ويَتَحَيَّرُونَ في بَعْضِها لِشِدَّةِ الفَزَعِ.
وثانِيها: أنَّهُ إذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ شُغِلُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنِ التَّساؤُلِ، فَإذا نُفِخَ فِيهِ أُخْرى أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ وقالُوا: ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢].
وثالِثُها: المُرادُ: لا يَتَساءَلُونَ بِحُقُوقِ النَّسَبِ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَتَساءَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْكُفّارِ وذَلِكَ لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ.
صفحة ١٠٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٥٠] فَهو صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ بَيَّنَ أنَّ بَعْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ تَكُونُ المُحاسَبَةُ، وشَرْحُ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وقِيلَ: لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَيْسَ في الآخِرَةِ إلّا ثِقَلُ المَوازِينِ وخِفَّتُها، وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُكَلَّفٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ الفَلاحِ أوْ مِن أهْلِ النّارِ، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ فِيهِمْ مَن لا يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ والعِقابَ أوْ مَن يَتَساوى لَهُ الثَّوابُ والعِقابُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ شَرَحَ حالَ السُّعَداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وفي المَوازِينِ أقْوالٌ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مِنَ العَدْلِ.
وثانِيها: أنَّ المَوازِينَ هي الأعْمالُ الحَسَنَةُ فَمَن أتى بِما لَهُ قَدْرٌ وخَطَرٌ فَهو الفائِزُ الظّافِرُ، ومَن أتى بِما لا وزْنَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النُّورِ: ٣٩] فَهو خالِدٌ في جَهَنَّمَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَوازِينُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهي المَوْزُوناتُ مِنَ الأعْمالِ، أيِ: الصّالِحاتِ الَّتِي لَها وزْنٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٥] أيْ قَدْرًا.
وثالِثُها: أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ يُوزَنُ فِيهِ الحَسَناتُ في أحْسَنِ صُورَةٍ، والسَّيِّئاتُ في أقْبَحِ صُورَةٍ، فَمَن ثَقُلَتْ حَسَناتُهُ سِيقَ إلى الجَنَّةِ ومَن ثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ فَإلى النّارِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وأمّا الأشْقِياءُ فَقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: غُبِنُوها بِأنْ صارَتْ مَنازِلُهم لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: امْتَنَعَ انْتِفاعُهم بِأنْفُسِهِمْ لِكَوْنِهِمْ في العَذابِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ودَلالَتُهُ عَلى خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ بَيِّنَةٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ“ بَدَلٌ مِن ”خَسِرُوا أنْفُسَهم“ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِأُولَئِكَ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وثالِثُها قَوْلُهُ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أيْ تَضْرِبُ وتَأْكُلُ لُحُومَهم وجُلُودَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: اللَّفْحُ والنَّفْخُ واحِدٌ إلّا أنَّ اللَّفْحَ أشَدُّ تَأْثِيرًا.
ورابِعُها قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها كالِحُونَ﴾ والكُلُوحُ أنْ تَتَقَلَّصَ الشَّفَتانِ ويَتَباعَدا عَنِ الأسْنانِ، كَما تَرى الرُّءُوسَ المَشْوِيَّةَ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«تَشْوِيهِ النّارُ فَتَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ العُلْيا حَتّى تَبْلُغَ وسَطَ رَأْسِهِ، وتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلى حَتّى تَبْلُغَ سُرَّتَهُ» “، وقُرِئَ ”كَلِحُونَ“، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ عَذابَهَمْ، حَكى ما يُقالُ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّكم كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِها مَعَ وُضُوحِها، فَلا جَرَمَ صِرْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، ولَوْ كانَ فِعْلُ العِبادِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما صَحَّ ذَلِكَ. والجَوابُ: أنَّ القادِرَ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ إنْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ لا لِمُرَجِّحٍ البَتَّةَ كانَ صُدُورُها عَنْهُ اتِّفاقِيًّا لا اخْتِيارِيًّا، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ العِقابَ، وإنْ كانَ لِمُرَجِّحٍ، فَذاكَ المُرَجِّحُ لَيْسَ مِن فِعْلِهِ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ صُدُورُ تِلْكَ الطّاعَةِ عَنْهُ اضْطِرارِيًّا لا اخْتِيارِيًّا، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الثَّوابَ.
المؤمنون 23:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ذَكَرُوا ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْهُ، وهو مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: غَلَبَتْ عَلَيْنا: مَلَكَتْنا، مِن قَوْلِكَ: غَلَبَنِي فُلانٌ عَلى كَذا: إذا أخَذَهُ مِنكَ، والشَّقاوَةُ: سُوءُ العاقِبَةِ، قُرِئَ: ”شِقْوَتُنا“ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها فِيهِما، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الشِّقْوَةُ مِنَ الشَّقاءِ كَجِرْيَةِ الماءِ، والمَصْدَرُ الجَرْيُ، وقَدْ يَجِيءُ لَفْظُ فِعْلَةٍ، والمُرادُ بِهِ الهَيْئَةُ والحالُ، فَيَقُولُ: جِلْسَةٌ حَسَنَةٌ ورِكْبَةٌ وقِعْدَةٌ، وذَلِكَ مِنَ الهَيْئَةِ، وتَقُولُ: عاشَ فُلانٌ عِيشَةً طَيِّبَةً وماتَ مِيتَةً كَرِيمَةً، وهَذا هو الحالُ والهَيْئَةُ، فَعَلى هَذا، المُرادُ مِنَ الشِّقْوَةِ حالُ الشَّقاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ طَلَبَنا اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةَ وحِرْصَنا عَلى العَمَلِ القَبِيحِ ساقَنا إلى هَذِهِ الشَّقاوَةِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِذارٍ مِنهم لِعِلْمِهِمْ بِأنْ لا عُذْرَ لَهم فِيهِ، ولَكِنَّهُ اعْتِرافٌ بِقِيامِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في سُوءِ صَنِيعِهِمْ. قُلْنا: إنَّكَ حَمَلْتَ الشَّقاوَةَ عَلى طَلَبِ تِلْكَ اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةِ، وطَلَبُ تِلْكَ اللَّذّاتِ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ أوْ لا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإنْ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ فَذَلِكَ الِاخْتِيارُ مُحْدَثٌ، فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُؤَثِّرِ فَلِمَ لا يَجُوزُ في كُلِّ الحَوادِثِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ عَلَيْكَ بابُ إثْباتِ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُحْدِثٍ، فَمُحْدِثُهُ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ تَعالى؛ فَإنْ كانَ هو العَبْدَ فَذَلِكَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَإنْ تَوَقَّفَ صُدُورُ تِلْكَ الإرادَةِ عَنْها إلى مُرَجِّحٍ آخَرَ، عادَ الكَلامُ فِيهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى المُرَجِّحِ فَقَدْ جَوَّزْتَ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ.
وثانِيها: أنَّ العَبْدَ لا يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ تِلْكَ الأفْعالِ ولا كَيْفِيَّتَها، والجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ مُحْدِثًا لَهُ، وإلّا لَبَطَلَتْ دَلالَةُ الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّ أحَدًا في الدُّنْيا لا يَرْضى بِأنْ يَخْتارَ الجَهْلَ، بَلْ لا يَقْصِدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فالكافِرُ ما قَصَدَ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فَإنْ كانَ المُوجِدُ لِفِعْلِهِ هو فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ إلّا ما قَصَدَ إيقاعَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلّا العِلْمَ، فَكَيْفَ حَصَلَ الجَهْلُ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُوجِدَ لِلدَّواعِي والبَواعِثِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الدّاعِيَةَ إنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الخَيْرِ كانَتْ سَعادَةً، وإنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الشَّرِّ كانَتْ شَقاوَةً.
الوجه الثّانِي لَهم في الجَوابِ: قَوْلُهُمْ: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ وهَذا الضَّلالُ الَّذِي جَعَلُوهُ كالعِلَّةِ في إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ إنْ كانَ هو نَفْسَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ لَزِمَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الضَّلالُ عِبارَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِعْلُهم، وما ذاكَ إلّا
صفحة ١٠٩
خَلْقُ الدّاعِي إلى الضَّلالِ. ثُمَّ إنَّ القَوْمَ لَمّا أوْرَدُوا هَذَيْنِ العُذْرَيْنِ، قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وهَذا هو صَرِيحُ قَوْلِنا في أنَّ المُناظَرَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ جائِزَةٍ، بَلْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. قالَ القاضِي: في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا عُذْرَ لَهم إلّا الِاعْتِرافُ، فَلَوْ كانَ كُفْرُهم مِن خَلْقِهِ تَعالى وبِإرادَتِهِ، وعَلِمُوا ذَلِكَ لَكانُوا بِأنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ أجْدَرَ وإلى العُذْرِ أقْرَبَ، فَنَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، ولَكِنَّهم مُقِرُّونَ أنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَلا جَرَمَ قالَ لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ فالمَعْنى: أخْرِجْنا مِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارِ الدُّنْيا، فَإنْ عُدْنا إلى الأعْمالِ السَّيِّئَةِ فَإنّا ظالِمُونَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ عِقابَهم دائِمٌ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُمُ السَّهْوُ عَنْ ذَلِكَ في أحْوالِ شِدَّةِ العَذابِ فَيَسْألُونَ الرَّجْعَةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ يَسْألُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الغَوْثِ والِاسْتِرْواحِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ فالمَعْنى ذِلُّوا فِيها وانْزَجِرُوا كَما يُزْجَرُ الكِلابُ إذا زُجِرَتْ، يُقالُ: خَسَأ الكَلْبُ وخَسَأ بِنَفْسِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فَلَيْسَ هَذا نَهْيًا لِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ في الآخِرَةِ، بَلِ المُرادُ لا تُكَلِّمُونِ في رَفْعِ العَذابِ فَإنَّهُ لا يُرْفَعُ ولا يُخَفَّفُ، قِيلَ: هو آخِرُ كَلامٍ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ثُمَّ لا كَلامَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الشَّهِيقُ والزَّفِيرُ، والعُواءُ كَعُواءِ الكِلابِ، لا يُفْهِمُونَ ولا يُفْهَمُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ لَهم سِتَّ دَعَواتٍ، إذا دَخَلُوا النّارَ قالُوا ألْفَ سَنَةٍ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] فَيُجابُونَ ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] فَيُنادُونَ ألْفَ سَنَةٍ ثانِيَةٍ ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافِرٍ: ١١] فَيُجابُونَ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافِرٍ: ١٢] فَيُنادُونَ ألْفًا ثالِثَةً ﴿يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجابُونَ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُنادُونَ ألْفًا رابِعَةً ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٤] فَيُنادُونَ ألْفًا خامِسَةً ﴿أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُنادُونَ ألْفًا سادِسَةً ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩٩] فَيُجابُونَ ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى، أنَّ فَزَعَهم بِأمْرٍ يَتَّصِلُ بِالمُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَوَصَفَ تَعالى أحَدَ ما لِأجْلِهِ عُذِّبُوا وبُعِدُوا مِنَ الخَيْرِ، وهو ما عامَلُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ.
وفِي حَرْفِ أُبَيٍّ ”أنَّهُ كانَ فَرِيقٌ“ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى لِأنَّهُ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الكُوفَةِ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ هاهُنا، وفي ص قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هُما لُغَتانِ كَدُرِّيٍّ ودِرِّيٍّ. وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: الكَسْرُ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ، والضَّمُّ بِمَعْنى السُّخْرِيَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وعُتْبَةَ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَضْحَكُونَ بِالفُقَراءِ مِنهم مِثْلِ بِلالٍ وخَبّابٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ، والمَعْنى اتَّخَذْتُمُوهم هُزُوًا حَتّى أنْسَوْكم بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ذِكْرِي، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَقْتَضِي فِيهِمُ الأسَفَ والحَسْرَةَ بِأنْ وصَفَ ما جازى بِهِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنَّهُمْ“ بِالكَسْرِ والباقُونَ بِالفَتْحِ، فالكَسْرُ اسْتِئْنافٌ؛ أيْ: قَدْ فازُوا حَيْثُ صَبَرُوا فَجُوزُوا بِصَبْرِهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ، والفَتْحُ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي مِن جَزَيْتُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ الخافِضِ؛ أيْ: جَزَيْتُهُمُ الجَزاءَ الوافِرَ؛ لِأنَّهم هُمُ الفائِزُونَ.
المؤمنون 23:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ذَكَرُوا ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْهُ، وهو مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: غَلَبَتْ عَلَيْنا: مَلَكَتْنا، مِن قَوْلِكَ: غَلَبَنِي فُلانٌ عَلى كَذا: إذا أخَذَهُ مِنكَ، والشَّقاوَةُ: سُوءُ العاقِبَةِ، قُرِئَ: ”شِقْوَتُنا“ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها فِيهِما، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الشِّقْوَةُ مِنَ الشَّقاءِ كَجِرْيَةِ الماءِ، والمَصْدَرُ الجَرْيُ، وقَدْ يَجِيءُ لَفْظُ فِعْلَةٍ، والمُرادُ بِهِ الهَيْئَةُ والحالُ، فَيَقُولُ: جِلْسَةٌ حَسَنَةٌ ورِكْبَةٌ وقِعْدَةٌ، وذَلِكَ مِنَ الهَيْئَةِ، وتَقُولُ: عاشَ فُلانٌ عِيشَةً طَيِّبَةً وماتَ مِيتَةً كَرِيمَةً، وهَذا هو الحالُ والهَيْئَةُ، فَعَلى هَذا، المُرادُ مِنَ الشِّقْوَةِ حالُ الشَّقاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ طَلَبَنا اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةَ وحِرْصَنا عَلى العَمَلِ القَبِيحِ ساقَنا إلى هَذِهِ الشَّقاوَةِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِذارٍ مِنهم لِعِلْمِهِمْ بِأنْ لا عُذْرَ لَهم فِيهِ، ولَكِنَّهُ اعْتِرافٌ بِقِيامِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في سُوءِ صَنِيعِهِمْ. قُلْنا: إنَّكَ حَمَلْتَ الشَّقاوَةَ عَلى طَلَبِ تِلْكَ اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةِ، وطَلَبُ تِلْكَ اللَّذّاتِ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ أوْ لا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإنْ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ فَذَلِكَ الِاخْتِيارُ مُحْدَثٌ، فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُؤَثِّرِ فَلِمَ لا يَجُوزُ في كُلِّ الحَوادِثِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ عَلَيْكَ بابُ إثْباتِ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُحْدِثٍ، فَمُحْدِثُهُ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ تَعالى؛ فَإنْ كانَ هو العَبْدَ فَذَلِكَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَإنْ تَوَقَّفَ صُدُورُ تِلْكَ الإرادَةِ عَنْها إلى مُرَجِّحٍ آخَرَ، عادَ الكَلامُ فِيهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى المُرَجِّحِ فَقَدْ جَوَّزْتَ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ.
وثانِيها: أنَّ العَبْدَ لا يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ تِلْكَ الأفْعالِ ولا كَيْفِيَّتَها، والجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ مُحْدِثًا لَهُ، وإلّا لَبَطَلَتْ دَلالَةُ الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّ أحَدًا في الدُّنْيا لا يَرْضى بِأنْ يَخْتارَ الجَهْلَ، بَلْ لا يَقْصِدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فالكافِرُ ما قَصَدَ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فَإنْ كانَ المُوجِدُ لِفِعْلِهِ هو فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ إلّا ما قَصَدَ إيقاعَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلّا العِلْمَ، فَكَيْفَ حَصَلَ الجَهْلُ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُوجِدَ لِلدَّواعِي والبَواعِثِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الدّاعِيَةَ إنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الخَيْرِ كانَتْ سَعادَةً، وإنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الشَّرِّ كانَتْ شَقاوَةً.
الوجه الثّانِي لَهم في الجَوابِ: قَوْلُهُمْ: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ وهَذا الضَّلالُ الَّذِي جَعَلُوهُ كالعِلَّةِ في إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ إنْ كانَ هو نَفْسَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ لَزِمَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الضَّلالُ عِبارَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِعْلُهم، وما ذاكَ إلّا
صفحة ١٠٩
خَلْقُ الدّاعِي إلى الضَّلالِ. ثُمَّ إنَّ القَوْمَ لَمّا أوْرَدُوا هَذَيْنِ العُذْرَيْنِ، قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وهَذا هو صَرِيحُ قَوْلِنا في أنَّ المُناظَرَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ جائِزَةٍ، بَلْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. قالَ القاضِي: في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا عُذْرَ لَهم إلّا الِاعْتِرافُ، فَلَوْ كانَ كُفْرُهم مِن خَلْقِهِ تَعالى وبِإرادَتِهِ، وعَلِمُوا ذَلِكَ لَكانُوا بِأنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ أجْدَرَ وإلى العُذْرِ أقْرَبَ، فَنَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، ولَكِنَّهم مُقِرُّونَ أنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَلا جَرَمَ قالَ لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ فالمَعْنى: أخْرِجْنا مِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارِ الدُّنْيا، فَإنْ عُدْنا إلى الأعْمالِ السَّيِّئَةِ فَإنّا ظالِمُونَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ عِقابَهم دائِمٌ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُمُ السَّهْوُ عَنْ ذَلِكَ في أحْوالِ شِدَّةِ العَذابِ فَيَسْألُونَ الرَّجْعَةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ يَسْألُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الغَوْثِ والِاسْتِرْواحِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ فالمَعْنى ذِلُّوا فِيها وانْزَجِرُوا كَما يُزْجَرُ الكِلابُ إذا زُجِرَتْ، يُقالُ: خَسَأ الكَلْبُ وخَسَأ بِنَفْسِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فَلَيْسَ هَذا نَهْيًا لِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ في الآخِرَةِ، بَلِ المُرادُ لا تُكَلِّمُونِ في رَفْعِ العَذابِ فَإنَّهُ لا يُرْفَعُ ولا يُخَفَّفُ، قِيلَ: هو آخِرُ كَلامٍ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ثُمَّ لا كَلامَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الشَّهِيقُ والزَّفِيرُ، والعُواءُ كَعُواءِ الكِلابِ، لا يُفْهِمُونَ ولا يُفْهَمُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ لَهم سِتَّ دَعَواتٍ، إذا دَخَلُوا النّارَ قالُوا ألْفَ سَنَةٍ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] فَيُجابُونَ ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] فَيُنادُونَ ألْفَ سَنَةٍ ثانِيَةٍ ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافِرٍ: ١١] فَيُجابُونَ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافِرٍ: ١٢] فَيُنادُونَ ألْفًا ثالِثَةً ﴿يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجابُونَ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُنادُونَ ألْفًا رابِعَةً ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٤] فَيُنادُونَ ألْفًا خامِسَةً ﴿أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُنادُونَ ألْفًا سادِسَةً ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩٩] فَيُجابُونَ ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى، أنَّ فَزَعَهم بِأمْرٍ يَتَّصِلُ بِالمُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَوَصَفَ تَعالى أحَدَ ما لِأجْلِهِ عُذِّبُوا وبُعِدُوا مِنَ الخَيْرِ، وهو ما عامَلُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ.
وفِي حَرْفِ أُبَيٍّ ”أنَّهُ كانَ فَرِيقٌ“ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى لِأنَّهُ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الكُوفَةِ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ هاهُنا، وفي ص قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هُما لُغَتانِ كَدُرِّيٍّ ودِرِّيٍّ. وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: الكَسْرُ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ، والضَّمُّ بِمَعْنى السُّخْرِيَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وعُتْبَةَ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَضْحَكُونَ بِالفُقَراءِ مِنهم مِثْلِ بِلالٍ وخَبّابٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ، والمَعْنى اتَّخَذْتُمُوهم هُزُوًا حَتّى أنْسَوْكم بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ذِكْرِي، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَقْتَضِي فِيهِمُ الأسَفَ والحَسْرَةَ بِأنْ وصَفَ ما جازى بِهِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنَّهُمْ“ بِالكَسْرِ والباقُونَ بِالفَتْحِ، فالكَسْرُ اسْتِئْنافٌ؛ أيْ: قَدْ فازُوا حَيْثُ صَبَرُوا فَجُوزُوا بِصَبْرِهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ، والفَتْحُ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي مِن جَزَيْتُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ الخافِضِ؛ أيْ: جَزَيْتُهُمُ الجَزاءَ الوافِرَ؛ لِأنَّهم هُمُ الفائِزُونَ.
المؤمنون 23:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ذَكَرُوا ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْهُ، وهو مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: غَلَبَتْ عَلَيْنا: مَلَكَتْنا، مِن قَوْلِكَ: غَلَبَنِي فُلانٌ عَلى كَذا: إذا أخَذَهُ مِنكَ، والشَّقاوَةُ: سُوءُ العاقِبَةِ، قُرِئَ: ”شِقْوَتُنا“ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها فِيهِما، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الشِّقْوَةُ مِنَ الشَّقاءِ كَجِرْيَةِ الماءِ، والمَصْدَرُ الجَرْيُ، وقَدْ يَجِيءُ لَفْظُ فِعْلَةٍ، والمُرادُ بِهِ الهَيْئَةُ والحالُ، فَيَقُولُ: جِلْسَةٌ حَسَنَةٌ ورِكْبَةٌ وقِعْدَةٌ، وذَلِكَ مِنَ الهَيْئَةِ، وتَقُولُ: عاشَ فُلانٌ عِيشَةً طَيِّبَةً وماتَ مِيتَةً كَرِيمَةً، وهَذا هو الحالُ والهَيْئَةُ، فَعَلى هَذا، المُرادُ مِنَ الشِّقْوَةِ حالُ الشَّقاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ طَلَبَنا اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةَ وحِرْصَنا عَلى العَمَلِ القَبِيحِ ساقَنا إلى هَذِهِ الشَّقاوَةِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِذارٍ مِنهم لِعِلْمِهِمْ بِأنْ لا عُذْرَ لَهم فِيهِ، ولَكِنَّهُ اعْتِرافٌ بِقِيامِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في سُوءِ صَنِيعِهِمْ. قُلْنا: إنَّكَ حَمَلْتَ الشَّقاوَةَ عَلى طَلَبِ تِلْكَ اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةِ، وطَلَبُ تِلْكَ اللَّذّاتِ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ أوْ لا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإنْ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ فَذَلِكَ الِاخْتِيارُ مُحْدَثٌ، فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُؤَثِّرِ فَلِمَ لا يَجُوزُ في كُلِّ الحَوادِثِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ عَلَيْكَ بابُ إثْباتِ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُحْدِثٍ، فَمُحْدِثُهُ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ تَعالى؛ فَإنْ كانَ هو العَبْدَ فَذَلِكَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَإنْ تَوَقَّفَ صُدُورُ تِلْكَ الإرادَةِ عَنْها إلى مُرَجِّحٍ آخَرَ، عادَ الكَلامُ فِيهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى المُرَجِّحِ فَقَدْ جَوَّزْتَ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ.
وثانِيها: أنَّ العَبْدَ لا يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ تِلْكَ الأفْعالِ ولا كَيْفِيَّتَها، والجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ مُحْدِثًا لَهُ، وإلّا لَبَطَلَتْ دَلالَةُ الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّ أحَدًا في الدُّنْيا لا يَرْضى بِأنْ يَخْتارَ الجَهْلَ، بَلْ لا يَقْصِدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فالكافِرُ ما قَصَدَ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فَإنْ كانَ المُوجِدُ لِفِعْلِهِ هو فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ إلّا ما قَصَدَ إيقاعَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلّا العِلْمَ، فَكَيْفَ حَصَلَ الجَهْلُ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُوجِدَ لِلدَّواعِي والبَواعِثِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الدّاعِيَةَ إنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الخَيْرِ كانَتْ سَعادَةً، وإنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الشَّرِّ كانَتْ شَقاوَةً.
الوجه الثّانِي لَهم في الجَوابِ: قَوْلُهُمْ: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ وهَذا الضَّلالُ الَّذِي جَعَلُوهُ كالعِلَّةِ في إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ إنْ كانَ هو نَفْسَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ لَزِمَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الضَّلالُ عِبارَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِعْلُهم، وما ذاكَ إلّا
صفحة ١٠٩
خَلْقُ الدّاعِي إلى الضَّلالِ. ثُمَّ إنَّ القَوْمَ لَمّا أوْرَدُوا هَذَيْنِ العُذْرَيْنِ، قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وهَذا هو صَرِيحُ قَوْلِنا في أنَّ المُناظَرَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ جائِزَةٍ، بَلْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. قالَ القاضِي: في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا عُذْرَ لَهم إلّا الِاعْتِرافُ، فَلَوْ كانَ كُفْرُهم مِن خَلْقِهِ تَعالى وبِإرادَتِهِ، وعَلِمُوا ذَلِكَ لَكانُوا بِأنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ أجْدَرَ وإلى العُذْرِ أقْرَبَ، فَنَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، ولَكِنَّهم مُقِرُّونَ أنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَلا جَرَمَ قالَ لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ فالمَعْنى: أخْرِجْنا مِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارِ الدُّنْيا، فَإنْ عُدْنا إلى الأعْمالِ السَّيِّئَةِ فَإنّا ظالِمُونَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ عِقابَهم دائِمٌ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُمُ السَّهْوُ عَنْ ذَلِكَ في أحْوالِ شِدَّةِ العَذابِ فَيَسْألُونَ الرَّجْعَةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ يَسْألُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الغَوْثِ والِاسْتِرْواحِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ فالمَعْنى ذِلُّوا فِيها وانْزَجِرُوا كَما يُزْجَرُ الكِلابُ إذا زُجِرَتْ، يُقالُ: خَسَأ الكَلْبُ وخَسَأ بِنَفْسِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فَلَيْسَ هَذا نَهْيًا لِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ في الآخِرَةِ، بَلِ المُرادُ لا تُكَلِّمُونِ في رَفْعِ العَذابِ فَإنَّهُ لا يُرْفَعُ ولا يُخَفَّفُ، قِيلَ: هو آخِرُ كَلامٍ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ثُمَّ لا كَلامَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الشَّهِيقُ والزَّفِيرُ، والعُواءُ كَعُواءِ الكِلابِ، لا يُفْهِمُونَ ولا يُفْهَمُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ لَهم سِتَّ دَعَواتٍ، إذا دَخَلُوا النّارَ قالُوا ألْفَ سَنَةٍ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] فَيُجابُونَ ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] فَيُنادُونَ ألْفَ سَنَةٍ ثانِيَةٍ ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافِرٍ: ١١] فَيُجابُونَ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافِرٍ: ١٢] فَيُنادُونَ ألْفًا ثالِثَةً ﴿يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجابُونَ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُنادُونَ ألْفًا رابِعَةً ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٤] فَيُنادُونَ ألْفًا خامِسَةً ﴿أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُنادُونَ ألْفًا سادِسَةً ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩٩] فَيُجابُونَ ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى، أنَّ فَزَعَهم بِأمْرٍ يَتَّصِلُ بِالمُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَوَصَفَ تَعالى أحَدَ ما لِأجْلِهِ عُذِّبُوا وبُعِدُوا مِنَ الخَيْرِ، وهو ما عامَلُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ.
وفِي حَرْفِ أُبَيٍّ ”أنَّهُ كانَ فَرِيقٌ“ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى لِأنَّهُ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الكُوفَةِ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ هاهُنا، وفي ص قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هُما لُغَتانِ كَدُرِّيٍّ ودِرِّيٍّ. وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: الكَسْرُ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ، والضَّمُّ بِمَعْنى السُّخْرِيَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وعُتْبَةَ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَضْحَكُونَ بِالفُقَراءِ مِنهم مِثْلِ بِلالٍ وخَبّابٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ، والمَعْنى اتَّخَذْتُمُوهم هُزُوًا حَتّى أنْسَوْكم بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ذِكْرِي، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَقْتَضِي فِيهِمُ الأسَفَ والحَسْرَةَ بِأنْ وصَفَ ما جازى بِهِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنَّهُمْ“ بِالكَسْرِ والباقُونَ بِالفَتْحِ، فالكَسْرُ اسْتِئْنافٌ؛ أيْ: قَدْ فازُوا حَيْثُ صَبَرُوا فَجُوزُوا بِصَبْرِهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ، والفَتْحُ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي مِن جَزَيْتُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ الخافِضِ؛ أيْ: جَزَيْتُهُمُ الجَزاءَ الوافِرَ؛ لِأنَّهم هُمُ الفائِزُونَ.
المؤمنون 23:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ذَكَرُوا ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْهُ، وهو مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: غَلَبَتْ عَلَيْنا: مَلَكَتْنا، مِن قَوْلِكَ: غَلَبَنِي فُلانٌ عَلى كَذا: إذا أخَذَهُ مِنكَ، والشَّقاوَةُ: سُوءُ العاقِبَةِ، قُرِئَ: ”شِقْوَتُنا“ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها فِيهِما، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الشِّقْوَةُ مِنَ الشَّقاءِ كَجِرْيَةِ الماءِ، والمَصْدَرُ الجَرْيُ، وقَدْ يَجِيءُ لَفْظُ فِعْلَةٍ، والمُرادُ بِهِ الهَيْئَةُ والحالُ، فَيَقُولُ: جِلْسَةٌ حَسَنَةٌ ورِكْبَةٌ وقِعْدَةٌ، وذَلِكَ مِنَ الهَيْئَةِ، وتَقُولُ: عاشَ فُلانٌ عِيشَةً طَيِّبَةً وماتَ مِيتَةً كَرِيمَةً، وهَذا هو الحالُ والهَيْئَةُ، فَعَلى هَذا، المُرادُ مِنَ الشِّقْوَةِ حالُ الشَّقاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ طَلَبَنا اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةَ وحِرْصَنا عَلى العَمَلِ القَبِيحِ ساقَنا إلى هَذِهِ الشَّقاوَةِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِذارٍ مِنهم لِعِلْمِهِمْ بِأنْ لا عُذْرَ لَهم فِيهِ، ولَكِنَّهُ اعْتِرافٌ بِقِيامِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في سُوءِ صَنِيعِهِمْ. قُلْنا: إنَّكَ حَمَلْتَ الشَّقاوَةَ عَلى طَلَبِ تِلْكَ اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةِ، وطَلَبُ تِلْكَ اللَّذّاتِ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ أوْ لا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإنْ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ فَذَلِكَ الِاخْتِيارُ مُحْدَثٌ، فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُؤَثِّرِ فَلِمَ لا يَجُوزُ في كُلِّ الحَوادِثِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ عَلَيْكَ بابُ إثْباتِ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُحْدِثٍ، فَمُحْدِثُهُ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ تَعالى؛ فَإنْ كانَ هو العَبْدَ فَذَلِكَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَإنْ تَوَقَّفَ صُدُورُ تِلْكَ الإرادَةِ عَنْها إلى مُرَجِّحٍ آخَرَ، عادَ الكَلامُ فِيهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى المُرَجِّحِ فَقَدْ جَوَّزْتَ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ.
وثانِيها: أنَّ العَبْدَ لا يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ تِلْكَ الأفْعالِ ولا كَيْفِيَّتَها، والجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ مُحْدِثًا لَهُ، وإلّا لَبَطَلَتْ دَلالَةُ الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّ أحَدًا في الدُّنْيا لا يَرْضى بِأنْ يَخْتارَ الجَهْلَ، بَلْ لا يَقْصِدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فالكافِرُ ما قَصَدَ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فَإنْ كانَ المُوجِدُ لِفِعْلِهِ هو فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ إلّا ما قَصَدَ إيقاعَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلّا العِلْمَ، فَكَيْفَ حَصَلَ الجَهْلُ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُوجِدَ لِلدَّواعِي والبَواعِثِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الدّاعِيَةَ إنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الخَيْرِ كانَتْ سَعادَةً، وإنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الشَّرِّ كانَتْ شَقاوَةً.
الوجه الثّانِي لَهم في الجَوابِ: قَوْلُهُمْ: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ وهَذا الضَّلالُ الَّذِي جَعَلُوهُ كالعِلَّةِ في إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ إنْ كانَ هو نَفْسَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ لَزِمَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الضَّلالُ عِبارَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِعْلُهم، وما ذاكَ إلّا
صفحة ١٠٩
خَلْقُ الدّاعِي إلى الضَّلالِ. ثُمَّ إنَّ القَوْمَ لَمّا أوْرَدُوا هَذَيْنِ العُذْرَيْنِ، قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وهَذا هو صَرِيحُ قَوْلِنا في أنَّ المُناظَرَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ جائِزَةٍ، بَلْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. قالَ القاضِي: في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا عُذْرَ لَهم إلّا الِاعْتِرافُ، فَلَوْ كانَ كُفْرُهم مِن خَلْقِهِ تَعالى وبِإرادَتِهِ، وعَلِمُوا ذَلِكَ لَكانُوا بِأنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ أجْدَرَ وإلى العُذْرِ أقْرَبَ، فَنَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، ولَكِنَّهم مُقِرُّونَ أنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَلا جَرَمَ قالَ لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ فالمَعْنى: أخْرِجْنا مِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارِ الدُّنْيا، فَإنْ عُدْنا إلى الأعْمالِ السَّيِّئَةِ فَإنّا ظالِمُونَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ عِقابَهم دائِمٌ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُمُ السَّهْوُ عَنْ ذَلِكَ في أحْوالِ شِدَّةِ العَذابِ فَيَسْألُونَ الرَّجْعَةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ يَسْألُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الغَوْثِ والِاسْتِرْواحِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ فالمَعْنى ذِلُّوا فِيها وانْزَجِرُوا كَما يُزْجَرُ الكِلابُ إذا زُجِرَتْ، يُقالُ: خَسَأ الكَلْبُ وخَسَأ بِنَفْسِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فَلَيْسَ هَذا نَهْيًا لِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ في الآخِرَةِ، بَلِ المُرادُ لا تُكَلِّمُونِ في رَفْعِ العَذابِ فَإنَّهُ لا يُرْفَعُ ولا يُخَفَّفُ، قِيلَ: هو آخِرُ كَلامٍ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ثُمَّ لا كَلامَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الشَّهِيقُ والزَّفِيرُ، والعُواءُ كَعُواءِ الكِلابِ، لا يُفْهِمُونَ ولا يُفْهَمُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ لَهم سِتَّ دَعَواتٍ، إذا دَخَلُوا النّارَ قالُوا ألْفَ سَنَةٍ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] فَيُجابُونَ ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] فَيُنادُونَ ألْفَ سَنَةٍ ثانِيَةٍ ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافِرٍ: ١١] فَيُجابُونَ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافِرٍ: ١٢] فَيُنادُونَ ألْفًا ثالِثَةً ﴿يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجابُونَ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُنادُونَ ألْفًا رابِعَةً ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٤] فَيُنادُونَ ألْفًا خامِسَةً ﴿أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُنادُونَ ألْفًا سادِسَةً ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩٩] فَيُجابُونَ ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى، أنَّ فَزَعَهم بِأمْرٍ يَتَّصِلُ بِالمُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَوَصَفَ تَعالى أحَدَ ما لِأجْلِهِ عُذِّبُوا وبُعِدُوا مِنَ الخَيْرِ، وهو ما عامَلُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ.
وفِي حَرْفِ أُبَيٍّ ”أنَّهُ كانَ فَرِيقٌ“ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى لِأنَّهُ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الكُوفَةِ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ هاهُنا، وفي ص قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هُما لُغَتانِ كَدُرِّيٍّ ودِرِّيٍّ. وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: الكَسْرُ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ، والضَّمُّ بِمَعْنى السُّخْرِيَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وعُتْبَةَ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَضْحَكُونَ بِالفُقَراءِ مِنهم مِثْلِ بِلالٍ وخَبّابٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ، والمَعْنى اتَّخَذْتُمُوهم هُزُوًا حَتّى أنْسَوْكم بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ذِكْرِي، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَقْتَضِي فِيهِمُ الأسَفَ والحَسْرَةَ بِأنْ وصَفَ ما جازى بِهِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنَّهُمْ“ بِالكَسْرِ والباقُونَ بِالفَتْحِ، فالكَسْرُ اسْتِئْنافٌ؛ أيْ: قَدْ فازُوا حَيْثُ صَبَرُوا فَجُوزُوا بِصَبْرِهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ، والفَتْحُ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي مِن جَزَيْتُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ الخافِضِ؛ أيْ: جَزَيْتُهُمُ الجَزاءَ الوافِرَ؛ لِأنَّهم هُمُ الفائِزُونَ.
المؤمنون 23:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ذَكَرُوا ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْهُ، وهو مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: غَلَبَتْ عَلَيْنا: مَلَكَتْنا، مِن قَوْلِكَ: غَلَبَنِي فُلانٌ عَلى كَذا: إذا أخَذَهُ مِنكَ، والشَّقاوَةُ: سُوءُ العاقِبَةِ، قُرِئَ: ”شِقْوَتُنا“ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها فِيهِما، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الشِّقْوَةُ مِنَ الشَّقاءِ كَجِرْيَةِ الماءِ، والمَصْدَرُ الجَرْيُ، وقَدْ يَجِيءُ لَفْظُ فِعْلَةٍ، والمُرادُ بِهِ الهَيْئَةُ والحالُ، فَيَقُولُ: جِلْسَةٌ حَسَنَةٌ ورِكْبَةٌ وقِعْدَةٌ، وذَلِكَ مِنَ الهَيْئَةِ، وتَقُولُ: عاشَ فُلانٌ عِيشَةً طَيِّبَةً وماتَ مِيتَةً كَرِيمَةً، وهَذا هو الحالُ والهَيْئَةُ، فَعَلى هَذا، المُرادُ مِنَ الشِّقْوَةِ حالُ الشَّقاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ طَلَبَنا اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةَ وحِرْصَنا عَلى العَمَلِ القَبِيحِ ساقَنا إلى هَذِهِ الشَّقاوَةِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِذارٍ مِنهم لِعِلْمِهِمْ بِأنْ لا عُذْرَ لَهم فِيهِ، ولَكِنَّهُ اعْتِرافٌ بِقِيامِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في سُوءِ صَنِيعِهِمْ. قُلْنا: إنَّكَ حَمَلْتَ الشَّقاوَةَ عَلى طَلَبِ تِلْكَ اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةِ، وطَلَبُ تِلْكَ اللَّذّاتِ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ أوْ لا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإنْ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ فَذَلِكَ الِاخْتِيارُ مُحْدَثٌ، فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُؤَثِّرِ فَلِمَ لا يَجُوزُ في كُلِّ الحَوادِثِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ عَلَيْكَ بابُ إثْباتِ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُحْدِثٍ، فَمُحْدِثُهُ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ تَعالى؛ فَإنْ كانَ هو العَبْدَ فَذَلِكَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَإنْ تَوَقَّفَ صُدُورُ تِلْكَ الإرادَةِ عَنْها إلى مُرَجِّحٍ آخَرَ، عادَ الكَلامُ فِيهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى المُرَجِّحِ فَقَدْ جَوَّزْتَ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ.
وثانِيها: أنَّ العَبْدَ لا يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ تِلْكَ الأفْعالِ ولا كَيْفِيَّتَها، والجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ مُحْدِثًا لَهُ، وإلّا لَبَطَلَتْ دَلالَةُ الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّ أحَدًا في الدُّنْيا لا يَرْضى بِأنْ يَخْتارَ الجَهْلَ، بَلْ لا يَقْصِدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فالكافِرُ ما قَصَدَ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فَإنْ كانَ المُوجِدُ لِفِعْلِهِ هو فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ إلّا ما قَصَدَ إيقاعَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلّا العِلْمَ، فَكَيْفَ حَصَلَ الجَهْلُ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُوجِدَ لِلدَّواعِي والبَواعِثِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الدّاعِيَةَ إنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الخَيْرِ كانَتْ سَعادَةً، وإنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الشَّرِّ كانَتْ شَقاوَةً.
الوجه الثّانِي لَهم في الجَوابِ: قَوْلُهُمْ: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ وهَذا الضَّلالُ الَّذِي جَعَلُوهُ كالعِلَّةِ في إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ إنْ كانَ هو نَفْسَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ لَزِمَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الضَّلالُ عِبارَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِعْلُهم، وما ذاكَ إلّا
صفحة ١٠٩
خَلْقُ الدّاعِي إلى الضَّلالِ. ثُمَّ إنَّ القَوْمَ لَمّا أوْرَدُوا هَذَيْنِ العُذْرَيْنِ، قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وهَذا هو صَرِيحُ قَوْلِنا في أنَّ المُناظَرَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ جائِزَةٍ، بَلْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. قالَ القاضِي: في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا عُذْرَ لَهم إلّا الِاعْتِرافُ، فَلَوْ كانَ كُفْرُهم مِن خَلْقِهِ تَعالى وبِإرادَتِهِ، وعَلِمُوا ذَلِكَ لَكانُوا بِأنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ أجْدَرَ وإلى العُذْرِ أقْرَبَ، فَنَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، ولَكِنَّهم مُقِرُّونَ أنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَلا جَرَمَ قالَ لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ فالمَعْنى: أخْرِجْنا مِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارِ الدُّنْيا، فَإنْ عُدْنا إلى الأعْمالِ السَّيِّئَةِ فَإنّا ظالِمُونَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ عِقابَهم دائِمٌ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُمُ السَّهْوُ عَنْ ذَلِكَ في أحْوالِ شِدَّةِ العَذابِ فَيَسْألُونَ الرَّجْعَةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ يَسْألُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الغَوْثِ والِاسْتِرْواحِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ فالمَعْنى ذِلُّوا فِيها وانْزَجِرُوا كَما يُزْجَرُ الكِلابُ إذا زُجِرَتْ، يُقالُ: خَسَأ الكَلْبُ وخَسَأ بِنَفْسِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فَلَيْسَ هَذا نَهْيًا لِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ في الآخِرَةِ، بَلِ المُرادُ لا تُكَلِّمُونِ في رَفْعِ العَذابِ فَإنَّهُ لا يُرْفَعُ ولا يُخَفَّفُ، قِيلَ: هو آخِرُ كَلامٍ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ثُمَّ لا كَلامَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الشَّهِيقُ والزَّفِيرُ، والعُواءُ كَعُواءِ الكِلابِ، لا يُفْهِمُونَ ولا يُفْهَمُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ لَهم سِتَّ دَعَواتٍ، إذا دَخَلُوا النّارَ قالُوا ألْفَ سَنَةٍ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] فَيُجابُونَ ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] فَيُنادُونَ ألْفَ سَنَةٍ ثانِيَةٍ ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافِرٍ: ١١] فَيُجابُونَ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافِرٍ: ١٢] فَيُنادُونَ ألْفًا ثالِثَةً ﴿يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجابُونَ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُنادُونَ ألْفًا رابِعَةً ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٤] فَيُنادُونَ ألْفًا خامِسَةً ﴿أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُنادُونَ ألْفًا سادِسَةً ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩٩] فَيُجابُونَ ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى، أنَّ فَزَعَهم بِأمْرٍ يَتَّصِلُ بِالمُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَوَصَفَ تَعالى أحَدَ ما لِأجْلِهِ عُذِّبُوا وبُعِدُوا مِنَ الخَيْرِ، وهو ما عامَلُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ.
وفِي حَرْفِ أُبَيٍّ ”أنَّهُ كانَ فَرِيقٌ“ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى لِأنَّهُ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الكُوفَةِ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ هاهُنا، وفي ص قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هُما لُغَتانِ كَدُرِّيٍّ ودِرِّيٍّ. وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: الكَسْرُ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ، والضَّمُّ بِمَعْنى السُّخْرِيَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وعُتْبَةَ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَضْحَكُونَ بِالفُقَراءِ مِنهم مِثْلِ بِلالٍ وخَبّابٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ، والمَعْنى اتَّخَذْتُمُوهم هُزُوًا حَتّى أنْسَوْكم بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ذِكْرِي، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَقْتَضِي فِيهِمُ الأسَفَ والحَسْرَةَ بِأنْ وصَفَ ما جازى بِهِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنَّهُمْ“ بِالكَسْرِ والباقُونَ بِالفَتْحِ، فالكَسْرُ اسْتِئْنافٌ؛ أيْ: قَدْ فازُوا حَيْثُ صَبَرُوا فَجُوزُوا بِصَبْرِهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ، والفَتْحُ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي مِن جَزَيْتُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ الخافِضِ؛ أيْ: جَزَيْتُهُمُ الجَزاءَ الوافِرَ؛ لِأنَّهم هُمُ الفائِزُونَ.
المؤمنون 23:111
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ذَكَرُوا ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْهُ، وهو مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: غَلَبَتْ عَلَيْنا: مَلَكَتْنا، مِن قَوْلِكَ: غَلَبَنِي فُلانٌ عَلى كَذا: إذا أخَذَهُ مِنكَ، والشَّقاوَةُ: سُوءُ العاقِبَةِ، قُرِئَ: ”شِقْوَتُنا“ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها فِيهِما، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الشِّقْوَةُ مِنَ الشَّقاءِ كَجِرْيَةِ الماءِ، والمَصْدَرُ الجَرْيُ، وقَدْ يَجِيءُ لَفْظُ فِعْلَةٍ، والمُرادُ بِهِ الهَيْئَةُ والحالُ، فَيَقُولُ: جِلْسَةٌ حَسَنَةٌ ورِكْبَةٌ وقِعْدَةٌ، وذَلِكَ مِنَ الهَيْئَةِ، وتَقُولُ: عاشَ فُلانٌ عِيشَةً طَيِّبَةً وماتَ مِيتَةً كَرِيمَةً، وهَذا هو الحالُ والهَيْئَةُ، فَعَلى هَذا، المُرادُ مِنَ الشِّقْوَةِ حالُ الشَّقاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ طَلَبَنا اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةَ وحِرْصَنا عَلى العَمَلِ القَبِيحِ ساقَنا إلى هَذِهِ الشَّقاوَةِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِذارٍ مِنهم لِعِلْمِهِمْ بِأنْ لا عُذْرَ لَهم فِيهِ، ولَكِنَّهُ اعْتِرافٌ بِقِيامِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في سُوءِ صَنِيعِهِمْ. قُلْنا: إنَّكَ حَمَلْتَ الشَّقاوَةَ عَلى طَلَبِ تِلْكَ اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةِ، وطَلَبُ تِلْكَ اللَّذّاتِ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ أوْ لا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإنْ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ فَذَلِكَ الِاخْتِيارُ مُحْدَثٌ، فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُؤَثِّرِ فَلِمَ لا يَجُوزُ في كُلِّ الحَوادِثِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ عَلَيْكَ بابُ إثْباتِ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُحْدِثٍ، فَمُحْدِثُهُ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ تَعالى؛ فَإنْ كانَ هو العَبْدَ فَذَلِكَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَإنْ تَوَقَّفَ صُدُورُ تِلْكَ الإرادَةِ عَنْها إلى مُرَجِّحٍ آخَرَ، عادَ الكَلامُ فِيهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى المُرَجِّحِ فَقَدْ جَوَّزْتَ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ.
وثانِيها: أنَّ العَبْدَ لا يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ تِلْكَ الأفْعالِ ولا كَيْفِيَّتَها، والجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ مُحْدِثًا لَهُ، وإلّا لَبَطَلَتْ دَلالَةُ الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّ أحَدًا في الدُّنْيا لا يَرْضى بِأنْ يَخْتارَ الجَهْلَ، بَلْ لا يَقْصِدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فالكافِرُ ما قَصَدَ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فَإنْ كانَ المُوجِدُ لِفِعْلِهِ هو فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ إلّا ما قَصَدَ إيقاعَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلّا العِلْمَ، فَكَيْفَ حَصَلَ الجَهْلُ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُوجِدَ لِلدَّواعِي والبَواعِثِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الدّاعِيَةَ إنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الخَيْرِ كانَتْ سَعادَةً، وإنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الشَّرِّ كانَتْ شَقاوَةً.
الوجه الثّانِي لَهم في الجَوابِ: قَوْلُهُمْ: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ وهَذا الضَّلالُ الَّذِي جَعَلُوهُ كالعِلَّةِ في إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ إنْ كانَ هو نَفْسَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ لَزِمَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الضَّلالُ عِبارَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِعْلُهم، وما ذاكَ إلّا
صفحة ١٠٩
خَلْقُ الدّاعِي إلى الضَّلالِ. ثُمَّ إنَّ القَوْمَ لَمّا أوْرَدُوا هَذَيْنِ العُذْرَيْنِ، قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وهَذا هو صَرِيحُ قَوْلِنا في أنَّ المُناظَرَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ جائِزَةٍ، بَلْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. قالَ القاضِي: في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا عُذْرَ لَهم إلّا الِاعْتِرافُ، فَلَوْ كانَ كُفْرُهم مِن خَلْقِهِ تَعالى وبِإرادَتِهِ، وعَلِمُوا ذَلِكَ لَكانُوا بِأنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ أجْدَرَ وإلى العُذْرِ أقْرَبَ، فَنَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، ولَكِنَّهم مُقِرُّونَ أنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَلا جَرَمَ قالَ لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ فالمَعْنى: أخْرِجْنا مِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارِ الدُّنْيا، فَإنْ عُدْنا إلى الأعْمالِ السَّيِّئَةِ فَإنّا ظالِمُونَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ عِقابَهم دائِمٌ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُمُ السَّهْوُ عَنْ ذَلِكَ في أحْوالِ شِدَّةِ العَذابِ فَيَسْألُونَ الرَّجْعَةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ يَسْألُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الغَوْثِ والِاسْتِرْواحِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ فالمَعْنى ذِلُّوا فِيها وانْزَجِرُوا كَما يُزْجَرُ الكِلابُ إذا زُجِرَتْ، يُقالُ: خَسَأ الكَلْبُ وخَسَأ بِنَفْسِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فَلَيْسَ هَذا نَهْيًا لِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ في الآخِرَةِ، بَلِ المُرادُ لا تُكَلِّمُونِ في رَفْعِ العَذابِ فَإنَّهُ لا يُرْفَعُ ولا يُخَفَّفُ، قِيلَ: هو آخِرُ كَلامٍ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ثُمَّ لا كَلامَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الشَّهِيقُ والزَّفِيرُ، والعُواءُ كَعُواءِ الكِلابِ، لا يُفْهِمُونَ ولا يُفْهَمُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ لَهم سِتَّ دَعَواتٍ، إذا دَخَلُوا النّارَ قالُوا ألْفَ سَنَةٍ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] فَيُجابُونَ ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] فَيُنادُونَ ألْفَ سَنَةٍ ثانِيَةٍ ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافِرٍ: ١١] فَيُجابُونَ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافِرٍ: ١٢] فَيُنادُونَ ألْفًا ثالِثَةً ﴿يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجابُونَ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُنادُونَ ألْفًا رابِعَةً ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٤] فَيُنادُونَ ألْفًا خامِسَةً ﴿أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُنادُونَ ألْفًا سادِسَةً ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩٩] فَيُجابُونَ ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى، أنَّ فَزَعَهم بِأمْرٍ يَتَّصِلُ بِالمُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَوَصَفَ تَعالى أحَدَ ما لِأجْلِهِ عُذِّبُوا وبُعِدُوا مِنَ الخَيْرِ، وهو ما عامَلُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ.
وفِي حَرْفِ أُبَيٍّ ”أنَّهُ كانَ فَرِيقٌ“ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى لِأنَّهُ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الكُوفَةِ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ هاهُنا، وفي ص قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هُما لُغَتانِ كَدُرِّيٍّ ودِرِّيٍّ. وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: الكَسْرُ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ، والضَّمُّ بِمَعْنى السُّخْرِيَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وعُتْبَةَ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَضْحَكُونَ بِالفُقَراءِ مِنهم مِثْلِ بِلالٍ وخَبّابٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ، والمَعْنى اتَّخَذْتُمُوهم هُزُوًا حَتّى أنْسَوْكم بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ذِكْرِي، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَقْتَضِي فِيهِمُ الأسَفَ والحَسْرَةَ بِأنْ وصَفَ ما جازى بِهِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنَّهُمْ“ بِالكَسْرِ والباقُونَ بِالفَتْحِ، فالكَسْرُ اسْتِئْنافٌ؛ أيْ: قَدْ فازُوا حَيْثُ صَبَرُوا فَجُوزُوا بِصَبْرِهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ، والفَتْحُ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي مِن جَزَيْتُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ الخافِضِ؛ أيْ: جَزَيْتُهُمُ الجَزاءَ الوافِرَ؛ لِأنَّهم هُمُ الفائِزُونَ.
المؤمنون 23:112
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الكُوفَةِ: ”قالَ“ وهو ضَمِيرُ (اللَّهِ) أوِ المَأْمُورِ بِسُؤالِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، و”قُلْ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ والشّامِ، وهو ضَمِيرُ المَلَكِ أوْ بَعْضِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّبْكِيتُ والتَّوْبِيخُ، فَقَدْ كانُوا يُنْكِرُونَ اللُّبْثَ في الآخِرَةِ أصْلًا ولا يَعُدُّونَ اللُّبْثَ إلّا في دارِ الدُّنْيا، ويَظُنُّونَ أنَّ بَعْدَ المَوْتِ يَدُومُ الفَناءُ ولا إعادَةَ، فَلَمّا حَصَلُوا في النّارِ وأيْقَنُوا أنَّها دائِمَةٌ وهم فِيها مُخَلَّدُونَ سَألَهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ ما ظَنُّوهُ دائِمًا طَوِيلًا فَهو يَسِيرٌ بِالإضافَةِ إلى ما أنْكَرُوهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في الدُّنْيا مِن حَيْثُ أيْقَنُوا خِلافَهُ، فَلَيْسَ الغَرَضُ السُّؤالُ بَلِ الغَرَضُ ما ذَكَرْنا. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ في جَوابِهِمْ أنْ يَقُولُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ولا يَقَعُ مِن أهْلِ النّارِ الكَذِبُ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم نَسُوا ذَلِكَ لِكَثْرَةِ ما هم فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِهَذا النِّسْيانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنْساهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: مُرادُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ تَصْغِيرُ لُبْثِهِمْ وتَحْقِيرُهُ بِالإضافَةِ إلى ما وقَعُوا فِيهِ وعَرَفُوهُ مِن ألِيمِ العَذابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ السُّؤالَ عَنْ أيِّ لُبْثٍ وقَعَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لُبْثُهم: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ويَكُونُ المُرادُ أنَّهم أُمْهِلُوا حَتّى تَمْكَّنُوا مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، فَأجابُوا بِأنَّ قَدْرَ لُبْثِهِمْ كانَ يَسِيرًا بِناءً عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّ الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ، وهَذا القائِلُ احْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنْ لا حَياةَ سِواها، فَلَمّا أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى في النّارِ وعُذِّبُوا سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا؛ لِأنَّهُ إلى التَّوْبِيخِ أقْرَبُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ اللُّبْثُ في حالِ المَوْتِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِأمْرَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ في الأرْضِ يُفِيدُ الكَوْنَ في القَبْرِ، ومَن كانَ حَيًّا فالأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلى الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٦]. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، وأخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ قَوْلَهُمْ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦].
صفحة ١١١
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أنْكَرَ عَذابَ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ يَتَناوَلُ زَمانَ كَوْنِهِمْ أحْياءً فَوْقَ الأرْضِ، وزَمانَ كَوْنِهِمْ أمْواتًا في بَطْنِ الأرْضِ، فَلَوْ كانُوا مُعَذَّبِينَ في القَبْرِ لَعَلِمُوا أنَّ مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في الأرْضِ طَوِيلَةٌ، فَما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ الجَوابَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ السُّؤالِ، وإنَّما سُئلُوا عَنْ مَوْتٍ لا حَياةَ بَعْدَهُ إلّا في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ عَذابِ القَبْرِ.
والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا سُئلُوا عَنْ قَدْرِ اللُّبْثِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ، فَلا يَدْخُلُ في ذَلِكَ تَقَدُّمُ مَوْتِ بَعْضِهِمْ عَلى البَعْضِ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابُهم ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عِنْدَ أنْفُسِنا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: المُرادُ بِهِمُ الحَفَظَةُ، وأنَّهم كانُوا يُحْصُونَ الأعْمالَ وأوْقاتَ الحَياةِ، ويَحْسِبُونَ أوْقاتَ مَوْتِهِمْ وتَقَدُّمَ مَن تَقَدَّمَ وتَأخُّرَ مَن تَأخَّرَ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ: فاسْألِ العادِّينَ؛ أيْ: الَّذِينَ يَحْسِبُونَ.
وثانِيها: فاسْألِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أيّامَ الدُّنْيا وساعاتِها.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى سَلْ مَن يَعْرِفُ عَدَدَ ذَلِكَ فَإنّا قَدْ نَسِيناهُ.
ورابِعُها: قُرِئَ ”العادِينَ“ بِالتَّخْفِيفِ؛ أيْ: الظَّلَمَةَ فَإنَّهم يَقُولُونَ مِثْلَ ما قُلْنا.
وخامِسُها: قُرِئَ ”العادِيِّينَ“ أيْ: القُدَماءِ المُعَمِّرِينَ، فَإنَّهم يَسْتَقْصِرُونَها فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُمْ؟
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فالمَعْنى أنَّهم قالُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عَلى مَعْنى أنّا لَبِثْنا في الدُّنْيا قَلِيلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ ما لَبِثْتُمْ فِيها إلّا قَلِيلًا إلّا أنَّها انْقَضَتْ ومَضَتْ، فَظَهَرَ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُ قِلَّةِ أيّامِ الدُّنْيا في مُقابَلَةِ أيّامِ الآخِرَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ في هَذا الوجه أنَّهُ أرادَ أنَّهُ قَلِيلٌ لَوْ عَلِمْتُمُ البَعْثَ والحَشْرَ، لَكِنَّكم لَمّا أنْكَرْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ تُعِدُّونَهُ طَوِيلًا.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما هو في التَّوْبِيخِ أعْظَمُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿عَبَثًا﴾ حالٌ؛ أيْ: عابِثِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لاعِبِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٦] أوْ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: ما خَلَقْناكم لِلْعَبَثِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ القِيامَةِ خَتَمَ الكَلامَ فِيها بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِها، وهي أنَّهُ لَوْلا القِيامَةُ لَما تَمَيَّزَ المُطِيعُ مِنَ العاصِي والصِّدِّيقُ مِنَ الزِّنْدِيقِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ خَلْقُ هَذا العالَمِ عَبَثًا، وأمّا الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى فالمُرادُ إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ، لا أنَّهُ رُجُوعٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ؛ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ العَبَثِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ والمَلِكُ هو المالِكُ لِلْأشْياءِ الَّذِي لا يَبِيدُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ وقُدْرَتُهُ، وأمّا الحَقُّ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ المُلْكُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ وإلَيْهِ، وهو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ وأنَّ ما عَداهُ فَمَصِيرُهُ إلى الفَناءِ، وما يَفْنى لا يَكُونُ إلَهًا، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى: ﴿رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ . قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والعَرْشُ هاهُنا السَّماواتُ بِما فِيها مِنَ العَرْشِ الَّذِي تَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ المُلْكَ العَظِيمَ، وقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ هو العَرْشُ حَقِيقَةً، وإنَّما وصَفَهُ بِالكَرِيمِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنهُ، والخَيْرُ والبَرَكَةُ، ولِنِسْبَتِهِ إلى أكْرَمَ الأكْرَمِينَ، كَما يُقالُ: بَيْتٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ ساكِنُوهُ كِرامًا، وقُرِئَ ”الكَرِيمُ“ بِالرَّفْعِ، ونَحْوُهُ (ذُو العَرْشِ المَجِيدُ).
المؤمنون 23:113
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الكُوفَةِ: ”قالَ“ وهو ضَمِيرُ (اللَّهِ) أوِ المَأْمُورِ بِسُؤالِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، و”قُلْ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ والشّامِ، وهو ضَمِيرُ المَلَكِ أوْ بَعْضِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّبْكِيتُ والتَّوْبِيخُ، فَقَدْ كانُوا يُنْكِرُونَ اللُّبْثَ في الآخِرَةِ أصْلًا ولا يَعُدُّونَ اللُّبْثَ إلّا في دارِ الدُّنْيا، ويَظُنُّونَ أنَّ بَعْدَ المَوْتِ يَدُومُ الفَناءُ ولا إعادَةَ، فَلَمّا حَصَلُوا في النّارِ وأيْقَنُوا أنَّها دائِمَةٌ وهم فِيها مُخَلَّدُونَ سَألَهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ ما ظَنُّوهُ دائِمًا طَوِيلًا فَهو يَسِيرٌ بِالإضافَةِ إلى ما أنْكَرُوهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في الدُّنْيا مِن حَيْثُ أيْقَنُوا خِلافَهُ، فَلَيْسَ الغَرَضُ السُّؤالُ بَلِ الغَرَضُ ما ذَكَرْنا. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ في جَوابِهِمْ أنْ يَقُولُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ولا يَقَعُ مِن أهْلِ النّارِ الكَذِبُ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم نَسُوا ذَلِكَ لِكَثْرَةِ ما هم فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِهَذا النِّسْيانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنْساهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: مُرادُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ تَصْغِيرُ لُبْثِهِمْ وتَحْقِيرُهُ بِالإضافَةِ إلى ما وقَعُوا فِيهِ وعَرَفُوهُ مِن ألِيمِ العَذابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ السُّؤالَ عَنْ أيِّ لُبْثٍ وقَعَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لُبْثُهم: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ويَكُونُ المُرادُ أنَّهم أُمْهِلُوا حَتّى تَمْكَّنُوا مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، فَأجابُوا بِأنَّ قَدْرَ لُبْثِهِمْ كانَ يَسِيرًا بِناءً عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّ الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ، وهَذا القائِلُ احْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنْ لا حَياةَ سِواها، فَلَمّا أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى في النّارِ وعُذِّبُوا سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا؛ لِأنَّهُ إلى التَّوْبِيخِ أقْرَبُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ اللُّبْثُ في حالِ المَوْتِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِأمْرَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ في الأرْضِ يُفِيدُ الكَوْنَ في القَبْرِ، ومَن كانَ حَيًّا فالأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلى الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٦]. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، وأخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ قَوْلَهُمْ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦].
صفحة ١١١
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أنْكَرَ عَذابَ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ يَتَناوَلُ زَمانَ كَوْنِهِمْ أحْياءً فَوْقَ الأرْضِ، وزَمانَ كَوْنِهِمْ أمْواتًا في بَطْنِ الأرْضِ، فَلَوْ كانُوا مُعَذَّبِينَ في القَبْرِ لَعَلِمُوا أنَّ مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في الأرْضِ طَوِيلَةٌ، فَما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ الجَوابَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ السُّؤالِ، وإنَّما سُئلُوا عَنْ مَوْتٍ لا حَياةَ بَعْدَهُ إلّا في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ عَذابِ القَبْرِ.
والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا سُئلُوا عَنْ قَدْرِ اللُّبْثِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ، فَلا يَدْخُلُ في ذَلِكَ تَقَدُّمُ مَوْتِ بَعْضِهِمْ عَلى البَعْضِ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابُهم ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عِنْدَ أنْفُسِنا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: المُرادُ بِهِمُ الحَفَظَةُ، وأنَّهم كانُوا يُحْصُونَ الأعْمالَ وأوْقاتَ الحَياةِ، ويَحْسِبُونَ أوْقاتَ مَوْتِهِمْ وتَقَدُّمَ مَن تَقَدَّمَ وتَأخُّرَ مَن تَأخَّرَ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ: فاسْألِ العادِّينَ؛ أيْ: الَّذِينَ يَحْسِبُونَ.
وثانِيها: فاسْألِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أيّامَ الدُّنْيا وساعاتِها.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى سَلْ مَن يَعْرِفُ عَدَدَ ذَلِكَ فَإنّا قَدْ نَسِيناهُ.
ورابِعُها: قُرِئَ ”العادِينَ“ بِالتَّخْفِيفِ؛ أيْ: الظَّلَمَةَ فَإنَّهم يَقُولُونَ مِثْلَ ما قُلْنا.
وخامِسُها: قُرِئَ ”العادِيِّينَ“ أيْ: القُدَماءِ المُعَمِّرِينَ، فَإنَّهم يَسْتَقْصِرُونَها فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُمْ؟
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فالمَعْنى أنَّهم قالُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عَلى مَعْنى أنّا لَبِثْنا في الدُّنْيا قَلِيلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ ما لَبِثْتُمْ فِيها إلّا قَلِيلًا إلّا أنَّها انْقَضَتْ ومَضَتْ، فَظَهَرَ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُ قِلَّةِ أيّامِ الدُّنْيا في مُقابَلَةِ أيّامِ الآخِرَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ في هَذا الوجه أنَّهُ أرادَ أنَّهُ قَلِيلٌ لَوْ عَلِمْتُمُ البَعْثَ والحَشْرَ، لَكِنَّكم لَمّا أنْكَرْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ تُعِدُّونَهُ طَوِيلًا.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما هو في التَّوْبِيخِ أعْظَمُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿عَبَثًا﴾ حالٌ؛ أيْ: عابِثِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لاعِبِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٦] أوْ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: ما خَلَقْناكم لِلْعَبَثِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ القِيامَةِ خَتَمَ الكَلامَ فِيها بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِها، وهي أنَّهُ لَوْلا القِيامَةُ لَما تَمَيَّزَ المُطِيعُ مِنَ العاصِي والصِّدِّيقُ مِنَ الزِّنْدِيقِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ خَلْقُ هَذا العالَمِ عَبَثًا، وأمّا الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى فالمُرادُ إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ، لا أنَّهُ رُجُوعٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ؛ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ العَبَثِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ والمَلِكُ هو المالِكُ لِلْأشْياءِ الَّذِي لا يَبِيدُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ وقُدْرَتُهُ، وأمّا الحَقُّ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ المُلْكُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ وإلَيْهِ، وهو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ وأنَّ ما عَداهُ فَمَصِيرُهُ إلى الفَناءِ، وما يَفْنى لا يَكُونُ إلَهًا، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى: ﴿رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ . قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والعَرْشُ هاهُنا السَّماواتُ بِما فِيها مِنَ العَرْشِ الَّذِي تَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ المُلْكَ العَظِيمَ، وقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ هو العَرْشُ حَقِيقَةً، وإنَّما وصَفَهُ بِالكَرِيمِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنهُ، والخَيْرُ والبَرَكَةُ، ولِنِسْبَتِهِ إلى أكْرَمَ الأكْرَمِينَ، كَما يُقالُ: بَيْتٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ ساكِنُوهُ كِرامًا، وقُرِئَ ”الكَرِيمُ“ بِالرَّفْعِ، ونَحْوُهُ (ذُو العَرْشِ المَجِيدُ).
المؤمنون 23:114
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الكُوفَةِ: ”قالَ“ وهو ضَمِيرُ (اللَّهِ) أوِ المَأْمُورِ بِسُؤالِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، و”قُلْ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ والشّامِ، وهو ضَمِيرُ المَلَكِ أوْ بَعْضِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّبْكِيتُ والتَّوْبِيخُ، فَقَدْ كانُوا يُنْكِرُونَ اللُّبْثَ في الآخِرَةِ أصْلًا ولا يَعُدُّونَ اللُّبْثَ إلّا في دارِ الدُّنْيا، ويَظُنُّونَ أنَّ بَعْدَ المَوْتِ يَدُومُ الفَناءُ ولا إعادَةَ، فَلَمّا حَصَلُوا في النّارِ وأيْقَنُوا أنَّها دائِمَةٌ وهم فِيها مُخَلَّدُونَ سَألَهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ ما ظَنُّوهُ دائِمًا طَوِيلًا فَهو يَسِيرٌ بِالإضافَةِ إلى ما أنْكَرُوهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في الدُّنْيا مِن حَيْثُ أيْقَنُوا خِلافَهُ، فَلَيْسَ الغَرَضُ السُّؤالُ بَلِ الغَرَضُ ما ذَكَرْنا. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ في جَوابِهِمْ أنْ يَقُولُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ولا يَقَعُ مِن أهْلِ النّارِ الكَذِبُ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم نَسُوا ذَلِكَ لِكَثْرَةِ ما هم فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِهَذا النِّسْيانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنْساهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: مُرادُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ تَصْغِيرُ لُبْثِهِمْ وتَحْقِيرُهُ بِالإضافَةِ إلى ما وقَعُوا فِيهِ وعَرَفُوهُ مِن ألِيمِ العَذابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ السُّؤالَ عَنْ أيِّ لُبْثٍ وقَعَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لُبْثُهم: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ويَكُونُ المُرادُ أنَّهم أُمْهِلُوا حَتّى تَمْكَّنُوا مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، فَأجابُوا بِأنَّ قَدْرَ لُبْثِهِمْ كانَ يَسِيرًا بِناءً عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّ الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ، وهَذا القائِلُ احْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنْ لا حَياةَ سِواها، فَلَمّا أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى في النّارِ وعُذِّبُوا سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا؛ لِأنَّهُ إلى التَّوْبِيخِ أقْرَبُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ اللُّبْثُ في حالِ المَوْتِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِأمْرَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ في الأرْضِ يُفِيدُ الكَوْنَ في القَبْرِ، ومَن كانَ حَيًّا فالأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلى الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٦]. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، وأخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ قَوْلَهُمْ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦].
صفحة ١١١
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أنْكَرَ عَذابَ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ يَتَناوَلُ زَمانَ كَوْنِهِمْ أحْياءً فَوْقَ الأرْضِ، وزَمانَ كَوْنِهِمْ أمْواتًا في بَطْنِ الأرْضِ، فَلَوْ كانُوا مُعَذَّبِينَ في القَبْرِ لَعَلِمُوا أنَّ مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في الأرْضِ طَوِيلَةٌ، فَما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ الجَوابَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ السُّؤالِ، وإنَّما سُئلُوا عَنْ مَوْتٍ لا حَياةَ بَعْدَهُ إلّا في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ عَذابِ القَبْرِ.
والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا سُئلُوا عَنْ قَدْرِ اللُّبْثِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ، فَلا يَدْخُلُ في ذَلِكَ تَقَدُّمُ مَوْتِ بَعْضِهِمْ عَلى البَعْضِ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابُهم ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عِنْدَ أنْفُسِنا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: المُرادُ بِهِمُ الحَفَظَةُ، وأنَّهم كانُوا يُحْصُونَ الأعْمالَ وأوْقاتَ الحَياةِ، ويَحْسِبُونَ أوْقاتَ مَوْتِهِمْ وتَقَدُّمَ مَن تَقَدَّمَ وتَأخُّرَ مَن تَأخَّرَ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ: فاسْألِ العادِّينَ؛ أيْ: الَّذِينَ يَحْسِبُونَ.
وثانِيها: فاسْألِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أيّامَ الدُّنْيا وساعاتِها.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى سَلْ مَن يَعْرِفُ عَدَدَ ذَلِكَ فَإنّا قَدْ نَسِيناهُ.
ورابِعُها: قُرِئَ ”العادِينَ“ بِالتَّخْفِيفِ؛ أيْ: الظَّلَمَةَ فَإنَّهم يَقُولُونَ مِثْلَ ما قُلْنا.
وخامِسُها: قُرِئَ ”العادِيِّينَ“ أيْ: القُدَماءِ المُعَمِّرِينَ، فَإنَّهم يَسْتَقْصِرُونَها فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُمْ؟
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فالمَعْنى أنَّهم قالُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عَلى مَعْنى أنّا لَبِثْنا في الدُّنْيا قَلِيلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ ما لَبِثْتُمْ فِيها إلّا قَلِيلًا إلّا أنَّها انْقَضَتْ ومَضَتْ، فَظَهَرَ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُ قِلَّةِ أيّامِ الدُّنْيا في مُقابَلَةِ أيّامِ الآخِرَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ في هَذا الوجه أنَّهُ أرادَ أنَّهُ قَلِيلٌ لَوْ عَلِمْتُمُ البَعْثَ والحَشْرَ، لَكِنَّكم لَمّا أنْكَرْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ تُعِدُّونَهُ طَوِيلًا.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما هو في التَّوْبِيخِ أعْظَمُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿عَبَثًا﴾ حالٌ؛ أيْ: عابِثِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لاعِبِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٦] أوْ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: ما خَلَقْناكم لِلْعَبَثِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ القِيامَةِ خَتَمَ الكَلامَ فِيها بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِها، وهي أنَّهُ لَوْلا القِيامَةُ لَما تَمَيَّزَ المُطِيعُ مِنَ العاصِي والصِّدِّيقُ مِنَ الزِّنْدِيقِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ خَلْقُ هَذا العالَمِ عَبَثًا، وأمّا الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى فالمُرادُ إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ، لا أنَّهُ رُجُوعٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ؛ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ العَبَثِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ والمَلِكُ هو المالِكُ لِلْأشْياءِ الَّذِي لا يَبِيدُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ وقُدْرَتُهُ، وأمّا الحَقُّ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ المُلْكُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ وإلَيْهِ، وهو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ وأنَّ ما عَداهُ فَمَصِيرُهُ إلى الفَناءِ، وما يَفْنى لا يَكُونُ إلَهًا، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى: ﴿رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ . قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والعَرْشُ هاهُنا السَّماواتُ بِما فِيها مِنَ العَرْشِ الَّذِي تَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ المُلْكَ العَظِيمَ، وقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ هو العَرْشُ حَقِيقَةً، وإنَّما وصَفَهُ بِالكَرِيمِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنهُ، والخَيْرُ والبَرَكَةُ، ولِنِسْبَتِهِ إلى أكْرَمَ الأكْرَمِينَ، كَما يُقالُ: بَيْتٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ ساكِنُوهُ كِرامًا، وقُرِئَ ”الكَرِيمُ“ بِالرَّفْعِ، ونَحْوُهُ (ذُو العَرْشِ المَجِيدُ).
المؤمنون 23:115
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الكُوفَةِ: ”قالَ“ وهو ضَمِيرُ (اللَّهِ) أوِ المَأْمُورِ بِسُؤالِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، و”قُلْ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ والشّامِ، وهو ضَمِيرُ المَلَكِ أوْ بَعْضِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّبْكِيتُ والتَّوْبِيخُ، فَقَدْ كانُوا يُنْكِرُونَ اللُّبْثَ في الآخِرَةِ أصْلًا ولا يَعُدُّونَ اللُّبْثَ إلّا في دارِ الدُّنْيا، ويَظُنُّونَ أنَّ بَعْدَ المَوْتِ يَدُومُ الفَناءُ ولا إعادَةَ، فَلَمّا حَصَلُوا في النّارِ وأيْقَنُوا أنَّها دائِمَةٌ وهم فِيها مُخَلَّدُونَ سَألَهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ ما ظَنُّوهُ دائِمًا طَوِيلًا فَهو يَسِيرٌ بِالإضافَةِ إلى ما أنْكَرُوهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في الدُّنْيا مِن حَيْثُ أيْقَنُوا خِلافَهُ، فَلَيْسَ الغَرَضُ السُّؤالُ بَلِ الغَرَضُ ما ذَكَرْنا. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ في جَوابِهِمْ أنْ يَقُولُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ولا يَقَعُ مِن أهْلِ النّارِ الكَذِبُ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم نَسُوا ذَلِكَ لِكَثْرَةِ ما هم فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِهَذا النِّسْيانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنْساهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: مُرادُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ تَصْغِيرُ لُبْثِهِمْ وتَحْقِيرُهُ بِالإضافَةِ إلى ما وقَعُوا فِيهِ وعَرَفُوهُ مِن ألِيمِ العَذابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ السُّؤالَ عَنْ أيِّ لُبْثٍ وقَعَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لُبْثُهم: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ويَكُونُ المُرادُ أنَّهم أُمْهِلُوا حَتّى تَمْكَّنُوا مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، فَأجابُوا بِأنَّ قَدْرَ لُبْثِهِمْ كانَ يَسِيرًا بِناءً عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّ الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ، وهَذا القائِلُ احْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنْ لا حَياةَ سِواها، فَلَمّا أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى في النّارِ وعُذِّبُوا سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا؛ لِأنَّهُ إلى التَّوْبِيخِ أقْرَبُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ اللُّبْثُ في حالِ المَوْتِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِأمْرَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ في الأرْضِ يُفِيدُ الكَوْنَ في القَبْرِ، ومَن كانَ حَيًّا فالأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلى الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٦]. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، وأخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ قَوْلَهُمْ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦].
صفحة ١١١
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أنْكَرَ عَذابَ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ يَتَناوَلُ زَمانَ كَوْنِهِمْ أحْياءً فَوْقَ الأرْضِ، وزَمانَ كَوْنِهِمْ أمْواتًا في بَطْنِ الأرْضِ، فَلَوْ كانُوا مُعَذَّبِينَ في القَبْرِ لَعَلِمُوا أنَّ مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في الأرْضِ طَوِيلَةٌ، فَما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ الجَوابَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ السُّؤالِ، وإنَّما سُئلُوا عَنْ مَوْتٍ لا حَياةَ بَعْدَهُ إلّا في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ عَذابِ القَبْرِ.
والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا سُئلُوا عَنْ قَدْرِ اللُّبْثِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ، فَلا يَدْخُلُ في ذَلِكَ تَقَدُّمُ مَوْتِ بَعْضِهِمْ عَلى البَعْضِ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابُهم ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عِنْدَ أنْفُسِنا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: المُرادُ بِهِمُ الحَفَظَةُ، وأنَّهم كانُوا يُحْصُونَ الأعْمالَ وأوْقاتَ الحَياةِ، ويَحْسِبُونَ أوْقاتَ مَوْتِهِمْ وتَقَدُّمَ مَن تَقَدَّمَ وتَأخُّرَ مَن تَأخَّرَ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ: فاسْألِ العادِّينَ؛ أيْ: الَّذِينَ يَحْسِبُونَ.
وثانِيها: فاسْألِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أيّامَ الدُّنْيا وساعاتِها.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى سَلْ مَن يَعْرِفُ عَدَدَ ذَلِكَ فَإنّا قَدْ نَسِيناهُ.
ورابِعُها: قُرِئَ ”العادِينَ“ بِالتَّخْفِيفِ؛ أيْ: الظَّلَمَةَ فَإنَّهم يَقُولُونَ مِثْلَ ما قُلْنا.
وخامِسُها: قُرِئَ ”العادِيِّينَ“ أيْ: القُدَماءِ المُعَمِّرِينَ، فَإنَّهم يَسْتَقْصِرُونَها فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُمْ؟
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فالمَعْنى أنَّهم قالُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عَلى مَعْنى أنّا لَبِثْنا في الدُّنْيا قَلِيلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ ما لَبِثْتُمْ فِيها إلّا قَلِيلًا إلّا أنَّها انْقَضَتْ ومَضَتْ، فَظَهَرَ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُ قِلَّةِ أيّامِ الدُّنْيا في مُقابَلَةِ أيّامِ الآخِرَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ في هَذا الوجه أنَّهُ أرادَ أنَّهُ قَلِيلٌ لَوْ عَلِمْتُمُ البَعْثَ والحَشْرَ، لَكِنَّكم لَمّا أنْكَرْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ تُعِدُّونَهُ طَوِيلًا.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما هو في التَّوْبِيخِ أعْظَمُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿عَبَثًا﴾ حالٌ؛ أيْ: عابِثِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لاعِبِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٦] أوْ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: ما خَلَقْناكم لِلْعَبَثِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ القِيامَةِ خَتَمَ الكَلامَ فِيها بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِها، وهي أنَّهُ لَوْلا القِيامَةُ لَما تَمَيَّزَ المُطِيعُ مِنَ العاصِي والصِّدِّيقُ مِنَ الزِّنْدِيقِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ خَلْقُ هَذا العالَمِ عَبَثًا، وأمّا الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى فالمُرادُ إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ، لا أنَّهُ رُجُوعٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ؛ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ العَبَثِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ والمَلِكُ هو المالِكُ لِلْأشْياءِ الَّذِي لا يَبِيدُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ وقُدْرَتُهُ، وأمّا الحَقُّ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ المُلْكُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ وإلَيْهِ، وهو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ وأنَّ ما عَداهُ فَمَصِيرُهُ إلى الفَناءِ، وما يَفْنى لا يَكُونُ إلَهًا، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى: ﴿رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ . قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والعَرْشُ هاهُنا السَّماواتُ بِما فِيها مِنَ العَرْشِ الَّذِي تَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ المُلْكَ العَظِيمَ، وقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ هو العَرْشُ حَقِيقَةً، وإنَّما وصَفَهُ بِالكَرِيمِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنهُ، والخَيْرُ والبَرَكَةُ، ولِنِسْبَتِهِ إلى أكْرَمَ الأكْرَمِينَ، كَما يُقالُ: بَيْتٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ ساكِنُوهُ كِرامًا، وقُرِئَ ”الكَرِيمُ“ بِالرَّفْعِ، ونَحْوُهُ (ذُو العَرْشِ المَجِيدُ).
المؤمنون 23:116
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الكُوفَةِ: ”قالَ“ وهو ضَمِيرُ (اللَّهِ) أوِ المَأْمُورِ بِسُؤالِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، و”قُلْ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ والشّامِ، وهو ضَمِيرُ المَلَكِ أوْ بَعْضِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّبْكِيتُ والتَّوْبِيخُ، فَقَدْ كانُوا يُنْكِرُونَ اللُّبْثَ في الآخِرَةِ أصْلًا ولا يَعُدُّونَ اللُّبْثَ إلّا في دارِ الدُّنْيا، ويَظُنُّونَ أنَّ بَعْدَ المَوْتِ يَدُومُ الفَناءُ ولا إعادَةَ، فَلَمّا حَصَلُوا في النّارِ وأيْقَنُوا أنَّها دائِمَةٌ وهم فِيها مُخَلَّدُونَ سَألَهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ ما ظَنُّوهُ دائِمًا طَوِيلًا فَهو يَسِيرٌ بِالإضافَةِ إلى ما أنْكَرُوهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في الدُّنْيا مِن حَيْثُ أيْقَنُوا خِلافَهُ، فَلَيْسَ الغَرَضُ السُّؤالُ بَلِ الغَرَضُ ما ذَكَرْنا. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ في جَوابِهِمْ أنْ يَقُولُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ولا يَقَعُ مِن أهْلِ النّارِ الكَذِبُ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم نَسُوا ذَلِكَ لِكَثْرَةِ ما هم فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِهَذا النِّسْيانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنْساهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: مُرادُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ تَصْغِيرُ لُبْثِهِمْ وتَحْقِيرُهُ بِالإضافَةِ إلى ما وقَعُوا فِيهِ وعَرَفُوهُ مِن ألِيمِ العَذابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ السُّؤالَ عَنْ أيِّ لُبْثٍ وقَعَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لُبْثُهم: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ويَكُونُ المُرادُ أنَّهم أُمْهِلُوا حَتّى تَمْكَّنُوا مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، فَأجابُوا بِأنَّ قَدْرَ لُبْثِهِمْ كانَ يَسِيرًا بِناءً عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّ الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ، وهَذا القائِلُ احْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنْ لا حَياةَ سِواها، فَلَمّا أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى في النّارِ وعُذِّبُوا سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا؛ لِأنَّهُ إلى التَّوْبِيخِ أقْرَبُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ اللُّبْثُ في حالِ المَوْتِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِأمْرَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ في الأرْضِ يُفِيدُ الكَوْنَ في القَبْرِ، ومَن كانَ حَيًّا فالأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلى الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٦]. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، وأخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ قَوْلَهُمْ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦].
صفحة ١١١
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أنْكَرَ عَذابَ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ يَتَناوَلُ زَمانَ كَوْنِهِمْ أحْياءً فَوْقَ الأرْضِ، وزَمانَ كَوْنِهِمْ أمْواتًا في بَطْنِ الأرْضِ، فَلَوْ كانُوا مُعَذَّبِينَ في القَبْرِ لَعَلِمُوا أنَّ مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في الأرْضِ طَوِيلَةٌ، فَما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ الجَوابَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ السُّؤالِ، وإنَّما سُئلُوا عَنْ مَوْتٍ لا حَياةَ بَعْدَهُ إلّا في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ عَذابِ القَبْرِ.
والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا سُئلُوا عَنْ قَدْرِ اللُّبْثِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ، فَلا يَدْخُلُ في ذَلِكَ تَقَدُّمُ مَوْتِ بَعْضِهِمْ عَلى البَعْضِ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابُهم ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عِنْدَ أنْفُسِنا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: المُرادُ بِهِمُ الحَفَظَةُ، وأنَّهم كانُوا يُحْصُونَ الأعْمالَ وأوْقاتَ الحَياةِ، ويَحْسِبُونَ أوْقاتَ مَوْتِهِمْ وتَقَدُّمَ مَن تَقَدَّمَ وتَأخُّرَ مَن تَأخَّرَ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ: فاسْألِ العادِّينَ؛ أيْ: الَّذِينَ يَحْسِبُونَ.
وثانِيها: فاسْألِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أيّامَ الدُّنْيا وساعاتِها.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى سَلْ مَن يَعْرِفُ عَدَدَ ذَلِكَ فَإنّا قَدْ نَسِيناهُ.
ورابِعُها: قُرِئَ ”العادِينَ“ بِالتَّخْفِيفِ؛ أيْ: الظَّلَمَةَ فَإنَّهم يَقُولُونَ مِثْلَ ما قُلْنا.
وخامِسُها: قُرِئَ ”العادِيِّينَ“ أيْ: القُدَماءِ المُعَمِّرِينَ، فَإنَّهم يَسْتَقْصِرُونَها فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُمْ؟
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فالمَعْنى أنَّهم قالُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عَلى مَعْنى أنّا لَبِثْنا في الدُّنْيا قَلِيلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ ما لَبِثْتُمْ فِيها إلّا قَلِيلًا إلّا أنَّها انْقَضَتْ ومَضَتْ، فَظَهَرَ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُ قِلَّةِ أيّامِ الدُّنْيا في مُقابَلَةِ أيّامِ الآخِرَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ في هَذا الوجه أنَّهُ أرادَ أنَّهُ قَلِيلٌ لَوْ عَلِمْتُمُ البَعْثَ والحَشْرَ، لَكِنَّكم لَمّا أنْكَرْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ تُعِدُّونَهُ طَوِيلًا.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما هو في التَّوْبِيخِ أعْظَمُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿عَبَثًا﴾ حالٌ؛ أيْ: عابِثِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لاعِبِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٦] أوْ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: ما خَلَقْناكم لِلْعَبَثِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ القِيامَةِ خَتَمَ الكَلامَ فِيها بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِها، وهي أنَّهُ لَوْلا القِيامَةُ لَما تَمَيَّزَ المُطِيعُ مِنَ العاصِي والصِّدِّيقُ مِنَ الزِّنْدِيقِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ خَلْقُ هَذا العالَمِ عَبَثًا، وأمّا الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى فالمُرادُ إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ، لا أنَّهُ رُجُوعٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ؛ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ العَبَثِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ والمَلِكُ هو المالِكُ لِلْأشْياءِ الَّذِي لا يَبِيدُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ وقُدْرَتُهُ، وأمّا الحَقُّ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ المُلْكُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ وإلَيْهِ، وهو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ وأنَّ ما عَداهُ فَمَصِيرُهُ إلى الفَناءِ، وما يَفْنى لا يَكُونُ إلَهًا، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى: ﴿رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ . قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والعَرْشُ هاهُنا السَّماواتُ بِما فِيها مِنَ العَرْشِ الَّذِي تَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ المُلْكَ العَظِيمَ، وقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ هو العَرْشُ حَقِيقَةً، وإنَّما وصَفَهُ بِالكَرِيمِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنهُ، والخَيْرُ والبَرَكَةُ، ولِنِسْبَتِهِ إلى أكْرَمَ الأكْرَمِينَ، كَما يُقالُ: بَيْتٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ ساكِنُوهُ كِرامًا، وقُرِئَ ”الكَرِيمُ“ بِالرَّفْعِ، ونَحْوُهُ (ذُو العَرْشِ المَجِيدُ).
المؤمنون 23:117
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ هو المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو، أتْبَعُهُ بِأنَّ مَنِ ادَّعى إلَهًا آخَرَ فَقَدِ ادَّعى باطِلًا مِن حَيْثُ لا بُرْهانَ لَهم فِيهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ ما لا بُرْهانَ فِيهِ لا يَجُوزُ إثْباتُهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ النَّظَرِ وفَسادَ التَّقْلِيدِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن قالَ بِذَلِكَ فَجَزاؤُهُ العِقابُ العَظِيمُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ عِقابَهُ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى حِسابِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ (أنَّهُ لا يُفْلِحُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ومَعْناهُ حِسابُهُ عَدَمُ الفَلاحِ. جَعَلَ فاتِحَةَ السُّورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١] وخاتِمَتَها ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ فَشَتّانَ ما بَيْنَ الفاتِحَةِ والخاتِمَةِ.
ثُمَّ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ: رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، ويُثْنِي عَلَيْهِ بِأنَّهُ خَيْرُ الرّاحِمِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَيْرُ الرّاحِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَتَّصِلُ هَذِهِ الخاتِمَةُ بِما قَبْلَها؟ قُلْنا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ أحْوالَ الكُفّارِ في جَهْلِهِمْ في الدُّنْيا وعَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أمَرَ بِالِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى والِالتِجاءِ إلى دَلائِلِ غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ، فَإنَّهُما هُما العاصِمانِ عَنْ كُلِّ الآفاتِ والمَخافاتِ، ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ وآخِرَها مِن كُنُوزِ العَرْشِ، مَن عَمِلَ بِثَلاثِ آياتٍ مِن أوَّلِها واتَّعَظَ بِأرْبَعٍ مِن آخِرِها، فَقَدْ نَجا وأفْلَحَ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وأصْحابِهِ وأزْواجِهِ وعِتْرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ.
المؤمنون 23:118
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ هو المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو، أتْبَعُهُ بِأنَّ مَنِ ادَّعى إلَهًا آخَرَ فَقَدِ ادَّعى باطِلًا مِن حَيْثُ لا بُرْهانَ لَهم فِيهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ ما لا بُرْهانَ فِيهِ لا يَجُوزُ إثْباتُهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ النَّظَرِ وفَسادَ التَّقْلِيدِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن قالَ بِذَلِكَ فَجَزاؤُهُ العِقابُ العَظِيمُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ عِقابَهُ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى حِسابِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ (أنَّهُ لا يُفْلِحُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ومَعْناهُ حِسابُهُ عَدَمُ الفَلاحِ. جَعَلَ فاتِحَةَ السُّورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١] وخاتِمَتَها ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ فَشَتّانَ ما بَيْنَ الفاتِحَةِ والخاتِمَةِ.
ثُمَّ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ: رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، ويُثْنِي عَلَيْهِ بِأنَّهُ خَيْرُ الرّاحِمِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَيْرُ الرّاحِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَتَّصِلُ هَذِهِ الخاتِمَةُ بِما قَبْلَها؟ قُلْنا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ أحْوالَ الكُفّارِ في جَهْلِهِمْ في الدُّنْيا وعَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أمَرَ بِالِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى والِالتِجاءِ إلى دَلائِلِ غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ، فَإنَّهُما هُما العاصِمانِ عَنْ كُلِّ الآفاتِ والمَخافاتِ، ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ وآخِرَها مِن كُنُوزِ العَرْشِ، مَن عَمِلَ بِثَلاثِ آياتٍ مِن أوَّلِها واتَّعَظَ بِأرْبَعٍ مِن آخِرِها، فَقَدْ نَجا وأفْلَحَ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وأصْحابِهِ وأزْواجِهِ وعِتْرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ.