Tafsir Al-Razi — النور 24:1 – النور 24:26
المحتويات
النور 24:1
صفحة ١١٣
(سُورَةُ النُّورِ)
مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، وهي اثْنَتانِ -وقِيلَ: أرْبَعٌ- وسِتُّونَ آيَةً
﷽
﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾
﷽
﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾
قَرَأ العامَّةُ ”سُورَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالنَّصْبِ، أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالرَّفْعِ فالجُمْهُورُ قالُوا: الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ لا يَجُوزُ، والتَّقْدِيرُ هَذِهِ سُورَةٌ أنْزَلْناها، أوْ نَقُولُ: (سُورَةٌ أنْزَلْناها) مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما أوْحَيْنا إلَيْكَ سُورَةٌ أنْزَلْناها، وقالَ الأخْفَشُ: لا يَبْعُدُ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ، فَسُورَةٌ مُبْتَدَأٌ، وأنْزَلْنا خَبَرُهُ، ومَن نَصَبَ فَعَلى مَعْنى الفِعْلِ، يَعْنِي اتَّبِعُوا سُورَةً، أوْ اتْلُ سُورَةً، أوْ أنْزَلْنا سُورَةً، وأمّا مَعْنى السُّورَةِ ومَعْنى الإنْزالِ فَقَدْ تَقَدَّمَ.
فَإنْ قِيلَ: الإنْزالُ إنَّما يَكُونُ مِن صُعُودٍ إلى نُزُولٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى في جِهَةٍ، قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَحْفَظُها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ثُمَّ يُنْزِلُها عَلَيْهِ ﷺ، فَلِهَذا جازَ أنْ يُقالَ: أنْزَلْناها؛ تَوَسُّعًا.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَها مِن أُمِّ الكِتابِ في السَّماءِ الدُّنْيا دُفْعَةً واحِدَةً ثُمَّ أنْزَلَها بَعْدَ ذَلِكَ نُجُومًا عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: مَعْنى ”أنْزَلْناها“ أيْ: أعْطَيْناها الرَّسُولَ، كَما يَقُولُ العَبْدُ إذا كَلَّمَ سَيِّدَهُ: رَفَعْتُ إلَيْهِ حاجَتِي، كَذَلِكَ يَكُونُ مِنَ السَّيِّدِ إلى العَبْدِ الإنْزالُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطِرٍ: ١٠].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وفَرَضْناها﴾ فالمَشْهُورُ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ.
أمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ فالفَرْضُ هو القَطْعُ والتَّقْدِيرُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] أيْ: قَدَّرْتُمْ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [القَصَصِ: ٨٥] أيْ: قَدَّرَ، ثُمَّ إنَّ السُّورَةَ لا يُمْكِنُ فَرْضُها؛ لِأنَّها قَدْ دَخَلَتْ في الوُجُودِ، وتَحْصِيلُ الحاصِلِ مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفَرَضْنا ما بُيِّنَ فِيها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن بابِ الأحْكامِ والحُدُودِ، فَلِذَلِكَ عَقَّبَها بِهَذا الكَلامِ، وأمّا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ فَقالَ الفَرّاءُ: التَّشْدِيدُ لِلْمُبالَغَةِ والتَّكْثِيرِ، أمّا المُبالَغَةُ فَمِن حَيْثُ إنَّها حُدُودٌ وأحْكامٌ فَلا بُدَّ مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِها لِيَحْصُلَ الِانْقِيادُ لِقَبُولِها، وأمّا التَّكْثِيرُ فَلِوَجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ فِيها أحْكامًا مُخْتَلِفَةً.
والثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ
صفحة ١١٤
وتَعالى أوْجَبَها عَلى كُلِّ المُكَلَّفِينَ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنْواعًا مِنَ الأحْكامِ والحُدُودِ، وفي آخِرِها دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وفَرَضْناها﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ الَّتِي بَيَّنَها أوَّلًا، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ إشارَةٌ إلى ما بُيِّنَ مَن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ فَإنَّ الأحْكامَ والشَّرائِعَ ما كانَتْ مَعْلُومَةً لَهم لِيُؤْمَرُوا بِتَذْكِيرِها. أمّا دَلائِلُ التَّوْحِيدِ فَقَدْ كانَتْ كالمَعْلُومَةِ لَهم لِظُهُورِها، فَأُمِرُوا بِتَذْكِيرِها.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآياتُ البَيِّناتُ ما ذُكِرَ فِيها مِنَ الحُدُودِ والشَّرائِعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٠] سَألَ رَبَّهُ أنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِ عَمَلًا.
وثالِثُها: قالَ القاضِي: إنَّ السُّورَةَ كَما اشْتَمَلَتْ عَلى عَمَلِ الواجِباتِ فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُباحَثاتِ بِأنْ بَيَّنَها اللَّهُ تَعالى، ولَمّا كانَ بَيانُهُ سُبْحانَهُ لَها مُفَصَّلًا وصَفَ الآياتِ بِأنَّها بَيِّناتٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ فَقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الذّالِ وتَخْفِيفِها، ومَعْنى (لَعَلَّ) قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، قالَ القاضِي: (لَعَلَّ) بِمَعْنى كَيْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ مِن جَمِيعِهِمْ أنْ يَتَذَكَّرُوا. والجَوابُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ أرادَ ذَلِكَ مِنَ الكُلِّ لَما قَوّى دَواعِيَهم إلى جانِبِ المَعْصِيَةِ، ولَوْ لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ التَّقْوِيَةُ لَزِمَ وُقُوعُ الفِعْلِ لا لِمُرَجِّحٍ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَما جازَ الِاسْتِدْلالُ بِالإمْكانِ والحُدُوثِ عَلى وُجُودِ المُرَجِّحِ، ويَلْزَمُ نَفْيُ الصّانِعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ حَمْلُ (لَعَلَّ) عَلى سائِرِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أحْكامًا كَثِيرَةً:
النور 24:2
الحُكْمُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى
﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ رَفْعُهُما عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ عَلى مَعْنى: فِيما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الزّانِيَةُ والزّانِي؛ أيْ: فاجْلِدُوهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (فاجْلِدُوا) وإنَّما دَخَلَتِ الفاءُ؛ لِكَوْنِ الألِفِ واللّامِ بِمَعْنى (الَّذِي) وتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ، تَقْدِيرُهُ الَّتِي زَنَتْ والَّذِي زَنى فاجْلِدُوهُما، كَما تَقُولُ: مَن زَنا فاجْلِدُوهُ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وقُرِئَ ”والزّانِ“ بِلا ياءٍ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى نَوْعَيْنِ، أحَدُهُما: ما يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِيّاتِ. والثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالعَقْلِيّاتِ. ونَحْنُ نَأْتِي عَلى البابَيْنِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
النوع الأوَّلُ: الشَّرْعِيّاتُ، واعْلَمْ أنَّ الزِّنا حَرامٌ وهو مِنَ الكَبائِرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَهُ بِالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٨] وقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٣٢]،
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ المِائَةَ فِيها بِكَمالِها بِخِلافِ حَدِّ القَذْفِ وشُرْبِ الخَمْرِ، وشَرَعَ
صفحة ١١٥
فِيهِ الرَّجْمَ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ الرَّأْفَةِ وأمَرَ بِشُهُودِ الطّائِفَةِ لِلتَّشْهِيرِ، وأوْجَبَ كَوْنَ تِلْكَ الطّائِفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الفاسِقَ مِن صُلَحاءِ قَوْمِهِ أخْجَلُ.
وثالِثُها: ما رَوى حُذَيْفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«يا مَعْشَرَ النّاسِ اتَّقُوا الزِّنا فَإنَّ فِيهِ سِتَّ خِصالٍ؛ ثَلاثٌ في الدُّنْيا وثَلاثٌ في الآخِرَةِ، أمّا الَّتِي في الدُّنْيا فَيُذْهِبُ البَهاءَ، ويُورِثُ الفَقْرَ، ويُنْقِصُ العُمْرَ، وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ فَسُخْطُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وسُوءُ الحِسابِ، وعَذابُ النّارِ» “ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ”قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: وأنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» “ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَها: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفُرْقانِ: ٦٨]، واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ البَحْثُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ أُمُورٍ.
أحَدُها: عَنْ ماهِيَّةِ الزِّنا.
وثانِيها: عَنْ أحْكامِ الزِّنا.
وثالِثُها: عَنِ الشَّرائِطِ المُعْتَبَرَةِ في كَوْنِ الزِّنا مُوجِبًا لِتِلْكَ الأحْكامِ.
ورابِعُها: عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ حُصُولُ الزِّنا.
وخامِسُها: أنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْلِدُوهُمْ﴾ مَن هُمْ؟
وسادِسُها: أنَّ الرَّجْمَ والجَلْدَ المَأْمُورَ بِهِما في الزِّنا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُما؟
البَحْثُ الأوَّلُ: عَنْ ماهِيَّةِ الزِّنا؛ قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إيلاجِ فَرْجٍ في فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٌ قَطْعًا، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ اللُّواطَةَ هَلْ يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ الزِّنا أمْ لا؟ فَقالَ قائِلُونَ: نَعَمْ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَما رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«إذا أتى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُما زانِيانِ» “ وأمّا المَعْنى فَهو أنَّ اللِّواطَ مِثْلُ الزِّنا صُورَةً ومَعْنًى. أمّا الصُّورَةُ فَلِأنَّ الزِّنا عِبارَةٌ عَنْ إيلاجِ فَرْجٍ في فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٌ قَطْعًا، والدُّبُرُ أيْضًا فَرْجٌ؛ لِأنَّ القُبُلَ إنَّما سُمِّيَ فَرَجًا لِما فِيهِ مِنَ الِانْفِراجِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ في الدُّبُرِ، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّ في العُرْفِ لا تُسَمّى اللُّواطَةُ زِنًا، ولَكِنَّ هَذا لا يَقْدَحُ في أصْلِ اللُّغَةِ، كَما يُقالُ: هَذا طَبِيبٌ ولَيْسَ بِعالِمٍ مَعَ أنَّ الطِّبَّ عِلْمٌ، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّ الزِّنا قَضاءٌ لِلشَّهْوَةِ مِن مَحَلٍّ مُشْتَهًى طَبْعًا عَلى جِهَةِ الحَرامِ المَحْضِ، وهَذا مَوْجُودٌ في اللِّواطِ؛ لِأنَّ القُبُلَ والدُّبُرَ يُشْتَهَيانِ؛ لِأنَّهُما يَشْتَرِكانِ في المَعانِي الَّتِي هي مُتَعَلِّقُ الشَّهْوَةِ مِنَ الحَرارَةِ واللِّينِ وضِيقِ المَدْخَلِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ مَن يَقُولُ بِالطَّبائِعِ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ المَحَلَّيْنِ، وإنَّما المُفَرِّقُ هو الشَّرْعُ في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، فَهَذا حُجَّةُ مَن قالَ: اللِّواطُ داخِلٌ تَحْتَ اسْمِ الزِّنا. وأمّا الأكْثَرُونَ مِن أصْحابِنا فَقَدْ سَلَّمُوا أنَّ اللِّواطَ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ اسْمِ الزِّنا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: العُرْفُ المَشْهُورُ مِن أنَّ هَذا لِواطٌ ولَيْسَ بِزِنًا وبِالعَكْسِ، والأصْلُ عَدَمُ التَّغْيِيرِ.
وثانِيها: لَوْ حَلَفَ لا يَزْنِي فَلاطَ لا يَحْنَثُ. وثالِثُها: أنَّ الصَّحابَةَ اخْتَلَفُوا في حُكْمِ اللِّواطِ وكانُوا عالِمِينَ بِاللُّغَةِ، فَلَوْ سُمِّيَ اللِّواطُ زِنًا لَأغْناهم نَصُّ الكِتابِ في حَدِّ الزِّنا عَنِ الِاخْتِلافِ والِاجْتِهادِ، وأمّا الحَدِيثُ فَهو مَحْمُولٌ عَلى الإثْمِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا أتَتِ المَرْأةُ المَرْأةَ فَهُما زانِيَتانِ» “ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«اليَدانِ تَزْنِيانِ والعَيْنانِ تَزْنِيانِ» “ وأمّا القِياسُ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الفَرْجَ وإنْ كانَ سُمِّيَ فَرْجًا لِما فِيهِ مِنَ الِانْفِراجِ، فَلا يَجِبُ أنْ يُسَمّى كُلُّ ما فِيهِ انْفِراجٌ بِالفَرْجِ، وإلّا لَكانَ الفَمُ والعَيْنُ فَرْجًا، وأيْضًا فَهم سَمَّوُا النَّجْمَ نَجْمًا لِظُهُورِهِ، ثُمَّ ما سَمَّوْا كُلَّ ظاهِرٍ نَجْمًا. وسَمَّوُا الجَنِينَ جَنِينًا لِاسْتِتارِهِ، وما سَمَّوْا كُلَّ مُسْتَتِرٍ جَنِينًا، واعْلَمْ أنَّ لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في فِعْلِ
صفحة ١١٦
اللِّواطِ قَوْلَيْنِ، أصَحُّهُما: عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنا، إنْ كانَ مُحْصَنًا يُرْجَمُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا يُجْلَدُ مِائَةً ويُغَرَّبُ عامًا.
وثانِيهِما: يُقْتَلُ الفاعِلُ والمَفْعُولُ بِهِ، سَواءٌ كانَ مُحْصَنًا أوْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، لِما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ» “ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ أوْجُهٌ:
أحَدُها: تُحَزُّ رَقَبَتُهُ كالمُرْتَدِّ.
وثانِيها: يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وأحْمَدَ وإسْحاقَ.
وثالِثُها: يُهْدَمُ عَلَيْهِ جِدارٌ، يُرْوى ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ورابِعُها: يُرْمى مِن شاهِقِ جَبَلٍ حَتّى يَمُوتَ، يُرْوى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ. وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الوُجُوهَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَذَّبَ قَوْمَ لُوطٍ بِكُلِّ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحِجْرِ: ٧٤]. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يُحَدُّ اللِّواطِيُّ بَلْ يُعَذَّرُ، أمّا المَفْعُولُ بِهِ فَإنْ كانَ عاقِلًا بالِغًا طائِعًا، فَإنْ قُلْنا: عَلى الفاعِلِ القَتْلُ فَيُقْتَلُ المَفْعُولُ بِهِ عَلى صِفَةِ قَتْلِ الفاعِلِ؛ لِلْخَبَرِ، وإنْ قُلْنا: عَلى الفاعِلِ حَدُّ الزِّنا فَعَلى المَفْعُولِ بِهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ مُحْصَنًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ، وقِيلَ: إنْ كانَتِ امْرَأةً مُحْصَنَةً فَعَلَيْها الرَّجْمُ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّها لا تَصِيرُ مُحَصَنَةً بِالتَّمْكِينِ في الدُّبُرِ، فَلا يَلْزَمُها حَدُّ المُحْصَناتِ كَما لَوْ كانَ المَفْعُولُ بِهِ ذَكَرًا. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اللِّواطَ إمّا أنْ يُساوِيَ الزِّنا في الماهِيَّةِ أوْ يُساوِيَهُ في لَوازِمِ هَذِهِ الماهِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ الحَدُّ. بَيانُ الأوَّلِ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا أتى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُما زانِيانِ» “ فاللَّفْظُ دَلَّ عَلى كَوْنِ اللّائِطِ زانِيًا، واللَّفْظُ الدّالُّ بِالمُطابَقَةِ عَلى ماهِيَّةٍ دالٌّ بِالِالتِزامِ عَلى حُصُولِ جَمِيعِ لَوازِمِها، ودَلالَةُ المُطابَقَةِ والِالتِزامِ مُشْتَرِكانِ في أصْلِ الدَّلالَةِ، فاللَّفْظُ الدّالُّ عَلى حُصُولِ الزِّنا دالٌّ عَلى حُصُولِ جَمِيعِ اللَّوازِمِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذا إنْ تَحَقَّقَ مُسَمّى الزِّنا في اللِّواطِ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مُسَمّى الزِّنا وجَبَ أنْ يَتَحَقَّقَ لَوازِمُ مُسَمّى الزِّنا لِما ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى تَحَقُّقِ ماهِيَّةٍ دالٌّ عَلى تَحَقُّقِ جَمِيعِ تِلْكَ اللَّوازِمِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ الماهِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في الدَّلالَةِ عَلى جَمِيعِ تِلْكَ اللَّوازِمِ، لَكِنَّ مِن لَوازِمِ الزِّنا وُجُوبَ الحَدِّ، فَوَجَبَ أنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ في اللِّواطِ. أكْثَرُ ما في البابِ أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا أتَتِ المَرْأةُ المَرْأةَ فَهُما زانِيَتانِ» “ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ العَمَلِ هُناكَ تَرْكُهُ هاهُنا.
الثّانِي: أنَّ اللّائِطَ يَجِبُ قَتْلُهُ فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ رَجْمًا. بَيانُ الأوَّلِ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوا الفاعِلَ مِنهُما والمَفْعُولَ بِهِ» “. وبَيانُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا وجَبَ قَتْلُهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ زانِيًا وإلّا لَما جازَ قَتْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا لِإحْدى ثَلاثٍ» “ وهاهُنا لَمْ يُوجَدْ كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، ولا قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدِ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ لَوَجَبَ أنْ لا يُقْتَلَ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ وُجِدَ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ وجَبَ الرَّجْمُ لِهَذا الحَدِيثِ.
الثّالِثُ: نَقِيسُ اللِّواطَ عَلى الزِّنا، والجامِعُ أنَّ الطَّبْعَ داعٍ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ الِالتِذاذِ وهو قَبِيحٌ فَيُناسِبُ الزَّجْرَ، والحَدُّ يَصْلُحُ زاجِرًا عَنْهُ. قالُوا: والفَرْقُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ وُجِدَ في الزِّنا داعِيانِ، فَكانَ وُقُوعُهُ أكْثَرَ فَسادًا، فَكانَتِ الحاجَةُ إلى الزّاجِرِ أتَمَّ.
الثّانِي: أنَّ الزِّنا يَقْتَضِي فَسادَ الأنْسابِ. والجَوابُ: إلْغاؤُهُما بِوَطْءِ العَجُوزِ الشَّوْهاءِ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِوُجُوهٍ.
أحَدُها: اللِّواطُ لَيْسَ بِزِنًا عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَجَبَ أنْ لا
صفحة ١١٧
يُقْتَلَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا لِإحْدى ثَلاثٍ» “.
وثانِيها: أنَّ اللِّواطَ لا يُساوِي الزِّنا في الحاجَةِ إلى شَرْعِ الزّاجِرِ، ولا في الجِنايَةِ فَلا يُساوِيهِ في الحَدِّ. بَيانُ عَدَمِ المُساواةِ في الحاجَةِ أنَّ اللِّواطَ وإنْ كانَتْ يَرْغَبُ فِيها الفاعِلُ لَكِنْ لا يَرْغَبُ فِيها المَفْعُولُ طَبْعًا بِخِلافِ الزِّنا، فَإنَّ الدّاعِيَ حاصِلٌ مِنَ الجانِبَيْنِ، وأمّا عَدَمُ المُساواةِ في الجِنايَةِ فَلِأنَّ في الزِّنا إضاعَةَ النِّسَبِ ولا كَذَلِكَ اللِّواطُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَوَجَبَ أنْ لا يُساوِيَهُ في العُقُوبَةِ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ يَنْفِي شَرْعَ الحَدِّ لِكَوْنِهِ ضَرَرًا، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الزِّنا، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى في اللِّواطِ عَلى الأصْلِ.
وثالِثُها: أنَّ الحَدَّ كالبَدَلِ عَنِ المَهْرِ فَلَمّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِاللِّواطِ المَهْرُ فَكَذا الحَدُّ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ اللِّواطَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُساوِيًا لِلزِّنا في ماهِيَّتِهِ لَكِنَّهُ يُساوِيهِ في الأحْكامِ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ اللِّواطَ وإنْ كانَ لا يَرْغَبُ فِيهِ المَفْعُولُ بِهِ لَكَنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ اشْتِدادِ رَغْبَةِ الفاعِلِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ حَرِيصٌ عَلى ما مُنِعَ.
وعَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجامِعِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى حُرْمَةِ إتْيانِ البَهائِمِ. ولِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في عُقُوبَتِهِ أقْوالٌ.
أحَدُها: يَجِبُ بِهِ حَدُّ الزِّنا فَيُرْجَمُ المُحْصَنُ ويُجْلَدُ غَيْرُ المُحْصَنِ ويُغَرَّبُ.
والثّانِي: أنَّهُ يُقْتَلُ، مُحْصَنًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ. لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن أتى بَهِيمَةً فاقْتُلُوهُ واقْتُلُوها مَعَهُ“ فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما شَأْنُ البَهِيمَةِ؟ فَقالَ: ما أراهُ قالَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَرِهَ أنْ يُؤْكَلَ لَحْمُها وقَدْ عُمِلَ بِها ذَلِكَ العَمَلُ».
والقَوْلُ الثّالِثُ، وهو الأصَحُّ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ والثَّوْرِيِّ وأحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: أنَّ عَلَيْهِ التَّعْزِيزَ؛ لِأنَّ الحَدَّ شُرِعَ لِلزَّجْرِ عَمّا تَمِيلُ النَّفْسُ إلَيْهِ، وهَذا الفِعْلُ لا تَمِيلُ النَّفْسُ إلَيْهِ، وضَعَّفُوا حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لِضَعْفِ إسْنادِهِ، وإنْ ثَبَتَ فَهو مُعارَضٌ بِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَهى عَنْ ذَبْحِ الحَيَوانِ إلّا لِأكْلِهِ.
المسألة الثّالِثَةُ: السَّحْقُ مِنَ النِّسْوانِ وإتْيانُ المَيْتَةِ والِاسْتِمْناءُ بِاليَدِ لا يُشْرَعُ فِيها إلّا التَّعْزِيزُ.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: عَنْ أحْكامِ الزِّنا. واعْلَمْ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ عُقُوبَةُ الزّانِي الحَبْسُ إلى المَماتِ في حَقِّ الثَّيِّبِ، والأذى بِالكَلامِ في حَقِّ البِكْرِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ [النِّساءِ: ١٥، ١٦] ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فَجُعِلَ حَدُّ الزِّنا عَلى الثَّيِّبِ الرَّجْمَ، وحَدُّ البِكْرِ الجَلْدَ والتَّغْرِيبَ، ولْنَذْكُرْ هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ:
المسألة الأُولى: الخَوارِجُ أنْكَرُوا الرَّجْمَ واحْتَجُّوا فِيهِ بِوُجُوهٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] فَلَوْ وجَبَ الرَّجْمُ عَلى المُحْصَنِ لَوَجَبَ نِصْفُ الرَّجْمِ عَلى الرَّقِيقِ، لَكِنَّ الرَّجْمَ لا نِصْفَ لَهُ.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في القُرْآنِ أنْواعَ المَعاصِي مِنَ الكُفْرِ والقَتْلِ والسَّرِقَةِ، ولَمْ يَسْتَقْصِ في أحْكامِها كَما اسْتَقْصى في بَيانِ أحْكامِ الزِّنا، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى نَهى عَنِ الزِّنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ [الإسْراءِ: ٣٢] ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَيْهِ ثانِيًا بِالنّارِ كَما في كُلِّ المَعاصِي، ثُمَّ ذَكَرَ الجَلْدَ ثالِثًا، ثُمَّ خَصَّ الجَلْدَ بِوُجُوبِ إحْضارِ المُؤْمِنِينَ رابِعًا، ثُمَّ خَصَّهُ بِالنَّهْيِ عَنِ الرَّأْفَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ خامِسًا، ثُمَّ أوْجَبَ عَلى مَن رَمى مُسْلِمًا بِالزِّنا ثَمانِينَ جَلْدَةً. وسادِسًا، لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ عَلى مَن رَماهُ بِالقَتْلِ والكُفْرِ وهُما أعْظَمُ مِنهُ، ثم قال سابِعًا: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النُّورِ: ٤]، ثُمَّ ذَكَرَ ثامِنًا مَن رَمى زَوْجَتَهُ بِما يُوجِبُ
صفحة ١١٨
التَّلاعُنَ واسْتِحْقاقَ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ تاسِعًا أنَّ ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾ [النُّورِ: ٣]، ثُمَّ ذَكَرَ عاشِرًا أنَّ ثُبُوتَ الزِّنا مَخْصُوصٌ بِالشُّهُودِ الأرْبَعَةِ، فَمَعَ المُبالَغَةِ في اسْتِقْصاءِ أحْكامِ الزِّنا قَلِيلًا وكَثِيرًا لا يَجُوزُ إهْمالُ ما هو أجَلُّ أحْكامِها وأعْظَمُ آثارِها، ومَعْلُومٌ أنَّ الرَّجْمَ لَوْ كانَ مَشْرُوعًا لَكانَ أعْظَمَ الآثارِ، فَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ الجَلْدِ عَلى كُلِّ الزُّناةِ، وإيجابُ الرَّجْمِ عَلى البَعْضِ بِخَبَرِ الواحِدِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الكِتابَ قاطِعٌ في مَتْنِهِ، وخَبَرُ الواحِدِ غَيْرُ قاطِعٍ في مَتْنِهِ، والمَقْطُوعُ راجِحٌ عَلى المَظْنُونِ.
واحْتَجَّ الجُمْهُورُ مِنَ المُجْتَهِدِينَ عَلى وُجُوبِ رَجْمِ المُحْصَنِ؛ بِما ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعَلَ ذَلِكَ، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: رَوى الرَّجْمَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وأبُو هُرَيْرَةَ وبُرَيْدَةُ الأسْلَمِيُّ وزَيْدُ بْنُ خالِدٍ، في آخَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ، وبَعْضُ هَؤُلاءِ الرُّواةِ رَوى خَبَرَ رَجْمِ ماعِزٍ، وبَعْضُهم خَبَرَ اللَّخْمِيَّةِ والغامِدِيَّةِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”لَوْلا أنْ يَقُولَ النّاسُ زادَ عُمَرُ في كِتابِ اللَّهِ، لَأثْبَتُّهُ في المُصْحَفِ“.
والجَوابُ عَمّا احْتَجُّوا بِهِ أوَّلًا أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالجَلْدِ. فَإنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ. قُلْنا: بَلْ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ الرَّجْمَ مَنقُولٌ بِالتَّواتُرِ، وأيْضًا فَقَدْ بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَخْصِيصَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّهُ لا يُسْتَبْعَدُ تَجَدُّدُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ بِحَسَبِ تَجَدُّدُ المَصالِحِ، فَلَعَلَّ المَصْلَحَةَ الَّتِي تَقْتَضِي وُجُوبَ الرَّجْمِ حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ تِلْكَ الآياتِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الجَلْدِ والرَّجْمِ، وهو اخْتِيارُ أحْمَدَ وإسْحاقَ وداوُدَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الجَلْدِ، والخَبَرُ المُتَواتِرُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الرَّجْمِ، ولا مُنافاةَ، فَوَجَبَ الجَمْعُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ» “
وثالِثُها: رَوى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ ”«أنَّ رَجُلًا زَنى بِامْرَأةٍ فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَجُلِدَ، ثُمَّ أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ كانَ مُحْصَنًا فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ» “.
ورابِعُها: رُوِيَ «أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ جَلَدَ شَراحَةَ الهَمْدانِيَّةَ ثُمَّ رَجَمَها وقالَ: جَلَدْتُها بِكِتابِ اللَّهِ ورَجَمْتُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .
واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُجْتَهِدِينَ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ المُحْصَنَ يُرْجَمُ ولا يُجْلَدُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأُمُورٍ.
أحَدُها: قِصَّةُ العَسِيفِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«يا أُنَيْسُ اغْدُ إلى امْرَأةِ هَذا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» “ ولَمْ يَذْكُرِ الجَلْدَ، ولَوْ وجَبَ الجَلْدُ مَعَ الرَّجْمِ لَذَكَرَهُ.
وثانِيها: أنَّ قِصَّةَ ماعِزٍ رُوِيَتْ مِن جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ولَمْ يُذْكَرْ في شَيْءٍ مِنها مَعَ الرَّجْمِ جَلْدٌ، ولَوْ كانَ الجَلْدُ مُعْتَبَرًا مَعَ الرَّجْمِ لَجَلَدَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ جَلَدَهُ لَنُقِلَ كَما نُقِلَ الرَّجْمُ؛ إذْ لَيْسَ أحَدُهُما بِالنَّقْلِ أوْلى مِنَ الآخَرِ، وكَذا في قِصَّةِ الغامِدِيَّةِ حِينَ أقَرَّتْ بِالزِّنا فَرَجَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أنْ وضَعَتْ ولَوْ جَلَدَها لَنُقِلَ ذَلِكَ.
وثالِثُها: ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ حَتّى يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى، وقَدْ قَرَأْنا: الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَجَمْنا» بَعْدَهُ. فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى هو الرَّجْمُ، ولَوْ كانَ الجَلْدُ واجِبًا مَعَ الرَّجْمِ لَذَكَرَهُ. أمّا الجَوابُ عَنِ التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ: فَهو أنَّها مَخْصُوصَةٌ في حَقِّ المُحْصَنِ، وتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةِ ورَجْمٌ
صفحة ١١٩
بِالحِجارَةِ» “ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ قَوْلِهِ: ”«يا أُنَيْسُ اغْدُ إلى امْرَأةِ هَذا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» “ وأمّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَلَدَ امْرَأةً ثُمَّ رَجَمَها، فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما عَلِمَ إحْصانَها فَجَلَدَها، ثُمَّ لَمّا عَلِمَ إحْصانَها رَجَمَها، وهو الجَوابُ عَنْ فِعْلِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهَذا ما يُمْكِنُ مِنَ التَّكَلُّفِ في هَذِهِ الأجْوِبَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُجْمَعُ بَيْنَ الجَلْدِ والتَّغْرِيبِ في حَدِّ البِكْرِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُجْلَدُ، وأمّا التَّغْرِيبُ فَمُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الإمامِ، وقالَ مالِكٌ: يُجْلَدُ الرَّجُلُ ويَغَرَّبُ، وتُجْلَدُ المَرْأةُ ولا تُغَرَّبُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدِيثُ عُبادَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ» “ ويَدُلُّ أيْضًا عَلَيْهِ ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وزَيْدُ بْنُ خالِدٍ: ”«أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِي كانَ عَسِيفًا عَلى هَذا وزَنى بِامْرَأتِهِ، فافْتَدَيْتُ مِنهُ بِوَلِيدَةٍ ومِائَةِ شاةٍ، ثُمَّ أخْبَرَنِي أهْلُ العِلْمِ أنَّ عَلى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وتَغْرِيبَ عامٍ، وأنَّ عَلى امْرَأةِ هَذا الرَّجْمَ، فاقْضِ بَيْنَنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ؛ أمّا الغَنَمُ والوَلِيدَةُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وأمّا ابْنُكَ فَإنَّ عَلَيْهِ جَلْدَ مِائَةٍ وتَغْرِيبَ عامٍ، ثم قال لِرَجُلٍ مِن أسْلَمَ: اغْدُ يا أُنَيْسُ إلى امْرَأةِ هَذا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» “ واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى نَفْيِ التَّغْرِيبِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ إيجابَ التَّغْرِيبِ يَقْتَضِي نَسْخَ الآيَةِ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ، وقَرَّرُوا النَّسْخَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ رَتَّبَ الجَلْدَ عَلى فِعْلِ الزِّنا بِالفاءِ، وحَرْفُ الفاءِ لِلْجَزاءِ إلّا أنَّ أئِمَّةَ اللُّغَةِ قالُوا: اليَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ ذِكْرُ شَرْطٍ وجَزاءٍ، وفَسَّرُوا الشَّرْطَ بِالَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ كَلِمَةُ إنَّ، والجَزاءَ بِالَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الفاءِ، والجَزاءُ اسْمٌ لِما يَقَعُ بِهِ الكِفايَةُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ جازَيْناهُ؛ أيْ: كافَأْناهُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«تُجْزِيكَ ولا تُجْزِي أحَدًا بَعْدَكَ» “ أيْ: تَكْفِيكَ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ: اجْتَزْتُ الإبِلَ بِالعُشْبِ بِالماءِ، وإنَّما تَقَعُ الكِفايَةُ بِالجَلْدِ إذا لَمْ يَجِبْ مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَإيجابُ شَيْءٍ آخَرَ يَقْتَضِي نَسْخَ كَوْنِهِ كافِيًا.
الثّانِي: أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ لَمّا كانَ هو الجَلْدَ فَقَدْ كانَ ذَلِكَ كَمالَ الحَدِّ، فَلَوْ جَعَلْنا النَّفْيَ مُعْتَبَرًا مَعَ الجَلْدِ لَكانَ الجَلْدُ بَعْضَ الحَدِّ لا كُلَّ الحَدِّ، فَيُفْضِي إلى نَسْخِ كَوْنِهِ كُلَّ الحَدِّ.
الثّالِثُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ الجَلْدِ كَمالَ الحَدِّ فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ رَدُّ الشَّهادَةِ، ولَوْ جَعَلْناهُ بَعْضَ الحَدِّ لَزالَ ذَلِكَ الحُكْمُ، فَثَبَتَ أنَّ إيجابَ التَّغْرِيبِ يَقْتَضِي نَسْخَ الآيَةِ.
ثانِيها: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: لَوْ كانَ النَّفْيُ مَشْرُوعًا مَعَ الجَلْدِ لَوَجَبَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ تِلاوَةِ الآيَةِ تَوْقِيفُ الصَّحابَةِ عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَعْتَقِدُوا عِنْدَ سَماعِ الآيَةِ أنَّ الجَلْدَ هو كَمالُ الحَدِّ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ اشْتِهارُهُ مِثْلَ اشْتِهارِ الآيَةِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ خَبَرُ النَّفْيِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ بَلْ كانَ وُرُودُهُ مِن طَرِيقِ الآحادِ، عُلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
وثالِثُها: ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في الأمَةِ: ”«إذا زَنَتْ فاجْلِدُوها، فَإنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، فَإنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها ثُمَّ بِيعُوها ولَوْ بِطَفِيرٍ» “ وفي رِوايَةٍ أُخْرى: ”«فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ ولا تَثْرِيبَ عَلَيْهِ» “ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ النَّفْيُ ثابِتًا لَذَكَرَهُ مَعَ الجَلْدِ.
ورابِعُها: أنَّهُ إمّا أنْ يُشْرَعَ التَّغْرِيبُ في حَقِّ الأمَةِ أوْ لا يُشْرَعَ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ الإضْرارُ بِالسَّيِّدِ مِن غَيْرِ جِنايَةٍ صَدَرَتْ مِنهُ وهو غَيْرُ جائِزٍ؛ ولِأنَّهُ قالَ ﷺ: ”«بِيعُوها ولَوْ بَطَفِيرٍ» “ ولَوْ وجَبَ نَفْيُها لَما جازَ بَيْعُها؛ لِأنَّ المُكْنَةَ مِن تَسْلِيمِها إلى المُشْتَرِي لا تَبْقى بِالنَّفْيِ، ولا جائِزَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النِّساءِ: ٢٥].
صفحة ١٢٠
وخامِسُها: أنَّ التَّغْرِيبَ لَوْ كانَ مَشْرُوعًا في حَقِّ الرَّجُلِ لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا في حَقِّ المَرْأةِ أوْ لا يَكُونَ، والثّانِي باطِلٌ لِأنَّ التَّساوِيَ في الجِنايَةِ قَدْ وُجِدَ في حَقِّهِما، وإنْ كانَ مَشْرُوعًا في حَقِّ المَرْأةِ فَإمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا في حَقِّها وحْدَها أوْ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ لِلنَّصِّ والمَعْقُولِ، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ أنْ تُسافِرَ مِن غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ» “ وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الشَّهْوَةَ غالِبَةٌ في النِّساءِ، والِانْزِجارُ بِالدِّينِ إنَّما يَكُونُ في الخَواصِّ مِنَ النّاسِ، فَإنَّ الغالِبَ لِعَدَمِ الزِّنا مِنَ النِّساءِ بِوُجُودِ الحُفّاظِ مِنَ الرِّجالِ، وحَيائِهِنَّ مِنَ الأقارِبِ. وبِالتَّغْرِيبِ تَخْرُجُ المَرْأةُ مِن أيْدِي القُرَباءِ والحُفّاظِ، ثُمَّ يَقِلُّ حَياؤُها لِبُعْدِها عَنْ مَعارِفِها، فَيَنْفَتِحُ عَلَيْها بابُ الزِّنا، فَرُبَّما كانَتْ فَقِيرَةً فَيَشْتَدُّ فَقْرُها في السَّفَرِ، فَيَصِيرُ مَجْمُوعُ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَتْحِ بابِ هَذِهِ الفاحِشَةِ العَظِيمَةِ عَلَيْها. ولا جائِزَ أنْ يُقالَ: إنّا نُغَرِّبُها مَعَ الزَّوْجِ أوِ المَحْرَمِ؛ لِأنَّ عُقُوبَةَ غَيْرِ الجانِي لا تَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنْعامِ: ١٦٤].
وسادِسُها: ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ غَرَّبَ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ في الخَمْرِ إلى خَيْبَرَ، فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ، فَقالَ عُمَرُ: لا أُغَرِّبُ بَعْدَها أحَدًا. ولَمْ يَسْتَثْنِ الزِّنا. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ في البِكْرَيْنِ إذا زَنَيا: يُجْلَدانِ ولا يُنْفَيانِ، وإنَّ نَفْيَهُما مِنَ الفِتْنَةِ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ أمَةً لَهُ زَنَتْ فَجَلَدَها ولَمْ يَنْفِها، ولَوْ كانَ النَّفْيُ مُعْتَبَرًا في حَدِّ الزِّنا لَما خَفِيَ ذَلِكَ عَلى أكابِرِ الصَّحابَةِ.
وسابِعُها: ما رُوِيَ ”«أنَّ شَيْخًا وُجِدَ عَلى بَطْنِ جارِيَةٍ يَحْنَثُ بِها في خَرِبَةٍ، فَأُتِيَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: اجْلِدُوهُ مِائَةً. فَقِيلَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ مِن ذَلِكَ. فَقالَ: خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِها وخَلُّوا سَبِيلَهُ» “. ولَوْ كانَ النَّفْيُ واجِبًا لَنَفاهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّما لَمْ يَنْفِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ ضَعِيفًا عاجِزًا عَنِ الحَرَكَةِ، قُلْنا: كانَ يَنْبَغِي أنْ يُكْتَرى لَهُ دابَّةٌ مِن بَيْتِ المالِ يُنْفى عَلَيْها. فَإنْ قِيلَ: كانَ عَسى يَضْعُفُ عَنِ الرُّكُوبِ، قُلْنا: مَن قَدَرَ عَلى الزِّنا كَيْفَ لا يَقْدِرُ عَلى الِاسْتِمْساكِ؟!
وثامِنُها: أنَّ التَّغْرِيبَ نَظِيرُ القَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٦] فَنَزَّلَهُما مَنزِلَةً واحِدَةً، فَإذا لَمْ يُشْرَعَ القَتْلُ في زِنا البِكْرِ وجَبَ أنْ لا يُشْرَعَ أيْضًا نَظِيرُهُ وهو التَّغْرِيبُ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَيْسَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى إلّا إدْخالُ حَرْفِ الفاءِ عَلى الأمْرِ بِالجَلْدِ، فَأمّا أنَّ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ هَذا الحَرْفُ فَإنَّهُ يُسَمّى جَزاءً، فَلَيْسَ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ ولا مِن كَلامِ رَسُولِهِ، بَلْ هو قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً.
أمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: لَوْ كانَ النَّفْيُ مَشْرُوعًا لَما كانَ الجَلْدُ كُلَّ الحَدِّ، فَنَقُولُ: لا نِزاعَ في أنَّهُ زالَ أمْرُهُ؛ لِأنَّ إثْباتَ كُلِّ شَيْءٍ لا أقَلُّ مِن أنْ يَقْتَضِيَ زَوالَ عَدَمِهِ الَّذِي كانَ، إلّا أنَّ الزّائِلَ هاهُنا لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، بَلِ الزّائِلُ مَحْضُ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، ومِثْلُ هَذِهِ الإزالَةِ لا يَمْتَنِعُ إثْباتُها بِخَبَرِ الواحِدِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الزّائِلَ مَحْضُ العَدَمِ الأصْلِيِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ إيجابَ الجَلْدِ مَفْهُومٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ إيجابِ التَّغْرِيبِ وبَيْنَ إيجابِهِ مَعَ نَفْيِ التَّغْرِيبِ. والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ القِسْمَيْنِ لا إشْعارَ لَهُ بِواحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ.
فَإذَنْ إيجابُ الجَلْدِ لا إشْعارَ فِيهِ البَتَّةَ لا بِإيجابِ التَّغْرِيبِ ولا بِعَدَمِ إيجابِهِ، إلّا أنَّ نَفْيَ التَّغْرِيبِ كانَ مَعْلُومًا بِالعَقْلِ نَظَرًا إلى البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، فَإذا جاءَ خَبَرُ الواحِدِ ودَلَّ عَلى وُجُوبِ التَّغْرِيبِ، فَما أزالَ البَتَّةَ شَيْئًا مِن مَدْلُولاتِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى وُجُوبِ الجَلْدِ، بَلْ أزالَ البَراءَةَ الأصْلِيَّةَ، فَأمّا كَوْنُ الجَلْدِ وحْدَهُ مُجْزِيًا، وكَوْنُهُ وحْدَهُ كَمالَ الحَدِّ. وتَعَلَّقَ رَدُّ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ
صفحة ١٢١
تابِعٌ لِنَفْيِ وُجُوبِ الزِّيادَةِ. فَلَمّا كانَ ذَلِكَ النَّفْيُ مَعْلُومًا بِالعَقْلِ جازَ قَبُولُ خَبَرِ الواحِدِ فِيهِ، كَما أنَّ الفُرُوضَ لَوْ كانَتْ خَمْسًا لَتَوَقَّفَ عَلى أدائِها الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ وقَبُولِ الشَّهادَةِ، ولَوْ زِيدَ فِيها شَيْءٌ آخَرُ لَتَوَقَّفَ الخُرُوجُ عَنِ العُهْدَةِ وقَبُولِ الشَّهادَةِ عَلى أداءِ تِلْكَ الزِّيادَةِ، مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ إثْباتُهُ بِخَبَرِ الواحِدِ والقِياسِ، فَكَذا هاهُنا. أمّا لَوْ قالَ اللَّهُ تَعالى: الجَلْدُ كَمالُ الحَدِّ، وعَلِمْنا أنَّها وحْدَها مُتَعَلِّقُ رَدِّ الشَّهادَةِ، فَلا يُقْبَلُ هاهُنا في إثْباتِ الزِّيادَةِ خَبَرُ الواحِدِ؛ لِأنَّ نَفْيَ وُجُوبِ الزِّيادَةِ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَواتِرٍ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ لَوْ صَحَّ ما ذَكَرَهُ لَوَجَبَ في كُلِّ ما خَصَّصَ آيَةً عامَّةً أنْ يَبْلُغَ في الِاشْتِهارِ مَبْلَغَ تِلْكَ الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّ قَوْلَهُ: ”ثُمَّ بِيعُوها“ لا يُفِيدُ التَّعْقِيبَ، فَلَعَلَّها تُنْفى ثُمَّ بَعْدَ النَّفْيِ تُباعُ. والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ أنَّهُ مُعارَضٌ بِما رَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَلَدَ وغَرَّبَ، وأنَّ أبا بَكْرٍ جَلَدَ وغَرَّبَ. والجَوابُ عَنِ الخامِسِ أنَّ لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَغْرِيبِ العَبْدِ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: لا يُغَرَّبُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ» “ ولَمْ يَأْمُرْ بِالتَّغْرِيبِ، ولِأنَّ التَّغْرِيبَ لِلْمَعَرَّةِ ولا مَعَرَّةَ عَلى العَبْدِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يُنْقَلُ مِن يَدٍ إلى يَدٍ، ولِأنَّ مَنافِعَهُ لِلسَّيِّدِ فَفي نَفْيِهِ إضْرارٌ بِالسَّيِّدِ. والثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّهُ يُغَرَّبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] ولا يُنْظَرُ إلى ضَرَرِ المَوْلى، كَما يُقْتَلُ العَبْدُ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ، ويُجْلَدُ العَبْدُ في الزِّنا والقَذْفِ، وإنْ تَضَرَّرَ بِهِ المَوْلى، فَعَلى هَذا كَمْ يُغَرَّبُ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: يُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّهُ يَقْبَلُ التَّنْصِيفَ كَما يُجْلَدُ نِصْفَ حَدِّ الأحْرارِ. والثّانِي: يُغَرَّبُ سَنَةً؛ لِأنَّ التَّغْرِيبَ المَقْصُودَ مِنهُ الإيحاشُ، وذَلِكَ مَعْنًى يَرْجِعُ إلى الطَّبْعِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الحُرُّ والعَبْدُ كَمُدَّةِ الإيلاءِ أوِ العُنَّةِ. والجَوابُ عَنِ السّادِسِ: أنَّ المَرْأةَ لا تُغَرَّبُ وحْدَها بَلْ مَعَ مَحْرَمٍ، فَإنْ لَمْ يَتَبَرَّعِ المَحْرَمُ بِالخُرُوجِ مَعَها أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِن بَيْتِ المالِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها مَحْرَمٌ تُغَرَّبُ مَعَ النِّساءِ الثِّقاتِ، كَما يَجِبُ عَلَيْها الخُرُوجُ إلى الحَجِّ مَعَهُنَّ. قَوْلُهُ: التَّغْرِيبُ يَفْتَحُ عَلَيْها بابَ الزِّنا، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّ أكْثَرَ الزِّنا بِالإلْفِ والمُؤانَسَةِ وفَراغِ القَلْبِ، وأكْثَرَ هَذِهِ الأشْياءِ تَبْطُلُ بِالغُرْبَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ يَقَعُ في الوَحْشَةِ والتَّعَبِ والنَّصَبِ فَلا يَتَفَرَّغُ لِلزِّنا. والجَوابُ عَنِ السّابِعِ: أيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَكُونَ الإنْسانُ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ رُكُوبِ الدّابَّةِ يَقْدِرُ عَلى الزِّنا؟ والجَوابُ عَنِ الثّامِنِ: أنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالتَّغْرِيبِ إذا وقَعَ عَلى سَبِيلِ التَّعْزِيرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ يُفِيدُ الحُكْمَ في كُلِّ الزُّناةِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الدَّلالَةِ، فَقالَ قائِلُونَ: لَفْظُ الزّانِي يُفِيدُ العُمُومَ، والمُخْتارُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.
أحَدُها: أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ: لَبِسْتُ الثَّوْبَ أوْ شَرِبْتُ الماءَ، لا يُفِيدُ العُمُومَ.
وثانِيها: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَوْكِيدُهُ بِما يُؤَكَّدُ بِهِ الجَمْعُ، فَلا يُقالُ: جاءَنِي الرَّجُلُ أجْمَعُونَ.
وثالِثُها: لا يُنْعَتُ بِنُعُوتِ الجَمْعِ فَلا يُقالُ: جاءَنِي الرَّجُلُ الفُقَراءُ، وتَكَلَّمَ الفَقِيهُ الفُضَلاءُ، فَأمّا قَوْلُهم: أهْلَكَ النّاسَ الدِّرْهَمُ البِيضُ والدِّينارُ الصُّفْرُ، فَمَجازٌ؛ بِدَلِيلِ أنَّهُ لا يَطَّرِدُ، وأيْضًا فَإنْ كانَ الدِّينارُ الصُّفْرُ حَقِيقَةً وجَبَ أنْ يَكُونَ الدِّينارُ الأصْفَرُ مَجازًا، كَما أنَّ الدَّنانِيرَ الصُّفْرَ لَمّا كانَتْ حَقِيقَةً كانَ الدَّنانِيرُ الأصْفَرُ مَجازًا.
ورابِعُها: أنَّ الزّانِيَ جُزْئِيٌّ مِن هَذا الزّانِي، فَإيجابُ جَلْدِ هَذا الزّانِي إيجابُ جَلْدِ الزّانِي، فَلَوْ كانَ إيجابُ جَلْدِ الزّانِي إيجابًا لِجَلْدِ كُلِّ زانٍ لَزِمَ أنْ يَكُونَ
صفحة ١٢٢
إيجابُ جَلْدِ هَذا الزّانِي إيجابَ جَلْدِ كُلِّ زانٍ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَ ما قالُوهُ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: اللَّفْظُ المُطْلَقُ إنَّما يُفِيدُ العُمُومَ بِشَرْطِ العَراءِ عَنْ لَفْظِ التَّعْيِينِ، أوْ يُقالُ: اللَّفْظُ المُطْلَقُ وإنِ اقْتَضى العُمُومَ إلّا أنَّ لَفْظَ التَّعْيِينِ يَقْتَضِي الخُصُوصَ، قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَباطِلٌ لِأنَّ العَدَمَ لا دَخْلَ لَهُ في التَّأْثِيرِ، أمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّعارُضَ وهو خِلافُ الأصْلِ.
وخامِسُها: أنْ يُقالَ: الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ، فَلَوْ كانَ المَفْهُومُ مِن قَوْلِنا: الإنْسانُ، هو كُلُّ الإنْسانِ، لَنَزَلَ ذَلِكَ مَنزِلَةَ ما يُقالُ: كُلُّ إنْسانٍ هو الضَّحّاكُ، وذَلِكَ مُتَناقِضٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي حَصْرَ الإنْسانِيَّةِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، ومَعْنى الحَصْرِ هو أنْ يَثْبُتَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَصْدُقَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن أشْخاصِ النّاسِ أنَّهُ هو الضَّحّاكُ لا غَيْرُ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العَصْرِ: ٢، ٣] والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ تَحْتَهُ.
الثّانِي: أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلتَّعْرِيفِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ بِأصْلِ الِاسْمِ، ولا لِتَعْرِيفِ واحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، ولا لِتَعْرِيفِ بَعْضِ مَراتِبَ الخُصُوصِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ المَراتِبِ أوْلى مِن بَعْضٍ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى تَعْرِيفِ الكُلِّ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءَ مَجازٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: رَأيْتُ الإنْسانَ إلّا المُؤْمِنِينَ، وعَنِ الثّانِي أنَّهُ يُشْكِلُ بِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، فَإنْ جَعَلْتَها هُناكَ لِلتَّأْكِيدِ فَكَذا هاهُنا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ وإنْ كانَ لا يُفِيدُ العُمُومَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ يُفِيدُهُ بِحَسَبِ القَرِينَةِ وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُشْتَقِّ يُفِيدُ كَوْنَ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ، لا سِيَّما إذا كانَ الوَصْفُ مُناسِبًا، وهاهُنا كَذَلِكَ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الزِّنا عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الجَلْدِ، فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: أيْنَما تَحَقَّقَ الزِّنا يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الجَلْدِ ضَرُورَةَ أنَّ العِلَّةَ لا تَنْفَكُّ عَنِ المَعْلُولِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ إمّا أنْ يَكُونَ كُلَّ الزُّناةِ أوِ البَعْضَ، فَإنْ كانَ الثّانِيَ صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن إمْكانِ العَمَلِ بِهِ، لَكِنَّ العَمَلَ بِهِ مَأْمُورٌ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ حَتّى يُمْكِنَ العَمَلُ بِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: في الشَّرائِطِ المُعْتَبَرَةِ في كَوْنِ الزِّنا مُوجِبًا لِلرَّجْمِ تارَةً والجَلْدِ أُخْرى، فَنَقُولُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ كَوْنَ الزِّنا مُوجِبًا لِهَذَيْنَ الحُكْمَيْنِ مَشْرُوطٌ بِالعَقْلِ وبِالبُلُوغِ، فَلا يَجِبُ الرَّجْمُ والحَدُّ عَلى الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، وهَذانَ الشَّرْطانِ لَيْسا مِن خَواصِّ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ بَلْ هُما مُعْتَبَرانِ في كُلِّ العُقُوباتِ، أمّا كَوْنُهُما مُوجِبَيْنِ لِلرَّجْمِ فَلا بُدَّ مَعَ العَقْلِ والبُلُوغِ مِن أُمُورٍ أُخَرَ.
الشَّرْطُ الأوَّلُ: الحُرِّيَّةُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الرَّقِيقَ لا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الرَّجْمُ البَتَّةَ.
الشَّرْطُ الثّانِي: التَّزَوُّجُ بِنِكاحٍ صَحِيحٍ، فَلا يَحْصُلُ الإحْصانُ بِالإصابَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ ولا بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ ولا بِالنِّكاحِ الفاسِدِ.
الشَّرْطُ الثّالِثُ: الدُّخُولُ ولا بُدَّ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الثَّيِّبِ بِالثَّيِّبِ» “ وإنَّما تَصِيرُ ثَيِّبًا بِالوَطْءِ، وهاهُنا مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: هَلْ يُشْتَرَطُ أنْ تَكُونَ الإصابَةُ بِالنِّكاحِ بَعْدَ البُلُوغِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ؟ فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: لا يُشْتَرَطُ، حَتّى لَوْ أصابَ عَبْدٌ أمَةً بِنِكاحٍ صَحِيحٍ أوْ في حالِ الجُنُونِ والصِّغَرِ، ثُمَّ كَمُلَ حالُهُ فَزَنى يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ؛ لِأنَّهُ وطْءٌ يَحْصُلُ بِهِ التَّحْلِيلُ لِلزَّوْجِ الأوَّلِ، فَيَحْصُلُ بِهِ الإحْصانُ كالوَطْءِ في حالِ الكَمالِ،
صفحة ١٢٣
ولِأنَّ عَقْدَ النِّكاحِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الكَمالِ فَكَذَلِكَ الوَطْءُ.
والثّانِي وهو الأصَحُّ وهو ظاهِرُ النَّصِّ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُشْتَرَطُ أنْ تَكُونَ الإصابَةُ بِالنِّكاحِ بَعْدَ البُلُوغِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا شُرِطَ أكْمَلُ الإصاباتِ وهو أنْ يَكُونَ بِنِكاحٍ صَحِيحٍ شُرِطَ أنْ يَكُونَ تِلْكَ الإصابَةُ في حالِ الكَمالِ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: هَلْ يُعْتَبَرُ الكَمالُ في الطَّرَفَيْنِ أوْ يُعْتَبَرُ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما كَمالُهُ بِنَفْسِهِ دُونَ صاحِبِهِ؟ فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: مُعْتَبَرٌ في الطَّرَفَيْنِ حَتّى لَوْ وطِئَ الصَّبِيُّ بالِغَةً حُرَّةً عاقِلَةً فَإنَّهُ لا يُحْصِنُها، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ. والثّانِي: يُعْتَبَرُ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما كَمالُهُ بِنَفْسِهِ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّهُ وطْءٌ لا يُفِيدُ الإحْصانَ لِأحَدِ الواطِئَيْنِ، فَلا يُفِيدُ في الآخَرِ كَوَطْءِ الأمَةِ.
حُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُما عَلى صِفَةِ الإحْصانِ وقْتَ النِّكاحِ وكَذا عِنْدَ الدُّخُولِ. الشَّرْطُ الرّابِعُ: الإسْلامُ لَيْسَ شَرْطًا في كَوْنِ الزِّنا مُوجِبًا لِلرَّجْمِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وأبِي يُوسُفَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: شَرْطٌ، احْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِأُمُورٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«فَإذا قَبِلُوا الجِزْيَةَ فَأنْبِئُوهم أنَّ لَهم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْهِمْ ما عَلى المُسْلِمِينَ» “ ومِن جُمْلَةِ ما عَلى المُسْلِمِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى الزِّنا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذِّمِّيُّ كَذَلِكَ لِتَحْصُلَ التَّسْوِيَةُ.
وثانِيها: حَدِيثُ مالِكٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجَمَ يَهُودِيًّا ويَهُودِيَّةً زَنَيا»، فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَكَمَ بِذَلِكَ بِشَرِيعَتِهِ أوْ بِشَرِيعَةِ مَن قَبْلَهُ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فالِاسْتِدْلالُ بِهِ بَيِّنٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ صارَ شَرْعًا لَهُ.
وثالِثُها: أنَّ زِنا الكافِرِ مِثْلُ زِنا المُسْلِمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ ما يَجِبُ عَلى المُسْلِمِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الزِّنا مُحَرَّمٌ قَبِيحٌ فَيُناسِبُهُ الزَّجْرُ، وإيجابُ الرَّجْمِ يَصْلُحُ زاجِرًا لَهُ، ولا يَبْقى إلّا التَّفاوُتُ بِالكُفْرِ والإيمانِ، والكُفْرُ وإنْ كانَ لا يُوجِبُ تَغْلِيظَ الجِنايَةِ فَلا يُوجِبُ تَخْفِيفَها، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِوُجُوهٍ.
أحَدُها: التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ وجَبَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ المُسْلِمِ ولا يَجِبُ في الذِّمِّيِّ لِمَعْنًى مَفْقُودٍ في الذِّمِّيِّ، ووَجْهُ الفَرْقِ أنَّ القَتْلَ بِالأحْجارِ عُقُوبَةٌ عَظِيمَةٌ فَلا يَجِبُ إلّا بِجِنايَةٍ عَظِيمَةٍ، والجِنايَةُ تَعْظُمُ بِكُفْرانِ النِّعَمِ في حَقِّ الجانِي عَقْلًا وشَرْعًا، أمّا العَقْلُ فَلِأنَّ المَعْصِيَةَ كُفْرانُ النِّعْمَةِ، وكُلَّما كانَتِ النِّعَمُ أكْثَرَ وأعْظَمَ كانَ كُفْرانُها أعْظَمَ وأقْبَحَ، وأمّا الشَّرْعُ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في حَقِّ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الَأحْزابِ: ٣٠] فَلَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِنَّ أكْثَرَ كانَ العَذابُ في حَقِّهِنَّ أكْثَرَ، وقالَ في حَقِّ الرَّسُولِ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسْراءِ: ٧٤، ٧٥] وإنَّما عَظُمَتْ مَعْصِيَتُهُ لِأنَّ النِّعْمَةَ في حَقِّهِ أعْظَمُ وهي نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ المُسْلِمِ المُحْصَنِ أكْثَرُ مِنها في حَقِّ الذِّمِّيِّ، فَكانَتْ مَعْصِيَةُ المُسْلِمِ أعْظَمَ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُ أشَدَّ.
وثانِيها: أنَّ الذِّمِّيَّ لَمْ يَزْنِ بَعْدَ الإحْصانِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ القَتْلُ. بَيانُ الأوَّلِ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» “. بَيانُ الثّانِي: أنَّ المُسْلِمَ الَّذِي لا يَكُونُ مُحْصَنًا لا يَجِبُ عَلَيْهِ القَتْلُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا لِإحْدى ثَلاثٍ» “ وإذا كانَ المُسْلِمُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ الذِّمِّيُّ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا قَبِلُوا عَقْدَ الجِزْيَةِ فَأعْلِمْهم أنَّ لَهم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْهِمْ ما عَلى المُسْلِمِينَ» “.
وثالِثُها: أجْمَعْنا عَلى أنَّ إحْصانَ القَذْفِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الإسْلامُ، فَكَذا إحْصانُ الرَّجْمِ، والجامِعُ ما ذَكَرْنا مِن كَمالِ النِّعْمَةِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ خَصَّ بِهِ الثَّيِّبَ المُسْلِمَ، فَكَذا الثَّيِّبُ الذِّمِّيُّ، وما ذَكَرُوهُ مِن حَدِيثِ زِيادَةِ النِّعْمَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ فَنَقُولُ: نِعْمَةُ
صفحة ١٢٤
الإسْلامِ حَصَلَتْ بِكَسْبِ العَبْدِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ كالخِدْمَةِ الزّائِدَةِ، وزِيادَةُ الخِدْمَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ سَبَبًا لِلْعُذْرِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا تَكُونَ سَبَبًا لِزِيادَةِ العُقُوبَةِ، وعَنِ الثّانِي: لا نُسَلِّمُ أنَّ الذِّمِّيَّ مُشْرِكٌ. سَلَّمْناهُ، لَكِنَّ الإحْصانَ قَدْ يُرادُ بِهِ التَّزَوُّجُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النُّورِ: ٤] وفي التَّفْسِيرِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] يَعْنِي فَإذا تَزَوَّجْنَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الذِّمِّيُّ الثَّيِّبُ مُحْصَنٌ بِهَذا التَّفْسِيرِ فَوَجَبَ رَجْمُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: ”«أوْ زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ» “ رَتَّبَ الحُكْمَ في حَقِّ المُسْلِمِ عَلى هَذا الوَصْفِ فَدَلَّ عَلى كَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً، والوَصْفُ قائِمٌ في حَقِّ الذِّمِّيِّ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحُكْمِ بِالرَّجْمِ.
وعَنِ الثّالِثِ أنَّ حَدَّ القَذْفِ لِدَفْعِ العارِ كَرامَةً لِلْمَقْذُوفِ، والكافِرُ لا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْكَرامَةِ وصِيانَةِ العِرْضِ بِخِلافِ ما هاهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالجَلْدِ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الرَّقِيقَ لا يُرْجَمُ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يُجْلَدُ، وثَبَتَ بِنَصِّ الكِتابِ أنَّ عَلى الإماءِ نِصْفَ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ، فَلا جَرَمَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الأمَةَ تُجْلَدُ خَمْسِينَ جَلْدَةً، أمّا العَبْدُ فَقَدِ اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ يُجْلَدُ أيْضًا خَمْسِينَ، إلّا أهْلَ الظّاهِرِ فَإنَّهم قالُوا: عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ المِائَةِ عَلى العَبْدِ والأمَةِ إلّا أنَّهُ ورَدَ النَّصُّ بِالتَّنْصِيفِ في حَقِّ الأمَةِ، فَلَوْ قِسْنا العَبْدَ عَلَيْها كانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِعُمُومِ الكِتابِ بِالقِياسِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، ومِنهم مَن قالَ: الأمَةُ إذا تَزَوَّجَتْ فَعَلَيْها خَمْسُونَ جَلْدَةً، وإذا لَمْ تَتَزَوَّجْ فَعَلَيْها المِائَةُ، لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وذَكَرُوا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] أيْ: تَزَوَّجْنَّ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النِّساءِ: ٢٥].
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللَّهُ: الذِّمِّيُّ يُجْلَدُ. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يُجْلَدُ. لَنا وُجُوهٌ.
أحَدُها: عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾
وثانِيها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها» “ وقَوْلُهُ: ”«أقِيمُوا الحُدُودَ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُكم» “ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الذِّمِّيِّ والمُسْلِمِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجَمَ اليَهُودِيَّيْنِ، فَذاكَ الرَّجْمُ إنْ كانَ مِن شَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَ مِن شَرْعِهِمْ فَلَمّا فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ صارَ ذَلِكَ مِن شَرْعِهِ، وحَقِيقَةُ هَذِهِ المسألة تَرْجِعُ إلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ.
* * *
البَحْثُ الرّابِعُ: فِيما يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الزِّنا مِنهُ، اعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا مِن أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
إمّا بِأنْ يَراهُ الإمامُ بِنَفْسِهِ أوْ بِأنْ يُقِرَّ أوْ بِأنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ.
أمّا الوجه الأوَّلُ: وهو ما إذا رَآهُ الإمامُ. قالَ الإمامُ مُحْيِي السُّنَّةِ في كِتابِ التَّهْذِيبِ: لا خِلافَ أنَّ عَلى القاضِي أنْ يَمْتَنِعَ عَنِ القَضاءِ بِعِلْمِ نَفْسِهِ، مِثْلَ ما إذا ادَّعى رَجُلٌ عَلى آخَرَ حَقًّا وأقامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، والقاضِي يَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ أبْرَأهُ.
أوِ ادَّعى أنَّهُ قَتَلَ أباهُ وقْتَ كَذا، وقَدْ رَآهُ القاضِي حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ.
أوِ ادَّعى نِكاحَ امْرَأةٍ وقَدْ سَمِعَهُ القاضِي طَلَّقَها، لا يَجُوزُ أنْ يَقْضِيَ بِهِ وإنْ أقامَ عَلَيْهِ شُهُودًا، وهَلْ يَجُوزُ لِلْقاضِي أنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ مِثْلَ أنِ ادَّعى عَلَيْهِ ألْفًا، وقَدْ رَآهُ القاضِي أقْرَضَهُ أوْ سَمِعَ المُدَّعِيَ عَلَيْهِ أقَرَّ بِهِ، فِيهِ قَوْلانِ، أصَحُّهُما وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والمُزَنِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا جازَ لَهُ أنْ يَحْكُمَ بِشَهادَةِ الشُّهُودِ وهو مِن قَوْلِهِمْ عَلى ظَنٍّ، فَلَأنْ يَجُوزَ بِما رَآهُ وسَمِعَهُ وهو مِنهُ عَلى عِلْمٍ أوْلى، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِ الرِّسالَةِ: أقْضِي بِعِلْمِي وهو أقْوى مِن شاهِدَيْنِ، أوْ بِشاهِدَيْنِ وشاهِدٍ وامْرَأتَيْنِ، وهو أقْوى مِن شاهِدٍ ويَمِينٍ أوْ بِشاهِدٍ ويَمِينٍ، وهو أقْوى مِنَ النُّكُولِ ورَدِّ اليَمِينِ.
والقَوْلُ الثّانِي: لا يَقْضِي بِعِلْمِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى؛ لِأنَّ انْتِفاءَ التُّهْمَةِ شَرْطٌ في القَضاءِ، ولَمْ يُوجَدْ هَذا في المالِ، أمّا في العُقُوباتِ فَيُنْظَرُ إنْ كانَ ذَلِكَ مِن حُقُوقِ العِبادِ كالقِصاصِ وحَدِّ القَذْفِ هَلْ يَحْكُمُ فِيهِ
صفحة ١٢٥
بِعِلْمِ نَفْسِهِ ؟ يُرَتَّبُ عَلى المالِ، إنْ قُلْنا هُناكَ: لا يَقْضِي، فَهاهُنا أوْلى، وإلّا فَقَوْلانِ، والفَرْقُ أنَّ مَبْنى حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى عَلى المُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ، ولا فَرْقَ عَلى القَوْلَيْنِ أنْ يَحْصُلَ العِلْمُ لِلْقاضِي في بَلَدِ وِلايَتِهِ وزَمانِ وِلايَتِهِ أوْ في غَيْرِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ في بَلَدِ وِلايَتِهِ أوْ في زَمانِ وِلايَتِهِ لَهُ أنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ وإلّا فَلا، فَنَقُولُ: العِلْمُ لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ هَذِهِ الأحْوالِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَخْتَلِفَ الحُكْمُ بِاخْتِلافِها. واللَّهُ أعْلَمُ.
الطَّرِيقُ الثّانِي: الإقْرارُ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الإقْرارُ بِالزِّنا مَرَّةً واحِدَةً يُوجِبُ الحَدَّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلْ لا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ أرْبَعَ مَرّاتٍ في أرْبَعِ مَجالِسَ، وقالَ أحْمَدُ: لا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ أرْبَعَ مَرّاتٍ لَكِنْ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ في أرْبَعِ مَجالِسَ أوْ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أمْرانِ، الأوَّلُ: قِصَّةُ العَسِيفِ فَإنَّهُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها“»، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاعْتِرافَ مَرَّةً واحِدَةً كافٍ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا أقَرَّ بِالزِّنا وجَبَ الحَدُّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «اقْضِ بِالظّاهِرِ»، والإقْرارُ مَرَّةً واحِدَةً يُوجِبُ الظُّهُورَ لا سِيَّما هاهُنا، وذَلِكَ لِأنَّ الصّارِفَ عَنِ الإقْرارِ بِالزِّنا قَوِيٌّ، لِما أنَّهُ سَبَبُ العارِ في الحالِ والألَمِ الشَّدِيدِ في المَآلِ، والصّارِفُ عَنِ الكَذِبِ أيْضًا قائِمٌ، وعِنْدَ اجْتِماعِ الصّارِفَيْنِ يَقْوى الِانْصِرافُ، فَثَبَتَ أنَّهُ إنَّما أقْدَمَ عَلى هَذا الإقْرارِ لِكَوْنِهِ صادِقًا. وإذا ظَهَرَ انْدَرَجَ تَحْتَ الحَدِيثِ وتَحْتَ الآيَةِ، أوْ نَقِيسُهُ عَلى الإقْرارِ بِالقَتْلِ والرِّدَّةِ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِوُجُوهٍ.
أحَدُها: قِصَّةُ ماعِزٍ، والِاسْتِدْلالُ بِها مِن وُجُوهٍ، الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْرَضَ عَنْهُ في المَرَّةِ الأُولى، ولَوْ وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ لَمْ يُعْرِضْ عَنْهُ؛ لِأنَّ الإعْراضَ عَنْ إقامَةِ حَدِّ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ كَمالِ الحجة لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إنَّكَ شَهِدْتَ عَلى نَفْسِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ» “ ولَوْ كانَ الواحِدُ مِثْلَ الأرْبَعِ في إيجابِ الحَدِّ كانَ هَذا القَوْلُ لَغْوًا.
والثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِماعِزٍ بَعْدَما أقَرَّ ثَلاثَ مَرّاتٍ: ”لَوْ أقْرَرْتَ الرّابِعَةَ لَرَجَمَكَ رَسُولُ اللَّهِ“
والرّابِعُ: عَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: ”كُنّا مَعْشَرَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ نَقُولُ: لَوْ لَمْ يُقِرَّ ماعِزٌ أرْبَعَ مَرّاتٍ ما رَجَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ“.
وثانِيها: أنَّهم قاسُوا الإقْرارَ عَلى الشَّهادَةِ فَكَما أنَّهُ لا يُقْبَلُ في الزِّنا إلّا أرْبَعُ شَهاداتٍ فَكَذا في الإقْرارِ بِهِ، والجامِعُ السَّعْيُ في كِتْمانِ هَذِهِ الفاحِشَةِ.
وثالِثُها: أنَّ الزِّنا لا يَنْتَفِي إلّا بِأرْبَعِ شَهاداتٍ أوْ بِأرْبَعِ أيْمانٍ في اللِّعانِ، فَجازَ أيْضًا أنْ لا يَثْبُتَ إلّا بِالإقْرارِ أرْبَعَ مَرّاتٍ، وبِهِ يُفارِقُ سائِرَ الحُقُوقِ فَإنَّها تَنْتَفِي بِيَمِينٍ واحِدٍ، فَجازَ أيْضًا أنْ يَثْبُتَ بِإقْرارٍ واحِدٍ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَيْسَ في الحَدِيثِ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَكَمَ بِالشَّهاداتِ الأرْبَعِ، وذَلِكَ لا يُنافِي جَوازَ الحُكْمِ بِالشَّهادَةِ الواحِدَةِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّ المَقْذُوفَ لَوْ أقَرَّ بِالزِّنا مَرَّةً لَسَقَطَ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ، ولَوْلا أنَّ الزِّنا ثَبَتَ لَما سَقَطَ، كَما لَوْ شَهِدَ اثْنانِ بِالزِّنا لا يَسْقُطُ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الزِّنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
والطَّرِيقُ الثّالِثُ: الشَّهادَةُ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن أرْبَعِ شَهاداتٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٥] والكَلامُ فِيهِ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النُّورِ: ٤].
* * *
البَحْثُ الخامِسُ: في أنَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا﴾ مَن هُوَ؟ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِذَلِكَ هو الإمامُ، ثُمَّ احْتَجُّوا بِهَذا عَلى وُجُوبِ نَصْبِ الإمامِ، قالُوا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ بِإقامَةِ الحَدِّ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَتَوَلّى إقامَتَهُ إلّا الإمامُ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ المُطْلَقُ إلّا بِهِ وكانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ، فَهو واجِبٌ، فَكانَ
صفحة ١٢٦
نَصْبُ الإمامِ واجِبًا، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ الدَّلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائِدَةِ: ٣٨] بَقِيَ هاهُنا ثَلاثُ مَسائِلَ:
المسألة الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّيِّدُ يَمْلِكُ إقامَةَ الحَدِّ عَلى مَمْلُوكِهِ. وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ وفاطِمَةَ وعائِشَةَ. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ لا يَمْلِكُ، وقالَ مالِكٌ: يَحُدُّهُ المَوْلى في الزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ والقَذْفِ، ولا يَقْطَعُهُ في السَّرِقَةِ وإنَّما يَقْطَعُهُ الإمامُ، وهو قَوْلُ اللَّيْثِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِوُجُوهٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أقِيمُوا الحُدُودَ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُكم» “ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها» “ وفي رِوايَةٍ أُخْرى ”«فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ» “ قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: لا دَلالَةَ في هَذِهِ الأخْبارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”«أقِيمُوا الحُدُودَ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُكم» “ هو كَقَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ مِنهُ رَفْعُهُ إلى الإمامِ لِإقامَةِ الحَدِّ، والمُخاطَبُونَ بِإقامَةِ الحَدِّ هُمُ الأئِمَّةُ، وسائِرُ النّاسِ مُخاطَبُونَ بِرَفْعِ الأمْرِ إلَيْهِمْ حَتّى يُقِيمُوا عَلَيْهِمُ الحُدُودَ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ”«أقِيمُوا الحُدُودَ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُكم» “ عَلى هَذا المَعْنى، وأمّا قَوْلُهُ: ”«إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها» “ فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ جَلْدٍ حَدًّا؛ لِأنَّ الجَلْدَ قَدْ يَكُونُ عَلى وجْهِ التَّعْزِيرِ، فَإذا عَزَّرْنا فَقَدْ وفَّيْنا بِمُقْتَضى الحَدِيثِ.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ”«أقِيمُوا الحُدُودَ» “ أمْرٌ بِإقامَةِ الحَدِّ، فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى رَفْعِ الواقِعَةِ إلى الإمامِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ تُرِكَ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: فاجْلِدُوا، لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الظّاهِرِ هُناكَ تَرْكُهُ هاهُنا، أمّا قَوْلُهُ: ”فَلْيَجْلِدْها“ المُرادُ هو التَّعْزِيرُ، فَباطِلٌ؛ لِأنَّ الجَلْدَ المَذْكُورَ عَقِيبَ الزِّنا لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الحَدُّ. وثانِيها: أنَّ السُّلْطانَ لَمّا مَلَكَ إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ فَسَيِّدُهُ بِهِ أوْلى؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ السَّيِّدِ بِالعَبْدِ أقْوى مِن تَعَلُّقِ السُّلْطانِ بِهِ؛ لِأنَّ المِلْكَ أقْوى مَن عَقْدِ البَيْعَةِ، ووِلايَةُ السّادَةِ عَلى العَبِيدِ فَوْقَ وِلايَةِ السُّلْطانِ عَلى الرَّعِيَّةِ، حَتّى إذا كانَ لِلْأمَةِ سَيِّدٌ وأبٌ فَإنَّ وِلايَةَ النِّكاحِ لِلسَّيِّدِ دُونَ الأبِ، ثُمَّ الأبُ مُقَدَّمٌ عَلى السُّلْطانِ في وِلايَةِ النِّكاحِ، فَيَكُونُ السَّيِّدُ مُقَدَّمًا عَلى السُّلْطانِ بِدَرَجاتٍ، فَكانَ أوْلى، ولِأنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ في هَذا المَحَلِّ ما لا يَمْلِكُهُ الإمامُ، فَثَبَتَ أنَّ المَوْلى أوْلى.
وثالِثُها: أجْمَعْنا عَلى أنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ التَّعْزِيرَ فَكَذا الحَدُّ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ نَظِيرُ الآخَرِ، وإنْ كانَ أحَدُهُما مُقَدَّرًا والآخَرُ غَيْرَ مُقَدَّرٍ، واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ بِوُجُوهٍ.
أحَدُها: قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ لا شَكَّ أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الأئِمَّةِ دُونَ عامَّةِ النّاسِ، فالتَّقْدِيرُ فاجْلِدُوا أيُّها الأئِمَّةُ والحُكّامُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ، ولَمْ يُفَرِّقْ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ المَحْدُودِينَ مِنَ الأحْرارِ والعَبِيدِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الأئِمَّةُ هُمُ المُخاطَبُونَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلى الأحْرارِ والعَبِيدِ دُونَ المَوالِي.
وثانِيها: أنَّهُ لَوْ جازَ لِلْمَوْلى أنْ يَسْمَعَ شَهادَةَ الشُّهُودِ عَلى عَبْدِهِ بِالسَّرِقَةِ فَيَقْطَعَهُ، فَلَوْ رَجَعُوا عَنْ شَهادَتِهِمْ لَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِن تَضْمِينِ الشُّهُودِ؛ لِأنَّ تَضْمِينَ الشُّهُودِ يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الحاكِمِ بِالشَّهادَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يَحْكُمُ بِشَهادَتِهِمْ لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا، فَكانَ يَصِيرُ حاكِما لِنَفْسِهِ بِإيجابِ الضَّمانِ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ أنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ. فَعَلِمْنا أنَّ المَوْلى لا يَمْلِكُ اسْتِماعَ البَيِّنَةِ عَلى عَبْدِهِ بِذَلِكَ ولا قَطْعَهُ.
وثالِثُها: أنَّ المالِكَ رُبَّما لا يَسْتَوْفِي الحَدَّ بِكَمالِهِ لِشَفَقَتِهِ عَلى مِلْكِهِ، وإذا كانَ مُتَّهَمًا وجَبَ أنْ لا يُفَوَّضَ إلَيْهِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاجْلِدُوا﴾ لَيْسَ بِصَرِيحِهِ خِطابًا مَعَ الإمامِ، لَكِنْ بِواسِطَةِ أنَّهُ لَمّا انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّ غَيْرَ الإمامِ لا يَتَوَلّاهُ حَمَلْنا ذَلِكَ الخِطابَ عَلى الإمامِ، وهاهُنا لَمْ يَنْعَقِدَ الإجْماعُ
صفحة ١٢٧
عَلى أنَّ الإمامَ لا يَتَوَلّاهُ لِأنَّهُ عَيْنُ النِّزاعِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ في كِتابِ ”التَّهْذِيبِ“: هَلْ يَجُوزُ لِلْمَوْلى قَطْعُ يَدِ عَبْدِهِ بِسَبَبِ السَّرِقَةِ أوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ؟ فِيهِ وجْهانِ.
أصَحُّهُما أنَّهُ يَجُوزُ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوايَةِ البُوَيْطِيِّ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قَطَعَ عَبْدًا لَهُ سَرَقَ. وكَما يَجْلِدُهُ في الزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ.
والثّانِي: لا، بَلِ القَطْعُ إلى الإمامِ بِخِلافِ الجَلْدِ؛ لِأنَّ المَوْلى يَمْلِكُ جِنْسَ الجَلْدِ وهو التَّعْزِيرُ ولا يَمْلِكُ جِنْسَ القَطْعِ، ثُمَّ قالَ: وكُلُّ حَدٍّ يُقِيمُهُ المَوْلى عَلى عَبْدِهِ إنَّما يُقِيمُهُ إذا ثَبَتَ بِاعْتِرافِ العَبْدِ، فَإنْ كانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَهَلْ يَسْمَعُ المَوْلى الشَّهادَةَ؟ فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: يَسْمَعُ لِأنَّهُ مَلَكَ الإقامَةَ بِالِاعْتِرافِ فَيَمْلِكُ بِالبَيِّنَةِ كالإمامِ.
والثّانِي: لا يَسْمَعُ بَلْ ذاكَ إلى الحُكّامِ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ مَنقُوضٌ بِالتَّعْزِيرِ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: إذا فُقِدَ الإمامُ فَلَيْسَ لِآحادِ النّاسِ إقامَةُ هَذِهِ الحُدُودِ، بَلِ الأوْلى أنْ يُعَيِّنُوا واحِدًا مِنَ الصّالِحِينَ لِيَقُومَ بِهِ.
المسألة الثّالِثَةُ: الخارِجِيُّ المُتَغَلِّبُ هَلْ لَهُ إقامَةُ الحُدُودِ؟ قالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ ذَلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ مِن جِهَةِ مَن يَلْزَمُنا أنْ نُزِيلَ وِلايَتَهُ أبْعَدُ مِن أنْ نُفَوِّضَ ذَلِكَ إلى رَجُلٍ مِنَ الصّالِحِينَ.
* * *
البَحْثُ السّادِسُ: في كَيْفِيَّةِ إقامَةِ الحَدِّ، أمّا الجَلْدُ، فاعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو الجَلْدُ، وهَذا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الجَلْدِ الشَّدِيدِ والجَلْدِ الخَفِيفِ، والجَلْدِ عَلى كُلِّ الأعْضاءِ أوْ عَلى بَعْضِ الأعْضاءِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في الآيَةِ إشْعارٌ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القُيُودِ، بَلْ مُقْتَضى الآيَةِ أنْ يَكُونَ الآتِي بِالجَلْدِ كَيْفَ كانَ خارِجًا عَنِ العُهْدَةِ؛ لِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ العُهْدَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي لَفْظِ الجَلْدِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَجاوَزَ الألَمُ إلى اللَّحْمِ، ولِأنَّ الجَلْدَ ضَرْبُ الجِلْدِ، يُقالُ: جَلَدَهُ، كَقَوْلِكَ: ظَهَرَهُ، بِفَتْحِ الهاءِ، وبَطَنَهُ ورَأسَهُ، إلّا أنّا لَمّا عَرَفْنا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الزَّجْرُ، والزَّجْرُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالجَلْدِ الخَفِيفِ، لا جَرَمَ تَكَلَّمَ العُلَماءُ في صِفَةِ الجَلْدِ عَلى سَبِيلِ القِياسِ. ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: المُحْصَنُ يُجْلَدُ مَعَ ثِيابِهِ ولا يُجَرَّدُ، ولَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَصِلُ الألَمُ إلَيْهِ، ويُنْزَعُ مِن ثِيابِهِ الحَشْوُ والفَرْوُ. رَوى أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ في حَدٍّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَنْزِعُ قَمِيصَهُ، وقالَ: ما يَنْبَغِي لِجَسَدِ هَذا المُذْنِبِ أنْ يُضْرَبَ وعَلَيْهِ قَمِيصٌ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا تَدَعُوهُ يَنْزِعُ قَمِيصَهُ، فَضَرَبَهُ عَلَيْهِ. أمّا المَرْأةُ فَلا خِلافَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ تَجْرِيدُها، بَلْ يُرْبَطُ عَلَيْها ثِيابُها حَتّى لا تَنْكَشِفَ، ويَلِي ذَلِكَ مِنها امْرَأةٌ.
المسألة الثّانِيَةُ: لا يُمَدُّ ولا يُرْبَطُ بَلْ يُتْرَكُ حَتّى يَتَّقِيَ بِيَدَيْهِ، ويُضْرَبُ الرَّجُلُ قائِمًا والمَرْأةُ جالِسَةً. قالَ أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ضَرَبَ ابْنُ أبِي لَيْلى المَرْأةَ القاذِفَةَ قائِمَةً فَخَطَّأهُ أبُو حَنِيفَةَ.
المسألة الثّالِثَةُ: يُضْرَبُ بِسَوْطٍ وسَطٍ لا جَدِيدٍ يَجْرَحُ ولا خَلِقٍ لَمْ يُؤْلِمْ، ويُضْرَبُ ضَرْبًا بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، لا شَدِيدٍ ولا واهٍ. رَوى أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ قالَ: أُتِيَ عُمَرُ بِرَجُلٍ في حَدٍّ ثُمَّ جِيءَ بِسَوْطٍ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقالَ: أُرِيدُ ألْيَنَ مِن هَذا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ فِيهِ لِينٌ، فَقالَ: أُرِيدُ أشَدَّ مِن هَذا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ فَرَضِيَ بِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: تُفَرَّقُ السِّياطُ عَلى أعْضائِهِ ولا يُجَمِّعُها في مَوْضِعٍ واحِدٍ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يَتَّقِي المَهالِكَ كالوجه والبَطْنِ والفَرْجِ، ويَضْرِبُ عَلى الرَّأْسِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا
صفحة ١٢٨
يَضْرِبُ عَلى الرَّأْسِ، وهو قَوْلٌ عَلى حُجَّةِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: أضْرِبُ عَلى الرَّأْسِ فَإنَّ الشَّيْطانَ فِيهِ. وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ ضَرَبَ صَبِيغَ بْنَ عُسَيْلٍ عَلى رَأْسِهِ حِينَ سَألَ عَنِ الذّارِياتِ، عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يُضْرَبُ عَلى الوجه فَكَذا الرَّأْسُ، والجامِعُ الحُكْمُ والمَعْنى. أمّا الحُكْمُ فَلِأنَّ الشَّيْنَ الَّذِي يَلْحَقُ الرَّأْسَ بِتَأْثِيرِ الضَّرْبِ كالَّذِي يَلْحَقُ الوَجْهَ، بِدَلِيلِ أنَّ المُوضِحَةَ وسائِرَ الشِّجاجِ حُكْمُها في الرَّأْسِ والوجه واحِدٌ، وفارَقا سائِرَ البَدَنِ؛ لِأنَّ المُوضِحَةَ فِيما سِوى الرَّأْسِ والوجه إنَّما يَجِبُ فِيها حُكُومَةٌ ولا يَجِبُ فِيها أرْشُ المُوضِحَةِ الواقِعَةِ في الرَّأْسِ والوَجْهِ، فَوَجَبَ اسْتِواءُ الرَّأْسِ والوجه في وُجُوبِ صَوْنِهِما عَنِ الضَّرْبِ.
وأمّا المَعْنى فَهو إنَّما مُنِعَ مِن ضَرْبِ الوجه لِما كانَ فِيهِ مِنَ الجِنايَةِ عَلى البَصَرِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الرَّأْسِ؛ لِأنَّ ضَرْبَ الرَّأْسِ يُظْلِمُ مِنهُ البَصَرُ، ورُبَّما حَدَثَ مِنهُ الماءُ في العَيْنِ، ورُبَّما حَدَثَ مِنهُ اخْتِلاطُ العَقْلِ. أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الوجه والرَّأْسِ ثابِتٌ؛ لِأنَّ الضَّرْبَةَ إذا وقَعَتْ عَلى الوَجْهِ، فَعَظْمُ الجَبْهَةِ رَقِيقٌ فَرُبَّما انْكَسَرَ بِخِلافِ عَظْمِ القَفا، فَإنَّهُ في نِهايَةِ الصَّلابَةِ، وأيْضًا فالعَيْنُ في نِهايَةِ اللَّطافَةِ، فالضَّرْبُ عَلَيْها يُورِثُ العَمى، وأيْضًا فالضَّرْبُ عَلى الوجه يَكْسِرُ الأنْفَ؛ لِأنَّهُ مِن غُضْرُوفٍ لَطِيفٍ، ويَكْسِرُ الأسْنانَ لِأنَّها عِظامٌ لَطِيفَةٌ، ويَقَعُ عَلى الخَدَّيْنِ وهُما لَحَمانِ قَرِيبانِ مِنَ الدِّماغِ، والضَّرْبَةُ عَلَيْهِما في نِهايَةِ الخَطَرِ لِسُرْعَةِ وُصُولِ ذَلِكَ الأثَرِ إلى جِرْمِ الدِّماغِ، وكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ في الضَّرْبِ عَلى الرَّأْسِ.
المسألة الخامِسَةُ: لَوْ فَرَّقَ سِياطَ الحَدِّ تَفْرِيقًا لا يَحْصُلُ بِهِ التَّنْكِيلُ، مِثْلَ أنْ يَضْرِبَ كُلَّ يَوْمٍ سَوْطًا أوْ سَوْطَيْنِ لا يُحْسَبُ، وإنْ ضَرَبَ كُلَّ يَوْمٍ عِشْرِينَ أوْ أكْثَرَ يُحْسَبُ، والأوْلى أنْ لا يُفَرِّقَ.
* * *
المسألة السّادِسَةُ: إنْ وجَبَ الحَدُّ عَلى الحُبْلى لا يُقامُ حَتّى تَضَعَ، رَوى عِمْرانُ بْنُ الحُصَيْنِ: «أنَّ امْرَأةً مِن جُهَيْنَةَ أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي حُبْلى مِنَ الزِّنا، فَقالَتْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ أصَبْتُ حَدًّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعا نَبِيُّ اللَّهِ ولَيَّها فَقالَ: أحْسِنْ إلَيْها، فَإذا وضَعَتْ فَأْتِنِي بِها فَفَعَلَ، فَأمَرَ بِها نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فُشَدَّتْ عَلَيْها ثِيابُها، ثُمَّ أمَرَ بِها فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلّى عَلَيْها»، ولِأنَّ المَقْصُودَ التَّأْدِيبُ دُونَ الإتْلافِ.
* * *
المسألة السّابِعَةُ: إنْ وجَبَ الجَلْدُ عَلى المَرِيضِ نُظِرَ، فَإنْ كانَ بِهِ مَرَضٌ يُرْجى زَوالُهُ مِن صُداعٍ أوْ ضَعْفٍ أوْ وِلادَةٍ، يُؤَخَّرُ حَتّى يَبْرَأ، كَما لَوْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ أوْ قَطْعٌ لا يُقامُ عَلَيْهِ حَدٌّ آخَرُ حَتّى يَبْرَأ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ بِهِ مَرَضٌ لا يُرْجى زَوالُهُ كالسُّلِّ والزَّمانَةِ، فَلا يُؤَخَّرُ ولا يُضْرَبُ بِالسِّياطِ، فَإنَّهُ يَمُوتُ ولَيْسَ المَقْصُودُ مَوْتَهُ، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ سَواءٌ كانَ زِناهُ في حالِ الصِّحَّةِ ثُمَّ مَرِضَ أوْ في حالِ المَرَضِ، بَلْ يُضْرَبُ بِعِثْكالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فَيَقُومُ ذَلِكَ مَقامَ مِائَةِ جَلْدَةٍ. كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُضْرَبُ بِالسِّياطِ، دَلِيلُنا ما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مُقْعَدًا أصابَ امْرَأةً؛ فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَأخَذُوا مِائَةَ شِمْراخٍ فَضَرَبُوهُ بِها ضَرْبَةً واحِدَةً»، ولِأنَّ الصَّلاةَ إذا كانَتْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حالِهِ فالحَدُّ أوْلى بِذَلِكَ.
* * *
المسألة الثّامِنَةُ: يُقامُ الحَدُّ في وقْتِ اعْتِدالِ الهَواءِ، فَإنْ كانَ في حالِ شِدَّةِ حَرٍّ أوْ بَرْدٍ نُظِرَ إنْ كانَ الحَدُّ رَجْمًا يُقامُ عَلَيْهِ كَما يُقامُ في المَرَضِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ قَتْلُهُ، وقِيلَ: إنْ كانَ الرَّجْمُ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِإقْرارِهِ فَيُؤَخَّرُ إلى اعْتِدالِ الهَواءِ وزَوالِ المَرَضِ الَّذِي يُرْجى زَوالُهُ؛ لِأنَّهُ رُبَّما رَجَعَ عَنْ إقْرارِهِ في خِلالِ الرَّجْمِ، وقَدْ أثَّرَ الرَّجْمُ في جِسْمِهِ؛ فَتُعِينُ شِدَّةُ الحَرِّ والبَرْدِ والمَرَضِ عَلى إهْلاكِهِ، بِخِلافِ ما لَوْ ثَبَتَ بِالبَيِّنَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْقُطُ، وإنْ كانَ الحَدُّ
صفحة ١٢٩
جَلْدًا لَمْ يَجُزْ إقامَتُهُ في شِدَّةِ الحَرِّ والبَرْدِ، كَما لا يُقامُ في المَرَضِ.
* * *
أمّا الرَّجْمُ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ومالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ لِلْإمامِ أنْ يَحْضُرَ رَجْمَهُ وأنْ لا يَحْضُرَ، وكَذا الشُّهُودُ لا يَلْزَمُهُمُ الحُضُورُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ ثَبَتَ الزِّنا بِالبَيِّنَةِ وجَبَ عَلى الشُّهُودِ أنْ يَبْدَؤُوا بِالرَّجْمِ ثُمَّ الإمامُ ثُمَّ النّاسُ، وإنْ ثَبَتَ بِإقْرارٍ بَدَأ الإمامُ ثُمَّ النّاسُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِرَجْمِ ماعِزٍ والغامِدِيَّةِ ولَمْ يَحْضُرْ رَجْمَهُما» .
المسألة الثّانِيَةُ: إنْ ثَبَتَ الزِّنا بِإقْرارِهِ فَمَتى رَجَعَ تُرِكَ، وقَعَ بِهِ بَعْضُ الحَدِّ أوْ لَمْ يَقَعْ. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ أبِي لَيْلى وداوُدُ لا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ، وعَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوايَتانِ.
حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: «أنَّ ماعِزًا لَمّا مَسَّتْهُ الحِجارَةُ وهَرَبَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”هَلّا تَرَكْتُمُوهُ“» .
المسألة الثّالِثَةُ: يُحْفَرُ لِلْمَرْأةِ إلى صَدْرِها حَتّى لا تَنْكَشِفَ وتُرْمى إلَيْها، ولا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ، لِما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ”«أنَّ ماعِزًا أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أصَبْتُ فاحِشَةً فَأقِمْ عَلَيَّ الحَدَّ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِرارًا، ثُمَّ سَألَ قَوْمَهُ، فَقالُوا: لا نَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا فَأمَرَنا أنْ نَرْجُمَهُ، فانْطَلَقْنا بِهِ إلى بَقِيعِ الغَرْقَدِ فَما أوْثَقْناهُ ولا حَفَرْنا لَهُ، قالَ فَرَمَيْناهُ بِالعِظامِ والمَدَرِ والخَزَفِ، قالَ فاشْتَدَّ واشْتَدَدْنا خَلْفَهُ حَتّى أتى عُرْضَ الحَرَّةِ وانْتَصَبَ لَنا فَرَمَيْناهُ بِجَلامِيدِ الحَرَّةِ حَتّى سَكَنَ» “ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ قالَ: ”فَما أوْثَقْناهُ ولا حَفَرْنا لَهُ“ ولِأنَّهُ هَرَبَ، ولَوْ كانَ في حُفْرَةٍ لَما أمْكَنَهُ ذَلِكَ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: إذا ماتَ في الحَدِّ يُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ ويُصَلّى عَلَيْهِ ويُدْفَنُ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ، فَهَذا ما أرَدْنا ذِكْرَهُ مِن بَيانِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
أمّا المَباحِثُ العَقْلِيَّةُ: فاعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا شَكَّ أنَّ البَدَنَ مُرَكَّبٌ مِن أجْزاءٍ كَثِيرَةٍ، فَإمّا أنْ يَقُومَ بِكُلِّ جُزْءٍ حَياةٌ وعِلْمٌ وقُدْرَةٌ عَلى حِدَةٍ. أوْ يَقُومَ بِكُلِّ الأجْزاءِ حَياةٌ واحِدَةٌ وعِلْمٌ واحِدٌ وقُدْرَةٌ واحِدَةٌ، والثّانِي مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ قِيامِ العَرَضِ الواحِدِ بِالمَحالِّ الكَثِيرَةِ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ حَيًّا عَلى حِدَةٍ وعالِمًا عَلى حِدَةٍ وقادِرًا عَلى حِدَةٍ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الزّانِي هو الفَرْجُ لا الظَّهْرُ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يَأْمُرَ بِجَلْدِ الظَّهْرِ، ولِأنَّهُ رُبَّما كانَ الإنْسانُ حالَ إقْدامِهِ عَلى الزِّنا عَجِيفًا نَحِيفًا ثُمَّ يَسْمَنُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ إيلامُ تِلْكَ الأجْزاءِ الزّائِدَةِ مَعَ أنَّها كانَتْ بَرِيئَةً عَنْ فِعْلِ الزِّنا، فَإنْ قالَ قائِلٌ هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ فاعِلًا عَلى حِدَةٍ وحَيًّا عَلى حِدَةٍ وذَلِكَ مُحالٌ، بَلِ الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ تَقُومُ بِالجُزْءِ الواحِدِ ثُمَّ تُوجِبُ حُكْمَ الحَيِيَّةِ والعالِمِيَّةِ والقادِرِيَّةِ لِمَجْمُوعِ الأجْزاءِ، فَيَكُونُ المَجْمُوعُ حَيًّا واحِدًا عالِمًا واحِدًا قادِرًا واحِدًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ السُّؤالُ.
الثّانِي: أنْ يُقالَ الَّذِي هو الفاعِلُ والمُحَرِّكُ والمُدْرِكُ شَيْءٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ. وإنَّما هو مُدَبِّرٌ لِهَذا البَدَنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا يَزُولُ السُّؤالُ، والجَوابُ: أمّا الأوَّلُ فَضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ إذا قامَ بِجُزْءٍ واحِدٍ، فَإمّا أنْ يَحْصُلَ بِمَجْمُوعِ الأجْزاءِ عالِمِيَّةٌ واحِدَةٌ فَيَلْزَمُ قِيامُ الصِّفَةِ الواحِدَةِ بِالمَحالِّ الكَثِيرَةِ وهو مُحالٌ، أوْ يَقُومَ بِكُلِّ جُزْءٍ عالِمِيَّةٌ عَلى حِدَةٍ فَيَعُودَ المَحْذُورُ المَذْكُورُ، وأمّا الثّانِي فَفي نِهايَةِ البُعْدِ لِأنَّهُ إذا كانَ الفاعِلُ لِلْقَبِيحِ هو ذَلِكَ المُبايِنُ فَلِمَ يُضْرَبُ هَذا الجَسَدُ ؟ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ رِعايَةُ المَصالِحِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ
صفحة ١٣٠
شَرْعَ الحَدِّ يُفِيدُ الزَّجْرَ، فَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: الرَّأْفَةُ الرِّقَّةُ والرَّحْمَةُ وقِراءَةُ العامَّةِ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ رَأفَةٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ورَآفَةٌ عَلى فَعالَةٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا تَأْخُذَكم رَأْفَةٌ بِأنْ يُعَطَّلَ الحَدُّ أوْ يُنْقَصَ مِنهُ، والمَعْنى لا تُعَطِّلُوا حُدُودَ اللَّهِ، ولا تَتْرُكُوا إقامَتَها لِلشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا تَأْخُذَكم رَأْفَةٌ بِأنْ يُخَفَّفَ الجَلْدُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ وقَتادَةَ، ويُحْتَمَلُ كِلا الأمْرَيْنِ والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ الأمْرُ بِنَفْسِ الجَلْدِ، ولَمْ يُذْكَرْ صِفَتُهُ، فَما يَعْقُبُهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ وكَفى بِرَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ في ذَلِكَ حَيْثُ قالَ: ”«لَوْ سَرَقَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَها» “ ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ في دِينِ اللَّهِ عَلى أنَّ الدِّينَ إذا أوْجَبَ أمْرًا لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمالُ الرَّأْفَةِ في خِلافِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَهو مِن بابِ التَّهْيِيجِ والتِهابِ الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى ولِدِينِهِ. قالَ الجُبّائِيُّ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلا تَتْرُكُوا إقامَةَ الحُدُودِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِأداءِ الواجِباتِ مِنَ الإيمانِ بِخِلافِ ما تَقُولُهُ المُرْجِئَةُ، والجَوابُ: أنَّ الرَّأْفَةَ لا تَحْصُلُ إلّا إذا حَكَمَ الإنْسانُ بِطَبْعِهِ أنَّ الأوْلى أنْ لا تُقامَ تِلْكَ الحُدُودُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُنْكِرًا لِلدِّينِ فَيَخْرُجُ عَنِ الإيمانِ في الحَدِيثِ ”«يُؤْتى بِوالٍ نَقَصَ مِنَ الحَدِّ سَوْطًا، فَيُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذاكَ ؟ فَيَقُولُ رَحْمَةً لِعِبادِكَ، فَيُقالُ لَهُ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ مِنِّي ! فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ويُؤْتى بِمَن زادَ سَوْطًا فَيُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ لِيَنْتَهُوا عَنْ مَعاصِيكَ، فَيَقُولُ أنْتَ أحْكَمُ بِهِ مِنِّي! فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ» “ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ﴾ أمْرٌ وظاهِرُهُ لِلْوُجُوبِ، لَكِنَّ الفُقَهاءَ قالُوا يُسْتَحَبُّ حُضُورُ الجَمْعِ والمَقْصُودُ إعْلانُ إقامَةِ الحَدِّ، لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ الرَّدْعِ، ولِما فِيهِ مِن رَفْعِ التُّهْمَةِ عَمَّنْ يَجْلِدُ، وقِيلَ أرادَ بِالطّائِفَةِ الشُّهُودَ لِأنَّهُ يَجِبُ حُضُورُهم لِيُعْلَمَ بَقاؤُهم عَلى الشَّهادَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أقَلِّ الطّائِفَةِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ رَجُلٌ واحِدٌ وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ ومُجاهِدٍ. واحْتَجّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] وثانِيها: أنَّهُ اثْنانِ وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وعَطاءٍ واحْتَجّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] وكُلُّ ثَلاثَةٍ فِرْقَةٌ والخارِجُ مِنَ الثَّلاثَةِ واحِدٌ أوِ اثْنانِ، والِاحْتِياطُ يُوجِبُ الأخْذَ بِالأكْثَرِ. وثالِثُها: أنَّهُ ثَلاثَةٌ وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ، قالُوا الطّائِفَةُ هي الفِرْقَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ تُكَوِّنَ حَلَقَةً، كَأنَّها الجَماعَةُ الحافَّةُ حَوْلَ الشَّيْءِ، وهَذِهِ الصُّورَةُ أقَلُّ ما لا بُدَّ في حُصُولِها هو الثَّلاثَةُ. ورابِعُها: أنَّهُ أرْبَعَةٌ بِعَدَدِ شُهُودِ الزِّنا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وخامِسُها: أنَّهُ عَشَرَةٌ وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، لِأنَّ العَشَرَةَ هي العَدَدُ الكامِلُ.
المسألة الثّالِثَةُ: تَسْمِيَتُهُ عَذابًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عُقُوبَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى عَذابًا لِأنَّهُ يَمْنَعُ المُعاوَدَةَ كَما سُمِّيَ نَكالًا لِذَلِكَ، ونَبَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا بِهَذا الوَصْفِ،
صفحة ١٣١
لِأنَّهم إذا كانُوا كَذَلِكَ عَظُمَ مَوْقِعُ حُضُورِهِمْ في الزَّجْرِ، وعَظُمَ مَوْقِعُ إخْبارِهِمْ عَمّا شاهَدُوا فَيَخافُ المَجْلُودُ مِن حُضُورِهِمُ الشُّهْرَةَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْوى في الِانْزِجارِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
النور 24:3
الحَكَمُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾
قُرِئَ ”لا يَنْكِحْ“ بِالجَزْمِ عَنِ النَّهْيِ، وقُرِئَ ”وحَرَّمَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، ثُمَّ إنَّ في الآيَةِ سُؤالاتٍ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ ظاهِرُهُ خَبَرٌ، ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما يُشْعِرُ بِهِ هَذا الظّاهِرُ، لِأنّا نَرى أنَّ الزّانِيَ قَدْ يَنْكِحُ المُؤْمِنَةَ العَفِيفَةَ والزّانِيَةَ قَدْ يَنْكِحُها المُؤْمِنُ العَفِيفُ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ المُؤْمِنَ يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالمَرْأةِ الزّانِيَةِ، والجَوابُ: اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ لِأجْلِ هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو أحْسَنُها، ما قالَهُ القَفّالُ: وهو أنَّ اللَّفْظَ وإنْ كانَ عامًّا لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ الأعَمُّ الأغْلَبُ، وذَلِكَ لِأنَّ الفاسِقَ الخَبِيثَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الزِّنا والفِسْقُ لا يَرْغَبُ في نِكاحِ الصَّوالِحِ مِنَ النِّساءِ، وإنَّما يَرْغَبُ في فاسِقَةٍ خَبِيثَةٍ مِثْلِهِ أوْ في مُشْرِكَةٍ، والفاسِقَةُ الخَبِيثَةُ لا يَرْغَبُ في نِكاحِها الصُّلَحاءُ مِنَ الرِّجالِ ويَنْفِرُونَ عَنْها، وإنَّما يَرْغَبُ فِيها مَن هو مِن جِنْسِها مِنَ الفَسَقَةِ والمُشْرِكِينَ، فَهَذا عَلى الأعَمِّ الأغْلَبِ كَما يُقالُ لا يَفْعَلُ الخَيْرَ إلّا الرَّجُلُ التَّقِيُّ، وقَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ الخَيْرِ مَن لَيْسَ بِتَقِيٍّ فَكَذا هاهُنا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ نِكاحَ المُؤْمِنِ المَمْدُوحِ عِنْدَ اللَّهِ الزّانِيَةَ ورَغْبَتَهُ فِيها، وانْخِراطَهُ بِذَلِكَ في سِلْكِ الفَسَقَةِ المُتَّسِمِينَ بِالزِّنا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، لِما فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالفُسّاقِ وحُضُورِ مَواضِعِ التُّهْمَةِ، والتَّسَبُّبِ لِسُوءِ المَقالَةِ فِيهِ والغِيبَةِ. ومُجالَسَةُ الخاطِئِينَ كَمْ فِيها مِنَ التَّعَرُّضِ لِاقْتِرافِ الآثامِ، فَكَيْفَ بِمُزاوَجَةِ الزَّوانِي والفُجّارِ.
الثّانِي: وهو أنَّ صَرْفَ الرَّغْبَةِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الزَّوانِي وتَرْكَ الرَّغْبَةِ في الصّالِحاتِ مُحَرَّمٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ مَعْناهُ أنَّ الزّانِيَ لا يَرْغَبُ إلّا في الزّانِيَةِ فَهَذا الحَصْرُ مُحَرَّمٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولا يَلْزَمُ مِن حُرْمَةِ هَذا الحَصْرِ حُرْمَةُ التَّزَوُّجِ بِالزّانِيَةِ، فَهَذا هو المُعْتَمَدُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ.
الوجه الثّانِي: أنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ وإنْ كانَ لِلْعُمُومِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ هاهُنا مَخْصُوصٌ بِالأقْوامِ الَّذِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، قالَ مُجاهِدٌ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وقَتادَةُ، قَدِمَ المُهاجِرُونَ المَدِينَةَ وفِيهِمْ فُقَراءُ لَيْسَ لَهم أمْوالٌ ولا عَشائِرُ، وبِالمَدِينَةِ نِساءٌ بَغايا يَكْرِينَ أنْفُسَهُنَّ وهُنَّ يَوْمَئِذٍ أخْصَبُ أهْلِ المَدِينَةِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ عَلامَةٌ عَلى بابِها كَعَلامَةِ البَيْطارِ، لِيُعْرَفَ أنَّها زانِيَةٌ، وكانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ فَرَغِبَ في كَسْبِهِنَّ ناسٌ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، وقالُوا نَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلى أنْ يُغْنِيَنا اللَّهُ عَنْهُنَّ، فاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: أُولَئِكَ الزَّوانِي لا يَنْكِحُونَ إلّا تِلْكَ الزّانِياتِ، وتِلْكَ الزّانِياتُ لا يَنْكِحُهُنَّ إلّا أُولَئِكَ الزَّوانِي وحُرِّمَ نِكاحُهُنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ.
صفحة ١٣٢
الوجه الثّالِثُ: في الجَوابِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ وإنْ كانَ خَبَرًا في الظّاهِرِ، لَكِنَّ المُرادَ النَّهْيُ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن كانَ زانِيًا فَلا يَنْبَغِي أنْ يَنْكِحَ إلّا زانِيَةً وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ. وهَكَذا كانَ الحُكْمُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ، وعَلى هَذا الوجه ذَكَرُوا قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ باقٍ إلى الآنِ حَتّى يُحَرَّمَ عَلى الزّانِي والزّانِيَةِ التَّزَوُّجُ بِالعَفِيفَةِ والعَفِيفِ وبِالعَكْسِ ويُقالُ هَذا مَذْهَبُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وعائِشَةَ، ثُمَّ في هَؤُلاءِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الِابْتِداءِ والدَّوامِ. فَيَقُولُ كَما لا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالزّانِيَةِ فَكَذَلِكَ لا يَحِلُّ لَهُ إذا زَنَتْ تَحْتَهُ أنْ يُقِيمَ عَلَيْها، ومِنهم مَن يَفْصِلُ لِأنَّ في جُمْلَةِ ما يَمْنَعُ مِنَ التَّزْوِيجِ ما لا يَمْنَعُ مِن دَوامِ النِّكاحِ كالإحْرامِ والعِدَّةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا واخْتَلَفُوا في ناسِخِهِ، فَعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ ناسِخَهُ هو الإجْماعُ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] قالَ المُحَقِّقُونَ هَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الإجْماعَ لا يُنْسَخُ ولا يُنْسَخُ بِهِ، وأيْضًا فالإجْماعُ الحاصِلُ عَقِيبَ الخِلافِ لا يَكُونُ حُجَّةً، والإجْماعُ في هَذِهِ المسألة مَسْبُوقٌ بِمُخالَفَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ فَكَيْفَ يَصِحُّ ؟
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ فَهو لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ناسِخًا، لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ مانِعٌ مِنَ النِّكاحِ مِن سَبَبٍ أوْ نَسَبٍ أوْ غَيْرِهِما، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لا يَدْخُلُ فِيهِ تَزْوِيجُ الزّانِيَةِ مِنَ المُؤْمِنِ، كَما لا يَدْخُلُ فِيهِ تَزْوِيجُها مِنَ الأخِ وابْنِ الأخِ، ونَقُولُ إنَّ لِلزِّنا تَأْثِيرًا في الفُرْقَةِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا قَذَفَها بِالزِّنا يُتْبِعُها بِالفُرْقَةِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، ولا يَجِبُ مِثْلُ ذَلِكَ في سائِرِ ما يُوجِبُ الحَدَّ، ولِأنَّ مِن حَقِّ الزِّنا أنْ يُورِثَ العارَ ويُؤَثِّرَ في الفِراشِ فَفارَقَ غَيْرَهُ.
ثُمَّ احْتَجَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ هَذا النَّسْخَ، بِأنَّهُ «سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ رَجُلٍ زَنى بِامْرَأةٍ فَهَلْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها ؟ فَأجازَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وشَبَّهَهُ بِمَن سَرَقَ ثَمَرَ شَجَرَةٍ ثُمَّ اشْتَراهُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ”أوَّلُهُ سِفاحٌ وآخِرُهُ نِكاحٌ“ والحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ» . الوجه الرّابِعُ: أنْ يُحْمَلَ النِّكاحُ عَلى الوَطْءِ والمَعْنى أنَّ الزّانِيَ لا يَطَأُ حِينَ يَزْنِي إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً وكَذا الزّانِيَةُ ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ وحُرِّمَ الزِّنا عَلى المُؤْمِنِينَ وعَلى هَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ، قالَ الزَّجّاجُ: هَذا التَّأْوِيلُ فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ما ورَدَ النِّكاحُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِمَعْنى التَّزْوِيجِ، ولَمْ يَرِدِ البَتَّةَ بِمَعْنى الوَطْءِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ الكَلامَ عَنِ الفائِدَةِ، لِأنّا لَوْ قُلْنا المُرادُ أنَّ الزّانِيَ لا يَطَأُ إلّا الزّانِيَةَ فالإشْكالُ عائِدٌ، لِأنّا نَرى أنَّ الزّانِيَ قَدْ يَطَأُ العَفِيفَةَ حِينَ يَتَزَوَّجُ بِها ولَوْ قُلْنا المُرادُ أنَّ الزّانِيَ لا يَطَأُ إلّا الزّانِيَةَ حِينَ يَكُونُ وطْؤُهُ زِنًا فَهَذا الكَلامُ لا فائِدَةَ فِيهِ، وهَذا آخِرُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ﴾ ؟ والجَوابُ: الكَلامُ الأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزّانِيَ لا يَرْغَبُ إلّا في نِكاحِ الزّانِيَةِ وهَذا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَرْغَبَ في نِكاحِ الزّانِيَةِ غَيْرُ الزّانِي فَلا جَرَمَ بَيْنَ ذَلِكَ بِالكَلامِ الثّانِي.
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قُدِّمَتِ الزّانِيَةُ عَلى الزّانِي في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهاهُنا بِالعَكْسِ. الجَوابُ: سَبَقَتْ تِلْكَ الآيَةُ لِعُقُوبَتِها عَلى جِنايَتِها، والمَرْأةُ هي المادَّةُ في الزِّنا، وأمّا الثّانِيَةُ فَمَسُوقَةٌ لِذِكْرِ النِّكاحِ، والرَّجُلُ أصْلٌ فِيهِ لِأنَّهُ هو الرّاغِبُ والطّالِبُ.
النور 24:4
الحُكْمُ الثّالِثُ: القَذْفُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ رَمَوُا المُحْصَناتِ، وذِكْرُ الرَّمْيِ لا يَدُلُّ عَلى الزِّنا، إذْ قَدْ يَرْمِيها بِسَرِقَةٍ وشُرْبِ خَمْرٍ وكُفْرٍ، بَلْ لا بُدَّ مِن قَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلى التَّعْيِينِ، وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُرادَ الرَّمْيُ بِالزِّنا وفي الآيَةِ أقْوالٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ: أحَدُها: تَقَدُّمُ ذِكْرِ الزِّنا. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُحْصَناتِ وهُنَّ العَفائِفُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّمْيِ رَمْيُهُنَّ بِضِدِّ العَفافِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي عَلى صِحَّةِ ما رَمَوْهُنَّ بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا العَدَدَ مِنَ الشُّهُودِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ إلّا في الزِّنا. ورابِعُها: انْعِقادُ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ الجَلْدُ بِالرَّمْيِ بِغَيْرِ الزِّنا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الرَّمْيُ بِالزِّنا، إذا عَرَفْتَ هَذا فالكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَتَعَلَّقُ بِالرَّمْيِ والرّامِي والمَرْمِيِّ.
* * *
البَحْثُ الأوَّلُ: في الرَّمْيِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ألْفاظُ القَذْفِ تَنْقَسِمُ إلى صَرِيحٍ وكِنايَةٍ وتَعْرِيضٍ، فالصَّرِيحُ أنْ يَقُولَ يا زانِيَةُ أوْ زَنَيْتِ أوْ زَنى قُبُلُكِ أوْ دُبُرُكِ، ولَوْ قالَ زَنى بَدَنُكِ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُها: أنَّهُ كِنايَةٌ كَقَوْلِهِ: زَنى يَدُكِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الزِّنا مِنَ الفَرْجِ فَلا يَكُونُ مِن سائِرِ البَدَنِ إلّا المَعُونَةُ.
والثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّهُ صَرِيحٌ، لِأنَّ الفِعْلَ إنَّما يَصْدُرُ مِن جُمْلَةِ البَدَنِ. والفَرْجُ آلَةٌ في الفِعْلِ. أمّا الكِناياتُ فَمِثْلُ أنْ يَقُولَ يا فاسِقَةُ، يا فاجِرَةُ، يا خَبِيثَةُ، يا مُؤاجَرَةُ، يا ابْنَةَ الحَرامِ، أوِ امْرَأتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، وبِالعَكْسِ فَهَذا لا يَكُونُ قَذْفًا إلّا أنْ يُرِيدَهُ، وكَذَلِكَ لَوْ قالَ لِعَرَبِيٍّ يا نَبَطِيُّ، فَهَذا لا يَكُونُ قَذْفًا إلّا أنْ يُرِيدَهُ، فَإنْ أرادَ بِهِ القَذْفَ فَهو قَذْفٌ لِأُمِّ المَقُولِ لَهُ وإلّا فَلا، فَإنْ قالَ عَنَيْتُ بِهِ نَبَطِيَّ الدّارِ واللِّسانِ، وادَّعَتْ أُمُّ المَقُولِ لَهُ أنَّهُ أرادَ القَذْفَ، فالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. أمّا التَّعْرِيضُ فَلَيْسَ بِقَذْفٍ وإنْ أرادَهُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: يا ابْنَ الحَلالِ، أمّا أنا فَما زَنَيْتُ ولَيْسَتْ أُمِّي زانِيَةً، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ وابْنِ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِيِّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ الحَدُّ فِيهِ، وقالَ أحْمَدُ وإسْحَقُ: هو قَذْفٌ في حالِ الغَضَبِ دُونَ حالِ الرِّضا، لَنا، أنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ مُحْتَمَلٌ لِلْقَذْفِ ولِغَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ الحَدُّ، لِأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ فَلا يَرْجِعُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وأيْضًا فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهاتِ» ولِأنَّ الحُدُودَ شُرِّعَتْ عَلى خِلافِ النَّصِّ النّافِي لِلضَّرَرِ. والإيذاءُ الحاصِلُ بِالتَّصْرِيحِ فَوْقَ الحاصِلِ بِالتَّعْرِيضِ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِما رَوى الأوْزاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الحَدَّ في التَّعْرِيضِ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبّا في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: واللَّهِ ما أنا بِزانٍ ولا أُمِّي بِزانِيَةٍ، فاسْتَشارَ عُمَرُ النّاسَ في ذَلِكَ، فَقالَ قائِلٌ: مَدَحَ أباهُ وأُمَّهُ، وقالَ آخَرُونَ: قَدْ كانَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هَذا، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمانِينَ جَلْدَةً
صفحة ١٣٤
، والجَوابُ: أنَّ في مُشاوَرَةِ عُمَرَ الصَّحابَةَ في حُكْمِ التَّعْرِيضِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم فِيهِ تَوْقِيفٌ، وأنَّهم قالُوا رَأْيًا واجْتِهادًا.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: في تَعَدُّدِ القَذْفِ؛ اعْلَمْ أنَّهُ إمّا أنْ يَقْذِفَ شَخْصًا واحِدًا مِرارًا أوْ يَقْذِفَ جَماعَةً، فَإنْ قَذَفَ واحِدًا مِرارًا نُظِرَ إنْ كانَ أرادَ بِالكُلِّ زانِيَةً واحِدَةً بِأنْ قالَ: زَنَيْتِ بِعَمْرٍو قالَهُ مِرارًا لا يَجِبُ إلّا حَدٌّ واحِدٌ، ولَوْ أنْشَأ الثّانِيَ بَعْدَما حُدَّ لِلْأوَّلِ عُزِّرَ لِلثّانِي، وإنْ قَذَفَها بِزَنَياتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأنْ قالَ زَنَيْتِ بِزَيْدٍ، ثم قال زَنَيْتِ بِعَمْرٍو، فَهَلْ يَتَعَدَّدُ الحَدُّ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَعَدَّدُ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ ولِأنَّهُ مِن حُقُوقِ العِبادِ فَلا يَقَعُ فِيهِ التَّداخُلُ كالدُّيُونِ والثّانِي: وهو الأصَحُّ يَتَداخَلُ فَلا يَجِبُ فِيهِ إلّا حَدٌّ واحِدٌ لِأنَّهُما حَدّانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ لِمُسْتَحِقٍّ واحِدٍ فَوَجَبَ أنْ يَتَداخَلَ كَحُدُودِ الزِّنا، ولَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ مِرارًا، فالأصَحُّ أنَّهُ يَكْتَفِي بِلِعانٍ واحِدٍ سَواءٌ قُلْنا يَتَعَدَّدُ الحَدُّ أوْ لا يَتَعَدَّدُ. أمّا إذا قَذَفَ جَماعَةً مَعْدُودِينَ نُظِرَ، إنْ قَذَفَ كُلَّ واحِدٍ بِكَلِمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ كامِلٌ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ إلّا حَدٌّ واحِدٌ. واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ بِالقُرْآنِ والسُّنَّةِ والقِياسِ.
أمّا القُرْآنُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ والمَعْنى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَرْمِي المُحْصَناتِ وجَبَ عَلَيْهِ الجَلْدُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ قاذِفَ جَماعَةٍ مِنَ المُحْصَناتِ لا يُجْلَدُ أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ فَمَن أوْجَبَ عَلى قاذِفِ جَماعَةِ المُحْصَناتِ أكْثَرَ مِن حَدٍّ واحِدٍ فَقَدْ خالَفَ الآيَةَ.
وأمّا السُّنَّةُ: فَما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا، البَيِّنَةُ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ“» فَلَمْ يُوجِبِ النَّبِيُّ ﷺ عَلى هِلالٍ إلّا حَدًّا واحِدًا مَعَ قَذْفِهِ لِامْرَأتِهِ ولِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، إلى أنْ نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعانِ فَأُقِيمَ اللِّعانُ في الزَّوْجاتِ مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ.
وأمّا القِياسُ: فَهو أنَّ سائِرَ ما يُوجِبُ الحَدَّ إذا وُجِدَ مِنهُ مِرارًا لَمْ يَجِبْ إلّا حَدٌّ واحِدٌ كَمَن زَنى مِرارًا أوْ شَرِبَ مِرارًا أوْ سَرَقَ مِرارًا فَكَذا هاهُنا، والمَعْنى الجامِعُ دَفْعُ مَزِيدِ الضَّرَرِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ، وقَوْلَهُ: ﴿المُحْصَناتِ﴾ صِيغَةُ جَمْعِ، والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ يُقابَلُ الفَرْدُ بِالفَرْدِ فَيَصِيرُ المَعْنى: كُلُّ مَن رَمى مُحْصَنًا واحِدًا وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ وجْهُ تَمَسُّكِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالآيَةِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] يَدُلُّ عَلى تَرْتِيبِ الجَلْدِ عَلى رَمْيِ المُحْصَناتِ وتَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ، لا سِيَّما إذا كانَ مُناسِبًا فَإنَّهُ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ رَمْيَ المُحْصَنِ مِن حَيْثُ إنَّهُ هَذا المُسَمّى يُوجِبُ الجَلْدَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قَذَفَ واحِدًا صارَ ذَلِكَ القَذْفُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، فَإذا قَذَفَ الثّانِيَ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَذْفُ الثّانِي مُوجِبًا لِلْحَدِّ أيْضًا، ثُمَّ مُوجِبُ القَذْفِ الثّانِي لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو الحَدُّ الأوَّلُ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ وجَبَ بِالقَذْفِ الأوَّلِ وإيجابُ الواجِبِ مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يُحَدَّ بِالقَذْفِ الثّانِي حَدًّا ثانِيًا، أقْصى ما في البابِ أنْ يُورَدَ عَلى هَذِهِ الدَّلالَةِ حُدُودُ الزِّنا. لَكِنّا نَقُولُ تُرِكَ العَمَلُ هُناكَ بِهَذا الدَّلِيلِ لِأنَّ حَدَّ الزِّنا أغْلَظُ مِن حَدِّ القَذْفِ، وعِنْدَ ظُهُورِ الفارِقِ يَتَعَذَّرُ الجَمْعُ.
وأمّا السُّنَّةُ فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى هَذِهِ المسألة لِأنَّ قَذْفَهُما بِلَفْظٍ واحِدٍ، ولَنا في هَذِهِ المسألة تَفْصِيلٌ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
صفحة ١٣٥
وأمّا القِياسُ فَفاسِدٌ لِأنَّ حَدَّ القَذْفِ حَقُّ الآدَمِيِّ. بِدَلِيلِ أنَّهُ لا يُحَدُّ إلّا بِمُطالَبَةِ المَقْذُوفِ وحُقُوقُ الآدَمِيِّ لا تَتَداخَلُ بِخِلافِ حَدِّ الزِّنا، فَإنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى. هَذا كُلُّهُ إذا قَذَفَ جَماعَةً كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِكَلِمَةٍ عَلى حِدَةٍ. أمّا إذا قَذَفَهم بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ أنْتُمْ زُناةٌ أوْ زَنَيْتُمْ، فَفِيهِ قَوْلانِ أصَحُّهُما وهو قَوْلُهُ في ”الجَدِيدِ“: يَجِبُ لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ كامِلٌ لِأنَّهُ مِن حُقُوقِ العِبادِ فَلا يَتَداخَلُ، ولِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَعَرَّةً فَصارَ كَما لَوْ قَذَفَهم بِكَلِماتٍ. وفي ”القَدِيمِ“ لا يَجِبُ لِلْكُلِّ إلّا حَدٌّ واحِدٌ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، فَإنَّ اللَّفْظَ واحِدٌ والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِمَفْهُومِ الآيَةِ. فَعَلى هَذا لَوْ قالَ لِرَجُلٍ يا ابْنَ الزّانِيَيْنِ يَكُونُ قَذْفًا لِأبَوَيْهِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَعَلَيْهِ حَدّانِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: فِيما يُبِيحُ القَذْفَ: القَذْفُ يَنْقَسِمُ إلى مَحْظُورٍ ومُباحٍ وواجِبٍ، وجُمْلَةُ الكَلامِ أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ولَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ فَلا يَجِبُ، وهَلْ يُباحُ أمْ لا ؟ يُنْظَرُ إنْ رَآها بِعَيْنِهِ تَزْنِي أوْ أقَرَّتْ هي عَلى نَفْسِها ووَقَعَ في قَلْبِهِ صِدْقُها أوْ سَمِعَ مِمَّنْ يَثِقُ بِقَوْلِهِ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، لَكِنَّهُ اسْتَفاضَ فِيما بَيْنَ النّاسِ أنَّ فُلانًا يَزْنِي بِفُلانَةٍ، وقَدْ رَآهُ الزَّوْجُ يَخْرُجُ مِن بَيْتِها أوْ رَآهُ مَعَها في بَيْتٍ، فَإنَّهُ يُباحُ لَهُ القَذْفُ لِتَأكُّدِ التُّهْمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُمْسِكَها ويَسْتُرَ عَلَيْها.
لِما رُوِيَ ”«أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي امْرَأةً لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، قالَ طَلِّقْها. قالَ إنِّي أُحِبُّها، قالَ فَأمْسِكْها» “ أمّا إذا سَمِعَهُ مِمَّنْ لا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ أوِ اسْتَفاضَ مِن بَيْنِ النّاسِ، ولَكِنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَرَهُ مَعَها، أوْ بِالعَكْسِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَذْفُها، لِأنَّهُ قَدْ يَذْكُرُهُ مَن لا يَكُونُ ثِقَةً، فَيَنْتَشِرُ ويَدْخُلُ بَيْتَها خَوْفًا مِن قاصِدٍ أوْ لِسَرِقَةٍ أوْ لِطَلَبِ فُجُورٍ فَتَأْبى المَرْأةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ [النور: ١١] أمّا إذا كانَ ثَمَّ ولَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، نُظِرَ فَإنْ تَيَقَّنَ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ بِأنْ لَمْ يَكُنْ وطِئَها الزَّوْجُ أوْ وطِئَها لَكِنَّها أتَتْ بِهِ لِأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الوَطْءِ أوْ لِأكْثَرِ مِن أرْبَعِ سِنِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفْيُهُ بِاللِّعانِ؛ لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنِ اسْتِلْحاقِ نَسَبِ الغَيْرِ كَما هو مَمْنُوعٌ مِن نَفْيِ نَسَبِهِ، لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أيُّما امْرَأةٍ أدْخَلَتْ عَلى قَوْمٍ مَن لَيْسَ مِنهم فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ ولَمْ يُدْخِلْها اللَّهُ جَنَّتَهُ» “ فَلَمّا حَرُمَ عَلى المَرْأةِ أنْ تُدْخِلَ عَلى قَوْمٍ مَن لَيْسَ مِنهم كانَ الرَّجُلُ أيْضًا كَذَلِكَ، أمّا إنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنهُ بِأنْ أتَتْ بِهِ لِأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الوَطْءِ ولِدُونِ أرْبَعِ سِنِينَ، نُظِرَ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اسْتَبْرَأها بِحَيْضَةٍ، أوِ اسْتَبْرَأها وأتَتْ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الِاسْتِبْراءِ، لا يَحِلُّ لَهُ القَذْفُ والنَّفْيُ وإنِ اتَّهَمَها بِالزِّنا.
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«أيُّما رَجُلٍ جَحَدَ ولَدَهُ وهو يَنْظُرُ إلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ وفَضَحَهُ عَلى رُؤُوسِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ» “ فَإنِ اسْتَبْرَأها وأتَتْ بِهِ لِأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الِاسْتِبْراءِ يُباحُ لَهُ القَذْفُ والنَّفْيُ. والأوْلى أنْ لا يَفْعَلَ لِأنَّها قَدْ تَرى الدَّمَ عَلى الحَبَلِ وإنْ أتَتِ امْرَأتُهُ بِوَلَدٍ لا يُشْبِهُهُ بِأنْ كانا أبْيَضَيْنِ فَأتَتْ بِهِ أسْوَدَ، نُظِرَ إنْ لَمْ يَكُنْ يَتَّهِمُها بِالزِّنا فَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ، لِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”«أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّ امْرَأتِي ولَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ، فَقالَ هَلْ لَكَ مِن إبِلٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ ما ألْوانُها ؟ قالَ حُمْرٌ، قالَ فَهَلْ فِيها أوْرَقُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ فَكَيْفَ ذاكَ ؟ قالَ نَزَعَهُ عِرْقٌ قالَ فَلَعَلَّ هَذا نَزَعَهُ عِرْقٌ» “ وإنْ كانَ يَتَّهِمُها بِزِنًا أوْ يَتَّهِمُها بِرَجُلٍ فَأتَتْ بِوَلَدٍ يُشْبِهُهُ هَلْ يُباحُ لَهُ نَفْيُهُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا لِأنَّ العِرْقَ يَنْزِعُ.
والثّانِي: لَهُ ذَلِكَ لِأنَّ التُّهْمَةَ قَدْ تَأكَّدَتْ بِالشُّبْهَةِ.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الرّامِي وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إذا قَذَفَ الصَّبِيُّ أوِ المَجْنُونُ امْرَأتَهُ أوْ أجْنَبِيًّا فَلا حَدَّ عَلَيْهِما ولا لِعانَ، لا في الحالِ
صفحة ١٣٦
ولا بَعْدَ البُلُوغِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ» ولَكِنْ يُعَزَّرانِ لِلتَّأْدِيبِ إنْ كانَ لَهُما تَمْيِيزٌ، فَلَوْ لَمْ تَتَّفِقْ إقامَةُ التَّعْزِيرِ عَلى الصَّبِيِّ حَتّى بَلَغَ، قالَ القَفّالُ يَسْقُطُ التَّعْزِيرُ، لِأنَّهُ كانَ لِلزَّجْرِ عَنْ إساءَةِ الأدَبِ وقَدْ حَدَثَ زاجِرٌ أقْوى وهو البُلُوغُ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: الأخْرَسُ إذا كانَتْ لَهُ إشارَةٌ مَفْهُومَةٌ، أوْ كِتابَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَذَفَ بِالإشارَةِ، أوْ بِالكِنايَةِ، لَزِمَهُ الحَدُّ، وكَذَلِكَ يَصِحُّ لِعانُهُ بِالإشارَةِ والكِنايَةِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَصِحُّ قَذْفُ الأخْرَسِ ولا لِعانُهُ.
وقَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أقْرَبُ إلى ظاهِرِ الآيَةِ؛ لِأنَّ مَن كَتَبَ أوْ أشارَ إلى القَذْفِ فَقَدْ رَمى المُحْصَنَةَ وألْحَقَ العارَ بِها فَوَجَبَ انْدِراجُهُ تَحْتَ الظّاهِرِ، ولِأنّا نَقِيسُ قَذْفَهُ ولِعانَهُ عَلى سائِرِ الأحْكامِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِيما إذا قَذَفَ العَبْدُ حُرًّا، فَقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ وعُثْمانُ القِنُّ عَلَيْهِ أرْبَعُونَ جَلْدَةً، رَوى الثَّوْرِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”يُجْلَدُ العَبْدُ في القَذْفِ أرْبَعِينَ“ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ”أدْرَكْتُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ ومَن بَعْدَهم مِنَ الخُلَفاءِ وكُلُّهم يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ في القَذْفِ أرْبَعِينَ“ وقالَ الأوْزاعِيُّ يُجْلَدُ ثَمانِينَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ورُوِيَ أنَّهُ جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ العَبْدَ في الفِرْيَةِ ثَمانِينَ. ومَدارُ المسألة عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في إيجابِ الثَّمانِينَ فَمَن رَدَّ هَذا الحَدَّ إلى أرْبَعِينَ فَطَرِيقُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] فَنَصَّ عَلى أنَّ حَدَّ الأمَةِ في الزِّنا نِصْفُ حَدِّ الحُرَّةِ، ثُمَّ قاسُوا العَبْدَ عَلى الأمَةِ في تَنْصِيفِ حَدِّ الزِّنا، ثُمَّ قاسُوا تَنْصِيفَ حَدِّ قَذْفِ العَبْدِ عَلى تَنْصِيفِ حَدِّ الزِّنا في حَقِّهِ، فَرَجَعَ حاصِلُ الأمْرِ إلى تَخْصِيصِ عُمُومِ الكِتابِ بِهَذا القِياسِ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى دُخُولِ الكافِرِ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ لِأنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُهُ ولا مانِعَ، فاليَهُودِيُّ إذا قَذَفَ المُسْلِمَ يُجْلَدُ ثَمانِينَ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: في المَرْمِيِّ وهي المُحَصَنَةُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: اسْمُ الإحْصانِ يَقَعُ عَلى المُتَزَوِّجَةِ وعَلى العَفِيفَةِ وإنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ، لِقَوْلِهِ تَعالى في مَرْيَمَ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [الأنبياء: ٩١] وهو مَأْخُوذٌ مِن مَنعِ الفَرْجِ، فَإذا تَزَوَّجَتْ مَنَعَتْهُ إلّا مِن زَوْجِها، وغَيْرُ المُتَزَوِّجَةِ تَمْنَعُهُ كُلَّ أحَدٍ، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ العَفائِفِ سَواءٌ كانَتْ مَسْلِمَةً أوْ كافِرَةً وسَواءٌ كانَتْ حُرَّةً أوْ رَقِيقَةً، إلّا أنَّ الفُقَهاءَ قالُوا: شَرائِطُ الإحْصانِ خَمْسَةٌ: الإسْلامُ والعَقْلُ والبُلُوغُ والحُرِّيَّةُ والعِفَّةُ مِنَ الزِّنا، وإنَّما اعْتَبَرْنا الإسْلامَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» وإنَّما اعْتَبَرْنا العَقْلَ والبُلُوغَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ» وإنَّما اعْتَبَرْنا الحَرِيَّةَ لِأنَّ العَبْدَ ناقِصُ الدَّرَجَةِ فَلا يَعْظُمُ عَلَيْهِ التَّعْيِيرُ بِالزِّنا، وإنَّما اعْتَبَرْنا العِفَّةَ عَنِ الزِّنا لِأنَّ الحَدَّ مَشْرُوعٌ لِتَكْذِيبِ القاذِفِ، فَإذا كانَ المَقْذُوفُ زانِيًا فالقاذِفُ صادِقٌ في القَذْفِ.
وكَذَلِكَ إذا كانَ المَقْذُوفُ وطِئَ امْرَأةً بِشُبْهَةٍ أوْ نِكاحٍ فاسِدٍ، لِأنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الزِّنا كَما فِيهِ شُبْهَةُ الحِلِّ، فَكَما أنَّ إحْدى الشُّبْهَتَيْنِ أسْقَطَتِ الحَدَّ عَنِ الواطِئِ، فَكَذا الأُخْرى تُسْقِطُهُ عَنْ قاذِفِهِ أيْضًا، ثُمَّ نَقُولُ: مَن قَذَفَ كافِرًا أوْ مَجْنُونًا أوْ صَبِيًّا أوْ مَمْلُوكًا، أوْ مَن قَدْ رَمى امْرَأةً، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، بَلْ يُعَزَّرُ لِلْأذى، حَتّى لَوْ زَنى في عُنْفُوانِ شَبابِهِ مَرَّةً، ثُمَّ تابَ وحَسُنَ حالُهُ وشاخَ في الصَّلاحِ لا يُحَدُّ قاذِفُهُ، وكَذَلِكَ لَوْ زَنى كافِرٌ أوْ رَقِيقٌ ثُمَّ أسْلَمَ وعُتِقَ وصَلُحَ حالُهُ فَقَذَفَهُ قاذِفٌ لا حَدَّ عَلَيْهِ، بِخِلافِ ما لَوْ زَنى في حالِ صِغَرِهِ أوْ جُنُونِهِ ثُمَّ بَلَغَ أوْ أفاقَ فَقَذَفَهُ
صفحة ١٣٧
قاذِفٌ يُحَدُّ، لِأنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ لا يَكُونُ زِنًا، ولَوْ قَذَفَ مُحْصَنًا فَقَبْلَ أنْ يُحَدَّ القاذِفُ زَنا المَقْذُوفُ سَقَطَ الحَدُّ عَنْ قاذِفِهِ؛ لِأنَّ صُدُورَ الزِّنا يُورِثُ رِيبَةً في حالِهِ فِيما مَضى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَرِيمٌ لا يَهْتِكُ سِتْرَ عَبْدِهِ في أوَّلِ ما يَرْتَكِبُ المَعْصِيَةَ، فَبِظُهُورِهِ يُعْلَمُ أنَّهُ كانَ مُتَّصِفًا بِهِ مِن قَبْلُ، رُوِيَ أنَّ رَجُلًا زَنى في عَهْدِ عُمَرَ، فَقالَ واللَّهِ ما زَنَيْتُ إلّا هَذِهِ، فَقالَ عُمَرُ كَذَبْتَ إنَّ اللَّهَ لا يَفْضَحُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ، وقالَ المُزَنِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: الزِّنا الطّارِئُ لا يُسْقِطُ الحَدَّ عَنِ القاذِفِ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَقَعُ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ، وسائِرُ العُلَماءِ أنْكَرُوا ذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ المُحْصَناتِ جَمْعٌ لِمُؤَنَّثٍ فَلا يَتَناوَلُ الرِّجالَ، بَلِ الإجْماعُ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ في هَذا البابِ بَيْنَ المُحْصَنِينَ والمُحْصَناتِ.
المسألة الثّالِثَةُ: رَمْيُ غَيْرِ المُحْصَناتِ لا يُوجِبُ الحَدَّ بَلْ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ إلّا أنْ يَكُونَ المَقْذُوفُ مَعْرُوفًا بِما قُذِفَ بِهِ فَلا حَدَّ هُناكَ ولا تَعْزِيرَ، فَهَذا مَجْمُوعُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ في القاذِفِ إذا لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ بِثَلاثَةِ أحْكامٍ أحَدُها: جَلْدُ ثَمانِينَ. وثانِيها: بُطْلانُ الشَّهادَةِ. وثالِثُها: الحُكْمُ بِفِسْقِهِ إلى أنْ يَتُوبَ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِ هَذِهِ الأحْكامِ، بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِ القَذْفِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى الزِّنا.
فَقالَ قائِلُونَ قَدْ بَطَلَتْ شَهادَتُهُ ولَزِمَهُ سِمَةُ الفِسْقِ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: شَهادَتُهُ مَقْبُولَةٌ ما لَمْ يُحَدَّ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ وهَذا مُقْتَضى قَوْلِهِمْ إنَّهُ غَيْرُ مَوْسُومٍ بِسِمَةِ الفِسْقِ ما لَمْ يَقَعْ بِهِ الحَدُّ. لِأنَّهُ لَوْ لَزِمَتْهُ سِمَةُ الفِسْقِ لَما جازَتْ شَهادَتُهُ إذْ كانَتْ سِمَةُ الفِسْقِ مُبْطِلَةً لِشَهادَةِ مَن وُسِمَ بِها، ثُمَّ احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ وُجُوبِ الحَدِّ عَلى مَجْمُوعِ القَذْفِ والعَجْزِ عَنْ إقامَةِ الشَّهادَةِ، فَلَوْ عَلَّقْنا هَذا الحُكْمَ عَلى القَذْفِ وحْدَهُ قَدَحَ ذَلِكَ في كَوْنِهِ مُعَلَّقًا عَلى الأمْرَيْنِ وذَلِكَ بِخِلافِ الآيَةِ، وأيْضًا فَوُجُوبُ الجَلْدِ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلى مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ أحَدِهِما، كَما لَوْ قالَ لِامْرَأتِهِ إنْ دَخَلْتِ الدّارَ وكَلَّمْتِ فُلانًا فَأنْتِ طالِقٌ، فَأتَتْ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ دُونَ الآخَرِ لَمْ يُوجَدِ الجَزاءُ، فَكَذا هاهُنا.
وثانِيها: أنَّ القاذِفَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ بِمُجَرَّدِ قَذْفِهِ وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تُرَدَّ شَهادَتُهُ بِمُجَرَّدِ القَذْفِ. بَيانُ الأوَّلِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مُجَرَّدَ قَذْفِهِ لَوْ أوْجَبَ كَوْنَهُ كاذِبًا لَوَجَبَ أنْ لا تُقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَتُهُ عَلى الزِّنا إذْ قَدْ وقَعَ الحُكْمُ بِكَذِبِهِ، والحُكْمُ بِكَذِبِهِ في قَذْفِهِ حُكْمٌ بِبُطْلانِ شَهادَةِ مَن شَهِدَ بِصِدْقِهِ في كَوْنِ المَقْذُوفِ زانِيًا، ولَمّا أجْمَعُوا عَلى قَبُولِ بَيِّنَتِهِ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ بِمُجَرَّدِ قَذْفِهِ.
الثّانِي: أنَّ قاذِفَ امْرَأتِهِ بِالزِّنا لا يُحْكَمُ بِكَذِبِهِ بِنَفْسِ قَذْفِهِ، وإلّا لَما جازَ إيجابُ اللِّعانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، ولَما أُمِرَ بِأنْ يَشْهَدَ بِاللَّهِ أنَّهُ لَصادِقٌ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا مَعَ الحُكْمِ بِكَذِبِهِ. ولَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَما لاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ”«اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ» “ فَأخْبَرَ أنَّ أحَدَهُما بِغَيْرِ تَعْيِينٍ هو الكاذِبُ ولَمْ يَحْكم بِكَذِبِ القاذِفِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ
صفحة ١٣٨
نَفْسَ القَذْفِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ كاذِبًا.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فَلَمْ يَحْكم بِكَذِبِهِمْ بِنَفْسِ القَذْفِ فَقَطْ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القاذِفَ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ كاذِبًا بِمُجَرَّدِ القَذْفِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تَبْطُلَ شَهادَتُهُ بِمُجَرَّدِ القَذْفِ لِأنَّهُ كانَ عَدْلًا ثِقَةً والصّادِرُ عَنْهُ غَيْرُ مُعارَضٍ، ولَمّا كانَ يَجِبُ أنْ يَبْقى عَلى عَدالَتِهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَقْبُولَ الشَّهادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا مَحْدُودًا في قَذْفٍ» “ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَقاءِ عَدالَةِ القاذِفِ ما لَمْ يُحَدَّ.
ورابِعُها: ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قِصَّةِ «هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ لَمّا قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ”يُجْلَدُ هِلالٌ وتَبْطُلُ شَهادَتُهُ في المُسْلِمِينَ“» فَأخْبَرَ أنَّ بُطْلانَ شَهادَتِهِ مُتَعَلِّقٌ بِوُقُوعِ الجَلْدِ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ القَذْفِ لا يُبْطِلُ الشَّهادَةَ.
وخامِسُها: أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ زَعَمَ أنَّ شُهُودَ القَذْفِ إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ قُبِلَتْ شَهادَتُهم، فَإنْ كانَ القَذْفُ قَدْ أبْطَلَ شَهادَتَهُ فَواجِبٌ أنْ لا يَقْبَلَها بَعْدَ ذَلِكَ، وإنْ شَهِدَ مَعَهُ ثَلاثَةٌ لِأنَّهُ قَدْ فَسَقَ بِقَذْفِهِ ووَجَبَ الحُكْمُ بِكَذِبِهِ، وفي قَبُولِ شَهادَتِهِمْ إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ ما يَلْزَمُهُ أنْ لا تَبْطُلَ شَهادَتُهم بِنَفْسِ القَذْفِ، وأمّا وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى رَتَّبَ عَلى القَذْفِ مَعَ عَدَمِ الإتْيانِ بِالشُّهَداءِ الأرْبَعَةِ أُمُورًا ثَلاثَةً مَعْطُوفًا بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِحَرْفِ الواوِ، وحَرْفُ الواوِ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ بَعْضُها مُرَتَّبًا عَلى البَعْضِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ رَدُّ الشَّهادَةِ مُرَتَّبًا عَلى إقامَةِ الحَدِّ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهادَةِ سَواءٌ أُقِيمَ الحَدُّ عَلَيْهِ أوْ ما أُقِيمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في كَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ عَلى الزِّنا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ «وقالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ إنْ وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ؟ قالَ: نَعَمْ“» ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: الإقْرارُ بِالزِّنا هَلْ يَثْبُتُ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَثْبُتُ إلّا بِأرْبَعَةٍ كَفِعْلِ الزِّنا.
والثّانِي: يَثْبُتُ بِخِلافِ فِعْلِ الزِّنا، لِأنَّ الفِعْلَ يُغْمَضُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ فاحْتِيطَ فِيهِ بِاشْتِراطِ الأرْبَعِ، والإقْرارُ أمْرٌ ظاهِرٌ فَلا يُغْمَضُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ.
المسألة الثّانِيَةُ: إذا شَهِدُوا عَلى فِعْلِ الزِّنا يَجِبُ أنْ يَذْكُرُوا الزّانِيَ ومَن زَنى بِها، لِأنَّهُ قَدْ يَراهُ عَلى جارِيَةٍ لَهُ فَيَظُنُّ أنَّها أجْنَبِيَّةٌ، ويَجِبُ أنْ يَشْهَدُوا أنّا رَأيْنا ذَكَرَهُ يَدْخُلُ في فَرْجِها دُخُولَ المِيلِ في المُكْحُلَةِ، فَلَوْ شَهِدُوا مُطْلَقًا أنَّهُ زَنى لا يَثْبُتُ، لِأنَّهم رُبَّما يَرَوْنَ المُفاخَذَةَ زِنًا، بِخِلافِ ما لَوْ قَذَفَ إنْسانًا فَقالَ زَنَيْتَ يَجِبُ الحَدُّ ولا يُسْتَفْسَرُ، ولَوْ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالزِّنا، هَلْ يُشْتَرَطُ أنْ يُسْتَفْسَرَ ؟ فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: نَعَمْ كالشُّهُودِ.
والثّانِي: لا يَجِبُ كَما في القَذْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَجِيءَ الشُّهُودُ مُتَفَرِّقِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا شَهِدُوا مُتَفَرِّقِينَ لا يَثْبُتُ وعَلَيْهِمْ حَدُّ القَذْفِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الإتْيانَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الإتْيانِ بِهِمْ مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ واللَّفْظُ الدّالُّ عَلى ما بِهِ الِاشْتِراكُ لا إشْعارَ لَهُ بِما بِهِ الِامْتِيازُ، فالآتِي بِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ يَكُونُ عامِلًا بِالنَّصِّ فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ.
الثّانِي: كَلُّ
صفحة ١٣٩
حُكْمٍ يَثْبُتُ بِشَهادَةِ الشُّهُودِ إذا جاءُوا مُجْتَمِعِينَ يَثْبُتُ إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ كَسائِرِ الأحْكامِ، بَلْ هَذا أوْلى لِأنَّهم إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ كانَ أبْعَدَ عَنِ التُّهْمَةِ، وعَنْ أنْ يَتَلَقَّنَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَلِذَلِكَ قُلْنا إذا وقَعَتْ رِيبَةٌ لِلْقاضِي في شَهادَةِ الشُّهُودِ فَرَّقَهم لِيَظْهَرَ عَلى عَوْرَةٍ إنْ كانَتْ في شَهادَتِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَشْهَدُوا مَعًا في حالَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ إذا اجْتَمَعُوا عِنْدَ القاضِي وكانَ يُقَدَّمُ واحِدٌ بَعْدَ آخَرَ ويَشْهَدُ فَإنَّهُ تُقْبَلُ شَهادَتُهم، فَكَذا إذا اجْتَمَعُوا عَلى بابِهِ. ثُمَّ كانَ يَدْخُلُ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الشّاهِدَ الواحِدَ لَمّا شَهِدَ فَقَدْ قَذَفَهُ ولَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهَداءِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ أقْصى ما في البابِ أنَّهم عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ القَذْفِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، وذَلِكَ لا عِبْرَةَ بِهِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى إسْقاطِ حَدِّ القَذْفِ رَأْسًا، لِأنَّ كُلَّ قاذِفٍ لا يُعْجِزُهُ لَفْظُ الشَّهادَةِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى إسْقاطِ الحَدِّ عَنْ نَفْسِهِ، ويَحْصُلُ مَقْصُودُهُ مِنَ القَذْفِ.
الثّانِي: ما رُوِيَ ”أنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أرْبَعَةٌ: أبُو بَكْرَةَ ونافِعٌ ونُفَيْعٌ وقالَ زِيادٌ - وكانَ رابِعَهم - رَأيْتُ إسْتًا تَنْبُو ونَفَسًا يَعْلُو ورِجْلاها عَلى عاتِقِهِ كَأُذُنَيْ حِمارٍ، ولا أدْرِي ما وراءَ ذَلِكَ، فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلاثَةَ ولَمْ يَسْألْ هَلْ مَعَهم شاهِدٌ آخَرُ“ فَلَوْ قُبِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهادَةُ غَيْرِهِمْ لَتَوَقَّفَ، لِأنَّ الحُدُودَ مِمّا يُتَوَقَّفُ فِيها ويُحْتاطُ.
المسألة الرّابِعَةُ: لَوْ شَهِدَ عَلى الزِّنا أقَلُّ مِن أرْبَعَةٍ لا يَثْبُتُ الزِّنا، وهَلْ يَجِبُ حَدُّ القَذْفِ عَلى الشُّهُودِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَجِبُ لِأنَّهم جاءُوا مَجِيءَ الشُّهُودِ، ولِأنّا لَوْ حَدَدْنا لانْسَدَّ بابُ الشَّهادَةِ عَلى الزِّنا، لَأنَّ كُلَّ واحِدٍ لا يَأْمَنُ أنْ لا يُوافِقَهُ صاحِبُهُ فَيَلْزَمُهُ الحَدُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ عَلَيْهِمُ الحَدُّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الوَجْهانِ اللَّذانِ ذَكَرْناهُما في المسألة الثّالِثَةِ.
المسألة الخامِسَةُ: إذا قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا فَجاءَ بِأرْبَعَةِ فُسّاقٍ فَشَهِدُوا عَلى المَقْذُوفِ بِالزِّنا، قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَسْقُطُ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ ولا يَجِبُ الحَدُّ عَلى الشُّهُودِ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: يُحَدُّونَ، وجْهُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ وهَذا قَدْ أتى بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَلا يَلْزَمُهُ الحَدُّ.
ولِأنَّ الفاسِقَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ وقَدْ وجَدْتُ شَرائِطَ شَهادَةِ الزِّنا مِنَ اجْتِماعِهِمْ عِنْدَ القاضِي، إلّا أنَّهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم لِأجْلِ التُّهْمَةِ، فَكَما اعْتَبَرْنا التُّهْمَةَ في نَفْيِ الحَدِّ عَنِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ وجَبَ اعْتِبارُها في نَفْيِ الحَدِّ عَنْهم، ووَجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهم غَيْرُ مَوْصُوفِينَ بِالشَّرائِطِ المُعْتَبَرَةِ في قَبُولِ الشَّهادَةِ فَخَرَجُوا عَنْ أنْ يَكُونُوا شاهِدِينَ، فَبَقُوا مَحْضَ القاذِفِينَ، وهاهُنا آخِرُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْلِدُوهُمْ﴾ هو الإمامُ عَلى ما بَيَّنّاهُ في آيَةِ الزِّنا، أوِ المالِكُ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، أوْ رَجُلٌ صالِحٌ يُنَصِّبُهُ النّاسُ عِنْدَ فَقْدِ الإمامِ.
المسألة الثّانِيَةُ: خُصَّ مِن عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ صُوَرٌ.
أحَدُها: الوالِدُ يَقْذِفُ ولَدَهُ أوْ أحَدًا مِن نَوافِلِهِ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ، كَما لا يَجِبُ عَلَيْهِ القِصاصُ بِقَتْلِهِ.
الثّانِيَةُ: القاذِفُ إذا كانَ عَبْدًا فالواجِبُ جَلْدُ أرْبَعِينَ، وكَذا المُكاتَبُ وأُمُّ الوَلَدِ، ومَن بَعْضُهُ حُرٌّ وبَعْضُهُ رَقِيقٌ فَحَدُّهم حَدُّ العَبِيدِ.
الثّالِثَةُ: مَن قَذَفَ رَقِيقَةً عَفِيفَةً أوْ مَن زَنَتْ في قَدِيمِ الأيّامِ ثُمَّ تابَتْ فَهي بِمُوجَبِ اللُّغَةِ مُحْصَنَةٌ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَجِبُ الحَدُّ بِقَذْفِها.
صفحة ١٤٠
المسألة الثّالِثَةُ: قالُوا: أشَدُّ الضَّرْبِ في الحُدُودِ ضَرْبُ الزِّنا، ثُمَّ ضَرْبُ شُرْبِ الخَمْرِ، ثُمَّ ضَرْبُ القاذِفِ، لِأنَّ سَبَبَ عُقُوبَتِهِ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ والكَذِبِ، إلّا أنَّهُ عُوقِبَ صِيانَةً لِلْأعْراضِ وزَجْرًا عَنْ هَتْكِها.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: حَدُّ القَذْفِ يُوَرَّثُ، فَإذا ماتَ المَقْذُوفُ قَبْلَ اسْتِيفاءِ الحَدِّ وقَبْلَ العَفْوِ يَثْبُتُ لِوارِثِهِ حَدُّ القَذْفِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ الواجِبُ بِقَذْفِهِ التَّعْزِيرَ، فَإنَّهُ يُوَرَّثُ عَنْهُ، وكَذا لَوْ أنْشَأ القَذْفَ بَعْدَ مَوْتِ المَقْذُوفِ ثَبَتَ لِوارِثِهِ طَلَبُ الحَدِّ. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدُّ القَذْفِ لا يُوَرَّثُ ويَسْقُطُ بِالمَوْتِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أنَّ حَدَّ القَذْفِ هو حَقُّ الآدَمِيِّ لِأنَّهُ يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ ولا يُسْتَوْفى إلّا بِطَلَبِهِ ويَحْلِفُ فِيهِ المُدَّعى عَلَيْهِ إذا أنْكَرَ، وإذا كانَ حَقَّ الآدَمِيِّ وجَبَ أنْ يُوَرَّثَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ومَن تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ» “ حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْرُوثًا لَكانَ لِلزَّوْجِ أوِ الزَّوْجَةِ فِيهِ نَصِيبٌ، ولِأنَّهُ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى المالِ والوَثِيقَةِ فَلا يُوَرَّثُ كالوَكالَةِ والمُضارَبَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الأصَحَّ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ يَرِثُهُ جَمِيعُ الوَرَثَةِ كالمالِ، وفِيهِ وجْهٌ ثانٍ أنَّهُ يَرِثُهُ كُلُّهم إلّا الزَّوْجَ والزَّوْجَةَ، لِأنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَرْتَفِعُ بِالمَوْتِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحَدِّ دَفْعُ العارِ عَنِ النَّسَبِ، وذَلِكَ لا يَلْحَقُ الزَّوْجَ والزَّوْجَةَ.
المسألة الخامِسَةُ: إذا قَذَفَ إنْسانٌ إنْسانًا بَيْنَ يَدَيِ الحاكِمِ، أوْ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ والرَّجُلُ غائِبٌ، فَعَلى الحاكِمِ أنْ يَبْعَثَ إلى المَقْذُوفِ ويُخْبِرَهُ بِأنَّ فُلانًا قَذَفَكَ وثَبَتَ لَكَ حَدُّ القَذْفِ عَلَيْهِ، كَما لَوْ ثَبَتَ لَهُ مالٌ عَلى آخَرَ وهو لا يَعْلَمُهُ يَلْزَمُهُ إعْلامُهُ، وعَلى هَذا المَعْنى ”«بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أُنَيْسًا لِيُخْبِرَها بِأنَّ فُلانًا قَذَفَها بِابْنِهِ ولَمْ يَبْعَثْهُ لِيَتَفَحَّصَ عَنْ زِناها» “ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ولَيْسَ لِلْإمامِ إذا رَمى رَجُلٌ بِزِنًا أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ فَيَسْألَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وأرادَ بِهِ إذا لَمْ يَكُنِ القاذِفُ مُعَيَّنًا، مِثْلَ إنْ قالَ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيِ الحاكِمِ: النّاسُ يَقُولُونَ إنَّ فَلانًا زَنى فَلا يَبْعَثُ الحاكِمُ إلَيْهِ فَيَسْألُهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ فاخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيهِ، فَقالَ أكْثَرُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ إنَّهُ إذا تابَ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ لا تُقْبَلُ شَهادَةُ المَحْدُودِ في القَذْفِ إذا تابَ، وهَذِهِ المسألة مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ هَلْ عادَ إلى جَمِيعِ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ أوِ اخْتُصَّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ عَقِيبَ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ مُخْتَصٌّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَرْجِعُ إلى الكُلِّ، وهَذِهِ المسألة قَدْ لَخَّصْناها في أُصُولِ الفِقْهِ، ونَذْكُرُ هاهُنا ما يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، احْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى أنَّ شَهادَتَهُ مَقْبُولَةٌ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ» “ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ، فالتّائِبُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أيْضًا مَقْبُولَ الشَّهادَةِ.
وثانِيها: أنَّ الكافِرَ يَقْذِفُ فَيَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ فَتُقْبَلُ شَهادَتُهُ بِالإجْماعِ، فالقاذِفُ المُسْلِمُ إذا تابَ عَنِ القَذْفِ وجَبَ أنْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُ، لِأنَّ القَذْفَ مَعَ الإسْلامِ أهْوَنُ حالًا مِنَ القَذْفِ مَعَ الكُفْرِ، فَإنْ قِيلَ المُسْلِمُونَ لا يَأْلَمُونَ بِسَبِّ الكُفّارِ، لِأنَّهم شُهِرُوا بِعَداوَتِهِمْ والطَّعْنِ فِيهِمْ بِالباطِلِ، فَلا يَلْحَقُ المَقْذُوفَ بِقَذْفِ الكافِرِ مِنَ الشَّيْنِ والشَّنَآنِ ما يَلْحَقُهُ بِقَذْفِ مُسْلِمٍ مِثْلِهِ، فَشُدِّدَ عَلى القاذِفِ مِنَ المُسْلِمِينَ زَجْرًا عَنْ إلْحاقِ العارِ والشَّنَآنِ، وأيْضًا فالتّائِبُ مِنَ الكُفْرِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ والتّائِبُ مِنَ القَذْفِ لا يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ، قُلْنا هَذا الفَرْقُ مُلْغًى بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنْبِئْهم أنَّ لَهم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْهِمْ ما عَلى
صفحة ١٤١
المُسْلِمِينَ» “ .
وثالِثُها: أجْمَعْنا عَلى أنَّ التّائِبَ عَنِ الكُفْرِ والقَتْلِ والزِّنا مَقْبُولُ الشَّهادَةِ فَكَذا التّائِبُ عَنِ القَذْفِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الكَبِيرَةَ لَيْسَتْ أكْبَرَ مِن نَفْسِ الزِّنا.
ورابِعُها: أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقْبَلُ شَهادَتَهُ إذا تابَ قَبْلَ الحَدِّ مَعَ أنَّ الحَدَّ حَقُّ المَقْذُوفِ فَلا يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ. فَلَأنْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُ إذا تابَ بَعْدَ إقامَةِ الحَدِّ وقَدْ حَسُنَتْ حالَتُهُ وزالَ اسْمُ الفِسْقِ عَنْهُ كانَ أوْلى.
وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مَذْكُورٌ عَقِيبَ جُمَلٍ فَوَجَبَ عَوْدُهُ إلَيْها بِأسْرِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَوْ قالَ عَبْدُهُ حُرٌّ وامْرَأتُهُ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَإنَّهُ يَرْجِعُ الِاسْتِثْناءُ إلى الجَمِيعِ فَكَذا فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ الفَرْقُ أنَّ قَوْلَهُ: إنْ شاءَ اللَّهُ يَدْخُلُ لِرَفْعِ حُكْمِ الكَلامِ حَتّى لا يَثْبُتَ فِيهِ شَيْءٌ، والِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ بِحَرْفِ الِاسْتِثْناءِ لا يَجُوزُ دُخُولُهُ لِرَفْعِ حُكْمِ الكَلامِ رَأْسًا. ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ أنْتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ فَلا يَقَعُ شَيْءٌ، ولَوْ قالَ أنْتِ طالِقٌ إلّا طَلاقًا كانَ الطَّلاقُ واقِعًا والِاسْتِثْناءُ باطِلًا لِاسْتِحالَةِ دُخُولِهِ لِرَفْعِ حُكْمِ الكَلامِ بِالكُلِّيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن رُجُوعِ قَوْلِهِ: (إنْ شاءَ اللَّهُ) إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ صِحَّةُ رُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ بِحَرْفِهِ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، قُلْنا هَذا فَرْقٌ في غَيْرِ مَحَلِّ الجَمْعِ، لِأنَّ إنْ شاءَ اللَّهُ جازَ دُخُولُهُ لِرَفْعِ حُكْمِ الكَلامِ بِالكُلِّيَّةِ، فَلا جَرَمَ جازَ رُجُوعُهُ إلى جَمِيعِ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ وإلّا جازَ دُخُولُهُ لِرَفْعِ بَعْضِ الكَلامِ فَوَجَبَ جَوازُ رُجُوعِهِ إلى جَمِيعِ الجُمَلِ عَلى هَذا الوجه، حَتّى يَقْتَضِيَ أنْ يَخْرُجَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ بَعْضُهُ.
وثانِيها: أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ المُطْلَقِ فَقَوْلُهُ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ صارَ الجَمْعُ كَأنَّهُ ذُكِرَ مَعًا لا تَقَدُّمَ لِلْبَعْضِ عَلى البَعْضِ.
فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ رُجُوعُ الِاسْتِثْناءِ إلى بَعْضِها أوْلى مِن رُجُوعِهِ إلى الباقِي إذْ لَمْ يَكُنْ لِبَعْضِها عَلى بَعْضٍ تَقَدُّمٌ في المَعْنى البَتَّةَ فَوَجَبَ رُجُوعُهُ إلى الكُلِّ، ونَظِيرُهُ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَإنَّ فاءَ التَّعْقِيبِ ما دَخَلَتْ عَلى غَسْلِ الوجه بَلْ عَلى مَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ مِن حَيْثُ إنَّ الواوَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ. فَكَذا هاهُنا كَلِمَةُ إلّا ما دَخَلَتْ عَلى واحِدٍ بِعَيْنِهِ لِأنَّ حَرْفَ الواوِ لا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ بَلْ دَخَلَتْ عَلى المَجْمُوعِ، فَإنْ قِيلَ الواوُ قَدْ تَكُونُ لِلْجَمْعِ عَلى ما ذَكَرْتَ وقَدْ تَكُونُ لِلِاسْتِئْنافِ وهي في قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ لِلْجَمْعِ فِيما لا يَخْتَلِفُ مَعْناهُ ونَظْمُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَيَصِيرُ الكُلُّ كالمَذْكُورِ مَعًا مِثْلَ آيَةِ الوُضُوءِ فَإنَّ الكُلَّ أمْرٌ واحِدٌ كَأنَّهُ قالَ: فاغْسِلُوا هَذِهِ الأعْضاءَ فَإنَّ الكُلَّ قَدْ تَضَمَّنَهُ لَفْظُ الأمْرِ.
وأمّا آيَةُ القَذْفِ فَإنَّ ابْتِداءَها أمْرٌ وآخِرَها خَبَرٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْظِمَهُما جُمْلَةً واحِدَةً، وكانَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ فَيَخْتَصُّ الِاسْتِثْناءُ بِهِ، قُلْنا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ الجُمَلَ الثَّلاثَ بِمَجْمُوعِهِنَّ جَزاءَ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ ومَن قَذَفَ المُحْصَناتِ فاجْلِدُوهم ورُدُّوا شَهادَتَهِمْ وفَسِّقُوهم، أيْ فاجْمَعُوا لَهُمُ الجَلْدَ والرَّدَّ والفِسْقَ، إلّا الَّذِينَ تابُوا عَنِ القَذْفِ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم فَيَنْقَلِبُونَ غَيْرَ مَجْلُودِينَ ولا مَرْدُودِينَ ولا مُفَسَّقِينَ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلَّةَ في عَدَمِ قَبُولِ تِلْكَ الشَّهادَةِ كَوْنُهُ فاسِقًا، لِأنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، لا سِيَّما إذا كانَ الوَصْفُ مُناسِبًا وكَوْنُهُ فاسِقًا يُناسِبُ أنْ لا يَكُونَ مَقْبُولَ الشَّهادَةِ، إذا ثَبَتَ أنَّ العِلَّةَ لِرَدِّ الشَّهادَةِ لَيْسَتْ إلّا كَوْنَهُ فاسِقًا، ودَلَّ الِاسْتِثْناءُ عَلى زَوالِ الفِسْقِ فَقَدْ زالَتِ العِلَّةُ فَوَجَبَ أنْ يَزُولَ الحُكْمُ لِزَوالِ العِلَّةِ.
ورابِعُها: أنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِثْناءِ مَوْجُودٌ في القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ ولا خِلافَ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ الآيَةِ، وأنَّ التَّوْبَةَ حاصِلَةٌ لِهَؤُلاءِ جَمِيعًا وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
صفحة ١٤٢
﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وصارَ التَّيَمُّمُ لِمَن وجَبَ عَلَيْهِ الِاغْتِسالُ، كَما أنَّهُ مَشْرُوعٌ لِمَن وجَبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ، وهَذا الوجه ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدٍ في إثْباتِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ عَلى أنَّ حُكْمَ الِاسْتِثْناءِ مُخْتَصٌّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ يَخْتَصُّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، فَكَذا في جَمِيعِ الصُّوَرِ طَرْدًا لِلْبابِ.
وثانِيها: أنَّ المُقْتَضِيَ لِعُمُومِ الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ قائِمٌ والمُعارِضَ وهو الِاسْتِثْناءُ يَكْفِي في تَصْحِيحِهِ تَعْلِيقُهُ بِجُمْلَةٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ بِهَذا القَدْرِ يَخْرُجُ الِاسْتِثْناءُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَغْوًا فَوَجَبَ تَعْلِيقُهُ بِالجُمْلَةِ الواحِدَةِ فَقَطْ.
وثالِثُها: أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَوْ رَجَعَ إلى كُلِّ الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ لَوَجَبَ أنَّهُ إذا تابَ أنْ لا يُجْلَدَ وهَذا باطِلٌ بِالإجْماعِ فَوَجَبَ أنْ يَخْتَصَّ الِاسْتِثْناءُ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ ومِنَ الإثْباتِ نَفْيٌ، فالِاسْتِثْناءُ عَقِيبَ الِاسْتِثْناءِ لَوْ رَجَعَ إلى الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ وإلى المُسْتَثْنى فَبِقَدْرِ ما نَفى مِن أحَدِهِما أثْبَتَ في الآخَرِ فَيَنْجَبِرُ النّاقِصُ بِالزّائِدِ ويَصِيرُ الِاسْتِثْناءُ الثّانِي عَدِيمَ الفائِدَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قُلْنا في الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ إنَّهُ يَخْتَصُّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنّا بَيَّنّا أنَّ واوَ العَطْفِ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُ الجُمَلِ مُتَأخِّرًا في التَّقْدِيرِ عَنِ البَعْضِ، فَلَمْ يَكُنْ تَعْلِيقُهُ بِالبَعْضِ أوْلى مِن تَعْلِيقِهِ بِالباقِي، فَوَجَبَ تَعْلِيقُهُ بِالكُلِّ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ البَعْضِ فَلَمْ يُتْرَكِ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ الباقِي، واحْتَجَّ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في المسألة بِوُجُوهٍ مِنَ الأخْبارِ:
أحَدُها: ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قِصَّةِ «هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يُجْلَدُ هِلالٌ وتَبْطُلُ شَهادَتُهُ في المُسْلِمِينَ“» فَأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ وُقُوعَ الجَلْدِ بِهِ يُبْطِلُ شَهادَتَهُ مِن غَيْرِ شَرْطِ التَّوْبَةِ في قَبُولِها.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا مَحْدُودًا في قَذْفٍ» “ ولَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ وُجُودَ التَّوْبَةِ مِنهُ.
وثالِثُها: ما رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«لا تَجُوزُ شَهادَةُ مَحْدُودٍ في الإسْلامِ» “ قالَتِ الشّافِعِيَّةُ هَذا مُعارَضٌ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» “ والأمْرُ لِلْوُجُوبِ فَإذا عَلِمَ المَحْدُودُ وجَبَتْ عَلَيْهِ الشَّهادَةُ ولَوْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً لَما وجَبَتْ لِأنَّها تَكُونُ عَبَثًا.
وثانِيها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ» “ وهاهُنا قَدْ حَصَلَ الظُّهُورُ لِأنَّ دِينَهُ وعَقْلَهُ وعِفَّتَهُ الحاصِلَةَ بِالتَّوْبَةِ تُفِيدُ ظَنَّ كَوْنِهِ صادِقًا.
وثالِثُها: ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ”أنَّهُ ضَرَبَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وهم أبُو بَكْرَةَ ونافِعٌ ونُفَيْعٌ، ثم قال لَهم مَن أكْذَبَ نَفْسَهُ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ ومَن لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أُجِزْ شَهادَتَهُ فَأكْذَبَ نافِعٌ ونُفَيْعٌ أنْفُسَهُما وتابا وكانَ يَقْبَلُ شَهادَتَهُما. وأمّا أبُو بَكْرَةَ فَكانَ لا يَقْبَلُ شَهادَتَهُ“ وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ فِيهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المسألة.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القَذْفَ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ لِأنَّ اسْمَ الفِسْقِ لا يَقَعُ إلّا عَلى صاحِبِ الكَبِيرَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِمَن يَسْتَحِقُّ العِقابَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُشْتَقًّا مِن فِعْلِهِ لَكانَتِ التَّوْبَةُ لا تَمْنَعُ مِن دَوامِهِ كَما لا تَمْنَعُ مِن وصْفِهِ بِأنَّهُ ضارِبٌ وبِأنَّهُ رامٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ القَذْفِ كَيْفَ تَكُونُ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّوْبَةُ مِنهُ إكْذابُهُ نَفْسَهُ، واخْتَلَفَ أصْحابُهُ في مَعْناهُ فَقالَ الإصْطَخْرِيُّ: يَقُولُ: كَذَبْتُ فِيما قُلْتُ فَلا أعُودُ لِمِثْلِهِ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: لا يَقُولُ كَذَبْتُ لِأنَّهُ رُبَّما يَكُونُ صادِقًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ كَذَبْتُ كَذِبًا والكَذِبُ
صفحة ١٤٣
مَعْصِيَةٌ، والإتْيانُ بِالمَعْصِيَةِ لا يَكُونُ تَوْبَةً عَنْ مَعْصِيَةٍ أُخْرى، بَلْ يَقُولُ القاذِفُ باطِلًا: نَدِمْتُ عَلى ما قُلْتُ ورَجَعْتُ عَنْهُ ولا أعُودُ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأصْلَحُوا﴾ فَقالَ أصْحابُنا إنَّهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لا بُدَّ مِن مُضِيِّ مُدَّةٍ عَلَيْهِ في حُسْنِ الحالِ حَتّى تُقْبَلَ شَهادَتُهُ وتَعُودَ وِلايَتُهُ، ثُمَّ قَدَّرُوا تِلْكَ المُدَّةَ بِسَنَةٍ حَتّى تَمُرَّ عَلَيْهِ الفُصُولُ الأرْبَعُ الَّتِي تَتَغَيَّرُ فِيها الأحْوالُ والطِّباعُ كَما يُضْرَبُ لِلْعِنِّينِ أجْلٌ سَنَةً، وقَدْ عَلَّقَ الشَّرْعُ أحْكامًا بِالسَّنَةِ مِنَ الزَّكاةِ والجِزْيَةِ وغَيْرِهِما.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لِكَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا إذْ لَوْ كانَ واجِبًا لَما كانَ في قَبُولِهِ غَفُورًا رَحِيمًا، لِأنَّهُ إذا كانَ واجِبًا فَهو إنَّما يَقْبَلُهُ خَوْفًا وقَهْرًا لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ لَصارَ سَفِيهًا، ولَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الإلَهِيَّةِ. أمّا إذا لَمْ يَكُنْ واجِبًا فَقَبِلَهُ. فَهُناكَ تَتَحَقَّقُ الرَّحْمَةُ والإحْسانُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
النور 24:5
الحُكْمُ الثّالِثُ: القَذْفُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ رَمَوُا المُحْصَناتِ، وذِكْرُ الرَّمْيِ لا يَدُلُّ عَلى الزِّنا، إذْ قَدْ يَرْمِيها بِسَرِقَةٍ وشُرْبِ خَمْرٍ وكُفْرٍ، بَلْ لا بُدَّ مِن قَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلى التَّعْيِينِ، وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُرادَ الرَّمْيُ بِالزِّنا وفي الآيَةِ أقْوالٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ: أحَدُها: تَقَدُّمُ ذِكْرِ الزِّنا. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُحْصَناتِ وهُنَّ العَفائِفُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّمْيِ رَمْيُهُنَّ بِضِدِّ العَفافِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي عَلى صِحَّةِ ما رَمَوْهُنَّ بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا العَدَدَ مِنَ الشُّهُودِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ إلّا في الزِّنا. ورابِعُها: انْعِقادُ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ الجَلْدُ بِالرَّمْيِ بِغَيْرِ الزِّنا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الرَّمْيُ بِالزِّنا، إذا عَرَفْتَ هَذا فالكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَتَعَلَّقُ بِالرَّمْيِ والرّامِي والمَرْمِيِّ.
* * *
البَحْثُ الأوَّلُ: في الرَّمْيِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ألْفاظُ القَذْفِ تَنْقَسِمُ إلى صَرِيحٍ وكِنايَةٍ وتَعْرِيضٍ، فالصَّرِيحُ أنْ يَقُولَ يا زانِيَةُ أوْ زَنَيْتِ أوْ زَنى قُبُلُكِ أوْ دُبُرُكِ، ولَوْ قالَ زَنى بَدَنُكِ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُها: أنَّهُ كِنايَةٌ كَقَوْلِهِ: زَنى يَدُكِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الزِّنا مِنَ الفَرْجِ فَلا يَكُونُ مِن سائِرِ البَدَنِ إلّا المَعُونَةُ.
والثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّهُ صَرِيحٌ، لِأنَّ الفِعْلَ إنَّما يَصْدُرُ مِن جُمْلَةِ البَدَنِ. والفَرْجُ آلَةٌ في الفِعْلِ. أمّا الكِناياتُ فَمِثْلُ أنْ يَقُولَ يا فاسِقَةُ، يا فاجِرَةُ، يا خَبِيثَةُ، يا مُؤاجَرَةُ، يا ابْنَةَ الحَرامِ، أوِ امْرَأتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، وبِالعَكْسِ فَهَذا لا يَكُونُ قَذْفًا إلّا أنْ يُرِيدَهُ، وكَذَلِكَ لَوْ قالَ لِعَرَبِيٍّ يا نَبَطِيُّ، فَهَذا لا يَكُونُ قَذْفًا إلّا أنْ يُرِيدَهُ، فَإنْ أرادَ بِهِ القَذْفَ فَهو قَذْفٌ لِأُمِّ المَقُولِ لَهُ وإلّا فَلا، فَإنْ قالَ عَنَيْتُ بِهِ نَبَطِيَّ الدّارِ واللِّسانِ، وادَّعَتْ أُمُّ المَقُولِ لَهُ أنَّهُ أرادَ القَذْفَ، فالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. أمّا التَّعْرِيضُ فَلَيْسَ بِقَذْفٍ وإنْ أرادَهُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: يا ابْنَ الحَلالِ، أمّا أنا فَما زَنَيْتُ ولَيْسَتْ أُمِّي زانِيَةً، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ وابْنِ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِيِّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ الحَدُّ فِيهِ، وقالَ أحْمَدُ وإسْحَقُ: هو قَذْفٌ في حالِ الغَضَبِ دُونَ حالِ الرِّضا، لَنا، أنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ مُحْتَمَلٌ لِلْقَذْفِ ولِغَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ الحَدُّ، لِأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ فَلا يَرْجِعُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وأيْضًا فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهاتِ» ولِأنَّ الحُدُودَ شُرِّعَتْ عَلى خِلافِ النَّصِّ النّافِي لِلضَّرَرِ. والإيذاءُ الحاصِلُ بِالتَّصْرِيحِ فَوْقَ الحاصِلِ بِالتَّعْرِيضِ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِما رَوى الأوْزاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الحَدَّ في التَّعْرِيضِ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبّا في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: واللَّهِ ما أنا بِزانٍ ولا أُمِّي بِزانِيَةٍ، فاسْتَشارَ عُمَرُ النّاسَ في ذَلِكَ، فَقالَ قائِلٌ: مَدَحَ أباهُ وأُمَّهُ، وقالَ آخَرُونَ: قَدْ كانَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هَذا، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمانِينَ جَلْدَةً
صفحة ١٣٤
، والجَوابُ: أنَّ في مُشاوَرَةِ عُمَرَ الصَّحابَةَ في حُكْمِ التَّعْرِيضِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم فِيهِ تَوْقِيفٌ، وأنَّهم قالُوا رَأْيًا واجْتِهادًا.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: في تَعَدُّدِ القَذْفِ؛ اعْلَمْ أنَّهُ إمّا أنْ يَقْذِفَ شَخْصًا واحِدًا مِرارًا أوْ يَقْذِفَ جَماعَةً، فَإنْ قَذَفَ واحِدًا مِرارًا نُظِرَ إنْ كانَ أرادَ بِالكُلِّ زانِيَةً واحِدَةً بِأنْ قالَ: زَنَيْتِ بِعَمْرٍو قالَهُ مِرارًا لا يَجِبُ إلّا حَدٌّ واحِدٌ، ولَوْ أنْشَأ الثّانِيَ بَعْدَما حُدَّ لِلْأوَّلِ عُزِّرَ لِلثّانِي، وإنْ قَذَفَها بِزَنَياتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأنْ قالَ زَنَيْتِ بِزَيْدٍ، ثم قال زَنَيْتِ بِعَمْرٍو، فَهَلْ يَتَعَدَّدُ الحَدُّ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَعَدَّدُ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ ولِأنَّهُ مِن حُقُوقِ العِبادِ فَلا يَقَعُ فِيهِ التَّداخُلُ كالدُّيُونِ والثّانِي: وهو الأصَحُّ يَتَداخَلُ فَلا يَجِبُ فِيهِ إلّا حَدٌّ واحِدٌ لِأنَّهُما حَدّانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ لِمُسْتَحِقٍّ واحِدٍ فَوَجَبَ أنْ يَتَداخَلَ كَحُدُودِ الزِّنا، ولَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ مِرارًا، فالأصَحُّ أنَّهُ يَكْتَفِي بِلِعانٍ واحِدٍ سَواءٌ قُلْنا يَتَعَدَّدُ الحَدُّ أوْ لا يَتَعَدَّدُ. أمّا إذا قَذَفَ جَماعَةً مَعْدُودِينَ نُظِرَ، إنْ قَذَفَ كُلَّ واحِدٍ بِكَلِمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ كامِلٌ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ إلّا حَدٌّ واحِدٌ. واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ بِالقُرْآنِ والسُّنَّةِ والقِياسِ.
أمّا القُرْآنُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ والمَعْنى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَرْمِي المُحْصَناتِ وجَبَ عَلَيْهِ الجَلْدُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ قاذِفَ جَماعَةٍ مِنَ المُحْصَناتِ لا يُجْلَدُ أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ فَمَن أوْجَبَ عَلى قاذِفِ جَماعَةِ المُحْصَناتِ أكْثَرَ مِن حَدٍّ واحِدٍ فَقَدْ خالَفَ الآيَةَ.
وأمّا السُّنَّةُ: فَما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا، البَيِّنَةُ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ“» فَلَمْ يُوجِبِ النَّبِيُّ ﷺ عَلى هِلالٍ إلّا حَدًّا واحِدًا مَعَ قَذْفِهِ لِامْرَأتِهِ ولِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، إلى أنْ نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعانِ فَأُقِيمَ اللِّعانُ في الزَّوْجاتِ مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ.
وأمّا القِياسُ: فَهو أنَّ سائِرَ ما يُوجِبُ الحَدَّ إذا وُجِدَ مِنهُ مِرارًا لَمْ يَجِبْ إلّا حَدٌّ واحِدٌ كَمَن زَنى مِرارًا أوْ شَرِبَ مِرارًا أوْ سَرَقَ مِرارًا فَكَذا هاهُنا، والمَعْنى الجامِعُ دَفْعُ مَزِيدِ الضَّرَرِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ، وقَوْلَهُ: ﴿المُحْصَناتِ﴾ صِيغَةُ جَمْعِ، والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ يُقابَلُ الفَرْدُ بِالفَرْدِ فَيَصِيرُ المَعْنى: كُلُّ مَن رَمى مُحْصَنًا واحِدًا وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ وجْهُ تَمَسُّكِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالآيَةِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] يَدُلُّ عَلى تَرْتِيبِ الجَلْدِ عَلى رَمْيِ المُحْصَناتِ وتَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ، لا سِيَّما إذا كانَ مُناسِبًا فَإنَّهُ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ رَمْيَ المُحْصَنِ مِن حَيْثُ إنَّهُ هَذا المُسَمّى يُوجِبُ الجَلْدَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قَذَفَ واحِدًا صارَ ذَلِكَ القَذْفُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، فَإذا قَذَفَ الثّانِيَ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَذْفُ الثّانِي مُوجِبًا لِلْحَدِّ أيْضًا، ثُمَّ مُوجِبُ القَذْفِ الثّانِي لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو الحَدُّ الأوَّلُ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ وجَبَ بِالقَذْفِ الأوَّلِ وإيجابُ الواجِبِ مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يُحَدَّ بِالقَذْفِ الثّانِي حَدًّا ثانِيًا، أقْصى ما في البابِ أنْ يُورَدَ عَلى هَذِهِ الدَّلالَةِ حُدُودُ الزِّنا. لَكِنّا نَقُولُ تُرِكَ العَمَلُ هُناكَ بِهَذا الدَّلِيلِ لِأنَّ حَدَّ الزِّنا أغْلَظُ مِن حَدِّ القَذْفِ، وعِنْدَ ظُهُورِ الفارِقِ يَتَعَذَّرُ الجَمْعُ.
وأمّا السُّنَّةُ فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى هَذِهِ المسألة لِأنَّ قَذْفَهُما بِلَفْظٍ واحِدٍ، ولَنا في هَذِهِ المسألة تَفْصِيلٌ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
صفحة ١٣٥
وأمّا القِياسُ فَفاسِدٌ لِأنَّ حَدَّ القَذْفِ حَقُّ الآدَمِيِّ. بِدَلِيلِ أنَّهُ لا يُحَدُّ إلّا بِمُطالَبَةِ المَقْذُوفِ وحُقُوقُ الآدَمِيِّ لا تَتَداخَلُ بِخِلافِ حَدِّ الزِّنا، فَإنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى. هَذا كُلُّهُ إذا قَذَفَ جَماعَةً كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِكَلِمَةٍ عَلى حِدَةٍ. أمّا إذا قَذَفَهم بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ أنْتُمْ زُناةٌ أوْ زَنَيْتُمْ، فَفِيهِ قَوْلانِ أصَحُّهُما وهو قَوْلُهُ في ”الجَدِيدِ“: يَجِبُ لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ كامِلٌ لِأنَّهُ مِن حُقُوقِ العِبادِ فَلا يَتَداخَلُ، ولِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَعَرَّةً فَصارَ كَما لَوْ قَذَفَهم بِكَلِماتٍ. وفي ”القَدِيمِ“ لا يَجِبُ لِلْكُلِّ إلّا حَدٌّ واحِدٌ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، فَإنَّ اللَّفْظَ واحِدٌ والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِمَفْهُومِ الآيَةِ. فَعَلى هَذا لَوْ قالَ لِرَجُلٍ يا ابْنَ الزّانِيَيْنِ يَكُونُ قَذْفًا لِأبَوَيْهِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَعَلَيْهِ حَدّانِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: فِيما يُبِيحُ القَذْفَ: القَذْفُ يَنْقَسِمُ إلى مَحْظُورٍ ومُباحٍ وواجِبٍ، وجُمْلَةُ الكَلامِ أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ولَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ فَلا يَجِبُ، وهَلْ يُباحُ أمْ لا ؟ يُنْظَرُ إنْ رَآها بِعَيْنِهِ تَزْنِي أوْ أقَرَّتْ هي عَلى نَفْسِها ووَقَعَ في قَلْبِهِ صِدْقُها أوْ سَمِعَ مِمَّنْ يَثِقُ بِقَوْلِهِ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، لَكِنَّهُ اسْتَفاضَ فِيما بَيْنَ النّاسِ أنَّ فُلانًا يَزْنِي بِفُلانَةٍ، وقَدْ رَآهُ الزَّوْجُ يَخْرُجُ مِن بَيْتِها أوْ رَآهُ مَعَها في بَيْتٍ، فَإنَّهُ يُباحُ لَهُ القَذْفُ لِتَأكُّدِ التُّهْمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُمْسِكَها ويَسْتُرَ عَلَيْها.
لِما رُوِيَ ”«أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي امْرَأةً لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، قالَ طَلِّقْها. قالَ إنِّي أُحِبُّها، قالَ فَأمْسِكْها» “ أمّا إذا سَمِعَهُ مِمَّنْ لا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ أوِ اسْتَفاضَ مِن بَيْنِ النّاسِ، ولَكِنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَرَهُ مَعَها، أوْ بِالعَكْسِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَذْفُها، لِأنَّهُ قَدْ يَذْكُرُهُ مَن لا يَكُونُ ثِقَةً، فَيَنْتَشِرُ ويَدْخُلُ بَيْتَها خَوْفًا مِن قاصِدٍ أوْ لِسَرِقَةٍ أوْ لِطَلَبِ فُجُورٍ فَتَأْبى المَرْأةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ [النور: ١١] أمّا إذا كانَ ثَمَّ ولَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، نُظِرَ فَإنْ تَيَقَّنَ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ بِأنْ لَمْ يَكُنْ وطِئَها الزَّوْجُ أوْ وطِئَها لَكِنَّها أتَتْ بِهِ لِأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الوَطْءِ أوْ لِأكْثَرِ مِن أرْبَعِ سِنِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفْيُهُ بِاللِّعانِ؛ لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنِ اسْتِلْحاقِ نَسَبِ الغَيْرِ كَما هو مَمْنُوعٌ مِن نَفْيِ نَسَبِهِ، لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أيُّما امْرَأةٍ أدْخَلَتْ عَلى قَوْمٍ مَن لَيْسَ مِنهم فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ ولَمْ يُدْخِلْها اللَّهُ جَنَّتَهُ» “ فَلَمّا حَرُمَ عَلى المَرْأةِ أنْ تُدْخِلَ عَلى قَوْمٍ مَن لَيْسَ مِنهم كانَ الرَّجُلُ أيْضًا كَذَلِكَ، أمّا إنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنهُ بِأنْ أتَتْ بِهِ لِأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الوَطْءِ ولِدُونِ أرْبَعِ سِنِينَ، نُظِرَ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اسْتَبْرَأها بِحَيْضَةٍ، أوِ اسْتَبْرَأها وأتَتْ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الِاسْتِبْراءِ، لا يَحِلُّ لَهُ القَذْفُ والنَّفْيُ وإنِ اتَّهَمَها بِالزِّنا.
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«أيُّما رَجُلٍ جَحَدَ ولَدَهُ وهو يَنْظُرُ إلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ وفَضَحَهُ عَلى رُؤُوسِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ» “ فَإنِ اسْتَبْرَأها وأتَتْ بِهِ لِأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الِاسْتِبْراءِ يُباحُ لَهُ القَذْفُ والنَّفْيُ. والأوْلى أنْ لا يَفْعَلَ لِأنَّها قَدْ تَرى الدَّمَ عَلى الحَبَلِ وإنْ أتَتِ امْرَأتُهُ بِوَلَدٍ لا يُشْبِهُهُ بِأنْ كانا أبْيَضَيْنِ فَأتَتْ بِهِ أسْوَدَ، نُظِرَ إنْ لَمْ يَكُنْ يَتَّهِمُها بِالزِّنا فَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ، لِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”«أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّ امْرَأتِي ولَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ، فَقالَ هَلْ لَكَ مِن إبِلٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ ما ألْوانُها ؟ قالَ حُمْرٌ، قالَ فَهَلْ فِيها أوْرَقُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ فَكَيْفَ ذاكَ ؟ قالَ نَزَعَهُ عِرْقٌ قالَ فَلَعَلَّ هَذا نَزَعَهُ عِرْقٌ» “ وإنْ كانَ يَتَّهِمُها بِزِنًا أوْ يَتَّهِمُها بِرَجُلٍ فَأتَتْ بِوَلَدٍ يُشْبِهُهُ هَلْ يُباحُ لَهُ نَفْيُهُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا لِأنَّ العِرْقَ يَنْزِعُ.
والثّانِي: لَهُ ذَلِكَ لِأنَّ التُّهْمَةَ قَدْ تَأكَّدَتْ بِالشُّبْهَةِ.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في الرّامِي وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إذا قَذَفَ الصَّبِيُّ أوِ المَجْنُونُ امْرَأتَهُ أوْ أجْنَبِيًّا فَلا حَدَّ عَلَيْهِما ولا لِعانَ، لا في الحالِ
صفحة ١٣٦
ولا بَعْدَ البُلُوغِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ» ولَكِنْ يُعَزَّرانِ لِلتَّأْدِيبِ إنْ كانَ لَهُما تَمْيِيزٌ، فَلَوْ لَمْ تَتَّفِقْ إقامَةُ التَّعْزِيرِ عَلى الصَّبِيِّ حَتّى بَلَغَ، قالَ القَفّالُ يَسْقُطُ التَّعْزِيرُ، لِأنَّهُ كانَ لِلزَّجْرِ عَنْ إساءَةِ الأدَبِ وقَدْ حَدَثَ زاجِرٌ أقْوى وهو البُلُوغُ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: الأخْرَسُ إذا كانَتْ لَهُ إشارَةٌ مَفْهُومَةٌ، أوْ كِتابَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَذَفَ بِالإشارَةِ، أوْ بِالكِنايَةِ، لَزِمَهُ الحَدُّ، وكَذَلِكَ يَصِحُّ لِعانُهُ بِالإشارَةِ والكِنايَةِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَصِحُّ قَذْفُ الأخْرَسِ ولا لِعانُهُ.
وقَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أقْرَبُ إلى ظاهِرِ الآيَةِ؛ لِأنَّ مَن كَتَبَ أوْ أشارَ إلى القَذْفِ فَقَدْ رَمى المُحْصَنَةَ وألْحَقَ العارَ بِها فَوَجَبَ انْدِراجُهُ تَحْتَ الظّاهِرِ، ولِأنّا نَقِيسُ قَذْفَهُ ولِعانَهُ عَلى سائِرِ الأحْكامِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِيما إذا قَذَفَ العَبْدُ حُرًّا، فَقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ وعُثْمانُ القِنُّ عَلَيْهِ أرْبَعُونَ جَلْدَةً، رَوى الثَّوْرِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”يُجْلَدُ العَبْدُ في القَذْفِ أرْبَعِينَ“ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ”أدْرَكْتُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ ومَن بَعْدَهم مِنَ الخُلَفاءِ وكُلُّهم يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ في القَذْفِ أرْبَعِينَ“ وقالَ الأوْزاعِيُّ يُجْلَدُ ثَمانِينَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ورُوِيَ أنَّهُ جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ العَبْدَ في الفِرْيَةِ ثَمانِينَ. ومَدارُ المسألة عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في إيجابِ الثَّمانِينَ فَمَن رَدَّ هَذا الحَدَّ إلى أرْبَعِينَ فَطَرِيقُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] فَنَصَّ عَلى أنَّ حَدَّ الأمَةِ في الزِّنا نِصْفُ حَدِّ الحُرَّةِ، ثُمَّ قاسُوا العَبْدَ عَلى الأمَةِ في تَنْصِيفِ حَدِّ الزِّنا، ثُمَّ قاسُوا تَنْصِيفَ حَدِّ قَذْفِ العَبْدِ عَلى تَنْصِيفِ حَدِّ الزِّنا في حَقِّهِ، فَرَجَعَ حاصِلُ الأمْرِ إلى تَخْصِيصِ عُمُومِ الكِتابِ بِهَذا القِياسِ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى دُخُولِ الكافِرِ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ لِأنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُهُ ولا مانِعَ، فاليَهُودِيُّ إذا قَذَفَ المُسْلِمَ يُجْلَدُ ثَمانِينَ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: في المَرْمِيِّ وهي المُحَصَنَةُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: اسْمُ الإحْصانِ يَقَعُ عَلى المُتَزَوِّجَةِ وعَلى العَفِيفَةِ وإنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ، لِقَوْلِهِ تَعالى في مَرْيَمَ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [الأنبياء: ٩١] وهو مَأْخُوذٌ مِن مَنعِ الفَرْجِ، فَإذا تَزَوَّجَتْ مَنَعَتْهُ إلّا مِن زَوْجِها، وغَيْرُ المُتَزَوِّجَةِ تَمْنَعُهُ كُلَّ أحَدٍ، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ العَفائِفِ سَواءٌ كانَتْ مَسْلِمَةً أوْ كافِرَةً وسَواءٌ كانَتْ حُرَّةً أوْ رَقِيقَةً، إلّا أنَّ الفُقَهاءَ قالُوا: شَرائِطُ الإحْصانِ خَمْسَةٌ: الإسْلامُ والعَقْلُ والبُلُوغُ والحُرِّيَّةُ والعِفَّةُ مِنَ الزِّنا، وإنَّما اعْتَبَرْنا الإسْلامَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» وإنَّما اعْتَبَرْنا العَقْلَ والبُلُوغَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ» وإنَّما اعْتَبَرْنا الحَرِيَّةَ لِأنَّ العَبْدَ ناقِصُ الدَّرَجَةِ فَلا يَعْظُمُ عَلَيْهِ التَّعْيِيرُ بِالزِّنا، وإنَّما اعْتَبَرْنا العِفَّةَ عَنِ الزِّنا لِأنَّ الحَدَّ مَشْرُوعٌ لِتَكْذِيبِ القاذِفِ، فَإذا كانَ المَقْذُوفُ زانِيًا فالقاذِفُ صادِقٌ في القَذْفِ.
وكَذَلِكَ إذا كانَ المَقْذُوفُ وطِئَ امْرَأةً بِشُبْهَةٍ أوْ نِكاحٍ فاسِدٍ، لِأنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الزِّنا كَما فِيهِ شُبْهَةُ الحِلِّ، فَكَما أنَّ إحْدى الشُّبْهَتَيْنِ أسْقَطَتِ الحَدَّ عَنِ الواطِئِ، فَكَذا الأُخْرى تُسْقِطُهُ عَنْ قاذِفِهِ أيْضًا، ثُمَّ نَقُولُ: مَن قَذَفَ كافِرًا أوْ مَجْنُونًا أوْ صَبِيًّا أوْ مَمْلُوكًا، أوْ مَن قَدْ رَمى امْرَأةً، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، بَلْ يُعَزَّرُ لِلْأذى، حَتّى لَوْ زَنى في عُنْفُوانِ شَبابِهِ مَرَّةً، ثُمَّ تابَ وحَسُنَ حالُهُ وشاخَ في الصَّلاحِ لا يُحَدُّ قاذِفُهُ، وكَذَلِكَ لَوْ زَنى كافِرٌ أوْ رَقِيقٌ ثُمَّ أسْلَمَ وعُتِقَ وصَلُحَ حالُهُ فَقَذَفَهُ قاذِفٌ لا حَدَّ عَلَيْهِ، بِخِلافِ ما لَوْ زَنى في حالِ صِغَرِهِ أوْ جُنُونِهِ ثُمَّ بَلَغَ أوْ أفاقَ فَقَذَفَهُ
صفحة ١٣٧
قاذِفٌ يُحَدُّ، لِأنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ لا يَكُونُ زِنًا، ولَوْ قَذَفَ مُحْصَنًا فَقَبْلَ أنْ يُحَدَّ القاذِفُ زَنا المَقْذُوفُ سَقَطَ الحَدُّ عَنْ قاذِفِهِ؛ لِأنَّ صُدُورَ الزِّنا يُورِثُ رِيبَةً في حالِهِ فِيما مَضى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَرِيمٌ لا يَهْتِكُ سِتْرَ عَبْدِهِ في أوَّلِ ما يَرْتَكِبُ المَعْصِيَةَ، فَبِظُهُورِهِ يُعْلَمُ أنَّهُ كانَ مُتَّصِفًا بِهِ مِن قَبْلُ، رُوِيَ أنَّ رَجُلًا زَنى في عَهْدِ عُمَرَ، فَقالَ واللَّهِ ما زَنَيْتُ إلّا هَذِهِ، فَقالَ عُمَرُ كَذَبْتَ إنَّ اللَّهَ لا يَفْضَحُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ، وقالَ المُزَنِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: الزِّنا الطّارِئُ لا يُسْقِطُ الحَدَّ عَنِ القاذِفِ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَقَعُ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ، وسائِرُ العُلَماءِ أنْكَرُوا ذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ المُحْصَناتِ جَمْعٌ لِمُؤَنَّثٍ فَلا يَتَناوَلُ الرِّجالَ، بَلِ الإجْماعُ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ في هَذا البابِ بَيْنَ المُحْصَنِينَ والمُحْصَناتِ.
المسألة الثّالِثَةُ: رَمْيُ غَيْرِ المُحْصَناتِ لا يُوجِبُ الحَدَّ بَلْ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ إلّا أنْ يَكُونَ المَقْذُوفُ مَعْرُوفًا بِما قُذِفَ بِهِ فَلا حَدَّ هُناكَ ولا تَعْزِيرَ، فَهَذا مَجْمُوعُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ في القاذِفِ إذا لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ بِثَلاثَةِ أحْكامٍ أحَدُها: جَلْدُ ثَمانِينَ. وثانِيها: بُطْلانُ الشَّهادَةِ. وثالِثُها: الحُكْمُ بِفِسْقِهِ إلى أنْ يَتُوبَ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِ هَذِهِ الأحْكامِ، بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِ القَذْفِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى الزِّنا.
فَقالَ قائِلُونَ قَدْ بَطَلَتْ شَهادَتُهُ ولَزِمَهُ سِمَةُ الفِسْقِ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: شَهادَتُهُ مَقْبُولَةٌ ما لَمْ يُحَدَّ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ وهَذا مُقْتَضى قَوْلِهِمْ إنَّهُ غَيْرُ مَوْسُومٍ بِسِمَةِ الفِسْقِ ما لَمْ يَقَعْ بِهِ الحَدُّ. لِأنَّهُ لَوْ لَزِمَتْهُ سِمَةُ الفِسْقِ لَما جازَتْ شَهادَتُهُ إذْ كانَتْ سِمَةُ الفِسْقِ مُبْطِلَةً لِشَهادَةِ مَن وُسِمَ بِها، ثُمَّ احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ وُجُوبِ الحَدِّ عَلى مَجْمُوعِ القَذْفِ والعَجْزِ عَنْ إقامَةِ الشَّهادَةِ، فَلَوْ عَلَّقْنا هَذا الحُكْمَ عَلى القَذْفِ وحْدَهُ قَدَحَ ذَلِكَ في كَوْنِهِ مُعَلَّقًا عَلى الأمْرَيْنِ وذَلِكَ بِخِلافِ الآيَةِ، وأيْضًا فَوُجُوبُ الجَلْدِ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلى مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ أحَدِهِما، كَما لَوْ قالَ لِامْرَأتِهِ إنْ دَخَلْتِ الدّارَ وكَلَّمْتِ فُلانًا فَأنْتِ طالِقٌ، فَأتَتْ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ دُونَ الآخَرِ لَمْ يُوجَدِ الجَزاءُ، فَكَذا هاهُنا.
وثانِيها: أنَّ القاذِفَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ بِمُجَرَّدِ قَذْفِهِ وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تُرَدَّ شَهادَتُهُ بِمُجَرَّدِ القَذْفِ. بَيانُ الأوَّلِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مُجَرَّدَ قَذْفِهِ لَوْ أوْجَبَ كَوْنَهُ كاذِبًا لَوَجَبَ أنْ لا تُقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَتُهُ عَلى الزِّنا إذْ قَدْ وقَعَ الحُكْمُ بِكَذِبِهِ، والحُكْمُ بِكَذِبِهِ في قَذْفِهِ حُكْمٌ بِبُطْلانِ شَهادَةِ مَن شَهِدَ بِصِدْقِهِ في كَوْنِ المَقْذُوفِ زانِيًا، ولَمّا أجْمَعُوا عَلى قَبُولِ بَيِّنَتِهِ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ بِمُجَرَّدِ قَذْفِهِ.
الثّانِي: أنَّ قاذِفَ امْرَأتِهِ بِالزِّنا لا يُحْكَمُ بِكَذِبِهِ بِنَفْسِ قَذْفِهِ، وإلّا لَما جازَ إيجابُ اللِّعانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، ولَما أُمِرَ بِأنْ يَشْهَدَ بِاللَّهِ أنَّهُ لَصادِقٌ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا مَعَ الحُكْمِ بِكَذِبِهِ. ولَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَما لاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ”«اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ» “ فَأخْبَرَ أنَّ أحَدَهُما بِغَيْرِ تَعْيِينٍ هو الكاذِبُ ولَمْ يَحْكم بِكَذِبِ القاذِفِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ
صفحة ١٣٨
نَفْسَ القَذْفِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ كاذِبًا.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فَلَمْ يَحْكم بِكَذِبِهِمْ بِنَفْسِ القَذْفِ فَقَطْ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القاذِفَ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ كاذِبًا بِمُجَرَّدِ القَذْفِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تَبْطُلَ شَهادَتُهُ بِمُجَرَّدِ القَذْفِ لِأنَّهُ كانَ عَدْلًا ثِقَةً والصّادِرُ عَنْهُ غَيْرُ مُعارَضٍ، ولَمّا كانَ يَجِبُ أنْ يَبْقى عَلى عَدالَتِهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَقْبُولَ الشَّهادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا مَحْدُودًا في قَذْفٍ» “ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَقاءِ عَدالَةِ القاذِفِ ما لَمْ يُحَدَّ.
ورابِعُها: ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قِصَّةِ «هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ لَمّا قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ”يُجْلَدُ هِلالٌ وتَبْطُلُ شَهادَتُهُ في المُسْلِمِينَ“» فَأخْبَرَ أنَّ بُطْلانَ شَهادَتِهِ مُتَعَلِّقٌ بِوُقُوعِ الجَلْدِ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ القَذْفِ لا يُبْطِلُ الشَّهادَةَ.
وخامِسُها: أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ زَعَمَ أنَّ شُهُودَ القَذْفِ إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ قُبِلَتْ شَهادَتُهم، فَإنْ كانَ القَذْفُ قَدْ أبْطَلَ شَهادَتَهُ فَواجِبٌ أنْ لا يَقْبَلَها بَعْدَ ذَلِكَ، وإنْ شَهِدَ مَعَهُ ثَلاثَةٌ لِأنَّهُ قَدْ فَسَقَ بِقَذْفِهِ ووَجَبَ الحُكْمُ بِكَذِبِهِ، وفي قَبُولِ شَهادَتِهِمْ إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ ما يَلْزَمُهُ أنْ لا تَبْطُلَ شَهادَتُهم بِنَفْسِ القَذْفِ، وأمّا وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى رَتَّبَ عَلى القَذْفِ مَعَ عَدَمِ الإتْيانِ بِالشُّهَداءِ الأرْبَعَةِ أُمُورًا ثَلاثَةً مَعْطُوفًا بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِحَرْفِ الواوِ، وحَرْفُ الواوِ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ بَعْضُها مُرَتَّبًا عَلى البَعْضِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ رَدُّ الشَّهادَةِ مُرَتَّبًا عَلى إقامَةِ الحَدِّ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهادَةِ سَواءٌ أُقِيمَ الحَدُّ عَلَيْهِ أوْ ما أُقِيمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في كَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ عَلى الزِّنا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ «وقالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ إنْ وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ؟ قالَ: نَعَمْ“» ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: الإقْرارُ بِالزِّنا هَلْ يَثْبُتُ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَثْبُتُ إلّا بِأرْبَعَةٍ كَفِعْلِ الزِّنا.
والثّانِي: يَثْبُتُ بِخِلافِ فِعْلِ الزِّنا، لِأنَّ الفِعْلَ يُغْمَضُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ فاحْتِيطَ فِيهِ بِاشْتِراطِ الأرْبَعِ، والإقْرارُ أمْرٌ ظاهِرٌ فَلا يُغْمَضُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ.
المسألة الثّانِيَةُ: إذا شَهِدُوا عَلى فِعْلِ الزِّنا يَجِبُ أنْ يَذْكُرُوا الزّانِيَ ومَن زَنى بِها، لِأنَّهُ قَدْ يَراهُ عَلى جارِيَةٍ لَهُ فَيَظُنُّ أنَّها أجْنَبِيَّةٌ، ويَجِبُ أنْ يَشْهَدُوا أنّا رَأيْنا ذَكَرَهُ يَدْخُلُ في فَرْجِها دُخُولَ المِيلِ في المُكْحُلَةِ، فَلَوْ شَهِدُوا مُطْلَقًا أنَّهُ زَنى لا يَثْبُتُ، لِأنَّهم رُبَّما يَرَوْنَ المُفاخَذَةَ زِنًا، بِخِلافِ ما لَوْ قَذَفَ إنْسانًا فَقالَ زَنَيْتَ يَجِبُ الحَدُّ ولا يُسْتَفْسَرُ، ولَوْ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالزِّنا، هَلْ يُشْتَرَطُ أنْ يُسْتَفْسَرَ ؟ فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: نَعَمْ كالشُّهُودِ.
والثّانِي: لا يَجِبُ كَما في القَذْفِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَجِيءَ الشُّهُودُ مُتَفَرِّقِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا شَهِدُوا مُتَفَرِّقِينَ لا يَثْبُتُ وعَلَيْهِمْ حَدُّ القَذْفِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الإتْيانَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الإتْيانِ بِهِمْ مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ واللَّفْظُ الدّالُّ عَلى ما بِهِ الِاشْتِراكُ لا إشْعارَ لَهُ بِما بِهِ الِامْتِيازُ، فالآتِي بِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ يَكُونُ عامِلًا بِالنَّصِّ فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ.
الثّانِي: كَلُّ
صفحة ١٣٩
حُكْمٍ يَثْبُتُ بِشَهادَةِ الشُّهُودِ إذا جاءُوا مُجْتَمِعِينَ يَثْبُتُ إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ كَسائِرِ الأحْكامِ، بَلْ هَذا أوْلى لِأنَّهم إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ كانَ أبْعَدَ عَنِ التُّهْمَةِ، وعَنْ أنْ يَتَلَقَّنَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَلِذَلِكَ قُلْنا إذا وقَعَتْ رِيبَةٌ لِلْقاضِي في شَهادَةِ الشُّهُودِ فَرَّقَهم لِيَظْهَرَ عَلى عَوْرَةٍ إنْ كانَتْ في شَهادَتِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَشْهَدُوا مَعًا في حالَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ إذا اجْتَمَعُوا عِنْدَ القاضِي وكانَ يُقَدَّمُ واحِدٌ بَعْدَ آخَرَ ويَشْهَدُ فَإنَّهُ تُقْبَلُ شَهادَتُهم، فَكَذا إذا اجْتَمَعُوا عَلى بابِهِ. ثُمَّ كانَ يَدْخُلُ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الشّاهِدَ الواحِدَ لَمّا شَهِدَ فَقَدْ قَذَفَهُ ولَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهَداءِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ أقْصى ما في البابِ أنَّهم عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ القَذْفِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، وذَلِكَ لا عِبْرَةَ بِهِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى إسْقاطِ حَدِّ القَذْفِ رَأْسًا، لِأنَّ كُلَّ قاذِفٍ لا يُعْجِزُهُ لَفْظُ الشَّهادَةِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى إسْقاطِ الحَدِّ عَنْ نَفْسِهِ، ويَحْصُلُ مَقْصُودُهُ مِنَ القَذْفِ.
الثّانِي: ما رُوِيَ ”أنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أرْبَعَةٌ: أبُو بَكْرَةَ ونافِعٌ ونُفَيْعٌ وقالَ زِيادٌ - وكانَ رابِعَهم - رَأيْتُ إسْتًا تَنْبُو ونَفَسًا يَعْلُو ورِجْلاها عَلى عاتِقِهِ كَأُذُنَيْ حِمارٍ، ولا أدْرِي ما وراءَ ذَلِكَ، فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلاثَةَ ولَمْ يَسْألْ هَلْ مَعَهم شاهِدٌ آخَرُ“ فَلَوْ قُبِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهادَةُ غَيْرِهِمْ لَتَوَقَّفَ، لِأنَّ الحُدُودَ مِمّا يُتَوَقَّفُ فِيها ويُحْتاطُ.
المسألة الرّابِعَةُ: لَوْ شَهِدَ عَلى الزِّنا أقَلُّ مِن أرْبَعَةٍ لا يَثْبُتُ الزِّنا، وهَلْ يَجِبُ حَدُّ القَذْفِ عَلى الشُّهُودِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَجِبُ لِأنَّهم جاءُوا مَجِيءَ الشُّهُودِ، ولِأنّا لَوْ حَدَدْنا لانْسَدَّ بابُ الشَّهادَةِ عَلى الزِّنا، لَأنَّ كُلَّ واحِدٍ لا يَأْمَنُ أنْ لا يُوافِقَهُ صاحِبُهُ فَيَلْزَمُهُ الحَدُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ عَلَيْهِمُ الحَدُّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الوَجْهانِ اللَّذانِ ذَكَرْناهُما في المسألة الثّالِثَةِ.
المسألة الخامِسَةُ: إذا قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا فَجاءَ بِأرْبَعَةِ فُسّاقٍ فَشَهِدُوا عَلى المَقْذُوفِ بِالزِّنا، قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَسْقُطُ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ ولا يَجِبُ الحَدُّ عَلى الشُّهُودِ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: يُحَدُّونَ، وجْهُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ وهَذا قَدْ أتى بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَلا يَلْزَمُهُ الحَدُّ.
ولِأنَّ الفاسِقَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ وقَدْ وجَدْتُ شَرائِطَ شَهادَةِ الزِّنا مِنَ اجْتِماعِهِمْ عِنْدَ القاضِي، إلّا أنَّهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهم لِأجْلِ التُّهْمَةِ، فَكَما اعْتَبَرْنا التُّهْمَةَ في نَفْيِ الحَدِّ عَنِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ وجَبَ اعْتِبارُها في نَفْيِ الحَدِّ عَنْهم، ووَجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهم غَيْرُ مَوْصُوفِينَ بِالشَّرائِطِ المُعْتَبَرَةِ في قَبُولِ الشَّهادَةِ فَخَرَجُوا عَنْ أنْ يَكُونُوا شاهِدِينَ، فَبَقُوا مَحْضَ القاذِفِينَ، وهاهُنا آخِرُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْلِدُوهُمْ﴾ هو الإمامُ عَلى ما بَيَّنّاهُ في آيَةِ الزِّنا، أوِ المالِكُ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، أوْ رَجُلٌ صالِحٌ يُنَصِّبُهُ النّاسُ عِنْدَ فَقْدِ الإمامِ.
المسألة الثّانِيَةُ: خُصَّ مِن عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ صُوَرٌ.
أحَدُها: الوالِدُ يَقْذِفُ ولَدَهُ أوْ أحَدًا مِن نَوافِلِهِ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ، كَما لا يَجِبُ عَلَيْهِ القِصاصُ بِقَتْلِهِ.
الثّانِيَةُ: القاذِفُ إذا كانَ عَبْدًا فالواجِبُ جَلْدُ أرْبَعِينَ، وكَذا المُكاتَبُ وأُمُّ الوَلَدِ، ومَن بَعْضُهُ حُرٌّ وبَعْضُهُ رَقِيقٌ فَحَدُّهم حَدُّ العَبِيدِ.
الثّالِثَةُ: مَن قَذَفَ رَقِيقَةً عَفِيفَةً أوْ مَن زَنَتْ في قَدِيمِ الأيّامِ ثُمَّ تابَتْ فَهي بِمُوجَبِ اللُّغَةِ مُحْصَنَةٌ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَجِبُ الحَدُّ بِقَذْفِها.
صفحة ١٤٠
المسألة الثّالِثَةُ: قالُوا: أشَدُّ الضَّرْبِ في الحُدُودِ ضَرْبُ الزِّنا، ثُمَّ ضَرْبُ شُرْبِ الخَمْرِ، ثُمَّ ضَرْبُ القاذِفِ، لِأنَّ سَبَبَ عُقُوبَتِهِ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ والكَذِبِ، إلّا أنَّهُ عُوقِبَ صِيانَةً لِلْأعْراضِ وزَجْرًا عَنْ هَتْكِها.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: حَدُّ القَذْفِ يُوَرَّثُ، فَإذا ماتَ المَقْذُوفُ قَبْلَ اسْتِيفاءِ الحَدِّ وقَبْلَ العَفْوِ يَثْبُتُ لِوارِثِهِ حَدُّ القَذْفِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ الواجِبُ بِقَذْفِهِ التَّعْزِيرَ، فَإنَّهُ يُوَرَّثُ عَنْهُ، وكَذا لَوْ أنْشَأ القَذْفَ بَعْدَ مَوْتِ المَقْذُوفِ ثَبَتَ لِوارِثِهِ طَلَبُ الحَدِّ. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدُّ القَذْفِ لا يُوَرَّثُ ويَسْقُطُ بِالمَوْتِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أنَّ حَدَّ القَذْفِ هو حَقُّ الآدَمِيِّ لِأنَّهُ يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ ولا يُسْتَوْفى إلّا بِطَلَبِهِ ويَحْلِفُ فِيهِ المُدَّعى عَلَيْهِ إذا أنْكَرَ، وإذا كانَ حَقَّ الآدَمِيِّ وجَبَ أنْ يُوَرَّثَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ومَن تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ» “ حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْرُوثًا لَكانَ لِلزَّوْجِ أوِ الزَّوْجَةِ فِيهِ نَصِيبٌ، ولِأنَّهُ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى المالِ والوَثِيقَةِ فَلا يُوَرَّثُ كالوَكالَةِ والمُضارَبَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الأصَحَّ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ يَرِثُهُ جَمِيعُ الوَرَثَةِ كالمالِ، وفِيهِ وجْهٌ ثانٍ أنَّهُ يَرِثُهُ كُلُّهم إلّا الزَّوْجَ والزَّوْجَةَ، لِأنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَرْتَفِعُ بِالمَوْتِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحَدِّ دَفْعُ العارِ عَنِ النَّسَبِ، وذَلِكَ لا يَلْحَقُ الزَّوْجَ والزَّوْجَةَ.
المسألة الخامِسَةُ: إذا قَذَفَ إنْسانٌ إنْسانًا بَيْنَ يَدَيِ الحاكِمِ، أوْ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ والرَّجُلُ غائِبٌ، فَعَلى الحاكِمِ أنْ يَبْعَثَ إلى المَقْذُوفِ ويُخْبِرَهُ بِأنَّ فُلانًا قَذَفَكَ وثَبَتَ لَكَ حَدُّ القَذْفِ عَلَيْهِ، كَما لَوْ ثَبَتَ لَهُ مالٌ عَلى آخَرَ وهو لا يَعْلَمُهُ يَلْزَمُهُ إعْلامُهُ، وعَلى هَذا المَعْنى ”«بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أُنَيْسًا لِيُخْبِرَها بِأنَّ فُلانًا قَذَفَها بِابْنِهِ ولَمْ يَبْعَثْهُ لِيَتَفَحَّصَ عَنْ زِناها» “ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ولَيْسَ لِلْإمامِ إذا رَمى رَجُلٌ بِزِنًا أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ فَيَسْألَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وأرادَ بِهِ إذا لَمْ يَكُنِ القاذِفُ مُعَيَّنًا، مِثْلَ إنْ قالَ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيِ الحاكِمِ: النّاسُ يَقُولُونَ إنَّ فَلانًا زَنى فَلا يَبْعَثُ الحاكِمُ إلَيْهِ فَيَسْألُهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ فاخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيهِ، فَقالَ أكْثَرُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ إنَّهُ إذا تابَ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ لا تُقْبَلُ شَهادَةُ المَحْدُودِ في القَذْفِ إذا تابَ، وهَذِهِ المسألة مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ هَلْ عادَ إلى جَمِيعِ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ أوِ اخْتُصَّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ عَقِيبَ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ مُخْتَصٌّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَرْجِعُ إلى الكُلِّ، وهَذِهِ المسألة قَدْ لَخَّصْناها في أُصُولِ الفِقْهِ، ونَذْكُرُ هاهُنا ما يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، احْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى أنَّ شَهادَتَهُ مَقْبُولَةٌ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ» “ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ، فالتّائِبُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أيْضًا مَقْبُولَ الشَّهادَةِ.
وثانِيها: أنَّ الكافِرَ يَقْذِفُ فَيَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ فَتُقْبَلُ شَهادَتُهُ بِالإجْماعِ، فالقاذِفُ المُسْلِمُ إذا تابَ عَنِ القَذْفِ وجَبَ أنْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُ، لِأنَّ القَذْفَ مَعَ الإسْلامِ أهْوَنُ حالًا مِنَ القَذْفِ مَعَ الكُفْرِ، فَإنْ قِيلَ المُسْلِمُونَ لا يَأْلَمُونَ بِسَبِّ الكُفّارِ، لِأنَّهم شُهِرُوا بِعَداوَتِهِمْ والطَّعْنِ فِيهِمْ بِالباطِلِ، فَلا يَلْحَقُ المَقْذُوفَ بِقَذْفِ الكافِرِ مِنَ الشَّيْنِ والشَّنَآنِ ما يَلْحَقُهُ بِقَذْفِ مُسْلِمٍ مِثْلِهِ، فَشُدِّدَ عَلى القاذِفِ مِنَ المُسْلِمِينَ زَجْرًا عَنْ إلْحاقِ العارِ والشَّنَآنِ، وأيْضًا فالتّائِبُ مِنَ الكُفْرِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ والتّائِبُ مِنَ القَذْفِ لا يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ، قُلْنا هَذا الفَرْقُ مُلْغًى بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أنْبِئْهم أنَّ لَهم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْهِمْ ما عَلى
صفحة ١٤١
المُسْلِمِينَ» “ .
وثالِثُها: أجْمَعْنا عَلى أنَّ التّائِبَ عَنِ الكُفْرِ والقَتْلِ والزِّنا مَقْبُولُ الشَّهادَةِ فَكَذا التّائِبُ عَنِ القَذْفِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الكَبِيرَةَ لَيْسَتْ أكْبَرَ مِن نَفْسِ الزِّنا.
ورابِعُها: أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقْبَلُ شَهادَتَهُ إذا تابَ قَبْلَ الحَدِّ مَعَ أنَّ الحَدَّ حَقُّ المَقْذُوفِ فَلا يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ. فَلَأنْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُ إذا تابَ بَعْدَ إقامَةِ الحَدِّ وقَدْ حَسُنَتْ حالَتُهُ وزالَ اسْمُ الفِسْقِ عَنْهُ كانَ أوْلى.
وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مَذْكُورٌ عَقِيبَ جُمَلٍ فَوَجَبَ عَوْدُهُ إلَيْها بِأسْرِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَوْ قالَ عَبْدُهُ حُرٌّ وامْرَأتُهُ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَإنَّهُ يَرْجِعُ الِاسْتِثْناءُ إلى الجَمِيعِ فَكَذا فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ الفَرْقُ أنَّ قَوْلَهُ: إنْ شاءَ اللَّهُ يَدْخُلُ لِرَفْعِ حُكْمِ الكَلامِ حَتّى لا يَثْبُتَ فِيهِ شَيْءٌ، والِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ بِحَرْفِ الِاسْتِثْناءِ لا يَجُوزُ دُخُولُهُ لِرَفْعِ حُكْمِ الكَلامِ رَأْسًا. ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ أنْتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ فَلا يَقَعُ شَيْءٌ، ولَوْ قالَ أنْتِ طالِقٌ إلّا طَلاقًا كانَ الطَّلاقُ واقِعًا والِاسْتِثْناءُ باطِلًا لِاسْتِحالَةِ دُخُولِهِ لِرَفْعِ حُكْمِ الكَلامِ بِالكُلِّيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن رُجُوعِ قَوْلِهِ: (إنْ شاءَ اللَّهُ) إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ صِحَّةُ رُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ بِحَرْفِهِ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، قُلْنا هَذا فَرْقٌ في غَيْرِ مَحَلِّ الجَمْعِ، لِأنَّ إنْ شاءَ اللَّهُ جازَ دُخُولُهُ لِرَفْعِ حُكْمِ الكَلامِ بِالكُلِّيَّةِ، فَلا جَرَمَ جازَ رُجُوعُهُ إلى جَمِيعِ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ وإلّا جازَ دُخُولُهُ لِرَفْعِ بَعْضِ الكَلامِ فَوَجَبَ جَوازُ رُجُوعِهِ إلى جَمِيعِ الجُمَلِ عَلى هَذا الوجه، حَتّى يَقْتَضِيَ أنْ يَخْرُجَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ بَعْضُهُ.
وثانِيها: أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ المُطْلَقِ فَقَوْلُهُ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ صارَ الجَمْعُ كَأنَّهُ ذُكِرَ مَعًا لا تَقَدُّمَ لِلْبَعْضِ عَلى البَعْضِ.
فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ رُجُوعُ الِاسْتِثْناءِ إلى بَعْضِها أوْلى مِن رُجُوعِهِ إلى الباقِي إذْ لَمْ يَكُنْ لِبَعْضِها عَلى بَعْضٍ تَقَدُّمٌ في المَعْنى البَتَّةَ فَوَجَبَ رُجُوعُهُ إلى الكُلِّ، ونَظِيرُهُ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَإنَّ فاءَ التَّعْقِيبِ ما دَخَلَتْ عَلى غَسْلِ الوجه بَلْ عَلى مَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ مِن حَيْثُ إنَّ الواوَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ. فَكَذا هاهُنا كَلِمَةُ إلّا ما دَخَلَتْ عَلى واحِدٍ بِعَيْنِهِ لِأنَّ حَرْفَ الواوِ لا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ بَلْ دَخَلَتْ عَلى المَجْمُوعِ، فَإنْ قِيلَ الواوُ قَدْ تَكُونُ لِلْجَمْعِ عَلى ما ذَكَرْتَ وقَدْ تَكُونُ لِلِاسْتِئْنافِ وهي في قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ لِلْجَمْعِ فِيما لا يَخْتَلِفُ مَعْناهُ ونَظْمُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَيَصِيرُ الكُلُّ كالمَذْكُورِ مَعًا مِثْلَ آيَةِ الوُضُوءِ فَإنَّ الكُلَّ أمْرٌ واحِدٌ كَأنَّهُ قالَ: فاغْسِلُوا هَذِهِ الأعْضاءَ فَإنَّ الكُلَّ قَدْ تَضَمَّنَهُ لَفْظُ الأمْرِ.
وأمّا آيَةُ القَذْفِ فَإنَّ ابْتِداءَها أمْرٌ وآخِرَها خَبَرٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْظِمَهُما جُمْلَةً واحِدَةً، وكانَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ فَيَخْتَصُّ الِاسْتِثْناءُ بِهِ، قُلْنا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ الجُمَلَ الثَّلاثَ بِمَجْمُوعِهِنَّ جَزاءَ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ ومَن قَذَفَ المُحْصَناتِ فاجْلِدُوهم ورُدُّوا شَهادَتَهِمْ وفَسِّقُوهم، أيْ فاجْمَعُوا لَهُمُ الجَلْدَ والرَّدَّ والفِسْقَ، إلّا الَّذِينَ تابُوا عَنِ القَذْفِ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم فَيَنْقَلِبُونَ غَيْرَ مَجْلُودِينَ ولا مَرْدُودِينَ ولا مُفَسَّقِينَ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلَّةَ في عَدَمِ قَبُولِ تِلْكَ الشَّهادَةِ كَوْنُهُ فاسِقًا، لِأنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، لا سِيَّما إذا كانَ الوَصْفُ مُناسِبًا وكَوْنُهُ فاسِقًا يُناسِبُ أنْ لا يَكُونَ مَقْبُولَ الشَّهادَةِ، إذا ثَبَتَ أنَّ العِلَّةَ لِرَدِّ الشَّهادَةِ لَيْسَتْ إلّا كَوْنَهُ فاسِقًا، ودَلَّ الِاسْتِثْناءُ عَلى زَوالِ الفِسْقِ فَقَدْ زالَتِ العِلَّةُ فَوَجَبَ أنْ يَزُولَ الحُكْمُ لِزَوالِ العِلَّةِ.
ورابِعُها: أنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِثْناءِ مَوْجُودٌ في القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ ولا خِلافَ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ الآيَةِ، وأنَّ التَّوْبَةَ حاصِلَةٌ لِهَؤُلاءِ جَمِيعًا وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
صفحة ١٤٢
﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وصارَ التَّيَمُّمُ لِمَن وجَبَ عَلَيْهِ الِاغْتِسالُ، كَما أنَّهُ مَشْرُوعٌ لِمَن وجَبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ، وهَذا الوجه ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدٍ في إثْباتِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ عَلى أنَّ حُكْمَ الِاسْتِثْناءِ مُخْتَصٌّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ يَخْتَصُّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، فَكَذا في جَمِيعِ الصُّوَرِ طَرْدًا لِلْبابِ.
وثانِيها: أنَّ المُقْتَضِيَ لِعُمُومِ الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ قائِمٌ والمُعارِضَ وهو الِاسْتِثْناءُ يَكْفِي في تَصْحِيحِهِ تَعْلِيقُهُ بِجُمْلَةٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ بِهَذا القَدْرِ يَخْرُجُ الِاسْتِثْناءُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَغْوًا فَوَجَبَ تَعْلِيقُهُ بِالجُمْلَةِ الواحِدَةِ فَقَطْ.
وثالِثُها: أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَوْ رَجَعَ إلى كُلِّ الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ لَوَجَبَ أنَّهُ إذا تابَ أنْ لا يُجْلَدَ وهَذا باطِلٌ بِالإجْماعِ فَوَجَبَ أنْ يَخْتَصَّ الِاسْتِثْناءُ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ ومِنَ الإثْباتِ نَفْيٌ، فالِاسْتِثْناءُ عَقِيبَ الِاسْتِثْناءِ لَوْ رَجَعَ إلى الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ وإلى المُسْتَثْنى فَبِقَدْرِ ما نَفى مِن أحَدِهِما أثْبَتَ في الآخَرِ فَيَنْجَبِرُ النّاقِصُ بِالزّائِدِ ويَصِيرُ الِاسْتِثْناءُ الثّانِي عَدِيمَ الفائِدَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قُلْنا في الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ إنَّهُ يَخْتَصُّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنّا بَيَّنّا أنَّ واوَ العَطْفِ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُ الجُمَلِ مُتَأخِّرًا في التَّقْدِيرِ عَنِ البَعْضِ، فَلَمْ يَكُنْ تَعْلِيقُهُ بِالبَعْضِ أوْلى مِن تَعْلِيقِهِ بِالباقِي، فَوَجَبَ تَعْلِيقُهُ بِالكُلِّ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ البَعْضِ فَلَمْ يُتْرَكِ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ الباقِي، واحْتَجَّ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في المسألة بِوُجُوهٍ مِنَ الأخْبارِ:
أحَدُها: ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قِصَّةِ «هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يُجْلَدُ هِلالٌ وتَبْطُلُ شَهادَتُهُ في المُسْلِمِينَ“» فَأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ وُقُوعَ الجَلْدِ بِهِ يُبْطِلُ شَهادَتَهُ مِن غَيْرِ شَرْطِ التَّوْبَةِ في قَبُولِها.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا مَحْدُودًا في قَذْفٍ» “ ولَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ وُجُودَ التَّوْبَةِ مِنهُ.
وثالِثُها: ما رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«لا تَجُوزُ شَهادَةُ مَحْدُودٍ في الإسْلامِ» “ قالَتِ الشّافِعِيَّةُ هَذا مُعارَضٌ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» “ والأمْرُ لِلْوُجُوبِ فَإذا عَلِمَ المَحْدُودُ وجَبَتْ عَلَيْهِ الشَّهادَةُ ولَوْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً لَما وجَبَتْ لِأنَّها تَكُونُ عَبَثًا.
وثانِيها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ» “ وهاهُنا قَدْ حَصَلَ الظُّهُورُ لِأنَّ دِينَهُ وعَقْلَهُ وعِفَّتَهُ الحاصِلَةَ بِالتَّوْبَةِ تُفِيدُ ظَنَّ كَوْنِهِ صادِقًا.
وثالِثُها: ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ”أنَّهُ ضَرَبَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وهم أبُو بَكْرَةَ ونافِعٌ ونُفَيْعٌ، ثم قال لَهم مَن أكْذَبَ نَفْسَهُ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ ومَن لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أُجِزْ شَهادَتَهُ فَأكْذَبَ نافِعٌ ونُفَيْعٌ أنْفُسَهُما وتابا وكانَ يَقْبَلُ شَهادَتَهُما. وأمّا أبُو بَكْرَةَ فَكانَ لا يَقْبَلُ شَهادَتَهُ“ وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ فِيهِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المسألة.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القَذْفَ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ لِأنَّ اسْمَ الفِسْقِ لا يَقَعُ إلّا عَلى صاحِبِ الكَبِيرَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِمَن يَسْتَحِقُّ العِقابَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُشْتَقًّا مِن فِعْلِهِ لَكانَتِ التَّوْبَةُ لا تَمْنَعُ مِن دَوامِهِ كَما لا تَمْنَعُ مِن وصْفِهِ بِأنَّهُ ضارِبٌ وبِأنَّهُ رامٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ القَذْفِ كَيْفَ تَكُونُ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّوْبَةُ مِنهُ إكْذابُهُ نَفْسَهُ، واخْتَلَفَ أصْحابُهُ في مَعْناهُ فَقالَ الإصْطَخْرِيُّ: يَقُولُ: كَذَبْتُ فِيما قُلْتُ فَلا أعُودُ لِمِثْلِهِ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: لا يَقُولُ كَذَبْتُ لِأنَّهُ رُبَّما يَكُونُ صادِقًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ كَذَبْتُ كَذِبًا والكَذِبُ
صفحة ١٤٣
مَعْصِيَةٌ، والإتْيانُ بِالمَعْصِيَةِ لا يَكُونُ تَوْبَةً عَنْ مَعْصِيَةٍ أُخْرى، بَلْ يَقُولُ القاذِفُ باطِلًا: نَدِمْتُ عَلى ما قُلْتُ ورَجَعْتُ عَنْهُ ولا أعُودُ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأصْلَحُوا﴾ فَقالَ أصْحابُنا إنَّهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لا بُدَّ مِن مُضِيِّ مُدَّةٍ عَلَيْهِ في حُسْنِ الحالِ حَتّى تُقْبَلَ شَهادَتُهُ وتَعُودَ وِلايَتُهُ، ثُمَّ قَدَّرُوا تِلْكَ المُدَّةَ بِسَنَةٍ حَتّى تَمُرَّ عَلَيْهِ الفُصُولُ الأرْبَعُ الَّتِي تَتَغَيَّرُ فِيها الأحْوالُ والطِّباعُ كَما يُضْرَبُ لِلْعِنِّينِ أجْلٌ سَنَةً، وقَدْ عَلَّقَ الشَّرْعُ أحْكامًا بِالسَّنَةِ مِنَ الزَّكاةِ والجِزْيَةِ وغَيْرِهِما.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لِكَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا إذْ لَوْ كانَ واجِبًا لَما كانَ في قَبُولِهِ غَفُورًا رَحِيمًا، لِأنَّهُ إذا كانَ واجِبًا فَهو إنَّما يَقْبَلُهُ خَوْفًا وقَهْرًا لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ لَصارَ سَفِيهًا، ولَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الإلَهِيَّةِ. أمّا إذا لَمْ يَكُنْ واجِبًا فَقَبِلَهُ. فَهُناكَ تَتَحَقَّقُ الرَّحْمَةُ والإحْسانُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
النور 24:6
الحُكْمُ الرّابِعُ: حُكْمُ اللِّعانِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أحْكامَ قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ عَقَّبَهُ بِأحْكامِ قَذْفِ الزَّوْجاتِ، ثُمَّ هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أبْحاثٍ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في سَبَبِ نُزُولِهِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: «”لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ قالَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الأنْصارِيُّ إنْ دَخَلَ مِنّا رَجُلٌ بَيْتَهُ فَوَجَدَ رَجُلًا عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ فَإنْ جاءَ بِأرْبَعَةِ رِجالٍ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ فَقَدْ قَضى الرَّجُلُ حاجَتَهُ وخَرَجَ، وإنْ قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ، وإنْ قالَ وجَدْتُ فُلانًا مَعَ تِلْكَ المَرْأةِ ضُرِبَ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. اللَّهُمَّ افْتَحْ. وكانَ لِعاصِمٍ هَذا ابْنُ عَمٍّ يُقالُ لَهُ عُوَيْمِرٌ ولَهُ امْرَأةٌ يُقالُ لَها خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَأتى عُوَيْمِرٌ عاصِمًا فَقالَ: لَقَدْ رَأيْتُ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِي خَوْلَةَ فاسْتَرْجَعَ عاصِمٌ وأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أسْرَعَ ما ابْتُلِيتُ بِهَذا في أهْلِ بَيْتِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وما ذاكَ ؟ فَقالَ أخْبَرَنِي عُوَيْمِرٌ ابْنُ عَمِّي بِأنَّهُ رَأى شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ وكانَ عُوَيْمِرٌ وخَوْلَةُ وشَرِيكٌ كُلُّهم بَنُو عَمِّ عاصِمٍ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا، وقالَ لِعُوَيْمِرٍ اتَّقِ اللَّهَ في زَوْجَتِكَ وابْنَةِ عَمِّكَ ولا تَقْذِفْها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُقْسِمُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُ شَرِيكًا عَلى بَطْنِها
صفحة ١٤٤
وأنِّي ما قَرَبْتُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وأنَّها حُبْلى مِن غَيْرِي، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اتَّقِي اللَّهَ ولا تُخْبِرِي إلّا بِما صَنَعْتِ، فَقالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عُوَيْمِرًا رَجُلٌ غَيُورٌ، وإنَّهُ رَأى شَرِيكًا يُطِيلُ النَّظَرَ إلَيَّ ويَتَحَدَّثُ، فَحَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ عَلى ما قالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نُودِيَ: الصَّلاةُ جامِعَةٌ فَصَلّى العَصْرَ ثم قال لِعُوَيْمِرٍ قُمْ وقُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّ خَوْلَةَ لَزانِيَةٌ وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ.
ثم قال في الثّانِيَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُ شَرِيكًا عَلى بَطْنِها وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثم قال في الثّالِثَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّها حُبْلى مِن غَيْرِي وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثم قال في الرّابِعَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّها زانِيَةٌ وأنِّي ما قَرَبْتُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ.
ثم قال في الخامِسَةِ قُلْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى عُوَيْمِرٍ يَعْنِي نَفْسَهُ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ فِيما قالَ. ثم قال: اقْعُدْ، وقالَ لِخَوْلَةَ قُومِي، فَقامَتْ وقالَتْ أشْهَدُ بِاللَّهِ ما أنا بِزانِيَةٍ وإنَّ زَوْجِي عُوَيْمِرًا لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الثّانِيَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ ما رَأى شَرِيكًا عَلى بَطْنِي وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الثّالِثَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي حُبْلى مِنهُ وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الرّابِعَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ ما رَآنِي عَلى فاحِشَةٍ قَطُّ وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الخامِسَةِ غَضَبُ اللَّهِ عَلى خَوْلَةَ إنْ كانَ عُوَيْمِرٌ مِنَ الصّادِقِينَ في قَوْلِهِ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما“» .
وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: ”«أنَّ عاصِمًا ذاتَ يَوْمٍ رَجَعَ إلى أهْلِهِ فَوَجَدَ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ “ وتَمامُ الحَدِيثِ كَما تَقَدَّمَ.
وثالِثُها: ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «”لَمّا نَزَلَ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وهو سَيِّدُ الأنْصارِ لَوْ وجَدْتُ رَجُلًا عَلى بَطْنِها فَإنِّي إنْ جِئْتُ بِأرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهَداءِ يَكُونُ قَدْ قَضى حاجَتَهُ وذَهَبَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ أما تَسْمَعُونَ ما يَقُولُ سَيِّدُكم ؟ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَلُمْهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، فَقالَ سَعْدٌ يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ إنِّي لَأعْرِفُ أنَّها مِنَ اللَّهِ وأنَّها حَقٌّ، ولَكِنِّي عَجِبْتُ مِنهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْبى إلّا ذَلِكَ، قالَ فَلَمْ يَلْبَثُوا إلّا يَسِيرًا حَتّى جاءَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقالُ لَهُ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا رَأيْتُ بِعَيْنِي وسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما جاءَ بِهِ.
فَقالَ هِلالٌ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأرى الكَراهَةَ في وجْهِكَ مِمّا أخْبَرْتُكَ بِهِ، واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي لَصادِقٌ، وما قَلْتُ إلّا حَقًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ إمّا البَيِّنَةُ وإمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْكَ ”فاجْتَمَعَتِ الأنْصارُ فَقالُوا: ابْتُلِينا بِما قالَ سَعْدٌ، فَبَيْنا هم كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ارْبَدَّ وجْهُهُ، وعَلا جَسَدَهُ حُمْرَةٌ، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أبْشِرْ يا هِلالُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا، قالَ قَدْ كُنْتُ أرْجُو ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَرَأ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآياتِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْعُوها، فَدُعِيَتْ فَكَذَّبَتْ هِلالًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ، وأمَرَ بِالمُلاعَنَةِ، فَشَهِدَ هِلالٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ عِنْدَ الخامِسَةِ: اتَّقِ اللَّهَ يا هِلالُ، فَإنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، فَقالَ واللَّهِ لا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْها كَما لَمْ يَجْلِدْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وشَهِدَ الخامِسَةَ.
ثم قال رَسُولُ اللَّهِ أتَشْهَدِينَ، فَشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ أنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، فَلَمّا أخَذَتْ في الخامِسَةِ، قالَ لَها اتَّقِي اللَّهَ، فَإنَّ الخامِسَةَ هي المُوجِبَةُ، فَتَفَكَّرَتْ ساعَةً، وهَمَّتْ بِالِاعْتِرافِ ثُمَّ قالَتْ واللَّهِ لا أفْضَحُ قَوْمِي، وشَهِدَتِ الخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، ثم قال: انْظُرُوها إنْ جاءَتْ بِهِ أُثَيْبِجَ أصْهَبَ أحْمَشَ السّاقَيْنِ فَهو لِهِلالٍ، وإنْ جاءَتْ بِهِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ أوْرَقَ جَعْدًا فَهو لِصاحِبِهِ، فَجاءَتْ بِهِ أوْرَقَ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْلا الأيْمانُ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ“» قالَ عِكْرِمَةُ لَقَدْ رَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أمِيرَ مِصْرَ مِنَ الأمْصارِ ولا يَدْرِي مَن أبُوهُ ! .
* * *
صفحة ١٤٥
البَحْثُ الثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالقِراءَةِ قُرِئَ ولَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ لِأنَّ الشُّهَداءَ جَماعَةٌ، أوْ لِأنَّهم في مَعْنى الأنْفُسِ، ووَجْهُ مَن قَرَأ أرْبَعَ أنْ يَنْصِبَ؛ لِأنَّهُ في حُكْمِ المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ، وهي مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، فَتَقْدِيرُهُ فَواجِبُ شَهادَةِ أحَدِهِمْ أرْبَعَ شَهاداتٍ، وقُرِئَ أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ وأنْ غَضَبُ اللَّهِ عَلى تَخْفِيفِ أنْ ورَفْعِ ما بَعْدَها، وقُرِئَ أنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلى فِعْلِ الغَضَبِ، وقُرِئَ بِنَصْبِ الخامِسَتَيْنِ عَلى مَعْنى ويَشْهَدُ الخامِسَةَ.
* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ، والنَّظَرُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِأطْرافٍ:
الطَّرَفُ الأوَّلُ: في مُوجِبِ اللِّعانِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ إذا رَمى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ بِالزِّنا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ إنْ كانَتْ مُحْصَنَةً، والتَّعْزِيرُ إنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً، كَما في رَمْيِ الأجْنَبِيَّةِ لا يَخْتَلِفُ مُوجِبُهُما غَيْرَ أنَّهُما يَخْتَلِفانِ في المُخَلِّصِ، فَفي قَذْفِ الأجْنَبِيِّ لا يَسْقُطُ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ إلّا بِإقْرارِ المَقْذُوفِ، أوْ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلى زِناها، وفي قَذْفِ الزَّوْجَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أوْ بِاللِّعانِ، وإنَّما اعْتَبَرَ الشَّرْعُ اللِّعانَ في هَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ الأجْنَبِيّاتِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا مَعَرَّةَ عَلَيْهِ في زِنا الأجْنَبِيَّةِ، والأوْلى لَهُ سَتْرُهُ، أمّا إذا زَنى بِزَوْجَتِهِ فَيَلْحَقُهُ العارُ والنَّسَبُ الفاسِدُ، فَلا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وتَوْقِيفُهُ عَلى البَيِّنَةِ كالمُعْتَذِرِ، فَلا جَرَمَ خَصَّ الشَّرْعُ هَذِهِ الصُّورَةَ بِاللِّعانِ.
الثّانِي: أنَّ الغالِبَ في المُتَعارَفِ مِن أحْوالِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأتِهِ أنَّهُ لا يَقْصِدُها بِالقَذْفِ إلّا عَنْ حَقِيقَةٍ، فَإذا رَماها فَنَفْسُ الرَّمْيِ يَشْهَدُ بِكَوْنِهِ صادِقًا، إلّا أنَّ شَهادَةَ الحالِ لَيْسَتْ بِكامِلَةٍ فَضُمَّ إلَيْها ما يُقَوِّيها مِنَ الأيْمانِ، كَشَهادَةِ المَرْأةِ لَمّا ضَعُفَتْ قَوِيَتْ بِزِيادَةِ العَدَدِ والشّاهِدُ الواحِدُ يَتَقَوّى بِاليَمِينِ عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ كانَ حَدُّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ والزَّوْجاتِ الجَلْدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ ”ائْتِنِي بِأرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ لَكَ، وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ“» فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجاتِ كانَ كَحَدِّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ إلّا أنَّهُ نُسِخَ عَنِ الأزْواجِ الجَلْدُ بِاللِّعانِ، ورَوى نَحْوَ ذَلِكَ في الرَّجُلِ الَّذِي قالَ أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَإنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وإنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجَةِ كانَ الجَلْدَ وأنَّ اللَّهَ نَسَخَهُ بِاللِّعانِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا قَذَفَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فالواجِبُ هو الحَدُّ ولَكِنَّ المُخَلِّصَ مِنهُ بِاللِّعانِ، كَما أنَّ الواجِبَ بِقَذْفِ الأجْنَبِيَّةِ الحَدُّ والمُخَلِّصَ مِنهُ بِالشُّهُودِ، فَإذا نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعانِ يَلْزَمُهُ الحَدُّ لِلْقَذْفِ، فَإذا لاعَنَ ونَكَلَتْ عَنِ اللِّعانِ يَلْزَمُها حَدُّ الزِّنا، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إذا نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعانِ حُبِسَ حَتّى يُلاعِنَ، وكَذا المَرْأةُ إذا نَكَلَتْ حُبِسَتْ حَتّى لا تُلاعِنَ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَعْنِي غَيْرَ الزَّوْجاتِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حُكْمَ الأزْواجِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ الآيَةَ فَكَما أنَّ مُقْتَضى قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ الإتْيانُ بِالشُّهُودِ أوِ الجَلَدُ فَكَذا مُوجِبُ قَذْفِ الزَّوْجاتِ الإتْيانُ بِاللِّعانِ أوِ الحَدُّ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ والألِفُ واللّامُ الدّاخِلانِ عَلى العَذابِ لا يُفِيدانِ العُمُومَ لِأنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْها جَمِيعُ أنْواعِ العَذابِ فَوَجَبَ صَرْفُهُما إلى
صفحة ١٤٦
المَعْهُودِ السّابِقِ والمَعْهُودُ السّابِقُ هو الحَدُّ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الحَدُّ، وإذا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ هو الحَدُّ، ثَبَتَ أنَّها لَوْ لَمْ تَلاعِنْ لَحُدَّتْ، وأنَّها بِاللِّعانِ دَفَعَتِ الحَدَّ، فَإنْ قِيلَ المُرادُ مِنَ العَذابِ هو الحَبْسُ. قُلْنا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْمَعْهُودِ المَذْكُورِ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ في هَذِهِ السُّورَةِ العَذابُ بِمَعْنى الحَدِّ، وأيْضًا فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَدِّ لا تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً. أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَبْسِ تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً لَأنَّ مِقْدارَ الحَبْسِ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
وثالِثُها: قالَ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الحَبْسِ في حَقِّ المَرْأةِ أنَّها تَقُولُ إنْ كانَ الرَّجُلُ صادِقًا فَحُدُّونِي، وإنْ كانَ كاذِبًا فَخَلُّونِي فَما بالِي والحَبْسُ ولَيْسَ حَبْسِي في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ ولا الإجْماعِ ولا القِياسِ.
ورابِعُها: أنَّ الزَّوْجَ قَذَفَها، ولَمْ يَأْتِ بِالمُخْرِجِ مِن شَهادَةِ غَيْرِهِ أوْ شَهادَةِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّ الرَّجُلِ ثَبَتَ في حَقِّ المَرْأةِ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
وخامِسُها: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِخَوْلَةَ: ”فالرَّجْمُ أهْوَنُ عَلَيْكِ مِن غَضَبِ اللَّهِ“» وهو نَصٌّ في البابِ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، أمّا في حَقِّ المَرْأةِ فَلِأنَّها ما فَعَلَتْ سِوى أنَّها تَرَكَتِ اللِّعانَ، وهَذا التَّرْكُ لَيْسَ بَيِّنَةً عَلى الزِّنا ولا إقْرارًا مِنها بِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ رَجْمُها، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ» “ الحَدِيثَ. وإذا لَمْ يَجِبِ الرَّجْمُ إذا كانَتْ مُحْصَنَةً لَمْ يَجِبِ الجَلْدُ في غَيْرِ المُحْصَنِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وأيْضًا فالنُّكُولُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ في الإقْرارِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ الحَدِّ بِهِ كاللَّفْظِ المُحْتَمِلِ لِلزِّنا ولِغَيْرِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الجُمْهُورُ إذا قالَ لَها يا زانِيَةُ وجَبَ اللِّعانُ. وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ- لا يُلاعِنُ إلّا أنْ يَقُولَ رَأيْتُكِ تَزْنِي أوْ يَنْفِي حَمْلًا لَها أوْ ولَدًا مِنها، حُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ، ولِأنَّهُ لا تَفاوُتَ في قَذْفِ الأجْنَبِيَّةِ بَيْنَ الكُلِّ، فَكَذا في حَقِّ قَذْفِ الزَّوْجَةِ.
* * *
الطَّرَفُ الثّانِي: المُلاعِنُ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَن صَحَّ يَمِينُهُ صَحَّ لِعانُهُ، فَيَجْرِي اللِّعانُ بَيْنَ الرَّقِيقَيْنِ والذِّمِّيَّيْنِ والمَحْدُودَيْنِ، وكَذا إذا كانَ أحَدُهُما رَقِيقًا أوْ كانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا والمَرْأةُ ذِمِّيَّةً، قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَصِحُّ في صُورَتَيْنِ إحْداهُما: أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مِمَّنْ لا يَجِبُ عَلى قاذِفِها الحَدُّ إذا كانَ أجْنَبِيًّا نَحْوَ أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مَمْلُوكَةً أوْ ذِمِّيَّةً.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِن غَيْرِ أهْلِ الشَّهادَةِ بِأنْ يَكُونَ مَحْدُودًا في قَذْفٍ أوْ عَبْدًا أوْ كافِرًا، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ الفاسِقَ والأعْمى مَعَ أنَّهُما لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ يَصِحُّ لِعانُهُما، وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ ولا مَعْنى لِلتَّخْصِيصِ، والقِياسُ أيْضًا ظاهِرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ دَفْعُ العارِ عَنِ النَّفْسِ، ودَفْعُ ولَدِ الزِّنا عَنِ النَّفْسِ، وكَما يَحْتاجُ غَيْرُ المَحْدُودِ إلَيْهِ فَكَذا المَحْدُودُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ.
والثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ يَصِحُّ لِعانُ الفاسِقِ والأعْمى، وإنْ لَمْ يَكُونا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ فَكَذا القَوْلُ في غَيْرِهِما، والجامِعُ هو الحاجَةُ إلى دَفْعِ عارِ الزِّنا، ووَجْهُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ النَّصُّ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«أرْبَعٌ مِنَ النِّساءِ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ مُلاعَنَةٌ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ» “ .
أمّا المَعْنى فَنَقُولُ أمّا في الصُّورَةِ الأُولى فَلِأنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلى قاذِفِ الزَّوْجَةِ والأجْنَبِيَّةِ الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ عَنِ الأزْواجِ وأُقِيمَ اللِّعانُ مَقامَهُ فَلَمّا كانَ اللِّعانُ مَعَ الأزْواجِ قائِمًا مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ لَمْ يَجِبِ اللِّعانُ عَلى مَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ لَوْ قَذَفَها أجْنَبِيٌّ، وأمّا في الصُّورَةِ
صفحة ١٤٧
الثّانِيَةِ فالوجه فِيهِ أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ إلّا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى لِعانَهُما شَهادَةً كَما قالَ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] .
الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ لاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أمَرَهُما بِاللِّعانِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى لَفْظِ اليَمِينِ، إذا ثَبَتَ أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ وجَبَ أنْ لا تُقْبَلَ مِنَ المَحْدُودِ في القَذْفِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤] وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في المَحْدُودِ ثَبَتَ في العَبْدِ والكافِرِ، إمّا لِلْإجْماعِ عَلى أنَّهُما لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ أوْ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
أجابَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ اللِّعانَ لَيْسَ شَهادَةً في الحَقِيقَةِ بَلْ هو يَمِينٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَشْهَدَ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ شَهادَةً لَكانَتِ المَرْأةُ تَأْتِي بِثَمانِ شَهاداتٍ، لِأنَّها عَلى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ، ولِأنَّهُ يَصِحُّ مِنَ الأعْمى والفاسِقِ ولا يَجُوزُ شَهادَتُهُما، فَإنْ قِيلَ الفاسِقُ والفاسِقَةُ قَدْ يَتُوبانِ قُلْنا وكَذَلِكَ العَبْدُ قَدْ يُعْتَقُ فَتَجُوزُ شَهادَتُهُ، ثُمَّ أكَّدَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ العَبْدَ إذا عُتِقَ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في الحالِ والفاسِقَ إذا تابَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في الحالِ، ثُمَّ ألْزَمَ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ مَقْبُولَةٌ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَيَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ اللِّعانُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ والذِّمِّيَّةِ، وهَذا كُلُّهُ كَلامُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثم قال بَعْدَ ذَلِكَ: وتَخْتَلِفُ الحُدُودُ بِمَن وقَعَتْ لَهُ، ومَعْناهُ أنَّ الزَّوْجَ إنْ لَمْ يُلاعِنْ تَنَصَّفَ حَدُّ القَذْفِ عَلَيْهِ لِرِقِّهِ، وإنْ لاعَنَ ولَمْ تُلاعِنِ اخْتَلَفَ حَدُّها بِإحْصانِها وعَدَمِ إحْصانِها وحُرِّيَّتِها ورِقِّها.
* * *
الطَّرَفُ الثّالِثُ: الأحْكامُ المُرَتَّبَةُ عَلى اللِّعانِ.
قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاللِّعانِ خَمْسَةُ أحْكامٍ: دَرْءُ الحَدِّ، ونَفْيُ الوَلَدِ، والفُرْقَةُ، والتَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ، ووُجُوبُ الحَدِّ عَلَيْها، وكُلُّها تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ ولا يُفْتَقَرُ فِيهِ إلى لِعانِها ولا إلى حُكْمِ الحاكِمِ، فَإنَّ حُكْمَ الحاكِمِ بِهِ كانَ تَنْفِيذًا مِنهُ لا إيقاعًا لِلْفُرْقَةِ. فَلْنَتَكَلَّمْ في هَذِهِ المَسائِلِ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفَ المُجْتَهِدُونَ في وُقُوعِ الفُرْقَةِ بِاللِّعانِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: قالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: لا أرى مُلاعَنَةَ الزَّوْجِ امْرَأتَهُ تَقْتَضِي شَيْئًا يُوجِبُ أنْ يُطَلِّقَها، وثانِيها: قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ لا تَقَعُ الفُرْقَةُ بِفَراغِهِما مِنَ اللِّعانِ حَتّى يُفَرِّقَ الحاكِمُ بَيْنَهُما. وثالِثُها: قالَ مالِكٌ واللَّيْثُ وزُفَرُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- إذا فَرَغا مِنَ اللِّعانِ وقَعَتِ الفُرْقَةُ وإنْ لَمْ يُفَرِّقِ الحاكِمُ. ورابِعُها: قالَ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إذا أكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهادَةَ والِالتِعانَ فَقَدْ زالَ فِراشُ امْرَأتِهِ، ولا تَحِلُّ لَهُ أبَدًا التَعَنَتْ أوْ لَمْ تَلْتَعِنْ، حُجَّةُ عُثْمانَ البَتِّيِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللِّعانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ ولا كِنايَةٍ عَنِ الفُرْقَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُفِيدَ الفُرْقَةَ كَسائِرِ الأقْوالِ الَّتِي لا إشْعارَ لَها بِالفُرْقَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صادِقًا في قَوْلِهِ، وهو لا يُوجِبُ تَحْرِيمًا، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلَيْها لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَحْرِيمًا، فَإذا كانَ كاذِبًا والمَرْأةُ صادِقَةً يَثْبُتُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى التَّحْرِيمِ.
وثانِيها: لَوْ تَلاعَنا فِيما بَيْنَهُما لَمْ يُوجِبِ الفُرْقَةَ فَكَذا لَوْ تَلاعَنا عِنْدَ الحاكِمِ.
وثالِثُها: أنَّ اللِّعانَ قائِمٌ مَقامَ الشُّهُودِ في قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ، فَكَما أنَّهُ لا فائِدَةَ في إحْضارِ الشُّهُودِ هُناكَ إلّا إسْقاطُ الحَدِّ، فَكَذا اللِّعانُ لا تَأْثِيرَ لَهُ إلّا إسْقاطُ الحَدِّ.
ورابِعُها: إذا أكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ في قَذْفِهِ إيّاها ثُمَّ حُدَّ، لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فُرْقَةً، فَكَذا إذا لاعَنَ؛ لِأنَّ اللِّعانَ قائِمٌ مَقامَ دَرْءِ الحَدِّ، قالَ: وأمّا تَفْرِيقُ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ فَكانَ ذَلِكَ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ، وكانَ قَدْ طَلَّقَها ثَلاثًا بَعْدَ اللِّعانِ، فَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُما، وأمّا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وهو أنَّ الحاكِمَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما فَلا بُدَّ مِن بَيانِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الحاكِمِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُما، ودَلِيلُهُ ما رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ
صفحة ١٤٨
مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا. والثّانِي: أنَّ الفُرْقَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: رُوِيَ في قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ أنَّهُما لَمّا فَرَغا ”«قالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها، هي طالِقٌ ثَلاثًا“ فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ، والِاسْتِدْلالُ بِهَذا الخَبَرِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِاللِّعانِ لَبَطَلَ قَوْلُهُ: ”كَذَبْتُ عَلَيْها إنْ أمْسَكْتُها“؛ لِأنَّ إمْساكَها غَيْرُ مُمْكِنٍ.
وثانِيها: ما رُوِيَ في هَذا الخَبَرِ أنَّهُ طَلَّقَها ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وتَنْفِيذُ الطَّلاقِ إنَّما يُمْكِنُ لَوْ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ اللِّعانِ.
وثالِثُها: ما قالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ في هَذا الخَبَرِ مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ولا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ واقِعَةً بِاللِّعانِ اسْتَحالَ التَّفْرِيقُ بَعْدَها.
وثانِيها: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلافُ الآيَةِ، لِأنَّهُ لَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِلِعانِ الزَّوْجِ لَلاعَنَتِ المَرْأةُ وهي أجْنَبِيَّةٌ وذَلِكَ خِلافُ الآيَةِ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْجَبَ اللِّعانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
وثالِثُها: أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ فَوَجَبَ أنْ لا يُوجِبَ الفُرْقَةَ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ كَما لا يَثْبُتُ المَشْهُودُ بِهِ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ.
ورابِعُها: اللِّعانُ تَسْتَحِقُّ بِهِ المَرْأةُ نَفْسَها كَما يَسْتَحِقُّ المُدَّعِي بِالبَيِّنَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَسْتَحِقَّ المُدَّعِي مُدَّعاهُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ وجَبَ مِثْلُهُ في اسْتِحْقاقِ المَرْأةِ نَفْسَها.
وخامِسُها: أنَّ اللِّعانَ لا إشْعارَ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنَّها زَنَتْ، ولَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلى زِناها أوْ هي أقَرَّتْ بِذَلِكَ فَذاكَ لا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، فَكَذا اللِّعانُ، وإذا لَمْ يُوجَدْ فِيها دَلالَةٌ عَلى التَّحْرِيمِ وجَبَ أنْ لا تَقَعَ الفُرْقَةُ بِهِ، فَلا بُدَّ مِن إحْداثِ التَّفْرِيقِ، إمّا مِن قِبَلِ الزَّوْجِ أوْ مِن قِبَلِ الحاكِمِ، أمّا قَوْلُ مالِكٍ وزُفَرَ فَحُجَّتُهُ أنَّهُما لَوْ تَراضَيا عَلى البَقاءِ عَلى النِّكاحِ لَمْ يُخَلَّيا بَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللِّعانَ قَدْ أوْجَبَ الفُرْقَةَ، أمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلَهُ دَلِيلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ﴾ الآيَةَ. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلِعانِ المَرْأةِ إلّا في دَفْعِ العَذابِ عَنْ نَفْسِها، وأنَّ كُلَّ ما يَجِبُ بِاللِّعانِ مِنَ الأحْكامِ فَقَدْ وقَعَ بِلِعانِ الزَّوْجِ.
الثّانِي: أنَّ لِعانَ الزَّوْجِ وحْدَهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْيِ الوَلَدِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِبارُ بِقَوْلِهِ في الإلْحاقِ لا بِقَوْلِها، ألا تَرى أنَّها في لِعانِها تُلْحِقُ الوَلَدَ بِهِ، ونَحْنُ نَنْفِيهِ عَنْهُ، فَيُعْتَبَرُ نَفْيُ الزَّوْجِ لا إلْحاقُ المَرْأةِ، ولِهَذا إذا أكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ أُلْحِقَ بِهِ الوَلَدُ، وما دامَ يَبْقى مُصِرًّا عَلى اللِّعانِ فالوَلَدُ مَنفِيٌّ عَنْهُ، إذا ثَبَتَ أنَّ لِعانَهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْيِ الوَلَدِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ، لِأنَّ الفُرْقَةَ لَوْ لَمْ تَقَعْ لَمْ يَنْتِفِ الوَلَدُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “ فَما دامَ يَبْقى الفِراشُ التَحَقَ بِهِ، فَلَمّا انْتَفى الوَلَدُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ وجَبَ أنَّهُ يَزُولُ الفِراشُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ، وأمّا الأخْبارُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فالمُرادُ بِهِ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ الفُرْقَةِ وحَكَمَ بِها وذَلِكَ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ في الفُرْقَةِ شَيْئًا آخَرَ.
وأمّا الأقْيِسَةُ الَّتِي ذَكَرَها فَمَدارُها عَلى أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هو يَمِينٌ عَلى ما بَيَّنّا، وأمّا قَوْلُهُ: اللِّعانُ لا إشْعارَ فِيهِ بِوُقُوعِ الحُرْمَةِ. قُلْنا بَيِّنَتُهُ عَلى نَفْيِ الوَلَدِ مَقْبُولَةٌ ونَفْيُ الوَلَدِ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ حِلْيَةِ النِّكاحِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو يُوسُفَ والثَّوْرِيُّ وإسْحاقُ والحَسَنُ: المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ إذا أكْذَبَ نَفْسَهُ وحُدَّ زالَ تَحْرِيمُ العَقْدِ وحَلَّتْ لَهُ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أُمُورٌ:
أحَدُها: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُلاعِنِ بَعْدَ اللِّعانِ ”لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها“» ولَمْ يُقَلْ حَتّى تُكَذِّبَ نَفْسَكَ ولَوْ كانَ الإكْذابُ غايَةً لِهَذِهِ الحُرْمَةِ لَرَدَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى هَذِهِ الغايَةِ، كَما قالَ في المُطَلَّقَةِ بِالثَّلاثِ ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] .
وثانِيها:
صفحة ١٤٩
ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم قالُوا «لا يَجْتَمِعُ المُتَلاعِنانِ أبَدًا»، وهَذا قَدْ رُوِيَ أيْضًا مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وثالِثُها: ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ ”مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّهُما إذا تَلاعَنا فُرِّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا“ حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ .
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الوَلَدَ قَدْ يُنْفى عَنِ الزَّوْجِ بِاللِّعانِ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَن شَذَّ أنَّهُ لِلزَّوْجِ، ولا يَنْتَفِي نَسَبَهُ بِاللِّعانِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأخْبارَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ النَّسَبَ يَنْتَفِي بِاللِّعانِ كالمُتَواتِرَةِ فَلا يُعارِضُها هَذا الواحِدُ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ أتى أحَدُهُما بِبَعْضِ كَلِماتِ اللِّعانِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أكْثَرُ كَلِماتِ اللِّعانِ تَعْمَلُ عَمَلَ الكُلِّ إذا حَكَمَ بِهِ الحاكِمُ، والظّاهِرُ مَعَ الشّافِعِيِّ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها لا تَدْرَأُ العَذابَ عَنْ نَفْسِها إلّا بِتَمامِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن قالَ بِخِلافِ ذَلِكَ فَإنَّما يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
* * *
الطَّرَفُ الرّابِعُ: في كَيْفِيَّةِ اللِّعانِ والآيَةُ دالَّةٌ عَلَيْها صَرِيحًا، فالرَّجُلُ يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ بِأنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا، ثُمَّ يَقُولُ مِن بَعْدُ: وعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ. ويَتَعَلَّقُ بِلِعانِ الزَّوْجِ تِلْكَ الأحْكامُ الخَمْسَةُ عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ المَرْأةُ إذا أرادَتْ إسْقاطَ حَدِّ الزِّنا عَنْ نَفْسِها عَلَيْها أنْ تُلاعِنَ ولا يَتَعَلَّقُ بِلِعانِها إلّا هَذا الحُكْمُ الواحِدُ، ثُمَّ هاهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ اللِّعانَ كالشَّهادَةِ، فَلا يَثْبُتُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ، الثّانِي: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُقامُ الرَّجُلُ حَتّى يَشْهَدَ والمَرْأةُ قاعِدَةٌ، وتُقامُ المَرْأةُ حَتّى تَشْهَدَ والرَّجُلُ قاعِدٌ، ويَأْمُرَ الإمامُ مَن يَضَعُ يَدَهُ عَلى فِيهِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى اللَّعْنَةِ والغَضَبِ ويَقُولُ لَهُ إنِّي أخافُ إنْ لَمْ تَكُ صادِقًا أنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ، الثّالِثُ: اللِّعانُ بِمَكَّةَ بَيْنَ المَقامِ والرُّكْنِ وبِالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنبَرِ وبَيْتِ المَقْدِسِ في مَسْجِدِهِ وفي غَيْرِها في المَواضِعِ المُعَظَّمَةِ ولِعانُ المُشْرِكِ كَغَيْرِهِ في الكَيْفِيَّةِ، وأمّا الزَّمانُ فَيَوْمُ الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ، ولا بُدَّ مِن حُضُورِ جَماعَةٍ مِنَ الأعْيانِ أقَلُّهم أرْبَعَةٌ.
* * *
الطَّرَفُ الخامِسُ: في سائِرِ الفَوائِدِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الخَوارِجِ في أنَّ الزِّنا والقَذْفَ كُفْرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرّامِيَ إنْ صَدَقَ فَهي زانِيَةٌ، وإنْ كَذَبَ فَهو قاذِفٌ فَلا بُدَّ عَلى قَوْلِهِمْ مِن وُقُوعِ الكُفْرِ مِن أحَدِهِما، وذَلِكَ يَكُونُ رِدَّةً فَيَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ ولا لِعانَ أصْلًا، وأنْ تَكُونَ فُرْقَةَ الرِّدَّةِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ تَوارُثٌ البَتَّةَ.
الثّانِي: أنَّ الكُفْرَ إذا ثَبَتَ عَلَيْها بِلِعانِهِ، فالواجِبُ أنْ تُقْتَلَ لا أنْ تُجْلَدَ أوْ تُرْجَمَ، لِأنَّ عُقُوبَةَ المُرْتَدِّ مُبايِنَةٌ لِلْحَدِّ في الزِّنا.
المسألة الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ وُقُوعَ الزِّنا يُفْسِدُ النِّكاحَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجِبُ إذا رَماها بِالزِّنا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَذا كَأنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِفَسادِ النِّكاحِ حَتّى يَكُونَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَن يُقِرُّ بِأنَّها أُخْتُهُ مِنَ الرَّضاعِ أوْ بِأنَّها كافِرَةٌ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ الرَّمْيِ مِن قَبْلِ اللِّعانِ وقَدْ ثَبَتَ بِالإجْماعِ فَسادُ ذَلِكَ.
صفحة ١٥٠
المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القاذِفَ مُسْتَحِقٌّ لَلَعْنِ اللَّهِ تَعالى إذا كانَ كاذِبًا وأنَّهُ قَدْ فَسَقَ، وكَذَلِكَ الزّانِي والزّانِيَةُ يَسْتَحِقّانِ غَضَبَ اللَّهِ تَعالى وعِقابَهُ، وإلّا لَمْ يَحْسُنْ مِنهُما أنْ يَلْعَنا أنْفُسَهُما، كَما لا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ أحَدٌ رَبَّهُ أنْ يَلْعَنَ الأطْفالَ والمَجانِينَ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّ العِقابَ، والعِقابُ يَكُونُ دائِمًا كالثَّوابِ ولا يَجْتَمِعانِ فَثَوابُهُما أيْضًا مُحْبَطٌ، فَلا يَجُوزُ إذا لَمْ يَتُوبا أنْ يَدْخُلا الجَنَّةَ، لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ مِنَ المُكَلَّفِينَ فَهو مُثابٌ عَلى طاعاتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى خُلُودِ الفُسّاقِ في النّارِ، قالَ أصْحابُنا لا نُسَلِّمُ أنَّ كَوْنَهُ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ بِفِسْقِهِ يُنافِي كَوْنَهُ مَرْضِيًّا عَنْهُ لِجِهَةِ إيمانِهِ، ثُمَّ لَوْ سَلَّمْناهُ فَلَمْ نُسَلِّمْ أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مُسْتَحِقُّ الثَّوابِ. والإجْماعُ مَمْنُوعٌ.
المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما خُصَّتِ المُلاعَنَةُ بِأنْ تُخَمَّسَ بِغَضَبِ اللَّهِ تَغْلِيظًا عَلَيْها لِأنَّها هي أصْلُ الفُجُورِ ومَنبَعُهُ بِخُيَلائِها وأطْماعِها ولِذَلِكَ كانَتْ مُقَدَّمَةً في آيَةِ الجَلْدِ.
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ حُكْمَ الرّامِي لِلْمُحْصَناتِ والأزْواجِ عَلى ما ذَكَرْنا وكانَ في ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ ما لا خَفاءَ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ بِاللِّعانِ لِلْمَرْءِ سَبِيلًا إلى مُرادِهِ، ولَها سَبِيلًا إلى دَفْعِ العَذابِ عَنْ نَفْسِها، ولَهُما السَّبِيلَ إلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ، فَلِأجْلِ هَذا بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٤] عِظَمَ نِعَمِهِ فِيما بَيَّنَهُ مِن هَذِهِ الأحْكامِ وفِيما أمْهَلَ وأبْقى ومَكَّنَ مِنَ التَّوْبَةِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا إذْ لا بُدَّ مِن جَوابٍ، إلّا أنَّ تَرْكَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يُكْتَنَهُ، ورُبَّ مَسْكُوتٍ عَنْهُ أبْلَغُ مِن مَنطُوقٍ بِهِ.
النور 24:7
الحُكْمُ الرّابِعُ: حُكْمُ اللِّعانِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أحْكامَ قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ عَقَّبَهُ بِأحْكامِ قَذْفِ الزَّوْجاتِ، ثُمَّ هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أبْحاثٍ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في سَبَبِ نُزُولِهِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: «”لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ قالَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الأنْصارِيُّ إنْ دَخَلَ مِنّا رَجُلٌ بَيْتَهُ فَوَجَدَ رَجُلًا عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ فَإنْ جاءَ بِأرْبَعَةِ رِجالٍ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ فَقَدْ قَضى الرَّجُلُ حاجَتَهُ وخَرَجَ، وإنْ قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ، وإنْ قالَ وجَدْتُ فُلانًا مَعَ تِلْكَ المَرْأةِ ضُرِبَ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. اللَّهُمَّ افْتَحْ. وكانَ لِعاصِمٍ هَذا ابْنُ عَمٍّ يُقالُ لَهُ عُوَيْمِرٌ ولَهُ امْرَأةٌ يُقالُ لَها خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَأتى عُوَيْمِرٌ عاصِمًا فَقالَ: لَقَدْ رَأيْتُ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِي خَوْلَةَ فاسْتَرْجَعَ عاصِمٌ وأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أسْرَعَ ما ابْتُلِيتُ بِهَذا في أهْلِ بَيْتِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وما ذاكَ ؟ فَقالَ أخْبَرَنِي عُوَيْمِرٌ ابْنُ عَمِّي بِأنَّهُ رَأى شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ وكانَ عُوَيْمِرٌ وخَوْلَةُ وشَرِيكٌ كُلُّهم بَنُو عَمِّ عاصِمٍ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا، وقالَ لِعُوَيْمِرٍ اتَّقِ اللَّهَ في زَوْجَتِكَ وابْنَةِ عَمِّكَ ولا تَقْذِفْها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُقْسِمُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُ شَرِيكًا عَلى بَطْنِها
صفحة ١٤٤
وأنِّي ما قَرَبْتُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وأنَّها حُبْلى مِن غَيْرِي، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اتَّقِي اللَّهَ ولا تُخْبِرِي إلّا بِما صَنَعْتِ، فَقالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عُوَيْمِرًا رَجُلٌ غَيُورٌ، وإنَّهُ رَأى شَرِيكًا يُطِيلُ النَّظَرَ إلَيَّ ويَتَحَدَّثُ، فَحَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ عَلى ما قالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نُودِيَ: الصَّلاةُ جامِعَةٌ فَصَلّى العَصْرَ ثم قال لِعُوَيْمِرٍ قُمْ وقُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّ خَوْلَةَ لَزانِيَةٌ وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ.
ثم قال في الثّانِيَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُ شَرِيكًا عَلى بَطْنِها وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثم قال في الثّالِثَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّها حُبْلى مِن غَيْرِي وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثم قال في الرّابِعَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّها زانِيَةٌ وأنِّي ما قَرَبْتُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ.
ثم قال في الخامِسَةِ قُلْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى عُوَيْمِرٍ يَعْنِي نَفْسَهُ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ فِيما قالَ. ثم قال: اقْعُدْ، وقالَ لِخَوْلَةَ قُومِي، فَقامَتْ وقالَتْ أشْهَدُ بِاللَّهِ ما أنا بِزانِيَةٍ وإنَّ زَوْجِي عُوَيْمِرًا لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الثّانِيَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ ما رَأى شَرِيكًا عَلى بَطْنِي وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الثّالِثَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي حُبْلى مِنهُ وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الرّابِعَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ ما رَآنِي عَلى فاحِشَةٍ قَطُّ وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الخامِسَةِ غَضَبُ اللَّهِ عَلى خَوْلَةَ إنْ كانَ عُوَيْمِرٌ مِنَ الصّادِقِينَ في قَوْلِهِ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما“» .
وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: ”«أنَّ عاصِمًا ذاتَ يَوْمٍ رَجَعَ إلى أهْلِهِ فَوَجَدَ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ “ وتَمامُ الحَدِيثِ كَما تَقَدَّمَ.
وثالِثُها: ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «”لَمّا نَزَلَ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وهو سَيِّدُ الأنْصارِ لَوْ وجَدْتُ رَجُلًا عَلى بَطْنِها فَإنِّي إنْ جِئْتُ بِأرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهَداءِ يَكُونُ قَدْ قَضى حاجَتَهُ وذَهَبَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ أما تَسْمَعُونَ ما يَقُولُ سَيِّدُكم ؟ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَلُمْهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، فَقالَ سَعْدٌ يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ إنِّي لَأعْرِفُ أنَّها مِنَ اللَّهِ وأنَّها حَقٌّ، ولَكِنِّي عَجِبْتُ مِنهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْبى إلّا ذَلِكَ، قالَ فَلَمْ يَلْبَثُوا إلّا يَسِيرًا حَتّى جاءَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقالُ لَهُ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا رَأيْتُ بِعَيْنِي وسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما جاءَ بِهِ.
فَقالَ هِلالٌ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأرى الكَراهَةَ في وجْهِكَ مِمّا أخْبَرْتُكَ بِهِ، واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي لَصادِقٌ، وما قَلْتُ إلّا حَقًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ إمّا البَيِّنَةُ وإمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْكَ ”فاجْتَمَعَتِ الأنْصارُ فَقالُوا: ابْتُلِينا بِما قالَ سَعْدٌ، فَبَيْنا هم كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ارْبَدَّ وجْهُهُ، وعَلا جَسَدَهُ حُمْرَةٌ، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أبْشِرْ يا هِلالُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا، قالَ قَدْ كُنْتُ أرْجُو ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَرَأ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآياتِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْعُوها، فَدُعِيَتْ فَكَذَّبَتْ هِلالًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ، وأمَرَ بِالمُلاعَنَةِ، فَشَهِدَ هِلالٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ عِنْدَ الخامِسَةِ: اتَّقِ اللَّهَ يا هِلالُ، فَإنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، فَقالَ واللَّهِ لا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْها كَما لَمْ يَجْلِدْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وشَهِدَ الخامِسَةَ.
ثم قال رَسُولُ اللَّهِ أتَشْهَدِينَ، فَشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ أنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، فَلَمّا أخَذَتْ في الخامِسَةِ، قالَ لَها اتَّقِي اللَّهَ، فَإنَّ الخامِسَةَ هي المُوجِبَةُ، فَتَفَكَّرَتْ ساعَةً، وهَمَّتْ بِالِاعْتِرافِ ثُمَّ قالَتْ واللَّهِ لا أفْضَحُ قَوْمِي، وشَهِدَتِ الخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، ثم قال: انْظُرُوها إنْ جاءَتْ بِهِ أُثَيْبِجَ أصْهَبَ أحْمَشَ السّاقَيْنِ فَهو لِهِلالٍ، وإنْ جاءَتْ بِهِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ أوْرَقَ جَعْدًا فَهو لِصاحِبِهِ، فَجاءَتْ بِهِ أوْرَقَ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْلا الأيْمانُ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ“» قالَ عِكْرِمَةُ لَقَدْ رَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أمِيرَ مِصْرَ مِنَ الأمْصارِ ولا يَدْرِي مَن أبُوهُ ! .
* * *
صفحة ١٤٥
البَحْثُ الثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالقِراءَةِ قُرِئَ ولَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ لِأنَّ الشُّهَداءَ جَماعَةٌ، أوْ لِأنَّهم في مَعْنى الأنْفُسِ، ووَجْهُ مَن قَرَأ أرْبَعَ أنْ يَنْصِبَ؛ لِأنَّهُ في حُكْمِ المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ، وهي مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، فَتَقْدِيرُهُ فَواجِبُ شَهادَةِ أحَدِهِمْ أرْبَعَ شَهاداتٍ، وقُرِئَ أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ وأنْ غَضَبُ اللَّهِ عَلى تَخْفِيفِ أنْ ورَفْعِ ما بَعْدَها، وقُرِئَ أنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلى فِعْلِ الغَضَبِ، وقُرِئَ بِنَصْبِ الخامِسَتَيْنِ عَلى مَعْنى ويَشْهَدُ الخامِسَةَ.
* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ، والنَّظَرُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِأطْرافٍ:
الطَّرَفُ الأوَّلُ: في مُوجِبِ اللِّعانِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ إذا رَمى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ بِالزِّنا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ إنْ كانَتْ مُحْصَنَةً، والتَّعْزِيرُ إنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً، كَما في رَمْيِ الأجْنَبِيَّةِ لا يَخْتَلِفُ مُوجِبُهُما غَيْرَ أنَّهُما يَخْتَلِفانِ في المُخَلِّصِ، فَفي قَذْفِ الأجْنَبِيِّ لا يَسْقُطُ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ إلّا بِإقْرارِ المَقْذُوفِ، أوْ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلى زِناها، وفي قَذْفِ الزَّوْجَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أوْ بِاللِّعانِ، وإنَّما اعْتَبَرَ الشَّرْعُ اللِّعانَ في هَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ الأجْنَبِيّاتِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا مَعَرَّةَ عَلَيْهِ في زِنا الأجْنَبِيَّةِ، والأوْلى لَهُ سَتْرُهُ، أمّا إذا زَنى بِزَوْجَتِهِ فَيَلْحَقُهُ العارُ والنَّسَبُ الفاسِدُ، فَلا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وتَوْقِيفُهُ عَلى البَيِّنَةِ كالمُعْتَذِرِ، فَلا جَرَمَ خَصَّ الشَّرْعُ هَذِهِ الصُّورَةَ بِاللِّعانِ.
الثّانِي: أنَّ الغالِبَ في المُتَعارَفِ مِن أحْوالِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأتِهِ أنَّهُ لا يَقْصِدُها بِالقَذْفِ إلّا عَنْ حَقِيقَةٍ، فَإذا رَماها فَنَفْسُ الرَّمْيِ يَشْهَدُ بِكَوْنِهِ صادِقًا، إلّا أنَّ شَهادَةَ الحالِ لَيْسَتْ بِكامِلَةٍ فَضُمَّ إلَيْها ما يُقَوِّيها مِنَ الأيْمانِ، كَشَهادَةِ المَرْأةِ لَمّا ضَعُفَتْ قَوِيَتْ بِزِيادَةِ العَدَدِ والشّاهِدُ الواحِدُ يَتَقَوّى بِاليَمِينِ عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ كانَ حَدُّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ والزَّوْجاتِ الجَلْدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ ”ائْتِنِي بِأرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ لَكَ، وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ“» فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجاتِ كانَ كَحَدِّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ إلّا أنَّهُ نُسِخَ عَنِ الأزْواجِ الجَلْدُ بِاللِّعانِ، ورَوى نَحْوَ ذَلِكَ في الرَّجُلِ الَّذِي قالَ أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَإنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وإنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجَةِ كانَ الجَلْدَ وأنَّ اللَّهَ نَسَخَهُ بِاللِّعانِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا قَذَفَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فالواجِبُ هو الحَدُّ ولَكِنَّ المُخَلِّصَ مِنهُ بِاللِّعانِ، كَما أنَّ الواجِبَ بِقَذْفِ الأجْنَبِيَّةِ الحَدُّ والمُخَلِّصَ مِنهُ بِالشُّهُودِ، فَإذا نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعانِ يَلْزَمُهُ الحَدُّ لِلْقَذْفِ، فَإذا لاعَنَ ونَكَلَتْ عَنِ اللِّعانِ يَلْزَمُها حَدُّ الزِّنا، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إذا نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعانِ حُبِسَ حَتّى يُلاعِنَ، وكَذا المَرْأةُ إذا نَكَلَتْ حُبِسَتْ حَتّى لا تُلاعِنَ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَعْنِي غَيْرَ الزَّوْجاتِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حُكْمَ الأزْواجِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ الآيَةَ فَكَما أنَّ مُقْتَضى قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ الإتْيانُ بِالشُّهُودِ أوِ الجَلَدُ فَكَذا مُوجِبُ قَذْفِ الزَّوْجاتِ الإتْيانُ بِاللِّعانِ أوِ الحَدُّ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ والألِفُ واللّامُ الدّاخِلانِ عَلى العَذابِ لا يُفِيدانِ العُمُومَ لِأنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْها جَمِيعُ أنْواعِ العَذابِ فَوَجَبَ صَرْفُهُما إلى
صفحة ١٤٦
المَعْهُودِ السّابِقِ والمَعْهُودُ السّابِقُ هو الحَدُّ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الحَدُّ، وإذا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ هو الحَدُّ، ثَبَتَ أنَّها لَوْ لَمْ تَلاعِنْ لَحُدَّتْ، وأنَّها بِاللِّعانِ دَفَعَتِ الحَدَّ، فَإنْ قِيلَ المُرادُ مِنَ العَذابِ هو الحَبْسُ. قُلْنا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْمَعْهُودِ المَذْكُورِ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ في هَذِهِ السُّورَةِ العَذابُ بِمَعْنى الحَدِّ، وأيْضًا فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَدِّ لا تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً. أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَبْسِ تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً لَأنَّ مِقْدارَ الحَبْسِ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
وثالِثُها: قالَ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الحَبْسِ في حَقِّ المَرْأةِ أنَّها تَقُولُ إنْ كانَ الرَّجُلُ صادِقًا فَحُدُّونِي، وإنْ كانَ كاذِبًا فَخَلُّونِي فَما بالِي والحَبْسُ ولَيْسَ حَبْسِي في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ ولا الإجْماعِ ولا القِياسِ.
ورابِعُها: أنَّ الزَّوْجَ قَذَفَها، ولَمْ يَأْتِ بِالمُخْرِجِ مِن شَهادَةِ غَيْرِهِ أوْ شَهادَةِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّ الرَّجُلِ ثَبَتَ في حَقِّ المَرْأةِ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
وخامِسُها: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِخَوْلَةَ: ”فالرَّجْمُ أهْوَنُ عَلَيْكِ مِن غَضَبِ اللَّهِ“» وهو نَصٌّ في البابِ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، أمّا في حَقِّ المَرْأةِ فَلِأنَّها ما فَعَلَتْ سِوى أنَّها تَرَكَتِ اللِّعانَ، وهَذا التَّرْكُ لَيْسَ بَيِّنَةً عَلى الزِّنا ولا إقْرارًا مِنها بِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ رَجْمُها، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ» “ الحَدِيثَ. وإذا لَمْ يَجِبِ الرَّجْمُ إذا كانَتْ مُحْصَنَةً لَمْ يَجِبِ الجَلْدُ في غَيْرِ المُحْصَنِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وأيْضًا فالنُّكُولُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ في الإقْرارِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ الحَدِّ بِهِ كاللَّفْظِ المُحْتَمِلِ لِلزِّنا ولِغَيْرِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الجُمْهُورُ إذا قالَ لَها يا زانِيَةُ وجَبَ اللِّعانُ. وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ- لا يُلاعِنُ إلّا أنْ يَقُولَ رَأيْتُكِ تَزْنِي أوْ يَنْفِي حَمْلًا لَها أوْ ولَدًا مِنها، حُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ، ولِأنَّهُ لا تَفاوُتَ في قَذْفِ الأجْنَبِيَّةِ بَيْنَ الكُلِّ، فَكَذا في حَقِّ قَذْفِ الزَّوْجَةِ.
* * *
الطَّرَفُ الثّانِي: المُلاعِنُ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَن صَحَّ يَمِينُهُ صَحَّ لِعانُهُ، فَيَجْرِي اللِّعانُ بَيْنَ الرَّقِيقَيْنِ والذِّمِّيَّيْنِ والمَحْدُودَيْنِ، وكَذا إذا كانَ أحَدُهُما رَقِيقًا أوْ كانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا والمَرْأةُ ذِمِّيَّةً، قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَصِحُّ في صُورَتَيْنِ إحْداهُما: أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مِمَّنْ لا يَجِبُ عَلى قاذِفِها الحَدُّ إذا كانَ أجْنَبِيًّا نَحْوَ أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مَمْلُوكَةً أوْ ذِمِّيَّةً.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِن غَيْرِ أهْلِ الشَّهادَةِ بِأنْ يَكُونَ مَحْدُودًا في قَذْفٍ أوْ عَبْدًا أوْ كافِرًا، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ الفاسِقَ والأعْمى مَعَ أنَّهُما لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ يَصِحُّ لِعانُهُما، وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ ولا مَعْنى لِلتَّخْصِيصِ، والقِياسُ أيْضًا ظاهِرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ دَفْعُ العارِ عَنِ النَّفْسِ، ودَفْعُ ولَدِ الزِّنا عَنِ النَّفْسِ، وكَما يَحْتاجُ غَيْرُ المَحْدُودِ إلَيْهِ فَكَذا المَحْدُودُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ.
والثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ يَصِحُّ لِعانُ الفاسِقِ والأعْمى، وإنْ لَمْ يَكُونا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ فَكَذا القَوْلُ في غَيْرِهِما، والجامِعُ هو الحاجَةُ إلى دَفْعِ عارِ الزِّنا، ووَجْهُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ النَّصُّ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«أرْبَعٌ مِنَ النِّساءِ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ مُلاعَنَةٌ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ» “ .
أمّا المَعْنى فَنَقُولُ أمّا في الصُّورَةِ الأُولى فَلِأنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلى قاذِفِ الزَّوْجَةِ والأجْنَبِيَّةِ الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ عَنِ الأزْواجِ وأُقِيمَ اللِّعانُ مَقامَهُ فَلَمّا كانَ اللِّعانُ مَعَ الأزْواجِ قائِمًا مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ لَمْ يَجِبِ اللِّعانُ عَلى مَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ لَوْ قَذَفَها أجْنَبِيٌّ، وأمّا في الصُّورَةِ
صفحة ١٤٧
الثّانِيَةِ فالوجه فِيهِ أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ إلّا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى لِعانَهُما شَهادَةً كَما قالَ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] .
الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ لاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أمَرَهُما بِاللِّعانِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى لَفْظِ اليَمِينِ، إذا ثَبَتَ أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ وجَبَ أنْ لا تُقْبَلَ مِنَ المَحْدُودِ في القَذْفِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤] وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في المَحْدُودِ ثَبَتَ في العَبْدِ والكافِرِ، إمّا لِلْإجْماعِ عَلى أنَّهُما لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ أوْ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
أجابَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ اللِّعانَ لَيْسَ شَهادَةً في الحَقِيقَةِ بَلْ هو يَمِينٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَشْهَدَ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ شَهادَةً لَكانَتِ المَرْأةُ تَأْتِي بِثَمانِ شَهاداتٍ، لِأنَّها عَلى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ، ولِأنَّهُ يَصِحُّ مِنَ الأعْمى والفاسِقِ ولا يَجُوزُ شَهادَتُهُما، فَإنْ قِيلَ الفاسِقُ والفاسِقَةُ قَدْ يَتُوبانِ قُلْنا وكَذَلِكَ العَبْدُ قَدْ يُعْتَقُ فَتَجُوزُ شَهادَتُهُ، ثُمَّ أكَّدَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ العَبْدَ إذا عُتِقَ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في الحالِ والفاسِقَ إذا تابَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في الحالِ، ثُمَّ ألْزَمَ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ مَقْبُولَةٌ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَيَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ اللِّعانُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ والذِّمِّيَّةِ، وهَذا كُلُّهُ كَلامُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثم قال بَعْدَ ذَلِكَ: وتَخْتَلِفُ الحُدُودُ بِمَن وقَعَتْ لَهُ، ومَعْناهُ أنَّ الزَّوْجَ إنْ لَمْ يُلاعِنْ تَنَصَّفَ حَدُّ القَذْفِ عَلَيْهِ لِرِقِّهِ، وإنْ لاعَنَ ولَمْ تُلاعِنِ اخْتَلَفَ حَدُّها بِإحْصانِها وعَدَمِ إحْصانِها وحُرِّيَّتِها ورِقِّها.
* * *
الطَّرَفُ الثّالِثُ: الأحْكامُ المُرَتَّبَةُ عَلى اللِّعانِ.
قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاللِّعانِ خَمْسَةُ أحْكامٍ: دَرْءُ الحَدِّ، ونَفْيُ الوَلَدِ، والفُرْقَةُ، والتَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ، ووُجُوبُ الحَدِّ عَلَيْها، وكُلُّها تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ ولا يُفْتَقَرُ فِيهِ إلى لِعانِها ولا إلى حُكْمِ الحاكِمِ، فَإنَّ حُكْمَ الحاكِمِ بِهِ كانَ تَنْفِيذًا مِنهُ لا إيقاعًا لِلْفُرْقَةِ. فَلْنَتَكَلَّمْ في هَذِهِ المَسائِلِ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفَ المُجْتَهِدُونَ في وُقُوعِ الفُرْقَةِ بِاللِّعانِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: قالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: لا أرى مُلاعَنَةَ الزَّوْجِ امْرَأتَهُ تَقْتَضِي شَيْئًا يُوجِبُ أنْ يُطَلِّقَها، وثانِيها: قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ لا تَقَعُ الفُرْقَةُ بِفَراغِهِما مِنَ اللِّعانِ حَتّى يُفَرِّقَ الحاكِمُ بَيْنَهُما. وثالِثُها: قالَ مالِكٌ واللَّيْثُ وزُفَرُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- إذا فَرَغا مِنَ اللِّعانِ وقَعَتِ الفُرْقَةُ وإنْ لَمْ يُفَرِّقِ الحاكِمُ. ورابِعُها: قالَ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إذا أكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهادَةَ والِالتِعانَ فَقَدْ زالَ فِراشُ امْرَأتِهِ، ولا تَحِلُّ لَهُ أبَدًا التَعَنَتْ أوْ لَمْ تَلْتَعِنْ، حُجَّةُ عُثْمانَ البَتِّيِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللِّعانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ ولا كِنايَةٍ عَنِ الفُرْقَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُفِيدَ الفُرْقَةَ كَسائِرِ الأقْوالِ الَّتِي لا إشْعارَ لَها بِالفُرْقَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صادِقًا في قَوْلِهِ، وهو لا يُوجِبُ تَحْرِيمًا، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلَيْها لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَحْرِيمًا، فَإذا كانَ كاذِبًا والمَرْأةُ صادِقَةً يَثْبُتُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى التَّحْرِيمِ.
وثانِيها: لَوْ تَلاعَنا فِيما بَيْنَهُما لَمْ يُوجِبِ الفُرْقَةَ فَكَذا لَوْ تَلاعَنا عِنْدَ الحاكِمِ.
وثالِثُها: أنَّ اللِّعانَ قائِمٌ مَقامَ الشُّهُودِ في قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ، فَكَما أنَّهُ لا فائِدَةَ في إحْضارِ الشُّهُودِ هُناكَ إلّا إسْقاطُ الحَدِّ، فَكَذا اللِّعانُ لا تَأْثِيرَ لَهُ إلّا إسْقاطُ الحَدِّ.
ورابِعُها: إذا أكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ في قَذْفِهِ إيّاها ثُمَّ حُدَّ، لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فُرْقَةً، فَكَذا إذا لاعَنَ؛ لِأنَّ اللِّعانَ قائِمٌ مَقامَ دَرْءِ الحَدِّ، قالَ: وأمّا تَفْرِيقُ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ فَكانَ ذَلِكَ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ، وكانَ قَدْ طَلَّقَها ثَلاثًا بَعْدَ اللِّعانِ، فَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُما، وأمّا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وهو أنَّ الحاكِمَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما فَلا بُدَّ مِن بَيانِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الحاكِمِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُما، ودَلِيلُهُ ما رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ
صفحة ١٤٨
مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا. والثّانِي: أنَّ الفُرْقَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: رُوِيَ في قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ أنَّهُما لَمّا فَرَغا ”«قالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها، هي طالِقٌ ثَلاثًا“ فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ، والِاسْتِدْلالُ بِهَذا الخَبَرِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِاللِّعانِ لَبَطَلَ قَوْلُهُ: ”كَذَبْتُ عَلَيْها إنْ أمْسَكْتُها“؛ لِأنَّ إمْساكَها غَيْرُ مُمْكِنٍ.
وثانِيها: ما رُوِيَ في هَذا الخَبَرِ أنَّهُ طَلَّقَها ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وتَنْفِيذُ الطَّلاقِ إنَّما يُمْكِنُ لَوْ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ اللِّعانِ.
وثالِثُها: ما قالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ في هَذا الخَبَرِ مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ولا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ واقِعَةً بِاللِّعانِ اسْتَحالَ التَّفْرِيقُ بَعْدَها.
وثانِيها: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلافُ الآيَةِ، لِأنَّهُ لَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِلِعانِ الزَّوْجِ لَلاعَنَتِ المَرْأةُ وهي أجْنَبِيَّةٌ وذَلِكَ خِلافُ الآيَةِ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْجَبَ اللِّعانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
وثالِثُها: أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ فَوَجَبَ أنْ لا يُوجِبَ الفُرْقَةَ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ كَما لا يَثْبُتُ المَشْهُودُ بِهِ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ.
ورابِعُها: اللِّعانُ تَسْتَحِقُّ بِهِ المَرْأةُ نَفْسَها كَما يَسْتَحِقُّ المُدَّعِي بِالبَيِّنَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَسْتَحِقَّ المُدَّعِي مُدَّعاهُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ وجَبَ مِثْلُهُ في اسْتِحْقاقِ المَرْأةِ نَفْسَها.
وخامِسُها: أنَّ اللِّعانَ لا إشْعارَ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنَّها زَنَتْ، ولَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلى زِناها أوْ هي أقَرَّتْ بِذَلِكَ فَذاكَ لا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، فَكَذا اللِّعانُ، وإذا لَمْ يُوجَدْ فِيها دَلالَةٌ عَلى التَّحْرِيمِ وجَبَ أنْ لا تَقَعَ الفُرْقَةُ بِهِ، فَلا بُدَّ مِن إحْداثِ التَّفْرِيقِ، إمّا مِن قِبَلِ الزَّوْجِ أوْ مِن قِبَلِ الحاكِمِ، أمّا قَوْلُ مالِكٍ وزُفَرَ فَحُجَّتُهُ أنَّهُما لَوْ تَراضَيا عَلى البَقاءِ عَلى النِّكاحِ لَمْ يُخَلَّيا بَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللِّعانَ قَدْ أوْجَبَ الفُرْقَةَ، أمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلَهُ دَلِيلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ﴾ الآيَةَ. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلِعانِ المَرْأةِ إلّا في دَفْعِ العَذابِ عَنْ نَفْسِها، وأنَّ كُلَّ ما يَجِبُ بِاللِّعانِ مِنَ الأحْكامِ فَقَدْ وقَعَ بِلِعانِ الزَّوْجِ.
الثّانِي: أنَّ لِعانَ الزَّوْجِ وحْدَهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْيِ الوَلَدِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِبارُ بِقَوْلِهِ في الإلْحاقِ لا بِقَوْلِها، ألا تَرى أنَّها في لِعانِها تُلْحِقُ الوَلَدَ بِهِ، ونَحْنُ نَنْفِيهِ عَنْهُ، فَيُعْتَبَرُ نَفْيُ الزَّوْجِ لا إلْحاقُ المَرْأةِ، ولِهَذا إذا أكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ أُلْحِقَ بِهِ الوَلَدُ، وما دامَ يَبْقى مُصِرًّا عَلى اللِّعانِ فالوَلَدُ مَنفِيٌّ عَنْهُ، إذا ثَبَتَ أنَّ لِعانَهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْيِ الوَلَدِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ، لِأنَّ الفُرْقَةَ لَوْ لَمْ تَقَعْ لَمْ يَنْتِفِ الوَلَدُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “ فَما دامَ يَبْقى الفِراشُ التَحَقَ بِهِ، فَلَمّا انْتَفى الوَلَدُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ وجَبَ أنَّهُ يَزُولُ الفِراشُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ، وأمّا الأخْبارُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فالمُرادُ بِهِ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ الفُرْقَةِ وحَكَمَ بِها وذَلِكَ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ في الفُرْقَةِ شَيْئًا آخَرَ.
وأمّا الأقْيِسَةُ الَّتِي ذَكَرَها فَمَدارُها عَلى أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هو يَمِينٌ عَلى ما بَيَّنّا، وأمّا قَوْلُهُ: اللِّعانُ لا إشْعارَ فِيهِ بِوُقُوعِ الحُرْمَةِ. قُلْنا بَيِّنَتُهُ عَلى نَفْيِ الوَلَدِ مَقْبُولَةٌ ونَفْيُ الوَلَدِ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ حِلْيَةِ النِّكاحِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو يُوسُفَ والثَّوْرِيُّ وإسْحاقُ والحَسَنُ: المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ إذا أكْذَبَ نَفْسَهُ وحُدَّ زالَ تَحْرِيمُ العَقْدِ وحَلَّتْ لَهُ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أُمُورٌ:
أحَدُها: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُلاعِنِ بَعْدَ اللِّعانِ ”لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها“» ولَمْ يُقَلْ حَتّى تُكَذِّبَ نَفْسَكَ ولَوْ كانَ الإكْذابُ غايَةً لِهَذِهِ الحُرْمَةِ لَرَدَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى هَذِهِ الغايَةِ، كَما قالَ في المُطَلَّقَةِ بِالثَّلاثِ ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] .
وثانِيها:
صفحة ١٤٩
ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم قالُوا «لا يَجْتَمِعُ المُتَلاعِنانِ أبَدًا»، وهَذا قَدْ رُوِيَ أيْضًا مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وثالِثُها: ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ ”مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّهُما إذا تَلاعَنا فُرِّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا“ حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ .
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الوَلَدَ قَدْ يُنْفى عَنِ الزَّوْجِ بِاللِّعانِ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَن شَذَّ أنَّهُ لِلزَّوْجِ، ولا يَنْتَفِي نَسَبَهُ بِاللِّعانِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأخْبارَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ النَّسَبَ يَنْتَفِي بِاللِّعانِ كالمُتَواتِرَةِ فَلا يُعارِضُها هَذا الواحِدُ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ أتى أحَدُهُما بِبَعْضِ كَلِماتِ اللِّعانِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أكْثَرُ كَلِماتِ اللِّعانِ تَعْمَلُ عَمَلَ الكُلِّ إذا حَكَمَ بِهِ الحاكِمُ، والظّاهِرُ مَعَ الشّافِعِيِّ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها لا تَدْرَأُ العَذابَ عَنْ نَفْسِها إلّا بِتَمامِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن قالَ بِخِلافِ ذَلِكَ فَإنَّما يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
* * *
الطَّرَفُ الرّابِعُ: في كَيْفِيَّةِ اللِّعانِ والآيَةُ دالَّةٌ عَلَيْها صَرِيحًا، فالرَّجُلُ يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ بِأنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا، ثُمَّ يَقُولُ مِن بَعْدُ: وعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ. ويَتَعَلَّقُ بِلِعانِ الزَّوْجِ تِلْكَ الأحْكامُ الخَمْسَةُ عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ المَرْأةُ إذا أرادَتْ إسْقاطَ حَدِّ الزِّنا عَنْ نَفْسِها عَلَيْها أنْ تُلاعِنَ ولا يَتَعَلَّقُ بِلِعانِها إلّا هَذا الحُكْمُ الواحِدُ، ثُمَّ هاهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ اللِّعانَ كالشَّهادَةِ، فَلا يَثْبُتُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ، الثّانِي: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُقامُ الرَّجُلُ حَتّى يَشْهَدَ والمَرْأةُ قاعِدَةٌ، وتُقامُ المَرْأةُ حَتّى تَشْهَدَ والرَّجُلُ قاعِدٌ، ويَأْمُرَ الإمامُ مَن يَضَعُ يَدَهُ عَلى فِيهِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى اللَّعْنَةِ والغَضَبِ ويَقُولُ لَهُ إنِّي أخافُ إنْ لَمْ تَكُ صادِقًا أنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ، الثّالِثُ: اللِّعانُ بِمَكَّةَ بَيْنَ المَقامِ والرُّكْنِ وبِالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنبَرِ وبَيْتِ المَقْدِسِ في مَسْجِدِهِ وفي غَيْرِها في المَواضِعِ المُعَظَّمَةِ ولِعانُ المُشْرِكِ كَغَيْرِهِ في الكَيْفِيَّةِ، وأمّا الزَّمانُ فَيَوْمُ الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ، ولا بُدَّ مِن حُضُورِ جَماعَةٍ مِنَ الأعْيانِ أقَلُّهم أرْبَعَةٌ.
* * *
الطَّرَفُ الخامِسُ: في سائِرِ الفَوائِدِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الخَوارِجِ في أنَّ الزِّنا والقَذْفَ كُفْرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرّامِيَ إنْ صَدَقَ فَهي زانِيَةٌ، وإنْ كَذَبَ فَهو قاذِفٌ فَلا بُدَّ عَلى قَوْلِهِمْ مِن وُقُوعِ الكُفْرِ مِن أحَدِهِما، وذَلِكَ يَكُونُ رِدَّةً فَيَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ ولا لِعانَ أصْلًا، وأنْ تَكُونَ فُرْقَةَ الرِّدَّةِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ تَوارُثٌ البَتَّةَ.
الثّانِي: أنَّ الكُفْرَ إذا ثَبَتَ عَلَيْها بِلِعانِهِ، فالواجِبُ أنْ تُقْتَلَ لا أنْ تُجْلَدَ أوْ تُرْجَمَ، لِأنَّ عُقُوبَةَ المُرْتَدِّ مُبايِنَةٌ لِلْحَدِّ في الزِّنا.
المسألة الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ وُقُوعَ الزِّنا يُفْسِدُ النِّكاحَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجِبُ إذا رَماها بِالزِّنا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَذا كَأنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِفَسادِ النِّكاحِ حَتّى يَكُونَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَن يُقِرُّ بِأنَّها أُخْتُهُ مِنَ الرَّضاعِ أوْ بِأنَّها كافِرَةٌ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ الرَّمْيِ مِن قَبْلِ اللِّعانِ وقَدْ ثَبَتَ بِالإجْماعِ فَسادُ ذَلِكَ.
صفحة ١٥٠
المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القاذِفَ مُسْتَحِقٌّ لَلَعْنِ اللَّهِ تَعالى إذا كانَ كاذِبًا وأنَّهُ قَدْ فَسَقَ، وكَذَلِكَ الزّانِي والزّانِيَةُ يَسْتَحِقّانِ غَضَبَ اللَّهِ تَعالى وعِقابَهُ، وإلّا لَمْ يَحْسُنْ مِنهُما أنْ يَلْعَنا أنْفُسَهُما، كَما لا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ أحَدٌ رَبَّهُ أنْ يَلْعَنَ الأطْفالَ والمَجانِينَ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّ العِقابَ، والعِقابُ يَكُونُ دائِمًا كالثَّوابِ ولا يَجْتَمِعانِ فَثَوابُهُما أيْضًا مُحْبَطٌ، فَلا يَجُوزُ إذا لَمْ يَتُوبا أنْ يَدْخُلا الجَنَّةَ، لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ مِنَ المُكَلَّفِينَ فَهو مُثابٌ عَلى طاعاتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى خُلُودِ الفُسّاقِ في النّارِ، قالَ أصْحابُنا لا نُسَلِّمُ أنَّ كَوْنَهُ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ بِفِسْقِهِ يُنافِي كَوْنَهُ مَرْضِيًّا عَنْهُ لِجِهَةِ إيمانِهِ، ثُمَّ لَوْ سَلَّمْناهُ فَلَمْ نُسَلِّمْ أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مُسْتَحِقُّ الثَّوابِ. والإجْماعُ مَمْنُوعٌ.
المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما خُصَّتِ المُلاعَنَةُ بِأنْ تُخَمَّسَ بِغَضَبِ اللَّهِ تَغْلِيظًا عَلَيْها لِأنَّها هي أصْلُ الفُجُورِ ومَنبَعُهُ بِخُيَلائِها وأطْماعِها ولِذَلِكَ كانَتْ مُقَدَّمَةً في آيَةِ الجَلْدِ.
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ حُكْمَ الرّامِي لِلْمُحْصَناتِ والأزْواجِ عَلى ما ذَكَرْنا وكانَ في ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ ما لا خَفاءَ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ بِاللِّعانِ لِلْمَرْءِ سَبِيلًا إلى مُرادِهِ، ولَها سَبِيلًا إلى دَفْعِ العَذابِ عَنْ نَفْسِها، ولَهُما السَّبِيلَ إلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ، فَلِأجْلِ هَذا بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٤] عِظَمَ نِعَمِهِ فِيما بَيَّنَهُ مِن هَذِهِ الأحْكامِ وفِيما أمْهَلَ وأبْقى ومَكَّنَ مِنَ التَّوْبَةِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا إذْ لا بُدَّ مِن جَوابٍ، إلّا أنَّ تَرْكَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يُكْتَنَهُ، ورُبَّ مَسْكُوتٍ عَنْهُ أبْلَغُ مِن مَنطُوقٍ بِهِ.
النور 24:8
الحُكْمُ الرّابِعُ: حُكْمُ اللِّعانِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أحْكامَ قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ عَقَّبَهُ بِأحْكامِ قَذْفِ الزَّوْجاتِ، ثُمَّ هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أبْحاثٍ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في سَبَبِ نُزُولِهِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: «”لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ قالَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الأنْصارِيُّ إنْ دَخَلَ مِنّا رَجُلٌ بَيْتَهُ فَوَجَدَ رَجُلًا عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ فَإنْ جاءَ بِأرْبَعَةِ رِجالٍ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ فَقَدْ قَضى الرَّجُلُ حاجَتَهُ وخَرَجَ، وإنْ قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ، وإنْ قالَ وجَدْتُ فُلانًا مَعَ تِلْكَ المَرْأةِ ضُرِبَ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. اللَّهُمَّ افْتَحْ. وكانَ لِعاصِمٍ هَذا ابْنُ عَمٍّ يُقالُ لَهُ عُوَيْمِرٌ ولَهُ امْرَأةٌ يُقالُ لَها خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَأتى عُوَيْمِرٌ عاصِمًا فَقالَ: لَقَدْ رَأيْتُ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِي خَوْلَةَ فاسْتَرْجَعَ عاصِمٌ وأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أسْرَعَ ما ابْتُلِيتُ بِهَذا في أهْلِ بَيْتِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وما ذاكَ ؟ فَقالَ أخْبَرَنِي عُوَيْمِرٌ ابْنُ عَمِّي بِأنَّهُ رَأى شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ وكانَ عُوَيْمِرٌ وخَوْلَةُ وشَرِيكٌ كُلُّهم بَنُو عَمِّ عاصِمٍ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا، وقالَ لِعُوَيْمِرٍ اتَّقِ اللَّهَ في زَوْجَتِكَ وابْنَةِ عَمِّكَ ولا تَقْذِفْها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُقْسِمُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُ شَرِيكًا عَلى بَطْنِها
صفحة ١٤٤
وأنِّي ما قَرَبْتُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وأنَّها حُبْلى مِن غَيْرِي، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اتَّقِي اللَّهَ ولا تُخْبِرِي إلّا بِما صَنَعْتِ، فَقالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عُوَيْمِرًا رَجُلٌ غَيُورٌ، وإنَّهُ رَأى شَرِيكًا يُطِيلُ النَّظَرَ إلَيَّ ويَتَحَدَّثُ، فَحَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ عَلى ما قالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نُودِيَ: الصَّلاةُ جامِعَةٌ فَصَلّى العَصْرَ ثم قال لِعُوَيْمِرٍ قُمْ وقُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّ خَوْلَةَ لَزانِيَةٌ وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ.
ثم قال في الثّانِيَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُ شَرِيكًا عَلى بَطْنِها وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثم قال في الثّالِثَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّها حُبْلى مِن غَيْرِي وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثم قال في الرّابِعَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّها زانِيَةٌ وأنِّي ما قَرَبْتُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ.
ثم قال في الخامِسَةِ قُلْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى عُوَيْمِرٍ يَعْنِي نَفْسَهُ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ فِيما قالَ. ثم قال: اقْعُدْ، وقالَ لِخَوْلَةَ قُومِي، فَقامَتْ وقالَتْ أشْهَدُ بِاللَّهِ ما أنا بِزانِيَةٍ وإنَّ زَوْجِي عُوَيْمِرًا لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الثّانِيَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ ما رَأى شَرِيكًا عَلى بَطْنِي وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الثّالِثَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي حُبْلى مِنهُ وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الرّابِعَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ ما رَآنِي عَلى فاحِشَةٍ قَطُّ وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الخامِسَةِ غَضَبُ اللَّهِ عَلى خَوْلَةَ إنْ كانَ عُوَيْمِرٌ مِنَ الصّادِقِينَ في قَوْلِهِ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما“» .
وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: ”«أنَّ عاصِمًا ذاتَ يَوْمٍ رَجَعَ إلى أهْلِهِ فَوَجَدَ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ “ وتَمامُ الحَدِيثِ كَما تَقَدَّمَ.
وثالِثُها: ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «”لَمّا نَزَلَ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وهو سَيِّدُ الأنْصارِ لَوْ وجَدْتُ رَجُلًا عَلى بَطْنِها فَإنِّي إنْ جِئْتُ بِأرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهَداءِ يَكُونُ قَدْ قَضى حاجَتَهُ وذَهَبَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ أما تَسْمَعُونَ ما يَقُولُ سَيِّدُكم ؟ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَلُمْهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، فَقالَ سَعْدٌ يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ إنِّي لَأعْرِفُ أنَّها مِنَ اللَّهِ وأنَّها حَقٌّ، ولَكِنِّي عَجِبْتُ مِنهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْبى إلّا ذَلِكَ، قالَ فَلَمْ يَلْبَثُوا إلّا يَسِيرًا حَتّى جاءَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقالُ لَهُ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا رَأيْتُ بِعَيْنِي وسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما جاءَ بِهِ.
فَقالَ هِلالٌ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأرى الكَراهَةَ في وجْهِكَ مِمّا أخْبَرْتُكَ بِهِ، واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي لَصادِقٌ، وما قَلْتُ إلّا حَقًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ إمّا البَيِّنَةُ وإمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْكَ ”فاجْتَمَعَتِ الأنْصارُ فَقالُوا: ابْتُلِينا بِما قالَ سَعْدٌ، فَبَيْنا هم كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ارْبَدَّ وجْهُهُ، وعَلا جَسَدَهُ حُمْرَةٌ، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أبْشِرْ يا هِلالُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا، قالَ قَدْ كُنْتُ أرْجُو ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَرَأ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآياتِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْعُوها، فَدُعِيَتْ فَكَذَّبَتْ هِلالًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ، وأمَرَ بِالمُلاعَنَةِ، فَشَهِدَ هِلالٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ عِنْدَ الخامِسَةِ: اتَّقِ اللَّهَ يا هِلالُ، فَإنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، فَقالَ واللَّهِ لا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْها كَما لَمْ يَجْلِدْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وشَهِدَ الخامِسَةَ.
ثم قال رَسُولُ اللَّهِ أتَشْهَدِينَ، فَشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ أنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، فَلَمّا أخَذَتْ في الخامِسَةِ، قالَ لَها اتَّقِي اللَّهَ، فَإنَّ الخامِسَةَ هي المُوجِبَةُ، فَتَفَكَّرَتْ ساعَةً، وهَمَّتْ بِالِاعْتِرافِ ثُمَّ قالَتْ واللَّهِ لا أفْضَحُ قَوْمِي، وشَهِدَتِ الخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، ثم قال: انْظُرُوها إنْ جاءَتْ بِهِ أُثَيْبِجَ أصْهَبَ أحْمَشَ السّاقَيْنِ فَهو لِهِلالٍ، وإنْ جاءَتْ بِهِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ أوْرَقَ جَعْدًا فَهو لِصاحِبِهِ، فَجاءَتْ بِهِ أوْرَقَ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْلا الأيْمانُ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ“» قالَ عِكْرِمَةُ لَقَدْ رَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أمِيرَ مِصْرَ مِنَ الأمْصارِ ولا يَدْرِي مَن أبُوهُ ! .
* * *
صفحة ١٤٥
البَحْثُ الثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالقِراءَةِ قُرِئَ ولَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ لِأنَّ الشُّهَداءَ جَماعَةٌ، أوْ لِأنَّهم في مَعْنى الأنْفُسِ، ووَجْهُ مَن قَرَأ أرْبَعَ أنْ يَنْصِبَ؛ لِأنَّهُ في حُكْمِ المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ، وهي مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، فَتَقْدِيرُهُ فَواجِبُ شَهادَةِ أحَدِهِمْ أرْبَعَ شَهاداتٍ، وقُرِئَ أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ وأنْ غَضَبُ اللَّهِ عَلى تَخْفِيفِ أنْ ورَفْعِ ما بَعْدَها، وقُرِئَ أنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلى فِعْلِ الغَضَبِ، وقُرِئَ بِنَصْبِ الخامِسَتَيْنِ عَلى مَعْنى ويَشْهَدُ الخامِسَةَ.
* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ، والنَّظَرُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِأطْرافٍ:
الطَّرَفُ الأوَّلُ: في مُوجِبِ اللِّعانِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ إذا رَمى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ بِالزِّنا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ إنْ كانَتْ مُحْصَنَةً، والتَّعْزِيرُ إنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً، كَما في رَمْيِ الأجْنَبِيَّةِ لا يَخْتَلِفُ مُوجِبُهُما غَيْرَ أنَّهُما يَخْتَلِفانِ في المُخَلِّصِ، فَفي قَذْفِ الأجْنَبِيِّ لا يَسْقُطُ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ إلّا بِإقْرارِ المَقْذُوفِ، أوْ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلى زِناها، وفي قَذْفِ الزَّوْجَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أوْ بِاللِّعانِ، وإنَّما اعْتَبَرَ الشَّرْعُ اللِّعانَ في هَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ الأجْنَبِيّاتِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا مَعَرَّةَ عَلَيْهِ في زِنا الأجْنَبِيَّةِ، والأوْلى لَهُ سَتْرُهُ، أمّا إذا زَنى بِزَوْجَتِهِ فَيَلْحَقُهُ العارُ والنَّسَبُ الفاسِدُ، فَلا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وتَوْقِيفُهُ عَلى البَيِّنَةِ كالمُعْتَذِرِ، فَلا جَرَمَ خَصَّ الشَّرْعُ هَذِهِ الصُّورَةَ بِاللِّعانِ.
الثّانِي: أنَّ الغالِبَ في المُتَعارَفِ مِن أحْوالِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأتِهِ أنَّهُ لا يَقْصِدُها بِالقَذْفِ إلّا عَنْ حَقِيقَةٍ، فَإذا رَماها فَنَفْسُ الرَّمْيِ يَشْهَدُ بِكَوْنِهِ صادِقًا، إلّا أنَّ شَهادَةَ الحالِ لَيْسَتْ بِكامِلَةٍ فَضُمَّ إلَيْها ما يُقَوِّيها مِنَ الأيْمانِ، كَشَهادَةِ المَرْأةِ لَمّا ضَعُفَتْ قَوِيَتْ بِزِيادَةِ العَدَدِ والشّاهِدُ الواحِدُ يَتَقَوّى بِاليَمِينِ عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ كانَ حَدُّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ والزَّوْجاتِ الجَلْدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ ”ائْتِنِي بِأرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ لَكَ، وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ“» فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجاتِ كانَ كَحَدِّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ إلّا أنَّهُ نُسِخَ عَنِ الأزْواجِ الجَلْدُ بِاللِّعانِ، ورَوى نَحْوَ ذَلِكَ في الرَّجُلِ الَّذِي قالَ أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَإنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وإنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجَةِ كانَ الجَلْدَ وأنَّ اللَّهَ نَسَخَهُ بِاللِّعانِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا قَذَفَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فالواجِبُ هو الحَدُّ ولَكِنَّ المُخَلِّصَ مِنهُ بِاللِّعانِ، كَما أنَّ الواجِبَ بِقَذْفِ الأجْنَبِيَّةِ الحَدُّ والمُخَلِّصَ مِنهُ بِالشُّهُودِ، فَإذا نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعانِ يَلْزَمُهُ الحَدُّ لِلْقَذْفِ، فَإذا لاعَنَ ونَكَلَتْ عَنِ اللِّعانِ يَلْزَمُها حَدُّ الزِّنا، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إذا نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعانِ حُبِسَ حَتّى يُلاعِنَ، وكَذا المَرْأةُ إذا نَكَلَتْ حُبِسَتْ حَتّى لا تُلاعِنَ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَعْنِي غَيْرَ الزَّوْجاتِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حُكْمَ الأزْواجِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ الآيَةَ فَكَما أنَّ مُقْتَضى قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ الإتْيانُ بِالشُّهُودِ أوِ الجَلَدُ فَكَذا مُوجِبُ قَذْفِ الزَّوْجاتِ الإتْيانُ بِاللِّعانِ أوِ الحَدُّ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ والألِفُ واللّامُ الدّاخِلانِ عَلى العَذابِ لا يُفِيدانِ العُمُومَ لِأنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْها جَمِيعُ أنْواعِ العَذابِ فَوَجَبَ صَرْفُهُما إلى
صفحة ١٤٦
المَعْهُودِ السّابِقِ والمَعْهُودُ السّابِقُ هو الحَدُّ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الحَدُّ، وإذا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ هو الحَدُّ، ثَبَتَ أنَّها لَوْ لَمْ تَلاعِنْ لَحُدَّتْ، وأنَّها بِاللِّعانِ دَفَعَتِ الحَدَّ، فَإنْ قِيلَ المُرادُ مِنَ العَذابِ هو الحَبْسُ. قُلْنا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْمَعْهُودِ المَذْكُورِ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ في هَذِهِ السُّورَةِ العَذابُ بِمَعْنى الحَدِّ، وأيْضًا فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَدِّ لا تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً. أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَبْسِ تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً لَأنَّ مِقْدارَ الحَبْسِ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
وثالِثُها: قالَ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الحَبْسِ في حَقِّ المَرْأةِ أنَّها تَقُولُ إنْ كانَ الرَّجُلُ صادِقًا فَحُدُّونِي، وإنْ كانَ كاذِبًا فَخَلُّونِي فَما بالِي والحَبْسُ ولَيْسَ حَبْسِي في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ ولا الإجْماعِ ولا القِياسِ.
ورابِعُها: أنَّ الزَّوْجَ قَذَفَها، ولَمْ يَأْتِ بِالمُخْرِجِ مِن شَهادَةِ غَيْرِهِ أوْ شَهادَةِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّ الرَّجُلِ ثَبَتَ في حَقِّ المَرْأةِ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
وخامِسُها: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِخَوْلَةَ: ”فالرَّجْمُ أهْوَنُ عَلَيْكِ مِن غَضَبِ اللَّهِ“» وهو نَصٌّ في البابِ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، أمّا في حَقِّ المَرْأةِ فَلِأنَّها ما فَعَلَتْ سِوى أنَّها تَرَكَتِ اللِّعانَ، وهَذا التَّرْكُ لَيْسَ بَيِّنَةً عَلى الزِّنا ولا إقْرارًا مِنها بِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ رَجْمُها، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ» “ الحَدِيثَ. وإذا لَمْ يَجِبِ الرَّجْمُ إذا كانَتْ مُحْصَنَةً لَمْ يَجِبِ الجَلْدُ في غَيْرِ المُحْصَنِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وأيْضًا فالنُّكُولُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ في الإقْرارِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ الحَدِّ بِهِ كاللَّفْظِ المُحْتَمِلِ لِلزِّنا ولِغَيْرِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الجُمْهُورُ إذا قالَ لَها يا زانِيَةُ وجَبَ اللِّعانُ. وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ- لا يُلاعِنُ إلّا أنْ يَقُولَ رَأيْتُكِ تَزْنِي أوْ يَنْفِي حَمْلًا لَها أوْ ولَدًا مِنها، حُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ، ولِأنَّهُ لا تَفاوُتَ في قَذْفِ الأجْنَبِيَّةِ بَيْنَ الكُلِّ، فَكَذا في حَقِّ قَذْفِ الزَّوْجَةِ.
* * *
الطَّرَفُ الثّانِي: المُلاعِنُ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَن صَحَّ يَمِينُهُ صَحَّ لِعانُهُ، فَيَجْرِي اللِّعانُ بَيْنَ الرَّقِيقَيْنِ والذِّمِّيَّيْنِ والمَحْدُودَيْنِ، وكَذا إذا كانَ أحَدُهُما رَقِيقًا أوْ كانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا والمَرْأةُ ذِمِّيَّةً، قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَصِحُّ في صُورَتَيْنِ إحْداهُما: أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مِمَّنْ لا يَجِبُ عَلى قاذِفِها الحَدُّ إذا كانَ أجْنَبِيًّا نَحْوَ أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مَمْلُوكَةً أوْ ذِمِّيَّةً.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِن غَيْرِ أهْلِ الشَّهادَةِ بِأنْ يَكُونَ مَحْدُودًا في قَذْفٍ أوْ عَبْدًا أوْ كافِرًا، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ الفاسِقَ والأعْمى مَعَ أنَّهُما لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ يَصِحُّ لِعانُهُما، وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ ولا مَعْنى لِلتَّخْصِيصِ، والقِياسُ أيْضًا ظاهِرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ دَفْعُ العارِ عَنِ النَّفْسِ، ودَفْعُ ولَدِ الزِّنا عَنِ النَّفْسِ، وكَما يَحْتاجُ غَيْرُ المَحْدُودِ إلَيْهِ فَكَذا المَحْدُودُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ.
والثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ يَصِحُّ لِعانُ الفاسِقِ والأعْمى، وإنْ لَمْ يَكُونا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ فَكَذا القَوْلُ في غَيْرِهِما، والجامِعُ هو الحاجَةُ إلى دَفْعِ عارِ الزِّنا، ووَجْهُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ النَّصُّ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«أرْبَعٌ مِنَ النِّساءِ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ مُلاعَنَةٌ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ» “ .
أمّا المَعْنى فَنَقُولُ أمّا في الصُّورَةِ الأُولى فَلِأنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلى قاذِفِ الزَّوْجَةِ والأجْنَبِيَّةِ الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ عَنِ الأزْواجِ وأُقِيمَ اللِّعانُ مَقامَهُ فَلَمّا كانَ اللِّعانُ مَعَ الأزْواجِ قائِمًا مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ لَمْ يَجِبِ اللِّعانُ عَلى مَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ لَوْ قَذَفَها أجْنَبِيٌّ، وأمّا في الصُّورَةِ
صفحة ١٤٧
الثّانِيَةِ فالوجه فِيهِ أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ إلّا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى لِعانَهُما شَهادَةً كَما قالَ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] .
الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ لاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أمَرَهُما بِاللِّعانِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى لَفْظِ اليَمِينِ، إذا ثَبَتَ أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ وجَبَ أنْ لا تُقْبَلَ مِنَ المَحْدُودِ في القَذْفِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤] وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في المَحْدُودِ ثَبَتَ في العَبْدِ والكافِرِ، إمّا لِلْإجْماعِ عَلى أنَّهُما لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ أوْ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
أجابَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ اللِّعانَ لَيْسَ شَهادَةً في الحَقِيقَةِ بَلْ هو يَمِينٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَشْهَدَ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ شَهادَةً لَكانَتِ المَرْأةُ تَأْتِي بِثَمانِ شَهاداتٍ، لِأنَّها عَلى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ، ولِأنَّهُ يَصِحُّ مِنَ الأعْمى والفاسِقِ ولا يَجُوزُ شَهادَتُهُما، فَإنْ قِيلَ الفاسِقُ والفاسِقَةُ قَدْ يَتُوبانِ قُلْنا وكَذَلِكَ العَبْدُ قَدْ يُعْتَقُ فَتَجُوزُ شَهادَتُهُ، ثُمَّ أكَّدَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ العَبْدَ إذا عُتِقَ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في الحالِ والفاسِقَ إذا تابَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في الحالِ، ثُمَّ ألْزَمَ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ مَقْبُولَةٌ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَيَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ اللِّعانُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ والذِّمِّيَّةِ، وهَذا كُلُّهُ كَلامُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثم قال بَعْدَ ذَلِكَ: وتَخْتَلِفُ الحُدُودُ بِمَن وقَعَتْ لَهُ، ومَعْناهُ أنَّ الزَّوْجَ إنْ لَمْ يُلاعِنْ تَنَصَّفَ حَدُّ القَذْفِ عَلَيْهِ لِرِقِّهِ، وإنْ لاعَنَ ولَمْ تُلاعِنِ اخْتَلَفَ حَدُّها بِإحْصانِها وعَدَمِ إحْصانِها وحُرِّيَّتِها ورِقِّها.
* * *
الطَّرَفُ الثّالِثُ: الأحْكامُ المُرَتَّبَةُ عَلى اللِّعانِ.
قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاللِّعانِ خَمْسَةُ أحْكامٍ: دَرْءُ الحَدِّ، ونَفْيُ الوَلَدِ، والفُرْقَةُ، والتَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ، ووُجُوبُ الحَدِّ عَلَيْها، وكُلُّها تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ ولا يُفْتَقَرُ فِيهِ إلى لِعانِها ولا إلى حُكْمِ الحاكِمِ، فَإنَّ حُكْمَ الحاكِمِ بِهِ كانَ تَنْفِيذًا مِنهُ لا إيقاعًا لِلْفُرْقَةِ. فَلْنَتَكَلَّمْ في هَذِهِ المَسائِلِ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفَ المُجْتَهِدُونَ في وُقُوعِ الفُرْقَةِ بِاللِّعانِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: قالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: لا أرى مُلاعَنَةَ الزَّوْجِ امْرَأتَهُ تَقْتَضِي شَيْئًا يُوجِبُ أنْ يُطَلِّقَها، وثانِيها: قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ لا تَقَعُ الفُرْقَةُ بِفَراغِهِما مِنَ اللِّعانِ حَتّى يُفَرِّقَ الحاكِمُ بَيْنَهُما. وثالِثُها: قالَ مالِكٌ واللَّيْثُ وزُفَرُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- إذا فَرَغا مِنَ اللِّعانِ وقَعَتِ الفُرْقَةُ وإنْ لَمْ يُفَرِّقِ الحاكِمُ. ورابِعُها: قالَ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إذا أكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهادَةَ والِالتِعانَ فَقَدْ زالَ فِراشُ امْرَأتِهِ، ولا تَحِلُّ لَهُ أبَدًا التَعَنَتْ أوْ لَمْ تَلْتَعِنْ، حُجَّةُ عُثْمانَ البَتِّيِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللِّعانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ ولا كِنايَةٍ عَنِ الفُرْقَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُفِيدَ الفُرْقَةَ كَسائِرِ الأقْوالِ الَّتِي لا إشْعارَ لَها بِالفُرْقَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صادِقًا في قَوْلِهِ، وهو لا يُوجِبُ تَحْرِيمًا، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلَيْها لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَحْرِيمًا، فَإذا كانَ كاذِبًا والمَرْأةُ صادِقَةً يَثْبُتُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى التَّحْرِيمِ.
وثانِيها: لَوْ تَلاعَنا فِيما بَيْنَهُما لَمْ يُوجِبِ الفُرْقَةَ فَكَذا لَوْ تَلاعَنا عِنْدَ الحاكِمِ.
وثالِثُها: أنَّ اللِّعانَ قائِمٌ مَقامَ الشُّهُودِ في قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ، فَكَما أنَّهُ لا فائِدَةَ في إحْضارِ الشُّهُودِ هُناكَ إلّا إسْقاطُ الحَدِّ، فَكَذا اللِّعانُ لا تَأْثِيرَ لَهُ إلّا إسْقاطُ الحَدِّ.
ورابِعُها: إذا أكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ في قَذْفِهِ إيّاها ثُمَّ حُدَّ، لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فُرْقَةً، فَكَذا إذا لاعَنَ؛ لِأنَّ اللِّعانَ قائِمٌ مَقامَ دَرْءِ الحَدِّ، قالَ: وأمّا تَفْرِيقُ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ فَكانَ ذَلِكَ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ، وكانَ قَدْ طَلَّقَها ثَلاثًا بَعْدَ اللِّعانِ، فَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُما، وأمّا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وهو أنَّ الحاكِمَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما فَلا بُدَّ مِن بَيانِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الحاكِمِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُما، ودَلِيلُهُ ما رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ
صفحة ١٤٨
مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا. والثّانِي: أنَّ الفُرْقَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: رُوِيَ في قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ أنَّهُما لَمّا فَرَغا ”«قالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها، هي طالِقٌ ثَلاثًا“ فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ، والِاسْتِدْلالُ بِهَذا الخَبَرِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِاللِّعانِ لَبَطَلَ قَوْلُهُ: ”كَذَبْتُ عَلَيْها إنْ أمْسَكْتُها“؛ لِأنَّ إمْساكَها غَيْرُ مُمْكِنٍ.
وثانِيها: ما رُوِيَ في هَذا الخَبَرِ أنَّهُ طَلَّقَها ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وتَنْفِيذُ الطَّلاقِ إنَّما يُمْكِنُ لَوْ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ اللِّعانِ.
وثالِثُها: ما قالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ في هَذا الخَبَرِ مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ولا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ واقِعَةً بِاللِّعانِ اسْتَحالَ التَّفْرِيقُ بَعْدَها.
وثانِيها: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلافُ الآيَةِ، لِأنَّهُ لَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِلِعانِ الزَّوْجِ لَلاعَنَتِ المَرْأةُ وهي أجْنَبِيَّةٌ وذَلِكَ خِلافُ الآيَةِ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْجَبَ اللِّعانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
وثالِثُها: أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ فَوَجَبَ أنْ لا يُوجِبَ الفُرْقَةَ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ كَما لا يَثْبُتُ المَشْهُودُ بِهِ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ.
ورابِعُها: اللِّعانُ تَسْتَحِقُّ بِهِ المَرْأةُ نَفْسَها كَما يَسْتَحِقُّ المُدَّعِي بِالبَيِّنَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَسْتَحِقَّ المُدَّعِي مُدَّعاهُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ وجَبَ مِثْلُهُ في اسْتِحْقاقِ المَرْأةِ نَفْسَها.
وخامِسُها: أنَّ اللِّعانَ لا إشْعارَ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنَّها زَنَتْ، ولَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلى زِناها أوْ هي أقَرَّتْ بِذَلِكَ فَذاكَ لا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، فَكَذا اللِّعانُ، وإذا لَمْ يُوجَدْ فِيها دَلالَةٌ عَلى التَّحْرِيمِ وجَبَ أنْ لا تَقَعَ الفُرْقَةُ بِهِ، فَلا بُدَّ مِن إحْداثِ التَّفْرِيقِ، إمّا مِن قِبَلِ الزَّوْجِ أوْ مِن قِبَلِ الحاكِمِ، أمّا قَوْلُ مالِكٍ وزُفَرَ فَحُجَّتُهُ أنَّهُما لَوْ تَراضَيا عَلى البَقاءِ عَلى النِّكاحِ لَمْ يُخَلَّيا بَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللِّعانَ قَدْ أوْجَبَ الفُرْقَةَ، أمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلَهُ دَلِيلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ﴾ الآيَةَ. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلِعانِ المَرْأةِ إلّا في دَفْعِ العَذابِ عَنْ نَفْسِها، وأنَّ كُلَّ ما يَجِبُ بِاللِّعانِ مِنَ الأحْكامِ فَقَدْ وقَعَ بِلِعانِ الزَّوْجِ.
الثّانِي: أنَّ لِعانَ الزَّوْجِ وحْدَهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْيِ الوَلَدِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِبارُ بِقَوْلِهِ في الإلْحاقِ لا بِقَوْلِها، ألا تَرى أنَّها في لِعانِها تُلْحِقُ الوَلَدَ بِهِ، ونَحْنُ نَنْفِيهِ عَنْهُ، فَيُعْتَبَرُ نَفْيُ الزَّوْجِ لا إلْحاقُ المَرْأةِ، ولِهَذا إذا أكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ أُلْحِقَ بِهِ الوَلَدُ، وما دامَ يَبْقى مُصِرًّا عَلى اللِّعانِ فالوَلَدُ مَنفِيٌّ عَنْهُ، إذا ثَبَتَ أنَّ لِعانَهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْيِ الوَلَدِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ، لِأنَّ الفُرْقَةَ لَوْ لَمْ تَقَعْ لَمْ يَنْتِفِ الوَلَدُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “ فَما دامَ يَبْقى الفِراشُ التَحَقَ بِهِ، فَلَمّا انْتَفى الوَلَدُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ وجَبَ أنَّهُ يَزُولُ الفِراشُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ، وأمّا الأخْبارُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فالمُرادُ بِهِ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ الفُرْقَةِ وحَكَمَ بِها وذَلِكَ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ في الفُرْقَةِ شَيْئًا آخَرَ.
وأمّا الأقْيِسَةُ الَّتِي ذَكَرَها فَمَدارُها عَلى أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هو يَمِينٌ عَلى ما بَيَّنّا، وأمّا قَوْلُهُ: اللِّعانُ لا إشْعارَ فِيهِ بِوُقُوعِ الحُرْمَةِ. قُلْنا بَيِّنَتُهُ عَلى نَفْيِ الوَلَدِ مَقْبُولَةٌ ونَفْيُ الوَلَدِ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ حِلْيَةِ النِّكاحِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو يُوسُفَ والثَّوْرِيُّ وإسْحاقُ والحَسَنُ: المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ إذا أكْذَبَ نَفْسَهُ وحُدَّ زالَ تَحْرِيمُ العَقْدِ وحَلَّتْ لَهُ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أُمُورٌ:
أحَدُها: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُلاعِنِ بَعْدَ اللِّعانِ ”لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها“» ولَمْ يُقَلْ حَتّى تُكَذِّبَ نَفْسَكَ ولَوْ كانَ الإكْذابُ غايَةً لِهَذِهِ الحُرْمَةِ لَرَدَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى هَذِهِ الغايَةِ، كَما قالَ في المُطَلَّقَةِ بِالثَّلاثِ ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] .
وثانِيها:
صفحة ١٤٩
ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم قالُوا «لا يَجْتَمِعُ المُتَلاعِنانِ أبَدًا»، وهَذا قَدْ رُوِيَ أيْضًا مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وثالِثُها: ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ ”مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّهُما إذا تَلاعَنا فُرِّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا“ حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ .
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الوَلَدَ قَدْ يُنْفى عَنِ الزَّوْجِ بِاللِّعانِ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَن شَذَّ أنَّهُ لِلزَّوْجِ، ولا يَنْتَفِي نَسَبَهُ بِاللِّعانِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأخْبارَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ النَّسَبَ يَنْتَفِي بِاللِّعانِ كالمُتَواتِرَةِ فَلا يُعارِضُها هَذا الواحِدُ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ أتى أحَدُهُما بِبَعْضِ كَلِماتِ اللِّعانِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أكْثَرُ كَلِماتِ اللِّعانِ تَعْمَلُ عَمَلَ الكُلِّ إذا حَكَمَ بِهِ الحاكِمُ، والظّاهِرُ مَعَ الشّافِعِيِّ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها لا تَدْرَأُ العَذابَ عَنْ نَفْسِها إلّا بِتَمامِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن قالَ بِخِلافِ ذَلِكَ فَإنَّما يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
* * *
الطَّرَفُ الرّابِعُ: في كَيْفِيَّةِ اللِّعانِ والآيَةُ دالَّةٌ عَلَيْها صَرِيحًا، فالرَّجُلُ يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ بِأنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا، ثُمَّ يَقُولُ مِن بَعْدُ: وعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ. ويَتَعَلَّقُ بِلِعانِ الزَّوْجِ تِلْكَ الأحْكامُ الخَمْسَةُ عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ المَرْأةُ إذا أرادَتْ إسْقاطَ حَدِّ الزِّنا عَنْ نَفْسِها عَلَيْها أنْ تُلاعِنَ ولا يَتَعَلَّقُ بِلِعانِها إلّا هَذا الحُكْمُ الواحِدُ، ثُمَّ هاهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ اللِّعانَ كالشَّهادَةِ، فَلا يَثْبُتُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ، الثّانِي: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُقامُ الرَّجُلُ حَتّى يَشْهَدَ والمَرْأةُ قاعِدَةٌ، وتُقامُ المَرْأةُ حَتّى تَشْهَدَ والرَّجُلُ قاعِدٌ، ويَأْمُرَ الإمامُ مَن يَضَعُ يَدَهُ عَلى فِيهِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى اللَّعْنَةِ والغَضَبِ ويَقُولُ لَهُ إنِّي أخافُ إنْ لَمْ تَكُ صادِقًا أنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ، الثّالِثُ: اللِّعانُ بِمَكَّةَ بَيْنَ المَقامِ والرُّكْنِ وبِالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنبَرِ وبَيْتِ المَقْدِسِ في مَسْجِدِهِ وفي غَيْرِها في المَواضِعِ المُعَظَّمَةِ ولِعانُ المُشْرِكِ كَغَيْرِهِ في الكَيْفِيَّةِ، وأمّا الزَّمانُ فَيَوْمُ الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ، ولا بُدَّ مِن حُضُورِ جَماعَةٍ مِنَ الأعْيانِ أقَلُّهم أرْبَعَةٌ.
* * *
الطَّرَفُ الخامِسُ: في سائِرِ الفَوائِدِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الخَوارِجِ في أنَّ الزِّنا والقَذْفَ كُفْرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرّامِيَ إنْ صَدَقَ فَهي زانِيَةٌ، وإنْ كَذَبَ فَهو قاذِفٌ فَلا بُدَّ عَلى قَوْلِهِمْ مِن وُقُوعِ الكُفْرِ مِن أحَدِهِما، وذَلِكَ يَكُونُ رِدَّةً فَيَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ ولا لِعانَ أصْلًا، وأنْ تَكُونَ فُرْقَةَ الرِّدَّةِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ تَوارُثٌ البَتَّةَ.
الثّانِي: أنَّ الكُفْرَ إذا ثَبَتَ عَلَيْها بِلِعانِهِ، فالواجِبُ أنْ تُقْتَلَ لا أنْ تُجْلَدَ أوْ تُرْجَمَ، لِأنَّ عُقُوبَةَ المُرْتَدِّ مُبايِنَةٌ لِلْحَدِّ في الزِّنا.
المسألة الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ وُقُوعَ الزِّنا يُفْسِدُ النِّكاحَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجِبُ إذا رَماها بِالزِّنا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَذا كَأنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِفَسادِ النِّكاحِ حَتّى يَكُونَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَن يُقِرُّ بِأنَّها أُخْتُهُ مِنَ الرَّضاعِ أوْ بِأنَّها كافِرَةٌ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ الرَّمْيِ مِن قَبْلِ اللِّعانِ وقَدْ ثَبَتَ بِالإجْماعِ فَسادُ ذَلِكَ.
صفحة ١٥٠
المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القاذِفَ مُسْتَحِقٌّ لَلَعْنِ اللَّهِ تَعالى إذا كانَ كاذِبًا وأنَّهُ قَدْ فَسَقَ، وكَذَلِكَ الزّانِي والزّانِيَةُ يَسْتَحِقّانِ غَضَبَ اللَّهِ تَعالى وعِقابَهُ، وإلّا لَمْ يَحْسُنْ مِنهُما أنْ يَلْعَنا أنْفُسَهُما، كَما لا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ أحَدٌ رَبَّهُ أنْ يَلْعَنَ الأطْفالَ والمَجانِينَ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّ العِقابَ، والعِقابُ يَكُونُ دائِمًا كالثَّوابِ ولا يَجْتَمِعانِ فَثَوابُهُما أيْضًا مُحْبَطٌ، فَلا يَجُوزُ إذا لَمْ يَتُوبا أنْ يَدْخُلا الجَنَّةَ، لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ مِنَ المُكَلَّفِينَ فَهو مُثابٌ عَلى طاعاتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى خُلُودِ الفُسّاقِ في النّارِ، قالَ أصْحابُنا لا نُسَلِّمُ أنَّ كَوْنَهُ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ بِفِسْقِهِ يُنافِي كَوْنَهُ مَرْضِيًّا عَنْهُ لِجِهَةِ إيمانِهِ، ثُمَّ لَوْ سَلَّمْناهُ فَلَمْ نُسَلِّمْ أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مُسْتَحِقُّ الثَّوابِ. والإجْماعُ مَمْنُوعٌ.
المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما خُصَّتِ المُلاعَنَةُ بِأنْ تُخَمَّسَ بِغَضَبِ اللَّهِ تَغْلِيظًا عَلَيْها لِأنَّها هي أصْلُ الفُجُورِ ومَنبَعُهُ بِخُيَلائِها وأطْماعِها ولِذَلِكَ كانَتْ مُقَدَّمَةً في آيَةِ الجَلْدِ.
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ حُكْمَ الرّامِي لِلْمُحْصَناتِ والأزْواجِ عَلى ما ذَكَرْنا وكانَ في ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ ما لا خَفاءَ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ بِاللِّعانِ لِلْمَرْءِ سَبِيلًا إلى مُرادِهِ، ولَها سَبِيلًا إلى دَفْعِ العَذابِ عَنْ نَفْسِها، ولَهُما السَّبِيلَ إلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ، فَلِأجْلِ هَذا بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٤] عِظَمَ نِعَمِهِ فِيما بَيَّنَهُ مِن هَذِهِ الأحْكامِ وفِيما أمْهَلَ وأبْقى ومَكَّنَ مِنَ التَّوْبَةِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا إذْ لا بُدَّ مِن جَوابٍ، إلّا أنَّ تَرْكَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يُكْتَنَهُ، ورُبَّ مَسْكُوتٍ عَنْهُ أبْلَغُ مِن مَنطُوقٍ بِهِ.
النور 24:9
الحُكْمُ الرّابِعُ: حُكْمُ اللِّعانِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أحْكامَ قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ عَقَّبَهُ بِأحْكامِ قَذْفِ الزَّوْجاتِ، ثُمَّ هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أبْحاثٍ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في سَبَبِ نُزُولِهِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: «”لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ قالَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الأنْصارِيُّ إنْ دَخَلَ مِنّا رَجُلٌ بَيْتَهُ فَوَجَدَ رَجُلًا عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ فَإنْ جاءَ بِأرْبَعَةِ رِجالٍ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ فَقَدْ قَضى الرَّجُلُ حاجَتَهُ وخَرَجَ، وإنْ قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ، وإنْ قالَ وجَدْتُ فُلانًا مَعَ تِلْكَ المَرْأةِ ضُرِبَ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. اللَّهُمَّ افْتَحْ. وكانَ لِعاصِمٍ هَذا ابْنُ عَمٍّ يُقالُ لَهُ عُوَيْمِرٌ ولَهُ امْرَأةٌ يُقالُ لَها خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَأتى عُوَيْمِرٌ عاصِمًا فَقالَ: لَقَدْ رَأيْتُ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِي خَوْلَةَ فاسْتَرْجَعَ عاصِمٌ وأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أسْرَعَ ما ابْتُلِيتُ بِهَذا في أهْلِ بَيْتِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وما ذاكَ ؟ فَقالَ أخْبَرَنِي عُوَيْمِرٌ ابْنُ عَمِّي بِأنَّهُ رَأى شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ وكانَ عُوَيْمِرٌ وخَوْلَةُ وشَرِيكٌ كُلُّهم بَنُو عَمِّ عاصِمٍ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا، وقالَ لِعُوَيْمِرٍ اتَّقِ اللَّهَ في زَوْجَتِكَ وابْنَةِ عَمِّكَ ولا تَقْذِفْها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُقْسِمُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُ شَرِيكًا عَلى بَطْنِها
صفحة ١٤٤
وأنِّي ما قَرَبْتُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وأنَّها حُبْلى مِن غَيْرِي، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اتَّقِي اللَّهَ ولا تُخْبِرِي إلّا بِما صَنَعْتِ، فَقالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عُوَيْمِرًا رَجُلٌ غَيُورٌ، وإنَّهُ رَأى شَرِيكًا يُطِيلُ النَّظَرَ إلَيَّ ويَتَحَدَّثُ، فَحَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ عَلى ما قالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نُودِيَ: الصَّلاةُ جامِعَةٌ فَصَلّى العَصْرَ ثم قال لِعُوَيْمِرٍ قُمْ وقُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّ خَوْلَةَ لَزانِيَةٌ وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ.
ثم قال في الثّانِيَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُ شَرِيكًا عَلى بَطْنِها وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثم قال في الثّالِثَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّها حُبْلى مِن غَيْرِي وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثم قال في الرّابِعَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّها زانِيَةٌ وأنِّي ما قَرَبْتُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ.
ثم قال في الخامِسَةِ قُلْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى عُوَيْمِرٍ يَعْنِي نَفْسَهُ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ فِيما قالَ. ثم قال: اقْعُدْ، وقالَ لِخَوْلَةَ قُومِي، فَقامَتْ وقالَتْ أشْهَدُ بِاللَّهِ ما أنا بِزانِيَةٍ وإنَّ زَوْجِي عُوَيْمِرًا لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الثّانِيَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ ما رَأى شَرِيكًا عَلى بَطْنِي وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الثّالِثَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي حُبْلى مِنهُ وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الرّابِعَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ ما رَآنِي عَلى فاحِشَةٍ قَطُّ وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الخامِسَةِ غَضَبُ اللَّهِ عَلى خَوْلَةَ إنْ كانَ عُوَيْمِرٌ مِنَ الصّادِقِينَ في قَوْلِهِ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما“» .
وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: ”«أنَّ عاصِمًا ذاتَ يَوْمٍ رَجَعَ إلى أهْلِهِ فَوَجَدَ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ “ وتَمامُ الحَدِيثِ كَما تَقَدَّمَ.
وثالِثُها: ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «”لَمّا نَزَلَ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وهو سَيِّدُ الأنْصارِ لَوْ وجَدْتُ رَجُلًا عَلى بَطْنِها فَإنِّي إنْ جِئْتُ بِأرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهَداءِ يَكُونُ قَدْ قَضى حاجَتَهُ وذَهَبَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ أما تَسْمَعُونَ ما يَقُولُ سَيِّدُكم ؟ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَلُمْهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، فَقالَ سَعْدٌ يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ إنِّي لَأعْرِفُ أنَّها مِنَ اللَّهِ وأنَّها حَقٌّ، ولَكِنِّي عَجِبْتُ مِنهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْبى إلّا ذَلِكَ، قالَ فَلَمْ يَلْبَثُوا إلّا يَسِيرًا حَتّى جاءَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقالُ لَهُ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا رَأيْتُ بِعَيْنِي وسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما جاءَ بِهِ.
فَقالَ هِلالٌ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأرى الكَراهَةَ في وجْهِكَ مِمّا أخْبَرْتُكَ بِهِ، واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي لَصادِقٌ، وما قَلْتُ إلّا حَقًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ إمّا البَيِّنَةُ وإمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْكَ ”فاجْتَمَعَتِ الأنْصارُ فَقالُوا: ابْتُلِينا بِما قالَ سَعْدٌ، فَبَيْنا هم كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ارْبَدَّ وجْهُهُ، وعَلا جَسَدَهُ حُمْرَةٌ، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أبْشِرْ يا هِلالُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا، قالَ قَدْ كُنْتُ أرْجُو ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَرَأ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآياتِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْعُوها، فَدُعِيَتْ فَكَذَّبَتْ هِلالًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ، وأمَرَ بِالمُلاعَنَةِ، فَشَهِدَ هِلالٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ عِنْدَ الخامِسَةِ: اتَّقِ اللَّهَ يا هِلالُ، فَإنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، فَقالَ واللَّهِ لا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْها كَما لَمْ يَجْلِدْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وشَهِدَ الخامِسَةَ.
ثم قال رَسُولُ اللَّهِ أتَشْهَدِينَ، فَشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ أنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، فَلَمّا أخَذَتْ في الخامِسَةِ، قالَ لَها اتَّقِي اللَّهَ، فَإنَّ الخامِسَةَ هي المُوجِبَةُ، فَتَفَكَّرَتْ ساعَةً، وهَمَّتْ بِالِاعْتِرافِ ثُمَّ قالَتْ واللَّهِ لا أفْضَحُ قَوْمِي، وشَهِدَتِ الخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، ثم قال: انْظُرُوها إنْ جاءَتْ بِهِ أُثَيْبِجَ أصْهَبَ أحْمَشَ السّاقَيْنِ فَهو لِهِلالٍ، وإنْ جاءَتْ بِهِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ أوْرَقَ جَعْدًا فَهو لِصاحِبِهِ، فَجاءَتْ بِهِ أوْرَقَ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْلا الأيْمانُ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ“» قالَ عِكْرِمَةُ لَقَدْ رَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أمِيرَ مِصْرَ مِنَ الأمْصارِ ولا يَدْرِي مَن أبُوهُ ! .
* * *
صفحة ١٤٥
البَحْثُ الثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالقِراءَةِ قُرِئَ ولَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ لِأنَّ الشُّهَداءَ جَماعَةٌ، أوْ لِأنَّهم في مَعْنى الأنْفُسِ، ووَجْهُ مَن قَرَأ أرْبَعَ أنْ يَنْصِبَ؛ لِأنَّهُ في حُكْمِ المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ، وهي مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، فَتَقْدِيرُهُ فَواجِبُ شَهادَةِ أحَدِهِمْ أرْبَعَ شَهاداتٍ، وقُرِئَ أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ وأنْ غَضَبُ اللَّهِ عَلى تَخْفِيفِ أنْ ورَفْعِ ما بَعْدَها، وقُرِئَ أنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلى فِعْلِ الغَضَبِ، وقُرِئَ بِنَصْبِ الخامِسَتَيْنِ عَلى مَعْنى ويَشْهَدُ الخامِسَةَ.
* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ، والنَّظَرُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِأطْرافٍ:
الطَّرَفُ الأوَّلُ: في مُوجِبِ اللِّعانِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ إذا رَمى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ بِالزِّنا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ إنْ كانَتْ مُحْصَنَةً، والتَّعْزِيرُ إنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً، كَما في رَمْيِ الأجْنَبِيَّةِ لا يَخْتَلِفُ مُوجِبُهُما غَيْرَ أنَّهُما يَخْتَلِفانِ في المُخَلِّصِ، فَفي قَذْفِ الأجْنَبِيِّ لا يَسْقُطُ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ إلّا بِإقْرارِ المَقْذُوفِ، أوْ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلى زِناها، وفي قَذْفِ الزَّوْجَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أوْ بِاللِّعانِ، وإنَّما اعْتَبَرَ الشَّرْعُ اللِّعانَ في هَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ الأجْنَبِيّاتِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا مَعَرَّةَ عَلَيْهِ في زِنا الأجْنَبِيَّةِ، والأوْلى لَهُ سَتْرُهُ، أمّا إذا زَنى بِزَوْجَتِهِ فَيَلْحَقُهُ العارُ والنَّسَبُ الفاسِدُ، فَلا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وتَوْقِيفُهُ عَلى البَيِّنَةِ كالمُعْتَذِرِ، فَلا جَرَمَ خَصَّ الشَّرْعُ هَذِهِ الصُّورَةَ بِاللِّعانِ.
الثّانِي: أنَّ الغالِبَ في المُتَعارَفِ مِن أحْوالِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأتِهِ أنَّهُ لا يَقْصِدُها بِالقَذْفِ إلّا عَنْ حَقِيقَةٍ، فَإذا رَماها فَنَفْسُ الرَّمْيِ يَشْهَدُ بِكَوْنِهِ صادِقًا، إلّا أنَّ شَهادَةَ الحالِ لَيْسَتْ بِكامِلَةٍ فَضُمَّ إلَيْها ما يُقَوِّيها مِنَ الأيْمانِ، كَشَهادَةِ المَرْأةِ لَمّا ضَعُفَتْ قَوِيَتْ بِزِيادَةِ العَدَدِ والشّاهِدُ الواحِدُ يَتَقَوّى بِاليَمِينِ عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ كانَ حَدُّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ والزَّوْجاتِ الجَلْدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ ”ائْتِنِي بِأرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ لَكَ، وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ“» فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجاتِ كانَ كَحَدِّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ إلّا أنَّهُ نُسِخَ عَنِ الأزْواجِ الجَلْدُ بِاللِّعانِ، ورَوى نَحْوَ ذَلِكَ في الرَّجُلِ الَّذِي قالَ أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَإنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وإنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجَةِ كانَ الجَلْدَ وأنَّ اللَّهَ نَسَخَهُ بِاللِّعانِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا قَذَفَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فالواجِبُ هو الحَدُّ ولَكِنَّ المُخَلِّصَ مِنهُ بِاللِّعانِ، كَما أنَّ الواجِبَ بِقَذْفِ الأجْنَبِيَّةِ الحَدُّ والمُخَلِّصَ مِنهُ بِالشُّهُودِ، فَإذا نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعانِ يَلْزَمُهُ الحَدُّ لِلْقَذْفِ، فَإذا لاعَنَ ونَكَلَتْ عَنِ اللِّعانِ يَلْزَمُها حَدُّ الزِّنا، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إذا نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعانِ حُبِسَ حَتّى يُلاعِنَ، وكَذا المَرْأةُ إذا نَكَلَتْ حُبِسَتْ حَتّى لا تُلاعِنَ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَعْنِي غَيْرَ الزَّوْجاتِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حُكْمَ الأزْواجِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ الآيَةَ فَكَما أنَّ مُقْتَضى قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ الإتْيانُ بِالشُّهُودِ أوِ الجَلَدُ فَكَذا مُوجِبُ قَذْفِ الزَّوْجاتِ الإتْيانُ بِاللِّعانِ أوِ الحَدُّ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ والألِفُ واللّامُ الدّاخِلانِ عَلى العَذابِ لا يُفِيدانِ العُمُومَ لِأنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْها جَمِيعُ أنْواعِ العَذابِ فَوَجَبَ صَرْفُهُما إلى
صفحة ١٤٦
المَعْهُودِ السّابِقِ والمَعْهُودُ السّابِقُ هو الحَدُّ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الحَدُّ، وإذا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ هو الحَدُّ، ثَبَتَ أنَّها لَوْ لَمْ تَلاعِنْ لَحُدَّتْ، وأنَّها بِاللِّعانِ دَفَعَتِ الحَدَّ، فَإنْ قِيلَ المُرادُ مِنَ العَذابِ هو الحَبْسُ. قُلْنا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْمَعْهُودِ المَذْكُورِ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ في هَذِهِ السُّورَةِ العَذابُ بِمَعْنى الحَدِّ، وأيْضًا فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَدِّ لا تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً. أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَبْسِ تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً لَأنَّ مِقْدارَ الحَبْسِ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
وثالِثُها: قالَ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الحَبْسِ في حَقِّ المَرْأةِ أنَّها تَقُولُ إنْ كانَ الرَّجُلُ صادِقًا فَحُدُّونِي، وإنْ كانَ كاذِبًا فَخَلُّونِي فَما بالِي والحَبْسُ ولَيْسَ حَبْسِي في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ ولا الإجْماعِ ولا القِياسِ.
ورابِعُها: أنَّ الزَّوْجَ قَذَفَها، ولَمْ يَأْتِ بِالمُخْرِجِ مِن شَهادَةِ غَيْرِهِ أوْ شَهادَةِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّ الرَّجُلِ ثَبَتَ في حَقِّ المَرْأةِ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
وخامِسُها: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِخَوْلَةَ: ”فالرَّجْمُ أهْوَنُ عَلَيْكِ مِن غَضَبِ اللَّهِ“» وهو نَصٌّ في البابِ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، أمّا في حَقِّ المَرْأةِ فَلِأنَّها ما فَعَلَتْ سِوى أنَّها تَرَكَتِ اللِّعانَ، وهَذا التَّرْكُ لَيْسَ بَيِّنَةً عَلى الزِّنا ولا إقْرارًا مِنها بِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ رَجْمُها، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ» “ الحَدِيثَ. وإذا لَمْ يَجِبِ الرَّجْمُ إذا كانَتْ مُحْصَنَةً لَمْ يَجِبِ الجَلْدُ في غَيْرِ المُحْصَنِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وأيْضًا فالنُّكُولُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ في الإقْرارِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ الحَدِّ بِهِ كاللَّفْظِ المُحْتَمِلِ لِلزِّنا ولِغَيْرِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الجُمْهُورُ إذا قالَ لَها يا زانِيَةُ وجَبَ اللِّعانُ. وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ- لا يُلاعِنُ إلّا أنْ يَقُولَ رَأيْتُكِ تَزْنِي أوْ يَنْفِي حَمْلًا لَها أوْ ولَدًا مِنها، حُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ، ولِأنَّهُ لا تَفاوُتَ في قَذْفِ الأجْنَبِيَّةِ بَيْنَ الكُلِّ، فَكَذا في حَقِّ قَذْفِ الزَّوْجَةِ.
* * *
الطَّرَفُ الثّانِي: المُلاعِنُ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَن صَحَّ يَمِينُهُ صَحَّ لِعانُهُ، فَيَجْرِي اللِّعانُ بَيْنَ الرَّقِيقَيْنِ والذِّمِّيَّيْنِ والمَحْدُودَيْنِ، وكَذا إذا كانَ أحَدُهُما رَقِيقًا أوْ كانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا والمَرْأةُ ذِمِّيَّةً، قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَصِحُّ في صُورَتَيْنِ إحْداهُما: أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مِمَّنْ لا يَجِبُ عَلى قاذِفِها الحَدُّ إذا كانَ أجْنَبِيًّا نَحْوَ أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مَمْلُوكَةً أوْ ذِمِّيَّةً.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِن غَيْرِ أهْلِ الشَّهادَةِ بِأنْ يَكُونَ مَحْدُودًا في قَذْفٍ أوْ عَبْدًا أوْ كافِرًا، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ الفاسِقَ والأعْمى مَعَ أنَّهُما لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ يَصِحُّ لِعانُهُما، وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ ولا مَعْنى لِلتَّخْصِيصِ، والقِياسُ أيْضًا ظاهِرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ دَفْعُ العارِ عَنِ النَّفْسِ، ودَفْعُ ولَدِ الزِّنا عَنِ النَّفْسِ، وكَما يَحْتاجُ غَيْرُ المَحْدُودِ إلَيْهِ فَكَذا المَحْدُودُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ.
والثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ يَصِحُّ لِعانُ الفاسِقِ والأعْمى، وإنْ لَمْ يَكُونا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ فَكَذا القَوْلُ في غَيْرِهِما، والجامِعُ هو الحاجَةُ إلى دَفْعِ عارِ الزِّنا، ووَجْهُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ النَّصُّ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«أرْبَعٌ مِنَ النِّساءِ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ مُلاعَنَةٌ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ» “ .
أمّا المَعْنى فَنَقُولُ أمّا في الصُّورَةِ الأُولى فَلِأنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلى قاذِفِ الزَّوْجَةِ والأجْنَبِيَّةِ الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ عَنِ الأزْواجِ وأُقِيمَ اللِّعانُ مَقامَهُ فَلَمّا كانَ اللِّعانُ مَعَ الأزْواجِ قائِمًا مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ لَمْ يَجِبِ اللِّعانُ عَلى مَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ لَوْ قَذَفَها أجْنَبِيٌّ، وأمّا في الصُّورَةِ
صفحة ١٤٧
الثّانِيَةِ فالوجه فِيهِ أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ إلّا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى لِعانَهُما شَهادَةً كَما قالَ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] .
الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ لاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أمَرَهُما بِاللِّعانِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى لَفْظِ اليَمِينِ، إذا ثَبَتَ أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ وجَبَ أنْ لا تُقْبَلَ مِنَ المَحْدُودِ في القَذْفِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤] وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في المَحْدُودِ ثَبَتَ في العَبْدِ والكافِرِ، إمّا لِلْإجْماعِ عَلى أنَّهُما لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ أوْ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
أجابَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ اللِّعانَ لَيْسَ شَهادَةً في الحَقِيقَةِ بَلْ هو يَمِينٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَشْهَدَ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ شَهادَةً لَكانَتِ المَرْأةُ تَأْتِي بِثَمانِ شَهاداتٍ، لِأنَّها عَلى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ، ولِأنَّهُ يَصِحُّ مِنَ الأعْمى والفاسِقِ ولا يَجُوزُ شَهادَتُهُما، فَإنْ قِيلَ الفاسِقُ والفاسِقَةُ قَدْ يَتُوبانِ قُلْنا وكَذَلِكَ العَبْدُ قَدْ يُعْتَقُ فَتَجُوزُ شَهادَتُهُ، ثُمَّ أكَّدَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ العَبْدَ إذا عُتِقَ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في الحالِ والفاسِقَ إذا تابَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في الحالِ، ثُمَّ ألْزَمَ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ مَقْبُولَةٌ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَيَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ اللِّعانُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ والذِّمِّيَّةِ، وهَذا كُلُّهُ كَلامُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثم قال بَعْدَ ذَلِكَ: وتَخْتَلِفُ الحُدُودُ بِمَن وقَعَتْ لَهُ، ومَعْناهُ أنَّ الزَّوْجَ إنْ لَمْ يُلاعِنْ تَنَصَّفَ حَدُّ القَذْفِ عَلَيْهِ لِرِقِّهِ، وإنْ لاعَنَ ولَمْ تُلاعِنِ اخْتَلَفَ حَدُّها بِإحْصانِها وعَدَمِ إحْصانِها وحُرِّيَّتِها ورِقِّها.
* * *
الطَّرَفُ الثّالِثُ: الأحْكامُ المُرَتَّبَةُ عَلى اللِّعانِ.
قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاللِّعانِ خَمْسَةُ أحْكامٍ: دَرْءُ الحَدِّ، ونَفْيُ الوَلَدِ، والفُرْقَةُ، والتَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ، ووُجُوبُ الحَدِّ عَلَيْها، وكُلُّها تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ ولا يُفْتَقَرُ فِيهِ إلى لِعانِها ولا إلى حُكْمِ الحاكِمِ، فَإنَّ حُكْمَ الحاكِمِ بِهِ كانَ تَنْفِيذًا مِنهُ لا إيقاعًا لِلْفُرْقَةِ. فَلْنَتَكَلَّمْ في هَذِهِ المَسائِلِ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفَ المُجْتَهِدُونَ في وُقُوعِ الفُرْقَةِ بِاللِّعانِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: قالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: لا أرى مُلاعَنَةَ الزَّوْجِ امْرَأتَهُ تَقْتَضِي شَيْئًا يُوجِبُ أنْ يُطَلِّقَها، وثانِيها: قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ لا تَقَعُ الفُرْقَةُ بِفَراغِهِما مِنَ اللِّعانِ حَتّى يُفَرِّقَ الحاكِمُ بَيْنَهُما. وثالِثُها: قالَ مالِكٌ واللَّيْثُ وزُفَرُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- إذا فَرَغا مِنَ اللِّعانِ وقَعَتِ الفُرْقَةُ وإنْ لَمْ يُفَرِّقِ الحاكِمُ. ورابِعُها: قالَ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إذا أكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهادَةَ والِالتِعانَ فَقَدْ زالَ فِراشُ امْرَأتِهِ، ولا تَحِلُّ لَهُ أبَدًا التَعَنَتْ أوْ لَمْ تَلْتَعِنْ، حُجَّةُ عُثْمانَ البَتِّيِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللِّعانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ ولا كِنايَةٍ عَنِ الفُرْقَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُفِيدَ الفُرْقَةَ كَسائِرِ الأقْوالِ الَّتِي لا إشْعارَ لَها بِالفُرْقَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صادِقًا في قَوْلِهِ، وهو لا يُوجِبُ تَحْرِيمًا، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلَيْها لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَحْرِيمًا، فَإذا كانَ كاذِبًا والمَرْأةُ صادِقَةً يَثْبُتُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى التَّحْرِيمِ.
وثانِيها: لَوْ تَلاعَنا فِيما بَيْنَهُما لَمْ يُوجِبِ الفُرْقَةَ فَكَذا لَوْ تَلاعَنا عِنْدَ الحاكِمِ.
وثالِثُها: أنَّ اللِّعانَ قائِمٌ مَقامَ الشُّهُودِ في قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ، فَكَما أنَّهُ لا فائِدَةَ في إحْضارِ الشُّهُودِ هُناكَ إلّا إسْقاطُ الحَدِّ، فَكَذا اللِّعانُ لا تَأْثِيرَ لَهُ إلّا إسْقاطُ الحَدِّ.
ورابِعُها: إذا أكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ في قَذْفِهِ إيّاها ثُمَّ حُدَّ، لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فُرْقَةً، فَكَذا إذا لاعَنَ؛ لِأنَّ اللِّعانَ قائِمٌ مَقامَ دَرْءِ الحَدِّ، قالَ: وأمّا تَفْرِيقُ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ فَكانَ ذَلِكَ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ، وكانَ قَدْ طَلَّقَها ثَلاثًا بَعْدَ اللِّعانِ، فَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُما، وأمّا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وهو أنَّ الحاكِمَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما فَلا بُدَّ مِن بَيانِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الحاكِمِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُما، ودَلِيلُهُ ما رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ
صفحة ١٤٨
مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا. والثّانِي: أنَّ الفُرْقَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: رُوِيَ في قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ أنَّهُما لَمّا فَرَغا ”«قالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها، هي طالِقٌ ثَلاثًا“ فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ، والِاسْتِدْلالُ بِهَذا الخَبَرِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِاللِّعانِ لَبَطَلَ قَوْلُهُ: ”كَذَبْتُ عَلَيْها إنْ أمْسَكْتُها“؛ لِأنَّ إمْساكَها غَيْرُ مُمْكِنٍ.
وثانِيها: ما رُوِيَ في هَذا الخَبَرِ أنَّهُ طَلَّقَها ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وتَنْفِيذُ الطَّلاقِ إنَّما يُمْكِنُ لَوْ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ اللِّعانِ.
وثالِثُها: ما قالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ في هَذا الخَبَرِ مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ولا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ واقِعَةً بِاللِّعانِ اسْتَحالَ التَّفْرِيقُ بَعْدَها.
وثانِيها: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلافُ الآيَةِ، لِأنَّهُ لَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِلِعانِ الزَّوْجِ لَلاعَنَتِ المَرْأةُ وهي أجْنَبِيَّةٌ وذَلِكَ خِلافُ الآيَةِ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْجَبَ اللِّعانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
وثالِثُها: أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ فَوَجَبَ أنْ لا يُوجِبَ الفُرْقَةَ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ كَما لا يَثْبُتُ المَشْهُودُ بِهِ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ.
ورابِعُها: اللِّعانُ تَسْتَحِقُّ بِهِ المَرْأةُ نَفْسَها كَما يَسْتَحِقُّ المُدَّعِي بِالبَيِّنَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَسْتَحِقَّ المُدَّعِي مُدَّعاهُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ وجَبَ مِثْلُهُ في اسْتِحْقاقِ المَرْأةِ نَفْسَها.
وخامِسُها: أنَّ اللِّعانَ لا إشْعارَ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنَّها زَنَتْ، ولَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلى زِناها أوْ هي أقَرَّتْ بِذَلِكَ فَذاكَ لا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، فَكَذا اللِّعانُ، وإذا لَمْ يُوجَدْ فِيها دَلالَةٌ عَلى التَّحْرِيمِ وجَبَ أنْ لا تَقَعَ الفُرْقَةُ بِهِ، فَلا بُدَّ مِن إحْداثِ التَّفْرِيقِ، إمّا مِن قِبَلِ الزَّوْجِ أوْ مِن قِبَلِ الحاكِمِ، أمّا قَوْلُ مالِكٍ وزُفَرَ فَحُجَّتُهُ أنَّهُما لَوْ تَراضَيا عَلى البَقاءِ عَلى النِّكاحِ لَمْ يُخَلَّيا بَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللِّعانَ قَدْ أوْجَبَ الفُرْقَةَ، أمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلَهُ دَلِيلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ﴾ الآيَةَ. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلِعانِ المَرْأةِ إلّا في دَفْعِ العَذابِ عَنْ نَفْسِها، وأنَّ كُلَّ ما يَجِبُ بِاللِّعانِ مِنَ الأحْكامِ فَقَدْ وقَعَ بِلِعانِ الزَّوْجِ.
الثّانِي: أنَّ لِعانَ الزَّوْجِ وحْدَهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْيِ الوَلَدِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِبارُ بِقَوْلِهِ في الإلْحاقِ لا بِقَوْلِها، ألا تَرى أنَّها في لِعانِها تُلْحِقُ الوَلَدَ بِهِ، ونَحْنُ نَنْفِيهِ عَنْهُ، فَيُعْتَبَرُ نَفْيُ الزَّوْجِ لا إلْحاقُ المَرْأةِ، ولِهَذا إذا أكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ أُلْحِقَ بِهِ الوَلَدُ، وما دامَ يَبْقى مُصِرًّا عَلى اللِّعانِ فالوَلَدُ مَنفِيٌّ عَنْهُ، إذا ثَبَتَ أنَّ لِعانَهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْيِ الوَلَدِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ، لِأنَّ الفُرْقَةَ لَوْ لَمْ تَقَعْ لَمْ يَنْتِفِ الوَلَدُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “ فَما دامَ يَبْقى الفِراشُ التَحَقَ بِهِ، فَلَمّا انْتَفى الوَلَدُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ وجَبَ أنَّهُ يَزُولُ الفِراشُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ، وأمّا الأخْبارُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فالمُرادُ بِهِ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ الفُرْقَةِ وحَكَمَ بِها وذَلِكَ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ في الفُرْقَةِ شَيْئًا آخَرَ.
وأمّا الأقْيِسَةُ الَّتِي ذَكَرَها فَمَدارُها عَلى أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هو يَمِينٌ عَلى ما بَيَّنّا، وأمّا قَوْلُهُ: اللِّعانُ لا إشْعارَ فِيهِ بِوُقُوعِ الحُرْمَةِ. قُلْنا بَيِّنَتُهُ عَلى نَفْيِ الوَلَدِ مَقْبُولَةٌ ونَفْيُ الوَلَدِ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ حِلْيَةِ النِّكاحِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو يُوسُفَ والثَّوْرِيُّ وإسْحاقُ والحَسَنُ: المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ إذا أكْذَبَ نَفْسَهُ وحُدَّ زالَ تَحْرِيمُ العَقْدِ وحَلَّتْ لَهُ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أُمُورٌ:
أحَدُها: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُلاعِنِ بَعْدَ اللِّعانِ ”لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها“» ولَمْ يُقَلْ حَتّى تُكَذِّبَ نَفْسَكَ ولَوْ كانَ الإكْذابُ غايَةً لِهَذِهِ الحُرْمَةِ لَرَدَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى هَذِهِ الغايَةِ، كَما قالَ في المُطَلَّقَةِ بِالثَّلاثِ ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] .
وثانِيها:
صفحة ١٤٩
ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم قالُوا «لا يَجْتَمِعُ المُتَلاعِنانِ أبَدًا»، وهَذا قَدْ رُوِيَ أيْضًا مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وثالِثُها: ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ ”مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّهُما إذا تَلاعَنا فُرِّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا“ حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ .
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الوَلَدَ قَدْ يُنْفى عَنِ الزَّوْجِ بِاللِّعانِ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَن شَذَّ أنَّهُ لِلزَّوْجِ، ولا يَنْتَفِي نَسَبَهُ بِاللِّعانِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأخْبارَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ النَّسَبَ يَنْتَفِي بِاللِّعانِ كالمُتَواتِرَةِ فَلا يُعارِضُها هَذا الواحِدُ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ أتى أحَدُهُما بِبَعْضِ كَلِماتِ اللِّعانِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أكْثَرُ كَلِماتِ اللِّعانِ تَعْمَلُ عَمَلَ الكُلِّ إذا حَكَمَ بِهِ الحاكِمُ، والظّاهِرُ مَعَ الشّافِعِيِّ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها لا تَدْرَأُ العَذابَ عَنْ نَفْسِها إلّا بِتَمامِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن قالَ بِخِلافِ ذَلِكَ فَإنَّما يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
* * *
الطَّرَفُ الرّابِعُ: في كَيْفِيَّةِ اللِّعانِ والآيَةُ دالَّةٌ عَلَيْها صَرِيحًا، فالرَّجُلُ يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ بِأنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا، ثُمَّ يَقُولُ مِن بَعْدُ: وعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ. ويَتَعَلَّقُ بِلِعانِ الزَّوْجِ تِلْكَ الأحْكامُ الخَمْسَةُ عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ المَرْأةُ إذا أرادَتْ إسْقاطَ حَدِّ الزِّنا عَنْ نَفْسِها عَلَيْها أنْ تُلاعِنَ ولا يَتَعَلَّقُ بِلِعانِها إلّا هَذا الحُكْمُ الواحِدُ، ثُمَّ هاهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ اللِّعانَ كالشَّهادَةِ، فَلا يَثْبُتُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ، الثّانِي: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُقامُ الرَّجُلُ حَتّى يَشْهَدَ والمَرْأةُ قاعِدَةٌ، وتُقامُ المَرْأةُ حَتّى تَشْهَدَ والرَّجُلُ قاعِدٌ، ويَأْمُرَ الإمامُ مَن يَضَعُ يَدَهُ عَلى فِيهِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى اللَّعْنَةِ والغَضَبِ ويَقُولُ لَهُ إنِّي أخافُ إنْ لَمْ تَكُ صادِقًا أنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ، الثّالِثُ: اللِّعانُ بِمَكَّةَ بَيْنَ المَقامِ والرُّكْنِ وبِالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنبَرِ وبَيْتِ المَقْدِسِ في مَسْجِدِهِ وفي غَيْرِها في المَواضِعِ المُعَظَّمَةِ ولِعانُ المُشْرِكِ كَغَيْرِهِ في الكَيْفِيَّةِ، وأمّا الزَّمانُ فَيَوْمُ الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ، ولا بُدَّ مِن حُضُورِ جَماعَةٍ مِنَ الأعْيانِ أقَلُّهم أرْبَعَةٌ.
* * *
الطَّرَفُ الخامِسُ: في سائِرِ الفَوائِدِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الخَوارِجِ في أنَّ الزِّنا والقَذْفَ كُفْرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرّامِيَ إنْ صَدَقَ فَهي زانِيَةٌ، وإنْ كَذَبَ فَهو قاذِفٌ فَلا بُدَّ عَلى قَوْلِهِمْ مِن وُقُوعِ الكُفْرِ مِن أحَدِهِما، وذَلِكَ يَكُونُ رِدَّةً فَيَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ ولا لِعانَ أصْلًا، وأنْ تَكُونَ فُرْقَةَ الرِّدَّةِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ تَوارُثٌ البَتَّةَ.
الثّانِي: أنَّ الكُفْرَ إذا ثَبَتَ عَلَيْها بِلِعانِهِ، فالواجِبُ أنْ تُقْتَلَ لا أنْ تُجْلَدَ أوْ تُرْجَمَ، لِأنَّ عُقُوبَةَ المُرْتَدِّ مُبايِنَةٌ لِلْحَدِّ في الزِّنا.
المسألة الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ وُقُوعَ الزِّنا يُفْسِدُ النِّكاحَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجِبُ إذا رَماها بِالزِّنا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَذا كَأنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِفَسادِ النِّكاحِ حَتّى يَكُونَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَن يُقِرُّ بِأنَّها أُخْتُهُ مِنَ الرَّضاعِ أوْ بِأنَّها كافِرَةٌ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ الرَّمْيِ مِن قَبْلِ اللِّعانِ وقَدْ ثَبَتَ بِالإجْماعِ فَسادُ ذَلِكَ.
صفحة ١٥٠
المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القاذِفَ مُسْتَحِقٌّ لَلَعْنِ اللَّهِ تَعالى إذا كانَ كاذِبًا وأنَّهُ قَدْ فَسَقَ، وكَذَلِكَ الزّانِي والزّانِيَةُ يَسْتَحِقّانِ غَضَبَ اللَّهِ تَعالى وعِقابَهُ، وإلّا لَمْ يَحْسُنْ مِنهُما أنْ يَلْعَنا أنْفُسَهُما، كَما لا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ أحَدٌ رَبَّهُ أنْ يَلْعَنَ الأطْفالَ والمَجانِينَ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّ العِقابَ، والعِقابُ يَكُونُ دائِمًا كالثَّوابِ ولا يَجْتَمِعانِ فَثَوابُهُما أيْضًا مُحْبَطٌ، فَلا يَجُوزُ إذا لَمْ يَتُوبا أنْ يَدْخُلا الجَنَّةَ، لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ مِنَ المُكَلَّفِينَ فَهو مُثابٌ عَلى طاعاتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى خُلُودِ الفُسّاقِ في النّارِ، قالَ أصْحابُنا لا نُسَلِّمُ أنَّ كَوْنَهُ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ بِفِسْقِهِ يُنافِي كَوْنَهُ مَرْضِيًّا عَنْهُ لِجِهَةِ إيمانِهِ، ثُمَّ لَوْ سَلَّمْناهُ فَلَمْ نُسَلِّمْ أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مُسْتَحِقُّ الثَّوابِ. والإجْماعُ مَمْنُوعٌ.
المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما خُصَّتِ المُلاعَنَةُ بِأنْ تُخَمَّسَ بِغَضَبِ اللَّهِ تَغْلِيظًا عَلَيْها لِأنَّها هي أصْلُ الفُجُورِ ومَنبَعُهُ بِخُيَلائِها وأطْماعِها ولِذَلِكَ كانَتْ مُقَدَّمَةً في آيَةِ الجَلْدِ.
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ حُكْمَ الرّامِي لِلْمُحْصَناتِ والأزْواجِ عَلى ما ذَكَرْنا وكانَ في ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ ما لا خَفاءَ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ بِاللِّعانِ لِلْمَرْءِ سَبِيلًا إلى مُرادِهِ، ولَها سَبِيلًا إلى دَفْعِ العَذابِ عَنْ نَفْسِها، ولَهُما السَّبِيلَ إلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ، فَلِأجْلِ هَذا بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٤] عِظَمَ نِعَمِهِ فِيما بَيَّنَهُ مِن هَذِهِ الأحْكامِ وفِيما أمْهَلَ وأبْقى ومَكَّنَ مِنَ التَّوْبَةِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا إذْ لا بُدَّ مِن جَوابٍ، إلّا أنَّ تَرْكَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يُكْتَنَهُ، ورُبَّ مَسْكُوتٍ عَنْهُ أبْلَغُ مِن مَنطُوقٍ بِهِ.
النور 24:10
الحُكْمُ الرّابِعُ: حُكْمُ اللِّعانِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أحْكامَ قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ عَقَّبَهُ بِأحْكامِ قَذْفِ الزَّوْجاتِ، ثُمَّ هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أبْحاثٍ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في سَبَبِ نُزُولِهِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: «”لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ قالَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الأنْصارِيُّ إنْ دَخَلَ مِنّا رَجُلٌ بَيْتَهُ فَوَجَدَ رَجُلًا عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ فَإنْ جاءَ بِأرْبَعَةِ رِجالٍ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ فَقَدْ قَضى الرَّجُلُ حاجَتَهُ وخَرَجَ، وإنْ قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ، وإنْ قالَ وجَدْتُ فُلانًا مَعَ تِلْكَ المَرْأةِ ضُرِبَ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. اللَّهُمَّ افْتَحْ. وكانَ لِعاصِمٍ هَذا ابْنُ عَمٍّ يُقالُ لَهُ عُوَيْمِرٌ ولَهُ امْرَأةٌ يُقالُ لَها خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَأتى عُوَيْمِرٌ عاصِمًا فَقالَ: لَقَدْ رَأيْتُ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِي خَوْلَةَ فاسْتَرْجَعَ عاصِمٌ وأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أسْرَعَ ما ابْتُلِيتُ بِهَذا في أهْلِ بَيْتِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وما ذاكَ ؟ فَقالَ أخْبَرَنِي عُوَيْمِرٌ ابْنُ عَمِّي بِأنَّهُ رَأى شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ وكانَ عُوَيْمِرٌ وخَوْلَةُ وشَرِيكٌ كُلُّهم بَنُو عَمِّ عاصِمٍ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا، وقالَ لِعُوَيْمِرٍ اتَّقِ اللَّهَ في زَوْجَتِكَ وابْنَةِ عَمِّكَ ولا تَقْذِفْها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُقْسِمُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُ شَرِيكًا عَلى بَطْنِها
صفحة ١٤٤
وأنِّي ما قَرَبْتُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وأنَّها حُبْلى مِن غَيْرِي، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اتَّقِي اللَّهَ ولا تُخْبِرِي إلّا بِما صَنَعْتِ، فَقالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عُوَيْمِرًا رَجُلٌ غَيُورٌ، وإنَّهُ رَأى شَرِيكًا يُطِيلُ النَّظَرَ إلَيَّ ويَتَحَدَّثُ، فَحَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ عَلى ما قالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نُودِيَ: الصَّلاةُ جامِعَةٌ فَصَلّى العَصْرَ ثم قال لِعُوَيْمِرٍ قُمْ وقُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّ خَوْلَةَ لَزانِيَةٌ وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ.
ثم قال في الثّانِيَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُ شَرِيكًا عَلى بَطْنِها وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثم قال في الثّالِثَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّها حُبْلى مِن غَيْرِي وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثم قال في الرّابِعَةِ قُلْ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّها زانِيَةٌ وأنِّي ما قَرَبْتُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وإنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ.
ثم قال في الخامِسَةِ قُلْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى عُوَيْمِرٍ يَعْنِي نَفْسَهُ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ فِيما قالَ. ثم قال: اقْعُدْ، وقالَ لِخَوْلَةَ قُومِي، فَقامَتْ وقالَتْ أشْهَدُ بِاللَّهِ ما أنا بِزانِيَةٍ وإنَّ زَوْجِي عُوَيْمِرًا لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الثّانِيَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ ما رَأى شَرِيكًا عَلى بَطْنِي وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الثّالِثَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي حُبْلى مِنهُ وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الرّابِعَةِ أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ ما رَآنِي عَلى فاحِشَةٍ قَطُّ وإنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، وقالَتْ في الخامِسَةِ غَضَبُ اللَّهِ عَلى خَوْلَةَ إنْ كانَ عُوَيْمِرٌ مِنَ الصّادِقِينَ في قَوْلِهِ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما“» .
وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: ”«أنَّ عاصِمًا ذاتَ يَوْمٍ رَجَعَ إلى أهْلِهِ فَوَجَدَ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عَلى بَطْنِ امْرَأتِهِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ “ وتَمامُ الحَدِيثِ كَما تَقَدَّمَ.
وثالِثُها: ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «”لَمّا نَزَلَ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وهو سَيِّدُ الأنْصارِ لَوْ وجَدْتُ رَجُلًا عَلى بَطْنِها فَإنِّي إنْ جِئْتُ بِأرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهَداءِ يَكُونُ قَدْ قَضى حاجَتَهُ وذَهَبَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ أما تَسْمَعُونَ ما يَقُولُ سَيِّدُكم ؟ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَلُمْهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، فَقالَ سَعْدٌ يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ إنِّي لَأعْرِفُ أنَّها مِنَ اللَّهِ وأنَّها حَقٌّ، ولَكِنِّي عَجِبْتُ مِنهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْبى إلّا ذَلِكَ، قالَ فَلَمْ يَلْبَثُوا إلّا يَسِيرًا حَتّى جاءَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقالُ لَهُ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا رَأيْتُ بِعَيْنِي وسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما جاءَ بِهِ.
فَقالَ هِلالٌ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأرى الكَراهَةَ في وجْهِكَ مِمّا أخْبَرْتُكَ بِهِ، واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي لَصادِقٌ، وما قَلْتُ إلّا حَقًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ إمّا البَيِّنَةُ وإمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْكَ ”فاجْتَمَعَتِ الأنْصارُ فَقالُوا: ابْتُلِينا بِما قالَ سَعْدٌ، فَبَيْنا هم كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ارْبَدَّ وجْهُهُ، وعَلا جَسَدَهُ حُمْرَةٌ، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أبْشِرْ يا هِلالُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا، قالَ قَدْ كُنْتُ أرْجُو ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَرَأ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآياتِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْعُوها، فَدُعِيَتْ فَكَذَّبَتْ هِلالًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ، وأمَرَ بِالمُلاعَنَةِ، فَشَهِدَ هِلالٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ عِنْدَ الخامِسَةِ: اتَّقِ اللَّهَ يا هِلالُ، فَإنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، فَقالَ واللَّهِ لا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْها كَما لَمْ يَجْلِدْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وشَهِدَ الخامِسَةَ.
ثم قال رَسُولُ اللَّهِ أتَشْهَدِينَ، فَشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ أنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، فَلَمّا أخَذَتْ في الخامِسَةِ، قالَ لَها اتَّقِي اللَّهَ، فَإنَّ الخامِسَةَ هي المُوجِبَةُ، فَتَفَكَّرَتْ ساعَةً، وهَمَّتْ بِالِاعْتِرافِ ثُمَّ قالَتْ واللَّهِ لا أفْضَحُ قَوْمِي، وشَهِدَتِ الخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، ثم قال: انْظُرُوها إنْ جاءَتْ بِهِ أُثَيْبِجَ أصْهَبَ أحْمَشَ السّاقَيْنِ فَهو لِهِلالٍ، وإنْ جاءَتْ بِهِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ أوْرَقَ جَعْدًا فَهو لِصاحِبِهِ، فَجاءَتْ بِهِ أوْرَقَ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْلا الأيْمانُ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ“» قالَ عِكْرِمَةُ لَقَدْ رَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أمِيرَ مِصْرَ مِنَ الأمْصارِ ولا يَدْرِي مَن أبُوهُ ! .
* * *
صفحة ١٤٥
البَحْثُ الثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالقِراءَةِ قُرِئَ ولَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ لِأنَّ الشُّهَداءَ جَماعَةٌ، أوْ لِأنَّهم في مَعْنى الأنْفُسِ، ووَجْهُ مَن قَرَأ أرْبَعَ أنْ يَنْصِبَ؛ لِأنَّهُ في حُكْمِ المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ، وهي مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، فَتَقْدِيرُهُ فَواجِبُ شَهادَةِ أحَدِهِمْ أرْبَعَ شَهاداتٍ، وقُرِئَ أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ وأنْ غَضَبُ اللَّهِ عَلى تَخْفِيفِ أنْ ورَفْعِ ما بَعْدَها، وقُرِئَ أنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلى فِعْلِ الغَضَبِ، وقُرِئَ بِنَصْبِ الخامِسَتَيْنِ عَلى مَعْنى ويَشْهَدُ الخامِسَةَ.
* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ، والنَّظَرُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِأطْرافٍ:
الطَّرَفُ الأوَّلُ: في مُوجِبِ اللِّعانِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ إذا رَمى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ بِالزِّنا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ إنْ كانَتْ مُحْصَنَةً، والتَّعْزِيرُ إنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً، كَما في رَمْيِ الأجْنَبِيَّةِ لا يَخْتَلِفُ مُوجِبُهُما غَيْرَ أنَّهُما يَخْتَلِفانِ في المُخَلِّصِ، فَفي قَذْفِ الأجْنَبِيِّ لا يَسْقُطُ الحَدُّ عَنِ القاذِفِ إلّا بِإقْرارِ المَقْذُوفِ، أوْ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلى زِناها، وفي قَذْفِ الزَّوْجَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أوْ بِاللِّعانِ، وإنَّما اعْتَبَرَ الشَّرْعُ اللِّعانَ في هَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ الأجْنَبِيّاتِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا مَعَرَّةَ عَلَيْهِ في زِنا الأجْنَبِيَّةِ، والأوْلى لَهُ سَتْرُهُ، أمّا إذا زَنى بِزَوْجَتِهِ فَيَلْحَقُهُ العارُ والنَّسَبُ الفاسِدُ، فَلا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وتَوْقِيفُهُ عَلى البَيِّنَةِ كالمُعْتَذِرِ، فَلا جَرَمَ خَصَّ الشَّرْعُ هَذِهِ الصُّورَةَ بِاللِّعانِ.
الثّانِي: أنَّ الغالِبَ في المُتَعارَفِ مِن أحْوالِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأتِهِ أنَّهُ لا يَقْصِدُها بِالقَذْفِ إلّا عَنْ حَقِيقَةٍ، فَإذا رَماها فَنَفْسُ الرَّمْيِ يَشْهَدُ بِكَوْنِهِ صادِقًا، إلّا أنَّ شَهادَةَ الحالِ لَيْسَتْ بِكامِلَةٍ فَضُمَّ إلَيْها ما يُقَوِّيها مِنَ الأيْمانِ، كَشَهادَةِ المَرْأةِ لَمّا ضَعُفَتْ قَوِيَتْ بِزِيادَةِ العَدَدِ والشّاهِدُ الواحِدُ يَتَقَوّى بِاليَمِينِ عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ كانَ حَدُّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ والزَّوْجاتِ الجَلْدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ ”ائْتِنِي بِأرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ لَكَ، وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ“» فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجاتِ كانَ كَحَدِّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ إلّا أنَّهُ نُسِخَ عَنِ الأزْواجِ الجَلْدُ بِاللِّعانِ، ورَوى نَحْوَ ذَلِكَ في الرَّجُلِ الَّذِي قالَ أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَإنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وإنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجَةِ كانَ الجَلْدَ وأنَّ اللَّهَ نَسَخَهُ بِاللِّعانِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا قَذَفَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فالواجِبُ هو الحَدُّ ولَكِنَّ المُخَلِّصَ مِنهُ بِاللِّعانِ، كَما أنَّ الواجِبَ بِقَذْفِ الأجْنَبِيَّةِ الحَدُّ والمُخَلِّصَ مِنهُ بِالشُّهُودِ، فَإذا نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعانِ يَلْزَمُهُ الحَدُّ لِلْقَذْفِ، فَإذا لاعَنَ ونَكَلَتْ عَنِ اللِّعانِ يَلْزَمُها حَدُّ الزِّنا، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إذا نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعانِ حُبِسَ حَتّى يُلاعِنَ، وكَذا المَرْأةُ إذا نَكَلَتْ حُبِسَتْ حَتّى لا تُلاعِنَ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَعْنِي غَيْرَ الزَّوْجاتِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حُكْمَ الأزْواجِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ الآيَةَ فَكَما أنَّ مُقْتَضى قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ الإتْيانُ بِالشُّهُودِ أوِ الجَلَدُ فَكَذا مُوجِبُ قَذْفِ الزَّوْجاتِ الإتْيانُ بِاللِّعانِ أوِ الحَدُّ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ والألِفُ واللّامُ الدّاخِلانِ عَلى العَذابِ لا يُفِيدانِ العُمُومَ لِأنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْها جَمِيعُ أنْواعِ العَذابِ فَوَجَبَ صَرْفُهُما إلى
صفحة ١٤٦
المَعْهُودِ السّابِقِ والمَعْهُودُ السّابِقُ هو الحَدُّ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الحَدُّ، وإذا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ هو الحَدُّ، ثَبَتَ أنَّها لَوْ لَمْ تَلاعِنْ لَحُدَّتْ، وأنَّها بِاللِّعانِ دَفَعَتِ الحَدَّ، فَإنْ قِيلَ المُرادُ مِنَ العَذابِ هو الحَبْسُ. قُلْنا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْمَعْهُودِ المَذْكُورِ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ في هَذِهِ السُّورَةِ العَذابُ بِمَعْنى الحَدِّ، وأيْضًا فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَدِّ لا تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً. أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَبْسِ تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً لَأنَّ مِقْدارَ الحَبْسِ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
وثالِثُها: قالَ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الحَبْسِ في حَقِّ المَرْأةِ أنَّها تَقُولُ إنْ كانَ الرَّجُلُ صادِقًا فَحُدُّونِي، وإنْ كانَ كاذِبًا فَخَلُّونِي فَما بالِي والحَبْسُ ولَيْسَ حَبْسِي في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ ولا الإجْماعِ ولا القِياسِ.
ورابِعُها: أنَّ الزَّوْجَ قَذَفَها، ولَمْ يَأْتِ بِالمُخْرِجِ مِن شَهادَةِ غَيْرِهِ أوْ شَهادَةِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّ الرَّجُلِ ثَبَتَ في حَقِّ المَرْأةِ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
وخامِسُها: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِخَوْلَةَ: ”فالرَّجْمُ أهْوَنُ عَلَيْكِ مِن غَضَبِ اللَّهِ“» وهو نَصٌّ في البابِ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، أمّا في حَقِّ المَرْأةِ فَلِأنَّها ما فَعَلَتْ سِوى أنَّها تَرَكَتِ اللِّعانَ، وهَذا التَّرْكُ لَيْسَ بَيِّنَةً عَلى الزِّنا ولا إقْرارًا مِنها بِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ رَجْمُها، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ» “ الحَدِيثَ. وإذا لَمْ يَجِبِ الرَّجْمُ إذا كانَتْ مُحْصَنَةً لَمْ يَجِبِ الجَلْدُ في غَيْرِ المُحْصَنِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وأيْضًا فالنُّكُولُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ في الإقْرارِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ الحَدِّ بِهِ كاللَّفْظِ المُحْتَمِلِ لِلزِّنا ولِغَيْرِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الجُمْهُورُ إذا قالَ لَها يا زانِيَةُ وجَبَ اللِّعانُ. وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ- لا يُلاعِنُ إلّا أنْ يَقُولَ رَأيْتُكِ تَزْنِي أوْ يَنْفِي حَمْلًا لَها أوْ ولَدًا مِنها، حُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ، ولِأنَّهُ لا تَفاوُتَ في قَذْفِ الأجْنَبِيَّةِ بَيْنَ الكُلِّ، فَكَذا في حَقِّ قَذْفِ الزَّوْجَةِ.
* * *
الطَّرَفُ الثّانِي: المُلاعِنُ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَن صَحَّ يَمِينُهُ صَحَّ لِعانُهُ، فَيَجْرِي اللِّعانُ بَيْنَ الرَّقِيقَيْنِ والذِّمِّيَّيْنِ والمَحْدُودَيْنِ، وكَذا إذا كانَ أحَدُهُما رَقِيقًا أوْ كانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا والمَرْأةُ ذِمِّيَّةً، قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَصِحُّ في صُورَتَيْنِ إحْداهُما: أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مِمَّنْ لا يَجِبُ عَلى قاذِفِها الحَدُّ إذا كانَ أجْنَبِيًّا نَحْوَ أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مَمْلُوكَةً أوْ ذِمِّيَّةً.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِن غَيْرِ أهْلِ الشَّهادَةِ بِأنْ يَكُونَ مَحْدُودًا في قَذْفٍ أوْ عَبْدًا أوْ كافِرًا، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ الفاسِقَ والأعْمى مَعَ أنَّهُما لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ يَصِحُّ لِعانُهُما، وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ ولا مَعْنى لِلتَّخْصِيصِ، والقِياسُ أيْضًا ظاهِرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ دَفْعُ العارِ عَنِ النَّفْسِ، ودَفْعُ ولَدِ الزِّنا عَنِ النَّفْسِ، وكَما يَحْتاجُ غَيْرُ المَحْدُودِ إلَيْهِ فَكَذا المَحْدُودُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ.
والثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ يَصِحُّ لِعانُ الفاسِقِ والأعْمى، وإنْ لَمْ يَكُونا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ فَكَذا القَوْلُ في غَيْرِهِما، والجامِعُ هو الحاجَةُ إلى دَفْعِ عارِ الزِّنا، ووَجْهُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ النَّصُّ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«أرْبَعٌ مِنَ النِّساءِ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ مُلاعَنَةٌ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ» “ .
أمّا المَعْنى فَنَقُولُ أمّا في الصُّورَةِ الأُولى فَلِأنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلى قاذِفِ الزَّوْجَةِ والأجْنَبِيَّةِ الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ عَنِ الأزْواجِ وأُقِيمَ اللِّعانُ مَقامَهُ فَلَمّا كانَ اللِّعانُ مَعَ الأزْواجِ قائِمًا مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ لَمْ يَجِبِ اللِّعانُ عَلى مَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ لَوْ قَذَفَها أجْنَبِيٌّ، وأمّا في الصُّورَةِ
صفحة ١٤٧
الثّانِيَةِ فالوجه فِيهِ أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ إلّا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى لِعانَهُما شَهادَةً كَما قالَ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] .
الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ لاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أمَرَهُما بِاللِّعانِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى لَفْظِ اليَمِينِ، إذا ثَبَتَ أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ وجَبَ أنْ لا تُقْبَلَ مِنَ المَحْدُودِ في القَذْفِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤] وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في المَحْدُودِ ثَبَتَ في العَبْدِ والكافِرِ، إمّا لِلْإجْماعِ عَلى أنَّهُما لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ أوْ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
أجابَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ اللِّعانَ لَيْسَ شَهادَةً في الحَقِيقَةِ بَلْ هو يَمِينٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَشْهَدَ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ شَهادَةً لَكانَتِ المَرْأةُ تَأْتِي بِثَمانِ شَهاداتٍ، لِأنَّها عَلى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ، ولِأنَّهُ يَصِحُّ مِنَ الأعْمى والفاسِقِ ولا يَجُوزُ شَهادَتُهُما، فَإنْ قِيلَ الفاسِقُ والفاسِقَةُ قَدْ يَتُوبانِ قُلْنا وكَذَلِكَ العَبْدُ قَدْ يُعْتَقُ فَتَجُوزُ شَهادَتُهُ، ثُمَّ أكَّدَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ العَبْدَ إذا عُتِقَ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في الحالِ والفاسِقَ إذا تابَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في الحالِ، ثُمَّ ألْزَمَ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ مَقْبُولَةٌ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَيَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ اللِّعانُ بَيْنَ الذِّمِّيِّ والذِّمِّيَّةِ، وهَذا كُلُّهُ كَلامُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثم قال بَعْدَ ذَلِكَ: وتَخْتَلِفُ الحُدُودُ بِمَن وقَعَتْ لَهُ، ومَعْناهُ أنَّ الزَّوْجَ إنْ لَمْ يُلاعِنْ تَنَصَّفَ حَدُّ القَذْفِ عَلَيْهِ لِرِقِّهِ، وإنْ لاعَنَ ولَمْ تُلاعِنِ اخْتَلَفَ حَدُّها بِإحْصانِها وعَدَمِ إحْصانِها وحُرِّيَّتِها ورِقِّها.
* * *
الطَّرَفُ الثّالِثُ: الأحْكامُ المُرَتَّبَةُ عَلى اللِّعانِ.
قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاللِّعانِ خَمْسَةُ أحْكامٍ: دَرْءُ الحَدِّ، ونَفْيُ الوَلَدِ، والفُرْقَةُ، والتَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ، ووُجُوبُ الحَدِّ عَلَيْها، وكُلُّها تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ ولا يُفْتَقَرُ فِيهِ إلى لِعانِها ولا إلى حُكْمِ الحاكِمِ، فَإنَّ حُكْمَ الحاكِمِ بِهِ كانَ تَنْفِيذًا مِنهُ لا إيقاعًا لِلْفُرْقَةِ. فَلْنَتَكَلَّمْ في هَذِهِ المَسائِلِ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفَ المُجْتَهِدُونَ في وُقُوعِ الفُرْقَةِ بِاللِّعانِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: قالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: لا أرى مُلاعَنَةَ الزَّوْجِ امْرَأتَهُ تَقْتَضِي شَيْئًا يُوجِبُ أنْ يُطَلِّقَها، وثانِيها: قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ لا تَقَعُ الفُرْقَةُ بِفَراغِهِما مِنَ اللِّعانِ حَتّى يُفَرِّقَ الحاكِمُ بَيْنَهُما. وثالِثُها: قالَ مالِكٌ واللَّيْثُ وزُفَرُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- إذا فَرَغا مِنَ اللِّعانِ وقَعَتِ الفُرْقَةُ وإنْ لَمْ يُفَرِّقِ الحاكِمُ. ورابِعُها: قالَ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إذا أكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهادَةَ والِالتِعانَ فَقَدْ زالَ فِراشُ امْرَأتِهِ، ولا تَحِلُّ لَهُ أبَدًا التَعَنَتْ أوْ لَمْ تَلْتَعِنْ، حُجَّةُ عُثْمانَ البَتِّيِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللِّعانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ ولا كِنايَةٍ عَنِ الفُرْقَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُفِيدَ الفُرْقَةَ كَسائِرِ الأقْوالِ الَّتِي لا إشْعارَ لَها بِالفُرْقَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صادِقًا في قَوْلِهِ، وهو لا يُوجِبُ تَحْرِيمًا، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلَيْها لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَحْرِيمًا، فَإذا كانَ كاذِبًا والمَرْأةُ صادِقَةً يَثْبُتُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى التَّحْرِيمِ.
وثانِيها: لَوْ تَلاعَنا فِيما بَيْنَهُما لَمْ يُوجِبِ الفُرْقَةَ فَكَذا لَوْ تَلاعَنا عِنْدَ الحاكِمِ.
وثالِثُها: أنَّ اللِّعانَ قائِمٌ مَقامَ الشُّهُودِ في قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ، فَكَما أنَّهُ لا فائِدَةَ في إحْضارِ الشُّهُودِ هُناكَ إلّا إسْقاطُ الحَدِّ، فَكَذا اللِّعانُ لا تَأْثِيرَ لَهُ إلّا إسْقاطُ الحَدِّ.
ورابِعُها: إذا أكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ في قَذْفِهِ إيّاها ثُمَّ حُدَّ، لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فُرْقَةً، فَكَذا إذا لاعَنَ؛ لِأنَّ اللِّعانَ قائِمٌ مَقامَ دَرْءِ الحَدِّ، قالَ: وأمّا تَفْرِيقُ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ فَكانَ ذَلِكَ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ، وكانَ قَدْ طَلَّقَها ثَلاثًا بَعْدَ اللِّعانِ، فَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُما، وأمّا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وهو أنَّ الحاكِمَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما فَلا بُدَّ مِن بَيانِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الحاكِمِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُما، ودَلِيلُهُ ما رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ
صفحة ١٤٨
مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا. والثّانِي: أنَّ الفُرْقَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: رُوِيَ في قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ أنَّهُما لَمّا فَرَغا ”«قالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها، هي طالِقٌ ثَلاثًا“ فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ، والِاسْتِدْلالُ بِهَذا الخَبَرِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِاللِّعانِ لَبَطَلَ قَوْلُهُ: ”كَذَبْتُ عَلَيْها إنْ أمْسَكْتُها“؛ لِأنَّ إمْساكَها غَيْرُ مُمْكِنٍ.
وثانِيها: ما رُوِيَ في هَذا الخَبَرِ أنَّهُ طَلَّقَها ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وتَنْفِيذُ الطَّلاقِ إنَّما يُمْكِنُ لَوْ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ اللِّعانِ.
وثالِثُها: ما قالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ في هَذا الخَبَرِ مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ولا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ واقِعَةً بِاللِّعانِ اسْتَحالَ التَّفْرِيقُ بَعْدَها.
وثانِيها: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلافُ الآيَةِ، لِأنَّهُ لَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِلِعانِ الزَّوْجِ لَلاعَنَتِ المَرْأةُ وهي أجْنَبِيَّةٌ وذَلِكَ خِلافُ الآيَةِ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْجَبَ اللِّعانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
وثالِثُها: أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ فَوَجَبَ أنْ لا يُوجِبَ الفُرْقَةَ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ كَما لا يَثْبُتُ المَشْهُودُ بِهِ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ.
ورابِعُها: اللِّعانُ تَسْتَحِقُّ بِهِ المَرْأةُ نَفْسَها كَما يَسْتَحِقُّ المُدَّعِي بِالبَيِّنَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَسْتَحِقَّ المُدَّعِي مُدَّعاهُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ وجَبَ مِثْلُهُ في اسْتِحْقاقِ المَرْأةِ نَفْسَها.
وخامِسُها: أنَّ اللِّعانَ لا إشْعارَ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنَّها زَنَتْ، ولَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلى زِناها أوْ هي أقَرَّتْ بِذَلِكَ فَذاكَ لا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، فَكَذا اللِّعانُ، وإذا لَمْ يُوجَدْ فِيها دَلالَةٌ عَلى التَّحْرِيمِ وجَبَ أنْ لا تَقَعَ الفُرْقَةُ بِهِ، فَلا بُدَّ مِن إحْداثِ التَّفْرِيقِ، إمّا مِن قِبَلِ الزَّوْجِ أوْ مِن قِبَلِ الحاكِمِ، أمّا قَوْلُ مالِكٍ وزُفَرَ فَحُجَّتُهُ أنَّهُما لَوْ تَراضَيا عَلى البَقاءِ عَلى النِّكاحِ لَمْ يُخَلَّيا بَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللِّعانَ قَدْ أوْجَبَ الفُرْقَةَ، أمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلَهُ دَلِيلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ﴾ الآيَةَ. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلِعانِ المَرْأةِ إلّا في دَفْعِ العَذابِ عَنْ نَفْسِها، وأنَّ كُلَّ ما يَجِبُ بِاللِّعانِ مِنَ الأحْكامِ فَقَدْ وقَعَ بِلِعانِ الزَّوْجِ.
الثّانِي: أنَّ لِعانَ الزَّوْجِ وحْدَهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْيِ الوَلَدِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِبارُ بِقَوْلِهِ في الإلْحاقِ لا بِقَوْلِها، ألا تَرى أنَّها في لِعانِها تُلْحِقُ الوَلَدَ بِهِ، ونَحْنُ نَنْفِيهِ عَنْهُ، فَيُعْتَبَرُ نَفْيُ الزَّوْجِ لا إلْحاقُ المَرْأةِ، ولِهَذا إذا أكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ أُلْحِقَ بِهِ الوَلَدُ، وما دامَ يَبْقى مُصِرًّا عَلى اللِّعانِ فالوَلَدُ مَنفِيٌّ عَنْهُ، إذا ثَبَتَ أنَّ لِعانَهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْيِ الوَلَدِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ، لِأنَّ الفُرْقَةَ لَوْ لَمْ تَقَعْ لَمْ يَنْتِفِ الوَلَدُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “ فَما دامَ يَبْقى الفِراشُ التَحَقَ بِهِ، فَلَمّا انْتَفى الوَلَدُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ وجَبَ أنَّهُ يَزُولُ الفِراشُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ لِعانِهِ، وأمّا الأخْبارُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فالمُرادُ بِهِ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ الفُرْقَةِ وحَكَمَ بِها وذَلِكَ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ في الفُرْقَةِ شَيْئًا آخَرَ.
وأمّا الأقْيِسَةُ الَّتِي ذَكَرَها فَمَدارُها عَلى أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هو يَمِينٌ عَلى ما بَيَّنّا، وأمّا قَوْلُهُ: اللِّعانُ لا إشْعارَ فِيهِ بِوُقُوعِ الحُرْمَةِ. قُلْنا بَيِّنَتُهُ عَلى نَفْيِ الوَلَدِ مَقْبُولَةٌ ونَفْيُ الوَلَدِ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ حِلْيَةِ النِّكاحِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو يُوسُفَ والثَّوْرِيُّ وإسْحاقُ والحَسَنُ: المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ إذا أكْذَبَ نَفْسَهُ وحُدَّ زالَ تَحْرِيمُ العَقْدِ وحَلَّتْ لَهُ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أُمُورٌ:
أحَدُها: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُلاعِنِ بَعْدَ اللِّعانِ ”لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها“» ولَمْ يُقَلْ حَتّى تُكَذِّبَ نَفْسَكَ ولَوْ كانَ الإكْذابُ غايَةً لِهَذِهِ الحُرْمَةِ لَرَدَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى هَذِهِ الغايَةِ، كَما قالَ في المُطَلَّقَةِ بِالثَّلاثِ ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] .
وثانِيها:
صفحة ١٤٩
ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم قالُوا «لا يَجْتَمِعُ المُتَلاعِنانِ أبَدًا»، وهَذا قَدْ رُوِيَ أيْضًا مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وثالِثُها: ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ ”مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّهُما إذا تَلاعَنا فُرِّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا“ حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ .
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الوَلَدَ قَدْ يُنْفى عَنِ الزَّوْجِ بِاللِّعانِ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَن شَذَّ أنَّهُ لِلزَّوْجِ، ولا يَنْتَفِي نَسَبَهُ بِاللِّعانِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأخْبارَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ النَّسَبَ يَنْتَفِي بِاللِّعانِ كالمُتَواتِرَةِ فَلا يُعارِضُها هَذا الواحِدُ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ أتى أحَدُهُما بِبَعْضِ كَلِماتِ اللِّعانِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أكْثَرُ كَلِماتِ اللِّعانِ تَعْمَلُ عَمَلَ الكُلِّ إذا حَكَمَ بِهِ الحاكِمُ، والظّاهِرُ مَعَ الشّافِعِيِّ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها لا تَدْرَأُ العَذابَ عَنْ نَفْسِها إلّا بِتَمامِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن قالَ بِخِلافِ ذَلِكَ فَإنَّما يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
* * *
الطَّرَفُ الرّابِعُ: في كَيْفِيَّةِ اللِّعانِ والآيَةُ دالَّةٌ عَلَيْها صَرِيحًا، فالرَّجُلُ يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ بِأنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا، ثُمَّ يَقُولُ مِن بَعْدُ: وعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ. ويَتَعَلَّقُ بِلِعانِ الزَّوْجِ تِلْكَ الأحْكامُ الخَمْسَةُ عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ المَرْأةُ إذا أرادَتْ إسْقاطَ حَدِّ الزِّنا عَنْ نَفْسِها عَلَيْها أنْ تُلاعِنَ ولا يَتَعَلَّقُ بِلِعانِها إلّا هَذا الحُكْمُ الواحِدُ، ثُمَّ هاهُنا فُرُوعٌ:
الفَرْعُ الأوَّلُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ اللِّعانَ كالشَّهادَةِ، فَلا يَثْبُتُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ، الثّانِي: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُقامُ الرَّجُلُ حَتّى يَشْهَدَ والمَرْأةُ قاعِدَةٌ، وتُقامُ المَرْأةُ حَتّى تَشْهَدَ والرَّجُلُ قاعِدٌ، ويَأْمُرَ الإمامُ مَن يَضَعُ يَدَهُ عَلى فِيهِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى اللَّعْنَةِ والغَضَبِ ويَقُولُ لَهُ إنِّي أخافُ إنْ لَمْ تَكُ صادِقًا أنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ، الثّالِثُ: اللِّعانُ بِمَكَّةَ بَيْنَ المَقامِ والرُّكْنِ وبِالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنبَرِ وبَيْتِ المَقْدِسِ في مَسْجِدِهِ وفي غَيْرِها في المَواضِعِ المُعَظَّمَةِ ولِعانُ المُشْرِكِ كَغَيْرِهِ في الكَيْفِيَّةِ، وأمّا الزَّمانُ فَيَوْمُ الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ، ولا بُدَّ مِن حُضُورِ جَماعَةٍ مِنَ الأعْيانِ أقَلُّهم أرْبَعَةٌ.
* * *
الطَّرَفُ الخامِسُ: في سائِرِ الفَوائِدِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الخَوارِجِ في أنَّ الزِّنا والقَذْفَ كُفْرٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرّامِيَ إنْ صَدَقَ فَهي زانِيَةٌ، وإنْ كَذَبَ فَهو قاذِفٌ فَلا بُدَّ عَلى قَوْلِهِمْ مِن وُقُوعِ الكُفْرِ مِن أحَدِهِما، وذَلِكَ يَكُونُ رِدَّةً فَيَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ ولا لِعانَ أصْلًا، وأنْ تَكُونَ فُرْقَةَ الرِّدَّةِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ تَوارُثٌ البَتَّةَ.
الثّانِي: أنَّ الكُفْرَ إذا ثَبَتَ عَلَيْها بِلِعانِهِ، فالواجِبُ أنْ تُقْتَلَ لا أنْ تُجْلَدَ أوْ تُرْجَمَ، لِأنَّ عُقُوبَةَ المُرْتَدِّ مُبايِنَةٌ لِلْحَدِّ في الزِّنا.
المسألة الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ وُقُوعَ الزِّنا يُفْسِدُ النِّكاحَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجِبُ إذا رَماها بِالزِّنا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَذا كَأنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِفَسادِ النِّكاحِ حَتّى يَكُونَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَن يُقِرُّ بِأنَّها أُخْتُهُ مِنَ الرَّضاعِ أوْ بِأنَّها كافِرَةٌ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ بِنَفْسِ الرَّمْيِ مِن قَبْلِ اللِّعانِ وقَدْ ثَبَتَ بِالإجْماعِ فَسادُ ذَلِكَ.
صفحة ١٥٠
المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القاذِفَ مُسْتَحِقٌّ لَلَعْنِ اللَّهِ تَعالى إذا كانَ كاذِبًا وأنَّهُ قَدْ فَسَقَ، وكَذَلِكَ الزّانِي والزّانِيَةُ يَسْتَحِقّانِ غَضَبَ اللَّهِ تَعالى وعِقابَهُ، وإلّا لَمْ يَحْسُنْ مِنهُما أنْ يَلْعَنا أنْفُسَهُما، كَما لا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ أحَدٌ رَبَّهُ أنْ يَلْعَنَ الأطْفالَ والمَجانِينَ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّ العِقابَ، والعِقابُ يَكُونُ دائِمًا كالثَّوابِ ولا يَجْتَمِعانِ فَثَوابُهُما أيْضًا مُحْبَطٌ، فَلا يَجُوزُ إذا لَمْ يَتُوبا أنْ يَدْخُلا الجَنَّةَ، لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ مِنَ المُكَلَّفِينَ فَهو مُثابٌ عَلى طاعاتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى خُلُودِ الفُسّاقِ في النّارِ، قالَ أصْحابُنا لا نُسَلِّمُ أنَّ كَوْنَهُ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ بِفِسْقِهِ يُنافِي كَوْنَهُ مَرْضِيًّا عَنْهُ لِجِهَةِ إيمانِهِ، ثُمَّ لَوْ سَلَّمْناهُ فَلَمْ نُسَلِّمْ أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مُسْتَحِقُّ الثَّوابِ. والإجْماعُ مَمْنُوعٌ.
المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما خُصَّتِ المُلاعَنَةُ بِأنْ تُخَمَّسَ بِغَضَبِ اللَّهِ تَغْلِيظًا عَلَيْها لِأنَّها هي أصْلُ الفُجُورِ ومَنبَعُهُ بِخُيَلائِها وأطْماعِها ولِذَلِكَ كانَتْ مُقَدَّمَةً في آيَةِ الجَلْدِ.
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ حُكْمَ الرّامِي لِلْمُحْصَناتِ والأزْواجِ عَلى ما ذَكَرْنا وكانَ في ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ ما لا خَفاءَ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ بِاللِّعانِ لِلْمَرْءِ سَبِيلًا إلى مُرادِهِ، ولَها سَبِيلًا إلى دَفْعِ العَذابِ عَنْ نَفْسِها، ولَهُما السَّبِيلَ إلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ، فَلِأجْلِ هَذا بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٤] عِظَمَ نِعَمِهِ فِيما بَيَّنَهُ مِن هَذِهِ الأحْكامِ وفِيما أمْهَلَ وأبْقى ومَكَّنَ مِنَ التَّوْبَةِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا إذْ لا بُدَّ مِن جَوابٍ، إلّا أنَّ تَرْكَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يُكْتَنَهُ، ورُبَّ مَسْكُوتٍ عَنْهُ أبْلَغُ مِن مَنطُوقٍ بِهِ.
النور 24:11
الحُكْمُ الخامِسُ - قِصَّةُ الإفْكِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكم لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
الكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: تَفْسِيرُهُ.
والثّانِي: سَبَبُ نُزُولِهِ:
أمّا التَّفْسِيرُ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: أوَّلُها: أنَّهُ حَكى الواقِعَةَ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ والإفْكُ أبْلَغُ ما يَكُونُ مِنَ الكَذِبِ والِافْتِراءِ، وقِيلَ هو البُهْتانُ وهو الأمْرُ الَّذِي لا تَشْعُرُ بِهِ حَتّى يَفْجَأكَ وأصْلُهُ الإفْكُ وهو القَلْبُ لِأنَّهُ قَوْلٌ مَأْفُوكٌ عَنْ وجْهِهِ، وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُرادَ ما أُفِكَ بِهِ عَلى عائِشَةَ، وإنَّما وصَفَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الكَذِبَ بِكَوْنِهِ إفْكًا لِأنَّ المَعْرُوفَ مِن حالِ عائِشَةَ خِلافُ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ كَوْنَها زَوْجَةً لِلرَّسُولِ ﷺ المَعْصُومِ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. لِأنَّ الأنْبِياءَ مَبْعُوثُونَ إلى الكُفّارِ لِيَدْعُوهم ويَسْتَعْطِفُوهم، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَعَهم ما يُنَفِّرُهم عَنْهم وكَوْنُ الإنْسانِ بِحَيْثُ تَكُونُ زَوْجَتُهُ مُسافِحَةً مِن أعْظَمِ المُنَفِّراتِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ جازَ أنْ تَكُونَ امْرَأةُ النَّبِيِّ كافِرَةً كامْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ ولَمْ يَجُزْ أنْ
صفحة ١٥١
تَكُونَ فاجِرَةً وأيْضًا فَلَوْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَكانَ الرَّسُولُ أعْرَفَ النّاسِ بِامْتِناعِهِ ولَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما ضاقَ قَلْبُهُ، ولَما سَألَ عائِشَةَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ. قُلْنا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ مِنَ المُنَفِّراتِ، أمّا كَوْنُها فاجِرَةً فَمِنَ المُنَفِّراتِ، والجَوابُ: عَنِ الثّانِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرًا ما كانَ يَضِيقُ قَلْبُهُ مِن أقْوالِ الكُفّارِ مَعَ عِلْمِهِ بِفَسادِ تِلْكَ الأقْوالِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] فَكانَ هَذا مِن هَذا البابِ.
وثانِيها: أنَّ المَعْرُوفَ مِن حالِ عائِشَةَ قَبْلَ تِلْكَ الواقِعَةِ إنَّما هو الصَّوْنُ والبُعْدُ عَنْ مُقَدِّماتِ الفُجُورِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ اللّائِقُ إحْسانَ الظَّنِّ بِهِ.
وثالِثُها: أنَّ القاذِفِينَ كانُوا مِنَ المُنافِقِينَ وأتْباعِهِمْ، وقَدْ عُرِفَ أنَّ كَلامَ العَدُوِّ المُفْتَرى ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، فَلِمَجْمُوعِ هَذِهِ القَرائِنِ كانَ ذَلِكَ القَوْلُ مَعْلُومَ الفَسادِ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ. أمّا العُصْبَةُ فَقِيلَ إنَّها الجَماعَةُ مِنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ وكَذَلِكَ العِصابَةُ، واعْصَوْصَبُوا اجْتَمَعُوا، وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ النِّفاقِ، وزَيْدُ بْنُ رِفاعَةَ، وحَسّانُ بْنَ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ومَن ساعَدَهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنكُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِالكَذِبِ في أمْرِ عائِشَةَ جَماعَةٌ مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ، لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ كانَ مِن جُمْلَةِ مَن حُكِمِ لَهُ بِالإيمانِ ظاهِرًا. ورابِعُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ شَرَحَ حالَ المَقْذُوفَةِ ومَن يَتَعَلَّقُ بِها بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ والصَّحِيحُ أنَّ هَذا الخِطابَ لَيْسَ مَعَ القاذِفِينَ، بَلْ مَعَ مَن قَذَفُوهُ وآذَوْهُ، فَإنْ قِيلَ هَذا مُشْكِلٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهم.
والثّانِي: أنَّ المَقْذُوفَيْنِ هُما عائِشَةُ وصَفْوانُ فَكَيْفَ تُحْمَلُ عَلَيْهِما صِيغَةُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ وعَنِ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ الجَمْعِ كُلُّ مَن تَأذّى بِذَلِكَ الكَذِبِ واغْتَمَّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ تَأذّى بِذَلِكَ وكَذَلِكَ أبُو بَكْرٍ ومَن يَتَّصِلُ بِهِ، فَإنْ قِيلَ فَمِن أيِّ جِهَةٍ يَصِيرُ خَيْرًا لَهم مَعَ أنَّهُ مَضَرَّةٌ في العاجِلِ ؟ قُلْنا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم صَبَرُوا عَلى ذَلِكَ الغَمِّ طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى فاسْتَوْجَبُوا بِهِ الثَّوابَ وهَذِهِ طَرِيقَةُ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ وُقُوعِ الظُّلْمِ بِهِمْ.
وثانِيها: أنَّهُ لَوْلا إظْهارُهم لِلْإفْكِ كانَ يَجُوزُ أنْ تَبْقى التُّهْمَةُ كامِنَةً في صُدُورِ البَعْضِ، وعِنْدَ الإظْهارِ انْكَشَفَ كَذِبُ القَوْمِ عَلى مَرِّ الدَّهْرِ.
وثالِثُها: أنَّهُ صارَ خَيْرًا لَهم لِما فِيهِ مِن شَرَفِهِمْ وبَيانِ فَضْلِهِمْ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ ثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً كُلُّ واحِدَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِبَراءَةِ عائِشَةَ وشَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِكَذِبِ القاذِفِينَ ونَسَبَهم إلى الإفْكِ وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَ والذَّمَّ وهَذا غايَةُ الشَّرَفِ والفَضْلِ.
ورابِعُها: صَيْرُورَتُها بِحالِ تَعَلُّقِ الكُفْرِ والإيمانِ بِقَدْحِها ومَدْحِها، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَصَّ عَلى كَوْنِ تِلْكَ الواقِعَةِ إفْكًا وبالَغَ في شَرْحِهِ فَكُلُّ مَن يَشُكُّ فِيهِ كانَ كافِرًا قَطْعًا، وهَذِهِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ القاذِفِينَ، وجَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا لَهم مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ صارَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ مانِعًا لَهم مِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ فَصارَ مَقْطَعَةً لَهم عَنْ إدامَةِ هَذا الإفْكِ.
وثانِيها: صارَ خَيْرًا لَهم مِن حَيْثُ كانَ هَذا الذِّكْرُ عُقُوبَةً مُعَجَّلَةً كالكَفّارَةِ
وثالِثُها: صارَ خَيْرًا لَهم مِن حَيْثُ تابَ بَعْضُهم عِنْدَهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى خاطَبَهم بِالكافِ، ولَمّا وصَفَ أهْلَ الإفْكِ جَعَلَ الخِطابَ بِالهاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ١٥٢
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ نَفْسَ ما اكْتَسَبُوهُ لا يَكُونُ عُقُوبَةً، فالمُرادُ لَهم جَزاءُ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ العِقابِ في الآخِرَةِ والمَذَمَّةِ في الدُّنْيا، والمَعْنى أنَّ قَدْرَ العِقابِ يَكُونُ مِثْلَ قَدْرِ الخَوْضِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قُرِئَ كِبْرُهُ بِالضَّمِّ والكَسْرِ وهو عِظَمُهُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الضَّحّاكُ: الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ حَسّانٌ ومِسْطَحٌ فَجَلَدَهُما ﷺ حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَها. وجَلَدَ مَعَهُما امْرَأةً مِن قُرَيْشٍ، ورُوِيَ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ذَكَرَتْ حَسّانًا وقالَتْ: ”أرْجُو لَهُ الجَنَّةَ، فَقِيلَ ألَيْسَ هو الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ؟ فَقالَتْ إذا سَمِعْتُ شِعْرَهُ في مَدْحِ الرَّسُولِ رَجَوْتُ لَهُ الجَنَّةَ“ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ حَسّانًا بِرُوحِ القُدُسِ في شِعْرِهِ» “ وفي رِوايَةٍ أُخْرى ”«وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى» “ ولَعَلَّ اللَّهَ جَعَلَ ذَلِكَ العَذابَ العَظِيمَ ذَهابَ بَصَرِهِ، والأقْرَبُ في الرِّوايَةِ أنَّ المُرادَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فَإنَّهُ كانَ مُنافِقًا يَطْلُبُ ما يَكُونُ قَدْحًا في الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وغَيْرُهُ كانَ تابِعًا لَهُ فِيما كانَ يَأْتِي، وكانَ فِيهِمْ مَن لا يُتَّهَمُ بِالنِّفاقِ.
المسألة الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن إضافَةِ الكِبْرِ إلَيْهِ أنَّهُ كانَ مُبْتَدِئًا بِذَلِكَ القَوْلِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ مِنَ العِقابِ مِثْلُ ما حَصَلَ لِكُلِّ مَن قالَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كانَ عَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ وقِيلَ سَبَبُ تِلْكَ الإضافَةِ شِدَّةُ الرَّغْبَةِ في إشاعَةِ تِلْكَ الفاحِشَةِ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ عِقابُ ما اكْتَسَبَ، ولَوْ كانُوا لا يَسْتَحِقُّونَ عَلى ذَلِكَ عِقابًا لَما جازَ أنْ يَقُولَ تَعالى ذَلِكَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتُبْ مِنهم صارَ إلى العَذابِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، لِأنَّ مَعَ اسْتِحْقاقِ العَذابِ لا يَجُوزُ اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ. والجَوابُ: أنَّ الكَلامَ في المُحابَطَةِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلا وجْهَ لِلْإعادَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وعَلْقَمَةَ بْنِ أبِي وقّاصٍ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ كُلُّهم رَوَوْا عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ”«كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ اسْمُها خَرَجَ بِها مَعَهُ، قالَتْ فَأقْرَعَ بَيْنَنا في غَزْوَةٍ غَزاها قَبْلَ غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ فَخَرَجَ فِيها اسْمِي فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الحِجابِ فَحُمِلْتُ في هَوْدَجٍ فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَرُبَ مِنَ المَدِينَةِ نَزَلَ مَنزِلًا ثُمَّ آذَنَ بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ ومَشَيْتُ حَتّى جاوَزْتُ الجَيْشَ فَلَمّا قَضَيْتُ شَأْنِي وأقْبَلْتُ إلى رَحْلَيْ فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإذا عِقْدٌ لِي مِن جَزْعِ أظْفارٍ قَدِ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ والتَمَسْتُ عِقْدِي وحَبَسَنِي طَلَبُهُ.
وأقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كانُوا يُرَحِّلُونَنِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي وهم يَحْسَبُونَ أنِّي فِيهِ لِخِفَّتِي، فَإنِّي كُنْتُ جارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَظَنُّوا أنِّي في الهَوْدَجِ وذَهَبُوا بِالبَعِيرِ، فَلَمّا رَجَعْتُ لَمْ أجِدْ في المَكانِ أحَدًا فَجَلَسْتُ وقُلْتُ لَعَلَّهم يَعُودُونَ في طَلَبِي فَنِمْتُ، وقَدْ كانَ صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ يَمْكُثُ في العَسْكَرِ يَتَتَبَّعُ أمْتِعَةَ النّاسِ فَيَحْمِلُهُ إلى المَنزِلِ الآخَرِ لِئَلّا يَذْهَبَ مِنهم شَيْءٌ فَلَمّا رَآنِي عَرَفَنِي، وقالَ ما خَلَّفَكِ عَنِ النّاسِ ؟ فَأخْبَرْتُهُ الخَبَرَ فَنَزَلَ وتَنَحّى حَتّى رَكِبْتُ، ثُمَّ قادَ البَعِيرَ وافْتَقَدَنِي النّاسُ حِينَ نَزَلُوا وماجَ النّاسُ في ذِكْرِي، فَبَيْنا النّاسُ كَذَلِكَ إذْ هَجَمْتُ عَلَيْهِمْ فَتَكَلَّمَ النّاسُ وخاضُوا في حَدِيثِي، وقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ ولَحِقَنِي
صفحة ١٥٣
وجَعٌ، ولَمْ أرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما عَهِدْتُهُ مِنَ اللُّطْفِ الَّذِي كُنْتُ أعْرِفُ مِنهُ حِينَ أشْتَكِي، إنَّما يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكم فَذاكَ الَّذِي يُرِيبُنِي، ولا أشْعُرُ بَعْدُ بِما جَرى حَتّى نَقِهْتُ فَخَرَجْتُ في بَعْضِ اللَّيالِي مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ لِمُهِمٍّ لَنا، ثُمَّ أقْبَلْتُ أنا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنا مِن شَأْنِنا فَعَثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِها فَقالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَأنْكَرْتُ ذَلِكَ وقُلْتُ أتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا ! فَقالَتْ وما بَلَغَكِ الخَبَرُ ! فَقُلْتُ وما هو فَقالَتْ: أشْهَدُ أنَّكِ مِنَ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ، ثُمَّ أخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ فازْدَدْتُ مَرَضًا عَلى مَرَضِي فَرَجَعْتُ أبْكِي، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ كَيْفَ تِيكم، فَقُلْتُ ائْذَنْ لِي أنْ آتِيَ أبَوِيَّ فَأذِنَ لِي فَجِئْتُ أبَوِيَّ وقُلْتُ لِأُمِّي يا أُمَّهْ ماذا يَتَحَدَّثُ النّاسُ ؟ قالَتْ يا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَواللَّهِ لَقَلَّما كانَتِ امْرَأةٌ وضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّها ولَها ضَرائِرُ إلّا أكْثَرْنَ عَلَيْها، ثُمَّ قالَتْ ألَمْ تَكُونِي عَلِمْتِ ما قِيلَ حَتّى الآنَ ؟ فَأقْبَلْتُ أبْكِي فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أصْبَحْتُ أبْكِي فَدَخَلَ عَلَيَّ أبِي وأنا أبْكِي فَقالَ لِأُمِّي ما يُبْكِيها ؟ قالَتْ لَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ ما قِيلَ فِيها حَتّى الآنَ فَأقْبَلَ يَبْكِي ثم قال اسْكُتِي يا بُنَيَّةُ، ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ واسْتَشارَهُما في فِراقِ أهْلِهِ فَقالَ أُسامَةُ يا رَسُولَ اللَّهِ هم أهْلُكَ ولا نَعْلَمُ إلّا خَيْرًا.
وأمّا عَلِيٌّ فَقالَ لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ والنِّساءُ سِواها كَثِيرٌ، وإنْ تَسْألِ الجارِيَةَ تَصْدُقُكَ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ وسَألَها عَنْ أمْرِي قالَتْ بِرَيْرَةُ يا رَسُولَ اللَّهِ والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنْ رَأيْتُ عَلَيْها أمْرًا قَطُّ أكْثَرَ مِن أنَّها جارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنامُ عَنْ عَجِينِ أهْلِها حَتّى تَأْتِيَ الدّاجِنَ فَتَأْكُلَهُ، قالَتْ فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا عَلى المِنبَرِ، فَقالَ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مَن يَعْذُرُنِي مِن رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أذاهُ في أهْلِي يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فَواللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلّا خَيْرًا.
ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا وما كانَ يَدْخُلُ عَلى أهْلِي إلّا مَعِي، فَقامَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ فَقالَ أعْذُرُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ مِنهُ إنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وإنْ كانَ مِن إخْوانِنا مَنِ الخَزْرَجِ فَما أمَرْتَنا فَعَلْناهُ، فَقامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وهو سَيِّدُ الخَزْرَجِ وكانَ رَجُلًا صالِحًا ولَكِنْ أخَذَتْهُ الحَمِيَّةُ فَقالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ كَذَبْتَ واللَّهِ لا تَقْدِرُ عَلى قَتْلِهِ، فَقامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وهو ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ وقالَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ وإنَّكَ لَمُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقِينَ، فَثارَ الحَيّانِ الأوْسُ والخَزْرَجُ حَتّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المِنبَرِ فَلَمْ يَزَلْ يُخَفِّضُهم حَتّى سَكَتُوا، قالَتْ ومَكَثْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وأبَوايَ يَظُنّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنا هُما جالِسانِ عِنْدِي وأنا أبْكِي إذْ دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قالَتْ ولَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ فِيَّ ما قِيلَ ولَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لا يُوحِي اللَّهُ إلَيْهِ في شَأْنِي شَيْئًا.
ثم قال: أمّا بَعْدُ يا عائِشَةُ فَإنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذا وكَذا فَإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ تَعالى وإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وتُوبِي إلَيْهِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قالَتْ فَلَما قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقالَتَهُ، فاضَ دَمْعِي ثُمَّ قُلْتُ لِأبِي أجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ واللَّهِ ما أدْرِي ما أقُولُ، فَقُلْتُ لِأُمِّي أجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ فَقالَتْ واللَّهِ لا أدْرِي ما أقُولُ، فَقُلْتُ وأنا جارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ ما أقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ كَثِيرًا إنِّي واللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أنَّكم قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذا حَتّى اسْتَقَرَّ في نُفُوسِكم وصَدَّقْتُمْ بِهِ فَإنْ قُلْتُ لَكم إنِّي بَرِيئَةٌ لا تُصَدِّقُونِي وإنِ اعْتَرَفْتُ لَكم بِأمْرٍ واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونِي واللَّهِ لا أجِدُ لِي ولَكم مَثَلًا إلّا كَما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ أبُو يُوسُفَ ولَمْ أذْكُرِ اسْمَهُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالَتْ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ واضْطَجَعْتُ عَلى فِراشِي، وأنا واللَّهِ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبَرِّئُنِي، ولَكِنْ واللَّهِ ما كُنْتُ أظُنُّ أنْ يَنْزِلَ في شَأْنِي وحْيًا يُتْلى فَشَأْنِي كانَ أحْقَرَ في نَفْسِي مِن أنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأمْرٍ يُتْلى، ولَكِنْ كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرى رَسُولُ اللَّهِ في النَّوْمِ رُؤْيا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِها. قالَتْ فَواللَّهِ ما قامَ رَسُولُ اللَّهِ مِن مَجْلِسِهِ ولا خَرَجَ مِن أهْلِ البَيْتِ
صفحة ١٥٤
أحَدٌ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ الوَحْيَ عَلى نَبِيِّهِ، فَأخَذَهُ ما كانَ يَأْخُذُهُ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ حَتّى إنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ عَنْهُ مِثْلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ في اليَوْمِ الشّاتِي مِن ثِقَلِ الوَحْيِ، فَسُجِّيَ بِثَوْبٍ ووُضِعَتْ وِسادَةٌ تَحْتَ رَأْسِهِ فَواللَّهِ ما فَرَغْتُ ولا بالَيْتُ لِعِلْمِي بِبَراءَتِي، وأمّا أبَوايَ فَواللَّهِ ما سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى ظَنَنْتُ أنَّ نَفْسَيْ أبَوَيَّ سَتَخْرُجانِ فَرَقًا مِن أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِتَحْقِيقِ ما قالَ النّاسُ، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ وهو يَضْحَكُ فَكانَ أوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها أنْ قالَ: أبْشِرِي يا عائِشَةُ أما واللَّهِ لَقَدْ بَرَّأكِ اللَّهُ. فَقُلْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ لا بِحَمْدِكَ ولا بِحَمْدِ أصْحابِكَ، فَقالَتْ أُمِّي قَوْمِي إلَيْهِ، فَقَلْتُ واللَّهِ لا أقُومُ إلَيْهِ ولا أحْمَدُ أحَدًا إلّا اللَّهَ أنْزَلَ بَراءَتِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ العَشْرَ آياتٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ واللَّهِ لا أُنْفِقُ عَلى مِسْطَحٍ بَعْدَ هَذا وكانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِقَرابَتِهِ مِنهُ وفَقْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ [النور: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] فَقالَ أبُو بَكْرٍ: بَلى واللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَّعَ النَّفَقَةَ عَلى مِسْطَحٍ قالَتْ فَلَمّا نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المِنبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ فَلَمّا نَزَلَ ضَرَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ومِسْطَحًا وحَمْنَةَ وحَسّانَ الحَدَّ» “ .
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا ذَكَرَ القِصَّةَ وذَكَرَ حالَ المَقْذُوفَيْنِ والقاذِفِينَ عَقَّبَها بِما يَلِيقُ بِها مِنَ الآدابِ والزَّواجِرِ، وهي أنْواعٌ:
النور 24:12
النوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾
وهَذا مِن جُمْلَةِ الآدابِ الَّتِي كانَ يَلْزَمُهُمُ الإتْيانُ بِها، و”لَوْلا“ مَعْناهُ هَلّا وذَلِكَ كَثِيرٌ في اللُّغَةِ إذا كانَ يَلِيهِ الفِعْلُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ [المنافقون: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] فَأمّا إذا ولِيَهُ الِاسْمُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٠] والمُرادُ كانَ الواجِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ سَمِعُوا قَوْلَ القاذِفِ أنْ يُكَذِّبُوهُ ويَشْتَغِلُوا بِإحْسانِ الظَّنِّ ولا يُسْرِعُوا إلى التُّهْمَةِ فِيمَن عَرَفُوا فِيهِ الطَّهارَةَ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلّا قِيلَ لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَنْتُمْ بِأنْفُسِكم خَيْرًا وقُلْتُمْ فَلِمَ عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وعَنِ المُضْمَرِ إلى الظّاهِرِ ؟ الجَوابُ: لِيُبالِغَ في التَّوْبِيخِ بِطَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وفي التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الإيمانِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ فِيهِ يَقْتَضِي أنْ لا يُظَنَّ بِالمُسْلِمِينَ إلّا خَيْرًا، لِأنَّ دِينَهُ يَحْكُمُ بِكَوْنِ المَعْصِيَةِ مَنشَأً لِلضَّرَرِ وعَقْلِهِ يَهْدِيهِ إلى وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ الضَّرَرِ، وهَذا يُوجِبُ حُصُولَ الظَّنِّ بِاحْتِرازِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَإذا وُجِدَ هَذا المُقْتَضى لِلِاحْتِرازِ ولَمْ يُوجَدْ في مُقابَلَتِهِ راجِحٌ يُساوِيهِ في القُوَّةِ وجَبَ إحْسانُ الظَّنِّ، وحَرُمَ الإقْدامُ عَلى الطَّعْنِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ بِأنْفُسِهِمْ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنْ يَظُنَّ بَعْضُهم بِبَعْضٍ خَيْرًا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ومَعْناهُ أيْ بِأمْثالِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم كَأنْفُسِكم،
صفحة ١٥٥
رُوِيَ أنَّ أبا أيُّوبَ الأنْصارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لِأُمِّ أيُّوبَ أما تَرَيْنَ ما يُقالُ ؟ فَقالَتْ لَوْ كُنْتَ بَدَلَ صَفْوانَ أكُنْتَ تَظُنُّ بِحَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ سُوءًا ؟ قالَ لا، قالَتْ ولَوْ كُنْتُ بَدَلَ عائِشَةَ ما خُنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَعائِشَةُ خَيْرٌ مِنِّي وصَفْوانُ خَيْرٌ مِنكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ذَلِكَ مُعاتَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ إذِ المُؤْمِنُ لا يَفْجُرُ بِأُمِّهِ ولا الأُمُّ بِابْنِها، وعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها هي أُمُّ المُؤْمِنِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ المُؤْمِنِينَ كالنَّفْسِ الواحِدَةِ فِيما يَجْرِي عَلَيْها مِنَ الأُمُورِ فَإذا جَرى عَلى أحَدِهِمْ مَكْرُوهٌ، فَكَأنَّهُ جَرى عَلى جَمِيعِهِمْ. عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَثَلُ المُسْلِمِينَ في تَواصُلِهِمْ وتَراحُمِهِمْ كَمِثْلِ الجَسَدِ إذا وجِعَ بَعْضُهُ بِالسَّهَرِ والحُمّى وجِعَ كُلُّهُ» “ وعَنْ أبِي بُرْدَةَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«المُؤْمِنُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» “ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ وهَلْ يَحِلُّ لِمَن يَسْمَعُ ما لا يَعْرِفُهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ، لَكِنَّهُ يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ القاذِفِ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ إلى أمارَةٍ ولا عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في أمْرِ عائِشَةَ لِأنَّ كَوْنَها زَوْجَةَ الرَّسُولِ ﷺ المَعْصُومِ عَنْ جَمِيعِ المُنَفِّراتِ كالدَّلِيلِ القاطِعِ في كَوْنِ ذَلِكَ كَذِبًا، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ فِيمَن كانَ ظاهِرُهُ العَدالَةُ أنْ يُظَنَّ بِهِ خَيْرًا، ويُوجِبَ أنْ يَكُونَ عُقُودُ المُسْلِمِينَ وتَصَرُّفاتُهم مَحْمُولَةً عَلى الصِّحَّةِ والجَوازِ، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن وجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ فاعْتَرَفا بِالتَّزْوِيجِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَكْذِيبُهُما بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُما وزَعَمَ مالِكٌ أنَّهُ يَحُدُّهُما إنْ لَمْ يُقِيما بَيِّنَةً عَلى النِّكاحِ، ومِن ذَلِكَ أيْضًا ما قالَ أصْحابُنا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فِيمَن باعَ دِرْهَمًا ودِينارًا بِدِرْهَمَيْنِ ودِينارَيْنِ إنَّهُ يُخالِفُ بَيْنَهُما لِأنّا قَدْ أُمِرْنا بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالمُؤْمِنِينَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يَجُوزُ وهو المُخالَفَةُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ إذا باعَ سَيْفًا مُحَلًّى فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إنّا نَجْعَلُ المِائَةَ بِالمِائَةِ والفَضْلَ بِالسَّيْفِ، وهو يَدُلُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أنَّ المُسْلِمِينَ عُدُولٌ ما لَمْ يَظْهَرْ مِنهم رِيبَةٌ لِأنّا مَأْمُورُونَ بِحُسْنِ الظَّنِّ، وذَلِكَ يُوجِبُ قَبُولَ الشَّهادَةِ ما لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ رِيبَةٌ تُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَنْها أوْ رَدَّها، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] .
* * *
( لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
النوع الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾
وهَذا مِن بابِ الزَّواجِرِ، والمَعْنى هَلّا أتَوْا عَلى ما ذَكَرُوهُ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى مُعايَنَتِهِمْ فِيما رَمَوْها بِهِ ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ﴾ أيْ فَحِينَ لَمْ يُقِيمُوا بَيِّنَةً عَلى ما قالُوا، ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ هُمُ الكاذِبُونَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ إذا لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَإنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهم صادِقِينَ كَما يَجُوزُ كَوْنُهم كاذِبِينَ فَلِمَ جَزَمَ بِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الَّذِينَ رَمَوْا عائِشَةَ خاصَّةً وهم كانُوا عِنْدَ اللَّهِ كاذِبِينَ.
الثّانِي: المُرادُ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ في حُكْمِ الكاذِبِينَ فَإنَّ الكاذِبَ يَجِبُ زَجْرُهُ عَنِ الكَذِبِ، والقاذِفُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالشُّهُودِ فَإنَّهُ يَجِبُ زَجْرُهُ فَلَمّا كانَ شَأْنُهُ شَأْنَ الكاذِبِ في الزَّجْرِ لا جَرَمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الكاذِبِ مَجازًا.
صفحة ١٥٦
النوع الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
وهَذا مِن بابِ الزَّواجِرِ أيْضًا، ولَوْلا هاهُنا لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، ويُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ وانْدَفَعَ وخاضَ، وفي المَعْنى وجْهانِ:
الأوَّلُ: ولَوْلا أنِّي قَضَيْتُ أنْ أتَفَضَّلَ عَلَيْكم في الدُّنْيا بِضُرُوبِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ لِلتَّوْبَةِ، وأنْ أتَرَحَّمَ عَلَيْكم في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ.
والثّانِي: ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَمَسَّكم فِيما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، فَيَكُونُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والخِطابُ لِلْقَذَفَةِ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وهَذا الفَضْلُ هو حُكْمُ اللَّهِ تَعالى مِن تَأْخِيرِهِ العَذابَ وحُكْمِهِ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ لِمَن تابَ.
النور 24:13
النوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾
وهَذا مِن جُمْلَةِ الآدابِ الَّتِي كانَ يَلْزَمُهُمُ الإتْيانُ بِها، و”لَوْلا“ مَعْناهُ هَلّا وذَلِكَ كَثِيرٌ في اللُّغَةِ إذا كانَ يَلِيهِ الفِعْلُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ [المنافقون: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] فَأمّا إذا ولِيَهُ الِاسْمُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٠] والمُرادُ كانَ الواجِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ سَمِعُوا قَوْلَ القاذِفِ أنْ يُكَذِّبُوهُ ويَشْتَغِلُوا بِإحْسانِ الظَّنِّ ولا يُسْرِعُوا إلى التُّهْمَةِ فِيمَن عَرَفُوا فِيهِ الطَّهارَةَ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلّا قِيلَ لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَنْتُمْ بِأنْفُسِكم خَيْرًا وقُلْتُمْ فَلِمَ عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وعَنِ المُضْمَرِ إلى الظّاهِرِ ؟ الجَوابُ: لِيُبالِغَ في التَّوْبِيخِ بِطَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وفي التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الإيمانِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ فِيهِ يَقْتَضِي أنْ لا يُظَنَّ بِالمُسْلِمِينَ إلّا خَيْرًا، لِأنَّ دِينَهُ يَحْكُمُ بِكَوْنِ المَعْصِيَةِ مَنشَأً لِلضَّرَرِ وعَقْلِهِ يَهْدِيهِ إلى وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ الضَّرَرِ، وهَذا يُوجِبُ حُصُولَ الظَّنِّ بِاحْتِرازِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَإذا وُجِدَ هَذا المُقْتَضى لِلِاحْتِرازِ ولَمْ يُوجَدْ في مُقابَلَتِهِ راجِحٌ يُساوِيهِ في القُوَّةِ وجَبَ إحْسانُ الظَّنِّ، وحَرُمَ الإقْدامُ عَلى الطَّعْنِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ بِأنْفُسِهِمْ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنْ يَظُنَّ بَعْضُهم بِبَعْضٍ خَيْرًا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ومَعْناهُ أيْ بِأمْثالِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم كَأنْفُسِكم،
صفحة ١٥٥
رُوِيَ أنَّ أبا أيُّوبَ الأنْصارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لِأُمِّ أيُّوبَ أما تَرَيْنَ ما يُقالُ ؟ فَقالَتْ لَوْ كُنْتَ بَدَلَ صَفْوانَ أكُنْتَ تَظُنُّ بِحَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ سُوءًا ؟ قالَ لا، قالَتْ ولَوْ كُنْتُ بَدَلَ عائِشَةَ ما خُنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَعائِشَةُ خَيْرٌ مِنِّي وصَفْوانُ خَيْرٌ مِنكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ذَلِكَ مُعاتَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ إذِ المُؤْمِنُ لا يَفْجُرُ بِأُمِّهِ ولا الأُمُّ بِابْنِها، وعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها هي أُمُّ المُؤْمِنِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ المُؤْمِنِينَ كالنَّفْسِ الواحِدَةِ فِيما يَجْرِي عَلَيْها مِنَ الأُمُورِ فَإذا جَرى عَلى أحَدِهِمْ مَكْرُوهٌ، فَكَأنَّهُ جَرى عَلى جَمِيعِهِمْ. عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَثَلُ المُسْلِمِينَ في تَواصُلِهِمْ وتَراحُمِهِمْ كَمِثْلِ الجَسَدِ إذا وجِعَ بَعْضُهُ بِالسَّهَرِ والحُمّى وجِعَ كُلُّهُ» “ وعَنْ أبِي بُرْدَةَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«المُؤْمِنُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» “ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ وهَلْ يَحِلُّ لِمَن يَسْمَعُ ما لا يَعْرِفُهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ، لَكِنَّهُ يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ القاذِفِ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ إلى أمارَةٍ ولا عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في أمْرِ عائِشَةَ لِأنَّ كَوْنَها زَوْجَةَ الرَّسُولِ ﷺ المَعْصُومِ عَنْ جَمِيعِ المُنَفِّراتِ كالدَّلِيلِ القاطِعِ في كَوْنِ ذَلِكَ كَذِبًا، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ فِيمَن كانَ ظاهِرُهُ العَدالَةُ أنْ يُظَنَّ بِهِ خَيْرًا، ويُوجِبَ أنْ يَكُونَ عُقُودُ المُسْلِمِينَ وتَصَرُّفاتُهم مَحْمُولَةً عَلى الصِّحَّةِ والجَوازِ، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن وجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ فاعْتَرَفا بِالتَّزْوِيجِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَكْذِيبُهُما بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُما وزَعَمَ مالِكٌ أنَّهُ يَحُدُّهُما إنْ لَمْ يُقِيما بَيِّنَةً عَلى النِّكاحِ، ومِن ذَلِكَ أيْضًا ما قالَ أصْحابُنا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فِيمَن باعَ دِرْهَمًا ودِينارًا بِدِرْهَمَيْنِ ودِينارَيْنِ إنَّهُ يُخالِفُ بَيْنَهُما لِأنّا قَدْ أُمِرْنا بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالمُؤْمِنِينَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يَجُوزُ وهو المُخالَفَةُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ إذا باعَ سَيْفًا مُحَلًّى فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إنّا نَجْعَلُ المِائَةَ بِالمِائَةِ والفَضْلَ بِالسَّيْفِ، وهو يَدُلُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أنَّ المُسْلِمِينَ عُدُولٌ ما لَمْ يَظْهَرْ مِنهم رِيبَةٌ لِأنّا مَأْمُورُونَ بِحُسْنِ الظَّنِّ، وذَلِكَ يُوجِبُ قَبُولَ الشَّهادَةِ ما لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ رِيبَةٌ تُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَنْها أوْ رَدَّها، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] .
* * *
( لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
النوع الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾
وهَذا مِن بابِ الزَّواجِرِ، والمَعْنى هَلّا أتَوْا عَلى ما ذَكَرُوهُ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى مُعايَنَتِهِمْ فِيما رَمَوْها بِهِ ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ﴾ أيْ فَحِينَ لَمْ يُقِيمُوا بَيِّنَةً عَلى ما قالُوا، ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ هُمُ الكاذِبُونَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ إذا لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَإنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهم صادِقِينَ كَما يَجُوزُ كَوْنُهم كاذِبِينَ فَلِمَ جَزَمَ بِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الَّذِينَ رَمَوْا عائِشَةَ خاصَّةً وهم كانُوا عِنْدَ اللَّهِ كاذِبِينَ.
الثّانِي: المُرادُ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ في حُكْمِ الكاذِبِينَ فَإنَّ الكاذِبَ يَجِبُ زَجْرُهُ عَنِ الكَذِبِ، والقاذِفُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالشُّهُودِ فَإنَّهُ يَجِبُ زَجْرُهُ فَلَمّا كانَ شَأْنُهُ شَأْنَ الكاذِبِ في الزَّجْرِ لا جَرَمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الكاذِبِ مَجازًا.
صفحة ١٥٦
النوع الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
وهَذا مِن بابِ الزَّواجِرِ أيْضًا، ولَوْلا هاهُنا لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، ويُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ وانْدَفَعَ وخاضَ، وفي المَعْنى وجْهانِ:
الأوَّلُ: ولَوْلا أنِّي قَضَيْتُ أنْ أتَفَضَّلَ عَلَيْكم في الدُّنْيا بِضُرُوبِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ لِلتَّوْبَةِ، وأنْ أتَرَحَّمَ عَلَيْكم في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ.
والثّانِي: ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَمَسَّكم فِيما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، فَيَكُونُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والخِطابُ لِلْقَذَفَةِ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وهَذا الفَضْلُ هو حُكْمُ اللَّهِ تَعالى مِن تَأْخِيرِهِ العَذابَ وحُكْمِهِ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ لِمَن تابَ.
النور 24:14
النوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾
وهَذا مِن جُمْلَةِ الآدابِ الَّتِي كانَ يَلْزَمُهُمُ الإتْيانُ بِها، و”لَوْلا“ مَعْناهُ هَلّا وذَلِكَ كَثِيرٌ في اللُّغَةِ إذا كانَ يَلِيهِ الفِعْلُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ [المنافقون: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] فَأمّا إذا ولِيَهُ الِاسْمُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٠] والمُرادُ كانَ الواجِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ سَمِعُوا قَوْلَ القاذِفِ أنْ يُكَذِّبُوهُ ويَشْتَغِلُوا بِإحْسانِ الظَّنِّ ولا يُسْرِعُوا إلى التُّهْمَةِ فِيمَن عَرَفُوا فِيهِ الطَّهارَةَ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلّا قِيلَ لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَنْتُمْ بِأنْفُسِكم خَيْرًا وقُلْتُمْ فَلِمَ عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وعَنِ المُضْمَرِ إلى الظّاهِرِ ؟ الجَوابُ: لِيُبالِغَ في التَّوْبِيخِ بِطَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وفي التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الإيمانِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ فِيهِ يَقْتَضِي أنْ لا يُظَنَّ بِالمُسْلِمِينَ إلّا خَيْرًا، لِأنَّ دِينَهُ يَحْكُمُ بِكَوْنِ المَعْصِيَةِ مَنشَأً لِلضَّرَرِ وعَقْلِهِ يَهْدِيهِ إلى وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ الضَّرَرِ، وهَذا يُوجِبُ حُصُولَ الظَّنِّ بِاحْتِرازِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَإذا وُجِدَ هَذا المُقْتَضى لِلِاحْتِرازِ ولَمْ يُوجَدْ في مُقابَلَتِهِ راجِحٌ يُساوِيهِ في القُوَّةِ وجَبَ إحْسانُ الظَّنِّ، وحَرُمَ الإقْدامُ عَلى الطَّعْنِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ بِأنْفُسِهِمْ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنْ يَظُنَّ بَعْضُهم بِبَعْضٍ خَيْرًا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ومَعْناهُ أيْ بِأمْثالِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم كَأنْفُسِكم،
صفحة ١٥٥
رُوِيَ أنَّ أبا أيُّوبَ الأنْصارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لِأُمِّ أيُّوبَ أما تَرَيْنَ ما يُقالُ ؟ فَقالَتْ لَوْ كُنْتَ بَدَلَ صَفْوانَ أكُنْتَ تَظُنُّ بِحَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ سُوءًا ؟ قالَ لا، قالَتْ ولَوْ كُنْتُ بَدَلَ عائِشَةَ ما خُنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَعائِشَةُ خَيْرٌ مِنِّي وصَفْوانُ خَيْرٌ مِنكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ذَلِكَ مُعاتَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ إذِ المُؤْمِنُ لا يَفْجُرُ بِأُمِّهِ ولا الأُمُّ بِابْنِها، وعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها هي أُمُّ المُؤْمِنِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ المُؤْمِنِينَ كالنَّفْسِ الواحِدَةِ فِيما يَجْرِي عَلَيْها مِنَ الأُمُورِ فَإذا جَرى عَلى أحَدِهِمْ مَكْرُوهٌ، فَكَأنَّهُ جَرى عَلى جَمِيعِهِمْ. عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَثَلُ المُسْلِمِينَ في تَواصُلِهِمْ وتَراحُمِهِمْ كَمِثْلِ الجَسَدِ إذا وجِعَ بَعْضُهُ بِالسَّهَرِ والحُمّى وجِعَ كُلُّهُ» “ وعَنْ أبِي بُرْدَةَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«المُؤْمِنُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» “ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ وهَلْ يَحِلُّ لِمَن يَسْمَعُ ما لا يَعْرِفُهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ، لَكِنَّهُ يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ القاذِفِ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ إلى أمارَةٍ ولا عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في أمْرِ عائِشَةَ لِأنَّ كَوْنَها زَوْجَةَ الرَّسُولِ ﷺ المَعْصُومِ عَنْ جَمِيعِ المُنَفِّراتِ كالدَّلِيلِ القاطِعِ في كَوْنِ ذَلِكَ كَذِبًا، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ فِيمَن كانَ ظاهِرُهُ العَدالَةُ أنْ يُظَنَّ بِهِ خَيْرًا، ويُوجِبَ أنْ يَكُونَ عُقُودُ المُسْلِمِينَ وتَصَرُّفاتُهم مَحْمُولَةً عَلى الصِّحَّةِ والجَوازِ، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن وجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ فاعْتَرَفا بِالتَّزْوِيجِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَكْذِيبُهُما بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُما وزَعَمَ مالِكٌ أنَّهُ يَحُدُّهُما إنْ لَمْ يُقِيما بَيِّنَةً عَلى النِّكاحِ، ومِن ذَلِكَ أيْضًا ما قالَ أصْحابُنا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فِيمَن باعَ دِرْهَمًا ودِينارًا بِدِرْهَمَيْنِ ودِينارَيْنِ إنَّهُ يُخالِفُ بَيْنَهُما لِأنّا قَدْ أُمِرْنا بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالمُؤْمِنِينَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يَجُوزُ وهو المُخالَفَةُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ إذا باعَ سَيْفًا مُحَلًّى فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إنّا نَجْعَلُ المِائَةَ بِالمِائَةِ والفَضْلَ بِالسَّيْفِ، وهو يَدُلُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أنَّ المُسْلِمِينَ عُدُولٌ ما لَمْ يَظْهَرْ مِنهم رِيبَةٌ لِأنّا مَأْمُورُونَ بِحُسْنِ الظَّنِّ، وذَلِكَ يُوجِبُ قَبُولَ الشَّهادَةِ ما لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ رِيبَةٌ تُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَنْها أوْ رَدَّها، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] .
* * *
( لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
النوع الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾
وهَذا مِن بابِ الزَّواجِرِ، والمَعْنى هَلّا أتَوْا عَلى ما ذَكَرُوهُ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى مُعايَنَتِهِمْ فِيما رَمَوْها بِهِ ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ﴾ أيْ فَحِينَ لَمْ يُقِيمُوا بَيِّنَةً عَلى ما قالُوا، ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ هُمُ الكاذِبُونَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ إذا لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَإنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهم صادِقِينَ كَما يَجُوزُ كَوْنُهم كاذِبِينَ فَلِمَ جَزَمَ بِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الَّذِينَ رَمَوْا عائِشَةَ خاصَّةً وهم كانُوا عِنْدَ اللَّهِ كاذِبِينَ.
الثّانِي: المُرادُ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ في حُكْمِ الكاذِبِينَ فَإنَّ الكاذِبَ يَجِبُ زَجْرُهُ عَنِ الكَذِبِ، والقاذِفُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالشُّهُودِ فَإنَّهُ يَجِبُ زَجْرُهُ فَلَمّا كانَ شَأْنُهُ شَأْنَ الكاذِبِ في الزَّجْرِ لا جَرَمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الكاذِبِ مَجازًا.
صفحة ١٥٦
النوع الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
وهَذا مِن بابِ الزَّواجِرِ أيْضًا، ولَوْلا هاهُنا لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، ويُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ وانْدَفَعَ وخاضَ، وفي المَعْنى وجْهانِ:
الأوَّلُ: ولَوْلا أنِّي قَضَيْتُ أنْ أتَفَضَّلَ عَلَيْكم في الدُّنْيا بِضُرُوبِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ لِلتَّوْبَةِ، وأنْ أتَرَحَّمَ عَلَيْكم في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ.
والثّانِي: ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَمَسَّكم فِيما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، فَيَكُونُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والخِطابُ لِلْقَذَفَةِ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وهَذا الفَضْلُ هو حُكْمُ اللَّهِ تَعالى مِن تَأْخِيرِهِ العَذابَ وحُكْمِهِ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ لِمَن تابَ.
النور 24:15
النوع الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾
وهَذا أيْضًا مِنَ الزَّواجِرِ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”إذْ“ ظَرْفٌ لِـ”مَسَّكُمْ“ أوْ لِـ ”﴿أفَضْتُمْ﴾“ ومَعْنى ”﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾“ يَأْخُذُهُ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ يُقالُ تَلَقّى القَوْلَ وتَلَقَّنَهُ وتَلَقَّفَهُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وقُرِئَ عَلى الأصْلِ ”تَتَلَقَّوْنَهُ“ و”إتَّلَقَّوْنَهُ“ بِإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ وتَلَقَّوْنَهُ مِن لَقِيَهُ بِمَعْنى لَفِقَهُ وتُلْقُونَهُ مِن إلْقائِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وتَلِقُونَهُ وتَأْلِقُونَهُ مِنَ الوَلْقِ والألْقِ وهو الكَذِبُ، وتَلِقُونَهُ مَحْكِيَّةٌ عَنْ عائِشَةَ، وعَنْ سُفْيانَ: سَمِعْتُ أُمِّي تَقْرَأُ إذْ تَثَقَّفُونَهُ، وكانَ أبُوها يَقْرَأُ بِحَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِارْتِكابِ ثَلاثَةِ آثامٍ وعَلَّقَ مَسَّ العَذابِ العَظِيمِ بِها؛ أحَدُها: تَلَقِّي الإفْكِ بِألْسِنَتِهِمْ وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ ما وراءَكَ ؟ فَيُحَدِّثُهُ بِحَدِيثِ الإفْكِ حَتّى شاعَ واشْتَهَرَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ ولا نادٍ إلّا طارَ فِيهِ، فَكَأنَّهم سَعَوْا في إشاعَةِ الفاحِشَةِ وذَلِكَ مِنَ العَظائِمِ.
وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْبارُ إلّا مَعَ العِلْمِ فَأمّا الَّذِي لا يُعْلَمُ صِدْقُهُ فالإخْبارُ عَنْهُ كالإخْبارِ عَمّا عُلِمَ كَذِبُهُ في الحُرْمَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِأفْواهِكُمْ﴾ والقَوْلُ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ ؟ قُلْنا مَعْناهُ أنَّ الشَّيْءَ المَعْلُومَ يَكُونُ عِلْمُهُ في القَلْبِ فَيُتَرْجَمُ عَنْهُ بِاللِّسانِ وهَذا الإفْكُ لَيْسَ إلّا قَوْلًا يَجْرِي عَلى ألْسِنَتِكم مِن غَيْرِ أنْ يَحْصُلَ في القَلْبِ عِلْمٌ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] . وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يَسْتَصْغِرُونَ ذَلِكَ وهو عَظِيمٌ مِنَ العَظائِمِ، ويَدُلُّ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
الأوَّلُ: يَدُلُّ عَلى أنَّ القَذْفَ مِنَ الكَبائِرِ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾
الثّانِي: نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ عَلى أنَّ عِظَمَ المَعْصِيَةِ لا يَخْتَلِفُ بِظَنِّ فاعِلِها وحُسْبانِهِ، بَلْ رُبَّما كانَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِعِظَمِها مِن حَيْثُ جَهْلِ كَوْنِها عَظِيمًا.
الثّالِثُ: الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ في كُلِّ مُحَرَّمٍ أنْ يَسْتَعْظِمَ الإقْدامَ عَلَيْهِ، إذْ لا يَأْمَنُ أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، وقِيلَ لا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ.
النور 24:16
النوع الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾
وهَذا مِن بابِ الآدابِ، أيْ هَلّا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا، وإنَّما وجَبَ عَلَيْهِمُ الِامْتِناعُ مِنهُ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُقْتَضى لِكَوْنِهِمْ تارِكِينَ لِهَذا الفِعْلِ قائِمٌ وهو العَقْلُ والدِّينُ، ولَمْ يُوجَدْ ما يُعارِضُهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ظَنُّ كَوْنِهِمْ تارِكِينَ لِلْمَعْصِيَةِ أقْوى مِن ظَنِّ كَوْنِهِمْ فاعِلِينَ لَها، فَلَوْ أنَّهُ أخْبَرَ عَنْ صُدُورِ المَعْصِيَةِ لَكانَ قَدْ رَجَّحَ المَرْجُوحَ عَلى الرّاجِحِ وهو غَيْرُ جائِزٍ.
وثانِيها: وهو أنَّهُ يَتَضَمَّنُ إيذاءَ الرَّسُولِ وذَلِكَ سَبَبٌ لِلَّعْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] .
وثالِثُها: أنَّهُ سَبَبٌ لِإيذاءِ عائِشَةَ وإيذاءِ أبَوَيْها ومَن يَتَّصِلُ بِهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ عُرِفَ إقْدامُهم عَلَيْهِ، ولا جِنايَةَ عُرِفَ صُدُورُها عَنْهم، وذَلِكَ حَرامٌ.
ورابِعُها: أنَّهُ إقْدامٌ عَلى ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلضَّرَرِ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ، والعَقْلُ يَقْتَضِي التَّباعُدَ عَنْهُ لِأنَّ القاذِفَ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ صادِقًا لا يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلى صِدْقِهِ بَلْ يَسْتَحِقُّ العِقابَ لِأنَّهُ أشاعَ الفاحِشَةَ، وبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا فَإنَّهُ يَسْتَحِقُّ العِقابَ العَظِيمَ، ومِثْلُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي صَرِيحُ العَقْلِ الِاحْتِرازَ عَنْهُ.
وخامِسُها: أنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْوَقْتِ بِما لا فائِدَةَ فِيهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ“» وسادِسُها: أنَّ في إظْهارِ مَحاسِنِ النّاسِ وسَتْرِ مَقابِحِهِمْ تَخَلُّقًا بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”تَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ اللَّهِ“» فَهَذِهِ الوُجُوهُ تُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنَّهُ إذا سَمِعَ القَذْفَ أنْ يَسْكُتَ عَنْهُ وأنْ يَجْتَهِدَ في الِاحْتِرازِ عَنِ الوُقُوعِ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ جازَ الفَصْلُ بَيْنَ ”لَوْلا“ وبَيْنَ ”قُلْتُمْ“ بِالظَّرْفِ ؟ قُلْنا الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَحْتَرِزُوا أوَّلَ ما سَمِعُوا بِالإفْكِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَلِيقُ ”سُبْحانَكَ“ بِهَذا المَوْضِعِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ التَّعَجُّبُ مِن عِظَمِ الأمْرِ، وإنَّما اسْتُعْمِلَ في مَعْنى التَّعَجُّبِ لِأنَّهُ يُسَبَّحُ اللَّهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَجِيبِ مِن صانِعِهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ.
الثّانِي: المُرادُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ تَكُونَ زَوْجَةُ نَبِيِّهِ فاجِرَةً.
الثّالِثُ: أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَرْضى بِظُلْمِ هَؤُلاءِ الفِرْقَةِ المُفْتَرِينَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ لا يُعاقِبَ هَؤُلاءِ القَذَفَةَ الظَّلَمَةَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ أُوجِبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ مَعَ أنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ بِكَوْنِهِ كَذِبًا قَطْعًا ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ بُهْتانًا، لِأنَّ زَوْجَةَ الرَّسُولِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ فاجِرَةً.
الثّانِي: أنَّهم لَمّا جَزَمُوا أنَّهم ما كانُوا ظانِّينَ لَهُ بِالقَلْبِ كانَ إخْبارُهم عَنْ ذَلِكَ الجَزْمِ كَذِبًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] .
النور 24:17
النوع السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
صفحة ١٥٨
وهَذا مِن بابِ الزَّواجِرِ، والمَعْنى يَعِظُكُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ المَواعِظِ الَّتِي بِها تَعْرِفُونَ عِظَمَ هَذا الذَّنَبِ، وأنَّ فِيهِ الحَدَّ والنَّكالَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآخِرَةِ، لِكَيْ لا تَعُودُوا إلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ أبَدًا، وأبَدُهم ما دامُوا أحْياءً مُكَلَّفِينَ، وقَدْ دَخَلَ تَحْتَ ذَلِكَ مَن قالَ ومَن سَمِعَ فَلَمْ يُنْكِرْ، لِأنَّ حالَهُما سَواءٌ في أنْ فَعَلا ما لا يَجُوزُ وإنْ كانَ مَن أقْدَمَ عَلَيْهِ أعْظَمَ ذَنْبًا، فَبَيَّنَ أنَّ الغَرَضَ بِما عَرَّفَهم مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أنْ لا يَعُودُوا إلى مِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِنهم وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ تَرْكَ القَذْفِ مِنَ الإيمانِ وعَلى أنَّ فِعْلَ القَذْفِ لا يَبْقى مَعَهُ الإيمانُ، لِأنَّ المُعَلَّقَ عَلى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، والجَوابُ: هَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ أيْ مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القَذْفَ لا يُوجِبُ الخُرُوجَ عَنِ الإيمانِ وإذا ثَبَتَ التَّعارُضُ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى التَّهْيِيجِ في الِاتِّعاظِ والِانْزِجارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن جَمِيعِ مَن وعَظَهُ مُجانَبَةَ مِثْلِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن لا يُطِيعُ، فَمِن هَذا الوجه تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِن كُلِّهِمُ الطّاعَةَ وإنْ عَصَوْا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا﴾ مَعْناهُ لِكَيْ لا تَعُودُوا لِمِثْلِهِ وذَلِكَ دَلالَةُ الإرادَةِ. والجَوابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
المسألة الثّالِثَةُ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى اللَّهُ تَعالى واعِظًا لِقَوْلِهِ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا﴾ ؟ الأظْهَرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ كَما لا يَجُوزُ أنْ يُسَمّى مُعَلِّمًا لِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فالمُرادُ مِنَ الآياتِ ما بِهِ يَعْرِفُ المَرْءُ ما يَنْبَغِي أنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لِكَوْنِهِ عَلِيمًا حَكِيمًا يُؤَثِّرُ بِما يَجِبُ أنْ يُبَيِّنَهُ ويَجِبُ أنْ يُطاعَ لِأجْلِ ذَلِكَ، لِأنَّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا لا يَجِبُ قَبُولُ تَكْلِيفِهِ، لِأنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يَنْبَغِي، ولِأنَّ المُكَلَّفَ إذا أطاعَهُ فَقَدْ لا يَعْلَمُ أنَّهُ أطاعَهُ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلطّاعَةِ فائِدَةٌ، وأمّا مَن كانَ عالِمًا لَكِنَّهُ لا يَكُونُ حَكِيمًا فَقَدْ يَأْمُرُهُ بِما لا يَنْبَغِي فَإذا أطاعَهُ المُكَلَّفُ فَقَدْ يُعَذِّبُ المُطِيعَ وقَدْ يُثِيبُ العاصِيَ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلطّاعَةِ فائِدَةٌ، وأمّا إذا كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا فَإنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَنْبَغِي ولا يُهْمِلُ جَزاءَ المُسْتَحِقِّينَ، فَلِهَذا ذَكَرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: الحَكِيمُ هو الَّذِي لا يَأْتِي بِما لا يَنْبَغِي، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ عالِمًا بِقُبْحِ القَبِيحِ وعالِمًا بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ فَيَكُونُ العَلِيمُ داخِلًا في الحَكِيمِ، فَكانَ ذِكْرُ الحَكِيمِ مُغْنِيًا عَنْهُ. هَذا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فالحِكْمَةُ هي العِلْمُ فَقَطْ، فَذِكْرُ العَلِيمِ الحَكِيمِ يَكُونُ تَكْرارًا مَحْضًا، الجَوابُ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّأْكِيدِ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ إنَّما يَجِبُ قَبُولُ بَيانِ اللَّهِ تَعالى لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ عالِمًا حَكِيمًا، والحَكِيمُ هو الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبائِحَ فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ خالِقًا لِلْقَبائِحِ لَما جازَ الِاعْتِمادُ عَلى وعْدِهِ ووَعِيدِهِ. والجَوابُ: الحَكِيمُ عِنْدَنا هو العَلِيمُ، وإنَّما يَجُوزُ الِاعْتِمادُ عَلى قَوْلِهِ لِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَإنَّ الجاهِلَ لا اعْتِمادَ عَلى قَوْلِهِ البَتَّةَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾ أيْ لِأجْلِكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَهُ مُعَلَّلَةٌ
صفحة ١٥٩
بِالأغْراضِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكُمُ﴾ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ نَفْسَ ذَواتِهِمْ بَلِ الغَرَضُ حُصُولَ انْتِفاعِهِمْ وطاعَتِهِمْ وإيمانِهِمْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ، والجَوابُ: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَعَلَ بِهِمْ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ ذَلِكَ غَرَضًا.
النور 24:18
النوع السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
صفحة ١٥٨
وهَذا مِن بابِ الزَّواجِرِ، والمَعْنى يَعِظُكُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ المَواعِظِ الَّتِي بِها تَعْرِفُونَ عِظَمَ هَذا الذَّنَبِ، وأنَّ فِيهِ الحَدَّ والنَّكالَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآخِرَةِ، لِكَيْ لا تَعُودُوا إلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ أبَدًا، وأبَدُهم ما دامُوا أحْياءً مُكَلَّفِينَ، وقَدْ دَخَلَ تَحْتَ ذَلِكَ مَن قالَ ومَن سَمِعَ فَلَمْ يُنْكِرْ، لِأنَّ حالَهُما سَواءٌ في أنْ فَعَلا ما لا يَجُوزُ وإنْ كانَ مَن أقْدَمَ عَلَيْهِ أعْظَمَ ذَنْبًا، فَبَيَّنَ أنَّ الغَرَضَ بِما عَرَّفَهم مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أنْ لا يَعُودُوا إلى مِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِنهم وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ تَرْكَ القَذْفِ مِنَ الإيمانِ وعَلى أنَّ فِعْلَ القَذْفِ لا يَبْقى مَعَهُ الإيمانُ، لِأنَّ المُعَلَّقَ عَلى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، والجَوابُ: هَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ أيْ مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القَذْفَ لا يُوجِبُ الخُرُوجَ عَنِ الإيمانِ وإذا ثَبَتَ التَّعارُضُ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى التَّهْيِيجِ في الِاتِّعاظِ والِانْزِجارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن جَمِيعِ مَن وعَظَهُ مُجانَبَةَ مِثْلِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن لا يُطِيعُ، فَمِن هَذا الوجه تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِن كُلِّهِمُ الطّاعَةَ وإنْ عَصَوْا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا﴾ مَعْناهُ لِكَيْ لا تَعُودُوا لِمِثْلِهِ وذَلِكَ دَلالَةُ الإرادَةِ. والجَوابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
المسألة الثّالِثَةُ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى اللَّهُ تَعالى واعِظًا لِقَوْلِهِ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا﴾ ؟ الأظْهَرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ كَما لا يَجُوزُ أنْ يُسَمّى مُعَلِّمًا لِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فالمُرادُ مِنَ الآياتِ ما بِهِ يَعْرِفُ المَرْءُ ما يَنْبَغِي أنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لِكَوْنِهِ عَلِيمًا حَكِيمًا يُؤَثِّرُ بِما يَجِبُ أنْ يُبَيِّنَهُ ويَجِبُ أنْ يُطاعَ لِأجْلِ ذَلِكَ، لِأنَّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا لا يَجِبُ قَبُولُ تَكْلِيفِهِ، لِأنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يَنْبَغِي، ولِأنَّ المُكَلَّفَ إذا أطاعَهُ فَقَدْ لا يَعْلَمُ أنَّهُ أطاعَهُ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلطّاعَةِ فائِدَةٌ، وأمّا مَن كانَ عالِمًا لَكِنَّهُ لا يَكُونُ حَكِيمًا فَقَدْ يَأْمُرُهُ بِما لا يَنْبَغِي فَإذا أطاعَهُ المُكَلَّفُ فَقَدْ يُعَذِّبُ المُطِيعَ وقَدْ يُثِيبُ العاصِيَ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلطّاعَةِ فائِدَةٌ، وأمّا إذا كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا فَإنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَنْبَغِي ولا يُهْمِلُ جَزاءَ المُسْتَحِقِّينَ، فَلِهَذا ذَكَرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: الحَكِيمُ هو الَّذِي لا يَأْتِي بِما لا يَنْبَغِي، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ عالِمًا بِقُبْحِ القَبِيحِ وعالِمًا بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ فَيَكُونُ العَلِيمُ داخِلًا في الحَكِيمِ، فَكانَ ذِكْرُ الحَكِيمِ مُغْنِيًا عَنْهُ. هَذا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فالحِكْمَةُ هي العِلْمُ فَقَطْ، فَذِكْرُ العَلِيمِ الحَكِيمِ يَكُونُ تَكْرارًا مَحْضًا، الجَوابُ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّأْكِيدِ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ إنَّما يَجِبُ قَبُولُ بَيانِ اللَّهِ تَعالى لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ عالِمًا حَكِيمًا، والحَكِيمُ هو الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبائِحَ فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ خالِقًا لِلْقَبائِحِ لَما جازَ الِاعْتِمادُ عَلى وعْدِهِ ووَعِيدِهِ. والجَوابُ: الحَكِيمُ عِنْدَنا هو العَلِيمُ، وإنَّما يَجُوزُ الِاعْتِمادُ عَلى قَوْلِهِ لِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَإنَّ الجاهِلَ لا اعْتِمادَ عَلى قَوْلِهِ البَتَّةَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾ أيْ لِأجْلِكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَهُ مُعَلَّلَةٌ
صفحة ١٥٩
بِالأغْراضِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكُمُ﴾ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ نَفْسَ ذَواتِهِمْ بَلِ الغَرَضُ حُصُولَ انْتِفاعِهِمْ وطاعَتِهِمْ وإيمانِهِمْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ، والجَوابُ: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَعَلَ بِهِمْ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ ذَلِكَ غَرَضًا.
النور 24:19
النوع السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلى أهْلِ الإفْكِ وما عَلى مَن سَمِعَ مِنهم، وما يَنْبَغِي أنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ مِن آدابِ الدِّينِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّ مَن أحَبَّ ذَلِكَ فَقَدْ شارَكَ في هَذا الذَّمِّ كَما شارَكَ فِيهِ مَن فَعَلَهُ ومَن لَمْ يُنْكِرْهُ، ولِيُعْلَمَ أنَّ أهْلَ الأفْكِ كَما عَلَيْهِمُ العُقُوبَةُ فِيما أظْهَرُوهُ، فَكَذَلِكَ يَسْتَحِقُّونَ العِقابَ بِما أسَرُّوهُ مِن مَحَبَّةِ إشاعَةِ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَلامَةِ القَلْبِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَوُجُوبِ كَفِّ الجَوارِحِ والقَوْلِ عَمّا يَضُرُّ بِهِمْ، وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: مَعْنى الإشاعَةِ الِانْتِشارُ يُقالُ في هَذا العَقارِ سَهْمٌ شائِعٌ إذا كانَ في الجَمِيعِ ولَمْ يَكُنْ مُنْفَصِلًا، وشاعَ الحَدِيثُ إذا ظَهَرَ في العامَّةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ وأنَّهُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَذْفِ عائِشَةَ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَوَجَبَ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها في العُمُومِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُها بِقَذَفَةِ عائِشَةَ قَوْلُهُ تَعالى في: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّهُ صِيغَةُ جَمْعٍ ولَوْ أرادَ عائِشَةَ وحْدَها لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، والَّذِينَ خَصَّصُوهُ بِقَذَفَةِ عائِشَةَ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، لِأنَّهُ هو الَّذِي سَعى في إشاعَةِ الفاحِشَةِ، قالُوا مَعْنى الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ - والمُرادُ عَبْدُ اللَّهِ - ”﴿أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾“ أيْ: الزِّنا ”﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾“ أيْ في عائِشَةَ وصَفْوانَ.
المسألة الثّالِثَةُ: رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنِّي لَأعْرِفُ قَوْمًا يَضْرِبُونَ صُدُورَهم ضَرْبًا يَسْمَعُهُ أهْلُ النّارِ، وهُمُ الهَمّازُونَ اللَّمّازُونَ الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ ويَهْتِكُونَ سُتُورَهم ويُشِيعُونَ فِيهِمْ مِنَ الفَواحِشِ ما لَيْسَ فِيهِمْ» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”لا يَسْتُرُ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ عَوْرَةَ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إلّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ومَن أقالَ مُسْلِمًا صَفْقَتَهُ أقالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ومَن سَتَرَ عَوْرَتَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ القِيامَةِ“» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ“» .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«مَن سَرَّهُ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وهو يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ويُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ» “ وعَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يُؤْمِنُ العَبْدُ حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ» “ .
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في عَذابِ الدُّنْيا، فَقالَ بَعْضُهم: إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِمْ، وقالَ بَعْضُهم هو الحَدُّ
صفحة ١٦٠
واللَّعْنُ والعَداوَةُ مِنَ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ، ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وحَسّانَ ومِسْطَحًا، وقَعَدَ صَفْوانُ لِحَسّانَ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ فَكَفَّ بَصَرَهُ، وقالَ الحَسَنُ عَنى بِهِ المُنافِقِينَ لِأنَّهم قَصَدُوا أنْ يَغُمُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومَن أرادَ غَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهو كافِرٌ، وعَذابُهم في الدُّنْيا هو ما كانُوا يَتْعَبُونَ فِيهِ ويُنْفِقُونَ لِمُقاتَلَةِ أوْلِيائِهِمْ مَعَ أعْدائِهِمْ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الَّذِينَ يُحِبُّونَ هُمُ المُنافِقُونَ يُحِبُّونَ ذَلِكَ فَأوْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى العَذابَ في الدُّنْيا عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالمُجاهَدَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهَذا العَذابِ ما اسْتَحَقُّوهُ بِإفْكِهِمْ وهو الحَدُّ واللَّعْنُ والذَّمُّ. فَأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ في القَبْرِ عَذابُهُ، وفي القِيامَةِ عَذابُ النّارِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فَهو حَسَنُ المَوْقِعِ بِهَذا المَوْضِعِ لِأنَّ مَحَبَّةَ القَلْبِ كامِنَةٌ ونَحْنُ لا نَعْلَمُها إلّا بِالأماراتِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَصارَ هَذا الذِّكْرُ نِهايَةً في الزَّجْرِ لِأنَّ مَن أحَبَّ إشاعَةَ الفاحِشَةِ وإنْ بالَغَ في إخْفاءِ تِلْكَ المَحَبَّةِ فَهو يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهُ وأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ الَّذِي أخْفاهُ كَعِلْمِهِ بِالَّذِي أظْهَرَهُ ويَعْلَمُ قَدْرَ الجَزاءِ عَلَيْهِ.
المسألة الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَزْمَ عَلى الذَّنْبِ العَظِيمِ عَظِيمٌ، وأنَّ إرادَةَ الفِسْقِ فِسْقٌ، لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ الوَعِيدَ بِمَحَبَّةِ إشاعَةِ الفاحِشَةِ.
المسألة السّادِسَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ قاذِفٍ لَمْ يَتُبْ مِن قَذْفِهِ فَلا ثَوابَ لَهُ مِن حَيْثُ اسْتَحَقَّ هَذا العَذابَ الدّائِمَ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقاقِ ضِدِّهِ الَّذِي هو الثَّوابُ، فَمِن هَذا الوجه تَدُلُّ عَلى ما نَقُولُهُ في الوَعِيدِ، واعْلَمْ أنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى مَسْألَةِ المُحابَطَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
المسألة السّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى بالَغَ في ذَمِّ مَن أحَبَّ إشاعَةَ الفاحِشَةِ، فَلَوْ كانَ تَعالى هو الخالِقُ لِأفْعالِ العِبادِ لَما كانَ مُشِيعُ الفاحِشَةِ إلّا هو، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الذَّمَّ عَلى إشاعَةِ الفاحِشَةِ إلّا هو، لِأنَّهُ هو الَّذِي فَعَلَ تِلْكَ الإشاعَةَ وغَيْرَهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنها، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ.
المسألة الثّامِنَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصابَةُ بِالفُجُورِ لا تُسْتَنْطَقُ، لِأنَّ اسْتِنْطاقَها إشاعَةٌ لِلْفاحِشَةِ وذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنهُ.
النور 24:20
النوع الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ جَوابَهُ مَحْذُوفٌ، وكَأنَّهُ قالَ لَهَلَكْتُمْ أوْ لَعَذَّبَكُمُ اللَّهُ واسْتَأْصَلَكم لَكِنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ الخِطابُ لِحَسّانَ ومِسْطَحٍ وحَمْنَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ عامًّا.
والثّانِي: جَوابُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ [النور: ٢١] .
والثّالِثُ: جَوابُهُ لَكانَتِ الفاحِشَةُ تَشِيعُ فَتَعْظُمُ المَضَرَّةُ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، والأقْرَبُ أنَّ جَوابَهُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ مِن بَعْدِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ﴾ كالمُنْفَصِلِ مِنَ الأوَّلِ فَلا يَجِبُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأوَّلِ، خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ كَلامٌ آخَرُ، والمُرادُ أنَّهُ لَوْلا إنْعامُهُ بِأنْ بَقِيَ وأمْهَلَ ومَكَّنَ مِنَ التَّلافِي لَهَلَكُوا، لَكِنَّهُ لِرَأْفَتِهِ لا يَدَعُ ما هو لِلْعَبْدِ أصْلَحُ وإنْ جَنى عَلى نَفْسِهِ.
النور 24:21
النوع التّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
قُرِئَ ”خُطُواتِ“ بِضَمِّ الطّاءِ وسُكُونِها، والخُطُواتِ جَمْعُ خُطْوَةٍ وهو مِن خَطا الرَّجُلُ يَخْطُو خَطْوًا، فَإذا أرَدْتَ الواحِدَةَ قُلْتَ: ”خَطْوَةٌ“ مَفْتُوحَةَ الأوَّلِ، والجَمْعُ يُفْتَحُ أوَّلُهُ ويَضُمُّ، والمُرادُ بِذَلِكَ السِّيرَةُ والطَّرِيقَةُ، والمَعْنى لا تَتَّبِعُوا آثارَ الشَّيْطانِ ولا تَسْلُكُوا مَسالِكَهُ في الإصْغاءِ إلى الإفْكِ والتَّلَقِّي لَهُ وإشاعَةِ الفاحِشَةِ في الَّذِينَ آمَنُوا، واللَّهُ تَعالى وإنْ خَصَّ بِذَلِكَ المُؤْمِنِينَ فَهو نَهْيٌ لِكُلِّ المُكَلَّفِينَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ المُكَلَّفِينَ مَمْنُوعُونَ مِن ذَلِكَ.
وإنَّما قُلْنا إنَّهُ تَعالى خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَوَعَّدَهم عَلى اتِّباعِ خُطُواتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَتَّبِعُوهُ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ الكُفّارَ لَكانُوا قَدِ اتَّبَعُوهُ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلى أهْلِ الإفْكِ مِنَ الوَعِيدِ أدَّبَ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، بِأنْ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِيَتَشَدَّدُوا في تَرْكِ المَعْصِيَةِ، لِئَلّا يَكُونَ حالُهم كَحالِ أهْلِ الإفْكِ والفَحْشاءِ، والفاحِشَةُ ما أفْرَطَ قُبْحُهُ، والمُنْكَرُ ما تُنْكِرُهُ النُّفُوسُ فَتَنْفِرُ عَنْهُ ولا تَرْتَضِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ فَقَرَأ يَعْقُوبُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ما زَكّى بِالتَّشْدِيدِ، واعْلَمْ أنَّ الزَّكِيَّ مَن بَلَغَ في طاعَةِ اللَّهِ مَبْلَغَ الرِّضا ومِنهُ يُقالُ زَكى الزَّرْعُ، فَإذا بَلَغَ المُؤْمِنُ مِنَ الصَّلاحِ في الدِّينِ إلى ما يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى سُمِّيَ زَكِيًّا، ولا يُقالُ زَكِيٌّ إلّا إذا وُجِدَ زَكِيًّا، كَما لا يُقالُ لِمَن تَرَكَ الهُدى هَداهُ اللَّهُ تَعالى مُطْلَقًا، بَلْ يُقالُ هُداهُ اللَّهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ المَخْلُوقِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ فَقالُوا التَّزْكِيَةَ كالتَّسْوِيدِ والتَّحْمِيرِ فَكَما أنَّ التَّسْوِيدَ تَحْصِيلُ السَّوادِ، فَكَذا التَّزْكِيَةُ تَحْصِيلُ الزَّكاءِ في المَحَلِّ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ هاهُنا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: حَمْلُ التَّزْكِيَةِ عَلى فِعْلِ الألْطافِ. والثّانِي: حَمْلُها عَلى الحُكْمِ بِكَوْنِ العَبْدِ زَكِيًّا، قالَ أصْحابُنا: الوَجْهانِ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، ثُمَّ نُقِيمُ الدَّلالَةَ العَقْلِيَّةَ عَلى بُطْلانِهِما أيْضًا، أمّا الوجه الأوَّلُ: فَيَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ فِعْلَ اللُّطْفِ هَلْ يُرَجِّحُ الدّاعِيَ أوْ لا يُرَجِّحُهُ فَإنْ لَمْ يُرَجِّحْهُ البَتَّةَ لَمْ يَكُنْ بِهِ تَعَلُّقٌ فَلا يَكُونُ لُطْفًا، وإنْ رَجَّحَهُ فَنَقُولُ المُرَجَّحُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُنْتَهِيًا إلى حَدِّ الوُجُوبِ، فَإنَّهُ مَعَ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ التَّرْجِيحِ إمّا أنْ يَمْتَنِعَ وُقُوعُ الفِعْلِ عِنْدَهُ أوْ يُمْكِنَ أوْ يَجِبَ، فَإنِ امْتَنَعَ كانَ مانِعًا لا داعِيًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ وأنْ لا يَكُونَ، فَكُلُّ ما يُمْكِنُ لا يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحالٌ، فَلْيُفْرَضْ تارَةً واقِعًا وأُخْرى غَيْرَ واقِعٍ، فامْتِيازُ وقْتِ الوُقُوعِ عَنْ وقْتِ اللّاوُقُوعِ، إمّا أنْ يَتَوَقَّفَ عَلى انْضِمامِ قَيْدٍ إلَيْهِ أوْ لا يَتَوَقَّفَ، فَإنْ تَوَقَّفَ كانَ المُرَجَّحُ هو المَجْمُوعُ الحاصِلُ بَعْدَ انْضِمامِ هَذا القَيْدِ، فَلا يَكُونُ الحاصِلُ أوَّلًا مُرَجَّحًا، وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ كانَ اخْتِصاصُ أحَدِ الوَقْتَيْنِ بِالوُقُوعِ والآخَرِ بِاللّاوُقُوعِ تَرْجِيحًا لِلْمُمْكِنِ مِن غَيْرِ
صفحة ١٦٢
مُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، وأمّا إنَّ اللُّطْفَ مُرَجِّحًا مُوجِبًا كانَ فاعِلُ اللُّطْفِ فاعِلًا لِلْمَلْطُوفِ فِيهِ، فَكانَ تَعالى فاعِلًا لِفِعْلِ العَبْدِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ عَلَّقَ التَّزْكِيَةَ عَلى المَشِيئَةِ وفِعْلُ اللُّطْفِ واجِبٌ، والواجِبُ لا يَتَعَلَّقُ بِالمَشِيئَةِ الثّالِثُ: أنَّهُ عَلَّقَ التَّزْكِيَةَ عَلى الفَضْلِ والرَّحْمَةِ وخَلْقُ الألْطافِ واجِبٌ فَلا يَكُونُ مُعَلَّقًا بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ، وأمّا الوجه الثّانِي: وهو الحُكْمُ بِكَوْنِهِ زَكِيًّا فَذَلِكَ واجِبٌ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِهِ لَكانَ كَذِبًا والكَذِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالمَشِيئَةِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ نَصٌّ في البابِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ يَسْمَعُ أقْوالَكم في القَذْفِ وأقْوالَكم في إثْباتِ البَراءَةِ، عَلِيمٌ بِما في قُلُوبِكم مِن مَحَبَّةِ إشاعَةِ الفاحِشَةِ أوْ مِن كَراهِيَتِها، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ الِاحْتِرازُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
النور 24:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما أدَّبَ أهْلَ الإفْكِ ومَن سَمِعَ كَلامَهم كَما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، فَكَذَلِكَ أدَّبَ أبا بَكْرٍ لَمّا حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ أبَدًا، قالَ المُفَسِّرُونَ: «نَزَلَتِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ حَيْثُ حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ وهو ابْنُ خالَةِ أبِي بَكْرٍ، وقَدْ كانَ يَتِيمًا في حِجْرِهِ وكانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وعَلى قَرابَتِهِ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ قالَ لَهم أبُو بَكْرٍ قُومُوا فَلَسْتُمْ مِنِّي ولَسْتُ مِنكم ولا يَدْخُلَنَّ عَلَيَّ أحَدٌ مِنكم، فَقالَ مِسْطَحٌ أنْشُدُكَ اللَّهَ والإسْلامَ وأنْشُدُكَ القُرابَةَ والرَّحِمَ أنْ لا تُحْوِجَنا إلى أحَدٍ، فَما كانَ لَنا في أوَّلِ الأمْرِ مِن ذَنْبٍ، فَقالَ لِمِسْطَحٍ إنْ لَمْ تَتَكَلَّمْ فَقَدْ ضَحِكْتَ، فَقالَ: قَدْ كانَ ذَلِكَ تَعَجُّبًا مِن قَوْلِ حَصانٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ، وقالَ انْطَلِقُوا أيُّها القَوْمُ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لَكم عُذْرًا ولا فَرَجًا، فَخَرَجُوا لا يَدْرُونَ أيْنَ يَذْهَبُونَ وأيْنَ يَتَوَجَّهُونَ مِنَ الأرْضِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا يَنْهاكَ فِيهِ أنْ تُخْرِجَهم فَكَبَّرَأبُو بَكْرٍ وسَرَّهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الآيَةَ عَلَيْهِ فَلَمّا وصَلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ بَلى يا رَبِّ إنِّي أُحِبُّ أنْ يُغْفَرَ لِي، وقَدْ تَجاوَزْتُ عَمّا كانَ، فَذَهَبَ أبُو بَكْرٍ إلى بَيْتِهِ وأرْسَلَ إلى مِسْطَحٍ وأصْحابِهِ، وقالَ قَبِلْتُ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى الرَّأْسِ والعَيْنِ، وإنَّما فَعَلْتُ بِكم ما فَعَلْتُ إذْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْكم، أمّا إذا عَفا عَنْكم فَمَرْحَبًا بِكم، وجَعَلَ لَهُ مِثْلَيْ ما كانَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ»، وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْتَلِ﴾ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّهُ مِنِ ائْتَلى إذا حَلَفَ، افْتَعَلَ مِنَ الألِيَّةِ، والمَعْنى لا يَحْلِفُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ هَذا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَقْتَضِي المَنعَ مِنَ الحَلِفِ عَلى الإعْطاءِ وهم أرادُوا المَنعَ مِنَ الحَلِفِ عَلى تَرْكِ الإعْطاءِ، فَهَذا المُتَأوِّلُ قَدْ أقامَ النَّفْيَ مَكانَ الإيجابِ وجَعَلَ المَنهِيَّ عَنْهُ مَأْمُورًا بِهِ.
وثانِيهِما: أنَّهُ قَلَّما يُوجَدُ في الكَلامِ افْتَعَلْتُ مَكانَ أفْعَلْتُ، وإنَّما يُوجَدُ مَكانَ فَعَّلْتُ، وهُنا آلَيْتُ مِنَ الألِيَّةِ افْتَعَلْتُ. فَلا يُقالُ أفْعَلْتُ كَما لا يُقالُ مِن ألْزَمْتُ
صفحة ١٦٣
التَزَمْتُ ومِن أعْطَيْتُ اعْتَطَيْتُ.
ثم قال في ”يَأْتَلِ“ إنَّ أصْلَهُ يَأْتَلِي ذَهَبَتِ الياءُ لِلْجَزْمِ؛ لِأنَّهُ نَهْيٌ وهو مِن قَوْلِكَ ما آلَوْتُ فُلانًا نُصْحًا، ولَمْ آلُ في أمْرِي جُهْدًا، أيْ ما قَصَّرْتُ ولا يَأْلُ ولا يَأْتَلِ واحِدًا، فالمُرادُ لا تُقَصِّرُوا في أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِمْ ويُوجَدُ كَثِيرًا افْتَعَلْتُ مَكانَ فَعَلْتُ تَقُولُ كَسَبْتُ واكْتَسَبْتُ وصَنَعْتُ واصْطَنَعْتُ ورَضِيتُ وارْتَضَيْتُ، فَهَذا التَّأْوِيلُ هو الصَّحِيحُ دُونَ الأوَّلِ، ويُرْوى هَذا التَّأْوِيلُ أيْضًا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. أجابَ الزَّجّاجُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ بِأنْ لا تُخْذَفُ في اليَمِينِ كَثِيرًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤] يَعْنِي أنْ لا تَبَرُّوا، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي إلَيْكِ وأوْصالِي
أيْ لا أبْرَحُ، وأجابُوا عَنِ السُّؤالِ الثّانِي، أنَّ جَمِيعَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ أبِي مُسْلِمٍ فَسَّرُوا اللَّفْظَةَ بِاليَمِينِ وقَوْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم حُجَّةٌ في اللُّغَةِ فَكَيْفَ الكُلُّ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ ولا يَتَألَّ.
المسألة الثّانِيَةُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الفَضْلِ﴾ أبُو بَكْرٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ أفْضَلَ النّاسِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّ الفَضْلَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الدِّينِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ المَدْحِ لَهُ، والمَدْحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالدُّنْيا غَيْرُ جائِزٍ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿والسَّعَةِ﴾ تَكْرِيرًا فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الفَضْلَ في الدِّينِ، فَلَوْ كانَ غَيْرُهُ مُساوِيًا لَهُ في الدَّرَجاتِ في الدِّينِ لَمْ يَكُنْ هو صاحِبَ الفَضْلِ لِأنَّ المُساوِيَ لا يَكُونُ فاضِلًا، فَلَمّا أثْبَتَ اللَّهُ تَعالى لَهُ الفَضْلَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ وجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلُ الخُلُقِ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ الغَيْرِ، فَإنْ قِيلَ نَمْنَعُ إجْماعَ المُفَسِّرِينَ عَلى اخْتِصاصِ هَذِهِ الآيَةِ بِأبِي بَكْرٍ، قُلْنا كُلُّ مَن طالَعَ كُتُبَ التَّفْسِيرِ والأحادِيثِ عَلِمَ أنَّ اخْتِصاصَ هَذِهِ الآيَةِ بِأبِي بَكْرٍ بالِغٌ إلى حَدِّ التَّواتُرِ، فَلَوْ جازَ مَنعُهُ لَجازَ مَنعُ كُلِّ مُتَواتِرٍ.
وأيْضًا فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِنها أفْضَلُ النّاسِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الأفْضَلَ إمّا أبُو بَكْرٍ أوْ عَلِيٌّ، فَإذا بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ عَلِيًّا تَعَيَّنَتِ الآيَةُ لِأبِي بَكْرٍ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ عَلِيًّا لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَتَعَلَّقُ بِابْنَةِ أبِي بَكْرٍ فَيَكُونُ حَدِيثُ عَلِيٍّ في البَيْنِ سَمِجًا.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِأنَّهُ مِن أُولِي السَّعَةِ، وإنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ مِن أُولِي السَّعَةِ في الدُّنْيا في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ أبُو بَكْرٍ قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ أبا بَكْرٍ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ عَجِيبَةٍ دالَّةٍ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ في الدِّينِ أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ كَنّى عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ والواحِدُ إذا كُنِّيَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ دَلَّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] فانْظُرْ إلى الشَّخْصِ الَّذِي كَنّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ جَلالِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ كَيْفَ يَكُونُ عُلُوُّ شَأْنِهِ. وثانِيها: وصَفَهُ بِأنَّهُ صاحِبُ الفَضْلِ عَلى الإطْلاقِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِذَلِكَ بِشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، والفَضْلُ يَدْخُلُ فِيهِ الإفْضالُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَما كانَ فاضِلًا عَلى الإطْلاقِ كانَ مُفَضَّلًا عَلى الإطْلاقِ. وثالِثُها: أنَّ الإفْضالَ إفادَةُ ما يَنْبَغِي لا لِعِوَضٍ، فَمَن يَهَبُ السِّكِّينَ لِمَن يَقْتُلُ نَفْسَهُ لا يُسَمّى مُفَضَّلًا لِأنَّهُ أعْطى ما لا يَنْبَغِي، ومَن أعْطى لِيَسْتَفِيدَ مِنهُ عِوَضًا إمّا مالِيًّا أوْ مَدْحًا أوْ ثَناءً فَهو مُسْتَفِيضٌ واللَّهُ تَعالى قَدْ وصَفَهُ
صفحة ١٦٤
بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ١٧] وقالَ في حَقِّ عَلِيٍّ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٩] فِعَلِيٌّ أعْطى لِلْخَوْفِ مِنَ العِقابِ، وأبُو بَكْرٍ ما أعْطى إلّا لِوَجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، فَدَرَجَةُ أبِي بَكْرٍ أعْلى فَكانَتْ عَطِيَّتُهُ في الإفْضالِ أتَمَّ وأكْمَلَ.
ورابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ فَكَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّمْيِيزِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ مَيَّزَهُ عَنْ كُلِّ المُؤْمِنِينَ بِصِفَةِ كَوْنِهِ أُولِي الفَضْلِ، والصِّفَةُ الَّتِي بِها يَقَعُ الِامْتِيازُ يَسْتَحِيلُ حُصُولُها في الغَيْرِ، وإلّا لَما كانَتْ مُمَيِّزَةً لَهُ بِعَيْنِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ خاصَّةٌ فِيهِ لا في غَيْرِهِ البَتَّةَ.
وخامِسُها: أمْكَنَ حَمْلُ الفَضْلِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وخِدْمَتِهِ وقَوْلُهُ: ﴿والسَّعَةِ﴾ عَلى الإحْسانِ إلى المُسْلِمِينَ، فَكَأنَّهُ كانَ مُسْتَجْمِعًا لِلتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ وهُما مِن أعْلى مَراتِبِ الصِّدِّيقِينَ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ اللَّهُ مَعَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ولِأجْلِ اتِّصافِهِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ قالَ لَهُ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] .
وسادِسُها: إنَّما يَكُونُ الإنْسانُ مَوْصُوفًا بِالسَّعَةِ لَوْ كانَ جَوّادًا بَذُولًا، ولَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«خَيْرُ النّاسِ مَن يَنْفَعُ النّاسَ» “ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ خَيْرُ النّاسِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، ولَقَدْ كانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَوّادًا بَذُولًا في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُودِهِ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ بُكْرَةَ اليَوْمِ جاءَ بِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أنْ أسْلَمُوا عَلى يَدِهِ، وكانَ جُودُهُ في التَّعْلِيمِ والإرْشادِ إلى الدِّينِ والبَذْلِ بِالدُّنْيا كَما هو مَشْهُورٌ، فَيَحِقُّ لَهُ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ مِن أهْلِ السَّعَةِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ إسْلامُهُ قَبْلَ إسْلامِ عَلِيٍّ أوْ بَعْدَهُ، ولَكِنِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عَلِيًّا حِينَ أسْلَمَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِدَعْوَةِ النّاسِ إلى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَغَلَ بِالدَّعْوَةِ فَكانَ أبُو بَكْرٍ أوَّلَ النّاسِ اشْتِغالًا بِالدَّعْوَةِ إلى دِينِ مُحَمَّدٍ، ولا شَكَّ أنَّ أجَلَّ المَراتِبِ في الدِّينِ هَذِهِ المَرْتَبَةُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلُ النّاسِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ هو أبُو بَكْرٍ مِن هَذِهِ الجِهَةِ ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «”مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ“» فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِأبِي بَكْرٍ مِثْلُ أجْرِ كُلِّ مَن يَدْعُو إلى اللَّهِ، فَيَدُلُّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ أيْضًا.
وسابِعُها: أنَّ الظُّلْمَ مِن ذَوِي القُرْبى أشَدُّ، قالَ الشّاعِرُ:
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشُدُّ مَضاضَةً ∗∗∗ عَلى المَرْءِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
وأيْضًا فالإنْسانُ إذا أحْسَنَ إلى غَيْرِهِ فَإذا قابَلَهُ ذَلِكَ الغَيْرُ بِالإساءَةِ كانَ ذَلِكَ أشَدَّ عَلَيْهِ مِمّا إذا صَدَرَتِ الإساءَةُ مِنَ الأجْنَبِيِّ، والجِهَتانِ كانَتا مُجْتَمِعَتَيْنِ في حَقِّ مِسْطَحٍ ثُمَّ إنَّهُ آذى أبا بَكْرٍ بِهَذا النوع مِنَ الإيذاءِ الَّذِي هو أعْظَمُ أنْواعِ الإيذاءِ، فانْظُرْ أيْنَ مَبْلَغُ ذَلِكَ الضَّرَرِ في قَلْبِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِأنْ لا يَقْطَعَ عَنْهُ بِرَّهُ وأنْ يَرْجِعَ مَعَهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإحْسانِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ المُجاهَداتِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا أصْعَبُ مِن مُقاتَلَةِ الكُفّارِ لِأنَّ هَذا مُجاهَدَةٌ مَعَ النَّفْسِ وذَلِكَ مُجاهَدَةٌ مَعَ الكافِرِ ومُجاهَدَةُ النَّفْسِ أشَقُّ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ“» .
وثامِنُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ أبا بَكْرٍ بِذَلِكَ لَقَّبَهُ بِأُولِي الفَضْلِ وأُولِي السَّعَةِ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: أنْتَ
صفحة ١٦٥
أفْضَلُ مِن أنْ تُقابِلَ إساءَتَهُ بِشَيْءٍ وأنْتَ أوْسَعُ قَلْبًا مِن أنْ تُقِيمَ لِلدُّنْيا وزْنًا، فَلا يَلِيقُ بِفَضْلِكَ وسَعَةِ قَلْبِكَ أنْ تَقْطَعَ بِرَّكَ عَنْهُ بِسَبَبِ ما صَدَرَ مِنهُ مِنَ الإساءَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مِثْلَ هَذا الخِطابِ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الفَضْلِ والعُلُوِّ في الدِّينِ.
وتاسِعُها: أنَّ الألِفَ واللّامَ يُفِيدانِ العُمُومَ فالألِفُ واللّامُ في الفَضْلِ والسَّعَةِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ كُلَّ الفَضْلِ وكُلَّ السَّعَةِ لِأبِي بَكْرٍ كَما يُقالُ: فُلانٌ هو العالَمُ يَعْنِي قَدْ بَلَغَ في الفَضْلِ إلى أنْ صارَ كَأنَّهُ كُلُّ العالَمِ وما عَداهُ كالعَدَمِ، وهَذا أيْضًا مَنقَبَةٌ عَظِيمَةٌ.
وعاشِرُها: قَوْلُهُ: ﴿ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
مِنها: أنَّ العَفْوَ قَرِينَةُ التَّقْوى وكُلُّ مَن كانَ أقْوى في العَفْوِ كانَ أقْوى في التَّقْوى، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]
ومِنها: أنَّ العَفْوَ والتَّقْوى مُتَلازِمانِ فَلِهَذا السَّبَبِ اجْتَمَعا فِيهِ، أمّا التَّقْوى فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] وأمّا العَفْوُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا﴾ .
وحادِيَ عَشَرَها: أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] وقالَ في حَقِّ أبِي بَكْرٍ ﴿ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا﴾ فَمِن هَذا الوجه يَدُلُّ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ كانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَمِيعِ الأخْلاقِ حَتّى في العَفْوِ والصَّفْحِ.
وثانِيَ عَشَرَها: قَوْلُهُ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَهُ بِكِنايَةِ الجَمْعِ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ عَلَّقَ غُفْرانَهُ لَهُ عَلى إقْدامِهِ عَلى العَفْوِ والصَّفْحِ فَلَمّا حَصَلَ الشَّرْطُ مِنهُ وجَبَ تَرْتِيبُ الجَزاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ وأنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ في مُسْتَقْبَلِ عُمُرِهِ عَلى الإطْلاقِ فَكانَ مِن هَذا الوجه ثانِيَ اثْنَيْنِ لِلرَّسُولِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ودَلِيلًا عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنَّ إمامَتَهُ لَوْ كانَتْ عَلى خِلافِ الحَقِّ لَما كانَ مَغْفُورًا لَهُ عَلى الإطْلاقِ ودَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ في خَبَرِ بِشارَةِ العَشَرَةِ بِأنَّ أبا بَكْرٍ في الجَنَّةِ.
وثالِثَ عَشَرَها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا، والغَفُورُ مُبالَغَةٌ في الغُفْرانِ فَعَظَّمَ أبا بَكْرٍ حَيْثُ خاطَبَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ الدّالِّ عَلى التَّعْظِيمِ، وعَظَّمَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ حَيْثُ وصَفَهُ بِمُبالَغَةِ الغُفْرانِ، والعَظِيمُ إذا عَظَّمَ نَفْسَهُ ثُمَّ عَظَّمَ مُخاطِبَهُ فالعَظَمَةُ الصّادِرَةُ مِنهُ لِأجْلِهِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في غايَةِ التَّعْظِيمِ، ولِهَذا قُلْنا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] وجَبَ أنْ تَكُونَ العَطِيَّةُ عَظِيمَةً، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ ثانِيَ اثْنَيْنِ لِلرَّسُولِ ﷺ في هَذِهِ المَنقَبَةِ أيْضًا.
ورابِعَ عَشَرَها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَهُ بِأنَّهُ أُولُو الفَضْلِ والسَّعَةِ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ وجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ كانَ خالِيًا عَنِ المَعْصِيَةِ، لِأنَّ المَمْدُوحَ إلى هَذا الحَدِّ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ النّارِ، ولَوْ كانَ عاصِيًا لَكانَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ١٤] وإذا ثَبَتَ أنَّهُ كانَ خالِيًا عَنِ المَعاصِي فَقَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ غُفْرانَ مَعْصِيَةٍ لِأنَّ المَعْصِيَةَ الَّتِي لا تَكُونُ لا يُمْكِنُ غُفْرانُها وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ وجَبَ حَمْلُها عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ
صفحة ١٦٦
واللَّهُ أعْلَمُ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ لِأجْلِ تَعْظِيمِكم هَؤُلاءِ القَذَفَةَ العُصاةَ، فَيَرْجِعُ حاصِلُ الآيَةِ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ يا أبا بَكْرٍ إنْ قَبِلْتَ هَؤُلاءِ العُصاةَ فَأنا أيْضًا أقْبَلُهم وإنْ رَدَدْتَهم، فَأنا أيْضًا أرُدُّهم فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهُ مَرْتَبَةَ الشَّفاعَةِ في الدُّنْيا، فَهَذا ما حَضَرَنا في هَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْدَحُ في فَضِيلَةِ أبِي بَكْرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ نَهاهُ عَنْ هَذا الحَلِفِ فَدَلَّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِنهُ قُلْنا الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ النَّهْيَ لا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أطاعَهم بَلْ دَلَّتِ الأخْبارُ الظّاهِرَةُ عَلى صُدُورِ هَذا الحَلِفِ مِنهُ، ولَكِنْ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى قَوْلِكم.
وثانِيها: هَبْ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ الحَلِفُ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ كانَ مَعْصِيَةً، وذَلِكَ لِأنَّ الِامْتِناعَ مِنَ التَّفَضُّلِ قَدْ يَحْسُنُ خُصُوصًا فِيمَن يُسِيءُ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ أوْ في حَقِّ مَن يَتَّخِذُهُ ذَرِيعَةً إلى الأفْعالِ المُحَرَّمَةِ لا يُقالُ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً لَما جازَ أنْ يَنْهى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ﴾ لِأنّا نَقُولُ هَذا النَّهْيُ لَيْسَ نَهْيَ زَجْرٍ وتَحْرِيمٍ بَلْ هو نَهْيٌ عَنْ تَرْكِ الأوْلى كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ لِأبِي بَكْرٍ اللّائِقُ بِفَضْلِكَ وسَعَةِ هِمَّتِكَ أنْ لا تَقْطَعَ هَذا فَكانَ هَذا إرْشادًا إلى الأوْلى لا مَنعًا عَنِ المُحَرَّمِ.
المسألة الثّالِثَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مِسْطَحٌ لِأنَّهُ كانَ قَرِيبًا لِأبِي بَكْرٍ وكانَ مِنَ المَساكِينِ وكانَ مِنَ المُهاجِرِينَ، واخْتَلَفُوا في الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَ مِنهُ فَقالَ بَعْضُهم قَذَفَ كَما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَدَّهُ وأنَّهُ تابَ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كانَ تارِكًا لِلنُّكْرِ ومِظْهِرًا لِلرِّضا، وأيُّ الأمْرَيْنِ كانَ فَهو ذَنْبٌ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ المُحابَطَةِ وقالُوا إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مِنَ المُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بَعْدَ أنْ أتى بِالقَذْفِ، وهَذِهِ صِفَةُ مَدْحٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ثَوابَ كَوْنِهِ مُهاجِرًا لَمْ يُحْبَطْ بِإقْدامِهِ عَلى القَذْفِ.
المسألة الخامِسَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ مِسْطَحًا كانَ مِنَ البَدْرِيِّينَ وثَبَتَ بِالرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَعَلَّ اللَّهَ نَظَرَ إلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ افْعَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» “ فَكَيْفَ صَدَرَتِ الكَبِيرَةُ مِنهُ بَعْدَ أنْ كانَ بَدْرِيًّا ؟ والجَوابُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ افْعَلُوا ما شِئْتُمْ مِنَ المَعاصِي فَيَأْمُرُ بِها أوْ يُقِيمُها لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّكْلِيفَ كانَ باقِيًا عَلَيْهِمْ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ذَلِكَ لاقْتَضى زَوالَ التَّكْلِيفِ عَنْهم، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما جازَ أنْ يُحَدَّ مِسْطَحٌ عَلى ما فَعَلَ ويُلْعَنُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ وقَدْ عَلِمَ تَوْبَتَهم وإنابَتَهم فَقالَ افْعَلُوا ما شِئْتُمْ مِنَ النَّوافِلِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم وأعْطَيْتُكُمُ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ في الجَنَّةِ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم يُوافُونَ بِالطّاعَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكم لِعِلْمِي بِأنَّكم تَمُوتُونَ عَلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ فَذَكَرَ حالَهم في الوَقْتِ وأرادَ العاقِبَةَ.
* * *
المسألة السّادِسَةُ: العَفْوُ والصَّفْحُ عَنِ المُسِيءِ حَسَنٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ، ورُبَّما وجَبَ ذَلِكَ ولَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إلّا هَذِهِ الآيَةُ لَكَفى، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] فَعَلَّقَ الغُفْرانَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن لَمْ يَقْبَلْ عُذْرًا لِمُتَنَصِّلٍ كاذِبًا كانَ أوْ صادِقًا فَلا يَرِدُ عَلى حَوْضِي يَوْمَ القِيامَةِ» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أفْضَلُ أخْلاقِ المُسْلِمِينَ العَفْوُ» “ وعَنْهُ أيْضًا: ”«يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ ألا مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ
صفحة ١٦٧
فَلْيَقُمْ فَلا يَقُومُ إلّا أهْلُ العَفْوِ، ثُمَّ تَلا ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ»﴾ )“ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا: ”«لا يَكُونُ العَبْدُ ذا فَضْلٍ حَتّى يَصِلَ مَن قَطَعَهُ ويَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ ويُعْطِيَ مَن حَرَمَهُ» “ .
المسألة السّابِعَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اليَمِينَ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الخَيْرِ غَيْرُ جائِزَةٍ، وإنَّما تَجُوزُ إذا جُعِلَتْ داعِيَةً لِلْخَيْرِ لا صارِفَةً عَنْهُ.
* * *
المسألة الثّامِنَةُ: مَذْهَبُ الجُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّهُ مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها أنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَأْتِيَ الَّذِي هو خَيْرٌ ثُمَّ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وقالَ بَعْضُهم إنَّهُ يَأْتِي بِالَّذِي هو خَيْرٌ، وذَلِكَ كَفّارَتُهُ واحْتَجَّ ذَلِكَ القائِلُ بِالآيَةِ والخَبَرِ، أمّا الآيَةُ فَهي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ أبا بَكْرٍ بِالحِنْثِ ولَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ كَفّارَةً، وأمّا الخَبَرُ فَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ وذَلِكَ كَفّارَتُهُ» “ وأمّا دَلِيلُ قَوْلِ الجُمْهُورِ فَأُمُورٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] فَكَفّارَتُهُ وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وذَلِكَ عامٌّ في الحانِثِ في الخَيْرِ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى في شَأْنِ أيُّوبَ حِينَ حَلَفَ عَلى امْرَأتِهِ أنْ يَضْرِبَها ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] . وقَدْ عَلِمْنا أنَّ الحِنْثَ كانَ خَيْرًا مِن تَرْكِهِ وأمَرَهُ اللَّهُ بِضَرْبٍ لا يَبْلُغُ مِنها، ولَوْ كانَ الحِنْثُ فِيها كَفّارَتُها لَما أُمِرَ بِضَرْبِها بَلْ كانَ يَحْنَثُ بِلا كَفّارَةٍ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» “ أمّا الجَوابُ: عَمّا ذَكَرَهُ أوَّلًا فَهو أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أمْرَ الكَفّارَةِ في قِصَّةِ أبِي بَكْرٍ لا نَفْيًا ولا إثْباتًا لِأنَّ حُكْمَهُ كانَ مَعْلُومًا في سائِرِ الآياتِ، والجَوابُ: عَمّا ذَكَرَهُ ثانِيًا في قَوْلِهِ: ”«ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ وذَلِكَ كَفّارَتُهُ» “ فَمَعْناهُ تَكْفِيرُ الذَّنْبِ لا الكَفّارَةُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْ نَقْضِ الأيْمانِ فَأمَرَهُ هاهُنا بِالحِنْثِ والتَّوْبَةِ، وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ يُكَفِّرُ ذَنْبَهُ الَّذِي ارْتَكَبَهُ بِالحَلِفِ.
* * *
المسألة التّاسِعَةُ: رَوى القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها: ”«قالَتْ فَضَلْتُ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَشْرِ خِصالٍ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكْرًا دُونَ غَيْرِي، وأبَوايَ مُهاجِرانِ، وجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُورَتِي في حَرِيرَةٍ وأمَرَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِي، وكُنْتُ أغْتَسِلُ مَعَهُ في إناءٍ واحِدٍ، وجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ وأنا مَعَهُ في لِحافٍ واحِدٍ، وتَزَوَّجَنِي في شَوّالٍ وبَنى بِي في ذَلِكَ الشَّهْرِ، وقُبِضَ بَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عُذْرِي مِنَ السَّماءِ، ودُفِنَ في بَيْتِي وكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يُساوِنِي غَيْرِي فِيهِ» “
وقالَ بَعْضُهم بَرَّأ اللَّهُ أرْبَعَةً بِأرْبَعَةٍ: بَرَّأ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلِسانِ الشّاهِدِ، ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾، وبَرَّأ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ بِالحَجَرِ الَّذِي ذَهَبَ بِثَوْبِهِ، وبَرَّأ مَرْيَمَ بِإنْطاقِ ولَدِها، وبَرَّأ عائِشَةَ بِهَذِهِ الآياتِ العِظامِ في كِتابِهِ المُعْجِزِ المَتْلُوِّ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَرُبَتْ وفاةُ عائِشَةَ جاءَ ابْنُ عَبّاسٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْها، فَقالَتْ: يَجِيءُ الآنَ فَيُثْنِي عَلَيَّ، فَخَبَّرَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقالَ ما أرْجِعُ حَتّى تَأْذَنَ لِي، فَأذِنَتْ لَهُ فَدَخَلَ فَقالَتْ عائِشَةُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النّارِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ ما لَكِ والنّارَ قَدْ أعاذَكِ اللَّهُ مِنها، وأنْزَلَ بَراءَتَكِ تُقْرَأُ في المَساجِدِ وطَيَّبَكِ فَقالَ: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النور: ٢٦] كُنْتِ أحَبَّ نِساءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ، ولَمْ يُحِبَّ ﷺ إلّا طَيِّبًا وأُنْزِلَ بِسَبَبِكِ التَّيَمُّمُ فَقالَ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] ورُوِيَ أنَّ عائِشَةَ وزَيْنَبَ تَفاخَرَتا، فَقالَتْ زَيْنَبُ: أنا الَّتِي أنْزَلَ رَبِّي تَزْوِيجِي، وقالَتْ عائِشَةُ أنا الَّتِي بَرَّأنِي رَبِّي حِينَ حَمَلَنِي ابْنُ المُعَطَّلِ عَلى الرّاحِلَةِ، فَقالَتْ لَها زَيْنَبُ: ما قُلْتِ حِينَ رَكِبْتِيها ؟ قالَتْ قُلْتُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. فَقالَتْ قُلْتِ كَلِمَةَ المُؤْمِنِينَ.
النور 24:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ﴾ هَلِ المُرادُ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أوِ المُرادُ مِنهُ الخُصُوصُ ؟ أمّا الأُصُولِيُّونَ فَقالُوا الصِّيغَةُ عامَّةٌ ولا مانِعَ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِها فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ فَيَدْخُلُ فِيهِ قَذَفَةُ عائِشَةَ وقَذَفَةُ غَيْرِها، ومِنَ النّاسِ مَن خالَفَ فِيهِ وذَكَرَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ قَذَفَةُ عائِشَةَ قالَتْ عائِشَةُ: ”«رُمِيتُ وأنا غافِلَةٌ وإنَّما بَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي إذْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فَقالَ أبْشِرِي وقَرَأ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ»﴾ )
وثانِيها: أنَّ المُرادَ جُمْلَةُ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُنَّ لِشَرَفِهِنَّ خُصِّصْنَ بِأنَّ مَن قَذَفَهُنَّ فَهَذا الوَعِيدُ لاحِقٌ بِهِ واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قاذِفَ سائِرِ المُحْصَناتِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥٤] وأمّا القاذِفُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِثْناءَ، وأيْضًا فَهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: ٦١]
الثّانِي: أنَّ قاذِفَ سائِرِ المُحْصَناتِ لا يَكْفُرُ، والقاذِفَ في هَذِهِ الآيَةِ يَكْفُرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ وذَلِكَ صِفَةُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩] الآياتِ الثَّلاثَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ والعَذابُ العَظِيمُ يَكُونُ عَذابَ الكُفْرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ عِقابَ هَذا القاذِفِ عِقابُ الكُفْرِ، وعِقابَ قَذْفِهِ سائِرَ المُحْصَناتِ لا يَكُونُ عِقابَ الكُفْرِ
الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ بِالبَصْرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وكانَ يُسْألُ عَنْ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، فَسُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إلّا مَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ، أجابَ الأُصُولِيُّونَ عَنْهُ بِأنَّ الوَعِيدَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ التَّوْبَةِ لِأنَّ الذَّنْبَ سَواءٌ كانَ كُفْرًا أوْ فِسْقًا، فَإذا حَصَلَتِ التَّوْبَةُ مِنهُ صارَ مَغْفُورًا فَزالَ السُّؤالُ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ، وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ فَكانَتِ المَرْأةُ إذا خَرَجَتْ إلى المَدِينَةِ مُهاجِرَةً قَذَفَها المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقالُوا إنَّما خَرَجَتْ لِتَفْجُرَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ فِيمَن يَرْمِي المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: أحَدُها: كَوْنُهم مَلْعُونِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو وعِيدٌ شَدِيدٌ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِاللَّعْنِ عامٌّ في جَمِيعِ القَذَفَةِ ومَن كانَ مَلْعُونًا في الدُّنْيا فَهو مَلْعُونٌ في الآخِرَةِ والمَلْعُونُ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وهو بِناءٌ عَلى المُحابَطَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ، وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ونَظِيرُهُ
صفحة ١٦٩
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] وعِنْدَنا البِنْيَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ فَيَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الجَوْهَرِ الفَرْدِ عِلْمًا وقُدْرَةً وكَلامًا، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فَلا جَرَمَ ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ في هَذِهِ الجَوارِحِ هَذا الكَلامَ، وعِنْدَهُمُ المُتَكَلِّمُ فاعِلُ الكَلامِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الشَّهادَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ أضافَها إلى الجَوارِحِ تَوَسُّعًا.
الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْنِي هَذِهِ الجَوارِحَ عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ ويُلْجِئُها أنْ تَشْهَدَ عَلى الإنْسانِ وتُخْبِرَ عَنْهُ بِأعْمالِهِ، قالَ القاضِي وهَذا أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ، لِأنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّها تَفْعَلُ الشَّهادَةَ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ نَفْسَ دِينِهِمْ لَيْسَ هو المُرادُ لِأنَّ دِينَهم هو عَمَلُهم. بَلِ المُرادُ جَزاءُ عَمَلِهِمْ، والدِّينُ بِمَعْنى الجَزاءِ مُسْتَعْمَلٌ كَقَوْلِهِمْ كَما تَدِينُ تُدانُ، وقِيلَ الدِّينُ هو الحِسابُ كَقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ الحِسابُ الصَّحِيحُ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحَقَّ﴾ أيْ أنَّ الَّذِي نُوَفِّيهِمْ مِنَ الجَزاءِ هو القَدْرُ المُسْتَحَقُّ لِأنَّهُ الحَقُّ وما زادَ عَلَيْهِ هو الباطِلُ، وقُرِئَ“ الحَقَّ " بِالنَّصْبِ صِفَةً لِلدِّينِ وهو الجَزاءُ وبِالرَّفْعِ صِفَةً لِلَّهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما سُمِّيَ بِالحَقِّ لِأنَّ عِبادَتَهُ هي الحَقُّ دُونَ عِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ لِأنَّهُ الحَقُّ فِيما يَأْمُرُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ومَعْنى ﴿المُبِينُ﴾ يُؤَيِّدُ ما قُلْنا لِأنَّ المُحِقَّ فِيما يُخاطِبُ بِهِ هو المُبِينُ مِن حَيْثُ يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ بِكَلامِهِ دُونَ غَيْرِهِ، ومِنهم مَن قالَ الحَقُّ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ومَعْناهُ المَوْجُودُ، لِأنَّ نَقِيضَهُ الباطِلُ وهو المَعْدُومُ، ومَعْنى المُبِينِ المُظْهِرُ ومَعْناهُ أنَّ بِقُدْرَتِهِ ظَهَرَ وُجُودُ المُمْكِناتِ، فَمَعْنى كَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ المَوْجُودُ لِذاتِهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ مُبِينًا أنَّهُ المُعْطِي وُجُودَ غَيْرِهِ.
النور 24:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ﴾ هَلِ المُرادُ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أوِ المُرادُ مِنهُ الخُصُوصُ ؟ أمّا الأُصُولِيُّونَ فَقالُوا الصِّيغَةُ عامَّةٌ ولا مانِعَ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِها فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ فَيَدْخُلُ فِيهِ قَذَفَةُ عائِشَةَ وقَذَفَةُ غَيْرِها، ومِنَ النّاسِ مَن خالَفَ فِيهِ وذَكَرَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ قَذَفَةُ عائِشَةَ قالَتْ عائِشَةُ: ”«رُمِيتُ وأنا غافِلَةٌ وإنَّما بَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي إذْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فَقالَ أبْشِرِي وقَرَأ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ»﴾ )
وثانِيها: أنَّ المُرادَ جُمْلَةُ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُنَّ لِشَرَفِهِنَّ خُصِّصْنَ بِأنَّ مَن قَذَفَهُنَّ فَهَذا الوَعِيدُ لاحِقٌ بِهِ واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قاذِفَ سائِرِ المُحْصَناتِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥٤] وأمّا القاذِفُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِثْناءَ، وأيْضًا فَهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: ٦١]
الثّانِي: أنَّ قاذِفَ سائِرِ المُحْصَناتِ لا يَكْفُرُ، والقاذِفَ في هَذِهِ الآيَةِ يَكْفُرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ وذَلِكَ صِفَةُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩] الآياتِ الثَّلاثَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ والعَذابُ العَظِيمُ يَكُونُ عَذابَ الكُفْرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ عِقابَ هَذا القاذِفِ عِقابُ الكُفْرِ، وعِقابَ قَذْفِهِ سائِرَ المُحْصَناتِ لا يَكُونُ عِقابَ الكُفْرِ
الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ بِالبَصْرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وكانَ يُسْألُ عَنْ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، فَسُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إلّا مَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ، أجابَ الأُصُولِيُّونَ عَنْهُ بِأنَّ الوَعِيدَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ التَّوْبَةِ لِأنَّ الذَّنْبَ سَواءٌ كانَ كُفْرًا أوْ فِسْقًا، فَإذا حَصَلَتِ التَّوْبَةُ مِنهُ صارَ مَغْفُورًا فَزالَ السُّؤالُ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ، وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ فَكانَتِ المَرْأةُ إذا خَرَجَتْ إلى المَدِينَةِ مُهاجِرَةً قَذَفَها المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقالُوا إنَّما خَرَجَتْ لِتَفْجُرَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ فِيمَن يَرْمِي المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: أحَدُها: كَوْنُهم مَلْعُونِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو وعِيدٌ شَدِيدٌ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِاللَّعْنِ عامٌّ في جَمِيعِ القَذَفَةِ ومَن كانَ مَلْعُونًا في الدُّنْيا فَهو مَلْعُونٌ في الآخِرَةِ والمَلْعُونُ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وهو بِناءٌ عَلى المُحابَطَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ، وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ونَظِيرُهُ
صفحة ١٦٩
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] وعِنْدَنا البِنْيَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ فَيَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الجَوْهَرِ الفَرْدِ عِلْمًا وقُدْرَةً وكَلامًا، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فَلا جَرَمَ ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ في هَذِهِ الجَوارِحِ هَذا الكَلامَ، وعِنْدَهُمُ المُتَكَلِّمُ فاعِلُ الكَلامِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الشَّهادَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ أضافَها إلى الجَوارِحِ تَوَسُّعًا.
الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْنِي هَذِهِ الجَوارِحَ عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ ويُلْجِئُها أنْ تَشْهَدَ عَلى الإنْسانِ وتُخْبِرَ عَنْهُ بِأعْمالِهِ، قالَ القاضِي وهَذا أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ، لِأنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّها تَفْعَلُ الشَّهادَةَ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ نَفْسَ دِينِهِمْ لَيْسَ هو المُرادُ لِأنَّ دِينَهم هو عَمَلُهم. بَلِ المُرادُ جَزاءُ عَمَلِهِمْ، والدِّينُ بِمَعْنى الجَزاءِ مُسْتَعْمَلٌ كَقَوْلِهِمْ كَما تَدِينُ تُدانُ، وقِيلَ الدِّينُ هو الحِسابُ كَقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ الحِسابُ الصَّحِيحُ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحَقَّ﴾ أيْ أنَّ الَّذِي نُوَفِّيهِمْ مِنَ الجَزاءِ هو القَدْرُ المُسْتَحَقُّ لِأنَّهُ الحَقُّ وما زادَ عَلَيْهِ هو الباطِلُ، وقُرِئَ“ الحَقَّ " بِالنَّصْبِ صِفَةً لِلدِّينِ وهو الجَزاءُ وبِالرَّفْعِ صِفَةً لِلَّهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما سُمِّيَ بِالحَقِّ لِأنَّ عِبادَتَهُ هي الحَقُّ دُونَ عِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ لِأنَّهُ الحَقُّ فِيما يَأْمُرُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ومَعْنى ﴿المُبِينُ﴾ يُؤَيِّدُ ما قُلْنا لِأنَّ المُحِقَّ فِيما يُخاطِبُ بِهِ هو المُبِينُ مِن حَيْثُ يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ بِكَلامِهِ دُونَ غَيْرِهِ، ومِنهم مَن قالَ الحَقُّ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ومَعْناهُ المَوْجُودُ، لِأنَّ نَقِيضَهُ الباطِلُ وهو المَعْدُومُ، ومَعْنى المُبِينِ المُظْهِرُ ومَعْناهُ أنَّ بِقُدْرَتِهِ ظَهَرَ وُجُودُ المُمْكِناتِ، فَمَعْنى كَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ المَوْجُودُ لِذاتِهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ مُبِينًا أنَّهُ المُعْطِي وُجُودَ غَيْرِهِ.
النور 24:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ﴾ هَلِ المُرادُ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أوِ المُرادُ مِنهُ الخُصُوصُ ؟ أمّا الأُصُولِيُّونَ فَقالُوا الصِّيغَةُ عامَّةٌ ولا مانِعَ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِها فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ فَيَدْخُلُ فِيهِ قَذَفَةُ عائِشَةَ وقَذَفَةُ غَيْرِها، ومِنَ النّاسِ مَن خالَفَ فِيهِ وذَكَرَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ قَذَفَةُ عائِشَةَ قالَتْ عائِشَةُ: ”«رُمِيتُ وأنا غافِلَةٌ وإنَّما بَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي إذْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فَقالَ أبْشِرِي وقَرَأ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ»﴾ )
وثانِيها: أنَّ المُرادَ جُمْلَةُ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُنَّ لِشَرَفِهِنَّ خُصِّصْنَ بِأنَّ مَن قَذَفَهُنَّ فَهَذا الوَعِيدُ لاحِقٌ بِهِ واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قاذِفَ سائِرِ المُحْصَناتِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥٤] وأمّا القاذِفُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِثْناءَ، وأيْضًا فَهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: ٦١]
الثّانِي: أنَّ قاذِفَ سائِرِ المُحْصَناتِ لا يَكْفُرُ، والقاذِفَ في هَذِهِ الآيَةِ يَكْفُرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ وذَلِكَ صِفَةُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩] الآياتِ الثَّلاثَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ والعَذابُ العَظِيمُ يَكُونُ عَذابَ الكُفْرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ عِقابَ هَذا القاذِفِ عِقابُ الكُفْرِ، وعِقابَ قَذْفِهِ سائِرَ المُحْصَناتِ لا يَكُونُ عِقابَ الكُفْرِ
الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ بِالبَصْرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وكانَ يُسْألُ عَنْ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، فَسُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إلّا مَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ، أجابَ الأُصُولِيُّونَ عَنْهُ بِأنَّ الوَعِيدَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ التَّوْبَةِ لِأنَّ الذَّنْبَ سَواءٌ كانَ كُفْرًا أوْ فِسْقًا، فَإذا حَصَلَتِ التَّوْبَةُ مِنهُ صارَ مَغْفُورًا فَزالَ السُّؤالُ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ، وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ فَكانَتِ المَرْأةُ إذا خَرَجَتْ إلى المَدِينَةِ مُهاجِرَةً قَذَفَها المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقالُوا إنَّما خَرَجَتْ لِتَفْجُرَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ فِيمَن يَرْمِي المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: أحَدُها: كَوْنُهم مَلْعُونِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو وعِيدٌ شَدِيدٌ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِاللَّعْنِ عامٌّ في جَمِيعِ القَذَفَةِ ومَن كانَ مَلْعُونًا في الدُّنْيا فَهو مَلْعُونٌ في الآخِرَةِ والمَلْعُونُ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وهو بِناءٌ عَلى المُحابَطَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ، وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ونَظِيرُهُ
صفحة ١٦٩
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] وعِنْدَنا البِنْيَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ فَيَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الجَوْهَرِ الفَرْدِ عِلْمًا وقُدْرَةً وكَلامًا، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فَلا جَرَمَ ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ في هَذِهِ الجَوارِحِ هَذا الكَلامَ، وعِنْدَهُمُ المُتَكَلِّمُ فاعِلُ الكَلامِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الشَّهادَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ أضافَها إلى الجَوارِحِ تَوَسُّعًا.
الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْنِي هَذِهِ الجَوارِحَ عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ ويُلْجِئُها أنْ تَشْهَدَ عَلى الإنْسانِ وتُخْبِرَ عَنْهُ بِأعْمالِهِ، قالَ القاضِي وهَذا أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ، لِأنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّها تَفْعَلُ الشَّهادَةَ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ نَفْسَ دِينِهِمْ لَيْسَ هو المُرادُ لِأنَّ دِينَهم هو عَمَلُهم. بَلِ المُرادُ جَزاءُ عَمَلِهِمْ، والدِّينُ بِمَعْنى الجَزاءِ مُسْتَعْمَلٌ كَقَوْلِهِمْ كَما تَدِينُ تُدانُ، وقِيلَ الدِّينُ هو الحِسابُ كَقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ الحِسابُ الصَّحِيحُ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحَقَّ﴾ أيْ أنَّ الَّذِي نُوَفِّيهِمْ مِنَ الجَزاءِ هو القَدْرُ المُسْتَحَقُّ لِأنَّهُ الحَقُّ وما زادَ عَلَيْهِ هو الباطِلُ، وقُرِئَ“ الحَقَّ " بِالنَّصْبِ صِفَةً لِلدِّينِ وهو الجَزاءُ وبِالرَّفْعِ صِفَةً لِلَّهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما سُمِّيَ بِالحَقِّ لِأنَّ عِبادَتَهُ هي الحَقُّ دُونَ عِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ لِأنَّهُ الحَقُّ فِيما يَأْمُرُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ومَعْنى ﴿المُبِينُ﴾ يُؤَيِّدُ ما قُلْنا لِأنَّ المُحِقَّ فِيما يُخاطِبُ بِهِ هو المُبِينُ مِن حَيْثُ يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ بِكَلامِهِ دُونَ غَيْرِهِ، ومِنهم مَن قالَ الحَقُّ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ومَعْناهُ المَوْجُودُ، لِأنَّ نَقِيضَهُ الباطِلُ وهو المَعْدُومُ، ومَعْنى المُبِينِ المُظْهِرُ ومَعْناهُ أنَّ بِقُدْرَتِهِ ظَهَرَ وُجُودُ المُمْكِناتِ، فَمَعْنى كَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ المَوْجُودُ لِذاتِهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ مُبِينًا أنَّهُ المُعْطِي وُجُودَ غَيْرِهِ.
النور 24:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ الخَبِيثاتِ يَقَعُ عَلى الكَلِماتِ الَّتِي هي القَذْفُ الواقِعُ مِن أهْلِ الإفْكِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى الكَلامِ الَّذِي هو كالذَّمِّ واللَّعْنِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن ذَلِكَ لا نَفْسَ الكَلِمَةِ الَّتِي هي مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، بَلِ المُرادُ مَضْمُونُ الكَلِمَةِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى الزَّوانِي مِنَ النِّساءِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ كُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلَةٌ، فَإنْ حَمَلْناها عَلى القَذْفِ الواقِعِ مِن أهْلِ الإفْكِ كانَ المَعْنى الخَبِيثاتُ مِن قَوْلِ أهْلِ الإفْكِ لِلْخَبِيثَيْنِ مِنَ الرِّجالِ، وبِالعَكْسِ والطَّيِّباتُ مِن قَوْلِ مُنْكِرِي الإفْكِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ وبِالعَكْسِ وإنْ حَمَلْناها عَلى الكَلامِ الَّذِي هو كالذَّمِّ واللَّعْنِ، فالمَعْنى أنَّ الذَّمَّ واللَّعْنَ مُعَدّانِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، والخَبِيثُونَ مِنهم مُعَرَّضُونَ لِلَّعْنِ والذَّمِّ.
وكَذا القَوْلُ في الطَّيِّباتِ ”وأُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى الطَّيِّبِينَ وأنَّهم مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُ الخَبِيثُونَ مِن خَبِيثاتِ الكَلِماتِ، وإنْ حَمَلْناهُ حَمَلْناهُ عَلى الزَّوانِي فالمَعْنى الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ وبِالعَكْسِ، عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ [النور: ٣] والطَّيِّباتُ مِنَ النِّساءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ، والمَعْنى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الرَّمْيِ الواقِعِ مِنَ المُنافِقِينَ لا يَلِيقُ إلّا بِالخَبِيثاتِ والخَبِيثِينَ لا بِالطَّيِّباتِ والطَّيِّبِينَ كالرَّسُولِ ﷺ وأزْواجِهِ. فَإنْ قِيلَ فَعَلى هَذا الوجه يَلْزَمُ أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ العَفِيفُ بِالزّانِيَةِ، والجَوابُ: ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ:
صفحة ١٧٠
﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾ يَعْنِي الطَّيِّباتِ والطَّيِّبِينَ مِمّا يَقُولُهُ أصْحابُ الإفْكِ، سِوى قَوْلِ مَن حَمَلَهُ عَلى الكَلِماتِ فَكَأنَّهُ قالَ: الطَّيِّبُونَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُهُ الخَبِيثُونَ، ومَتى حَمَلَ أُولَئِكَ عَلى هَذا الوجه كانَ لَفْظُهُ كَمَعْناهُ في أنَّهُ جَمَعَ، ومَتى حَمَلْتَهُ عَلى عائِشَةَ وصَفْوانَ وهُما اثْنانِ فَكَيْفَ يُعَبَّرُ عَنْهُما بِلَفْظِ الجَمْعِ ؟ فَجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الرَّمْيَ قَدْ تَعَلَّقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِعائِشَةَ وصَفْوانَ فَبَرَّأ اللَّهُ تَعالى كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَنِ التُّهْمَةِ اللّائِقَةِ بِهِ
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ كُلُّ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَرَّأهُنَّ مِن هَذا الإفْكِ. لَكِنْ لا يَقْدَحُ فِيهِنَّ أحَدٌ كَما أقْدَمُوا عَلى عائِشَةَ، ونَزَّهَ الرَّسُولَ ﷺ بِذَلِكَ عَنْ أمْثالِ هَذا الأمْرِ وهَذا أبْيَنُ كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الطَّيِّباتِ مِنَ النِّساءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ، ولا أحَدَ أطْيَبُ ولا أطْهَرُ مِنَ الرَّسُولِ، فَأزْواجُهُ إذَنْ لا يَجُوزُ أنْ يَكُنَّ إلّا طَيِّباتٍ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ يَعْنِي بَراءَةً مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ”﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾“ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا مَقْطُوعًا بِهِ، فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أنَّ أزْواجَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هُنَّ مَعَهُ في الجَنَّةِ، وقَدْ ورَدَتِ الأخْبارُ بِذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِشَرْطِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ والتَّوْبَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِأنّا إنَّما نَحْتاجُ إلى الشَّرْطِ إذا لَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، أمّا إذا أمْكَنَ فَلا وجْهَ لِطَلَبِ الشَّرْطِ
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَصِيرُ إلى الجَنَّةِ بِخِلافِ مَذْهَبِ الرّافِضَةِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَها بِسَبَبِ حَرْبِ يَوْمِ الجَمَلِ فَإنَّهم يَرَدُّونَ بِذَلِكَ نَصَّ القُرْآنِ فَإنْ قِيلَ القَطْعُ بِأنَّها مِن أهْلِ الجَنَّةِ إغْراءٌ لَها بِالقَبِيحِ. قُلْنا ألَيْسَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إغْراءً لَهُ بِالقَبِيحِ، وكَذا العَشَرَةُ المُبَشَّرَةِ بِالجَنَّةِ فَكَذا هاهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ، تَمَّتْ قِصَّةُ أهْلِ الإفْكِ.