Tafsir Al-Razi — النور 24:27 – النور 24:61
المحتويات
- النور 24:27
- النور 24:28
- النور 24:29
- النور 24:30
- النور 24:31
- النور 24:32
- النور 24:33
- النور 24:34
- النور 24:35
- النور 24:36
- النور 24:37
- النور 24:38
- النور 24:39
- النور 24:40
- النور 24:41
- النور 24:42
- النور 24:43
- النور 24:44
- النور 24:45
- النور 24:46
- النور 24:47
- النور 24:48
- النور 24:49
- النور 24:50
- النور 24:51
- النور 24:52
- النور 24:53
- النور 24:54
- النور 24:55
- النور 24:56
- النور 24:57
- النور 24:58
- النور 24:59
- النور 24:60
- النور 24:61
النور 24:27
الحُكْمُ السّادِسُ - في الِاسْتِئْذانِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَدَلَ عَمّا يَتَّصِلُ بِالرَّمْيِ والقَذْفِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِنَ الحُكْمِ إلى ما يَلِيقُ بِهِ لِأنَّ أهْلَ الإفْكِ إنَّما وجَدُوا السَّبِيلَ إلى بُهْتانِهِمْ مِن حَيْثُ اتَّفَقَتِ الخَلْوَةُ فَصارَتْ كَأنَّها طَرِيقُ التُّهْمَةِ، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يَدْخُلَ المَرْءُ بَيْتَ غَيْرِهِ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامِ، لِأنَّ في الدُّخُولِ لا عَلى هَذا الوجه وُقُوعُ التُّهْمَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ المَضَرَّةِ ما لا خَفاءَ بِهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
صفحة ١٧١
السُّؤالُ الأوَّلُ: الِاسْتِئْناسُ عِبارَةٌ عَنِ الأُنْسِ الحاصِلِ مِن جِهَةِ المُجالَسَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، وإنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ والسَّلامِ، فَكانَ الأوْلى تَقْدِيمَ السَّلامِ عَلى الِاسْتِئْناسِ، فَلِمَ جاءَ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ ؟ والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إنَّما هو حَتّى تَسْتَأْذِنُوا فَأخْطَأ الكاتِبُ.
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا لَكم والتَّسْلِيمُ خَيْرٌ لَكم مِن تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ والدُّمُورِ، وهو الدُّخُولُ بِغَيْرِ إذْنٍ واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّمارِ، وهو الهَلاكُ، كَأنَّ صاحِبَهُ دامِرٌ لِعِظَمِ ما ارْتَكَبَ، وفي الحَدِيثِ: «”مَن سَبَقَتْ عَيْنُهُ اسْتِئْذانَهُ فَقَدْ دَمَرَ“»، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الطَّعْنَ في القُرْآنِ الَّذِي نُقِلَ بِالتَّواتُرِ ويَقْتَضِي صِحَّةَ القُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُنْقَلُ بِالتَّواتُرِ، وفَتْحُ هَذَيْنِ البابَيْنِ يُطْرِقُ الشَّكَّ إلى كُلِّ القُرْآنِ وأنَّهُ باطِلٌ.
وثانِيها: ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والمَعْنى: حَتّى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْنِسُوا، وذَلِكَ لِأنَّ السَّلامَ مُقَدَّمٌ عَلى الِاسْتِئْناسِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: حَتّى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْذِنُوا، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.
وثالِثُها: أنْ تُجْرِيَ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ. ثُمَّ في تَفْسِيرِ الِاسْتِئْناسِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: حَتّى تَسْتَأْنِسُوا بِالإذْنِ وذَلِكَ لِأنَّهم إذا اسْتَأْذَنُوا وسَلَّمُوا أنِسَ أهْلُ البَيْتِ، ولَوْ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنٍ لاسْتَوْحَشُوا وشَقَّ عَلَيْهِمُ الثّانِي: تَفْسِيرُ الِاسْتِئْناسِ بِالِاسْتِعْلامِ والِاسْتِكْشافِ اسْتِفْعالٌ مِن آنَسَ الشَّيْءَ إذا أبْصَرَهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا، والمَعْنى حَتّى تَسْتَعْلِمُوا وتَسْتَكْشِفُوا الحالَ هَلْ يُرادُ دُخُولُكم. ومِنهُ قَوْلُهُمُ اسْتَأْنِسْ هَلْ تَرى أحَدًا، واسْتَأْنَسْتُ فَلَمْ أرَ أحَدًا أيْ تَعَرَّفْتُ واسْتَعْلَمْتُ، فَإنْ قِيلَ وإذا حُمِلَ عَلى الأُنْسِ يَنْبَغِي أنْ يَتَقَدَّمَهُ السَّلامُ كَما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ: ”«السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ» “ قُلْنا المُسْتَأْذِنُ رُبَّما لا يَعْلَمُ أنَّ أحَدًا في المَنزِلِ فَلا مَعْنى لِسَلامِهِ والحالَةُ هَذِهِ
والأقْرَبُ أنْ يَسْتَعْلِمَ بِالِاسْتِئْذانِ هَلْ هُناكَ مَن يَأْذَنُ، فَإذا أُذِنَ ودَخَلَ صارَ مُواجِهًا لَهُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُ الِاسْتِئْناسِ مِنَ الإنْسِ وهو أنْ يَتَعَرَّفَ هَلْ ثَمَّ إنْسانٌ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مُقَدَّمٌ عَلى السَّلامِ.
والرّابِعُ: لَوْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِئْناسَ إنَّما يَقَعُ بَعْدَ السَّلامِ ولَكِنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَتَقْدِيمُ الِاسْتِئْناسِ عَلى السَّلامِ في اللَّفْظِ لا يُوجِبُ تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِ في العَمَلِ.
* * *
السُّؤالُ الثّانِي: ما الحُكْمُ في إيجابِ تَقْدِيمِ الِاسْتِئْذانِ ؟ والجَوابُ: تِلْكَ الحِكْمَةُ هي الَّتِي نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي لِأجْلِهِ حُرِّمَ الدُّخُولُ إلّا عَلى هَذا الشَّرْطِ هو كَوْنُ البُيُوتِ مَسْكُونَةً، إذْ لا يَأْمَنُ مَن يَهْجُمُ عَلَيْها بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ أنْ يَهْجُمَ عَلى ما لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن عَوْرَةٍ، أوْ عَلى ما لا يُحِبُّ القَوْمُ أنْ يَعْرِفَهُ غَيْرُهم مِنَ الأحْوالِ، وهَذا مِن بابِ العِلَلِ المُنَبَّهِ عَلَيْها بِالنَّصِّ، ولِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الغَيْرِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِرِضاهُ وإلّا أشْبَهَ الغَصْبَ.
* * *
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ يَكُونُ الِاسْتِئْذانُ ؟ الجَوابُ: «اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أألِجُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِامْرَأةٍ يُقالُ لَها رَوْضَةُ ”قُومِي إلى هَذا فَعَلِّمِيهِ فَإنَّهُ لا يُحْسِنُ أنْ يَسْتَأْذِنَ قَوْلِي لَهُ يَقُولُ السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ فَسَمِعَها الرَّجُلُ فَقالَها، فَقالَ ادْخُلْ فَدَخَلَ وسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أشْياءَ وكانَ يُجِيبُ، فَقالَ هَلْ في العِلْمِ ما لا تَعْلَمُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَقَدْ آتانِي خَيْرًا كَثِيرًا وإنَّ مِنَ العِلْمِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وتَلا ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إلى آخِرِهِ“»
وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ الرَّجُلُ مِنهم إذا دَخَلَ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ حَيِيتُمْ صَباحًا وحَيِيتُمْ مَساءً، ثُمَّ يَدْخُلُ فَرُبَّما أصابَ الرَّجُلَ مَعَ امْرَأتِهِ في لِحافٍ واحِدٍ، فَصَدَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْ
صفحة ١٧٢
ذَلِكَ وعَلَّمَ الأحْسَنَ والأجْمَلَ، وعَنْ مُجاهِدٍ ”حَتّى تَسْتَأْنِسُوا“ هو التَّنَحْنُحُ، وقالَ عِكْرِمَةُ هو التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ ونَحْوُهُ.
* * *
السُّؤالُ الرّابِعُ: كَمْ عَدَدُ الِاسْتِئْذانِ ؟ الجَوابُ: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”الِاسْتِئْذانُ“ ثَلاثٌ بِالأُولى يَسْتَنْصِتُونَ، وبِالثّانِيَةِ يَسْتَصْلِحُونَ، وبِالثّالِثَةِ يَأْذَنُونَ أوْ يَرُدُّونَ ”» وعَنْ جُنْدُبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“ إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ ”» وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «“ كُنْتُ جالِسًا في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الأنْصارِ، فَجاءَ أبُو مُوسى فَزِعًا، فَقُلْنا لَهُ ما أفْزَعَكَ ؟ فَقالَ أمَرَنِي عُمَرُ أنْ آتِيَهُ فَأتَيْتُهُ، فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، فَقالَ ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟ فَقُلْتُ قَدْ جِئْتُ فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ، فَقالَ: لَتَأْتِيَنِّي عَلى هَذا بِالبَيِّنَةِ، أوْ لَأُعاقِبَنَّكَ. فَقالَ أُبَيٌّ لا يَقُومُ مَعَكَ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ، قالَ فَقامَ أبُو سَعِيدٍ فَشَهِدَ لَهُ ”وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِأبِي مُوسى إنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ، ولَكِنِّي خَشِيتُ أنْ يَتَقَوَّلَ النّاسُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .
وعَنْ قَتادَةَ الِاسْتِئْذانُ ثَلاثَةٌ: الأُولى يُسْمِعُ الحَيَّ. والثّانِي لِيَتَأهَّبُوا. والثّالِثُ إنْ شاءُوا أذِنُوا، وإنْ شاءُوا رَدُّوا، واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن مَحاسِنِ الآدابِ، لِأنَّ في أوَّلِ مَرَّةٍ رُبَّما مَنَعَهم بَعْضُ الأشْغالِ مِنَ الإذْنِ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ رُبَّما كانَ هُناكَ ما يَمْنَعُ أوْ يَقْتَضِي المَنعَ أوْ يَقْتَضِي التَّساوِيَ، فَإذا لَمْ يُجَبْ في الثّالِثَةِ يَسْتَدِلُّ بِعَدَمِ الإذْنِ عَلى مانِعٍ ثابِتٍ، ورُبَّما أوْجَبَ ذَلِكَ كَراهَةَ قُرْبِهِ مِنَ البابِ فَلِذَلِكَ يُسَنُّ لَهُ الرُّجُوعُ
ولِذَلِكَ يَقُولُ يَجِبُ في الِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا، أنْ لا يَكُونَ مُتَّصِلًا، بَلْ يَكُونُ بَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ والأُخْرى وقْتٌ، فَأمّا قَرْعُ البابِ بِعُنْفٍ والصِّياحُ بِصاحِبِ الدّارِ، فَذاكَ حَرامٌ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الإيذاءَ والإيحاشَ، وكَفى بِقِصَّةِ بَنِي أسَدٍ زاجِرَةٌ وما نَزَلَ فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] .
* * *
السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ يَقِفُ عَلى البابِ ؟ الجَوابُ: رُوِيَ «أنَّ أبا سَعِيدٍ اسْتَأْذَنَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وهو مُسْتَقْبِلٌ البابَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا تَسْتَأْذِنْ وأنْتَ مُسْتَقْبِلُ البابِ» .
ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا أتى بابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ البابَ مِن تِلْقاءِ وجْهِهِ، ولَكِنْ مِن رُكْنِهِ الأيْمَنِ أوِ الأيْسَرِ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم»، وذَلِكَ لِأنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها حِينَئِذٍ سُتُورٌ.
* * *
السُّؤالُ السّادِسُ: أنَّ كَلِمَةَ (حَتّى) لِلْغايَةِ والحُكْمُ بَعْدَ الغايَةِ يَكُونُ بِخِلافِ ما قَبْلَها فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ يَقْتَضِي جَوازَ الدُّخُولِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن صاحِبِ البَيْتِ إذْنٌ فَما قَوْلُكم فِيهِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الغايَةَ الِاسْتِئْناسَ لا الِاسْتِئْذانَ، والِاسْتِئْناسُ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَصَلَ الإذْنُ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ.
وثانِيها: أنّا لَمّا عَلِمْنا بِالنَّصِّ أنَّ الحِكْمَةَ في الِاسْتِئْذانِ أنْ لا يَدْخُلَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَسُوءُهُ، وعَلِمْنا أنَّ هَذا المَقْصُودَ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الإذْنِ، عَلِمْنا أنَّ الِاسْتِئْذانَ ما لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الإذْنُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ كافِيًا
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ فَحَظَرَ الدُّخُولَ إلّا بِإذْنٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الإذْنَ مَشْرُوطٌ بِإباحَةِ الدُّخُولِ في الآيَةِ الأُولى، فَإنْ قِيلَ إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإذْنِ فَهَلْ يَقُومُ مَقامَهُ غَيْرُهُ أمْ لا ؟ قُلْنا رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“ رَسُولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُهُ ”» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «“ إذا دُعِيَ أحَدُكم فَجاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإنَّ ذَلِكَ لَهُ إذْنٌ ”» وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ.
صفحة ١٧٣
أحَدُهُما: أنَّ الإذْنَ مَحْذُوفٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ وهو المُرادُ مِنهُ.
والثّانِي: أنَّ الدُّعاءَ إذْنٌ إذا جاءَ مَعَ الرَّسُولِ وأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى اسْتِئْذانٍ ثانٍ، وقالَ بَعْضُهم إنَّ مَن قَدْ جَرَتِ العادَةُ لَهُ بِإباحَةِ الدُّخُولِ فَهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الِاسْتِئْذانِ.
* * *
السُّؤالُ السّابِعُ: ما حُكْمُ مَنِ اطَّلَعَ عَلى دارِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ؟ الجَوابُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ فَهي هَدَرٌ، وتَمَسَّكَ بِما رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: «“ اطَّلَعَ رَجُلٌ في حُجْرَةٍ مِن حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِها رَأْسَهُ فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَنْظُرُ إلَيَّ لَطَعَنْتُ بِها في عَيْنِكَ إنَّما الِاسْتِئْذانُ قَبْلَ النَّظَرِ ”» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «“ مَنِ اطَّلَعَ في دارِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَقَدْ هُدِرَتْ عَيْنُهُ ”» .
قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: هَذا الخَبَرُ يُرَدُّ لِوُرُودِهِ عَلى خِلافِ قِياسِ الأُصُولِ، فَإنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ لَوْ دَخَلَ دارَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفَقَأ عَيْنَهُ كانَ ضامِنًا وكانَ عَلَيْهِ القِصاصُ إنْ كانَ عامِدًا والأرْشُ إنْ كانَ مُخْطِئًا، ومَعْلُومٌ أنَّ الدّاخِلَ قَدِ اطَّلَعَ وزادَ عَلى الِاطِّلاعِ، فَظاهِرُ الحَدِيثِ مُخالِفٌ لِما حَصَلَ عَلَيْهِ الِاتِّفاقُ، فَإنْ صَحَّ فَمَعْناهُ: مَنِ اطَّلَعَ في دارِ قَوْمٍ ونَظَرَ إلى حَرَمِهِمْ ونِسائِهِمْ فَمُونِعَ فَلَمْ يَمْتَنِعْ فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ في حالِ المُمانَعَةِ فَهي هَدَرٌ.
فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ إلّا النَّظَرُ ولَمْ يَقَعْ فِيهِ مُمانَعَةٌ ولا نَهْيٌ، ثُمَّ جاءَ إنْسانٌ فَفَقَأ عَيْنَهُ، فَهَذا جانٍ يَلْزَمُهُ حُكْمُ جِنايَتِهِ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] واعْلَمْ أنَّ التَّمَسُّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ في هَذِهِ المسألة ضَعِيفٌ، لِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذا النَّصَّ مَشْرُوطٌ بِما إذا لَمْ تَكُنِ العَيْنُ مُسْتَحَقَّةً، فَإنَّها لَوْ كانَتْ مُسْتَحَقَّةً لَمْ يَلْزَمِ القِصاصُ، فَلِمَ قُلْتَ: إنَّ مَنِ اطَّلَعَ في دارِ إنْسانٍ لَمْ تَكُنْ عَيْنُهُ مُسْتَحَقَّةً ؟ وهَذا أوَّلُ المسألة.
أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَوْ دَخَلَ لَمْ يَجُزْ فَقْءُ عَيْنِهِ، فَكَذا إذا نَظَرَ قُلْنا: الفَرْقُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّهُ إذا دَخَلَ عَلِمَ القَوْمُ دُخُولَهُ عَلَيْهِمْ فاحْتَرَزُوا عَنْهُ وتَسَتَّرُوا، فَأمّا إذا نَظَرَ فَقَدْ لا يَكُونُونَ عالِمِينَ بِذَلِكَ فَيَطَّلِعُ مِنهم عَلى ما لا يَجُوزُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ، فَلا يَبْعُدُ في حُكْمِ الشَّرْعِ أنْ يُبالِغَ هاهُنا في الزَّجْرِ حَسْمًا لِبابِ هَذِهِ المَفْسَدَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَرَدُّ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِهَذا القَدْرِ مِنَ الكَلامِ غَيْرُ جائِزٍ.
* * *
السُّؤالُ الثّامِنُ: لَمّا بَيَّنْتُمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإذْنِ فَهَلْ يَكْفِي الإذْنُ كَيْفَ كانَ أوْ لا بُدَّ مِن إذْنٍ مَخْصُوصٍ ؟ الجَوابُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي قَبُولَ الإذْنِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ الآذِنُ صَبِيًّا أوِ امْرَأةً أوْ عَبْدًا أوْ ذِمِّيًّا فَإنَّهُ لا يُعْتَبَرُ في هَذا الإذْنِ صِفاتُ الشَّهادَةِ وكَذَلِكَ قَبُولُ أخْبارِ هَؤُلاءِ في الهَدايا ونَحْوِها.
* * *
السُّؤالُ التّاسِعُ: هَلْ يُعْتَبَرُ الِاسْتِئْذانُ عَلى المَحارِمِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ: «“ أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي ؟ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَعَمْ أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً ”» وسَألَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي، فَقالَ إنْ لَمْ تَسْتَأْذِنْ عَلَيْها رَأيْتَ ما يَسُوءُكَ، وقالَ عَطاءٌ سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي ومَن أُنْفِقُ عَلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن كانَ أجْنَبِيًّا أوْ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
واعْلَمْ أنَّ تَرْكَ الِاسْتِئْذانِ عَلى المَحارِمِ وإنْ كانَ غَيْرَ جائِزٍ إلّا أنَّهُ أيْسَرُ لِجَوازِ النَّظَرِ إلى شَعْرِها وصَدْرِها وساقِها ونَحْوِها مِنَ الأعْضاءِ. والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ المَنعَ مِنَ الهُجُومِ عَلى الغَيْرِ إنْ كانَ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ رُبَّما كانَ مُنْكَشِفَ الأعْضاءِ فَهَذا دَخَلَ فِيهِ الكُلُّ إلّا الزَّوْجاتِ ومِلْكَ اليَمِينِ، وإنْ كانَ لِأجْلِ أنَّهُ رُبَّما كانَ مُشْتَغِلًا
صفحة ١٧٤
بِأمْرٍ يَكْرَهُ إطْلاعَ الغَيْرِ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَعُمَّ في الكُلِّ، حَتّى لا يَكُونَ لَهُ أنْ يَدْخُلَ عَلى الزَّوْجَةِ والأمَةِ إلّا بِإذْنٍ.
* * *
السُّؤالُ العاشِرُ: إذا عَرَضَ أمْرُ في دارٍ مِن حَرِيقٍ أوْ هُجُومِ سارِقٍ أوْ ظُهُورِ مُنْكَرٍ فَهَلْ يَجِبُ الِاسْتِئْذانُ ؟ الجَوابُ: كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى بِالدَّلِيلِ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في الِاسْتِئْذانِ، وأمّا السَّلامُ فَهو مِن سُنَّةِ المُسْلِمِينَ الَّتِي أُمِرُوا بِها، وأمانٌ لِلْقَوْمِ وهو تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ ومَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّةِ ونافٍ لِلْحِقْدِ والضَّغِينَةِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإذْنِ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ رَبُّهُ يَرْحَمُكَ رَبُّكَ يا آدَمُ اذْهَبْ إلى هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ - وهم مَلَأٌ مِنهم جُلُوسٌ - فَقُلِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ رَجَعَ إلى رَبِّهِ فَقالَ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ ”» .
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ حَقُّ المُسْلِمِ عَلى المُسْلِمِ سِتٌّ؛ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذا لَقِيَهُ، ويُجِيبُهُ إذا دَعاهُ، ويَنْصَحُ لَهُ بِالغَيْبِ، ويُشَمِّتُهُ إذا عَطَسَ، ويَعُودُهُ إذا مَرِضَ، ويَشْهَدُ جِنازَتَهُ إذا ماتَ ”» وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «“ إنْ سَرَّكم أنْ يُسَلَّ الغِلُّ مِن صُدُورِكم فَأفْشَوُا السَّلامَ بَيْنَكم "» .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فالمَعْنى فِيهِ ظاهِرٌ، إذِ المُرادُ أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأوْلى لَكم مِنَ الهُجُومِ بِغَيْرِ إذْنٍ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَتَذَكَّرُوا هَذا التَّأْدِيبَ فَتَتَمَسَّكُوا بِهِ، ثم قال: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها﴾ أيْ في البُيُوتِ أحَدًا ﴿فَلا تَدْخُلُوها﴾ لِأنَّ العِلَّةَ في الصُّورَتَيْنِ واحِدَةٌ وهي جَوازُ أنْ يَكُونَ هُناكَ أحْوالٌ مَكْتُومَةٌ يُكْرَهُ إطْلاعُ الدّاخِلِ عَلَيْها، ثم قال: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما يَكُونُ الدُّخُولُ قَدْ يَكْرَهُهُ صاحِبُ الدّارِ فَكَذا الوُقُوفُ عَلى البابِ قَدْ يَكْرَهُهُ، فَلا جَرَمَ كانَ الأوْلى والأزْكى لَهُ أنْ يَرْجِعَ إزالَةً لِلْإيحاشِ والإيذاءِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الدُّورِ المَسْكُونَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ حُكْمَ الدُّورِ الَّتِي هي غَيْرُ مَسْكُونَةٍ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المانِعَ مِنَ الدُّخُولِ إلّا بِإذْنٍ زائِلٌ عَنْها واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ عَلى أقْوالٍ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّها الحاناتُ والرِّباطاتُ وحَوانِيتُ البَيّاعِينَ والمَتاعُ المُنْفَعِةُ، كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وإيواءِ الرِّحالِ والسِّلَعِ والشِّراءِ والبَيْعِ، يُرْوى «أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلَيْكَ آيَةً في الِاسْتِئْذانِ وإنّا نَخْتَلِفُ في تِجارَتِنا فَنَنْزِلُ هَذِهِ الخاناتِ، أفَلا نَدْخُلُها إلّا بِإذْنٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وثانِيها: أنَّها الخَرِباتُ يُتَبَرَّزُ فِيها، والمَتاعُ التَّبَرُّزُ.
وثالِثُها: الأسْواقُ.
ورابِعُها: أنَّها الحَمّاماتُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ دُخُولُ الجَمِيعِ تَحْتَ الآيَةِ فَيُحْمَلُ عَلى الكُلِّ، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنَّها إذا كانَتْ كَذَلِكَ فَهي مَأْذُونٌ بِدُخُولِها مِن جِهَةِ العُرْفِ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ إنَّها لَوْ كانَتْ غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ولَكِنَّها كانَتْ مَغْصُوبَةً، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِلدّاخِلِ أنْ يَدْخُلَ فِيها لَكِنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ الخاناتِ أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِدُخُولِ الدّاخِلِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فَهو وعِيدٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ الخَرِباتِ والدُّورَ الخالِيَةَ مِن أهْلِ الرِّيبَةِ.
النور 24:28
الحُكْمُ السّادِسُ - في الِاسْتِئْذانِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَدَلَ عَمّا يَتَّصِلُ بِالرَّمْيِ والقَذْفِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِنَ الحُكْمِ إلى ما يَلِيقُ بِهِ لِأنَّ أهْلَ الإفْكِ إنَّما وجَدُوا السَّبِيلَ إلى بُهْتانِهِمْ مِن حَيْثُ اتَّفَقَتِ الخَلْوَةُ فَصارَتْ كَأنَّها طَرِيقُ التُّهْمَةِ، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يَدْخُلَ المَرْءُ بَيْتَ غَيْرِهِ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامِ، لِأنَّ في الدُّخُولِ لا عَلى هَذا الوجه وُقُوعُ التُّهْمَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ المَضَرَّةِ ما لا خَفاءَ بِهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
صفحة ١٧١
السُّؤالُ الأوَّلُ: الِاسْتِئْناسُ عِبارَةٌ عَنِ الأُنْسِ الحاصِلِ مِن جِهَةِ المُجالَسَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، وإنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ والسَّلامِ، فَكانَ الأوْلى تَقْدِيمَ السَّلامِ عَلى الِاسْتِئْناسِ، فَلِمَ جاءَ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ ؟ والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إنَّما هو حَتّى تَسْتَأْذِنُوا فَأخْطَأ الكاتِبُ.
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا لَكم والتَّسْلِيمُ خَيْرٌ لَكم مِن تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ والدُّمُورِ، وهو الدُّخُولُ بِغَيْرِ إذْنٍ واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّمارِ، وهو الهَلاكُ، كَأنَّ صاحِبَهُ دامِرٌ لِعِظَمِ ما ارْتَكَبَ، وفي الحَدِيثِ: «”مَن سَبَقَتْ عَيْنُهُ اسْتِئْذانَهُ فَقَدْ دَمَرَ“»، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الطَّعْنَ في القُرْآنِ الَّذِي نُقِلَ بِالتَّواتُرِ ويَقْتَضِي صِحَّةَ القُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُنْقَلُ بِالتَّواتُرِ، وفَتْحُ هَذَيْنِ البابَيْنِ يُطْرِقُ الشَّكَّ إلى كُلِّ القُرْآنِ وأنَّهُ باطِلٌ.
وثانِيها: ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والمَعْنى: حَتّى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْنِسُوا، وذَلِكَ لِأنَّ السَّلامَ مُقَدَّمٌ عَلى الِاسْتِئْناسِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: حَتّى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْذِنُوا، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.
وثالِثُها: أنْ تُجْرِيَ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ. ثُمَّ في تَفْسِيرِ الِاسْتِئْناسِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: حَتّى تَسْتَأْنِسُوا بِالإذْنِ وذَلِكَ لِأنَّهم إذا اسْتَأْذَنُوا وسَلَّمُوا أنِسَ أهْلُ البَيْتِ، ولَوْ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنٍ لاسْتَوْحَشُوا وشَقَّ عَلَيْهِمُ الثّانِي: تَفْسِيرُ الِاسْتِئْناسِ بِالِاسْتِعْلامِ والِاسْتِكْشافِ اسْتِفْعالٌ مِن آنَسَ الشَّيْءَ إذا أبْصَرَهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا، والمَعْنى حَتّى تَسْتَعْلِمُوا وتَسْتَكْشِفُوا الحالَ هَلْ يُرادُ دُخُولُكم. ومِنهُ قَوْلُهُمُ اسْتَأْنِسْ هَلْ تَرى أحَدًا، واسْتَأْنَسْتُ فَلَمْ أرَ أحَدًا أيْ تَعَرَّفْتُ واسْتَعْلَمْتُ، فَإنْ قِيلَ وإذا حُمِلَ عَلى الأُنْسِ يَنْبَغِي أنْ يَتَقَدَّمَهُ السَّلامُ كَما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ: ”«السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ» “ قُلْنا المُسْتَأْذِنُ رُبَّما لا يَعْلَمُ أنَّ أحَدًا في المَنزِلِ فَلا مَعْنى لِسَلامِهِ والحالَةُ هَذِهِ
والأقْرَبُ أنْ يَسْتَعْلِمَ بِالِاسْتِئْذانِ هَلْ هُناكَ مَن يَأْذَنُ، فَإذا أُذِنَ ودَخَلَ صارَ مُواجِهًا لَهُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُ الِاسْتِئْناسِ مِنَ الإنْسِ وهو أنْ يَتَعَرَّفَ هَلْ ثَمَّ إنْسانٌ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مُقَدَّمٌ عَلى السَّلامِ.
والرّابِعُ: لَوْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِئْناسَ إنَّما يَقَعُ بَعْدَ السَّلامِ ولَكِنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَتَقْدِيمُ الِاسْتِئْناسِ عَلى السَّلامِ في اللَّفْظِ لا يُوجِبُ تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِ في العَمَلِ.
* * *
السُّؤالُ الثّانِي: ما الحُكْمُ في إيجابِ تَقْدِيمِ الِاسْتِئْذانِ ؟ والجَوابُ: تِلْكَ الحِكْمَةُ هي الَّتِي نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي لِأجْلِهِ حُرِّمَ الدُّخُولُ إلّا عَلى هَذا الشَّرْطِ هو كَوْنُ البُيُوتِ مَسْكُونَةً، إذْ لا يَأْمَنُ مَن يَهْجُمُ عَلَيْها بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ أنْ يَهْجُمَ عَلى ما لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن عَوْرَةٍ، أوْ عَلى ما لا يُحِبُّ القَوْمُ أنْ يَعْرِفَهُ غَيْرُهم مِنَ الأحْوالِ، وهَذا مِن بابِ العِلَلِ المُنَبَّهِ عَلَيْها بِالنَّصِّ، ولِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الغَيْرِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِرِضاهُ وإلّا أشْبَهَ الغَصْبَ.
* * *
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ يَكُونُ الِاسْتِئْذانُ ؟ الجَوابُ: «اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أألِجُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِامْرَأةٍ يُقالُ لَها رَوْضَةُ ”قُومِي إلى هَذا فَعَلِّمِيهِ فَإنَّهُ لا يُحْسِنُ أنْ يَسْتَأْذِنَ قَوْلِي لَهُ يَقُولُ السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ فَسَمِعَها الرَّجُلُ فَقالَها، فَقالَ ادْخُلْ فَدَخَلَ وسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أشْياءَ وكانَ يُجِيبُ، فَقالَ هَلْ في العِلْمِ ما لا تَعْلَمُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَقَدْ آتانِي خَيْرًا كَثِيرًا وإنَّ مِنَ العِلْمِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وتَلا ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إلى آخِرِهِ“»
وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ الرَّجُلُ مِنهم إذا دَخَلَ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ حَيِيتُمْ صَباحًا وحَيِيتُمْ مَساءً، ثُمَّ يَدْخُلُ فَرُبَّما أصابَ الرَّجُلَ مَعَ امْرَأتِهِ في لِحافٍ واحِدٍ، فَصَدَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْ
صفحة ١٧٢
ذَلِكَ وعَلَّمَ الأحْسَنَ والأجْمَلَ، وعَنْ مُجاهِدٍ ”حَتّى تَسْتَأْنِسُوا“ هو التَّنَحْنُحُ، وقالَ عِكْرِمَةُ هو التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ ونَحْوُهُ.
* * *
السُّؤالُ الرّابِعُ: كَمْ عَدَدُ الِاسْتِئْذانِ ؟ الجَوابُ: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”الِاسْتِئْذانُ“ ثَلاثٌ بِالأُولى يَسْتَنْصِتُونَ، وبِالثّانِيَةِ يَسْتَصْلِحُونَ، وبِالثّالِثَةِ يَأْذَنُونَ أوْ يَرُدُّونَ ”» وعَنْ جُنْدُبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“ إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ ”» وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «“ كُنْتُ جالِسًا في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الأنْصارِ، فَجاءَ أبُو مُوسى فَزِعًا، فَقُلْنا لَهُ ما أفْزَعَكَ ؟ فَقالَ أمَرَنِي عُمَرُ أنْ آتِيَهُ فَأتَيْتُهُ، فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، فَقالَ ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟ فَقُلْتُ قَدْ جِئْتُ فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ، فَقالَ: لَتَأْتِيَنِّي عَلى هَذا بِالبَيِّنَةِ، أوْ لَأُعاقِبَنَّكَ. فَقالَ أُبَيٌّ لا يَقُومُ مَعَكَ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ، قالَ فَقامَ أبُو سَعِيدٍ فَشَهِدَ لَهُ ”وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِأبِي مُوسى إنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ، ولَكِنِّي خَشِيتُ أنْ يَتَقَوَّلَ النّاسُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .
وعَنْ قَتادَةَ الِاسْتِئْذانُ ثَلاثَةٌ: الأُولى يُسْمِعُ الحَيَّ. والثّانِي لِيَتَأهَّبُوا. والثّالِثُ إنْ شاءُوا أذِنُوا، وإنْ شاءُوا رَدُّوا، واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن مَحاسِنِ الآدابِ، لِأنَّ في أوَّلِ مَرَّةٍ رُبَّما مَنَعَهم بَعْضُ الأشْغالِ مِنَ الإذْنِ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ رُبَّما كانَ هُناكَ ما يَمْنَعُ أوْ يَقْتَضِي المَنعَ أوْ يَقْتَضِي التَّساوِيَ، فَإذا لَمْ يُجَبْ في الثّالِثَةِ يَسْتَدِلُّ بِعَدَمِ الإذْنِ عَلى مانِعٍ ثابِتٍ، ورُبَّما أوْجَبَ ذَلِكَ كَراهَةَ قُرْبِهِ مِنَ البابِ فَلِذَلِكَ يُسَنُّ لَهُ الرُّجُوعُ
ولِذَلِكَ يَقُولُ يَجِبُ في الِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا، أنْ لا يَكُونَ مُتَّصِلًا، بَلْ يَكُونُ بَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ والأُخْرى وقْتٌ، فَأمّا قَرْعُ البابِ بِعُنْفٍ والصِّياحُ بِصاحِبِ الدّارِ، فَذاكَ حَرامٌ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الإيذاءَ والإيحاشَ، وكَفى بِقِصَّةِ بَنِي أسَدٍ زاجِرَةٌ وما نَزَلَ فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] .
* * *
السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ يَقِفُ عَلى البابِ ؟ الجَوابُ: رُوِيَ «أنَّ أبا سَعِيدٍ اسْتَأْذَنَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وهو مُسْتَقْبِلٌ البابَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا تَسْتَأْذِنْ وأنْتَ مُسْتَقْبِلُ البابِ» .
ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا أتى بابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ البابَ مِن تِلْقاءِ وجْهِهِ، ولَكِنْ مِن رُكْنِهِ الأيْمَنِ أوِ الأيْسَرِ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم»، وذَلِكَ لِأنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها حِينَئِذٍ سُتُورٌ.
* * *
السُّؤالُ السّادِسُ: أنَّ كَلِمَةَ (حَتّى) لِلْغايَةِ والحُكْمُ بَعْدَ الغايَةِ يَكُونُ بِخِلافِ ما قَبْلَها فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ يَقْتَضِي جَوازَ الدُّخُولِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن صاحِبِ البَيْتِ إذْنٌ فَما قَوْلُكم فِيهِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الغايَةَ الِاسْتِئْناسَ لا الِاسْتِئْذانَ، والِاسْتِئْناسُ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَصَلَ الإذْنُ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ.
وثانِيها: أنّا لَمّا عَلِمْنا بِالنَّصِّ أنَّ الحِكْمَةَ في الِاسْتِئْذانِ أنْ لا يَدْخُلَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَسُوءُهُ، وعَلِمْنا أنَّ هَذا المَقْصُودَ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الإذْنِ، عَلِمْنا أنَّ الِاسْتِئْذانَ ما لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الإذْنُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ كافِيًا
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ فَحَظَرَ الدُّخُولَ إلّا بِإذْنٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الإذْنَ مَشْرُوطٌ بِإباحَةِ الدُّخُولِ في الآيَةِ الأُولى، فَإنْ قِيلَ إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإذْنِ فَهَلْ يَقُومُ مَقامَهُ غَيْرُهُ أمْ لا ؟ قُلْنا رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“ رَسُولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُهُ ”» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «“ إذا دُعِيَ أحَدُكم فَجاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإنَّ ذَلِكَ لَهُ إذْنٌ ”» وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ.
صفحة ١٧٣
أحَدُهُما: أنَّ الإذْنَ مَحْذُوفٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ وهو المُرادُ مِنهُ.
والثّانِي: أنَّ الدُّعاءَ إذْنٌ إذا جاءَ مَعَ الرَّسُولِ وأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى اسْتِئْذانٍ ثانٍ، وقالَ بَعْضُهم إنَّ مَن قَدْ جَرَتِ العادَةُ لَهُ بِإباحَةِ الدُّخُولِ فَهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الِاسْتِئْذانِ.
* * *
السُّؤالُ السّابِعُ: ما حُكْمُ مَنِ اطَّلَعَ عَلى دارِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ؟ الجَوابُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ فَهي هَدَرٌ، وتَمَسَّكَ بِما رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: «“ اطَّلَعَ رَجُلٌ في حُجْرَةٍ مِن حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِها رَأْسَهُ فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَنْظُرُ إلَيَّ لَطَعَنْتُ بِها في عَيْنِكَ إنَّما الِاسْتِئْذانُ قَبْلَ النَّظَرِ ”» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «“ مَنِ اطَّلَعَ في دارِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَقَدْ هُدِرَتْ عَيْنُهُ ”» .
قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: هَذا الخَبَرُ يُرَدُّ لِوُرُودِهِ عَلى خِلافِ قِياسِ الأُصُولِ، فَإنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ لَوْ دَخَلَ دارَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفَقَأ عَيْنَهُ كانَ ضامِنًا وكانَ عَلَيْهِ القِصاصُ إنْ كانَ عامِدًا والأرْشُ إنْ كانَ مُخْطِئًا، ومَعْلُومٌ أنَّ الدّاخِلَ قَدِ اطَّلَعَ وزادَ عَلى الِاطِّلاعِ، فَظاهِرُ الحَدِيثِ مُخالِفٌ لِما حَصَلَ عَلَيْهِ الِاتِّفاقُ، فَإنْ صَحَّ فَمَعْناهُ: مَنِ اطَّلَعَ في دارِ قَوْمٍ ونَظَرَ إلى حَرَمِهِمْ ونِسائِهِمْ فَمُونِعَ فَلَمْ يَمْتَنِعْ فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ في حالِ المُمانَعَةِ فَهي هَدَرٌ.
فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ إلّا النَّظَرُ ولَمْ يَقَعْ فِيهِ مُمانَعَةٌ ولا نَهْيٌ، ثُمَّ جاءَ إنْسانٌ فَفَقَأ عَيْنَهُ، فَهَذا جانٍ يَلْزَمُهُ حُكْمُ جِنايَتِهِ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] واعْلَمْ أنَّ التَّمَسُّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ في هَذِهِ المسألة ضَعِيفٌ، لِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذا النَّصَّ مَشْرُوطٌ بِما إذا لَمْ تَكُنِ العَيْنُ مُسْتَحَقَّةً، فَإنَّها لَوْ كانَتْ مُسْتَحَقَّةً لَمْ يَلْزَمِ القِصاصُ، فَلِمَ قُلْتَ: إنَّ مَنِ اطَّلَعَ في دارِ إنْسانٍ لَمْ تَكُنْ عَيْنُهُ مُسْتَحَقَّةً ؟ وهَذا أوَّلُ المسألة.
أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَوْ دَخَلَ لَمْ يَجُزْ فَقْءُ عَيْنِهِ، فَكَذا إذا نَظَرَ قُلْنا: الفَرْقُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّهُ إذا دَخَلَ عَلِمَ القَوْمُ دُخُولَهُ عَلَيْهِمْ فاحْتَرَزُوا عَنْهُ وتَسَتَّرُوا، فَأمّا إذا نَظَرَ فَقَدْ لا يَكُونُونَ عالِمِينَ بِذَلِكَ فَيَطَّلِعُ مِنهم عَلى ما لا يَجُوزُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ، فَلا يَبْعُدُ في حُكْمِ الشَّرْعِ أنْ يُبالِغَ هاهُنا في الزَّجْرِ حَسْمًا لِبابِ هَذِهِ المَفْسَدَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَرَدُّ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِهَذا القَدْرِ مِنَ الكَلامِ غَيْرُ جائِزٍ.
* * *
السُّؤالُ الثّامِنُ: لَمّا بَيَّنْتُمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإذْنِ فَهَلْ يَكْفِي الإذْنُ كَيْفَ كانَ أوْ لا بُدَّ مِن إذْنٍ مَخْصُوصٍ ؟ الجَوابُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي قَبُولَ الإذْنِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ الآذِنُ صَبِيًّا أوِ امْرَأةً أوْ عَبْدًا أوْ ذِمِّيًّا فَإنَّهُ لا يُعْتَبَرُ في هَذا الإذْنِ صِفاتُ الشَّهادَةِ وكَذَلِكَ قَبُولُ أخْبارِ هَؤُلاءِ في الهَدايا ونَحْوِها.
* * *
السُّؤالُ التّاسِعُ: هَلْ يُعْتَبَرُ الِاسْتِئْذانُ عَلى المَحارِمِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ: «“ أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي ؟ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَعَمْ أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً ”» وسَألَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي، فَقالَ إنْ لَمْ تَسْتَأْذِنْ عَلَيْها رَأيْتَ ما يَسُوءُكَ، وقالَ عَطاءٌ سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي ومَن أُنْفِقُ عَلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن كانَ أجْنَبِيًّا أوْ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
واعْلَمْ أنَّ تَرْكَ الِاسْتِئْذانِ عَلى المَحارِمِ وإنْ كانَ غَيْرَ جائِزٍ إلّا أنَّهُ أيْسَرُ لِجَوازِ النَّظَرِ إلى شَعْرِها وصَدْرِها وساقِها ونَحْوِها مِنَ الأعْضاءِ. والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ المَنعَ مِنَ الهُجُومِ عَلى الغَيْرِ إنْ كانَ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ رُبَّما كانَ مُنْكَشِفَ الأعْضاءِ فَهَذا دَخَلَ فِيهِ الكُلُّ إلّا الزَّوْجاتِ ومِلْكَ اليَمِينِ، وإنْ كانَ لِأجْلِ أنَّهُ رُبَّما كانَ مُشْتَغِلًا
صفحة ١٧٤
بِأمْرٍ يَكْرَهُ إطْلاعَ الغَيْرِ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَعُمَّ في الكُلِّ، حَتّى لا يَكُونَ لَهُ أنْ يَدْخُلَ عَلى الزَّوْجَةِ والأمَةِ إلّا بِإذْنٍ.
* * *
السُّؤالُ العاشِرُ: إذا عَرَضَ أمْرُ في دارٍ مِن حَرِيقٍ أوْ هُجُومِ سارِقٍ أوْ ظُهُورِ مُنْكَرٍ فَهَلْ يَجِبُ الِاسْتِئْذانُ ؟ الجَوابُ: كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى بِالدَّلِيلِ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في الِاسْتِئْذانِ، وأمّا السَّلامُ فَهو مِن سُنَّةِ المُسْلِمِينَ الَّتِي أُمِرُوا بِها، وأمانٌ لِلْقَوْمِ وهو تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ ومَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّةِ ونافٍ لِلْحِقْدِ والضَّغِينَةِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإذْنِ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ رَبُّهُ يَرْحَمُكَ رَبُّكَ يا آدَمُ اذْهَبْ إلى هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ - وهم مَلَأٌ مِنهم جُلُوسٌ - فَقُلِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ رَجَعَ إلى رَبِّهِ فَقالَ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ ”» .
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ حَقُّ المُسْلِمِ عَلى المُسْلِمِ سِتٌّ؛ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذا لَقِيَهُ، ويُجِيبُهُ إذا دَعاهُ، ويَنْصَحُ لَهُ بِالغَيْبِ، ويُشَمِّتُهُ إذا عَطَسَ، ويَعُودُهُ إذا مَرِضَ، ويَشْهَدُ جِنازَتَهُ إذا ماتَ ”» وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «“ إنْ سَرَّكم أنْ يُسَلَّ الغِلُّ مِن صُدُورِكم فَأفْشَوُا السَّلامَ بَيْنَكم "» .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فالمَعْنى فِيهِ ظاهِرٌ، إذِ المُرادُ أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأوْلى لَكم مِنَ الهُجُومِ بِغَيْرِ إذْنٍ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَتَذَكَّرُوا هَذا التَّأْدِيبَ فَتَتَمَسَّكُوا بِهِ، ثم قال: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها﴾ أيْ في البُيُوتِ أحَدًا ﴿فَلا تَدْخُلُوها﴾ لِأنَّ العِلَّةَ في الصُّورَتَيْنِ واحِدَةٌ وهي جَوازُ أنْ يَكُونَ هُناكَ أحْوالٌ مَكْتُومَةٌ يُكْرَهُ إطْلاعُ الدّاخِلِ عَلَيْها، ثم قال: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما يَكُونُ الدُّخُولُ قَدْ يَكْرَهُهُ صاحِبُ الدّارِ فَكَذا الوُقُوفُ عَلى البابِ قَدْ يَكْرَهُهُ، فَلا جَرَمَ كانَ الأوْلى والأزْكى لَهُ أنْ يَرْجِعَ إزالَةً لِلْإيحاشِ والإيذاءِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الدُّورِ المَسْكُونَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ حُكْمَ الدُّورِ الَّتِي هي غَيْرُ مَسْكُونَةٍ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المانِعَ مِنَ الدُّخُولِ إلّا بِإذْنٍ زائِلٌ عَنْها واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ عَلى أقْوالٍ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّها الحاناتُ والرِّباطاتُ وحَوانِيتُ البَيّاعِينَ والمَتاعُ المُنْفَعِةُ، كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وإيواءِ الرِّحالِ والسِّلَعِ والشِّراءِ والبَيْعِ، يُرْوى «أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلَيْكَ آيَةً في الِاسْتِئْذانِ وإنّا نَخْتَلِفُ في تِجارَتِنا فَنَنْزِلُ هَذِهِ الخاناتِ، أفَلا نَدْخُلُها إلّا بِإذْنٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وثانِيها: أنَّها الخَرِباتُ يُتَبَرَّزُ فِيها، والمَتاعُ التَّبَرُّزُ.
وثالِثُها: الأسْواقُ.
ورابِعُها: أنَّها الحَمّاماتُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ دُخُولُ الجَمِيعِ تَحْتَ الآيَةِ فَيُحْمَلُ عَلى الكُلِّ، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنَّها إذا كانَتْ كَذَلِكَ فَهي مَأْذُونٌ بِدُخُولِها مِن جِهَةِ العُرْفِ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ إنَّها لَوْ كانَتْ غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ولَكِنَّها كانَتْ مَغْصُوبَةً، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِلدّاخِلِ أنْ يَدْخُلَ فِيها لَكِنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ الخاناتِ أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِدُخُولِ الدّاخِلِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فَهو وعِيدٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ الخَرِباتِ والدُّورَ الخالِيَةَ مِن أهْلِ الرِّيبَةِ.
النور 24:29
الحُكْمُ السّادِسُ - في الِاسْتِئْذانِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَدَلَ عَمّا يَتَّصِلُ بِالرَّمْيِ والقَذْفِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِنَ الحُكْمِ إلى ما يَلِيقُ بِهِ لِأنَّ أهْلَ الإفْكِ إنَّما وجَدُوا السَّبِيلَ إلى بُهْتانِهِمْ مِن حَيْثُ اتَّفَقَتِ الخَلْوَةُ فَصارَتْ كَأنَّها طَرِيقُ التُّهْمَةِ، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يَدْخُلَ المَرْءُ بَيْتَ غَيْرِهِ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامِ، لِأنَّ في الدُّخُولِ لا عَلى هَذا الوجه وُقُوعُ التُّهْمَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ المَضَرَّةِ ما لا خَفاءَ بِهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
صفحة ١٧١
السُّؤالُ الأوَّلُ: الِاسْتِئْناسُ عِبارَةٌ عَنِ الأُنْسِ الحاصِلِ مِن جِهَةِ المُجالَسَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، وإنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ والسَّلامِ، فَكانَ الأوْلى تَقْدِيمَ السَّلامِ عَلى الِاسْتِئْناسِ، فَلِمَ جاءَ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ ؟ والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إنَّما هو حَتّى تَسْتَأْذِنُوا فَأخْطَأ الكاتِبُ.
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا لَكم والتَّسْلِيمُ خَيْرٌ لَكم مِن تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ والدُّمُورِ، وهو الدُّخُولُ بِغَيْرِ إذْنٍ واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّمارِ، وهو الهَلاكُ، كَأنَّ صاحِبَهُ دامِرٌ لِعِظَمِ ما ارْتَكَبَ، وفي الحَدِيثِ: «”مَن سَبَقَتْ عَيْنُهُ اسْتِئْذانَهُ فَقَدْ دَمَرَ“»، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الطَّعْنَ في القُرْآنِ الَّذِي نُقِلَ بِالتَّواتُرِ ويَقْتَضِي صِحَّةَ القُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُنْقَلُ بِالتَّواتُرِ، وفَتْحُ هَذَيْنِ البابَيْنِ يُطْرِقُ الشَّكَّ إلى كُلِّ القُرْآنِ وأنَّهُ باطِلٌ.
وثانِيها: ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والمَعْنى: حَتّى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْنِسُوا، وذَلِكَ لِأنَّ السَّلامَ مُقَدَّمٌ عَلى الِاسْتِئْناسِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: حَتّى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْذِنُوا، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.
وثالِثُها: أنْ تُجْرِيَ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ. ثُمَّ في تَفْسِيرِ الِاسْتِئْناسِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: حَتّى تَسْتَأْنِسُوا بِالإذْنِ وذَلِكَ لِأنَّهم إذا اسْتَأْذَنُوا وسَلَّمُوا أنِسَ أهْلُ البَيْتِ، ولَوْ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنٍ لاسْتَوْحَشُوا وشَقَّ عَلَيْهِمُ الثّانِي: تَفْسِيرُ الِاسْتِئْناسِ بِالِاسْتِعْلامِ والِاسْتِكْشافِ اسْتِفْعالٌ مِن آنَسَ الشَّيْءَ إذا أبْصَرَهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا، والمَعْنى حَتّى تَسْتَعْلِمُوا وتَسْتَكْشِفُوا الحالَ هَلْ يُرادُ دُخُولُكم. ومِنهُ قَوْلُهُمُ اسْتَأْنِسْ هَلْ تَرى أحَدًا، واسْتَأْنَسْتُ فَلَمْ أرَ أحَدًا أيْ تَعَرَّفْتُ واسْتَعْلَمْتُ، فَإنْ قِيلَ وإذا حُمِلَ عَلى الأُنْسِ يَنْبَغِي أنْ يَتَقَدَّمَهُ السَّلامُ كَما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ: ”«السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ» “ قُلْنا المُسْتَأْذِنُ رُبَّما لا يَعْلَمُ أنَّ أحَدًا في المَنزِلِ فَلا مَعْنى لِسَلامِهِ والحالَةُ هَذِهِ
والأقْرَبُ أنْ يَسْتَعْلِمَ بِالِاسْتِئْذانِ هَلْ هُناكَ مَن يَأْذَنُ، فَإذا أُذِنَ ودَخَلَ صارَ مُواجِهًا لَهُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُ الِاسْتِئْناسِ مِنَ الإنْسِ وهو أنْ يَتَعَرَّفَ هَلْ ثَمَّ إنْسانٌ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مُقَدَّمٌ عَلى السَّلامِ.
والرّابِعُ: لَوْ سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِئْناسَ إنَّما يَقَعُ بَعْدَ السَّلامِ ولَكِنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَتَقْدِيمُ الِاسْتِئْناسِ عَلى السَّلامِ في اللَّفْظِ لا يُوجِبُ تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِ في العَمَلِ.
* * *
السُّؤالُ الثّانِي: ما الحُكْمُ في إيجابِ تَقْدِيمِ الِاسْتِئْذانِ ؟ والجَوابُ: تِلْكَ الحِكْمَةُ هي الَّتِي نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي لِأجْلِهِ حُرِّمَ الدُّخُولُ إلّا عَلى هَذا الشَّرْطِ هو كَوْنُ البُيُوتِ مَسْكُونَةً، إذْ لا يَأْمَنُ مَن يَهْجُمُ عَلَيْها بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ أنْ يَهْجُمَ عَلى ما لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِن عَوْرَةٍ، أوْ عَلى ما لا يُحِبُّ القَوْمُ أنْ يَعْرِفَهُ غَيْرُهم مِنَ الأحْوالِ، وهَذا مِن بابِ العِلَلِ المُنَبَّهِ عَلَيْها بِالنَّصِّ، ولِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الغَيْرِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِرِضاهُ وإلّا أشْبَهَ الغَصْبَ.
* * *
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ يَكُونُ الِاسْتِئْذانُ ؟ الجَوابُ: «اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أألِجُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِامْرَأةٍ يُقالُ لَها رَوْضَةُ ”قُومِي إلى هَذا فَعَلِّمِيهِ فَإنَّهُ لا يُحْسِنُ أنْ يَسْتَأْذِنَ قَوْلِي لَهُ يَقُولُ السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ فَسَمِعَها الرَّجُلُ فَقالَها، فَقالَ ادْخُلْ فَدَخَلَ وسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أشْياءَ وكانَ يُجِيبُ، فَقالَ هَلْ في العِلْمِ ما لا تَعْلَمُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَقَدْ آتانِي خَيْرًا كَثِيرًا وإنَّ مِنَ العِلْمِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وتَلا ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إلى آخِرِهِ“»
وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ الرَّجُلُ مِنهم إذا دَخَلَ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ حَيِيتُمْ صَباحًا وحَيِيتُمْ مَساءً، ثُمَّ يَدْخُلُ فَرُبَّما أصابَ الرَّجُلَ مَعَ امْرَأتِهِ في لِحافٍ واحِدٍ، فَصَدَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْ
صفحة ١٧٢
ذَلِكَ وعَلَّمَ الأحْسَنَ والأجْمَلَ، وعَنْ مُجاهِدٍ ”حَتّى تَسْتَأْنِسُوا“ هو التَّنَحْنُحُ، وقالَ عِكْرِمَةُ هو التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ ونَحْوُهُ.
* * *
السُّؤالُ الرّابِعُ: كَمْ عَدَدُ الِاسْتِئْذانِ ؟ الجَوابُ: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”الِاسْتِئْذانُ“ ثَلاثٌ بِالأُولى يَسْتَنْصِتُونَ، وبِالثّانِيَةِ يَسْتَصْلِحُونَ، وبِالثّالِثَةِ يَأْذَنُونَ أوْ يَرُدُّونَ ”» وعَنْ جُنْدُبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“ إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ ”» وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «“ كُنْتُ جالِسًا في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الأنْصارِ، فَجاءَ أبُو مُوسى فَزِعًا، فَقُلْنا لَهُ ما أفْزَعَكَ ؟ فَقالَ أمَرَنِي عُمَرُ أنْ آتِيَهُ فَأتَيْتُهُ، فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، فَقالَ ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟ فَقُلْتُ قَدْ جِئْتُ فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ، فَقالَ: لَتَأْتِيَنِّي عَلى هَذا بِالبَيِّنَةِ، أوْ لَأُعاقِبَنَّكَ. فَقالَ أُبَيٌّ لا يَقُومُ مَعَكَ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ، قالَ فَقامَ أبُو سَعِيدٍ فَشَهِدَ لَهُ ”وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِأبِي مُوسى إنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ، ولَكِنِّي خَشِيتُ أنْ يَتَقَوَّلَ النّاسُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .
وعَنْ قَتادَةَ الِاسْتِئْذانُ ثَلاثَةٌ: الأُولى يُسْمِعُ الحَيَّ. والثّانِي لِيَتَأهَّبُوا. والثّالِثُ إنْ شاءُوا أذِنُوا، وإنْ شاءُوا رَدُّوا، واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن مَحاسِنِ الآدابِ، لِأنَّ في أوَّلِ مَرَّةٍ رُبَّما مَنَعَهم بَعْضُ الأشْغالِ مِنَ الإذْنِ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ رُبَّما كانَ هُناكَ ما يَمْنَعُ أوْ يَقْتَضِي المَنعَ أوْ يَقْتَضِي التَّساوِيَ، فَإذا لَمْ يُجَبْ في الثّالِثَةِ يَسْتَدِلُّ بِعَدَمِ الإذْنِ عَلى مانِعٍ ثابِتٍ، ورُبَّما أوْجَبَ ذَلِكَ كَراهَةَ قُرْبِهِ مِنَ البابِ فَلِذَلِكَ يُسَنُّ لَهُ الرُّجُوعُ
ولِذَلِكَ يَقُولُ يَجِبُ في الِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا، أنْ لا يَكُونَ مُتَّصِلًا، بَلْ يَكُونُ بَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ والأُخْرى وقْتٌ، فَأمّا قَرْعُ البابِ بِعُنْفٍ والصِّياحُ بِصاحِبِ الدّارِ، فَذاكَ حَرامٌ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الإيذاءَ والإيحاشَ، وكَفى بِقِصَّةِ بَنِي أسَدٍ زاجِرَةٌ وما نَزَلَ فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] .
* * *
السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ يَقِفُ عَلى البابِ ؟ الجَوابُ: رُوِيَ «أنَّ أبا سَعِيدٍ اسْتَأْذَنَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وهو مُسْتَقْبِلٌ البابَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا تَسْتَأْذِنْ وأنْتَ مُسْتَقْبِلُ البابِ» .
ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا أتى بابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ البابَ مِن تِلْقاءِ وجْهِهِ، ولَكِنْ مِن رُكْنِهِ الأيْمَنِ أوِ الأيْسَرِ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم»، وذَلِكَ لِأنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها حِينَئِذٍ سُتُورٌ.
* * *
السُّؤالُ السّادِسُ: أنَّ كَلِمَةَ (حَتّى) لِلْغايَةِ والحُكْمُ بَعْدَ الغايَةِ يَكُونُ بِخِلافِ ما قَبْلَها فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ يَقْتَضِي جَوازَ الدُّخُولِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن صاحِبِ البَيْتِ إذْنٌ فَما قَوْلُكم فِيهِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الغايَةَ الِاسْتِئْناسَ لا الِاسْتِئْذانَ، والِاسْتِئْناسُ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَصَلَ الإذْنُ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ.
وثانِيها: أنّا لَمّا عَلِمْنا بِالنَّصِّ أنَّ الحِكْمَةَ في الِاسْتِئْذانِ أنْ لا يَدْخُلَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَسُوءُهُ، وعَلِمْنا أنَّ هَذا المَقْصُودَ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الإذْنِ، عَلِمْنا أنَّ الِاسْتِئْذانَ ما لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الإذْنُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ كافِيًا
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ فَحَظَرَ الدُّخُولَ إلّا بِإذْنٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الإذْنَ مَشْرُوطٌ بِإباحَةِ الدُّخُولِ في الآيَةِ الأُولى، فَإنْ قِيلَ إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإذْنِ فَهَلْ يَقُومُ مَقامَهُ غَيْرُهُ أمْ لا ؟ قُلْنا رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“ رَسُولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُهُ ”» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «“ إذا دُعِيَ أحَدُكم فَجاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإنَّ ذَلِكَ لَهُ إذْنٌ ”» وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ.
صفحة ١٧٣
أحَدُهُما: أنَّ الإذْنَ مَحْذُوفٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ وهو المُرادُ مِنهُ.
والثّانِي: أنَّ الدُّعاءَ إذْنٌ إذا جاءَ مَعَ الرَّسُولِ وأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى اسْتِئْذانٍ ثانٍ، وقالَ بَعْضُهم إنَّ مَن قَدْ جَرَتِ العادَةُ لَهُ بِإباحَةِ الدُّخُولِ فَهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الِاسْتِئْذانِ.
* * *
السُّؤالُ السّابِعُ: ما حُكْمُ مَنِ اطَّلَعَ عَلى دارِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ؟ الجَوابُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ فَهي هَدَرٌ، وتَمَسَّكَ بِما رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: «“ اطَّلَعَ رَجُلٌ في حُجْرَةٍ مِن حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِها رَأْسَهُ فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَنْظُرُ إلَيَّ لَطَعَنْتُ بِها في عَيْنِكَ إنَّما الِاسْتِئْذانُ قَبْلَ النَّظَرِ ”» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «“ مَنِ اطَّلَعَ في دارِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَقَدْ هُدِرَتْ عَيْنُهُ ”» .
قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: هَذا الخَبَرُ يُرَدُّ لِوُرُودِهِ عَلى خِلافِ قِياسِ الأُصُولِ، فَإنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ لَوْ دَخَلَ دارَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفَقَأ عَيْنَهُ كانَ ضامِنًا وكانَ عَلَيْهِ القِصاصُ إنْ كانَ عامِدًا والأرْشُ إنْ كانَ مُخْطِئًا، ومَعْلُومٌ أنَّ الدّاخِلَ قَدِ اطَّلَعَ وزادَ عَلى الِاطِّلاعِ، فَظاهِرُ الحَدِيثِ مُخالِفٌ لِما حَصَلَ عَلَيْهِ الِاتِّفاقُ، فَإنْ صَحَّ فَمَعْناهُ: مَنِ اطَّلَعَ في دارِ قَوْمٍ ونَظَرَ إلى حَرَمِهِمْ ونِسائِهِمْ فَمُونِعَ فَلَمْ يَمْتَنِعْ فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ في حالِ المُمانَعَةِ فَهي هَدَرٌ.
فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ إلّا النَّظَرُ ولَمْ يَقَعْ فِيهِ مُمانَعَةٌ ولا نَهْيٌ، ثُمَّ جاءَ إنْسانٌ فَفَقَأ عَيْنَهُ، فَهَذا جانٍ يَلْزَمُهُ حُكْمُ جِنايَتِهِ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] واعْلَمْ أنَّ التَّمَسُّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ في هَذِهِ المسألة ضَعِيفٌ، لِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذا النَّصَّ مَشْرُوطٌ بِما إذا لَمْ تَكُنِ العَيْنُ مُسْتَحَقَّةً، فَإنَّها لَوْ كانَتْ مُسْتَحَقَّةً لَمْ يَلْزَمِ القِصاصُ، فَلِمَ قُلْتَ: إنَّ مَنِ اطَّلَعَ في دارِ إنْسانٍ لَمْ تَكُنْ عَيْنُهُ مُسْتَحَقَّةً ؟ وهَذا أوَّلُ المسألة.
أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَوْ دَخَلَ لَمْ يَجُزْ فَقْءُ عَيْنِهِ، فَكَذا إذا نَظَرَ قُلْنا: الفَرْقُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّهُ إذا دَخَلَ عَلِمَ القَوْمُ دُخُولَهُ عَلَيْهِمْ فاحْتَرَزُوا عَنْهُ وتَسَتَّرُوا، فَأمّا إذا نَظَرَ فَقَدْ لا يَكُونُونَ عالِمِينَ بِذَلِكَ فَيَطَّلِعُ مِنهم عَلى ما لا يَجُوزُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ، فَلا يَبْعُدُ في حُكْمِ الشَّرْعِ أنْ يُبالِغَ هاهُنا في الزَّجْرِ حَسْمًا لِبابِ هَذِهِ المَفْسَدَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَرَدُّ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِهَذا القَدْرِ مِنَ الكَلامِ غَيْرُ جائِزٍ.
* * *
السُّؤالُ الثّامِنُ: لَمّا بَيَّنْتُمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإذْنِ فَهَلْ يَكْفِي الإذْنُ كَيْفَ كانَ أوْ لا بُدَّ مِن إذْنٍ مَخْصُوصٍ ؟ الجَوابُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي قَبُولَ الإذْنِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ الآذِنُ صَبِيًّا أوِ امْرَأةً أوْ عَبْدًا أوْ ذِمِّيًّا فَإنَّهُ لا يُعْتَبَرُ في هَذا الإذْنِ صِفاتُ الشَّهادَةِ وكَذَلِكَ قَبُولُ أخْبارِ هَؤُلاءِ في الهَدايا ونَحْوِها.
* * *
السُّؤالُ التّاسِعُ: هَلْ يُعْتَبَرُ الِاسْتِئْذانُ عَلى المَحارِمِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ: «“ أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي ؟ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَعَمْ أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً ”» وسَألَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي، فَقالَ إنْ لَمْ تَسْتَأْذِنْ عَلَيْها رَأيْتَ ما يَسُوءُكَ، وقالَ عَطاءٌ سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي ومَن أُنْفِقُ عَلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن كانَ أجْنَبِيًّا أوْ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
واعْلَمْ أنَّ تَرْكَ الِاسْتِئْذانِ عَلى المَحارِمِ وإنْ كانَ غَيْرَ جائِزٍ إلّا أنَّهُ أيْسَرُ لِجَوازِ النَّظَرِ إلى شَعْرِها وصَدْرِها وساقِها ونَحْوِها مِنَ الأعْضاءِ. والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ المَنعَ مِنَ الهُجُومِ عَلى الغَيْرِ إنْ كانَ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ رُبَّما كانَ مُنْكَشِفَ الأعْضاءِ فَهَذا دَخَلَ فِيهِ الكُلُّ إلّا الزَّوْجاتِ ومِلْكَ اليَمِينِ، وإنْ كانَ لِأجْلِ أنَّهُ رُبَّما كانَ مُشْتَغِلًا
صفحة ١٧٤
بِأمْرٍ يَكْرَهُ إطْلاعَ الغَيْرِ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَعُمَّ في الكُلِّ، حَتّى لا يَكُونَ لَهُ أنْ يَدْخُلَ عَلى الزَّوْجَةِ والأمَةِ إلّا بِإذْنٍ.
* * *
السُّؤالُ العاشِرُ: إذا عَرَضَ أمْرُ في دارٍ مِن حَرِيقٍ أوْ هُجُومِ سارِقٍ أوْ ظُهُورِ مُنْكَرٍ فَهَلْ يَجِبُ الِاسْتِئْذانُ ؟ الجَوابُ: كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى بِالدَّلِيلِ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في الِاسْتِئْذانِ، وأمّا السَّلامُ فَهو مِن سُنَّةِ المُسْلِمِينَ الَّتِي أُمِرُوا بِها، وأمانٌ لِلْقَوْمِ وهو تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ ومَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّةِ ونافٍ لِلْحِقْدِ والضَّغِينَةِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإذْنِ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ رَبُّهُ يَرْحَمُكَ رَبُّكَ يا آدَمُ اذْهَبْ إلى هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ - وهم مَلَأٌ مِنهم جُلُوسٌ - فَقُلِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ رَجَعَ إلى رَبِّهِ فَقالَ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ ”» .
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ حَقُّ المُسْلِمِ عَلى المُسْلِمِ سِتٌّ؛ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذا لَقِيَهُ، ويُجِيبُهُ إذا دَعاهُ، ويَنْصَحُ لَهُ بِالغَيْبِ، ويُشَمِّتُهُ إذا عَطَسَ، ويَعُودُهُ إذا مَرِضَ، ويَشْهَدُ جِنازَتَهُ إذا ماتَ ”» وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «“ إنْ سَرَّكم أنْ يُسَلَّ الغِلُّ مِن صُدُورِكم فَأفْشَوُا السَّلامَ بَيْنَكم "» .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فالمَعْنى فِيهِ ظاهِرٌ، إذِ المُرادُ أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأوْلى لَكم مِنَ الهُجُومِ بِغَيْرِ إذْنٍ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَتَذَكَّرُوا هَذا التَّأْدِيبَ فَتَتَمَسَّكُوا بِهِ، ثم قال: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها﴾ أيْ في البُيُوتِ أحَدًا ﴿فَلا تَدْخُلُوها﴾ لِأنَّ العِلَّةَ في الصُّورَتَيْنِ واحِدَةٌ وهي جَوازُ أنْ يَكُونَ هُناكَ أحْوالٌ مَكْتُومَةٌ يُكْرَهُ إطْلاعُ الدّاخِلِ عَلَيْها، ثم قال: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما يَكُونُ الدُّخُولُ قَدْ يَكْرَهُهُ صاحِبُ الدّارِ فَكَذا الوُقُوفُ عَلى البابِ قَدْ يَكْرَهُهُ، فَلا جَرَمَ كانَ الأوْلى والأزْكى لَهُ أنْ يَرْجِعَ إزالَةً لِلْإيحاشِ والإيذاءِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الدُّورِ المَسْكُونَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ حُكْمَ الدُّورِ الَّتِي هي غَيْرُ مَسْكُونَةٍ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المانِعَ مِنَ الدُّخُولِ إلّا بِإذْنٍ زائِلٌ عَنْها واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ عَلى أقْوالٍ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّها الحاناتُ والرِّباطاتُ وحَوانِيتُ البَيّاعِينَ والمَتاعُ المُنْفَعِةُ، كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وإيواءِ الرِّحالِ والسِّلَعِ والشِّراءِ والبَيْعِ، يُرْوى «أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلَيْكَ آيَةً في الِاسْتِئْذانِ وإنّا نَخْتَلِفُ في تِجارَتِنا فَنَنْزِلُ هَذِهِ الخاناتِ، أفَلا نَدْخُلُها إلّا بِإذْنٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وثانِيها: أنَّها الخَرِباتُ يُتَبَرَّزُ فِيها، والمَتاعُ التَّبَرُّزُ.
وثالِثُها: الأسْواقُ.
ورابِعُها: أنَّها الحَمّاماتُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ دُخُولُ الجَمِيعِ تَحْتَ الآيَةِ فَيُحْمَلُ عَلى الكُلِّ، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنَّها إذا كانَتْ كَذَلِكَ فَهي مَأْذُونٌ بِدُخُولِها مِن جِهَةِ العُرْفِ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ إنَّها لَوْ كانَتْ غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ولَكِنَّها كانَتْ مَغْصُوبَةً، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِلدّاخِلِ أنْ يَدْخُلَ فِيها لَكِنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ الخاناتِ أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِدُخُولِ الدّاخِلِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فَهو وعِيدٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ الخَرِباتِ والدُّورَ الخالِيَةَ مِن أهْلِ الرِّيبَةِ.
النور 24:30
الحُكْمُ السّابِعُ: حُكْمُ النَّظَرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وإنَّما خَصَّهم بِذَلِكَ لِأنَّ غَيْرَهم لا يَلْزَمُهُ غَضُّ البَصَرِ عَمّا لا يَحِلُّ لَهُ ويَحْفَظُ الفَرْجَ عَمّا لا يَحِلُّ لَهُ، لِأنَّ هَذِهِ الأحْكامَ كالفُرُوعِ لِلْإسْلامِ والمُؤْمِنُونَ مَأْمُورُونَ بِها ابْتِداءً، والكُفّارُ مَأْمُورُونَ قَبْلَها بِما تَصِيرُ هَذِهِ الأحْكامُ تابِعَةً لَهُ، وإنْ كانَ حالُهم كَحالِ المُؤْمِنِينَ في اسْتِحْقاقِ العِقابِ عَلى تَرْكِها، لَكِنَّ المُؤْمِنَ يَتَمَكَّنُ مِن هَذِهِ الطّاعَةِ مَن دُونِ مُقَدِّمَةٍ، والكافِرَ لا يَتَمَكَّنُ إلّا بِتَقْدِيمِ مُقَدِّمَةِ مَن قَبْلَهُ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن لُزُومِ التَّكالِيفِ لَهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ الرِّجالَ بِغَضِّ البَصَرِ وحِفْظِ الفَرْجِ، وأمَرَ النِّساءَ بِمِثْلِ ما أمَرَ بِهِ الرِّجالَ وزادَ فِيهِنَّ أنْ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِأقْوامٍ مَخْصُوصِينَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ الأكْثَرُونَ (مِن) هاهُنا لِلتَّبْعِيضِ والمُرادُ غَضُّ البَصَرِ عَمّا يَحْرُمُ والِاقْتِصارُ بِهِ عَلى ما يَحِلُّ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ أنْ تَكُونَ مَزِيدَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وأباهُ سِيبَوَيْهِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ دَخَلَتْ في غَضِّ البَصَرِ دُونَ حِفْظِ الفَرْجِ ؟ قُلْنا دَلالَةً عَلى أنَّ أمْرَ النَّظَرِ أوْسَعُ ألا تَرى أنَّ المَحارِمَ لا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلى شُعُورِهِنَّ وصُدُورِهِنَّ وكَذا الجَوارِي المُسْتَعْرِضاتُ.
وأمّا أمْرُ الفَرْجِ فَمُضَيَّقٌ، وكَفاكَ فَرْقًا أنْ أُبِيحَ النَّظَرُ إلّا ما اسْتُثْنِيَ مِنهُ وحُظِرَ الجِماعُ إلّا ما اسْتَثْنِيَ مِنهُ، ومِنهم مَن قالَ: ﴿يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ أيْ يُنْقِصُوا مِن نَظَرِهِمْ فالبَصَرُ إذا لَمْ يُمَكَّنْ مِن عَمَلِهِ فَهو مَغْضُوضٌ مَمْنُوعٌ عَنْهُ، وعَلى هَذا ”مِن“ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ ولا هي لِلتَّبْعِيضِ بَلْ هي مِن صِلَةِ الغَضِّ يُقالُ غَضَضْتُ
صفحة ١٧٦
مِن فُلانٍ إذا نَقَصْتُ مِن قَدْرِهِ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ العَوْراتِ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، وعَوْرَةُ المَرْأةِ مَعَ المَرْأةِ، وعَوْرَةُ المَرْأةِ مَعَ الرَّجُلِ، وعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَعَ المَرْأةِ، فَأمّا الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ فَيَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى جَمِيعِ بَدَنِهِ إلّا عَوْرَتَهُ وعَوْرَتُهُ ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، والسُّرَّةُ والرُّكْبَةُ لَيْسَتا بِعَوْرَةٍ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الرُّكْبَةُ عَوْرَةُ، وقالَ مالِكٌ الفَخْذُ لَيْسَتْ بِعَوْرَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّها عَوْرَةٌ ما رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ ”«أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ في المَسْجِدِ وهو كاشِفٌ عَنْ فَخْذِهِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَطِّ فَخْذَكَ فَإنَّها مِنَ العَوْرَةِ» “ .
وقالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «”لا تُبْرِزْ فَخْذَكَ ولا تَنْظُرْ إلى فَخْذِ حَيٍّ ولا مَيِّتٍ“» فَإنْ كانَ في نَظَرِهِ إلى وجْهِهِ أوْ سائِرِ بَدَنِهِ شَهْوَةٌ أوْ خَوْفُ فِتْنَةٍ بِأنْ كانَ أمْرَدَ لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، ولا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ مُضاجَعَةُ الرَّجُلِ، وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في جانِبٍ مِنَ الفِراشِ، لِما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «”لا يُفْضِي الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ في ثَوْبٍ واحِدٍ، ولا تُفْضِي المَرْأةُ إلى المَرْأةِ في ثَوْبٍ واحِدٍ“» .
وتُكْرَهُ المُعانَقَةُ وتَقْبِيلُ الوجه إلّا لِوَلَدِهِ شَفَقَةً، وتُسْتَحَبُّ المُصافَحَةُ لِما رَوى أنَسٌ قالَ: «”قالَ رَجُلٌ يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنّا يَلْقى أخاهُ أوْ صَدِيقَهُ أيَنْحَنِي لَهُ ؟ قالَ لا، قالَ أيَلْتَزِمُهُ ويُقَبِّلُهُ ؟ قالَ لا، قالَ أفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ ويُصافِحُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ“» أمّا عَوْرَةُ المَرْأةِ مَعَ المَرْأةِ فَكَعَوْرَةِ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، فَلَها النَّظَرُ إلى جَمِيعِ بَدَنِها إلّا ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وعِنْدَ خَوْفِ الفِتْنَةِ لا يَجُوزُ، ولا يَجُوزُ المُضاجَعَةُ.
والمَرْأةُ الذِّمِّيَّةُ هَلْ يَجُوزُ لَها النَّظَرُ إلى بَدَنِ المُسْلِمَةِ، قِيلَ يَجُوزُ كالمُسْلِمَةِ مَعَ المُسْلِمَةِ، والأصَحُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأنَّها أجْنَبِيَّةٌ في الدِّينِ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ ولَيْسَتِ الذِّمِّيَّةُ مِن نِسائِنا، أمّا عَوْرَةُ المَرْأةِ مَعَ الرَّجُلِ فالمَرْأةُ إمّا أنْ تَكُونَ أجْنَبِيَّةً أوْ ذاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، أوْ مُسْتَمْتَعَةً، فَإنْ كانَتْ أجْنَبِيَّةً فَإمّا أنْ تَكُونَ حُرَّةً أوْ أمَةً فَإنْ كانَتْ حُرَّةً فَجَمِيعُ بَدَنِها عَوْرَةٌ، ولا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَيْءٍ مِنها إلّا الوجه والكَفَّيْنِ، لِأنَّها تَحْتاجُ إلى إبْرازِ الوجه في البَيْعِ والشِّراءِ، وإلى إخْراجِ الكَفِّ لِلْأخْذِ والعَطاءِ، ونَعْنِي بِالكَفِّ ظَهْرَها وبَطْنَها إلى الكُوعَيْنِ، وقِيلَ ظَهْرُ الكَفِّ عَوْرَةٌ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ لا يَجُوزُ النَّظَرُ إلى شَيْءٍ مِن بَدَنِها، ويَجُوزُ النَّظَرُ إلى وجْهِها وكَفِّها، وفي كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ اسْتِثْناءٌ. أمّا قَوْلُهُ يَجُوزُ النَّظَرُ إلى وجْهِها وكَفِّها، فاعْلَمْ أنَّهُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ لِأنَّهُ إمّا أنْ لا يَكُونَ فِيهِ غَرَضٌ ولا فِيهِ فِتْنَةٌ، وإمّا أنْ يَكُونَ فِيهِ فِتْنَةٌ ولا غَرَضَ فِيهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ فِيهِ فِتْنَةٌ وغَرَضٌ، أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فاعْلَمْ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إلى وجْهِ الأجْنَبِيَّةِ لِغَيْرِ غَرَضٍ وإنْ وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها بَغْتَةً يَغُضُّ بَصَرَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ وقِيلَ يَجُوزُ مَرَّةً واحِدَةً إذا لَمْ يَكُنْ مَحَلَّ فِتْنَةٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ولا يَجُوزُ أنْ يُكَرِّرَ النَّظَرَ إلَيْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”يا عَلِيُّ لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإنَّ لَكَ الأُولى ولَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ“» وعَنْ جابِرٍ قالَ: «”سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الفَجْأةِ فَأمَرَنِي أنْ أصْرِفَ بَصَرِي“» ولِأنَّ الغالِبَ أنَّ الِاحْتِرازَ عَنِ الأُولى لا يُمْكِنْ فَوَقَعَ عَفْوًا قَصَدَ أوْ لَمْ يَقْصِدْ
صفحة ١٧٧
أمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ فِيهِ غَرَضٌ ولا فِتْنَةَ فِيهِ فَذاكَ أُمُورٌ:
أحَدُها: بِأنْ يُرِيدَ نِكاحَ امْرَأةٍ فَيَنْظُرَ إلى وجْهِها وكَفَّيْها، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «”أنَّ رَجُلًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا“» وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”إذا خَطَبَ أحَدُكُمُ المَرْأةَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَنْظُرَ إلَيْها إذا كانَ إنَّما يَنْظُرُ إلَيْها لِلْخِطْبَةِ“» وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ”«خَطَبْتُ امْرَأةً فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَظَرْتَ إلَيْها، فَقُلْتُ لا، قالَ فانْظُرْ فَإنَّها أحْرى أنْ يَدُومَ بَيْنَكُما» “ .
فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى جَوازِ النَّظَرِ إلى وجْهِها وكَفَّيْها لِلشَّهْوَةِ إذا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها، ويَدُلَّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] ولا يُعْجِبُهُ حُسْنُهُنَّ إلّا بَعْدَ رُؤْيَةِ وُجُوهِهِنَّ.
وثانِيها: إذا أرادَ شِراءَ جارِيَةٍ فَلَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى ما لَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِنها.
وثالِثُها: أنَّهُ عِنْدَ المُبايَعَةِ يَنْظُرُ إلى وجْهِها مُتَأمِّلًا حَتّى يَعْرِفَها عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
ورابِعُها: يَنْظُرُ إلَيْها عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ ولا يَنْظُرُ إلى غَيْرِ الوجه لِأنَّ المَعْرِفَةَ تَحْصُلُ بِهِ.
أمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو أنْ يَنْظُرَ إلَيْها لِلشَّهْوَةِ فَذاكَ مَحْظُورٌ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”العَيْنانِ تَزْنِيانِ“» وعَنْ جابِرٍ قالَ: «”سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظْرَةِ الفَجْأةِ فَأمَرَنِي أنْ أصْرِفَ بَصَرِي“» .
وقِيلَ: مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ النَّظْرَةُ تَزْرَعُ في القَلْبِ الشَّهْوَةَ، ورُبَّ شَهْوَةٍ أوْرَثَتْ حُزْنًا طَوِيلًا.
أمّا الكَلامُ الثّانِي: وهو أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْأجْنَبِيِّ النَّظَرُ إلى بَدَنِ الأجْنَبِيَّةِ فَقَدِ اسْتَثْنَوْا مِنهُ صُوَرًا
إحْداها: يَجُوزُ لِلطَّبِيبِ الأمِينِ أنْ يَنْظُرَ إلَيْها لِلْمُعالَجَةِ، كَما يَجُوزُ لِلْخَتّانِ أنْ يَنْظُرَ إلى فَرْجِ المَخْتُونِ، لِأنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ.
وثانِيَتُها: يَجُوزُ أنْ يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إلى فَرْجِ الزّانِيَيْنِ لِتَحَمُّلِ الشَّهادَةِ عَلى الزِّنا، وكَذَلِكَ يَنْظُرُ إلى فَرْجِها لِتَحَمُّلِ شَهادَةِ الوِلادَةِ، وإلى ثَدْيِ المُرْضِعَةِ لِتَحَمُّلِ الشَّهادَةِ عَلى الرَّضاعِ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الإصْطَخْرِيُّ لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَقْصِدَ النَّظَرَ في هَذِهِ المَواضِعِ، لِأنَّ الزِّنا مَندُوبٌ إلى سَتْرِهِ، وفي الوِلادَةِ والرَّضاعِ تُقْبَلُ شَهادَةُ النِّساءِ فَلا حاجَةَ إلى نَظَرِ الرِّجالِ لِلشَّهادَةِ.
وثالِثَتُها: لَوْ وقَعَتْ في غَرَقٍ أوْ حَرْقٍ فَلَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى بَدَنِها لِيُخَلِّصَها، أمّا إذا كانَتِ الأجْنَبِيَّةُ أمَةً فَقالَ بَعْضُهم عَوْرَتُها ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وقالَ آخَرُونَ عَوْرَتُها ما لا يَبِينُ لِلْمِهْنَةِ فَخَرَجَ مِنهُ أنَّ رَأْسَها وساعِدَيْها وساقَيْها ونَحْرَها وصَدْرَها لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وفي ظَهْرِها وبَطْنِها وما فَوْقَ ساعِدَيْها الخِلافُ المَذْكُورُ، ولا يَجُوزُ لَمْسُها ولا لَها لَمْسُهُ بِحالٍ لا لِحِجامَةٍ ولا اكْتِحالٍ ولا غَيْرِهِ، لِأنَّ اللَّمْسَ أقْوى مِنَ النَّظَرِ بِدَلِيلِ أنَّ الإنْزالَ بِاللَّمْسِ يُفْطِرُ الصّائِمَ وبِالنَّظَرِ لا يُفْطِرُهُ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجُوزُ أنْ يَمَسَّ مِنَ الأمَةِ ما يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ أمّا إنْ كانَتِ المَرْأةُ ذاتَ مَحْرَمٍ لَهُ بِنَسَبٍ أوْ رَضاعٍ أوْ صِهْرِيَّةٍ فَعَوْرَتُها مَعَهُ ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ، وقالَ آخَرُونَ بَلْ عَوْرَتُها ما لا يَبْدُو عِنْدَ المِهْنَةِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأمّا سائِرُ التَّفاصِيلِ فَسَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ الآيَةِ، أمّا إذا كانَتِ المَرْأةُ مُسْتَمْتَعَةً كالزَّوْجَةِ والأمَةِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتاعُ بِها، فَيَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى جَمِيعِ بَدَنِها حَتّى إلى فَرْجِها غَيْرَ أنَّهُ يُكْرَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى الفَرْجِ وكَذا إلى فَرْجِ نَفْسِهِ، لِأنَّهُ يُرْوى أنَّهُ
صفحة ١٧٨
يُورِثُ الطَّمْسَ، وقِيلَ لا يَجُوزُ النَّظَرُ إلى فَرْجِها ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ الأمَةُ قِنَّةً أوْ مُدَبَّرَةً أوْ أُمَّ ولَدٍ أوْ مَرْهُونَةً. فَإنْ كانَتْ مَجُوسِيَّةً أوْ مُرْتَدَّةً أوْ وثَنِيَّةً أوْ مُشْتَرِكَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ أوْ مُتَزَوِّجَةً أوْ مُكاتَبَةً فَهي كالأجْنَبِيَّةِ، رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”إذا زَوَّجَ أحَدُكم جارِيَتَهُ عَبْدَهُ أوْ أجِيرَهُ فَلا يَنْظُرْ إلى ما دُونَ السُّرَّةِ وفَوْقَ الرُّكْبَةِ“» .
وأمّا عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَعَ المَرْأةِ (فَفِيهِ) نَظَرٌ إنْ كانَ أجْنَبِيًّا مِنها فَعَوْرَتُهُ مَعَها ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وقِيلَ جَمِيعُ بَدَنِهِ إلّا الوجه والكَفَّيْنِ كَهي مَعَهُ، والأوَّلُ أصَحُّ بِخِلافِ المَرْأةِ في حَقِّ الرَّجُلِ، لِأنَّ بَدَنَ المَرْأةِ في ذاتِهِ عَوْرَةٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ لا تَصِحُّ صَلاتُها مَكْشُوفَةَ البَدَنِ وبَدَنُ الرَّجُلِ بِخِلافِهِ، ولا يَجُوزُ لَها قَصْدُ النَّظَرِ عِنْدَ خَوْفِ الفِتْنَةِ ولا تَكْرِيرُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ لِما رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: ”«أنَّها كانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ومَيْمُونَةُ إذْ أقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَدَخَلَ عَلَيْها فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: احْتَجِبا مِنهُ، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ألَيْسَ هو أعْمى لا يُبْصِرُنا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أفَعَمْياوانِ أنْتُما ألَسْتُما تُبْصِرانِهِ» “ .
وإنْ كانَ مَحْرَمًا لَها فَعَوْرَتُهُ مَعَها ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ وإنْ كانَ زَوْجَها أوْ سَيِّدَها الَّذِي يَحِلُّ لَهُ وطْؤُها فَلَها أنْ تَنْظُرَ إلى جَمِيعِ بَدَنِهِ غَيْرَ أنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ إلى الفَرْجِ كَهو مَعَها، ولا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَجْلِسَ عارِيًا في بَيْتٍ خالٍ ولَهُ ما يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: «”اللَّهُ أحَقُّ أنْ يَسْتَحْيِيَ مِنهُ“» . ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «”إيّاكم والتَّعَرِّيَ فَإنَّ مَعَكم مَن لا يُفارِقُكم إلّا عِنْدَ الغائِطِ، وحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إلى أهْلِهِ“» واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: سُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ فَقالَ أبْصارُ الرُّءُوسِ عَنِ المُحَرَّماتِ، وأبْصارُ القُلُوبِ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فالمُرادُ بِهِ عَمّا لا يَحِلُّ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، مِنَ الزِّنا إلّا الَّتِي في النُّورِ: ﴿مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أنْ لا يَنْظُرَ إلَيْها أحَدٌ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ.
والَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ المَعْنى حِفْظُها عَنْ سائِرِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الزِّنا والمَسِّ والنَّظَرِ، وعَلى أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ حَظْرَ النَّظَرِ فالمَسُّ والوَطْءُ أيْضًا مُرادانِ بِالآيَةِ، إذْ هُما أغْلَظُ مِنَ النَّظَرِ، فَلَوْ نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى النَّظَرِ لَكانَ في مَفْهُومِ الخِطابِ ما يُوجِبُ حَظْرَ الوَطْءِ والمَسِّ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] اقْتَضى حَظْرَ ما فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ السَّبِّ والضَّرْبِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أزْكى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] أيْ تَمَسُّكُهم بِذَلِكَ أزْكى لَهم وأطْهَرُ، لِأنَّهُ مِن بابِ ما يُزَكَّوْنَ بِهِ ويَسْتَحِقُّونَ الثَّناءَ والمَدْحَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَصَّ في الخِطابِ المُؤْمِنِينَ لِما أرادَهُ مِن تَزْكِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالكافِرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ فالقَوْلُ فِيهِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَإنْ قِيلَ فَلِمَ قُدِّمَ غَضُّ الأبْصارِ عَلى حِفْظِ الفُرُوجِ، قُلْنا لِأنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنا ورائِدُ الفُجُورِ والبَلْوى فِيهِ أشَدُّ وأكْثَرُ، ولا يَكادُ يُقْدَرُ عَلى الِاحْتِراسِ مِنهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ فَمِنَ الأحْكامِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِها النِّساءُ في الأغْلَبِ، وإنَّما قُلْنا في الأغْلَبِ لِأنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الرَّجُلِ أنْ يُبْدِيَ زِينَتَهُ حُلِيًّا ولِباسًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ لِلنِّساءِ الأجْنَبِيّاتِ، لِما فِيهِ مِنَ الفِتْنَةِ وهاهُنا مَسائِلُ:
صفحة ١٧٩
المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِزِينَتِهِنَّ، واعْلَمْ أنَّ الزِّينَةَ اسْمٌ يَقَعُ عَلى مَحاسِنِ الخَلْقِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ تَعالى وعَلى سائِرِ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ الإنْسانُ مِن فَضْلِ لِباسٍ أوْ حُلِيٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنْكَرَ بَعْضُهم وُقُوعَ اسْمِ الزِّينَةِ عَلى الخِلْقَةِ، لِأنَّهُ لا يَكادُ يُقالُ في الخِلْقَةِ إنَّها مِن زِينَتِها. وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيما تَكْتَسِبُهُ مِن كُحْلٍ وخِضابٍ وغَيْرِهِ، والأقْرَبُ أنَّ الخِلْقَةَ داخِلَةٌ في الزِّينَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَثِيرَ مِنَ النِّساءِ يَنْفَرِدْنَ بِخِلْقَتِهِنَّ عَنْ سائِرِ ما يُعَدُّ زِينَةً، فَإذا حَمَلْناهُ عَلى الخِلْقَةِ وفَّيْنا العُمُومَ حَقَّهُ، ولا يُمْنَعُ دُخُولُ ما عَدا الخِلْقَةَ فِيهِ أيْضًا.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ ما يَعُمُّ الخِلْقَةَ وغَيْرَها فَكَأنَّهُ تَعالى مَنَعَهُنَّ مِن إظْهارِ مَحاسِنِ خِلْقَتِهِنَّ بِأنْ أوْجَبَ سَتْرَها بِالخِمارِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا الزِّينَةُ عِبارَةٌ عَمّا سِوى الخِلْقَةِ فَقَدْ حَصَرُوهُ في أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: الأصْباغُ كالكُحْلِ والخِضابِ بِالوَسْمَةِ في حاجِبَيْها والغَمْرَةِ في خَدَّيْها والحِنّاءِ في كَفَّيْها وقَدَمَيْها.
وثانِيها: الحُلِىُّ كالخاتَمِ والسُّوارِ والخَلْخالِ والدُّمْلُجِ والقِلادَةِ والإكْلِيلِ والوِشاحِ والقُرْطِ.
وثالِثُها: الثِّيابُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وأرادَ الثِّيابَ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ أمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الزِّينَةَ عَلى الخِلْقَةِ، فَقالَ القَفّالُ مَعْنى الآيَةِ إلّا ما يُظْهِرُهُ الإنْسانُ في العادَةِ الجارِيَةِ، وذَلِكَ في النِّساءِ الوجه والكَفّانِ، وفي الرَّجُلِ الأطْرافُ مِنَ الوجه واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، فَأُمِرُوا بِسَتْرِ ما لا تُؤَدِّي الضَّرُورَةُ إلى كَشْفِهِ ورُخِّصَ لَهم في كَشْفِ ما اعْتِيدَ كَشْفُهُ وأدَّتِ الضَّرُورَةُ إلى إظْهارِهِ إذْ كانَتْ شَرائِعُ الإسْلامِ حَنِيفِيَّةً سَهْلَةً سَمْحَةً، ولَمّا كانَ ظُهُورُ الوجه والكَفَّيْنِ كالضَّرُورِيِّ لا جَرَمَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُما لَيْسا بِعَوْرَةٍ، أمّا القَدَمُ فَلَيْسَ ظُهُورُهُ بِضَرُورِيٍّ فَلا جَرَمَ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ هو مِنَ العَوْرَةِ أمْ لا ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأصَحُّ أنَّهُ عَوْرَةٌ كَظَهْرِ القَدَمِ، وفي صَوْتِها وجْهانِ أصَحُّهُما أنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، لِأنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَرْوِينَ الأخْبارَ لِلرِّجالِ، وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الزِّينَةَ عَلى ما عَدا الخِلْقَةَ فَقالُوا إنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما ذَكَرَ الزِّينَةَ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْها حالَما لَمْ تَكُنْ مُتَّصِلَةً بِأعْضاءِ المَرْأةِ، فَلَمّا حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ النَّظَرَ إلَيْها حالَ اتِّصالِها بِبَدَنِ المَرْأةِ كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في حُرْمَةِ النَّظَرِ إلى أعْضاءِ المَرْأةِ.
وعَلى هَذا القَوْلِ يَحِلُّ النَّظَرُ إلى زِينَةِ وجْهِها مِنَ الوَشْمَةِ والغَمْرَةِ وزِينَةِ بَدَنِها مِنَ الخِضابِ والخَواتِيمِ وكَذا الثِّيابُ، والسَّبَبُ في تَجْوِيزِ النَّظَرِ إلَيْها أنَّ تَسَتُّرَها فِيهِ حَرَجٌ لِأنَّ المَرْأةَ لا بُدَّ لَها مِن مُناوَلَةِ الأشْياءِ بِيَدَيْها والحاجَةِ إلى كَشْفِ وجْهِها في الشَّهادَةِ والمُحاكَمَةِ والنِّكاحِ.
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى تَخْصِيصِ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ بِالحَرائِرِ دُونَ الإماءِ، والمَعْنى فِيهِ ظاهِرٌ، وهو أنَّ الأمَةَ مالٌ فَلا بُدَّ مِنَ الِاحْتِياطِ في بَيْعِها وشِرائِها، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِالنَّظَرِ إلَيْها عَلى الِاسْتِقْصاءِ بِخِلافِ الحُرَّةِ.
النور 24:31
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ فالخُمُرُ واحِدُها خِمارٌ، وهي المَقانِعُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ نِساءَ الجاهِلِيَّةِ كُنَّ يَشْدُدْنَ خُمُرَهُنَّ مِن خَلْفِهِنَّ، وإنَّ جُيُوبَهُنَّ كانَتْ مِن قُدّامُ فَكانَ يَنْكَشِفُ نُحُورُهُنَّ وقَلائِدُهُنَّ، فَأُمِرْنَ أنْ يَضْرِبْنَ مَقانِعَهُنَّ عَلى الجُيُوبِ لِيَتَغَطّى بِذَلِكَ أعْناقُهُنَّ ونُحُورُهُنَّ وما يُحِيطُ بِهِ مِن شَعْرٍ وزِينَةٍ مِنَ الحُلِيِّ في الأُذُنِ والنَّحْرِ ومَوْضِعِ العُقْدَةِ مِنها، وفي لَفْظِ الضَّرْبِ مُبالَغَةٌ في الإلْقاءِ، والباءُ لِلْإلْصاقِ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ”ما رَأيْتُ خَيْرًا مِن نِساءِ الأنْصارِ، لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قامَتْ كُلُّ واحِدَةٍ
صفحة ١٨٠
مِنهُنَّ إلى مِرْطِها فَصَدَعَتْ مِنهُ صَدْعَةً فاخْتَمَرَتْ فَأصْبَحْنَ عَلى رُءُوسِهِنَّ الغِرْبانُ“ وقُرِئَ (جِيُوبِهِنَّ) بِكَسْرِ الجِيمِ لِأجْلِ الياءِ وكَذَلِكَ ﴿بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ .
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في مُطْلَقِ الزِّينَةِ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في الزِّينَةِ الخَفِيَّةِ الَّتِي نَهاهُنَّ عَنْ إبْدائِها لِلْأجانِبِ، وبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الزِّينَةَ الخَفِيَّةَ يَجِبُ إخْفاؤُها عَنِ الكُلِّ، ثُمَّ اسْتَثْنى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ صُورَةً أحَدُها: أزْواجُهُنَّ.
وثانِيها: آباؤُهُنَّ وإنْ عَلَوْنَ مِن جِهَةِ الذُّكْرانِ والإناثِ كَآباءِ الآباءِ وآباءِ الأُمَّهاتِ. وثالِثُها: آباءُ أزْواجِهِنَّ. ورابِعُها وخامِسُها: أبْناؤُهُنَّ وأبْناءُ بُعُولَتِهِنَّ، ويَدْخُلُ فِيهِ أوْلادُ الأوْلادِ وإنْ سَفَلُوا مِنَ الذَّكَرانِ والإناثِ كَبَنِي البَنِينَ وبَنِي البَناتِ وسادِسُها: إخْوانُهُنَّ سَواءٌ كانُوا مِنَ الأبِ أوْ مِنَ الأُمِّ أوْ مِنهُما وسابِعُها: بَنُو إخْوانِهِنَّ وثامِنُها: بَنُو أخَواتِهِنَّ وهَؤُلاءِ كُلُّهم مَحارِمُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أفَيَحِلُّ لِذَوِي المَحْرَمِ في المَمْلُوكَةِ والكافِرَةِ ما لا يَحِلُّ لَهُ في المُؤْمِنَةِ ؟ الجَوابُ: إذا مَلَكَ المَرْأةَ وهي مِن مَحارِمِهِ فَلَهُ أنْ يَنْظُرَ مِنها إلى بَطْنِها وظَهْرِها لا عَلى وجْهِ الشَّهْوَةِ، بَلْ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى مَزِيَّةِ المِلْكِ عَلى اخْتِلافٍ بَيْنَ النّاسِ في ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ القَوْلُ في العَمِّ والخالِ ؟ الجَوابُ: القَوْلُ الظّاهِرُ أنَّهُما كَسائِرِ المَحارِمِ في جَوازِ النَّظَرِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، قالَ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِيها الرَّضاعُ وهو كالنَّسَبِ وقالَ في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] الآيَةَ. ولَمْ يُذْكَرْ فِيها البُعُولَةُ ولا أبْناؤُهم وقَدْ ذُكِرُوا هاهُنا، وقَدْ يُذْكَرُ البَعْضُ لِيُنَبِّهُ عَلى الجُمْلَةِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّما لَمْ يَذْكُرْهُما اللَّهُ لِئَلّا يَصِفَهُما العَمُّ عِنْدَ ابْنِهِ والخالُ كَذَلِكَ، ومَعْناهُ أنَّ سائِرَ القَراباتِ تُشارِكُ الأبَ والِابْنَ في المَحْرَمِيَّةِ إلّا العَمَّ والخالَ وأبْناءَهُما، فَإذا رَآها الأبُ فَرُبَّما وصَفَها لِابْنِهِ ولَيْسَ بِمَحْرَمٍ فَيَقْرُبُ تَصَوُّرُهُ لَها بِالوَصْفِ مِن نَظَرِهِ إلَيْها، وهَذا أيْضًا مِنَ الدَّلالاتِ البَلِيغَةِ عَلى وُجُوبِ الِاحْتِياطِ عَلَيْهِمْ في التَّسَتُّرِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما السَّبَبُ في إباحَةِ نَظَرِ هَؤُلاءِ إلى زِينَةِ المَرْأةِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّهم مَخْصُوصُونَ بِالحاجَةِ إلى مُداخَلَتِهِنَّ ومُخالَطَتِهِنَّ ولِقِلَّةِ تَوَقُّعِ الفِتْنَةِ بِجِهاتِهِنَّ، ولِما في الطِّباعِ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مُجالَسَةِ الغَرائِبِ، وتَحْتاجُ المَرْأةُ إلى صُحْبَتِهِمْ في الأسْفارِ ولِلنُّزُولِ والرُّكُوبِ وتاسِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ والنِّساءُ اللّاتِي هُنَّ عَلى دِينِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ السَّلَفِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ لِلْمُسْلِمَةِ أنْ تَتَجَرَّدَ بَيْنَ نِساءِ أهْلِ الذِّمَّةِ ولا تُبْدِي لِلْكافِرَةِ إلّا ما تُبْدِي لِلْأجانِبِ إلّا أنْ تَكُونَ أمَةً لَها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ وكَتَبَ عُمَرُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ أنْ يَمْنَعَ نِساءَ أهْلِ الكِتابِ مِن دُخُولِ الحَمّامِ مَعَ المُؤْمِناتِ وثانِيهِما: المُرادُ بِنِسائِهِنَّ جَمِيعُ النِّساءِ، وهَذا هو المَذْهَبُ وقَوْلُ السَّلَفِ مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِحْبابِ والأوْلى.
وعاشِرُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ وظاهِرُ الكَلامِ يَشْمَلُ العَبِيدَ والإماءَ، واخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن أجْرى الآيَةَ عَلى ظاهِرِها، وزَعَمَ أنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِنَّ في أنْ يُظْهِرْنَ لِعَبِيدِهِنَّ مِن زِينَتِهِنَّ ما يُظْهِرْنَ لِذَوِي مَحارِمِهِنَّ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وهو ظاهِرٌ. وبِما رَوى أنَسٌ: ”«أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى فاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وهَبَهُ لَها وعَلَيْها ثَوْبٌ إذا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَها لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْها، وإذا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْها لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَها، فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما بِها، قالَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إنَّما هو أبُوكِ وغُلامُكِ» “ وعَنْ مُجاهِدٍ: كانَ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ لا يَحْتَجِبْنَ عَنْ مُكاتَبِهِنَّ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. وعَنْ
صفحة ١٨١
عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّها قالَتْ لِذَكْوانَ: ”إنَّكَ إذا وضَعْتَنِي في القَبْرِ وخَرَجْتَ فَأنْتَ حُرٌّ. ورُوِيَ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: كانَتْ تَمْتَشِطُ والعَبْدُ يَنْظُرُ إلَيْها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنٌ وابْنُ سِيرِينَ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: إنَّ العَبْدَ لا يَنْظُرُ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» ”والعَبْدُ لَيْسَ بِذِي مَحْرَمٍ مِنها فَلا يَجُوزُ أنْ يُسافِرَ بِها، وإذا لَمْ يَجُزْ لَهُ السَّفَرُ بِها لَمْ يَجُزْ لَهُ النَّظَرُ إلى شَعْرِها كالحُرِّ الأجْنَبِيِّ.
وثانِيها: أنَّ مِلْكَها لِلْعَبْدِ لا يُحَلِّلُ ما يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبْلَ المِلْكِ إذْ مِلْكُ النِّساءِ لِلرِّجالِ لَيْسَ كَمِلْكِ الرِّجالِ لِلنِّساءِ، فَإنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّها لا تَسْتَبِيحُ بِمِلْكِ العَبْدِ مِنهُ شَيْئًا مِنَ التَّمَتُّعِ كَما يَمْلِكُهُ الرَّجُلُ مِنَ الأمَةِ.
وثالِثُها: أنَّ العَبْدَ وإنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِمَوْلاتِهِ إلّا أنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ عارِضٌ كَمَنَ عِنْدَهُ أرْبَعُ نِسْوَةٍ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِغَيْرِهِنَّ فَلَمّا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الحُرْمَةُ مُؤَبَّدَةً كانَ العَبْدُ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الأجانِبِ. إذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ الإماءُ، فَإنْ قِيلَ الإماءُ دَخَلْنَ في قَوْلِهِ: ﴿نِسائِهِنَّ﴾ فَأيُّ فائِدَةٍ في الإعادَةِ ؟ قُلْنا الظّاهِرُ أنَّهُ عَنى بِنِسائِهِنَّ وما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ مَن في صُحْبَتِهِنَّ مِنَ الحَرائِرِ والإماءِ.
وبَيانُهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ أوَّلًا أحْوالَ الرِّجالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى آخِرِ ما ذَكَرَ فَجازَ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ الرِّجالَ مَخْصُوصُونَ بِذَلِكَ إذْ كانُوا ذَوِي المَحارِمِ أوْ غَيْرَ ذاتِ المَحارِمِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ الإماءَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ الإباحَةَ مَقْصُورَةٌ عَلى الحَرائِرِ مِنَ النِّساءِ إذْ كانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ يَقْتَضِي الحَرائِرَ دُونَ الإماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] عَلى الأحْرارِ لِإضافَتِهِمْ إلَيْنا كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ عَلى الحَرائِرِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِنَّ الإماءَ فَأباحَ لَهُنَّ مِثْلَ ما أباحَ في الحَرائِرِ.
* * *
وحادِيَ عَشَرَها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قِيلَ هُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَكم لِيَنالُوا مِن فَضْلِ طَعامِكم، ولا حاجَةَ بِهِمْ إلى النِّساءِ، لِأنَّهم بُلْهٌ لا يَعْرِفُونَ مِن أمْرِهِنَّ شَيْئًا، أوْ شُيُوخٌ صُلَحاءُ إذا كانُوا مَعَهُنَّ غَضُّوا أبْصارَهم، ومَعْلُومٌ أنَّ الخَصِيَّ والعِنِّينِ ومَن شاكَلَهُما قَدْ لا يَكُونُ لَهُ إرْبَةٌ في نَفْسِ الجِماعِ ويَكُونُ لَهُ إرْبَةٌ قَوِيَّةٌ فِيما عَداهُ مِنَ التَّمَتُّعِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ هو المُرادُ. فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ المُرادُ عَلى مَنِ المَعْلُومُ مِنهُ أنَّهُ لا إرْبَةَ لَهُ في سائِرِ وُجُوهِ التَّمَتُّعِ، إمّا لِفَقْدِ الشَّهْوَةِ، وإمّا لِفَقْدِ المَعْرِفَةِ، وإمّا لِلْفَقْرِ والمَسْكَنَةِ، فَعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ. فَقالَ بَعْضُهم هُمُ الفُقَراءُ الَّذِينَ بِهِمُ الفاقَةُ، وقالَ بَعْضُهم: المَعْتُوهُ والأبْلَهُ والصَّبِيُّ، وقالَ بَعْضُهم: الشَّيْخُ، وسائِرُ مَن لا شَهْوَةَ لَهُ، ولا يَمْتَنِعُ دُخُولُ الكُلِّ في ذَلِكَ.
ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ“ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها وعِنْدَها مُخَنَّثٌ فَأقْبَلَ عَلى أخِي أُمِّ سَلَمَةَ فَقالَ يا عَبْدَ اللَّهِ إنْ فَتَحَ اللَّهُ لَكم غَدًا الطّائِفَ دَلَلْتُكَ عَلى بِنْتِ غَيْلانَ، فَإنَّها تُقْبِلُ بِأرْبَعٍ وتُدْبِرُ بِثَمانٍ ”فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكم هَذا ”» فَأباحَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُخُولَ المُخَنَّثِ عَلَيْهِنَّ حِينَ ظَنَّ أنَّهُ مِن غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ، فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ يَعْرِفُ أحْوالَ النِّساءِ وأوْصافَهُنَّ عَلِمَ أنَّهُ مِن أُولِي الإرْبَةِ فَحَجَبَهُ، وفي الخَصِيِّ والمَجْبُوبِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: اسْتِباحَةُ الزِّينَةِ الباطِنَةِ مَعَهُما.
والثّانِي: تَحْرِيمُها عَلَيْهِما.
والثّالِثَةُ: تَحْرِيمُها عَلى الخَصِيِّ دُونَ المَجْبُوبِ.
صفحة ١٨٢
المسألة الثّانِيَةُ: الإرْبَةُ الفِعْلَةُ مِنَ الأرَبِ كالمِشْيَةِ والجِلْسَةِ مِنَ المَشْيِ والجُلُوسِ والأرَبُ الحاجَةُ والوُلُوعُ بِالشَّيْءِ والشَّهْوَةُ لَهُ، والإرْبَةُ الحاجَةُ في النِّساءِ، والإرْبَةُ العَقْلُ ومِنهُ الأرِيبُ.
المسألة الثّالِثَةُ: في“ غَيْرِ ”قِراءَتانِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ“ غَيْرَ ”بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوِ الحالِ يَعْنِي أوِ التّابِعَيْنِ عاجِزِينَ عَنْهُنَّ والقِراءَةُ الثّانِيَةُ بِالخَفْضِ عَلى الوَصْفِيَّةِ وثانِيَ عَشَرَها:
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: الطِّفْلُ اسْمٌ لِلْواحِدِ لَكِنَّهُ وُضِعَ هاهُنا مَوْضِعَ الجَمْعِ لِأنَّهُ يُفِيدُ الجِنْسَ، ويُبَيِّنُ ما بَعْدَهُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] .
المسألة الثّانِيَةُ: الظُّهُورُ عَلى الشَّيْءِ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: العِلْمُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠] أيُ إنْ يَشْعُرُوا بِكم.
والثّانِي: الغَلَبَةُ لَهُ والصَّوْلَةُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] فَعَلى الوجه الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَتَصَوَّرُوا عَوْراتِ النِّساءِ ولَمْ يَدْرُوا ما هي مِنَ الصِّغَرِ وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وعَلى الثّانِي الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا أنْ يُطِيقُوا إتْيانَ النِّساءِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ.
المسألة الثّالِثَةُ: أنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَتَنَبَّهْ لِصِغَرِهِ عَلى عَوْراتِ النِّساءِ فَلا عَوْرَةَ لِلنِّساءِ مَعَهُ، وإنْ تَنَبَّهَ لِصِغَرِهِ ولِمُراهَقَتِهِ لَزِمَ أنْ تَسْتُرَ عَنْهُ المَرْأةُ ما بَيْنَ سُرَّتِها ورُكْبَتِها، وفي لُزُومِ سَتْرِ ما سِواهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا يَلْزَمُ لِأنَّ القَلَمَ غَيْرُ جارٍ عَلَيْهِ.
والثّانِي: يَلْزَمُ كالرَّجُلِ لِأنَّهُ يَشْتَهِي والمَرْأةُ قَدْ تَشْتَهِيهِ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ واسْمُ الطِّفْلِ شامِلٌ لَهُ إلى أنْ يَحْتَلِمَ، وأمّا الشَّيْخُ إنْ بَقِيَتْ لَهُ شَهْوَةٌ فَهو كالشّابِّ، وإنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَهْوَةٌ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الزِّينَةَ الباطِنَةَ مَعَهُ مُباحَةٌ والعَوْرَةَ مَعَهُ ما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ.
والثّانِي: أنَّ جَمِيعَ البَدَنِ مَعَهُ عَوْرَةٌ إلّا الزِّينَةَ الظّاهِرَةَ، وهاهُنا آخِرُ الصُّوَرِ الَّتِي اسْتَثْناها اللَّهُ تَعالى، قالالحَسَنُ هَؤُلاءِ وإنِ اشْتَرَكُوا في جَوازِ رُؤْيَةِ الزِّينَةِ الباطِنَةِ فَهم عَلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ، فَأوَّلُهُمُ الزَّوْجُ ولَهُ حُرْمَةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنها، والحُرْمَةُ الثّانِيَةُ لِلِابْنِ والأبِ والأخِ والجَدِّ وأبِي الزَّوْجِ وكُلِّ ذِي مَحْرَمٍ والرَّضاعِ كالنَّسَبِ يَحِلُّ لَهم أنْ يَنْظُرُوا إلى الشَّعْرِ والصَّدْرِ والسّاقَيْنِ والذِّراعِ وأشْباهِ ذَلِكَ.
والحُرْمَةُ الثّالِثَةُ هي لِلتّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ وكَذا مَمْلُوكُ المَرْأةِ فَلا بَأْسَ أنْ تَقُومَ المَرْأةُ الشّابَّةُ بَيْنَ يَدَيْ هَؤُلاءِ في دِرْعٍ وخِمارٍ صَفِيقٍ بِغَيْرِ مِلْحَفَةٍ، ولا يَحِلُّ لِهَؤُلاءِ أنْ يَرَوْا مِنها شَعْرًا ولا بَشَرًا والسِّتْرُ في هَذا كُلِّهِ أفْضَلُ، ولا يَحِلُّ لِلشّابَّةِ أنْ تَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ الغَرِيبِ حَتّى تَلْبَسَ الجِلْبابَ، فَهَذا ضَبْطُ هَؤُلاءِ المَراتِبِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ كانَتِ المَرْأةُ تَمُرُّ بِالنّاسِ وتَضْرِبُ بِرِجْلِها لِيُسْمَعَ قَعْقَعَةُ خَلْخالِها، ومَعْلُومٌ أنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّساءِ إذا سَمِعَ صَوْتُ الخَلْخالِ يَصِيرُ ذَلِكَ داعِيَةً لَهُ زائِدَةً في مُشاهَدَتِهِنَّ، وقَدْ عَلَّلَ تَعالى ذَلِكَ بِأنْ قالَ: ﴿لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ فَنَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ الَّذِي لِأجْلِهِ نُهِيَ عَنْهُ أنْ يُعْلَمَ زِينَتُهُنَّ مِنَ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ وفي الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: لَمّا نَهى عَنِ اسْتِماعِ الصَّوْتِ الدّالِّ عَلى وُجُودِ الزِّينَةِ فَلَأنْ يَدُلَّ عَلى المَنعِ مِن إظْهارِ الزِّينَةِ أوْلى الثّانِيَةُ: أنَّ المَرْأةَ مَنهِيَّةٌ عَنْ رَفْعِ صَوْتِها بِالكَلامِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ ذَلِكَ الأجانِبُ إذْ كانَ صَوْتُها أقْرَبَ إلى الفِتْنَةِ مِن صَوْتِ خَلْخالِها، ولِذَلِكَ كَرِهُوا أذانَ النِّساءِ لِأنَّهُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى رَفْعِ الصَّوْتِ والمَرْأةُ مَنهِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ الثّالِثَةُ:
صفحة ١٨٣
تَدُلُّ الآيَةُ عَلى حَظْرِ النَّظَرِ إلى وجْهِها بِشَهْوَةٍ إذا كانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى الفِتْنَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في التَّوْبَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ بابٍ لا يَقْدِرُ العَبْدُ الضَّعِيفُ عَلى مُراعاتِها وإنْ ضَبَطَ نَفْسَهُ واجْتَهَدَ، ولا يَنْفَكُّ مِن تَقْصِيرٍ يَقَعُ مِنهُ، فَلِذَلِكَ وصّى المُؤْمِنِينَ جَمِيعًا بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ وتَأْمِيلِ الفَلاحِ إذا تابُوا واسْتَغْفَرُوا.
والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما تُوبُوا مِمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ لَعَلَّكم تَسْعَدُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنْ قِيلَ قَدْ صَحَّتِ التَّوْبَةُ بِالإسْلامِ والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ فَما مَعْنى هَذِهِ التَّوْبَةِ ؟ قُلْنا قالَ بَعْضُ العُلَماءِ إنَّ مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ عَنْهُ لَزِمَهُ كُلَّما ذَكَرَهُ أنْ يُجَدِّدَ عَنْهُ التَّوْبَةَ، لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى نَدَمِهِ إلى أنْ يَلْقى رَبَّهُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ (أيُّهُ المُؤْمِنُونَ) بِضَمِّ الهاءِ، ووَجْهُهُ أنَّها كانَتْ مَفْتُوحَةً لِوُقُوعِها قَبْلَ الألِفِ، فَلَمّا سَقَطَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ السّاكِيَنْنِ اتَّبَعَتْ حَرَكَتُها حَرَكَةَ ما قَبْلَها واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: تَفْسِيرُ“ لَعَلَّ " قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
النور 24:32
الحُكْمُ الثّامِنُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالنِّكاحِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مِن قَبْلُ بِغَضِّ الأبْصارِ وحِفْظِ الفُرُوجِ بَيَّنَ مِن بَعْدُ أنَّ الَّذِي أمَرَ بِهِ إنَّما هو فِيما لا يَحِلُّ، فَبَيَّنَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ طَرِيقَ الحِلِّ فَقالَ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الأيامى واليَتامى أصْلُهُما أيايِمُ ويَتايِمُ فَقُلِبا، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الأيِّمُ في كَلامِ العَرَبِ كُلُّ ذَكَرٍ لا أُنْثى مَعَهُ وكُلُّ أُنْثى لا ذَكَرَ مَعَها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الضَّحّاكِ، تَقُولُ: زَوِّجُوا أيامَكم بَعْضَكم مِن بَعْضٍ، وقالَ الشّاعِرُ:
فَإنْ تَنْكِحِي أنْكِحْ وإنْ تَتَأيَّمِي وإنْ كُنْتُ أفْتى مِنكُمُوا أتَأيَّمُ
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] أمْرٌ وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ عَلى ما بَيَّنّاهُ مِرارًا، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلِيَّ يَجِبُ عَلَيْهِ تَزْوِيجُ مَوْلاتِهِ وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ النِّكاحُ إلّا بِوَلِيٍّ، إمّا لِأنَّ كُلَّ مَن أوْجَبَ ذَلِكَ عَلى الوَلِيِّ حَكَمَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ مِنَ المُوَلِّيَةِ، وإمّا لِأنَّ المُوَلِّيَةَ لَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ لَفَوَّتَتْ عَلى الوَلِيِّ التَّمَكُّنَ مِن أداءِ هَذا الواجِبِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وإمّا لِتَطابُقِ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الحَدِيثِ وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا جاءَكم مَن تَرْضَوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ» “ قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ هَذِهِ الآيَةُ وإنِ اقْتَضَتْ بِظاهِرِها الإيجابَ إلّا أنَّهُ أجْمَعَ السَّلَفُ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ الإيجابُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
صفحة ١٨٤
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا لَوَرَدَ النَّقْلُ بِفِعْلِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ومِنَ السَّلَفِ مُسْتَفِيضًا شائِعًا لِعُمُومِ الحاجَةِ إلَيْهِ، فَلَمّا وجَدْنا عَصْرَ النَّبِيِّ ﷺ وسائِرَ الأعْصارِ بَعْدَهُ قَدْ كانَ في النّاسِ أيامى مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فَلَمْ يُنْكِرُوا عَدَمَ تَزْوِيجِهِنَّ ثَبَتَ أنَّهُ ما أُرِيدَ بِهِ الإيجابُ.
وثانِيها: أجْمَعْنا عَلى أنَّ الأيِّمَ الثَّيِّبَ لَوْ أبَتِ التَّزَوُّجَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ إجْبارُها عَلَيْهِ.
وثالِثُها: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّهُ لا يُجْبَرُ عَلى تَزْوِيجِ عَبْدِهِ وأمَتِهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى الأيامى، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ في الجَمِيعِ بَلْ نَدْبٌ في الجَمِيعِ.
ورابِعُها: أنَّ اسْمَ الأيامى يَنْتَظِمُ فِيهِ الرِّجالُ والنِّساءُ وهو في الرِّجالِ ما أُرِيدَ بِهِ الأوْلِياءُ دُونَ غَيْرِهِمْ كَذَلِكَ في النِّساءِ.
والجَوابُ: أنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرْتُهُ تَخْصِيصاتٌ تَطَرَّقَتْ إلى الآيَةِ والعامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقى حُجَّةً، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى حُجَّةً فِيما إذا التَمَسَتِ المَرْأةُ الأيِّمُ مِنَ الوَلِيِّ التَّزْوِيجَ وجَبَ، وحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ وجْهُ الكَلامِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، الآيَةُ تَقْتَضِي جَوازَ تَزْوِيجِ البِكْرِ البالِغَةِ بِدُونِ رِضاها، لِأنَّ الآيَةَ والحَدِيثَ يَدُلّانِ عَلى أمْرِ الوَلِيِّ بِتَزْوِيجِها، ولَوْلا قِيامُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يُزَوِّجُ الثَّيِّبَ الكَبِيرَةَ بِغَيْرِ رِضاها لَكانَ جائِزًا لَهُ تَزْوِيجُها أيْضًا بِغَيْرِ رِضاها، لِعُمُومِ الآيَةِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ لا يَخْتَصُّ بِالنِّساءِ دُونَ الرِّجالِ عَلى ما بَيَّنّا فَلَمّا كانَ الِاسْمُ شامِلًا لِلرِّجالِ والنِّساءِ وقَدْ أُضْمِرَ في الرِّجالِ تَزْوِيجُهم بِإذْنِهِمْ فَوَجَبَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ في النِّساءِ.
وأيْضًا فَقَدْ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاسْتِئْمارِ البِكْرِ بِقَوْلِهِ: ”«البِكْرُ تُسْتَأْمَرُ في نَفْسِها وإذْنُها صُماتُها» “ وذَلِكَ أمْرٌ وإنْ كانَ في صُورَةِ الخَبَرِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَزْوِيجُها إلّا بِإذْنِها، والجَوابُ: أمّا الأوَّلُ فَهو تَخْصِيصٌ لِلنَّصِّ وهو لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ حُجَّةً والفَرْقُ أنَّ الأيِّمَ مِنَ الرِّجالِ يَتَوَلّى أمْرَ نَفْسِهِ فَلا يَجِبُ عَلى الوَلِيِّ تَعَهُّدُ أمْرِهِ بِخِلافِ المَرْأةِ، فَإنَّ احْتِياجَها إلى مَن يُصْلِحُ أمْرَها في التَّزْوِيجِ أظْهَرُ، وأيْضًا فَلَفْظُ الأيامى وإنْ تَناوَلَ الرِّجالَ والنِّساءَ، فَإذا أُطْلِقَ لَمْ يَتَناوَلْ إلّا النِّساءَ، وإنَّما يَتَناوَلُ الرِّجالَ إذا قُيِّدَ وأمّا الثّانِي: فَفي تَخْصِيصِ الآيَةِ بِخَبَرِ الواحِدِ كَلامٌ مَشْهُورٌ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ العَمُّ والأخُ يَلِيانِ تَزْوِيجِ البِنْتِ الصَّغِيرَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ كَما تَقَدَّمَ.
* * *
المسألة الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، النّاسُ في النِّكاحِ قِسْمانِ مِنهم مَن تَتُوقُ نَفْسُهُ في النِّكاحِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أنْ يَنْكِحَ إنْ وجَدَ أُهْبَةَ النِّكاحِ سَواءٌ كانَ مُقْبِلًا عَلى العِبادَةِ أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، ولَكِنْ لا يَجِبُ أنْ يَنْكِحَ، وإنْ لَمْ يَجِدْ أُهْبَةَ النِّكاحِ يَكْسِرُ شَهْوَتَهُ لِما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«يا مَعْشَرَ الشَّبابِ مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجاءٌ» “ .
أمّا الَّذِي لا تَتُوقُ نَفْسُهُ إلى النِّكاحِ فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ بِهِ مِن كِبَرٍ أوْ مَرَضٍ أوْ عَجْزٍ يُكْرَهُ لَهُ أنْ يَنْكِحَ، لِأنَّهُ يَلْتَزِمُ ما لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِحَقِّهِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ لا يَقْدِرُ عَلى النَّفَقَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ عَجْزٌ وكانَ قادِرًا عَلى القِيامِ بِحَقِّهِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ النِّكاحُ، لَكِنَّ الأفْضَلَ أنْ يَتَخَلّى لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: النِّكاحُ أفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِلْعِبادَةِ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] مَدَحَ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَوْنِهِ حَصُورًا والحَصُورُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِنَّ، ولا يُقالُ هو الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ مَعَ العَجْزِ عَنْهُنَّ، لِأنَّ مَدْحَ الإنْسانِ بِما يَكُونُ عَيْبًا غَيْرُ جائِزٍ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ مَدْحٌ في حَقِّ يَحْيى وجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا
صفحة ١٨٥
فِي حَقِّنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ولا يَجُوزُ حَمْلُ الهُدى عَلى الأُصُولِ لِأنَّ التَّقْلِيدَ فِيها غَيْرُ جائِزٍ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الفُرُوعِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا واعْلَمُوا أنَّ أفْضَلَ أعْمالِكُمُ الصَّلاةُ» “ ويَتَمَسَّكُ أيْضًا بِما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«أفْضَلُ أعْمالِ أُمَّتِي قِراءَةُ القُرْآنِ» “ .
وثالِثُها: أنَّ النِّكاحَ مُباحٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أحَبُّ المُباحاتِ إلى اللَّهِ تَعالى النِّكاحُ» “ .
ويُحْمَلُ الأحَبُّ عَلى الأصْلَحِ في الدُّنْيا لِئَلّا يَقَعَ التَّناقُضُ بَيْنَ كَوْنِهِ أحَبَّ وبَيْنَ كَوْنِهِ مُباحًا، والمُباحُ ما اسْتَوى طَرَفاهُ في الثَّوابِ والعِقابِ، والمَندُوبُ ما تَرَجَّحَ وُجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ فَتَكُونُ العِبادَةُ أفْضَلَ.
ورابِعُها: أنَّ النِّكاحَ لَيْسَ بِعِبادَةٍ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ مِنَ الكافِرِ والعِبادَةُ لا تَصِحُّ مِنهُ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العِبادَةُ أفْضَلَ مِنهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] والِاشْتِغالُ بِالمَقْصُودِ أوْلى.
وخامِسُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَوّى بَيْنَ التَّسَرِّي والنِّكاحِ ثُمَّ التَّسَرِّي مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادَةِ ومُساوِي المَرْجُوحِ مَرْجُوحٌ، فالنِّكاحُ مَرْجُوحٌ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ سَوّى بَيْنَ التَّسَرِّي والنِّكاحِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] .
وذَكَرَ كَلِمَةَ ”أوْ“ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والتَّخْيِيرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أمارَةُ التَّساوِي، كَقَوْلِ الطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ كُلِ الرُّمّانَ أوِ التُّفّاحَ، وإذا ثَبَتَ الِاسْتِواءُ فالتَّسَرِّي مَرْجُوحٌ، ومُساوِي المَرْجُوحِ مَرْجُوحٌ، فالنِّكاحُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا وسادِسُها: أنَّ النّافِلَةَ أشَقُّ فَتَكُونُ أكْثَرَ ثَوابًا، بَيانُ أنَّها أشَقُّ أنَّ مَيْلَ الطِّباعِ إلى النِّكاحِ أكْثَرُ، ولَوْلا تَرْغِيبُ الشَّرْعِ لَما رَغَبَ أحَدٌ في النَّوافِلِ، وإذا ثَبَتَ أنَّها أشَقُّ وجَبَ أنْ تَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أفْضَلُ العِباداتِ أحْمَزُها» “ وقَوْلِهِ ﷺ لِعائِشَةَ: ”«أجْرُكِ عَلى قَدْرِ نَصَبِكِ» “ .
وسابِعُها: لَوْ كانَ النِّكاحُ مُساوِيًا لِلنَّوافِلِ في الثَّوابِ مَعَ أنَّ النَّوافِلَ أشَقُّ مِنهُ لَما كانَتِ النَّوافِلُ مَشْرُوعَةً. لِأنَّهُ إذا حَصَلَ طَرِيقانِ إلى تَحْصِيلِ المَقْصُودِ وكانا في الإفْضاءِ إلى المَقْصُودِ سِيَيْنِ وكانَ أحَدُهُما شاقًّا والآخَرُ سَهْلًا، فَإنَّ العُقَلاءَ يَسْتَقْبِحُونَ تَحْصِيلَ ذَلِكَ المَقْصُودِ بِالطَّرِيقِ الشّاقِّ مَعَ المُكْنَةِ مِنَ الطَّرِيقِ السَّهْلِ، ولَمّا كانَتِ النَّوافِلُ مَشْرُوعَةً عَلِمْنا أنَّها أفْضَلُ وثامِنُها: لَوْ كانَ الِاشْتِغالُ بِالنِّكاحِ أوْلى مِنَ النّافِلَةِ لَكانَ الِاشْتِغالُ بِالحِراثَةِ والزِّراعَةِ أوْلى مِنَ النّافِلَةِ بِالقِياسِ عَلى النِّكاحِ والجامِعُ كَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَبَبًا لِبَقاءِ هَذا العالَمِ ومُحَصِّلًا لِنِظامِهِ وتاسِعُها: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ يُقَدَّمُ واجِبُ العِبادَةِ عَلى واجِبِ النِّكاحِ، فَيُقَدَّمُ مَندُوبُها عَلى مَندُوبِهِ لِاتِّحادِ السَّبَبِ.
وعاشِرُها: أنَّ النِّكاحَ اشْتِغالٌ بِتَحْصِيلِ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ الدّاعِيَةِ إلى الدُّنْيا، والنّافِلَةَ قَطْعُ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ وإقْبالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى فَأيْنَ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ ؟ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ الطِّيبُ والنِّساءُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» “ فَرَجَّحَ الصَّلاةَ عَلى النِّكاحِ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ النِّكاحَ يَتَضَمَّنُ صَوْنَ النَّفْسِ عَنِ الزِّنا فَيَكُونُ ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ، والنّافِلَةُ جَلْبُ النَّفْعِ، ودَفْعُ الضَّرَرِ أوْلى مِن جَلْبِ النَّفْعِ.
الثّانِي: أنَّ النِّكاحَ يَتَضَمَّنُ العَدْلَ والعَدْلُ أفْضَلُ مِنَ العِبادَةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَعَدْلُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» “
الثّالِثُ: النِّكاحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» “ وقالَ في الصَّلاةِ وإنَّها خَيْرُ مَوْضُوعٍ: ”«فَمَن شاءَ فَلْيَسْتَكْثِرْ ومَن شاءَ فَلْيَسْتَقْلِلْ» “ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ أفْضَلَ.
المسألة السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] وإنْ كانَتْ تَتَناوَلُ جَمِيعَ الأيامى بِحَسَبِ الظّاهِرِ
صفحة ١٨٦
لَكِنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ فِيها مِن شُرُوطٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها في قَوْلِهِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنكُمْ﴾ فَقَدْ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ هُمُ الأحْرارُ لِيَنْفَصِلَ الحُرُّ مِنَ العَبْدِ، وقالَ بَعْضُهم بَلِ المُرادُ بِذَلِكَ مَن يَكُونُ تَحْتَ وِلايَةِ المَأْمُورِ مِنَ الوَلَدِ أوِ القَرِيبِ، ومِنهم مَن قالَ الإضافَةُ تُفِيدُ الحُرِّيَّةَ والإسْلامَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ظاهِرٌ أنَّهُ أيْضًا أمْرٌ لِلسّادَةِ بِتَزْوِيجِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ إذا كانُوا صالِحِينَ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هَذا الأمْرِ وبَيْنَ الأمْرِ بِتَزْوِيجِ الأيامى في بابِ الوُجُوبِ، لَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ إباحَةٌ أوْ تَرْغِيبٌ، فَأمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا فَلا، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ تَزْوِيجِ الأيامى بِأنَّ في تَزْوِيجِ العَبْدِ التِزامَ مُؤْنَةٍ وتَعْطِيلَ خِدْمَةٍ، وذَلِكَ لَيْسَ بِواجِبٍ عَلى السَّيِّدِ وفي تَزْوِيجِ الأمَةِ اسْتِفادَةُ مَهْرٍ وسُقُوطُ نَفَقَةٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ عَلى المَوْلى.
المسألة الثّانِيَةُ: إنَّما خَصَّ الصّالِحِينَ بِالذِّكْرِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: لِيُحَصِّنَ دِينَهم ويَحْفَظَ عَلَيْهِمْ صَلاحَهُمُ.
الثّانِي: لِأنَّ الصّالِحِينَ مِنَ الأرِقّاءِ هُمُ الَّذِينَ مَوالِيهِمْ يُشْفِقُونَ عَلَيْهِمْ [ و] يُنْزِلُونَهم مَنزِلَةَ الأوْلادِ في المَوَدَّةِ، فَكانُوا مَظَنَّةً لِلتَّوْصِيَةِ بِشَأْنِهِمْ والِاهْتِمامِ بِهِمْ وتَقَبُّلِ الوَصِيَّةِ فِيهِمْ، وأمّا المُفْسِدُونَ مِنهم فَحالُهم عِنْدَ مَوالِيهِمْ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ الصَّلاحَ لِأمْرِ النِّكاحِ حَتّى يَقُومَ العَبْدُ بِما يَلْزَمُ لَها، وتَقُومُ الأمَةُ بِما يَلْزَمُ لِلزَّوْجِ.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ الصَّلاحَ في نَفْسِ النِّكاحِ بِأنْ لا تَكُونَ صَغِيرَةً فَلا تَحْتاجُ إلى النِّكاحِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَتَزَوَّجُ بِنَفْسِهِ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّى المَوْلى تَزْوِيجَهُ، لَكِنْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ إذا أمَرَهُ بِأنْ يَتَزَوَّجَ جازَ أنْ يَتَوَلّى تَزْوِيجَ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ تَوَلِّيهِ بِإذْنِهِ بِمَنزِلَةِ أنْ يَتَوَلّى ذَلِكَ نَفْسُ السَّيِّدِ، فَأمّا الإماءُ فَلا شُبْهَةَ في أنَّ المَوْلى يَتَوَلّى تَزْوِيجَهُنَّ خُصُوصًا عَلى قَوْلِ مَن لا يُجَوِّزُ النِّكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: الأصَحُّ أنَّ هَذا لَيْسَ وعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإغْناءِ مَن يَتَزَوَّجُ. بَلِ المَعْنى لا تَنْظُرُوا إلى فَقْرِ مَن يَخْطُبُ إلَيْكم أوْ فَقَرِ مَن تُرِيدُونَ تَزْوِيجَها فَفي فَضْلِ اللَّهِ ما يُغْنِيهِمْ، والمالُ غادٍ ورائِحٌ، ولَيْسَ في الفَقْرِ ما يَمْنَعُ مِنَ الرَّغْبَةِ في النِّكاحِ، فَهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ ولَيْسَ فِيهِ أنَّ الكَلامَ قُصِدَ بِهِ وعْدُ الغِنى حَتّى لا يَجُوزَ أنْ يَقَعَ فِيهِ خُلْفٌ، ورُوِيَ عَنْ قُدَماءِ الصَّحابَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم رَأوْا ذَلِكَ وعْدًا، عَنْ أبِي بَكْرٍ قالَ: أطِيعُوا اللَّهَ فِيما أمَرَكم بِهِ مِنَ النِّكاحِ يُنْجِزْ لَكم ما وعَدَكم مِنَ الغِنى، وعَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ مِثْلُهُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: التَمِسُوا الرِّزْقَ بِالنِّكاحِ، وشَكى رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الحاجَةَ فَقالَ: ”«عَلَيْكَ بِالباءَةِ» “ وقالَ طَلْحَةُ بْنُ مُطَرِّفٍ: تَزَوَّجُوا فَإنَّهُ أوْسَعُ لَكم في رِزْقِكم وأوْسَعُ لَكم في أخْلاقِكم ويَزِيدُ في مُرُوءَتِكم، فَإنْ قِيلَ: فَنَحْنُ نَرى مَن كانَ غَنِيًّا فَيَتَزَوَّجُ فَيَصِيرُ فَقِيرًا ؟ قُلْنا الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا الوَعْدَ مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى المُقَيَّدِ.
وثانِيها: أنَّ اللَّفْظَ وإنْ كانَ عامًّا إلّا أنَّهُ يَكُونُ خاصًّا في بَعْضِ المَذْكُورِينَ دُونَ البَعْضِ وهو في
صفحة ١٨٧
الأيامى الأحْرارِ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ فَيَسْتَغْنُونَ بِما يَمْلِكُونَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ الغِنى بِالعَفافِ فَيَكُونُ المَعْنى وُقُوعَ الغِنى بِمِلْكِ البُضْعِ والِاسْتِغْناءَ بِهِ عَنِ الوُقُوعِ في الزِّنا.
المسألة الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ والأمَةَ يُمَلَّكانِ، لِأنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى كُلِّ مَن تَقَدَّمَ فَتَقْتَضِي الآيَةُ بَيانَ أنَّ العَبْدَ قَدْ يَكُونُ فَقِيرًا وقَدْ يَكُونُ غَنِيًّا، فَإنْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى المِلْكِ ثَبَتَ أنَّهُما يُمَلَّكانِ، ولَكِنِ المُفَسِّرُونَ تَأوَّلُوهُ عَلى الأحْرارِ خاصَّةً. فَكَأنَّهم قالُوا هو راجِعٌ إلى الأيامى، أمّا إذا فَسَّرْنا الغِنى بِالعَفافِ فالِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى ذَلِكَ ساقِطٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ في الإفْضالِ لا يَنْتَهِي إلى حَدٍّ تَنْقَطِعُ قُدْرَتُهُ عَلى الإفْضالِ دُونَهُ، لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى المَقْدُوراتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، وهو مَعَ ذَلِكَ عَلِيمٌ بِمَقادِيرِ ما يُصْلِحُهم مِنَ الإفْضالِ والرِّزْقِ.
النور 24:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ تَزْوِيجَ الحَرائِرِ والإماءِ، ذَكَرَ حالَ مَن يَعْجَزُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ﴾ أيْ ولْيَجْتَهِدْ في العِفَّةِ، كَأنَّ المُسْتَعْفِفَ طالِبٌ مِن نَفْسِهِ العَفافَ وحامِلُها عَلَيْهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ فالمَعْنى لا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، يُقالُ لا يَجِدُ المَرْءُ الشَّيْءَ إذا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ والمُرادُ بِهِ بِالإجْماعِ مَن لَمْ يَتَمَكَّنْ، ويُقالُ في أحَدِنا هو غَيْرُ واجِدٍ لِلْماءِ وإنْ كانَ مَوْجُودًا، إذا لَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يَشْتَرِيَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنِّكاحِ ما يُنْكَحُ بِهِ مِنَ المالِ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ مَن لا يَتَمَكَّنُ مِن ذَلِكَ فَلْيَطْلُبِ التَّعَفُّفَ، ولْيَنْتَظِرْ أنْ يُغْنِيَهُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، ثُمَّ يَصِلْ إلى بُغْيَتِهِ مِنَ النِّكاحِ، فَإنْ قِيلَ أفَلَيَسَ مِلْكُ اليَمِينِ يَقُومُ مَقامَ نَفْسِ النِّكاحِ ؟ قُلْنا لَكِنَّ مَن لَمْ يَجِدِ المَهْرَ والنَّفَقَةَ، فَبِأنْ لا يَجِدَ ثَمَنَ الجارِيَةِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
الحُكْمُ التّاسِعُ: في الكِتابَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَ السَّيِّدَ عَلى تَزْوِيجِ الصّالِحِينَ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ مَعَ الرِّقِّ، رَغَّبَهم في أنْ يُكاتِبُوهم إذا طَلَبُوا ذَلِكَ، لِيَصِيرُوا أحْرارًا فَيَتَصَرَّفُوا في أنْفُسِهِمْ كالأحْرارِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ
صفحة ١٨٨
فَكاتِبُوهم، كَقَوْلِكَ زَيْدًا فاضْرِبْهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ.
المسألة الثّانِيَةُ: الكِتابُ والكِتابَةُ كالعِتابِ والعِتابَةِ، وفي اشْتِقاقِ لَفْظِ الكِتابَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِنَ الكَتْبِ وهو الضَّمُّ والجَمْعُ ومِنهُ الكَتِيبَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَضُمُّ النُّجُومَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَضُمُّ مالَهُ إلى مالِهِ.
وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَأْخُوذًا مِنَ الكِتابِ ومَعْناهُ كَتَبْتُ لَكَ عَلى نَفْسِي أنْ تَعْتِقَ مِنِّي إذا وفَّيْتَ بِالمالِ، وكَتَبْتُ لِي عَلى نَفْسِكَ أنْ تَفِيَ لِي بِذَلِكَ، أوْ كَتَبْتُ لِي كِتابًا عَلَيْكَ بِالوَفاءِ بِالمالِ وكَتَبْتُ عَلى العِتْقِ، وهَذا ما ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ.
وثالِثُها: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ التَّأْجِيلِ بِالمالِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ عَلى مالٍ هو في يَدِ العَبْدِ حِينَ يُكاتَبُ، لِأنَّ ذَلِكَ مالٌ لِسَيِّدِهِ اكْتَسَبَهُ في حالِ ما كانَتْ يَدُ السَّيِّدِ غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ عَنْ كَسْبِهِ، فَلا يَجُوزُ لِهَذا المَعْنى أنْ يَقَعَ هَذا العَقْدُ حالًا ولَكِنَّهُ يَقَعُ مُؤَجَّلًا لِيَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِاكْتِسابِ وغَيْرِهِ حِينَ ما انْقَبَضَتْ يَدُ السَّيِّدِ عَنْهُ، ثُمَّ مِن آدابِ الشَّرِيعَةِ أنْ يُكْتَبَ عَلى مَن عَلَيْهِ المالُ المُؤَجَّلُ كِتابٌ، فَسُمِّيَ لِهَذا المَعْنى هَذا العَقْدُ كِتابًا لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأجَلِ، قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] .
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: الكِتابَةُ أنْ يَقُولَ لِمَمْلُوكِهِ كاتَبْتُكَ عَلى كَذا ويُسَمِّي مالًا مَعْلُومًا يُؤَدِّيهِ في نَجْمَيْنِ أوْ أكْثَرَ، ويُبَيِّنُ عَدَدَ النُّجُومِ وما يُؤَدِّي في كُلِّ نَجْمٍ، ويَقُولُ إذا أدَّيْتَ ذَلِكَ المالَ فَأنْتَ حُرٌّ، أوْ نَوى ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ويَقُولُ العَبْدُ قَبِلْتُ، وفي هَذا الضَّبْطِ أبْحاثٌ.
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ لَمْ يَقُلْ بِلِسانِهِ أوْ لَمْ يَنْوِ بِقَلْبِهِ إذا أدَّيْتَ ذَلِكَ المالَ فَأنْتَ حُرٌّ لَمْ يُعْتَقْ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ لا حِلاجَةَ إلى ذَلِكَ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ خالٍ عَنْ هَذا الشَّرْطِ فَوَجَبَ أنْ تَصِحَّ الكِتابَةُ بِدُونِ هَذا الشَّرْطِ، وإذا صَحَّتِ الكِتابَةُ وجَبَ أنْ يُعْتَقَ بِالأداءِ لِلْإجْماعِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ الكِتابَةَ لَيْسَتْ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ مَحْضَةٍ، لِأنَّ ما في يَدِ العَبْدِ فَهو مِلْكُ السَّيِّدِ والإنْسانُ لا يُمْكِنُهُ بَيْعُ مِلْكِهِ بِمِلْكِهِ، بَلْ قَوْلُهُ كاتَبْتُكَ كِتابَةً في العِتْقِ فَلا بُدَّ مِن لَفْظِ العِتْقِ أوْ نِيَّتِهِ.
البَحْثُ الثّانِي: لا تَجُوزُ الكِتابَةُ الحالَّةُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وتَجُوزُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ العَبْدَ لا يُتَصَوَّرُ لَهُ مِلْكٌ يُؤَدِّيهِ في الحالِ، وإذا عُقِدَ حالًّا تَوَجَّهَتِ المُطالَبَةُ عَلَيْهِ في الحالِ، فَإذا عَجَزَ عَنِ الأداءِ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ العَقْدِ، كَما لَوْ أسْلَمَ في شَيْءٍ لا يُوجَدُ عِنْدَ المَحَلِّ لا يَصِحُّ بِخِلافٍ ما لَوْ أسْلَمَ إلى مُعْسِرٍ فَإنَّهُ يَجُوزُ، لِأنَّهُ حِينَ العَقْدِ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ لَهُ مِلْكٌ في الباطِنِ، فالعَجْزُ لا يَتَحَقَّقُ عَنْ أدائِهِ، وجْهُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الكِتابَةَ الحالَّةَ والمُؤَجَّلَةَ، وأيْضًا لَمّا كانَ مالُ الكِتابَةِ بَدَلًا عَنِ الرَّقَبَةِ كانَ بِمَنزِلَةِ أثْمانِ السِّلَعِ المَبِيعَةِ فَيَجُوزُ عاجِلًا وآجِلًا
وأيْضًا أجْمَعُوا عَلى جَوازِ العِتْقِ مُعَلَّقًا عَلى مالٍ حالٍّ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الكِتابَةُ مِثْلَهُ، لِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ العِتْقِ في الحالَيْنِ إلّا أنَّ في أحَدِهِما العِتْقَ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطِ الأداءِ وفي الآخَرِ مُعَجَّلٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُما.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا تَجُوزُ الكِتابَةُ عَلى أقَلَّ مِن نَجْمَيْنِ، يُرْوى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وعُثْمانَ وابْنِ عُمَرَ، رُوِيَ أنَّ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غَضِبَ عَلى عَبْدِهِ، فَقالَ: لَأُضَيِّقَنَّ الأمْرَ عَلَيْكَ، ولَأُكاتِبَنَّكَ عَلى نَجْمَيْنِ، ولَوْ جازَ عَلى أقَلَّ مِن ذَلِكَ لَكاتَبَهُ عَلى الأقَلِّ، لِأنَّ التَّضْيِيقَ فِيهِ أشَدُّ، وإنَّما شَرَطْنا التَّنْجِيمَ لِأنَّهُ عَقْدُ
صفحة ١٨٩
إرْفاقٍ، ومِن شَرْطِ الإرْفاقِ التَّنْجِيمُ لِيَتَيَسَّرَ عَلَيْهِمُ الأداءُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَجُوزُ الكِتابَةُ عَلى نَجْمٍ واحِدٍ، لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدٌ.
المسألة الرّابِعَةُ: تَجُوزُ كِتابَةُ المَمْلُوكِ عَبْدًا كانَ أوْ أمَةً، ويُشْتَرَطُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنْ يَكُونَ عاقِلًا بالِغًا، فَإذا كانَ صَبِيًّا أوْ مَجْنُونًا لا تَصِحُّ كِتابَتُهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ ولا يُتَصَوَّرُ الِابْتِغاءُ مِنَ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَجُوزُ كِتابَةُ الصَّبِيِّ ويَقْبَلُ عَنْهُ المَوْلى.
المسألة الخامِسَةُ: يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ المَوْلى مُكَلَّفًا مُطْلَقًا، فَإنْ كانَ صَبِيًّا أوْ مَجْنُونًا أوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ لا تَصِحُّ كِتابَتُهُ كَما لا يَصِحُّ بَيْعُهُ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ خِطابٌ فَلا يَتَناوَلُ غَيْرَ العاقِلِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَصِحُّ كِتابَةُ الصَّبِيِّ بِإذْنِ الوَلِيِّ.
* * *
المسألة السّادِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ أمْرُ إيجابٍ أوْ أمْرُ اسْتِحْبابٍ ؟ فَقالَ قائِلُونَ هو أمْرُ إيجابٍ، فَيَجِبُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يُكاتِبَ مَمْلُوكَهُ إذا سَألَهُ ذَلِكَ بِقِيمَتِهِ أوْ أكْثَرَ إذا عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا، ولَوْ كانَ بِدُونِ قِيمَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وهَذا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ وعَطاءٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ومُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالآيَةِ والأثَرِ. أمّا الآيَةُ فَظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ لِأنَّهُ أمْرٌ وهو لِلْإيجابِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ، فَإنَّها نَزَلَتْ في غُلامٍ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى يُقالُ لَهُ صُبَيْحٌ، سَألَ مَوْلاهُ أنْ يُكاتِبَهُ فَأبى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَكاتَبَهُ عَلى مِائَةِ دِينارٍ، ووَهَبَ لَهُ مِنها عِشْرِينَ دِينارًا.
وأمّا الأثَرُ فَما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ أمَرَ أنَسًا أنْ يُكاتِبَ سِيرِينَ أبا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَأبى، فَرَفَعَ عَلَيْهِ الدُّرَّةَ وضَرَبَهُ وقالَ: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ وحَلَفَ عَلَيْهِ لَيُكاتِبَنَّهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ واجِبًا لَكانَ ضَرْبُهُ بِالدُّرَّةِ ظُلْمًا، وما أنْكَرَ عَلى عُمَرَ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ فَجَرى ذَلِكَ مَجْرى الإجْماعِ، وقالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ إنَّهُ أمْرُ اسْتِحْبابٍ وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وإلَيْهِ ذَهَبَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ والثَّوْرِيُّ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”«لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبٍ مِن نَفْسِهِ» “ وأنَّهُ لا فَرْقَ أنْ يَطْلُبَ الكِتابَةَ أوْ يَطْلُبَ بَيْعَهُ مِمَّنْ يُعْتِقُهُ في الكَفّارَةِ، فَكَما لا يَجِبُ ذَلِكَ فَكَذا الكِتابَةُ وهَذِهِ طَرِيقَةُ المُعاوَضاتِ أجْمَعَ وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَبِيعَ مالَهُ بِمالِهِ ؟ قُلْنا إذا ورَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَيَجِبُ أنْ يَجُوزَ كَما إذا عَتَقَهُ عَلى مالٍ يَكْتَسِبُهُ فَيُؤَدِّيهِ أوْ يُؤَدِّي عَنْهُ صارَ سَبَبًا لِعِتْقِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَسْتَفِيدُ العَبْدُ بِعَقْدِ الكِتابَةِ ما لا يَمْلِكُهُ لَوْلا الكِتابَةُ ؟ قُلْنا نَعَمْ لِأنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الزَّكاةَ، ولَمْ يُكاتِبْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَأْخُذَها، وإذا صارَ مُكاتَبًا حَلَّ لَهُ، وإذا دَفَعَ إلى مَوْلاهُ حَلَّ لَهُ، سَواءٌ أدّى فَعَتَقَ أوْ عَجَزَ فَعادَ إلى الرِّقِّ، ويَسْتَفِيدُ أيْضًا أنَّ الكِتابَةَ تَبْعَثُهُ عَلى الجِدِّ والِاجْتِهادِ في الكَسْبِ، فَلَوْلاها لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ، ويَسْتَفِيدُ المَوْلى الثَّوابَ لِأنَّهُ إذا باعَهُ فَلا ثَوابَ، وإذا كاتَبَهُ فَفِيهِ ثَوابٌ، ويَسْتَفِيدُ أيْضًا الوَلاءُ لِأنَّهُ لَوْ عُتِقَ مِن قِبَلِ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولاءٌ وإذا عُتِقَ بِالكِتابَةِ فالوَلاءُ لَهُ، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِجَوازِ الكِتابَةِ لِما ذَكَرْناهُ مِنَ الفَوائِدِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَذَكَرُوا في الخَيْرِ وُجُوهًا:
أحَدُها: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”«إنْ عَلِمْتُمْ لَهم حِرْفَةً، فَلا تَدَعُوهم كَلًّا عَلى النّاسِ» “ .
وثانِيها: قالَ عَطاءٌ الخَيْرُ المالُ وتَلا ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] أيْ تَرَكَ مالًا، قالَ وبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ
صفحة ١٩٠
قالَ إذا صَلّى، وقالَ النَّخَعِيُّ وفاءً وصِدْقًا، وقالَ الحَسَنُ صَلاحًا في الدِّينِ.
ورابِعُها: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُرادُ بِالخَيْرِ الأمانَةُ والقُوَّةُ عَلى الكَسْبِ، لِأنَّ مَقْصُودَ الكِتابَةِ قَلَّما يَحْصُلُ إلّا بِهِما فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَسُوبًا يُحَصِّلُ المالَ ويَكُونُ أمِينًا يَصْرِفُهُ في نُجُومِهِ ولا يُضَيِّعُهُ، فَإذا فُقِدَ الشَّرْطانِ أوْ أحَدُهُما لا يُسْتَحَبُّ أنْ يُكاتِبَهُ، والأقْرَبُ أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى المالِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَفْهُومَ مِن كَلامِ النّاسِ إذا قالُوا فُلانٌ فِيهِ خَيْرٌ إنَّما يُرِيدُونَ بِهِ الصَّلاحَ في الدِّينِ ولَوْ أرادَ المالَ لَقالَ: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم خَيْرًا، لِأنَّهُ إنَّما يُقالُ: لِفُلانٍ مالٌ ولا يُقالُ فِيهِ مالٌ.
الثّانِي: أنَّ العَبْدَ لا مالَ لَهُ بَلِ المالُ لِسَيِّدِهِ، فالأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى ما يَعُودُ عَلى كِتابَتِهِ بِالتَّمامِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وهو أنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الكَسْبِ ويُوثَقَ بِهِ بِحِفْظِ ذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يَعُودُ عَلى كِتابَتِهِ بِالتَّمامِ، ودَخَلَ فِيهِ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ الخَيْرَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَسَّرَهُ بِالكَسْبِ وهو داخِلٌ في تَفْسِيرِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوهُمْ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ هو المَوْلى يَحُطُّ عَنْهُ جُزْءًا مِن مالِ الكِتابَةِ أوْ يَدْفَعُ إلَيْهِ جُزْءًا مِمّا أُخِذَ مِنهُ، وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا في قَدْرِهِ، فَمِنهم مَن جَعَلَ الخِيارَ لَهُ وقالَ: يَجِبُ أنْ يَحُطَّ قَدْرًا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِغْناءُ، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ المالِ وقِلَّتِهِ ومِنهم مَن قالَ يَحُطُّ رُبْعَ المالِ، رَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ كاتَبَ غُلامًا لَهُ فَتَرَكَ لَهُ رُبْعَ مُكاتَبَتِهِ، وقالَ إنَّ عَلِيًّا كانَ يَأْمُرُنا بِذَلِكَ ويَقُولُ وهو قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فالسُّبُعُ، لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كاتَبَ عَبْدًا لَهُ بِخَمْسٍ وثَلاثِينَ ألْفًا ووَضَعَ عَنْهُ خَمْسَةَ آلافٍ.
ويُرْوى أنَّ عُمَرَ كاتَبَ عَبْدًا لَهُ فَجاءَ بِنَجْمِهِ فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ فاسْتَعِنْ بِهِ عَلى أداءِ مالِ الكِتابَةِ، فَقالَ المُكاتَبُ لَوْ تَرَكْتُهُ إلى آخِرِ نَجْمٍ ؟ فَقالَ إنِّي أخافُ أنْ لا أُدْرِكَ ذَلِكَ ثُمَّ سَهْمَهُمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الصَّدَقاتِ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وعَلى هَذا فالخِطابُ لِغَيْرِ السّادَةِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ والنَّخَعِيِّ، ورِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أنْ يَدْفَعَ صَدَقَتَهُ المَفْرُوضَةَ إلى مُكاتَبِ نَفْسِهِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلسّادَةِ والنّاسِ أنْ يُعِينُوا المُكاتَبَ عَلى كِتابَتِهِ بِما يُمْكِنُهم، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ وعِكْرِمَةَ والمُقاتِلِينَ والنَّخَعِيُّ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أعانَ مُكاتَبًا عَلى فَكِّ رَقَبَتِهِ أظَلَّهُ اللَّهُ تَعالى في ظِلِّ عَرْشِهِ» “، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ قالَ: ”لَئِنْ كُنْتَ أقْصَرْتَ الخُطْبَةَ لَقَدْ أعْظَمْتَ المسألة، أعْتَقِ النَّسَمَةَ وفُكَّ الرَّقَبَةَ، فَقالَ ألَيْسا واحِدًا ؟ فَقالَ لا، عِتْقُ النَّسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكُّ الرَّقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها“» .
قالُوا ويُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ أمْرٌ بِإعْطائِهِ مِن مالِ اللَّهِ تَعالى، وما أُطْلِقَ عَلَيْهِ هَذِهِ الإضافَةُ فَهو ما كانَ سَبِيلُهُ الصَّدَقَةَ وصَرْفُهُ في وُجُوهِ القُرْبِ.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ هو الَّذِي قَدْ صَحَّ مِلْكُهُ لِلْمالِكِ وأُمِرَ بِإخْراجِ بَعْضِهِ، ومالُ الكِتابَةِ لَيْسَ بِدَيْنٍ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ عَلى عَبْدِهِ والمَوْلى لا يَثْبُتُ لَهُ عَلى عَبْدِهِ دَيْنٌ صَحِيحٌ.
وثالِثُها: أنَّ ما آتاهُ اللَّهُ فَهو الَّذِي يَحْصُلُ في يَدِهِ ويُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وما سَقَطَ عَقِيبَ العَقْدِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عَلَيْهِ يَدُ مِلْكٍ، فَلا يَسْتَحِقُّ الصِّفَةَ بِأنَّهُ مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاهُ، فَإنْ قِيلَ هاهُنا وجْهانِ يَقْدَحانِ في صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كَيْفَ يَحِلُّ لِمَوْلاهُ إذا كانَ غَنِيًّا أنْ يَأْخُذَ مِن مالِ الصَّدَقَةِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وآتُوهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ في المَوْضِعَيْنِ واحِدًا، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ المُخاطَبُ
صفحة ١٩١
فِي الآيَةِ الأُولى السّاداتِ، وفي الثّانِي سائِرَ المُسْلِمِينَ. قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَجَوابُهُ أنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِمَوْلاهُ، وكَذَلِكَ إذا لَمْ تَقِفِ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِ النُّجُومِ وعَجَزَ عَنْ أداءِ الباقِي، كانَ لِلْمَوْلى ما أخَذَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ بِسَبَبِ الصَّدَقَةِ، ولَكِنْ بِسَبَبِ عَقْدِ الكِتابَةِ كَمَنِ اشْتَرى الصَّدَقَةَ مِنَ الفَقِيرِ أوْ ورِثَها مِنهُ.
يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَدِيثِ بَرِيرَةَ ”«هُوَ لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ» “ . والجَوابُ: عَنِ الثّانِي أنَّهُ قَدْ يَصِحُّ الخِطابُ لِقَوْمٍ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ لَفْظِهِ خِطابًا لِغَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] فالخِطابُ لِلْأزْواجِ ثُمَّ خاطَبَ الأوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وقَوْلِهِ: ﴿مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] والقائِلُونَ غَيْرُ المُبَرَّئِينَ فَكَذا هاهُنا قالَ لِلسّادَةِ ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ وقالَ لِغَيْرِهِمْ ﴿وآتُوهُمْ﴾ أوْ قالَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- يَجِبُ عَلى المَوْلى إيتاءُ المُكاتَبِ وهو أنْ يَحُطَّ عَنْهُ جُزْءًا مِن مالِ الكِتابَةِ، أوْ يَدْفَعَ إلَيْهِ جُزْءًا مِمّا أُخِذَ مِنهُ، وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: إنَّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ لَكِنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ والأمْرُ لِلْوُجُوبِ فَقِيلَ عَلَيْهِ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿وآتُوهُمْ﴾ أمْرانِ ورَدا في صُورَةٍ واحِدَةٍ، فَلِمَ جُعِلَتِ الأُولى نَدْبًا والثّانِيَ إيجابًا ؟ .
وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وآتُوهُمْ﴾ لَيْسَ خِطابًا مَعَ المَوالِي بَلْ مَعَ عامَّةِ المُسْلِمِينَ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مِن حَيْثُ السُّنَّةِ والقِياسِ، أمّا السُّنَّةُ فَما رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«أيُّما عَبْدٍ كاتَبَ عَلى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَأدّاها إلّا عَشْرَ أواقٍ فَهو عَبْدٌ» “ فَلَوْ كانَ الحَطُّ واجِبًا لَسَقَطَ عَنْهُ بِقَدْرِهِ، وعَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: ”جاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقالَتْ: يا عائِشَةُ إنِّي قَدْ كاتَبْتُ أهْلِي عَلى تِسْعِ أواقٍ في كُلِّ عامٍ أُوقِيَّةٌ فَأعْيَتْنِي، ولَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِن كِتابَتِها شَيْئًا، فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ارْجِعِي إلى أهْلِكِ فَإنْ أحَبُّوا أنْ أُعْطِيَهم ذَلِكَ جَمِيعًا ويَكُونُ ولاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَأبَوْا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: لا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ مِنها، ابْتاعِي وأعْتِقِي، فَإنَّما الوَلاءُ لِمَن أعْتَقَ“» .
وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّها ما قَضَتْ مِن كِتابَتِها شَيْئًا وأرادَتْ عائِشَةُ أنْ تُؤَدِّيَ عَنْها كِتابَتَها بِالكُلِّيَّةِ وذَكَرَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ النُّكْرَ عَلَيْها، ولَمْ يَقُلْ إنَّها تَسْتَحِقُّ أنْ يُحَطَّ عَنْها بَعْضُ كِتابَتِها فَثَبَتَ قَوْلُنا. وأمّا القِياسُ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لَوْ كانَ الإيتاءُ واجِبًا لَكانَ وُجُوبُهُ مُتَعَلِّقًا بِالعَقْدِ فَيَكُونُ العَقْدُ مُوجِبًا لَهُ ومُسْقِطًا لَهُ، وذَلِكَ مُحالٌ لِتَنافِي الإسْقاطِ والإيجابِ.
الثّانِي: لَوْ كانَ الحَطُّ واجِبًا لَما احْتاجَ إلى أنْ يُضَعَ عَنْهُ بَلْ كانَ يَسْقُطُ القَدْرُ المُسْتَحَقُّ كَمَن لَهُ عَلى إنْسانٍ دَيْنٌ ثُمَّ حَصَلَ لِذَلِكَ الآخَرِ عَلى الأوَّلِ مِثْلُهُ فَإنَّهُ يَصِيرُ قِصاصًا.
ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ قَدْرُ الإيتاءِ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا أوْ مَجْهُولًا، فَإنْ كانَ مَعْلُومًا وجَبَ أنْ تَكُونَ الكِتابَةُ بِألْفَيْنِ فَيُعْتَقُ إذا أدّى ثَلاثَةَ آلافٍ. والكِتابَةُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ أداءَ جَمِيعِها مَشْرُوطٌ، فَلا يُعْتَقُ بِأداءِ بَعْضِها، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» “ وإنْ كانَ مَجْهُولًا صارَتِ الكِتابَةُ مَجْهُولَةً لِأنَّ الباقِيَ بَعْدَ الحَطِّ مَجْهُولٌ فَيَصِيرُ بِمَنزِلَةِ مَن كاتَبَ عَبْدَهُ عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ إلّا شَيْئًا وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
الحُكْمُ العاشِرُ: الإكْراهُ عَلى الزِّنا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾
صفحة ١٩٢
﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما يَلْزَمُ مِن تَزْوِيجِ العَبِيدِ والإماءِ وكِتابَتِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِالمَنعِ مِن إكْراهِ الإماءِ عَلى الفُجُورِ، وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: كانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ سِتُّ جَوارٍ، مُعاذَةُ ومُسَيْكَةُ وأُمَيْمَةُ وعَمْرَةُ وأرْوى وقُتَيْلَةُ يُكْرِهُهُنَّ عَلى البِغاءِ، وضَرَبَ عَلَيْهِنَّ ضَرائِبَ فَشَكَتِ [ ا ] ثَنَتانِ مِنهُنَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وثانِيها: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أسَرَ رَجُلًا فَراوَدَ الأسِيرُ جارِيَةَ عَبْدِ اللَّهِ، وكانَتِ الجارِيَةُ مُسْلِمَةً فامْتَنَعَتِ الجارِيَةُ لِإسْلامِها وأكْرَهَها ابْنُ أُبَيٍّ عَلى ذَلِكَ رَجاءَ أنْ تَحْمِلَ مِنَ الأسِيرِ فَيَطْلُبَ فِداءَ ولَدِهِ فَنَزَلَتْ.
وثالِثُها: رَوى أبُو صالِحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: ”«جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ جارِيَةٌ مِن أجْمَلِ النِّساءِ تُسَمّى مُعاذَةُ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ لِأيْتامِ فُلانٍ، أفَلا نَأْمُرُها بِالزِّنا فَيُصِيبُونَ مِن مَنافِعِها ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا، فَأعادَ الكَلامَ“ فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ”جاءَتْ جارِيَةٌ لِبَعْضِ النّاسِ فَقالَتْ: إنَّ سَيِّدِي يُكْرِهُنِي عَلى البِغاءِ“ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: الإكْراهُ إنَّما يَحْصُلُ مَتى حَصَلَ التَّخْوِيفُ بِما يَقْتَضِي تَلَفَ النَّفْسِ، فَأمّا بِاليَسِيرِ مِنَ الخَوْفِ فَلا تَصِيرُ مُكْرَهَةً، فَحالُ الإكْراهِ عَلى الزِّنا كَحالِ الإكْراهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ والنَّصُّ وإنْ كانَ مُخْتَصًّا بِالإماءِ إلّا أنَّ حالَ الحَرائِرِ كَذَلِكَ.
المسألة الثّالِثَةُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْمَمْلُوكِ فَتًى ولِلْمَمْلُوكَةِ فَتاةٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ﴾ [الكهف: ٦٢] وقالَ: ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾ [يوسف: ٣٠] وقالَ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥] وفي الحَدِيثِ ”«لِيَقُلْ أحَدُكم فَتايَ وفَتاتِي ولا يَقُلْ عَبْدِي وأمَتِي» “ .
المسألة الرّابِعَةُ: البِغاءُ الزِّنا يُقالُ بَغَتْ تَبْغِي بِغاءً فَهي بَغِيٌّ.
المسألة الخامِسَةُ: الَّذِي نَقُولُ بِهِ أنَّ المُعَلَّقَ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَلى الشَّيْءِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ اتِّفاقُ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إنْ“ لِلشَّرْطِ، واتِّفاقُهم عَلى أنَّ الشَّرْطَ ما يَنْتَفِي الحُكْمُ عِنْدَ انْتِفائِهِ، ومَجْمُوعُ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ النَّقْلِيَّتَيْنِ، يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ المُعَلَّقَ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَلى الشَّيْءِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَلَّقَ المَنعَ مِنَ الإكْراهِ عَلى البِغاءِ عَلى إرادَةِ التَّحَصُّنِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمُوهُ لَزِمَ أنْ لا يَنْتَفِيَ المَنعُ مِنَ الإكْراهِ عَلى الزِّنا إذا لَمْ تُوجَدْ إرادَةُ التَّحَصُّنِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّهُ سَواءٌ وُجِدَتْ إرادَةُ التَّحَصُّنِ أوْ لَمْ تُوجَدْ فَإنَّ المَنعَ مِنَ الإكْراهِ عَلى الزِّنا حاصِلٌ.
والجَوابُ: لا نِزاعَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي جَوازَ الإكْراهِ عَلى الزِّنا عِنْدَ عَدَمِ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، ولَكِنَّهُ فَسَدَ ذَلِكَ لِامْتِناعِهِ في نَفْسِهِ، لِأنَّهُ مَتى لَمْ تُوجَدُ إرادَةُ التَّحَصُّنِ في حَقِّها لَمْ تَكُنْ كارِهَةً لِلزِّنا، وحالُ كَوْنِها غَيْرَ كارِهَةٍ لِلزِّنا يَمْتَنِعُ إكْراهُها عَلى الزِّنا، فامْتَنَعَ ذَلِكَ لِامْتِناعِهِ في نَفْسِهِ وذاتِهِ، ومِنَ النّاسِ مِن ذَكَرَ فِيهِ جَوابًا آخَرَ وهو أنَّ غالِبَ الحالِ أنَّ الإكْراهَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ.
والكَلامُ الوارِدُ عَلى سَبِيلِ الغالِبِ لا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومُ الخِطابِ، كَما أنَّ الخُلْعَ يَجُوزُ في غَيْرِ حالَةِ الشِّقاقِ ولَكِنْ لَمّا كانَ الغالِبُ وُقُوعَ الخُلْعِ في حالَةِ الشِّقاقِ لا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] مَفْهُومٌ ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ﴾
صفحة ١٩٣
﴿كَفَرُوا﴾ [النِّساءِ: ١٠١] والقَصْرُ لا يَخْتَصُّ بِحالِ الخَوْفِ ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أجْراهُ عَلى سَبِيلِ الغالِبِ، فَكَذا هَهُنا.
والجَوابُ الثّالِثُ: مَعْناهُ إذا أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِأنَّ القِصَّةَ الَّتِي ورَدَتِ الآيَةُ فِيها كانَتْ كَذَلِكَ عَلى ما رَوَيْنا أنَّ جارِيَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أسْلَمَتْ وامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ طَلَبًا لِلْعَفافِ، فَأكْرَهَها فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُوافِقَةً لِذَلِكَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣] أيْ وإذا كُنْتُمْ في رَيْبٍ.
المسألة السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ مِن إكْراهِهِنَّ عَلى الزِّنا فَفِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهم إكْراهَهُنَّ عَلى النِّكاحِ، فَلَيْسَ لَها أنْ تَمْتَنِعَ عَلى السَّيِّدِ إذا زَوَّجَها، بَلْ لَهُ أنْ يُكْرِهَها عَلى ذَلِكَ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ دَلالَةُ دَلِيلِ الخِطابِ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ أيْ تَعَفُّفًا ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي كَسْبَهُنَّ وأوْلادَهُنَّ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ [بَيانٌ] أنَّهُ تَعالى غَفُورٌ رَحِيمٌ لِلْمُكْرِهِ أوْ لِلْمُكْرَهَةِ لا جَرَمَ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بِهِنَّ، لِأنَّ الإكْراهَ أزالَ الإثْمَ والعُقُوبَةَ، لِأنَّ الإكْراهَ عُذْرٌ لِلْمُكْرَهَةِ، أمّا المُكْرِهُ فَلا عُذْرَ لَهُ فِيما فَعَلَ.
الثّانِي: المُرادُ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بِالمُكْرِهِ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لا حاجَةَ إلى هَذا الإضْمارِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي يُحْتاجُ إلَيْهِ.
النور 24:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ هَذِهِ الأحْكامَ وصَفَ القُرْآنَ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ مُفَصِّلاتٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”مُبَيِّناتٍ“ بِكَسْرِ الياءِ عَلى مَعْنى أنَّها تُبَيِّنُ لِلنّاسِ كَما قالَ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٥] أوْ تَكُونُ مِن بَيَّنَ بِمَعْنى تَبَيَّنَ، ومِنهُ المَثَلُ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ بِالمَثَلِ ما ذُكِرَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن إقامَةِ الحُدُودِ فَأنْزَلَ في القُرْآنِ مِثْلَهُ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ومَثَلًا﴾ أيْ شَبَهًا مِن حالِهِمْ بِحالِكم في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، يَعْنِي بَيَّنّا لَكم ما أحْلَلْنا بِهِمْ مِنَ العِقابِ لِتَمَرُّدِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَجَعَلْنا ذَلِكَ مَثَلًا لَكم لِتَعْلَمُوا أنَّكم إذا شارَكْتُمُوهم في المَعْصِيَةِ كُنْتُمْ مِثْلَهم في اسْتِحْقاقِ العِقابِ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ والمُرادُ بِهِ الوَعِيدُ والتَّحْذِيرُ مِن فِعْلِ المَعاصِي ولا شُبْهَةَ في أنَّهُ مَوْعِظَةٌ لِلْكُلِّ، لَكِنَّهُ تَعالى خَصَّ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في الأحْكامِ.
القَوْلُ في الإلَهِيّاتِ
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مَثَلَيْنِ:
أحَدُهُما: في بَيانِ أنَّ دَلائِلَ الإيمانِ في غايَةِ الظُّهُورِ.
الثّانِي: في بَيانِ أنَّ
صفحة ١٩٤
أدْيانَ الكَفَرَةِ في نِهايَةِ الظُّلْمَةِ والخَفاءِ.
النور 24:35
أمّا المَثَلُ الأوَّلُ فَهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ مُرَتَّبٌ عَلى فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ في إطْلاقِ اسْمِ النُّورِ عَلى اللَّهِ تَعالىاعْلَمْ أنَّ لَفْظَ النُّورِ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ الفائِضَةِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنّارِ عَلى الأرْضِ والجُدْرانِ وغَيْرِهِما، وهَذِهِ الكَيْفِيَّةُ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ إلَهًا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ إنْ كانَتْ عِبارَةً عَنِ الجِسْمِ كانَ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى حُدُوثِ الجِسْمِ دالًّا عَلى حُدُوثِها، وإنْ كانَتْ عَرَضًا فَمَتى ثَبَتَ [حُدُوثُهُ ثَبَتَ] حُدُوثُ جَمِيعِ الأعْراضِ القائِمَةِ بِهِ، ولَكِنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ إنَّما تَثْبُتُ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحُلُولَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
وثانِيها: أنّا سَواءٌ قُلْنا النُّورُ جِسْمٌ أوْ أمْرٌ حالٌّ في الجِسْمِ فَهو مُنْقَسِمٌ، لِأنَّهُ إنْ كانَ جِسْمًا فَلا شَكَّ في أنَّهُ مُنْقَسِمٌ، وإنْ كانَ حالًّا فِيهِ، فالحالُّ في المُنْقَسِمِ مُنْقَسِمٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالنُّورُ مُنْقَسِمٌ وكُلُّ مُنْقَسِمٍ فَإنَّهُ يَفْتَقِرُ في تَحَقُّقِهِ إلى تَحَقُّقِ أجْزائِهِ وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ غَيْرُهُ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ فَهو في تَحَقُّقِهِ مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، والمُفْتَقِرُ إلى الغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مُحْدَثٌ بِغَيْرِهِ، فالنُّورُ مُحْدَثٌ فَلا يَكُونُ إلَهًا.
وثالِثُها: أنَّ هَذا النُّورَ المَحْسُوسَ لَوْ كانَ هو اللَّهُ لَوَجَبَ أنْ لا يَزُولَ هَذا النُّورُ لِامْتِناعِ الزَّوالِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
ورابِعُها: أنَّ هَذا النُّورَ المَحْسُوسَ يَقَعُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ والكَواكِبِ. وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
وخامِسُها: أنَّ هَذِهِ الأنْوارَ لَوْ كانَتْ أزَلِيَّةً لَكانَتْ إمّا أنْ تَكُونَ مُتَحَرِّكَةً أوْ ساكِنَةً، لا جائِزَ أنْ تَكُونَ مُتَحَرِّكَةً لِأنَّ الحَرَكَةَ مَعْناها الِانْتِقالُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فالحَرَكَةُ مَسْبُوقَةٌ بِالحُصُولِ في المَكانِ الأوَّلِ. والأزَلِيُّ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالغَيْرِ، فالحَرَكَةُ الأزَلِيَّةُ مُحالٌ. ولا جائِزَ أنْ تَكُونَ ساكِنَةً لِأنَّ السُّكُونَ لَوْ كانَ أزَلِيًّا لَكانَ مُمْتَنِعَ الزَّوالِ، لَكِنَّ السُّكُونَ جائِزُ الزَّوالِ، لِأنّا نَرى الأنْوارَ تَنْتَقِلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى حُدُوثِ الأنْوارِ.
وسادِسُها: أنَّ النُّورَ إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا أوْ كَيْفِيَّةً قائِمَةً بِالجِسْمِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنّا قَدْ نَعْقِلُ الجِسْمَ جِسْمًا مَعَ الذُّهُولِ عَنْ كَوْنِهِ نَيِّرًا ولِأنَّ الجِسْمَ قَدْ يَسْتَنِيرُ بَعْدَ أنْ كانَ مُظْلِمًا فَثَبَتَ الثّانِي لَكِنَّ الكَيْفِيَّةَ القائِمَةَ بِالجِسْمِ مُحْتاجَةٌ إلى الجِسْمِ، والمُحْتاجُ إلى الغَيْرِ لا يَكُونُ إلَهًا، وبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الدَّلائِلِ يَبْطُلُ قَوْلُ المانَوِيَّةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ الإلَهَ سُبْحانَهُ هو النُّورُ الأعْظَمُ. وأمّا المُجَسِّمَةُ
صفحة ١٩٥
المُعْتَرِفُونَ بِصِحَّةِ القُرْآنِ فَيُحْتَجُّ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] ولَوْ كانَ نُورًا لَبَطَلَ ذَلِكَ لِأنَّ الأنْوارَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَيْسَ ذاتُهُ نَفْسَ النُّورِ بَلِ النُّورُ مُضافٌ إلَيْهِ. وكَذا قَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهُ في ذاتِهِ نُورٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو في ذاتِهِ نُورًا وبَيْنَهُما تَناقُضٌ، قُلْنا: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُكَ: زَيْدٌ كَرَمٌ وجُودٌ، ثُمَّ تَقُولُ يُنْعِشُ النّاسَ بِكَرَمِهِ وجُودِهِ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ لا تَناقُضَ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: ١] وذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ ماهِيَّةَ النُّورِ مَجْعُولَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ نُورًا، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، والعُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ النُّورَ سَبَبٌ لِلظُّهُورِ، والهِدايَةُ لَمّا شارَكَتِ النُّورَ في هَذا المَعْنى صَحَّ إطْلاقُ اسْمِ النُّورِ عَلى الهِدايَةِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧] .
وقَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢] وقالَ: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشُّورى: ٥٢] فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ ذُو نُورِ السَّماواتِ والأرْضِ، والنُّورُ هو الهِدايَةُ ولا تَحْصُلُ إلّا لِأهْلِ السَّماواتِ، والحاصِلُ أنَّ المُرادَ: اللَّهُ هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والأكْثَرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وثانِيها: المُرادُ أنَّهُ مُدَبِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وحُجَّةٍ نَيِّرَةٍ، فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ كَما يُوصَفُ الرَّئِيسُ العالِمُ بِأنَّهُ نُورُ البَلَدِ، فَإنَّهُ إذا كانَ مُدَبِّرَهم تَدْبِيرًا حَسَنًا فَهو لَهم كالنُّورِ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ إلى مَسالِكِ الطُّرُقِ، قالَ جَرِيرٌ:
وأنْتَ لَنا نُورٌ وغَيْثٌ وعِصْمَةٌ
وهَذا اخْتِيارُ الأصَمِّ والزَّجّاجِ.
وثالِثُها: المُرادُ ناظِمُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى التَّرْتِيبِ الأحْسَنِ، فَإنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِالنُّورِ عَلى النِّظامِ، يُقالُ ما أرى لِهَذا الأمْرِ نُورًا.
ورابِعُها: مَعْناهُ مُنَوِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في هَذا القَوْلِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ مُنَوِّرُ السَّماءِ بِالمَلائِكَةِ والأرْضِ بِالأنْبِياءِ.
والثّانِي: مُنَوِّرُها بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ زَيَّنَ السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وزَيَّنَ الأرْضَ بِالأنْبِياءِ والعُلَماءِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ والحَسَنِ وأبِي العالِيَةِ، والأقْرَبُ هو القَوْلُ الأوَّلُ لِأنَّ قَوْلَهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ الهِدايَةُ إلى العِلْمِ والعَمَلِ. واعْلَمْ أنَّ الشَّيْخَ الغَزالِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ صَنَّفَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكِتابَ المُسَمّى بِمِشْكاةِ الأنْوارِ، وزَعَمَ أنَّ اللَّهَ نُورٌ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَيْسَ النُّورُ إلّا هو، وأنا أنْقُلُ مُحَصِّلَ ما ذَكَرَهُ مَعَ زَوائِدَ كَثِيرَةٍ تُقَوِّي كَلامَهُ ثُمَّ نَنْظُرُ في صِحَّتِهِ وفَسادِهِ عَلى سَبِيلِ الإنْصافِ، فَقالَ: اسْمُ النُّورِ إنَّما وُضِعَ لِلْكَيْفِيَّةِ الفائِضَةِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنّارِ عَلى ظَواهِرِ هَذِهِ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ، فَيُقالُ اسْتَنارَتِ الأرْضُ ووَقَعَ نُورُ الشَّمْسِ عَلى الثَّوْبِ ونُورُ السِّراجِ عَلى الحائِطِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِالفَضِيلَةِ والشَّرَفِ؛ لِأنَّ المَرْئِيّاتِ تَصِيرُ بِسَبَبِها ظاهِرَةً مُنْجَلِيَةً، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ كَما يَتَوَقَّفُ إدْراكُ هَذِهِ المَرْئِيّاتِ عَلى كَوْنِها مُسْتَنِيرَةً فَكَذا يَتَوَقَّفُ عَلى وُجُودِ العَيْنِ الباصِرَةِ إذِ المَرْئِيّاتُ بَعْدَ اسْتِنارَتِها لا تَكُونُ ظاهِرَةً في حَقِّ العُمْيانِ فَقَدْ ساوى الرُّوحُ الباصِرَةُ النُّورَ الظّاهِرَةَ في كَوْنِهِ رُكْنًا لا بُدَّ مِنهُ لِلظُّهُورِ، ثُمَّ يُرَجَّحُ عَلَيْهِ في أنَّ الرُّوحَ الباصِرَةَ هي المُدْرِكَةُ وبِها الإدْراكُ، وأمّا النُّورُ الخارِجُ فَلَيْسَ بِمُدْرِكٍ ولا بِهِ الإدْراكُ بَلْ عِنْدَهُ الإدْراكُ،
صفحة ١٩٦
فَكانَ وصْفُ الإظْهارِ بِالنُّورِ الباصِرِ أحَقَّ مِنهُ بِالنُّورِ المُبْصَرِ فَلا جَرَمَ أطْلَقُوا اسْمَ النُّورِ عَلى نُورِ العَيْنِ المُبْصِرَةِ فَقالُوا في الخُفّاشِ إنَّ نُورَ عَيْنِهِ ضَعِيفٌ، وفي الأعْمَشِ إنَّهُ ضَعُفَ نُورُ بَصَرِهِ. وفي الأعْمى إنَّهُ فَقَدَ نُورَ البَصَرِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّ لِلْإنْسانِ بَصَرًا وبَصِيرَةً، فالبَصَرُ هو العَيْنُ الظّاهِرَةُ المُدْرِكَةُ لِلْأضْواءِ والألْوانِ، والبَصِيرَةُ هي القُوَّةُ العاقِلَةُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الإدْراكَيْنِ يَقْتَضِي ظُهُورَ المُدْرَكِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الإدْراكَيْنِ نُورٌ إلّا أنَّهم عَدَّدُوا لِنُورِ العَيْنِ عُيُوبًا لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنها في نُورِ العَقْلِ، والغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَكَرَ مِنها سَبْعَةً، ونَحْنُ جَعَلْناها عِشْرِينَ:
الأوَّلُ: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ لا تُدْرِكُ نَفْسَها ولا تُدْرِكُ إدْراكَها ولا تُدْرِكُ آلَتَها، أمّا أنَّها لا تُدْرِكُ نَفْسَها ولا تُدْرِكُ إدْراكَها فَلِأنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ وإدْراكَ القُوَّةِ الباصِرَةِ لَيْسا مِنَ الأُمُورِ المُبْصَرَةِ بِالعَيْنِ الباصِرَةِ، وأمّا آلَتُها فَهي العَيْنُ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ بِالعَيْنِ لا تُدْرِكُ العَيْنَ، وأمّا القُوَّةُ العاقِلَةُ فَإنَّها تُدْرِكُ نَفْسَها وتُدْرِكُ إدْراكَها وتُدْرِكُ آلَتَها في الإدْراكِ وهي القَلْبُ والدِّماغُ، فَثَبَتَ أنَّ نُورَ العَقْلِ أكْمَلُ مِن نُورِ البَصَرِ.
الثّانِي: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ لا تُدْرِكُ الكُلِّيّاتِ والقُوَّةَ العاقِلَةَ تُدْرِكُها، ومُدْرِكُ الكُلِّيّاتِ وهو القَلْبُ أشْرَفُ مِن مُدْرِكِ الجُزْئِيّاتِ، أمّا أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ لا تُدْرِكُ الكُلِّيّاتِ فَلِأنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ لَوْ أدْرَكَتْ كُلَّ ما في الوُجُودِ فَهي ما أدْرَكَتِ الكُلَّ لِأنَّ الكُلَّ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يُمْكِنُ دُخُولُهُ في الوُجُودِ في الماضِي والحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ، وأمّا أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ تُدْرِكُ الكُلِّيّاتِ فَلِأنّا نَعْرِفُ أنَّ الأشْخاصَ الإنْسانِيَّةَ مُشْتَرِكَةٌ في الإنْسانِيَّةِ ومُتَمايِزَةٌ بِخُصُوصِيّاتِها، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ، فالإنْسانِيَّةُ مِن حَيْثُ هي إنْسانِيَّةٌ أمْرٌ مُغايِرٌ لِهَذِهِ المُشَخَّصاتِ فَقَدْ عَقَلْنا الماهِيَّةَ الكُلِّيَّةَ، وأمّا أنَّ إدْراكَ الكُلِّيّاتِ أشْرَفُ فَلِأنَّ إدْراكَ الكُلِّيّاتِ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، وإدْراكُ الجُزْئِيّاتِ واجِبُ التَّغَيُّرِ، ولِأنَّ إدْراكَ الكُلِّيِّ يَتَضَمَّنُ إدْراكَ الجُزْئِيّاتِ الواقِعَةِ تَحْتَهُ، لِأنَّ ما ثَبَتَ لِلْماهِيَّةِ ثَبَتَ لِجَمِيعِ أفْرادِها ولا يَنْعَكِسُ، فَثَبَتَ أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أشْرَفُ.
الثّالِثُ: الإدْراكُ الحِسِّيُّ غَيْرُ مُنْتِجٍ والإدْراكُ العَقْلِيُّ مُنْتِجٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَقْلُ أشْرَفَ، أمّا كَوْنُ الإدْراكِ الحِسِّيِّ غَيْرَ مُنْتِجٍ فَلِأنَّ مَن أحَسَّ بِشَيْءٍ لا يَكُونُ ذَلِكَ الإحْساسُ سَبَبًا لِحُصُولِ إحْساسٍ آخَرَ لَهُ، بَلْ لَوِ اسْتَعْمَلَ لَهُ الحِسَّ مَرَّةً أُخْرى لَأحَسَّ بِهِ مَرَّةً أُخْرى ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إنْتاجَ الإحْساسِ لِإحْساسٍ آخَرَ، وأمّا أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ مُنْتِجٌ فَلِأنّا إذا عَقَلْنا أُمُورًا ثُمَّ رَكَّبْناها في عُقُولِنا تَوَسَّلْنا بِتَرْكِيبِها إلى اكْتِسابِ عُلُومٍ أُخْرى، وهَكَذا كُلُّ تَعَقُّلٍ حاصِلٍ فَإنَّهُ يُمْكِنُ التَّوَسُّلُ بِهِ إلى تَحْصِيلِ تَعَقُّلٍ آخَرَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أشْرَفُ.
الرّابِعُ: الإدْراكُ الحِسِّيُّ لا يَتَّسِعُ لِلْأُمُورِ الكَثِيرَةِ، والإدْراكُ العَقْلِيُّ يَتَّسِعُ لَها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإدْراكُ العَقْلِيُّ أشْرَفَ. أمّا أنَّ الإدْراكَ الحِسِّيَّ لا يَتَّسِعُ لَها فَلِأنَّ البَصَرَ إذا تَوالى عَلَيْهِ ألْوانٌ كَثِيرَةٌ عَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِها، فَأدْرَكَ لَوْنًا كَأنَّهُ حاصِلٌ مِنَ اخْتِلاطِ تِلْكَ الألْوانِ [و] السَّمْعُ إذا تَوالَتْ عَلَيْهِ كَلِماتٌ كَثِيرَةٌ التَبَسَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الكَلِماتُ ولَمْ يَحْصُلِ التَّمْيِيزُ، وأمّا أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ مُتَّسِعٌ لَها فَلِأنَّ كُلَّ مَن كانَ تَحْصِيلُهُ لِلْعُلُومِ أكْثَرَ كانَتْ قُدْرَتُهُ عَلى كَسْبِ الجَدِيدِ أسْهَلَ، وبِالعَكْسِ؛ وذَلِكَ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أشْرَفُ.
الخامِسُ: القُوَّةُ الحِسِّيَّةُ إذا أدْرَكَتِ المَحْسُوساتِ القَوِيَّةَ فَفي ذَلِكَ الوَقْتِ تَعْجِزُ عَنْ إدْراكِ الضَّعِيفَةِ، فَإنَّ مَن سَمِعَ الصَّوْتَ الشَّدِيدَ فَفي تِلْكَ الحالَةِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَسْمَعَ الصَّوْتَ الضَّعِيفَ، والقُوَّةُ العَقْلِيَّةُ لا يَشْغَلُها مَعْقُولٌ عَنْ مَعْقُولٍ.
صفحة ١٩٧
السّادِسُ: القُوى الحِسِّيَّةُ تَضْعُفُ بَعْدَ الأرْبَعِينَ، وتَضْعُفُ عِنْدَ كَثْرَةِ الأفْكارِ الَّتِي هي مُوجِبَةٌ لِاسْتِيلاءِ النَّفْسِ عَلى البَدَنِ الَّذِي هو مُوجِبٌ لِخَرابِ البَدَنِ، والقُوى العَقْلِيَّةُ تَقْوى بَعْدَ الأرْبَعِينَ وتَقْوى عِنْدَ كَثْرَةِ الأفْكارِ المُوجِبَةِ لِخَرابِ البَدَنِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِغْناءِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عَنْ هَذِهِ الآلاتِ واحْتِياجِ القُوى الحِسِّيَّةِ إلَيْها.
السّابِعُ: القُوَّةُ الباصِرَةُ لا تُدْرِكُ المَرْئِيَّ مَعَ القُرْبِ القَرِيبِ ولا مَعَ البُعْدِ البَعِيدِ، والقُوَّةُ العَقْلِيَّةُ لا يَخْتَلِفُ حالُها بِحَسَبِ القُرْبِ والبُعْدِ، فَإنَّها تَتَرَقّى إلى ما فَوْقَ العَرْشِ وتَنْزِلُ إلى ما تَحْتَ الثَّرى في أقَلِّ مِن لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ تُدْرِكُ ذاتَ اللَّهِ وصِفاتِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ القُرْبِ والبُعْدِ والجِهَةِ، فَكانَتِ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ أشْرَفَ.
الثّامِنُ: القُوَّةُ الحِسِّيَّةُ لا تُدْرِكُ مِنَ الأشْياءِ إلّا ظَواهِرِها فَإذا أدْرَكَتِ الإنْسانَ فَهي في الحَقِيقَةِ ما أدْرَكَتِ الإنْسانَ لِأنَّها ما أدْرَكَتْ إلّا السَّطْحَ الظّاهِرَ مِن جِسْمِهِ، وإلّا اللَّوْنَ القائِمَ بِذَلِكَ السَّطْحِ، وبِالِاتِّفاقِ فَلَيْسَ الإنْسانُ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ السَّطْحِ واللَّوْنِ، فالقُوَّةُ الباصِرَةُ عاجِزَةٌ عَنِ النُّفُوذِ في الباطِنِ، أمّا القُوَّةُ العاقِلَةُ فَإنَّ باطِنَ الأشْياءِ وظاهِرَها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها عَلى السَّواءِ فَإنَّها تُدْرِكُ البَواطِنَ والظَّواهِرَ وتَغُوصُ فِيها وفي أجْزائِها، فَكانَتِ القُوَّةُ العاقِلَةُ نُورًا بِالنِّسْبَةِ إلى الباطِنِ والظّاهِرِ، أمّا القُوَّةُ الباصِرَةُ فَهي بِالنِّسْبَةِ إلى الظّاهِرِ نُورٌ وبِالنِّسْبَةِ إلى الباطِنِ ظُلْمَةٌ، فَكانَتِ القُوَّةُ العاقِلَةُ أشْرَفَ مِنَ القُوَّةِ الباصِرَةِ.
التّاسِعُ: أنَّ مُدْرِكَ القُوَّةِ العاقِلَةِ هو اللَّهُ تَعالى وجَمِيعَ أفْعالِها، ومُدْرِكَ القُوَّةِ الباصِرَةِ هو الألْوانُ والأشْكالُ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نِسْبَةُ شَرَفِ القُوَّةِ العاقِلَةِ إلى شَرَفِ القُوَّةِ الباصِرَةِ كَنِسْبَةِ شَرَفِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى إلى شَرَفِ الألْوانِ والأشْكالِ.
العاشِرُ: القُوَّةُ العاقِلَةُ تُدْرِكُ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ والماهِيّاتِ الَّتِي هي مَعْرُوضاتُ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ أوَّلَ حِكَمِهِ أنَّ الوُجُودَ والعَدَمَ لا يَجْتَمِعانِ ولا يَرْتَفِعانِ، وذَلِكَ مَسْبُوقٌ لا مَحالَةَ بِتَصَوُّرِ مُسَمّى الوُجُودِ ومُسَمّى العَدَمِ، فَكَأنَّهُ بِهَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ قَدْ أحاطَ بِجَمِيعِ الأُمُورِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ. وأمّا القُوَّةُ الباصِرَةُ فَإنَّها لا تُدْرِكُ إلّا الأضْواءَ والألْوانَ وهُما مِن أخَسِّ عَوارِضِ الأجْسامِ، والأجْسامُ أخَسُّ مِنَ الجَواهِرِ الرُّوحانِيَّةِ، فَكانَ مُتَعَلِّقُ القُوَّةِ الباصِرَةِ أخَسَّ المَوْجُوداتِ. وأمّا مُتَعَلِّقُ القُوَّةِ العاقِلَةِ فَهو جَمِيعُ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ، فَكانَتِ القُوَّةُ العاقِلَةُ أشْرَفَ.
* * *
الحادِي عَشَرَ: القُوَّةُ العاقِلَةُ تَقْوى عَلى تَوْحِيدِ الكَثِيرِ وتَكْثِيرِ الواحِدِ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ لا تَقْوى عَلى ذَلِكَ. أمّا أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ تَقْوى عَلى تَوْحِيدِ الكَثِيرِ، فَذاكَ لِأنَّها تَضُمُّ الجِنْسَ إلى الفَصْلِ فَيَحْدُثُ مِنهُما طَبِيعَةٌ نَوْعِيَّةٌ واحِدَةٌ، وأمّا أنَّها تَقْوى عَلى تَكْثِيرِ الواحِدِ فَلِأنَّها تَأْخُذُ الإنْسانَ وهي ماهِيَّةٌ واحِدَةٌ فَتُقَسِّمُها إلى مَفْهُوماتِها وإلى عَوارِضِها اللّازِمَةِ وعَوارِضِها المُفارِقَةِ، ثُمَّ تُقَسِّمُ مُقَوِّماتِهِ إلى الجِنْسِ وجِنْسِ الجِنْسِ، والفَصْلِ وفَصْلِ الفَصْلِ، وجِنْسِ الفَصْلِ وفَصْلِ الجِنْسِ، إلى سائِرِ الأجْزاءِ المُقَوِّمَةِ الَّتِي لا تُعَدُّ مِنَ الأجْناسِ ولا مِنَ الفُصُولِ، ثُمَّ لا تَزالُ تَأْتِي بِهَذا التَّقْسِيمِ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ حَتّى تَنْتَهِيَ مِن تِلْكَ المُرَكَّباتِ إلى البَسائِطِ الحَقِيقِيَّةِ، ثُمَّ تُعْتَبَرُ في العَوارِضِ اللّازِمَةِ أنَّ تِلْكَ العَوارِضَ مُفْرَدَةٌ أوْ مُرَكَّبَةٌ ولازِمَةٌ بِوَسائِطَ أوْ بِوَسَطٍ، أوْ بِغَيْرِ وسَطٍ، فالقُوَّةُ العاقِلَةُ كَأنَّها نَفَذَتْ في أعْماقِ الماهِيّاتِ، وتَغَلْغَلَتْ فِيها ومَيَّزَتْ كُلَّ واحِدٍ مِن أجْزائِها عَنْ صاحِبِهِ، وأنْزَلَتْ كُلَّ واحِدٍ مِنها في المَكانِ اللّائِقِ بِهِ. فَأمّا القُوَّةُ الباصِرَةُ فَلا تَطَّلِعُ عَلى أحْوالِ الماهِيّاتِ، بَلْ
صفحة ١٩٨
لا تَرى إلّا أمْرًا واحِدًا ولا تَدْرِي ما هو وكَيْفَ هو، فَظَهَرَ أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ أشْرَفُ.
الثّانِي عَشَرَ: القُوَّةُ العاقِلَةُ تَقْوى عَلى إدْراكاتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، والقُوَّةُ الحاسَّةُ لا تَقْوى عَلى ذَلِكَ.
بَيانُ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: القُوَّةُ العاقِلَةُ يُمْكِنُها أنْ تَتَوَسَّلَ بِالمَعارِفِ الحاضِرَةِ إلى اسْتِنْتاجِ المَجْهُولاتِ، ثُمَّ إنَّها تَجْعَلُ تِلْكَ النَّتائِجَ مُقَدِّماتٍ في نَتائِجَ أُخْرى لا إلى نِهايَةٍ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ القُوَّةَ الحاسَّةَ لا تَقْوى عَلى الِاسْتِنْتاجِ أصْلًا.
الثّانِي: أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ تَقْوى عَلى تَعَقُّلِ مَراتِبِ الأعْدادِ ولا نِهايَةَ لَها.
الثّالِثُ: أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ يُمْكِنُها أنْ تَعْقِلَ نَفْسَها، وأنْ تَعْقِلَ أنَّها عَقَلَتْ وكَذا إلى غَيْرِ النِّهايَةِ.
الرّابِعُ: النَّسَبُ والإضافاتُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وهي مَعْقُولَةٌ لا مَحْسُوسَةٌ، فَظَهَرَ أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ أشْرَفُ.
الثّالِثَ عَشَرَ: الإنْسانُ بِقُوَّتِهِ العاقِلَةِ يُشارِكُ اللَّهَ تَعالى في إدْراكِ الحَقائِقِ وبِقُوَّتِهِ الحاسَّةِ يُشارِكُ البَهائِمَ، والنِّسْبَةُ مُعْتَبَرَةٌ فَكانَتِ القُوَّةُ العاقِلَةُ أشْرَفَ.
الرّابِعَ عَشَرَ: القُوَّةُ العاقِلَةُ غَنِيَّةٌ في إدْراكِها العَقْلِيِّ عَنْ وُجُودِ المَعْقُولِ في الخارِجِ، والقُوَّةُ الحاسَّةُ مُحْتاجَةٌ في إدْراكِها الحِسِّيِّ إلى وُجُودِ المَحْسُوسِ في الخارِجِ، والغَنِيُّ أشْرَفُ مِنَ المُحْتاجِ.
الخامِسَ عَشَرَ: هَذِهِ المَوْجُوداتُ الخارِجِيَّةُ مُمْكِنَةٌ لِذَواتِها وإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى الفاعِلِ، والفاعِلُ لا يُمْكِنُهُ الإيجادُ عَلى سَبِيلِ الإتْقانِ إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِ العِلْمِ، فَإذَنْ وُجُودُ هَذِهِ الأشْياءِ في الخارِجِ تابِعٌ لِلْإدْراكِ العَقْلِيِّ، وأمّا الإحْساسُ بِها فَلا شَكَّ أنَّهُ تابِعٌ لِوُجُودِها في الخارِجِ، فَإذَنِ القُوَّةُ الحَسّاسَةُ تَبَعٌ لِتَبَعِ القُوَّةِ العاقِلَةِ.
السّادِسَ عَشَرَ: القُوَّةُ العاقِلَةُ غَيْرُ مُحْتاجَةٍ في العَقْلِ إلى الآلاتِ بِدَلِيلِ أنَّ الإنْسانَ لَوِ اخْتَلَّتْ حَواسُّهُ الخَمْسُ، فَإنَّهُ يَعْقِلُ أنَّ الواحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وأنَّ الأشْياءَ المُساوِيَةَ لِشَيْءٍ واحِدٍ مُتَساوِيَةٌ. وأمّا القُوَّةُ الحَسّاسَةُ فَإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى آلاتٍ كَثِيرَةٍ، والغَنِيُّ أفْضَلُ مِنَ المُحْتاجِ.
السّابِعَ عَشَرَ: الإدْراكُ البَصَرِيُّ لا يَحْصُلُ إلّا لِلشَّيْءِ الَّذِي في الجِهاتِ، ثُمَّ إنَّهُ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ في كُلِّ الجِهاتِ بَلْ لا يَتَناوَلُ إلّا المُقابِلَ أوْ ما هو في حُكْمِ المُقابِلِ، واحْتَرَزْنا بِقَوْلِنا في حُكْمِ المُقابِلِ عَنْ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ:
الأوَّلُ: العَرْضُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِمُقابِلٍ لِأنَّهُ لَيْسَ في المَكانِ، ولَكِنَّهُ في حُكْمِ المُقابِلِ لِأجْلِ كَوْنِهِ قائِمًا بِالجِسْمِ الَّذِي هو مُقابِلٌ.
الثّانِي: رُؤْيَةُ الوجه في المِرْآةِ، فَإنَّ الشُّعاعَ يَخْرُجُ مِنَ العَيْنِ إلى المِرْآةِ، ثُمَّ يَرْتَدُّ مِنها إلى الوجه فَيَصِيرُ الوجه مَرْئِيًّا، وهو مِن هَذا الِاعْتِبارِ كالمُقابِلِ لِنَفْسِهِ.
الثّالِثُ: رُؤْيَةُ الإنْسانِ قَفاهُ إذا جَعَلَ إحْدى المِرْآتَيْنِ مُحاذِيَةً لِوَجْهِهِ والأُخْرى لِقَفاهُ.
والرّابِعُ: رُؤْيَةُ ما لا يُقابَلُ بِسَبَبِ انْعِطافِ الشُّعاعِ في الرُّطُوباتِ كَما هو مَشْرُوحٌ في كِتابِ المَناظِرِ وأمّا القُوَّةُ العاقِلَةُ فَإنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الجِهاتِ، فَإنَّها تَعْقِلُ الجِهَةَ والجِهَةُ لَيْسَتْ في الجِهَةِ، ولِذَلِكَ تَعْقِلُ أنَّ الشَّيْءَ إمّا أنْ يَكُونَ في الجِهَةِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ في الجِهَةِ، وهَذا التَّرْدِيدُ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ تَعَقُّلِ مَعْنى قَوْلِنا لَيْسَ في الجِهَةِ.
الثّامِنَ عَشَرَ: القُوَّةُ الباصِرَةُ تَعْجِزُ عِنْدَ الحِجابِ، وأمّا القُوَّةُ العاقِلَةُ فَإنَّها لا يَحْجُبُها شَيْءٌ أصْلًا فَكانَتْ أشْرَفَ.
صفحة ١٩٩
التّاسِعَ عَشَرَ: القُوَّةُ العاقِلَةُ كالأمِيرِ، والحاسَّةُ كالخادِمِ والأمِيرُ أشْرَفُ مِنَ الخادِمِ، وتَقْرِيرُ [الفَرْقِ بَيْنَ] الإمارَةِ والخِدْمَةِ مَشْهُورٌ.
العِشْرُونَ: القُوَّةُ الباصِرَةُ قَدْ تَغْلَطُ كَثِيرًا فَإنَّها قَدْ تُدْرِكُ المُتَحَرِّكَ ساكِنًا وبِالعَكْسِ، كالجالِسِ في السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُدْرِكُ السَّفِينَةَ المُتَحَرِّكَةَ ساكِنَةً والشَّطَّ السّاكِنَ مُتَحَرِّكًا، ولَوْلا العَقْلُ لَما تَمَيَّزَ خَطَأُ البَصَرِ عَنْ صَوابِهِ، والعَقْلُ حاكِمٌ والحِسُّ مَحْكُومٌ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أشْرَفُ مِنَ الإدْراكِ البَصَرِيِّ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الإدْراكَيْنِ يَقْتَضِي الظُّهُورَ الَّذِي هو أشْرَفُ خَواصِّ النُّورِ، فَكانَ الإدْراكُ العَقْلِيُّ أوْلى بِكَوْنِهِ نُورًا مِنَ الإدْراكِ البَصَرِيِّ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ الأنْوارُ العَقْلِيَّةُ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: واجِبُ الحُصُولِ عِنْدَ سَلامَةِ الأحْوالِ وهي التَّعَقُّلاتُ الفِطْرِيَّةُ.
والثّانِي: ما يَكُونُ مُكْتَسَبًا وهي التَّعَقُّلاتُ النَّظَرِيَّةُ. أمّا الفِطْرِيَّةُ فَلَيْسَتْ هي مِن لَوازِمِ جَوْهَرِ الإنْسانِ لِأنَّهُ حالَ الطُّفُولِيَّةِ لَمْ يَكُنْ عالِمًا البَتَّةَ، فَهَذِهِ الأنْوارُ الفِطْرِيَّةُ إنَّما حَصَلَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ فَلا بُدَّ لَها مِن سَبَبٍ، وأمّا النَّظَرِيّاتُ فَمَعْلُومٌ أنَّ الفِطْرَةَ الإنْسانِيَّةَ قَدْ يَعْتَرِيها الزَّيْغُ في الأكْثَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن هادٍ مُرْشِدٍ ولا مُرْشِدَ فَوْقَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وفَوْقَ إرْشادِ الأنْبِياءِ، فَتَكُونُ مَنزِلَةُ آياتِ القُرْآنِ عِنْدَ عَيْنِ العَقْلِ بِمَنزِلَةِ نُورِ الشَّمْسِ عِنْدَ العَيْنِ الباصِرَةِ إذْ بِهِ يَتِمُّ الإبْصارُ، فَبِالحَرِيِّ أنْ يُسَمّى القُرْآنُ نُورًا كَما يُسَمّى نُورُ الشَّمْسِ نُورًا، فَنُورُ القُرْآنِ يُشْبِهُ نُورَ الشَّمْسِ، ونُورُ العَقْلِ يُشْبِهُ نُورَ العَيْنِ، وبِهَذا يَظْهَرُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التَّغابُنِ: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٧٤] ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النِّساءِ: ١٧٤] وإذا ثَبَتَ أنَّ بَيانَ الرَّسُولِ أقْوى مِن نُورِ الشَّمْسِ وجَبَ أنْ تَكُونَ نَفْسُهُ القُدْسِيَّةُ أعْظَمَ في النُّورانِيَّةِ مِنَ الشَّمْسِ، وكَما أنَّ الشَّمْسَ في عالَمِ الأجْسامِ تُفِيدُ النُّورَ لِغَيْرِهِ ولا تَسْتَفِيدُهُ مِن غَيْرِهِ فَكَذا نَفْسُ النَّبِيِّ ﷺ تُفِيدُ الأنْوارَ العَقْلِيَّةَ لِسائِرِ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ، ولا تَسْتَفِيدُ الأنْوارَ العَقْلِيَّةَ مِن شَيْءٍ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ، فَلِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى الشَّمْسَ بِأنَّها سِراجٌ حَيْثُ قالَ: ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦١] ووَصَفَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنَّهُ سِراجٌ مُنِيرٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ثَبَتَ بِالشَّواهِدِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ أنَّ الأنْوارَ الحاصِلَةَ في أرْواحِ الأنْبِياءِ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الأنْوارِ الحاصِلَةِ في أرْواحِ المَلائِكَةِ، قالَ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤] والوَحْيُ لا يَكُونُ إلّا بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فَإذا جَعَلْنا أرْواحَ الأنْبِياءِ أعْظَمَ اسْتِنارَةً مِنَ الشَّمْسِ، فَأرْواحُ المَلائِكَةِ الَّتِي هي كالمَعادِنِ لِأنْوارِ عُقُولِ الأنْبِياءِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أعْظَمَ مِن أنْوارِ أرْواحِ الأنْبِياءِ، لِأنَّ السَّبَبَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أقْوى مِنَ المُسَبَّبِ. ثُمَّ نَقُولُ: ثَبَتَ أيْضًا بِالشَّواهِدِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ أنَّ الأرْواحَ السَّماوِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ فَبَعْضُها مُسْتَفِيدَةٌ وبَعْضُها مُفِيدَةٌ، قالَ تَعالى في وصْفِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢١] وإذا كانَ هو مُطاعُ المَلائِكَةِ فالمُطِيعُونَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ أمْرِهِ، وقالَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] وإذا ثَبَتَ هَذا فالمُفِيدُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ نُورًا مِنَ المُسْتَفِيدِ لِلْعِلَّةِ المَذْكُورَةِ ولِمَراتِبِ الأنْوارِ في عالَمِ الأرْواحِ، مِثالٌ وهو أنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ إذا وصَلَ إلى القَمَرِ ثُمَّ دَخَلَ في كُوَّةِ بَيْتٍ ووَقَعَ عَلى مِرْآةٍ مَنصُوبَةٍ عَلى حائِطٍ ثُمَّ انْعَكَسَ مِنها إلى حائِطٍ آخَرَ نُصِبَ عَلَيْهِ مِرْآةٌ أُخْرى ثُمَّ انْعَكَسَ مِنها إلى طَسْتٍ مَمْلُوءٍ مِنَ الماءِ مَوْضُوعٍ عَلى الأرْضِ انْعَكَسَ مِنهُ إلى سَقْفِ البَيْتِ، فالنُّورُ الأعْظَمُ في الشَّمْسِ الَّتِي هي المَعْدِنُ، وثانِيًا في القَمَرِ، وثالِثًا ما وصَلَ إلى المِرْآةِ الأُولى، ورابِعًا ما وصَلَ إلى المِرْآةِ الثّانِيَةِ، وخامِسًا ما وصَلَ إلى الماءِ، وسادِسًا ما وصَلَ إلى السَّقْفِ، وكُلَّ ما كانَ أقْرَبَ إلى المَنبَعِ الأوَّلِ فَإنَّهُ أقْوى مِمّا هو أبْعَدُ مِنهُ، فَكَذا الأنْوارُ السَّماوِيَّةُ لَمّا كانَتْ مُرَتَّبَةً
صفحة ٢٠٠
لا جَرَمَ كانَ نُورُ المُفِيدِ أشَدَّ إشْراقًا مِن نُورِ المُسْتَفِيدِ، ثُمَّ تِلْكَ الأنْوارُ لا تَزالُ تَكُونُ مُتَرَقِّيَةً حَتّى تَنْتَهِيَ إلى النُّورِ الأعْظَمِ والرُّوحِ الَّذِي هو أعْظَمُ الأرْواحِ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] ثُمَّ نَقُولُ لا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأنْوارَ الحِسِّيَّةَ إنْ كانَتْ سُفْلِيَّةً كانَتْ كَأنْوارِ النِّيرانِ أوْ عُلْوِيَّةً كانَتْ كَأنْوارِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وكَذا الأنْوارُ العَقْلِيَّةُ سُفْلِيَّةً كانَتْ كالأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ الَّتِي لِلْأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، أوْ عُلْوِيَّةً كالأرْواحِ العُلْوِيَّةِ الَّتِي هي المَلائِكَةُ، فَإنَّها بِأسْرِها مُمْكِنَةٌ لِذَواتِها، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ يَسْتَحِقُّ العَدَمَ مِن ذاتِهِ والوُجُودَ مِن غَيْرِهِ، والعَدَمُ هو الظُّلْمَةُ الحاصِلَةُ والوُجُودُ هو النُّورُ، فَكُلُّ ما سِوى اللَّهِ مُظْلِمٌ لِذاتِهِ مُسْتَنِيرٌ بِإمْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وكَذا جَمِيعُ مَعارِفِها بَعْدَ وُجُودِها حاصِلٌ مِن وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، فالحَقُّ سُبْحانَهُ هو الَّذِي أظْهَرَها بِالوُجُودِ بَعْدَ أنْ كانَتْ في ظُلُماتِ العَدَمِ، وأفاضَ عَلَيْها أنْوارَ المَعارِفِ بَعْدَ أنْ كانَتْ في ظُلُماتِ الجَهالَةِ، فَلا ظُهُورَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِإظْهارِهِ، وخاصَّةُ النُّورِ إعْطاءُ الإظْهارِ والتَّجَلِّي والِانْكِشافِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ النُّورَ المُطْلَقَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وأنَّ إطْلاقَ النُّورِ عَلى غَيْرِهِ مَجازٌ، إذْ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ، فَإنَّهُ مِن حَيْثُ هو هو ظُلْمَةٌ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو عَدَمٌ مَحْضٌ، بَلِ الأنْوارُ إذا نَظَرْنا إلَيْها مِن حَيْثُ هي هي فَهي ظُلُماتٌ، لِأنَّها مِن حَيْثُ هي هي مُمْكِناتٌ، والمُمْكِنُ مِن حَيْثُ هو هو مَعْدُومٌ، والمَعْدُومُ مُظْلِمٌ. فالنُّورُ إذا نُظِرَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو هو ظُلْمَةٌ، فَأمّا إذا التُفِتَ إلَيْها مِن حَيْثُ أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ أفاضَ عَلَيْها نُورَ الوُجُودِ فَبِهَذا الِاعْتِبارِ صارَتْ أنْوارًا. فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو النُّورُ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَلَيْسَ بِنُورٍ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ. ثُمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَكَلَّمَ بَعْدَ هَذا في أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لِمَ أضافَ النُّورَ إلى السَّماواتِ والأرْضِ ؟ وأجابَ فَقالَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ مَشْحُونَةٌ بِالأنْوارِ العَقْلِيَّةِ والأنْوارِ الحِسِّيَّةِ، أمّا الحِسِّيَّةُ فَما يُشاهَدُ في السَّماواتِ مِنَ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ وما يُشاهَدُ في الأرْضِ مِنَ الأشِعَّةِ المُنْبَسِطَةِ عَلى سُطُوحِ الأجْسامِ حَتّى ظَهَرَتْ بِهِ الألْوانُ المُخْتَلِفَةُ، ولَوْلاها لَمْ يَكُنْ لِلْألْوانِ ظُهُورٌ بَلْ وُجُودٌ، وأمّا الأنْوارُ العَقْلِيَّةُ فالعالَمُ الأعْلى مَشْحُونٌ بِها وهي جَواهِرُ المَلائِكَةِ، والعالَمُ الأسْفَلُ مَشْحُونٌ بِها وهي القُوى النَّباتِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ والإنْسانِيَّةُ، وبِالنُّورِ الإنْسانِيِّ السُّفْلِيِّ ظَهَرَ نِظامُ عالَمِ السُّفْلِ كَما بِالنُّورِ المَلَكِيِّ ظُهُورُ نِظامِ عالَمِ العُلُوِّ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النُّورِ: ٥٥] وقالَ: ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٦٢] فَإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ أنَّ العالَمَ بِأسْرِهِ مَشْحُونٌ بِالأنْوارِ الظّاهِرَةِ البَصَرِيَّةِ والباطِنِيَّةِ العَقْلِيَّةِ، ثُمَّ عَرَفْتَ أنَّ السُّفْلِيَّةَ فائِضَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ فَيَضانَ النُّورِ مِنَ السِّراجِ، فَإنَّ السِّراجَ هو الرُّوحُ النَّبَوِيُّ، ثُمَّ إنَّ الأنْوارَ النَّبَوِيَّةَ القُدْسِيَّةَ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الأرْواحِ العُلْوِيَّةِ اقْتِباسَ السِّراجِ مِنَ النُّورِ، وإنَّ العُلْوِيّاتِ مُقْتَبِسَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وإنَّ بَيْنَها تَرْتِيبًا في المَقاماتِ، ثُمَّ تَرْتَقِي جُمْلَتُها إلى نُورِ الأنْوارِ ومَعْدِنِها ومَنبَعِها الأوَّلِ، وأنَّ ذَلِكَ هو اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَإذَنِ الكُلُّ نُورُهُ فَلِهَذا قالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: فَإذا كانَ اللَّهُ النُّورَ فَلِمَ احْتِيجَ في إثْباتِهِ إلى البُرْهانِ ؟ أجابَ فَقالَ: إنَّ مَعْنى كَوْنِهِ نُورَ السَّماواتِ والأرْضِ مَعْرُوفٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّورِ الظّاهِرِ البَصَرِيِّ، فَإذا رَأيْتَ خُضْرَةَ الرَّبِيعِ في ضِياءِ النَّهارِ فَلَسْتَ تَشُكُّ في أنَّكَ تَرى الألْوانَ فَرُبَّما ظَنَنْتَ أنَّكَ لا تَرى مَعَ الألْوانِ غَيْرَها، فَإنَّكَ تَقُولُ لَسْتُ أرى مَعَ الخُضْرَةِ غَيْرَ الخُضْرَةِ إلّا أنَّكَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ تُدْرِكُ تَفْرِقَةً ضَرُورِيَّةً بَيْنَ اللَّوْنِ حالَ وُقُوعِ الضَّوْءِ عَلَيْهِ وعَدَمِ وُقُوعِهِ
صفحة ٢٠١
عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ تَعْرِفُ أنَّ النُّورَ مَعْنًى غَيْرُ اللَّوْنِ يُدْرَكُ مَعَ الألْوانِ إلّا أنَّهُ كانَ لِشِدَّةِ اتِّحادِهِ بِهِ لا يُدْرَكُ، ولِشِدَّةِ ظُهُورِهِ يَخْتَفِي، وقَدْ يَكُونُ الظُّهُورُ سَبَبَ الخَفاءِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّهُ كَما ظَهَرَ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبَصَرِ بِالنُّورِ الظّاهِرِ فَقَدْ ظَهَرَ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبَصِيرَةِ الباطِنَةِ بِاللَّهِ، ونُورُهُ حاصِلٌ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لا يُفارِقُهُ، ولَكِنْ بَقِيَ هَهُنا تَفاوُتٌ وهو أنَّ النُّورَ الظّاهِرَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَغِيبَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ ويُحْجَبَ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّهُ غَيْرُ اللَّوْنِ، وأمّا النُّورُ الإلَهِيُّ الَّذِي بِهِ يَظْهَرُ كُلُّ شَيْءٍ لا يُتَصَوَّرُ غَيْبَتُهُ بَلْ يَسْتَحِيلُ تَغَيُّرُهُ فَيَبْقى مَعَ الأشْياءِ دائِمًا، فانْقَطَعَ طَرِيقُ الِاسْتِدْلالِ بِالتَّفْرِقَةِ، ولَوْ تُصُوِّرَتْ غَيْبَتُهُ لانْهَدَمَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ولَأُدْرِكَ عِنْدَهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ ما يَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِهِ، ولَكِنْ لَمّا تَساوَتِ الأشْياءُ كُلُّها عَلى نَمَطٍ واحِدٍ في الشَّهادَةِ عَلى وُجُودِ خالِقِها، وأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ لا بَعْضَ الأشْياءِ، وفي جَمِيعِ الأوْقاتِ لا في بَعْضِ الأوْقاتِ ارْتَفَعَتِ التَّفْرِقَةُ وخَفِيَ الطَّرِيقُ، إذِ الطَّرِيقُ الظّاهِرُ مَعْرِفَةُ الأشْياءِ بِالأضْدادِ، فَما لا ضِدَّ لَهُ ولا تَغَيُّرَ لَهُ بِتَشابُهِ أحْوالِهِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَخْفى ويَكُونُ خَفاؤُهُ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ وجَلائِهِ، فَسُبْحانَ مَنِ اخْتَفى عَنِ الخَلْقِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ واحْتَجَبَ عَنْهم بِإشْراقِ نُورِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ الَّذِي رَوَيْناهُ عَنِ الشَّيْخِ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَلامٌ مُسْتَطابٌ ولَكِنْ يَرْجِعُ حاصِلُهُ بَعْدَ التَّحْقِيقِ إلى أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ نُورًا أنَّهُ خالِقٌ لِلْعالَمِ وأنَّهُ خالِقٌ لِلْقُوى الدَّرّاكَةِ، وهو المَعْنى مِن قَوْلِنا مَعْنى كَوْنِهِ نُورَ السَّماواتِ والأرْضِ أنَّهُ هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلا تَفاوُتَ بَيْنَ ما قالَهُ وبَيْنَ الَّذِي نَقَلْناهُ عَنِ المُفَسِّرِينَ في المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الفَصْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ حِجابًا مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ لَوْ كَشَفَها لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ ما أدْرَكَ بَصَرُهُ» “ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ سَبْعُمِائَةٍ وفي بَعْضِها سَبْعُونَ ألْفًا.
فَأقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَجَلٍّ في ذاتِهِ لِذاتِهِ كانَ الحِجابُ بِالإضافَةِ إلى المَحْجُوبِ لا مَحالَةَ والمَحْجُوبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا، إمّا بِحِجابٍ مُرَكَّبٍ مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ، وإمّا بِحِجابٍ مُرَكَّبٍ مِن نُورٍ فَقَطْ، أوْ بِحِجابٍ مُرَكَّبٍ مِن ظُلْمَةٍ فَقَطْ، أمّا المَحْجُوبُونَ بِالظُّلْمَةِ المَحْضَةِ فَهُمُ الَّذِينَ بَلَغُوا في الِاشْتِغالِ بِالعَلائِقِ البَدَنِيَّةِ إلى حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتْ خاطِرُهم إلى أنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِوُجُودِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ عَلى وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ أمْ لا؛ وذَلِكَ لِأنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو هو مُظْلِمٌ، وإنَّما كانَ مُسْتَنِيرًا مِن حَيْثُ اسْتَفادَ النُّورَ مِن حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَمَنِ اشْتَغَلَ بِالجُسْمانِيّاتِ مِن حَيْثُ هي هي وصارَ ذَلِكَ الِاشْتِغالُ حائِلًا لَهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى جانِبِ النُّورِ كانَ حِجابُهُ مَحْضَ الظُّلْمَةِ، ولَمّا كانَتْ أنْواعُ الِاشْتِغالِ بِالعَلائِقِ البَدَنِيَّةِ خارِجَةً عَنِ الحَدِّ والحَصْرِ فَكَذا أنْواعُ الحُجُبِ الظُّلْمانِيَّةِ خارِجَةٌ عَنِ الحَدِّ والحَصْرِ.
القِسْمُ الثّانِي: المَحْجُوبُونَ بِالحُجُبِ المَمْزُوجَةِ مِنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ
اعْلَمْ أنَّ مَن نَظَرَ إلى هَذِهِ المَحْسُوساتِ فَإمّا أنْ يَعْتَقِدَ فِيها أنَّها غَنِيَّةٌ عَنِ المُؤَثِّرِ، أوْ يَعْتَقِدَ فِيها أنَّها مُحْتاجَةٌ، فَإنِ اعْتَقَدَ أنَّها غَنِيَّةٌ فَهَذا حِجابٌ مَمْزُوجٌ مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ ”أمّا النُّورُ“ فَلِأنَّهُ تَصَوَّرَ ماهِيَّةَ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الغَيْرِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وهو مِن صِفاتِ النُّورِ ”وأمّا الظُّلْمَةُ“ فَلِأنَّهُ اعْتَقَدَ حُصُولَ ذَلِكَ الوَصْفِ في هَذِهِ الأجْسامِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ لا يَلِيقُ بِهَذا الوَصْفِ وهَذا ظُلْمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا حِجابٌ مَمْزُوجٌ مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ، ثُمَّ أصْنافُ هَذا القِسْمِ كَثِيرَةٌ، فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ المُمْكِنَ غَنِيٌّ عَنِ المُؤَثِّرِ، ومِنهم مَن يُسَلِّمُ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ يَقُولُ المُؤَثِّرُ فِيها طَبائِعُها أوْ حَرَكاتُها أوِ اجْتِماعُها وافْتِراقُها أوْ نِسْبَتُها إلى حَرَكاتِ الأفْلاكِ أوْ إلى مُحَرِّكاتِها وكُلُّ هَؤُلاءِ مِن هَذا القِسْمِ.
صفحة ٢٠٢
القِسْمُ الثّالِثُ: الحُجُبُ النُّورانِيَّةُ المَحْضَةُ:
واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ إلّا بِواسِطَةِ تِلْكَ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ والإضافِيَّةِ ولا نِهايَةَ لِهَذِهِ الصِّفاتِ ولِمَراتِبِها، فالعَبْدُ لا يَزالُ يَكُونُ مُتَرَقِّيًا فِيها فَإنْ وصَلَ إلى دَرَجَةٍ وبَقِيَ فِيها كانَ اسْتِغْراقُهُ في مُشاهَدَةِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ حِجابًا لَهُ عَنِ التَّرَقِّي إلى ما فَوْقَها، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِهَذِهِ الدَّرَجاتِ كانَ العَبْدُ أبَدًا في السَّيْرِ والِانْتِقالِ، وأمّا حَقِيقَتُهُ المَخْصُوصَةُ فَهي مُحْتَجِبَةٌ عَنِ الكُلِّ فَقَدْ أشَرْنا إلى كَيْفِيَّةِ مَراتِبِ الحَجْبِ، وأنْتَ تَعْرِفُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما حَصَرَها في سَبْعِينَ ألْفًا تَقْرِيبًا لا تَحْدِيدًا فَإنَّها لا نِهايَةَ لَها في الحَقِيقَةِ.
* * *
الفَصْلُ الثّالِثُ في شَرْحِ كَيْفِيَّةِ التَّمْثِيلِ.
اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ في التَّشْبِيهِ مِن أمْرَيْنِ: المُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ، واخْتَلَفَ النّاسُ هَهُنا في أنَّ المُشَبَّهَ أيُّ شَيْءٍ هو ؟ وذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ ونَصَرَهُ القاضِي أنَّ المُرادَ مِنَ الهُدى الَّتِي هي الآياتُ البَيِّناتُ، والمَعْنى أنَّ هِدايَةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ بَلَغَتْ في الظُّهُورِ والجَلاءِ إلى أقْصى الغاياتِ وصارَتْ في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ المِشْكاةِ الَّتِي تَكُونُ فِيها زُجاجَةٌ صافِيَةٌ، وفي الزُّجاجَةِ مِصْباحٌ يَتَّقِدُ بِزَيْتٍ بَلَغَ النِّهايَةَ في الصَّفاءِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ شَبَّهَهُ بِذَلِكَ وقَدْ عَلِمْنا أنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ أبْلَغُ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، قُلْنا إنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنْ يَصِفَ الضَّوْءَ الكامِلَ الَّذِي يَلُوحُ وسَطَ الظُّلْمَةِ لِأنَّ الغالِبَ عَلى أوْهامِ الخَلْقِ وخَيالاتِهِمْ إنَّما هو الشُّبُهاتُ الَّتِي هي كالظُّلُماتِ، وهِدايَةُ اللَّهِ تَعالى فِيما بَيْنَها كالضَّوْءِ الكامِلِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما بَيْنَ الظُّلُماتِ، وهَذا المَقْصُودُ لا يَحْصُلُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ لِأنَّ ضَوْءَها إذا ظَهَرَ امْتَلَأ العالَمُ مِنَ النُّورِ الخالِصِ، وإذا غابَ امْتَلَأ العالَمُ مِنَ الظُّلْمَةِ الخالِصَةِ فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ المَثَلُ هَهُنا ألْيَقَ وأوْفَقَ.
واعْلَمْ أنَّ الأُمُورَ الَّتِي اعْتَبَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذا المِثالِ مِمّا تُوجِبُ كَمالَ الضَّوْءِ:
فَأوَّلُها: المِصْباحُ لِأنَّ المِصْباحَ إذا لَمْ يَكُنْ في المِشْكاةِ تَفَرَّقَتْ أشِعَّتُهُ، أمّا إذا وُضِعَ في المِشْكاةِ اجْتَمَعَتْ أشِعَّتُهُ فَكانَتْ أكْثَرَ إنارَةً، والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في بَيْتٍ صَغِيرٍ فَإنَّهُ يَظْهَرُ مِن ضَوْئِهِ أكْثَرُ مِمّا يَظْهَرُ في البَيْتِ الكَبِيرِ.
وثانِيها: أنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في زُجاجَةٍ صافِيَةٍ فَإنَّ الأشِعَّةَ المُنْفَصِلَةَ عَنِ المِصْباحِ تَنْعَكِسُ مِن بَعْضِ جَوانِبِ الزُّجاجَةِ إلى البَعْضِ لِما في الزُّجاجَةِ مِنَ الصَّفاءِ والشَّفافِيَّةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ يَزْدادُ الضَّوْءُ والنُّورُ، والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ إذا وقَعَ عَلى الزُّجاجَةِ الصّافِيَةِ تَضاعَفَ الضَّوْءُ الظّاهِرُ حَتّى أنَّهُ يَظْهَرُ فِيما يُقابِلُهُ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّوْءِ، فَإنِ انْعَكَسَتْ تِلْكَ الأشِعَّةُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن جَوانِبِ الزُّجاجَةِ إلى الجانِبِ الآخَرِ كَثُرَتِ الأنْوارُ والأضْواءُ وبَلَغَتِ النِّهايَةَ المُمْكِنَةَ.
وثالِثُها: أنَّ ضَوْءَ المِصْباحِ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ اخْتِلافِ ما يَتَّقِدُ بِهِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ الدُّهْنُ صافِيًا خالِصًا كانَتْ حالَتُهُ بِخِلافِ حالَتِهِ إذا كانَ كَدِرًا ولَيْسَ في الأدْهانِ الَّتِي تُوقِدُ ما يَظْهَرُ فِيهِ مِنَ الصَّفاءِ مِثْلَ الَّذِي يَظْهَرُ في الزَّيْتِ، فَرُبَّما يَبْلُغُ في الصَّفاءِ والرِّقَّةِ مَبْلَغَ الماءِ مَعَ زِيادَةِ بَياضٍ فِيهِ وشُعاعٍ يَتَرَدَّدُ في أجْزائِهِ.
ورابِعُها: أنَّ هَذا الزَّيْتَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ شَجَرَتِهِ، فَإذا كانَتْ لا شَرْقِيَّةً ولا غَرْبِيَّةً بِمَعْنى أنَّها كانَتْ بارِزَةً لِلشَّمْسِ في كُلِّ حالاتِها يَكُونُ زَيْتُونُها أشَدَّ نُضْجًا، فَكانَ زَيْتُهُ أكْثَرَ صَفاءً وأقْرَبَ إلى أنْ يَتَمَيَّزَ صَفْوُهُ مِن كَدَرِهِ لِأنَّ زِيادَةَ الشَّمْسِ تُؤَثِّرُ في ذَلِكَ، فَإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الأرْبَعَةُ وتَعاوَنَتْ صارَ ذَلِكَ الضَّوْءُ خالِصًا كامِلًا فَيَصْلُحُ أنْ يُجْعَلَ مَثَلًا لِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ النُّورِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ القُرْآنُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ [المائِدَةِ: ١٥] وهو قَوْلُ الحَسَنِ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وثالِثُها: أنَّ المُرادَ
صفحة ٢٠٣
هُوَ الرَّسُولُ لِأنَّهُ المُرْشِدُ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِهِ: ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٦] وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وهَذانِ القَوْلانِ داخِلانِ في القَوْلِ الأوَّلِ، لِأنَّ مِن جُمْلَةِ أنْواعِ الهِدايَةِ إنْزالَ الكُتُبِ وبِعْثَةَ الرُّسُلِ. قالَ تَعالى في صِفَةِ الكُتُبِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشُّورى: ٥٢] وقالَ في صِفَةِ الرُّسُلِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٥] .
ورابِعُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما في قَلْبِ المُؤْمِنِينَ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ الشَّرائِعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ الإيمانَ بِأنَّهُ نُورٌ والكُفْرَ بِأنَّهُ ظُلْمَةٌ، فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [الطَّلاقِ: ١١] وحاصِلُهُ أنَّهُ حَمَلَ الهُدى عَلى الِاهْتِداءِ، والمَقْصُودُ مِنَ التَّمْثِيلِ أنَّ إيمانَ المُؤْمِنِ قَدْ بَلَغَ في الصَّفاءِ عَنِ الشُّبُهاتِ، والِامْتِيازِ عَنْ ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مَبْلَغَ السِّراجِ المَذْكُورِ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ، قالَ أُبَيٌّ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ، وهَكَذا كانَ يَقْرَأُ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَثَلُ نُورِهِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ.
وخامِسُها: ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وهو: أنّا بَيَّنّا أنَّ القُوى المُدْرِكَةَ أنْوارٌ، ومَراتِبُ القُوى المُدْرِكَةِ الإنْسانِيَّةِ خَمْسَةٌ:
أحَدُها: القُوَّةُ الحَسّاسَةُ، وهي الَّتِي تَتَلَقّى ما تُورِدُهُ الحَواسُّ الخَمْسُ وكَأنَّها أصْلُ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ، وأوَّلُهُ إذْ بِهِ يَصِيرُ الحَيَوانُ حَيَوانًا وهو مَوْجُودٌ لِلصَّبِيِّ الرَّضِيعِ.
وثانِيها: القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ وهي الَّتِي تَسْتَثْبِتُ ما أوْرَدَهُ الحَواسُّ وتَحْفَظُهُ مَخْزُونًا عِنْدَها لِتَعْرِضَهُ عَلى القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي فَوْقَها عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
وثالِثُها: القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ المُدْرِكَةُ لِلْحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ.
ورابِعُها: القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ وهي الَّتِي تَأْخُذُ المَعارِفَ العَقْلِيَّةَ فَتُؤَلِّفُها تَأْلِيفًا فَتَسْتَنْتِجُ مِن تَأْلِيفِها عِلْمًا بِمَجْهُولٍ.
وخامِسُها: القُوَّةُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَعْضُ الأوْلِياءِ، وتَتَجَلّى فِيها لَوائِحُ الغَيْبِ وأسْرارُ المَلَكُوتِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشُّورى: ٥٢] وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ القُوى فَهي بِجُمْلَتِها أنْوارٌ، إذْ بِها تَظْهَرُ أصْنافُ المَوْجُوداتِ، وأنَّ هَذِهِ المَراتِبَ الخَمْسَةَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُها بِالأُمُورِ الخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى وهي: المِشْكاةُ والزُّجاجَةُ والمِصْباحُ والشَّجَرَةُ والزَّيْتُ. أمّا الرُّوحُ الحَسّاسُ فَإذا نَظَرْتَ إلى خاصِّيَّتِهِ وجَدْتَ أنْوارَهُ خارِجَةً مِن عِدَّةِ أثْقُبٍ كالعَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ والمِنخَرَيْنِ وأوْفَقُ مِثالٍ لَهُ مِن عالَمِ الأجْسامِ المِشْكاةُ.
وأمّا الثّانِي: وهو الرُّوحُ الخَيالِيُّ فَنَجِدُ لَهُ خَواصَّ ثَلاثَةً:
الأُولى: أنَّهُ مِن طِينَةِ العالَمِ السُّفْلِيِّ الكَثِيفِ لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَخَيَّلَ ذُو قَدْرٍ وشَكْلٍ وحَيِّزٍ، ومِن شَأْنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ أنْ تُحْجَبَ عَنِ الأنْوارِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَةِ الَّتِي هي التَّعَقُّلاتُ الكُلِّيَّةُ المُجَرَّدَةُ.
والثّانِيَةُ: أنَّ هَذا الخَيالَ الكَثِيفَ إذا صَفا ورَقَّ وهُذِّبَ صارَ مُوازِنًا لِلْمَعانِي العَقْلِيَّةِ ومُؤَدِّيًا لِأنْوارِها وغَيْرَ حائِلٍ عَنْ إشْراقِ نُورِها، ولِذَلِكَ فَإنَّ المُعَبِّرَ يَسْتَدِلُّ بِالصُّوَرِ الخَيالِيَّةِ عَلى المَعانِي العَقْلِيَّةِ، كَما يَسْتَدِلُّ بِالشَّمْسِ عَلى المَلِكِ، وبِالقَمَرِ عَلى الوَزِيرِ، وبِمَن يَخْتِمُ فُرُوجَ
صفحة ٢٠٤
النّاسِ وأفْواهَهم عَلى أنَّهُ مُؤَذِّنٌ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الصُّبْحِ.
والثّالِثَةُ: أنَّ الخَيالَ في بِدايَةِ الأمْرِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ جِدًّا لِيَضْبِطَ بِها المَعارِفَ العَقْلِيَّةَ ولا تَضْطَرِبَ، فَنِعْمَ المِثالاتُ الخَيالِيَّةُ الجالِبَةُ لِلْمَعارِفِ العَقْلِيَّةِ، وأنْتَ لا تَجِدُ شَيْئًا في الأجْسامِ يُشْبِهُ الخَيالَ في هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ إلّا الزُّجاجَةُ، فَإنَّها في الأصْلِ مِن جَوْهَرٍ كَثِيفٍ ولَكِنْ صَفا ورَقَّ حَتّى صارَ لا يَحْجُبُ نُورَ المِصْباحِ بَلْ يُؤَدِّيهِ عَلى وجْهِهِ، ثُمَّ يَحْفَظُهُ عَلى الِانْطِفاءِ بِالرِّياحِ العاصِفَةِ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ فَهي القَوِيَّةُ عَلى إدْراكِ الماهِيّاتِ الكُلِّيَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، فَلا يَخْفى عَلَيْكَ وجْهُ تَمْثِيلِهِ بِالمِصْباحِ، وقَدْ عَرَفْتَ هَذا حَيْثُ بَيَّنّا كَوْنَ الأنْبِياءِ سُرُجًا مُنِيرَةً.
وأمّا الرّابِعُ: وهو القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ فَمِن خَواصِّها أنَّها تَأْخُذُ ماهِيَّةً واحِدَةً، ثُمَّ تُقَسِّمُها إلى قِسْمَيْنِ، كَقَوْلِنا: المَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَجْعَلُ كُلَّ قِسْمٍ مَرَّةً أُخْرى قِسْمَيْنِ وهَكَذا إلى أنْ تَكْثُرَ الشُّعَبُ بِالتَّقْسِيماتِ العَقْلِيَّةِ، ثُمَّ تُفْضِي بِالآخِرَةِ إلى نَتائِجِها وهي ثَمَراتُها، ثُمَّ تَعُودُ فَتَجْعَلُ تِلْكَ الثَّمَراتِ بُذُورًا لِأمْثالِها حَتّى تَتَأدّى إلى ثَمَراتٍ لا نِهايَةَ لَها، فَبِالحَرِيِّ أنْ يَكُونَ مِثالُهُ مِن هَذا العالَمِ الشَّجَرَةَ، وإذا كانَتْ ثِمارُها مادَّةً لِتَزايُدِ أنْوارِ المَعارِفِ ونَباتِها، فَبِالحَرِيِّ أنْ لا يُمَثَّلَ بِشَجَرَةِ السَّفَرْجَلِ والتُّفّاحِ، بَلْ بِشَجَرَةِ الزَّيْتُونِ خاصَّةً، لِأنَّ لُبَّ ثَمَرَتِها هو الزَّيْتُ الَّذِي هو مادَّةُ المَصابِيحِ، ولَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الأدْهانِ خاصِّيَّةُ زِيادَةِ الإشْراقِ وقِلَّةِ الدُّخانِ، وإذا كانَتِ الماشِيَةُ الَّتِي يَكْثُرُ دَرُّها ونَسْلُها والشَّجَرَةُ الَّتِي تَكْثُرُ ثَمَرَتُها تُسَمّى مُبارَكَةً، فالَّذِي لا يَتَناهى إلى حَدٍّ مَحْدُودٍ أوْلى أنْ يُسَمّى شَجَرَةً مُبارَكَةً، وإذا كانَتْ شُعَبُ الأفْكارِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَةِ مُجَرَّدَةً عَنْ لَواحِقِ الأجْسامِ، فَبِالحَرِيِّ أنْ تَكُونَ لا شَرْقِيَّةً ولا غَرْبِيَّةً.
وأمّا الخامِسُ: وهو القُوَّةُ القُدْسِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فَهي في نِهايَةِ الشَّرَفِ والصَّفاءِ، فَإنَّ القُوَّةَ الفِكْرِيَّةَ تَنْقَسِمُ إلى ما يَحْتاجُ إلى تَعْلِيمٍ وتَنْبِيهٍ وإلى ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا بُدَّ مِن وُجُودِ هَذا القِسْمِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، فَبِالحَرِيِّ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ هَذا القِسْمِ بِكَمالِهِ وصَفائِهِ وشِدَّةِ اسْتِعْدادِهِ بِأنَّهُ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، فَهَذا المِثالُ مُوافِقٌ لِهَذا القِسْمِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأنْوارُ مُرَتَّبَةً بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فالحِسُّ هو الأوَّلُ وهو كالمُقَدِّمَةِ لِلْخَيالِ، والخَيالُ كالمُقَدَّمَةِ لِلْعَقْلِ، فَبِالحَرِيِّ أنْ تَكُونَ المِشْكاةُ كالظَّرْفِ لِلزُّجاجَةِ الَّتِي هي كالظَّرْفِ لِلْمِصْباحِ.
وسادِسُها: ما ذَكَرَهُ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا فَإنَّهُ نَزَّلَ هَذِهِ الأمْثِلَةَ الخَمْسَةَ عَلى مَراتِبِ إدْراكاتِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ قابِلَةٌ لِلْمَعارِفِ الكُلِّيَّةِ والإدْراكاتِ المُجَرَّدَةِ، ثُمَّ إنَّها في أوَّلِ الأمْرِ تَكُونُ خالِيَةً عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ المَعارِفِ فَهُناكَ تُسَمّى عَقْلًا هَيُولِيًّا وهي المِشْكاةُ.
وفِي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ يَحْصُلُ فِيها العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ الَّتِي يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِتَرْكِيباتِها إلى اكْتِسابِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ أمْكِنَةَ الِانْتِقالِ إنْ كانَتْ ضَعِيفَةً فَهي الشَّجَرَةُ، وإنْ كانَتْ أقْوى مِن ذَلِكَ فَهي الزَّيْتُ، وإنْ كانَتْ شَدِيدَةَ القُوَّةِ جِدًّا فَهي الزُّجاجَةُ الَّتِي تَكُونُ كَأنَّها الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ، وإنْ كانَتْ في النِّهايَةِ القُصْوى وهي النَّفْسُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي لِلْأنْبِياءِ فَهي الَّتِي يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ.
وفِي المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ: يُكْتَسَبُ مِنَ العُلُومِ الفِطْرِيَّةِ الضَّرُورِيَّةِ العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ إلّا أنَّها لا تَكُونُ حاضِرَةً بِالفِعْلِ ولَكِنَّها تَكُونُ بِحَيْثُ مَتى شاءَ صاحِبُها اسْتِحْضارَها قَدَرَ عَلَيْهِ، وهَذا يُسَمّى عَقْلًا بِالفِعْلِ وهَذا المِصْباحُ.
وفِي المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ: أنْ تَكُونَ تِلْكَ المَعارِفُ الضَّرُورِيَّةُ والنَّظَرِيَّةُ حاصِلَةً بِالفِعْلِ ويَكُونُ صاحِبُها كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْها وهَذا يُسَمّى عَقْلًا مُسْتَفادًا وهو نُورٌ عَلى نُورٍ؛ لِأنَّ المَلَكَةَ نُورٌ وحُصُولُ ما عَلَيْهِ المَلَكَةُ نُورٌ آخَرُ، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ هَذِهِ العُلُومَ الَّتِي تَحْصُلُ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، إنَّما تَحْصُلُ مِن جَوْهَرٍ رُوحانِيٍّ يُسَمّى بِالعَقْلِ الفَعّالِ وهو مُدَبِّرُ ما تَحْتَ كُرَةِ القَمَرِ وهو النّارُ.
وسابِعُها: قَوْلُ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ الصَّدْرَ بِالمِشْكاةِ والقَلْبَ بِالزُّجاجَةِ والمَعْرِفَةَ بِالمِصْباحِ،
صفحة ٢٠٥
وهَذا المِصْباحُ إنَّما تَوَقَّدَ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ وهي إلْهاماتُ المَلائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤] وإنَّما شَبَّهَ المَلائِكَةَ بِالشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِمْ، وإنَّما وصَفَها بِأنَّها لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ لِأنَّها رُوحانِيَّةٌ، وإنَّما وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ لِكَثْرَةِ عُلُومِها وشِدَّةِ إطِّلاعِها عَلى أسْرارِ مَلَكُوتِ اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ هَهُنا أنَّ المُشَبَّهَ غَيْرُ المُشَبَّهِ بِهِ.
وثامِنُها: قالَ مُقاتِلٌ: مَثَلُ نُورِهِ أيْ مَثَلُ نُورِ الإيمانِ في قَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ، فالمِشْكاةُ نَظِيرُ صُلْبِ عَبْدِ اللَّهِ، والزُّجاجَةُ نَظِيرُ جَسَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمِصْباحُ نَظِيرُ الإيمانِ في قَلْبِ مُحَمَّدٍ أوْ نَظِيرُ النُّبُوَّةِ في قَلْبِهِ.
وتاسِعُها: قالَ قَوْمٌ: المِشْكاةُ نَظِيرُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والزُّجاجَةُ نَظِيرُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمِصْباحُ نَظِيرُ جَسَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والشَّجَرَةُ النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ.
وعاشِرُها: أنَّ قَوْلَهُ مَثَلُ نُورِهِ يَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وكانَ يَقْرَأُها مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ هو المُخْتارُ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ فَإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أيْ مَثَلُ هُداهُ وبَيانِهِ كانَ ذَلِكَ مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ، ولِأنّا لَمّا فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِأنَّهُ هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذا فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ بِأنَّ المُرادَ مَثَلُ هُداهُ كانَ ذَلِكَ مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ.
* * *
الفَصْلُ الرّابِعُ - في بَقِيَّةِ المَباحِثِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ:
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: المِشْكاةُ الكُوَّةُ في الجِدارِ غَيْرُ النّافِذَةِ، هَذا هو القَوْلُ المَشْهُورُ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا أُخَرَ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: المِشْكاةُ القائِمُ الَّذِي في وسَطِ القِنْدِيلِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الفَتِيلَةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والقُرَظِيِّ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: هي هَهُنا قَصَبَةُ القِنْدِيلِ مِنَ الزُّجاجَةِ الَّتِي تُوضَعُ فِيها الفَتِيلَةُ.
الثّالِثُ: قالَ الضَّحّاكُ إنَّها الحَلْقَةُ الَّتِي يُعَلَّقُ بِها القِنْدِيلُ. والأوَّلُ هو الأصَحُّ.
المسألة الثّانِيَةُ: زَعَمُوا أنَّ المِشْكاةَ هي الكُوَّةُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: المِشْكاةُ مِن كَلامِ العَرَبِ، ومِثْلُها المِشْكاةُ وهي الدَّقِيقُ الصَّغِيرُ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المَقْلُوبِ، والتَّقْدِيرُ مَثَلُ نُورِهِ كَمِصْباحٍ في مِشْكاةٍ لِأنَّ المُشَبَّهَ بِهِ هو الَّذِي يَكُونُ مَعْدِنًا لِلنُّورِ ومَنبَعًا لَهُ، وذَلِكَ هو المِصْباحُ لا المِشْكاةُ.
المسألة الرّابِعَةُ: المِصْباحُ السِّراجُ وأصْلُهُ مِنَ الضَّوْءِ ومِنهُ الصُّبْحُ.
المسألة الخامِسَةُ: قُرِئَ ”زُجاجَةٌ“ الزُّجاجَةُ بِالضَّمِّ والفَتْحِ والكَسْرِ أمّا ”دُرِّيٌّ“ فَقُرِئَ بِضَمِّ الدّالِ وكَسْرِها وفَتْحِها، أمّا الضَّمُّ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: ضَمُّ الدّالِ وتَشْدِيدُ الرّاءِ والياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ وهو القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُشْبِهُ الدُّرَّ لِصَفائِهِ ولَمَعانِهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّكم لَتَرَوْنَ أهْلَ الدَّرَجاتِ العُلى كَما تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ في أُفُقِ السَّماءِ» “ .
الثّانِي: أنَّهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالمَدِّ والهَمْزَةِ وهو قِراءَةُ حَمْزَةَ وعاصِمٍ
صفحة ٢٠٦
فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وصارَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ إلى أنَّهُ لَحْنٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وهَذا أضْعَفُ اللُّغاتِ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الضَّوْءِ والتَّلَأْلُؤِ ولَيْسَ بِمَنسُوبٍ إلى الدُّرِّ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ فَعِيلٌ مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الدَّفْعِ وأنَّهُ صِفَةٌ وأنَّهُ في الصِّفَةِ مِثْلُ المَرِيءِ في الِاسْمِ.
والثّالِثُ: ضَمُّ الدّالِ وتَخْفِيفُ الرّاءِ والياءِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا هَمْزٍ، أمّا الكَسْرُ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: دُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ والمَدِّ والهَمْزِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، قالَ الفَرّاءُ: هو فَعِيلٌ مِنَ الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ كالسِّكِّيرِ والفِسِّيقِ فَكانَ ضَوْءُهُ يَدْفَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِن لَمَعانِهِ.
الثّانِي: بِكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ وهي قِراءَةُ ابْنِ خُلَيْدٍ وعُتْبَةَ بْنِ حَمّادٍ عَنْ نافِعٍ. أمّا الفَتْحُ فَفِيهِ وُجُوهٌ أرْبَعَةٌ:
الأوَّلُ: بِفَتْحِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ والمَدِّ والهَمْزِ عَنِ الأعْمَشِ.
الثّانِي: بِفَتْحِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا هَمْزٍ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ.
الثّالِثُ: بِفَتْحِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ مَهْمُوزًا مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا ياءٍ عَنْ عاصِمٍ.
الرّابِعُ: كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مَهْمُوزٍ وبِياءٍ خَفِيفَةٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُوقَدُ﴾ القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ ”تَوَقَّدَ“ بِالفَتَحاتِ الأرْبَعَةِ مَعَ تَشْدِيدِ القافِ بِوَزْنِ تَفَعَّلُ، وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يَضُمُّ الدّالَ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”يَوَقَّدُ“ بِفَتْحِ الياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتِ بِنُقْطَتَيْنِ والواوِ والقافِ وتَشْدِيدِها ورَفْعِ الدّالِ، قالَ: وحَذْفُ التّاءِ لِاجْتِماعِ حَرْفَيْنِ زائِدَيْنِ وهو غَرِيبٌ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وإسْكانِ الواوِ وفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً ورَفْعِ الدّالِ، وعَنْ نافِعٍ وحَفْصٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ، وعَنْ عاصِمٍ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ القافِ وفَتْحِها، وعَنْ أبِي عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ، وعَنْ طَلْحَةَ ”تُوقِدُ“ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ وكَسْرِ القافِ وتَخْفِيفِها.
المسألة السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أيْ ضَخْمٌ مُضِيءٌ ودَرارِيُّ النُّجُومِ عِظامُها، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ كَوْكَبٌ مِنَ الكَواكِبِ المُضِيئَةِ كالزُّهْرَةِ والمُشْتَرِي والثَّوابِتِ الَّتِي في العِظَمِ الأوَّلِ.
المسألة السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ أيْ مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ أيْ كَثِيرَةِ البَرَكَةِ والنَّفْعِ، وقِيلَ هي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ وقَدْ بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا، مِنهُمُ الخَلِيلُ، وقِيلَ المُرادُ زَيْتُونُ الشّامِ، لِأنَّها هي الأرْضُ المُبارَكَةُ، فَلِهَذا جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ شَجَرَةً مُبارَكَةً.
* * *
المسألة الثّامِنَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى وصْفِ الشَّجَرَةِ بِأنَّها لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: إنَّها شَجَرَةُ الزَّيْتِ مِنَ الجَنَّةِ إذْ لَوْ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُّنْيا لَكانَتْ إمّا شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ضَرَبَ المَثَلَ بِما شاهَدُوهُ وهم ما شاهَدُوا شَجَرَةَ الجَنَّةِ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ في الشّامِ لِأنَّ الشّامَ وسَطُ الدُّنْيا فَلا يُوصَفُ شَجَرُها بِأنَّها شَرْقِيَّةٌ أوْ غَرْبِيَّةٌ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنَّ مَن قالَ: الأرْضُ كُرَةٌ لَمْ يُثْبِتِ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ مَوْضِعَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ بَلْ لِكُلِّ بَلَدٍ مَشْرِقٌ ومَغْرِبٌ عَلى حِدَةٍ، ولِأنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ لِكُلِّ مَن يَعْرِفُ الزَّيْتَ، وقَدْ يُوجَدُ في غَيْرِ الشّامِ كَوُجُودِهِ فِيها.
وثالِثُها: أنَّها شَجَرَةٌ تَلْتَفُّ بِها الأشْجارُ فَلا تُصِيبُها الشَّمْسُ في شَرْقٍ ولا غَرْبٍ، ومِنهم مَن قالَ هي شَجَرَةٌ يَلْتَفُّ بِها ورَقُها التِفافًا شَدِيدًا فَلا تَصِلُ الشَّمْسُ إلَيْها سَواءً كانَتِ الشَّمْسُ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً، ولَيْسَ في الشَّجَرِ ما يُورِقُ غُصْنُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ مِثْلُ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنَّ الغَرَضَ صَفاءُ الزَّيْتِ وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِكَمالِ نُضْجِ الزَّيْتُونِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ في العادَةِ بِوُصُولِ أثَرِ الشَّمْسِ إلَيْهِ لا بِعَدَمِ وُصُولِهِ.
ورابِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ الشَّجَرَةُ الَّتِي تَبْرُزُ عَلى جَبَلٍ عالٍ أوْ صَحْراءَ واسِعَةٍ فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْها
صفحة ٢٠٧
حالَتَيِ الطُّلُوعِ والغُرُوبِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، قالا: ومَعْناهُ لا شَرْقِيَّةٌ وحْدَها ولا غَرْبِيَّةٌ وحْدَها ولَكِنَّها شَرْقِيَّةٌ وغَرْبِيَّةٌ وهو كَما يُقالُ فُلانٌ لا مُسافِرٌ ولا مُقِيمٌ إذا كانَ يُسافِرُ ويُقِيمُ، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ لِأنَّ الشَّجَرَةَ مَتى كانَتْ كَذَلِكَ كانَ زَيْتُها في نِهايَةِ الصَّفاءِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَقْصُودُ التَّمْثِيلِ أكْمَلَ وأتَمَّ.
وخامِسُها: المِشْكاةُ صَدْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ، والمِصْباحُ ما في قَلْبِهِ ﷺ مِنَ الدِّينِ، تُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ، يَعْنِي ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فالشَّجَرَةُ هي إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ وصَفَ إبْراهِيمَ فَقالَ: لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ أيْ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي قِبَلَ المَشْرِقِ ولا قِبَلَ المَغْرِبِ كاليَهُودِ والنَّصارى بَلْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ.
* * *
المسألة التّاسِعَةُ: وصَفَ اللَّهُ تَعالى زَيْتَها بِأنَّهُ يَكادُ يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ لِأنَّ الزَّيْتَ إذا كانَ خالِصًا صافِيًا، ثُمَّ رُؤِيَ مِن بَعِيدٍ يُرى كَأنَّ لَهُ شُعاعًا، فَإذا مَسَّهُ النّارُ ازْدادَ ضَوْءًا عَلى ضَوْءٍ، كَذَلِكَ يَكادُ قَلْبُ المُؤْمِنِ يَعْمَلُ بِالهُدى قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ، فَإذا جاءَهُ العِلْمُ ازْدادَ نُورًا عَلى نُورٍ وهُدًى عَلى هُدًى، قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: قَلْبُ المُؤْمِنِ يَعْرِفُ الحَقَّ قَبْلَ أنْ يُبَيَّنَ لَهُ لِمُوافَقَتِهِ لَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: المُرادُ مِنَ الزَّيْتِ نُورُ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْ يَكادُ نُورُهُ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ قَبْلَ أنْ يَتَكَلَّمَ، وقالَ الضَّحّاكُ: يَكادُ مُحَمَّدٌ ﷺ يَتَكَلَّمُ بِالحِكْمَةِ قَبْلَ الوَحْيِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آياتٌ مُبَيِّنَةٌ كانَتْ بَدِيهَتُهُ تُنْبِيكَ بِالخَبَرِ
* * *
المسألة العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ المُرادُ تَرادُفُ هَذِهِ الأنْوارِ واجْتِماعُها، قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: المُؤْمِنُ بَيْنَ أرْبَعِ خِلالٍ إنْ أُعْطِيَ شَكَرَ وإنِ ابْتُلِيَ صَبَرَ وإنْ قالَ صَدَقَ وإنْ حَكَمَ عَدَلَ، فَهو في سائِرِ النّاسِ كالرَّجُلِ الحَيِّ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَ الأمْواتِ يَتَقَلَّبُ في خَمْسٍ مِنَ النُّورِ، كَلامُهُ نُورٌ وعَمَلُهُ نُورٌ ومَدْخَلُهُ نُورٌ ومَخْرَجُهُ نُورٌ ومَصِيرُهُ إلى النُّورِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ الرَّبِيعُ: سَألْتُ أبا العالِيَةِ عَنْ مَدْخَلِهِ ومَخْرَجِهِ، فَقالَ: سِرُّهُ وعَلانِيَتُهُ.
* * *
المسألة الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن جَهِلَ فَمِن قِبَلِهِ أتى وإلّا فالأدِلَّةُ واضِحَةٌ ولَوْ نَظَرُوا فِيها لَعَرَفُوا، قالَ أصْحابُنا: هَذِهِ الآيَةُ صَرِيحُ مَذْهَبِنا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أنْ هَذِهِ الدَّلائِلَ بَلَغَتْ في الظُّهُورِ والوُضُوحِ إلى هَذا الحَدِّ الَّذِي لا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ، قالَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي وُضُوحُ هَذِهِ الدَّلائِلِ لا يَكْفِي ولا يَنْفَعُ ما لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الإيمانَ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ﴾ إيضاحُ الأدِلَّةِ والبَياناتِ لِأنّا لَوْ حَمَلْنا النُّورَ عَلى إيضاحِ الأدِلَّةِ لَمْ يَجُزْ حَمْلُ الهُدى عَلَيْهِ أيْضًا، وإلّا لَخَرَجَ الكَلامُ عَنِ الفائِدَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا حَمْلُ الهُدى هَهُنا عَلى خَلْقِ العِلْمِ. أجابَ أبُو مُسْلِمِ بْنُ بَحْرٍ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ مَحْمُولٌ عَلى زِياداتِ الهُدى الَّذِي هو كالضِّدِّ لِلْخِذْلانِ الحاصِلِ لِلضّالِّ.
الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَهْدِي لِنُورِهِ الَّذِي هو طَرِيقُ الجَنَّةِ مَن يَشاءُ وشَبَّهَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ﴾ [الحَدِيدِ: ١٢] وزَيَّفَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ هَذَيْنِ الجَوابَيْنِ؛ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الكَلامَ المُتَقَدِّمَ هو في ذِكْرِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ فَإذا حَمَلْناهُ عَلى الهُدى دَخَلَ الكُلُّ فِيهِ، وإذا حَمَلْناهُ عَلى الزِّيادَةِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إلّا البَعْضُ، وإذا حُمِلَ عَلى طَرِيقِ الجَنَّةِ لا يَكُونُ داخِلًا فِيهِ أصْلًا إلّا مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظِ. ولَمّا زَيَّفَ هَذَيْنِ الجَوابَيْنِ، قالَ: الأوْلى أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى هَدى بِذَلِكَ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ وهُمُ الَّذِينَ بَلَغَهم حَدُّ التَّكْلِيفِ.
صفحة ٢٠٨
واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ أضْعَفُ مِنَ الجَوابَيْنِ الأوَّلَيْنِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مَعَ وُضُوحِها لا تَكْفِي، وهَذا لا يَتَناوَلُ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ فَسَقَطَ ما قالُوهُ.
المسألة الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ والمُرادُ لِلْمُكَلَّفِينَ مِنَ النّاسِ، وهو النَّبِيُّ ومَن بُعِثَ إلَيْهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ فَقالُوا: إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ نِعْمَةً عَظِيمَةً لَوْ أمْكَنَهُمُ الِانْتِفاعُ بِهِ، ولَوْ كانَ الكُلُّ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما تَمَكَّنُوا مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، وجَوابُهُ ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وذَلِكَ كالوَعِيدِ لِمَن لا يَعْتَبِرُ ولا يَتَفَكَّرُ في أمْثالِهِ ولا يَنْظُرُ في أدِلَّتِهِ فَيَعْرِفُ وُضُوحَها وبُعْدَها عَنِ الشُّبُهاتِ.
النور 24:36
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ﴾ يَقْتَضِي مَحْذُوفًا يَكُونُ فِيها وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيرَ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ، وهو اخْتِيارُ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، اعْتَرَضَ أبُو مُسْلِمِ بْنُ بَحْرٍ الأصْفَهانِيُّ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ المِصْباحِ المِثْلُ وكَوْنُ المِصْباحِ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ لا يَزِيدُ في هَذا المَقْصُودِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَزِيدُ المِصْباحَ إنارَةً وإضاءَةً.
الثّانِي: أنَّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِيهِ وُجُوهٌ تَقْتَضِي كَوْنَهُ واحِدًا كَقَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النُّورِ: ٣٥] ولَفْظُ البُيُوتِ جَمْعٌ ولا يَصِحُّ كَوْنُ هَذا الواحِدِ في كُلِّ البُيُوتِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المِصْباحَ المَوْضُوعَ في الزُّجاجَةِ الصّافِيَةِ إذا كانَ في المَساجِدِ كانَ أعْظَمَ وأضْخَمَ فَكانَ أضْوَأ، فَكانَ التَّمْثِيلُ بِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ القَصْدُ بِالمِثْلِ هو الَّذِي لَهُ هَذا الوَصْفُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلٌّ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في زُجاجَةٍ تَتَوَقَّدُ مِنَ الزَّيْتِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في ذَلِكَ أنَّ ضَوْأها يَظْهَرُ في هَذِهِ البُيُوتِ بِاللَّيالِي عِنْدَ الحاجَةِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ أنَّ رَجُلًا قالَ: الَّذِي يَصْلُحُ لِخِدْمَتِي رَجُلٌ يَرْجِعُ إلى عِلْمٍ وكِفايَةٍ وقَناعَةٍ يَلْتَزِمُ بَيْتَهُ لَكانَ. وإنْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الواحِدِ فالمُرادُ النوع، فَكَذا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: التَّقْدِيرُ تُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ
صفحة ٤
راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٣٤] أيْ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ، ويَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينِ خَلَوُا الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ، والبُيُوتُ المَساجِدُ، وقَدِ اقْتَصَّ اللَّهُ أخْبارَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَكَرَ أماكِنَهم فَسَمّاها مَحارِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] و﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٧] فَيَقُولُ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ [النُّورِ: ٣٤]، ”وأنْزَلْنا أقاصِيصَ مَن بُعِثَ قَبْلَكم مِنَ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ“ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ [النُّورِ: ٣٦] .
ورابِعُها: قَوْلُ الجُبّائِيِّ إنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: صَلُّوا في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
وخامِسُها: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ إنَّهُ لا حَذْفَ في الآيَةِ بَلْ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ كَأنَّهُ قالَ يُسَبِّحُ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ رِجالٌ صِفَتُهم كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ فَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ القاضِي مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ مَن خَلا مِنَ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ لِتَعَلُّقِهِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الإكْراهِ عَلى الزِّنا ابْتِغاءً لِلدُّنْيا، فَلا يَلِيقُ ذَلِكَ بِوَصْفِ هَذِهِ البُيُوتِ لِأنَّها بُيُوتٌ أذِنَ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صارَتْ مُنْقَطِعَةً عَنْ تِلْكَ الآيَةِ بِما تَخَلَّلَ بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وأمّا قَوْلُ الجُبّائِيِّ فَقِيلَ الإضْمارُ لا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وعَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ لا حاجَةَ إلَيْهِ فَلا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ إشْكالٌ أيْضًا لِأنَّ عَلى قَوْلِهِ يَصِيرُ المَعْنى في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِيها تَكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ تَحَمُّلَ هَذِهِ الزِّيادَةِ أوْلى مِن تَحَمُّلِ ذَلِكَ النُّقْصانِ ؟ قُلْنا الزِّيادَةُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ كَثِيرَةٌ فَكانَ المَصِيرُ إلَيْها أوْلى.
المسألة الثّانِيَةُ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ المَساجِدُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ قالَ: هي البُيُوتُ كُلُّها والأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ في البُيُوتِ ما لا يُمْكِنُ أنْ يُوصَفَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ أنْ تُرْفَعَ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ والصَّلاةِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمَساجِدِ، ثُمَّ لِلْقائِلِينَ بِأنَّ المُرادَ هو المَساجِدُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أرْبَعُ مَساجِدَ: الكَعْبَةُ بَناها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيْتُ المَقْدِسِ بَناهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَسْجِدُ المَدِينَةِ بَناهُ النَّبِيُّ ﷺ، ومَسْجِدُ قُباءَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى بَناهُ النَّبِيُّ ﷺ، وعَنِ الحَسَنِ هو بَيْتُ المَقْدِسِ يُسْرَجُ فِيهِ عَشَرَةُ آلافِ قِنْدِيلٍ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ هو جَمِيعُ المَساجِدِ، والأوَّلُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِلا دَلِيلٍ فالأوْلى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى جَمِيعِ المَساجِدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَساجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ في الأرْضِ وهي تُضِيءُ لِأهْلِ السَّماءِ كَما تُضِيءُ النُّجُومُ لِأهْلِ الأرْضِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُرْفَعَ﴾ عَلى أقْوالٍ:
أحَدُها: المُرادُ مِن رَفْعِها بِناؤُها لِقَوْلِهِ: ﴿بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [النّازِعاتِ: ٢٧، ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي المَساجِدُ أمَرَ اللَّهُ أنْ تُبْنى.
وثانِيها: تُرْفَعُ أيْ تُعَظَّمُ وتُطَهَّرُ عَنِ الأنْجاسِ وعَنِ اللَّغْوِ مِنَ الأقْوالِ عَنِ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: المُرادُ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ.
صفحة ٥
والقَوْلُ الثّانِي أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّها كانَتْ بُيُوتًا قَبْلَ الرَّفْعِ فَأذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ذِكْرٍ.
والثّانِي: أنْ يُتْلى فِيها كِتابُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: لا يُتَكَلَّمُ فِيها بِما لا يَنْبَغِي والأوَّلُ أوْلى لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
المسألة الخامِسَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”يُسَبَّحُ“ بِفَتْحِ الباءِ والباقُونَ بِكَسْرِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ القَوْلُ مُمْتَدًّا إلى آخِرِ الظُّرُوفِ الثَّلاثَةِ، أعْنِي لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ، ثم قال الزَّجّاجُ: ﴿رِجالٌ﴾ مَرْفُوعٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ مَن يُسَبِّحُ ؟ فَقِيلَ يُسَبِّحُ رِجالٌ.
* * *
المسألة السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذا التَّسْبِيحِ فالأكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلى نَفْسِ الصَّلاةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى كُلِّ الصَّلَواتِ الخَمْسِ ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ فَقالَ: كانَتا واجِبَتَيْنِ في ابْتِداءِ الحالِ ثُمَّ زِيدَ فِيهِما، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى التَّسْبِيحِ الَّذِي هو تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وفِعْلِهِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ قَدْ عَطَفَهُما عَلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ قالَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وهَذا الوجه أظْهَرُ.
* * *
المسألة السّابِعَةُ: الآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ والأُصُلُ جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ، وإنَّما وُجِدَ الغُدُوُّ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ والأصِيلُ اسْمُ جَمْعٍ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”بِالغُدُوِّ“ أيْ بِأوْقاتِ الغُدُوِّ أيْ بِالغَدَواتِ وقُرِئَ ”والإيصالِ“ وهو الدُّخُولُ في الأصِيلِ، يُقالُ آصَلَ كَأعْتَمَ وأظْهَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى مَذْكُورَةٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن أحَدٍ يَغْدُو ويَرُوحُ إلى المَسْجِدِ يُؤْثِرُهُ عَلى ما سِواهُ إلّا ولَهُ عِنْدَ اللَّهِ نُزُلٌ يَعْدِلُهُ في الجَنَّةِ» وفي رِوايَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا ”«مَن غَدا إلى المَسْجِدِ وراحَ لِيُعَلِّمَ خَيْرًا أوْ لِيَتَعَلَّمَهُ كانَ كَمَثَلِ المُجاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَرْجِعُ غانِمًا» “ .
* * *
المسألة الثّامِنَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ فَقالَ بَعْضُهم نَفى كَوْنَهم تُجّارًا وباعَةً أصْلًا، وقالَ بَعْضُهم بَلْ أثْبَتَهم تُجّارًا وباعَةً وبَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ مِن ضُرُوبِ مَنافِعِ التِّجاراتِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. قالَ الحَسَنُ أما واللَّهِ إنْ كانُوا لَيَتَّجِرُونَ، ولَكِنْ إذا جاءَتْ فَرائِضُ اللَّهِ لَمْ يُلْهِهِمْ عَنْها شَيْءٌ فَقامُوا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ. وعَنْ سالِمٍ نَظَرَ إلى قَوْمٍ مِن أهْلِ السُّوقِ تَرَكُوا بِياعاتِهِمْ وذَهَبُوا إلى الصَّلاةِ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ إنَّ فُلانًا لا تُلْهِيهِ التِّجارَةُ عَنْ كَيْتَ وكَيْتَ إلّا وهو تاجِرٌ، وإنِ احْتَمَلَ الوجه الأوَّلَ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لَمّا قالَ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ دَخَلَ فِيهِ البَيْعُ فَلِمَ أعادَ ذِكْرَ البَيْعِ ؟ قُلْنا الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التِّجارَةَ جِنْسٌ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أنْواعُ الشِّراءِ والبَيْعِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ البَيْعَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ في الإلْهاءِ أدْخَلَ، لِأنَّ الرِّبْحَ الحاصِلَ في البَيْعِ يَقِينٌ ناجِزٌ، والرِّبْحَ الحاصِلَ في الشِّراءِ شَكٌّ مُسْتَقْبَلٌ.
الثّانِي: أنَّ البَيْعَ يَقْتَضِي تَبْدِيلَ العَرْضِ بِالنَّقْدِ، والشِّراءِ بِالعَكْسِ والرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِ النَّقْدِ أكْثَرَ مِنَ العَكْسِ.
الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: التِّجارَةُ لِأهْلِ الجَلَبِ، يُقالُ: اتَّجَرَ فُلانٌ في كَذا إذا جَلَبَهُ مِن غَيْرِ بَلَدِهِ، والبَيْعُ ما باعَهُ عَلى يَدَيْهِ.
صفحة ٦
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ الرِّجالَ بِالذِّكْرِ ؟ والجَوابُ: لِأنَّ النِّساءَ لَسْنَ مِن أهْلِ التِّجاراتِ أوِ الجَماعاتِ.
* * *
المسألة التّاسِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ تَعالى والدَّعَواتُ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ الصَّلَواتُ، فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإقامِ الصَّلاةِ﴾ ؟ قُلْنا عَنْهُ جَوابانِ:
أحَدُهُما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِإقامِ الصَّلاةِ إقامَتُها لِمَواقِيتِها.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإقامِ الصَّلاةِ﴾ تَفْسِيرًا لِذِكْرِ اللَّهِ فَهم يَذْكُرُونَ اللَّهَ قَبْلَ الصَّلاةِ وفي الصَّلاةِ.
المسألة العاشِرَةُ: قَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أنَّ إقامَ الصَّلاةِ هو القِيامُ بِحَقِّها عَلى شُرُوطِها، والوجه في حَذْفِ الهاءِ ما قالَهُ الزَّجّاجُ، يُقالُ أقَمْتُ الصَّلاةَ إقامَةً وكانَ الأصْلُ إقْوامًا، ولَكِنْ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا فاجْتَمَعَ ألِفانِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَبَقِيَ: أقَمْتُ الصَّلاةَ إقامًا، فَأُدْخِلَتِ الهاءُ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وقامَتِ الإضافَةُ هَهُنا في التَّعْوِيضِ مَقامَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ، قالَ: وهَذا إجْماعٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
المسألة الحادِيَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ فَمِنهم مَن قالَ: هي الفَرائِضُ، ومِنهم مَن أدْخَلَ فِيهِ النَّقْلَ عَلى ما حَكَيْناهُ في صَلاةِ الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ أقْرَبُ لِأنَّهُ إلى التَّعْرِيفِ أقْرَبَ وكَذَلِكَ القَوْلُ في الزَّكاةِ أنَّ المُرادَ المَفْرُوضُ لِأنَّهُ المَعْرُوفُ في الشَّرْعِ المُسَمّى بِذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ مِنَ الزَّكاةِ طاعَةُ اللَّهِ تَعالى والإخْلاصُ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ﴾ [النُّورِ: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] وهَذا ضَعِيفٌ لِما تَقَدَّمَ، ولِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ الزَّكاةَ بِالإيتاءِ، وهَذا لا يُحْمَلُ إلّا عَلى ما يُعْطى مِن حُقُوقِ المالِ.
المسألة الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الرِّجالَ وإنْ تَعَبَّدُوا بِذِكْرِ اللَّهِ والطّاعاتِ فَإنَّهم مَعَ ذَلِكَ مَوْصُوفُونَ بِالوَجَلِ والخَوْفِ فَقالَ: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ وذَلِكَ الخَوْفُ إنَّما كانَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم ما عَبَدُوا اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ عَلى أقْوالٍ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ أنَّ القُلُوبَ تَضْطَرِبُ مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ وتَشْخَصُ الأبْصارُ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحْزابِ: ١٠] .
الثّانِي: أنَّها تَتَغَيَّرُ أحْوالُها فَتَفْقَهُ القُلُوبُ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْبُوعًا عَلَيْها لا تَفْقَهُ، وتُبْصِرُ الأبْصارُ بَعْدَ أنْ كانَتْ لا تُبْصِرُ، فَكَأنَّهُمُ انْقَلَبُوا مِنَ الشَّكِّ إلى الظَّنِّ، ومِنَ الظَّنِّ إلى اليَقِينِ، ومِنَ اليَقِينِ إلى المُعايَنَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] .
الثّالِثُ: أنَّ القُلُوبَ تَتَقَلَّبُ في ذَلِكَ اليَوْمِ طَمَعًا في النَّجاةِ وحَذَرًا مِنَ الهَلاكِ، والأبْصارَ تَنْقَلِبُ مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْمَرُ بِهِمْ، أمِن ناحِيَةِ اليَمِينِ أمْ مِن ناحِيَةِ الشَّمالِ ؟ ومِن أيِّ ناحِيَةٍ يُعْطُونَ كِتابَهم أمِن قِبَلِ الأيْمانِ أمْ مِن قِبَلِ الشَّمائِلِ ؟ والمُعْتَزِلَةُ لا يَرْضَوْنَ بِهَذا التَّأْوِيلِ، فَإنَّهم قالُوا: إنَّ أهْلَ الثَّوابِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمُ البَتَّةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأهْلَ العِقابِ لا يَرْجُونَ العَفْوَ، لَكِنّا بَيَّنّا فَسادَ هَذا المَذْهَبِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
الرّابِعُ: أنَّ القُلُوبَ تَزُولُ عَنْ أماكِنِها فَتَبْلُغُ الحَناجِرَ، والأبْصارُ تَصِيرُ زُرْقًا، قالَ الضَّحّاكُ: يُحْشَرُ الكافِرُ وبَصَرُهُ حَدِيدٌ وتَزْرَقُّ عَيْناهُ ثُمَّ يَعْمى، ويَتَقَلَّبُ القَلْبُ مِنَ الخَوْفِ حَيْثُ لا يَجِدُ مُخَلِّصًا حَتّى يَقَعَ في الحَنْجَرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ [غافِرٍ: ١٨] .
الخامِسُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ تَغَيُّرُ هَيْئاتِها بِسَبَبِ
صفحة ٧
ما يَنالُها مِنَ العَذابِ، فَتَكُونُ مَرَّةً بِهَيْئَةِ ما أُنْضِجَ بِالنّارِ، ومَرَّةً بِهَيْئَةِ ما احْتَرَقَ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ تَقَلُّبَها عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنْعامِ: ١١٠] .
* * *
المسألة الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أيْ يَفْعَلُونَ هَذِهِ القُرُباتِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ ويُثِيبَهم عَلى أحْسَنِ ما عَمِلُوا، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِالأحْسَنِ الحَسَناتُ أجْمَعُ، وهي الطّاعاتُ فَرْضُها ونَفْلُها، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّما ذَكَرَ الأحْسَنَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يُجازِيهِمْ عَلى مَساوِئِ أعْمالِهِمْ بَلْ يَغْفِرُها لَهم.
الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْزِيهِمْ جَزاءَ أحْسَنِ ما عَمِلُوا عَلى الواحِدِ عَشْرًا إلى سَبْعِمِائَةٍ.
الثّالِثُ: قالَ القاضِي: المُرادُ بِذَلِكَ أنْ تَكُونَ الطّاعاتُ مِنهم مُكَفِّرَةً لِمَعاصِيهِمْ وإنَّما يَجْزِيهِمُ اللَّهُ تَعالى بِأحْسَنِ الأعْمالِ، وهَذا مُسْتَقِيمٌ عَلى مَذْهَبِهِ في الإحْباطِ والمُوازَنَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَجْزِيهِمْ بِأحْسَنِ الأعْمالِ ولا يَقْتَصِرُ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ بَلْ يَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ عَلى ما ذَكَرَهُ تَعالى في سائِرِ الآياتِ مِنَ التَّضْعِيفِ، فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِفِعْلِ الطّاعَةِ أثَرًا في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، لِأنَّهُ تَعالى مَيَّزَ الجَزاءَ عَنِ الفَضْلِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ، فَإنَّ عِنْدَكُمُ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى رَبِّهِ شَيْئًا، قُلْنا نَحْنُ نُثْبِتُ الِاسْتِحْقاقَ لَكِنْ بِالوَعْدِ فَذاكَ القَدْرُ هو المُسْتَحَقُّ والزّائِدُ عَلَيْهِ هو الفَضْلُ، ثم قال: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ نَبَّهَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ جُودِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وسَعَةِ إحْسانِهِ، فَكانَ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَهم بِالجِدِّ والِاجْتِهادِ في الطّاعَةِ، ومَعَ ذَلِكَ يَكُونُونَ في نِهايَةِ الخَوْفِ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ يُعْطِيهِمُ الثَّوابَ العَظِيمَ عَلى طاعاتِهِمْ، ويَزِيدُهُمُ الفَضْلَ الَّذِي لا حَدَّ لَهُ في مُقابَلَةِ خَوْفِهِمْ.
النور 24:37
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ﴾ يَقْتَضِي مَحْذُوفًا يَكُونُ فِيها وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيرَ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ، وهو اخْتِيارُ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، اعْتَرَضَ أبُو مُسْلِمِ بْنُ بَحْرٍ الأصْفَهانِيُّ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ المِصْباحِ المِثْلُ وكَوْنُ المِصْباحِ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ لا يَزِيدُ في هَذا المَقْصُودِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَزِيدُ المِصْباحَ إنارَةً وإضاءَةً.
الثّانِي: أنَّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِيهِ وُجُوهٌ تَقْتَضِي كَوْنَهُ واحِدًا كَقَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النُّورِ: ٣٥] ولَفْظُ البُيُوتِ جَمْعٌ ولا يَصِحُّ كَوْنُ هَذا الواحِدِ في كُلِّ البُيُوتِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المِصْباحَ المَوْضُوعَ في الزُّجاجَةِ الصّافِيَةِ إذا كانَ في المَساجِدِ كانَ أعْظَمَ وأضْخَمَ فَكانَ أضْوَأ، فَكانَ التَّمْثِيلُ بِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ القَصْدُ بِالمِثْلِ هو الَّذِي لَهُ هَذا الوَصْفُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلٌّ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في زُجاجَةٍ تَتَوَقَّدُ مِنَ الزَّيْتِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في ذَلِكَ أنَّ ضَوْأها يَظْهَرُ في هَذِهِ البُيُوتِ بِاللَّيالِي عِنْدَ الحاجَةِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ أنَّ رَجُلًا قالَ: الَّذِي يَصْلُحُ لِخِدْمَتِي رَجُلٌ يَرْجِعُ إلى عِلْمٍ وكِفايَةٍ وقَناعَةٍ يَلْتَزِمُ بَيْتَهُ لَكانَ. وإنْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الواحِدِ فالمُرادُ النوع، فَكَذا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: التَّقْدِيرُ تُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ
صفحة ٤
راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٣٤] أيْ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ، ويَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينِ خَلَوُا الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ، والبُيُوتُ المَساجِدُ، وقَدِ اقْتَصَّ اللَّهُ أخْبارَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَكَرَ أماكِنَهم فَسَمّاها مَحارِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] و﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٧] فَيَقُولُ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ [النُّورِ: ٣٤]، ”وأنْزَلْنا أقاصِيصَ مَن بُعِثَ قَبْلَكم مِنَ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ“ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ [النُّورِ: ٣٦] .
ورابِعُها: قَوْلُ الجُبّائِيِّ إنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: صَلُّوا في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
وخامِسُها: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ إنَّهُ لا حَذْفَ في الآيَةِ بَلْ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ كَأنَّهُ قالَ يُسَبِّحُ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ رِجالٌ صِفَتُهم كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ فَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ القاضِي مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ مَن خَلا مِنَ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ لِتَعَلُّقِهِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الإكْراهِ عَلى الزِّنا ابْتِغاءً لِلدُّنْيا، فَلا يَلِيقُ ذَلِكَ بِوَصْفِ هَذِهِ البُيُوتِ لِأنَّها بُيُوتٌ أذِنَ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صارَتْ مُنْقَطِعَةً عَنْ تِلْكَ الآيَةِ بِما تَخَلَّلَ بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وأمّا قَوْلُ الجُبّائِيِّ فَقِيلَ الإضْمارُ لا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وعَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ لا حاجَةَ إلَيْهِ فَلا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ إشْكالٌ أيْضًا لِأنَّ عَلى قَوْلِهِ يَصِيرُ المَعْنى في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِيها تَكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ تَحَمُّلَ هَذِهِ الزِّيادَةِ أوْلى مِن تَحَمُّلِ ذَلِكَ النُّقْصانِ ؟ قُلْنا الزِّيادَةُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ كَثِيرَةٌ فَكانَ المَصِيرُ إلَيْها أوْلى.
المسألة الثّانِيَةُ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ المَساجِدُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ قالَ: هي البُيُوتُ كُلُّها والأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ في البُيُوتِ ما لا يُمْكِنُ أنْ يُوصَفَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ أنْ تُرْفَعَ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ والصَّلاةِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمَساجِدِ، ثُمَّ لِلْقائِلِينَ بِأنَّ المُرادَ هو المَساجِدُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أرْبَعُ مَساجِدَ: الكَعْبَةُ بَناها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيْتُ المَقْدِسِ بَناهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَسْجِدُ المَدِينَةِ بَناهُ النَّبِيُّ ﷺ، ومَسْجِدُ قُباءَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى بَناهُ النَّبِيُّ ﷺ، وعَنِ الحَسَنِ هو بَيْتُ المَقْدِسِ يُسْرَجُ فِيهِ عَشَرَةُ آلافِ قِنْدِيلٍ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ هو جَمِيعُ المَساجِدِ، والأوَّلُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِلا دَلِيلٍ فالأوْلى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى جَمِيعِ المَساجِدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَساجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ في الأرْضِ وهي تُضِيءُ لِأهْلِ السَّماءِ كَما تُضِيءُ النُّجُومُ لِأهْلِ الأرْضِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُرْفَعَ﴾ عَلى أقْوالٍ:
أحَدُها: المُرادُ مِن رَفْعِها بِناؤُها لِقَوْلِهِ: ﴿بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [النّازِعاتِ: ٢٧، ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي المَساجِدُ أمَرَ اللَّهُ أنْ تُبْنى.
وثانِيها: تُرْفَعُ أيْ تُعَظَّمُ وتُطَهَّرُ عَنِ الأنْجاسِ وعَنِ اللَّغْوِ مِنَ الأقْوالِ عَنِ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: المُرادُ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ.
صفحة ٥
والقَوْلُ الثّانِي أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّها كانَتْ بُيُوتًا قَبْلَ الرَّفْعِ فَأذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ذِكْرٍ.
والثّانِي: أنْ يُتْلى فِيها كِتابُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: لا يُتَكَلَّمُ فِيها بِما لا يَنْبَغِي والأوَّلُ أوْلى لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
المسألة الخامِسَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”يُسَبَّحُ“ بِفَتْحِ الباءِ والباقُونَ بِكَسْرِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ القَوْلُ مُمْتَدًّا إلى آخِرِ الظُّرُوفِ الثَّلاثَةِ، أعْنِي لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ، ثم قال الزَّجّاجُ: ﴿رِجالٌ﴾ مَرْفُوعٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ مَن يُسَبِّحُ ؟ فَقِيلَ يُسَبِّحُ رِجالٌ.
* * *
المسألة السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذا التَّسْبِيحِ فالأكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلى نَفْسِ الصَّلاةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى كُلِّ الصَّلَواتِ الخَمْسِ ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ فَقالَ: كانَتا واجِبَتَيْنِ في ابْتِداءِ الحالِ ثُمَّ زِيدَ فِيهِما، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى التَّسْبِيحِ الَّذِي هو تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وفِعْلِهِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ قَدْ عَطَفَهُما عَلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ قالَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وهَذا الوجه أظْهَرُ.
* * *
المسألة السّابِعَةُ: الآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ والأُصُلُ جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ، وإنَّما وُجِدَ الغُدُوُّ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ والأصِيلُ اسْمُ جَمْعٍ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”بِالغُدُوِّ“ أيْ بِأوْقاتِ الغُدُوِّ أيْ بِالغَدَواتِ وقُرِئَ ”والإيصالِ“ وهو الدُّخُولُ في الأصِيلِ، يُقالُ آصَلَ كَأعْتَمَ وأظْهَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى مَذْكُورَةٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن أحَدٍ يَغْدُو ويَرُوحُ إلى المَسْجِدِ يُؤْثِرُهُ عَلى ما سِواهُ إلّا ولَهُ عِنْدَ اللَّهِ نُزُلٌ يَعْدِلُهُ في الجَنَّةِ» وفي رِوايَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا ”«مَن غَدا إلى المَسْجِدِ وراحَ لِيُعَلِّمَ خَيْرًا أوْ لِيَتَعَلَّمَهُ كانَ كَمَثَلِ المُجاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَرْجِعُ غانِمًا» “ .
* * *
المسألة الثّامِنَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ فَقالَ بَعْضُهم نَفى كَوْنَهم تُجّارًا وباعَةً أصْلًا، وقالَ بَعْضُهم بَلْ أثْبَتَهم تُجّارًا وباعَةً وبَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ مِن ضُرُوبِ مَنافِعِ التِّجاراتِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. قالَ الحَسَنُ أما واللَّهِ إنْ كانُوا لَيَتَّجِرُونَ، ولَكِنْ إذا جاءَتْ فَرائِضُ اللَّهِ لَمْ يُلْهِهِمْ عَنْها شَيْءٌ فَقامُوا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ. وعَنْ سالِمٍ نَظَرَ إلى قَوْمٍ مِن أهْلِ السُّوقِ تَرَكُوا بِياعاتِهِمْ وذَهَبُوا إلى الصَّلاةِ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ إنَّ فُلانًا لا تُلْهِيهِ التِّجارَةُ عَنْ كَيْتَ وكَيْتَ إلّا وهو تاجِرٌ، وإنِ احْتَمَلَ الوجه الأوَّلَ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لَمّا قالَ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ دَخَلَ فِيهِ البَيْعُ فَلِمَ أعادَ ذِكْرَ البَيْعِ ؟ قُلْنا الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التِّجارَةَ جِنْسٌ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أنْواعُ الشِّراءِ والبَيْعِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ البَيْعَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ في الإلْهاءِ أدْخَلَ، لِأنَّ الرِّبْحَ الحاصِلَ في البَيْعِ يَقِينٌ ناجِزٌ، والرِّبْحَ الحاصِلَ في الشِّراءِ شَكٌّ مُسْتَقْبَلٌ.
الثّانِي: أنَّ البَيْعَ يَقْتَضِي تَبْدِيلَ العَرْضِ بِالنَّقْدِ، والشِّراءِ بِالعَكْسِ والرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِ النَّقْدِ أكْثَرَ مِنَ العَكْسِ.
الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: التِّجارَةُ لِأهْلِ الجَلَبِ، يُقالُ: اتَّجَرَ فُلانٌ في كَذا إذا جَلَبَهُ مِن غَيْرِ بَلَدِهِ، والبَيْعُ ما باعَهُ عَلى يَدَيْهِ.
صفحة ٦
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ الرِّجالَ بِالذِّكْرِ ؟ والجَوابُ: لِأنَّ النِّساءَ لَسْنَ مِن أهْلِ التِّجاراتِ أوِ الجَماعاتِ.
* * *
المسألة التّاسِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ تَعالى والدَّعَواتُ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ الصَّلَواتُ، فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإقامِ الصَّلاةِ﴾ ؟ قُلْنا عَنْهُ جَوابانِ:
أحَدُهُما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِإقامِ الصَّلاةِ إقامَتُها لِمَواقِيتِها.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإقامِ الصَّلاةِ﴾ تَفْسِيرًا لِذِكْرِ اللَّهِ فَهم يَذْكُرُونَ اللَّهَ قَبْلَ الصَّلاةِ وفي الصَّلاةِ.
المسألة العاشِرَةُ: قَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أنَّ إقامَ الصَّلاةِ هو القِيامُ بِحَقِّها عَلى شُرُوطِها، والوجه في حَذْفِ الهاءِ ما قالَهُ الزَّجّاجُ، يُقالُ أقَمْتُ الصَّلاةَ إقامَةً وكانَ الأصْلُ إقْوامًا، ولَكِنْ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا فاجْتَمَعَ ألِفانِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَبَقِيَ: أقَمْتُ الصَّلاةَ إقامًا، فَأُدْخِلَتِ الهاءُ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وقامَتِ الإضافَةُ هَهُنا في التَّعْوِيضِ مَقامَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ، قالَ: وهَذا إجْماعٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
المسألة الحادِيَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ فَمِنهم مَن قالَ: هي الفَرائِضُ، ومِنهم مَن أدْخَلَ فِيهِ النَّقْلَ عَلى ما حَكَيْناهُ في صَلاةِ الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ أقْرَبُ لِأنَّهُ إلى التَّعْرِيفِ أقْرَبَ وكَذَلِكَ القَوْلُ في الزَّكاةِ أنَّ المُرادَ المَفْرُوضُ لِأنَّهُ المَعْرُوفُ في الشَّرْعِ المُسَمّى بِذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ مِنَ الزَّكاةِ طاعَةُ اللَّهِ تَعالى والإخْلاصُ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ﴾ [النُّورِ: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] وهَذا ضَعِيفٌ لِما تَقَدَّمَ، ولِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ الزَّكاةَ بِالإيتاءِ، وهَذا لا يُحْمَلُ إلّا عَلى ما يُعْطى مِن حُقُوقِ المالِ.
المسألة الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الرِّجالَ وإنْ تَعَبَّدُوا بِذِكْرِ اللَّهِ والطّاعاتِ فَإنَّهم مَعَ ذَلِكَ مَوْصُوفُونَ بِالوَجَلِ والخَوْفِ فَقالَ: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ وذَلِكَ الخَوْفُ إنَّما كانَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم ما عَبَدُوا اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ عَلى أقْوالٍ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ أنَّ القُلُوبَ تَضْطَرِبُ مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ وتَشْخَصُ الأبْصارُ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحْزابِ: ١٠] .
الثّانِي: أنَّها تَتَغَيَّرُ أحْوالُها فَتَفْقَهُ القُلُوبُ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْبُوعًا عَلَيْها لا تَفْقَهُ، وتُبْصِرُ الأبْصارُ بَعْدَ أنْ كانَتْ لا تُبْصِرُ، فَكَأنَّهُمُ انْقَلَبُوا مِنَ الشَّكِّ إلى الظَّنِّ، ومِنَ الظَّنِّ إلى اليَقِينِ، ومِنَ اليَقِينِ إلى المُعايَنَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] .
الثّالِثُ: أنَّ القُلُوبَ تَتَقَلَّبُ في ذَلِكَ اليَوْمِ طَمَعًا في النَّجاةِ وحَذَرًا مِنَ الهَلاكِ، والأبْصارَ تَنْقَلِبُ مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْمَرُ بِهِمْ، أمِن ناحِيَةِ اليَمِينِ أمْ مِن ناحِيَةِ الشَّمالِ ؟ ومِن أيِّ ناحِيَةٍ يُعْطُونَ كِتابَهم أمِن قِبَلِ الأيْمانِ أمْ مِن قِبَلِ الشَّمائِلِ ؟ والمُعْتَزِلَةُ لا يَرْضَوْنَ بِهَذا التَّأْوِيلِ، فَإنَّهم قالُوا: إنَّ أهْلَ الثَّوابِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمُ البَتَّةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأهْلَ العِقابِ لا يَرْجُونَ العَفْوَ، لَكِنّا بَيَّنّا فَسادَ هَذا المَذْهَبِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
الرّابِعُ: أنَّ القُلُوبَ تَزُولُ عَنْ أماكِنِها فَتَبْلُغُ الحَناجِرَ، والأبْصارُ تَصِيرُ زُرْقًا، قالَ الضَّحّاكُ: يُحْشَرُ الكافِرُ وبَصَرُهُ حَدِيدٌ وتَزْرَقُّ عَيْناهُ ثُمَّ يَعْمى، ويَتَقَلَّبُ القَلْبُ مِنَ الخَوْفِ حَيْثُ لا يَجِدُ مُخَلِّصًا حَتّى يَقَعَ في الحَنْجَرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ [غافِرٍ: ١٨] .
الخامِسُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ تَغَيُّرُ هَيْئاتِها بِسَبَبِ
صفحة ٧
ما يَنالُها مِنَ العَذابِ، فَتَكُونُ مَرَّةً بِهَيْئَةِ ما أُنْضِجَ بِالنّارِ، ومَرَّةً بِهَيْئَةِ ما احْتَرَقَ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ تَقَلُّبَها عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنْعامِ: ١١٠] .
* * *
المسألة الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أيْ يَفْعَلُونَ هَذِهِ القُرُباتِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ ويُثِيبَهم عَلى أحْسَنِ ما عَمِلُوا، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِالأحْسَنِ الحَسَناتُ أجْمَعُ، وهي الطّاعاتُ فَرْضُها ونَفْلُها، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّما ذَكَرَ الأحْسَنَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يُجازِيهِمْ عَلى مَساوِئِ أعْمالِهِمْ بَلْ يَغْفِرُها لَهم.
الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْزِيهِمْ جَزاءَ أحْسَنِ ما عَمِلُوا عَلى الواحِدِ عَشْرًا إلى سَبْعِمِائَةٍ.
الثّالِثُ: قالَ القاضِي: المُرادُ بِذَلِكَ أنْ تَكُونَ الطّاعاتُ مِنهم مُكَفِّرَةً لِمَعاصِيهِمْ وإنَّما يَجْزِيهِمُ اللَّهُ تَعالى بِأحْسَنِ الأعْمالِ، وهَذا مُسْتَقِيمٌ عَلى مَذْهَبِهِ في الإحْباطِ والمُوازَنَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَجْزِيهِمْ بِأحْسَنِ الأعْمالِ ولا يَقْتَصِرُ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ بَلْ يَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ عَلى ما ذَكَرَهُ تَعالى في سائِرِ الآياتِ مِنَ التَّضْعِيفِ، فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِفِعْلِ الطّاعَةِ أثَرًا في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، لِأنَّهُ تَعالى مَيَّزَ الجَزاءَ عَنِ الفَضْلِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ، فَإنَّ عِنْدَكُمُ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى رَبِّهِ شَيْئًا، قُلْنا نَحْنُ نُثْبِتُ الِاسْتِحْقاقَ لَكِنْ بِالوَعْدِ فَذاكَ القَدْرُ هو المُسْتَحَقُّ والزّائِدُ عَلَيْهِ هو الفَضْلُ، ثم قال: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ نَبَّهَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ جُودِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وسَعَةِ إحْسانِهِ، فَكانَ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَهم بِالجِدِّ والِاجْتِهادِ في الطّاعَةِ، ومَعَ ذَلِكَ يَكُونُونَ في نِهايَةِ الخَوْفِ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ يُعْطِيهِمُ الثَّوابَ العَظِيمَ عَلى طاعاتِهِمْ، ويَزِيدُهُمُ الفَضْلَ الَّذِي لا حَدَّ لَهُ في مُقابَلَةِ خَوْفِهِمْ.
النور 24:38
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ﴾ يَقْتَضِي مَحْذُوفًا يَكُونُ فِيها وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيرَ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ، وهو اخْتِيارُ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، اعْتَرَضَ أبُو مُسْلِمِ بْنُ بَحْرٍ الأصْفَهانِيُّ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ المِصْباحِ المِثْلُ وكَوْنُ المِصْباحِ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ لا يَزِيدُ في هَذا المَقْصُودِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَزِيدُ المِصْباحَ إنارَةً وإضاءَةً.
الثّانِي: أنَّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِيهِ وُجُوهٌ تَقْتَضِي كَوْنَهُ واحِدًا كَقَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النُّورِ: ٣٥] ولَفْظُ البُيُوتِ جَمْعٌ ولا يَصِحُّ كَوْنُ هَذا الواحِدِ في كُلِّ البُيُوتِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المِصْباحَ المَوْضُوعَ في الزُّجاجَةِ الصّافِيَةِ إذا كانَ في المَساجِدِ كانَ أعْظَمَ وأضْخَمَ فَكانَ أضْوَأ، فَكانَ التَّمْثِيلُ بِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ القَصْدُ بِالمِثْلِ هو الَّذِي لَهُ هَذا الوَصْفُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلٌّ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في زُجاجَةٍ تَتَوَقَّدُ مِنَ الزَّيْتِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في ذَلِكَ أنَّ ضَوْأها يَظْهَرُ في هَذِهِ البُيُوتِ بِاللَّيالِي عِنْدَ الحاجَةِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ أنَّ رَجُلًا قالَ: الَّذِي يَصْلُحُ لِخِدْمَتِي رَجُلٌ يَرْجِعُ إلى عِلْمٍ وكِفايَةٍ وقَناعَةٍ يَلْتَزِمُ بَيْتَهُ لَكانَ. وإنْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الواحِدِ فالمُرادُ النوع، فَكَذا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: التَّقْدِيرُ تُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ
صفحة ٤
راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٣٤] أيْ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ، ويَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينِ خَلَوُا الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ، والبُيُوتُ المَساجِدُ، وقَدِ اقْتَصَّ اللَّهُ أخْبارَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَكَرَ أماكِنَهم فَسَمّاها مَحارِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] و﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٧] فَيَقُولُ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ [النُّورِ: ٣٤]، ”وأنْزَلْنا أقاصِيصَ مَن بُعِثَ قَبْلَكم مِنَ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ“ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ [النُّورِ: ٣٦] .
ورابِعُها: قَوْلُ الجُبّائِيِّ إنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: صَلُّوا في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
وخامِسُها: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ إنَّهُ لا حَذْفَ في الآيَةِ بَلْ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ كَأنَّهُ قالَ يُسَبِّحُ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ رِجالٌ صِفَتُهم كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ فَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ القاضِي مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ مَن خَلا مِنَ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ لِتَعَلُّقِهِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الإكْراهِ عَلى الزِّنا ابْتِغاءً لِلدُّنْيا، فَلا يَلِيقُ ذَلِكَ بِوَصْفِ هَذِهِ البُيُوتِ لِأنَّها بُيُوتٌ أذِنَ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صارَتْ مُنْقَطِعَةً عَنْ تِلْكَ الآيَةِ بِما تَخَلَّلَ بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وأمّا قَوْلُ الجُبّائِيِّ فَقِيلَ الإضْمارُ لا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وعَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ لا حاجَةَ إلَيْهِ فَلا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ إشْكالٌ أيْضًا لِأنَّ عَلى قَوْلِهِ يَصِيرُ المَعْنى في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِيها تَكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ تَحَمُّلَ هَذِهِ الزِّيادَةِ أوْلى مِن تَحَمُّلِ ذَلِكَ النُّقْصانِ ؟ قُلْنا الزِّيادَةُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ كَثِيرَةٌ فَكانَ المَصِيرُ إلَيْها أوْلى.
المسألة الثّانِيَةُ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ المَساجِدُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ قالَ: هي البُيُوتُ كُلُّها والأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ في البُيُوتِ ما لا يُمْكِنُ أنْ يُوصَفَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ أنْ تُرْفَعَ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ والصَّلاةِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمَساجِدِ، ثُمَّ لِلْقائِلِينَ بِأنَّ المُرادَ هو المَساجِدُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أرْبَعُ مَساجِدَ: الكَعْبَةُ بَناها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيْتُ المَقْدِسِ بَناهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَسْجِدُ المَدِينَةِ بَناهُ النَّبِيُّ ﷺ، ومَسْجِدُ قُباءَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى بَناهُ النَّبِيُّ ﷺ، وعَنِ الحَسَنِ هو بَيْتُ المَقْدِسِ يُسْرَجُ فِيهِ عَشَرَةُ آلافِ قِنْدِيلٍ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ هو جَمِيعُ المَساجِدِ، والأوَّلُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِلا دَلِيلٍ فالأوْلى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى جَمِيعِ المَساجِدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَساجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ في الأرْضِ وهي تُضِيءُ لِأهْلِ السَّماءِ كَما تُضِيءُ النُّجُومُ لِأهْلِ الأرْضِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُرْفَعَ﴾ عَلى أقْوالٍ:
أحَدُها: المُرادُ مِن رَفْعِها بِناؤُها لِقَوْلِهِ: ﴿بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [النّازِعاتِ: ٢٧، ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي المَساجِدُ أمَرَ اللَّهُ أنْ تُبْنى.
وثانِيها: تُرْفَعُ أيْ تُعَظَّمُ وتُطَهَّرُ عَنِ الأنْجاسِ وعَنِ اللَّغْوِ مِنَ الأقْوالِ عَنِ الزَّجّاجِ.
وثالِثُها: المُرادُ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ.
صفحة ٥
والقَوْلُ الثّانِي أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّها كانَتْ بُيُوتًا قَبْلَ الرَّفْعِ فَأذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ذِكْرٍ.
والثّانِي: أنْ يُتْلى فِيها كِتابُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: لا يُتَكَلَّمُ فِيها بِما لا يَنْبَغِي والأوَّلُ أوْلى لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
المسألة الخامِسَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”يُسَبَّحُ“ بِفَتْحِ الباءِ والباقُونَ بِكَسْرِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ القَوْلُ مُمْتَدًّا إلى آخِرِ الظُّرُوفِ الثَّلاثَةِ، أعْنِي لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ، ثم قال الزَّجّاجُ: ﴿رِجالٌ﴾ مَرْفُوعٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ مَن يُسَبِّحُ ؟ فَقِيلَ يُسَبِّحُ رِجالٌ.
* * *
المسألة السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذا التَّسْبِيحِ فالأكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلى نَفْسِ الصَّلاةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى كُلِّ الصَّلَواتِ الخَمْسِ ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ فَقالَ: كانَتا واجِبَتَيْنِ في ابْتِداءِ الحالِ ثُمَّ زِيدَ فِيهِما، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى التَّسْبِيحِ الَّذِي هو تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وفِعْلِهِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ قَدْ عَطَفَهُما عَلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ قالَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وهَذا الوجه أظْهَرُ.
* * *
المسألة السّابِعَةُ: الآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ والأُصُلُ جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ، وإنَّما وُجِدَ الغُدُوُّ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ والأصِيلُ اسْمُ جَمْعٍ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”بِالغُدُوِّ“ أيْ بِأوْقاتِ الغُدُوِّ أيْ بِالغَدَواتِ وقُرِئَ ”والإيصالِ“ وهو الدُّخُولُ في الأصِيلِ، يُقالُ آصَلَ كَأعْتَمَ وأظْهَرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى مَذْكُورَةٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن أحَدٍ يَغْدُو ويَرُوحُ إلى المَسْجِدِ يُؤْثِرُهُ عَلى ما سِواهُ إلّا ولَهُ عِنْدَ اللَّهِ نُزُلٌ يَعْدِلُهُ في الجَنَّةِ» وفي رِوايَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا ”«مَن غَدا إلى المَسْجِدِ وراحَ لِيُعَلِّمَ خَيْرًا أوْ لِيَتَعَلَّمَهُ كانَ كَمَثَلِ المُجاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَرْجِعُ غانِمًا» “ .
* * *
المسألة الثّامِنَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ فَقالَ بَعْضُهم نَفى كَوْنَهم تُجّارًا وباعَةً أصْلًا، وقالَ بَعْضُهم بَلْ أثْبَتَهم تُجّارًا وباعَةً وبَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ مِن ضُرُوبِ مَنافِعِ التِّجاراتِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. قالَ الحَسَنُ أما واللَّهِ إنْ كانُوا لَيَتَّجِرُونَ، ولَكِنْ إذا جاءَتْ فَرائِضُ اللَّهِ لَمْ يُلْهِهِمْ عَنْها شَيْءٌ فَقامُوا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ. وعَنْ سالِمٍ نَظَرَ إلى قَوْمٍ مِن أهْلِ السُّوقِ تَرَكُوا بِياعاتِهِمْ وذَهَبُوا إلى الصَّلاةِ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ إنَّ فُلانًا لا تُلْهِيهِ التِّجارَةُ عَنْ كَيْتَ وكَيْتَ إلّا وهو تاجِرٌ، وإنِ احْتَمَلَ الوجه الأوَّلَ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لَمّا قالَ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ دَخَلَ فِيهِ البَيْعُ فَلِمَ أعادَ ذِكْرَ البَيْعِ ؟ قُلْنا الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التِّجارَةَ جِنْسٌ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أنْواعُ الشِّراءِ والبَيْعِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ البَيْعَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ في الإلْهاءِ أدْخَلَ، لِأنَّ الرِّبْحَ الحاصِلَ في البَيْعِ يَقِينٌ ناجِزٌ، والرِّبْحَ الحاصِلَ في الشِّراءِ شَكٌّ مُسْتَقْبَلٌ.
الثّانِي: أنَّ البَيْعَ يَقْتَضِي تَبْدِيلَ العَرْضِ بِالنَّقْدِ، والشِّراءِ بِالعَكْسِ والرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِ النَّقْدِ أكْثَرَ مِنَ العَكْسِ.
الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: التِّجارَةُ لِأهْلِ الجَلَبِ، يُقالُ: اتَّجَرَ فُلانٌ في كَذا إذا جَلَبَهُ مِن غَيْرِ بَلَدِهِ، والبَيْعُ ما باعَهُ عَلى يَدَيْهِ.
صفحة ٦
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ الرِّجالَ بِالذِّكْرِ ؟ والجَوابُ: لِأنَّ النِّساءَ لَسْنَ مِن أهْلِ التِّجاراتِ أوِ الجَماعاتِ.
* * *
المسألة التّاسِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ تَعالى والدَّعَواتُ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ الصَّلَواتُ، فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإقامِ الصَّلاةِ﴾ ؟ قُلْنا عَنْهُ جَوابانِ:
أحَدُهُما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِإقامِ الصَّلاةِ إقامَتُها لِمَواقِيتِها.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإقامِ الصَّلاةِ﴾ تَفْسِيرًا لِذِكْرِ اللَّهِ فَهم يَذْكُرُونَ اللَّهَ قَبْلَ الصَّلاةِ وفي الصَّلاةِ.
المسألة العاشِرَةُ: قَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أنَّ إقامَ الصَّلاةِ هو القِيامُ بِحَقِّها عَلى شُرُوطِها، والوجه في حَذْفِ الهاءِ ما قالَهُ الزَّجّاجُ، يُقالُ أقَمْتُ الصَّلاةَ إقامَةً وكانَ الأصْلُ إقْوامًا، ولَكِنْ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا فاجْتَمَعَ ألِفانِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَبَقِيَ: أقَمْتُ الصَّلاةَ إقامًا، فَأُدْخِلَتِ الهاءُ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وقامَتِ الإضافَةُ هَهُنا في التَّعْوِيضِ مَقامَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ، قالَ: وهَذا إجْماعٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
المسألة الحادِيَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ فَمِنهم مَن قالَ: هي الفَرائِضُ، ومِنهم مَن أدْخَلَ فِيهِ النَّقْلَ عَلى ما حَكَيْناهُ في صَلاةِ الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ أقْرَبُ لِأنَّهُ إلى التَّعْرِيفِ أقْرَبَ وكَذَلِكَ القَوْلُ في الزَّكاةِ أنَّ المُرادَ المَفْرُوضُ لِأنَّهُ المَعْرُوفُ في الشَّرْعِ المُسَمّى بِذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ مِنَ الزَّكاةِ طاعَةُ اللَّهِ تَعالى والإخْلاصُ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ﴾ [النُّورِ: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] وهَذا ضَعِيفٌ لِما تَقَدَّمَ، ولِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ الزَّكاةَ بِالإيتاءِ، وهَذا لا يُحْمَلُ إلّا عَلى ما يُعْطى مِن حُقُوقِ المالِ.
المسألة الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الرِّجالَ وإنْ تَعَبَّدُوا بِذِكْرِ اللَّهِ والطّاعاتِ فَإنَّهم مَعَ ذَلِكَ مَوْصُوفُونَ بِالوَجَلِ والخَوْفِ فَقالَ: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ وذَلِكَ الخَوْفُ إنَّما كانَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم ما عَبَدُوا اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ عَلى أقْوالٍ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ أنَّ القُلُوبَ تَضْطَرِبُ مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ وتَشْخَصُ الأبْصارُ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحْزابِ: ١٠] .
الثّانِي: أنَّها تَتَغَيَّرُ أحْوالُها فَتَفْقَهُ القُلُوبُ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْبُوعًا عَلَيْها لا تَفْقَهُ، وتُبْصِرُ الأبْصارُ بَعْدَ أنْ كانَتْ لا تُبْصِرُ، فَكَأنَّهُمُ انْقَلَبُوا مِنَ الشَّكِّ إلى الظَّنِّ، ومِنَ الظَّنِّ إلى اليَقِينِ، ومِنَ اليَقِينِ إلى المُعايَنَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] .
الثّالِثُ: أنَّ القُلُوبَ تَتَقَلَّبُ في ذَلِكَ اليَوْمِ طَمَعًا في النَّجاةِ وحَذَرًا مِنَ الهَلاكِ، والأبْصارَ تَنْقَلِبُ مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْمَرُ بِهِمْ، أمِن ناحِيَةِ اليَمِينِ أمْ مِن ناحِيَةِ الشَّمالِ ؟ ومِن أيِّ ناحِيَةٍ يُعْطُونَ كِتابَهم أمِن قِبَلِ الأيْمانِ أمْ مِن قِبَلِ الشَّمائِلِ ؟ والمُعْتَزِلَةُ لا يَرْضَوْنَ بِهَذا التَّأْوِيلِ، فَإنَّهم قالُوا: إنَّ أهْلَ الثَّوابِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمُ البَتَّةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأهْلَ العِقابِ لا يَرْجُونَ العَفْوَ، لَكِنّا بَيَّنّا فَسادَ هَذا المَذْهَبِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
الرّابِعُ: أنَّ القُلُوبَ تَزُولُ عَنْ أماكِنِها فَتَبْلُغُ الحَناجِرَ، والأبْصارُ تَصِيرُ زُرْقًا، قالَ الضَّحّاكُ: يُحْشَرُ الكافِرُ وبَصَرُهُ حَدِيدٌ وتَزْرَقُّ عَيْناهُ ثُمَّ يَعْمى، ويَتَقَلَّبُ القَلْبُ مِنَ الخَوْفِ حَيْثُ لا يَجِدُ مُخَلِّصًا حَتّى يَقَعَ في الحَنْجَرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ [غافِرٍ: ١٨] .
الخامِسُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ تَغَيُّرُ هَيْئاتِها بِسَبَبِ
صفحة ٧
ما يَنالُها مِنَ العَذابِ، فَتَكُونُ مَرَّةً بِهَيْئَةِ ما أُنْضِجَ بِالنّارِ، ومَرَّةً بِهَيْئَةِ ما احْتَرَقَ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ تَقَلُّبَها عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنْعامِ: ١١٠] .
* * *
المسألة الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أيْ يَفْعَلُونَ هَذِهِ القُرُباتِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ ويُثِيبَهم عَلى أحْسَنِ ما عَمِلُوا، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِالأحْسَنِ الحَسَناتُ أجْمَعُ، وهي الطّاعاتُ فَرْضُها ونَفْلُها، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّما ذَكَرَ الأحْسَنَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يُجازِيهِمْ عَلى مَساوِئِ أعْمالِهِمْ بَلْ يَغْفِرُها لَهم.
الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْزِيهِمْ جَزاءَ أحْسَنِ ما عَمِلُوا عَلى الواحِدِ عَشْرًا إلى سَبْعِمِائَةٍ.
الثّالِثُ: قالَ القاضِي: المُرادُ بِذَلِكَ أنْ تَكُونَ الطّاعاتُ مِنهم مُكَفِّرَةً لِمَعاصِيهِمْ وإنَّما يَجْزِيهِمُ اللَّهُ تَعالى بِأحْسَنِ الأعْمالِ، وهَذا مُسْتَقِيمٌ عَلى مَذْهَبِهِ في الإحْباطِ والمُوازَنَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَجْزِيهِمْ بِأحْسَنِ الأعْمالِ ولا يَقْتَصِرُ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ بَلْ يَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ عَلى ما ذَكَرَهُ تَعالى في سائِرِ الآياتِ مِنَ التَّضْعِيفِ، فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِفِعْلِ الطّاعَةِ أثَرًا في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، لِأنَّهُ تَعالى مَيَّزَ الجَزاءَ عَنِ الفَضْلِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ، فَإنَّ عِنْدَكُمُ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى رَبِّهِ شَيْئًا، قُلْنا نَحْنُ نُثْبِتُ الِاسْتِحْقاقَ لَكِنْ بِالوَعْدِ فَذاكَ القَدْرُ هو المُسْتَحَقُّ والزّائِدُ عَلَيْهِ هو الفَضْلُ، ثم قال: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ نَبَّهَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ جُودِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وسَعَةِ إحْسانِهِ، فَكانَ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَهم بِالجِدِّ والِاجْتِهادِ في الطّاعَةِ، ومَعَ ذَلِكَ يَكُونُونَ في نِهايَةِ الخَوْفِ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ يُعْطِيهِمُ الثَّوابَ العَظِيمَ عَلى طاعاتِهِمْ، ويَزِيدُهُمُ الفَضْلَ الَّذِي لا حَدَّ لَهُ في مُقابَلَةِ خَوْفِهِمْ.
النور 24:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ، وأنَّهُ في الدُّنْيا يَكُونُ في النُّورِ وبِسَبَبِهِ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ في الآخِرَةِ يَكُونُ فائِزًا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ والثَّوابِ العَظِيمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ الكافِرَ يَكُونُ في الآخِرَةِ في أشَدِّ الخُسْرانِ، وفي الدُّنْيا في أعْظَمِ أنْواعِ الظُّلُماتِ، وضَرَبَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَثَلًا، أمّا المَثَلُ الدّالُّ عَلى خَيْبَتِهِ في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: ”السَّرابُ“ ما يَتَراءى لِلْعَيْنِ وقْتَ الضُّحى الأكْبَرِ في الفَلَواتِ شَبِيهَ الماءِ الجارِي ولَيْسَ بِماءٍ ولَكِنَّ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ مِن
صفحة ٨
بِعِيدٍ يَظُنُّهُ ماءً جارِيًا، يُقالُ سَرَبَ الماءُ يَسْرُبُ سُرُوبًا إذا جَرى فَهو سارِبٌ، أمّا ”الآلُ“ فَهو ما يَتَراءى لِلْعَيْنِ في أوَّلِ النَّهارِ، فَيَرى النّاظِرُ الصَّغِيرَ كَبِيرًا، وظاهِرُ كَلامِ الخَلِيلِ أنَّ الآلَ والسَّرابَ واحِدٌ، وأمّا ”القِيعَةُ“ فَقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ قاعٍ مِثْلُ جارِ وجِيرَةٍ، والقاعُ: المُنْبَسِطُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ القِيعَةُ بِمَعْنى القاعِ، وقالَ الزَّجّاجُ ”الظَّمْآنُ“ قَدْ يُخَفَّفُ هَمْزُهُ، وهو الشَّدِيدُ العَطَشِ، ثُمَّ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الكافِرُ إنْ كانَ مِن أفْعالِ البِرِّ فَهو لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ ثَوابًا، مَعَ أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ لَهُ ثَوابًا عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مِن أفْعالِ الإثْمِ فَهو يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِقابًا مَعَ أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ ثَوابًا، فَكَيْفَ كانَ فَهو يَعْتَقِدُ أنَّ لَهُ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَإذا وافى عَرَصاتِ القِيامَةِ، ولَمْ يَجِدِ الثَّوابَ بَلْ وجَدَ العِقابَ العَظِيمَ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ وتَناهى غَمُّهُ، فَيُشْبِهُ حالُهُ حالَ الظَّمْآنِ الَّذِي تَشْتَدُّ حاجَتُهُ إلى الماءِ، فَإذا شاهَدَ السَّرابَ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهِ ويَرْجُو بِهِ النَّجاةَ ويَقْوى طَمَعُهُ، فَإذا جاءَهُ وأيِسَ مِمّا كانَ يَرْجُوهُ فَيَعْظُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وهَذا المِثالُ في غايَةِ الحُسْنِ. قالَ مُجاهِدٌ: السَّرابُ عَمَلُ الكافِرِ وإتْيانُهُ إيّاهُ مَوْتُهُ ومُفارَقَةُ الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ شَيْئًا، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ مُناقِضٌ لَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ مَعْناهُ أنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا نافِعًا كَما يُقالُ فُلانٌ ما عَمِلَ شَيْئًا وإنْ كانَ قَدِ اجْتَهَدَ.
الثّانِي: حَتّى إذا جاءَهُ أيْ جاءَ مَوْضِعَ السَّرابِ لَمْ يَجِدِ السَّرابَ شَيْئًا فاكْتَفى بِذِكْرِ السَّرابِ عَنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهِ.
الثّالِثُ: الكِنايَةُ لِلسَّرابِ لِأنَّ السَّرابَ يُرى مِن بَعِيدٍ بِسَبَبِ الكَثافَةِ كَأنَّهُ ضَبابٌ وهَباءٌ، وإذا قَرُبَ مِنهُ رَقَّ وانْتَثَرَ وصارَ كالهَواءِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ أيْ وجَدَ عِقابَ اللَّهِ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ الكافِرَ عِنْدَ ذَلِكَ فَتَغَيَّرَ ما كانَ فِيهِ مِن ظَنِّ النَّفْعِ العَظِيمِ إلى تَيَقُّنِ الضَّرَرِ العَظِيمِ، أوْ وجَدَ زَبانِيَةَ اللَّهِ عِنْدَهُ يَأْخُذُونَهُ فَيُقْبِلُونَ بِهِ إلى جَهَنَّمَ فَيَسْقُونَهُ الحَمِيمَ والغَسّاقَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشِيَةِ: ٣]، ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٤]، ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ [الفُرْقانِ: ٢٣] وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ، كانَ قَدْ تَعَبَّدَ ولَبِسَ المُسُوحَ والتَمَسَ الدِّينَ في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ كَفَرَ في الإسْلامِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَذاكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَلا يَشُقُّ عَلَيْهِ الحِسابُ، وقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: مَعْناهُ لا يَشْغَلُهُ مُحاسَبَةُ واحِدٍ عَنْ آخَرٍ كَنَحْنُ، ولَوْ كانَ يَتَكَلَّمُ بِآلَةٍ كَما يَقُولُهُ المُشَبِّهَةُ لَما صَحَّ ذَلِكَ، وأمّا المَثَلُ الثّانِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ وفي لَفْظَةِ ”أوْ“ هَهُنا وُجُوهٌ:
أحَدُها: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أعْمالَ الكُفّارِ إنْ كانَتْ حَسَنَةً فَمِثْلُها السَّرابُ وإنْ كانَتْ قَبِيحَةً فَهي الظُّلُماتُ.
وثانِيها: تَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّ أعْمالَهم إمّا كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، وإمّا كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ وذَلِكَ في الدُّنْيا.
وثالِثُها: الآيَةُ الأُولى في ذِكْرِ أعْمالِهِمْ وأنَّهم لا يَتَحَصَّلُونَ مِنها عَلى شَيْءٍ، والآيَةُ الثّانِيَةُ في ذِكْرِ عَقائِدِهِمْ فَإنَّها تُشْبِهُ الظُّلُماتِ كَما قالَ: ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [المائِدَةِ: ١٦] أيْ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ وأمّا البَحْرُ اللُّجِّيُّ فَهو ذُو اللُّجَّةِ الَّتِي هي مُعْظَمُ الماءِ الغَمْرِ البَعِيدِ القَعْرِ، وفي اللُّجِّيِّ لُغَتانِ كَسْرُ اللّامِ وضَمُّها، وأمّا تَقْرِيرُ المِثْلِ فَهو أنَّ البَحْرَ اللُّجِّيَّ يَكُونُ قَعْرُهُ مُظْلِمًا جِدًّا بِسَبَبِ غُمُورَةِ الماءِ، فَإذا تَرادَفَتْ عَلَيْهِ الأمْواجُ ازْدادَتِ الظُّلْمَةُ فَإذا كانَ فَوْقَ الأمْواجِ سَحابٌ بَلَغَتِ الظُّلْمَةُ النِّهايَةَ القُصْوى، فالواقِعُ في قَعْرِ هَذا البَحْرِ اللُّجِّيِّ يَكُونُ في نِهايَةِ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ، ولَمّا كانَتِ العادَةُ في اليَدِ أنَّها مِن أقْرَبِ ما يَراها ومِن أبْعَدِ ما يَظُنُّ أنَّهُ لا يَراها فَقالَ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ وبَيَّنَ سُبْحانَهُ بِهَذا بُلُوغَ تِلْكَ الظُّلْمَةِ إلى أقْصى النِّهاياتِ، ثُمَّ شَبَّهَ بِهِ الكافِرَ في اعْتِقادِهِ وهو ضِدُّ
صفحة ٩
المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحَدِيدِ: ١٢] ولِهَذا قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الكافِرُ يَتَقَلَّبُ في خَمْسٍ مِنَ الظُّلَمِ كَلامُهُ وعَمَلُهُ ومَدْخَلُهُ ومَخْرَجُهُ ومَصِيرُهُ إلى النّارِ، وفي كَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الظُّلُماتِ ظُلْمَةَ البَحْرِ وظُلْمَةَ الأمْواجِ وظُلْمَةَ السَّحابِ، وكَذا الكافِرُ لَهُ ظُلُماتٌ ثَلاثَةٌ ظُلْمَةُ الِاعْتِقادِ وظُلْمَةُ القَوْلِ وظُلْمَةُ العَمَلِ عَنِ الحَسَنِ.
وثانِيها: شَبَّهُوا قَلْبَهُ وبَصَرَهُ وسَمْعَهُ بِهَذِهِ الظُّلُماتِ الثَّلاثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: أنَّ الكافِرَ لا يَدْرِي، ولا يَدْرِي أنَّهُ لا يَدْرِي، ويَعْتَقِدُ أنَّهُ يَدْرِي، فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثُ تُشْبِهُ تِلْكَ الظُّلُماتِ.
ورابِعُها: أنَّ هَذِهِ الظُّلُماتِ مُتَراكِمَةٌ فَكَذا الكافِرُ لِشِدَّةِ إصْرارِهِ عَلى كُفْرِهِ، قَدْ تَراكَمَتْ عَلَيْهِ الضَّلالاتُ حَتّى أنَّ أظْهَرَ الدَّلائِلِ إذا ذُكِرَتْ عِنْدَهُ لا يَفْهَمُها.
وخامِسُها: قَلْبٌ مُظْلِمٌ في صَدْرٍ مُظْلِمٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ”سَحابٍ“ وقَرَأ ”ظُلُماتٍ“ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ ”سَحابُ ظُلُماتٍ“ كَما يُقالُ سَحابُ رَحْمَةٍ وسَحابُ عَذابٍ عَلى الإضافَةِ، وقِراءَةُ الباقِينَ ”سَحابٌ ظُلُماتٌ“ كِلاهُما بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ وتَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سَحابٌ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿ظُلُماتٌ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ كادَ نَفْيُهُ إثْباتٌ وإثْباتُهُ نَفْيٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٧١] نَفْيٌ في اللَّفْظِ ولَكِنَّهُ إثْباتٌ في المَعْنى؛ لِأنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كادَ الفَقْرُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا» إثْباتٌ في اللَّفْظِ لَكِنَّهُ نَفْيٌ في المَعْنى لِأنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ مَعْناهُ أنَّهُ رَآها.
والثّانِي: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ مَعْناهُ لَمْ يُقارِبِ الوُقُوعَ، ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِي لَمْ يُقارِبِ الوُقُوعَ لَمْ يَقَعْ أيْضًا، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ، والأوَّلُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ما يَكُونُ أقَلَّ مِن هَذِهِ الظُّلُماتِ فَإنَّهُ لا يُرى فِيهِ شَيْءٌ فَكَيْفَ مَعَ هَذِهِ الظُّلُماتِ.
الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا التَّمْثِيلِ المُبالَغَةُ في جَهالَةِ الكُفّارِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ إذا لَمْ تُوجَدِ الرُّؤْيَةُ البَتَّةَ مَعَ هَذِهِ الظُّلُماتِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ فَقالَ أصْحابُنا إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ هِدايَةَ المُؤْمِنِ بِأنَّها في نِهايَةِ الجَلاءِ والظُّهُورِ عَقَّبَها بِأنْ قالَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ [النُّورِ: ٣٥] ولَمّا وصَفَ ضَلالَةَ الكافِرِ بِأنَّها في نِهايَةِ الظُّلْمَةِ عَقَّبَها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنْ يَعْرِفَ الإنْسانُ أنَّ ظُهُورَ الدَّلائِلِ لا يُفِيدُ الإيمانَ وظُلْمَةُ الطَّرِيقِ لا تَمْنَعُ مِنهُ، فَإنَّ الكُلَّ مَرْبُوطٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وهِدايَتِهِ وتَكْوِينِهِ، وقالَ القاضِي: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أيْ في الدُّنْيا بِالألْطافِ ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ أيْ لا يَهْتَدِي فَيَتَحَيَّرُ. ويُحْتَمَلُ ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أيْ مَخْلَصًا في الآخِرَةِ وفَوْزًا بِالثَّوابِ ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ والكَلامُ عَلَيْهِ تَزْيِيفًا وتَقْرِيرًا مَعْلُومٌ.
النور 24:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ، وأنَّهُ في الدُّنْيا يَكُونُ في النُّورِ وبِسَبَبِهِ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ في الآخِرَةِ يَكُونُ فائِزًا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ والثَّوابِ العَظِيمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ الكافِرَ يَكُونُ في الآخِرَةِ في أشَدِّ الخُسْرانِ، وفي الدُّنْيا في أعْظَمِ أنْواعِ الظُّلُماتِ، وضَرَبَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَثَلًا، أمّا المَثَلُ الدّالُّ عَلى خَيْبَتِهِ في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: ”السَّرابُ“ ما يَتَراءى لِلْعَيْنِ وقْتَ الضُّحى الأكْبَرِ في الفَلَواتِ شَبِيهَ الماءِ الجارِي ولَيْسَ بِماءٍ ولَكِنَّ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ مِن
صفحة ٨
بِعِيدٍ يَظُنُّهُ ماءً جارِيًا، يُقالُ سَرَبَ الماءُ يَسْرُبُ سُرُوبًا إذا جَرى فَهو سارِبٌ، أمّا ”الآلُ“ فَهو ما يَتَراءى لِلْعَيْنِ في أوَّلِ النَّهارِ، فَيَرى النّاظِرُ الصَّغِيرَ كَبِيرًا، وظاهِرُ كَلامِ الخَلِيلِ أنَّ الآلَ والسَّرابَ واحِدٌ، وأمّا ”القِيعَةُ“ فَقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ قاعٍ مِثْلُ جارِ وجِيرَةٍ، والقاعُ: المُنْبَسِطُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ القِيعَةُ بِمَعْنى القاعِ، وقالَ الزَّجّاجُ ”الظَّمْآنُ“ قَدْ يُخَفَّفُ هَمْزُهُ، وهو الشَّدِيدُ العَطَشِ، ثُمَّ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الكافِرُ إنْ كانَ مِن أفْعالِ البِرِّ فَهو لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ ثَوابًا، مَعَ أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ لَهُ ثَوابًا عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مِن أفْعالِ الإثْمِ فَهو يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِقابًا مَعَ أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ ثَوابًا، فَكَيْفَ كانَ فَهو يَعْتَقِدُ أنَّ لَهُ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَإذا وافى عَرَصاتِ القِيامَةِ، ولَمْ يَجِدِ الثَّوابَ بَلْ وجَدَ العِقابَ العَظِيمَ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ وتَناهى غَمُّهُ، فَيُشْبِهُ حالُهُ حالَ الظَّمْآنِ الَّذِي تَشْتَدُّ حاجَتُهُ إلى الماءِ، فَإذا شاهَدَ السَّرابَ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهِ ويَرْجُو بِهِ النَّجاةَ ويَقْوى طَمَعُهُ، فَإذا جاءَهُ وأيِسَ مِمّا كانَ يَرْجُوهُ فَيَعْظُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وهَذا المِثالُ في غايَةِ الحُسْنِ. قالَ مُجاهِدٌ: السَّرابُ عَمَلُ الكافِرِ وإتْيانُهُ إيّاهُ مَوْتُهُ ومُفارَقَةُ الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ شَيْئًا، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ مُناقِضٌ لَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ مَعْناهُ أنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا نافِعًا كَما يُقالُ فُلانٌ ما عَمِلَ شَيْئًا وإنْ كانَ قَدِ اجْتَهَدَ.
الثّانِي: حَتّى إذا جاءَهُ أيْ جاءَ مَوْضِعَ السَّرابِ لَمْ يَجِدِ السَّرابَ شَيْئًا فاكْتَفى بِذِكْرِ السَّرابِ عَنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهِ.
الثّالِثُ: الكِنايَةُ لِلسَّرابِ لِأنَّ السَّرابَ يُرى مِن بَعِيدٍ بِسَبَبِ الكَثافَةِ كَأنَّهُ ضَبابٌ وهَباءٌ، وإذا قَرُبَ مِنهُ رَقَّ وانْتَثَرَ وصارَ كالهَواءِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ أيْ وجَدَ عِقابَ اللَّهِ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ الكافِرَ عِنْدَ ذَلِكَ فَتَغَيَّرَ ما كانَ فِيهِ مِن ظَنِّ النَّفْعِ العَظِيمِ إلى تَيَقُّنِ الضَّرَرِ العَظِيمِ، أوْ وجَدَ زَبانِيَةَ اللَّهِ عِنْدَهُ يَأْخُذُونَهُ فَيُقْبِلُونَ بِهِ إلى جَهَنَّمَ فَيَسْقُونَهُ الحَمِيمَ والغَسّاقَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشِيَةِ: ٣]، ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٤]، ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ [الفُرْقانِ: ٢٣] وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ، كانَ قَدْ تَعَبَّدَ ولَبِسَ المُسُوحَ والتَمَسَ الدِّينَ في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ كَفَرَ في الإسْلامِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَذاكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَلا يَشُقُّ عَلَيْهِ الحِسابُ، وقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: مَعْناهُ لا يَشْغَلُهُ مُحاسَبَةُ واحِدٍ عَنْ آخَرٍ كَنَحْنُ، ولَوْ كانَ يَتَكَلَّمُ بِآلَةٍ كَما يَقُولُهُ المُشَبِّهَةُ لَما صَحَّ ذَلِكَ، وأمّا المَثَلُ الثّانِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ وفي لَفْظَةِ ”أوْ“ هَهُنا وُجُوهٌ:
أحَدُها: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أعْمالَ الكُفّارِ إنْ كانَتْ حَسَنَةً فَمِثْلُها السَّرابُ وإنْ كانَتْ قَبِيحَةً فَهي الظُّلُماتُ.
وثانِيها: تَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّ أعْمالَهم إمّا كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، وإمّا كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ وذَلِكَ في الدُّنْيا.
وثالِثُها: الآيَةُ الأُولى في ذِكْرِ أعْمالِهِمْ وأنَّهم لا يَتَحَصَّلُونَ مِنها عَلى شَيْءٍ، والآيَةُ الثّانِيَةُ في ذِكْرِ عَقائِدِهِمْ فَإنَّها تُشْبِهُ الظُّلُماتِ كَما قالَ: ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [المائِدَةِ: ١٦] أيْ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ وأمّا البَحْرُ اللُّجِّيُّ فَهو ذُو اللُّجَّةِ الَّتِي هي مُعْظَمُ الماءِ الغَمْرِ البَعِيدِ القَعْرِ، وفي اللُّجِّيِّ لُغَتانِ كَسْرُ اللّامِ وضَمُّها، وأمّا تَقْرِيرُ المِثْلِ فَهو أنَّ البَحْرَ اللُّجِّيَّ يَكُونُ قَعْرُهُ مُظْلِمًا جِدًّا بِسَبَبِ غُمُورَةِ الماءِ، فَإذا تَرادَفَتْ عَلَيْهِ الأمْواجُ ازْدادَتِ الظُّلْمَةُ فَإذا كانَ فَوْقَ الأمْواجِ سَحابٌ بَلَغَتِ الظُّلْمَةُ النِّهايَةَ القُصْوى، فالواقِعُ في قَعْرِ هَذا البَحْرِ اللُّجِّيِّ يَكُونُ في نِهايَةِ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ، ولَمّا كانَتِ العادَةُ في اليَدِ أنَّها مِن أقْرَبِ ما يَراها ومِن أبْعَدِ ما يَظُنُّ أنَّهُ لا يَراها فَقالَ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ وبَيَّنَ سُبْحانَهُ بِهَذا بُلُوغَ تِلْكَ الظُّلْمَةِ إلى أقْصى النِّهاياتِ، ثُمَّ شَبَّهَ بِهِ الكافِرَ في اعْتِقادِهِ وهو ضِدُّ
صفحة ٩
المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحَدِيدِ: ١٢] ولِهَذا قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الكافِرُ يَتَقَلَّبُ في خَمْسٍ مِنَ الظُّلَمِ كَلامُهُ وعَمَلُهُ ومَدْخَلُهُ ومَخْرَجُهُ ومَصِيرُهُ إلى النّارِ، وفي كَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الظُّلُماتِ ظُلْمَةَ البَحْرِ وظُلْمَةَ الأمْواجِ وظُلْمَةَ السَّحابِ، وكَذا الكافِرُ لَهُ ظُلُماتٌ ثَلاثَةٌ ظُلْمَةُ الِاعْتِقادِ وظُلْمَةُ القَوْلِ وظُلْمَةُ العَمَلِ عَنِ الحَسَنِ.
وثانِيها: شَبَّهُوا قَلْبَهُ وبَصَرَهُ وسَمْعَهُ بِهَذِهِ الظُّلُماتِ الثَّلاثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: أنَّ الكافِرَ لا يَدْرِي، ولا يَدْرِي أنَّهُ لا يَدْرِي، ويَعْتَقِدُ أنَّهُ يَدْرِي، فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثُ تُشْبِهُ تِلْكَ الظُّلُماتِ.
ورابِعُها: أنَّ هَذِهِ الظُّلُماتِ مُتَراكِمَةٌ فَكَذا الكافِرُ لِشِدَّةِ إصْرارِهِ عَلى كُفْرِهِ، قَدْ تَراكَمَتْ عَلَيْهِ الضَّلالاتُ حَتّى أنَّ أظْهَرَ الدَّلائِلِ إذا ذُكِرَتْ عِنْدَهُ لا يَفْهَمُها.
وخامِسُها: قَلْبٌ مُظْلِمٌ في صَدْرٍ مُظْلِمٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ”سَحابٍ“ وقَرَأ ”ظُلُماتٍ“ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ ”سَحابُ ظُلُماتٍ“ كَما يُقالُ سَحابُ رَحْمَةٍ وسَحابُ عَذابٍ عَلى الإضافَةِ، وقِراءَةُ الباقِينَ ”سَحابٌ ظُلُماتٌ“ كِلاهُما بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ وتَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سَحابٌ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿ظُلُماتٌ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ كادَ نَفْيُهُ إثْباتٌ وإثْباتُهُ نَفْيٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٧١] نَفْيٌ في اللَّفْظِ ولَكِنَّهُ إثْباتٌ في المَعْنى؛ لِأنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كادَ الفَقْرُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا» إثْباتٌ في اللَّفْظِ لَكِنَّهُ نَفْيٌ في المَعْنى لِأنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ مَعْناهُ أنَّهُ رَآها.
والثّانِي: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ مَعْناهُ لَمْ يُقارِبِ الوُقُوعَ، ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِي لَمْ يُقارِبِ الوُقُوعَ لَمْ يَقَعْ أيْضًا، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ، والأوَّلُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ما يَكُونُ أقَلَّ مِن هَذِهِ الظُّلُماتِ فَإنَّهُ لا يُرى فِيهِ شَيْءٌ فَكَيْفَ مَعَ هَذِهِ الظُّلُماتِ.
الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا التَّمْثِيلِ المُبالَغَةُ في جَهالَةِ الكُفّارِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ إذا لَمْ تُوجَدِ الرُّؤْيَةُ البَتَّةَ مَعَ هَذِهِ الظُّلُماتِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ فَقالَ أصْحابُنا إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ هِدايَةَ المُؤْمِنِ بِأنَّها في نِهايَةِ الجَلاءِ والظُّهُورِ عَقَّبَها بِأنْ قالَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ [النُّورِ: ٣٥] ولَمّا وصَفَ ضَلالَةَ الكافِرِ بِأنَّها في نِهايَةِ الظُّلْمَةِ عَقَّبَها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنْ يَعْرِفَ الإنْسانُ أنَّ ظُهُورَ الدَّلائِلِ لا يُفِيدُ الإيمانَ وظُلْمَةُ الطَّرِيقِ لا تَمْنَعُ مِنهُ، فَإنَّ الكُلَّ مَرْبُوطٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وهِدايَتِهِ وتَكْوِينِهِ، وقالَ القاضِي: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أيْ في الدُّنْيا بِالألْطافِ ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ أيْ لا يَهْتَدِي فَيَتَحَيَّرُ. ويُحْتَمَلُ ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أيْ مَخْلَصًا في الآخِرَةِ وفَوْزًا بِالثَّوابِ ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ والكَلامُ عَلَيْهِ تَزْيِيفًا وتَقْرِيرًا مَعْلُومٌ.
النور 24:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾
صفحة ١٠
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ أنْوارَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وظُلُماتِ قُلُوبِ الجاهِلِينَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ:
فالنوع الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ ألَمْ تَعْلَمْ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ لا تَتَناوَلُهُ الرُّؤْيَةُ بِالبَصَرِ ويَتَناوَلُهُ العِلْمُ بِالقَلْبِ، وهَذا الكَلامُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ اسْتِفْهامًا فالمُرادُ التَّقْرِيرُ والبَيانُ، فَنَبَّهَ تَعالى عَلى ما يَلْزَمُ مِن تَعْظِيمِهِ بِأنَّ مَن في السَّماواتِ يُسَبِّحُ لَهُ وكَذَلِكَ مَن في الأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ دَلالَةُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ مَوْصُوفًا بِنُعُوتِ الجَلالِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّها تَنْطِقُ بِالتَّسْبِيحِ وتَتَكَلَّمُ بِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ في حَقِّ البَعْضِ الدَّلالَةَ عَلى التَّنْزِيهِ وفي حَقِّ الباقِينَ النُّطْقَ بِاللِّسانِ، والقِسْمُ الأوَّلُ أقْرَبُ لِأنَّ القِسْمَ الثّانِي مُتَعَذِّرٌ، لِأنَّ في الأرْضِ مَن لا يَكُونُ مُكَلَّفًا لا يُسَبِّحُ بِهَذا المَعْنى، والمُكَلَّفُونَ مِنهم مَن لا يُسَبِّحُ أيْضًا بِهَذا المَعْنى كالكُفّارِ.
أمّا القِسْمُ الثّالِثُ وهو أنْ يُقالَ إنَّ مَن في السَّماواتِ وهُمُ المَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِاللِّسانِ، وأمّا الَّذِينَ في الأرْضِ فَمِنهم مَن يُسَبِّحُ بِاللِّسانِ ومِنهم مَن يُسَبِّحُ عَلى سَبِيلِ الدَّلالَةِ فَهَذا يَقْتَضِي اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ الواحِدِ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا، وهو غَيْرُ جائِزٍ. فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الأوَّلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّ أجْسامَها وصِفاتِها دالَّةٌ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وعَلى قُدْرَتِهِ وإلَهِيَّتِهِ وتَوْحِيدِهِ وعَدْلِهِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ تَنْزِيهًا عَلى وجْهِ التَّوَسُّعِ. فَإنْ قِيلَ فالتَّسْبِيحُ بِهَذا المَعْنى حاصِلٌ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فَما وجْهُ تَخْصِيصِهِ هَهُنا بِالعُقَلاءِ ؟ قُلْنا لِأنَّ خِلْقَةَ العُقَلاءِ أشَدُّ دَلالَةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ العَجائِبَ والغَرائِبَ في خَلْقِهِمْ أكْثَرُ وهي العَقْلُ والنُّطْقُ والفَهْمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ ما وجْهُ اتِّصالِ هَذا بِما قَبْلَهُ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ أهْلَ السَّماواتِ وأهْلَ الأرْضِ يُسَبِّحُونَ ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ اسْتَقَرُّوا في الهَواءِ الَّذِي هو بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وهو الطَّيْرُ يُسَبِّحُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ إعْطاءَ الجِرْمِ الثَّقِيلِ القُوَّةَ الَّتِي بِها يَقْوى عَلى الوُقُوفِ في جَوِّ السَّماءِ صافَّةً باسِطَةً أجْنِحَتَها بِما فِيها مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَةِ الصّانِعِ المُدَبِّرِ سُبْحانَهُ، وجَعْلِ طَيَرانِها سُجُودًا مِنها لَهُ سُبْحانَهُ، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُرادَ مِنَ التَّسْبِيحِ دَلالَةُ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى التَّنْزِيهِ لا النُّطْقُ اللِّسانِيُّ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ، قالُوا ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وهو اخْتِيارُ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ.
والثّانِي: أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في الصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ عَلى لَفْظِ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ أنَّهم يَعْلَمُونَ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ.
والثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الهاءُ راجِعَةً عَلى ذِكْرِ اللَّهِ يَعْنِي قَدْ عَلِمَ كُلُّ مُسَبِّحٍ وكُلُّ مُصَلٍّ صَلاةَ اللَّهِ الَّتِي كَلَّفَهُ إيّاها، وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ، ورُوِيَ عَنْ أبِي ثابِتٍ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ لِي: أتَدْرِي ما تَقُولُ هَذِهِ العَصافِيرُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وبَعْدَ طُلُوعِها ؟ قالَ: لا، قالَ: فَإنَّهُنَّ يُقَدِّسْنَ رَبَّهُنَّ ويَسْألْنَهُ قُوتَ يَوْمِهِنَّ. واسْتَبْعَدَ المُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ فَقالُوا: الطَّيْرُ لَوْ كانَتْ عارِفَةً بِاللَّهِ تَعالى، لَكانَتْ كالعُقَلاءِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ كَلامَنا وإشارَتَنا، لَكِنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّها أشَدُّ نُقْصانًا مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي لا يَعْرِفُ هَذِهِ الأُمُورَ، فَبِأنْ يَمْتَنِعَ ذَلِكَ فِيها أوْلى، وإذا ثَبَتَ أنَّها لا تَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى اسْتَحالَ كَوْنُها مُسَبِّحَةً لَهُ بِالنُّطْقِ، فَثَبَتَ أنَّها لا تُسَبِّحُ اللَّهَ إلّا بِلِسانِ الحالِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
صفحة ١١
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ إنّا نُشاهِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْهَمَ الطُّيُورُ وسائِرَ الحَشَراتِ أعْمالًا لَطِيفَةً يَعْجَزُ عَنْها أكْثَرُ العُقَلاءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُلْهِمَها مَعْرِفَتَهُ ودُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ! وبَيانُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ألْهَمَها الأعْمالَ اللَّطِيفَةَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: احْتِيالُها في كَيْفِيَّةِ الِاصْطِيادِ، فَتَأمَّلْ في العَنْكَبُوتِ كَيْفَ يَأْتِي بِالحِيَلِ اللَّطِيفَةِ في اصْطِيادِ الذُّبابِ، ويُقالُ إنَّ الدُّبَّ يَسْتَلْقِي في مَمَرِّ الثَّوْرِ، فَإذا أرامَ نَطْحَهُ شَبَّثَ ذِراعَيْهِ بِقَرْنَيْهِ، ولا يَزالُ يَنْهَشُ ما بَيْنَ ذِراعَيْهِ حَتّى يُثْخِنَهُ، وأنَّهُ يَرْمِي بِالحِجارَةِ ويَأْخُذُ العَصا ويَضْرِبُ الإنْسانَ حَتّى يَتَوَهَّمَ أنَّهُ ماتَ فَيَتْرُكُهُ ورُبَّما عاوَدَ يَتَشَمَّمُهُ ويَتَحَسَّسُ نَفَسَهُ، ويَصْعَدُ الشَّجَرَ أخَفَّ صُعُودٍ، ويُهَشِّمُ الجَوْزَ بَيْنَ كَفَّيْهِ تَعْرِيضًا بِالواحِدَةِ وصَدْمَةً بِالأُخْرى، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَذَرُ قِشْرَهُ ويَسْتَفُّ لُبَّهُ، ويُحْكى عَنِ الفَأْرِ في سَرِقَتِهِ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ.
وثانِيها: أمْرُ النَّحْلِ وما لَها مِنَ الرِّياسَةِ وبِناءِ البُيُوتِ المُسَدَّسَةِ الَّتِي لا يَتَمَكَّنُ مِن بِنائِها أفاضِلُ المُهَنْدِسِينَ.
وثالِثُها: انْتِقالُ الكَراكِيِّ مِن طَرَفٍ مِن أطْرافِ العالَمِ إلى الطَّرَفِ الآخَرِ طَلَبًا لِما يُوافِقُها مِنَ الأهْوِيَةِ، ويُقالُ: إنَّ مِن خَواصِّ الخَيْلِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها يَعْرِفُ صَوْتَ الفَرَسِ الَّذِي قابَلَهُ وقْتًا ما، والكِلابُ تَتَصايَحُ بِالعَيَّةِ المَعْرُوفَةِ لَها، والفَهْدُ إذا سُقِيَ أوْ شَرِبَ مِنَ الدَّواءِ المَعْرُوفِ بِخانِقِ الفَهْدِ عَمَدَ إلى زِبْلِ الإنْسانِ فَأكَلَهُ، والتَّماسِيحُ تَفْتَحُ أفْواهَها لِطائِرٍ يَقَعُ عَلَيْها كالعَقْعَقِ ويُنَظِّفُ ما بَيْنَ أسْنانِها، وعَلى رَأْسِ ذَلِكَ الطَّيْرِ كالشَّوْكِ فَإذا هَمَّ التِّمْساحُ بِالتِقامِ ذَلِكَ الطَّيْرَ تَأذّى مِن ذَلِكَ الشَّوْكِ فَيَفْتَحُ فاهُ فَيَخْرُجُ الطّائِرُ، والسُّلَحْفاةُ تَتَناوَلُ بَعْدَ أكْلِ الحَيَّةِ صَعْتَرًا جَبَلِيًّا ثُمَّ تَعُودُ وقَدْ عُوفِيَتْ مِن ذَلِكَ، وحَكى بَعْضُ الثِّقاتِ المُجَرِّبِينَ لِلصَّيْدِ أنَّهُ شاهَدَ الحُبارى تُقاتِلُ الأفْعى وتَنْهَزِمُ عَنْهُ إلى بَقْلَةٍ تَتَناوَلُ مِنها ثُمَّ تَعُودُ ولا يَزالُ ذَلِكَ دَأْبُهُ فَكانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ قاعِدًا في كُنٍّ غائِرٍ فِعْلَ القَنَصَةِ، وكانَتِ البَقْلَةُ قَرِيبَةً مِن مَكْمَنِهِ فَلَمّا اشْتَغَلَ الحُبارى بِالأفْعى قَلَعَ البَقْلَةَ فَعادَتِ الحُبارى إلى مَنبَتِها فَفَقَدَتْهُ وأخَذَتْ تَدُورُ حَوْلَ مَنبَتِها دَوَرانًا مُتَتابِعًا حَتّى خَرَّ مَيِّتًا، فَعَلِمَ الشَّيْخُ أنَّهُ كانَ يَتَعالَجُ بِأكْلِها مِنَ اللَّسْعَةِ، وتِلْكَ البَقْلَةُ كانَتْ هي الجِرْجِيرُ البَرِّيُّ، وأمّا ابْنُ عِرْسٍ فَيَسْتَظْهِرُ في قِتالِ الحَيَّةِ بِأكْلِ السَّذابِ فَإنَّ النَّكْهَةَ السَّذابِيَّةَ مِمّا تَنْفِرُ مِنها الأفْعى. والكِلابُ إذا دَوَّدَتْ بُطُونُها أكَلَتْ سُنْبُلَ القَمْحِ، وإذا جَرَحَتِ اللَّقالِقُ بَعْضُها بَعْضًا داوَتْ جِراحَها بِالصَّعْتَرِ الجَبَلِيِّ.
ورابِعُها: القَنافِذُ قَدْ تُحِسُّ بِالشَّمالِ والجَنُوبِ قَبْلَ الهُبُوبِ فَتُغَيِّرُ المَدْخَلَ إلى جُحْرِها وكانَ بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ رَجُلٌ قَدْ أثْرى بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يُنْذِرُ بِالرِّياحِ قَبْلَ هُبُوبِها ويَنْتَفِعُ النّاسُ بِإنْذارِهِ، وكانَ السَّبَبُ فِيهِ قُنْفُذًا في دارِهِ يَفْعَلُ الصَّنِيعَ المَذْكُورَ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ، والخُطّافُ صانِعٌ جَيِّدٌ في اتِّخاذِ العُشِّ مِنَ الطِّينِ وقِطَعِ الخَشَبِ، فَإنْ أعْوَزَهُ الطِّينُ ابْتَلَّ وتَمَرَّغَ في التُّرابِ لِيَحْمِلَ جَناحاهُ قَدْرًا مِنَ الطِّينِ، وإذا أفْرَخَ بالَغَ في تَعَهُّدِ الفِراخِ ويَأْخُذُ ذَرْقَها بِمِنقارِهِ ويَرْمِيها عَنِ العُشِّ، ثُمَّ يُعَلِّمُها إلْقاءَ الذَّرْقِ نَحْوَ طَرَفِ العُشِّ، وإذا دَنا الصّائِدُ مِن مَكانِ فِراخِ القَبَجَةِ ظَهَرَتْ لَهُ القَبَجَةُ وقَرُبَتْ مِنهُ مُطَمِّعَةً لَهُ لِيَتْبَعَها ثُمَّ تَذْهَبُ إلى جانِبٍ آخَرَ سِوى جانِبِ فِراخِها، وناقِرُ الخَشَبِ قَلَّما يَقَعُ عَلى الأرْضِ بَلْ عَلى الشَّجَرِ يَنْقُرُ المَوْضِعَ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ دُودًا، والغَرانِيقُ تَصْعَدُ في الجَوِّ جِدًّا عِنْدَ الطَّيَرانِ فَإنْ حَجَبَ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ ضَبابٌ أوْ سَحابٌ أحْدَثَتْ عَنْ أجْنِحَتِها حَفِيفًا مَسْمُوعًا يَلْزَمُ بِهِ بَعْضُها بَعْضًا، فَإذا نامَتْ عَلى جَبَلٍ فَإنَّها تَضَعُ رُءُوسَها تَحْتَ أجْنِحَتِها، إلّا القائِدُ فَإنَّهُ يَنامُ مَكْشُوفَ
صفحة ١٢
الرَّأْسِ فَيُسْرِعُ انْتِباهُهُ، وإذا سَمِعَ حَرَسًا صاحَ، وحالُ النَّمْلِ في الذَّهابِ إلى مَواضِعِها عَلى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ يَحْفَظُ بَعْضُها بَعْضًا أمْرٌ عَجِيبٌ، واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِقْصاءَ في هَذا البابِ مَذْكُورٌ في كِتابِ طَبائِعِ الحَيَوانِ، والمَقْصُودُ أنَّ الأكْياسَ مِنَ العُقَلاءِ يَعْجِزُونَ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الحِيَلِ. فَإذا جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّها مُلْهَمَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْرِفَتِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ عارِفَةٍ بِسائِرِ الأُمُورِ الَّتِي يَعْرِفُها النّاسُ ؟ ولِلَّهِ دَرُّ شِهابِ الإسْلامِ السَّمْعانِيِّ حَيْثُ قالَ: جَلَّ جَنابُ الجَلالِ، عَنْ أنْ يُوزَنَ بِمِيزانِ الِاعْتِزالِ.
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ فَهو مَعَ وجازَتِهِ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَمامِ عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ ومُحْدَثٌ والمُمْكِنُ والمُحْدَثُ لا يُوجَدانِ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى القَدِيمِ الواجِبِ، فَدَخَلَ في هَذِهِ القَضِيَّةِ جَمِيعُ الأجْرامِ والأعْراضِ وأفْعالُ العِبادِ وأقْوالُهم وخَواطِرُهم.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ فَهو عِبارَةٌ تامَّةٌ في مَعْرِفَةِ المَعادِ وهو أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَصِيرِ الكُلِّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولَهُ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الوُجُودَ يَبْدَأُ مِنَ الأشْرَفِ فالأشْرَفِ نازِلًا إلى الأخَسِّ فالأخَسِّ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الأخَسِّ فالأخَسِّ مُتَرَقِّيًا إلى الأشْرَفِ فالأشْرَفِ، فَإنَّهُ يَكُونُ جِسْمًا ثُمَّ يُصَيِّرُهُ مَوْصُوفًا بِالنَّباتِيَّةِ ثُمَّ الحَيَوانِيَّةِ ثُمَّ الإنْسانِيَّةِ ثُمَّ المَلَكِيَّةِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلى واجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ.
فالِاعْتِبارُ الأوَّلُ هو قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
والثّانِي هو قَوْلُهُ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ .
النور 24:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾
صفحة ١٠
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ أنْوارَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وظُلُماتِ قُلُوبِ الجاهِلِينَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ:
فالنوع الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ ألَمْ تَعْلَمْ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ لا تَتَناوَلُهُ الرُّؤْيَةُ بِالبَصَرِ ويَتَناوَلُهُ العِلْمُ بِالقَلْبِ، وهَذا الكَلامُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ اسْتِفْهامًا فالمُرادُ التَّقْرِيرُ والبَيانُ، فَنَبَّهَ تَعالى عَلى ما يَلْزَمُ مِن تَعْظِيمِهِ بِأنَّ مَن في السَّماواتِ يُسَبِّحُ لَهُ وكَذَلِكَ مَن في الأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ دَلالَةُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ مَوْصُوفًا بِنُعُوتِ الجَلالِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّها تَنْطِقُ بِالتَّسْبِيحِ وتَتَكَلَّمُ بِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ في حَقِّ البَعْضِ الدَّلالَةَ عَلى التَّنْزِيهِ وفي حَقِّ الباقِينَ النُّطْقَ بِاللِّسانِ، والقِسْمُ الأوَّلُ أقْرَبُ لِأنَّ القِسْمَ الثّانِي مُتَعَذِّرٌ، لِأنَّ في الأرْضِ مَن لا يَكُونُ مُكَلَّفًا لا يُسَبِّحُ بِهَذا المَعْنى، والمُكَلَّفُونَ مِنهم مَن لا يُسَبِّحُ أيْضًا بِهَذا المَعْنى كالكُفّارِ.
أمّا القِسْمُ الثّالِثُ وهو أنْ يُقالَ إنَّ مَن في السَّماواتِ وهُمُ المَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِاللِّسانِ، وأمّا الَّذِينَ في الأرْضِ فَمِنهم مَن يُسَبِّحُ بِاللِّسانِ ومِنهم مَن يُسَبِّحُ عَلى سَبِيلِ الدَّلالَةِ فَهَذا يَقْتَضِي اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ الواحِدِ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا، وهو غَيْرُ جائِزٍ. فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الأوَّلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّ أجْسامَها وصِفاتِها دالَّةٌ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وعَلى قُدْرَتِهِ وإلَهِيَّتِهِ وتَوْحِيدِهِ وعَدْلِهِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ تَنْزِيهًا عَلى وجْهِ التَّوَسُّعِ. فَإنْ قِيلَ فالتَّسْبِيحُ بِهَذا المَعْنى حاصِلٌ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فَما وجْهُ تَخْصِيصِهِ هَهُنا بِالعُقَلاءِ ؟ قُلْنا لِأنَّ خِلْقَةَ العُقَلاءِ أشَدُّ دَلالَةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ العَجائِبَ والغَرائِبَ في خَلْقِهِمْ أكْثَرُ وهي العَقْلُ والنُّطْقُ والفَهْمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ ما وجْهُ اتِّصالِ هَذا بِما قَبْلَهُ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ أهْلَ السَّماواتِ وأهْلَ الأرْضِ يُسَبِّحُونَ ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ اسْتَقَرُّوا في الهَواءِ الَّذِي هو بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وهو الطَّيْرُ يُسَبِّحُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ إعْطاءَ الجِرْمِ الثَّقِيلِ القُوَّةَ الَّتِي بِها يَقْوى عَلى الوُقُوفِ في جَوِّ السَّماءِ صافَّةً باسِطَةً أجْنِحَتَها بِما فِيها مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَةِ الصّانِعِ المُدَبِّرِ سُبْحانَهُ، وجَعْلِ طَيَرانِها سُجُودًا مِنها لَهُ سُبْحانَهُ، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُرادَ مِنَ التَّسْبِيحِ دَلالَةُ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى التَّنْزِيهِ لا النُّطْقُ اللِّسانِيُّ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ، قالُوا ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وهو اخْتِيارُ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ.
والثّانِي: أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في الصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ عَلى لَفْظِ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ أنَّهم يَعْلَمُونَ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ.
والثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الهاءُ راجِعَةً عَلى ذِكْرِ اللَّهِ يَعْنِي قَدْ عَلِمَ كُلُّ مُسَبِّحٍ وكُلُّ مُصَلٍّ صَلاةَ اللَّهِ الَّتِي كَلَّفَهُ إيّاها، وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ، ورُوِيَ عَنْ أبِي ثابِتٍ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ لِي: أتَدْرِي ما تَقُولُ هَذِهِ العَصافِيرُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وبَعْدَ طُلُوعِها ؟ قالَ: لا، قالَ: فَإنَّهُنَّ يُقَدِّسْنَ رَبَّهُنَّ ويَسْألْنَهُ قُوتَ يَوْمِهِنَّ. واسْتَبْعَدَ المُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ فَقالُوا: الطَّيْرُ لَوْ كانَتْ عارِفَةً بِاللَّهِ تَعالى، لَكانَتْ كالعُقَلاءِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ كَلامَنا وإشارَتَنا، لَكِنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّها أشَدُّ نُقْصانًا مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي لا يَعْرِفُ هَذِهِ الأُمُورَ، فَبِأنْ يَمْتَنِعَ ذَلِكَ فِيها أوْلى، وإذا ثَبَتَ أنَّها لا تَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى اسْتَحالَ كَوْنُها مُسَبِّحَةً لَهُ بِالنُّطْقِ، فَثَبَتَ أنَّها لا تُسَبِّحُ اللَّهَ إلّا بِلِسانِ الحالِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
صفحة ١١
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ إنّا نُشاهِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْهَمَ الطُّيُورُ وسائِرَ الحَشَراتِ أعْمالًا لَطِيفَةً يَعْجَزُ عَنْها أكْثَرُ العُقَلاءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُلْهِمَها مَعْرِفَتَهُ ودُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ! وبَيانُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ألْهَمَها الأعْمالَ اللَّطِيفَةَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: احْتِيالُها في كَيْفِيَّةِ الِاصْطِيادِ، فَتَأمَّلْ في العَنْكَبُوتِ كَيْفَ يَأْتِي بِالحِيَلِ اللَّطِيفَةِ في اصْطِيادِ الذُّبابِ، ويُقالُ إنَّ الدُّبَّ يَسْتَلْقِي في مَمَرِّ الثَّوْرِ، فَإذا أرامَ نَطْحَهُ شَبَّثَ ذِراعَيْهِ بِقَرْنَيْهِ، ولا يَزالُ يَنْهَشُ ما بَيْنَ ذِراعَيْهِ حَتّى يُثْخِنَهُ، وأنَّهُ يَرْمِي بِالحِجارَةِ ويَأْخُذُ العَصا ويَضْرِبُ الإنْسانَ حَتّى يَتَوَهَّمَ أنَّهُ ماتَ فَيَتْرُكُهُ ورُبَّما عاوَدَ يَتَشَمَّمُهُ ويَتَحَسَّسُ نَفَسَهُ، ويَصْعَدُ الشَّجَرَ أخَفَّ صُعُودٍ، ويُهَشِّمُ الجَوْزَ بَيْنَ كَفَّيْهِ تَعْرِيضًا بِالواحِدَةِ وصَدْمَةً بِالأُخْرى، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَذَرُ قِشْرَهُ ويَسْتَفُّ لُبَّهُ، ويُحْكى عَنِ الفَأْرِ في سَرِقَتِهِ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ.
وثانِيها: أمْرُ النَّحْلِ وما لَها مِنَ الرِّياسَةِ وبِناءِ البُيُوتِ المُسَدَّسَةِ الَّتِي لا يَتَمَكَّنُ مِن بِنائِها أفاضِلُ المُهَنْدِسِينَ.
وثالِثُها: انْتِقالُ الكَراكِيِّ مِن طَرَفٍ مِن أطْرافِ العالَمِ إلى الطَّرَفِ الآخَرِ طَلَبًا لِما يُوافِقُها مِنَ الأهْوِيَةِ، ويُقالُ: إنَّ مِن خَواصِّ الخَيْلِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها يَعْرِفُ صَوْتَ الفَرَسِ الَّذِي قابَلَهُ وقْتًا ما، والكِلابُ تَتَصايَحُ بِالعَيَّةِ المَعْرُوفَةِ لَها، والفَهْدُ إذا سُقِيَ أوْ شَرِبَ مِنَ الدَّواءِ المَعْرُوفِ بِخانِقِ الفَهْدِ عَمَدَ إلى زِبْلِ الإنْسانِ فَأكَلَهُ، والتَّماسِيحُ تَفْتَحُ أفْواهَها لِطائِرٍ يَقَعُ عَلَيْها كالعَقْعَقِ ويُنَظِّفُ ما بَيْنَ أسْنانِها، وعَلى رَأْسِ ذَلِكَ الطَّيْرِ كالشَّوْكِ فَإذا هَمَّ التِّمْساحُ بِالتِقامِ ذَلِكَ الطَّيْرَ تَأذّى مِن ذَلِكَ الشَّوْكِ فَيَفْتَحُ فاهُ فَيَخْرُجُ الطّائِرُ، والسُّلَحْفاةُ تَتَناوَلُ بَعْدَ أكْلِ الحَيَّةِ صَعْتَرًا جَبَلِيًّا ثُمَّ تَعُودُ وقَدْ عُوفِيَتْ مِن ذَلِكَ، وحَكى بَعْضُ الثِّقاتِ المُجَرِّبِينَ لِلصَّيْدِ أنَّهُ شاهَدَ الحُبارى تُقاتِلُ الأفْعى وتَنْهَزِمُ عَنْهُ إلى بَقْلَةٍ تَتَناوَلُ مِنها ثُمَّ تَعُودُ ولا يَزالُ ذَلِكَ دَأْبُهُ فَكانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ قاعِدًا في كُنٍّ غائِرٍ فِعْلَ القَنَصَةِ، وكانَتِ البَقْلَةُ قَرِيبَةً مِن مَكْمَنِهِ فَلَمّا اشْتَغَلَ الحُبارى بِالأفْعى قَلَعَ البَقْلَةَ فَعادَتِ الحُبارى إلى مَنبَتِها فَفَقَدَتْهُ وأخَذَتْ تَدُورُ حَوْلَ مَنبَتِها دَوَرانًا مُتَتابِعًا حَتّى خَرَّ مَيِّتًا، فَعَلِمَ الشَّيْخُ أنَّهُ كانَ يَتَعالَجُ بِأكْلِها مِنَ اللَّسْعَةِ، وتِلْكَ البَقْلَةُ كانَتْ هي الجِرْجِيرُ البَرِّيُّ، وأمّا ابْنُ عِرْسٍ فَيَسْتَظْهِرُ في قِتالِ الحَيَّةِ بِأكْلِ السَّذابِ فَإنَّ النَّكْهَةَ السَّذابِيَّةَ مِمّا تَنْفِرُ مِنها الأفْعى. والكِلابُ إذا دَوَّدَتْ بُطُونُها أكَلَتْ سُنْبُلَ القَمْحِ، وإذا جَرَحَتِ اللَّقالِقُ بَعْضُها بَعْضًا داوَتْ جِراحَها بِالصَّعْتَرِ الجَبَلِيِّ.
ورابِعُها: القَنافِذُ قَدْ تُحِسُّ بِالشَّمالِ والجَنُوبِ قَبْلَ الهُبُوبِ فَتُغَيِّرُ المَدْخَلَ إلى جُحْرِها وكانَ بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ رَجُلٌ قَدْ أثْرى بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يُنْذِرُ بِالرِّياحِ قَبْلَ هُبُوبِها ويَنْتَفِعُ النّاسُ بِإنْذارِهِ، وكانَ السَّبَبُ فِيهِ قُنْفُذًا في دارِهِ يَفْعَلُ الصَّنِيعَ المَذْكُورَ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ، والخُطّافُ صانِعٌ جَيِّدٌ في اتِّخاذِ العُشِّ مِنَ الطِّينِ وقِطَعِ الخَشَبِ، فَإنْ أعْوَزَهُ الطِّينُ ابْتَلَّ وتَمَرَّغَ في التُّرابِ لِيَحْمِلَ جَناحاهُ قَدْرًا مِنَ الطِّينِ، وإذا أفْرَخَ بالَغَ في تَعَهُّدِ الفِراخِ ويَأْخُذُ ذَرْقَها بِمِنقارِهِ ويَرْمِيها عَنِ العُشِّ، ثُمَّ يُعَلِّمُها إلْقاءَ الذَّرْقِ نَحْوَ طَرَفِ العُشِّ، وإذا دَنا الصّائِدُ مِن مَكانِ فِراخِ القَبَجَةِ ظَهَرَتْ لَهُ القَبَجَةُ وقَرُبَتْ مِنهُ مُطَمِّعَةً لَهُ لِيَتْبَعَها ثُمَّ تَذْهَبُ إلى جانِبٍ آخَرَ سِوى جانِبِ فِراخِها، وناقِرُ الخَشَبِ قَلَّما يَقَعُ عَلى الأرْضِ بَلْ عَلى الشَّجَرِ يَنْقُرُ المَوْضِعَ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ دُودًا، والغَرانِيقُ تَصْعَدُ في الجَوِّ جِدًّا عِنْدَ الطَّيَرانِ فَإنْ حَجَبَ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ ضَبابٌ أوْ سَحابٌ أحْدَثَتْ عَنْ أجْنِحَتِها حَفِيفًا مَسْمُوعًا يَلْزَمُ بِهِ بَعْضُها بَعْضًا، فَإذا نامَتْ عَلى جَبَلٍ فَإنَّها تَضَعُ رُءُوسَها تَحْتَ أجْنِحَتِها، إلّا القائِدُ فَإنَّهُ يَنامُ مَكْشُوفَ
صفحة ١٢
الرَّأْسِ فَيُسْرِعُ انْتِباهُهُ، وإذا سَمِعَ حَرَسًا صاحَ، وحالُ النَّمْلِ في الذَّهابِ إلى مَواضِعِها عَلى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ يَحْفَظُ بَعْضُها بَعْضًا أمْرٌ عَجِيبٌ، واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِقْصاءَ في هَذا البابِ مَذْكُورٌ في كِتابِ طَبائِعِ الحَيَوانِ، والمَقْصُودُ أنَّ الأكْياسَ مِنَ العُقَلاءِ يَعْجِزُونَ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الحِيَلِ. فَإذا جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّها مُلْهَمَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْرِفَتِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ عارِفَةٍ بِسائِرِ الأُمُورِ الَّتِي يَعْرِفُها النّاسُ ؟ ولِلَّهِ دَرُّ شِهابِ الإسْلامِ السَّمْعانِيِّ حَيْثُ قالَ: جَلَّ جَنابُ الجَلالِ، عَنْ أنْ يُوزَنَ بِمِيزانِ الِاعْتِزالِ.
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ فَهو مَعَ وجازَتِهِ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَمامِ عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ ومُحْدَثٌ والمُمْكِنُ والمُحْدَثُ لا يُوجَدانِ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى القَدِيمِ الواجِبِ، فَدَخَلَ في هَذِهِ القَضِيَّةِ جَمِيعُ الأجْرامِ والأعْراضِ وأفْعالُ العِبادِ وأقْوالُهم وخَواطِرُهم.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ فَهو عِبارَةٌ تامَّةٌ في مَعْرِفَةِ المَعادِ وهو أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَصِيرِ الكُلِّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولَهُ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الوُجُودَ يَبْدَأُ مِنَ الأشْرَفِ فالأشْرَفِ نازِلًا إلى الأخَسِّ فالأخَسِّ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الأخَسِّ فالأخَسِّ مُتَرَقِّيًا إلى الأشْرَفِ فالأشْرَفِ، فَإنَّهُ يَكُونُ جِسْمًا ثُمَّ يُصَيِّرُهُ مَوْصُوفًا بِالنَّباتِيَّةِ ثُمَّ الحَيَوانِيَّةِ ثُمَّ الإنْسانِيَّةِ ثُمَّ المَلَكِيَّةِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلى واجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ.
فالِاعْتِبارُ الأوَّلُ هو قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
والثّانِي هو قَوْلُهُ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ .
النور 24:43
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ بِعَيْنِ عَقْلِكَ والمُرادُ التَّنْبِيهُ؛ والإزْجاءُ السَّوْقُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ البِضاعَةُ المُزْجاةُ الَّتِي يُزْجِيها كُلُّ أحَدٍ، وإزْجاءُ السَّيْرِ في الإبِلِ الرِّفْقُ بِها حَتّى تَسِيرَ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، قالَ الفَرّاءُ ”بَيْنَ“ لا يَصْلُحُ إلّا مُضافًا إلى اسْمَيْنِ فَما زادَ، وإنَّما قالَ ﴿بَيْنَهُ﴾ لِأنَّ السَّحابَ واحِدٌ في اللَّفْظِ، ومَعْناهُ الجَمْعُ والواحِدُ سَحابَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرَّعْدِ: ١٢] والتَّأْلِيفُ ضَمُّ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، أيْ يَجْمَعُ بَيْنَ قِطَعِ السَّحابِ فَيَجْعَلُها سَحابًا واحِدًا ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ أيْ مُجْتَمِعًا، والرَّكْمُ جَمْعُكَ شَيْئًا فَوْقَ شَيْءٍ حَتّى تَجْعَلَهُ مَرْكُومًا، والوَدْقُ: المَطَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَنْ مُجاهِدٍ: القَطْرُ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: الماءُ. ﴿مِن خِلالِهِ﴾ مِن شُقُوقِهِ ومَخارِقِهِ جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ في جَمْعِ جَبَلٍ، وقُرِئَ ”مِن خَلَلِهِ“ .
صفحة ١٣
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُزْجِي سَحابًا﴾ يَحْتَمِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُنْشِئُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُغَيِّرَهُ مِن سائِرِ الأجْسامِ لا في حالَةٍ واحِدَةٍ، فَعَلى الوجه الأوَّلِ يَكُونُ نَفْسُ السَّحابِ مُحْدَثًا، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ يُؤَلِّفُ بَيْنَ أجْزائِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُحْدِثُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى تِلْكَ الصِّفاتُ الَّتِي بِاعْتِبارِها صارَتْ تِلْكَ الأجْسامُ سَحابًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ دَلالَةً عَلى وُجُودِها مُتَقَدِّمًا مُتَفَرِّقًا، إذِ التَّأْلِيفُ لا يَصِحُّ إلّا بَيْنَ مَوْجُودَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُهُ رُكامًا، وذَلِكَ بِتَرَكُّبٍ بَعْضِها عَلى البَعْضِ، وهَذا مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِأنَّ السَّحابَ إنَّما يَحْمِلُ الكَثِيرَ مِنَ الماءِ إذا كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن عَجائِبِ خَلْقِهِ ودَلالَةِ مُلْكِهِ واقْتِدارِهِ، قالَ أهْلُ الطَّبائِعِ إنَّ تَكَوُّنَ السَّحابِ والمَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والطَّلِّ والصَّقِيعِ في أكْثَرِ الأمْرِ يَكُونُ مِن تَكاثُفِ البُخارِ وفي الأقَلِّ مِن تَكاثُفِ الهَواءِ، أمّا الأوَّلُ فالبُخارُ الصّاعِدُ إنْ كانَ قَلِيلًا وكانَ في الهَواءِ مِنَ الحَرارَةِ ما يُحَلِّلُ ذَلِكَ البُخارَ، فَحِينَئِذٍ يَنْحَلُّ ويَنْقَلِبُ هَواءً. وأمّا إنْ كانَ البُخارُ كَثِيرًا ولَمْ يَكُنْ في الهَواءِ مِنَ الحَرارَةِ ما يُحَلِّلُ ذَلِكَ البُخارَ فَتِلْكَ الأبْخِرَةُ المُتَصاعِدَةُ إمّا أنْ تَبْلُغَ في صُعُودِها إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ مِنَ الهَواءِ أوْ لا تَبْلُغَ، فَإنْ بَلَغَتْ فَإمّا أنْ يَكُونَ البَرَدُ هُناكَ قَوِيًّا أوْ لا يَكُونُ، فَإنْ لَمْ يَكُنِ البَرَدُ هُناكَ قَوِيًّا تَكاثَفَ ذَلِكَ البُخارُ بِذَلِكَ القَدْرِ مِنَ البَرَدِ، واجْتَمَعَ وتَقاطَرَ، فالبُخارُ المُجْتَمِعُ هو السَّحابُ، والمُتَقاطِرُ هو المَطَرُ، والدِّيمَةُ والوابِلُ إنَّما يَكُونُ مِن أمْثالِ هَذِهِ الغُيُومِ، وأمّا إنْ كانَ البَرَدُ شَدِيدًا فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَصِلَ البَرَدُ إلى الأجْزاءِ البُخارِيَّةِ قَبْلَ اجْتِماعِها وانْحِلالِها حَبّاتٍ كِبارًا أوْ بَعْدَ صَيْرُورَتِها كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ عَلى الوجه الأوَّلِ نَزَلَ ثَلْجًا، وإنْ كانَ عَلى الوجه الثّانِي نَزَلَ بَرْدًا، وأمّا إذا لَمْ تَبْلُغِ الأخِيرَةُ إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ فَهي إمّا أنْ تَكُونَ كَثِيرَةً أوْ تَكُونَ قَلِيلَةً، فَإنْ كانَتْ كَثِيرَةً فَهي قَدْ تَنْعَقِدُ سَحابًا ماطِرًا وقَدْ لا تَنْعَقِدُ، أمّا الأوَّلُ فَذاكَ لِأحَدِ أسْبابٍ خَمْسَةٍ:
أحَدُها: إذا مَنَعَ هُبُوبُ الرِّياحِ عَنْ تَصاعُدِ تِلْكَ الأبْخِرَةِ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ الرِّياحُ ضاغِطَةً إيّاها إلى الِاجْتِماعِ بِسَبَبِ وُقُوفِ جِبالٍ قُدّامَ الرِّيحِ.
وثالِثُها: أنْ تَكُونَ هُناكَ رِياحٌ مُتَقابِلَةٌ مُتَصادِمَةٌ فَتَمْنَعُ صُعُودَ الأبْخِرَةِ حِينَئِذٍ.
ورابِعُها: أنْ يَعْرِضَ لِلْجُزْءِ المُتَقَدِّمِ وُقُوفٌ لِثِقَلِهِ وبُطْءِ حَرَكَتِهِ، ثُمَّ يَلْتَصِقُ بِهِ سائِرُ الأجْزاءِ الكَثِيرَةِ المَدَدُ.
وخامِسُها: لِشِدَّةِ بَرْدِ الهَواءِ القَرِيبِ مِنَ الأرْضِ. وقَدْ نُشاهِدُ البُخارَ يَصْعَدُ في بَعْضِ الجِبالِ صُعُودًا يَسِيرًا حَتّى كَأنَّهُ مِكَبَّةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلى وهْدَةٍ، ويَكُونُ النّاظِرُ إلَيْها فَوْقَ تِلْكَ الغَمامَةِ والَّذِينَ يَكُونُونَ تَحْتَ الغَمامَةِ يُمْطَرُونَ والَّذِينَ يَكُونُونَ فَوْقَها يَكُونُونَ في الشَّمْسِ، وأمّا إذا كانَتِ الأبْخِرَةُ القَلِيلَةُ الِارْتِفاعِ قَلِيلَةً لَطِيفَةً، فَإذا ضَرَبَها بَرْدُ اللَّيْلِ كَثَّفَها وعَقَدَها ماءً مَحْسُوسًا فَنَزَلَ نُزُولًا مُتَفَرِّقًا لا يُحِسُّ بِهِ إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، فَإنْ لَمْ يَجْمُدْ كانَ طَلًّا، وإنْ جَمَدَ كانَ صَقِيعًا، ونِسْبَةُ الصَّقِيعِ إلى الطَّلِّ نِسْبَةُ الثَّلْجِ إلى المَطَرِ، وأمّا تَكَوُّنُ السَّحابِ مِنَ انْقِباضِ الهَواءِ فَذَلِكَ عِنْدَما يَبْرُدُ الهَواءُ ويَنْقَبِضُ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مِنهُ الأقْسامُ المَذْكُورَةُ. والجَوابُ: أنّا لَمّا دَلَّلْنا عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ وتَوَسَّلْنا بِذَلِكَ إلى كَوْنِهِ قادِرًا مُخْتارًا يُمْكِنُهُ إيجادُ الأجْسامِ لَمْ يُمْكِنّا القَطْعُ بِما ذَكَرْتُمُوهُ لِاحْتِمالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ أجْزاءَ السَّحابِ دُفْعَةً لا بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُمْ، ولَكِنَّ الأجْسامَ بِالِاتِّفاقِ مُمْكِنَةٌ في ذَواتِها فَلا بُدَّ لَها مِن مُؤَثِّرٍ. ثُمَّ إنَّها مُتَماثِلَةٌ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِصِفَتِهِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الصُّعُودِ والهُبُوطِ واللَّطافَةِ والكَثافَةِ والحَرارَةِ والبُرُودَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ، فَإذا كانَ هو سُبْحانَهُ خالِقًا لِتِلْكَ الطَّبائِعِ، وتِلْكَ الطَّبائِعُ مُؤَثِّرَةٌ في هَذِهِ الأحْوالِ، وخالِقُ السَّبَبِ خالِقُ المُسَبَّبِ، فَكانَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُزْجِي سَحابًا، لِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الطَّبائِعَ المُحَرِّكَةَ لِتِلْكَ الأبْخِرَةِ مِن باطِنِ الأرْضِ إلى جَوِّ الهَواءِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الأبْخِرَةَ إذا تَرادَفَتْ في صُعُودِها والتَصَقَ بَعْضُها بِالبَعْضِ فَهو سُبْحانَهُ
صفحة ١٤
هُوَ الَّذِي جَعَلَها رُكامًا، فَثَبَتَ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى القُدْرَةِ والحِكْمَةِ ظاهِرٌ بَيِّنٌ.
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ في السَّماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ، ثُمَّ يُنَزِّلُ مِنها ما شاءَ، وهَذا القَوْلُ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، قالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ: جِبالٌ مِن بَرَدٍ في السَّماءِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّماءَ هو الغَيْمُ المُرْتَفِعُ عَلى رُءُوسِ النّاسِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُمُوِّهِ وارْتِفاعِهِ، وأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ مِن هَذا الغَيْمِ الَّذِي هو سَماءٌ البَرَدَ وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن جِبالٍ﴾ السَّحابَ العِظامَ لِأنَّها إذا عَظُمَتْ أشْبَهَتِ الجِبالَ، كَما يُقالُ فُلانٌ يَمْلِكُ جِبالًا مِن مالٍ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ تَوَسُّعًا وذَهَبُوا إلى أنَّ البَرَدَ ماءٌ جامِدٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في السَّحابِ، ثُمَّ أنْزَلَهُ إلى الأرْضِ، وقالَ بَعْضُهم إنَّما سَمّى اللَّهُ ذَلِكَ الغَيْمَ جِبالًا، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَها مِنَ البَرَدِ، وكُلُّ جِسْمٍ شَدِيدٍ مُتَحَجِّرٍ فَهو مِنَ الجِبالِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٨٤] ومِنهُ: فُلانٌ مَجْبُولٌ عَلى كَذا، قالَ المُفَسِّرُونَ: والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ السَّماءَ اسْمٌ لِهَذا الجِسْمِ المَخْصُوصِ، فَجَعْلُهُ اسْمًا لِلسَّحابِ بِطَرِيقَةِ الِاشْتِقاقِ مَجازٌ، وكَما يَصِحُّ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الماءَ في السَّحابِ ثُمَّ يُنْزِلُهُ بَرَدًا، فَقَدْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في السَّماءِ جِبالٌ مِن بَرَدٍ، وإذا صَحَّ في القُدْرَةِ كِلا الأمْرَيْنِ فَلا وجْهَ لِتَرْكِ الظّاهِرِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ فَمِنَ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ لِأنَّ ابْتِداءَ الإنْزالِ مِنَ السَّماءِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ بَعْضَ تِلْكَ الجِبالِ الَّتِي في السَّماءِ، والثّالِثَةُ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ جِنْسَ تِلْكَ الجِبالِ جِنْسُ البَرَدِ، ثم قال: ومَفْعُولُ الإنْزالِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ، إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ فالظّاهِرُ أنَّهُ راجِعٌ إلى البَرَدِ، ومَعْلُومٌ مِن حالِهِ أنَّهُ قَدْ يَضُرُّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ عَلى وفْقِ المَصْلَحَةِ ويَصْرِفُهُ، أيْ يَصْرِفُ ضَرَرَهُ عَمَّنْ يَشاءُ بِأنْ لا يَسْقُطَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ البَرَدَ عَلى الحَجَرِ وجَعَلَ نُزُولَهُ جارِيًا مَجْرى عَذابِ الِاسْتِئْصالِ وذَلِكَ بِعِيدٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قُرِئَ ”يَكادُ سَنا بَرْقِهِ“ عَلى الإدْغامِ وقُرِئَ ”بُرُقِهِ“ جَمْعُ بُرْقَةٍ وهي المِقْدارُ مِنَ البَرْقِ، وبُرُقِهِ بِضَمَّتَيْنِ لِلْإتْباعِ كَما قِيلَ في جَمْعِ فُعْلَةٍ فُعُلاتٍ كَظُلُماتٍ، و”سَناءُ بَرْقِهِ“ عَلى المَدِّ، والمَقْصُورُ بِمَعْنى الضَّوْءِ، والمَمْدُودُ بِمَعْنى العُلُوِّ والِارْتِفاعِ مِن قَوْلِكَ سَنى لِلْمُرْتَفِعِ و﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ عَلى زِيادَةِ الباءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٥] عَنْ أبِي جَعْفَرٍ المَدَنِيِّ.
المسألة الثّانِيَةُ: وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ أنَّ البَرْقَ الَّذِي يَكُونُ صِفَتُهُ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ نارًا عَظِيمَةً خالِصَةً، والنّارُ ضِدُّ الماءِ والبَرَدِ، فَظُهُورُهُ مِنَ البَرَدِ يَقْتَضِي ظُهُورَ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِقُدْرَةِ قادِرٍ حَكِيمٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في أنَّكَ إذا قُلْتَ: ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ إلى الدّارِ، فَهَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ ذاهِبًا مَعَهُ
صفحة ١٥
إلى الدّارِ. فالمُنْكِرُونَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ: مِنها تَعاقُبُهُما ومَجِيءُ أحَدِهِما بَعْدَ الآخَرِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفُرْقانِ: ٦٢] ومِنها وُلُوجُ أحَدِهِما في الآخَرِ وأخْذُ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ. ومِنها تَغَيُّرُ أحْوالِهِما في البَرْدِ والحَرِّ وغَيْرِهِما، ولا يَمْتَنِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يُرِيدَ تَعالى مَعانِيَ الكُلِّ لِأنَّهُ في الإنْعامِ والِاعْتِبارِ أوْلى وأقْوى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ فالمَعْنى أنَّ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ دَلالَةً لِمَن يَرْجِعُ إلى بَصِيرَةٍ، فَمِن هَذا الوجه يَدُلُّ أنَّ الواجِبَ عَلى المَرْءِ أنْ يَتَدَبَّرَ ويَتَفَكَّرَ في هَذِهِ الأُمُورِ، ويَدُلَّ أيْضًا عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ.
النور 24:44
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ بِعَيْنِ عَقْلِكَ والمُرادُ التَّنْبِيهُ؛ والإزْجاءُ السَّوْقُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ البِضاعَةُ المُزْجاةُ الَّتِي يُزْجِيها كُلُّ أحَدٍ، وإزْجاءُ السَّيْرِ في الإبِلِ الرِّفْقُ بِها حَتّى تَسِيرَ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، قالَ الفَرّاءُ ”بَيْنَ“ لا يَصْلُحُ إلّا مُضافًا إلى اسْمَيْنِ فَما زادَ، وإنَّما قالَ ﴿بَيْنَهُ﴾ لِأنَّ السَّحابَ واحِدٌ في اللَّفْظِ، ومَعْناهُ الجَمْعُ والواحِدُ سَحابَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرَّعْدِ: ١٢] والتَّأْلِيفُ ضَمُّ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، أيْ يَجْمَعُ بَيْنَ قِطَعِ السَّحابِ فَيَجْعَلُها سَحابًا واحِدًا ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ أيْ مُجْتَمِعًا، والرَّكْمُ جَمْعُكَ شَيْئًا فَوْقَ شَيْءٍ حَتّى تَجْعَلَهُ مَرْكُومًا، والوَدْقُ: المَطَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَنْ مُجاهِدٍ: القَطْرُ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: الماءُ. ﴿مِن خِلالِهِ﴾ مِن شُقُوقِهِ ومَخارِقِهِ جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ في جَمْعِ جَبَلٍ، وقُرِئَ ”مِن خَلَلِهِ“ .
صفحة ١٣
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُزْجِي سَحابًا﴾ يَحْتَمِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُنْشِئُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُغَيِّرَهُ مِن سائِرِ الأجْسامِ لا في حالَةٍ واحِدَةٍ، فَعَلى الوجه الأوَّلِ يَكُونُ نَفْسُ السَّحابِ مُحْدَثًا، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ يُؤَلِّفُ بَيْنَ أجْزائِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُحْدِثُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى تِلْكَ الصِّفاتُ الَّتِي بِاعْتِبارِها صارَتْ تِلْكَ الأجْسامُ سَحابًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ دَلالَةً عَلى وُجُودِها مُتَقَدِّمًا مُتَفَرِّقًا، إذِ التَّأْلِيفُ لا يَصِحُّ إلّا بَيْنَ مَوْجُودَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُهُ رُكامًا، وذَلِكَ بِتَرَكُّبٍ بَعْضِها عَلى البَعْضِ، وهَذا مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِأنَّ السَّحابَ إنَّما يَحْمِلُ الكَثِيرَ مِنَ الماءِ إذا كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن عَجائِبِ خَلْقِهِ ودَلالَةِ مُلْكِهِ واقْتِدارِهِ، قالَ أهْلُ الطَّبائِعِ إنَّ تَكَوُّنَ السَّحابِ والمَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والطَّلِّ والصَّقِيعِ في أكْثَرِ الأمْرِ يَكُونُ مِن تَكاثُفِ البُخارِ وفي الأقَلِّ مِن تَكاثُفِ الهَواءِ، أمّا الأوَّلُ فالبُخارُ الصّاعِدُ إنْ كانَ قَلِيلًا وكانَ في الهَواءِ مِنَ الحَرارَةِ ما يُحَلِّلُ ذَلِكَ البُخارَ، فَحِينَئِذٍ يَنْحَلُّ ويَنْقَلِبُ هَواءً. وأمّا إنْ كانَ البُخارُ كَثِيرًا ولَمْ يَكُنْ في الهَواءِ مِنَ الحَرارَةِ ما يُحَلِّلُ ذَلِكَ البُخارَ فَتِلْكَ الأبْخِرَةُ المُتَصاعِدَةُ إمّا أنْ تَبْلُغَ في صُعُودِها إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ مِنَ الهَواءِ أوْ لا تَبْلُغَ، فَإنْ بَلَغَتْ فَإمّا أنْ يَكُونَ البَرَدُ هُناكَ قَوِيًّا أوْ لا يَكُونُ، فَإنْ لَمْ يَكُنِ البَرَدُ هُناكَ قَوِيًّا تَكاثَفَ ذَلِكَ البُخارُ بِذَلِكَ القَدْرِ مِنَ البَرَدِ، واجْتَمَعَ وتَقاطَرَ، فالبُخارُ المُجْتَمِعُ هو السَّحابُ، والمُتَقاطِرُ هو المَطَرُ، والدِّيمَةُ والوابِلُ إنَّما يَكُونُ مِن أمْثالِ هَذِهِ الغُيُومِ، وأمّا إنْ كانَ البَرَدُ شَدِيدًا فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَصِلَ البَرَدُ إلى الأجْزاءِ البُخارِيَّةِ قَبْلَ اجْتِماعِها وانْحِلالِها حَبّاتٍ كِبارًا أوْ بَعْدَ صَيْرُورَتِها كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ عَلى الوجه الأوَّلِ نَزَلَ ثَلْجًا، وإنْ كانَ عَلى الوجه الثّانِي نَزَلَ بَرْدًا، وأمّا إذا لَمْ تَبْلُغِ الأخِيرَةُ إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ فَهي إمّا أنْ تَكُونَ كَثِيرَةً أوْ تَكُونَ قَلِيلَةً، فَإنْ كانَتْ كَثِيرَةً فَهي قَدْ تَنْعَقِدُ سَحابًا ماطِرًا وقَدْ لا تَنْعَقِدُ، أمّا الأوَّلُ فَذاكَ لِأحَدِ أسْبابٍ خَمْسَةٍ:
أحَدُها: إذا مَنَعَ هُبُوبُ الرِّياحِ عَنْ تَصاعُدِ تِلْكَ الأبْخِرَةِ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ الرِّياحُ ضاغِطَةً إيّاها إلى الِاجْتِماعِ بِسَبَبِ وُقُوفِ جِبالٍ قُدّامَ الرِّيحِ.
وثالِثُها: أنْ تَكُونَ هُناكَ رِياحٌ مُتَقابِلَةٌ مُتَصادِمَةٌ فَتَمْنَعُ صُعُودَ الأبْخِرَةِ حِينَئِذٍ.
ورابِعُها: أنْ يَعْرِضَ لِلْجُزْءِ المُتَقَدِّمِ وُقُوفٌ لِثِقَلِهِ وبُطْءِ حَرَكَتِهِ، ثُمَّ يَلْتَصِقُ بِهِ سائِرُ الأجْزاءِ الكَثِيرَةِ المَدَدُ.
وخامِسُها: لِشِدَّةِ بَرْدِ الهَواءِ القَرِيبِ مِنَ الأرْضِ. وقَدْ نُشاهِدُ البُخارَ يَصْعَدُ في بَعْضِ الجِبالِ صُعُودًا يَسِيرًا حَتّى كَأنَّهُ مِكَبَّةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلى وهْدَةٍ، ويَكُونُ النّاظِرُ إلَيْها فَوْقَ تِلْكَ الغَمامَةِ والَّذِينَ يَكُونُونَ تَحْتَ الغَمامَةِ يُمْطَرُونَ والَّذِينَ يَكُونُونَ فَوْقَها يَكُونُونَ في الشَّمْسِ، وأمّا إذا كانَتِ الأبْخِرَةُ القَلِيلَةُ الِارْتِفاعِ قَلِيلَةً لَطِيفَةً، فَإذا ضَرَبَها بَرْدُ اللَّيْلِ كَثَّفَها وعَقَدَها ماءً مَحْسُوسًا فَنَزَلَ نُزُولًا مُتَفَرِّقًا لا يُحِسُّ بِهِ إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، فَإنْ لَمْ يَجْمُدْ كانَ طَلًّا، وإنْ جَمَدَ كانَ صَقِيعًا، ونِسْبَةُ الصَّقِيعِ إلى الطَّلِّ نِسْبَةُ الثَّلْجِ إلى المَطَرِ، وأمّا تَكَوُّنُ السَّحابِ مِنَ انْقِباضِ الهَواءِ فَذَلِكَ عِنْدَما يَبْرُدُ الهَواءُ ويَنْقَبِضُ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مِنهُ الأقْسامُ المَذْكُورَةُ. والجَوابُ: أنّا لَمّا دَلَّلْنا عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ وتَوَسَّلْنا بِذَلِكَ إلى كَوْنِهِ قادِرًا مُخْتارًا يُمْكِنُهُ إيجادُ الأجْسامِ لَمْ يُمْكِنّا القَطْعُ بِما ذَكَرْتُمُوهُ لِاحْتِمالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ أجْزاءَ السَّحابِ دُفْعَةً لا بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُمْ، ولَكِنَّ الأجْسامَ بِالِاتِّفاقِ مُمْكِنَةٌ في ذَواتِها فَلا بُدَّ لَها مِن مُؤَثِّرٍ. ثُمَّ إنَّها مُتَماثِلَةٌ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِصِفَتِهِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الصُّعُودِ والهُبُوطِ واللَّطافَةِ والكَثافَةِ والحَرارَةِ والبُرُودَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ، فَإذا كانَ هو سُبْحانَهُ خالِقًا لِتِلْكَ الطَّبائِعِ، وتِلْكَ الطَّبائِعُ مُؤَثِّرَةٌ في هَذِهِ الأحْوالِ، وخالِقُ السَّبَبِ خالِقُ المُسَبَّبِ، فَكانَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُزْجِي سَحابًا، لِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الطَّبائِعَ المُحَرِّكَةَ لِتِلْكَ الأبْخِرَةِ مِن باطِنِ الأرْضِ إلى جَوِّ الهَواءِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الأبْخِرَةَ إذا تَرادَفَتْ في صُعُودِها والتَصَقَ بَعْضُها بِالبَعْضِ فَهو سُبْحانَهُ
صفحة ١٤
هُوَ الَّذِي جَعَلَها رُكامًا، فَثَبَتَ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى القُدْرَةِ والحِكْمَةِ ظاهِرٌ بَيِّنٌ.
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ في السَّماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ، ثُمَّ يُنَزِّلُ مِنها ما شاءَ، وهَذا القَوْلُ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، قالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ: جِبالٌ مِن بَرَدٍ في السَّماءِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّماءَ هو الغَيْمُ المُرْتَفِعُ عَلى رُءُوسِ النّاسِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُمُوِّهِ وارْتِفاعِهِ، وأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ مِن هَذا الغَيْمِ الَّذِي هو سَماءٌ البَرَدَ وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن جِبالٍ﴾ السَّحابَ العِظامَ لِأنَّها إذا عَظُمَتْ أشْبَهَتِ الجِبالَ، كَما يُقالُ فُلانٌ يَمْلِكُ جِبالًا مِن مالٍ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ تَوَسُّعًا وذَهَبُوا إلى أنَّ البَرَدَ ماءٌ جامِدٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في السَّحابِ، ثُمَّ أنْزَلَهُ إلى الأرْضِ، وقالَ بَعْضُهم إنَّما سَمّى اللَّهُ ذَلِكَ الغَيْمَ جِبالًا، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَها مِنَ البَرَدِ، وكُلُّ جِسْمٍ شَدِيدٍ مُتَحَجِّرٍ فَهو مِنَ الجِبالِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٨٤] ومِنهُ: فُلانٌ مَجْبُولٌ عَلى كَذا، قالَ المُفَسِّرُونَ: والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ السَّماءَ اسْمٌ لِهَذا الجِسْمِ المَخْصُوصِ، فَجَعْلُهُ اسْمًا لِلسَّحابِ بِطَرِيقَةِ الِاشْتِقاقِ مَجازٌ، وكَما يَصِحُّ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الماءَ في السَّحابِ ثُمَّ يُنْزِلُهُ بَرَدًا، فَقَدْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في السَّماءِ جِبالٌ مِن بَرَدٍ، وإذا صَحَّ في القُدْرَةِ كِلا الأمْرَيْنِ فَلا وجْهَ لِتَرْكِ الظّاهِرِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ فَمِنَ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ لِأنَّ ابْتِداءَ الإنْزالِ مِنَ السَّماءِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ بَعْضَ تِلْكَ الجِبالِ الَّتِي في السَّماءِ، والثّالِثَةُ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ جِنْسَ تِلْكَ الجِبالِ جِنْسُ البَرَدِ، ثم قال: ومَفْعُولُ الإنْزالِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ، إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ فالظّاهِرُ أنَّهُ راجِعٌ إلى البَرَدِ، ومَعْلُومٌ مِن حالِهِ أنَّهُ قَدْ يَضُرُّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ عَلى وفْقِ المَصْلَحَةِ ويَصْرِفُهُ، أيْ يَصْرِفُ ضَرَرَهُ عَمَّنْ يَشاءُ بِأنْ لا يَسْقُطَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ البَرَدَ عَلى الحَجَرِ وجَعَلَ نُزُولَهُ جارِيًا مَجْرى عَذابِ الِاسْتِئْصالِ وذَلِكَ بِعِيدٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قُرِئَ ”يَكادُ سَنا بَرْقِهِ“ عَلى الإدْغامِ وقُرِئَ ”بُرُقِهِ“ جَمْعُ بُرْقَةٍ وهي المِقْدارُ مِنَ البَرْقِ، وبُرُقِهِ بِضَمَّتَيْنِ لِلْإتْباعِ كَما قِيلَ في جَمْعِ فُعْلَةٍ فُعُلاتٍ كَظُلُماتٍ، و”سَناءُ بَرْقِهِ“ عَلى المَدِّ، والمَقْصُورُ بِمَعْنى الضَّوْءِ، والمَمْدُودُ بِمَعْنى العُلُوِّ والِارْتِفاعِ مِن قَوْلِكَ سَنى لِلْمُرْتَفِعِ و﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ عَلى زِيادَةِ الباءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٥] عَنْ أبِي جَعْفَرٍ المَدَنِيِّ.
المسألة الثّانِيَةُ: وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ أنَّ البَرْقَ الَّذِي يَكُونُ صِفَتُهُ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ نارًا عَظِيمَةً خالِصَةً، والنّارُ ضِدُّ الماءِ والبَرَدِ، فَظُهُورُهُ مِنَ البَرَدِ يَقْتَضِي ظُهُورَ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِقُدْرَةِ قادِرٍ حَكِيمٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في أنَّكَ إذا قُلْتَ: ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ إلى الدّارِ، فَهَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ ذاهِبًا مَعَهُ
صفحة ١٥
إلى الدّارِ. فالمُنْكِرُونَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ: مِنها تَعاقُبُهُما ومَجِيءُ أحَدِهِما بَعْدَ الآخَرِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفُرْقانِ: ٦٢] ومِنها وُلُوجُ أحَدِهِما في الآخَرِ وأخْذُ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ. ومِنها تَغَيُّرُ أحْوالِهِما في البَرْدِ والحَرِّ وغَيْرِهِما، ولا يَمْتَنِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يُرِيدَ تَعالى مَعانِيَ الكُلِّ لِأنَّهُ في الإنْعامِ والِاعْتِبارِ أوْلى وأقْوى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ فالمَعْنى أنَّ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ دَلالَةً لِمَن يَرْجِعُ إلى بَصِيرَةٍ، فَمِن هَذا الوجه يَدُلُّ أنَّ الواجِبَ عَلى المَرْءِ أنْ يَتَدَبَّرَ ويَتَفَكَّرَ في هَذِهِ الأُمُورِ، ويَدُلَّ أيْضًا عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ.
النور 24:45
﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع الثّالِثُ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِأحْوالِ السَّماءِ والأرْضِ، وثانِيًا بِالآثارِ العُلْوِيَّةِ، اسْتَدَلَّ ثالِثًا بِأحْوالِ الحَيَواناتِ، واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذِهِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ مَعَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الحَيَواناتِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ مِنَ الماءِ ؟ أمّا المَلائِكَةُ فَهم أعْظَمُ الحَيَواناتِ عَدَدًا وهم مَخْلُوقُونَ مِنَ النُّورِ، وأمّا الجِنُّ فَهم مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ، وخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ التُّرابِ لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] وخَلَقَ عِيسى مِنَ الرِّيحِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] وأيْضًا نَرى أنَّ كَثِيرًا مِنَ الحَيَواناتِ مُتَوَلِّدٌ لا عَنِ النُّطْفَةِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: وهو الأحْسَنُ: ما قالَهُ القَفّالُ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن ماءٍ﴾ صِلَةُ كُلِّ دابَّةٍ ولَيْسَ هو مِن صِلَةِ خَلَقَ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ دابَّةٍ مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الماءِ فَهي مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ أصْلَ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الماءُ عَلى ما يُرْوى ”«أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً ثُمَّ مِن ذَلِكَ الماءِ خَلَقَ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ» “، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أصْلِ الخِلْقَةِ، وكانَ الأصْلُ الأوَّلُ هو الماءُ لا جَرَمَ ذَكَرَهُ عَلى هَذا الوجه.
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الدّابَّةِ الَّتِي تَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ومَسْكَنُهم هُناكَ فَيَخْرُجُ عَنْهُ المَلائِكَةُ والجِنُّ، ولَمّا كانَ الغالِبُ جِدًّا مِن هَذِهِ الحَيَواناتِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ الماءِ، إمّا لِأنَّها مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ النُّطْفَةِ، وإمّا لِأنَّها لا تَعِيشُ إلّا بِالماءِ لا جَرَمَ أطْلَقَ لَفْظَ الكُلِّ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ الكُلِّ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ نَكَّرَ الماءَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ﴾ وجاءَ مُعَرَّفًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
صفحة ١٦
[الأنْبِياءِ: ٣٠] ؟ والجَوابُ: إنَّما جاءَ هَهُنا مُنَكَّرًا لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن نَوْعٍ مِنَ الماءِ يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الدّابَّةِ، وإنَّما جاءَ مُعَرَّفًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ هُناكَ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِن هَذا الجِنْسِ، وهَهُنا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الجِنْسَ يَنْقَسِمُ إلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ ضَمِيرُ العُقَلاءِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِن﴾ فَلِمَ اسْتَعْمَلَهُ في غَيْرِ العُقَلاءِ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما لا يَعْقِلُ مَعَ مَن يَعْقِلُ وهُمُ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ فَغَلَبَ اللَّفْظُ اللّائِقُ بِمَن يَعْقِلُ، لِأنَّ جَعْلَ الشَّرِيفِ أصْلًا والخَسِيسِ تَبَعًا أوْلى مِنَ العَكْسِ، ويُقالُ في الكَلامِ: مَنِ المُقْبِلانِ ؟ لِرَجُلٍ وبَعِيرٍ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ سَمّى الزَّحْفَ عَلى البَطْنِ مَشْيًا ؟ ويُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذا السُّؤالِ أنَّ الصَّبِيَّ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ يَحْبُو ولا يُقالُ إنَّهُ يَمْشِي وإنْ زَحَفَ عَلى حَدِّ ما تَزْحَفُ الحَيَّةُ. والجَوابُ: هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ كَما قالُوا في الأمْرِ المُسْتَمِرِّ قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ، ويُقالُ: فُلانٌ لا يَتَمَشّى لَهُ أمْرٌ، أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِذَلِكَ الزّاحِفِ مَعَ الماشِينَ.
السُّؤالُ الخامِسُ: أنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ القِسْمَةَ لِأنّا نَجِدُ ما يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ مِثْلُ العَناكِبِ والعَقارِبِ والرُّتَيْلاتِ بَلْ مِثْلُ الحَيَوانِ الَّذِي لَهُ أرْبَعَةٌ وأرْبَعُونَ رِجْلًا الَّذِي يُسَمّى دَخّالُ الأُذُنِ. والجَوابُ: القِسْمُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ كالنّادِرِ فَكانَ مُلْحَقًا بِالعَدَمِ، ولِأنَّ الفَلاسِفَةَ يُقِرُّونَ بِأنَّ ما لَهُ قَوائِمُ كَثِيرَةٌ فاعْتِمادُهُ إذا مَشى عَلى أرْبَعِ جِهاتِهِ لا غَيْرَ فَكَأنَّهُ يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ، ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى سائِرِ الأقْسامِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: لِمَ جاءَتِ الأجْناسُ الثَّلاثَةُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ ؟ والجَوابُ: قَدْ قَدَّمَ ما هو أعْجَبُ وهو الماشِي بِغَيْرِ آلَةِ مَشْيٍ مِن أرْجُلٍ أوْ قَوائِمَ ثُمَّ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ ثُمَّ الماشِي عَلى أرْبَعٍ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الحَيَواناتِ كَما اخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ المَشْيِ، فَكَذا هي مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ أُمُورٍ أُخَرَ، فَلْنَذْكُرْ هَهُنا بَعْضَ التَّقْسِيماتِ:
التَّقْسِيمُ الأوَّلُ: الحَيَواناتُ قَدْ تَشْتَرِكُ في أعْضاءٍ وقَدْ تَتَبايَنُ بِأعْضاءٍ، أمّا الشَّرِكَةُ فَمِثْلُ اشْتِراكِ الإنْسانِ والفَرَسِ في أنَّ لَهُما لَحْمًا وعَصَبًا وعَظْمًا، وأمّا التَّبايُنُ فَإمّا أنْ يَكُونَ في نَفْسِ العُضْوِ أوْ في صِفَتِهِ، أمّا التَّبايُنُ في نَفْسِ العُضْوِ فَعَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يَكُونَ العُضْوُ حاصِلًا لِلْآخَرِ، وإنْ كانَتْ أجْزاؤُهُ حاصِلَةً لِلثّانِي كالفَرَسِ والإنْسانِ، فَإنَّ الفَرَسَ لَهُ ذَنَبٌ والإنْسانُ لَيْسَ لَهُ ذَنَبٌ، ولَكِنَّ أجْزاءَ الذَّنَبِ لَيْسَتْ إلّا العَظْمَ والعَصَبَ واللَّحْمَ والجِلْدَ والشَّعْرَ، وكُلُّ ذَلِكَ حاصِلٌ لِلْإنْسانِ.
والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ العُضْوُ حاصِلًا لِلثّانِي لا بِذاتِهِ ولا بِأجْزائِهِ، مِثْلُ أنَّ لِلسُّلَحْفاةِ صَدَفًا يُحِيطُ بِهِ ولَيْسَ لِلْإنْسانِ ذَلِكَ، وكَذا لِلسَّمَكِ فُلُوسٌ ولِلْقُنْفُذِ شَوْكٌ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنها لِلْإنْسانِ، وأمّا التَّبايُنُ في صِفَةِ العُضْوِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ الكَمِّيَّةِ أوِ الكَيْفِيَّةِ أوِ الوَضْعِ أوِ الفِعْلِ أوِ الِانْفِعالِ، أمّا الَّذِي في الكَمِّ، فَإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمِقْدارِ مِثْلَ أنَّ عَيْنَ البُومِ كَبِيرَةٌ وعَيْنَ العُقابِ صَغِيرَةٌ، أوْ بِالعَدَدِ مِثْلَ أنَّ أرْجُلَ ضَرْبٍ مِنَ العَناكِبِ سِتَّةٌ وأرْجُلَ ضَرْبٍ آخَرَ ثَمانِيَةٌ أوْ عَشْرَةٌ، والَّذِي في الكَيْفِ فَكاخْتِلافِها في الألْوانِ والأشْكالِ والصَّلابَةِ واللِّينِ، والَّذِي في الوَضْعِ فَمِثْلُ اخْتِلافِ وضْعِ ثَدْيِ الفِيلِ فَإنَّهُ يَكُونُ قَرِيبًا مِنَ الصَّدْرِ وثَدْيِ الفَرَسِ فَإنَّهُ عِنْدَ السُّرَّةِ. وأمّا الَّذِي في الفِعْلِ فَمِثْلُ كَوْنِ أُذُنِ الفِيلِ صالِحًا لِلذَّبِّ مَعَ كَوْنِهِ آلَةً لِلسَّمْعِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ في الإنْسانِ، وكَوْنِ أنْفِهِ آلَةً لِلْقَبْضِ دُونَ أنْفِ غَيْرِهِ. وأمّا الَّذِي في
صفحة ١٧
الِانْفِعالِ فَمِثْلُ كَوْنِ عَيْنِ الخُفّاشِ سَرِيعَةَ التَّحَيُّرِ في الضَّوْءِ وعَيْنُ الخُطّافِ بِخِلافِ ذَلِكَ.
التَّقْسِيمُ الثّانِي: الحَيَوانُ إمّا أنْ يَكُونَ مائِيًّا بِمَعْنى أنَّ مَسْكَنَهُ الأصْلِيَّ هو الماءُ أوْ أرْضِيًّا أوْ يَكُونُ مائِيًّا ثُمَّ يَصِيرُ أرْضِيًّا، أمّا الحَيَواناتُ المائِيَّةُ فَتَغَيُّرُ أحْوالِها مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ مَكانُهُ وغِذاؤُهُ ونَفَسُهُ مائِيًّا فَلَهُ بَدَلُ التَّنَفُّسِ في الهَواءِ التَّنَشُّقُ المائِيُّ فَهو يَقْبَلُ الماءَ إلى باطِنِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ ولا يَعِيشُ إذا فارَقَهُ، والسَّمَكُ كُلُّهُ كَذَلِكَ. ومِنهُ ما مَكانُهُ وغِذاؤُهُ مائِيٌّ ولَكِنَّهُ يَتَنَفَّسُ مِنَ الهَواءِ مِثْلُ السُّلَحْفاةِ المائِيَّةِ، ومِنهُ ما مَكانُهُ وغِذاؤُهُ مائِيٌّ ولَيْسَ يَتَنَفَّسُ ولا يَسْتَنْشِقُ مِثْلُ أصْنافٍ مِنَ الصَّدَفِ لا تَظْهَرُ لِلْهَواءِ ولا تَسْتَدْخِلُ الماءَ إلى باطِنِها.
الوجه الثّانِي: الحَيَواناتُ المائِيَّةُ بَعْضُها مَأْواها مِياهُ الأنْهارِ الجارِيَةِ وبَعْضُها مِياهُ البَطائِحِ مِثْلُ الضَّفادِعِ وبَعْضُها مَأْواها مِياهُ البَحْرِ.
الوجه الثّالِثُ: مِنها لُجِّيَّةٌ ومِنها شَطِّيَّةٌ ومِنها طِينِيَّةٌ ومِنها صَخْرِيَّةٌ.
الوجه الرّابِعُ: الحَيَوانُ المُنْتَقِلُ في الماءِ مِنهُ ما يَعْتَمِدُ في غَوْصِهِ عَلى رَأْسِهِ وفي السِّباحَةِ عَلى أجْنِحَتِهِ كالسَّمَكِ، ومِنهُ ما يَعْتَمِدُ في السِّباحَةِ عَلى رِجْلَيْهِ كالضِّفْدَعِ، ومِنهُ ما يَمْشِي في قَعْرِ الماءِ كالسَّرَطانِ، ومِنهُ ما يَزْحَفُ مِثْلَ ضَرْبٍ مِنَ السَّمَكِ لا جَناحَ لَهُ وكالدُّودِ. أمّا الحَيَواناتُ البَرِّيَّةُ فَتُغَيِّرُ أحْوالَها أيْضًا مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مِنها ما يَتَنَفَّسُ مِن طَرِيقٍ واحِدٍ كالفَمِ والخَيْشُومِ، ومِنها ما لا يَتَنَفَّسُ كَذَلِكَ بَلْ عَلى نَحْوٍ آخَرَ مِن مَسامِّهِ مِثْلَ الزُّنْبُورِ والنَّحْلِ.
الثّانِي: أنَّ الحَيَواناتِ الأرْضِيَّةَ مِنها ما لَهُ مَأْوًى مَعْلُومٌ، ومِنها ما مَأْواهُ كَيْفَ اتُّفِقَ إلّا أنْ يَلِدَ فَيُقِيمُ لِلْحَضانَةِ، واللَّواتِي لَها مَأْوى فَبَعْضُها مَأْواهُ شَقٌّ وبَعْضُها حُفَرٌ وبَعْضُها مَأْواهُ قُلَّةٌ رابِيَةٌ، وبَعْضُها مَأْواهُ وجْهُ الأرْضِ.
الثّالِثُ: الحَيَوانُ البَرِّيُّ كُلُّ طائِرٍ مِنهُ ذُو جَناحٍ فَإنَّهُ يَمْشِي بِرِجْلَيْهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما مَشْيُهُ صَعْبٌ عَلَيْهِ كالخُطّافِ الكَبِيرِ الأسْوَدِ والخُفّاشِ. وأمّا الَّذِي جَناحُهُ جِلْدٌ أوْ غِشاءٌ فَقَدْ يَكُونُ عَدِيمَ الرِّجْلِ كَضَرْبٍ مِنَ الحَيّاتِ الحَبَشِيَّةِ يَطِيرُ.
الرّابِعُ: الطَّيْرُ يَخْتَلِفُ فَبَعْضُها يَتَعايَشُ مَعًا كالكَراكِيِّ، وبَعْضُها يُؤْثِرُ التَّفَرُّدَ كالعُقابِ وجَمِيعِ الجَوارِحِ الَّتِي تَتَنازَعُ عَلى الطُّعْمِ لِاحْتِياجِها إلى الِاحْتِيالِ لِتَصِيدَ ومُنافَسَتِها فِيهِ، ومِنها ما يَتَعايَشُ زَوْجًا ويَكُونُ مَعًا كالقَطا، ومِنهُ ما يَجْتَمِعُ تارَةً ويَنْفَرِدُ أُخْرى، والحَيَواناتُ المُنْفَرِدَةُ قَدْ تَكُونُ مَدَنِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ بَرِّيَّةً صِرْفَةً، وقَدْ تَكُونُ بُسْتانِيَّةً، والإنْسانُ مِن بَيْنِ الحَيَوانِ هو الَّذِي لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعِيشَ وحْدَهُ، فَإنَّ أسْبابَ حَياتِهِ ومَعِيشَتِهِ تَلْتَئِمُ بِالمُشارَكَةِ المَدَنِيَّةِ، والنَّحْلُ والنَّمْلُ وبَعْضُ الغَرانِيقِ يُشارِكُ الإنْسانَ في ذَلِكَ، لَكِنَّ النَّحْلَ والكَراكِيَّ تُطِيعُ رَئِيسًا واحِدًا، والنَّمْلَ لَهُ اجْتِماعٌ ولا رَئِيسَ.
الخامِسُ: الطَّيْرُ مِنهُ آكِلُ لَحْمٍ، ومِنهُ لاقِطُ حَبٍّ ومِنهُ آكِلُ عُشْبٍ، وقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الطَّيْرِ طَعْمٌ مُعَيَّنٌ، كالنَّحْلِ فَإنَّ غِذاءَهُ زَهْرٌ، والعَنْكَبُوتِ فَإنَّ غِذاءَهُ الذُّبابُ، وقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ مُتَّفِقُ الطَّعْمِ.
أمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو الحَيَوانُ الَّذِي يَكُونُ تارَةً مائِيًّا، وأُخْرى بَرِّيًّا، فَيُقالُ إنَّهُ حَيَوانٌ يَكُونُ في البَحْرِ ويَعِيشُ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَبْرُزُ إلى البَرِّ ويَبْقى فِيهِ.
التَّقْسِيمُ الثّالِثُ: الحَيَوانُ مِنهُ ما هو إنْسِيٌّ بِالطَّبْعِ كالإنْسانِ، ومِنهُ ما هو إنْسِيٌّ بِالمَوْلِدِ كالهِرَّةِ والفَرَسِ، ومِنهُ ما هو إنْسِيٌّ بِالقَسْرِ كالفَهْدِ، ومِنهُ ما لا يَأْنَسُ كالنَّمِرِ، والمُسْتَأْنَسُ بِالقَسْرِ مِنهُ ما يُسْرِعُ اسْتِئْناسُهُ ويَبْقى مُسْتَأْنَسًا كالفِيلِ، ومِنهُ ما يُبْطِئُ كالأسَدِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِن كُلِّ نَوْعٍ صِنْفٌ إنْسِيٌّ وصِنْفٌ وحْشِيٌّ حَتّى مِنَ النّاسِ.
التَّقْسِيمُ الرّابِعُ: مِنَ الحَيَوانِ ما هو مُصَوِّتٌ ومِنهُ ما لا صَوْتَ لَهُ، وكُلُّ مُصَوِّتٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ عِنْدَ الِاغْتِلامِ وحَرَكَةِ شَهْوَةِ الجِماعِ أشَدَّ تَصْوِيتًا إلّا الإنْسانُ، وأيْضًا لِبَعْضِ الحَيَوانِ شَبَقٌ يَشْتَدُّ كُلَّ وقْتٍ كالدِّيكِ، ومِنهُ عَفِيفٌ لَهُ وقْتٌ مُعَيَّنٌ.
صفحة ١٨
التَّقْسِيمُ الخامِسُ: بِحَسَبِ الأخْلاقِ: بَعْضُ الحَيَواناتِ هادِئُ الطَّبْعِ قَلِيلُ الغَضَبِ مِثْلُ البَقَرَةِ، وبَعْضُهُ شَدِيدُ الجَهْلِ حادُّ الغَضَبِ كالخِنْزِيرِ البَرِّيِّ، وبَعْضُها حَلِيمٌ خَدُوعٌ كالبَعِيرِ، وبَعْضُها رَدِيءُ الحَرَكاتِ مُغْتالٌ كالحَيَّةِ، وبَعْضُها جَرِيءٌ قَوِيٌّ شَهْمٌ كَبِيرُ النَّفْسِ كَرِيمُ الطَّبْعِ كالأسَدِ، ومِنها قَوِيٌّ مُغْتالٌ وحْشِيٌّ كالذِّئْبِ، وبَعْضُها مُحْتالٌ مَكّارٌ رَدِيءُ الحَرَكاتِ كالثَّعْلَبِ، وبَعْضُها غَضُوبٌ شَدِيدُ الغَضَبِ سَفِيهٌ إلّا أنَّهُ مَلِقٌ مُتَوَدِّدٌ كالكَلْبِ، وبَعْضُها شَدِيدُ الكَيْسِ مُسْتَأْنَسٌ كالفِيلِ والقِرْدِ، وبَعْضُها حَسُودٌ مُتَباهٍ بِجَمالِهِ كالطّاوُوسِ، وبَعْضُها شَدِيدُ التَّحَفُّظِ كالجَمَلِ والحِمارِ.
التَّقْسِيمُ السّادِسُ: مِنَ الحَيَوانِ ما تَناسُلُهُ بِأنْ تَلِدَ أُنْثاهُ حَيَوانًا، وبَعْضُها ما تَناسُلُهُ بِأنْ تَلِدَ أُنْثاهُ دُودًا كالنَّحْلِ والعَنْكَبُوتِ فَإنَّها تَلِدُ دُودًا، ثُمَّ إنَّ أعْضاءَهُ تُسْتَكْمَلُ بَعْدُ، وبَعْضُها تَناسُلُهُ بِأنْ تَبِيضَ أُنْثاهُ بَيْضًا.
واعْلَمْ أنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِأحْوالِ أصْغَرِ الحَيَواناتِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ بِتَرْكِيبِ الطَّبائِعِ الأرْبَعِ فَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ عَلى السَّوِيَّةِ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الحَيَواناتِ بِأعْضائِها وقُواها ومَقادِيرِ أبْدانِها وأعْمارِها وأخْلاقِها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قاهِرٍ حَكِيمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الجاحِدُونَ. وأحْسَنُ كَلامٍ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّهُ هو القادِرُ عَلى الكُلِّ والعالِمُ بِالكُلِّ فَهو المُطَّلِعُ عَلى أحْوالِ هَذِهِ الحَيَواناتِ، فَأيُّ عَقْلٍ يَقِفُ عَلَيْها، وأيُّ خاطِرٍ يَصِلُ إلى ذَرَّةٍ مِن أسْرارِها، بَلْ هو الَّذِي يَخْلُقُ ما يَشاءُ ولا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ ولا دافِعٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ فالأوْلى حَمْلُهُ عَلى كُلِّ الأدِلَّةِ والعِبَرِ، ولَمّا كانَ القُرْآنُ كالمُشْتَمِلِ عَلى كُلِّ ذَلِكَ صَحَّ أنْ يَكُونَ هو المُرادُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فاسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِهِ كَما تَقَدَّمَ. والجَوابُ: أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ يَهْدِي مَن بَلَغَهُ حَدُّ التَّكْلِيفِ دُونَ غَيْرِهِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ مَن أطاعَهُ واسْتَحَقَّ الثَّوابَ فَيَهْدِيهِ إلى الجَنَّةِ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ، وجَوابُنا عَنْ هَذا الجَوابِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
النور 24:46
﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع الثّالِثُ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِأحْوالِ السَّماءِ والأرْضِ، وثانِيًا بِالآثارِ العُلْوِيَّةِ، اسْتَدَلَّ ثالِثًا بِأحْوالِ الحَيَواناتِ، واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذِهِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ مَعَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الحَيَواناتِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ مِنَ الماءِ ؟ أمّا المَلائِكَةُ فَهم أعْظَمُ الحَيَواناتِ عَدَدًا وهم مَخْلُوقُونَ مِنَ النُّورِ، وأمّا الجِنُّ فَهم مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ، وخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ التُّرابِ لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] وخَلَقَ عِيسى مِنَ الرِّيحِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] وأيْضًا نَرى أنَّ كَثِيرًا مِنَ الحَيَواناتِ مُتَوَلِّدٌ لا عَنِ النُّطْفَةِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: وهو الأحْسَنُ: ما قالَهُ القَفّالُ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن ماءٍ﴾ صِلَةُ كُلِّ دابَّةٍ ولَيْسَ هو مِن صِلَةِ خَلَقَ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ دابَّةٍ مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الماءِ فَهي مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ أصْلَ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الماءُ عَلى ما يُرْوى ”«أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً ثُمَّ مِن ذَلِكَ الماءِ خَلَقَ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ» “، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أصْلِ الخِلْقَةِ، وكانَ الأصْلُ الأوَّلُ هو الماءُ لا جَرَمَ ذَكَرَهُ عَلى هَذا الوجه.
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الدّابَّةِ الَّتِي تَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ومَسْكَنُهم هُناكَ فَيَخْرُجُ عَنْهُ المَلائِكَةُ والجِنُّ، ولَمّا كانَ الغالِبُ جِدًّا مِن هَذِهِ الحَيَواناتِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ الماءِ، إمّا لِأنَّها مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ النُّطْفَةِ، وإمّا لِأنَّها لا تَعِيشُ إلّا بِالماءِ لا جَرَمَ أطْلَقَ لَفْظَ الكُلِّ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ الكُلِّ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ نَكَّرَ الماءَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ﴾ وجاءَ مُعَرَّفًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
صفحة ١٦
[الأنْبِياءِ: ٣٠] ؟ والجَوابُ: إنَّما جاءَ هَهُنا مُنَكَّرًا لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن نَوْعٍ مِنَ الماءِ يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الدّابَّةِ، وإنَّما جاءَ مُعَرَّفًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ هُناكَ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِن هَذا الجِنْسِ، وهَهُنا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الجِنْسَ يَنْقَسِمُ إلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ ضَمِيرُ العُقَلاءِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِن﴾ فَلِمَ اسْتَعْمَلَهُ في غَيْرِ العُقَلاءِ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما لا يَعْقِلُ مَعَ مَن يَعْقِلُ وهُمُ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ فَغَلَبَ اللَّفْظُ اللّائِقُ بِمَن يَعْقِلُ، لِأنَّ جَعْلَ الشَّرِيفِ أصْلًا والخَسِيسِ تَبَعًا أوْلى مِنَ العَكْسِ، ويُقالُ في الكَلامِ: مَنِ المُقْبِلانِ ؟ لِرَجُلٍ وبَعِيرٍ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ سَمّى الزَّحْفَ عَلى البَطْنِ مَشْيًا ؟ ويُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذا السُّؤالِ أنَّ الصَّبِيَّ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ يَحْبُو ولا يُقالُ إنَّهُ يَمْشِي وإنْ زَحَفَ عَلى حَدِّ ما تَزْحَفُ الحَيَّةُ. والجَوابُ: هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ كَما قالُوا في الأمْرِ المُسْتَمِرِّ قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ، ويُقالُ: فُلانٌ لا يَتَمَشّى لَهُ أمْرٌ، أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِذَلِكَ الزّاحِفِ مَعَ الماشِينَ.
السُّؤالُ الخامِسُ: أنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ القِسْمَةَ لِأنّا نَجِدُ ما يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ مِثْلُ العَناكِبِ والعَقارِبِ والرُّتَيْلاتِ بَلْ مِثْلُ الحَيَوانِ الَّذِي لَهُ أرْبَعَةٌ وأرْبَعُونَ رِجْلًا الَّذِي يُسَمّى دَخّالُ الأُذُنِ. والجَوابُ: القِسْمُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ كالنّادِرِ فَكانَ مُلْحَقًا بِالعَدَمِ، ولِأنَّ الفَلاسِفَةَ يُقِرُّونَ بِأنَّ ما لَهُ قَوائِمُ كَثِيرَةٌ فاعْتِمادُهُ إذا مَشى عَلى أرْبَعِ جِهاتِهِ لا غَيْرَ فَكَأنَّهُ يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ، ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى سائِرِ الأقْسامِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: لِمَ جاءَتِ الأجْناسُ الثَّلاثَةُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ ؟ والجَوابُ: قَدْ قَدَّمَ ما هو أعْجَبُ وهو الماشِي بِغَيْرِ آلَةِ مَشْيٍ مِن أرْجُلٍ أوْ قَوائِمَ ثُمَّ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ ثُمَّ الماشِي عَلى أرْبَعٍ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الحَيَواناتِ كَما اخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ المَشْيِ، فَكَذا هي مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ أُمُورٍ أُخَرَ، فَلْنَذْكُرْ هَهُنا بَعْضَ التَّقْسِيماتِ:
التَّقْسِيمُ الأوَّلُ: الحَيَواناتُ قَدْ تَشْتَرِكُ في أعْضاءٍ وقَدْ تَتَبايَنُ بِأعْضاءٍ، أمّا الشَّرِكَةُ فَمِثْلُ اشْتِراكِ الإنْسانِ والفَرَسِ في أنَّ لَهُما لَحْمًا وعَصَبًا وعَظْمًا، وأمّا التَّبايُنُ فَإمّا أنْ يَكُونَ في نَفْسِ العُضْوِ أوْ في صِفَتِهِ، أمّا التَّبايُنُ في نَفْسِ العُضْوِ فَعَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يَكُونَ العُضْوُ حاصِلًا لِلْآخَرِ، وإنْ كانَتْ أجْزاؤُهُ حاصِلَةً لِلثّانِي كالفَرَسِ والإنْسانِ، فَإنَّ الفَرَسَ لَهُ ذَنَبٌ والإنْسانُ لَيْسَ لَهُ ذَنَبٌ، ولَكِنَّ أجْزاءَ الذَّنَبِ لَيْسَتْ إلّا العَظْمَ والعَصَبَ واللَّحْمَ والجِلْدَ والشَّعْرَ، وكُلُّ ذَلِكَ حاصِلٌ لِلْإنْسانِ.
والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ العُضْوُ حاصِلًا لِلثّانِي لا بِذاتِهِ ولا بِأجْزائِهِ، مِثْلُ أنَّ لِلسُّلَحْفاةِ صَدَفًا يُحِيطُ بِهِ ولَيْسَ لِلْإنْسانِ ذَلِكَ، وكَذا لِلسَّمَكِ فُلُوسٌ ولِلْقُنْفُذِ شَوْكٌ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنها لِلْإنْسانِ، وأمّا التَّبايُنُ في صِفَةِ العُضْوِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ الكَمِّيَّةِ أوِ الكَيْفِيَّةِ أوِ الوَضْعِ أوِ الفِعْلِ أوِ الِانْفِعالِ، أمّا الَّذِي في الكَمِّ، فَإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمِقْدارِ مِثْلَ أنَّ عَيْنَ البُومِ كَبِيرَةٌ وعَيْنَ العُقابِ صَغِيرَةٌ، أوْ بِالعَدَدِ مِثْلَ أنَّ أرْجُلَ ضَرْبٍ مِنَ العَناكِبِ سِتَّةٌ وأرْجُلَ ضَرْبٍ آخَرَ ثَمانِيَةٌ أوْ عَشْرَةٌ، والَّذِي في الكَيْفِ فَكاخْتِلافِها في الألْوانِ والأشْكالِ والصَّلابَةِ واللِّينِ، والَّذِي في الوَضْعِ فَمِثْلُ اخْتِلافِ وضْعِ ثَدْيِ الفِيلِ فَإنَّهُ يَكُونُ قَرِيبًا مِنَ الصَّدْرِ وثَدْيِ الفَرَسِ فَإنَّهُ عِنْدَ السُّرَّةِ. وأمّا الَّذِي في الفِعْلِ فَمِثْلُ كَوْنِ أُذُنِ الفِيلِ صالِحًا لِلذَّبِّ مَعَ كَوْنِهِ آلَةً لِلسَّمْعِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ في الإنْسانِ، وكَوْنِ أنْفِهِ آلَةً لِلْقَبْضِ دُونَ أنْفِ غَيْرِهِ. وأمّا الَّذِي في
صفحة ١٧
الِانْفِعالِ فَمِثْلُ كَوْنِ عَيْنِ الخُفّاشِ سَرِيعَةَ التَّحَيُّرِ في الضَّوْءِ وعَيْنُ الخُطّافِ بِخِلافِ ذَلِكَ.
التَّقْسِيمُ الثّانِي: الحَيَوانُ إمّا أنْ يَكُونَ مائِيًّا بِمَعْنى أنَّ مَسْكَنَهُ الأصْلِيَّ هو الماءُ أوْ أرْضِيًّا أوْ يَكُونُ مائِيًّا ثُمَّ يَصِيرُ أرْضِيًّا، أمّا الحَيَواناتُ المائِيَّةُ فَتَغَيُّرُ أحْوالِها مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ مَكانُهُ وغِذاؤُهُ ونَفَسُهُ مائِيًّا فَلَهُ بَدَلُ التَّنَفُّسِ في الهَواءِ التَّنَشُّقُ المائِيُّ فَهو يَقْبَلُ الماءَ إلى باطِنِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ ولا يَعِيشُ إذا فارَقَهُ، والسَّمَكُ كُلُّهُ كَذَلِكَ. ومِنهُ ما مَكانُهُ وغِذاؤُهُ مائِيٌّ ولَكِنَّهُ يَتَنَفَّسُ مِنَ الهَواءِ مِثْلُ السُّلَحْفاةِ المائِيَّةِ، ومِنهُ ما مَكانُهُ وغِذاؤُهُ مائِيٌّ ولَيْسَ يَتَنَفَّسُ ولا يَسْتَنْشِقُ مِثْلُ أصْنافٍ مِنَ الصَّدَفِ لا تَظْهَرُ لِلْهَواءِ ولا تَسْتَدْخِلُ الماءَ إلى باطِنِها.
الوجه الثّانِي: الحَيَواناتُ المائِيَّةُ بَعْضُها مَأْواها مِياهُ الأنْهارِ الجارِيَةِ وبَعْضُها مِياهُ البَطائِحِ مِثْلُ الضَّفادِعِ وبَعْضُها مَأْواها مِياهُ البَحْرِ.
الوجه الثّالِثُ: مِنها لُجِّيَّةٌ ومِنها شَطِّيَّةٌ ومِنها طِينِيَّةٌ ومِنها صَخْرِيَّةٌ.
الوجه الرّابِعُ: الحَيَوانُ المُنْتَقِلُ في الماءِ مِنهُ ما يَعْتَمِدُ في غَوْصِهِ عَلى رَأْسِهِ وفي السِّباحَةِ عَلى أجْنِحَتِهِ كالسَّمَكِ، ومِنهُ ما يَعْتَمِدُ في السِّباحَةِ عَلى رِجْلَيْهِ كالضِّفْدَعِ، ومِنهُ ما يَمْشِي في قَعْرِ الماءِ كالسَّرَطانِ، ومِنهُ ما يَزْحَفُ مِثْلَ ضَرْبٍ مِنَ السَّمَكِ لا جَناحَ لَهُ وكالدُّودِ. أمّا الحَيَواناتُ البَرِّيَّةُ فَتُغَيِّرُ أحْوالَها أيْضًا مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مِنها ما يَتَنَفَّسُ مِن طَرِيقٍ واحِدٍ كالفَمِ والخَيْشُومِ، ومِنها ما لا يَتَنَفَّسُ كَذَلِكَ بَلْ عَلى نَحْوٍ آخَرَ مِن مَسامِّهِ مِثْلَ الزُّنْبُورِ والنَّحْلِ.
الثّانِي: أنَّ الحَيَواناتِ الأرْضِيَّةَ مِنها ما لَهُ مَأْوًى مَعْلُومٌ، ومِنها ما مَأْواهُ كَيْفَ اتُّفِقَ إلّا أنْ يَلِدَ فَيُقِيمُ لِلْحَضانَةِ، واللَّواتِي لَها مَأْوى فَبَعْضُها مَأْواهُ شَقٌّ وبَعْضُها حُفَرٌ وبَعْضُها مَأْواهُ قُلَّةٌ رابِيَةٌ، وبَعْضُها مَأْواهُ وجْهُ الأرْضِ.
الثّالِثُ: الحَيَوانُ البَرِّيُّ كُلُّ طائِرٍ مِنهُ ذُو جَناحٍ فَإنَّهُ يَمْشِي بِرِجْلَيْهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما مَشْيُهُ صَعْبٌ عَلَيْهِ كالخُطّافِ الكَبِيرِ الأسْوَدِ والخُفّاشِ. وأمّا الَّذِي جَناحُهُ جِلْدٌ أوْ غِشاءٌ فَقَدْ يَكُونُ عَدِيمَ الرِّجْلِ كَضَرْبٍ مِنَ الحَيّاتِ الحَبَشِيَّةِ يَطِيرُ.
الرّابِعُ: الطَّيْرُ يَخْتَلِفُ فَبَعْضُها يَتَعايَشُ مَعًا كالكَراكِيِّ، وبَعْضُها يُؤْثِرُ التَّفَرُّدَ كالعُقابِ وجَمِيعِ الجَوارِحِ الَّتِي تَتَنازَعُ عَلى الطُّعْمِ لِاحْتِياجِها إلى الِاحْتِيالِ لِتَصِيدَ ومُنافَسَتِها فِيهِ، ومِنها ما يَتَعايَشُ زَوْجًا ويَكُونُ مَعًا كالقَطا، ومِنهُ ما يَجْتَمِعُ تارَةً ويَنْفَرِدُ أُخْرى، والحَيَواناتُ المُنْفَرِدَةُ قَدْ تَكُونُ مَدَنِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ بَرِّيَّةً صِرْفَةً، وقَدْ تَكُونُ بُسْتانِيَّةً، والإنْسانُ مِن بَيْنِ الحَيَوانِ هو الَّذِي لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعِيشَ وحْدَهُ، فَإنَّ أسْبابَ حَياتِهِ ومَعِيشَتِهِ تَلْتَئِمُ بِالمُشارَكَةِ المَدَنِيَّةِ، والنَّحْلُ والنَّمْلُ وبَعْضُ الغَرانِيقِ يُشارِكُ الإنْسانَ في ذَلِكَ، لَكِنَّ النَّحْلَ والكَراكِيَّ تُطِيعُ رَئِيسًا واحِدًا، والنَّمْلَ لَهُ اجْتِماعٌ ولا رَئِيسَ.
الخامِسُ: الطَّيْرُ مِنهُ آكِلُ لَحْمٍ، ومِنهُ لاقِطُ حَبٍّ ومِنهُ آكِلُ عُشْبٍ، وقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الطَّيْرِ طَعْمٌ مُعَيَّنٌ، كالنَّحْلِ فَإنَّ غِذاءَهُ زَهْرٌ، والعَنْكَبُوتِ فَإنَّ غِذاءَهُ الذُّبابُ، وقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ مُتَّفِقُ الطَّعْمِ.
أمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو الحَيَوانُ الَّذِي يَكُونُ تارَةً مائِيًّا، وأُخْرى بَرِّيًّا، فَيُقالُ إنَّهُ حَيَوانٌ يَكُونُ في البَحْرِ ويَعِيشُ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَبْرُزُ إلى البَرِّ ويَبْقى فِيهِ.
التَّقْسِيمُ الثّالِثُ: الحَيَوانُ مِنهُ ما هو إنْسِيٌّ بِالطَّبْعِ كالإنْسانِ، ومِنهُ ما هو إنْسِيٌّ بِالمَوْلِدِ كالهِرَّةِ والفَرَسِ، ومِنهُ ما هو إنْسِيٌّ بِالقَسْرِ كالفَهْدِ، ومِنهُ ما لا يَأْنَسُ كالنَّمِرِ، والمُسْتَأْنَسُ بِالقَسْرِ مِنهُ ما يُسْرِعُ اسْتِئْناسُهُ ويَبْقى مُسْتَأْنَسًا كالفِيلِ، ومِنهُ ما يُبْطِئُ كالأسَدِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِن كُلِّ نَوْعٍ صِنْفٌ إنْسِيٌّ وصِنْفٌ وحْشِيٌّ حَتّى مِنَ النّاسِ.
التَّقْسِيمُ الرّابِعُ: مِنَ الحَيَوانِ ما هو مُصَوِّتٌ ومِنهُ ما لا صَوْتَ لَهُ، وكُلُّ مُصَوِّتٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ عِنْدَ الِاغْتِلامِ وحَرَكَةِ شَهْوَةِ الجِماعِ أشَدَّ تَصْوِيتًا إلّا الإنْسانُ، وأيْضًا لِبَعْضِ الحَيَوانِ شَبَقٌ يَشْتَدُّ كُلَّ وقْتٍ كالدِّيكِ، ومِنهُ عَفِيفٌ لَهُ وقْتٌ مُعَيَّنٌ.
صفحة ١٨
التَّقْسِيمُ الخامِسُ: بِحَسَبِ الأخْلاقِ: بَعْضُ الحَيَواناتِ هادِئُ الطَّبْعِ قَلِيلُ الغَضَبِ مِثْلُ البَقَرَةِ، وبَعْضُهُ شَدِيدُ الجَهْلِ حادُّ الغَضَبِ كالخِنْزِيرِ البَرِّيِّ، وبَعْضُها حَلِيمٌ خَدُوعٌ كالبَعِيرِ، وبَعْضُها رَدِيءُ الحَرَكاتِ مُغْتالٌ كالحَيَّةِ، وبَعْضُها جَرِيءٌ قَوِيٌّ شَهْمٌ كَبِيرُ النَّفْسِ كَرِيمُ الطَّبْعِ كالأسَدِ، ومِنها قَوِيٌّ مُغْتالٌ وحْشِيٌّ كالذِّئْبِ، وبَعْضُها مُحْتالٌ مَكّارٌ رَدِيءُ الحَرَكاتِ كالثَّعْلَبِ، وبَعْضُها غَضُوبٌ شَدِيدُ الغَضَبِ سَفِيهٌ إلّا أنَّهُ مَلِقٌ مُتَوَدِّدٌ كالكَلْبِ، وبَعْضُها شَدِيدُ الكَيْسِ مُسْتَأْنَسٌ كالفِيلِ والقِرْدِ، وبَعْضُها حَسُودٌ مُتَباهٍ بِجَمالِهِ كالطّاوُوسِ، وبَعْضُها شَدِيدُ التَّحَفُّظِ كالجَمَلِ والحِمارِ.
التَّقْسِيمُ السّادِسُ: مِنَ الحَيَوانِ ما تَناسُلُهُ بِأنْ تَلِدَ أُنْثاهُ حَيَوانًا، وبَعْضُها ما تَناسُلُهُ بِأنْ تَلِدَ أُنْثاهُ دُودًا كالنَّحْلِ والعَنْكَبُوتِ فَإنَّها تَلِدُ دُودًا، ثُمَّ إنَّ أعْضاءَهُ تُسْتَكْمَلُ بَعْدُ، وبَعْضُها تَناسُلُهُ بِأنْ تَبِيضَ أُنْثاهُ بَيْضًا.
واعْلَمْ أنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِأحْوالِ أصْغَرِ الحَيَواناتِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ بِتَرْكِيبِ الطَّبائِعِ الأرْبَعِ فَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ عَلى السَّوِيَّةِ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الحَيَواناتِ بِأعْضائِها وقُواها ومَقادِيرِ أبْدانِها وأعْمارِها وأخْلاقِها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قاهِرٍ حَكِيمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الجاحِدُونَ. وأحْسَنُ كَلامٍ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّهُ هو القادِرُ عَلى الكُلِّ والعالِمُ بِالكُلِّ فَهو المُطَّلِعُ عَلى أحْوالِ هَذِهِ الحَيَواناتِ، فَأيُّ عَقْلٍ يَقِفُ عَلَيْها، وأيُّ خاطِرٍ يَصِلُ إلى ذَرَّةٍ مِن أسْرارِها، بَلْ هو الَّذِي يَخْلُقُ ما يَشاءُ ولا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ ولا دافِعٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ فالأوْلى حَمْلُهُ عَلى كُلِّ الأدِلَّةِ والعِبَرِ، ولَمّا كانَ القُرْآنُ كالمُشْتَمِلِ عَلى كُلِّ ذَلِكَ صَحَّ أنْ يَكُونَ هو المُرادُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فاسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِهِ كَما تَقَدَّمَ. والجَوابُ: أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ يَهْدِي مَن بَلَغَهُ حَدُّ التَّكْلِيفِ دُونَ غَيْرِهِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ مَن أطاعَهُ واسْتَحَقَّ الثَّوابَ فَيَهْدِيهِ إلى الجَنَّةِ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ، وجَوابُنا عَنْ هَذا الجَوابِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
النور 24:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَهُ بِذَمِّ قَوْمٍ اعْتَرَفُوا بِالدِّينِ بِألْسِنَتِهِمْ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْبَلُوهُ بِقُلُوبِهِمْ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٩
المسألة الأُولى: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بِشْرٍ المُنافِقِ وكانَ قَدْ خاصَمَ يَهُودِيًّا في أرْضٍ، وكانَ اليَهُودِيُّ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُما، وجَعَلَ المُنافِقُ يَجُرُّهُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ويَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنا وقَدْ مَضَتْ قِصَّتُهُما في سُورَةِ النِّساءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في المُغِيرَةِ بْنِ وائِلٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أرْضٌ فَتَقاسَما فَوَقَعَ إلى عَلِيٍّ مِنها ما لا يُصِيبُهُ الماءُ إلّا بِمَشَقَّةٍ، فَقالَ المُغِيرَةُ بِعْنِي أرْضَكَ فَباعَها إيّاهُ وتَقابَضا، فَقِيلَ لِلْمُغِيرَةِ أخَذْتَ سَبْخَةً لا يَنالُها الماءُ. فَقالَ لِعَلِيٍّ اقْبِضْ أرْضَكَ فَإنَّما اشْتَرَيْتُها إنْ رَضِيتُها ولَمْ أرْضَها فَلا يَنالُها الماءُ، فَقالَ عَلِيٌّ بَلِ اشْتَرَيْتَها ورَضِيتَها وقَبَضْتَها وعَرَفْتَ حالَها لا أقْبَلُها مِنكَ، ودَعاهُ إلى أنْ يُخاصِمَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ المُغِيرَةُ: أمّا مُحَمَّدٌ فَلَسْتُ آتِيهِ ولا أُحاكِمُ إلَيْهِ فَإنَّهُ يُبْغِضُنِي وأنا أخافُ أنْ يَحِيفَ عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُسِرُّونَ الكُفْرَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَكُونُ بِالقَوْلِ، إذْ لَوْ كانَ بِهِ لَما صَحَّ أنْ يَنْفِيَ كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ، وقَدْ فَعَلُوا ما هو إيمانٌ في الحَقِيقَةِ، فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كُلِّهِمْ أنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا، ثُمَّ حَكى عَنْ فَرِيقٍ مِنهُمُ التَّوَلِّيَ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولَ في جَمِيعِهِمْ ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى مِنهم هو البَعْضُ ؟ قُلْنا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ راجِعٌ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا لا إلى الجُمْلَةِ الأُولى، وأيْضًا فَلَوْ رَجَعَ إلى الأوَّلِ يَصِحُّ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ يَرْجِعُ هَذا الفَرِيقُ إلى الباقِينَ مِنهم فَيُظْهِرُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ الرُّجُوعَ عَمّا أظْهَرُوهُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ، وهَذا تَرْكٌ لِلرِّضا بِحُكْمِ الرَّسُولِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ عَلى أنَّهم إنَّما يُعْرِضُونَ مَتى عَرَفُوا الحَقَّ لِغَيْرِهِمْ، أوْ شَكُّوا فَأمّا إذا عَرَفُوهُ لِأنْفُسِهِمْ عَدَلُوا عَنِ الإعْراضِ، بَلْ سارَعُوا إلى الحُكْمِ وأذْعَنُوا بِبَذْلِ الرِّضا، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِهِمُ اتِّباعُ الحَقِّ، وإنَّما يُرِيدُونَ النَّفْعَ المُعَجَّلَ، وذَلِكَ أيْضًا نِفاقٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَلِمَةُ ”أمْ“ لِلِاسْتِفْهامِ وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: اللَّفْظُ اسْتِفْهامٌ ومَعْناهُ الخَبَرُ. كَما قالَ جَرِيرٌ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا [وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ]
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهم لَوْ خافُوا أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَدِ ارْتابُوا في الدِّينِ، وإذِ ارْتابُوا فَفي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فالكُلُّ واحِدٌ، فَأيُّ فائِدَةٍ في التَّعْدِيدِ ؟ الجَوابُ: قَوْلُهُ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إشارَةٌ إلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ حَدَثَ هَذا الشَّكُّ والرَّيْبُ بَعْدَ تَقْرِيرِ الإسْلامِ في القَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم بَلَغُوا في حُبِّ الدُّنْيا إلى حَيْثُ يَتْرُكُونَ الدِّينَ بِسَبَبِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مُتَغايِرَةٌ ولَكِنَّها مُتَلازِمَةٌ فَكَيْفَ أدْخَلَ عَلَيْها كَلِمَةَ ”أمْ“ ؟ الجَوابُ:
صفحة ٢٠
الأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأوْصافِ فَكانَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهو النِّفاقُ، وكانَ فِيها شَكٌّ وارْتِيابٌ، وكانُوا يَخافُونَ الحَيْفَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ كُفْرٌ ونِفاقٌ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ لِأنَّ الظُّلْمَ يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] إذِ المَرْءُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ أوْ ظالِمًا لِغَيْرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا لَمّا ذَكَرَ تَعالى في الأقْسامِ كَوْنَهم خائِفِينَ مِنَ الحَيْفِ، أبْطَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ لا يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأمانَتِهِ وصِيانَتِهِ، وإنَّما هم ظالِمُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَظْلِمُوا مَن لَهُ الحَقُّ عَلَيْهِمْ وهم لَهُ جُحُودٌ، وذَلِكَ شَيْءٌ لا يَسْتَطِيعُونَهُ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَأْبَوْنَ المُحاكَمَةَ إلَيْهِ.
النور 24:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَهُ بِذَمِّ قَوْمٍ اعْتَرَفُوا بِالدِّينِ بِألْسِنَتِهِمْ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْبَلُوهُ بِقُلُوبِهِمْ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٩
المسألة الأُولى: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بِشْرٍ المُنافِقِ وكانَ قَدْ خاصَمَ يَهُودِيًّا في أرْضٍ، وكانَ اليَهُودِيُّ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُما، وجَعَلَ المُنافِقُ يَجُرُّهُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ويَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنا وقَدْ مَضَتْ قِصَّتُهُما في سُورَةِ النِّساءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في المُغِيرَةِ بْنِ وائِلٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أرْضٌ فَتَقاسَما فَوَقَعَ إلى عَلِيٍّ مِنها ما لا يُصِيبُهُ الماءُ إلّا بِمَشَقَّةٍ، فَقالَ المُغِيرَةُ بِعْنِي أرْضَكَ فَباعَها إيّاهُ وتَقابَضا، فَقِيلَ لِلْمُغِيرَةِ أخَذْتَ سَبْخَةً لا يَنالُها الماءُ. فَقالَ لِعَلِيٍّ اقْبِضْ أرْضَكَ فَإنَّما اشْتَرَيْتُها إنْ رَضِيتُها ولَمْ أرْضَها فَلا يَنالُها الماءُ، فَقالَ عَلِيٌّ بَلِ اشْتَرَيْتَها ورَضِيتَها وقَبَضْتَها وعَرَفْتَ حالَها لا أقْبَلُها مِنكَ، ودَعاهُ إلى أنْ يُخاصِمَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ المُغِيرَةُ: أمّا مُحَمَّدٌ فَلَسْتُ آتِيهِ ولا أُحاكِمُ إلَيْهِ فَإنَّهُ يُبْغِضُنِي وأنا أخافُ أنْ يَحِيفَ عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُسِرُّونَ الكُفْرَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَكُونُ بِالقَوْلِ، إذْ لَوْ كانَ بِهِ لَما صَحَّ أنْ يَنْفِيَ كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ، وقَدْ فَعَلُوا ما هو إيمانٌ في الحَقِيقَةِ، فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كُلِّهِمْ أنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا، ثُمَّ حَكى عَنْ فَرِيقٍ مِنهُمُ التَّوَلِّيَ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولَ في جَمِيعِهِمْ ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى مِنهم هو البَعْضُ ؟ قُلْنا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ راجِعٌ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا لا إلى الجُمْلَةِ الأُولى، وأيْضًا فَلَوْ رَجَعَ إلى الأوَّلِ يَصِحُّ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ يَرْجِعُ هَذا الفَرِيقُ إلى الباقِينَ مِنهم فَيُظْهِرُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ الرُّجُوعَ عَمّا أظْهَرُوهُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ، وهَذا تَرْكٌ لِلرِّضا بِحُكْمِ الرَّسُولِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ عَلى أنَّهم إنَّما يُعْرِضُونَ مَتى عَرَفُوا الحَقَّ لِغَيْرِهِمْ، أوْ شَكُّوا فَأمّا إذا عَرَفُوهُ لِأنْفُسِهِمْ عَدَلُوا عَنِ الإعْراضِ، بَلْ سارَعُوا إلى الحُكْمِ وأذْعَنُوا بِبَذْلِ الرِّضا، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِهِمُ اتِّباعُ الحَقِّ، وإنَّما يُرِيدُونَ النَّفْعَ المُعَجَّلَ، وذَلِكَ أيْضًا نِفاقٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَلِمَةُ ”أمْ“ لِلِاسْتِفْهامِ وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: اللَّفْظُ اسْتِفْهامٌ ومَعْناهُ الخَبَرُ. كَما قالَ جَرِيرٌ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا [وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ]
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهم لَوْ خافُوا أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَدِ ارْتابُوا في الدِّينِ، وإذِ ارْتابُوا فَفي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فالكُلُّ واحِدٌ، فَأيُّ فائِدَةٍ في التَّعْدِيدِ ؟ الجَوابُ: قَوْلُهُ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إشارَةٌ إلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ حَدَثَ هَذا الشَّكُّ والرَّيْبُ بَعْدَ تَقْرِيرِ الإسْلامِ في القَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم بَلَغُوا في حُبِّ الدُّنْيا إلى حَيْثُ يَتْرُكُونَ الدِّينَ بِسَبَبِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مُتَغايِرَةٌ ولَكِنَّها مُتَلازِمَةٌ فَكَيْفَ أدْخَلَ عَلَيْها كَلِمَةَ ”أمْ“ ؟ الجَوابُ:
صفحة ٢٠
الأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأوْصافِ فَكانَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهو النِّفاقُ، وكانَ فِيها شَكٌّ وارْتِيابٌ، وكانُوا يَخافُونَ الحَيْفَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ كُفْرٌ ونِفاقٌ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ لِأنَّ الظُّلْمَ يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] إذِ المَرْءُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ أوْ ظالِمًا لِغَيْرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا لَمّا ذَكَرَ تَعالى في الأقْسامِ كَوْنَهم خائِفِينَ مِنَ الحَيْفِ، أبْطَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ لا يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأمانَتِهِ وصِيانَتِهِ، وإنَّما هم ظالِمُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَظْلِمُوا مَن لَهُ الحَقُّ عَلَيْهِمْ وهم لَهُ جُحُودٌ، وذَلِكَ شَيْءٌ لا يَسْتَطِيعُونَهُ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَأْبَوْنَ المُحاكَمَةَ إلَيْهِ.
النور 24:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَهُ بِذَمِّ قَوْمٍ اعْتَرَفُوا بِالدِّينِ بِألْسِنَتِهِمْ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْبَلُوهُ بِقُلُوبِهِمْ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٩
المسألة الأُولى: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بِشْرٍ المُنافِقِ وكانَ قَدْ خاصَمَ يَهُودِيًّا في أرْضٍ، وكانَ اليَهُودِيُّ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُما، وجَعَلَ المُنافِقُ يَجُرُّهُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ويَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنا وقَدْ مَضَتْ قِصَّتُهُما في سُورَةِ النِّساءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في المُغِيرَةِ بْنِ وائِلٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أرْضٌ فَتَقاسَما فَوَقَعَ إلى عَلِيٍّ مِنها ما لا يُصِيبُهُ الماءُ إلّا بِمَشَقَّةٍ، فَقالَ المُغِيرَةُ بِعْنِي أرْضَكَ فَباعَها إيّاهُ وتَقابَضا، فَقِيلَ لِلْمُغِيرَةِ أخَذْتَ سَبْخَةً لا يَنالُها الماءُ. فَقالَ لِعَلِيٍّ اقْبِضْ أرْضَكَ فَإنَّما اشْتَرَيْتُها إنْ رَضِيتُها ولَمْ أرْضَها فَلا يَنالُها الماءُ، فَقالَ عَلِيٌّ بَلِ اشْتَرَيْتَها ورَضِيتَها وقَبَضْتَها وعَرَفْتَ حالَها لا أقْبَلُها مِنكَ، ودَعاهُ إلى أنْ يُخاصِمَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ المُغِيرَةُ: أمّا مُحَمَّدٌ فَلَسْتُ آتِيهِ ولا أُحاكِمُ إلَيْهِ فَإنَّهُ يُبْغِضُنِي وأنا أخافُ أنْ يَحِيفَ عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُسِرُّونَ الكُفْرَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَكُونُ بِالقَوْلِ، إذْ لَوْ كانَ بِهِ لَما صَحَّ أنْ يَنْفِيَ كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ، وقَدْ فَعَلُوا ما هو إيمانٌ في الحَقِيقَةِ، فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كُلِّهِمْ أنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا، ثُمَّ حَكى عَنْ فَرِيقٍ مِنهُمُ التَّوَلِّيَ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولَ في جَمِيعِهِمْ ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى مِنهم هو البَعْضُ ؟ قُلْنا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ راجِعٌ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا لا إلى الجُمْلَةِ الأُولى، وأيْضًا فَلَوْ رَجَعَ إلى الأوَّلِ يَصِحُّ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ يَرْجِعُ هَذا الفَرِيقُ إلى الباقِينَ مِنهم فَيُظْهِرُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ الرُّجُوعَ عَمّا أظْهَرُوهُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ، وهَذا تَرْكٌ لِلرِّضا بِحُكْمِ الرَّسُولِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ عَلى أنَّهم إنَّما يُعْرِضُونَ مَتى عَرَفُوا الحَقَّ لِغَيْرِهِمْ، أوْ شَكُّوا فَأمّا إذا عَرَفُوهُ لِأنْفُسِهِمْ عَدَلُوا عَنِ الإعْراضِ، بَلْ سارَعُوا إلى الحُكْمِ وأذْعَنُوا بِبَذْلِ الرِّضا، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِهِمُ اتِّباعُ الحَقِّ، وإنَّما يُرِيدُونَ النَّفْعَ المُعَجَّلَ، وذَلِكَ أيْضًا نِفاقٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَلِمَةُ ”أمْ“ لِلِاسْتِفْهامِ وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: اللَّفْظُ اسْتِفْهامٌ ومَعْناهُ الخَبَرُ. كَما قالَ جَرِيرٌ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا [وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ]
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهم لَوْ خافُوا أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَدِ ارْتابُوا في الدِّينِ، وإذِ ارْتابُوا فَفي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فالكُلُّ واحِدٌ، فَأيُّ فائِدَةٍ في التَّعْدِيدِ ؟ الجَوابُ: قَوْلُهُ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إشارَةٌ إلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ حَدَثَ هَذا الشَّكُّ والرَّيْبُ بَعْدَ تَقْرِيرِ الإسْلامِ في القَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم بَلَغُوا في حُبِّ الدُّنْيا إلى حَيْثُ يَتْرُكُونَ الدِّينَ بِسَبَبِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مُتَغايِرَةٌ ولَكِنَّها مُتَلازِمَةٌ فَكَيْفَ أدْخَلَ عَلَيْها كَلِمَةَ ”أمْ“ ؟ الجَوابُ:
صفحة ٢٠
الأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأوْصافِ فَكانَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهو النِّفاقُ، وكانَ فِيها شَكٌّ وارْتِيابٌ، وكانُوا يَخافُونَ الحَيْفَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ كُفْرٌ ونِفاقٌ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ لِأنَّ الظُّلْمَ يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] إذِ المَرْءُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ أوْ ظالِمًا لِغَيْرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا لَمّا ذَكَرَ تَعالى في الأقْسامِ كَوْنَهم خائِفِينَ مِنَ الحَيْفِ، أبْطَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ لا يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأمانَتِهِ وصِيانَتِهِ، وإنَّما هم ظالِمُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَظْلِمُوا مَن لَهُ الحَقُّ عَلَيْهِمْ وهم لَهُ جُحُودٌ، وذَلِكَ شَيْءٌ لا يَسْتَطِيعُونَهُ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَأْبَوْنَ المُحاكَمَةَ إلَيْهِ.
النور 24:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَهُ بِذَمِّ قَوْمٍ اعْتَرَفُوا بِالدِّينِ بِألْسِنَتِهِمْ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْبَلُوهُ بِقُلُوبِهِمْ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٩
المسألة الأُولى: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بِشْرٍ المُنافِقِ وكانَ قَدْ خاصَمَ يَهُودِيًّا في أرْضٍ، وكانَ اليَهُودِيُّ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُما، وجَعَلَ المُنافِقُ يَجُرُّهُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ويَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنا وقَدْ مَضَتْ قِصَّتُهُما في سُورَةِ النِّساءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في المُغِيرَةِ بْنِ وائِلٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أرْضٌ فَتَقاسَما فَوَقَعَ إلى عَلِيٍّ مِنها ما لا يُصِيبُهُ الماءُ إلّا بِمَشَقَّةٍ، فَقالَ المُغِيرَةُ بِعْنِي أرْضَكَ فَباعَها إيّاهُ وتَقابَضا، فَقِيلَ لِلْمُغِيرَةِ أخَذْتَ سَبْخَةً لا يَنالُها الماءُ. فَقالَ لِعَلِيٍّ اقْبِضْ أرْضَكَ فَإنَّما اشْتَرَيْتُها إنْ رَضِيتُها ولَمْ أرْضَها فَلا يَنالُها الماءُ، فَقالَ عَلِيٌّ بَلِ اشْتَرَيْتَها ورَضِيتَها وقَبَضْتَها وعَرَفْتَ حالَها لا أقْبَلُها مِنكَ، ودَعاهُ إلى أنْ يُخاصِمَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ المُغِيرَةُ: أمّا مُحَمَّدٌ فَلَسْتُ آتِيهِ ولا أُحاكِمُ إلَيْهِ فَإنَّهُ يُبْغِضُنِي وأنا أخافُ أنْ يَحِيفَ عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُسِرُّونَ الكُفْرَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَكُونُ بِالقَوْلِ، إذْ لَوْ كانَ بِهِ لَما صَحَّ أنْ يَنْفِيَ كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ، وقَدْ فَعَلُوا ما هو إيمانٌ في الحَقِيقَةِ، فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كُلِّهِمْ أنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا، ثُمَّ حَكى عَنْ فَرِيقٍ مِنهُمُ التَّوَلِّيَ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولَ في جَمِيعِهِمْ ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى مِنهم هو البَعْضُ ؟ قُلْنا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ راجِعٌ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا لا إلى الجُمْلَةِ الأُولى، وأيْضًا فَلَوْ رَجَعَ إلى الأوَّلِ يَصِحُّ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ يَرْجِعُ هَذا الفَرِيقُ إلى الباقِينَ مِنهم فَيُظْهِرُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ الرُّجُوعَ عَمّا أظْهَرُوهُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ، وهَذا تَرْكٌ لِلرِّضا بِحُكْمِ الرَّسُولِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ عَلى أنَّهم إنَّما يُعْرِضُونَ مَتى عَرَفُوا الحَقَّ لِغَيْرِهِمْ، أوْ شَكُّوا فَأمّا إذا عَرَفُوهُ لِأنْفُسِهِمْ عَدَلُوا عَنِ الإعْراضِ، بَلْ سارَعُوا إلى الحُكْمِ وأذْعَنُوا بِبَذْلِ الرِّضا، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِهِمُ اتِّباعُ الحَقِّ، وإنَّما يُرِيدُونَ النَّفْعَ المُعَجَّلَ، وذَلِكَ أيْضًا نِفاقٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَلِمَةُ ”أمْ“ لِلِاسْتِفْهامِ وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: اللَّفْظُ اسْتِفْهامٌ ومَعْناهُ الخَبَرُ. كَما قالَ جَرِيرٌ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا [وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ]
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهم لَوْ خافُوا أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَدِ ارْتابُوا في الدِّينِ، وإذِ ارْتابُوا فَفي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فالكُلُّ واحِدٌ، فَأيُّ فائِدَةٍ في التَّعْدِيدِ ؟ الجَوابُ: قَوْلُهُ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إشارَةٌ إلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ حَدَثَ هَذا الشَّكُّ والرَّيْبُ بَعْدَ تَقْرِيرِ الإسْلامِ في القَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم بَلَغُوا في حُبِّ الدُّنْيا إلى حَيْثُ يَتْرُكُونَ الدِّينَ بِسَبَبِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مُتَغايِرَةٌ ولَكِنَّها مُتَلازِمَةٌ فَكَيْفَ أدْخَلَ عَلَيْها كَلِمَةَ ”أمْ“ ؟ الجَوابُ:
صفحة ٢٠
الأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأوْصافِ فَكانَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهو النِّفاقُ، وكانَ فِيها شَكٌّ وارْتِيابٌ، وكانُوا يَخافُونَ الحَيْفَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ كُفْرٌ ونِفاقٌ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ لِأنَّ الظُّلْمَ يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] إذِ المَرْءُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ أوْ ظالِمًا لِغَيْرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا لَمّا ذَكَرَ تَعالى في الأقْسامِ كَوْنَهم خائِفِينَ مِنَ الحَيْفِ، أبْطَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ لا يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأمانَتِهِ وصِيانَتِهِ، وإنَّما هم ظالِمُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَظْلِمُوا مَن لَهُ الحَقُّ عَلَيْهِمْ وهم لَهُ جُحُودٌ، وذَلِكَ شَيْءٌ لا يَسْتَطِيعُونَهُ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَأْبَوْنَ المُحاكَمَةَ إلَيْهِ.
النور 24:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى قَوْلَ المُنافِقِينَ وما قالُوهُ وما فَعَلُوهُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما كانَ يَجِبُ أنْ يَفْعَلُوهُ وما يَجِبُ أنْ يَسْلُكَهُ المُؤْمِنُونَ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”قَوْلُ المُؤْمِنِينَ“ بِالرَّفْعِ، والنَّصْبُ أقْوى لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لَكانَ أوْغَلَهُما في التَّعْرِيفِ و”أنْ يَقُولُوا“ أوْغَلُ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ ”قَوْلَ المُؤْمِنِينَ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم وطَرِيقَتُهم إذا دُعُوا إلى حُكْمِ كِتابِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أنْ يَقُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَيَكُونُ إتْيانُهم إلَيْهِ وانْقِيادُهم لَهُ سَمْعًا وطاعَةً، ومَعْنى ﴿سَمِعْنا﴾ أجَبْنا عَلى تَأْوِيلِ قَوْلِ المُسْلِمِينَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أيْ قَبِلَ وأجابَ، ثم قال: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ فِيما ساءَهُ وسَرَّهُ ﴿ويَخْشَ اللَّهَ﴾ فِيما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ في الماضِي ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما بَقِيَ مِن
صفحة ٢١
عُمْرِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى إيجازِها حاوِيَةٌ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَفْعَلُوهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ﴾ فَقالَ مُقاتِلٌ: مَن حَلَفَ بِاللَّهِ فَقَدْ أجْهَدَ في اليَمِينِ، ثم قال: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَراهِيَةَ المُنافِقِينَ لِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقالُوا: واللَّهِ لَئِنْ أمَرْتَنا أنْ نَخْرُجَ مِن دِيارِنا وأمْوالِنا ونِسائِنا لَخَرَجْنا، وإنْ أمَرْتَنا بِالجِهادِ جاهَدْنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَنْهاهم عَنْ هَذا القَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ ولَوْ كانَ قَسَمُهم كَما يَجِبُ لَمْ يَجُزِ النَّهْيُ عَنْهُ لِأنَّ مَن حَلَفَ عَلى القِيامِ بِالبِرِّ والواجِبِ لا يَجُوزُ أنْ يُنْهى عَنْهُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ قَسَمَهم كانَ لِنِفاقِهِمْ، وأنَّ باطِنَهم خِلافُ ظاهِرِهِمْ، ومَن نَوى الغَدْرَ لا الوَفاءَ فَقَسَمُهُ لا يَكُونُ إلّا قَبِيحًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ فَهو إمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ المَطْلُوبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا أيْمانٌ كاذِبَةٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ مِن قَسَمِكم بِما لا تَصْدُقُونَ فِيهِ، وقِيلَ مَعْناهُ دَعُوا القَسَمَ ولا تَغْتَرُّوا بِهِ وعَلَيْكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَتَمَسَّكُوا بِها. وقَرَأ اليَزِيدِيُّ ”طاعَةً مَعْرُوفَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى أطِيعُوا طاعَةَ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بَصِيرٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرائِرِكم، وإنَّهُ فاضِحُكم لا مَحالَةَ، ومُجازِيكم عَلى نِفاقِكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى صَرَفَ الكَلامَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وهو أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي إنْ تَوَلَّوْا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ فَإنَّما عَلى الرَّسُولِ ما حُمِّلَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ مِنَ الطّاعَةِ ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أيْ تُصِيبُوا الحَقَّ، وإنْ عَصَيْتُمُوهُ فَما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ، والبَلاغُ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ، والمُبِينُ الواضِحُ، والمُوَضِّحُ لِما بِكم إلَيْهِ الحاجَةُ، وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ ”فَإنَّما عَلَيْهِ ما حَمَلَ“ بِفَتْحِ الحاءِ والتَّخْفِيفِ، أيْ فَعَلَيْهِ إثْمُ ما حَمَلَ مِنَ المَعْصِيَةِ.
النور 24:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى قَوْلَ المُنافِقِينَ وما قالُوهُ وما فَعَلُوهُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما كانَ يَجِبُ أنْ يَفْعَلُوهُ وما يَجِبُ أنْ يَسْلُكَهُ المُؤْمِنُونَ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”قَوْلُ المُؤْمِنِينَ“ بِالرَّفْعِ، والنَّصْبُ أقْوى لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لَكانَ أوْغَلَهُما في التَّعْرِيفِ و”أنْ يَقُولُوا“ أوْغَلُ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ ”قَوْلَ المُؤْمِنِينَ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم وطَرِيقَتُهم إذا دُعُوا إلى حُكْمِ كِتابِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أنْ يَقُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَيَكُونُ إتْيانُهم إلَيْهِ وانْقِيادُهم لَهُ سَمْعًا وطاعَةً، ومَعْنى ﴿سَمِعْنا﴾ أجَبْنا عَلى تَأْوِيلِ قَوْلِ المُسْلِمِينَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أيْ قَبِلَ وأجابَ، ثم قال: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ فِيما ساءَهُ وسَرَّهُ ﴿ويَخْشَ اللَّهَ﴾ فِيما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ في الماضِي ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما بَقِيَ مِن
صفحة ٢١
عُمْرِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى إيجازِها حاوِيَةٌ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَفْعَلُوهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ﴾ فَقالَ مُقاتِلٌ: مَن حَلَفَ بِاللَّهِ فَقَدْ أجْهَدَ في اليَمِينِ، ثم قال: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَراهِيَةَ المُنافِقِينَ لِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقالُوا: واللَّهِ لَئِنْ أمَرْتَنا أنْ نَخْرُجَ مِن دِيارِنا وأمْوالِنا ونِسائِنا لَخَرَجْنا، وإنْ أمَرْتَنا بِالجِهادِ جاهَدْنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَنْهاهم عَنْ هَذا القَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ ولَوْ كانَ قَسَمُهم كَما يَجِبُ لَمْ يَجُزِ النَّهْيُ عَنْهُ لِأنَّ مَن حَلَفَ عَلى القِيامِ بِالبِرِّ والواجِبِ لا يَجُوزُ أنْ يُنْهى عَنْهُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ قَسَمَهم كانَ لِنِفاقِهِمْ، وأنَّ باطِنَهم خِلافُ ظاهِرِهِمْ، ومَن نَوى الغَدْرَ لا الوَفاءَ فَقَسَمُهُ لا يَكُونُ إلّا قَبِيحًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ فَهو إمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ المَطْلُوبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا أيْمانٌ كاذِبَةٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ مِن قَسَمِكم بِما لا تَصْدُقُونَ فِيهِ، وقِيلَ مَعْناهُ دَعُوا القَسَمَ ولا تَغْتَرُّوا بِهِ وعَلَيْكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَتَمَسَّكُوا بِها. وقَرَأ اليَزِيدِيُّ ”طاعَةً مَعْرُوفَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى أطِيعُوا طاعَةَ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بَصِيرٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرائِرِكم، وإنَّهُ فاضِحُكم لا مَحالَةَ، ومُجازِيكم عَلى نِفاقِكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى صَرَفَ الكَلامَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وهو أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي إنْ تَوَلَّوْا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ فَإنَّما عَلى الرَّسُولِ ما حُمِّلَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ مِنَ الطّاعَةِ ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أيْ تُصِيبُوا الحَقَّ، وإنْ عَصَيْتُمُوهُ فَما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ، والبَلاغُ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ، والمُبِينُ الواضِحُ، والمُوَضِّحُ لِما بِكم إلَيْهِ الحاجَةُ، وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ ”فَإنَّما عَلَيْهِ ما حَمَلَ“ بِفَتْحِ الحاءِ والتَّخْفِيفِ، أيْ فَعَلَيْهِ إثْمُ ما حَمَلَ مِنَ المَعْصِيَةِ.
النور 24:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى قَوْلَ المُنافِقِينَ وما قالُوهُ وما فَعَلُوهُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما كانَ يَجِبُ أنْ يَفْعَلُوهُ وما يَجِبُ أنْ يَسْلُكَهُ المُؤْمِنُونَ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”قَوْلُ المُؤْمِنِينَ“ بِالرَّفْعِ، والنَّصْبُ أقْوى لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لَكانَ أوْغَلَهُما في التَّعْرِيفِ و”أنْ يَقُولُوا“ أوْغَلُ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ ”قَوْلَ المُؤْمِنِينَ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم وطَرِيقَتُهم إذا دُعُوا إلى حُكْمِ كِتابِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أنْ يَقُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَيَكُونُ إتْيانُهم إلَيْهِ وانْقِيادُهم لَهُ سَمْعًا وطاعَةً، ومَعْنى ﴿سَمِعْنا﴾ أجَبْنا عَلى تَأْوِيلِ قَوْلِ المُسْلِمِينَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أيْ قَبِلَ وأجابَ، ثم قال: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ فِيما ساءَهُ وسَرَّهُ ﴿ويَخْشَ اللَّهَ﴾ فِيما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ في الماضِي ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما بَقِيَ مِن
صفحة ٢١
عُمْرِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى إيجازِها حاوِيَةٌ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَفْعَلُوهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ﴾ فَقالَ مُقاتِلٌ: مَن حَلَفَ بِاللَّهِ فَقَدْ أجْهَدَ في اليَمِينِ، ثم قال: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَراهِيَةَ المُنافِقِينَ لِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقالُوا: واللَّهِ لَئِنْ أمَرْتَنا أنْ نَخْرُجَ مِن دِيارِنا وأمْوالِنا ونِسائِنا لَخَرَجْنا، وإنْ أمَرْتَنا بِالجِهادِ جاهَدْنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَنْهاهم عَنْ هَذا القَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ ولَوْ كانَ قَسَمُهم كَما يَجِبُ لَمْ يَجُزِ النَّهْيُ عَنْهُ لِأنَّ مَن حَلَفَ عَلى القِيامِ بِالبِرِّ والواجِبِ لا يَجُوزُ أنْ يُنْهى عَنْهُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ قَسَمَهم كانَ لِنِفاقِهِمْ، وأنَّ باطِنَهم خِلافُ ظاهِرِهِمْ، ومَن نَوى الغَدْرَ لا الوَفاءَ فَقَسَمُهُ لا يَكُونُ إلّا قَبِيحًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ فَهو إمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ المَطْلُوبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا أيْمانٌ كاذِبَةٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ مِن قَسَمِكم بِما لا تَصْدُقُونَ فِيهِ، وقِيلَ مَعْناهُ دَعُوا القَسَمَ ولا تَغْتَرُّوا بِهِ وعَلَيْكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَتَمَسَّكُوا بِها. وقَرَأ اليَزِيدِيُّ ”طاعَةً مَعْرُوفَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى أطِيعُوا طاعَةَ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بَصِيرٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرائِرِكم، وإنَّهُ فاضِحُكم لا مَحالَةَ، ومُجازِيكم عَلى نِفاقِكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى صَرَفَ الكَلامَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وهو أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي إنْ تَوَلَّوْا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ فَإنَّما عَلى الرَّسُولِ ما حُمِّلَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ مِنَ الطّاعَةِ ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أيْ تُصِيبُوا الحَقَّ، وإنْ عَصَيْتُمُوهُ فَما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ، والبَلاغُ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ، والمُبِينُ الواضِحُ، والمُوَضِّحُ لِما بِكم إلَيْهِ الحاجَةُ، وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ ”فَإنَّما عَلَيْهِ ما حَمَلَ“ بِفَتْحِ الحاءِ والتَّخْفِيفِ، أيْ فَعَلَيْهِ إثْمُ ما حَمَلَ مِنَ المَعْصِيَةِ.
النور 24:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى قَوْلَ المُنافِقِينَ وما قالُوهُ وما فَعَلُوهُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما كانَ يَجِبُ أنْ يَفْعَلُوهُ وما يَجِبُ أنْ يَسْلُكَهُ المُؤْمِنُونَ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”قَوْلُ المُؤْمِنِينَ“ بِالرَّفْعِ، والنَّصْبُ أقْوى لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لَكانَ أوْغَلَهُما في التَّعْرِيفِ و”أنْ يَقُولُوا“ أوْغَلُ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ ”قَوْلَ المُؤْمِنِينَ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم وطَرِيقَتُهم إذا دُعُوا إلى حُكْمِ كِتابِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أنْ يَقُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَيَكُونُ إتْيانُهم إلَيْهِ وانْقِيادُهم لَهُ سَمْعًا وطاعَةً، ومَعْنى ﴿سَمِعْنا﴾ أجَبْنا عَلى تَأْوِيلِ قَوْلِ المُسْلِمِينَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أيْ قَبِلَ وأجابَ، ثم قال: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ فِيما ساءَهُ وسَرَّهُ ﴿ويَخْشَ اللَّهَ﴾ فِيما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ في الماضِي ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما بَقِيَ مِن
صفحة ٢١
عُمْرِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى إيجازِها حاوِيَةٌ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَفْعَلُوهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ﴾ فَقالَ مُقاتِلٌ: مَن حَلَفَ بِاللَّهِ فَقَدْ أجْهَدَ في اليَمِينِ، ثم قال: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَراهِيَةَ المُنافِقِينَ لِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقالُوا: واللَّهِ لَئِنْ أمَرْتَنا أنْ نَخْرُجَ مِن دِيارِنا وأمْوالِنا ونِسائِنا لَخَرَجْنا، وإنْ أمَرْتَنا بِالجِهادِ جاهَدْنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَنْهاهم عَنْ هَذا القَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ ولَوْ كانَ قَسَمُهم كَما يَجِبُ لَمْ يَجُزِ النَّهْيُ عَنْهُ لِأنَّ مَن حَلَفَ عَلى القِيامِ بِالبِرِّ والواجِبِ لا يَجُوزُ أنْ يُنْهى عَنْهُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ قَسَمَهم كانَ لِنِفاقِهِمْ، وأنَّ باطِنَهم خِلافُ ظاهِرِهِمْ، ومَن نَوى الغَدْرَ لا الوَفاءَ فَقَسَمُهُ لا يَكُونُ إلّا قَبِيحًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ فَهو إمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ المَطْلُوبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا أيْمانٌ كاذِبَةٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ مِن قَسَمِكم بِما لا تَصْدُقُونَ فِيهِ، وقِيلَ مَعْناهُ دَعُوا القَسَمَ ولا تَغْتَرُّوا بِهِ وعَلَيْكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَتَمَسَّكُوا بِها. وقَرَأ اليَزِيدِيُّ ”طاعَةً مَعْرُوفَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى أطِيعُوا طاعَةَ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بَصِيرٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سَرائِرِكم، وإنَّهُ فاضِحُكم لا مَحالَةَ، ومُجازِيكم عَلى نِفاقِكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى صَرَفَ الكَلامَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وهو أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي إنْ تَوَلَّوْا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ فَإنَّما عَلى الرَّسُولِ ما حُمِّلَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ مِنَ الطّاعَةِ ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أيْ تُصِيبُوا الحَقَّ، وإنْ عَصَيْتُمُوهُ فَما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ، والبَلاغُ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ، والمُبِينُ الواضِحُ، والمُوَضِّحُ لِما بِكم إلَيْهِ الحاجَةُ، وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ ”فَإنَّما عَلَيْهِ ما حَمَلَ“ بِفَتْحِ الحاءِ والتَّخْفِيفِ، أيْ فَعَلَيْهِ إثْمُ ما حَمَلَ مِنَ المَعْصِيَةِ.
النور 24:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ النَّظْمِ: بَلِّغْ أيُّها الرَّسُولُ وأطِيعُوهُ أيُّها المُؤْمِنُونَ، فَقَدْ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أيِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أنْ يَسْتَخْلِفَهم في الأرْضِ فَيَجْعَلَهُمُ الخُلَفاءَ والغالِبِينَ والمالِكِينَ، كَما اسْتَخْلَفَ عَلَيْها مَن قَبْلَهم في زَمَنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ وغَيْرَهُما، وأنَّهُ يُمَكِّنُ
صفحة ٢٢
لَهم دِينَهم، وتَمْكِينُهُ ذَلِكَ هو أنْ يُؤَيِّدَهم بِالنُّصْرَةِ والإعْزازِ، ويُبَدِّلَهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ مِنَ العَدُوِّ أمْنًا بِأنْ يَنْصُرَهم عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُوهم ويَأْمَنُوا بِذَلِكَ شَرَّهم، فَيَعْبُدُونَنِي آمِنِينَ لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ولا يَخافُونَ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَذا الوَعْدِ وارْتَدَّ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ أكْثَرِ المَسائِلِ الأُصُولِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فَلْنُشِرْ إلى مَعاقِدِها:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَكَلِّمٌ لِأنَّ الوَعْدَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الكَلامِ، والمَوْصُوفُ بِالنوع مَوْصُوفٌ بِالجِنْسِ، ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ مَلِكٌ مُطاعٌ، والمَلِكُ المُطاعُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ وعْدَ أوْلِيائِهِ ووَعِيدَ أعْدائِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَكَلِّمٌ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ وُقُوعِها خِلافًا لِهِشامِ بْنِ الحَكَمِ، فَإنَّهُ قالَ لا يَعْلَمُها قَبْلَ وُقُوعِها، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ إخْبارًا عَلى التَّفْصِيلِ، وقَدْ وقَعَ المُخْبَرُ مُطابِقًا لِلْخَبَرِ، ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ لا يَصِحُّ إلّا مَعَ العِلْمِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَيٌّ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ وقَدْ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ، وصُدُورُ هَذِهِ الأشْياءِ لا يَصِحُّ إلّا مِنَ القادِرِ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لِأنَّهُ قالَ ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلٌ بِالغَرَضِ؛ لِأنَّ المَعْنى لِكَيْ يَعْبُدُونِي، وقالُوا أيْضًا: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرِيدُ العِبادَةَ مِنَ الكُلِّ، لِأنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِذَلِكَ الغَرَضِ.
* * *
المسألة الخامِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّرِيكِ لِقَوْلِهِ: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الإلَهِ الثّانِي، وعَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى سَواءٌ كانَ كَوْكَبًا كَما تَقَوَّلَهُ الصّابِئَةُ أوْ صَنَمًا كَما تَقَوَّلَهُ عَبَدَةُ الأوْثانِ.
* * *
المسألة السّادِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغَيْبِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ وقَدْ وُجِدَ هَذا المُخْبَرُ مُوافِقًا لِلْخَبَرِ ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ مُعْجِزٌ، والمُعْجِزُ دَلِيلُ الصِّدْقِ فَدَلَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
* * *
المسألة السّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ لِأنَّهُ عَطَفَ العَمَلَ الصّالِحَ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ خارِجٌ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
* * *
المسألة الثّامِنَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى إمامَةِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وعَدَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الحاضِرِينَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وأنْ يُمَكِّنَ لَهم دِينَهُمُ المَرْضِيَّ، وأنْ يُبَدِّلَهم بَعْدَ الخَوْفِ أمْنًا، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ بِهَذا الوَعْدِ بَعْدَ الرَّسُولِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ اسْتِخْلافَ غَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ لِأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ، فَإذَنِ المُرادُ بِهَذا الِاسْتِخْلافِ طَرِيقَةُ الإمامَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ بَعْدَ الرَّسُولِ الِاسْتِخْلافُ الَّذِي هَذا وصْفُهُ إنَّما كانَ في أيّامِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ؛ لِأنَّ في أيّامِهِمْ كانَتِ الفُتُوحُ العَظِيمَةُ، وحَصَلَ التَّمْكِينُ وظُهُورُ الدِّينِ والأمْنِ، ولَمْ يَحْصُلْ
صفحة ٢٣
ذَلِكَ في أيّامِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِجِهادِ الكُفّارِ لِاشْتِغالِهِ بِمُحارَبَةِ مَن خالَفَهُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، فَثَبَتَ بِهَذا دَلالَةُ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ هَؤُلاءِ، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ لِأنَّها تَقْتَضِي حُصُولَ الخِلافَةِ لِكُلِّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ. نَزَلْنا عَنْهُ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ هو أنَّهُ تَعالى يُسْكِنُهُمُ الأرْضَ ويُمَكِّنُهم مِنَ التَّصَرُّفِ لا أنَّ المُرادَ مِنهُ خِلافَةُ اللَّهِ تَعالى، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ واسْتِخْلافُ مَن كانَ قَبْلَهم لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الإمامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في حَقِّهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ. نَزَلْنا عَنْهُ، لَكِنْ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى خِلافَةِ رَسُولِ اللَّهِ لِأنَّ مِن مَذْهَبِكم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ أحَدًا، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: أتْرُكُكم كَما تَرَكَكم رَسُولُ اللَّهِ. نَزَلْنا عَنْهُ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ، والواحِدُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١] وقالَ في حَقِّ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٥٥] نَزَلْنا عَنْهُ، ولَكِنْ نَحْمِلُهُ عَلى الأئِمَّةِ الإثْنى عَشَرَ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ فَقَوْلُهُ: ﴿مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الخِطابِ بَعْضُهم.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِخْلافَ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ حاصِلٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فالمَذْكُورُ هَهُنا في مَعْرِضِ البِشارَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُغايِرًا لَهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فالَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم كانُوا خُلَفاءَ تارَةً بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ، وتارَةً بِسَبَبِ الإمامَةِ، والخِلافَةُ حاصِلَةٌ في الصُّورَتَيْنِ.
وعَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ وإنْ كانَ مِن مَذْهَبِنا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ أحَدًا بِالتَّعْيِينِ، ولَكِنَّهُ قَدِ اسْتَخْلَفَ بِذِكْرِ الوَصْفِ والأمْرِ بِالِاخْتِيارِ فَلا يَمْتَنِعُ في هَؤُلاءِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ أنَّهُ تَعالى يَسْتَخْلِفُهم وأنَّ الرَّسُولَ اسْتَخْلَفَهم، وعَلى هَذا الوجه قالُوا في أبِي بَكْرٍ: يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فالَّذِي قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، أُرِيدَ بِهِ عَلى وجْهِ التَّعْيِينِ، وإذا قِيلَ اسْتَخْلَفَ فالمُرادُ عَلى طَرِيقَةِ الوَصْفِ والأمْرِ.
وعَنِ الرّابِعِ: أنَّ حَمْلَ لَفْظِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ مَجازٌ وهو خِلافُ الأصْلِ.
وعَنِ الخامِسِ: أنَّهُ باطِلٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الخِطابَ كانَ مَعَ الحاضِرِينَ، وهَؤُلاءِ الأئِمَّةُ ما كانُوا حاضِرِينَ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وعَدَهُمُ القُوَّةَ والشَّوْكَةَ والنَّفاذَ في العالَمِ، ولَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيهِ فَثَبَتَ بِهَذا صِحَّةُ إمامَةِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وبَطَلَ قَوْلُ الرّافِضَةِ الطّاعِنِينَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، وعَلى بُطْلانِ قَوْلِ الخَوارِجِ الطّاعِنِينَ عَلى عُثْمانَ وعَلِيٍّ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أيْنَ القَسَمُ المُتَلَقّى بِاللّامِ والنُّونِ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ ؟ قُلْنا: هو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وعَدَهُمُ اللَّهُ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم، أوْ نَزَلَ وعْدُ اللَّهِ في تَحَقُّقِهِ مَنزِلَةَ القَسَمِ فَتُلُقِّيَ بِما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ كَأنَّهُ قالَ: أقْسَمَ اللَّهُ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي كَما اسْتَخْلَفَ هارُونَ ويُوشَعَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ. وتَقْدِيرُ النَّظْمِ: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمُ اسْتِخْلافًا كاسْتِخْلافِ مَن قَبْلَهم مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقُرِئَ ”كَما اسْتُخْلِفَ“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يُثَبِّتُ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم وهو الإسْلامُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ”ولَيُبْدِلَنَّهُمْ“ مِنَ الإبْدالِ بِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وقَدْ
صفحة ٢٤
ذَكَرْنا الفَرْقَ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النِّساءِ: ٥٦] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الَّذِينَ عَناهم لا يَتَغَيَّرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى إلى الشِّرْكِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى مَعْنى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ لِلَّهِ، لَيَفْعَلَنَّ بِهِمْ كَيْتَ وكَيْتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ جَحَدَ حَقَّ هَذِهِ النِّعَمِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ العاصُونَ.
النور 24:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾
أمّا تَفْسِيرُ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ولَفْظَةِ لَعَلَّ ولَفْظَةِ الرَّحْمَةِ، فالكُلُّ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ فالمَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا سابِقِينَ فائِقِينَ حَتّى يُعْجِزُونَنِي عَنْ إدْراكِهِمْ. وقُرِئَ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وفِيهِ أوْجُهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ مُعْجِزِينَ في الأرْضِ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا هم في مِثْلِ ذَلِكَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الأصْلُ ولا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ، ثُمَّ حُذِفَ الضَّمِيرُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فَقالَ صاحِبُ [الكَشّافِ]: النَّظْمُ لا يَحْتِمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ نَفِيٌ، وهَذا إيجابٌ، فَهو إذَنْ مَعْطُوفٌ بِالواوِ عَلى مُضْمَرٍ قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ومَأْواهُمُ النّارُ.
النور 24:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾
أمّا تَفْسِيرُ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ولَفْظَةِ لَعَلَّ ولَفْظَةِ الرَّحْمَةِ، فالكُلُّ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ فالمَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا سابِقِينَ فائِقِينَ حَتّى يُعْجِزُونَنِي عَنْ إدْراكِهِمْ. وقُرِئَ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وفِيهِ أوْجُهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ مُعْجِزِينَ في الأرْضِ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا هم في مِثْلِ ذَلِكَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الأصْلُ ولا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ، ثُمَّ حُذِفَ الضَّمِيرُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فَقالَ صاحِبُ [الكَشّافِ]: النَّظْمُ لا يَحْتِمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ نَفِيٌ، وهَذا إيجابٌ، فَهو إذَنْ مَعْطُوفٌ بِالواوِ عَلى مُضْمَرٍ قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ومَأْواهُمُ النّارُ.
النور 24:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المسألة الأُولى: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الرِّجالَ فالمُرادُ بِهِ الرِّجالُ والنِّساءُ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ يُغَلَّبُ عَلى التَّأْنِيثِ، فَإذا لَمْ يُمَيَّزْ فَيَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ الكُلُّ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ يُقالُ في الرِّجالِ والنِّساءِ، والأوْلى عِنْدِي أنَّ الحُكْمَ ثابِتٌ في النِّساءِ بِقِياسٍ جَلِيٍّ، وذَلِكَ لِأنَّ النِّساءَ في بابِ حِفْظِ العَوْرَةِ أشَدُّ حالًا مِنَ الرِّجالِ، فَهَذا الحُكْمُ لَمّا ثَبَتَ في الرِّجالِ فَثُبُوتُهُ في النِّساءِ بِطَرِيقِ الأوْلى، كَما أنّا نُثْبِتُ حُرْمَةَ الضَّرْبِ بِالقِياسِ الجَلِيِّ عَلى حُرْمَةِ التَّأْفِيفِ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ البالِغُونَ والصِّغارُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ المُرادَ الصِّغارُ، واحْتَجُّوا بِأنَّ الكَبِيرَ مِنَ المَمالِيكِ لَيْسَ لَهُ أنْ يَنْظُرَ مِنَ المالِكِ إلّا إلى ما يَجُوزُ لِحُرٍّ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لا يَغُرَّنَّكم قَوْلُهُ: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ لا يَنْبَغِي لِلْمَرْأةِ أنْ يَنْظُرَ عَبْدُها إلى قُرْطِها وشَعْرِها وشَيْءٍ مِن مَحاسِنِها، وقالَ الآخَرُونَ: بَلِ البالِغُ مِنَ المَمالِيكِ لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَعْرِ مالِكَتِهِ وما شاكَلَهُ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ عَبِيدِ المُؤْمِنِينَ والأطْفالِ مِنَ الأحْرارِ بِإباحَةِ ما حَظَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَبْلُ عَلى جَماعَةِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٢٧] فَإنَّهُ أباحَ لَهم إلّا في الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وجَوَّزَ دُخُولَهم مَعَ مَن لَمْ يَبْلُغْ بِغَيْرِ إذْنٍ، ودُخُولَ المَوالِي عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ فِيما عَدا الأوْقاتَ الثَّلاثَةَ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ أوْجَبَ عَلى مَن بَلَغَ الحُلُمَ الجَرْيَ عَلى سُنَّةِ مَن قَبْلَهم مِنَ البالِغِينَ في الِاسْتِئْذانِ في سائِرِ الأوْقاتِ وألْحَقَهم بِمَن دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ .
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ العَبِيدُ والإماءُ إذا كانُوا بالِغِينَ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم في الحَقِيقَةِ، وإنْ أُرِيدَ ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لَنا بِأنْ نَأْمُرَهم بِذَلِكَ ونَبْعَثَهم عَلَيْهِمْ كَما أمَرْنا بِأمْرِ الصَّبِيِّ، وقَدْ عَقَلَ الصَّلاةَ أنْ يَفْعَلَها لا عَلى وجْهِ التَّكْلِيفِ لَهم، لَكِنَّهُ تَكْلِيفٌ لَنا لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ لَنا ولَهم بَعْدَ البُلُوغِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ الأمْرِ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِمْ إلّا أنَّهُ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ مُتَوَجِّهًا عَلى المَوْلى كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: لِيَخَفْكَ أهْلُكَ
صفحة ٢٦
ووَلَدُكَ، فَظاهِرُ الأمْرِ لَهم وحَقِيقَةُ الأمْرِ لَهُ بِفِعْلِ ما يَخافُونَ عِنْدَهُ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ إلى عُمَرَ لِيَدْعُوهُ فَوَجَدَهُ نائِمًا في البَيْتِ، فَدَفَعَ البابَ وسَلَّمَ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ عُمَرُ، فَعادَ ورَدَّ البابَ وقامَ مِن خَلْفِهِ، وحَرَّكَهُ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ، فَقالَ الغُلامُ: اللَّهُمَّ أيْقِظْهُ لِي ودَفَعَ البابَ ثُمَّ ناداهُ فاسْتَيْقَظَ وجَلَسَ ودَخَلَ الغُلامُ، فانْكَشَفَ مِن عُمَرَ شَيْءٌ وعَرَفَ عُمَرُ أنَّ الغُلامَ رَأى ذَلِكَ مِنهُ، فَقالَ ودِدْتُ أنَّ اللَّهَ نَهى أبْناءَنا ونِساءَنا وخَدَمَنا أنْ يَدْخُلُوا عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما ذاكَ يا عُمَرُ ؟ فَأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ الغُلامُ، فَتَعَجَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن صُنْعِهِ وتَعَرَّفَ اسْمَهُ ومَدَحَهُ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الحَلِيمَ الحَيِيَّ العَفِيفَ المُتَعَفِّفَ، ويُبْغِضُ البَذِيءَ الجَرِيءَ السّائِلَ المُلْحِفَ» . فَهَذِهِ الآيَةُ إحْدى الآياتِ المُنَزَّلَةِ بِسَبَبِ عُمَرَ. وقالَ بَعْضُهم: نَزَلَتْ في أسْماءَ بِنْتِ أبِي مَرْثَدٍ، قالَتْ: إنّا لَنَدْخُلُ عَلى الرَّجُلِ والمَرْأةِ ولَعَلَّهُما يَكُونانِ في لِحافٍ واحِدٍ، وقِيلَ: «دَخَلَ عَلَيْها غُلامٌ لَها كَبِيرٌ في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ فِيهِ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ خَدَمَنا وغِلْمانَنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا في حالٍ نَكْرَهُها فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
المسألة الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ قَوْلُهُ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ عَنى بِهِ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ صِيغَةُ الذُّكُورِ لا صِيغَةُ الإناثِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي في الرِّجالِ والنِّساءِ يَسْتَأْذِنُونَ عَلى كُلِّ حالٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ يَجِبُ إثْباتُ هَذا الحُكْمِ في النِّساءِ، لِأنَّ الإنْسانَ كَما يَكْرَهُ اطِّلاعَ الذُّكُورِ عَلى أحْوالِهِ فَقَدْ يَكْرَهُ أيْضًا اطِّلاعَ النِّساءِ عَلَيْها، ولَكِنَّ الحُكْمَ يَثْبُتُ في النِّساءِ بِالقِياسِ لا بِظاهِرِ اللَّفْظِ عَلى ما قَدَّمْناهُ.
المسألة السّادِسَةُ: مِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ عَلى النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ عَلى الإيجابِ وهَذا أوْلى، لِما ثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ”الحُلْمَ“ بِالسُّكُونِ.
المسألة الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ الِاحْتِلامَ بُلُوغٌ. واخْتَلَفُوا إذا بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ولَمْ يَحْتَلِمْ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَكُونُ الغُلامُ بالِغًا حَتّى يَبْلُغَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ويَسْتَكْمِلَها، وفي الجارِيَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ في الغُلامِ والجارِيَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن جَعَلَ حَدَّ البُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ إذا لَمْ يَحْتَلِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن بَلَغَها وبَيْنَ مَن قَصَرَ عَنْها بَعْدَ أنْ لا يَكُونَ قَدْ بَلَغَ الحُلُمَ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ: ”«رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنِ النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتّى يُفِيقَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ» “ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وبَيْنَ مَن لَمْ يَبْلُغْها، فَإنْ قِيلَ: فَهَذا الكَلامُ يُبْطِلُ التَّقْدِيرَ أيْضًا بِثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً. أجابَ بِأنّا قَدْ عَلِمْنا بِأنَّ العادَةَ في البُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ ما كانَ مَبْنِيًّا عَلى طَرِيقِ العاداتِ فَقَدْ تَجُوزُ الزِّيادَةُ فِيهِ والنُّقْصانُ مِنهُ، وقَدْ وجَدْنا مَن بَلَغَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الزِّيادَةَ عَلى المُعْتادِ جائِزَةٌ كالنُّقْصانِ مِنهُ، فَجَعَلَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الزِّيادَةَ كالنُّقْصانِ، وهي ثَلاثُ سِنِينَ، وقَدْ
صفحة ٢٧
حُكِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً لِلْغُلامِ، وهو مَحْمُولٌ عَلى اسْتِكْمالِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً والدُّخُولِ في التّاسِعَةَ عَشْرَةَ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ما رَوى «ابْنُ عُمَرَ أنَّهُ عُرِضَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ولَهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ، وعُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ ولَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأجازَهُ»، اعْتَرَضَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلَيْهِ فَقالَ: هَذا الخَبَرُ مُضْطَرِبٌ لِأنَّ أُحُدًا كانَ في سَنَةِ ثَلاثٍ والخَنْدَقَ في سَنَةِ خَمْسٍ فَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُما سَنَةٌ ؟ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الإجازَةَ في القِتالِ لا تَعَلُّقَ لَها بِالبُلُوغِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَرُدُّ البالِغَ لِضَعْفِهِ، ويُؤْذِنُ غَيْرَ البالِغِ لِقُوَّتِهِ ولِطاقَتِهِ حَمْلَ السِّلاحِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما سَألَهُ عَنِ الِاحْتِلامِ والسِّنِّ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في الإنْباتِ هَلْ يَكُونُ بُلُوغًا، فَأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ ما جَعَلُوهُ بُلُوغًا، والشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَعَلَهُ بُلُوغًا، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ يَنْفِي أنْ يَكُونَ الإنْباتُ بُلُوغًا إذا لَمْ يَحْتَلِمْ كَما نَفى كَوْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بُلُوغًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «وعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ»
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ما «رَوى عَطِيَّةُ القُرَظِيُّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ مَن أنْبَتَ مِن قُرَيْظَةَ واسْتِحْياءِ مَن لَمْ يُنْبِتْ، قالَ: فَنَظَرُوا إلَيَّ فَلَمْ أكُنْ قَدْ أنْبَتُّ فاسْتَبَقانِي» .
قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: هَذا الحَدِيثُ لا يَجُوزُ إثْباتُ الشَّرْعِ بِهِ وبِمِثْلِهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ عَطِيَّةَ هَذا مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ إلّا مِن هَذا الخَبَرِ لا سِيَّما مَعَ اعْتِراضِهِ عَلى الآيَةِ، والخَبَرُ في نَفْيِ البُلُوغِ إلّا بِالِاحْتِلامِ.
وثانِيها: أنَّهُ مُخْتَلِفُ الألْفاظِ، فَفي بَعْضِها أنَّهُ أمَرَ بِقَتْلِ مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المُوسى، وفي بَعْضِها مَنِ اخْضَرَّ عِذارُهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَبْلُغُ هَذِهِ الحالَ إلّا وقَدْ تَقَدَّمَ بُلُوغُهُ ولا يَكُونُ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهِ المُوسى إلّا وهو رَجُلٌ كَبِيرٌ، فَجَعْلُ الإنْباتِ وجَرْيِ المُوسى عَلَيْهِ كِنايَةٌ عَنْ بُلُوغِ القَدْرِ الَّذِي ذَكَرْنا مِنَ السِّنِّ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأكْثَرَ.
وثالِثُها: أنَّ الإنْباتَ يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ فالأمْرُ بِالقَتْلِ لِذاكَ لا لِلْبُلُوغِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ مَرْدُودَةٌ بِما رُوِيَ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُئِلَ عَنْ غُلامٍ، فَقالَ: هَلِ اخْضَرَّ عِذارُهُ ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ كالأمْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: ويُرْوى عَنْ قَوْمٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُمُ اعْتَبَرُوا في البُلُوغِ أنْ يَبْلُغَ الإنْسانُ في طُولِهِ خَمْسَةَ أشْبارٍ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: إذا بَلَغَ الغُلامُ خَمْسَةَ أشْبارٍ فَقَدْ وقَعَتْ عَلَيْهِ الحُدُودُ ويُقْتَصُّ لَهُ ويُقْتَصُّ مِنهُ، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُتِيَ أبُو بَكْرٍ بِغُلامٍ قَدْ سَرَقَ فَأمَرَ بِهِ فَشُبِرَ فَنَقَصَ أُنْمُلَةً فَخَلّى عَنْهُ، وهَذا المَذْهَبُ أخَذَ بِهِ الفَرَزْدَقُ في قَوْلِهِ:
ما زالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ وسَما فَأدْرَكَ خَمْسَةَ الأشْبارِ
وأكْثَرُ الفُقَهاءِ لا يَقُولُونَ بِهَذا المَذْهَبِ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ دُونَ البُلُوغِ ويَكُونُ طَوِيلًا، وفَوْقَ البُلُوغِ ويَكُونُ قَصِيرًا فَلا عِبْرَةَ بِهِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ، وقَدْ عَقَلَ يُؤْمَرُ بِفِعْلِ الشَّرائِعِ ويُنْهى عَنِ ارْتِكابِ القَبائِحِ، فَإنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالِاسْتِئْذانِ في هَذِهِ الأوْقاتِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مُرُوهم بِالصَّلاةِ وهم أبْناءُ سَبْعٍ واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرٍ»، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نُعَلِّمُ الصَّبِيَّ الصَّلاةَ إذا عَرَفَ يَمِينَهُ مِن شِمالِهِ، وعَنْ زَيْنِ العابِدِينَ أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ الصِّبْيانَ أنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا، والمَغْرِبَ والعِشاءَ جَمِيعًا، فَقِيلَ لَهُ: يُصَلُّونَ الصَّلاةَ لِغَيْرِ وقْتِها! فَقالَ: هَذا خَيْرٌ مِن أنْ يَتَناهَوْا عَنْها، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا بَلَغَ الصَّبِيُّ عَشْرَ سِنِينَ كُتِبَتْ لَهُ الحَسَناتُ ولا تُكْتَبُ عَلَيْهِ السَّيِّئاتُ حَتّى يَحْتَلِمَ، ثم قال أبُو بَكْرٍ
صفحة ٢٨
الرّازِيُّ: إنَّما يُؤْمَرُ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّعْلِيمِ، ولِيَعْتادَهُ ويَتَمَرَّنَ عَلَيْهِ، فَيَكُونَ أسْهَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ، وأقَلَّ نُفُورًا مِنهُ، وكَذَلِكَ يُجَنَّبُ شُرْبَ الخَمْرِ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ، ويُنْهى عَنْ سائِرِ المَحْظُوراتِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْنَعْ مِنهُ في الصِّغَرِ لَصَعُبَ عَلَيْهِ الِامْتِناعُ بَعْدَ الكِبَرِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] قِيلَ في التَّفْسِيرِ: أدِّبُوهم وعَلِّمُوهم.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ في الحِلْمِ حَلَمَ الرَّجُلُ بِفَتْحِ اللّامِ، يَحْلُمُ حِلْمًا بِضَمِّ اللّامِ، ومِنَ الحُلُمِ حَلُمَ بِضَمِّ اللّامِ، يَحْلِمُ حِلْمًا بِكَسْرِ اللّامِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ يَعْنِي ثَلاثَ أوْقاتٍ، لِأنَّهُ تَعالى فَسَّرَهُنَّ بِالأوْقاتِ، وإنَّما قِيلَ ثَلاثَ مَرّاتٍ لِلْأوْقاتِ لِأنَّهُ أرادَ مَرَّةً في كُلِّ وقْتٍ مِن هَذِهِ الأوْقاتِ، لِأنَّهُ يَكْفِيهِمْ أنْ يَسْتَأْذِنُوا في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأوْقاتِ مَرَّةً واحِدَةً، ثُمَّ بَيَّنَ الأوْقاتَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾، يَعْنِي الغالِبُ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُتَجَرِّدًا عَنِ الثِّيابِ مَكْشُوفَ العَوْرَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ: ”ثَلاثَ“ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ وكَأنَّهُ قالَ: في أوْقاتِ ثَلاثِ عَوْراتٍ لَكم، فَلَمّا حَذَفَ المُضافَ أعْرَبَ المُضافَ إلَيْهِ بِإعْرابِهِ. وقِراءَةُ الباقِينَ بِالرَّفْعِ، أيْ: هي ثَلاثُ عَوْراتٍ، فارْتَفَعَ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، قالَ القَفّالُ: فَكَأنَّهُ المَعْنى ثَلاثَ انْكِشافاتٍ، والمُرادُ وقْتَ الِانْكِشافِ.
المسألة الثّالِثَةُ: العَوْرَةُ الخَلَلُ ومِنهُ اعْوَرَّ الفارِسُ واعَوَرَّ المَكانُ، والأعْوَرُ المُخْتَلُّ العَيْنِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأحْوالِ عَوْرَةً، لِأنَّ النّاسَ يَخْتَلُّ حِفْظُهم وتَسَتُّرُهم فِيها.
المسألة الرّابِعَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الواجِبَ اعْتِبارُ العِلَلِ في الأحْكامِ إذا أمْكَنَ، لِأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى العِلَّةِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ .
والثّانِي: بِالتَّنْبِيهِ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ وبَيْنَ ما عَداها بِأنَّهُ لَيْسَ ذاكَ إلّا لِعِلَّةِ التَّكَشُّفِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وأنَّهُ لا يُؤْمَنُ وُقُوعُ التَّكَشُّفِ فِيها، ولَيْسَ كَذَلِكَ ما عَدا هَذِهِ الأوْقاتَ.
* * *
المسألة الخامِسَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النُّورِ: ٢٧] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِئْذانَ واجِبٌ في كُلِّ حالٍ، وصارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا بِهَذِهِ الآيَةِ في غَيْرِ هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الآيَةُ الأُولى أُرِيدَ بِها المُكَلَّفُ لِأنَّهُ خِطابٌ لِمَن آمَنَ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ فَهو فِيمَن لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، فَقِيلَ فِيهِ: إنَّ في بَعْضِ الأحْوالِ لا يَدْخُلُ إلّا بِإذْنٍ، وفي بَعْضِها بِغَيْرِ إذْنٍ. فَلا وجْهَ لِحَمْلِ ذَلِكَ عَلى النَّسْخِ، لِأنَّ ما تَناوَلَتْهُ الآيَةُ الأُولى مِنَ المُخاطَبِينَ لَمْ تَتَناوَلْهُ الآيَةُ الثّانِيَةُ أصْلًا، فَإنْ قِيلَ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ مَن قَدْ بَلَغَ فالنَّسْخُ لازِمٌ، قُلْنا: لا يَجِبُ ذَلِكَ أيْضًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ لا
صفحة ٢٩
يَدْخُلُ إلّا مَن يَمْلِكُ البُيُوتَ لِحَقِّ هَذِهِ الإضافَةِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ العَبِيدِ والإماءِ، فَلا يَجِبُ النَّسْخُ أيْضًا عَلى هَذا القَوْلِ، فَأمّا إنْ حُمِلَ الكَلامُ عَلى صِغارِ المَمالِيكِ فالقَوْلُ فِيهِ أبْيَنُ.
المسألة السّادِسَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَصِرْ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِئْذانِ مَنسُوخٌ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ثَلاثُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَرَكَهُنَّ النّاسُ ولا أرى أحَدًا يَعْمَلُ بِهِنَّ، قالَ عَطاءٌ حَفِظْتُ اثْنَتَيْنِ ونَسِيتُ واحِدَةً، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحُجُراتِ: ١٣] وذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ الآيَةَ الثّالِثَةَ قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾ [النِّساءِ: ٨] الآيَةَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أتَقُولُونَ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ﴾ أنَّهُ يَقْتَضِي الإباحَةَ عَلى كُلِّ حالٍ ؟ الجَوابُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ هو في الصِّغارِ خاصَّةً، فَمُباحٌ لَهُمُ الدُّخُولُ لِلْخِدْمَةِ بِغَيْرِ الإذْنِ في غَيْرِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، ومُباحٌ لَنا تَمْكِينُهم مِن ذَلِكَ والدُّخُولُ عَلَيْهِمْ أيْضًا.
السُّؤالُ الثّانِي: فَهَلْ يَقْتَضِي ذَلِكَ إباحَةُ كَشْفِ العَوْرَةِ لَهم ؟ الجَوابُ: لا، وإنَّما أباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَتِ العادَةُ أنْ لا تُكْشَفَ العَوْرَةُ في غَيْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ، فَمَتى كَشَفَتِ المَرْأةُ عَوْرَتَها مَعَ ظَنِّ دُخُولِ الخَدَمِ إلَيْها فَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْها، فَإنْ كانَ الخادِمُ مِمَّنْ يَتَناوَلُهُ التَّكْلِيفُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ أيْضًا إذا ظَنَّ أنَّ هُناكَ كَشْفَ عَوْرَةٍ، فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ مِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ لِلْبالِغِ مِنَ المَمالِيكِ أنْ يَنْظُرَ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ ؟ قُلْنا مَن جَوَّزَ ذَلِكَ أخْرَجَ الشَّعْرَ مِن أنْ يَكُونَ عَوْرَةً لِحَقِّ المِلْكِ، كَما يَخْرُجُ مِن أنْ يَكُونَ عَوْرَةً لِحَقِّ الرَّحِمِ، إذِ العَوْرَةُ تَنْقَسِمُ فَفِيهِ ما يَكُونُ عَوْرَةً عَلى كُلِّ حالٍ. وفِيهِ ما يَخْتَلِفُ حالُهُ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ عَوْرَةً مَعَ الأجْنَبِيِّ غَيْرَ عَوْرَةٍ مَعَ غَيْرِهِ، عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أتَقُولُونَ هَذِهِ الإباحَةُ مَقْصُورَةٌ عَلى الخَدَمِ دُونَ غَيْرِهِمْ ؟ الجَوابُ: نَعَمْ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ يَخْتَصُّ بِالصِّغارِ دُونَ البالِغِينَ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى ذَلِكَ مِن بَعْدُ فَقالَ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمُرادُ مَن تَجَدَّدَ مِنهُ البُلُوغُ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ مَن تَقَدَّمَ بُلُوغُهُ في وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ مَن خَدَمَ في حالِ الصِّغَرِ، فَإذا بَلَغَ يَجُوزُ لَهُ أنْ لا يَسْتَأْذِنَ ويُفارِقُ حالُهُ حالَ مَن لَمْ يَخْدِمْ ولَمْ يُمَلَّكْ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَما حَظَرَ عَلى البالِغِينَ الدُّخُولَ إلّا بِالِاسْتِئْذانِ، فَكَذَلِكَ عَلى هَؤُلاءِ إذا بَلَغُوا وإنْ تَقَدَّمَتْ لَهم خِدْمَةٌ أوْ ثَبَتَ فِيهِمْ مِلْكٌ لَهُنَّ.
* * *
السُّؤالُ الرّابِعُ: الأمْرُ بِالِاسْتِئْذانِ هَلْ هو مُخْتَصٌّ بِالمَمْلُوكِ ومَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ أوْ يَتَناوَلُ الكُلَّ مِن ذَوِي الرَّحِمِ ؟ والأجْنَبِيُّ أيْضًا لَوْ كانَ المَمْلُوكُ مِن ذَوِي الرَّحِمِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِئْذانُ ؟ الجَوابُ: أمّا الصُّورَةُ الأُولى فَنَعَمْ، إمّا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أوْ بِالقِياسِ عَلى المَمْلُوكِ، ومَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ بِطَرِيقِ الأوْلى، وأمّا الصُّورَةُ الثّانِيَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِئْذانُ لِعُمُومِ الآيَةِ.
* * *
السُّؤالُ الخامِسُ: ما مَحَلُّ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ ؟ الجَوابُ: إذا رُفِعَتْ ”ثَلاثُ عَوْراتٍ“ كانَ ذَلِكَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الوَصْفِ، والمَعْنى هُنَّ ثَلاثُ عَوْراتٍ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ، وإذا نُصِبَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحَلٌّ، وكانَ كَلامًا
صفحة ٣٠
مُقَرَّرًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأحْوالِ خاصَّةً.
* * *
السُّؤالُ السّادِسُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِكَ في الكَلامِ: إنَّما هم خَدَمُكم وطَوّافُونَ عَلَيْكم، والطَّوّافُونَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الدُّخُولَ والخُرُوجَ والتَّرَدُّدَ، وأصْلُهُ مِنَ الطَّوافِ، والمَعْنى يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِغَيْرِ إذْنٍ.
السُّؤالُ السّابِعُ: بِمَ ارْتَفَعَ ”بَعْضُكُمْ“ ؟ الجَوابُ: بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”عَلى بَعْضٍ“ عَلى مَعْنى طائِفٌ عَلى بَعْضٍ، وإنَّما حُذِفَ لِأنَّ ”طَوّافُونَ“ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
النور 24:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المسألة الأُولى: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الرِّجالَ فالمُرادُ بِهِ الرِّجالُ والنِّساءُ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ يُغَلَّبُ عَلى التَّأْنِيثِ، فَإذا لَمْ يُمَيَّزْ فَيَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ الكُلُّ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ يُقالُ في الرِّجالِ والنِّساءِ، والأوْلى عِنْدِي أنَّ الحُكْمَ ثابِتٌ في النِّساءِ بِقِياسٍ جَلِيٍّ، وذَلِكَ لِأنَّ النِّساءَ في بابِ حِفْظِ العَوْرَةِ أشَدُّ حالًا مِنَ الرِّجالِ، فَهَذا الحُكْمُ لَمّا ثَبَتَ في الرِّجالِ فَثُبُوتُهُ في النِّساءِ بِطَرِيقِ الأوْلى، كَما أنّا نُثْبِتُ حُرْمَةَ الضَّرْبِ بِالقِياسِ الجَلِيِّ عَلى حُرْمَةِ التَّأْفِيفِ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ البالِغُونَ والصِّغارُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ المُرادَ الصِّغارُ، واحْتَجُّوا بِأنَّ الكَبِيرَ مِنَ المَمالِيكِ لَيْسَ لَهُ أنْ يَنْظُرَ مِنَ المالِكِ إلّا إلى ما يَجُوزُ لِحُرٍّ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لا يَغُرَّنَّكم قَوْلُهُ: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ لا يَنْبَغِي لِلْمَرْأةِ أنْ يَنْظُرَ عَبْدُها إلى قُرْطِها وشَعْرِها وشَيْءٍ مِن مَحاسِنِها، وقالَ الآخَرُونَ: بَلِ البالِغُ مِنَ المَمالِيكِ لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَعْرِ مالِكَتِهِ وما شاكَلَهُ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ عَبِيدِ المُؤْمِنِينَ والأطْفالِ مِنَ الأحْرارِ بِإباحَةِ ما حَظَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَبْلُ عَلى جَماعَةِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٢٧] فَإنَّهُ أباحَ لَهم إلّا في الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وجَوَّزَ دُخُولَهم مَعَ مَن لَمْ يَبْلُغْ بِغَيْرِ إذْنٍ، ودُخُولَ المَوالِي عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ فِيما عَدا الأوْقاتَ الثَّلاثَةَ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ أوْجَبَ عَلى مَن بَلَغَ الحُلُمَ الجَرْيَ عَلى سُنَّةِ مَن قَبْلَهم مِنَ البالِغِينَ في الِاسْتِئْذانِ في سائِرِ الأوْقاتِ وألْحَقَهم بِمَن دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ .
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ العَبِيدُ والإماءُ إذا كانُوا بالِغِينَ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم في الحَقِيقَةِ، وإنْ أُرِيدَ ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لَنا بِأنْ نَأْمُرَهم بِذَلِكَ ونَبْعَثَهم عَلَيْهِمْ كَما أمَرْنا بِأمْرِ الصَّبِيِّ، وقَدْ عَقَلَ الصَّلاةَ أنْ يَفْعَلَها لا عَلى وجْهِ التَّكْلِيفِ لَهم، لَكِنَّهُ تَكْلِيفٌ لَنا لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ لَنا ولَهم بَعْدَ البُلُوغِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ الأمْرِ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِمْ إلّا أنَّهُ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ مُتَوَجِّهًا عَلى المَوْلى كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: لِيَخَفْكَ أهْلُكَ
صفحة ٢٦
ووَلَدُكَ، فَظاهِرُ الأمْرِ لَهم وحَقِيقَةُ الأمْرِ لَهُ بِفِعْلِ ما يَخافُونَ عِنْدَهُ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ إلى عُمَرَ لِيَدْعُوهُ فَوَجَدَهُ نائِمًا في البَيْتِ، فَدَفَعَ البابَ وسَلَّمَ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ عُمَرُ، فَعادَ ورَدَّ البابَ وقامَ مِن خَلْفِهِ، وحَرَّكَهُ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ، فَقالَ الغُلامُ: اللَّهُمَّ أيْقِظْهُ لِي ودَفَعَ البابَ ثُمَّ ناداهُ فاسْتَيْقَظَ وجَلَسَ ودَخَلَ الغُلامُ، فانْكَشَفَ مِن عُمَرَ شَيْءٌ وعَرَفَ عُمَرُ أنَّ الغُلامَ رَأى ذَلِكَ مِنهُ، فَقالَ ودِدْتُ أنَّ اللَّهَ نَهى أبْناءَنا ونِساءَنا وخَدَمَنا أنْ يَدْخُلُوا عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما ذاكَ يا عُمَرُ ؟ فَأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ الغُلامُ، فَتَعَجَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن صُنْعِهِ وتَعَرَّفَ اسْمَهُ ومَدَحَهُ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الحَلِيمَ الحَيِيَّ العَفِيفَ المُتَعَفِّفَ، ويُبْغِضُ البَذِيءَ الجَرِيءَ السّائِلَ المُلْحِفَ» . فَهَذِهِ الآيَةُ إحْدى الآياتِ المُنَزَّلَةِ بِسَبَبِ عُمَرَ. وقالَ بَعْضُهم: نَزَلَتْ في أسْماءَ بِنْتِ أبِي مَرْثَدٍ، قالَتْ: إنّا لَنَدْخُلُ عَلى الرَّجُلِ والمَرْأةِ ولَعَلَّهُما يَكُونانِ في لِحافٍ واحِدٍ، وقِيلَ: «دَخَلَ عَلَيْها غُلامٌ لَها كَبِيرٌ في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ فِيهِ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ خَدَمَنا وغِلْمانَنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا في حالٍ نَكْرَهُها فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
المسألة الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ قَوْلُهُ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ عَنى بِهِ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ صِيغَةُ الذُّكُورِ لا صِيغَةُ الإناثِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي في الرِّجالِ والنِّساءِ يَسْتَأْذِنُونَ عَلى كُلِّ حالٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ يَجِبُ إثْباتُ هَذا الحُكْمِ في النِّساءِ، لِأنَّ الإنْسانَ كَما يَكْرَهُ اطِّلاعَ الذُّكُورِ عَلى أحْوالِهِ فَقَدْ يَكْرَهُ أيْضًا اطِّلاعَ النِّساءِ عَلَيْها، ولَكِنَّ الحُكْمَ يَثْبُتُ في النِّساءِ بِالقِياسِ لا بِظاهِرِ اللَّفْظِ عَلى ما قَدَّمْناهُ.
المسألة السّادِسَةُ: مِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ عَلى النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ عَلى الإيجابِ وهَذا أوْلى، لِما ثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ”الحُلْمَ“ بِالسُّكُونِ.
المسألة الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ الِاحْتِلامَ بُلُوغٌ. واخْتَلَفُوا إذا بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ولَمْ يَحْتَلِمْ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَكُونُ الغُلامُ بالِغًا حَتّى يَبْلُغَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ويَسْتَكْمِلَها، وفي الجارِيَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ في الغُلامِ والجارِيَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن جَعَلَ حَدَّ البُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ إذا لَمْ يَحْتَلِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن بَلَغَها وبَيْنَ مَن قَصَرَ عَنْها بَعْدَ أنْ لا يَكُونَ قَدْ بَلَغَ الحُلُمَ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ: ”«رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنِ النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتّى يُفِيقَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ» “ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وبَيْنَ مَن لَمْ يَبْلُغْها، فَإنْ قِيلَ: فَهَذا الكَلامُ يُبْطِلُ التَّقْدِيرَ أيْضًا بِثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً. أجابَ بِأنّا قَدْ عَلِمْنا بِأنَّ العادَةَ في البُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ ما كانَ مَبْنِيًّا عَلى طَرِيقِ العاداتِ فَقَدْ تَجُوزُ الزِّيادَةُ فِيهِ والنُّقْصانُ مِنهُ، وقَدْ وجَدْنا مَن بَلَغَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الزِّيادَةَ عَلى المُعْتادِ جائِزَةٌ كالنُّقْصانِ مِنهُ، فَجَعَلَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الزِّيادَةَ كالنُّقْصانِ، وهي ثَلاثُ سِنِينَ، وقَدْ
صفحة ٢٧
حُكِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً لِلْغُلامِ، وهو مَحْمُولٌ عَلى اسْتِكْمالِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً والدُّخُولِ في التّاسِعَةَ عَشْرَةَ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ما رَوى «ابْنُ عُمَرَ أنَّهُ عُرِضَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ولَهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ، وعُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ ولَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأجازَهُ»، اعْتَرَضَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلَيْهِ فَقالَ: هَذا الخَبَرُ مُضْطَرِبٌ لِأنَّ أُحُدًا كانَ في سَنَةِ ثَلاثٍ والخَنْدَقَ في سَنَةِ خَمْسٍ فَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُما سَنَةٌ ؟ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الإجازَةَ في القِتالِ لا تَعَلُّقَ لَها بِالبُلُوغِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَرُدُّ البالِغَ لِضَعْفِهِ، ويُؤْذِنُ غَيْرَ البالِغِ لِقُوَّتِهِ ولِطاقَتِهِ حَمْلَ السِّلاحِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما سَألَهُ عَنِ الِاحْتِلامِ والسِّنِّ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في الإنْباتِ هَلْ يَكُونُ بُلُوغًا، فَأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ ما جَعَلُوهُ بُلُوغًا، والشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَعَلَهُ بُلُوغًا، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ يَنْفِي أنْ يَكُونَ الإنْباتُ بُلُوغًا إذا لَمْ يَحْتَلِمْ كَما نَفى كَوْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بُلُوغًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «وعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ»
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ما «رَوى عَطِيَّةُ القُرَظِيُّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ مَن أنْبَتَ مِن قُرَيْظَةَ واسْتِحْياءِ مَن لَمْ يُنْبِتْ، قالَ: فَنَظَرُوا إلَيَّ فَلَمْ أكُنْ قَدْ أنْبَتُّ فاسْتَبَقانِي» .
قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: هَذا الحَدِيثُ لا يَجُوزُ إثْباتُ الشَّرْعِ بِهِ وبِمِثْلِهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ عَطِيَّةَ هَذا مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ إلّا مِن هَذا الخَبَرِ لا سِيَّما مَعَ اعْتِراضِهِ عَلى الآيَةِ، والخَبَرُ في نَفْيِ البُلُوغِ إلّا بِالِاحْتِلامِ.
وثانِيها: أنَّهُ مُخْتَلِفُ الألْفاظِ، فَفي بَعْضِها أنَّهُ أمَرَ بِقَتْلِ مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المُوسى، وفي بَعْضِها مَنِ اخْضَرَّ عِذارُهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَبْلُغُ هَذِهِ الحالَ إلّا وقَدْ تَقَدَّمَ بُلُوغُهُ ولا يَكُونُ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهِ المُوسى إلّا وهو رَجُلٌ كَبِيرٌ، فَجَعْلُ الإنْباتِ وجَرْيِ المُوسى عَلَيْهِ كِنايَةٌ عَنْ بُلُوغِ القَدْرِ الَّذِي ذَكَرْنا مِنَ السِّنِّ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأكْثَرَ.
وثالِثُها: أنَّ الإنْباتَ يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ فالأمْرُ بِالقَتْلِ لِذاكَ لا لِلْبُلُوغِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ مَرْدُودَةٌ بِما رُوِيَ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُئِلَ عَنْ غُلامٍ، فَقالَ: هَلِ اخْضَرَّ عِذارُهُ ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ كالأمْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: ويُرْوى عَنْ قَوْمٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُمُ اعْتَبَرُوا في البُلُوغِ أنْ يَبْلُغَ الإنْسانُ في طُولِهِ خَمْسَةَ أشْبارٍ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: إذا بَلَغَ الغُلامُ خَمْسَةَ أشْبارٍ فَقَدْ وقَعَتْ عَلَيْهِ الحُدُودُ ويُقْتَصُّ لَهُ ويُقْتَصُّ مِنهُ، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُتِيَ أبُو بَكْرٍ بِغُلامٍ قَدْ سَرَقَ فَأمَرَ بِهِ فَشُبِرَ فَنَقَصَ أُنْمُلَةً فَخَلّى عَنْهُ، وهَذا المَذْهَبُ أخَذَ بِهِ الفَرَزْدَقُ في قَوْلِهِ:
ما زالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ وسَما فَأدْرَكَ خَمْسَةَ الأشْبارِ
وأكْثَرُ الفُقَهاءِ لا يَقُولُونَ بِهَذا المَذْهَبِ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ دُونَ البُلُوغِ ويَكُونُ طَوِيلًا، وفَوْقَ البُلُوغِ ويَكُونُ قَصِيرًا فَلا عِبْرَةَ بِهِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ، وقَدْ عَقَلَ يُؤْمَرُ بِفِعْلِ الشَّرائِعِ ويُنْهى عَنِ ارْتِكابِ القَبائِحِ، فَإنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالِاسْتِئْذانِ في هَذِهِ الأوْقاتِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مُرُوهم بِالصَّلاةِ وهم أبْناءُ سَبْعٍ واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرٍ»، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نُعَلِّمُ الصَّبِيَّ الصَّلاةَ إذا عَرَفَ يَمِينَهُ مِن شِمالِهِ، وعَنْ زَيْنِ العابِدِينَ أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ الصِّبْيانَ أنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا، والمَغْرِبَ والعِشاءَ جَمِيعًا، فَقِيلَ لَهُ: يُصَلُّونَ الصَّلاةَ لِغَيْرِ وقْتِها! فَقالَ: هَذا خَيْرٌ مِن أنْ يَتَناهَوْا عَنْها، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا بَلَغَ الصَّبِيُّ عَشْرَ سِنِينَ كُتِبَتْ لَهُ الحَسَناتُ ولا تُكْتَبُ عَلَيْهِ السَّيِّئاتُ حَتّى يَحْتَلِمَ، ثم قال أبُو بَكْرٍ
صفحة ٢٨
الرّازِيُّ: إنَّما يُؤْمَرُ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّعْلِيمِ، ولِيَعْتادَهُ ويَتَمَرَّنَ عَلَيْهِ، فَيَكُونَ أسْهَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ، وأقَلَّ نُفُورًا مِنهُ، وكَذَلِكَ يُجَنَّبُ شُرْبَ الخَمْرِ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ، ويُنْهى عَنْ سائِرِ المَحْظُوراتِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْنَعْ مِنهُ في الصِّغَرِ لَصَعُبَ عَلَيْهِ الِامْتِناعُ بَعْدَ الكِبَرِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] قِيلَ في التَّفْسِيرِ: أدِّبُوهم وعَلِّمُوهم.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ في الحِلْمِ حَلَمَ الرَّجُلُ بِفَتْحِ اللّامِ، يَحْلُمُ حِلْمًا بِضَمِّ اللّامِ، ومِنَ الحُلُمِ حَلُمَ بِضَمِّ اللّامِ، يَحْلِمُ حِلْمًا بِكَسْرِ اللّامِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ يَعْنِي ثَلاثَ أوْقاتٍ، لِأنَّهُ تَعالى فَسَّرَهُنَّ بِالأوْقاتِ، وإنَّما قِيلَ ثَلاثَ مَرّاتٍ لِلْأوْقاتِ لِأنَّهُ أرادَ مَرَّةً في كُلِّ وقْتٍ مِن هَذِهِ الأوْقاتِ، لِأنَّهُ يَكْفِيهِمْ أنْ يَسْتَأْذِنُوا في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأوْقاتِ مَرَّةً واحِدَةً، ثُمَّ بَيَّنَ الأوْقاتَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾، يَعْنِي الغالِبُ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُتَجَرِّدًا عَنِ الثِّيابِ مَكْشُوفَ العَوْرَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ: ”ثَلاثَ“ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ وكَأنَّهُ قالَ: في أوْقاتِ ثَلاثِ عَوْراتٍ لَكم، فَلَمّا حَذَفَ المُضافَ أعْرَبَ المُضافَ إلَيْهِ بِإعْرابِهِ. وقِراءَةُ الباقِينَ بِالرَّفْعِ، أيْ: هي ثَلاثُ عَوْراتٍ، فارْتَفَعَ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، قالَ القَفّالُ: فَكَأنَّهُ المَعْنى ثَلاثَ انْكِشافاتٍ، والمُرادُ وقْتَ الِانْكِشافِ.
المسألة الثّالِثَةُ: العَوْرَةُ الخَلَلُ ومِنهُ اعْوَرَّ الفارِسُ واعَوَرَّ المَكانُ، والأعْوَرُ المُخْتَلُّ العَيْنِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأحْوالِ عَوْرَةً، لِأنَّ النّاسَ يَخْتَلُّ حِفْظُهم وتَسَتُّرُهم فِيها.
المسألة الرّابِعَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الواجِبَ اعْتِبارُ العِلَلِ في الأحْكامِ إذا أمْكَنَ، لِأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى العِلَّةِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ .
والثّانِي: بِالتَّنْبِيهِ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ وبَيْنَ ما عَداها بِأنَّهُ لَيْسَ ذاكَ إلّا لِعِلَّةِ التَّكَشُّفِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وأنَّهُ لا يُؤْمَنُ وُقُوعُ التَّكَشُّفِ فِيها، ولَيْسَ كَذَلِكَ ما عَدا هَذِهِ الأوْقاتَ.
* * *
المسألة الخامِسَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النُّورِ: ٢٧] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِئْذانَ واجِبٌ في كُلِّ حالٍ، وصارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا بِهَذِهِ الآيَةِ في غَيْرِ هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الآيَةُ الأُولى أُرِيدَ بِها المُكَلَّفُ لِأنَّهُ خِطابٌ لِمَن آمَنَ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ فَهو فِيمَن لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، فَقِيلَ فِيهِ: إنَّ في بَعْضِ الأحْوالِ لا يَدْخُلُ إلّا بِإذْنٍ، وفي بَعْضِها بِغَيْرِ إذْنٍ. فَلا وجْهَ لِحَمْلِ ذَلِكَ عَلى النَّسْخِ، لِأنَّ ما تَناوَلَتْهُ الآيَةُ الأُولى مِنَ المُخاطَبِينَ لَمْ تَتَناوَلْهُ الآيَةُ الثّانِيَةُ أصْلًا، فَإنْ قِيلَ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ مَن قَدْ بَلَغَ فالنَّسْخُ لازِمٌ، قُلْنا: لا يَجِبُ ذَلِكَ أيْضًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ لا
صفحة ٢٩
يَدْخُلُ إلّا مَن يَمْلِكُ البُيُوتَ لِحَقِّ هَذِهِ الإضافَةِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ العَبِيدِ والإماءِ، فَلا يَجِبُ النَّسْخُ أيْضًا عَلى هَذا القَوْلِ، فَأمّا إنْ حُمِلَ الكَلامُ عَلى صِغارِ المَمالِيكِ فالقَوْلُ فِيهِ أبْيَنُ.
المسألة السّادِسَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَصِرْ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِئْذانِ مَنسُوخٌ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ثَلاثُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَرَكَهُنَّ النّاسُ ولا أرى أحَدًا يَعْمَلُ بِهِنَّ، قالَ عَطاءٌ حَفِظْتُ اثْنَتَيْنِ ونَسِيتُ واحِدَةً، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحُجُراتِ: ١٣] وذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ الآيَةَ الثّالِثَةَ قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾ [النِّساءِ: ٨] الآيَةَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أتَقُولُونَ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ﴾ أنَّهُ يَقْتَضِي الإباحَةَ عَلى كُلِّ حالٍ ؟ الجَوابُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ هو في الصِّغارِ خاصَّةً، فَمُباحٌ لَهُمُ الدُّخُولُ لِلْخِدْمَةِ بِغَيْرِ الإذْنِ في غَيْرِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، ومُباحٌ لَنا تَمْكِينُهم مِن ذَلِكَ والدُّخُولُ عَلَيْهِمْ أيْضًا.
السُّؤالُ الثّانِي: فَهَلْ يَقْتَضِي ذَلِكَ إباحَةُ كَشْفِ العَوْرَةِ لَهم ؟ الجَوابُ: لا، وإنَّما أباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَتِ العادَةُ أنْ لا تُكْشَفَ العَوْرَةُ في غَيْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ، فَمَتى كَشَفَتِ المَرْأةُ عَوْرَتَها مَعَ ظَنِّ دُخُولِ الخَدَمِ إلَيْها فَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْها، فَإنْ كانَ الخادِمُ مِمَّنْ يَتَناوَلُهُ التَّكْلِيفُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ أيْضًا إذا ظَنَّ أنَّ هُناكَ كَشْفَ عَوْرَةٍ، فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ مِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ لِلْبالِغِ مِنَ المَمالِيكِ أنْ يَنْظُرَ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ ؟ قُلْنا مَن جَوَّزَ ذَلِكَ أخْرَجَ الشَّعْرَ مِن أنْ يَكُونَ عَوْرَةً لِحَقِّ المِلْكِ، كَما يَخْرُجُ مِن أنْ يَكُونَ عَوْرَةً لِحَقِّ الرَّحِمِ، إذِ العَوْرَةُ تَنْقَسِمُ فَفِيهِ ما يَكُونُ عَوْرَةً عَلى كُلِّ حالٍ. وفِيهِ ما يَخْتَلِفُ حالُهُ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ عَوْرَةً مَعَ الأجْنَبِيِّ غَيْرَ عَوْرَةٍ مَعَ غَيْرِهِ، عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أتَقُولُونَ هَذِهِ الإباحَةُ مَقْصُورَةٌ عَلى الخَدَمِ دُونَ غَيْرِهِمْ ؟ الجَوابُ: نَعَمْ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ يَخْتَصُّ بِالصِّغارِ دُونَ البالِغِينَ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى ذَلِكَ مِن بَعْدُ فَقالَ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمُرادُ مَن تَجَدَّدَ مِنهُ البُلُوغُ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ مَن تَقَدَّمَ بُلُوغُهُ في وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ مَن خَدَمَ في حالِ الصِّغَرِ، فَإذا بَلَغَ يَجُوزُ لَهُ أنْ لا يَسْتَأْذِنَ ويُفارِقُ حالُهُ حالَ مَن لَمْ يَخْدِمْ ولَمْ يُمَلَّكْ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَما حَظَرَ عَلى البالِغِينَ الدُّخُولَ إلّا بِالِاسْتِئْذانِ، فَكَذَلِكَ عَلى هَؤُلاءِ إذا بَلَغُوا وإنْ تَقَدَّمَتْ لَهم خِدْمَةٌ أوْ ثَبَتَ فِيهِمْ مِلْكٌ لَهُنَّ.
* * *
السُّؤالُ الرّابِعُ: الأمْرُ بِالِاسْتِئْذانِ هَلْ هو مُخْتَصٌّ بِالمَمْلُوكِ ومَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ أوْ يَتَناوَلُ الكُلَّ مِن ذَوِي الرَّحِمِ ؟ والأجْنَبِيُّ أيْضًا لَوْ كانَ المَمْلُوكُ مِن ذَوِي الرَّحِمِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِئْذانُ ؟ الجَوابُ: أمّا الصُّورَةُ الأُولى فَنَعَمْ، إمّا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أوْ بِالقِياسِ عَلى المَمْلُوكِ، ومَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ بِطَرِيقِ الأوْلى، وأمّا الصُّورَةُ الثّانِيَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِئْذانُ لِعُمُومِ الآيَةِ.
* * *
السُّؤالُ الخامِسُ: ما مَحَلُّ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ ؟ الجَوابُ: إذا رُفِعَتْ ”ثَلاثُ عَوْراتٍ“ كانَ ذَلِكَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الوَصْفِ، والمَعْنى هُنَّ ثَلاثُ عَوْراتٍ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ، وإذا نُصِبَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحَلٌّ، وكانَ كَلامًا
صفحة ٣٠
مُقَرَّرًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأحْوالِ خاصَّةً.
* * *
السُّؤالُ السّادِسُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ ؟ الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِكَ في الكَلامِ: إنَّما هم خَدَمُكم وطَوّافُونَ عَلَيْكم، والطَّوّافُونَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الدُّخُولَ والخُرُوجَ والتَّرَدُّدَ، وأصْلُهُ مِنَ الطَّوافِ، والمَعْنى يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِغَيْرِ إذْنٍ.
السُّؤالُ السّابِعُ: بِمَ ارْتَفَعَ ”بَعْضُكُمْ“ ؟ الجَوابُ: بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”عَلى بَعْضٍ“ عَلى مَعْنى طائِفٌ عَلى بَعْضٍ، وإنَّما حُذِفَ لِأنَّ ”طَوّافُونَ“ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
النور 24:60
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: امْرَأةٌ قاعِدٌ إذا قَعَدَتْ عَنِ الحَيْضِ والجَمْعُ قَواعِدُ، وإذا أرَدْتَ القُعُودَ قُلْتَ قاعِدَةٌ، وقالَ المُفَسِّرُونَ: القَواعِدُ هُنَّ اللَّواتِي قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والوَلَدِ مِنَ الكِبَرِ ولا مَطْمَعَ لَهُنَّ في الأزْواجِ، والأوْلى أنْ لا يُعْتَبَرَ قُعُودُهُنَّ عَنِ الحَيْضِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَنْقَطِعُ والرَّغْبَةُ فِيهِنَّ باقِيَةٌ، فالمُرادُ قُعُودُهُنَّ عَنْ حالِ الزَّوْجِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا إذا بَلَغْنَ في السِّنِّ بِحَيْثُ لا يَرْغَبُ فِيهِنَّ الرِّجالُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى في النِّساءِ: ﴿لا يَرْجُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] .
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: لا شُبْهَةَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَأْذَنْ في أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ أجْمَعَ لِما فِيهِ مِن كَشْفِ كُلِّ عَوْرَةٍ، فَلِذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِالثِّيابِ هَهُنا الجِلْبابُ والبُرُدُ والقِناعُ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ قَرَأ ”أنْ يَضَعْنَ جَلابِيبَهُنَّ“، وعَنِ السُّدِّيِّ عَنْ شُيُوخِهِ ”أنْ يَضَعْنَ خُمُرَهُنَّ عَلى رُءُوسِهِنَّ“، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَرَأ ”أنْ يَضَعْنَ مِن ثِيابِهِنَّ“، وإنَّما خَصَّهُنَّ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لِأنَّ التُّهْمَةَ مُرْتَفِعَةٌ عَنْهُنَّ، وقَدْ بَلَغْنَ هَذا المَبْلَغَ فَلَوْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِنَّ خِلافُ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُنَّ وضْعُ الثِّيابِ. ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ أفْضَلَ مِن حَيْثُ هو أبْعَدُ مِنَ المَظِنَّةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ عِنْدَ المَظِنَّةِ يَلْزَمُهُنَّ أنْ لا يَضَعْنَ ذَلِكَ كَما يَلْزَمُ مِثْلُهُ في الشّابَّةِ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: حَقِيقَةُ التَّبَرُّجِ تَكَلُّفُ إظْهارِ ما يَجِبُ إخْفاؤُهُ مِن قَوْلِهِمْ سَفِينَةٌ بارِجٌ لا غِطاءَ عَلَيْها، والتَّبَرُّجُ سِعَةُ العَيْنِ الَّتِي يُرى بَياضُها مُحِيطًا بِسَوادِها كُلِّهِ، لا يَغِيبُ مِنهُ شَيْءٌ، إلّا أنَّهُ اخْتَصَّ بِأنْ تَنْكَشِفَ المَرْأةُ لِلرِّجالِ بِإبْداءِ زِينَتِها وإظْهارِ مَحاسِنِها.
النور 24:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن رَفْعِ الحَرَجِ عَنِ الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِمْ ولا إثْمَ في تَرْكِ الجِهادِ، وقالَ الحَسَنُ نَزَلَتِ الآيَةُ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وضَعَ اللَّهُ الجِهادَ عَنْهُ وكانَ أعْمى، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَأْكُلُوا﴾ فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما رُفِعَ الحَرَجُ في ذَلِكَ، وقالَ الأكْثَرُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَحْظَرُونَ الأكْلَ مَعَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ وفي هَذِهِ المَنازِلِ، فاللَّهُ تَعالى رَفَعَ ذَلِكَ الحَظْرَ وأزالَهُ، واخْتَلَفُوا في أنَّهم لِأيِّ سَبَبٍ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ الحَظْرَ، أمّا في حَقِّ الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَأْكُلُونَ مَعَ الأعْمى لِأنَّهُ لا يُبْصِرُ الطَّعامَ الجَيِّدَ فَلا يَأْخُذُهُ، ولا مَعَ الأعْرَجِ لِأنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الجُلُوسِ، فَإلى أنْ يَأْكُلَ لُقْمَةً يَأْكُلُ غَيْرُهُ لُقْمَتَيْنِ، وكَذا المَرِيضُ لِأنَّهُ لا يَتَأتّى لَهُ أنْ يَأْكُلَ كَما يَأْكُلُ الصَّحِيحُ، قالَ الفَرّاءُ: فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَكُونُ ”عَلى“ بِمَعْنى ”فِي“ يَعْنِي لَيْسَ عَلَيْكم في مُواكَلَةٍ هَؤُلاءِ حَرَجٌ.
وثانِيها: أنَّ العُمْيانَ والعُرْجانَ والمَرْضى تَرَكُوا مُواكَلَةَ الأصِحّاءِ، أمّا الأعْمى فَقالَ: إنِّي لا أرى شَيْئًا فَرُبَّما آخُذُ الأجْوَدَ وأتْرُكُ الأرْدَأ، وأمّا الأعْرَجُ والمَرِيضُ فَخافا أنْ يُفْسِدا الطَّعامَ عَلى الأصِحّاءِ لِأُمُورٍ تَعْتَرِي المَرْضى، ولِأجْلِ أنَّ الأصِحّاءَ يَتَكَرَّهُونَ مِنهم، ولِأجْلِ أنَّ المَرِيضَ رُبَّما حَمَلَهُ الشَّرَهُ عَلى أنْ يَتَعَلَّقَ نَظَرُهُ وقَلْبُهُ بِلُقْمَةِ الغَيْرِ، وذَلِكَ مِمّا يَكْرَهُهُ ذَلِكَ الغَيْرُ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ احْتَرَزُوا عَنْ مُواكَلَةِ الأصِحّاءِ، فاللَّهُ تَعالى أطْلَقَ لَهم في ذَلِكَ.
وثالِثُها: رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا غَزَوْا خَلَّفُوا زَمْناهم وكانُوا يُسَلِّمُونَ إلَيْهِمْ مَفاتِيحَ أبْوابِهِمْ ويَقُولُونَ لَهم قَدْ أحْلَلْنا لَكم أنْ تَأْكُلُوا مِمّا في بُيُوتِنا، فَكانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ، قالُوا: لا نَدْخُلُها وهم غائِبُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رُخْصَةً لَهم، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ نَفْيُ الحَرَجِ عَنِ الزَّمْنى في أكْلِهِمْ مِن بَيْتِ مَن يَدْفَعُ إلَيْهِمُ المِفْتاحَ إذا خَرَجَ إلى الغَزْوِ.
ورابِعُها: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الحارِثِ بْنِ عَمْرٍو وذَلِكَ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غازِيًا، وخَلَّفَ ابْنَ مالِكِ بْنِ زَيْدٍ عَلى أهْلِهِ فَلَمّا رَجَعَ وجَدَهُ مَجْهُودًا، فَسَألَهُ عَنْ حالِهِ، فَقالَ: تَحَرَّجْتُ أنْ آكُلَ مِن طَعامِكَ بِغَيْرِ إذْنِكَ. وأمّا في حَقِّ سائِرِ النّاسِ فَذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَذْهَبُونَ بِالضُّعَفاءِ وذَوِي العاهاتِ إلى بُيُوتِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ وقَراباتِهِمْ وأصْدِقائِهِمْ فَيُطْعِمُونَهم مِنها، فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ [النِّساءِ: ٢٩] أيْ بَيْعًا فَعِنْدَ ذَلِكَ امْتَنَعَ النّاسُ أنْ يَأْكُلَ بَعْضُهم مِن طَعامِ بَعْضٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّانِي: قالَ قَتادَةُ: كانَتِ الأنْصارُ في أنْفُسِها قَزازَةٌ، وكانَتْ لا تَأْكُلُ مِن هَذِهِ البُيُوتِ إذا
صفحة ٣٢
اسْتَغْنَوْا، قالَ السُّدِّيُّ: كانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ بَيْتَ أبِيهِ أوْ بَيْتَ أخِيهِ أوْ أُخْتِهِ فَتُتْحِفُهُ المَرْأةُ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعامِ فَيَتَحَرَّجُ، لِأنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ رَبُّ البَيْتِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الرُّخْصَةَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الحَرَجُ في اللُّغَةِ الضِّيقُ، ومَعْناهُ في الدِّينِ الإثْمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أباحَ الأكْلَ لِلنّاسِ مِن هَذِهِ المَواضِعِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ إباحَةَ الأكْلِ لا تَتَوَقَّفُ عَلى الِاسْتِئْذانِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ فَنُقِلَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الأكْلَ مُباحٌ ولَكِنْ لا يَجْمُلُ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ أنْكَرُوا ذَلِكَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: كانَ ذَلِكَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنهُ» ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا النَّسْخِ قَوْلُهُ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحْزابِ: ٥٣] وكانَ في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ مَن لَهُنَّ الآباءُ والإخْوَةُ والأخَواتُ، فَعَمَّ بِالنَّهْيِ عَنْ دُخُولِ بُيُوتِهِنَّ إلّا بَعْدَ الإذْنِ في الدُّخُولِ وفي الأكْلِ، فَإنْ قِيلَ إنَّما أذِنَ تَعالى في هَذا لِأنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا يَمْنَعُونَ قَراباتِهِمْ هَؤُلاءِ مِن أنْ يَأْكُلُوا مِن بُيُوتِهِمْ حَضَرُوا أوْ غابُوا، فَجازَ أنْ يُرَخِّصَ في ذَلِكَ، قُلْنا: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَؤُلاءِ الأقارِبِ بِالذِّكْرِ مَعْنًى؛ لَأنَّ غَيْرَهم كَهم في ذَلِكَ.
الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُرادُ مِن هَؤُلاءِ الأقارِبِ إذا لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى نَهى مِن قَبْلُ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أباحَ في هَذِهِ الآيَةِ ما حَظَرَهُ هُناكَ، قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ في هَذِهِ السُّورَةِ أمْرٌ بِالتَّسْلِيمِ عَلى أهْلِ البُيُوتِ فَقالَ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ وفي بُيُوتِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، بَلْ أمَرَ أنْ يُسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ الإباحَةِ في الجُمْلَةِ، لا إثْباتُ الإباحَةِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا عَلِمَ بِالعادَةِ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ تَطِيبُ أنْفُسُهم بِأكْلِ مَن يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ والعادَةُ كالإذْنِ في ذَلِكَ، فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ العادَةَ في الأغْلَبِ تُوجَدُ فِيهِمْ، ولِذَلِكَ ضَمَّ إلَيْهِمُ الصَّدِيقَ، ولَمّا عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الإباحَةَ إنَّما حَصَلَتْ في هَذِهِ الصُّورَةِ لِأجْلِ حُصُولِ الرِّضا فِيها، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِالنَّسْخِ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا في هَذِهِ الآيَةِ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ أيُّ فائِدَةٍ في إباحَةِ أكْلِ الإنْسانِ طَعامَهُ في بَيْتِهِ ؟ وجَوابُهُ: المُرادُ في بُيُوتِ أزْواجِكم وعِيالِكم أضافَهُ إلَيْهِمْ، لِأنَّ بَيْتَ المَرْأةِ كَبَيْتِ الزَّوْجِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرادَ بُيُوتَ أوْلادِهِمْ فَنَسَبَ بُيُوتَ الأوْلادِ إلى الآباءِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ كَسْبُ والِدِهِ ومالُهُ كَمالِهِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ، وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ» والدَّلِيلُ عَلى هَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَدَّدَ الأقارِبَ ولَمْ يَذْكُرِ الأوْلادَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ هو القَرابَةُ كانَ الَّذِي هو أقْرَبُ مِنهم أوْلى.
وثانِيها: بُيُوتُ الآباءِ.
وثالِثُها: بُيُوتُ الأُمَّهاتِ.
ورابِعُها: بُيُوتُ الإخْوانِ.
وخامِسُها: بُيُوتُ الأخَواتِ.
وسادِسُها: بُيُوتُ الأعْمامِ.
وسابِعُها: بُيُوتُ العَمّاتِ.
وثامِنُها: بُيُوتُ الأخْوالِ.
وتاسِعُها: بُيُوتُ الخالاتِ.
وعاشِرُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ وقُرِئَ ”مِفْتاحَهُ“ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وكِيلُ الرَّجُلِ وقَيِّمُهُ في ضَيْعَتِهِ وماشِيَتِهِ، لا بَأْسَ عَلَيْهِ أنْ يَأْكُلَ مِن ثَمَرِ ضَيْعَتِهِ، ويَشْرَبَ مِن لَبَنِ ماشِيَتِهِ، ومِلْكُ المَفاتِحِ كَوْنُها في يَدِهِ وفي حِفْظِهِ.
الثّانِي: قالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ الزَّمْنى الَّذِينَ كانُوا يَحْرُسُونَ لِلْغُزاةِ.
الثّالِثُ: المُرادُ بُيُوتُ المَمالِيكِ لِأنَّ
صفحة ٣٣
مالَ العَبْدِ لِمَوْلاهُ، قالَ الفَضْلُ: المَفاتِحُ واحِدُها مَفْتَحٌ بِفَتْحِ المِيمِ، وواحِدُ المَفاتِيحِ مِفْتَحٌ بِالكَسْرِ.
الحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ والمَعْنى أوْ بُيُوتِ أصْدِقائِكم، والصَّدِيقُ يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا، وكَذَلِكَ الخَلِيطُ والقَطِينُ والعَدُّ، ويُحْكى عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ دَخَلَ دارَهُ وإذا حَلْقَةٌ مِن أصْدِقائِهِ وقَدْ أخْرَجُوا سِلالًا مِن تَحْتِ سَرِيرِهِ فِيها الخَبِيصُ وأطايِبُ الأطْعِمَةِ وهم مُكِبُّونَ عَلَيْها يَأْكُلُونَ، فَتَهَلَّلَتْ أسارِيرُ وجْهِهِ سُرُورًا وضَحِكَ وقالَ: هَكَذا وجَدْناهم يُرِيدُ كُبَراءَ الصَّحابَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الصَّدِيقُ أكْثَرُ مِنَ الوالِدَيْنِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَمّا اسْتَغاثُوا لَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ والأُمَّهاتِ بَلْ بِالأصْدِقاءِ، فَقالُوا: ما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ، وحُكِيَ أنَّ أخًا لِلرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ في اللَّهِ دَخَلَ مَنزِلَهُ في حالِ غَيْبَتِهِ فانْبَسَطَ إلى جارِيَتِهِ حَتّى قَدَّمَتْ إلَيْهِ ما أكَلَ، فَلَمّا عادَ أخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ، فَلِسُرُورِهِ بِذَلِكَ قالَ إنْ صَدَقْتِ فَأنْتِ حُرَّةٌ.
* * *
المسألة الخامِسَةُ: احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن سَرَقَ مِن ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ أنَّهُ لا يُقْطَعُ لِإباحَةِ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ الأكْلَ مِن بُيُوتِهِمْ ودُخُولِها بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلا يَكُونُ مالُهُ مُحْرَزًا مِنهم، فَإنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ أنْ لا يُقْطَعَ إذا سَرَقَ مِن مالِ صَدِيقِهِ، قُلْنا مَن أرادَ سَرِقَةَ مالِهِ لا يَكُونُ صَدِيقًا لَهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ فَقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في بَنِي لَيْثِ بْنِ عَمْرٍو وهم حَيٌّ مِن كِنانَةَ، كانَ الرَّجُلُ مِنهم لا يَأْكُلُ وحْدَهُ يَمْكُثُ يَوْمَهُ فَإنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُؤاكِلُهُ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا، ورُبَّما كانَتْ مَعَهُ الإبِلُ الحُفَّلُ فَلا يَشْرَبُ مِن ألْبانِها حَتّى يَجِدَ مَن يُشارِبُهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الرَّجُلَ إذا أكَلَ وحْدَهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ عِكْرِمَةُ وأبُو صالِحٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: كانَتِ الأنْصارُ إذا نَزَلَ بِواحِدٍ مِنهم ضَيْفٌ لَمْ يَأْكُلْ إلّا وضَيْفُهُ مَعَهُ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهم أنْ يَأْكُلُوا كَيْفَ شاءُوا مُجْتَمِعِينَ ومُتَفَرِّقِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا إذا اجْتَمَعُوا لِيَأْكُلُوا طَعامًا عَزَلُوا لِلْأعْمى طَعامًا عَلى حِدَةٍ، وكَذَلِكَ لِلزَّمِنِ والمَرِيضِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهم أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ، وقالَ آخَرُونَ: كانُوا يَأْكُلُونَ فُرادى خَوْفًا مِن أنْ يَحْصُلَ عِنْدَ الجَمْعِيَّةِ ما يُنَفِّرُ أوْ يُؤْذِي، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ وقَوْلُهُ: ﴿جَمِيعًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ ﴿أوْ أشْتاتًا﴾ جَمْعُ شَتٍّ، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ، وشَتّانَ تَثْنِيَةُ شَتٍّ، قالَهُ المُفَضَّلُ، وقِيلَ: الشَّتُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّفَرُّقِ، ثُمَّ يُوصَفُ بِهِ ويُجْمَعُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ أنْفُسَ المُسْلِمِينَ كالنَّفْسِ الواحِدَةِ عَلى مِثالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٩] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ فَعَلى نَفْسِهِ لِيَقُلِ: السَّلامُ عَلَيْنا مِن قِبَلِ رَبِّنا، وإذا دَخَلَ المَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلَيْنا مِن رَبِّنا. قالَ قَتادَةُ: وحُدِّثْنا أنَّ المَلائِكَةَ تَرُدُّ عَلَيْهِ. قالَ القَفّالُ: وإنْ كانَ في البَيْتِ أهْلُ الذِّمَّةِ فَلْيَقُلِ: السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، وقَوْلُهُ ﴿تَحِيَّةً﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: فَحَيُّوا تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ، أيْ مِمّا أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن قالَ السَّلامُ عَلَيْكم مَعْناهُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكم، وقَوْلُهُ: ﴿مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى البَرَكَةِ فِيهِ تَضْعِيفُ الثَّوابِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ السَّلامَ مُبارَكٌ ثابِتٌ لِما فِيهِ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ، وأنَّهُ إذا أطاعَ اللَّهَ فِيهِ أكْثَرَ خَيْرَهُ وأجْزَلَ أجْرَهُ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ يُفَصِّلُ اللَّهُ شَرائِعَهُ
صفحة ٣٤
لَكم ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ لِتَفْهَمُوا عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ورَوى حُمَيْدٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: " «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَما قالَ لِي في شَيْءٍ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلْتَهُ ولا قالَ لِي في شَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ، وكُنْتُ واقِفًا عَلى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ أصُبُّ الماءَ عَلى يَدَيْهِ فَرَفَعَ رَأسَهُ إلَيَّ وقالَ: ألا أُعَلِّمُكَ ثَلاثَ خِصالٍ تَنْتَفِعُ بِهِنَّ ؟ قُلْتُ: بِأبِي وأُمِّي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ بَلى، فَقالَ: مَن لَقِيتَ مِن أُمَّتِي فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَطُلْ عُمْرُكَ، وإذا دَخَلْتَ بَيْتًا فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْتِكَ، وصَلِّ صَلاةَ الضُّحى فَإنَّها صَلاةُ الأوّابِينَ» .