Tafsir Al-Razi — النور 24:62 – الفرقان 25:48
المحتويات
- النور 24:62
- النور 24:63
- النور 24:64
- الفرقان 25:1
- الفرقان 25:2
- الفرقان 25:3
- الفرقان 25:4
- الفرقان 25:5
- الفرقان 25:6
- الفرقان 25:7
- الفرقان 25:8
- الفرقان 25:9
- الفرقان 25:10
- الفرقان 25:11
- الفرقان 25:12
- الفرقان 25:13
- الفرقان 25:14
- الفرقان 25:15
- الفرقان 25:16
- الفرقان 25:17
- الفرقان 25:18
- الفرقان 25:19
- الفرقان 25:20
- الفرقان 25:21
- الفرقان 25:22
- الفرقان 25:23
- الفرقان 25:24
- الفرقان 25:25
- الفرقان 25:26
- الفرقان 25:27
- الفرقان 25:28
- الفرقان 25:29
- الفرقان 25:30
- الفرقان 25:31
- الفرقان 25:32
- الفرقان 25:33
- الفرقان 25:34
- الفرقان 25:35
- الفرقان 25:36
- الفرقان 25:37
- الفرقان 25:38
- الفرقان 25:39
- الفرقان 25:40
- الفرقان 25:41
- الفرقان 25:42
- الفرقان 25:43
- الفرقان 25:44
- الفرقان 25:45
- الفرقان 25:46
- الفرقان 25:47
- الفرقان 25:48
النور 24:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قُرِئَ ”عَلى أمْرٍ جَمِيعٍ“ ثُمَّ ذَكَرُوا في قَوْلِهِ ﴿عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الأمْرَ الجامِعَ هو الأمْرُ المُوجِبُ لِلِاجْتِماعِ عَلَيْهِ، فَوُصِفَ الأمْرُ بِالجَمْعِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وذَلِكَ نَحْوُ مُقاتَلَةِ عَدُوٍّ، أوْ تَشاوُرٍ في خَطْبٍ مُهِمٍّ، أوِ الأمْرِ الَّذِي يَعُمُّ ضَرَرُهُ ونَفْعُهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ خَطْبٌ جَلِيلٌ لا بُدَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أرْبابِ التَّجارِبِ والآراءِ لِيَسْتَعِينَ بِتَجارِبِهِمْ، فَمُفارَقَةُ أحَدِهِمْ في هَذِهِ الحالَةِ مِمّا يَشُقُّ عَلى قَلْبِهِ.
وثانِيها: عَنِ الضَّحّاكِ ”في أمْرٍ جامِعٍ“ الجُمُعَةُ والأعْيادُ وكُلُّ شَيْءٍ تَكُونُ فِيهِ الخُطْبَةُ.
وثالِثُها: عَنْ مُجاهِدٍ في الحَرْبِ وغَيْرِهِ.
المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِهِ، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ ﷺ يُعَرِّضُ في خُطْبَتِهِ بِالمُنافِقِينَ ويَعِيبُهم، فَيَنْظُرُ المُنافِقُونَ يَمِينًا وشِمالًا فَإذا لَمْ يَرَهم أحَدٌ انْسَلُّوا وخَرَجُوا ولَمْ يُصَلُّوا، وإنْ أبْصَرَهم أحَدٌ ثَبَتُوا وصَلُّوا خَوْفًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَكانَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لا يَخْرُجُ المُؤْمِنُ لِحاجَتِهِ حَتّى يَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وكانَ
صفحة ٣٥
المُنافِقُونَ يَخْرُجُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِئْذانَهُمُ الرَّسُولَ مِن إيمانِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَكُونُوا كامِلِي الإيمانِ وإنْ تَرَكُوا الِاسْتِئْذانَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْضٍ لِلَّهِ تَعالى واجْتِنابِ مُحَرَّمٍ مِنَ الإيمانِ. والجَوابُ: هَذا بِناءً عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ، وأيْضًا فالمُنافِقُونَ إنَّما تَرَكُوا الِاسْتِئْذانَ اسْتِخْفافًا، ولا نِزاعَ في أنَّهُ كُفْرٌ.
النور 24:63
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ المَعْنى تَعْظِيمًا لَكَ ورِعايَةً لِلْأدَبِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ يَعْمَلُونَ بِمُوجَبِ الإيمانِ ومُقْتَضاهُ، قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في الرُّجُوعِ إلى أهْلِهِ فَأذِنَ لَهُ وقالَ لَهُ: انْطَلِقْ فَواللَّهِ ما أنْتَ بِمُنافِقٍ. يُرِيدُ أنْ يُسْمِعَ المُنافِقِينَ ذَلِكَ الكَلامَ، فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ قالُوا: ما بالُ مُحَمَّدٍ إذا اسْتَأْذَنَهُ أصْحابُهُ أذِنَ لَهم، وإذا اسْتَأْذَنّاهُ لَمْ يَأْذَنْ لَنا فَواللَّهِ ما نَراهُ يَعْدِلُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «إنَّ عُمَرَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في العُمْرَةِ فَأذِنَ لَهُ، ثم قال يا أبا حَفْصٍ لا تَنْسَنا مِن صالِحِ دُعائِكَ»، وفي قَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأوْلى أنْ لا يَقَعَ الِاسْتِئْذانُ مِنهم وإنْ أذِنَ، لِأنَّ الِاسْتِغْفارَ يَدُلُّ عَلى الذَّنْبِ، ورُبَّما ذُكِرَ عِنْدَ بَعْضِ الرُّخَصِ.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم مُقابَلَةً عَلى تَمَسُّكِهِمْ بِآدابِ اللَّهِ تَعالى في الِاسْتِئْذانِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٣] .
المسألة الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ فَوَّضَ إلى رَسُولِهِ بَعْضَ أمْرِ الدِّينِ لِيَجْتَهِدَ فِيهِ بِرَأْيِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُهُما: - وهو اخْتِيارُ المُبَرِّدِ والقَفّالِ - ولا تَجْعَلُوا أمْرَهُ إيّاكم ودُعاءَهُ لَكم كَما يَكُونُ مِن بَعْضِكم لِبَعْضٍ، إذْ كانَ أمْرُهُ فَرْضًا لازِمًا، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ عَقِيبَ هَذا ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ .
وثانِيها: لا تُنادُوهُ كَما يُنادِي بَعْضُكم بَعْضًا يا مُحَمَّدُ، ولَكِنْ قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وثالِثُها: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم في دُعائِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحُجُراتِ: ٣] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورابِعُها: احْذَرُوا دُعاءَ الرَّسُولِ عَلَيْكم إذا أسْخَطْتُمُوهُ فَإنَّ دُعاءَهُ مُوجِبٌ لَيْسَ كَدُعاءِ غَيْرِهِ، والوجه الأوَّلُ أقْرَبُ إلى نَظْمِ الآيَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ فالمَعْنى يَتَسَلَّلُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا، ونَظِيرُ تَسَلَّلَ تَدَرَّجَ وتَدَخَّلَ، واللِّواذُ: المُلاوَذَةُ وهي أنْ يَلُوذَ هَذا بِذاكَ وذاكَ بِهَذا، يَعْنِي يَتَسَلَّلُونَ عَنِ الجَماعَةِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ واسْتِتارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ولِواذًا حالٌ أيْ مُلاوِذِينَ، وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم يَلُوذُ بِالرَّجُلِ إذا اسْتَأْذَنَ فَيُؤْذَنُ لَهُ فَيَنْطَلِقُ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ مَعَهُ، وقُرِئَ ”لَواذًا“ بِالفَتْحِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: كانَ المُنافِقُونَ تُثْقِلُ عَلَيْهِمْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَيَلُوذُونَ بِبَعْضِ أصْحابِهِ، ويَخْرُجُونَ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: يَتَسَلَّلُونَ مِنَ الصَّفِّ في القِتالِ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا كانَ في حَفْرِ الخَنْدَقِ.
ورابِعُها: يَتَسَلَّلُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَنْ كِتابِهِ وعَنْ ذِكْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ مَعْناهُ التَّهْدِيدُ بِالمُجازاةِ.
* * *
صفحة ٣٦
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ الأخْفَشُ: ”عَنْ“ صِلَةٌ والمَعْنى يُخالِفُونَ أمْرَهُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ يُعْرِضُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَمِيلُونَ عَنْ سُنَّتِهِ، فَدَخَلَتْ ”عَنْ“ لِتَضْمِينِ المُخالَفَةِ مَعْنى الإعْراضِ.
المسألة الثّانِيَةُ: كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّ القَصْدَ هو الرَّسُولُ فَإلَيْهِ تَرْجِعُ الكِنايَةُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: الأظْهَرُ أنَّها لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُ يَلِيهِ، وحُكْمُ الكِنايَةِ رُجُوعُها إلى ما يَلِيها دُونَ ما تَقَدَّمَها.
المسألة الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنْ نَقُولَ: تارِكُ المَأْمُورِ بِهِ مُخالِفٌ لِذَلِكَ الأمْرِ، ومُخالِفُ الأمْرِ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ، فَتارِكُ المَأْمُورِ بِهِ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ، ولا مَعْنًى لِلْوُجُوبِ إلّا ذَلِكَ، إنَّما قُلْنا إنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ مُخالِفٌ لِذَلِكَ الأمْرِ؛ لِأنَّ مُوافَقَةَ الأمْرِ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمُقْتَضاهُ، والمُخالَفَةُ ضِدُّ المُوافَقَةِ، فَكانَتْ مُخالَفَةُ الأمْرِ عِبارَةٌ عَنِ الإخْلالِ بِمُقْتَضاهُ، فَثَبَتَ أنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ مُخالِفٌ، وإنَّما قُلْنا إنَّ مُخالِفَ الأمْرِ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَأمَرَ مُخالِفَ هَذا الأمْرِ بِالحَذَرِ عَنِ العِقابِ، والأمْرُ بِالحَذَرِ عَنِ العِقابِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ قِيامِ المُقْتَضى لِنُزُولِ العِقابِ، فَثَبَتَ أنَّ مُخالِفَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ أمْرِ رَسُولِهِ قَدْ وُجِدَ في حَقِّهِ ما يَقْتَضِي نُزُولَ العَذابِ، فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ مُخالِفٌ لِلْأمْرِ، قَوْلُهُ مُوافَقَةُ الأمْرِ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمُقْتَضاهُ، ومُخالَفَتُهُ عِبارَةٌ عَنِ الإخْلالِ بِمُقْتَضاهُ، قُلْنا لا نُسَلِّمُ أنَّ مُوافَقَةَ الأمْرِ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمُقْتَضاهُ، فَما الدَّلِيلُ عَلَيْهِ ؟ ثُمَّ إنّا نُفَسِّرُ مُوافَقَةَ الأمْرِ بِتَفْسِيرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ مُوافَقَةَ الأمْرِ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يَقْتَضِيهِ الأمْرُ عَلى الوجه الَّذِي يَقْتَضِيهِ الأمْرُ، فَإنَّ الأمْرَ لَوِ اقْتَضاهُ عَلى سَبِيلِ النَّدْبِ، وأنْتَ تَأْتِي بِهِ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، كانَ ذَلِكَ مُخالَفَةٌ لِلْأمْرِ.
الثّانِي: أنَّ مُوافَقَةَ الأمْرِ عِبارَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ حَقًّا واجِبَ القَبُولِ، فَمُخالَفَتُهُ تَكُونُ عِبارَةً عَنْ إنْكارِ كَوْنِهِ حَقًّا واجِبَ القَبُولِ، سَلَّمْنا أنَّ ما ذَكَرْتَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُخالَفَةَ الأمْرِ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ مُقْتَضاهُ لَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِوُجُوهٍ أُخَرَ، وهو أنَّهُ لَوْ كانَ تَرْكُ المَأْمُورِ بِهِ مُخالَفَةٌ لِلْأمْرِ لَكانَ تَرْكُ المَندُوبِ لا مَحالَةَ مُخالَفَةٌ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ باطِلٌ، وإلّا لاسْتَحَقَّ العِقابَ عَلى ما بَيَّنْتُمُوهُ في المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ، سَلَّمْنا أنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ مُخالِفٌ لِلْأمْرِ، فَلِمَ قُلْتَ إنَّ مُخالِفَ الأمْرِ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ ؟ قُلْنا لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أمْرِ مَن يَكُونُ مُخالِفًا لِلْأمْرِ بِالحَذَرِ، بَلْ هي دالَّةٌ عَلى الأمْرِ بِالحَذَرِ عَنْ مُخالَفَةِ الأمْرِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ؟ سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ المُخالِفَ عَنِ الأمْرِ يَلْزَمُهُ الحَذَرُ، فَلِمَ قُلْتَ إنَّ مُخالِفَ الأمْرِ لا يَلْزَمُهُ الحَذَرُ ؟ فَإنْ قُلْتَ لَفْظَةُ ”عَنْ“ صِلَةٌ زائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الأصْلُ في الكَلامِ لا سِيَّما في كَلامِ اللَّهِ تَعالى أنْ لا يَكُونَ زائِدًا، سَلَّمْنا دَلالَةَ الآيَةِ عَلى أنَّ مُخالِفَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى مَأْمُورٌ بِالحَذَرِ عَنِ العَذابِ، فَلِمَ قُلْتَ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الحَذَرُ عَنِ العَذابِ ؟ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ ورَدَ الأمْرُ بِهِ، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ إنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ ؟ وهَذا أوَّلُ المسألة، فَإنْ قُلْتَ: هَبْ أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الحَذَرِ، لَكِنْ لا بُدَّ وأنْ يَدُلَّ عَلى حُسْنِ الحَذَرِ، وحُسْنُ الحَذَرِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ قِيامِ المُقْتَضِي لِنُزُولِ العَذابِ. قُلْتُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ حُسْنَ الحَذَرِ مَشْرُوطٌ بِقِيامِ المُقْتَضِي لِنُزُولِ العَذابِ، بَلِ الحَذَرُ يَحْسُنُ عِنْدَ احْتِمالِ نُزُولِ العَذابِ؛ ولِهَذا يَحْسُنُ الِاحْتِياطُ، وعِنْدَنا مُجَرَّدُ الِاحْتِمالِ قائِمٌ لِأنَّ هَذِهِ المسألة احْتِمالِيَّةٌ لا قَطْعِيَّةٌ، سَلَّمْنا دَلالَةَ الآيَةِ عَلى وُجُودِ ما يَقْتَضِي نُزُولَ
صفحة ٣٧
العِقابِ، لَكِنْ لا في كُلِّ أمْرٍ، بَلْ في أمْرٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿عَنْ أمْرِهِ﴾ لا يُفِيدُ إلّا أمْرًا واحِدًا، وعِنْدَنا أنَّ أمْرًا واحِدًا يُفِيدُ الوُجُوبَ، فَلِمَ قُلْتَ إنَّ كُلَّ أمْرٍ كَذَلِكَ ؟ سَلَّمْنا أنَّ كُلَّ أمْرٍ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ أمْرِهِ﴾ يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَوْدُهُ إلى الرَّسُولِ، والآيَةُ لا تَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ في حَقِّ أحَدِهِما، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ في حَقِّ الآخَرِ كَذَلِكَ ؟
الجَوابُ: قَوْلُهُ: لِمَ قُلْتُمْ إنَّ مُوافَقَةَ الأمْرِ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمُقْتَضاهُ ؟ قُلْنا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ العَبْدَ إذا امْتَثَلَ أمْرَ السَّيِّدِ حَسُنَ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا العَبْدَ مُوافِقٌ لِلسَّيِّدِ، ويَجْرِي عَلى وفْقِ أمْرِهِ، ولَوْ لَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَهُ يُقالُ: إنَّهُ ما وافَقَهُ بَلْ خالَفَهُ، وحُسْنُ هَذا الإطْلاقِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، فَثَبَتَ أنَّ مُوافَقَةَ الأمْرِ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمُقْتَضاهُ. قَوْلُهُ: المُوافَقَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يَقْتَضِيهِ الأمْرُ عَلى الوجه الَّذِي يَقْتَضِيهِ الأمْرُ، قُلْنا: لَمّا سَلَّمْتُمْ أنَّ مُوافَقَةَ الأمْرِ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الإتْيانِ بِمُقْتَضى الأمْرِ، فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ مُقْتَضى الأمْرِ هو الفِعْلُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”افْعَلْ“ لا يَدُلُّ إلّا عَلى اقْتِضاءِ الفِعْلِ، وإذا لَمْ يُوجَدِ الفِعْلُ لَمْ يُوجَدْ مُقْتَضى الأمْرِ، فَلا تُوجَدُ المُوافَقَةُ فَوَجَبَ حُصُولُ المُخالَفَةِ لِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ المُوافَقَةِ والمُخالَفَةِ واسِطَةٌ. قَوْلُهُ: ”المُوافَقَةُ“ عِبارَةٌ عَنِ اعْتِقادِ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ حَقًّا واجِبَ القَبُولِ، قُلْنا هَذا لا يَكُونُ مُوافَقَةً لِلْأمْرِ، بَلْ يَكُونُ مُوافَقَةً لِلدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ حَقٌّ، فَإنَّ مُوافَقَةَ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يَقْتَضِي تَقْرِيرَ مُقْتَضاهُ، فَإذا دَلَّ عَلى حَقِّيَّةِ الشَّيْءِ كانَ الِاعْتِرافُ بِحَقِّيَّتِهِ يَقْتَضِي تَقْرِيرَ مُقْتَضى ذَلِكَ الدَّلِيلِ، أمّا الأمْرُ فَلَمّا اقْتَضى دُخُولَ الفِعْلِ في الوُجُودِ كانَتْ مُوافَقَتُهُ عِبارَةٌ عَمّا يُقَرِّرُ ذَلِكَ الدُّخُولَ، وإدْخالُهُ في الوُجُودِ يَقْتَضِي تَقْرِيرَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ، فَكانَتْ مُوافَقَةُ الأمْرِ عِبارَةً عَنْ فِعْلِ مُقْتَضاهُ. قَوْلُهُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ تارِكُ المَندُوبِ مُخالِفًا فَوَجَبَ أنْ يَسْتَحِقَّ العِقابَ، قُلْنا: هَذا الإلْزامُ إنَّما يَصِحُّ أنْ لَوْ كانَ المَندُوبُ مَأْمُورًا بِهِ وهو مَمْنُوعٌ، قَوْلُهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ أمْرًا بِالحَذَرِ عَنِ المُخالِفِ لا أمْرًا لِلْمُخالِفِ بِالحَذَرِ ؟ قُلْنا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَصارَ التَّقْدِيرُ فَلْيَحْذَرِ المُتَسَلِّلُونَ لِواذًا عَنِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ أمْرَهُ، وحِينَئِذٍ يَبْقى قَوْلُهُ: ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ضائِعًا لِأنَّ الحَذَرَ لَيْسَ فِعْلًا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. قَوْلُهُ: كَلِمَةُ ”عَنْ“ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، قُلْنا: ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ فِيها في المسألة الأُولى. قَوْلُهُ: لِمَ قُلْتُمْ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الحَذَرِ عَنِ العِقابِ ؟ قُلْنا: لا نَدَّعِي وُجُوبَ الحَذَرِ، ولَكِنْ لا أقَلَّ مِن جَوازِ الحَذَرِ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ ما يَقْتَضِي وُقُوعَ العِقابِ. قَوْلُهُ: لِمَ قُلْتَ إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مُخالِفٍ لِلْأمْرِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى رَتَّبَ نُزُولَ العِقابِ عَلى المُخالَفَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا بِهِ، فَيَلْزَمُ عُمُومُهُ لِعُمُومِ العِلَّةِ. قَوْلُهُ هَبْ أنَّ أمْرَ اللَّهِ أوْ أمْرَ رَسُولِهِ لِلْوُجُوبِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَفْظُ الأمْرِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأمْرِ القَوْلِيِّ، وبَيْنَ الشَّأْنِ والطَّرِيقِ، كَما يُقالُ أمْرُ فُلانٍ مُسْتَقِيمٌ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ أمْرِهِ﴾ يَتَناوَلُ قَوْلَ الرَّسُولِ وفِعْلَهُ وطَرِيقَتَهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَكُونُ واجِبًا عَلَيْنا، وهَذِهِ المسألة مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الكِنايَةَ في قَوْلِهِ ﴿عَنْ أمْرِهِ﴾ راجِعَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ، أمّا لَوْ كانَتْ راجِعَةً إلى اللَّهِ تَعالى فالبَحْثُ ساقِطٌ بِالكُلِّيَّةِ، وتَمامُ تَقْرِيرِ ذَلِكَ ذَكَرْناهُ في أُصُولِ الفِقْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فالمُرادُ أنَّ مُخالَفَةَ الأمْرِ تُوجِبُ أحَدَ هَذَيْنِ
صفحة ٣٨
الأمْرَيْنِ، والمُرادُ بِالفِتْنَةِ العُقُوبَةُ في الدُّنْيا، وبِالعَذابِ الألِيمِ عَذابُ الآخِرَةِ، وإنَّما رَدَّدَ اللَّهُ تَعالى حالَ ذَلِكَ المُخالِفِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لِأنَّ ذَلِكَ المُخالِفَ قَدْ يَمُوتُ مِن دُونِ عِقابِ الدُّنْيا، وقَدْ يَعْرِضُ لَهُ ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَلِهَذا السَّبَبِ أوْرَدَهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّرْدِيدِ، ثم قال الحَسَنُ: الفِتْنَةُ هي ظُهُورُ نِفاقِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: القَتْلُ. وقِيلَ: الزَّلازِلُ والأهْوالُ، وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ جائِرٌ.
النور 24:64
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَذاكَ كالدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلَيْهِما وعَلى ما بَيْنَهُما وما فِيهِما، واقْتِدارِهِ عَلى المُكَلَّفِ فِيما يُعامَلُ بِهِ مِنَ المُجازاةِ بِثَوابٍ أوْ بِعِقابٍ، وعِلْمِهِ بِما يُخْفِيهِ ويُعْلِنُهُ، وكُلُّ ذَلِكَ كالزَّجْرِ عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ فَإنَّما أدْخَلَ ﴿قَدْ﴾ لِتَوْكِيدِ عِلْمِهِ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ المُخالَفَةِ في الدِّينِ والنِّفاقِ. ويَرْجِعُ تَوْكِيدُ العِلْمِ إلى تَوْكِيدِ الوَعِيدِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ”قَدْ“ إذا أُدْخِلَتْ عَلى المُضارِعِ كانَتْ بِمَعْنى رُبَّما، فَوافَقَتْ رُبَّما في خُرُوجِها إلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
فَإنْ يُمْسِ مَهْجُورَ الفِناءِ فَرُبَّما أقامَ بِهِ بَعْدَ الوُفُودِ وُفُودٌ
والخِطابُ والغَيْبَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونا جَمِيعًا لِلْمُنافِقِينَ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما أنْتُمْ عَلَيْهِ“ عامًّا ”ويَرْجِعُونَ“ لِلْمُنافِقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ هو الرُّجُوعُ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ إلّا لَهُ، فَلا وجْهَ لِإعادَتِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
الفرقان 25:1
صفحة ٣٩
[ سُورَةُ الفُرْقانِ ]
سَبْعٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وأحْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ خَتَمَها بِذِكْرِ صِفاتِ العِبادِ المُخْلِصِينَ المُوقِنِينَ، ولَمّا كانَ إثْباتُ الصّانِعِ وإثْباتُ صِفاتِ جَلالِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى الكُلِّ لا جَرَمَ افْتَتَحَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: تَبارَكَ: تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ كَثْرَةُ الخَيْرِ وزِيادَتُهُ، وفِيهِ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: تَزايَدَ خَيْرُهُ وتَكاثَرَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٤] .
والثّانِي: تَزايَدَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وتَعالى عَنْهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] وأمّا تَعالِيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ في ذاتِهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَلَّ بِوُجُوبِ وجُودِهِ وقِدَمِهِ عَنْ جَوازِ الفَناءِ والتَّغَيُّرِ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى جَلَّ بِفَرْدانِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ عَنْ مُشابَهَةِ شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ، وأمّا تَعالِيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ في صِفاتِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَلَّ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ ضَرُورِيًّا أوْ كَسْبِيًّا أوْ تَصَوُّرًا أوْ تَصْدِيقًا، وفي قُدْرَتِهِ أنْ يَحْتاجَ إلى مادَّةٍ ومُدَّةٍ ومِثالٍ وجَلْبِ غَرَضٍ ومَنالٍ، وأمّا في أفْعالِهِ فَجَلَّ أنْ يَكُونَ الوُجُودُ والبَقاءُ وصَلاحُ حالِ الوُجُودِ إلّا مِن قِبَلِهِ، وقالَ آخَرُونَ: أصْلُ الكَلِمَةِ تَدُلُّ عَلى البَقاءِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، ومِن بُرُوكِ الطَّيْرِ عَلى الماءِ، وسُمِّيَتِ البِرْكَةُ بِرْكَةً لِثُبُوتِ الماءِ فِيها، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى باقٍ في ذاتِهِ أزَلًا وأبَدًا مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ وباقٍ في صِفاتِهِ مُمْتَنِعُ التَّبَدُّلِ، ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِوُجُوهِ المَنافِعِ والمَصالِحِ والمُبْقِي لَها وجَبَ وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى.
صفحة ٤٠
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: كَلِمَةُ ”الَّذِي“ مَوْضُوعَةٌ لِلْإشارَةِ إلى الشَّيْءِ عِنْدَ مُحاوَلَةِ تَعْرِيفِهِ بِقَضِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ، وهو أنَّ القَوْمَ ما كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ فَكَيْفَ حَسُنَ هَهُنا لَفْظُ ”الَّذِي“ ؟ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا ظَهَرَ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وظُهُورِهِ أجْراهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَجْرى المَعْلُومِ.
المسألة الثّالِثَةُ: لا نِزاعَ أنَّ الفُرْقانَ هو القُرْآنُ، وُصِفَ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ سُبْحانَهُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، أوْ لِأنَّهُ فَرَّقَ في النُّزُولِ كَما قالَ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٦] وهَذا التَّأْوِيلُ أقْرَبُ لِأنَّهُ قالَ: ﴿نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ ولَفْظَةُ ”نَزَّلَ“ تَدُلُّ عَلى التَّفْرِيقِ، وأمّا لَفْظَةُ ”أنْزَلَ“ فَتَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ أوَّلًا ﴿تَبارَكَ﴾ ومَعْناهُ كَثْرَةُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَهُ أمْرَ القُرْآنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَنشَأُ الخَيْراتِ وأعَمُّ البَرَكاتِ، لَكِنَّ القُرْآنَ لَيْسَ إلّا مَنبَعًا لِلْعُلُومِ والمَعارِفِ والحِكَمِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ وأعْظَمُ الأشْياءِ خَيْرًا وبَرَكَةً.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: لا نِزاعَ أنَّ المُرادَ مِنَ العَبْدِ هَهُنا مُحَمَّدٌ ﷺ، وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلى عِبادِهِ وهم رَسُولُ اللَّهِ وأُمَّتُهُ كَما قالَ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠]، ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٦]، وقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ فالمُرادُ لِيَكُونَ هَذا العَبْدُ نَذِيرًا لِلْعالَمِينَ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى الفُرْقانِ فَأضافَ الإنْذارَ إلَيْهِ كَما أضافَ الهِدايَةَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي﴾ [الإسْراءِ: ٩] فَبَعِيدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُنْذِرَ والنَّذِيرَ مِن صِفاتِ الفاعِلِ لِلتَّخْوِيفِ، وإذا وُصِفَ بِهِ القُرْآنُ فَهو مَجازٌ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ إذا أمْكَنَ هو الواجِبُ. ثُمَّ قالُوا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أحْكامٍ:
الأوَّلُ: أنَّ العالَمَ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى ويَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ، لَكِنّا أجْمَعْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلى المَلائِكَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلى الجِنِّ والإنْسِ جَمِيعًا، ويَبْطُلُ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ كانَ رَسُولًا إلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ.
الثّانِي: أنَّ لَفْظَ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ لِلْخَلْقِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خاتَمَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ.
الثّالِثُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ الإيمانَ وفِعْلَ الطّاعاتِ مِنَ الكُلِّ، لِأنَّهُ إنَّما بَعَثَهُ إلى الكُلِّ لِيَكُونَ نَذِيرًا لِلْكُلِّ، وأرادَ مِنَ الكُلِّ الِاشْتِغالَ بِالحُسْنِ والإعْراضَ عَنِ القَبِيحِ وعارَضَهم أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ . [الأعْرافِ: ١٧٩] الآيَةَ.
الرّابِعُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿تَبارَكَ﴾ كَما دَلَّ عَلى كَثْرَةِ الخَيْرِ والبَرَكَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَذْكُورُ عَقِيبَهُ ما يَكُونُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الخَيْرِ والمَنافِعِ، والإنْذارُ يُوجِبُ الغَمَّ والخَوْفَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ هَذا لِهَذا المَوْضِعِ ؟ جَوابُهُ: أنَّ هَذا الإنْذارَ يَجْرِي مَجْرى تَأْدِيبِ الوَلَدِ، وكَما أنَّهُ كُلَّما كانَتِ المُبالَغَةُ في تَأْدِيبِ الوَلَدِ أكْثَرَ كانَ الإحْسانُ إلَيْهِ أكْثَرَ، لِما أنَّ ذاكَ يُؤَدِّي في المُسْتَقْبَلِ إلى المَنافِعِ العَظِيمَةِ، فَكَذا هَهُنا كُلَّما كانَ الإنْذارُ كَثِيرًا كانَ رُجُوعُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ أكْثَرَ، فَكانَتِ السَّعادَةُ الأُخْرَوِيَّةُ أتَمَّ وأكْثَرَ، وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا التِفاتَ إلى المَنافِعِ العاجِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ الَّذِي يُعْطِي الخَيْراتِ الكَثِيرَةَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا مَنافِعَ الدِّينِ، ولَمْ يَذْكُرِ البَتَّةَ شَيْئًا مِن مَنافِعِ الدُّنْيا.
صفحة ٤١
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ ذاتَهُ بِأرْبَعِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ الكِبْرِياءِ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى إثْباتِهِ إلّا بِواسِطَةِ احْتِياجِ أفْعالِهِ إلَيْهِ، فَكانَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلى سائِرِ الصِّفاتِ كالأمْرِ الواجِبِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى احْتِياجِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِزَمانِ حُدُوثِها وزَمانِ بَقائِها في ماهِيَّتِها وفي وجُودِها، وأنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُتَصَرِّفُ فِيها كَيْفَ يَشاءُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ هو المَعْبُودُ أبَدًا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَعْبُودًا ووارِثًا لِلْمُلْكِ عَنْهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الصِّفَةُ كالمُؤَكِّدَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا كالرَّدِّ عَلى النَّصارى.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ هو المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ، وإذا عَرَفَ العَبْدُ ذَلِكَ انْقَطَعَ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ عَنِ الكُلِّ، ولا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ إلّا بِرَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ. وفِيهِ الرَّدُّ عَلى الثَّنَوِيَّةِ، والقائِلِينَ بِعِبادَةِ النُّجُومِ، والقائِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: هَلْ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقٌ لِأعْمالِ العِبادِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأشْياءِ فَيَتَناوَلُ أفْعالَ العِبادِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَفى الشَّرِيكَ ذَكَرَ ذَلِكَ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَفى الشَّرِيكَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: هَهُنا أقْوامٌ يَعْتَرِفُونَ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ، ومَعَ ذَلِكَ يَقُولُونَ إنَّهم يَخْلُقُونَ أفْعالَ أنْفُسِهِمْ. فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَكُونَ مُعِينَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، قالَ القاضِي: الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ صَرَّحَ بِكَوْنِ العَبْدِ خالِقًا في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٠] وقالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٤] .
وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمَدَّحَ بِذَلِكَ فَلا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ خَلْقَ الفَسادِ.
وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمَدَّحَ بِأنَّهُ قَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ولا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إلّا الحُسْنَ والحِكْمَةَ دُونَ غَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ لَوْ دَلَّتِ الآيَةُ بِظاهِرِها عَلَيْهِ، فَكَيْفَ ولا دَلالَةَ فِيها البَتَّةَ، لِأنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، فَهو لا يَتَناوَلُ إلّا ما يَظْهَرُ فِيهِ التَّقْدِيرُ، وذَلِكَ إنَّما يَظْهَرُ في الأجْسامِ لا في الأعْراضِ. والجَوابُ:
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَهُما مُعارَضانِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣] وأمّا قَوْلُهُ: لا يَجُوزُ التَّمَدُّحُ بِخَلْقِ الفَسادِ، قُلْنا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ التَّمَدُّحُ بِهِ نَظَرًا إلى تَقادِيرِ القُدْرَةِ وإلى أنَّ صِفَةَ الإيجادِ مِنَ العَدَمِ والإعْدامِ مِنَ الوُجُودِ لَيْسَتْ إلّا لَهُ ؟ وأمّا قَوْلُهُ: الخَلْقُ لا يَتَناوَلُ إلّا الأجْسامَ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ قَوْلُهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ خَطَأٌ لِأنَّهُ يَقْتَضِي إضافَةَ الخَلْقِ إلى جَمِيعِ الأشْياءِ، مَعَ أنَّهُ لا يَصِحُّ في العَقْلِ إضافَتُهُ إلَيْها.
السُّؤالُ الثّانِي: في الخَلْقِ مَعْنى التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ مَعْناهُ: وقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. والجَوابُ: المَعْنى أحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إحْداثًا يُراعِي فِيهِ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ، فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، مِثالُهُ أنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ عَلى هَذا الشَّكْلِ المُقَدَّرِ المُسْتَوِي الَّذِي تَراهُ، فَقَدَّرَهُ لِلتَّكالِيفِ والمَصالِحِ المَنُوطَةِ بِهِ في بابِ الدِّينِ والدُّنْيا، وكَذَلِكَ كُلُّ حَيَوانٍ وجَمادٍ جاءَ بِهِ عَلى الجِبِلَّةِ المُسْتَوِيَةِ المُقَدَّرَةِ بِأمْثِلَةِ الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ فَقَدَّرَهُ لِأمْرٍ ما، ومَصْلَحَةٍ ما، مُطابِقًا لِمّا قَدَّرَ غَيْرَ مُتَخَلِّفٍ عَنْهُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ دَلالَةٌ عَلى مَذْهَبِكم ؟
الجَوابُ: نَعَمْ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
صفحة ٤٢
أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيرَ في حَقِّنا يَرْجِعُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، أمّا في حَقِّهِ سُبْحانَهُ فَلا مَعْنى لَهُ إلّا العِلْمُ بِهِ والإخْبارُ عَنْهُ، وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ، فَلَمّا عَلِمَ في الشَّيْءِ الفُلانِيِّ أنَّهُ لا يَقَعُ، فَلَوْ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا وانْقِلابُ خَبَرِهِ الصِّدْقَ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَإذَنْ وُقُوعُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مُحالٌ، والمُحالُ غَيْرُ مُرادٍ فَذَلِكَ الشَّيْءُ غَيْرُ مُرادٍ وإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ والإرادَةَ لا يَتَلازَمانِ، وظَهَرَ أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، والشَّقِيَّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ.
وثانِيها: أنَّهُ عِنْدَ حُصُولِ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ الخالِصَةِ إنْ وجَبَ الفِعْلُ، كانَ فِعْلُ العَبْدِ يُوجِبُ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وإنْ لَمْ يُجِبْ فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُرَجِّحِ فَقَدْ وقَعَ المُمْكِنُ لا عَنْ مُرَجِّحٍ، وتَجْوِيزُهُ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ وإنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنِ المُرَجِّحِ، فالكَلامُ يَعُودُ في ذَلِكَ المُرَجِّحِ، ولا يَنْقَطِعُ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى واجِبِ الوُجُودِ.
وثالِثُها: أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَوْ وقَعَ بِقُدْرَتِهِ لَما وقَعَ إلّا الشَّيْءُ الَّذِي أرادَ تَكْوِينَهُ وإيجادَهُ، لَكِنَّ الإنْسانَ لا يُرِيدُ إلّا العِلْمَ والحَقَّ، فَلا يَحْصُلُ لَهُ إلّا الجَهْلُ والباطِلُ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ بِقُدْرَتِهِ لَما كانَ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ شُبْهَةً أوْجَبَتْ لَهُ ذَلِكَ الجَهْلَ، قُلْنا: إنِ اعْتَقَدَ تِلْكَ الشُّبْهَةَ لِشُبْهَةٍ أُخْرى لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى جَهْلٍ أوَّلٍ، ووَقَعَ في قَلْبِ الإنْسانِ لا بِسَبَبِ جَهْلٍ سابِقٍ، بَلِ الإنْسانُ أحْدَثَهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الإنْسانَ قَطُّ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ بِالجَهْلِ ولا يُحاوِلُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ، بَلْ لا يُحاوِلُ إلّا العِلْمَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ إلّا ما قَصَدَهُ وأرادَهُ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الكُلَّ بِقَضاءٍ سارٍ وقَدَرٍ نافِذٍ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .
الفرقان 25:2
صفحة ٣٩
[ سُورَةُ الفُرْقانِ ]
سَبْعٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وأحْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ خَتَمَها بِذِكْرِ صِفاتِ العِبادِ المُخْلِصِينَ المُوقِنِينَ، ولَمّا كانَ إثْباتُ الصّانِعِ وإثْباتُ صِفاتِ جَلالِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى الكُلِّ لا جَرَمَ افْتَتَحَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: تَبارَكَ: تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ كَثْرَةُ الخَيْرِ وزِيادَتُهُ، وفِيهِ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: تَزايَدَ خَيْرُهُ وتَكاثَرَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٤] .
والثّانِي: تَزايَدَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وتَعالى عَنْهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] وأمّا تَعالِيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ في ذاتِهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَلَّ بِوُجُوبِ وجُودِهِ وقِدَمِهِ عَنْ جَوازِ الفَناءِ والتَّغَيُّرِ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى جَلَّ بِفَرْدانِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ عَنْ مُشابَهَةِ شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ، وأمّا تَعالِيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ في صِفاتِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَلَّ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ ضَرُورِيًّا أوْ كَسْبِيًّا أوْ تَصَوُّرًا أوْ تَصْدِيقًا، وفي قُدْرَتِهِ أنْ يَحْتاجَ إلى مادَّةٍ ومُدَّةٍ ومِثالٍ وجَلْبِ غَرَضٍ ومَنالٍ، وأمّا في أفْعالِهِ فَجَلَّ أنْ يَكُونَ الوُجُودُ والبَقاءُ وصَلاحُ حالِ الوُجُودِ إلّا مِن قِبَلِهِ، وقالَ آخَرُونَ: أصْلُ الكَلِمَةِ تَدُلُّ عَلى البَقاءِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، ومِن بُرُوكِ الطَّيْرِ عَلى الماءِ، وسُمِّيَتِ البِرْكَةُ بِرْكَةً لِثُبُوتِ الماءِ فِيها، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى باقٍ في ذاتِهِ أزَلًا وأبَدًا مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ وباقٍ في صِفاتِهِ مُمْتَنِعُ التَّبَدُّلِ، ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِوُجُوهِ المَنافِعِ والمَصالِحِ والمُبْقِي لَها وجَبَ وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى.
صفحة ٤٠
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: كَلِمَةُ ”الَّذِي“ مَوْضُوعَةٌ لِلْإشارَةِ إلى الشَّيْءِ عِنْدَ مُحاوَلَةِ تَعْرِيفِهِ بِقَضِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ، وهو أنَّ القَوْمَ ما كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ فَكَيْفَ حَسُنَ هَهُنا لَفْظُ ”الَّذِي“ ؟ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا ظَهَرَ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وظُهُورِهِ أجْراهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَجْرى المَعْلُومِ.
المسألة الثّالِثَةُ: لا نِزاعَ أنَّ الفُرْقانَ هو القُرْآنُ، وُصِفَ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ سُبْحانَهُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، أوْ لِأنَّهُ فَرَّقَ في النُّزُولِ كَما قالَ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٦] وهَذا التَّأْوِيلُ أقْرَبُ لِأنَّهُ قالَ: ﴿نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ ولَفْظَةُ ”نَزَّلَ“ تَدُلُّ عَلى التَّفْرِيقِ، وأمّا لَفْظَةُ ”أنْزَلَ“ فَتَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ أوَّلًا ﴿تَبارَكَ﴾ ومَعْناهُ كَثْرَةُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَهُ أمْرَ القُرْآنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَنشَأُ الخَيْراتِ وأعَمُّ البَرَكاتِ، لَكِنَّ القُرْآنَ لَيْسَ إلّا مَنبَعًا لِلْعُلُومِ والمَعارِفِ والحِكَمِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ وأعْظَمُ الأشْياءِ خَيْرًا وبَرَكَةً.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: لا نِزاعَ أنَّ المُرادَ مِنَ العَبْدِ هَهُنا مُحَمَّدٌ ﷺ، وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلى عِبادِهِ وهم رَسُولُ اللَّهِ وأُمَّتُهُ كَما قالَ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠]، ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٦]، وقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ فالمُرادُ لِيَكُونَ هَذا العَبْدُ نَذِيرًا لِلْعالَمِينَ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى الفُرْقانِ فَأضافَ الإنْذارَ إلَيْهِ كَما أضافَ الهِدايَةَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي﴾ [الإسْراءِ: ٩] فَبَعِيدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُنْذِرَ والنَّذِيرَ مِن صِفاتِ الفاعِلِ لِلتَّخْوِيفِ، وإذا وُصِفَ بِهِ القُرْآنُ فَهو مَجازٌ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ إذا أمْكَنَ هو الواجِبُ. ثُمَّ قالُوا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أحْكامٍ:
الأوَّلُ: أنَّ العالَمَ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى ويَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ، لَكِنّا أجْمَعْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلى المَلائِكَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلى الجِنِّ والإنْسِ جَمِيعًا، ويَبْطُلُ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ كانَ رَسُولًا إلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ.
الثّانِي: أنَّ لَفْظَ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ لِلْخَلْقِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خاتَمَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ.
الثّالِثُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ الإيمانَ وفِعْلَ الطّاعاتِ مِنَ الكُلِّ، لِأنَّهُ إنَّما بَعَثَهُ إلى الكُلِّ لِيَكُونَ نَذِيرًا لِلْكُلِّ، وأرادَ مِنَ الكُلِّ الِاشْتِغالَ بِالحُسْنِ والإعْراضَ عَنِ القَبِيحِ وعارَضَهم أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ . [الأعْرافِ: ١٧٩] الآيَةَ.
الرّابِعُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿تَبارَكَ﴾ كَما دَلَّ عَلى كَثْرَةِ الخَيْرِ والبَرَكَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَذْكُورُ عَقِيبَهُ ما يَكُونُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الخَيْرِ والمَنافِعِ، والإنْذارُ يُوجِبُ الغَمَّ والخَوْفَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ هَذا لِهَذا المَوْضِعِ ؟ جَوابُهُ: أنَّ هَذا الإنْذارَ يَجْرِي مَجْرى تَأْدِيبِ الوَلَدِ، وكَما أنَّهُ كُلَّما كانَتِ المُبالَغَةُ في تَأْدِيبِ الوَلَدِ أكْثَرَ كانَ الإحْسانُ إلَيْهِ أكْثَرَ، لِما أنَّ ذاكَ يُؤَدِّي في المُسْتَقْبَلِ إلى المَنافِعِ العَظِيمَةِ، فَكَذا هَهُنا كُلَّما كانَ الإنْذارُ كَثِيرًا كانَ رُجُوعُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ أكْثَرَ، فَكانَتِ السَّعادَةُ الأُخْرَوِيَّةُ أتَمَّ وأكْثَرَ، وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا التِفاتَ إلى المَنافِعِ العاجِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ الَّذِي يُعْطِي الخَيْراتِ الكَثِيرَةَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا مَنافِعَ الدِّينِ، ولَمْ يَذْكُرِ البَتَّةَ شَيْئًا مِن مَنافِعِ الدُّنْيا.
صفحة ٤١
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ ذاتَهُ بِأرْبَعِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ الكِبْرِياءِ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى إثْباتِهِ إلّا بِواسِطَةِ احْتِياجِ أفْعالِهِ إلَيْهِ، فَكانَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلى سائِرِ الصِّفاتِ كالأمْرِ الواجِبِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى احْتِياجِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِزَمانِ حُدُوثِها وزَمانِ بَقائِها في ماهِيَّتِها وفي وجُودِها، وأنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُتَصَرِّفُ فِيها كَيْفَ يَشاءُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ هو المَعْبُودُ أبَدًا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَعْبُودًا ووارِثًا لِلْمُلْكِ عَنْهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الصِّفَةُ كالمُؤَكِّدَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا كالرَّدِّ عَلى النَّصارى.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ هو المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ، وإذا عَرَفَ العَبْدُ ذَلِكَ انْقَطَعَ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ عَنِ الكُلِّ، ولا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ إلّا بِرَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ. وفِيهِ الرَّدُّ عَلى الثَّنَوِيَّةِ، والقائِلِينَ بِعِبادَةِ النُّجُومِ، والقائِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: هَلْ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقٌ لِأعْمالِ العِبادِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأشْياءِ فَيَتَناوَلُ أفْعالَ العِبادِ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَفى الشَّرِيكَ ذَكَرَ ذَلِكَ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَفى الشَّرِيكَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: هَهُنا أقْوامٌ يَعْتَرِفُونَ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ، ومَعَ ذَلِكَ يَقُولُونَ إنَّهم يَخْلُقُونَ أفْعالَ أنْفُسِهِمْ. فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَكُونَ مُعِينَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، قالَ القاضِي: الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ صَرَّحَ بِكَوْنِ العَبْدِ خالِقًا في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٠] وقالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٤] .
وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمَدَّحَ بِذَلِكَ فَلا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ خَلْقَ الفَسادِ.
وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمَدَّحَ بِأنَّهُ قَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ولا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إلّا الحُسْنَ والحِكْمَةَ دُونَ غَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ لَوْ دَلَّتِ الآيَةُ بِظاهِرِها عَلَيْهِ، فَكَيْفَ ولا دَلالَةَ فِيها البَتَّةَ، لِأنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، فَهو لا يَتَناوَلُ إلّا ما يَظْهَرُ فِيهِ التَّقْدِيرُ، وذَلِكَ إنَّما يَظْهَرُ في الأجْسامِ لا في الأعْراضِ. والجَوابُ:
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَهُما مُعارَضانِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣] وأمّا قَوْلُهُ: لا يَجُوزُ التَّمَدُّحُ بِخَلْقِ الفَسادِ، قُلْنا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ التَّمَدُّحُ بِهِ نَظَرًا إلى تَقادِيرِ القُدْرَةِ وإلى أنَّ صِفَةَ الإيجادِ مِنَ العَدَمِ والإعْدامِ مِنَ الوُجُودِ لَيْسَتْ إلّا لَهُ ؟ وأمّا قَوْلُهُ: الخَلْقُ لا يَتَناوَلُ إلّا الأجْسامَ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ قَوْلُهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ خَطَأٌ لِأنَّهُ يَقْتَضِي إضافَةَ الخَلْقِ إلى جَمِيعِ الأشْياءِ، مَعَ أنَّهُ لا يَصِحُّ في العَقْلِ إضافَتُهُ إلَيْها.
السُّؤالُ الثّانِي: في الخَلْقِ مَعْنى التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ مَعْناهُ: وقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا. والجَوابُ: المَعْنى أحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إحْداثًا يُراعِي فِيهِ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ، فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، مِثالُهُ أنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ عَلى هَذا الشَّكْلِ المُقَدَّرِ المُسْتَوِي الَّذِي تَراهُ، فَقَدَّرَهُ لِلتَّكالِيفِ والمَصالِحِ المَنُوطَةِ بِهِ في بابِ الدِّينِ والدُّنْيا، وكَذَلِكَ كُلُّ حَيَوانٍ وجَمادٍ جاءَ بِهِ عَلى الجِبِلَّةِ المُسْتَوِيَةِ المُقَدَّرَةِ بِأمْثِلَةِ الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ فَقَدَّرَهُ لِأمْرٍ ما، ومَصْلَحَةٍ ما، مُطابِقًا لِمّا قَدَّرَ غَيْرَ مُتَخَلِّفٍ عَنْهُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ دَلالَةٌ عَلى مَذْهَبِكم ؟
الجَوابُ: نَعَمْ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
صفحة ٤٢
أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيرَ في حَقِّنا يَرْجِعُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، أمّا في حَقِّهِ سُبْحانَهُ فَلا مَعْنى لَهُ إلّا العِلْمُ بِهِ والإخْبارُ عَنْهُ، وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ، فَلَمّا عَلِمَ في الشَّيْءِ الفُلانِيِّ أنَّهُ لا يَقَعُ، فَلَوْ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا وانْقِلابُ خَبَرِهِ الصِّدْقَ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَإذَنْ وُقُوعُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مُحالٌ، والمُحالُ غَيْرُ مُرادٍ فَذَلِكَ الشَّيْءُ غَيْرُ مُرادٍ وإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ والإرادَةَ لا يَتَلازَمانِ، وظَهَرَ أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، والشَّقِيَّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ.
وثانِيها: أنَّهُ عِنْدَ حُصُولِ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ الخالِصَةِ إنْ وجَبَ الفِعْلُ، كانَ فِعْلُ العَبْدِ يُوجِبُ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وإنْ لَمْ يُجِبْ فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُرَجِّحِ فَقَدْ وقَعَ المُمْكِنُ لا عَنْ مُرَجِّحٍ، وتَجْوِيزُهُ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ وإنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنِ المُرَجِّحِ، فالكَلامُ يَعُودُ في ذَلِكَ المُرَجِّحِ، ولا يَنْقَطِعُ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى واجِبِ الوُجُودِ.
وثالِثُها: أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَوْ وقَعَ بِقُدْرَتِهِ لَما وقَعَ إلّا الشَّيْءُ الَّذِي أرادَ تَكْوِينَهُ وإيجادَهُ، لَكِنَّ الإنْسانَ لا يُرِيدُ إلّا العِلْمَ والحَقَّ، فَلا يَحْصُلُ لَهُ إلّا الجَهْلُ والباطِلُ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ بِقُدْرَتِهِ لَما كانَ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ شُبْهَةً أوْجَبَتْ لَهُ ذَلِكَ الجَهْلَ، قُلْنا: إنِ اعْتَقَدَ تِلْكَ الشُّبْهَةَ لِشُبْهَةٍ أُخْرى لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى جَهْلٍ أوَّلٍ، ووَقَعَ في قَلْبِ الإنْسانِ لا بِسَبَبِ جَهْلٍ سابِقٍ، بَلِ الإنْسانُ أحْدَثَهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الإنْسانَ قَطُّ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ بِالجَهْلِ ولا يُحاوِلُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ، بَلْ لا يُحاوِلُ إلّا العِلْمَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ إلّا ما قَصَدَهُ وأرادَهُ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الكُلَّ بِقَضاءٍ سارٍ وقَدَرٍ نافِذٍ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .
الفرقان 25:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِصِفاتِ الجَلالِ والعِزَّةِ والعُلُوِّ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِتَزْيِيفِ مَذْهَبِ عَبَدَةِ الأوْثانِ، وبَيَّنَ نُقْصانَها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّها لَيْسَتْ خالِقَةً لِلْأشْياءِ، والإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ والإيجادِ.
وثانِيها: أنَّها مَخْلُوقَةٌ والمَخْلُوقُ مُحْتاجٌ، والإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا.
وثالِثُها: أنَّها لا تَمْلِكُ لِأنْفُسِها ضَرًّا ولا نَفْعًا، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو لا يَمْلِكُ لِغَيْرِهِ أيْضًا نَفْعًا، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في عِبادَتِهِ.
ورابِعُها: أنَّها لا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا، أيْ لا تَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ في زَمانِ التَّكْلِيفِ، وثانِيًا في زَمانِ المُجازاةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يُسَمّى إلَهًا ؟ وكَيْفَ يَحْسُنُ عِبادَتُهُ مَعَ أنَّ حَقَّ مَن يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ أنْ يَنْعَمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ المَخْصُوصَةِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ هَلْ يَخْتَصُّ بِعَبَدَةِ الأوْثانِ ؟ أوْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّصارى وعَبَدَةُ الكَواكِبِ وعَبَدَةُ المَلائِكَةِ ؟
والجَوابُ: قالَ القاضِي: بَعِيدٌ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ النَّصارى لِأنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً عَلى الجَمْعِ، فالأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ عُبّادُ الأصْنامِ، ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ لِأنَّ
صفحة ٤٣
لِمَعْبُودِهِمْ كَثْرَةً، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذُوا﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ، وقَوْلُهُ: ”آلِهَةً“ جَمْعٌ، والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ يُقابَلُ المُفْرَدُ بِالمُفْرَدِ، فَلَمْ يَكُنْ كَوْنُ مَعْبُودِ النَّصارى واحِدًا مانِعًا مِن دُخُولِهِ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ.
* * *
السُّؤالُ الثّانِي: احْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عابَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن حَيْثُ عَبَدُوا ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن خَلَقَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، فَلَوْ كانَ العَبْدُ خالِقًا لَكانَ مَعْبُودًا إلَهًا، أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنّا لا نُطْلِقُ اسْمَ الخالِقِ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى.
وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا في الخَلْقِ: إنَّهُ الإحْداثُ لا بِعِلاجٍ وفِكْرٍ وتَعَبٍ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، ثم قال: وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [ الأعْرافِ: ١٩٥] في وصْفِ الأصْنامِ، أفَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ مَن لَهُ رِجْلٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ ؟ فَإذا قالُوا: لا، قِيلَ: فَكَذَلِكَ ما ذَكَرْتُمْ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٤] هَذا كُلُّهُ كَلامُ الكَعْبِيِّ.
والجَوابُ: قَوْلُهُ: لا يُطْلَقُ اسْمُ الخالِقِ عَلى العَبْدِ، قُلْنا: بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ في اللُّغَةِ هو التَّقْدِيرُ، والتَّقْدِيرُ يَرْجِعُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الخالِقِ حَقِيقَةً في العَبْدِ، مَجازًا في اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يُمْكِنُكم مَنعُ إطْلاقِ لَفْظِ الخالِقِ عَلى العَبْدِ ؟ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ فالعَيْبُ إنَّما وقَعَ عَلَيْهِمْ بِالعَجْزِ، فَلا جَرَمَ أنَّ كُلَّ مَن تَحَقَّقَ العَجْزُ في حَقِّهِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ لَمْ يَحْسُنْ عِبادَتُهُ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يَقْوى اسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِها لِاحْتِمالِ أنَّ العَيْبَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم لَيْسُوا بِخالِقِينَ.
والثّانِي: أنَّهم مَخْلُوقُونَ.
والعَبْدُ وإنْ كانَ خالِقًا إلّا أنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَلَزِمَ أنْ لا يَكُونَ إلَهًا مَعْبُودًا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى البَعْثِ ؟
الجَوابُ: نَعَمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ النُّشُورَ، ومَعْناهُ أنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلى المُطِيعِينَ، والعِقابِ إلى العُصاةِ، فَمَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَصْلُحَ لِلْإلَهِيَّةِ.
الفرقان 25:4
صفحة ٤٤
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وثالِثًا في هَذِهِ الآيَةِ تَكَلَّمَ في مَسْألَةِ النُّبُوَّةِ، وحَكى سُبْحانَهُ شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ:
الشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣] واعْلَمْ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في نَفْسِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في إضافَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِافْتِراءُ افْتِعالٌ مِن فَرَيْتُ، وقَدْ يُقالُ في تَقْدِيرِ الأدِيمِ: فَرَيْتُ الأدِيمَ، فَإذا أُرِيدَ قَطْعُ الإفْسادِ قِيلَ: أفْرَيْتُ وافْتَرَيْتُ وخَلَقْتُ واخْتَلَقْتُ، ويُقالُ فِيمَن شَتَمَ امْرَأً بِما لَيْسَ فِيهِ: افْتَرى عَلَيْهِ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَهو الَّذِي قالَ هَذا القَوْلَ.
﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يَعْنِي: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ غُلامُ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانُوا يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ ويُحَدِّثُونَ أحادِيثَ مِنها، فَلَمّا أسْلَمُوا وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَهَّدُهم، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ النَّضْرُ ما قالَ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ . وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا القَدْرَ إنَّما يَكْفِي جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ، وهُمُ النِّهايَةُ في الفَصاحَةِ، وقَدْ بَلَغُوا في الحِرْصِ عَلى إبْطالِ أمْرِهِ كُلَّ غايَةٍ، حَتّى أخْرَجَهم ذَلِكَ إلى ما وصَفُوهُ بِهِ في هَذِهِ الآياتِ، فَلَوْ أمْكَنَهم أنْ يُعارِضُوهُ لَفَعَلُوا، ولَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى أنْ يَبْلُغُوا مُرادَهم فِيهِ مِمّا أوْرَدُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، ولَوِ اسْتَعانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ بِغَيْرِهِ لَأمْكَنَهم أيْضًا أنْ يَسْتَعِينُوا بِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَأُولَئِكَ المُنْكِرِينَ في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وفي المَكِنَةِ مِنَ الِاسْتِعانَةِ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ عُلِمَ أنَّ القُرْآنَ قَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الفَصاحَةِ وانْتَهى إلى حَدِّ الإعْجازِ، ولَمّا تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ في القُرْآنِ وظَهَرَ بِسَبَبِها سُقُوطُ هَذا السُّؤالِ، ظَهَرَ أنَّ إعادَةَ هَذا السُّؤالِ بَعْدَ تَقَدُّمِ هَذِهِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ لا يَكُونُ إلّا لِلتَّمادِي في الجَهْلِ والعِنادِ، فَلِذَلِكَ اكْتَفى اللَّهُ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكِسائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ أيْ: أتَوْا ظُلْمًا وكَذِبًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] فانْتَصَبَ بِوُقُوعِ المَجِيءِ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: جاءُوا بِالظُّلْمِ والزُّورِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ كَلامَهم بِأنَّهُ ظُلْمٌ وبِأنَّهُ زُورٌ، أمّا أنَّهُ ظُلْمٌ فَلِأنَّهم نَسَبُوا هَذا الفِعْلَ القَبِيحَ إلى مَن كانَ مُبَرَّأً عَنْهُ، فَقَدْ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ هو الظُّلْمُ، وأمّا الزُّورُ فَلِأنَّهم كَذَبُوا فِيهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظُّلْمُ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ والرَّدُّ عَلَيْهِ، والزُّورُ كَذِبُهم عَلَيْهِمْ.
صفحة ٤٥
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لَهم: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الأساطِيرُ ما سَطَّرَهُ المُتَقَدِّمُونَ كَأحادِيثِ رُسْتُمَ وأسفنديارَ، جَمْعُ أسْطارٍ أوْ أُسْطُورَةٍ كَأُحْدُوثَةٍ. ﴿اكْتَتَبَها﴾: انْتَسَخَها مُحَمَّدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، يَعْنِي عامِرًا ويَسارًا وجَبْرًا، ومَعْنى اكْتَتَبَ هَهُنا أمَرَ أنْ يُكْتَبَ لَهُ، كَما يُقالُ: احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّها كُتِبَتْ لَهُ وهو أُمِّيٌّ، فَهي تُلْقى عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى الحافِظِ كَصُورَةِ الإلْقاءِ عَلى الكاتِبِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ قالَ الضَّحّاكُ: ما يُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم عَشِيَّةً، وما يُمْلى عَلَيْهِ عَشِيَّةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم بُكَرَةً.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ كَلامُ اللَّهِ ذَكَرَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ تُمْلى عَلَيْهِ بِالوَحْيِ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وأمّا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن كَلامِ القَوْمِ، وأرادُوا بِهِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ أمْلَوْا عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ هَذِهِ الأشْياءَ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ؛ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: شِدَّةُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: اكْتَتَبَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ فَهي تُمْلى عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى أجابَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَوْلُ الحَسَنِ إنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فُتِحَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، وحَقُّ الحَسَنِ أنَّ يَقِفَ عَلى ”الأوَّلِينَ“، وأجابَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في بَيانِ أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وتَقْرِيرُهُ ما قَدَّمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالمُعارَضَةِ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْها، ولَوْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِالقُرْآنِ بِأنِ اسْتَعانَ بِأحَدٍ لَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِمْ أيْضًا أنَّ يَسْتَعِينُوا بِأحَدٍ فَيَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْهُ ثَبَتَ أنَّهُ وحْيُ اللَّهِ وكَلامُهُ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، وذَلِكَ لِأنَّ القادِرَ عَلى تَرْكِيبِ ألْفاظِ القُرْآنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ظاهِرِها وخافِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الفَصاحَةِ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثانِيها: أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثالِثُها: أنَّ القُرْآنَ مُبَرَّأٌ عَنِ النَّقْصِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النِّساءِ: ٨٢] .
ورابِعُها: اشْتِمالُهُ عَلى الأحْكامِ الَّتِي هي مُقْتَضِيَةٌ لِمَصالِحِ العالَمِ ونِظامِ العِبادِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وخامِسُها: اشْتِمالُهُ عَلى أنْواعِ العُلُومِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَلَمّا دَلَّ القُرْآنُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ إلّا كَلامَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، لا جَرَمَ اكْتَفى في جَوابِ شُبَهِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالسِّرِّ، فَمِنهم مَن قالَ: المَعْنى أنَّ العالِمَ بِكُلِّ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ هو الَّذِي يُمْكِنُهُ إنْزالُ مِثْلِ هَذا الكِتابِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ أنْزَلَهُ مَن يَعْلَمُ السِّرَّ، فَلَوْ كَذَبَ عَلَيْهِ لانْتَقَمَ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقَّةِ: ٤٤] وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى
صفحة ٤٦
أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ سِرٍّ خَفِيَ في السَّماواتِ والأرْضِ، ومِن جُمْلَتِهِ ما تُسِرُّونَهُ أنْتُمْ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ، مَعَ عِلْمِكم بِأنَّ ما يَقُولُهُ حَقٌّ ضَرُورَةً، وكَذَلِكَ باطِنُ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَراءَتُهُ مِمّا تَتَّهِمُونَهُ بِهِ، وهو سُبْحانَهُ مُجازِيكم ومُجازِيهِ عَلى ما عَلِمَ مِنكم وعَلِمَ مِنهُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: إنَّما ذَكَرَ الغَفُورَ الرَّحِيمَ في هَذا المَوْضِعِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ لِأجْلِ الإنْذارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ غَفُورًا رَحِيمًا غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ في العُقُوبَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا بِمُكايَدَتِهِمْ هَذِهِ أنْ يَصُبَّ عَلَيْهِمُ العَذابَ صَبًّا، ولَكِنْ صَرَفَ ذَلِكَ عَنْهم كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا يُمْهِلُ ولا يُعَجِّلُ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: وهي في نِهايَةِ الرَّكاكَةِ، ذَكَرُوا لَهُ صِفاتٍ خَمْسَةً فَزَعَمُوا أنَّها تُخِلُّ بِالرِّسالَةِ:
إحْداها: قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ .
وثانِيَتُها: قَوْلُهم: ﴿ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَمِن أيْنَ لَهُ الفَضْلُ عَلَيْنا وهو مِثْلُنا في هَذِهِ الأُمُورِ.
وثالِثَتُها: قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يُصَدِّقُهُ أوْ يَشْهَدُ لَهُ ويَرُدُّ عَلى مَن خالَفَهُ.
ورابِعَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ فَيُنْفِقُهُ فَلا يَحْتاجُ إلى التَّرَدُّدِ لِطَلَبِ المَعاشِ.
وخامِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”نَأْكُلُ مِنها“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، والمَعْنى: إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ كَنْزٌ فَلا أقَلَّ مِن أنْ تَكُونَ كَواحِدٍ مِنَ الدَّهاقِينَ، فَيَكُونَ لَكَ بُسْتانٌ تَأْكُلُ مِنهُ.
وسادِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في آخِرِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وبَيانُهُ أنَّ الَّذِي يَتَمَيَّزُ الرَّسُولُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ هو المُعْجِزَةُ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذَكَرُوها لا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في المُعْجِزَةِ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها قادِحًا في النُّبُوَّةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْظُرْ كَيْفَ اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ فِيهِ سَبِيلًا البَتَّةَ؛ إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها، لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم لَمّا ضَلُّوا لَمْ يَبْقَ فِيهِمُ اسْتِطاعَةُ قَبُولِ الحَقِّ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ عَلى مَذْهَبِنا، وتَقْرِيرُهُ بِالعَقْلِ ظاهِرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَوِيَ الدّاعِي إلى الحَقِّ والباطِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ داعِيَتُهُ إلى أحَدِهِما أرْجَحَ مِن داعِيَتِهِ إلى الثّانِي، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَحالُ الِاسْتِواءِ مُمْتَنِعُ الرُّجْحانِ، فَيَمْتَنِعُ الفِعْلُ، وإنْ كانَ الثّانِي فَحالُ رُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ يَكُونُ حُصُولُ الطَّرَفِ الآخَرِ مُمْتَنِعًا، فَثَبَتَ أنَّ حالَ رُجْحانِ الضَّلالَةِ في قَلْبِهِ اسْتَحالَ مِنهُ قَبُولُ الحَقِّ، وما كانَ مُحالًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا ما كانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
الفرقان 25:5
صفحة ٤٤
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وثالِثًا في هَذِهِ الآيَةِ تَكَلَّمَ في مَسْألَةِ النُّبُوَّةِ، وحَكى سُبْحانَهُ شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ:
الشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣] واعْلَمْ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في نَفْسِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في إضافَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِافْتِراءُ افْتِعالٌ مِن فَرَيْتُ، وقَدْ يُقالُ في تَقْدِيرِ الأدِيمِ: فَرَيْتُ الأدِيمَ، فَإذا أُرِيدَ قَطْعُ الإفْسادِ قِيلَ: أفْرَيْتُ وافْتَرَيْتُ وخَلَقْتُ واخْتَلَقْتُ، ويُقالُ فِيمَن شَتَمَ امْرَأً بِما لَيْسَ فِيهِ: افْتَرى عَلَيْهِ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَهو الَّذِي قالَ هَذا القَوْلَ.
﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يَعْنِي: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ غُلامُ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانُوا يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ ويُحَدِّثُونَ أحادِيثَ مِنها، فَلَمّا أسْلَمُوا وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَهَّدُهم، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ النَّضْرُ ما قالَ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ . وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا القَدْرَ إنَّما يَكْفِي جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ، وهُمُ النِّهايَةُ في الفَصاحَةِ، وقَدْ بَلَغُوا في الحِرْصِ عَلى إبْطالِ أمْرِهِ كُلَّ غايَةٍ، حَتّى أخْرَجَهم ذَلِكَ إلى ما وصَفُوهُ بِهِ في هَذِهِ الآياتِ، فَلَوْ أمْكَنَهم أنْ يُعارِضُوهُ لَفَعَلُوا، ولَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى أنْ يَبْلُغُوا مُرادَهم فِيهِ مِمّا أوْرَدُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، ولَوِ اسْتَعانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ بِغَيْرِهِ لَأمْكَنَهم أيْضًا أنْ يَسْتَعِينُوا بِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَأُولَئِكَ المُنْكِرِينَ في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وفي المَكِنَةِ مِنَ الِاسْتِعانَةِ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ عُلِمَ أنَّ القُرْآنَ قَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الفَصاحَةِ وانْتَهى إلى حَدِّ الإعْجازِ، ولَمّا تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ في القُرْآنِ وظَهَرَ بِسَبَبِها سُقُوطُ هَذا السُّؤالِ، ظَهَرَ أنَّ إعادَةَ هَذا السُّؤالِ بَعْدَ تَقَدُّمِ هَذِهِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ لا يَكُونُ إلّا لِلتَّمادِي في الجَهْلِ والعِنادِ، فَلِذَلِكَ اكْتَفى اللَّهُ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكِسائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ أيْ: أتَوْا ظُلْمًا وكَذِبًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] فانْتَصَبَ بِوُقُوعِ المَجِيءِ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: جاءُوا بِالظُّلْمِ والزُّورِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ كَلامَهم بِأنَّهُ ظُلْمٌ وبِأنَّهُ زُورٌ، أمّا أنَّهُ ظُلْمٌ فَلِأنَّهم نَسَبُوا هَذا الفِعْلَ القَبِيحَ إلى مَن كانَ مُبَرَّأً عَنْهُ، فَقَدْ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ هو الظُّلْمُ، وأمّا الزُّورُ فَلِأنَّهم كَذَبُوا فِيهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظُّلْمُ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ والرَّدُّ عَلَيْهِ، والزُّورُ كَذِبُهم عَلَيْهِمْ.
صفحة ٤٥
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لَهم: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الأساطِيرُ ما سَطَّرَهُ المُتَقَدِّمُونَ كَأحادِيثِ رُسْتُمَ وأسفنديارَ، جَمْعُ أسْطارٍ أوْ أُسْطُورَةٍ كَأُحْدُوثَةٍ. ﴿اكْتَتَبَها﴾: انْتَسَخَها مُحَمَّدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، يَعْنِي عامِرًا ويَسارًا وجَبْرًا، ومَعْنى اكْتَتَبَ هَهُنا أمَرَ أنْ يُكْتَبَ لَهُ، كَما يُقالُ: احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّها كُتِبَتْ لَهُ وهو أُمِّيٌّ، فَهي تُلْقى عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى الحافِظِ كَصُورَةِ الإلْقاءِ عَلى الكاتِبِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ قالَ الضَّحّاكُ: ما يُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم عَشِيَّةً، وما يُمْلى عَلَيْهِ عَشِيَّةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم بُكَرَةً.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ كَلامُ اللَّهِ ذَكَرَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ تُمْلى عَلَيْهِ بِالوَحْيِ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وأمّا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن كَلامِ القَوْمِ، وأرادُوا بِهِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ أمْلَوْا عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ هَذِهِ الأشْياءَ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ؛ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: شِدَّةُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: اكْتَتَبَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ فَهي تُمْلى عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى أجابَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَوْلُ الحَسَنِ إنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فُتِحَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، وحَقُّ الحَسَنِ أنَّ يَقِفَ عَلى ”الأوَّلِينَ“، وأجابَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في بَيانِ أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وتَقْرِيرُهُ ما قَدَّمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالمُعارَضَةِ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْها، ولَوْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِالقُرْآنِ بِأنِ اسْتَعانَ بِأحَدٍ لَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِمْ أيْضًا أنَّ يَسْتَعِينُوا بِأحَدٍ فَيَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْهُ ثَبَتَ أنَّهُ وحْيُ اللَّهِ وكَلامُهُ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، وذَلِكَ لِأنَّ القادِرَ عَلى تَرْكِيبِ ألْفاظِ القُرْآنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ظاهِرِها وخافِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الفَصاحَةِ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثانِيها: أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثالِثُها: أنَّ القُرْآنَ مُبَرَّأٌ عَنِ النَّقْصِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النِّساءِ: ٨٢] .
ورابِعُها: اشْتِمالُهُ عَلى الأحْكامِ الَّتِي هي مُقْتَضِيَةٌ لِمَصالِحِ العالَمِ ونِظامِ العِبادِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وخامِسُها: اشْتِمالُهُ عَلى أنْواعِ العُلُومِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَلَمّا دَلَّ القُرْآنُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ إلّا كَلامَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، لا جَرَمَ اكْتَفى في جَوابِ شُبَهِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالسِّرِّ، فَمِنهم مَن قالَ: المَعْنى أنَّ العالِمَ بِكُلِّ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ هو الَّذِي يُمْكِنُهُ إنْزالُ مِثْلِ هَذا الكِتابِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ أنْزَلَهُ مَن يَعْلَمُ السِّرَّ، فَلَوْ كَذَبَ عَلَيْهِ لانْتَقَمَ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقَّةِ: ٤٤] وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى
صفحة ٤٦
أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ سِرٍّ خَفِيَ في السَّماواتِ والأرْضِ، ومِن جُمْلَتِهِ ما تُسِرُّونَهُ أنْتُمْ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ، مَعَ عِلْمِكم بِأنَّ ما يَقُولُهُ حَقٌّ ضَرُورَةً، وكَذَلِكَ باطِنُ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَراءَتُهُ مِمّا تَتَّهِمُونَهُ بِهِ، وهو سُبْحانَهُ مُجازِيكم ومُجازِيهِ عَلى ما عَلِمَ مِنكم وعَلِمَ مِنهُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: إنَّما ذَكَرَ الغَفُورَ الرَّحِيمَ في هَذا المَوْضِعِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ لِأجْلِ الإنْذارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ غَفُورًا رَحِيمًا غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ في العُقُوبَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا بِمُكايَدَتِهِمْ هَذِهِ أنْ يَصُبَّ عَلَيْهِمُ العَذابَ صَبًّا، ولَكِنْ صَرَفَ ذَلِكَ عَنْهم كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا يُمْهِلُ ولا يُعَجِّلُ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: وهي في نِهايَةِ الرَّكاكَةِ، ذَكَرُوا لَهُ صِفاتٍ خَمْسَةً فَزَعَمُوا أنَّها تُخِلُّ بِالرِّسالَةِ:
إحْداها: قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ .
وثانِيَتُها: قَوْلُهم: ﴿ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَمِن أيْنَ لَهُ الفَضْلُ عَلَيْنا وهو مِثْلُنا في هَذِهِ الأُمُورِ.
وثالِثَتُها: قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يُصَدِّقُهُ أوْ يَشْهَدُ لَهُ ويَرُدُّ عَلى مَن خالَفَهُ.
ورابِعَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ فَيُنْفِقُهُ فَلا يَحْتاجُ إلى التَّرَدُّدِ لِطَلَبِ المَعاشِ.
وخامِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”نَأْكُلُ مِنها“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، والمَعْنى: إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ كَنْزٌ فَلا أقَلَّ مِن أنْ تَكُونَ كَواحِدٍ مِنَ الدَّهاقِينَ، فَيَكُونَ لَكَ بُسْتانٌ تَأْكُلُ مِنهُ.
وسادِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في آخِرِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وبَيانُهُ أنَّ الَّذِي يَتَمَيَّزُ الرَّسُولُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ هو المُعْجِزَةُ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذَكَرُوها لا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في المُعْجِزَةِ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها قادِحًا في النُّبُوَّةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْظُرْ كَيْفَ اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ فِيهِ سَبِيلًا البَتَّةَ؛ إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها، لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم لَمّا ضَلُّوا لَمْ يَبْقَ فِيهِمُ اسْتِطاعَةُ قَبُولِ الحَقِّ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ عَلى مَذْهَبِنا، وتَقْرِيرُهُ بِالعَقْلِ ظاهِرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَوِيَ الدّاعِي إلى الحَقِّ والباطِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ داعِيَتُهُ إلى أحَدِهِما أرْجَحَ مِن داعِيَتِهِ إلى الثّانِي، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَحالُ الِاسْتِواءِ مُمْتَنِعُ الرُّجْحانِ، فَيَمْتَنِعُ الفِعْلُ، وإنْ كانَ الثّانِي فَحالُ رُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ يَكُونُ حُصُولُ الطَّرَفِ الآخَرِ مُمْتَنِعًا، فَثَبَتَ أنَّ حالَ رُجْحانِ الضَّلالَةِ في قَلْبِهِ اسْتَحالَ مِنهُ قَبُولُ الحَقِّ، وما كانَ مُحالًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا ما كانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
الفرقان 25:6
صفحة ٤٤
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وثالِثًا في هَذِهِ الآيَةِ تَكَلَّمَ في مَسْألَةِ النُّبُوَّةِ، وحَكى سُبْحانَهُ شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ:
الشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣] واعْلَمْ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في نَفْسِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في إضافَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِافْتِراءُ افْتِعالٌ مِن فَرَيْتُ، وقَدْ يُقالُ في تَقْدِيرِ الأدِيمِ: فَرَيْتُ الأدِيمَ، فَإذا أُرِيدَ قَطْعُ الإفْسادِ قِيلَ: أفْرَيْتُ وافْتَرَيْتُ وخَلَقْتُ واخْتَلَقْتُ، ويُقالُ فِيمَن شَتَمَ امْرَأً بِما لَيْسَ فِيهِ: افْتَرى عَلَيْهِ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَهو الَّذِي قالَ هَذا القَوْلَ.
﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يَعْنِي: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ غُلامُ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانُوا يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ ويُحَدِّثُونَ أحادِيثَ مِنها، فَلَمّا أسْلَمُوا وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَهَّدُهم، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ النَّضْرُ ما قالَ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ . وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا القَدْرَ إنَّما يَكْفِي جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ، وهُمُ النِّهايَةُ في الفَصاحَةِ، وقَدْ بَلَغُوا في الحِرْصِ عَلى إبْطالِ أمْرِهِ كُلَّ غايَةٍ، حَتّى أخْرَجَهم ذَلِكَ إلى ما وصَفُوهُ بِهِ في هَذِهِ الآياتِ، فَلَوْ أمْكَنَهم أنْ يُعارِضُوهُ لَفَعَلُوا، ولَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى أنْ يَبْلُغُوا مُرادَهم فِيهِ مِمّا أوْرَدُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، ولَوِ اسْتَعانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ بِغَيْرِهِ لَأمْكَنَهم أيْضًا أنْ يَسْتَعِينُوا بِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَأُولَئِكَ المُنْكِرِينَ في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وفي المَكِنَةِ مِنَ الِاسْتِعانَةِ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ عُلِمَ أنَّ القُرْآنَ قَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الفَصاحَةِ وانْتَهى إلى حَدِّ الإعْجازِ، ولَمّا تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ في القُرْآنِ وظَهَرَ بِسَبَبِها سُقُوطُ هَذا السُّؤالِ، ظَهَرَ أنَّ إعادَةَ هَذا السُّؤالِ بَعْدَ تَقَدُّمِ هَذِهِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ لا يَكُونُ إلّا لِلتَّمادِي في الجَهْلِ والعِنادِ، فَلِذَلِكَ اكْتَفى اللَّهُ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكِسائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ أيْ: أتَوْا ظُلْمًا وكَذِبًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] فانْتَصَبَ بِوُقُوعِ المَجِيءِ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: جاءُوا بِالظُّلْمِ والزُّورِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ كَلامَهم بِأنَّهُ ظُلْمٌ وبِأنَّهُ زُورٌ، أمّا أنَّهُ ظُلْمٌ فَلِأنَّهم نَسَبُوا هَذا الفِعْلَ القَبِيحَ إلى مَن كانَ مُبَرَّأً عَنْهُ، فَقَدْ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ هو الظُّلْمُ، وأمّا الزُّورُ فَلِأنَّهم كَذَبُوا فِيهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظُّلْمُ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ والرَّدُّ عَلَيْهِ، والزُّورُ كَذِبُهم عَلَيْهِمْ.
صفحة ٤٥
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لَهم: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الأساطِيرُ ما سَطَّرَهُ المُتَقَدِّمُونَ كَأحادِيثِ رُسْتُمَ وأسفنديارَ، جَمْعُ أسْطارٍ أوْ أُسْطُورَةٍ كَأُحْدُوثَةٍ. ﴿اكْتَتَبَها﴾: انْتَسَخَها مُحَمَّدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، يَعْنِي عامِرًا ويَسارًا وجَبْرًا، ومَعْنى اكْتَتَبَ هَهُنا أمَرَ أنْ يُكْتَبَ لَهُ، كَما يُقالُ: احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّها كُتِبَتْ لَهُ وهو أُمِّيٌّ، فَهي تُلْقى عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى الحافِظِ كَصُورَةِ الإلْقاءِ عَلى الكاتِبِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ قالَ الضَّحّاكُ: ما يُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم عَشِيَّةً، وما يُمْلى عَلَيْهِ عَشِيَّةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم بُكَرَةً.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ كَلامُ اللَّهِ ذَكَرَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ تُمْلى عَلَيْهِ بِالوَحْيِ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وأمّا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن كَلامِ القَوْمِ، وأرادُوا بِهِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ أمْلَوْا عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ هَذِهِ الأشْياءَ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ؛ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: شِدَّةُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: اكْتَتَبَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ فَهي تُمْلى عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى أجابَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَوْلُ الحَسَنِ إنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فُتِحَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، وحَقُّ الحَسَنِ أنَّ يَقِفَ عَلى ”الأوَّلِينَ“، وأجابَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في بَيانِ أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وتَقْرِيرُهُ ما قَدَّمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالمُعارَضَةِ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْها، ولَوْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِالقُرْآنِ بِأنِ اسْتَعانَ بِأحَدٍ لَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِمْ أيْضًا أنَّ يَسْتَعِينُوا بِأحَدٍ فَيَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْهُ ثَبَتَ أنَّهُ وحْيُ اللَّهِ وكَلامُهُ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، وذَلِكَ لِأنَّ القادِرَ عَلى تَرْكِيبِ ألْفاظِ القُرْآنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ظاهِرِها وخافِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الفَصاحَةِ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثانِيها: أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثالِثُها: أنَّ القُرْآنَ مُبَرَّأٌ عَنِ النَّقْصِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النِّساءِ: ٨٢] .
ورابِعُها: اشْتِمالُهُ عَلى الأحْكامِ الَّتِي هي مُقْتَضِيَةٌ لِمَصالِحِ العالَمِ ونِظامِ العِبادِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وخامِسُها: اشْتِمالُهُ عَلى أنْواعِ العُلُومِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَلَمّا دَلَّ القُرْآنُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ إلّا كَلامَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، لا جَرَمَ اكْتَفى في جَوابِ شُبَهِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالسِّرِّ، فَمِنهم مَن قالَ: المَعْنى أنَّ العالِمَ بِكُلِّ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ هو الَّذِي يُمْكِنُهُ إنْزالُ مِثْلِ هَذا الكِتابِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ أنْزَلَهُ مَن يَعْلَمُ السِّرَّ، فَلَوْ كَذَبَ عَلَيْهِ لانْتَقَمَ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقَّةِ: ٤٤] وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى
صفحة ٤٦
أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ سِرٍّ خَفِيَ في السَّماواتِ والأرْضِ، ومِن جُمْلَتِهِ ما تُسِرُّونَهُ أنْتُمْ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ، مَعَ عِلْمِكم بِأنَّ ما يَقُولُهُ حَقٌّ ضَرُورَةً، وكَذَلِكَ باطِنُ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَراءَتُهُ مِمّا تَتَّهِمُونَهُ بِهِ، وهو سُبْحانَهُ مُجازِيكم ومُجازِيهِ عَلى ما عَلِمَ مِنكم وعَلِمَ مِنهُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: إنَّما ذَكَرَ الغَفُورَ الرَّحِيمَ في هَذا المَوْضِعِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ لِأجْلِ الإنْذارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ غَفُورًا رَحِيمًا غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ في العُقُوبَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا بِمُكايَدَتِهِمْ هَذِهِ أنْ يَصُبَّ عَلَيْهِمُ العَذابَ صَبًّا، ولَكِنْ صَرَفَ ذَلِكَ عَنْهم كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا يُمْهِلُ ولا يُعَجِّلُ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: وهي في نِهايَةِ الرَّكاكَةِ، ذَكَرُوا لَهُ صِفاتٍ خَمْسَةً فَزَعَمُوا أنَّها تُخِلُّ بِالرِّسالَةِ:
إحْداها: قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ .
وثانِيَتُها: قَوْلُهم: ﴿ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَمِن أيْنَ لَهُ الفَضْلُ عَلَيْنا وهو مِثْلُنا في هَذِهِ الأُمُورِ.
وثالِثَتُها: قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يُصَدِّقُهُ أوْ يَشْهَدُ لَهُ ويَرُدُّ عَلى مَن خالَفَهُ.
ورابِعَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ فَيُنْفِقُهُ فَلا يَحْتاجُ إلى التَّرَدُّدِ لِطَلَبِ المَعاشِ.
وخامِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”نَأْكُلُ مِنها“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، والمَعْنى: إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ كَنْزٌ فَلا أقَلَّ مِن أنْ تَكُونَ كَواحِدٍ مِنَ الدَّهاقِينَ، فَيَكُونَ لَكَ بُسْتانٌ تَأْكُلُ مِنهُ.
وسادِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في آخِرِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وبَيانُهُ أنَّ الَّذِي يَتَمَيَّزُ الرَّسُولُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ هو المُعْجِزَةُ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذَكَرُوها لا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في المُعْجِزَةِ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها قادِحًا في النُّبُوَّةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْظُرْ كَيْفَ اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ فِيهِ سَبِيلًا البَتَّةَ؛ إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها، لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم لَمّا ضَلُّوا لَمْ يَبْقَ فِيهِمُ اسْتِطاعَةُ قَبُولِ الحَقِّ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ عَلى مَذْهَبِنا، وتَقْرِيرُهُ بِالعَقْلِ ظاهِرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَوِيَ الدّاعِي إلى الحَقِّ والباطِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ داعِيَتُهُ إلى أحَدِهِما أرْجَحَ مِن داعِيَتِهِ إلى الثّانِي، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَحالُ الِاسْتِواءِ مُمْتَنِعُ الرُّجْحانِ، فَيَمْتَنِعُ الفِعْلُ، وإنْ كانَ الثّانِي فَحالُ رُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ يَكُونُ حُصُولُ الطَّرَفِ الآخَرِ مُمْتَنِعًا، فَثَبَتَ أنَّ حالَ رُجْحانِ الضَّلالَةِ في قَلْبِهِ اسْتَحالَ مِنهُ قَبُولُ الحَقِّ، وما كانَ مُحالًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا ما كانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
الفرقان 25:7
صفحة ٤٤
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وثالِثًا في هَذِهِ الآيَةِ تَكَلَّمَ في مَسْألَةِ النُّبُوَّةِ، وحَكى سُبْحانَهُ شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ:
الشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣] واعْلَمْ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في نَفْسِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في إضافَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِافْتِراءُ افْتِعالٌ مِن فَرَيْتُ، وقَدْ يُقالُ في تَقْدِيرِ الأدِيمِ: فَرَيْتُ الأدِيمَ، فَإذا أُرِيدَ قَطْعُ الإفْسادِ قِيلَ: أفْرَيْتُ وافْتَرَيْتُ وخَلَقْتُ واخْتَلَقْتُ، ويُقالُ فِيمَن شَتَمَ امْرَأً بِما لَيْسَ فِيهِ: افْتَرى عَلَيْهِ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَهو الَّذِي قالَ هَذا القَوْلَ.
﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يَعْنِي: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ غُلامُ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانُوا يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ ويُحَدِّثُونَ أحادِيثَ مِنها، فَلَمّا أسْلَمُوا وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَهَّدُهم، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ النَّضْرُ ما قالَ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ . وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا القَدْرَ إنَّما يَكْفِي جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ، وهُمُ النِّهايَةُ في الفَصاحَةِ، وقَدْ بَلَغُوا في الحِرْصِ عَلى إبْطالِ أمْرِهِ كُلَّ غايَةٍ، حَتّى أخْرَجَهم ذَلِكَ إلى ما وصَفُوهُ بِهِ في هَذِهِ الآياتِ، فَلَوْ أمْكَنَهم أنْ يُعارِضُوهُ لَفَعَلُوا، ولَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى أنْ يَبْلُغُوا مُرادَهم فِيهِ مِمّا أوْرَدُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، ولَوِ اسْتَعانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ بِغَيْرِهِ لَأمْكَنَهم أيْضًا أنْ يَسْتَعِينُوا بِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَأُولَئِكَ المُنْكِرِينَ في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وفي المَكِنَةِ مِنَ الِاسْتِعانَةِ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ عُلِمَ أنَّ القُرْآنَ قَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الفَصاحَةِ وانْتَهى إلى حَدِّ الإعْجازِ، ولَمّا تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ في القُرْآنِ وظَهَرَ بِسَبَبِها سُقُوطُ هَذا السُّؤالِ، ظَهَرَ أنَّ إعادَةَ هَذا السُّؤالِ بَعْدَ تَقَدُّمِ هَذِهِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ لا يَكُونُ إلّا لِلتَّمادِي في الجَهْلِ والعِنادِ، فَلِذَلِكَ اكْتَفى اللَّهُ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكِسائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ أيْ: أتَوْا ظُلْمًا وكَذِبًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] فانْتَصَبَ بِوُقُوعِ المَجِيءِ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: جاءُوا بِالظُّلْمِ والزُّورِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ كَلامَهم بِأنَّهُ ظُلْمٌ وبِأنَّهُ زُورٌ، أمّا أنَّهُ ظُلْمٌ فَلِأنَّهم نَسَبُوا هَذا الفِعْلَ القَبِيحَ إلى مَن كانَ مُبَرَّأً عَنْهُ، فَقَدْ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ هو الظُّلْمُ، وأمّا الزُّورُ فَلِأنَّهم كَذَبُوا فِيهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظُّلْمُ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ والرَّدُّ عَلَيْهِ، والزُّورُ كَذِبُهم عَلَيْهِمْ.
صفحة ٤٥
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لَهم: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الأساطِيرُ ما سَطَّرَهُ المُتَقَدِّمُونَ كَأحادِيثِ رُسْتُمَ وأسفنديارَ، جَمْعُ أسْطارٍ أوْ أُسْطُورَةٍ كَأُحْدُوثَةٍ. ﴿اكْتَتَبَها﴾: انْتَسَخَها مُحَمَّدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، يَعْنِي عامِرًا ويَسارًا وجَبْرًا، ومَعْنى اكْتَتَبَ هَهُنا أمَرَ أنْ يُكْتَبَ لَهُ، كَما يُقالُ: احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّها كُتِبَتْ لَهُ وهو أُمِّيٌّ، فَهي تُلْقى عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى الحافِظِ كَصُورَةِ الإلْقاءِ عَلى الكاتِبِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ قالَ الضَّحّاكُ: ما يُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم عَشِيَّةً، وما يُمْلى عَلَيْهِ عَشِيَّةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم بُكَرَةً.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ كَلامُ اللَّهِ ذَكَرَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ تُمْلى عَلَيْهِ بِالوَحْيِ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وأمّا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن كَلامِ القَوْمِ، وأرادُوا بِهِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ أمْلَوْا عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ هَذِهِ الأشْياءَ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ؛ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: شِدَّةُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: اكْتَتَبَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ فَهي تُمْلى عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى أجابَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَوْلُ الحَسَنِ إنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فُتِحَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، وحَقُّ الحَسَنِ أنَّ يَقِفَ عَلى ”الأوَّلِينَ“، وأجابَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في بَيانِ أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وتَقْرِيرُهُ ما قَدَّمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالمُعارَضَةِ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْها، ولَوْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِالقُرْآنِ بِأنِ اسْتَعانَ بِأحَدٍ لَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِمْ أيْضًا أنَّ يَسْتَعِينُوا بِأحَدٍ فَيَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْهُ ثَبَتَ أنَّهُ وحْيُ اللَّهِ وكَلامُهُ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، وذَلِكَ لِأنَّ القادِرَ عَلى تَرْكِيبِ ألْفاظِ القُرْآنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ظاهِرِها وخافِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الفَصاحَةِ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثانِيها: أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثالِثُها: أنَّ القُرْآنَ مُبَرَّأٌ عَنِ النَّقْصِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النِّساءِ: ٨٢] .
ورابِعُها: اشْتِمالُهُ عَلى الأحْكامِ الَّتِي هي مُقْتَضِيَةٌ لِمَصالِحِ العالَمِ ونِظامِ العِبادِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وخامِسُها: اشْتِمالُهُ عَلى أنْواعِ العُلُومِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَلَمّا دَلَّ القُرْآنُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ إلّا كَلامَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، لا جَرَمَ اكْتَفى في جَوابِ شُبَهِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالسِّرِّ، فَمِنهم مَن قالَ: المَعْنى أنَّ العالِمَ بِكُلِّ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ هو الَّذِي يُمْكِنُهُ إنْزالُ مِثْلِ هَذا الكِتابِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ أنْزَلَهُ مَن يَعْلَمُ السِّرَّ، فَلَوْ كَذَبَ عَلَيْهِ لانْتَقَمَ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقَّةِ: ٤٤] وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى
صفحة ٤٦
أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ سِرٍّ خَفِيَ في السَّماواتِ والأرْضِ، ومِن جُمْلَتِهِ ما تُسِرُّونَهُ أنْتُمْ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ، مَعَ عِلْمِكم بِأنَّ ما يَقُولُهُ حَقٌّ ضَرُورَةً، وكَذَلِكَ باطِنُ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَراءَتُهُ مِمّا تَتَّهِمُونَهُ بِهِ، وهو سُبْحانَهُ مُجازِيكم ومُجازِيهِ عَلى ما عَلِمَ مِنكم وعَلِمَ مِنهُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: إنَّما ذَكَرَ الغَفُورَ الرَّحِيمَ في هَذا المَوْضِعِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ لِأجْلِ الإنْذارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ غَفُورًا رَحِيمًا غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ في العُقُوبَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا بِمُكايَدَتِهِمْ هَذِهِ أنْ يَصُبَّ عَلَيْهِمُ العَذابَ صَبًّا، ولَكِنْ صَرَفَ ذَلِكَ عَنْهم كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا يُمْهِلُ ولا يُعَجِّلُ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: وهي في نِهايَةِ الرَّكاكَةِ، ذَكَرُوا لَهُ صِفاتٍ خَمْسَةً فَزَعَمُوا أنَّها تُخِلُّ بِالرِّسالَةِ:
إحْداها: قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ .
وثانِيَتُها: قَوْلُهم: ﴿ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَمِن أيْنَ لَهُ الفَضْلُ عَلَيْنا وهو مِثْلُنا في هَذِهِ الأُمُورِ.
وثالِثَتُها: قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يُصَدِّقُهُ أوْ يَشْهَدُ لَهُ ويَرُدُّ عَلى مَن خالَفَهُ.
ورابِعَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ فَيُنْفِقُهُ فَلا يَحْتاجُ إلى التَّرَدُّدِ لِطَلَبِ المَعاشِ.
وخامِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”نَأْكُلُ مِنها“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، والمَعْنى: إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ كَنْزٌ فَلا أقَلَّ مِن أنْ تَكُونَ كَواحِدٍ مِنَ الدَّهاقِينَ، فَيَكُونَ لَكَ بُسْتانٌ تَأْكُلُ مِنهُ.
وسادِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في آخِرِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وبَيانُهُ أنَّ الَّذِي يَتَمَيَّزُ الرَّسُولُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ هو المُعْجِزَةُ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذَكَرُوها لا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في المُعْجِزَةِ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها قادِحًا في النُّبُوَّةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْظُرْ كَيْفَ اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ فِيهِ سَبِيلًا البَتَّةَ؛ إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها، لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم لَمّا ضَلُّوا لَمْ يَبْقَ فِيهِمُ اسْتِطاعَةُ قَبُولِ الحَقِّ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ عَلى مَذْهَبِنا، وتَقْرِيرُهُ بِالعَقْلِ ظاهِرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَوِيَ الدّاعِي إلى الحَقِّ والباطِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ داعِيَتُهُ إلى أحَدِهِما أرْجَحَ مِن داعِيَتِهِ إلى الثّانِي، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَحالُ الِاسْتِواءِ مُمْتَنِعُ الرُّجْحانِ، فَيَمْتَنِعُ الفِعْلُ، وإنْ كانَ الثّانِي فَحالُ رُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ يَكُونُ حُصُولُ الطَّرَفِ الآخَرِ مُمْتَنِعًا، فَثَبَتَ أنَّ حالَ رُجْحانِ الضَّلالَةِ في قَلْبِهِ اسْتَحالَ مِنهُ قَبُولُ الحَقِّ، وما كانَ مُحالًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا ما كانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
الفرقان 25:8
صفحة ٤٤
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وثالِثًا في هَذِهِ الآيَةِ تَكَلَّمَ في مَسْألَةِ النُّبُوَّةِ، وحَكى سُبْحانَهُ شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ:
الشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣] واعْلَمْ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في نَفْسِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في إضافَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِافْتِراءُ افْتِعالٌ مِن فَرَيْتُ، وقَدْ يُقالُ في تَقْدِيرِ الأدِيمِ: فَرَيْتُ الأدِيمَ، فَإذا أُرِيدَ قَطْعُ الإفْسادِ قِيلَ: أفْرَيْتُ وافْتَرَيْتُ وخَلَقْتُ واخْتَلَقْتُ، ويُقالُ فِيمَن شَتَمَ امْرَأً بِما لَيْسَ فِيهِ: افْتَرى عَلَيْهِ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَهو الَّذِي قالَ هَذا القَوْلَ.
﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يَعْنِي: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ غُلامُ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانُوا يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ ويُحَدِّثُونَ أحادِيثَ مِنها، فَلَمّا أسْلَمُوا وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَهَّدُهم، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ النَّضْرُ ما قالَ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ . وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا القَدْرَ إنَّما يَكْفِي جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ، وهُمُ النِّهايَةُ في الفَصاحَةِ، وقَدْ بَلَغُوا في الحِرْصِ عَلى إبْطالِ أمْرِهِ كُلَّ غايَةٍ، حَتّى أخْرَجَهم ذَلِكَ إلى ما وصَفُوهُ بِهِ في هَذِهِ الآياتِ، فَلَوْ أمْكَنَهم أنْ يُعارِضُوهُ لَفَعَلُوا، ولَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى أنْ يَبْلُغُوا مُرادَهم فِيهِ مِمّا أوْرَدُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، ولَوِ اسْتَعانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ بِغَيْرِهِ لَأمْكَنَهم أيْضًا أنْ يَسْتَعِينُوا بِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَأُولَئِكَ المُنْكِرِينَ في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وفي المَكِنَةِ مِنَ الِاسْتِعانَةِ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ عُلِمَ أنَّ القُرْآنَ قَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الفَصاحَةِ وانْتَهى إلى حَدِّ الإعْجازِ، ولَمّا تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ في القُرْآنِ وظَهَرَ بِسَبَبِها سُقُوطُ هَذا السُّؤالِ، ظَهَرَ أنَّ إعادَةَ هَذا السُّؤالِ بَعْدَ تَقَدُّمِ هَذِهِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ لا يَكُونُ إلّا لِلتَّمادِي في الجَهْلِ والعِنادِ، فَلِذَلِكَ اكْتَفى اللَّهُ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكِسائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ أيْ: أتَوْا ظُلْمًا وكَذِبًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] فانْتَصَبَ بِوُقُوعِ المَجِيءِ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: جاءُوا بِالظُّلْمِ والزُّورِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ كَلامَهم بِأنَّهُ ظُلْمٌ وبِأنَّهُ زُورٌ، أمّا أنَّهُ ظُلْمٌ فَلِأنَّهم نَسَبُوا هَذا الفِعْلَ القَبِيحَ إلى مَن كانَ مُبَرَّأً عَنْهُ، فَقَدْ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ هو الظُّلْمُ، وأمّا الزُّورُ فَلِأنَّهم كَذَبُوا فِيهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظُّلْمُ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ والرَّدُّ عَلَيْهِ، والزُّورُ كَذِبُهم عَلَيْهِمْ.
صفحة ٤٥
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لَهم: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الأساطِيرُ ما سَطَّرَهُ المُتَقَدِّمُونَ كَأحادِيثِ رُسْتُمَ وأسفنديارَ، جَمْعُ أسْطارٍ أوْ أُسْطُورَةٍ كَأُحْدُوثَةٍ. ﴿اكْتَتَبَها﴾: انْتَسَخَها مُحَمَّدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، يَعْنِي عامِرًا ويَسارًا وجَبْرًا، ومَعْنى اكْتَتَبَ هَهُنا أمَرَ أنْ يُكْتَبَ لَهُ، كَما يُقالُ: احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّها كُتِبَتْ لَهُ وهو أُمِّيٌّ، فَهي تُلْقى عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى الحافِظِ كَصُورَةِ الإلْقاءِ عَلى الكاتِبِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ قالَ الضَّحّاكُ: ما يُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم عَشِيَّةً، وما يُمْلى عَلَيْهِ عَشِيَّةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم بُكَرَةً.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ كَلامُ اللَّهِ ذَكَرَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ تُمْلى عَلَيْهِ بِالوَحْيِ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وأمّا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن كَلامِ القَوْمِ، وأرادُوا بِهِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ أمْلَوْا عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ هَذِهِ الأشْياءَ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ؛ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: شِدَّةُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: اكْتَتَبَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ فَهي تُمْلى عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى أجابَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَوْلُ الحَسَنِ إنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فُتِحَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، وحَقُّ الحَسَنِ أنَّ يَقِفَ عَلى ”الأوَّلِينَ“، وأجابَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في بَيانِ أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وتَقْرِيرُهُ ما قَدَّمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالمُعارَضَةِ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْها، ولَوْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِالقُرْآنِ بِأنِ اسْتَعانَ بِأحَدٍ لَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِمْ أيْضًا أنَّ يَسْتَعِينُوا بِأحَدٍ فَيَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْهُ ثَبَتَ أنَّهُ وحْيُ اللَّهِ وكَلامُهُ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، وذَلِكَ لِأنَّ القادِرَ عَلى تَرْكِيبِ ألْفاظِ القُرْآنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ظاهِرِها وخافِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الفَصاحَةِ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثانِيها: أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثالِثُها: أنَّ القُرْآنَ مُبَرَّأٌ عَنِ النَّقْصِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النِّساءِ: ٨٢] .
ورابِعُها: اشْتِمالُهُ عَلى الأحْكامِ الَّتِي هي مُقْتَضِيَةٌ لِمَصالِحِ العالَمِ ونِظامِ العِبادِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وخامِسُها: اشْتِمالُهُ عَلى أنْواعِ العُلُومِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَلَمّا دَلَّ القُرْآنُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ إلّا كَلامَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، لا جَرَمَ اكْتَفى في جَوابِ شُبَهِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالسِّرِّ، فَمِنهم مَن قالَ: المَعْنى أنَّ العالِمَ بِكُلِّ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ هو الَّذِي يُمْكِنُهُ إنْزالُ مِثْلِ هَذا الكِتابِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ أنْزَلَهُ مَن يَعْلَمُ السِّرَّ، فَلَوْ كَذَبَ عَلَيْهِ لانْتَقَمَ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقَّةِ: ٤٤] وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى
صفحة ٤٦
أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ سِرٍّ خَفِيَ في السَّماواتِ والأرْضِ، ومِن جُمْلَتِهِ ما تُسِرُّونَهُ أنْتُمْ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ، مَعَ عِلْمِكم بِأنَّ ما يَقُولُهُ حَقٌّ ضَرُورَةً، وكَذَلِكَ باطِنُ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَراءَتُهُ مِمّا تَتَّهِمُونَهُ بِهِ، وهو سُبْحانَهُ مُجازِيكم ومُجازِيهِ عَلى ما عَلِمَ مِنكم وعَلِمَ مِنهُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: إنَّما ذَكَرَ الغَفُورَ الرَّحِيمَ في هَذا المَوْضِعِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ لِأجْلِ الإنْذارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ غَفُورًا رَحِيمًا غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ في العُقُوبَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا بِمُكايَدَتِهِمْ هَذِهِ أنْ يَصُبَّ عَلَيْهِمُ العَذابَ صَبًّا، ولَكِنْ صَرَفَ ذَلِكَ عَنْهم كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا يُمْهِلُ ولا يُعَجِّلُ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: وهي في نِهايَةِ الرَّكاكَةِ، ذَكَرُوا لَهُ صِفاتٍ خَمْسَةً فَزَعَمُوا أنَّها تُخِلُّ بِالرِّسالَةِ:
إحْداها: قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ .
وثانِيَتُها: قَوْلُهم: ﴿ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَمِن أيْنَ لَهُ الفَضْلُ عَلَيْنا وهو مِثْلُنا في هَذِهِ الأُمُورِ.
وثالِثَتُها: قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يُصَدِّقُهُ أوْ يَشْهَدُ لَهُ ويَرُدُّ عَلى مَن خالَفَهُ.
ورابِعَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ فَيُنْفِقُهُ فَلا يَحْتاجُ إلى التَّرَدُّدِ لِطَلَبِ المَعاشِ.
وخامِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”نَأْكُلُ مِنها“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، والمَعْنى: إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ كَنْزٌ فَلا أقَلَّ مِن أنْ تَكُونَ كَواحِدٍ مِنَ الدَّهاقِينَ، فَيَكُونَ لَكَ بُسْتانٌ تَأْكُلُ مِنهُ.
وسادِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في آخِرِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وبَيانُهُ أنَّ الَّذِي يَتَمَيَّزُ الرَّسُولُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ هو المُعْجِزَةُ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذَكَرُوها لا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في المُعْجِزَةِ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها قادِحًا في النُّبُوَّةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْظُرْ كَيْفَ اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ فِيهِ سَبِيلًا البَتَّةَ؛ إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها، لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم لَمّا ضَلُّوا لَمْ يَبْقَ فِيهِمُ اسْتِطاعَةُ قَبُولِ الحَقِّ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ عَلى مَذْهَبِنا، وتَقْرِيرُهُ بِالعَقْلِ ظاهِرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَوِيَ الدّاعِي إلى الحَقِّ والباطِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ داعِيَتُهُ إلى أحَدِهِما أرْجَحَ مِن داعِيَتِهِ إلى الثّانِي، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَحالُ الِاسْتِواءِ مُمْتَنِعُ الرُّجْحانِ، فَيَمْتَنِعُ الفِعْلُ، وإنْ كانَ الثّانِي فَحالُ رُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ يَكُونُ حُصُولُ الطَّرَفِ الآخَرِ مُمْتَنِعًا، فَثَبَتَ أنَّ حالَ رُجْحانِ الضَّلالَةِ في قَلْبِهِ اسْتَحالَ مِنهُ قَبُولُ الحَقِّ، وما كانَ مُحالًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا ما كانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
الفرقان 25:9
صفحة ٤٤
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وثالِثًا في هَذِهِ الآيَةِ تَكَلَّمَ في مَسْألَةِ النُّبُوَّةِ، وحَكى سُبْحانَهُ شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ:
الشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣] واعْلَمْ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في نَفْسِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في إضافَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِافْتِراءُ افْتِعالٌ مِن فَرَيْتُ، وقَدْ يُقالُ في تَقْدِيرِ الأدِيمِ: فَرَيْتُ الأدِيمَ، فَإذا أُرِيدَ قَطْعُ الإفْسادِ قِيلَ: أفْرَيْتُ وافْتَرَيْتُ وخَلَقْتُ واخْتَلَقْتُ، ويُقالُ فِيمَن شَتَمَ امْرَأً بِما لَيْسَ فِيهِ: افْتَرى عَلَيْهِ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَهو الَّذِي قالَ هَذا القَوْلَ.
﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يَعْنِي: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ غُلامُ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانُوا يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ ويُحَدِّثُونَ أحادِيثَ مِنها، فَلَمّا أسْلَمُوا وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَهَّدُهم، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ النَّضْرُ ما قالَ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ . وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا القَدْرَ إنَّما يَكْفِي جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ، وهُمُ النِّهايَةُ في الفَصاحَةِ، وقَدْ بَلَغُوا في الحِرْصِ عَلى إبْطالِ أمْرِهِ كُلَّ غايَةٍ، حَتّى أخْرَجَهم ذَلِكَ إلى ما وصَفُوهُ بِهِ في هَذِهِ الآياتِ، فَلَوْ أمْكَنَهم أنْ يُعارِضُوهُ لَفَعَلُوا، ولَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى أنْ يَبْلُغُوا مُرادَهم فِيهِ مِمّا أوْرَدُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، ولَوِ اسْتَعانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ بِغَيْرِهِ لَأمْكَنَهم أيْضًا أنْ يَسْتَعِينُوا بِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَأُولَئِكَ المُنْكِرِينَ في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وفي المَكِنَةِ مِنَ الِاسْتِعانَةِ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ عُلِمَ أنَّ القُرْآنَ قَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الفَصاحَةِ وانْتَهى إلى حَدِّ الإعْجازِ، ولَمّا تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ في القُرْآنِ وظَهَرَ بِسَبَبِها سُقُوطُ هَذا السُّؤالِ، ظَهَرَ أنَّ إعادَةَ هَذا السُّؤالِ بَعْدَ تَقَدُّمِ هَذِهِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ لا يَكُونُ إلّا لِلتَّمادِي في الجَهْلِ والعِنادِ، فَلِذَلِكَ اكْتَفى اللَّهُ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكِسائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ أيْ: أتَوْا ظُلْمًا وكَذِبًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] فانْتَصَبَ بِوُقُوعِ المَجِيءِ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: جاءُوا بِالظُّلْمِ والزُّورِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ كَلامَهم بِأنَّهُ ظُلْمٌ وبِأنَّهُ زُورٌ، أمّا أنَّهُ ظُلْمٌ فَلِأنَّهم نَسَبُوا هَذا الفِعْلَ القَبِيحَ إلى مَن كانَ مُبَرَّأً عَنْهُ، فَقَدْ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ هو الظُّلْمُ، وأمّا الزُّورُ فَلِأنَّهم كَذَبُوا فِيهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظُّلْمُ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ والرَّدُّ عَلَيْهِ، والزُّورُ كَذِبُهم عَلَيْهِمْ.
صفحة ٤٥
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لَهم: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الأساطِيرُ ما سَطَّرَهُ المُتَقَدِّمُونَ كَأحادِيثِ رُسْتُمَ وأسفنديارَ، جَمْعُ أسْطارٍ أوْ أُسْطُورَةٍ كَأُحْدُوثَةٍ. ﴿اكْتَتَبَها﴾: انْتَسَخَها مُحَمَّدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، يَعْنِي عامِرًا ويَسارًا وجَبْرًا، ومَعْنى اكْتَتَبَ هَهُنا أمَرَ أنْ يُكْتَبَ لَهُ، كَما يُقالُ: احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّها كُتِبَتْ لَهُ وهو أُمِّيٌّ، فَهي تُلْقى عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى الحافِظِ كَصُورَةِ الإلْقاءِ عَلى الكاتِبِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ قالَ الضَّحّاكُ: ما يُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم عَشِيَّةً، وما يُمْلى عَلَيْهِ عَشِيَّةً يَقْرَؤُهُ عَلَيْكم بُكَرَةً.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ كَلامُ اللَّهِ ذَكَرَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ تُمْلى عَلَيْهِ بِالوَحْيِ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وأمّا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن كَلامِ القَوْمِ، وأرادُوا بِهِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ أمْلَوْا عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ هَذِهِ الأشْياءَ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ؛ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: شِدَّةُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: اكْتَتَبَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ فَهي تُمْلى عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى أجابَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَوْلُ الحَسَنِ إنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فُتِحَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، وحَقُّ الحَسَنِ أنَّ يَقِفَ عَلى ”الأوَّلِينَ“، وأجابَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في بَيانِ أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وتَقْرِيرُهُ ما قَدَّمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالمُعارَضَةِ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْها، ولَوْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِالقُرْآنِ بِأنِ اسْتَعانَ بِأحَدٍ لَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِمْ أيْضًا أنَّ يَسْتَعِينُوا بِأحَدٍ فَيَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْهُ ثَبَتَ أنَّهُ وحْيُ اللَّهِ وكَلامُهُ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، وذَلِكَ لِأنَّ القادِرَ عَلى تَرْكِيبِ ألْفاظِ القُرْآنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ظاهِرِها وخافِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الفَصاحَةِ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثانِيها: أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وثالِثُها: أنَّ القُرْآنَ مُبَرَّأٌ عَنِ النَّقْصِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النِّساءِ: ٨٢] .
ورابِعُها: اشْتِمالُهُ عَلى الأحْكامِ الَّتِي هي مُقْتَضِيَةٌ لِمَصالِحِ العالَمِ ونِظامِ العِبادِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.
وخامِسُها: اشْتِمالُهُ عَلى أنْواعِ العُلُومِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَلَمّا دَلَّ القُرْآنُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ إلّا كَلامَ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، لا جَرَمَ اكْتَفى في جَوابِ شُبَهِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالسِّرِّ، فَمِنهم مَن قالَ: المَعْنى أنَّ العالِمَ بِكُلِّ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ هو الَّذِي يُمْكِنُهُ إنْزالُ مِثْلِ هَذا الكِتابِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ أنْزَلَهُ مَن يَعْلَمُ السِّرَّ، فَلَوْ كَذَبَ عَلَيْهِ لانْتَقَمَ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقَّةِ: ٤٤] وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى
صفحة ٤٦
أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ سِرٍّ خَفِيَ في السَّماواتِ والأرْضِ، ومِن جُمْلَتِهِ ما تُسِرُّونَهُ أنْتُمْ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ، مَعَ عِلْمِكم بِأنَّ ما يَقُولُهُ حَقٌّ ضَرُورَةً، وكَذَلِكَ باطِنُ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَراءَتُهُ مِمّا تَتَّهِمُونَهُ بِهِ، وهو سُبْحانَهُ مُجازِيكم ومُجازِيهِ عَلى ما عَلِمَ مِنكم وعَلِمَ مِنهُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: إنَّما ذَكَرَ الغَفُورَ الرَّحِيمَ في هَذا المَوْضِعِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ لِأجْلِ الإنْذارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ غَفُورًا رَحِيمًا غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ في العُقُوبَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا بِمُكايَدَتِهِمْ هَذِهِ أنْ يَصُبَّ عَلَيْهِمُ العَذابَ صَبًّا، ولَكِنْ صَرَفَ ذَلِكَ عَنْهم كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا يُمْهِلُ ولا يُعَجِّلُ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: وهي في نِهايَةِ الرَّكاكَةِ، ذَكَرُوا لَهُ صِفاتٍ خَمْسَةً فَزَعَمُوا أنَّها تُخِلُّ بِالرِّسالَةِ:
إحْداها: قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ .
وثانِيَتُها: قَوْلُهم: ﴿ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَمِن أيْنَ لَهُ الفَضْلُ عَلَيْنا وهو مِثْلُنا في هَذِهِ الأُمُورِ.
وثالِثَتُها: قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يُصَدِّقُهُ أوْ يَشْهَدُ لَهُ ويَرُدُّ عَلى مَن خالَفَهُ.
ورابِعَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ فَيُنْفِقُهُ فَلا يَحْتاجُ إلى التَّرَدُّدِ لِطَلَبِ المَعاشِ.
وخامِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”نَأْكُلُ مِنها“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، والمَعْنى: إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ كَنْزٌ فَلا أقَلَّ مِن أنْ تَكُونَ كَواحِدٍ مِنَ الدَّهاقِينَ، فَيَكُونَ لَكَ بُسْتانٌ تَأْكُلُ مِنهُ.
وسادِسَتُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في آخِرِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ ؟ وبَيانُهُ أنَّ الَّذِي يَتَمَيَّزُ الرَّسُولُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ هو المُعْجِزَةُ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذَكَرُوها لا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنها في المُعْجِزَةِ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها قادِحًا في النُّبُوَّةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْظُرْ كَيْفَ اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ فِيهِ سَبِيلًا البَتَّةَ؛ إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها، لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم لَمّا ضَلُّوا لَمْ يَبْقَ فِيهِمُ اسْتِطاعَةُ قَبُولِ الحَقِّ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ عَلى مَذْهَبِنا، وتَقْرِيرُهُ بِالعَقْلِ ظاهِرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَوِيَ الدّاعِي إلى الحَقِّ والباطِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ داعِيَتُهُ إلى أحَدِهِما أرْجَحَ مِن داعِيَتِهِ إلى الثّانِي، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَحالُ الِاسْتِواءِ مُمْتَنِعُ الرُّجْحانِ، فَيَمْتَنِعُ الفِعْلُ، وإنْ كانَ الثّانِي فَحالُ رُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ يَكُونُ حُصُولُ الطَّرَفِ الآخَرِ مُمْتَنِعًا، فَثَبَتَ أنَّ حالَ رُجْحانِ الضَّلالَةِ في قَلْبِهِ اسْتَحالَ مِنهُ قَبُولُ الحَقِّ، وما كانَ مُحالًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا ما كانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
الفرقان 25:10
صفحة ٤٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كالكَنْزِ والجَنَّةِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾، نَبَّهَ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَ الرَّسُولُ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ، ولَكِنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ عِبادَهُ بِحَسَبِ الصّالِحِ، أوْ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَيَفْتَحُ عَلى واحِدٍ أبْوابَ المَعارِفِ والعُلُومِ، ويَسُدُّ عَلَيْهِ أبْوابَ الدُّنْيا، وفي حَقِّ الآخَرِ بِالعَكْسِ، وما ذاكَ إلّا أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَيْرٌ مِن ذَلِكَ مِمّا عَيَّرُوكَ بِفَقْدِهِ الجَنَّةُ؛ لِأنَّهم عَيَّرُوكَ بِفَقْدِ الجَنَّةِ الواحِدَةِ، وهو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَكَ جَنّاتٍ كَثِيرَةً، وقالَ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: ﴿خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ المَشْيِ في الأسْواقِ وابْتِغاءِ المَعاشِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ شاءَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ تَعالى شاكٌّ؛ لِأنَّ الشَّكَّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ قَوْمٌ: ﴿إنْ﴾ هَهُنا بِمَعْنى إذا، أيْ قَدْ جَعَلْنا لَكَ في الآخِرَةِ جَنّاتٍ وبَنَيْنا لَكَ قُصُورًا، وإنَّما أدْخَلَ إنْ تَنْبِيهًا لِلْعِبادِ عَلى أنَّهُ لا يَنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ، لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.
المسألة الثّالِثَةُ: القُصُورُ جَماعَةُ قَصْرٍ، وهو المَسْكَنُ الرَّفِيعُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جَنَّةٍ قَصْرٌ، فَيَكُونَ مَسْكَنًا ومُتَنَزَّهًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُصُورُ مَجْمُوعَةً والجَنّاتُ مَجْمُوعَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ جَنّاتٍ في الآخِرَةِ وقُصُورًا في الدُّنْيا.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلْ﴾، فَرَفَعَ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ اللّامَ، وجَزَمَهُ الآخَرُونَ، فَمَن جَزَمَ فَلِأنَّ المَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا، ومَن رَفَعَ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَعْنى سَيَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَرْقٌ في المَعْنى، فَمَن جَزَمَ فالمَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا في الدُّنْيا، ولا يَحْسُنُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، ومَن رَفَعَ حَسُنَ لَهُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، واسْتَأْنَفَ، أيْ ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا في الآخِرَةِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: (تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ يَجْعَلُ) .
المسألة الخامِسَةُ: عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ وجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ. فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا حَتّى جاءَ المَلَكُ وسَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ يُعْطِيَكَ مَفاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُعْطِها أحَدًا قَبْلَكَ ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ مِمّا ادَّخَرَ لَكَ شَيْئًا. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ يَجْمَعُها جَمِيعًا لِي في الآخِرَةِ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ﴾ الآيَةَ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ بَطْحاءَ
صفحة ٤٨
مَكَّةَ» ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي لِرَبِّي، وفي رِوايَةِ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أشْبَعُ يَوْمًا وأجُوعُ ثَلاثًا، فَأحْمَدُكَ إذا شَبِعْتُ وأتَضَرَّعُ إلَيْكَ إذا جُعْتُ» . وعَنِ الضَّحّاكِ:“ «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَزِّيًا لَهُ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الفُرْقانِ: ٢٠] الآيَةَ، قالَ: فَبَيْنَما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ والنَّبِيُّ ﷺ يَتَحَدَّثانِ إذْ فُتِحَ بابٌ مِن أبْوابِ السَّماءِ لَمْ يَكُنْ فُتِحَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثم قال: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، هَذا رِضْوانُ خازِنُ الجَنَّةِ قَدْ أتاكَ بِالرِّضا مِن رَبِّكَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وبَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، ثم قال: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ الدُّنْيا فاقْبِضْها مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ اللَّهُ مِمّا أعَدَّ لَكَ في الآخِرَةِ جَناحَ بَعُوضَةٍ. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ، فَأوْمَأ بِيَدِهِ أنْ تَواضَعْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا» . قالَ: فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْ مُتَّكِئًا حَتّى فارَقَ الدُّنْيا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ فَهَذا جَوابٌ ثالِثٌ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً عَلَيْكَ في نَفْسِ المسألة، بَلِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِالسّاعَةِ فَلا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا عِقابًا ولا يَتَحَمَّلُونَ كُلْفَةَ النَّظَرِ والفِكْرِ، فَلِهَذا لا يَنْتَفِعُونَ بِما يُورَدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ. ثم قال: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ”وأعْتَدْنا“ أيْ: جَعَلْناها عَتِيدًا ومُعَدَّةً لَهم، والسَّعِيرُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الِاسْتِعارِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] وعَلى أنَّ النّارَ الَّتِي هي دارُ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا﴾ إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ وقَعَ في الماضِي، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ دارَ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: يَحْتَمِلُ وأعْتَدْنا النّارَ في الدُّنْيا وبِها نُعَذِّبُ الكُفّارَ والفُسّاقَ في قُبُورِهِمْ، ويَحْتَمِلُ نارَ الآخِرَةِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ: سَنَعُدُّها لَهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [ الأعْرافِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ في نِهايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ السَّعِيرِ إمّا نارُ الدُّنْيا وإمّا نارُ الآخِرَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا بِنارِ الدُّنْيا، أوْ يُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ بِنارِ الدُّنْيا، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما عَذَّبَهم بِالنّارِ في الدُّنْيا، والتّالِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ: إنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكَفَرَةَ في الآخِرَةِ بِنِيرانِ الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ نارُ الآخِرَةِ، وثَبَتَ أنَّها مُعَدَّةٌ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُها مُعَدَّةً تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وعَلى أنَّ الحَسَنَ قالَ: السَّعِيرُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ فَقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى أعَدَّ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، فَقالُوا: إنَّ الَّذِينَ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ السَّعِيرَ وأخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ وحَكَمَ بِهِ أنْ صارُوا مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ، انْقَلَبَ حُكْمُ اللَّهِ بِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ السَّعِيرِ كَذِبًا، وانْقَلَبَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ جَهْلًا، وهَذا الِانْقِلابُ مُحالٌ، والمُؤَدِّي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَصَيْرُورَةُ أُولَئِكَ مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، والشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا.
* * *
ثُمَّ إنَّهُ
صفحة ٤٩
سُبْحانَهُ وتَعالى وصَفَ السَّعِيرَ بِصِفاتٍ:
إحْداها قَوْلُهُ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ، ولَكِنْ جاءَ هَهُنا مُؤَنَّثًا لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿رَأتْهُمْ﴾ وقالَ: ﴿سَمِعُوا لَها﴾ وإنَّما جاءَ مُؤَنَّثًا عَلى مَعْنى النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، فالنّارُ عَلى ما هي عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ فِيها، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ لَيْسَ لَهم في هَذا البابِ حُجَّةٌ إلّا اسْتِقْراءُ العاداتِ، ولَوْ صَدَقَ ذَلِكَ لَوَجَبَ التَّكْذِيبُ بِانْخِراقِ العاداتِ في حَقِّ الرُّسُلِ، فَهَؤُلاءِ قَوْلُهم مُتَناقِضٌ، بَلْ إنْكارُ العاداتِ لا يَلِيقُ إلّا بِأُصُولِ الفَلاسِفَةِ، فَعَلى هَذا قالَ أصْحابُنا: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى في صِفَةِ النّارِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ يَجِبُ إجْراؤُهُ عَلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ لا امْتِناعَ في أنْ تَكُونَ النّارُ حَيَّةً رائِيَةً مُغْتاظَةً عَلى الكُفّارِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتاجُوا إلى التَّأْوِيلِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالُوا: مَعْنى رَأتْهم ظَهَرَتْ لَهم، مِن قَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى وتَتَناظَرُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ لا تَتَراءى ناراهُما» أيْ: لا تَتَقابَلانِ؛ لِما يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ مِن مُجانَبَةِ الكافِرِ والمُشْرِكِ، ويُقالُ: دُورُ فُلانٍ مُتَناظِرَةٌ، أيْ: مُتَقابِلَةٌ.
وثانِيها: أنَّ النّارَ لِشِدَّةِ اضْطِرامِها وغَلَيانِها صارَتْ تَرى الكُفّارَ وتَطْلُبُهم وتَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ النّارَ وأرادَ الخَزَنَةَ المُوَكَّلَةَ بِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ تَصِحُّ مِنهم ولا تَصِحُّ مِنَ النّارِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أرادَ أهْلَها.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّغَيُّظُ عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ مَسْمُوعًا، فَكَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّغَيُّظَ وإنْ لَمْ يُسْمَعْ فَإنَّهُ قَدْ يُسْمَعُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْتِ، وهو كَقَوْلِهِ: رَأيْتُ غَضَبَ الأمِيرِ عَلى فُلانٍ، إذا رَأى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ يُقالُ في المَحَبَّةِ فَكَذا هَهُنا، والمَعْنى سَمِعُوا لَها صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ المُتَغَيِّظِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثانِيها: المَعْنى: عَلِمُوا لَها تَغَيُّظًا وسَمِعُوا لَها زَفِيرًا، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
وثالِثُها: المُرادُ تَغَيُّظُ الخَزَنَةِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا وتُرْعَدُ فَرائِصُهُ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجْثُو عَلى رُكْبَتَيْهِ ويَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي.
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِلسَّعِيرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَ الكُفّارِ حِينَما يَكُونُونَ بِالبُعْدِ مِن جَهَنَّمَ، وصَفَ حالَهم عِنْدَما يُلْقَوْنَ فِيها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ بِما لا شَيْءَ أبْلَغُ مِنهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في ﴿ضَيِّقًا﴾ قِراءَتانِ؛ التَّشْدِيدُ، والتَّخْفِيفُ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: نُقِلَ في تَفْسِيرِ الضِّيقِ أُمُورٌ، قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قالَ: ”إنَّ جَهَنَّمَ لَتَضِيقُ عَلى الكافِرِ كَضِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ“ . وسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم يُسْتَكْرَهُونَ في النّارِ كَما يُسْتَكْرَهُ الوَتَدُ في الحائِطِ»، قالَ الكَلْبِيُّ: الأسْفَلُونَ يَرْفَعُهُمُ اللَّهِيبُ، والأعْلَوْنَ يَخْفِضُهُمُ الدّاخِلُونَ
صفحة ٥٠
فَيَزْدَحِمُونَ في تِلْكَ الأبْوابِ الضَّيِّقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الكَرْبُ مَعَ الضِّيقِ، كَما أنَّ الرُّوحَ مَعَ السَّعَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ الجَنَّةَ بِأنَّ عَرْضَها السَّماواتُ والأرْضُ، وجاءَ في الأحادِيثِ ”«إنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ القُصُورِ والجِنانِ كَذا وكَذا» “ ولَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ عَلى أهْلِ النّارِ أنْواعَ البَلاءِ، حَيْثُ ضَمَّ إلى العَذابِ الشَّدِيدِ الضِّيقَ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩]: إنَّ أهْلَ النّارِ مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ والضِّيقِ الشَّدِيدِ يَكُونُونَ مُقَرَّنِينَ في السَّلاسِلِ، قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ، وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ، وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ أهْلِ النّارِ أنَّهم حِينَما يُشاهِدُونَ هَذا النوع مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ دَعَوْا ثُبُورًا، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، ودُعاؤُهم أنْ يَقُولُوا: واثُبُوراهْ، أيْ يَقُولُوا: يا ثُبُورُ، هَذا حِينُكَ وزَمانُكَ. ورَوى أنَسٌ مَرْفُوعًا: «أوَّلُ مَن يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ إبْلِيسُ، فَيَضَعُها عَلى جانِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ ذُرِّيَّتُهُ وهو يَقُولُ: يا ثُبُوراهْ، ويُنادَوْنَ: يا ثُبُورَهم حَتّى يَرِدُوا النّارَ» .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، وهم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَوْلٌ، ومَعْنى ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورُكم مِنهُ واحِدًا، إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ، إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ، لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ، أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا غَيْرَها، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ العَذابَ دائِمٌ خالِصٌ عَنِ الشَّوْبِ، فَلَهم في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها ثُبُورٌ، أوْ لِأنَّهم رُبَّما يَجِدُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ، فَإنَّ المُعَذَّبَ إذا صاحَ وبَكى وجَدَ بِسَبَبِهِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ فَيُزْجَرُونَ عَنْ ذَلِكَ، ويُخْبَرُونَ بِأنَّ هَذا الثُّبُورَ سَيَزْدادُ كُلَّ يَوْمٍ لِيَزْدادَ حُزْنُهم وغَمُّهم، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَ هَذا كُلُّهُ في حَقِّ أبِي جَهْلٍ والكُفّارِ الَّذِينَ ذَكَرُوا تِلْكَ الشُّبُهاتِ.
الفرقان 25:11
صفحة ٤٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كالكَنْزِ والجَنَّةِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾، نَبَّهَ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَ الرَّسُولُ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ، ولَكِنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ عِبادَهُ بِحَسَبِ الصّالِحِ، أوْ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَيَفْتَحُ عَلى واحِدٍ أبْوابَ المَعارِفِ والعُلُومِ، ويَسُدُّ عَلَيْهِ أبْوابَ الدُّنْيا، وفي حَقِّ الآخَرِ بِالعَكْسِ، وما ذاكَ إلّا أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَيْرٌ مِن ذَلِكَ مِمّا عَيَّرُوكَ بِفَقْدِهِ الجَنَّةُ؛ لِأنَّهم عَيَّرُوكَ بِفَقْدِ الجَنَّةِ الواحِدَةِ، وهو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَكَ جَنّاتٍ كَثِيرَةً، وقالَ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: ﴿خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ المَشْيِ في الأسْواقِ وابْتِغاءِ المَعاشِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ شاءَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ تَعالى شاكٌّ؛ لِأنَّ الشَّكَّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ قَوْمٌ: ﴿إنْ﴾ هَهُنا بِمَعْنى إذا، أيْ قَدْ جَعَلْنا لَكَ في الآخِرَةِ جَنّاتٍ وبَنَيْنا لَكَ قُصُورًا، وإنَّما أدْخَلَ إنْ تَنْبِيهًا لِلْعِبادِ عَلى أنَّهُ لا يَنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ، لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.
المسألة الثّالِثَةُ: القُصُورُ جَماعَةُ قَصْرٍ، وهو المَسْكَنُ الرَّفِيعُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جَنَّةٍ قَصْرٌ، فَيَكُونَ مَسْكَنًا ومُتَنَزَّهًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُصُورُ مَجْمُوعَةً والجَنّاتُ مَجْمُوعَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ جَنّاتٍ في الآخِرَةِ وقُصُورًا في الدُّنْيا.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلْ﴾، فَرَفَعَ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ اللّامَ، وجَزَمَهُ الآخَرُونَ، فَمَن جَزَمَ فَلِأنَّ المَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا، ومَن رَفَعَ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَعْنى سَيَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَرْقٌ في المَعْنى، فَمَن جَزَمَ فالمَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا في الدُّنْيا، ولا يَحْسُنُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، ومَن رَفَعَ حَسُنَ لَهُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، واسْتَأْنَفَ، أيْ ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا في الآخِرَةِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: (تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ يَجْعَلُ) .
المسألة الخامِسَةُ: عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ وجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ. فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا حَتّى جاءَ المَلَكُ وسَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ يُعْطِيَكَ مَفاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُعْطِها أحَدًا قَبْلَكَ ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ مِمّا ادَّخَرَ لَكَ شَيْئًا. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ يَجْمَعُها جَمِيعًا لِي في الآخِرَةِ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ﴾ الآيَةَ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ بَطْحاءَ
صفحة ٤٨
مَكَّةَ» ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي لِرَبِّي، وفي رِوايَةِ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أشْبَعُ يَوْمًا وأجُوعُ ثَلاثًا، فَأحْمَدُكَ إذا شَبِعْتُ وأتَضَرَّعُ إلَيْكَ إذا جُعْتُ» . وعَنِ الضَّحّاكِ:“ «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَزِّيًا لَهُ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الفُرْقانِ: ٢٠] الآيَةَ، قالَ: فَبَيْنَما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ والنَّبِيُّ ﷺ يَتَحَدَّثانِ إذْ فُتِحَ بابٌ مِن أبْوابِ السَّماءِ لَمْ يَكُنْ فُتِحَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثم قال: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، هَذا رِضْوانُ خازِنُ الجَنَّةِ قَدْ أتاكَ بِالرِّضا مِن رَبِّكَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وبَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، ثم قال: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ الدُّنْيا فاقْبِضْها مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ اللَّهُ مِمّا أعَدَّ لَكَ في الآخِرَةِ جَناحَ بَعُوضَةٍ. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ، فَأوْمَأ بِيَدِهِ أنْ تَواضَعْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا» . قالَ: فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْ مُتَّكِئًا حَتّى فارَقَ الدُّنْيا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ فَهَذا جَوابٌ ثالِثٌ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً عَلَيْكَ في نَفْسِ المسألة، بَلِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِالسّاعَةِ فَلا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا عِقابًا ولا يَتَحَمَّلُونَ كُلْفَةَ النَّظَرِ والفِكْرِ، فَلِهَذا لا يَنْتَفِعُونَ بِما يُورَدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ. ثم قال: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ”وأعْتَدْنا“ أيْ: جَعَلْناها عَتِيدًا ومُعَدَّةً لَهم، والسَّعِيرُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الِاسْتِعارِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] وعَلى أنَّ النّارَ الَّتِي هي دارُ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا﴾ إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ وقَعَ في الماضِي، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ دارَ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: يَحْتَمِلُ وأعْتَدْنا النّارَ في الدُّنْيا وبِها نُعَذِّبُ الكُفّارَ والفُسّاقَ في قُبُورِهِمْ، ويَحْتَمِلُ نارَ الآخِرَةِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ: سَنَعُدُّها لَهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [ الأعْرافِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ في نِهايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ السَّعِيرِ إمّا نارُ الدُّنْيا وإمّا نارُ الآخِرَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا بِنارِ الدُّنْيا، أوْ يُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ بِنارِ الدُّنْيا، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما عَذَّبَهم بِالنّارِ في الدُّنْيا، والتّالِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ: إنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكَفَرَةَ في الآخِرَةِ بِنِيرانِ الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ نارُ الآخِرَةِ، وثَبَتَ أنَّها مُعَدَّةٌ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُها مُعَدَّةً تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وعَلى أنَّ الحَسَنَ قالَ: السَّعِيرُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ فَقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى أعَدَّ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، فَقالُوا: إنَّ الَّذِينَ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ السَّعِيرَ وأخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ وحَكَمَ بِهِ أنْ صارُوا مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ، انْقَلَبَ حُكْمُ اللَّهِ بِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ السَّعِيرِ كَذِبًا، وانْقَلَبَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ جَهْلًا، وهَذا الِانْقِلابُ مُحالٌ، والمُؤَدِّي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَصَيْرُورَةُ أُولَئِكَ مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، والشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا.
* * *
ثُمَّ إنَّهُ
صفحة ٤٩
سُبْحانَهُ وتَعالى وصَفَ السَّعِيرَ بِصِفاتٍ:
إحْداها قَوْلُهُ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ، ولَكِنْ جاءَ هَهُنا مُؤَنَّثًا لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿رَأتْهُمْ﴾ وقالَ: ﴿سَمِعُوا لَها﴾ وإنَّما جاءَ مُؤَنَّثًا عَلى مَعْنى النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، فالنّارُ عَلى ما هي عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ فِيها، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ لَيْسَ لَهم في هَذا البابِ حُجَّةٌ إلّا اسْتِقْراءُ العاداتِ، ولَوْ صَدَقَ ذَلِكَ لَوَجَبَ التَّكْذِيبُ بِانْخِراقِ العاداتِ في حَقِّ الرُّسُلِ، فَهَؤُلاءِ قَوْلُهم مُتَناقِضٌ، بَلْ إنْكارُ العاداتِ لا يَلِيقُ إلّا بِأُصُولِ الفَلاسِفَةِ، فَعَلى هَذا قالَ أصْحابُنا: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى في صِفَةِ النّارِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ يَجِبُ إجْراؤُهُ عَلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ لا امْتِناعَ في أنْ تَكُونَ النّارُ حَيَّةً رائِيَةً مُغْتاظَةً عَلى الكُفّارِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتاجُوا إلى التَّأْوِيلِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالُوا: مَعْنى رَأتْهم ظَهَرَتْ لَهم، مِن قَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى وتَتَناظَرُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ لا تَتَراءى ناراهُما» أيْ: لا تَتَقابَلانِ؛ لِما يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ مِن مُجانَبَةِ الكافِرِ والمُشْرِكِ، ويُقالُ: دُورُ فُلانٍ مُتَناظِرَةٌ، أيْ: مُتَقابِلَةٌ.
وثانِيها: أنَّ النّارَ لِشِدَّةِ اضْطِرامِها وغَلَيانِها صارَتْ تَرى الكُفّارَ وتَطْلُبُهم وتَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ النّارَ وأرادَ الخَزَنَةَ المُوَكَّلَةَ بِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ تَصِحُّ مِنهم ولا تَصِحُّ مِنَ النّارِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أرادَ أهْلَها.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّغَيُّظُ عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ مَسْمُوعًا، فَكَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّغَيُّظَ وإنْ لَمْ يُسْمَعْ فَإنَّهُ قَدْ يُسْمَعُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْتِ، وهو كَقَوْلِهِ: رَأيْتُ غَضَبَ الأمِيرِ عَلى فُلانٍ، إذا رَأى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ يُقالُ في المَحَبَّةِ فَكَذا هَهُنا، والمَعْنى سَمِعُوا لَها صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ المُتَغَيِّظِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثانِيها: المَعْنى: عَلِمُوا لَها تَغَيُّظًا وسَمِعُوا لَها زَفِيرًا، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
وثالِثُها: المُرادُ تَغَيُّظُ الخَزَنَةِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا وتُرْعَدُ فَرائِصُهُ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجْثُو عَلى رُكْبَتَيْهِ ويَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي.
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِلسَّعِيرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَ الكُفّارِ حِينَما يَكُونُونَ بِالبُعْدِ مِن جَهَنَّمَ، وصَفَ حالَهم عِنْدَما يُلْقَوْنَ فِيها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ بِما لا شَيْءَ أبْلَغُ مِنهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في ﴿ضَيِّقًا﴾ قِراءَتانِ؛ التَّشْدِيدُ، والتَّخْفِيفُ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: نُقِلَ في تَفْسِيرِ الضِّيقِ أُمُورٌ، قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قالَ: ”إنَّ جَهَنَّمَ لَتَضِيقُ عَلى الكافِرِ كَضِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ“ . وسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم يُسْتَكْرَهُونَ في النّارِ كَما يُسْتَكْرَهُ الوَتَدُ في الحائِطِ»، قالَ الكَلْبِيُّ: الأسْفَلُونَ يَرْفَعُهُمُ اللَّهِيبُ، والأعْلَوْنَ يَخْفِضُهُمُ الدّاخِلُونَ
صفحة ٥٠
فَيَزْدَحِمُونَ في تِلْكَ الأبْوابِ الضَّيِّقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الكَرْبُ مَعَ الضِّيقِ، كَما أنَّ الرُّوحَ مَعَ السَّعَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ الجَنَّةَ بِأنَّ عَرْضَها السَّماواتُ والأرْضُ، وجاءَ في الأحادِيثِ ”«إنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ القُصُورِ والجِنانِ كَذا وكَذا» “ ولَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ عَلى أهْلِ النّارِ أنْواعَ البَلاءِ، حَيْثُ ضَمَّ إلى العَذابِ الشَّدِيدِ الضِّيقَ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩]: إنَّ أهْلَ النّارِ مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ والضِّيقِ الشَّدِيدِ يَكُونُونَ مُقَرَّنِينَ في السَّلاسِلِ، قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ، وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ، وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ أهْلِ النّارِ أنَّهم حِينَما يُشاهِدُونَ هَذا النوع مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ دَعَوْا ثُبُورًا، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، ودُعاؤُهم أنْ يَقُولُوا: واثُبُوراهْ، أيْ يَقُولُوا: يا ثُبُورُ، هَذا حِينُكَ وزَمانُكَ. ورَوى أنَسٌ مَرْفُوعًا: «أوَّلُ مَن يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ إبْلِيسُ، فَيَضَعُها عَلى جانِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ ذُرِّيَّتُهُ وهو يَقُولُ: يا ثُبُوراهْ، ويُنادَوْنَ: يا ثُبُورَهم حَتّى يَرِدُوا النّارَ» .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، وهم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَوْلٌ، ومَعْنى ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورُكم مِنهُ واحِدًا، إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ، إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ، لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ، أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا غَيْرَها، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ العَذابَ دائِمٌ خالِصٌ عَنِ الشَّوْبِ، فَلَهم في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها ثُبُورٌ، أوْ لِأنَّهم رُبَّما يَجِدُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ، فَإنَّ المُعَذَّبَ إذا صاحَ وبَكى وجَدَ بِسَبَبِهِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ فَيُزْجَرُونَ عَنْ ذَلِكَ، ويُخْبَرُونَ بِأنَّ هَذا الثُّبُورَ سَيَزْدادُ كُلَّ يَوْمٍ لِيَزْدادَ حُزْنُهم وغَمُّهم، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَ هَذا كُلُّهُ في حَقِّ أبِي جَهْلٍ والكُفّارِ الَّذِينَ ذَكَرُوا تِلْكَ الشُّبُهاتِ.
الفرقان 25:12
صفحة ٤٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كالكَنْزِ والجَنَّةِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾، نَبَّهَ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَ الرَّسُولُ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ، ولَكِنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ عِبادَهُ بِحَسَبِ الصّالِحِ، أوْ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَيَفْتَحُ عَلى واحِدٍ أبْوابَ المَعارِفِ والعُلُومِ، ويَسُدُّ عَلَيْهِ أبْوابَ الدُّنْيا، وفي حَقِّ الآخَرِ بِالعَكْسِ، وما ذاكَ إلّا أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَيْرٌ مِن ذَلِكَ مِمّا عَيَّرُوكَ بِفَقْدِهِ الجَنَّةُ؛ لِأنَّهم عَيَّرُوكَ بِفَقْدِ الجَنَّةِ الواحِدَةِ، وهو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَكَ جَنّاتٍ كَثِيرَةً، وقالَ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: ﴿خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ المَشْيِ في الأسْواقِ وابْتِغاءِ المَعاشِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ شاءَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ تَعالى شاكٌّ؛ لِأنَّ الشَّكَّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ قَوْمٌ: ﴿إنْ﴾ هَهُنا بِمَعْنى إذا، أيْ قَدْ جَعَلْنا لَكَ في الآخِرَةِ جَنّاتٍ وبَنَيْنا لَكَ قُصُورًا، وإنَّما أدْخَلَ إنْ تَنْبِيهًا لِلْعِبادِ عَلى أنَّهُ لا يَنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ، لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.
المسألة الثّالِثَةُ: القُصُورُ جَماعَةُ قَصْرٍ، وهو المَسْكَنُ الرَّفِيعُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جَنَّةٍ قَصْرٌ، فَيَكُونَ مَسْكَنًا ومُتَنَزَّهًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُصُورُ مَجْمُوعَةً والجَنّاتُ مَجْمُوعَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ جَنّاتٍ في الآخِرَةِ وقُصُورًا في الدُّنْيا.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلْ﴾، فَرَفَعَ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ اللّامَ، وجَزَمَهُ الآخَرُونَ، فَمَن جَزَمَ فَلِأنَّ المَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا، ومَن رَفَعَ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَعْنى سَيَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَرْقٌ في المَعْنى، فَمَن جَزَمَ فالمَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا في الدُّنْيا، ولا يَحْسُنُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، ومَن رَفَعَ حَسُنَ لَهُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، واسْتَأْنَفَ، أيْ ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا في الآخِرَةِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: (تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ يَجْعَلُ) .
المسألة الخامِسَةُ: عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ وجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ. فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا حَتّى جاءَ المَلَكُ وسَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ يُعْطِيَكَ مَفاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُعْطِها أحَدًا قَبْلَكَ ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ مِمّا ادَّخَرَ لَكَ شَيْئًا. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ يَجْمَعُها جَمِيعًا لِي في الآخِرَةِ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ﴾ الآيَةَ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ بَطْحاءَ
صفحة ٤٨
مَكَّةَ» ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي لِرَبِّي، وفي رِوايَةِ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أشْبَعُ يَوْمًا وأجُوعُ ثَلاثًا، فَأحْمَدُكَ إذا شَبِعْتُ وأتَضَرَّعُ إلَيْكَ إذا جُعْتُ» . وعَنِ الضَّحّاكِ:“ «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَزِّيًا لَهُ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الفُرْقانِ: ٢٠] الآيَةَ، قالَ: فَبَيْنَما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ والنَّبِيُّ ﷺ يَتَحَدَّثانِ إذْ فُتِحَ بابٌ مِن أبْوابِ السَّماءِ لَمْ يَكُنْ فُتِحَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثم قال: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، هَذا رِضْوانُ خازِنُ الجَنَّةِ قَدْ أتاكَ بِالرِّضا مِن رَبِّكَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وبَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، ثم قال: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ الدُّنْيا فاقْبِضْها مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ اللَّهُ مِمّا أعَدَّ لَكَ في الآخِرَةِ جَناحَ بَعُوضَةٍ. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ، فَأوْمَأ بِيَدِهِ أنْ تَواضَعْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا» . قالَ: فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْ مُتَّكِئًا حَتّى فارَقَ الدُّنْيا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ فَهَذا جَوابٌ ثالِثٌ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً عَلَيْكَ في نَفْسِ المسألة، بَلِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِالسّاعَةِ فَلا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا عِقابًا ولا يَتَحَمَّلُونَ كُلْفَةَ النَّظَرِ والفِكْرِ، فَلِهَذا لا يَنْتَفِعُونَ بِما يُورَدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ. ثم قال: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ”وأعْتَدْنا“ أيْ: جَعَلْناها عَتِيدًا ومُعَدَّةً لَهم، والسَّعِيرُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الِاسْتِعارِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] وعَلى أنَّ النّارَ الَّتِي هي دارُ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا﴾ إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ وقَعَ في الماضِي، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ دارَ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: يَحْتَمِلُ وأعْتَدْنا النّارَ في الدُّنْيا وبِها نُعَذِّبُ الكُفّارَ والفُسّاقَ في قُبُورِهِمْ، ويَحْتَمِلُ نارَ الآخِرَةِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ: سَنَعُدُّها لَهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [ الأعْرافِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ في نِهايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ السَّعِيرِ إمّا نارُ الدُّنْيا وإمّا نارُ الآخِرَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا بِنارِ الدُّنْيا، أوْ يُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ بِنارِ الدُّنْيا، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما عَذَّبَهم بِالنّارِ في الدُّنْيا، والتّالِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ: إنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكَفَرَةَ في الآخِرَةِ بِنِيرانِ الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ نارُ الآخِرَةِ، وثَبَتَ أنَّها مُعَدَّةٌ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُها مُعَدَّةً تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وعَلى أنَّ الحَسَنَ قالَ: السَّعِيرُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ فَقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى أعَدَّ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، فَقالُوا: إنَّ الَّذِينَ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ السَّعِيرَ وأخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ وحَكَمَ بِهِ أنْ صارُوا مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ، انْقَلَبَ حُكْمُ اللَّهِ بِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ السَّعِيرِ كَذِبًا، وانْقَلَبَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ جَهْلًا، وهَذا الِانْقِلابُ مُحالٌ، والمُؤَدِّي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَصَيْرُورَةُ أُولَئِكَ مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، والشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا.
* * *
ثُمَّ إنَّهُ
صفحة ٤٩
سُبْحانَهُ وتَعالى وصَفَ السَّعِيرَ بِصِفاتٍ:
إحْداها قَوْلُهُ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ، ولَكِنْ جاءَ هَهُنا مُؤَنَّثًا لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿رَأتْهُمْ﴾ وقالَ: ﴿سَمِعُوا لَها﴾ وإنَّما جاءَ مُؤَنَّثًا عَلى مَعْنى النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، فالنّارُ عَلى ما هي عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ فِيها، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ لَيْسَ لَهم في هَذا البابِ حُجَّةٌ إلّا اسْتِقْراءُ العاداتِ، ولَوْ صَدَقَ ذَلِكَ لَوَجَبَ التَّكْذِيبُ بِانْخِراقِ العاداتِ في حَقِّ الرُّسُلِ، فَهَؤُلاءِ قَوْلُهم مُتَناقِضٌ، بَلْ إنْكارُ العاداتِ لا يَلِيقُ إلّا بِأُصُولِ الفَلاسِفَةِ، فَعَلى هَذا قالَ أصْحابُنا: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى في صِفَةِ النّارِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ يَجِبُ إجْراؤُهُ عَلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ لا امْتِناعَ في أنْ تَكُونَ النّارُ حَيَّةً رائِيَةً مُغْتاظَةً عَلى الكُفّارِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتاجُوا إلى التَّأْوِيلِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالُوا: مَعْنى رَأتْهم ظَهَرَتْ لَهم، مِن قَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى وتَتَناظَرُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ لا تَتَراءى ناراهُما» أيْ: لا تَتَقابَلانِ؛ لِما يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ مِن مُجانَبَةِ الكافِرِ والمُشْرِكِ، ويُقالُ: دُورُ فُلانٍ مُتَناظِرَةٌ، أيْ: مُتَقابِلَةٌ.
وثانِيها: أنَّ النّارَ لِشِدَّةِ اضْطِرامِها وغَلَيانِها صارَتْ تَرى الكُفّارَ وتَطْلُبُهم وتَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ النّارَ وأرادَ الخَزَنَةَ المُوَكَّلَةَ بِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ تَصِحُّ مِنهم ولا تَصِحُّ مِنَ النّارِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أرادَ أهْلَها.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّغَيُّظُ عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ مَسْمُوعًا، فَكَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّغَيُّظَ وإنْ لَمْ يُسْمَعْ فَإنَّهُ قَدْ يُسْمَعُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْتِ، وهو كَقَوْلِهِ: رَأيْتُ غَضَبَ الأمِيرِ عَلى فُلانٍ، إذا رَأى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ يُقالُ في المَحَبَّةِ فَكَذا هَهُنا، والمَعْنى سَمِعُوا لَها صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ المُتَغَيِّظِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثانِيها: المَعْنى: عَلِمُوا لَها تَغَيُّظًا وسَمِعُوا لَها زَفِيرًا، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
وثالِثُها: المُرادُ تَغَيُّظُ الخَزَنَةِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا وتُرْعَدُ فَرائِصُهُ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجْثُو عَلى رُكْبَتَيْهِ ويَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي.
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِلسَّعِيرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَ الكُفّارِ حِينَما يَكُونُونَ بِالبُعْدِ مِن جَهَنَّمَ، وصَفَ حالَهم عِنْدَما يُلْقَوْنَ فِيها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ بِما لا شَيْءَ أبْلَغُ مِنهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في ﴿ضَيِّقًا﴾ قِراءَتانِ؛ التَّشْدِيدُ، والتَّخْفِيفُ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: نُقِلَ في تَفْسِيرِ الضِّيقِ أُمُورٌ، قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قالَ: ”إنَّ جَهَنَّمَ لَتَضِيقُ عَلى الكافِرِ كَضِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ“ . وسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم يُسْتَكْرَهُونَ في النّارِ كَما يُسْتَكْرَهُ الوَتَدُ في الحائِطِ»، قالَ الكَلْبِيُّ: الأسْفَلُونَ يَرْفَعُهُمُ اللَّهِيبُ، والأعْلَوْنَ يَخْفِضُهُمُ الدّاخِلُونَ
صفحة ٥٠
فَيَزْدَحِمُونَ في تِلْكَ الأبْوابِ الضَّيِّقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الكَرْبُ مَعَ الضِّيقِ، كَما أنَّ الرُّوحَ مَعَ السَّعَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ الجَنَّةَ بِأنَّ عَرْضَها السَّماواتُ والأرْضُ، وجاءَ في الأحادِيثِ ”«إنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ القُصُورِ والجِنانِ كَذا وكَذا» “ ولَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ عَلى أهْلِ النّارِ أنْواعَ البَلاءِ، حَيْثُ ضَمَّ إلى العَذابِ الشَّدِيدِ الضِّيقَ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩]: إنَّ أهْلَ النّارِ مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ والضِّيقِ الشَّدِيدِ يَكُونُونَ مُقَرَّنِينَ في السَّلاسِلِ، قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ، وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ، وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ أهْلِ النّارِ أنَّهم حِينَما يُشاهِدُونَ هَذا النوع مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ دَعَوْا ثُبُورًا، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، ودُعاؤُهم أنْ يَقُولُوا: واثُبُوراهْ، أيْ يَقُولُوا: يا ثُبُورُ، هَذا حِينُكَ وزَمانُكَ. ورَوى أنَسٌ مَرْفُوعًا: «أوَّلُ مَن يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ إبْلِيسُ، فَيَضَعُها عَلى جانِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ ذُرِّيَّتُهُ وهو يَقُولُ: يا ثُبُوراهْ، ويُنادَوْنَ: يا ثُبُورَهم حَتّى يَرِدُوا النّارَ» .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، وهم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَوْلٌ، ومَعْنى ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورُكم مِنهُ واحِدًا، إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ، إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ، لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ، أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا غَيْرَها، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ العَذابَ دائِمٌ خالِصٌ عَنِ الشَّوْبِ، فَلَهم في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها ثُبُورٌ، أوْ لِأنَّهم رُبَّما يَجِدُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ، فَإنَّ المُعَذَّبَ إذا صاحَ وبَكى وجَدَ بِسَبَبِهِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ فَيُزْجَرُونَ عَنْ ذَلِكَ، ويُخْبَرُونَ بِأنَّ هَذا الثُّبُورَ سَيَزْدادُ كُلَّ يَوْمٍ لِيَزْدادَ حُزْنُهم وغَمُّهم، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَ هَذا كُلُّهُ في حَقِّ أبِي جَهْلٍ والكُفّارِ الَّذِينَ ذَكَرُوا تِلْكَ الشُّبُهاتِ.
الفرقان 25:13
صفحة ٤٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كالكَنْزِ والجَنَّةِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾، نَبَّهَ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَ الرَّسُولُ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ، ولَكِنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ عِبادَهُ بِحَسَبِ الصّالِحِ، أوْ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَيَفْتَحُ عَلى واحِدٍ أبْوابَ المَعارِفِ والعُلُومِ، ويَسُدُّ عَلَيْهِ أبْوابَ الدُّنْيا، وفي حَقِّ الآخَرِ بِالعَكْسِ، وما ذاكَ إلّا أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَيْرٌ مِن ذَلِكَ مِمّا عَيَّرُوكَ بِفَقْدِهِ الجَنَّةُ؛ لِأنَّهم عَيَّرُوكَ بِفَقْدِ الجَنَّةِ الواحِدَةِ، وهو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَكَ جَنّاتٍ كَثِيرَةً، وقالَ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: ﴿خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ المَشْيِ في الأسْواقِ وابْتِغاءِ المَعاشِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ شاءَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ تَعالى شاكٌّ؛ لِأنَّ الشَّكَّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ قَوْمٌ: ﴿إنْ﴾ هَهُنا بِمَعْنى إذا، أيْ قَدْ جَعَلْنا لَكَ في الآخِرَةِ جَنّاتٍ وبَنَيْنا لَكَ قُصُورًا، وإنَّما أدْخَلَ إنْ تَنْبِيهًا لِلْعِبادِ عَلى أنَّهُ لا يَنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ، لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.
المسألة الثّالِثَةُ: القُصُورُ جَماعَةُ قَصْرٍ، وهو المَسْكَنُ الرَّفِيعُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جَنَّةٍ قَصْرٌ، فَيَكُونَ مَسْكَنًا ومُتَنَزَّهًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُصُورُ مَجْمُوعَةً والجَنّاتُ مَجْمُوعَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ جَنّاتٍ في الآخِرَةِ وقُصُورًا في الدُّنْيا.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلْ﴾، فَرَفَعَ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ اللّامَ، وجَزَمَهُ الآخَرُونَ، فَمَن جَزَمَ فَلِأنَّ المَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا، ومَن رَفَعَ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَعْنى سَيَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَرْقٌ في المَعْنى، فَمَن جَزَمَ فالمَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا في الدُّنْيا، ولا يَحْسُنُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، ومَن رَفَعَ حَسُنَ لَهُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، واسْتَأْنَفَ، أيْ ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا في الآخِرَةِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: (تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ يَجْعَلُ) .
المسألة الخامِسَةُ: عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ وجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ. فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا حَتّى جاءَ المَلَكُ وسَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ يُعْطِيَكَ مَفاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُعْطِها أحَدًا قَبْلَكَ ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ مِمّا ادَّخَرَ لَكَ شَيْئًا. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ يَجْمَعُها جَمِيعًا لِي في الآخِرَةِ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ﴾ الآيَةَ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ بَطْحاءَ
صفحة ٤٨
مَكَّةَ» ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي لِرَبِّي، وفي رِوايَةِ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أشْبَعُ يَوْمًا وأجُوعُ ثَلاثًا، فَأحْمَدُكَ إذا شَبِعْتُ وأتَضَرَّعُ إلَيْكَ إذا جُعْتُ» . وعَنِ الضَّحّاكِ:“ «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَزِّيًا لَهُ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الفُرْقانِ: ٢٠] الآيَةَ، قالَ: فَبَيْنَما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ والنَّبِيُّ ﷺ يَتَحَدَّثانِ إذْ فُتِحَ بابٌ مِن أبْوابِ السَّماءِ لَمْ يَكُنْ فُتِحَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثم قال: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، هَذا رِضْوانُ خازِنُ الجَنَّةِ قَدْ أتاكَ بِالرِّضا مِن رَبِّكَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وبَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، ثم قال: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ الدُّنْيا فاقْبِضْها مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ اللَّهُ مِمّا أعَدَّ لَكَ في الآخِرَةِ جَناحَ بَعُوضَةٍ. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ، فَأوْمَأ بِيَدِهِ أنْ تَواضَعْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا» . قالَ: فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْ مُتَّكِئًا حَتّى فارَقَ الدُّنْيا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ فَهَذا جَوابٌ ثالِثٌ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً عَلَيْكَ في نَفْسِ المسألة، بَلِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِالسّاعَةِ فَلا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا عِقابًا ولا يَتَحَمَّلُونَ كُلْفَةَ النَّظَرِ والفِكْرِ، فَلِهَذا لا يَنْتَفِعُونَ بِما يُورَدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ. ثم قال: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ”وأعْتَدْنا“ أيْ: جَعَلْناها عَتِيدًا ومُعَدَّةً لَهم، والسَّعِيرُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الِاسْتِعارِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] وعَلى أنَّ النّارَ الَّتِي هي دارُ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا﴾ إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ وقَعَ في الماضِي، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ دارَ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: يَحْتَمِلُ وأعْتَدْنا النّارَ في الدُّنْيا وبِها نُعَذِّبُ الكُفّارَ والفُسّاقَ في قُبُورِهِمْ، ويَحْتَمِلُ نارَ الآخِرَةِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ: سَنَعُدُّها لَهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [ الأعْرافِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ في نِهايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ السَّعِيرِ إمّا نارُ الدُّنْيا وإمّا نارُ الآخِرَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا بِنارِ الدُّنْيا، أوْ يُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ بِنارِ الدُّنْيا، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما عَذَّبَهم بِالنّارِ في الدُّنْيا، والتّالِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ: إنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكَفَرَةَ في الآخِرَةِ بِنِيرانِ الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ نارُ الآخِرَةِ، وثَبَتَ أنَّها مُعَدَّةٌ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُها مُعَدَّةً تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وعَلى أنَّ الحَسَنَ قالَ: السَّعِيرُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ فَقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى أعَدَّ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، فَقالُوا: إنَّ الَّذِينَ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ السَّعِيرَ وأخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ وحَكَمَ بِهِ أنْ صارُوا مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ، انْقَلَبَ حُكْمُ اللَّهِ بِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ السَّعِيرِ كَذِبًا، وانْقَلَبَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ جَهْلًا، وهَذا الِانْقِلابُ مُحالٌ، والمُؤَدِّي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَصَيْرُورَةُ أُولَئِكَ مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، والشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا.
* * *
ثُمَّ إنَّهُ
صفحة ٤٩
سُبْحانَهُ وتَعالى وصَفَ السَّعِيرَ بِصِفاتٍ:
إحْداها قَوْلُهُ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ، ولَكِنْ جاءَ هَهُنا مُؤَنَّثًا لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿رَأتْهُمْ﴾ وقالَ: ﴿سَمِعُوا لَها﴾ وإنَّما جاءَ مُؤَنَّثًا عَلى مَعْنى النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، فالنّارُ عَلى ما هي عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ فِيها، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ لَيْسَ لَهم في هَذا البابِ حُجَّةٌ إلّا اسْتِقْراءُ العاداتِ، ولَوْ صَدَقَ ذَلِكَ لَوَجَبَ التَّكْذِيبُ بِانْخِراقِ العاداتِ في حَقِّ الرُّسُلِ، فَهَؤُلاءِ قَوْلُهم مُتَناقِضٌ، بَلْ إنْكارُ العاداتِ لا يَلِيقُ إلّا بِأُصُولِ الفَلاسِفَةِ، فَعَلى هَذا قالَ أصْحابُنا: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى في صِفَةِ النّارِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ يَجِبُ إجْراؤُهُ عَلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ لا امْتِناعَ في أنْ تَكُونَ النّارُ حَيَّةً رائِيَةً مُغْتاظَةً عَلى الكُفّارِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتاجُوا إلى التَّأْوِيلِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالُوا: مَعْنى رَأتْهم ظَهَرَتْ لَهم، مِن قَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى وتَتَناظَرُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ لا تَتَراءى ناراهُما» أيْ: لا تَتَقابَلانِ؛ لِما يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ مِن مُجانَبَةِ الكافِرِ والمُشْرِكِ، ويُقالُ: دُورُ فُلانٍ مُتَناظِرَةٌ، أيْ: مُتَقابِلَةٌ.
وثانِيها: أنَّ النّارَ لِشِدَّةِ اضْطِرامِها وغَلَيانِها صارَتْ تَرى الكُفّارَ وتَطْلُبُهم وتَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ النّارَ وأرادَ الخَزَنَةَ المُوَكَّلَةَ بِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ تَصِحُّ مِنهم ولا تَصِحُّ مِنَ النّارِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أرادَ أهْلَها.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّغَيُّظُ عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ مَسْمُوعًا، فَكَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّغَيُّظَ وإنْ لَمْ يُسْمَعْ فَإنَّهُ قَدْ يُسْمَعُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْتِ، وهو كَقَوْلِهِ: رَأيْتُ غَضَبَ الأمِيرِ عَلى فُلانٍ، إذا رَأى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ يُقالُ في المَحَبَّةِ فَكَذا هَهُنا، والمَعْنى سَمِعُوا لَها صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ المُتَغَيِّظِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثانِيها: المَعْنى: عَلِمُوا لَها تَغَيُّظًا وسَمِعُوا لَها زَفِيرًا، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
وثالِثُها: المُرادُ تَغَيُّظُ الخَزَنَةِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا وتُرْعَدُ فَرائِصُهُ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجْثُو عَلى رُكْبَتَيْهِ ويَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي.
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِلسَّعِيرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَ الكُفّارِ حِينَما يَكُونُونَ بِالبُعْدِ مِن جَهَنَّمَ، وصَفَ حالَهم عِنْدَما يُلْقَوْنَ فِيها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ بِما لا شَيْءَ أبْلَغُ مِنهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في ﴿ضَيِّقًا﴾ قِراءَتانِ؛ التَّشْدِيدُ، والتَّخْفِيفُ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: نُقِلَ في تَفْسِيرِ الضِّيقِ أُمُورٌ، قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قالَ: ”إنَّ جَهَنَّمَ لَتَضِيقُ عَلى الكافِرِ كَضِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ“ . وسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم يُسْتَكْرَهُونَ في النّارِ كَما يُسْتَكْرَهُ الوَتَدُ في الحائِطِ»، قالَ الكَلْبِيُّ: الأسْفَلُونَ يَرْفَعُهُمُ اللَّهِيبُ، والأعْلَوْنَ يَخْفِضُهُمُ الدّاخِلُونَ
صفحة ٥٠
فَيَزْدَحِمُونَ في تِلْكَ الأبْوابِ الضَّيِّقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الكَرْبُ مَعَ الضِّيقِ، كَما أنَّ الرُّوحَ مَعَ السَّعَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ الجَنَّةَ بِأنَّ عَرْضَها السَّماواتُ والأرْضُ، وجاءَ في الأحادِيثِ ”«إنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ القُصُورِ والجِنانِ كَذا وكَذا» “ ولَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ عَلى أهْلِ النّارِ أنْواعَ البَلاءِ، حَيْثُ ضَمَّ إلى العَذابِ الشَّدِيدِ الضِّيقَ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩]: إنَّ أهْلَ النّارِ مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ والضِّيقِ الشَّدِيدِ يَكُونُونَ مُقَرَّنِينَ في السَّلاسِلِ، قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ، وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ، وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ أهْلِ النّارِ أنَّهم حِينَما يُشاهِدُونَ هَذا النوع مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ دَعَوْا ثُبُورًا، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، ودُعاؤُهم أنْ يَقُولُوا: واثُبُوراهْ، أيْ يَقُولُوا: يا ثُبُورُ، هَذا حِينُكَ وزَمانُكَ. ورَوى أنَسٌ مَرْفُوعًا: «أوَّلُ مَن يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ إبْلِيسُ، فَيَضَعُها عَلى جانِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ ذُرِّيَّتُهُ وهو يَقُولُ: يا ثُبُوراهْ، ويُنادَوْنَ: يا ثُبُورَهم حَتّى يَرِدُوا النّارَ» .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، وهم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَوْلٌ، ومَعْنى ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورُكم مِنهُ واحِدًا، إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ، إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ، لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ، أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا غَيْرَها، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ العَذابَ دائِمٌ خالِصٌ عَنِ الشَّوْبِ، فَلَهم في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها ثُبُورٌ، أوْ لِأنَّهم رُبَّما يَجِدُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ، فَإنَّ المُعَذَّبَ إذا صاحَ وبَكى وجَدَ بِسَبَبِهِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ فَيُزْجَرُونَ عَنْ ذَلِكَ، ويُخْبَرُونَ بِأنَّ هَذا الثُّبُورَ سَيَزْدادُ كُلَّ يَوْمٍ لِيَزْدادَ حُزْنُهم وغَمُّهم، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَ هَذا كُلُّهُ في حَقِّ أبِي جَهْلٍ والكُفّارِ الَّذِينَ ذَكَرُوا تِلْكَ الشُّبُهاتِ.
الفرقان 25:14
صفحة ٤٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كالكَنْزِ والجَنَّةِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾، نَبَّهَ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَ الرَّسُولُ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ، ولَكِنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ عِبادَهُ بِحَسَبِ الصّالِحِ، أوْ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَيَفْتَحُ عَلى واحِدٍ أبْوابَ المَعارِفِ والعُلُومِ، ويَسُدُّ عَلَيْهِ أبْوابَ الدُّنْيا، وفي حَقِّ الآخَرِ بِالعَكْسِ، وما ذاكَ إلّا أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَيْرٌ مِن ذَلِكَ مِمّا عَيَّرُوكَ بِفَقْدِهِ الجَنَّةُ؛ لِأنَّهم عَيَّرُوكَ بِفَقْدِ الجَنَّةِ الواحِدَةِ، وهو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَكَ جَنّاتٍ كَثِيرَةً، وقالَ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: ﴿خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ المَشْيِ في الأسْواقِ وابْتِغاءِ المَعاشِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ شاءَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ تَعالى شاكٌّ؛ لِأنَّ الشَّكَّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ قَوْمٌ: ﴿إنْ﴾ هَهُنا بِمَعْنى إذا، أيْ قَدْ جَعَلْنا لَكَ في الآخِرَةِ جَنّاتٍ وبَنَيْنا لَكَ قُصُورًا، وإنَّما أدْخَلَ إنْ تَنْبِيهًا لِلْعِبادِ عَلى أنَّهُ لا يَنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ، لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.
المسألة الثّالِثَةُ: القُصُورُ جَماعَةُ قَصْرٍ، وهو المَسْكَنُ الرَّفِيعُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جَنَّةٍ قَصْرٌ، فَيَكُونَ مَسْكَنًا ومُتَنَزَّهًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُصُورُ مَجْمُوعَةً والجَنّاتُ مَجْمُوعَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ جَنّاتٍ في الآخِرَةِ وقُصُورًا في الدُّنْيا.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلْ﴾، فَرَفَعَ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ اللّامَ، وجَزَمَهُ الآخَرُونَ، فَمَن جَزَمَ فَلِأنَّ المَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا، ومَن رَفَعَ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَعْنى سَيَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَرْقٌ في المَعْنى، فَمَن جَزَمَ فالمَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا في الدُّنْيا، ولا يَحْسُنُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، ومَن رَفَعَ حَسُنَ لَهُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، واسْتَأْنَفَ، أيْ ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا في الآخِرَةِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: (تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ يَجْعَلُ) .
المسألة الخامِسَةُ: عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ وجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ. فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا حَتّى جاءَ المَلَكُ وسَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ يُعْطِيَكَ مَفاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُعْطِها أحَدًا قَبْلَكَ ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ مِمّا ادَّخَرَ لَكَ شَيْئًا. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ يَجْمَعُها جَمِيعًا لِي في الآخِرَةِ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ﴾ الآيَةَ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ بَطْحاءَ
صفحة ٤٨
مَكَّةَ» ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي لِرَبِّي، وفي رِوايَةِ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أشْبَعُ يَوْمًا وأجُوعُ ثَلاثًا، فَأحْمَدُكَ إذا شَبِعْتُ وأتَضَرَّعُ إلَيْكَ إذا جُعْتُ» . وعَنِ الضَّحّاكِ:“ «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَزِّيًا لَهُ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الفُرْقانِ: ٢٠] الآيَةَ، قالَ: فَبَيْنَما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ والنَّبِيُّ ﷺ يَتَحَدَّثانِ إذْ فُتِحَ بابٌ مِن أبْوابِ السَّماءِ لَمْ يَكُنْ فُتِحَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثم قال: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، هَذا رِضْوانُ خازِنُ الجَنَّةِ قَدْ أتاكَ بِالرِّضا مِن رَبِّكَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وبَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، ثم قال: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ الدُّنْيا فاقْبِضْها مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ اللَّهُ مِمّا أعَدَّ لَكَ في الآخِرَةِ جَناحَ بَعُوضَةٍ. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ، فَأوْمَأ بِيَدِهِ أنْ تَواضَعْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا» . قالَ: فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْ مُتَّكِئًا حَتّى فارَقَ الدُّنْيا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ فَهَذا جَوابٌ ثالِثٌ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً عَلَيْكَ في نَفْسِ المسألة، بَلِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِالسّاعَةِ فَلا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا عِقابًا ولا يَتَحَمَّلُونَ كُلْفَةَ النَّظَرِ والفِكْرِ، فَلِهَذا لا يَنْتَفِعُونَ بِما يُورَدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ. ثم قال: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ”وأعْتَدْنا“ أيْ: جَعَلْناها عَتِيدًا ومُعَدَّةً لَهم، والسَّعِيرُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الِاسْتِعارِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] وعَلى أنَّ النّارَ الَّتِي هي دارُ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا﴾ إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ وقَعَ في الماضِي، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ دارَ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: يَحْتَمِلُ وأعْتَدْنا النّارَ في الدُّنْيا وبِها نُعَذِّبُ الكُفّارَ والفُسّاقَ في قُبُورِهِمْ، ويَحْتَمِلُ نارَ الآخِرَةِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ: سَنَعُدُّها لَهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [ الأعْرافِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ في نِهايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ السَّعِيرِ إمّا نارُ الدُّنْيا وإمّا نارُ الآخِرَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا بِنارِ الدُّنْيا، أوْ يُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ بِنارِ الدُّنْيا، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما عَذَّبَهم بِالنّارِ في الدُّنْيا، والتّالِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ: إنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكَفَرَةَ في الآخِرَةِ بِنِيرانِ الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ نارُ الآخِرَةِ، وثَبَتَ أنَّها مُعَدَّةٌ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُها مُعَدَّةً تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وعَلى أنَّ الحَسَنَ قالَ: السَّعِيرُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ فَقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى أعَدَّ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، فَقالُوا: إنَّ الَّذِينَ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ السَّعِيرَ وأخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ وحَكَمَ بِهِ أنْ صارُوا مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ، انْقَلَبَ حُكْمُ اللَّهِ بِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ السَّعِيرِ كَذِبًا، وانْقَلَبَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ جَهْلًا، وهَذا الِانْقِلابُ مُحالٌ، والمُؤَدِّي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَصَيْرُورَةُ أُولَئِكَ مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، والشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا.
* * *
ثُمَّ إنَّهُ
صفحة ٤٩
سُبْحانَهُ وتَعالى وصَفَ السَّعِيرَ بِصِفاتٍ:
إحْداها قَوْلُهُ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ، ولَكِنْ جاءَ هَهُنا مُؤَنَّثًا لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿رَأتْهُمْ﴾ وقالَ: ﴿سَمِعُوا لَها﴾ وإنَّما جاءَ مُؤَنَّثًا عَلى مَعْنى النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، فالنّارُ عَلى ما هي عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ فِيها، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ لَيْسَ لَهم في هَذا البابِ حُجَّةٌ إلّا اسْتِقْراءُ العاداتِ، ولَوْ صَدَقَ ذَلِكَ لَوَجَبَ التَّكْذِيبُ بِانْخِراقِ العاداتِ في حَقِّ الرُّسُلِ، فَهَؤُلاءِ قَوْلُهم مُتَناقِضٌ، بَلْ إنْكارُ العاداتِ لا يَلِيقُ إلّا بِأُصُولِ الفَلاسِفَةِ، فَعَلى هَذا قالَ أصْحابُنا: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى في صِفَةِ النّارِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ يَجِبُ إجْراؤُهُ عَلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ لا امْتِناعَ في أنْ تَكُونَ النّارُ حَيَّةً رائِيَةً مُغْتاظَةً عَلى الكُفّارِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتاجُوا إلى التَّأْوِيلِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالُوا: مَعْنى رَأتْهم ظَهَرَتْ لَهم، مِن قَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى وتَتَناظَرُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ لا تَتَراءى ناراهُما» أيْ: لا تَتَقابَلانِ؛ لِما يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ مِن مُجانَبَةِ الكافِرِ والمُشْرِكِ، ويُقالُ: دُورُ فُلانٍ مُتَناظِرَةٌ، أيْ: مُتَقابِلَةٌ.
وثانِيها: أنَّ النّارَ لِشِدَّةِ اضْطِرامِها وغَلَيانِها صارَتْ تَرى الكُفّارَ وتَطْلُبُهم وتَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ النّارَ وأرادَ الخَزَنَةَ المُوَكَّلَةَ بِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ تَصِحُّ مِنهم ولا تَصِحُّ مِنَ النّارِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أرادَ أهْلَها.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّغَيُّظُ عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ مَسْمُوعًا، فَكَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّغَيُّظَ وإنْ لَمْ يُسْمَعْ فَإنَّهُ قَدْ يُسْمَعُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْتِ، وهو كَقَوْلِهِ: رَأيْتُ غَضَبَ الأمِيرِ عَلى فُلانٍ، إذا رَأى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ يُقالُ في المَحَبَّةِ فَكَذا هَهُنا، والمَعْنى سَمِعُوا لَها صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ المُتَغَيِّظِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثانِيها: المَعْنى: عَلِمُوا لَها تَغَيُّظًا وسَمِعُوا لَها زَفِيرًا، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
وثالِثُها: المُرادُ تَغَيُّظُ الخَزَنَةِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا وتُرْعَدُ فَرائِصُهُ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجْثُو عَلى رُكْبَتَيْهِ ويَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي.
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِلسَّعِيرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَ الكُفّارِ حِينَما يَكُونُونَ بِالبُعْدِ مِن جَهَنَّمَ، وصَفَ حالَهم عِنْدَما يُلْقَوْنَ فِيها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ بِما لا شَيْءَ أبْلَغُ مِنهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في ﴿ضَيِّقًا﴾ قِراءَتانِ؛ التَّشْدِيدُ، والتَّخْفِيفُ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: نُقِلَ في تَفْسِيرِ الضِّيقِ أُمُورٌ، قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قالَ: ”إنَّ جَهَنَّمَ لَتَضِيقُ عَلى الكافِرِ كَضِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ“ . وسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم يُسْتَكْرَهُونَ في النّارِ كَما يُسْتَكْرَهُ الوَتَدُ في الحائِطِ»، قالَ الكَلْبِيُّ: الأسْفَلُونَ يَرْفَعُهُمُ اللَّهِيبُ، والأعْلَوْنَ يَخْفِضُهُمُ الدّاخِلُونَ
صفحة ٥٠
فَيَزْدَحِمُونَ في تِلْكَ الأبْوابِ الضَّيِّقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الكَرْبُ مَعَ الضِّيقِ، كَما أنَّ الرُّوحَ مَعَ السَّعَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ الجَنَّةَ بِأنَّ عَرْضَها السَّماواتُ والأرْضُ، وجاءَ في الأحادِيثِ ”«إنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ القُصُورِ والجِنانِ كَذا وكَذا» “ ولَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ عَلى أهْلِ النّارِ أنْواعَ البَلاءِ، حَيْثُ ضَمَّ إلى العَذابِ الشَّدِيدِ الضِّيقَ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩]: إنَّ أهْلَ النّارِ مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ والضِّيقِ الشَّدِيدِ يَكُونُونَ مُقَرَّنِينَ في السَّلاسِلِ، قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ، وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ، وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ أهْلِ النّارِ أنَّهم حِينَما يُشاهِدُونَ هَذا النوع مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ دَعَوْا ثُبُورًا، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، ودُعاؤُهم أنْ يَقُولُوا: واثُبُوراهْ، أيْ يَقُولُوا: يا ثُبُورُ، هَذا حِينُكَ وزَمانُكَ. ورَوى أنَسٌ مَرْفُوعًا: «أوَّلُ مَن يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ إبْلِيسُ، فَيَضَعُها عَلى جانِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ ذُرِّيَّتُهُ وهو يَقُولُ: يا ثُبُوراهْ، ويُنادَوْنَ: يا ثُبُورَهم حَتّى يَرِدُوا النّارَ» .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، وهم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَوْلٌ، ومَعْنى ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورُكم مِنهُ واحِدًا، إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ، إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ، لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ، أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا غَيْرَها، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ العَذابَ دائِمٌ خالِصٌ عَنِ الشَّوْبِ، فَلَهم في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها ثُبُورٌ، أوْ لِأنَّهم رُبَّما يَجِدُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ، فَإنَّ المُعَذَّبَ إذا صاحَ وبَكى وجَدَ بِسَبَبِهِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ فَيُزْجَرُونَ عَنْ ذَلِكَ، ويُخْبَرُونَ بِأنَّ هَذا الثُّبُورَ سَيَزْدادُ كُلَّ يَوْمٍ لِيَزْدادَ حُزْنُهم وغَمُّهم، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَ هَذا كُلُّهُ في حَقِّ أبِي جَهْلٍ والكُفّارِ الَّذِينَ ذَكَرُوا تِلْكَ الشُّبُهاتِ.
الفرقان 25:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ العِقابِ المُعَدِّ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالسّاعَةِ أتْبَعَهُ بِما يُؤَكِّدُ الحَسْرَةَ والنَّدامَةَ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ أنْ يَلْتَمِسُوها بِالتَّصْدِيقِ والطّاعَةِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقالُ: العَذابُ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ، وهَلْ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ العاقِلُ: السُّكَّرُ أحْلى أمِ الصَّبْرُ ؟ قُلْنا: هَذا يَحْسُنُ في مَعْرِضِ التَّقْرِيعِ، كَما إذا أعْطى السَّيِّدُ عَبْدَهُ مالًا فَتَمَرَّدَ وأبى واسْتَكْبَرَ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبًا وجِيعًا، ويَقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ: هَذا أطْيَبُ أمْ ذاكَ ؟
المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن قالَ: السُّلْطانُ وعَدَ فُلانًا أنْ يُعْطِيَهُ كَذا، فَإنَّهُ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّفْضِيلِ، فَأمّا لَوْ كانَ ذَلِكَ الإعْطاءُ واجِبًا لا يُقالُ: إنَّهُ وعَدَهُ بِهِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِهِ أيْضًا عَلى مَذْهَبِهِمْ، قالُوا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ ذَلِكَ الوَعْدَ لِلْمَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ التَّقْوى، وتَرْتِيبُ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلْيَةِ. فَكَذا يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ
صفحة ٥١
إنَّما حَصَلَ مُعَلَّلًا بِصِفَةِ التَّقْوى، والتَّفْضِيلُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالمُتَّقِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُخْتَصُّ بِهِمْ واجِبًا.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: جَنَّةُ الخُلْدِ هي الَّتِي لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُها. والخُلْدُ والخُلُودُ سَواءٌ، كالشُّكْرِ والشُّكُورِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [ الإنْسانِ: ٩] فَإنْ قِيلَ: الجَنَّةُ اسْمٌ لِدارِ الثَّوابِ وهي مُخَلَّدَةٌ، فَأيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ ؟ قُلْنا: الإضافَةُ قَدْ تَكُونُ لِلتَّمْيِيزِ، وقَدْ تَكُونُ لِبَيانِ صِفَةِ الكَمالِ، كَما يُقالُ: اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ، وما هُنا مِن هَذا البابِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ الِاسْتِحْقاقِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ اسْمَ الجَزاءِ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْتَحِقَّ، فَأمّا الوَعْدُ بِمَحْضِ التَّفْضِيلِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى جَزاءً.
والثّانِي: لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الجَزاءِ الأمْرَ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ومَصِيرًا﴾ تَفاوُتٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ تَكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.
قالَ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: لا نِزاعَ في كَوْنِهِ ﴿جَزاءً﴾ إنَّما النِّزاعُ في أنَّ كَوْنَهُ جَزاءً ثَبَتَ بِالوَعْدِ أوْ بِالِاسْتِحْقاقِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ؛ لِأنَّ الثَّوابَ هو النَّفْعُ الدّائِمُ الخالِصُ عَنْ شَوْبِ الضَّرَرِ، والعِقابُ هو الضَّرَرُ الدّائِمُ الخالِصُ عَنْ شَوْبِ النَّفْعِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، وما كانَ مُمْتَنِعَ الوُجُودِ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ اسْتِحْقاقُهُ، فَإذَنْ مَتى ثَبَتَ اسْتِحْقاقُ العِقابِ وجَبَ أنْ يَزُولَ اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ. فَنَقُولُ: لَوْ عَفا اللَّهُ عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ لَكانَ إمّا أنْ يُخْرِجَهُ مِنَ النّارِ ولا يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، إمّا أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ أوْ مِن أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشُّورى: ٧] وإمّا أنْ يُخْرِجَهُ مِنَ النّارِ ويُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّ المُتَّقِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ فَجَعَلَ الجَنَّةَ لَهم ومُخْتَصَّةً بِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّها إنَّما كانَتْ لَهم لِكَوْنِها جَزاءً لَهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَكانَتْ حَقًّا لَهم، وإعْطاءُ حَقِّ الإنْسانِ لِغَيْرِهِ لا يَجُوزُ، ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ ثَبَتَ أنَّ العَفْوَ غَيْرُ جائِزٍ. أجابَ أصْحابُنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُتَّقُونَ يَرْضَوْنَ بِإدْخالِ اللَّهِ أهْلَ العَفْوِ في الجَنَّةِ ؟ فَحِينَئِذٍ لا يَمْتَنِعُ دُخُولُهم فِيها.
الوجه الثّانِي: قالُوا: المُتَّقِي في عُرْفِ الشَّرْعِ مُخْتَصٌّ بِمَنِ اتَّقى الكُفْرَ والكَبائِرَ، وإنِ اخْتَلَفْنا في أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ هَلْ يُسَمّى مُؤْمِنًا أمْ لا، لَكِنّا اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ لا يُسَمّى مُتَّقِيًا، ثم قال في وصْفِ الجَنَّةِ: إنَّها كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا، وهَذا لِلْحَصْرِ، والمَعْنى أنَّها مَصِيرٌ لِلْمُتَّقِينَ لا لِغَيْرِهِمْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَدْخُلَها صاحِبُ الكَبِيرَةِ، قُلْنا: أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا العُمُومَ صَرِيحٌ في الوَعِيدِ، فَتَخُصُّهُ بِآياتِ الوَعْدِ.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الجَنَّةَ سَتَصِيرُ لِلْمُتَّقِينَ جَزاءً ومَصِيرًا، لَكِنَّها بَعْدَما صارَتْ كَذَلِكَ، فَلِمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ فَهو في تَحَقُّقِهِ كَأنَّهُ قَدْ كانَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأزْمِنَةٍ مُتَطاوِلَةٍ أنَّ الجَنَّةَ جَزاؤُهم ومَصِيرُهم.
* * *
صفحة ٥٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ﴾ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣١] وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أهْلُ الدَّرَجاتِ النّازِلَةِ إذا شاهَدُوا الدَّرَجاتِ العالِيَةَ لا بُدَّ وأنْ يُرِيدُوها، فَإذا سَألُوها رَبَّهم، فَإنْ أعْطاهم إيّاها لَمْ يَبْقَ بَيْنَ النّاقِصِ والكامِلِ تَفاوُتٌ في الدَّرَجَةِ، وإنْ لَمْ يُعْطِها قَدَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ وأيْضًا فالأبُ إذا كانَ ولَدُهُ في دَرَجاتِ النِّيرانِ وأشَدُّ العَذابِ إذا اشْتَهى أنْ يُخَلِّصَهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ العَذابِ فَلا بُدَّ وأنْ يَسْألَ رَبَّهُ أنْ يُخَلِّصَهُ مِنهُ، فَإنْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ قَدَحَ في أنَّ عَذابَ الكافِرِ مُخَلَّدٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ قَدَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ [ق: ٣٥]، وجَوابُهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيلُ ذَلِكَ الخاطِرَ عَنْ قُلُوبِ أهْلِ الجَنَّةِ، بَلْ يَكُونُ اشْتِغالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما فِيهِ مِنَ اللَّذّاتِ شاغِلًا عَنِ الِالتِفاتِ إلى حالِ غَيْرِهِ.
المسألة الثّانِيَةُ: شَرْطُ نَعِيمِ الجَنَّةِ أنْ يَكُونَ دائِمًا؛ إذْ لَوِ انْقَطَعَ لَكانَ مَشُوبًا بِضَرْبٍ مِنَ الغَمِّ، ولِذَلِكَ قالَ المُتَنَبِّي:
أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا
ولِذَلِكَ اعْتَبَرَ الخُلُودَ فِيهِ فَقالَ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ﴾ .
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ حُصُولَ المُراداتِ بِأسْرِها لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ، فَأمّا في غَيْرِها فَلا يَحْصُلُ ذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ في الدُّنْيا مِن أنْ تَكُونَ راحاتُها مَشُوبَةً بِالجِراحاتِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن طَلَبَ ما لَمْ يُخْلَقْ أتْعَبَ نَفْسَهُ ولَمْ يُرْزَقْ، فَقِيلَ: وما هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: سُرُورُ يَوْمٍ» .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: كَلِمَةُ (عَلى) لِلْوُجُوبِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن نَذَرَ وسَمّى فَعَلَيْهِ الوَفاءُ بِما سَمّى»، فَقَوْلُهُ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، والواجِبُ هو الَّذِي لَوْ لَمْ يُفْعَلْ لاسْتَحَقَّ تارِكُهُ بِفِعْلِهِ الذَّمَّ، أوْ أنَّهُ الَّذِي يَكُونُ عَدَمُهُ مُمْتَنِعًا، فَإنْ كانَ الوُجُوبُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ كانَ تَرْكُهُ مُحالًا؛ لِأنَّ تَرْكَهُ لَمّا اسْتَلْزَمَ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ، واسْتِحْقاقُ اللَّهِ تَعالى الذَّمَّ مُحالٌ، ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، كانَ ذَلِكَ التَّرْكُ مُحالًا، والمُحالُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى أنْ لا يَفْعَلَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُلْجَأً إلى الفِعْلِ، وإنْ كانَ الوُجُوبُ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي وهو أنْ يُقالَ: الواجِبُ ما يَكُونُ عَدَمُهُ مُمْتَنِعًا يَكُونُ القَوْلُ بِالإلْجاءِ لازِمًا، فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ قادِرًا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمِ الوَعْدِ، فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لانْقَلَبَ خَبَرُهُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وعِلْمُهُ جَهْلًا، وذَلِكَ مُحالٌ، والمُؤَدِّي إلى المُحالِ مُحالٌ، فالتَّرْكُ مُحالٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُلْجَأً إلى الفِعْلِ، والمُلْجَأُ إلى الفِعْلِ لا يَكُونُ قادِرًا، ولا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّناءِ والمَدْحِ.
تَمامُ السُّؤالِ وجَوابُهُ: أنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ وعَنِ العِلْمِ بِفِعْلِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ فِعْلًا لا عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ، فَكانَ قادِرًا ومُسْتَحِقًّا لِلثَّناءِ والمَدْحِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعْدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ حَصَلَتْ بِحُكْمِ الوَعْدِ، لا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
صفحة ٥٣
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَسْئُولًا﴾ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُكَلَّفِينَ سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٤] .
وثانِيها: أنَّ المُكَلَّفِينَ سَألُوهُ بِلِسانِ الحالِ؛ لِأنَّهم لَمّا تَحَمَّلُوا المَشَقَّةَ الشَّدِيدَةَ في طاعَتِهِ كانَ ذَلِكَ قائِمًا مَقامَ السُّؤالِ، قالَ المُتَنَبِّي:
وفِي النَّفْسِ حاجاتٌ وفِيكَ فَطانَةٌ سُكُوتِي كَلامٌ عِنْدَها وخِطابُ
وثالِثُها: المَلائِكَةُ سَألُوا اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [غافِرٍ: ٨] .
ورابِعُها: ﴿وعْدًا مَسْئُولًا﴾ أيْ واجِبًا، يُقالُ: لَأُعْطِيَنَّكَ ألْفًا وعْدًا مَسْئُولًا، أيْ واجِبًا وإنْ لَمْ تَسْألْ، قالَهُ الفَرّاءُ. وسائِرُ الوُجُوهِ أقْرَبُ مِن هَذا؛ لِأنَّ سائِرَ الوُجُوهِ أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ، وما قالَهُ الفَرّاءُ مَجازٌ.
وخامِسُها: مَسْئُولًا أيْ مِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مَسْئُولًا؛ لِأنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ، إمّا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، أوْ بِحُكْمِ الوَعْدِ عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ.
الفرقان 25:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ العِقابِ المُعَدِّ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالسّاعَةِ أتْبَعَهُ بِما يُؤَكِّدُ الحَسْرَةَ والنَّدامَةَ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ أنْ يَلْتَمِسُوها بِالتَّصْدِيقِ والطّاعَةِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقالُ: العَذابُ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ، وهَلْ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ العاقِلُ: السُّكَّرُ أحْلى أمِ الصَّبْرُ ؟ قُلْنا: هَذا يَحْسُنُ في مَعْرِضِ التَّقْرِيعِ، كَما إذا أعْطى السَّيِّدُ عَبْدَهُ مالًا فَتَمَرَّدَ وأبى واسْتَكْبَرَ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبًا وجِيعًا، ويَقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ: هَذا أطْيَبُ أمْ ذاكَ ؟
المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن قالَ: السُّلْطانُ وعَدَ فُلانًا أنْ يُعْطِيَهُ كَذا، فَإنَّهُ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّفْضِيلِ، فَأمّا لَوْ كانَ ذَلِكَ الإعْطاءُ واجِبًا لا يُقالُ: إنَّهُ وعَدَهُ بِهِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِهِ أيْضًا عَلى مَذْهَبِهِمْ، قالُوا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ ذَلِكَ الوَعْدَ لِلْمَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ التَّقْوى، وتَرْتِيبُ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلْيَةِ. فَكَذا يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ
صفحة ٥١
إنَّما حَصَلَ مُعَلَّلًا بِصِفَةِ التَّقْوى، والتَّفْضِيلُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالمُتَّقِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُخْتَصُّ بِهِمْ واجِبًا.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: جَنَّةُ الخُلْدِ هي الَّتِي لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُها. والخُلْدُ والخُلُودُ سَواءٌ، كالشُّكْرِ والشُّكُورِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [ الإنْسانِ: ٩] فَإنْ قِيلَ: الجَنَّةُ اسْمٌ لِدارِ الثَّوابِ وهي مُخَلَّدَةٌ، فَأيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ ؟ قُلْنا: الإضافَةُ قَدْ تَكُونُ لِلتَّمْيِيزِ، وقَدْ تَكُونُ لِبَيانِ صِفَةِ الكَمالِ، كَما يُقالُ: اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ، وما هُنا مِن هَذا البابِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ الِاسْتِحْقاقِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ اسْمَ الجَزاءِ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْتَحِقَّ، فَأمّا الوَعْدُ بِمَحْضِ التَّفْضِيلِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى جَزاءً.
والثّانِي: لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الجَزاءِ الأمْرَ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ومَصِيرًا﴾ تَفاوُتٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ تَكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.
قالَ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: لا نِزاعَ في كَوْنِهِ ﴿جَزاءً﴾ إنَّما النِّزاعُ في أنَّ كَوْنَهُ جَزاءً ثَبَتَ بِالوَعْدِ أوْ بِالِاسْتِحْقاقِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ؛ لِأنَّ الثَّوابَ هو النَّفْعُ الدّائِمُ الخالِصُ عَنْ شَوْبِ الضَّرَرِ، والعِقابُ هو الضَّرَرُ الدّائِمُ الخالِصُ عَنْ شَوْبِ النَّفْعِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، وما كانَ مُمْتَنِعَ الوُجُودِ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ اسْتِحْقاقُهُ، فَإذَنْ مَتى ثَبَتَ اسْتِحْقاقُ العِقابِ وجَبَ أنْ يَزُولَ اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ. فَنَقُولُ: لَوْ عَفا اللَّهُ عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ لَكانَ إمّا أنْ يُخْرِجَهُ مِنَ النّارِ ولا يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، إمّا أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ أوْ مِن أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشُّورى: ٧] وإمّا أنْ يُخْرِجَهُ مِنَ النّارِ ويُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّ المُتَّقِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ فَجَعَلَ الجَنَّةَ لَهم ومُخْتَصَّةً بِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّها إنَّما كانَتْ لَهم لِكَوْنِها جَزاءً لَهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَكانَتْ حَقًّا لَهم، وإعْطاءُ حَقِّ الإنْسانِ لِغَيْرِهِ لا يَجُوزُ، ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ ثَبَتَ أنَّ العَفْوَ غَيْرُ جائِزٍ. أجابَ أصْحابُنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُتَّقُونَ يَرْضَوْنَ بِإدْخالِ اللَّهِ أهْلَ العَفْوِ في الجَنَّةِ ؟ فَحِينَئِذٍ لا يَمْتَنِعُ دُخُولُهم فِيها.
الوجه الثّانِي: قالُوا: المُتَّقِي في عُرْفِ الشَّرْعِ مُخْتَصٌّ بِمَنِ اتَّقى الكُفْرَ والكَبائِرَ، وإنِ اخْتَلَفْنا في أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ هَلْ يُسَمّى مُؤْمِنًا أمْ لا، لَكِنّا اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ لا يُسَمّى مُتَّقِيًا، ثم قال في وصْفِ الجَنَّةِ: إنَّها كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا، وهَذا لِلْحَصْرِ، والمَعْنى أنَّها مَصِيرٌ لِلْمُتَّقِينَ لا لِغَيْرِهِمْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَدْخُلَها صاحِبُ الكَبِيرَةِ، قُلْنا: أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا العُمُومَ صَرِيحٌ في الوَعِيدِ، فَتَخُصُّهُ بِآياتِ الوَعْدِ.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الجَنَّةَ سَتَصِيرُ لِلْمُتَّقِينَ جَزاءً ومَصِيرًا، لَكِنَّها بَعْدَما صارَتْ كَذَلِكَ، فَلِمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ فَهو في تَحَقُّقِهِ كَأنَّهُ قَدْ كانَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأزْمِنَةٍ مُتَطاوِلَةٍ أنَّ الجَنَّةَ جَزاؤُهم ومَصِيرُهم.
* * *
صفحة ٥٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ﴾ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣١] وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أهْلُ الدَّرَجاتِ النّازِلَةِ إذا شاهَدُوا الدَّرَجاتِ العالِيَةَ لا بُدَّ وأنْ يُرِيدُوها، فَإذا سَألُوها رَبَّهم، فَإنْ أعْطاهم إيّاها لَمْ يَبْقَ بَيْنَ النّاقِصِ والكامِلِ تَفاوُتٌ في الدَّرَجَةِ، وإنْ لَمْ يُعْطِها قَدَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ وأيْضًا فالأبُ إذا كانَ ولَدُهُ في دَرَجاتِ النِّيرانِ وأشَدُّ العَذابِ إذا اشْتَهى أنْ يُخَلِّصَهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ العَذابِ فَلا بُدَّ وأنْ يَسْألَ رَبَّهُ أنْ يُخَلِّصَهُ مِنهُ، فَإنْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ قَدَحَ في أنَّ عَذابَ الكافِرِ مُخَلَّدٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ قَدَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ [ق: ٣٥]، وجَوابُهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيلُ ذَلِكَ الخاطِرَ عَنْ قُلُوبِ أهْلِ الجَنَّةِ، بَلْ يَكُونُ اشْتِغالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما فِيهِ مِنَ اللَّذّاتِ شاغِلًا عَنِ الِالتِفاتِ إلى حالِ غَيْرِهِ.
المسألة الثّانِيَةُ: شَرْطُ نَعِيمِ الجَنَّةِ أنْ يَكُونَ دائِمًا؛ إذْ لَوِ انْقَطَعَ لَكانَ مَشُوبًا بِضَرْبٍ مِنَ الغَمِّ، ولِذَلِكَ قالَ المُتَنَبِّي:
أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا
ولِذَلِكَ اعْتَبَرَ الخُلُودَ فِيهِ فَقالَ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ﴾ .
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ حُصُولَ المُراداتِ بِأسْرِها لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ، فَأمّا في غَيْرِها فَلا يَحْصُلُ ذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ في الدُّنْيا مِن أنْ تَكُونَ راحاتُها مَشُوبَةً بِالجِراحاتِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن طَلَبَ ما لَمْ يُخْلَقْ أتْعَبَ نَفْسَهُ ولَمْ يُرْزَقْ، فَقِيلَ: وما هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: سُرُورُ يَوْمٍ» .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: كَلِمَةُ (عَلى) لِلْوُجُوبِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن نَذَرَ وسَمّى فَعَلَيْهِ الوَفاءُ بِما سَمّى»، فَقَوْلُهُ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، والواجِبُ هو الَّذِي لَوْ لَمْ يُفْعَلْ لاسْتَحَقَّ تارِكُهُ بِفِعْلِهِ الذَّمَّ، أوْ أنَّهُ الَّذِي يَكُونُ عَدَمُهُ مُمْتَنِعًا، فَإنْ كانَ الوُجُوبُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ كانَ تَرْكُهُ مُحالًا؛ لِأنَّ تَرْكَهُ لَمّا اسْتَلْزَمَ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ، واسْتِحْقاقُ اللَّهِ تَعالى الذَّمَّ مُحالٌ، ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، كانَ ذَلِكَ التَّرْكُ مُحالًا، والمُحالُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى أنْ لا يَفْعَلَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُلْجَأً إلى الفِعْلِ، وإنْ كانَ الوُجُوبُ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي وهو أنْ يُقالَ: الواجِبُ ما يَكُونُ عَدَمُهُ مُمْتَنِعًا يَكُونُ القَوْلُ بِالإلْجاءِ لازِمًا، فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ قادِرًا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمِ الوَعْدِ، فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لانْقَلَبَ خَبَرُهُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وعِلْمُهُ جَهْلًا، وذَلِكَ مُحالٌ، والمُؤَدِّي إلى المُحالِ مُحالٌ، فالتَّرْكُ مُحالٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُلْجَأً إلى الفِعْلِ، والمُلْجَأُ إلى الفِعْلِ لا يَكُونُ قادِرًا، ولا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّناءِ والمَدْحِ.
تَمامُ السُّؤالِ وجَوابُهُ: أنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ وعَنِ العِلْمِ بِفِعْلِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ فِعْلًا لا عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ، فَكانَ قادِرًا ومُسْتَحِقًّا لِلثَّناءِ والمَدْحِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعْدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ حَصَلَتْ بِحُكْمِ الوَعْدِ، لا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
صفحة ٥٣
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَسْئُولًا﴾ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُكَلَّفِينَ سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٤] .
وثانِيها: أنَّ المُكَلَّفِينَ سَألُوهُ بِلِسانِ الحالِ؛ لِأنَّهم لَمّا تَحَمَّلُوا المَشَقَّةَ الشَّدِيدَةَ في طاعَتِهِ كانَ ذَلِكَ قائِمًا مَقامَ السُّؤالِ، قالَ المُتَنَبِّي:
وفِي النَّفْسِ حاجاتٌ وفِيكَ فَطانَةٌ سُكُوتِي كَلامٌ عِنْدَها وخِطابُ
وثالِثُها: المَلائِكَةُ سَألُوا اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [غافِرٍ: ٨] .
ورابِعُها: ﴿وعْدًا مَسْئُولًا﴾ أيْ واجِبًا، يُقالُ: لَأُعْطِيَنَّكَ ألْفًا وعْدًا مَسْئُولًا، أيْ واجِبًا وإنْ لَمْ تَسْألْ، قالَهُ الفَرّاءُ. وسائِرُ الوُجُوهِ أقْرَبُ مِن هَذا؛ لِأنَّ سائِرَ الوُجُوهِ أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ، وما قالَهُ الفَرّاءُ مَجازٌ.
وخامِسُها: مَسْئُولًا أيْ مِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مَسْئُولًا؛ لِأنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ، إمّا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، أوْ بِحُكْمِ الوَعْدِ عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ.
الفرقان 25:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الفُرْقانِ: ٣] ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ فَنَقُولُ: كِلاهُما بِالنُّونِ والياءِ، وقُرِئَ: ”نَحْشِرُهم“ بِكَسْرِ الشِّينِ.
المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْبُدُونَ﴾ أنَّها الأصْنامُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي﴾ أنَّهُ مَن عُبِدَ مِنَ الأحْياءِ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وغَيْرِهِما؛ لِأنَّ الإضْلالَ وخِلافَهُ مِنهم يَصِحُّ، فَلِأجْلِ هَذا اخْتَلَفُوا،
صفحة ٥٤
فَمِنَ النّاسِ مَن حَمَلَهُ عَلى الأوْثانِ، فَإنْ قِيلَ لَهُمُ: الوَثَنُ جَمادٌ فَكَيْفَ خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى، وكَيْفَ قَدَرَ عَلى الجَوابِ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ فِيهِمُ الحَياةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُخاطِبُهم فَيَرُدُّونَ الجَوابَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكَلامُ لا بِالقَوْلِ اللِّسانِيِّ، بَلْ عَلى سَبِيلِ لِسانِ الحالِ كَما ذَكَرَ بَعْضُهم في تَسْبِيحِ المَواتِ وكَلامِ الأيْدِي والأرْجُلِ، وكَما قِيلَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ ؟ فَإنْ لَمْ تُجِبْكَ حِوارًا، أجابَتْكَ اعْتِبارًا. وأمّا الأكْثَرُونَ فَزَعَمُوا أنَّ المُرادَ هو المَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالُوا: ويَتَأكَّدُ هَذا القَوْلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤٠]، وإذا قِيلَ لَهم: لَفْظَةُ ”ما“ لا تُسْتَعْمَلُ في العُقَلاءِ أجابُوا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لِما لا يَعْقِلُ، بِدَلِيلِ أنَّهم قالُوا ”مَن“ لِما لا يَعْقِلُ.
والثّانِي: أُرِيدَ بِهِ الوَصْفُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”ومَعْبُودَهم“ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافِرُونَ: ٣] لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وكَيْفَ كانَ فالسُّؤالُ ساقِطٌ.
المسألة الثّالِثَةُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْشُرُ المَعْبُودِينَ، ثُمَّ يَقُولُ لَهم: أأنْتُمْ أوْقَعْتُمْ عِبادِي في الضَّلالِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، أمْ هم ضَلُّوا عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ ؟ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وفِيهِ كَسْرٌ بَيِّنٌ لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ عِبادَهُ في الحَقِيقَةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ الجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يَقُولُوا: إلَهُنا هَهُنا قِسْمٌ ثالِثٌ غَيْرُهُما هو الحَقُّ، وهو أنَّكَ أنْتَ أضْلَلْتَهم، فَلَمّا لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ بَلْ نَسَبُوا إضْلالَهم إلى أنْفُسِهِمْ، عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضِلُّ أحَدًا مِن عِبادِهِ. فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَعْبُودِينَ ما تَعَرَّضُوا لِهَذا القِسْمِ بَلْ ذَكَرُوهُ، فَإنَّهم قالُوا: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ ضَلالَهم إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ، وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَتَّعَهم وآباءَهم بِنَعِيمِ الدُّنْيا. قُلْنا: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ يَلْزَمُهم أنْ يَصِيرَ اللَّهُ مَحْجُوبًا في يَدِ أُولَئِكَ المَعْبُودِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ ذَلِكَ، بَلِ الغَرَضُ أنْ يَصِيرَ الكافِرُ مَحْجُوجًا مُفْحَمًا مُلْزَمًا. هَذا تَمامُ تَقْرِيرِ المُعْتَزِلَةِ في الآيَةِ، أجابَ أصْحابُنا بِأنَّ القُدْرَةَ عَلى الضَّلالِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ لِلِاهْتِداءِ فالإضْلالُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ صَلَحَتْ لَهُ لَمْ تَتَرَجَّحْ مَصْدَرِيَّتُها لِلْإضْلالِ عَلى مَصْدَرِيَّتِها لِلِاهْتِداءِ إلّا لِمُرَجِّحٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ ذَلِكَ يَعُودُ السُّؤالُ، وأمّا ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ فَهو وإنْ كانَ لَهم لَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِسائِرِ الظَّواهِرِ المُطابِقَةِ لِقَوْلِنا.
المسألة الرّابِعَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا السُّؤالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. بَقِيَ عَلى الآيَةِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: ما فائِدَةُ أنْتُمْ وهم ؟ وهَلّا قِيلَ: أأضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ؟ الجَوابُ: لَيْسَ السُّؤالُ عَنِ الفِعْلِ ووُجُودِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْلا وُجُودُهُ لَما تَوَجَّهَ هَذا العِتابُ، وإنَّما هو عَنْ فاعِلِهِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ وإيلائِهِ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ المَسْئُولُ عَنْهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ عالِمًا في الأزَلِ بِحالِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَما فائِدَةُ هَذا السُّؤالِ ؟ الجَوابُ: هَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ لِلْمُشْرِكِينَ كَما قالَ لِعِيسى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] ولِأنَّ أُولَئِكَ المَعْبُودِينَ لَمّا بَرَّءُوا أنْفُسَهم، وأحالُوا ذَلِكَ الضَّلالَ عَلَيْهِمْ صارَ تَبَرُّؤُ
صفحة ٥٥
المَعْبُودِينَ عَنْهم أشَدَّ في حَسْرَتِهِمْ وحَيْرَتِهِمْ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ والقِياسُ أنْ يُقالَ: ضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ. الجَوابُ: الأصْلُ ذَلِكَ، إلّا أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ مُتَناهِيًا في التَّفْرِيطِ وقِلَّةِ الِاحْتِياطِ، يُقالُ: ضَلَّ السَّبِيلَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى جَوابَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعَجَّبَ مِنهم فَقَدْ تَعَجَّبُوا مِمّا قِيلَ لَهم؛ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ وأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ، فَما أبْعَدَهم عَنِ الإضْلالِ الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ.
وثانِيها: أنَّهم نَطَقُوا بِسُبْحانَكَ لِيَدُلُّوا عَلى أنَّهُمُ المُسَبِّحُونَ المُقَدِّسُونَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحالِهِمْ أنْ يُضِلُّوا عِبادَهُ.
وثالِثُها: قَصَدُوا بِهِ تَنْزِيهَهُ عَنِ الأنْدادِ، سَواءً كانَ وثَنًا أوْ نَبِيًّا أوْ مَلَكًا.
ورابِعُها: قَصَدُوا تَنْزِيهَهُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مِن هَذا السُّؤالِ اسْتِفادَةَ عِلْمٍ أوْ إيذاءَ مَن كانَ بَرِيئًا عَنِ الجُرْمِ، بَلْ إنَّهُ إنَّما سَألَهم تَقْرِيعًا لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخًا لَهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ ”أنْ نَتَّخِذَ“ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الخاءِ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ بِرَفْعِ النُّونِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، قالَ الزَّجّاجُ: أخْطَأ مَن قَرَأ: ”أنْ نُتَّخَذَ“ بِضَمِّ النُّونِ؛ لِأنَّ (مِن) إنَّما تَدْخُلُ في هَذا البابِ في الأسْماءِ إذا كانَ مَفْعُولًا أوَّلًا، ولا تَدْخُلُ عَلى مَفْعُولِ الحالِ، تَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ مِن أحَدٍ ولِيًّا، ولا يَجُوزُ: ما اتَّخَذْتُ أحَدًا مِن ولِيٍّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اتَّخَذَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ كَقَوْلِكَ: اتَّخَذَ ولِيًّا، وإلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ اتَّخَذَ فُلانًا ولِيًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النِّساءِ: ١٢٥] والقِراءَةُ الأُولى مِنَ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو ”مِن أوْلِياءَ“، والأصْلُ أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ فَزِيدَتْ مِن لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، والثّانِيَةُ مِنَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، فالأوَّلُ ما بُنِيَ لَهُ الفِعْلُ، والثّانِي ”مِن أوْلِياءَ“ مِن لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: لا نَتَّخِذُ بَعْضَ أوْلِياءَ، وتَنْكِيرُ أوْلِياءَ مِن حَيْثُ إنَّهم أوْلِياءُ مَخْصُوصُونَ، وهُمُ الجِنُّ والأصْنامُ.
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
أوَّلُها: وهو الأصَحُّ الأقْوى، أنَّ المَعْنى: إذا كُنّا لا نَرى أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ فَكَيْفَ نَدْعُو غَيْرَنا إلى ذَلِكَ.
وثانِيها: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَكُونَ أمْثالَ الشَّياطِينِ في تَوَلِّيهِمُ الكُفّارَ، كَما يُوَلِّيهِمُ الكُفّارُ، قالَ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النِّساءِ: ٧٦] يُرِيدُ الكَفَرَةَ، وقالَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧] عَنْ أبِي مُسْلِمٍ.
وثالِثُها: ما كانَ لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِ رِضاكَ مِن أوْلِياءَ، أيْ لَمّا عَلِمْنا أنَّكَ لا تَرْضى بِهَذا ما فَعَلْناهُ، والحاصِلُ أنَّهُ حَذَفَ المُضافَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.
ورابِعُها: قالَتِ المَلائِكَةُ: إنَّهم عَبِيدُكَ، فَلا يَنْبَغِي لِعَبِيدِكَ أنْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ إذْنِكَ ولِيًّا ولا حَبِيبًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَّخِذَ عَبْدٌ عَبْدًا آخَرَ إلَهًا لِنَفْسِهِ.
وخامِسُها: أنَّ عَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ الإشْكالُ زائِلٌ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرُ جائِزَةٍ؛ لِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهم في أنْ يَتَّخِذَهم غَيْرُهم أوْلِياءَ، قُلْنا: المُرادُ أنّا لا نَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَكَيْفَ نَدْعُوهم إلى عِبادَتِنا.
وسادِسُها: أنَّ هَذا قَوْلُ الأصْنامِ، وأنَّها قالَتْ: لا يَصِحُّ مِنّا أنْ نَكُونَ مِنَ العابِدِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنا ادِّعاؤُنا أنّا مِنَ المَعْبُودِينَ.
المسألة الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ الوِلايَةُ والعَداوَةُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، فَكُلُّ وِلايَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى مَيْلِ النَّفْسِ ونَصِيبِ الطَّبْعِ فَذاكَ عَلى خِلافِ الشَّرْعِ.
الفرقان 25:18
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٥٦
المسألة الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ يا إلَهَنا أكْثَرْتَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ مِنَ النِّعَمِ، وهي تُوجِبُ الشُّكْرَ والإيمانَ لا الإعْراضَ والكُفْرانَ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ بَيانُ أنَّهم ضَلُّوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لا بِإضْلالِنا؛ فَإنَّهُ لَوْلا عِنادُهُمُ الظّاهِرُ، وإلّا فَمَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الحجة لا يُمْكِنُ الإعْراضُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ هَذا الكَلامَ كالرَّمْزِ فِيما صَرَّحَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٥] وذَلِكَ لِأنَّ المُجِيبَ قالَ: إلَهِي أنْتَ الَّذِي أعْطَيْتَهُ جَمِيعَ مَطالِبِهِ مِنَ الدُّنْيا حَتّى صارَ كالغَرِيقِ في بَحْرِ الشَّهَواتِ، واسْتِغْراقُهُ فِيها صارَ صادًّا لَهُ عَنِ التَّوَجُّهِ إلى طاعَتِكَ والِاشْتِغالِ بِخِدْمَتِكَ، فَإنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ.
المسألة الثّانِيَةُ: الذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ والإيمانُ بِهِ والقُرْآنِ والشَّرائِعِ، أوْ ما فِيهِ حُسْنُ ذِكْرِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجُلٌ بُورٌ ورَجُلانِ بُورٌ ورِجالٌ بُورٌ، وكَذَلِكَ الأُنْثى، ومَعْناهُ هالِكٌ، وقَدْ يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، وهو مِثْلُ هائِرٍ وهُورٍ، والبَوارُ الهَلاكُ، وقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ: وكانُوا مِنَ الَّذِينَ حُكِمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِالعَذابِ والهَلاكِ، فالَّذِي حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَذابِ الآخِرَةِ وعَلَّمَ ذَلِكَ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وأطْلَعَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِ، لَوْ صارَ مُؤْمِنًا لَصارَ الخَبَرُ الصِّدْقُ كَذِبًا، ولَصارَ العِلْمُ جَهْلًا، ولَصارَتِ الكِتابَةُ المُثْبَتَةُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ باطِلَةً، ولَصارَ اعْتِقادُ المَلائِكَةِ جَهْلًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، فَصُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ السَّعِيدَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقَلِبَ شَقِيًّا، والشَّقِيُّ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقَلِبَ سَعِيدًا. ومِن وجْهٍ آخَرَ هو أنَّهم ذَكَرُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهم أسْبابَ الضَّلالِ، وهو إعْطاءُ المُراداتِ في الدُّنْيا واسْتِغْراقُ النَّفْسِ فِيها، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ بَلَغَ مَبْلَغًا يُوجِبُ البَوارَ؛ فَإنَّ ذِكْرَ البَوارِ عَقِيبَ ذَلِكَ السَّبَبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ البَوارَ إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ، فَرَجَعَ حاصِلُ الكَلامِ إلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ بِالكافِرِ ما صارَ مَعَهُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ تَرْكُ الكُفْرِ، وحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، وأنَّ الشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ: ”يَقُولُونَ“ بِالياءِ والتّاءِ، فَمَعْنى مَن قَرَأ بِالتّاءِ: فَقَدْ كَذَّبُوكم بِقَوْلِكم: إنَّهم آلِهَةٌ، أيْ: كَذَّبُوكم في قَوْلِكم: إنَّهم آلِهَةٌ، ومَن قَرَأ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ فالمَعْنى أنَّهم كَذَّبُوكم بِقَوْلِكم: ”سُبْحانَكَ“، ومِثالُهُ قَوْلُكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ: ”يَسْتَطِيعُونَ“ بِالياءِ والتّاءِ أيْضًا، يَعْنِي فَما تَسْتَطِيعُونَ أنْتُمْ يا أيُّها الكُفّارُ صَرْفَ العَذابِ عَنْكم، وقِيلَ: الصَّرْفُ التَّوْبَةُ، وقِيلَ: الحِيلَةُ، مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ أيْ: يَحْتالُ، أوْ فَما يَسْتَطِيعُ آلِهَتُكم أنْ يَصْرِفُوا عَنْكُمُ العَذابَ وأنْ يَحْتالُوا لَكم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قُرِئَ: ”يُذِقْهُ“بِالياءِ، وفِيهِ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى أوْ ضَمِيرُ الظُّلْمِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّ المُعْتَزِلَةَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في القَطْعِ بِوَعِيدِ أهْلِ الكَبائِرِ، فَقالُوا: ثَبَتَ أنَّ ”مَن“ لِلْعُمُومِ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ، وثَبَتَ أنَّ الكافِرَ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣]، والفاسِقَ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحُجُراتِ: ١١] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الفاسِقَ لا يُعْفى عَنْهُ، بَلْ يُعَذَّبُ لا مَحالَةَ
صفحة ٥٧
والجَوابُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ لِلْعُمُومِ، والكَلامُ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، سَلَّمْنا أنَّهُ لِلْعُمُومِ ولَكِنْ قَطْعًا أمْ ظاهِرًا ؟ ودَعْوى القَطْعِ مَمْنُوعَةٌ؛ فَإنّا نَرى في العُرْفِ العامِّ المَشْهُورِ اسْتِعْمالَ صِيَغِ العُمُومِ مَعَ أنَّ المُرادَ هو الأكْثَرُ، أوْ لِأنَّ المُرادَ أقْوامٌ مُعَيَّنُونَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَدْ آمَنُوا، فَلا دافِعَ لَهُ إلّا أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإنْ كانَ يُفِيدُ العُمُومَ، لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ الغالِبُ، أوِ المُرادُ مِنهُ أقْوامٌ مَخْصُوصُونَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ثَبَتَ أنَّ اسْتِعْمالَ ألْفاظِ العُمُومِ في الأغْلَبِ عُرْفٌ ظاهِرٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ دَلالَةُ هَذِهِ الصِّيَغِ عَلى العُمُومِ دَلالَةً ظاهِرَةً لا قاطِعَةً، وذَلِكَ لا يَنْفِي تَجْوِيزَ العَفْوِ.
سَلَّمْنا دَلالَتَهُ قَطْعًا، ولَكِنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ مَشْرُوطٌ بِأنْ لا يُوجَدَ ما يُزِيلُهُ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: هَذا مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأنْ لَمْ يُوجَدْ ما يُزِيلُهُ ؟ فَإنَّ العَفْوَ عِنْدَنا أحَدُ الأُمُورِ الَّتِي تُزِيلُهُ، وذَلِكَ هو أحَدُ الثَّلاثَةِ أوَّلَ المسألة. سَلَّمْنا دَلالَتَهُ عَلى ما قالَ، ولَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِآياتِ الوَعْدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٧] فَإنْ قِيلَ: آياتُ الوَعِيدِ أوْلى؛ لِأنَّ السّارِقَ يُقْطَعُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، ومَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ لا يَجُوزُ قَطْعُ يَدِهِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ ثَبَتَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ أحْبَطُ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الِاسْتِحْقاقَيْنِ مُحالٌ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ السّارِقَ يُقْطَعُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ تابَ فَإنَّهُ يُقْطَعُ لا عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ المِحْنَةِ، نَزَلْنا عَنْ هَذِهِ المَقاماتِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ إنَّهُ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مُعَيَّنِينَ فَهَبْ أنَّهُ لا يَعْفُو عَنْهم فَلِمَ قُلْتَ: إنَّهُ لا يَعْفُو عَنْ غَيْرِهِمْ ؟ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: هَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفُرْقانِ: ٧] بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذِهِ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ مِنَ اللَّهِ في كُلِّ رُسُلِهِ، فَلا وجْهَ لِهَذا الطَّعْنِ.
المسألة الثّانِيَةُ: حَقُّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ”ألا أنَّهم“ بِفَتْحِ الألِفِ؛ لِأنَّهُ مُتَوَسِّطٌ، والمَكْسُورَةُ لا تَلِيقُ إلّا بِالِابْتِداءِ، فَلِأجْلِ هَذا ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: الجُمْلَةُ بَعْدَ (إلّا) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وإنَّما حُذِفَ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] عَلى مَعْنى: وما مِنّا أحَدٌ.
وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ صِلَةٌ لِاسْمٍ مَتْرُوكٍ اكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ عَنْهُ، والمَعْنى: إلّا مَن أنَّهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] أيْ إلّا مَن يَرِدُها، فَعَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ: المَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ الفَرّاءِ: المَوْصُولُ هو المَحْذُوفُ. ولا يَجُوزُ حَذْفُ المَوْصُولِ وتَبْقِيَةُ الصِّلَةِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تُكْسَرُ إنَّ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ بِإضْمارِ واوٍ، عَلى تَقْدِيرِ إلّا وإنَّهم.
رابِعُها: قالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى إلّا قِيلَ: إنَّهم.
المسألة الثّالِثَةُ: قُرِئَ: ”يُمَشَّوْنَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ يُمَشِّيهِمْ حَوائِجُهم أوِ النّاسُ، ولَوْ قُرِئَ: ”يَمْشُونَ“ لَكانَ أوْجَهَ لَوْلا الرِّوايَةُ.
الفرقان 25:19
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٥٦
المسألة الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ يا إلَهَنا أكْثَرْتَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ مِنَ النِّعَمِ، وهي تُوجِبُ الشُّكْرَ والإيمانَ لا الإعْراضَ والكُفْرانَ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ بَيانُ أنَّهم ضَلُّوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لا بِإضْلالِنا؛ فَإنَّهُ لَوْلا عِنادُهُمُ الظّاهِرُ، وإلّا فَمَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الحجة لا يُمْكِنُ الإعْراضُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ هَذا الكَلامَ كالرَّمْزِ فِيما صَرَّحَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٥] وذَلِكَ لِأنَّ المُجِيبَ قالَ: إلَهِي أنْتَ الَّذِي أعْطَيْتَهُ جَمِيعَ مَطالِبِهِ مِنَ الدُّنْيا حَتّى صارَ كالغَرِيقِ في بَحْرِ الشَّهَواتِ، واسْتِغْراقُهُ فِيها صارَ صادًّا لَهُ عَنِ التَّوَجُّهِ إلى طاعَتِكَ والِاشْتِغالِ بِخِدْمَتِكَ، فَإنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ.
المسألة الثّانِيَةُ: الذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ والإيمانُ بِهِ والقُرْآنِ والشَّرائِعِ، أوْ ما فِيهِ حُسْنُ ذِكْرِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجُلٌ بُورٌ ورَجُلانِ بُورٌ ورِجالٌ بُورٌ، وكَذَلِكَ الأُنْثى، ومَعْناهُ هالِكٌ، وقَدْ يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، وهو مِثْلُ هائِرٍ وهُورٍ، والبَوارُ الهَلاكُ، وقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ: وكانُوا مِنَ الَّذِينَ حُكِمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِالعَذابِ والهَلاكِ، فالَّذِي حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَذابِ الآخِرَةِ وعَلَّمَ ذَلِكَ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وأطْلَعَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِ، لَوْ صارَ مُؤْمِنًا لَصارَ الخَبَرُ الصِّدْقُ كَذِبًا، ولَصارَ العِلْمُ جَهْلًا، ولَصارَتِ الكِتابَةُ المُثْبَتَةُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ باطِلَةً، ولَصارَ اعْتِقادُ المَلائِكَةِ جَهْلًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، فَصُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ السَّعِيدَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقَلِبَ شَقِيًّا، والشَّقِيُّ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقَلِبَ سَعِيدًا. ومِن وجْهٍ آخَرَ هو أنَّهم ذَكَرُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهم أسْبابَ الضَّلالِ، وهو إعْطاءُ المُراداتِ في الدُّنْيا واسْتِغْراقُ النَّفْسِ فِيها، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ بَلَغَ مَبْلَغًا يُوجِبُ البَوارَ؛ فَإنَّ ذِكْرَ البَوارِ عَقِيبَ ذَلِكَ السَّبَبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ البَوارَ إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ، فَرَجَعَ حاصِلُ الكَلامِ إلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ بِالكافِرِ ما صارَ مَعَهُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ تَرْكُ الكُفْرِ، وحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، وأنَّ الشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ: ”يَقُولُونَ“ بِالياءِ والتّاءِ، فَمَعْنى مَن قَرَأ بِالتّاءِ: فَقَدْ كَذَّبُوكم بِقَوْلِكم: إنَّهم آلِهَةٌ، أيْ: كَذَّبُوكم في قَوْلِكم: إنَّهم آلِهَةٌ، ومَن قَرَأ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ فالمَعْنى أنَّهم كَذَّبُوكم بِقَوْلِكم: ”سُبْحانَكَ“، ومِثالُهُ قَوْلُكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ: ”يَسْتَطِيعُونَ“ بِالياءِ والتّاءِ أيْضًا، يَعْنِي فَما تَسْتَطِيعُونَ أنْتُمْ يا أيُّها الكُفّارُ صَرْفَ العَذابِ عَنْكم، وقِيلَ: الصَّرْفُ التَّوْبَةُ، وقِيلَ: الحِيلَةُ، مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ أيْ: يَحْتالُ، أوْ فَما يَسْتَطِيعُ آلِهَتُكم أنْ يَصْرِفُوا عَنْكُمُ العَذابَ وأنْ يَحْتالُوا لَكم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قُرِئَ: ”يُذِقْهُ“بِالياءِ، وفِيهِ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى أوْ ضَمِيرُ الظُّلْمِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّ المُعْتَزِلَةَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في القَطْعِ بِوَعِيدِ أهْلِ الكَبائِرِ، فَقالُوا: ثَبَتَ أنَّ ”مَن“ لِلْعُمُومِ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ، وثَبَتَ أنَّ الكافِرَ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣]، والفاسِقَ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحُجُراتِ: ١١] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الفاسِقَ لا يُعْفى عَنْهُ، بَلْ يُعَذَّبُ لا مَحالَةَ
صفحة ٥٧
والجَوابُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ لِلْعُمُومِ، والكَلامُ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، سَلَّمْنا أنَّهُ لِلْعُمُومِ ولَكِنْ قَطْعًا أمْ ظاهِرًا ؟ ودَعْوى القَطْعِ مَمْنُوعَةٌ؛ فَإنّا نَرى في العُرْفِ العامِّ المَشْهُورِ اسْتِعْمالَ صِيَغِ العُمُومِ مَعَ أنَّ المُرادَ هو الأكْثَرُ، أوْ لِأنَّ المُرادَ أقْوامٌ مُعَيَّنُونَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَدْ آمَنُوا، فَلا دافِعَ لَهُ إلّا أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإنْ كانَ يُفِيدُ العُمُومَ، لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ الغالِبُ، أوِ المُرادُ مِنهُ أقْوامٌ مَخْصُوصُونَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ثَبَتَ أنَّ اسْتِعْمالَ ألْفاظِ العُمُومِ في الأغْلَبِ عُرْفٌ ظاهِرٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ دَلالَةُ هَذِهِ الصِّيَغِ عَلى العُمُومِ دَلالَةً ظاهِرَةً لا قاطِعَةً، وذَلِكَ لا يَنْفِي تَجْوِيزَ العَفْوِ.
سَلَّمْنا دَلالَتَهُ قَطْعًا، ولَكِنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ مَشْرُوطٌ بِأنْ لا يُوجَدَ ما يُزِيلُهُ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: هَذا مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأنْ لَمْ يُوجَدْ ما يُزِيلُهُ ؟ فَإنَّ العَفْوَ عِنْدَنا أحَدُ الأُمُورِ الَّتِي تُزِيلُهُ، وذَلِكَ هو أحَدُ الثَّلاثَةِ أوَّلَ المسألة. سَلَّمْنا دَلالَتَهُ عَلى ما قالَ، ولَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِآياتِ الوَعْدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٧] فَإنْ قِيلَ: آياتُ الوَعِيدِ أوْلى؛ لِأنَّ السّارِقَ يُقْطَعُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، ومَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ لا يَجُوزُ قَطْعُ يَدِهِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ ثَبَتَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ أحْبَطُ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الِاسْتِحْقاقَيْنِ مُحالٌ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ السّارِقَ يُقْطَعُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ تابَ فَإنَّهُ يُقْطَعُ لا عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ المِحْنَةِ، نَزَلْنا عَنْ هَذِهِ المَقاماتِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ إنَّهُ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مُعَيَّنِينَ فَهَبْ أنَّهُ لا يَعْفُو عَنْهم فَلِمَ قُلْتَ: إنَّهُ لا يَعْفُو عَنْ غَيْرِهِمْ ؟ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: هَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفُرْقانِ: ٧] بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذِهِ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ مِنَ اللَّهِ في كُلِّ رُسُلِهِ، فَلا وجْهَ لِهَذا الطَّعْنِ.
المسألة الثّانِيَةُ: حَقُّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ”ألا أنَّهم“ بِفَتْحِ الألِفِ؛ لِأنَّهُ مُتَوَسِّطٌ، والمَكْسُورَةُ لا تَلِيقُ إلّا بِالِابْتِداءِ، فَلِأجْلِ هَذا ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: الجُمْلَةُ بَعْدَ (إلّا) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وإنَّما حُذِفَ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] عَلى مَعْنى: وما مِنّا أحَدٌ.
وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ صِلَةٌ لِاسْمٍ مَتْرُوكٍ اكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ عَنْهُ، والمَعْنى: إلّا مَن أنَّهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] أيْ إلّا مَن يَرِدُها، فَعَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ: المَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ الفَرّاءِ: المَوْصُولُ هو المَحْذُوفُ. ولا يَجُوزُ حَذْفُ المَوْصُولِ وتَبْقِيَةُ الصِّلَةِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تُكْسَرُ إنَّ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ بِإضْمارِ واوٍ، عَلى تَقْدِيرِ إلّا وإنَّهم.
رابِعُها: قالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى إلّا قِيلَ: إنَّهم.
المسألة الثّالِثَةُ: قُرِئَ: ”يُمَشَّوْنَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ يُمَشِّيهِمْ حَوائِجُهم أوِ النّاسُ، ولَوْ قُرِئَ: ”يَمْشُونَ“ لَكانَ أوْجَهَ لَوْلا الرِّوايَةُ.
الفرقان 25:20
صفحة ٥٨
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: فِيهِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّ هَذا في رُؤَساءِ المُشْرِكِينَ وفُقَراءِ الصَّحابَةِ، فَإذا رَأى الشَّرِيفُ الوَضِيعَ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ أنِفَ أنْ يُسْلِمَ، فَأقامَ عَلى كُفْرِهِ لِئَلّا يَكُونَ لِلْوَضِيعِ السّابِقَةُ والفَضْلُ عَلَيْهِ؛ ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [ الأحْقافِ: ١١] وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، رَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ويْلٌ لِلْعالِمِ مِنَ الجاهِلِ، ووَيْلٌ لِلسُّلْطانِ مِنَ الرَّعِيَّةِ، ووَيْلٌ لِلرَّعِيَّةِ مِنَ السُّلْطانِ، ووَيْلٌ لِلْمالِكِ مِنَ المَمْلُوكِ، ووَيْلٌ لِلشَّدِيدِ مِنَ الضَّعِيفِ، ولِلضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ، بَعْضُهم لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ» وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا في أصْحابِ البَلاءِ والعافِيَةِ، هَذا يَقُولُ: لِمَ لَمْ أُجْعَلْ مِثْلَهُ في الخَلْقِ والخُلُقِ، وفي العَقْلِ وفي العِلْمِ، وفي الرِّزْقِ وفي الأجَلِ ؟ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.
ورابِعُها: هَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في تَخْصِيصِ مُحَمَّدٍ بِالرِّسالَةِ مَعَ مُساواتِهِ إيّاهم في البَشَرِيَّةِ وصِفاتِها، فابْتَلى المُرْسَلِينَ بِالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ وأنْواعِ أذاهم، عَلى ما قالَ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] والمُرْسَلُ إلَيْهِمْ يَتَأذَّوْنَ أيْضًا مِنَ المُرْسَلِ بِسَبَبِ الحَسَدِ وصَيْرُورَتِهِ مُكَلَّفًا بِالخِدْمَةِ وبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ بَعْدَ أنْ كانَ رَئِيسًا مَخْدُومًا، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ بَيْنَ الجَمِيعِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى القَضاءِ والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا الجَعْلُ هو بِمَعْنى التَّعْرِيفِ كَما يُقالُ فِيمَن سَرَقَ: إنَّ فُلانًا لِصٌّ، جَعَلَهُ لِصًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ الجَعْلَ إلى وصْفِ كَوْنِهِ فِتْنَةً، لا إلى الحُكْمِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، بَلِ العَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ غَيْرُ ما ذَكَرَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ فاعِلَ السَّبَبِ فاعِلٌ لِلْمُسَبَّبِ، فَمَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مِزاجِ الصَّفْراءِ والحَرارَةِ وخُلُقِ الغَضَبِ فِيهِ ثُمَّ خَلَقَ فِيهِ الإدْراكَ الَّذِي يُطْلِعُهُ عَلى الشَّيْءِ المُغْضِبِ، فَمَن فَعَلَ هَذا المَجْمُوعَ كانَ هو الفاعِلَ لِلْغَضَبِ لا مَحالَةَ، وكَذا القَوْلُ في الحَسَدِ وسائِرِ الأخْلاقِ والأفْعالِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي جَعَلَ البَعْضَ فِتْنَةً لِلْبَعْضِ. سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ ما قالَهُ الجُبّائِيُّ أنَّ المُرادَ مِنَ الجَعْلِ هو الحُكْمُ، ولَكِنَّ المَجْعُولَ إنِ انْقَلَبَ لَزِمَ انْقِلابُهُ انْقِلابَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الصِّدْقِ إلى الكَذِبِ، وذَلِكَ مُحالٌ، فانْقِلابُ ذَلِكَ الجَعْلِ مُحالٌ، فانْقِلابُ المَجْعُولِ أيْضًا مُحالٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ القَوْلُ بِالقَضاءِ والقَدَرِ.
المسألة الثّالِثَةُ: الوجه في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ القَوْمَ لَمّا طَعَنُوا في الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، وبِأنَّهُ فَقِيرٌ، كانَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ جارِيَةً مَجْرى الخُرافاتِ، فَإنَّهُ لَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ أثَرٌ في القَدْحِ فِيها، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأذّى مِنهم مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يَشْتُمُونَهُ، ومِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يَذْكُرُونَ الكَلامَ المُعْوَجَّ الفاسِدَ، وما كانُوا يَفْهَمُونَ الجَوابَ الجَيِّدَ، فَلا جَرَمَ صَبَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ تِلْكَ الأذِيَّةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ جَعَلَ الخَلْقَ بَعْضَهم فِتْنَةً لِلْبَعْضِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ الخَبَرَ، لَما ذَكَرَ عَقِيبَهُ ﴿أتَصْبِرُونَ﴾؛ لِأنَّ أمْرَ العاجِزِ غَيْرُ جائِزٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: المَعْنى: أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ ما وعَدَ اللَّهُ الصّابِرِينَ ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾
صفحة ٥٩
أيْ هو العالِمُ بِمَن يَصْبِرُ ومَن لا يَصْبِرُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أتَصْبِرُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ، والمُرادُ مِنهُ التَّقْرِيرُ، ومَوْقِعُهُ بَعْدَ ذِكْرِ الفِتْنَةِ مَوْقِعُ ”أيُّكم“ بَعْدَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] .
الفرقان 25:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ هو الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ لِمُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وحاصِلُها: لِمَ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ المَلائِكَةَ حَتّى يَشْهَدُوا أنَّ مُحَمَّدًا مُحِقٌّ في دَعْواهُ، ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ حَتّى يُخْبِرَنا بِأنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا ؟ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أنَّ مَن أرادَ تَحْصِيلَ شَيْءٍ، وكانَ لَهُ إلى تَحْصِيلِهِ طَرِيقانِ، أحَدُهُما يُفْضِي إلَيْهِ قَطْعًا والآخَرُ قَدْ يُفْضِي وقَدْ لا يُفْضِي، فالحَكِيمُ يَجِبُ عَلَيْهِ في حِكْمَتِهِ أنْ يَخْتارَ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَقْصُودِ الطَّرِيقَ الأقْوى والأحْسَنَ، ولا شَكَّ أنَّ إنْزالَ المَلائِكَةِ لِيَشْهَدُوا بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ أكْثَرُ إفْضاءً إلى المَقْصُودِ، فَلَوْ أرادَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَفَعَلَ ذَلِكَ، وحَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ ما أرادَ تَصْدِيقَهُ، هَذا حاصِلُ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ مَعْناهُ: لا يَخافُونَ لِقاءَنا، ووَضْعُ الرَّجاءِ في مَوْضِعِ الخَوْفِ لُغَةٌ تِهامِيَّةٌ، إذا كانَ مَعَهُ جَحْدٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نُوحٍ: ١٣] أيْ: لا تَخافُونَ لَهُ عَظَمَةً، وقالَ القاضِي: لا وجْهَ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَتى أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مِن حالِ عُبّادِ الأصْنامِ أنَّهم كَما لا يَخافُونَ العِقابَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالمَعادِ، فَكَذَلِكَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ووَعْدَنا عَلى الطّاعَةِ مِنَ الجَنَّةِ والثَّوابِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لا يَرْجُو ذَلِكَ لا يَخافُ العِقابَ أيْضًا، فالخَوْفُ تابِعٌ لِهَذا الرَّجاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: المُجَسِّمَةُ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقاءَنا﴾ أنَّهُ جِسْمٌ، وقالُوا: اللِّقاءُ هو الوُصُولُ، يُقالُ: هَذا الجِسْمُ لَقِيَ ذَلِكَ أيْ وصَلَ إلَيْهِ واتَّصَلَ بِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القَمَرِ: ١٢]، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ جِسْمٌ، والجَوابُ عَلى طَرِيقَيْنِ:
الأوَّلُ: طَرِيقُ بَعْضِ أصْحابِنا، قالَ: المُرادُ مِنَ اللِّقاءِ هو الرُّؤْيَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الرّائِيَ يَصِلُ بِرُؤْيَتِهِ إلى حَقِيقَةِ المَرْئِيِّ، فَسُمِّيَ اللِّقاءُ أحَدَ أنْواعِ الرُّؤْيَةِ، والنوع الآخَرُ الِاتِّصالُ والمُماسَّةُ، فَدَلَّتِ الآيَةُ مِن هَذا الوجه عَلى جَوازِ الرُّؤْيَةِ.
الطَّرِيقُ الثّانِي، وهو كَلامُ المُعْتَزِلَةِ: قالَ
صفحة ٦٠
القاضِي: تَفْسِيرُ اللِّقاءِ بِرُؤْيَةِ البَصَرِ جَهْلٌ بِاللُّغَةِ، فَيُقالُ في الدُّعاءِ: لَقّاكَ اللَّهُ الخَيْرَ، وقَدْ يَقُولُ القائِلُ: لَمْ ألْقَ الأمِيرَ، وإنْ رَآهُ مِن بُعْدٍ أوْ حُجِبَ عَنْهُ، ويُقالُ في الضَّرِيرِ: لَقِيَ الأمِيرَ، إذا أُذِنَ لَهُ ولَمْ يُحْجَبْ، وقَدْ يَلْقاهُ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ ولا يَراهُ، بَلِ المُرادُ مِنَ اللِّقاءِ هَهُنا هو المَصِيرُ إلى حُكْمِهِ حَيْثُ لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ في ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الِانْفِطارِ: ١٩] لا أنَّهُ رُؤْيَةُ البَصَرِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا لا نُفَسِّرُ اللِّقاءَ بِرُؤْيَةِ البَصَرِ، بَلْ نُفَسِّرُهُ بِمَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَ رُؤْيَةِ البَصَرِ، وبَيْنَ الِاتِّصالِ والمُماسَّةِ، وهو الوُصُولُ إلى الشَّيْءِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الرّائِيَ يَصِلُ بِرُؤْيَتِهِ إلى المَرْئِيِّ، واللَّفْظُ المَوْضُوعُ لِمَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ المَعانِي، فَيَصِحُّ قَوْلُهُ: لَقّاكَ الخَيْرَ، ويَصِحُّ قَوْلُ الأعْمى: لَقِيتُ الأمِيرَ، ويَصِحُّ قَوْلُ البَصِيرِ: لَقِيتُهُ بِمَعْنى رَأيْتُهُ وما لَقِيتُهُ بِمَعْنى ما وصَلْتُ إلَيْهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَجاءُ اللِّقاءِ حاصِلًا، ومُسَمّى اللِّقاءِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الوُصُولِ المَكانِيِّ، وبَيْنَ الوُصُولِ بِالرُّؤْيَةِ، وقَدْ تَعَذَّرَ الأوَّلُ فَتَعَيَّنَ الثّانِي، وقَوْلُهُ: المُرادُ مِنَ اللِّقاءِ الوُصُولُ إلى حُكْمِهِ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَثَبَتَ دَلالَةُ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ الرُّؤْيَةِ، بَلْ عَلى وُجُوبِها، بَلْ عَلى أنَّ إنْكارَها لَيْسَ إلّا مِن دِينِ الكُفّارِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ﴾ مَعْناهُ: هَلّا أُنْزِلَ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ وأصْحابِهِما الَّذِينَ كانُوا مُنْكِرِينَ لِلنُّبُوَّةِ والبَعْثِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾، فاعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في تَقْرِيرِ كَوْنِهِ جَوابًا، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ القُرْآنَ لَمّا ظَهَرَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا فَقَدْ ثَبَتَتْ دَلالَةُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَبَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ اقْتِراحُ أمْثالِ هَذِهِ الآياتِ لا يَكُونُ إلّا مَحْضَ الِاسْتِكْبارِ والتَّعَنُّتِ.
وثانِيها: أنَّ نُزُولَ المَلائِكَةِ لَوْ حَصَلَ لَكانَ أيْضًا مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ، ولا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ لِخُصُوصِ كَوْنِهِ بِنُزُولِ المَلَكِ، بَلْ لِعُمُومِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، فَيَكُونُ قَبُولُ ذَلِكَ المُعْجِزِ ورَدُّ ذَلِكَ المُعْجِزِ الآخَرِ تَرْجِيحًا لِأحَدِ المَثَلَيْنِ عَلى الآخَرِ مِن غَيْرِ مَزِيدِ فائِدَةٍ ومُرَجِّحٍ، وهو مَحْضُ الِاسْتِكْبارِ والتَّعَنُّتِ.
وثالِثُها: أنَّهم بِتَقْدِيرِ أنْ يَرَوُا الرَّبَّ ويَسْألُوهُ عَنْ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو سُبْحانَهُ يَقُولُ: نَعَمْ هو رَسُولِي، فَذَلِكَ لا يَزِيدُ في التَّصْدِيقِ عَلى إظْهارِ المُعْجِزِ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المُعْجِزَ يَقُومُ مَقامَ التَّصْدِيقِ بِالقَوْلِ؛ إذْ لا فَرْقَ وقَدِ ادَّعى النُّبُوَّةَ بَيْنَ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ صادِقًا فَأحْيِ هَذا المَيِّتَ، فَيُحْيِيهِ اللَّهُ تَعالى، والعادَةُ لَمْ تَجْرِ بِمِثْلِهِ، وبَيْنَ أنْ يَقُولَ لَهُ: صَدَقْتَ، وإذا كانَ التَّصْدِيقُ الحاصِلُ بِالقَوْلِ أوِ الحاصِلُ بِالمُعْجِزِ في كَوْنِهِ تَصْدِيقًا لِلْمُدَّعِي كانَ تَعْيِينُ أحَدِهِما مَحْضَ الِاسْتِكْبارِ والتَّعَنُّتِ.
ورابِعُها: وهو أنّا نَعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَفْعَلُ بِحَسَبِ المَصالِحِ، عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، أوْ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ بِحَسَبِ المَشِيئَةِ عَلى ما يَقُولُهُ أصْحابُنا، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَجُزْ لَهم أنْ يُعَيِّنُوا المُعْجِزَ؛ إذْ رُبَّما كانَ إظْهارُ ذَلِكَ المُعْجِزِ مُشْتَمِلًا عَلى مَفْسَدَةٍ لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ تَعالى، وكانَ التَّعْيِينُ اسْتِكْبارًا وعُتُوًّا مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمّا ظَنَّهُ مَصْلَحَةً قَطَعَ بِكَوْنِهِ مَصْلَحَةً، فَمَن قالَ ذَلِكَ فَقَدِ اعْتَقَدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وذَلِكَ اسْتِكْبارٌ عَظِيمٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ وهو قَوْلُ أصْحابِنا فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يَقْتَرِحَ عَلى رَبِّهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، فَكانَ الِاقْتِراحُ اسْتِكْبارًا وعُتُوًّا وخُرُوجًا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ إلى مَقامِ المُنازَعَةِ والمُعارَضَةِ.
وخامِسُها: وهو أنَّ المَقْصُودَ مِن بِعْثَةِ الأنْبِياءِ الإحْسانُ إلى الخَلْقِ، فالمَلِكُ الكَبِيرُ إذا أحْسَنَ إلى
صفحة ٦١
بَعْضِ الضُّعَفاءِ رَحْمَةً عَلَيْهِ فَأخَذَ ذَلِكَ الضَّعِيفُ إلى اللَّجاجِ والنِّزاعِ، ويَقُولُ: لا أُرِيدُ هَذا، بَلْ أُرِيدُ ذاكَ، حَسُنَ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المُكْدِيَ قَدِ اسْتَكْبَرَ في نَفْسِهِ وعَتا عُتُوًّا شَدِيدًا مِن حَيْثُ لا يَعْرِفُ قَدْرَ نَفْسِهِ ومُنْتَهى دَرَجَتِهِ، فَكَذا هَهُنا.
وسادِسُها: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهم ما ذَكَرُوا هَذا السُّؤالَ لِأجْلِ الِاسْتِكْبارِ والعُتُوِّ الشَّدِيدِ لَأعْطَيْتُهم مُقْتَرَحَهم، ولَكِنِّي عَلِمْتُ أنَّهم ذَكَرُوا هَذا الِاقْتِراحَ لِأجْلِ الِاسْتِكْبارِ والتَّعَنُّتِ، فَلَوْ أعْطَيْتُهم مُقْتَرَحَهم لَما انْتَفَعُوا بِهِ، فَلا جَرَمَ لا أُعْطِيهِمْ ذَلِكَ، وهَذا التَّأْوِيلُ يُعْرَفُ مِنَ اللَّفْظِ.
وسابِعُها: لَعَلَّهم سَمِعُوا مِن أهْلِ الكِتابِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرى في الدُّنْيا، وأنَّهُ تَعالى لا يُنْزِلُ المَلائِكَةَ في الدُّنْيا عَلى عَوامِّ الخَلْقِ، ثُمَّ إنَّهم عَلَّقُوا إيمانَهم عَلى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا تَجُوزُ رُؤْيَتُهُ؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهُ لَوْ كانَتْ جائِزَةً لَما كانَ سُؤالُها عُتُوًّا واسْتِكْبارًا، قالُوا: وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ لَيْسَ إلّا لِأجْلِ سُؤالِ الرُّؤْيَةِ، حَتّى لَوْ أنَّهُمُ اقْتَصَرُوا عَلى نُزُولِ المَلائِكَةِ لَما خُوطِبُوا بِذَلِكَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ أمْرَ الرُّؤْيَةِ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حِدَةٍ، وذَكَرَ الِاسْتِعْظامَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٥]، وذَكَرَ نُزُولَ المَلائِكَةِ عَلى حِدَةٍ في آيَةٍ أُخْرى، فَلَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِعْظامَ، وهو قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ وهَلْ نَرى المَلائِكَةَ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ الِاسْتِكْبارَ والعُتُوَّ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ سُؤالِ الرُّؤْيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والَّذِي نُرِيدُهُ هَهُنا أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ يَدُلُّ عَلى الرُّؤْيَةِ، وأمّا الِاسْتِكْبارُ والعُتُوُّ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مُسْتَحِيلَةٌ؛ لِأنَّ مَن طَلَبَ شَيْئًا مُحالًا، لا يُقالُ: إنَّهُ عَتا واسْتَكْبَرَ، ألا تَرى أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ لَمْ يُثْبِتْ لَهم بِطَلَبِ هَذا المُحالِ عُتُوًّا واسْتِكْبارًا، بَلْ قالَ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٣٨] بَلِ العُتُوُّ والِاسْتِكْبارُ لا يَثْبُتُ إلّا إذا طَلَبَ الإنْسانُ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِمَّنْ فَوْقَهُ، أوْ كانَ لائِقًا بِهِ، ولَكِنَّهُ يَطْلُبُهُ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ ذَكَرْنا وُجُوهًا كَثِيرَةً في تَحْقِيقِ مَعْنى الِاسْتِكْبارِ والعُتُوِّ، سَواءً كانَتِ الرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةً أوْ مُمْكِنَةً، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ مُوسى لَمّا سَألَ الرُّؤْيَةَ ما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالِاسْتِكْبارِ والعُتُوِّ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ الرُّؤْيَةَ شَوْقًا، وهَؤُلاءِ طَلَبُوها امْتِحانًا وتَعَنُّتًا، لا جَرَمَ وصَفَهم بِذَلِكَ، فَثَبَتَ فَسادُ ما قالَهُ المُعْتَزِلَةُ.
المسألة الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ لِأنَّهم أضْمَرُوا الِاسْتِكْبارَ عَنِ الحَقِّ، وهو الكُفْرُ والعِنادُ في قُلُوبِهِمْ واعْتَقَدُوهُ؛ كَما قالَ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافِرٍ: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحَدَّ في الظُّلْمِ، يُقالُ: عَتا فُلانٌ، وقَدْ وصَفَ العُتُوَّ بِالكِبْرِ فَبالَغَ في إفْراطِهِ، يَعْنِي أنَّهم لَمْ يَجْتَرِئُوا عَلى هَذا القَوْلِ العَظِيمِ إلّا لِأنَّهم بَلَغُوا غايَةَ الِاسْتِكْبارِ وأقْصى العُتُوِّ.
الفرقان 25:22
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي سَألُوهُ سَيُوجَدُ، ولَكِنَّهم يَلْقَوْنَ مِنهُ ما يَكْرَهُونَ. وهَهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ذَكَرُوا في انْتِصابِ ”يَوْمَ“ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ العامِلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ ”لا بُشْرى“ أيْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ يَبْغُونَ البُشْرى، ويَوْمَئِذٍ لِلتَّكْرِيرِ.
الثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: اذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ.
صفحة ٦٢
المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عِنْدَ المَوْتِ، وقالَ الباقُونَ: يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ.
المسألة الثّالِثَةُ: إنَّما يُقالُ لِلْكافِرِ: لا بُشْرى لِأنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ ضالًّا مُضِلًّا إلّا أنَّهُ يَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ كانَ هادِيًا مُهْتَدِيًا، فَكانَ يَطْمَعُ في ذَلِكَ الثَّوابِ العَظِيمِ، ولِأنَّهم رُبَّما عَمِلُوا ما رَجَوْا فِيهِ النَّفْعَ كَنُصْرَةِ المَظْلُومِ وعَطِيَّةِ الفَقِيرِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، ولَكِنَّهُ أبْطَلَها بِكُفْرِهِ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ يُشافَهُونَ بِما يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ اليَأْسِ والخَيْبَةِ، وذَلِكَ هو النِّهايَةُ في الإيلامِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٧] .
المسألة الرّابِعَةُ: حَقُّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى لَهم، لَكِنَّهُ قالَ: لا بُشْرى لِلْمُجْرِمِينَ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ظاهِرٌ في مَوْضِعِ ضَمِيرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، فَقَدْ تَناوَلَهم بِعُمُومِهِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ وعَدَمِ العَفْوِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ البُشْرى في جَمِيعِ الأوْقاتِ، بِدَلِيلِ أنَّ مَن أرادَ تَكْذِيبَ هَذِهِ القَضِيَّةِ قالَ: بَلْ لَهُ بُشْرى في الوَقْتِ الفُلانِيِّ، فَلَمّا كانَ ثُبُوتُ البُشْرى في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ يُذْكَرُ لِتَكْذِيبِ هَذِهِ القَضِيَّةِ، عَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا بُشْرى﴾ يَقْتَضِي نَفْيَ جَمِيعِ أنْواعِ البُشْرى في كُلِّ الأوْقاتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أكَّدَ هَذا النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، والعَفْوُ مِنَ اللَّهِ مِن أعْظَمِ البُشْرى، والخَلاصُ مِنَ النّارِ بَعْدَ دُخُولِها مِن أعْظَمِ البُشْرى، وشَفاعَةُ الرَّسُولِ ﷺ مِن أعْظَمِ البُشْرى، فَوَجَبَ أنْ لا يَثْبُتَ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ المُجْرِمِينَ، والكَلامُ عَلى التَّمَسُّكِ بِصِيَغِ العُمُومِ قَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ هَهُنا الكُفّارُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ [المائِدَةِ: ٧٢] .
المسألة الخامِسَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في بابِ المَصادِرِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُها، نَحْوُ مَعاذَ اللَّهِ وقِعْدَكَ اللَّهَ، وعَمْرَكَ اللَّهَ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ مَوْتُورٍ أوْ هُجُومِ نازِلَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَفْعَلُ كَذا وكَذا فَيَقُولُ: حِجْرًا، وهي مِن حَجَرَهُ إذا مَنَعَهُ؛ لِأنَّ المُسْتَعِيذَ طالِبٌ مِنَ اللَّهِ أنْ يَمْنَعَ المَكْرُوهَ فَلا يَلْحَقُهُ، فَكانَ المَعْنى: أسْألُ اللَّهَ أنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ مَنعًا ويَحْجُرَهُ حَجْرًا. ومَجِيئُهُ عَلى فِعْلٍ أوْ فَعْلٍ في قِراءَةِ الحَسَنِ تَصَرُّفٌ فِيهِ لِاخْتِصاصِهِ بِمَوْضِعٍ واحِدٍ، فَإنْ قِيلَ: لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ مِن بابِ المَصادِرِ فَما مَعْنى وصْفِهِ بِكَوْنِهِ مَحْجُورًا ؟ قُلْنا: جاءَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الحَجْرِ كَما قالُوا: ذَبْلٌ ذابِلٌ. فالذَّبْلُ الهَوانُ، ومَوْتٌ مائِتٌ وحَرامٌ مُحَرَّمٌ.
المسألة السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: حِجْرًا مَحْجُورًا مَن هم ؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهم هُمُ الكُفّارُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ نُزُولَ المَلائِكَةِ ويَقْتَرِحُونَهُ، ثُمَّ إذا رَأوْهم عِنْدَ المَوْتِ ويَوْمَ القِيامَةِ كَرِهُوا لِقاءَهم وفَزِعُوا مِنهم؛ لِأنَّهم لا يَلْقَوْنَهم إلّا بِما يَكْرَهُونَ، فَقالُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ ما كانُوا يَقُولُونَهُ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ المَوْتُورِ ونُزُولِ الشِّدَّةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ القائِلِينَ هُمُ المَلائِكَةُ، ومَعْناهُ: حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمُ الغُفْرانُ والجَنَّةُ والبُشْرى، أيْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَرامًا عَلَيْكم، ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى هَذا القَوْلِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ الكُفّارَ إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، قالَتِ الحَفَظَةُ لَهم: حِجْرًا مَحْجُورًا، وقالَ الكَلْبِيُّ: المَلائِكَةُ عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ يُبَشِّرُونَ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ ويَقُولُونَ لِلْمُشْرِكِينَ: حِجْرًا مَحْجُورًا، وقالَ عَطِيَّةُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَلْقى المَلائِكَةُ المُؤْمِنِينَ بِالبُشْرى
صفحة ٦٣
فَإذا رَأى الكُفّارُ ذَلِكَ قالُوا لَهم: بَشِّرُونا. فَيَقُولُونَ: حِجْرًا مَحْجُورًا.
القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ القَفّالِ والواحِدِيِّ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا شاهَدُوا ما يَخافُونَهُ فَيَتَعَوَّذُونَ مِنهُ ويَقُولُونَ: حِجْرًا مَحْجُورًا، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: لا يُعاذُ مِن شَرِّ هَذا اليَوْمِ.
الفرقان 25:23
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا﴾ فَقَدِ اسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدِمْنا﴾ لِأنَّ القُدُومَ لا يَصِحُّ إلّا عَلى الأجْسامِ، وجَوابُهُ أنَّهُ لَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى امْتِناعِ القُدُومِ عَلَيْهِ لِأنَّ القُدُومَ حَرَكَةٌ والمَوْصُوفُ بِالحَرَكَةِ مُحْدَثٌ، ولِذَلِكَ اسْتَدَلَّ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأُفُولِ الكَواكِبِ عَلى حُدُوثِها، وثَبَتَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ لَفْظِ القُدُومِ، وهو مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ أيْ: وقَصَدْنا إلى أعْمالِهِمْ؛ فَإنَّ القادِمَ إلى الشَّيْءِ قاصِدٌ لَهُ، فالقَصْدُ هو المُؤَثِّرُ في المَقْدُومِ إلَيْهِ، وأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ مَجازًا.
وثانِيها: المُرادُ قُدُومُ المَلائِكَةِ إلى مَوْضِعِ الحِسابِ في الآخِرَةِ، ولَمّا كانُوا بِأمْرِهِ يَقْدَمُونَ، جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وقَدِمْنا﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٥] .
وثالِثُها: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ [النَّمْلِ: ٣٤]، فَلَمّا أبادَ اللَّهُ أعْمالَهم وأفْسَدَها بِالكُلِّيَّةِ صارَتْ شَبِيهَةً بِالمَواضِعِ الَّتِي يُقَدِّمُها المَلِكُ فَلا جَرَمَ قالَ (وقَدِمْنا) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ يَعْنِي الأعْمالَ الَّتِي اعْتَقَدُوها بِرًّا وظَنُّوا أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى إلى ما عَمِلُوا مِن أيِّ عَمَلٍ كانَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ فالمُرادُ أبْطَلْناهُ وجَعَلْناهُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِهِ كالهَباءِ المَنثُورِ الَّذِي لا يُمْكِنُ القَبْضُ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النُّورِ: ٣٩] ﴿كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبْراهِيمَ: ١٨] ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفِيلِ: ٥] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: الهَباءُ مِثْلُ الغُبارِ يَدْخُلُ مِنَ الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ الغُبارُ الَّذِي يَسْتَطِيرُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ حالَ الكُفّارِ في الخَسارِ الكُلِّيِّ والخَيْبَةِ التّامَّةِ شَرَحَ وصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَظَّ كُلَّ الحَظِّ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ أصْحابُ الجَنَّةِ خَيْرًا مُسْتَقِرًّا مِن أهْلِ النّارِ، ولا خَيْرَ في النّارِ، ولا يُقالُ في العَسَلِ: هو أحْلى مِنَ الخَلِّ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ [الفُرْقانِ: ١٥] .
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهم في غايَةِ الخَيْرِ؛ لِأنَّ مُسْتَقَرَّ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ النّارِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ
الثّالِثُ: التَّفاضُلُ الَّذِي ذُكِرَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ إنَّما يَرْجِعُ إلى المَوْضِعِ، والمَوْضِعُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَوْضِعٌ لا شَرَّ فِيهِ.
الرّابِعُ: هَذا التَّفاضُلُ واقِعٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أيْ لَوْ كانَ لَهم مُسْتَقَرٌّ فِيهِ خَيْرٌ لَكانَ مُسْتَقَرُّ أهْلِ الجَنَّةِ خَيْرًا مِنهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ مُسْتَقَرَّهم غَيْرُ مَقِيلِهِمْ، فَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُسْتَقَرَّ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، والمَقِيلَ زَمانُ القَيْلُولَةِ، فَهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم مِنَ المَكانِ في أحْسَنِ مَكانٍ، ومِنَ
صفحة ٦٤
الزَّمانِ في أطْيَبِ زَمانٍ.
الثّانِي: أنَّ مُسْتَقَرَّ أهْلِ الجَنَّةِ غَيْرُ مَقِيلِهِمْ، فَإنَّهم يَقِيلُونَ في الفِرْدَوْسِ، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى مُسْتَقَرِّهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ المُحاسَبَةِ والذَّهابِ إلى الجَنَّةِ يَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ القَيْلُولَةِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ“، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”ثُمَّ إنَّ مَقِيلَهم لَإلى الجَحِيمِ“ . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أخَذَ في فَصْلِ القَضاءِ قَضى بَيْنَهم بِقَدْرِ ما بَيْنَ صَلاةِ الغَداةِ إلى انْتِصافِ النَّهارِ، فَيَقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُخَفِّفُ الحِسابَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَكُونَ بِمِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَقِيلُونَ مِن يَوْمِهِمْ ذَلِكَ في الجَنَّةِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ يَصِحُّ القَيْلُولَةُ في الجَنَّةِ والنّارِ، وعِنْدَكم أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ لا يَنامُونَ، وأهْلَ النّارِ أبَدًا في عَذابٍ يَعْرِفُونَهُ، وأهْلَ الجَنَّةِ في نَعِيمٍ يَعْرِفُونَهُ ؟ والجَوابُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٢] ولَيْسَ في الجَنَّةِ بُكْرَةٌ وعَشِيٌّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ [ الإنْسانِ: ١٣] ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَمْسٌ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نِصْفُ النَّهارِ ولا وقْتُ القَيْلُولَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ أطْيَبُ المَواضِعِ وأحْسَنُها، كَما أنَّ مَوْضِعَ القَيْلُولَةِ يَكُونُ أطْيَبَ المَواضِعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الفرقان 25:24
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا﴾ فَقَدِ اسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدِمْنا﴾ لِأنَّ القُدُومَ لا يَصِحُّ إلّا عَلى الأجْسامِ، وجَوابُهُ أنَّهُ لَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى امْتِناعِ القُدُومِ عَلَيْهِ لِأنَّ القُدُومَ حَرَكَةٌ والمَوْصُوفُ بِالحَرَكَةِ مُحْدَثٌ، ولِذَلِكَ اسْتَدَلَّ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأُفُولِ الكَواكِبِ عَلى حُدُوثِها، وثَبَتَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ لَفْظِ القُدُومِ، وهو مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ أيْ: وقَصَدْنا إلى أعْمالِهِمْ؛ فَإنَّ القادِمَ إلى الشَّيْءِ قاصِدٌ لَهُ، فالقَصْدُ هو المُؤَثِّرُ في المَقْدُومِ إلَيْهِ، وأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ مَجازًا.
وثانِيها: المُرادُ قُدُومُ المَلائِكَةِ إلى مَوْضِعِ الحِسابِ في الآخِرَةِ، ولَمّا كانُوا بِأمْرِهِ يَقْدَمُونَ، جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وقَدِمْنا﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٥] .
وثالِثُها: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ [النَّمْلِ: ٣٤]، فَلَمّا أبادَ اللَّهُ أعْمالَهم وأفْسَدَها بِالكُلِّيَّةِ صارَتْ شَبِيهَةً بِالمَواضِعِ الَّتِي يُقَدِّمُها المَلِكُ فَلا جَرَمَ قالَ (وقَدِمْنا) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ يَعْنِي الأعْمالَ الَّتِي اعْتَقَدُوها بِرًّا وظَنُّوا أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى إلى ما عَمِلُوا مِن أيِّ عَمَلٍ كانَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ فالمُرادُ أبْطَلْناهُ وجَعَلْناهُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِهِ كالهَباءِ المَنثُورِ الَّذِي لا يُمْكِنُ القَبْضُ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النُّورِ: ٣٩] ﴿كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبْراهِيمَ: ١٨] ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفِيلِ: ٥] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: الهَباءُ مِثْلُ الغُبارِ يَدْخُلُ مِنَ الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ الغُبارُ الَّذِي يَسْتَطِيرُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ حالَ الكُفّارِ في الخَسارِ الكُلِّيِّ والخَيْبَةِ التّامَّةِ شَرَحَ وصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَظَّ كُلَّ الحَظِّ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ أصْحابُ الجَنَّةِ خَيْرًا مُسْتَقِرًّا مِن أهْلِ النّارِ، ولا خَيْرَ في النّارِ، ولا يُقالُ في العَسَلِ: هو أحْلى مِنَ الخَلِّ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ [الفُرْقانِ: ١٥] .
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهم في غايَةِ الخَيْرِ؛ لِأنَّ مُسْتَقَرَّ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ النّارِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ
الثّالِثُ: التَّفاضُلُ الَّذِي ذُكِرَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ إنَّما يَرْجِعُ إلى المَوْضِعِ، والمَوْضِعُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَوْضِعٌ لا شَرَّ فِيهِ.
الرّابِعُ: هَذا التَّفاضُلُ واقِعٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أيْ لَوْ كانَ لَهم مُسْتَقَرٌّ فِيهِ خَيْرٌ لَكانَ مُسْتَقَرُّ أهْلِ الجَنَّةِ خَيْرًا مِنهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ مُسْتَقَرَّهم غَيْرُ مَقِيلِهِمْ، فَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُسْتَقَرَّ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، والمَقِيلَ زَمانُ القَيْلُولَةِ، فَهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم مِنَ المَكانِ في أحْسَنِ مَكانٍ، ومِنَ
صفحة ٦٤
الزَّمانِ في أطْيَبِ زَمانٍ.
الثّانِي: أنَّ مُسْتَقَرَّ أهْلِ الجَنَّةِ غَيْرُ مَقِيلِهِمْ، فَإنَّهم يَقِيلُونَ في الفِرْدَوْسِ، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى مُسْتَقَرِّهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ المُحاسَبَةِ والذَّهابِ إلى الجَنَّةِ يَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ القَيْلُولَةِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ“، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”ثُمَّ إنَّ مَقِيلَهم لَإلى الجَحِيمِ“ . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أخَذَ في فَصْلِ القَضاءِ قَضى بَيْنَهم بِقَدْرِ ما بَيْنَ صَلاةِ الغَداةِ إلى انْتِصافِ النَّهارِ، فَيَقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُخَفِّفُ الحِسابَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَكُونَ بِمِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَقِيلُونَ مِن يَوْمِهِمْ ذَلِكَ في الجَنَّةِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ يَصِحُّ القَيْلُولَةُ في الجَنَّةِ والنّارِ، وعِنْدَكم أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ لا يَنامُونَ، وأهْلَ النّارِ أبَدًا في عَذابٍ يَعْرِفُونَهُ، وأهْلَ الجَنَّةِ في نَعِيمٍ يَعْرِفُونَهُ ؟ والجَوابُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٢] ولَيْسَ في الجَنَّةِ بُكْرَةٌ وعَشِيٌّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ [ الإنْسانِ: ١٣] ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَمْسٌ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نِصْفُ النَّهارِ ولا وقْتُ القَيْلُولَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ أطْيَبُ المَواضِعِ وأحْسَنُها، كَما أنَّ مَوْضِعَ القَيْلُولَةِ يَكُونُ أطْيَبَ المَواضِعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الفرقان 25:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى ما اسْتَدْعَوْهُ مِن إنْزالِ المَلائِكَةِ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَحْصُلُ ذَلِكَ في يَوْمٍ لَهُ صِفاتٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَشَقُّقَ السَّماءِ بِالغَمامِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [ الِانْفِطارِ: ١] يَدُلُّ عَلى التَّشَقُّقِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠] يَدُلُّ عَلى الغَمامِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ جامِعٌ لِمَعْنى الآيَتَيْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النَّبَأِ: ١٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٦] .
المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ الكُوفَةِ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ هَهُنا وفي سُورَةِ ق، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ كَما يُخَفَّفُ تَساءَلُونَ، ومَن شَدَّدَ فَمَعْناهُ تَتَشَقَّقُ.
صفحة ٦٥
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الفَرّاءُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِالغَمامِ﴾ أيْ عَنِ الغَمامِ؛ لِأنَّ السَّماءَ لا تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ، بَلْ عَنِ الغَمامِ، وقالَ القاضِي: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَجْعَلَ تَعالى الغَمامَ بِحَيْثُ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِاعْتِمادِهِ عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [ المُزَّمِّلُ: ١٨] .
المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ، فَيَتَناوَلُ الكُلَّ، ولِأنَّ السَّماءَ مَقَرُّ المَلائِكَةِ، فَإذا تَشَقَّقَ وجَبَ أنْ يَنْزِلُوا إلى الأرْضِ، ثم قال مُقاتِلٌ: تَشَقَّقُ سَماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِن سُكّانِ الدُّنْيا، كَذَلِكَ تَتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً، ثُمَّ يَنْزِلُ الكَرُوبِيُّونَ وحَمَلَةُ العَرْشِ، ثُمَّ يَنْزِلُ الرَّبُّ تَعالى.
ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَتَشَقَّقُ كُلُّ سَماءٍ ويَنْزِلُ سُكّانُها فَيُحِيطُونَ بِالعالَمِ ويَصِيرُونَ سَبْعَ صُفُوفٍ حَوْلَ العالَمِ، واعْلَمْ أنَّ نُزُولَ الرَّبِّ بِالذّاتِ باطِلٌ قَطْعًا؛ لِأنَّ النُّزُولَ حَرَكَةٌ والمَوْصُوفُ بِالحَرَكَةِ مُحْدَثٌ، والإلَهُ لا يَكُونُ مُحْدَثًا.
وأمّا نُزُولُ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ فَعَلَيْهِ سُؤالٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الأرْضَ بِالقِياسِ إلى سَماءِ الدُّنْيا كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، فَكَيْفَ بِالقِياسِ إلى الكُرْسِيِّ والعَرْشِ، فَمَلائِكَةُ هَذِهِ المَواضِعِ بِأسْرِها كَيْفَ تَتَّسِعُ لَهُمُ الأرْضُ جَمِيعًا ؟ فَلَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَزِيدُ في طُولِ الأرْضِ وعَرْضِها ويُبَلِّغُها مَبْلَغًا يَتَّسِعُ لِكُلِّ هَؤُلاءِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: المَلائِكَةُ يَكُونُونَ في الغَمامِ مِنهُ، واللَّهُ تَعالى يُسَكِّنُ الغَمامَ فَوْقَ أهْلِ القِيامَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ الغَمامُ مَقَرَّ المَلائِكَةِ.
قالَ الحَسَنُ: والغَمامُ سُتْرَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ فِيهِ بِنَسْخِ أعْمالِ بَنِي آدَمَ والمُحاسَبَةُ تَكُونُ في الأرْضِ.
المسألة السّادِسَةُ: أمّا نُزُولُ المَلائِكَةِ فَظاهِرٌ، ومَعْنى ”تَنْزِيلًا“ تَوْكِيدٌ لِلنُّزُولِ، ودَلالَةٌ عَلى إسْراعِهِمْ فِيهِ.
المسألة السّابِعَةُ: الألِفُ واللّامُ في الغَمامِ لَيْسَ لِلْعُمُومِ، فَهو لِلْمَعْهُودِ، والمُرادُ ما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠] .
المسألة الثّامِنَةُ: قُرِئَ: ”ونُنَزِّلُ المَلائِكَةَ“ ”ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ“، ”ونُزِّلَ المَلائِكَةُ“، ”ونُزِلَتِ المَلائِكَةُ“ ”ونُزِلَ المَلائِكَةُ“ عَلى حَذْفِ النُّونِ الَّذِي هو فاءُ الفِعْلِ مَن ”نُنْزِلُ“ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ.
الفرقان 25:26
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَقُّ صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، وتَقْدِيرُهُ: المُلْكُ الحَقُّ يَوْمَئِذٍ لِلرَّحْمَنِ، ويَجُوزُ ”الحَقَّ“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ومَعْنى وصْفِهِ بِكَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ لا يَزُولُ ولا يَتَغَيَّرُ، فَإنْ قِيلَ: مِثْلُ هَذا المُلْكِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ إلّا لِلرَّحْمَنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ”يَوْمَئِذٍ“ ؟ قُلْنا: لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا مالِكَ سِواهُ، لا في الصُّورَةِ ولا في المَعْنى، فَتَخْضَعُ لَهُ المُلُوكُ وتَعْنُو لَهُ الوُجُوهُ وتَذِلُّ لَهُ الجَبابِرَةُ، بِخِلافِ سائِرِ الأيّامِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ الثَّوابُ والعِوَضُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ وجَبَ لاسْتَحَقَّ الذَّمَّ بِتَرْكِهِ، فَكانَ خائِفًا مِن أنْ لا يَفْعَلَ، فَلَمْ يَكُنْ مُلْكًا مُطْلَقًا، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ مُلْكٌ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإنَّهُ يَكُونُ مالِكًا لَهُ، ولا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ مالِكًا لِذَلِكَ المُسْتَحَقِّ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا اسْتَحَقَّ عَلى أحَدٍ شَيْئًا أمْكَنَهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، أمّا غَيْرُهُ إذا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإنَّهُ لا يَصِحُّ إبْراؤُهُ عَنْهُ، فَكانَتِ العُبُودِيَّةُ هَهُنا أتَمَّ، ولِأنَّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ إلى آخِرِ عُمُرِهِ ثُمَّ في آخِرِ عُمُرِهِ عَرَفَ اللَّهَ لَحْظَةً وماتَ فَهو سُبْحانَهُ لَوْ أعْطاهُ ألْفَ ألْفِ
صفحة ٦٦
سَنَةٍ أنْواعَ الثَّوابِ وأرادَ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ لا يُعْطِيَهُ لَحْظَةً واحِدَةً صارَ سَفِيهًا، وهَذا نِهايَةُ العُبُودِيَّةِ والذُّلِّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَن هَذا حالُهُ أنْ يُقالَ لَهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وأيْضًا فَكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لَكانَ مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ، وكانَ بِذَلِكَ الفِعْلِ مُكْتَسِبًا لِلْكَمالِ وبِتَرْكِهِ مُكْتَسِبًا لِلنُّقْصانِ، فَلَمْ يَكُنْ مَلِكًا بَلْ فَقِيرًا مُسْتَحِقًّا، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ غَيْرُ لائِقٍ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالأحْوالِ، قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ، وأمّا غَيْرُهُ فالكُلُّ في رِبْقَةِ العَجْزِ ولِجامِ القَهْرِ، فَكانَ في نِهايَةِ العُسْرِ عَلى الكافِرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: الألِفُ واللّامُ في ”الظّالِمِ“ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِلْعُمُومِ، والثّانِي: أنَّهُ لِلْمَعْهُودِ، والقائِلُونَ بِالمَعْهُودِ عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، كانَ لا يَقْدَمُ مِن مَقَرٍّ إلّا صَنَعَ طَعامًا يَدْعُو إلَيْهِ جِيرَتَهُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ويُكْثِرُ مُجالَسَةَ الرَّسُولِ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، فَصَنَعَ طَعامًا ودَعا الرَّسُولَ، فَقالَ ﷺ: ما آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَأْتِيَ بِالشَّهادَتَيْنِ. فَفَعَلَ، فَأكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن طَعامِهِ، فَبَلَغَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ فَقالَ: صَبَوْتَ يا عُقْبَةُ. وكانَ خَلِيلَهُ، فَقالَ: إنَّما ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَأْكُلَ مِن طَعامِي. فَقالَ: لا أرْضى أبَدًا حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ في وجْهِهِ وتَطَأ عَلى عُنُقِهِ. فَفَعَلَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ. فَنَزَلَ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ نَدامَةً، يَعْنِي عُقْبَةَ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ أُمَيَّةَ خَلِيلًا؛ لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ. أيْ صَرَفَنِي عَنِ الذِّكْرِ، وهو القُرْآنُ والإيمانُ بَعْدَ إذْ جاءَنِي مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَأُسِرَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا ولَمْ يُقْتَلْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الأُسارى غَيْرُهُ وغَيْرُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ» .
الثّانِي: قالَتِ الرّافِضَةُ: هَذا الظّالِمُ هو رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وإنَّ المُسْلِمِينَ غَيَّرُوا اسْمَهُ وكَتَمُوهُ، وجَعَلُوا فُلانًا بَدَلًا مِنَ اسْمِهِ، وذَكَرُوا فاضِلِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ إجْراءَ اللَّفْظِ عَلى العُمُومِ لَيْسَ لِنَفْسِ اللَّفْظِ؛ لِأنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الألِفَ واللّامَ إذا دَخَلَ عَلى الِاسْمِ المُفْرَدِ لا يُفِيدُ العُمُومَ، بَلْ إنَّما يُفِيدُهُ لِلْقَرِينَةِ مِن حَيْثُ إنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعِلْيَةِ الوَصْفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُؤَثِّرَ في العَضِّ عَلى اليَدَيْنِ كَوْنُهُ ظالِمًا، وحِينَئِذٍ يَعُمُّ الحُكْمُ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ بِصُورَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقْتَضِي العُمُومَ، ونُزُولُهُ في واقِعَةٍ أُخْرى خاصَّةٍ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُمُومَ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةِ وغَيْرِها، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ زَجْرُ الكُلِّ عَنِ الظُّلْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالعُمُومِ، وأمّا قَوْلُ الرّافِضَةِ فَذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالطَّعْنِ في القُرْآنِ وإثْباتِ أنَّهُ غَيْرٌ وبَدَلٌ، ولا نِزاعَ في أنَّهُ كُفْرٌ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالُوا: الظّالِمُ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، والكَلامُ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ، ثُمَّ تَنْبُتُ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ، وقالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْعِرَةٌ بِالتَّحَسُّرِ والغَمِّ، يُقالُ: عَضَّ أنامِلَهُ وعَضَّ عَلى يَدَيْهِ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: كَما بَيَّنّا أنَّ الظّالِمَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَخْصٍ واحِدٍ، بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ الظَّلَمَةِ، فَكَذا المُرادُ بِقَوْلِهِ فُلانًا لَيْسَ شَخْصًا واحِدًا، بَلْ كُلُّ مَن أُطِيعَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، واسْتَشْهَدَ القَفّالُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ﴾
صفحة ٦٧
(ظَهِيرًا) [الفُرْقانِ: ٥٥]، ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النَّبَأِ: ٤٠] يَعْنِي بِهِ جَماعَةَ الكُفّارِ.
المسألة الخامِسَةُ: قُرِئَ: ”يا ويْلَتِي“ بِالياءِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ، وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكَ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في صَحارى و(عَذارى) .
المسألة السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أوِ القُرْآنِ ومَوْعِظَةِ الرَّسُولِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ نُطْقَهُ بِشَهادَةِ الحَقِّ وغَيْرَتَهُ عَلى الإسْلامِ. والشَّيْطانُ إشارَةٌ إلى خَلِيلِهِ، سَمّاهُ شَيْطانًا لِأنَّهُ أضَلَّهُ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ، أوْ أرادَ إبْلِيسَ فَإنَّهُ هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى أنْ صارَ خَلِيلًا لِذَلِكَ المُضِلِّ ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ ثُمَّ خَذَلَهُ، أوْ أرادَ الجِنْسَ وكُلَّ مَن تَشَيْطَنَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ﴾ حِكايَةَ كَلامِ الظّالِمِ، وأنْ يَكُونَ كَلامَ اللَّهِ.
الفرقان 25:27
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَقُّ صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، وتَقْدِيرُهُ: المُلْكُ الحَقُّ يَوْمَئِذٍ لِلرَّحْمَنِ، ويَجُوزُ ”الحَقَّ“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ومَعْنى وصْفِهِ بِكَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ لا يَزُولُ ولا يَتَغَيَّرُ، فَإنْ قِيلَ: مِثْلُ هَذا المُلْكِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ إلّا لِلرَّحْمَنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ”يَوْمَئِذٍ“ ؟ قُلْنا: لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا مالِكَ سِواهُ، لا في الصُّورَةِ ولا في المَعْنى، فَتَخْضَعُ لَهُ المُلُوكُ وتَعْنُو لَهُ الوُجُوهُ وتَذِلُّ لَهُ الجَبابِرَةُ، بِخِلافِ سائِرِ الأيّامِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ الثَّوابُ والعِوَضُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ وجَبَ لاسْتَحَقَّ الذَّمَّ بِتَرْكِهِ، فَكانَ خائِفًا مِن أنْ لا يَفْعَلَ، فَلَمْ يَكُنْ مُلْكًا مُطْلَقًا، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ مُلْكٌ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإنَّهُ يَكُونُ مالِكًا لَهُ، ولا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ مالِكًا لِذَلِكَ المُسْتَحَقِّ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا اسْتَحَقَّ عَلى أحَدٍ شَيْئًا أمْكَنَهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، أمّا غَيْرُهُ إذا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإنَّهُ لا يَصِحُّ إبْراؤُهُ عَنْهُ، فَكانَتِ العُبُودِيَّةُ هَهُنا أتَمَّ، ولِأنَّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ إلى آخِرِ عُمُرِهِ ثُمَّ في آخِرِ عُمُرِهِ عَرَفَ اللَّهَ لَحْظَةً وماتَ فَهو سُبْحانَهُ لَوْ أعْطاهُ ألْفَ ألْفِ
صفحة ٦٦
سَنَةٍ أنْواعَ الثَّوابِ وأرادَ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ لا يُعْطِيَهُ لَحْظَةً واحِدَةً صارَ سَفِيهًا، وهَذا نِهايَةُ العُبُودِيَّةِ والذُّلِّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَن هَذا حالُهُ أنْ يُقالَ لَهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وأيْضًا فَكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لَكانَ مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ، وكانَ بِذَلِكَ الفِعْلِ مُكْتَسِبًا لِلْكَمالِ وبِتَرْكِهِ مُكْتَسِبًا لِلنُّقْصانِ، فَلَمْ يَكُنْ مَلِكًا بَلْ فَقِيرًا مُسْتَحِقًّا، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ غَيْرُ لائِقٍ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالأحْوالِ، قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ، وأمّا غَيْرُهُ فالكُلُّ في رِبْقَةِ العَجْزِ ولِجامِ القَهْرِ، فَكانَ في نِهايَةِ العُسْرِ عَلى الكافِرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: الألِفُ واللّامُ في ”الظّالِمِ“ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِلْعُمُومِ، والثّانِي: أنَّهُ لِلْمَعْهُودِ، والقائِلُونَ بِالمَعْهُودِ عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، كانَ لا يَقْدَمُ مِن مَقَرٍّ إلّا صَنَعَ طَعامًا يَدْعُو إلَيْهِ جِيرَتَهُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ويُكْثِرُ مُجالَسَةَ الرَّسُولِ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، فَصَنَعَ طَعامًا ودَعا الرَّسُولَ، فَقالَ ﷺ: ما آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَأْتِيَ بِالشَّهادَتَيْنِ. فَفَعَلَ، فَأكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن طَعامِهِ، فَبَلَغَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ فَقالَ: صَبَوْتَ يا عُقْبَةُ. وكانَ خَلِيلَهُ، فَقالَ: إنَّما ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَأْكُلَ مِن طَعامِي. فَقالَ: لا أرْضى أبَدًا حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ في وجْهِهِ وتَطَأ عَلى عُنُقِهِ. فَفَعَلَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ. فَنَزَلَ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ نَدامَةً، يَعْنِي عُقْبَةَ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ أُمَيَّةَ خَلِيلًا؛ لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ. أيْ صَرَفَنِي عَنِ الذِّكْرِ، وهو القُرْآنُ والإيمانُ بَعْدَ إذْ جاءَنِي مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَأُسِرَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا ولَمْ يُقْتَلْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الأُسارى غَيْرُهُ وغَيْرُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ» .
الثّانِي: قالَتِ الرّافِضَةُ: هَذا الظّالِمُ هو رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وإنَّ المُسْلِمِينَ غَيَّرُوا اسْمَهُ وكَتَمُوهُ، وجَعَلُوا فُلانًا بَدَلًا مِنَ اسْمِهِ، وذَكَرُوا فاضِلِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ إجْراءَ اللَّفْظِ عَلى العُمُومِ لَيْسَ لِنَفْسِ اللَّفْظِ؛ لِأنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الألِفَ واللّامَ إذا دَخَلَ عَلى الِاسْمِ المُفْرَدِ لا يُفِيدُ العُمُومَ، بَلْ إنَّما يُفِيدُهُ لِلْقَرِينَةِ مِن حَيْثُ إنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعِلْيَةِ الوَصْفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُؤَثِّرَ في العَضِّ عَلى اليَدَيْنِ كَوْنُهُ ظالِمًا، وحِينَئِذٍ يَعُمُّ الحُكْمُ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ بِصُورَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقْتَضِي العُمُومَ، ونُزُولُهُ في واقِعَةٍ أُخْرى خاصَّةٍ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُمُومَ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةِ وغَيْرِها، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ زَجْرُ الكُلِّ عَنِ الظُّلْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالعُمُومِ، وأمّا قَوْلُ الرّافِضَةِ فَذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالطَّعْنِ في القُرْآنِ وإثْباتِ أنَّهُ غَيْرٌ وبَدَلٌ، ولا نِزاعَ في أنَّهُ كُفْرٌ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالُوا: الظّالِمُ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، والكَلامُ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ، ثُمَّ تَنْبُتُ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ، وقالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْعِرَةٌ بِالتَّحَسُّرِ والغَمِّ، يُقالُ: عَضَّ أنامِلَهُ وعَضَّ عَلى يَدَيْهِ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: كَما بَيَّنّا أنَّ الظّالِمَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَخْصٍ واحِدٍ، بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ الظَّلَمَةِ، فَكَذا المُرادُ بِقَوْلِهِ فُلانًا لَيْسَ شَخْصًا واحِدًا، بَلْ كُلُّ مَن أُطِيعَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، واسْتَشْهَدَ القَفّالُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ﴾
صفحة ٦٧
(ظَهِيرًا) [الفُرْقانِ: ٥٥]، ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النَّبَأِ: ٤٠] يَعْنِي بِهِ جَماعَةَ الكُفّارِ.
المسألة الخامِسَةُ: قُرِئَ: ”يا ويْلَتِي“ بِالياءِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ، وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكَ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في صَحارى و(عَذارى) .
المسألة السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أوِ القُرْآنِ ومَوْعِظَةِ الرَّسُولِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ نُطْقَهُ بِشَهادَةِ الحَقِّ وغَيْرَتَهُ عَلى الإسْلامِ. والشَّيْطانُ إشارَةٌ إلى خَلِيلِهِ، سَمّاهُ شَيْطانًا لِأنَّهُ أضَلَّهُ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ، أوْ أرادَ إبْلِيسَ فَإنَّهُ هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى أنْ صارَ خَلِيلًا لِذَلِكَ المُضِلِّ ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ ثُمَّ خَذَلَهُ، أوْ أرادَ الجِنْسَ وكُلَّ مَن تَشَيْطَنَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ﴾ حِكايَةَ كَلامِ الظّالِمِ، وأنْ يَكُونَ كَلامَ اللَّهِ.
الفرقان 25:28
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَقُّ صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، وتَقْدِيرُهُ: المُلْكُ الحَقُّ يَوْمَئِذٍ لِلرَّحْمَنِ، ويَجُوزُ ”الحَقَّ“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ومَعْنى وصْفِهِ بِكَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ لا يَزُولُ ولا يَتَغَيَّرُ، فَإنْ قِيلَ: مِثْلُ هَذا المُلْكِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ إلّا لِلرَّحْمَنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ”يَوْمَئِذٍ“ ؟ قُلْنا: لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا مالِكَ سِواهُ، لا في الصُّورَةِ ولا في المَعْنى، فَتَخْضَعُ لَهُ المُلُوكُ وتَعْنُو لَهُ الوُجُوهُ وتَذِلُّ لَهُ الجَبابِرَةُ، بِخِلافِ سائِرِ الأيّامِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ الثَّوابُ والعِوَضُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ وجَبَ لاسْتَحَقَّ الذَّمَّ بِتَرْكِهِ، فَكانَ خائِفًا مِن أنْ لا يَفْعَلَ، فَلَمْ يَكُنْ مُلْكًا مُطْلَقًا، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ مُلْكٌ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإنَّهُ يَكُونُ مالِكًا لَهُ، ولا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ مالِكًا لِذَلِكَ المُسْتَحَقِّ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا اسْتَحَقَّ عَلى أحَدٍ شَيْئًا أمْكَنَهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، أمّا غَيْرُهُ إذا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإنَّهُ لا يَصِحُّ إبْراؤُهُ عَنْهُ، فَكانَتِ العُبُودِيَّةُ هَهُنا أتَمَّ، ولِأنَّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ إلى آخِرِ عُمُرِهِ ثُمَّ في آخِرِ عُمُرِهِ عَرَفَ اللَّهَ لَحْظَةً وماتَ فَهو سُبْحانَهُ لَوْ أعْطاهُ ألْفَ ألْفِ
صفحة ٦٦
سَنَةٍ أنْواعَ الثَّوابِ وأرادَ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ لا يُعْطِيَهُ لَحْظَةً واحِدَةً صارَ سَفِيهًا، وهَذا نِهايَةُ العُبُودِيَّةِ والذُّلِّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَن هَذا حالُهُ أنْ يُقالَ لَهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وأيْضًا فَكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لَكانَ مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ، وكانَ بِذَلِكَ الفِعْلِ مُكْتَسِبًا لِلْكَمالِ وبِتَرْكِهِ مُكْتَسِبًا لِلنُّقْصانِ، فَلَمْ يَكُنْ مَلِكًا بَلْ فَقِيرًا مُسْتَحِقًّا، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ غَيْرُ لائِقٍ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالأحْوالِ، قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ، وأمّا غَيْرُهُ فالكُلُّ في رِبْقَةِ العَجْزِ ولِجامِ القَهْرِ، فَكانَ في نِهايَةِ العُسْرِ عَلى الكافِرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: الألِفُ واللّامُ في ”الظّالِمِ“ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِلْعُمُومِ، والثّانِي: أنَّهُ لِلْمَعْهُودِ، والقائِلُونَ بِالمَعْهُودِ عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، كانَ لا يَقْدَمُ مِن مَقَرٍّ إلّا صَنَعَ طَعامًا يَدْعُو إلَيْهِ جِيرَتَهُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ويُكْثِرُ مُجالَسَةَ الرَّسُولِ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، فَصَنَعَ طَعامًا ودَعا الرَّسُولَ، فَقالَ ﷺ: ما آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَأْتِيَ بِالشَّهادَتَيْنِ. فَفَعَلَ، فَأكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن طَعامِهِ، فَبَلَغَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ فَقالَ: صَبَوْتَ يا عُقْبَةُ. وكانَ خَلِيلَهُ، فَقالَ: إنَّما ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَأْكُلَ مِن طَعامِي. فَقالَ: لا أرْضى أبَدًا حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ في وجْهِهِ وتَطَأ عَلى عُنُقِهِ. فَفَعَلَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ. فَنَزَلَ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ نَدامَةً، يَعْنِي عُقْبَةَ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ أُمَيَّةَ خَلِيلًا؛ لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ. أيْ صَرَفَنِي عَنِ الذِّكْرِ، وهو القُرْآنُ والإيمانُ بَعْدَ إذْ جاءَنِي مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَأُسِرَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا ولَمْ يُقْتَلْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الأُسارى غَيْرُهُ وغَيْرُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ» .
الثّانِي: قالَتِ الرّافِضَةُ: هَذا الظّالِمُ هو رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وإنَّ المُسْلِمِينَ غَيَّرُوا اسْمَهُ وكَتَمُوهُ، وجَعَلُوا فُلانًا بَدَلًا مِنَ اسْمِهِ، وذَكَرُوا فاضِلِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ إجْراءَ اللَّفْظِ عَلى العُمُومِ لَيْسَ لِنَفْسِ اللَّفْظِ؛ لِأنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الألِفَ واللّامَ إذا دَخَلَ عَلى الِاسْمِ المُفْرَدِ لا يُفِيدُ العُمُومَ، بَلْ إنَّما يُفِيدُهُ لِلْقَرِينَةِ مِن حَيْثُ إنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعِلْيَةِ الوَصْفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُؤَثِّرَ في العَضِّ عَلى اليَدَيْنِ كَوْنُهُ ظالِمًا، وحِينَئِذٍ يَعُمُّ الحُكْمُ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ بِصُورَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقْتَضِي العُمُومَ، ونُزُولُهُ في واقِعَةٍ أُخْرى خاصَّةٍ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُمُومَ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةِ وغَيْرِها، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ زَجْرُ الكُلِّ عَنِ الظُّلْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالعُمُومِ، وأمّا قَوْلُ الرّافِضَةِ فَذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالطَّعْنِ في القُرْآنِ وإثْباتِ أنَّهُ غَيْرٌ وبَدَلٌ، ولا نِزاعَ في أنَّهُ كُفْرٌ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالُوا: الظّالِمُ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، والكَلامُ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ، ثُمَّ تَنْبُتُ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ، وقالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْعِرَةٌ بِالتَّحَسُّرِ والغَمِّ، يُقالُ: عَضَّ أنامِلَهُ وعَضَّ عَلى يَدَيْهِ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: كَما بَيَّنّا أنَّ الظّالِمَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَخْصٍ واحِدٍ، بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ الظَّلَمَةِ، فَكَذا المُرادُ بِقَوْلِهِ فُلانًا لَيْسَ شَخْصًا واحِدًا، بَلْ كُلُّ مَن أُطِيعَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، واسْتَشْهَدَ القَفّالُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ﴾
صفحة ٦٧
(ظَهِيرًا) [الفُرْقانِ: ٥٥]، ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النَّبَأِ: ٤٠] يَعْنِي بِهِ جَماعَةَ الكُفّارِ.
المسألة الخامِسَةُ: قُرِئَ: ”يا ويْلَتِي“ بِالياءِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ، وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكَ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في صَحارى و(عَذارى) .
المسألة السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أوِ القُرْآنِ ومَوْعِظَةِ الرَّسُولِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ نُطْقَهُ بِشَهادَةِ الحَقِّ وغَيْرَتَهُ عَلى الإسْلامِ. والشَّيْطانُ إشارَةٌ إلى خَلِيلِهِ، سَمّاهُ شَيْطانًا لِأنَّهُ أضَلَّهُ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ، أوْ أرادَ إبْلِيسَ فَإنَّهُ هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى أنْ صارَ خَلِيلًا لِذَلِكَ المُضِلِّ ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ ثُمَّ خَذَلَهُ، أوْ أرادَ الجِنْسَ وكُلَّ مَن تَشَيْطَنَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ﴾ حِكايَةَ كَلامِ الظّالِمِ، وأنْ يَكُونَ كَلامَ اللَّهِ.
الفرقان 25:29
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَقُّ صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، وتَقْدِيرُهُ: المُلْكُ الحَقُّ يَوْمَئِذٍ لِلرَّحْمَنِ، ويَجُوزُ ”الحَقَّ“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ومَعْنى وصْفِهِ بِكَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ لا يَزُولُ ولا يَتَغَيَّرُ، فَإنْ قِيلَ: مِثْلُ هَذا المُلْكِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ إلّا لِلرَّحْمَنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ”يَوْمَئِذٍ“ ؟ قُلْنا: لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا مالِكَ سِواهُ، لا في الصُّورَةِ ولا في المَعْنى، فَتَخْضَعُ لَهُ المُلُوكُ وتَعْنُو لَهُ الوُجُوهُ وتَذِلُّ لَهُ الجَبابِرَةُ، بِخِلافِ سائِرِ الأيّامِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ الثَّوابُ والعِوَضُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ وجَبَ لاسْتَحَقَّ الذَّمَّ بِتَرْكِهِ، فَكانَ خائِفًا مِن أنْ لا يَفْعَلَ، فَلَمْ يَكُنْ مُلْكًا مُطْلَقًا، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ مُلْكٌ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإنَّهُ يَكُونُ مالِكًا لَهُ، ولا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ مالِكًا لِذَلِكَ المُسْتَحَقِّ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا اسْتَحَقَّ عَلى أحَدٍ شَيْئًا أمْكَنَهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، أمّا غَيْرُهُ إذا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإنَّهُ لا يَصِحُّ إبْراؤُهُ عَنْهُ، فَكانَتِ العُبُودِيَّةُ هَهُنا أتَمَّ، ولِأنَّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ إلى آخِرِ عُمُرِهِ ثُمَّ في آخِرِ عُمُرِهِ عَرَفَ اللَّهَ لَحْظَةً وماتَ فَهو سُبْحانَهُ لَوْ أعْطاهُ ألْفَ ألْفِ
صفحة ٦٦
سَنَةٍ أنْواعَ الثَّوابِ وأرادَ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ لا يُعْطِيَهُ لَحْظَةً واحِدَةً صارَ سَفِيهًا، وهَذا نِهايَةُ العُبُودِيَّةِ والذُّلِّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَن هَذا حالُهُ أنْ يُقالَ لَهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وأيْضًا فَكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لَكانَ مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ، وكانَ بِذَلِكَ الفِعْلِ مُكْتَسِبًا لِلْكَمالِ وبِتَرْكِهِ مُكْتَسِبًا لِلنُّقْصانِ، فَلَمْ يَكُنْ مَلِكًا بَلْ فَقِيرًا مُسْتَحِقًّا، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ غَيْرُ لائِقٍ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالأحْوالِ، قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ، وأمّا غَيْرُهُ فالكُلُّ في رِبْقَةِ العَجْزِ ولِجامِ القَهْرِ، فَكانَ في نِهايَةِ العُسْرِ عَلى الكافِرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: الألِفُ واللّامُ في ”الظّالِمِ“ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِلْعُمُومِ، والثّانِي: أنَّهُ لِلْمَعْهُودِ، والقائِلُونَ بِالمَعْهُودِ عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، كانَ لا يَقْدَمُ مِن مَقَرٍّ إلّا صَنَعَ طَعامًا يَدْعُو إلَيْهِ جِيرَتَهُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ويُكْثِرُ مُجالَسَةَ الرَّسُولِ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، فَصَنَعَ طَعامًا ودَعا الرَّسُولَ، فَقالَ ﷺ: ما آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَأْتِيَ بِالشَّهادَتَيْنِ. فَفَعَلَ، فَأكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن طَعامِهِ، فَبَلَغَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ فَقالَ: صَبَوْتَ يا عُقْبَةُ. وكانَ خَلِيلَهُ، فَقالَ: إنَّما ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَأْكُلَ مِن طَعامِي. فَقالَ: لا أرْضى أبَدًا حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ في وجْهِهِ وتَطَأ عَلى عُنُقِهِ. فَفَعَلَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ. فَنَزَلَ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ نَدامَةً، يَعْنِي عُقْبَةَ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ أُمَيَّةَ خَلِيلًا؛ لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ. أيْ صَرَفَنِي عَنِ الذِّكْرِ، وهو القُرْآنُ والإيمانُ بَعْدَ إذْ جاءَنِي مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَأُسِرَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا ولَمْ يُقْتَلْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الأُسارى غَيْرُهُ وغَيْرُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ» .
الثّانِي: قالَتِ الرّافِضَةُ: هَذا الظّالِمُ هو رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وإنَّ المُسْلِمِينَ غَيَّرُوا اسْمَهُ وكَتَمُوهُ، وجَعَلُوا فُلانًا بَدَلًا مِنَ اسْمِهِ، وذَكَرُوا فاضِلِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ إجْراءَ اللَّفْظِ عَلى العُمُومِ لَيْسَ لِنَفْسِ اللَّفْظِ؛ لِأنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الألِفَ واللّامَ إذا دَخَلَ عَلى الِاسْمِ المُفْرَدِ لا يُفِيدُ العُمُومَ، بَلْ إنَّما يُفِيدُهُ لِلْقَرِينَةِ مِن حَيْثُ إنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعِلْيَةِ الوَصْفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُؤَثِّرَ في العَضِّ عَلى اليَدَيْنِ كَوْنُهُ ظالِمًا، وحِينَئِذٍ يَعُمُّ الحُكْمُ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ بِصُورَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقْتَضِي العُمُومَ، ونُزُولُهُ في واقِعَةٍ أُخْرى خاصَّةٍ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُمُومَ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةِ وغَيْرِها، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ زَجْرُ الكُلِّ عَنِ الظُّلْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالعُمُومِ، وأمّا قَوْلُ الرّافِضَةِ فَذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالطَّعْنِ في القُرْآنِ وإثْباتِ أنَّهُ غَيْرٌ وبَدَلٌ، ولا نِزاعَ في أنَّهُ كُفْرٌ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالُوا: الظّالِمُ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، والكَلامُ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ، ثُمَّ تَنْبُتُ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ، وقالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْعِرَةٌ بِالتَّحَسُّرِ والغَمِّ، يُقالُ: عَضَّ أنامِلَهُ وعَضَّ عَلى يَدَيْهِ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: كَما بَيَّنّا أنَّ الظّالِمَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَخْصٍ واحِدٍ، بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ الظَّلَمَةِ، فَكَذا المُرادُ بِقَوْلِهِ فُلانًا لَيْسَ شَخْصًا واحِدًا، بَلْ كُلُّ مَن أُطِيعَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، واسْتَشْهَدَ القَفّالُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ﴾
صفحة ٦٧
(ظَهِيرًا) [الفُرْقانِ: ٥٥]، ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النَّبَأِ: ٤٠] يَعْنِي بِهِ جَماعَةَ الكُفّارِ.
المسألة الخامِسَةُ: قُرِئَ: ”يا ويْلَتِي“ بِالياءِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ، وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكَ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في صَحارى و(عَذارى) .
المسألة السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أوِ القُرْآنِ ومَوْعِظَةِ الرَّسُولِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ نُطْقَهُ بِشَهادَةِ الحَقِّ وغَيْرَتَهُ عَلى الإسْلامِ. والشَّيْطانُ إشارَةٌ إلى خَلِيلِهِ، سَمّاهُ شَيْطانًا لِأنَّهُ أضَلَّهُ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ، أوْ أرادَ إبْلِيسَ فَإنَّهُ هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى أنْ صارَ خَلِيلًا لِذَلِكَ المُضِلِّ ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ ثُمَّ خَذَلَهُ، أوْ أرادَ الجِنْسَ وكُلَّ مَن تَشَيْطَنَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ﴾ حِكايَةَ كَلامِ الظّالِمِ، وأنْ يَكُونَ كَلامَ اللَّهِ.
الفرقان 25:30
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا أكْثَرُوا مِنَ الِاعْتِراضاتِ الفاسِدَةِ ووُجُوهِ التَّعَنُّتِ ضاقَ صَدْرُ الرَّسُولِ ﷺ وشَكاهم إلى اللَّهِ تَعالى وقالَ: ﴿يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ قَوْلٌ واقِعٌ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلِ المُرادُ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُهُ في الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ مُوافِقٌ لِلَّفْظِ، ولِأنَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣١] تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، ولا يَلِيقُ إلّا إذا كانَ وقَعَ ذَلِكَ القَوْلُ مِنهُ.
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في المَهْجُورِ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ الهِجْرانِ، أيْ: تَرَكُوا الإيمانَ بِهِ ولَمْ يَقْبَلُوهُ وأعْرَضُوا عَنِ اسْتِماعِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ مِن أهْجَرَ أيْ مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حَذَفَ الجارَّ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٧] ثُمَّ هَجْرُهم فِيهِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وكَذِبٌ وهَجْرٌ؛ أيْ هَذَيانٌ، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ وعَلَّقَ مُصْحَفًا لَمْ يَتَعَهَّدْهُ ولَمْ يَنْظُرْ فِيهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَقُولُ: يا رَبَّ العالَمِينَ، عَبْدُكَ هَذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا، اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَهُ“» ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ مُسَلِّيًا لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُعَزِّيًا لَهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ وبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِسائِرِ الرُّسُلِ، فَلْيَصْبِرْ عَلى ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ كَما صَبَرُوا، ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَيْرَ والشَّرَّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ مِن جَعْلِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ كُفْرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِنَ الجَعْلِ التَّبْيِينُ؛ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم أعْداؤُهُ، جازَ أنْ يَقُولَ: جَعَلْناهم أعْداءَهُ، كَما إذا بَيَّنَ الرَّجُلُ أنَّ فُلانًا
صفحة ٦٨
لِصٌّ، يُقالُ: جَعَلَهُ لِصًّا كَما يُقالُ في الحاكِمِ: عَدَّلَ فُلانًا وفَسَّقَ فُلانًا وجَرَّحَهُ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الأنْبِياءَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ، وعَداوَتُهم لِلْكُفّارِ تَقْتَضِي عَداوَةَ الكُفّارِ لَهم، فَلِهَذا جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي حَمَلَهُ ودَعاهُ إلى ما اسْتَعْقَبَ تِلْكَ العَداوَةَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَحْتَمِلُ في العَدُوِّ أنَّهُ البَعِيدُ لا القَرِيبُ؛ إذِ المُعاداةُ المُباعَدَةُ، كَما أنَّ النَّصْرَ القُرْبُ والمُظاهَرَةُ، وقَدْ باعَدَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ التَّبْيِينَ لا يُسَمُّونَهُ البَتَّةَ جَعْلًا؛ لِأنَّ مَن بَيَّنَ لِغَيْرِهِ وُجُودَ الصّانِعِ وقِدَمَهُ لا يُقالُ: إنَّهُ جَعَلَ الصّانِعَ وجَعَلَ قِدَمَهُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ هَلْ لَهُ تَأْثِيرٌ في وُقُوعِ العَداوَةِ في قُلُوبِهِمْ أوْ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَقَدْ تَمَّ الكَلامُ؛ لِأنَّ عَداوَتَهم لِلرَّسُولِ ﷺ كُفْرٌ، فَإذا أمَرَ اللَّهُ الرَّسُولَ بِما لَهُ أثَرٌ في تِلْكَ العَداوَةِ فَقَدْ أمَرَهُ بِما لَهُ أثَرٌ في وُقُوعِ الكُفْرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَأْثِيرٌ البَتَّةَ كانَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ إسْنادُهُ إلَيْهِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ في المَعْنى كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نُوحٍ: ٥، ٦] وكَما أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا إنْزالُ العَذابِ فَكَذا هَهُنا، فَكَيْفَ يَلِيقُ هَذا بِمَن وصَفَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠٧] ؟ جَوابُهُ: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ، وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمّا ذَكَرَ هَذا ما دَعا عَلَيْهِمْ، بَلِ انْتَظَرَ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ كانَ ذَلِكَ كالأمْرِ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ وتَرْكِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ”جَعَلْنا“ صِيغَةُ العُظَماءِ، والعَظِيمُ إذا ذَكَرَ نَفْسَهُ في كُلِّ مَعْرِضٍ مِنَ التَّعْظِيمِ وذَكَرَ أنَّهُ يُعْطِي فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ تِلْكَ العَطِيَّةُ عَظِيمَةً؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحِجْرِ: ٨٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكَوْثَرِ: ١] فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ أنْ تَكُونَ تِلْكَ العَطِيَّةُ هي العَداوَةَ الَّتِي هي مَنشَأُ الضَّرَرِ في الدِّينِ والدُّنْيا ؟ وجَوابُهُ: أنَّ خَلْقَ العَداوَةِ سَبَبٌ لِازْدِيادِ المَشَقَّةِ الَّتِي هي مُوجِبَةٌ لِمَزِيدِ الثَّوابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الرّابِعَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَدُوُّ واحِدًا وجَمْعًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧] وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ عَدُوَّ الرَّسُولِ ﷺ أبُو جَهْلٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: الباءُ زائِدَةٌ، يَعْنِي كَفى رَبُّكَ، وهادِيًا ونَصِيرًا مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، هادِيًا إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، ونَصِيرًا عَلى الأعْداءِ، ونَظِيرُهُ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . [ الأنْفالِ: ٦٤] .
الفرقان 25:31
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا أكْثَرُوا مِنَ الِاعْتِراضاتِ الفاسِدَةِ ووُجُوهِ التَّعَنُّتِ ضاقَ صَدْرُ الرَّسُولِ ﷺ وشَكاهم إلى اللَّهِ تَعالى وقالَ: ﴿يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ قَوْلٌ واقِعٌ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلِ المُرادُ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُهُ في الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ مُوافِقٌ لِلَّفْظِ، ولِأنَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣١] تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، ولا يَلِيقُ إلّا إذا كانَ وقَعَ ذَلِكَ القَوْلُ مِنهُ.
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في المَهْجُورِ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ الهِجْرانِ، أيْ: تَرَكُوا الإيمانَ بِهِ ولَمْ يَقْبَلُوهُ وأعْرَضُوا عَنِ اسْتِماعِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ مِن أهْجَرَ أيْ مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حَذَفَ الجارَّ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٧] ثُمَّ هَجْرُهم فِيهِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وكَذِبٌ وهَجْرٌ؛ أيْ هَذَيانٌ، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ وعَلَّقَ مُصْحَفًا لَمْ يَتَعَهَّدْهُ ولَمْ يَنْظُرْ فِيهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَقُولُ: يا رَبَّ العالَمِينَ، عَبْدُكَ هَذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا، اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَهُ“» ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ مُسَلِّيًا لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُعَزِّيًا لَهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ وبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِسائِرِ الرُّسُلِ، فَلْيَصْبِرْ عَلى ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ كَما صَبَرُوا، ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَيْرَ والشَّرَّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ مِن جَعْلِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ كُفْرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِنَ الجَعْلِ التَّبْيِينُ؛ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم أعْداؤُهُ، جازَ أنْ يَقُولَ: جَعَلْناهم أعْداءَهُ، كَما إذا بَيَّنَ الرَّجُلُ أنَّ فُلانًا
صفحة ٦٨
لِصٌّ، يُقالُ: جَعَلَهُ لِصًّا كَما يُقالُ في الحاكِمِ: عَدَّلَ فُلانًا وفَسَّقَ فُلانًا وجَرَّحَهُ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الأنْبِياءَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ، وعَداوَتُهم لِلْكُفّارِ تَقْتَضِي عَداوَةَ الكُفّارِ لَهم، فَلِهَذا جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي حَمَلَهُ ودَعاهُ إلى ما اسْتَعْقَبَ تِلْكَ العَداوَةَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَحْتَمِلُ في العَدُوِّ أنَّهُ البَعِيدُ لا القَرِيبُ؛ إذِ المُعاداةُ المُباعَدَةُ، كَما أنَّ النَّصْرَ القُرْبُ والمُظاهَرَةُ، وقَدْ باعَدَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ التَّبْيِينَ لا يُسَمُّونَهُ البَتَّةَ جَعْلًا؛ لِأنَّ مَن بَيَّنَ لِغَيْرِهِ وُجُودَ الصّانِعِ وقِدَمَهُ لا يُقالُ: إنَّهُ جَعَلَ الصّانِعَ وجَعَلَ قِدَمَهُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ هَلْ لَهُ تَأْثِيرٌ في وُقُوعِ العَداوَةِ في قُلُوبِهِمْ أوْ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَقَدْ تَمَّ الكَلامُ؛ لِأنَّ عَداوَتَهم لِلرَّسُولِ ﷺ كُفْرٌ، فَإذا أمَرَ اللَّهُ الرَّسُولَ بِما لَهُ أثَرٌ في تِلْكَ العَداوَةِ فَقَدْ أمَرَهُ بِما لَهُ أثَرٌ في وُقُوعِ الكُفْرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَأْثِيرٌ البَتَّةَ كانَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ إسْنادُهُ إلَيْهِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ في المَعْنى كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نُوحٍ: ٥، ٦] وكَما أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا إنْزالُ العَذابِ فَكَذا هَهُنا، فَكَيْفَ يَلِيقُ هَذا بِمَن وصَفَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠٧] ؟ جَوابُهُ: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ، وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمّا ذَكَرَ هَذا ما دَعا عَلَيْهِمْ، بَلِ انْتَظَرَ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ كانَ ذَلِكَ كالأمْرِ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ وتَرْكِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ”جَعَلْنا“ صِيغَةُ العُظَماءِ، والعَظِيمُ إذا ذَكَرَ نَفْسَهُ في كُلِّ مَعْرِضٍ مِنَ التَّعْظِيمِ وذَكَرَ أنَّهُ يُعْطِي فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ تِلْكَ العَطِيَّةُ عَظِيمَةً؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحِجْرِ: ٨٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكَوْثَرِ: ١] فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ أنْ تَكُونَ تِلْكَ العَطِيَّةُ هي العَداوَةَ الَّتِي هي مَنشَأُ الضَّرَرِ في الدِّينِ والدُّنْيا ؟ وجَوابُهُ: أنَّ خَلْقَ العَداوَةِ سَبَبٌ لِازْدِيادِ المَشَقَّةِ الَّتِي هي مُوجِبَةٌ لِمَزِيدِ الثَّوابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الرّابِعَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَدُوُّ واحِدًا وجَمْعًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧] وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ عَدُوَّ الرَّسُولِ ﷺ أبُو جَهْلٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: الباءُ زائِدَةٌ، يَعْنِي كَفى رَبُّكَ، وهادِيًا ونَصِيرًا مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، هادِيًا إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، ونَصِيرًا عَلى الأعْداءِ، ونَظِيرُهُ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . [ الأنْفالِ: ٦٤] .
الفرقان 25:32
صفحة ٦٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ لِمُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: تَزْعُمُ أنَّكَ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أفَلا تَأْتِينا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ جُمْلَةً عَلى مُوسى، والإنْجِيلُ عَلى عِيسى، والزَّبُورُ عَلى داوُدَ ؟ وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ اثْنَتانِ أوْ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وأجابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وبَيانُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ القِراءَةِ والكِتابَةِ، فَلَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ جُمْلَةً واحِدَةً كانَ لا يَضْبِطُهُ، ولَجازَ عَلَيْهِ الغَلَطُ والسَّهْوُ، وإنَّما نَزَلَتِ التَّوْراةُ جُمْلَةً لِأنَّها مَكْتُوبَةٌ يَقْرَؤُها مُوسى.
وثانِيها: أنَّ مَن كانَ الكِتابُ عِنْدَهُ، فَرُبَّما اعْتَمَدَ عَلى الكِتابِ وتَساهَلَ في الحِفْظِ، فاللَّهُ تَعالى ما أعْطاهُ الكِتابَ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ كانَ يُنْزِلُ عَلَيْهِ وظِيفَةً لِيَكُونَ حِفْظُهُ لَهُ أكْمَلَ، فَيَكُونُ أبْعَدَ لَهُ عَنِ المُساهَلَةِ وقِلَّةِ التَّحْصِيلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ أنْزَلَ الكِتابَ جُمْلَةً واحِدَةً عَلى الخَلْقِ لَنَزَلَتِ الشَّرائِعُ بِأسْرِها دُفْعَةً واحِدَةً عَلى الخَلْقِ، فَكانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، أمّا لَمّا نَزَلَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا، لا جَرَمَ نَزَلَتِ التَّكالِيفُ قَلِيلًا قَلِيلًا، فَكانَ تَحَمُّلُها أسْهَلَ.
ورابِعُها: أنَّهُ إذا شاهَدَ جِبْرِيلَ حالًا بَعْدَ حالٍ يَقْوى قَلْبُهُ بِمُشاهَدَتِهِ، فَكانَ أقْوى عَلى أداءِ ما حُمِّلَ، وعَلى الصَّبْرِ عَلى عَوارِضِ النُّبُوَّةِ وعَلى احْتِمالِهِ أذِيَّةَ قَوْمِهِ وعَلى الجِهادِ.
وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا تَمَّ شَرْطُ الإعْجازِ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُنَجَّمًا، ثَبَتَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ في مَقْدُورِ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا.
وسادِسُها: كانَ القُرْآنُ يَنْزِلُ بِحَسَبِ أسْئِلَتِهِمْ والوَقائِعِ الواقِعَةِ لَهم، فَكانُوا يَزْدادُونَ بَصِيرَةً؛ لِأنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ كانَ يَنْضَمُّ إلى الفَصاحَةِ الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ.
وسابِعُها: أنَّ القُرْآنَ لَمّا نَزَلَ مَنَجَّمًا مُفَرَّقًا، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَحَدّاهم مِن أوَّلِ الأمْرِ، فَكَأنَّهُ تَحَدّاهم بِكُلِّ واحِدٍ مِن نُجُومِ القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْهُ كانَ عَجْزُهم عَنْ مُعارَضَةِ الكُلِّ أوْلى، فَبِهَذا الطَّرِيقِ ثَبَتَ في فُؤادِهِ أنَّ القَوْمَ عاجِزُونَ عَنِ المُعارَضَةِ لا مَحالَةَ.
ثامِنُها: أنَّ السِّفارَةَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ أنْبِيائِهِ وتَبْلِيغَ كَلامِهِ إلى الخَلْقِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَوْ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دُفْعَةً واحِدَةً لَبَطَلَ ذَلِكَ المَنصِبُ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا أنْزَلَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا بَقِيَ ذَلِكَ المَنصِبُ العالِي عَلَيْهِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا.
أمّا قَوْلُهُ: ”﴿كَذَلِكَ﴾“ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، أيْ: جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ، أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ في الآيَةِ، وهو أنْ يَقُولَ: أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا لِتُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ.
الثّانِي: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى ذَكَرَهُ جَوابًا لَهم؛ أيْ: كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا. فَإنْ قِيلَ: ذَلِكَ في ”﴿كَذَلِكَ﴾“ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى شَيْءٍ تَقَدَّمَهُ، والَّذِي تَقَدَّمَ فَهو إنْزالُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَكَيْفَ فَسَّرَ بِهِ كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا ؟ قُلْنا: لِأنَّ قَوْلَهم لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً مَعْناهُ: لِمَ نَزَلَ مُفَرَّقًا ؟ فَذَلِكَ إشارَةٌ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ فَمَعْنى التَّرْتِيلِ في الكَلامِ أنْ يَأْتِيَ بَعْضُهُ عَلى أثَرِ بَعْضٍ عَلى تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ، وأصْلُ التَّرْتِيلِ في الأسْنانِ وهو تَفَلُّجُها، يُقالُ: ثَغْرٌ رَتْلٌ، وهو ضِدُّ المُتَراصِّ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ قَوْلِهِمْ بِالجَوابِ الواضِحِ قالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ مِنَ الجِنْسِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشُّبُهاتِ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْفَعُ قَوْلَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٨]
صفحة ٧٠
وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ أحْسَنُ تَفْسِيرًا لِأجْلِ ما فِيهِ مِنَ المَزِيَّةِ في البَيانِ والظُّهُورِ، ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ كَما قِيلَ: مَعْناهُ كَذا وكَذا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «يُحْشَرُ النّاسُ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: صِنْفٍ عَلى الدَّوابِّ، وصِنْفٍ عَلى الأقْدامِ، وصِنْفٍ عَلى الوُجُوهِ»، وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» .
المسألة الثّانِيَةُ: الأقْرَبُ أنَّهُ صِفَةٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أوْرَدُوا هَذِهِ الأسْئِلَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِن أهْلِ النّارِ يَدْخُلُ مَعَهم.
المسألة الثّالِثَةُ: حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى أنَّهم يَمْشُونَ في الآخِرَةِ مَقْلُوبِينَ، وُجُوهُهم إلى القَرارِ، وأرْجُلُهم إلى فَوْقُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ .
وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ أنَّهم يُحْشَرُونَ ويُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، وهَذا أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو أوْلى، وقالَ الصُّوفِيَّةُ: الَّذِينَ تَعَلَّقَتْ قُلُوبُهم بِما سِوى اللَّهِ، فَإذا ماتُوا بَقِيَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ، فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم شَرٌّ مَكانًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأضَلُّ سَبِيلًا وطَرِيقًا، والمَقْصُودُ مِنهُ الزَّجْرُ عَنْ طَرِيقِهِمْ والسُّؤالِ عَلَيْهِ كَما ذَكَرْناهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٤] وقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ.
الفرقان 25:33
صفحة ٦٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ لِمُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: تَزْعُمُ أنَّكَ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أفَلا تَأْتِينا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ جُمْلَةً عَلى مُوسى، والإنْجِيلُ عَلى عِيسى، والزَّبُورُ عَلى داوُدَ ؟ وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ اثْنَتانِ أوْ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وأجابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وبَيانُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ القِراءَةِ والكِتابَةِ، فَلَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ جُمْلَةً واحِدَةً كانَ لا يَضْبِطُهُ، ولَجازَ عَلَيْهِ الغَلَطُ والسَّهْوُ، وإنَّما نَزَلَتِ التَّوْراةُ جُمْلَةً لِأنَّها مَكْتُوبَةٌ يَقْرَؤُها مُوسى.
وثانِيها: أنَّ مَن كانَ الكِتابُ عِنْدَهُ، فَرُبَّما اعْتَمَدَ عَلى الكِتابِ وتَساهَلَ في الحِفْظِ، فاللَّهُ تَعالى ما أعْطاهُ الكِتابَ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ كانَ يُنْزِلُ عَلَيْهِ وظِيفَةً لِيَكُونَ حِفْظُهُ لَهُ أكْمَلَ، فَيَكُونُ أبْعَدَ لَهُ عَنِ المُساهَلَةِ وقِلَّةِ التَّحْصِيلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ أنْزَلَ الكِتابَ جُمْلَةً واحِدَةً عَلى الخَلْقِ لَنَزَلَتِ الشَّرائِعُ بِأسْرِها دُفْعَةً واحِدَةً عَلى الخَلْقِ، فَكانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، أمّا لَمّا نَزَلَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا، لا جَرَمَ نَزَلَتِ التَّكالِيفُ قَلِيلًا قَلِيلًا، فَكانَ تَحَمُّلُها أسْهَلَ.
ورابِعُها: أنَّهُ إذا شاهَدَ جِبْرِيلَ حالًا بَعْدَ حالٍ يَقْوى قَلْبُهُ بِمُشاهَدَتِهِ، فَكانَ أقْوى عَلى أداءِ ما حُمِّلَ، وعَلى الصَّبْرِ عَلى عَوارِضِ النُّبُوَّةِ وعَلى احْتِمالِهِ أذِيَّةَ قَوْمِهِ وعَلى الجِهادِ.
وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا تَمَّ شَرْطُ الإعْجازِ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُنَجَّمًا، ثَبَتَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ في مَقْدُورِ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا.
وسادِسُها: كانَ القُرْآنُ يَنْزِلُ بِحَسَبِ أسْئِلَتِهِمْ والوَقائِعِ الواقِعَةِ لَهم، فَكانُوا يَزْدادُونَ بَصِيرَةً؛ لِأنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ كانَ يَنْضَمُّ إلى الفَصاحَةِ الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ.
وسابِعُها: أنَّ القُرْآنَ لَمّا نَزَلَ مَنَجَّمًا مُفَرَّقًا، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَحَدّاهم مِن أوَّلِ الأمْرِ، فَكَأنَّهُ تَحَدّاهم بِكُلِّ واحِدٍ مِن نُجُومِ القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْهُ كانَ عَجْزُهم عَنْ مُعارَضَةِ الكُلِّ أوْلى، فَبِهَذا الطَّرِيقِ ثَبَتَ في فُؤادِهِ أنَّ القَوْمَ عاجِزُونَ عَنِ المُعارَضَةِ لا مَحالَةَ.
ثامِنُها: أنَّ السِّفارَةَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ أنْبِيائِهِ وتَبْلِيغَ كَلامِهِ إلى الخَلْقِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَوْ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دُفْعَةً واحِدَةً لَبَطَلَ ذَلِكَ المَنصِبُ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا أنْزَلَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا بَقِيَ ذَلِكَ المَنصِبُ العالِي عَلَيْهِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا.
أمّا قَوْلُهُ: ”﴿كَذَلِكَ﴾“ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، أيْ: جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ، أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ في الآيَةِ، وهو أنْ يَقُولَ: أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا لِتُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ.
الثّانِي: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى ذَكَرَهُ جَوابًا لَهم؛ أيْ: كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا. فَإنْ قِيلَ: ذَلِكَ في ”﴿كَذَلِكَ﴾“ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى شَيْءٍ تَقَدَّمَهُ، والَّذِي تَقَدَّمَ فَهو إنْزالُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَكَيْفَ فَسَّرَ بِهِ كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا ؟ قُلْنا: لِأنَّ قَوْلَهم لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً مَعْناهُ: لِمَ نَزَلَ مُفَرَّقًا ؟ فَذَلِكَ إشارَةٌ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ فَمَعْنى التَّرْتِيلِ في الكَلامِ أنْ يَأْتِيَ بَعْضُهُ عَلى أثَرِ بَعْضٍ عَلى تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ، وأصْلُ التَّرْتِيلِ في الأسْنانِ وهو تَفَلُّجُها، يُقالُ: ثَغْرٌ رَتْلٌ، وهو ضِدُّ المُتَراصِّ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ قَوْلِهِمْ بِالجَوابِ الواضِحِ قالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ مِنَ الجِنْسِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشُّبُهاتِ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْفَعُ قَوْلَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٨]
صفحة ٧٠
وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ أحْسَنُ تَفْسِيرًا لِأجْلِ ما فِيهِ مِنَ المَزِيَّةِ في البَيانِ والظُّهُورِ، ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ كَما قِيلَ: مَعْناهُ كَذا وكَذا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «يُحْشَرُ النّاسُ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: صِنْفٍ عَلى الدَّوابِّ، وصِنْفٍ عَلى الأقْدامِ، وصِنْفٍ عَلى الوُجُوهِ»، وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» .
المسألة الثّانِيَةُ: الأقْرَبُ أنَّهُ صِفَةٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أوْرَدُوا هَذِهِ الأسْئِلَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِن أهْلِ النّارِ يَدْخُلُ مَعَهم.
المسألة الثّالِثَةُ: حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى أنَّهم يَمْشُونَ في الآخِرَةِ مَقْلُوبِينَ، وُجُوهُهم إلى القَرارِ، وأرْجُلُهم إلى فَوْقُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ .
وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ أنَّهم يُحْشَرُونَ ويُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، وهَذا أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو أوْلى، وقالَ الصُّوفِيَّةُ: الَّذِينَ تَعَلَّقَتْ قُلُوبُهم بِما سِوى اللَّهِ، فَإذا ماتُوا بَقِيَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ، فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم شَرٌّ مَكانًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأضَلُّ سَبِيلًا وطَرِيقًا، والمَقْصُودُ مِنهُ الزَّجْرُ عَنْ طَرِيقِهِمْ والسُّؤالِ عَلَيْهِ كَما ذَكَرْناهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٤] وقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ.
الفرقان 25:34
صفحة ٦٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ لِمُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: تَزْعُمُ أنَّكَ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أفَلا تَأْتِينا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ جُمْلَةً عَلى مُوسى، والإنْجِيلُ عَلى عِيسى، والزَّبُورُ عَلى داوُدَ ؟ وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ اثْنَتانِ أوْ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وأجابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وبَيانُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ القِراءَةِ والكِتابَةِ، فَلَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ جُمْلَةً واحِدَةً كانَ لا يَضْبِطُهُ، ولَجازَ عَلَيْهِ الغَلَطُ والسَّهْوُ، وإنَّما نَزَلَتِ التَّوْراةُ جُمْلَةً لِأنَّها مَكْتُوبَةٌ يَقْرَؤُها مُوسى.
وثانِيها: أنَّ مَن كانَ الكِتابُ عِنْدَهُ، فَرُبَّما اعْتَمَدَ عَلى الكِتابِ وتَساهَلَ في الحِفْظِ، فاللَّهُ تَعالى ما أعْطاهُ الكِتابَ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ كانَ يُنْزِلُ عَلَيْهِ وظِيفَةً لِيَكُونَ حِفْظُهُ لَهُ أكْمَلَ، فَيَكُونُ أبْعَدَ لَهُ عَنِ المُساهَلَةِ وقِلَّةِ التَّحْصِيلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ أنْزَلَ الكِتابَ جُمْلَةً واحِدَةً عَلى الخَلْقِ لَنَزَلَتِ الشَّرائِعُ بِأسْرِها دُفْعَةً واحِدَةً عَلى الخَلْقِ، فَكانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، أمّا لَمّا نَزَلَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا، لا جَرَمَ نَزَلَتِ التَّكالِيفُ قَلِيلًا قَلِيلًا، فَكانَ تَحَمُّلُها أسْهَلَ.
ورابِعُها: أنَّهُ إذا شاهَدَ جِبْرِيلَ حالًا بَعْدَ حالٍ يَقْوى قَلْبُهُ بِمُشاهَدَتِهِ، فَكانَ أقْوى عَلى أداءِ ما حُمِّلَ، وعَلى الصَّبْرِ عَلى عَوارِضِ النُّبُوَّةِ وعَلى احْتِمالِهِ أذِيَّةَ قَوْمِهِ وعَلى الجِهادِ.
وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا تَمَّ شَرْطُ الإعْجازِ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُنَجَّمًا، ثَبَتَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ في مَقْدُورِ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا.
وسادِسُها: كانَ القُرْآنُ يَنْزِلُ بِحَسَبِ أسْئِلَتِهِمْ والوَقائِعِ الواقِعَةِ لَهم، فَكانُوا يَزْدادُونَ بَصِيرَةً؛ لِأنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ كانَ يَنْضَمُّ إلى الفَصاحَةِ الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ.
وسابِعُها: أنَّ القُرْآنَ لَمّا نَزَلَ مَنَجَّمًا مُفَرَّقًا، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَحَدّاهم مِن أوَّلِ الأمْرِ، فَكَأنَّهُ تَحَدّاهم بِكُلِّ واحِدٍ مِن نُجُومِ القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْهُ كانَ عَجْزُهم عَنْ مُعارَضَةِ الكُلِّ أوْلى، فَبِهَذا الطَّرِيقِ ثَبَتَ في فُؤادِهِ أنَّ القَوْمَ عاجِزُونَ عَنِ المُعارَضَةِ لا مَحالَةَ.
ثامِنُها: أنَّ السِّفارَةَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ أنْبِيائِهِ وتَبْلِيغَ كَلامِهِ إلى الخَلْقِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَوْ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دُفْعَةً واحِدَةً لَبَطَلَ ذَلِكَ المَنصِبُ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا أنْزَلَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا بَقِيَ ذَلِكَ المَنصِبُ العالِي عَلَيْهِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا.
أمّا قَوْلُهُ: ”﴿كَذَلِكَ﴾“ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، أيْ: جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ، أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ في الآيَةِ، وهو أنْ يَقُولَ: أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا لِتُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ.
الثّانِي: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى ذَكَرَهُ جَوابًا لَهم؛ أيْ: كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا. فَإنْ قِيلَ: ذَلِكَ في ”﴿كَذَلِكَ﴾“ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى شَيْءٍ تَقَدَّمَهُ، والَّذِي تَقَدَّمَ فَهو إنْزالُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَكَيْفَ فَسَّرَ بِهِ كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا ؟ قُلْنا: لِأنَّ قَوْلَهم لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً مَعْناهُ: لِمَ نَزَلَ مُفَرَّقًا ؟ فَذَلِكَ إشارَةٌ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ فَمَعْنى التَّرْتِيلِ في الكَلامِ أنْ يَأْتِيَ بَعْضُهُ عَلى أثَرِ بَعْضٍ عَلى تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ، وأصْلُ التَّرْتِيلِ في الأسْنانِ وهو تَفَلُّجُها، يُقالُ: ثَغْرٌ رَتْلٌ، وهو ضِدُّ المُتَراصِّ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ قَوْلِهِمْ بِالجَوابِ الواضِحِ قالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ مِنَ الجِنْسِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشُّبُهاتِ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْفَعُ قَوْلَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٨]
صفحة ٧٠
وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ أحْسَنُ تَفْسِيرًا لِأجْلِ ما فِيهِ مِنَ المَزِيَّةِ في البَيانِ والظُّهُورِ، ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ كَما قِيلَ: مَعْناهُ كَذا وكَذا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «يُحْشَرُ النّاسُ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: صِنْفٍ عَلى الدَّوابِّ، وصِنْفٍ عَلى الأقْدامِ، وصِنْفٍ عَلى الوُجُوهِ»، وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» .
المسألة الثّانِيَةُ: الأقْرَبُ أنَّهُ صِفَةٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أوْرَدُوا هَذِهِ الأسْئِلَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِن أهْلِ النّارِ يَدْخُلُ مَعَهم.
المسألة الثّالِثَةُ: حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى أنَّهم يَمْشُونَ في الآخِرَةِ مَقْلُوبِينَ، وُجُوهُهم إلى القَرارِ، وأرْجُلُهم إلى فَوْقُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ .
وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ أنَّهم يُحْشَرُونَ ويُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، وهَذا أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو أوْلى، وقالَ الصُّوفِيَّةُ: الَّذِينَ تَعَلَّقَتْ قُلُوبُهم بِما سِوى اللَّهِ، فَإذا ماتُوا بَقِيَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ، فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم شَرٌّ مَكانًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأضَلُّ سَبِيلًا وطَرِيقًا، والمَقْصُودُ مِنهُ الزَّجْرُ عَنْ طَرِيقِهِمْ والسُّؤالِ عَلَيْهِ كَما ذَكَرْناهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٤] وقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ.
الفرقان 25:35
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ تَكَلَّمَ في التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الأنْدادِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ والجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ لَها وفي أحْوالِ القِيامَةِ؛ شَرَعَ في ذِكْرِ القَصَصِ عَلى السُّنَّةِ المَعْلُومَةِ.
القِصَّةُ الأُولى قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الفُرْقانِ: ٣١] أتْبَعَهُ بِذِكْرِ جَماعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، وعَرَّفَهُ بِما نَزَلَ بِمَن كَذَّبَ مِن أُمَمِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾، والمَعْنى: لَسْتَ يا مُحَمَّدُ بِأوَّلِ مَن أرْسَلْناهُ فَكُذِّبَ، وآتَيْناهُ الآياتِ فَرُدَّ، فَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ وقَوَّيْنا عَضُدَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ رُدَّ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: كَوْنُهُ وزِيرًا لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ شَرِيكًا لَهُ في النُّبُوَّةِ، فَلا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اذْهَبا﴾ إنَّهُ خِطابٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ، بَلْ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٤٣]
صفحة ٧١
فَإنْ قِيلَ: إنَّ كَوْنَهُ وزِيرًا كالمُنافِي لِكَوْنِهِ شَرِيكًا، بَلْ يَجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا صارَ شَرِيكًا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ وزِيرًا، قُلْنا: لا مُنافاةَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَشْرَكَهُ في النُّبُوَّةِ ويَكُونَ وزِيرًا وظَهِيرًا ومُعِينًا لَهُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُتَحَصَّنُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القِيامَةِ: ١١] أيْ: لا مَنجى ولا مَلْجَأ، قالَ القاضِي: ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ تَعالى بِأنَّ لَهُ وزِيرًا، ولا يُقالُ فِيهِ أيْضًا بِأنَّهُ وزِيرٌ؛ لِأنَّ الِالتِجاءَ إلَيْهِ في المُشاوَرَةِ والرَّأْيِ عَلى هَذا الحَدِّ لا يَصِحُّ.
المسألة الثّالِثَةُ: ﴿دَمَّرْناهُمْ﴾ أهْلَكْناهم إهْلاكًا، فَإنْ قِيلَ: الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والإهْلاكُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِيبَ ذَهابِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ. قُلْنا: التَّعْقِيبُ مَحْمُولٌ هَهُنا عَلى الحُكْمِ، لا عَلى الوُقُوعِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى أرادَ اخْتِصارَ القِصَّةِ فَذَكَرَ حاشِيَتَيْها أوَّلَها وآخِرَها؛ لِأنَّهُما المَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ بِطُولِها. أعْنِي إلْزامَ الحجة بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقِ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.
المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ إنْ حَمَلْنا تَكْذِيبَ الآياتِ عَلى تَكْذِيبِ آياتِ الإلَهِيَّةِ فَلا إشْكالَ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى تَكْذِيبِ آياتِ النُّبُوَّةِ فاللَّفْظُ وإنْ كانَ لِلْماضِي إلّا أنَّ المُرادَ هو المُسْتَقْبَلُ.
الفرقان 25:36
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ تَكَلَّمَ في التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الأنْدادِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ والجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ لَها وفي أحْوالِ القِيامَةِ؛ شَرَعَ في ذِكْرِ القَصَصِ عَلى السُّنَّةِ المَعْلُومَةِ.
القِصَّةُ الأُولى قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الفُرْقانِ: ٣١] أتْبَعَهُ بِذِكْرِ جَماعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، وعَرَّفَهُ بِما نَزَلَ بِمَن كَذَّبَ مِن أُمَمِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾، والمَعْنى: لَسْتَ يا مُحَمَّدُ بِأوَّلِ مَن أرْسَلْناهُ فَكُذِّبَ، وآتَيْناهُ الآياتِ فَرُدَّ، فَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ وقَوَّيْنا عَضُدَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ رُدَّ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: كَوْنُهُ وزِيرًا لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ شَرِيكًا لَهُ في النُّبُوَّةِ، فَلا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اذْهَبا﴾ إنَّهُ خِطابٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ، بَلْ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٤٣]
صفحة ٧١
فَإنْ قِيلَ: إنَّ كَوْنَهُ وزِيرًا كالمُنافِي لِكَوْنِهِ شَرِيكًا، بَلْ يَجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا صارَ شَرِيكًا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ وزِيرًا، قُلْنا: لا مُنافاةَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَشْرَكَهُ في النُّبُوَّةِ ويَكُونَ وزِيرًا وظَهِيرًا ومُعِينًا لَهُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُتَحَصَّنُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القِيامَةِ: ١١] أيْ: لا مَنجى ولا مَلْجَأ، قالَ القاضِي: ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ تَعالى بِأنَّ لَهُ وزِيرًا، ولا يُقالُ فِيهِ أيْضًا بِأنَّهُ وزِيرٌ؛ لِأنَّ الِالتِجاءَ إلَيْهِ في المُشاوَرَةِ والرَّأْيِ عَلى هَذا الحَدِّ لا يَصِحُّ.
المسألة الثّالِثَةُ: ﴿دَمَّرْناهُمْ﴾ أهْلَكْناهم إهْلاكًا، فَإنْ قِيلَ: الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والإهْلاكُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِيبَ ذَهابِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ. قُلْنا: التَّعْقِيبُ مَحْمُولٌ هَهُنا عَلى الحُكْمِ، لا عَلى الوُقُوعِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى أرادَ اخْتِصارَ القِصَّةِ فَذَكَرَ حاشِيَتَيْها أوَّلَها وآخِرَها؛ لِأنَّهُما المَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ بِطُولِها. أعْنِي إلْزامَ الحجة بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقِ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.
المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ إنْ حَمَلْنا تَكْذِيبَ الآياتِ عَلى تَكْذِيبِ آياتِ الإلَهِيَّةِ فَلا إشْكالَ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى تَكْذِيبِ آياتِ النُّبُوَّةِ فاللَّفْظُ وإنْ كانَ لِلْماضِي إلّا أنَّ المُرادَ هو المُسْتَقْبَلُ.
الفرقان 25:37
القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ إمّا لِأنَّهم كانُوا مِنَ البَراهِمَةِ المُنْكِرِينَ لِكُلِّ الرُّسُلِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ تَكْذِيبُهم لِواحِدٍ مِنهم تَكْذِيبًا لِلْجَمِيعِ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَ الواحِدِ مِنهم لا يُمْكِنُ إلّا بِالقَدْحِ في المُعْجِزِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ الكُلِّ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ وإنْ كانَ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ ولَكِنَّهُ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الأفْراسَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أغْرَقْناهُمْ﴾ فَقالَ الكَلْبِيُّ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّماءَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأخْرَجَ ماءَ الأرْضِ أيْضًا في تِلْكَ الأرْبَعِينَ، فَصارَتِ الأرْضُ بَحْرًا واحِدًا، ﴿وجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ: وجَعَلْنا إغْراقَهم أوْ قِصَّتَهم آيَةً، ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن سَلَكَ سَبِيلَهم في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَذابًا ألِيمًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْمَ نُوحٍ.
الفرقان 25:38
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ وأصْحابِ الرَّسِّ.
﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾
صفحة ٧٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: عَطَفَ ﴿وعادًا﴾ عَلى ”هُمْ“ في ﴿وجَعَلْناهُمْ﴾ أوْ عَلى ”الظّالِمِينَ“؛ لِأنَّ المَعْنى: ووَعَدْنا الظّالِمِينَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (وثَمُودَ) عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلَةِ، وأمّا عَلى المُنْصَرِفِ فَعَلى تَأْوِيلِ الحَيِّ، أوْ لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْأبِ الأكْبَرِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّسُّ هو البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: في البِلادِ مَوْضِعٌ يُقالُ لَهُ: الرَّسُّ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوادِي سَكَنًا لَهم، والرَّسُّ عِنْدَ العَرَبِ الدَّفْنُ، ويُسَمّى بِهِ الحَفْرُ، يُقالُ: رُسَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ وغُيِّبَ في الحُفْرَةِ، وفي التَّفْسِيرِ أنَّهُ البِئْرُ، وأيُّ شَيْءٍ كانَ فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أهْلِ الرَّسِّ بِالهَلاكِ. انْتَهى.
المسألة الرّابِعَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الرَّسِّ وُجُوهًا:
أحَدُها: كانُوا قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ أصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ، فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ خَسَفَ اللَّهُ بِهِمْ وبِدارِهِمْ.
وثانِيها: الرَّسُّ قَرْيَةٌ بِفَلَجِ اليَمامَةِ قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ.
وثالِثُها: أصْحابُ النَّبِيِّ كَحَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ كانُوا مُبْتَلَيْنَ بِالعَنْقاءِ، وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ عُنُقِها، وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ: فَتْخٌ، وهي تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطَفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ، فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا.
ورابِعُها: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ.
وخامِسُها: الرَّسُّ أنْطاكِيَةُ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ، وقِيلَ: كَذَّبُوهُ ورَسُّوهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيها.
وسادِسُها: عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم كانُوا قَوْمًا يَعْبُدُونَ شَجَرَةَ الصَّنَوْبَرِ، وإنَّما سُمُّوا بِأصْحابِ الرَّسِّ؛ لِأنَّهم رَسُّوا نَبِيَّهم في الأرْضِ.
وسابِعُها: أصْحابُ الرَّسِّ قَوْمٌ كانَتْ لَهم قُرًى عَلى شاطِئِ نَهْرٍ يُقالُ لَهُ: الرَّسُّ مِن بِلادِ المَشْرِقِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن ولَدِ يَهُودَ بْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ، فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمَنًا، فَشَكى إلى اللَّهِ تَعالى مِنهم، فَحَفَرُوا بِئْرًا ورَسُّوهُ فِيها. وقالُوا: نَرْجُو أنْ يَرْضى عَنّا إلَهُنا. وكانُوا عامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ يَقُولُ: إلَهِي وسَيِّدِي تَرى ضِيقَ مَكانِي وشِدَّةَ كَرْبِي وضَعْفَ قَلْبِي وقِلَّةَ حِيلَتِي، فَعَجِّلْ قَبْضَ رُوحِي، حَتّى ماتَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا عاصِفَةً شَدِيدَةَ الحُمْرَةِ، فَصارَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ حَجَرَ كِبْرِيتٍ مُتَوَقِّدٍ، وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ، فَذابَتْ أبْدانُهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
وثامِنُها: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، «أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ، فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا عَبْدٌ أسْوَدُ، ثُمَّ عَدَوْا عَلى الرَّسُولِ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقَوْهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ حَجَرًا ضَخْمًا، وكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَحْتَطِبُ فَيَشْتَرِي لَهُ طَعامًا وشَرابًا ويَرْفَعُ الصَّخْرَةَ ويُدْلِيهِ إلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، فاحْتَطَبَ يَوْمًا، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ نَوْمًا فاضْطَجَعَ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ انْتَبَهَ وتَمَطّى وتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ، فَنامَ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ هَبَّ فَحَمَلَ حُزْمَتَهُ، فَظَنَّ أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حُزْمَتَهُ واشْتَرى طَعامًا وشَرابًا وذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ، فَلَمْ يَجِدْ أحَدًا، وكانَ قَوْمُهُ قَدِ اسْتَخْرَجُوهُ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ ذَلِكَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنِ الأسْوَدِ، فَيَقُولُونَ: لا نَدْرِي حالَهُ، حَتّى قَبَضَ اللَّهُ النَّبِيَّ وقَبَضَ ذَلِكَ الأسْوَدَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ
صفحة ٧٣
الجَنَّةَ“» .
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وهو أنَّ شَيْئًا مِن هَذِهِ الرِّواياتِ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالقُرْآنِ، ولا بِخَبَرٍ قَوِيِّ الإسْنادِ، ولَكِنَّهم كَيْفَ كانُوا فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم أُهْلِكُوا بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.
المسألة الخامِسَةُ: قالَ النَّخَعِيُّ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً. وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ سَبْعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ.
المسألة السّادِسَةُ: قَوْلُهُ ”﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾“ أيْ: بَيْنَ ذَلِكَ المَذْكُورِ، وقَدْ يَذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ، ويَحْسِبُ الحاسِبُ أعْدادًا مُتَكاثِرَةً، ثُمَّ يَقُولُ: فَذَلِكَ كَيْتَ وكَيْتَ، عَلى مَعْنى فَذَلِكَ المَحْسُوبُ أوِ المَعْدُودُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ فالمُرادُ بَيَّنّا لَهم وأزَحْنا عِلَلَهم، فَلَمّا كَذَّبُوا تَبَّرْناهم تَتْبِيرًا، ويَحْتَمِلُ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ بِأنْ أجَبْناهم عَمّا أوْرَدُوهُ مِنَ الشُّبَهِ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، كَما أوْرَدَهُ قَوْمُكَ يا مُحَمَّدُ، فَلَمّا لَمْ يَنْجَعْ فِيهِ تَبَّرْناهم تَتْبِيرًا، فَحَذَّرَ تَعالى بِذَلِكَ قَوْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ في الِاسْتِمْرارِ عَلى تَكْذِيبِهِ؛ لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِالقَوْمِ عاجِلًا وآجِلًا.
المسألة السّابِعَةُ: ﴿وكُلًّا﴾ الأوَّلُ مَنصُوبٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ“، وهو أنْذَرْنا أوْ حَذَّرْنا، والثّانِي بِتَبَّرْنا لِأنَّهُ فارِغٌ لَهُ.
المسألة الثّامِنَةُ: التَّتْبِيرُ التَّفْتِيتُ والتَّكْسِيرُ، ومِنهُ التِّبْرُ، وهو كُسارَةُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والزُّجاجِ.
الفرقان 25:39
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ وأصْحابِ الرَّسِّ.
﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾
صفحة ٧٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: عَطَفَ ﴿وعادًا﴾ عَلى ”هُمْ“ في ﴿وجَعَلْناهُمْ﴾ أوْ عَلى ”الظّالِمِينَ“؛ لِأنَّ المَعْنى: ووَعَدْنا الظّالِمِينَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (وثَمُودَ) عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلَةِ، وأمّا عَلى المُنْصَرِفِ فَعَلى تَأْوِيلِ الحَيِّ، أوْ لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْأبِ الأكْبَرِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّسُّ هو البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: في البِلادِ مَوْضِعٌ يُقالُ لَهُ: الرَّسُّ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوادِي سَكَنًا لَهم، والرَّسُّ عِنْدَ العَرَبِ الدَّفْنُ، ويُسَمّى بِهِ الحَفْرُ، يُقالُ: رُسَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ وغُيِّبَ في الحُفْرَةِ، وفي التَّفْسِيرِ أنَّهُ البِئْرُ، وأيُّ شَيْءٍ كانَ فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أهْلِ الرَّسِّ بِالهَلاكِ. انْتَهى.
المسألة الرّابِعَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الرَّسِّ وُجُوهًا:
أحَدُها: كانُوا قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ أصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ، فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ، فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ خَسَفَ اللَّهُ بِهِمْ وبِدارِهِمْ.
وثانِيها: الرَّسُّ قَرْيَةٌ بِفَلَجِ اليَمامَةِ قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ.
وثالِثُها: أصْحابُ النَّبِيِّ كَحَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ كانُوا مُبْتَلَيْنَ بِالعَنْقاءِ، وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ عُنُقِها، وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ: فَتْخٌ، وهي تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطَفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ، فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا.
ورابِعُها: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ.
وخامِسُها: الرَّسُّ أنْطاكِيَةُ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ، وقِيلَ: كَذَّبُوهُ ورَسُّوهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيها.
وسادِسُها: عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم كانُوا قَوْمًا يَعْبُدُونَ شَجَرَةَ الصَّنَوْبَرِ، وإنَّما سُمُّوا بِأصْحابِ الرَّسِّ؛ لِأنَّهم رَسُّوا نَبِيَّهم في الأرْضِ.
وسابِعُها: أصْحابُ الرَّسِّ قَوْمٌ كانَتْ لَهم قُرًى عَلى شاطِئِ نَهْرٍ يُقالُ لَهُ: الرَّسُّ مِن بِلادِ المَشْرِقِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ نَبِيًّا مِن ولَدِ يَهُودَ بْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ، فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمَنًا، فَشَكى إلى اللَّهِ تَعالى مِنهم، فَحَفَرُوا بِئْرًا ورَسُّوهُ فِيها. وقالُوا: نَرْجُو أنْ يَرْضى عَنّا إلَهُنا. وكانُوا عامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ يَقُولُ: إلَهِي وسَيِّدِي تَرى ضِيقَ مَكانِي وشِدَّةَ كَرْبِي وضَعْفَ قَلْبِي وقِلَّةَ حِيلَتِي، فَعَجِّلْ قَبْضَ رُوحِي، حَتّى ماتَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا عاصِفَةً شَدِيدَةَ الحُمْرَةِ، فَصارَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ حَجَرَ كِبْرِيتٍ مُتَوَقِّدٍ، وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ، فَذابَتْ أبْدانُهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
وثامِنُها: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، «أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ، فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا عَبْدٌ أسْوَدُ، ثُمَّ عَدَوْا عَلى الرَّسُولِ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقَوْهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ حَجَرًا ضَخْمًا، وكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَحْتَطِبُ فَيَشْتَرِي لَهُ طَعامًا وشَرابًا ويَرْفَعُ الصَّخْرَةَ ويُدْلِيهِ إلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، فاحْتَطَبَ يَوْمًا، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ نَوْمًا فاضْطَجَعَ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ انْتَبَهَ وتَمَطّى وتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ، فَنامَ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ هَبَّ فَحَمَلَ حُزْمَتَهُ، فَظَنَّ أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حُزْمَتَهُ واشْتَرى طَعامًا وشَرابًا وذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ، فَلَمْ يَجِدْ أحَدًا، وكانَ قَوْمُهُ قَدِ اسْتَخْرَجُوهُ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ ذَلِكَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنِ الأسْوَدِ، فَيَقُولُونَ: لا نَدْرِي حالَهُ، حَتّى قَبَضَ اللَّهُ النَّبِيَّ وقَبَضَ ذَلِكَ الأسْوَدَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ
صفحة ٧٣
الجَنَّةَ“» .
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وهو أنَّ شَيْئًا مِن هَذِهِ الرِّواياتِ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالقُرْآنِ، ولا بِخَبَرٍ قَوِيِّ الإسْنادِ، ولَكِنَّهم كَيْفَ كانُوا فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم أُهْلِكُوا بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.
المسألة الخامِسَةُ: قالَ النَّخَعِيُّ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً. وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ سَبْعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ.
المسألة السّادِسَةُ: قَوْلُهُ ”﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾“ أيْ: بَيْنَ ذَلِكَ المَذْكُورِ، وقَدْ يَذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ، ويَحْسِبُ الحاسِبُ أعْدادًا مُتَكاثِرَةً، ثُمَّ يَقُولُ: فَذَلِكَ كَيْتَ وكَيْتَ، عَلى مَعْنى فَذَلِكَ المَحْسُوبُ أوِ المَعْدُودُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ فالمُرادُ بَيَّنّا لَهم وأزَحْنا عِلَلَهم، فَلَمّا كَذَّبُوا تَبَّرْناهم تَتْبِيرًا، ويَحْتَمِلُ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ بِأنْ أجَبْناهم عَمّا أوْرَدُوهُ مِنَ الشُّبَهِ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، كَما أوْرَدَهُ قَوْمُكَ يا مُحَمَّدُ، فَلَمّا لَمْ يَنْجَعْ فِيهِ تَبَّرْناهم تَتْبِيرًا، فَحَذَّرَ تَعالى بِذَلِكَ قَوْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ في الِاسْتِمْرارِ عَلى تَكْذِيبِهِ؛ لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِالقَوْمِ عاجِلًا وآجِلًا.
المسألة السّابِعَةُ: ﴿وكُلًّا﴾ الأوَّلُ مَنصُوبٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ“، وهو أنْذَرْنا أوْ حَذَّرْنا، والثّانِي بِتَبَّرْنا لِأنَّهُ فارِغٌ لَهُ.
المسألة الثّامِنَةُ: التَّتْبِيرُ التَّفْتِيتُ والتَّكْسِيرُ، ومِنهُ التِّبْرُ، وهو كُسارَةُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والزُّجاجِ.
الفرقان 25:40
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالقَرْيَةِ سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ خَمْسًا، أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعًا بِأهْلِها وبَقِيَتْ واحِدَةٌ. و﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الحِجارَةُ، يَعْنِي أنَّ قُرَيْشًا مَرُّوا مِرارًا كَثِيرَةً في مَتاجِرِهِمْ إلى الشَّأْمِ
صفحة ٧٤
عَلى تِلْكَ القَرْيَةِ الَّتِي أُهْلِكَتْ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ، ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا﴾ في مُرُورِهِمْ يَنْظُرُونَ إلى آثارِ عَذابِ اللَّهِ تَعالى ونَكالِهِ، ﴿بَلْ كانُوا﴾ قَوْمًا كَفَرَةً ﴿لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ . وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ﴿يَرْجُونَ﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو الَّذِي قالَهُ القاضِي، وهو الأقْوى، أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَةِ الرَّجاءِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَتَحَمَّلُ مَتاعِبَ التَّكالِيفِ ومَشاقَّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ إلّا لِرَجاءِ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ يُؤْمِن بِالآخِرَةِ لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، فَلا يَتَحَمَّلُ تِلْكَ المَشاقَّ والمَتاعِبَ.
وثانِيها: مَعْناهُ: لا يَتَوَقَّعُونَ نُشُورًا وعاقِبَةً، فَوَضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ.
وثالِثُها: مَعْناهُ: لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ، وهو ضَعِيفٌ. والأوَّلُ هو الحَقُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مُبالَغَةَ المُشْرِكِينَ في إنْكارِ نُبُوَّتِهِ، وفي إيرادِ الشُّبُهاتِ في ذَلِكَ، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم إذا رَأوُا الرَّسُولَ اتَّخَذُوهُ هُزُوًا، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلَيْهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِحْقارِ، ويَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿إنْ﴾ الأُولى نافِيَةٌ، والثّانِيَةُ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَهُما.
المسألة الثّانِيَةُ: جَوابُ (إذا) هو ما أُضْمِرَ مِنَ القَوْلِ، يَعْنِي: وإذا رَأوْكَ مُسْتَهْزِئِينَ قالُوا: أبَعَثَ اللَّهُ هَذا رَسُولًا، وقَوْلُهُ: (إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها.
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّخَذُوهُ هُزُوًا في مَعْنى اسْتَهْزَءُوا بِهِ، والأصْلُ اتَّخَذُوهُ مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوءًا بِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم مَتى رَأوُا الرَّسُولَ أتَوْا بِنَوْعَيْنِ مِنَ الأفْعالِ، أحَدُهُما أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، وذَلِكَ جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ إمّا أنْ يَقَعَ بِصُورَتِهِ أوْ بِصِفَتِهِ.
أمّا الأوَّلُ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أحْسَنَ مِنهم صُورَةً وخِلْقَةً، وبِتَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَدَّعِي التَّمْيِيزَ عَنْهم بِالصُّورَةِ، بَلْ بِالحجة.
وأمّا الثّانِي فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ادَّعى التَّمَيُّزَ عَنْهم في ظُهُورِ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وأنَّهم ما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ ودَلالَتِهِ، فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القَضِيَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُبْطِلِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا السَّفاهَةُ والوَقاحَةُ.
وثانِيهِما أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم سَمَّوْا ذَلِكَ إضْلالًا؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُبالِغِينَ في تَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ وفي اسْتِعْظامِ صَنِيعِهِ ﷺ في صَرْفِهِمْ عَنْهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ هَذا هو الحَقُّ، فَمِن هَذا الوجه يَبْطُلُ قَوْلُ أصْحابِ المَعارِفِ في أنَّهُ لا يَكْفُرُ إلّا مَن يَعْرِفُ الدَّلائِلَ؛ لِأنَّهم جَهِلُوهُ، ثُمَّ نَسَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الكُفْرِ والضَّلالِ. وقَوْلُهم: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ يَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ.
الثّانِي: يَدُلُّ هَذا القَوْلُ مِنهم عَلى جِدِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ واجْتِهادِهِ في صَرْفِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالُوا: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾
صفحة ٧٥
﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ وهَكَذا كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ في أوَّلِ الأمْرِ بالَغَ في إيرادِ الدَّلائِلِ والجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ، وتَحَمَّلَ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن أنْواعِ السَّفاهَةِ وسُوءِ الأدَبِ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى اعْتِرافِ القَوْمِ بِأنَّهم لَمْ يَعْتَرِضُوا البَتَّةَ عَلى دَلائِلِ الرَّسُولِ ﷺ، وما عارَضُوها إلّا بِمَحْضِ الجُحُودِ والتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ إشارَةٌ إلى الجُحُودِ والتَّقْلِيدِ، ولَوْ ذَكَرُوا اعْتِراضًا عَلى دَلائِلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أوْلى مِن ذِكْرِ مُجَرَّدِ الجُحُودِ والإصْرارِ الَّذِي هو دَأْبُ الجُهّالِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ حُجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ ما كانَ في أيْدِيهِمْ إلّا مُجَرَّدُ الوَقاحَةِ.
الرّابِعُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ كالمَجانِينَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ وصَفُوهُ بِأنَّهُ كادَ يُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ قابَلْناهُ بِالجُحُودِ والإصْرارِ، فَهَذا الكَلامُ الأخِيرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحجة وكَمالَ العَقْلِ، والكَلامُ الأوَّلُ وهو السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ لا يَلِيقُ إلّا بِالجاهِلِ العاجِزِ، فالقَوْمُ لَمّا جَمَعُوا بَيْنَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، فَتارَةً بِالوَقاحَةِ يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ، وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَكى عَنْهم هَذا الكَلامَ زَيَّفَ طَرِيقَتَهم في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لِأنَّهم لَمّا وصَفُوهُ بِالإضْلالِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مَخْلَصَ لَهم مِنهُ، فَهو وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم عَلى التَّعامِي والإعْراضِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ بُلُوغَ هَؤُلاءِ في جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِاسْتِيلاءِ التَّقْلِيدِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أهْواءَهم آلِهَةً، فَكُلَّما دَعاهُمُ الهَوى إلَيْهِ انْقادُوا لَهُ، سَواءً مَنَعَ الدَّلِيلُ مِنهُ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، ثُمَّ هَهُنا أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (أرَأيْتَ) كَلِمَةٌ تَصْلُحُ لِلْإعْلامِ والسُّؤالِ، وهَهُنا هي تَعْجِيبٌ مَن جَهْلِ مَن هَذا وصْفُهُ ونَعْتُهُ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ مَعْناهُ: اتَّخَذَ إلَهَهُ ما يَهْواهُ أوْ إلَهًا يَهْواهُ، وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ، ومَعْناهُ: اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لَمْ يَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ إلَهًا إلّا هَواهُ، وهَذا المَعْنى لا يَحْصُلُ عِنْدَ القَلْبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَّجُلُ مِنَ المُشْرِكِينَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ واتَّخَذَ الآخَرَ وعَبَدَهُ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُهُ مِنَ اتِّباعِ هَواهُ؛ أيْ: لَسْتَ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشِيَةِ: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٦] قالَ الكَلْبِيُّ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أمْ هَهُنا مُنْقَطِعَةٌ، مَعْناهُ بَلْ تَحْسَبُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حَقَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهي كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ لا يُصْغُونَ إلى الكَلامِ، وإذا سَمِعُوهُ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ لَهم عَقْلٌ ولا سَمْعٌ البَتَّةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ شَبَّهَهم بِالأنْعامِ في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالكَلامِ، وعَدَمِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ، وإقْبالِهِمْ عَلى اللَّذّاتِ الحاضِرَةِ الحِسِّيَّةِ وإعْراضِهِمْ عَنْ طَلَبِ السَّعاداتِ الباقِيَةِ العَقْلِيَّةِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
صفحة ٧٦
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ فَحَكَمَ بِذَلِكَ عَلى الأكْثَرِ دُونَ الكُلِّ ؟ والجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى ويَعْقِلُ الحَقَّ، إلّا أنَّهُ تَرَكَ الإسْلامَ لِمُجَرَّدِ حُبِّ الرِّياسَةِ لا لِلْجَهْلِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الأنْعامَ تَنْقادُ لِأرْبابِها ولِلَّذِي يَعْلِفُها ويَتَعَهَّدُها، وتُمَيِّزُ بَيْنَ مَن يُحْسِنُ إلَيْها وبَيْنَ مَن يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ ما يَنْفَعُها وتَجْتَنِبُ ما يَضُرُّها، وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ وبَيْنَ إساءَةِ الشَّيْطانِ إلَيْهِمُ الَّذِي هو عَدُوٌّ لَهم، ولا يَطْلُبُونَ الثَّوابَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَحْتَرِزُونَ مِنَ العِقابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَضارِّ.
وثانِيها: أنَّ قُلُوبَ الأنْعامِ كَما أنَّها تَكُونُ خالِيَةً عَنِ العِلْمِ، فَهي خالِيَةٌ عَنِ الجَهْلِ الَّذِي هو اعْتِقادُ المُعْتَقِدِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، مَعَ التَّصْمِيمِ. وأمّا هَؤُلاءِ فَقُلُوبُهم كَما خَلَتْ عَنِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّصَفَتْ بِالجَهْلِ، فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، بَلْ هم مُصِرُّونَ عَلى أنَّهم يَعْلَمُونَ.
وثالِثُها: أنَّ عَدَمَ عِلْمِ الأنْعامِ لا يَضُرُّ بِأحَدٍ، أمّا جَهْلُ هَؤُلاءِ فَإنَّهُ مَنشَأٌ لِلضَّرَرِ العَظِيمِ؛ لِأنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا.
ورابِعُها: أنَّ الأنْعامَ لا تَعْرِفُ شَيْئًا، ولَكِنَّهم عاجِزُونَ عَنِ الطَّلَبِ، وأمّا هَؤُلاءِ الجُهّالُ فَإنَّهم لَيْسُوا عاجِزِينَ عَنِ الطَّلَبِ، والمَحْرُومُ عَنْ طَلَبِ المَراتِبِ العالِيَةِ إذا عَجَزَ عَنْهُ لا يَكُونُ في اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ كالقادِرِ عَلَيْهِ التّارِكِ لَهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ.
وخامِسُها: أنَّ البَهائِمَ لا تَسْتَحِقُّ عِقابًا عَلى عَدَمِ العِلْمِ، أمّا هَؤُلاءِ فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ أعْظَمَ العِقابِ.
وسادِسُها: أنَّ البَهائِمَ تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النّاسِ، عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [ الإسْراءِ: ٤٤]، وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: (والدَّوابُّ) [الحَجِّ: ١٨]، وقالَ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النُّورِ: ٤١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فَضَلالُ الكُفّارِ أشَدُّ وأعْظَمُ مِن ضَلالِ هَذِهِ الأنْعامِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَفى عَنْهُمُ السَّمْعَ والعَقْلَ، فَكَيْفَ ذَمَّهم عَلى الإعْراضِ عَنِ الدِّينِ، وكَيْفَ بَعَثَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ؛ فَإنَّ مِن شَرْطِ التَّكْلِيفِ العَقْلَ ؟ الجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، بَلْ إنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ العَقْلِ، فَهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ إذا لَمْ يَفْهَمْ: إنَّما أنْتَ أعْمى وأصَمُّ.
الفرقان 25:41
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالقَرْيَةِ سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ خَمْسًا، أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعًا بِأهْلِها وبَقِيَتْ واحِدَةٌ. و﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الحِجارَةُ، يَعْنِي أنَّ قُرَيْشًا مَرُّوا مِرارًا كَثِيرَةً في مَتاجِرِهِمْ إلى الشَّأْمِ
صفحة ٧٤
عَلى تِلْكَ القَرْيَةِ الَّتِي أُهْلِكَتْ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ، ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا﴾ في مُرُورِهِمْ يَنْظُرُونَ إلى آثارِ عَذابِ اللَّهِ تَعالى ونَكالِهِ، ﴿بَلْ كانُوا﴾ قَوْمًا كَفَرَةً ﴿لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ . وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ﴿يَرْجُونَ﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو الَّذِي قالَهُ القاضِي، وهو الأقْوى، أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَةِ الرَّجاءِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَتَحَمَّلُ مَتاعِبَ التَّكالِيفِ ومَشاقَّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ إلّا لِرَجاءِ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ يُؤْمِن بِالآخِرَةِ لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، فَلا يَتَحَمَّلُ تِلْكَ المَشاقَّ والمَتاعِبَ.
وثانِيها: مَعْناهُ: لا يَتَوَقَّعُونَ نُشُورًا وعاقِبَةً، فَوَضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ.
وثالِثُها: مَعْناهُ: لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ، وهو ضَعِيفٌ. والأوَّلُ هو الحَقُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مُبالَغَةَ المُشْرِكِينَ في إنْكارِ نُبُوَّتِهِ، وفي إيرادِ الشُّبُهاتِ في ذَلِكَ، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم إذا رَأوُا الرَّسُولَ اتَّخَذُوهُ هُزُوًا، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلَيْهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِحْقارِ، ويَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿إنْ﴾ الأُولى نافِيَةٌ، والثّانِيَةُ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَهُما.
المسألة الثّانِيَةُ: جَوابُ (إذا) هو ما أُضْمِرَ مِنَ القَوْلِ، يَعْنِي: وإذا رَأوْكَ مُسْتَهْزِئِينَ قالُوا: أبَعَثَ اللَّهُ هَذا رَسُولًا، وقَوْلُهُ: (إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها.
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّخَذُوهُ هُزُوًا في مَعْنى اسْتَهْزَءُوا بِهِ، والأصْلُ اتَّخَذُوهُ مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوءًا بِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم مَتى رَأوُا الرَّسُولَ أتَوْا بِنَوْعَيْنِ مِنَ الأفْعالِ، أحَدُهُما أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، وذَلِكَ جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ إمّا أنْ يَقَعَ بِصُورَتِهِ أوْ بِصِفَتِهِ.
أمّا الأوَّلُ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أحْسَنَ مِنهم صُورَةً وخِلْقَةً، وبِتَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَدَّعِي التَّمْيِيزَ عَنْهم بِالصُّورَةِ، بَلْ بِالحجة.
وأمّا الثّانِي فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ادَّعى التَّمَيُّزَ عَنْهم في ظُهُورِ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وأنَّهم ما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ ودَلالَتِهِ، فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القَضِيَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُبْطِلِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا السَّفاهَةُ والوَقاحَةُ.
وثانِيهِما أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم سَمَّوْا ذَلِكَ إضْلالًا؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُبالِغِينَ في تَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ وفي اسْتِعْظامِ صَنِيعِهِ ﷺ في صَرْفِهِمْ عَنْهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ هَذا هو الحَقُّ، فَمِن هَذا الوجه يَبْطُلُ قَوْلُ أصْحابِ المَعارِفِ في أنَّهُ لا يَكْفُرُ إلّا مَن يَعْرِفُ الدَّلائِلَ؛ لِأنَّهم جَهِلُوهُ، ثُمَّ نَسَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الكُفْرِ والضَّلالِ. وقَوْلُهم: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ يَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ.
الثّانِي: يَدُلُّ هَذا القَوْلُ مِنهم عَلى جِدِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ واجْتِهادِهِ في صَرْفِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالُوا: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾
صفحة ٧٥
﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ وهَكَذا كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ في أوَّلِ الأمْرِ بالَغَ في إيرادِ الدَّلائِلِ والجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ، وتَحَمَّلَ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن أنْواعِ السَّفاهَةِ وسُوءِ الأدَبِ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى اعْتِرافِ القَوْمِ بِأنَّهم لَمْ يَعْتَرِضُوا البَتَّةَ عَلى دَلائِلِ الرَّسُولِ ﷺ، وما عارَضُوها إلّا بِمَحْضِ الجُحُودِ والتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ إشارَةٌ إلى الجُحُودِ والتَّقْلِيدِ، ولَوْ ذَكَرُوا اعْتِراضًا عَلى دَلائِلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أوْلى مِن ذِكْرِ مُجَرَّدِ الجُحُودِ والإصْرارِ الَّذِي هو دَأْبُ الجُهّالِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ حُجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ ما كانَ في أيْدِيهِمْ إلّا مُجَرَّدُ الوَقاحَةِ.
الرّابِعُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ كالمَجانِينَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ وصَفُوهُ بِأنَّهُ كادَ يُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ قابَلْناهُ بِالجُحُودِ والإصْرارِ، فَهَذا الكَلامُ الأخِيرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحجة وكَمالَ العَقْلِ، والكَلامُ الأوَّلُ وهو السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ لا يَلِيقُ إلّا بِالجاهِلِ العاجِزِ، فالقَوْمُ لَمّا جَمَعُوا بَيْنَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، فَتارَةً بِالوَقاحَةِ يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ، وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَكى عَنْهم هَذا الكَلامَ زَيَّفَ طَرِيقَتَهم في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لِأنَّهم لَمّا وصَفُوهُ بِالإضْلالِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مَخْلَصَ لَهم مِنهُ، فَهو وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم عَلى التَّعامِي والإعْراضِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ بُلُوغَ هَؤُلاءِ في جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِاسْتِيلاءِ التَّقْلِيدِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أهْواءَهم آلِهَةً، فَكُلَّما دَعاهُمُ الهَوى إلَيْهِ انْقادُوا لَهُ، سَواءً مَنَعَ الدَّلِيلُ مِنهُ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، ثُمَّ هَهُنا أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (أرَأيْتَ) كَلِمَةٌ تَصْلُحُ لِلْإعْلامِ والسُّؤالِ، وهَهُنا هي تَعْجِيبٌ مَن جَهْلِ مَن هَذا وصْفُهُ ونَعْتُهُ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ مَعْناهُ: اتَّخَذَ إلَهَهُ ما يَهْواهُ أوْ إلَهًا يَهْواهُ، وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ، ومَعْناهُ: اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لَمْ يَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ إلَهًا إلّا هَواهُ، وهَذا المَعْنى لا يَحْصُلُ عِنْدَ القَلْبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَّجُلُ مِنَ المُشْرِكِينَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ واتَّخَذَ الآخَرَ وعَبَدَهُ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُهُ مِنَ اتِّباعِ هَواهُ؛ أيْ: لَسْتَ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشِيَةِ: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٦] قالَ الكَلْبِيُّ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أمْ هَهُنا مُنْقَطِعَةٌ، مَعْناهُ بَلْ تَحْسَبُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حَقَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهي كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ لا يُصْغُونَ إلى الكَلامِ، وإذا سَمِعُوهُ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ لَهم عَقْلٌ ولا سَمْعٌ البَتَّةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ شَبَّهَهم بِالأنْعامِ في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالكَلامِ، وعَدَمِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ، وإقْبالِهِمْ عَلى اللَّذّاتِ الحاضِرَةِ الحِسِّيَّةِ وإعْراضِهِمْ عَنْ طَلَبِ السَّعاداتِ الباقِيَةِ العَقْلِيَّةِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
صفحة ٧٦
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ فَحَكَمَ بِذَلِكَ عَلى الأكْثَرِ دُونَ الكُلِّ ؟ والجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى ويَعْقِلُ الحَقَّ، إلّا أنَّهُ تَرَكَ الإسْلامَ لِمُجَرَّدِ حُبِّ الرِّياسَةِ لا لِلْجَهْلِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الأنْعامَ تَنْقادُ لِأرْبابِها ولِلَّذِي يَعْلِفُها ويَتَعَهَّدُها، وتُمَيِّزُ بَيْنَ مَن يُحْسِنُ إلَيْها وبَيْنَ مَن يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ ما يَنْفَعُها وتَجْتَنِبُ ما يَضُرُّها، وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ وبَيْنَ إساءَةِ الشَّيْطانِ إلَيْهِمُ الَّذِي هو عَدُوٌّ لَهم، ولا يَطْلُبُونَ الثَّوابَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَحْتَرِزُونَ مِنَ العِقابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَضارِّ.
وثانِيها: أنَّ قُلُوبَ الأنْعامِ كَما أنَّها تَكُونُ خالِيَةً عَنِ العِلْمِ، فَهي خالِيَةٌ عَنِ الجَهْلِ الَّذِي هو اعْتِقادُ المُعْتَقِدِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، مَعَ التَّصْمِيمِ. وأمّا هَؤُلاءِ فَقُلُوبُهم كَما خَلَتْ عَنِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّصَفَتْ بِالجَهْلِ، فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، بَلْ هم مُصِرُّونَ عَلى أنَّهم يَعْلَمُونَ.
وثالِثُها: أنَّ عَدَمَ عِلْمِ الأنْعامِ لا يَضُرُّ بِأحَدٍ، أمّا جَهْلُ هَؤُلاءِ فَإنَّهُ مَنشَأٌ لِلضَّرَرِ العَظِيمِ؛ لِأنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا.
ورابِعُها: أنَّ الأنْعامَ لا تَعْرِفُ شَيْئًا، ولَكِنَّهم عاجِزُونَ عَنِ الطَّلَبِ، وأمّا هَؤُلاءِ الجُهّالُ فَإنَّهم لَيْسُوا عاجِزِينَ عَنِ الطَّلَبِ، والمَحْرُومُ عَنْ طَلَبِ المَراتِبِ العالِيَةِ إذا عَجَزَ عَنْهُ لا يَكُونُ في اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ كالقادِرِ عَلَيْهِ التّارِكِ لَهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ.
وخامِسُها: أنَّ البَهائِمَ لا تَسْتَحِقُّ عِقابًا عَلى عَدَمِ العِلْمِ، أمّا هَؤُلاءِ فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ أعْظَمَ العِقابِ.
وسادِسُها: أنَّ البَهائِمَ تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النّاسِ، عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [ الإسْراءِ: ٤٤]، وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: (والدَّوابُّ) [الحَجِّ: ١٨]، وقالَ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النُّورِ: ٤١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فَضَلالُ الكُفّارِ أشَدُّ وأعْظَمُ مِن ضَلالِ هَذِهِ الأنْعامِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَفى عَنْهُمُ السَّمْعَ والعَقْلَ، فَكَيْفَ ذَمَّهم عَلى الإعْراضِ عَنِ الدِّينِ، وكَيْفَ بَعَثَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ؛ فَإنَّ مِن شَرْطِ التَّكْلِيفِ العَقْلَ ؟ الجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، بَلْ إنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ العَقْلِ، فَهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ إذا لَمْ يَفْهَمْ: إنَّما أنْتَ أعْمى وأصَمُّ.
الفرقان 25:42
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالقَرْيَةِ سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ خَمْسًا، أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعًا بِأهْلِها وبَقِيَتْ واحِدَةٌ. و﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الحِجارَةُ، يَعْنِي أنَّ قُرَيْشًا مَرُّوا مِرارًا كَثِيرَةً في مَتاجِرِهِمْ إلى الشَّأْمِ
صفحة ٧٤
عَلى تِلْكَ القَرْيَةِ الَّتِي أُهْلِكَتْ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ، ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا﴾ في مُرُورِهِمْ يَنْظُرُونَ إلى آثارِ عَذابِ اللَّهِ تَعالى ونَكالِهِ، ﴿بَلْ كانُوا﴾ قَوْمًا كَفَرَةً ﴿لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ . وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ﴿يَرْجُونَ﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو الَّذِي قالَهُ القاضِي، وهو الأقْوى، أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَةِ الرَّجاءِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَتَحَمَّلُ مَتاعِبَ التَّكالِيفِ ومَشاقَّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ إلّا لِرَجاءِ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ يُؤْمِن بِالآخِرَةِ لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، فَلا يَتَحَمَّلُ تِلْكَ المَشاقَّ والمَتاعِبَ.
وثانِيها: مَعْناهُ: لا يَتَوَقَّعُونَ نُشُورًا وعاقِبَةً، فَوَضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ.
وثالِثُها: مَعْناهُ: لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ، وهو ضَعِيفٌ. والأوَّلُ هو الحَقُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مُبالَغَةَ المُشْرِكِينَ في إنْكارِ نُبُوَّتِهِ، وفي إيرادِ الشُّبُهاتِ في ذَلِكَ، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم إذا رَأوُا الرَّسُولَ اتَّخَذُوهُ هُزُوًا، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلَيْهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِحْقارِ، ويَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿إنْ﴾ الأُولى نافِيَةٌ، والثّانِيَةُ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَهُما.
المسألة الثّانِيَةُ: جَوابُ (إذا) هو ما أُضْمِرَ مِنَ القَوْلِ، يَعْنِي: وإذا رَأوْكَ مُسْتَهْزِئِينَ قالُوا: أبَعَثَ اللَّهُ هَذا رَسُولًا، وقَوْلُهُ: (إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها.
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّخَذُوهُ هُزُوًا في مَعْنى اسْتَهْزَءُوا بِهِ، والأصْلُ اتَّخَذُوهُ مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوءًا بِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم مَتى رَأوُا الرَّسُولَ أتَوْا بِنَوْعَيْنِ مِنَ الأفْعالِ، أحَدُهُما أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، وذَلِكَ جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ إمّا أنْ يَقَعَ بِصُورَتِهِ أوْ بِصِفَتِهِ.
أمّا الأوَّلُ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أحْسَنَ مِنهم صُورَةً وخِلْقَةً، وبِتَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَدَّعِي التَّمْيِيزَ عَنْهم بِالصُّورَةِ، بَلْ بِالحجة.
وأمّا الثّانِي فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ادَّعى التَّمَيُّزَ عَنْهم في ظُهُورِ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وأنَّهم ما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ ودَلالَتِهِ، فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القَضِيَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُبْطِلِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا السَّفاهَةُ والوَقاحَةُ.
وثانِيهِما أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم سَمَّوْا ذَلِكَ إضْلالًا؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُبالِغِينَ في تَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ وفي اسْتِعْظامِ صَنِيعِهِ ﷺ في صَرْفِهِمْ عَنْهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ هَذا هو الحَقُّ، فَمِن هَذا الوجه يَبْطُلُ قَوْلُ أصْحابِ المَعارِفِ في أنَّهُ لا يَكْفُرُ إلّا مَن يَعْرِفُ الدَّلائِلَ؛ لِأنَّهم جَهِلُوهُ، ثُمَّ نَسَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الكُفْرِ والضَّلالِ. وقَوْلُهم: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ يَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ.
الثّانِي: يَدُلُّ هَذا القَوْلُ مِنهم عَلى جِدِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ واجْتِهادِهِ في صَرْفِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالُوا: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾
صفحة ٧٥
﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ وهَكَذا كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ في أوَّلِ الأمْرِ بالَغَ في إيرادِ الدَّلائِلِ والجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ، وتَحَمَّلَ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن أنْواعِ السَّفاهَةِ وسُوءِ الأدَبِ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى اعْتِرافِ القَوْمِ بِأنَّهم لَمْ يَعْتَرِضُوا البَتَّةَ عَلى دَلائِلِ الرَّسُولِ ﷺ، وما عارَضُوها إلّا بِمَحْضِ الجُحُودِ والتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ إشارَةٌ إلى الجُحُودِ والتَّقْلِيدِ، ولَوْ ذَكَرُوا اعْتِراضًا عَلى دَلائِلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أوْلى مِن ذِكْرِ مُجَرَّدِ الجُحُودِ والإصْرارِ الَّذِي هو دَأْبُ الجُهّالِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ حُجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ ما كانَ في أيْدِيهِمْ إلّا مُجَرَّدُ الوَقاحَةِ.
الرّابِعُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ كالمَجانِينَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ وصَفُوهُ بِأنَّهُ كادَ يُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ قابَلْناهُ بِالجُحُودِ والإصْرارِ، فَهَذا الكَلامُ الأخِيرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحجة وكَمالَ العَقْلِ، والكَلامُ الأوَّلُ وهو السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ لا يَلِيقُ إلّا بِالجاهِلِ العاجِزِ، فالقَوْمُ لَمّا جَمَعُوا بَيْنَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، فَتارَةً بِالوَقاحَةِ يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ، وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَكى عَنْهم هَذا الكَلامَ زَيَّفَ طَرِيقَتَهم في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لِأنَّهم لَمّا وصَفُوهُ بِالإضْلالِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مَخْلَصَ لَهم مِنهُ، فَهو وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم عَلى التَّعامِي والإعْراضِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ بُلُوغَ هَؤُلاءِ في جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِاسْتِيلاءِ التَّقْلِيدِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أهْواءَهم آلِهَةً، فَكُلَّما دَعاهُمُ الهَوى إلَيْهِ انْقادُوا لَهُ، سَواءً مَنَعَ الدَّلِيلُ مِنهُ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، ثُمَّ هَهُنا أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (أرَأيْتَ) كَلِمَةٌ تَصْلُحُ لِلْإعْلامِ والسُّؤالِ، وهَهُنا هي تَعْجِيبٌ مَن جَهْلِ مَن هَذا وصْفُهُ ونَعْتُهُ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ مَعْناهُ: اتَّخَذَ إلَهَهُ ما يَهْواهُ أوْ إلَهًا يَهْواهُ، وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ، ومَعْناهُ: اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لَمْ يَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ إلَهًا إلّا هَواهُ، وهَذا المَعْنى لا يَحْصُلُ عِنْدَ القَلْبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَّجُلُ مِنَ المُشْرِكِينَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ واتَّخَذَ الآخَرَ وعَبَدَهُ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُهُ مِنَ اتِّباعِ هَواهُ؛ أيْ: لَسْتَ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشِيَةِ: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٦] قالَ الكَلْبِيُّ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أمْ هَهُنا مُنْقَطِعَةٌ، مَعْناهُ بَلْ تَحْسَبُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حَقَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهي كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ لا يُصْغُونَ إلى الكَلامِ، وإذا سَمِعُوهُ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ لَهم عَقْلٌ ولا سَمْعٌ البَتَّةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ شَبَّهَهم بِالأنْعامِ في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالكَلامِ، وعَدَمِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ، وإقْبالِهِمْ عَلى اللَّذّاتِ الحاضِرَةِ الحِسِّيَّةِ وإعْراضِهِمْ عَنْ طَلَبِ السَّعاداتِ الباقِيَةِ العَقْلِيَّةِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
صفحة ٧٦
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ فَحَكَمَ بِذَلِكَ عَلى الأكْثَرِ دُونَ الكُلِّ ؟ والجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى ويَعْقِلُ الحَقَّ، إلّا أنَّهُ تَرَكَ الإسْلامَ لِمُجَرَّدِ حُبِّ الرِّياسَةِ لا لِلْجَهْلِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الأنْعامَ تَنْقادُ لِأرْبابِها ولِلَّذِي يَعْلِفُها ويَتَعَهَّدُها، وتُمَيِّزُ بَيْنَ مَن يُحْسِنُ إلَيْها وبَيْنَ مَن يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ ما يَنْفَعُها وتَجْتَنِبُ ما يَضُرُّها، وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ وبَيْنَ إساءَةِ الشَّيْطانِ إلَيْهِمُ الَّذِي هو عَدُوٌّ لَهم، ولا يَطْلُبُونَ الثَّوابَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَحْتَرِزُونَ مِنَ العِقابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَضارِّ.
وثانِيها: أنَّ قُلُوبَ الأنْعامِ كَما أنَّها تَكُونُ خالِيَةً عَنِ العِلْمِ، فَهي خالِيَةٌ عَنِ الجَهْلِ الَّذِي هو اعْتِقادُ المُعْتَقِدِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، مَعَ التَّصْمِيمِ. وأمّا هَؤُلاءِ فَقُلُوبُهم كَما خَلَتْ عَنِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّصَفَتْ بِالجَهْلِ، فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، بَلْ هم مُصِرُّونَ عَلى أنَّهم يَعْلَمُونَ.
وثالِثُها: أنَّ عَدَمَ عِلْمِ الأنْعامِ لا يَضُرُّ بِأحَدٍ، أمّا جَهْلُ هَؤُلاءِ فَإنَّهُ مَنشَأٌ لِلضَّرَرِ العَظِيمِ؛ لِأنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا.
ورابِعُها: أنَّ الأنْعامَ لا تَعْرِفُ شَيْئًا، ولَكِنَّهم عاجِزُونَ عَنِ الطَّلَبِ، وأمّا هَؤُلاءِ الجُهّالُ فَإنَّهم لَيْسُوا عاجِزِينَ عَنِ الطَّلَبِ، والمَحْرُومُ عَنْ طَلَبِ المَراتِبِ العالِيَةِ إذا عَجَزَ عَنْهُ لا يَكُونُ في اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ كالقادِرِ عَلَيْهِ التّارِكِ لَهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ.
وخامِسُها: أنَّ البَهائِمَ لا تَسْتَحِقُّ عِقابًا عَلى عَدَمِ العِلْمِ، أمّا هَؤُلاءِ فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ أعْظَمَ العِقابِ.
وسادِسُها: أنَّ البَهائِمَ تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النّاسِ، عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [ الإسْراءِ: ٤٤]، وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: (والدَّوابُّ) [الحَجِّ: ١٨]، وقالَ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النُّورِ: ٤١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فَضَلالُ الكُفّارِ أشَدُّ وأعْظَمُ مِن ضَلالِ هَذِهِ الأنْعامِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَفى عَنْهُمُ السَّمْعَ والعَقْلَ، فَكَيْفَ ذَمَّهم عَلى الإعْراضِ عَنِ الدِّينِ، وكَيْفَ بَعَثَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ؛ فَإنَّ مِن شَرْطِ التَّكْلِيفِ العَقْلَ ؟ الجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، بَلْ إنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ العَقْلِ، فَهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ إذا لَمْ يَفْهَمْ: إنَّما أنْتَ أعْمى وأصَمُّ.
الفرقان 25:43
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالقَرْيَةِ سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ خَمْسًا، أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعًا بِأهْلِها وبَقِيَتْ واحِدَةٌ. و﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الحِجارَةُ، يَعْنِي أنَّ قُرَيْشًا مَرُّوا مِرارًا كَثِيرَةً في مَتاجِرِهِمْ إلى الشَّأْمِ
صفحة ٧٤
عَلى تِلْكَ القَرْيَةِ الَّتِي أُهْلِكَتْ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ، ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا﴾ في مُرُورِهِمْ يَنْظُرُونَ إلى آثارِ عَذابِ اللَّهِ تَعالى ونَكالِهِ، ﴿بَلْ كانُوا﴾ قَوْمًا كَفَرَةً ﴿لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ . وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ﴿يَرْجُونَ﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو الَّذِي قالَهُ القاضِي، وهو الأقْوى، أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَةِ الرَّجاءِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَتَحَمَّلُ مَتاعِبَ التَّكالِيفِ ومَشاقَّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ إلّا لِرَجاءِ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ يُؤْمِن بِالآخِرَةِ لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، فَلا يَتَحَمَّلُ تِلْكَ المَشاقَّ والمَتاعِبَ.
وثانِيها: مَعْناهُ: لا يَتَوَقَّعُونَ نُشُورًا وعاقِبَةً، فَوَضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ.
وثالِثُها: مَعْناهُ: لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ، وهو ضَعِيفٌ. والأوَّلُ هو الحَقُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مُبالَغَةَ المُشْرِكِينَ في إنْكارِ نُبُوَّتِهِ، وفي إيرادِ الشُّبُهاتِ في ذَلِكَ، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم إذا رَأوُا الرَّسُولَ اتَّخَذُوهُ هُزُوًا، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلَيْهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِحْقارِ، ويَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿إنْ﴾ الأُولى نافِيَةٌ، والثّانِيَةُ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَهُما.
المسألة الثّانِيَةُ: جَوابُ (إذا) هو ما أُضْمِرَ مِنَ القَوْلِ، يَعْنِي: وإذا رَأوْكَ مُسْتَهْزِئِينَ قالُوا: أبَعَثَ اللَّهُ هَذا رَسُولًا، وقَوْلُهُ: (إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها.
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّخَذُوهُ هُزُوًا في مَعْنى اسْتَهْزَءُوا بِهِ، والأصْلُ اتَّخَذُوهُ مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوءًا بِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم مَتى رَأوُا الرَّسُولَ أتَوْا بِنَوْعَيْنِ مِنَ الأفْعالِ، أحَدُهُما أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، وذَلِكَ جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ إمّا أنْ يَقَعَ بِصُورَتِهِ أوْ بِصِفَتِهِ.
أمّا الأوَّلُ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أحْسَنَ مِنهم صُورَةً وخِلْقَةً، وبِتَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَدَّعِي التَّمْيِيزَ عَنْهم بِالصُّورَةِ، بَلْ بِالحجة.
وأمّا الثّانِي فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ادَّعى التَّمَيُّزَ عَنْهم في ظُهُورِ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وأنَّهم ما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ ودَلالَتِهِ، فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القَضِيَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُبْطِلِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا السَّفاهَةُ والوَقاحَةُ.
وثانِيهِما أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم سَمَّوْا ذَلِكَ إضْلالًا؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُبالِغِينَ في تَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ وفي اسْتِعْظامِ صَنِيعِهِ ﷺ في صَرْفِهِمْ عَنْهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ هَذا هو الحَقُّ، فَمِن هَذا الوجه يَبْطُلُ قَوْلُ أصْحابِ المَعارِفِ في أنَّهُ لا يَكْفُرُ إلّا مَن يَعْرِفُ الدَّلائِلَ؛ لِأنَّهم جَهِلُوهُ، ثُمَّ نَسَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الكُفْرِ والضَّلالِ. وقَوْلُهم: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ يَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ.
الثّانِي: يَدُلُّ هَذا القَوْلُ مِنهم عَلى جِدِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ واجْتِهادِهِ في صَرْفِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالُوا: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾
صفحة ٧٥
﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ وهَكَذا كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ في أوَّلِ الأمْرِ بالَغَ في إيرادِ الدَّلائِلِ والجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ، وتَحَمَّلَ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن أنْواعِ السَّفاهَةِ وسُوءِ الأدَبِ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى اعْتِرافِ القَوْمِ بِأنَّهم لَمْ يَعْتَرِضُوا البَتَّةَ عَلى دَلائِلِ الرَّسُولِ ﷺ، وما عارَضُوها إلّا بِمَحْضِ الجُحُودِ والتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ إشارَةٌ إلى الجُحُودِ والتَّقْلِيدِ، ولَوْ ذَكَرُوا اعْتِراضًا عَلى دَلائِلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أوْلى مِن ذِكْرِ مُجَرَّدِ الجُحُودِ والإصْرارِ الَّذِي هو دَأْبُ الجُهّالِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ حُجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ ما كانَ في أيْدِيهِمْ إلّا مُجَرَّدُ الوَقاحَةِ.
الرّابِعُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ كالمَجانِينَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ وصَفُوهُ بِأنَّهُ كادَ يُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ قابَلْناهُ بِالجُحُودِ والإصْرارِ، فَهَذا الكَلامُ الأخِيرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحجة وكَمالَ العَقْلِ، والكَلامُ الأوَّلُ وهو السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ لا يَلِيقُ إلّا بِالجاهِلِ العاجِزِ، فالقَوْمُ لَمّا جَمَعُوا بَيْنَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، فَتارَةً بِالوَقاحَةِ يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ، وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَكى عَنْهم هَذا الكَلامَ زَيَّفَ طَرِيقَتَهم في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لِأنَّهم لَمّا وصَفُوهُ بِالإضْلالِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مَخْلَصَ لَهم مِنهُ، فَهو وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم عَلى التَّعامِي والإعْراضِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ بُلُوغَ هَؤُلاءِ في جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِاسْتِيلاءِ التَّقْلِيدِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أهْواءَهم آلِهَةً، فَكُلَّما دَعاهُمُ الهَوى إلَيْهِ انْقادُوا لَهُ، سَواءً مَنَعَ الدَّلِيلُ مِنهُ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، ثُمَّ هَهُنا أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (أرَأيْتَ) كَلِمَةٌ تَصْلُحُ لِلْإعْلامِ والسُّؤالِ، وهَهُنا هي تَعْجِيبٌ مَن جَهْلِ مَن هَذا وصْفُهُ ونَعْتُهُ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ مَعْناهُ: اتَّخَذَ إلَهَهُ ما يَهْواهُ أوْ إلَهًا يَهْواهُ، وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ، ومَعْناهُ: اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لَمْ يَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ إلَهًا إلّا هَواهُ، وهَذا المَعْنى لا يَحْصُلُ عِنْدَ القَلْبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَّجُلُ مِنَ المُشْرِكِينَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ واتَّخَذَ الآخَرَ وعَبَدَهُ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُهُ مِنَ اتِّباعِ هَواهُ؛ أيْ: لَسْتَ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشِيَةِ: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٦] قالَ الكَلْبِيُّ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أمْ هَهُنا مُنْقَطِعَةٌ، مَعْناهُ بَلْ تَحْسَبُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حَقَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهي كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ لا يُصْغُونَ إلى الكَلامِ، وإذا سَمِعُوهُ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ لَهم عَقْلٌ ولا سَمْعٌ البَتَّةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ شَبَّهَهم بِالأنْعامِ في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالكَلامِ، وعَدَمِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ، وإقْبالِهِمْ عَلى اللَّذّاتِ الحاضِرَةِ الحِسِّيَّةِ وإعْراضِهِمْ عَنْ طَلَبِ السَّعاداتِ الباقِيَةِ العَقْلِيَّةِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
صفحة ٧٦
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ فَحَكَمَ بِذَلِكَ عَلى الأكْثَرِ دُونَ الكُلِّ ؟ والجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى ويَعْقِلُ الحَقَّ، إلّا أنَّهُ تَرَكَ الإسْلامَ لِمُجَرَّدِ حُبِّ الرِّياسَةِ لا لِلْجَهْلِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الأنْعامَ تَنْقادُ لِأرْبابِها ولِلَّذِي يَعْلِفُها ويَتَعَهَّدُها، وتُمَيِّزُ بَيْنَ مَن يُحْسِنُ إلَيْها وبَيْنَ مَن يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ ما يَنْفَعُها وتَجْتَنِبُ ما يَضُرُّها، وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ وبَيْنَ إساءَةِ الشَّيْطانِ إلَيْهِمُ الَّذِي هو عَدُوٌّ لَهم، ولا يَطْلُبُونَ الثَّوابَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَحْتَرِزُونَ مِنَ العِقابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَضارِّ.
وثانِيها: أنَّ قُلُوبَ الأنْعامِ كَما أنَّها تَكُونُ خالِيَةً عَنِ العِلْمِ، فَهي خالِيَةٌ عَنِ الجَهْلِ الَّذِي هو اعْتِقادُ المُعْتَقِدِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، مَعَ التَّصْمِيمِ. وأمّا هَؤُلاءِ فَقُلُوبُهم كَما خَلَتْ عَنِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّصَفَتْ بِالجَهْلِ، فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، بَلْ هم مُصِرُّونَ عَلى أنَّهم يَعْلَمُونَ.
وثالِثُها: أنَّ عَدَمَ عِلْمِ الأنْعامِ لا يَضُرُّ بِأحَدٍ، أمّا جَهْلُ هَؤُلاءِ فَإنَّهُ مَنشَأٌ لِلضَّرَرِ العَظِيمِ؛ لِأنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا.
ورابِعُها: أنَّ الأنْعامَ لا تَعْرِفُ شَيْئًا، ولَكِنَّهم عاجِزُونَ عَنِ الطَّلَبِ، وأمّا هَؤُلاءِ الجُهّالُ فَإنَّهم لَيْسُوا عاجِزِينَ عَنِ الطَّلَبِ، والمَحْرُومُ عَنْ طَلَبِ المَراتِبِ العالِيَةِ إذا عَجَزَ عَنْهُ لا يَكُونُ في اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ كالقادِرِ عَلَيْهِ التّارِكِ لَهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ.
وخامِسُها: أنَّ البَهائِمَ لا تَسْتَحِقُّ عِقابًا عَلى عَدَمِ العِلْمِ، أمّا هَؤُلاءِ فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ أعْظَمَ العِقابِ.
وسادِسُها: أنَّ البَهائِمَ تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النّاسِ، عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [ الإسْراءِ: ٤٤]، وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: (والدَّوابُّ) [الحَجِّ: ١٨]، وقالَ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النُّورِ: ٤١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فَضَلالُ الكُفّارِ أشَدُّ وأعْظَمُ مِن ضَلالِ هَذِهِ الأنْعامِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَفى عَنْهُمُ السَّمْعَ والعَقْلَ، فَكَيْفَ ذَمَّهم عَلى الإعْراضِ عَنِ الدِّينِ، وكَيْفَ بَعَثَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ؛ فَإنَّ مِن شَرْطِ التَّكْلِيفِ العَقْلَ ؟ الجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، بَلْ إنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ العَقْلِ، فَهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ إذا لَمْ يَفْهَمْ: إنَّما أنْتَ أعْمى وأصَمُّ.
الفرقان 25:44
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالقَرْيَةِ سَدُومَ مِن قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ خَمْسًا، أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعًا بِأهْلِها وبَقِيَتْ واحِدَةٌ. و﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الحِجارَةُ، يَعْنِي أنَّ قُرَيْشًا مَرُّوا مِرارًا كَثِيرَةً في مَتاجِرِهِمْ إلى الشَّأْمِ
صفحة ٧٤
عَلى تِلْكَ القَرْيَةِ الَّتِي أُهْلِكَتْ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ، ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا﴾ في مُرُورِهِمْ يَنْظُرُونَ إلى آثارِ عَذابِ اللَّهِ تَعالى ونَكالِهِ، ﴿بَلْ كانُوا﴾ قَوْمًا كَفَرَةً ﴿لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ . وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ﴿يَرْجُونَ﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو الَّذِي قالَهُ القاضِي، وهو الأقْوى، أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَةِ الرَّجاءِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَتَحَمَّلُ مَتاعِبَ التَّكالِيفِ ومَشاقَّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ إلّا لِرَجاءِ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ يُؤْمِن بِالآخِرَةِ لَمْ يَرْجُ ثَوابَها، فَلا يَتَحَمَّلُ تِلْكَ المَشاقَّ والمَتاعِبَ.
وثانِيها: مَعْناهُ: لا يَتَوَقَّعُونَ نُشُورًا وعاقِبَةً، فَوَضَعَ الرَّجاءَ مَوْضِعَ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَقَّعُ العاقِبَةَ مَن يُؤْمِنُ.
وثالِثُها: مَعْناهُ: لا يَخافُونَ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ، وهو ضَعِيفٌ. والأوَّلُ هو الحَقُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مُبالَغَةَ المُشْرِكِينَ في إنْكارِ نُبُوَّتِهِ، وفي إيرادِ الشُّبُهاتِ في ذَلِكَ، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم إذا رَأوُا الرَّسُولَ اتَّخَذُوهُ هُزُوًا، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ، بَلْ زادُوا عَلَيْهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِحْقارِ، ويَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿إنْ﴾ الأُولى نافِيَةٌ، والثّانِيَةُ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَهُما.
المسألة الثّانِيَةُ: جَوابُ (إذا) هو ما أُضْمِرَ مِنَ القَوْلِ، يَعْنِي: وإذا رَأوْكَ مُسْتَهْزِئِينَ قالُوا: أبَعَثَ اللَّهُ هَذا رَسُولًا، وقَوْلُهُ: (إنْ يَتَّخِذُونَكَ) جُمْلَةٌ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ (إذا) وجَوابِها.
المسألة الثّالِثَةُ: اتَّخَذُوهُ هُزُوًا في مَعْنى اسْتَهْزَءُوا بِهِ، والأصْلُ اتَّخَذُوهُ مَوْضِعَ هُزْءٍ أوْ مَهْزُوءًا بِهِ.
المسألة الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم مَتى رَأوُا الرَّسُولَ أتَوْا بِنَوْعَيْنِ مِنَ الأفْعالِ، أحَدُهُما أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، وذَلِكَ جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ إمّا أنْ يَقَعَ بِصُورَتِهِ أوْ بِصِفَتِهِ.
أمّا الأوَّلُ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أحْسَنَ مِنهم صُورَةً وخِلْقَةً، وبِتَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَدَّعِي التَّمْيِيزَ عَنْهم بِالصُّورَةِ، بَلْ بِالحجة.
وأمّا الثّانِي فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ادَّعى التَّمَيُّزَ عَنْهم في ظُهُورِ المُعْجِزِ عَلَيْهِ دُونَهم، وأنَّهم ما قَدَرُوا عَلى القَدْحِ في حُجَّتِهِ ودَلالَتِهِ، فَفي الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُهْزَأ بِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم لِوَقاحَتِهِمْ قَلَبُوا القَضِيَّةَ واسْتَهْزَءُوا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُبْطِلِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا السَّفاهَةُ والوَقاحَةُ.
وثانِيهِما أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم سَمَّوْا ذَلِكَ إضْلالًا؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُبالِغِينَ في تَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ وفي اسْتِعْظامِ صَنِيعِهِ ﷺ في صَرْفِهِمْ عَنْهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ هَذا هو الحَقُّ، فَمِن هَذا الوجه يَبْطُلُ قَوْلُ أصْحابِ المَعارِفِ في أنَّهُ لا يَكْفُرُ إلّا مَن يَعْرِفُ الدَّلائِلَ؛ لِأنَّهم جَهِلُوهُ، ثُمَّ نَسَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الكُفْرِ والضَّلالِ. وقَوْلُهم: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ يَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ.
الثّانِي: يَدُلُّ هَذا القَوْلُ مِنهم عَلى جِدِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ واجْتِهادِهِ في صَرْفِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالُوا: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾
صفحة ٧٥
﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ وهَكَذا كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ في أوَّلِ الأمْرِ بالَغَ في إيرادِ الدَّلائِلِ والجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ، وتَحَمَّلَ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن أنْواعِ السَّفاهَةِ وسُوءِ الأدَبِ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى اعْتِرافِ القَوْمِ بِأنَّهم لَمْ يَعْتَرِضُوا البَتَّةَ عَلى دَلائِلِ الرَّسُولِ ﷺ، وما عارَضُوها إلّا بِمَحْضِ الجُحُودِ والتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ إشارَةٌ إلى الجُحُودِ والتَّقْلِيدِ، ولَوْ ذَكَرُوا اعْتِراضًا عَلى دَلائِلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أوْلى مِن ذِكْرِ مُجَرَّدِ الجُحُودِ والإصْرارِ الَّذِي هو دَأْبُ الجُهّالِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ حُجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ ما كانَ في أيْدِيهِمْ إلّا مُجَرَّدُ الوَقاحَةِ.
الرّابِعُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ صارُوا في ظُهُورِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ كالمَجانِينَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَهْزَءُوا بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ وصَفُوهُ بِأنَّهُ كادَ يُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ قابَلْناهُ بِالجُحُودِ والإصْرارِ، فَهَذا الكَلامُ الأخِيرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ سَلَّمُوا لَهُ قُوَّةَ الحجة وكَمالَ العَقْلِ، والكَلامُ الأوَّلُ وهو السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ لا يَلِيقُ إلّا بِالجاهِلِ العاجِزِ، فالقَوْمُ لَمّا جَمَعُوا بَيْنَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم كانُوا كالمُتَحَيِّرِينَ في أمْرِهِ، فَتارَةً بِالوَقاحَةِ يَسْتَهْزِئُونَ مِنهُ، وتارَةً يَصِفُونَهُ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِالعالِمِ الكامِلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَكى عَنْهم هَذا الكَلامَ زَيَّفَ طَرِيقَتَهم في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لِأنَّهم لَمّا وصَفُوهُ بِالإضْلالِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ سَيَظْهَرُ لَهم مَنِ المُضِلُّ ومَنِ الضّالُّ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ الَّذِي لا مَخْلَصَ لَهم مِنهُ، فَهو وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم عَلى التَّعامِي والإعْراضِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ بُلُوغَ هَؤُلاءِ في جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِاسْتِيلاءِ التَّقْلِيدِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أهْواءَهم آلِهَةً، فَكُلَّما دَعاهُمُ الهَوى إلَيْهِ انْقادُوا لَهُ، سَواءً مَنَعَ الدَّلِيلُ مِنهُ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، ثُمَّ هَهُنا أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (أرَأيْتَ) كَلِمَةٌ تَصْلُحُ لِلْإعْلامِ والسُّؤالِ، وهَهُنا هي تَعْجِيبٌ مَن جَهْلِ مَن هَذا وصْفُهُ ونَعْتُهُ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ مَعْناهُ: اتَّخَذَ إلَهَهُ ما يَهْواهُ أوْ إلَهًا يَهْواهُ، وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ، ومَعْناهُ: اتَّخَذَ هَواهُ إلَهَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لَمْ يَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ إلَهًا إلّا هَواهُ، وهَذا المَعْنى لا يَحْصُلُ عِنْدَ القَلْبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَّجُلُ مِنَ المُشْرِكِينَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَماهُ واتَّخَذَ الآخَرَ وعَبَدَهُ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُهُ مِنَ اتِّباعِ هَواهُ؛ أيْ: لَسْتَ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشِيَةِ: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٦] قالَ الكَلْبِيُّ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أمْ هَهُنا مُنْقَطِعَةٌ، مَعْناهُ بَلْ تَحْسَبُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَذَمَّةَ أشَدُّ مِنَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها حَتّى حَقَّتْ بِالإضْرابِ عَنْها إلَيْها، وهي كَوْنُهم مَسْلُوبِي الأسْماعِ والعُقُولِ؛ لِأنَّهم لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ لا يُصْغُونَ إلى الكَلامِ، وإذا سَمِعُوهُ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ لَهم عَقْلٌ ولا سَمْعٌ البَتَّةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ شَبَّهَهم بِالأنْعامِ في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالكَلامِ، وعَدَمِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ، وإقْبالِهِمْ عَلى اللَّذّاتِ الحاضِرَةِ الحِسِّيَّةِ وإعْراضِهِمْ عَنْ طَلَبِ السَّعاداتِ الباقِيَةِ العَقْلِيَّةِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
صفحة ٧٦
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ فَحَكَمَ بِذَلِكَ عَلى الأكْثَرِ دُونَ الكُلِّ ؟ والجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى ويَعْقِلُ الحَقَّ، إلّا أنَّهُ تَرَكَ الإسْلامَ لِمُجَرَّدِ حُبِّ الرِّياسَةِ لا لِلْجَهْلِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جُعِلُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الأنْعامَ تَنْقادُ لِأرْبابِها ولِلَّذِي يَعْلِفُها ويَتَعَهَّدُها، وتُمَيِّزُ بَيْنَ مَن يُحْسِنُ إلَيْها وبَيْنَ مَن يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ ما يَنْفَعُها وتَجْتَنِبُ ما يَضُرُّها، وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ وبَيْنَ إساءَةِ الشَّيْطانِ إلَيْهِمُ الَّذِي هو عَدُوٌّ لَهم، ولا يَطْلُبُونَ الثَّوابَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَحْتَرِزُونَ مِنَ العِقابِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَضارِّ.
وثانِيها: أنَّ قُلُوبَ الأنْعامِ كَما أنَّها تَكُونُ خالِيَةً عَنِ العِلْمِ، فَهي خالِيَةٌ عَنِ الجَهْلِ الَّذِي هو اعْتِقادُ المُعْتَقِدِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، مَعَ التَّصْمِيمِ. وأمّا هَؤُلاءِ فَقُلُوبُهم كَما خَلَتْ عَنِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّصَفَتْ بِالجَهْلِ، فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، بَلْ هم مُصِرُّونَ عَلى أنَّهم يَعْلَمُونَ.
وثالِثُها: أنَّ عَدَمَ عِلْمِ الأنْعامِ لا يَضُرُّ بِأحَدٍ، أمّا جَهْلُ هَؤُلاءِ فَإنَّهُ مَنشَأٌ لِلضَّرَرِ العَظِيمِ؛ لِأنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا.
ورابِعُها: أنَّ الأنْعامَ لا تَعْرِفُ شَيْئًا، ولَكِنَّهم عاجِزُونَ عَنِ الطَّلَبِ، وأمّا هَؤُلاءِ الجُهّالُ فَإنَّهم لَيْسُوا عاجِزِينَ عَنِ الطَّلَبِ، والمَحْرُومُ عَنْ طَلَبِ المَراتِبِ العالِيَةِ إذا عَجَزَ عَنْهُ لا يَكُونُ في اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ كالقادِرِ عَلَيْهِ التّارِكِ لَهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ.
وخامِسُها: أنَّ البَهائِمَ لا تَسْتَحِقُّ عِقابًا عَلى عَدَمِ العِلْمِ، أمّا هَؤُلاءِ فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ أعْظَمَ العِقابِ.
وسادِسُها: أنَّ البَهائِمَ تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النّاسِ، عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [ الإسْراءِ: ٤٤]، وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: (والدَّوابُّ) [الحَجِّ: ١٨]، وقالَ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النُّورِ: ٤١] وإذا كانَ كَذَلِكَ فَضَلالُ الكُفّارِ أشَدُّ وأعْظَمُ مِن ضَلالِ هَذِهِ الأنْعامِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَفى عَنْهُمُ السَّمْعَ والعَقْلَ، فَكَيْفَ ذَمَّهم عَلى الإعْراضِ عَنِ الدِّينِ، وكَيْفَ بَعَثَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ؛ فَإنَّ مِن شَرْطِ التَّكْلِيفِ العَقْلَ ؟ الجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، بَلْ إنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ العَقْلِ، فَهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ إذا لَمْ يَفْهَمْ: إنَّما أنْتَ أعْمى وأصَمُّ.
الفرقان 25:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ .
صفحة ٧٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ جَهْلَ المُعْرِضِينَ عَنْ دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى وفَسادِ طَرِيقِهِمْ في ذَلِكَ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ:
النوع الأوَّلُ: الِاسْتِدْلالُ بِحالِ الظِّلِّ في زِيادَتِهِ ونُقْصانِهِ وتَغَيُّرِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، يَعْنِي العِلْمَ، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى رُؤْيَةِ العَيْنِ فالمَعْنى: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإنْ كانَ تَخْرِيجُ لَفْظِهِ عَلى عادَةِ العَرَبِ أفْصَحَ. وإنْ حَمَلْناهُ عَلى العِلْمِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، فالمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا أوْلى، وذَلِكَ أنَّ الظِّلَّ إذا جَعَلْناهُ مِنَ المُبْصَراتِ فَتَأْثِيرُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في تَمْدِيدِهِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ بِالِاتِّفاقِ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ مُتَغَيِّرٍ جائِزٌ وكُلُّ جائِزٍ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى رُؤْيَةِ القَلْبِ أوْلى مِن هَذا الوجه.
المسألة الثّانِيَةُ: المُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ، وإنْ كانَ هو الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَسَبِ ظاهِرِ اللَّفْظِ، ولَكِنَّ الخِطابَ عامٌّ في المَعْنى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى بِالظِّلِّ، وجَمِيعُ المُكَلَّفِينَ مُشْتَرِكُونَ في أنَّهُ يَجِبُ تَنَبُّهُهم لِهَذِهِ النِّعْمَةِ وتَمَكُّنُهم مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ.
المسألة الثّالِثَةُ: النّاسُ أكْثَرُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، والكَلامُ المُلَخَّصُ يَرْجِعُ إلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الظِّلَّ هو الأمْرُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ وبَيْنَ الظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهو ما بَيْنَ ظُهُورِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وكَذا الكَيْفِيّاتُ الحاصِلَةُ داخِلَ السَّقْفِ وأفْنِيَةِ الجُدْرانِ، وهَذِهِ الحالَةُ أطْيَبُ الأحْوالِ؛ لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، وأمّا الضَّوْءُ الخالِصُ، وهو الكَيْفِيَّةُ الفائِضَةُ مِنَ الشَّمْسِ، فَهي لِقُوَّتِها تَبْهَرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ، وتُفِيدُ السُّخُونَةَ القَوِيَّةَ، وهي مُؤْذِيَةٌ، فَإذَنْ أطْيَبُ الأحْوالِ هو الظِّلُّ، ولِذَلِكَ وصَفَ الجَنَّةَ بِهِ فَقالَ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٣٠] وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ والمَنافِعِ الجَلِيلَةِ، ثُمَّ إنَّ النّاظِرَ إلى الجِسْمِ المُلَوَّنِ وقْتَ الظِّلِّ كَأنَّهُ لا يُشاهِدُ شَيْئًا سِوى الجِسْمِ وسِوى اللَّوْنِ، ونَقُولُ: الظِّلُّ لَيْسَ أمْرًا ثالِثًا، ولا يُعْرَفُ بِهِ إلّا إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ ووَقَعَ ضَوْءُها عَلى الجِسْمِ زالَ ذَلِكَ الظِّلُّ، فَلَوْلا الشَّمْسُ ووُقُوعُ ضَوْئِها عَلى الأجْرامِ لَما عُرِفَ أنَّ لِلظِّلِّ وُجُودًا وماهِيَّةً؛ لِأنَّ الأشْياءَ إنَّما تُعْرَفُ بِأضْدادِها، فَلَوْلا الشَّمْسُ لَما عُرِفَ الظِّلُّ، ولَوْلا الظُّلْمَةُ لَما عُرِفَ النُّورُ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا طَلَعَ الشَّمْسُ عَلى الأرْضِ وزالَ الظِّلُّ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ أنَّ الظِّلَّ كَيْفِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى الجِسْمِ واللَّوْنِ، فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أيْ خَلَقْنا الظِّلَّ أوَّلًا بِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ، ثُمَّ إنّا هَدَيْنا العُقُولَ إلى مَعْرِفَةِ وجُودِهِ بِأنْ أطْلَعْنا الشَّمْسَ، فَكانَتِ الشَّمْسُ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قَبَضْناهُ؛ أيْ: أزَلْنا الظِّلَّ لا دَفْعَةً بَلْ يَسِيرًا يَسِيرًا، فَإنَّ كُلَّما ازْدادَ ارْتِفاعُ الشَّمْسِ ازْدادَ نُقْصانُ الظِّلِّ في جانِبِ المَغْرِبِ، ولَمّا كانَتِ الحَرَكاتُ المَكانِيَّةُ لا تُوجَدُ دَفْعَةً، بَلْ يَسِيرًا يَسِيرًا، فَكَذا زَوالُ الإظْلالِ لا يَكُونُ دَفْعَةً، بَلْ يَسِيرًا يَسِيرًا، ولِأنَّ قَبْضَ الظِّلِّ لَوْ حَصَلَ دَفْعَةً لاخْتَلَّتِ المَصالِحُ، ولَكِنَّ قَبْضَها يَسِيرًا يَسِيرًا يُفِيدُ مَعَهُ أنْواعَ مَصالِحِ العالَمِ، والمُرادُ بِالقَبْضِ الإزالَةُ والإعْدامُ، هَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ والسَّماءَ وخَلَقَ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، وقَعَ الظِّلُّ عَلى الأرْضِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الشَّمْسَ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ بِحَسَبِ حَرَكاتِ الأضْواءِ تَتَحَرَّكُ الأظْلالُ فَإنَّهُما مُتَعاقِبانِ مُتَلازِمانِ، لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، فَبِمِقْدارِ ما يَزْدادُ أحَدُهُما يَنْقُصُ الآخَرُ، وكَما أنَّ المُهْتَدِيَ
صفحة ٧٨
يَهْتَدِي بِالهادِي والدَّلِيلِ ويُلازِمُهُ، فَكَذا الأظْلالُ كَأنَّها مُهْتَدِيَةٌ ومُلازِمَةٌ لِلْأضْواءِ، فَلِهَذا جَعَلَ الشَّمْسَ دَلِيلًا عَلَيْها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ انْتِهاءَ الأظْلالِ يَسِيرًا يَسِيرًا إلى غايَةِ نُقْصاناتِها، فَسَمّى إزالَةَ الأظْلالِ قَبْضًا لَها، أوْ يَكُونُ المُرادُ مِن قَبْضِها يَسِيرًا قَبْضَها عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ، وذَلِكَ بِقَبْضِ أسْبابِها، وهي الأجْرامُ الَّتِي تُلْقِي الأظْلالَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَسِيرًا﴾ هو كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، فَهَذا هو التَّأْوِيلُ المُلَخَّصُ.
المسألة الرّابِعَةُ: وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُحْسِنِ أنَّ حُصُولَ الظِّلِّ أمْرٌ نافِعٌ لِلْأحْياءِ والعُقَلاءِ، وأمّا حُصُولُ الضَّوْءِ الخالِصِ، أوِ الظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، فَهو لَيْسَ مِن بابِ المَنافِعِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الظِّلِّ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الواجِباتِ أوْ مِنَ الجائِزاتِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَما تَطَرَّقَ التَّغَيُّرُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لا يَتَغَيَّرُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ الجائِزاتِ، فَلا بُدَّ لَهُ في وُجُودِهِ بَعْدَ العَدَمِ، وعَدَمِهِ بَعْدَ الوُجُودِ، مِن صانِعٍ قادِرٍ مُدَبِّرٍ مُحْسِنٍ يُقَدِّرُهُ بِالوجه النّافِعِ، وما ذاكَ إلّا مَن يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وتَدْبِيرِ الأجْسامِ الفَلَكِيَّةِ وتَرْتِيبِها عَلى الوَصْفِ الأحْسَنِ والتَّرْتِيبِ الأكْمَلِ، وما هو إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. فَإنْ قِيلَ: الظِّلُّ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الضَّوْءِ عَمّا شَأْنُهُ أنْ يُضِيءَ، فَكَيْفَ اسْتَدَلَّ بِالأمْرِ العَدَمِيِّ عَلى ذاتِهِ، وكَيْفَ عَدَّهُ مِنَ النِّعَمِ ؟ قُلْنا: الظِّلُّ لَيْسَ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ هو أضْواءٌ مَخْلُوطَةٌ بِظُلَمٍ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الظِّلَّ عِبارَةٌ عَنِ الضَّوْءِ الثّانِي، وهو أمْرٌ وُجُودِيٌّ، وفي تَحْقِيقِهِ وبَسْطِهِ كَلامٌ دَقِيقٌ يُرْجَعُ فِيهِ إلى كُتُبِنا العَقْلِيَّةِ.
الفرقان 25:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ .
صفحة ٧٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ جَهْلَ المُعْرِضِينَ عَنْ دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى وفَسادِ طَرِيقِهِمْ في ذَلِكَ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ:
النوع الأوَّلُ: الِاسْتِدْلالُ بِحالِ الظِّلِّ في زِيادَتِهِ ونُقْصانِهِ وتَغَيُّرِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، يَعْنِي العِلْمَ، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى رُؤْيَةِ العَيْنِ فالمَعْنى: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإنْ كانَ تَخْرِيجُ لَفْظِهِ عَلى عادَةِ العَرَبِ أفْصَحَ. وإنْ حَمَلْناهُ عَلى العِلْمِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، فالمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا أوْلى، وذَلِكَ أنَّ الظِّلَّ إذا جَعَلْناهُ مِنَ المُبْصَراتِ فَتَأْثِيرُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في تَمْدِيدِهِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ بِالِاتِّفاقِ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ مُتَغَيِّرٍ جائِزٌ وكُلُّ جائِزٍ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى رُؤْيَةِ القَلْبِ أوْلى مِن هَذا الوجه.
المسألة الثّانِيَةُ: المُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ، وإنْ كانَ هو الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَسَبِ ظاهِرِ اللَّفْظِ، ولَكِنَّ الخِطابَ عامٌّ في المَعْنى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى بِالظِّلِّ، وجَمِيعُ المُكَلَّفِينَ مُشْتَرِكُونَ في أنَّهُ يَجِبُ تَنَبُّهُهم لِهَذِهِ النِّعْمَةِ وتَمَكُّنُهم مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ.
المسألة الثّالِثَةُ: النّاسُ أكْثَرُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، والكَلامُ المُلَخَّصُ يَرْجِعُ إلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الظِّلَّ هو الأمْرُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ وبَيْنَ الظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهو ما بَيْنَ ظُهُورِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وكَذا الكَيْفِيّاتُ الحاصِلَةُ داخِلَ السَّقْفِ وأفْنِيَةِ الجُدْرانِ، وهَذِهِ الحالَةُ أطْيَبُ الأحْوالِ؛ لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، وأمّا الضَّوْءُ الخالِصُ، وهو الكَيْفِيَّةُ الفائِضَةُ مِنَ الشَّمْسِ، فَهي لِقُوَّتِها تَبْهَرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ، وتُفِيدُ السُّخُونَةَ القَوِيَّةَ، وهي مُؤْذِيَةٌ، فَإذَنْ أطْيَبُ الأحْوالِ هو الظِّلُّ، ولِذَلِكَ وصَفَ الجَنَّةَ بِهِ فَقالَ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٣٠] وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ والمَنافِعِ الجَلِيلَةِ، ثُمَّ إنَّ النّاظِرَ إلى الجِسْمِ المُلَوَّنِ وقْتَ الظِّلِّ كَأنَّهُ لا يُشاهِدُ شَيْئًا سِوى الجِسْمِ وسِوى اللَّوْنِ، ونَقُولُ: الظِّلُّ لَيْسَ أمْرًا ثالِثًا، ولا يُعْرَفُ بِهِ إلّا إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ ووَقَعَ ضَوْءُها عَلى الجِسْمِ زالَ ذَلِكَ الظِّلُّ، فَلَوْلا الشَّمْسُ ووُقُوعُ ضَوْئِها عَلى الأجْرامِ لَما عُرِفَ أنَّ لِلظِّلِّ وُجُودًا وماهِيَّةً؛ لِأنَّ الأشْياءَ إنَّما تُعْرَفُ بِأضْدادِها، فَلَوْلا الشَّمْسُ لَما عُرِفَ الظِّلُّ، ولَوْلا الظُّلْمَةُ لَما عُرِفَ النُّورُ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا طَلَعَ الشَّمْسُ عَلى الأرْضِ وزالَ الظِّلُّ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ أنَّ الظِّلَّ كَيْفِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى الجِسْمِ واللَّوْنِ، فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أيْ خَلَقْنا الظِّلَّ أوَّلًا بِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ، ثُمَّ إنّا هَدَيْنا العُقُولَ إلى مَعْرِفَةِ وجُودِهِ بِأنْ أطْلَعْنا الشَّمْسَ، فَكانَتِ الشَّمْسُ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قَبَضْناهُ؛ أيْ: أزَلْنا الظِّلَّ لا دَفْعَةً بَلْ يَسِيرًا يَسِيرًا، فَإنَّ كُلَّما ازْدادَ ارْتِفاعُ الشَّمْسِ ازْدادَ نُقْصانُ الظِّلِّ في جانِبِ المَغْرِبِ، ولَمّا كانَتِ الحَرَكاتُ المَكانِيَّةُ لا تُوجَدُ دَفْعَةً، بَلْ يَسِيرًا يَسِيرًا، فَكَذا زَوالُ الإظْلالِ لا يَكُونُ دَفْعَةً، بَلْ يَسِيرًا يَسِيرًا، ولِأنَّ قَبْضَ الظِّلِّ لَوْ حَصَلَ دَفْعَةً لاخْتَلَّتِ المَصالِحُ، ولَكِنَّ قَبْضَها يَسِيرًا يَسِيرًا يُفِيدُ مَعَهُ أنْواعَ مَصالِحِ العالَمِ، والمُرادُ بِالقَبْضِ الإزالَةُ والإعْدامُ، هَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ والسَّماءَ وخَلَقَ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، وقَعَ الظِّلُّ عَلى الأرْضِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الشَّمْسَ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ بِحَسَبِ حَرَكاتِ الأضْواءِ تَتَحَرَّكُ الأظْلالُ فَإنَّهُما مُتَعاقِبانِ مُتَلازِمانِ، لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، فَبِمِقْدارِ ما يَزْدادُ أحَدُهُما يَنْقُصُ الآخَرُ، وكَما أنَّ المُهْتَدِيَ
صفحة ٧٨
يَهْتَدِي بِالهادِي والدَّلِيلِ ويُلازِمُهُ، فَكَذا الأظْلالُ كَأنَّها مُهْتَدِيَةٌ ومُلازِمَةٌ لِلْأضْواءِ، فَلِهَذا جَعَلَ الشَّمْسَ دَلِيلًا عَلَيْها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ انْتِهاءَ الأظْلالِ يَسِيرًا يَسِيرًا إلى غايَةِ نُقْصاناتِها، فَسَمّى إزالَةَ الأظْلالِ قَبْضًا لَها، أوْ يَكُونُ المُرادُ مِن قَبْضِها يَسِيرًا قَبْضَها عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ، وذَلِكَ بِقَبْضِ أسْبابِها، وهي الأجْرامُ الَّتِي تُلْقِي الأظْلالَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَسِيرًا﴾ هو كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، فَهَذا هو التَّأْوِيلُ المُلَخَّصُ.
المسألة الرّابِعَةُ: وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُحْسِنِ أنَّ حُصُولَ الظِّلِّ أمْرٌ نافِعٌ لِلْأحْياءِ والعُقَلاءِ، وأمّا حُصُولُ الضَّوْءِ الخالِصِ، أوِ الظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، فَهو لَيْسَ مِن بابِ المَنافِعِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الظِّلِّ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الواجِباتِ أوْ مِنَ الجائِزاتِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَما تَطَرَّقَ التَّغَيُّرُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لا يَتَغَيَّرُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ الجائِزاتِ، فَلا بُدَّ لَهُ في وُجُودِهِ بَعْدَ العَدَمِ، وعَدَمِهِ بَعْدَ الوُجُودِ، مِن صانِعٍ قادِرٍ مُدَبِّرٍ مُحْسِنٍ يُقَدِّرُهُ بِالوجه النّافِعِ، وما ذاكَ إلّا مَن يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وتَدْبِيرِ الأجْسامِ الفَلَكِيَّةِ وتَرْتِيبِها عَلى الوَصْفِ الأحْسَنِ والتَّرْتِيبِ الأكْمَلِ، وما هو إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. فَإنْ قِيلَ: الظِّلُّ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الضَّوْءِ عَمّا شَأْنُهُ أنْ يُضِيءَ، فَكَيْفَ اسْتَدَلَّ بِالأمْرِ العَدَمِيِّ عَلى ذاتِهِ، وكَيْفَ عَدَّهُ مِنَ النِّعَمِ ؟ قُلْنا: الظِّلُّ لَيْسَ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ هو أضْواءٌ مَخْلُوطَةٌ بِظُلَمٍ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الظِّلَّ عِبارَةٌ عَنِ الضَّوْءِ الثّانِي، وهو أمْرٌ وُجُودِيٌّ، وفي تَحْقِيقِهِ وبَسْطِهِ كَلامٌ دَقِيقٌ يُرْجَعُ فِيهِ إلى كُتُبِنا العَقْلِيَّةِ.
الفرقان 25:47
النوع الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ اللَّيْلَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الكُلَّ ويُغَطِّي بِاللِّباسِ السّاتِرِ لِلْبَدَنِ، ونَبَّهَ عَلى ما لَنا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ بِقَوْلِهِ: ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾، والسُّباتُ هو الرّاحَةُ، وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلرّاحَةِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: السُّباتُ الرّاحَةُ، ومِنهُ يَوْمُ السَّبْتِ؛ لِما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِنَ الِاسْتِراحَةِ فِيهِ، ويُقالُ لِلْعَلِيلِ إذا اسْتَراحَ مِن تَعَبِ العِلَّةِ: مَسْبُوتٌ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السُّباتُ المَوْتُ، والمَسْبُوتُ المَيِّتُ؛ لِأنَّهُ مَقْطُوعُ الحَياةِ، قالَ: وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [ الأنْعامِ: ٦٠] وإنَّما قُلْنا: إنَّ تَفْسِيرَهُ بِالمَوْتِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالرّاحَةِ؛ لِأنَّ النُّشُورَ في مُقابَلَتِهِ يَأْباهُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ هو بِمَعْنى الِانْتِشارِ والحَرَكَةِ، كَما سَمّى تَعالى نَوْمَ الإنْسانِ وفاةً، فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ كَذَلِكَ وفَّقَ بَيْنَ القِيامِ مِنَ النَّوْمِ والقِيامِ مِنَ المَوْتِ في التَّسْمِيَةِ بِالنُّشُورِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ دَلالَتِها عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ فِيها إظْهارٌ لِنِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ؛ لِأنَّ الِاحْتِجابَ بِسَتْرِ اللَّيْلِ كَمْ فِيهِ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ مِن فَوائِدَ دِينِيَّةٍ ودُنْيَوِيَّةٍ، والنَّوْمُ واليَقَظَةُ شَبَّهَهُما بِالمَوْتِ والحَياةِ، وعَنْ لُقْمانَ أنَّهُ قالَ لِابْنِهِ: كَما تَنامُ فَتُوقَظُ، كَذَلِكَ تَمُوتُ فَتُحْشَرُ.
الفرقان 25:48
النوع الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ، ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قُرِئَ ”الرِّيحَ“ و”الرِّياحَ“، قالَ الزَّجّاجُ: وفي ”نَشْرًا“ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: بِفَتْحِ النُّونِ وبِضَمِّها، وبِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ، وبِالباءِ المُوَحَّدَةِ مَعَ ألِفٍ والمُؤَنَّثِ وبُشْرًا بِالتَّنْوِينِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَن قَرَأ: (بُشْرًا) أرادَ جَمْعَ بَشِيرٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الرُّومِ: ٤٦] وأمّا بِالنُّونِ فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾
صفحة ٧٩
وهِيَ الرِّياحُ. والرَّحْمَةُ: الغَيْثُ والماءُ والمَطَرُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ نَصٌّ في أنَّهُ تَعالى يُنْزِلُ الماءَ مِنَ السَّماءِ، لا مِنَ السَّحابِ. وقَوْلُ مَن يَقُولُ: السَّحابُ سَماءٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ذاكَ بِحَسَبِ الِاشْتِقاقِ، وأمّا بِحَسَبِ وضْعِ اللُّغَةِ فالسَّماءُ اسْمٌ لِهَذا السَّقْفِ المَعْلُومِ، فَصَرْفُهُ عَنْهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الطَّهُورَ ما هو ؟ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: الطَّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ كالفَطُورِ ما يُفْطَرُ بِهِ، والسَّحُورِ ما يُتَسَحَّرُ بِهِ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ، وأنْكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ذَلِكَ، وقالَ: لَيْسَ فَعُولٌ مِنَ التَّفْعِيلِ في شَيْءٍ، والطَّهُورُ عَلى وجْهَيْنِ في العَرَبِيَّةِ: صِفَةٌ واسْمٌ غَيْرُ صِفَةٍ، فالصِّفَةُ قَوْلُكَ: ماءٌ طَهُورٌ، كَقَوْلِكَ: طاهِرٌ، والِاسْمُ قَوْلُكَ: طَهُورٌ لِما يُتَطَهَّرُ بِهِ كالوَضُوءِ والوَقُودِ لِما يُتَوَضَّأُ بِهِ ويُوقَدُ بِهِ النّارُ. حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”التُّرابُ طَهُورُ المُسْلِمِ، ولَوْ لَمْ يَجِدِ الماءَ عَشْرَ حِجَجٍ“»، ولَوْ كانَ مَعْنى الطَّهُورِ الطّاهِرَ لَكانَ مَعْناهُ: التُّرابُ طاهِرٌ لِلْمُسْلِمِ، وحِينَئِذٍ لا يَنْتَظِمُ الكَلامُ، وكَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”طَهُورُ إناءِ أحَدِكم إذا ولَغَ الكَلْبُ فِيهِ أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا“» ولَوْ كانَ الطَّهُورُ الطّاهِرَ لَكانَ مَعْناهُ طاهِرٌ إناءُ أحَدِكم، وحِينَئِذٍ لا يَنْتَظِمُ الكَلامُ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [ الأنْفالِ: ١١] فَبَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الماءِ إنَّما هو التَّطَهُّرُ بِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِ طَهُورًا أنَّهُ هو المُطَهَّرُ بِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الإنْعامِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الوَصْفِ الأكْمَلِ، ولا شَكَّ أنَّ المُطَهِّرَ أكْمَلُ مِنَ الطّاهِرِ.
المسألة الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِن مَنافِعِ الماءِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ما يَتَعَلَّقُ بِالنَّباتِ.
والثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالحَيَوانِ.