Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الصافات 37:102 – الصافات 37:149

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الصافات 37:102
  2. الصافات 37:103
  3. الصافات 37:104
  4. الصافات 37:105
  5. الصافات 37:106
  6. الصافات 37:107
  7. الصافات 37:108
  8. الصافات 37:109
  9. الصافات 37:110
  10. الصافات 37:111
  11. الصافات 37:112
  12. الصافات 37:113
  13. الصافات 37:114
  14. الصافات 37:115
  15. الصافات 37:116
  16. الصافات 37:117
  17. الصافات 37:118
  18. الصافات 37:119
  19. الصافات 37:120
  20. الصافات 37:121
  21. الصافات 37:122
  22. الصافات 37:123
  23. الصافات 37:124
  24. الصافات 37:125
  25. الصافات 37:126
  26. الصافات 37:127
  27. الصافات 37:128
  28. الصافات 37:129
  29. الصافات 37:130
  30. الصافات 37:131
  31. الصافات 37:132
  32. الصافات 37:133
  33. الصافات 37:134
  34. الصافات 37:135
  35. الصافات 37:136
  36. الصافات 37:137
  37. الصافات 37:138
  38. الصافات 37:139
  39. الصافات 37:140
  40. الصافات 37:141
  41. الصافات 37:142
  42. الصافات 37:143
  43. الصافات 37:144
  44. الصافات 37:145
  45. الصافات 37:146
  46. الصافات 37:147
  47. الصافات 37:148
  48. الصافات 37:149

الصافات 37:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ صفحة ١٣٣ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أتْبَعُهُ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ وبُلُوغِهِ، فَقالَ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ومَعْناهُ فَلَمّا أدْرَكَ وبَلَغَ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْدِيرُ كائِنًا مَعَهُ، والفائِدَةُ في اعْتِبارِ هَذا المَعْنى أنَّ الأبَ أرْفَقُ النّاسِ بِالوَلَدِ، وغَيْرُهُ رُبَّما عَنَّفَ بِهِ في الِاسْتِسْعاءِ فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَسْتَحْكِمْ قُوَّتُهُ، قالَ بَعْضُهم: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ في الآيَةِ الأُولى بِكَوْنِ ذَلِكِ الغُلامِ حَلِيمًا، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ حِلْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ بِهِ مِن كَمالِ الحِلْمِ وفُسْحَةِ الصَّدْرِ ما قَوّاهُ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ، والإتْيانِ بِذَلِكَ الجَوابِ الحَسَنِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: كانَ إبْراهِيمُ حِينَ بُشِّرَ بِإسْحاقَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَهُ قالَ: هو إذَنْ لِلَّهِ ذَبِيحٌ فَقِيلَ لِإبْراهِيمَ: قَدْ نَذَرْتَ نَذْرًا فَفِ بِنَذْرِكَ فَلَمّا أصْبَحَ ﴿قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ . ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ في مَنامِهِ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا، فَلَمّا أصْبَحَ تَرَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وهَذا هو قَوْلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ في اليَقَظَةِ، وعَلى هَذا فَتَقْدِيرُ اللَّفْظِ: إنِّي أرى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُهُ ورُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بابِ الوَحْيِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَرْئِيُّ في المَنامِ لَيْسَ إلّا أنَّهُ يَذْبَحُ، فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في المَنامِ فَهو حَقٌّ حُجَّةٌ، أوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلِمَ راجَعَ الوَلَدَ في هَذِهِ الواقِعَةِ، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ المَأْمُورِ، وأنْ لا يُراجِعَ الوَلَدَ فِيهِ، وأنْ لا يَقُولَ لَهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وأنْ لا يُوقِفَ العَمَلَ عَلى أنْ يَقُولَ لَهُ الوَلَدُ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ؟ وأيْضًا فَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَقِيَ في اليَوْمِ الأوَّلِ مُتَفَكِّرًا، ولَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في النَّوْمِ فَهو حَقٌّ لَمْ يَكُنْ إلى هَذا التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ حاجَةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي، وهو أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم أنَّ ما يَرَوْنَهُ في المَنامِ حَقٌّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى ذَبْحِ ذَلِكَ الطِّفْلِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِها حُجَّةً ؟ والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عِنْدَ الرُّؤْيا مُتَرَدِّدًا فِيهِ ثُمَّ تَأكَّدَتِ الرُّؤْيا بِالوَحْيِ الصَّرِيحِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذَّبِيحَ مَن هو ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ إسْحاقُ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ والعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وابْنِ مَسْعُودٍ وكَعْبِ الأحْبارِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ صفحة ١٣٤ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ إسْماعِيلُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» «وقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: ”يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ“ فَتَبَسَّمَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا حَفَرَ بِئْرَ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ أمْرَها لَيَذْبَحَنَّ أحَدَ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ، وقالُوا لَهُ افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، والذَّبِيحُ الثّانِي إسْماعِيلُ» . الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ، فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ أيْنَ عَقْلُكَ، ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ، وإنَّما كانَ إسْماعِيلُ بِمَكَّةَ، وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ والمَنحَرَ بِمَكَّةَ ؟ . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ إسْماعِيلَ بِالصَّبْرِ دُونَ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ لَكانَ الأمْرُ بِذَبْحِهِ إمّا أنْ يَقَعَ قَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَشَّرَها بِإسْحاقَ، وبَشَّرَها مَعَهُ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ يَعْقُوبُ فَقَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ لَمْ يَجُزِ الأمْرُ بِذَبْحِهِ، وإلّا حَصَلَ الخُلْفُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ لَمّا قَدَرَ عَلى السَّعْيِ ووَصَلَ إلى حَدِّ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ، وذَلِكَ يُنافِي وُقُوعَ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمانٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْحاقَ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَدًا يَسْتَأْنِسُ بِهِ في غُرْبَتِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ قَبْلَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ الوَلَدُ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ واحِدٌ لَما طَلَبَ الوَلَدَ الواحِدَ؛ لَأنَّ طَلَبَ الحاصِلِ مُحالٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ، وكَلِمَةُ مَن لِلتَّبْعِيضِ وأقَلُّ دَرَجاتِ البَعْضِيَّةِ الواحِدُ فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَحْسُنُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ الأوْلادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ وقَعَ حالَ طَلَبِ الوَلَدِ الأوَّلِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى إسْحاقَ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ هو إسْماعِيلُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قِصَّةَ الذَّبِيحِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في تَعْلِيقِ قَرْنِ الكَبْشِ بِالكَعْبَةِ، فَكانَ الذَّبِيحُ بِمَكَّةَ. ولَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ كانَ الذَّبْحُ بِالشّامِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ بِوَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا أوَّلُها فَإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُهاجَرَتُهُ إلى الشّامِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ لَيْسَ إلّا إسْحاقَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الغُلامِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ هو ذَلِكَ الغُلامُ الَّذِي حَصَلَ في الشّامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ قالَ بَعْدَهُ: صفحة ١٣٥ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ بَشَّرَهُ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وذَكَرَ هَذِهِ البِشارَةَ عَقِيبَ حِكايَةِ تِلْكَ القِصَّةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما بَشَّرَهُ بِهَذِهِ النُّبُوَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَحَمَّلَ هَذِهِ الشَّدائِدَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ ما اشْتَهَرَ مِن كِتابِ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ“ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وكانَ الزَّجّاجُ يَقُولُ: اللَّهُ أعْلَمُ أيُّهُما الذَّبِيحُ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا اخْتِلافُهم في مَوْضِعِ الذَّبْحِ فالَّذِينَ قالُوا: الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. قالُوا: كانَ الذَّبْحُ بِمِنًى، والَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ إسْحاقُ قالُوا: هو بِالشّامِ، وقِيلَ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِهَذا بِما رَأى، وهَذا الِاخْتِلافُ مُفَرَّعٌ عَلى مَسْألَةٍ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ نَسْخُ الحُكْمِ قَبْلَ حُضُورِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ فَقالَ أكْثَرُ أصْحابِنا: إنَّهُ يَجُوزُ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وكَثِيرٌ مِن فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ هَذا التَّكْلِيفَ قَبْلَ حُضُورِ وقْتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى ما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، وإنَّما أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وهَذِهِ مَسْألَةٌ شَرِيفَةٌ مِن مَسائِلِ بابِ النَّسْخِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الأمْرِ قَبْلَ مَجِيءِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ ولَدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَهُ عَنْهُ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِوَلَدِهِ: إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ. فَقالَ الوَلَدُ: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِمُقِدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وأدْخَلَها في الوُجُودِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِشَيْءٍ وقَدْ أتى بِهِ، وفي هَذا المَوْضِعِ لا يَحْتاجُ إلى الفِداءِ، لَكِنَّهُ احْتاجَ إلى الفِداءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ أتى بِالمَأْمُورِ بِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أتى بِكُلِّ مُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أمَرَهُ بِنَفْسِ الذَّبْحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ الحُكْمَ قَبْلَ إثْباتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ بَلْ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ ما أتى بِالذَّبْحِ وإنَّما أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ في المَنامِ بِمُقُدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ وتِلْكَ المُقَدِّماتُ عِبارَةٌ عَنْ إضْجاعِهِ ووَضْعِ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِهِ، والعَزْمِ الصَّحِيحِ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ إنْ ورَدَ الأمْرُ. الثّانِي: الذَّبْحُ عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الحُلْقُومِ فَلَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطَعَ الحُلْقُومَ إلّا أنَّهُ كُلَّما قَطَعَ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَحْصُلِ المَوْتُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ تَعْوِيلُ القَوْمِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أمَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا بِإيقاعِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَسَنٌ، فَإذا أنْهاهُ عَنْهُ فَذَلِكَ النَّهْيُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبِيحٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا النَّهْيُ عَقِيبَ ذَلِكَ الأمْرِ لَزِمَ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كانَ عالِمًا بِحالِ ذَلِكَ الفِعْلِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أمْرٌ بِالقَبِيحِ أوْ نَهْيٌ عَنِ الحَسَنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَزِمَ جَهْلُ اللَّهِ تَعالى وإنَّهُ مُحالٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ. صفحة ١٣٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ تِلْكَ الرُّؤْيا واجِبًا العَمَلُ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما رَآهُ في ذَلِكَ المَنامِ. وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: كُلَّما قَطَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ تَعالى التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ لَما احْتاجَ إلى الفِداءِ وحَيْثُ احْتاجَ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما أُمِرَ بِهِ. وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّهُ يَلْزَمُ إمّا الأمْرُ بِالقَبِيحِ وإمّا الجَهْلُ، فَنَقُولُ: هَذا بِناءٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ حَسَنًا في ذاتِهِ ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ قَبِيحًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ بِناءٌ عَلى تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ وهو باطِلٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ تارَةً يَحْسُنُ لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا وتارَةً لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ يُفِيدُ صِحَّةَ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُرَوِّضَ عَبْدَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إذا جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فافْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الشّاقَّةِ، ويَكُونُ مَقْصُودُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ لَيْسَ أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ العَبْدُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يُوَطِّنَ العَبْدُ نَفْسَهُ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ يُزِيلُ الألَمَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ، فَكَذا هَهُنا، فَما لَمْ تُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ يَتِمَّ كَلامُكم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ وما أرادَ وُقُوعَهُ، أمّا أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ فَلَمّا تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الأُولى. وأمّا أنَّهُ ما أرادَ وُقُوعَهُ فَلِأنَّ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ يَقَعُ، وحَيْثُ لَمْ يَقَعْ هَذا الذَّبْحُ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى ما أرادَ وُقُوعَهُ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْ ذَلِكَ الذَّبْحِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاهِيَ لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما أرادَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَيانِ الحِكْمَةِ في وُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ في النَّوْمِ لا في اليَقَظَةِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَوَرَدَ أوَّلًا في النَّوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ كالمُنَبِّهِ لِوُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ حالُ النَّوْمِ بِأحْوالِ اليَقَظَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَهْجُمُ هَذا التَّكْلِيفُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقالَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَقْوِيَةُ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ؛ لِأنَّ الحالَ إمّا حالُ يَقَظَةٍ وإمّا حالُ مَنامٍ، فَإذا تَظاهَرَتِ الحالَتانِ عَلى الصِّدْقِ، كانَ ذَلِكَ هو النِّهايَةَ في بَيانِ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ صادِقِينَ في كُلِّ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ نَقُولُ: مَقاماتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مِنها ما يَقَعُ عَلى وفْقِ الرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] ثُمَّ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى الضِّدِّ كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ رَأى الذَّبْحَ وكانَ الحاصِلُ هو الفِداءَ والنَّجاةَ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ والمُناسَبَةِ كَما في رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْبَقَ أهْلُ التَّعْبِيرِ عَلى أنَّ صفحة ١٣٧ المَناماتِ واقِعَةٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ما تُرِي مِن نَفْسِكَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. وقِيلَ ما تُشِيرُ، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَمِيلُ ومِنهم مَن لا يَمِيلُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الحِكْمَةُ في مُشاوَرَةِ الِابْنِ في هَذا البابِ أنْ يُطْلِعَ ابْنَهُ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ لِيَظْهَرَ لَهُ صَبْرُهُ في طاعَةِ اللَّهِ، فَتَكُونَ فِيهِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ يَراهُ قَدْ بَلَغَ في الحِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وفي الصَّبْرِ عَلى أشَدِّ المَكارِهِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ ويَحْصُلَ لِلِابْنِ الثَّوابُ العَظِيمُ في الآخِرَةِ والثَّناءُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ومَعْناهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ [بِهِ] * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وإنَّما عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّنِ، وأنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.

الصافات 37:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ صفحة ١٣٣ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أتْبَعُهُ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ وبُلُوغِهِ، فَقالَ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ومَعْناهُ فَلَمّا أدْرَكَ وبَلَغَ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْدِيرُ كائِنًا مَعَهُ، والفائِدَةُ في اعْتِبارِ هَذا المَعْنى أنَّ الأبَ أرْفَقُ النّاسِ بِالوَلَدِ، وغَيْرُهُ رُبَّما عَنَّفَ بِهِ في الِاسْتِسْعاءِ فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَسْتَحْكِمْ قُوَّتُهُ، قالَ بَعْضُهم: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ في الآيَةِ الأُولى بِكَوْنِ ذَلِكِ الغُلامِ حَلِيمًا، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ حِلْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ بِهِ مِن كَمالِ الحِلْمِ وفُسْحَةِ الصَّدْرِ ما قَوّاهُ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ، والإتْيانِ بِذَلِكَ الجَوابِ الحَسَنِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: كانَ إبْراهِيمُ حِينَ بُشِّرَ بِإسْحاقَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَهُ قالَ: هو إذَنْ لِلَّهِ ذَبِيحٌ فَقِيلَ لِإبْراهِيمَ: قَدْ نَذَرْتَ نَذْرًا فَفِ بِنَذْرِكَ فَلَمّا أصْبَحَ ﴿قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ . ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ في مَنامِهِ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا، فَلَمّا أصْبَحَ تَرَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وهَذا هو قَوْلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ في اليَقَظَةِ، وعَلى هَذا فَتَقْدِيرُ اللَّفْظِ: إنِّي أرى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُهُ ورُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بابِ الوَحْيِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَرْئِيُّ في المَنامِ لَيْسَ إلّا أنَّهُ يَذْبَحُ، فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في المَنامِ فَهو حَقٌّ حُجَّةٌ، أوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلِمَ راجَعَ الوَلَدَ في هَذِهِ الواقِعَةِ، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ المَأْمُورِ، وأنْ لا يُراجِعَ الوَلَدَ فِيهِ، وأنْ لا يَقُولَ لَهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وأنْ لا يُوقِفَ العَمَلَ عَلى أنْ يَقُولَ لَهُ الوَلَدُ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ؟ وأيْضًا فَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَقِيَ في اليَوْمِ الأوَّلِ مُتَفَكِّرًا، ولَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في النَّوْمِ فَهو حَقٌّ لَمْ يَكُنْ إلى هَذا التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ حاجَةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي، وهو أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم أنَّ ما يَرَوْنَهُ في المَنامِ حَقٌّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى ذَبْحِ ذَلِكَ الطِّفْلِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِها حُجَّةً ؟ والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عِنْدَ الرُّؤْيا مُتَرَدِّدًا فِيهِ ثُمَّ تَأكَّدَتِ الرُّؤْيا بِالوَحْيِ الصَّرِيحِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذَّبِيحَ مَن هو ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ إسْحاقُ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ والعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وابْنِ مَسْعُودٍ وكَعْبِ الأحْبارِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ صفحة ١٣٤ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ إسْماعِيلُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» «وقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: ”يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ“ فَتَبَسَّمَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا حَفَرَ بِئْرَ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ أمْرَها لَيَذْبَحَنَّ أحَدَ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ، وقالُوا لَهُ افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، والذَّبِيحُ الثّانِي إسْماعِيلُ» . الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ، فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ أيْنَ عَقْلُكَ، ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ، وإنَّما كانَ إسْماعِيلُ بِمَكَّةَ، وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ والمَنحَرَ بِمَكَّةَ ؟ . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ إسْماعِيلَ بِالصَّبْرِ دُونَ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ لَكانَ الأمْرُ بِذَبْحِهِ إمّا أنْ يَقَعَ قَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَشَّرَها بِإسْحاقَ، وبَشَّرَها مَعَهُ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ يَعْقُوبُ فَقَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ لَمْ يَجُزِ الأمْرُ بِذَبْحِهِ، وإلّا حَصَلَ الخُلْفُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ لَمّا قَدَرَ عَلى السَّعْيِ ووَصَلَ إلى حَدِّ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ، وذَلِكَ يُنافِي وُقُوعَ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمانٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْحاقَ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَدًا يَسْتَأْنِسُ بِهِ في غُرْبَتِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ قَبْلَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ الوَلَدُ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ واحِدٌ لَما طَلَبَ الوَلَدَ الواحِدَ؛ لَأنَّ طَلَبَ الحاصِلِ مُحالٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ، وكَلِمَةُ مَن لِلتَّبْعِيضِ وأقَلُّ دَرَجاتِ البَعْضِيَّةِ الواحِدُ فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَحْسُنُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ الأوْلادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ وقَعَ حالَ طَلَبِ الوَلَدِ الأوَّلِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى إسْحاقَ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ هو إسْماعِيلُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قِصَّةَ الذَّبِيحِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في تَعْلِيقِ قَرْنِ الكَبْشِ بِالكَعْبَةِ، فَكانَ الذَّبِيحُ بِمَكَّةَ. ولَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ كانَ الذَّبْحُ بِالشّامِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ بِوَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا أوَّلُها فَإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُهاجَرَتُهُ إلى الشّامِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ لَيْسَ إلّا إسْحاقَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الغُلامِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ هو ذَلِكَ الغُلامُ الَّذِي حَصَلَ في الشّامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ قالَ بَعْدَهُ: صفحة ١٣٥ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ بَشَّرَهُ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وذَكَرَ هَذِهِ البِشارَةَ عَقِيبَ حِكايَةِ تِلْكَ القِصَّةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما بَشَّرَهُ بِهَذِهِ النُّبُوَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَحَمَّلَ هَذِهِ الشَّدائِدَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ ما اشْتَهَرَ مِن كِتابِ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ“ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وكانَ الزَّجّاجُ يَقُولُ: اللَّهُ أعْلَمُ أيُّهُما الذَّبِيحُ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا اخْتِلافُهم في مَوْضِعِ الذَّبْحِ فالَّذِينَ قالُوا: الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. قالُوا: كانَ الذَّبْحُ بِمِنًى، والَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ إسْحاقُ قالُوا: هو بِالشّامِ، وقِيلَ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِهَذا بِما رَأى، وهَذا الِاخْتِلافُ مُفَرَّعٌ عَلى مَسْألَةٍ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ نَسْخُ الحُكْمِ قَبْلَ حُضُورِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ فَقالَ أكْثَرُ أصْحابِنا: إنَّهُ يَجُوزُ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وكَثِيرٌ مِن فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ هَذا التَّكْلِيفَ قَبْلَ حُضُورِ وقْتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى ما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، وإنَّما أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وهَذِهِ مَسْألَةٌ شَرِيفَةٌ مِن مَسائِلِ بابِ النَّسْخِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الأمْرِ قَبْلَ مَجِيءِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ ولَدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَهُ عَنْهُ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِوَلَدِهِ: إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ. فَقالَ الوَلَدُ: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِمُقِدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وأدْخَلَها في الوُجُودِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِشَيْءٍ وقَدْ أتى بِهِ، وفي هَذا المَوْضِعِ لا يَحْتاجُ إلى الفِداءِ، لَكِنَّهُ احْتاجَ إلى الفِداءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ أتى بِالمَأْمُورِ بِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أتى بِكُلِّ مُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أمَرَهُ بِنَفْسِ الذَّبْحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ الحُكْمَ قَبْلَ إثْباتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ بَلْ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ ما أتى بِالذَّبْحِ وإنَّما أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ في المَنامِ بِمُقُدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ وتِلْكَ المُقَدِّماتُ عِبارَةٌ عَنْ إضْجاعِهِ ووَضْعِ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِهِ، والعَزْمِ الصَّحِيحِ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ إنْ ورَدَ الأمْرُ. الثّانِي: الذَّبْحُ عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الحُلْقُومِ فَلَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطَعَ الحُلْقُومَ إلّا أنَّهُ كُلَّما قَطَعَ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَحْصُلِ المَوْتُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ تَعْوِيلُ القَوْمِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أمَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا بِإيقاعِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَسَنٌ، فَإذا أنْهاهُ عَنْهُ فَذَلِكَ النَّهْيُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبِيحٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا النَّهْيُ عَقِيبَ ذَلِكَ الأمْرِ لَزِمَ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كانَ عالِمًا بِحالِ ذَلِكَ الفِعْلِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أمْرٌ بِالقَبِيحِ أوْ نَهْيٌ عَنِ الحَسَنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَزِمَ جَهْلُ اللَّهِ تَعالى وإنَّهُ مُحالٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ. صفحة ١٣٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ تِلْكَ الرُّؤْيا واجِبًا العَمَلُ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما رَآهُ في ذَلِكَ المَنامِ. وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: كُلَّما قَطَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ تَعالى التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ لَما احْتاجَ إلى الفِداءِ وحَيْثُ احْتاجَ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما أُمِرَ بِهِ. وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّهُ يَلْزَمُ إمّا الأمْرُ بِالقَبِيحِ وإمّا الجَهْلُ، فَنَقُولُ: هَذا بِناءٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ حَسَنًا في ذاتِهِ ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ قَبِيحًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ بِناءٌ عَلى تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ وهو باطِلٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ تارَةً يَحْسُنُ لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا وتارَةً لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ يُفِيدُ صِحَّةَ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُرَوِّضَ عَبْدَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إذا جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فافْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الشّاقَّةِ، ويَكُونُ مَقْصُودُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ لَيْسَ أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ العَبْدُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يُوَطِّنَ العَبْدُ نَفْسَهُ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ يُزِيلُ الألَمَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ، فَكَذا هَهُنا، فَما لَمْ تُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ يَتِمَّ كَلامُكم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ وما أرادَ وُقُوعَهُ، أمّا أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ فَلَمّا تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الأُولى. وأمّا أنَّهُ ما أرادَ وُقُوعَهُ فَلِأنَّ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ يَقَعُ، وحَيْثُ لَمْ يَقَعْ هَذا الذَّبْحُ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى ما أرادَ وُقُوعَهُ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْ ذَلِكَ الذَّبْحِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاهِيَ لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما أرادَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَيانِ الحِكْمَةِ في وُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ في النَّوْمِ لا في اليَقَظَةِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَوَرَدَ أوَّلًا في النَّوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ كالمُنَبِّهِ لِوُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ حالُ النَّوْمِ بِأحْوالِ اليَقَظَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَهْجُمُ هَذا التَّكْلِيفُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقالَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَقْوِيَةُ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ؛ لِأنَّ الحالَ إمّا حالُ يَقَظَةٍ وإمّا حالُ مَنامٍ، فَإذا تَظاهَرَتِ الحالَتانِ عَلى الصِّدْقِ، كانَ ذَلِكَ هو النِّهايَةَ في بَيانِ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ صادِقِينَ في كُلِّ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ نَقُولُ: مَقاماتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مِنها ما يَقَعُ عَلى وفْقِ الرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] ثُمَّ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى الضِّدِّ كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ رَأى الذَّبْحَ وكانَ الحاصِلُ هو الفِداءَ والنَّجاةَ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ والمُناسَبَةِ كَما في رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْبَقَ أهْلُ التَّعْبِيرِ عَلى أنَّ صفحة ١٣٧ المَناماتِ واقِعَةٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ما تُرِي مِن نَفْسِكَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. وقِيلَ ما تُشِيرُ، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَمِيلُ ومِنهم مَن لا يَمِيلُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الحِكْمَةُ في مُشاوَرَةِ الِابْنِ في هَذا البابِ أنْ يُطْلِعَ ابْنَهُ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ لِيَظْهَرَ لَهُ صَبْرُهُ في طاعَةِ اللَّهِ، فَتَكُونَ فِيهِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ يَراهُ قَدْ بَلَغَ في الحِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وفي الصَّبْرِ عَلى أشَدِّ المَكارِهِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ ويَحْصُلَ لِلِابْنِ الثَّوابُ العَظِيمُ في الآخِرَةِ والثَّناءُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ومَعْناهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ [بِهِ] * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وإنَّما عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّنِ، وأنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.

الصافات 37:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ صفحة ١٣٣ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أتْبَعُهُ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ وبُلُوغِهِ، فَقالَ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ومَعْناهُ فَلَمّا أدْرَكَ وبَلَغَ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْدِيرُ كائِنًا مَعَهُ، والفائِدَةُ في اعْتِبارِ هَذا المَعْنى أنَّ الأبَ أرْفَقُ النّاسِ بِالوَلَدِ، وغَيْرُهُ رُبَّما عَنَّفَ بِهِ في الِاسْتِسْعاءِ فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَسْتَحْكِمْ قُوَّتُهُ، قالَ بَعْضُهم: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ في الآيَةِ الأُولى بِكَوْنِ ذَلِكِ الغُلامِ حَلِيمًا، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ حِلْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ بِهِ مِن كَمالِ الحِلْمِ وفُسْحَةِ الصَّدْرِ ما قَوّاهُ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ، والإتْيانِ بِذَلِكَ الجَوابِ الحَسَنِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: كانَ إبْراهِيمُ حِينَ بُشِّرَ بِإسْحاقَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَهُ قالَ: هو إذَنْ لِلَّهِ ذَبِيحٌ فَقِيلَ لِإبْراهِيمَ: قَدْ نَذَرْتَ نَذْرًا فَفِ بِنَذْرِكَ فَلَمّا أصْبَحَ ﴿قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ . ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ في مَنامِهِ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا، فَلَمّا أصْبَحَ تَرَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وهَذا هو قَوْلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ في اليَقَظَةِ، وعَلى هَذا فَتَقْدِيرُ اللَّفْظِ: إنِّي أرى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُهُ ورُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بابِ الوَحْيِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَرْئِيُّ في المَنامِ لَيْسَ إلّا أنَّهُ يَذْبَحُ، فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في المَنامِ فَهو حَقٌّ حُجَّةٌ، أوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلِمَ راجَعَ الوَلَدَ في هَذِهِ الواقِعَةِ، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ المَأْمُورِ، وأنْ لا يُراجِعَ الوَلَدَ فِيهِ، وأنْ لا يَقُولَ لَهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وأنْ لا يُوقِفَ العَمَلَ عَلى أنْ يَقُولَ لَهُ الوَلَدُ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ؟ وأيْضًا فَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَقِيَ في اليَوْمِ الأوَّلِ مُتَفَكِّرًا، ولَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في النَّوْمِ فَهو حَقٌّ لَمْ يَكُنْ إلى هَذا التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ حاجَةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي، وهو أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم أنَّ ما يَرَوْنَهُ في المَنامِ حَقٌّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى ذَبْحِ ذَلِكَ الطِّفْلِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِها حُجَّةً ؟ والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عِنْدَ الرُّؤْيا مُتَرَدِّدًا فِيهِ ثُمَّ تَأكَّدَتِ الرُّؤْيا بِالوَحْيِ الصَّرِيحِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذَّبِيحَ مَن هو ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ إسْحاقُ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ والعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وابْنِ مَسْعُودٍ وكَعْبِ الأحْبارِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ صفحة ١٣٤ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ إسْماعِيلُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» «وقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: ”يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ“ فَتَبَسَّمَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا حَفَرَ بِئْرَ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ أمْرَها لَيَذْبَحَنَّ أحَدَ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ، وقالُوا لَهُ افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، والذَّبِيحُ الثّانِي إسْماعِيلُ» . الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ، فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ أيْنَ عَقْلُكَ، ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ، وإنَّما كانَ إسْماعِيلُ بِمَكَّةَ، وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ والمَنحَرَ بِمَكَّةَ ؟ . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ إسْماعِيلَ بِالصَّبْرِ دُونَ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ لَكانَ الأمْرُ بِذَبْحِهِ إمّا أنْ يَقَعَ قَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَشَّرَها بِإسْحاقَ، وبَشَّرَها مَعَهُ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ يَعْقُوبُ فَقَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ لَمْ يَجُزِ الأمْرُ بِذَبْحِهِ، وإلّا حَصَلَ الخُلْفُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ لَمّا قَدَرَ عَلى السَّعْيِ ووَصَلَ إلى حَدِّ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ، وذَلِكَ يُنافِي وُقُوعَ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمانٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْحاقَ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَدًا يَسْتَأْنِسُ بِهِ في غُرْبَتِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ قَبْلَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ الوَلَدُ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ واحِدٌ لَما طَلَبَ الوَلَدَ الواحِدَ؛ لَأنَّ طَلَبَ الحاصِلِ مُحالٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ، وكَلِمَةُ مَن لِلتَّبْعِيضِ وأقَلُّ دَرَجاتِ البَعْضِيَّةِ الواحِدُ فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَحْسُنُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ الأوْلادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ وقَعَ حالَ طَلَبِ الوَلَدِ الأوَّلِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى إسْحاقَ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ هو إسْماعِيلُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قِصَّةَ الذَّبِيحِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في تَعْلِيقِ قَرْنِ الكَبْشِ بِالكَعْبَةِ، فَكانَ الذَّبِيحُ بِمَكَّةَ. ولَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ كانَ الذَّبْحُ بِالشّامِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ بِوَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا أوَّلُها فَإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُهاجَرَتُهُ إلى الشّامِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ لَيْسَ إلّا إسْحاقَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الغُلامِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ هو ذَلِكَ الغُلامُ الَّذِي حَصَلَ في الشّامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ قالَ بَعْدَهُ: صفحة ١٣٥ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ بَشَّرَهُ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وذَكَرَ هَذِهِ البِشارَةَ عَقِيبَ حِكايَةِ تِلْكَ القِصَّةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما بَشَّرَهُ بِهَذِهِ النُّبُوَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَحَمَّلَ هَذِهِ الشَّدائِدَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ ما اشْتَهَرَ مِن كِتابِ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ“ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وكانَ الزَّجّاجُ يَقُولُ: اللَّهُ أعْلَمُ أيُّهُما الذَّبِيحُ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا اخْتِلافُهم في مَوْضِعِ الذَّبْحِ فالَّذِينَ قالُوا: الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. قالُوا: كانَ الذَّبْحُ بِمِنًى، والَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ إسْحاقُ قالُوا: هو بِالشّامِ، وقِيلَ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِهَذا بِما رَأى، وهَذا الِاخْتِلافُ مُفَرَّعٌ عَلى مَسْألَةٍ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ نَسْخُ الحُكْمِ قَبْلَ حُضُورِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ فَقالَ أكْثَرُ أصْحابِنا: إنَّهُ يَجُوزُ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وكَثِيرٌ مِن فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ هَذا التَّكْلِيفَ قَبْلَ حُضُورِ وقْتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى ما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، وإنَّما أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وهَذِهِ مَسْألَةٌ شَرِيفَةٌ مِن مَسائِلِ بابِ النَّسْخِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الأمْرِ قَبْلَ مَجِيءِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ ولَدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَهُ عَنْهُ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِوَلَدِهِ: إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ. فَقالَ الوَلَدُ: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِمُقِدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وأدْخَلَها في الوُجُودِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِشَيْءٍ وقَدْ أتى بِهِ، وفي هَذا المَوْضِعِ لا يَحْتاجُ إلى الفِداءِ، لَكِنَّهُ احْتاجَ إلى الفِداءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ أتى بِالمَأْمُورِ بِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أتى بِكُلِّ مُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أمَرَهُ بِنَفْسِ الذَّبْحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ الحُكْمَ قَبْلَ إثْباتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ بَلْ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ ما أتى بِالذَّبْحِ وإنَّما أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ في المَنامِ بِمُقُدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ وتِلْكَ المُقَدِّماتُ عِبارَةٌ عَنْ إضْجاعِهِ ووَضْعِ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِهِ، والعَزْمِ الصَّحِيحِ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ إنْ ورَدَ الأمْرُ. الثّانِي: الذَّبْحُ عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الحُلْقُومِ فَلَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطَعَ الحُلْقُومَ إلّا أنَّهُ كُلَّما قَطَعَ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَحْصُلِ المَوْتُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ تَعْوِيلُ القَوْمِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أمَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا بِإيقاعِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَسَنٌ، فَإذا أنْهاهُ عَنْهُ فَذَلِكَ النَّهْيُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبِيحٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا النَّهْيُ عَقِيبَ ذَلِكَ الأمْرِ لَزِمَ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كانَ عالِمًا بِحالِ ذَلِكَ الفِعْلِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أمْرٌ بِالقَبِيحِ أوْ نَهْيٌ عَنِ الحَسَنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَزِمَ جَهْلُ اللَّهِ تَعالى وإنَّهُ مُحالٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ. صفحة ١٣٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ تِلْكَ الرُّؤْيا واجِبًا العَمَلُ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما رَآهُ في ذَلِكَ المَنامِ. وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: كُلَّما قَطَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ تَعالى التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ لَما احْتاجَ إلى الفِداءِ وحَيْثُ احْتاجَ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما أُمِرَ بِهِ. وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّهُ يَلْزَمُ إمّا الأمْرُ بِالقَبِيحِ وإمّا الجَهْلُ، فَنَقُولُ: هَذا بِناءٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ حَسَنًا في ذاتِهِ ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ قَبِيحًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ بِناءٌ عَلى تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ وهو باطِلٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ تارَةً يَحْسُنُ لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا وتارَةً لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ يُفِيدُ صِحَّةَ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُرَوِّضَ عَبْدَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إذا جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فافْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الشّاقَّةِ، ويَكُونُ مَقْصُودُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ لَيْسَ أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ العَبْدُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يُوَطِّنَ العَبْدُ نَفْسَهُ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ يُزِيلُ الألَمَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ، فَكَذا هَهُنا، فَما لَمْ تُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ يَتِمَّ كَلامُكم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ وما أرادَ وُقُوعَهُ، أمّا أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ فَلَمّا تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الأُولى. وأمّا أنَّهُ ما أرادَ وُقُوعَهُ فَلِأنَّ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ يَقَعُ، وحَيْثُ لَمْ يَقَعْ هَذا الذَّبْحُ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى ما أرادَ وُقُوعَهُ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْ ذَلِكَ الذَّبْحِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاهِيَ لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما أرادَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَيانِ الحِكْمَةِ في وُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ في النَّوْمِ لا في اليَقَظَةِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَوَرَدَ أوَّلًا في النَّوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ كالمُنَبِّهِ لِوُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ حالُ النَّوْمِ بِأحْوالِ اليَقَظَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَهْجُمُ هَذا التَّكْلِيفُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقالَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَقْوِيَةُ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ؛ لِأنَّ الحالَ إمّا حالُ يَقَظَةٍ وإمّا حالُ مَنامٍ، فَإذا تَظاهَرَتِ الحالَتانِ عَلى الصِّدْقِ، كانَ ذَلِكَ هو النِّهايَةَ في بَيانِ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ صادِقِينَ في كُلِّ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ نَقُولُ: مَقاماتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مِنها ما يَقَعُ عَلى وفْقِ الرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] ثُمَّ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى الضِّدِّ كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ رَأى الذَّبْحَ وكانَ الحاصِلُ هو الفِداءَ والنَّجاةَ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ والمُناسَبَةِ كَما في رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْبَقَ أهْلُ التَّعْبِيرِ عَلى أنَّ صفحة ١٣٧ المَناماتِ واقِعَةٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ما تُرِي مِن نَفْسِكَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. وقِيلَ ما تُشِيرُ، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَمِيلُ ومِنهم مَن لا يَمِيلُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الحِكْمَةُ في مُشاوَرَةِ الِابْنِ في هَذا البابِ أنْ يُطْلِعَ ابْنَهُ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ لِيَظْهَرَ لَهُ صَبْرُهُ في طاعَةِ اللَّهِ، فَتَكُونَ فِيهِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ يَراهُ قَدْ بَلَغَ في الحِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وفي الصَّبْرِ عَلى أشَدِّ المَكارِهِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ ويَحْصُلَ لِلِابْنِ الثَّوابُ العَظِيمُ في الآخِرَةِ والثَّناءُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ومَعْناهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ [بِهِ] * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وإنَّما عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّنِ، وأنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.

الصافات 37:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ صفحة ١٣٣ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أتْبَعُهُ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ وبُلُوغِهِ، فَقالَ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ومَعْناهُ فَلَمّا أدْرَكَ وبَلَغَ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْدِيرُ كائِنًا مَعَهُ، والفائِدَةُ في اعْتِبارِ هَذا المَعْنى أنَّ الأبَ أرْفَقُ النّاسِ بِالوَلَدِ، وغَيْرُهُ رُبَّما عَنَّفَ بِهِ في الِاسْتِسْعاءِ فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَسْتَحْكِمْ قُوَّتُهُ، قالَ بَعْضُهم: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ في الآيَةِ الأُولى بِكَوْنِ ذَلِكِ الغُلامِ حَلِيمًا، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ حِلْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ بِهِ مِن كَمالِ الحِلْمِ وفُسْحَةِ الصَّدْرِ ما قَوّاهُ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ، والإتْيانِ بِذَلِكَ الجَوابِ الحَسَنِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: كانَ إبْراهِيمُ حِينَ بُشِّرَ بِإسْحاقَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَهُ قالَ: هو إذَنْ لِلَّهِ ذَبِيحٌ فَقِيلَ لِإبْراهِيمَ: قَدْ نَذَرْتَ نَذْرًا فَفِ بِنَذْرِكَ فَلَمّا أصْبَحَ ﴿قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ . ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ في مَنامِهِ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا، فَلَمّا أصْبَحَ تَرَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وهَذا هو قَوْلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ في اليَقَظَةِ، وعَلى هَذا فَتَقْدِيرُ اللَّفْظِ: إنِّي أرى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُهُ ورُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بابِ الوَحْيِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَرْئِيُّ في المَنامِ لَيْسَ إلّا أنَّهُ يَذْبَحُ، فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في المَنامِ فَهو حَقٌّ حُجَّةٌ، أوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلِمَ راجَعَ الوَلَدَ في هَذِهِ الواقِعَةِ، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ المَأْمُورِ، وأنْ لا يُراجِعَ الوَلَدَ فِيهِ، وأنْ لا يَقُولَ لَهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وأنْ لا يُوقِفَ العَمَلَ عَلى أنْ يَقُولَ لَهُ الوَلَدُ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ؟ وأيْضًا فَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَقِيَ في اليَوْمِ الأوَّلِ مُتَفَكِّرًا، ولَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في النَّوْمِ فَهو حَقٌّ لَمْ يَكُنْ إلى هَذا التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ حاجَةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي، وهو أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم أنَّ ما يَرَوْنَهُ في المَنامِ حَقٌّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى ذَبْحِ ذَلِكَ الطِّفْلِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِها حُجَّةً ؟ والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عِنْدَ الرُّؤْيا مُتَرَدِّدًا فِيهِ ثُمَّ تَأكَّدَتِ الرُّؤْيا بِالوَحْيِ الصَّرِيحِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذَّبِيحَ مَن هو ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ إسْحاقُ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ والعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وابْنِ مَسْعُودٍ وكَعْبِ الأحْبارِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ صفحة ١٣٤ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ إسْماعِيلُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» «وقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: ”يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ“ فَتَبَسَّمَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا حَفَرَ بِئْرَ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ أمْرَها لَيَذْبَحَنَّ أحَدَ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ، وقالُوا لَهُ افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، والذَّبِيحُ الثّانِي إسْماعِيلُ» . الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ، فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ أيْنَ عَقْلُكَ، ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ، وإنَّما كانَ إسْماعِيلُ بِمَكَّةَ، وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ والمَنحَرَ بِمَكَّةَ ؟ . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ إسْماعِيلَ بِالصَّبْرِ دُونَ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ لَكانَ الأمْرُ بِذَبْحِهِ إمّا أنْ يَقَعَ قَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَشَّرَها بِإسْحاقَ، وبَشَّرَها مَعَهُ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ يَعْقُوبُ فَقَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ لَمْ يَجُزِ الأمْرُ بِذَبْحِهِ، وإلّا حَصَلَ الخُلْفُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ لَمّا قَدَرَ عَلى السَّعْيِ ووَصَلَ إلى حَدِّ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ، وذَلِكَ يُنافِي وُقُوعَ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمانٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْحاقَ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَدًا يَسْتَأْنِسُ بِهِ في غُرْبَتِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ قَبْلَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ الوَلَدُ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ واحِدٌ لَما طَلَبَ الوَلَدَ الواحِدَ؛ لَأنَّ طَلَبَ الحاصِلِ مُحالٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ، وكَلِمَةُ مَن لِلتَّبْعِيضِ وأقَلُّ دَرَجاتِ البَعْضِيَّةِ الواحِدُ فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَحْسُنُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ الأوْلادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ وقَعَ حالَ طَلَبِ الوَلَدِ الأوَّلِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى إسْحاقَ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ هو إسْماعِيلُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قِصَّةَ الذَّبِيحِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في تَعْلِيقِ قَرْنِ الكَبْشِ بِالكَعْبَةِ، فَكانَ الذَّبِيحُ بِمَكَّةَ. ولَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ كانَ الذَّبْحُ بِالشّامِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ بِوَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا أوَّلُها فَإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُهاجَرَتُهُ إلى الشّامِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ لَيْسَ إلّا إسْحاقَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الغُلامِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ هو ذَلِكَ الغُلامُ الَّذِي حَصَلَ في الشّامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ قالَ بَعْدَهُ: صفحة ١٣٥ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ بَشَّرَهُ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وذَكَرَ هَذِهِ البِشارَةَ عَقِيبَ حِكايَةِ تِلْكَ القِصَّةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما بَشَّرَهُ بِهَذِهِ النُّبُوَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَحَمَّلَ هَذِهِ الشَّدائِدَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ ما اشْتَهَرَ مِن كِتابِ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ“ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وكانَ الزَّجّاجُ يَقُولُ: اللَّهُ أعْلَمُ أيُّهُما الذَّبِيحُ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا اخْتِلافُهم في مَوْضِعِ الذَّبْحِ فالَّذِينَ قالُوا: الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. قالُوا: كانَ الذَّبْحُ بِمِنًى، والَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ إسْحاقُ قالُوا: هو بِالشّامِ، وقِيلَ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِهَذا بِما رَأى، وهَذا الِاخْتِلافُ مُفَرَّعٌ عَلى مَسْألَةٍ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ نَسْخُ الحُكْمِ قَبْلَ حُضُورِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ فَقالَ أكْثَرُ أصْحابِنا: إنَّهُ يَجُوزُ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وكَثِيرٌ مِن فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ هَذا التَّكْلِيفَ قَبْلَ حُضُورِ وقْتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى ما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، وإنَّما أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وهَذِهِ مَسْألَةٌ شَرِيفَةٌ مِن مَسائِلِ بابِ النَّسْخِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الأمْرِ قَبْلَ مَجِيءِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ ولَدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَهُ عَنْهُ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِوَلَدِهِ: إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ. فَقالَ الوَلَدُ: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِمُقِدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وأدْخَلَها في الوُجُودِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِشَيْءٍ وقَدْ أتى بِهِ، وفي هَذا المَوْضِعِ لا يَحْتاجُ إلى الفِداءِ، لَكِنَّهُ احْتاجَ إلى الفِداءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ أتى بِالمَأْمُورِ بِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أتى بِكُلِّ مُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أمَرَهُ بِنَفْسِ الذَّبْحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ الحُكْمَ قَبْلَ إثْباتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ بَلْ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ ما أتى بِالذَّبْحِ وإنَّما أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ في المَنامِ بِمُقُدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ وتِلْكَ المُقَدِّماتُ عِبارَةٌ عَنْ إضْجاعِهِ ووَضْعِ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِهِ، والعَزْمِ الصَّحِيحِ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ إنْ ورَدَ الأمْرُ. الثّانِي: الذَّبْحُ عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الحُلْقُومِ فَلَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطَعَ الحُلْقُومَ إلّا أنَّهُ كُلَّما قَطَعَ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَحْصُلِ المَوْتُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ تَعْوِيلُ القَوْمِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أمَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا بِإيقاعِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَسَنٌ، فَإذا أنْهاهُ عَنْهُ فَذَلِكَ النَّهْيُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبِيحٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا النَّهْيُ عَقِيبَ ذَلِكَ الأمْرِ لَزِمَ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كانَ عالِمًا بِحالِ ذَلِكَ الفِعْلِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أمْرٌ بِالقَبِيحِ أوْ نَهْيٌ عَنِ الحَسَنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَزِمَ جَهْلُ اللَّهِ تَعالى وإنَّهُ مُحالٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ. صفحة ١٣٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ تِلْكَ الرُّؤْيا واجِبًا العَمَلُ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما رَآهُ في ذَلِكَ المَنامِ. وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: كُلَّما قَطَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ تَعالى التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ لَما احْتاجَ إلى الفِداءِ وحَيْثُ احْتاجَ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما أُمِرَ بِهِ. وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّهُ يَلْزَمُ إمّا الأمْرُ بِالقَبِيحِ وإمّا الجَهْلُ، فَنَقُولُ: هَذا بِناءٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ حَسَنًا في ذاتِهِ ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ قَبِيحًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ بِناءٌ عَلى تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ وهو باطِلٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ تارَةً يَحْسُنُ لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا وتارَةً لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ يُفِيدُ صِحَّةَ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُرَوِّضَ عَبْدَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إذا جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فافْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الشّاقَّةِ، ويَكُونُ مَقْصُودُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ لَيْسَ أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ العَبْدُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يُوَطِّنَ العَبْدُ نَفْسَهُ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ يُزِيلُ الألَمَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ، فَكَذا هَهُنا، فَما لَمْ تُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ يَتِمَّ كَلامُكم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ وما أرادَ وُقُوعَهُ، أمّا أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ فَلَمّا تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الأُولى. وأمّا أنَّهُ ما أرادَ وُقُوعَهُ فَلِأنَّ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ يَقَعُ، وحَيْثُ لَمْ يَقَعْ هَذا الذَّبْحُ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى ما أرادَ وُقُوعَهُ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْ ذَلِكَ الذَّبْحِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاهِيَ لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما أرادَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَيانِ الحِكْمَةِ في وُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ في النَّوْمِ لا في اليَقَظَةِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَوَرَدَ أوَّلًا في النَّوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ كالمُنَبِّهِ لِوُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ حالُ النَّوْمِ بِأحْوالِ اليَقَظَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَهْجُمُ هَذا التَّكْلِيفُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقالَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَقْوِيَةُ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ؛ لِأنَّ الحالَ إمّا حالُ يَقَظَةٍ وإمّا حالُ مَنامٍ، فَإذا تَظاهَرَتِ الحالَتانِ عَلى الصِّدْقِ، كانَ ذَلِكَ هو النِّهايَةَ في بَيانِ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ صادِقِينَ في كُلِّ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ نَقُولُ: مَقاماتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مِنها ما يَقَعُ عَلى وفْقِ الرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] ثُمَّ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى الضِّدِّ كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ رَأى الذَّبْحَ وكانَ الحاصِلُ هو الفِداءَ والنَّجاةَ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ والمُناسَبَةِ كَما في رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْبَقَ أهْلُ التَّعْبِيرِ عَلى أنَّ صفحة ١٣٧ المَناماتِ واقِعَةٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ما تُرِي مِن نَفْسِكَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. وقِيلَ ما تُشِيرُ، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَمِيلُ ومِنهم مَن لا يَمِيلُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الحِكْمَةُ في مُشاوَرَةِ الِابْنِ في هَذا البابِ أنْ يُطْلِعَ ابْنَهُ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ لِيَظْهَرَ لَهُ صَبْرُهُ في طاعَةِ اللَّهِ، فَتَكُونَ فِيهِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ يَراهُ قَدْ بَلَغَ في الحِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وفي الصَّبْرِ عَلى أشَدِّ المَكارِهِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ ويَحْصُلَ لِلِابْنِ الثَّوابُ العَظِيمُ في الآخِرَةِ والثَّناءُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ومَعْناهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ [بِهِ] * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وإنَّما عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّنِ، وأنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.

الصافات 37:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ صفحة ١٣٣ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أتْبَعُهُ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ وبُلُوغِهِ، فَقالَ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ومَعْناهُ فَلَمّا أدْرَكَ وبَلَغَ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْدِيرُ كائِنًا مَعَهُ، والفائِدَةُ في اعْتِبارِ هَذا المَعْنى أنَّ الأبَ أرْفَقُ النّاسِ بِالوَلَدِ، وغَيْرُهُ رُبَّما عَنَّفَ بِهِ في الِاسْتِسْعاءِ فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَسْتَحْكِمْ قُوَّتُهُ، قالَ بَعْضُهم: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ في الآيَةِ الأُولى بِكَوْنِ ذَلِكِ الغُلامِ حَلِيمًا، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ حِلْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ بِهِ مِن كَمالِ الحِلْمِ وفُسْحَةِ الصَّدْرِ ما قَوّاهُ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ، والإتْيانِ بِذَلِكَ الجَوابِ الحَسَنِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: كانَ إبْراهِيمُ حِينَ بُشِّرَ بِإسْحاقَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَهُ قالَ: هو إذَنْ لِلَّهِ ذَبِيحٌ فَقِيلَ لِإبْراهِيمَ: قَدْ نَذَرْتَ نَذْرًا فَفِ بِنَذْرِكَ فَلَمّا أصْبَحَ ﴿قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ . ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ في مَنامِهِ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا، فَلَمّا أصْبَحَ تَرَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وهَذا هو قَوْلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ في اليَقَظَةِ، وعَلى هَذا فَتَقْدِيرُ اللَّفْظِ: إنِّي أرى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُهُ ورُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بابِ الوَحْيِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَرْئِيُّ في المَنامِ لَيْسَ إلّا أنَّهُ يَذْبَحُ، فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في المَنامِ فَهو حَقٌّ حُجَّةٌ، أوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلِمَ راجَعَ الوَلَدَ في هَذِهِ الواقِعَةِ، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ المَأْمُورِ، وأنْ لا يُراجِعَ الوَلَدَ فِيهِ، وأنْ لا يَقُولَ لَهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وأنْ لا يُوقِفَ العَمَلَ عَلى أنْ يَقُولَ لَهُ الوَلَدُ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ؟ وأيْضًا فَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَقِيَ في اليَوْمِ الأوَّلِ مُتَفَكِّرًا، ولَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في النَّوْمِ فَهو حَقٌّ لَمْ يَكُنْ إلى هَذا التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ حاجَةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي، وهو أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم أنَّ ما يَرَوْنَهُ في المَنامِ حَقٌّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى ذَبْحِ ذَلِكَ الطِّفْلِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِها حُجَّةً ؟ والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عِنْدَ الرُّؤْيا مُتَرَدِّدًا فِيهِ ثُمَّ تَأكَّدَتِ الرُّؤْيا بِالوَحْيِ الصَّرِيحِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذَّبِيحَ مَن هو ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ إسْحاقُ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ والعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وابْنِ مَسْعُودٍ وكَعْبِ الأحْبارِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ صفحة ١٣٤ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ إسْماعِيلُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» «وقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: ”يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ“ فَتَبَسَّمَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا حَفَرَ بِئْرَ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ أمْرَها لَيَذْبَحَنَّ أحَدَ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ، وقالُوا لَهُ افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، والذَّبِيحُ الثّانِي إسْماعِيلُ» . الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ، فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ أيْنَ عَقْلُكَ، ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ، وإنَّما كانَ إسْماعِيلُ بِمَكَّةَ، وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ والمَنحَرَ بِمَكَّةَ ؟ . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ إسْماعِيلَ بِالصَّبْرِ دُونَ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ لَكانَ الأمْرُ بِذَبْحِهِ إمّا أنْ يَقَعَ قَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَشَّرَها بِإسْحاقَ، وبَشَّرَها مَعَهُ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ يَعْقُوبُ فَقَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ لَمْ يَجُزِ الأمْرُ بِذَبْحِهِ، وإلّا حَصَلَ الخُلْفُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ لَمّا قَدَرَ عَلى السَّعْيِ ووَصَلَ إلى حَدِّ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ، وذَلِكَ يُنافِي وُقُوعَ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمانٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْحاقَ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَدًا يَسْتَأْنِسُ بِهِ في غُرْبَتِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ قَبْلَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ الوَلَدُ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ واحِدٌ لَما طَلَبَ الوَلَدَ الواحِدَ؛ لَأنَّ طَلَبَ الحاصِلِ مُحالٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ، وكَلِمَةُ مَن لِلتَّبْعِيضِ وأقَلُّ دَرَجاتِ البَعْضِيَّةِ الواحِدُ فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَحْسُنُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ الأوْلادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ وقَعَ حالَ طَلَبِ الوَلَدِ الأوَّلِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى إسْحاقَ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ هو إسْماعِيلُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قِصَّةَ الذَّبِيحِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في تَعْلِيقِ قَرْنِ الكَبْشِ بِالكَعْبَةِ، فَكانَ الذَّبِيحُ بِمَكَّةَ. ولَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ كانَ الذَّبْحُ بِالشّامِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ بِوَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا أوَّلُها فَإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُهاجَرَتُهُ إلى الشّامِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ لَيْسَ إلّا إسْحاقَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الغُلامِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ هو ذَلِكَ الغُلامُ الَّذِي حَصَلَ في الشّامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ قالَ بَعْدَهُ: صفحة ١٣٥ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ بَشَّرَهُ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وذَكَرَ هَذِهِ البِشارَةَ عَقِيبَ حِكايَةِ تِلْكَ القِصَّةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما بَشَّرَهُ بِهَذِهِ النُّبُوَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَحَمَّلَ هَذِهِ الشَّدائِدَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ ما اشْتَهَرَ مِن كِتابِ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ“ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وكانَ الزَّجّاجُ يَقُولُ: اللَّهُ أعْلَمُ أيُّهُما الذَّبِيحُ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا اخْتِلافُهم في مَوْضِعِ الذَّبْحِ فالَّذِينَ قالُوا: الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. قالُوا: كانَ الذَّبْحُ بِمِنًى، والَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ إسْحاقُ قالُوا: هو بِالشّامِ، وقِيلَ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِهَذا بِما رَأى، وهَذا الِاخْتِلافُ مُفَرَّعٌ عَلى مَسْألَةٍ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ نَسْخُ الحُكْمِ قَبْلَ حُضُورِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ فَقالَ أكْثَرُ أصْحابِنا: إنَّهُ يَجُوزُ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وكَثِيرٌ مِن فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ هَذا التَّكْلِيفَ قَبْلَ حُضُورِ وقْتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى ما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، وإنَّما أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وهَذِهِ مَسْألَةٌ شَرِيفَةٌ مِن مَسائِلِ بابِ النَّسْخِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الأمْرِ قَبْلَ مَجِيءِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ ولَدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَهُ عَنْهُ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِوَلَدِهِ: إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ. فَقالَ الوَلَدُ: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِمُقِدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وأدْخَلَها في الوُجُودِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِشَيْءٍ وقَدْ أتى بِهِ، وفي هَذا المَوْضِعِ لا يَحْتاجُ إلى الفِداءِ، لَكِنَّهُ احْتاجَ إلى الفِداءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ أتى بِالمَأْمُورِ بِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أتى بِكُلِّ مُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أمَرَهُ بِنَفْسِ الذَّبْحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ الحُكْمَ قَبْلَ إثْباتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ بَلْ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ ما أتى بِالذَّبْحِ وإنَّما أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ في المَنامِ بِمُقُدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ وتِلْكَ المُقَدِّماتُ عِبارَةٌ عَنْ إضْجاعِهِ ووَضْعِ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِهِ، والعَزْمِ الصَّحِيحِ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ إنْ ورَدَ الأمْرُ. الثّانِي: الذَّبْحُ عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الحُلْقُومِ فَلَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطَعَ الحُلْقُومَ إلّا أنَّهُ كُلَّما قَطَعَ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَحْصُلِ المَوْتُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ تَعْوِيلُ القَوْمِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أمَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا بِإيقاعِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَسَنٌ، فَإذا أنْهاهُ عَنْهُ فَذَلِكَ النَّهْيُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبِيحٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا النَّهْيُ عَقِيبَ ذَلِكَ الأمْرِ لَزِمَ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كانَ عالِمًا بِحالِ ذَلِكَ الفِعْلِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أمْرٌ بِالقَبِيحِ أوْ نَهْيٌ عَنِ الحَسَنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَزِمَ جَهْلُ اللَّهِ تَعالى وإنَّهُ مُحالٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ. صفحة ١٣٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ تِلْكَ الرُّؤْيا واجِبًا العَمَلُ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما رَآهُ في ذَلِكَ المَنامِ. وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: كُلَّما قَطَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ تَعالى التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ لَما احْتاجَ إلى الفِداءِ وحَيْثُ احْتاجَ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما أُمِرَ بِهِ. وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّهُ يَلْزَمُ إمّا الأمْرُ بِالقَبِيحِ وإمّا الجَهْلُ، فَنَقُولُ: هَذا بِناءٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ حَسَنًا في ذاتِهِ ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ قَبِيحًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ بِناءٌ عَلى تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ وهو باطِلٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ تارَةً يَحْسُنُ لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا وتارَةً لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ يُفِيدُ صِحَّةَ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُرَوِّضَ عَبْدَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إذا جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فافْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الشّاقَّةِ، ويَكُونُ مَقْصُودُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ لَيْسَ أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ العَبْدُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يُوَطِّنَ العَبْدُ نَفْسَهُ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ يُزِيلُ الألَمَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ، فَكَذا هَهُنا، فَما لَمْ تُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ يَتِمَّ كَلامُكم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ وما أرادَ وُقُوعَهُ، أمّا أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ فَلَمّا تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الأُولى. وأمّا أنَّهُ ما أرادَ وُقُوعَهُ فَلِأنَّ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ يَقَعُ، وحَيْثُ لَمْ يَقَعْ هَذا الذَّبْحُ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى ما أرادَ وُقُوعَهُ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْ ذَلِكَ الذَّبْحِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاهِيَ لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما أرادَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَيانِ الحِكْمَةِ في وُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ في النَّوْمِ لا في اليَقَظَةِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَوَرَدَ أوَّلًا في النَّوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ كالمُنَبِّهِ لِوُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ حالُ النَّوْمِ بِأحْوالِ اليَقَظَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَهْجُمُ هَذا التَّكْلِيفُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقالَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَقْوِيَةُ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ؛ لِأنَّ الحالَ إمّا حالُ يَقَظَةٍ وإمّا حالُ مَنامٍ، فَإذا تَظاهَرَتِ الحالَتانِ عَلى الصِّدْقِ، كانَ ذَلِكَ هو النِّهايَةَ في بَيانِ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ صادِقِينَ في كُلِّ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ نَقُولُ: مَقاماتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مِنها ما يَقَعُ عَلى وفْقِ الرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] ثُمَّ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى الضِّدِّ كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ رَأى الذَّبْحَ وكانَ الحاصِلُ هو الفِداءَ والنَّجاةَ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ والمُناسَبَةِ كَما في رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْبَقَ أهْلُ التَّعْبِيرِ عَلى أنَّ صفحة ١٣٧ المَناماتِ واقِعَةٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ما تُرِي مِن نَفْسِكَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. وقِيلَ ما تُشِيرُ، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَمِيلُ ومِنهم مَن لا يَمِيلُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الحِكْمَةُ في مُشاوَرَةِ الِابْنِ في هَذا البابِ أنْ يُطْلِعَ ابْنَهُ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ لِيَظْهَرَ لَهُ صَبْرُهُ في طاعَةِ اللَّهِ، فَتَكُونَ فِيهِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ يَراهُ قَدْ بَلَغَ في الحِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وفي الصَّبْرِ عَلى أشَدِّ المَكارِهِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ ويَحْصُلَ لِلِابْنِ الثَّوابُ العَظِيمُ في الآخِرَةِ والثَّناءُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ومَعْناهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ [بِهِ] * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وإنَّما عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّنِ، وأنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.

الصافات 37:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ صفحة ١٣٣ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أتْبَعُهُ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ وبُلُوغِهِ، فَقالَ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ومَعْناهُ فَلَمّا أدْرَكَ وبَلَغَ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْدِيرُ كائِنًا مَعَهُ، والفائِدَةُ في اعْتِبارِ هَذا المَعْنى أنَّ الأبَ أرْفَقُ النّاسِ بِالوَلَدِ، وغَيْرُهُ رُبَّما عَنَّفَ بِهِ في الِاسْتِسْعاءِ فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَسْتَحْكِمْ قُوَّتُهُ، قالَ بَعْضُهم: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ في الآيَةِ الأُولى بِكَوْنِ ذَلِكِ الغُلامِ حَلِيمًا، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ حِلْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ بِهِ مِن كَمالِ الحِلْمِ وفُسْحَةِ الصَّدْرِ ما قَوّاهُ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ، والإتْيانِ بِذَلِكَ الجَوابِ الحَسَنِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: كانَ إبْراهِيمُ حِينَ بُشِّرَ بِإسْحاقَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَهُ قالَ: هو إذَنْ لِلَّهِ ذَبِيحٌ فَقِيلَ لِإبْراهِيمَ: قَدْ نَذَرْتَ نَذْرًا فَفِ بِنَذْرِكَ فَلَمّا أصْبَحَ ﴿قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ . ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ في مَنامِهِ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا، فَلَمّا أصْبَحَ تَرَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وهَذا هو قَوْلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ في اليَقَظَةِ، وعَلى هَذا فَتَقْدِيرُ اللَّفْظِ: إنِّي أرى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُهُ ورُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بابِ الوَحْيِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَرْئِيُّ في المَنامِ لَيْسَ إلّا أنَّهُ يَذْبَحُ، فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في المَنامِ فَهو حَقٌّ حُجَّةٌ، أوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلِمَ راجَعَ الوَلَدَ في هَذِهِ الواقِعَةِ، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ المَأْمُورِ، وأنْ لا يُراجِعَ الوَلَدَ فِيهِ، وأنْ لا يَقُولَ لَهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وأنْ لا يُوقِفَ العَمَلَ عَلى أنْ يَقُولَ لَهُ الوَلَدُ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ؟ وأيْضًا فَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَقِيَ في اليَوْمِ الأوَّلِ مُتَفَكِّرًا، ولَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في النَّوْمِ فَهو حَقٌّ لَمْ يَكُنْ إلى هَذا التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ حاجَةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي، وهو أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم أنَّ ما يَرَوْنَهُ في المَنامِ حَقٌّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى ذَبْحِ ذَلِكَ الطِّفْلِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِها حُجَّةً ؟ والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عِنْدَ الرُّؤْيا مُتَرَدِّدًا فِيهِ ثُمَّ تَأكَّدَتِ الرُّؤْيا بِالوَحْيِ الصَّرِيحِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذَّبِيحَ مَن هو ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ إسْحاقُ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ والعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وابْنِ مَسْعُودٍ وكَعْبِ الأحْبارِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ صفحة ١٣٤ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ إسْماعِيلُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» «وقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: ”يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ“ فَتَبَسَّمَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا حَفَرَ بِئْرَ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ أمْرَها لَيَذْبَحَنَّ أحَدَ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ، وقالُوا لَهُ افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، والذَّبِيحُ الثّانِي إسْماعِيلُ» . الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ، فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ أيْنَ عَقْلُكَ، ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ، وإنَّما كانَ إسْماعِيلُ بِمَكَّةَ، وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ والمَنحَرَ بِمَكَّةَ ؟ . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ إسْماعِيلَ بِالصَّبْرِ دُونَ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ لَكانَ الأمْرُ بِذَبْحِهِ إمّا أنْ يَقَعَ قَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَشَّرَها بِإسْحاقَ، وبَشَّرَها مَعَهُ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ يَعْقُوبُ فَقَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ لَمْ يَجُزِ الأمْرُ بِذَبْحِهِ، وإلّا حَصَلَ الخُلْفُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ لَمّا قَدَرَ عَلى السَّعْيِ ووَصَلَ إلى حَدِّ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ، وذَلِكَ يُنافِي وُقُوعَ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمانٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْحاقَ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَدًا يَسْتَأْنِسُ بِهِ في غُرْبَتِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ قَبْلَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ الوَلَدُ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ واحِدٌ لَما طَلَبَ الوَلَدَ الواحِدَ؛ لَأنَّ طَلَبَ الحاصِلِ مُحالٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ، وكَلِمَةُ مَن لِلتَّبْعِيضِ وأقَلُّ دَرَجاتِ البَعْضِيَّةِ الواحِدُ فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَحْسُنُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ الأوْلادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ وقَعَ حالَ طَلَبِ الوَلَدِ الأوَّلِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى إسْحاقَ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ هو إسْماعِيلُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قِصَّةَ الذَّبِيحِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في تَعْلِيقِ قَرْنِ الكَبْشِ بِالكَعْبَةِ، فَكانَ الذَّبِيحُ بِمَكَّةَ. ولَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ كانَ الذَّبْحُ بِالشّامِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ بِوَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا أوَّلُها فَإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُهاجَرَتُهُ إلى الشّامِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ لَيْسَ إلّا إسْحاقَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الغُلامِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ هو ذَلِكَ الغُلامُ الَّذِي حَصَلَ في الشّامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ قالَ بَعْدَهُ: صفحة ١٣٥ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ بَشَّرَهُ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وذَكَرَ هَذِهِ البِشارَةَ عَقِيبَ حِكايَةِ تِلْكَ القِصَّةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما بَشَّرَهُ بِهَذِهِ النُّبُوَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَحَمَّلَ هَذِهِ الشَّدائِدَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ ما اشْتَهَرَ مِن كِتابِ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ“ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وكانَ الزَّجّاجُ يَقُولُ: اللَّهُ أعْلَمُ أيُّهُما الذَّبِيحُ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا اخْتِلافُهم في مَوْضِعِ الذَّبْحِ فالَّذِينَ قالُوا: الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. قالُوا: كانَ الذَّبْحُ بِمِنًى، والَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ إسْحاقُ قالُوا: هو بِالشّامِ، وقِيلَ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِهَذا بِما رَأى، وهَذا الِاخْتِلافُ مُفَرَّعٌ عَلى مَسْألَةٍ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ نَسْخُ الحُكْمِ قَبْلَ حُضُورِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ فَقالَ أكْثَرُ أصْحابِنا: إنَّهُ يَجُوزُ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وكَثِيرٌ مِن فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ هَذا التَّكْلِيفَ قَبْلَ حُضُورِ وقْتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى ما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، وإنَّما أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وهَذِهِ مَسْألَةٌ شَرِيفَةٌ مِن مَسائِلِ بابِ النَّسْخِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الأمْرِ قَبْلَ مَجِيءِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ ولَدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَهُ عَنْهُ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِوَلَدِهِ: إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ. فَقالَ الوَلَدُ: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِمُقِدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وأدْخَلَها في الوُجُودِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِشَيْءٍ وقَدْ أتى بِهِ، وفي هَذا المَوْضِعِ لا يَحْتاجُ إلى الفِداءِ، لَكِنَّهُ احْتاجَ إلى الفِداءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ أتى بِالمَأْمُورِ بِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أتى بِكُلِّ مُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أمَرَهُ بِنَفْسِ الذَّبْحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ الحُكْمَ قَبْلَ إثْباتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ بَلْ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ ما أتى بِالذَّبْحِ وإنَّما أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ في المَنامِ بِمُقُدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ وتِلْكَ المُقَدِّماتُ عِبارَةٌ عَنْ إضْجاعِهِ ووَضْعِ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِهِ، والعَزْمِ الصَّحِيحِ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ إنْ ورَدَ الأمْرُ. الثّانِي: الذَّبْحُ عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الحُلْقُومِ فَلَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطَعَ الحُلْقُومَ إلّا أنَّهُ كُلَّما قَطَعَ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَحْصُلِ المَوْتُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ تَعْوِيلُ القَوْمِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أمَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا بِإيقاعِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَسَنٌ، فَإذا أنْهاهُ عَنْهُ فَذَلِكَ النَّهْيُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبِيحٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا النَّهْيُ عَقِيبَ ذَلِكَ الأمْرِ لَزِمَ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كانَ عالِمًا بِحالِ ذَلِكَ الفِعْلِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أمْرٌ بِالقَبِيحِ أوْ نَهْيٌ عَنِ الحَسَنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَزِمَ جَهْلُ اللَّهِ تَعالى وإنَّهُ مُحالٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ. صفحة ١٣٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ تِلْكَ الرُّؤْيا واجِبًا العَمَلُ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما رَآهُ في ذَلِكَ المَنامِ. وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: كُلَّما قَطَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ تَعالى التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ لَما احْتاجَ إلى الفِداءِ وحَيْثُ احْتاجَ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما أُمِرَ بِهِ. وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّهُ يَلْزَمُ إمّا الأمْرُ بِالقَبِيحِ وإمّا الجَهْلُ، فَنَقُولُ: هَذا بِناءٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ حَسَنًا في ذاتِهِ ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ قَبِيحًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ بِناءٌ عَلى تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ وهو باطِلٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ تارَةً يَحْسُنُ لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا وتارَةً لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ يُفِيدُ صِحَّةَ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُرَوِّضَ عَبْدَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إذا جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فافْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الشّاقَّةِ، ويَكُونُ مَقْصُودُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ لَيْسَ أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ العَبْدُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يُوَطِّنَ العَبْدُ نَفْسَهُ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ يُزِيلُ الألَمَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ، فَكَذا هَهُنا، فَما لَمْ تُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ يَتِمَّ كَلامُكم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ وما أرادَ وُقُوعَهُ، أمّا أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ فَلَمّا تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الأُولى. وأمّا أنَّهُ ما أرادَ وُقُوعَهُ فَلِأنَّ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ يَقَعُ، وحَيْثُ لَمْ يَقَعْ هَذا الذَّبْحُ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى ما أرادَ وُقُوعَهُ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْ ذَلِكَ الذَّبْحِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاهِيَ لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما أرادَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَيانِ الحِكْمَةِ في وُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ في النَّوْمِ لا في اليَقَظَةِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَوَرَدَ أوَّلًا في النَّوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ كالمُنَبِّهِ لِوُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ حالُ النَّوْمِ بِأحْوالِ اليَقَظَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَهْجُمُ هَذا التَّكْلِيفُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقالَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَقْوِيَةُ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ؛ لِأنَّ الحالَ إمّا حالُ يَقَظَةٍ وإمّا حالُ مَنامٍ، فَإذا تَظاهَرَتِ الحالَتانِ عَلى الصِّدْقِ، كانَ ذَلِكَ هو النِّهايَةَ في بَيانِ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ صادِقِينَ في كُلِّ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ نَقُولُ: مَقاماتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مِنها ما يَقَعُ عَلى وفْقِ الرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] ثُمَّ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى الضِّدِّ كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ رَأى الذَّبْحَ وكانَ الحاصِلُ هو الفِداءَ والنَّجاةَ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ والمُناسَبَةِ كَما في رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْبَقَ أهْلُ التَّعْبِيرِ عَلى أنَّ صفحة ١٣٧ المَناماتِ واقِعَةٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ما تُرِي مِن نَفْسِكَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. وقِيلَ ما تُشِيرُ، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَمِيلُ ومِنهم مَن لا يَمِيلُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الحِكْمَةُ في مُشاوَرَةِ الِابْنِ في هَذا البابِ أنْ يُطْلِعَ ابْنَهُ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ لِيَظْهَرَ لَهُ صَبْرُهُ في طاعَةِ اللَّهِ، فَتَكُونَ فِيهِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ يَراهُ قَدْ بَلَغَ في الحِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وفي الصَّبْرِ عَلى أشَدِّ المَكارِهِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ ويَحْصُلَ لِلِابْنِ الثَّوابُ العَظِيمُ في الآخِرَةِ والثَّناءُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ومَعْناهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ [بِهِ] * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وإنَّما عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّنِ، وأنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.

الصافات 37:108

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ صفحة ١٣٣ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أتْبَعُهُ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ وبُلُوغِهِ، فَقالَ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ومَعْناهُ فَلَمّا أدْرَكَ وبَلَغَ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْدِيرُ كائِنًا مَعَهُ، والفائِدَةُ في اعْتِبارِ هَذا المَعْنى أنَّ الأبَ أرْفَقُ النّاسِ بِالوَلَدِ، وغَيْرُهُ رُبَّما عَنَّفَ بِهِ في الِاسْتِسْعاءِ فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَسْتَحْكِمْ قُوَّتُهُ، قالَ بَعْضُهم: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ في الآيَةِ الأُولى بِكَوْنِ ذَلِكِ الغُلامِ حَلِيمًا، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ حِلْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ بِهِ مِن كَمالِ الحِلْمِ وفُسْحَةِ الصَّدْرِ ما قَوّاهُ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ، والإتْيانِ بِذَلِكَ الجَوابِ الحَسَنِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: كانَ إبْراهِيمُ حِينَ بُشِّرَ بِإسْحاقَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَهُ قالَ: هو إذَنْ لِلَّهِ ذَبِيحٌ فَقِيلَ لِإبْراهِيمَ: قَدْ نَذَرْتَ نَذْرًا فَفِ بِنَذْرِكَ فَلَمّا أصْبَحَ ﴿قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ . ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ في مَنامِهِ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا، فَلَمّا أصْبَحَ تَرَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وهَذا هو قَوْلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ في اليَقَظَةِ، وعَلى هَذا فَتَقْدِيرُ اللَّفْظِ: إنِّي أرى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُهُ ورُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بابِ الوَحْيِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَرْئِيُّ في المَنامِ لَيْسَ إلّا أنَّهُ يَذْبَحُ، فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في المَنامِ فَهو حَقٌّ حُجَّةٌ، أوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلِمَ راجَعَ الوَلَدَ في هَذِهِ الواقِعَةِ، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ المَأْمُورِ، وأنْ لا يُراجِعَ الوَلَدَ فِيهِ، وأنْ لا يَقُولَ لَهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وأنْ لا يُوقِفَ العَمَلَ عَلى أنْ يَقُولَ لَهُ الوَلَدُ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ؟ وأيْضًا فَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَقِيَ في اليَوْمِ الأوَّلِ مُتَفَكِّرًا، ولَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في النَّوْمِ فَهو حَقٌّ لَمْ يَكُنْ إلى هَذا التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ حاجَةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي، وهو أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم أنَّ ما يَرَوْنَهُ في المَنامِ حَقٌّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى ذَبْحِ ذَلِكَ الطِّفْلِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِها حُجَّةً ؟ والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عِنْدَ الرُّؤْيا مُتَرَدِّدًا فِيهِ ثُمَّ تَأكَّدَتِ الرُّؤْيا بِالوَحْيِ الصَّرِيحِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذَّبِيحَ مَن هو ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ إسْحاقُ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ والعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وابْنِ مَسْعُودٍ وكَعْبِ الأحْبارِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ صفحة ١٣٤ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ إسْماعِيلُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» «وقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: ”يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ“ فَتَبَسَّمَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا حَفَرَ بِئْرَ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ أمْرَها لَيَذْبَحَنَّ أحَدَ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ، وقالُوا لَهُ افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، والذَّبِيحُ الثّانِي إسْماعِيلُ» . الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ، فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ أيْنَ عَقْلُكَ، ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ، وإنَّما كانَ إسْماعِيلُ بِمَكَّةَ، وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ والمَنحَرَ بِمَكَّةَ ؟ . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ إسْماعِيلَ بِالصَّبْرِ دُونَ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ لَكانَ الأمْرُ بِذَبْحِهِ إمّا أنْ يَقَعَ قَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَشَّرَها بِإسْحاقَ، وبَشَّرَها مَعَهُ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ يَعْقُوبُ فَقَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ لَمْ يَجُزِ الأمْرُ بِذَبْحِهِ، وإلّا حَصَلَ الخُلْفُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ لَمّا قَدَرَ عَلى السَّعْيِ ووَصَلَ إلى حَدِّ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ، وذَلِكَ يُنافِي وُقُوعَ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمانٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْحاقَ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَدًا يَسْتَأْنِسُ بِهِ في غُرْبَتِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ قَبْلَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ الوَلَدُ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ واحِدٌ لَما طَلَبَ الوَلَدَ الواحِدَ؛ لَأنَّ طَلَبَ الحاصِلِ مُحالٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ، وكَلِمَةُ مَن لِلتَّبْعِيضِ وأقَلُّ دَرَجاتِ البَعْضِيَّةِ الواحِدُ فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَحْسُنُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ الأوْلادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ وقَعَ حالَ طَلَبِ الوَلَدِ الأوَّلِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى إسْحاقَ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ هو إسْماعِيلُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قِصَّةَ الذَّبِيحِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في تَعْلِيقِ قَرْنِ الكَبْشِ بِالكَعْبَةِ، فَكانَ الذَّبِيحُ بِمَكَّةَ. ولَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ كانَ الذَّبْحُ بِالشّامِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ بِوَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا أوَّلُها فَإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُهاجَرَتُهُ إلى الشّامِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ لَيْسَ إلّا إسْحاقَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الغُلامِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ هو ذَلِكَ الغُلامُ الَّذِي حَصَلَ في الشّامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ قالَ بَعْدَهُ: صفحة ١٣٥ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ بَشَّرَهُ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وذَكَرَ هَذِهِ البِشارَةَ عَقِيبَ حِكايَةِ تِلْكَ القِصَّةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما بَشَّرَهُ بِهَذِهِ النُّبُوَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَحَمَّلَ هَذِهِ الشَّدائِدَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ ما اشْتَهَرَ مِن كِتابِ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ“ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وكانَ الزَّجّاجُ يَقُولُ: اللَّهُ أعْلَمُ أيُّهُما الذَّبِيحُ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا اخْتِلافُهم في مَوْضِعِ الذَّبْحِ فالَّذِينَ قالُوا: الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. قالُوا: كانَ الذَّبْحُ بِمِنًى، والَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ إسْحاقُ قالُوا: هو بِالشّامِ، وقِيلَ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِهَذا بِما رَأى، وهَذا الِاخْتِلافُ مُفَرَّعٌ عَلى مَسْألَةٍ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ نَسْخُ الحُكْمِ قَبْلَ حُضُورِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ فَقالَ أكْثَرُ أصْحابِنا: إنَّهُ يَجُوزُ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وكَثِيرٌ مِن فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ هَذا التَّكْلِيفَ قَبْلَ حُضُورِ وقْتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى ما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، وإنَّما أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وهَذِهِ مَسْألَةٌ شَرِيفَةٌ مِن مَسائِلِ بابِ النَّسْخِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الأمْرِ قَبْلَ مَجِيءِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ ولَدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَهُ عَنْهُ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِوَلَدِهِ: إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ. فَقالَ الوَلَدُ: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِمُقِدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وأدْخَلَها في الوُجُودِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِشَيْءٍ وقَدْ أتى بِهِ، وفي هَذا المَوْضِعِ لا يَحْتاجُ إلى الفِداءِ، لَكِنَّهُ احْتاجَ إلى الفِداءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ أتى بِالمَأْمُورِ بِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أتى بِكُلِّ مُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أمَرَهُ بِنَفْسِ الذَّبْحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ الحُكْمَ قَبْلَ إثْباتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ بَلْ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ ما أتى بِالذَّبْحِ وإنَّما أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ في المَنامِ بِمُقُدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ وتِلْكَ المُقَدِّماتُ عِبارَةٌ عَنْ إضْجاعِهِ ووَضْعِ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِهِ، والعَزْمِ الصَّحِيحِ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ إنْ ورَدَ الأمْرُ. الثّانِي: الذَّبْحُ عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الحُلْقُومِ فَلَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطَعَ الحُلْقُومَ إلّا أنَّهُ كُلَّما قَطَعَ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَحْصُلِ المَوْتُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ تَعْوِيلُ القَوْمِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أمَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا بِإيقاعِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَسَنٌ، فَإذا أنْهاهُ عَنْهُ فَذَلِكَ النَّهْيُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبِيحٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا النَّهْيُ عَقِيبَ ذَلِكَ الأمْرِ لَزِمَ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كانَ عالِمًا بِحالِ ذَلِكَ الفِعْلِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أمْرٌ بِالقَبِيحِ أوْ نَهْيٌ عَنِ الحَسَنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَزِمَ جَهْلُ اللَّهِ تَعالى وإنَّهُ مُحالٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ. صفحة ١٣٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ تِلْكَ الرُّؤْيا واجِبًا العَمَلُ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما رَآهُ في ذَلِكَ المَنامِ. وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: كُلَّما قَطَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ تَعالى التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ لَما احْتاجَ إلى الفِداءِ وحَيْثُ احْتاجَ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما أُمِرَ بِهِ. وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّهُ يَلْزَمُ إمّا الأمْرُ بِالقَبِيحِ وإمّا الجَهْلُ، فَنَقُولُ: هَذا بِناءٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ حَسَنًا في ذاتِهِ ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ قَبِيحًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ بِناءٌ عَلى تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ وهو باطِلٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ تارَةً يَحْسُنُ لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا وتارَةً لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ يُفِيدُ صِحَّةَ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُرَوِّضَ عَبْدَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إذا جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فافْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الشّاقَّةِ، ويَكُونُ مَقْصُودُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ لَيْسَ أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ العَبْدُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يُوَطِّنَ العَبْدُ نَفْسَهُ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ يُزِيلُ الألَمَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ، فَكَذا هَهُنا، فَما لَمْ تُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ يَتِمَّ كَلامُكم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ وما أرادَ وُقُوعَهُ، أمّا أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ فَلَمّا تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الأُولى. وأمّا أنَّهُ ما أرادَ وُقُوعَهُ فَلِأنَّ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ يَقَعُ، وحَيْثُ لَمْ يَقَعْ هَذا الذَّبْحُ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى ما أرادَ وُقُوعَهُ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْ ذَلِكَ الذَّبْحِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاهِيَ لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما أرادَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَيانِ الحِكْمَةِ في وُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ في النَّوْمِ لا في اليَقَظَةِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَوَرَدَ أوَّلًا في النَّوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ كالمُنَبِّهِ لِوُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ حالُ النَّوْمِ بِأحْوالِ اليَقَظَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَهْجُمُ هَذا التَّكْلِيفُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقالَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَقْوِيَةُ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ؛ لِأنَّ الحالَ إمّا حالُ يَقَظَةٍ وإمّا حالُ مَنامٍ، فَإذا تَظاهَرَتِ الحالَتانِ عَلى الصِّدْقِ، كانَ ذَلِكَ هو النِّهايَةَ في بَيانِ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ صادِقِينَ في كُلِّ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ نَقُولُ: مَقاماتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مِنها ما يَقَعُ عَلى وفْقِ الرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] ثُمَّ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى الضِّدِّ كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ رَأى الذَّبْحَ وكانَ الحاصِلُ هو الفِداءَ والنَّجاةَ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ والمُناسَبَةِ كَما في رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْبَقَ أهْلُ التَّعْبِيرِ عَلى أنَّ صفحة ١٣٧ المَناماتِ واقِعَةٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ما تُرِي مِن نَفْسِكَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. وقِيلَ ما تُشِيرُ، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَمِيلُ ومِنهم مَن لا يَمِيلُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الحِكْمَةُ في مُشاوَرَةِ الِابْنِ في هَذا البابِ أنْ يُطْلِعَ ابْنَهُ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ لِيَظْهَرَ لَهُ صَبْرُهُ في طاعَةِ اللَّهِ، فَتَكُونَ فِيهِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ يَراهُ قَدْ بَلَغَ في الحِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وفي الصَّبْرِ عَلى أشَدِّ المَكارِهِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ ويَحْصُلَ لِلِابْنِ الثَّوابُ العَظِيمُ في الآخِرَةِ والثَّناءُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ومَعْناهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ [بِهِ] * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وإنَّما عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّنِ، وأنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.

الصافات 37:109

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ صفحة ١٣٣ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أتْبَعُهُ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ وبُلُوغِهِ، فَقالَ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ومَعْناهُ فَلَمّا أدْرَكَ وبَلَغَ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْدِيرُ كائِنًا مَعَهُ، والفائِدَةُ في اعْتِبارِ هَذا المَعْنى أنَّ الأبَ أرْفَقُ النّاسِ بِالوَلَدِ، وغَيْرُهُ رُبَّما عَنَّفَ بِهِ في الِاسْتِسْعاءِ فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَسْتَحْكِمْ قُوَّتُهُ، قالَ بَعْضُهم: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ في الآيَةِ الأُولى بِكَوْنِ ذَلِكِ الغُلامِ حَلِيمًا، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ حِلْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ بِهِ مِن كَمالِ الحِلْمِ وفُسْحَةِ الصَّدْرِ ما قَوّاهُ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ، والإتْيانِ بِذَلِكَ الجَوابِ الحَسَنِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: كانَ إبْراهِيمُ حِينَ بُشِّرَ بِإسْحاقَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَهُ قالَ: هو إذَنْ لِلَّهِ ذَبِيحٌ فَقِيلَ لِإبْراهِيمَ: قَدْ نَذَرْتَ نَذْرًا فَفِ بِنَذْرِكَ فَلَمّا أصْبَحَ ﴿قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ . ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ في مَنامِهِ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا، فَلَمّا أصْبَحَ تَرَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وهَذا هو قَوْلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ في اليَقَظَةِ، وعَلى هَذا فَتَقْدِيرُ اللَّفْظِ: إنِّي أرى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُهُ ورُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بابِ الوَحْيِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَرْئِيُّ في المَنامِ لَيْسَ إلّا أنَّهُ يَذْبَحُ، فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في المَنامِ فَهو حَقٌّ حُجَّةٌ، أوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلِمَ راجَعَ الوَلَدَ في هَذِهِ الواقِعَةِ، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ المَأْمُورِ، وأنْ لا يُراجِعَ الوَلَدَ فِيهِ، وأنْ لا يَقُولَ لَهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وأنْ لا يُوقِفَ العَمَلَ عَلى أنْ يَقُولَ لَهُ الوَلَدُ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ؟ وأيْضًا فَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَقِيَ في اليَوْمِ الأوَّلِ مُتَفَكِّرًا، ولَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في النَّوْمِ فَهو حَقٌّ لَمْ يَكُنْ إلى هَذا التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ حاجَةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي، وهو أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم أنَّ ما يَرَوْنَهُ في المَنامِ حَقٌّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى ذَبْحِ ذَلِكَ الطِّفْلِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِها حُجَّةً ؟ والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عِنْدَ الرُّؤْيا مُتَرَدِّدًا فِيهِ ثُمَّ تَأكَّدَتِ الرُّؤْيا بِالوَحْيِ الصَّرِيحِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذَّبِيحَ مَن هو ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ إسْحاقُ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ والعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وابْنِ مَسْعُودٍ وكَعْبِ الأحْبارِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ صفحة ١٣٤ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ إسْماعِيلُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» «وقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: ”يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ“ فَتَبَسَّمَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا حَفَرَ بِئْرَ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ أمْرَها لَيَذْبَحَنَّ أحَدَ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ، وقالُوا لَهُ افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، والذَّبِيحُ الثّانِي إسْماعِيلُ» . الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ، فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ أيْنَ عَقْلُكَ، ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ، وإنَّما كانَ إسْماعِيلُ بِمَكَّةَ، وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ والمَنحَرَ بِمَكَّةَ ؟ . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ إسْماعِيلَ بِالصَّبْرِ دُونَ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ لَكانَ الأمْرُ بِذَبْحِهِ إمّا أنْ يَقَعَ قَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَشَّرَها بِإسْحاقَ، وبَشَّرَها مَعَهُ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ يَعْقُوبُ فَقَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ لَمْ يَجُزِ الأمْرُ بِذَبْحِهِ، وإلّا حَصَلَ الخُلْفُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ لَمّا قَدَرَ عَلى السَّعْيِ ووَصَلَ إلى حَدِّ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ، وذَلِكَ يُنافِي وُقُوعَ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمانٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْحاقَ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَدًا يَسْتَأْنِسُ بِهِ في غُرْبَتِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ قَبْلَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ الوَلَدُ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ واحِدٌ لَما طَلَبَ الوَلَدَ الواحِدَ؛ لَأنَّ طَلَبَ الحاصِلِ مُحالٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ، وكَلِمَةُ مَن لِلتَّبْعِيضِ وأقَلُّ دَرَجاتِ البَعْضِيَّةِ الواحِدُ فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَحْسُنُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ الأوْلادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ وقَعَ حالَ طَلَبِ الوَلَدِ الأوَّلِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى إسْحاقَ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ هو إسْماعِيلُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قِصَّةَ الذَّبِيحِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في تَعْلِيقِ قَرْنِ الكَبْشِ بِالكَعْبَةِ، فَكانَ الذَّبِيحُ بِمَكَّةَ. ولَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ كانَ الذَّبْحُ بِالشّامِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ بِوَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا أوَّلُها فَإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُهاجَرَتُهُ إلى الشّامِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ لَيْسَ إلّا إسْحاقَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الغُلامِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ هو ذَلِكَ الغُلامُ الَّذِي حَصَلَ في الشّامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ قالَ بَعْدَهُ: صفحة ١٣٥ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ بَشَّرَهُ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وذَكَرَ هَذِهِ البِشارَةَ عَقِيبَ حِكايَةِ تِلْكَ القِصَّةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما بَشَّرَهُ بِهَذِهِ النُّبُوَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَحَمَّلَ هَذِهِ الشَّدائِدَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ ما اشْتَهَرَ مِن كِتابِ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ“ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وكانَ الزَّجّاجُ يَقُولُ: اللَّهُ أعْلَمُ أيُّهُما الذَّبِيحُ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا اخْتِلافُهم في مَوْضِعِ الذَّبْحِ فالَّذِينَ قالُوا: الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. قالُوا: كانَ الذَّبْحُ بِمِنًى، والَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ إسْحاقُ قالُوا: هو بِالشّامِ، وقِيلَ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِهَذا بِما رَأى، وهَذا الِاخْتِلافُ مُفَرَّعٌ عَلى مَسْألَةٍ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ نَسْخُ الحُكْمِ قَبْلَ حُضُورِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ فَقالَ أكْثَرُ أصْحابِنا: إنَّهُ يَجُوزُ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وكَثِيرٌ مِن فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ هَذا التَّكْلِيفَ قَبْلَ حُضُورِ وقْتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى ما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، وإنَّما أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وهَذِهِ مَسْألَةٌ شَرِيفَةٌ مِن مَسائِلِ بابِ النَّسْخِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الأمْرِ قَبْلَ مَجِيءِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ ولَدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَهُ عَنْهُ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِوَلَدِهِ: إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ. فَقالَ الوَلَدُ: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِمُقِدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وأدْخَلَها في الوُجُودِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِشَيْءٍ وقَدْ أتى بِهِ، وفي هَذا المَوْضِعِ لا يَحْتاجُ إلى الفِداءِ، لَكِنَّهُ احْتاجَ إلى الفِداءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ أتى بِالمَأْمُورِ بِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أتى بِكُلِّ مُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أمَرَهُ بِنَفْسِ الذَّبْحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ الحُكْمَ قَبْلَ إثْباتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ بَلْ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ ما أتى بِالذَّبْحِ وإنَّما أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ في المَنامِ بِمُقُدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ وتِلْكَ المُقَدِّماتُ عِبارَةٌ عَنْ إضْجاعِهِ ووَضْعِ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِهِ، والعَزْمِ الصَّحِيحِ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ إنْ ورَدَ الأمْرُ. الثّانِي: الذَّبْحُ عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الحُلْقُومِ فَلَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطَعَ الحُلْقُومَ إلّا أنَّهُ كُلَّما قَطَعَ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَحْصُلِ المَوْتُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ تَعْوِيلُ القَوْمِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أمَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا بِإيقاعِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَسَنٌ، فَإذا أنْهاهُ عَنْهُ فَذَلِكَ النَّهْيُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبِيحٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا النَّهْيُ عَقِيبَ ذَلِكَ الأمْرِ لَزِمَ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كانَ عالِمًا بِحالِ ذَلِكَ الفِعْلِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أمْرٌ بِالقَبِيحِ أوْ نَهْيٌ عَنِ الحَسَنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَزِمَ جَهْلُ اللَّهِ تَعالى وإنَّهُ مُحالٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ. صفحة ١٣٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ تِلْكَ الرُّؤْيا واجِبًا العَمَلُ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما رَآهُ في ذَلِكَ المَنامِ. وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: كُلَّما قَطَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ تَعالى التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ لَما احْتاجَ إلى الفِداءِ وحَيْثُ احْتاجَ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما أُمِرَ بِهِ. وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّهُ يَلْزَمُ إمّا الأمْرُ بِالقَبِيحِ وإمّا الجَهْلُ، فَنَقُولُ: هَذا بِناءٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ حَسَنًا في ذاتِهِ ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ قَبِيحًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ بِناءٌ عَلى تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ وهو باطِلٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ تارَةً يَحْسُنُ لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا وتارَةً لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ يُفِيدُ صِحَّةَ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُرَوِّضَ عَبْدَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إذا جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فافْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الشّاقَّةِ، ويَكُونُ مَقْصُودُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ لَيْسَ أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ العَبْدُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يُوَطِّنَ العَبْدُ نَفْسَهُ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ يُزِيلُ الألَمَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ، فَكَذا هَهُنا، فَما لَمْ تُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ يَتِمَّ كَلامُكم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ وما أرادَ وُقُوعَهُ، أمّا أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ فَلَمّا تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الأُولى. وأمّا أنَّهُ ما أرادَ وُقُوعَهُ فَلِأنَّ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ يَقَعُ، وحَيْثُ لَمْ يَقَعْ هَذا الذَّبْحُ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى ما أرادَ وُقُوعَهُ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْ ذَلِكَ الذَّبْحِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاهِيَ لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما أرادَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَيانِ الحِكْمَةِ في وُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ في النَّوْمِ لا في اليَقَظَةِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَوَرَدَ أوَّلًا في النَّوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ كالمُنَبِّهِ لِوُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ حالُ النَّوْمِ بِأحْوالِ اليَقَظَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَهْجُمُ هَذا التَّكْلِيفُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقالَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَقْوِيَةُ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ؛ لِأنَّ الحالَ إمّا حالُ يَقَظَةٍ وإمّا حالُ مَنامٍ، فَإذا تَظاهَرَتِ الحالَتانِ عَلى الصِّدْقِ، كانَ ذَلِكَ هو النِّهايَةَ في بَيانِ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ صادِقِينَ في كُلِّ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ نَقُولُ: مَقاماتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مِنها ما يَقَعُ عَلى وفْقِ الرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] ثُمَّ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى الضِّدِّ كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ رَأى الذَّبْحَ وكانَ الحاصِلُ هو الفِداءَ والنَّجاةَ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ والمُناسَبَةِ كَما في رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْبَقَ أهْلُ التَّعْبِيرِ عَلى أنَّ صفحة ١٣٧ المَناماتِ واقِعَةٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ما تُرِي مِن نَفْسِكَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. وقِيلَ ما تُشِيرُ، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَمِيلُ ومِنهم مَن لا يَمِيلُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الحِكْمَةُ في مُشاوَرَةِ الِابْنِ في هَذا البابِ أنْ يُطْلِعَ ابْنَهُ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ لِيَظْهَرَ لَهُ صَبْرُهُ في طاعَةِ اللَّهِ، فَتَكُونَ فِيهِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ يَراهُ قَدْ بَلَغَ في الحِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وفي الصَّبْرِ عَلى أشَدِّ المَكارِهِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ ويَحْصُلَ لِلِابْنِ الثَّوابُ العَظِيمُ في الآخِرَةِ والثَّناءُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ومَعْناهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ [بِهِ] * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وإنَّما عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّنِ، وأنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.

الصافات 37:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ صفحة ١٣٣ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أتْبَعُهُ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ وبُلُوغِهِ، فَقالَ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ومَعْناهُ فَلَمّا أدْرَكَ وبَلَغَ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْدِيرُ كائِنًا مَعَهُ، والفائِدَةُ في اعْتِبارِ هَذا المَعْنى أنَّ الأبَ أرْفَقُ النّاسِ بِالوَلَدِ، وغَيْرُهُ رُبَّما عَنَّفَ بِهِ في الِاسْتِسْعاءِ فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَسْتَحْكِمْ قُوَّتُهُ، قالَ بَعْضُهم: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ في الآيَةِ الأُولى بِكَوْنِ ذَلِكِ الغُلامِ حَلِيمًا، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ حِلْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ بِهِ مِن كَمالِ الحِلْمِ وفُسْحَةِ الصَّدْرِ ما قَوّاهُ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ، والإتْيانِ بِذَلِكَ الجَوابِ الحَسَنِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: كانَ إبْراهِيمُ حِينَ بُشِّرَ بِإسْحاقَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَهُ قالَ: هو إذَنْ لِلَّهِ ذَبِيحٌ فَقِيلَ لِإبْراهِيمَ: قَدْ نَذَرْتَ نَذْرًا فَفِ بِنَذْرِكَ فَلَمّا أصْبَحَ ﴿قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ . ورُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ في مَنامِهِ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا، فَلَمّا أصْبَحَ تَرَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وهَذا هو قَوْلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ في اليَقَظَةِ، وعَلى هَذا فَتَقْدِيرُ اللَّفْظِ: إنِّي أرى في المَنامِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُهُ ورُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بابِ الوَحْيِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَرْئِيُّ في المَنامِ لَيْسَ إلّا أنَّهُ يَذْبَحُ، فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في المَنامِ فَهو حَقٌّ حُجَّةٌ، أوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلِمَ راجَعَ الوَلَدَ في هَذِهِ الواقِعَةِ، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ المَأْمُورِ، وأنْ لا يُراجِعَ الوَلَدَ فِيهِ، وأنْ لا يَقُولَ لَهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وأنْ لا يُوقِفَ العَمَلَ عَلى أنْ يَقُولَ لَهُ الوَلَدُ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ؟ وأيْضًا فَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَقِيَ في اليَوْمِ الأوَّلِ مُتَفَكِّرًا، ولَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ ما رَآهُ في النَّوْمِ فَهو حَقٌّ لَمْ يَكُنْ إلى هَذا التَّرَوِّي والتَّفَكُّرِ حاجَةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي، وهو أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ عِنْدَهم أنَّ ما يَرَوْنَهُ في المَنامِ حَقٌّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى ذَبْحِ ذَلِكَ الطِّفْلِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِها حُجَّةً ؟ والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ عِنْدَ الرُّؤْيا مُتَرَدِّدًا فِيهِ ثُمَّ تَأكَّدَتِ الرُّؤْيا بِالوَحْيِ الصَّرِيحِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الذَّبِيحَ مَن هو ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ إسْحاقُ. وهَذا قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ والعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وابْنِ مَسْعُودٍ وكَعْبِ الأحْبارِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ صفحة ١٣٤ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ إسْماعِيلُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» «وقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: ”يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ“ فَتَبَسَّمَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ لَمّا حَفَرَ بِئْرَ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ أمْرَها لَيَذْبَحَنَّ أحَدَ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ، وقالُوا لَهُ افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، والذَّبِيحُ الثّانِي إسْماعِيلُ» . الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ، فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ أيْنَ عَقْلُكَ، ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ، وإنَّما كانَ إسْماعِيلُ بِمَكَّةَ، وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ والمَنحَرَ بِمَكَّةَ ؟ . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ إسْماعِيلَ بِالصَّبْرِ دُونَ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ لَكانَ الأمْرُ بِذَبْحِهِ إمّا أنْ يَقَعَ قَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَشَّرَها بِإسْحاقَ، وبَشَّرَها مَعَهُ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ يَعْقُوبُ فَقَبْلَ ظُهُورِ يَعْقُوبَ مِنهُ لَمْ يَجُزِ الأمْرُ بِذَبْحِهِ، وإلّا حَصَلَ الخُلْفُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ لَمّا قَدَرَ عَلى السَّعْيِ ووَصَلَ إلى حَدِّ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ، وذَلِكَ يُنافِي وُقُوعَ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمانٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْحاقَ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَدًا يَسْتَأْنِسُ بِهِ في غُرْبَتِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ قَبْلَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ الوَلَدُ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ واحِدٌ لَما طَلَبَ الوَلَدَ الواحِدَ؛ لَأنَّ طَلَبَ الحاصِلِ مُحالٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ، وكَلِمَةُ مَن لِلتَّبْعِيضِ وأقَلُّ دَرَجاتِ البَعْضِيَّةِ الواحِدُ فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لا يُفِيدُ إلّا طَلَبَ الوَلَدِ الواحِدِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَحْسُنُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ الأوْلادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ وقَعَ حالَ طَلَبِ الوَلَدِ الأوَّلِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى إسْحاقَ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ هو إسْماعِيلُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قِصَّةَ الذَّبِيحِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في تَعْلِيقِ قَرْنِ الكَبْشِ بِالكَعْبَةِ، فَكانَ الذَّبِيحُ بِمَكَّةَ. ولَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ كانَ الذَّبْحُ بِالشّامِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ بِوَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أمّا أوَّلُها فَإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُهاجَرَتُهُ إلى الشّامِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ لَيْسَ إلّا إسْحاقَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الغُلامِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ هو ذَلِكَ الغُلامُ الَّذِي حَصَلَ في الشّامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ قالَ بَعْدَهُ: صفحة ١٣٥ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ بَشَّرَهُ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وذَكَرَ هَذِهِ البِشارَةَ عَقِيبَ حِكايَةِ تِلْكَ القِصَّةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما بَشَّرَهُ بِهَذِهِ النُّبُوَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَحَمَّلَ هَذِهِ الشَّدائِدَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ ما اشْتَهَرَ مِن كِتابِ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ“ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وكانَ الزَّجّاجُ يَقُولُ: اللَّهُ أعْلَمُ أيُّهُما الذَّبِيحُ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا اخْتِلافُهم في مَوْضِعِ الذَّبْحِ فالَّذِينَ قالُوا: الذَّبِيحُ هو إسْماعِيلُ. قالُوا: كانَ الذَّبْحُ بِمِنًى، والَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ إسْحاقُ قالُوا: هو بِالشّامِ، وقِيلَ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِهَذا بِما رَأى، وهَذا الِاخْتِلافُ مُفَرَّعٌ عَلى مَسْألَةٍ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ نَسْخُ الحُكْمِ قَبْلَ حُضُورِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ فَقالَ أكْثَرُ أصْحابِنا: إنَّهُ يَجُوزُ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وكَثِيرٌ مِن فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ هَذا التَّكْلِيفَ قَبْلَ حُضُورِ وقْتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى ما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ، وإنَّما أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وهَذِهِ مَسْألَةٌ شَرِيفَةٌ مِن مَسائِلِ بابِ النَّسْخِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الأمْرِ قَبْلَ مَجِيءِ مُدَّةِ الِامْتِثالِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ ولَدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَهُ عَنْهُ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِوَلَدِهِ: إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ. فَقالَ الوَلَدُ: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِمُقِدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّهُ أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ وأدْخَلَها في الوُجُودِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِشَيْءٍ وقَدْ أتى بِهِ، وفي هَذا المَوْضِعِ لا يَحْتاجُ إلى الفِداءِ، لَكِنَّهُ احْتاجَ إلى الفِداءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ أتى بِالمَأْمُورِ بِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أتى بِكُلِّ مُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أمَرَهُ بِنَفْسِ الذَّبْحِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ الحُكْمَ قَبْلَ إثْباتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِذَبْحِ الوَلَدِ بَلْ نَقُولُ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ ما أتى بِالذَّبْحِ وإنَّما أتى بِمُقَدِّماتِ الذَّبْحِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ في المَنامِ بِمُقُدِّماتِ الذَّبْحِ لا بِنَفْسِ الذَّبْحِ وتِلْكَ المُقَدِّماتُ عِبارَةٌ عَنْ إضْجاعِهِ ووَضْعِ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِهِ، والعَزْمِ الصَّحِيحِ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الفِعْلِ إنْ ورَدَ الأمْرُ. الثّانِي: الذَّبْحُ عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الحُلْقُومِ فَلَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطَعَ الحُلْقُومَ إلّا أنَّهُ كُلَّما قَطَعَ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَحْصُلِ المَوْتُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ تَعْوِيلُ القَوْمِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أمَرَ شَخْصًا مُعَيَّنًا بِإيقاعِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَسَنٌ، فَإذا أنْهاهُ عَنْهُ فَذَلِكَ النَّهْيُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيقاعَ ذَلِكَ الفِعْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبِيحٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا النَّهْيُ عَقِيبَ ذَلِكَ الأمْرِ لَزِمَ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كانَ عالِمًا بِحالِ ذَلِكَ الفِعْلِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ أمْرٌ بِالقَبِيحِ أوْ نَهْيٌ عَنِ الحَسَنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَزِمَ جَهْلُ اللَّهِ تَعالى وإنَّهُ مُحالٌ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَهُ بِالذَّبْحِ. صفحة ١٣٦ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ تِلْكَ الرُّؤْيا واجِبًا العَمَلُ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما رَآهُ في ذَلِكَ المَنامِ. وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: كُلَّما قَطَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جُزْءًا أعادَ اللَّهُ تَعالى التَّأْلِيفَ إلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ لَما احْتاجَ إلى الفِداءِ وحَيْثُ احْتاجَ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما أُمِرَ بِهِ. وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: إنَّهُ يَلْزَمُ إمّا الأمْرُ بِالقَبِيحِ وإمّا الجَهْلُ، فَنَقُولُ: هَذا بِناءٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ حَسَنًا في ذاتِهِ ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ قَبِيحًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ بِناءٌ عَلى تَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ وهو باطِلٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ تارَةً يَحْسُنُ لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا وتارَةً لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ يُفِيدُ صِحَّةَ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا ألا تَرى أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُرَوِّضَ عَبْدَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إذا جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فافْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الشّاقَّةِ، ويَكُونُ مَقْصُودُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ لَيْسَ أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ العَبْدُ بِذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يُوَطِّنَ العَبْدُ نَفْسَهُ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ يُزِيلُ الألَمَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ، فَكَذا هَهُنا، فَما لَمْ تُقِيمُوا الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ يَتِمَّ كَلامُكم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ وما أرادَ وُقُوعَهُ، أمّا أنَّهُ أمَرَ بِالذَّبْحِ فَلَمّا تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الأُولى. وأمّا أنَّهُ ما أرادَ وُقُوعَهُ فَلِأنَّ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ يَقَعُ، وحَيْثُ لَمْ يَقَعْ هَذا الذَّبْحُ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى ما أرادَ وُقُوعَهُ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنْ ذَلِكَ الذَّبْحِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاهِيَ لا يُرِيدُ وُقُوعَهُ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما أرادَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالذَّبْحِ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَيانِ الحِكْمَةِ في وُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ في النَّوْمِ لا في اليَقَظَةِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَوَرَدَ أوَّلًا في النَّوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ كالمُنَبِّهِ لِوُرُودِ هَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ حالُ النَّوْمِ بِأحْوالِ اليَقَظَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَهْجُمُ هَذا التَّكْلِيفُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقالَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَقْوِيَةُ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ؛ لِأنَّ الحالَ إمّا حالُ يَقَظَةٍ وإمّا حالُ مَنامٍ، فَإذا تَظاهَرَتِ الحالَتانِ عَلى الصِّدْقِ، كانَ ذَلِكَ هو النِّهايَةَ في بَيانِ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ صادِقِينَ في كُلِّ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ نَقُولُ: مَقاماتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مِنها ما يَقَعُ عَلى وفْقِ الرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ رَسُولِنا ﷺ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] ثُمَّ وقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى الضِّدِّ كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ رَأى الذَّبْحَ وكانَ الحاصِلُ هو الفِداءَ والنَّجاةَ. ومِنها ما يَقَعُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ والمُناسَبَةِ كَما في رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْبَقَ أهْلُ التَّعْبِيرِ عَلى أنَّ صفحة ١٣٧ المَناماتِ واقِعَةٌ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ما تُرِي مِن نَفْسِكَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. وقِيلَ ما تُشِيرُ، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَمِيلُ ومِنهم مَن لا يَمِيلُ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الحِكْمَةُ في مُشاوَرَةِ الِابْنِ في هَذا البابِ أنْ يُطْلِعَ ابْنَهُ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ لِيَظْهَرَ لَهُ صَبْرُهُ في طاعَةِ اللَّهِ، فَتَكُونَ فِيهِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ يَراهُ قَدْ بَلَغَ في الحِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ، وفي الصَّبْرِ عَلى أشَدِّ المَكارِهِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ ويَحْصُلَ لِلِابْنِ الثَّوابُ العَظِيمُ في الآخِرَةِ والثَّناءُ الحَسَنُ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ومَعْناهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ [بِهِ] * * * ثُمَّ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وإنَّما عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّنِ، وأنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.

الصافات 37:111

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ يُقالُ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ واسْتَسْلَمَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، وأصْلُها مِن قَوْلِكَ سَلِمَ هَذا لِفُلانٍ إذا خَلَصَ لَهُ، ومَعْناهُ سَلِمَ مِن أنْ يُنازَعَ فِيهِ، وقَوْلُهم سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ لَهُ مَنقُولانِ عَنْهُ بِالهَمْزَةِ، وحَقِيقَةُ مَعْناها أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وجَعَلَها سالِمَةً لَهُ خالِصَةً، وكَذَلِكَ مَعْنى اسْتَسْلَمَ اسْتَخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وعَنْ قَتادَةَ في أسْلَما أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ وهَذا نَفْسَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ فَوَقَعَ أحَدُ جَبِينَيْهِ عَلى الأرْضِ؛ ولِلْوَجْهِ جَبِينانِ، والجَبْهَةُ بَيْنَهُما، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ التَّلِيلُ والمَتْلُولُ المَصْرُوعُ والمِتَلُّ الَّذِي يُتَلُّ بِهِ أيْ يُصْرَعُ، فالمَعْنى أنَّهُ صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ، وقالَ مُقاتِلٌ كَبَّهُ عَلى جَبْهَتِهِ، وهَذا خَطَأٌ لِأنَّ الجَبِينَ غَيْرُ الجَبْهَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا جَوابُ فَلَمّا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ والفَرّاءِ والواوُ زائِدَةٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، والجَوابُ مُقَدَّرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ وناداهُ اللَّهُ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، سَعِدَ سَعادَةً عَظِيمَةً وآتاهُ اللَّهُ نُبُوَّةَ ولَدِهِ وأجْزَلَ لَهُ الثَّوابَ، قالُوا: وحَذْفُ الجَوابِ لَيْسَ بِغَرِيبٍ في القُرْآنِ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا كانَ مَحْذُوفًا كانَ أعْظَمَ وأفْخَمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أضْجَعَهُ لِلذَّبْحِ نُودِيَ مِنَ الجَبَلِ: ﴿ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: السَّبَبُ في هَذا التَّكْلِيفِ كَمالُ طاعَةِ إبْراهِيمَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ الشَّدِيدِ، وظَهَرَ مِنهُ كَمالُ الطّاعَةِ، وظَهَرَ مِن ولَدِهِ كَمالُ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ يَعْنِي حَصَلَ المَقْصُودُ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا. وقَوْلُهُ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ يَتَّصِلُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، والمَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ ووَلَدَهُ كانا مُحْسِنَيْنِ في هَذِهِ الطّاعَةِ، فَكَما جَزَيْنا هَذَيْنِ المُحْسِنَيْنِ فَكَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ المُحْسِنِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ مِن غَيْرِهِمْ، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ الذَّبْحُ مَصْدَرُ ذَبَحْتُ والذِّبْحُ أيْضًا ما صفحة ١٣٨ يُذْبَحُ وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَهُنا مَباحِثُ تَتَعَلَّقُ بِالحِكاياتِ: فالأوَّلُ: حُكِيَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ ذَبْحَهُ قالَ: يا بُنَيَّ خُذِ الحَبْلَ والمُدْيَةَ وانْطَلِقْ بِنا إلى الشِّعْبِ نَحْتَطِبُ، فَلَمّا تَوَسَّطا شِعْبَ ثَبِيرٍ أخْبَرَهُ بِما أُمِرَ بِهِ، فَقالَ: يا أبَتِ اشْدُدْ رِباطِي فِيَّ كَيْلا أضْطَرِبَ، واكْفُفْ عَنِّي ثِيابَكَ لا يَنْتَضِحَ عَلَيْها شَيْءٌ مِن دَمِي فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، واسْتَحِدَّ شَفْرَتَكَ وأسْرِعْ إمْرارَها عَلى حَلْقِي لِيَكُونَ أهْوَنَ فَإنَّ المَوْتَ شَدِيدٌ، واقْرَأْ عَلى أُمِّي سَلامِي وإنْ رَأيْتَ أنْ تَرُدَّ قَمِيصِي عَلى أُمِّي فافْعَلْ فَإنَّهُ عَسى أنْ يَكُونَ أسْهَلَ لَها، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: نِعْمَ العَوْنُ أنْتَ يا بُنَيَّ عَلى أمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وقَدْ رَبَطَهُ وهُما يَبْكِيانِ، ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَقالَ: كُبَّنِي عَلى وجْهِي فَإنَّكَ إذا نَظَرْتَ وجْهِيَ رَحِمْتَنِي وأدْرَكَتْكَ رِقَّةٌ، وقَدْ تَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَفَعَلَ ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى قَفاهُ فانْقَلَبَتِ السِّكِّينُ ونُودِيَ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا. البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الكَبْشِ فَقِيلَ: إنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي تَقَرَّبَ بِهِ هابِيلُ بْنُ آدَمَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقَبِلَهُ، وكانَ في الجَنَّةِ يَرْعى حَتّى فَدى اللَّهُ تَعالى بِهِ إسْماعِيلَ، وقالَ آخَرُونَ: أرْسَلَ اللَّهُ كَبْشًا مِنَ الجَنَّةِ قَدْ رَعى أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ السُّدِّيُّ: نُودِيَ إبْراهِيمُ فالتَفَتَ فَإذا هو بِكَبْشٍ أمْلَحَ انْحَطَّ مِنَ الجَبَلِ، فَقامَ عَنْهُ إبْراهِيمُ فَأخَذَهُ فَذَبَحَهُ، وخَلّى عَنِ ابْنِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَ ابْنَهُ وقالَ: يا بُنَيَّ اليَوْمَ وُهِبْتَ لِي، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَظِيمٍ﴾ فَقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِهِ وسِمَنِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَقَّ لَهُ أنْ يَكُونَ عَظِيمًا وقَدْ رَعى في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِ قَدْرِهِ حَيْثُ قَبِلَهُ اللَّهُ تَعالى فِداءً عَنْ ولَدِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ بَشَّرْناهُ بِوُجُودِ إسْحاقَ مُقَدَّرَةٌ نُبُوَّتُهُ، ولِمَن يَقُولُ إنَّ الذَّبِيحَ هو إسْماعِيلُ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ كَوْنِ إسْحاقَ نَبِيًّا؛ لِأنَّ البِشارَةَ بِهِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى صَيْرُورَتِهِ نَبِيًّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ ما قَدَّرْناهُ نَبِيًّا، وحالَ ما حَكَمْنا عَلَيْهِ فَصَبَرَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِشارَةً بِوُجُودِ إسْحاقَ حاصِلَةً بَعْدَ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ غَيْرَ إسْحاقَ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ هَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ عَنْ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، إلّا أنَّها كانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْها في الوُقُوعِ والوُجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: الأصْلُ رِعايَةُ التَّرْتِيبِ وعَدَمُ التَّغْيِيرِ في النَّظْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ البَرَكَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ جَمِيعَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِ إسْحاقَ. والثّانِي: أنَّهُ أبْقى الثَّناءَ الحَسَنَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّ البَرَكَةَ عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ والثَّباتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَثْرَةِ فَضائِلِ الأبِ فَضِيلَةُ الِابْنِ، لِئَلّا تَصِيرَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِمُفاخَرَةِاليَهُودِ، ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مُحْسِنٌ﴾ الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمٌ﴾ الكافِرُ والفاسِقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:112

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ يُقالُ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ واسْتَسْلَمَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، وأصْلُها مِن قَوْلِكَ سَلِمَ هَذا لِفُلانٍ إذا خَلَصَ لَهُ، ومَعْناهُ سَلِمَ مِن أنْ يُنازَعَ فِيهِ، وقَوْلُهم سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ لَهُ مَنقُولانِ عَنْهُ بِالهَمْزَةِ، وحَقِيقَةُ مَعْناها أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وجَعَلَها سالِمَةً لَهُ خالِصَةً، وكَذَلِكَ مَعْنى اسْتَسْلَمَ اسْتَخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وعَنْ قَتادَةَ في أسْلَما أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ وهَذا نَفْسَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ فَوَقَعَ أحَدُ جَبِينَيْهِ عَلى الأرْضِ؛ ولِلْوَجْهِ جَبِينانِ، والجَبْهَةُ بَيْنَهُما، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ التَّلِيلُ والمَتْلُولُ المَصْرُوعُ والمِتَلُّ الَّذِي يُتَلُّ بِهِ أيْ يُصْرَعُ، فالمَعْنى أنَّهُ صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ، وقالَ مُقاتِلٌ كَبَّهُ عَلى جَبْهَتِهِ، وهَذا خَطَأٌ لِأنَّ الجَبِينَ غَيْرُ الجَبْهَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا جَوابُ فَلَمّا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ والفَرّاءِ والواوُ زائِدَةٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، والجَوابُ مُقَدَّرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ وناداهُ اللَّهُ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، سَعِدَ سَعادَةً عَظِيمَةً وآتاهُ اللَّهُ نُبُوَّةَ ولَدِهِ وأجْزَلَ لَهُ الثَّوابَ، قالُوا: وحَذْفُ الجَوابِ لَيْسَ بِغَرِيبٍ في القُرْآنِ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا كانَ مَحْذُوفًا كانَ أعْظَمَ وأفْخَمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أضْجَعَهُ لِلذَّبْحِ نُودِيَ مِنَ الجَبَلِ: ﴿ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: السَّبَبُ في هَذا التَّكْلِيفِ كَمالُ طاعَةِ إبْراهِيمَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ الشَّدِيدِ، وظَهَرَ مِنهُ كَمالُ الطّاعَةِ، وظَهَرَ مِن ولَدِهِ كَمالُ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ يَعْنِي حَصَلَ المَقْصُودُ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا. وقَوْلُهُ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ يَتَّصِلُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، والمَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ ووَلَدَهُ كانا مُحْسِنَيْنِ في هَذِهِ الطّاعَةِ، فَكَما جَزَيْنا هَذَيْنِ المُحْسِنَيْنِ فَكَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ المُحْسِنِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ مِن غَيْرِهِمْ، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ الذَّبْحُ مَصْدَرُ ذَبَحْتُ والذِّبْحُ أيْضًا ما صفحة ١٣٨ يُذْبَحُ وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَهُنا مَباحِثُ تَتَعَلَّقُ بِالحِكاياتِ: فالأوَّلُ: حُكِيَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ ذَبْحَهُ قالَ: يا بُنَيَّ خُذِ الحَبْلَ والمُدْيَةَ وانْطَلِقْ بِنا إلى الشِّعْبِ نَحْتَطِبُ، فَلَمّا تَوَسَّطا شِعْبَ ثَبِيرٍ أخْبَرَهُ بِما أُمِرَ بِهِ، فَقالَ: يا أبَتِ اشْدُدْ رِباطِي فِيَّ كَيْلا أضْطَرِبَ، واكْفُفْ عَنِّي ثِيابَكَ لا يَنْتَضِحَ عَلَيْها شَيْءٌ مِن دَمِي فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، واسْتَحِدَّ شَفْرَتَكَ وأسْرِعْ إمْرارَها عَلى حَلْقِي لِيَكُونَ أهْوَنَ فَإنَّ المَوْتَ شَدِيدٌ، واقْرَأْ عَلى أُمِّي سَلامِي وإنْ رَأيْتَ أنْ تَرُدَّ قَمِيصِي عَلى أُمِّي فافْعَلْ فَإنَّهُ عَسى أنْ يَكُونَ أسْهَلَ لَها، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: نِعْمَ العَوْنُ أنْتَ يا بُنَيَّ عَلى أمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وقَدْ رَبَطَهُ وهُما يَبْكِيانِ، ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَقالَ: كُبَّنِي عَلى وجْهِي فَإنَّكَ إذا نَظَرْتَ وجْهِيَ رَحِمْتَنِي وأدْرَكَتْكَ رِقَّةٌ، وقَدْ تَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَفَعَلَ ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى قَفاهُ فانْقَلَبَتِ السِّكِّينُ ونُودِيَ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا. البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الكَبْشِ فَقِيلَ: إنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي تَقَرَّبَ بِهِ هابِيلُ بْنُ آدَمَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقَبِلَهُ، وكانَ في الجَنَّةِ يَرْعى حَتّى فَدى اللَّهُ تَعالى بِهِ إسْماعِيلَ، وقالَ آخَرُونَ: أرْسَلَ اللَّهُ كَبْشًا مِنَ الجَنَّةِ قَدْ رَعى أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ السُّدِّيُّ: نُودِيَ إبْراهِيمُ فالتَفَتَ فَإذا هو بِكَبْشٍ أمْلَحَ انْحَطَّ مِنَ الجَبَلِ، فَقامَ عَنْهُ إبْراهِيمُ فَأخَذَهُ فَذَبَحَهُ، وخَلّى عَنِ ابْنِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَ ابْنَهُ وقالَ: يا بُنَيَّ اليَوْمَ وُهِبْتَ لِي، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَظِيمٍ﴾ فَقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِهِ وسِمَنِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَقَّ لَهُ أنْ يَكُونَ عَظِيمًا وقَدْ رَعى في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِ قَدْرِهِ حَيْثُ قَبِلَهُ اللَّهُ تَعالى فِداءً عَنْ ولَدِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ بَشَّرْناهُ بِوُجُودِ إسْحاقَ مُقَدَّرَةٌ نُبُوَّتُهُ، ولِمَن يَقُولُ إنَّ الذَّبِيحَ هو إسْماعِيلُ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ كَوْنِ إسْحاقَ نَبِيًّا؛ لِأنَّ البِشارَةَ بِهِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى صَيْرُورَتِهِ نَبِيًّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ ما قَدَّرْناهُ نَبِيًّا، وحالَ ما حَكَمْنا عَلَيْهِ فَصَبَرَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِشارَةً بِوُجُودِ إسْحاقَ حاصِلَةً بَعْدَ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ غَيْرَ إسْحاقَ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ هَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ عَنْ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، إلّا أنَّها كانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْها في الوُقُوعِ والوُجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: الأصْلُ رِعايَةُ التَّرْتِيبِ وعَدَمُ التَّغْيِيرِ في النَّظْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ البَرَكَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ جَمِيعَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِ إسْحاقَ. والثّانِي: أنَّهُ أبْقى الثَّناءَ الحَسَنَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّ البَرَكَةَ عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ والثَّباتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَثْرَةِ فَضائِلِ الأبِ فَضِيلَةُ الِابْنِ، لِئَلّا تَصِيرَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِمُفاخَرَةِاليَهُودِ، ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مُحْسِنٌ﴾ الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمٌ﴾ الكافِرُ والفاسِقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:113

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ يُقالُ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ واسْتَسْلَمَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، وأصْلُها مِن قَوْلِكَ سَلِمَ هَذا لِفُلانٍ إذا خَلَصَ لَهُ، ومَعْناهُ سَلِمَ مِن أنْ يُنازَعَ فِيهِ، وقَوْلُهم سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ لَهُ مَنقُولانِ عَنْهُ بِالهَمْزَةِ، وحَقِيقَةُ مَعْناها أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وجَعَلَها سالِمَةً لَهُ خالِصَةً، وكَذَلِكَ مَعْنى اسْتَسْلَمَ اسْتَخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وعَنْ قَتادَةَ في أسْلَما أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ وهَذا نَفْسَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ فَوَقَعَ أحَدُ جَبِينَيْهِ عَلى الأرْضِ؛ ولِلْوَجْهِ جَبِينانِ، والجَبْهَةُ بَيْنَهُما، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ التَّلِيلُ والمَتْلُولُ المَصْرُوعُ والمِتَلُّ الَّذِي يُتَلُّ بِهِ أيْ يُصْرَعُ، فالمَعْنى أنَّهُ صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ، وقالَ مُقاتِلٌ كَبَّهُ عَلى جَبْهَتِهِ، وهَذا خَطَأٌ لِأنَّ الجَبِينَ غَيْرُ الجَبْهَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا جَوابُ فَلَمّا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ والفَرّاءِ والواوُ زائِدَةٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، والجَوابُ مُقَدَّرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ وناداهُ اللَّهُ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، سَعِدَ سَعادَةً عَظِيمَةً وآتاهُ اللَّهُ نُبُوَّةَ ولَدِهِ وأجْزَلَ لَهُ الثَّوابَ، قالُوا: وحَذْفُ الجَوابِ لَيْسَ بِغَرِيبٍ في القُرْآنِ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا كانَ مَحْذُوفًا كانَ أعْظَمَ وأفْخَمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أضْجَعَهُ لِلذَّبْحِ نُودِيَ مِنَ الجَبَلِ: ﴿ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: السَّبَبُ في هَذا التَّكْلِيفِ كَمالُ طاعَةِ إبْراهِيمَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ الشَّدِيدِ، وظَهَرَ مِنهُ كَمالُ الطّاعَةِ، وظَهَرَ مِن ولَدِهِ كَمالُ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ يَعْنِي حَصَلَ المَقْصُودُ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا. وقَوْلُهُ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ يَتَّصِلُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، والمَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ ووَلَدَهُ كانا مُحْسِنَيْنِ في هَذِهِ الطّاعَةِ، فَكَما جَزَيْنا هَذَيْنِ المُحْسِنَيْنِ فَكَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ المُحْسِنِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ مِن غَيْرِهِمْ، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ الذَّبْحُ مَصْدَرُ ذَبَحْتُ والذِّبْحُ أيْضًا ما صفحة ١٣٨ يُذْبَحُ وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَهُنا مَباحِثُ تَتَعَلَّقُ بِالحِكاياتِ: فالأوَّلُ: حُكِيَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ ذَبْحَهُ قالَ: يا بُنَيَّ خُذِ الحَبْلَ والمُدْيَةَ وانْطَلِقْ بِنا إلى الشِّعْبِ نَحْتَطِبُ، فَلَمّا تَوَسَّطا شِعْبَ ثَبِيرٍ أخْبَرَهُ بِما أُمِرَ بِهِ، فَقالَ: يا أبَتِ اشْدُدْ رِباطِي فِيَّ كَيْلا أضْطَرِبَ، واكْفُفْ عَنِّي ثِيابَكَ لا يَنْتَضِحَ عَلَيْها شَيْءٌ مِن دَمِي فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، واسْتَحِدَّ شَفْرَتَكَ وأسْرِعْ إمْرارَها عَلى حَلْقِي لِيَكُونَ أهْوَنَ فَإنَّ المَوْتَ شَدِيدٌ، واقْرَأْ عَلى أُمِّي سَلامِي وإنْ رَأيْتَ أنْ تَرُدَّ قَمِيصِي عَلى أُمِّي فافْعَلْ فَإنَّهُ عَسى أنْ يَكُونَ أسْهَلَ لَها، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: نِعْمَ العَوْنُ أنْتَ يا بُنَيَّ عَلى أمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وقَدْ رَبَطَهُ وهُما يَبْكِيانِ، ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَقالَ: كُبَّنِي عَلى وجْهِي فَإنَّكَ إذا نَظَرْتَ وجْهِيَ رَحِمْتَنِي وأدْرَكَتْكَ رِقَّةٌ، وقَدْ تَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَفَعَلَ ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى قَفاهُ فانْقَلَبَتِ السِّكِّينُ ونُودِيَ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا. البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الكَبْشِ فَقِيلَ: إنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي تَقَرَّبَ بِهِ هابِيلُ بْنُ آدَمَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقَبِلَهُ، وكانَ في الجَنَّةِ يَرْعى حَتّى فَدى اللَّهُ تَعالى بِهِ إسْماعِيلَ، وقالَ آخَرُونَ: أرْسَلَ اللَّهُ كَبْشًا مِنَ الجَنَّةِ قَدْ رَعى أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ السُّدِّيُّ: نُودِيَ إبْراهِيمُ فالتَفَتَ فَإذا هو بِكَبْشٍ أمْلَحَ انْحَطَّ مِنَ الجَبَلِ، فَقامَ عَنْهُ إبْراهِيمُ فَأخَذَهُ فَذَبَحَهُ، وخَلّى عَنِ ابْنِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَ ابْنَهُ وقالَ: يا بُنَيَّ اليَوْمَ وُهِبْتَ لِي، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَظِيمٍ﴾ فَقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِهِ وسِمَنِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَقَّ لَهُ أنْ يَكُونَ عَظِيمًا وقَدْ رَعى في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِ قَدْرِهِ حَيْثُ قَبِلَهُ اللَّهُ تَعالى فِداءً عَنْ ولَدِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ بَشَّرْناهُ بِوُجُودِ إسْحاقَ مُقَدَّرَةٌ نُبُوَّتُهُ، ولِمَن يَقُولُ إنَّ الذَّبِيحَ هو إسْماعِيلُ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ كَوْنِ إسْحاقَ نَبِيًّا؛ لِأنَّ البِشارَةَ بِهِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى صَيْرُورَتِهِ نَبِيًّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ ما قَدَّرْناهُ نَبِيًّا، وحالَ ما حَكَمْنا عَلَيْهِ فَصَبَرَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِشارَةً بِوُجُودِ إسْحاقَ حاصِلَةً بَعْدَ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ غَيْرَ إسْحاقَ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ هَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ عَنْ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، إلّا أنَّها كانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْها في الوُقُوعِ والوُجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: الأصْلُ رِعايَةُ التَّرْتِيبِ وعَدَمُ التَّغْيِيرِ في النَّظْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ البَرَكَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ جَمِيعَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِ إسْحاقَ. والثّانِي: أنَّهُ أبْقى الثَّناءَ الحَسَنَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّ البَرَكَةَ عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ والثَّباتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَثْرَةِ فَضائِلِ الأبِ فَضِيلَةُ الِابْنِ، لِئَلّا تَصِيرَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِمُفاخَرَةِاليَهُودِ، ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مُحْسِنٌ﴾ الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمٌ﴾ الكافِرُ والفاسِقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:114

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ يُقالُ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ واسْتَسْلَمَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، وأصْلُها مِن قَوْلِكَ سَلِمَ هَذا لِفُلانٍ إذا خَلَصَ لَهُ، ومَعْناهُ سَلِمَ مِن أنْ يُنازَعَ فِيهِ، وقَوْلُهم سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ لَهُ مَنقُولانِ عَنْهُ بِالهَمْزَةِ، وحَقِيقَةُ مَعْناها أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وجَعَلَها سالِمَةً لَهُ خالِصَةً، وكَذَلِكَ مَعْنى اسْتَسْلَمَ اسْتَخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وعَنْ قَتادَةَ في أسْلَما أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ وهَذا نَفْسَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ فَوَقَعَ أحَدُ جَبِينَيْهِ عَلى الأرْضِ؛ ولِلْوَجْهِ جَبِينانِ، والجَبْهَةُ بَيْنَهُما، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ التَّلِيلُ والمَتْلُولُ المَصْرُوعُ والمِتَلُّ الَّذِي يُتَلُّ بِهِ أيْ يُصْرَعُ، فالمَعْنى أنَّهُ صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ، وقالَ مُقاتِلٌ كَبَّهُ عَلى جَبْهَتِهِ، وهَذا خَطَأٌ لِأنَّ الجَبِينَ غَيْرُ الجَبْهَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا جَوابُ فَلَمّا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ والفَرّاءِ والواوُ زائِدَةٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، والجَوابُ مُقَدَّرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ وناداهُ اللَّهُ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، سَعِدَ سَعادَةً عَظِيمَةً وآتاهُ اللَّهُ نُبُوَّةَ ولَدِهِ وأجْزَلَ لَهُ الثَّوابَ، قالُوا: وحَذْفُ الجَوابِ لَيْسَ بِغَرِيبٍ في القُرْآنِ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا كانَ مَحْذُوفًا كانَ أعْظَمَ وأفْخَمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أضْجَعَهُ لِلذَّبْحِ نُودِيَ مِنَ الجَبَلِ: ﴿ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: السَّبَبُ في هَذا التَّكْلِيفِ كَمالُ طاعَةِ إبْراهِيمَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ الشَّدِيدِ، وظَهَرَ مِنهُ كَمالُ الطّاعَةِ، وظَهَرَ مِن ولَدِهِ كَمالُ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ يَعْنِي حَصَلَ المَقْصُودُ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا. وقَوْلُهُ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ يَتَّصِلُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، والمَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ ووَلَدَهُ كانا مُحْسِنَيْنِ في هَذِهِ الطّاعَةِ، فَكَما جَزَيْنا هَذَيْنِ المُحْسِنَيْنِ فَكَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ المُحْسِنِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ مِن غَيْرِهِمْ، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ الذَّبْحُ مَصْدَرُ ذَبَحْتُ والذِّبْحُ أيْضًا ما صفحة ١٣٨ يُذْبَحُ وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَهُنا مَباحِثُ تَتَعَلَّقُ بِالحِكاياتِ: فالأوَّلُ: حُكِيَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ ذَبْحَهُ قالَ: يا بُنَيَّ خُذِ الحَبْلَ والمُدْيَةَ وانْطَلِقْ بِنا إلى الشِّعْبِ نَحْتَطِبُ، فَلَمّا تَوَسَّطا شِعْبَ ثَبِيرٍ أخْبَرَهُ بِما أُمِرَ بِهِ، فَقالَ: يا أبَتِ اشْدُدْ رِباطِي فِيَّ كَيْلا أضْطَرِبَ، واكْفُفْ عَنِّي ثِيابَكَ لا يَنْتَضِحَ عَلَيْها شَيْءٌ مِن دَمِي فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، واسْتَحِدَّ شَفْرَتَكَ وأسْرِعْ إمْرارَها عَلى حَلْقِي لِيَكُونَ أهْوَنَ فَإنَّ المَوْتَ شَدِيدٌ، واقْرَأْ عَلى أُمِّي سَلامِي وإنْ رَأيْتَ أنْ تَرُدَّ قَمِيصِي عَلى أُمِّي فافْعَلْ فَإنَّهُ عَسى أنْ يَكُونَ أسْهَلَ لَها، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: نِعْمَ العَوْنُ أنْتَ يا بُنَيَّ عَلى أمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وقَدْ رَبَطَهُ وهُما يَبْكِيانِ، ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَقالَ: كُبَّنِي عَلى وجْهِي فَإنَّكَ إذا نَظَرْتَ وجْهِيَ رَحِمْتَنِي وأدْرَكَتْكَ رِقَّةٌ، وقَدْ تَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَفَعَلَ ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى قَفاهُ فانْقَلَبَتِ السِّكِّينُ ونُودِيَ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا. البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الكَبْشِ فَقِيلَ: إنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي تَقَرَّبَ بِهِ هابِيلُ بْنُ آدَمَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقَبِلَهُ، وكانَ في الجَنَّةِ يَرْعى حَتّى فَدى اللَّهُ تَعالى بِهِ إسْماعِيلَ، وقالَ آخَرُونَ: أرْسَلَ اللَّهُ كَبْشًا مِنَ الجَنَّةِ قَدْ رَعى أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ السُّدِّيُّ: نُودِيَ إبْراهِيمُ فالتَفَتَ فَإذا هو بِكَبْشٍ أمْلَحَ انْحَطَّ مِنَ الجَبَلِ، فَقامَ عَنْهُ إبْراهِيمُ فَأخَذَهُ فَذَبَحَهُ، وخَلّى عَنِ ابْنِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَ ابْنَهُ وقالَ: يا بُنَيَّ اليَوْمَ وُهِبْتَ لِي، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَظِيمٍ﴾ فَقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِهِ وسِمَنِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَقَّ لَهُ أنْ يَكُونَ عَظِيمًا وقَدْ رَعى في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِ قَدْرِهِ حَيْثُ قَبِلَهُ اللَّهُ تَعالى فِداءً عَنْ ولَدِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ بَشَّرْناهُ بِوُجُودِ إسْحاقَ مُقَدَّرَةٌ نُبُوَّتُهُ، ولِمَن يَقُولُ إنَّ الذَّبِيحَ هو إسْماعِيلُ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ كَوْنِ إسْحاقَ نَبِيًّا؛ لِأنَّ البِشارَةَ بِهِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى صَيْرُورَتِهِ نَبِيًّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ ما قَدَّرْناهُ نَبِيًّا، وحالَ ما حَكَمْنا عَلَيْهِ فَصَبَرَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِشارَةً بِوُجُودِ إسْحاقَ حاصِلَةً بَعْدَ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ غَيْرَ إسْحاقَ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ هَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ عَنْ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، إلّا أنَّها كانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْها في الوُقُوعِ والوُجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: الأصْلُ رِعايَةُ التَّرْتِيبِ وعَدَمُ التَّغْيِيرِ في النَّظْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ البَرَكَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ جَمِيعَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِ إسْحاقَ. والثّانِي: أنَّهُ أبْقى الثَّناءَ الحَسَنَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّ البَرَكَةَ عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ والثَّباتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَثْرَةِ فَضائِلِ الأبِ فَضِيلَةُ الِابْنِ، لِئَلّا تَصِيرَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِمُفاخَرَةِاليَهُودِ، ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مُحْسِنٌ﴾ الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمٌ﴾ الكافِرُ والفاسِقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:115

قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةَ الثّالِثَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ وُجُوهَ الإنْعامِ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: إيصالُ المَنافِعِ إلَيْهِ، ودَفْعُ المَضارِّ عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ القِسْمَيْنِ هَهُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ المَنافِعِ إلَيْهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهُما. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو إيصالُ المَنافِعِ، فَلا شَكَّ أنَّ المَنافِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: مَنافِعُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الدِّينِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فالوُجُودُ والحَياةُ والعَقْلُ والتَّرْبِيَةُ والصِّحَّةُ وتَحْصِيلُ صِفاتِ الكَمالِ في ذاتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فالعِلْمُ والطّاعَةُ، وأعْلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ النُّبُوَّةُ الرَّفِيعَةُ المَقْرُونَةُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّفاصِيلَ في سائِرِ السُّوَرِ، لا جَرَمَ اكْتَفى هَهُنا بِهَذا الرَّمْزِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو دَفْعُ الضَّرَرِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: قِيلَ إنَّهُ الغَرَقُ، أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ونَجّى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِن إيذاءِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَنَّ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَصَّلَ أقْسامَ تِلْكَ المِنَّةِ. والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ أيْ نَصَرْنا مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما: ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ في كُلِّ الأحْوالِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ وفي آخِرِ الأمْرِ بِالدَّوْلَةِ والرِّفْعَةِ. وثانِيهِما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّوْراةُ، وهو الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ العُلُومِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ (المائِدَةِ: ٤٤) . وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ دَلَلْناهُما عَلى طَرِيقِ الحَقِّ عَقَلًا وسَمْعًا، وأمْدَدْناهُما بِالتَّوْفِيقِ العِصْمَةَ، وتَشْبِيهُ الدَّلائِلِ الحَقَّةِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ واضِحٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَوْلُهم: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الثَّناءُ الحَسَنُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ مِن أبْوابِ التَّعْظِيمِ والتَّفْضِيلِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ صفحة ١٤٠ الفَضِيلَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإيمانِ أشْرَفُ وأعْلى وأكْمَلُ مِن كُلِّ الفَضائِلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَسُنَ خَتْمُ فَضائِلِ مُوسى وهارُونَ بِكَوْنِهِما مِنَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:116

قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةَ الثّالِثَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ وُجُوهَ الإنْعامِ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: إيصالُ المَنافِعِ إلَيْهِ، ودَفْعُ المَضارِّ عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ القِسْمَيْنِ هَهُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ المَنافِعِ إلَيْهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهُما. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو إيصالُ المَنافِعِ، فَلا شَكَّ أنَّ المَنافِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: مَنافِعُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الدِّينِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فالوُجُودُ والحَياةُ والعَقْلُ والتَّرْبِيَةُ والصِّحَّةُ وتَحْصِيلُ صِفاتِ الكَمالِ في ذاتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فالعِلْمُ والطّاعَةُ، وأعْلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ النُّبُوَّةُ الرَّفِيعَةُ المَقْرُونَةُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّفاصِيلَ في سائِرِ السُّوَرِ، لا جَرَمَ اكْتَفى هَهُنا بِهَذا الرَّمْزِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو دَفْعُ الضَّرَرِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: قِيلَ إنَّهُ الغَرَقُ، أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ونَجّى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِن إيذاءِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَنَّ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَصَّلَ أقْسامَ تِلْكَ المِنَّةِ. والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ أيْ نَصَرْنا مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما: ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ في كُلِّ الأحْوالِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ وفي آخِرِ الأمْرِ بِالدَّوْلَةِ والرِّفْعَةِ. وثانِيهِما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّوْراةُ، وهو الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ العُلُومِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ (المائِدَةِ: ٤٤) . وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ دَلَلْناهُما عَلى طَرِيقِ الحَقِّ عَقَلًا وسَمْعًا، وأمْدَدْناهُما بِالتَّوْفِيقِ العِصْمَةَ، وتَشْبِيهُ الدَّلائِلِ الحَقَّةِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ واضِحٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَوْلُهم: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الثَّناءُ الحَسَنُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ مِن أبْوابِ التَّعْظِيمِ والتَّفْضِيلِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ صفحة ١٤٠ الفَضِيلَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإيمانِ أشْرَفُ وأعْلى وأكْمَلُ مِن كُلِّ الفَضائِلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَسُنَ خَتْمُ فَضائِلِ مُوسى وهارُونَ بِكَوْنِهِما مِنَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:117

قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةَ الثّالِثَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ وُجُوهَ الإنْعامِ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: إيصالُ المَنافِعِ إلَيْهِ، ودَفْعُ المَضارِّ عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ القِسْمَيْنِ هَهُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ المَنافِعِ إلَيْهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهُما. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو إيصالُ المَنافِعِ، فَلا شَكَّ أنَّ المَنافِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: مَنافِعُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الدِّينِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فالوُجُودُ والحَياةُ والعَقْلُ والتَّرْبِيَةُ والصِّحَّةُ وتَحْصِيلُ صِفاتِ الكَمالِ في ذاتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فالعِلْمُ والطّاعَةُ، وأعْلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ النُّبُوَّةُ الرَّفِيعَةُ المَقْرُونَةُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّفاصِيلَ في سائِرِ السُّوَرِ، لا جَرَمَ اكْتَفى هَهُنا بِهَذا الرَّمْزِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو دَفْعُ الضَّرَرِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: قِيلَ إنَّهُ الغَرَقُ، أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ونَجّى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِن إيذاءِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَنَّ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَصَّلَ أقْسامَ تِلْكَ المِنَّةِ. والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ أيْ نَصَرْنا مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما: ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ في كُلِّ الأحْوالِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ وفي آخِرِ الأمْرِ بِالدَّوْلَةِ والرِّفْعَةِ. وثانِيهِما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّوْراةُ، وهو الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ العُلُومِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ (المائِدَةِ: ٤٤) . وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ دَلَلْناهُما عَلى طَرِيقِ الحَقِّ عَقَلًا وسَمْعًا، وأمْدَدْناهُما بِالتَّوْفِيقِ العِصْمَةَ، وتَشْبِيهُ الدَّلائِلِ الحَقَّةِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ واضِحٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَوْلُهم: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الثَّناءُ الحَسَنُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ مِن أبْوابِ التَّعْظِيمِ والتَّفْضِيلِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ صفحة ١٤٠ الفَضِيلَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإيمانِ أشْرَفُ وأعْلى وأكْمَلُ مِن كُلِّ الفَضائِلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَسُنَ خَتْمُ فَضائِلِ مُوسى وهارُونَ بِكَوْنِهِما مِنَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:118

قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةَ الثّالِثَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ وُجُوهَ الإنْعامِ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: إيصالُ المَنافِعِ إلَيْهِ، ودَفْعُ المَضارِّ عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ القِسْمَيْنِ هَهُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ المَنافِعِ إلَيْهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهُما. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو إيصالُ المَنافِعِ، فَلا شَكَّ أنَّ المَنافِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: مَنافِعُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الدِّينِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فالوُجُودُ والحَياةُ والعَقْلُ والتَّرْبِيَةُ والصِّحَّةُ وتَحْصِيلُ صِفاتِ الكَمالِ في ذاتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فالعِلْمُ والطّاعَةُ، وأعْلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ النُّبُوَّةُ الرَّفِيعَةُ المَقْرُونَةُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّفاصِيلَ في سائِرِ السُّوَرِ، لا جَرَمَ اكْتَفى هَهُنا بِهَذا الرَّمْزِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو دَفْعُ الضَّرَرِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: قِيلَ إنَّهُ الغَرَقُ، أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ونَجّى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِن إيذاءِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَنَّ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَصَّلَ أقْسامَ تِلْكَ المِنَّةِ. والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ أيْ نَصَرْنا مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما: ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ في كُلِّ الأحْوالِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ وفي آخِرِ الأمْرِ بِالدَّوْلَةِ والرِّفْعَةِ. وثانِيهِما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّوْراةُ، وهو الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ العُلُومِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ (المائِدَةِ: ٤٤) . وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ دَلَلْناهُما عَلى طَرِيقِ الحَقِّ عَقَلًا وسَمْعًا، وأمْدَدْناهُما بِالتَّوْفِيقِ العِصْمَةَ، وتَشْبِيهُ الدَّلائِلِ الحَقَّةِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ واضِحٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَوْلُهم: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الثَّناءُ الحَسَنُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ مِن أبْوابِ التَّعْظِيمِ والتَّفْضِيلِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ صفحة ١٤٠ الفَضِيلَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإيمانِ أشْرَفُ وأعْلى وأكْمَلُ مِن كُلِّ الفَضائِلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَسُنَ خَتْمُ فَضائِلِ مُوسى وهارُونَ بِكَوْنِهِما مِنَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:119

قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةَ الثّالِثَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ وُجُوهَ الإنْعامِ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: إيصالُ المَنافِعِ إلَيْهِ، ودَفْعُ المَضارِّ عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ القِسْمَيْنِ هَهُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ المَنافِعِ إلَيْهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهُما. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو إيصالُ المَنافِعِ، فَلا شَكَّ أنَّ المَنافِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: مَنافِعُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الدِّينِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فالوُجُودُ والحَياةُ والعَقْلُ والتَّرْبِيَةُ والصِّحَّةُ وتَحْصِيلُ صِفاتِ الكَمالِ في ذاتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فالعِلْمُ والطّاعَةُ، وأعْلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ النُّبُوَّةُ الرَّفِيعَةُ المَقْرُونَةُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّفاصِيلَ في سائِرِ السُّوَرِ، لا جَرَمَ اكْتَفى هَهُنا بِهَذا الرَّمْزِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو دَفْعُ الضَّرَرِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: قِيلَ إنَّهُ الغَرَقُ، أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ونَجّى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِن إيذاءِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَنَّ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَصَّلَ أقْسامَ تِلْكَ المِنَّةِ. والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ أيْ نَصَرْنا مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما: ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ في كُلِّ الأحْوالِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ وفي آخِرِ الأمْرِ بِالدَّوْلَةِ والرِّفْعَةِ. وثانِيهِما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّوْراةُ، وهو الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ العُلُومِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ (المائِدَةِ: ٤٤) . وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ دَلَلْناهُما عَلى طَرِيقِ الحَقِّ عَقَلًا وسَمْعًا، وأمْدَدْناهُما بِالتَّوْفِيقِ العِصْمَةَ، وتَشْبِيهُ الدَّلائِلِ الحَقَّةِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ واضِحٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَوْلُهم: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الثَّناءُ الحَسَنُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ مِن أبْوابِ التَّعْظِيمِ والتَّفْضِيلِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ صفحة ١٤٠ الفَضِيلَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإيمانِ أشْرَفُ وأعْلى وأكْمَلُ مِن كُلِّ الفَضائِلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَسُنَ خَتْمُ فَضائِلِ مُوسى وهارُونَ بِكَوْنِهِما مِنَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:120

قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةَ الثّالِثَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ وُجُوهَ الإنْعامِ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: إيصالُ المَنافِعِ إلَيْهِ، ودَفْعُ المَضارِّ عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ القِسْمَيْنِ هَهُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ المَنافِعِ إلَيْهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهُما. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو إيصالُ المَنافِعِ، فَلا شَكَّ أنَّ المَنافِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: مَنافِعُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الدِّينِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فالوُجُودُ والحَياةُ والعَقْلُ والتَّرْبِيَةُ والصِّحَّةُ وتَحْصِيلُ صِفاتِ الكَمالِ في ذاتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فالعِلْمُ والطّاعَةُ، وأعْلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ النُّبُوَّةُ الرَّفِيعَةُ المَقْرُونَةُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّفاصِيلَ في سائِرِ السُّوَرِ، لا جَرَمَ اكْتَفى هَهُنا بِهَذا الرَّمْزِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو دَفْعُ الضَّرَرِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: قِيلَ إنَّهُ الغَرَقُ، أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ونَجّى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِن إيذاءِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَنَّ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَصَّلَ أقْسامَ تِلْكَ المِنَّةِ. والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ أيْ نَصَرْنا مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما: ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ في كُلِّ الأحْوالِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ وفي آخِرِ الأمْرِ بِالدَّوْلَةِ والرِّفْعَةِ. وثانِيهِما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّوْراةُ، وهو الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ العُلُومِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ (المائِدَةِ: ٤٤) . وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ دَلَلْناهُما عَلى طَرِيقِ الحَقِّ عَقَلًا وسَمْعًا، وأمْدَدْناهُما بِالتَّوْفِيقِ العِصْمَةَ، وتَشْبِيهُ الدَّلائِلِ الحَقَّةِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ واضِحٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَوْلُهم: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الثَّناءُ الحَسَنُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ مِن أبْوابِ التَّعْظِيمِ والتَّفْضِيلِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ صفحة ١٤٠ الفَضِيلَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإيمانِ أشْرَفُ وأعْلى وأكْمَلُ مِن كُلِّ الفَضائِلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَسُنَ خَتْمُ فَضائِلِ مُوسى وهارُونَ بِكَوْنِهِما مِنَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:121

قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةَ الثّالِثَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ وُجُوهَ الإنْعامِ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: إيصالُ المَنافِعِ إلَيْهِ، ودَفْعُ المَضارِّ عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ القِسْمَيْنِ هَهُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ المَنافِعِ إلَيْهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهُما. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو إيصالُ المَنافِعِ، فَلا شَكَّ أنَّ المَنافِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: مَنافِعُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الدِّينِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فالوُجُودُ والحَياةُ والعَقْلُ والتَّرْبِيَةُ والصِّحَّةُ وتَحْصِيلُ صِفاتِ الكَمالِ في ذاتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فالعِلْمُ والطّاعَةُ، وأعْلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ النُّبُوَّةُ الرَّفِيعَةُ المَقْرُونَةُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّفاصِيلَ في سائِرِ السُّوَرِ، لا جَرَمَ اكْتَفى هَهُنا بِهَذا الرَّمْزِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو دَفْعُ الضَّرَرِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: قِيلَ إنَّهُ الغَرَقُ، أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ونَجّى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِن إيذاءِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَنَّ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَصَّلَ أقْسامَ تِلْكَ المِنَّةِ. والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ أيْ نَصَرْنا مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما: ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ في كُلِّ الأحْوالِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ وفي آخِرِ الأمْرِ بِالدَّوْلَةِ والرِّفْعَةِ. وثانِيهِما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّوْراةُ، وهو الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ العُلُومِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ (المائِدَةِ: ٤٤) . وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ دَلَلْناهُما عَلى طَرِيقِ الحَقِّ عَقَلًا وسَمْعًا، وأمْدَدْناهُما بِالتَّوْفِيقِ العِصْمَةَ، وتَشْبِيهُ الدَّلائِلِ الحَقَّةِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ واضِحٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَوْلُهم: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الثَّناءُ الحَسَنُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ مِن أبْوابِ التَّعْظِيمِ والتَّفْضِيلِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ صفحة ١٤٠ الفَضِيلَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإيمانِ أشْرَفُ وأعْلى وأكْمَلُ مِن كُلِّ الفَضائِلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَسُنَ خَتْمُ فَضائِلِ مُوسى وهارُونَ بِكَوْنِهِما مِنَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:122

قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةَ الثّالِثَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ وُجُوهَ الإنْعامِ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: إيصالُ المَنافِعِ إلَيْهِ، ودَفْعُ المَضارِّ عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ القِسْمَيْنِ هَهُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ المَنافِعِ إلَيْهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهُما. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو إيصالُ المَنافِعِ، فَلا شَكَّ أنَّ المَنافِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: مَنافِعُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الدِّينِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فالوُجُودُ والحَياةُ والعَقْلُ والتَّرْبِيَةُ والصِّحَّةُ وتَحْصِيلُ صِفاتِ الكَمالِ في ذاتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فالعِلْمُ والطّاعَةُ، وأعْلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ النُّبُوَّةُ الرَّفِيعَةُ المَقْرُونَةُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّفاصِيلَ في سائِرِ السُّوَرِ، لا جَرَمَ اكْتَفى هَهُنا بِهَذا الرَّمْزِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو دَفْعُ الضَّرَرِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: قِيلَ إنَّهُ الغَرَقُ، أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ونَجّى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِن إيذاءِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَنَّ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَصَّلَ أقْسامَ تِلْكَ المِنَّةِ. والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ أيْ نَصَرْنا مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما: ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ في كُلِّ الأحْوالِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ وفي آخِرِ الأمْرِ بِالدَّوْلَةِ والرِّفْعَةِ. وثانِيهِما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّوْراةُ، وهو الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ العُلُومِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ (المائِدَةِ: ٤٤) . وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ دَلَلْناهُما عَلى طَرِيقِ الحَقِّ عَقَلًا وسَمْعًا، وأمْدَدْناهُما بِالتَّوْفِيقِ العِصْمَةَ، وتَشْبِيهُ الدَّلائِلِ الحَقَّةِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ واضِحٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَوْلُهم: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الثَّناءُ الحَسَنُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ مِن أبْوابِ التَّعْظِيمِ والتَّفْضِيلِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ صفحة ١٤٠ الفَضِيلَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإيمانِ أشْرَفُ وأعْلى وأكْمَلُ مِن كُلِّ الفَضائِلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَسُنَ خَتْمُ فَضائِلِ مُوسى وهارُونَ بِكَوْنِهِما مِنَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:123

قِصَّةُ إلْياسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الرّابِعَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وإنَّ الياسَ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى وصْلِ الألِفِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وقَطْعِ الألِفِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مِهْرانَ: مَن ذَكَرَ عِنْدَ الوَصْلِ الألِفَ فَقَدْ أخْطَأ، وكانَ أهْلُ الشّامِ يُنْكِرُونَهُ ولا يَعْرِفُونَهُ، قالَ الواحِدِيُّ ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ مِن إلْياسَ حَذْفًا، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٣٥) وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ويْلُمِّها في هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً والآخَرُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ الَّتِي تَصْحَبُ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿واليَسَعَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إلْياسَ قَوْلانِ: يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”وإنَّ إدْرِيسَ“، وقالَ إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ ألا تَخافُونَ اللَّهَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ألا تَخافُونَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَوَّفَهم أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَ ما هو السَّبَبُ لِذَلِكَ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ وفِيهِ أبْحاثُ: الأوَّلُ: في ”بَعْلٍ“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِصَنَمٍ كانَ لَهم كَمَناةَ وهُبَلَ، وقِيلَ كانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِراعًا ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى عَيَّنُوا لَهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ صفحة ١٤١ مِن بِلادِ الشَّأْمِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم بَعْلٌ اسْمٌ لِصَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلَبَكَّ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ. فَهَذا مُشْكِلٌ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا هَذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في كَثِيرٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ نُقِلَ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ وكَلامُ الجَمَلِ مَعَهُ وحَنِينُ الجِذْعِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يَدْخُلَ الشَّيْطانُ في جَوْفِ جِسْمٍ ويَتَكَلَّمُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في الذِّئْبِ والجَمَلِ والجِذْعِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ مُعْجِزاتٍ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ البَعْلَ هو الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يُقالُ مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ مَن رَبُّها، وسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِهَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٨) وقالَ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَعْنى: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. البَحْثُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ خالِقًا لَما جازَ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) . البَحْثُ الثّالِثُ: كانَ المُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ. أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَحْصُلُ فِيهِ رِعايَةُ مَعْنى التَّحْسِينِ. وجَوابُهُ: أنَّ فَصاحَةَ، القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ، بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عابَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صَرَّحَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَقالَ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ حُدُوثَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وكَيْفَ يَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ﴾ كُلُّها بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والأوَّلُ اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وأبِي عُبَيْدٍ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمْزَةَ إذا وصَلَ نَصَبَ، وإذا وقَفَ رَفَعَ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَّرَ مَعَ قَوْمِهِ التَّوْحِيدَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ لَمُحْضَرُونَ النّارَ غَدًا، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَهُ ما كَذَّبُوهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، بَلْ كانَ فِيهِمْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَإنَّهم لا يَحْضُرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”آلِ ياسِينَ“ عَلى إضافَةِ لَفْظِ آلٍ إلى لَفْظِ ياسِينَ، والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ وجَزْمِ اللّامِ مَوْصُولَةً بِياسِينَ: أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ فَكانَ إلْياسُ آلَ ياسِينَ. الثّانِي: آلُ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: أنَّ ياسِينَ اسْمُ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قِيلَ سَلامُ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ بِكِتابِ اللَّهِ الَّذِي هو ياسِينُ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِسِياقِ الكَلامِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: مِيكالُ ومِيكائِيلُ ومِيكالِينُ، فَكَذا هَهُنا إلْياسُ وإلْياسِينُ. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ هو جَمْعٌ وأرادَ بِهِ إلْياسَ وأتْباعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِمُ المُهَلَّبُونَ والسَّعْدُونَ قالَ: أنا ابْنُ سَعْدٍ أكْرَمُ السَّعْدِينا صفحة ١٤٢ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:124

قِصَّةُ إلْياسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الرّابِعَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وإنَّ الياسَ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى وصْلِ الألِفِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وقَطْعِ الألِفِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مِهْرانَ: مَن ذَكَرَ عِنْدَ الوَصْلِ الألِفَ فَقَدْ أخْطَأ، وكانَ أهْلُ الشّامِ يُنْكِرُونَهُ ولا يَعْرِفُونَهُ، قالَ الواحِدِيُّ ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ مِن إلْياسَ حَذْفًا، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٣٥) وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ويْلُمِّها في هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً والآخَرُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ الَّتِي تَصْحَبُ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿واليَسَعَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إلْياسَ قَوْلانِ: يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”وإنَّ إدْرِيسَ“، وقالَ إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ ألا تَخافُونَ اللَّهَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ألا تَخافُونَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَوَّفَهم أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَ ما هو السَّبَبُ لِذَلِكَ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ وفِيهِ أبْحاثُ: الأوَّلُ: في ”بَعْلٍ“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِصَنَمٍ كانَ لَهم كَمَناةَ وهُبَلَ، وقِيلَ كانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِراعًا ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى عَيَّنُوا لَهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ صفحة ١٤١ مِن بِلادِ الشَّأْمِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم بَعْلٌ اسْمٌ لِصَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلَبَكَّ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ. فَهَذا مُشْكِلٌ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا هَذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في كَثِيرٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ نُقِلَ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ وكَلامُ الجَمَلِ مَعَهُ وحَنِينُ الجِذْعِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يَدْخُلَ الشَّيْطانُ في جَوْفِ جِسْمٍ ويَتَكَلَّمُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في الذِّئْبِ والجَمَلِ والجِذْعِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ مُعْجِزاتٍ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ البَعْلَ هو الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يُقالُ مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ مَن رَبُّها، وسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِهَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٨) وقالَ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَعْنى: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. البَحْثُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ خالِقًا لَما جازَ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) . البَحْثُ الثّالِثُ: كانَ المُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ. أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَحْصُلُ فِيهِ رِعايَةُ مَعْنى التَّحْسِينِ. وجَوابُهُ: أنَّ فَصاحَةَ، القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ، بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عابَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صَرَّحَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَقالَ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ حُدُوثَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وكَيْفَ يَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ﴾ كُلُّها بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والأوَّلُ اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وأبِي عُبَيْدٍ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمْزَةَ إذا وصَلَ نَصَبَ، وإذا وقَفَ رَفَعَ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَّرَ مَعَ قَوْمِهِ التَّوْحِيدَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ لَمُحْضَرُونَ النّارَ غَدًا، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَهُ ما كَذَّبُوهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، بَلْ كانَ فِيهِمْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَإنَّهم لا يَحْضُرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”آلِ ياسِينَ“ عَلى إضافَةِ لَفْظِ آلٍ إلى لَفْظِ ياسِينَ، والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ وجَزْمِ اللّامِ مَوْصُولَةً بِياسِينَ: أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ فَكانَ إلْياسُ آلَ ياسِينَ. الثّانِي: آلُ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: أنَّ ياسِينَ اسْمُ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قِيلَ سَلامُ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ بِكِتابِ اللَّهِ الَّذِي هو ياسِينُ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِسِياقِ الكَلامِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: مِيكالُ ومِيكائِيلُ ومِيكالِينُ، فَكَذا هَهُنا إلْياسُ وإلْياسِينُ. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ هو جَمْعٌ وأرادَ بِهِ إلْياسَ وأتْباعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِمُ المُهَلَّبُونَ والسَّعْدُونَ قالَ: أنا ابْنُ سَعْدٍ أكْرَمُ السَّعْدِينا صفحة ١٤٢ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:125

قِصَّةُ إلْياسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الرّابِعَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وإنَّ الياسَ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى وصْلِ الألِفِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وقَطْعِ الألِفِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مِهْرانَ: مَن ذَكَرَ عِنْدَ الوَصْلِ الألِفَ فَقَدْ أخْطَأ، وكانَ أهْلُ الشّامِ يُنْكِرُونَهُ ولا يَعْرِفُونَهُ، قالَ الواحِدِيُّ ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ مِن إلْياسَ حَذْفًا، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٣٥) وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ويْلُمِّها في هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً والآخَرُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ الَّتِي تَصْحَبُ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿واليَسَعَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إلْياسَ قَوْلانِ: يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”وإنَّ إدْرِيسَ“، وقالَ إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ ألا تَخافُونَ اللَّهَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ألا تَخافُونَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَوَّفَهم أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَ ما هو السَّبَبُ لِذَلِكَ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ وفِيهِ أبْحاثُ: الأوَّلُ: في ”بَعْلٍ“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِصَنَمٍ كانَ لَهم كَمَناةَ وهُبَلَ، وقِيلَ كانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِراعًا ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى عَيَّنُوا لَهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ صفحة ١٤١ مِن بِلادِ الشَّأْمِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم بَعْلٌ اسْمٌ لِصَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلَبَكَّ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ. فَهَذا مُشْكِلٌ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا هَذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في كَثِيرٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ نُقِلَ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ وكَلامُ الجَمَلِ مَعَهُ وحَنِينُ الجِذْعِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يَدْخُلَ الشَّيْطانُ في جَوْفِ جِسْمٍ ويَتَكَلَّمُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في الذِّئْبِ والجَمَلِ والجِذْعِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ مُعْجِزاتٍ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ البَعْلَ هو الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يُقالُ مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ مَن رَبُّها، وسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِهَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٨) وقالَ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَعْنى: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. البَحْثُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ خالِقًا لَما جازَ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) . البَحْثُ الثّالِثُ: كانَ المُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ. أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَحْصُلُ فِيهِ رِعايَةُ مَعْنى التَّحْسِينِ. وجَوابُهُ: أنَّ فَصاحَةَ، القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ، بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عابَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صَرَّحَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَقالَ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ حُدُوثَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وكَيْفَ يَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ﴾ كُلُّها بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والأوَّلُ اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وأبِي عُبَيْدٍ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمْزَةَ إذا وصَلَ نَصَبَ، وإذا وقَفَ رَفَعَ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَّرَ مَعَ قَوْمِهِ التَّوْحِيدَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ لَمُحْضَرُونَ النّارَ غَدًا، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَهُ ما كَذَّبُوهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، بَلْ كانَ فِيهِمْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَإنَّهم لا يَحْضُرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”آلِ ياسِينَ“ عَلى إضافَةِ لَفْظِ آلٍ إلى لَفْظِ ياسِينَ، والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ وجَزْمِ اللّامِ مَوْصُولَةً بِياسِينَ: أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ فَكانَ إلْياسُ آلَ ياسِينَ. الثّانِي: آلُ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: أنَّ ياسِينَ اسْمُ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قِيلَ سَلامُ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ بِكِتابِ اللَّهِ الَّذِي هو ياسِينُ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِسِياقِ الكَلامِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: مِيكالُ ومِيكائِيلُ ومِيكالِينُ، فَكَذا هَهُنا إلْياسُ وإلْياسِينُ. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ هو جَمْعٌ وأرادَ بِهِ إلْياسَ وأتْباعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِمُ المُهَلَّبُونَ والسَّعْدُونَ قالَ: أنا ابْنُ سَعْدٍ أكْرَمُ السَّعْدِينا صفحة ١٤٢ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:126

قِصَّةُ إلْياسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الرّابِعَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وإنَّ الياسَ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى وصْلِ الألِفِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وقَطْعِ الألِفِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مِهْرانَ: مَن ذَكَرَ عِنْدَ الوَصْلِ الألِفَ فَقَدْ أخْطَأ، وكانَ أهْلُ الشّامِ يُنْكِرُونَهُ ولا يَعْرِفُونَهُ، قالَ الواحِدِيُّ ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ مِن إلْياسَ حَذْفًا، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٣٥) وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ويْلُمِّها في هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً والآخَرُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ الَّتِي تَصْحَبُ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿واليَسَعَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إلْياسَ قَوْلانِ: يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”وإنَّ إدْرِيسَ“، وقالَ إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ ألا تَخافُونَ اللَّهَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ألا تَخافُونَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَوَّفَهم أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَ ما هو السَّبَبُ لِذَلِكَ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ وفِيهِ أبْحاثُ: الأوَّلُ: في ”بَعْلٍ“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِصَنَمٍ كانَ لَهم كَمَناةَ وهُبَلَ، وقِيلَ كانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِراعًا ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى عَيَّنُوا لَهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ صفحة ١٤١ مِن بِلادِ الشَّأْمِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم بَعْلٌ اسْمٌ لِصَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلَبَكَّ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ. فَهَذا مُشْكِلٌ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا هَذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في كَثِيرٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ نُقِلَ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ وكَلامُ الجَمَلِ مَعَهُ وحَنِينُ الجِذْعِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يَدْخُلَ الشَّيْطانُ في جَوْفِ جِسْمٍ ويَتَكَلَّمُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في الذِّئْبِ والجَمَلِ والجِذْعِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ مُعْجِزاتٍ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ البَعْلَ هو الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يُقالُ مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ مَن رَبُّها، وسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِهَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٨) وقالَ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَعْنى: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. البَحْثُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ خالِقًا لَما جازَ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) . البَحْثُ الثّالِثُ: كانَ المُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ. أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَحْصُلُ فِيهِ رِعايَةُ مَعْنى التَّحْسِينِ. وجَوابُهُ: أنَّ فَصاحَةَ، القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ، بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عابَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صَرَّحَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَقالَ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ حُدُوثَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وكَيْفَ يَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ﴾ كُلُّها بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والأوَّلُ اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وأبِي عُبَيْدٍ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمْزَةَ إذا وصَلَ نَصَبَ، وإذا وقَفَ رَفَعَ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَّرَ مَعَ قَوْمِهِ التَّوْحِيدَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ لَمُحْضَرُونَ النّارَ غَدًا، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَهُ ما كَذَّبُوهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، بَلْ كانَ فِيهِمْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَإنَّهم لا يَحْضُرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”آلِ ياسِينَ“ عَلى إضافَةِ لَفْظِ آلٍ إلى لَفْظِ ياسِينَ، والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ وجَزْمِ اللّامِ مَوْصُولَةً بِياسِينَ: أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ فَكانَ إلْياسُ آلَ ياسِينَ. الثّانِي: آلُ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: أنَّ ياسِينَ اسْمُ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قِيلَ سَلامُ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ بِكِتابِ اللَّهِ الَّذِي هو ياسِينُ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِسِياقِ الكَلامِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: مِيكالُ ومِيكائِيلُ ومِيكالِينُ، فَكَذا هَهُنا إلْياسُ وإلْياسِينُ. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ هو جَمْعٌ وأرادَ بِهِ إلْياسَ وأتْباعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِمُ المُهَلَّبُونَ والسَّعْدُونَ قالَ: أنا ابْنُ سَعْدٍ أكْرَمُ السَّعْدِينا صفحة ١٤٢ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:127

قِصَّةُ إلْياسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الرّابِعَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وإنَّ الياسَ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى وصْلِ الألِفِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وقَطْعِ الألِفِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مِهْرانَ: مَن ذَكَرَ عِنْدَ الوَصْلِ الألِفَ فَقَدْ أخْطَأ، وكانَ أهْلُ الشّامِ يُنْكِرُونَهُ ولا يَعْرِفُونَهُ، قالَ الواحِدِيُّ ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ مِن إلْياسَ حَذْفًا، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٣٥) وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ويْلُمِّها في هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً والآخَرُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ الَّتِي تَصْحَبُ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿واليَسَعَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إلْياسَ قَوْلانِ: يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”وإنَّ إدْرِيسَ“، وقالَ إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ ألا تَخافُونَ اللَّهَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ألا تَخافُونَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَوَّفَهم أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَ ما هو السَّبَبُ لِذَلِكَ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ وفِيهِ أبْحاثُ: الأوَّلُ: في ”بَعْلٍ“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِصَنَمٍ كانَ لَهم كَمَناةَ وهُبَلَ، وقِيلَ كانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِراعًا ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى عَيَّنُوا لَهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ صفحة ١٤١ مِن بِلادِ الشَّأْمِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم بَعْلٌ اسْمٌ لِصَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلَبَكَّ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ. فَهَذا مُشْكِلٌ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا هَذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في كَثِيرٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ نُقِلَ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ وكَلامُ الجَمَلِ مَعَهُ وحَنِينُ الجِذْعِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يَدْخُلَ الشَّيْطانُ في جَوْفِ جِسْمٍ ويَتَكَلَّمُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في الذِّئْبِ والجَمَلِ والجِذْعِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ مُعْجِزاتٍ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ البَعْلَ هو الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يُقالُ مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ مَن رَبُّها، وسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِهَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٨) وقالَ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَعْنى: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. البَحْثُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ خالِقًا لَما جازَ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) . البَحْثُ الثّالِثُ: كانَ المُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ. أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَحْصُلُ فِيهِ رِعايَةُ مَعْنى التَّحْسِينِ. وجَوابُهُ: أنَّ فَصاحَةَ، القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ، بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عابَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صَرَّحَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَقالَ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ حُدُوثَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وكَيْفَ يَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ﴾ كُلُّها بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والأوَّلُ اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وأبِي عُبَيْدٍ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمْزَةَ إذا وصَلَ نَصَبَ، وإذا وقَفَ رَفَعَ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَّرَ مَعَ قَوْمِهِ التَّوْحِيدَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ لَمُحْضَرُونَ النّارَ غَدًا، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَهُ ما كَذَّبُوهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، بَلْ كانَ فِيهِمْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَإنَّهم لا يَحْضُرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”آلِ ياسِينَ“ عَلى إضافَةِ لَفْظِ آلٍ إلى لَفْظِ ياسِينَ، والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ وجَزْمِ اللّامِ مَوْصُولَةً بِياسِينَ: أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ فَكانَ إلْياسُ آلَ ياسِينَ. الثّانِي: آلُ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: أنَّ ياسِينَ اسْمُ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قِيلَ سَلامُ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ بِكِتابِ اللَّهِ الَّذِي هو ياسِينُ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِسِياقِ الكَلامِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: مِيكالُ ومِيكائِيلُ ومِيكالِينُ، فَكَذا هَهُنا إلْياسُ وإلْياسِينُ. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ هو جَمْعٌ وأرادَ بِهِ إلْياسَ وأتْباعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِمُ المُهَلَّبُونَ والسَّعْدُونَ قالَ: أنا ابْنُ سَعْدٍ أكْرَمُ السَّعْدِينا صفحة ١٤٢ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:128

قِصَّةُ إلْياسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الرّابِعَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وإنَّ الياسَ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى وصْلِ الألِفِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وقَطْعِ الألِفِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مِهْرانَ: مَن ذَكَرَ عِنْدَ الوَصْلِ الألِفَ فَقَدْ أخْطَأ، وكانَ أهْلُ الشّامِ يُنْكِرُونَهُ ولا يَعْرِفُونَهُ، قالَ الواحِدِيُّ ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ مِن إلْياسَ حَذْفًا، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٣٥) وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ويْلُمِّها في هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً والآخَرُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ الَّتِي تَصْحَبُ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿واليَسَعَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إلْياسَ قَوْلانِ: يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”وإنَّ إدْرِيسَ“، وقالَ إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ ألا تَخافُونَ اللَّهَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ألا تَخافُونَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَوَّفَهم أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَ ما هو السَّبَبُ لِذَلِكَ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ وفِيهِ أبْحاثُ: الأوَّلُ: في ”بَعْلٍ“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِصَنَمٍ كانَ لَهم كَمَناةَ وهُبَلَ، وقِيلَ كانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِراعًا ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى عَيَّنُوا لَهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ صفحة ١٤١ مِن بِلادِ الشَّأْمِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم بَعْلٌ اسْمٌ لِصَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلَبَكَّ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ. فَهَذا مُشْكِلٌ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا هَذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في كَثِيرٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ نُقِلَ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ وكَلامُ الجَمَلِ مَعَهُ وحَنِينُ الجِذْعِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يَدْخُلَ الشَّيْطانُ في جَوْفِ جِسْمٍ ويَتَكَلَّمُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في الذِّئْبِ والجَمَلِ والجِذْعِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ مُعْجِزاتٍ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ البَعْلَ هو الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يُقالُ مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ مَن رَبُّها، وسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِهَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٨) وقالَ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَعْنى: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. البَحْثُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ خالِقًا لَما جازَ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) . البَحْثُ الثّالِثُ: كانَ المُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ. أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَحْصُلُ فِيهِ رِعايَةُ مَعْنى التَّحْسِينِ. وجَوابُهُ: أنَّ فَصاحَةَ، القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ، بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عابَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صَرَّحَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَقالَ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ حُدُوثَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وكَيْفَ يَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ﴾ كُلُّها بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والأوَّلُ اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وأبِي عُبَيْدٍ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمْزَةَ إذا وصَلَ نَصَبَ، وإذا وقَفَ رَفَعَ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَّرَ مَعَ قَوْمِهِ التَّوْحِيدَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ لَمُحْضَرُونَ النّارَ غَدًا، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَهُ ما كَذَّبُوهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، بَلْ كانَ فِيهِمْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَإنَّهم لا يَحْضُرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”آلِ ياسِينَ“ عَلى إضافَةِ لَفْظِ آلٍ إلى لَفْظِ ياسِينَ، والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ وجَزْمِ اللّامِ مَوْصُولَةً بِياسِينَ: أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ فَكانَ إلْياسُ آلَ ياسِينَ. الثّانِي: آلُ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: أنَّ ياسِينَ اسْمُ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قِيلَ سَلامُ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ بِكِتابِ اللَّهِ الَّذِي هو ياسِينُ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِسِياقِ الكَلامِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: مِيكالُ ومِيكائِيلُ ومِيكالِينُ، فَكَذا هَهُنا إلْياسُ وإلْياسِينُ. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ هو جَمْعٌ وأرادَ بِهِ إلْياسَ وأتْباعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِمُ المُهَلَّبُونَ والسَّعْدُونَ قالَ: أنا ابْنُ سَعْدٍ أكْرَمُ السَّعْدِينا صفحة ١٤٢ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:129

قِصَّةُ إلْياسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الرّابِعَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وإنَّ الياسَ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى وصْلِ الألِفِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وقَطْعِ الألِفِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مِهْرانَ: مَن ذَكَرَ عِنْدَ الوَصْلِ الألِفَ فَقَدْ أخْطَأ، وكانَ أهْلُ الشّامِ يُنْكِرُونَهُ ولا يَعْرِفُونَهُ، قالَ الواحِدِيُّ ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ مِن إلْياسَ حَذْفًا، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٣٥) وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ويْلُمِّها في هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً والآخَرُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ الَّتِي تَصْحَبُ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿واليَسَعَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إلْياسَ قَوْلانِ: يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”وإنَّ إدْرِيسَ“، وقالَ إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ ألا تَخافُونَ اللَّهَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ألا تَخافُونَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَوَّفَهم أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَ ما هو السَّبَبُ لِذَلِكَ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ وفِيهِ أبْحاثُ: الأوَّلُ: في ”بَعْلٍ“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِصَنَمٍ كانَ لَهم كَمَناةَ وهُبَلَ، وقِيلَ كانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِراعًا ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى عَيَّنُوا لَهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ صفحة ١٤١ مِن بِلادِ الشَّأْمِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم بَعْلٌ اسْمٌ لِصَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلَبَكَّ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ. فَهَذا مُشْكِلٌ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا هَذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في كَثِيرٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ نُقِلَ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ وكَلامُ الجَمَلِ مَعَهُ وحَنِينُ الجِذْعِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يَدْخُلَ الشَّيْطانُ في جَوْفِ جِسْمٍ ويَتَكَلَّمُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في الذِّئْبِ والجَمَلِ والجِذْعِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ مُعْجِزاتٍ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ البَعْلَ هو الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يُقالُ مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ مَن رَبُّها، وسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِهَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٨) وقالَ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَعْنى: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. البَحْثُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ خالِقًا لَما جازَ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) . البَحْثُ الثّالِثُ: كانَ المُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ. أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَحْصُلُ فِيهِ رِعايَةُ مَعْنى التَّحْسِينِ. وجَوابُهُ: أنَّ فَصاحَةَ، القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ، بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عابَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صَرَّحَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَقالَ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ حُدُوثَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وكَيْفَ يَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ﴾ كُلُّها بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والأوَّلُ اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وأبِي عُبَيْدٍ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمْزَةَ إذا وصَلَ نَصَبَ، وإذا وقَفَ رَفَعَ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَّرَ مَعَ قَوْمِهِ التَّوْحِيدَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ لَمُحْضَرُونَ النّارَ غَدًا، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَهُ ما كَذَّبُوهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، بَلْ كانَ فِيهِمْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَإنَّهم لا يَحْضُرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”آلِ ياسِينَ“ عَلى إضافَةِ لَفْظِ آلٍ إلى لَفْظِ ياسِينَ، والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ وجَزْمِ اللّامِ مَوْصُولَةً بِياسِينَ: أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ فَكانَ إلْياسُ آلَ ياسِينَ. الثّانِي: آلُ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: أنَّ ياسِينَ اسْمُ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قِيلَ سَلامُ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ بِكِتابِ اللَّهِ الَّذِي هو ياسِينُ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِسِياقِ الكَلامِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: مِيكالُ ومِيكائِيلُ ومِيكالِينُ، فَكَذا هَهُنا إلْياسُ وإلْياسِينُ. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ هو جَمْعٌ وأرادَ بِهِ إلْياسَ وأتْباعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِمُ المُهَلَّبُونَ والسَّعْدُونَ قالَ: أنا ابْنُ سَعْدٍ أكْرَمُ السَّعْدِينا صفحة ١٤٢ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:130

قِصَّةُ إلْياسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الرّابِعَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وإنَّ الياسَ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى وصْلِ الألِفِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وقَطْعِ الألِفِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مِهْرانَ: مَن ذَكَرَ عِنْدَ الوَصْلِ الألِفَ فَقَدْ أخْطَأ، وكانَ أهْلُ الشّامِ يُنْكِرُونَهُ ولا يَعْرِفُونَهُ، قالَ الواحِدِيُّ ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ مِن إلْياسَ حَذْفًا، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٣٥) وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ويْلُمِّها في هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً والآخَرُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ الَّتِي تَصْحَبُ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿واليَسَعَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إلْياسَ قَوْلانِ: يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”وإنَّ إدْرِيسَ“، وقالَ إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ ألا تَخافُونَ اللَّهَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ألا تَخافُونَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَوَّفَهم أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَ ما هو السَّبَبُ لِذَلِكَ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ وفِيهِ أبْحاثُ: الأوَّلُ: في ”بَعْلٍ“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِصَنَمٍ كانَ لَهم كَمَناةَ وهُبَلَ، وقِيلَ كانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِراعًا ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى عَيَّنُوا لَهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ صفحة ١٤١ مِن بِلادِ الشَّأْمِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم بَعْلٌ اسْمٌ لِصَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلَبَكَّ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ. فَهَذا مُشْكِلٌ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا هَذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في كَثِيرٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ نُقِلَ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ وكَلامُ الجَمَلِ مَعَهُ وحَنِينُ الجِذْعِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يَدْخُلَ الشَّيْطانُ في جَوْفِ جِسْمٍ ويَتَكَلَّمُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في الذِّئْبِ والجَمَلِ والجِذْعِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ مُعْجِزاتٍ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ البَعْلَ هو الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يُقالُ مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ مَن رَبُّها، وسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِهَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٨) وقالَ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَعْنى: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. البَحْثُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ خالِقًا لَما جازَ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) . البَحْثُ الثّالِثُ: كانَ المُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ. أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَحْصُلُ فِيهِ رِعايَةُ مَعْنى التَّحْسِينِ. وجَوابُهُ: أنَّ فَصاحَةَ، القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ، بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عابَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صَرَّحَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَقالَ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ حُدُوثَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وكَيْفَ يَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ﴾ كُلُّها بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والأوَّلُ اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وأبِي عُبَيْدٍ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمْزَةَ إذا وصَلَ نَصَبَ، وإذا وقَفَ رَفَعَ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَّرَ مَعَ قَوْمِهِ التَّوْحِيدَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ لَمُحْضَرُونَ النّارَ غَدًا، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَهُ ما كَذَّبُوهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، بَلْ كانَ فِيهِمْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَإنَّهم لا يَحْضُرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”آلِ ياسِينَ“ عَلى إضافَةِ لَفْظِ آلٍ إلى لَفْظِ ياسِينَ، والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ وجَزْمِ اللّامِ مَوْصُولَةً بِياسِينَ: أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ فَكانَ إلْياسُ آلَ ياسِينَ. الثّانِي: آلُ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: أنَّ ياسِينَ اسْمُ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قِيلَ سَلامُ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ بِكِتابِ اللَّهِ الَّذِي هو ياسِينُ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِسِياقِ الكَلامِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: مِيكالُ ومِيكائِيلُ ومِيكالِينُ، فَكَذا هَهُنا إلْياسُ وإلْياسِينُ. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ هو جَمْعٌ وأرادَ بِهِ إلْياسَ وأتْباعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِمُ المُهَلَّبُونَ والسَّعْدُونَ قالَ: أنا ابْنُ سَعْدٍ أكْرَمُ السَّعْدِينا صفحة ١٤٢ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:131

قِصَّةُ إلْياسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الرّابِعَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وإنَّ الياسَ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى وصْلِ الألِفِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وقَطْعِ الألِفِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مِهْرانَ: مَن ذَكَرَ عِنْدَ الوَصْلِ الألِفَ فَقَدْ أخْطَأ، وكانَ أهْلُ الشّامِ يُنْكِرُونَهُ ولا يَعْرِفُونَهُ، قالَ الواحِدِيُّ ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ مِن إلْياسَ حَذْفًا، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٣٥) وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ويْلُمِّها في هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً والآخَرُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ الَّتِي تَصْحَبُ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿واليَسَعَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إلْياسَ قَوْلانِ: يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”وإنَّ إدْرِيسَ“، وقالَ إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ ألا تَخافُونَ اللَّهَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ألا تَخافُونَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَوَّفَهم أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَ ما هو السَّبَبُ لِذَلِكَ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ وفِيهِ أبْحاثُ: الأوَّلُ: في ”بَعْلٍ“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِصَنَمٍ كانَ لَهم كَمَناةَ وهُبَلَ، وقِيلَ كانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِراعًا ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى عَيَّنُوا لَهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ صفحة ١٤١ مِن بِلادِ الشَّأْمِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم بَعْلٌ اسْمٌ لِصَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلَبَكَّ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ. فَهَذا مُشْكِلٌ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا هَذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في كَثِيرٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ نُقِلَ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ وكَلامُ الجَمَلِ مَعَهُ وحَنِينُ الجِذْعِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يَدْخُلَ الشَّيْطانُ في جَوْفِ جِسْمٍ ويَتَكَلَّمُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في الذِّئْبِ والجَمَلِ والجِذْعِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ مُعْجِزاتٍ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ البَعْلَ هو الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يُقالُ مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ مَن رَبُّها، وسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِهَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٨) وقالَ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَعْنى: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. البَحْثُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ خالِقًا لَما جازَ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) . البَحْثُ الثّالِثُ: كانَ المُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ. أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَحْصُلُ فِيهِ رِعايَةُ مَعْنى التَّحْسِينِ. وجَوابُهُ: أنَّ فَصاحَةَ، القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ، بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عابَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صَرَّحَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَقالَ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ حُدُوثَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وكَيْفَ يَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ﴾ كُلُّها بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والأوَّلُ اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وأبِي عُبَيْدٍ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمْزَةَ إذا وصَلَ نَصَبَ، وإذا وقَفَ رَفَعَ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَّرَ مَعَ قَوْمِهِ التَّوْحِيدَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ لَمُحْضَرُونَ النّارَ غَدًا، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَهُ ما كَذَّبُوهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، بَلْ كانَ فِيهِمْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَإنَّهم لا يَحْضُرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”آلِ ياسِينَ“ عَلى إضافَةِ لَفْظِ آلٍ إلى لَفْظِ ياسِينَ، والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ وجَزْمِ اللّامِ مَوْصُولَةً بِياسِينَ: أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ فَكانَ إلْياسُ آلَ ياسِينَ. الثّانِي: آلُ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: أنَّ ياسِينَ اسْمُ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قِيلَ سَلامُ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ بِكِتابِ اللَّهِ الَّذِي هو ياسِينُ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِسِياقِ الكَلامِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: مِيكالُ ومِيكائِيلُ ومِيكالِينُ، فَكَذا هَهُنا إلْياسُ وإلْياسِينُ. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ هو جَمْعٌ وأرادَ بِهِ إلْياسَ وأتْباعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِمُ المُهَلَّبُونَ والسَّعْدُونَ قالَ: أنا ابْنُ سَعْدٍ أكْرَمُ السَّعْدِينا صفحة ١٤٢ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:132

قِصَّةُ إلْياسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الرّابِعَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وإنَّ الياسَ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى وصْلِ الألِفِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وقَطْعِ الألِفِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مِهْرانَ: مَن ذَكَرَ عِنْدَ الوَصْلِ الألِفَ فَقَدْ أخْطَأ، وكانَ أهْلُ الشّامِ يُنْكِرُونَهُ ولا يَعْرِفُونَهُ، قالَ الواحِدِيُّ ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ مِن إلْياسَ حَذْفًا، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٣٥) وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ويْلُمِّها في هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً والآخَرُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ الَّتِي تَصْحَبُ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿واليَسَعَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إلْياسَ قَوْلانِ: يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”وإنَّ إدْرِيسَ“، وقالَ إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ ألا تَخافُونَ اللَّهَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ألا تَخافُونَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَوَّفَهم أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَ ما هو السَّبَبُ لِذَلِكَ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ وفِيهِ أبْحاثُ: الأوَّلُ: في ”بَعْلٍ“ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِصَنَمٍ كانَ لَهم كَمَناةَ وهُبَلَ، وقِيلَ كانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِراعًا ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى عَيَّنُوا لَهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ صفحة ١٤١ مِن بِلادِ الشَّأْمِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم بَعْلٌ اسْمٌ لِصَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلَبَكَّ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ. فَهَذا مُشْكِلٌ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا هَذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في كَثِيرٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ نُقِلَ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ وكَلامُ الجَمَلِ مَعَهُ وحَنِينُ الجِذْعِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يَدْخُلَ الشَّيْطانُ في جَوْفِ جِسْمٍ ويَتَكَلَّمُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في الذِّئْبِ والجَمَلِ والجِذْعِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ مُعْجِزاتٍ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّ البَعْلَ هو الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يُقالُ مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ مَن رَبُّها، وسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِهَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٨) وقالَ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَعْنى: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. البَحْثُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ خالِقًا لَما جازَ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) . البَحْثُ الثّالِثُ: كانَ المُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ. أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَحْصُلُ فِيهِ رِعايَةُ مَعْنى التَّحْسِينِ. وجَوابُهُ: أنَّ فَصاحَةَ، القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ، بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عابَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صَرَّحَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَقالَ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ حُدُوثَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وكَيْفَ يَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ﴾ كُلُّها بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والأوَّلُ اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وأبِي عُبَيْدٍ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمْزَةَ إذا وصَلَ نَصَبَ، وإذا وقَفَ رَفَعَ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَّرَ مَعَ قَوْمِهِ التَّوْحِيدَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ لَمُحْضَرُونَ النّارَ غَدًا، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَهُ ما كَذَّبُوهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، بَلْ كانَ فِيهِمْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَإنَّهم لا يَحْضُرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”آلِ ياسِينَ“ عَلى إضافَةِ لَفْظِ آلٍ إلى لَفْظِ ياسِينَ، والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ وجَزْمِ اللّامِ مَوْصُولَةً بِياسِينَ: أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ فَكانَ إلْياسُ آلَ ياسِينَ. الثّانِي: آلُ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: أنَّ ياسِينَ اسْمُ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قِيلَ سَلامُ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ بِكِتابِ اللَّهِ الَّذِي هو ياسِينُ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِسِياقِ الكَلامِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: مِيكالُ ومِيكائِيلُ ومِيكالِينُ، فَكَذا هَهُنا إلْياسُ وإلْياسِينُ. والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ هو جَمْعٌ وأرادَ بِهِ إلْياسَ وأتْباعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِمُ المُهَلَّبُونَ والسَّعْدُونَ قالَ: أنا ابْنُ سَعْدٍ أكْرَمُ السَّعْدِينا صفحة ١٤٢ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:133

قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وإنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِيَعْتَبِرَ بِها مُشْرِكُو العَرَبِ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ هَلَكُوا، والَّذِينَ آمَنُوا نَجَوْا، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ، وقَدْ نَبَّهَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يُسافِرُونَ إلى الشّامِ، والمُسافِرُ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّما يَمْشِي في اللَّيْلِ وفي أوَّلِ النَّهارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَيَّنَ تَعالى هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي: ألَيْسَ فِيكم عُقُولٌ تَعْتَبِرُونَ بِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:134

قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وإنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِيَعْتَبِرَ بِها مُشْرِكُو العَرَبِ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ هَلَكُوا، والَّذِينَ آمَنُوا نَجَوْا، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ، وقَدْ نَبَّهَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يُسافِرُونَ إلى الشّامِ، والمُسافِرُ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّما يَمْشِي في اللَّيْلِ وفي أوَّلِ النَّهارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَيَّنَ تَعالى هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي: ألَيْسَ فِيكم عُقُولٌ تَعْتَبِرُونَ بِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:135

قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وإنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِيَعْتَبِرَ بِها مُشْرِكُو العَرَبِ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ هَلَكُوا، والَّذِينَ آمَنُوا نَجَوْا، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ، وقَدْ نَبَّهَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يُسافِرُونَ إلى الشّامِ، والمُسافِرُ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّما يَمْشِي في اللَّيْلِ وفي أوَّلِ النَّهارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَيَّنَ تَعالى هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي: ألَيْسَ فِيكم عُقُولٌ تَعْتَبِرُونَ بِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:136

قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وإنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِيَعْتَبِرَ بِها مُشْرِكُو العَرَبِ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ هَلَكُوا، والَّذِينَ آمَنُوا نَجَوْا، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ، وقَدْ نَبَّهَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يُسافِرُونَ إلى الشّامِ، والمُسافِرُ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّما يَمْشِي في اللَّيْلِ وفي أوَّلِ النَّهارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَيَّنَ تَعالى هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي: ألَيْسَ فِيكم عُقُولٌ تَعْتَبِرُونَ بِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:137

قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وإنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِيَعْتَبِرَ بِها مُشْرِكُو العَرَبِ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ هَلَكُوا، والَّذِينَ آمَنُوا نَجَوْا، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ، وقَدْ نَبَّهَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يُسافِرُونَ إلى الشّامِ، والمُسافِرُ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّما يَمْشِي في اللَّيْلِ وفي أوَّلِ النَّهارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَيَّنَ تَعالى هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي: ألَيْسَ فِيكم عُقُولٌ تَعْتَبِرُونَ بِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:138

قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وإنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِيَعْتَبِرَ بِها مُشْرِكُو العَرَبِ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ هَلَكُوا، والَّذِينَ آمَنُوا نَجَوْا، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ، وقَدْ نَبَّهَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يُسافِرُونَ إلى الشّامِ، والمُسافِرُ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّما يَمْشِي في اللَّيْلِ وفي أوَّلِ النَّهارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَيَّنَ تَعالى هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي: ألَيْسَ فِيكم عُقُولٌ تَعْتَبِرُونَ بِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:139

قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ وهو آخِرُ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما صارَتْ هَذِهِ القِصَّةُ خاتِمَةً لِلْقِصَصِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِهِ وأبَقَ إلى الفُلْكِ وقَعَ في تِلْكَ الشَّدائِدِ فَيَصِيرُ هَذا سَبَبًا لِتَصَبُّرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”يُونُسَ“ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها. صفحة ١٤٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ صارَ رَسُولًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مِنَ المُرْسَلِينَ حِينَما أبَقَ إلى الفُلْكِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّهُ أرْسَلَهُ مَلِكُ زَمانِهِ إلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَدْعُوَهم إلى اللَّهِ، ثُمَّ أبَقَ والتَقَمَهُ الحُوتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِهِ، ولَنْ يُفِيدَ هَذِهِ الفائِدَةَ إلّا إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبَقَ مِن إباقِ العَبْدِ وهو هَرَبُهُ مِن سَيِّدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيمَن يَتَعَمَّدُ مُخالَفَةَ رَبِّهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ صارَ مُخْطِئًا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ وخَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، وهَذا بَعِيدٌ سَواءٌ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِلِسانِ نَبِيٍّ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ أنَّهُ تَرَكَ دُعاءَ قَوْمِهِ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِمْ. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِهَذا العَمَلِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَهُ، والأقْرَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ إنْزالَ الإهْلاكِ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَظَنَّ أنَّهُ نازِلٌ لا مَحالَةَ، فَلِأجْلِ هَذا الظَّنِّ لَمْ يَصْبِرْ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ لِجَوازِ أنْ لا يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ وإنْ أنْزَلَهُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ إقْدامٌ عَلى أمْرٍ ظَهَرَتْ أماراتُهُ فَلا يَكُونُ تَعَمُّدًا لِلْمَعْصِيَةِ، وإنْ كانَ الأوْلى في مِثْلِ هَذا البابِ أنْ لا يُعْمَلَ فِيهِ بِالظَّنِّ، ثُمَّ انْكَشَفَ لِيُونُسَ مِن بَعْدُ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الظَّنِّ، لِأجْلِ أنَّهُ ظَهَرَ الإيمانُ مِنهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ ما ذَكَرْناهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُونُسَ كانَ وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ كالمَسْتُورِ عَنْهم فَقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في مُشْكِلاتِ هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وقَوْلُهُ: ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ يُونُسَ، والسَّفِينَةُ إذا كانَ فِيها الحِمْلُ الكَثِيرُ والنّاسُ يُقالُ إنَّها مَشْحُونَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَساهَمَ﴾ المُساهَمَةُ هي المُقارَعَةُ، يُقالُ: أسْهَمَ القَوْمُ إذا اقْتَرَعُوا، قالَ المُبَرَّدُ: وإنَّما أُخِذَ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ لِلْقُرْعَةِ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ فَدُحِضَتْ أيْ: أزالَها فَزالَتْ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّحْضِ الَّذِي هو الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُ البَعِيرِ إذا زَلَقَتْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَسْكُنُ مَعَ قَوْمِهِ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذا أسَرَكم عَدُوُّكم أوْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ فادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم، فَلَمّا نَسُوا ذَلِكَ وأُسِرُوا أوْحى اللَّهُ تَعالى بَعْدَ حِينٍ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِمْ أنِ اذْهَبْ إلى مَلِكِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ وقُلْ لَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا، فاخْتارَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، قالَ يُونُسُ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أُمِرْتُ أنْ أبْعَثَ قَوِيًّا أمِينًا وأنْتَ كَذَلِكَ، فَقالَ يُونُسُ: وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو أقْوى مِنِّي فَلِمَ لا تَبْعَثُهُ، فَألَحَّ المَلِكُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ يُونُسُ مِنهُ، وخَرَجَ حَتّى أتى بَحْرَ الرُّومِ ووَجَدَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً فَحَمَلُوهُ فِيها، فَلَمّا دَخَلَتْ لُجَّةَ البَحْرِ أشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ، فَقالَ المَلّاحُونَ: إنَّ فِيكم عاصِيًا وإلّا لَمْ يَحْصُلْ في السَّفِينَةِ ما نَراهُ مِن غَيْرِ رِيحٍ ولا سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقالَ التُّجّارُ: قَدْ جَرَّبْنا مِثْلَ هَذا فَإذا رَأيْناهُ نَقْتَرِعُ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ نُغْرِقُهُ، فَلَأنْ يَغْرَقَ واحِدٌ خَيْرٌ مِن غَرَقِ الكُلِّ، فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ التُّجّارُ: نَحْنُ صفحة ١٤٤ أوْلى بِالمَعْصِيَةِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ، ثُمَّ عادُوا ثانِيًا وثالِثًا يَقْتَرِعُونَ فَيَخْرُجُ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ أنا العاصِي وتَلَفَّفَ في كِساءٍ ورَمى بِنَفْسِهِ فابْتَلَعَتْهُ السَّمَكَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: ”لا تَكْسِرْ مِنهُ عَظْمًا ولا تَقْطَعْ لَهُ وصْلًا“ ثُمَّ إنَّ السَّمَكَةَ أخْرَجَتْهُ إلى نِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إلى بَحْرِ فارِسَ ثُمَّ إلى بَحْرِ البَطائِحِ ثُمَّ دِجْلَةَ فَصَعِدَتْ بِهِ ورَمَتْهُ بِأرْضِ نَصِيبِينَ بِالعَراءِ، وهو كالفَرْخِ المَنتُوفِ لا شَعَرَ ولا لَحْمَ، فَأنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، فَكانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى تَشَدَّدَ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ أكَلَتْها فَخَرَّتْ مِن أصْلِها، فَحَزِنَ يُونُسُ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، فَقالَ: يا رَبِّ كُنْتُ أسْتَظِلُّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنَ الشَّمْسِ والرِّيحِ وأمُصُّ مِن ثَمَرِها وقَدْ سَقَطَتْ، فَقِيلَ لَهُ يا يُونُسُ تَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ أُنْبِتَتْ في ساعَةٍ واقْتُلِعَتْ في ساعَةٍ ولا تَحْزَنُ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تَرَكْتَهم ! انْطَلِقْ إلَيْهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: التَقَمَهُ والتَهَمَهُ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: ألامَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، فالمُلِيمُ المُسْتَحِقُّ لِلَّوْمِ الآتِي بِما يُلامُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَقُولُ في تِلْكَ الظُّلُماتِ ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ لَوْلا أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ مِنَ المُسَبِّحِينَ يَعْنِي المُصَلِّينَ، وكانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ لَلَبِثَ في بَطْنِ ذَلِكَ الحُوتِ، وكانَ بَطْنُهُ قَبْرًا لَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، قالَ بَعْضُهُمُ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرُكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١]، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَمْ لَبِثَ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، وأُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بَعْدَ الوَقْتِ الَّذِي التَقَمَهُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وعَنْ عَطاءٍ سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ عِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ شَهْرًا، ولا أدْرِي بِأيِّ دَلِيلٍ عَيَّنُوا هَذِهِ المَقادِيرَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَّحَ يُونُسُ في بَطْنِ الحُوتِ فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقالُوا: رَبَّنا إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَقالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصانِي فَحَبَسْتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ في البَحْرِ، فَقالُوا: العَبْدُ الصّالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إلَيْكَ مِنهُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ عَمَلٌ صالِحٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَفَعُوا لَهُ، فَأمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَهُ في السّاحِلِ» “ فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: العَراءُ المَكانُ الخالِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهُ العَراءُ لِأنَّهُ لا شَجَرَ فِيهِ ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ فَأضافَ ذَلِكَ النَّبْذَ إلى نَفْسِهِ، والنَّبْذُ إنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ الحُوتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ بَلِيَ لَحْمُهُ وصارَ ضَعِيفًا كالطِّفْلِ المَوْلُودِ كالفَرْخِ المُمَعَّطِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَقِيمٌ: أيْ سَلِيبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُوتَ لَمّا نَبَذَهُ في العَراءِ فاللَّهُ تَعالى أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ وذَلِكَ المُعْجِزُ لَهُ، قالَ: المُبَرَّدُ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ وإنَّما صفحة ١٤٥ يَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَهو يَقْطِينٌ، نَحْوُ الدُّبّاءِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ، قالَ الزَّجّاجُ: أحْسَبُ اشْتِقاقَها مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ اليَقْطِينُ، ورَوى الفَرّاءُ أنَّهُ قِيلَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ هو ورَقُ القَرْعِ، فَقالَ: ومَن جَعَلَ القَرْعَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ يَقْطِينًا، كُلُّ ورَقَةٍ اتَّسَعَتْ وسَتَرَتْ فَهي يَقْطِينٌ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والآيَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُما المُفَسِّرُونَ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا اليَقْطِينَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ فَأنْبَتَهُ اللَّهُ لِأجْلِهِ. والآخَرُ: أنَّ اليَقْطِينَ كانَ مَعْرُوشًا لِيَحْصُلَ لَهُ ظِلٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَسْتَظِلَّ بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وأرْسَلْناهُ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا الإرْسالِ وإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِقامِ، فالمُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ والواوُ مَعْناها الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإرْسالَ بَعْدَ الِالتِقامِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ سِوى القَوْمِ الأُوَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ ثانِيًا بِشَرِيعَةٍ فَآمَنُوا بِها. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ يُوجِبُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النَّجْمِ: ٩] وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والأصَحُّ مِنها وجْهٌ واحِدٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم بِمَعْنى أنَّهم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ عَلى المِائَةِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كُلِّ ما يُشْبِهُ هَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ لَمّا آمَنُوا أزالَ اللَّهُ الخَوْفَ عَنْهم وآمَنَهم مِنَ العَذابِ ومَتَّعَهُمُ اللَّهُ إلى حِينٍ، أيْ: إلى الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم.

الصافات 37:140

قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ وهو آخِرُ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما صارَتْ هَذِهِ القِصَّةُ خاتِمَةً لِلْقِصَصِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِهِ وأبَقَ إلى الفُلْكِ وقَعَ في تِلْكَ الشَّدائِدِ فَيَصِيرُ هَذا سَبَبًا لِتَصَبُّرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”يُونُسَ“ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها. صفحة ١٤٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ صارَ رَسُولًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مِنَ المُرْسَلِينَ حِينَما أبَقَ إلى الفُلْكِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّهُ أرْسَلَهُ مَلِكُ زَمانِهِ إلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَدْعُوَهم إلى اللَّهِ، ثُمَّ أبَقَ والتَقَمَهُ الحُوتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِهِ، ولَنْ يُفِيدَ هَذِهِ الفائِدَةَ إلّا إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبَقَ مِن إباقِ العَبْدِ وهو هَرَبُهُ مِن سَيِّدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيمَن يَتَعَمَّدُ مُخالَفَةَ رَبِّهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ صارَ مُخْطِئًا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ وخَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، وهَذا بَعِيدٌ سَواءٌ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِلِسانِ نَبِيٍّ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ أنَّهُ تَرَكَ دُعاءَ قَوْمِهِ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِمْ. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِهَذا العَمَلِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَهُ، والأقْرَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ إنْزالَ الإهْلاكِ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَظَنَّ أنَّهُ نازِلٌ لا مَحالَةَ، فَلِأجْلِ هَذا الظَّنِّ لَمْ يَصْبِرْ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ لِجَوازِ أنْ لا يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ وإنْ أنْزَلَهُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ إقْدامٌ عَلى أمْرٍ ظَهَرَتْ أماراتُهُ فَلا يَكُونُ تَعَمُّدًا لِلْمَعْصِيَةِ، وإنْ كانَ الأوْلى في مِثْلِ هَذا البابِ أنْ لا يُعْمَلَ فِيهِ بِالظَّنِّ، ثُمَّ انْكَشَفَ لِيُونُسَ مِن بَعْدُ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الظَّنِّ، لِأجْلِ أنَّهُ ظَهَرَ الإيمانُ مِنهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ ما ذَكَرْناهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُونُسَ كانَ وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ كالمَسْتُورِ عَنْهم فَقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في مُشْكِلاتِ هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وقَوْلُهُ: ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ يُونُسَ، والسَّفِينَةُ إذا كانَ فِيها الحِمْلُ الكَثِيرُ والنّاسُ يُقالُ إنَّها مَشْحُونَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَساهَمَ﴾ المُساهَمَةُ هي المُقارَعَةُ، يُقالُ: أسْهَمَ القَوْمُ إذا اقْتَرَعُوا، قالَ المُبَرَّدُ: وإنَّما أُخِذَ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ لِلْقُرْعَةِ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ فَدُحِضَتْ أيْ: أزالَها فَزالَتْ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّحْضِ الَّذِي هو الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُ البَعِيرِ إذا زَلَقَتْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَسْكُنُ مَعَ قَوْمِهِ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذا أسَرَكم عَدُوُّكم أوْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ فادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم، فَلَمّا نَسُوا ذَلِكَ وأُسِرُوا أوْحى اللَّهُ تَعالى بَعْدَ حِينٍ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِمْ أنِ اذْهَبْ إلى مَلِكِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ وقُلْ لَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا، فاخْتارَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، قالَ يُونُسُ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أُمِرْتُ أنْ أبْعَثَ قَوِيًّا أمِينًا وأنْتَ كَذَلِكَ، فَقالَ يُونُسُ: وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو أقْوى مِنِّي فَلِمَ لا تَبْعَثُهُ، فَألَحَّ المَلِكُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ يُونُسُ مِنهُ، وخَرَجَ حَتّى أتى بَحْرَ الرُّومِ ووَجَدَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً فَحَمَلُوهُ فِيها، فَلَمّا دَخَلَتْ لُجَّةَ البَحْرِ أشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ، فَقالَ المَلّاحُونَ: إنَّ فِيكم عاصِيًا وإلّا لَمْ يَحْصُلْ في السَّفِينَةِ ما نَراهُ مِن غَيْرِ رِيحٍ ولا سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقالَ التُّجّارُ: قَدْ جَرَّبْنا مِثْلَ هَذا فَإذا رَأيْناهُ نَقْتَرِعُ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ نُغْرِقُهُ، فَلَأنْ يَغْرَقَ واحِدٌ خَيْرٌ مِن غَرَقِ الكُلِّ، فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ التُّجّارُ: نَحْنُ صفحة ١٤٤ أوْلى بِالمَعْصِيَةِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ، ثُمَّ عادُوا ثانِيًا وثالِثًا يَقْتَرِعُونَ فَيَخْرُجُ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ أنا العاصِي وتَلَفَّفَ في كِساءٍ ورَمى بِنَفْسِهِ فابْتَلَعَتْهُ السَّمَكَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: ”لا تَكْسِرْ مِنهُ عَظْمًا ولا تَقْطَعْ لَهُ وصْلًا“ ثُمَّ إنَّ السَّمَكَةَ أخْرَجَتْهُ إلى نِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إلى بَحْرِ فارِسَ ثُمَّ إلى بَحْرِ البَطائِحِ ثُمَّ دِجْلَةَ فَصَعِدَتْ بِهِ ورَمَتْهُ بِأرْضِ نَصِيبِينَ بِالعَراءِ، وهو كالفَرْخِ المَنتُوفِ لا شَعَرَ ولا لَحْمَ، فَأنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، فَكانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى تَشَدَّدَ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ أكَلَتْها فَخَرَّتْ مِن أصْلِها، فَحَزِنَ يُونُسُ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، فَقالَ: يا رَبِّ كُنْتُ أسْتَظِلُّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنَ الشَّمْسِ والرِّيحِ وأمُصُّ مِن ثَمَرِها وقَدْ سَقَطَتْ، فَقِيلَ لَهُ يا يُونُسُ تَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ أُنْبِتَتْ في ساعَةٍ واقْتُلِعَتْ في ساعَةٍ ولا تَحْزَنُ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تَرَكْتَهم ! انْطَلِقْ إلَيْهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: التَقَمَهُ والتَهَمَهُ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: ألامَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، فالمُلِيمُ المُسْتَحِقُّ لِلَّوْمِ الآتِي بِما يُلامُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَقُولُ في تِلْكَ الظُّلُماتِ ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ لَوْلا أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ مِنَ المُسَبِّحِينَ يَعْنِي المُصَلِّينَ، وكانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ لَلَبِثَ في بَطْنِ ذَلِكَ الحُوتِ، وكانَ بَطْنُهُ قَبْرًا لَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، قالَ بَعْضُهُمُ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرُكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١]، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَمْ لَبِثَ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، وأُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بَعْدَ الوَقْتِ الَّذِي التَقَمَهُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وعَنْ عَطاءٍ سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ عِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ شَهْرًا، ولا أدْرِي بِأيِّ دَلِيلٍ عَيَّنُوا هَذِهِ المَقادِيرَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَّحَ يُونُسُ في بَطْنِ الحُوتِ فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقالُوا: رَبَّنا إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَقالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصانِي فَحَبَسْتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ في البَحْرِ، فَقالُوا: العَبْدُ الصّالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إلَيْكَ مِنهُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ عَمَلٌ صالِحٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَفَعُوا لَهُ، فَأمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَهُ في السّاحِلِ» “ فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: العَراءُ المَكانُ الخالِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهُ العَراءُ لِأنَّهُ لا شَجَرَ فِيهِ ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ فَأضافَ ذَلِكَ النَّبْذَ إلى نَفْسِهِ، والنَّبْذُ إنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ الحُوتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ بَلِيَ لَحْمُهُ وصارَ ضَعِيفًا كالطِّفْلِ المَوْلُودِ كالفَرْخِ المُمَعَّطِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَقِيمٌ: أيْ سَلِيبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُوتَ لَمّا نَبَذَهُ في العَراءِ فاللَّهُ تَعالى أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ وذَلِكَ المُعْجِزُ لَهُ، قالَ: المُبَرَّدُ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ وإنَّما صفحة ١٤٥ يَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَهو يَقْطِينٌ، نَحْوُ الدُّبّاءِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ، قالَ الزَّجّاجُ: أحْسَبُ اشْتِقاقَها مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ اليَقْطِينُ، ورَوى الفَرّاءُ أنَّهُ قِيلَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ هو ورَقُ القَرْعِ، فَقالَ: ومَن جَعَلَ القَرْعَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ يَقْطِينًا، كُلُّ ورَقَةٍ اتَّسَعَتْ وسَتَرَتْ فَهي يَقْطِينٌ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والآيَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُما المُفَسِّرُونَ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا اليَقْطِينَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ فَأنْبَتَهُ اللَّهُ لِأجْلِهِ. والآخَرُ: أنَّ اليَقْطِينَ كانَ مَعْرُوشًا لِيَحْصُلَ لَهُ ظِلٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَسْتَظِلَّ بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وأرْسَلْناهُ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا الإرْسالِ وإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِقامِ، فالمُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ والواوُ مَعْناها الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإرْسالَ بَعْدَ الِالتِقامِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ سِوى القَوْمِ الأُوَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ ثانِيًا بِشَرِيعَةٍ فَآمَنُوا بِها. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ يُوجِبُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النَّجْمِ: ٩] وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والأصَحُّ مِنها وجْهٌ واحِدٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم بِمَعْنى أنَّهم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ عَلى المِائَةِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كُلِّ ما يُشْبِهُ هَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ لَمّا آمَنُوا أزالَ اللَّهُ الخَوْفَ عَنْهم وآمَنَهم مِنَ العَذابِ ومَتَّعَهُمُ اللَّهُ إلى حِينٍ، أيْ: إلى الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم.

الصافات 37:141

قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ وهو آخِرُ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما صارَتْ هَذِهِ القِصَّةُ خاتِمَةً لِلْقِصَصِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِهِ وأبَقَ إلى الفُلْكِ وقَعَ في تِلْكَ الشَّدائِدِ فَيَصِيرُ هَذا سَبَبًا لِتَصَبُّرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”يُونُسَ“ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها. صفحة ١٤٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ صارَ رَسُولًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مِنَ المُرْسَلِينَ حِينَما أبَقَ إلى الفُلْكِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّهُ أرْسَلَهُ مَلِكُ زَمانِهِ إلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَدْعُوَهم إلى اللَّهِ، ثُمَّ أبَقَ والتَقَمَهُ الحُوتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِهِ، ولَنْ يُفِيدَ هَذِهِ الفائِدَةَ إلّا إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبَقَ مِن إباقِ العَبْدِ وهو هَرَبُهُ مِن سَيِّدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيمَن يَتَعَمَّدُ مُخالَفَةَ رَبِّهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ صارَ مُخْطِئًا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ وخَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، وهَذا بَعِيدٌ سَواءٌ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِلِسانِ نَبِيٍّ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ أنَّهُ تَرَكَ دُعاءَ قَوْمِهِ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِمْ. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِهَذا العَمَلِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَهُ، والأقْرَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ إنْزالَ الإهْلاكِ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَظَنَّ أنَّهُ نازِلٌ لا مَحالَةَ، فَلِأجْلِ هَذا الظَّنِّ لَمْ يَصْبِرْ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ لِجَوازِ أنْ لا يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ وإنْ أنْزَلَهُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ إقْدامٌ عَلى أمْرٍ ظَهَرَتْ أماراتُهُ فَلا يَكُونُ تَعَمُّدًا لِلْمَعْصِيَةِ، وإنْ كانَ الأوْلى في مِثْلِ هَذا البابِ أنْ لا يُعْمَلَ فِيهِ بِالظَّنِّ، ثُمَّ انْكَشَفَ لِيُونُسَ مِن بَعْدُ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الظَّنِّ، لِأجْلِ أنَّهُ ظَهَرَ الإيمانُ مِنهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ ما ذَكَرْناهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُونُسَ كانَ وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ كالمَسْتُورِ عَنْهم فَقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في مُشْكِلاتِ هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وقَوْلُهُ: ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ يُونُسَ، والسَّفِينَةُ إذا كانَ فِيها الحِمْلُ الكَثِيرُ والنّاسُ يُقالُ إنَّها مَشْحُونَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَساهَمَ﴾ المُساهَمَةُ هي المُقارَعَةُ، يُقالُ: أسْهَمَ القَوْمُ إذا اقْتَرَعُوا، قالَ المُبَرَّدُ: وإنَّما أُخِذَ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ لِلْقُرْعَةِ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ فَدُحِضَتْ أيْ: أزالَها فَزالَتْ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّحْضِ الَّذِي هو الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُ البَعِيرِ إذا زَلَقَتْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَسْكُنُ مَعَ قَوْمِهِ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذا أسَرَكم عَدُوُّكم أوْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ فادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم، فَلَمّا نَسُوا ذَلِكَ وأُسِرُوا أوْحى اللَّهُ تَعالى بَعْدَ حِينٍ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِمْ أنِ اذْهَبْ إلى مَلِكِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ وقُلْ لَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا، فاخْتارَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، قالَ يُونُسُ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أُمِرْتُ أنْ أبْعَثَ قَوِيًّا أمِينًا وأنْتَ كَذَلِكَ، فَقالَ يُونُسُ: وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو أقْوى مِنِّي فَلِمَ لا تَبْعَثُهُ، فَألَحَّ المَلِكُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ يُونُسُ مِنهُ، وخَرَجَ حَتّى أتى بَحْرَ الرُّومِ ووَجَدَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً فَحَمَلُوهُ فِيها، فَلَمّا دَخَلَتْ لُجَّةَ البَحْرِ أشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ، فَقالَ المَلّاحُونَ: إنَّ فِيكم عاصِيًا وإلّا لَمْ يَحْصُلْ في السَّفِينَةِ ما نَراهُ مِن غَيْرِ رِيحٍ ولا سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقالَ التُّجّارُ: قَدْ جَرَّبْنا مِثْلَ هَذا فَإذا رَأيْناهُ نَقْتَرِعُ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ نُغْرِقُهُ، فَلَأنْ يَغْرَقَ واحِدٌ خَيْرٌ مِن غَرَقِ الكُلِّ، فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ التُّجّارُ: نَحْنُ صفحة ١٤٤ أوْلى بِالمَعْصِيَةِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ، ثُمَّ عادُوا ثانِيًا وثالِثًا يَقْتَرِعُونَ فَيَخْرُجُ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ أنا العاصِي وتَلَفَّفَ في كِساءٍ ورَمى بِنَفْسِهِ فابْتَلَعَتْهُ السَّمَكَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: ”لا تَكْسِرْ مِنهُ عَظْمًا ولا تَقْطَعْ لَهُ وصْلًا“ ثُمَّ إنَّ السَّمَكَةَ أخْرَجَتْهُ إلى نِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إلى بَحْرِ فارِسَ ثُمَّ إلى بَحْرِ البَطائِحِ ثُمَّ دِجْلَةَ فَصَعِدَتْ بِهِ ورَمَتْهُ بِأرْضِ نَصِيبِينَ بِالعَراءِ، وهو كالفَرْخِ المَنتُوفِ لا شَعَرَ ولا لَحْمَ، فَأنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، فَكانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى تَشَدَّدَ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ أكَلَتْها فَخَرَّتْ مِن أصْلِها، فَحَزِنَ يُونُسُ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، فَقالَ: يا رَبِّ كُنْتُ أسْتَظِلُّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنَ الشَّمْسِ والرِّيحِ وأمُصُّ مِن ثَمَرِها وقَدْ سَقَطَتْ، فَقِيلَ لَهُ يا يُونُسُ تَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ أُنْبِتَتْ في ساعَةٍ واقْتُلِعَتْ في ساعَةٍ ولا تَحْزَنُ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تَرَكْتَهم ! انْطَلِقْ إلَيْهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: التَقَمَهُ والتَهَمَهُ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: ألامَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، فالمُلِيمُ المُسْتَحِقُّ لِلَّوْمِ الآتِي بِما يُلامُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَقُولُ في تِلْكَ الظُّلُماتِ ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ لَوْلا أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ مِنَ المُسَبِّحِينَ يَعْنِي المُصَلِّينَ، وكانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ لَلَبِثَ في بَطْنِ ذَلِكَ الحُوتِ، وكانَ بَطْنُهُ قَبْرًا لَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، قالَ بَعْضُهُمُ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرُكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١]، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَمْ لَبِثَ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، وأُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بَعْدَ الوَقْتِ الَّذِي التَقَمَهُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وعَنْ عَطاءٍ سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ عِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ شَهْرًا، ولا أدْرِي بِأيِّ دَلِيلٍ عَيَّنُوا هَذِهِ المَقادِيرَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَّحَ يُونُسُ في بَطْنِ الحُوتِ فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقالُوا: رَبَّنا إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَقالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصانِي فَحَبَسْتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ في البَحْرِ، فَقالُوا: العَبْدُ الصّالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إلَيْكَ مِنهُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ عَمَلٌ صالِحٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَفَعُوا لَهُ، فَأمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَهُ في السّاحِلِ» “ فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: العَراءُ المَكانُ الخالِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهُ العَراءُ لِأنَّهُ لا شَجَرَ فِيهِ ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ فَأضافَ ذَلِكَ النَّبْذَ إلى نَفْسِهِ، والنَّبْذُ إنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ الحُوتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ بَلِيَ لَحْمُهُ وصارَ ضَعِيفًا كالطِّفْلِ المَوْلُودِ كالفَرْخِ المُمَعَّطِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَقِيمٌ: أيْ سَلِيبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُوتَ لَمّا نَبَذَهُ في العَراءِ فاللَّهُ تَعالى أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ وذَلِكَ المُعْجِزُ لَهُ، قالَ: المُبَرَّدُ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ وإنَّما صفحة ١٤٥ يَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَهو يَقْطِينٌ، نَحْوُ الدُّبّاءِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ، قالَ الزَّجّاجُ: أحْسَبُ اشْتِقاقَها مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ اليَقْطِينُ، ورَوى الفَرّاءُ أنَّهُ قِيلَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ هو ورَقُ القَرْعِ، فَقالَ: ومَن جَعَلَ القَرْعَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ يَقْطِينًا، كُلُّ ورَقَةٍ اتَّسَعَتْ وسَتَرَتْ فَهي يَقْطِينٌ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والآيَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُما المُفَسِّرُونَ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا اليَقْطِينَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ فَأنْبَتَهُ اللَّهُ لِأجْلِهِ. والآخَرُ: أنَّ اليَقْطِينَ كانَ مَعْرُوشًا لِيَحْصُلَ لَهُ ظِلٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَسْتَظِلَّ بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وأرْسَلْناهُ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا الإرْسالِ وإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِقامِ، فالمُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ والواوُ مَعْناها الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإرْسالَ بَعْدَ الِالتِقامِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ سِوى القَوْمِ الأُوَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ ثانِيًا بِشَرِيعَةٍ فَآمَنُوا بِها. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ يُوجِبُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النَّجْمِ: ٩] وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والأصَحُّ مِنها وجْهٌ واحِدٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم بِمَعْنى أنَّهم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ عَلى المِائَةِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كُلِّ ما يُشْبِهُ هَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ لَمّا آمَنُوا أزالَ اللَّهُ الخَوْفَ عَنْهم وآمَنَهم مِنَ العَذابِ ومَتَّعَهُمُ اللَّهُ إلى حِينٍ، أيْ: إلى الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم.

الصافات 37:142

قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ وهو آخِرُ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما صارَتْ هَذِهِ القِصَّةُ خاتِمَةً لِلْقِصَصِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِهِ وأبَقَ إلى الفُلْكِ وقَعَ في تِلْكَ الشَّدائِدِ فَيَصِيرُ هَذا سَبَبًا لِتَصَبُّرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”يُونُسَ“ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها. صفحة ١٤٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ صارَ رَسُولًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مِنَ المُرْسَلِينَ حِينَما أبَقَ إلى الفُلْكِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّهُ أرْسَلَهُ مَلِكُ زَمانِهِ إلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَدْعُوَهم إلى اللَّهِ، ثُمَّ أبَقَ والتَقَمَهُ الحُوتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِهِ، ولَنْ يُفِيدَ هَذِهِ الفائِدَةَ إلّا إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبَقَ مِن إباقِ العَبْدِ وهو هَرَبُهُ مِن سَيِّدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيمَن يَتَعَمَّدُ مُخالَفَةَ رَبِّهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ صارَ مُخْطِئًا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ وخَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، وهَذا بَعِيدٌ سَواءٌ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِلِسانِ نَبِيٍّ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ أنَّهُ تَرَكَ دُعاءَ قَوْمِهِ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِمْ. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِهَذا العَمَلِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَهُ، والأقْرَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ إنْزالَ الإهْلاكِ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَظَنَّ أنَّهُ نازِلٌ لا مَحالَةَ، فَلِأجْلِ هَذا الظَّنِّ لَمْ يَصْبِرْ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ لِجَوازِ أنْ لا يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ وإنْ أنْزَلَهُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ إقْدامٌ عَلى أمْرٍ ظَهَرَتْ أماراتُهُ فَلا يَكُونُ تَعَمُّدًا لِلْمَعْصِيَةِ، وإنْ كانَ الأوْلى في مِثْلِ هَذا البابِ أنْ لا يُعْمَلَ فِيهِ بِالظَّنِّ، ثُمَّ انْكَشَفَ لِيُونُسَ مِن بَعْدُ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الظَّنِّ، لِأجْلِ أنَّهُ ظَهَرَ الإيمانُ مِنهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ ما ذَكَرْناهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُونُسَ كانَ وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ كالمَسْتُورِ عَنْهم فَقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في مُشْكِلاتِ هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وقَوْلُهُ: ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ يُونُسَ، والسَّفِينَةُ إذا كانَ فِيها الحِمْلُ الكَثِيرُ والنّاسُ يُقالُ إنَّها مَشْحُونَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَساهَمَ﴾ المُساهَمَةُ هي المُقارَعَةُ، يُقالُ: أسْهَمَ القَوْمُ إذا اقْتَرَعُوا، قالَ المُبَرَّدُ: وإنَّما أُخِذَ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ لِلْقُرْعَةِ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ فَدُحِضَتْ أيْ: أزالَها فَزالَتْ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّحْضِ الَّذِي هو الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُ البَعِيرِ إذا زَلَقَتْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَسْكُنُ مَعَ قَوْمِهِ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذا أسَرَكم عَدُوُّكم أوْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ فادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم، فَلَمّا نَسُوا ذَلِكَ وأُسِرُوا أوْحى اللَّهُ تَعالى بَعْدَ حِينٍ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِمْ أنِ اذْهَبْ إلى مَلِكِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ وقُلْ لَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا، فاخْتارَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، قالَ يُونُسُ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أُمِرْتُ أنْ أبْعَثَ قَوِيًّا أمِينًا وأنْتَ كَذَلِكَ، فَقالَ يُونُسُ: وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو أقْوى مِنِّي فَلِمَ لا تَبْعَثُهُ، فَألَحَّ المَلِكُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ يُونُسُ مِنهُ، وخَرَجَ حَتّى أتى بَحْرَ الرُّومِ ووَجَدَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً فَحَمَلُوهُ فِيها، فَلَمّا دَخَلَتْ لُجَّةَ البَحْرِ أشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ، فَقالَ المَلّاحُونَ: إنَّ فِيكم عاصِيًا وإلّا لَمْ يَحْصُلْ في السَّفِينَةِ ما نَراهُ مِن غَيْرِ رِيحٍ ولا سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقالَ التُّجّارُ: قَدْ جَرَّبْنا مِثْلَ هَذا فَإذا رَأيْناهُ نَقْتَرِعُ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ نُغْرِقُهُ، فَلَأنْ يَغْرَقَ واحِدٌ خَيْرٌ مِن غَرَقِ الكُلِّ، فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ التُّجّارُ: نَحْنُ صفحة ١٤٤ أوْلى بِالمَعْصِيَةِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ، ثُمَّ عادُوا ثانِيًا وثالِثًا يَقْتَرِعُونَ فَيَخْرُجُ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ أنا العاصِي وتَلَفَّفَ في كِساءٍ ورَمى بِنَفْسِهِ فابْتَلَعَتْهُ السَّمَكَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: ”لا تَكْسِرْ مِنهُ عَظْمًا ولا تَقْطَعْ لَهُ وصْلًا“ ثُمَّ إنَّ السَّمَكَةَ أخْرَجَتْهُ إلى نِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إلى بَحْرِ فارِسَ ثُمَّ إلى بَحْرِ البَطائِحِ ثُمَّ دِجْلَةَ فَصَعِدَتْ بِهِ ورَمَتْهُ بِأرْضِ نَصِيبِينَ بِالعَراءِ، وهو كالفَرْخِ المَنتُوفِ لا شَعَرَ ولا لَحْمَ، فَأنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، فَكانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى تَشَدَّدَ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ أكَلَتْها فَخَرَّتْ مِن أصْلِها، فَحَزِنَ يُونُسُ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، فَقالَ: يا رَبِّ كُنْتُ أسْتَظِلُّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنَ الشَّمْسِ والرِّيحِ وأمُصُّ مِن ثَمَرِها وقَدْ سَقَطَتْ، فَقِيلَ لَهُ يا يُونُسُ تَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ أُنْبِتَتْ في ساعَةٍ واقْتُلِعَتْ في ساعَةٍ ولا تَحْزَنُ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تَرَكْتَهم ! انْطَلِقْ إلَيْهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: التَقَمَهُ والتَهَمَهُ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: ألامَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، فالمُلِيمُ المُسْتَحِقُّ لِلَّوْمِ الآتِي بِما يُلامُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَقُولُ في تِلْكَ الظُّلُماتِ ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ لَوْلا أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ مِنَ المُسَبِّحِينَ يَعْنِي المُصَلِّينَ، وكانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ لَلَبِثَ في بَطْنِ ذَلِكَ الحُوتِ، وكانَ بَطْنُهُ قَبْرًا لَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، قالَ بَعْضُهُمُ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرُكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١]، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَمْ لَبِثَ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، وأُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بَعْدَ الوَقْتِ الَّذِي التَقَمَهُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وعَنْ عَطاءٍ سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ عِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ شَهْرًا، ولا أدْرِي بِأيِّ دَلِيلٍ عَيَّنُوا هَذِهِ المَقادِيرَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَّحَ يُونُسُ في بَطْنِ الحُوتِ فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقالُوا: رَبَّنا إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَقالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصانِي فَحَبَسْتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ في البَحْرِ، فَقالُوا: العَبْدُ الصّالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إلَيْكَ مِنهُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ عَمَلٌ صالِحٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَفَعُوا لَهُ، فَأمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَهُ في السّاحِلِ» “ فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: العَراءُ المَكانُ الخالِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهُ العَراءُ لِأنَّهُ لا شَجَرَ فِيهِ ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ فَأضافَ ذَلِكَ النَّبْذَ إلى نَفْسِهِ، والنَّبْذُ إنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ الحُوتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ بَلِيَ لَحْمُهُ وصارَ ضَعِيفًا كالطِّفْلِ المَوْلُودِ كالفَرْخِ المُمَعَّطِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَقِيمٌ: أيْ سَلِيبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُوتَ لَمّا نَبَذَهُ في العَراءِ فاللَّهُ تَعالى أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ وذَلِكَ المُعْجِزُ لَهُ، قالَ: المُبَرَّدُ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ وإنَّما صفحة ١٤٥ يَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَهو يَقْطِينٌ، نَحْوُ الدُّبّاءِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ، قالَ الزَّجّاجُ: أحْسَبُ اشْتِقاقَها مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ اليَقْطِينُ، ورَوى الفَرّاءُ أنَّهُ قِيلَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ هو ورَقُ القَرْعِ، فَقالَ: ومَن جَعَلَ القَرْعَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ يَقْطِينًا، كُلُّ ورَقَةٍ اتَّسَعَتْ وسَتَرَتْ فَهي يَقْطِينٌ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والآيَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُما المُفَسِّرُونَ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا اليَقْطِينَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ فَأنْبَتَهُ اللَّهُ لِأجْلِهِ. والآخَرُ: أنَّ اليَقْطِينَ كانَ مَعْرُوشًا لِيَحْصُلَ لَهُ ظِلٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَسْتَظِلَّ بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وأرْسَلْناهُ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا الإرْسالِ وإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِقامِ، فالمُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ والواوُ مَعْناها الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإرْسالَ بَعْدَ الِالتِقامِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ سِوى القَوْمِ الأُوَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ ثانِيًا بِشَرِيعَةٍ فَآمَنُوا بِها. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ يُوجِبُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النَّجْمِ: ٩] وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والأصَحُّ مِنها وجْهٌ واحِدٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم بِمَعْنى أنَّهم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ عَلى المِائَةِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كُلِّ ما يُشْبِهُ هَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ لَمّا آمَنُوا أزالَ اللَّهُ الخَوْفَ عَنْهم وآمَنَهم مِنَ العَذابِ ومَتَّعَهُمُ اللَّهُ إلى حِينٍ، أيْ: إلى الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم.

الصافات 37:143

قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ وهو آخِرُ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما صارَتْ هَذِهِ القِصَّةُ خاتِمَةً لِلْقِصَصِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِهِ وأبَقَ إلى الفُلْكِ وقَعَ في تِلْكَ الشَّدائِدِ فَيَصِيرُ هَذا سَبَبًا لِتَصَبُّرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”يُونُسَ“ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها. صفحة ١٤٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ صارَ رَسُولًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مِنَ المُرْسَلِينَ حِينَما أبَقَ إلى الفُلْكِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّهُ أرْسَلَهُ مَلِكُ زَمانِهِ إلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَدْعُوَهم إلى اللَّهِ، ثُمَّ أبَقَ والتَقَمَهُ الحُوتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِهِ، ولَنْ يُفِيدَ هَذِهِ الفائِدَةَ إلّا إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبَقَ مِن إباقِ العَبْدِ وهو هَرَبُهُ مِن سَيِّدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيمَن يَتَعَمَّدُ مُخالَفَةَ رَبِّهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ صارَ مُخْطِئًا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ وخَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، وهَذا بَعِيدٌ سَواءٌ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِلِسانِ نَبِيٍّ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ أنَّهُ تَرَكَ دُعاءَ قَوْمِهِ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِمْ. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِهَذا العَمَلِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَهُ، والأقْرَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ إنْزالَ الإهْلاكِ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَظَنَّ أنَّهُ نازِلٌ لا مَحالَةَ، فَلِأجْلِ هَذا الظَّنِّ لَمْ يَصْبِرْ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ لِجَوازِ أنْ لا يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ وإنْ أنْزَلَهُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ إقْدامٌ عَلى أمْرٍ ظَهَرَتْ أماراتُهُ فَلا يَكُونُ تَعَمُّدًا لِلْمَعْصِيَةِ، وإنْ كانَ الأوْلى في مِثْلِ هَذا البابِ أنْ لا يُعْمَلَ فِيهِ بِالظَّنِّ، ثُمَّ انْكَشَفَ لِيُونُسَ مِن بَعْدُ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الظَّنِّ، لِأجْلِ أنَّهُ ظَهَرَ الإيمانُ مِنهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ ما ذَكَرْناهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُونُسَ كانَ وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ كالمَسْتُورِ عَنْهم فَقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في مُشْكِلاتِ هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وقَوْلُهُ: ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ يُونُسَ، والسَّفِينَةُ إذا كانَ فِيها الحِمْلُ الكَثِيرُ والنّاسُ يُقالُ إنَّها مَشْحُونَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَساهَمَ﴾ المُساهَمَةُ هي المُقارَعَةُ، يُقالُ: أسْهَمَ القَوْمُ إذا اقْتَرَعُوا، قالَ المُبَرَّدُ: وإنَّما أُخِذَ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ لِلْقُرْعَةِ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ فَدُحِضَتْ أيْ: أزالَها فَزالَتْ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّحْضِ الَّذِي هو الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُ البَعِيرِ إذا زَلَقَتْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَسْكُنُ مَعَ قَوْمِهِ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذا أسَرَكم عَدُوُّكم أوْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ فادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم، فَلَمّا نَسُوا ذَلِكَ وأُسِرُوا أوْحى اللَّهُ تَعالى بَعْدَ حِينٍ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِمْ أنِ اذْهَبْ إلى مَلِكِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ وقُلْ لَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا، فاخْتارَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، قالَ يُونُسُ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أُمِرْتُ أنْ أبْعَثَ قَوِيًّا أمِينًا وأنْتَ كَذَلِكَ، فَقالَ يُونُسُ: وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو أقْوى مِنِّي فَلِمَ لا تَبْعَثُهُ، فَألَحَّ المَلِكُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ يُونُسُ مِنهُ، وخَرَجَ حَتّى أتى بَحْرَ الرُّومِ ووَجَدَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً فَحَمَلُوهُ فِيها، فَلَمّا دَخَلَتْ لُجَّةَ البَحْرِ أشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ، فَقالَ المَلّاحُونَ: إنَّ فِيكم عاصِيًا وإلّا لَمْ يَحْصُلْ في السَّفِينَةِ ما نَراهُ مِن غَيْرِ رِيحٍ ولا سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقالَ التُّجّارُ: قَدْ جَرَّبْنا مِثْلَ هَذا فَإذا رَأيْناهُ نَقْتَرِعُ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ نُغْرِقُهُ، فَلَأنْ يَغْرَقَ واحِدٌ خَيْرٌ مِن غَرَقِ الكُلِّ، فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ التُّجّارُ: نَحْنُ صفحة ١٤٤ أوْلى بِالمَعْصِيَةِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ، ثُمَّ عادُوا ثانِيًا وثالِثًا يَقْتَرِعُونَ فَيَخْرُجُ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ أنا العاصِي وتَلَفَّفَ في كِساءٍ ورَمى بِنَفْسِهِ فابْتَلَعَتْهُ السَّمَكَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: ”لا تَكْسِرْ مِنهُ عَظْمًا ولا تَقْطَعْ لَهُ وصْلًا“ ثُمَّ إنَّ السَّمَكَةَ أخْرَجَتْهُ إلى نِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إلى بَحْرِ فارِسَ ثُمَّ إلى بَحْرِ البَطائِحِ ثُمَّ دِجْلَةَ فَصَعِدَتْ بِهِ ورَمَتْهُ بِأرْضِ نَصِيبِينَ بِالعَراءِ، وهو كالفَرْخِ المَنتُوفِ لا شَعَرَ ولا لَحْمَ، فَأنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، فَكانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى تَشَدَّدَ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ أكَلَتْها فَخَرَّتْ مِن أصْلِها، فَحَزِنَ يُونُسُ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، فَقالَ: يا رَبِّ كُنْتُ أسْتَظِلُّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنَ الشَّمْسِ والرِّيحِ وأمُصُّ مِن ثَمَرِها وقَدْ سَقَطَتْ، فَقِيلَ لَهُ يا يُونُسُ تَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ أُنْبِتَتْ في ساعَةٍ واقْتُلِعَتْ في ساعَةٍ ولا تَحْزَنُ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تَرَكْتَهم ! انْطَلِقْ إلَيْهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: التَقَمَهُ والتَهَمَهُ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: ألامَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، فالمُلِيمُ المُسْتَحِقُّ لِلَّوْمِ الآتِي بِما يُلامُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَقُولُ في تِلْكَ الظُّلُماتِ ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ لَوْلا أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ مِنَ المُسَبِّحِينَ يَعْنِي المُصَلِّينَ، وكانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ لَلَبِثَ في بَطْنِ ذَلِكَ الحُوتِ، وكانَ بَطْنُهُ قَبْرًا لَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، قالَ بَعْضُهُمُ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرُكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١]، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَمْ لَبِثَ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، وأُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بَعْدَ الوَقْتِ الَّذِي التَقَمَهُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وعَنْ عَطاءٍ سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ عِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ شَهْرًا، ولا أدْرِي بِأيِّ دَلِيلٍ عَيَّنُوا هَذِهِ المَقادِيرَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَّحَ يُونُسُ في بَطْنِ الحُوتِ فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقالُوا: رَبَّنا إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَقالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصانِي فَحَبَسْتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ في البَحْرِ، فَقالُوا: العَبْدُ الصّالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إلَيْكَ مِنهُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ عَمَلٌ صالِحٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَفَعُوا لَهُ، فَأمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَهُ في السّاحِلِ» “ فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: العَراءُ المَكانُ الخالِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهُ العَراءُ لِأنَّهُ لا شَجَرَ فِيهِ ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ فَأضافَ ذَلِكَ النَّبْذَ إلى نَفْسِهِ، والنَّبْذُ إنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ الحُوتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ بَلِيَ لَحْمُهُ وصارَ ضَعِيفًا كالطِّفْلِ المَوْلُودِ كالفَرْخِ المُمَعَّطِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَقِيمٌ: أيْ سَلِيبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُوتَ لَمّا نَبَذَهُ في العَراءِ فاللَّهُ تَعالى أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ وذَلِكَ المُعْجِزُ لَهُ، قالَ: المُبَرَّدُ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ وإنَّما صفحة ١٤٥ يَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَهو يَقْطِينٌ، نَحْوُ الدُّبّاءِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ، قالَ الزَّجّاجُ: أحْسَبُ اشْتِقاقَها مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ اليَقْطِينُ، ورَوى الفَرّاءُ أنَّهُ قِيلَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ هو ورَقُ القَرْعِ، فَقالَ: ومَن جَعَلَ القَرْعَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ يَقْطِينًا، كُلُّ ورَقَةٍ اتَّسَعَتْ وسَتَرَتْ فَهي يَقْطِينٌ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والآيَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُما المُفَسِّرُونَ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا اليَقْطِينَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ فَأنْبَتَهُ اللَّهُ لِأجْلِهِ. والآخَرُ: أنَّ اليَقْطِينَ كانَ مَعْرُوشًا لِيَحْصُلَ لَهُ ظِلٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَسْتَظِلَّ بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وأرْسَلْناهُ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا الإرْسالِ وإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِقامِ، فالمُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ والواوُ مَعْناها الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإرْسالَ بَعْدَ الِالتِقامِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ سِوى القَوْمِ الأُوَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ ثانِيًا بِشَرِيعَةٍ فَآمَنُوا بِها. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ يُوجِبُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النَّجْمِ: ٩] وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والأصَحُّ مِنها وجْهٌ واحِدٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم بِمَعْنى أنَّهم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ عَلى المِائَةِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كُلِّ ما يُشْبِهُ هَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ لَمّا آمَنُوا أزالَ اللَّهُ الخَوْفَ عَنْهم وآمَنَهم مِنَ العَذابِ ومَتَّعَهُمُ اللَّهُ إلى حِينٍ، أيْ: إلى الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم.

الصافات 37:144

قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ وهو آخِرُ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما صارَتْ هَذِهِ القِصَّةُ خاتِمَةً لِلْقِصَصِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِهِ وأبَقَ إلى الفُلْكِ وقَعَ في تِلْكَ الشَّدائِدِ فَيَصِيرُ هَذا سَبَبًا لِتَصَبُّرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”يُونُسَ“ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها. صفحة ١٤٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ صارَ رَسُولًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مِنَ المُرْسَلِينَ حِينَما أبَقَ إلى الفُلْكِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّهُ أرْسَلَهُ مَلِكُ زَمانِهِ إلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَدْعُوَهم إلى اللَّهِ، ثُمَّ أبَقَ والتَقَمَهُ الحُوتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِهِ، ولَنْ يُفِيدَ هَذِهِ الفائِدَةَ إلّا إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبَقَ مِن إباقِ العَبْدِ وهو هَرَبُهُ مِن سَيِّدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيمَن يَتَعَمَّدُ مُخالَفَةَ رَبِّهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ صارَ مُخْطِئًا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ وخَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، وهَذا بَعِيدٌ سَواءٌ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِلِسانِ نَبِيٍّ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ أنَّهُ تَرَكَ دُعاءَ قَوْمِهِ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِمْ. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِهَذا العَمَلِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَهُ، والأقْرَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ إنْزالَ الإهْلاكِ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَظَنَّ أنَّهُ نازِلٌ لا مَحالَةَ، فَلِأجْلِ هَذا الظَّنِّ لَمْ يَصْبِرْ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ لِجَوازِ أنْ لا يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ وإنْ أنْزَلَهُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ إقْدامٌ عَلى أمْرٍ ظَهَرَتْ أماراتُهُ فَلا يَكُونُ تَعَمُّدًا لِلْمَعْصِيَةِ، وإنْ كانَ الأوْلى في مِثْلِ هَذا البابِ أنْ لا يُعْمَلَ فِيهِ بِالظَّنِّ، ثُمَّ انْكَشَفَ لِيُونُسَ مِن بَعْدُ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الظَّنِّ، لِأجْلِ أنَّهُ ظَهَرَ الإيمانُ مِنهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ ما ذَكَرْناهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُونُسَ كانَ وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ كالمَسْتُورِ عَنْهم فَقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في مُشْكِلاتِ هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وقَوْلُهُ: ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ يُونُسَ، والسَّفِينَةُ إذا كانَ فِيها الحِمْلُ الكَثِيرُ والنّاسُ يُقالُ إنَّها مَشْحُونَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَساهَمَ﴾ المُساهَمَةُ هي المُقارَعَةُ، يُقالُ: أسْهَمَ القَوْمُ إذا اقْتَرَعُوا، قالَ المُبَرَّدُ: وإنَّما أُخِذَ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ لِلْقُرْعَةِ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ فَدُحِضَتْ أيْ: أزالَها فَزالَتْ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّحْضِ الَّذِي هو الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُ البَعِيرِ إذا زَلَقَتْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَسْكُنُ مَعَ قَوْمِهِ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذا أسَرَكم عَدُوُّكم أوْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ فادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم، فَلَمّا نَسُوا ذَلِكَ وأُسِرُوا أوْحى اللَّهُ تَعالى بَعْدَ حِينٍ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِمْ أنِ اذْهَبْ إلى مَلِكِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ وقُلْ لَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا، فاخْتارَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، قالَ يُونُسُ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أُمِرْتُ أنْ أبْعَثَ قَوِيًّا أمِينًا وأنْتَ كَذَلِكَ، فَقالَ يُونُسُ: وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو أقْوى مِنِّي فَلِمَ لا تَبْعَثُهُ، فَألَحَّ المَلِكُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ يُونُسُ مِنهُ، وخَرَجَ حَتّى أتى بَحْرَ الرُّومِ ووَجَدَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً فَحَمَلُوهُ فِيها، فَلَمّا دَخَلَتْ لُجَّةَ البَحْرِ أشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ، فَقالَ المَلّاحُونَ: إنَّ فِيكم عاصِيًا وإلّا لَمْ يَحْصُلْ في السَّفِينَةِ ما نَراهُ مِن غَيْرِ رِيحٍ ولا سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقالَ التُّجّارُ: قَدْ جَرَّبْنا مِثْلَ هَذا فَإذا رَأيْناهُ نَقْتَرِعُ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ نُغْرِقُهُ، فَلَأنْ يَغْرَقَ واحِدٌ خَيْرٌ مِن غَرَقِ الكُلِّ، فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ التُّجّارُ: نَحْنُ صفحة ١٤٤ أوْلى بِالمَعْصِيَةِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ، ثُمَّ عادُوا ثانِيًا وثالِثًا يَقْتَرِعُونَ فَيَخْرُجُ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ أنا العاصِي وتَلَفَّفَ في كِساءٍ ورَمى بِنَفْسِهِ فابْتَلَعَتْهُ السَّمَكَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: ”لا تَكْسِرْ مِنهُ عَظْمًا ولا تَقْطَعْ لَهُ وصْلًا“ ثُمَّ إنَّ السَّمَكَةَ أخْرَجَتْهُ إلى نِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إلى بَحْرِ فارِسَ ثُمَّ إلى بَحْرِ البَطائِحِ ثُمَّ دِجْلَةَ فَصَعِدَتْ بِهِ ورَمَتْهُ بِأرْضِ نَصِيبِينَ بِالعَراءِ، وهو كالفَرْخِ المَنتُوفِ لا شَعَرَ ولا لَحْمَ، فَأنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، فَكانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى تَشَدَّدَ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ أكَلَتْها فَخَرَّتْ مِن أصْلِها، فَحَزِنَ يُونُسُ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، فَقالَ: يا رَبِّ كُنْتُ أسْتَظِلُّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنَ الشَّمْسِ والرِّيحِ وأمُصُّ مِن ثَمَرِها وقَدْ سَقَطَتْ، فَقِيلَ لَهُ يا يُونُسُ تَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ أُنْبِتَتْ في ساعَةٍ واقْتُلِعَتْ في ساعَةٍ ولا تَحْزَنُ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تَرَكْتَهم ! انْطَلِقْ إلَيْهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: التَقَمَهُ والتَهَمَهُ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: ألامَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، فالمُلِيمُ المُسْتَحِقُّ لِلَّوْمِ الآتِي بِما يُلامُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَقُولُ في تِلْكَ الظُّلُماتِ ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ لَوْلا أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ مِنَ المُسَبِّحِينَ يَعْنِي المُصَلِّينَ، وكانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ لَلَبِثَ في بَطْنِ ذَلِكَ الحُوتِ، وكانَ بَطْنُهُ قَبْرًا لَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، قالَ بَعْضُهُمُ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرُكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١]، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَمْ لَبِثَ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، وأُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بَعْدَ الوَقْتِ الَّذِي التَقَمَهُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وعَنْ عَطاءٍ سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ عِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ شَهْرًا، ولا أدْرِي بِأيِّ دَلِيلٍ عَيَّنُوا هَذِهِ المَقادِيرَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَّحَ يُونُسُ في بَطْنِ الحُوتِ فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقالُوا: رَبَّنا إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَقالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصانِي فَحَبَسْتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ في البَحْرِ، فَقالُوا: العَبْدُ الصّالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إلَيْكَ مِنهُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ عَمَلٌ صالِحٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَفَعُوا لَهُ، فَأمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَهُ في السّاحِلِ» “ فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: العَراءُ المَكانُ الخالِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهُ العَراءُ لِأنَّهُ لا شَجَرَ فِيهِ ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ فَأضافَ ذَلِكَ النَّبْذَ إلى نَفْسِهِ، والنَّبْذُ إنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ الحُوتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ بَلِيَ لَحْمُهُ وصارَ ضَعِيفًا كالطِّفْلِ المَوْلُودِ كالفَرْخِ المُمَعَّطِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَقِيمٌ: أيْ سَلِيبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُوتَ لَمّا نَبَذَهُ في العَراءِ فاللَّهُ تَعالى أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ وذَلِكَ المُعْجِزُ لَهُ، قالَ: المُبَرَّدُ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ وإنَّما صفحة ١٤٥ يَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَهو يَقْطِينٌ، نَحْوُ الدُّبّاءِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ، قالَ الزَّجّاجُ: أحْسَبُ اشْتِقاقَها مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ اليَقْطِينُ، ورَوى الفَرّاءُ أنَّهُ قِيلَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ هو ورَقُ القَرْعِ، فَقالَ: ومَن جَعَلَ القَرْعَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ يَقْطِينًا، كُلُّ ورَقَةٍ اتَّسَعَتْ وسَتَرَتْ فَهي يَقْطِينٌ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والآيَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُما المُفَسِّرُونَ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا اليَقْطِينَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ فَأنْبَتَهُ اللَّهُ لِأجْلِهِ. والآخَرُ: أنَّ اليَقْطِينَ كانَ مَعْرُوشًا لِيَحْصُلَ لَهُ ظِلٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَسْتَظِلَّ بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وأرْسَلْناهُ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا الإرْسالِ وإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِقامِ، فالمُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ والواوُ مَعْناها الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإرْسالَ بَعْدَ الِالتِقامِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ سِوى القَوْمِ الأُوَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ ثانِيًا بِشَرِيعَةٍ فَآمَنُوا بِها. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ يُوجِبُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النَّجْمِ: ٩] وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والأصَحُّ مِنها وجْهٌ واحِدٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم بِمَعْنى أنَّهم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ عَلى المِائَةِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كُلِّ ما يُشْبِهُ هَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ لَمّا آمَنُوا أزالَ اللَّهُ الخَوْفَ عَنْهم وآمَنَهم مِنَ العَذابِ ومَتَّعَهُمُ اللَّهُ إلى حِينٍ، أيْ: إلى الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم.

الصافات 37:145

قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ وهو آخِرُ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما صارَتْ هَذِهِ القِصَّةُ خاتِمَةً لِلْقِصَصِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِهِ وأبَقَ إلى الفُلْكِ وقَعَ في تِلْكَ الشَّدائِدِ فَيَصِيرُ هَذا سَبَبًا لِتَصَبُّرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”يُونُسَ“ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها. صفحة ١٤٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ صارَ رَسُولًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مِنَ المُرْسَلِينَ حِينَما أبَقَ إلى الفُلْكِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّهُ أرْسَلَهُ مَلِكُ زَمانِهِ إلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَدْعُوَهم إلى اللَّهِ، ثُمَّ أبَقَ والتَقَمَهُ الحُوتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِهِ، ولَنْ يُفِيدَ هَذِهِ الفائِدَةَ إلّا إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبَقَ مِن إباقِ العَبْدِ وهو هَرَبُهُ مِن سَيِّدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيمَن يَتَعَمَّدُ مُخالَفَةَ رَبِّهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ صارَ مُخْطِئًا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ وخَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، وهَذا بَعِيدٌ سَواءٌ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِلِسانِ نَبِيٍّ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ أنَّهُ تَرَكَ دُعاءَ قَوْمِهِ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِمْ. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِهَذا العَمَلِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَهُ، والأقْرَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ إنْزالَ الإهْلاكِ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَظَنَّ أنَّهُ نازِلٌ لا مَحالَةَ، فَلِأجْلِ هَذا الظَّنِّ لَمْ يَصْبِرْ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ لِجَوازِ أنْ لا يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ وإنْ أنْزَلَهُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ إقْدامٌ عَلى أمْرٍ ظَهَرَتْ أماراتُهُ فَلا يَكُونُ تَعَمُّدًا لِلْمَعْصِيَةِ، وإنْ كانَ الأوْلى في مِثْلِ هَذا البابِ أنْ لا يُعْمَلَ فِيهِ بِالظَّنِّ، ثُمَّ انْكَشَفَ لِيُونُسَ مِن بَعْدُ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الظَّنِّ، لِأجْلِ أنَّهُ ظَهَرَ الإيمانُ مِنهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ ما ذَكَرْناهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُونُسَ كانَ وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ كالمَسْتُورِ عَنْهم فَقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في مُشْكِلاتِ هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وقَوْلُهُ: ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ يُونُسَ، والسَّفِينَةُ إذا كانَ فِيها الحِمْلُ الكَثِيرُ والنّاسُ يُقالُ إنَّها مَشْحُونَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَساهَمَ﴾ المُساهَمَةُ هي المُقارَعَةُ، يُقالُ: أسْهَمَ القَوْمُ إذا اقْتَرَعُوا، قالَ المُبَرَّدُ: وإنَّما أُخِذَ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ لِلْقُرْعَةِ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ فَدُحِضَتْ أيْ: أزالَها فَزالَتْ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّحْضِ الَّذِي هو الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُ البَعِيرِ إذا زَلَقَتْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَسْكُنُ مَعَ قَوْمِهِ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذا أسَرَكم عَدُوُّكم أوْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ فادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم، فَلَمّا نَسُوا ذَلِكَ وأُسِرُوا أوْحى اللَّهُ تَعالى بَعْدَ حِينٍ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِمْ أنِ اذْهَبْ إلى مَلِكِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ وقُلْ لَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا، فاخْتارَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، قالَ يُونُسُ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أُمِرْتُ أنْ أبْعَثَ قَوِيًّا أمِينًا وأنْتَ كَذَلِكَ، فَقالَ يُونُسُ: وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو أقْوى مِنِّي فَلِمَ لا تَبْعَثُهُ، فَألَحَّ المَلِكُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ يُونُسُ مِنهُ، وخَرَجَ حَتّى أتى بَحْرَ الرُّومِ ووَجَدَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً فَحَمَلُوهُ فِيها، فَلَمّا دَخَلَتْ لُجَّةَ البَحْرِ أشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ، فَقالَ المَلّاحُونَ: إنَّ فِيكم عاصِيًا وإلّا لَمْ يَحْصُلْ في السَّفِينَةِ ما نَراهُ مِن غَيْرِ رِيحٍ ولا سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقالَ التُّجّارُ: قَدْ جَرَّبْنا مِثْلَ هَذا فَإذا رَأيْناهُ نَقْتَرِعُ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ نُغْرِقُهُ، فَلَأنْ يَغْرَقَ واحِدٌ خَيْرٌ مِن غَرَقِ الكُلِّ، فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ التُّجّارُ: نَحْنُ صفحة ١٤٤ أوْلى بِالمَعْصِيَةِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ، ثُمَّ عادُوا ثانِيًا وثالِثًا يَقْتَرِعُونَ فَيَخْرُجُ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ أنا العاصِي وتَلَفَّفَ في كِساءٍ ورَمى بِنَفْسِهِ فابْتَلَعَتْهُ السَّمَكَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: ”لا تَكْسِرْ مِنهُ عَظْمًا ولا تَقْطَعْ لَهُ وصْلًا“ ثُمَّ إنَّ السَّمَكَةَ أخْرَجَتْهُ إلى نِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إلى بَحْرِ فارِسَ ثُمَّ إلى بَحْرِ البَطائِحِ ثُمَّ دِجْلَةَ فَصَعِدَتْ بِهِ ورَمَتْهُ بِأرْضِ نَصِيبِينَ بِالعَراءِ، وهو كالفَرْخِ المَنتُوفِ لا شَعَرَ ولا لَحْمَ، فَأنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، فَكانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى تَشَدَّدَ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ أكَلَتْها فَخَرَّتْ مِن أصْلِها، فَحَزِنَ يُونُسُ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، فَقالَ: يا رَبِّ كُنْتُ أسْتَظِلُّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنَ الشَّمْسِ والرِّيحِ وأمُصُّ مِن ثَمَرِها وقَدْ سَقَطَتْ، فَقِيلَ لَهُ يا يُونُسُ تَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ أُنْبِتَتْ في ساعَةٍ واقْتُلِعَتْ في ساعَةٍ ولا تَحْزَنُ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تَرَكْتَهم ! انْطَلِقْ إلَيْهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: التَقَمَهُ والتَهَمَهُ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: ألامَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، فالمُلِيمُ المُسْتَحِقُّ لِلَّوْمِ الآتِي بِما يُلامُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَقُولُ في تِلْكَ الظُّلُماتِ ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ لَوْلا أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ مِنَ المُسَبِّحِينَ يَعْنِي المُصَلِّينَ، وكانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ لَلَبِثَ في بَطْنِ ذَلِكَ الحُوتِ، وكانَ بَطْنُهُ قَبْرًا لَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، قالَ بَعْضُهُمُ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرُكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١]، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَمْ لَبِثَ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، وأُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بَعْدَ الوَقْتِ الَّذِي التَقَمَهُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وعَنْ عَطاءٍ سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ عِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ شَهْرًا، ولا أدْرِي بِأيِّ دَلِيلٍ عَيَّنُوا هَذِهِ المَقادِيرَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَّحَ يُونُسُ في بَطْنِ الحُوتِ فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقالُوا: رَبَّنا إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَقالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصانِي فَحَبَسْتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ في البَحْرِ، فَقالُوا: العَبْدُ الصّالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إلَيْكَ مِنهُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ عَمَلٌ صالِحٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَفَعُوا لَهُ، فَأمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَهُ في السّاحِلِ» “ فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: العَراءُ المَكانُ الخالِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهُ العَراءُ لِأنَّهُ لا شَجَرَ فِيهِ ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ فَأضافَ ذَلِكَ النَّبْذَ إلى نَفْسِهِ، والنَّبْذُ إنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ الحُوتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ بَلِيَ لَحْمُهُ وصارَ ضَعِيفًا كالطِّفْلِ المَوْلُودِ كالفَرْخِ المُمَعَّطِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَقِيمٌ: أيْ سَلِيبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُوتَ لَمّا نَبَذَهُ في العَراءِ فاللَّهُ تَعالى أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ وذَلِكَ المُعْجِزُ لَهُ، قالَ: المُبَرَّدُ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ وإنَّما صفحة ١٤٥ يَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَهو يَقْطِينٌ، نَحْوُ الدُّبّاءِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ، قالَ الزَّجّاجُ: أحْسَبُ اشْتِقاقَها مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ اليَقْطِينُ، ورَوى الفَرّاءُ أنَّهُ قِيلَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ هو ورَقُ القَرْعِ، فَقالَ: ومَن جَعَلَ القَرْعَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ يَقْطِينًا، كُلُّ ورَقَةٍ اتَّسَعَتْ وسَتَرَتْ فَهي يَقْطِينٌ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والآيَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُما المُفَسِّرُونَ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا اليَقْطِينَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ فَأنْبَتَهُ اللَّهُ لِأجْلِهِ. والآخَرُ: أنَّ اليَقْطِينَ كانَ مَعْرُوشًا لِيَحْصُلَ لَهُ ظِلٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَسْتَظِلَّ بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وأرْسَلْناهُ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا الإرْسالِ وإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِقامِ، فالمُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ والواوُ مَعْناها الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإرْسالَ بَعْدَ الِالتِقامِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ سِوى القَوْمِ الأُوَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ ثانِيًا بِشَرِيعَةٍ فَآمَنُوا بِها. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ يُوجِبُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النَّجْمِ: ٩] وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والأصَحُّ مِنها وجْهٌ واحِدٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم بِمَعْنى أنَّهم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ عَلى المِائَةِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كُلِّ ما يُشْبِهُ هَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ لَمّا آمَنُوا أزالَ اللَّهُ الخَوْفَ عَنْهم وآمَنَهم مِنَ العَذابِ ومَتَّعَهُمُ اللَّهُ إلى حِينٍ، أيْ: إلى الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم.

الصافات 37:146

قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ وهو آخِرُ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما صارَتْ هَذِهِ القِصَّةُ خاتِمَةً لِلْقِصَصِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِهِ وأبَقَ إلى الفُلْكِ وقَعَ في تِلْكَ الشَّدائِدِ فَيَصِيرُ هَذا سَبَبًا لِتَصَبُّرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”يُونُسَ“ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها. صفحة ١٤٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ صارَ رَسُولًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مِنَ المُرْسَلِينَ حِينَما أبَقَ إلى الفُلْكِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّهُ أرْسَلَهُ مَلِكُ زَمانِهِ إلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَدْعُوَهم إلى اللَّهِ، ثُمَّ أبَقَ والتَقَمَهُ الحُوتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِهِ، ولَنْ يُفِيدَ هَذِهِ الفائِدَةَ إلّا إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبَقَ مِن إباقِ العَبْدِ وهو هَرَبُهُ مِن سَيِّدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيمَن يَتَعَمَّدُ مُخالَفَةَ رَبِّهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ صارَ مُخْطِئًا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ وخَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، وهَذا بَعِيدٌ سَواءٌ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِلِسانِ نَبِيٍّ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ أنَّهُ تَرَكَ دُعاءَ قَوْمِهِ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِمْ. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِهَذا العَمَلِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَهُ، والأقْرَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ إنْزالَ الإهْلاكِ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَظَنَّ أنَّهُ نازِلٌ لا مَحالَةَ، فَلِأجْلِ هَذا الظَّنِّ لَمْ يَصْبِرْ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ لِجَوازِ أنْ لا يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ وإنْ أنْزَلَهُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ إقْدامٌ عَلى أمْرٍ ظَهَرَتْ أماراتُهُ فَلا يَكُونُ تَعَمُّدًا لِلْمَعْصِيَةِ، وإنْ كانَ الأوْلى في مِثْلِ هَذا البابِ أنْ لا يُعْمَلَ فِيهِ بِالظَّنِّ، ثُمَّ انْكَشَفَ لِيُونُسَ مِن بَعْدُ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الظَّنِّ، لِأجْلِ أنَّهُ ظَهَرَ الإيمانُ مِنهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ ما ذَكَرْناهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُونُسَ كانَ وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ كالمَسْتُورِ عَنْهم فَقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في مُشْكِلاتِ هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وقَوْلُهُ: ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ يُونُسَ، والسَّفِينَةُ إذا كانَ فِيها الحِمْلُ الكَثِيرُ والنّاسُ يُقالُ إنَّها مَشْحُونَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَساهَمَ﴾ المُساهَمَةُ هي المُقارَعَةُ، يُقالُ: أسْهَمَ القَوْمُ إذا اقْتَرَعُوا، قالَ المُبَرَّدُ: وإنَّما أُخِذَ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ لِلْقُرْعَةِ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ فَدُحِضَتْ أيْ: أزالَها فَزالَتْ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّحْضِ الَّذِي هو الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُ البَعِيرِ إذا زَلَقَتْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَسْكُنُ مَعَ قَوْمِهِ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذا أسَرَكم عَدُوُّكم أوْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ فادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم، فَلَمّا نَسُوا ذَلِكَ وأُسِرُوا أوْحى اللَّهُ تَعالى بَعْدَ حِينٍ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِمْ أنِ اذْهَبْ إلى مَلِكِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ وقُلْ لَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا، فاخْتارَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، قالَ يُونُسُ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أُمِرْتُ أنْ أبْعَثَ قَوِيًّا أمِينًا وأنْتَ كَذَلِكَ، فَقالَ يُونُسُ: وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو أقْوى مِنِّي فَلِمَ لا تَبْعَثُهُ، فَألَحَّ المَلِكُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ يُونُسُ مِنهُ، وخَرَجَ حَتّى أتى بَحْرَ الرُّومِ ووَجَدَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً فَحَمَلُوهُ فِيها، فَلَمّا دَخَلَتْ لُجَّةَ البَحْرِ أشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ، فَقالَ المَلّاحُونَ: إنَّ فِيكم عاصِيًا وإلّا لَمْ يَحْصُلْ في السَّفِينَةِ ما نَراهُ مِن غَيْرِ رِيحٍ ولا سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقالَ التُّجّارُ: قَدْ جَرَّبْنا مِثْلَ هَذا فَإذا رَأيْناهُ نَقْتَرِعُ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ نُغْرِقُهُ، فَلَأنْ يَغْرَقَ واحِدٌ خَيْرٌ مِن غَرَقِ الكُلِّ، فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ التُّجّارُ: نَحْنُ صفحة ١٤٤ أوْلى بِالمَعْصِيَةِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ، ثُمَّ عادُوا ثانِيًا وثالِثًا يَقْتَرِعُونَ فَيَخْرُجُ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ أنا العاصِي وتَلَفَّفَ في كِساءٍ ورَمى بِنَفْسِهِ فابْتَلَعَتْهُ السَّمَكَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: ”لا تَكْسِرْ مِنهُ عَظْمًا ولا تَقْطَعْ لَهُ وصْلًا“ ثُمَّ إنَّ السَّمَكَةَ أخْرَجَتْهُ إلى نِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إلى بَحْرِ فارِسَ ثُمَّ إلى بَحْرِ البَطائِحِ ثُمَّ دِجْلَةَ فَصَعِدَتْ بِهِ ورَمَتْهُ بِأرْضِ نَصِيبِينَ بِالعَراءِ، وهو كالفَرْخِ المَنتُوفِ لا شَعَرَ ولا لَحْمَ، فَأنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، فَكانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى تَشَدَّدَ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ أكَلَتْها فَخَرَّتْ مِن أصْلِها، فَحَزِنَ يُونُسُ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، فَقالَ: يا رَبِّ كُنْتُ أسْتَظِلُّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنَ الشَّمْسِ والرِّيحِ وأمُصُّ مِن ثَمَرِها وقَدْ سَقَطَتْ، فَقِيلَ لَهُ يا يُونُسُ تَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ أُنْبِتَتْ في ساعَةٍ واقْتُلِعَتْ في ساعَةٍ ولا تَحْزَنُ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تَرَكْتَهم ! انْطَلِقْ إلَيْهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: التَقَمَهُ والتَهَمَهُ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: ألامَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، فالمُلِيمُ المُسْتَحِقُّ لِلَّوْمِ الآتِي بِما يُلامُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَقُولُ في تِلْكَ الظُّلُماتِ ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ لَوْلا أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ مِنَ المُسَبِّحِينَ يَعْنِي المُصَلِّينَ، وكانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ لَلَبِثَ في بَطْنِ ذَلِكَ الحُوتِ، وكانَ بَطْنُهُ قَبْرًا لَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، قالَ بَعْضُهُمُ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرُكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١]، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَمْ لَبِثَ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، وأُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بَعْدَ الوَقْتِ الَّذِي التَقَمَهُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وعَنْ عَطاءٍ سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ عِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ شَهْرًا، ولا أدْرِي بِأيِّ دَلِيلٍ عَيَّنُوا هَذِهِ المَقادِيرَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَّحَ يُونُسُ في بَطْنِ الحُوتِ فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقالُوا: رَبَّنا إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَقالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصانِي فَحَبَسْتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ في البَحْرِ، فَقالُوا: العَبْدُ الصّالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إلَيْكَ مِنهُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ عَمَلٌ صالِحٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَفَعُوا لَهُ، فَأمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَهُ في السّاحِلِ» “ فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: العَراءُ المَكانُ الخالِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهُ العَراءُ لِأنَّهُ لا شَجَرَ فِيهِ ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ فَأضافَ ذَلِكَ النَّبْذَ إلى نَفْسِهِ، والنَّبْذُ إنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ الحُوتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ بَلِيَ لَحْمُهُ وصارَ ضَعِيفًا كالطِّفْلِ المَوْلُودِ كالفَرْخِ المُمَعَّطِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَقِيمٌ: أيْ سَلِيبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُوتَ لَمّا نَبَذَهُ في العَراءِ فاللَّهُ تَعالى أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ وذَلِكَ المُعْجِزُ لَهُ، قالَ: المُبَرَّدُ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ وإنَّما صفحة ١٤٥ يَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَهو يَقْطِينٌ، نَحْوُ الدُّبّاءِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ، قالَ الزَّجّاجُ: أحْسَبُ اشْتِقاقَها مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ اليَقْطِينُ، ورَوى الفَرّاءُ أنَّهُ قِيلَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ هو ورَقُ القَرْعِ، فَقالَ: ومَن جَعَلَ القَرْعَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ يَقْطِينًا، كُلُّ ورَقَةٍ اتَّسَعَتْ وسَتَرَتْ فَهي يَقْطِينٌ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والآيَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُما المُفَسِّرُونَ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا اليَقْطِينَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ فَأنْبَتَهُ اللَّهُ لِأجْلِهِ. والآخَرُ: أنَّ اليَقْطِينَ كانَ مَعْرُوشًا لِيَحْصُلَ لَهُ ظِلٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَسْتَظِلَّ بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وأرْسَلْناهُ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا الإرْسالِ وإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِقامِ، فالمُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ والواوُ مَعْناها الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإرْسالَ بَعْدَ الِالتِقامِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ سِوى القَوْمِ الأُوَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ ثانِيًا بِشَرِيعَةٍ فَآمَنُوا بِها. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ يُوجِبُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النَّجْمِ: ٩] وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والأصَحُّ مِنها وجْهٌ واحِدٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم بِمَعْنى أنَّهم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ عَلى المِائَةِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كُلِّ ما يُشْبِهُ هَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ لَمّا آمَنُوا أزالَ اللَّهُ الخَوْفَ عَنْهم وآمَنَهم مِنَ العَذابِ ومَتَّعَهُمُ اللَّهُ إلى حِينٍ، أيْ: إلى الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم.

الصافات 37:147

قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ وهو آخِرُ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما صارَتْ هَذِهِ القِصَّةُ خاتِمَةً لِلْقِصَصِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِهِ وأبَقَ إلى الفُلْكِ وقَعَ في تِلْكَ الشَّدائِدِ فَيَصِيرُ هَذا سَبَبًا لِتَصَبُّرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”يُونُسَ“ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها. صفحة ١٤٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ صارَ رَسُولًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مِنَ المُرْسَلِينَ حِينَما أبَقَ إلى الفُلْكِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّهُ أرْسَلَهُ مَلِكُ زَمانِهِ إلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَدْعُوَهم إلى اللَّهِ، ثُمَّ أبَقَ والتَقَمَهُ الحُوتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِهِ، ولَنْ يُفِيدَ هَذِهِ الفائِدَةَ إلّا إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبَقَ مِن إباقِ العَبْدِ وهو هَرَبُهُ مِن سَيِّدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيمَن يَتَعَمَّدُ مُخالَفَةَ رَبِّهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ صارَ مُخْطِئًا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ وخَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، وهَذا بَعِيدٌ سَواءٌ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِلِسانِ نَبِيٍّ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ أنَّهُ تَرَكَ دُعاءَ قَوْمِهِ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِمْ. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِهَذا العَمَلِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَهُ، والأقْرَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ إنْزالَ الإهْلاكِ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَظَنَّ أنَّهُ نازِلٌ لا مَحالَةَ، فَلِأجْلِ هَذا الظَّنِّ لَمْ يَصْبِرْ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ لِجَوازِ أنْ لا يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ وإنْ أنْزَلَهُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ إقْدامٌ عَلى أمْرٍ ظَهَرَتْ أماراتُهُ فَلا يَكُونُ تَعَمُّدًا لِلْمَعْصِيَةِ، وإنْ كانَ الأوْلى في مِثْلِ هَذا البابِ أنْ لا يُعْمَلَ فِيهِ بِالظَّنِّ، ثُمَّ انْكَشَفَ لِيُونُسَ مِن بَعْدُ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الظَّنِّ، لِأجْلِ أنَّهُ ظَهَرَ الإيمانُ مِنهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ ما ذَكَرْناهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُونُسَ كانَ وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ كالمَسْتُورِ عَنْهم فَقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في مُشْكِلاتِ هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وقَوْلُهُ: ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ يُونُسَ، والسَّفِينَةُ إذا كانَ فِيها الحِمْلُ الكَثِيرُ والنّاسُ يُقالُ إنَّها مَشْحُونَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَساهَمَ﴾ المُساهَمَةُ هي المُقارَعَةُ، يُقالُ: أسْهَمَ القَوْمُ إذا اقْتَرَعُوا، قالَ المُبَرَّدُ: وإنَّما أُخِذَ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ لِلْقُرْعَةِ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ فَدُحِضَتْ أيْ: أزالَها فَزالَتْ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّحْضِ الَّذِي هو الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُ البَعِيرِ إذا زَلَقَتْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَسْكُنُ مَعَ قَوْمِهِ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذا أسَرَكم عَدُوُّكم أوْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ فادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم، فَلَمّا نَسُوا ذَلِكَ وأُسِرُوا أوْحى اللَّهُ تَعالى بَعْدَ حِينٍ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِمْ أنِ اذْهَبْ إلى مَلِكِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ وقُلْ لَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا، فاخْتارَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، قالَ يُونُسُ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أُمِرْتُ أنْ أبْعَثَ قَوِيًّا أمِينًا وأنْتَ كَذَلِكَ، فَقالَ يُونُسُ: وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو أقْوى مِنِّي فَلِمَ لا تَبْعَثُهُ، فَألَحَّ المَلِكُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ يُونُسُ مِنهُ، وخَرَجَ حَتّى أتى بَحْرَ الرُّومِ ووَجَدَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً فَحَمَلُوهُ فِيها، فَلَمّا دَخَلَتْ لُجَّةَ البَحْرِ أشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ، فَقالَ المَلّاحُونَ: إنَّ فِيكم عاصِيًا وإلّا لَمْ يَحْصُلْ في السَّفِينَةِ ما نَراهُ مِن غَيْرِ رِيحٍ ولا سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقالَ التُّجّارُ: قَدْ جَرَّبْنا مِثْلَ هَذا فَإذا رَأيْناهُ نَقْتَرِعُ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ نُغْرِقُهُ، فَلَأنْ يَغْرَقَ واحِدٌ خَيْرٌ مِن غَرَقِ الكُلِّ، فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ التُّجّارُ: نَحْنُ صفحة ١٤٤ أوْلى بِالمَعْصِيَةِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ، ثُمَّ عادُوا ثانِيًا وثالِثًا يَقْتَرِعُونَ فَيَخْرُجُ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ أنا العاصِي وتَلَفَّفَ في كِساءٍ ورَمى بِنَفْسِهِ فابْتَلَعَتْهُ السَّمَكَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: ”لا تَكْسِرْ مِنهُ عَظْمًا ولا تَقْطَعْ لَهُ وصْلًا“ ثُمَّ إنَّ السَّمَكَةَ أخْرَجَتْهُ إلى نِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إلى بَحْرِ فارِسَ ثُمَّ إلى بَحْرِ البَطائِحِ ثُمَّ دِجْلَةَ فَصَعِدَتْ بِهِ ورَمَتْهُ بِأرْضِ نَصِيبِينَ بِالعَراءِ، وهو كالفَرْخِ المَنتُوفِ لا شَعَرَ ولا لَحْمَ، فَأنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، فَكانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى تَشَدَّدَ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ أكَلَتْها فَخَرَّتْ مِن أصْلِها، فَحَزِنَ يُونُسُ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، فَقالَ: يا رَبِّ كُنْتُ أسْتَظِلُّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنَ الشَّمْسِ والرِّيحِ وأمُصُّ مِن ثَمَرِها وقَدْ سَقَطَتْ، فَقِيلَ لَهُ يا يُونُسُ تَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ أُنْبِتَتْ في ساعَةٍ واقْتُلِعَتْ في ساعَةٍ ولا تَحْزَنُ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تَرَكْتَهم ! انْطَلِقْ إلَيْهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: التَقَمَهُ والتَهَمَهُ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: ألامَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، فالمُلِيمُ المُسْتَحِقُّ لِلَّوْمِ الآتِي بِما يُلامُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَقُولُ في تِلْكَ الظُّلُماتِ ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ لَوْلا أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ مِنَ المُسَبِّحِينَ يَعْنِي المُصَلِّينَ، وكانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ لَلَبِثَ في بَطْنِ ذَلِكَ الحُوتِ، وكانَ بَطْنُهُ قَبْرًا لَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، قالَ بَعْضُهُمُ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرُكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١]، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَمْ لَبِثَ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، وأُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بَعْدَ الوَقْتِ الَّذِي التَقَمَهُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وعَنْ عَطاءٍ سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ عِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ شَهْرًا، ولا أدْرِي بِأيِّ دَلِيلٍ عَيَّنُوا هَذِهِ المَقادِيرَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَّحَ يُونُسُ في بَطْنِ الحُوتِ فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقالُوا: رَبَّنا إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَقالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصانِي فَحَبَسْتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ في البَحْرِ، فَقالُوا: العَبْدُ الصّالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إلَيْكَ مِنهُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ عَمَلٌ صالِحٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَفَعُوا لَهُ، فَأمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَهُ في السّاحِلِ» “ فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: العَراءُ المَكانُ الخالِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهُ العَراءُ لِأنَّهُ لا شَجَرَ فِيهِ ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ فَأضافَ ذَلِكَ النَّبْذَ إلى نَفْسِهِ، والنَّبْذُ إنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ الحُوتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ بَلِيَ لَحْمُهُ وصارَ ضَعِيفًا كالطِّفْلِ المَوْلُودِ كالفَرْخِ المُمَعَّطِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَقِيمٌ: أيْ سَلِيبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُوتَ لَمّا نَبَذَهُ في العَراءِ فاللَّهُ تَعالى أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ وذَلِكَ المُعْجِزُ لَهُ، قالَ: المُبَرَّدُ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ وإنَّما صفحة ١٤٥ يَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَهو يَقْطِينٌ، نَحْوُ الدُّبّاءِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ، قالَ الزَّجّاجُ: أحْسَبُ اشْتِقاقَها مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ اليَقْطِينُ، ورَوى الفَرّاءُ أنَّهُ قِيلَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ هو ورَقُ القَرْعِ، فَقالَ: ومَن جَعَلَ القَرْعَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ يَقْطِينًا، كُلُّ ورَقَةٍ اتَّسَعَتْ وسَتَرَتْ فَهي يَقْطِينٌ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والآيَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُما المُفَسِّرُونَ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا اليَقْطِينَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ فَأنْبَتَهُ اللَّهُ لِأجْلِهِ. والآخَرُ: أنَّ اليَقْطِينَ كانَ مَعْرُوشًا لِيَحْصُلَ لَهُ ظِلٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَسْتَظِلَّ بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وأرْسَلْناهُ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا الإرْسالِ وإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِقامِ، فالمُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ والواوُ مَعْناها الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإرْسالَ بَعْدَ الِالتِقامِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ سِوى القَوْمِ الأُوَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ ثانِيًا بِشَرِيعَةٍ فَآمَنُوا بِها. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ يُوجِبُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النَّجْمِ: ٩] وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والأصَحُّ مِنها وجْهٌ واحِدٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم بِمَعْنى أنَّهم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ عَلى المِائَةِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كُلِّ ما يُشْبِهُ هَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ لَمّا آمَنُوا أزالَ اللَّهُ الخَوْفَ عَنْهم وآمَنَهم مِنَ العَذابِ ومَتَّعَهُمُ اللَّهُ إلى حِينٍ، أيْ: إلى الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم.

الصافات 37:148

قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ وهو آخِرُ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما صارَتْ هَذِهِ القِصَّةُ خاتِمَةً لِلْقِصَصِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِهِ وأبَقَ إلى الفُلْكِ وقَعَ في تِلْكَ الشَّدائِدِ فَيَصِيرُ هَذا سَبَبًا لِتَصَبُّرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”يُونُسَ“ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها. صفحة ١٤٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ صارَ رَسُولًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ مِنَ المُرْسَلِينَ حِينَما أبَقَ إلى الفُلْكِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّهُ أرْسَلَهُ مَلِكُ زَمانِهِ إلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَدْعُوَهم إلى اللَّهِ، ثُمَّ أبَقَ والتَقَمَهُ الحُوتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِهِ، ولَنْ يُفِيدَ هَذِهِ الفائِدَةَ إلّا إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبَقَ مِن إباقِ العَبْدِ وهو هَرَبُهُ مِن سَيِّدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيمَن يَتَعَمَّدُ مُخالَفَةَ رَبِّهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ صارَ مُخْطِئًا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ وخَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، وهَذا بَعِيدٌ سَواءٌ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِلِسانِ نَبِيٍّ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ أنَّهُ تَرَكَ دُعاءَ قَوْمِهِ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِمْ. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِهَذا العَمَلِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَهُ، والأقْرَبُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ إنْزالَ الإهْلاكِ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَظَنَّ أنَّهُ نازِلٌ لا مَحالَةَ، فَلِأجْلِ هَذا الظَّنِّ لَمْ يَصْبِرْ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ لِجَوازِ أنْ لا يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ وإنْ أنْزَلَهُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ إقْدامٌ عَلى أمْرٍ ظَهَرَتْ أماراتُهُ فَلا يَكُونُ تَعَمُّدًا لِلْمَعْصِيَةِ، وإنْ كانَ الأوْلى في مِثْلِ هَذا البابِ أنْ لا يُعْمَلَ فِيهِ بِالظَّنِّ، ثُمَّ انْكَشَفَ لِيُونُسَ مِن بَعْدُ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الظَّنِّ، لِأجْلِ أنَّهُ ظَهَرَ الإيمانُ مِنهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ ما ذَكَرْناهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُونُسَ كانَ وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ كالمَسْتُورِ عَنْهم فَقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في مُشْكِلاتِ هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وقَوْلُهُ: ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ يُونُسَ، والسَّفِينَةُ إذا كانَ فِيها الحِمْلُ الكَثِيرُ والنّاسُ يُقالُ إنَّها مَشْحُونَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَساهَمَ﴾ المُساهَمَةُ هي المُقارَعَةُ، يُقالُ: أسْهَمَ القَوْمُ إذا اقْتَرَعُوا، قالَ المُبَرَّدُ: وإنَّما أُخِذَ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ لِلْقُرْعَةِ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ فَدُحِضَتْ أيْ: أزالَها فَزالَتْ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الدَّحْضِ الَّذِي هو الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُ البَعِيرِ إذا زَلَقَتْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَسْكُنُ مَعَ قَوْمِهِ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذا أسَرَكم عَدُوُّكم أوْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ فادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم، فَلَمّا نَسُوا ذَلِكَ وأُسِرُوا أوْحى اللَّهُ تَعالى بَعْدَ حِينٍ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِمْ أنِ اذْهَبْ إلى مَلِكِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ وقُلْ لَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا، فاخْتارَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، قالَ يُونُسُ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أُمِرْتُ أنْ أبْعَثَ قَوِيًّا أمِينًا وأنْتَ كَذَلِكَ، فَقالَ يُونُسُ: وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو أقْوى مِنِّي فَلِمَ لا تَبْعَثُهُ، فَألَحَّ المَلِكُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ يُونُسُ مِنهُ، وخَرَجَ حَتّى أتى بَحْرَ الرُّومِ ووَجَدَ سَفِينَةً مَشْحُونَةً فَحَمَلُوهُ فِيها، فَلَمّا دَخَلَتْ لُجَّةَ البَحْرِ أشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ، فَقالَ المَلّاحُونَ: إنَّ فِيكم عاصِيًا وإلّا لَمْ يَحْصُلْ في السَّفِينَةِ ما نَراهُ مِن غَيْرِ رِيحٍ ولا سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقالَ التُّجّارُ: قَدْ جَرَّبْنا مِثْلَ هَذا فَإذا رَأيْناهُ نَقْتَرِعُ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ نُغْرِقُهُ، فَلَأنْ يَغْرَقَ واحِدٌ خَيْرٌ مِن غَرَقِ الكُلِّ، فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ التُّجّارُ: نَحْنُ صفحة ١٤٤ أوْلى بِالمَعْصِيَةِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ، ثُمَّ عادُوا ثانِيًا وثالِثًا يَقْتَرِعُونَ فَيَخْرُجُ سَهْمُ يُونُسَ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ أنا العاصِي وتَلَفَّفَ في كِساءٍ ورَمى بِنَفْسِهِ فابْتَلَعَتْهُ السَّمَكَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: ”لا تَكْسِرْ مِنهُ عَظْمًا ولا تَقْطَعْ لَهُ وصْلًا“ ثُمَّ إنَّ السَّمَكَةَ أخْرَجَتْهُ إلى نِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إلى بَحْرِ فارِسَ ثُمَّ إلى بَحْرِ البَطائِحِ ثُمَّ دِجْلَةَ فَصَعِدَتْ بِهِ ورَمَتْهُ بِأرْضِ نَصِيبِينَ بِالعَراءِ، وهو كالفَرْخِ المَنتُوفِ لا شَعَرَ ولا لَحْمَ، فَأنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ، فَكانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى تَشَدَّدَ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ أكَلَتْها فَخَرَّتْ مِن أصْلِها، فَحَزِنَ يُونُسُ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، فَقالَ: يا رَبِّ كُنْتُ أسْتَظِلُّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنَ الشَّمْسِ والرِّيحِ وأمُصُّ مِن ثَمَرِها وقَدْ سَقَطَتْ، فَقِيلَ لَهُ يا يُونُسُ تَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ أُنْبِتَتْ في ساعَةٍ واقْتُلِعَتْ في ساعَةٍ ولا تَحْزَنُ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تَرَكْتَهم ! انْطَلِقْ إلَيْهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: التَقَمَهُ والتَهَمَهُ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: ألامَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، فالمُلِيمُ المُسْتَحِقُّ لِلَّوْمِ الآتِي بِما يُلامُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مِنَ المُسَبِّحِينَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَقُولُ في تِلْكَ الظُّلُماتِ ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ لَوْلا أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ مِنَ المُسَبِّحِينَ يَعْنِي المُصَلِّينَ، وكانَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ لَلَبِثَ في بَطْنِ ذَلِكَ الحُوتِ، وكانَ بَطْنُهُ قَبْرًا لَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، قالَ بَعْضُهُمُ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرُكم في الشِّدَّةِ، فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا ذاكِرًا لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١]، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَمْ لَبِثَ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، وأُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بَعْدَ الوَقْتِ الَّذِي التَقَمَهُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وعَنْ عَطاءٍ سَبْعَةَ أيّامٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ عِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ شَهْرًا، ولا أدْرِي بِأيِّ دَلِيلٍ عَيَّنُوا هَذِهِ المَقادِيرَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَّحَ يُونُسُ في بَطْنِ الحُوتِ فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقالُوا: رَبَّنا إنّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَقالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصانِي فَحَبَسْتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ في البَحْرِ، فَقالُوا: العَبْدُ الصّالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إلَيْكَ مِنهُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ عَمَلٌ صالِحٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَفَعُوا لَهُ، فَأمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَهُ في السّاحِلِ» “ فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: العَراءُ المَكانُ الخالِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهُ العَراءُ لِأنَّهُ لا شَجَرَ فِيهِ ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ فَأضافَ ذَلِكَ النَّبْذَ إلى نَفْسِهِ، والنَّبْذُ إنَّما حَصَلَ بِفِعْلِ الحُوتِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ بَلِيَ لَحْمُهُ وصارَ ضَعِيفًا كالطِّفْلِ المَوْلُودِ كالفَرْخِ المُمَعَّطِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَقِيمٌ: أيْ سَلِيبٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُوتَ لَمّا نَبَذَهُ في العَراءِ فاللَّهُ تَعالى أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ وذَلِكَ المُعْجِزُ لَهُ، قالَ: المُبَرَّدُ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ وإنَّما صفحة ١٤٥ يَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَهو يَقْطِينٌ، نَحْوُ الدُّبّاءِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ، قالَ الزَّجّاجُ: أحْسَبُ اشْتِقاقَها مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، وهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ اليَقْطِينُ، ورَوى الفَرّاءُ أنَّهُ قِيلَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ هو ورَقُ القَرْعِ، فَقالَ: ومَن جَعَلَ القَرْعَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ يَقْطِينًا، كُلُّ ورَقَةٍ اتَّسَعَتْ وسَتَرَتْ فَهي يَقْطِينٌ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والآيَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُما المُفَسِّرُونَ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا اليَقْطِينَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ فَأنْبَتَهُ اللَّهُ لِأجْلِهِ. والآخَرُ: أنَّ اليَقْطِينَ كانَ مَعْرُوشًا لِيَحْصُلَ لَهُ ظِلٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَسْتَظِلَّ بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وأرْسَلْناهُ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا الإرْسالِ وإنْ ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِقامِ، فالمُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ والواوُ مَعْناها الجَمْعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإرْسالَ بَعْدَ الِالتِقامِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ سِوى القَوْمِ الأُوَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ ثانِيًا بِشَرِيعَةٍ فَآمَنُوا بِها. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ يُوجِبُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المُرْسَلاتِ: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النَّجْمِ: ٩] وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والأصَحُّ مِنها وجْهٌ واحِدٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم بِمَعْنى أنَّهم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ عَلى المِائَةِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كُلِّ ما يُشْبِهُ هَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ لَمّا آمَنُوا أزالَ اللَّهُ الخَوْفَ عَنْهم وآمَنَهم مِنَ العَذابِ ومَتَّعَهُمُ اللَّهُ إلى حِينٍ، أيْ: إلى الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم.

الصافات 37:149

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.