Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الصافات 37:150 – ص 38:19

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الصافات 37:150
  2. الصافات 37:151
  3. الصافات 37:152
  4. الصافات 37:153
  5. الصافات 37:154
  6. الصافات 37:155
  7. الصافات 37:156
  8. الصافات 37:157
  9. الصافات 37:158
  10. الصافات 37:159
  11. الصافات 37:160
  12. الصافات 37:161
  13. الصافات 37:162
  14. الصافات 37:163
  15. الصافات 37:164
  16. الصافات 37:165
  17. الصافات 37:166
  18. الصافات 37:167
  19. الصافات 37:168
  20. الصافات 37:169
  21. الصافات 37:170
  22. الصافات 37:171
  23. الصافات 37:172
  24. الصافات 37:173
  25. الصافات 37:174
  26. الصافات 37:175
  27. الصافات 37:176
  28. الصافات 37:177
  29. الصافات 37:178
  30. الصافات 37:179
  31. الصافات 37:180
  32. الصافات 37:181
  33. الصافات 37:182
  34. ص 38:1
  35. ص 38:2
  36. ص 38:3
  37. ص 38:4
  38. ص 38:5
  39. ص 38:6
  40. ص 38:7
  41. ص 38:8
  42. ص 38:9
  43. ص 38:10
  44. ص 38:11
  45. ص 38:12
  46. ص 38:13
  47. ص 38:14
  48. ص 38:15
  49. ص 38:16
  50. ص 38:17
  51. ص 38:18
  52. ص 38:19

الصافات 37:150

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:151

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:152

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:153

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:154

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:155

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:156

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:157

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:158

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:159

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:160

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:161

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:162

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:163

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٦ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عادَ إلى شَرْحِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ وبَيانِ قُبْحِها وسَخافَتِها، ومِن جُمْلَةِ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهم أثْبَتُوا الأوْلادَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّها مِن جِنْسِ الإناثِ لا مِن جِنْسِ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصّافّاتِ: ١١] وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَفْتِيَهم في أنَّهم لِمَ أثْبَتُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ البَناتِ ولِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ قُرَيْشًا وأجْناسَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلَمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ البَناتِ لِلَّهِ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ مِنَ البِنْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ المَخْلُوقُ مِنهُ كَيْفَ يُمْكِنُ إثْباتُهُ لِلْخالِقِ. والثّانِي: إثْباتُ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا الحِسُّ وإمّا الخَبَرُ وإمّا النَّظَرُ، أمّا الحِسُّ: فَمَفْقُودٌ هَهُنا لِأنَّهم ما شَهِدُوا كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ اللَّهِ المَلائِكَةَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ وأمّا الخَبَرُ: فَمَفْقُودٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ إذا عُلِمَ كَوْنُهُ صِدْقًا قَطْعًا، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ كَذّابُونَ أفّاكُونَ، لَمْ يَدُلَّ عَلى صِدْقِهِمْ لا دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وأمّا النَّظَرُ: فَمَفْقُودٌ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يَقْتَضِي فَسادَ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلُ المَوْجُوداتِ، والأكْمَلُ لا يَلِيقُ بِهِ اصْطِفاءُ الأخَسِّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يَعْنِي إسْنادُ الأفْضَلِ إلى الأفْضَلِ أقْرَبُ عِنْدَ العَقْلِ مِن إسْنادِ الأخَسِّ إلى الأفْضَلِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ كانَ قَوْلُكم باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَتْرُكَ الِاسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، بَلْ نُطالِبُهم بِإثْباتِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَضِدُّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى صِحَّتِهِ، لا الحِسُّ ولا الخَبَرُ ولا النَّظَرُ، فَكانَ المَصِيرُ إلَيْهِ باطِلًا قَطْعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طالَبَهم بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ لا يَصِحُّ إلّا بِالدَّلِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها مِن ﴿أاصْطَفى﴾ ثُمَّ بِحَذْفِ ألِفِ الوَصْلِ وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٣٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢١] وكَما أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ كُلَّها اسْتِفْهامٌ فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ”لَكاذِبُونَ اصْطَفى“ مَوْصُولَةً بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وإذا ابْتَدَأ كَسَرَ الهَمْزَةَ عَلى وجْهِ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ اصْطَفى البَناتِ في زَعْمِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أثْبَتُوا نَسَبًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ المَلائِكَةِ حِينَ زَعَمُوا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجِنَّةُ هُمُ المَلائِكَةُ، سُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ عَنِ الأبْصارِ أوْ لِأنَّهم خُزّانُ الجَنَّةِ، وأقُولُ هَذا القَوْلُ عِنْدِي مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى صفحة ١٤٧ أبْطَلَ قَوْلَهُمُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ المَعْطُوفِ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ. الثّانِي: قالَ: مُجاهِدٌ قالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَن أُمَّهاتُهم ؟ قالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ، وهَذا أيْضًا عِنْدِي بَعِيدٌ لِأنَّ المُصاهَرَةَ لا تُسَمّى نَسَبًا. والثّالِثُ: رَوَيْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ وإبْلِيسُ أخَوانِ فاللَّهُ: الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ: هو الأخُ الشِّرِّيرُ الخَسِيسُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ المُرادُ مِنهُ هَذا المَذْهَبُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ أقْرَبُ الأقاوِيلِ. وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وإهْرَمَنَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ مُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ، وقِيلَ المُرادُ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم سَيَحْضُرُونَ في العَذابِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى قائِلِ هَذا القَوْلِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: عائِدٌ إلى الجِنَّةِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوا مِنَ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، يَعْنِي: أنَّهم ناجُونَ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ، ومَعْناهُ ولَكِنَّ المُخْلِصِينَ بُرَآءُ مِن أنْ يَصِفُوهُ بِذَلِكَ، والمُخْلِصُ بِكَسْرِ اللّامِ مَن أخْلَصَ العِبادَةَ والِاعْتِقادَ لِلَّهِ، وبِفَتْحِها مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الصافات 37:164

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَقْدِرُونَ عَلى حَمْلِ أحَدٍ عَلى الضَّلالِ إلّا إذا كانَ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ بِالعَذابِ والوُقُوعِ في النّارِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْهِ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعْناهُ فَإنَّكم ومَعْبُودِيكم ما أنْتُمْ وهم جَمِيعًا بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ إلّا أصْحابَ النّارِ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ كَوْنُهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْنا يَفْتِنُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ كَما تَقُولُ أفْسَدَها عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ: صفحة ١٤٨ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى ”مَعَ“ كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ، فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى ”كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ“، فَكَذَلِكَ جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَتْرُكُونَ عِبادَتَها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ مِثْلُكم. وقَرَأ الحَسَنُ ”صالُ الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وسُقُوطُ واوِهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الجَمْعُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن هُوَ﴾ قُلْنا (مَن) مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَحُمِلَ هو عَلى لَفْظِهِ والصّالُونَ عَلى مَعْناهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِمْ ولا تَأْثِيرَ لِأحْوالِ مَعْبُودِيهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ والضَّلالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَعْنِي إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُقْتَضِيَ لِوُقُوعِ هَذِهِ الحَوادِثِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ لا يُكَفِّرُونَ أحَدًا إلّا مَن ثَبَتَ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكَفُرُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن ضَلَّ بِدُعاءِ الشَّيْطانِ لَمْ يَكُنْ لِيُؤْمِنَ بِاللَّهِ لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الشَّيْطانَ مِن دُعائِهِ، وإلّا كانَ يَمْنَعُ الشَّيْطانَ، فَصَحَّ بِهَذا أنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي لَمْ يَكُنْ لِيَصْلُحَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ. والجَوابُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ. وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ إلّا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِكَلامِهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ هو كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ ”صالِ الجَحِيمِ“، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قَرَّرُوا هَذِهِ الحُجَّةَ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ وهو أنَّهُ «حَجَّ آدَمُ مُوسى»، قالَ القاضِي: هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَقْبَلْهُ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يُلامَ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ آدَمُ لا يُجَوِّزُ لِمُوسى أنْ يَلُومَهُ عَلى عَمَلٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، فَكَذَلِكَ كَلُّ مُذْنِبٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الحُجَّةُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الوَكْزَةِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ؟ ولِماذا قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ؟ ولِماذا لامَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهَ عَلى أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ومِن عَجِيبِ أمْرِهِمْ أنَّهم يُكَفِّرُونَ القَدَرِيَّةَ، وهَذا الحَدِيثُ يُوجِبُ أنَّ آدَمَ كانَ قَدَرِيًّا، فَلَزِمَهم أنْ يُكَفِّرُوهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ قَوْلِ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُوسى بِأنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْهِ، وقَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ ؟ هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: هَبْ أنَّكَ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ الخَبَرَ، فَهَلْ تَرُدُّ هَذِهِ الآيَةَ أمْ لا، فَإنّا بَيَّنّا أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْوَساوِسِ في هَذا البابِ، فَإنَّ الكُلَّ يَحْصُلُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ إنْ ضَلَّ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَضَلالُ الشَّيْطانِ إنْ كانَ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الشَّياطِينِ وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى ضَلالٍ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ أنْ يَحْصُلَ لِنَفْسِهِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ والدِّينُ الصِّدْقُ، فَحُصُولُ ضِدِّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ. الثّالِثُ: أنَّ الأفْعالَ مَوْقُوفَةٌ عَلى الدَّواعِي، وحُصُولُ الدَّواعِي بِخَلْقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا اقْتَضَتْ صفحة ١٤٩ حِكْمَتُهُ شَيْئًا، وعُلِمَ وُقُوعُهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا وانْقِلابُ ذَلِكَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، وأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها القاضِي فَهي مُعارَضَةٌ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والقُرْآنُ كالبَحْرِ المَمْلُوءِ مِن هَذِهِ الآياتِ، فَتَبْقى الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها سَلِيمَةً، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، وصَفُوا أنْفُسَهم بِالمُبالَغَةِ في العُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم يَصْطَفُّونَ لِلصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهم أوْلادُ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُبالَغَتَهم في العُبُودِيَّةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ: فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً لا يَتَجاوَزُها ودَرَجَةً لا يَتَعَدّى عَنْها، وتِلْكَ الدَّرَجاتُ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ وإلى دَرَجاتِهِمْ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، أمّا دَرَجاتُهم في التَّصَرُّفاتِ والأفْعالِ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ والمُرادُ كَوْنُهم صافِّينَ في أداءِ الطّاعاتِ ومَنازِلِ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، وأمّا دَرَجاتُهم في المَعارِفِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ والتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهم هُمُ الصّافُّونَ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ لا غَيْرُهم، وأنَّهم هُمُ المُسَبِّحُونَ لا غَيْرُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعاتِ البَشَرِ ومَعارِفَهم بِالنِّسْبَةِ إلى طاعاتِ المَلائِكَةِ وإلى مَعارِفِهِمْ كالعَدَمِ، حَتّى يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ تَدُلُّ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا الحَصْرِ أنْ يُقالَ البَشَرُ تَقْرُبُ دَرَجَتُهُ مِنَ المَلَكِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقالَ هَلْ هو أفْضَلُ مِنهُ أمْ لا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرَهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَما كَذَّبْنا كَما كَذَّبُوا. ثُمَّ جاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي هو سَيِّدُ الأذْكارِ والكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى كُلِّ الكُتُبِ، وهو القُرْآنُ فَكَفَرُوا بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ هَذا الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الصافات 37:165

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَقْدِرُونَ عَلى حَمْلِ أحَدٍ عَلى الضَّلالِ إلّا إذا كانَ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ بِالعَذابِ والوُقُوعِ في النّارِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْهِ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعْناهُ فَإنَّكم ومَعْبُودِيكم ما أنْتُمْ وهم جَمِيعًا بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ إلّا أصْحابَ النّارِ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ كَوْنُهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْنا يَفْتِنُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ كَما تَقُولُ أفْسَدَها عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ: صفحة ١٤٨ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى ”مَعَ“ كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ، فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى ”كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ“، فَكَذَلِكَ جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَتْرُكُونَ عِبادَتَها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ مِثْلُكم. وقَرَأ الحَسَنُ ”صالُ الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وسُقُوطُ واوِهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الجَمْعُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن هُوَ﴾ قُلْنا (مَن) مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَحُمِلَ هو عَلى لَفْظِهِ والصّالُونَ عَلى مَعْناهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِمْ ولا تَأْثِيرَ لِأحْوالِ مَعْبُودِيهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ والضَّلالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَعْنِي إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُقْتَضِيَ لِوُقُوعِ هَذِهِ الحَوادِثِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ لا يُكَفِّرُونَ أحَدًا إلّا مَن ثَبَتَ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكَفُرُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن ضَلَّ بِدُعاءِ الشَّيْطانِ لَمْ يَكُنْ لِيُؤْمِنَ بِاللَّهِ لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الشَّيْطانَ مِن دُعائِهِ، وإلّا كانَ يَمْنَعُ الشَّيْطانَ، فَصَحَّ بِهَذا أنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي لَمْ يَكُنْ لِيَصْلُحَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ. والجَوابُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ. وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ إلّا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِكَلامِهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ هو كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ ”صالِ الجَحِيمِ“، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قَرَّرُوا هَذِهِ الحُجَّةَ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ وهو أنَّهُ «حَجَّ آدَمُ مُوسى»، قالَ القاضِي: هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَقْبَلْهُ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يُلامَ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ آدَمُ لا يُجَوِّزُ لِمُوسى أنْ يَلُومَهُ عَلى عَمَلٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، فَكَذَلِكَ كَلُّ مُذْنِبٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الحُجَّةُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الوَكْزَةِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ؟ ولِماذا قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ؟ ولِماذا لامَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهَ عَلى أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ومِن عَجِيبِ أمْرِهِمْ أنَّهم يُكَفِّرُونَ القَدَرِيَّةَ، وهَذا الحَدِيثُ يُوجِبُ أنَّ آدَمَ كانَ قَدَرِيًّا، فَلَزِمَهم أنْ يُكَفِّرُوهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ قَوْلِ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُوسى بِأنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْهِ، وقَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ ؟ هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: هَبْ أنَّكَ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ الخَبَرَ، فَهَلْ تَرُدُّ هَذِهِ الآيَةَ أمْ لا، فَإنّا بَيَّنّا أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْوَساوِسِ في هَذا البابِ، فَإنَّ الكُلَّ يَحْصُلُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ إنْ ضَلَّ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَضَلالُ الشَّيْطانِ إنْ كانَ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الشَّياطِينِ وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى ضَلالٍ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ أنْ يَحْصُلَ لِنَفْسِهِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ والدِّينُ الصِّدْقُ، فَحُصُولُ ضِدِّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ. الثّالِثُ: أنَّ الأفْعالَ مَوْقُوفَةٌ عَلى الدَّواعِي، وحُصُولُ الدَّواعِي بِخَلْقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا اقْتَضَتْ صفحة ١٤٩ حِكْمَتُهُ شَيْئًا، وعُلِمَ وُقُوعُهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا وانْقِلابُ ذَلِكَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، وأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها القاضِي فَهي مُعارَضَةٌ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والقُرْآنُ كالبَحْرِ المَمْلُوءِ مِن هَذِهِ الآياتِ، فَتَبْقى الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها سَلِيمَةً، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، وصَفُوا أنْفُسَهم بِالمُبالَغَةِ في العُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم يَصْطَفُّونَ لِلصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهم أوْلادُ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُبالَغَتَهم في العُبُودِيَّةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ: فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً لا يَتَجاوَزُها ودَرَجَةً لا يَتَعَدّى عَنْها، وتِلْكَ الدَّرَجاتُ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ وإلى دَرَجاتِهِمْ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، أمّا دَرَجاتُهم في التَّصَرُّفاتِ والأفْعالِ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ والمُرادُ كَوْنُهم صافِّينَ في أداءِ الطّاعاتِ ومَنازِلِ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، وأمّا دَرَجاتُهم في المَعارِفِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ والتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهم هُمُ الصّافُّونَ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ لا غَيْرُهم، وأنَّهم هُمُ المُسَبِّحُونَ لا غَيْرُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعاتِ البَشَرِ ومَعارِفَهم بِالنِّسْبَةِ إلى طاعاتِ المَلائِكَةِ وإلى مَعارِفِهِمْ كالعَدَمِ، حَتّى يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ تَدُلُّ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا الحَصْرِ أنْ يُقالَ البَشَرُ تَقْرُبُ دَرَجَتُهُ مِنَ المَلَكِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقالَ هَلْ هو أفْضَلُ مِنهُ أمْ لا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرَهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَما كَذَّبْنا كَما كَذَّبُوا. ثُمَّ جاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي هو سَيِّدُ الأذْكارِ والكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى كُلِّ الكُتُبِ، وهو القُرْآنُ فَكَفَرُوا بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ هَذا الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الصافات 37:166

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَقْدِرُونَ عَلى حَمْلِ أحَدٍ عَلى الضَّلالِ إلّا إذا كانَ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ بِالعَذابِ والوُقُوعِ في النّارِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْهِ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعْناهُ فَإنَّكم ومَعْبُودِيكم ما أنْتُمْ وهم جَمِيعًا بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ إلّا أصْحابَ النّارِ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ كَوْنُهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْنا يَفْتِنُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ كَما تَقُولُ أفْسَدَها عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ: صفحة ١٤٨ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى ”مَعَ“ كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ، فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى ”كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ“، فَكَذَلِكَ جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَتْرُكُونَ عِبادَتَها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ مِثْلُكم. وقَرَأ الحَسَنُ ”صالُ الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وسُقُوطُ واوِهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الجَمْعُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن هُوَ﴾ قُلْنا (مَن) مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَحُمِلَ هو عَلى لَفْظِهِ والصّالُونَ عَلى مَعْناهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِمْ ولا تَأْثِيرَ لِأحْوالِ مَعْبُودِيهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ والضَّلالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَعْنِي إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُقْتَضِيَ لِوُقُوعِ هَذِهِ الحَوادِثِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ لا يُكَفِّرُونَ أحَدًا إلّا مَن ثَبَتَ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكَفُرُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن ضَلَّ بِدُعاءِ الشَّيْطانِ لَمْ يَكُنْ لِيُؤْمِنَ بِاللَّهِ لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الشَّيْطانَ مِن دُعائِهِ، وإلّا كانَ يَمْنَعُ الشَّيْطانَ، فَصَحَّ بِهَذا أنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي لَمْ يَكُنْ لِيَصْلُحَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ. والجَوابُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ. وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ إلّا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِكَلامِهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ هو كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ ”صالِ الجَحِيمِ“، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قَرَّرُوا هَذِهِ الحُجَّةَ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ وهو أنَّهُ «حَجَّ آدَمُ مُوسى»، قالَ القاضِي: هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَقْبَلْهُ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يُلامَ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ آدَمُ لا يُجَوِّزُ لِمُوسى أنْ يَلُومَهُ عَلى عَمَلٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، فَكَذَلِكَ كَلُّ مُذْنِبٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الحُجَّةُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الوَكْزَةِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ؟ ولِماذا قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ؟ ولِماذا لامَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهَ عَلى أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ومِن عَجِيبِ أمْرِهِمْ أنَّهم يُكَفِّرُونَ القَدَرِيَّةَ، وهَذا الحَدِيثُ يُوجِبُ أنَّ آدَمَ كانَ قَدَرِيًّا، فَلَزِمَهم أنْ يُكَفِّرُوهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ قَوْلِ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُوسى بِأنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْهِ، وقَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ ؟ هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: هَبْ أنَّكَ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ الخَبَرَ، فَهَلْ تَرُدُّ هَذِهِ الآيَةَ أمْ لا، فَإنّا بَيَّنّا أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْوَساوِسِ في هَذا البابِ، فَإنَّ الكُلَّ يَحْصُلُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ إنْ ضَلَّ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَضَلالُ الشَّيْطانِ إنْ كانَ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الشَّياطِينِ وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى ضَلالٍ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ أنْ يَحْصُلَ لِنَفْسِهِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ والدِّينُ الصِّدْقُ، فَحُصُولُ ضِدِّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ. الثّالِثُ: أنَّ الأفْعالَ مَوْقُوفَةٌ عَلى الدَّواعِي، وحُصُولُ الدَّواعِي بِخَلْقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا اقْتَضَتْ صفحة ١٤٩ حِكْمَتُهُ شَيْئًا، وعُلِمَ وُقُوعُهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا وانْقِلابُ ذَلِكَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، وأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها القاضِي فَهي مُعارَضَةٌ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والقُرْآنُ كالبَحْرِ المَمْلُوءِ مِن هَذِهِ الآياتِ، فَتَبْقى الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها سَلِيمَةً، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، وصَفُوا أنْفُسَهم بِالمُبالَغَةِ في العُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم يَصْطَفُّونَ لِلصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهم أوْلادُ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُبالَغَتَهم في العُبُودِيَّةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ: فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً لا يَتَجاوَزُها ودَرَجَةً لا يَتَعَدّى عَنْها، وتِلْكَ الدَّرَجاتُ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ وإلى دَرَجاتِهِمْ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، أمّا دَرَجاتُهم في التَّصَرُّفاتِ والأفْعالِ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ والمُرادُ كَوْنُهم صافِّينَ في أداءِ الطّاعاتِ ومَنازِلِ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، وأمّا دَرَجاتُهم في المَعارِفِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ والتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهم هُمُ الصّافُّونَ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ لا غَيْرُهم، وأنَّهم هُمُ المُسَبِّحُونَ لا غَيْرُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعاتِ البَشَرِ ومَعارِفَهم بِالنِّسْبَةِ إلى طاعاتِ المَلائِكَةِ وإلى مَعارِفِهِمْ كالعَدَمِ، حَتّى يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ تَدُلُّ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا الحَصْرِ أنْ يُقالَ البَشَرُ تَقْرُبُ دَرَجَتُهُ مِنَ المَلَكِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقالَ هَلْ هو أفْضَلُ مِنهُ أمْ لا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرَهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَما كَذَّبْنا كَما كَذَّبُوا. ثُمَّ جاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي هو سَيِّدُ الأذْكارِ والكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى كُلِّ الكُتُبِ، وهو القُرْآنُ فَكَفَرُوا بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ هَذا الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الصافات 37:167

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَقْدِرُونَ عَلى حَمْلِ أحَدٍ عَلى الضَّلالِ إلّا إذا كانَ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ بِالعَذابِ والوُقُوعِ في النّارِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْهِ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعْناهُ فَإنَّكم ومَعْبُودِيكم ما أنْتُمْ وهم جَمِيعًا بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ إلّا أصْحابَ النّارِ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ كَوْنُهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْنا يَفْتِنُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ كَما تَقُولُ أفْسَدَها عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ: صفحة ١٤٨ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى ”مَعَ“ كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ، فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى ”كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ“، فَكَذَلِكَ جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَتْرُكُونَ عِبادَتَها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ مِثْلُكم. وقَرَأ الحَسَنُ ”صالُ الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وسُقُوطُ واوِهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الجَمْعُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن هُوَ﴾ قُلْنا (مَن) مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَحُمِلَ هو عَلى لَفْظِهِ والصّالُونَ عَلى مَعْناهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِمْ ولا تَأْثِيرَ لِأحْوالِ مَعْبُودِيهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ والضَّلالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَعْنِي إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُقْتَضِيَ لِوُقُوعِ هَذِهِ الحَوادِثِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ لا يُكَفِّرُونَ أحَدًا إلّا مَن ثَبَتَ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكَفُرُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن ضَلَّ بِدُعاءِ الشَّيْطانِ لَمْ يَكُنْ لِيُؤْمِنَ بِاللَّهِ لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الشَّيْطانَ مِن دُعائِهِ، وإلّا كانَ يَمْنَعُ الشَّيْطانَ، فَصَحَّ بِهَذا أنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي لَمْ يَكُنْ لِيَصْلُحَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ. والجَوابُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ. وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ إلّا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِكَلامِهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ هو كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ ”صالِ الجَحِيمِ“، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قَرَّرُوا هَذِهِ الحُجَّةَ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ وهو أنَّهُ «حَجَّ آدَمُ مُوسى»، قالَ القاضِي: هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَقْبَلْهُ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يُلامَ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ آدَمُ لا يُجَوِّزُ لِمُوسى أنْ يَلُومَهُ عَلى عَمَلٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، فَكَذَلِكَ كَلُّ مُذْنِبٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الحُجَّةُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الوَكْزَةِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ؟ ولِماذا قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ؟ ولِماذا لامَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهَ عَلى أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ومِن عَجِيبِ أمْرِهِمْ أنَّهم يُكَفِّرُونَ القَدَرِيَّةَ، وهَذا الحَدِيثُ يُوجِبُ أنَّ آدَمَ كانَ قَدَرِيًّا، فَلَزِمَهم أنْ يُكَفِّرُوهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ قَوْلِ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُوسى بِأنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْهِ، وقَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ ؟ هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: هَبْ أنَّكَ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ الخَبَرَ، فَهَلْ تَرُدُّ هَذِهِ الآيَةَ أمْ لا، فَإنّا بَيَّنّا أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْوَساوِسِ في هَذا البابِ، فَإنَّ الكُلَّ يَحْصُلُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ إنْ ضَلَّ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَضَلالُ الشَّيْطانِ إنْ كانَ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الشَّياطِينِ وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى ضَلالٍ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ أنْ يَحْصُلَ لِنَفْسِهِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ والدِّينُ الصِّدْقُ، فَحُصُولُ ضِدِّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ. الثّالِثُ: أنَّ الأفْعالَ مَوْقُوفَةٌ عَلى الدَّواعِي، وحُصُولُ الدَّواعِي بِخَلْقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا اقْتَضَتْ صفحة ١٤٩ حِكْمَتُهُ شَيْئًا، وعُلِمَ وُقُوعُهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا وانْقِلابُ ذَلِكَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، وأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها القاضِي فَهي مُعارَضَةٌ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والقُرْآنُ كالبَحْرِ المَمْلُوءِ مِن هَذِهِ الآياتِ، فَتَبْقى الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها سَلِيمَةً، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، وصَفُوا أنْفُسَهم بِالمُبالَغَةِ في العُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم يَصْطَفُّونَ لِلصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهم أوْلادُ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُبالَغَتَهم في العُبُودِيَّةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ: فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً لا يَتَجاوَزُها ودَرَجَةً لا يَتَعَدّى عَنْها، وتِلْكَ الدَّرَجاتُ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ وإلى دَرَجاتِهِمْ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، أمّا دَرَجاتُهم في التَّصَرُّفاتِ والأفْعالِ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ والمُرادُ كَوْنُهم صافِّينَ في أداءِ الطّاعاتِ ومَنازِلِ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، وأمّا دَرَجاتُهم في المَعارِفِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ والتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهم هُمُ الصّافُّونَ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ لا غَيْرُهم، وأنَّهم هُمُ المُسَبِّحُونَ لا غَيْرُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعاتِ البَشَرِ ومَعارِفَهم بِالنِّسْبَةِ إلى طاعاتِ المَلائِكَةِ وإلى مَعارِفِهِمْ كالعَدَمِ، حَتّى يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ تَدُلُّ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا الحَصْرِ أنْ يُقالَ البَشَرُ تَقْرُبُ دَرَجَتُهُ مِنَ المَلَكِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقالَ هَلْ هو أفْضَلُ مِنهُ أمْ لا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرَهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَما كَذَّبْنا كَما كَذَّبُوا. ثُمَّ جاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي هو سَيِّدُ الأذْكارِ والكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى كُلِّ الكُتُبِ، وهو القُرْآنُ فَكَفَرُوا بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ هَذا الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الصافات 37:168

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَقْدِرُونَ عَلى حَمْلِ أحَدٍ عَلى الضَّلالِ إلّا إذا كانَ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ بِالعَذابِ والوُقُوعِ في النّارِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْهِ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعْناهُ فَإنَّكم ومَعْبُودِيكم ما أنْتُمْ وهم جَمِيعًا بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ إلّا أصْحابَ النّارِ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ كَوْنُهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْنا يَفْتِنُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ كَما تَقُولُ أفْسَدَها عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ: صفحة ١٤٨ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى ”مَعَ“ كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ، فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى ”كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ“، فَكَذَلِكَ جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَتْرُكُونَ عِبادَتَها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ مِثْلُكم. وقَرَأ الحَسَنُ ”صالُ الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وسُقُوطُ واوِهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الجَمْعُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن هُوَ﴾ قُلْنا (مَن) مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَحُمِلَ هو عَلى لَفْظِهِ والصّالُونَ عَلى مَعْناهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِمْ ولا تَأْثِيرَ لِأحْوالِ مَعْبُودِيهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ والضَّلالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَعْنِي إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُقْتَضِيَ لِوُقُوعِ هَذِهِ الحَوادِثِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ لا يُكَفِّرُونَ أحَدًا إلّا مَن ثَبَتَ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكَفُرُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن ضَلَّ بِدُعاءِ الشَّيْطانِ لَمْ يَكُنْ لِيُؤْمِنَ بِاللَّهِ لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الشَّيْطانَ مِن دُعائِهِ، وإلّا كانَ يَمْنَعُ الشَّيْطانَ، فَصَحَّ بِهَذا أنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي لَمْ يَكُنْ لِيَصْلُحَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ. والجَوابُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ. وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ إلّا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِكَلامِهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ هو كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ ”صالِ الجَحِيمِ“، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قَرَّرُوا هَذِهِ الحُجَّةَ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ وهو أنَّهُ «حَجَّ آدَمُ مُوسى»، قالَ القاضِي: هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَقْبَلْهُ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يُلامَ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ آدَمُ لا يُجَوِّزُ لِمُوسى أنْ يَلُومَهُ عَلى عَمَلٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، فَكَذَلِكَ كَلُّ مُذْنِبٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الحُجَّةُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الوَكْزَةِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ؟ ولِماذا قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ؟ ولِماذا لامَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهَ عَلى أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ومِن عَجِيبِ أمْرِهِمْ أنَّهم يُكَفِّرُونَ القَدَرِيَّةَ، وهَذا الحَدِيثُ يُوجِبُ أنَّ آدَمَ كانَ قَدَرِيًّا، فَلَزِمَهم أنْ يُكَفِّرُوهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ قَوْلِ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُوسى بِأنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْهِ، وقَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ ؟ هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: هَبْ أنَّكَ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ الخَبَرَ، فَهَلْ تَرُدُّ هَذِهِ الآيَةَ أمْ لا، فَإنّا بَيَّنّا أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْوَساوِسِ في هَذا البابِ، فَإنَّ الكُلَّ يَحْصُلُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ إنْ ضَلَّ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَضَلالُ الشَّيْطانِ إنْ كانَ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الشَّياطِينِ وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى ضَلالٍ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ أنْ يَحْصُلَ لِنَفْسِهِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ والدِّينُ الصِّدْقُ، فَحُصُولُ ضِدِّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ. الثّالِثُ: أنَّ الأفْعالَ مَوْقُوفَةٌ عَلى الدَّواعِي، وحُصُولُ الدَّواعِي بِخَلْقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا اقْتَضَتْ صفحة ١٤٩ حِكْمَتُهُ شَيْئًا، وعُلِمَ وُقُوعُهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا وانْقِلابُ ذَلِكَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، وأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها القاضِي فَهي مُعارَضَةٌ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والقُرْآنُ كالبَحْرِ المَمْلُوءِ مِن هَذِهِ الآياتِ، فَتَبْقى الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها سَلِيمَةً، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، وصَفُوا أنْفُسَهم بِالمُبالَغَةِ في العُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم يَصْطَفُّونَ لِلصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهم أوْلادُ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُبالَغَتَهم في العُبُودِيَّةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ: فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً لا يَتَجاوَزُها ودَرَجَةً لا يَتَعَدّى عَنْها، وتِلْكَ الدَّرَجاتُ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ وإلى دَرَجاتِهِمْ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، أمّا دَرَجاتُهم في التَّصَرُّفاتِ والأفْعالِ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ والمُرادُ كَوْنُهم صافِّينَ في أداءِ الطّاعاتِ ومَنازِلِ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، وأمّا دَرَجاتُهم في المَعارِفِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ والتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهم هُمُ الصّافُّونَ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ لا غَيْرُهم، وأنَّهم هُمُ المُسَبِّحُونَ لا غَيْرُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعاتِ البَشَرِ ومَعارِفَهم بِالنِّسْبَةِ إلى طاعاتِ المَلائِكَةِ وإلى مَعارِفِهِمْ كالعَدَمِ، حَتّى يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ تَدُلُّ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا الحَصْرِ أنْ يُقالَ البَشَرُ تَقْرُبُ دَرَجَتُهُ مِنَ المَلَكِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقالَ هَلْ هو أفْضَلُ مِنهُ أمْ لا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرَهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَما كَذَّبْنا كَما كَذَّبُوا. ثُمَّ جاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي هو سَيِّدُ الأذْكارِ والكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى كُلِّ الكُتُبِ، وهو القُرْآنُ فَكَفَرُوا بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ هَذا الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الصافات 37:169

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَقْدِرُونَ عَلى حَمْلِ أحَدٍ عَلى الضَّلالِ إلّا إذا كانَ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ بِالعَذابِ والوُقُوعِ في النّارِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْهِ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعْناهُ فَإنَّكم ومَعْبُودِيكم ما أنْتُمْ وهم جَمِيعًا بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ إلّا أصْحابَ النّارِ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ كَوْنُهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْنا يَفْتِنُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ كَما تَقُولُ أفْسَدَها عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ: صفحة ١٤٨ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى ”مَعَ“ كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ، فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى ”كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ“، فَكَذَلِكَ جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَتْرُكُونَ عِبادَتَها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ مِثْلُكم. وقَرَأ الحَسَنُ ”صالُ الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وسُقُوطُ واوِهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الجَمْعُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن هُوَ﴾ قُلْنا (مَن) مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَحُمِلَ هو عَلى لَفْظِهِ والصّالُونَ عَلى مَعْناهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِمْ ولا تَأْثِيرَ لِأحْوالِ مَعْبُودِيهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ والضَّلالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَعْنِي إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُقْتَضِيَ لِوُقُوعِ هَذِهِ الحَوادِثِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ لا يُكَفِّرُونَ أحَدًا إلّا مَن ثَبَتَ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكَفُرُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن ضَلَّ بِدُعاءِ الشَّيْطانِ لَمْ يَكُنْ لِيُؤْمِنَ بِاللَّهِ لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الشَّيْطانَ مِن دُعائِهِ، وإلّا كانَ يَمْنَعُ الشَّيْطانَ، فَصَحَّ بِهَذا أنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي لَمْ يَكُنْ لِيَصْلُحَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ. والجَوابُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ. وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ إلّا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِكَلامِهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ هو كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ ”صالِ الجَحِيمِ“، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قَرَّرُوا هَذِهِ الحُجَّةَ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ وهو أنَّهُ «حَجَّ آدَمُ مُوسى»، قالَ القاضِي: هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَقْبَلْهُ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يُلامَ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ آدَمُ لا يُجَوِّزُ لِمُوسى أنْ يَلُومَهُ عَلى عَمَلٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، فَكَذَلِكَ كَلُّ مُذْنِبٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الحُجَّةُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الوَكْزَةِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ؟ ولِماذا قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ؟ ولِماذا لامَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهَ عَلى أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ومِن عَجِيبِ أمْرِهِمْ أنَّهم يُكَفِّرُونَ القَدَرِيَّةَ، وهَذا الحَدِيثُ يُوجِبُ أنَّ آدَمَ كانَ قَدَرِيًّا، فَلَزِمَهم أنْ يُكَفِّرُوهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ قَوْلِ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُوسى بِأنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْهِ، وقَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ ؟ هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: هَبْ أنَّكَ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ الخَبَرَ، فَهَلْ تَرُدُّ هَذِهِ الآيَةَ أمْ لا، فَإنّا بَيَّنّا أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْوَساوِسِ في هَذا البابِ، فَإنَّ الكُلَّ يَحْصُلُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ إنْ ضَلَّ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَضَلالُ الشَّيْطانِ إنْ كانَ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الشَّياطِينِ وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى ضَلالٍ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ أنْ يَحْصُلَ لِنَفْسِهِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ والدِّينُ الصِّدْقُ، فَحُصُولُ ضِدِّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ. الثّالِثُ: أنَّ الأفْعالَ مَوْقُوفَةٌ عَلى الدَّواعِي، وحُصُولُ الدَّواعِي بِخَلْقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا اقْتَضَتْ صفحة ١٤٩ حِكْمَتُهُ شَيْئًا، وعُلِمَ وُقُوعُهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا وانْقِلابُ ذَلِكَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، وأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها القاضِي فَهي مُعارَضَةٌ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والقُرْآنُ كالبَحْرِ المَمْلُوءِ مِن هَذِهِ الآياتِ، فَتَبْقى الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها سَلِيمَةً، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، وصَفُوا أنْفُسَهم بِالمُبالَغَةِ في العُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم يَصْطَفُّونَ لِلصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهم أوْلادُ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُبالَغَتَهم في العُبُودِيَّةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ: فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً لا يَتَجاوَزُها ودَرَجَةً لا يَتَعَدّى عَنْها، وتِلْكَ الدَّرَجاتُ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ وإلى دَرَجاتِهِمْ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، أمّا دَرَجاتُهم في التَّصَرُّفاتِ والأفْعالِ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ والمُرادُ كَوْنُهم صافِّينَ في أداءِ الطّاعاتِ ومَنازِلِ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، وأمّا دَرَجاتُهم في المَعارِفِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ والتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهم هُمُ الصّافُّونَ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ لا غَيْرُهم، وأنَّهم هُمُ المُسَبِّحُونَ لا غَيْرُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعاتِ البَشَرِ ومَعارِفَهم بِالنِّسْبَةِ إلى طاعاتِ المَلائِكَةِ وإلى مَعارِفِهِمْ كالعَدَمِ، حَتّى يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ تَدُلُّ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا الحَصْرِ أنْ يُقالَ البَشَرُ تَقْرُبُ دَرَجَتُهُ مِنَ المَلَكِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقالَ هَلْ هو أفْضَلُ مِنهُ أمْ لا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرَهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَما كَذَّبْنا كَما كَذَّبُوا. ثُمَّ جاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي هو سَيِّدُ الأذْكارِ والكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى كُلِّ الكُتُبِ، وهو القُرْآنُ فَكَفَرُوا بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ هَذا الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الصافات 37:170

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَقْدِرُونَ عَلى حَمْلِ أحَدٍ عَلى الضَّلالِ إلّا إذا كانَ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ بِالعَذابِ والوُقُوعِ في النّارِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْهِ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعْناهُ فَإنَّكم ومَعْبُودِيكم ما أنْتُمْ وهم جَمِيعًا بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ إلّا أصْحابَ النّارِ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ كَوْنُهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْنا يَفْتِنُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ كَما تَقُولُ أفْسَدَها عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ: صفحة ١٤٨ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى ”مَعَ“ كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ، فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى ”كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ“، فَكَذَلِكَ جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَتْرُكُونَ عِبادَتَها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ مِثْلُكم. وقَرَأ الحَسَنُ ”صالُ الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وسُقُوطُ واوِهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الجَمْعُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن هُوَ﴾ قُلْنا (مَن) مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَحُمِلَ هو عَلى لَفْظِهِ والصّالُونَ عَلى مَعْناهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِمْ ولا تَأْثِيرَ لِأحْوالِ مَعْبُودِيهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ والضَّلالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَعْنِي إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُقْتَضِيَ لِوُقُوعِ هَذِهِ الحَوادِثِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ لا يُكَفِّرُونَ أحَدًا إلّا مَن ثَبَتَ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكَفُرُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن ضَلَّ بِدُعاءِ الشَّيْطانِ لَمْ يَكُنْ لِيُؤْمِنَ بِاللَّهِ لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الشَّيْطانَ مِن دُعائِهِ، وإلّا كانَ يَمْنَعُ الشَّيْطانَ، فَصَحَّ بِهَذا أنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي لَمْ يَكُنْ لِيَصْلُحَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ. والجَوابُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ. وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ إلّا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِكَلامِهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ هو كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ ”صالِ الجَحِيمِ“، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قَرَّرُوا هَذِهِ الحُجَّةَ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ وهو أنَّهُ «حَجَّ آدَمُ مُوسى»، قالَ القاضِي: هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَقْبَلْهُ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يُلامَ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ آدَمُ لا يُجَوِّزُ لِمُوسى أنْ يَلُومَهُ عَلى عَمَلٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، فَكَذَلِكَ كَلُّ مُذْنِبٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الحُجَّةُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الوَكْزَةِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ؟ ولِماذا قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ؟ ولِماذا لامَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهَ عَلى أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ومِن عَجِيبِ أمْرِهِمْ أنَّهم يُكَفِّرُونَ القَدَرِيَّةَ، وهَذا الحَدِيثُ يُوجِبُ أنَّ آدَمَ كانَ قَدَرِيًّا، فَلَزِمَهم أنْ يُكَفِّرُوهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ قَوْلِ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُوسى بِأنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْهِ، وقَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ ؟ هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: هَبْ أنَّكَ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ الخَبَرَ، فَهَلْ تَرُدُّ هَذِهِ الآيَةَ أمْ لا، فَإنّا بَيَّنّا أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْوَساوِسِ في هَذا البابِ، فَإنَّ الكُلَّ يَحْصُلُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ إنْ ضَلَّ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَضَلالُ الشَّيْطانِ إنْ كانَ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الشَّياطِينِ وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى ضَلالٍ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ أنْ يَحْصُلَ لِنَفْسِهِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ والدِّينُ الصِّدْقُ، فَحُصُولُ ضِدِّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ. الثّالِثُ: أنَّ الأفْعالَ مَوْقُوفَةٌ عَلى الدَّواعِي، وحُصُولُ الدَّواعِي بِخَلْقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا اقْتَضَتْ صفحة ١٤٩ حِكْمَتُهُ شَيْئًا، وعُلِمَ وُقُوعُهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا وانْقِلابُ ذَلِكَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، وأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها القاضِي فَهي مُعارَضَةٌ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والقُرْآنُ كالبَحْرِ المَمْلُوءِ مِن هَذِهِ الآياتِ، فَتَبْقى الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها سَلِيمَةً، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، وصَفُوا أنْفُسَهم بِالمُبالَغَةِ في العُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم يَصْطَفُّونَ لِلصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهم أوْلادُ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُبالَغَتَهم في العُبُودِيَّةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ: فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً لا يَتَجاوَزُها ودَرَجَةً لا يَتَعَدّى عَنْها، وتِلْكَ الدَّرَجاتُ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ وإلى دَرَجاتِهِمْ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، أمّا دَرَجاتُهم في التَّصَرُّفاتِ والأفْعالِ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ والمُرادُ كَوْنُهم صافِّينَ في أداءِ الطّاعاتِ ومَنازِلِ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، وأمّا دَرَجاتُهم في المَعارِفِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ والتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهم هُمُ الصّافُّونَ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ لا غَيْرُهم، وأنَّهم هُمُ المُسَبِّحُونَ لا غَيْرُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعاتِ البَشَرِ ومَعارِفَهم بِالنِّسْبَةِ إلى طاعاتِ المَلائِكَةِ وإلى مَعارِفِهِمْ كالعَدَمِ، حَتّى يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ تَدُلُّ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا الحَصْرِ أنْ يُقالَ البَشَرُ تَقْرُبُ دَرَجَتُهُ مِنَ المَلَكِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقالَ هَلْ هو أفْضَلُ مِنهُ أمْ لا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرَهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَما كَذَّبْنا كَما كَذَّبُوا. ثُمَّ جاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي هو سَيِّدُ الأذْكارِ والكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى كُلِّ الكُتُبِ، وهو القُرْآنُ فَكَفَرُوا بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ هَذا الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الصافات 37:171

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَقْدِرُونَ عَلى حَمْلِ أحَدٍ عَلى الضَّلالِ إلّا إذا كانَ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ بِالعَذابِ والوُقُوعِ في النّارِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْهِ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعْناهُ فَإنَّكم ومَعْبُودِيكم ما أنْتُمْ وهم جَمِيعًا بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ إلّا أصْحابَ النّارِ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ كَوْنُهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْنا يَفْتِنُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ كَما تَقُولُ أفْسَدَها عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ: صفحة ١٤٨ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى ”مَعَ“ كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ، فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى ”كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ“، فَكَذَلِكَ جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَتْرُكُونَ عِبادَتَها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ مِثْلُكم. وقَرَأ الحَسَنُ ”صالُ الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وسُقُوطُ واوِهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الجَمْعُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن هُوَ﴾ قُلْنا (مَن) مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَحُمِلَ هو عَلى لَفْظِهِ والصّالُونَ عَلى مَعْناهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِمْ ولا تَأْثِيرَ لِأحْوالِ مَعْبُودِيهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ والضَّلالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَعْنِي إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُقْتَضِيَ لِوُقُوعِ هَذِهِ الحَوادِثِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ لا يُكَفِّرُونَ أحَدًا إلّا مَن ثَبَتَ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكَفُرُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن ضَلَّ بِدُعاءِ الشَّيْطانِ لَمْ يَكُنْ لِيُؤْمِنَ بِاللَّهِ لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الشَّيْطانَ مِن دُعائِهِ، وإلّا كانَ يَمْنَعُ الشَّيْطانَ، فَصَحَّ بِهَذا أنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي لَمْ يَكُنْ لِيَصْلُحَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ. والجَوابُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ. وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ إلّا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِكَلامِهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ هو كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ ”صالِ الجَحِيمِ“، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قَرَّرُوا هَذِهِ الحُجَّةَ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ وهو أنَّهُ «حَجَّ آدَمُ مُوسى»، قالَ القاضِي: هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَقْبَلْهُ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يُلامَ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ آدَمُ لا يُجَوِّزُ لِمُوسى أنْ يَلُومَهُ عَلى عَمَلٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، فَكَذَلِكَ كَلُّ مُذْنِبٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الحُجَّةُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الوَكْزَةِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ؟ ولِماذا قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ؟ ولِماذا لامَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهَ عَلى أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ومِن عَجِيبِ أمْرِهِمْ أنَّهم يُكَفِّرُونَ القَدَرِيَّةَ، وهَذا الحَدِيثُ يُوجِبُ أنَّ آدَمَ كانَ قَدَرِيًّا، فَلَزِمَهم أنْ يُكَفِّرُوهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ قَوْلِ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُوسى بِأنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْهِ، وقَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ ؟ هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: هَبْ أنَّكَ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ الخَبَرَ، فَهَلْ تَرُدُّ هَذِهِ الآيَةَ أمْ لا، فَإنّا بَيَّنّا أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْوَساوِسِ في هَذا البابِ، فَإنَّ الكُلَّ يَحْصُلُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ إنْ ضَلَّ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَضَلالُ الشَّيْطانِ إنْ كانَ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الشَّياطِينِ وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى ضَلالٍ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ أنْ يَحْصُلَ لِنَفْسِهِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ والدِّينُ الصِّدْقُ، فَحُصُولُ ضِدِّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ. الثّالِثُ: أنَّ الأفْعالَ مَوْقُوفَةٌ عَلى الدَّواعِي، وحُصُولُ الدَّواعِي بِخَلْقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا اقْتَضَتْ صفحة ١٤٩ حِكْمَتُهُ شَيْئًا، وعُلِمَ وُقُوعُهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا وانْقِلابُ ذَلِكَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، وأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها القاضِي فَهي مُعارَضَةٌ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والقُرْآنُ كالبَحْرِ المَمْلُوءِ مِن هَذِهِ الآياتِ، فَتَبْقى الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها سَلِيمَةً، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، وصَفُوا أنْفُسَهم بِالمُبالَغَةِ في العُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم يَصْطَفُّونَ لِلصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهم أوْلادُ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُبالَغَتَهم في العُبُودِيَّةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ: فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً لا يَتَجاوَزُها ودَرَجَةً لا يَتَعَدّى عَنْها، وتِلْكَ الدَّرَجاتُ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ وإلى دَرَجاتِهِمْ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، أمّا دَرَجاتُهم في التَّصَرُّفاتِ والأفْعالِ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ والمُرادُ كَوْنُهم صافِّينَ في أداءِ الطّاعاتِ ومَنازِلِ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، وأمّا دَرَجاتُهم في المَعارِفِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ والتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهم هُمُ الصّافُّونَ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ لا غَيْرُهم، وأنَّهم هُمُ المُسَبِّحُونَ لا غَيْرُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعاتِ البَشَرِ ومَعارِفَهم بِالنِّسْبَةِ إلى طاعاتِ المَلائِكَةِ وإلى مَعارِفِهِمْ كالعَدَمِ، حَتّى يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ تَدُلُّ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا الحَصْرِ أنْ يُقالَ البَشَرُ تَقْرُبُ دَرَجَتُهُ مِنَ المَلَكِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقالَ هَلْ هو أفْضَلُ مِنهُ أمْ لا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرَهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَما كَذَّبْنا كَما كَذَّبُوا. ثُمَّ جاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي هو سَيِّدُ الأذْكارِ والكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى كُلِّ الكُتُبِ، وهو القُرْآنُ فَكَفَرُوا بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ هَذا الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الصافات 37:172

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَقْدِرُونَ عَلى حَمْلِ أحَدٍ عَلى الضَّلالِ إلّا إذا كانَ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ بِالعَذابِ والوُقُوعِ في النّارِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْهِ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعْناهُ فَإنَّكم ومَعْبُودِيكم ما أنْتُمْ وهم جَمِيعًا بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ إلّا أصْحابَ النّارِ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ كَوْنُهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْنا يَفْتِنُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ كَما تَقُولُ أفْسَدَها عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ: صفحة ١٤٨ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى ”مَعَ“ كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ، فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى ”كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ“، فَكَذَلِكَ جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَتْرُكُونَ عِبادَتَها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ مِثْلُكم. وقَرَأ الحَسَنُ ”صالُ الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وسُقُوطُ واوِهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الجَمْعُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن هُوَ﴾ قُلْنا (مَن) مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَحُمِلَ هو عَلى لَفْظِهِ والصّالُونَ عَلى مَعْناهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِمْ ولا تَأْثِيرَ لِأحْوالِ مَعْبُودِيهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ والضَّلالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَعْنِي إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُقْتَضِيَ لِوُقُوعِ هَذِهِ الحَوادِثِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ لا يُكَفِّرُونَ أحَدًا إلّا مَن ثَبَتَ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكَفُرُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن ضَلَّ بِدُعاءِ الشَّيْطانِ لَمْ يَكُنْ لِيُؤْمِنَ بِاللَّهِ لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الشَّيْطانَ مِن دُعائِهِ، وإلّا كانَ يَمْنَعُ الشَّيْطانَ، فَصَحَّ بِهَذا أنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي لَمْ يَكُنْ لِيَصْلُحَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ. والجَوابُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ. وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ إلّا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِكَلامِهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ هو كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ ”صالِ الجَحِيمِ“، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قَرَّرُوا هَذِهِ الحُجَّةَ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ وهو أنَّهُ «حَجَّ آدَمُ مُوسى»، قالَ القاضِي: هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَقْبَلْهُ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يُلامَ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ آدَمُ لا يُجَوِّزُ لِمُوسى أنْ يَلُومَهُ عَلى عَمَلٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، فَكَذَلِكَ كَلُّ مُذْنِبٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الحُجَّةُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الوَكْزَةِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ؟ ولِماذا قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ؟ ولِماذا لامَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهَ عَلى أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ومِن عَجِيبِ أمْرِهِمْ أنَّهم يُكَفِّرُونَ القَدَرِيَّةَ، وهَذا الحَدِيثُ يُوجِبُ أنَّ آدَمَ كانَ قَدَرِيًّا، فَلَزِمَهم أنْ يُكَفِّرُوهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ قَوْلِ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُوسى بِأنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْهِ، وقَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ ؟ هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: هَبْ أنَّكَ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ الخَبَرَ، فَهَلْ تَرُدُّ هَذِهِ الآيَةَ أمْ لا، فَإنّا بَيَّنّا أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْوَساوِسِ في هَذا البابِ، فَإنَّ الكُلَّ يَحْصُلُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ إنْ ضَلَّ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَضَلالُ الشَّيْطانِ إنْ كانَ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الشَّياطِينِ وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى ضَلالٍ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ أنْ يَحْصُلَ لِنَفْسِهِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ والدِّينُ الصِّدْقُ، فَحُصُولُ ضِدِّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ. الثّالِثُ: أنَّ الأفْعالَ مَوْقُوفَةٌ عَلى الدَّواعِي، وحُصُولُ الدَّواعِي بِخَلْقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا اقْتَضَتْ صفحة ١٤٩ حِكْمَتُهُ شَيْئًا، وعُلِمَ وُقُوعُهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا وانْقِلابُ ذَلِكَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، وأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها القاضِي فَهي مُعارَضَةٌ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والقُرْآنُ كالبَحْرِ المَمْلُوءِ مِن هَذِهِ الآياتِ، فَتَبْقى الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها سَلِيمَةً، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، وصَفُوا أنْفُسَهم بِالمُبالَغَةِ في العُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم يَصْطَفُّونَ لِلصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهم أوْلادُ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُبالَغَتَهم في العُبُودِيَّةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ: فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً لا يَتَجاوَزُها ودَرَجَةً لا يَتَعَدّى عَنْها، وتِلْكَ الدَّرَجاتُ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ وإلى دَرَجاتِهِمْ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، أمّا دَرَجاتُهم في التَّصَرُّفاتِ والأفْعالِ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ والمُرادُ كَوْنُهم صافِّينَ في أداءِ الطّاعاتِ ومَنازِلِ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، وأمّا دَرَجاتُهم في المَعارِفِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ والتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهم هُمُ الصّافُّونَ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ لا غَيْرُهم، وأنَّهم هُمُ المُسَبِّحُونَ لا غَيْرُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعاتِ البَشَرِ ومَعارِفَهم بِالنِّسْبَةِ إلى طاعاتِ المَلائِكَةِ وإلى مَعارِفِهِمْ كالعَدَمِ، حَتّى يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ تَدُلُّ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا الحَصْرِ أنْ يُقالَ البَشَرُ تَقْرُبُ دَرَجَتُهُ مِنَ المَلَكِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقالَ هَلْ هو أفْضَلُ مِنهُ أمْ لا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرَهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَما كَذَّبْنا كَما كَذَّبُوا. ثُمَّ جاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي هو سَيِّدُ الأذْكارِ والكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى كُلِّ الكُتُبِ، وهو القُرْآنُ فَكَفَرُوا بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ هَذا الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

الصافات 37:173

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . صفحة ١٥٠ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، أرْدَفَهُ بِما يُقَوِّي قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ بِنُصْرَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، وأيْضًا أنَّ الخَيْرَ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ والشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ أقْوى مِمّا بِالعَرَضِ، وأمّا النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدُّولَةِ والِاسْتِيلاءِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدَّوامِ والثَّباتِ، فالمُؤْمِنُ وإنْ صارَ مَغْلُوبًا في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ضَعْفِ أحْوالِ الدُّنْيا فَهو الغالِبُ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: فَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ الأنْبِياءِ وقَدْ هُزِمَ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ وقَدْ أخْبَرَهُ بِما تَقَدَّمَ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ والمُرادُ تَرْكُ مُقاتَلَتِهِمْ والثِّقَةُ بِما وعَدْناهم إلى حِينِ يَتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ تَحُلُّ بِهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقِيلَ: المُرادُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ والمَعْنى فَأبْصِرْهم وما يُقْضى عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَكَ مَعَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ في الدُّنْيا والثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المُشاهَدِ بِأبْصارِهِمْ عَلى الحالِ المُنْتَظَرَةِ المَوْعُودَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ واقِعَةٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ كَيْنُونَتَها قَرِيبَةٌ كَأنَّها قُدّامُ ناظِرَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُهَدِّدُهم بِالعَذابِ، وما رَأوْا شَيْئًا فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ جَهْلٌ، لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَكانَ طَلَبُ حُدُوثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ جَهْلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: في صِفَةِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ وإنَّما وقَعَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ المَعانِي كَأنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى العادَةِ في وقْتِ الصَّباحِ، فَجُعِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيما تَقَدَّمَ أحْوالُ الدُّنْيا، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أحْوالُ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ زائِلٌ، وقِيلَ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِخاتِمَةٍ شَرِيفَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ المَطالِبِ العالِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ لِلْعاقِلِ مَعْرِفَةُ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ. فَأوَّلُها: مَعْرِفَةُ إلَهِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأقْصى ما يُمْكِنُ عِرْفانُهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُهُ وتَقْدِيسُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وهو لَفْظَةُ سُبْحانَ. وثانِيها: وصْفُهُ بِكُلِّ ما يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، والرَّحْمَةُ والعِزَّةُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ. وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنَزَّهًا في الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿العِزَّةِ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وإذا كانَ الكُلُّ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كَلِمَةٌ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أقْصى الدَّرَجاتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ في مَعْرِفَةِ إلَهِ العالَمِ. والمُهِمُّ الثّانِي مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُعامِلَ نَفْسَهُ ويُعامِلَ الخَلْقَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ناقِصُونِ ولا بُدَّ لَهم مِن مُكَمِّلٍ يُكَمِّلُهم، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُهم، وهادٍ يَهْدِيهِمْ، وما ذَلِكَ إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَدِيهَةُ الفِطْرَةِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى النّاقِصِ الِاقْتِداءُ بِالكامِلِ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم في الكَمالِ اللّائِقِ بِالبَشَرِ فاقُوا صفحة ١٥١ غَيْرَهم، ولا جَرَمَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سِواهُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ. والمُهِمُّ الثّالِثُ مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ. واعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحالَةِ قَبْلَ المَوْتِ صَعْبَةٌ، فالِاعْتِمادُ فِيها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ رَحِيمٌ، والغَنِيُّ الرَّحِيمُ لا يُعَذِّبُ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإنْعامِ العَظِيمِ، فَبَيَّنَ بِهَذا كَوْنَهُ مُنْعِمًا، وظاهِرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، ومِن هَذا وصْفُهُ كانَ الغالِبُ مِنهُ هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والكَرَمُ، فَكانَ هَذا الحَرْفُ مُنَبِّهًا عَلى سَلامَةِ الحالِ بَعْدَ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ كالصَّدَفَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلى دُرَرٍ أشْرَفَ مِن دَرارِي الكَواكِبِ، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

الصافات 37:174

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . صفحة ١٥٠ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، أرْدَفَهُ بِما يُقَوِّي قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ بِنُصْرَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، وأيْضًا أنَّ الخَيْرَ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ والشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ أقْوى مِمّا بِالعَرَضِ، وأمّا النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدُّولَةِ والِاسْتِيلاءِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدَّوامِ والثَّباتِ، فالمُؤْمِنُ وإنْ صارَ مَغْلُوبًا في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ضَعْفِ أحْوالِ الدُّنْيا فَهو الغالِبُ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: فَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ الأنْبِياءِ وقَدْ هُزِمَ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ وقَدْ أخْبَرَهُ بِما تَقَدَّمَ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ والمُرادُ تَرْكُ مُقاتَلَتِهِمْ والثِّقَةُ بِما وعَدْناهم إلى حِينِ يَتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ تَحُلُّ بِهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقِيلَ: المُرادُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ والمَعْنى فَأبْصِرْهم وما يُقْضى عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَكَ مَعَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ في الدُّنْيا والثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المُشاهَدِ بِأبْصارِهِمْ عَلى الحالِ المُنْتَظَرَةِ المَوْعُودَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ واقِعَةٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ كَيْنُونَتَها قَرِيبَةٌ كَأنَّها قُدّامُ ناظِرَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُهَدِّدُهم بِالعَذابِ، وما رَأوْا شَيْئًا فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ جَهْلٌ، لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَكانَ طَلَبُ حُدُوثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ جَهْلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: في صِفَةِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ وإنَّما وقَعَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ المَعانِي كَأنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى العادَةِ في وقْتِ الصَّباحِ، فَجُعِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيما تَقَدَّمَ أحْوالُ الدُّنْيا، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أحْوالُ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ زائِلٌ، وقِيلَ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِخاتِمَةٍ شَرِيفَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ المَطالِبِ العالِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ لِلْعاقِلِ مَعْرِفَةُ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ. فَأوَّلُها: مَعْرِفَةُ إلَهِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأقْصى ما يُمْكِنُ عِرْفانُهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُهُ وتَقْدِيسُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وهو لَفْظَةُ سُبْحانَ. وثانِيها: وصْفُهُ بِكُلِّ ما يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، والرَّحْمَةُ والعِزَّةُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ. وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنَزَّهًا في الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿العِزَّةِ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وإذا كانَ الكُلُّ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كَلِمَةٌ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أقْصى الدَّرَجاتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ في مَعْرِفَةِ إلَهِ العالَمِ. والمُهِمُّ الثّانِي مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُعامِلَ نَفْسَهُ ويُعامِلَ الخَلْقَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ناقِصُونِ ولا بُدَّ لَهم مِن مُكَمِّلٍ يُكَمِّلُهم، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُهم، وهادٍ يَهْدِيهِمْ، وما ذَلِكَ إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَدِيهَةُ الفِطْرَةِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى النّاقِصِ الِاقْتِداءُ بِالكامِلِ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم في الكَمالِ اللّائِقِ بِالبَشَرِ فاقُوا صفحة ١٥١ غَيْرَهم، ولا جَرَمَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سِواهُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ. والمُهِمُّ الثّالِثُ مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ. واعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحالَةِ قَبْلَ المَوْتِ صَعْبَةٌ، فالِاعْتِمادُ فِيها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ رَحِيمٌ، والغَنِيُّ الرَّحِيمُ لا يُعَذِّبُ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإنْعامِ العَظِيمِ، فَبَيَّنَ بِهَذا كَوْنَهُ مُنْعِمًا، وظاهِرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، ومِن هَذا وصْفُهُ كانَ الغالِبُ مِنهُ هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والكَرَمُ، فَكانَ هَذا الحَرْفُ مُنَبِّهًا عَلى سَلامَةِ الحالِ بَعْدَ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ كالصَّدَفَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلى دُرَرٍ أشْرَفَ مِن دَرارِي الكَواكِبِ، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

الصافات 37:175

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . صفحة ١٥٠ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، أرْدَفَهُ بِما يُقَوِّي قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ بِنُصْرَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، وأيْضًا أنَّ الخَيْرَ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ والشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ أقْوى مِمّا بِالعَرَضِ، وأمّا النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدُّولَةِ والِاسْتِيلاءِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدَّوامِ والثَّباتِ، فالمُؤْمِنُ وإنْ صارَ مَغْلُوبًا في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ضَعْفِ أحْوالِ الدُّنْيا فَهو الغالِبُ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: فَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ الأنْبِياءِ وقَدْ هُزِمَ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ وقَدْ أخْبَرَهُ بِما تَقَدَّمَ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ والمُرادُ تَرْكُ مُقاتَلَتِهِمْ والثِّقَةُ بِما وعَدْناهم إلى حِينِ يَتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ تَحُلُّ بِهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقِيلَ: المُرادُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ والمَعْنى فَأبْصِرْهم وما يُقْضى عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَكَ مَعَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ في الدُّنْيا والثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المُشاهَدِ بِأبْصارِهِمْ عَلى الحالِ المُنْتَظَرَةِ المَوْعُودَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ واقِعَةٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ كَيْنُونَتَها قَرِيبَةٌ كَأنَّها قُدّامُ ناظِرَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُهَدِّدُهم بِالعَذابِ، وما رَأوْا شَيْئًا فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ جَهْلٌ، لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَكانَ طَلَبُ حُدُوثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ جَهْلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: في صِفَةِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ وإنَّما وقَعَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ المَعانِي كَأنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى العادَةِ في وقْتِ الصَّباحِ، فَجُعِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيما تَقَدَّمَ أحْوالُ الدُّنْيا، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أحْوالُ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ زائِلٌ، وقِيلَ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِخاتِمَةٍ شَرِيفَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ المَطالِبِ العالِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ لِلْعاقِلِ مَعْرِفَةُ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ. فَأوَّلُها: مَعْرِفَةُ إلَهِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأقْصى ما يُمْكِنُ عِرْفانُهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُهُ وتَقْدِيسُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وهو لَفْظَةُ سُبْحانَ. وثانِيها: وصْفُهُ بِكُلِّ ما يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، والرَّحْمَةُ والعِزَّةُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ. وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنَزَّهًا في الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿العِزَّةِ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وإذا كانَ الكُلُّ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كَلِمَةٌ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أقْصى الدَّرَجاتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ في مَعْرِفَةِ إلَهِ العالَمِ. والمُهِمُّ الثّانِي مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُعامِلَ نَفْسَهُ ويُعامِلَ الخَلْقَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ناقِصُونِ ولا بُدَّ لَهم مِن مُكَمِّلٍ يُكَمِّلُهم، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُهم، وهادٍ يَهْدِيهِمْ، وما ذَلِكَ إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَدِيهَةُ الفِطْرَةِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى النّاقِصِ الِاقْتِداءُ بِالكامِلِ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم في الكَمالِ اللّائِقِ بِالبَشَرِ فاقُوا صفحة ١٥١ غَيْرَهم، ولا جَرَمَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سِواهُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ. والمُهِمُّ الثّالِثُ مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ. واعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحالَةِ قَبْلَ المَوْتِ صَعْبَةٌ، فالِاعْتِمادُ فِيها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ رَحِيمٌ، والغَنِيُّ الرَّحِيمُ لا يُعَذِّبُ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإنْعامِ العَظِيمِ، فَبَيَّنَ بِهَذا كَوْنَهُ مُنْعِمًا، وظاهِرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، ومِن هَذا وصْفُهُ كانَ الغالِبُ مِنهُ هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والكَرَمُ، فَكانَ هَذا الحَرْفُ مُنَبِّهًا عَلى سَلامَةِ الحالِ بَعْدَ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ كالصَّدَفَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلى دُرَرٍ أشْرَفَ مِن دَرارِي الكَواكِبِ، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

الصافات 37:176

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . صفحة ١٥٠ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، أرْدَفَهُ بِما يُقَوِّي قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ بِنُصْرَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، وأيْضًا أنَّ الخَيْرَ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ والشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ أقْوى مِمّا بِالعَرَضِ، وأمّا النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدُّولَةِ والِاسْتِيلاءِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدَّوامِ والثَّباتِ، فالمُؤْمِنُ وإنْ صارَ مَغْلُوبًا في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ضَعْفِ أحْوالِ الدُّنْيا فَهو الغالِبُ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: فَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ الأنْبِياءِ وقَدْ هُزِمَ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ وقَدْ أخْبَرَهُ بِما تَقَدَّمَ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ والمُرادُ تَرْكُ مُقاتَلَتِهِمْ والثِّقَةُ بِما وعَدْناهم إلى حِينِ يَتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ تَحُلُّ بِهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقِيلَ: المُرادُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ والمَعْنى فَأبْصِرْهم وما يُقْضى عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَكَ مَعَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ في الدُّنْيا والثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المُشاهَدِ بِأبْصارِهِمْ عَلى الحالِ المُنْتَظَرَةِ المَوْعُودَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ واقِعَةٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ كَيْنُونَتَها قَرِيبَةٌ كَأنَّها قُدّامُ ناظِرَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُهَدِّدُهم بِالعَذابِ، وما رَأوْا شَيْئًا فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ جَهْلٌ، لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَكانَ طَلَبُ حُدُوثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ جَهْلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: في صِفَةِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ وإنَّما وقَعَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ المَعانِي كَأنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى العادَةِ في وقْتِ الصَّباحِ، فَجُعِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيما تَقَدَّمَ أحْوالُ الدُّنْيا، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أحْوالُ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ زائِلٌ، وقِيلَ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِخاتِمَةٍ شَرِيفَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ المَطالِبِ العالِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ لِلْعاقِلِ مَعْرِفَةُ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ. فَأوَّلُها: مَعْرِفَةُ إلَهِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأقْصى ما يُمْكِنُ عِرْفانُهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُهُ وتَقْدِيسُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وهو لَفْظَةُ سُبْحانَ. وثانِيها: وصْفُهُ بِكُلِّ ما يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، والرَّحْمَةُ والعِزَّةُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ. وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنَزَّهًا في الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿العِزَّةِ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وإذا كانَ الكُلُّ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كَلِمَةٌ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أقْصى الدَّرَجاتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ في مَعْرِفَةِ إلَهِ العالَمِ. والمُهِمُّ الثّانِي مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُعامِلَ نَفْسَهُ ويُعامِلَ الخَلْقَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ناقِصُونِ ولا بُدَّ لَهم مِن مُكَمِّلٍ يُكَمِّلُهم، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُهم، وهادٍ يَهْدِيهِمْ، وما ذَلِكَ إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَدِيهَةُ الفِطْرَةِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى النّاقِصِ الِاقْتِداءُ بِالكامِلِ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم في الكَمالِ اللّائِقِ بِالبَشَرِ فاقُوا صفحة ١٥١ غَيْرَهم، ولا جَرَمَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سِواهُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ. والمُهِمُّ الثّالِثُ مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ. واعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحالَةِ قَبْلَ المَوْتِ صَعْبَةٌ، فالِاعْتِمادُ فِيها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ رَحِيمٌ، والغَنِيُّ الرَّحِيمُ لا يُعَذِّبُ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإنْعامِ العَظِيمِ، فَبَيَّنَ بِهَذا كَوْنَهُ مُنْعِمًا، وظاهِرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، ومِن هَذا وصْفُهُ كانَ الغالِبُ مِنهُ هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والكَرَمُ، فَكانَ هَذا الحَرْفُ مُنَبِّهًا عَلى سَلامَةِ الحالِ بَعْدَ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ كالصَّدَفَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلى دُرَرٍ أشْرَفَ مِن دَرارِي الكَواكِبِ، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

الصافات 37:177

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . صفحة ١٥٠ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، أرْدَفَهُ بِما يُقَوِّي قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ بِنُصْرَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، وأيْضًا أنَّ الخَيْرَ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ والشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ أقْوى مِمّا بِالعَرَضِ، وأمّا النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدُّولَةِ والِاسْتِيلاءِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدَّوامِ والثَّباتِ، فالمُؤْمِنُ وإنْ صارَ مَغْلُوبًا في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ضَعْفِ أحْوالِ الدُّنْيا فَهو الغالِبُ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: فَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ الأنْبِياءِ وقَدْ هُزِمَ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ وقَدْ أخْبَرَهُ بِما تَقَدَّمَ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ والمُرادُ تَرْكُ مُقاتَلَتِهِمْ والثِّقَةُ بِما وعَدْناهم إلى حِينِ يَتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ تَحُلُّ بِهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقِيلَ: المُرادُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ والمَعْنى فَأبْصِرْهم وما يُقْضى عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَكَ مَعَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ في الدُّنْيا والثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المُشاهَدِ بِأبْصارِهِمْ عَلى الحالِ المُنْتَظَرَةِ المَوْعُودَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ واقِعَةٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ كَيْنُونَتَها قَرِيبَةٌ كَأنَّها قُدّامُ ناظِرَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُهَدِّدُهم بِالعَذابِ، وما رَأوْا شَيْئًا فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ جَهْلٌ، لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَكانَ طَلَبُ حُدُوثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ جَهْلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: في صِفَةِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ وإنَّما وقَعَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ المَعانِي كَأنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى العادَةِ في وقْتِ الصَّباحِ، فَجُعِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيما تَقَدَّمَ أحْوالُ الدُّنْيا، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أحْوالُ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ زائِلٌ، وقِيلَ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِخاتِمَةٍ شَرِيفَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ المَطالِبِ العالِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ لِلْعاقِلِ مَعْرِفَةُ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ. فَأوَّلُها: مَعْرِفَةُ إلَهِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأقْصى ما يُمْكِنُ عِرْفانُهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُهُ وتَقْدِيسُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وهو لَفْظَةُ سُبْحانَ. وثانِيها: وصْفُهُ بِكُلِّ ما يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، والرَّحْمَةُ والعِزَّةُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ. وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنَزَّهًا في الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿العِزَّةِ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وإذا كانَ الكُلُّ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كَلِمَةٌ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أقْصى الدَّرَجاتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ في مَعْرِفَةِ إلَهِ العالَمِ. والمُهِمُّ الثّانِي مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُعامِلَ نَفْسَهُ ويُعامِلَ الخَلْقَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ناقِصُونِ ولا بُدَّ لَهم مِن مُكَمِّلٍ يُكَمِّلُهم، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُهم، وهادٍ يَهْدِيهِمْ، وما ذَلِكَ إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَدِيهَةُ الفِطْرَةِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى النّاقِصِ الِاقْتِداءُ بِالكامِلِ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم في الكَمالِ اللّائِقِ بِالبَشَرِ فاقُوا صفحة ١٥١ غَيْرَهم، ولا جَرَمَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سِواهُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ. والمُهِمُّ الثّالِثُ مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ. واعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحالَةِ قَبْلَ المَوْتِ صَعْبَةٌ، فالِاعْتِمادُ فِيها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ رَحِيمٌ، والغَنِيُّ الرَّحِيمُ لا يُعَذِّبُ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإنْعامِ العَظِيمِ، فَبَيَّنَ بِهَذا كَوْنَهُ مُنْعِمًا، وظاهِرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، ومِن هَذا وصْفُهُ كانَ الغالِبُ مِنهُ هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والكَرَمُ، فَكانَ هَذا الحَرْفُ مُنَبِّهًا عَلى سَلامَةِ الحالِ بَعْدَ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ كالصَّدَفَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلى دُرَرٍ أشْرَفَ مِن دَرارِي الكَواكِبِ، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

الصافات 37:178

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . صفحة ١٥٠ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، أرْدَفَهُ بِما يُقَوِّي قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ بِنُصْرَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، وأيْضًا أنَّ الخَيْرَ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ والشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ أقْوى مِمّا بِالعَرَضِ، وأمّا النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدُّولَةِ والِاسْتِيلاءِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدَّوامِ والثَّباتِ، فالمُؤْمِنُ وإنْ صارَ مَغْلُوبًا في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ضَعْفِ أحْوالِ الدُّنْيا فَهو الغالِبُ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: فَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ الأنْبِياءِ وقَدْ هُزِمَ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ وقَدْ أخْبَرَهُ بِما تَقَدَّمَ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ والمُرادُ تَرْكُ مُقاتَلَتِهِمْ والثِّقَةُ بِما وعَدْناهم إلى حِينِ يَتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ تَحُلُّ بِهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقِيلَ: المُرادُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ والمَعْنى فَأبْصِرْهم وما يُقْضى عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَكَ مَعَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ في الدُّنْيا والثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المُشاهَدِ بِأبْصارِهِمْ عَلى الحالِ المُنْتَظَرَةِ المَوْعُودَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ واقِعَةٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ كَيْنُونَتَها قَرِيبَةٌ كَأنَّها قُدّامُ ناظِرَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُهَدِّدُهم بِالعَذابِ، وما رَأوْا شَيْئًا فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ جَهْلٌ، لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَكانَ طَلَبُ حُدُوثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ جَهْلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: في صِفَةِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ وإنَّما وقَعَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ المَعانِي كَأنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى العادَةِ في وقْتِ الصَّباحِ، فَجُعِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيما تَقَدَّمَ أحْوالُ الدُّنْيا، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أحْوالُ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ زائِلٌ، وقِيلَ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِخاتِمَةٍ شَرِيفَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ المَطالِبِ العالِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ لِلْعاقِلِ مَعْرِفَةُ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ. فَأوَّلُها: مَعْرِفَةُ إلَهِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأقْصى ما يُمْكِنُ عِرْفانُهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُهُ وتَقْدِيسُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وهو لَفْظَةُ سُبْحانَ. وثانِيها: وصْفُهُ بِكُلِّ ما يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، والرَّحْمَةُ والعِزَّةُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ. وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنَزَّهًا في الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿العِزَّةِ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وإذا كانَ الكُلُّ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كَلِمَةٌ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أقْصى الدَّرَجاتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ في مَعْرِفَةِ إلَهِ العالَمِ. والمُهِمُّ الثّانِي مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُعامِلَ نَفْسَهُ ويُعامِلَ الخَلْقَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ناقِصُونِ ولا بُدَّ لَهم مِن مُكَمِّلٍ يُكَمِّلُهم، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُهم، وهادٍ يَهْدِيهِمْ، وما ذَلِكَ إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَدِيهَةُ الفِطْرَةِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى النّاقِصِ الِاقْتِداءُ بِالكامِلِ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم في الكَمالِ اللّائِقِ بِالبَشَرِ فاقُوا صفحة ١٥١ غَيْرَهم، ولا جَرَمَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سِواهُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ. والمُهِمُّ الثّالِثُ مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ. واعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحالَةِ قَبْلَ المَوْتِ صَعْبَةٌ، فالِاعْتِمادُ فِيها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ رَحِيمٌ، والغَنِيُّ الرَّحِيمُ لا يُعَذِّبُ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإنْعامِ العَظِيمِ، فَبَيَّنَ بِهَذا كَوْنَهُ مُنْعِمًا، وظاهِرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، ومِن هَذا وصْفُهُ كانَ الغالِبُ مِنهُ هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والكَرَمُ، فَكانَ هَذا الحَرْفُ مُنَبِّهًا عَلى سَلامَةِ الحالِ بَعْدَ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ كالصَّدَفَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلى دُرَرٍ أشْرَفَ مِن دَرارِي الكَواكِبِ، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

الصافات 37:179

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . صفحة ١٥٠ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، أرْدَفَهُ بِما يُقَوِّي قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ بِنُصْرَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، وأيْضًا أنَّ الخَيْرَ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ والشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ أقْوى مِمّا بِالعَرَضِ، وأمّا النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدُّولَةِ والِاسْتِيلاءِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدَّوامِ والثَّباتِ، فالمُؤْمِنُ وإنْ صارَ مَغْلُوبًا في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ضَعْفِ أحْوالِ الدُّنْيا فَهو الغالِبُ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: فَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ الأنْبِياءِ وقَدْ هُزِمَ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ وقَدْ أخْبَرَهُ بِما تَقَدَّمَ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ والمُرادُ تَرْكُ مُقاتَلَتِهِمْ والثِّقَةُ بِما وعَدْناهم إلى حِينِ يَتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ تَحُلُّ بِهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقِيلَ: المُرادُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ والمَعْنى فَأبْصِرْهم وما يُقْضى عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَكَ مَعَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ في الدُّنْيا والثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المُشاهَدِ بِأبْصارِهِمْ عَلى الحالِ المُنْتَظَرَةِ المَوْعُودَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ واقِعَةٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ كَيْنُونَتَها قَرِيبَةٌ كَأنَّها قُدّامُ ناظِرَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُهَدِّدُهم بِالعَذابِ، وما رَأوْا شَيْئًا فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ جَهْلٌ، لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَكانَ طَلَبُ حُدُوثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ جَهْلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: في صِفَةِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ وإنَّما وقَعَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ المَعانِي كَأنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى العادَةِ في وقْتِ الصَّباحِ، فَجُعِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيما تَقَدَّمَ أحْوالُ الدُّنْيا، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أحْوالُ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ زائِلٌ، وقِيلَ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِخاتِمَةٍ شَرِيفَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ المَطالِبِ العالِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ لِلْعاقِلِ مَعْرِفَةُ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ. فَأوَّلُها: مَعْرِفَةُ إلَهِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأقْصى ما يُمْكِنُ عِرْفانُهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُهُ وتَقْدِيسُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وهو لَفْظَةُ سُبْحانَ. وثانِيها: وصْفُهُ بِكُلِّ ما يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، والرَّحْمَةُ والعِزَّةُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ. وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنَزَّهًا في الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿العِزَّةِ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وإذا كانَ الكُلُّ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كَلِمَةٌ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أقْصى الدَّرَجاتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ في مَعْرِفَةِ إلَهِ العالَمِ. والمُهِمُّ الثّانِي مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُعامِلَ نَفْسَهُ ويُعامِلَ الخَلْقَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ناقِصُونِ ولا بُدَّ لَهم مِن مُكَمِّلٍ يُكَمِّلُهم، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُهم، وهادٍ يَهْدِيهِمْ، وما ذَلِكَ إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَدِيهَةُ الفِطْرَةِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى النّاقِصِ الِاقْتِداءُ بِالكامِلِ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم في الكَمالِ اللّائِقِ بِالبَشَرِ فاقُوا صفحة ١٥١ غَيْرَهم، ولا جَرَمَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سِواهُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ. والمُهِمُّ الثّالِثُ مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ. واعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحالَةِ قَبْلَ المَوْتِ صَعْبَةٌ، فالِاعْتِمادُ فِيها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ رَحِيمٌ، والغَنِيُّ الرَّحِيمُ لا يُعَذِّبُ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإنْعامِ العَظِيمِ، فَبَيَّنَ بِهَذا كَوْنَهُ مُنْعِمًا، وظاهِرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، ومِن هَذا وصْفُهُ كانَ الغالِبُ مِنهُ هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والكَرَمُ، فَكانَ هَذا الحَرْفُ مُنَبِّهًا عَلى سَلامَةِ الحالِ بَعْدَ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ كالصَّدَفَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلى دُرَرٍ أشْرَفَ مِن دَرارِي الكَواكِبِ، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

الصافات 37:180

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . صفحة ١٥٠ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، أرْدَفَهُ بِما يُقَوِّي قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ بِنُصْرَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، وأيْضًا أنَّ الخَيْرَ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ والشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ أقْوى مِمّا بِالعَرَضِ، وأمّا النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدُّولَةِ والِاسْتِيلاءِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدَّوامِ والثَّباتِ، فالمُؤْمِنُ وإنْ صارَ مَغْلُوبًا في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ضَعْفِ أحْوالِ الدُّنْيا فَهو الغالِبُ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: فَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ الأنْبِياءِ وقَدْ هُزِمَ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ وقَدْ أخْبَرَهُ بِما تَقَدَّمَ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ والمُرادُ تَرْكُ مُقاتَلَتِهِمْ والثِّقَةُ بِما وعَدْناهم إلى حِينِ يَتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ تَحُلُّ بِهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقِيلَ: المُرادُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ والمَعْنى فَأبْصِرْهم وما يُقْضى عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَكَ مَعَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ في الدُّنْيا والثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المُشاهَدِ بِأبْصارِهِمْ عَلى الحالِ المُنْتَظَرَةِ المَوْعُودَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ واقِعَةٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ كَيْنُونَتَها قَرِيبَةٌ كَأنَّها قُدّامُ ناظِرَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُهَدِّدُهم بِالعَذابِ، وما رَأوْا شَيْئًا فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ جَهْلٌ، لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَكانَ طَلَبُ حُدُوثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ جَهْلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: في صِفَةِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ وإنَّما وقَعَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ المَعانِي كَأنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى العادَةِ في وقْتِ الصَّباحِ، فَجُعِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيما تَقَدَّمَ أحْوالُ الدُّنْيا، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أحْوالُ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ زائِلٌ، وقِيلَ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِخاتِمَةٍ شَرِيفَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ المَطالِبِ العالِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ لِلْعاقِلِ مَعْرِفَةُ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ. فَأوَّلُها: مَعْرِفَةُ إلَهِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأقْصى ما يُمْكِنُ عِرْفانُهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُهُ وتَقْدِيسُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وهو لَفْظَةُ سُبْحانَ. وثانِيها: وصْفُهُ بِكُلِّ ما يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، والرَّحْمَةُ والعِزَّةُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ. وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنَزَّهًا في الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿العِزَّةِ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وإذا كانَ الكُلُّ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كَلِمَةٌ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أقْصى الدَّرَجاتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ في مَعْرِفَةِ إلَهِ العالَمِ. والمُهِمُّ الثّانِي مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُعامِلَ نَفْسَهُ ويُعامِلَ الخَلْقَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ناقِصُونِ ولا بُدَّ لَهم مِن مُكَمِّلٍ يُكَمِّلُهم، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُهم، وهادٍ يَهْدِيهِمْ، وما ذَلِكَ إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَدِيهَةُ الفِطْرَةِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى النّاقِصِ الِاقْتِداءُ بِالكامِلِ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم في الكَمالِ اللّائِقِ بِالبَشَرِ فاقُوا صفحة ١٥١ غَيْرَهم، ولا جَرَمَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سِواهُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ. والمُهِمُّ الثّالِثُ مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ. واعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحالَةِ قَبْلَ المَوْتِ صَعْبَةٌ، فالِاعْتِمادُ فِيها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ رَحِيمٌ، والغَنِيُّ الرَّحِيمُ لا يُعَذِّبُ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإنْعامِ العَظِيمِ، فَبَيَّنَ بِهَذا كَوْنَهُ مُنْعِمًا، وظاهِرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، ومِن هَذا وصْفُهُ كانَ الغالِبُ مِنهُ هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والكَرَمُ، فَكانَ هَذا الحَرْفُ مُنَبِّهًا عَلى سَلامَةِ الحالِ بَعْدَ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ كالصَّدَفَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلى دُرَرٍ أشْرَفَ مِن دَرارِي الكَواكِبِ، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

الصافات 37:181

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . صفحة ١٥٠ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، أرْدَفَهُ بِما يُقَوِّي قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ بِنُصْرَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، وأيْضًا أنَّ الخَيْرَ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ والشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ أقْوى مِمّا بِالعَرَضِ، وأمّا النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدُّولَةِ والِاسْتِيلاءِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدَّوامِ والثَّباتِ، فالمُؤْمِنُ وإنْ صارَ مَغْلُوبًا في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ضَعْفِ أحْوالِ الدُّنْيا فَهو الغالِبُ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: فَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ الأنْبِياءِ وقَدْ هُزِمَ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ وقَدْ أخْبَرَهُ بِما تَقَدَّمَ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ والمُرادُ تَرْكُ مُقاتَلَتِهِمْ والثِّقَةُ بِما وعَدْناهم إلى حِينِ يَتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ تَحُلُّ بِهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقِيلَ: المُرادُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ والمَعْنى فَأبْصِرْهم وما يُقْضى عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَكَ مَعَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ في الدُّنْيا والثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المُشاهَدِ بِأبْصارِهِمْ عَلى الحالِ المُنْتَظَرَةِ المَوْعُودَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ واقِعَةٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ كَيْنُونَتَها قَرِيبَةٌ كَأنَّها قُدّامُ ناظِرَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُهَدِّدُهم بِالعَذابِ، وما رَأوْا شَيْئًا فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ جَهْلٌ، لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَكانَ طَلَبُ حُدُوثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ جَهْلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: في صِفَةِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ وإنَّما وقَعَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ المَعانِي كَأنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى العادَةِ في وقْتِ الصَّباحِ، فَجُعِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيما تَقَدَّمَ أحْوالُ الدُّنْيا، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أحْوالُ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ زائِلٌ، وقِيلَ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِخاتِمَةٍ شَرِيفَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ المَطالِبِ العالِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ لِلْعاقِلِ مَعْرِفَةُ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ. فَأوَّلُها: مَعْرِفَةُ إلَهِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأقْصى ما يُمْكِنُ عِرْفانُهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُهُ وتَقْدِيسُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وهو لَفْظَةُ سُبْحانَ. وثانِيها: وصْفُهُ بِكُلِّ ما يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، والرَّحْمَةُ والعِزَّةُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ. وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنَزَّهًا في الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿العِزَّةِ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وإذا كانَ الكُلُّ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كَلِمَةٌ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أقْصى الدَّرَجاتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ في مَعْرِفَةِ إلَهِ العالَمِ. والمُهِمُّ الثّانِي مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُعامِلَ نَفْسَهُ ويُعامِلَ الخَلْقَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ناقِصُونِ ولا بُدَّ لَهم مِن مُكَمِّلٍ يُكَمِّلُهم، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُهم، وهادٍ يَهْدِيهِمْ، وما ذَلِكَ إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَدِيهَةُ الفِطْرَةِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى النّاقِصِ الِاقْتِداءُ بِالكامِلِ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم في الكَمالِ اللّائِقِ بِالبَشَرِ فاقُوا صفحة ١٥١ غَيْرَهم، ولا جَرَمَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سِواهُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ. والمُهِمُّ الثّالِثُ مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ. واعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحالَةِ قَبْلَ المَوْتِ صَعْبَةٌ، فالِاعْتِمادُ فِيها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ رَحِيمٌ، والغَنِيُّ الرَّحِيمُ لا يُعَذِّبُ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإنْعامِ العَظِيمِ، فَبَيَّنَ بِهَذا كَوْنَهُ مُنْعِمًا، وظاهِرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، ومِن هَذا وصْفُهُ كانَ الغالِبُ مِنهُ هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والكَرَمُ، فَكانَ هَذا الحَرْفُ مُنَبِّهًا عَلى سَلامَةِ الحالِ بَعْدَ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ كالصَّدَفَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلى دُرَرٍ أشْرَفَ مِن دَرارِي الكَواكِبِ، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

الصافات 37:182

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . صفحة ١٥٠ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، أرْدَفَهُ بِما يُقَوِّي قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ بِنُصْرَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، وأيْضًا أنَّ الخَيْرَ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ والشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ أقْوى مِمّا بِالعَرَضِ، وأمّا النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدُّولَةِ والِاسْتِيلاءِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدَّوامِ والثَّباتِ، فالمُؤْمِنُ وإنْ صارَ مَغْلُوبًا في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ضَعْفِ أحْوالِ الدُّنْيا فَهو الغالِبُ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: فَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ الأنْبِياءِ وقَدْ هُزِمَ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ وقَدْ أخْبَرَهُ بِما تَقَدَّمَ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ والمُرادُ تَرْكُ مُقاتَلَتِهِمْ والثِّقَةُ بِما وعَدْناهم إلى حِينِ يَتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ تَحُلُّ بِهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقِيلَ: المُرادُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ والمَعْنى فَأبْصِرْهم وما يُقْضى عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَكَ مَعَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ في الدُّنْيا والثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المُشاهَدِ بِأبْصارِهِمْ عَلى الحالِ المُنْتَظَرَةِ المَوْعُودَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ واقِعَةٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ كَيْنُونَتَها قَرِيبَةٌ كَأنَّها قُدّامُ ناظِرَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُهَدِّدُهم بِالعَذابِ، وما رَأوْا شَيْئًا فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ جَهْلٌ، لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَكانَ طَلَبُ حُدُوثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ جَهْلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: في صِفَةِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ وإنَّما وقَعَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ المَعانِي كَأنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى العادَةِ في وقْتِ الصَّباحِ، فَجُعِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيما تَقَدَّمَ أحْوالُ الدُّنْيا، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أحْوالُ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ زائِلٌ، وقِيلَ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِخاتِمَةٍ شَرِيفَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ المَطالِبِ العالِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ لِلْعاقِلِ مَعْرِفَةُ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ. فَأوَّلُها: مَعْرِفَةُ إلَهِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأقْصى ما يُمْكِنُ عِرْفانُهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُهُ وتَقْدِيسُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وهو لَفْظَةُ سُبْحانَ. وثانِيها: وصْفُهُ بِكُلِّ ما يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، والرَّحْمَةُ والعِزَّةُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ. وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنَزَّهًا في الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿العِزَّةِ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وإذا كانَ الكُلُّ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كَلِمَةٌ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أقْصى الدَّرَجاتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ في مَعْرِفَةِ إلَهِ العالَمِ. والمُهِمُّ الثّانِي مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُعامِلَ نَفْسَهُ ويُعامِلَ الخَلْقَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ناقِصُونِ ولا بُدَّ لَهم مِن مُكَمِّلٍ يُكَمِّلُهم، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُهم، وهادٍ يَهْدِيهِمْ، وما ذَلِكَ إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَدِيهَةُ الفِطْرَةِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى النّاقِصِ الِاقْتِداءُ بِالكامِلِ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم في الكَمالِ اللّائِقِ بِالبَشَرِ فاقُوا صفحة ١٥١ غَيْرَهم، ولا جَرَمَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سِواهُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ. والمُهِمُّ الثّالِثُ مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ. واعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحالَةِ قَبْلَ المَوْتِ صَعْبَةٌ، فالِاعْتِمادُ فِيها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ رَحِيمٌ، والغَنِيُّ الرَّحِيمُ لا يُعَذِّبُ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإنْعامِ العَظِيمِ، فَبَيَّنَ بِهَذا كَوْنَهُ مُنْعِمًا، وظاهِرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، ومِن هَذا وصْفُهُ كانَ الغالِبُ مِنهُ هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والكَرَمُ، فَكانَ هَذا الحَرْفُ مُنَبِّهًا عَلى سَلامَةِ الحالِ بَعْدَ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ كالصَّدَفَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلى دُرَرٍ أشْرَفَ مِن دَرارِي الكَواكِبِ، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

ص 38:1

صفحة ١٥٢ [ سُورَةُ ص ] ثَمانُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ ﷽ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الكَلامُ المُسْتَقْصى في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ بَعْضِ الوُجُوهِ: فالأوَّلُ: أنَّهُ مِفْتاحُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي أوَّلُها صادٌ، كَقَوْلِنا صادِقُ الوَعْدِ، صانِعُ المَصْنُوعاتِ، صَمَدٌ. والثّانِي: مَعْناهُ صَدَقَ مُحَمَّدٌ في كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ. الثّالِثُ: مَعْناهُ صَدَّ الكُفّارُ عَنْ قَبُولِ هَذا الدِّينِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٧] . الرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّ القُرْآنَ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ وأنْتُمْ قادِرُونَ عَلَيْها ولَسْتُمْ قادِرِينَ عَلى مُعارَضَةِ القُرْآنِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ ”صادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ مِنَ المُصادَّةِ وهي المُعارَضَةُ، ومِنها الصَّدى وهو ما يُعارِضُ صَوْتَكَ في الأماكِنِ الخالِيَةِ مِنَ الأجْسامِ الصُّلْبَةِ، ومَعْناهُ عارِضِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ فاعْمَلْ بِأوامِرِهِ وانْتَهِ عَنْ نَواهِيهِ. السّادِسُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ، والتَّقْدِيرُ هَذِهِ صادٌ، فَإنْ قِيلَ هَهُنا إشْكالانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قَسَمٌ وأيْنَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ ؟ والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”بَلْ“ تَقْتَضِي رَفْعَ حُكْمٍ ثَبَتَ قَبْلَها، وإثْباتَ حُكْمٍ بَعْدَها يُناقِضُ الحُكْمَ السّابِقَ، فَأيْنَ هَذا المَعْنى هَهُنا ؟ والجَوابُ: عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى صادٍ بِمَعْنى صَدَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيَكُونُ صادٌ هو المُقْسَمَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هو القَسَمَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ سُورَةُ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إنَّهُ لَكَلامٌ مُعْجِزٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿ص﴾ تَنْبِيهٌ عَلى التَّحَدِّي. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ صادٌ اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، ولَمّا كانَ المَشْهُورُ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ يَدَّعِي في هَذِهِ السُّورَةِ كَوْنَها مُعْجِزَةً، كانَ قَوْلُهُ هَذِهِ ﴿ص﴾ جارِيًا مَجْرى صفحة ١٥٣ قَوْلِهِ: هَذِهِ السُّورَةُ المُعْجِزَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ هَذا حاتِمٌ واللَّهِ، أيْ هَذا هو المَشْهُورُ بِالسَّخاءِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ قَبْلَ كَلِمَةِ ﴿بَلِ﴾، أمّا ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُ كَوْنَ مُحَمَّدٍ صادِقًا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أوْ كَوْنَ القُرْآنِ أوْ هَذِهِ السُّورَةِ مُعْجِزَةً والحُكْمُ المَذْكُورُ بَعْدَ كَلِمَةِ ﴿بَلِ﴾ هَهُنا هو المُنازَعَةُ والمُشاقَّةُ في كَوْنِهِ كَذَلِكَ، فَحَصَلَ المَطْلُوبُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ ”صادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ صادٍ ونُونٍ وبِحَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ وإيصالِ فِعْلِهِ، كَقَوْلِهِمُ اللَّهِ لِأفْعَلَنَّ، وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الجَزْمِ لِأنَّ الأسْماءَ العارِيَةَ عَنِ العَوامِلِ تُذْكَرُ مَوْقُوفَةَ الأواخِرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: المُرادُ ذِي الشَّرَفِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠] ومَجازُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ ذِكْرٌ في النّاسِ، كَما يَقُولُونَ لَهُ صِيتٌ. الثّانِي: ذِي البَيانَيْنِ أيْ فِيهِ قِصَصُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وفِيهِ بَيانُ العُلُومِ الأصْلِيَّةِ والفَرْعِيَّةِ، ومَجازُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والذِّكْرُ مُحْدَثٌ. بَيانُ الأوَّلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤]، ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠]، ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] . وبَيانُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢] وقَوْلُهُ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥] . والجَوابُ: أنّا نَصْرِفُ دَلِيلَكم إلى الحُرُوفِ والأصْواتِ وهي مُحْدَثَةٌ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فالمُرادُ مِنهُ الكُفّارُ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يَجُوزُ عَلى مِثْلِهِمُ الإجْماعُ عَلى الحَسَدِ والكِبْرِ عَنِ الِانْقِيادِ إلى الحَقِّ، والعِزَّةُ هَهُنا التَّعْظِيمُ وما يَعْتَقِدُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِن مُتابَعَةِ الغَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٦] والشِّقاقُ هو إظْهارُ المُخالَفَةِ عَلى جِهَةِ المُساواةِ لِلْمُخالَفِ، أوْ عَلى جِهَةِ الفَضِيلَةِ عَلَيْهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ، كَأنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنْ أنْ يَلْزَمَهُ الِانْقِيادُ لَهُ، بَلْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ في شِقٍّ وخَصْمَهُ في شِقٍّ، فَيُرِيدُ أنْ يَكُونَ في شِقَّةِ نَفْسِهِ، ولا يُجْرى عَلَيْهِ حُكْمُ خَصْمِهِ، ومِثْلُهُ المُعاداةُ وهو أنْ يَكُونَ أحَدُهُما في عُدْوَةٍ والآخَرُ في عُدْوَةٍ، وهي جانِبُ الوادِي، وكَذَلِكَ المُحادَّةُ أنْ يَكُونَ هَذا في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ، ويُقالُ انْحَرَفَ فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، وجانَبَ فُلانٌ فُلانًا أيْ صارَ مِنهُ عَلى حَرْفٍ، وفي جانِبٍ غَيْرِ جانِبِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعِزَّةِ والشِّقاقِ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ والمَعْنى أنَّهم نادَوْا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ولَمْ يَذْكُرْ بِأيِّ شَيْءٍ نادَوْا، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهم نادَوْا بِالِاسْتِغاثَةِ لِأنَّ نِداءَ مَن نَزَلَ بِهِ العَذابُ لَيْسَ إلّا بِالِاسْتِغاثَةِ. الثّانِي: نادَوْا بِالإيمانِ والتَّوْبَةِ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ. الثّالِثُ: نادَوْا أيْ رَفَعُوا أصْواتَهم، يُقالُ فُلانٌ أنْدى صَوْتًا مِن فُلانٍ أيْ أرْفَعُ صَوْتًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ يَعْنِي ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ فِرارٍ مِنَ العَذابِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا﴾ [غافِرٍ: ٨٤] وقالَ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٤] والجُؤارُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّضَرُّعِ والِاسْتِغاثَةِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ﴾ صفحة ١٥٤ ﴿يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافِرٍ: ٨٥] بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في تَحْقِيقِ الكَلامِ في لَفْظِ ﴿ولاتَ﴾ زَعَمَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ أنَّ ”لاتَ“ هي لا المُشَبَّهَةُ بِلَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها تاءُ التَّأْنِيثِ كَما زِيدَتْ عَلى رُبَّ وثَمَّ لِلتَّأْكِيدِ، وبِسَبَبِ هَذِهِ الزِّيادَةِ حَدَثَتْ لَها أحْكامٌ جَدِيدَةٌ، مِنها أنَّها لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الأحْيانِ، ومِنها أنْ لا يَبْرُزَ إلّا أحَدُ جُزْأيْها، إمّا الِاسْمُ وإمّا الخَبَرُ، ويَمْتَنِعُ بُرُوزُهُما جَمِيعًا، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّها لا النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ، وخُصَّتْ بِنَفْيِ الأحْيانِ و﴿حِينَ مَناصٍ﴾ مَنصُوبٌ بِها كَأنَّكَ قُلْتَ: ولاتَ حِينَ مَناصٍ لَهم، ويَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ أيْ ولاتَ حِينَ مَناصٍ كائِنٌ لَهم. البَحْثُ الثّانِي: الجُمْهُورُ يَقِفُونَ عَلى التّاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولاتَ﴾ والكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْها بِالهاءِ كَما يَقِفُ عَلى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وأمّا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: التّاءُ داخِلَةٌ عَلى الحِينِ فَلا وجْهَ لَهُ، واسْتِشْهادُهُ بِأنَّ التّاءَ مُلْتَزِقَةٌ بِحِينَ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَضَعِيفٌ، فَكَمْ وقَعَتْ في المُصْحَفِ أشْياءُ خارِجَةٌ عَنْ قِياسِ الخَطِّ. البَحْثُ الثّالِثُ: المَناصُ المَنجا والغَوْثُ، يُقالُ ناصَهُ يَنُوصُهُ إذا أغاثَهُ، واسْتَناصَ طَلَبَ المَناصَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:2

صفحة ١٥٢ [ سُورَةُ ص ] ثَمانُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ ﷽ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الكَلامُ المُسْتَقْصى في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ بَعْضِ الوُجُوهِ: فالأوَّلُ: أنَّهُ مِفْتاحُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي أوَّلُها صادٌ، كَقَوْلِنا صادِقُ الوَعْدِ، صانِعُ المَصْنُوعاتِ، صَمَدٌ. والثّانِي: مَعْناهُ صَدَقَ مُحَمَّدٌ في كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ. الثّالِثُ: مَعْناهُ صَدَّ الكُفّارُ عَنْ قَبُولِ هَذا الدِّينِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٧] . الرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّ القُرْآنَ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ وأنْتُمْ قادِرُونَ عَلَيْها ولَسْتُمْ قادِرِينَ عَلى مُعارَضَةِ القُرْآنِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ ”صادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ مِنَ المُصادَّةِ وهي المُعارَضَةُ، ومِنها الصَّدى وهو ما يُعارِضُ صَوْتَكَ في الأماكِنِ الخالِيَةِ مِنَ الأجْسامِ الصُّلْبَةِ، ومَعْناهُ عارِضِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ فاعْمَلْ بِأوامِرِهِ وانْتَهِ عَنْ نَواهِيهِ. السّادِسُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ، والتَّقْدِيرُ هَذِهِ صادٌ، فَإنْ قِيلَ هَهُنا إشْكالانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قَسَمٌ وأيْنَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ ؟ والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”بَلْ“ تَقْتَضِي رَفْعَ حُكْمٍ ثَبَتَ قَبْلَها، وإثْباتَ حُكْمٍ بَعْدَها يُناقِضُ الحُكْمَ السّابِقَ، فَأيْنَ هَذا المَعْنى هَهُنا ؟ والجَوابُ: عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى صادٍ بِمَعْنى صَدَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيَكُونُ صادٌ هو المُقْسَمَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هو القَسَمَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ سُورَةُ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إنَّهُ لَكَلامٌ مُعْجِزٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿ص﴾ تَنْبِيهٌ عَلى التَّحَدِّي. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ صادٌ اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، ولَمّا كانَ المَشْهُورُ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ يَدَّعِي في هَذِهِ السُّورَةِ كَوْنَها مُعْجِزَةً، كانَ قَوْلُهُ هَذِهِ ﴿ص﴾ جارِيًا مَجْرى صفحة ١٥٣ قَوْلِهِ: هَذِهِ السُّورَةُ المُعْجِزَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ هَذا حاتِمٌ واللَّهِ، أيْ هَذا هو المَشْهُورُ بِالسَّخاءِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ قَبْلَ كَلِمَةِ ﴿بَلِ﴾، أمّا ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُ كَوْنَ مُحَمَّدٍ صادِقًا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أوْ كَوْنَ القُرْآنِ أوْ هَذِهِ السُّورَةِ مُعْجِزَةً والحُكْمُ المَذْكُورُ بَعْدَ كَلِمَةِ ﴿بَلِ﴾ هَهُنا هو المُنازَعَةُ والمُشاقَّةُ في كَوْنِهِ كَذَلِكَ، فَحَصَلَ المَطْلُوبُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ ”صادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ صادٍ ونُونٍ وبِحَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ وإيصالِ فِعْلِهِ، كَقَوْلِهِمُ اللَّهِ لِأفْعَلَنَّ، وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الجَزْمِ لِأنَّ الأسْماءَ العارِيَةَ عَنِ العَوامِلِ تُذْكَرُ مَوْقُوفَةَ الأواخِرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: المُرادُ ذِي الشَّرَفِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠] ومَجازُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ ذِكْرٌ في النّاسِ، كَما يَقُولُونَ لَهُ صِيتٌ. الثّانِي: ذِي البَيانَيْنِ أيْ فِيهِ قِصَصُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وفِيهِ بَيانُ العُلُومِ الأصْلِيَّةِ والفَرْعِيَّةِ، ومَجازُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والذِّكْرُ مُحْدَثٌ. بَيانُ الأوَّلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤]، ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠]، ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] . وبَيانُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢] وقَوْلُهُ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥] . والجَوابُ: أنّا نَصْرِفُ دَلِيلَكم إلى الحُرُوفِ والأصْواتِ وهي مُحْدَثَةٌ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فالمُرادُ مِنهُ الكُفّارُ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يَجُوزُ عَلى مِثْلِهِمُ الإجْماعُ عَلى الحَسَدِ والكِبْرِ عَنِ الِانْقِيادِ إلى الحَقِّ، والعِزَّةُ هَهُنا التَّعْظِيمُ وما يَعْتَقِدُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِن مُتابَعَةِ الغَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٦] والشِّقاقُ هو إظْهارُ المُخالَفَةِ عَلى جِهَةِ المُساواةِ لِلْمُخالَفِ، أوْ عَلى جِهَةِ الفَضِيلَةِ عَلَيْهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ، كَأنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنْ أنْ يَلْزَمَهُ الِانْقِيادُ لَهُ، بَلْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ في شِقٍّ وخَصْمَهُ في شِقٍّ، فَيُرِيدُ أنْ يَكُونَ في شِقَّةِ نَفْسِهِ، ولا يُجْرى عَلَيْهِ حُكْمُ خَصْمِهِ، ومِثْلُهُ المُعاداةُ وهو أنْ يَكُونَ أحَدُهُما في عُدْوَةٍ والآخَرُ في عُدْوَةٍ، وهي جانِبُ الوادِي، وكَذَلِكَ المُحادَّةُ أنْ يَكُونَ هَذا في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ، ويُقالُ انْحَرَفَ فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، وجانَبَ فُلانٌ فُلانًا أيْ صارَ مِنهُ عَلى حَرْفٍ، وفي جانِبٍ غَيْرِ جانِبِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعِزَّةِ والشِّقاقِ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ والمَعْنى أنَّهم نادَوْا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ولَمْ يَذْكُرْ بِأيِّ شَيْءٍ نادَوْا، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهم نادَوْا بِالِاسْتِغاثَةِ لِأنَّ نِداءَ مَن نَزَلَ بِهِ العَذابُ لَيْسَ إلّا بِالِاسْتِغاثَةِ. الثّانِي: نادَوْا بِالإيمانِ والتَّوْبَةِ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ. الثّالِثُ: نادَوْا أيْ رَفَعُوا أصْواتَهم، يُقالُ فُلانٌ أنْدى صَوْتًا مِن فُلانٍ أيْ أرْفَعُ صَوْتًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ يَعْنِي ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ فِرارٍ مِنَ العَذابِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا﴾ [غافِرٍ: ٨٤] وقالَ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٤] والجُؤارُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّضَرُّعِ والِاسْتِغاثَةِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ﴾ صفحة ١٥٤ ﴿يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافِرٍ: ٨٥] بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في تَحْقِيقِ الكَلامِ في لَفْظِ ﴿ولاتَ﴾ زَعَمَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ أنَّ ”لاتَ“ هي لا المُشَبَّهَةُ بِلَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها تاءُ التَّأْنِيثِ كَما زِيدَتْ عَلى رُبَّ وثَمَّ لِلتَّأْكِيدِ، وبِسَبَبِ هَذِهِ الزِّيادَةِ حَدَثَتْ لَها أحْكامٌ جَدِيدَةٌ، مِنها أنَّها لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الأحْيانِ، ومِنها أنْ لا يَبْرُزَ إلّا أحَدُ جُزْأيْها، إمّا الِاسْمُ وإمّا الخَبَرُ، ويَمْتَنِعُ بُرُوزُهُما جَمِيعًا، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّها لا النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ، وخُصَّتْ بِنَفْيِ الأحْيانِ و﴿حِينَ مَناصٍ﴾ مَنصُوبٌ بِها كَأنَّكَ قُلْتَ: ولاتَ حِينَ مَناصٍ لَهم، ويَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ أيْ ولاتَ حِينَ مَناصٍ كائِنٌ لَهم. البَحْثُ الثّانِي: الجُمْهُورُ يَقِفُونَ عَلى التّاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولاتَ﴾ والكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْها بِالهاءِ كَما يَقِفُ عَلى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وأمّا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: التّاءُ داخِلَةٌ عَلى الحِينِ فَلا وجْهَ لَهُ، واسْتِشْهادُهُ بِأنَّ التّاءَ مُلْتَزِقَةٌ بِحِينَ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَضَعِيفٌ، فَكَمْ وقَعَتْ في المُصْحَفِ أشْياءُ خارِجَةٌ عَنْ قِياسِ الخَطِّ. البَحْثُ الثّالِثُ: المَناصُ المَنجا والغَوْثُ، يُقالُ ناصَهُ يَنُوصُهُ إذا أغاثَهُ، واسْتَناصَ طَلَبَ المَناصَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:3

صفحة ١٥٢ [ سُورَةُ ص ] ثَمانُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ ﷽ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الكَلامُ المُسْتَقْصى في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ بَعْضِ الوُجُوهِ: فالأوَّلُ: أنَّهُ مِفْتاحُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي أوَّلُها صادٌ، كَقَوْلِنا صادِقُ الوَعْدِ، صانِعُ المَصْنُوعاتِ، صَمَدٌ. والثّانِي: مَعْناهُ صَدَقَ مُحَمَّدٌ في كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ. الثّالِثُ: مَعْناهُ صَدَّ الكُفّارُ عَنْ قَبُولِ هَذا الدِّينِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٧] . الرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّ القُرْآنَ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ وأنْتُمْ قادِرُونَ عَلَيْها ولَسْتُمْ قادِرِينَ عَلى مُعارَضَةِ القُرْآنِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ ”صادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ مِنَ المُصادَّةِ وهي المُعارَضَةُ، ومِنها الصَّدى وهو ما يُعارِضُ صَوْتَكَ في الأماكِنِ الخالِيَةِ مِنَ الأجْسامِ الصُّلْبَةِ، ومَعْناهُ عارِضِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ فاعْمَلْ بِأوامِرِهِ وانْتَهِ عَنْ نَواهِيهِ. السّادِسُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ، والتَّقْدِيرُ هَذِهِ صادٌ، فَإنْ قِيلَ هَهُنا إشْكالانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قَسَمٌ وأيْنَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ ؟ والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”بَلْ“ تَقْتَضِي رَفْعَ حُكْمٍ ثَبَتَ قَبْلَها، وإثْباتَ حُكْمٍ بَعْدَها يُناقِضُ الحُكْمَ السّابِقَ، فَأيْنَ هَذا المَعْنى هَهُنا ؟ والجَوابُ: عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى صادٍ بِمَعْنى صَدَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيَكُونُ صادٌ هو المُقْسَمَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هو القَسَمَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ سُورَةُ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إنَّهُ لَكَلامٌ مُعْجِزٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿ص﴾ تَنْبِيهٌ عَلى التَّحَدِّي. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ صادٌ اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، ولَمّا كانَ المَشْهُورُ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ يَدَّعِي في هَذِهِ السُّورَةِ كَوْنَها مُعْجِزَةً، كانَ قَوْلُهُ هَذِهِ ﴿ص﴾ جارِيًا مَجْرى صفحة ١٥٣ قَوْلِهِ: هَذِهِ السُّورَةُ المُعْجِزَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ هَذا حاتِمٌ واللَّهِ، أيْ هَذا هو المَشْهُورُ بِالسَّخاءِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ قَبْلَ كَلِمَةِ ﴿بَلِ﴾، أمّا ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُ كَوْنَ مُحَمَّدٍ صادِقًا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أوْ كَوْنَ القُرْآنِ أوْ هَذِهِ السُّورَةِ مُعْجِزَةً والحُكْمُ المَذْكُورُ بَعْدَ كَلِمَةِ ﴿بَلِ﴾ هَهُنا هو المُنازَعَةُ والمُشاقَّةُ في كَوْنِهِ كَذَلِكَ، فَحَصَلَ المَطْلُوبُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ ”صادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ صادٍ ونُونٍ وبِحَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ وإيصالِ فِعْلِهِ، كَقَوْلِهِمُ اللَّهِ لِأفْعَلَنَّ، وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الجَزْمِ لِأنَّ الأسْماءَ العارِيَةَ عَنِ العَوامِلِ تُذْكَرُ مَوْقُوفَةَ الأواخِرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: المُرادُ ذِي الشَّرَفِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠] ومَجازُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ ذِكْرٌ في النّاسِ، كَما يَقُولُونَ لَهُ صِيتٌ. الثّانِي: ذِي البَيانَيْنِ أيْ فِيهِ قِصَصُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وفِيهِ بَيانُ العُلُومِ الأصْلِيَّةِ والفَرْعِيَّةِ، ومَجازُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والذِّكْرُ مُحْدَثٌ. بَيانُ الأوَّلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤]، ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠]، ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] . وبَيانُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢] وقَوْلُهُ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥] . والجَوابُ: أنّا نَصْرِفُ دَلِيلَكم إلى الحُرُوفِ والأصْواتِ وهي مُحْدَثَةٌ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فالمُرادُ مِنهُ الكُفّارُ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يَجُوزُ عَلى مِثْلِهِمُ الإجْماعُ عَلى الحَسَدِ والكِبْرِ عَنِ الِانْقِيادِ إلى الحَقِّ، والعِزَّةُ هَهُنا التَّعْظِيمُ وما يَعْتَقِدُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِن مُتابَعَةِ الغَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٦] والشِّقاقُ هو إظْهارُ المُخالَفَةِ عَلى جِهَةِ المُساواةِ لِلْمُخالَفِ، أوْ عَلى جِهَةِ الفَضِيلَةِ عَلَيْهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ، كَأنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنْ أنْ يَلْزَمَهُ الِانْقِيادُ لَهُ، بَلْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ في شِقٍّ وخَصْمَهُ في شِقٍّ، فَيُرِيدُ أنْ يَكُونَ في شِقَّةِ نَفْسِهِ، ولا يُجْرى عَلَيْهِ حُكْمُ خَصْمِهِ، ومِثْلُهُ المُعاداةُ وهو أنْ يَكُونَ أحَدُهُما في عُدْوَةٍ والآخَرُ في عُدْوَةٍ، وهي جانِبُ الوادِي، وكَذَلِكَ المُحادَّةُ أنْ يَكُونَ هَذا في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ، ويُقالُ انْحَرَفَ فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، وجانَبَ فُلانٌ فُلانًا أيْ صارَ مِنهُ عَلى حَرْفٍ، وفي جانِبٍ غَيْرِ جانِبِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعِزَّةِ والشِّقاقِ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ والمَعْنى أنَّهم نادَوْا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ولَمْ يَذْكُرْ بِأيِّ شَيْءٍ نادَوْا، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهم نادَوْا بِالِاسْتِغاثَةِ لِأنَّ نِداءَ مَن نَزَلَ بِهِ العَذابُ لَيْسَ إلّا بِالِاسْتِغاثَةِ. الثّانِي: نادَوْا بِالإيمانِ والتَّوْبَةِ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ. الثّالِثُ: نادَوْا أيْ رَفَعُوا أصْواتَهم، يُقالُ فُلانٌ أنْدى صَوْتًا مِن فُلانٍ أيْ أرْفَعُ صَوْتًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ يَعْنِي ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ فِرارٍ مِنَ العَذابِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا﴾ [غافِرٍ: ٨٤] وقالَ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٤] والجُؤارُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّضَرُّعِ والِاسْتِغاثَةِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ﴾ صفحة ١٥٤ ﴿يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافِرٍ: ٨٥] بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في تَحْقِيقِ الكَلامِ في لَفْظِ ﴿ولاتَ﴾ زَعَمَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ أنَّ ”لاتَ“ هي لا المُشَبَّهَةُ بِلَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها تاءُ التَّأْنِيثِ كَما زِيدَتْ عَلى رُبَّ وثَمَّ لِلتَّأْكِيدِ، وبِسَبَبِ هَذِهِ الزِّيادَةِ حَدَثَتْ لَها أحْكامٌ جَدِيدَةٌ، مِنها أنَّها لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الأحْيانِ، ومِنها أنْ لا يَبْرُزَ إلّا أحَدُ جُزْأيْها، إمّا الِاسْمُ وإمّا الخَبَرُ، ويَمْتَنِعُ بُرُوزُهُما جَمِيعًا، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّها لا النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ، وخُصَّتْ بِنَفْيِ الأحْيانِ و﴿حِينَ مَناصٍ﴾ مَنصُوبٌ بِها كَأنَّكَ قُلْتَ: ولاتَ حِينَ مَناصٍ لَهم، ويَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ أيْ ولاتَ حِينَ مَناصٍ كائِنٌ لَهم. البَحْثُ الثّانِي: الجُمْهُورُ يَقِفُونَ عَلى التّاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولاتَ﴾ والكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْها بِالهاءِ كَما يَقِفُ عَلى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وأمّا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: التّاءُ داخِلَةٌ عَلى الحِينِ فَلا وجْهَ لَهُ، واسْتِشْهادُهُ بِأنَّ التّاءَ مُلْتَزِقَةٌ بِحِينَ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَضَعِيفٌ، فَكَمْ وقَعَتْ في المُصْحَفِ أشْياءُ خارِجَةٌ عَنْ قِياسِ الخَطِّ. البَحْثُ الثّالِثُ: المَناصُ المَنجا والغَوْثُ، يُقالُ ناصَهُ يَنُوصُهُ إذا أغاثَهُ، واسْتَناصَ طَلَبَ المَناصَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ كَوْنَهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ فَقالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ . في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمْ﴾ وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا مُساوٍ لَنا في الخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ والأخْلاقِ الباطِنَةِ والنَّسَبِ والشَّكْلِ والصُّورَةِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُخْتَصَّ مِن بَيْنِنا بِهَذا المَنصِبِ العالِي والدَّرَجاتِ والرَّفِيعَةِ. والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ جَهالَتِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جاءَهم رَجُلٌ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وتَعْظِيمِ المَلائِكَةِ والتَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ، والتَّنْفِيرِ عَنِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ هَذا الرَّجُلَ مِن أقارِبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كانَ بَعِيدًا مِنَ الكَذِبِ والتُّهْمَةِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِتَصْدِيقِهِ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ لِحَماقَتِهِمْ يَتَعَجَّبُونَ مِن قَوْلِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٩] فَقالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّ مُحَمَّدًا كانَ مِن رَهْطِهِمْ وعَشِيرَتِهِمْ وكانَ مُساوِيًا لَهم في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ فاسْتَنْكَفُوا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ طاعَتِهِ ومِنَ الِانْقِيادِ لِتَكالِيفِهِ، وعَجِبُوا أنْ يُخْتَصَّ هو مِن بَيْنِهِمْ بِرِسالَةِ اللَّهِ وأنْ يَتَمَيَّزَ عَنْهم بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ الشَّرِيفَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَما كانَ لِهَذا التَّعَجُّبِ سَبَبٌ إلّا الحَسَدَ. صفحة ١٥٥ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ وقالُوا بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ إظْهارًا لِلتَّعَجُّبِ ودَلالَةً عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ الكُفْرِ التّامِّ، فَإنَّ السّاحِرَ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِن طاعَةِ اللَّهِ، ويَدْعُو إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ، وهو عِنْدَكم بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، والكَذّابُ هو الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ لا عَلى ما هو عَلَيْهِ، وهو يُخْبِرُ عَنْ وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، وعَنِ الحَشْرِ والنَّشْرِ وسائِرِ الأشْياءِ الَّتِي تَثْبُتُ بِدَلائِلِ العُقُولِ صِحَّتُها فَكَيْفَ يَكُونُ كَذّابًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى جَمِيعَ ما عَوَّلُوا عَلَيْهِ في إثْباتِ كَوْنِهِ كاذِبًا وهي ثَلاثَةُ أشْياءَ: أحَدُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ. وثانِيها: ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ. وثالِثُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَعادِ، أمّا الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالإلَهِيّاتِ فَهي قَوْلُهم: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ فَرِحَ بِهِ المُسْلِمُونَ فَرَحا شَدِيدًا، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى قُرَيْشٍ، فاجْتَمَعَ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ نَفْسًا مِن صَنادِيدِهِمْ ومَشَوْا إلى أبِي طالِبٍ وقالُوا: أنْتَ شَيْخُنا وكَبِيرُنا وقَدْ عَلِمْتَ ما فَعَلَ هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ يَعْنُونَ المُسْلِمِينَ فَجِئْناكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنا وبَيْنَ ابْنِ أخِيكَ، فاسْتَحْضَرَ أبُو طالِبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالَ: يا ابْنَ أخِي هَؤُلاءِ قَوْمُكَ يَسْألُونَكَ السُّؤالَ فَلا تَمِلْ كُلَّ المَيْلِ عَلى قَوْمِكَ، فَقالَ ﷺ: ماذا يَسْألُونَنِي، قالُوا: ارْفُضْنا وارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا ونَدَعُكَ وإلَهَكَ، فَقالَ ﷺ: أرَأيْتُمْ إنْ أعْطَيْتُكم ما سَألْتُمْ أتُعْطُونِي أنْتُمْ كَلِمَةً واحِدَةً تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ تَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا وقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ بَلِيغٌ في التَّعَجُّبِ» . وأقُولُ مَنشَأُ التَّعَجُّبِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو أنَّ القَوْمَ ما كانُوا مِن أصْحابِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، بَلْ كانَتْ أوْهامُهم تابِعَةً لِلْمَحْسُوساتِ، فَلَمّا وجَدُوا في الشّاهِدِ أنَّ الفاعِلَ الواحِدَ لا تَفِي قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ بِحِفْظِ الخَلْقِ العَظِيمِ قاسُوا الغائِبَ عَلى الشّاهِدِ، فَقالُوا: لا بُدَّ في حِفْظِ هَذا العالَمِ الكَثِيرِ مِن آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ يَتَكَفَّلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِحِفْظِ نَوْعٍ آخَرَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أسْلافَهم لِكَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى الشِّرْكِ، فَقالُوا مِنَ العَجَبِ العَجِيبِ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الأقْوامُ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ كانُوا جاهِلِينَ مُبْطِلِينَ، وهَذا الإنْسانُ الواحِدُ يَكُونُ مُحِقًّا صادِقًا، وأقُولُ لَعَمْرِي لَوْ سَلَّمْنا إجْراءَ حُكْمِ الشّاهِدِ عَلى الغائِبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وحُجَّةٍ، لَكانَتِ الشُّبْهَةُ الأُولى لازِمَةً، ولَمّا تَوافَقْنا عَلى فَسادِها عَلِمْنا أنَّ إجْراءَ حُكْمِ الشّاهِدِ عَلى الغائِبِ فاسِدٌ قَطْعًا، وإذا بَطَلَتْ هَذِهِ القاعِدَةُ فَقَدْ بَطَلَ أصْلُ كَلامِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ، وكَلامُ المُشَبِّهَةِ في الأفْعالِ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الذّاتِ فَهو أنَّهم يَقُولُونَ لَمّا كانَ كُلُّ مَوْجُودٍ في الشّاهِدِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا ومُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجَبَ في الغائِبِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الأفْعالِ فَهُمُ المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ قَبِيحٌ مِنّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ إنْ صَحَّ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ وفي الأفْعالِ لَزِمَ القَطْعُ بِصِحَّةِ شُبْهَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، وحَيْثُ تَوافَقْنا عَلى فَسادِها عَلِمْنا أنَّ عُمْدَةَ المُجَسِّمَةِ وكَلامَ المُعْتَزِلَةِ باطِلٌ فاسِدٌ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ فَلَعَمْرِي لَوْ كانَ التَّقْلِيدُ حَقًّا لَكانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ لازِمَةً وحَيْثُ كانَتْ فاسِدَةً عَلِمْنا أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ العُجابَ هو العَجِيبُ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ العَجِيبِ كَقَوْلِهِمْ طَوِيلٌ وطُوالٌ وعَرِيضٌ وعُراضٌ وكَبِيرٌ وكُبارٌ وقَدْ يُشَدَّدُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٢] . البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ عُجابٌ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَقالَ: والتَّشْدِيدُ أبْلَغُ مِنَ التَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَكْرًا كُبّارًا﴾ . صفحة ١٥٦ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَلَأ عِبارَةٌ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ إذا حَضَرُوا في المَجْلِسِ فَإنَّهُ تَمْتَلِئُ القُلُوبُ والعُيُونُ مِن مَهابَتِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن قُرَيْشٍ؛ انْطَلَقُوا عَنْ مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ بَعْدَما بَكَتَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَوابِ العَتِيدِ قائِلِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ ”أنِ امْشُوا“ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”امْشُوا“ بِحَذْفِ أنْ، قالَ صاحِبُ: ”الكَشّافِ“ ”أنْ“ بِمَعْنى أيْ لِأنَّ المُنْطَلِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ التَّقاوُلِ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَتَكَلَّمُوا ويَتَفاوَضُوا فِيما يَجْرِي في المَجْلِسِ المُتَقَدِّمِ، فَكانَ انْطِلاقُهم مُضَمَّنًا مَعْنى القَوْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ. البَحْثُ الثّانِي: مَعْنى أنِ امْشُوا أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ امْشُوا واصْبِرُوا، فَلا حِيلَةَ لَكم في دَفْعِ أمْرِ مُحَمَّدٍ، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ظُهُورُ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ ظاهِرٌ يُثْبِتُ أنَّ تَزايُدَ ظُهُورِهِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُهُ، وما أرادَ اللَّهُ كَوْنَهُ فَلا دافِعَ لَهُ. وثانِيها: أنَّ الأمْرَ كَشَيْءٍ مِن نَوائِبِ الدَّهْرِ فَلا انْفِكاكَ لَنا مِنهُ. وثالِثُها: أنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم، قالَ القَفّالُ: هَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وكَأنَّ مَعْناها أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُ مُحَمَّدٍ مِن هَذا القَوْلِ تَقْرِيرَ الدِّينِ، وإنَّما غَرَضُهُ أنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْنا فَيَحْكُمَ في أمْوالِنا وأوْلادِنا بِما يُرِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ والمِلَّةُ الآخِرَةُ هي مِلَّةُ النَّصارى فَقالُوا إنَّ هَذا التَّوْحِيدَ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ما سَمِعْناهُ في دِينِ النَّصارى، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالمِلَّةِ الآخِرَةِ مِلَّةَ قُرَيْشٍ الَّتِي أدْرَكُوا آباءَهم عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ افْتِعالٌ وكَذِبٌ، وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذا الوَجْهِ أنَّهم قالُوا نَحْنُ ما سَمِعْنا عَنْ أسْلافِنا القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ باطِلًا، ولَوْ كانَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ حَقًّا لَكانَ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ حَقًّا، وحَيْثُ كانَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ.

ص 38:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ كَوْنَهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ فَقالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ . في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمْ﴾ وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا مُساوٍ لَنا في الخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ والأخْلاقِ الباطِنَةِ والنَّسَبِ والشَّكْلِ والصُّورَةِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُخْتَصَّ مِن بَيْنِنا بِهَذا المَنصِبِ العالِي والدَّرَجاتِ والرَّفِيعَةِ. والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ جَهالَتِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جاءَهم رَجُلٌ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وتَعْظِيمِ المَلائِكَةِ والتَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ، والتَّنْفِيرِ عَنِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ هَذا الرَّجُلَ مِن أقارِبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كانَ بَعِيدًا مِنَ الكَذِبِ والتُّهْمَةِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِتَصْدِيقِهِ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ لِحَماقَتِهِمْ يَتَعَجَّبُونَ مِن قَوْلِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٩] فَقالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّ مُحَمَّدًا كانَ مِن رَهْطِهِمْ وعَشِيرَتِهِمْ وكانَ مُساوِيًا لَهم في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ فاسْتَنْكَفُوا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ طاعَتِهِ ومِنَ الِانْقِيادِ لِتَكالِيفِهِ، وعَجِبُوا أنْ يُخْتَصَّ هو مِن بَيْنِهِمْ بِرِسالَةِ اللَّهِ وأنْ يَتَمَيَّزَ عَنْهم بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ الشَّرِيفَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَما كانَ لِهَذا التَّعَجُّبِ سَبَبٌ إلّا الحَسَدَ. صفحة ١٥٥ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ وقالُوا بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ إظْهارًا لِلتَّعَجُّبِ ودَلالَةً عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ الكُفْرِ التّامِّ، فَإنَّ السّاحِرَ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِن طاعَةِ اللَّهِ، ويَدْعُو إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ، وهو عِنْدَكم بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، والكَذّابُ هو الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ لا عَلى ما هو عَلَيْهِ، وهو يُخْبِرُ عَنْ وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، وعَنِ الحَشْرِ والنَّشْرِ وسائِرِ الأشْياءِ الَّتِي تَثْبُتُ بِدَلائِلِ العُقُولِ صِحَّتُها فَكَيْفَ يَكُونُ كَذّابًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى جَمِيعَ ما عَوَّلُوا عَلَيْهِ في إثْباتِ كَوْنِهِ كاذِبًا وهي ثَلاثَةُ أشْياءَ: أحَدُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ. وثانِيها: ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ. وثالِثُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَعادِ، أمّا الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالإلَهِيّاتِ فَهي قَوْلُهم: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ فَرِحَ بِهِ المُسْلِمُونَ فَرَحا شَدِيدًا، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى قُرَيْشٍ، فاجْتَمَعَ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ نَفْسًا مِن صَنادِيدِهِمْ ومَشَوْا إلى أبِي طالِبٍ وقالُوا: أنْتَ شَيْخُنا وكَبِيرُنا وقَدْ عَلِمْتَ ما فَعَلَ هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ يَعْنُونَ المُسْلِمِينَ فَجِئْناكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنا وبَيْنَ ابْنِ أخِيكَ، فاسْتَحْضَرَ أبُو طالِبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالَ: يا ابْنَ أخِي هَؤُلاءِ قَوْمُكَ يَسْألُونَكَ السُّؤالَ فَلا تَمِلْ كُلَّ المَيْلِ عَلى قَوْمِكَ، فَقالَ ﷺ: ماذا يَسْألُونَنِي، قالُوا: ارْفُضْنا وارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا ونَدَعُكَ وإلَهَكَ، فَقالَ ﷺ: أرَأيْتُمْ إنْ أعْطَيْتُكم ما سَألْتُمْ أتُعْطُونِي أنْتُمْ كَلِمَةً واحِدَةً تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ تَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا وقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ بَلِيغٌ في التَّعَجُّبِ» . وأقُولُ مَنشَأُ التَّعَجُّبِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو أنَّ القَوْمَ ما كانُوا مِن أصْحابِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، بَلْ كانَتْ أوْهامُهم تابِعَةً لِلْمَحْسُوساتِ، فَلَمّا وجَدُوا في الشّاهِدِ أنَّ الفاعِلَ الواحِدَ لا تَفِي قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ بِحِفْظِ الخَلْقِ العَظِيمِ قاسُوا الغائِبَ عَلى الشّاهِدِ، فَقالُوا: لا بُدَّ في حِفْظِ هَذا العالَمِ الكَثِيرِ مِن آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ يَتَكَفَّلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِحِفْظِ نَوْعٍ آخَرَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أسْلافَهم لِكَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى الشِّرْكِ، فَقالُوا مِنَ العَجَبِ العَجِيبِ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الأقْوامُ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ كانُوا جاهِلِينَ مُبْطِلِينَ، وهَذا الإنْسانُ الواحِدُ يَكُونُ مُحِقًّا صادِقًا، وأقُولُ لَعَمْرِي لَوْ سَلَّمْنا إجْراءَ حُكْمِ الشّاهِدِ عَلى الغائِبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وحُجَّةٍ، لَكانَتِ الشُّبْهَةُ الأُولى لازِمَةً، ولَمّا تَوافَقْنا عَلى فَسادِها عَلِمْنا أنَّ إجْراءَ حُكْمِ الشّاهِدِ عَلى الغائِبِ فاسِدٌ قَطْعًا، وإذا بَطَلَتْ هَذِهِ القاعِدَةُ فَقَدْ بَطَلَ أصْلُ كَلامِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ، وكَلامُ المُشَبِّهَةِ في الأفْعالِ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الذّاتِ فَهو أنَّهم يَقُولُونَ لَمّا كانَ كُلُّ مَوْجُودٍ في الشّاهِدِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا ومُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجَبَ في الغائِبِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الأفْعالِ فَهُمُ المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ قَبِيحٌ مِنّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ إنْ صَحَّ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ وفي الأفْعالِ لَزِمَ القَطْعُ بِصِحَّةِ شُبْهَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، وحَيْثُ تَوافَقْنا عَلى فَسادِها عَلِمْنا أنَّ عُمْدَةَ المُجَسِّمَةِ وكَلامَ المُعْتَزِلَةِ باطِلٌ فاسِدٌ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ فَلَعَمْرِي لَوْ كانَ التَّقْلِيدُ حَقًّا لَكانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ لازِمَةً وحَيْثُ كانَتْ فاسِدَةً عَلِمْنا أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ العُجابَ هو العَجِيبُ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ العَجِيبِ كَقَوْلِهِمْ طَوِيلٌ وطُوالٌ وعَرِيضٌ وعُراضٌ وكَبِيرٌ وكُبارٌ وقَدْ يُشَدَّدُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٢] . البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ عُجابٌ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَقالَ: والتَّشْدِيدُ أبْلَغُ مِنَ التَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَكْرًا كُبّارًا﴾ . صفحة ١٥٦ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَلَأ عِبارَةٌ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ إذا حَضَرُوا في المَجْلِسِ فَإنَّهُ تَمْتَلِئُ القُلُوبُ والعُيُونُ مِن مَهابَتِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن قُرَيْشٍ؛ انْطَلَقُوا عَنْ مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ بَعْدَما بَكَتَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَوابِ العَتِيدِ قائِلِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ ”أنِ امْشُوا“ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”امْشُوا“ بِحَذْفِ أنْ، قالَ صاحِبُ: ”الكَشّافِ“ ”أنْ“ بِمَعْنى أيْ لِأنَّ المُنْطَلِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ التَّقاوُلِ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَتَكَلَّمُوا ويَتَفاوَضُوا فِيما يَجْرِي في المَجْلِسِ المُتَقَدِّمِ، فَكانَ انْطِلاقُهم مُضَمَّنًا مَعْنى القَوْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ. البَحْثُ الثّانِي: مَعْنى أنِ امْشُوا أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ امْشُوا واصْبِرُوا، فَلا حِيلَةَ لَكم في دَفْعِ أمْرِ مُحَمَّدٍ، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ظُهُورُ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ ظاهِرٌ يُثْبِتُ أنَّ تَزايُدَ ظُهُورِهِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُهُ، وما أرادَ اللَّهُ كَوْنَهُ فَلا دافِعَ لَهُ. وثانِيها: أنَّ الأمْرَ كَشَيْءٍ مِن نَوائِبِ الدَّهْرِ فَلا انْفِكاكَ لَنا مِنهُ. وثالِثُها: أنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم، قالَ القَفّالُ: هَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وكَأنَّ مَعْناها أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُ مُحَمَّدٍ مِن هَذا القَوْلِ تَقْرِيرَ الدِّينِ، وإنَّما غَرَضُهُ أنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْنا فَيَحْكُمَ في أمْوالِنا وأوْلادِنا بِما يُرِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ والمِلَّةُ الآخِرَةُ هي مِلَّةُ النَّصارى فَقالُوا إنَّ هَذا التَّوْحِيدَ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ما سَمِعْناهُ في دِينِ النَّصارى، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالمِلَّةِ الآخِرَةِ مِلَّةَ قُرَيْشٍ الَّتِي أدْرَكُوا آباءَهم عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ افْتِعالٌ وكَذِبٌ، وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذا الوَجْهِ أنَّهم قالُوا نَحْنُ ما سَمِعْنا عَنْ أسْلافِنا القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ باطِلًا، ولَوْ كانَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ حَقًّا لَكانَ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ حَقًّا، وحَيْثُ كانَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ.

ص 38:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ كَوْنَهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ فَقالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ . في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمْ﴾ وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا مُساوٍ لَنا في الخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ والأخْلاقِ الباطِنَةِ والنَّسَبِ والشَّكْلِ والصُّورَةِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُخْتَصَّ مِن بَيْنِنا بِهَذا المَنصِبِ العالِي والدَّرَجاتِ والرَّفِيعَةِ. والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ جَهالَتِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جاءَهم رَجُلٌ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وتَعْظِيمِ المَلائِكَةِ والتَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ، والتَّنْفِيرِ عَنِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ هَذا الرَّجُلَ مِن أقارِبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كانَ بَعِيدًا مِنَ الكَذِبِ والتُّهْمَةِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِتَصْدِيقِهِ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ لِحَماقَتِهِمْ يَتَعَجَّبُونَ مِن قَوْلِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٩] فَقالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّ مُحَمَّدًا كانَ مِن رَهْطِهِمْ وعَشِيرَتِهِمْ وكانَ مُساوِيًا لَهم في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ فاسْتَنْكَفُوا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ طاعَتِهِ ومِنَ الِانْقِيادِ لِتَكالِيفِهِ، وعَجِبُوا أنْ يُخْتَصَّ هو مِن بَيْنِهِمْ بِرِسالَةِ اللَّهِ وأنْ يَتَمَيَّزَ عَنْهم بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ الشَّرِيفَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَما كانَ لِهَذا التَّعَجُّبِ سَبَبٌ إلّا الحَسَدَ. صفحة ١٥٥ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ وقالُوا بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ إظْهارًا لِلتَّعَجُّبِ ودَلالَةً عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ الكُفْرِ التّامِّ، فَإنَّ السّاحِرَ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِن طاعَةِ اللَّهِ، ويَدْعُو إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ، وهو عِنْدَكم بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، والكَذّابُ هو الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ لا عَلى ما هو عَلَيْهِ، وهو يُخْبِرُ عَنْ وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، وعَنِ الحَشْرِ والنَّشْرِ وسائِرِ الأشْياءِ الَّتِي تَثْبُتُ بِدَلائِلِ العُقُولِ صِحَّتُها فَكَيْفَ يَكُونُ كَذّابًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى جَمِيعَ ما عَوَّلُوا عَلَيْهِ في إثْباتِ كَوْنِهِ كاذِبًا وهي ثَلاثَةُ أشْياءَ: أحَدُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ. وثانِيها: ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ. وثالِثُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَعادِ، أمّا الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالإلَهِيّاتِ فَهي قَوْلُهم: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ فَرِحَ بِهِ المُسْلِمُونَ فَرَحا شَدِيدًا، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى قُرَيْشٍ، فاجْتَمَعَ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ نَفْسًا مِن صَنادِيدِهِمْ ومَشَوْا إلى أبِي طالِبٍ وقالُوا: أنْتَ شَيْخُنا وكَبِيرُنا وقَدْ عَلِمْتَ ما فَعَلَ هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ يَعْنُونَ المُسْلِمِينَ فَجِئْناكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنا وبَيْنَ ابْنِ أخِيكَ، فاسْتَحْضَرَ أبُو طالِبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالَ: يا ابْنَ أخِي هَؤُلاءِ قَوْمُكَ يَسْألُونَكَ السُّؤالَ فَلا تَمِلْ كُلَّ المَيْلِ عَلى قَوْمِكَ، فَقالَ ﷺ: ماذا يَسْألُونَنِي، قالُوا: ارْفُضْنا وارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا ونَدَعُكَ وإلَهَكَ، فَقالَ ﷺ: أرَأيْتُمْ إنْ أعْطَيْتُكم ما سَألْتُمْ أتُعْطُونِي أنْتُمْ كَلِمَةً واحِدَةً تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ تَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا وقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ بَلِيغٌ في التَّعَجُّبِ» . وأقُولُ مَنشَأُ التَّعَجُّبِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو أنَّ القَوْمَ ما كانُوا مِن أصْحابِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، بَلْ كانَتْ أوْهامُهم تابِعَةً لِلْمَحْسُوساتِ، فَلَمّا وجَدُوا في الشّاهِدِ أنَّ الفاعِلَ الواحِدَ لا تَفِي قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ بِحِفْظِ الخَلْقِ العَظِيمِ قاسُوا الغائِبَ عَلى الشّاهِدِ، فَقالُوا: لا بُدَّ في حِفْظِ هَذا العالَمِ الكَثِيرِ مِن آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ يَتَكَفَّلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِحِفْظِ نَوْعٍ آخَرَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أسْلافَهم لِكَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى الشِّرْكِ، فَقالُوا مِنَ العَجَبِ العَجِيبِ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الأقْوامُ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ كانُوا جاهِلِينَ مُبْطِلِينَ، وهَذا الإنْسانُ الواحِدُ يَكُونُ مُحِقًّا صادِقًا، وأقُولُ لَعَمْرِي لَوْ سَلَّمْنا إجْراءَ حُكْمِ الشّاهِدِ عَلى الغائِبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وحُجَّةٍ، لَكانَتِ الشُّبْهَةُ الأُولى لازِمَةً، ولَمّا تَوافَقْنا عَلى فَسادِها عَلِمْنا أنَّ إجْراءَ حُكْمِ الشّاهِدِ عَلى الغائِبِ فاسِدٌ قَطْعًا، وإذا بَطَلَتْ هَذِهِ القاعِدَةُ فَقَدْ بَطَلَ أصْلُ كَلامِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ، وكَلامُ المُشَبِّهَةِ في الأفْعالِ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الذّاتِ فَهو أنَّهم يَقُولُونَ لَمّا كانَ كُلُّ مَوْجُودٍ في الشّاهِدِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا ومُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجَبَ في الغائِبِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الأفْعالِ فَهُمُ المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ قَبِيحٌ مِنّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ إنْ صَحَّ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ وفي الأفْعالِ لَزِمَ القَطْعُ بِصِحَّةِ شُبْهَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، وحَيْثُ تَوافَقْنا عَلى فَسادِها عَلِمْنا أنَّ عُمْدَةَ المُجَسِّمَةِ وكَلامَ المُعْتَزِلَةِ باطِلٌ فاسِدٌ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ فَلَعَمْرِي لَوْ كانَ التَّقْلِيدُ حَقًّا لَكانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ لازِمَةً وحَيْثُ كانَتْ فاسِدَةً عَلِمْنا أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ العُجابَ هو العَجِيبُ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ العَجِيبِ كَقَوْلِهِمْ طَوِيلٌ وطُوالٌ وعَرِيضٌ وعُراضٌ وكَبِيرٌ وكُبارٌ وقَدْ يُشَدَّدُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٢] . البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ عُجابٌ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَقالَ: والتَّشْدِيدُ أبْلَغُ مِنَ التَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَكْرًا كُبّارًا﴾ . صفحة ١٥٦ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَلَأ عِبارَةٌ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ إذا حَضَرُوا في المَجْلِسِ فَإنَّهُ تَمْتَلِئُ القُلُوبُ والعُيُونُ مِن مَهابَتِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن قُرَيْشٍ؛ انْطَلَقُوا عَنْ مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ بَعْدَما بَكَتَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَوابِ العَتِيدِ قائِلِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ ”أنِ امْشُوا“ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”امْشُوا“ بِحَذْفِ أنْ، قالَ صاحِبُ: ”الكَشّافِ“ ”أنْ“ بِمَعْنى أيْ لِأنَّ المُنْطَلِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ التَّقاوُلِ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَتَكَلَّمُوا ويَتَفاوَضُوا فِيما يَجْرِي في المَجْلِسِ المُتَقَدِّمِ، فَكانَ انْطِلاقُهم مُضَمَّنًا مَعْنى القَوْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ. البَحْثُ الثّانِي: مَعْنى أنِ امْشُوا أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ امْشُوا واصْبِرُوا، فَلا حِيلَةَ لَكم في دَفْعِ أمْرِ مُحَمَّدٍ، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ظُهُورُ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ ظاهِرٌ يُثْبِتُ أنَّ تَزايُدَ ظُهُورِهِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُهُ، وما أرادَ اللَّهُ كَوْنَهُ فَلا دافِعَ لَهُ. وثانِيها: أنَّ الأمْرَ كَشَيْءٍ مِن نَوائِبِ الدَّهْرِ فَلا انْفِكاكَ لَنا مِنهُ. وثالِثُها: أنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم، قالَ القَفّالُ: هَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وكَأنَّ مَعْناها أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُ مُحَمَّدٍ مِن هَذا القَوْلِ تَقْرِيرَ الدِّينِ، وإنَّما غَرَضُهُ أنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْنا فَيَحْكُمَ في أمْوالِنا وأوْلادِنا بِما يُرِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ والمِلَّةُ الآخِرَةُ هي مِلَّةُ النَّصارى فَقالُوا إنَّ هَذا التَّوْحِيدَ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ما سَمِعْناهُ في دِينِ النَّصارى، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالمِلَّةِ الآخِرَةِ مِلَّةَ قُرَيْشٍ الَّتِي أدْرَكُوا آباءَهم عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ افْتِعالٌ وكَذِبٌ، وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذا الوَجْهِ أنَّهم قالُوا نَحْنُ ما سَمِعْنا عَنْ أسْلافِنا القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ باطِلًا، ولَوْ كانَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ حَقًّا لَكانَ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ حَقًّا، وحَيْثُ كانَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ.

ص 38:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ كَوْنَهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ فَقالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ . في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمْ﴾ وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا مُساوٍ لَنا في الخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ والأخْلاقِ الباطِنَةِ والنَّسَبِ والشَّكْلِ والصُّورَةِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُخْتَصَّ مِن بَيْنِنا بِهَذا المَنصِبِ العالِي والدَّرَجاتِ والرَّفِيعَةِ. والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ جَهالَتِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جاءَهم رَجُلٌ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وتَعْظِيمِ المَلائِكَةِ والتَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ، والتَّنْفِيرِ عَنِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ هَذا الرَّجُلَ مِن أقارِبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كانَ بَعِيدًا مِنَ الكَذِبِ والتُّهْمَةِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِتَصْدِيقِهِ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ لِحَماقَتِهِمْ يَتَعَجَّبُونَ مِن قَوْلِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٩] فَقالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّ مُحَمَّدًا كانَ مِن رَهْطِهِمْ وعَشِيرَتِهِمْ وكانَ مُساوِيًا لَهم في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ فاسْتَنْكَفُوا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ طاعَتِهِ ومِنَ الِانْقِيادِ لِتَكالِيفِهِ، وعَجِبُوا أنْ يُخْتَصَّ هو مِن بَيْنِهِمْ بِرِسالَةِ اللَّهِ وأنْ يَتَمَيَّزَ عَنْهم بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ الشَّرِيفَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَما كانَ لِهَذا التَّعَجُّبِ سَبَبٌ إلّا الحَسَدَ. صفحة ١٥٥ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ وقالُوا بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ إظْهارًا لِلتَّعَجُّبِ ودَلالَةً عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ الكُفْرِ التّامِّ، فَإنَّ السّاحِرَ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِن طاعَةِ اللَّهِ، ويَدْعُو إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ، وهو عِنْدَكم بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، والكَذّابُ هو الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ لا عَلى ما هو عَلَيْهِ، وهو يُخْبِرُ عَنْ وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، وعَنِ الحَشْرِ والنَّشْرِ وسائِرِ الأشْياءِ الَّتِي تَثْبُتُ بِدَلائِلِ العُقُولِ صِحَّتُها فَكَيْفَ يَكُونُ كَذّابًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى جَمِيعَ ما عَوَّلُوا عَلَيْهِ في إثْباتِ كَوْنِهِ كاذِبًا وهي ثَلاثَةُ أشْياءَ: أحَدُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ. وثانِيها: ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ. وثالِثُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَعادِ، أمّا الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالإلَهِيّاتِ فَهي قَوْلُهم: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ فَرِحَ بِهِ المُسْلِمُونَ فَرَحا شَدِيدًا، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى قُرَيْشٍ، فاجْتَمَعَ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ نَفْسًا مِن صَنادِيدِهِمْ ومَشَوْا إلى أبِي طالِبٍ وقالُوا: أنْتَ شَيْخُنا وكَبِيرُنا وقَدْ عَلِمْتَ ما فَعَلَ هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ يَعْنُونَ المُسْلِمِينَ فَجِئْناكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنا وبَيْنَ ابْنِ أخِيكَ، فاسْتَحْضَرَ أبُو طالِبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالَ: يا ابْنَ أخِي هَؤُلاءِ قَوْمُكَ يَسْألُونَكَ السُّؤالَ فَلا تَمِلْ كُلَّ المَيْلِ عَلى قَوْمِكَ، فَقالَ ﷺ: ماذا يَسْألُونَنِي، قالُوا: ارْفُضْنا وارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا ونَدَعُكَ وإلَهَكَ، فَقالَ ﷺ: أرَأيْتُمْ إنْ أعْطَيْتُكم ما سَألْتُمْ أتُعْطُونِي أنْتُمْ كَلِمَةً واحِدَةً تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ تَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا وقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ بَلِيغٌ في التَّعَجُّبِ» . وأقُولُ مَنشَأُ التَّعَجُّبِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو أنَّ القَوْمَ ما كانُوا مِن أصْحابِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، بَلْ كانَتْ أوْهامُهم تابِعَةً لِلْمَحْسُوساتِ، فَلَمّا وجَدُوا في الشّاهِدِ أنَّ الفاعِلَ الواحِدَ لا تَفِي قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ بِحِفْظِ الخَلْقِ العَظِيمِ قاسُوا الغائِبَ عَلى الشّاهِدِ، فَقالُوا: لا بُدَّ في حِفْظِ هَذا العالَمِ الكَثِيرِ مِن آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ يَتَكَفَّلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِحِفْظِ نَوْعٍ آخَرَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أسْلافَهم لِكَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى الشِّرْكِ، فَقالُوا مِنَ العَجَبِ العَجِيبِ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الأقْوامُ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ كانُوا جاهِلِينَ مُبْطِلِينَ، وهَذا الإنْسانُ الواحِدُ يَكُونُ مُحِقًّا صادِقًا، وأقُولُ لَعَمْرِي لَوْ سَلَّمْنا إجْراءَ حُكْمِ الشّاهِدِ عَلى الغائِبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وحُجَّةٍ، لَكانَتِ الشُّبْهَةُ الأُولى لازِمَةً، ولَمّا تَوافَقْنا عَلى فَسادِها عَلِمْنا أنَّ إجْراءَ حُكْمِ الشّاهِدِ عَلى الغائِبِ فاسِدٌ قَطْعًا، وإذا بَطَلَتْ هَذِهِ القاعِدَةُ فَقَدْ بَطَلَ أصْلُ كَلامِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ، وكَلامُ المُشَبِّهَةِ في الأفْعالِ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الذّاتِ فَهو أنَّهم يَقُولُونَ لَمّا كانَ كُلُّ مَوْجُودٍ في الشّاهِدِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا ومُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجَبَ في الغائِبِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الأفْعالِ فَهُمُ المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ قَبِيحٌ مِنّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ إنْ صَحَّ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ وفي الأفْعالِ لَزِمَ القَطْعُ بِصِحَّةِ شُبْهَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، وحَيْثُ تَوافَقْنا عَلى فَسادِها عَلِمْنا أنَّ عُمْدَةَ المُجَسِّمَةِ وكَلامَ المُعْتَزِلَةِ باطِلٌ فاسِدٌ. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ فَلَعَمْرِي لَوْ كانَ التَّقْلِيدُ حَقًّا لَكانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ لازِمَةً وحَيْثُ كانَتْ فاسِدَةً عَلِمْنا أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ العُجابَ هو العَجِيبُ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ العَجِيبِ كَقَوْلِهِمْ طَوِيلٌ وطُوالٌ وعَرِيضٌ وعُراضٌ وكَبِيرٌ وكُبارٌ وقَدْ يُشَدَّدُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٢] . البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ عُجابٌ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَقالَ: والتَّشْدِيدُ أبْلَغُ مِنَ التَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَكْرًا كُبّارًا﴾ . صفحة ١٥٦ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَلَأ عِبارَةٌ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ إذا حَضَرُوا في المَجْلِسِ فَإنَّهُ تَمْتَلِئُ القُلُوبُ والعُيُونُ مِن مَهابَتِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن قُرَيْشٍ؛ انْطَلَقُوا عَنْ مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ بَعْدَما بَكَتَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَوابِ العَتِيدِ قائِلِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ ”أنِ امْشُوا“ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”امْشُوا“ بِحَذْفِ أنْ، قالَ صاحِبُ: ”الكَشّافِ“ ”أنْ“ بِمَعْنى أيْ لِأنَّ المُنْطَلِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ التَّقاوُلِ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَتَكَلَّمُوا ويَتَفاوَضُوا فِيما يَجْرِي في المَجْلِسِ المُتَقَدِّمِ، فَكانَ انْطِلاقُهم مُضَمَّنًا مَعْنى القَوْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ. البَحْثُ الثّانِي: مَعْنى أنِ امْشُوا أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ امْشُوا واصْبِرُوا، فَلا حِيلَةَ لَكم في دَفْعِ أمْرِ مُحَمَّدٍ، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ظُهُورُ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ ظاهِرٌ يُثْبِتُ أنَّ تَزايُدَ ظُهُورِهِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُهُ، وما أرادَ اللَّهُ كَوْنَهُ فَلا دافِعَ لَهُ. وثانِيها: أنَّ الأمْرَ كَشَيْءٍ مِن نَوائِبِ الدَّهْرِ فَلا انْفِكاكَ لَنا مِنهُ. وثالِثُها: أنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم، قالَ القَفّالُ: هَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وكَأنَّ مَعْناها أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُ مُحَمَّدٍ مِن هَذا القَوْلِ تَقْرِيرَ الدِّينِ، وإنَّما غَرَضُهُ أنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْنا فَيَحْكُمَ في أمْوالِنا وأوْلادِنا بِما يُرِيدُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ والمِلَّةُ الآخِرَةُ هي مِلَّةُ النَّصارى فَقالُوا إنَّ هَذا التَّوْحِيدَ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ما سَمِعْناهُ في دِينِ النَّصارى، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالمِلَّةِ الآخِرَةِ مِلَّةَ قُرَيْشٍ الَّتِي أدْرَكُوا آباءَهم عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ افْتِعالٌ وكَذِبٌ، وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذا الوَجْهِ أنَّهم قالُوا نَحْنُ ما سَمِعْنا عَنْ أسْلافِنا القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ باطِلًا، ولَوْ كانَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ حَقًّا لَكانَ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ حَقًّا، وحَيْثُ كانَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ.

ص 38:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ وهي الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالنُّبُوّاتِ، وهي قَوْلُهم إنَّ مُحَمَّدًا لَمّا كانَ مُساوِيًا لِغَيْرِهِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ والأخْلاقِ الباطِنَةِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُخْتَصَّ هو بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ والمَنزِلَةِ الشَّرِيفَةِ ؟ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ فَإنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم قالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ فَقالُوا: صفحة ١٥٧ ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القَمَرِ: ٢٥] وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وتَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهم قالُوا النُّبُوَّةُ أشْرَفُ المَراتِبِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ إلّا لِأشْرَفِ النّاسِ ومُحَمَّدٌ لَيْسَ أشْرَفَ النّاسِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ لَهُ النُّبُوَّةُ، والمُقَدِّمَتانِ الأوَّلِيّانِ حَقِيقَتانِ، لَكِنَّ الثّالِثَةَ كاذِبَةٌ وسَبَبُ رَواجِ هَذا التَّغْلِيطِ عَلَيْهِمْ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الشَّرَفَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالمالِ والأعْوانِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ مَراتِبَ السَّعادَةِ ثَلاثٌ أعْلاها هي النَّفْسانِيَّةُ وأوْسَطُها هي البَدَنِيَّةُ، وأدْوَنُها هي الخارِجِيَّةُ وهي المالُ والجاهُ، فالقَوْمُ عَكَسُوا القَضِيَّةَ وظَنُّوا بِأخَسِّ المَراتِبِ أشْرَفَها، فَلَمّا وجَدُوا المالَ والجاهَ عِنْدَ غَيْرِهِ أكْثَرَ ظَنُّوا أنَّ غَيْرَهُ أشْرَفُ مِنهُ، فَحِينَئِذٍ انْعَقَدَ هَذا القِياسُ الفاسِدُ في أفْكارِهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي لَوْ نَظَرُوا فِيها لَزالَ هَذا الشَّكُّ عَنْهم وذَلِكَ لَأنَّ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبُهاتِ فَهي كَلِماتٌ ضَعِيفَةٌ، وأمّا الدَّلائِلُ الَّتِي تَدُلُّ بِنَفْسِها عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَهي دَلائِلُ قاطِعَةٌ، فَلَوْ تَأمَّلُوا حَقَّ التَّأمُّلِ في الكَلامِ لَوَقَفُوا عَلى ضَعْفِ الشُّبُهاتِ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في إبْطالِ النُّبُوَّةِ، ولَعَرَفُوا صِحَّةَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَحَيْثُ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ كانَ لِأجْلِ أنَّهم تَرَكُوا النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ فَمَوْقِعُهُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ هَؤُلاءِ إنَّما تَرَكُوا النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ لِأنِّي لَمْ أُذِقْهم عَذابِي، ولَوْ ذاقُوهُ لَمْ يَقَعْ مِنهم إلّا الإقْبالُ عَلى أداءِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَنهِيّاتِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ؛ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُخَوِّفُهم مِن عَذابِ اللَّهِ لَوْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ إنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمُ العَذابُ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشَكِّهِمْ في صِدْقِهِ، وقالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ الشَّكَّ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ العَذابِ. والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ ودَرَجَةٌ عالِيَةٌ، والقادِرُ عَلى هِبَتِها يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَزِيزًا أيْ: كامِلَ القُدْرَةِ، ووَهّابًا أيْ: عَظِيمَ الجُودِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإذا كانَ هو تَعالى كامِلَ القُدْرَةِ وكامِلَ الجُودِ، لَمْ يَتَوَقَّفْ كَوْنُهُ واهِبًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ عَلى كَوْنِ المَوْهُوبِ مِنهُ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا، ولَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ أيْضًا بِسَبَبِ أنَّ أعْداءَهُ يُحِبُّونَهُ أوْ يَكْرَهُونَهُ. والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ مُغايِرًا لِلْمُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ والفَرْقُ أنَّ خَزائِنَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ كَما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحِجْرِ: ٢١] ومِن جُمْلَةِ تِلْكَ الخَزائِنِ هو هَذِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلَمّا ذَكَّرَنا الخَزائِنَ أوَّلًا عَلى عُمُومِها أرْدَفَها بِذِكْرِ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أحَدُ أنْواعِ خَزائِنِ اللَّهِ، فَإذا كُنْتُمْ عاجِزِينَ عَنْ هَذا القِسْمِ، فَبِأنْ تَكُونُوا عاجِزِينَ عَنْ كُلِّ خَزائِنِ اللَّهِ كانَ أوْلى، فَهَذا صفحة ١٥٨ ما أمْكَنَنِي ذِكْرُهُ في الفَرْقِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ فالمَعْنى أنَّهم إنِ ادَّعَوْا أنَّ لَهم مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ فَعِنْدَ هَذا يُقالُ لَهُمُ ارْتَقُوا في الأسْبابِ واصْعَدُوا في المَعارِجِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى العَرْشِ حَتّى يَرْتَقُوا عَلَيْهِ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ ومَلَكُوتَ اللَّهِ ويُنْزِلُوا الوَحْيَ عَلى مَن يَخْتارُونَ، واعْلَمْ أنَّ حُكَماءَ الإسْلامِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ عَلى أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ وما أوْدَعَ اللَّهُ فِيها مِنَ القُوى والخَواصِّ أسْبابٌ لِحَوادِثِ العالَمِ السُّفْلِيِّ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى الفَلَكِيّاتِ أسْبابًا وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ فَفِيهِ مَقامانِ مِنَ البَحْثِ: أحَدُهُما: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ. والثّانِي: في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِها بِما قَبْلَها. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿جُنْدٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وما لِلْإيهامِ كَقَوْلِهِ جِئْتُ لِأمْرٍ ما، وعِنْدِي طَعامٌ ما، و﴿مِنَ الأحْزابِ﴾ صِفَةٌ لِجُنْدٍ و﴿مَهْزُومٌ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِجُنْدٍ أيْ جُنْدٌ ثابِتٌ هُنالِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَهْزُومٍ مَعْناهُ أنَّ الجُنْدَ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومٌ هُنالِكَ، أيْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا يَذْكُرُونَ فِيهِ هَذِهِ الكَلِماتِ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأمّا المَقامُ الثّانِي: فَهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ إنْ كانُوا يَمْلِكُونَ السَّماواتِ والأرْضَ فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ ضَعِيفُونَ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ مالِكِي السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، قالَ قَتادَةُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِمَكَّةَ أنَّهُ سَيُهْزَمُ جُنْدُ المُشْرِكِينَ فَجاءَ تَأْوِيلُها يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، والأصْوَبُ عِنْدِي حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم جُنْدٌ سَيَصِيرُونَ مُنْهَزِمِينَ في المَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرُوا فِيهِ هَذِهِ الكَلِماتِ، وذَلِكَ المَوْضِعُ هو مَكَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم سَيَصِيرُونَ مُنْهَزِمِينَ في مَكَّةَ وما ذاكَ إلّا يَوْمَ الفَتْحِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ وهي الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالنُّبُوّاتِ، وهي قَوْلُهم إنَّ مُحَمَّدًا لَمّا كانَ مُساوِيًا لِغَيْرِهِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ والأخْلاقِ الباطِنَةِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُخْتَصَّ هو بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ والمَنزِلَةِ الشَّرِيفَةِ ؟ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ فَإنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم قالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ فَقالُوا: صفحة ١٥٧ ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القَمَرِ: ٢٥] وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وتَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهم قالُوا النُّبُوَّةُ أشْرَفُ المَراتِبِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ إلّا لِأشْرَفِ النّاسِ ومُحَمَّدٌ لَيْسَ أشْرَفَ النّاسِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ لَهُ النُّبُوَّةُ، والمُقَدِّمَتانِ الأوَّلِيّانِ حَقِيقَتانِ، لَكِنَّ الثّالِثَةَ كاذِبَةٌ وسَبَبُ رَواجِ هَذا التَّغْلِيطِ عَلَيْهِمْ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الشَّرَفَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالمالِ والأعْوانِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ مَراتِبَ السَّعادَةِ ثَلاثٌ أعْلاها هي النَّفْسانِيَّةُ وأوْسَطُها هي البَدَنِيَّةُ، وأدْوَنُها هي الخارِجِيَّةُ وهي المالُ والجاهُ، فالقَوْمُ عَكَسُوا القَضِيَّةَ وظَنُّوا بِأخَسِّ المَراتِبِ أشْرَفَها، فَلَمّا وجَدُوا المالَ والجاهَ عِنْدَ غَيْرِهِ أكْثَرَ ظَنُّوا أنَّ غَيْرَهُ أشْرَفُ مِنهُ، فَحِينَئِذٍ انْعَقَدَ هَذا القِياسُ الفاسِدُ في أفْكارِهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي لَوْ نَظَرُوا فِيها لَزالَ هَذا الشَّكُّ عَنْهم وذَلِكَ لَأنَّ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبُهاتِ فَهي كَلِماتٌ ضَعِيفَةٌ، وأمّا الدَّلائِلُ الَّتِي تَدُلُّ بِنَفْسِها عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَهي دَلائِلُ قاطِعَةٌ، فَلَوْ تَأمَّلُوا حَقَّ التَّأمُّلِ في الكَلامِ لَوَقَفُوا عَلى ضَعْفِ الشُّبُهاتِ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في إبْطالِ النُّبُوَّةِ، ولَعَرَفُوا صِحَّةَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَحَيْثُ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ كانَ لِأجْلِ أنَّهم تَرَكُوا النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ فَمَوْقِعُهُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ هَؤُلاءِ إنَّما تَرَكُوا النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ لِأنِّي لَمْ أُذِقْهم عَذابِي، ولَوْ ذاقُوهُ لَمْ يَقَعْ مِنهم إلّا الإقْبالُ عَلى أداءِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَنهِيّاتِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ؛ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُخَوِّفُهم مِن عَذابِ اللَّهِ لَوْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ إنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمُ العَذابُ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشَكِّهِمْ في صِدْقِهِ، وقالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ الشَّكَّ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ العَذابِ. والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ ودَرَجَةٌ عالِيَةٌ، والقادِرُ عَلى هِبَتِها يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَزِيزًا أيْ: كامِلَ القُدْرَةِ، ووَهّابًا أيْ: عَظِيمَ الجُودِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإذا كانَ هو تَعالى كامِلَ القُدْرَةِ وكامِلَ الجُودِ، لَمْ يَتَوَقَّفْ كَوْنُهُ واهِبًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ عَلى كَوْنِ المَوْهُوبِ مِنهُ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا، ولَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ أيْضًا بِسَبَبِ أنَّ أعْداءَهُ يُحِبُّونَهُ أوْ يَكْرَهُونَهُ. والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ مُغايِرًا لِلْمُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ والفَرْقُ أنَّ خَزائِنَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ كَما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحِجْرِ: ٢١] ومِن جُمْلَةِ تِلْكَ الخَزائِنِ هو هَذِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلَمّا ذَكَّرَنا الخَزائِنَ أوَّلًا عَلى عُمُومِها أرْدَفَها بِذِكْرِ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أحَدُ أنْواعِ خَزائِنِ اللَّهِ، فَإذا كُنْتُمْ عاجِزِينَ عَنْ هَذا القِسْمِ، فَبِأنْ تَكُونُوا عاجِزِينَ عَنْ كُلِّ خَزائِنِ اللَّهِ كانَ أوْلى، فَهَذا صفحة ١٥٨ ما أمْكَنَنِي ذِكْرُهُ في الفَرْقِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ فالمَعْنى أنَّهم إنِ ادَّعَوْا أنَّ لَهم مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ فَعِنْدَ هَذا يُقالُ لَهُمُ ارْتَقُوا في الأسْبابِ واصْعَدُوا في المَعارِجِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى العَرْشِ حَتّى يَرْتَقُوا عَلَيْهِ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ ومَلَكُوتَ اللَّهِ ويُنْزِلُوا الوَحْيَ عَلى مَن يَخْتارُونَ، واعْلَمْ أنَّ حُكَماءَ الإسْلامِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ عَلى أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ وما أوْدَعَ اللَّهُ فِيها مِنَ القُوى والخَواصِّ أسْبابٌ لِحَوادِثِ العالَمِ السُّفْلِيِّ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى الفَلَكِيّاتِ أسْبابًا وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ فَفِيهِ مَقامانِ مِنَ البَحْثِ: أحَدُهُما: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ. والثّانِي: في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِها بِما قَبْلَها. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿جُنْدٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وما لِلْإيهامِ كَقَوْلِهِ جِئْتُ لِأمْرٍ ما، وعِنْدِي طَعامٌ ما، و﴿مِنَ الأحْزابِ﴾ صِفَةٌ لِجُنْدٍ و﴿مَهْزُومٌ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِجُنْدٍ أيْ جُنْدٌ ثابِتٌ هُنالِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَهْزُومٍ مَعْناهُ أنَّ الجُنْدَ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومٌ هُنالِكَ، أيْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا يَذْكُرُونَ فِيهِ هَذِهِ الكَلِماتِ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأمّا المَقامُ الثّانِي: فَهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ إنْ كانُوا يَمْلِكُونَ السَّماواتِ والأرْضَ فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ ضَعِيفُونَ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ مالِكِي السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، قالَ قَتادَةُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِمَكَّةَ أنَّهُ سَيُهْزَمُ جُنْدُ المُشْرِكِينَ فَجاءَ تَأْوِيلُها يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، والأصْوَبُ عِنْدِي حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم جُنْدٌ سَيَصِيرُونَ مُنْهَزِمِينَ في المَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرُوا فِيهِ هَذِهِ الكَلِماتِ، وذَلِكَ المَوْضِعُ هو مَكَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم سَيَصِيرُونَ مُنْهَزِمِينَ في مَكَّةَ وما ذاكَ إلّا يَوْمَ الفَتْحِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ وهي الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالنُّبُوّاتِ، وهي قَوْلُهم إنَّ مُحَمَّدًا لَمّا كانَ مُساوِيًا لِغَيْرِهِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ والأخْلاقِ الباطِنَةِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُخْتَصَّ هو بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ والمَنزِلَةِ الشَّرِيفَةِ ؟ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ فَإنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم قالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ فَقالُوا: صفحة ١٥٧ ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القَمَرِ: ٢٥] وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وتَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهم قالُوا النُّبُوَّةُ أشْرَفُ المَراتِبِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ إلّا لِأشْرَفِ النّاسِ ومُحَمَّدٌ لَيْسَ أشْرَفَ النّاسِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ لَهُ النُّبُوَّةُ، والمُقَدِّمَتانِ الأوَّلِيّانِ حَقِيقَتانِ، لَكِنَّ الثّالِثَةَ كاذِبَةٌ وسَبَبُ رَواجِ هَذا التَّغْلِيطِ عَلَيْهِمْ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الشَّرَفَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالمالِ والأعْوانِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ مَراتِبَ السَّعادَةِ ثَلاثٌ أعْلاها هي النَّفْسانِيَّةُ وأوْسَطُها هي البَدَنِيَّةُ، وأدْوَنُها هي الخارِجِيَّةُ وهي المالُ والجاهُ، فالقَوْمُ عَكَسُوا القَضِيَّةَ وظَنُّوا بِأخَسِّ المَراتِبِ أشْرَفَها، فَلَمّا وجَدُوا المالَ والجاهَ عِنْدَ غَيْرِهِ أكْثَرَ ظَنُّوا أنَّ غَيْرَهُ أشْرَفُ مِنهُ، فَحِينَئِذٍ انْعَقَدَ هَذا القِياسُ الفاسِدُ في أفْكارِهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي لَوْ نَظَرُوا فِيها لَزالَ هَذا الشَّكُّ عَنْهم وذَلِكَ لَأنَّ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبُهاتِ فَهي كَلِماتٌ ضَعِيفَةٌ، وأمّا الدَّلائِلُ الَّتِي تَدُلُّ بِنَفْسِها عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَهي دَلائِلُ قاطِعَةٌ، فَلَوْ تَأمَّلُوا حَقَّ التَّأمُّلِ في الكَلامِ لَوَقَفُوا عَلى ضَعْفِ الشُّبُهاتِ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في إبْطالِ النُّبُوَّةِ، ولَعَرَفُوا صِحَّةَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَحَيْثُ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ كانَ لِأجْلِ أنَّهم تَرَكُوا النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ فَمَوْقِعُهُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ هَؤُلاءِ إنَّما تَرَكُوا النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ لِأنِّي لَمْ أُذِقْهم عَذابِي، ولَوْ ذاقُوهُ لَمْ يَقَعْ مِنهم إلّا الإقْبالُ عَلى أداءِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَنهِيّاتِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ؛ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُخَوِّفُهم مِن عَذابِ اللَّهِ لَوْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ إنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمُ العَذابُ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشَكِّهِمْ في صِدْقِهِ، وقالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ الشَّكَّ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ العَذابِ. والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ ودَرَجَةٌ عالِيَةٌ، والقادِرُ عَلى هِبَتِها يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَزِيزًا أيْ: كامِلَ القُدْرَةِ، ووَهّابًا أيْ: عَظِيمَ الجُودِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإذا كانَ هو تَعالى كامِلَ القُدْرَةِ وكامِلَ الجُودِ، لَمْ يَتَوَقَّفْ كَوْنُهُ واهِبًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ عَلى كَوْنِ المَوْهُوبِ مِنهُ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا، ولَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ أيْضًا بِسَبَبِ أنَّ أعْداءَهُ يُحِبُّونَهُ أوْ يَكْرَهُونَهُ. والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ مُغايِرًا لِلْمُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ والفَرْقُ أنَّ خَزائِنَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ كَما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحِجْرِ: ٢١] ومِن جُمْلَةِ تِلْكَ الخَزائِنِ هو هَذِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلَمّا ذَكَّرَنا الخَزائِنَ أوَّلًا عَلى عُمُومِها أرْدَفَها بِذِكْرِ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أحَدُ أنْواعِ خَزائِنِ اللَّهِ، فَإذا كُنْتُمْ عاجِزِينَ عَنْ هَذا القِسْمِ، فَبِأنْ تَكُونُوا عاجِزِينَ عَنْ كُلِّ خَزائِنِ اللَّهِ كانَ أوْلى، فَهَذا صفحة ١٥٨ ما أمْكَنَنِي ذِكْرُهُ في الفَرْقِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ فالمَعْنى أنَّهم إنِ ادَّعَوْا أنَّ لَهم مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ فَعِنْدَ هَذا يُقالُ لَهُمُ ارْتَقُوا في الأسْبابِ واصْعَدُوا في المَعارِجِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى العَرْشِ حَتّى يَرْتَقُوا عَلَيْهِ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ ومَلَكُوتَ اللَّهِ ويُنْزِلُوا الوَحْيَ عَلى مَن يَخْتارُونَ، واعْلَمْ أنَّ حُكَماءَ الإسْلامِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ عَلى أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ وما أوْدَعَ اللَّهُ فِيها مِنَ القُوى والخَواصِّ أسْبابٌ لِحَوادِثِ العالَمِ السُّفْلِيِّ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى الفَلَكِيّاتِ أسْبابًا وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ فَفِيهِ مَقامانِ مِنَ البَحْثِ: أحَدُهُما: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ. والثّانِي: في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِها بِما قَبْلَها. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿جُنْدٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وما لِلْإيهامِ كَقَوْلِهِ جِئْتُ لِأمْرٍ ما، وعِنْدِي طَعامٌ ما، و﴿مِنَ الأحْزابِ﴾ صِفَةٌ لِجُنْدٍ و﴿مَهْزُومٌ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِجُنْدٍ أيْ جُنْدٌ ثابِتٌ هُنالِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَهْزُومٍ مَعْناهُ أنَّ الجُنْدَ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومٌ هُنالِكَ، أيْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا يَذْكُرُونَ فِيهِ هَذِهِ الكَلِماتِ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأمّا المَقامُ الثّانِي: فَهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ إنْ كانُوا يَمْلِكُونَ السَّماواتِ والأرْضَ فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ ضَعِيفُونَ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ مالِكِي السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، قالَ قَتادَةُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِمَكَّةَ أنَّهُ سَيُهْزَمُ جُنْدُ المُشْرِكِينَ فَجاءَ تَأْوِيلُها يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، والأصْوَبُ عِنْدِي حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم جُنْدٌ سَيَصِيرُونَ مُنْهَزِمِينَ في المَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرُوا فِيهِ هَذِهِ الكَلِماتِ، وذَلِكَ المَوْضِعُ هو مَكَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم سَيَصِيرُونَ مُنْهَزِمِينَ في مَكَّةَ وما ذاكَ إلّا يَوْمَ الفَتْحِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ القَوْمِ أنَّهم إنَّما تَوانَوْا وتَكاسَلُوا في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، لِأجْلِ أنَّهم لَمْ يَنْزِلْ بِهِمُ العَذابُ، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ هَكَذا كانُوا ثُمَّ بِالآخِرَةِ نَزَلَ ذَلِكَ العِقابُ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَخْوِيفُ أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ في إخْبارِهِ عَنْ نُزُولِ العِقابِ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرَ اللَّهُ سِتَّةَ أصْنافٍ مِنهم: أوَّلُهم قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمّا كَذَّبُوا نُوحًا أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ والطُّوفانُ. والثّانِي: قَوْمُ هُودٍ لَمّا كَذَّبُوهُ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالرِّيحِ. والثّالِثُ: فِرْعَوْنُ لَمّا كَذَّبَ مُوسى أهْلَكَهُ اللَّهُ مَعَ قَوْمِهِ بِالغَرَقِ. والرّابِعُ: ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ لَمّا كَذَّبُوهُ فَأُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. والخامِسُ: قَوْمُ لُوطٍ كَذَّبُوهُ بِالخَسْفِ. والسّادِسُ: أصْحابُ الأيْكَةِ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَذَّبُوهُ فَأُهْلِكُوا بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، قالُوا: وإنَّما وصَفَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ ذا الأوْتادِ لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن ثَباتِ البَيْتِ المُطْنَبِ بِأوْتادِهِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِإثْباتِ العِزِّ والمُلْكِ قالَ الشّاعِرُ: صفحة ١٥٩ ولَقَدْ غَنَوْا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ قالَ القاضِي: حَمْلُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى لِأنَّهُ وصْفٌ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَيَجِبُ فِيما وُصِفَ بِهِ أنْ يَكُونَ تَفْخِيمًا لِأمْرِ مُلْكِهِ لِيَكُونَ الزَّجْرُ بِما ورَدَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الهَلاكِ مَعَ قُوَّةِ أمْرِهِ أبْلَغَ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنْصِبُ الخَشَبَ في الهَواءِ وكانَ يَمُدُّ يَدَيِ المُعَذَّبِ ورِجْلَيْهِ إلى تِلْكَ الخَشَبِ الأرْبَعِ، ويَضْرِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ وتِدًا، ويَتْرُكُهُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ إلى أنْ يَمُوتَ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَمُدُّ المُعَذَّبَ بَيْنَ أرْبَعَةِ أوْتادٍ في الأرْضِ ويُرْسِلُ عَلَيْهِ العَقارِبَ والحَيّاتِ. والرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: كانَتْ أوْتادًا وأرْسانًا ومَلاعِبَ يُلْعَبُ بِها عِنْدَهُ. والخامِسُ: أنَّ عَساكِرَهُ كانُوا كَثِيرِينَ، وكانُوا كَثِيرِي الأُهْبَةِ عَظِيمِي النِّعَمِ، وكانُوا يُكْثِرُونَ مِنَ الأوْتادِ لِأجْلِ الخِيامِ فَعُرِفَ بِها. والسّادِسُ: ذُو الأوْتادِ والجُمُوعِ الكَثِيرَةِ، وسُمِّيَتِ الجُمُوعُ أوْتادًا لِأنَّهم يُقِرُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ مَمْلَكَتَهُ كَما يُقَوِّي الوَتِدُ البِناءَ. وأمّا الأيْكَةُ فَهي الغَيْضَةُ المُلْتَفَّةُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرْناهم مِنَ الأُمَمِ هُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ فَأهْلَكْناهم، فَكَذَلِكَ نَفْعَلُ بِقَوْمِكَ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ، أيْ مِن جِنْسِ الأحْزابِ المُتَقَدِّمِينَ، فَلَمّا ذَكَرَ أنَّهُ عامَلَ الأحْزابَ المُتَقَدِّمِينَ بِالإهْلاكِ كانَ ذَلِكَ تَخْوِيفًا شَدِيدًا لِقَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ . الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ مُبالَغَةٌ لِوَصْفِهِمْ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ، كَما يُقالُ فُلانٌ هو الرَّجُلُ، والمَعْنى أنَّ حالَ أُولَئِكَ الأحْزابِ مَعَ كَمالِ قُوَّتِهِمْ لَمّا كانَ هو الهَلاكَ والبَوارَ، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ المَساكِينِ. واعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ إنْ صَدَّقُوا بِهَذِهِ الأخْبارِ فَهو تَحْذِيرٌ، وإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِها فَهو تَحْذِيرٌ أيْضًا، لِأنَّ آثارَ هَذِهِ الوَقائِعِ باقِيَةٌ وهو يُفِيدُ الظَّنَّ القَوِيَّ فَيَحْذَرُونَ، ولِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيرِ يُوجِبُ الحَذَرَ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ كُلُّ هَذِهِ الطَّوائِفِ لَمّا كَذَّبُوا أنْبِياءَهم في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، لا جَرَمَ نَزَلَ العِقابُ عَلَيْهِمْ وإنْ كانَ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ زَجْرُ السّامِعِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ وإنْ تَأخَّرَ هَلاكُهم فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الصَّيْحَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ عَذابًا يَفْجَأُهم ويَجِيئُهم دُفْعَةً واحِدَةً، كَما يُقالُ صاحَ الزَّمانُ بِهِمْ إذا هَلَكُوا قالَ الشّاعِرُ: صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُ ذَلِكَ مِنَ الغارَةِ إذا عافَصَتِ القَوْمَ فَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ فِيهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ١٠٢] الآيَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الصَّيْحَةَ هي صَيْحَةُ النَّفْخَةِ الأُولى في الصُّورِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يس: ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] والمَعْنى أنَّهم وإنْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي في الدُّنْيا فَهو مُعَدٌّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَأنَّهم بِذَلِكَ العَذابِ وقَدْ جاءَهم فَجَعَلَهم مُنْتَظِرِينَ لَها عَلى مَعْنى قُرْبِها مِنهم، كالرَّجُلِ الَّذِي يَنْتَظِرُ الشَّيْءَ فَهو مادُّ الطَّرْفِ إلَيْهِ يَطْمَعُ كُلَّ ساعَةٍ في حُضُورِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ هَذِهِ الصَّيْحَةَ فَقالَ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ صفحة ١٦٠ والكِسائِيُّ ”فُواقٍ“ بِضَمِّ الفاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ مِن فَواقِ النّاقَةِ. وهو ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وأصْلُهُ مِنَ الرُّجُوعِ، يُقالُ أفاقَ مِن مَرَضِهِ، أيْ رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، فالزَّمانُ الحاصِلُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ لِعَوْدِ اللَّبَنِ إلى الضَّرْعِ يُسَمّى فَواقًا بِالفَتْحِ وبِالضَّمِّ، كَقَوْلِكَ قَصاصُ الشَّعَرِ وقُصاصُهُ، قالَ الواحِدِيُّ: والفُواقُ والفَواقُ اسْمانِ مِنَ الإفاقَةِ، والإفاقَةُ مَعْناها الرُّجُوعُ والسُّكُونُ كَإفاقَةِ المَرِيضِ، إلّا أنَّ الفَواقَ بِالفَتْحِ يَجُوزُ أنْ يُقامَ مَقامَ المَصْدَرِ، والفُواقُ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، ورَوى الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «يُأْمَرُ إسْرافِيلُ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ، قالَ فَيُمِدُّها ويُطَوِّلُها» وهي الَّتِي يَقُولُ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: ما لَها سُكُونٌ. والثّانِي: ما لَها رُجُوعٌ، والمَعْنى ما تَسْكُنُ تِلْكَ الصَّيْحَةُ ولا تَرْجِعُ إلى السُّكُونِ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن بَقِيَ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، إنَّهُ لا يُفِيقُ مِنهُ ولا يَسْتَفِيقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ القَوْمِ أنَّهم إنَّما تَوانَوْا وتَكاسَلُوا في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، لِأجْلِ أنَّهم لَمْ يَنْزِلْ بِهِمُ العَذابُ، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ هَكَذا كانُوا ثُمَّ بِالآخِرَةِ نَزَلَ ذَلِكَ العِقابُ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَخْوِيفُ أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ في إخْبارِهِ عَنْ نُزُولِ العِقابِ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرَ اللَّهُ سِتَّةَ أصْنافٍ مِنهم: أوَّلُهم قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمّا كَذَّبُوا نُوحًا أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ والطُّوفانُ. والثّانِي: قَوْمُ هُودٍ لَمّا كَذَّبُوهُ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالرِّيحِ. والثّالِثُ: فِرْعَوْنُ لَمّا كَذَّبَ مُوسى أهْلَكَهُ اللَّهُ مَعَ قَوْمِهِ بِالغَرَقِ. والرّابِعُ: ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ لَمّا كَذَّبُوهُ فَأُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. والخامِسُ: قَوْمُ لُوطٍ كَذَّبُوهُ بِالخَسْفِ. والسّادِسُ: أصْحابُ الأيْكَةِ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَذَّبُوهُ فَأُهْلِكُوا بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، قالُوا: وإنَّما وصَفَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ ذا الأوْتادِ لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن ثَباتِ البَيْتِ المُطْنَبِ بِأوْتادِهِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِإثْباتِ العِزِّ والمُلْكِ قالَ الشّاعِرُ: صفحة ١٥٩ ولَقَدْ غَنَوْا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ قالَ القاضِي: حَمْلُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى لِأنَّهُ وصْفٌ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَيَجِبُ فِيما وُصِفَ بِهِ أنْ يَكُونَ تَفْخِيمًا لِأمْرِ مُلْكِهِ لِيَكُونَ الزَّجْرُ بِما ورَدَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الهَلاكِ مَعَ قُوَّةِ أمْرِهِ أبْلَغَ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنْصِبُ الخَشَبَ في الهَواءِ وكانَ يَمُدُّ يَدَيِ المُعَذَّبِ ورِجْلَيْهِ إلى تِلْكَ الخَشَبِ الأرْبَعِ، ويَضْرِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ وتِدًا، ويَتْرُكُهُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ إلى أنْ يَمُوتَ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَمُدُّ المُعَذَّبَ بَيْنَ أرْبَعَةِ أوْتادٍ في الأرْضِ ويُرْسِلُ عَلَيْهِ العَقارِبَ والحَيّاتِ. والرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: كانَتْ أوْتادًا وأرْسانًا ومَلاعِبَ يُلْعَبُ بِها عِنْدَهُ. والخامِسُ: أنَّ عَساكِرَهُ كانُوا كَثِيرِينَ، وكانُوا كَثِيرِي الأُهْبَةِ عَظِيمِي النِّعَمِ، وكانُوا يُكْثِرُونَ مِنَ الأوْتادِ لِأجْلِ الخِيامِ فَعُرِفَ بِها. والسّادِسُ: ذُو الأوْتادِ والجُمُوعِ الكَثِيرَةِ، وسُمِّيَتِ الجُمُوعُ أوْتادًا لِأنَّهم يُقِرُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ مَمْلَكَتَهُ كَما يُقَوِّي الوَتِدُ البِناءَ. وأمّا الأيْكَةُ فَهي الغَيْضَةُ المُلْتَفَّةُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرْناهم مِنَ الأُمَمِ هُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ فَأهْلَكْناهم، فَكَذَلِكَ نَفْعَلُ بِقَوْمِكَ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ، أيْ مِن جِنْسِ الأحْزابِ المُتَقَدِّمِينَ، فَلَمّا ذَكَرَ أنَّهُ عامَلَ الأحْزابَ المُتَقَدِّمِينَ بِالإهْلاكِ كانَ ذَلِكَ تَخْوِيفًا شَدِيدًا لِقَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ . الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ مُبالَغَةٌ لِوَصْفِهِمْ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ، كَما يُقالُ فُلانٌ هو الرَّجُلُ، والمَعْنى أنَّ حالَ أُولَئِكَ الأحْزابِ مَعَ كَمالِ قُوَّتِهِمْ لَمّا كانَ هو الهَلاكَ والبَوارَ، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ المَساكِينِ. واعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ إنْ صَدَّقُوا بِهَذِهِ الأخْبارِ فَهو تَحْذِيرٌ، وإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِها فَهو تَحْذِيرٌ أيْضًا، لِأنَّ آثارَ هَذِهِ الوَقائِعِ باقِيَةٌ وهو يُفِيدُ الظَّنَّ القَوِيَّ فَيَحْذَرُونَ، ولِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيرِ يُوجِبُ الحَذَرَ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ كُلُّ هَذِهِ الطَّوائِفِ لَمّا كَذَّبُوا أنْبِياءَهم في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، لا جَرَمَ نَزَلَ العِقابُ عَلَيْهِمْ وإنْ كانَ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ زَجْرُ السّامِعِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ وإنْ تَأخَّرَ هَلاكُهم فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الصَّيْحَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ عَذابًا يَفْجَأُهم ويَجِيئُهم دُفْعَةً واحِدَةً، كَما يُقالُ صاحَ الزَّمانُ بِهِمْ إذا هَلَكُوا قالَ الشّاعِرُ: صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُ ذَلِكَ مِنَ الغارَةِ إذا عافَصَتِ القَوْمَ فَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ فِيهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ١٠٢] الآيَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الصَّيْحَةَ هي صَيْحَةُ النَّفْخَةِ الأُولى في الصُّورِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يس: ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] والمَعْنى أنَّهم وإنْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي في الدُّنْيا فَهو مُعَدٌّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَأنَّهم بِذَلِكَ العَذابِ وقَدْ جاءَهم فَجَعَلَهم مُنْتَظِرِينَ لَها عَلى مَعْنى قُرْبِها مِنهم، كالرَّجُلِ الَّذِي يَنْتَظِرُ الشَّيْءَ فَهو مادُّ الطَّرْفِ إلَيْهِ يَطْمَعُ كُلَّ ساعَةٍ في حُضُورِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ هَذِهِ الصَّيْحَةَ فَقالَ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ صفحة ١٦٠ والكِسائِيُّ ”فُواقٍ“ بِضَمِّ الفاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ مِن فَواقِ النّاقَةِ. وهو ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وأصْلُهُ مِنَ الرُّجُوعِ، يُقالُ أفاقَ مِن مَرَضِهِ، أيْ رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، فالزَّمانُ الحاصِلُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ لِعَوْدِ اللَّبَنِ إلى الضَّرْعِ يُسَمّى فَواقًا بِالفَتْحِ وبِالضَّمِّ، كَقَوْلِكَ قَصاصُ الشَّعَرِ وقُصاصُهُ، قالَ الواحِدِيُّ: والفُواقُ والفَواقُ اسْمانِ مِنَ الإفاقَةِ، والإفاقَةُ مَعْناها الرُّجُوعُ والسُّكُونُ كَإفاقَةِ المَرِيضِ، إلّا أنَّ الفَواقَ بِالفَتْحِ يَجُوزُ أنْ يُقامَ مَقامَ المَصْدَرِ، والفُواقُ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، ورَوى الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «يُأْمَرُ إسْرافِيلُ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ، قالَ فَيُمِدُّها ويُطَوِّلُها» وهي الَّتِي يَقُولُ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: ما لَها سُكُونٌ. والثّانِي: ما لَها رُجُوعٌ، والمَعْنى ما تَسْكُنُ تِلْكَ الصَّيْحَةُ ولا تَرْجِعُ إلى السُّكُونِ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن بَقِيَ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، إنَّهُ لا يُفِيقُ مِنهُ ولا يَسْتَفِيقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ القَوْمِ أنَّهم إنَّما تَوانَوْا وتَكاسَلُوا في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، لِأجْلِ أنَّهم لَمْ يَنْزِلْ بِهِمُ العَذابُ، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ هَكَذا كانُوا ثُمَّ بِالآخِرَةِ نَزَلَ ذَلِكَ العِقابُ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَخْوِيفُ أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ في إخْبارِهِ عَنْ نُزُولِ العِقابِ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرَ اللَّهُ سِتَّةَ أصْنافٍ مِنهم: أوَّلُهم قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمّا كَذَّبُوا نُوحًا أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ والطُّوفانُ. والثّانِي: قَوْمُ هُودٍ لَمّا كَذَّبُوهُ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالرِّيحِ. والثّالِثُ: فِرْعَوْنُ لَمّا كَذَّبَ مُوسى أهْلَكَهُ اللَّهُ مَعَ قَوْمِهِ بِالغَرَقِ. والرّابِعُ: ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ لَمّا كَذَّبُوهُ فَأُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. والخامِسُ: قَوْمُ لُوطٍ كَذَّبُوهُ بِالخَسْفِ. والسّادِسُ: أصْحابُ الأيْكَةِ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَذَّبُوهُ فَأُهْلِكُوا بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، قالُوا: وإنَّما وصَفَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ ذا الأوْتادِ لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن ثَباتِ البَيْتِ المُطْنَبِ بِأوْتادِهِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِإثْباتِ العِزِّ والمُلْكِ قالَ الشّاعِرُ: صفحة ١٥٩ ولَقَدْ غَنَوْا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ قالَ القاضِي: حَمْلُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى لِأنَّهُ وصْفٌ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَيَجِبُ فِيما وُصِفَ بِهِ أنْ يَكُونَ تَفْخِيمًا لِأمْرِ مُلْكِهِ لِيَكُونَ الزَّجْرُ بِما ورَدَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الهَلاكِ مَعَ قُوَّةِ أمْرِهِ أبْلَغَ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنْصِبُ الخَشَبَ في الهَواءِ وكانَ يَمُدُّ يَدَيِ المُعَذَّبِ ورِجْلَيْهِ إلى تِلْكَ الخَشَبِ الأرْبَعِ، ويَضْرِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ وتِدًا، ويَتْرُكُهُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ إلى أنْ يَمُوتَ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَمُدُّ المُعَذَّبَ بَيْنَ أرْبَعَةِ أوْتادٍ في الأرْضِ ويُرْسِلُ عَلَيْهِ العَقارِبَ والحَيّاتِ. والرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: كانَتْ أوْتادًا وأرْسانًا ومَلاعِبَ يُلْعَبُ بِها عِنْدَهُ. والخامِسُ: أنَّ عَساكِرَهُ كانُوا كَثِيرِينَ، وكانُوا كَثِيرِي الأُهْبَةِ عَظِيمِي النِّعَمِ، وكانُوا يُكْثِرُونَ مِنَ الأوْتادِ لِأجْلِ الخِيامِ فَعُرِفَ بِها. والسّادِسُ: ذُو الأوْتادِ والجُمُوعِ الكَثِيرَةِ، وسُمِّيَتِ الجُمُوعُ أوْتادًا لِأنَّهم يُقِرُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ مَمْلَكَتَهُ كَما يُقَوِّي الوَتِدُ البِناءَ. وأمّا الأيْكَةُ فَهي الغَيْضَةُ المُلْتَفَّةُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرْناهم مِنَ الأُمَمِ هُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ فَأهْلَكْناهم، فَكَذَلِكَ نَفْعَلُ بِقَوْمِكَ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ، أيْ مِن جِنْسِ الأحْزابِ المُتَقَدِّمِينَ، فَلَمّا ذَكَرَ أنَّهُ عامَلَ الأحْزابَ المُتَقَدِّمِينَ بِالإهْلاكِ كانَ ذَلِكَ تَخْوِيفًا شَدِيدًا لِقَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ . الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ مُبالَغَةٌ لِوَصْفِهِمْ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ، كَما يُقالُ فُلانٌ هو الرَّجُلُ، والمَعْنى أنَّ حالَ أُولَئِكَ الأحْزابِ مَعَ كَمالِ قُوَّتِهِمْ لَمّا كانَ هو الهَلاكَ والبَوارَ، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ المَساكِينِ. واعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ إنْ صَدَّقُوا بِهَذِهِ الأخْبارِ فَهو تَحْذِيرٌ، وإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِها فَهو تَحْذِيرٌ أيْضًا، لِأنَّ آثارَ هَذِهِ الوَقائِعِ باقِيَةٌ وهو يُفِيدُ الظَّنَّ القَوِيَّ فَيَحْذَرُونَ، ولِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيرِ يُوجِبُ الحَذَرَ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ كُلُّ هَذِهِ الطَّوائِفِ لَمّا كَذَّبُوا أنْبِياءَهم في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، لا جَرَمَ نَزَلَ العِقابُ عَلَيْهِمْ وإنْ كانَ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ زَجْرُ السّامِعِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ وإنْ تَأخَّرَ هَلاكُهم فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الصَّيْحَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ عَذابًا يَفْجَأُهم ويَجِيئُهم دُفْعَةً واحِدَةً، كَما يُقالُ صاحَ الزَّمانُ بِهِمْ إذا هَلَكُوا قالَ الشّاعِرُ: صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُ ذَلِكَ مِنَ الغارَةِ إذا عافَصَتِ القَوْمَ فَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ فِيهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ١٠٢] الآيَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الصَّيْحَةَ هي صَيْحَةُ النَّفْخَةِ الأُولى في الصُّورِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يس: ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] والمَعْنى أنَّهم وإنْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي في الدُّنْيا فَهو مُعَدٌّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَأنَّهم بِذَلِكَ العَذابِ وقَدْ جاءَهم فَجَعَلَهم مُنْتَظِرِينَ لَها عَلى مَعْنى قُرْبِها مِنهم، كالرَّجُلِ الَّذِي يَنْتَظِرُ الشَّيْءَ فَهو مادُّ الطَّرْفِ إلَيْهِ يَطْمَعُ كُلَّ ساعَةٍ في حُضُورِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ هَذِهِ الصَّيْحَةَ فَقالَ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ صفحة ١٦٠ والكِسائِيُّ ”فُواقٍ“ بِضَمِّ الفاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ مِن فَواقِ النّاقَةِ. وهو ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وأصْلُهُ مِنَ الرُّجُوعِ، يُقالُ أفاقَ مِن مَرَضِهِ، أيْ رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، فالزَّمانُ الحاصِلُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ لِعَوْدِ اللَّبَنِ إلى الضَّرْعِ يُسَمّى فَواقًا بِالفَتْحِ وبِالضَّمِّ، كَقَوْلِكَ قَصاصُ الشَّعَرِ وقُصاصُهُ، قالَ الواحِدِيُّ: والفُواقُ والفَواقُ اسْمانِ مِنَ الإفاقَةِ، والإفاقَةُ مَعْناها الرُّجُوعُ والسُّكُونُ كَإفاقَةِ المَرِيضِ، إلّا أنَّ الفَواقَ بِالفَتْحِ يَجُوزُ أنْ يُقامَ مَقامَ المَصْدَرِ، والفُواقُ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، ورَوى الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «يُأْمَرُ إسْرافِيلُ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ، قالَ فَيُمِدُّها ويُطَوِّلُها» وهي الَّتِي يَقُولُ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: ما لَها سُكُونٌ. والثّانِي: ما لَها رُجُوعٌ، والمَعْنى ما تَسْكُنُ تِلْكَ الصَّيْحَةُ ولا تَرْجِعُ إلى السُّكُونِ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن بَقِيَ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، إنَّهُ لا يُفِيقُ مِنهُ ولا يَسْتَفِيقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ القَوْمِ أنَّهم إنَّما تَوانَوْا وتَكاسَلُوا في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، لِأجْلِ أنَّهم لَمْ يَنْزِلْ بِهِمُ العَذابُ، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ هَكَذا كانُوا ثُمَّ بِالآخِرَةِ نَزَلَ ذَلِكَ العِقابُ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَخْوِيفُ أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ في إخْبارِهِ عَنْ نُزُولِ العِقابِ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرَ اللَّهُ سِتَّةَ أصْنافٍ مِنهم: أوَّلُهم قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمّا كَذَّبُوا نُوحًا أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ والطُّوفانُ. والثّانِي: قَوْمُ هُودٍ لَمّا كَذَّبُوهُ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالرِّيحِ. والثّالِثُ: فِرْعَوْنُ لَمّا كَذَّبَ مُوسى أهْلَكَهُ اللَّهُ مَعَ قَوْمِهِ بِالغَرَقِ. والرّابِعُ: ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ لَمّا كَذَّبُوهُ فَأُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. والخامِسُ: قَوْمُ لُوطٍ كَذَّبُوهُ بِالخَسْفِ. والسّادِسُ: أصْحابُ الأيْكَةِ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَذَّبُوهُ فَأُهْلِكُوا بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، قالُوا: وإنَّما وصَفَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ ذا الأوْتادِ لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن ثَباتِ البَيْتِ المُطْنَبِ بِأوْتادِهِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِإثْباتِ العِزِّ والمُلْكِ قالَ الشّاعِرُ: صفحة ١٥٩ ولَقَدْ غَنَوْا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ قالَ القاضِي: حَمْلُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى لِأنَّهُ وصْفٌ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَيَجِبُ فِيما وُصِفَ بِهِ أنْ يَكُونَ تَفْخِيمًا لِأمْرِ مُلْكِهِ لِيَكُونَ الزَّجْرُ بِما ورَدَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الهَلاكِ مَعَ قُوَّةِ أمْرِهِ أبْلَغَ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنْصِبُ الخَشَبَ في الهَواءِ وكانَ يَمُدُّ يَدَيِ المُعَذَّبِ ورِجْلَيْهِ إلى تِلْكَ الخَشَبِ الأرْبَعِ، ويَضْرِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ وتِدًا، ويَتْرُكُهُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ إلى أنْ يَمُوتَ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَمُدُّ المُعَذَّبَ بَيْنَ أرْبَعَةِ أوْتادٍ في الأرْضِ ويُرْسِلُ عَلَيْهِ العَقارِبَ والحَيّاتِ. والرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: كانَتْ أوْتادًا وأرْسانًا ومَلاعِبَ يُلْعَبُ بِها عِنْدَهُ. والخامِسُ: أنَّ عَساكِرَهُ كانُوا كَثِيرِينَ، وكانُوا كَثِيرِي الأُهْبَةِ عَظِيمِي النِّعَمِ، وكانُوا يُكْثِرُونَ مِنَ الأوْتادِ لِأجْلِ الخِيامِ فَعُرِفَ بِها. والسّادِسُ: ذُو الأوْتادِ والجُمُوعِ الكَثِيرَةِ، وسُمِّيَتِ الجُمُوعُ أوْتادًا لِأنَّهم يُقِرُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ مَمْلَكَتَهُ كَما يُقَوِّي الوَتِدُ البِناءَ. وأمّا الأيْكَةُ فَهي الغَيْضَةُ المُلْتَفَّةُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرْناهم مِنَ الأُمَمِ هُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ فَأهْلَكْناهم، فَكَذَلِكَ نَفْعَلُ بِقَوْمِكَ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ، أيْ مِن جِنْسِ الأحْزابِ المُتَقَدِّمِينَ، فَلَمّا ذَكَرَ أنَّهُ عامَلَ الأحْزابَ المُتَقَدِّمِينَ بِالإهْلاكِ كانَ ذَلِكَ تَخْوِيفًا شَدِيدًا لِقَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ . الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ مُبالَغَةٌ لِوَصْفِهِمْ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ، كَما يُقالُ فُلانٌ هو الرَّجُلُ، والمَعْنى أنَّ حالَ أُولَئِكَ الأحْزابِ مَعَ كَمالِ قُوَّتِهِمْ لَمّا كانَ هو الهَلاكَ والبَوارَ، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ المَساكِينِ. واعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ إنْ صَدَّقُوا بِهَذِهِ الأخْبارِ فَهو تَحْذِيرٌ، وإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِها فَهو تَحْذِيرٌ أيْضًا، لِأنَّ آثارَ هَذِهِ الوَقائِعِ باقِيَةٌ وهو يُفِيدُ الظَّنَّ القَوِيَّ فَيَحْذَرُونَ، ولِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيرِ يُوجِبُ الحَذَرَ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ كُلُّ هَذِهِ الطَّوائِفِ لَمّا كَذَّبُوا أنْبِياءَهم في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، لا جَرَمَ نَزَلَ العِقابُ عَلَيْهِمْ وإنْ كانَ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ زَجْرُ السّامِعِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ وإنْ تَأخَّرَ هَلاكُهم فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الصَّيْحَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ عَذابًا يَفْجَأُهم ويَجِيئُهم دُفْعَةً واحِدَةً، كَما يُقالُ صاحَ الزَّمانُ بِهِمْ إذا هَلَكُوا قالَ الشّاعِرُ: صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُ ذَلِكَ مِنَ الغارَةِ إذا عافَصَتِ القَوْمَ فَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ فِيهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ١٠٢] الآيَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الصَّيْحَةَ هي صَيْحَةُ النَّفْخَةِ الأُولى في الصُّورِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يس: ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] والمَعْنى أنَّهم وإنْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي في الدُّنْيا فَهو مُعَدٌّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَأنَّهم بِذَلِكَ العَذابِ وقَدْ جاءَهم فَجَعَلَهم مُنْتَظِرِينَ لَها عَلى مَعْنى قُرْبِها مِنهم، كالرَّجُلِ الَّذِي يَنْتَظِرُ الشَّيْءَ فَهو مادُّ الطَّرْفِ إلَيْهِ يَطْمَعُ كُلَّ ساعَةٍ في حُضُورِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ هَذِهِ الصَّيْحَةَ فَقالَ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ صفحة ١٦٠ والكِسائِيُّ ”فُواقٍ“ بِضَمِّ الفاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ مِن فَواقِ النّاقَةِ. وهو ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وأصْلُهُ مِنَ الرُّجُوعِ، يُقالُ أفاقَ مِن مَرَضِهِ، أيْ رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، فالزَّمانُ الحاصِلُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ لِعَوْدِ اللَّبَنِ إلى الضَّرْعِ يُسَمّى فَواقًا بِالفَتْحِ وبِالضَّمِّ، كَقَوْلِكَ قَصاصُ الشَّعَرِ وقُصاصُهُ، قالَ الواحِدِيُّ: والفُواقُ والفَواقُ اسْمانِ مِنَ الإفاقَةِ، والإفاقَةُ مَعْناها الرُّجُوعُ والسُّكُونُ كَإفاقَةِ المَرِيضِ، إلّا أنَّ الفَواقَ بِالفَتْحِ يَجُوزُ أنْ يُقامَ مَقامَ المَصْدَرِ، والفُواقُ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، ورَوى الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «يُأْمَرُ إسْرافِيلُ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ، قالَ فَيُمِدُّها ويُطَوِّلُها» وهي الَّتِي يَقُولُ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: ما لَها سُكُونٌ. والثّانِي: ما لَها رُجُوعٌ، والمَعْنى ما تَسْكُنُ تِلْكَ الصَّيْحَةُ ولا تَرْجِعُ إلى السُّكُونِ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن بَقِيَ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، إنَّهُ لا يُفِيقُ مِنهُ ولا يَسْتَفِيقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ القَوْمِ أنَّهم إنَّما تَوانَوْا وتَكاسَلُوا في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، لِأجْلِ أنَّهم لَمْ يَنْزِلْ بِهِمُ العَذابُ، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ هَكَذا كانُوا ثُمَّ بِالآخِرَةِ نَزَلَ ذَلِكَ العِقابُ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَخْوِيفُ أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ في إخْبارِهِ عَنْ نُزُولِ العِقابِ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرَ اللَّهُ سِتَّةَ أصْنافٍ مِنهم: أوَّلُهم قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمّا كَذَّبُوا نُوحًا أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ والطُّوفانُ. والثّانِي: قَوْمُ هُودٍ لَمّا كَذَّبُوهُ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالرِّيحِ. والثّالِثُ: فِرْعَوْنُ لَمّا كَذَّبَ مُوسى أهْلَكَهُ اللَّهُ مَعَ قَوْمِهِ بِالغَرَقِ. والرّابِعُ: ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ لَمّا كَذَّبُوهُ فَأُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. والخامِسُ: قَوْمُ لُوطٍ كَذَّبُوهُ بِالخَسْفِ. والسّادِسُ: أصْحابُ الأيْكَةِ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَذَّبُوهُ فَأُهْلِكُوا بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، قالُوا: وإنَّما وصَفَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِ ذا الأوْتادِ لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن ثَباتِ البَيْتِ المُطْنَبِ بِأوْتادِهِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِإثْباتِ العِزِّ والمُلْكِ قالَ الشّاعِرُ: صفحة ١٥٩ ولَقَدْ غَنَوْا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ قالَ القاضِي: حَمْلُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى لِأنَّهُ وصْفٌ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَيَجِبُ فِيما وُصِفَ بِهِ أنْ يَكُونَ تَفْخِيمًا لِأمْرِ مُلْكِهِ لِيَكُونَ الزَّجْرُ بِما ورَدَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الهَلاكِ مَعَ قُوَّةِ أمْرِهِ أبْلَغَ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنْصِبُ الخَشَبَ في الهَواءِ وكانَ يَمُدُّ يَدَيِ المُعَذَّبِ ورِجْلَيْهِ إلى تِلْكَ الخَشَبِ الأرْبَعِ، ويَضْرِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ وتِدًا، ويَتْرُكُهُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ إلى أنْ يَمُوتَ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَمُدُّ المُعَذَّبَ بَيْنَ أرْبَعَةِ أوْتادٍ في الأرْضِ ويُرْسِلُ عَلَيْهِ العَقارِبَ والحَيّاتِ. والرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: كانَتْ أوْتادًا وأرْسانًا ومَلاعِبَ يُلْعَبُ بِها عِنْدَهُ. والخامِسُ: أنَّ عَساكِرَهُ كانُوا كَثِيرِينَ، وكانُوا كَثِيرِي الأُهْبَةِ عَظِيمِي النِّعَمِ، وكانُوا يُكْثِرُونَ مِنَ الأوْتادِ لِأجْلِ الخِيامِ فَعُرِفَ بِها. والسّادِسُ: ذُو الأوْتادِ والجُمُوعِ الكَثِيرَةِ، وسُمِّيَتِ الجُمُوعُ أوْتادًا لِأنَّهم يُقِرُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ مَمْلَكَتَهُ كَما يُقَوِّي الوَتِدُ البِناءَ. وأمّا الأيْكَةُ فَهي الغَيْضَةُ المُلْتَفَّةُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرْناهم مِنَ الأُمَمِ هُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ فَأهْلَكْناهم، فَكَذَلِكَ نَفْعَلُ بِقَوْمِكَ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ، أيْ مِن جِنْسِ الأحْزابِ المُتَقَدِّمِينَ، فَلَمّا ذَكَرَ أنَّهُ عامَلَ الأحْزابَ المُتَقَدِّمِينَ بِالإهْلاكِ كانَ ذَلِكَ تَخْوِيفًا شَدِيدًا لِقَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ . الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ مُبالَغَةٌ لِوَصْفِهِمْ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ، كَما يُقالُ فُلانٌ هو الرَّجُلُ، والمَعْنى أنَّ حالَ أُولَئِكَ الأحْزابِ مَعَ كَمالِ قُوَّتِهِمْ لَمّا كانَ هو الهَلاكَ والبَوارَ، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ المَساكِينِ. واعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ إنْ صَدَّقُوا بِهَذِهِ الأخْبارِ فَهو تَحْذِيرٌ، وإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِها فَهو تَحْذِيرٌ أيْضًا، لِأنَّ آثارَ هَذِهِ الوَقائِعِ باقِيَةٌ وهو يُفِيدُ الظَّنَّ القَوِيَّ فَيَحْذَرُونَ، ولِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيرِ يُوجِبُ الحَذَرَ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ كُلُّ هَذِهِ الطَّوائِفِ لَمّا كَذَّبُوا أنْبِياءَهم في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، لا جَرَمَ نَزَلَ العِقابُ عَلَيْهِمْ وإنْ كانَ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ زَجْرُ السّامِعِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ وإنْ تَأخَّرَ هَلاكُهم فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الصَّيْحَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ عَذابًا يَفْجَأُهم ويَجِيئُهم دُفْعَةً واحِدَةً، كَما يُقالُ صاحَ الزَّمانُ بِهِمْ إذا هَلَكُوا قالَ الشّاعِرُ: صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُ ذَلِكَ مِنَ الغارَةِ إذا عافَصَتِ القَوْمَ فَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ فِيهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ١٠٢] الآيَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الصَّيْحَةَ هي صَيْحَةُ النَّفْخَةِ الأُولى في الصُّورِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يس: ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] والمَعْنى أنَّهم وإنْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي في الدُّنْيا فَهو مُعَدٌّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَأنَّهم بِذَلِكَ العَذابِ وقَدْ جاءَهم فَجَعَلَهم مُنْتَظِرِينَ لَها عَلى مَعْنى قُرْبِها مِنهم، كالرَّجُلِ الَّذِي يَنْتَظِرُ الشَّيْءَ فَهو مادُّ الطَّرْفِ إلَيْهِ يَطْمَعُ كُلَّ ساعَةٍ في حُضُورِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ هَذِهِ الصَّيْحَةَ فَقالَ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ صفحة ١٦٠ والكِسائِيُّ ”فُواقٍ“ بِضَمِّ الفاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ مِن فَواقِ النّاقَةِ. وهو ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وأصْلُهُ مِنَ الرُّجُوعِ، يُقالُ أفاقَ مِن مَرَضِهِ، أيْ رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، فالزَّمانُ الحاصِلُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ لِعَوْدِ اللَّبَنِ إلى الضَّرْعِ يُسَمّى فَواقًا بِالفَتْحِ وبِالضَّمِّ، كَقَوْلِكَ قَصاصُ الشَّعَرِ وقُصاصُهُ، قالَ الواحِدِيُّ: والفُواقُ والفَواقُ اسْمانِ مِنَ الإفاقَةِ، والإفاقَةُ مَعْناها الرُّجُوعُ والسُّكُونُ كَإفاقَةِ المَرِيضِ، إلّا أنَّ الفَواقَ بِالفَتْحِ يَجُوزُ أنْ يُقامَ مَقامَ المَصْدَرِ، والفُواقُ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، ورَوى الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «يُأْمَرُ إسْرافِيلُ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ، قالَ فَيُمِدُّها ويُطَوِّلُها» وهي الَّتِي يَقُولُ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: ما لَها سُكُونٌ. والثّانِي: ما لَها رُجُوعٌ، والمَعْنى ما تَسْكُنُ تِلْكَ الصَّيْحَةُ ولا تَرْجِعُ إلى السُّكُونِ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن بَقِيَ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، إنَّهُ لا يُفِيقُ مِنهُ ولا يَسْتَفِيقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ . اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أنَّ القَوْمَ إنَّما تَعَجَّبُوا لِشُبُهاتٍ ثَلاثٍ: أوَّلُها: تَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ والثّانِيَةُ: تَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ . والثّالِثَةُ: تَتَعَلَّقُ بِالمَعادَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في نِهايَةِ الإنْكارِ لِلْقَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، فَكانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِفَسادِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ عَلى فَسادِ نُبُوَّتِهِ، والقِطُّ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ لِأنَّهُ قُطِعَ مِنهُ، مِن قِطِّهِ إذا قَطَعَهُ ويُقالُ لِصَحِيفَةِ الجائِزَةِ قِطُّ، ولَمّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعْدَ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ، أوْ عَجِّلْ لَنا صَحِيفَةَ أعْمالِنا حَتّى نَنْظُرَ فِيها. واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا بالَغُوا في السَّفاهَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قالُوا: ﴿هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ وقالُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: أيُّ تَعَلُّقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ ؟ قُلْنا بَيانُ هَذا التَّعَلُّقِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنْ كُنْتَ قَدْ شاهَدْتَ مِن هَؤُلاءِ الجُهّالِ جَراءَتَهم عَلى اللَّهِ وإنْكارَهُمُ الحَشْرَ والنَّشْرَ، فاذْكُرْ قِصَّةَ داوُدَ حَتّى تَعْرِفَ شِدَّةَ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِن يَوْمِ الحَشْرِ، فَإنَّ بِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدُ الضِّدَّيْنِ شَرَفًا يَزْدادُ الضِّدُّ الآخَرُ نُقْصانًا. والثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ لِقَوْلِكَ ودِينِكَ، فَإنَّهم إذا خالَفُوكَ فالأكابِرُ مِنَ الأنْبِياءِ وافَقُوكَ. والثّالِثُ: أنَّ لِلنّاسِ في قِصَّةِ داوُدَ قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن قالَ إنَّها تَدُلُّ صفحة ١٦١ عَلى ذَنْبِهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها لا تَدُلُّ عَلَيْهِ. (فَمَن قالَ بِالأوَّلِ) كانَ وجْهُ المُناسَبَةِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ إنَّ حُزْنَكَ لَيْسَ إلّا، لِأنَّ الكُفّارَ يُكَذِّبُونَكَ، وأمّا حُزْنُ داوُدَ فَكانَ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ في ذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا شَكَّ أنَّ حُزْنَهُ أشَدُّ، فَتَأمَّلْ في قِصَّةِ داوُدَ وما كانَ فِيهِ مِنَ الحُزْنِ العَظِيمِ حَتّى يَخِفَّ عَلَيْكَ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الحُزْنِ (ومَن قالَ بِالثّانِي) قالَ: الخَصْمانِ اللَّذانِ دَخَلا عَلى داوُدَ كانا مِنَ البَشَرِ، وإنَّما دَخَلا عَلَيْهِ لِقَصْدِ قَتْلِهِ فَخافَ مِنهُما داوُدُ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإيذائِهِما ولا دَعا عَلَيْهِما بِسُوءٍ، بَلِ اسْتَغْفَرَ لَهُما عَلى ما سَيَجِيءُ تَقْرِيرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَلا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في حُسْنِ الخُلُقِ. والخامِسُ: أنَّ قُرَيْشًا إنَّما كَذَّبُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَخَفُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّهُ يَتِيمٌ فَقِيرٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَصَّ عَلى مُحَمَّدٍ كَمالَ مَمْلَكَةِ داوُدَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ما سَلِمَ مِنَ الأحْزانِ والغُمُومِ، لِيَعْلَمَ أنَّ الخَلاصَ عَنِ الحُزْنِ لا سَبِيلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا. والسّادِسُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى داوُدَ فَقَطْ بَلْ ذَكَرَ عَقِيبَ قِصَّةِ داوُدَ قِصَصَ سائِرِ الأنْبِياءِ فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ واعْتَبِرْ بِحالِ سائِرِ الأنْبِياءِ لِيُعَلِّمَهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ مَشْغُولًا بِهَمٍّ خاصٍّ وحُزْنٍ خاصٍّ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أنَّ الدُّنْيا لا تَنْفَكُّ عَنِ الهُمُومِ والأحْزانِ، وأنَّ اسْتِحْقاقَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ والمَتاعِبِ في الدُّنْيا، وهَذِهِ وُجُوهٌ ذَكَرْناها في هَذا المَقامِ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ أقْوى وأحْسَنُ مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ تِسْعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ حالَ ثَلاثَةٍ مِنهم عَلى التَّفْصِيلِ وحالَ سِتَّةٍ آخَرِينَ عَلى الإجْمالِ. فالقِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ داوُدَ، واعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ الكَلامِ. فالأوَّلُ: تَفْصِيلُ ما آتى اللَّهُ داوُدَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تُوجِبُ سَعادَةَ الآخِرَةِ والدُّنْيا. والثّانِي: شَرْحُ تِلْكَ الواقِعَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ مِن أمْرِ الخَصْمَيْنِ. والثّالِثُ: اسْتِخْلافُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بَعْدَ وُقُوعِ تِلْكَ الواقِعَةِ. أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: وهو شَرْحُ الصِّفاتِ الَّتِي آتاها اللَّهُ داوُدَ مِنَ الصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِكَمالِ السَّعادَةِ فَهي عَشْرٌ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَأمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِ بِأنْ يَقْتَدِيَ في الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ بِداوُدَ وذَلِكَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ وإكْرامٌ لِداوُدَ حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ أفْضَلَ الخَلْقِ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ. والثّانِي: أنَّهُ قالَ في حَقِّهِ: ﴿عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ وعَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ الدّالَّةِ عَلى نِهايَةِ التَّعْظِيمِ، وذَلِكَ غايَةُ التَّشْرِيفِ، ألا تَرى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١] فَهَهُنا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّشْرِيفِ لِداوُدَ فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ أيْضًا، فَإنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى الأنْبِياءَ بِعُبُودِيَّتِهِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم قَدْ حَقَّقُوا مَعْنى العُبُودِيَّةِ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ في الطّاعَةِ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ذا الأيْدِ﴾ أيْ ذا القُوَّةِ عَلى أداءِ الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَدَحَهُ بِالقُوَّةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القُوَّةُ مُوجِبَةً لِلْمَدْحِ، والقُوَّةُ الَّتِي تُوجِبُ المَدْحَ العَظِيمَ لَيْسَتْ إلّا القُوَّةَ عَلى فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ وتَرْكِ ما نُهِيَ عَنْهُ و﴿الأيْدِ﴾ المَذْكُورُ هَهُنا كالقُوَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٥] أيْ: بِاجْتِهادٍ في أداءِ الأمانَةِ وتَشَدُّدٍ في القِيامِ بِالدَّعْوَةِ، وتَرْكِ إظْهارِ الوَهْنِ والضَّعْفِ، و”الأيْدِ“ والقُوَّةُ سَواءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٧] وقالَ: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٧] وعَنْ صفحة ١٦٢ قَتادَةَ أُعْطِيَ قُوَّةً في العِبادَةِ وفِقْهًا في الدِّينِ، وكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ ويَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ أنَّ داوُدَ كانَ رَجّاعًا في أُمُورِهِ كُلِّها إلى طاعَتِي، والأوّابُ فَعّالٌ مِن آبَ إذا رَجَعَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشِيَةِ: ٢٥] وفَعّالٌ بِناءُ المُبالَغَةِ كَما يُقالُ قَتّالٌ وضَرّابٌ فَإنَّهُ أبْلَغُ مِن قاتِلٍ وضارِبٍ. الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سَبَأٍ: ١٠] وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ في جِسْمِ الجَبَلِ حَياةً وعَقْلًا وقُدْرَةً ومَنطِقًا، وحِينَئِذٍ صارَ الجَبَلُ مُسَبِّحًا لِلَّهِ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] فَإنَّ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ في الجَبَلِ عَقْلًا وفَهْمًا، ثُمَّ خَلَقَ فِيهِ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى، فَكَذا هَهُنا. الثّانِي: في التَّأْوِيلِ ما رَواهُ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ مِن شِدَّةِ الصَّوْتِ وحُسْنِهِ ما كانَ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، وما يُصْغِي الطَّيْرُ إلَيْهِ لِحُسْنِهِ فَيَكُونُ دَوِيُّ الجِبالِ وتَصْوِيتُ الطَّيْرِ مَعَهُ وإصْغاؤُهُ إلَيْهِ تَسْبِيحًا، وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ مِثْلَ صَوْتِ داوُدَ حَتّى إنَّهُ كانَ إذا قَرَأ الزَّبُورَ دَنَتْ مِنهُ الوُحُوشُ حَتّى يَأْخُذَ بِأعْناقِها. الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَخَّرَ الجِبالَ حَتّى إنَّها كانَتْ تَسِيرُ إلى حَيْثُ يُرِيدُهُ داوُدُ، وجُعِلَ ذَلِكَ السَّيْرُ تَسْبِيحًا لِأنَّهُ كانَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في مَعْنى مُسَبِّحاتٍ، فَإنْ قالُوا هَلْ مِن فَرْقٍ بَيْنَ يُسَبِّحْنَ ومُسَبِّحاتٍ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، فَإنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، وصِيغَةُ الِاسْمِ عَلى الدَّوامِ عَلى ما بَيَّنَهُ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ في كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ التَّسْبِيحِ مِنَ الجِبالِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ، وكانَ السّامِعُ حاضِرُ تِلْكَ الجِبالِ يَسْمَعُها تُسَبِّحُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ شَرَقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى، والأوَّلُ أكْثَرُ، تَقُولُ العَرَبُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ والماءُ يُشْرِقُ. البَحْثُ الرّابِعُ: احْتَجُّوا عَلى شَرْعِيَّةِ صَلاةِ الضُّحى بِهَذِهِ الآيَةِ، «عَنْ أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: ”دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى صَلاةَ الضُّحى، وقالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ“» وعَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”هَلْ تَجِدُونَ ذِكْرَ صَلاةِ الضُّحى في القُرْآنِ ؟ قالُوا: لا، فَقَرَأ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقالَ كانَ يُصَلِّيها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي شَيْءٌ مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى وجَدْتُها في قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ . * * * الصِّفَةُ السّادِسَةُ: مِن صِفاتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: صفحة ١٦٣ البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿والطَّيْرَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجِبالِ، والتَّقْدِيرُ وسَخَّرْنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ داوُدُ إذا سَبَّحَ جاوَبَتْهُ الجِبالُ واجْتَمَعَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ فَسَبَّحَتْ مَعَهُ، واجْتِماعُها إلَيْهِ هو حَشْرُها، فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حاشِرُها هو اللَّهُ، (فَإنْ قِيلَ) كَيْفَ يَصْدُرُ تَسْبِيحُ اللَّهِ عَنِ الطَّيْرِ مَعَ أنَّهُ لا عَقْلَ لَها ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَخْلُقُ لَها عَقْلًا حَتّى تَعْرِفَ اللَّهَ فَتُسَبِّحَهُ حِينَئِذٍ، وكُلُّ ذَلِكَ كانَ مُعْجِزَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ”قَوْلُهُ: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مُقابَلَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ إلّا أنَّهُ لَيْسَ في الحَشْرِ مِثْلُ ما كانَ في التَّسْبِيحِ مِن إرادَةِ الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَلا جَرَمَ جِيءَ بِهِ اسْمًا لا فِعْلًا، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ لَوْ قِيلَ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً يُسَبِّحْنَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الحَشْرَ وُجِدَ مِن حاشِرِها جُمْلَةً واحِدَةً دَلَّ عَلى القَدْرِ المَذْكُورِ واللَّهُ أعْلَمُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ“ والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ " بِالرَّفْعِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ مِن صِفاتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ ومَعْناهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ أوّابٌ أيْ رَجّاعٌ، أيْ كُلَّما رَجَعَ داوُدُ إلى التَّسْبِيحِ جاوَبَتْهُ، فَهَذِهِ الأشْياءُ أيْضًا كانَتْ تَرْجِعُ إلى تَسْبِيحاتِها، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها أنَّ فِيما سَبَقَ عَلِمْنا أنَّ الجِبالَ والطَّيْرَ سَبَّحَتْ مَعَ تَسْبِيحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِهَذا اللَّفْظِ فَهِمْنا دَوامَ تِلْكَ المُوافَقَةِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ لِلَّهِ تَعالى أيْ كُلٌّ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ لِلَّهِ أوّابٌ أيْ مُسَبِّحٌ مُرَجِّعٌ لِلتَّسْبِيحِ. الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ أيْ قَوَّيْناهُ، وقالَ تَعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القَصَصِ: ٣٥] وقِيلَ شَدَدْنا عَلى المُبالَغَةِ، وأمّا الأسْبابُ المُوجِبَةُ لِحُصُولِ هَذا الشَّدِّ فَكَثِيرَةٌ، وهي إمّا الأسْبابُ الدُّنْيَوِيَّةُ أوِ الدِّينِيَّةُ، أمّا الأوَّلُ فَذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: رَوى الواحِدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ ألْفَ رَجُلٍ، فَإذا أصْبَحَ قِيلَ ارْجِعُوا فَقَدْ رَضِيَ عَنْكم نَبِيُّ اللَّهِ، وزادَ آخَرُونَ فَذَكَرُوا أرْبَعِينَ ألْفًا. قالُوا وكانَ أشَدَّ مُلُوكِ الأرْضِ سُلْطانًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا ادَّعى عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ أخَذَ مِنهُ بَقَرَةً فَأنْكَرَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَقالَ داوُدُ لِلْمُدَّعِي: أقِمِ البَيِّنَةَ، فَلَمْ يُقِمْها، فَرَأى داوُدُ في مَنامِهِ. أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُهُ أنْ يَقْتُلَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَثَبَتَ داوُدُ وقالَ هو مَنامٌ، فَأتاهُ الوَحْيُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ تَقْتُلَهُ فَأحْضَرَهُ وأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِقَتْلِهِ، فَقالَ المُدَّعى عَلَيْهِ صَدَقَ اللَّهُ، إنِّي كُنْتُ قَتَلْتُ أبا هَذا الرَّجُلِ غِيلَةً. فَقَتَلَهُ داوُدُ. فَهَذِهِ الواقِعَةُ شَدَّدَتْ مُلْكَهُ، وأمّا الأسْبابُ الدِّينِيَّةُ المُوجِبَةُ لِهَذا الشَّدِّ فَهي الصَّبْرُ والتَّأمُّلُ التّامُّ والِاحْتِياطُ الكامِلُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩] واعْلَمْ أنَّ الفَضائِلَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: النَّفْسانِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ والخارِجِيَّةُ، والفَضائِلُ النَّفْسانِيَّةُ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فَهو أنْ تَصِيرَ النَّفْسُ بِالتَّصَوُّراتِ الحَقِيقِيَّةِ والتَّصْدِيقاتِ النَّفْسانِيَّةِ بِمُقْتَضى الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأمّا العَمَلُ فَهو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ آتَيًا بِالعَمَلِ الأصْلَحِ الأصْوَبِ بِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا بِالحِكْمَةِ لِأنَّ اشْتِقاقَ الحِكْمَةِ الصَّحِيحَةِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والنَّقْضَ فَكانَتْ في غايَةِ الإحْكامِ، وأمّا الأعْمالُ المُطابِقَةُ لِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإنَّها واجِبَةُ الرِّعايَةِ ولا تَقْبَلُ صفحة ١٦٤ النَّقْضَ والنَّسْخَ، فَلِهَذا السَّبَبِ سَمَّيْنا تِلْكَ المَعارِفَ وهَذِهِ الأعْمالَ بِالحِكْمَةِ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ واعْلَمْ أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: ما تَكُونُ خالِيَةً عَنِ الإدْراكِ والشُّعُورِ، وهي الجَماداتُ والنَّباتاتُ. وثانِيها: الَّتِي يَحْصُلُ لَها إدْراكٌ وشُعُورٌ ولَكِنَّها لا تَقْدِرُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِها الأحْوالَ الَّتِي عَرَفُوها في الأكْثَرِ، وهَذا القِسْمُ هو جُمْلَةُ الحَيَواناتِ سِوى الإنْسانِ. وثالِثُها: الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ إدْراكٌ وشُعُورٌ ويَحْصُلُ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ لَهُ، وذَلِكَ هو الإنْسانُ وقُدْرَتُهُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ عِنْدَهُ بِالنُّطْقِ والخِطابِ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ مُخْتَلِفُونَ في مَراتِبِ القُدْرَةِ عَلى التَّعْبِيرِ عَمّا في الضَّمِيرِ، فَمِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيرادُ الكَلامِ المُرَتَّبِ المُنْتَظِمِ، بَلْ يَكُونُ مُخْتَلِطَ الكَلامِ مُضْطَرِبَ القَوْلِ، ومِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ التَّرْتِيبُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ومِنهم مَن يَكُونُ قادِرًا عَلى ضَبْطِ المَعْنى والتَّعْبِيرِ عَنْهُ إلى أقْصى الغاياتِ، وكُلُّ مَن كانَتْ هَذِهِ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أكْمَلَ كانَتِ الآثارُ الصّادِرَةُ عَنِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ في حَقِّهِ أكْمَلَ، وكُلُّ مَن كانَتْ تِلْكَ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أقَلَّ كانَتْ تِلْكَ الآثارُ أضْعَفَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَمالَ حالِ جَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ الَّتِي لِداوُدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ أرْدَفَهُ بِبَيانِ كَمالِ حالِهِ في النُّطْقِ واللَّفْظِ والعِبارَةِ، فَقالَ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الجَلالَةِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّ داوُدَ أوَّلُ مَن قالَ في كَلامِهِ أمّا بَعْدُ، وأقُولُ: حَقًّا إنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أمْثالَ هَذِهِ الكَلِماتِ فَقَدْ حُرِمُوا الوُقُوفَ عَلى مَعانِي كَلامِ اللَّهِ تَعالى حِرْمانًا عَظِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ، وقَوْلُ مَن قالَ المُرادُ مَعْرِفَةُ الأُمُورِ الَّتِي بِها يَفْصِلُ بَيْنَ الخُصُومِ وهو طَلَبُ البَيِّنَةِ واليَمِينِ فَبَعِيدٌ أيْضًا، لِأنَّ فَصْلَ الخِطابِ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى التَّعْبِيرِ عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ ويَحْضُرُ في الخَيالِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ، وبِحَيْثُ يَنْفَصِلُ كُلُّ مَقامٍ عَنْ مَقامٍ، وهَذا مَعْنى عامٌّ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأقْسامِ واللَّهُ أعْلَمُ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في الصِّفاتِ العَشْرِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في مَدْحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ص 38:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ . اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أنَّ القَوْمَ إنَّما تَعَجَّبُوا لِشُبُهاتٍ ثَلاثٍ: أوَّلُها: تَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ والثّانِيَةُ: تَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ . والثّالِثَةُ: تَتَعَلَّقُ بِالمَعادَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في نِهايَةِ الإنْكارِ لِلْقَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، فَكانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِفَسادِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ عَلى فَسادِ نُبُوَّتِهِ، والقِطُّ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ لِأنَّهُ قُطِعَ مِنهُ، مِن قِطِّهِ إذا قَطَعَهُ ويُقالُ لِصَحِيفَةِ الجائِزَةِ قِطُّ، ولَمّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعْدَ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ، أوْ عَجِّلْ لَنا صَحِيفَةَ أعْمالِنا حَتّى نَنْظُرَ فِيها. واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا بالَغُوا في السَّفاهَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قالُوا: ﴿هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ وقالُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: أيُّ تَعَلُّقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ ؟ قُلْنا بَيانُ هَذا التَّعَلُّقِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنْ كُنْتَ قَدْ شاهَدْتَ مِن هَؤُلاءِ الجُهّالِ جَراءَتَهم عَلى اللَّهِ وإنْكارَهُمُ الحَشْرَ والنَّشْرَ، فاذْكُرْ قِصَّةَ داوُدَ حَتّى تَعْرِفَ شِدَّةَ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِن يَوْمِ الحَشْرِ، فَإنَّ بِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدُ الضِّدَّيْنِ شَرَفًا يَزْدادُ الضِّدُّ الآخَرُ نُقْصانًا. والثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ لِقَوْلِكَ ودِينِكَ، فَإنَّهم إذا خالَفُوكَ فالأكابِرُ مِنَ الأنْبِياءِ وافَقُوكَ. والثّالِثُ: أنَّ لِلنّاسِ في قِصَّةِ داوُدَ قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن قالَ إنَّها تَدُلُّ صفحة ١٦١ عَلى ذَنْبِهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها لا تَدُلُّ عَلَيْهِ. (فَمَن قالَ بِالأوَّلِ) كانَ وجْهُ المُناسَبَةِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ إنَّ حُزْنَكَ لَيْسَ إلّا، لِأنَّ الكُفّارَ يُكَذِّبُونَكَ، وأمّا حُزْنُ داوُدَ فَكانَ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ في ذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا شَكَّ أنَّ حُزْنَهُ أشَدُّ، فَتَأمَّلْ في قِصَّةِ داوُدَ وما كانَ فِيهِ مِنَ الحُزْنِ العَظِيمِ حَتّى يَخِفَّ عَلَيْكَ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الحُزْنِ (ومَن قالَ بِالثّانِي) قالَ: الخَصْمانِ اللَّذانِ دَخَلا عَلى داوُدَ كانا مِنَ البَشَرِ، وإنَّما دَخَلا عَلَيْهِ لِقَصْدِ قَتْلِهِ فَخافَ مِنهُما داوُدُ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإيذائِهِما ولا دَعا عَلَيْهِما بِسُوءٍ، بَلِ اسْتَغْفَرَ لَهُما عَلى ما سَيَجِيءُ تَقْرِيرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَلا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في حُسْنِ الخُلُقِ. والخامِسُ: أنَّ قُرَيْشًا إنَّما كَذَّبُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَخَفُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّهُ يَتِيمٌ فَقِيرٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَصَّ عَلى مُحَمَّدٍ كَمالَ مَمْلَكَةِ داوُدَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ما سَلِمَ مِنَ الأحْزانِ والغُمُومِ، لِيَعْلَمَ أنَّ الخَلاصَ عَنِ الحُزْنِ لا سَبِيلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا. والسّادِسُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى داوُدَ فَقَطْ بَلْ ذَكَرَ عَقِيبَ قِصَّةِ داوُدَ قِصَصَ سائِرِ الأنْبِياءِ فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ واعْتَبِرْ بِحالِ سائِرِ الأنْبِياءِ لِيُعَلِّمَهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ مَشْغُولًا بِهَمٍّ خاصٍّ وحُزْنٍ خاصٍّ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أنَّ الدُّنْيا لا تَنْفَكُّ عَنِ الهُمُومِ والأحْزانِ، وأنَّ اسْتِحْقاقَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ والمَتاعِبِ في الدُّنْيا، وهَذِهِ وُجُوهٌ ذَكَرْناها في هَذا المَقامِ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ أقْوى وأحْسَنُ مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ تِسْعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ حالَ ثَلاثَةٍ مِنهم عَلى التَّفْصِيلِ وحالَ سِتَّةٍ آخَرِينَ عَلى الإجْمالِ. فالقِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ داوُدَ، واعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ الكَلامِ. فالأوَّلُ: تَفْصِيلُ ما آتى اللَّهُ داوُدَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تُوجِبُ سَعادَةَ الآخِرَةِ والدُّنْيا. والثّانِي: شَرْحُ تِلْكَ الواقِعَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ مِن أمْرِ الخَصْمَيْنِ. والثّالِثُ: اسْتِخْلافُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بَعْدَ وُقُوعِ تِلْكَ الواقِعَةِ. أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: وهو شَرْحُ الصِّفاتِ الَّتِي آتاها اللَّهُ داوُدَ مِنَ الصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِكَمالِ السَّعادَةِ فَهي عَشْرٌ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَأمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِ بِأنْ يَقْتَدِيَ في الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ بِداوُدَ وذَلِكَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ وإكْرامٌ لِداوُدَ حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ أفْضَلَ الخَلْقِ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ. والثّانِي: أنَّهُ قالَ في حَقِّهِ: ﴿عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ وعَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ الدّالَّةِ عَلى نِهايَةِ التَّعْظِيمِ، وذَلِكَ غايَةُ التَّشْرِيفِ، ألا تَرى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١] فَهَهُنا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّشْرِيفِ لِداوُدَ فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ أيْضًا، فَإنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى الأنْبِياءَ بِعُبُودِيَّتِهِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم قَدْ حَقَّقُوا مَعْنى العُبُودِيَّةِ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ في الطّاعَةِ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ذا الأيْدِ﴾ أيْ ذا القُوَّةِ عَلى أداءِ الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَدَحَهُ بِالقُوَّةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القُوَّةُ مُوجِبَةً لِلْمَدْحِ، والقُوَّةُ الَّتِي تُوجِبُ المَدْحَ العَظِيمَ لَيْسَتْ إلّا القُوَّةَ عَلى فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ وتَرْكِ ما نُهِيَ عَنْهُ و﴿الأيْدِ﴾ المَذْكُورُ هَهُنا كالقُوَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٥] أيْ: بِاجْتِهادٍ في أداءِ الأمانَةِ وتَشَدُّدٍ في القِيامِ بِالدَّعْوَةِ، وتَرْكِ إظْهارِ الوَهْنِ والضَّعْفِ، و”الأيْدِ“ والقُوَّةُ سَواءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٧] وقالَ: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٧] وعَنْ صفحة ١٦٢ قَتادَةَ أُعْطِيَ قُوَّةً في العِبادَةِ وفِقْهًا في الدِّينِ، وكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ ويَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ أنَّ داوُدَ كانَ رَجّاعًا في أُمُورِهِ كُلِّها إلى طاعَتِي، والأوّابُ فَعّالٌ مِن آبَ إذا رَجَعَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشِيَةِ: ٢٥] وفَعّالٌ بِناءُ المُبالَغَةِ كَما يُقالُ قَتّالٌ وضَرّابٌ فَإنَّهُ أبْلَغُ مِن قاتِلٍ وضارِبٍ. الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سَبَأٍ: ١٠] وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ في جِسْمِ الجَبَلِ حَياةً وعَقْلًا وقُدْرَةً ومَنطِقًا، وحِينَئِذٍ صارَ الجَبَلُ مُسَبِّحًا لِلَّهِ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] فَإنَّ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ في الجَبَلِ عَقْلًا وفَهْمًا، ثُمَّ خَلَقَ فِيهِ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى، فَكَذا هَهُنا. الثّانِي: في التَّأْوِيلِ ما رَواهُ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ مِن شِدَّةِ الصَّوْتِ وحُسْنِهِ ما كانَ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، وما يُصْغِي الطَّيْرُ إلَيْهِ لِحُسْنِهِ فَيَكُونُ دَوِيُّ الجِبالِ وتَصْوِيتُ الطَّيْرِ مَعَهُ وإصْغاؤُهُ إلَيْهِ تَسْبِيحًا، وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ مِثْلَ صَوْتِ داوُدَ حَتّى إنَّهُ كانَ إذا قَرَأ الزَّبُورَ دَنَتْ مِنهُ الوُحُوشُ حَتّى يَأْخُذَ بِأعْناقِها. الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَخَّرَ الجِبالَ حَتّى إنَّها كانَتْ تَسِيرُ إلى حَيْثُ يُرِيدُهُ داوُدُ، وجُعِلَ ذَلِكَ السَّيْرُ تَسْبِيحًا لِأنَّهُ كانَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في مَعْنى مُسَبِّحاتٍ، فَإنْ قالُوا هَلْ مِن فَرْقٍ بَيْنَ يُسَبِّحْنَ ومُسَبِّحاتٍ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، فَإنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، وصِيغَةُ الِاسْمِ عَلى الدَّوامِ عَلى ما بَيَّنَهُ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ في كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ التَّسْبِيحِ مِنَ الجِبالِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ، وكانَ السّامِعُ حاضِرُ تِلْكَ الجِبالِ يَسْمَعُها تُسَبِّحُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ شَرَقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى، والأوَّلُ أكْثَرُ، تَقُولُ العَرَبُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ والماءُ يُشْرِقُ. البَحْثُ الرّابِعُ: احْتَجُّوا عَلى شَرْعِيَّةِ صَلاةِ الضُّحى بِهَذِهِ الآيَةِ، «عَنْ أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: ”دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى صَلاةَ الضُّحى، وقالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ“» وعَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”هَلْ تَجِدُونَ ذِكْرَ صَلاةِ الضُّحى في القُرْآنِ ؟ قالُوا: لا، فَقَرَأ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقالَ كانَ يُصَلِّيها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي شَيْءٌ مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى وجَدْتُها في قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ . * * * الصِّفَةُ السّادِسَةُ: مِن صِفاتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: صفحة ١٦٣ البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿والطَّيْرَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجِبالِ، والتَّقْدِيرُ وسَخَّرْنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ داوُدُ إذا سَبَّحَ جاوَبَتْهُ الجِبالُ واجْتَمَعَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ فَسَبَّحَتْ مَعَهُ، واجْتِماعُها إلَيْهِ هو حَشْرُها، فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حاشِرُها هو اللَّهُ، (فَإنْ قِيلَ) كَيْفَ يَصْدُرُ تَسْبِيحُ اللَّهِ عَنِ الطَّيْرِ مَعَ أنَّهُ لا عَقْلَ لَها ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَخْلُقُ لَها عَقْلًا حَتّى تَعْرِفَ اللَّهَ فَتُسَبِّحَهُ حِينَئِذٍ، وكُلُّ ذَلِكَ كانَ مُعْجِزَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ”قَوْلُهُ: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مُقابَلَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ إلّا أنَّهُ لَيْسَ في الحَشْرِ مِثْلُ ما كانَ في التَّسْبِيحِ مِن إرادَةِ الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَلا جَرَمَ جِيءَ بِهِ اسْمًا لا فِعْلًا، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ لَوْ قِيلَ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً يُسَبِّحْنَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الحَشْرَ وُجِدَ مِن حاشِرِها جُمْلَةً واحِدَةً دَلَّ عَلى القَدْرِ المَذْكُورِ واللَّهُ أعْلَمُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ“ والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ " بِالرَّفْعِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ مِن صِفاتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ ومَعْناهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ أوّابٌ أيْ رَجّاعٌ، أيْ كُلَّما رَجَعَ داوُدُ إلى التَّسْبِيحِ جاوَبَتْهُ، فَهَذِهِ الأشْياءُ أيْضًا كانَتْ تَرْجِعُ إلى تَسْبِيحاتِها، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها أنَّ فِيما سَبَقَ عَلِمْنا أنَّ الجِبالَ والطَّيْرَ سَبَّحَتْ مَعَ تَسْبِيحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِهَذا اللَّفْظِ فَهِمْنا دَوامَ تِلْكَ المُوافَقَةِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ لِلَّهِ تَعالى أيْ كُلٌّ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ لِلَّهِ أوّابٌ أيْ مُسَبِّحٌ مُرَجِّعٌ لِلتَّسْبِيحِ. الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ أيْ قَوَّيْناهُ، وقالَ تَعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القَصَصِ: ٣٥] وقِيلَ شَدَدْنا عَلى المُبالَغَةِ، وأمّا الأسْبابُ المُوجِبَةُ لِحُصُولِ هَذا الشَّدِّ فَكَثِيرَةٌ، وهي إمّا الأسْبابُ الدُّنْيَوِيَّةُ أوِ الدِّينِيَّةُ، أمّا الأوَّلُ فَذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: رَوى الواحِدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ ألْفَ رَجُلٍ، فَإذا أصْبَحَ قِيلَ ارْجِعُوا فَقَدْ رَضِيَ عَنْكم نَبِيُّ اللَّهِ، وزادَ آخَرُونَ فَذَكَرُوا أرْبَعِينَ ألْفًا. قالُوا وكانَ أشَدَّ مُلُوكِ الأرْضِ سُلْطانًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا ادَّعى عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ أخَذَ مِنهُ بَقَرَةً فَأنْكَرَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَقالَ داوُدُ لِلْمُدَّعِي: أقِمِ البَيِّنَةَ، فَلَمْ يُقِمْها، فَرَأى داوُدُ في مَنامِهِ. أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُهُ أنْ يَقْتُلَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَثَبَتَ داوُدُ وقالَ هو مَنامٌ، فَأتاهُ الوَحْيُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ تَقْتُلَهُ فَأحْضَرَهُ وأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِقَتْلِهِ، فَقالَ المُدَّعى عَلَيْهِ صَدَقَ اللَّهُ، إنِّي كُنْتُ قَتَلْتُ أبا هَذا الرَّجُلِ غِيلَةً. فَقَتَلَهُ داوُدُ. فَهَذِهِ الواقِعَةُ شَدَّدَتْ مُلْكَهُ، وأمّا الأسْبابُ الدِّينِيَّةُ المُوجِبَةُ لِهَذا الشَّدِّ فَهي الصَّبْرُ والتَّأمُّلُ التّامُّ والِاحْتِياطُ الكامِلُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩] واعْلَمْ أنَّ الفَضائِلَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: النَّفْسانِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ والخارِجِيَّةُ، والفَضائِلُ النَّفْسانِيَّةُ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فَهو أنْ تَصِيرَ النَّفْسُ بِالتَّصَوُّراتِ الحَقِيقِيَّةِ والتَّصْدِيقاتِ النَّفْسانِيَّةِ بِمُقْتَضى الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأمّا العَمَلُ فَهو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ آتَيًا بِالعَمَلِ الأصْلَحِ الأصْوَبِ بِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا بِالحِكْمَةِ لِأنَّ اشْتِقاقَ الحِكْمَةِ الصَّحِيحَةِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والنَّقْضَ فَكانَتْ في غايَةِ الإحْكامِ، وأمّا الأعْمالُ المُطابِقَةُ لِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإنَّها واجِبَةُ الرِّعايَةِ ولا تَقْبَلُ صفحة ١٦٤ النَّقْضَ والنَّسْخَ، فَلِهَذا السَّبَبِ سَمَّيْنا تِلْكَ المَعارِفَ وهَذِهِ الأعْمالَ بِالحِكْمَةِ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ واعْلَمْ أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: ما تَكُونُ خالِيَةً عَنِ الإدْراكِ والشُّعُورِ، وهي الجَماداتُ والنَّباتاتُ. وثانِيها: الَّتِي يَحْصُلُ لَها إدْراكٌ وشُعُورٌ ولَكِنَّها لا تَقْدِرُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِها الأحْوالَ الَّتِي عَرَفُوها في الأكْثَرِ، وهَذا القِسْمُ هو جُمْلَةُ الحَيَواناتِ سِوى الإنْسانِ. وثالِثُها: الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ إدْراكٌ وشُعُورٌ ويَحْصُلُ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ لَهُ، وذَلِكَ هو الإنْسانُ وقُدْرَتُهُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ عِنْدَهُ بِالنُّطْقِ والخِطابِ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ مُخْتَلِفُونَ في مَراتِبِ القُدْرَةِ عَلى التَّعْبِيرِ عَمّا في الضَّمِيرِ، فَمِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيرادُ الكَلامِ المُرَتَّبِ المُنْتَظِمِ، بَلْ يَكُونُ مُخْتَلِطَ الكَلامِ مُضْطَرِبَ القَوْلِ، ومِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ التَّرْتِيبُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ومِنهم مَن يَكُونُ قادِرًا عَلى ضَبْطِ المَعْنى والتَّعْبِيرِ عَنْهُ إلى أقْصى الغاياتِ، وكُلُّ مَن كانَتْ هَذِهِ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أكْمَلَ كانَتِ الآثارُ الصّادِرَةُ عَنِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ في حَقِّهِ أكْمَلَ، وكُلُّ مَن كانَتْ تِلْكَ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أقَلَّ كانَتْ تِلْكَ الآثارُ أضْعَفَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَمالَ حالِ جَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ الَّتِي لِداوُدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ أرْدَفَهُ بِبَيانِ كَمالِ حالِهِ في النُّطْقِ واللَّفْظِ والعِبارَةِ، فَقالَ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الجَلالَةِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّ داوُدَ أوَّلُ مَن قالَ في كَلامِهِ أمّا بَعْدُ، وأقُولُ: حَقًّا إنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أمْثالَ هَذِهِ الكَلِماتِ فَقَدْ حُرِمُوا الوُقُوفَ عَلى مَعانِي كَلامِ اللَّهِ تَعالى حِرْمانًا عَظِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ، وقَوْلُ مَن قالَ المُرادُ مَعْرِفَةُ الأُمُورِ الَّتِي بِها يَفْصِلُ بَيْنَ الخُصُومِ وهو طَلَبُ البَيِّنَةِ واليَمِينِ فَبَعِيدٌ أيْضًا، لِأنَّ فَصْلَ الخِطابِ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى التَّعْبِيرِ عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ ويَحْضُرُ في الخَيالِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ، وبِحَيْثُ يَنْفَصِلُ كُلُّ مَقامٍ عَنْ مَقامٍ، وهَذا مَعْنى عامٌّ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأقْسامِ واللَّهُ أعْلَمُ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في الصِّفاتِ العَشْرِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في مَدْحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ص 38:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ . اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أنَّ القَوْمَ إنَّما تَعَجَّبُوا لِشُبُهاتٍ ثَلاثٍ: أوَّلُها: تَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ والثّانِيَةُ: تَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ . والثّالِثَةُ: تَتَعَلَّقُ بِالمَعادَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في نِهايَةِ الإنْكارِ لِلْقَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، فَكانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِفَسادِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ عَلى فَسادِ نُبُوَّتِهِ، والقِطُّ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ لِأنَّهُ قُطِعَ مِنهُ، مِن قِطِّهِ إذا قَطَعَهُ ويُقالُ لِصَحِيفَةِ الجائِزَةِ قِطُّ، ولَمّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعْدَ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ، أوْ عَجِّلْ لَنا صَحِيفَةَ أعْمالِنا حَتّى نَنْظُرَ فِيها. واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا بالَغُوا في السَّفاهَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قالُوا: ﴿هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ وقالُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: أيُّ تَعَلُّقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ ؟ قُلْنا بَيانُ هَذا التَّعَلُّقِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنْ كُنْتَ قَدْ شاهَدْتَ مِن هَؤُلاءِ الجُهّالِ جَراءَتَهم عَلى اللَّهِ وإنْكارَهُمُ الحَشْرَ والنَّشْرَ، فاذْكُرْ قِصَّةَ داوُدَ حَتّى تَعْرِفَ شِدَّةَ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِن يَوْمِ الحَشْرِ، فَإنَّ بِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدُ الضِّدَّيْنِ شَرَفًا يَزْدادُ الضِّدُّ الآخَرُ نُقْصانًا. والثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ لِقَوْلِكَ ودِينِكَ، فَإنَّهم إذا خالَفُوكَ فالأكابِرُ مِنَ الأنْبِياءِ وافَقُوكَ. والثّالِثُ: أنَّ لِلنّاسِ في قِصَّةِ داوُدَ قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن قالَ إنَّها تَدُلُّ صفحة ١٦١ عَلى ذَنْبِهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها لا تَدُلُّ عَلَيْهِ. (فَمَن قالَ بِالأوَّلِ) كانَ وجْهُ المُناسَبَةِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ إنَّ حُزْنَكَ لَيْسَ إلّا، لِأنَّ الكُفّارَ يُكَذِّبُونَكَ، وأمّا حُزْنُ داوُدَ فَكانَ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ في ذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا شَكَّ أنَّ حُزْنَهُ أشَدُّ، فَتَأمَّلْ في قِصَّةِ داوُدَ وما كانَ فِيهِ مِنَ الحُزْنِ العَظِيمِ حَتّى يَخِفَّ عَلَيْكَ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الحُزْنِ (ومَن قالَ بِالثّانِي) قالَ: الخَصْمانِ اللَّذانِ دَخَلا عَلى داوُدَ كانا مِنَ البَشَرِ، وإنَّما دَخَلا عَلَيْهِ لِقَصْدِ قَتْلِهِ فَخافَ مِنهُما داوُدُ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإيذائِهِما ولا دَعا عَلَيْهِما بِسُوءٍ، بَلِ اسْتَغْفَرَ لَهُما عَلى ما سَيَجِيءُ تَقْرِيرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَلا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في حُسْنِ الخُلُقِ. والخامِسُ: أنَّ قُرَيْشًا إنَّما كَذَّبُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَخَفُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّهُ يَتِيمٌ فَقِيرٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَصَّ عَلى مُحَمَّدٍ كَمالَ مَمْلَكَةِ داوُدَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ما سَلِمَ مِنَ الأحْزانِ والغُمُومِ، لِيَعْلَمَ أنَّ الخَلاصَ عَنِ الحُزْنِ لا سَبِيلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا. والسّادِسُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى داوُدَ فَقَطْ بَلْ ذَكَرَ عَقِيبَ قِصَّةِ داوُدَ قِصَصَ سائِرِ الأنْبِياءِ فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ واعْتَبِرْ بِحالِ سائِرِ الأنْبِياءِ لِيُعَلِّمَهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ مَشْغُولًا بِهَمٍّ خاصٍّ وحُزْنٍ خاصٍّ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أنَّ الدُّنْيا لا تَنْفَكُّ عَنِ الهُمُومِ والأحْزانِ، وأنَّ اسْتِحْقاقَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ والمَتاعِبِ في الدُّنْيا، وهَذِهِ وُجُوهٌ ذَكَرْناها في هَذا المَقامِ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ أقْوى وأحْسَنُ مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ تِسْعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ حالَ ثَلاثَةٍ مِنهم عَلى التَّفْصِيلِ وحالَ سِتَّةٍ آخَرِينَ عَلى الإجْمالِ. فالقِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ داوُدَ، واعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ الكَلامِ. فالأوَّلُ: تَفْصِيلُ ما آتى اللَّهُ داوُدَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تُوجِبُ سَعادَةَ الآخِرَةِ والدُّنْيا. والثّانِي: شَرْحُ تِلْكَ الواقِعَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ مِن أمْرِ الخَصْمَيْنِ. والثّالِثُ: اسْتِخْلافُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بَعْدَ وُقُوعِ تِلْكَ الواقِعَةِ. أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: وهو شَرْحُ الصِّفاتِ الَّتِي آتاها اللَّهُ داوُدَ مِنَ الصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِكَمالِ السَّعادَةِ فَهي عَشْرٌ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَأمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِ بِأنْ يَقْتَدِيَ في الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ بِداوُدَ وذَلِكَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ وإكْرامٌ لِداوُدَ حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ أفْضَلَ الخَلْقِ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ. والثّانِي: أنَّهُ قالَ في حَقِّهِ: ﴿عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ وعَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ الدّالَّةِ عَلى نِهايَةِ التَّعْظِيمِ، وذَلِكَ غايَةُ التَّشْرِيفِ، ألا تَرى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١] فَهَهُنا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّشْرِيفِ لِداوُدَ فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ أيْضًا، فَإنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى الأنْبِياءَ بِعُبُودِيَّتِهِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم قَدْ حَقَّقُوا مَعْنى العُبُودِيَّةِ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ في الطّاعَةِ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ذا الأيْدِ﴾ أيْ ذا القُوَّةِ عَلى أداءِ الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَدَحَهُ بِالقُوَّةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القُوَّةُ مُوجِبَةً لِلْمَدْحِ، والقُوَّةُ الَّتِي تُوجِبُ المَدْحَ العَظِيمَ لَيْسَتْ إلّا القُوَّةَ عَلى فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ وتَرْكِ ما نُهِيَ عَنْهُ و﴿الأيْدِ﴾ المَذْكُورُ هَهُنا كالقُوَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٥] أيْ: بِاجْتِهادٍ في أداءِ الأمانَةِ وتَشَدُّدٍ في القِيامِ بِالدَّعْوَةِ، وتَرْكِ إظْهارِ الوَهْنِ والضَّعْفِ، و”الأيْدِ“ والقُوَّةُ سَواءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٧] وقالَ: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٧] وعَنْ صفحة ١٦٢ قَتادَةَ أُعْطِيَ قُوَّةً في العِبادَةِ وفِقْهًا في الدِّينِ، وكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ ويَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ أنَّ داوُدَ كانَ رَجّاعًا في أُمُورِهِ كُلِّها إلى طاعَتِي، والأوّابُ فَعّالٌ مِن آبَ إذا رَجَعَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشِيَةِ: ٢٥] وفَعّالٌ بِناءُ المُبالَغَةِ كَما يُقالُ قَتّالٌ وضَرّابٌ فَإنَّهُ أبْلَغُ مِن قاتِلٍ وضارِبٍ. الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سَبَأٍ: ١٠] وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ في جِسْمِ الجَبَلِ حَياةً وعَقْلًا وقُدْرَةً ومَنطِقًا، وحِينَئِذٍ صارَ الجَبَلُ مُسَبِّحًا لِلَّهِ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] فَإنَّ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ في الجَبَلِ عَقْلًا وفَهْمًا، ثُمَّ خَلَقَ فِيهِ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى، فَكَذا هَهُنا. الثّانِي: في التَّأْوِيلِ ما رَواهُ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ مِن شِدَّةِ الصَّوْتِ وحُسْنِهِ ما كانَ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، وما يُصْغِي الطَّيْرُ إلَيْهِ لِحُسْنِهِ فَيَكُونُ دَوِيُّ الجِبالِ وتَصْوِيتُ الطَّيْرِ مَعَهُ وإصْغاؤُهُ إلَيْهِ تَسْبِيحًا، وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ مِثْلَ صَوْتِ داوُدَ حَتّى إنَّهُ كانَ إذا قَرَأ الزَّبُورَ دَنَتْ مِنهُ الوُحُوشُ حَتّى يَأْخُذَ بِأعْناقِها. الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَخَّرَ الجِبالَ حَتّى إنَّها كانَتْ تَسِيرُ إلى حَيْثُ يُرِيدُهُ داوُدُ، وجُعِلَ ذَلِكَ السَّيْرُ تَسْبِيحًا لِأنَّهُ كانَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في مَعْنى مُسَبِّحاتٍ، فَإنْ قالُوا هَلْ مِن فَرْقٍ بَيْنَ يُسَبِّحْنَ ومُسَبِّحاتٍ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، فَإنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، وصِيغَةُ الِاسْمِ عَلى الدَّوامِ عَلى ما بَيَّنَهُ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ في كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ التَّسْبِيحِ مِنَ الجِبالِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ، وكانَ السّامِعُ حاضِرُ تِلْكَ الجِبالِ يَسْمَعُها تُسَبِّحُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ شَرَقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى، والأوَّلُ أكْثَرُ، تَقُولُ العَرَبُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ والماءُ يُشْرِقُ. البَحْثُ الرّابِعُ: احْتَجُّوا عَلى شَرْعِيَّةِ صَلاةِ الضُّحى بِهَذِهِ الآيَةِ، «عَنْ أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: ”دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى صَلاةَ الضُّحى، وقالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ“» وعَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”هَلْ تَجِدُونَ ذِكْرَ صَلاةِ الضُّحى في القُرْآنِ ؟ قالُوا: لا، فَقَرَأ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقالَ كانَ يُصَلِّيها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي شَيْءٌ مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى وجَدْتُها في قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ . * * * الصِّفَةُ السّادِسَةُ: مِن صِفاتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: صفحة ١٦٣ البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿والطَّيْرَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجِبالِ، والتَّقْدِيرُ وسَخَّرْنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ داوُدُ إذا سَبَّحَ جاوَبَتْهُ الجِبالُ واجْتَمَعَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ فَسَبَّحَتْ مَعَهُ، واجْتِماعُها إلَيْهِ هو حَشْرُها، فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حاشِرُها هو اللَّهُ، (فَإنْ قِيلَ) كَيْفَ يَصْدُرُ تَسْبِيحُ اللَّهِ عَنِ الطَّيْرِ مَعَ أنَّهُ لا عَقْلَ لَها ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَخْلُقُ لَها عَقْلًا حَتّى تَعْرِفَ اللَّهَ فَتُسَبِّحَهُ حِينَئِذٍ، وكُلُّ ذَلِكَ كانَ مُعْجِزَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ”قَوْلُهُ: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مُقابَلَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ إلّا أنَّهُ لَيْسَ في الحَشْرِ مِثْلُ ما كانَ في التَّسْبِيحِ مِن إرادَةِ الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَلا جَرَمَ جِيءَ بِهِ اسْمًا لا فِعْلًا، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ لَوْ قِيلَ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً يُسَبِّحْنَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الحَشْرَ وُجِدَ مِن حاشِرِها جُمْلَةً واحِدَةً دَلَّ عَلى القَدْرِ المَذْكُورِ واللَّهُ أعْلَمُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ“ والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ " بِالرَّفْعِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ مِن صِفاتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ ومَعْناهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ أوّابٌ أيْ رَجّاعٌ، أيْ كُلَّما رَجَعَ داوُدُ إلى التَّسْبِيحِ جاوَبَتْهُ، فَهَذِهِ الأشْياءُ أيْضًا كانَتْ تَرْجِعُ إلى تَسْبِيحاتِها، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها أنَّ فِيما سَبَقَ عَلِمْنا أنَّ الجِبالَ والطَّيْرَ سَبَّحَتْ مَعَ تَسْبِيحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِهَذا اللَّفْظِ فَهِمْنا دَوامَ تِلْكَ المُوافَقَةِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ لِلَّهِ تَعالى أيْ كُلٌّ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ لِلَّهِ أوّابٌ أيْ مُسَبِّحٌ مُرَجِّعٌ لِلتَّسْبِيحِ. الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ أيْ قَوَّيْناهُ، وقالَ تَعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القَصَصِ: ٣٥] وقِيلَ شَدَدْنا عَلى المُبالَغَةِ، وأمّا الأسْبابُ المُوجِبَةُ لِحُصُولِ هَذا الشَّدِّ فَكَثِيرَةٌ، وهي إمّا الأسْبابُ الدُّنْيَوِيَّةُ أوِ الدِّينِيَّةُ، أمّا الأوَّلُ فَذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: رَوى الواحِدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ ألْفَ رَجُلٍ، فَإذا أصْبَحَ قِيلَ ارْجِعُوا فَقَدْ رَضِيَ عَنْكم نَبِيُّ اللَّهِ، وزادَ آخَرُونَ فَذَكَرُوا أرْبَعِينَ ألْفًا. قالُوا وكانَ أشَدَّ مُلُوكِ الأرْضِ سُلْطانًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا ادَّعى عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ أخَذَ مِنهُ بَقَرَةً فَأنْكَرَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَقالَ داوُدُ لِلْمُدَّعِي: أقِمِ البَيِّنَةَ، فَلَمْ يُقِمْها، فَرَأى داوُدُ في مَنامِهِ. أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُهُ أنْ يَقْتُلَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَثَبَتَ داوُدُ وقالَ هو مَنامٌ، فَأتاهُ الوَحْيُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ تَقْتُلَهُ فَأحْضَرَهُ وأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِقَتْلِهِ، فَقالَ المُدَّعى عَلَيْهِ صَدَقَ اللَّهُ، إنِّي كُنْتُ قَتَلْتُ أبا هَذا الرَّجُلِ غِيلَةً. فَقَتَلَهُ داوُدُ. فَهَذِهِ الواقِعَةُ شَدَّدَتْ مُلْكَهُ، وأمّا الأسْبابُ الدِّينِيَّةُ المُوجِبَةُ لِهَذا الشَّدِّ فَهي الصَّبْرُ والتَّأمُّلُ التّامُّ والِاحْتِياطُ الكامِلُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩] واعْلَمْ أنَّ الفَضائِلَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: النَّفْسانِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ والخارِجِيَّةُ، والفَضائِلُ النَّفْسانِيَّةُ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فَهو أنْ تَصِيرَ النَّفْسُ بِالتَّصَوُّراتِ الحَقِيقِيَّةِ والتَّصْدِيقاتِ النَّفْسانِيَّةِ بِمُقْتَضى الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأمّا العَمَلُ فَهو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ آتَيًا بِالعَمَلِ الأصْلَحِ الأصْوَبِ بِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا بِالحِكْمَةِ لِأنَّ اشْتِقاقَ الحِكْمَةِ الصَّحِيحَةِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والنَّقْضَ فَكانَتْ في غايَةِ الإحْكامِ، وأمّا الأعْمالُ المُطابِقَةُ لِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإنَّها واجِبَةُ الرِّعايَةِ ولا تَقْبَلُ صفحة ١٦٤ النَّقْضَ والنَّسْخَ، فَلِهَذا السَّبَبِ سَمَّيْنا تِلْكَ المَعارِفَ وهَذِهِ الأعْمالَ بِالحِكْمَةِ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ واعْلَمْ أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: ما تَكُونُ خالِيَةً عَنِ الإدْراكِ والشُّعُورِ، وهي الجَماداتُ والنَّباتاتُ. وثانِيها: الَّتِي يَحْصُلُ لَها إدْراكٌ وشُعُورٌ ولَكِنَّها لا تَقْدِرُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِها الأحْوالَ الَّتِي عَرَفُوها في الأكْثَرِ، وهَذا القِسْمُ هو جُمْلَةُ الحَيَواناتِ سِوى الإنْسانِ. وثالِثُها: الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ إدْراكٌ وشُعُورٌ ويَحْصُلُ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ لَهُ، وذَلِكَ هو الإنْسانُ وقُدْرَتُهُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ عِنْدَهُ بِالنُّطْقِ والخِطابِ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ مُخْتَلِفُونَ في مَراتِبِ القُدْرَةِ عَلى التَّعْبِيرِ عَمّا في الضَّمِيرِ، فَمِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيرادُ الكَلامِ المُرَتَّبِ المُنْتَظِمِ، بَلْ يَكُونُ مُخْتَلِطَ الكَلامِ مُضْطَرِبَ القَوْلِ، ومِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ التَّرْتِيبُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ومِنهم مَن يَكُونُ قادِرًا عَلى ضَبْطِ المَعْنى والتَّعْبِيرِ عَنْهُ إلى أقْصى الغاياتِ، وكُلُّ مَن كانَتْ هَذِهِ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أكْمَلَ كانَتِ الآثارُ الصّادِرَةُ عَنِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ في حَقِّهِ أكْمَلَ، وكُلُّ مَن كانَتْ تِلْكَ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أقَلَّ كانَتْ تِلْكَ الآثارُ أضْعَفَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَمالَ حالِ جَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ الَّتِي لِداوُدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ أرْدَفَهُ بِبَيانِ كَمالِ حالِهِ في النُّطْقِ واللَّفْظِ والعِبارَةِ، فَقالَ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الجَلالَةِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّ داوُدَ أوَّلُ مَن قالَ في كَلامِهِ أمّا بَعْدُ، وأقُولُ: حَقًّا إنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أمْثالَ هَذِهِ الكَلِماتِ فَقَدْ حُرِمُوا الوُقُوفَ عَلى مَعانِي كَلامِ اللَّهِ تَعالى حِرْمانًا عَظِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ، وقَوْلُ مَن قالَ المُرادُ مَعْرِفَةُ الأُمُورِ الَّتِي بِها يَفْصِلُ بَيْنَ الخُصُومِ وهو طَلَبُ البَيِّنَةِ واليَمِينِ فَبَعِيدٌ أيْضًا، لِأنَّ فَصْلَ الخِطابِ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى التَّعْبِيرِ عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ ويَحْضُرُ في الخَيالِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ، وبِحَيْثُ يَنْفَصِلُ كُلُّ مَقامٍ عَنْ مَقامٍ، وهَذا مَعْنى عامٌّ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأقْسامِ واللَّهُ أعْلَمُ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في الصِّفاتِ العَشْرِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في مَدْحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ص 38:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ . اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أنَّ القَوْمَ إنَّما تَعَجَّبُوا لِشُبُهاتٍ ثَلاثٍ: أوَّلُها: تَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ والثّانِيَةُ: تَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ . والثّالِثَةُ: تَتَعَلَّقُ بِالمَعادَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في نِهايَةِ الإنْكارِ لِلْقَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، فَكانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِفَسادِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ عَلى فَسادِ نُبُوَّتِهِ، والقِطُّ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ لِأنَّهُ قُطِعَ مِنهُ، مِن قِطِّهِ إذا قَطَعَهُ ويُقالُ لِصَحِيفَةِ الجائِزَةِ قِطُّ، ولَمّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعْدَ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ، أوْ عَجِّلْ لَنا صَحِيفَةَ أعْمالِنا حَتّى نَنْظُرَ فِيها. واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا بالَغُوا في السَّفاهَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قالُوا: ﴿هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ وقالُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: أيُّ تَعَلُّقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ ؟ قُلْنا بَيانُ هَذا التَّعَلُّقِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنْ كُنْتَ قَدْ شاهَدْتَ مِن هَؤُلاءِ الجُهّالِ جَراءَتَهم عَلى اللَّهِ وإنْكارَهُمُ الحَشْرَ والنَّشْرَ، فاذْكُرْ قِصَّةَ داوُدَ حَتّى تَعْرِفَ شِدَّةَ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِن يَوْمِ الحَشْرِ، فَإنَّ بِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدُ الضِّدَّيْنِ شَرَفًا يَزْدادُ الضِّدُّ الآخَرُ نُقْصانًا. والثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ لِقَوْلِكَ ودِينِكَ، فَإنَّهم إذا خالَفُوكَ فالأكابِرُ مِنَ الأنْبِياءِ وافَقُوكَ. والثّالِثُ: أنَّ لِلنّاسِ في قِصَّةِ داوُدَ قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن قالَ إنَّها تَدُلُّ صفحة ١٦١ عَلى ذَنْبِهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها لا تَدُلُّ عَلَيْهِ. (فَمَن قالَ بِالأوَّلِ) كانَ وجْهُ المُناسَبَةِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ إنَّ حُزْنَكَ لَيْسَ إلّا، لِأنَّ الكُفّارَ يُكَذِّبُونَكَ، وأمّا حُزْنُ داوُدَ فَكانَ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ في ذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا شَكَّ أنَّ حُزْنَهُ أشَدُّ، فَتَأمَّلْ في قِصَّةِ داوُدَ وما كانَ فِيهِ مِنَ الحُزْنِ العَظِيمِ حَتّى يَخِفَّ عَلَيْكَ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الحُزْنِ (ومَن قالَ بِالثّانِي) قالَ: الخَصْمانِ اللَّذانِ دَخَلا عَلى داوُدَ كانا مِنَ البَشَرِ، وإنَّما دَخَلا عَلَيْهِ لِقَصْدِ قَتْلِهِ فَخافَ مِنهُما داوُدُ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإيذائِهِما ولا دَعا عَلَيْهِما بِسُوءٍ، بَلِ اسْتَغْفَرَ لَهُما عَلى ما سَيَجِيءُ تَقْرِيرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَلا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في حُسْنِ الخُلُقِ. والخامِسُ: أنَّ قُرَيْشًا إنَّما كَذَّبُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَخَفُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّهُ يَتِيمٌ فَقِيرٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَصَّ عَلى مُحَمَّدٍ كَمالَ مَمْلَكَةِ داوُدَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ما سَلِمَ مِنَ الأحْزانِ والغُمُومِ، لِيَعْلَمَ أنَّ الخَلاصَ عَنِ الحُزْنِ لا سَبِيلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا. والسّادِسُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى داوُدَ فَقَطْ بَلْ ذَكَرَ عَقِيبَ قِصَّةِ داوُدَ قِصَصَ سائِرِ الأنْبِياءِ فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ واعْتَبِرْ بِحالِ سائِرِ الأنْبِياءِ لِيُعَلِّمَهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ مَشْغُولًا بِهَمٍّ خاصٍّ وحُزْنٍ خاصٍّ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أنَّ الدُّنْيا لا تَنْفَكُّ عَنِ الهُمُومِ والأحْزانِ، وأنَّ اسْتِحْقاقَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ والمَتاعِبِ في الدُّنْيا، وهَذِهِ وُجُوهٌ ذَكَرْناها في هَذا المَقامِ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ أقْوى وأحْسَنُ مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ تِسْعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ حالَ ثَلاثَةٍ مِنهم عَلى التَّفْصِيلِ وحالَ سِتَّةٍ آخَرِينَ عَلى الإجْمالِ. فالقِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ داوُدَ، واعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ الكَلامِ. فالأوَّلُ: تَفْصِيلُ ما آتى اللَّهُ داوُدَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تُوجِبُ سَعادَةَ الآخِرَةِ والدُّنْيا. والثّانِي: شَرْحُ تِلْكَ الواقِعَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ مِن أمْرِ الخَصْمَيْنِ. والثّالِثُ: اسْتِخْلافُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بَعْدَ وُقُوعِ تِلْكَ الواقِعَةِ. أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: وهو شَرْحُ الصِّفاتِ الَّتِي آتاها اللَّهُ داوُدَ مِنَ الصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِكَمالِ السَّعادَةِ فَهي عَشْرٌ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَأمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِ بِأنْ يَقْتَدِيَ في الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ بِداوُدَ وذَلِكَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ وإكْرامٌ لِداوُدَ حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ أفْضَلَ الخَلْقِ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ. والثّانِي: أنَّهُ قالَ في حَقِّهِ: ﴿عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ وعَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ الدّالَّةِ عَلى نِهايَةِ التَّعْظِيمِ، وذَلِكَ غايَةُ التَّشْرِيفِ، ألا تَرى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١] فَهَهُنا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّشْرِيفِ لِداوُدَ فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ أيْضًا، فَإنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى الأنْبِياءَ بِعُبُودِيَّتِهِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم قَدْ حَقَّقُوا مَعْنى العُبُودِيَّةِ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ في الطّاعَةِ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ذا الأيْدِ﴾ أيْ ذا القُوَّةِ عَلى أداءِ الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَدَحَهُ بِالقُوَّةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القُوَّةُ مُوجِبَةً لِلْمَدْحِ، والقُوَّةُ الَّتِي تُوجِبُ المَدْحَ العَظِيمَ لَيْسَتْ إلّا القُوَّةَ عَلى فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ وتَرْكِ ما نُهِيَ عَنْهُ و﴿الأيْدِ﴾ المَذْكُورُ هَهُنا كالقُوَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٥] أيْ: بِاجْتِهادٍ في أداءِ الأمانَةِ وتَشَدُّدٍ في القِيامِ بِالدَّعْوَةِ، وتَرْكِ إظْهارِ الوَهْنِ والضَّعْفِ، و”الأيْدِ“ والقُوَّةُ سَواءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٧] وقالَ: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٧] وعَنْ صفحة ١٦٢ قَتادَةَ أُعْطِيَ قُوَّةً في العِبادَةِ وفِقْهًا في الدِّينِ، وكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ ويَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ أنَّ داوُدَ كانَ رَجّاعًا في أُمُورِهِ كُلِّها إلى طاعَتِي، والأوّابُ فَعّالٌ مِن آبَ إذا رَجَعَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشِيَةِ: ٢٥] وفَعّالٌ بِناءُ المُبالَغَةِ كَما يُقالُ قَتّالٌ وضَرّابٌ فَإنَّهُ أبْلَغُ مِن قاتِلٍ وضارِبٍ. الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سَبَأٍ: ١٠] وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ في جِسْمِ الجَبَلِ حَياةً وعَقْلًا وقُدْرَةً ومَنطِقًا، وحِينَئِذٍ صارَ الجَبَلُ مُسَبِّحًا لِلَّهِ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] فَإنَّ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ في الجَبَلِ عَقْلًا وفَهْمًا، ثُمَّ خَلَقَ فِيهِ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى، فَكَذا هَهُنا. الثّانِي: في التَّأْوِيلِ ما رَواهُ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ مِن شِدَّةِ الصَّوْتِ وحُسْنِهِ ما كانَ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، وما يُصْغِي الطَّيْرُ إلَيْهِ لِحُسْنِهِ فَيَكُونُ دَوِيُّ الجِبالِ وتَصْوِيتُ الطَّيْرِ مَعَهُ وإصْغاؤُهُ إلَيْهِ تَسْبِيحًا، وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ مِثْلَ صَوْتِ داوُدَ حَتّى إنَّهُ كانَ إذا قَرَأ الزَّبُورَ دَنَتْ مِنهُ الوُحُوشُ حَتّى يَأْخُذَ بِأعْناقِها. الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَخَّرَ الجِبالَ حَتّى إنَّها كانَتْ تَسِيرُ إلى حَيْثُ يُرِيدُهُ داوُدُ، وجُعِلَ ذَلِكَ السَّيْرُ تَسْبِيحًا لِأنَّهُ كانَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في مَعْنى مُسَبِّحاتٍ، فَإنْ قالُوا هَلْ مِن فَرْقٍ بَيْنَ يُسَبِّحْنَ ومُسَبِّحاتٍ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، فَإنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، وصِيغَةُ الِاسْمِ عَلى الدَّوامِ عَلى ما بَيَّنَهُ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ في كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ التَّسْبِيحِ مِنَ الجِبالِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ، وكانَ السّامِعُ حاضِرُ تِلْكَ الجِبالِ يَسْمَعُها تُسَبِّحُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ شَرَقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى، والأوَّلُ أكْثَرُ، تَقُولُ العَرَبُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ والماءُ يُشْرِقُ. البَحْثُ الرّابِعُ: احْتَجُّوا عَلى شَرْعِيَّةِ صَلاةِ الضُّحى بِهَذِهِ الآيَةِ، «عَنْ أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: ”دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى صَلاةَ الضُّحى، وقالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ“» وعَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”هَلْ تَجِدُونَ ذِكْرَ صَلاةِ الضُّحى في القُرْآنِ ؟ قالُوا: لا، فَقَرَأ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقالَ كانَ يُصَلِّيها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي شَيْءٌ مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى وجَدْتُها في قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ . * * * الصِّفَةُ السّادِسَةُ: مِن صِفاتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: صفحة ١٦٣ البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿والطَّيْرَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجِبالِ، والتَّقْدِيرُ وسَخَّرْنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ داوُدُ إذا سَبَّحَ جاوَبَتْهُ الجِبالُ واجْتَمَعَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ فَسَبَّحَتْ مَعَهُ، واجْتِماعُها إلَيْهِ هو حَشْرُها، فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حاشِرُها هو اللَّهُ، (فَإنْ قِيلَ) كَيْفَ يَصْدُرُ تَسْبِيحُ اللَّهِ عَنِ الطَّيْرِ مَعَ أنَّهُ لا عَقْلَ لَها ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَخْلُقُ لَها عَقْلًا حَتّى تَعْرِفَ اللَّهَ فَتُسَبِّحَهُ حِينَئِذٍ، وكُلُّ ذَلِكَ كانَ مُعْجِزَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ”قَوْلُهُ: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مُقابَلَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ إلّا أنَّهُ لَيْسَ في الحَشْرِ مِثْلُ ما كانَ في التَّسْبِيحِ مِن إرادَةِ الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَلا جَرَمَ جِيءَ بِهِ اسْمًا لا فِعْلًا، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ لَوْ قِيلَ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً يُسَبِّحْنَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الحَشْرَ وُجِدَ مِن حاشِرِها جُمْلَةً واحِدَةً دَلَّ عَلى القَدْرِ المَذْكُورِ واللَّهُ أعْلَمُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ“ والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ " بِالرَّفْعِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ مِن صِفاتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ ومَعْناهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ أوّابٌ أيْ رَجّاعٌ، أيْ كُلَّما رَجَعَ داوُدُ إلى التَّسْبِيحِ جاوَبَتْهُ، فَهَذِهِ الأشْياءُ أيْضًا كانَتْ تَرْجِعُ إلى تَسْبِيحاتِها، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها أنَّ فِيما سَبَقَ عَلِمْنا أنَّ الجِبالَ والطَّيْرَ سَبَّحَتْ مَعَ تَسْبِيحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِهَذا اللَّفْظِ فَهِمْنا دَوامَ تِلْكَ المُوافَقَةِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ لِلَّهِ تَعالى أيْ كُلٌّ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ لِلَّهِ أوّابٌ أيْ مُسَبِّحٌ مُرَجِّعٌ لِلتَّسْبِيحِ. الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ أيْ قَوَّيْناهُ، وقالَ تَعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القَصَصِ: ٣٥] وقِيلَ شَدَدْنا عَلى المُبالَغَةِ، وأمّا الأسْبابُ المُوجِبَةُ لِحُصُولِ هَذا الشَّدِّ فَكَثِيرَةٌ، وهي إمّا الأسْبابُ الدُّنْيَوِيَّةُ أوِ الدِّينِيَّةُ، أمّا الأوَّلُ فَذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: رَوى الواحِدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ ألْفَ رَجُلٍ، فَإذا أصْبَحَ قِيلَ ارْجِعُوا فَقَدْ رَضِيَ عَنْكم نَبِيُّ اللَّهِ، وزادَ آخَرُونَ فَذَكَرُوا أرْبَعِينَ ألْفًا. قالُوا وكانَ أشَدَّ مُلُوكِ الأرْضِ سُلْطانًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا ادَّعى عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ أخَذَ مِنهُ بَقَرَةً فَأنْكَرَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَقالَ داوُدُ لِلْمُدَّعِي: أقِمِ البَيِّنَةَ، فَلَمْ يُقِمْها، فَرَأى داوُدُ في مَنامِهِ. أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُهُ أنْ يَقْتُلَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَثَبَتَ داوُدُ وقالَ هو مَنامٌ، فَأتاهُ الوَحْيُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ تَقْتُلَهُ فَأحْضَرَهُ وأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِقَتْلِهِ، فَقالَ المُدَّعى عَلَيْهِ صَدَقَ اللَّهُ، إنِّي كُنْتُ قَتَلْتُ أبا هَذا الرَّجُلِ غِيلَةً. فَقَتَلَهُ داوُدُ. فَهَذِهِ الواقِعَةُ شَدَّدَتْ مُلْكَهُ، وأمّا الأسْبابُ الدِّينِيَّةُ المُوجِبَةُ لِهَذا الشَّدِّ فَهي الصَّبْرُ والتَّأمُّلُ التّامُّ والِاحْتِياطُ الكامِلُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩] واعْلَمْ أنَّ الفَضائِلَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: النَّفْسانِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ والخارِجِيَّةُ، والفَضائِلُ النَّفْسانِيَّةُ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فَهو أنْ تَصِيرَ النَّفْسُ بِالتَّصَوُّراتِ الحَقِيقِيَّةِ والتَّصْدِيقاتِ النَّفْسانِيَّةِ بِمُقْتَضى الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأمّا العَمَلُ فَهو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ آتَيًا بِالعَمَلِ الأصْلَحِ الأصْوَبِ بِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا بِالحِكْمَةِ لِأنَّ اشْتِقاقَ الحِكْمَةِ الصَّحِيحَةِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والنَّقْضَ فَكانَتْ في غايَةِ الإحْكامِ، وأمّا الأعْمالُ المُطابِقَةُ لِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإنَّها واجِبَةُ الرِّعايَةِ ولا تَقْبَلُ صفحة ١٦٤ النَّقْضَ والنَّسْخَ، فَلِهَذا السَّبَبِ سَمَّيْنا تِلْكَ المَعارِفَ وهَذِهِ الأعْمالَ بِالحِكْمَةِ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ واعْلَمْ أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: ما تَكُونُ خالِيَةً عَنِ الإدْراكِ والشُّعُورِ، وهي الجَماداتُ والنَّباتاتُ. وثانِيها: الَّتِي يَحْصُلُ لَها إدْراكٌ وشُعُورٌ ولَكِنَّها لا تَقْدِرُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِها الأحْوالَ الَّتِي عَرَفُوها في الأكْثَرِ، وهَذا القِسْمُ هو جُمْلَةُ الحَيَواناتِ سِوى الإنْسانِ. وثالِثُها: الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ إدْراكٌ وشُعُورٌ ويَحْصُلُ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ لَهُ، وذَلِكَ هو الإنْسانُ وقُدْرَتُهُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ عِنْدَهُ بِالنُّطْقِ والخِطابِ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ مُخْتَلِفُونَ في مَراتِبِ القُدْرَةِ عَلى التَّعْبِيرِ عَمّا في الضَّمِيرِ، فَمِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيرادُ الكَلامِ المُرَتَّبِ المُنْتَظِمِ، بَلْ يَكُونُ مُخْتَلِطَ الكَلامِ مُضْطَرِبَ القَوْلِ، ومِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ التَّرْتِيبُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ومِنهم مَن يَكُونُ قادِرًا عَلى ضَبْطِ المَعْنى والتَّعْبِيرِ عَنْهُ إلى أقْصى الغاياتِ، وكُلُّ مَن كانَتْ هَذِهِ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أكْمَلَ كانَتِ الآثارُ الصّادِرَةُ عَنِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ في حَقِّهِ أكْمَلَ، وكُلُّ مَن كانَتْ تِلْكَ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أقَلَّ كانَتْ تِلْكَ الآثارُ أضْعَفَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَمالَ حالِ جَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ الَّتِي لِداوُدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ أرْدَفَهُ بِبَيانِ كَمالِ حالِهِ في النُّطْقِ واللَّفْظِ والعِبارَةِ، فَقالَ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الجَلالَةِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّ داوُدَ أوَّلُ مَن قالَ في كَلامِهِ أمّا بَعْدُ، وأقُولُ: حَقًّا إنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أمْثالَ هَذِهِ الكَلِماتِ فَقَدْ حُرِمُوا الوُقُوفَ عَلى مَعانِي كَلامِ اللَّهِ تَعالى حِرْمانًا عَظِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ، وقَوْلُ مَن قالَ المُرادُ مَعْرِفَةُ الأُمُورِ الَّتِي بِها يَفْصِلُ بَيْنَ الخُصُومِ وهو طَلَبُ البَيِّنَةِ واليَمِينِ فَبَعِيدٌ أيْضًا، لِأنَّ فَصْلَ الخِطابِ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى التَّعْبِيرِ عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ ويَحْضُرُ في الخَيالِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ، وبِحَيْثُ يَنْفَصِلُ كُلُّ مَقامٍ عَنْ مَقامٍ، وهَذا مَعْنى عامٌّ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأقْسامِ واللَّهُ أعْلَمُ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في الصِّفاتِ العَشْرِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في مَدْحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.